######OpenITI# #META# authinf: ابن تيمية، تقي الدين (661 - 728 ه، 1263 - 1328 م). ¶ تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي. ¶ • شيخ الإسلام في زمانه وأبرز علمائه، فقيه أصولي ومفتي الدين الحصيف وصاحب الآثار الكبرى في علوم الدين والفكر الإسلامي. ولد بحران بتركيا، ورحل إلى دمشق مع أسرته هربا من غزو التتار. وتلقى العلم على والده وعلى مشايخ دمشق وظهرت عليه علامات النجابة منذ نعومة أظفاره، فكان قوي الذاكرة سريع الحفظ. نهل من منهج النبوة، حتى آلت إليه الإمامة في العلم والعمل سنة 720 ه. ¶ • كان من أشد مفكري الإسلام نقدا للفلسفة وعلم الكلام، ودعا إلى وضع العقل بعد النقل وليس قبله. وقد صنف كتابا ضخما سماه درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول رد فيه على شطحات الفلاسفة، وفند فيه دعاوى أهل الفرق الضالة حسب رأيه واجتهاده، ودافع فيه عن المنطق الفطري، وهو المنطق السليم، منطق القرآن الكريم. وفي كتابه الرد على المنطقيين حمل على دعوى أتباع أرسطو من المنطقيين الذين ذهبوا إلى أن المفاهيم التي ليست بديهية لاتدرك إلا بالحد (الدليل) بحجة أنها لما كانت غير بديهية كان لابد لها من دليل، وإلا كانت دعوتهم باطلة، وبين ابن تيمية أن تحديد المفاهيم تكتنفه الصعاب، وحتى من دافع عن المنطق من أهل الفلسفة وعلم الكلام، اضطر إلى التسليم بصعوبة تحديد الجنس أو الفصل الخاص، الذي يقوم عليه التعريف، ونسبه ابن تيمية إلى اختلاف الناس في سرعة إدراك الحد الأوسط في القياس مثل حيوان يمشي على أربع، والكلب حيوان، الكلب يمشي على أربع، فالحد الأوسط هنا وهو الكلب حيوان لا يحتاج إليه الذكي، ولا يستفيد منه الغبي. والنتيجة تحصيل حاصل. وانتقد كذلك نظريات البرهان عند أرسطو باعتبار أن البرهان يتناول الكليات الذهنية، في حين أن الكائنات موجودات جزئية، ولذلك فالبرهان لايؤدي إلى معرفة إيجابيته بالكائنات بشكل عام وبالله بشكل خاص. ¶ • ذهب ابن تيمية إلى مصر فسجن بها، ورجع إلى دمشق، وجاهد ضد التتار وحبسه السلطان لفتواه عن طلاق الثلاث، وتحرش به علماء دمشق عند السلطات ليوقعوا به، فحبس ثانية في قلعة دمشق ومات فيها. وخرجت البلدة على بكرة أبيها تشيع جنازته. ¶ • كان ابن تيمية صالحا مصلحا، داعيا إلى الإصلاح والعودة إلى القرآن والسنة، وكان ذا باع طويل في اللغة العربية وعلومها، وفي مختلف العلوم. تربو مصنفاته على ثلاثمائة مجلد في علوم الإسلام المختلفة من أهمها: اقتضاء الصراط المستقيم في الرد على أهل الجحيم؛ السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية؛ الصارم المسلول على شاتم الرسول؛ الواسطة بين الخلق والحق؛ العقيدة التدمرية؛ الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان؛ العقيدة الواسطية؛ بيان الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن؛ تفسير سورة البقرة؛ درء تعارض العقل والنقل؛ منهاج السنة النبوية؛ مجموعة الفتاوى. ¶ • خالف بعض الأئمة والعلماء بعض آراء ابن تيمية وفتاويه وردوا عليه. ومن هؤلاء العلماء: صفي الدين الهندي وتقي الدين السبكي وشمس الدين الذهبي وابن حجر العسقلاني والعز بن جماعة وبدر الدين محمد بن إبرهيم بن جماعة وغيرهم. ¶ نقلا عن ¶ الموسوعة العربية العالمية http://www.mawsoah.net #META# Lng: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي #META# auth: ابن تيمية #META# تحقيق: عبد اللطيف عبد الرحمن #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ¶ المؤلف: تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ¶ دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - 1417 ه - 1997 م. ¶ تحقيق: عبد اللطيف عبد الرحمن ¶ عدد الأجزاء / 10 ¶ [ترقيم الشاملة موافق للمطبوع] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ndata: بسم الله1400C65Dى والحلم #META# الكتاب: درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول #META# دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - 1417 ه - 1997 م. #META# bk: درء تعارض العقل والنقل ط العلمية #META# bkord: 8080 #META# cat: العقيدة #META# archive: 6 #META# bkid: 33865 #META# المؤلف: تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية #META# digitization_comments: [ترقيم الشاملة موافق للمطبوع] #META# iso: درء تعارض العقل والنقل ط العلميه #META# ad: 728 #META# comp: 1 #META# max: 4031 #META# higrid: 728 #META# idx: 1 #META# authno: 54 #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | CHECK [درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ~~لابن تيمية] # بسم الله الرحمن الرحيم # الكتاب : درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ~~لشيخ الإسلام ابن تيمية # المؤلف : تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية # دار النشر : دار الكتب العلمية - بيروت - 1417ه - 1997م. # تحقيق : عبد اللطيف عبد الرحمن # عدد الأجزاء / 10 # [ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ] PageV01P001 ### | AUTO بسم الله الرحمن الرحيم # وبه أستعين # قال شيخ الإسلام علم الأعلام مفتي الأنام الإمام المجاهد الصادق الصابر ~~سيف السنة المسلول على المبتدعين والقاطع البتار لألسنة المارقين الملحدين ~~أبو العباس أحمد بن عبدالحليم تقي الدين الشهير بابن تيمية الحراني رحمه ~~الله وغفر لنا وله # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا PageV01P003 ### | AUTO فصل # قول القائل إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية أو السمع والعقل أو النقل ~~والعقل أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية أو نحو ذلك من العبارات فإما ~~أن يجمع بينهما وهو محال لأنه جمع بين النقيضين وإما أن يردا جميعا # وإما أن يقدم السمع وهو محال لأن العقل أصل النقل فلو قدمناه عليه كان ~~ذلك قدحا في العقل الذي هو أصل النقل والقدح في أصل الشيء قدح فيه فكان ~~تقديم النقل قدحا في النقل والعقل جميعا فوجب تقديم العقل ثم النقل إما أن ~~يتأول وإما أن يفوض # وأما إذا تعارضا تعارض الضدين امتنع الجمع بينهما ولم يمتنع ارتفاعهما # وهذا الكلام قد جعله الرازي وأتباعه قانونا كليا فيما يستدل به من كتب PageV01P004 ~~الله تعالى وكلام أنبيائه عليهم السلام وما لا يستدل به ولهذا ردوا ~~الاستدلال بما جاءت به الأنبياء والمرسلون في صفات الله تعالى وغير ذلك من ~~الأمور التي أنبأوا بها وظن ms0001 هؤلاء أن العقل يعارضها وقد يضم بعضهم إلى ذلك ~~أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين وقد بسطنا الكلام على قولهم هذا في ~~الأدلة السمعية في غير هذا الموضع # وأما هذا القانون الذي وضعوه فقد سبقهم إليه طائفة منهم أبو حامد وجعله ~~قانونا في جواب المسائل التي سئل عنها في نصوص أشكلت على السائل كالمسائل ~~التي سأله عنها القاضي أبو بكر بن العربي وخالفه القاضي أبو بكر في كثير من ~~تلك الأجوبة وكان يقول شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن ~~يخرج منهم فما قدر وحكى هو عن أبي حامد نفسه أنه كان يقول أنا مزجى البضاعة ~~في الحديث PageV01P005 # ووضع أبو بكر بن العربي هذا قانونا آخر مبنيا على طريقة أبي المعالي ومن ~~قبله كالقاضي أبي بكر الباقلاني # ومثل هذا القانون الذي وضعه هؤلاء يضع كل فريق لأنفسهم قانونا فيما جاءت ~~به الأنبياء عن الله فيجعلون الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه هو ما ظنوا أن ~~عقولهم عرفته ويجعلون ما جاءت به الأنبياء تبعا له فما وافق قانونهم قبلوه ~~وما خالفه لم يتبعوه # وهذا يشبه ما وضعته النصارى من أمانتهم التي جعلوها عقيدة إيمانهم وردوا ~~نصوص التوراة والإنجيل إليها لكن تلك الأمانة اعتمدوا فيها على ما فهموه من ~~نصوص الأنبياء أو ما بلغهم عنهم وغلطوا في الفهم أو في تصديق الناقل PageV01P006 ~~كسائر الغالطين ممن يحتج بالسمعيات فإن غلطه إما في الإسناد وإما في المتن ~~وأما هؤلاء فوضعوا قوانينهم على ما رأوه بعقولهم وقد غلطوا في الرأي والعقل # فالنصارى أقرب إلى تعظيم الأنبياء والرسل من هؤلاء لكن النصارى يشبههم من ~~ابتدع بدعة بفهمه الفاسد من النصوص أو بتصديقه النقل الكاذب عن الرسول ~~كالخوارج والوعيدية والمرجئة والإمامية وغيرهم بخلاف بدعة PageV01P007 ~~الجهمية والفلاسة فإنها مبنية على ما يقرون هم بأنه مخالف للمعروف من كلام ~~الأنبياء وأولئك يظنون أن ما ابتدعوه هو المعروف من كلام الأنبياء وأنه ~~صحيح عندهم # ولهؤلاء في نصوص الأنبياء طريقتان طريقة التبديل وطريقة التجهيل أما أهل ~~التبديل فهم نوعان أهل ms0002 الوهم والتخييل وأهل التحريف والتأويل # فأهل الوهم والتخييل هم الذين يقولون إن الأنبياء أخبروا عن الله وعن ~~اليوم الآخر وعن الجنة والنار بل وعن الملائكة بأمور غير مطابقة للأمر في ~~نفسه لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله جسم عظيم وأن ~~الأبدان تعاد وأن لهم نعيما محسوسا وعقابا محسوسا وإن كان الأمر ليس كذلك ~~في نفس الأمر لأن من مصلحة الجمهور أن يخاطبوا بما يتوهمون به PageV01P008 ~~ويتخيلون أن الأمر هكذا وإن كان هذا كذبا فهو كذب لمصلحة الجمهور إذ كانت ~~دعوتهم ومصلحتهم لا تمكن إلا بهذه الطريق # وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم على هذا الأصل كالقانون الذي ذكره في ~~رسالته الأضحوية وهؤلاء يقولون الأنبياء قصدوا بهذه الألفاظ ظواهرها وقصدوا ~~أن يفهم الجمهور منها هذه الظواهر وإن كانت الظواهر في نفس الأمر كذبا ~~وباطلا ومخالفة للحق فقصدوا إفهام الجمهور بالكذب والباطل للمصلحة # ثم من هؤلاء من يقول النبي كان يعلم الحق ولكن أظهر خلافه للمصلحة ومنهم ~~من يقول ما كان يعلم الحق كما يعلمه نظار الفلاسفة وأمثالهم وهؤلاء يفضلون ~~الفيلسوف الكامل على النبي ويفضلون الولي الكامل الذي له هذا المشهد على ~~النبي كما يفضل ابن عربي الطائي خاتم الأولياء في زعمه على الأنبياء PageV01P009 ~~وكما يفضل الفارابي ومبشر بن فاتك وغيرهما الفيلسوف على النبي # وأما الذين يقولون إن النبي كان يعلم ذلك فقد يقولون إن النبي أفضل من ~~الفيلسوف لأنه علم ما علمه الفيلسوف وزيادة وأمكنه أن يخاطب الجمهور بطريقة ~~يعجز عن مثلها الفيلسوف وابن سينا وأمثاله من هؤلاء # ومنا في هذه الجملة قول المتفلسفة والباطنية كالملاحدة الإسماعيلية وأصحاب PageV01P010 ~~رسائل إخوان الصفاء والفارابي وابن سينا والسهرودي المقتول وابن رشد الحفيد ~~وملاحدة الصوفية الخارجين عن طريقة المشايخ المتقدمين من أهل الكتاب والسنة ~~كابن عربي وابن سبعين وابن الطفيل صاحب رسالة حي ابن يقظان وخلق كثير غير هؤلاء # ومن الناس من يوافق هؤلاء فيما أخبرت به الأنبياء عن الله أنهم قصدوا به ~~التخييل دون التحقيق وبيان الأمر على ما هو عليه ms0003 دون اليوم الآخر # ومنهم من يقول بل قصدوا هذا في بعض ما أخبروا به عن الله كالصفات الخبرية ~~من الإستواء والنزول وغير ذلك ومثل هذه الأقوال يوجد في كلام كثير من ~~النظار ممن ينفي هذه الصفات في نفس الأمر كما يوجد في كلام طائفة PageV01P011 # وأما أهل التحريف والتأويل فهم الذين يقولون إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه ~~الأقوال إلا ما هو الحق في نفس الأمر وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه ~~بعقولنا ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع ~~التأويلات التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة وإلى ~~الإستعانة بغرائب المجازات والإستعارات # وهم في أكثر ما يتأولونه قد يعلم عقلاؤهم علما يقينا أن الأنبياء لم ~~يريدوا بقولهم ما حملوه عليه وهؤلاء كثيرا ما يجعلون التأويل من باب دفع ~~المعارض فيقصدون حمل اللفظ على ما يمكن أن يريده متكلم بلفظه لا يقصدون طلب ~~مراد المتكلم به وحمله على ما يناسب حاله وكل تأويل لا يقصد به صاحبه بيان ~~مراد المتكلم وتفسير كلامه بما يعرف به مراده وعلى الوجه الذي به يعرف ~~مراده فصاحبه كاذب على من تأول كلامه ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل ~~بل يقولون يجوز أن يراد كذا وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ # وأما كون النبي المعين يجوز أن يريد ذلك المعنى بذلك اللفظ فغالبه يكون ~~الأمر فيه بالعكس ويعلم من سياق الكلام وحال المتكلم امتناع إرادته لذلك ~~المعنى بذلك الخطاب المعين PageV01P012 # وفي الجملة فهذه طريق خلق كثير من المتكلمين وغيرهم وعليها بني سائر ~~المتكلمين المخالفين لبعض النصوص مذاهبهم من المعتزلة والكلابية والسالمية ~~والكرامية والشيعة وغيرها PageV01P013 ~~وقد ذكرنا في غير موضع أن لفظ التأويل في القرآن يراد به ما يؤول الأمر ~~إليه وإن كان موافقا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر ويراد به تفسير الكلام ~~وبيان معناه وإن كان موافقا له وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين كمجاهد وغيره ~~ويراد به صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى الإحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك # وتخصيص لفظ ms0004 التأويل بهذا المعنى إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين فأما ~~الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم ~~فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعنى بل يريدون بالتأويل المعنى الأول أو الثاني # ولهذا لما ظن طائفة من المتأخرين أن لفظ التأويل في القرآن والحديث في ~~مثل قوله تعالى { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا ~~به كل من عند ربنا } سورة إل عمران 7 أريد به هذا المعنى الاصطلاحي الخاص ~~واعتقدوا أن الوقف في الآية عند قوله { وما يعلم تأويله إلا الله } لزم من ~~أن وايعتقدوا أن لهذه الآيات والأحاديث معاني تخالف مدلولها المفهوم منها ~~وأن ذلك المعنى المراد بها لا يعلمه إلا الله لا يعلمه الملك الذي نزل ~~بالقرآن وهو جبريل ولا يعلمه محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره من الأنبياء PageV01P014 ~~ولا تعلمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان ~~يقرأ قوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 وقوله { إليه يصعد ~~الكلم الطيب } سورة فاطر 10 وقوله { بل يداه مبسوطتان } سورة المائدة 64 ~~وغير ذلك من آيات الصفات بل ويقول ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا ~~ونحو ذلك وهو لا يعرف معاني هذه الأقوال بل معناها الذي دلت عليه لا يعلمه ~~إلا الله ويظنون أن هذه طريقة السلف # وهؤلاء أهل التضليل والتجهيل الذين حقيقة قولهم إن الأنبياء وأتباع ~~الأنبياء جاهلون ضالون لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات ~~وأقوال الأنبياء PageV01P015 # ثم هؤلاء منهم من يقول المراد بها خلاف مدلولها الظاهر والمفهوم ولا يعرف ~~أحد من الأنبياء والملائكة والصحابة والعلماء ما أراد الله بها كما لا ~~يعلمون وقت الساعة # ومنهم من يقول بل تجرى على ظاهرها وتحمل على ظاهرها ومع هذا فلا يعلم ~~تأويلها إلا الله فيتناقضون حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها وقالوا مع ~~هذا إنها تحمل على ظاهرها وهذا ما أنكره ابن عقيل على شيخه القاضي أبي يعلى ~~في كتاب ذم التأويل ms0005 # وهؤلاء الفرق مشتركون في القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي ~~يجعلونها مشكلة أو متشابهة ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعل ~~الفريق الآخر مشكلا فمنكر الصفات الخبرية الذي يقول إنها لا تعلم بالعقل ~~يقول نصوصها مشكلة متشابهة بخلاف الصفات المعلومة بالعقل عنده بعقله فإنها ~~عنده محكمة بينة وكذلك يقول من ينكر العلو والرؤية نصوص هذه مشكلة PageV01P016 # ومنكر الصفات مطلقا يجعل ما يثبتها مشكلا دون ما يثبت أسماءه الحسنى ~~ومنكر معاني الأسماء يجعل نصوصها مشلكة ومنكر معاد الأبدان وما وصفت به ~~الجنة والنار يجعل ذلك مشكلا أيضا ومنكر القدر يجعل ما يثبت أن الله خالق ~~كل شيء وما شاء كان مشكلا دون آيات الأمر والنهى والوعد والوعيد والخائض في ~~القدر بالجبر يجعل نصوص الوعيد بل ونصوص الأمر والنهى مشكلة فقد يستشكل كل ~~فريق ما لا يستشكله غيره ثم يقول فيما يستشكله إن معاني نصوصه لم يبينها الرسول # ثم منهم من يقول لم يعلم معانيها أيضا ومنهم من يقول بل علمها ولم يبينها ~~بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية وعلى من يجتهد في العلم بتأويل تلك ~~النصوص فهم مشتركون في أن الرسول لم يعلم أو لم يعلم بل جهل معناها أو ~~جهلها الأمة من غير أن يقصد أن يعتقدوا الجهل المركب # وأما أولئك فيقولون بل قصد أن يعلمهم الجهل المركب والإعتقادات الفاسدة ~~وهؤلاء مشهورون عند الأمة بالإلحاد والزندقة بخلاف اولئك فإنهم يقولون ~~الرسول لم يقصد أن يجعل أحدا جاهلا معتقدا للباطل ولكن أقوالهم تتضمن أن ~~الرسول لم يبين الحق فيما خاطب به الأمة من الآيات والأحاديث إما مع كونه ~~لم يعلمه أو مع كونه علمه ولم يبينه PageV01P017 # ولهذا قال الإمام أحمد في خطبته فيما صنفه من الرد على الزنادقة والجهمية ~~فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله قال الحمد لله الذي ~~جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ~~ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب ms0006 الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل ~~العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه فما أحسن أثرهم ~~على الناس واقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال ~~المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة ~~فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب يقولون على ~~الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون ~~جهال الناس بما يلبسون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين PageV01P018 # ويروى نحو هذه الخطبة عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كما ذكر ذلك ~~محمد بن وضاح في كتاب الحوادث والبدع # فقد وصفوا في هذا الكلام بأنهم مع اختلافهم في الكتاب فهم كلهم مخالفون ~~له وهم مشتركون في مفارقته يتكلمون بالكلام المتشابه ويخدعون جهال الناس ~~بما يلبسون عليهم حيث لبسوا الحق بالباطل # وجماع الأمر أن الأدلة نوعان شرعية وعقلية فالمدعون لمعرفة الإلهيات ~~بعقولهم من المنتسبين إلى الحكمة والكلام والعقليات يقول من يخالف نصوص ~~الأنبياء منهم إن الأنبياء لم يعرفوا الحق الذي عرفناه أو يقولون عرفوه ولم ~~يبينوه للخلق كما بيناه بل تكلموا بما يخالفه من غير بيان منهم والمدعون ~~للسنة والشريعة واتباع السلف من الجهال بمعاني نصوص الأنبياء يقولون إن ~~الأنبياء والسلف الذين اتبعوا الأنبياء لم يعرفوا معاني هذه النصوص التي ~~قالوها والتي بلغوها عن الله أو إن الأنبياء عرفوا معانيها ولم يبينوا ~~مرادهم للناس فهؤلاء الطوائف قد يقولون نحن عرفنا الحق بعقولنا ثم اجتهدنا ~~في حمل كلام الأنبياء على ما يوافق مدلول العقل وفائدة إنزال هذه ~~المتشابهات المشكلات اجتهاد PageV01P019 ### | AUTO الناس في أن يعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في تأويل كلام ~~الأنبياء الذين لم يبينوا به مرادهم أو أنا عرفنا الحق بعقولنا وهذه النصوص ~~لم تعرف الأنبياء معناها كما لم يعرفوا وقت الساعة ولكن أمرنا بتلاوتها من ~~غير تدبر لها ولا فهم لمعانيها أو يقولون بل هذه الأمور لا تعرف بعقل ولا ~~نقل بل نحن منهيون عن معرفة ms0007 العقليات وعن فهم السمعيات وإن الأنبياء ~~وأتباعهم لا يعرفون العقليات ولا يفهمون السمعيات فصل # ولما كان بيان مراد الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الأبواب لا يتم إلا ~~بدفع المعارض العقلي وامتناع تقديم ذلك على نصوص الأنبياء بينا في هذا ~~الكتاب فساد القانون الفاسد الذي صدوا به الناس عن سبيل الله وعن فهم مراد ~~الرسول وتصديقه فيما أخبر إذ كان أي دليل أقيم على بيان مراد الرسول لا ~~ينفع إذا قدر أن المعارض العقلى القاطع ناقضه بل يصير ذلك قدحا في الرسول ~~وقدحا فيمن استدل بكلامه وصار هذا بمنزلة المريض الذي به أخلاط فاسدة تمنع ~~انتفاعه بالغذاء فإن الغذاء لا ينفعه مع وجود الأخلاط الفاسدة التي تفسد ~~الغذاء فكذلك القلب الذي اعتقد قيام الدليل العقلي القاطع على نفي الصفات ~~أو بعضها أو نفي عموم خلقه لكل شيء أو نفي أمره ونهيه أو امتناع المعاد PageV01P020 ~~أو غير ذلك لا ينفعه الاستدلال عليه في ذلك بالكتاب والسنة إلا مع بيان ~~فساد ذلك المعارض # وفساد ذلك المعارض قد يعلم جملة وتفصيلا # أما الجملة فإنه من آمن بالله ورسوله إيمانا تاما وعلم مراد الرسول قطعا ~~تيقن ثبوت ما أخبر به وعلم أن ما عارض ذلك من الحجج فهي حجج داحضة من جنس ~~شبه السوفسطائية كما قال تعالى { والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب ~~له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد } سورة الشورى 16 # وأما التفصيل فبعلم فساد تلك الحجة المعارضة وهذا الأصل نقيض الأصل الذي ~~ذكره طائفة من الملحدين كما ذكره الرازي في أول كتابه نهاية العقول حيث ذكر ~~أن الإستدلال بالسمعيات في المسائل الأصولية لا يمكن بحال لأن الإستدلال ~~بها موقوف على مقدمات ظنية وعلى دفع المعارض العقلي وإن العلم بإنتفاء ~~المعارض لا يمكن إذ يجوز أن يكون في نفس الأمر دليل عقل يناقض ما دل عليه ~~القرآن ولم يخطر ببال المستمع PageV01P021 # وقد بسطنا الكلام على ما زعمه هؤلاء من أن الإستدلال بالأدلة السمعية ~~موقوف على مقدمات ms0008 ظنية مثل نقل اللغة والنحو والتصريف ونفي المجاز والإضمار ~~والتخصيص والإشتراك والنقل والمعارض العقلي بالسمعي وقد كنا صنفنا في فساد ~~هذا الكلام مصنفا قديما من نحو ثلاثين سنة وذكرنا طرفا من بيان فساده في ~~الكلام على المحصل وفي غير ذلك # فذاك كلام في تقرير الأدلة السمعية وبيان أنها قد تفيد اليقين والقطع وفي ~~هذا الكتاب كلام في بيان انتفاء المعارض العقلي وإبطال قول من زعم تقديم ~~الأدلة العقلية مطلقا # وقد بينا في موضع آخر أن الرسول بلغ البلاغ المبين وبين مراده وأن كل ما ~~في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه إنه يحتاج إلى التأويل الإصطلاحي الخاص ~~الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره فلا بد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ ~~بخطاب آخر لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل ويسكت ~~عن بيان مراد الحق ولا يجوز أن يريد من الخلق أن PageV01P022 ~~يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليه لإمكان معرفة ذلك بعقولهم وأن ~~هذا قدح في الرسول الذي بلغ البلاغ المبين الذي هدى الله به العباد وأخرجهم ~~به من الظلمات إلى النور وفرق الله به بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال ~~وبين الرشاد والغي وبين أولياء الله وأعدائه وبين ما يستحقه الرب من ~~الأسماء والصفات وما ينزه عنه من ذلك حتى أوضح الله به السبيل وأنار به ~~الدليل وهدى به الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم # فمن زعم أنه تكلم بما لا يدل إلا على الباطل لا على الحق ولم يبين مراده ~~وأنه أراد بذلك اللفظ المعنى الذي ليس بباطل وأحال الناس في معرفة المراد ~~على ما يعلم من غير جهته بآرائهم فقد قدح في الرسول كما نبهنا على ذلك في ~~مواضع كيف والرسول أعلم الخلق بالحق وأقدر الناس على بيان الحق وأنصح الخلق ~~للخلق وهذا يوجب أن يكون بيانه للحق أكمل من بيان كل أحد # فإن ما يقوله القائل ويفعله الفاعل لا ms0009 بد فيه من قدرة وعلم وإرادة ~~فالعاجز عن القول أو الفعل يمتنع صدور ذلك عنه والجاهل بما يقوله ويفعله لا ~~يأتي بالقول المحكم والفعل المحكم وصاحب الإرادة الفاسدة لا يقصد الهدى ~~والنصح والصلاح فإذا كان المتكلم عالما بالحق قاصدا لهدى الخلق قصدا تاما ~~قادرا على ذلك وجب وجود مقدوره ومحمد صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالحق ~~وهو أفصح الخلق لسانا وأصحهم بيانا وهو أحرص الخلق على هدى العباد كما قال PageV01P023 ~~تعالى { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين ~~رؤوف رحيم } سورة التوبة 128 وقال { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من ~~يضل } سورة النحل 37 وقد أوجب الله عليه البلاغ المبين وأنزل عليه الكتاب ~~ليبين للناس ما نزل إليهم فلا بد أن يكون بيانه وخطابه وكلامه أكمل وأتم من ~~بيان غيره فكيف يكون مع هذا لم يبين الحق بل بينه من قامت الأدلة الكثيرة ~~على جهله ونقص علمه وعقله وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # ولما كان ما يقوله كثير من الناس في باب أصول الدين والكلام والعلوم ~~العقلية والحكمة يعلم كل من تدبره أنه مخالف لما جاء به الرسول أو أن ~~الرسول لم يقل مثل هذا واعتقد من اعتقد أن ذلك من أصول الدين وأنه يشتمل ~~على العلوم الكلية والمعارف الإلهية والحكمة الحقيقية أو الفلسفة الأولية ~~صار كثير منهم يقول إن الرسول لم يكن يعرف أصول الدين أو لم يبين أصول ~~الدين ومنهم من هاب النبي ولكن يقول الصحابة والتابعون لم يكونوا يعرفون ~~ذلك ومن عظم الصحابة والتابعين مع تعظيم أقوال هؤلاء يبقى حائرا كيف لم ~~يتكلم أولئك الأفاضل في هذه الأمور التي هي أفضل العلوم ومن هو مؤمن ~~بالرسول معظم له يستشكل كيف لم يبين أصول الدين مع أن الناس إليها أحوج ~~منهم إلى غيرها PageV01P024 # ولما كنت بالديار المصرية سألني من سألني من فضلائها عن هذه المسألة ~~فقالوا في سؤالهم إن قال قائل هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه ms0010 من مسائل ~~أصول الدين وإن لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا # فإن قيل بالجواز فما وجهه وقد فهمنا منه عليه الصلاة والسلام النهى عن ~~الكلام في بعض المسائل # وإذا قيل بالجواز فهل يجب ذلك وهل نقل عنه عليه الصلاة والسلام ما يقتضي وجوبه # وهل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو لا بد من الوصول ~~إلى القطع # وإذا تعذر عليه الوصول إلى القطع فهل يعذر في ذلك أو يكون مكلفا به وهل ~~ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحالة هذه أم لا PageV01P025 # وإذا قيل بالوجوب فما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من ~~الوقوع في المهالك وقد كان عليه الصلاة والسلام حريصا على هدى أمته فأجبت ~~الحمدلله رب العالمين أما المسألة الأولى # فقول السائل هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل أصول الدين وإن ~~لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا # سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة فإن المسائل التي هي ~~من أصول الدين التي تستحق أن تسمى أصول الدين أعنى الدين الذي أرسل الله به ~~رسوله وأنزل به كتابه لا يجوز أن يقال لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيها كلام بل هذا كلام متناقض في نفسه إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون ~~من أهم أمور الدين وأنها مما يحتاج إليه الدين ثم نفى نقل الكلام فيها عن ~~الرسول يوجب أحد أمرين إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج إليها ~~الدين فلم يبينها أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة PageV01P026 ~~وكلا هذين باطل قطعا وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين وإنما يظن هذا ~~وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول أو جاهل بما يعقله الناس ~~بقلوبهم أو جاهل بهما جميعا فإن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ~~ذلك من أصول الدين وفروعه وجهله بالثاني يوجب ms0011 أن يدخل في الحقائق المعقولة ~~ما يسميه هو وأشكاله عقليات وإنما هي جهليات وجهله بالامرين يوجب أن يظن من ~~أصول الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة وأن يظن عدم بيان ~~الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس ~~حذاقهم فضلا عن عامتهم # وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها ويجب أن تذكر قولا أو ~~تعمل عملا كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد أو دلائل هذه ~~المسائل # أما القسم الأول فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته وإعتقاده والتصديق به من ~~هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر إذ هذا من أعظم ~~ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبينه للناس وهو من أعظم ما أقام الله الحجة ~~على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم ~~التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه والحكمة التي هي سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم التي نقلوها أيضا عن الرسول مشتملة من ذلك على غايه المراد وتمام PageV01P027 ~~الواجب والمستحب والحمدلله الذي بعث فينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آياته ~~ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ~~ورضي لنا الإسلام دينا الذي أنزل الكتاب تفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين { ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } سورة يوسف 111 # وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصا في عقله ~~وسمعه ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا { لو كنا نسمع أو نعقل ما ~~كنا في أصحاب السعير } سورة الملك 10 وإن كان ذلك كثيرا في كثير من ~~المتفلسفة والمتكلمة وجهال أهل الحديث والمتفقهة والصوفية # وأما القسم الثاني وهو دلائل هذه المسائل الأصولية فإنه وإن كان يظن ~~طوائف من المتكلمين أو المتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق ~~فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر ويجعلون ما يبنى عليه صدق ms0012 المخبر ~~معقولات محضة فقد غلطوا في ذلك غلطا عظيما بل ضلوا ضلالا مبينا في ظنهم أن ~~دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطرق الخير المجرد بل الأمر ما عليه سلف الأمة ~~أهل العلم والإيمان من أن الله سبحانه وتعالى بين من الأدلة العقلية التي ~~يحتاج إليها في بذلك العلم مالا يقدر أحد من هؤلاء قدره ونهاية ما يذكرونه ~~جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه PageV01P028 # وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه التي قال فيها { ولقد ~~ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } سورة الزمر 27 فإن الأمثال المضروبة ~~هي الأقيسة العقلية سواء كانت قياس شمول أو قياس تمثيل ويدخل في ذلك ما ~~يسمونه براهين وهو القياس الشمولي المؤلف من المقدمات اليقينية وإن كان لفظ ~~البرهان في اللغة أعم من ذلك كما سمى الله آيتي موسى برهانين { فذانك ~~برهانان من ربك } سورة القصص 32 # ومما يوضح هذا أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوى ~~فيه الأصل والفرع ولا بقياس شمولي تستوى فيه أفراده فإن الله سبحانه ليس ~~كمثله شيء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية ~~تستوي أفرادها # ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب ~~الإلهية لم يصلوا بها إلى اليقين بل تناقضت أدلتهم وغلب عليهم بعد التناهي ~~الحيرة والإضطراب لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها ولكن يستعمل في ذلك ~~قياس الأولى سواء كان تمثيلا أو شمولا كما قال تعالى { ولله المثل الأعلى } ~~سورة النحل 60 مثل أن يعلم أن كل كمال ثبت للممكن أو المحدث لا نقص فيه ~~بوجه من الوجوه وهو ما كان كمالا للموجود غير مستلزم للعدم فالواجب القديم ~~أولى به وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت PageV01P029 ~~نوعه للمخلوق المربوب المعلول المدبر فإنما استفاد من خالقه وربه ومدبره ~~فهو أحق به منه وأن كل نقص وعيب في نفسه وهو ماتضمن سلب هذا الكمال إذا وجب ~~نفيه عن ms0013 شيء ما من أنواع المخلوقات والممكنات والمحدثات فإنه يجب نفيه عن ~~الرب تبارك وتعالى بطريق الأولى وأنه أحق بالأمور الوجودية من كل موجود ~~وأما الأمور العدمية فالممكن المحدث بها أحق ونحو ذلك # ومثل هذه الطرق هي التي كان يستعملها السلف والأئمة في مثل هذه المطالب ~~كما استعمل نحوها الإمام أحمد ومن قبله وبعده من أئمة أهل الإسلام وبمثل ~~ذلك جاء القرآن في تقرير أصول الدين في مسائل التوحيد والصفات والمعاد ونحو ذلك # ومثال ذلك أنه سبحانه لما أخبر بالمعاد والعلم به تابع للعلم بإمكانه فإن ~~الممتنع لا يجوز أن يكون بين سبحانه إمكانه أتم بيان ولم يسلك في ذلك ما ~~يسلكه طوائف من أهل الكلام حيث يثبتون الإمكان الخارجي بمجرد الإمكان ~~الذهني فيقولون هذا ممكن لأنه لو قدر وجوده لم يلزم من تقدير وجوده محال ~~فإن الشأن في هذه المقدمة فمن أين يعلم أنه لا يلزم من تقدير وجوده محال ~~فإن هذه قضية كلية سالبة فلا بد من العلم بعموم هذا النفى PageV01P030 # وما يحتج به بعضهم على أن هذا ممكن بأنا لا نعلم امتناعه كما نعلم امتناع ~~الأمور الظاهر امتناعها مثل كون الجسم متحركا ساكنا فهذا كاحتجاج بعضهم على ~~أنها ليست بديهية بأن غيرها من البديهيات أجلى منها وهذه حجة ضعيفة لأن ~~البديهي هو ما إذا تصور طرفاه جزم العقل به والمتصوران قد يكونان خفيين ~~فالقضايا تتفاوت في الجلاء والخفاء لتفاوت تصورها كما تتفاوت لتفاوت ~~الأذهان وذلك لا يقدح في كونها ضرورية ولا يوجب أن ما لم يظهر امتناعه يكون ~~ممكنا بل قول هؤلاء أضعف لأن الشيء قد يكون ممتنعا لأمور خفية لازمة له فما ~~لم يعلم انتفاء تلك اللوازم أو عدم لزومها لا يمكن الجزم بإمكانه والمحال ~~هنا أعم من المحال لذاته أو لغيره والإمكان الذهنى حقيقته عدم العلم ~~بالامتناع وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجى بل يبقى ~~الشىء في الذهن غير معلوم الامتناع ولا معلوم الإمكان الخارجى وهذا هو ~~الإمكان الذهني فإن الله سبحانه وتعالى لم ms0014 يكتف في بيان إمكان المعاد بهذا ~~إذ يمكن أن يكون الشيء ممتنعا ولو لغيره وإن لم يعلم الذهن إمتناعه بخلاف ~~الإمكان الخارجي فإنه إذا علم بطل أن يكون ممتنعا # والإنسان يعلم الإمكان الخارجي تارة بعلمه بوجود الشيء وتارة PageV01P031 ~~بعلمه بوجود نظيره وتارة بعلمه بوجود ما الشيء أولى بالوجود منه فإن وجود ~~الشيء دليل على أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه ثم إنه إذا تبين كون الشيء ~~ممكنا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفى في ~~إمكان وقوعه إن لم يعلم قدرة الرب على ذلك فبين سبحانه هذا كله بمثل قوله { ~~أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل ~~لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا } سورة الإسراء 99 وقوله { أو ~~ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق ~~العليم } سورة يس 81 قوله { أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ~~ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير } سورة ~~الأحقاف 33 وقوله { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس } سورة غافر 57 ~~فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال ~~بني آدم والقدرة عليه أبلغ وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك # وكذلك استدلاله على ذلك بالنشأة الأولى في مثل قوله { وهو الذي يبدأ ~~الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } سورة الروم 27 ولهذا قال بعد ذلك PageV01P032 ~~{ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض } سورة الروم 27 وقال { يا أيها ~~الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ~~ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم } سورة الحج 5 # وكذلك ما ذكر في قوله { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي ~~رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } الآيات يس 78 82 فإن قول الله ms0015 تعالى ~~{ من يحيي العظام وهي رميم } قياس حذفت إحدى مقدمتيه لظهورها والأخرى سالبة ~~كلية قرن معها دليلها وهو المثل المضروب الذى ذكره بقوله { وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم } وهذا استفهام إفكار متضمن للنفى ~~أى لا أحد يحي العظام وهى رميم فإن كونها رميما يمنع عنده إحياءها لمصيرها ~~إلى الحال اليبس والبرودة المنافية للحياة التي مبناها على الحرارة ~~والرطوبة ولتفرق أجزائها واختلاطها بغيرها ولنحو ذلك من الشبهات # والتقدير هذه العظام رميم ولا أحد يحي العظام وهى رميم فلا أحد يحييها ~~ولكن هذه السالبة كاذبة ومضمونها امتناع الإحياء فبين سبحانه إمكانه من ~~وجوه ببيان إمكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه فقال { يحييها الذي أنشأها ~~أول مرة } وقد أنشأها من التراب ثم قال { وهو بكل خلق عليم } سورة يس 79 ~~ليبين علمه بما تفرق من الأجزاء أو استحال ثم قال { الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا } سورة يس 80 فبين أنه أخرج النار الحارة PageV01P033 ~~اليابسة من البارد الرطب وذلك أبلغ فى المنافاة لأن اجتماع الحرارة ~~والرطوبة أيسر من اجتماع الحرارة واليبوسة إذ الرطوبة تقبل من الانفعال ما ~~لا تقبله اليبوسة ولهذا كان تسخين الهواء والماء أيسر من تسخين التراب وإن ~~كانت النار نفسها حارة يابسة فإنها جسم بسيط واليبس ضد الرطوبة والرطوبة ~~يعنى بها البلة كرطوبة الماء ويعنى بها سرعة الإنفعال فيدخل في ذلك الهواء ~~فكذلك يعنى باليبس عدم البلة فتكون النار يابسلة ويراد باليبس بطء الشكل ~~والانفعال فيكون التراب يابسا دون النار فالتراب فيه اليبس بالمعنيين بخلاف ~~النار لكن الحيوان الذي فيه حرارة ورطوبة يكون من العناصر الثلاثة التراب ~~والماء والهواء # وأما الجزء النارى فللناس فيه قولان قيل فيه حرارة نارية وإن لم يكن فيه ~~جزء من النار وقيل بل فيه جزء من النار # وعلى كل تقدير فتكون الحيوان من العناصر أولى بالإمكان من تكون النار من ~~الشجر الأخضر فالقادر على أن يخلق من الشجر الأخضر نارا أولى بالقدرة أن ~~يخلق من التراب ms0016 حيوانا فإن هذا معتاد وإن كان ذلك بما يضم إليه من الأجزاء ~~الهوائية والمائية والمقصود الجمع فى المولدات ثم قال { أو ليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم } سورة يس 81 # وهذه مقدمة معلومة بالبداهة ولهذا جاء فيها بإستفهام التقرير الدال على أن ذلك PageV01P034 ~~مستقر معلوم عند المخاطب كما قال سبحانه { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق ~~وأحسن تفسيرا } سورة الفرقان 33 ثم بين قدرته العامة بقوله { إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } سور يس 82 # وفى هذا الموضع وغيره من القرآن من الأسرار وبيان الأدلة القطعية على ~~المطالب الدينية ما ليس هذا موضعه وإنما الغرض التنبيه # وكذلك ما استعمله سبحانه في تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولادة ~~سواء سموها حسية أو عقلية كما تزعمه النصارى من تولد الكلمة التى جعلوها ~~جوهر الابن منه وكما تزعمه الفلاسفة الصابئون من تولد العقول العشرة ~~والنفوس الفلكية التسعة التى هم مضطربون فيها هل هي جواهر أو أعراض وقد ~~يجعلون العقول بمنزلة الذكور والنفوس بمنزلة الإناث ويجعلون ذلك آباءهم ~~وأمهاتهم وآلهتهم وأربابهم القريبة وعلمهم بالنفوس أظهر لوجود الحركة ~~الدورية الدالة على الحركة الإرادية الدالة على النفس المحركة لكن أكثرهم ~~يجعلون النفوس الفلكية عرضا لا جوهرا قائما بنفسه وذلك شبيه بقول مشركى ~~العرب وغيرهم الذين جعلوا له بنين وبنات قال تعالى { وجعلوا لله شركاء الجن ~~وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون } سورة ~~الأنعام 100 وقال تعالى { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم ~~لكاذبون } سورة الصافات 151 152 PageV01P035 # وكانوا يقولون الملائكة بنات الله كما يزعم هؤلاء أن العقول أو العقول ~~والنفوس هى الملائكة وهى متولدة عن الله قال تعالى { ويجعلون لله البنات ~~سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ~~يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ~~ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله ms0017 المثل الأعلى وهو ~~العزيز الحكيم } إلى قوله { ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن ~~لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون } سورة النحل 57 62 # وقال تعالى { أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا بشر أحدهم بما ~~ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم أو من ينشأ في الحلية وهو في ~~الخصام غير مبين وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ~~ستكتب شهادتهم ويسألون } سورة الزخرف 16 19 وقال تعالى { أفرأيتم اللات ~~والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى } ~~سورة النجم 19 22 أي جائرة وغير ذلك في القرآن # فبين سبحانه أن الرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم فكيف ~~تجعلون له ما تكرهون ان يكون لكم وتستحيون من إضافته إليكم مع PageV01P036 ~~أن ذلك واقع لا محالة ولا تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه وهو أحق بنفى ~~المكروهات المنقصات منكم # وكذلك قوله في التوحيد { ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } ~~سورة الروم 28 أى كخيفة بعضكم بعضا كما في قوله { ثم أنتم هؤلاء تقتلون ~~أنفسكم } سورة البقرة 85 وفي قوله { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا } سورة النور 12 وفي قوله { ولا تلمزوا أنفسكم } سورة الحجرات ~~11 وفي قوله { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } سورة البقرة 54 وفي قوله ~~{ ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } إلى قوله { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } ~~سورة البقرة 84 85 فإن المراد في هذا كله من نوع واحد # فبين سبحانه أن المخلوق لا يكون مملوكه شريكه في ماله حتى يخاف مملوكه ~~كما يخاف نظيره بل تمتنعون أن يكون المملوك لكم نظيرا فكيف ترضون أن تجعلوا ~~ما هو مخلوقى ومملوكى شريكا لى يدعى ويعبد كما أدعى وأعبد كما كانوا يقولون ~~فى تلبيتهم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ms0018 ملك PageV01P037 # وهذا باب واسع عظيم جدا ليس هذا موضعه # وإنما الغرض التنبيه على أن فى القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين ~~من المسائل والدلائل التى تستحق أن تكون أصول الدين # وأما ما يدخله بعض الناس فى هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين ~~وإن أدخله فيه مثل المسائل والدلائل الفاسدة مثل نفى الصفات والقدر ونحو ~~ذلك من المسائل ومثل الإستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التى هى صفات ~~الأجسام القائمة بها إما الأكوان وإما غيرها # وتقرير المقدمات التى يحتاج إليها هذا الدليل من إثبات الأعراض التى هى ~~الصفات أولا أو إثبات بعضها كالألوان التى هى الحركة والسكون والإجتماع ~~والإفتراق وإثبات حدوثها ثانيا بإبطال ظهورها بعد الكمون وإبطال إنتقالها ~~من محل إلى محل ثم إثبات امتناع خلو الجسم ثالثا إما عن كل جنس من أجناس ~~الأعراض بإثبات أن الجسم قابل لها وأن القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده ~~وإما عن الأكوان وإثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعا PageV01P038 # وهو مبنى على مقدمتين إحداهما أن الجسم لا يخلو عن الأعراض التي هى ~~الصفات والثانية أن ما لا يخلو عن الصفات التى هى الأعراض فهو محدث لأن ~~الصفات التى هى الأعراض لا تكون إلا محدثة وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات ~~التي هي الأعراض كالأكوان وما لا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث لامتناع ~~حوادث لا تتناهى # فهذه الطريقة مما يعلم بالإضطرار أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يدع ~~الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه ولهذا قد اعترف حذاق أهل ~~الكلام كالأشعرى وغيره بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم ولا سلف الأمة ~~وأئمتها وذكروا أنها محرمة عندهم بل المحققون على أنها طريقة باطلة وأن ~~مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعى بها مطلقا ولهذا تجد من اعتمد ~~عليها في أصول دينه فأحد الأمرين لازم له إما أن يطلع على ضعفها ويقابل ~~بينها وبين أدلة القائلين بقدم العالم فتتكافأ عنده الأدلة أو يرجح هذا ~~تارة وهذا تارة كما هو حال ms0019 طوائف منهم وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة ~~الفساد في الشرع والعقل كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار والتزم لأجلها PageV01P039 # أبو الهذيل انقطاع حركات أهل الجنة والتزم قوم لأجلها كالأشعرى وغيره أن ~~الماء والهواء والتراب والنار له طعم ولون وريح ونحو ذلك والتزم قوم لأجلها ~~ولأجل غيرها أن جميع الأعراض كالطعم واللون وغيرهما لا يجوز بقاؤها بحال ~~لأنهم احتاجوا إلى جواب النقض الوارد عليهم لما أثبتوا الصفات لله مع ~~الاستدلال على حدوث الأجسام بصفاتها فقالوا صفات الأجسام أعراض أى أنها ~~تعرض فتزول فلا تبقى بحال بخلاف صفات الله فإنها باقية # وأما ما اعتمد عليه طائفة منهم من أن العرض لو بقى لم يمكن عدمه لأن عدمه ~~إما أن يكون بإحداث ضد أو بفوات شرط أو اختيار الفاعل وكل ذلك ممتنع فهذه ~~العمدة لا يختارها آخرون منهم بل يجوزون أن الفاعل المختار يعدم الموجود ~~كما يحدث المعدوم ولا يقولون إن عدم الأجسام لا يكون إلا بقطع الأعراض عنها ~~كما قاله أولئك ولا بخلق ضد هو الفناء لا فى محل كما قاله من قاله من ~~المعتزلة PageV01P040 # وأما جمهور عقلاء بني آدم فقالوا هذه مخالفة للمعلوم بالحس # والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفى صفات الرب ~~مطلقا أو نفى بعضها لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات ~~بها والدليل يجب طرده فالتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به وهو أيضا في ~~غاية الفساد والضلال ولهذا التزموا القول بخلق القرآن وإنكار رؤية الله في ~~الآخرة وعلوه على عرشه إلى أمثال ذلك من اللوازم التى التزمها من طرد ~~مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم # فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين ولكن ليست في الحقيقة من أصول ~~الدين الذى شرعه الله لعباده # وأما الدين الذى قال الله فيه { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله } سورة الشورى 21 فذاك له أصول وفروع بحسبه # وإذا عرف أن مسمى أصول الدين ms0020 في عرف الناطقين بهذا الإسم فيه إجمال ~~وإبهام لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات تبين أن الذى هو عند ~~الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين فهو موروث عن الرسول # وأما من شرع دينا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز ~~أن تكون منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو باطل وملزوم الباطل باطل PageV01P041 ~~كما أن لازم الحق حق والدليل ملزوم لمدلوله فمتى ثبت ثبت مدلوله ومتى وجد ~~الملزوم وجد اللازم ومتى انتفى اللازم انتفى الملزوم والباطل شىء وإذا ~~انتفى لازم الشىء علم أنه منتف فيستدل على بطلان الشى ببطلان لازمه ويستدل ~~على ثبوته بثبوت ملزومه فإذا كان اللازم باطلا فالملزوم مثله باطل وقد يكون ~~اللازم خفيا ولا يكون الملزوم خفيا وإذا كان الملزوم خفيا كان اللازم خفيا ~~وقد يكون الملزوم باطلا ولا يكون اللازم باطلا فلهذا قيل إن ملزوم الباطل ~~باطل فإن ملزوم الباطل هو ما استلزم الباطل فالباطل هو اللازم وإذا كان ~~اللازم باطلا كان الملزوم باطلا لأنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم ~~ولم يقل إن الباطل لازمه باطل # وهذا كالمخلوقات فإنها مستلزمة لثبوت الخالق ولا يلزم من عدمها عدم ~~الخالق والدليل أبدا يستلزم المدلول عليه يجب طرده ولا يجب عكسه بخلاف الحد ~~فإنه يجب طرده وعكسه # وأما العلة فالعلة التامة يجب طردها بخلاف المقتضية وفي العكس تفصيل ~~مبسوط في موضعه # وهذا التقسيم ينبه أيضا على مراد السلف والأئمة بذم الكلام وأهله إذ ذاك ~~متناول لمن استدل بالأدلة الفاسدة أو استدل على المقالات الباطلة PageV01P042 # فأما من قال الحق الذى أذن الله فيه حكما ودليلا فهو من أهل العلم ~~والإيمان { والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } سورة الأحزاب 4 # وأما مخاطبة أهل الإصطلاح بإصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ~~ذلك وكانت المعانى صحيحة كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم ~~وعرفهم فإن هذا جائز حسن للحاجة وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم ms0021 خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ~~وكانت صغيرة فولدت بأرض الحبشة لأن أباها كان من المهاجرين إليها فقال لها ~~يا أم خالد هذا سنا والسنا بلسان الحبشة الحسن لأنها كانت من أهل هذه اللغة # ولذلك يترجم القرآن والحديث لمن يحتاج إلى تفهمه إياه بالترجمة وكذلك ~~يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم ويترجمها بالعربية PageV01P043 ~~كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ ~~له ويكتب له ذلك حيث لم يأتمن اليهود عليه # فالسلف والأئمة لم يذموا الكلام لمجرد ما فيه من الإصطلاحات المولدة كلفظ ~~الجوهر والعرض والجسم وغير ذلك بل لأن المعانى التى يعبرون عنها بهذه ~~العبارات فيها من الباطل المذموم فى الأدلة والأحكام ما يجب النهى عنه ~~لاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة فى النفي والإثبات كما قال الإمام أحمد ~~فى وصفه لأهل البدع فقال هم مختلفون فى الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على ~~مفارقة الكتاب يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم # فإذا عرفت المعانى التى يقصدونها بأمثال هذه العبارات ووزنت بالكتاب ~~والسنة بحيث يثبت الحق الذى أثبته الكتاب والسنة وينفى الباطل الذي نفاه ~~الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق بخلاف ما سلكه أهل الأهواء PageV01P044 ~~من التكلم بهذه الألفاظ نفيا وإثباتا فى الوسائل والمسائل من غير بيان ~~التفصيل والتقسيم الذى هو من الصراط المستقيم وهذا من مثارات الشبه # فإنه لا يوجد فى كلام النبى صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة ~~والتابعين ولا أحد من الأئمة المتبوعين أنه علق بمسمى لفظ الجوهر والجسم ~~والتحيز والعرض ونحو ذلك شيئا من أصول الدين لا الدلائل ولا المسائل # والمتكلمون بهذه العبارات يختلف مرادهم بها تارة لاختلاف الوضع وتارة ~~لاختلافه فى المعنى الذى هو مدلول اللفظ كمن يقول الجسم هو المؤلف ثم ~~يتنازعون هل هو الجوهر الواحد بشرط تأليفه أو الجوهران فصاعدا أو الستة أو ~~الثمانية أو غير ذلك ومن يقول هو الذى يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه وإنه ms0022 ~~مركب من المادة والصورة ومن يقول هو الموجود أو يقول هو الموجود القائم ~~بنفسه أو يقول هو الذى يمكن الإشارة إليه وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون ~~إلا كذلك # والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن ~~كلامهم ذم من يدخل المعانى التى يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ فى أصول الدين ~~فى دلائله وفى مسائله نفيا وإثباتا فأما إذا عرفت المعانى الصحيحة الثابتة ~~بالكتاب والسنة وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من ~~معاني هؤلاء PageV01P045 ~~وما خالفه فهذا عظيم المنفعة وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا ~~فيه كما قال تعالى { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } سورة البقرة ~~213 وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني ~~التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنة ~~ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر ~~الموافق والمخالف # وأما قول السائل فإن قيل بالجواز فما وجهه وقد فهمنا منه عليه الصلاة ~~والسلام النهى عن الكلام في بعض المسائل # فيقال قد تقدم الإستفسار والتفصيل في جواب السؤال وأن ما هو في الحقيقة ~~أصول الدين الذي بعث الله به رسوله فلا يجوز أن ينهى عنه بحال بخلاف ما سمى ~~أصول الدين وليس هو أصولا في الحقيقة لا دلائل ولا مسائل أو هو أصول لدين ~~لم يشرعه الله بل شرعه من شرع من الدين ما لم يأذن به الله # وأما ما ذكره السائل من نهيه فالذي جاء به الكتاب والسنة النهى عن أمور ~~منها القول على الله بلا علم كقوله تعالى { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } سورة الأعراف 33 وقوله { ولا ~~تقف ما ليس لك به علم } سورة الإسراء 36 PageV01P046 # ومنها ms0023 أن يقال على الله غير الحق كقوله { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن ~~لا يقولوا على الله إلا الحق } سورة الأعراف 169 وقوله { لا تغلوا في دينكم ~~ولا تقولوا على الله إلا الحق } سورة النساء 171 # ومنها الجدل بغير علم كقوله تعالى { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به ~~علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } سورة آل عمران 66 # ومنها الجدل في الحق بعد ظهوره كقوله تعالى { يجادلونك في الحق بعد ما ~~تبين } سورة الأنفال 6 # ومنها الجدل بالباطل كقوله { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق } سورة غافر 5 # ومنها الجدل في آياته كقوله تعالى { ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا } سورة غافر 4 وقوله { الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ~~كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا } سورة غافر 35 وقال تعالى { إن الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ~~} سورة غافر 56 وقوله { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص } ~~سورة الشورى 35 ونحو ذلك قوله { والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ~~حجتهم داحضة عند ربهم } سورة الشورى 16 PageV01P047 ~~وقوله { وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال } سورة الرعد 13 وقوله { ومن ~~الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } سورة الحج 8 # ومن الأمور التي نهى الله عنها في كتابه التفرق والإختلاف كقوله { ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } إلى قوله { ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه } سورة آل عمران 103 106 قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة ~~والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة وقال تعالى { إن الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله } سورة الأنعام 159 وقال ~~تعالى { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله } إلى ms0024 قوله { ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا } سورة الروم 30 32 # وقد ذم أهل التفرق والإختلاف في مثل قوله تعالى { وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } سورة آل عمران 19 وفي مثل PageV01P048 ~~قوله تعالى { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } سورة هود ~~119 وفي مثل قوله { وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } سورة ~~البقرة 176 # وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم توافق كتاب الله كالحديث المشهور ~~عنه الذي روى مسلم بعضه عن عبدالله بن عمرو وسائره معروف في مسند أحمد ~~وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خرج على أصحابه وهم يتناظرون في القدر ورجل يقول ألم يقل الله كذا ~~ورجل يقول ألم يقل الله كذا فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان فقال أبهذا أمرتم ~~إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله ~~يصدق بعضه بعضا لا ليكذب بعضه بعضا انظروا ما أمرتم به فافعلوه وما نهيتم ~~عنه فاجتنبوه هذا PageV01P049 ~~الحديث أو نحوه وكذلك قوله المراء في القرآن كفر وكذلك ما أخرجاه في ~~الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~قوله { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله } سورة آل عمران 7 فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم ~~الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم # وأما أن يكون الكتاب والسنة نهيا عن معرفة المسائل التي تدخل فيما يستحق ~~أن يكون من أصول الدين فهذا لا يجوز اللهم إلا أن ينهيا عن بعض ذلك في بعض ~~الأحوال مثل مخاطبة شخص بما يعجز عن فهمه فيضل كقول عبدالله بن مسعود ما من ~~رجل يحدث قوما حديث ms0025 لاتبلغه عقولهم إلا كان PageV01P050 ~~فتنة لبعضهم وكقول علي حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن ~~يكذب الله ورسوله أو مثل قول حق يستلزم فسادا أعظم من تركه فيدخل في قوله ~~صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ~~فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان رواه مسلم # وأما قول السائل إذا قيل بالجواز فهل يجب وهل نقل عنه عليه السلام ما ~~يقتضى وجوبه # فيقال لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما ~~مجملا ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية فإن ~~ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه ~~وعلم الكتاب والحكمة وحفظ الذكر والدعاء إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي ~~هي أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهذا واجب على الكفاية منهم PageV01P051 ~~وأما ما وجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ومعرفتهم وما أمر ~~به أعيانهم فلا يحب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب ~~على القادر على ذلك ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا ~~يجب على من لم يسمعها ويجب على المفتى والمحدث والمجادل ما لا يجب على من ~~ليس كذلك # وأما قوله هل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أولا بد من ~~الوصول إلى القطع # فيقال الصواب في ذلك التفصيل فإنه وإن كان طوائف من أهل الكلام يزعمون أن ~~المسائل الخبرية التي قد يسمونها مسائل الأصول يجب القطع فيها جميعها ولا ~~يجوز الإستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين وقد يوجبون القطع فيها كلها على ~~كل أحد فهذا الذي قالوه على إطلاقه وعمومه خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع ~~سلف الأمة وأئمتها ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه فإنهم كثيرا ما ms0026 ~~يحتجون فيها بالأدلة التي يزعمونها قطعيات وتكون في الحقيقة من الأغلوطات ~~فضلا عن أن تكون من الظنيات حتى إن الشخص الواحد منهم كثيرا ما يقطع بصحة ~~حجة في موضع ويقطع ببطلانها في موضع PageV01P052 ~~آخر بل منهم من عامة كلامه كذلك وحتى قد يدعى كل من المتناظرين العلم ~~الضروري بنقيض ما ادعاه الآخر # وأما التفصيل فما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه الله من ~~ذلك كقوله { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } سورة المائدة ~~98 وقوله { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } سورة محمد 19 وكذلك ~~يجب الإيمان بما أوجب الله الإيمان به وقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق ~~باستطاعة العبد كقوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } سورة التغابن 16 ~~وقوله عليه السلام إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم أخرجاه في ~~الصحيحين # فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة من هذه المسائل الدقيقة قد يكون عند ~~كثير من الناس مشتبها لا يقدر فيه على دليل يفيد اليقين لا شرعي ولا غيره ~~لم يجب على مثل هذا في ذلك ما لا يقدر عليه وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه ~~من اعتقاد قول غالب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين بل ذلك هو الذي يقدر عليه ~~لا سيما إذا كان مطابقا للحق فالإعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه ~~ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه PageV01P053 # لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق ~~فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول وترك النظر والإستدلال الموصل ~~إلى معرفته فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا كما قال تعالى { يا بني آدم إما ~~يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } سورة الأعراف 35 وقوله { قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ~~فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض ms0027 عن ذكري فإن ~~له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } سورة طه 123 124 قال ابن عباس ~~تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في ~~الآخرة ثم قرأ هذه الآية # وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها ستكون فتن قلت فما المخرج منها يا رسول ~~الله قال كتاب الله PageV01P054 ~~فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه ~~من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين ~~وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا ~~تلتبس به الألسن ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه ~~العلماء # وفي رواية ولا تختلف به الآراء هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا { ~~إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد } سورة الجن 2 3 من قال به صدق ومن ~~عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم # وقال تعالى { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله } سورة الأنعام 153 وقال تعالى { المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في ~~صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء } PageV01P055 ~~سورة الأعراف 1 3 وقال { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ~~ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن ~~دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد ~~جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ~~سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون } سورة الأنعام ~~155 157 فذكر سبحانه أنه يجزى الصادف عن آياته مطلقا سواء كان مكذبا أو لم ~~يكن سوء ms0028 العذاب بما كانوا يصدفون يبين ذلك أن كل من لم يقر بما جاء به ~~الرسول فهو كافر سواء اعتقد كذبه أو استكبر عن الإيمان به أو أعرض عنه ~~اتباعا لما يهواه أو ارتاب فيما جاء به فكل مكذب بما جاء به فهو كافر وقد ~~يكون كافرا من لا يكذبه إذا لم يؤمن به # ولهذا أخبر الله في غير موضع من كتابه بالضلال والعذاب لمن ترك إتباع ما ~~أنزله وإن كان له نظر وجدل واجتهاد في عقليات وأمور غير ذلك وجعل ذلك من ~~نعوت الكفار والمنافقين # قال تعالى { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا ~~أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزؤون } سورة الأحقاف 26 وقال تعالى { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا ~~قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون } PageV01P056 ~~سورة غافر 83 85 وقال { الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر ~~مقتا عند الله وعند الذين آمنوا } سورة غافر 35 وفي الآية الأخرى { إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير } سورة ~~غافر 56 # والسلطان هو الحجة المنزلة من عندالله كما قال تعالى { أم أنزلنا عليهم ~~سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } سورة الروم 35 وقال تعالى { أم لكم ~~سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } سورة الصافات 156 157 وقال { إن ~~هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } سورة ~~النجم 23 # وقد طالب الله تعالى من اتخذ دينا بقوله { ائتوني بكتاب من قبل هذا أو ~~أثارة من علم إن كنتم صادقين } سورة الأحقاف 4 فالكتاب هو الكتاب والأثارة ~~كما قال من قال من السلف هي الرواية والإسناد PageV01P057 # وقالوا هي الخط أيضا إذ ms0029 الرواية والإسناد يكتب بالخط وذلك لأن الأثارة من ~~الأثر فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد ويقيد ذلك بالخط فيكون ~~ذلك كله من آثاره # وقد قال تعالى في نعت المنافقين { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ~~ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم ~~مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ~~أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم ~~قولا بليغا } سورة النساء 60 63 # وفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة على ضلال من تحاكم إلى غير الكتاب ~~والسنة وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما ~~يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل ~~الكتاب وغير ذلك من أنواع الإعتبار PageV01P058 # فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلا أو ~~لتعديه حدود الله بسلوك السبيل التي نهى عنها أو لإتباع هواه بغير هدى من ~~الله فهو الظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد بخلاف المجتهد في طاعة الله ~~ورسوله باطنا وظاهرا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا ~~مغفور له خطؤه كما قال تعالى { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ~~كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا ~~وأطعنا غفرانك ربنا } إلى قوله { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ~~سورة البقرة 285 286 وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الله قال قد فعلت وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطى ذلك فهذا ~~يبين استجابة هذا الدعاء للنبي ms0030 والمؤمنين وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطأوا # وأما قول السائل هل ذلك من باب تكليف مالا يطاق والحال هذه PageV01P059 # فيقال هذه العبارة وإن كثر تنازع الناس فيها نفيا وإثباتا فينبغي أن يعرف ~~أن الخلاف المحقق فيها نوعان # أحدهما ما اتفق الناس على جوازه ووقوعه وإنما تنازعوا في إطلاق القول ~~عليه بأنه لا يطاق # والثاني ما اتفقوا على أنه لا يطاق لكن تنازعوا في جواز الأمر به ولم ~~يتنازعوا في عدم وقوعه # فأما أن يكون أمر اتفق أهل العلم والإيمان على أنه لا يطاق وتنازعوا في ~~وقوع الأمر به فليس كذلك # فالنوع الأول كتنازع المتكلمين من مثبتة القدر ونفاته في استطاعة العبد ~~وهي قدرته وطاقته هل يجب أن تكون مع الفعل لا قبله أو يجب أن تكون متقدمة ~~على الفعل أو يجب أن تكون معه وإن كانت متقدمة عليه فمن قال بالأول لزمه أن ~~يكون كل عبد لم يفعل ما أمر به قد كلف مالا يطيقه إذا لم تكن عنده قدرة إلا ~~مع الفعل ولهذا كان الصواب الذي عليه محققو المتكلمين وأهل الفقه والحديث ~~والتصوف وغيرهم ما دل عليه القرآن وهو أن الإستطاعة التي هي مناط الأمر ~~والنهى وهي المصححة للفعل لا يجب أن تقارن الفعل وأما الاستطاعة التي يجب ~~معها وجود الفعل فهي مقارنة له PageV01P060 # فالأولى كقوله تعالى { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } ~~سورة آل عمران 97 وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين صلى قائما ~~فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ومعلوم أن الحج والصلاة يجبان ~~على المستطيع سواء فعل أو لم يفعل فعلم أن هذه الاستطاعة لا يجب أن تكون مع الفعل # والثانية كقوله تعالى { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } سورة ~~هود 20 وقوله { وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء ~~عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا } سورة الكهف 101 102 على قول من يفسر ~~الاستطاعة بهذه # وأما على تفسير السلف والجمهور ms0031 فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم ~~وصعوبته على نفوسهم فنفوسهم لا تستطيع إرادته وإن كانوا قادرين على فعله لو ~~أرادوه وهذه حال من صده هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة ~~واتباعها وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك وهذه الاستطاعة هي المقارنة للفعل ~~الموجبة له وأما الأولى فلولا وجودها لم يثبت التكليف كقوله PageV01P061 ~~{ فاتقوا الله ما استطعتم } سورة التغابن 16 وقوله { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها } سورة الأعراف 42 وأمثال ذلك فهؤلاء ~~المفرطون والمعتدون في أصول الدين إذا لم يستطيعوا سمع ما أنزل إلى الرسول ~~فهم من هذا القسم # وكذلك أيضا تنازعهم في المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون أو أخبر مع ~~ذلك أنه لا يكون فمن الناس من يقول إن هذا غير مقدور عليه كما أن غالية ~~القدرية يمنعون أن يتقدم علم الله وخبره وكتابه بأنه لا يكون وذلك لاتفاق ~~الفريقين على أن خلاف المعلوم لا يكون ممكنا ولا مقدورا عليه # وقد خالفهم في ذلك جمهور الناس وقالوا هذا منقوض عليهم بقدرة الله تعالى ~~فإنه أخبر بقدرته على أشياء مع أنه لا يفعلها كقوله { بلى قادرين على أن ~~نسوي بنانه } سورة القيامة 4 وقوله { وإنا على ذهاب به لقادرون } سورة ~~المؤمنون 18 وقوله { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من ~~تحت أرجلكم } سورة الأنعام 65 وقد قال { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ~~} سورة هود 18 ونحو ذلك مما يخبر أنه لو شاء لفعله وإذا فعله فإنما يفعله ~~إذا كان قادرا عليه فقد دل القرآن على أنه قادر عليه يفعله إذا شاءه مع أنه ~~لا يشاؤه # وقالوا أيضا إن الله يعلمه على ما هو عليه فيعلمه ممكنا مقدورا للعبد غير ~~واقع ولا كائن لعدم إرادة العبد له أو لبغضه أياه ونحو ذلك لا لعجزه عنه PageV01P062 ~~وهذا النزاع يزول بتنوع القدرة عليه كما تقدم فإنه غير مقدور القدرة ~~المقارنة للفعل وإن كان مقدورا القدرة المصححة للفعل ms0032 التي هي مناط الأمر والنهى # وأما النوع الثاني فكاتفاقهم على أن العاجز عن الفعل لا يطيقه كما لا ~~يطيق الأعمى والأقطع والزمن نقط المصحف وكتابته والطيران فمثل هذا النوع قد ~~اتفقوا على أنه غير واقع في الشريعة وإنما نازع في ذلك طائفة من الغلاة ~~المائلين إلى الجبر من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك ~~والشافعي وأحمد وغيرهم وإنما تنازعوا في جواز الأمر به عقلا حتى نازع بعضهم ~~في الممتنع لذاته كالجمع بين الضدين والنقيضين هل يجوز الأمر به من جهة ~~العقل مع أن ذلك لم يرد في الشريعة ومن غلا فزعم وقوع هذا الضرب في الشريعة ~~كمن يزعم أن أبا لهب كلف بأن يؤمن بأنه لا يؤمن فهو مبطل في ذلك عند عامة ~~أهل القبلة من جميع الطوائف فإنه لم يقل أحد إن أبا لهب أسمع هذا الخطاب ~~المتضمن أنه لا يؤمن وإنه أمر مع ذلك بالإيمان كما أن قوم نوح لما أخبر نوح ~~عليه السلام أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن لم يكن بعد هذا يأمرهم ~~بالإيمان بهذا الخطاب بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار PageV01P063 ~~المستلزم لموته على الكفر وأنه سمع هذا الخطاب ففي هذا الحال انقطع تكليفه ~~ولم ينفعه إيمانه حينئذ كإيمان من يؤمن بعد معاينة العذاب قال تعالى { فلم ~~يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } سورة غافر 85 وقال تعالى { آلآن وقد ~~عصيت قبل وكنت من المفسدين } سورة يونس 91 # والمقصود هنا التنبيه على أن النزاع في هذا الأصل يتنوع تارة إلى الفعل ~~المأمور به وتارة إلى جواز الأمر ومن هنا شبهة من شبه من المتكلمين على ~~الناس حيث جعل القسمين قسما واحدا وادعى تكليف ما لا يطاق مطلقا لوقوع بعض ~~الأقسام التي لا يجعلها عامة الناس من باب ما لا يطاق والنزاع فيها لا ~~يتعلق بمسائل الأمر والنهى وإنما يتعلق بمسائل القضاء والقدر # ثم إنه جعل جواز هذا القسم مستلزما لجواز القسم الذي اتفق المسلمون على ~~أنه غير مقدور ms0033 عليه وقاس أحد النوعين بالآخر وذلك من الأقيسة التي اتفق ~~المسلمون بل وسائر أهل الملل بل وسائر العقلاء على بطلانها فإن من قاس ~~الصحيح المأمور بالأفعال كقوله إن القدرة مع الفعل أو أن الله علم أنه PageV01P064 ~~لا يفعل على العاجز الذي لو أراد الفعل لم يقدر عليه فقد جمع بين ما يعلم ~~الفرق بينهما بالإضطرار عقلا ودينا وذلك من مثارات الأهواء بين القدرية ~~وإخوانهم الجبرية # وأذا عرف هذا فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في ~~الإسلام كإطلاق القول بأن العباد مجبورون على أفعالهم وقد اتفق سلف الأمة ~~وأئمتها على إنكار ذلك وذم من يطلقه وإن قصد به الرد على القدرية الذين لا ~~يقرون بأن الله خالق أفعال العباد ولا بأنه شاء الكائنات وقالوا هذا رد ~~بدعة ببدعة وقابل الفاسد بالفاسد والباطل بالباطل # ولولا أن هذا الجواب لا يحتمل البسط لذكرت من نصوص أقوالهم في ذلك ما ~~يبين ردهم لذلك # وأما إذا فصل مقصود القائل وبين بالعبارة التي لا يشتبه الحق فيها ~~بالباطل ما هو الحق وميز بين الحق والباطل كان هذا من الفرقان وخرج المبين ~~حينئذ مما ذم به أمثال هؤلاء الذين وصفهم الأئمة بأنهم مختلفون في الكتاب ~~مخالفون للكتاب متفقون على ترك الكتاب وأنهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام PageV01P065 ~~ويحرفون الكلم عن مواضعه ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليه ولهذا كان ~~يدخل عندهم المجبرة في مسمى القدرية المذمومين لخوضهم في القدر بالباطل إذ ~~هذا جماع المعنى الذي ذمت به القدرية # ولهذا ترجم الإمام أبو بكر الخلال في كتاب السنة فقال الرد على القدرية ~~وقولهم إن الله أجبر العباد على المعاصي ثم روى عن عمرو بن عثمان عن بقية ~~ابن الوليد قال سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر فقال الزبيدي أمر الله ~~أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل ولكن يقضى ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ~~ما أحب وقال الأوزاعي ما أعرف للجبر أصلا من القرآن ولا السنة فأهاب أن ~~أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل فهذا ms0034 يعرف في القرآن والحديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما وضعت هذا مخافة أن يرتاب رجل تابعي من ~~أهل الجماعة والتصديق PageV01P066 # فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من ~~أحسن الأجوبة # أما الزبيدي محمد بن الوليد صاحب الزهري فإنه قال أمر الله أعظم وقدرته ~~أعظم من أن يجبر أو يعضل فنفى الجبر # وذلك لأن الجبر المعروف في اللغة هو إلزام الإنسان بخلاف رضاه كما يقول ~~الفقهاء في باب النكاح هل تجبر المرأة على النكاح أولا تجبر وإذا عضلها ~~الولي ماذا تصنع فيعنون بجبرها أنكاحها بدون رضاها واختيارها ويعنون بعضلها ~~منعها مما ترضاه وتختاره فقال الله أعظم من أن يجبر أو يعضل لأن الله ~~سبحانه قادر على أن يجعل العبد مختارا راضيا لما يفعله ومبغضا وكارها لما ~~يتركه كما هو الواقع فلا يكون العبد مجبورا على ما يحبه ويرضاه ويريده وهي ~~أفعاله الإختيارية ولا يكون معضولا عما يتركه فيبغضه ويكرهه أو لا يريده ~~وهي تروكه الإختيارية # وأما الأوزاعي فإنه منع من إطلاق هذا اللفظ وإن عنى به هذا المعنى حيث لم ~~يكن له أصل في الكتاب والسنة فيفضى إلى إطلاق لفظ مبتدع ظاهر في إرادة ~~الباطل وذلك لا يسوغ وإن قيل إنه يراد به معنى صحيح PageV01P067 # قال الخلال أخبرنا أبو بكر المروزي قال سمعت بعض المشيخة يقول سمعت ~~عبدالرحمن بن مهدي يقول أنكر سفيان الثوري جبر وقال الله جبل العباد قال ~~المروزي أظنه أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس يعنى قوله ~~الذي في صحيح مسلم إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة فقال أخلقين ~~تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما فقال بل خلقين جبلت عليهما فقال الحمد لله ~~الذي جبلني على خلقين يحبهما الله # ولهذا احتج البخاري وغيره على خلق أفعال العباد بقوله تعالى { إن الإنسان ~~خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا } سورة المعارج 19 20 ~~فأخبر تعالى أنه خلق الإنسان على هذه الصفة PageV01P068 # واحتج غيره بقول الخليل ms0035 عليه السلام { رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي } ~~سورة إبراهيم 40 وبقوله { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ~~} سورة البقرة 128 # وجواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي لأن الزبيدي نفى الجبر والأوزاعى ~~منع إطلاقه إذ هذا اللفظ قد يحتمل معنى صحيحا فنفيه قد يقتضي نفي الحق ~~والباطل كما ذكر الخلال ما ذكره عبدالله بن أحمد في كتاب السنة فقال حدثنا ~~محمد بن بكار حدثنا أبو معشر حدثنا يعلى عن محمد بن كعب قال إنما سمى ~~الجبار لأنه يجبر الخلق على ما أراد فإذا امتنع من إطلاق اللفظ المجمل ~~المحتمل المشتبه زال المحذور وكان أحسن من نفيه وإن كان ظاهرا في المحتمل ~~المعنى الفاسد خشية أن يظن أنه ينفى المعنيين جميعا # وهكذا يقال في نفى الطاقة عن المأمور فإن إثبات الجبر في المحظور نظير ~~سلب الطاقة في المأمور وهكذا كان يقول الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة PageV01P069 # قال الخلال أنبأنا الميموني قال سمعت أبا عبدالله يعنى أحمد بن حنبل ~~يناظر خالد بن خداش يعني في القدر فذكروا رجلا فقال أبو عبدالله إنما أكره ~~من هذا أن يقول أجبرالله # وقال أنبأنا المروزي قلت لأبي عبدالله رجل يقول إن الله أجبر العباد فقال ~~هكذا لا نقول وأنكر هذا وقال { يضل من يشاء ويهدي من يشاء } سورة النحل 93 # وقال أنبأنا المروزي قال كتب إلى عبدالوهاب في أمر حسن بن خلف العكبري ~~وقال إنه يتنزه عن ميراث أبيه فقال رجل قدري إن الله لم يجبر العباد على ~~المعاصي فرد عليه أحمد بن رجاء فقال إن الله جبر العباد على ما أراد أراد ~~بذلك إثبات القدر فوضع أحمد بن علي كتابا يحتج فيه فأدخلته على أبي عبدالله ~~فأخبرته بالقصة فقال ويضع كتابا وأنكر عليهما جميعا على ابن رجاء حين قال ~~جبر العباد وعلى القدري حين قال لم يجبر وأنكر على أحمد بن علي وضعه الكتاب ~~واحتجاجه وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب PageV01P070 ~~وقال لي يجب على ابن رجاء أن يستعفر ربه لما قال جبر ms0036 العباد فقلت لأبي ~~عبدالله فما الجواب في هذه المسألة قال { يضل من يشاء ويهدي من يشاء } سورة ~~النحل 93 # قال المروزي في هذه المسألة إنه سمع أبا عبدالله لما أنكر على الذي قال ~~لم يجبر وعلى من رد عليه جبر فقال أبو عبدالله كلما ابتدع رجل بدعة اتسع ~~الناس في جوابها وقال يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة وأنكر على من رد ~~بشيء من جنس الكلام إذ لم يكن له فيه إمام تقدم قال المروزي فما كان بأسرع ~~من أن قدم أحمد بن علي من عكبرا ومعه مشيخة وكتاب من أهل عكبرا فأدخلت أحمد ~~بن علي على أبي عبدالله فقال يا أبا عبدالله هو ذا الكتاب ادفعه إلى أبي ~~بكر حتى يقطعه وأنا أقوم على منبر عكبرا وأستغفر الله عز وجل فقال أبو ~~عبدالله لي ينبغي أن يقبلوا منه فرجعوا له # وقد بسطنا الكلام في هذا المقام في غير هذا الموضع وتكلمنا على الأصل ~~الفاسد الذي ظنه المتفرقون من أن إثبات المعنى الحق الذي يسمونه جبرا ينافى PageV01P071 ~~الأمر والنهى حتى جعله القدرية منافيا للأمر والنهي مطلقا وجعله طائفة من ~~الجبرية منافيا لحسن الفعل وقبحه وجعلوا ذلك مما اعتمدوه في نفي حسن الفعل ~~وقبحه القائم به المعلوم بالعقل # ومن المعلوم أنه لا ينافي ذلك إلا كما ينافيه بمعنى كون الفعل ملائما ~~للفاعل ونافعا له وكونه منافيا للفاعل وضارا له # ومن المعلوم أن هذا المعنى الذي سموه جبرا لا ينافي أن يكون الفعل نافعا ~~وضارا ومصلحة ومفسدة وجالبا للذة وجالبا للألم # فعلم أنه لا ينافي حسن الفعل وقبحه كما لا ينافي ذلك سواء كان ذلك الحسن ~~معلوما بالعقل أو معلوما بالشرع أو كان الشرع مثبتا له لا كاشفا عنه # وأما قول السائل ما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من ~~الوقوع في المهالك وقد كان حريصا على هدى أمته # فنقول هذا السؤال مبني على الأصل الفاسد المتقدم المركب من الإعراض عن ~~الكتاب والسنة وطلب الهدى في مقالات المختلفين ms0037 المتقابلين في النفي ~~والإثبات للعبارات المجملات المشتبهات الذين قال الله فيهم { وإن الذين ~~اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } PageV01P072 ~~سورة البقرة 176 وقال تعالى { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا } سورة ~~يونس 19 وقال تعالى { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم } سورة آل عمران 19 وقال تعالى { فتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا كل حزب بما لديهم فرحون } سورة المؤمنون 53 # وقد تقدم التنبيه على منشأ الضلال في هذا السؤال وأمثاله وما في ذلك من ~~العبارات المتشابهات المجملات المبتدعات سواء كان المحدث هو اللفظ ودلالته ~~أو كان المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى كلفظ أصول الدين حيث ~~أدخل فيه كل قوم من المسائل والدلائل ما ظنوه هم من أصول دينهم وإن لم يكن ~~من أصول الدين الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه كما ذكرنا وأنه إذا منع ~~إطلاق هذه المجملات المحدثات في النفي والإثبات ووقع الإستفسار والتفصيل ~~تبين سواء السبيل # وبذلك يتبين أن الشارع عليه الصلاة والسلام نص على كل ما يعصم من المهالك ~~نصا قاطعا للعذر وقال تعالى { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون } سورة التوبة 115 وقال تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } سورة المائدة 3 # وقال تعالى { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } سورة النساء 165 ~~وقال تعالى { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } سورة النور 54 وقال PageV01P073 ~~{ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } سورة الإسراء 9 وقال تعالى { ولو أنهم ~~فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا ~~عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما } سورة النساء 66 68 وقال تعالى { قد جاءكم ~~من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } سورة ~~المائدة 15 16 # وقال أبو ذر لقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه ~~في السماء ms0038 إلا ذكر لنا منه علما وفي صحيح مسلم أن بعض المشركين قالوا ~~لسلمان لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة قال أجل وقال صلى الله عليه ~~وسلم تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك وقال PageV01P074 ~~ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به ولا من شيء يبعدكم عن ~~النار إلا وقد حدثتكم عنه وقال ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل ~~أمته على خير ما يعلمه خيرا لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه شرا لهم # وهذه الجملة يعلم تفصيلها بالبحث والنظر والتتبع والإستقراء والطلب لعلم ~~هذه المسائل في الكتاب والسنة فمن طلب ذلك وجد في الكتاب والسنة من النصوص ~~القاطعة للعذر في هذه المسائل ما فيه غاية الهدى والبيان والشفاء # وذلك يكون بشيئين أحدهما معرفة معاني الكتاب والسنة # والثاني معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها هؤلاء المختلفون حتى يحسن أن ~~يطبق بين معاني التنزيل ومعاني أهل الخوض في أصول الدين فحينئذ يتبين له أن ~~الكتاب حاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى { كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه } سورة البقرة 213 وقال تعالى { وما اختلفتم فيه من ~~شيء فحكمه إلى الله } PageV01P075 ~~سورة الشورى 10 وقال { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ألم تر إلى الذين يزعمون ~~أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ~~وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } ~~سورة النساء 59 61 # ولهذا يوجد كثيرا في كلام السلف والأئمة النهي عن إطلاق موارد النزاع ~~بالنفي والإثبات وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق ولا قصور أو تقصير في بيان ~~الحق ولكن لأن تلك العبارة من ms0039 الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق ~~وباطل ففي إثباتها إثبات حق وباطل وفي نفيها نفي حق وباطل فيمنع من كلا ~~الإطلاقين بخلاف النصوص الإلهية فإنها فرقان فرق الله بها بين الحق والباطل ~~ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان ~~الذي يجب إتباعه فيثبتون ما أثبته الله ورسوله وينفون ما نفاه الله ورسوله ~~ويجعلون العبارات المحدثة المجملة المتشابهة ممنوعا من إطلاقها نفيا ~~وإثباتا لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الإستفسار والتفصيل فإذا تبين ~~المعنى أثبت حقه ونفى باطله بخلاف كلام الله ورسوله فإنه حق يجب قبوله وإن ~~لم يفهم معناه وكلام غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يفهم معناه PageV01P076 # وأما المختلفون في الكتاب المخالفون له المتفقون على مفارقته فتجعل كل ~~طائفة ما أصلته من أصول دينها الذي ابتدعته هو الإمام الذي يجب اتباعه ~~وتجعل ما خالف ذلك من نصوص الكتاب والسنة من المجملات المتشابهات التي لا ~~يجوز اتباعها بل يتعين حملها على ما وافق أصلهم الذي ابتدعوه أو الإعراض ~~عنها وترك التدبر لها # وهذان الصنفان يشبهان ما ذكره الله في قوله { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد ~~كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ~~وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم ~~بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أو لا يعلمون أن الله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم ~~إلا يظنون فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ~~ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } ~~سورة البقرة 75 79 # فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه وهو متناول لمن حمل الكتاب ~~والسنة على ما أصله هو من البدع الباطلة وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه ~~ومتناول لمن كتب ms0040 كتابا بيده مخالفا لكتاب الله لينال به دنيا وقال إنه من ~~عند الله مثل أن يقول هذا هو الشرع والدين وهذا معنى الكتاب والسنة وهذا PageV01P077 ~~قول السلف والأئمة وهذا هو أصول الدين الذي يجب اعتقاده على الأعيان أو ~~الكفاية ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة لئلا يحتج به مخالفه في ~~الحق الذي يقوله وهذه الأمور كثيرة جدا في أهل الأهواء جملة كالرافضة ~~والجهمية ونحوهم من أهل الأهواء والكلام وفي أهل الأهواء تفصيلا مثل كثير ~~من المنتسبين إلى الفقهاء مع شعبة من حال أهل الأهواء # وهذه الأمور المذكورة في الجواب مبسوطة في موضع آخر والله أعلم # والمقصود هنا الكلام على قول القائل إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية ~~الخ كما تقدم # والكلام على هذه الجملة بني على بيان ما في مقدمتها من التلبيس فإنها ~~مبنية على مقدمات # أولها ثبوت تعارضهما والثانية انحصار التقسيم فيما ذكره من الأقسام ~~الأربعة والثالثة بطلان الأقسام الثلاثة والمقدمات الثلاثة باطلة PageV01P078 # وبيان ذلك بتقديم أصل وهو أن يقال إذا قيل تعارض دليلان سواء كانا سمعيين ~~أو عقليين أو أحدهما سمعيا والآخر عقليا فالواجب أن يقال لا يخلو إما أن ~~يكونا قطعيين أو يكونا ظنيين وإما أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا # فأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما سواء كانا عقليين أو سمعيين أو أحدهما ~~عقليا والآخر سمعيا وهذا متفق عليه بين العقلاء لأن الدليل القطعي هو الذي ~~يجب ثبوت مدلوله ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة # وحينئذ فلو تعارض دليلان قطعيان وأحدهما يناقض مدلول الآخر للزم الجمع ~~بين النقيضين وهو محال بل كل ما يعتقد تعارضه من الدلائل التي يعتقد أنها ~~قطعية فلا بد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي أو أن لا يكون ~~مدلولاهما متناقضين فأما مع تناقض المدلولين المعلومين فيمتنع تعارض ~~الدليلين # وأن كان أحد الدليلين المتعارضين قطعيا دون الآخر فإنه يجب تقديمه بإتفاق ~~العقلاء سواء كان هو السمعي أو العقلي فإن الظن لا يرفع اليقين # وأما إن كانا جميعا ظنيين فإنه يصار ms0041 إلى طلب ترجيح أحدهما فأيهما ترجح ~~كان هو المقدم سواء كان سمعيا أو عقليا PageV01P079 # ولا جواب عن هذا إلا أن يقال الدليل السمعي لا يكون قطعيا وحينئذ فيقال ~~هذا مع كونه باطلا فإنه لا ينفع فإنه على هذا التقدير يجب تقديم القطعي ~~لكونه قطعيا لا لكونه عقليا ولا لكونه أصلا للسمع وهؤلاء جعلوا عمدتهم في ~~التقديم كون العقل هو الأصل للسمع وهذا باطل كما سيأتي بيانه إن شاء الله # وإذا قدر أن يتعارض قطعي وظني لم ينازع عاقل في تقديم القطعي لكن كون ~~السمعي لا يكون قطعيا دونه خرط القتاد # وأيضا فإن الناس متفقون على أن كثيرا مما جاء به الرسول معلوم بالإضطرار ~~من دينه كإيجاب العبادات وتحريم الفواحش والظلم وتوحيد الصانع وإثبات ~~المعاد وغير ذلك # وحينئذ فلو قال قائل إذا قام الدليل العقلي القطعي على مناقضة هذا فلا بد ~~من تقديم أحدهما فلو قدم هذا السمعي قدح في أصله وإن قدم العقلي لزم تكذيب ~~الرسول فيما علم بالاضطرار أنه جاء به وهذا هو الكفر الصريح فلا بد لهم من ~~جواب عن هذا # والجواب عنه أنه يمتنع أن يقوم عقلي قطعي يناقض هذا # فتبين أن كل ما قام عليه دليل قطعي سمعي يمتنع أن يعارضه قطعي عقلي # ومثل هذا الغلط يقع فيه كثير من الناس يقدرون تقديرا يلزم منه لوازم PageV01P080 ~~فيثبتون تلك اللوازم ولا يهتدون لكون ذلك التقدير ممتنعا والتقدير الممتنع ~~قد يلزمه لوازم ممتنعة كما في قوله تعالى { لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا } سورة الأنبياء 22 ولهذا أمثلة # منها ما يذكره القدرية والجبرية في أن أفعال العباد هل هي مقدورة للرب ~~والعبد أم لا فقال جمهور المعتزلة إن الرب لا يقدر على عين مقدور العبد # واختلفوا هل يقدر على مثل مقدوره فأثبته البصريون كأبي على وأبي هاشم ~~ونفاه الكعبي وأتباعه البغداديون PageV01P081 ~~وقال جهم وأتباعه الجبرية إن ذلك الفعل مقدور للرب لا للعبد # وكذلك قال الأشعري وأتباعه إن المؤثر فيه قدرة الرب دون قدرة العبد # واحتج المعتزلة بأنه ms0042 لو كان مقدورا لهما للزم إذا أراده أحدهما وكرهه ~~الآخر مثل أن يريد الرب تحريكه ويكرهه العبد أن يكون موجودا معدوما لأن ~~المقدور من شأنه أن يوجد عند توفر دواعي القادر وأن يبقى على العدم عند ~~توفر صارفه فلو كان مقدور العبد مقدورا لله لكان إذا أراد الله وقوعه وكره ~~العبد وقوعه لزم أن يوجد لتحقق الدواعي ولا يوجد لتحقق الصارف وهو محال # وقد أجاب الجبرية عن هذا بما ذكره الرازي وهو أن البقاء على العدم عند ~~تحقق الصارف ممنوع مطلقا بل يجب إذا لم يقم مقامه سبب آخر مستقل PageV01P082 ~~وهذا أول المسألة وهو جواب ضعيف فإن الكلام في فعل العبد القائم به إذا قام ~~بقلبه الصارف عنه دون الداعي إليه وهذا يمتنع وجوده من العبد في هذه الحال ~~وما قدر وجوده بدون إرادته لا يكون فعلا اختياريا بل يكون بمنزلة حركة ~~المرتعش والكلام إنما هو في الإختياري ولكن الجواب منع هذا التقدير فإن ما ~~لم يرده العبد من أفعاله يمتنع أن يكون الله مريدا لوقوعه إذ لو شاء وقوعه ~~لجعل العبد مريدا له فإذا لم يجعله مريدا له علم أنه لم يشأه ولهذا اتفق ~~علماء المسلمين على أن الإنسان لو قال والله لأفعلن كذا وكذا إن شاء الله ~~ثم لم يفعله أنه لا يحنث لأنه لما لم يفعله علم أن الله لم يشأه إذ لو شاءه ~~لفعله العبد فلما لم يفعله علم أن الله لم يشأه PageV01P083 # واحتج الجبرية بما ذكره الرازي وغيره بقولهم إذا أراد الله تحريك جسم ~~وأراد العبد تسكينه فإما أن يمتنعا معا وهو محال لأن المانع من وقوع مراد ~~كل واحد منهما هو وجود مراد الآخر فلو امتنعا معا لوجدا معا وهو محال أو ~~لوقعا معا وهو محال أو يقع أحدهما وهو باطل لأن القدرتين متساويتان في ~~الإستقلال بالتأثير في ذلك المقدور الواحد والشيء الواحد حقيقته لا تقبل ~~التفاوت فإذن القدرتان بالنسبة إلى اقتضاء وجود ذلك المقدور على السوية ~~وإنما التفاوت في أمور خارجة عن هذا ms0043 المعنى وإذا كان كذلك امتنع الترجيح ~~فيقال هذه الحجة باطلة على المذهبين # أما أهل السنة فعندهم يمتنع أن يريد الله تحريك جسم ويجعل العبد مريدا ~~لأن يجعله ساكنا مع قدرته على ذلك فإن الإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم PageV01P084 ~~وجود المقدور فلو جعله الرب مريدا مع قدرته لزم وجود مقدوره فيكون العبد ~~يشاء ما لا يشاء الله وجوده وهذا ممتنع بل ما شاء الله وجوده يجعل القادر ~~عليه مريدا لوجوده لا يجعله مريدا لما يناقض مراد الرب # وأما على قول المعتزلة فعندهم تمتنع قدرة الرب على عين مقدور العبد ~~فيمتنع اختلاف الإرادتين في شيء واحد # وكلتا الحجتين باطلة فإنهما مبنيتان على تناقض الإرادتين وهذا ممتنع فإن ~~العبد إذا شاء أن يكون شيء لم يشأه حتى يشاء الله مشيئته كما قال تعالى { ~~لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } سورة ~~التكوير 28 29 وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإذا شاءه الله جعل ~~العبد شائيا له وإذا جعل العبد كارها له غير مريد له لم يكن هو في هذه ~~الحال شائيا له # فهم بنوا الدليل على تقدير مشيئة الله له وكراهة العبد له وهذا تقدير ~~ممتنع وهذا نقلوه من تقدير ربين وإلهين وهو قياس باطل لأن العبد مخلوق لله ~~هو وجميع مفعولاته ليس هو مثلا لله ولا ندا ولهذا إذا قيل ما قاله أبو ~~إسحاق الإسفراييني من أن فعل العبد مقدور بين قادرين لم يرد به بين قادرين PageV01P085 ~~مستقلين بل قدرة العبد مخلوقة لله وإرادته مخلوقة لله فالله قادر مستقل ~~والعبد قادر بجعل الله له قادرا وهو خالقة وخالق قدرته وارادته وفعله فلم ~~يكن هذا نظير ذاك # وكذلك ما يقدره الرازي وغيره في مسألة إمكان دوام الفاعلية وأن إمكان ~~الحوادث لا بداية له من أنا إذا قدرنا إمكان حادث معين وقدرنا أنه لم يزل ~~ممكنا كان هذا لم يزل ممكنا مع أنه لا بداية لإمكانه فإن هذا تقدير ممتنع ~~وهو تقدير ما له ms0044 بداية مع أنه لا بداية له وهو جمع بين النقيضين ولهذا منع ~~الرازي في محصله إمكان هذا # وهذا الذي ذكرناه بين واضح متفق عليه بين العقلاء من حيث الجملة وبه ~~يتبين أن إثبات التعارض بين الدليل العقلي والسمعي والجزم بتقديم العقلي ~~معلوم الفساد بالضرورة وهو خلاف ما اتفق عليه العقلاء ### | AUTO وحينئذ فنقول الجواب من وجوه أحدها # ان قوله إذا تعارض النقل والعقل # وإما أن يريد به القطعيين فلا نسلم إمكان التعارض حينئذ # وإما أن يريد به الظنيين فالمقدم هو الراجح مطلقا PageV01P086 # وإما أن يريد به ما أحدهما قطعي فالقطعي هو المقدم مطلقا وإذا قدر أن ~~العقلي هو القطعي كان تقديمه لكونه قطعيا لا لكونه عقليا ### | AUTO فعلم أن تقديم العقلي مطلقا خطأ كما أن جعل جهة الترجيح لكونه ~~عقليا خطأ الوجه الثاني # أن يقال لا نسلم انحصار القسمة فيما ذكرته من الأقسام الأربعة إذ من ~~الممكن أن يقال # يقدم العقلي تارة والسمعي أخرى فأيهما كان قطعيا قدم وإن كانا جميعا ~~قطعيين فيمتنع التعارض وإن كانا ظنيين فالراجع هو المقدم ### | AUTO فدعوى المدعي أنه لابد من تقديم العقلي مطلقا أو السمعي مطلقا ~~أو الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين دعوى باطلة بل هنا قسم ليس من هذه ~~الأقسام كما ذكرناه بل هو الحق الذي لا ريب فيه الوجه الثالث # قوله إن قدمنا النقل كان ذلك طعنا في أصله الذي هو العقل فيكون طعنا فيه ~~غير مسلم # وذلك لأن قوله إن العقل أصل للنقل إما أن يريد به # أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر # أو أصل في علمنا بصحته # والأول لا يقوله عاقل فإن ما هو ثابت في نفس الأمر بالسمع وبغيره هو ثابت ~~سواء علمنا بالعقل أو بغير العقل ثبوته أو لم نعلم ثبوته لا بعقل ولا بغيره ~~إذ عدم العلم ليس علما بالعدم وعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسها PageV01P087 ~~فما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم هو ثابت في نفس الأمر سواء ~~علمنا صدقه ms0045 أو لم نعلمه ومن أرسله الله تعالى إلى الناس فهو رسوله سواء علم ~~الناس أنه رسول أو لم يعلموا وما أخبر به فهو حق وإن لم يصدقه الناس وما ~~أمر به عن الله فالله أمر به وإن لم يطعه الناس فثبوت الرسالة في نفسها ~~وثبوت صدق الرسول وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر ليس موقوفا على وجودنا ~~فضلا على أن يكون موقوفا على عقولنا أو على الأدلة التي نعلمها بعقولنا ~~وهذا كما أن وجود الرب تعالى وما يستحقه من الأسماء والصفات ثابت في نفس ~~الأمر سواء علمناه أو لم نعلمه # فتبين بذلك أن العقل ليس أصلا لثبوت الشرع في نفسه ولا معطيا له صفة لم ~~تكن له ولا مفيدا له صفة كمال إذ العلم مطابق للمعلوم المستغني عن العلم ~~تابع له ليس مؤثرا فيه # فإن العلم نوعان أحدهما العملي وهو ما كان شرطا في حصول المعلوم كتصور ~~أحدنا لما يريد أن يفعله فالمعلوم هنا متوقف على العلم به محتاج إليه # والثاني العلم الخبري النظري وهو ما كان المعلوم غير مفتقر في وجوده إلى ~~العلم به كعلمنا بوحدانية الله تعالى وأسمائه وصفاته وصدق رسله وبملائكته ~~وكتبه وغير ذلك فإن هذه المعلومات ثابتة سواء علمناها أو لم نعلمها فهي ~~مستغنية عن علمنا بها والشرع مع العقل هو من هذا الباب فإن الشرع المنزل PageV01P088 ~~من عند الله ثابت في نفسه سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه فهو مستغن في ~~نفسه عن علمنا وعقلنا ولكن نحن محتاجون إليه وإلى أن نعلمه بعقولنا فإن ~~العقل إذا علم ما هو عليه الشرع في نفسه صار عالما به وبما تضمنه من الأمور ~~التي يحتاج إليها في دنياه وآخرته وانتفع بعلمه به وأعطاه ذلك صفة لم تكن ~~له من قبل ذلك ولو لم يعلمه لكان جاهلا ناقصا # وأما إن أراد أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل لنا على صحته وهذا هو ~~الذي أراده فيقال له أتعني بالعقل هنا الغريزة التي فينا أم العلوم التي ~~استفدناها بتلك ms0046 الغريزة # أما الأول فلم ترده ويمتنع أن تريده لأن تلك الغريزة ليست علما يتصور أن ~~يعارض النقل وهي شرط في كل علم عقلي أو سمعي كالحياة وما كان شرطا في الشىء ~~امتنع أن يكون منافيا له فالحياة والغريزة شرط فى كل العلوم سمعيها وعقليها ~~فامتنع ان تكون منافية لها وهي أيضا شرط في الاعتقاد الحاصل بالاستدلال وإن ~~لم تكن علما فيمتنع أن تكون منافية له معارضة له # وإن أردت بالعقل الذي هو دليل السمع وأصله المعرفة الحاصلة بالعقل فيقال ~~له من المعلوم أنه ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا لسمع ودليلا على صحته ~~فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ~~ما به يعلم صدق الرسول صلى الله عليه وسلم # وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بل ذلك ~~يعلم بما يعلم به أن الله تعالى أرسله مثل إثبات الصانع وتصديقه للرسول ~~بالآيات وأمثال ذلك PageV01P089 ~~وإذا كان كذلك لم تكن جميع المعقولات أصلا للنقل لا بمعنى توقف العلم ~~بالسمع عليها ولا بمعنى الدلالة على صحته ولا بغير ذلك لا سيما عند كثير من ~~متكلمة الإثبات أو أكثرهم كالاشعري في أحد قوليه وكثير من أصحابه أو أكثرهم ~~كالاستاذ أبي المعالي الجويني ومن بعده ومن وافقهم الذين يقولون العلم بصدق ~~الرسول عند ظهور المعجزات التي تجري مجرى تصديق الرسول علم ضروري فحينئذ ما ~~يتوقف عليه العلم بصدق الرسول من العلم العقلي سهل يسير مع أن العلم بصدق ~~الرسول له طرق كثيرة متنوعة كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع # وحينئذ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات ما لا يتوقف العلم بصحة ~~السمع عليه لم يكن القدح فيه قدحا في أصل السمع وهذا بين واضح وليس القدح ~~في بعض العقليات قدحا في جميعها كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات قدحا في ~~جميعها ولا يلزم من صحة بعض العقليات صحة جميعها كما لا يلزم من صحة بعض ~~السمعيات صحة ms0047 جميعها # وحينئذ فلا يلزم من صحة المعقولات التي تبنى عليها معرفتنا بالسمع صحة ~~غيرها من المعقولات ولا من فساد هذه فساد تلك فضلا عن صحة العقليات ~~المناقضة للسمع # فكيف يقال إنه يلزم من صحة المعقولات التي هي ملازمة للسمع صحة المعقولات ~~المناقضة للسمع فإن ما به يعلم السمع ولا يعلن السمع إلا به لازم للعلم ~~بالسمع لا يوجد العلم بالسمع بدونه وهو ملزوم له والعلم به يستلزم PageV01P090 ~~العلم بالسمع والمعارض للسمع مناقض له مناف له فهل يقول عاقل إنه يلزم من ~~ثبوت ملازم الشىء ثبوت مناقضه ومعارضه # ولكن صاحب هذا القول جعل العقليات كلها نوعا واحد متماثلا في الصحة أو ~~الفساد ومعلوم أن السمع إنما يستلزم صحة بعضها الملازم له لا صحة البعض ~~المنافي له والناس متفقون على أن ما يسمى عقليات منه حق ومنه باطل وما كان ~~شرطا في العلم بالسمع وموجبا فهو لازم للعلم به بخلاف المنافي المناقض له ~~فإنه يمتنع أن يكون هو بعينه شرطا في صحته ملازما لثبوته فإن الملازم لا ~~يكون مناقضا فثبت أنه لا يلزم من تقديم السمع على ما يقال إنه معقول في ~~الجملة القدح في أصله # فقد تبين بهذه الوجوه الثلاثة فساد المقدمات الثلاث التي بنوا عليها ~~تقديم آرائهم على كلام الله ورسوله # فإن قيل نحن إنما نقدم على السمع المعقولات التي علمنا بها صحة السمع # قيل سنبين إن شاء الله أنه ليس فيما يعارض السمع من شىء من المعقولات ~~التي يتوقف السمع عليها فإذن كل ما عارض السمع مما يسمى معقولا ليس أصلا ~~للسمع يتوقف العلم بصحة السمع عليه فلا يكون القدح في شىء من المعقولات ~~قدحا في أصل السمع # الوجه الثاني أن جمهور الخلق يعترفون بأن المعرفة بالصانع وصدق الرسول ~~ليس متوقفا على ما يدعيه بعضهم من العقليات المخالفة للسمع والواضعون لهذا ~~القانون كأبي حامد والرازي وغيرهما معترفون بأن العلم بصدق الرسول PageV01P091 ~~لا يتوقف على العقليات المعارضة له فطوائف كثيرون كأبي حامد والشهرستاني ~~وأبي القاسم الراغب وغيرهم يقولون العلم بالصانع ms0048 فطري ضروري # والرازي والآمدي وغيرهما من النظار يسلمون أن العلم بالصانع قد يحصل ~~بالإضطرار وحينئذ فالعلم بكون الصانع قادر معلوم بالاضطرار والعلم بصدق ~~الرسول عند ظهور المعجرات التي تحدى الخلق بمعارضتها وعجزوا عن ذلك معلوم ~~بالاضطرار # ومعلوم أن السمعيات مملوءة من إثبات الصانع وقدرته وتصديق رسوله ليس فيها ~~ما يناقض هذه الأصول العقلية التي بها يعلم السمع بل الذي في السمع PageV01P092 ~~يوافق هذه الأصول بل السمع فيه من بيان الأدلة العقلية على إثبات الصانع ~~ودلائل ربوبيته وقدرته وبيان آيات الرسول ودلائل صدقه أضعاف ما يوجد في ~~كلام النظار فليس فيه ولله الحمد ما يناقض الأدلة العقلية التي بها يعلم ~~صدق الرسول # ومن جعل العلم بالصانع نظريا يعترف أكثرهم بأن من الطرق النظرية التي بها ~~يعلم صدق الرسول ما لا يناقض شيئا من السمعيات والرازي ممن يعترف بهذا فإنه ~~قال في نهاية العقول في مسألة التكفير في المسألة الثالثة في أن مخالف الحق ~~من أهل الصلاة هل يكفر أم لا # قال الشيخ أبو الحسن الأشعري في أول كتاب مقالات الإسلاميين اختلف ~~المسلمون بعد نبيهم في أشياء ضلل فيها بعضهم بعضا وتبرأ بعضهم من بعض ~~فصاروا فرقا متباينين إلا أن الإسلام يجمعهم فيعمهم فهذا مذهبه وعليه أكثر ~~الأصحاب ومن الأصحاب من كفر المخالفين PageV01P093 # وأما الفقهاء فقد نقل عن الشافعي رضي الله تعالى عنه قال لا أرد شهادة ~~أهل الأهواء إلا الخطابية فإنهم يعتقدون حل الكذب # وأما أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه فقد حكى الحاكم صاحب المختصر في كتاب ~~المنتقى عن أبي حنيفة أنه لم يكفر أحدا من أهل القبلة # وحكى أبو بكر الرازي عن الكرخي وغيره مثل ذلك # وأما المعتزلة فالذين كانوا قبل أبي الحسين تحامقوا وكفروا أصحابنا في ~~إثبات الصفات وخلق الأعمال # وأما المشبهة فقد كفرهم مخالفوهم من أصحابنا ومن المعتزلة PageV01P094 # وكان الأستاذ أبو اسحاق يقول أكفر من يكفرني وكل مخالف يكفرنا فنحن نكفره ~~وإلا فلا # والذي نختاره أن لا نكفر أحدا من أهل القبلة # والدليل عليه أن نقول المسائل ms0049 التي اختلف أهل القبلة فيها مثل أن الله ~~تعالى هل هو عالم بالعلم أو بالذات وأنه تعالى هل هو موجد لأفعال العباد أم ~~لا وأنه هل هو متحيز وهل هو في مكان وجهة وهل هو مرئي أم لا لا يخلو إما أن ~~تتوقف صحة الدين على معرفة الحق فيها أو لا تتوقف والأول باطل إذ لو كانت ~~معرفة هذه الأصول من الدين لكان الواجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يطالبهم بهذه المسائل ويبحث عن كيفية اعتقادهم فيها فلما لم يطالبهم بهذه ~~المسائل بل ما جرى حديث في هذه المسائل في زمانه عليه السلام ولا في زمان ~~الصحابة والتابعين رضي الله عنهم علمنا أنه لا تتوقف صحة الإسلام على معرفة PageV01P095 ~~هذه الأصول وإذا كان كذلك لم يكن الخطأ في هذه المسائل قادحا في حقيقة ~~الإسلام وذلك يقتضي الإمتناع من تكفير أهل القبلة # ثم قال بعد ذلك وأما دلالة الفعل المحكم على العلم فقد عرفت أنها ضرورية ~~وأما دلالة المعجز على الصدق فقد بينا أنها ضرورية ومتى عرفت هذه الأصول ~~أمكن العلم بصدق الرسول علية السلام فثبت أن العلم بالأصول التي تتوقف على ~~صحتها نبوة محمد عليه السلام علم جلي ظاهر وإنما طال الكلام في هذه الأصول ~~لرفع هذه الشكوك التي يثبتها المبطلون إما في مقدمات هذه الأدلة أو في ~~معارضاتها والإشتغال برفع هذه الشكوك إنما يجب بعد عروضها فثبت أن أصول ~~الإسلام جلية ظاهرة ثم أن أدلتها على الإستقصاء مذكورة في كتاب الله تعالى ~~خالية عما يتوهم معارضا لها # ثم ذكر بعد ذلك فقال قلنا إنا قد ذكرنا في إثبات العلم بالصانع طرقا خمسة ~~قاطعة في هذا الكتاب من غير حاجة إلى القياس الذي ذكروه والله أعلم PageV01P096 ~~وأيضا فإنه ذكر فيه إثبات الصانع أربعة طرق # طريق حدوث الأجسام وطريق إمكانها وطريق إمكان صفاتها وطريق حدوث صفاتها ~~وقال إن هذه الطريق لا تنفي كونه جسما بخلاف الطرق الثلاثة وهم إنما ينفون ~~ما ينفونه من الصفات لظنهم أنها تستلزم التجسيم الذي ms0050 نفاه العقل الذي هو ~~أصل السمع فإذا اعترفوا بأنه يمكن العلم بالصانع وصدق رسوله قبل النظر في ~~كونه جسما أو ليس بجسم تبين أن صدق الرسول لا يتوقف على العلم بأنه ليس ~~بجسم وحينئذ فلو قدر أن العقل ينفي ذلك لم يكن هذا من العقل الذي هو أصل السمع # الوجه الثالث أن يقال لمن ادعى من هؤلاء توقف العلم بالسمع على مثل هذا ~~النفي كقول من يقول منهم إنا لا نعلم صدق الرسول حتى نعلم وجود الصانع وأنه ~~قادر غني لا يفعل القبيح ولا نعلم ذلك حتى نعلم أنه ليس بجسم أو لا نعلم ~~إثبات الصانع حتى نعلم حدوث العالم ولا نعلم ذلك إلا بحدوث الأجسام فلا ~~يمكن أن يقبل من السمع ما يستلزم كونه جسما # فيقال لهم قد علم بالإضطرار من دين الرسول والنقل المتواتر أنه دعا الخلق ~~إلى الإيمان بالله ورسوله ولم يدع الناس بهذه الطريق التي قلتم إنكم أثبتم ~~بها حدوث العالم ونفى كونه جسما وآمن بالرسول من آمن به من المهاجرين ~~والأنصار ودخل الناس في دين الله أفواجا ولم يدع أحدا منهم بهذه الطريق ولا ~~ذكرها أحد منهم ولا ذكرت في القرآن ولا حديث الرسول ولا دعا بها أحد من ~~الصحابة PageV01P097 ~~والتابعين لهم باحسان الذين هم خير هذه الأمة وأفضلها علما وإيمانا وإنما ~~ابتدعت هذه الطريق في الإسلام بعد المائة الأولى وانقراض عصر أكابر ~~التابعين بل وأوساطهم فكيف يجوز أن يقال إن تصديق الرسول موقوف عليها وأعلم ~~الذين صدقوه وأفضلهم لم يدعوا بها ولا ذكروها ولا ذكرت لهم ولا نقلها أحد ~~عنهم ولا تكلم بها أحد في عصرهم # الوجه الرابع أن يقال هذا القرآن والسنة المنقولة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم متواترها وآحادها ليس فيه ذكر ما يدل على هذه الطريق فضلا عن أن تكون ~~نفس الطريق فيها فليس في شيء من ذلك أن البارئ لم يزل معطلا عن الفعل ~~والكلام بمشيئته ثم حدث ما حدث بلا سبب حادث وليس فيه ذكر الجسم والتحيز ~~والجهة ms0051 لا بنفي ولا إثبات فكيف يكون الإيمان بالرسول مستلزما لذلك والرسول ~~لم يخبر به ولا جعل الإيمان به موقوفا عليه # الوجه الخامس أن هذه الطرق الثلاثة طريق حدوث الأجسام مبنية على امتناع ~~دوام كون الرب فاعلا وامتناع كونه لم يزل متكلما بمشيئته بل حقيقتها مبنية ~~على امتناع كونه لم يزل قادرا على هذا وهذا ومعلوم أن أكثر العقلاء من ~~المسلمين وغير المسلمين ينازعون في هذا ويقولون هذا قول باطل # وأما القول بإمكان الأجسام فهو مبني على أن الموصوف ممكن بناء على أن ~~المركب ممكن وعلى نفي الصفات وهي طريقة أحدثها ابن سينا وأمثاله PageV01P098 ~~وركبها من مذهب سلفهم ومذهب الجهمية وهي أضعف من التي قبلها من وجوه كثيرة # وطريقة إمكان صفات الأجسام مبنية على تماثل الأجسام وأكثر العقلاء ~~يخالفون في ذلك وفضلاؤهم معترفون بفساد ذلك كما قد ذكرنا قول الأشعري ~~والرازي والآمدي وغيرهم واعترافهم بفساد ذلك وبينا فساد ذلك بصريح المعقول # فإذا كانت هذه الطرق فاسدة عند جمهور العقلاء بل فاسدة في نفس الأمر ~~امتنع أن يكون العلم بالصانع موقوفا على طريق فاسدة ولو قدر صحتها علم أن ~~أكثر العقلاء عرفوا الله وصدقوا رسوله بغير هذه الطريق فلم يبق العلم ~~بالسمع موقوفا على صحتها فلا يكون القدح فيها قدحا في أصل السمع # الوجه السادس أن يقال إذا قدر أن السمع موقوف على العلم بأنه ليس بجسم ~~مثلا لم يسلم أن مثبتي الصفات التي جاء بها القرآن والسنة خالفوا موجب ~~العقل فإن عقولهم فيما يثبتونه من الصفات كقول سائر من ينفي الجسم ويثبت ~~شيئا من الصفات # فإذا كان أولئك يقولون إنه حي عليم قدير وليس بجسم ويقول آخرون إنه حي ~~بحياة عليم بعلم قدير بقدرة بل وسميع وبصير ومتكلم بسمع وبصر وكلام وليس ~~بجسم أمكن هؤلاء أن يقولوا في سائر الصفات التي أخبر بها الرسول ما قاله ~~هؤلاء في هذه الصفات PageV01P099 # وإذا أمكن المتفلسف أن يقول هو موجود وعاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق ~~وعشق ولذيذ وملتذ ولذة وهذا كله شيء واحد وهذه ms0052 الصفة هي الأخرى والصفة هي ~~الموصوف وإثبات هذه الأمور لا يستلزم التجسيم أمكن سائر مثبتة الصفات أن ~~يقولوا هذا وما هو أقرب إلى المعقول فلا يقول من نفى شيئا مما أخبر به ~~الشارع من الصفات قولا ويقول إنه يوافق المعقول إلا ويقول من أثبت ذلك ما ~~هو أقرب إلى المعقول منه # وهذه جملة سيأتي إن شاء الله تفصيلها وبيان أن كل من أثبت ما أثبته ~~الرسول ونفي ما نفاه كان أولى بالمعقول الصريح كما كان أولى بالمنقول ~~الصحيح وأن من خالف صحيح المنقول فقد خالف أيضا صريح المعقول وكان أولى بمن ~~قال الله فيه { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } سورة ~~تبارك 10 # فإن قيل قول القائلين إن الأنبياء لم يدعوا الناس إلى إثبات الصانع بهذه ~~الطريقة طريقة الأعراض وحدوثها ولزومها للأجسام وأن ما استلزم الحادث فهو حادث # للمنازعين فيه مقامان أحدهما منع هذه المقدمة فإنه من المعروف أن كثيرا ~~من النفاة يقول إن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل وإنه استدل على ~~حدوث الكواكب والشمس والقمر بالأفول والأفول هو الحركة والحركة هي التغير ~~فلزم من PageV01P100 ~~ذلك أن كل متغير محدث لأنه لا يسبق الحوادث لامتناع حوادث لا أول لها وكل ~~ما قامت به الحوادث فهو متغير فيجب أن يكون محدثا فهذه الطريق التي سلكناها ~~هى طريقة إبراهيم الخليل # وهذا مما ذكره خلق من النفاة مثل بشر المريسي وأمثاله ومثل ابن عقيل وأبي ~~حامد والرازي وخلق غير هؤلاء # وأيضا فالقرآن قد دل على أنه ليس بجسم لأنه أحد والأحد الذي لا ينقسم وهو ~~واحد والواحد الذي لا ينقسم ولأنه صمد والصمد الذي لا جوف له فلا يتخلله ~~غيره والجسم يتخلله غيره ولأنه سبحانه قد قال PageV01P101 ~~{ ليس كمثله شيء } سورة الشورى 11 والأجسام متماثلة فلو كان جسما لكان له ~~مثل وإذا لم يكن جسما لزم نفي ملزومات الجسم # وبعضهم يقول نفي لوازم الجسم وليس بجيد فإنه لا يلزم من وجود اللازم وجود ~~الملزوم ولكن يلزم من ms0053 نفيه نفيه بخلاف ملزومات الجسم فإنه يجب من نفيها نفي ~~الجسم فيجب نفي كل ما يستلزم كونه جسما # ثم من نفي العلو والمباينة يقول العلو يستلزم كونه جسما ومن نفي الصفات ~~الخبرية يقول إثباتها يستلزم التجسيم ومن نفى الصفات مطلقا قال ثبوتها ~~يستلزم التجسيم # وأيضا فالتجسيم نفي لأنه يقتضي القسمة والتركيب فيجب نفي كل تركيب فيجب ~~نفي كونه مركبا من الوجود والماهية ومن الجنس والفصل ومن المادة والصورة ~~ومن الجواهر المفردة ومن الذات والصفات وهذه الخمسة هي التي يسميها نفاة ~~الصفات من متأخري الفلاسفة تركيبا # والمقصود هنا أن السمع دل على نفي هذه الأمور والرسل نفت ذلك وبينت ~~الطريق العقلي المنافي لذلك وهو نفي التشبيه تارة وإثبات حدوث كل متغير تارة # ثم إنه لما قال هؤلاء إن الأفول هو الحدوث والأفول هو التغير فبنى PageV01P102 ~~ابن سينا وأتباعه من الدهرية على هذا وقالوا ما سوى الله ممكن وكل ممكن فهو ~~آفل فالأفل لا يكون واجب الوجود # وجعل الرازي في تفسير هذا الهذيان وقد يقول هو وغيره كل آفل متغير وكل ~~متغير ممكن فيستدلون بالتغير على الإمكان كما استدل الأكثرون من هؤلاء ~~بالتغير على الحدوث وكل من هؤلاء يقول هذه طريقة الخليل # المقام الثاني أن يقال نحن نسلم أن الأنبياء لم يدعوا الناس بهذه الطريق ~~ولا بينوا أنه ليس بجسم وهذا قول محققي طوائف النفاة وأئمتهم فإنهم يعلمون ~~ويقولون إن النفي لم يعتمد فيه على طريقة مأخوذة عن الأنبياء وإن الأنبياء ~~لم يدلوا على ذلك لا نصا ولا ظاهرا ويقولون إن كلام الأنبياء إنما يدل على ~~الإثبات إما نصا وإما ظاهرا # لكن قالوا إذا كان العقل دل على النفي لم يمكنا إبطال مدلول العقل PageV01P103 # ثم يقول المتكلمون من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم الذين قالوا إنما ~~يمكن إثبات الصانع وصدق رسله بهذه الطريق ويقولون إنه لا يمكن العلم بحدوث ~~العالم وإثبات الصانع والعلم بأنه قادر حي عالم وأنه يجوز أن يرسل الرسل ~~ويصدق الأنبياء بالمعجزات إلا بهذه الطريق كما يذكر ذلك أئمتهم وحذاقهم ms0054 حتى ~~متأخروهم كأبي الحسين البصري وأبي المعالي الجويني والقاضي أبي يعلى وغيرهم ~~فإذا علمنا مع ذلك أن الأنبياء لم يدعوا الناس بها لزم ما قلناه من أن ~~الرسول أحال الناس في معرفة الله على العقل وإذا علموا ذلك فحينئذ هم في ~~نصوص الأنبياء إما أن يسلكوا مسلك التأويل ويكون القصد بإنزال المتشابه ~~تكليفهم استخراج طريق التأويلات وإما أن يسلكوا مسلك التفويض ويكون المقصود ~~إنزال ألفاظ يتعبدون بتلاوتها وإن لم يفهم أحد معانيها # ويقول ملاحدة الفلاسفة والباطنية ونحوهم المقصود خطاب الجمهور بما ~~يتخيلون به أن الرب جسم عظيم وأن المعاد فيه لذات جسمانية وإن كان هذا لا ~~حقيقة له ثم إما أن يقال إن الأنبياء لم يعلموا ذلك وإما أن يقال علموه ولم ~~يبينوه بل أظهروا خلاف الحق للمصلحة # قيل في الجواب أما من سلك المسلك الأول فجوابه من وجوه أحدها أن يقال ~~فإذا كانت الأدلة السمعية المأخوذة عن الأنبياء دلت على صحة هذه الطريق ~~وصحة مدلولها وعلى نفي ما تنفونه من الصفات فحينئذ تكون الأدلة السمعية ~~المثبتة لذلك عارضت هذه الأدلة فيكون السمع قد عارضه سمع آخر وإن كان ~~أحدهما موافقا لما تذكرونه من العقل PageV01P104 # وحينئذ فلا تحتاجون أن تبنوا دفع السمعيات المخالفة لكم على هذا القانون ~~الذي ابتدعتموه وجعلتم فيه آراء الرجال مقدمة على ما أنزل الله وبعث به ~~رسله وفتحتم بابا لكل طائفة بل لكل شخص أن يقدم ما رآه بمعقوله على ما ثبت ~~عن الله ورسوله بل قررتم بهذا أن أحدا لا يثق بشي يخبر به الله ورسوله إذ ~~جاز أن يكون له معارض عقلي لم يعلمه المخبر ولهذا كان هذا القانون لا يظهره ~~أحد من الطوائف المشهورين وإنما كان بعضهم يبطنه سرا وإنما أظهر لما ظهر ~~كلام الملاحدة أعداء الرسل # الوجه الثاني أن يقال كل من له أدنى معرفة بما جاء به النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعلم بالإضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس بهذه ~~الطريق طريقة الأعراض ولا نفى الصفات أصلا ms0055 لا نصا ولا ظاهرا ولا ذكر ما ~~يفهم منه ذلك لا نصا ولا ظاهرا ولا ذكر أن الخالق ليس فوق العالم ولا ~~مباينا له أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا ذكر ما يفهم منه ذلك لا نصا ~~ولا ظاهرا بل ولا نفى الجسم الإصطلاحي ولا ما يرادفه من الألفاظ ولا ذكر أن ~~الحوادث يمتنع دوامها في الماضي والمستقبل أو في الماضي لا نصا ولا ظاهرا ~~ولا أن الرب صار الفعل ممكنا له بعد أن لم يكن ممكنا ولا أنه صار الكلام ~~ممكنا له بعد أن لم يكن ممكنا ولا أن كلامه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه ونحو ~~ذلك أمور مخلوقة بائنة عنه وأمثال ذلك مما يقوله هؤلاء لا نصا وظاهرا PageV01P105 # بل علم الناس خاصتهم وعامتهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر ذلك ~~أظهر من علمهم بأنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة وأن القرآن لم يعارضه ~~أحد وأنه لم يفرض صلاة إلا الصلوات الخمس وأنه لم يكن يؤخر صلاة النهار إلى ~~الليل وصلاة الليل إلى النهار وأنه لم يكن يؤذن له في العيدين والكسوف ~~والإستسقاء وأنه لم يرض بدين الكفار لا المشركين ولا أهل الكتاب قط وأنه لم ~~يسقط الصلوات الخمس عن أحد من العقلاء وأنه لم يقاتله أحد من المؤمنين به ~~لا أهل الصفة ولا غيرهم وأنه لم يكن يؤذن بمكة ولا كان بمكة أهل صفة ولا ~~كان بالمدينة أهل صفة قبل أن يهاجر إلى المدينة وأنه لم يجمع أصحابه قط على ~~سماع كف ولا دف وأنه لم يكن يقصر شعر كل من أسلم أو تاب من ذنب وأنه لم يكن ~~يقتل كل من سرق أو قذف أو شرب وأنه لم يكن يصلي الخمس إذا كان صحيحا إلا ~~بالمسلمين لم يكن يصلي الفرض وحده ولا في الغيب وأنه لم يحج في الهواء قط ~~وأنه لم يقل رأيت ربي في اليقظة لا ليلة المعراج ولا غيرها ولم يقل إن الله ~~ينزل عشية عرفة إلى PageV01P106 ~~الأرض وإنما ms0056 قال إنه ينزل إلى السماء الدنيا عشية عرفة فيباهي الملائكة ~~بالحجاج PageV01P107 # ولا قال إن الله ينزل كل ليلة إلى الأرض وإنما قال ينزل إلى سماء الدنيا ~~وأمثال ذلك مما يعلم العلماء بأحواله علما ضروريا أنه لم يكن ومن روى ذلك ~~عنه أو أخذ يستدل على ثبوت ذلك علموا بطلان قوله بالإضطرار كما يعلمون ~~بطلان قول السوفسطائية وإن لم يشتغلوا بحل شبههم # وحينئذ فمن استدل بهذه الطريق أو أخبر الأمة بمثل قول نفاة الصفات كان ~~كذبه معلوما بالإضطرار أبلغ مما يعلم كذب من ادعى عليه هذه الأمور المنتفية ~~عنه وأضعافها وهذا مما يعلمه من له أدنى خبرة بأحوال الرسل فضلا عن ~~المتوسطين فضلا عن الوارثين له العالمين بأقواله وأفعاله PageV01P108 # الوجه الثالث أن يقال صحيح ما ذكرتموه من أقوال الأنبياء أنها تدل على ~~مثل قولكم فلا دلالة في شيء منها من وجوه متعددة وذلك معلوم يقينا بل فيها ~~ما يدل على نقيض قولكم وهو مذهب أهل الإثبات وهكذا عامة ما يحتج به أهل ~~الباطل من الحجج لا سيما السمعية فإنها إنما تدل على نقيض قولهم # وأما قصة إبراهيم الخليل عليه السلام فقد علم باتفاق أهل اللغة والمفسرين ~~أن الأفول ليس هو الحركة سواء كانت حركة مكانية وهي الإنتقال أو حركة في ~~الكم كالنمو أو في الكيف كالتسود والتبيض ولا هو التغير فلا يسمى في اللغة ~~كل متحرك أو متغير آفلا ولا أنه أفل لا يقال للمصلي أو الماشي إنه آفل ولا ~~يقال للتغير الذى هو استحالة كالمرض واصفرار الشمس إنه أفول لا يقال للشمس ~~إذا اصفرت إنها أفلت وإنما يقال أفلت إذا غابت واحتجبت وهذا من المتواتر ~~المعلوم بالإضطرار من لغة العرب أن آفلا بمعنى غائب وقد أفلت الشمس تأفل ~~تأفل أفولا أي غابت PageV01P109 ~~ومما يبين هذا أن الله ذكر عن الخليل أنه لما { رأى كوكبا قال هذا ربي فلما ~~أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن ~~لم يهدني ربي لأكونن من القوم ms0057 الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ~~هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض } سورة الأنعام 76 79 # ومعلوم أنه لما بزغ القمر والشمس كان في بزوغه متحركا وهو الذي يسمونه ~~تغيرا فلو كان قد استدل بالحركة المسماة تغيرا لكان قد قال ذلك من حين رآه ~~بازغا وليس مراد الخليل بقوله هذا ربي رب العالمين ولا أن هذا هو القديم ~~الأزلي الواجب الوجود الذي كل ما سواه محدث ممكن مخلوق له ولا كان قومه ~~يعتقدون هذا حتى يدلهم على فساده ولا اعتقد هذا أحد يعرف قوله بل قومه ~~كانوا مشركين يعبدون الكواكب والأصنام ويقرون بالصانع # ولهذا قال الخليل { أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم ~~عدو لي إلا رب العالمين } سورة الشعراء 75 77 وقال { إنني براء مما تعبدون ~~إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون } سورة ~~الزخرف 26 28 فذكر لهم ما كانوا يفعلونه من اتخاذ الكواكب والشمس والقمر ~~ربا يعبدونه ويتقربون إليه كما هو عادة عباد الكواكب ومن يطلب تسخير ~~روحانية الكواكب وهذا مذهب مشهور ما زال PageV01P110 ~~عليه طوائف من المشركين إلى اليوم وهو الذي صنف فيه الرازي السر المكتوم ~~وغيره من المصنفات # فإن قال المنازعون بل الخليل إنما أراد أن هذا رب العالمين # قيل فيكون إقرار الخليل حجة على فساد قولكم لأنه حينئذ يكون مقرا بأن رب ~~العالمين قد يكون متحيزا متنقلا من مكان إلى مكان متغير وإنه لم يجعل هذه ~~الحوادث تنافي وجوده وإنما جعل المنافي لذلك أفوله وهو مغيبه فتبين أن قصة ~~الخليل إلى أن تكون حجة عليهم أقرب من أن تكون حجة لهم ولا حجة لهم فيها ~~بوجه من الوجوه # وأفسد من ذلك قول من جعل الأفول بمعنى الإمكان وجعل كل ما سوى الله آفلا ~~بمعنى كونه قديما أزليا حتى جعل السماوات والأرض والجبال والشمس والقمر ~~والكواكب لم تزل ولا تزال آفلة وأن أفولها وصف لازم ms0058 لها إذ هو كونها ممكنة ~~والإمكان لازم لها فهذا مع كونه افتراء على اللغة والقرآن افتراء ظاهرا ~~يعرفه كل أحد كما افترى غير ذلك من تسمية القديم الأزلي محدثا وتسميته ~~مصنوعا فقصة الخليل حجة عليه فإنه لما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ولما ~~رأى الشمس بازغة قال هذا ربي فلما أفلت قال لا أحب الآفلين فتبين أنه أفل ~~بعد أن لم يكن آفلا فكون الشمس والقمر والكوكب وكل ما سوى الله ممكنا هو ~~وصف لازم له لا يحدث له بعد أن لم يكن PageV01P111 ~~وهم يقولون إمكانه له من ذاته ووجوده من غيره بناء على تفريقهم في الخارج ~~بين وجود الشيء وذاته فالإمكان عندهم أولى بذاته من الوجود # ولو قال فلما وجدت أو خلقت أو أبدعت قال لا أحب الموجودين والمخلوقين كان ~~هذا قبيحا متناقضا إذ لم يزل كذلك فكيف إذا قال فلما صارت ممكنة وهي لم تزل ممكنة # وأيضا فهى من حين بزغت وإلى أن أفلت ممكنة بذاتها تقبل الوجود والعدم مع ~~كونها عندهم قديمة أزلية يمتنع عدمها وحينئذ يكون كونها متحركة ليس بدليل ~~عند إبراهيم على كونها ممكنة تقبل الوجود والعدم # وأما قول القائل كل متحرك محدث أو كل متحرك ممكن يقبل الوجود والعدم فهذه ~~المقدمة ليست ضرورية فطرية باتفاق العقلاء بل من يدعي صحة ذلك يقول إنها لا ~~تعلم إلا بالنظر الخفي ومن ينازع في ذلك يقول إنها باطلة عقلا وسمعا ويمثل ~~من مثل بها في أوائل العلوم الكلية لقصوره وعجزه وهو نفسه يقدح فيها في ~~عامة كتبه # وأما قوله كل متغير محدث أو ممكن فإن أراد بالتغير ما يعرف من ذلك في ~~اللغة مثل استحالة الصحيح إلى المرض والعادل إلى الظلم والصديق إلى العداوة ~~فإنه يحتاج في إثبات هذه الكلية إلى دليل وإن أراد بالتغير معنى الحركة أو ~~قيام الحوادث مطلقا حتى تسمى الكواكب حين بزوغها متغيرة PageV01P112 ~~ويسمى كل متكلم ومتحرك متغيرا فهذا مما يتعذر عليه إقامة الدليل فيه على دعواه # وأما استدلالهم بما في القرآن ms0059 من تسمية الله أحدا وواحدا على نفي الصفات ~~الذي بنوه على نفي التجسيم # فيقال لهم ليس في كلام العرب بل ولا عامة أهل اللغات أن الذات الموصوفة ~~بالصفات لا تسمى واحدا ولا تسمى أحدا في النفي والإثبات بل المنقول ~~وبالتواتر عن العرب تسمية الموصوف بالصفات واحدا وأحدا حيث أطلقوا ذلك ووحيدا # قال تعالى { ذرني ومن خلقت وحيدا } سورة المدثر 11 وهو الوليد ابن ~~المغيرة # وقال تعالى { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة ~~فلها النصف } سورة النساء 11 فسماها واحدة وهي امرأة واحدة متصفة بالصفات ~~بل جسم حامل للأعراض # وقال تعالى { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } ~~سورة التوبة 6 # وقال تعالى { قالت إحداهما يا أبت استأجره } سورة القصص 26 وقال تعالى { ~~أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } سورة البقرة 282 وقال تعالى { فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى } سورة الحجرات 9 PageV01P113 # وقال { ولم يكن له كفوا أحد } سورة الإخلاص 4 وقال { قل إني لن يجيرني من ~~الله أحد } سورة الجن 22 وقال تعالى { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } سورة الكهف 110 وقال تعالى { ولا يظلم ~~ربك أحدا } سورة الكهف 49 # فإن كان لفظ الأحد لا يقال على ما قامت به الصفات بل ولا على شيء من ~~الأجسام التي تقوم بها الأعراض لأنها منقسمة لم يكن في الوجود غير الله من ~~الملائكة والإنس والجن والبهائم من يدخل في لفظ أحد بل لم يكن في الموجودين ~~ما يقال عليه في النفي أنه أحد فإذا قيل { ولم يكن له كفوا أحد } لم يكن ~~هذا نفيا لمكافأة الرب إلا عمن لا وجود له ولم يكن في الموجودات ما أخبر ~~عنه بهذا الخطاب أنه ليس كفؤا لله # وكذلك قوله { ولا أشرك بربي أحدا } سورة الكهف 38 { ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا } فإنه إذا لم يكن الأحد إلا ما لا ينقسم وكل مخلوق وجسم منقسم لم يكن ~~في المخلوق ms0060 ما يدخل في مسمى أحد فيكون التقدير ولا أشرك به ما لم يوجد ولا ~~يشرك بربه ما لا يوجد # وإذا كان المراد النفي العام وأن كل موجود من الإنس والجن يدخل في مسمى ~~أحد ويقال إنه أحد الرجلين ويقال للأنثى إحدى المرأتين ويقال للمرأة واحدة ~~وللرجل واحد ووحيد علم أن اللغة التي نزل بها القرآن لفظ الواحد والأحد ~~فيها يتناول الموصوفات بل يتناول الجسم الحامل PageV01P114 ~~للأعراض ولم يعرف أنهم أرادوا بهذا اللفظ ما لم يوصف أصلا بل ولا عرف منهم ~~أنهم لا يستعملونه إلا في غير الجسم بل ليس في كلامهم ما يبين استعمالهم له ~~في غير ما يسيمه هؤلاء جسما فكيف يقال لا يدل إلا على نقيض ذلك ولم يعرف ~~استعماله إلا في النقيض الذي أخرجوه منه الوجودي دون النقيض الذي خصوه به ~~وهو العدمي وهل يكون في تبديل اللغة والقرآن أبلغ من هذا # وكذلك اسمه الصمد ليس في قول الصحابة إنه الذي لا جوف له ما يدل على أنه ~~ليس بموصوف بالصفات بل هو على إثبات الصفات أدل منه على نفيها من وجوه ~~مبسوطة في غير هذا الموضع # وكذلك قوله { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } سورة الشورى 11 وقوله { ~~هل تعلم له سميا } سورة مريم 65 ونحو ذلك فإنه لا يدل على نفي الصفات بوجه ~~من الوجوه بل ولا على نفي ما يسميه أهل الإصطلاح جسما بوجه من الوجوه # وأما احتجاجهم بقولهم الأجسام متماثلة فهذا إن كان حقا فهو تماثل يعلم ~~بالعقل ليس فيه أن اللغة التي نزل بها القرآن تطلق لفظ المثل على كل جسم ~~ولا أن اللغة التي نزل بها القرآن تقول إن السماء مثل الأرض والشمس والقمر ~~والكواكب مثل الجبال والجبال مثل البحار والبحار مثل التراب والتراب مثل ~~الهواء والهواء مثل الماء والماء مثل النار والنار مثل الشمس والشمس PageV01P115 ~~مثل الإنسان والإنسان مثل الفرس والحمار والفرس والحمار مثل السفرجل ~~والرمان والرمان مثل الذهب والفضة والذهب والفضة مثل الخبز واللحم ولا في ~~اللغة التي نزل ms0061 بها القرآن أن كل شيئين اشتركا في المقدارية بحيث يكون كل ~~منهما له قدر من الأقدار كالطول والعرض والعمق أنه مثل الآخر ولا أنه إذا ~~كان كل منهما بحيث يشار إليه الإشارة الحسية يكون مثل الآخر بل ولا فيها أن ~~كل شيئين كانا مركبين من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة كان أحدهما ~~مثل الآخر بل اللغة التي نزل بها القرآن تبين أن الإنسانين مع اشتراكهما في ~~أن كلا منهما جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق ضحاك بادي البشرة قد لا ~~يكون أحدهما مثل الآخر كما قال تعالى { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم } سورة محمد 38 فقد بين أنه يستبدل قوما لا يكونون أمثال ~~المخاطبين فقد نفى عنهم المماثلة مع اشتراكهم فيما ذكرناه فكيف يكون في ~~لغتهم أن كل إنسان فإنه مماثل للإنسان بل مماثل لكل حيوان بل مماثل لكل جسم ~~نام حساس بل مماثل لكل جسم مولد عنصري بل مماثل لكل جسم فلكي وغير فلكي # والله إنما أرسل الرسول بلسان قومه وهم قريش خاصة ثم العرب عامة لم ينزل ~~القرآن بلغة من قال الأجسام متماثلة حتى يحمل القرآن على لغة هؤلاء PageV01P116 # هذا لو كان ما قالوه صحيحا في العقل فكيف وهو باطل في العقل كما بسطناه ~~في موضع آخر إذ المقصود هنا بيان أنه ليس لهم في نصوص الأنبياء إلا ما ~~يناقض قولهم لا ما يعاضده # وكذلك الكفء قال حسان بن ثابت % أتهجوه ولست له بكفء % فشركما لخيركما ~~الفداء % # فقد نفى أن يكون كفوا لمحمد مع أن كليهما جسم نام حساس متحرك بالإرادة ~~ناطق ولكن النصوص الإلهية لما دلت على أن الرب ليس له كفء في شيء من ~~الأشياء ولا مثل له في أمر من الأمور ولا ند له في أمر من الأمور علم أنه ~~لا يماثله شيء من الأشياء في صفة من الصفات ولا فعل من الأفعال ولا حق من ~~الحقوق وذلك لا ينفي كونه متصفا بصفات الكمال # فإذا قيل هو حي ولا يماثله ms0062 شيء من الأحياء فى أمر من الأمور وعليم وقدير ~~وسميع وبصير ولا يماثلة عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير في أمر من الأمور ~~كان ما دل عليه السمع مطابقا لما دل عليه العقل من عدم مماثلة شيء من ~~الأشياء له في أمر من الأمور PageV01P117 # وأما كون ما له حقيقة أو صفة أو قدر يكون بمجرد ذلك مماثلا لما له حقيقة ~~أو صفة أو قدر فهذا باطل عقلا وسمعا فليس في لغة العرب ولا غيرهم إطلاق لفظ ~~المثل على مثل هذا وإلا فيلزم أن يكون كل موصوف مماثلا لكل موصوف وكل ما له ~~حقيقة مماثلا لكل ما له حقيقة وكل ما له حقيقة وكل ما له قدر مماثلا لكل ما ~~له قدر وذلك يستلزم أن يكون كل موجود مماثلا لكل موجود وهذا مع أنه في غاية ~~الفساد والتناقض لا يقوله عاقل فإنه يستلزم التماثل في جميع الأشياء فلا ~~يبقى شيئان مختلفان غير متماثلين قط وحينئذ فيلزم أن يكون الرب مماثلا لكل ~~شيء فلا يجوز نفي مماثلة شيء من الأشياء عنه وذلك مناقض للسمع والعقل فصار ~~حقيقة قولهم في نفي التماثل عنه يستلزم ثبوت مماثلة كل شيء له فهم متناقضون ~~مخالفون للشرع والعقل # الجواب الرابع أن يقال فهب أن بعض هذه النصوص قد يفهم منها مقدمة واحدة ~~من مقدمات دليلكم فتلك ليست كافية بالضرورة عند العقلاء بل لا بد من ضم ~~مقدمة أو مقدمات أخر ليس في القرآن ما يدل عليها ألبتة فإذا قدر أن الأفول ~~هو الحركة فمن أين في القرآن ما يدل دلالة ظاهرة على أن كل متحرك محدث أو ~~ممكن وأن الحركة لا تقوم إلا بحادث أو ممكن وأن ما قامت به الحوادث لم يخل ~~منها وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث وأين في القرآن امتناع حوادث لا ~~أول لها # بل أين في القرآن أن الجسم الإصطلاحي مركب من الجواهر الفردة التي لا ~~تقبل الإنقسام أو من المادة والصورة وأن كل جسم فهو منقسم ليس بواحد ms0063 PageV01P118 # بل أين في القرآن أو لغة العرب أو أحد من الأمم أن كل ما يشار إليه أو كل ~~ما له مقدار فهو جسم وأن كل ما شاركه في ذلك فهو مثل له في الحقيقة # ولفظ الجسم في القرآن مذكور في قوله تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم ~~} سورة البقرة 247 وفي قوله { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } سورة المنافقون ~~4 وقد قال أهل اللغة إن الجسم هو البدن قال الجوهري في صحاحه قال أبو زيد ~~الجسم الجسد وكذلك الجسمان والجثمان قال وقال الأصمعي الجسم والجسمان الجسد # ومعلوم أن أهل الإصطلاح نقلوا لفظ الجسم من هذا المعنى الخاص إلى ما هو ~~أعم منه فسموا الهواء ولهيب النار وغير ذلك جسما وهذا لا تسميه العرب جسما ~~كما لا تسميه جسدا ولا بدنا # ثم قد يراد بالجسم نفس الجسد القائم بنفسه وقد يراد به غلظه كما يقال ~~لهذا الثوب جسم # وكذلك أهل العرف الإصطلاحي يريدون بالجسم تارة هذا وتارة هذا ويفرقون بين ~~الجسم التعليمي المجرد عن المحل الذي يسمى المادة والهيولى وبين الجسم ~~الطبيعي الموجود وهذا مبسوط في موضع آخر PageV01P119 # والمقصود هنا أنه لو قدر أن الدليل يفتقر إلى مقدمات ولم يذكر القرآن إلا ~~واحدة لم يكن قد ذكر الدليل إلا أن تكون البواقي واضحات لا تفتقر إلى ~~مقدمات خفية فإنه إنما يذكر للمخاطب من المقدمات ما يحتاج إليه دون ما لا ~~يحتاج إليه ومعلوم أن كون الأجسام متماثلة وأن الأجسام تستلزم الأعراض ~~الحادثة وأن الحوادث لا أول لها من أخفى الأمور وأحوجها إلى مقدمات خفية لو ~~كان حقا وهذا ليس في القرآن # فإن قيل بل كون الأجسام تستلزم الحوادث ظاهر فإنه لا بد للجسم من الحوادث ~~وكون الحوادث لا أول لها ظاهر بل هذا معلوم بالضرورة كما ادعى ذلك كثير من ~~نظار المتكلمين وقالوا نحن نعلم بالإضطرار أن ما لا يسبق الحوادث أو ما لا ~~يخلو من الحوادث فهو حادث فإن ما لم يسبقها ولم يخل منها لا يكون قبلها بل ~~إما معها ms0064 وإما بعدها وما لم يكن قبل الحوادث بل معها أو بعدها لم يكن إلا ~~حادثا فإنه لو لم يكن حادثا لكان متقدما على الحوادث فكان خاليا منها ~~وسابقا عليها # قيل مثل هذه المقدمة وأمثالها منشأ غلط كثير من الناس فإنها تكون لفظا ~~مجملا يتناول حقا وباطلا وأحد نوعيها معلوم صادق والآخر ليس كذلك فيلتبس ~~المعلوم منها بغير المعلوم كما في لفظ الحادث والممكن والمتحيز والجسم ~~والجهة والحركة والتركيب وغير ذلك من الألفاظ المشهورة بين النظار التي كثر ~~فيها نزاعهم وعامتها ألفاظ مجملة تتناول أنواعا مختلفة PageV01P120 # إما بطريق الإشتراك لاختلاف الإصطلاحات وإما بطريق التواطؤ مع اختلاف ~~الأنواع فإذا فسر المراد وفصل المتشابه تبين الحق من الباطل والمراد من غير المراد # فإذا قال قائل نحن نعلم بالإضطرار أن ما لا يسبق الحوادث أو ما لا يخلو ~~منها فهو حادث فقد صدق فيما فهمه من هذا اللفظ وليس ذلك من محل النزاع كلفظ ~~القديم إذا قال قائل القرآن قديم وأراد به أنه نزل من أكثر من سبعمائة سنة ~~وهو القديم في اللغة أو أراد أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزول القرآن ~~فإن هذا مما لا نزاع فيه وكذلك إذا قال غير مخلوق وأراد به أنه غير مكذوب ~~فإن هذا مما لم يتنازع فيه أحد من المسلمين وأهل الملل المؤمنين بالرسل # وذلك أن القائل إذا قال ما لا يسبق الحوادث فهو حادث فله معنيان أحدهما ~~أنه لا يسبق الحادث المعين أو الحوادث المعينة أو المحصورة أو الحوادث التي ~~يعلم أن لها ابتداء فإذا قدر أنه أريد بالحوادث كل ما له ابتداء واحد كان ~~أو عددا فمعلوم أنه ما لم يسبق هذا أو لم يخل من هذا لا يكون قبله بل لا ~~يكون إلا معه أو بعده فيكون حادثا وهذا مما لا يتنازع فيه عاقلان يفهمان ما يقولان # وليس هذا مورد النزاع ولكن مورد النزاع هو ما لم يخل من الحوادث ~~المتعاقبة التي لم تزل متعاقبة هل هو حادث وهو مبنى على أن هذا ms0065 هل يمكن ~~وجوده أم لا فهل يمكن وجود حوادث متعاقبة شيئا بعد شيء دائمة لا ابتداء PageV01P121 ~~لها ولا انتهاء وهل يمكن أن يكون الرب متكلما لم يزل متكلما إذا شاء وتكون ~~كلماته لا نهاية لها لا ابتداء ولا انتهاء كما أنه في ذاته لم يزل ولا يزال ~~لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء له بل هو الأول الذي ليس قبله شيء وهو الآخر ~~الذي ليس بعده شيء فهو القديم الأزلي الدائم الباقي بلا زوال فهل يمكن أن ~~يكون لم يزل متكلما بمشيئته فلا يكون قد صار متكلما بعد أن لم يكن ولا يكون ~~كلامه مخلوقا منفصلا عنه ولا يكون متكلما بغير قدرته ومشيئته بل يكون ~~متكلما بمشيئته وقدرته ولم يزل كذلك ولا يزال كذلك # هذا هو مورد النزاع بين السلف والأئمة الذين قالوا بذلك وبين من نازعهم في ذلك # والفلاسفة يقولون إن الفلك نفسه قديم أزلي لم يزل متحركا لكن هذا القول ~~باطل من وجوه كثيرة ومعلوم بالإضطرار أن هذا مخالف لقولهم ومخالف لما أخبر ~~به القرآن والتوراة وسائر الكتب بخلاف كونه لم يزل متكلما أو لم يزل فاعلا ~~أو قادرا على الفعل فإن هذا مما قد يشكل على كثير من الناس سمعا وعقلا # وأما كون السماوات والأرض مخلوقتين محدثتين بعد العدم فهذا إنما نازع فيه ~~طائفة قليلة من الكفار كأرسطو وأتباعه # وأما جمهور الفلاسفة مع عامة أصناف المشركين من الهند والعرب وغيرهم ومع ~~المجوس وغيرهم ومع أهل الكتاب وغيرهم فهم متفقون على أن السماوات والأرض ~~وما بينهما محدث مخلوق بعد أن لم يكن ولكن تنازعوا في مادة ذلك PageV01P122 # هل هي موجودة قبل هذا العالم وهل كان قبله مدة ومادة أم هو أبدع ابتداء ~~من غير تقدم مدة ولا مادة # فالذي جاء به القرآن والتوراة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع أئمة أهل ~~الكتاب أن هذا العالم خلقه الله وأحدثه من مادة كانت مخلوقة قبله كما أخبر ~~في القرآن أنه { استوى إلى السماء وهي دخان } أي بخار { فقال لها وللأرض ~~ائتيا ms0066 طوعا أو كرها } سورة فصلت 11 وقد كان قبل ذلك مخلوق غيره كالعرش ~~والماء كما قال تعالى { وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان ~~عرشه على الماء } سورة هود 7 وخلق ذلك في مدة غير مقدار حركة الشمس والقمر ~~كما أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام # والشمس والقمر هما من السموات والأرض وحركتهما بعد خلقهما والزمان المقدر ~~بحركتهما وهو الليل والنهار التابعان لحركتهما إنما حدث بعد خلقهما وقد ~~أخبر الله أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام فتلك الأيام مدة ~~وزمان مقدر بحركة أخرى غير حركة الشمس والقمر # وهذا مذهب جماهير الفلاسفة الذين يقولون إن هذا العالم مخلوق محدث وله ~~مادة متقدمة عليه لكن حكي عن بعضهم أن تلك المادة المعينة قديمة أزلية وهذا ~~أيضا باطل كما قد بسط في غير هذا الموضع فإن المقصود هنا إشارة مختصرة إلى ~~قول من يقول إن أقوال هؤلاء دل عليها السمع PageV01P123 # فإن قيل إبطال حوادث لا أول لها قد دل عليه قوله تعالى { وكل شيء عنده ~~بمقدار } سورة الرعد 8 وقوله { وأحصى كل شيء عددا } سورة الجن 28 كما ذكر ~~ذلك طائفة من النظار فإن ما لا ابتداء له ليس له كل وقد أخبر أنه أحصى كل ~~شيء عددا # قيل هذا لو كان حقا لكان دلالة خفية لا يصلح أن يحال عليها كنفي ما دل ~~على الصفات فإن تلك نصوص كثيرة جليلة وهذا لو قدر أنه دليل صحيح فإنه يحتاج ~~إلى مقدمات كثيرة خفية لو كانت حقا مثل أن يقال هذا يستلزم بطلان حوادث لا ~~أول لها وذلك يستلزم حدوث الجسم لأن الجسم لو كان قديما للزم حوادث لا ~~بداية لها لأن الجسم يستلزم الحوادث فلا يخلو منها لاستلزامه الأكوان أو ~~الحركات أو الأعراض ثم يقال بعد هذا وإثبات الصفات يستلزم كون الموصوف جسما # وهذه المقدمة تناقض فيها عامة من قالها كما سنبينه إن شاء الله تعالى ~~فكيف وقوله { وأحصى كل شيء عددا } لا يدل ms0067 على ذلك فإنه سبحانه قدر مقادير ~~الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وقال { وكل شيء ~~أحصيناه في إمام مبين } سورة يس 12 فقد أحصى وكتب ما يكون قبل أن يكون إلى ~~أجل محدود فقد أحصى المستقبل المعدوم كما أحصى الماضي الذي وجد ثم عدم PageV01P124 # ولفظ الإحصاء لا يفرق بين هذا وبين هذا فإن كان الإحصاء يتناول ما لا ~~يتناهى جملة فلا حجة في الآية وإن قيل بل أحصى المستقبل تقديره جملة بعد ~~جملة لم يكن في الأية حجة فإنه يمكن أن يقال في الماضي كذلك # ومسألة تناول العلم لما لا يتناهى مسألة مشكلة على القولين ليس الغرض هنا ~~إنهاء القول فيها بل المقصود أن مثل هذه الآية لم يرد الله بها إبطال دوام ~~كونه لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته # ومما يشبه هذا إذا قيل العالم حادث أم ليس بحادث والمراد بالعالم في ~~الإصطلاح هو كل ما سوى الله فإن هذه العبارة لما معنى في الظاهر المعروف ~~عند عامة الناس أهل الملل وغيرهم ولها معنى في عرف المتكلمين وقد أحدث ~~الملاحدة لها معنى ثالثا # فالذي يفهمه الناس من هذا الكلام أن كل ما سوى مخلوق حادث كائن بعد أن لم ~~يكن وأن الله وحده هو القديم الأزلي ليس معه شيء قديم تقدمه بل كل ما سواه ~~كائن بعد أن لم يكن فهو المختص بالقدم كما اختص الخلق والإبداع والإلهية ~~والربوبية وكل ما سواه محدث مخلوق مربوب عبد له # وهذا المعنى هو المعروف عن الأنبياء وأتباع الأنبياء من المسلمين واليهود ~~والنصارى وهو مذهب أكثر الناس غير أهل الملل من الفلاسفة وغيرهم # والمعنى الثاني أن يقال لم يزل الله لا يفعل شيئا ولا يتكلم بمشيئته ثم ~~حدثت الحوادث من غير سبب يقتضي ذلك مثل أن يقال إن كونه لم يزل متكلما ~~بمشيئته أو فاعلا بمشيئته بل لم يزل قادرا هو ممتنع وإنه يمتنع وجود حوادث ~~لا أول لها فهذا المعنى هو الذي يعنيه أهل الكلام من الجهمية PageV01P125 ~~والمعتزلة ومن اتبعهم ms0068 بحدوث العالم وقد يحكونه عن أهل الملل وهو بهذا ~~المعنى لا يوجد لا في القرآن ولا غيره من كتب الأنبياء لا التوراة ولا ~~غيرها ولا في حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف هذا عن أحد ~~من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين # والمعنى الثالت الذي أحدثه الملاحدة كابن سينا وأمثاله قالوا نقول العالم ~~محدث أي معلول لعلة قديمة أزلية أوجبته فلم يزل معها وسموا هذا الحدوث ~~الذاتي وغيره الحدوث الزماني # والتعبير بلفظ الحدوث عن هذا المعنى لا يعرف عن أحد من أهل اللغات لا ~~العرب ولا غيرهم إلا من هؤلاء الذين ابتدعوا لهذا اللفظ هذا المعنى والقول ~~بأن العالم محدث بهذا المعنى فقط ليس قول أحد من الأنبياء ولا أتباعهم ولا ~~أمة من الأمم العظيمة ولا طائفة من الطوائف المشهورة التي اشتهرت مقالاتها ~~في عموم الناس بحيث كان أهل مدينة على هذا القول وإنما يقول هذا طوائف ~~قليلة مغمورة في الناس # وهذا القول إنما هو معروف عن طائفة من المتفلسفة المليين كابن سينا ~~وأمثاله وقد يحكون هذا القول عن أرسطو وقوله الذي في كتبه أن العالم قديم ~~وجمهور الفلاسفة قبله يخالفونه ويقولون إنه محدث ولم يثبت في كتبه للعالم ~~فاعلا موجبا له بذاته وإنما أثبت له علة يتحرك للتشبه بها ثم جاء الذين PageV01P126 ~~أرادوا إصلاح قوله فجعلوا العلة أولى لغيرها كما جعلها الفارابي وغيره ثم ~~جعلها بعض الناس آمرة للفلك بالحركة لكن يتحرك للتشبه بها كما يتحرك العاشق ~~للمعشوق وإن كان لا شعور له ولا قصد وجعلوه مدبرا بهذا الإعتبار كما فعل ~~ابن رشد وابن سينا جعلوه موجبا بالذات لما سواه وجعلوا ما سواه ممكنا # الوجه الخامس أن يقال غاية ما يدل عليه السمع إن دل على أن الله ليس بجسم ~~وهذا النفي يسلمه كثير ممن يثبت الصفات أو أكثرهم وينفيه بعضهم ويتوقف فيه ~~بعضهم ويفصل القول فيه بعضهم # ونحن نتكلم على تقدير تسليم النفي فنقول ليس في هذا النفي ما يدل على صحة ~~مذهب أحد من ms0069 نفاة الصفات أو الأسماء بل ولا يدل ذلك على تنزيهه سبحانه عن ~~شيء من النقائص فإن من نفى شيئا من الصفات لكون إثباته تجسيما وتشبيها يقول ~~له المثبت قولي فيما أثبته من الصفات والأسماء كقولك فيما أثبته من ذلك فإن ~~تنازعا في الصفات الخبرية أو العلو أو الرؤية أو نحو ذلك وقال له النافي ~~هذا يستلزم التجسيم والتشبيه لأن لا يعقل ما هو كذلك PageV01P127 ~~إلا الجسم قال له المثبت لا يعقل ما له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام ~~وإرادة إلا ما هو جسم فإذا جاز لك أن تثبت هذا الصفات وتقول الموصوف بها ~~ليس بجسم جاز لي مثل ما جاز لك من إثبات تلك الصفات مع أن الموصوف بها ليس ~~بجسم فإذن جاز أن يثبت مسمى بهذه الأسماء ليس بجسم # فإن قال له هذه معان وتلك أبعاض # قال له الرضا والغضب والحب والبغض معان واليد والوجه وإن كان بعضا فالسمع ~~والبصر والكلام أعراض لا تقوم إلا بجسم فإن جاز لك إثباتها مع أنها ليست ~~أعراضا ومحلها ليس بجسم جاز لي إثبات هذه مع أنها ليست أبعاضا # فإن قال نافي الصفات أنا لا أثبت شيئا منها # قال له أنت أبهمت الأسماء فأنت تقول هو حي عليم قدير ولا تعقل حيا عليما ~~قديرا إلا جسما وتقول إنه هو ليس بجسم فإذا جاز لك أن تثبت مسمى بهذه ~~الأسماء ليس بجسم مع أن هذا ليس معقولا لك جاز لي أن أثبت موصوفا بهذه ~~الصفات وإن كان هذا غير معقول لي # فإن قال الملحد أنا أنفي الأسماء والصفات # قيل له إما أن تقر بأن هذا العالم المشهود مفعول مصنوع له صانع فاعله أو ~~تقول إنه قديم أزلي واجب الوجود بنفسه غنى عن الصانع PageV01P128 # فإن قلت بالأول فصانعه إن قلت هو جسم فقد وقعت فيما نفيته وإن قلت ليس ~~بجسم فقد أثبت فاعلا صانعا للعالم ليس بجسم وهذا لا يعقل في الشاهد # فإذا أثبت خالقا فاعلا ليس بجسم وأنت لا تعرف فاعلا إلا جسما ms0070 كان لمنازعك ~~أن يقول هو حي عليم ليس بجسم وإن كان لا يعرف حيا عليما إلا جسما بل لزمك ~~أن تثبت له من الصفات والأسماء ما يناسبه # وإن قال الملحد بل هذا العالم المشهود قديم واجب بنفسه غني عن الصانع فقد ~~أثبت واجبا بنفسه قديما أزليا هو جسم حامل للأعراض متحيز في الجهات تقوم به ~~الأكوان وتحله الحوادث والحركات وله أبعاض وأجزاء فكان ما فر منه من إثبات ~~جسم قديم قد لزمه مثله وما هو أبعد منه ولم يستفد بذلك الإنكار إلا جحد ~~الخالق وتكذيب رسله ومخالفة صريح المعقول والضلال المبين الذي هو منتهى ~~ضلال الضالين وكفر الكافرين # فقد تبين أن قول من نفى الصفات أو شيئا منها لأن إثباتها تجسيم قول لا ~~يمكن أحدا أن يستدل به بل ولا يستدل أحد على تنزيه الرب عن شيء من النقائص ~~بأن ذلك يستلزم التجسيم لأنه لا بد أن يثبت شيئا يلزمه فيما أثبته نظير ما ~~ألزمه غيره فيما نفاه وإذا كان اللازم في الموضعين واحدا وما أجاب هو به ~~أمكن المنازع له أن يجيب بمثله لم يمكنه أن يثبت شيئا وينفى شيئا على هذا PageV01P129 ~~التقدير وإذا انتهى إلى التعطيل المحض كان ما لزمه من تجسيم الواجب بنفسه ~~القديم أعظم من كل تجسيم نفاه فعلم أن مثل هذا الإستدلال على النفي بما ~~يستلزم التجسيم لا يسمن ولا يعني من جوع # وأما الجواب لأهل المقام الثاني وهم محققو النفاة الذين يقولون السمع لم ~~يدل إلا على الإثبات ولكن العقل دل على النفي فجوابهم من وجوه # أحدها أن يقال نحن في هذا المقام مقصودنا أن العقل الذي به يعلم صحة ~~السمع لا يستلزم النفي المناقض للسمع وقد تبين أن الأنبياء لم يدعو الناس ~~بهذه الطريق المستلزمة للنفي طريقة الأعراض وأن الذين آمنوا بهم وعلموا ~~صدقهم لم يعلموه بهذه الطريق وحينئذ فإذا قدر أن معقولكم خالف السمع لم يكن ~~هذا المعقول أصلا في السمع ولم يكن السمع قد ناقض المعقول الذي عرفت به ~~صحته وهذا ms0071 هو المطلوب # وإذا قلتم نحن لم نعرف صحة السمع إلا بهذه الطريق أو قلتم نعرف السمع إلا ~~بهذه الطريق # قيل لكم أما شهادتكم على أنفسكم بأنكم لم تعرفوا السمع إلا بهذه الطريق ~~فقد شهدتم على أنفسكم بضلالكم وجهلكم بالطرق التي دعت بها الانبياء أتباعهم PageV01P130 ~~وإذا كنتم لا تعرفون تلك الطرق فأنتم جهال بطرق الأنبياء وبما بينوا به ~~إثبات الصانع وتصديق رسله فلا يجوز لكم حينئذ أن تقولوا إن صدقهم لا يعرف ~~إلا بمعقول يناقض المنقول عنهم # وأما إذا قلتم لا يمكن أن يعرف الله إلا بهذه الطريق فهذه شهادة زور ~~وتكذيب بما لم تحيطوا بعلمه ونفي لا يمكنكم معرفته فمن أين تعرفون أن جميع ~~بني آدم من الأنبياء وأتباع الأنبياء لا يمكنهم أن يعرفوا الله إلا بإثبات ~~الأعراض وحدوثها ولزومها للجسم وامتناع حوادث لا أول لها أو بنحو هذا ~~الطريق وهل الإقدام على هذا النفي إلا من قول من هو أجهل الناس وأضلهم ~~وأبعدهم عن معرفة طرق العلم وأدلته والأسباب التي بها يعرف الناس ما لم ~~يعرفوه وهذا النفي قاله كثير من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم وهذه حاله ~~وهذا النفي عمدة هؤلاء # الوجه الثاني أن يقال لهم بل صدق الرسول يعلم بطرق متعددة لا تحتاج إلى ~~هذا النفي كما أقر بذلك جمهور النظار حتى إن مسألة حدوث العالم أعترف بها ~~أكابر النظار من المسلمين وغير المسلمين حتى إن موسى بن ميمون صاحب دلالة ~~الحائرين وهو في اليهود كأبي حامد الغزالي في المسلمين يمزج الأقوال PageV01P131 ~~النبوية بالأقوال الفلسفية ويتأولها عليها حتى الرازي وغيره من أعيان ~~النظار اعترفوا بأن العلم بحدوث العالم لا يتوقف على الأدلة العقلية بل ~~يمكن معرفة صدق الرسول قبل العلم بهذه المسألة ثم يعلم حدوث العالم بالسمع ~~فهؤلاء اعترفوا بإمكان كونها سمعية فضلا عن وجوب كونها عقلية فضلا عن كونها ~~أصلا للسمع فضلا عن كونها لا أصل للسمع سواها # وأيضا فقد اعترف أئمة النظار بطرق متعددة لا يتوقف شيء منها على نفي ~~الجسم ولا نفي الصفات # الوجه الثالث ms0072 أن يقال إذا كانت الرسل والأنبياء قد اتبعهم أمم لا يحصى ~~عددهم إلا الله من غير أن يعتمدوا على هذه الطريق وهو يخبرون أنهم علموا ~~صدق الرسول يقينا لا ريب فيه وظهر منهم من أقوالهم وأفعالهم ما يدل على ~~أنهم عالمون بصدق الرسول متيقنون لذلك لا يرتابون فيه وهم عدد كثير أضعاف ~~أضعاف أضعاف أي تواتر قدر فعلم أنهم لم يجتمعوا ويتواطأوا على هذا الإخبار ~~الذي يخبرون به عن أنفسهم علم قطعا أنه حصل لهم علم يقيني بصدق الرسول من ~~غير هذه الطريقة المستلزمة لنفي شيء من الصفات # الوجه الرابع أن نبين فساد هذه الأقوال المخالفة لنصوص الأنبياء وفساد ~~طرقها التي جعلها أصحابها براهين عقلية كما سيأتي إن شاء الله PageV01P132 # الوجه الخامس أن نبين أن الأدلة العقلية الصحيحة البينة التي لا ريب فيها ~~بل العلوم الفطرية الضرورية توافق ما أخبرت به الرسل لا تخالفه وأن الأدلة ~~العقلية الصحيحة جميعها موافقة للسمع لا تخالف شيئا من السمع وهذا ولله ~~الحمد قد اعتبرته فيما ذكره عامة الطوائف فوجدت كل طائفة من طوائف النظار ~~أهل العقليات لا يذكر أحد منهم في مسألة ما دليلا صحيحا يخالف ما أخبرت به ~~الرسل بل يوافقه حتى الفلاسفة القائلين بقدم العالم كأرسطو وأتباعه ما ~~يذكرونه من دليل صحيح عقلي فإنه لا يخالف ما أخبرت به الرسل بل يوافقه ~~وكذلك سائر طوائف النظار من أهل النفي والإثبات لا يذكرون دليلا عقليا في ~~مسألة إلا والصحيح منه موافق لا مخالف # وهذا يعلم به أن المعقول الصريح ليس مخالفا لأخبار الأنبياء على وجه ~~التفصيل كما نذكره إن شاء الله في موضعه ونبين أن من خالف الأنبياء فليس ~~لهم عقل ولا سمع كما أخبر الله عنهم بقوله تعالى { كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل ~~الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا ~~في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير ms0073 } سورة الملك 8 11 # ثم نذكر وجوها أخر لبيان فساد هذا الأصل الذي يتوسل به أهل الإلحاد إلى ~~رد ما قاله الله ورسوله فنقول PageV01P133 ### | AUTO الوجه الرابع # أن يقال العقل إما أن يكون عالما بصدق الرسول وثبوت ما أخبر به في نفس ~~الأمر وإما أن لا يكون عالما بذلك # فإن لم يكن عالما امتنع التعارض عنده إذا كان المعقول معلوما له لأن ~~المعلوم لا يعارضه المجهول وإن لم يكن المعقول معلوما له لم يتعارض مجهولان # وإن كان عالما بصدق الرسول امتنع مع هذا أن لا يعلم ثبوت ما أخبر به في ~~نفس الأمر غايته أن يقول هذا لم يخبر به والكلام ليس هو فيما لم يخبر به بل ~~إذا علم أن الرسول أخبر بكذا فهل يمكنه مع علمه بصدقه فيما أخبر وعلمه أنه ~~أخبر بكذا أن يدفع عن نفسه علمه بثبوت المخبر أن أم يكون علمه بثبوت مخبره ~~لازما له لزوما ضروريا كما تلزم سائر العلوم لزوما ضروريا لمقدماتها # وإذا كان كذلك فإذا قيل له في مثل هذا لا تعتقد ثبوت ما علمت أنه أخبر به ~~لأن هذا الإعتقاد ينافي ما علمت به أنه صادق كان حقيقة الكلام لا تصدقه في ~~هذا الخبر لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه فيقول وعدم تصديقي له فيه هو عين ~~اللازم المحذور فإذا قيل لا تصدقه لئلا يلزم أن لا تصدقه كان كما لو قيل ~~كذبه لئلا يلزم أن تكذبه فيكون المنهي عنه هو المخوف المحذور من فعل المنهي ~~عنه والمأمور به هو المحذور من ترك المأمور به فيكون واقعا في المنهي عنه ~~سواء أطاع أو عصى ويكون تاركا للمأمور به سواء أطاع PageV01P134 ~~أو عصى ويكون وقوعه في المخوف المحذور على تقدير الطاعة لهذا الآمر الذي ~~أمره بتكذيب ما تيقن أن الرسول أخبر به أعجل وأسبق منه على تقدير المعصية ~~والمنهي عنه على هذا التقدير هو التصديق والمأمور به هو التكذيب وحينئذ فلا ~~يجوز النهي عنه سواء كان محذورا أو لم يكن فإنه إن لم ms0074 يكن محذورا لم يجز أن ~~ينهى عنه وإن كان محذورا فلا بد منه على التقديرين فلا فائدة في النهي عنه ~~بل إذا كان عدم التصديق هو المحذور كان طلبه ابتداء أقبح من طلب غيره لئلا ~~يفضي إليه فإن من أمر بالزنا كان أمره به أقبح من أن يأمر بالخلوة المفضية ~~إلى الزنا # فهكذا حال من أمر الناس أن لا يصدقوا الرسول فيما علموا أنه أخبر به بعد ~~علمهم أنه رسول الله لئلا يفضي تصديقهم له إلى عدم تصديقهم له بل إذا قيل ~~له لا تصدقه في هذا كان هذا أمرا له بما يناقض ما علم به صدقه فكان أمرا له ~~بما يوجب أن لا يثق بشيء من خبره فإنه متى جوز كذبه أو غلطه في خبر جوز ذلك ~~مي غيره # ولهذا آل الأمر بمن يسلك هذا الطريق إلى أنهم لا يستفيدون من جهة الرسول ~~شيئا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله تعالى وأفعاله بل وباليوم ~~الآخر عند بعضهم لاعتقادهم أن هذه فيها ما يرد بتكذيب أو تأويل وما لا يرد ~~وليس لهم قانون يرجعون إليه في هذا الأمر من جهة الرسالة بل هذا يقول ما ~~أثبته عقلك فأثبته وإلا فلا وهذا يقول ما أثبته كشفك فأثبته وإلا فلا PageV01P135 # فصار وجود الرسول صلى الله عليه وسلم عندهم كعدمه في المطالب الإلهية ~~وعلم الربوبية بل وجوده على قولهم أضر من عدمه لأنهم لم يستفيدوا من جهته ~~شيئا واحتاجوا إلى أن يدفعوا ما جاء به إما بتكذيب وإما بتفويض وإما بتأويل ~~وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # فإن قالوا لا يتصور أن يعلم أنه أخبر بما ينافي العقل فإنه منزه عن ذلك ~~وهو ممتنع عليه # قيل لهم فهذا إقرار منكم بامتناع معارضة الدليل العقلي للسمعي # فإن قالوا إنما أردنا معارضة ما يظن أنه دليل وليس بدليل أصلا أو يكون ~~دليلا ظنيا لتطرق الظن إلا بعض مقدماته إما في الإسناد وإما في المتن ~~كإمكان كذب المخبر أو غلطه وكإمكان احتمال اللفظ لمعنيين فصاعدا ms0075 # قيل إذا فسرتم الدليل السمعي بما ليس بدليل في نفس الأمر بل اعتقاد ~~دلالته جهل أو بما يظن أنه دليل وليس بدليل أمكن أن يفسر الدليل العقلى ~~المعارض للشرع بما ليس بدليل فى نفس الأمر بل اعتقاد دلالته جهل أو بما يظن ~~أنه دليل ووليس بدليل # وحينئذ فمثل هذا وإن سماه أصحابه براهين عقلية أو قواطع عقلية وهو ليس ~~بدليل في نفس الأمر أو دلالته ظنية إذا عارض ما هو دليل PageV01P136 ~~سمعي يستحق أن يسمى دليلا لصحة مقدماته وكونها معلومة وجب تقديم الدليل ~~السمعي عليه بالضرورة واتفاق العقلاء ### | AUTO فقد تبين أنهم بأي شيء فسروا جنس الدليل الذي رجحوه أمكن تفسير ~~الجنس الآخر بنظيره وترجيحه كما رجحوه وهذا لأنهم وضعوا وضعا فاسدا حيث ~~قدموا ما لا يستحق التقديم لا عقلا ولا سمعا وتبين بذلك أن تقديم الجنس على ~~الجنس باطل بل الواجب أن ينظر في عين الدليلين المتعارضين فيقدم ما هو ~~القطعي منهما أو الراجح إن كانا ظنيين سواء كان هو السمعي أو العقلي ويبطل ~~هذا الأصل الفاسد الذي هو ذريعة إلى الإلحاد الوجه الخامس # أنه إذا علم صحة السمع وأن ما أخبر به الرسول فهو حق فإما أن يعلم أنه ~~أخبر بمحل النزاع أو يظن أنه أخبر به أولا يعلم ولا يظن # فإن علم أنه أخبر به امتنع أن يكون في العقل ما ينافي المعلوم بسمع أو ~~غيره فإن ما علم ثبوته أو انتفاؤه لا يجوز أن يقوم دليل يناقض ذلك # وإن كان مظنونا أمكن أن يكون في العقل علم ينفيه وحينئذ فيجب تقديم العلم ~~على الظن لا لكونه معقولا أو مسموعا بل لكونه علما كما يجب تقديم ما علم ~~بالسمع على ما ظن بالعقل وإن كان الذي عارضه من العقل ظنيا فإن تكافآ وقف ~~الأمر وإلا قدم الراجح # وإن لم يكن في السمع علم ولا ظن فلا معارضة حينئذ فتبين أن الجزم بتقديم ~~العقل مطلقا خطأ وضلال PageV01P137 ### | AUTO الوجه السادس # أن يقال إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم ms0076 الشرع لأن العقل مصدق للشرع في ~~كل ما أخبر به والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به ولا العلم بصدقه ~~موقوف على كل ما يخبر به العقل # ومعلوم أن هذا إذا قيل أوجه من قولهم كما قال بعضهم يكفيك من العقل أن ~~يعلمك صدق الرسول ومعاني كلامه وقال بعضهم العقل متول ولى الرسول ثم عزل ~~نفسه لأن العقل دل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يجب تصديقه فيما أخبر ~~وطاعته فيما أمر # والعقل يدل على صدق الرسول دلالة عامة مطلقة وهذا كما أن العامي إذا لم ~~عين المفتي ودل غيره عليه وبين له أنه عالم مفت ثم اختلف العامي الدال ~~والمفتي وجب على المستفتي أن يقدم قول المفتي فإذا قال له العامي أنا الأصل ~~في علمك بأنه مفت فإذا قدمت قوله على قولي عند التعارض قدحت في الأصل الذي ~~به علمت أنه مفت قال له المستفتي أنت لما شهدت بأنه مفت ودللت على ذلك شهدت ~~بوجوب تقليده دون تقليدك كما شهد به دليلك وموافقتي لك في هذا العلم المعين ~~لا يستلزم أني أوافقك في العلم بأعيان المسائل وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي ~~الذي هو أعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت وأنت إذا علمت أنه مفت ~~باجتهاد واستدلال ثم خالفته باجتهاد واستدلال كنت مخطئا في الإجتهاد ~~والإستدلال الذي خالفت به من يجب عليك PageV01P138 ~~تقليده واتباع قوله وإن لم تكن مخطئا في الإجتهاد والإستدلال الذي به علمت ~~أنه عالم مفت يجب عليك تقليده هذا مع علمه بأن المفتي يجوز عليه الخطأ ~~والعقل يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم في خبره عن الله تعالى لا ~~يجوز عليه الخطأ فتقديمه قول المعصوم على ما يخالفه من استدلاله العقلي ~~أولى من تقديم العامي قول المفتي على قوله الذي يخالفه # وكذلك أيضا إذا علم الناس وشهدوا أن فلانا خبير بالطب أو القيافة أو ~~الخرص أو تقويم السلع ونحو ذلك وثبت عند الحاكم أنه عالم بذلك دونهم أو أنه ms0077 ~~أعلم منهم بذلك ثم نازع الشهود الشاهدون لأهل العلم بالطب والقيافة والخرص ~~والتقويم أهل العلم بذلك وجب تقديم قول أهل العلم بالطب والقيافة والخرص ~~والتقويم لى قول الشهود الذين شهدوا لهم وإن قالوا نحن زكينا هؤلاء ~~وبأقوالنا ثبتت أهليتهم فالرجوع في محل النزاع إليهم دوننا يقدح في الأصل ~~الذي ثبت به قولهم # كما قال بعض الناس أن العقل مزكى الشرع ومعدله فإذ قدم الشرع عليه كان ~~قدحا فيمن زكاه وعدله فيكون قدحا فيه PageV01P139 # قيل لهم أنتم شهدتم بما علمتم من أنه من أهل العلم بالطب أو التقويم أو ~~الخرص أو القيافة ونحو ذلك أن قوله في ذلك مقبول دون قولكم فلو قدمنا قولكم ~~عليه في هذه المسائل لكان ذلك قدحا في شهادتكم وعلمكم بأنه أعلم منكم بهذه ~~الأمور وإخباركم بذلك لا ينافي قبول قوله دون أقوالكم في ذلك إذ يمكن ~~إصابتكم في قولكم هو أعلم منا وخطؤكم في قولكم نحن أعلم ممن هو أعلم منا ~~فيما ينازعنا فيه من المسائل التي هو أعلم بها منا بل خطؤكم في هذا أظهر # والإنسان قد يعلم أن هذا أعلم منه بالصناعات كالحراثة والنساجة والبناء ~~والخياطة وغير ذلك من الصناعات وإن لم يكن عالما بتفاصيل تلك الصناعة فإذا ~~تنازع هو وذلك الذي هو أعلم منه لم يكن تقديم قول الأعلم منه في موارد ~~النزاع قدحا فيما علم به أنه أعلم منه # ومن المعلوم أن مباينة الرسول صلى الله عليه وسلم لذوي العقول أعظم من ~~مباينة أهل العلم بالصناعات العلمية والعملية والعلوم العقلية الإجتهادية ~~كالطب والقيافة والخرص والتقويم لسائر الناس فإن من الناس من يمكنه أن يصير ~~عالما بتلك الصناعات العلمية والعملية كعلم أربابها بها ولا يمكن من لم ~~يجعله الله رسولا إلى الناس أن يصير بمنزلة من جعله الله تعالى رسولا إلى ~~الناس فإن PageV01P140 ~~النبوة لا تنال بالإجتهاد كما هو مذهب أهل الملل وعلى قول من يجعلها مكتسبة ~~من أهل الإلحاد من المتفلسفة وغيرهم فإنها عندهم أصعب الأمور فالوصول إليها ~~أصعب بكثير من الوصول ms0078 إلى العلم بالصناعات والعلوم العقلية # وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله وعلم أنه ~~أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينازعه في خبره كان عقله يوجب عليه أن يسلم ~~موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه وأن لا يقدم رأيه على قوله ويعلم أن ~~عقله قاصر بالنسبة إليه وأنه أعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته واليوم الآخر ~~منه وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت الذي بين ~~العامة وأهل العلم بالطب # فإذا كان عقله يوجب أن ينقاد لطبيب يهودي فيما أخبره به من مقدرات من ~~الأغذية والأشربة والأضمدة والمسهلات واستعمالها على وجه مخصوص مع ما في ~~ذلك من الكلفة والألم لظنه أن هذا أعلم بهذا مني وأني إذا صدقته كان ذلك ~~أقرب إلى حصول الشفاء لي مع علمه بأن الطبيب يخطئ كثيرا وأن كثيرا من الناس ~~لا يشفى بما يصفه الطبيب بل قد يكون استعماله لما يصفه سببا في هلاكه ومع ~~هذا فهو يقبل قوله ويقلده وإن كان ظنه واجتهاده يخالف وصفه فكيف حال الخلق ~~مع الرسل عليهم الصلاة والسلام PageV01P141 # والرسل صادقون مصدوقون لا يجوز أن يكون خبرهم على خلاف ما أخبروا به قط ~~والذين يعارضون أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال ما لا يحصيه إلا ذو ~~الجلال فكيف يجوز أن يعارض ما لم يخطئ قط بما لم يصب في معارضته له قط # فإن قيل فالشهود إذا عدلوا شخصا ثم عاد ذلك المعدل فكذبهم كان تصديقه في ~~جرحهم جرحا في طريق تعديله # قيل ليس هذا وزان مسألتنا فإن المعدل إما أن يقول هم فساق لا يجوز قبول ~~شهادتهم وإما أن يقول هم في هذه الشهادة المعينة أخطأوا أو كذبوا فإن جرحهم ~~مطلقا كان نظير هذا أن يكون الشرع قد قدح في دلالة العقل مطلقا وليس الأمر ~~كذلك فإن الأدلة الشرعية لا تقدح في جنس الأدلة العقلية # وأما إذا قدح في شهادة معينة من شهادات مزكيه وقال إنهم أخطأوا فيها فهذا ~~لا يعارض ms0079 تزكيتهم له باتفاق العقلاء فإن المزكي للشاهد ليس من شرطه أن لا ~~يغلط ولا يلزم من خطئه في شهادة معينة خطؤه في تعديل من عدله وفي غير ذلك ~~من الشهادات # وإذا قال المعدل المزكى في بعض شهادات معدله ومزكيه قد أخطأ فيها لم يضره ~~هذا باتفاق العقلاء بل الشاهد العدل قد ترد شهادته لكونه خصما PageV01P142 ~~أو ظنيا لعداوة أو غيرها وإن لم يقدح ذلك في سائر شهاداته فلو تعارضت شهادة ~~المعدل والمعدل وردت شهادة المعدل لكونه خصما أو ظنينا لم يقدح ذلك في ~~شهادة الآخر وعدالته فالشرع إذا خالف العقل في بعض موارد النزاع ونسبه في ~~ذلك إلى الخطأ والغلط لم يكن ذلك قدحا في كل ما يعلمه العقل ولا في شهادته ~~له بأنه صادق مصدوق # ولو قال المعدل إن الذي عدلني كذب في هذه الشهادة المعينة فهذا أيضا ليس ~~نظيرا لتعارض العقل والسمع فإن الأدلة السمعية لا تدل على أن أهل العقول ~~الذين حصلت لهم شبه خالفوا بها الشرع تعمدوا الكذب في ذلك # وهب أن الشخص الواحد والطائفة المعينة قد تتعمد الكذب لكن جنس الأدلة ~~المعارضة لا توصف بتعمد الكذب # وأيضا فالشاهد إذا صرح بتكذيب معدليه لم يكن تكذيب المعدل من عدله في ~~قضية معينة مستلزما للقدح في تعديله لأنه يقول كان عدلا حين زكاني ثم طرأ ~~عليه الفسق فصار يكذب بعد ذلك ولا ريب أن العدول إذا عدلوا شخصا ثم حدث ما ~~أوجب فسقهم لم يكن ذلك قادحا في تعديلهم الماضي كما لا يكون قادحا في غير ~~ذلك من شهاداتهم PageV01P143 ~~فتبين أن تمثيل معارضة الشرع للعقل بهذا ليس فيه حجة على تقديم آراء ~~العقلاء على الشرع بوجه من الوجوه ### | AUTO وأيضا فإذا سلم أن هذا نظير تعارض الشرع والعقل فيقال من ~~المعلوم أن الحاكم إذا سمع جرح المعدل وتكذيبه لمن عدله في بعض ما أخبر به ~~لم يكن هذا مقتضيا لتقديم قول الذين زكوه بل يجوز أن يكونوا صادقين في ~~تعديله كاذبين فيما كذبهم فيه ويجوز أن يكونوا ms0080 كاذبين في تعديله وفي هذا ~~ويجوز أن يكونوا كاذبين في تعديله صادقين في هذا سواء كانوا متعمدين للكذب ~~أو مخطئين وحينئذ فالحاكم يتوقف حتى يتبين له الأمر لا يرد قول الذين عدلوه ~~بمجرد معارضته لهم فلو كان هذا وزان تعارض العقل والشرع لكان موجب ذلك ~~الوقف دون تقديم العقل الوجه السابع # أن يقال تقديم المعقول على الأدلة الشرعية ممتنع متناقض وأما تقديم ~~الأدلة الشرعية فهو ممكن مؤتلف فوجب الثاني دون الأول وذلك لأن كون الشيء ~~معلوما بالعقل أو غير معلوم بالعقل ليس هو صفة لازمه لشيء من الأشياء بل هو ~~من الأمور النسبية الإضافية فإن زيدا قد يعلم بعقله ما لا يعلمه بكر بعقله ~~وقد يعلم الإنسان في حال بعقله ما يجهله في وقت آخر # والمسائل التي يقال إنه قد تعارض فيها العقل والشرع جميعها مما اضطرب فيه ~~العقلاء ولم يتفقوا فيها على أن موجب العقل كذا بل كل من العقلاء PageV01P144 ~~يقول إن العقل أثبت أو أوجب أو سوغ ما يقول الآخر إن العقل نفاه أو أحاله ~~أو منع منه بل قد آل الأمر بينهم إلى التنازع فيما يقولون إنه من العلوم ~~الضرورية فيقول هذا نحن نعلم بالضرورة العقلية ما يقول الآخر إنه غير معلوم ~~بالضرورة العقلية # كما يقول أكثر العقلاء نحن نعلم بالضرورة العقلية امتناع رؤية مرئى من ~~غير معاينة ومقابلة ويقول طائفة من العقلاء إن ذلك ممكن # ويقول أكثر العقلاء إنا نعلم أن حدوث حادث بلا سبب حادث ممتنع ويقول ~~طائفة من العقلاء إن ذلك ممكن # ويقول أكثر العقلاء إن كون الموصوف عالما بلا علم قادرا بلا قدرة حيا بلا ~~حياة ممتنع في ضرورة العقل وآخرون ينازعون في ذلك # ويقول أكثر العقلاء إن كون الشيء الواحد أمرا نهيا خبرا ممتنع في ضرورة ~~العقل وآخرون ينازعون في ذلك # ويقول أكثر العقلاء إن كون العقل والعاقل والمعقول والعشق والعاشق ~~والمعشوق والوجود والموجود والوجوب والعناية أمرا واحدا هو ممتنع في ضرورة ~~العقل وآخرون ينازعون في ذلك # ويقول جمهور العقلاء إن الوجود ms0081 ينقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وإن لفظ ~~الوجود يعمهما ويتناولها وإن هذا معلوم بضرورة العقل ومن الناس من ينازع في ذلك PageV01P145 # ويقول جمهور العقلاء إن حدوث الأصوات المسموعة من العبد بالقرآن أمر ~~معلوم بضرورة العقل ومن الناس من ينازع في ذلك # وجمهور العقلاء يقولون إثبات موجودين ليس أحدهما مباينا للآخر ولا داخلا ~~فيه أو إثبات موجود ليس بداخل العالم ولا خارجه معلوم الفساد بضرورة العقل ~~ومن الناس من نازع في ذلك # وجمهور العقلاء يعلمون أن كون نفس الإنسان هي العالمة بالأمور العامة ~~الكلية والأمور الخاصة الجزئية معلوم بضرورة العقل ومن الناس من نازع في ~~ذلك وهذا باب واسع # فلو قيل بتقديم العقل على الشرع وليست العقول شيئا واحدا بينا بنفسه ولا ~~عليه دليل معلوم للناس بل فيها هذا الإختلاف والإضطراب لوجب أن يحال الناس ~~على شيء لا سبيل إلى ثبوته ومعرفته ولا اتفاق للناس عليه # وأما الشرع فهو في نفسه قول الصادق وهذه صفة لازمة له لا تختلف باختلاف ~~أحوال الناس والعلم بذلك ممكن ورد الناس إليه ممكن ولهذا جاء التنزيل برد ~~الناس عند التنازع إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } ~~سورة النساء 59 فأمر الله تعالى المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله ~~والرسول وهذا PageV01P146 ~~يوجب تقديم السمع وهذا هو الواجب إذ لو ردوا إلى غير ذلك من عقول الرجال ~~وآرائهم ومقاييسهم وبراهينهم لم يزدهم هذا الرد إلا اختلافا واضطرابا وشكا ~~وارتيابا # ولذلك قال تعالى { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } سورة البقرة 213 # فأنزل الله الكتاب حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه إذ لا يمكن الحكم ~~بين الناس في موارد النزاع والإختلاف على الإطلاق إلا بكتاب منزل من السماء ~~ولا ريب أن بعض الناس قد يعلم ms0082 بعقله ما لا يعلمه غيره وإن لم يمكنه بيان ~~ذلك لغيره ولكن ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع ألبتة بل ~~المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط قط # وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة ~~الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها ~~الموافق للشرع # وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار كمسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر ~~والنبوات والمعاد وغير ذلك ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط بل ~~السمع الذي يقال إنه يخالفه إما حديث موضوع أو دلالة ضعيفة فلا يصلح أن ~~يكون دليلا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح فكيف إذا خالفه صريح المعقول # ونحن نعلم أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول بل بمحارات العقول فلا ~~يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته PageV01P147 ### | AUTO والكلام على هذا على وجه التفصيل مذكور في موضعه فإن أدلة نفاة ~~الصفات والقدر ونحو ذلك إذا تدبرها العاقل الفاضل وأعطاها حقها من النظر ~~العقلي علم بالعقل فسادها وثبوت نقيضها كما قد بيناه في غير هذا الموضع ~~الوجه الثامن # أن يقال المسائل التي يقال إنه قد تعارض فيها العقل والسمع ليست من ~~المسائل البينة المعروفة بصريح العقل كمسائل الحساب والهندسة والطبيعيات ~~الظاهرة والإلهيات البينة ونحو ذلك بل لم ينقل أحد بإسناد صحيح عن نبينا ~~صلى الله عليه وسلم شيئا من هذا الجنس ولا في القرآن شيء من هذا الجنس ولا ~~يوجد ذلك إلا في حديث مكذوب موضوع يعلم أهل النقل أنه كذب أو في دلالة ~~ضعيفة غلط المستدل بها على الشرع # فالأول مثل حديث عرق الخيل الذي كذبه بعض الناس على أصحاب حماد ابن سلمة ~~وقالوا إنه كذبه بعض أهل البدع واتهموا بوضعه محمد بن شجاع الثلجي وقالوا ~~إنه وضعه ورمى به بعض أهل الحديث ليقال عنهم إنهم يروون مثل هذا وهو الذي ~~يقال في متنه إنه خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق PageV01P148 ~~نفسه من ذلك ms0083 العرق تعالى الله عن فرية المفترين وإلحاد الملحدين وكذلك حديث ~~نزوله عشية عرفة إلى الموقف على جمل أورق ومصافحته للركبان ومعانقته للمشاه ~~وأمثال ذلك هي أحاديث مكذوبة موضوعة باتفاق أهل العلم فلا يجوز لأحد أن ~~يدخل هذا وأمثاله في الأدلة الشرعية # والثاني مثل الحديث الذي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~يقول الله تعالى عبدي مرضت فلم تعدني فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ~~فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده عبدي جعت فلم ~~تطعمني فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا ~~جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي PageV01P149 # فإنه لا يجوز لعاقل أن يقول إن دلالة هذا الحديث مخالفة لعقل ولاسمع إلا ~~من يظن أنه قد دل على جواز المرض والجوع على الخالق سبحانه وتعالى ومن قال ~~هذا فقد كذب على الحديث ومن قال إن هذا ظاهر الحديث أو مدلوله أو مفهومه ~~فقد كذب فإن الحديث قد فسره المتكلم به وبين مراده بيانا زالت به كل شبهة ~~وبين فيه أن العبد هو الذي جاع وأكل ومرض وعاده العواد وأن الله سبحانه لم ~~يأكل ولم يعد # بل غير هذا الباب من الأحاديث كالأحاديث المروية في فضائل الأعمال على ~~وجه المجازفة كما يروى مرفوعا أنه من صلى ركعتين في يوم عاشوراء يقرأ فيهما ~~بكذا وكذا كتب له ثواب سبعين نبيا ونحو ذلك هو عند أهل الحديث من الأحاديث ~~الموضوعة فلا يعلم حديث واحدا يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل ~~العلم ضعيف بل موضوع بل لا يعلم حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الأمر والنهي أجمع المسلمون على تركه إلا أن يكون له حديث صحيح يدل على أنه ~~منسوخ ولا يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P150 ~~حديث صحيح أجمع المسلمون على نقيضه فضلا عن أن يكون نقيضه معلوما بالعقل ~~الصريح البين لعامة العقلاء فإن ما يعلم بالعقل الصريح البين أظهر مما ms0084 لا ~~يعلم إلا بالإجماع ونحوه من الأدلة السمعية # فإذا لم يوجد في الأحاديث الصحيحة ما يعلم نقيضه بالأدلة الخفية كالإجماع ~~ونحوه فأن لا يكون فيها ما يعلم نقيضه بالعقل الصريح الظاهر أولى وأحرى ~~ولكن عامة موارد التعارض هي من الأمور الخفية المشتبهة التي يحار فيها كثير ~~من العقلاء كمسائل أسماء الله وصفاته وأفعاله وما بعد الموت من الثواب ~~والعقاب والجنة والنار والعرش والكرسي وعامة ذلك من أنباء الغيب التي تقصر ~~عقول أكثر العقلاء عن تحقيق معرفتها بمجرد رأيهم ولهذا كان عامة الخائضين ~~فيها بمجرد رأيهم إما متنازعين مختلفين وإما حيارى متهوكين وغالبهم يرى أن ~~إمامه أحذق في ذلك منه # ولهذا تجدهم عند التحقيق مقلدين لأئمتهم فيما يقولون إنه من العقليات ~~المعلومة بصريح العقل فتجد أتباع أرسطو طاليس يتبعونه فيما ذكره من ~~المنطقيات والطبيعيات والإلهيات مع أن كثيرا منهم قد يرى بعقله نقيض ما ~~قاله أرسطو وتجده لحس ظنه به يتوقف في مخالفته أو ينسب النقص في الفهم إلى ~~نفسه مع أنه يعلم أهل العقل المتصفون بصريح العقل أن في المنطق من الخطأ ~~البين ما لاريب فيه كما ذكر في غير هذا الموضع PageV01P151 # وأما كلامه وكلام أتباعه كالأسكندر الأفروديسي وبرقلس وثامسطيوس ~~والفارابي وابن سينا والسهروردي المقتول وابن رشد الحفيد وأمثالهم في ~~الإلهيات فما فيه من الخطأ الكثير والتقصير العظيم ظاهر لجمهور عقلاء بني ~~آدم بل في كلامهم من التناقض مالا يكاد يستقصى PageV01P152 # وكذلك أتباع رؤوس المقالات التي ذهب إليها من ذهب من أهل القبلة وإن كان ~~فيها ما فيها من البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ففيها أيضا ~~من مخالفة العقل الصريح ما لا يعلمه إلا الله كأتباع أبي الهذيل العلاف ~~وأبي إسحاق النظام وأبي القاسم الكعبي وأبي علي وأبي هاشم وأبي الحسين ~~البصري وأمثالهم # وكذلك أتباع من هو أقرب إلى السنة من هؤلاء كاتباع حسين النجار PageV01P153 ~~وضرار بن عمرو مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث الذي ناظر أحمد ابن حنبل ~~ومثل حفص الفرد الذي كان يناظر الشافعي وكذلك ms0085 أتباع متكلمي أهل الإثبات ~~كأتباع أبي محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب وأبي عبدالله محمد بن عبدالله بن ~~كرام وأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وغيرهم PageV01P154 # بل هذا موجود في أتباع أئمة الفقهاء وأئمة شيوخ العبادة كأصحاب أبي حنيفة ~~والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم تجد أحدهم دائما يجد في كلامهم ما يراه هو ~~باطلا وهو يتوقف في رد ذلك لاعتقاده أن إمامه أكمل منه عقلا وعلما ودينا ~~هذا مع علم كل من هؤلاء أن متبوعه ليس بمعصوم وأن الخطا جائز عليه ولا تجد ~~أحدا من هؤلاء يقول إذا تعارض قولي وقول متبوعي قدمت قولي مطلقا لكنه إذا ~~تبين له أحيانا الحق في نقيض قول متبوعه أو أن نقيضه أرجح منه قدمه ~~لاعتقاده أن الخطأ جائز عليه # فكيف يجوز أن يقال إن في كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة الثابتة عنه ما ~~يعلم زيد وعمرو بعقله أنه باطل وأن يكون كل من اشتبه عليه شيء مما أخبر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم قدم رأيه على نص الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~أنباء الغيب التي ضل فيها عامة من دخل فيها بمجرد رأيه بدون الإستهداء بهدى ~~الله والإستضاءة بنور الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه مع علم كل أحد ~~بقصوره وتقصيره في هذا الباب وبما وقع فيه من أصحابه وغير أصحابه من ~~الإضطراب # ففي الجملة النصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول بين قط ولا ~~يعارضها إلا ما فيه اشتباه واضطراب وما علم أنه حق لا يعارضه ما فيه اضطراب ~~واشتباه لم يعلم أنه حق # بل نقول قولا عاما كليا إن النصوص الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لم يعارضها قط صريح معقول فضلا عن أن يكون مقدما عليها وإنما الذي PageV01P155 ### | AUTO يعارضها شبه وخيالات مبناها على معان متشابهة وألفاظ مجملة فمتى ~~وقع الإستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سوفسطائية لا براهين عقلية ~~ومما يوضح هذا الوجه التاسع # وهو أن يقال القول بتقديم الإنسان لمعقوله على النصوص ms0086 النبيوية قول لا ~~ينضبط وذلك لأن أهل الكلام والفلسفة الخائضين المتنازعين فيما يسمونه ~~عقليات كل منهم يقول إنه يعلم بضرورة العقل أو بنظره ما يدعى الآخر أن ~~المعلوم بضرورة العقل أو بنظره نقيضه # وهذا من حيث الجملة معلوم فالمعتزلة ومن اتبعهم من الشيعة يقولون إن ~~أصلهم المتضمن نفي الصفات والتكذيب بالقدر الذي يسمونه التوحيد والعدل ~~معلوم بالأدلة العقلية القطعية ومخالفوهم من أهل الإثبات يقولون إن نقيض ~~ذلك معلوم بالأدلة القطعية العقلية # بل الطائفتان ومن ضاهأهما يقولون إن علم الكلام المحض هو ما أمكن علمه ~~بالعقل المجرد بدون السمع كمسألة الرؤية والكلام وخلق الأفعال وهذا هو الذي ~~يجعلونه قطعيا ويؤثمون المخالف فيه # وكل من طائفتي النفي والإثبات فيهم من الذكاء والعقل والمعرفة ما هم ~~متميزون به على كثير من الناس وهذا يقول إن العقل الصريح دل على النفي ~~والآخر يقول العقل الصريح دل على الإثبات PageV01P156 # وهم متنازعون في المسائل التي دلت عليها النصوص كمسائل الصفات والقدر # وأما المسائل المولدة كمسألة الجوهر الفرد وتماثل الأجسام وبقاء الأعراض ~~وغير ذلك ففيها من النزاع بينهم ما يطول استقصاؤه وكل منهم يدعى فيها القطع العقلي # ثم كل من كان عن السنة أبعد كان التنازع والإختلاف بينهم في معقولاتهم ~~أعظم فالمعتزلة أكثر اختلافا من متكلمة أهل الإثبات وبين البصريين ~~والبغداديين منهم من النزاع ما يطول ذكره والبصريون أقرب إلى السنة ~~والإثبات من البغداديين ولهذا كان البصريون يثبتون كون البارئ سميعا بصيرا ~~مع كونه حيا عليما قديرا ويثبتون له الإرادة ولا يوجبون الأصلح في الدنيا ~~ويثبتون خبر الواحد والقياس ولا يؤثمون المجتهدين وغير ذلك ثم بين ~~المشايخية والحسينية أتباع أبي الحسين البصري من التنازع ما هو معروف # وأما الشيعة فأعظم تفرقا واختلافا من المعتزلة لكونهم أبعد عن السنة منهم ~~حتى قيل إنهم يبلغون اثنتين وسبعين فرقة # وأما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع بل هم أعظم اختلافا من جميع طوائف ~~المسلمين واليهود والنصارى والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا ~~إنما هي فلسفة المشائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم وبينه ms0087 وبين سلفه من ~~النزاع والإختلاف ما يطول وصفه ثم بين أتباعه من الخلاف ما يطول وصفه وأما ~~سائر طوائف الفلاسفة فلو حكى اختلافهم في علم الهيئة وحده لكان أعظم من ~~اختلاف كل طائفة من طوائف أهل القبلة والهيئة علم رياضي حسابي هو PageV01P157 ~~من أصح علومهم فإذا كان هذا اختلافهم فيه فكيف باختلافهم في الطبيعيات أو ~~المنطق فكيف بالإلهيات # واعتبر هذا بما ذكره أرباب المقالات عنهم في العلوم الرياضية والطبيعية ~~كما نقله الأشعري عنهم في كتابه في مقالات غير الإسلاميين وما ذكره القاضي ~~أبو بكر عنهم في كتابه في الدقائق فإن في ذلك من الخلاف عنهم أضعاف أضعاف ~~ما ذكره الشهر ستاني وأمثاله ممن يحكي مقالاتهم فكلامهم في العلم الرياضي ~~الذي هو أصح علومهم العقلية قد اختلفوا فيه اختلافا لا يكاد يحصى ونفس ~~الكتاب الذي اتفق عليه جمهورهم وهو كتاب المجسطي لبطليموس فيه قضايا كثيرة ~~لا يقوم عليها دليل صحيح وفيه قضايا ينازعه غيره فيها وفيه قضايا مبينة على ~~أرصاد منقولة عن غيره تقبل الغلط والكذب # وكذلك كلامهم في الطبيعيات في الجسم وهل هو مركب من المادة والصورة أو ~~الأجزاء التي لا تنقسم أو ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا # وكثير من حذاق النظار حار في هذه المسائل حتى أذكياء الطوائف كأبي الحسين ~~البصري وأبي المعالي الجويني وأبي عبدالله بن الخطيب حاروا في مسألة الجوهر ~~الفرد فتوقفوا فيها تارة وإن كانوا قد يجزمون بها أخرى فإن الواحد من هؤلاء ~~تارة يجزم بالقولين المتناقضين في كتابين أو كتاب PageV01P158 ~~واحد وتارة يحار فيها مع دعواهم أن القول الذي يقولونه قطعي برهاني عقلي لا ~~يحتمل النقيض # وهذا كثير في مسائل الهيئة ونحوها من الرياضيات وفي أحكام الجسم وغيره من ~~الطبيعيات فما الظن بالعلم الإلهي وأساطين الفلسفة يزعمون أنهم لا يصلون ~~فيه إلى اليقين وإنما يتكلمون فيه بالأولى والأحرى والأخلق # وأكثر الفضلاء العارفين بالكلام والفلسفة بل وبالتصوف الذين لم يحققوا ما ~~جاء به الرسول تجدهم فيه حيارى كما أنشد الشهرستاني في أول كتابه ms0088 لما قال ~~قد أشار إلى من إشارته غنم وطاعته حتم أن أجمع له من مشكلات الأصول ما أشكل ~~على ذوي العقول ولعله استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم لعمري % لقد طفت في ~~تلك المعاهد كلها % وسيرت طرفي بين تلك المعالم % % فلم أر إلا واضعا كف ~~حائر % على ذقن أو قارعا سن نادم % # وأنشد أبو عبدالله الرازي في غير موضع من كتبه مثل كتاب أقسام اللذات لما ~~ذكر أن هذا العلم أشرف العلوم وأنه ثلاث مقامات العلم بالذات والصفات ~~والأفعال وعلى كل مقام عقدة فعلم الذات عليه عقدة PageV01P159 # هل الوجود هو الماهية أو زائدة على الماهية وعلم الصفات عليه عقدة هل ~~الصفات زائدة على الذات أم لا وعلم الأفعال عليه عقدة هل الفعل مقارن للذات ~~أو متأخر عنها ثم قال ومن الذي وصل إلى هذا الباب أو ذاق من هذا الشراب ثم ~~أنشد % نهاية إقدام العقول عقال % وأكثر سعى العالمين ضلال % % وأرواحنا في ~~وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال % % ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا % ~~سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا % # لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلا ولا ~~تروى غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات { الرحمن على ~~العرش استوى } سورة طه 5 { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } ~~فاطر 10 واقرأ في النفي { ليس كمثله شيء } الشورى 11 { ولا يحيطون به علما ~~} طه 110 { هل تعلم له سميا } مريم 65 ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتي PageV01P160 # وكان ابن أبي الحديد البغدادي من فضلاء الشيعة المعتزلة المتفلسفة وله ~~أشعار في هذا الباب كقوله % فيك يا أغلوطة الفكر % حار أمري وانقضى عمري % ~~% سافرت فيك العقول فما % ربحت إلا أذى السفر % % فلحى الله الأولى زعموا % ~~أنك المعروف بالنظر % % كذبوا إن الذي ذكروا خارج عن قوة البشر % # هذا مع إنشاده % وحقك لو أدخلتني النار قلت % للذين بها قد كنت ممن يحبه ~~% % وأفنيت عمري في علوم كثيرة % وما بغيتي إلا رضاه وقربه % % أما قلتم من ms0089 ~~كان فينا مجاهدا % سيكرم مثواه ويعذب شربه % % أما رد شك ابن الخطيب وزيغه ~~% وتمويه في الدين إذا جل خطبه % % وآية حب الصب أن يعذب الأسى % إذا كان ~~من يهوى عليه يصبه % PageV01P161 # وابن رشد الحفيد يقول في كتابه الذي صنفه ردا على أبي حامد في كتابه ~~المسمى تهافت الفلاسفة فسماه تهافت التهافت ومن الذي قاله في الإلهيات ما ~~يعتد به وأبو الحسن الآمدي في عامة كتبه هو واقف في المسائل الكبار يزيف ~~حجج الطوائف ويبقى حائرا واقفا والخونجي المصنف في أسرار المنطق الذي سمى ~~كتابه كشف الأسرار يقول لما حضره الموت أموت ولم أعرف شيئا إلا أن الممكن ~~يفتقر إلى الممتنع ثم قال الإفتقار وصف سلبي أموت ولم أعرف شيئا حكاه عنه ~~التلمساني وذكر أنه سمعه منه وقت الموت # ولهذا تجد أبا حامد مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه ~~طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف ويحيل في آخر ~~آمره على طريقه أهل الكشف وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث ومات ~~وهو يشتغل في صحيح البخاري PageV01P162 # والحذاق يعلمون أن تلك الطريقة التي يحيل عليها لا توصل إلا المطلوب ~~ولهذا لما بنى على قول النفاة من سلك هذه الطريق كابن عربي وابن سبعين وابن ~~الفارض وصاحب خلع النعلين والتلمساني وأمثالهم وصلوا إلى ما يعلم فساده ~~بالعقل والدين مع دعواهم أنهم أئمة المحققين # ولهذا تجد أبا حامد في مناظرته للفلاسفة إنما يبطل طرقهم ولا يثبت طريقة ~~معينة بل هو كما قال نناظرهم يعني مع كلام الأشعري تارة بكلام المعتزلة ~~وتارة بكلام الكرامية وتارة بطريق الواقفة وهذه الطريق هي الغالب عليه في ~~منتهى كلامه PageV01P163 # وأما الطريقة النبوية السنية السلفية المحمدية الشرعية فإنما يناظرهم بها ~~من كان خبيرا بها وبأقوالهم التي تناقضها فيعلم حينئذ فساد أقوالهم ~~بالمعقول الصريح المطابق للمنقول الصحيح # وهكذا كل من أمعن في معرفة هذه الكلاميات والفلسفيات التي تعارض بها ~~النصوص من غير معرفة تامة بالنصوص ولوازمها وكمال المعرفة بما فيها ~~وبالأقوال التي تنافيها ms0090 فإنه لا يصل إلى يقين يطمئن إليه وإنما تفيده الشك ~~والحيرة # بل هؤلاء الحذاق الذين يدعون أن النصوص عارضها من معقولاتهم ما يجب ~~تقديمه تجدهم حيارى في أصول مسائل الإلهيات حتى مسألة وجود الرب تعالى ~~وحقيقته حاروا فيها حيرة أوجبت أن يتناقض هذا كتناقض الرازي وأن يتوقف هذا ~~كتوقف الآمدي ويذكرون عدة أقوال يزعمون أن الحق ينحصر فيها وهي كلها باطلة # وقد حكي عن طائفة من رءوس أهل الكلام أنهم كانوا يقولون بتكافؤ الأدلة ~~وأن الأدلة قد تكافأت من الجانبين حتى لا يعرف الحق من الباطل ومعلوم أن ~~هذا إنما قالوه فيما سلكوه هم من الأدلة PageV01P164 # وقد حكى لي أن بعض الأذكياء وكان قد قرأ على شخص هو إمام بلده ومن أفضل ~~أهل زمانه في الكلام والفلسفة وهو ابن واصل الحموي أنه قال أضطجع على فراشي ~~وأضع الملحفة على وجهي وأقابل بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء حتى يطلع الفجر ~~ولم يترجح عندي شيء ولهذا انتهى أمره إلى كثرة النظر في الهيئة لكونه تبين ~~له فيه من العلم ما لم يتبين له في العلوم الإلهية # ولهذا تجد كثيرا من هؤلاء لما لم يتبين له الهدى في طريقه نكص على عقبيه ~~فاشتغل باتباع شهوات الغي في بطنه وفرجه أو رياسته وماله ونحو ذلك لعدم ~~العلم واليقين الذي يطمئن إليه قلبه وينشرح له صدره # وفي الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم إن أخوف ما أخاف عليكم ~~شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن وهؤلاء المعرضون عن PageV01P165 ~~الطريقة النبوية السلفية يجتمع فيهم هذا وهذا اتباع شهوات الغي ومضلات ~~الفتن فيكون فيهم من الضلال والغي بقدر ما خرجوا عن الطريق الذي بعث الله ~~به رسوله # ولهذا أمرنا الله أن نقول في كل صلاة { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } وقد صح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون # وكان السلف يقولون احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما ~~فتنة لكل ms0091 مفتون فكيف إذا اجتمع في الرجل الضلال والفجور # ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء كفلان وفلان لكان شيئا ~~كثيرا وما لم يبلغني من حيرتهم وشكهم أكثر وأكثر # وذلك لأن الهدى هو فيما بعث الله به رسله فمن أعرض عنه لم يكن مهتديا ~~فكيف بمن عارضه بما يناقضه وقدم مناقضه عليه # قال الله تعالى لما أهبط آدم { قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ~~قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } سورة طه 123 126 PageV01P166 # قال ابن عباس رضي الله عنهما تكفل الله لمن قرآ القرآن وعمل بما فيه أن ~~لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية # وقوله تعالى { ومن أعرض عن ذكري } يتناول الذكر الذي أنزله وهو الهدى ~~الذي جاءت به الرسل كما قال تعالى في آخر الكلام { كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها } أي تركت اتباعها والعمل بما فيها فمن طلب الهدى بغير القرآن ضل ~~ومن اعتز بغير الله ذل وقد قال تعالى { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء } سورة الأعراف 3 وقال تعالى { وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } سورة الأنعام 153 # وفي حديث علي رضي الله عنه الذي رواه الترمذي ورواه أبو نعيم من عدة طرق ~~عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال إنها ستكون فتنة قلت فما ~~المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم ~~وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى ~~الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط ~~المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا ms0092 يخلق عن ~~كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه ولا تشبع منه العلماء من قال به PageV01P167 ~~صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم وهذا ~~مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على أنه لو سوغ للناظرين أن يعرضوا عن كتاب الله ~~تعالى ويعارضوه بأرائهم ومعقولاتهم لم يكن هناك أمر مضبوط يحصل لهم به علم ~~ولا هدى فإن الذين سلكوا هذه السبيل كلهم يخبر عن نفسه بما يوجب حيرته وشكه ~~والمسلمون يشهدون عليه بذلك فثبت بشهادته وإقراره على نفسه وشهادة المسلمين ~~الذين هم شهداء الله في الأرض أنه لم يظفر من أعرض عن الكتاب وعارضه بما ~~يناقضه بيقين يطمئن إليه ولا معرفة يسكن بها قلبه # والذين ادعوا في بعض المسائل أن لهم معقولا صريحا يناقض الكتاب قابلهم ~~آخرون من ذوي المعقولات فقالوا إن قول هؤلاء معلوم بطلانه بصريح المعقول ~~فصار ما يدعى معارضته للكتاب من المعقول ليس فيه ما يجزم بأنه معقول صحيح ~~إما بشاهدة أصحابه عليه وشهادة الأمة وإما بظهور تناقضهم ظهورا لا ارتياب ~~فيه وإما بمعارضة آخرين من أهل هذه المعقولات لهم بل من تدبر ما يعارضون به ~~الشرع من العقليات وجد ذلك مما يعلم بالعقل الصريح بطلانه والناس إذا ~~تنازعوا فى المعقول لم يكن قول طائفة لها مذهب حجة على أخرى بل يرجع فى ذلك ~~إلى الفطر السليمة التي لم تتغير باعتقاد يغير فطرتها ولا هوى فامتنع حينئذ ~~أن يعتمد على ما يعارض الكتاب من الأقوال التي يسمونها معقولات PageV01P168 ~~وإن كان ذلك قد قالته طائفة كبيرة لمخالفة طائفة كبيرة لها ولم يبق إلا أن ~~يقال إن كل إنسان له عقل فيعتمد على عقل نفسه وما وجده معارضا لأقوال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من رأيه خالفه وقدم رأيه على نصوص الأنبياء ~~صلوات الله وسلامه عليهم ومعلوم أن هذا أكثر ضلالا واضطرابا # فإذا كان فحول النظر وأساطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلى ~~الغاية وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة ms0093 هذه العقليات ثم لم يصلوا فيها ~~إلى معقول صريح يناقض الكتاب بل إما إلى حيرة وارتياب وإما إلى اختلاف بين ~~الأحزاب فكيف غير هؤلاء ممن لم يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما ~~سلكوه من العقليات # فهذا وأمثاله مما يبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه لم يعارضه ~~إلا بما هو جهل بسيط أو جهل مركب فالأول { كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب } ~~سورة النور 39 والثاني { كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه ~~سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور } سورة النور 40 # وأصحاب القرآن والإيمان في نور على نور قال تعالى { وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به ~~من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور } سورة الشورى 52 53 # وقال تعالى { الله نور السماوات والأرض مثل نوره } إلى آخر الآية PageV01P169 ~~سورة النور 35 وقال تعالى { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } سورة الأعراف 157 # فأهل الجهل البسيط منهم أهل الشك والحيرة من هؤلاء المعارضين للكتاب ~~المعرضين عنه وأهل الجهل المركب أرباب الإعتقادات الباطلة التي يزعمون أنها ~~عقليات وآخرون ممن يعارضهم يقول المناقض لتلك الأقوال هو العقليات ### | AUTO ومعلوم أنه حينئذ يجب فساد أحد الإعتقادين أو كليهما والغالب ~~فساد كلا الإعتقادين لما فيهما من الإجمال والإشتباه وأن الحق يكون فيه ~~تفصيل يبين أن مع هؤلاء حق وباطلا ومع هؤلاء حقا وباطلا والحق الذي مع كل ~~منهما هو الذي جاء به الكتاب الذي يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه والله ~~أعلم الوجه العاشر # أن يعارض دليلهم بنظير ما قالوه فيقال إذا تعارض ms0094 العقل والنقل وجب تقديم ~~النقل لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين ورفعهما رفع للنقيضين ~~وتقديم العقل ممتنع لأن العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل ~~وإذا أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضا للنقل لأن ما ليس بدليل لا ~~يصلح لمعارضة شيء من الأشياء فكان تقديم العقل موجبا عدم تقديمه فلا يجوز تقديمه # وهذا بين واضح فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته وأن خبره مطابق ~~لمخبره فإن جاز أن تكون هذه الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون PageV01P170 ~~العقل دليلا صحيحا وإذا لم يكن دليلا صحيحا لم يجز أن يتبع بحال فضلا عن أن ~~يقدم فصار تقديم العقل على النقل قدحا في العقل بانتفاء لوازمه ومدلوله ~~وإذا كان تقديمه على النقل يستلزم القدح فيه والقدح فيه يمنع دلالته والقدح ~~في دلالته يقدح في معارضته كان تقديمه عند المعارضة مبطلا للمعارضة فامتنع ~~تقديمه على النقل وهو المطلوب # وأما تقديم النقل عليه فلا يستلزم فساد النقل في نفسه # ومما يوضح هذا أن يقال معارضة العقل لما دل العقل على أنه حق دليل على ~~تناقض دلالته وذلك يوجب فسادها وأما السمع فلم يعلم فساد دلالته ولا ~~تعارضها في نفسها وإن لم يعلم صحتها وإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده ~~والآخر لم نعلم فساده كان تقديم ما لم يعلم فساده أقرب إلى الصواب من تقديم ~~ما يعلم فساده كالشاهد الذي علم أنه يصدق ويكذب والشاهد المجهول الذي لم ~~يعلم كذبه فإن تقديم قول الفاسق المعلوم كذبه على قول المجهول الذى لم يعلم ~~كذبه لا يجوز فكيف إذا كان الشاهد هو الذي شهد بأنه قد كذب في بعض شهاداته # والعقل إذا صدق السمع في كل ما يخبر به ثم قال إنه أخبر بخلاف الحق كان ~~هو قد شهد للسمع بأنه يجب قبوله وشهد له بأنه لا يجب قبوله وشهد بأن الأدلة ~~السمعية ms0095 حق وأن ما أخبر به السمع فهو حق وشهد بأن ما أخبر به السمع فليس ~~بحق فكان مثله مثل من شهد لرجل بأنه صادق لا يكذب وشهد له بأنه قد كذب فكان ~~هذا قدحا في شهادته مطلقا وتزكيته فلا يجب قبول شهادته الأولى ولا الثانية ~~فلا يصلح أن يكون معارضا للسمع بحال PageV01P171 # ولهذا تجد هؤلاء الذين تتعارض عندهم دلالة العقل والسمع في حيرة وشك ~~واضطراب إذ ليس عندهم معقول صريح سالم عن معارض مقاوم كما أنهم أيضا في نفس ~~المعقول الذي يعارضون به السمع في اختلاف وريب واضطراب # وذلك كله مما يبين أنه ليس في المعقول الصريح ما يمكن أن يكون مقدما على ~~ما جاءت به الرسل وذلك لأن الآيات والبراهين دالة على صدق الرسل وأنهم لا ~~يقولون على الله إلا الحق وأنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الخبر ~~والطلب لا يجوز أن يستقر في خبرهم عن الله شيء من الخطأ كما اتفق على ذلك ~~جميع المقرين بالرسل من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم # فوجب أن جميع ما يخبر به الرسول عن الله صدق وحق لا يجوز أن يكون في ذلك ~~شيء مناقض لدليل عقلي ولا سمعي فمتى علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ~~ذلك جزم جزما قاطعا أنه حق وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر ~~به وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي لا عقلي ولا سمعي وأن كل ما ظن أنه ~~عارضه من ذلك فإنما هو حجج داحضة وشبه من جنس شبه السوفسطائية # وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك وأنه يمتنع أن يعارض ~~خبره دليل صحيح كان هذا العقل شاهد بأن كل ما خالف خبر الرسول فهو باطل ~~فيكون هذا العقل والسمع جميعا شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع PageV01P172 # فإن قيل فهذا يوجب القدح في شهادة العقل حيث شهد بصدق الرسول وشهد بصدق ~~العقل المناقض لخبره # قيل له عن هذا جوابان أحدهما إنا نحن يمتنع عندنا أن يتعارض العقل والسمع ~~القطعيان ms0096 فلا تبطل دلالة العقل وإنما ذكرنا هذا على سبيل المعارضة فمن قدم ~~دلالة العقل على السمع يلزمه أن يقدم دلالة العقل الشاهد بتصديق السمع وأنه ~~إذا قدم دلالة العقل لزم تناقضها وفسادها وإذا قدم دلالة السمع لم يلزم ~~تناقضها في نفسها وإن لزمه أن لا يعلم صحتها وما علم فساده أولى بالرد مما ~~لم تعلم صحته ولا فساده # والجواب الثاني أن نقول الأدلة العقلية التي تعارض السمع غير الأدلة ~~العقلية التي يعلم بها أن الرسول صادق وإن كان جنس المعقول يشملها ونحن إذا ~~أبطلنا ما عارض السمع إنما أبطلنا نوعا مما يسمى معقولا لم نبطل كل معقول ~~ولا أبطلنا المعقول الذي علم به صحة المنقول وكان ما ذكرناه موجبا لصحة ~~السمع وما علم به صحته من العقل # ولا مناقضة في ذلك ولكن حقيقتة أنه قد تعارض العقل الدال على صدق الرسول ~~والعقل المناقض لخبر الرسول فقدمنا ذلك المعقول على هذا المعقول كما تقدم ~~الأدلة على صدق الرسول على الحجج الفاسدة والقادحة في نبوات الأنبياء وهي ~~حجج عقلية # بل شبهات المبطلين القادحين في النبوات قد تكون أعظم من كثير من الحجج ~~العقلية التي يعارض بها خبر الأنبياء عن أسماء الله وصفاته وأفعاله ومعاده ~~فإذا كان PageV01P173 ~~تقديم الأدلة العقلية الدالة على أنهم صادقون في قولهم إن الله أرسلهم ~~مقدمة على ما يناقض ذلك من العقليات كذلك تقديم هذه الأدلة العقلية ~~المستلزمة لصدقهم فيما أخبروا به على ما يناقض ذلك من العقليات وعاد الأمر ~~إلى تقديم جنس من المعقولات على جنس # وهذا متفق عليه بين العقلاء فإن الأدلة العقلية إذا تعارضت فلا بد من ~~تقديم بعضها على بعض ونحن نقول لا يجوز أن يتعارض دليلان قطعيان لا عقليان ~~ولا سمعيان ولا سمعي ولا عقلي ولكن قد ظن من لم يفهم حقيقة القولين ~~تعارضهما لعدم فهمه لفساد أحدهما # فإن قيل نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع على أن دلالة السمع المخالفة له ~~باطلة إما لكذب الناقل عن الرسول أو خطئه في النقل وإما لعدم دلالة ms0097 قوله ~~على ما يخالف العقل في محل النزاع # قيل هذا معارض بأن يقال نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع على أن دلالة ~~العقل المخالفة له باطلة لبطلان بعض مقدماتها فإن مقدمات الأدلة العقلية ~~المخالفة للسمع فيها من التطويل والخفاء والإشتباه والإختلاف والإضطراب ما ~~يوجب أن يكون تطرق الفساد إليها أعظم من تطرقه إلى مقدمات الأدلة السمعية # ومما يبين ذلك أن يقال دلالة السمع على مواقع الإجماع مثل دلالته على ~~موارد النزاع فإن دلالة السمع على علم الله تعالى وقدرته وإرادته وسمعه ~~وبصره كدلالته على رضاه ومحبته وغضبه واستوائه على عرشه ونحو ذلك وكذلك ~~دلالته على عموم مشيئته وقدرته كدلالته على عموم علمه PageV01P174 # فالأدلة السمعية لم يردها من ردها لضعف فيها وفي مقدماتها لكن لاعتقاده ~~أنها تخالف العقل بل كثير من الأدلة السمعية التي يردونها تكون أقوى بكثير ~~من الأدلة السمعية التي يقبلونها وذلك لأن تلك لم يقبلوها لكون السمع جاء ~~بها لكن لاعتقادهم أن العقل دل عليها والسمع جعلوه عاضدا للعقل وحجة على من ~~ينازعهم من المصدقين بالسمع لم يكن هو عمدتهم ولا أصل علمهم كما صرح بذلك ~~أئمة هؤلاء المعارضين لكتاب الله وسنة رسوله بآرائهم # وإذا كان كذلك تبين أن ردهم الأدلة السمعية المعلومة الصحة بمجرد مخالفة ~~عقل الواحد أو لطائفة منهم أو مخالفة ما يسمونه عقلا لا يجوز إلا أن يبطلوا ~~الأدلة السمعية بالكلية ويقولون إنها لا تدل على شيء وإن إخبار الرسول عما ~~أخبر به لا يفيد التصديق بثبوت ما أخبر به وحينئذ فما لم يكن دليلا لا يصلح ~~أن يجعل معارضا # والكلام هنا إنما هو لمن علم أن الرسول صادق وأن ما أخبر به ثابت وأن ~~إخباره لنا بالشيء يفيد تصديقنا بثبوت ما أخبر به فمن كان هذا معلوما له ~~امتنع أن يجعل العقل مقدما على خبر الرسول صلى الله عليه وسلم بل يضطره ~~الأمر إلى أن يجعل الرسول يكذب أو يخطئ تارة في الخبريات ويصيب أو يخطئ ~~أخرى في الطلبيات وهذا تكذيب للرسول وإبطال لدلالة السمع ms0098 وسد لطريق العلم ~~بما أخبر به الأنبياء والمرسلون وتكذيب بالكتاب وبما أرسل الله تعالى به رسله PageV01P175 # وغايته إن أحسن المقال أن يجعل الرسول مخبرا بالأمور على خلاف حقائقها ~~لأجل نفع العامة ثم إذا قال ذلك امتنع أن يستدل بخبر الرسول على شيء فعاد ~~الأمر جذعا لأنه إذا جوز على خبر الرسول التلبيس كان كتجويزه عليه الكذب # وحينئذ فلا يكون مجرد إخبار الرسول موجبا للعلم بثبوت ما أخبر به وهذا ~~وإن كان زندقة وكفرا وإلحادا فهو باطل في نفسه كما قد بين في غير هذا الموضع # فنحن في هذا المقام إنما نخاطب من يتكلم في تعارض الأدلة السمعية ~~والعقلية ممن يدعي حقيقة الإسلام من أهل الكلام الذين يلبسون على أهل ~~الإيمان بالله ورسوله وأما من أفصح بحقيقة قوله وقال إن كلام الله ورسوله ~~لا يستفاد منه علم بغيب ولا تصديق بحقيقة ما أخبر به ولا معرفة بالله ~~وأسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته وجنته وناره وغير ذلك فهذا لكلامه مقام آخر # فإن الناس في هذا الباب أنواع منهم من يقر بما جاء به السمع في المعاد ~~دون الأفعال والصفات # ومنهم من يقر بذلك في بعض أمور المعاد دون بعض # ومنهم من يقر بذلك في بعض الصفات والمعاد مطلقا دون الأفعال وبعض الصفات # ومنهم من لا يقر بحقيقة شيء من ذلك لا في الصفات ولا في المعاد # ومنهم من لا يقر بذلك أيضا في الأمر والنهى بل يسلك طريق التأويل في ~~الخبر والأمر جميعا لمعارضة العقل عنده كما فعلت القرامطة الباطنية وهؤلاء ~~أعظم الناس كفرا وإلحادا PageV01P176 # والمقصود هنا أن من أقر بصحة السمع وأنه علم صحته بالعقل لا يمكنه أن ~~يعارضه بالعقل ألبتة لأن العقل عنده هو الشاهد بصحة السمع فإذا شهد مرة ~~أخرى بفساده كانت دلالته متناقضة فلا يصلح لا لإثبات السمع ولا لمعارضته # فإن قال أنا أشهد بصحته ما لم يعارض العقل # قيل هذا لا يصح لوجوه أحدها أن الدليل العقلي دل على صدق الرسول وثبوت ما ~~أخبر به مطلقا فلا يجوز ms0099 أن يكون صدقه مشروطا بعدم المعارض # الثاني أنك إن جوزت علي أن يعارضه العقل الدال على فساده لم تثق بشيء منه ~~لجواز أن يكون في عقل غيرك ما يدل على فساده فلا تكون قد علمت بعقلك صحته ~~البتة وأنت تقول إنك علمت صحته بالعقل # الثالث أن ما يستخرجه الناس بعقولهم أمر لا غاية له سواء كان حقا أو ~~باطلا فإذا جوز المجوز أن يكون في المعقولات ما يناقض خبر الرسول لم يثق ~~بشيء من أخبار الرسول لجواز أن يكون في المعقولات التي لم تظهر له بعد ما ~~يناقض ما أخبر به الرسول ومن قال أنا أقر من الصفات بما لم ينفه العقل أو ~~أثبت من السمعيات ما لم يخالفه العقل لم يكن لقوله ضابط فإن تصديقه بالسمع ~~مشروط بعدم جنس لا ضابط له ولا منتهى وما كان مشروطا بعدم ما لا ينضبط لم ~~ينضبط فلا يبقى مع هذا الأصل إيمان PageV01P177 # ولهذا تجد من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه الإيمان بل يكون ~~كما قال الأئمة إن علماء الكلام زنادقة وقالوا قل أحد نظر في الكلام إلا ~~كان في قلبه غل على أهل الإسلام مرادهم بأهل الكلام من تكلم في الله بما ~~يخالف الكتاب والسنة # ففي الجملة لا يكون الرجل مؤمنا حتى يؤمن بالرسول إيمانا جازما ليس ~~مشروطا بعدم معارض فمتى قال أؤمن بخبره إلا أن يظهر له معارض يدفع خبره لم ~~يكن مؤمنا به فهذا أصل عظيم تجب معرفته فإن هذا الكلام هو ذريعة الإلحاد ~~والنفاق # الرابع أنهم قد سلموا أنه يعلم بالسمع أمور كما يذكرونه كلهم من أن ~~العلوم ثلاثة أقسام منها ما لا يعلم إلا بالعقل ومنها ما لا يعلم إلا ~~بالسمع ومنها ما يعلم بالسمع والعقل # وهذا التقسيم حق في الجملة فإن من الأمور الغائبة عن حس الإنسان ما لا ~~يمكن معرفته بالعقل بل لا يعرف إلا بالخبر # وطرق العلم ثلاثة الحس والعقل والمركب منهما كالخبر فمن الأمور ما لا ~~يمكن علمه إلا بالخبر كما ms0100 يعلمه كل شخص بأخبار الصادقين كالخبر المتواتر ~~وما يعلم بخبر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين # وهذا التقسيم يجب الإقرار به وقد قامت الأدلة اليقينية على نبوات ~~الأنبياء وأنهم قد يعلمون بالخبر ما لا يعلم إلا بالخبر وكذلك يعلمون غيرهم بخبرهم PageV01P178 # ونفس النبوة تتضمن الخبر فإن النبوة مشتقة من الإنباء وهو الإخبار ~~بالمغيب # فالنبي يخبر بالمغيب ويخبرنا بالغيب ويمتنع أن يقوم دليل صحيح على أن كل ~~ما أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون الخبر فلا يمكن أن يجزم بأن كل ما ~~أخبرت به الأنبياء هو منتف فإنه يمتنع أن يقوم دليل على هذا النفي العام ~~ويمتنع أن يقول القائل كل ما أخبر به الأنبياء يمكن غيرهم أن يعرفه بدون ~~خبرهم ولهذا كان أكمل الأمم علما المقرون بالطرق الحسية والعقلية والخبرية ~~فمن كذب بطريق منها فاته من العلوم بحسب ما كذب به من تلك الطريق # والمتفلسفة الذين أثبتوا النبوات على وجه يوافق أصولهم الفاسدة كابن سينا ~~وأمثاله لم يقروا بأن الأنبياء يعلمون ما يعلمونه بخبر يأتيهم عن الله لا ~~بخبر ملك ولا غيره بل زعموا أنهم يعلمونه بقوة عقلية لكونهم أكمل من غيرهم ~~في قوة الحدس ويسمون ذلك القوة القدسية فحصروا علوم الأنبياء في ذلك # وكان حقيقة قولهم أن الأنبياء من جنس غيرهم وأنهم لم يعلموا شيئا بالخبر ~~ولهذا صار هؤلاء لا يستفيدون شيئا بخبر الأنبياء بل يقولون إنهم خاطبوا ~~الناس بطريق التخييل لمنفعة الجمهور وحقيقة قولهم أنهم كذبوا PageV01P179 ~~لمصلحة الجمهور وهؤلاء في الحقيقة يكذبون الرسل فنتكلم معهم في تحقيق ~~النبوة على الوجه الحق لا في معارضة العقل والشرع # وهذا الذي ذكرته مما صرح به فضلاؤهم يقولون إن الرسل إنما ينتفع بخبرهم ~~الجمهور في التخييل لا ينتفع بخبرهم أحد من العامة والخاصة في معرفة الغيب ~~بل الخاصة عندهم تعلم ذلك بالعقل المناقض لأخبار الأنبياء والعامة لا تعلم ~~ذلك لا بعقل ولا خبر والنبوة إنما فائدتها تخييل ما يخبرون به للجمهور كما ~~يصرح بذلك الفارابي وابن سينا وأتباعهما # ثم لا يخلوا الشخص إما ms0101 أن يكون مقرا بخبر نبوة الأنبياء وإما أن يكون غير ~~مقر فإن كان غير مقر بذلك لم نتكلم معه في تعارض الدليل العقلي والشرعي فإن ~~تعارضهما إنما يكون بعد الإقرار بصحة كل منهما لو تجرد عن المعارض فمن لم ~~يقر بصحة دليل عقلي ألبتة لم يخاطب في معارضة الدليل العقلي والشرعي وكذلك ~~من لم يقر بدليل شرعي لم يخاطب في هذا التعارض # ومن لم يقر بالأنبياء لم يستفيد من خبرهم دليلا شرعيا فهذا يتكلم معه في ~~تثبيت النبوات فإذا ثبتت فحينئذ يثبت الدليل الشرعي وحينئذ فيجب الإقرار ~~بأن خبر PageV01P180 ~~الأنبياء يوجب العلم بثبوت ما أخبروا به ومن جوز أن يكون في نفس الأمر ~~معارض ينفي ما دلت عليه أخبارهم امتنع أن يعلم بخبرهم شيئا فإنه ما من خبر ~~أخبروا به ولم يعلم هو ثبوته بعقله إلا وهو يجوز أن يكون في نفس الأمر دليل ~~يناقضه فلا يعلم شيئا مما أخبروا به بخبرهم فلا يكون مقرا بنبوتهم ولا يكون ~~عنده شيء يعلم بالسمع وحده وهم قد أقروا بأن العلوم ثلاثة منها ما يعلم ~~بالسمع وحده ومنها ما يعلم بالعقل وحده ومنها ما يعلم بهما # وأيضا فقد قامت الأدلة العقلية اليقينية على نبوة الأنبياء وأنهم قد ~~يعلمون ما يعلمونه بخبر الله وملائكته تارة بكلام يسمعونه من الله كما سمع ~~موسى بن عمران وتارة بملائكة تخبرهم عن الله وتارة بوحي يوحيه الله كما قال ~~تعالى { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء } سورة الشورى 51 # فتبين أن تجويزهم أن يكون في نفس الأمر دليل يناقض السمع يوجب أن لا يكون ~~في نفس الأمر دليل سمعي يعلم به مخبره وهذا مما تبين به تناقضهم حيث أثبتوا ~~الأدلة السمعية ثم قالوا ما يوجب إبطالها وحيث أثبتوا الأدلة العقلية ثم ~~قالوا ما يوجب تناقضها فإن العقل يعلم به صحة الأدلة السمعية فمتى بطلت بطل ~~العقل الدال على صحة السمع والدليل مستلزم للمدلول ومتى PageV01P181 ~~انتفى ms0102 اللازم الذي هو المدلول انتفى ملزومه الذي هو الدليل فيبطل العقل ~~وتناقضهم حيث أقروا بنبوات الأنبياء ثم قالوا ما يوجب بطلانها # وأيضا فالأدلة العقلية توجب الإقرار بنبوة الأنبياء فالقدح في نبوة ~~الأنبياء قدح في الأدلة العقلية ومع كون قولهم مستلزما لتناقضهم فهو مستلزم ~~لبطلان الأدلة العقلية والسمعية وبطلان النبوات وهذا من أعظم أنواع السفسطة ~~فتبين بعض ما في قولهم من أنواع السفسطة الدالة على فساده ومن أنواع ~~التناقض الدالة على جهلهم وتناقض مذاهبهم # وإن قالوا نحن لا نعلم شيئا مما دل عليه الشرع من الخبريات أو من ~~الخبريات وغيرها إلا أن نعلم بالإضطرار أن الرسول أخبر به # قيل فيقال لكم على هذا التقدير فكل ما لا يعلم شخص بالإضطرار أن الرسول ~~أخبر به يجب أن ينفيه إذا قام عنده ما يظنه دليلا عقليا # فإن قالوا نعم لزم أنه يجوز لكل أحد أن يكذب بما لم يضطر إلى أن الرسول ~~أخبر به وإن كان غيره قد علم بالإضطرار أن الرسول أخبر به وحينئذ فيلزم من ~~ذلك تجويز تكذيب الرسول ونفي الحقائق الثابتة في نفس الأمر والقول بلا علم ~~والقطع بالباطل # وإن قالوا نحن إنما نجوز ذلك إذا قام دليل عقلي قاطع # قيل هذا باطل لوجهين PageV01P182 # أحدهما أنه إذا لم يعلم بالإضطرار أنه أخبر به كان على قولكم غير معلوم ~~الثبوت وحينئذ فإذا قام عنده دلالة ظنية ترجح النفي أخبر بموجبها وإن جوز ~~أن يكون غيره يعلم باضطرار نقيضها # والثاني أن الأدلة العقلية القطعية ليست جنسا متميزا عن غيره ولا شيئا ~~اتفق عليه العقلاء بل كل طائفة من النظار تدعي أن عندها دليلا قطعيا على ما ~~تقوله مع أن الطائفة الأخرى تقول إن ذلك الدليل باطل وإن بطلانه يعلم ~~بالعقل بل قد تقول إنه قام عندها دليل قطعي على نقيض قول تلك الطائفة وإذا ~~كنت العقليات ليست متميزة ولا متفقا عليها وجوز أصحابها فيما لم يعلمه ~~أحدهم بالإضطرار من أخبار الرسول أن يقدمها عليه لزم من ذلك تكذيب كل من ~~هؤلاء بما ms0103 يعلم غيره بالإضطرار أن الرسول أخبر به # ومعلوم أن العلوم الضرورية أصل للعلوم النظرية فإذا جوز الإنسان أن يكون ~~ما علمه غيره من العلوم الضرورية باطلا جوز أن تكون العلوم الضرورية باطلة ~~وإذا بطلت بطلت النظرية فصار قولهم مستلزما لبطلان العلوم كلها وهذا مع أنه ~~مستلزم لعدم علمهم بما يقولونه فهو متضمن لتناقضهم ولغاية السفسطة # وإن قالوا ما علمنا بالإضطرار أن الرسول أراده أقررنا به ولم نجوز أن ~~يكون في العقل ما يناقضه وما علمه غيرنا لم نقر به وجوزنا أن يكون في العقل PageV01P183 ~~ما يناقضه أمكن تلك الطائفة أن تعارضهم بمثل ذلك فيقولون بل نحن نقر علمنا ~~الضروري ونقدح في علمكم ونقدح في علمكم الضروري بنظرياتنا # وأيضا فمن المعلوم أن من شافهه الرسول بالخطاب يعلم من مراده بالإضطرار ~~ما لا يعلمه غيره وأن من كان أعلم بالأدلة الدالة على مراد المتكلم كان ~~أعلم بمراده من غيره وإن لم يكن نبيا فكيف بالأنبياء # فإن النحاة أعلم بمراد الخليل وسيبويه من الأطباء والأطباء أعلم بمراد ~~أبقراط وجالينوس من النحاة والفقهاء أعلم بمراد الأئمة الأربعة وغيرهم من ~~الأطباء PageV01P184 ~~والنحاة وكل من هذه الطوائف يعلم بالإضطرار من مراد أئمة الفن ما لا يعلمه ~~غيرهم فضلا عن أن يعلمه علما ضروريا أو نظريا # وإذا كان كذلك فمن له اختصاص بالرسول ومزيد علم بإقواله وأفعاله ومقاصده ~~يعلم بالإضطرار من مراده ما لا يعلمه غيره فإذا جوز لمن يحصل له هذا العلم ~~الضروري أن يقوم عنده قاطع عقلي ينفي ما علمه هؤلاء بالإضطرار لزم ثبوت ~~المعارضة بين العلوم النظرية والضرورية وأنه يقدم فيها النظرية ومعلوم أن ~~هذا فاسد # فتبين أن قول هؤلاء يستلزم من تناقضهم وفساد مذاهبهم وتكذيب الرسل ما ~~يستلزم من الكفر والجهل وأنه يستلزم تقديم النظريات على الضروريات وذلك ~~يستلزم السفسطة التي ترفع العلوم الضرورية والنظرية # الخامس أن الدليل المشروط بعدم المعارض لا يكون قطعيا لأن القطعي لا ~~يعارضه ما يدل على نقيضه فلا يكون العقل دالا على صحة شيء مما جاء به السمع ms0104 ~~بل غاية الأمر أن يظن الصدق فيما أخبر به الرسول # وحينئذ فقولك إنه تعارض العقل والنقل قول باطل لأن العقل عندك قطعي ~~والشرع ظني ومعلوم أنه لا تعارض بين القطعي والظني PageV01P185 # فإن قيل نحن جازمون بصدق الرسول فيما أخبر به وأنه لا يخبر إلا بحق لكن ~~إذا احتج محتج على خلاف ما اعتقدناه بعقولنا بشيء مما نقل عن الرسول يقبل ~~هذه المعارضة للقدح إما في الإسناد وإما في المتن # إما أن نقول النقل لم يثبت إن كان مما لم تعلم صحته كما تنقل أخبار ~~الآحاد وما ينقل عن الأنبياء المتقدمين وإما في المتن بأن نقول دلالة اللفظ ~~على مراد المتكلم غير معلومة بل مظنونة إما في محل النزاع وإما فيما هو أعم ~~من ذلك فنحن لا نشك في صدق الرسول بل في صدق الناقل أو دلالة المنقول على مراده # قيل هذا العذر باطل في هذا المقام لوجوه # أحدها أن يقال لكم فإذا علمتم أن الرسول أراد هذا المعنى إما أن تعلموا ~~مراده بالإضطرار كما يعلم أنه أتى بالتوحيد والصلوات الخمس والمعاد ~~بالإضطرار وإما بأدلة أخرى نظرية وقد قام عندكم القاطع العقلي على خلاف ما ~~علمتم أنه أراده فكيف تصنعون # فإن قلتم نقدم العقل لزمكم ما ذكر من فساد العقل المصدق للرسول مع الكفر ~~وتكذيب الرسول # وإن قلتم نقدم قول الرسول أفسدتم قولكم المذكور الذي قلتم فيه العقل أصل ~~النقل فلا يمكن تقديم الفرع على أصله # وإن قلتم يمتنع معارضة العقل الصريح بمثل هذا السمع لأنا علمنا مراد ~~الرسول قطعا PageV01P186 # قيل لكم وهكذا يقول كل من علم مراد الرسول قطعا يمتنع أن يقوم دليل عقلي ~~يناقضه وحينئذ فيبقى الكلام هل قام سمعي قطعي على مورد النزاع أم لا ويكون ~~دفعكم للأدلة السمعية بهذا القانون باطلا متناقضا # الوجه الثاني أنه إذا كنتم لا تردون من السمع إلا ما لم تعلموا أن الرسول ~~أراده دون ما علمتم أن الرسول أراده بقي احتجاجكم بكون العقل معارضا للسمع ~~احتجاجا باطلا لا تأثير له # الثالث أنكم ms0105 تدعون في مواضع كثيرة أن الرسول جاء بهذا وأنا نعلم ذلك ~~إضطرار ومنازعوكم يدعون قيام القاطع العقلي على مناقض ذلك كما في المعاد ~~وغيره فكذلك يقول منازعوكم في العلو والصفات إنا نعلم اضطرارا مجئ الرسول ~~بهذا بل هذا أقوى كما بسط في موضع آخر # السادس أن هذا يعارض بأن يقال دليل العقل مشروط بعدم معارضة الشرع لأن ~~العقل ضعيف عاجز والشبهات تعرض له كثيرا وهذا المتائه والمحارات التي اضطرب ~~فيها العقلاء لا أثق فيها بعقل يخالف الشرع # ومعلوم أن هذا أولى بالقبول من الأول بأن يقال ما يقال في # السابع وهو أن العقل لا يكون دليلا مستقلا في تفاصيل الأمور الإلهية ~~واليوم الآخر فلا أقبل منه ما يدل عليه إن لم يصدقه الشرع ويوافقه فإن الشرع PageV01P187 ~~قول المعصوم الذي لا يخطئ ولا يكذب وخبر الصادق الذي لا يقول إلا حقا وأما ~~آراء الرجال فكثيرة التهافت والتناقض فأنا لا أثق برأيي وعقلي في هذه ~~المطالب العالية الإلهية ولا بخبر هؤلاء المختلفين المتناقضين الذين كل ~~منهم يقول بعقله ما يعلم العقلاء أنه باطل فما من هؤلاء أحد إلا وقد علمت ~~أنه يقول بعقله ما يعلم أنه باطل بخلاف الرسل فإنهم معصومون فأنا لا أقبل ~~قول هؤلاء إن لم يزك قولهم ذلك المعصوم خبر الصادق المصدوق # ومعلوم أن هذا الكلام أولى بالصواب واليق بأولى الألباب من معارضة أخبار ~~الرسول الذي علموا صدقه وأنه لا يقول إلا حقا بما يعرض لهم من الآراء ~~والمعقولات التي هي في الغالب جهليات وضلالات # فإنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزل إليهم كما نتنزل إلى اليهودي ~~والنصراني في مناظرته وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله اتباعا لقوله تعالى { ~~وجادلهم بالتي هي أحسن } سورة النحل 125 وقوله { ولا تجادلوا أهل الكتاب ~~إلا بالتي هي أحسن } سورة العنكبوت 46 # وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول ويصدون به أهل الإيمان ~~عن سواء السبيل وإن جعلوه من المعقول بالبرهان أعظم من أن يبسط في هذا المكان # وقد تبين بذلك ms0106 أنه لا يمكن أن يكون تصديق الرسول فيما أخبر به معلقا بشرط ~~ولا موقوفا على انتفاء مانع بل لا بد من تصديقه في كل ما أخبر به PageV01P188 ~~تصديقا جازما كما في أصل الإيمان به فلو قال الرجل أنا أؤمن به إن أذن لي ~~أبي أو شيخي أو إلا أن ينهاني أبي أو شيخي لم يكن مؤمنا به بالإتفاق # وكذلك من قال أؤمن به إن ظهر لي صدقه لم يكن بعد قد آمن به ولو قال أؤمن ~~به إلا أن يظهر لي كذبه لم يكن مؤمنا # وحينئذ فلا بد من الجزم بأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل قطعي لا سمعي ولا ~~عقلي وأن ما يظنه الناس مخالفا له إما أن يكون باطلا وإما أن لا يكون ~~مخالفا وأما تقدير قول مخالف لقوله وتقديمه عليه فهذا فاسد في العقل كما هو ~~كفر في الشرع # ولهذا كان من المعلوم بالإضطرار من دين الإسلام أنه يجب على الخلق ~~الإيمان بالرسول إيمانا مطلقا جازما عاما بتصديقه في كل ما أخبر وطاعته في ~~كل ما أوجب وأمر وأن كل ما عارض ذلك فهو باطل وأن من قال يجب تصديق ما ~~أدركته بعقلي ورد ما جاء به الرسول لرأيي وعقلي وتقديم عقلي على ما أخبر به ~~الرسول مع تصديقي بأن الرسول صادق فيما أخبر به فهو متناقض فاسد العقل ملحد ~~في الشرع # وأما من قال لا أصدق ما أخبر به حتى أعلمه بعقلي فكفره ظاهر وهو ممن قيل ~~فيه { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته } PageV01P189 ~~سورة الأنعام 124 وقوله تعالى { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ~~} سورة غافر 82 85 # ومن عارض ما جاءت به الرسل برأيه فله نصيب من قوله تعالى { كذلك يضل الله ~~من هو ms0107 مسرف مرتاب } سورة غافر 34 وقوله تعالى { الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على ~~كل قلب متكبر جبار } سورة غافر 35 وقوله تعالى { الذين يجادلون في آيات ~~الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } سورة غافر 56 ~~والسلطان هو الكتاب المنزل من السماء فكل من عارض كتاب الله المنزل بغير ~~كتاب الله الذي قد يكون ناسخا له أو مفسرا له كان قد جادل في آيات الله ~~بغير سلطان أتاه # ومن هذا قوله تعالى { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان ~~عقاب } سورة غافر 5 وقوله تعالى { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ~~ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ~~} سورة الكهف 56 وأمثال ذلك مما في كتاب الله تعالى مما يذم به الذين ~~عارضوا رسل الله وكتبه بما عندهم من الرأي والكلام PageV01P190 # والبدع مشتقة من الكفر فمن عارض الكتاب والسنة بآراء الرجال كان قوله ~~مشتقا من أقوال هؤلاء الضلال كما قال مالك أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل ~~تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هذا # فإن قيل هذا الوجه غايته أنه لا تصح معارضة الشرع بالعقل ولكن إذا طعن في ~~العقل لم يبق لنا دليل على صحة الشرع # قيل المقصود في هذا المقام أنه يمتنع تقديم العقل على الشرع وهو المطلوب # وأما ثبوت الشرع في نفسه وعلمنا به فليس هذا مقام إثباته ونحن لم ندع أن ~~أدلة العقل باطلة ولا ان ما به يعلم صحة السمع باطل ولكن ذكرنا أنه يمتنع ~~معارضة الشرع بالعقل وتقديمه عليه وأن من قال ذلك تناقض قوله ولزمه أن لا ~~يكون العقل دليلا صحيحا إذ كان عنده العقل يستلزم صحة ما هو باطل في نفسه ~~فلا بد أن يضطره الأمر إلى أن يقول ما عارضه الدليل العقلي فليس هو عندي ~~دليلا في نفس الأمر بل هو ms0108 باطل فيقال له وهكذا ما عارضه الدليل السمعي فليس ~~هو دليلا في نفس الأمر بل هو باطل وحينئذ فيرجع الأمر إلى أن ينظر في دلالة ~~الدليل سواء كان سمعيا أو عقليا فإن كان دليلا قطعيا لم يجز أن يعارضه شيء ~~وهذا هو الحق # وأيضا فقد ذكرنا أن مسمى الدليل العقلي عند من يطلق هذا اللفظ جنس تحته ~~أنواع فمنها ما هو حق ومنها ما هو باطل باتفاق العقلاء فإن الناس متفقون ~~على أن كثيرا من الناس يدخلون في مسمى هذا الإسم ما هو حق وباطل PageV01P191 ### | AUTO وإذا كان كذلك فالأدلة العقلية الدالة على صدق الرسول إذا ~~عارضها ما يقال إنه دليل عقلي يناقض خبره المعين ويناقض ما دل على صدقه ~~مطلقا لزم أن يكون أحد نوعي ما يسمى دليلا عقليا باطلا وتمام هذا بأن يقال ~~الوجه الحادي عشر # أن ما يسميه الناس دليلا من العقليات والسمعيات ليس كثير منه دليلا وإنما ~~يظنه الظان دليلا وهذا متفق عليه بين العقلاء فإنهم متفقون على أن ما يسمى ~~دليلا من العقليات والسمعيات قد لا يكون دليلا في نفس الأمر # فنقول أما المتبعون للكتاب والسنة من الصحابة والتابعين وتابعيهم فهم ~~متفقون على دلالة ما جاء به الشرع في باب الإيمان بالله تعالى وأسمائه ~~وصفاته واليوم الآخر وما يتبع ذلك لم يتنازعوا في دلالته على ذلك ~~والمتنازعون فى ذلك بعدهم لم يتنازعوا فى أن السمع يدل على ذلك وإنما ~~تنازعوا هل عارضه من العقل ما يدفع موجبه وإلا فكلهم متفقون على أن الكتاب ~~والسنة مثبتان للأسماء والصفات مثبتان لما جاءا به من أحوال الرسالة ~~والمعاد # والمنازعون لأهل الإثبات من نفاة الأفعال والصفات لا ينازعون في أن ~~النصوص السمعية تدل على الإثبات وأنه ليس في السمع دليل ظاهر على النفي PageV01P192 # فقد اتفق الناس على دلالة السمع على الإثبات وإن تنازعوا في الدلالة هل ~~هي قطعية أو ظنية # وأما المعارضون لذلك من أهل الكلام والفلسفة فلم يتفقوا على دليل واحد من ~~العقليات بل كل طائفة تقول في ms0109 أدلة خصومها إن العقل يدل على فسادها لا على ~~صحتها فالمثبتة للصفات يقولون إنه يعلم بالعقل فساد قول النفاة كما يقول ~~النفاة إنه يعلم بالعقل فساد قول المثبتة # ومثبتة الرؤية يقولون إنه يعلم بالعقل إمكان ذلك كما تقول النفاة إنه ~~يعلم بالعقل امتناع ذلك # والمتنازعون في الأفعال هل تقوم به يقولون إنه علم بالعقل قيام الأفعام ~~به وإن الخلق والإبداع والتأثير أمر وجودي قائم بالخالق المبدع الفاعل # ثم كثير من هؤلاء يقولون إن التسلسل إنما هو ممتنع في العلل لا في الآثار ~~والشروط وخصومهم يقولون ليس الخلق إلا المخلوق وليس الفعل إلا المفعول وليس ~~الإبداع والخلق شيئا غير نفس الفعل ونفس المفعول المنفصل عنه وإن ذلك معلوم ~~بالعقل لئلا يلزم التسلسل # وكذلك القول في العقليات المحضة كمسألة الجوهر الفرد وتماثل الأجسام ~~وبقاء الأعراض ودوام الحوادث في الماضي أو المستقبل أو غير ذلك كل هذه ~~مسائل عقلية قد تنازع فيها العقلاء وهذا باب واسع فأهل العقليات من أهل ~~النفي والإثبات كل منهم يدعى أن العقل دل على قوله المناقض لقول الآخر وأما ~~السمع فدلالته متفق عليها بين العقلاء PageV01P193 # وإذا كان كذلك قيل السمع دلالته معلومة متفق عليها وما يقال إنه معارض ~~لها من العقل ليست دلالته معلومة متفقا عليها بل فيها نزاع كثير فلا يجوز ~~أن يعارض ما دلالته معلومة باتفاق العقلاء بما دلالته المعارضة له متنازع ~~فيها بين العقلاء # واعلم أن أهل الحق لا يطعنون في جنس الأدلة العقلية ولا فيما علم العقل ~~صحته وإنما يطعنون فيما يدعى المعارض أنه يخالف الكتاب والسنة وليس في ذلك ~~ولله الحمد دليل صحيح في نفس الأمر ولا دليل مقبول عند عامة العقلاء ولا ~~دليل لم يقدح فيه بالعقل ### | AUTO وحينئذ فنقول في الوجه الثاني عشر # إن كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده وإن لم يعارض العقل ~~وما علم فساده بالعقل لا يجوز أن يعارض به لا عقل ولا شرع # وهذه الجملة تفصيلها هو الكلام على حجج المخالفين للسنة من أهل ms0110 البدع بأن ~~نبين بالعقل فساد تلك الحجج وتناقضها وهذا ولله الحمد م ازال الناس يوضحونه ~~ومن تأمل ذلك وجد في المعقول مما يعلم به فساد المعقول المخالف للشرع ما لا ~~يعلمه إلا الله PageV01P194 ### | AUTO الوجه الثالث عشر ### | AUTO أن يقال الأمور السمعية التي يقال إن العقل عارضها كإثبات ~~الصفات والمعاد ونحو ذلك هي مما علم بالإضطرار أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم جاء بها وما كان معلوما بالإضطرار من دين الإسلام امتنع أن يكون باطلا ~~مع كون الرسول رسول الله حقا فمن قدح في ذلك وادعى أن الرسول لم يجئ به كان ~~قوله معلوم الفساد بالضرورة من دين المسلمين الوجه الرابع عشر # أن يقال إن أهل العناية بعلم الرسول العالمين بالقرآن وتفسير الرسول صلى ~~الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لهم بإحسان والعالمين بأخبار الرسول ~~والصحابة والتابعين لهم بإحسان عندهم من العلوم الضرورية بمقاصد الرسول ~~ومراده ما لا يمكنهم دفعه عن قلوبهم ولهذا كانوا كلهم متفقين على ذلك من ~~غير تواطؤ ولا تشاعر كما اتفق أهل الإسلام على نقل حروف القرآن ونقل ~~الصلوات الخمس والقبلة وصيام شهر رمضان وإذا كانوا قد نقلوا مقاصده ومراده ~~عنه بالتواتر كان ذلك كنقلهم حروفه وألفاظه بالتواتر # ومعلوم أن النقل المتواتر يفيد العلم اليقيني سواء كان التواتر لفظيا أو ~~معنويا كتواتر شجاعة خالد وشعر حسان وتحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفقه الأئمة الأربعة وعدل العمرين ومغازي النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع PageV01P195 ~~المشركين وقتاله أهل الكتاب وعدل كسرى وطب جالينوس ونحو سيبويه يبين هذا أن ~~العلم والإيمان يعلمون من مراد الله ورسلوله بكلامه أعظم مما يعلمه الأطباء ~~من كلام جالينوس والنحاة من كلام سيبويه فإذا كان من ادعى في كلام سيبويه ~~وجالينوس ونحوهما ما يخالف ما عليه أهل العلم بالطب والنحو والحساب من ~~كلامهم كان قوله معلوم البطلان فمن ادعى في كلام الله ورسوله خلاف ما عليه ~~أهل الإيمان كان قوله أظهر بطلانا وفسادا لأن هذ معصوم محفوظ # وجماع هذا أن يعلم ms0111 أن المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيئان ألفاظه ~~وأفعاله ومعاني ألفاظه ومقاصده بأفعاله وكلاهما منه ما هو متواتر عند ~~العامة والخاصة ومنه ما هو متواتر عند الخاصة ومنه ما يختص بعلمه بعض الناس ~~وإن كان عند غيره مجهولا أو مظنونا أو مكذوبا وأهل العلم بأقواله كأهل ~~العلم بالحديث والتفسير المنقول والمغازي والفقه يتواتر عندهم من ذلك ما لا ~~يتواتر عند غيرهم ممن لم يشركهم في علمهم وكذلك أهل العلم بمعاني القرآن ~~والحديث والفقه في ذلك يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم من ~~معاني الأقوال والأفعال المأخوذة عن الرسول كما يتواتر عند النحاة من أقوال الخليل PageV01P196 ~~وسيبويه والكسائي والفراء وغيرهم ما لا يعلمه غيرهم ويتواتر عند الأطباء من ~~معاني أقوال أبقراط وجالينوس وغيرهما ما لا يتواتر عند غيرهم ويتواتر عند ~~كل أحد من أصحاب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأحمد وأبي داود وأبي ثور ~~وغيرهم من مذاهب هؤلاء الأئمة ما لا يعلمه غيرهم ويتواتر عند أتباع رؤوس ~~أهل الكلام والفلسفة من أقوالهم ما لا يعلمه غيرهم ويتواتر عند أهل العلم ~~بنقلة الحديث من أقوال شعبة ويحيى بن سعيد وعلي بن المديني ويحيى بن معين ~~وأحمد ابن حنبل وأبي زرعة وأبي حاتم والبخاري وأمثالهم في الجرح والتعديل ~~ما لا يعلمه غيرهم بحيث يعلمون بالإضطرار اتفاقهم على تعديل مالك الثوري وشعبة PageV01P197 ### | AUTO وحماد بن زيد والليث بن سعد وغير هؤلاء وعلى تكذيب محمد بن سعيد ~~المصلوب وأبي البختري وهب بن وهب القاضي وأحمد بن عبدالله الجويباري ~~وأمثالهم الوجه الخامس عشر # أن يقال كون الدليل عقليا أو سمعيا ليس هو صفة تقتضي مدحا ولا ذما ولا ~~صحة ولا فسادا بل ذلك يبين الطريق الذي به علم وهو السمع أو العقل وأن كان ~~السمع لا بد معه من العقل وكذلك كونه عقليا أو نقليا وأما كونه شرعيا فلا ~~يقابل بكونه عقليا وإنما يقابل بكونه بدعيا إذا البدعة تقابل الشرعة وكونه ~~شرعيا صفة مدح وكونه بدعيا صفة ذم وما خالف الشريعة فهو ms0112 باطل # ثم الشرعي قد يكون سمعيا وقد يكون عقليا فإن كون الدليل شرعيا يراد به ~~كون الشرع أثبته ودل عليه ويراد به كون الشرع أباحه وأذن فيه فإذا أريد ~~بالشرعي ما أثبته الشرع فإما أن يكون معلوما بالعقل أيضا ولكن الشرع نبه ~~عليه ودل عليه فيكون شرعيا عقليا PageV01P198 # وهذا كالأدلة التي نبه الله تعالى عليها في كتابه العزيز من الأمثال ~~المضروبة وغيرها الدالة على توحيده وصدق رسله وإثبات صفاته وعلى المعاد ~~فتلك كلها أدلة عقلية يعلم صحتها بالعقل وهي براهين ومقاييس عقلية وهي مع ~~ذلك شرعية # وإما أن يكون الدليل الشرعي لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق فإنه إذا أخبر ~~بما لا يعلم إلا بخبره كان ذلك شرعيا سمعيا # وكثير من أهل الكلام يظن أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط وأن ~~الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين ~~العقليات والسمعيات ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة # وهذا غلط منهم بل القرآن دل على الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها وإن ~~كان من الأدلة العقلية ما يعلم بالعيان ولوازمه كما قال تعالى { سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على ~~كل شيء شهيد } سورة فصلت 53 # وأما إذا أريد بالشرعي ما أباحه الشرع وأذن فيه فيدخل في ذلك ما أخبر به ~~الصادق وما دل عليه ونبه عليه القرآن وما دلت عليه وشهدت به الموجودات # والشارع يحرم الدليل لكونه كذبا في نفسه مثل أن تكون إحدى مقدماته باطلة ~~فإنه كذب والله يحرم الكذب لا سيما عليه كقوله تعالى { ألم يؤخذ عليهم ~~ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه } سورة الأعراف 169 PageV01P199 # ويحرمه لكون المتكلم به يتكلم بلا علم كما قال تعالى { ولا تقف ما ليس لك ~~به علم } سورة الإسراء 36 وقوله تعالى { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ~~} سورة الأعراف 33 وقوله { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم ms0113 به علم فلم ~~تحاجون فيما ليس لكم به علم } سورة آل عمران 66 # ويحرمه لكونه جدالا في الحق بعد ما تبين كقوله تعالى { يجادلونك في الحق ~~بعد ما تبين } سورة الأنفال 6 وقوله تعالى { ويجادل الذين كفروا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق } سورة الكهف 56 # فحينئذ فالدليل الشرعي لا يجوز أن يعارضه دليل غير شرعي ويكون مقدما عليه ~~بل هذا بمنزلة من يقول إن البدعة التي لم يشرعها الله تعالى تكون مقدمة على ~~الشرعة التي أمر الله بها أو يقول الكذب مقدم على الصدق أو يقول خبر غير ~~النبي صلى الله عليه وسلم يكون مقدما على خبر النبي أو يقول ما نهى الله ~~عنه يكون خيرا مما أمر الله به ونحو ذلك وهذا كله ممتنع # وأما الدليل الذي يكون عقليا أو سمعيا من غير أن يكون شرعيا فقد يكون ~~راجحا تارة ومرجوحا أخرى كما أنه قد يكون دليلا صحيحا تارة ويكون شبهة ~~فاسدة أخرى فما جاءت به الرسل عن الله تعالى إخبارا أو أمرا لا يجوز أن ~~يعارض بشيء من الأشياء وأما ما يقوله الناس فقد يعارض بنظيره إذ قد يكون ~~حقا تارة وباطلا أخرا وهذا مما لا ريب فيه لكن من الناس من يدخل في الأدلة ~~الشرعية ما ليس منها كما أن منهم من يخرج منها ما هو داخل فيها والكلام هنا ~~على جنس الأدلة لا على أعيانها PageV01P200 ### | AUTO الوجه السادس عشر # أن يقال غاية ما ينتهي إليه هؤلاء المعارضون لكلام الله ورسوله بآرائهم ~~من المشهورين بالإسلام هو التأويل أو التفويض فأما الذين ينتهون إلى أن ~~يقولوا الأنبياء أوهموا وخيلوا ما لا حقيقة له في نفس الأمر فهؤلاء معروفون ~~عند المسلمين بالإلحاد والزندقة # والتأويل المقبول هو مادل على مراد المتكلم والتأويلات التي يذكرونها لا ~~يعلم أن الرسول أرادها بل يعلم بالإضطرار في عامة النصوص أن المراد منها ~~نقيض ما قاله الرسول كما يعلم مثل ذلك في تأويلات القرامطة والباطنية من ~~غير أن يحتاج ذلك إلى دليل خاص # وحينئذ فالمتأول إن ms0114 لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم كان تأويله للفظ ~~بما يحتمله من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب هو من باب ~~التحريف والإلحاد لا من باب التفسير وبيان المراد # وأما التفويض فإن من المعلوم أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن وحضنا ~~على عقله وفهمه فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله PageV01P201 # وأيضا فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا وإخراجنا من الظلمات إلى ~~النور إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر ولم يرد منا أن نعرف ~~لا ظاهره ولا باطنه أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك ~~فعلى التقديرين لم نخاطب بما بين فيه الحق ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب ~~باطل وكفر # وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا أنه لم يبين الحق ولا أوضحه مع أمره لنا ~~أن نعتقده وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين به الحق ولا ~~كشفه بل دل ظاهره على الكفر والباطل وأراد منا أن لا نفهم منه شيئا أو أن ~~نفهم منه ما لا دليل عليه فيه وهذا كله مما يعلم بالإضطرار تنزيه الله ~~ورسوله عنه وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد # وبهذا احتج الملاحدة كابن سينا وغيره على مثبتي المعاد وقالوا القول في ~~نصوص المعاد كالقول في نصوص التشبيه والتجسيم وزعموا أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لم يبين ما الأمر عليه في نفسه لا في العلم بالله تعالى ولا ~~باليوم الآخر فكان الذي استطالوا به على هؤلاء هو موافقتهم لهم على نفي ~~الصفات وإلا فلو آمنوا بالكتاب كله حق الإيمان لبطلت معارضتهم ودحضت حجتهم PageV01P202 # ولهذا كان ابن النفيس المتطبب الفاضل يقول ليس إلا مذهبان مذهب أهل ~~الحديث أو مذهب الفلاسفة فأما هؤلاء المتكلمون فقولهم ظاهر التناقض ~~والإختلاف يعني أن أهل الحديث أثبتوا كل ما جاء به الرسول وأولئك جعلوا ~~الجميع تخييلا وتوهيما ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب ~~هؤلاء الملاحدة ms0115 فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة # ثم إن ابن سينا وأمثاله من الباطنية المتفلسفة والقرامطة يقولون إنه أراد ~~من المخاطبين أن يفهموا الأمر على خلاف ما هو عليه وأن يعتقدوا ما لا حقيقة ~~له في الخارج لما في هذا التخييل والإعتقاد الفاسد لهم من المصلحة # والجهمية والمعتزلة وأمثالهم يقولون إنه أراد أن يعتقدوا الحق على ما هو ~~عليه مع علمهم بأنه لم يبين ذلك في الكتاب والسنة بل النصوص تدل على نقيض ~~ذلك فأولئك يقولون أراد منهم اعتقاد الباطل وأمرهم به وهؤلاء يقولون أراد ~~اعتقاد ما لم يدلهم إلا على نقيضه # والمؤمن يعلم بالإضطرار أن كلا القولين باطل ولا بد للنفاة أهل التأويل ~~من هذا أو هذا وإذا كان كلاهما باطلا كان تأويل النفاة للنصوص باطلا PageV01P203 # فيكون نقيضة حقا وهو إقرار الأدلة الشرعية على مدلولاتها ومن خرج عن ذلك ~~لزمه من الفساد ما لا يقوله إلا أهل الإلحاد # وما ذكرناه من لوازم قول أهل التفويض هو لازم لقولهم الظاهر المعروف ~~بينهم إذ قالوا إن الرسول كان يعلم معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة ~~ولكن لم يبين للناس مراده بها ولا أوضحه إيضاحا يقطع به النزاع # وأما على قول أكابرهم إن معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة لا يعلمه ~~إلا الله وأن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها فعلى ~~قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من ~~هذه النصوص ولا الملائكة ولا السابقون الأولون وحينئذ فيكون ما وصف الله به ~~نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه بل ~~يقولون كلاما لا يعقلون معناه وكذلك نصوص المثبتين للقدر عند طائفة والنصوص ~~المثبتة للأمر والنهي والوعد والوعيد عند طائفة والنصوص المثبتة للمعاد عند طائفة # ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر ~~أنه جعله هدى وبيانا للناس وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين وأن يبين ~~للناس ما نزل إليهم ms0116 وأمر بتدبر القرآن وعقله ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما ~~أخبر به الرب عن صفاته أو عن كونه خالقا لكل شيء وهو بكل شيء عليم أو عن ~~كونه أمر ونهى ووعد وتوعد أو عما أخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه ~~فلا يعقل ولا يتدبر ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم ولا بلغ البلاغ المبين PageV01P204 # وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي ~~وعقلي وليس في النصوص ما يناقض ذلك لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة لا يعلم ~~أحد معناها وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به # فيبقى هذا الكلام سدا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء وفتحا لباب من ~~يعارضهم ويقول إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء لأنا نحن ~~نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلا ~~عن أن يبينوا مرادهم # فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر ~~أقوال أهل البدع والإلحاد # فإن قيل أنتم تعلمون أن كثيرا من السلف رأوا أن الوقف عند قوله { وما ~~يعلم تأويله إلا الله } سورة آل عمران 6 بل كثير من الناس يقول هذا هو قول ~~السلف ونقلوا هذا القول عن أبي بن كعب وابن مسعود وعائشة وابن عباس وعروة ~~بن الزبير وغير واحد من السلف والخلف وإن كان القول الآخر وهو أن السلف ~~يعلمون تأويله منقولا عن ابن عباس أيضا وهو قول مجاهد ومحمد بن جعفر وابن ~~إسحاق وابن قتيبة وغيرهم وما ذكرتموه قدح في أولئك السلف وأتباعهم PageV01P205 # قيل ليس الأمر كذلك فإن أولئك السلف الذين قالوا لا يعلم تأويله إلا الله ~~كانوا يتكلمون بلغتهم المعروفة بينهم ولم يكن لفظ التأويل عندهم يراد به ~~معنى التأويل الإصطلاحي الخاص وهو صرف اللفظ عن المعنى المدلول عليه ~~المفهوم منه إلى معنى يخالف ذلك فإن تسمية هذا المعنى وحده تأويلا إنما هو ~~اصطلاح طائفة من المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين ms0117 وغيرهم ليس هو عرف السلف ~~من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم لا سيما ومن يقول إن لفظ ~~التأويل هذا معناه يقول إنه يحمل اللفظ على المعنى المرجوح لدليل يقترن به ~~وهؤلاء يقولون هذا المعنى المرجوح لا يعلمه أحد من الخلق والمعنى الراجح لم ~~يرده الله # وإنما كان لفظ التأويل في عرف السلف يراد به ما أراده الله بلفظ التأويل ~~في مثل قوله تعالى { هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه ~~من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق } سورة الأعراف 53 وقال تعالى { ذلك خير ~~وأحسن تأويلا } سورة النساء 59 وقال يوسف { يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل ~~} سورة يوسف وقال يعقوب له { ويعلمك من تأويل الأحاديث } سورة يوسف 6 { ~~وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله } سورة يوسف 45 وقال ~~يوسف { لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما } سورة ~~يوسف 37 # فتأويل الكلام الطلبي الأمر والنهى هو نفس فعل المأمور به وترك المنهى ~~عنه كما قال سفيان بن عيينة السنة تأويل الأمر والنهى وقالت PageV01P206 ~~عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ~~ربنا وبحمدك الله اغفر لي يتأول القرآن وقيل لعروة بن الزبير فما بال عائشة ~~كانت تصلي في السفر أربعا قال تأولت كما تأول عثمان ونظائره متعددة # وأما تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة ~~التي أخبر عنها وذلك في حق الله هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره ~~ولهذا قال مالك وربيعة وغيرهما الإستواء معلوم والكيف مجهول وكذلك قال ابن ~~الماجشون وأحمد بن حنبل وغيرهما من السلف يقولون إنا لا نعلم كيفية ما أخبر ~~الله به عن نفسه وإن علمنا تفسيره ومعناه # ولهذا رد أحمد بن حنبل على الجهمية والزنادقة فيما طعنوا فيه من متشابه ~~القرآن وتأولوه على غير تأويله فرد على من حمله على غير ما أريد به وفسر هو ~~جميع الآيات المتشابهة وبين ms0118 المراد بها # وكذلك الصحابة والتابعون فسروا جميع القرآن وكانوا يقولون إن العلماء ~~يعلمون تفسيره وما أريد به وإن لم يعلموا كيفية ما أخبر الله به عن نفسه وكذلك PageV01P207 ~~لا يعلمون كيفية الغيب فإن ما أعده الله لأوليائه من النعيم لا عين رأته ~~ولا أذن سمعته ولا خطر على قلب بشر فذاك الذي أخبر به لا يعلمه إلا الله ~~فمن قال من السلف إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله بهذا المعنى فهذا حق # وأما من قال إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد به لا يعلمه إلا ~~الله فهذا ينازعه فيه عامة الصحابة والتابعين الذين فسروا القرآن كله ~~وقالوا إنهم يعلمون معناه # كما قال مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند ~~كل آية وأسأله عنها وقال ابن مسعود ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيم ~~أنزلت وقال الحسن البصري ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها # ولهذا كانوا يجعلون القرآن يحيط بكل ما يطلب من علم الدين كما قال مسروق ~~ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه ### | AUTO وقال الشعبي ما ابتدع قوم بدعة إلا في كتاب الله بيانها وأمثال ~~ذلك من الآثار الكثيرة المذكورة بالأسانيد الثابتة مما ليس هذا موضع بسطه ~~الوجه السابع عشر # أن يقال الذين يعارضون الكتاب والسنة بما يسمونه عقليات من الكلاميات ~~والفلسفيات ونحو ذلك إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة مجملة تحتمل PageV01P208 ~~معاني متعددة ويكون ما فيها من الإشتباه لفظا ومعنى يوجب تناولها لحق وباطل ~~فبما فيها من الحق يقبل ما فيها من الباطل لأجل الإشتباه والإلتباس ثم ~~يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم # وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع فإن البدعة لو كانت ~~باطلا محضا لظهرت وبانت وما قبلت ولو كانت حقا محضا لا شوب فيه لكانت ~~موافقة للسنة فإن السنة لا تناقض ms0119 حقا محضا لا باطل فيه ولكن البدعة تشتمل ~~على حق وباطل وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع # ولهذا قال تعالى فيما يخاطب به أهل الكتاب على لسان محمد صلى الله عليه ~~وسلم { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف ~~بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر ~~به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ولا تلبسوا الحق بالباطل ~~وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } سورة البقرة 40 42 فنهاهم عن لبس الحق بالباطل ~~وكتمانه ولبسه به خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر كما قال تعالى { ولو ~~جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون } سورة الأنعام 9 # ومنه التلبيس وهو التدليس وهو الغش لأن المغشوش من النحاس تلبسه فضة ~~تخالطه وتغطيه كذلك إذا لبس الحق بالباطل يكون قد أظهر الباطل PageV01P209 ~~في صورة الحق فالظاهر حق والباطن باطل ثم قال تعالى { وتكتموا الحق وأنتم ~~تعلمون } سورة البقرة 42 # وهنا قولان قيل إنه نهاهم عن مجموع الفعلين وإن الواو واو الجمع التي ~~يسميها نحاة الكوفة واو الصرف كما في قولهم لا تأكل السمك وتشرب اللبن كما ~~قال تعالى { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } سورة آل ~~عمران 142 على قراءة النصب وكما في قوله تعالى { أو يوبقهن بما كسبوا ويعف ~~عن كثير ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص } سورة الشورى 34 35 ~~على قراءة النصب وعلى هذا فيكون الفعل الثاني في قوله { وتكتموا الحق } ~~منصوبا والأول مجزوما # وقيل بل الواو هي الواو العاطفة المشركة بين المعطوف والمعطوف عليه فيكون ~~قد نهى عن الفعلين من غير اشتراط اجتماعهما كما إذا قيل لا تكفر وتسرق وتزن # وهذا هو الصواب كما في قوله تعالى { يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق ~~بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } سورة آل عمران 71 ولو ذمهم على ~~الإجتماع لقال وتكتموا الحق بلا نون وتلك الآية نظير هذه # ومثل هذا الكلام إذا أريد به النهي ms0120 عن كل من الفعلين فإنه قد يعاد فيه ~~حرف النفي كما تقول لا تكفر ولا تسرق ولا تزن ومنه قوله تعالى { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم ولا تقتلوا أنفسكم } سورة النساء 29 PageV01P210 # وأما إذا لم يعد حرف النفي فيكون لارتباط أحد الفعلين بالآخر مثل أن يكون ~~أحدهما مستلزما للآخر كما قيل لا تكفر بالله وتكذب أنبياءه ونحو ذلك # وما يكون اقترانهما ممكنا لا محذور فيه لكن النهى عن الجميع فهو قليل في ~~الكلام ولذلك قل ما يكون فيه الفعل الثاني منصوبا والغالب على الكلام جزم ~~الفعلين # وهذا مما يبين أن الراجح في قوله وتلبسوا أن تكون الواو واو العطف والفعل ~~مجزوما ولم يعد حرف النفي لأن أحد الفعلين مرتبط بالآخر مستلزم له فالنهى ~~عن الملزوم وإن كان يتضمن النهى عن اللازم فقد يظن أنه ليس مقصودا للناهي ~~وإنما هو واقع بطريق اللزوم العقلي # ولهذا تنازع الناس في الأمر بالشيء هل يكون أمرا بلوازمه وهل يكون نهيا ~~عن ضده مع اتفاقهم على أن فعل المأمور لا يكون إلا مع فعل لوازمه وترك ضده ~~ومنشأالنزاع أن الآمر بالفعل قد لا يكون مقصود اللوازم ولا ترك الضد ولهذا ~~إذا عاقب المكلف لا يعاقبه إلا على ترك المأمور فقط لا يعاقبه على ترك ~~لوازمه وفعل ضده # وهذه المسألة هي الملقبة بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب # وقد غلط فيها بعض الناس فقسموا ذلك إلى ما لا يقدر المكلف عليه كالصحة في ~~الأعضاد والعدد في الجمعة ونحو ذلك مما لا يكون قادرا على تحصيله وإلى ما ~~يقدر عليه كقطع المسافة إلى الحج وغسل جزء من الرأس في الوضوء وإمساك PageV01P211 ~~جزء من الليل في الصيام ونحو ذلك فقالوا ما لا يتم الواجب المطلق إلا به ~~وكان مقدورا للمكلف فهو واجب # وهذا التقسيم خطأ فإن هذه الأمور التي ذكروها هي شرط في الوجوب فلا يتم ~~الوجوب إلا بها وما لا يتم الوجوب إلا ms0121 به لا يجب على العبد فعله باتفاق ~~المسلمين سواء كان مقدورا عليه أو لا كالإستطاعة في الحج واكتساب نصاب ~~الزكاة فإن العبد إذا كان مستطيعا للحج وجب عليه الحج وإذا كان مالكا لنصاب ~~الزكاة وجبت عليه الزكاة فالوجوب لا يتم إلا بذلك فلا يجب عليه تحصيل ~~استطاعة الحج ولا ملك النصاب # ولهذا من يقول إن الإستطاعة في الحج ملك المال كما هو مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد فلا يوجبون عليه اكتساب المال ولم يتنازعوا إلا فيما إذا ~~بذلت له الإستطاعة إما بذل الحج وإما بذل المال له من ولده وفيه نزاع معروف ~~في مذهب الشافعي وأحمد ولكن المشهور من مذهب أحمد عدم الوجوب وإنما أوجبه ~~طائفة من أصحابه لكون الأب له على أصله أن يتملك مال ولده فيكون قبوله ~~كتملك المباحات والمخالفون لهؤلاء من أصحابه لا يوجبون عليه اكتساب ~~المباحات والمشهور من مذهب الشافعي الوجوب ببذل الابن الفعل PageV01P212 # والمقصود هنا الفرق بين ما لا يتم الوجوب إلا به وما لا يتم الواجب إلا ~~به وأن الكلام في القسم الثاني فما لا يتم الواجب إلا به كقطع المسافة في ~~الجمعة والحج ونحو ذلك فعلى المكلف فعله باتفاق المسلمين # لكن من ترك الحج وهو بعيد الدار عن مكة أو ترك الجمعة وهو بعيد الدار عن ~~الجامع فقد ترك أكثر مما ترك قريب الدار ومع هذا فلا يقال إن عقوبة هذا ~~أعظم من عقوبة قريب الدار والواجب ما يكون تركه سببا للذم والعقاب فلو كان ~~هذا الذي لزم فعله بطريق التبع مقصودا بالوجوب لكان الذم والعقاب لتاركه ~~أعظم فيكون من ترك الحج من أهل الهند والأندلس أعظم عقابا ممن تركه من أهل ~~مكة والطائف ومن ترك الجمعة من أقصى المدينة أعظم عقابا ممن تركها من جيران ~~المسجد الجامع # فلما كان من المعلوم أن ثواب البعيد أعظم وعقابه إذا ترك ليس أعظم من ~~عقاب القريب نشأت من ههنا الشبهة هل هو واجب أو ليس بواجب والتحقيق أن ~~وجوبه بطريق اللزوم العقلي لا بطريق قصد ms0122 الآمر بل الأمر بالفعل قد لا يقصد ~~طلب لوازمه وإن كان عالما بأنه لا بد من وجودها وإن كان ممن يجوز عليه ~~الغفلة فقد لا تخطر بقلبه اللوازم # ومن فهم هذا انحلت عنه شبهة الكعبي هل في الشريعة مباح أو لا فإن الكعبي ~~زعم أنه لا مباح في الشريعة لأنه ما من فعل يفعله العبد من المباحان PageV01P213 ~~إلا وهو مشتغل به عن محرم والنهي عن المحرم أمر بأحد أضداده فيكون ما فعله ~~من المباحثان هو من أضداد المحرم المأمور بها # وجوابه أن يقال النهى عن الفعل ليس أمرا بضد معين لا بطريق القصد ولا ~~بطريق اللزوم بل هو نهي عن الفعل المقصود تركه بطريق القصد وذلك يستلزم ~~الأمر بالقدر المشترك بين الأضداد فهو أمر بمعنى مطلق كلي والأمر بالمعنى ~~المطلق الكلي ليس أمرا بمعين بخصوصه ولا نهيا عنه بل لا يمكن فعل المطلق ~~إلا بمعين أي معين كان فهو أمر بالقدر المشترك بين المعينات فما امتاز به ~~معين عن معين فالخيرة فيه إلى المأمور لم يؤمر به ولم ينه عنه وما اشتركت ~~فيه المعينات وهو القدر المشترك فهو الذي أمر به الآمر # وهذا يحل الشبهة في مسألة المأمور المخير والأمر بالماهية الكلية هل يكون ~~أمرا بشي من جزئياتها أم لا فالمخير هو الذي يكون أمر بخصلة من خصال معينة ~~كما في فدية الأذى وكفارة اليمين كقوله تعلى { ففدية من صيام أو صدقة أو ~~نسك } سورة البقرة 196 وقوله تعالى { فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة } سورة المائدة 89 فهنا اتفق ~~المسلمون على أنه إذا فعل واحد منها برئت ذمته وأنه إذا ترك الجميع لم ~~يعاقب على ترك الثلاثة كما يعاقب إذا وجب عليه أن يفعل الثلاثة كلها PageV01P214 # وكذلك اتفق العقلاء المعتبرون على أن الواجب ليس معينا في نفس الأمر وأن ~~الله لم يوجب عليه ما علم أنه سيفعله وإنما يقول هذا بعض الغالطين ويحكيه ~~طائفة عن طائفة غلطا عليهم بل أوجب عليه ms0123 أن يفعل هذا أو هذا وهو كما قال ~~ابن عباس كل شيء في القرآن أو أو فهو على التخيير وكل شيء في القرآن فمن لم ~~يجد فو على الترتيب والله يعلم أن العبد يفعل واحدا بعينه مع علمه أنه لم ~~يوجبه عليه بخصوصه # ثم اضطرب الناس هنا هل الواجب الثلاثة فلا يكون هناك فرق بين المعين وبين ~~المخير أو الواجب واحد لا بعينه فيكون المأمور به مبهما غير معلوم للمأمور ~~ولا بد في الأمر من تمكن المأمور من العلم بالمأمور به والعمل به والقول ~~بأيجاب الثلاثة يحكى عن المعتزلة والقول بأيجاب واحد لا بعينه هو قول ~~الفقهاء # وحقيقة الأمر أن الواجب هو القدر المشترك بين الثلاثة وهو مسمى أحدهما ~~فالواجب أحد الثلاثة وهذا معلوم متميز معروف للمأمور وهذا المسمى يوجد في ~~هذا المعين وهذا المعين وهذا المعين فلم يجب واحد بعينه غير معين بل وجب ~~أحد المعينات والإمتثال يحصل بواحد منها وإن لم يعينه الآمر # والمتناقض هو أن يوجب معينا ولا يعينه أما إذا كان الواجب غير معين بل هو ~~القدر المشترك فلا منافاة بين الإيجاب وترك التعيين PageV01P215 # وهذا يظهر بالواجب المطلق وهو الأمر بالماهية الكلية كالأمر بإعتاق رقبة ~~فإن الواجب رقبة مطلقة والمطلق لا يوجد إلا معينا لكن لا يكون معينا في ~~العلم والقصد فالآمر لم يقصد واحدا بعينه مع علمه بأنه لا يوجد إلا معينا ~~وأن المطلق الكلي عند الناس وجوده في الأذهان لا في الأعيان فما هو مطلق ~~كلي في أذهان الناس لا يوجد إلا معينا مشخصا مخصوصا متميزا في الأعيان ~~وإنما سمى كليا لكونه في الذهن كليا وأما في الخارج فلا يكون في الخارج ما ~~هو كلي أصلا # وهذا الأصل ينفع في عامة العلوم فلهذا يتعدد ذكره في كلامنا بحسب الحاجة ~~إليه فيحتاج أن يفهم في كل موضع يحتاج إليه فيه كما تقدم وبسبب الغلط فيه ~~ضل طوائف من الناس حتى في وجود الرب تعالى وجعلوه وجودا مطلقا إما بشرط ~~الإطلاق وإما بغير شرط الإطلاق وكلاهما ms0124 يمتنع وجوده في الخارج # والمتفلسفة منهم من يقول يوجد المطلق بشرط الإطلاق في الخارج كما يذكر عن ~~شيعة أفلاطون القائلين بالمثل الأفلاطونية ومنهم من يزعم وجود المطلقات في ~~الخارج مقارنة للمعينات وأن الكلى المطلق جزء من المعين الجزئي كما يذكر ~~عمن يذكر عنه من أتباع أرسطو صاحب المنطق # وكلا القولين خطأ صريح فإنا نعلم بالحس وضرورة العقل أن الخارج ليس فيه ~~إلا شيء معين مختص لا شركة فيه أصلا ولكن المعاني الكلية العامة المطلقة في ~~الذهن كالألفاظ المطلقة والعامة في اللسان وكالخط الدال على تلك الألفاظ PageV01P216 ~~فالخظ يطابق اللفظ واللفظ يطابق المعنى فكل من الثلاثة يتناول الأعيان ~~الموجودة في الخارج ويشملها ويعمها لا أن في الخارج شيئا هو نفسه يعم هذا ~~وهذا أو يوجد في هذا وهذا أو يشترك فيه هذا وهذا فإن هذا لا يقوله من يتصور ~~ما يقول وإنما يقوله من اشتبهت عليه الأمور الذهنية بالأمور الخارجية أو من ~~قلد بعض من قال ذلك من الغالطين فيه # ومن علم هذا علم كثيرا مما دخل في المنطق من الخطأ في كلامهم في الكليات ~~والجزئيات مثل الكليات الخمس الجنس والفصل والنوع والخاصة والعرض العام # وما ذكروه من الفرق بين الذاتيات واللوازم للماهية وما ادعوه من تركيب ~~الأنواع من الذاتيات المشتركة المميزة التي يسمونها الجنس والفصل وتسمية ~~هذه الصفات أجزاء الماهية ودعواهم أن هذه الصفات التي يسمونها أجزاء تسبق ~~الموصوف في الوجود الذهني والخارجي جميعا وإثباتهم في الأعيان الموجودة في ~~الخارج حقيقة عقلية مغايرة للشيء المعين الموجود وأمثال ذلك من أغاليطهم ~~التي تقود من اتبعها إلى الخطأ في الإلهيات حتى يعتقد في الموجود الواجب ~~أنه وجود مطلق بشرط الإطلاق كما قاله طائفة من الملاحدة أو بشرط سلب الأمور ~~الثبوتية كلها كما قاله ابن سينا وأمثاله مع العلم بصريح العقل أن المطلق ~~بشرط الإطلاق أو بشرط سلب الأمور الثبوتية يمتنع وجوده في الخارج فيكون ~~الواجب الوجود ممتنع الوجود PageV01P217 # وهذا الكفر المتناقض وأمثاله هو سبب ما اشتهر بين المسلمين أن المنطق يجر ~~إلى ms0125 الزندقة وقد يطعن في هذا من لم يفهم حقيقة المنطق وحقيقة لوازمه ويظن ~~أنه في نفسه لا يستلزم صحة الإسلام ولا فساده ولا ثبوت حق ولا انتفاءه ~~وإنما هو آله تعصم مراعاتها عن الخطأ في النظر وليس الأمر كذلك بل كثير مما ~~ذكروه في المنطق يستلزم السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات ويكون من ~~قال بلوازمه ممن قال الله تعالى فيه { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا ~~في أصحاب السعير } سورة الملك 10 # والكلام في هذا مبسوط في غير هذا الموضع وإنما يلتبس ذلك على كثير من ~~الناس بسبب ما في ألفاظه من الإجمال والإشتراك والإبهام فإذا فسر المراد ~~بتلك الألفاظ انكشفت حقيقة المعاني المعقولة كما سننبه على ذلك إن شاء الله تعالى # والغرض هنا أن الأمر بالشيء الذي له لوازم لا توجد إلا بوجوده سواء كانت ~~سابقة على وجوده أو كانت لاحقة لوجوده قد يكون الآمر قاصدا للأمر بتلك ~~اللوازم بحيث يكون آمرا بهذا وبهذا اللازم وأنه إذا تركهما عوقب على كل ~~منهما وقد يكون المقصود أحدهما دون الآخر وكذلك النهى عن الشيء الذي له ~~ملزوم قد يكون قصده أيضا ترك الملزوم لما فيه من المفسدة وقد يكون تركه غير ~~مقصود له وإنما لزم لزوما # ومن هنا ينكشف لك سر مسألة اشتباه الأخت بالأجنبية والمذكى بالميت ونحو ~~ذلك مما ينهي العبد فيه عن فعل الإثنين لأجل الإشتباه فقالت طائفة كلتاهما ~~محرمة وقالت طائفة بل المحرم في نفس الأمر الأخت والميتة والأخرى PageV01P218 ~~إنما نهى عنها لعلة الإشتباه وهذا القول أغلب على فطرة الفقهاء والأول أغلب ~~على طريقه من لا يجعل في الأعيان معاني تقتضي التحليل والتحريم فيقول ~~كلاهما نهى عنه وإنما سبب النهي اختلف # والتحقيق في ذلك أن المقصود للناهي اجتناب الأجنبية والميتة فقط والمفسدة ~~التي من أجلها نهى عن العين موجودة فيها فقط وأما ترك الأخرى فهي من باب ~~اللوازم فهنا لا يتم اجتناب المحرم إلا باجتنابه وهنا لا يتم فعل الواجب ~~إلا بفعله # وهذا نظير من ms0126 ينهاه الطبيب عن تناول شراب مسموم واشتبه ذلك القدح بغيره ~~فعلى المريض اجتناب القدحين والمفسدة في أحدهما ولهذا لو أكل الميتة ~~والمذكى لعوقب على أكل الميتة كما لو أكلها وحدها ولا يزداد عقابه بأكل ~~المذكى بخلاف ما إذا أكل ميتتين فإنه يعاقب على أكلهما أكثر من عقاب من أكل ~~إحداهما # إذا عرف هذا فقوله تعالى { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق } سورة ~~البقرة 42 نهى عنهما والثاني لازم للأول مقصود بالنهى فمن لبس الحق بالباطل ~~كتم الحق وهو معاقب على لبسه الحق بالباطل وعلى كتمانه الحق فلا يقال النهى ~~عن جمعهما فقط لأنه لو كان هذا صحيحا لم يكن مجرد كتمان الحق موجبا للذم ~~ولا مجرد لبس الحق بالباطل موجبا للذم وليس الأمر كذلك فإن كتمان أهل ~~الكتاب ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بنيه للناس يستحقون به ~~العقاب باتفاق المسلمين وكذلك لبسهم الحق الذي أنزله الله بالباطل يستحقون ~~به العقاب باتفاق المسلمين وكذلك لبسهم الحق الذي أنزله الله بالباطل PageV01P219 ~~الذي ابتدعوه وجمع بينهما بدون إعادة حرف النفي لأن اللبس مستلزم للكتمان ~~ولم يقتصر على الملزوم لأن اللازم مقصود بالنهى # فهذا يبين لك بعض ما في القرآن من الحكم والأسرار وإنما كان اللبس ~~مستلزما للكتمان لأن من لبس الحق بالباطل كما فعله أهل الكتاب حيث ابتدعوا ~~دينا لم يشرعه الله فأمروا بما لم يأمر به ونهوا عما لم ينه عنه وأخبروا ~~بخلاف ما أخبر به فلا بد له أن يكتم من الحق المنزل ما يناقض بدعته إذ الحق ~~المنزل الذي فيه خبر بخلاف ما أخبر به إن لم يكتمه لم يتم مقصوده وكذلك ~~الذي فيه إباحة لما نهي عنه أو إسقاط لما أمر به # والحق المنزل إما أمر ونهى وإباحة وإما خبر فالبدع الخبرية كالبدع ~~المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته والنبيين واليوم الآخر لا بد أن يخبروا ~~فيها بخلاف ما أخبر الله به والبدع الأمرية كمعصية الرسول المبعوث إليهم ~~ونحو ذلك لا بد أن يأمروا فيها بخلاف ms0127 ما أمر الله به والكتب المتقدمة تخبر ~~عن الرسول النبي الأمي وتأمر باتباعه # والمقصود هنا الإعتبار فإن بني إسرائيل قد ذهبوا أو كفروا وإنما ذكرت ~~قصصهم عبرة لنا وكان بعض السلف يقول إن بني إسرائيل ذهبوا وإنما يعنى أنتم ~~ومن الأمثال السائرة إياك أعني واسمعي يا جارة فكان فيما خاطب الله به بني ~~إسرائيل عبرة لنا أن لا نلبس الحق بالباطل ونكتم الحق PageV01P220 # والبدع التي يعارض بها الكتاب والسنة التي يسميها أهلها كلاميات وعقليات ~~وفلسفيات أو ذوقيات ووجديات وحقائق وغير ذلك لا بد أن تشمل على لبس حق ~~بباطل وكتمان حق وهذا أمر موجود يعرفه من تأمله فلا تجد قط مبتدعا إلا وهو ~~يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها ~~ويبغض من يفعل ذلك كما قال بعض السلف ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة ~~الحديث من قلبه ثم إن قوله الذي يعارض به النصوص لابد له أن يلبس فيه حقا ~~بباطل بسبب ما يقوله من الألفاظ المجملة المتشابهة # ولهذا قال الإمام أحمد في أول ما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية ~~فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله مما كتبه في حبسه ~~وقد ذكره الخلال في كتاب السنة والقاضي أبو يعلى وأبو الفضل التميمي وأبو ~~الوفاء بن عقيل وغير واحد من أصحاب أحمد ولم ينفه أحد منهم عنه قال في أوله ~~الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ~~ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور ~~الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه فما ~~أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة ~~وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على PageV01P221 ~~مخالفة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون ms0128 ~~بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من ~~فتن المضلين # والمقصود هنا قوله يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما ~~يشبهون عليهم وهذا الكلام المتشابه الذى يخدعون به جهال الناس هو الذى ~~يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة وتلك ~~الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس لكن بمعان أخر ~~غير المعاني التي قصدوها هم بها فيقصدون هم بها معاني أخر فيحصل الإشتباه ~~والإجمال كلفظ العقل والعاقل والمعقول فإن لفظ العقل في لغة المسلمين إنما ~~يدل على عرض إما مسمى مصدر عقل يعقل عقلا وإما قوة يكون بها العقل وهي ~~الغريزة وهم يريدون بذلك جوهرا مجردا قائما بنفسه # وكذلك لفظ المادة والصورة بل وكذلك لفظ الجوهر والعرض والجسم والتحيز ~~والجهة والتركيب والجزء والإفتقار والعلة والمعلول والعاشق والعشق والمعشوق ~~بل ولفظ الواحد في التوحيد بل ولفظ الحدوث والقدم بل ولفظ الواجب والممكن ~~بل ولفظ الوجود والموجود والذات وغير ذلك من الألفاظ # وما من أهل فن إلا وهم معترفون بأنهم يصطلحون على ألفاظ يتفاهمون بها ~~مرادهم كما لأهل الصناعات العملية ألفاظ يعبرون بها عن صناعتهم وهذه PageV01P222 ~~الألفاظ هي عرفية عرفا خاصا ومرادهم بها غير المفهوم منها في أصل اللغة ~~سواء كان ذلك المعنى حقا أو باطلا # وإذا كان كذلك فهذا مقام يحتاج إلى بيان # وذلك أن هؤلاء المعارضين إذا لم يخاطبوا بلغتهم واصطلاحهم فقد يقولون إنا ~~لا نفهم ما قيل لنا أو أن المخاطب لنا والراد علينا لم يفهم قولنا ويلبسون ~~على الناس بأن الذي عنيناه بكلامنا حق معلوم بالعقل أو بالذوق ويقولون أيضا ~~إنه موافق للشرع إذا لم يظهروا مخالفة الشرع كما يفعله الملاحدة من ~~القرامطة والفلاسفة ومن ضاهأهم وإذا خوطبوا بلغتهم واصطلاحهم مع كونه ليس ~~هو اللغة المعروفة التي نزل بها القرآن فقد يفضي إلى مخالفة ألفاظ القرآن ~~في الظاهر # فإن هؤلاء عبروا عن المعاني التي أثبتها القرآن بعبارات أخرى ليست في ~~القرآن وربما جاءت في القرآن بمعنى آخر فليست ms0129 تلك العبارات مما أثبته ~~القرآن بل قد يكون معناها المعروف في لغة العرب التي نزل بها القرآن منتفيا ~~باطلا نفاه الشرع والعقل وهم اصطلحوا بتلك العبارات على معان غير معانيها ~~في لغة العرب فتبقى إذا أطلقوا نفيها لم تدل في لغة العرب على باطل ولكن ~~تدل في اصطلاحهم الخاص على باطل فمن خاطبهم بلغة العرب قالوا إنه لم يفهم ~~مرادنا ومن خاطبهم باصطلاحهم أخذوا يظهرون عنه أنه قال ما يخالف القرآن ~~وكان هذا من جهة كون تلك الألفاظ مجملة مشتبهة # وهذا كالألفاظ المتقدمة مثل لفظ القدم والحدوث والجوهر والجسم والعرض ~~والمركب والمؤلف والمتحيز والبعض والتوحيد PageV01P223 ~~والواحد فهم يريدون بلفظ التوحيد والواحد في اصطلاحهم ما لا صفة له ولا ~~يعلم منه شيىء دون شيىء ولا يرى والتوحيد الذي جاء به الرسول لم يتضمن شيئا ~~من هذا النفي وإنما تضمن إثبات الألهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله إلا هو ~~ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يوالي إلا له ولا يعادي إلا فيه ~~ولا يعمل إلا لأجله وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات # قال جابر بن عبد الله في حديثه الصحيح في سياق حجة الوداع فأهل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن ~~الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وكانوا في الجاهلية يقولون لبيك لا ~~شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فأهل النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالتوحيد كما تقدم # قال تعالى { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } سورة البقرة 163 # وقال تعالى { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي ~~فارهبون } سورة النحل 51 وقال تعالى { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان ~~له به فإنما حسابه عند ربه } سورة المؤمنون 117 وقال تعالى { واسأل من ~~أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } PageV01P224 ~~سورة الزخرف 45 وقال تعالى { ولقد بعثنا ms0130 في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } سورة ~~النحل 36 # وأخبرنا عن كل نبي من الأنبياء أنهم دعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا ~~شريك له وقال تعالى { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده } سورة الممتحنة 4 ~~وقال تعالى عن المشركين { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } سورة ~~ص 5 وقال تعالى { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا } ~~سورة الإسراء وقال تعالى { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون } سورة الزمر 45 وقال ~~تعالى { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا ~~لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } سورة الصافات 35 36 وهذا في القرآن كثير # وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية وهو اعتقاد أن الله وحده خلق ~~العالم كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف ويظن هؤلاء أنهم إذا ~~أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد ويظن هؤلاء أنهم إذا شهدوا هذا ~~وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد # وكثير من أهل الكلام يقول التوحيد له ثلاث معان وهو واحد في ذاته لا قسيم ~~له أو لا جزء له وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله PageV01P225 ~~لا شريك له وهذا المعنى الذي تتناوله هذه العبارة فيها ما يوافق ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وفيها ما يخالف ما جاء به الرسول وليس الحق الذي ~~فيها هو الغاية التي جاء بها الرسول بل التوحيد الذي أمر به أمر يتضمن الحق ~~الذي في هذا الكلام وزيادة أخرى فهذا من الكلام الذي لبس فيه الحق بالباطل ~~وكتم الحق # وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه ms0131 عن كل ما ~~ينزه عنه وأقر بأنه وحده خالق كل شيىء لم يكن موحدا بل ولا مؤمنا حتى يشهد ~~أن لا إله إلا الله فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة ويلتزم ~~بعبادة الله وحده لا شريك له # والإله هو بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة ليس هو الإله بمعنى ~~القادر على الخلق فإذا فسر المفسر الإله بمعنى القادر على الإختراع واعتقد ~~لأن هذا أخص وصف الإله وجعل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد كما ~~يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن ~~وأتباعه لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله فإن مشركي العرب ~~كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيىء وكانوا مع هذا مشركين # قال تعالى { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } سورة يوسف 106 قال ~~طائفة من السلف تسألهم من خلق السماوات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا ~~يعبدون غيره وقال تعالى { قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون ~~لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله ~~قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم ~~تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون } سورة المؤمنون 84 89 وقال تعالى { ~~ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله } سورة ~~العنكبوت 61 PageV01P226 # فليس كل من أقر أن الله رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه ~~داعيا له دون ما سواه راجيا خائفا منه دون ما سواه يوالي فيه ويعادي فيه ~~ويطيع رسله ويأمر بما أمر به وينهي عما نهى عنه وقد قال تعالى { وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } سورة الأنفال 39 وعامة المشركين ~~أقروا بأن الله خالق كل شيء وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به وجعلوا له ~~أندادا قال تعالى { أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ~~شيئا ولا يعقلون قل لله ms0132 الشفاعة جميعا } سورة الزمر 43 44 # وقال تعالى { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون } سورة يونس 18 وقال تعالى { ولقد جئتمونا فرادى ~~كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم ~~الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون } ~~سورة الأنعام 94 وقال تعالى { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله } سورة البقرة 165 # ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعوها كما ~~يدعو الله تعالى ويصوم لها وينسك لها ويتقرب إليها ثم يقول إن هذا ليس بشرك ~~وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي فإذا جعلتها سببا وواسطة لم أكن مشركا PageV01P227 # ومن المعلوم بالإضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك فهذا ونحوه من التوحيد ~~الذي بعث الله به رسله وهم لا يدخلونه في مسمى التوحيد الذي اصطلحوا عليه ~~وأدخلوا في ذلك نفي صفاته فإنهم إذا قالوا لا قسيم له ولا جزء له ولا شبيه ~~له فهذا اللفظ وإن كان يراد به معنى صحيح فإن الله ليس كمثله شيء وهو ~~سبحانه لا يجوز عليه أن يتفرق ولا يفسد ولا يستحيل بل هو أحد صمد والصمد ~~الذي لا جوف له وهو السيد الذي كمل سؤدده فإنهم يدرجون في هذا نفي علوه على ~~خلقه ومباينته لمصنوعاته ونفى ما ينفونه من صفاته ويقولون إن إثبات ذلك ~~يقتضي أن يكون مركبا منقسما وأن يكون له شبيه # وأهل العلم يعلمون ان مثل هذا لا يسمى في لغة العرب التي نزل بها القرآن ~~تركيبا وانقساما ولا تمثيلا وهكذا الكلام في مسمى الجسم والعرض والجوهر ~~والمتحيز وحلول الحوادث وأمثال ذلك فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ~~ينفونه أمورا مما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله فيدخلون فيها نفى علمه ~~وقدرته ms0133 وكلامه ويقولون إن القرآن مخلوق لم يتكلم الله به وينفون بها رؤيته ~~لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم ثم يقولون والله ~~منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته وكذلك يقولون إن المتكلم لا يكون إلا جسما ~~متحيزا والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلما ويقولون لو كان فوق العرش ~~لكان جسما متحيزا والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلما فوق العرش وأمثال ذلك PageV01P228 # وإذا كانت هذه الألفاظ مجملة كما ذكر فالمخاطب لهم إما أن يفصل ويقول ما ~~تريدون بهذه الألفاظ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قبلت وإن فسروها ~~بخلاف ذلك ردت # وإما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيا وإثباتا فإن ~~امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسبونه إلى العجز والإنقطاع وإن تكلم بها ~~معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقا وباطلا وأوهموا الجهال ~~باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله ~~عنها فحينئذ تختلف المصلحة فإن كانوا في مقام دعوة الناس إلى قولهم ~~وإلزامهم به أمكن أن يقال لهم لا يجب على أحد أن يجيب داعيا إلا إلى ما دعا ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه ~~لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه ولا له دعوة الناس إلى ذلك ولو قدر أن ~~ذلك المعنى حق # وهذه الطريق تكون أصلح إذا لبس ملبس منهم على ولاة الأمور وأدخلوه في ~~بدعتهم كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم ~~من القول بخلق القرآن وغير ذلك فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال ائتونا بكتاب ~~أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة # وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء وإذا ردوا ~~إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أداه ~~إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر فلهذا ms0134 لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في ~~موارد النزاع إلا الكتاب والسنة PageV01P229 # وبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلى المحنة وصار يطالبهم بدلالة ~~الكتاب والسنة على قولهم فلما ذكروا حججهم كقوله تعالى { خالق كل شيء } ~~سورة الأنعام 102 وقوله { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } سورة الأنبياء 2 ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم تجئ البقرة وآل عمران وأمثال ذلك من ~~الأحاديث مع ما ذكروه من قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق الذكر أجابهم ~~عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل على مطلوبهم # ولما قالوا ما تقول في القرآن أهو الله أو غير الله عارضهم بالعلم فقال ~~ما تقولون في العلم أهو الله أو غير الله # ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث وكان من أحذقهم بالكلام الزمه ~~التجسيم وأنه إذا أثبت لله كلاما غير مخلوق لزم أن يكون جسما # فأجابه الإمام احمد بأن هذا اللفظ لا يدرى مقصود المتكلم به وليس له أصل ~~في الكتاب والسنة والإجماع فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا ~~بمدلوله وأخبره أني أقول هو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ~~فبين أنى لا أقول هو جسم ولا ليس بجسم لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في ~~الإسلام فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى ~~موجبها فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من PageV01P230 ~~دعاهم إلى ما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم لا إجابة من دعاهم إلى ~~قول مبتدع ومقصود المتكلم بها مجمل لا يعرف إلا بعد الإستفصال والإستفسار ~~فلا هي معروفة في الشرع ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها # فهذه الماظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعيا وأما إذا كان ~~المناظر معارضا للشرع بما يذكره أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة مثل من ~~لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات ms0135 أو ممن يدعي أن ~~الشرع خاطب الجمهور وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع ونحو ذلك ~~أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء فهؤلاء لا بد في مخاطبتهم من ~~الكلام على المعاني التي يدعونها إما بألفاظهم وإما بألفاظ يوافقون على ~~أنها تقوم مقام ألفاظهم # وحينئذ فيقال لهم الكلام إما أن يكون في الألفاظ وإما أن يكون في المعاني ~~وإما أن يكون فيهما فإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ ~~كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل ~~يسميه علة وعاشقا ومعشوقا ونحو ذلك فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة ~~الشرعية كان حسنا وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم فبيان ضلالهم ودفع ~~صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ كما لو ~~جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم فدفعهم بلبس ~~ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفا من التشبه بهم في الثياب PageV01P231 # وأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة فإنه يقال له إطلاق هذه ~~الألفاظ نفيا وإثباتا بدعة وفي كل منهما تلبيس وإيهام فلا بد من الإستفسار ~~والإستفصال أو الإمتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات # وقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام وأهل الكلام كقول أبي ~~يوسف من طلب العلم بالكلام تزندق وقول الشافعي حكمي في أهل الكلام أن ~~يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ~~ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام وقوله لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ~~ما كنت أظنه ولأن يبتلي العبد بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله خير له من أن ~~يبتلى بالكلام وقول الإمام أحمد ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح وقل أحد نظر فى ~~الكلام إلا كان في قلبه غل على أهل الإسلام وأمثال هذا الأقوال المعروفة عن ~~الأئمة ظن بعض الناس أنهم إنما ذموا الكلام لمجرد ms0136 ما فيه من الإصطلاحات ~~المحدثة كلفظ الجوهر والجسم والعرض وقالوا إن مثل هذا لا يقتضي الذم كما لو ~~أحدث الناس آنية يحتاجون إليها أو سلاحا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو وقد ~~ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره # وليس الأمر كذلك بل ذمهم للكلام لفساد معناه اعظم من ذمهم لحدوث ألفاظه ~~فذموه لإشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة ومخالفته للعقل PageV01P232 ~~الصريح ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة وكل ما خالف الكتاب ~~والسنة فهو باطل قطعا ثم من الناس من قد يعلم بطلانه بعقله ومنهم من لا ~~يعلم ذلك # وأيضا فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق ~~والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئا وأكثر ~~اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا ~~يعلمه إلا الله فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني ~~الصحيحة ثابتة فيهما والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة ~~ولو كان الناس محتاجين في أصول دينهم إلى ما لم يبينه الله ورسوله لم يكن ~~الله قد أكمل للأمة دينهم ولا أتم عليهم نعمته فنحن نعلم أن كل حق يحتاج ~~الناس إليه في أصول دينهم لا بد أن يكون مما بينه الرسول إذ كانت فروع ~~الدين لا تقوم إلا بأصوله فكيف يجوز أن يترك الرسول أصول الدين التي لا يتم ~~الإيمان إلا بها لا يبينها للناس # ومن هنا يعرف ضلال من ابتدع طريقا أو اعتقادا زعم أن الإيمان لا يتم إلا ~~به مع العلم بأن الرسول لم يذكره # وهذا مما احتج به علماء السنة على من دعاهم إلى قول الجهمية القائلين ~~بخلق القرآن وقالوا إن هذا لو كان من الدين الذي يجب الدعاء إليه لعرفه الرسول PageV01P233 ~~ودعا أمته إليه كما ذكره أبو عبدالرحمن الأذرمي الأزدعي في مناظرته للقاضي ~~أحمد بن أبي دؤاد قدام الواثق # وهذا مما رد به علماء السنة على من زعم أن طريقة الإستدلال على إثبات ~~الصانع سبحانه بإثبات الأعراض وحدوثها من الواجبات ms0137 التي لا يحصل الإيمان ~~إلا بها وأمثال ذلك # وبالجملة فالخطاب له مقامات فإن كان الإنسان في مقام دفع من يلزمه ويأمره ~~ببدعة ويدعوه إليها أمكنه الإعتصام بالكتاب والسنة وأن يقول لا أجيبك إلا ~~إلى كتاب الله وسنة رسوله بل هذا هو الواجب مطلقا # وكل من دعا إلى شيء من الدين بلا أصل من كتاب الله وسنة رسوله فقد دعا ~~إلى بدعة وضلالة والإنسان في نظره مع نفسه ومناظرته لغيره إذا اعتصم ~~بالكتاب والسنة هداه الله إلى صراطه المستقيم فإن الشريعة مثل سفينة نوح ~~عليه السلام من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وقد قال تعالى { وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } سورة الأنعام 153 ~~وقال تعالى { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء } ~~سورة الأعراف 3 وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته إن أصدق ~~الكلام كلام PageV01P234 ~~الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وقال صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في سياق حجة الوداع إني ~~تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله تعالى وفي الصحيح أنه قيل ~~لعبدالله بن أبي أوفى هل وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء قال لا قيل ~~فلم وقد كتب الوصية على الناس قال وصى بكتاب الله # وقد قال تعالى { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } سورة البقرة ~~213 وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } سورة النساء 59 ~~ومثل هذا كثير # وأما إذا كان الإنسان في مقام الدعوة لغيره والبيان له وفي مقام النظير ~~أيضا فعليه أن يعتصم أيضا بالكتاب والسنة ويدعو إلى ذلك وله أن يتكلم مع PageV01P235 ~~ذلك ويبين الحق الذي جاء به الرسول بالأقيسة العقلية والأمثال المضروبة ~~فهذه طريقة الكتاب ms0138 والسنة وسلف الأمة فإن الله سبحانه وتعالى ضرب الأمثال ~~في كتابه وبين بالبراهين العقلية توحيده وصدق رسله وأمر المعاد وغير ذلك من ~~أصول الدين وأجاب عن معارضة المشركين كما قال تعالى { ولا يأتونك بمثل إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } سورة الفرقان 33 # وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخاطباته ولما قال ما منكم من ~~أحد إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر قال له أبو رزين ~~العقيلي كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن كثير فقال سأنبئك بمثل ذلك في آلاء ~~الله هذا القمر آية من آيات الله كلكم يراه مخليا به فالله أعظم # ولما سأله أيضا عن إحياء الموتى ضرب له المثل بإحياء النبات PageV01P236 # وكذلك السلف فروى عن ابن عباس أنه لما أخبر بالرؤية عارضه السائل يقوله ~~تعالى { لا تدركه الأبصار } سورة الأنعام 103 فقال له ألست ترى السماء فقال ~~بلى قال أتراها كلها قال لا فبين له أن نفى الإدراك لا يقتضى نفى الرؤية # وكذلك الأمة كالإمام أحمد في رده على جهمية لما بين دلالة القرآن على ~~علوه تعالى واستوائه على عرشه وأنه مع ذلك عالم بكل شيء كما دل على ذلك ~~قوله تعالى { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو ~~معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير } سورة الحديد 4 فبين أن المراد ~~بذكر المعية أنه عالم بهم كما افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم وبين ~~سبحانه أنه مع علوه على العرش يعلم ما الخلق عاملون كما في حديث العباس بن ~~عبدالمطلب الذي رواه أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه ~~والله فوق عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه فبين الإمام أحمد إمكان ذلك ~~بالإعتبار العقلي وضرب مثلين ولله المثل الأعلى فقال لو أن رجلا في يده ~~قوارير فيمها ماء صاف لكان بصره PageV01P237 # قد أحاط بما ms0139 فيها مع مباينته فالله وله المثل الأعلى قد أحاط بصره بخلقه ~~وهو مستو على عرشه وكذلك لو أن رجلا بنى دارا لكان مع خروجه عنها يعلم ما ~~فيها فالله الذي خلق العالم يعلمه مع علوه عليه كما قال تعالى { ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير } سورة الملك 14 # وإذا كان المتكلم في مقام الإجابة لمن عارضه بالعقل وادعى أن العقل يعارض ~~النصوص فإنه قد يحتاج إلى حل شبهته وبيان بطلانها فإذا أخذ النافي يذكر ~~ألفاظا مجملة مثل أن يقول لو كان فوق العرش لكان جسما أو لكان مركبا وهو ~~منزه عن ذلك ولو كان له علم وقدرة لكان جسما وكان مركبا وهو منزه عن ذلك ~~ولو خلق واستوى وأتى لكان تحله الحوادث وهو منزه عن ذلك ولو قامت به الصفات ~~لحلته الأعراض وهو منزه عن ذلك # فهنا يستفصل السائل ويقول له ماذا تريد بهذه الألفاظ المجملة # فإن أراد بها حقا وباطلا قبل الحق ورد الباطل مثل أن يقول أنا أريد بنفي ~~الجسم نفي قيامه بنفسه وقيام الصفات به ونفي كونه مركبا فنقول هو قائم ~~بنفسه وله صفات قائمة به وأنت إذا سميت هذا تجسيما لم يجز أن أدع الحق الذي ~~دل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول لأجل تسميتك أنت له بهذا PageV01P238 # وأما قولك ليس مركبا فإن أردت به أنه سبحانه ركبه مركب أو كان متفرقا ~~فتركب وأنه يمكن تفرقه وانفصاله فالله تعالى منزه عن ذلك وإن أردت أنه ~~موصوف بالصفات مباين للمخلوقات فهذا المعنى حق ولا يجوز رده لأجل تسميتك له ~~مركبا فهذا ونحوه مما يجاب به # وإذا قدر أن المعارض أصر على تسمية المعاني الصحيحة التي ينفيها بألفاظه ~~الإصطلاحية المحدثة مثل أن يدعى أن ثبوت الصفات ومباينة المخلوقات يستحق أن ~~يسمى في اللغة تجسيما وتركيبا ونحو ذلك قيل له هب أنه سمى بهذا الإسم فنفيك ~~له إما أن يكون بالشرع وإما أن يكون بالعقل # أما الشرع فليس فيه ذكر هذه الأسماء في حق الله لا بنفي ولا إثبات ms0140 ولم ~~ينطق أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى بذلك لا نفيا ولا إثباتا ~~بل قول القائل إن الله جسم أو ليس بجسم أو جوهر أو ليس بجوهر أو متحيز أو ~~ليس بمتحيز أو في جهة أو ليس في جهة أو تقوم به الأعراض والحوادث أو لا ~~تقوم به ونحو ذلك كل هذه الأقوال محدثة بين أهل الكلام المحدث لم يتكلم ~~السلف والأئمة فيها لا بإطلاق النفي ولا بإطلاق الإثبات بل كانوا ينكرون ~~على أهل الكلام الذين يتكلمون بمثل هذا النوع في حق الله تعالى نفيا ~~وإثباتا # وإن أردت أن نفي ذلك معلوم بالعقل وهو الذي تدعيه النفاة ويدعون أن نفيهم ~~المعلوم بالعقل عارض نصوص الكتاب والسنة PageV01P239 # قيل له فالأمور العقلية المحضة لا عبرة فيها بالألفاظ فالمعنى إذا كان ~~معلوما إثباته بالعقل لم يجز نفيه لتعبير المعبر عنه بأي عبارة عبر بها ~~وكذلك إذا كان معلوما انتفاؤه بالعقل لم يجز إثباته بأي عبارة عمر بها ~~المعبر وبين له بالعقل ثبوت المعنى الذي نفاه وسماه بألفاظه الإصطلاحية # وقد يقع في محاورته إطلاق هذه الألفاظ لأجل اصطلاح ذلك النافي ولغته وإن ~~كان المطلق لها لا يستجيز إطلاقها في غير هذا المقام كما إذا قال الرافضي ~~أنتم ناصبة تنصبون العداوة لآل محمد فقيل له نحن نتولى الصحابة والقرابة ~~فقال لا ولاء إلا ببراء فمن لم يتبرأ من الصحابة لم يتول القرابة فيكون قد ~~نصب لهم العداوة # فيقال له هب أن هذا يسمى نصبا فلم قلت إن هذا محرم فلا دلالة لك على ذم ~~النصب بهذا التفسير كما لا دلالة على ذم الرفض بمعنى موالاة أهل البيت إذا ~~كان الرجل مواليا لأهل البيت كما يحب الله ورسوله ومنه قول القائل % إن كان ~~رفضا حب آل محمد % فليشهد الثقلان أني رافضي % # وقول القائل أيضا % إذا كان نصبا ولاء الصحاب % فإني كما زعموا ناصبي % % ~~وإن كان رفضا ولاء الجميع % فلا برح الرفض من جانبي % # والأصل في هذا الباب أن الألفاظ نوعان PageV01P240 # نوع مذكور في ms0141 كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع فهذا يجب اعتبار ~~معناه وتعليق الحكم به فإن كان المذكور به مدحا استحق صاحبه المدح وإن كان ~~ذما استحق الذم وإن أثبت شيئا وجب إثباته وإن نفى شيئا وجب نفيه لأن كلام ~~الله حق وكلام رسوله حق وكلام أهل الإجماع حق وهذا كقوله تعالى { قل هو ~~الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } سورة الإخلاص 1 ~~4 وقوله تعالى { هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ~~السلام المؤمن } سورة الحشر 22 23 ونحو ذلك من أسماء الله وصفاته # وكذلك قوله تعالى { ليس كمثله شيء } سورة الشورى 11 وقوله تعالى { لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } سورة الأنعام 103 وقوله تعالى { وجوه ~~يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } سورة القيامة 22 23 وأمثال ذلك مما ذكره الله ~~تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فهذا كله حق # ومن دخل في اسم مذموم في الشرع كان مذموما كاسم الكافر والمنافق والملحد ~~ونحو ذلك ومن دخل في اسم محمود في الشرع كان محمودا كاسم المؤمن والتقي ~~والصديق ونحو ذلك # وأما الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم ~~والإثبات والنفي على معناها إلا أن يبين أنه يوافق الشرع والألفاظ التي تعارض PageV01P241 ~~بها النصوص هي من هذا الضرب كلفظ الجسم والحيز والجهة والجوهر والعرض فمن ~~كانت معارضته بمثل هذه الألفاظ لم يجز له أن يكفر مخالفه إن لم يكن قوله ~~مما يبين الشرع أنه كفر لأن الكفر حكم شرعي متلقي عن صاحب الشريعة والعقل ~~قد يعلم به صواب القول وخطؤه وليس كل ما كان خطأ في العقل يكون كفرا في ~~الشرع كما أنه ليس كل ما كان صوابا في العقل تجب في الشرع معرفته # ومن العجب قول من يقول من أهل الكلام إن أصول الدين التي يكفر مخالفها هي ~~علم الكلام الذي يعرف بمجرد العقل وأما ما لا يعرف بمجرد العقل فهي ~~الشرعيات ms0142 عندهم وهذه طريقة المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم كأتباع صاحب ~~الإشاد وأمثالهم # فيقال لهم هذا الكلام تضمن شيئين أحدهما أن أصول الدين هي التي تعرف ~~بالعقل المحض دون الشرع والثاني أن المخالف لها كافر وكل من المقدمتين وإن ~~كانت باطلة فالجمع بينهما متناقض وذلك أن ما لا يعرف إلا بالعقل لا يعلم أن ~~مخالفه كافر الكفر الشرعي فإنه ليس في الشرع أن من خالف ما لا يعلم إلا ~~بالعقل يكفر وإنما الكفر يكون بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر ~~به أو الإمتناع عن متابعته مع العلم بصدقه مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم # وفي الجملة فالكفر متعلق بما جاء به الرسول وهذا ظاهر على قول من لا يوجب ~~شيئا ولا يحرمه إلا بالشرع فإنه لو قدر عدم الرسالة لم يكن كفر محرم ولا ~~إيمان واجب عندهم ومن أثبت ذلك بالعقل فإن لا ينازع أنه بعد مجيء PageV01P242 ~~الرسول تعلق الكفر والإيمان بما جاء به لا بمجرد ما يعلم بالعقل فكيف يجوز ~~أن يكون الكفر معلقا بأمور لا تعلم إلا بالعقل إلا أن يدل الشرع على أن تلك ~~الأمور التي لا تعلم إلا بالعقل كفر فيكون حكم الشرع مقبولا لكن معلوم أن ~~هذا لا يوجد في الشرع بل الموجود في الشرع تعليق الكفر بما يتعلق به ~~الإيمان وكلاهما متعلق بالكتاب والرسالة فلا إيمان مع تكذيب الرسول ~~ومعاداته ولا كفر مع تصديقه وطاعته # ومن تدبر هذا رأى أهل البدع من النفاة يعتمدون على مثل هذا فيبتدعون بدعا ~~بآرائهم ليس فيها كتاب ولا سنة ثم يكفرون من خالفهم فيما ابتدعوه وهذا حال ~~من كفر الناس بما أثبتوه من الأسماء والصفات التي يسميها هو تركيبا وتجسيما ~~وإثباتا لحلول الصفات والأعراض به ونحو ذلك من الأقوال التي ابتدعتها ~~الجهمية والمعتزلة ثم كفروا من خالفهم فيها # والخوارج الذين تأولوا آيات من القرآن وكفروا من خالفهم فيها أحسن حالا ~~من هؤلاء فإن أولئك علقو الكفر بالكتاب والسنة لكن غلطوا في فهم النصوص ~~وهؤلاء علقوا الكفر بكلام ما ms0143 أنزل الله به من سلطان # ولهذا كان ذم السلف للجهمية من أعظم الذم حتى قال عبدالله بن المبارك إنا ~~لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية PageV01P243 # بل الحق أنه لو قدر أن بعض الناس غلط في معان دقيقة لا تعلم إلا بنظر ~~العقل وليس فيها بيان في النصوص والإجماع لم يجز لأحد أن يكفر مثل هذا ولا ~~يفسقه بخلاف من نفى ما أثبتته النصوص الظاهرة المتواترة فهذا أحق بالتكفير ~~إن كان المخطئ في هذا الباب كافرا # وليس المقصود هنا بيان مسائل التكفير فإن هذا مبسوط في موضع آخر ولكن ~~المقصود أن عمدة المعارضين للنصوص النبوية أقوال فيها اشتباه وإجمال فإذا ~~وقع الإستفسار والإستفصال تبين الهدى من الضلال فإن الأدلة السمعية معلقة ~~بالألفاظ الدالة على المعاني وأما دلالة مجرد العقل فلا اعتبار فيها ~~بالألفاظ # وكل قول لم يرد لفظه ولا معناه في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة فإنه لا ~~يدخل في الأدلة السمعية ولا تعلق للسنة والبدعة بموافقته ومخالفته فضلا عن ~~أن يعلق بذلك كفر وإيمان وإنما السنة موافقة لأدلة الشرعية والبدعة ~~مخالفتها # وقد يقال عما لم يعلم أنه موافق لها أو مخالف إنه بدعة إذ الأصل أنه ما ~~لم يعلم أنه من الشرع فلا يتخذ شريعة ودينا فمن عمل عملا لم يعلم أنه مشروع ~~فقد تذرع إلى البدعة وإن كان ذلك العمل تبين له فيما بعد أنه مشروع وكذلك ~~من قال في الدين قولا بلا دليل شرعي فإنه تذرع إلى البدعة وإن تبين له فيما ~~بعد موافقته للسنة # والمقصود هنا أن الأقوال التي ليس لها أصل في الكتاب والسنة والإجماع ~~كأقوال النفاة التي تقولها الجهمية والمعتزلة وغيرهم وقد يدخل فيها ما هو حق PageV01P244 ~~وباطل هم يصفون بها أهل الإثبات للصفات الثابتة بالنص فإنهم يقولون كل من ~~قال إن القرآن غير مخلوق أو إن الله يرى في الآخرة أو إنه فوق العالم فهو ~~مجسم مشبه حشوي # وهذه الثلاثة مما اتفق عليها سلف الأمة وأئمتها وحكى إجماع أهل السنة ms0144 ~~عليها غير واحد من الأئمة والعالمين بأقوال السلف مثل أحمد بن حنبل وعلي بن ~~المديني واسحاق بن إبراهيم وداود بن علي وعثمان بن سعيد الدارمي ومحمد بن ~~إسحاق بن خزيمة وأمثال هؤلاء ومثل عبدالله بن سعيد بن كلاب وأبي العباس PageV01P245 ~~القلانسي وأبي الحسن الأشعري وأبي الحسن علي بن مهدي الطبري ومثل أبي بكر ~~الإسماعيلي وأبي نعيم الأصبهاني وأبي عمر بن عبد البر وأبي عمر PageV01P246 ~~الطلمنكي ويحيى بن عمار السجستاني وأبي إسماعيل الأنصاري وأبي القاسم ~~التميمي ومن لا يحصى عدده إلا الله من أنواع اأهل لعلم # فإذا قال النفاة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم لو كان الله يرى في الآخرة ~~لكان في جهة وما كان في جهة فهو جسم وذلك على الله محال أو قالوا لو كان ~~الله تكلم بالقرآن بحيث يكون الكلام قائما به لقامت به الصفات والأفعال ~~وذلك يستلزم أن يكون محلا للأعراض والحوادث وما كان محلا للأعراض والحوادث ~~فهو جسم والله منزه عن ذلك لأن الدليل على إثبات الصانع إنما هو حدوث ~~العالم وحدوث العالم إنما علم بحدوث الأجسام فلو كان جسم ليس بمحدث لبطلت ~~دلالة إثبات الصانع # فهذا الكلام ونحوه هو عمدة النفاة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم ومن ~~وافقهم في بعض بدعتهم وهذا ونحوه في العقليات التي يزعمون أنها عارضت نصوص ~~الكتاب والسنة PageV01P247 # فيقال لهؤلاء أنتم لم تنفوا ما نفيتموه بكتاب ولا سنة ولا إجماع فإن هذه ~~الألفاظ ليس لها وجود في النصوص بل قولكم لو رؤي لكان في جهة وما كان في ~~جهة فهو جسم وما كان جسما فهو محدث كلام تدعون أنكم علمتم صحته بالعقل ~~وحينئذ فتطالبون بالدلالة العقلية على هذا النفي وينظر فيها بنفس العقل # ومن عارضكم من المثبتة أهل الكلام من المرجئة وغيرهم كالكرامية والهشامية ~~وقال لكم فليكن هذا لازما للرؤية وليكن هو جسما أو قال لكم أنا أقول إنه ~~جسم وناظركم على ذلك بالمعقول وأثبته بالمعقول كما نفيتموه بالمعقول لم يكن ~~لكم أن تقولوا له أنت مبتدع في إثبات الجسم فإنه يقول لكم ms0145 وأنتم مبتدعون في ~~نفيه فالبدعة في نفيه كالبدعة في إثباته إن لم تكن أعظم بل النافي أحق ~~بالبدعة من المثبت لأن المثبت أثبت ما أثبتته النصوص وذكر هذا معاضدة ~~للنصوص وتأييدا لها وموافقة لها وردا على من خالف موجبها # فإن قدر أنه ابتدع في ذلك كانت بدعته أخف من بدعة من نفى ذلك نفيا عارض ~~به النصوص ودفع موجبها ومقتضاها فإن ما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق ~~المسلمين وما لم يعلم أنه خالفها فقد لا يسمى بدعة PageV01P248 # قال الشافعي رضي الله تعالى عنه البدعة بدعتان بدعة خالفت كتابا أو سنة ~~أو إجماعا أو أثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه بدعة ~~ضلالة وبدعة لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة ~~هذه هذا الكلام أو نحوه رواه البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل # ومن المعلوم أن قول نفاة الرؤية والصفات والعلو على العرش والقائلين بأن ~~الله لم يتكلم بل خلق كلاما في غيره ونفيهم ذلك لأن إثبات ذلك تجسيم هو إلى ~~مخالفة الكتاب والسنة والإجماع السلفي والآثار أقرب من قول من أثبت ذلك ~~وقال مع ذلك ألفاظا يقول إنها توافق معنى الكتاب والسنة لا سيما والنفاة ~~متفقون على أن ظواهر النصوص تجسيم عندهم وليس عندهم بالنفي نص فهم معترفون ~~بأن قولهم هو البدعة وقول منازعيهم أقرب إلى السنة # ومما يوضح هذا أن السلف والأئمة كثر كلامهم في ذم الجهمية النفاة للصفات ~~وذموا المشبهة أيضا وذلك في كلامهم أقل بكثير من ذم الجهمية لأن مرض ~~التعطيل أعظم من مرض التشبيه وأما ذكر التجسيم وذم المجسمة فهذا لا يعرف في ~~كلام أحد من السلف والأئمة كما لا يعرف في كلامهم أيضا القول بأن الله جسم ~~أو ليس بجسم بل ذكروا في كلامهم الذي أنكروه على الجهمية نفي الجسم كما ~~ذكره أحمد في كتاب الرد على الجهمية ولما ناظر برغوث وألزمه برغوث بأنه جسم ~~امتنع أحمد من موافقته على النفي والإثبات وقال هو أحد صمد ms0146 لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد PageV01P249 # والمقصود هنا أن نفاة الرؤية من الجهمية والمعتزلة وغيرهم إذا قالوا ~~إثباتها يستلزم أن يكون الله جسما وذلك منتف وادعوا أن العقل دل على ~~المقدمتين احتيج حينئذ إلى بيان بطلان المقدمتين أو إحداهما فإما أن يبطل ~~نفس التلازم أو نفي اللازم أو المقدمتان جميعا # وهنا افترقت طرق مثبتة الرؤية فطائفة نازعت في الأولى كالأشعري وأمثاله ~~وهو الذي حكاه الأشعري عن أهل الحديث وأصحاب السنة وقالوا لا نسلم أن كل ~~مرئى يجب أن يكون جسما # فقالت النفاة لأن كل مرئى في جهة وما كان في جهة فهو جسم فافترقت نفاة ~~الجسم على قولين طائفة قالت لا نسلم أن كل مرئى يكون في جهة وطائفة قالت لا ~~نسلم أن كل ما كان في جهة فهو جسم فادعت نفاة الرؤية أن العلم الضروري حاصل ~~بالمقدمتين وأن المنازع فيهما مكابر # وهذا هو البحث المشهور بين المعتزلة والأشعرية فلهذا صار الحذاق من ~~متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة فإذا أطلقوها موافقة لأهل ~~السنة فسروها بما تفسرها به المعتزلة وقالوا النزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي # وطائفة نازعت في المقدمة الثانية وهي انتفاء اللازم وهي كالهشامية ~~والكرامية وغيرهم فأخذت المعتزلة وموافقوهم يشنعون على هؤلاء وهؤلاء وإن ~~كان في قولهم بدعة وخطأ ففي قول المعتزلة من البدعة والخطأ أكثر مما في قولهم PageV01P250 # ومن أراد أن يناظر مناظرة شرعية بالعقل الصريح فلا يلتزم لفظا بدعيا ولا ~~يخالف دليلا عقليا ولا شرعيا فإنه يسلك طريق أهل السنة والحديث والأئمة ~~الذين لا يوافقون على إطلاق الإثبات ولا النفى بل يقولون ما تعنون بقولكم ~~إن كل مرئى جسم # فإن فسروا ذلك بإن كل مرئى يجب أن يكون قد ركبه مركب أو أن يكون كان ~~متفرقا فاجتمع أو أنه يمكن تفريقه ونحو ذلك منعوا هم المقدمة الأولى وقالوا ~~هذه السموات مرئية مشهودة ونحن لا نعلم أنها كانت متفرقة مجتمعة وإذا جاز ~~أن يرى ما يقبل التفريق فما لا يقبله أولى بإمكان رؤيته فالله ms0147 تعالى أحق ~~بأن تمكن رؤيته من السماوات ومن كل قائم بنفسه فإن المقتضى للرؤية لا يجوز ~~أن يكون أمرآ عدميا بل لا يكون إلا وجوديا وكلما كان الوجود أكمل كانت ~~الرؤية أجوز كما قد بسط في غير هذا الموضع # وإن قالوا مرادنا بالجسم المركب أنه مركب من الجواهر المنفردة أو من ~~المادة والصورة نازعوهم في هذا وقالوا دعوى كون السماوات مركبة من جواهر ~~منفردة أو من مادة وصورة دعوى ممنوعة أو باطلة وبينوا فساد قول من يدعى هذا ~~وقول من يثبت الجوهر الفرد أو يثبت المادة والصورة وقالوا إن الله خلق هذا ~~الجسم المشهود هكذا وإن ركبه ركبه من أجسام أخرى وهو سبحانه يخلق الجسم من ~~الجسم كما يخلق الإنسان من الماء المهين وقد ركب العظام في مواضعها من بدن ~~ابن آدم وركب الكواكب في السماء فهذا PageV01P251 ~~معروف وأما أن يقال إنه خلق أجزاء لطيفة لا تقبل الإنقسام ثم ركب منها ~~العالم فهذا لا يعلم بعقل ولا سمع بل هو باطل لأن كل جزء لا بد أن يتميز ~~منه جانب عن جانب والأجزاء المتصاغرة كأجزاء الماء تستحيل عند تصغرها كما ~~يستحيل الماء إلى الهواء مع أن المستحيل يتميز بعضه عن بعض # وهذه المسائل قد بسطت في غير هذا الموضع وبين أن الأدلة العقلية بينت ~~جواز الرؤية وإمكانها وليست العمدة على دليل الأشعري ومن وافقه في ~~الإستدلال لأن المصحح للرؤية مطلق الوجود بل ذكرت أدلة عقلية دائرة بين ~~النفي والإثبات لا حيلة لنفاة الرؤية فيها # والمقصود هنا بيان كلام كلي في جنس ما تعارض به نصوص الإثبات من كلام ~~النفاة الذي يسمونه عقليات # وإن قالوا مرادنا أن المرئي لا بد أن يكون معاينا تجاه الرائي وما كان ~~كذلك فهو جسم ونحو هذا الكلام قالوا لهم الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ~~قال إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر وقال هل تضامون في رؤية الشمس ~~صحوا ليس دونها سحاب قالوا لا قال فهل تضامون في رؤية القمر ليس دونه سحاب ~~قالوا ms0148 لا قال فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر وهذا تشبيه للرؤية ~~بالرؤية لا للمرئي بالمرئي وفي لفظ في الصحيح إنكم ترون ربكم عيانا فإذن قد ~~أخبرنا أنا نراه عيانا PageV01P252 # وقد أخبرنا أيضا أنه قد استوى على العرش فهذه النصوص يصدق بعضها بعضا ~~والعقل أيضا يوافقها ويدل على أنه سبحانه مباين لمخلوقاته فوق سماواته وأن ~~وجود موجود لا مباين للعالم ولا محايث له محال في بديهة العقل فإذا كانت ~~الرؤية مستلزمة لهذه المعاني فهذا حق وإذا سميتم أنتم هذا قولا بالجهة ~~وقولا بالتجسيم لم يكن هذا القول نافيا لما علم بالشرع والعقل إذ كان معنى ~~هذا القول والحال هذه ليس منتفيا لا بشرع ولا عقل # ويقال لهم ما تعنون بأن هذا إثبات للجهة والجهة ممتنعة أتعنون بالجهة ~~أمرا وجوديا أو أمرا عدميا # فإن أردتم أمرا وجوديا وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق ~~والله فوق سماواته بائن من مخلوقاته لم يكن والحالة هذه في جهة موجودة ~~فقولكم إن المرئى لا بد أن يكون في جهة موجودة قول باطل فإن سطح العالم ~~المرئى وليس هو في عالم آخر # وإن فسرتم الجهة بأمر عدمي كما تقولون إن الجسم في حيز والحيز تقدير مكان ~~وتجعلون ما وراء العالم حيزا # فيقال لكم الجهة والحيز إذا كان أمرا عدميا فهو لا شيء وما كان في جهة ~~عدمية أو حيز عدمي فليس هو في شيء ولا فرق بين قول القائل هذا ليس في شيء ~~وبين قوله هو في العدم أو أمر عدمي فإذا كان PageV01P253 ~~الخالق تعالى مباينا للمخلوقات عاليا عليها وما ثم موجود إلا الخالق أو ~~المخلوق لم يكن معه غيره من الموجودات فضلا عن أن يكون هو سبحانه في شيء ~~موجود يحصره أو يحيط به # فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع ~~والعقل ويراعون أيضا الألفاظ الشرعية فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا ~~ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه ومن تكلم بلفظ ~~مبتدع يحتمل حقا ms0149 وباطلا نسبوه إلى البدعة أيضا وقالوا إنما قابل بدعة ببدعة ~~وردا باطلا بباطل # ونظير هذا القصص المعروفة التي ذكرها الخلال في كتاب السنة هو وغيره في ~~مسألة اللفظ ومسألة الجبر ونحوهما من المسائل فإنه لما ظهرت القدرية النفاة ~~للقدر وأنكروا أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأن يكون خالقا لكل شيء ~~وأن تكون أفعال العباد من مخلوقاته أنكر الناس هذه البدعة فصار بعضهم يقول ~~في مناظرته هذا يلزم منه أن يكون الله مجبرا للعباد على أفعالهم وأن يكون ~~قد كلفهم ما لا يطيقونه فالتزم بعض من ناظرهم من المثبتة إطلاق ذلك وقال ~~نعم يلزم الجبر والجبر حق فأنكر الأئمة كالأوزاعي وأحمد بن حنبل ونحوهما ~~ذلك على الطائفتين ويروى إنكار PageV01P254 ~~إطلاق الجبر عن الزبيدي وسفيان الثوري وعبدالرحمن بن مهدي وغيرهم # وقال الأوزاعي وأحمد ونحوهما من قال إنه جبر فقد أخطأ ومن قال لم يجبر ~~فقد أخطأ بل يقال إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ونحو ذلك # وقالوا ليس للجبر أصل في الكتاب والسنة وإنما الذي في السنة لفظ الجبل لا ~~لفظ الجبر فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأشج عبدالقيس ~~إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة فقال أخلقين تخلقت بهما أم خلقين ~~جبلت عليهما فقال بل خلقين جبلت عليهما فقال الحمد لله الذي جبلني على ~~خلقين يحبهما الله # وقالوا إن لفظ الجبر لفظ مجمل فإن الجبر إذا أطلق في الكلام فهم منه ~~إجبار الشخص على خلاف مراده كما تقول الفقهاء إن الأب يجبر ابنته على ~~النكاح أو لا يجبرها وإن الثيب البالغ العاقل لا يجبرها أحد على النكاح ~~بالإتفاق وفي البكر البالغ نزاع مشهور ويقولون إن ولى الأمر يجبر المدين ~~على وفاء دينه ونحو ذلك فهذه العبارات معناها إجبار الشخص على خلاف مراده ~~وهو كلفظ الإكراه إما أن يحمله على الفعل الذي يكرهه ويبغضه فيفعل خوفا من ~~وعيده وإما أن يفعل به الشيء بغير فعل منه # ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى ms0150 إذا جعل في قلب العبد إرادة للفعل ومحبة له ~~حتى يفعله كما قال تعالى { ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ~~وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } سورة الحجرات 7 لم يكن هذا جبرا PageV01P255 ~~بهذا التفسير ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى فإنه هو الذي جعل الراضي ~~راضيا والمحب محبا والكاره كارها # وقد يراد بالجبر نفس جعل العبد فاعلا ونفس خلقه متصفا بهذه الصفات كما في ~~قوله تعالى { إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا } سورة المعارج 19 21 فالجبر بهذا التفسير حق ومنه قول محمد بن كعب ~~القرظي في تفسير اسمه الجبار قال هو الذي جبر العباد على ما أراد ومنه قول ~~علي رضي الله عنه في الأثر المشهور عنه في الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم اللهم داحي المدحوات فاطر المسموكات جبار القلوب على فطراتها شقيها ~~وسعيدها فالأئمة منعت من إطلاق القول بإثبات لفظ الجبر أو نفيه لأنه بدعة ~~يتناول حقا باطلا # وكذلك مسألة اللفظ فإنه لما كان السلف والأئمة متفقين على أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق وقد علم المسلمون أن القرآن بلغه جبريل عن الله إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم وبلغه محمد إلى الخلق وأن الكلام إذا بلغه المبلغ عن ~~قائله لم يخرج عن كونه كلام المبلغ عنه بل هو كلام لمن قاله مبتدئا لا كلام ~~من بلغه عنه مؤديا PageV01P256 # فالنبي صلى الله عليه وسلم إذا قال إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ~~ما نوى وبلغ هذا الحديث عنه واحد بعد واحد حتى وصل إلينا كان من المعلوم ~~أنا إذا سمعناه من المحدث به إنما سمعنا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الذي تكلم به بلفظه ومعناه وإنما سمعناه من المبلغ عنه بفعله وصوته ونفس ~~الصوت الذي تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم لم نسمعه وإنما سمعنا صوت ~~المحدث عنه والكلام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا كلام المحدث # فمن قال إن هذا الكلام ms0151 ليس كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مفتريا ~~وكذلك من قال إن هذا لم يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أحدثه ~~في غيره أو إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بلفظه وحروفه بل كان ~~ساكتا أو عاجزا عن التكلم بذلك فعلم غيره ما في نفسه فنظم هذه الألفاظ ~~ليعبر بها عما في نفس النبي صلى الله عليه وسلم أو نحو هذا الكلام فمن قال ~~هذا كان مفتريا ومن قال إن هذا الصوت المسموع صوت النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان مفتريا # فإذا كان هذا معقولا في كلام المخلوق فكلام الخالق أولى بإثبات ما يستحقه ~~من صفات الكمال وتنزيه الله أن تكون صفاته وأفعاله هي صفات العباد وأفعالهم ~~أو مثل صفات العباد وأفعالهم PageV01P257 # فالسلف والأئمة كانوا يعلمون أن هذا القرآن المنزل المسموع من القارئين ~~كلام الله كما قال تعالى { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله } سورة التوبة 6 ليس هو كلاما لغيره لا لفظه ولا معناه ولكن بلغه ~~عن الله جبريل وبلغه محمد رسول الله عن جبريل ولهذا أضافه الله إلى كل من ~~الرسولين لأنه بلغه وأداه لا لأنه أحدث لا لفظه ولا معناه إذ لو كان أحدهما ~~هو الذي أحدث ذلك لم يصح إضافة الإحداث إلى الآخر فقال تعالى { إنه لقول ~~رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ~~تنزيل من رب العالمين } سورة الحاقة 40 43 فهذا محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقال تعالى { إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين } ~~سورة المطففين 19 21 فهذا جبريل عليه السلام # وقد توعد الله تعالى من قال { إن هذا إلا قول البشر } سورة المدثر 25 فمن ~~قال إن هذا القرآن قول البشر فقد كفر وقال بقول الوحيد الذي أوعده الله سقر ~~ومن قال إن شيئا منه قول البشر فقد قال ببعض قوله ومن قال إنه ليس بقول ms0152 ~~رسول كريم وإنما هو قول شاعر أو مجنون أو مفتر أو قال هو قول شيطان نزل به ~~عليه ونحو ذلك فهو أيضا كافر ملعون PageV01P258 # وقد علم المسلمون الفرق بين أن يسمع كلام المتكلم منه أو من المبلغ عنه ~~وأن موسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة وأنا نحن إ ما نسمع كلام الله من ~~المبلغين عنه وإذا كان الفرق ثابتا بين من سمع كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم منه وبين من سمعه من الصاحب المبلغ عنه فالفرق هنا أولى لأن أفعال ~~المخلوق وصفاته أشبه بأفعال المخلوق وصفاته من أفعاله وصفاته بأفعال الله وصفاته # ولما كانت الجهمية يقولون إن الله لم يتكلم في الحقيقة بل خلق كلاما في ~~غيره ومن أطلق منهم أن الله تكلم حقيقة فهذا مراده فالنزاع بينهم لفظي كان ~~من المعلوم أن القائل إذا قال هذا القرآن مخلوق كان مفهوم كلامه أن الله لم ~~يتكلم بهذا القرآن وأنه ليس هو كلامه بل خلقه في غيره # وإذا فسر مراده بأني أردت أن حركات العبد وصوته والمداد مخلوق كان هذا ~~المعنى وإن كان صحيحا ليس هو مفهوم كلامه ولا معنى قوله فإن المسلمين إذا ~~قالوا هذا القرآن كلام الله لم يريدوا بذلك أن أصوات القارئين وحركاتهم ~~قائمة بذات الله كما أنهم إذا قالوا هذا الحديث حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يردوا بذلك أن حركات المحدث وصوته قامت بذات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بل وكذلك إذا قالوا في إنشاد لبيد إلا كل شيء ما خلا الله باطل PageV01P259 # هذا شعر لبيد وكلام لبيد لم يريدوا بذلك أن صوت المنشد هو صوت لبيد بل ~~أرادوا أن هذا القول المؤلف لفظه ومعناه هو للبيد وهذا منشد له فمن قال إن ~~هذا القرآن مخلوق أو إن القرآن المنزل مخلوق أو نحو هذه العبارات كان ~~بمنزلة من قال إن هذا الكلام ليس هو كلام الله وبمنزلة من قال عن الحديث ~~المسموع من المحدث إن هذا ليس كلام رسول الله ms0153 صلى الله عليه وسلم وإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بهذا الحديث وبمنزلة من قال إن هذا الشعر ليس ~~هو شعر لبيد ولم يتكلم به لبيد ومعلوم أن هذا كله باطل # ثم إن هؤلاء صاروا يقولون هذا القرآن المنزل المسموع هو تلاوة القرآن ~~وقراءته وتلاوة القرآن مخلوقة وقراءة القرآن مخلوقة ويقولون تلاوتنا للقرأن ~~مخلوقة وقراءتنا له مخلوقة ويدخلون في ذلك نفس الكلام المسموع ويقولون ~~لفظنا بالقرآن مخلوق ويدخلون في ذلك القرآن الملفوظ المتلو المسموع # فأنكر الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة هذا وقالوا اللفظية جهمية وقالوا ~~افترقت الجهمية ثلاث فرق فرقة قالت القرآن مخلوق وفرقة قالت نقف فلا نقول ~~مخلوق ولا غير مخلوق وفرقة قالت تلاوة القرآن واللفظ بالقرآن مخلوق PageV01P260 # فلما انتشر ذلك عن أهل السنة غلطت طائفة فقالت لفظنا بالقرآن غير مخلوق ~~وتلاوتنا له غير مخلوقة فبدع الإمام أحمد هؤلاء وأمر بهجرهم # ولهذا ذكر الأشعري في مقالاته هذا عن أهل السنة وأصحاب الحديث فقال ~~والقول باللفظ والوقف عندهم بدعة من قال اللفظ بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ~~عندهم ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع # وكذلك ذكر محمد بن جرير الطبري في صريح السنة أنه سمع غير واحد من أصحابه ~~يذكر عن الإمام أحمد أنه قال من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال ~~إنه غير مخلوق فهو مبتدع # وصنف أبو محمد بن قتيبة في ذلك كتابا وقد ذكر أبو بكر الخلال هذا في كتاب ~~السنة وبسط القول في ذلك وذكر ما صنفه أبو بكر المروزي في ذلك وذكر قصة أبي ~~طالب المشهورة عن أحمد التي نقلها عنه أكابر أصحابه كعبدالله وصالح ابنيه ~~والمروزي وأبي محمد فوران ومحمد بن إسحاق الصاغاني وغير هؤلاء PageV01P261 # وكان أهل الحديث قد افترقوا في ذلك فصار طائفة منهم يقولون لفظنا بالقرآن ~~غير مخلوق ومرادهم أن القرآن المسموع غير مخلوق وليس مرادهم صوت العبد كما ~~يذكر ذلك عن أبي حاتم الرازي ومحمد بن داود المصيصي وطوائف غير هؤلاء # وفي أتباع هؤلاء من قد يدخل ms0154 صوت العبد أو فعله في ذلك أو يقف فيه ففهم ~~ذلك بعض الأئمة فصار يقول أفعال العباد أصواتهم مخلوقة ردا لهؤلاء كما فعل ~~البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما من أهل العلم والسنة # وصار يحصل بسبب كثرة الخوض في ذلك ألفاظ مشتركة وأهواء للنفوس حصل بسبب ~~ذلك نوع من الفرقة والفتنة وحصل بين البخاري وبين محمد ابن يحيى الذهلي في ~~ذلك ما هو معروف وصار قوم مع البخاري كمسلم بن الحجاج ونحوه وقوم عليه كأبي ~~زرعة وأبي حاتم الرازيين وغيرهما PageV01P262 # وكل هؤلاء من أهل العلم والسنة والحديث وهم من أصحاب أحمد بن حنبل ولهذا ~~قال ابن قتيبة إن أهل السنة لم يختلفوا في شيء من أقوالهم إلا في مسألة اللفظ # وصار قوم يطلقون القول بأن التلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء وليس ~~مرادهم بالتلاوة المصدر ولكن الإنسان إذا تكلم بالكلام فلا بد له من حركة ~~ومما يكون عن الحركة من أقواله التي هي حروف منظومة ومعان مفهومة والقول ~~والكلام يراد به تارة المجموع فتدخل الحركة في ذلك ويكون الكلام نوعا من ~~العمل وقسما منه ويراد به تارة ما يقترن بالحركة ويكون عنها لا نفس الحركة ~~فيكون الكلام قسيما لعمل ونوعا آخر ليس هو منه ولهذا تنازع العلماء في لفظ ~~العمل المطلق هل يدخل فيه الكلام على قولين معروفين لأصحاب أحمد وغيرهم ~~وبنوا على ذلك ما إذا حلف لا يعمل اليوم عملا فتكلم هل يحنث أم لا على ~~قولين وذلك لأن لفظ الكلام قد يدخل في العمل وقد لا يدخل # فالأول كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل ~~آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار فقال رجل لو أن لي مثل ما ~~لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان أخرجاه في الصحيحين فقد جعل فعل هذا الذي ~~يتلوه آناء الليل والنهار عملا كما قال لعملت فيه مثل ما يعمل فلان PageV01P263 # والثاني كما في قوله تعالى { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ~~} سورة ms0155 فاطر 10 وقوله تعالى { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه } سورة يونس 61 فالذين ~~قالوا التلاوة هي المتلو من أهل العلم والسنة قصدوا أن التلاوة هي القول ~~والكلام المقترن بالحركة وهي الكلام المتلو وآخرون قالوا بل التلاوة غير ~~المتلو والقراءة غير المقروء والذين قالوا ذلك من أهل السنة والحديث أرادوا ~~بذلك أن أفعال العباد ليست هي كلام الله ولا أصوات العباد هي صوت الله وهذا ~~الذي قصده البخاري وهو مقصود صحيح # وسبب ذلك أن لفظ التلاوة والقراءة واللفظ مجمل مشترك يراد به المصدر ~~ويراد به المفعول # فمن قال اللفظ ليس هو الملفوظ والقول ليس هو المقول وأراد باللفظ والقول ~~المصدر كان معنى كلامه أن الحركة ليست هي الكلام المسموع وهذا صحيح # ومن قال اللفظ هو الملفوظ والقول هو نفس المقول وأراد باللفظ والقول مسمى ~~المصدر صار حقيقة مرادة أن اللفظ والقول المراد به الكلام المقول الملفوظ ~~هو الكلام المقول الملفوظ وهذا صحيح فمن قال اللفظ بالقرآن أو القراءة أو ~~التلاوة مخلوقة أو لفظي بالقرآن أو تلاوتي دخل في كلامه نفس الكلام المقروء ~~المتلو وذلك هو كلام الله تعالى وإن أراد بذلك مجرد فعله وصوته كان المعنى ~~صحيحا لكن إطلاق اللفظ يتناول هذا وغيره PageV01P264 # ولهذا قال أحمد في بعض كلامه من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن ~~فهو جهمي احترازا عما إذا أراد به فعله وصوته وذكر اللالكائي أن بعض من كان ~~يقول ذلك رأى في منامه كأن عليه فروة ورجل يضربه فقال له لا تضربني فقال ~~إني لا أضربك إنما أضرب الفروة فقال إن الضرب إنما يقع ألمه علي فقال هكذا ~~إذا قلت لفظي بالقرآن مخلوق وقع الخلق على القرآن # ومن قل لفظي بالقرآن غير مخلوق أو تلاوتي دخل في ذلك المصدر الذي هو عمله ~~وأفعال العباد مخلوقة ولو قال أردت به أن القرآن المتلو غير مخلوق لا نفس ~~حركاتي قيل له لفظك هذا بدعة ms0156 وفيه إجمال وإيهام وإن كان مقصودك صحيحا كما ~~يقال للأول إذا قال أردت أن فعلى مخلوق لفظك أيضا بدعة وفيه إجمال وإيهام ~~وإن كان مقصودك صحيحا # فلهذا منع أئمة السنة الكبار أطلاق هذا وهذا وكان هذا وسطا بين الطرفين ~~وكان أحمد وغيره من الأئمة يقولون القرأن حيث تصرف كلام الله غير مخلوق PageV01P265 ~~فيجعلون القرآن نفسه حيث تصرف غير مخلوق من غير أن يقترن بذلك ما يشعر أن ~~أفعال العباد وصفاتهم غير مخلوقة # وصارت كل طائفة من النفاة والمثبتة في مسألة التلاوة تحكي قولها عن أحمد ~~وهم كما ذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال وقال إن كل واحدة من هاتين ~~الطائفتين تذكر قولها عن أحمد وهم لا يفقهون قوله لدقة معناه # ثم صار ذلك التفرق موروثا في أتباع الطائفتين فصارت طائفة تقول إن اللفظ ~~بالقرآن غير مخلوق موافقة لأبي حاتم الرازي ومحمد بن داود المصيصي ~~وأمثالهما كأبي عبدالله بن منده وأهل بيته وأبي عبدالله بن حامد وأبي نصر ~~السجزي وأبي إسماعيل الأنصاري وأبي يعقوب الفرات الهروي وغيرهم # وقوم يقولون نقيض هذا القول من غير دخول في مذهب ابن كلاب PageV01P266 # مع إتفاق الطائفتين على أن القرآن كله كلام الله لم يحدث غيره شيئا منه ~~ولا خلق منه شيئا في غيره لا حروفه ولا معانيه مثل حسين الكرابيسي وداود بن ~~علي الأصبهاني وأمثالهما # وحدث مع هذا من يقول بقول ابن كلاب إن كلام الله معنى واحد قائم بنفس ~~المتكلم هو الأمر بكل ما أمر به والنهي عن كل ما نهى عنه والإخبار بكل ما ~~أخبر به وإنه إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن وإن عبر عنه بالعبرية كان ~~هو التوراة # وجمهور الناس من أهل السنة والمعتزلة وغيرهم أنكروا ذلك وقالوا إن فساد ~~هذا معلوم بصريح العقل فإن التوراة إذا عربت لم تكن هي القرآن ولا معنى { ~~قل هو الله أحد } هو معنى { تبت يدا أبي لهب } وكان يوافقهم على إطلاق ~~القول بأن التلاوة غير المتلو وأنها مخلوقة من لا يوافقهم على هذا ms0157 المعنى ~~بل قصده أن التلاوة هي أفعال العباد وأصواتهم PageV01P267 # وصار أقوام يطلقون القول بأن التلاوة غير المتلو وأن اللفظ بالقرآن مخلوق ~~فمنهم من يعرف أنه موافق لابن كلاب ومنهم من يعرف مخالفته له ومنهم من لا ~~يعرف منه لا هذا ولا هذا وصار أبو الحسن الأشعري ونحوه ممن يوافق ابن كلاب ~~على قوله موافقا للإمام أحمد وغيره من أئمة السنة في المنع من أطلاق هذا ~~وهذا فيمنعون أن يقال اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق وهؤلاء منعوه من ~~جهة كونه يقال في القرآن إنه يلفظ أو لا يلفظ وقالوا اللفظ الطرح والرمي ~~ومثل هذا لا يقال في القرآن # ووافق هؤلاء على التعليل بهذا طائفة ممن لا يقول بقول ابن كلاب في الكلام ~~كالقاضي أبي يعلي وأمثاله ووقع بين أبي نعيم الأصبهاني وأبي عبدالله ابن ~~منده في ذلك ما هو معروف وصنف أبو نعيم في ذلك كتابه في الرد على اللفظية ~~والحلولية ومال فيه إلى جانب النفاة القائلين بأن التلاوة مخلوقة كما مال ~~ابن منده إلى جانب من يقول إنها غير مخلوقة وحكى كل منهما عن الأئمة ما يدل ~~على كثير من مقصوده لا على جميعه فما قصده كل منهما من الحق وجد فيه من ~~المنقول الثابت عن الأئمة ما يوافقه # وكذلك وقع بين أبي ذر الهروي وأبي نصر السجزي في ذلك حتى صنف أبو نصر ~~السجزي كتابه الكبير في ذلك المعروف بالإبانة وذكر فيه من الفوائد والآثار ~~والإنتصار للسنة وأهلها أمورا عظيمة المنفعة لكنه نصر فيه قول من يقول لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق وأنكر على ابن قتيبة وغيره ما ذكروه من PageV01P268 ~~التفصيل ورجح طريقة من هجر البخاري وزعم أن أحمد بن حنبل كان يقول لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق وأنه رجع إلى ذلك وأنكر ما نقله الناس عن أحمد من إنكاره ~~على الطائفتين وهي مسألة أبي طالب المشهورة # وليس الأمر كما ذكره فإن الإنكار على الطائفتين مستفيض عن أحمد عند أخص ~~الناس به من أهل بيته وأصحابه الذين اعتنوا بجمع كلام ms0158 الإمام أحمد كالمروزي ~~والخلال وأبي بكر عبدالعزيز وأبي عبدالله بن بطة وأمثالهم وقد ذكروا من ذلك ~~ما يعلم كل عارف له أنه من أثبت الأمور عن أحمد # وهؤلاء العراقيون أعلم بأقوال أحمد من المنتسبين إلى السنة والحديث من ~~أهل خراسان الذين كان ابن منده وأبو نصر وأبو إسماعيل الهروي وأمثالهم ~~يسلكون حذوهم ولهذا صنف عبدالله بن عطاء الإبراهيمي كتابا فيمن أخذ عن أحمد PageV01P269 ~~العلم فذكر طائفة ذكر منهم أبو بكر الخلال وظن أنه أبو محمد الخلال شيخ ~~القاضي أبي يعلى وأبي بكر الخطيب فاشتبه عليه هذا بهذا # وهذا كما أن العراقيين المنتسبين إلى أهل الإثبات من أتباع ابن كلاب كأبي ~~العباس القلانسي وأبى الحسن الأشعري وأبي الحسن على بن مهدي الطبري أبي بكر ~~بن الباقلاني وأمثالهم أقرب إلى السنة وأتبع لأحمد بن حنبل وأمثاله من أهل ~~خراسان المائلين إلى طريقة ابن كلاب ولهذا كان القاضي أبو بكر ابن الطيب ~~يكتب في أجوبته أحيانا محمد بن الطيب الحنبلي كما كان يقول الأشعري إذ كان ~~الأشعري وأصحابه منتسبين إلى أحمد بن حنبل وأمثاله من أئمة السنة وكان ~~الأشعري أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين ~~المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة كابن عقيل وصدقة بن ~~الحسين وابن الجوزي وأمثالهم PageV01P270 # وكان أبو ذر الهروي قد أخذ طريقة ابن الباقلاني وأدخلها إلى الحرم ويقال ~~إنه أول من أدخلها إلى الحرم وعنه أخذ ذلك من أخذه من أهل المغرب فإنهم ~~كانوا يسمعون عليه البخاري ويأخذون ذلك عنه كما أخذه أبو الوليد الباجي ثم ~~رحل الباجي إلى العراق فأخذ طريقة الباقلاني عن أبي جعفر السمناني الحنفي ~~قاضي الموصل صاحب ابن الباقلاني ونحن قد بسطنا الكلام في هذه المسائل وبينا ~~ما حصل فيها من النزاع والإضطراب في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة ~~المجملة المشتبهة لما فيها من لبس الحق بالباطل مع ما توقعه من الإشتباه ~~والإختلاف والفتنة بخلاف الألفاظ المأثورة ms0159 والألفاظ التي بينت معانيها فإن ~~ما كان مأثورا حصلت به الألفة وما كان معروفا حصلت به المعرفة كما يروى عن ~~مالك رحمه الله أنه قال إذا قل العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار كثرت ~~الأهواء فإذا لم يكن اللفظ منقولا ولا معناه معقولا ظهر الجفاء والأهواء ~~ولهذا تجد قوما كثيرين يحبون قوما ويبغضون قوما لأجل أهواء لا يعرفون ~~معناها ولا دليلها بل يوالون على إطلاقها أو يعادون من غير أن تكون منقولة ~~نقلا صحيحا عن النبي صلى PageV01P271 ~~الله عليه وسلم وسلف الأمة ومن غير أن يكونوا هم يعقلون معناها ولا يعرفون ~~لازمها ومقتضاها وسبب هذا إطلاق أقوال ليست منصوصة وجعلها مذاهب يدعى إليها ~~ويوالي ويعادي عليها # وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته إن ~~أصدق الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور ~~محدثاتها وكل بدعة ضلالة فدين المسلمين مبنى على اتباع كتاب الله وسنة ~~رسوله وما اتفقت عليه الأمة فهذه الثلاثة هي أصول معصومة وما تنازعت فيه ~~الأمة ردوه إلى الله والرسول وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته ~~ويوالي عليها ويعادي غير النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينصب لهم كلاما ~~يوالي عليه ويعادي غير كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وما ~~اجتمعت عليه الأمة بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصا أو كلاما ~~يفرقون به بين الأمة يوالون على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون # ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان وإن ~~تنازعوا فيما تنازعوا فيه من الأحكام فالعصمة بينهم ثابتة وهم يردون ما ~~تنازعوا فيه إلى الله والرسول فبعضهم يصيب الحق فيعظم الله أجره ويرفع ~~درجته وبعضهم يخطئ بعد اجتهاده في طلب الحق فيغفر الله له خطأه تحقيقا ~~لقوله تعالى { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } سورة البقرة 286 سواء ~~كان خطؤهم في حكم علمي أو حكم خبري نظري كتنازعهم ms0160 في الميت هل يعذب ببكاء ~~أهله عليه وهل يسمع الميت قرع نعالهم وهل رأى محمد ربه PageV01P272 # وأبلغ من ذلك أن شريحا أنكر قراءة من قرأ { بل عجبت ويسخرون } سورة ~~الصافات 12 وقال إن الله لا يعجب فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال إنما شريح ~~شاعر يعجبه علمه كان عبدالله أعلم منه أو قال أفقه منه وكان يقرأ بل عجبت ~~فأنكر على شريح إنكاره مع أن شريحا من أعظم الناس قدرا عند المسلمين ونظائر ~~هذا متعددة # والأقوال إذا حكيت عن قائلها أو نسبت الطوائف إلى متبوعها فإنما ذاك على ~~سبيل التعريف والبيان وأما المدح والذم والموالاة والمعاداة فعلى الأسماء ~~المذكورة في القرآن العزيز كاسم المسلم والكافر والمؤمن والمنافق والبر ~~والفاجر والصادق والكاذب والمصلح والمفسد وأمثال ذلك وكون القول صوابا أو ~~خطأ يعرف بالأدلة الدالة على ذلك المعلومة بالعقل والسمع والأدلة الدالة ~~على العلم لا تتناقض كما تقدم # والتناقض هو أن يكون أحد الدليلن يناقض مدلول الآخر إما بأن ينفى أحدهما ~~عين ما يثبته الآخر وهذا هو التناقض الخاص الذي يذكره أهل الكلام والمنطق ~~وهو اختلاف قضيتين بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق PageV01P273 ~~أحداهما كذب الأخرى وأما التناقض المطلق فهو أن يكون موجب أحد الدليلين ~~ينافي موجب الآخر إما بنفسه وإما بلازمه مثل أن ينفي أحدهما لازم الآخر أو ~~يثبت ملزومه فإن انتفاء لازم الشيء يقتضي انتفاءه وثبوت ملزومه يقتضي ثبوته # ومن هذا الباب الحكم على الشيئين المتماثلين من كل وجه مؤثر في الحكم ~~بحكمين مختلفين فإن هذا تناقض أيضا إذ حكم الشيء حكم مثله فإذا حكم على ~~مثله بنقيض حكمه كان كما لو حكم عليه بنقيض حكمه # وهذا التناقض العام هو الإختلاف الذي نفاه الله تعالى عن كتابه بقوله عز ~~وجل { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا } سورة النساء 82 وهو الإختلاف الذي وصف الله به قول الكفار في قوله ~~تعالى { إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك } سورة الذاريات 8 9 # وضد ms0161 هذا هو التشابه العام الذي وصف الله به القرآن في قوله { الله نزل ~~أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني } سورة الزمر 23 وهذا ليس هو التشابه ~~الخاص الذي وصف الله تعالى به بعض القرآن في قوله { منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات } سورة آل عمران 7 فإن ذلك التشابه العام يراد به ~~التناسب والتصادق والإئتلاف # وضده الإختلاف الذي هو التناقض والتعارض فالأدلة الدالة على العلم لا ~~يجوز أن تكون متناقضة متعارضة وهذا مما لا ينازع فيه أحد من العقلاء PageV01P274 ~~ومن صار من أهل الكلام إلى القول بتكافؤ الأدلة والحيرة فإنما ذاك لفساد ~~استدلاله إما لتقصيره وإما لفساد دليله ومن أعظم أسباب ذلك الألفاظ المجملة ~~التي تشتبه معانيها # وهؤلاء الذين يعارضون الكتاب والسنة بأقوالهم بنوا أمرهم على أصل فاسد ~~وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها هي الأقوال المحكمة التي جعلوها أصول ~~وجعلوا قول الله ورسوله من المجمل الذي لا يستفاد منه علم ولا هدى فجعلوا ~~المتشابه من كلامهم هو المحكم والمحكم من كلام الله ورسوله هو المتشابه كما ~~يجعل الجهمية من المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم ما أحدثوه من الأقوال التي ~~نفوا بها صفات الله ونفوا بها رؤيته في الآخرة وعلوه على خلقه وكون القرآن ~~كلامه ونحو ذلك جعلوا تلك الأقولا محكمة وجعلوا قول الله ورسوله مؤولا ~~عليها أو مردودا أو غير ملتفت إليه ولا متلقى للهدى منه فتجد أحدهم يقول ~~ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا له كم ولا كيف ولا تحله الأعراض والحوادث ~~ونحو ذلك وليس بمباين للعالم ولا خارج عنه # فإذا قيل إن الله أخبر أن له علما وقدرة قالوا لو كان له علم وقدرة للزم ~~أن تحله الأعراض وأن يكون جسما وأن يكون له كيفية وكمية وذلك منتف عن الله ~~لما تقدم # ثم قد تقول إن الرسول قصد بما ذكره من أسماء الله وصفاته أمورا لا نعرفها ~~وقد تقول إنه قصد خطاب الجمهور بإفهامهم الأمر على غير حقيقته لأن مصلحتهم ~~في ذلك وقد يفسر صفة بصفة كما ms0162 يفسر الحب والرضا والغضب PageV01P275 ~~بالإرادة أو السمع والبصر بالعلم والكلام والإرادة والقدرة بالعلم ويكون ~~القول في الثانية كالقول في الأولى يلزمها من اللوازم في النفي والإثبات ما ~~يلزم التي نفاها فيكون مع جمعه في كلامه أنواعا من السفسطة في العقليات ~~والقرمطة في السمعيات قد فرق بين المتماثلين بأن جعل حكم أحدما مخالفا لحكم ~~الآخر ويكون قد عطل النصوص عن مقتضاها ونفى بعض ما يستحقه الله من صفات ~~الكمال ويكون النافي لما أثبته هو قد تسلط عليه وأورد عليه فيما أثبته هو ~~نظير ما أورده هو على من أثبت ما نفاه وإن كان النافي لما أثبته أكثر ~~تناقضا منه # ثم هؤلاء يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المجملة دينا يوالون عليه ويعادون ~~بل يكفرون من خالفهم فيما ابتدعوه ويقول مسائل أصول الدين المخطئ فيها يكفر ~~وتكون تلك المسائل مما ابتدعوه # ومعلوم أن الخوارج هم مبتدعة مارقون كما ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة ذمهم والطعن عليهم وهم إنما تأولوا آيات ~~من القرآن على ما اعتقدوه وجعلوا من خالف ذلك كافرا لاعتقادهم أنه خالف ~~القرآن فمن ابتدع أقوالا ليس لها أصل في القرآن وجعل من خالفها كافرا كان ~~قوله شرا من قول الخوارج ولهذا اتفق السلف والأئمة على أن قول الجهمية شر ~~من قول الخوارج # وأصل قول الجهمية هو نفى الصفات بما يزعمونه من دعوى العقليات التي ~~عارضوا بها النصوص إذ كان العقل الصريح الذي يستحق أن تسمى قضاياه PageV01P276 ~~عقليات موافقا للنصوص لا مخالفا لها ولما كان قد شاع في عرف الناس أن قول ~~الجهمية مبناه على النفي صار الشعراء ينظمون هذا المعنى كقول أبي تمام % ~~جهمية الأوصاف إلا أنهم % قد لقبوها جوهر الأشياء % # فهؤلاء ارتكبوا أربع عظائم أحدها ردهم لنصوص الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام والثاني ردهم ما يوافق ذلك من معقول العقلاء والثالث جعل ما خالف ~~ذلك من أقوالهم المجملة أو الباطلة هي أصول الدين والرابع تكفيرهم أو ~~تفسيقهم أو تخطئتهم لمن خالف هذه الأقوال المبتدعة المخالفة ms0163 لصحيح المنقول ~~وصريح المعقول # وأما أهل العلم والإيمان فهم على نقيض هذه الحال يجعلون كلام الله وكلام ~~رسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه وإليه يرد ما تنازع الناس فيه فما وافقه ~~كان حقا وما خالفه كان باطلا ومن كان قصده متابعته من المؤمنين وأخطأ بعد ~~اجتهاده الذي استفرغ به وسعه غفر الله له خطأه سواء كان خطؤه في المسائل ~~العلمية الخبرية أو المسائل العملية فإنه ليس كل ما كان معلوما متيقنا لبعض ~~الناس يجب أن يكون معلوما متيقنا لغيره # وليس كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه كل الناس ويفهمونه ~~بل كثير منهم لم يسمع كثيرا منه وكثير منهم قد يشتبه عليه ما أراده وإن كان ~~كلامه في نفسه محكما مقرونا بما يبين مراده لكن أهل العلم يعلمون PageV01P277 ~~ما قاله ويميزون بين النقل الذي يصدق به والنقل الذي يكذب به ويعرفون ما ~~يعلم به معاني كلامه صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى أمر الرسول بالبلاغ ~~المبين وهو أطوع الناس لربه فلا بد أن يكون قد بلغ البلاغ المبين ومع ~~البلاغ المبين لا يكون بيانه ملتبسا مدلسا # والآيات التي ذكر الله فيها أنها متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله إنما ~~نفى عن غيره علم تأويلها لا علم تفسيرها ومعناها كما أنه لما سئل مالك رضي ~~الله تعالى عنه عن قوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 كيف ~~استوى قال الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ~~وكذلك ربيعة قبله فبين مالك أن معنى الإستواء معلوم وأن كيفيته مجهولة ~~فالكيف المجهول هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله وأما ما يعلم من ~~الإستواء وغيره فهو من التفسير الذي بينه الله ورسوله # والله تعالى قد أمرنا أن نتدبر القرآن وأخبر أنه أنزله لنعقله ولا يكون ~~التدبر والعقل إلا لكلام بين المتكلم مراده به فأما من تكلم بلفظ يحتمل معاني PageV01P278 ~~كثيرة ولم يبين مراده منها فهذا لا يمكن أن يتدبر كلامه ولا يعقل ولهذا ms0164 تجد ~~عامة الذين يزعمون أن كلام الله يحتمل وجوها كثيرة وأنه لم يبين مراده من ~~ذلك قد اشتمل كلامهم من الباطل على ما لا يعلمه إلا الله بل في كلامهم من ~~الكذب في السمعيات نظير ما فيه من الكذب في العقليات وإن كانوا لم يتعمدوا ~~الكذب كالمحدث الذي يغلط في حديثه خطأ بل منتهى أمرهم القرمطة في السمعيات ~~والسفسطة في العقليات وهذان النوعان مجمع الكذب والبهتان # فإذا قال القائل استوى يحتمل خمسة عشر وجها أو أكثر أو أقل كان غالطا فإن ~~قول القائل استوى على كذا له معنى وقوله استوى إلى كذا له معنى وقوله استوى ~~وكذا له معنى وقوله استوى بلا حرف يتصل به له معنى فمعانيه تنوعت بتنوع ما ~~يتصل به من الصلات كحرف الإستعلاء والغاية وواو الجمع أو ترك تلك الصلات # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أن كلام الله مبين غاية البيان موفى ~~حق التوفية في الكشف والإيضاح وقد بسط الكلام على هذا النص وغيره وبين نحو ~~من عشرين دليلا تدل على أن هذه الآية نص في معنى واحد لا يحتمل معنى آخر ~~وكذلك ذكر هذا في غير هذا النص # فإن الكلام هنا أربعة أنواع أحدها أن نبين أن ما جاء به الكتاب والسنة ~~فيه الهدى والبيان # والثاني أن نبين أن ما يقدر من الإحتمالات فهي باطلة قد دل الدليل الذي ~~به يعرف مراد المتكلم على أنه لم يردها # الثالث أن نبين أن ما يدعى أنه معارض لها من العقل فهو باطل # والرابع أن نبين أن العقل موافق لها معاضد لا مناقض لها معارض PageV01P279 ### | AUTO الوجه الثامن عشر # أن يقال ما يعارضون به الأدلة الشرعية من العقليات في أمر التوحيد ~~والنبوة والمعاد قد بينا فساده في غير هذا الموضع وتناقضه وأن معتقد صحته ~~من أجهل الناس وأضلهم في العقل كما بينا انتهاءهم في جحد القدر إلى تعارض ~~الأمر والمشيئة وانتهاءهم في مسألة حدوث العالم والمعاد إلى إنكار الأفعال # وبينا أن ما يذكرونه على النفي ms0165 ألفاظ مجملة مشتبهة تتناول حقا وباطلا ~~كقولهم إن الرب تعالى لو كان موصوفا بالصفات من العلم والقدرة وغيرهما ~~مباينا للمخلوقات لكان مركبا من ذات وصفات ولكان مشاركا لغيره في الوجود ~~وغيره ومفارقا له في الوجوب وغيره فيكون مركبا مما به الإشتراك والإمتياز ~~ولكان له حقيقة غير مطلق الوجود فيكون مركبا من وجود وماهية ولكان جسما ~~مركبا من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة والمركب مفتقر إلى جزئه ~~والمفتقر إلى جزئه لا يكون واجبا بنفسه # وقد بينا فساد هذا الكلام بوجوه كثيرة يضيق عنها هذا الموضع فإن مدار هذه ~~الحجة على ألفاظ مجملة فإن المركب يراد به ما ركبه غيره وما كان مفترقا ~~فاجتمع كأجزاء الثوب والطعام والأدوية من السكنجبين وغيره وهذا هو المركب ~~في لغة العرب وسائر الأمم # وقد يراد بالمركب ما يمكن تفريق بعضه عن بعض ومعلوم أن الله تعالى منزه ~~عن جميع هذه التركيبات PageV01P280 # ويراد بالمركب في عرفهم الخاص ما تميز منه شيء عن شيء كتميز العلم عن ~~القدرة وتميز ما يرى مما لا يرى ونحو ذلك وتسمية هذا المعنى تركيبا وضع ~~وضعوه ليس موافقا للغة العرب ولا لغة أحد من الأمم وإن كان هذا مركبا فكل ~~ما في الوجود مركب فإنه ما من موجود إلا ولا بد أن يعلم منه شيء دون شيء ~~والمعلوم ليس الذي هو غير معلوم # وقولهم إنه مفتقر إلى جزئه تلبيس فإن الموصوف بالصفات اللازمة له يمتنع ~~أن تفارقه أو يفارقها وليست له حقيقة غير الذات الموصوفة حتى يقال إن تلك ~~الحقيقة مفتقرة إلى غيرها والصفة اللازمة يسميها بعض الناس غير الموصوف ~~وبعض الناس يقول ليست غير الموصوف ومن الناس من لا يطلق عليها لفظ المغايرة ~~بنفي ولا إثبات حتى يفصل ويقول إن أريد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون ~~الآخر فهي غير وإن أريد بهما ما جاز مفارقة أحدهما للآخر بزمان أو مكان أو ~~وجود فليست بغير فإن لم يقل هي غير الموصوف لم يكن هناك غير لازم للذات ~~فضلا عن أن ms0166 تكون مفتقرة إليه وإن قيل هي غيره فهي والذات متلازمان لا توجد ~~إحداهما إلا مع الأخرى ومثل هذا التلازم بين الشيئين يقتضي كون وجود أحدهما ~~مشروطا بالآخر وهذا ليس بممتنع وإنما الممتنع أن يكون كل من الشيئين موجبا ~~للآخر فالدور في العلل ممتنع والدور في الشروط جائز PageV01P281 # ولفظ الإفتقار هنا إن أريد به افتقار المعلول إلى علته كان باطلا وإن ~~أريد به افتقار المشروط إلى شرطه فهذا هو تلازم من الجانبين وليس ذلك ~~ممتنعا والواجب بنفسه يمتنع أن يكون مفتقرا إلى ما هو خارج عن نفسه فأما ما ~~كان صفة لازمة لذاته وهو داخل في مسمى اسمه فقول القائل إنه مفتقر إليها ~~كقوله إنه مفتقر إلى نفسه فإن القائل إذا قال دعوت الله أو عبدت الله كان ~~اسم الله متناولا للذات المتصفة بصفاتها ليس اسم الله اسما للذات مجردة عن ~~صفاتها اللازمة لها # وحقيقة ذلك أنه لا تكون نفسه إلا بنفسه ولا تكون ذاته إلا بصفاته ولا ~~تكون نفسه إلا بما هو داخل في مسمى اسمها وهذا حق ولكن قول القائل إن هذا ~~افتقار إلى غيره تلبيس فإن ذلك يشعر أنه مفتقر إلى ما هو منفصل عنه وهذا ~~باطل لأنه قد تقدم أن لفظ الغير يراد به ما كان مفارقا له بوجود أو زمان أو ~~مكان ويراد به ما أمكن العلم به دونه والصفة لا تسمى غيرا له بالمعنى الأول ~~وبالمعنى الأول يمتنع أن يكون مفتقرا إلى غيره إذ ليست صفته غيرا له بهذا ~~المعنى وأما بالمعنى الثاني فلا يمتنع أن يكون وجوده مشروطا بصفات وأن يكون ~~مستلزما لصفات وإن سميت تلك الصفات غيرا فليس في إطلاق اللفظ ما يمنع صحة ~~المعاني العقلية سواء جاز إطلاق اللفظ أو لم يجز PageV01P282 # وهؤلاء عمدوا إلى المعاني الصحيحة العقلية وأطلقوا عليها ألفاظا مجملة ~~تتناول الباطل الممتنع كالرافضي الذي يسمى أهل السنة ناصبة فيوهم أنهم ~~نصبوا العداوة لأهل البيت رضي الله عنهم # وقد بينا في غير هذا الموضع أن إثبات المعاني القائمة التي توصف ms0167 بها ~~الذات لا بد منه لكل عاقل وأنه لا خروج عن ذلك إلا بجحد وجود الموجدودات ~~مطلقا وأما من يجعل وجود العلم هو وجود القدرة ووجود القدرة هو وجود ~~الإرادة فقود هذه المقالة يستلزم أن يكون وجود كل شيء هو عين وجود الخالق ~~تعالى وهذا منتهى الإلحاد وهو مما يعلم بالحس والعقل والشرع أنه في غاية ~~الفساد ولا مخلص من هذا إلا بإثبات الصفات مع نفى مماثلة المخلوقات وهو دين ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات # وذلك أن نفاة الصفات من المتفلسفة ونحوهم يقولون إن العاقل والمعقول ~~والعقل والعاشق والمعشوق والعشق واللذة واللذيذ والملتذة هو شيء واحد وإنه ~~موجود واجب له عناية ويفسرون عنايته بعلمه أو عقله ثم يقولون وعلمه أو عقله ~~هو ذاته وقد يقولون إنه حي عليم قدير مريد متكلم سميع بصير ويقولون إن ذلك ~~كله شيء واحد فإرادته عين قدرته وقدرته عين علمه وعلمه عين ذاته PageV01P283 # وذلك أن من أصلهم أنه ليس له صفة ثبوتية بل صفاته إما سلب كقولهم ليس ~~بجسم ولا متحيز وإما إضافة كقولهم مبدأ وعلة وإما مؤلف منهما كقولهم عاقل ~~ومعقول وعقل ويعبرون عن هذه المعاني بعبارات هائلة كقولهم إنه ليس فيه كثرة ~~كم ولا كثرة كيف أو إنه ليس له أجزاء حد ولا أجزاء كم أو إنه لا بد من ~~إثباته موحدا توحيدا منزها مقدسا عن المقولات العشر عن الكم والكيف والأين ~~والوضع والإضافة ونحو ذلك # ومضمون هذه العبارات وأمثالها نفي صفاته وهم يسمون نفى الصفات توحيدا ~~وكذلك المعتزلة ومن ضاهاهم من الجهمية يسمون ذلك توحيدا # وهم ابتدعوا هذا التعطيل الذي يسمونه توحيدا وجعلوا اسم التوحيد واقعا ~~على غير ما هو واقع عليه في دين المسلمين فإن التوحيد الذي بعث الله به ~~رسله وأنزل به كتبه هو أن يعبد الله لا يشرك به شيئا ولا يجعل له ندا كما ~~قال تعالى { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد ms0168 لكم دينكم ولي دين } ~~سورة الكافرون 1 6 # ومن تمام التوحيد أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ~~ويصان ذلك عن التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل كما قال تعالى { قل هو ~~الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } سورة الإخلاص 1 4 PageV01P284 ~~ومن هنا ابتدع من ابتدع لمن اتبعه على نفي الصفات اسم الموحدين وهؤلاء ~~منتهاهم أن يقولوا هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق كما قاله طائفة منهم أو ~~بشرط نفى الأمور الثبوتية كما قاله ابن سينا وأتباعه أو يقولون هو الوجود ~~المطلق لا بشرط كما يقوله القونوي وأمثاله # ومعلوم بصريح العقل الذي لم يكذب قط أن هذه الأقوال باطلة متناقضة من ~~وجوه أحدها أن جعل عين العلم عين القدرة ونفس القدرة هي نفس الإرادة والعنا ~~ونفس الحياة هي نفس العلم والقدرة ونفس العلم نفس الفعل والإبداع ونحو ذلك ~~معلوم الفساد بالضرورة فإن هذه حقائق متنوعة فإن جعلت هذه الحقيقة هي تلك ~~كان بمنزلة من يقول إن حقيقة السواد هي حقيقة الطعم وحقيقة الطعم هي حقيقة ~~اللون وأمثال ذلك مما يجعل الحقائق المتوعة حقيقة واحدة # الوجه الثاني أنه من المعلوم أن القائم بنفسه ليس هو القائم بغيره والجسم ~~ليس هو العرض والموصوف ليس هو الصفة والذات ليست هي النعوت فمن قال إن ~~العالم هو العلم والعلم هو العالم فضلاله بين وكذلك معلوم أن العلم ليس هو ~~المعلوم فمن قال إن العلم هو المعلوم والمعلوم هو العلم فضلاله بين أيضا # ولفظ العقل إذا أريد به المصدر فليس المصدر هو العاقل الذي هو اسم الفاعل ~~ولا المعقول الذي هو اسم مفعول وإذا أريد بالعقل جوهر PageV01P285 ~~قائم بنفسه فهو العاقل فإذا كان يعقل نفسه أو غيره فليس عين عقله لنفسه أو ~~غيره هو عين ذاته وكذلك إذا سمى عاشقا ومعشوقا بلغتهم أو قيل محبوب ومحب ~~بلغة المسلمين فليس الحب والعشق هو نفس العاشق ولا المحب ولا العشق ولا ~~الحب هو المعشوق ولا المحبوب بل ms0169 التمييز بين مسمى المصدر ومسمى اسم الفاعل ~~واسم المفعول والتفريق بين الصفة والموصوف مستقر في فطر العقول ولغات الأمم ~~فمن جعل أحدهما هو الآخر كان قد أتى من السفسطة بما لا يخفى على من يتصور ~~ما يقول ولهذا كان منتهى هؤلاء السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات # الوجه الثالث أن يقال الوجود المطلق بشرط الإطلاق أو بشرط سلب الأمور ~~الثبوتية أولا بشرط مما يعلم بصريح العقل انتفاؤه في الخارج وإنما يوجد في ~~الذهن وهذا مما قرروه في منطقهم اليوناني وبينوا أن المطلق بشرط الإطلاق ~~كإنسان مطلق بشرط الإطلاق وحيوان مطلق بشرط الإطلاق وجسم مطلق بشرط الإطلاق ~~ووجود مطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان دون الأعيان # ولما أثبت قدماؤهم الكليات المجردة عن الأعيان التي يسمونها المثل ~~الأفلاطونية أنكر ذلك حذاقهم وقالوا هذه لا تكون إلا في الذهن ثم الذين ~~ادعوا ثبوت هذه الكليات في الخارج مجردة قالوا إنها مجردة عن الأعيان ~~المحسوسة ويمتنع عندهم أن تكون هذه هي المبدعة للأعيان بل يمتنع أن تكون ~~شرطا في وجود الأعيان فإنها إما أن تكون صفة للأعيان أو جزءا منها PageV01P286 # وصفة الشيء لا تكون خالقه للموصوف وجزء الشيء لا يكون خالقا للجملة فلو ~~قدر أن في الخارج وجودا مطلقا بشرط الإطلاق امتنع أن يكون مبدعا لغيره من ~~الموجودات بل امتنع أن يكون شرطا في وجود غيره فإذن تكون المحدثات ~~والممكنات المعلوم حدوثها وافتقارها إلى الخالق المبدع مستغنية عن هذا ~~الوجود المطلق بشرط الإطلاق إن قيل إن له وجودا في الخارج فكيف إذا كان ~~الذي قال هذا القول هو من أشد الناس إنكارا على من جعل وجود هذه الكليات ~~المطلقة المجردة عن الأعيان خارجا عن الذهن # وهم قد قرروا أن العلم الأعلى والفلسفة الأولى هو العلم الناظر في الوجود ~~ولواحقه فجعلوا الوجود المطلق موضوع هذا العلم لكن هذا هو المطلق الذي ~~ينقسم إلى واجب وممكن وعلة ومعلول وقديم ومحدث # ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام فلم يمكن هؤلاء أن يجعلوا هذا الوجود ~~المنقسم إلى ms0170 واجب وممكن هو الوجود الواجب فجعلوا الوجود هو الوجود المطلق ~~بشرط الإطلاق الذي ليس له حقيقة سوى الوجود المطلق أو بشرط سلب الأمور ~~الثبوتية ويعبرون عن هذا بأن وجوده ليس عارضا لشيء من الماهيات والحقائق # وهذا التعبير مبنى على أصلهم الفاسد وهو أن الوجود يعرض للحقائق الثابتة ~~في الخارج بناء على أنه في الخارج وجود الشيء غير حقيقته فيكون في الخارج ~~حقيقة يعرض لها الوجود تارة ويفارقها أخرى PageV01P287 # ومن هنا فرقوا في منطقهم بين الماهية والوجود وهم لو فسروا الماهية بما ~~يكون في الأذهان والوجود بما يكون في الأعيان لكان هذا صحيحا لا ينازع فيه ~~عاقل وهذا هو الذي تخيلوه في الأصل لكن توهموا أن تلك الماهية التي في ~~الذهن هي بعينها الموجود الذي في الخارج فظنوا أن في هذا الإنسان المعين ~~جواهر عقلية قائمة بأنفسها مغايرة لهذا المعين مثل كونه حيوانا وناطقا ~~وحساسا ومتحركا بالإرادة ونحو ذلك # والصواب أن هذه كلها أسماء لهذا المعين كل اسم يتضمن صفة ليست هي الصفة ~~التي يتضمنها الإسم الآخر فالعين واحدة والأسماء والصفات متعددة # وأما إثباتهم أعيانا قائمة بنفسها في هذه العين المعينة فمكابرة للحس ~~والعقل والشرع فهذا الموجود المعين في الخارج هو هو ليس هناك جوهران اثنان ~~حتى يكون أحدهما عارضا للآخر أو معروضا بل هناك ذات وصفات وقد بسط الكلام ~~على هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أنه لم يمكن ابن سينا وأمثاله أن يجعلوه الوجود المنقسم إلى ~~واجب وممكن فجعلوه الوجود المطلق بشرط الإطلاق أو بشرط سلب الأمور الثبوتية ~~كما بين ذلك في شفائه وغيره من كتبه # وهذا مما قد بين هو ومما يعلم كل عاقل أنه يمتنع وجوده في الخارج ثم إذا ~~جعل مطلقا بشرط الإطلاق لم يجز أن ينعت بنعت يوجب امتيازه فلا يقال PageV01P288 ~~هو واجب بنفسه ولا ليس بواجب بنفسه فلا يوصف بنفى ولا إثبات لأن هذا نوع من ~~التمييز والتقييد # وهذا حقيقة قول القرامطة الباطنية الذين يمتنعون عن وصفه بالنفى والإثبات ~~ومعلوم أن الخلو عن ms0171 النقيضين ممتنع كما أن الجمع بين النقيضين ممتنع # وأما إذا قيد بسلب الأمور الثبوتية دون العدمية فهو أسوأ حالا من المقيد ~~بسلب الأمور الثبوتية والعدمية فإنه يشارك غيره في مسمى الوجود ويمتاز عنه ~~بأمور وجودية وهو يمتاز عنها بأمور عدمية فيكون كل من الموجودات أكمل منه # وأما إذا قيد بسلب الأمور الثبوتية والعدمية معا كان أقرب إلى الوجود من ~~أن يمتاز بسلب الوجود دون العدم وإن كان هذا ممتنعا فذاك ممتنع أيضا وهو ~~أقرب إلى العدم فلزمهم أن يكون الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو ~~الممتنع الذي لا يتصور وجوده في الخارج وإنما يقدره الذهن تقديرا كما يقدر ~~كون الشيء موجودا معدوما أو لا موجودا ولا معدوما فلزمهم الجمع بين ~~النقيضين والخلو عن النقيضين # وهذا من أعظم الممتنعات باتفاق العقلاء بل قد يقال إن جميع الممتنعات ~~ترجع إلى الجمع بين النقيضين فلهذا كان ابن سينا وأمثاله من أهل دعوة ~~القرامطة الباطنية من أتباع الحاكم الذي كان بمصر وهؤلاء وأمثالهم من رءوس ~~الملاحدة الباطنية وقد ذكر ذلك عن نفسه وأنه كان هو وأهل بيته من أهل دعوة هؤلاء PageV01P289 ~~المصريين الذين يسميهم المسلمون الملاحدة لإلحادهم في أسماء الله وآياته ~~إلحادا أعظم من إلحاد اليهود والنصارى # وأما ملاحدة المتصوفة كابن عربي الطائي وصاحبه الصدر القونوي وابن سبعين ~~وابن الفارض وأمثالهم فقد يقولون هو الوجود المطلق لا بشرط الإطلاق كما ~~قاله القونوي وجعله هو الوجود من حيث هو هو مع قطع النظر عن كونه واجبا ~~وممكنا وواحدا وكثيرا وهذا معنى قول ابن سبعين وأمثاله القائلين بالإحاطة # ومعلوم أن المطلق لا بشرط كالإنسان المطلق لا بشرط يصدق على هذا الإنسان ~~وهذا الإنسان وعلى الذهني والخارجي فالوجود المطلق لا بشرط يصدق على الواجب ~~والممكن والواحد والكثير والذهني والخارجي وحينئذ فهذا الوجود المطلق ليس ~~موجودا في الخارج مطلقا بلا ريب # ومن قال إن الكلى الطبيعي موجود في الخارج فقد يريد به حقا وباطلا فإن ~~أراد بذلك أن ما هو كلي في الذهن موجود في الخارج معينا ms0172 أي تلك الصورة ~~الذهنية مطابقة للأعيان الموجودة في الخارج كما يطابق الإسم لمسماه والمعنى ~~الذهني الموجود الخارجي فهذا صحيح وإن أراد بذلك أن نفس الموجود PageV01P290 ~~في الخارج كلي حين وجوده في الخارج فهذا باطل مخالف للحس والعقل فإن الكلي ~~هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه # وكل موجود في الخارج معين متميز بنفسه عن غيره يمنع تصوره من وقوع الشركة ~~فيه أعني هذه الشركة التي يذكرونها في هذا الموضع وهي اشتراك الأعيان في ~~النوع واشتراك الأنواع في الجنس وهي اشتراك الكليات في الجزئيات # والقسمة المقابلة لهذه الشركة هي قسمة الكلى إلى جزئياته كقسمة الجنس إلى ~~أنواعه والنوع إلى أعيانه # وأما الشركة التي يذكرها الفقهاء في كتاب الشركة والقسمة المقابلة لها ~~التي يذكرها الفقهاء في باب القسمة وهي المذكورة في قوله تعالى { ونبئهم أن ~~الماء قسمة بينهم } سورة القمر 28 وقوله { لكل باب منهم جزء مقسوم } سورة ~~الحجر 44 فتلك شركة في الأعيان الموجودة في الخارج وقسمتها قسمة للكل إلى ~~أجزائه كقسمة الكلام إلى الإسم والفعل والحرف والأول كقسمة الكلمة ~~الإصطلاحية إلى اسم وفعل وحرف # وإذا عرف أن المقصود الشركة في الكليات لا في الكل فمعلوم أنه لا شركة في ~~المعينات فهذا الإنسان المعين ليس فيه شيء من هذا المعين ولا في هذا شيء من ~~هذا ومعلوم أن الكلى الذي يصلح لإشتراك الجزئيات فيه لا يكون هو جزءا من ~~الجزئي الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه # فمن قال إن الإنسان الكلي جزء من هذا الإنسان المعين أو إن الإنسان ~~المطلق جزء من هذا المعين بمعنى أن هذا المعين فيه شيء مطلق أو شيء كلي ~~فكلامه ظاهر الفساد PageV01P291 # وبهذا تنحل شبه كثيرة توجد في كلام الرازي وأمثاله من أهل المنطق ونحوهم ~~ممن التبس عليهم هذا المقام # وبسبب التباس هذا عليهم حاروا في وجود الله تعالى هل هو ماهيته أم هو ~~زائد على ماهيته وهل لفظ الوجود مقول بالتواطؤ والتشكيك أو مقول بالإشتراك اللفظي # فقالوا إن قلنا إن لفظ الوجود ms0173 مشترك اشتراكا لفظيا لزم ألا يكون الوجود ~~منقسما إلى واجب وممكن وهذا خلاف ما اتفق عليه العقلاء وما يعلم بصريح العقل # وإن قلنا إنه متواطئ أو مشكك لزم أن تكون الموجودات مشتركة في مسمى ~~الوجود فيكون الوجود مشتركا بين الواجب والممكن فيحتاج الوجود المشترك إلى ~~ما يميز وجود هذا عن وجود هذا والإمتياز يكون بالحقائق المختصة فيكون وجود ~~هذا زائدا على ماهيته فيكون الوجود الواجب مفتقرا إلى غيره # ويذكرون ما يذكره الرازي وأتباعه أن للناس في وجود الرب تعالى ثلاثة ~~أقوال فقط # أحدها أن لفظ الوجود مقول بالإشتراك اللفظي فقط # والثاني أن وجود الواجب زائد على ماهيته # والثالث أنه وجود مطلق ليس له حقيقة غير الوجود المشروط بسلب كل ماهية ~~ثبوتية عنه # فيقال لهم الأقوال الثلاثة باطلة والقول الحق ليس واحدا من الثلاثة وإنما ~~أصل الغلط هو توهمهم أنا إذا قلنا إن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن لزم أن ~~يكون في الخارج وجود هو نفسه في الواجب وهو نفسه PageV01P292 ~~في الممكن وهذا غلط فليس في الخارج بين الموجودين شيء هو نفسه فيهما ولكن ~~لفظ الوجود ومعناه الذي في الذهن والخط الذي يدل على اللفظ يتناول ~~الموجودين ويعمهما وهما يشتركان فيه فشمول معنى الوجود الذي في الذهن لهما ~~كشمول لفظ الوجود والخظ الذي يكتب به هذا اللفظ لهما فهما مشتركان في هذا ~~وأما نفس ما يوجد في الخارج فإنما يشتبهان فيه من بعض الوجوه فأما أن تكون ~~نفس ذات هذا وصفته فيها شيء من ذات هذا وصفته فهذا مما يعلم فساده كل من ~~تصوره ومن توقف فيه فلعدم تصوره له # وحينئذ فالقول في اسم الوجود كالقول في اسم الذات والعين والنفس والماهية ~~والحقيقة وكما أن الحقيقة تنقسم إلى حقيقة واجبة وحقيقة ممكنة وكذلك لفظ ~~الماهية ولفظ الذات ونحو ذلك فكذلك لفظ الوجود فإذا قلنا إن الحقيقة أو ~~الماهية تنقسم إلى واجبة وممكنة لم يلزم أن تكون ماهية الواجب فيها شيء من ~~ماهية الممكن فكذلك إذا قيل الوجود ينقسم إلى واجب وممكن ms0174 لم يلزم أن يكون ~~الوجود الواجب فيه شيء من وجود غيره بل ليس فيه وجود مطلق ولا ماهية مطلقة ~~بل ماهيته هي حقيقته وهي وجوده # وإذا كان المخلوق المعين وجوده الذي في الخارج هو نفس ذاته وحقيقته ~~وماهيته التي في الخارج ليس في الخارج شيئان فالخالق تعالى أولى أن تكون ~~حقيقته هي وجوده الثابت الذي لا يشركه فيه أحد وهو نفس ماهيته التي هي ~~حقيقته الثابتة في نفس الأمر PageV01P293 # ولو قدر أن الوجود المشترك بين الواجب والممكن موجود فيهما في الخارج وأن ~~الحيوانية المشتركة هي بعينها في الناطق والأعجم كان تميز أحدهما عن الآخر ~~بوجود خاص كما يتميز الإنسان بحيوانية تخصه وكما أن السواد والبياض إذا ~~اشتركا في مسمى اللون تميز أحدهما بلونه الخاص عن الآخر # وهؤلاء الضالون يجعلون الواحد اثنين والإثنين واحدا فيجعلون هذه الصفة هي ~~هذه الصفة ويجعلون الصفة هي الموصوف فيجعلون الإثنين واحدا كما قالوا إن ~~العلم هو القدرة وهو الإرادة والعلم هو العالم ويجعلون الواحد اثنين كما ~~يجعلون الشيء المعين الذي هو هذا الإنسان هو عدة جواهر إنسان وحيوان وناطق ~~وحساس ومتحرك بالإرادة ويجعلون كلا من هذه الجواهر غير الآخر ومعلوم أنه ~~جوهر واحد له صفات متعددة وكما يفرقون بين المادة والصورة ويجعلونهما ~~جوهرين عقليين قائمين بأنفسهما وإنما المعقول هو قيام الصفات بالموصوفات ~~والأعراض بالجواهر كالصورة الصناعية مثل صورة الخاتم والدرهم والسرير ~~والثوب فإنه عرض قائم بجوهر هو الفضة والخشب والغزل وكذلك الإتصال ~~والإنفصال قائمان بمحل هو الجسم # وهكذا يجعلون الصورة الذهنية ثابتة في الخارج كقوله في المجردات ~~المفارقات للمادة وليس معهم ما يثبت أنه مفارق إلى النفس الناطقة إذا فارقت ~~البدن بالموت والمجردات هي الكليات التي تجردها النفس من الأعيان المشخصة ~~فيرجع الأمر إلى النفس وما يقوم بها ويجعلون الموجود في الخارج هو الموجود ~~في الذهن كما يجعلون الوجود الواجب هو الوجود المطلق PageV01P294 # فهذه الأمور من أصول ضلالهم حيث جعلوا الواحد متعددا والمتعدد واحدا ~~وجعلوا ما في الذهن في الخارج وجعلوا ما في الخارج في ms0175 الذهن ولزم من ذلك أن ~~يجعلوا الثابت منتفيا والمنتفي ثابتا فهذه الأمور من أجناس ضلالهم وهذا كله ~~مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أنا ننبه على بعض ما نبين به تناقضهم وضلالهم في عقلياتهم ~~التي نفوا بها صفات الله عز وجل وعارضوا بها نصوص الرسول الثابتة بصحيح ~~المنقول الموافقة لصريح المعقول وكلما أمعن الفاضل الذكي في معرفة أقوال ~~هؤلاء الملاحدة ومن وافقهم في بعض أقوالهم من أهل البدع كنفاة بعض الصفات ~~الذين يزعمون أن المعقول عارض كلام الرسول وأنه يجب تقديمه عليه فإنه يتبين ~~له أنه يعلم بالعقل الصريح ما يصدق ما أخبر به الرسول وما به يتبين فساد ما ~~يعارض ذلك # ولكن هؤلاء عمدوا إلى ألفاظ مجملة مشتبهة تحتمل في لغات الأمم معاني ~~متعددة وصاروا يدخلون فيها من المعاني ما ليس هو المفهوم منها في لغات ~~الأمم ثم ركبوها وألفوها تأليفا طويلا بنوا بعضه على بعض وعظموا قولهم ~~وهولوه في نفوس من لم يفهمه ولا ريب أن فيه دقة وغموضا لما فيه من الألفاظ ~~المشتركة والمعاني المشتبهة فإذا دخل معهم الطالب وخاطبوه بما تنفر عنه ~~فطرته فأخذ يعترض عليهم قالوا له أنت لا تفهم هذا وهذا لا يصلح لك فيبقى ما ~~في النفوس من الأنفة والحمية يحملها على أن تسلم تلك الأمور قبل تحقيقها ~~عنده وعلى ترك الإعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل ونقلوا الناس PageV01P295 ~~في مخاطبتهم درجات كما ينقل إخوانهم القرامطة المستجيبين لهم درجة بعد درجة ~~حتى يوصلوهم إلى البلاغ الأكبر والناموس الأعظم الذي مضمونه جحد الصانع ~~وتكذيب رسله وجحد شرائعه وفساد العقل والدين والدخول في غاية الإلحاد ~~المشتمل على غاية الفساد في المبدأ والمعاد # وهذا القدر الذي وقع فيه ضلال المتفلسفة لم يقصده عقلاؤهم في الأصل بل ~~كان غرضهم تحقيق الأمور والمعارف لكن وقعت لهم شبهات ضلوا بها كما ضل من ضل ~~ابتداء من المشركين منهم ومن غيرهم من الكفار ممن ضل ببعض الشبهات ولهذا ~~يجب على من يريد كشف ضلال هؤلاء وأمثالهم ms0176 أن لا يوافقهم على لفظ مجمل حتى ~~يتبين معناه ويعرف مقصوده ويكون الكلام في المعاني العقلية المبينة لا في ~~معان مشتبهة بألفاظ مجملة # واعلم أن هذا نافع في الشرع والعقل # أما الشرع فإن علينا أن نؤمن بما قاله الله ورسوله فكل ما ثبت أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قاله فعلينا أن نصدق به وإن لم نفهم معناه لأنا قد ~~علمنا أنه الصادق المصدوق الذي لا يقول على الله إلا الحق وما تنازع فيه ~~الأمة من الألفاظ المجملة كلفظ المتحيز والجهة والجسم والجوهر والعرض ~~وأمثال ذلك فليس على أحد أن يقبل مسمى اسم من هذه الأسماء لا في النفي ولا ~~في الإثبات حتى يتبين له معناه فإن كان المتكلم بذلك أراد معنى صحيحا ~~موافقا لقول المعصوم كان ما أراده حقا وإن كان أراد به معنى مخالفا لقول ~~المعصوم كان ما أراده باطلا PageV01P296 # ثم يبقى النظر في إطلاق ذلك اللفظ ونفيه وهي مسألة فقهية فقد يكون المعنى ~~صحيحا ويمتنع من إطلاق اللفظ لما فيه من مفسدة وقد يكون اللفظ مشروعا ولكن ~~المعنى الذي أراده المتكلم باطل كما قال علي رضي الله عنه لمن قال من ~~الخوارج المارقين لا حكم إلا لله كلمة حق أريد بها باطل # وقد يفرق بين اللفظ الذي يدعى به الرب فإنه لا يدعى إلا بالأسماء الحسنى ~~وبين ما يخبر به عنه لإثبات حق أو نفي باطل # وإذا كنا في باب العبارة عن النبي صلى الله عليه وسلم علينا أن نفرق بين ~~مخاطبته وبين الإخبار عنه فإذا خاطبناه كان علينا أن نتأدب بآداب الله ~~تعالى حيث قال { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } سورة ~~النور 63 فلا نقول يا محمد يا أحمد كما يدعو بعضنا بعضا بل نقول يا رسول ~~الله يا نبي الله # والله سبحانه وتعالى خاطب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم فقال { ~~يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } سورة البقرة 35 { يا نوح اهبط بسلام منا ~~وبركات عليك وعلى أمم ممن معك } سورة هود ms0177 48 { يا موسى إني أنا ربك } سورة ~~طه 11 12 { يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي } سورة آل عمران 55 ولما خاطبه ~~صلى الله عليه وسلم قال { يا أيها النبي } سورة التحريم 1 { يا أيها الرسول ~~لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } PageV01P297 ~~سورة المائدة 41 { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } سورة المائدة ~~67 { يا أيها المزمل } سورة المزمل 1 { يا أيها المدثر } سورة المدثر 1 ~~فنحن أحق أن نتأدب في دعائه وخطابه # وأما إذا كنا في مقام الإخبار عنه قلنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا رسول الله وقلنا محمد رسول الله وخاتم النبيين فنخبر عنه باسمه كما ~~أخبر الله سبحانه لما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم { ما كان محمد أبا أحد ~~من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين } سورة الأحزاب 40 وقال { محمد ~~رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا } سورة ~~الفتح 29 وقال { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } سورة آل عمران ~~144 وقال { والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد } سورة محمد 2 # فالفرق بين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل وبه يظهر ~~الفرق بين ما يدعى الله به من الأسماء الحسنى وبين ما يخبر به عنه عز وجل ~~مما هو حق ثابت لإثبات ما يستحقه سبحانه من صفات الكمال ونفى ما تنزه عنه ~~عز وجل من العيوب والنقائص فإنه الملك القدوس السلام سبحانه وتعالى عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا # وقال تعالى { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه } سورة الأعراف 180 مع قوله { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد ~~بيني وبينكم } سورة الأنعام 19 ولا يقال في الدعاء يا شيء PageV01P298 # وأما نفع هذا الإستفسار في العقل فمن تكلم بلفظ يحتمل معاني لم يقبل قوله ~~ولم يرد حتى نستفسره ونستفصله حتى يتبين المعنى المراد ويبقى الكلام في ~~المعاني العقلية لا في المنازعات ms0178 اللفظية فقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من ~~جهة اشتراك الأسماء ومن كان متكلما بالمعقول الصرف لم يتقيد بلفظ بل يجرد ~~المعنى بأي عبارة دلت عليه # وأرباب المقالات تلقوا عن أسلافهم مقالات بألفاظ لهم منها ما كان أعجميا ~~فعربت كما عربت ألفاظ اليونان والهند والفرس وغيرهم وقد يكون المترجم عنهم ~~صحيح الترجمة وقد لا يكون صحيح الترجمة ومنها ما هو عربي # ونحن إنما نخاطب الأمم بلغتنا العربية فإذا نقلوا عن أسلافهم لفظ الهيولي ~~والصورة والمادة والعقل والنفس والصفات الذاتية والعرضية والمجرد والتركيب ~~والتأليف والجسم والجوهر والعرض والماهية والجزء ونحو ذلك بين ما تحتمل هذه ~~الألفاظ من المعاني كما إذا قال قائلهم النوع مركب من الجنس والفصل كتركيب ~~الإنسان من الحيوان والناطق أو من الحيوانية والناطقية وإن هذه أجزاء ~~الإنسان وأجزاء الحد # والواجب سبحانه إذا كان له صفات لزم أن يكون مركبا والمركب مفتقر إلى ~~أجزائه والمفتقر إلى أجزائه لا يكون واجبا استفسروا عن لفظ التركيب والجزء ~~والإفتقار والغير فإن جميع هذه الألفاظ فيها اشتراك والتباس وإجمال # فإذا قال القائل الإنسان مركب من الحيوان والناطق أو من الحيوانية ~~والناطقية PageV01P299 # قيل له أتعنى بذلك الإنسان الموجود في الخارج وهو هذا الشخص وهذا الشخص ~~أو تعني الإنسان المطلق من حيث هو هو # فإن أراد الأول قيل له هذا الإنسان وهذا الإنسان وغيرهما إذا قلت هو مركب ~~من هذين الجزأين # فيقال لك الحيوان والناطق جوهران قائمان بأنفسهما # فإن قلت هما جزءان للإنسان الموجود في الخارج لزم أن يكون الإنسان ~~الموجود في الخارج فيه جوهران أحدهما حيوان والآخر ناطق غير الإنسان المعين ~~وهذا مكابرة للحس والعقل # وإن قال أنا أريد بذلك أن الإنسان يوصف بأنه حيوان وأنه ناطق قيل له هذا ~~معنى صحيح لكن تسمية الصفات أجزاء ودعوى أن الموصوف مركب منها وانها متقدمة ~~عليه ومقومة له في الوجودين الذهني والخارجي كتقدم الجزء على الكل والبسيط ~~على المركب ونحو ذلك مما يقولونه في هذا الباب هو مما يعلم فساده بصريح العقل # وإن قال هو مركب من ms0179 الحيوانية والناطقية قيل له إن أردت بالحيوانية ~~والناطقية الحيوان والناطق كان الكلام واحدا وإن أردت العرضين القائمين ~~بالحي الناطق وهما صفتاه كان مضمونه أن الموصوف مركب من صفاته وأنها أجزاء ~~له ومقومة له وسابقة عليه ومعلوم أن الجوهر لا يتركب من الأعراض وأن صفات ~~الموصوف لا تكون سابقة له في الوجود الخارجي PageV01P300 # وإن قال أنا أريد بذلك أن الإنسان من حيث هو هو مركب من ذلك # قيل له إن الإنسان من حيث هو هو لا وجود له في الخارج بل هذا هو الإنسان ~~المطلق والمطلقات لا تكون مطلقة إلا في الأذهان فقد جعلت المركب هو ما ~~يتصوره الذهن وما يتصوره الذهن هو مركب من الأمور التي يقدرها الذهن فإذا ~~قدرت في النفس جسما حساسا متحركا بالإرادة ناطقا كان هذا المتصور في الذهن ~~مركبا من هذه الأمور وإن قدرت في النفس حيوانا ناطقا كان مركبا من هذا وهذا ~~وإن قدرت حيوانا صاهلا كان مركبا من هذا وهذا # وإن قلت إن الحقائق الموجودة في الخارج مركبة من هذه الصور الذهنية كان ~~هذا معلوم الفساد بالضرورة # وإن قلت إن هذه مطابقة لها وصادقة عليها فهذا يكون صحيحا إذا كان ما في ~~النفس علما لا جهلا # وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن من سوغ جعل الحقائق المتنوعة حقيقة واحدة بالعين كان ~~كلامه مس أن يجعل وجود الحقائق المتنوعة وجودا واحدا بالعين بل هذا أولى ~~لأن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود فمن اشتبه عليه أن العلم هو القدرة ~~وأنهما نفس الذات العالمة القادرة كان أن يشتبه عليه أن الوجود واحد أولى وأحرى # وهذه الحجة المبنية على التركيب هي أصل قول الجهمية نفاة الصفات والأفعال ~~وهم الجهمية من المتفلسفة ونحوهم ويسمون ذلك التوحيد # وأما المعتزلة وأتباعهم فقد يحتجون بذلك لكن عمدتهم الكبرى حجتهم التي ~~زعموا أنهم أثبتوا بها حدوث العالم وهي حجة الأعراض فإنهم استدلوا على حدوث PageV01P301 ~~العالم بحدوث الأجسام واستدلوا على حدوث الأجسام بأنها مستلزمة للأعراض ~~كالحركة والسكون والإجتماع ms0180 والإفتراق ثم قالوا إن الأعراض أو بعض الأعراض ~~حادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فاحتاجوا في هذه الطريق إلى أثبات ~~الأعراض أولا ثم إثبات لزومها للجسم # فادعى قوم أن الجسم يستلزم جميع أنواع الأعراض وأن القابل للشيء لا يخلو ~~منه ومن ضده وادعوا أن كل جسم له طعم ولون وريح وأن العرض لا يبقى زمانين ~~كما زعم ذلك من سلكه من أهل الكلام الصفاتية نفاة الفعل الإختياري القائم ~~بذاته كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي ونحوهما ومن يوافقهم أحيانا كالقاضي ~~أبي يعلى وغيره ولما ادعوا أن الأعراض جميعها لا تبقى زمانين لزم أن تكون ~~حادثة شيئا بعد شيء والجسم لا يخلو منها فيكون حادثا بناء على امتناع حوادث ~~لا أول لها # وعلى هذه الطريق اعتمد كثير منهم في حدوث العالم ومن متأخريهم أبو الحسن ~~الآمدي وغيره # وأما جمهور العقلاء فأنكروا ذلك وقالوا من المعلوم أن الجسم يكون متحركا ~~تارة وساكنا أخرى # وهل السكون أمر وجودي أو عدمي على قولين # وأما الإجتماع والإفتراق فمبنى على إثبات الجوهر الفرد PageV01P302 # فمن قال بإثباته قال إن الجسم لا يخلو عن الأكوان الأربعة وهي الإجتماع ~~والإفتراق والحركة والسكون ومن لم يقل بإثباته لم يجعل الإجتماع من الأعراض ~~الزائدة على ذات الجسم # ونفاة الجوهر الفرد كثير من طوائف أهل الكلام وأهل الفلسفة كالهشامية ~~والنجارية والضرارية والكلابية وكثير من الكرامية # وأما من قال إن نفيه هو قول أهل الإلحاد وإن القول بعدم تماثل الأجسام ~~ونحو ذلك هو من أقوال أهل الإلحاد فهذا من أقوال المتكلمين كصاحب الإرشاد ~~ونحوه ممن يظن أن هذا الدليل الذي سلكوه في إثبات حدوث العالم هو أصل الدين ~~فما يفضي إلى إبطال هذا الدليل لا يكون إلا من أقوال الملحدين # ومن لم يقل بأن الجسم يستلزم جميع أنواع الأعراض قال إنه يستلزم بعضها ~~كالأكوان أو الحركة والسكون وإن ذلك حادث وهذه الطريقة هي التي يسلكها أكثر ~~المعتزلة وغيرهم ممن قد يوافقهم أحيانا في بعض الأمور كأبي الوفاء ابن عقيل وغيره # ثم هؤلاء ms0181 بعد أن أثبتوا لزوم الأعراض أو بعضها للجسم وأثبتوا حدوث ما ~~يلزم الجسم أو حدوث بعضه احتاجوا إلى أن يقولوا ما لم يسبق الحوادث فهو ~~حادث فمنهم من اكتفى بذلك ظنا منهم أن ذلك ظاهر ومنهم من تفطن لكون ذلك ~~مفتقرا إلى إبطال حوادث لا أول لها إذ يمكن أن يقال إن الحادث بعد أن لم ~~يكن هو كل شخص شخص من أعيان الحوادث وأما النوع فلم يزل فتكلموا هنا في ~~إبطال وجود ما لا نهاية له بطريق التطبيق والموازاة والمسامتة PageV01P303 # وملخص ذلك أن ما لا يتناهى إذا فرض فيه حد كزمن الطوفان وفرض حد بعد ذلك ~~كزمن الهجرة وقدر امتداد هذين إلى ما لا نهاية له فإن تساويا لزم كون ~~الزائد مثل الناقص وإن تفاضلا لزم وقوع التفاضل فيما لا يتناهى # وهذه نكتة الدليل فإن منازعيهم جوزوا مثل هذا التفاضل إذا كان ما لا ~~يتناهى ليس هو موجودا له أول وآخر وألزموهم بالأبد وذلك إذا أخذ ما لا ~~يتناهى في أحد الطرفين قدر متناهيا من الطرف الآخر كما إذا قدرت الحوادث ~~المتناهية إلى زمن الطوفان وقدرت إلى زمن الهجرة فإنها وإن كانت لا تتناهى ~~من الطرف المتقدم فإنها متناهية من الطرف الذي يلينا # فإذا قال القائل إذا طبقنا بين هذه وهذه فإن تساويا لزم أن يكون الزائد ~~كالناقص أو أن يكون وجود الزيادة كعدمها وإن تفاضلا لزم وجود التفاضل فيما ~~لا يتناهى # كان لهم عنه جوابان # أحدهما أنا لا نسلم إمكان التطبيق مع التفاضل وإنما يمكن التطبيق بين ~~المتماثلين لا بين المتفاضلين # والجواب الثاني أن هذا يستلزم التفاضل بين الجانب المتناهي لا بين الجانب ~~الذي لا يتناهى وهذا لا محذور فيه # ولبعض الناس جواب ثالث وهو أن التطبيق إنما يمكن في الموجود لا في ~~المعدوم # وقد وافق هؤلاء على إمكان وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل طوائف ~~كثيرة ممن يقول بحدوث الأفلاك من المعتزلة والأشعرية والفلاسفة وأهل الحديث ~~وغيرهم فإن هؤلاء جوزوا حوادث لا أول لها مع قولهم ms0182 بأن الله أحدث السماوات PageV01P304 ~~والأرض بعد أن لم يكونا وألزموهم بالأبد ونشأ عن هذا البحث كلامهم في ~~الحوادث المستقبلة فطرد إماما هذا الطريق الجهم بن صفوان إمام الجهمية ~~الجبرية وأبو الهذيل العلاف إمام المعتزلة القدرية فنفيا ثبوت ما لا يتناهى ~~في المستقبل فقال الجهم بفناء الجنة والنار وأبو الهذيل اقتصر على القول ~~بفناء حركات أهل الجنة والنار # وعن ذلك قال أبو المعالي بمسألة الإسترسال وهو أن علم الرب تعالى يتناول ~~الأجسام بأعيانها ويتناول أنواع الأعراض بأعيانها وأما آحاد الأعراض ~~فيسترسل العلم عليها لامتناع ثبوت ما لا يتناهى علما وعينا # وأنكر الناس ذلك عليه وقالوا فيه أقوالا غليظة حتى يقال إن أبا القاسم ~~القشيري هجره لأجل ذلك # وصار طوائف المسلمين في جواز حوادث لا تتناهى على ثلاثة أقوال قيل لا ~~يجوز في الماضي ولا في المستقبل وقيل يجوز فيهما وقيل يجوز في المستقبل دون الماضي # ثم إن المعتزلة والجهمية نفت أن يقوم بالله تعالى صفات وأفعال بناء على ~~هذه الحجة # قالوا لأن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم وبذلك استدلوا على حدوث الجسم PageV01P305 # فجاء ابن كلاب ومن اتبعه فوافقوهم على انتفاء قيم الأفعال به وخالفوهم في ~~قيام الصفات فأثبتوا قيام الصفات به وقالوا لا نسميها أعراضا لأنها باقية ~~والأعراض لا تبقى # وأما ابن كرام وأتباعه فلم يمتنعوا من تسمية صفات الله أعراضا كما لم ~~يمتنعوا من تسميته جسما # وعن هذه الحجة ونحوها نشأ القول بأن القرآن مخلوق وأن الله تعالى لا يرى ~~في الآخرة وأنه ليس فوق العرش ونحو ذلك من مقالات الجهمية النفاة لأن ~~القرآن كلام وهو صفة من الصفات والصفات عندهم لا تقوم به وأيضا فالكلام ~~يستلزم فعل المتكلم وعندهم لا يجوز قيام فعل به ولأن الرؤية تقتضي مقابلة ~~ومعاينة والعلو يقتضي مباينة مسامتة وذلك من صفات الأجسام # وبالجملة فقد صاروا ينفون ما ينفونه من صفات الله تعالى لأن إثبات ذلك ~~يقتضي أن يكون الموصوف جسما وذلك ممتنع لأن الدليل على إثبات الصانع إنما ~~هو حدوث الأجسام فلو كان ms0183 جسما لبطل دليل إثبات الصانع # ومن هنا قال هؤلاء إن القول بما دل عليه السمع من إثبات الصفات والأفعال ~~يقدح في أصل الدليل الذي به علمنا صدق الرسول # وقالوا إنه لا يمكن تصديق الرسول لو قدر أنه يخبر بذلك لأن صدقه لا يعلم ~~إلا بعد أن يثبت العلم بالصانع ولا طريق إلى إثبات العلم بالصانع إلا القول ~~بحدوث الأجسام # قالوا وإثبات الصفات له يقتضي أنه جسم قديم فلا يكون كل جسم حادثا فيبطل ~~دليل إثبات العلم به PageV01P306 # وقالت المعتزلة كأبي الحسين وغيره إن صدق الرسول معلوم بالمعجزة والمعجزة ~~معلومة بكون الله تعالى لا يظهرها على يد كاذب وذلك معلوم بكون إظهارها على ~~يد الكذاب قبيحا والله منزه عن فعل القبيح وتنزيهه عن فعل ال بأنه غنى عنه ~~عالم بقبحه والغني عن الشيء العالم بقبحه لا يفعله وغناه معلوم بكونه ليس ~~بجسم وكونه ليس بجسم معلوم بنفى الصفات فلو قامت به الصفات لكان جسما ولو ~~كان جسما لم يكن غنيا وإذا لم يكن غنيا لم يمتنع عليه فعل القبيح فلا يؤمن ~~أن يظهر المعجزة على يد كذاب فلا يبقى لنا طريق إلى العلم بصدق الرسول فهذا ~~الكلام ونحوه أصل دين المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة # وكذلك أبو عبدالله بن الخطيب وأمثاله أثبتوا وجود الصانع بأربع طرق منها ~~ثلاثة مبنية على أصلين وربما قالوا بست طرق منها خمسة مبنية على الأصلين ~~المتقدمين في توحيد الفلاسفة وتوحيد المعتزلة # فإنه قال الإستدلال على الصانع إما أن يكون بالإمكان أو الحدوث وكلاهما ~~إما في الذات وإما في الصفات وربما قالوا وإما فيهما # فالأول إثبات أمكان الجسم بناء على حجة التركيب التي هي أصل الفلاسفة ~~والثاني بيان حدوثه بناء على حجة حدوث الحركات والأعراض التي هي أصل ~~المعتزلة والثالث إمكان الصفات بناء على تماثل الأجسام والرابع إمكانهما ~~جميعا والخامس حدوث الصفات وهذا هو الطريق المذكور في القرآن والسادس حدوث ~~الأجسام وصفاتها وهو مبنى على ما تقدم # وهذه الطرق الست كلها مبنية على الجسم إلا الطريق الذي ms0184 سماه حدوث الصفات ~~يعني بذلك ما يحدثه الله في العالم من الحيوان والنبات والمعدن والسحاب PageV01P307 ~~والمطر وغير ذلك وهو إنما سمى ذلك حدوث الصفات متابعة لغيره ممن يثبت ~~الجوهر الفرد ويقول بتماثل الأجسام وإن ما يحدثه الله تعالى من الحوادث ~~وإنما هو تحويل الجواهر التي هي أجسام من صفة إلى صفة مع بقاء أعيانها ~~وهؤلاء ينكرون الإستحالة # وجمهور العقلاء وأهل العلم من الفقهاء وغيرهم متفقون على بطلان قولهم وأن ~~الله تعالى يحدث الأعيان ويبدعها وإن كان يحيل الجسم الأول إلى جسم آخر فلا ~~يقولون إن جرم النطفة باق في بدن الإنسان ولا جرم النواة باق في النخلة # والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع فإن هذه الجمل هي من ~~جوامع الكلام المحدث الذي كان السلف والأئمة يذمونه وينكرون على أهله # والمقصود هنا أن هذه هي أعظم القواطع العقلية التي يعارضون بها الكتب ~~الإلهية والنصوص النبوية وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها # فيقال لهم أنتم وكل مسلم عالم تعلمون بالإضطرار أن إيمان السابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكن مبنيا على هذه ~~الحجج المبنية على الجسم ولا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدا أن يستدل ~~بذلك على إثبات الصانع ولا ذكر الله تعالى في كتابه وفي آياته الدالة عليه ~~وعلى وحدانيته شيئا من هذه الحجج المبنية على الجسم والعرض وتركيب الجسم ~~وحدوثه وما يتبع ذلك # فمن قال إن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بهذه الطريق كان قول معلوم ~~الفساد بالإضطرار من دين الإسلام ومن قال إن سلوك هذه الطريق واجب PageV01P308 ~~في معرفة الصانع تعالى كان قوله من البدع الباطلة المخالفة لما علم ~~بالإضطرار من دين الإسلام # ولهذا كان عامة أهل العلم يعترفون بهذا وبأن سلوك هذه الطريق ليس بواجب ~~بل قد ذكر أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر أن سلوك هذه الطريق ~~بدعة محرمة في دين الرسل لم يدع إليها أحد من الأنبياء ولا من أتباعهم # ثم القائلون بأن هذه الطريق ليست ms0185 واجبة قد يقولون إنها في نفسها صحيحة بل ~~ينهى عن سلوكها لما فيها من الأخطار كما يذكر ذلك طائفة منهم الأشعري ~~والخطابي وغيرهما # وأما السلف والأئمة فينكرون صحتها في نفسها ويعيبونها لاشتمالها على كلام ~~باطل ولهذا تكلموا في ذم مثل هذا الكلام لأنه باطل في نفسه لا يوصل إلى حق ~~بل إلى باطل كقول من قال الكلام الباطل لا يدل إلا على باطل وقول من قال لو ~~أوصى بكتب العلم لم يدخل فيها كتب علم الكلام وقول من قال من طلب الدين ~~بالكلام تزندق ونحو ذلك # ونحن الآن في هذا المقام نذكر ما لا يمكن مسلما أن ينازع فيه وهو أنا ~~نعلم بالضرورة أن هذه الطريق لم يذكرها الله تعالى في كتابه ولا أمر بها ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ولا جعل إيمان المتبعين له موقوفا عليها فلو كان ~~الإيمان بالله لا يحصل إلا بها لكان بيان ذلك من أهم مهمات الدين بل كان ~~ذلك أصل أصول الدين لا سيما وكان يكون فيها أصلان عظيمان إثبات الصانع ~~وتنزيهه PageV01P309 ~~عن صفات الأجسام كما يجعلون هو ذلك أصل دينهم فلما لم يكن الأمر كذلك علم ~~أن الإيمان يحصل بدونها بل إيمان أفضل هذه الأمة وأعلمهم بالله كان حاصلا بدونها # فمن قال بعد هذا إن العلم بصحة الشرع لا يحصل إلا بهذا الطريق ونحوها من ~~الطرق المحدثة كان قوله معلوم الفساد بالإضطرار من دين الإسلام وعلم أن ~~القدح في مدلول هذه الطرق ومقتضاها وأن تقديم الشرع المعارض لها لا يكون ~~قدحا في العقليات التي هي أصل الشرع بل يكون قدحا في أمور لا يفتقر الشرع ~~إليها ولا يتوقف عليها وهو المطلوب # فتبين أن الشرع المعارض لمثل هذه الطرق التي يقال إنها عقليات إذا قدم ~~عليها لم يكن في ذلك محذور # ومن عجائب الأمور أن كثيرا من الجهمية نفاة الصفات والأفعال ومن اتبعهم ~~على نفى الأفعال يستدلون على ذلك بقصة الخليل صلى الله عليه وسلم كما ذكر ~~ذلك بشرا المريسي وكثير من المعتزلة ومن ms0186 أخذ ذلك عنهم أو عمن أخذ ذلك عنهم ~~كأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد والرازي وغيرهم وذكروا في كتبهم أن هذه ~~الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل عليه صلوات الله وسلامه وهو قوله { لا أحب ~~الآفلين } سورة الأنعام 76 # قالوا فاستدل بالأفول الذي هو الحركة والإنتقال على حدوث ما قام به ذلك ~~كالكوكب والقمر والشمس PageV01P310 # وظن هؤلاء أن قول إبراهيم عليه السلام { هذا ربي } سورة الأنعام 77 أراد ~~به هذا خالق السماوات والأرض القديم الأزلي وأنه استدل على حدوثه بالحركة # وهذا خطأ من وجوه أحدها أن قول الخليل { هذا ربي } سواء قاله على سبيل ~~التقدير لتقريع قومه أو على سبيل الإستدلال والترقي أو غير ذلك ليس المراد ~~به هذا رب العالمين القديم الأزلي الواجب الوجود بنفسه ولا كان قومه يقولون ~~إن الكواكب أو القمر أو الشمس رب العالمين الأزلي الواجب الوجود بنفسه ولا ~~قال هذا أحد من أهل المقالات المعروفة التي ذكرها الناس لا من مقالات أهل ~~التعطيل والشرك الذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب ولا من مقالات غيرهم بل ~~قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم كانوا يتخذونها أربابا يدعونها ويتقربون ~~إليها بالبناء عليها والدعوة لها والسجود والقرابين وغير ذلك وهو دين ~~المشركين الذين صنف الرازي كتابه على طريقتهم وسماه السر المكتوم في دعوة ~~الكواكب والنجوم والسحر والطلاسم والعزائم PageV01P311 # وهذا دين المشركين من الصابئين كالكشدانيين والكنعانيين واليونانيين ~~وأرسطو وأمثاله من أهل هذا الدين وكلامه معروف في السحر الطبيعي والسحر ~~الروحاني والكتب المعروفة بذخيرة الإسكندر بن فيلبس الذي يؤرخون به وكان ~~قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة # وكانت اليونان مشركين يعبدون الأوثان كما كان قوم إبراهيم مشركين يعبدون ~~الأوثان ولهذا قال الخليل { إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه ~~سيهدين } سورة الزخرف 26 27 وقال { أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } سورة الشعراء 75 77 وأمثال ذلك ~~مما يبين تبرؤه مما يعبدونه غير الله # وهؤلاء القوم عامتهم من نفاة صفات الله وأفعاله القائمة به كما هو ms0187 مذهب ~~الفلاسفة المشائين فإنهم يقولون إنه ليس له صفة ثبوتية بل صفاته إما سلبية ~~وإما إضافية وهو مذهب القرامطة الباطنية القائلين بدعوة الكواكب والشمس ~~والقمر والسجود لها كما كان على ذلك من كان عليه من بنى عبيد ملوك القاهرة ~~وأمثالهم # فالشرك الذي نهى عنه الخليل وعادى أهله عليه كان أصحابه هم أئمة هؤلاء ~~النفاة للصفات والأفعال وأول من أظهر هذا النفى في الإسلام الجعد بن درهم ~~معلم مروان بن محمد PageV01P312 # قال الإمام أحمد وكان يقال إنه من أهل حران وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب ~~نفاة الصفات وكان بحران أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة بقايا أهل هذا الدين ~~أهل الشرك ونفى الصفات والأفعال ولهم مصنفات في دعوة الكواكب كما صنفه ثابت ~~بن قرة وأمثاله من الصابئة الفلاسفة أهل حران وكما صنفه أبو معشر البلخي ~~وأمثاله وكان لهم بها هيكل العلة الأولى وهيكل العقل الفعال وهيكل النفس ~~الكلية وهيكل زحل وهيكل المشتري وهيكل المريخ وهيكل الشمس وهيكل الزهرة ~~وهيكل عطارد وهيكل القمر وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # الوجه الثاني أنه لو كان المراد بقوله { هذا ربي } أنه رب العالمين لكانت ~~قصة الخليل حجة على نقيض مطلوبهم لأن الكوكب والقمر والشمس ما زال متحركا ~~من حين بزوغه إلى عند أفوله وغروبه وهو جسم متحرك متحيز صغير فلو كان مراده ~~هذا للزم أن يقال إن إبراهيم لم يجعل الحركة والإنتقال مانعة من كون ~~المتحرك المنتقل رب العالمين بل ولا كونه صغيرا بقدر الكوكب والشمس والقمر ~~وهذا مع كونه لا يظنه عاقل ممن هو دون إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه فإن ~~جوزوه عليه كان حجة عليهم لا لهم # الوجه الثالث أن الأفول هو المغيب والإحتجاب ليس هو مجرد الحركة ~~والإنتقال ولا يقول أحد لا من أهل اللغة ولا من أهل التفسير إن الشمس ~~والقمر في حال مسيرهما في السماء إنهما آفلان ولا يقول للكواكب PageV01P313 ~~المرئية في السماء في حال ظهورها وجريانها إنها آفلة ولا يقول عاقل لكل من ~~مشى وسافر وسار وطار إنه ms0188 آفل # الوجه الرابع أن هذا القول الذي قالوه لم يقله أحد من علماء السلف أهل ~~التفسير ولا من أهل اللغة بل هو من التفسيرات المبتدعة في الإسلام كما ذكر ~~ذلك عثمان بن سعيد الدارمي وغيره من علماء السنة وبينوا أن هذا من التفسير ~~المبتدع # وبسبب هذا الإبتداع أخذا ابن سينا وأمثاله لفظ الأفول بمعنى الإمكان كما ~~قال في إشاراته # قال قوم إن هذا الشي المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه لكن إذا تذكرت ما ~~قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبا وتلوت قوله تعالى { لا ~~أحب الآفلين } سورة الأنعام 76 فإن الهوى في حظيرة الإمكان أفول ما فهذا قوله PageV01P314 # ومن المعلوم بالضرورة من لغة العرب أنهم لا يسمعون كل مخلوق موجود آفلا ~~ولا كل موجود بغيره آفلا ولا كل موجود يجب وجوده بغيره لا بنفسه آفلا ولا ~~ما كان من هذه المعاني التي يعنيها هؤلاء بلفظ الإمكان بل هذا أعظم افتراء ~~على القرآن واللغة من تسمية كل متحرك آفلا ولو كان الخليل أراد بقوله { لا ~~أحب الآفلين } سورة الأنعام 76 هذا المعنى لم ينتظر مغيب الكوكب والشمس ~~والقمر ففساد قول هؤلاء المتفلسفة في الإستدلال بالآية أظهر من فساد قول أولئك # وأعجب من هذا قول من قال في تفسيره إن هذا قول المحققين # واستعارته لفظ الهوى والحظيرة لا يوجب تبديل اللغة المعروفة في معنى ~~الأفول فإن وضع هو لنفسه وضعا آخر فليس له أن يتلو عليه كتاب الله تعالى ~~فيبدله أو يحرفه # وقد ابتدعت القرامطة الباطنية تفسيرا آخر كما ذكره أبو حامد في بعض ~~مصنفاته كمشكاة الأنوار وغيرها أن الكواكب والشمس والقمر هي النفس والعقل ~~الفعال والعقل الأول ونحو ذلك # وشبهتهم في ذلك أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أجل من أن يقول لمثل هذه ~~الكواكب إنه رب العالمين بخلاف ما ادعوه من النفس ومن العقل الفعال الذي ~~يزعمون أنه رب كل ما تحت فلك القمر والعقل الأول الذي يزعمون أنه مبدع ~~العالم كله PageV01P315 # وقول هؤلاء وإن كان معلوم ms0189 الفساد بالضرورة من دين الإسلام فابتداع أولئك ~~طرق مثل هؤلاء على هذا الإلحاد # ومن المعلوم بالإضطرار من لغة العرب أن هذه المعاني ليست هي المفهوم من ~~لفظ الكوكب والقمر والشمس # وأيضا فلو قدر أن ذلك يسمى كوكبا وقمرا وشمسا بنوع من التجوز فهذا غايته ~~أن يسوغ للإنسان أن يستعمل اللفظ في ذلك لكنه لا يمكنه أن يدعى أن أهل ~~اللغة التي نزل بها القرآن كانوا يريدون هذا بهذا والقرآن نزل بلغة الذين ~~خاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم فليس لأحد أن يستعمل ألفاظه في معان بنوع ~~من التشبيه والإستعارة ثم يحمل كلام من تقدمه على هذا الوضع الذي أحدثه هو # وأيضا فإنه قال تعالى { فلما جن عليه الليل رأى كوكبا } الأنعام 76 فذكره ~~منكرا لأن الكواكب كثيرة ثم قال { فلما رأى القمر } الأنعام 77 { فلما رأى ~~الشمس } سورة الأنعام 78 بصيغة التعريف لكي يبين أن المراد القمر المعروف ~~والشمس المعروفة وهذا صريح بأن الكواكب متعددة وأن المراد واحد منها وأن ~~الشمس والقمر هما هذاه المعروفان # وأيضا فإنه قال { لا أحب الآفلين } والأفول هو المغيب والإحتجاب فإن أريد ~~بذلك المغيب عن الأبصارا الظاهرة فما يدعونه من العقل والنفس لا يزال ~~محتجبا عن الأبصار لا يرى بحال بل وكذلك واجب الوجود عندهم لا يرى بالأبصار ~~بحال بل تمتنع رؤيته بالأبصار عندهم PageV01P316 # وإن أراد المغيب عن بصائر القلوب فهذا أمر نسبي إضافي فيمكن أن تكون تارة ~~حاضرة في القلب وتارة غائبة عنه كما يمكن مثل ذلك في واجب الوجود فالأفول ~~أمر يعود إلى حال العارف بها لا يكسبها صفة نقص ولا كمال ولا فرق في ذلك ~~بينها وبين غيرها # وأيضا فالعقول عندهم عشرة والنفوس تسعة بعدد الأفلاك # فلو ذكر القمر والشمس فقط لكانت شبهتهم أقوى حيث يقولون نور القمر مستفاد ~~من نور الشمس كما أن النفس متولدة عن العقل مع ما في ذلك لو ذكروه من ~~الفساد أما مع ذكر كوكب من الكواكب فقولهم هذا من أظهر الأقوال للقرامطة ~~الباطنية فسادا لما في ms0190 ذلك من عدم الشبه والمناسبة التي تسوغ في اللغة ~~إرادة مثل هذا # والكلام على فساد هذا طويل ليس هذا موضعه ولولا أن هذا وأمثاله هو من ~~أسباب ضلال كثير من الداخلين في العلم والعبادة إذ صاحب كتاب مشكاة الأنوار ~~إنما بنى كلامه على أصول هؤلاء الملاحدة وجعل ما يفيض على النفوس من ~~المعارف من جنس خطاب الله عز وجل لموسى بن عمران النبي صلى الله عليه وسلم ~~كما تقوله القرامطة الباطنية ونحوهم من المتفلسفة وجعل خلع النعلين الذي ~~خوطب به موسى صلوات الله عليه وسلامه إشارة إلى ترك الدنيا PageV01P317 ~~والآخرة وإن كان قد يقرر خلع النعلين حقيقة لكن جعل هذا إشارة إلى أن من ~~خلع الدنيا والآخرة فقد حصل له ذلك الخطاب الإلهي # وهو من جنس قول من يقول إن النبوة مكتسبة ولهذا كان أكابر هؤلاء يطمعون ~~في النبوة فكان السهروردي المقتول يقول لا أموت حتى يقال له قم فأنذر وكان ~~ابن سبعين يقول لقد زرب ابن آمنة حيث قال لا نبي بعدي ولما جعل خلع النعلين ~~إشارة إلى ذلك أخذ ذلك ابن قسى ونحوه ووضع كتابه في خلع النعلين واقتباس ~~النور من موضع القدمين من مثل هذا الكلام # ومن هنا دخل أهل الإلحاد من أهل الحلول والوحدة والإتحاد حتى آل الأمر ~~بهم إلى أن جعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق سبحانه وتعالى كما فعل ~~صاحب الفصوص ابن عربي وابن سبعين وأمثالهما من الملاحدة المنتسبين إلى ~~التصوف والتحقيق # وهم من جنس الملاحدة المنتسبين إلى التشيع لكن تظاهر هؤلاء من أقوال شيوخ ~~الصوفية وأهل المعرفة بما التبس به حالهم على كثير من أهل العلم المنتسبين ~~إلى العلم والدين بخلاف أولئك الذين تظاهروا بمذهب التشيع فإن نفور الجمهور PageV01P318 ~~عن مذهب الرافضة مما نفر الجمهور عن مثل هؤلاء بخلاف جنس أهل الفقر والزهد ~~ومن يدخل في ذلك من متكلم ومتصوف وفقير وناسك وغير هؤلاء فإنهم لمشاركتهم ~~الجمهور في الإنتساب إلى السنة والجماعة يخفى من إلحاد الملحد الداخل فيهم ~~مالايخفى من إلحاد ملاحدة الشيعة ms0191 وإن كان إلحادالملحد منهم أحيانا قد يكون ~~أعظم كما حدثني نقيب الأشراف أنه قال للعفيف التلمساني أنت نصيري فقال نصير ~~جزء مني والكلام على بسط هذا له موضع آخر غير هذا # فإن قيل فهب أن تقديم الشرع عليها لا يكون قدحا في أصله لكنه يكون تقديما ~~له على أدلة عقلية فلا بد من بيان الموجب لتقديم الشرع # قيل الجواب من وجوه أحدها أن المقصود هنا بيان أن تقديم الشرع على ما ~~عارضه من مثل هذه العقليات المحدثة في الإسلام ليس تقديما له على أصله الذي ~~يتوقف العلم بصحة الشرع عليه وقد حصل فإن أنما ذكرنا في هذا المقام بيان ~~بطلان من يزعم أنه يقدم العقل على الشرع المعارض له وذكرنا أن الواجب تقديم ~~ما قام الدليل على صحته مطلقا # الجواب الثاني أن نقول الشرع قول المعصوم الذي قام الدليل على صحته وهذه ~~الطرق لم يقم دليل على صحتها فلا يعارض ما علمت صحته بما لم تعلم صحته # الجواب الثالث أن نقول بل هذه الطرق المعارضة للشرع كلها باطلة في العقل ~~وصحة الشرع مبنية على إبطالها لا على صحتها فهي باطلة بالعقل وبالشرع PageV01P319 # والقائل بها مخالف للعقل والشرع من جنس أهل النار الذين قالوا { لو كنا ~~نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } سورة الملك 10 وهكذا شأن جميع البدع ~~المخالفة لنصوص الأنبياء فإنها مخالفة للسمع والعقل فكيف ببدع الجهيمة ~~المعطلة التي هي في الأصل من كلام المكذبين للرسل ### | AUTO والكلام على إبطال هذه الوجوه على التفصيل وأن الشرع لا يتم ~~إلا بإبطالها مبسوط في غير هذا الموضع لكن نحن نشير إلى ذلك في تمام هذا ~~الكلام فنقول الوجه التاسع عشر # أن هذه المعارضات مبنية على التركيب وقد تقدمت الإشارة إلى بطلانه وأما ~~الإستدلال بحدوث الحركات والأعراض فنقول قد أورد عليهم الفلاسفة سؤالهم ~~المشهور وجوابهم عنه على أصلهم مما يقول جمهور العقلاء إنه معلوم الفساد ~~بالضرورة # وذلك أنهم قالوا لهم إذا كانت الأفعال جميعها حادثة بعد أن لم تكن ~~فالمحدث ms0192 لذلك إما أن يكون صدر عنه بسبب حادث يقتضي الحدوث وإما أن لا يكون ~~فإن لم يكن صدر عنه سبب حادث يقتضي الحدوث لزم ترجيح الممكن بلا مرجح وهو ~~ممتنع في البديهة وإن حدث عنه سبب فالقول في حدوث ذلك السبب كالقول في حدوث ~~غيره ويلزم التسلسل الممتنع باتفاق العقلاء بخلاف التسلسل المتنازع فيه PageV01P320 ~~مع أن كلا النوعين باطل عند هؤلاء المتكلمين فهم مضطرون في هذا الدليل إلى ~~الترجيح بلا مرجح تام أو إلى القول بالتسلسل والدور وكلاهما ممتنع عندهم # ومما ينبغي ان يعرف أن التسلسل الممتنع في هذا المكان ليس هو التسلسل ~~المتنازع في جوازه بل هو مما اتفق العقلاء على امتناعه فإنه إذا قيل إنه ~~إذا قدر أنه لم يكن يحدث شيئا قط ثم حدث حادث فإما أن يحدث بسبب حادث أو ~~بلا سبب حادث فإن حدث بسبب حادث فالقول فيه كالقول في الأول وإن حدث بغير ~~سبب حادث لزم الترجيح بلا مرجح فالناس كلهم متفقون على أنه إذا قدر أنه صار ~~فاعلا بعد أن لم يكن لم يحدث إلا بسبب حادث وأن القول في كل ما يحدث قول واحد # وإذا قال القائل فلم يحدث الحادث إلا بسبب حادث ثم زعم أن الحادث الأول ~~يحدث بغير سبب حادث فقد تناقض فإن قوله لا يحدث حادث قول عام فإذا جوز أن ~~يحدث حادث بلا سبب فقد تناقض ويسمى تسلسلا # ولفظ التسلسل يراد به التسلسل في العلل والفاعلين والمؤثرات بأن يكون ~~للفاعل فاعل وللفاعل فاعل إلى ما لا نهاية له وهذا متفق على امتناعه بين ~~العقلاء # والثاني التسلسل في الآثار بأن يكون الحادث الثاني موقوفا على حادث قبله ~~وذلك الحادث موقوف على حادث قبل ذلك وهلم جرا فهذا في جوازه قولان مشهوران ~~للعقلاء وأئمة السنة والحديث مع كثير من النظار أهل الكلام والفلاسفة ~~يجوزون ذلك وكثير من النظار وغيرهم يحيلون ذلك PageV01P321 # وأما إذا قيل لا يحدث حادث قط حتى يحدث حادث فهذا ممتنع باتفاق العقلاء ~~وصريح العقل وقد يسمى هذا ms0193 دورا فإنه إذا قيل لا يحدث شيء حتى يحدث شيء كان ~~هذا دورا فإن وجود جنس الحادث موقوف على وجود جنس الحادث وكونه سبحانه لم ~~يزل مؤثرا يراد به مؤثرا في كل شيء وهذا لا يقوله عاقل لكنه لازم حجة ~~الفلاسفة ويراد به لم يزل مؤثرا في شيء معين ويراد به لم يزل مؤثرا في شيء ~~بعد شيء وهو موجب الأدلة العقلية التي توافق الأدلة السمعية # ولما أجاب بعضهم بأن المرجح هو القدرة أو الإرادة القديمة أو العلم ~~القديم أو إمكان الحدوث ونحو ذلك قالوا لهم في الجواب هذه الأمور إن لم ~~يحدث بسببها سبب حادث لزم الترجيح بلا مرجح وإن حدث سبب حادث فالكلام في ~~حدوثه كالكلام في حدوث ما حدث به # وعدل آخرون إلى الإلزام فقالوا هذا يقتضي أن لا يحدث في العالم حادث ~~والحس يكذبه فقالوا لهم إنما يلزم هذا إذا كان التسلسل باطلا وأنتم تقولون ~~بإبطاله وأما نحن فلا نقول بأبطاله وإذا كان الحدوث موقوفا على حوادث ~~متجددة زال هذا المحذور # والتسلسل نوعان تسلسل في العلل وقد اتفق العلماء على إبطاله وأما التسلسل ~~في الشروط ففيه قولان مشهوران للعقلاء PageV01P322 # وتنازع هؤلاء هل الألزام لهم صحيح أم لا وبتقدير كون الإلزام صحيحا ليس ~~فيه حل للشبهة وإذا لم تنحل كانت حجة على الفريقين وكان القول بموجبها ~~لازما واعتبر ذلك بما ذكره أبو عبدالله الرازي في أشهر كتبه وهو كتاب ~~الأربعين وما اعترض عليه به صاحب لباب الأربعين أبو الثناء محمود الأرموى ~~وجوابه هو عنها فإن الرازى ذكرها وذكر أجوبة الناس عنها وبين فسادها ثم ~~أجاب هو بالإلزام مع أنه في مواضع أخر يجيب عنها بالأجوبة التي بين فسادها ~~في هذا الموضع # قال في حجتهم جميع الممكنات مستندة إلى واجب الوجود فكل ما لا بد منه في ~~مؤثريته إن لم يكن حاصلا في الأزل فحدوثه إن لم يتوقف على مؤثر وجد الممكن ~~لا عن مؤثر وإن توقف عاد الكلام فيه وتسلسل وإن كان حاصلا فإن وجب حصول ~~الأثر ms0194 معه لزم دوامه لدوامه وإن لم يجب أمكن حصول الأثر معه تارة وعدمه ~~أخرى فيرجح أحدهما على الآخر وإن لم يتوقف على أمر وقع الممكن بلا مرجح وإن ~~توقف لزم خلاف الفرض PageV01P323 # ثم قال أجاب المتكلمون بوجوه الأول أنه إنما أحدث العالم في ذلك الوقت ~~لأن الإرادة لذاتها اقتضت التعلق بإيجاده في ذلك الوقت # قلت هذا جواب جمهور الصفاتية الكلامية كابن كلاب والأشعري وأصحابهما وبه ~~يجيب القاضي أبو بكر وأبو المعالي والتميميون من أصحاب أحمد والقاضي أبو ~~يعلى وابن عقيل وابن الزاغوني وأمثالهم وبه أجاب الغزالي في تهافت الفلاسفة ~~وزيفه عليه ابن رشد الحفيد وبه أجاب الآمدي وبه أجاب الرازي في بعض المواضع # قال الجواب الثاني للمتكلمين أنها اقتضت التعلق به في ذلك الوقت لتعلق ~~العلم به # قلت هذ الجواب ذكره طائفة من الأشعرية ومن الناس من يجعل المرجح مجموع ~~العلم والإرادة والقدرة كما ذكره الشهرستاني ويمكن أن يجعل هذا جوابا آخر # قال الجواب الثالث لعل هناك حكمة خفية لأجلها أحدث في ذلك الوقت PageV01P324 # قلت هذا الجواب يجيب به من قد يعلل الأفعال كما هو مذهب المعتزلة ~~والكرامية وغيرهم وقد يوافق المعتزلة ابن عقيل ونحوه كما قد يوافق الكرامية ~~في تعليلهم القاضي أبو خازم ابن القاضي أبي يعلى وغيره # قال الجواب الرابع أن الأزلية مانعة من الإحداث لما سبق # الجواب الخامس أنه لم يكن ممكنا قبله ثم صار ممكنا فيه # قلت هذان الجوابان أو أحدهما ذكرهما غير واحد من أهل الكلام المعتزلة ~~والأشعرية وغيرهم كالشهرستاني وغيره وهذا جواب الرازي في بعض المواضع # قال الجواب السادس أن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ~~كالهارب من السبع إذا عرض له طريقان متساويان والعطشان إذا وجد قدحين ~~متساويين # قلت هذا جواب أكثر الجهمية المعتزلة وبه أجاب الرازي في نهاية العقول ~~فإنه قال في كتابه المعروف بنهاية العقول وهو عنده أجل ما صنفه في الكلام ~~قال قوله في المعارضة الأولى جميع جهات مؤثرية الباري عز وجل لا بد وأن ~~يكون حاصلا في ms0195 الأزل ويلزم من ذلك امتناع تخلف العالم عن الباري عز وجل PageV01P325 # قلنا هذا إنما يلزم إذا كان موجبا بالذات أما إذا كان قادرا فلا # قوله القادر لما أمكنه أن يفعل في وقت وأن يفعل قبله وبعده توقفت فاعليته ~~على مرجح # قلنا المعتمد في دفع ذلك ليس إلا أن يقال القادر لا يتوقف في فعله لأحد ~~مقدوريه دون الآخر على مرجح # قوله إذا جاز استغناء الممكن هنا عن المرجح فليجز في سائر المواضع ويلزم ~~منه نفي الصانع # قلنا قد ذكرنا أن بديهة العقل فرقت في ذلك بين القادر وبين غيره وما ~~اقتضت البديهة الفرق بينهما لا يمكن دفعه # قلت وهذا الجواب هو جواب معروف عن المعتزلة وهو وأمثاله دائما في كتبهم ~~يضعفون هذا الجواب ويحتجون على المعتزلة في مسألة خلق الأفعال وغيرها بهذه ~~الحجة وهو أنه لا يتصور ترجيح الممكن لا من قادر ولا من غيره إلا بمرجح يجب ~~عنده وجود الأثر # فهؤلاء إذا ناظروا الفلاسفة في مسأله حدوث العالم لم يجيبوهم إلا بجواب ~~المعتزلة وهم دائما إذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر يحتجون عليهم بهذه ~~الحجة التي احتجت بها الفلاسفة فإن كانت هذه الحجة صحيحة بطل احتجاجهم على ~~المعتزلة وإن كانت باطلة بطل جوابهم للفلاسفة # وهذا غالب على المتفلسفة والمتكلمين المخالفين للكتاب والسنة تجدهم دائما ~~يتناقضون فيحتجون بالحجة التي يزعمون أنها برهان باهر ثم في موضع آخر ~~يقولون إن بديهة العقل يعلم بها فساد هذه الحجة PageV01P326 # وهو لما احتج في المحصول على إثبات الجبر وأن إثباته يمنع القول بالتحسين ~~والتقبيح العقلي ذكر هذه الحجة وقال فثبت بهذا البرهان الباهر أن هذه ~~الحوادث إما أن تحدث يعنى من العبد القادر على سبيل الإضطرار أو على سبيل ~~الإتفاق # وقال أيضا في تقريرها ههنا العمدة في إثبات الصانع احتياج الممكن إلى ~~المؤثر فلو جوزنا ممكنا يترجح أحد طرفيه على الآخر بلا مرجح لم يمكنا أن ~~نحكم لشيء من الممكنات باحتياجه إلى المؤثر وذلك يسد باب إثبات الصانع # قال وأما الهارب من السبع إذا ms0196 عن له طريقان فإنا نمنع تساويهما من كل ~~الوجوه وإن ساعدنا عليه ولكن الهارب من السبع يعتقد ترجح أحدهما على الآخر ~~من بعض الوجوه أو يصير غافلا عن أحدهما فأما لو اعتقد الهارب تساويهما من ~~كل الوجوه فإنه يستحيل منه والحال هذه أن يسلك أحدهما والدليل على أن الأمر ~~كذلك أن الإنسان إذا تعارضت دواعيه إلى الحركات المتضادة فإنه يتوقف في كل ~~موضع لا يمكنه أن يترك إلا عند حصول المرجح PageV01P327 # وكما قال من جعل المرجح هو الإرادة إن الإرادة اقتضت ترجيح ذلك المقدور ~~على غيره ولا يمكن أن يقال الإرادة لماذا رجحت ذلك الشيء على غيره لأنها لو ~~رجحت غيره عليه كان هذا السؤال عائدا وعلى هذا التقدير يلزم أن كون الإرادة ~~مرجحة معلل بعلة أخرى وذلك محال لأن كون الإرادة مرجحة صفة نفسية لها كما ~~أن كون العلم بحيث يعلم به المعلوم صفة نفسية له وذلك أمر ذاتي له ولما ~~استحال تعليل الصفات الذاتية استحال تعليل كون الإرادة مرجحة قال وهذا ~~الجواب باطل أيضا لأنا لا نعلل أصل كون الإرادة مرجحة وإنما نعلل كونها ~~مرجحة لهذا الشيء على ضده ولا يلزم من تعليل خصوص المرجحية تعليل أصل ~~المرجحية ألا ترى أن الممكن لما دار بين الوجود والعدم فإنا نحكم أنه لا ~~يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح ولا يكون تعليل ذلك تعليلا لأصل كونه ممكنا ~~فكذلك ههنا # قلت نظير هذا قول من يقول من القدرية المعتزلة والشيعة ونحوهم إن الله ~~تعالى جعل العبد مختارا وخلقه مختارا إن شاء اختار هذا الفعل وإن شاء اختار ~~هذا الفعل فهو يختار أحدهما باختياره # فيقال لهم هو جعله أهلا للإختيار وقابلا للإختيار وجائزا منه الإختيار ~~وممكنا منه الإختيار ونحو ذلك أو جعله مختارا لهذا الفعل على هذا PageV01P328 # فإن قالوا بالأول قيل لهم فوجود اختيار هذا الفعل دون هذا لابد له من سبب ~~وإذا كان العبد قابلا لهذا ولهذا فوجود أحد الإختيارين دون الآخر لا بد له ~~من سبب أوجبه # وإن قالوا بالثاني اعترفوا ms0197 بالحق وأن ما فيه من اختيار الفعل المعين هو ~~من الله تعالى كما قال سبحانه { لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن ~~يشاء الله رب العالمين } سورة التكوير 28 29 # ولهذا إذا حقق القول عليهم وقيل لهم فهذا الإختيار الحادث الذي كان به ~~هذا الفعل وهو إرادة العبد الحادثة من المحدث لها # قالوا الإرادة لا تعلل # فقلت لمن قال لي ذلك منهم تعنى بقولك لا تعلل بالعلة الغائية أي لا تعلم ~~غايتها أو لا تعلل بالعلة الفاعلية فلا يكون لها محدث أحدثها # أما الأول فليس الكلام فيه هنا مع أنه هو يقول بتعليلها بذلك وأما الثاني ~~فإنه معلوم الفساد بالضرورة فإنه من جوز في بعض الحوادث أن تحدث بلا فاعل ~~أحدثها لزمه ذلك في غيره من الحوادث وهذا المقام حار فيه هؤلاء المتكلمون # فالمعتزلة القدرية إما أن ينفوا إرادة الرب تعالى وإما أن يقولوا بإرادة ~~أحدثها في غير محل بلا إرادة كما يقوله البصريون منهم وهم أقرب إلى الحق من ~~البغداديين منهم وهم في هذا كما قيل فيهم طافوا على أبواب المذاهب وفازوا ~~بأخس المطالب فإنهم التزموا عرضا يحدث لا في محل وحادثا يحدث بلا إرادة كما PageV01P329 ~~التزموا في إرادة العبد أنها تحدث بلا فاعل فنفوا السبب الفاعل للإرادة مع ~~أنهم يثبتون لها العلة الغائية ويقولون إنما أراد الإحسان إلى الخلق ونحو ذلك # والذين قابلوهم من الأشعرية ونحوهم أثبتوا السبب الفاعل لإرادة العبد ~~وأثبتوا لله إرادة قديمة تتناول جميع الحوادث لكن لم يثبتوا لها الحكمة ~~المطلوبة والعاقبة المحمودة فكان هؤلاء بمنزلة من أثبت العلة الفاعلية دون ~~الغائية وأولئك بمنزلة من أثبت العلة الغائية دون الفاعلية # والمتفلسفة المشاؤون يدعون إثبات العلة الفاعلية والغائية ويعللون ما في ~~العالم من الحوادث بأسباب وحكم وهم عند التحقيق أعظم تناقضا من أولئك ~~المتكلمين لا يثبتون لا علة فاعلية ولا غائية بل حقيقة قولهم أن الحوادث ~~التي تحدث لا محدث لها لأن العلة التامة القديمة مستلزمة لمعلولها لا يمكن ~~أن يحدث عنها شيء # وحقيقة ms0198 قولهم إن أفعال الرب تعالى ليس فيها حكمة ولا عاقبة محمودة لأنهم ~~ينفون الإرادة ويقولون ليس فاعلا مختارا ومن نفي الإرادة كان نفيه للمراد ~~المطلوب بها الذي هو الحكمة الغائية أولى وأحرى ولهذا كان لهم من الإضطراب ~~والتناقض في هذا الباب أعظم مما لطوائف أهل الملل كما قد بسط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على مجامع أقوال الطوائف الكبار وما فيها من ~~التناقض وأن من عارض النصوص الإلهية بما يسميه عقليات إنما يعارضها PageV01P330 ~~بمثل هذا الكلام الذي هو نهاية إقدامهم وغاية مرامهم وهو نهاية عقولهم في ~~دراية أصولهم # قال الرازي قالت الفلاسفة حاصل الكل اختيار أن كل ما لا بد منه في إيجاد ~~العالم لم يكن حاصلا في الأزل لأنه جعل شرط الإيجاد أولا الوقت الذي تعلقت ~~الإرادة بإيجاده فيه وثانيا الوقت الذي تعلق العلم به فيه وثالثا الوقت ~~المشتمل على الحكمة الخفية ورابعا انقضاء الأزل وخامسا الوقت الذي يمكن فيه ~~وسادسا ترجيح القادر وشيء منها لم يوجد في الأزل وقد أبطلنا هذا القسم # ثم قال عن الفلاسفة والجواب المفصل عن الأول من وجهين أحدهما أن إرادته ~~إن لم تكن صالحة لتعلق إيجاده في سائر الأوقات كان موجبا بالذات ولزم قدم ~~العالم وإن كانت صالحة فترجيح بعض الأوقات بالتعلق إن لم يتوقف على مرجح ~~وقع الممكن لا لمرجح وإن توقف عاد الكلام فيه وتسلسل # والثاني أن تعلق إرادته بإيجاده إن لم يكن مشروطا بوقت ما لزم قدم المراد ~~وإن كان مشروطا به كان ذلك الوقت حاضرا في الأزل وإلا عاد الكلام في كيفية ~~إحداثه وتسلسل # وعن الثاني من وجهين الأول أن العلم تابع للمعلوم التابع للإرادة فامتنع ~~كون الإرادة تابعة للعلم PageV01P331 # الثاني أن تعين المعلوم محال فيمتنع عقلا إحداثه في وقت علم عدم حدوثه ~~فيه وعدم إحداثه في وقت علم حدوثه فيه وذلك يوجب كونه موجبا بالذات # وعن الثالث من وجهين أحدهما أن حدوث وقت تلك المصلحة إن كان لا لمحدث لزم ~~نفي الصانع وإن كان لمحدث عاد ms0199 الكلام فيه # وأيضا فتلك المصلحة إن كانت حاصلة قبل ذلك الوقت لزم حدوثها قبله وإلا ~~فإن وجب حدوثها في ذلك الوقت جاز في غير ذلك ولزم نفى الصانع وإن لم يجب ~~عاد الكلام في اختصاص ذلك الوقت بتلك المصلحة وتسلسل # الثاني أنه مع العلم بإشتمال ذلك الوقت على تلك المصلحة إن لم يمكنه ~~الترك كان موجبا بالذات وإن أمكنه وتوقف الفعل على مرجح تسلسل وإلا وقع ~~الممكن لا لمرجح # وعن الرابع من وجهين أحدهما أن مسمى الأزل إن كان واجبا لذاته امتنع ~~زواله وإلا استند إلى واجب لذاته ولزم المحذور # والثاني أن الأزل نفى محض فامتنع كونه مانعا من الإيجاد # وعن الخامس من وجهين أحدهما أن انقلاب الممتنع لذاته ممكنا لذاته محال PageV01P332 # الثاني أن الماهية لا يختلف قبولها للوجود أو لا قبولها لكونه شاملا ~~للأوقات # وعن السادس من وجهين الأول أنه لما استويا بالنسبة إليه كان وقوع أحدهما ~~من غير مرجح اتفاقيا وحينئذ يجوز في سائر الحوادث ذلك ولزم نفى الصانع # الثاني أنه لما استويا بالنسبة إليه فترجح أحدهما إن لم يتوقف على نوع ~~ترجيح منه كان وقوعه لا بإيقاعه بل من غير سبب ولزم نفى الصانع وإن توقف ~~عاد التقسيم فيه أنه هل كان حاصلا في الأزل أم لا # وأما فصل الهارب والعطشان فإنا نعلم أنه ما لم يحصل لهما ميل إلى أحدهما ~~لم يترجح # قلت هذه الوجوه بعضها حق لا حيلة فيه وبعضها فيه كلام مبسوط في غير هذا ~~الموضع إذ المقصود هنا ذكر جواب الناس عن تلك الشبهة # ثم قال الرازي والجواب أن هذا يقتضي دوام المعلول الأول لوجوب دوام واجب ~~الوجود ودوام الثاني لدوام الأول وهلم جرا وإنه ينفى الحدوث أصلا # قال فإن قلت واجب الوجود عام الفيض يتوقف حدوث الأثر عنه على حدوث ~~استعدادات القوابل بسبب الحركات الفلكية والإتصالات الكوكبية فكل حادث ~~مسبوق بآخر لا إلى أول PageV01P333 # قلت حدوث العرض المعين لا بد له من سبب فذلك السبب إن كان حادثا عاد ~~الكلام في سبب ms0200 حدوثه ولزم وجود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة وهو محال ~~وإن كان قديما لم يلزم من قدم المؤثر قدم الأثر فكذلك في كلية العالم # وقد اعترض الأرموي على هذا الجواب فقال ولقائل أن يقول إن عنيت بالسبب ~~السبب التام فحدوثه لا يدل على حدوث المسبب الفاعل بل يدل إما على حدوثه أو ~~حدوث بعض شرائطه وإن عنيت به السبب الفاعل لم يلزم من حدوث العرض المعين ~~حدوثه بل إما حدوثه أو حدوث بعض الشرائط وحدوث الشرائط والمعدات الغير ~~متناهية على التعاقب جائز عندكم # قال بل الجواب الباهر عنه أنه لا يلزم من ذلك قدم العالم الجسماني لجواز ~~أن يوجد في الأزل عقل أو نفس يصدر عنهما تصورات متعاقبة كل واحد منها بعد ~~ما يليه حتى ينتهي إلى تصور خاص يكون شرطا لفيضان العالم الجسماني عن ~~المبدأ القديم # قلت الإلزام الذي ألزمهم إياه الرازي صحيح متوجه وهو الجواب الثاني الذي ~~أجابهم به الغزالي في كتاب التهافت # وأما اعتراض الأرموي فجوابه أنه إذا كان التقدير أن العلة التامة مستلزمة ~~لمعلولها ومعلولها لازم لعلته امتنع أن يحدث عنها شيء فما حدث لا بد له من PageV01P334 ~~سبب تام وحدوث السبب التام يستلزم حدوث سبب تام له فيلزم وجود أسباب ~~ومسببات لا نهاية لها دفعة وهو محال # وأما قوله إن عنيت بالسبب السبب التام فحدوثه لا يدل على حدوث السبب ~~الفاعل بل إما على حدوثه أو حدوث بعض شرائطه # فيقال له هذا التقسيم صحيح إذا نظر إلى الحادث من حيث الجملة وأما إذا ~~نظر إلى حادث يمتنع حدوثه عن العلة التامة فلا بد له من حدوث سبب تام # وإذا قال القائل الفاعل القديم أحدثه لما حدث شرط حدوثه # قيل الكلام في حدوث ذلك الشرط كالكلام في حدوث المشروط فلا بد من حدوث ~~أمر لا يكون حادثا عن العلة التامة لأن العلة التامة القديمة يمتنع أن يحدث ~~عنها شيء فإنه يجب مقارنة معلولها لها في الأزل والحادث ليس بمقارن لها في الأزل # وإذا قيل حدث ms0201 عنها بحدوث الإستعداد والشرائط # قيل الكلام في كل ما يقدر حدوثه عن علة تامة مستلزمة لمعلولها فإن حدوث ~~حادث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها محال وهذا الإلزام صحيح لا محيد ~~للفلاسفة عنه # وإذا قالوا حدث عنها أمور متسلسلة واحد بعد واحد # قيل لهم الأمور المتسلسلة يمتنع أن تكون صادرة عن علة تامة لأن العلة ~~التامة القديمة تستلزم معلولها فتكون معها في الأزل والحوادث المتسلسة ليست ~~معها في الأزل PageV01P335 # وقد بسطنا الكلام على هذ في غير هذا الموضع وبينا أن قولهم بحدوث الحوادث ~~عن موجب تام أزلي لازم لهم في صريح العقل سواء حدثت عنه بوسائط لازمة له أو ~~بغير وسائط وسواء سميت تلك الوسائط عقولا ونفوسا أو غير ذلك وسواء قيل إن ~~الصادر الأول عنه العنصر كما يقول بعضهم أو قيل بل هو العقل كما هو قول ~~آخرين فإن الوسائط اللازمة له قديمة معه لا يحدث فيها شيء إذ القول في حدوث ~~ما يحدث فيها كالقول في غيره من الحوادث # وقولهم إن حركات الفلك بسبب حدوث تصورات النفس وإراداتها المتعاقبة مع ~~حدوث تلك عن الواجب بنفسه بواسطة العقل اللازم له أو بغير واسطة العقل أو ~~القول بحدوثها عن العقل أو ما قالوا من هذا الجنس الذي يسندون فيه حدوث ~~الحوادث إلى مؤثر قديم تام لم يحدث فيه شيء هو قول يتضمن أن الحوادث حدثت ~~عن علة تامة لا يحدث فيها شيء فإذا كان المؤثر التام الأزلي يجب أن يقارنه ~~أثره امتنع حدوث شيء من الحوادث عن ذلك المؤثر التام الأزلي سواء جعل ذلك ~~شرطا في حدوث غيره أو لم يجعل ومتى امتنع حدوث حادث عنه كان حدوث ما يدعونه ~~من الإستعدادات والشرائط مفتقرا إلى سبب تام فيلزم وجود علل ومعلولات لا ~~تتناهى دفعة كما ذكره الرازي وهذا من جيد كلامه # وأما الجواب الذي أجاب به الأرموي وذكر أنه باهر فهو منقول من كلام ~~الرازي في المطالب العالية وغيرها وهو منقوض بهذه المعارضة مع أنه جواب PageV01P336 ~~بعضه موافق لقول أهل الملل ms0202 وبعضه موافق لقول الفلاسفة الدهرية فإنه مبنى ~~على إثبات العقول والنفوس وأنها ليست أجساما وكونها قديمة أزلي لازمة لذات ~~الله تعالى وهذه الأقوال ليست من أقوال أهل الملل بل هي أقوال باطلة كما قد ~~بسط في غير هذا الموضع وبين أن ما يدعونه من المجردات إنما ثبوتها في ~~الأذهان لا في الأعيان # وإنما أجاب الأرموي بهذا الجواب لأن هؤلاء المتأخرين كالشهرستاني والرازي ~~والآمدي زعموا أن ما ادعاه هؤلاء المتفلسفة من إثبات عقول ونفوس مجردة لا ~~دليل للمتكلمين على نفيه وأن دليلهم على حدوث الأجسام لا يتضمن الدلالة على ~~حدوث هذه المجردات # وهذا قول باطل بل أئمة الكلام صرحوا بأن انتفاء هذه المجردات وبطلان دعوى ~~وجود ممكن ليس جسما ولا قائما بجسم مما يعلم انتفاؤه بضرورة العقل كما ذكر ~~ذلك الأستاذ أبو المعالى وغيره بل قال طوائف من أهل النظر إن الموجود منحصر ~~في هذين النوعين وإن ذلك معلوم بضرورة العقل وقد بسط الكلام على ذلك في غير ~~هذا الموضع # والمقصود هنا أن هذا الجواب الذي ذكره الأرموي مبنى على هذا الأصل # ومضمونه أن الرب تعالى موجب بالذات للعقول والنفوس الأزلية اللازمة لذاته ~~لا فاعل لها بمشيئته وقدرته وهم يفسرون العقول بالملائكة فتكون الملائكة ~~قديمة أزلية متولدة عن الله تعالى لازمة لذاته PageV01P337 # وهذا شر من قول القائلين بأن الملائكة بنات الله وهو موافقة للدهرية على ~~العلة والمعلول لكن النزاع بينهم في حدوث العالم الجسماني لكنه في الجملة ~~يبطل احتجاجهم على أن السماوات قديمة أزلية فهو قطع لنصف شرهم # وهذا الجواب مبنى أيضا على جواز التسلسل في الحوادث التي هي آثار والقول ~~بجواز حوادث لا أول لها وهذا أحد قولي النظار وهو اختيار الأرموي وبه اعترض ~~على الرازي في غير موضع وبه اعترض الأرموي على جواب الرازي عن حجة التأثير ~~التي مبناها على أن التأثير الذي يدخل فيه الخلق والإبداع هل هو أمر وجودي ~~أو أمر عدمي وهل الخلق هو المخلوق أو غير المخلوق # وفيها قولان مشهوران للناس والجمهور على أن الخلق ms0203 ليس هو المخلوق وهو قول ~~أكثر العلماء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وهو قول أكثر أهل ~~الكلام مثل طوائف من المعتزلة والمرجئة والشيعة وهو قول الكرامية وغيرهم ~~وهو مذهب الصوفية ذكره صاحب التعرف في مذاهب التصوف المعروف بالكلاباذي وهو ~~قول أكثر قدماء الفلاسفة وطائفة من متأخريهم PageV01P338 # وطائفة قالت الخلق هو المخلوق وهو قول كثير من المعتزلة وقول الكلابية ~~كالأشعري وأصحابه ومن وافقهم من أصحاب الشافعي وأحمد ومالك وغيرهم # والمقصود هنا أنهم لما احتجوا على قدم العالم بأن كون الواجب مؤثرا في ~~العالم غير ذاتيهما لإمكان تعقلهما مع الذهول عنه ولأن كونه مؤثرا معلوم ~~دون حقيقته ولأن المؤثرية نسبة بينهما فهي متأخرة ومغايرة # قال وليس التأثير أمرا سلبيا لأنه نقيض قولنا ليس بمؤثر فذلك الوجودي إن ~~كان حادثا افتقر إلى مؤثر وكانت مؤثريته زائدة ولزم التسلسل وإن كان قديما ~~وهو صفة إضافية لا يعقل تحققها مع المضافين فيلزم قدمهما # أجاب الرازي بأن المؤثرية ليست صفة ثبوتية زائدة على الذات وإلا كانت ~~مفتقرة إلى المؤثر فتكون مؤثريته زائدة ويتسلسل # قلت وهذا الجواب هو على قول من يقول إن الخلق هو المخلوق وإنه ليس الفعل ~~والإبداع والخلق إلا مجرد وقوع المفعول المنفصل عنه من غير زيادة أمر وجودي أصلا # فقال الأرموي ولقائل أن يقول التسلسل ههنا واقع في الآثار لأن المؤثرية ~~صفة إضافية يتوقف تعقلها على المؤثر والأثر فتكون متأخرة على الأثر فاقتضت ~~مؤثرية أخرى بعد الأثر حتى يكون بعد كل مؤثرية مؤثرية # قال والمنكر هو التسلسل في المؤثرات PageV01P339 # قال بل الجواب عنه أن الصفة الإضافية العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا ~~تتوقف إلا على وجود معروضها فإن التقدم صفة إضافية عارضة للشيء بالنسبة إلى ~~المتأخر عنه ولو بأزمنة كثيرة مع امتناع حصول المتقدم مع المتأخر # قلت وقول الأرموي لقائل أن يقول التسلسل ههنا واقع في الآثار لأن ~~المؤثرية صفة إضافية يتوقف تعقلها على المؤثر والأثر فتكون متأخرة عن الأثر ~~فاقتضت مؤثرية أخرى بعد الأثر حتى يكون بعد كل مؤثرية مؤثرية ms0204 # يعترض عليه بأن هذا يناقض قوله بعد هذا بل الجواب عنه أن الصفة الإضافية ~~العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها فإنه إن كان ~~هذا القول صحيحا لم يلزم من تحقق المؤثرية وجود المؤثر والأثر جميعا في ~~زمان واحد بل يجوز تأخر الأثر عن المؤثر وإن كانت الصفة العارضة للشيء لا ~~تتوقف بل يكفي فيها تحقق المؤثرية فقط # ولكنه يجيب عن هذا بأن مقصودي أن ألزم غيري إذا قال تتوقف المؤثرية على ~~المؤثر والأثر بأن هذا تسلسل في الآثار لا في المؤثرات وهذا إلزام صحيح # لكن يقال له كان من تمام هذا الإلزام أن تقول المؤثرية إذا كانت عندكم ~~صفة إضافية يتوقف تعقلها على المؤثر والأثر كانت مستلزمة لوجود الأثر PageV01P340 ~~فإن كونه مؤثرا بدون الأثر ممتنع وحينئذ فمعلوم أن الأثر يكون عقب التأثير ~~الذي هو المؤثرية فإنه إذا خلق وجد المخلوق وإذا أثر في غيره حصل الأثر ~~فالأثر يكون عقب التأثير وهو جعل المؤثرية متأخرة عن الأثر # وليس الأمر كذلك بل هي متقدمة على الأثر أو مقارنة له عند بعضهم ولم يقل ~~أحد من العقلاء إن المؤثرية متأخرة عن الأثر بل قال بعضهم إن الأثر متأخر ~~منفصل عنها وقال بعضهم هو مقارن لها وقال بعضهم هو متصل بها لا منفصل عنها ~~ولا مقارن لها وهذا أصح الأقوال # ولكن على التقديرين تكون المؤثرية حادثة بحدوث تمامها فيلزم أن يكون لها ~~مؤثرية وتكون المؤثرية الثانية عقب المؤثرية الأولى وهذا مستقيم لا محذور ~~فيه فتكون المؤثرية الأولى أوجبت كونه مؤثرا في الأثر المنفصل عنه وكونه ~~مؤثرا في ذلك الأثر أوجب ذلك الأثر # وهذا على قول الجمهور الذين يقولون الموجب يحصل عقب الموجب التام والأثر ~~يحصل عقب المؤثر التام والمفعول يحصل عقب كمال الفاعلية والمعلول يحصل عقب ~~كمال العلية # وأما من جعل الأثر مقارنا للمؤثر في الزمان كما تقوله طائفة من المتفلسفة ~~ومن وافقهم فهؤلاء يلزم قولهم لوازم تبطله فإنه يلزم عند وجود المؤثرية ~~التامة أن يكون لها مؤثرية تامة ms0205 ومع المؤثرية التامة أن يكون لها مؤثرية ~~تامة وهلم جرا وهذا تسلسل في تمام المؤثرية وهو من جنس التسلسل في المؤثرات ~~لا في الآثار فإن التسلسل في الآثار هو أن يكون أثر بعد أثر والتسلسل PageV01P341 ~~في المؤثرات أن يكون للمؤثر مؤثر معه لا يكون حال عدم المؤثر فإن الشيء لا ~~يفعل في حال عدمه وإنما يفعل في حال وجوده فعند وجود التأثير لا بد من وجود ~~المؤثر فإن المؤثر التام لا يكون حال عدم التأثير بل لا يكون إلا مع وجوده ~~لكن نفس تأثيره يستعقب الأثر فإن جعل تمام المؤثرية مقارنا للأثر كان من ~~جنس التسلسل في المؤثرات لا في الآثار # وقد يقول القائل هذا الذي أراده الرازي بقوله إن المؤثرية ليست صفة ~~ثبوتية زائدة على الذات وإلا كانت مفتقرة إلى المؤثر فتكون مؤثريته زائدة ~~ويتسلسل فإنه قد يريد التسلسل المقارن لا المتعاقب فإنها إذا كانت زائدة ~~افتقرت إلى مؤثر يقارنها كما يقوله من يقوله من المتفلسلفة والمتكلمين # والرازي قد يقول بهذا وحينئذ فهذا التسلسل باطل باتفاق العقلاء # فيقول القائل هذا هو الإلزام الذي ألزم به الرازي الفلاسفة حيث قال ~~والجواب أن هذا يقتضي دوام المعلول الأول لوجوب دوام واجب الوجود ودوام ~~الثاني لدوام الأول وهلم جرا وإنه ينفي الحوادث أصلا # قال فإن قلت واجب الوجود عام الفيض يتوقف حدوث الأثر عنه على استعدادات ~~القوابل فكل حادث مسبوق بآخر لا إلى أول # قلت حدوث العرض المعين لا بد له من سبب فذلك السبب إن كان حادثا عاد ~~الكلام في سبب حدوثة ويلزم وجود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة وهو محال ~~وإن كان قديما لم يلزم من قدم المؤثر قدم الأثر فكذلك في كلية العالم PageV01P342 # فيقال هذا الكلام الذي ذكره الرازي جيد مستقيم وهو إلزامهم الحوادث ~~المشهودة التي قد يعبر عنها بالحوادث اليومية فإنه لا بد لها من مؤثر تام ~~فإن كان قديما أمكن وجود الحادث عن القديم وبطل قولهم وإن كان حادثا فلا بد ~~على قولهم أن يكون حادثا ms0206 مع حدوث الأثر لا قبله لأنهم قد قرروا أن المؤثر ~~التام يجب أن يكون أثره معه في الزمان لا يتأخر عنه فعلى قولهم هذا يجب أن ~~يكون المؤثر التام معه أثره والأثر معه مؤثره لا يتقدم زمان أحدهما على ~~زمان الآخر وحينئذ فالحادث المعين يجب أن يكون مؤثره معه حادثا ويكون مؤثر ~~ذلك المؤثر معه حادثا فيلزم وجود أسباب ومسببات هي علل ومعلولات لا نهاية ~~لها في زمن واحد وهذا معلوم الفساد بضرورة العقل وقد اتفق العقلاء على ~~أمتناعه # واعتراض الأرموي عليه ساقط حينئذ # فإن ملخص قوله إن اللازم حدوث المؤثر أو حدوث بعض شرائطه وهم يجوزون حدوث ~~الشرائط والمعدات على سبيل التعاقب # فيقال لهم هم يجوزون أن يكون بعد كل حادث حادث فيقولون حدوث الحادث الأول ~~شرط في حدوث الحادث والشرط موجود قبل المشروط # ولكن هذا يناقض قولهم إن العلة التامة تستلزم أن يكون معلولها معها في ~~الزمان وأن المعلول يجب أن يكون موجودا مع تمام العلة لا يتأخر عن ذلك فإن ~~موجب هذا أنه إذا حصل شرط تمام العلة حصل معه المعلول لا يتأخر عنه وكلما PageV01P343 ~~حدث حادث كان الشرط الحادث الذي به تمت علية العلة حادثا معه لا قبله ثم ~~ذلك الحادث أيضا يحدث الشرط الذي هو تمام علته معه لا قبله وهلم جرا فيلزم ~~تسلسل تمام العلل في آن واحد وهو أن تمام علة هذا الحادث حدث في هذا الوقت ~~وتمام علة هذا التمام حدث في هذا الوقت وهلم جرا # والتسلسل ممتنع في العلة وفي تمام العلة فكما لا يجوز أن يكون للعلة علة ~~وللعلة علة إلى غير غاية فلا يجوز أن يكون لتمام العلة تمام ولتمام العلة ~~تمام إلى غير غاية والتسلسل في العلل وفي تمامها متفق على امتناعه بين ~~العقلاء معلوم فساده بضرورة العقل سواء قيل إن المعلول يقارن العلة في ~~الزمان أو قيل إنه يتعقب العلة # ولكن هؤلاء لا يتم قولهم بقدم شيء من العالم إلا إذا كان المعلول مقارنا ~~للعلة التام لا ms0207 يتأخر عنها وحينئذ فيلزم أن يكون كل حادث من الحوادث تمام ~~علته حادث معه وتمام علة ذلك التمام حادث معه وهلم جرا فيلزم وجود حوادث لا ~~نهاية لها في آن واحد ليست متعاقبة وهذا مما يسلمون أنه ممتنع ويعلم بضرورة ~~العقل أنه ممتنع وهو يشبه قول أهل المعاني أصحاب معمر PageV01P344 # وإذا كان هذا لازما لقولهم لا محيد لهم عنه لزم أحد أمرين إما بطلان ~~حجتهم وإما القول بأنه لا يحدث في العالم شيء والثاني باطل بالمشاهدة فتعين ~~بطلان حجتهم # فتبين أن الذي ألزمهم أياه أبو عبدالله الرازي لازم لا محيد عنه وأن ~~الأرموي لم يفهم حقيقة الإلزام فاعترض عليه بما لا يقدح فيه # ولكن مثار الغلط والإشتباه هنا أن لفظ التسلسل إذا لم يرد به التسلسل في ~~نفس الفعل فإنه يراد به التسلسل في الأثر بمعنى أنه يحدث شيء بعد شيء ويراد ~~به التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلا وهذا عند من يقول إن المؤثر التام ~~وأثره مقترنان في الزمان كما يقوله هؤلاء الدهرية فيقتضي أن يكون ما يحدث ~~من تمام المؤثر مقارنا للأثر لا يتقدم عليه فتبين به فساد حجتهم # وأما من قال إن الأثر إنما يحصل عقب تمام المؤثر فيمكنه أن يقول بما ذكره ~~الأرموي وهو أن كونه مؤثرا في الأثر المعين يكون مشروطا بحادث يحدث يكون ~~الأثر عقبه ولا يكون الأثر مقارنا له # ولكن هذا يبطل قولهم بقدم شيء من العالم ويوافق أصل أئمة السنة وأهل ~~الحديث الذين يقولون لم يزل متكلما إذا شاء # فإنه على قول هؤلاء يقال فعله لما يحدث من الحوادث مشروط بحدوث حادث به ~~تتم مؤثرية المؤثر ولكن عقب حدوث ذلك التمام يحدث ذلك الحادث وعلى هذا ~~فيمتنع أن يكون في العالم شيء أزلي إذ الأزلي لا يكون إلا مع تمام مؤثره ~~ومقارنة الأثر للمؤثر زمانا ممتنعة PageV01P345 ~~وحينئذ فإذا قيل هو نفسه كاف في إبداع ما ابتدعه لا يتوقف فعله على شرط # قيل نعم كل ما يفعله لا يتوقف على غيره بل فعله ms0208 لكل مفعول حادث يتوقف على ~~فعل يقوم بذاته يكون المفعول عقبه وذلك الفعل أيضا مشروط بأثر حادث قبله # فقد تبين أن هذه المعقولات التي اضطرب فيها أكابر النظار وهي عندهم أصول ~~العلم الإلهي إذا حققت غاية التحقيق تبين أنها موافقة لما قاله أئمة السنة ~~والحديث العارفون بما جاءت به الرسل وتبين أن خلاصة المعقول خادمة ومعينة ~~وشاهدة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم # قلت المقصود هنا أن الأرموي ضعف الجواب بأن التسلسل المنكر هو تسلسل ~~المؤثرات التي هي العلل وأما تسلسل الآثار فليس بمنكر وإذا كانت المؤثرية ~~مسبوقة بمؤثرية لم يلزم إلا التسلسل في الآثار # وقوله إن هذا يقتضي التسلسل في الآثار لا في المؤثرات كلام صحيح على قول ~~من يقول إن الأثر لا يجب أن يقارن المؤثر في زمان بل يتعقبه لأن المؤثرية ~~المسبوقة بمؤثرية إنما حدث بالأولى كونها مؤثرة لا نفس المؤثر والفرق بين ~~نفس المؤثر ونفس تأثيره هو الفرق بين الفاعل وفعله والمبدع وإبداعه ~~والمقتضي واقتضائه والموجب وإيجابه وهو كالفرق بين الضارب وضربه والعادل ~~وعدله والمحسن وإحسانه وهو فرق ظاهر # لكن احتجاجه بأن المؤثرية إذا كانت صفة إضافية يتوقف تحققها على المؤثر ~~والأثر جاز أن تكون متقدمة على الأثر كما لزم أن تكون متأخرة عن الأثر PageV01P346 ~~ليس بمستقيم فإن كون الشيء مؤثرا في غيره لا يكون متأخرا عن أثره بل إما أن ~~يكون مقارنا له أو سابقا عليه وإلا فوجود الأثر قبل التأثير ممتنع ولا ~~يحتاج إلى هذا التقدير فإن كون التسلسل ها هنا واقعا في الآثار أبين من أن ~~يدل عليه بدليل صحيح من هذا الجنس فضلا عن أن يدل عليه بهذا الدليل # والجواب الذي ذكره من أن الصفة العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف ~~إلا على وجود معروضها هو جواب من يقول بأن التأثير قديم والأثر حادث # وهذا قول من يثبت لله تعالى صفة التخليق والتكوين في الأزل وإن كان ~~المخلوق حادثا # وهو قول طوائف من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأهل ms0209 الكلام والصوفية ~~وهو مبنى على أن الخلق غير المخلوق وهذا قول أكثر الطوائف لكن منهم من صرح ~~بأن الخلق قديم والمخلوق حادث ومنهم من صرح بتجدد الأفعال ومنهم من لا يعرف ~~مذهبه في ذلك # فالذي ذكره البغوي عن أهل السنة إثبات صفة الخلق لله تعالى وأنه لم يزل ~~خالقا وكذلك ذكر أبو بكر الكلاباذي في كتاب التعرف لمذهب التصوف أنه مذهب ~~الصوفية وكذلك ذكره الطحاوي وسائر أصحاب أبي حنيفة وهو PageV01P347 ~~قول جمهور أصحاب أحمد كأبي إسحاق بن شاقلا وأبي عبدالله بن حامد والقاضي ~~أبي يعلى وغيرهم وكذلك ذكره غير واحد من المالكية وذكر أنه قول أهل السنة ~~والجماعة ومن هؤلاء من صرح بمعنى الحركة لا بلفظها # وهؤلاء الذين يقولون بإثبات تأثير قديم هو الخلق والإبداع مع حدوث الأثر ~~يجعلون ذلك بمنزلة وجود الإرادة القديمة مع حدوث المراد كما يقول بذلك ~~الكلام وغيرهم من الصفاتية # فجواب أبي الثناء الأرموي موافق لقول هؤلاء الطوائف وهو قوله الصفة ~~العارضة للشيء لا تتوقف إلا على وجود معروضها كما أن الإرادة القديمة لا ~~تتوقف إلا على وجود المريد دون المراد عند من يقول بذلك وكذلك القدرة ~~المتعلقة بالمستقبلات تتوقف على وجود القادر دون المقدور فكذلك قولهم في ~~الخلق الذي هو الفعل وهو التأثير # ولكن هذا الجواب ضعيف فإن قوله الصفة الإضافية العارضة للشيء بالنسبة إلى ~~غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها فإن التقدم صفة إضافية عارضة للشيء ~~بالنسبة إلى التأخر عنه ولو بأزمنة كثيرة مع امتناع حصول المتقدم مع ~~المتأخر يعترض عليه بأنك ادعيت دعوى كلية وأثبتها بمثال جزئي فادعيت أن كل ~~صفة عارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها PageV01P348 ~~وهذه دعوى كلية ثم احتججت على ذلك بالتقدم العارض للمتقدم وهذا المثال لا ~~يثبت القضية الكلية # ونظير هذا قولهم ليس لمتعلق القول من القول صفة وجودية فإنه ليس لكون ~~الشيء مذكورا أو مخبرا عنه صفة ثبوتية بذلك فإن المعدوم يقال إنه مذكور ~~ومخبر عنه فإن هذه دعوى والمثال جزئي # والتحقيق ms0210 أن متعلق القول قد يكون له منه صفة وجودية كمتعلق التكوين ~~والتحريم والإيجاب وقد لا يكون كمتعلق الإخبار # ثم يقال الصفة العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره سواء كانت من الصفات ~~الحقيقية المستلزمة للنسبة والإضافة كالإرادة والقدرة والعلم أو كانت من ~~الصفات الإضافية عند من يجوز جواز وجود إضافة محضة لا يستلزم صفة حقيقية قد ~~تكون مستلزمة لوجود إثنين المتضايفين المتباينين كالأبوة والبنوة فإن وجود ~~أحدهما مستلزم لوجود الآخر وكذلك الفوقية والتحتية والتيامن والتياسر وكذلك ~~العلة التامة مع معلولها فإنه ليس بينهما برزخ زمان وإن كان المعلول لا ~~يكون إلا متعقبا للعلة في الزمان لا يكون زمنه زمنها عند جمهور العقلاء كما ~~قد بسط في موضع آخر # وأنتم احتججتم في غير موضع بأن القبول نسبة بين القابل والمقبول فلا ~~يتحقق إلا مع تحققهما وجعلتم هذا مما احتججتم به على الكرامية في مسألة ~~حلول الحوادث وقلتم كونه قابلا للحوادث يجب أن يكون من لوازم ذاته وذلك ~~إنما يمكن مع تحقق الحوادث في الأزل مع امتناع تحقق الحادث في الأزل PageV01P349 # فهذا التناقض من جنس قولكم إنه قادر في الأزل مع امتناع المقدور في الأزل ~~وقلتم إذا كان قابلا للحوادث في الأزل لزم إمكان وجود الحوادث في الأزل فأي ~~فرق بين إمكان القبول وإمكان المقدور وإمكان المفعول وما تقدم الشيء على ~~غيره وكونه مثل غيره ففي هذه النسبة الخاصة لم يجب تحققهما معا في الزمان ~~لكن يجب أن يكون زمن هذا قبل زمن هذا ولكن لا يلزم إذا لم يكن المتأخر مع ~~المتقدم ألا يكون المقبول المقدور والأثر ممكنا مع وجود التأثير والقدرة ~~والقبول حتى يقال إنه خالق مع امتناع المخلوق وقادر مع امتناع المقدور ~~وقابل مع امتناع المقبول # وأيضا فإن هذا الجواب بمنزلة جواب من يقول إن الحوادث توجد بإرادة قديمة ~~والمنازعون لهم ألزموهم بأن هذا ترجيح بلا مرجح كما تقدم # فهؤلاء يعترضون على جواب الأرموي وهؤلاء يعترضون عليه بأنه عند وجود ~~الأثر الحادث إما أن يتجدد تمام التأثير وإما أن لا يتجدد ms0211 فإن تجدد شيء لزم ~~التسلسل كما تقدم وإن لم يتجدد لزم حدوث الحادث بدون سبب حادث وقد تقدم ~~إبطاله بأن المؤثر التام لا يتخلف عنه أثره # وكان الأرموي يمكنه أن يجيب على أصله بأن حدوث الأجسام موقوف على حدوث ~~التصورات المتعاقبة في العقل أو النفس كما أجاب به عن الحجة الأولى # قلت المقصود هنا أن يعرف نهاية ما ذكره هؤلاء في جواب الدهرية عن المعضلة ~~الزباء والداهية والدهياء وما يخفى على العاقل الفاضل ما في هذه الأجوبة PageV01P350 # ونحن ولله الحمد قد بينا الجواب عن جميع حجج الفلاسفة في غير هذا الموضع ~~وبسطنا الكلام في ذلك وبينا كيف يمكن فساد استدلالهم من وجوه كثيرة وكيف ~~تتمكن كل طائفة من المسلمين من قطعهم بجواب مركب من قولهم وقول طائفة أخرى ~~من المسلمين حتى إذا احتاجوا إلى موافقة الدهرية على قدم الأفلاك وأن الله ~~لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام ونحو ذلك مما فيه تكذيب للرسول صلى ~~الله عليه وسلم أو إلى موافقة طائفة أخرى من طوائف المسلمين على بعض ~~أقوالهم التي ليس فيها تكذيب للرسول بل ولا مخالفة لصريح العقل كان ~~موافقتهم لطائفة من طوائف المسلمين على ما لا يكذبون به الرسول ولا يخالفون ~~به المعقول أولى بهم من موافقة الدهرية على ما فيه تكذيب للرسول ومخالفة ~~لصريح العقل # وهذا مما يتبين به أنه ليس في العقل الصريح ما يخالف النصوص الثابتة عن ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهو المقصود في هذا المقام # مثال الأجوبة التي يجاب بها هؤلاء الفلاسفة أن يقال حجتكم الأولى على قدم ~~العالم مبنية على مقدمتين أحداهما أن الممكن لا بد له من مرجح تام وامتناع ~~التسلسل ولفظ التسلسل فيه إجمال قد تقدم الكلام عليه فإن التسلسل هنا هو ~~توقف جنس الحادث على الحادث وهذا متفق على امتناعه والتسلسل في غير هذا ~~الموضع يراد به التسلسل في الفاعلين وفي الآثار والتسلسل في تمام الفاعلين ~~هو من التسلسل في الفاعلين PageV01P351 # فيقال لكم التسلسل الممتنع هو التسلسل في العلل ms0212 وفي تمامها وأما التسلسل ~~في الشروط أوالآثار ففيه قولان للمسلمين وأنتم قائلون بجوازه # فنقول إما أن يكون هذا التسلسل جائزا أو ممتنعا فإن كان ممتنعا امتنع ~~تسلسل الحوادث ولزم أن يكون لها أول وبطل قولكم بحوادث لا أول لها وامتنع ~~كون حركات الأفلاك أزلية وهذا يبطل قولكم # ثم نقول العالم لو كان أزليا فإما أن يكون لا يزال مشتملا على حوادث سواء ~~قيل إنها حادثة في جسم أو عقل أو يقال بل كان في الأزل ليس فيه حادث كما ~~يقال إنه كان جسم ساكنا فإن كان الأول لزم تسلسل الحوادث ونحن نتكلم على ~~تقدير امتناع تسلسلها فبطل هذا التقدير وإن كانت الحوادث حدثت فيه بعد أن ~~لم تكن لزم جواز صدور الحوادث عن قديم لم يتغير وهذا يبطل حجتكم ويوجب جواز ~~حدوث الحوادث بلا حدوث سبب # وإن قلتم إن التسلسل في الآثار جائز وهو قولكم بطل استدلالكم بهذه الحجة ~~على قدم شيء من العالم فإنها لا تدل على قدم شيء بعينه من العالم وإنما تدل ~~على وجوب دوام كون الرب فاعلا # فيقال لكم حينئذ لم لا يجوز أن تكون الأفلاك أو كل ما يقدر موجودا في ~~العالم أو كل ما يحدثه الله موقوفا على حادث بعد حادث ويكون مجموع العالم ~~الموجود الآن كالشخص الواحد من الأشخاص الحادثة # فتبين أن احتجاجكم على مطلوبكم باطل سواء كان تسلسل الحوادث جائزا أو لم ~~يكن بل إذا لم يكن جائزا بطلت الحجة وبطل المذهب المعروف عندكم PageV01P352 ~~وهو أن حركات الأفلاك أزلية فإن هذا إنما يصح إذا كان تسلسل الحوادث جائزا ~~فإذا كان تسلسلها ممتنعا لزم أن يكون لحركة الفلك أول وإن كان تسلسل ~~الحوادث جائزا لم يكن في ذلك دلالة على قدم شيء من العالم لجواز أن يكون ~~حدوث الأفلاك موقوفا على حوادث قبله وهلم جرا # فإن قلتم هذا يستلزم قيام الحوادث المتسلسلة بالقديم # كان الجواب من وجوه أحدها أن هذا هو قولكم وليس هذا ممتنعا عندكم فإن ~~الفلك قديم أزلي عندكم مع أنه ms0213 جسم تقوم به الحوادث # الثاني أنه يجوز أن تكون تلك الحوادث إذا امتنع قيامها بواجب الوجود ~~قائمة بمحدث بعد محدث فإن كان صدور هذه الحوادث المتسلسلة عن الواجب القديم ~~ممكنا بطلت حجتكم وإن كان ممتنعا بطل مذهبكم وحجتكم ايضا فإن قولكم إن ~~الحوادث الفلكية المتسلسلة صادرة عن قديم أزلي # الثالث أنا نتكلم على تقدير إمكان تسلسل الحوادث وعلى هذا التقدير فلا بد ~~من التزام أحد أمرين إما قيام الحوادث بالواجب وإما تسلسل الحوادث عنه بدون ~~قيام حادث به # الرابع أن يقال قيام الحوادث بالقديم إما أن يكون ممتنعا وإما أن يكون ~~ممكنا فإن كان ممتنعا لزم حدوث الأفلاك وهو المطلوب وإن كان جائزا بلطت هذه الحجة PageV01P353 # الخامس أن من قال من أهل الكلام بأن القديم لا تحله الحوادث إنما قاله ~~لأن تسلسل الحوادث في المحل يستلزم حدوثه عندهم فإن كان قولهم هذا صحيحا ~~لزم حدوث الأفلاك والنفوس وكل ما يقوم به حوادث متسلسلة وهو يستلزم بطلان ~~حجتكم لأنه حينئذ يمكن صدور العالم المحدث عن القديم بل هذا يبطل مذهبكم ~~لأنه إذا كان ما قام به الحوادث حادثا امتنع قيام الحوادث بالقديم سواء كان ~~واجبا أو ممكنا بل إذا كان تسلل الحوادث ممتنعا لزم حدوث ما يذكرونه من ~~العقول وغيرها # وإن لم يقم به حادث فإنه على هذا التقدير يجب أن يكون للحوادث أول فإذا ~~كان للنفوس أول وجب أن يكون للعقول أول لأن وجود العقول يستلزم وجود النفوس ~~فيمتنع كالعكس وحينئذ فلا يكون في العالم شيء قديم قام به حادث بل لا يكون ~~في العالم قديم وإن لم تقم به الحوادث بل إما أن يقال حدثت فيه الحوادث بعد ~~أن لم تكن أو ما زال يحدث شيء بعد شيء والأول يستلزم حدوث الحادث بلا سبب ~~حادث وهذا باطل كما ذكرتموه في الحجة لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح والثاني ~~يمتنع أن يكون في الممكنات شيء قديم وهو نقيض مذهبكم # فإذا قالوا نحن ما أحلنا قيام الحوادث بالواجب لكون القديم لا تحله ms0214 ~~الحوادث فإن ذلك جائز عندنا بل لأنه لا تقوم به الصفات # قيل لهم فحينئذ سهلت القضية فإن جماهير أهل الملل من المسلمين وغيرهم بل ~~وجمهور الفلاسفة يخالفونكم في هذا الأصل وقولكم في نفي الصفات أضعف بكثير ~~من قول من قال القديم لا تحله الحوادث PageV01P354 # ولهذا كان كثير من المسلمين كالكلابية ومن وافقهم يقولون بإثبات الصفات ~~للواجب دون قيام الحوادث به فإذا لم يكن لكم حجة على نفي قيام الحوادث به ~~إلا ما هو حجة لكم على نفي الصفات كانت الأدلة الدالة على بطلان قولكم ~~كثيرة جدا # وتبين حينئذ فساد قولكم بنفي الصفات وجعل المعاني المتعددة شيئا واحدا ~~وأن قولكم إن العاشق والمعشوق والعشق والعاقل والمعقول والعقل شيء واحد وإن ~~العالم هو العلم والقدرة هي الإرادة من أفسد الأقوال كما قد بين فيما تقدم ~~لما نبهنا على تلبيسكم على المسلمين وتكلمنا على ما تسمونه تركيبا وتنفون ~~به الصفات وبينا أنه ليس تركيبا في الحقيقة وإن كان في اصطلاحكم يسمى ~~تركيبا وأنه بتقدير موافقتكم على اصطلاحكم الفاسد لا حجة لكم على نفيه ~~وهكذا تجابون عن حجة التأثير # وقولهم إن كان التأثير قديما لزم قدم الأثر وإن كان محدثا فإن كان المحدث ~~جنس التأثير وقيل بجواز ذلك كان للحوادث ابتداء وبطل مذهبكم وإن قيل ~~بامتناعه وهو أنه لا يحدث شيء ما حتى يحدث شيء فهذا ممتنع باتفاق العقلاء ~~وقد يسمى تسلسلا ودورا وإن كان المحدث التأثير في شيء معين بعد حدوث معين ~~قبله لزم التسلسل وقيام الحوادث بالقديم # فإنه يقال لهم إما أن يكون التأثير أمرا وجوديا وإماأن لا يكون وجوديا ~~فإن لم يكن وجوديا بطلت الحجة وهو جواب الرازي وهو جواب من يقول الخلق نفس ~~المخلوق وإن كان وجوديا فإما أن يكون قائما بذات المؤثر او بغيره فإن كان PageV01P355 ~~قائما بذاته لزم جواز قيام الأمور الوجودية بواجب الوجود وهذا قول مثبتة الصفات # وعلى هذا التقدير فالتسلسل في الآثار والشروط إن كان ممكنا بطلت هذه ~~الحجة وأمكن تسلسل التأثيرات القائمة بالقديم وإن كان ms0215 ممتنعا لزم جواز حدوث ~~الحوادث عن تأثير قديم فتبطل حجتكم # وإن كان التأثير أو تمامه قائما بغيره لزم جواز التسلسل في الشروط وأن ~~يكون ممكنا وإذا كان ممكنا أمكن تسلسل التأثير فبطلت الحجة # وذلك لأن التقدير أن تمام التأثير قائم بغير المؤثر وعلى هذا التقدير فإن ~~لم يكن التسلسل ممكنا كان هناك تأثير قديم قائم بغير ذات الله تعالى وهذا ~~باطل لم يقل به أحد وإن قدر إمكانه أمكن حدوث الأفلاك عنه وهو المطلوب # ومما يجابون به عن حجة التأثير أن يقال أيضا التسلسل في الآثار إن كان ~~ممكنا بطلت الحجة لإمكان حدوث الأفلاك عن تأثير مسبوق بتأثير آخر وإن كان ~~ممتنعا لزم إما حدوث الحوادث عن تأثير قديم أو كون التأثير عدميا وعلى ~~التقديرين يبطل قولكم # وذلك لأن الحوادث مشهودة لا بد لها من إحداث محدث وذلك الإحداث هو ~~التأثير فإن كان عدميا بطلت الحجة وإن كان موجودا فإن كان قديما لزم حدوث ~~الحوادث عن تأثير قديم فتبطل الحجة وإن كان التأثير محدثا والتقدير أن ~~التسلسل ممتنع فيلزم أن يكون حدث بتأثير محدث فتبطل الحجة أيضا وهذا جواب ~~لا مخلص لهم عنه به ينقطع شغبهم PageV01P356 # وأما أن يجابوا بقول يخالف فيه أكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم ويجعل ~~خلق الله عز وجل للسماوات والأرض مبنيا على مثل هذا القول الذي هو جواب ~~المعارضة فهذا لا يرضى به ذو عقل ولا ذو دين # بل يجب أن يعلم أن الأمور المعلومة من دين المسلمين لا بد أن يكون الجواب ~~عما يعارضها جوابا قاطعا لا شبهة فيه بخلاف ما يسلكه من يسلكه أهل الكلام ~~الذين يزعمون أنهم يبينون العلم واليقين بالأدلة والبراهين وإنما يستفيد ~~الناظر في كلامهم كثرة الشكوك والشبهات وهم في أنفسهم عندهم شك وشبهة فيما ~~يقولون إنه برهان قاطع ولهذا يقول أحدهم في هذا الموضع إنه برهان قاطع وفي ~~موضع آخر يفسد ذلك البرهان # والذين يعارضون الثابت في الكتاب والسنة بما يزعمون أنه من العقليات ~~القاطعة إنما يعارضونه بمثل هذه الحجج ms0216 الداحضة # فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى ~~الإسلام حقة ولا وفي بموجب العلم والإيمان ولا حصل بكلامه شفاء الصدور ~~وطمأنينة النفوس ولا أفاد كلامه العلم واليقين # ولولا أنا قد بسطنا الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع وهذا موضع ~~تنبيه وإشارة لا موضع بسط لكنا نبسط الكلام في ذلك ولكن نبهنا على ذلك PageV01P357 # وملخص ذلك في حجة التأثير الذي يسمى الخلق والإبداع والتكوين والإيجاب ~~والإقتضاء والعلية والمؤثرية ونحو ذلك أن يقال التأثير في الحوادث إما أن ~~يكون وجوديا أو عدميا وإذا كان وجوديا فإما أن يكون قديما أو حادثا وعلى كل ~~تقدير فحجة الفلاسفة باطلة # أما إن كان عدميا فظاهر لأنه لا يستلزم حينئذ قدم الأثر إذ العدم لا ~~يستلزم شيئا موجودا ولأنه إذا جاز أن يفعل الفاعل للمحدثات بعد أن لم ~~يفعلها من غير تأثير وجودي أمكن حدوث العالم بلا تأثير وجودي كما هو قول ~~الأشعرية ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وكثير من المعتزلة # وإن كان وجوديا فإما أن يكون قديما أو محدثا فإن كان التأثير قديما فإما ~~أن يقال بوجوب كون الأثر متصلا بالتأثير والمكون متصلا بالتكوين وإما أن لا ~~يقال بوجوب ذلك وإما أن يقال بوجوب المقارنة وإما أن يقال بإمكان إنفصال ~~الأثر عن التأثير # فإن قيل بوجوب ذلك فمعلوم حينئذ بالضرورة أن في العالم حوادث فيمتنع أن ~~يكون التأثير في كل منها قديما بل لا بد من تأثيرات حادثة للأمور الحادثة ~~ويمتنع حينئذ أن يكون في العالم قديم لأن الأثر إنما يكون عقب التأثير ~~والقديم لا يكن مسبوقا بغيره # وإن قيل إن الأثر يقارن المؤثر فيكون زمانهما واحدا لزم أن لا يكون في ~~العالم شيء حادث وهو خلاف المشاهدة PageV01P358 # فإن قيل بأن التأثير لم يزل في شيء بعد شيء كان كل من الآثار حادثا ولزم ~~حدوث كل ما سوى الله وإن كان كل حادث مسبوقا بحادث # وإن قيل بل يتأخر الأثر عن التأثير القديم لزم إمكان ms0217 حدوث الحوادث عن ~~تأثير قديم كما هو قول كثير من أهل النظر وهو قول من يقول بإثبات الصفات ~~الفعلية لله تعالى وهي صفة التخليق ويقول إنها قديمة وهو قول طوائف من ~~الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد والصوفية وأهل الكلام وغيرهم # وإن كان التأثير محدثا فلا بد له من محدث فإن قيل بجواز حدوث الحوادث ~~بإرادة قديمة أو إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ~~جاز أن يحدث التأثير قائما بالمؤثر بقدرته أو بقدرته ومشيئته القديمة كما ~~يجوز من يجوز وجود المخلوقات البائنة عنه بمجرد قدرته أو لمجرد قدرته ~~ومشيئته القديمة # وإن قيل لا يمكن حدوث الحوادث إلا بسبب حادث كان التأثير القائم بالمؤثر ~~محدثا وإذا كان التأثير محدثا فلا بد له من محدث وإحداث هذا التأثير تأثير ~~وحينئذ فيكون تسلسل التأثيرات ممكنا وإذا كان ممكنا بطلت الحجة فظهر ~~بطلانها على كل تقدير # وصاحب الأربعين وأمثاله من أهل الكلام إنما لم يجيبوا عنها بجواب قاطع ~~لأن من جملة مقدماتها أن التسلسل ممتنع وهم يقولون بذلك والمحتج بها لا ~~يقول بامتناع التسلسل فإن الدهرية يقولون بتسلسل الحوادث فإذا أجيبوا PageV01P359 ~~عنها بجواب مستقيم على كل قول كان خيرا من أن يجابوا عنها بجواب لا يقول به ~~إلا بعض طوائف أهل النظر وجمهور العقلاء يقولون إنه معلوم الفساد بالضرورة # وقد ذكر الرازي هذه الحجة في غير هذا الموضع وذكر فيها أن القول بكون ~~التأثير أمرا وجوديا أمر معلوم بالضرورة ثم أخذ يجيب عن ذلك بمنع كونها ~~وجودية لئلا يلزم التسلسل # ومن المعلوم أن المقدمات التي يقول المنازع إنها ضرورية لا يجاب عنها ~~بأمر نظري بل إن كان المدعى لكونها ضرورية أهل مذهب معين يمكن أنهم تواطأوا ~~على ذلك القول وتلقاه بعضهم عن بعض أمكن فساد دعواهم وتبين أنها ليست ~~ضرورية وإن كان مما تقر به الفطر والعقول من غير تواطؤ ولا موافقة من بعضهم ~~لبعض كالموافقة التي تحصل في المقالات الموروثة التي تقولها الطائفة تبعا ~~لكبيرها لم يمكن دفع ms0218 مثل هذه فإنه لو دفعت الضروريات التي يقر بها أهل ~~الفطر والعقول من غير تواطؤ ولا تشاعر لم يمكن إقامة الحجة على مبطل وهذا ~~هو السفسطة التي لا يناظر أهلها إلا بالفعل فكل من جحد القضايا الضرورية ~~المستقرة في عقول بني آدم التي لم ينقلها بعضهم عن بعض كان سوفسطائيا # فإذا ادعى المدعي أن التأثير أمر وجودي وذلك معلوم بالضرورة لم يقل له بل ~~هو عدمي لئلا يلزم التسلسل فإن التسلسل في الآثار فيه قولان مشهوران لنظار ~~المسلمين وغيرهم PageV01P360 # والقول بجوازه هو قول طوائف كطائفة من المتعزلة يسمون أصحاب المعاني من ~~أصحاب معمر بن عباد الذين يقولون للخلق خلق إلى ما لا نهاية له لكن هؤلاء ~~يثبتون تسلسلا في آن واحد وهو تسلسل في تمام التأثير وهو باطل وقول طوائف ~~من أهل السنة والحديث كالذين يقولون إن الحركة من لوازم الحياة وكل حي ~~متحرك والذين يقولون إنه لم يزل متكلما إذا شاء وغير هؤلاء # فإذا كان فيه قولان فإما أن يكون جائزا أو يكون العلم بامتناعه نظريا خفيا # بل الجواب القاطع يكون بوجوه قد بسطناها في غير هذا الموضع # ومنها ما ذكرناه وهو أن يقال التأثير سواء كان وجوديا أو عدميا وسواء كان ~~التسلسل ممكنا أو ممتنعا فاحتجاجهم به على قدم العالم احتجاج باطل # أو يقال إن كان التسلسل في الآثار ممكنا بطلت الحجة لإمكان حدوثه بتأثير ~~حادث وإن لزم التسلسل وإن كان ممتنعا لزم حدوث الحوادث بدون تسلسل التأثير ~~وهو يبطل الحجة فالحجة باطلة على التقديرين وهذا جواب مختصر جامع # فإن الحجة مبناها على أنه لا بد للحوادث من تأثير وجودي فإن كان محدثا ~~لزم التسلسل وهو ممتنع وإن كان قديما لزم قدم الأثر # فيقال له إن كان التسلسل في الآثار ممكنا بطلت الحجة لإمكان حدوثه عن ~~تأثير حادث وذلك عن تأثير حادث وهلم جرا وامتناع التسلسل مقدمة من مقدمات ~~الدليل فإذا بطلت مقدمة من مقدماته بطل وإن كان التسلسل ممتنعا لزم أن تكون ~~الحوادث حدثت عن تأثير وجودي ms0219 قديم وحينئذ فيمكن حدوث العالم بدون تسلسل ~~الحوادث عن تأثير قديم وهو المطلوب PageV01P361 # وإن شئت أدخلت المقدمة الأولى في التقدير أيضا كما تقدم التنبيه عليه حتى ~~يظهر الجواب على كل تقدير وعلى قول كل طائفة من نظار المسلمين إذ كان منهم ~~من يقول التأثير في المحدثات وجودي قديم ومنهم من يقول هو أمر عدمي ومنهم ~~من يقول بتسلسل الآثار الحادثة # والدهري بنى حجته على أنه لا بد من تأثير وجودي قديم وأنه حينئذ يلزم قدم الأثر # فيجاب على كل تقدير فيقال التأثير إن كان عدميا بطلت المقدمة الأولى وجاز ~~حدوث الحوادث بدون تأثير وجودي وإن كان وجوديا وتسلسل الحوادث ممكن أمكن ~~حدوثه بآثار متسلسلة وبطل قولك بامتناع تسلسل الآثار وإن كان تسلسل الآثار ~~ممتنعا لزم إما التأثير القديم وإما التأثير الحادث بالقدرة أو القدرة ~~والمشيئة القديمة وحينئذ فالحوادث مشهودة فتكون صادرة عن تأثير قديم أو ~~حادث وإذا جاز صدور الحوادث عن تأثير قديم أو حادث بطلت الحجة # وأصل هذا الكلام أنا نشهد حدوث الحوادث فلا بد لها من محدث هو المؤثر ~~وإحداثه هو التأثير فالقول في إحداث هذه الحوادث والتأثير فيها كالقول في ~~إحداث العالم والتأثير فيه # وهؤلاء الدهرية بنوا هذه الحجة على أنه لا بد من تأثير حادث فيفتقر إلى ~~تأثير حادث كما بنوا الأولى على أنه لا بد من سبب حادث فمأخذ الحجتين من ~~مشكاة واحدة وكلتاهما مبناها على أن التسلسل في الآثار ممتنع وعامة هؤلاء ~~الفلاسفة يجوزون التسلسل في الآثار القائلون بقدم العالم والقائلون بحدوثه ~~كما يجوزه طوائف من أهل الملل أو أكثر أهل الملل PageV01P362 # فإذا أجيبوا على التقديرين وقيل لهم إن كان التسلسل جائزا بطلت هذه الحجة ~~وتلك وإن لم يكن جائزا بطلت أيضا هذه وتلك كان هذا جوابا قاطعا # ولكن لفظ التسلسل فيه إجمال واشتباه كما في لفظ الدور فإن الدور يراد به ~~الدور القبلي وهو ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء ويراد به الدور المعي ~~الإقتراني وهو جائز بصريح العقل واتفاق العقلاء ومن أطلق امتناع ms0220 الدور ~~فمراده الأول أو غالط في الإطلاق # ولفظ التسلسل يراد به التسلسل في المؤثرات وهو أن يكون للحادث فاعل ~~وللفاعل فاعل وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء وهذا هو التسلسل الذي ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يستعاذ بالله منه وأمر بالإنتهاء عنه وأن ~~يقول القائل آمنت بالله ورسله # كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي ~~الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا ~~بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته وفي رواية لا يزال الناس يتساؤلون حتى يقولوا ~~هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئا فليقل PageV01P363 ~~آمنت بالله وفي رواية ورسوله وفي رواية لا يزالون بك يا أبا هريرة حتى ~~يقولوا هذا الله فمن خلق الله قال فأخذ حصى بكفه فرماهم به فبينا أنا فى ~~المسجد إذا جاءني ناس من الأعراب فقالوا يا أبا هريرة هذا الله خلق فمن خلق ~~الله قال ثم قال قوموا قوموا صدق خل # وفي الصحيح أيضا عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال ~~الله إن أمتك لا يزالون يسألون ما كذا وما كذا حتى يقولوا هذا الله خلق ~~الخلق فمن خلق الله # وهذا التسلسل في المؤثرات والفاعلين يقترنوا به تسلسل آخر وهو التسلسل في ~~تمام الفعل والتأثير وهو نوعان تسلسل في جنس الفعل وتسلسل في الفعل المعين # فالأول مثل أن يقال لا يفعل الفاعل شيئا أصلا حتى يفعل شيئا معينا أولا ~~يحدث شيئا حتى يحدث شيئا أو لا يصدر عنه شيء حتى يصدر عنه شيء فهذا أيضا ~~باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء PageV01P364 # وهذا هو الذي يصح أن يجعل مقدمة في دوام الفاعلية بأن يقال كل الأمور ~~المعتبرة في كونه فاعلا إن كانت قديمة لزم قدم الفعل وإن حدث فيها شيء ~~فالقول في حدوث ذلك الحادث كالقول في حدوث غيره فالأمور المعتبرة في حدوث ~~ذلك الحادث إن كانت قديمة ms0221 لزم قدم الفعل وإن كانت محدثة لزم أن لا يحدث شيء ~~من الأشياء حتى يحدث شيء # وهذا جمع بين النقيضين وقد يسمى هذا دورا ويسمى تسلسلا وهذا هو الذي أجاب ~~عنه من أجاب بالمعارضة بالحوادث المشهودة # وجوابه أن يقال أتعنى بالأمور المعتبرة الأمور المعتبرة في جنس كونه ~~فاعلا أم الأمور المعتبرة في فعل شيء معين أما الأول فلا يلزم من دوامها ~~دوام فعل شيء من العالم وأما الثاني فيجوز أن يكون كل ما يعتبر في حدوث ~~المعين كالفلك وغيره حادثا ولا يلزم من حدوث شرط الحادث المعين هذا التسلسل ~~بل يلزم منه التسلسل المتعاقب في الآثار وهو أن يكون قبل ذلك الحادث حادث ~~وقبل ذلك الحادث حادث وهذا جائز عندهم وعند أئمة المسلمين وعلى هذا فيجوز ~~أن يكون كل ما في العالم حادثا مع التزام هذا التسلسل الذي يجوزونه # وقد يراد بالتسلسل في حدوث الحادث المعين أو في جنس الحوادث أن يكون قد ~~حدث مع الحادث تمام مؤثره وحدث مع حدوث تمام المؤثر المؤثر وهلم جرا # وهذا أيضا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء وهو من جنس التسلسل في تمام ~~التأثير PageV01P365 # فقد تبين أن التسلسل إذا أريد به أن يحدث مع كل حادث حادث يقارنه يكون ~~تمام تأثيره مع الآخر حادث وهلم جرا فهذا ممتنع وهو من جنس قول معمر في ~~المعاني المتسلسلة وإن أريد به أن يحدث قبل كل حادث حادث وهلم جرا فهذا فيه ~~قولان وأئمة المسلمين وأئمة الفلاسفة يجوزونه # وكما أن التسلسل يراد به التسلسل في المؤثرات وفي تمام التأثير يراد به ~~التسلسل المتعاقب شيئا بعد شيء ويراد به التسلسل المقارن شيئا مع شيء ~~فقولنا أيضا إن المؤثر يستلزم أثره يراد به شيئان قد يراد به أن يكون معه ~~في الزمان كما تقوله الدهرية في قدم الأفلاك وقد يراد به أن يكون عقبه فهذا ~~هو الإستلزام المعروف عند جمهور العقلاء وعلى هذا فيمتنع أن يكون في العالم ~~شيء قديم # والناس لهم في استلزام المؤثر أثره قولان # فمن قال ms0222 إن الحادث يحدث في الفاعل بدون سبب حادث فإنه يقول المؤثر التام ~~لا يجب أن يكون أثره معه بل يجوز تراخيه ويقول إن القادر المختار يرجح أحد ~~مقدوريه بمجرد قدرته التي لم تزل أو بمجرد مشيئته التي لم تزل وإن لم يحدث ~~عند وجود الحادث سبب # والقول الثاني أن المؤثر التام يستلزم أثره لكن في معنى هذا الإستلزام قولين PageV01P366 # أحدهما أن يكون معه بحيث يكون زمان الأثر المعين زمان المؤثر فهذا هو ~~الذي تقوله المتفلسفة وهو معلوم الفساد بصريح العقل عند جمهور العقلاء # والثاني أن يكون الأثر عقب تمام المؤثر وهذا يقر به جمهور العقلاء وهو ~~يستلزم أن لا يكون في العالم شيء قديم بل كل ما فعله القديم الواجب بنفسه ~~فهو محدث # وإن قيل إنه لم يزل فعالا وإن قيل بدوام فاعليته فذلك لا يناقض حدوث كل ~~ما سواه بل هو مستلزم لحدوث كل ما سواه فإن كل مفعول فهو محدث فكل ما سواه ~~مفعول فهو محدث مسبوق بالعدم فإن المسبوق بغيره سبقا زمانيا لا يكون قديما ~~والأثر المتعقب لمؤثره الذي زمانه عقب زمان تمام مؤثره ليس مقارنا له في ~~الزمان بل زمنه متعقب لزمان تمام التأثير كتقدم بعض أجزاء الزمان على بعض ~~وليس في أجزاء الزمان شيء قديم وإن كان جنسه قديما بل كل جزء من الزمان ~~مسبوق بآخر فليس من التأثيرات المعينة تأثير قديم كما ليس من أجزاء الزمان ~~جزء قديم # فمن تدبر هذه الحقائق وتبين له ما فيها من الإشتباه والإلتباس تبين له ~~محارات أكابر النظار في هذه المهامة التي تحار فيها الأبصار والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم PageV01P367 # وحقيقة الأمر أن هؤلاء الفلاسفة بنوا عمدتهم في قدم العالم على مقدمتين ~~إحداهما أن الترجيح لا بد له من مرجح تام يجب به # والثانية أنه لو حدث الترجيح للزم التسلسل وهو باطل # وهم متناقضون قائلون بنقيض هاتين المقدمتين # أما جواز التسلسل فإن أرادوا به التسلسل المتعاقب في الآثار شيئا بعد شيء ~~فهم يقولون بجواز ذلك وحينئذ ms0223 فلا يمتنع أن يكون كل ما سوى الله محدثا كائنا ~~بعد أن لم يكن كالفلك وغيره وإن كان حدوثه موقوفا على سبب حادث قبله وحدوث ~~ذلك السبب موقوف على سبب حادث قبله # وإن أرادوا التسلسل المقترن وهو أنه لو حدث حادث للزم أن يحدث معه تأثيره ~~ومع حدوث تمام تأثيره يحدث تمام تأثير المؤثر فهذا باطل بصريح العقل وهم ~~يوافقون على امتناعه # وإن عنوا بالتسلسل أنه لو حدث مرجح ما للزم أن لا يحدث شيء حتى يحدث شيء ~~فهذا متناقض وهو ممتنع أيضا # فإذا قال القائل لو حدث سبب يوجب ترجيح جنس الفعل للزم هذا التسلسل فهو ~~صادق ولكن هذا يفيد أنه لا يحدث مرجح يوجب ترجيح الفعل بل لا يزال جنس ~~الفعل بل لا يزال جنس الفعل موجودا فهذا يسلمه لهم أئمة المسلمين PageV01P368 # لكن ليس في هذا ما يقتضي صحة قولهم بقدم شيء من العالم بل هذا يقتضي حدوث ~~كل ما سوى الله فإنه إذا كان جنس الفعل لم يزل لزم أنه لا تزال المفعولات ~~تحدث شيئا بعد شيء وكل مفعول محدث مسبوق بعدم نفسه ولكن هؤلاء ظنوا أن ~~المفعول يجب أن يقارن الفاعل في الزمان ويكون معه من غير أن يتقدم الفاعل ~~على مفعوله بزمان # وهذا غلط بين لمن تصوره وهو معلوم الفساد بالعقل عند عامة العقلاء ولهذا ~~لم يكن في العقلاء من قال إن السماوات والأرض قديمة أزلية إلا طائفة قليلة ~~ولم يكن في العالم من قال إنها مفعولة وهي قديمة إلا شرذمة من هذه الطائفة ~~الذين خالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول # وقولهم بأن المؤثر التام الأزلي يستلزم أثره بهذا الإعتبار الذي زعموه أي ~~يكون معه لا يتقدم المؤثر على أثره بالزمان يوجب أن لا يحدث في العالم شيء ~~وهو خلاف المشاهدة فقد قالوا بما يخالف الحس والعقل وأخبار الأنبياء وهذه ~~هي طرق العلم # وإذن كان الممتنع إنما هو جواز التسلسل في أصل التأثير والتسلسل المقارن مطلقا # وأما التسلسل في الآثار شيئا بعد شيء فهم مصرحون به ms0224 معترفون بجوازه PageV01P369 # وقدم العالم ليس لازما مستلزما لجواز التسلسل وإنما خصوا به المعتزلة ومن ~~اتبعهم من الكلابية وغيرهم الذين وافقوهم على نفي الأفعال القائمة به أو ~~نفي الصفات والأفعال فقالوا لهم أنتم قدرتم في الأزل ذاتا معطلة عن الفعل ~~فيمتنع أن يحدث عنها شيء لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح # فالطريق الذي به ينقطع هؤلاء الفلاسفة أن يقال إن كان التسلسل في الآثار ~~شيئا بعد شيء ممتنعا بطلت الحجة وإن كان جائزا أمكن أن يكون حدوث كل شيء من ~~العالم مبنيا على حوادث قبله إما معان حادثه شيئا بعد شيء في غير ذات الله ~~تعالى وإما أمور قائمة بذات الله تعالى كما يقوله أهل الحديث وأهل الإثبات ~~الذين يقولون لم يزل متكلما إذا شاء فعالا لما يشاء وإما غير ذلك كما قاله ~~الأرموي وغيره # وبالجملة فالتقديرات في تسلسل الحوادث متعددة ومهما قدر منها كان أسهل من ~~القول بأن السماوات والأرض أزلية وأن الله لم يخلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام وهؤلاء الفلاسفة إنما يبحثون بمجرد عقولهم فليس في ~~العقل ما يوجب ترجيح قدم الأفلاك على سائر التقديرات ومن يقر بالسمع كمن ~~يقر بالشرائع منهم فأي تقدير قدره كان أقرب إلى الشرع من قولهم بقدم ~~الأفلاك PageV01P370 # وأما المقدمة الثانية وهي الترجيح بلا مرجح فإنهم ألزموا بها القائلين ~~بالحدوث بدون سبب حادث وهي لهم ألزم فإن الحوادث المتجددة تقتضي تجدد أسباب ~~حادثة فالحدوث أمر ضروري على كل تقدير والذات القديمة المستلزمة لموجبها إن ~~لم يتوقف حدوث الحوادث عنها على غيرها لزم مقارنة الحوادث لها في الأزل ~~وهذا باطل بالضرورة والحس وإن توقف على غيرها فذلك الغير إن كان قديما ~~أزليا كان معها فيلزم مقارنة الحوادث لها وإن كان حادثا فالقول في سبب ~~حدوثه كالقول في غيره من الحوادث # فهؤلاء الفلاسفة أنكروا على المتكلمين نفاة الأفعال القائمة به أنهم ~~أثبتوا حدوث الحوادث بدون سبب حادث مع كون الفاعل موصوفا بصفات الكمال وهم ~~أثبتوا حدوث الحوادث كلها بدون سبب حادث ولا ذات موصوفة ms0225 بصفات الكمال بل ~~حقيقة قولهم أن الحوادث تحدث بدون محدث فاعل إذ كانوا مصرحين بأن العلة ~~التامة الأزلية يجب أن يقارنها معلولها فلا يبقى للحوادث فاعل أصلا لا هي ~~ولا غيرها # فعلم أن قولهم أعظم تناقضا من قول المعتزلة ونحوهم وأن ما ذكروه من الحجة ~~في قدم العالم هو على حدوثه أدل منه على قدمه باعتبار كل واحدة من مقدمتي حجتهم PageV01P371 # ومن تدبر هذا وفهمه تبين له أن الذين كذبوا بآيات الله صم وبكم في ~~الظلمات وأن هؤلاء وأمثالهم من أهل النار كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله { ~~وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } سورة الملك 10 وهذا ~~مبسوط في موضع آخر # والمقصود هنا أن نبين أن أجوبة نفاة الأفعال الإختيارية القائمة بذات ~~الله تعالى لهؤلاء الدهرية أجوبة ضعيفة كما بين ذلك وبهذا استطالت الفلاسفة ~~والملاحدة وغيرهم عليهم # فالذين سلكوا هذه المناظرة لا أعطوا الإيمان بالله ورسوله حقه ولا أعطوا ~~الجهاد لأعداء الله تعالى حقه فلا كملوا الإيمان ولا الجهاد # وقد قال الله تعالى { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } سورة ~~الحجرات 15 وقال تعالى { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } سورة آل ~~عمران 81 قال ابن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن PageV01P372 ~~بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ ~~الميثاق على أمته لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به ~~ولينصرنه # فقد أوجب الله تعالى على المؤمنين الإيمان بالرسول والجهاد معه ومن ~~الإيمان به تصديقه في كل ما أخبر به ومن الجهاد معه دفع كل من عارض ما جاء ~~به وألحد في أسماء الله وآياته # وهؤلاء أهل الكلام المخالفون للكتاب والسنة ms0226 الذين ذمهم السلف والأئمة لا ~~قاموا بكمال الإيمان ولا بكمال الجهاد بل أخذوا يناظرون أقواما من الكفار ~~وأهل البدع الذين هم أبعد عن السنة منهم بطريق لا يتم إلا برد بعض ما جاء ~~به الرسول وهي لا تقطع أولئك الكفار بالمعقول فلا آمنوا بما جاء به الرسول ~~حق الإيمان ولا جاهدوا الكفار حق الجهاد وأخذوا يقولون أنه لا يمكن الإيمان ~~بالرسول ولا جهاد الكفار والرد على أهل الإلحاد والبدع إلا بما سلكناه من ~~المعقولات وإن ما عارض هذه المعقولات من السمعيات يجب رده تكذيبا أو تأويلا ~~أو تفويضا لأنها أصل السمعيات # وإذا حقق الأمر عليهم وجد الأمر بالعكس وأنه لا يتم الإيمان بالرسول ~~والجهاد لأعدائه إلا بالمعقول الصريح المناقض لما ادعوه من العقليات وتبين PageV01P373 ~~أن المعقول الصريح مطابق لما جاء به الرسول لا يناقضه ولا يعارضه وأنه بذلك ~~تبطل حجج الملاحدة وينقطع الكفار فتحصل مطابقة العقل للسمع وانتصار أهل ~~العلم والإيمان على أهل الضلال والإلحاد ويحصل بذلك الإيمان بكل ما جاء به ~~الرسول واتباع صريح المعقول والتمييز بين البينات والشبهات # وقد كنت قديما ذكرت في بعض كلامي أني تدبرت عامة ما يحتج به النفاة من ~~النصوص فوجدتها على نقيض قولهم أدل منها على قولهم كاحتجاجهم على نفي ~~الرؤية بقوله تعالى { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } سورة الأنعام ~~103 فبينت أن الإدراك هو الإحاطة لا الرؤية وأن هذه الآية تدل على إثبات ~~الرؤية أعظم من دلالتها على نفيها # وكذلك احتجاجهم على أن القرآن أو عبارة القرآن مخلوقة بقوله تعالى { ما ~~يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه } سورة الأنبياء 2 بينت أن دلالة ~~هذه الآية على نقيض قولهم أقوى فإنها تدل على أن بعض الذكر محدث وبعضه ليس ~~بمحدث وهو ضد قولهم # والحدوث في لغة العرب العامة ليس هو الحدوث في اصطلاح أهل الكلام فإن ~~العرب يسمون ما تجدد حادثا وما تقدم على غيره قديما وإن كان بعد أن لم يكن ~~كقوله تعالى { كالعرجون القديم } سورة يس 39 وقوله ms0227 تعالى عن إخوة يوسف { ~~تالله إنك لفي ضلالك القديم } سورة يوسف 95 وقوله تعالى { وإذ لم يهتدوا به ~~فسيقولون هذا إفك قديم } سورة الأحقاف 11 PageV01P374 # وقوله تعالى عن إبراهيم { أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون ~~} سورة الشعراء 75 76 وكذلك استدلالهم بقوله الأحد الصمد على نفي علوه على ~~الخلق وأمثال ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع # ثم تبين لي بعد ذلك مع هذا أن المعقولات في هذا كالسمعيات وأن عامة ما ~~يحتج به النفاة من المعقولات هي أيضا على نقيض قولهم أدل منها على قولهم ~~كما يستدلون به على نفي الصفات ونفي الأفعال وكما يستدل به الفلاسفة على ~~قدم العالم ونحو ذلك والمقصود هنا التنبيه وإلا فالبسط له موضع آخر # وعمدة من نفى الأفعال والصفات من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة ومن ~~اتبعهم على هذه الحجة التي زعموا أنهم يقررون بها حدوث العالم وإثبات ~~الصانع فجعلوا فجعلوا ما قامت به الصفات أو الأفعال محدثا حتى يستدلوا بذلك ~~على أن العالم محدث ويلزم من ذلك أن لا يقوم بالصانع لا الصفات ولا الأفعال # وإذا تدبر العاقل الفاضل تبين له إثبات الصانع وإحداثه للمحدثات لا يمكن ~~إلا بإثبات صفاته وأفعاله ولا تنقطع الدهرية من الفلاسفة وغيرهم قطعا تاما ~~عقليا لا حيلة لهم فيه إلا على طريقة السلف أهل الإثبات للأسماء والأفعال ~~والصفات وأما من نفى الأفعال أو نفى الصفات فإن الفلاسفة الدهرية تأخذ ~~بخناقه ويبقى حائرا شاكا مرتابا مذبذبا بين أهل الملل المؤمنين بالله ~~ورسوله وبين هؤلاء الملاحدة كما قال تعالى في المنافقين { مذبذبين بين ذلك ~~لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } سورة النساء 143 PageV01P375 # وهذا موجود في كلام عامة هؤلاء الذين في كلامهم سنة وبدعة ولا ريب أنهم ~~يردون على الفلاسفة وغيرهم أمورا ولكن الفلاسفة ترد عليهم أمورا وهم ~~ينتصرون في غالب الأمر بالحجة العقلية على الفلاسفة أكثر مما تنتصر ~~الفلاسفة بالحجة العقلية عليهم ولكن قد تقول الفلاسفة أمورا باطلة من جنس ~~العقليات فيوافقونهم عليها فيستطيلون بها عليهم وقد ms0228 تقول الفلاسفة أمورا ~~صحيحة موافقة للشريعة فيردونها عليهم وهم لا يصيبون الصدق والعدل إلا إذا ~~وافقوا الشريعة فإذا خالفوها كان غايتهم أن يقابلوا الفاسد بالفاسد والباطل ~~بالباطل فتبقى الفلاسفة العقلاء في شك ويبقى العقلاء منهم في شك لا حصل ~~لهؤلاء نور الهدى ولا لهؤلاء # وإنما يحصل النور والهدى بأن يقابل الفاسد بالصالح والباطل بالحق والبدعة ~~بالسنة والضلال بالهدى والكذب بالصدق وبذلك يتبين أن الأدلة الصحيحة لا ~~تعارض بحال وأن المعقول الصريح مطابق للمنقول الصحيح # وقد رأيت من هذا عجائب فقل أن رأيت حجة عقلية هائلة لمن عارض الشريعة قد ~~انقدح لي وجه فسادها وطريق حلها إلا رأيت بعد ذلك من أئمة تلك الطائفة من ~~قد تفطن لفسادها وبينه PageV01P376 # وذلك لأن الله خلق عباده على الفطرة والعقول السليمة مفطورة على معرفة ~~الحق لولا المعارضات ولهذا أذكر من كلام رؤوس الطوائف في العقليات ما يبين ~~ذلك لا لأنا محتاجون في معرفتنا إلى ذلك لكن ليعلم أن أئمة الطوائف معترفون ~~بفساد هذه القضايا التي يدعى إخوانهم أنها قطعية مع مخالفتها للشريعة ولأن ~~النفوس إذا علمت أن ذلك القول قاله من هو من أئمة المخالفين استأنست بذلك ~~واطمأنت به ولأن ذلك يبين أن تلك المسألة فيها نزاع بين تلك الطائفة فتنحل ~~عقد الإصرار والتصميم على التقليد # فإن عامة الطوائف وإن ادعوا العقليات فجمهورهم مقلدون لرؤوسهم فإذا رأوا ~~الرؤوس قد تنازعوا واعترفوا بالحق انحلت عقدة الإصرار على التقليد # وقد رأيت الأثير الأبهري وهو ممن يصفه هؤلاء المتأخرون بالحذق في الفلسفة ~~والنظر ويقدمونه على الأرموي ويقولون الأصبهاني صاحب القواعد هو وغيره PageV01P377 ~~تلامذته رأيته قد أبطل حجة هؤلاء المتفلسفة على قدم العالم بما يقرر ما ~~ذكرته من إبطالها وكان ما أجاب به عن حجتهم أولى بدين المسلمين كما ذكره ~~الأرموي مع أنه ينتصر للفلاسفة أكثر من غيره # فقال في فصل ذكر فيه ما يصح من مذاهب الحكماء وما لا يصح # قال ثم قالوا إن الواجب لذاته يجب أن يكون واجبا من جميع جهاته أي يجب أن ~~تكون ms0229 جميع صفاته لازمة لذاته لأن ذاته إما أن تكون كافية فيما له من الصفات ~~وجودية كانت أو عدمية أو لا تكون والثاني باطل وإلا لتوقف شيء من صفاته على ~~غيره وذاته متوقفة على وجود تلك الصفة أو عدمها فذاته تتوقف على غيره وهو محال # قال وهذا ضعيف لأنا نقول لا نسلم أن ذاته تتوقف على وجود تلك الصفة أو ~~عدمها بل ذاته تستلزم وجود تلك الصفة أو عدمها ولا يلزم من ذلك توقف ذاته ~~إما على وجودها أو عدمها # قال ثم قالوا إن الباري تعالى يستلزم جملة ما يتوقف عليه وجود العالم ~~فيلزم من دوامه أزلية العالم وهو ممتنع لإحتمال أن يكون له إرادات حادثة كل ~~واحدة منها تستند إلى الأخرى ثم تنتهي في جانب النزول إلى إرادة تقتضي حدوث ~~العالم فلزم حدوثه PageV01P378 # قلت فهذا الجواب خير من الذي ذكره الأرموي وذكر أنه باهر والأرموي نقله ~~من المطالب العالية للرازي فإنه ذكره وقال إنه هو الجواب الباهر ووافقه ~~عليه القشيري المصري فهذا أصح في الشرع والعقل # وأما الشرع فإن هذا فيه قول بحدوث كل ما سوى الله وذلك القول فيه إثبات ~~عقول ونفوس أزلية مع الله تعالى والفرق بين القولين معلوم عند أهل الملل ~~والشرائع # وأما العقل فإن قول الأرموي فيه إثبات أمور ممكنة يحدث فيها حوادث ~~متعاقبة من غير أمر يتجدد من الواجب وهذا يقتضي حدوث الحوادث بلا محدث فإن ~~الواجب بنفسه إذا كان علة تامة مستلزمة لمعلولها لم يجز تأخر شيء من معلوله ~~عنه بخلاف ما ذكره الأبهري فإنه ليس فيه إلا أن الواجب مستلزم لأثاره شيئا ~~بعد شيء وهذا متفق عليه بينهم فإنه ليس فيه إلا تسلسل الآثار والأبهري PageV01P379 ~~والأرموي وغيرهما يقولون بتسلسل الآثار بل قول أولئك يقتضي أن يكون الفلك ~~هو رب ما دونه وهو المحدث للحوادث بأفعاله القائمة به المتعاقبة وقول ~~الأبهري يقتضي أن يكون الله هو رب العالمين وهو محدث لكل شيء مما يقوم به ~~من الأفعال المتعاقبة # ولا ريب أن قول أولئك فاسد ms0230 في العقل كما هو فاسد في الشرع فإن الفلك إذا ~~كان ممكنا فجميع صفاته وحركاته ممكنة ولا يترجح شيء من ذلك إلا بوجود ~~المرجح التام فالمرجح التام إن كان موجودا في الأزل لزم وجود مقتضاه في الأزل # ثم ذلك المرجح إن كان في نفسه علة تامة لمعلوله بحيث لا يتجدد به ولا منه ~~شيء امتنع أن يصدر عنه شيء بعد أن لم يكن صادرا لا في الفلك ولا في غير ~~الفلك لا دائم ولا منقطع وامتنع أن تكون حركة الفلك الدائمة صادرة عن هذا ~~لا سيما مع اختلاف الحركات والمتحركات وأنه بسيط عندهم من كل وجه وهو في ~~الأزل علة تامة فيمتنع أن تصدر عنه المختلفات والمتجددات كما أن جميع ~~المتحركات الممكنات لا تدوم حركتها إلا بدوام السبب المحرك المنفصل عنها ~~وهذا لأن حال الفاعل إذا كانت حين أحدث هذا المتأخر كحاله حين أحدث ذلك ~~المتقدم امتنع تخصيص هذا الحال بالفصل دون هذه كما يقولون هم ذلك # وإن قالوا إنما كان هذا لأن حركة الفلك لم يمكن وجودها كلها أو لم يمكن ~~وجود الحوادث كلها في الأزل فتأخر فيضه لتأخر استعداد القوابل PageV01P380 # قيل هذا إنما يمكن أن يقال إذا كان القابل ليس هو صادرا عن الفاعل مثل ~~القوابل لأثر الشمس فإن أثر الشمس فيها مختلف بإختلاف تلك القوابل فتسود ~~وجه القصار وتبيض الثوب وترطب الفاكهة تارة وتجففها أخرى ولهذا إنما قال ~~سلفهم هذا في العقل الفعال فقالوا إنه يتأخر فيضه على القوابل لتأخر ~~استعداد القوابل بسبب الحركات الفلكية فالموجب لاستعداد القوابل ليس هو ~~الموجب للفيض عندهم # وهذا قالوه لإعتقادهم وجود هذا العقل وهذا لا يستقيم في المبدع لكل شيء ~~الذي منه الإعداد ومنه الإمداد لا يتوقف فعله على غيره # فأما إذا كان الفاعل هو الفاعل للقابل والمقبول عاد السؤال جذعا وقيل فلم ~~جعل القوابل تقبل على ذلك الوجه دون غيره ولم جعل الحركة الفلكية على هذا ~~الوجه دون غيره مع أن الممكن ليس له من نفسه شيء أصلا لا طبيعة ms0231 ولا غيرها ~~بل الموجب هو الفاعل لطبيعته وحقيقته وليس له حقيقة في الخارج مباينة ~~للموجود في الخارج بل البارئ هو المبدع للحقائق كلها # ومن قال إن للمكن ماهية مغايرة في الخارج للأعيان الموجودة في الخارج # أو قال إنه شيء ثابت في القدم فلا يمكنه أن يقول إن تلك المعدومات أوجبت ~~قدرة الفاعل على بعضها دون بعض مع أنها كلها ممكنة إلا لأمر آخر مثل أن ~~يقال ما يمكن غير هذا وهذا هو الأصلح أو الأكمل والأفضل PageV01P381 # وبهذا تظهر حجة الله تعالى في قوله { يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض ~~في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } سورة الرعد 4 فإنه دل بهذا على ~~تفضيله بعض المخلوقات على بعض مع استوائها فيما تساوت فيه من الأسباب # كما قال في الآية الأخرى { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ~~ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ~~ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء } سورة فاطر 27 28 # فإذا قال قائل إنما تفاضلت واختلفت لأختلاف القوابل وأسباب أخرى من ~~الهواء والتراب والحب والنوى # قيل له وتلك القوابل والأسباب هي أيضا من فعله ليست من فعل غيره فهو الذي ~~أعد القوابل وهو الذى أمد كل شيء بحسب ما أعده له وحينئذ فقد تبين أنه خلق ~~الأمور المختلفة ومن كل شيء زوجين فبطل أن يكون واحدا بسيطا لا يصدر عنه ~~إلا واحد لازم له لا يصدر عنه غيره ولا يمكنه فعل شيء سواه فإن فعل ~~المختلفات الحادثات يدل على أنه فاعل بقدرته ومشيئته ولهذا قال { إنما يخشى ~~الله من عباده العلماء } سورة فاطر 28 # قال طائفة من السلف العلماء به فإن من جعله غير قادر على أحداث فعل ولا ~~تغيير شيء من العالم بل لزمه ما لا يمكنه مفارقته لم يخشه إنما يخشى ~~الكواكب والأفلاك التي تفعل الآثار الأرضية عنده أو ما كان نحو ذلك ولهذا ~~عبدها هؤلاء من ms0232 دون الله ولهذا كان دعاؤهم لها وخشيتهم منها PageV01P382 # ولهذا تبرأ الخليل من مخافتها لما ناظرهم في عبادة الكواكب والأصنام وقال ~~{ لا أحب الآفلين } سورة الأنعام 76 قال تعالى { وحاجه قومه قال أتحاجوني ~~في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل ~~شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ~~ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } سورة ~~الأنعام 80 81 وقال تعالى { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون } سورة الأنعام 82 فإن المشركين يخافون المخلوقات من ~~الكواكب وغيرها وهم قد أشركوا بالله ولا يخافون الله إذ أشركوا بالله ما لم ~~ينزل به سلطانا وإنما يخشاه من عباده العلماء الذين يعلمون أنه على كل شيء ~~قدير وأنه بكل شيء عليم فهؤلاء الدهرية الفلاسفة وأمثالهم لا يخافون الله تعالى # فإن قال قائل فهم يقرون بالعبادات ويقولون ضجيج الأصوات في هياكل ~~العبادات بفنون اللغات تحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات لا سيما الإسلاميون ~~منهم فإنهم يعظمون الأدعية والعبادات # قيل هم لا يقرون بأن الله نفسه يحدث شيئا بسبب الدعاء أو غيره وإنما ~~الحوادث كلها عندهم بسبب حركة الفلك لا بشيء آخر أصلا وهم إذا قالوا إن ~~النفوس تقوى بالدعاء والعبادة والتجرد والتصفية فتؤثر في هيولي العالم كان ~~هذا عندهم بمنزلة تأثير الأكل والشرب في الري والشبع لا يستلزم ذلك عندهم PageV01P383 ~~أمرا يحدث من عند الله تعالى فإنه لو حدث منه أمر لزم تغيره عندهم وبطل أصل قولهم # وهم قد يخافون ما يحدث من الحوادث بسبب أعمالهم لاقتضاء طبيعة الوجود ذلك ~~كما يقولون إن أكل المضرات يورث المرض أو الموت والسبب لكل الحوادث حركة ~~الفلك وإن كانت الحوادث لا تحدث بمجرد الحركة بل بالحركة وغيرها أما لكون ~~الحركة توجب امتزاجا تستعد به الممتزجات لما يفيض عليها من العقل الفعال أو ~~لغير ذلك فهم مطالبون بالموجب لحركة الفلك وحدوث جميع الحوادث إن ms0233 كان ~~الموجب لها علة تامة في الأزل لا يتأخر عنها شيء من معلولها امتنع أن تكون ~~حركات الممكنات وما فيها من الحوادث صادرة عن هذه العلة لأن ذلك يقتضي تأخر ~~كثير من معلولاتها مع ما فيها من الإختلاف العظيم المنافي لبساطتها التي ~~يسمونها الوحدة # وقد بين في غير هذا الموضع أن الواحد البسيط الذي يقدرونه لا حقيقة له في ~~الخارج أصلا # وإذا قيل القوابل المفعولة الممكنة المبدعة اختلفت وتأخر استعدادها مع ~~كون الفاعل لها لم يزل ولا يزال على حال واحدة كان امتناع هذا ظاهرا # بخلاف ما إذا قيل إن نفس الفاعل موصوف بصفات متنوعة وأفعال متنوعة وله ~~تعالى شئون وأحوال كل يوم هو في شأن فإنه يكون تنوع المفعولات وحدوث ~~الحادثات لتنوع أحوال الفاعل وأنه يحدث من أمره ما شاء PageV01P384 # وإذا طلب الفرق بينهما قيل أحواله من مقتضيات ذاته الواجبة الوجود بنفسه ~~التي لا يتوقف شيء من أحوالها على أمر مستغن عنها ولا يحتاج إليه وإذا كان ~~واجبا بنفسه فما كان من لوازمه كان أيضا واجبا لا يمكن عدمه بخلاف الممكن ~~الذي ليس له من نفسه وجود # فإنه إذا قيل اختلف فعل الفاعل وتأخر لاختلاف القابل وحدوثه # قيل فهو أيضا الفاعل للقابل المختلف الحادث فكيف تصدر المختلفات الحادثات ~~عن فاعل لا اختلاف في فعله ولا حدوث لشيء من أفعاله # والأبهري قد أبطل حجة المعتزلة والأشعرية ونحوهم على حدوث الأجسام وأراد ~~أن يعتذر عن الفلاسفة فقال # فصل في ذكر الطرائق التي سلكها الإمام يعنى أبا عبدالله الرازي في كتبه ~~لتقرير مذاهب المتكلمين وكيفية الإعتراض عليها # أما الطريقة التي سلكها لحدوث العالم فمن وجهين أحدهما أن العالم ممكن ~~لذاته وكل ممكن لذاته فهو حادث لأن تأثير المؤثر فيه إما أن يكون حال ~~الوجود أو حال العدم أو لا حال الوجود ولا حال العدم والأول باطل لأن ~~التأثير حال الوجود يكون إيجادا للموجود وتحصيلا للحاصل وهو محال والثاني ~~محال لأن التأثير حال العدم يكون جمعا بين الوجود والعدم وهو محال فيلزم أن ms0234 ~~يكون لا حال الوجود ولا حال العدم فيكون حال الحدوث فكل ما له مؤثر فهو حادث # الثاني أن الأجسام لو كانت أزلية فإما أن تكون متحركة في الأزل أو ساكنة ~~والقسمان باطلان # أما الأول فلوجوه PageV01P385 # أحدها أنها لو كانت متحركة في الأزل للزم المسبوقية بالغير وعدم ~~المسبوقية في شيء واحد لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير والأزل يقتضي عدم ~~المسبوقية بالغير فيلزم الجمع ضرورة # الثاني أنها لو كانت متحركة في الأزل لكانت بحال لا تخلو عن الحوادث وما ~~لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وإلا لكان الحادث أزليا هذا خلف # الثالث إنها لو كانت متحركة في الأزل لكانت الحركة اليومية موقوفة على ~~انقضاء ما لا نهاية له وهو محال والموقوف على المحال محال # الرابع أنها لو كانت متحركة في الأزل لحصلت جملتان إحداهما من الحركة ~~اليومية إلى غير النهاية والثانية من الحركة التي وقعت من الأمس إلى غير ~~النهاية # فالجملة الثانية إن صدق عليها أنها لو أطبقت على الأولى انطبقت عليها كان ~~الزائد مثل الناقص وإن لم تصدق كانت متناهية فالجملة الأولى أيضا متناهية ~~وقد فرضت غير متناهية هذا خلف # وأما الثاني فلأنها لو كانت ساكنة في الأزل امتنع عليها الحركة لأن ~~المؤثر في السكون إما أن يكون أزليا أو حادثا لا جائز أن يكون حادثا وإلا ~~لكان السكون حادثا وقد فرض أزليا هذا خلف فتعين أن يكون أزليا فيلزم من ~~دوامه دوام السكون فتمتنع الحركة على الأجسام وأنها ممكنة عليها لأن PageV01P386 ~~الأجسام إما أن تكون بسيطة أو مركبة فإن كانت بسيطة فيصح على أحد جوانبها ~~ما يصح على الآخر فيصح أن يصير يمينها يسارا ويسارها يمينا فيصح عليها ~~الحركة وإن كانت مركبة كانت مجتمعة من البسائط فكانت بسائطها قابلة ~~للإجتماع والإفتراق وكانت قابلة للحركة هذا خلف # قال الأبهري الإعتراض قوله بأن التأثير في الممكن إما أن يكون حالة ~~الوجود أو حالة العدم أو لا حالة الوجود ولا حالة العدم # قلنا لم لا يجوز أن يكون حال الوجود وقوله التأثير حال ms0235 الوجود إيجاد ~~الموجود وتحصيل الحاصل # قلنا لا نسلم وإنما يكون كذلك أن لو أعطى الفاعل وجودا ثانيا وليس كذلك ~~فإن التأثير عبارة عن كون الأثر موجودا بوجود المؤثر وجاز أن يكون الأثر ~~موجودا دائما لوجود المؤثر والذي يدل على حصول التأثير حالة الوجود أنه لو ~~لم يكن كذلك لكان التأثير حالة العدم لاستحالة الواسطة بين الوجود والعدم ~~والثاني كاذب لأن التأثير حالة العدم يقتضي الجمع بين الوجود والعدم وهو محال # قال أما قوله الأجسام لو كانت أزلية فإما أن تكون متحركة أو ساكنة في الأزل # قلنا لم لا يجوز أن تكون متحركة # قوله يلزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير في شيء واحد # قلنا لا نسلم وهذا لأن المسبوق بالغير هو الحركة وغير المسبوق بالغير هو الجسم PageV01P387 # فإن قال إذا كانت الحركة أزلية كانت الحركة من حيث هي هي غير مسبوقة ~~بالغير لكن الحركة من حيث هي هي مسبوقة بغير لأنها تغير وانتقال فتقتضي ~~المسبوقية بالغير فيلزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير ~~في الحركة # قلنا إذا ادعيتم ذلك فنقول لا نسلم أن الجسم لو كان أزليا لكانت الحركة ~~من حيث هي هي حركة أزلية ولم لا يجوز أن يكون الجسم أزليا ويصدق عليه أنه ~~متحرك دائما بأن تتعاقب عليه الحركات المعينة ولا يصدق على الحركات ~~الموجودة في الأعيان أنها أزلية ضرورة اتصاف كل واحد منها بكونها مسبوقة بالغير # قلت هذا مضمونه ما نبه عليه في غير هذا الموضع أن حدوث كل من الأعيان لا ~~يستلزم حدوث النوع الذي لم يزل ولا يزال # وأما قوله لو كانت الأجسام متحركة لكانت لا تخلو عن الحوادث قلنا نعم ~~ولكن لم قلتم بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث # قوله لو لم يكن كذلك لكان الحادث أزليا # قلنا لا نسلم وإنما يلزم ذلك لو كان شيء من الحركات بعينها لازما للجسم ~~وليس كذلك بل قبل كل حركة حركة لا إلى أول إلى ما لا نهاية # قلت هذا من نمط الذي ms0236 قبله فإن الأزلي اللازم هو نوع الحادث لا عين الحادث PageV01P388 # قوله لو كانت حادثة في الأزل لكان الحادث اليومي موقوفا على انقضاء ما لا ~~نهاية له # قلنا لا نسلم بل يكون الحادث اليومي مسبوقا بحوادث لا أول لها ولم قلتم ~~إن ذلك غير جائز # قلت مضمونه أنه يكون موقوفا على انقضاء ما لا ابتداء له ولا أول له وهو ~~لا نهاية له من الطرف الأول لكن له نهاية من الطرف الآخر # قوله لو كانت متحركة في الأزل لحصلت جملتان إحدهما من الحركة اليومية ~~والثانية من الحركة التي وقعت في الأمس # قلنا لا نسلم وإنما يلزم ذلك لو كانت الحركات مجتمعة في الوجود # قلت هذا مضمونه أن التطبيق لا يكون إلا بين موجودين ولكن يقال التطبيق في ~~الخارج لا يكون إلا بين موجودين ولكن يمكن تقدير التطبيق بين معدومين لا ~~سيما إذا كانا قد دخلا جميعا في الوجود فالمطبق بينهما إما أن يكونا مقدرين ~~في الأذهان لا يوجد في الأعيان بحال كالأعداد المجردة عن المعدودات أو ~~معدومين منتظرين كالمستقبلات أو معدومين ماضيين كالحوادث المتقدمة أو ~~موجودين كالمقادير الموجودة والمعدودات الموجودة # ويجاب عن هذا بجواب ثان وهو أن الجملتين اللتين طبقت إحداهما على الأخرى ~~مع التفاوت في أحد الطرفين وعدم التناهي في الآخر هما متفاضلتان PageV01P389 ~~في الطرف الواحد وتنطبق إحداهما على الأخرى في الطرف الآخر فلا يصدق ثبوت ~~مطابقة إحداهما للأخرى مطلقا ولا نفي المطابقة مطلقا بل يصدق ثبوت الإنطباق ~~من أحد الطرقين وانتفاؤه من الآخر وحينئذ فلا يكون الزائد مثل الناقص ولا ~~يكونان متناهيين # وإذا قال القائل نحن نطبق بينهما من الطرف الذي يلينا فإن استويا لزم أن ~~يكون الزائد مثل الناقص وأن يكون وجود الزيادة كعدمها والشيء مع عدم غيره ~~كهو مع وجوده وإن تفاضلا لزم أن يكون ما لا يتناهى بعضه متفاضلا # قيل التطبيق بينهما من الجهة المتناهية مع تفاضلهما فيها ممتنع وفرض ~~الممتنع قد يلزمه حكم ممتنع فإن الحوادث الماضية من أمس إذا قدرت منطبقة ~~على الحوادث الماضية ms0237 في اليوم كان هذا التطبيق ممتنعا فإنه يمتنع أن يطابق ~~هذا هذا فإن الجملتين متفاضلتان ومع التفاضل يمتنع التطبيق المستلزمة ~~للمعادلة والإستواء # وإذا قال القائل أنا أقدر المطابقة في الذهن وإن كانت ممتنعة في الخارج # قيل له فقد قدرت في الذهن شيئين مع جعلك أحدهما أزيد من الآخر من الطرف ~~الواحد ومساويا له من الطرف الآخر ومعلوم أنك إذا قدرت هذا لم يكن تفاضلهما ~~ممتنعا بل كان الواجب هو التفاضل ودليلك مبنى على تقدير التطبيق فيلزم ~~التفاضل فيما لا يتناهى وكل من المقدمتين باطل فإن قدرت تطبيقها صحيحا ~~عدليا فهو باطل وإن قدرته وإن كان ممتنعا لم يكن التفاضل PageV01P390 ~~في ذاك ممتنعا فدعواك أن التفاضل ممتنع فيما قدرته متفاضلا ممنوع بل مع ~~تقدير التفاضل يجب التفاضل لكن يجب التفاضل من جهة التفاضل ولا يلزم ~~التفاضل من الجهة الأخرى # قال الأبهري وإن سلمنا أنه لا يجوز أن تكون متحركة في الأزل ولكن لم لا ~~يجوز أن تكون ساكنة # قوله بأن المؤثر في السكون إما أن يكون حادثا أو أزليا # قلنا فلم قلتم بأنه لو كان أزليا للزم دوام السكون ولم لا يجوز أن يكون ~~تأثيره فيه موقوفا على شرط عدمي أزلمي والعدمي الأزلي جائز الزوال فإذا زال ~~الشرط زال السكون # قلت لقائل أن يقول العرض الأزلي إنما يزول بسبب حادث والقول فيه كالقول ~~في غيره بل لا يزول إلا بسبب حادث فيحتاج إلى حدوث سبب يحدث ليزول السكون ~~وهو يقول المقتضى لزوال السكون كالمقتضى لحدوث العالم وهو الإرادة المسبوقة ~~بإرادة لا إلى أول لكن هذا التقدير يصحح القول بحدوث العالم # فيقال إن كان الجسم أزليا وأمكن حدوث الحركة فيه كان المقتضى لحركته ~~مجوزا لحدوث العالم لكن هذا يبطل حجة الفلاسفة ولا يصحح حجية أن الجسم ~~الأزلي يمتنع تحريكه فيما بعد PageV01P391 # وأيضا فإن ههنا بحثا آخر وهو أن السكون هل هو أمر ثبوتي مضاد للحركة أو ~~هو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك وفيه قولان معروفان فإذا كان عدميا لم ~~يفتقر ms0238 إلى سبب # قال وأما الطريقة التي يسلكها في كون الباري فاعلا بالإختيار فمن وجهين # أحدهما أنه لو كان موجبا بالذات وجب أن لا ينفك عنه العالم فيلزم إما قدم ~~العالم وإما حدوث الباري تعالى # الثاني أنه لو كان موجبا بالذات لما حصل تغير في العالم لأنه يلزم من ~~دوامه دوام معلوله وإلا كان ترجيحا بلا مرجح ويلزم من دوام معلوله دوام ~~معلول معلوله وهكذا إلى أن يلزم دوام جميع المعلولات # قال الأبهري الإعتراض أما الوجه الأول فلا نسلم أن القدم منتف وأما الحجة ~~التي ذكرها فقد مر ضعفها وأما الثاني فلا نسلم أنه لو كان موجبا بالذات ~~للزم دوام معلولاته وإنما يلزم ذلك أن لو كان جميع معلولاته قابلة للدوام ~~وهذا لأن من جملة معلولاته الحركة وهي غير قابلة للبقاء # ولقائل أن يقول اعتراض الأبهري هنا ضعيف # أما الأول فيقال هب أن ما ذكره على انتفاء القدم ضعيف لكن لا يلزم من ضعف ~~الدليل المعين انتفاء المدلول وأنت قد بينت ضعف دليل الفلاسفة على القدم ~~وإذا كان القول الموجب بالذات يستلزم قدم العالم ولا دليل لهم عليه كان ~~قولهم أيضا لا دليل عليه PageV01P392 # والأبهري قد ذكر في غير هذا الموضع ما احتج به على حدوث العالم ببيان ~~انتفاء لازم القدم ولكن إن كان قصده بيان فساد ما ذكره الرازي فالرازي ذكر ~~وجهين وهب أن الأول ضعيف لكن الثاني قوي وهو قوله لو كان موجبا بالذات ما ~~حصل تغير في العالم # وتحرير ذلك أن يقال الموجب بالذات يراد به العلة التامة التي تستلزم ~~معلولها ولو كانت شاعرة به ويراد به ما يفعل بغير إرادة ولا شعور وإن كان ~~فعله متراخيا ومن المعلوم أنه لم يقصد إفساد القسم الثاني وإنما قصد القسم الأول # فيقال إذا كان الموجب عله تامة تستلزم معلولها كان معلولها لازما لها ~~ومعلول معلولها لازما فيمتنع تأخر شيء من لوازمها ولوازم لوزامها فلا يكون ~~هناك شيء محدث فلا يحصل في العالم تغير # وأما قول المعترض إنما يلزم أن لو ms0239 كان جميع معلولاته قابلة للقدم والحركة ~~لا تقبله # فيقال هذا الإعتراض باطل لوجوه أحدها أنه إذا جاز أن تكون العلة التامة ~~التي تستلزم معلولها لها معلول لا يقبل البقاء وهو الحركة والحوادث تحدث ~~بسببه جاز أن يكون ذلك المعلول حوادث يقوم بها وتكون كل الأمور المباينة ~~موقوفة على تعاقب تلك الحوادث كما قد ذكره الأبهري نفسه في الإرادات ~~المتعاقبة وقال يجوز أن يكون للباري إرادات حادثة وكل واحدة منها تستند إلى ~~الأخرى ثم تنتهي في جانب النزول إلى إرادة تقتضي حدوث العالم فيلزم حدوثه ~~وإذا كان هذا جائزا امتنع أن يكون موجبا بذاته بمعنى أنه يستلزم أن يكون ~~موجبا بذاته بمعنى أنه يستلزم PageV01P393 ~~موجباته بل يجوز مع هذا أن تتأخر عنه موجباته وعلى هذا فلا يكون العالم ~~قديما وليس هذا هو الموجب بذاته في هذا الإصلاح الذي تكلم به الرازي وأراد ~~به إفساد قول الفلاسفة الدهرية فإن الموجب بذاته في هذا الإصطلاح الذي بينه ~~وبينهم هو العلة التامة التي تستلزم معلولها # الوجه الثاني أن يقال إن أردتم بالموجب بالذات ما يستلزم معلوله ~~فالتعيرات التي في العالم تبطل كونه موجبا بهذا الإعتبار وإن أردتم بالموجب ~~بالذات ما قد تكون مفعولاته أمرا لا يلزمه بل يحدث شيئا بعد شيء فحينئذ إذا ~~وافققكم المنازعون على تسميته موجبا بالذات لم يكن في ذلك ما ينافي أن تكون ~~مفعولاته تحدث شيئا بعد شيء ولا يمتنع أن تكون هذه الأفلاك من جملة الحوادث ~~المتأخرة فبطل قولكم # الوجه الثالث ذلك المعلول الذي لا يقبل الدوام كحركة الفلك هل الباري ~~موجب له بذاته بوسط أو بغير وسط أو إيجابه له موقوف على حادث آخر فإن قيل ~~بالأول لزم قدم الحركات المتعاقبة وأن تكون قابلة للدوام وهو ممتنع # وإن قيل بالثاني قيل فإيجابه لما تأخر من هذه الحركة إما أن يكون موقوفا ~~على شرط أو لا يكون فإن لم يكن موقوفا على شرط لزم تقدمه لتقدم الموجب الذي ~~لا يقف تأثيره على شرط وهو ممتنع PageV01P394 # وإن قيل بل إيجابه ms0240 للجزء الثاني مشروط بحدوث الجزء الأول وهلم جرا كان ~~معناه أن إيجابه لكل جزء مشروط بوجود جزء آخر قبله وهو ليس علة تامة لشيء ~~من تلك الأجزاء فيجب أن لا يحصل شيء منها لأن تلك الأجزاء متعاقبة أزلا ~~وأبدا وما من وقت يفرض إلا وهو مشابه من الأوقات فليس هو في شيء من الأوقات ~~علة تامة لشيء من الحوادث فيكون إحداثه لكل حادث مشروطا بحادث لم يحدثه ~~والقول في ذلك الحادث الذي هو شرط كالقول في الحادث الذي هو مشروط فإذا لم ~~يكن محدثا للأول فلا يكون محدثا للثاني فلا يكون محدثا لشيء من الحوادث على ~~قولهم هو علة تامة وهو المطلوب # فإنه لو قال لو كان موجبا بذاته لما حصل في العالم شيء من التغير وهذا ~~يهدم قولهم فإنهم بين أمرين إما أن يقولوا ليس بعلة تامة لمعلولاته أو ~~يقولوا معلولاته مقارنة له فأما جمعهم بين كونه علة تامة في الأزل وبين كون ~~المعلول يوجد شيئا فشيئا فجمع بين الضدين # فإن العلة التامة هي التي تستلزم معلولها لا يتأخر عنها معلولها ولا يقف ~~اقتضاؤها على غيرها وهم يقولون إنه في كل وقت ليس علة تامة لما يحدثه فيه ~~بل فعله مشروط بأمر متقدم وليس هو علة تامة لذلك الشرط المتقدم فلا يكون ~~علة تامة لا للمتقدم من الحوادث ولا للمتأخر فلا بد للحوادث من مقتض آخر # وهذا لا يرد على من يقول أحدث الحوادث بإرادات متعاقبة أو أفعال متعاقبة ~~فإنه لا يقول هو موجب بنفسه للممكنات ولا يقول هو في الأزل علة تامة لها بل ~~يقول ليس بعلة أصلا لشيء من مخلوقاته بل فعلها بمشيئته PageV01P395 ~~وقدرته إذ الفعل الثاني منه مشروط بالأول لأن الأفعال الحادثة لا تكون إلا ~~متعاقبة وليس هو موجبا بذاته لشيء من تلك الأفعال ولا للمفعولات بها ولا ~~يلزم من ذلك لا قدم شيء من الأفعال بعينه ولا قدم شيء من المفعولات بعينه ~~لا فلك ولا غيره والحوادث جميعها التي في العالم والتغيرات يحدثها شيئا بعد ms0241 ~~شيء بأفعاله الحادثة شيئا بعد شيء فكل يوم هو في شأن # بخلاف ما إذا قالوا هو علة تامة مستلزمة لمعلولها وجعلوا من المعلولات ما ~~لا يكون إلا شيئا فشيئا فإن هذا جمع بين المتنافيين بمنزلة من قال معلوله ~~مقارن له معلوله ليس مقارنا له # وإذا قالوا هو موجب بنفسه للفلك وأجزاء العالم الأصلية وليس موجبا بنفسه ~~للحوادث المتجددة بل إيجابه لها مشروط بما يكون قبلها من الحوادث # قيل هذا حقيقة قولكم وحينئذ فلا يكون نفسه موجبا لشيء من الحوادث لا ~~الأول ولا الثاني لا بوسط ولا بغير وسط وهو المطلوب فالقول بالموجب بالذات ~~وحدوث المحدثات عنه بوسط وبغير وسط جمع بين النقيضين # ثم هذا القول يبطل قولكم بكونه موجبا للعالم بذاته لأنهم يقولون إن ~~العالم لا قيام له بدون الحركة وإنها صورته التي لولا هي لبطل فإذا كان ~~إيجابه للعالم بدون الحركة ممتنعا وإيجابه للحركة في الأزل ممتنعا لم يكن ~~موجبا لا للعالم ولا للحركة فإن المبدع المشروط بشرط يمتنع إبداعه بدون ~~إبداع شرطة وإبداع شرطة ممتنع على أصلهم فإذن إبداعه ممتنع وهذا لأنهم ~~جعلوا الباري ليس له فعل PageV01P396 ~~يقوم بذاته أصلا ولا يتجدد منه شيء ولا فيه شيء أصلا وعندهم أن ما كان كذلك ~~لا يحدث عنه شيء أصلا # ثم قالوا الحوادث كلها صادرة عنه لأن الحركة لم تزل ولا تزال صادرة عنه ~~وكيف تصدر حركات لم تزل ولا تزال في أمور ممكنة عن شيء لا يحدث عنه ولا فيه ~~شيء على أصلهم # ومما يوضح هذا أن قدماء هؤلاء الفلاسفة كأرسطو وأتباعه كانوا يقولون إن ~~الأول محرك للعالم حركة الشوق كتحريك المحبوب لمحبه والإمام المقتدى به ~~للمؤتم المقتدي به وبهذا أثبتوه وجعلوه علة للعالم حيث قالوا إن الفلك لا ~~يقوم إلا بالحركة الإرادية والحركة الإرادية لا تتم إلا بالمراد المحبوب ~~الذي يحرك المريد حركة اشتياق فالباري عندهم علة بهذا الإعتبار وهو بهذا ~~الإعتبار لم يبدع الأفلاك ولا حركاتها لكن هو شرط في حصول حركتها # وعلى هذا القول فقد يقال ms0242 العالم قديم واجب بنفسه بل هم يصرحون بذلك ~~والأول الذي هو المحبوب واجب قديم بنفسه كما يقول آخرون منهم بل العالم ~~واجب قديم بنفسه وليس هناك علة محبوبة محركة له بالشوق خارجة عن العالم # وإذا كان كذلك كانت الحركات حادثة في واجب بنفسه وإذا لزمهم كون الواجب ~~بنفسه محلا للحوادث والحركات لم يكن معهم ما يبطلون به كون الأول كذلك ~~وحينئذ فلا يكون لهم حجة على كونه موجبا بالذات وهم يعترفون بذلك PageV01P397 ~~وإنما نفوا عن الأول ذلك لكونه ليس جسما عند أرسطو وأتباعه ولا دليل لهم ~~على ذلك إلا كون الجسم لا يمكن أن يكون فيه حركة غير متناهية بناء على أن ~~الجسم متناه فيمتنع أن يتحرك حركة غير متناهية # هذه الحجة عمدتهم وهي مغلطية من أفسد الحجج فإنه فرق بين ما لا يتناهى في ~~الزمان بل يحدث شيئا بعد شيء وبين ما لا يتناهى في المقدار والنزاع إنما هو ~~في حركة الجسم دائما حركة لا تتناهى ليس هو في كونه في نفسه ذا قدر لا ~~تتناهى فأين هذا من هذا وهذا مبسوط في موضع آخر # ويقال لهم حدوث الحوادث عن فاعل لا يحدث فيه شيء إما أن يكون ممكنا وإما ~~أن يكون ممتنعا فإن كان ممكنا أمكن حدوث الحوادث جميعها عن الأول بدون حدوث ~~شيء كما يقوله من يقوله من أهل الكلام وغيرهم من المعتزلة والكلابية وغيرهم ~~وإن كان ممتنعا بطل قولهم بحدوث الحوادث الدائمة عنه مع أنه لم يحدث فيه ~~شيء وهذا أفسد # وإذا قالوا أولئك خصصوا بعض الأوقات بالحدوث بدون سبب حادث من الفاعل # قيل وأنتم جعلتم جميع الحوادث تحصل بدون سبب حادث من الفاعل # وإذا قلتم لهم كيف يحدث بعد أن لم يكن محدثا بدون حدوث قصد ولا علم ولا قدرة # قالوا لكم فكيف تحدث الحوادث دائما بدون حدوث قصد ولا علم ولا قدرة بل ~~بدون وجود ذلك وأنتم تقولون يحدث للفلك تصورات وإرادات PageV01P398 ~~وهي سبب الحركات المتعاقبة فما السبب الموجب لحدوث تلك الحوادث ولم يحدث ms0243 ~~شيء أصلا يوجب حدوثها # ولو قال قائل الإنسان دائما يتجدد له تصورات وإرادات وحركات بدون سبب ~~حادث ولا يحدثها محدث أصلا ألم يكن ذلك ممتنعا فإن قيل بإحداثه للأول ~~استعان على إحداث الثاني # قيل فما الموجب لإحداثه الأول وهو لم يزل في إحداث إذا قدر أزليا لم يكن ~~هناك أول بل لم يزل في إحداث # فإن قيل تلك الحوادث التي للإنسان صدرت عن العقل الفعال بدون سبب حادث # قيل فالعقل الفعال دائم الفيض عندهم فلم خص هذه التصورات والإرادات ~~والحركات بوقت دون وقت # قالوا لعدم استعداد القوابل فإذا استعد الإنسان للفيض أفاض عليه واهب الصور # فإذا قيل لهم فما الموجب لحدوث الإستعداد # قالوا ما يحدث من الحركات الفلكية والإمتزاجات العنصرية فلا يجعلون العقل ~~الفعال هو الموجب لما يحدث من الإستعداد بل يحيلون ذلك على تحريكات خارجة ~~عنه وعن إفاضته # فإن قالوا مثل هذا في الأول لزم أن يكون المحدث لشروط الفيض غيره وشبهوه ~~بالفعال في كونه لا يفيض عنه إلا بعض الأشياء دون بعض لكن الفعال PageV01P399 ~~تحدث عنه الأشياء شيئا بعد شيء عندهم أما الأول فلا يحدث عنه شيء بل معلوله ~~لازم له فهو أنقص رتبة في الإحداث عندهم من الفعال # وإن قالوا بل هو المحدث للشروط شيئا فشيئا # قيل أنتم قلتم في الفعال إنه دائم الفيض لا يخص من تلقاء نفسه وقتا دون ~~وقت بفيض فالأول إذا خص وقتا دون وقت من تلقاء نفسه بشيء لم يكن فياضا بل ~~كان الفياض أجود منه وإن كان التخصيص من غير تلقاء نفسه كان ذلك لمشارك له ~~في الفعل كما في الفياض # فهم بين أمرين إما أن يجعلوه عاجزا عن الإنفراد بالإحداث كالفعال بل أدنى ~~منه وإما أن يجعلوه بخيلا لا فياضا فيكون الفعال أجود منه # وأيضا فإذا قالوا إنه علة تامة وموجب تام لمعلوله وموجبه وفاعل تام فى ~~الأزل لمفعوله فجعلوه ما سواه معلوله ومفعوله وموجبه وإن كان بعض ذلك بوسط ~~كان هذا ممتنعا في صرائح العقول فإن الموجب التام والعلة ms0244 التامة والتكوين ~~التام إما أن يقول القائل يجوز تراخي المكون عنه كما يقوله من يقوله من أهل ~~الكلام وإما أن يقول هو مستلزم له # فإن قيل بالأول أمكن تراخي المفعولات كلها وبطل قولهم بوجوب قدم شيء من ~~العالم بل يمتنع قدم شيء من العالم لامتناع مقارنة الكون للمكون # وإن قيل بالثاني فلا يخلو إما أن يقال يجب اقتران مفعوله به في الزمان ~~بحيث يكون معه لا يكون عقب تكوينه وإما أن يقال بل كون الكائن إنما يكون ~~عقب تكوين المكون PageV01P400 # فإن قالوا بالأول كما يدعونه لزمهم أن لا يحدث في العالم شيء وهو خلاف ~~الحس والمشاهدة # وإن قالوا بالثاني لزم أن يكون كل معلول له مسبوقا بغيره سبقا زمانيا فلا ~~يكون شيء من العالم قديما أزليا معه وهو المطلوب # وإذا كان اقتران المفعول بفاعله في الزمان ممتنعا على تقدير دعوى ~~استلزامه له فاقترانه به على تقدير عدم وجوب الإستلزام أولى # فتبين أنه يمتنع قدم شيء من العالم على كل تقدير وهذا بين لمن تصوره ~~تصورا تاما # ولكن وقع اللبس والضلال في هذا الباب من جهة أن الجهمية والمعتزلة ومن ~~وافقهم من أهل الكلام لما ادعوا ما يمتنع في صريح العقل عند هؤلاء من كون ~~المؤثر التام يتأخر عنه أثره والحوادث تحدث بدون سبب حادث فر هؤلاء إلى أن ~~جعلوا المؤثر يقترن به أثره ولا يحدث حادث إلا بسبب حادث ولم يحققوا واحدا ~~من الأمرين بل كان قولهم أشد فسادا وتناقضا من قول أولئك المتكلمين # فإن كون المؤثر يستلزم أثره يراد به شيئان # أحدهما أن يكون الأثر المكون المفعول المصنوع مقارنا للمؤثر ولتأثيره في ~~الزمن بحيث لا يتأخر عنه تأخرا زمانيا بوجه من الوجوه وهذا مما يعرف جمهور ~~العقلاء بصريح العقل أنه باطل في كل شيء فليس معهم في العالم مؤثر تام يكون ~~زمنه زمن أثره ويكون زمن حصول الأثر المفعول زمن حصول التأثير بل إنما يعقل ~~التأثير أن يكون الأثر عقب المؤثر وإن كان متصلا به كأجزاء الزمان والحركة ~~الحادثة ms0245 شيئا بعد شيء وإن كان ذلك متصلا PageV01P401 # وأما كون الجزء الثاني من الزمان والحركة مقارنا للجزء الأول في الزمن ~~فهذا مما يعلم فساده بصريح العقل وهذا معلوم في جميع المؤثرات الطبيعية ~~والإرادية وما صار مؤثرا بالشرع وغير الشرع # فإذا قال الرجل لإمرأته أنت طالق ولعبده أنت حر فالطلاق والعتاق لا يقع ~~مع التكلم بالتطليق والإعتاق وإنما يقع عقب ذلك وإذا قال إذا طلقت فلانة ~~ففلانة طالق لم تطلق الثانية إلا عقب طلاق الأولى لا مع تطليق الأولى في ~~الزمان وهذا الذي عليه عامة العلماء قديما وحديثا ولكن شرذمة من المتأخرين ~~الذين استزل هؤلاء عقولهم ظنوا أن الطلاق يكون مع التكلم في الزمان وهذا ~~غلط عند عامة العلماء وكذلك إذا قال إذا مت فأنت حر فالمدبر يعتق عقب موت ~~سيده لا مع موت سيده # وهكذا في الأمور الحسية إذا قال كسرت الإناء فانكسر وقطعت الحبل فانقطع ~~فانكسار المنفعل وانقطاعه يحصل عقب كسر الكاسر وقطع القاطع ولهذا إذا لم ~~يكن المحل قابلا قيل قطعته فلم ينقطع وكسرته فلم ينكسر كما يقال علمته فلم ~~يتعلم ولفظ التعليم والقطع والكسر ونحو ذلك يراد به الفعل التام الذي ~~يستلزم أثره فهذا كالعلة التامة التي تستلزم معلولها لا تقبل التخصيص ويراد ~~به المقتضى الموجب المتوقف اقتضاؤه على شروط فهذا قد يتخلف عنه موجبه PageV01P402 # ومن هذا الباب قوله تعالى { هدى للمتقين } سورة البقرة 2 وقوله { إنما ~~أنت منذر من يخشاها } سورة النازعات 45 وقوله { إنما تنذر من اتبع الذكر } ~~سورة يس 11 فالمراد به الهدى التام المستلزم لحصول الإهتداء وهو المطلوب في ~~قوله { اهدنا الصراط المستقيم } وكذلك الإنذار التام المستلزم خشية المنذر ~~وحذره مما أنذر به من العذاب وهذا بخلاف قوله { وأما ثمود فهديناهم ~~فاستحبوا العمى على الهدى } سورة فصلت 17 فالمراد به البيان والإرشاد ~~المقتضي للإهتداء وإن كان موقوفا على شروط وله موانع # وهكذا إذا قيل هو موجب بذاته أو علة بذاته ونحو ذلك إن أريد بذلك أنه ~~موجب ما يوجبه من مفعولاته بمشيئته وقدرته في ms0246 الوقت الذي شاء كونه فيه فهذا ~~حق لا منافاة بين كونه موجبا وفاعلا بالإختيار على هذا التفسير # وإن أريد به أنه موجب بذات عرية عن الصفات أو موجب تام لمعلول مقارن له ~~وهذا قول هؤلاء وكل من الأمرين باطل # فقد قامت الدلائل اليقينية على اتصافه بصفات الإثبات وقامت الدلائل ~~اليقينية على امتناع كون الأثر مقارنا للمؤثر وتأثيره في الزمان ولو كان ~~فاعلا بدون مشيئته وقدرته كالمؤثرات الطبيعية فكيف في الفاعل بمشيئته ~~وقدرته فإن هذا مما يظهر للعقلاء امتناع أن يكون شيء من مقدوراته قديما ~~أزليا لم يزل ولا يزال # فمن تصور هذه الأمور تصورا تاما علم بالإضطرار أنه يمتنع أن يكون في ~~العالم شيء قديم وهو المطلوب PageV01P403 # فإن قال قائل المنازعون لنا الذين يقولون لم يزل متكلما إذا شاء أو لم ~~يزل فاعلا إذا شاء أو لم تزل الإرادات والكلمات تقوم بذاته شيئا بعد شيء ~~ونحو ذلك هم يقولون بحدوث الحوادث في ذاته شيئا بعد شيء فنحن نقول بحدوث ~~الحوادث المنفصلة عنه شيئا بعد شيء إما حدوث تصورات وإرادات في النفس ~~الفلكية وإما حصول حركات الفلك المتعاقبة فلم كان قولنا ممتنعا وقولهم ممكنا # قيل لهم أنتم قلتم إنه مؤثر تام أو علة تامة في الأزل فلزمكم أن لا يتأخر ~~عنه شيء من آثاره سواء كانت صادرة بوسط أو بغير وسط # فإذا قلتم صدر عنه عقل مثلا والعقل أوجب نفسا فلكية وفلكا أو ما قلتم # قيل لكم المعلول الأول إن كان تاما من كل وجه لا يمكن أن يحدث فيه شيء ~~فهو أزلي كان معلوله العقل معه أزليا فإن العقل حينئذ يكون علة تامة في ~~الأزل فيلزم أن يكون معلوله معه أزليا وهكذا معلول المعلول وهلم جرا # وإذا قلتم الحركة لا تقبل البقاء # قيل لكم فيمتنع أن يكون لها موجب تام في الأزل بل يكون الموجب لها غير ~~تام في الأزل بل صار موجبا بعد أن لم يكن موجبا وحدوث كونه موجبا يمتنع أن ~~يتوقف على أثر غيره إذ ليس هناك ms0247 موجب غيره ويمتنع أن يحدث تمام PageV01P404 ~~إيجابه منه لأنه علة تامة يجب اقتران معلولها بها في الأزل فذلك التمام إن ~~كان قديما لزم كون معلول المعلول قديما وهلم جرا وإن كان حادثا حدث عن ~~العلة التامة الأزلية حادث بدون سبب حادث وهذا ينقض قولهم بامتناع حادث بلا سبب # فأنتم بين أمرين أيهما قلتموه بطل قولكم إن قلتم إنه علة تامة في الأزل ~~لزم أن لا يتأخر عنه معلوله وإن قلتم ليس بعلة تامة لزم أن يحدث تمام كونه ~~علة بدون سبب حادث فيلزمكم جواز حدوث الحوادث بلا سبب وإيهما كان بطل قولكم ~~فإنه إذا بطل كونه علة تامة في الأزل امتنع قدم شيء من العالم وإن جاز حدوث ~~الحوادث بلا سبب حادث بطلت حجتكم وجاز حدوث كل ما سواه # وإذا قلتم هو علة تامة للفلك دون حركاته # قيل لكم هو علة للفلك ولحركاته المتعاقبة شيئا بعد شيء فهل كان علة تامة ~~لهذه الحركات في الأزل أم حدث تمام كونه علة لها شيئا بعد شيء # فإن قلتم هو علة تامة في الأزل لزمكم إما مقارنتها كلها له في الأزل وإما ~~تخلف المعلول عن علته التامة وكلاهما يبطل قولكم # وإن قلتم حدث تمام كونه علة لحركة حركة منها # قيل لكم فحدوث التمام قد حدث عندكم بدون سبب حادث وذلك يستلزم حدوث ~~الحوادث بلا سبب وهذا أمر بين لمن تصوره تصورا تاما ليس لهم حيلة في دفعه PageV01P405 # وأما الذين يقولون إنه لم يزل متكلما إذا شاء أو فاعلا بمشيئته وإنه يقوم ~~به إرادت أو كلمات متعاقبة شيئا بعد شيء فهؤلاء لا يجعلونه في الأزل قط علة ~~تامة ولا موجبا تاما ولا يقولون إن فاعلية شيء من المفعولات يتم في الأزل ~~بل عندهم كون الشيء مفعولا ومصنوعا مع كونه أزليا جمع بين النقيضين وإذا ~~امتنع كون المفعول الذي هو أثر المكون أزليا امتنع كون تأثيره وتكوينه ~~المستلزم له قديما أزليا فامتنع أن يكون علة تامة في الأزل لشيء من الأشياء ~~ولكن ذاته تستلزم ما ms0248 يقوم بها من الأفعال شيئا بعد شيء وكلما تم فاعلية ~~مفعول وجد ذلك المفعول كما قال تعالى { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون } سورة يس 82 فكلما كون الشيء كونه فحصل المكون عقب تكوينه وهكذا ~~الأمر دائما فكل ما سواه مخلوق حادث بعد أن لم يكن وتمام تكوينه وتخليقه لم ~~يكن موجودا في الأزل بل إنما تم تخليقه وتكوينه بعدئذ وعند تمام التكوين ~~والتخليق حصل المكون المخلوق عقب التكوين والتخليق لا مع ذلك في الزمان ~~فأين هذا القول من قولكم # تم بحمد الله الجزء الأول من كتاب درء تعارض العقل والنقل ### | AUTO ويليه الجزء الثاني إن شاء الله وأوله فصل ونحن ننبه على دلالة ~~السمع على أفعال الله تعالى درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح ~~المنقول لصريح المعقول لابن تيمية PageV01P406 ### | AUTO فصل # ونحن ننبه على دلالة السمع على أفعال الله تعالى الذي به تنقطع الفلاسفة ~~الدهرية ويتين به مطابقة العقل للشرع # ولا ريب أن دلالة ظاهر السمع ليس فيها نزاع لكن الذين يخالفون دلالته ~~يدعون أنها دلالة ظاهرة لا قاطعة والدلالة العقلية القاطعة خالفتها فأصل ~~الدلالة متفق عليه فنقول # معلوم بالسمع اتصاف الله تعالى بالأفعال الاختيارية القائمة به كالاستواء ~~إلى السماء والاستواء على العرش والقبض والطي والإتيان والنزول ونحو ذلك بل ~~والخلق والإحياء والإماتة فإن الله تعالى وصف نفسه بالأفعال اللازمة ~~كالاستواء وبالأفعال المتعدية كالخلق والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم ~~فأن الفعل لا بد له من فاعل سواء كان متعديا إلى مفعول أو لم يكن والفاعل ~~لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديا إلى PageV02P003 ~~غيره والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله إذ كان لا بد له من ~~الفاعل وهذا معلوم سمعا وعقلا # أما السمع فإن أهل اللغة العربية التي نزل بها القرآن بل وغيرها من ~~اللغات متفقون على أن الإنسان إذا قال قام فلان وقعد وقال أكل فلان الطعام ~~وشرب الشراب فإنه لا بد أن يكون في ms0249 الفعل المتعدي إلى المفعول به ما في ~~الفعل اللازم وزيادة إذ كلتا الجملتين فعلية وكلاهما فيه فعل وفاعل ~~والثانية امتازت بزيادة المفعول فكما انه في الفعل اللازم معنا فعل وفاعل ~~ففي الجملة المتعدية معنا أيضا فعل وفاعل وزيادة مفعول به # ولو قال قائل الجملة الثانية ليس فيها فعل قائم بالفاعل كما في الجملة ~~الأولى بل الفعل الذي هو أكل وشرب نصب المفعول من غير تعلق بالفاعل أولا ~~لكان كلامه معلوم الفساد بل يقال هذا الفعل تعلق بالفاعل أولا كتعلق قام ~~وقعد ثم تعدى إلى المفعول ففيه ما في الفعل اللازم وزيادة التعدي وهذا واضح ~~لا يتنازع فيه اثنان من أهل اللسان PageV02P004 ~~فقوله تعالى { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~} سورة الحديد 4 تضمن فعلين أولهما متعد إلى المفعول به والثاني مقتصر لا ~~يتعدى فإذا كان الثاني وهو قوله تعالى { ثم استوى } فعلا متعلقا بالفاعل ~~فقوله { خلق } كذلك بلا نزاع بين أهل العربية # ولو قال قائل { خلق } لم يتعلق بالفاعل بل نصب المفعول به ابتداء لكان ~~جاهلا بل في { خلق } ضمير يعود إلى الفاعل كما في { استوى } # وأما من جهة العقل فمن جوز أن يقوم بذات الله تعالى فعل لازم له كالمجيء ~~والاستواء ونحو ذلك لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق كالخلق ~~والبعث والإماتة والإحياء كما أن من جوز أن تقوم به صفة لا تتعلق بالغير ~~كالحياة لم يمكنه أن يمنع قيام الصفات المتعلقة بالغير كالعلم والقدرة ~~والسمع والبصر ولهذا لم يقل أحد من العقلاء بإثبات أحد الضربين دون الآخر ~~بل قد يثبت الأفعال المتعدية القائمة به كالتخليق من ينازع في الأفعال ~~اللازمة كالمجيء والإتيان وأما العكس فما علمت به قائلا # وإذا كان كذلك كان حدوث ما يحدثه الله تعالى من المخلوقات تابعا لما ~~يفعله من أفعاله الاختيارية القائمة بنفسه وهذه سبب الحدوث والله تعالى حي ~~قيوم لم يزل موصوفا بأنه يتكلم بما يشاء فعال لما يشاء وهذا قد قاله ~~العلماء الأكابر من ms0250 أهل السنة والحديث ونقلوه عن السلف والأئمة وهو قول ~~طوائف كثيرة من أهل الكلام والفلسفة المتقدمين والمتأخرين بل هو قول جمهور ~~المتقدمين من الفلاسفة PageV02P005 ~~وعلى هذا فيزول الإشكال ويكون إثبات خلق السماوات والأرض إنما يتم بما جاء ~~به الشرع ولا يمكن القول بحدوث العالم على اصل نفاة الأفعال الذين يزعمون ~~أن العقل قد دل على نفيها ويقدمون هذا الذي هو عندهم دليل عقلي على ما جاء ~~به الكتاب والسنة والعقل عند التحقيق يبطل هذا القول ويوافق الشرع فإنه إذا ~~تبين أن القول بنفيها يمتنع معه القول بحدوث شيء من الحوادث لا العالم ولا ~~غيره والحوادث مشهودة كان العقل قد دل على صحة ما جاء به الشرع في ذلك ~~والله سبحانه موصوف بصفات الكمال منزه عن النقائص وكل كمال وصف به المخلوق ~~من غير استلزامه لنقص فالخالق أحق به وكل نقص نزه عنه المخلوق فالخالق أحق ~~بأن ينزه عنه والفعل صفة كمال لا صفة نقص كالكلام والقدرة وعدم الفعل صفة ~~نقص كعدم الكلام وعدم القدرة فدل العقل على صحة ما دل عليه الشرع وهو ~~المطلوب وكان الناس قبل أبى محمد بن كلاب صنفين فأهل السنة والجماعة يثبتون ~~ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها والجهمية ~~من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به ~~ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها ووافقه على ذلك ~~أبو العباس القلانسى وأبو الحسن الأشعرى وغيرهما وأما الحارث المحاسبى فكان ~~ينتسب إلى قول ابن كلاب ولهذا أمر احمد بهجره وكان احمد يحذر عن ابن كلاب ~~واتباعه ثم قيل عن الحارث انه رجع عن قوله PageV02P006 # وقد ذكر الحارث في كتاب فهم القران عن أهل السنة في هذه المسالة قولين ~~ورجح قول ابن كلاب وذكر ذلك في قول الله تعالى { وقل اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون } سورة التوبة 105 وأمثال ذلك وأئمة السنة والحديث ~~على إثبات النوعين وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم كحرب ms0251 الكرماني وعثمان ~~بن سعيد الدارمي وغيرهما بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة وان ذلك هو مذهب أئمة ~~السنة والحديث من المتقدمين والمتأخرين وذكر حرب الكرماني انه قول من لقيه ~~من أئمة السنة كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن الزبير الحميدي ~~وسعيد بين منصور وقال عثمان بن سعيد وغيرة أن الحركة من لوازم الحياة فكل ~~حي متحرك وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات الذين اتفق السلف ~~والأئمة على تضليلهم وتبديعهم PageV02P007 # وطائفة اخرى من السلفيه كنعيم بن حماد الخزاعي والبخاري صاحب الصحيح وابي ~~بكر بن خزيمة وغيرهم كأبي عمر بن عبد البر وأمثاله يثبتون المعنى الذي ~~يثبته هؤلاء ويسمون ذلك فعلا ونحوه ومن هؤلاء من يمتنع عن إطلاق لفظ الحركة ~~لكونه غير مأثور # وأصحاب احمد منهم من يوافق هؤلاء كأبي بكر عبد العزيز وابي عبد الله بن ~~بطة وامثالهما ومنهم من يوافق الأولين كأبي عبد الله بن حامد وأمثاله ومنهم ~~طائفة ثالثة كالتميميين وابن الزاغواني وغيرهم يوافقون النفاة من أصحاب ابن ~~كلاب وامثالهم # ولما كان الاثبات هو المعروف عند أهل السنة والحديث كالبخاري PageV02P008 ~~وابي زرعة وابي حاتم ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهم من العلماء الذين أدركهم ~~الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة كان المستقر عنده ما تلقاه عن أئمته من ان ~~الله تعالى لم يزل متكلما اذا شاء وانه يتكلم بالكلام الواحد مرة بعد مرة ~~وكان له أصحاب كأبي على الثقفي وغيرة تلقوا طريقة ابن كلاب فقام بعض ~~المعتزلة والقى إلى ابن خزيمة سر قول هؤلاء وهو ان الله لا يوصف بأنه يقدر ~~على الكلام اذا شاء ولا يتعلق ذلك بمشيئته فوقع بين ابن خزيمة وغيره وبينهم ~~في ذلك نزاع حتى اظهروا موافقتهم له في ما لا نزاع فيه أمر ولاة الأمر ~~بتأديبهم لمخالفتهم له وصار الناس حزبين فالجمهور من أهل السنة والحديث معه ~~ومن وافق طريقة ابن كلاب معه حتى صار بعده علماء نيسابور وغيرهم حزبين ~~فالحاكم ابو عبد الله وابو عبد الرحمن PageV02P009 ~~السلمي وابو عثمان النيسابوري ms0252 وغيرهم معه وكذلك يحيى بن عمار السجستاني ~~وابو عبد الله بن منده وابو نصر السجزي وشيخ الاسلام ابو اسماعيل الانصاري ~~وابو القاسم سعد بن على الزنجاني وغيرهم معه واما ابو ذر الهروي وابو بكر ~~البيهقي وطائفة أخرى فهم مع ابن كلاب # وكذلك النزاع كان بين طوائف الفقهاء والصوفية والمفسرين واهل الكلام ~~والفلسفة وهذه المسألة كانت المعتزلة تلقبها بمسألة حلول الحوادث وكانت ~~المعتزلة تقول ان الله منزه عن الاعراض والابعاض والحوادث والحدود ومقصودهم ~~نفي الصفات ونفي الافعال ونفي PageV02P010 ~~مباينته للخلق وعلوه على العرش وكانوا يعبرون عن مذاهب اهل الاثبات اهل ~~السنة بالعبارات المجملة التي تشعر الناس بفساد المذهب فإنهم اذا قالوا ان ~~الله منزه عن الاعراض لم يكن في ظاهر هذه العبارة ما ينكر لان الناس يفهمون ~~من ذلك انه منزه عن الاستحالة والفساد كالاعراض التي تعرض لبني ادم من ~~الامراض والاسقام ولا ريب ان الله منزه عن ذلك ولكن مقصودهم انه ليس له علم ~~ولا قدرة ولا حياة ولا كلام قائم به ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونهم هم اعراضا # وكذلك اذا قالوا ان الله منزه عن الحدود والاحياز والجهات اوهموا الناس ~~ان مقصودهم بذلك انه لا تحصره المخلوقات ولا تحوزه المصنوعات وهذا المعنى ~~صحيح ومقصودهم انه ليس مباينا للخلق ولا منفصلا عنه وانه ليس فوق السماوات ~~رب ولا على العرش اله وان محمدا لم يعرج به اليه ولم ينزل منه شيء ولا يصعد ~~اليه شيء ولا يتقرب اليه شيء ولا يتقرب إلى إلى شيء ولا ترفع اليه الايدي ~~في الدعاء ولا غيره ونحو ذلك من معاني الجهمية # واذا قالوا انه ليس بجسم اوهموا الناس انه ليس من جنس المخلوقات ولا مثل ~~ابدان الخلق وهذا المعنى صحيح ولكن مقصودهم بذلك انه لا يرى ولا يتكلم ~~بنفسه ولا يقوم به صفة ولا هو مباين للخلق وامثال ذلك PageV02P011 # واذا قالوا لا تحله الحوادث اوهموا الناس ان مرادهم انه لا يكون محلا ~~للتغيرات والاستحالات ونحو ذلك من الاحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم ms0253 ~~وتفسدهم وهذا معنى صحيح ولكن مقصودهم بذلك انه ليس له فعل اختياري يقوم ~~بنفسه ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته وانه لا يقدر على ~~استواء او نزول او اتيان او مجىء وان المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند ~~خلقها فعل اصلا بل عين المخلوقات هي الفعل ليس هناك فعل ومفعول وخلق ومخلوق ~~بل المخلوق عين الخلق والمفعول عين الفعل ونحو ذلك # وابن كلاب ومن اتبعه وافقوهم على هذا وخالفوهم في اثبات الصفات وكان ابن ~~كلاب والحارث المحاسبي وابو العباس القلانسي وغيرهم يثبتون مباينة الخالق ~~للمخلوق وعلوه بنفسه فوق المخلوقات وكان ابن كلاب واتباعه يقولون ان العلو ~~على المخلوقات صفة عقلية تعلم بالعقل واما استواؤه على العرش فهو من الصفات ~~السمعية الخبرية التي لا تعلم الا بالخبر وكذلك الاشعري يثبت الصفات بالشرع ~~تارة وبالعقل اخرى ولهذا يثبت العلو ونحوه مما تنفيه المعتزلة ويثبت ~~الاستواء على العرش ويرد على من تأوله بالاستيلاء ونحوه مما لا يختص بالعرش ~~بخلاف اتباع صاحب الارشاد فإنهم سلكوا طريقة المتعتزلة فلم يثبتوا الصفات ~~الا بالعقل وكان الاشعري وائمة اصحابه PageV02P012 ~~يقولون انهم يحتجون بالعقل لما عرف ثبوته بالسمع فالشرع هو الذي يعتمد عليه ~~في اصول الدين والعقل عاضد له معاون # فصار هؤلاء يسلكون ما يسلكه من سلكه من اهل الكلام المعتزلة ونحوهم ~~فيقولون ان الشرع لا يعتمد عليه فيما وصف الله به وما لا يوصف وانما يعتمد ~~في ذلك عندهم على عقلهم ثم ما لم يثبته اما ان ينفوه واما ان يقفوا فيه # ومن هنا طمع فيهم المعتزلة وطمعت الفلاسفة في الطائفتين بإعراض قلوبهم ~~عما جاء به الرسول وعن طلب الهدى من جهته وجعل هؤلاء يعارضون بين العقل ~~والشرع كفعل المعتزلة والفلاسفة ولم يكن الاشعري وائمة اصحابه على هذا بل ~~كانو موافقين لسائر اهل السنة في وجوب تصديق ما جاء به الشرع مطلقا والقدح ~~فيما يعارضه ولم يكونوا يقولون انه لا يرجع إلى السمع في الصفات ولا يقولون ~~الادلة السمعية لا تفيد اليقين ms0254 بل كل هذا مما احدثه المتأخرون الذين مالوا ~~إلى الاعتزال والفلسفة من اتباعهم وذلك لان الاشعري صرح بان تصديق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ليس موقوفا على دليل الاعراض وان الاستدلال به على حدوث ~~العالم من البدع المحرمة في دين الرسل وكذلك غيره ممن يوافقه على نفي ~~الافعال القائمة به قد يقول ان هذا PageV02P013 ~~الدليل دليل الأعراض صحيح لكن الاستدلال به بدعة ولا حاجة اليه فهؤلاء لا ~~يقولون ان دلالة السمع موقوفة عليه لكن المعتزلة القائلون بأن دلالة السمع ~~موقوفة على صحته صرحوا بأن لا يستدل بأقوال الرسول على ما يجب ويمتنع من ~~الصفات بل ولا الافعال وصرحوا بأن لا يجوز الاحتجاج على ذلك بالكتاب والسنة ~~وان وافق العقل فكيف اذا خالفه # وهذه الطريقة هي التي سلكها من وافق المعتزلة في ذلك كصاحب الارشاد ~~واتباعة وهؤلاء يردون دلالة الكتاب والسنة تارة يصرحون بأنا وان علمنا مراد ~~الرسول فليس قوله مما يجوز ان يحتج به في مسائل الصفات لأن قوله ان ما يدل ~~بعد ثبوت صدقه الموقوف على مسائل الصفات وتارة يقولون انما لم يدل لأنا لا ~~نعلم مراده لتطرق الاحتمالات إلى الادلة السمعية وتارة يطعنون في الاخبار # فهذه الطرق الثلاث التي وافقوا فيها الجهمية ونحوهم من المبتدعة اسقطوا ~~بها حرمة الكتاب والرسول عندهم وحرمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان حتى ~~يقولون انهم لم يحققوا اصول الدين كما حققناها وربما اعتذروا عنهم بأنهم ~~كانوا مشتغلين بالجهاد ولهم من جنس هذا PageV02P014 ~~الكلام الذي يوافقون به الرافضة ونحوهم من أهل البدع ويخالفون به الكتاب ~~والسنة والإجماع مما ليس هذا موضع بسطة وانما نبهنا على أصول دينهم وحقائق ~~أقوالهم وغايتهم انهم يدعون في أصول الدين المخالفة للكتاب والسنة المعقول ~~والكلام وكلامهم فيه من التناقض والفساد ما ضارعوا به اهل الإلحاد فهم من ~~جنس الرافضة لا عقل صريح ولا نقل صحيح بل منتهاهم السفسطة في العقليات ~~والقرمطة في السمعيات وهذا منتهى كل مبتدع خالف شيئا من الكتاب والسنة حتى ~~في المسائل العملية والقضايا الفقهية PageV02P015 # ومع ذلك ms0255 فهم لا يحتاجون من العقليات في أصول الدين إلى ما يحتاج إليه ~~المعتزلة فإن المعتزلة يزعمون ان النبوة لا تتم الا بقولهم في التوحيد ~~والعدل فيجعلون التكذيب بالقدر من اصولهم العقلية وكذلك نفي الصفات واما ~~هؤلاء فالمشهور عندهم انه اذا رؤيت المعجزة المعتبرة علم بالضرورة انها ~~تصديق للرسول واثبات الصانع ايضا معلوم بالضرورة او بمقدمات ضرورية ~~فالعقليات التي يعلم بها صحة السمع مقدمات قليلة ضرورية بخلاف المعتزلة ~~فإنهم طولوا المقدمات وجعلوها نظرية فهم خير من المعتزلة في اصول الدين من ~~وجوه كثيرة وان كان المعتزلة خيرا منهم من بعض الوجوه # وابو الحسن الاشعري لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب ومال ~~إلى اهل السنة والحديث وانتسب إلى الامام احمد كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها ~~كالابانة والموجز والمقالات وغيرها وكان مختلطا بأهل السنة والحديث كاختلاط ~~المتكلم بهم بمنزلة ابن عقيل عند متأخريهم لكن الأشعري وأئمة أصحابه اتبع ~~لاصول الإمام أحمد وامثاله من أئمة السنة من مثل ابن عقيل في كثير من ~~احواله وممن اتبع ابن عقيل كأبي الفرج بن الجوزي في كثير من كتبه وكان ~~القدماء من أصحاب احمد كأبي بكر عبد العزيز وابي الحسن التميمي وامثالهما ~~يذكرونه في كتبهم على طريق ذكر الموافق للسنة في الجملة ويذكرون ما ذكره من ~~تناقض المعتزلة وكان بين التميمين PageV02P016 ~~وبين القاضي ابي بكر وامثاله من الائتلاف والتواصل ما هو معروف وكان القاضي ~~ابو بكر يكتب احيانا في اجوبته في المسائل محمد بن الطيب الحنبلي ويكتب ~~ايضا الاشعري ولهذا توجد اقوال التميمين مقاربة لأقواله وأقوال امثاله ~~المتبعين لطريقة ابن كلاب وعلى العقيدة التي صنفها ابو الفضل التميمي اعتمد ~~ابو بكر البيهقي في الكتاب الذي صنفه في مناقب الامام احمد لما اراد ان ~~يذكر عقيدته وهذا بخلاف ابي بكر عبد العزيز وابي عبد الله بن بطة وابي عبد ~~الله بن حامد وأمثالهم فانهم مخالفون لأصل قول الكلابية # والاشعري وائمة اصحابه كأبي الحسن الطبري وابي عبد الله بن مجاهد الباهلي ~~والقاضي ابي بكر ms0256 متفقون على اثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن ~~كالاستواء والوجه واليد وابطال تأويلها ليس له في ذلك قولان اصلا ولم يذكر ~~احد عن الاشعري في ذلك قولين اصلا بل جميع من يحكي المقالات من اتباعه ~~وغيرهم يذكر ان ذلك قوله ولكن لاتباعه في ذلك قولان PageV02P017 # واول من اشتهر عنه نفيها ابو المعالي الجويني فانه نفى الصفات الخبرية ~~وله في تأويلها قولان ففي الارشاد اولها ثم انه في الرسالة النظامية رجع عن ~~ذلك وحرم التأويل وبين اجماع السلف على تحريم التأويل واستدل باجماعهم على ~~ان التأويل محرم ليس بواجب ولا جائز فصار من سلك طريقته ينفي الصفات ~~الخبرية ولهم في التأويل قولان واما الاشعري وائمة اصحابه فإنهم مثبتون لها ~~يردون على من ينفيها او يقف فيها فضلا عمن يتاولها # واما مسألة قيام الافعال الاختيارية به فان ابن كلاب والاشعري وغيرهما ~~ينفونها وعلى ذلك بنو قولهم في مسألة القرآن وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس ~~فيهم في هذا الباب بما هو معروف في كتب اهل العلم ونسبوهم إلى البدعة ~~وبقايا بعض الاعتزال فيهم وشاع النزاع في ذلك بين عامة المنتسبين إلى السنة ~~من اصحاب احمد وغيرهم وقد ذكر ابو بكر عبد العزيز في كتاب الشافي عن اصحاب ~~احمد في معنى ان القرآن غير مخلوق قولين مبنيين على هذا الاصل احدهما انه ~~قديم لا يتعلق بمشيئته وقدرته والثاني انه لم يزل متكلما اذا شاء # وكذلك ذكر ابو عبد الله بن حامد قولين وممن كان يوافق على نفي ما يقوم به ~~من الامور المتعلقة بمشيئته وقدرته ككقول ابن كلاب PageV02P018 ~~ابو الحسن التميمي واتباعه والقاضي ابو يعلى واتباعه كابن عقيل وابي الحسن ~~بن الزاغوني وامثالهم وان كان في كلام القاضي ما يوافق هذا تارة وهذا تارة ~~وممن كان يخالفهم في ذلك ابو عبد الله بن حامد وابو بكر بن عبد العزيز وابو ~~عبد الله بن بطة وابو عبد الله بن منده وابو نصر السجزي ويحيى بن عمار ~~السجستاني وابو اسماعيل الانصاري وامثالهم # والنزاع في هذا ms0257 الاصل بين اصحاب مالك وبين اصحاب الشافعي وبين اصحاب ابي ~~حنيفة وبين اهل الظاهري ايضا فداود بن علي صاحب المذهب وأئمتهم على اثبات ~~ذلك وابو محمد بن حزم على المبالغة في انكار ذلك وكذلك اهل الكلام ~~فالهشامية والكرامية على اثبات ذلك والمعتزلة على نفي ذلك وقد ذكر الاشعري ~~في المقالات عن ابي معاذ التومني وزهير الاثري وغيرهما اثبات PageV02P019 ~~ذلك وكذلك المتفلسفة فحكوا عن اساطينهم الذين كانوا قبل ارسطو انهم كانوا ~~يثبتون ذلك وهو قول ابي البركات صاحب المعتبر وغيره من متأخريهم واما ارسطو ~~واتباعه كالفارابي وابن سينا فينفون ذلك وقد ذكر ابو عبد الله الرازي عن ~~بعضهم ان اثبات ذلك يلزم جميع الطوائف وان انكروه وقرر ذلك # وكلام السلف والائمة ومن نقل مذهبهم في هذا الاصل كثير يوجد في كتب ~~التفسير والاصول # قال اسحاق بن راهويه حدثنا بشر بن عمر سمعت غير واحد من المفسرين يقول { ~~الرحمن على العرش استوى } أي ارتفع وقال البخاري في صحيحه قال ابو العالية ~~استوى إلى السماء ارتفع قال وقال مجاهد استوى علا على العرش PageV02P020 ~~وقال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره المشهور وقال ابن عباس وأكثر مفسري ~~السلف استوى إلى السماء ارتفع إلى السماء وكذلك قال الخليل بن احمد # وروى البيهقي في كتاب الصفات قال قال الفراء ثم استوى أي صعد قال ابن ~~عباس وهو كقولك للرجل كان قاعدا فاستوى قائما # وروى الشافعي في مسنده عن انس رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال عن يوم الجمعة وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش # والتفاسير المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ~~مثل تفسير محمد بن جرير الطبري وتفسير عبد الرحمن بن ابراهيم المعروف بدحيم ~~وتفسير عبد الرحمن بن ابي حاتم وتفسير ابي بكر PageV02P021 ~~بن المنذر وتفسير ابي بكر عبد العزيز وتفسير ابي الشيخ الاصبهاني وتفسير ~~ابي بكر بن مردويه وما قبل هؤلاء من التفاسير مثل تفسير احمد بن حنبل ~~واسحاق بن ابراهيم وبقي بن مخلد وغيرهم ms0258 ومن قبلهم مثل تفسير عبد بن حميد ~~وتفسير سنيد وتفسير عبد الرازق ووكيع بن الجراح فيها من هذا الباب الموافق ~~لقول المثبتين مالا يكاد يحصى وكذلك الكتب المصنفة في السنة التي فيها اثار ~~النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين # وقال ابو محمد حرب بن اسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن ~~احمد واسحاق وغيرهما وذكر معها من الاثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة وغيرهم ما ذكر وهو كتاب كبير صنفه على طريقة الموطأ ونحو من ~~المصنفات قال في اخره في الجامع باب القول في المذهب هذا مذهب ائمة العلم ~~واصحاب الاثر واهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها وادركت من ادركت ~~من علماء اهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه ~~المذاهب او طعن فيها او عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج ~~السنة وسبيل الحق وهو مذهب احمد واسحاق بن ابراهيم بن مخلد وعبد الله بن ~~الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن PageV02P022 ~~جالسنا واخذنا عنهم العلم وذكر الكلام في الايمان والقدر والوعيد والامامه ~~وما اخبر به الرسول من اشراط الساعة وامر البرزخ والقيامة وغير ذلك إلى ان ~~قال وهو سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان ولله عرش وللعرش حمله ~~يحملونه وله حد والله اعلم بحده والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا اله ~~غيره والله تعالى سميع لا يشك بصير لا يرتاب عليم لا يجهل جواد لا يبخل ~~حليم لا يعجل حفيظ لا ينسى يقظان لا يسهو رقيب لا يغفل يتكلم ويتحرك ويسمع ~~ويبصر وينظر ويقبض ويبسط ويفرح ويحب ويكره ويبغض ويرضى ويسخط ويغضب ويرحم ~~ويعفو ويغفر ويعطي ويمنع وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء ~~ليس كمثله شيء وهو السميع البصير إلى ان قال ولم يزل الله متكلما عالما ~~فتبارك الله احسن الخالقين # وقال الفقيه الحافظ أبو بكر الأثرم في كتاب السنة وقد نقله عنه الخلال في ~~السنة حدثنا ابراهيم ms0259 بن الحارث يعني العبادي حدثني الليث بن يحيى سمعت ~~ابراهيم بن الأشعث قال ابو بكر هو صاحب الفضيل سمعت الفضيل بن عياض يقول ~~ليس لنا ان نتوهم في الله كيف وكيف لأن الله وصف نفسه فأبلغ فقال { قل هو ~~الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } PageV02P023 ~~سورة الاخلاص فلا صفة ابلغ مما وصف الله عز وجل به نفسه وكل هذا النزول ~~والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع كما شاء ان ينزل وكما شاء أن يباهى وكما ~~شاء أن يطلع وكما شاء أن يضحك فليس لنا ان نتوهم أن كيف وكيف واذا قال لك ~~الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل أنت أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء # وقد ذكر هذا الكلام الاخير عن الفضيل بن عياض البخاري في كتاب خلق ~~الافعال هو وغيره من ائمة السنة وتلقوه بالقبول # قال البخاري وقال الفضيل بن عياض اذا قال لك الجهمي أنا كافر برب يزول عن ~~مكانه فقل انا أؤمن برب يفعل ما يشاء # قال البخاري وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال من زعم ان الرحمن على ~~العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي # وقال الخلال في كتاب السنة اخبرني جعفر بن محمد الفريابي حدثنا احمد بن ~~محمد المقدمي حدثنا سليمان بن حرب PageV02P024 ~~قال سأل بشر بن السرى حماد بن زيد فقال يا ابا اسماعيل الحديث الذي جاء ~~ينزل الله إلى السماء الدنيا يتحول من مكان إلى مكان فسكت حماد بن زيد ثم ~~قال هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء # وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات لما ذكر مقاله أهل السنة وأهل ~~الحديث فقال ويصدقون بالاحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم ان ~~الله ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من مستغفر كما جاء الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى { فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول } سورة النساء ms0260 59 ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين ~~وأن لا يحدثوا في دينهم ما لم يأذن الله ويقرون بأن الله يجىء يوم القيامة ~~كما قال { وجاء ربك والملك صفا صفا } سورة الفجر 22 وأن الله يقرب من خلقه ~~كيف شاء كما قال { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } سورة ق 16 PageV02P025 # قال الأشعري وبكل ما ذكرنا من أقوالهم نقول واليه نذهب # وقال أبو عثمان إسماعيل الصابوني الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة ~~عنه في السنة وقد ذكر ذلك أبو القاسم التميمي في كتاب الحجة في بيان المحجة ~~له قال ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء ~~الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون له ~~ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر ~~الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ويكلون علمه إلى الله تعالى وكذلك يثبتون ما ~~أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة ~~وقوله عز وجل { وجاء ربك والملك صفا صفا } سورة الفجر # وقال سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول سمعت إبراهيم ابن أبي طالب ~~يقول سمعت احمد بن سعيد بن إبراهيم أبا عبد الله الرباطي يقول حضرت مجلس ~~الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم PageV02P026 ~~وحضره إسحاق بن إبراهيم يعني ابن رهاويه فسئل عن حديث النزول صحيح هو قال ~~نعم فقال له بعض قواد عبد الله يا ابا يعقوب اتزعم ان الله ينزل كل ليلة ~~قال نعم قال كيف ينزل فقال إسحاق أثبته فوق حتى أصف لك النزولفقال الرجل ~~اثبته فوق فقال اسحاق قال الله عز وجل { وجاء ربك والملك صفا صفا } سورة ~~الفجر 22 فقال له الامير عبد الله يا ابا يعقوب هذا يوم القيامة فقال اسحاق ~~أعز الله الأمير ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم # وروى بإسناده عن إسحاق بن إبراهيم قال قال لي الأمير عبد الله بن طاهر يا ~~أبا يعقوب هذا الحديث الذي ms0261 ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل ~~ربنا كل ليلة الى السماء الدنيا كيف ينزل قال قلت أعز الله الأمير لا يقال ~~لأمر الرب كيف إنما نزل بلا كيف # وبإسناده عن عبد الله بن المبارك انه سأله سائل عن النزول ليلة النصف من ~~شعبان فقال عبد الله يا ضعيف ليلة النصف ينزل في كل ليلة فقال الرجل يا ابا ~~عبد الرحمن كيف ينزل أليس يخلو ذلك المكان فقال عبد الله بن المبارك ينزل ~~كيف شاء # وقال ابو عثمان الصابوني فلما صح خبر النزول عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أقر به أهل السنة وقبلوا الخبر واثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ~~ليه وسلم ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه وعلموا وعرفوا وتحققوا واعتقدوا ~~أن صفات الرب تبارك وتعالى PageV02P027 ~~لا تشبه صفات الخلق كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول ~~المشبهة والمعطلة علوا كبيرا ولعنهم لعنا كثيرا # وروي الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الأسماء والصفات حدثنا ابو عبد الله ~~الحافظ سمعت ابا زكريا العنبري سمعت ابا العباس يعني السراج سمعت اسحاق بن ~~ابراهيم يقول دخلت يوما على طاهر بن عبد الله بن طاهر وعنده منصور بن طلحة ~~فقال لي يا أبا يعقوب ان الله ينزل كل ليلة فقلت له نؤمن به فقال له طاهر ~~ألم انهيك عن هذا الشيخ ما دعاك الى أن تسأله عن مثل هذا قال اسحاق فقلت له ~~اذ انت لم تؤمن ان لك ربا يفعل ما يشاء ليس تحتاج أن تسألني # قال البيهقي حدثنا ابو عبد الله الحافظ سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن ~~هانيء سمعت احمد بن سلمى يقول سمعت اسحاق بن ابراهيم الحنظلي يقول جمعنا ~~وهذا المتبدع يعني ابراهيم PageV02P028 ~~بن ابي صالح مجلس الامير عبد الله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول ~~فسردتها فقال ابراهيم كفرت برب ينزل من سماء الى سماء فقلت آمنت برب يفعل ~~ما يشاء فرضي عبد الله كلامي وأنكر على ms0262 ابراهيم قال هذا معنى الحكاية # وروى ابو اسماعيل الأنصاري بإسناده عن حرب الكرماني قال قال اسحاق بن ~~ابراهيم لا يجوز الخوض في أمر الله تعالى كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين ~~لقوله تعالى { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } سورة الانبياء 23 ولا يجوز ~~لأحد أن يتوهم على الله تعالى بصفاته وأفعاله يعني كما نتوهم فيهم وانما ~~يجوز النظر والتفكير في أمر المخلوقين وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفا ~~بالنزول كل ليلة اذا مضى ثلثها الى السماء الدنيا كما يشاء ولا يسأل كيف ~~نزوله لأن الخالق يصنع ما يشاء كما يشاء # وعن حرب قال قال اسحاق بن ابراهيم ليس في النزول وصف # وقال ابو بكر الخلال في كتاب السنة اخبرني يوسف بن موسى أن ابا عبد الله ~~يعني أحمد بن حنبل قيل له اهل الجنة ينظرون الى ربهم عز وجل ويكلمونه ~~ويكلمونه قال نعم ينظر وينظرون إليه ويكلهم ويكلمونه كيف شاء وذا واذا شاء # قال اخبرني عبد الله بن حنبل قال اخبرني أبي حنبل بن PageV02P029 ~~اسحاق قال قال عمي نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ~~ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد فصفات الله له ومنه وهو كما وصف نفسه { لا ~~تدركه الأبصار } بحد ولا غاية { وهو يدرك الأبصار } سورة الانعام 103 هو ~~عالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب ولا يدركه وصف واصف وهو كما وصف نفسه ~~وليس من الله شيء محدود ولا يبلغ علم قدرته احد غلب الأشياء كلها بعلمه ~~وقدرته وسلطانه { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } سورة الشورى 11 وكان ~~الله قبل أن يكون شيء والله هو الأول وهو الآخر ولا يبلغ احد حد صفاته # قال واخبراني على بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال سألت ابا عبد الله عن ~~الأحاديث التي تروى ان الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة الى السماء الدنيا ~~وان الله يرى وان الله يضع قدميه وما أشبه PageV02P030 ~~هذه الأحاديث فقال ابو عبد الله نؤمن بها ونصدق بها ms0263 ولا كيف ولا معنى أي لا ~~نكيفها ولا نحرفها بالتأويل فنقول معناها كذا ولا نرد منها شيئا ونعلم أن ~~ما جاء به الرسول حق اذا كان بأسانيد صحاح ولا نرد على الله قوله ولا يوصف ~~الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ليس كمثله شيء # وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد قال ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به ~~نفسه قد اجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ليس يشبه شيء فنعبد ~~الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة الا بما وصف به نفسه قال فهو سميع بصير ~~بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون صفته وصفاته منه وله ولا نتعدى القرآن ~~والحديث فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك ولا تبلغ صفة ~~الواصفين نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من صفاته ~~لشناعة شنعت وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوه بعبده يوم القيامه ووضع ~~كتفه عليه هذا كله يدل على أن الله تبارك وتعالى يرى في الآخرة والتحديد في ~~هذا كله بدعة والتسليم لله بأمره يغير صفه ولا حد إلا ما وصف به نفسه سميع ~~بصير لم يزل متكلما عالما غفورا عالم الغيب والشهادة علام PageV02P031 ~~الغيوب فهذه صفات وصف الله نفسه لا تدفع ولا ترد وهو على العرش بلا حد كما ~~قال تعالى { ثم استوى على العرش } سورة الأعراف 54 كيف شاء المشيئة إليه عز ~~وجل والاستطاعة له ليس كمثله 9 شيء وهو خالق كل شيء وهو كما وصف نفسه سميع ~~بصير بلا حد ولا تقدير قول إبراهيم لأبيه { يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا ~~يبصر } سورة مريم 42 فنثبت أن الله سميع بصير صفاته منه لا نتعدى القرآن ~~والحديث والخبر بضحك الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وبتثبيت القرآن لا يصفه الواصفون ولا يحده أحد تعالى الله عما ~~تقول الجهميه والمشبهة # قلت له والمشبهة ما يقولون قال من ms0264 قال بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي فقد ~~شبه الله بخلقه وهذا يحده وهذا كلام سوء وهذا محدود والكلام في هذا لا أحبه # وقال محمد بن مخلد قال أحمد نحن نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله PageV02P032 ~~وقال يوسف بن موسى إن أبا عبد الله قيل له ولا يشبه ربنا شيئا من خلقه ولا ~~يشبهه شيء من خلقه قال نعم ليس كمثله شيء # فقول أحمد أنه ينظر إليهم ويكلمهم كيف شاء وإذا شاء وقوله هو على العرش ~~كيف شاء وكما شاء وقوله هو على العرش بلا حد كما قال { ثم استوى على العرش ~~} كيف شاء المشيئة إليه والاستطاعة له ليس كمثله شيء # قلت وهو خالق كل شيء وهو كما وصف نفسه سميع بصير شيء يبين أن نظره ~~وتكليمه وعلوه على العرش واستواءه على العرش مما يتعلق بمشيئته واستطاعته # وقوله بلا حد ولا صفه يبلغها واصف أو يحده أحد نفى به إحاطة علم الخلق به ~~وأن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه إلا بما أخبر عن نفسه ليبين أن عقول ~~الخلق لا تحيط بصفاته كما قال الشافعي في خطبة الرسالة الحمد لله الذي هو ~~كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه ولهذا قال أحمد لا تدركه الأبصار بحد ~~ولا غاية فنفى أن يدرك له حد أو غاية وهذا أصح PageV02P033 ~~القولين في تفسير الإدراك وقد بسط الكلام على شرح هذا الكلام في غير هذا الموضع # وما في هذا الكلام من نفي تحديد الخلق وتقديرهم لربهم وبلوغهم صفته لا ~~ينافي ما نص عليه أحمد وغيره من الأئمة كما ذكره الخلال أيضا قال حدثنا أبو ~~بكر المروزي قال سمعت أبا عبد الله لما قيل له روى علي بن الحسن بن شقيق عن ~~ابن المبارك أنه قيل له كيف نعرف الله عز وجل قال على العرش بحد قال قد ~~بلغني ذلك عنه وأعجب ثم قال أبو عبد الله { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ~~في ظلل من الغمام } سورة ms0265 البقرة 210 ثم قال { وجاء ربك والملك صفا صفا } ~~سورة الفجر 22 # قال الخلال وأنبأنا محمد بن علي الوراق حدثنا أبو بكر الأثرم حدثني محمد ~~بن إبراهيم القيسي قال قلت لأحمد بن حنبل يحكى عن ابن المبارك وقيل له كيف ~~نعرف ربنا قال في السماء السابعة على عرشه بحد فقال أحمد هكذا هو عندنا # وأخبرني حرب بن اسماعيل قال قلت لاسحاق يعني ابن راهويه هو على العرش بحد ~~قال نعم بحد # وذكر عن ابن المبارك قال هو على عرشه بائن من خلقه بحد # قال وأخبرنا المرزوي قال اسحاق بن ابراهيم بن راهويه قال الله تبارك ~~وتعالى { الرحمن على العرش استوى } سورة PageV02P034 ~~طه 5 إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شيء في اسفل الأرض ~~السابعة وفي قعور البحار ورؤوس الآكام وبطون الأوديه وفي كل موضع كما يعلم ~~علم ما في السماوات السبع وما فوق العرش أحاط بكل شيء علما فلا تسقط من ~~ورقه إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات البر والبحر ولا رطب ولا يابس إلا قد عرف ~~ذلك كله وأحصاه فلا تعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره # فهذا مثاله مما نقل عن الأئمة كما قد بسط في غير هذا الموضع وبينوا أن ما ~~أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره كما قال مالك وربيعه وغيرهما الإستواء ~~معلوم والكيف مجهول فبين أن كيفية استواءه مجهولة للعباد فلم ينفوا ثبوت ~~ذلك في نفس الأمر ولكن نفوا علم الخلق به وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز ~~بن عبد الله الماجشون وغير واحد من السلف والأئمة ينفون علم الخلق بقدره ~~وكيفيته # وبنحو ذلك قال عبد العزيز بن عبد الله بن ابي سلمه الماجشون في كلامه ~~المعروف وقد ذكره ابن بطه في الابانه وابو عمر الطلمنكى في كتابه في الاصول ~~ورواه ابو بكر الاثرم قال PageV02P035 ~~حدثنا عبد الله بن صالح عن عبد العزيز بن عبد الله بن ابي سلمة انه قال اما ~~بعد فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتايعت فيه ms0266 الجهمية ومن خالفها في صفة الرب ~~العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحصرت ~~العقول عن معرفة قدره الا ان قال بأنه لا يعلم كيف هو الا هو وكيف يعلم من ~~يموت ويبلى قدر من لا يموت ولا يبلى وكيف يكون لصفة شيء منه حد او منتهى ~~يعرفه عارف او يحد قدره واصف الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن ~~تحقيق صفة اصغر خلقه الى ان قال اعرف رحمك الله غناك عن تكلف صفة ما لم يصف ~~الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها اذا لم تعرف منها قدر ما وصف ~~فما تكلفك علم ما لم يصف هل تستدل بذلك على شيء من طاعته او تنزجر به عن ~~شيء من معصيته وذكر كلاما طويلا الى ان قال فأما الذي جحد ما وصف الرب من ~~نفسه تعمقا وتكلفا فقد استهوته الشياطين في الارض حيران فصار يستدل بزعمه ~~على جحد ما وصف PageV02P036 ~~الرب وسمى من نفسه بأن قال لا بد ان كان له كذا من أن يكون له كذا فعمى عن ~~البين بالخفى يجحد ما سمى الرب من نفسه بصمت الرب عما لم يسم فلم يزل يملي ~~له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ~~سورة القيامة 22 23 فقال لا يراه احد يوم القيامة فجحد والله افضل كرامة ~~الله التي اكرم بها اولياءه يوم القيامة من النظر في وجهه في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر قد قضى انهم لا يموتون فهم بالنظر اليه ينضرون وذكر كلاما طويلا ~~كتب في غير هذا الموضع # وقال الخلال في السنة اخبرني على بن عيسى ان حنبلا حدثه قال سمعت ابا عبد ~~الله يقول من زعم ان الله لم يكلم موسى فقد كفر بالله وكذب القرآن ورد على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم امره يستتاب من هذه المقالة فان تاب والا ~~ضربت عنقه # قال وسمعت ابا عبد الله قال { وكلم الله ms0267 موسى } سورة النساء 164 فأثبت ~~الكلام لموسى كرامة منه لموسى ثم قال تعالى يؤكد كلامه { تكليما } سورة ~~النساء 164 # قلت لأبي عبد الله الله عز وجل يكلم عبده يوم القيامة قال نعم فمن يقضي ~~بين الخلائق الا الله عز وجل يكلم عبده ويسأله الله PageV02P037 ~~متكلم لم يزل الله يأمر بما يشاء ويحكم وليس له عدل ولا مثل كيف شاء وانى شاء # قال الخلال اخبرنا محمد بن علي بن بحر ان يعقوب بن بختان حدثهم ان ابا ~~عبد الله سئل عمن زعم ان الله لم يتكلم بصوت فقال بلى تكلم بصوت وهذه ~~الاحاديث كما جاءت نرويها لكل حديث وجه يريدون ان يموهوا على الناس من زعم ~~ان الله لم يكلم موسى فهو كافر # حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد ~~الله يعني ابن مسعود قال اذا تكلم الله بالوحي سمع صوته اهل السماء فيخرون ~~سجدا حتى اذا فزع عن قلوبهم قال سكن عن قلوبهم نادى أهل السماء ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق قال كذا وكذا # قال الخلال وأنبأنا ابو بكر المروزى سمعت ابا عبد الله PageV02P038 ~~وقيل له ان عبد الوهاب قد تكلم وقال من زعم ان الله كلم موسى بلا صوت فهو ~~جهمي عدو الله وعدو الاسلام فتبسم ابو عبد الله وقال ما احسن مال قال عافاه الله # وقال عبد الله بن احمد سألت ابي عن قوم يقولون لما كلم الله موسى لم ~~يتكلم بصوته فقال ابي بلى تكلم تبارك وتعالى بصوت وهذه الاحاديث نرويها كما ~~جاءت وحديث ابن مسعود اذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر السلسلة على ~~الصفوان قال ابي والجهمية تنكره قال ابي وهؤلاء كفار يريدون ان يموهوا على ~~الناس من زعم ان الله لم يتكلم فهو كافر انما نروى هذه الاحاديث كما جاءت PageV02P039 ~~قلت وهذا الصوت الذي تكلم الله به ليس هو الصوت المسموع من العبد بل ذلك ~~صوته كما هو معلوم لعامة الناس وقد نص على ذلك الائمة ms0268 أحمد وغيره فالكلام ~~المسموع منه هو كلام الله لا كلام غيره كما قال تعالى { وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } سورة التوبة 6 وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم الا رجل يحملني الى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشا منعوني ~~أن ابلغ كلام ربي رواه ابو داود وغيره وقال صلى الله عليه وسلم زينوا ~~القرآن بأصواتكم وقال ليس منا من لم يتغن بالقرآن # ذكر الخلال عن اسحاق بن ابراهيم قال لي ابو عبد الله يوما وكنت PageV02P040 ~~سألته عنه تدري ما معنى من لم يتغن بالقرآن قلت لا قال هو الرجل يرفع صوته ~~فهذا معناه اذا رفع صوته لقد تغنى به # وعن صالح بن احمد أنه قال لأبيه زينوا القرآن بأصواتكم فقال التزيين أن يحسنه # وعن الفضل بن زياد قال سألت أبا عبد الله عن القراءة فقال يحسنه بصوته من ~~غير تكلف وقال الأثرم سألت ابا عبد الله عن القراءة بالألحان فقال كل شيء ~~محدث فانه لا يعجبني الا ان يكون صوت الرجل لا يتكلفه # وقال القاضي ابو يعلى هذا يدل من كلامه على ان صوت القارىء ليس هو الصوت ~~الذي تكلم الله به لأنه أضافة الى القارىء الذي هو طبعه من غير أن يتعلم ~~الألحان # وقال ابو عبد الله البخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق الافعال يذكر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من ~~قرب وليس هذا لغير الله عز وجل PageV02P041 # قال ابو عبد الله البخاري وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه اصوات ~~الخلق لأن صوت الله يسمع من بعد كما يسمع من قرب وان الملائكة يصعقون من ~~صوته فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا قال { فلا تجعلوا لله أندادا } سورة ~~البقرة 22 فليس لصفة الله ند ولا مثل ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين # ثم روى بإسناده حديث عبد الله بن انيس الذي استشهد به في غير موضع من ~~الصحيح تارة يجزم به ms0269 وتارة يقول ويذكر عن عبد الله بن انيس قال سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما ~~يسمعه من قرب انا الملك انا الديان لا ينبغي لأحد من اهل الجنة أن يدخل ~~الجنة وأحد من اهل النار يطلبه بمظلمة وذكر الحديث الذي رواه في صحيحه عن ~~أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P042 ~~يقول الله يوم القيامة يا آدم فيقول لبيك وسعديك فينادي بصوت ان الله يأمرك ~~أن تخرج من ذريتك بعثا الى النار قال يا رب ما بعث النار قال من كل ألف ~~اراه قال تسعمائة وتسعة وتسعين فحينئذ تضع الحامل حملها { وترى الناس سكارى ~~وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } سورة الحج 2 وذكر حديث ابن مسعود الذي ~~استشهد به احمد وذكر الحديث الذي رواه في صحيحه عن عكرمة سمعت أبا هريرة ~~يقول ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اذا قضى الله الأمر في السماء ~~ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فاذا { فزع عن ~~قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير } سورة سبأ 23 ~~وذكر حديث ابن عباس المعروف من حديث الزهرى عن علي بن الحسين عن ابن عباس ~~عن نفر من الأنصار وقد رواه احمد ومسلم PageV02P043 ~~في صحيحه وغيرهما وساقه البخاري من طريق ابن اسحاق عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال لهم ما تقولون في هذا النجم الذي يرمى به قالوا كنا يا ~~رسول الله نقول حتى رأيناها يرمى بها مات ملك ولد مولود مات مولود فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ذلك كذلك ولكن الله اذا قضى في خلقه امرا ~~يسمعه اهل العرش فيسبح من تحتهم بتسبيحهم فيسبح من تحت ذلك فلم يزل التسبيح ~~يهبط حتى ينتهي الى السماء الدنيا حتى يقول بعضهم لبعض لم سبحتهم فيقولون ~~سبح من فوقنا فسبحنا بتسبيحهم فيقولون أفلا تسألون من فوقكم مم سبحوا ~~فيسألونهم فيقولون ms0270 قضى الله في خلقه كذا وكذا الأمر الذي كان فيهبط به ~~الخبر من سماء الى سماء حتى ينتهي الى السماء الدنيا فيتحدثون به فتسترقه ~~الشياطين بالسمع على توهم منهم واختلاف PageV02P044 ~~ثم يأتون به الى الكهان من أهل الأرض فيحدثونهم فيخطئون ويصيبون فتحدث به ~~الكهان ثم ان الله حجب الشياطين عن السماء بهذه النجوم فانقطعت الكهانة ~~اليوم فلا كهانة # وقال البخاري ايضا ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق وأن ~~العرب لا تعرف الحي من الميت الا بالفعل فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن ~~له فعل فهو ميت وأن افعال العباد مخلوقة فضيق عليه حتى مضى لسبيله وتوجع ~~اهل العلم لما نزل به # قال وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيما ومن نحا نحوه ليس بمارق ولا ~~مبتدع بل البدع والترؤس بالجهل بغيرهم اولى اذ يفتون بالآراء المختلفة بما ~~لم يأذن به الله # وقال الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب فهم القرآن لما تكلم على ما يدخل في ~~النسخ ومالا يدخل في النسخ وما يظن أنه متعارض من الآيات وذكر عن أهل ~~السماء في الارادة والسمع والبصر قولين في مثل قوله { لتدخلن المسجد الحرام ~~إن شاء الله آمنين } سورة الفتح وقوله { وإذا أردنا أن نهلك قرية } سورة ~~الاسراء 16 PageV02P045 ~~وقوله { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } سورة يس 82 وكذلك ~~قوله { إنا معكم مستمعون } سورة الشعراء 15 وقوله { وقل اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون } سورة التوبة 105 ونحو ذلك فقال قد ذهب قوم من اهل ~~السنة الى أن لله استماعا حادثا في ذاته وذكر أن هؤلاء وبعض اهل البدع ~~تأولوا ذلك في الإرادة على الحوادث # قال فأما من ادعى السنة فأراد اثبات القدر فقال ارادة الله تحدث ان حدثت ~~من تقدير سابق الارادة واما بعض البدع فزعموا أن الارادة انما هي خلق حادث ~~ليست مخلوقة ولكن بها كون الله المخلوقين # قال وزعموا أن الخلق غير المخلوق وأن الخلق هو الارادة ms0271 وأنها ليست بصفة ~~لله من نفسه PageV02P046 # قال ولذلك قال بعضهم إن رؤيته تحدث واختار الحارث المحاسبي القول الآخر ~~وتأول النصوص على أن الحادث هو وقت المراد لا نفس الارادة قال وكذلك قوله { ~~إنا معكم مستمعون } وقوله فسيرى الله عملكم تأوله على ان المراد حدوث ~~المسموع والمبصر كما تأول قوله تعالى { حتى نعلم } سورة محمد حتى يكون ~~المعلوم بغير حادث علم في الله ولا بصر ولا سمع ولامعنى حدث في ذات الله ~~تعالى عن الحوادث في نفسه # وقال محمد بن الهيصم في كتاب جمل الكلام له لما ذكر جمل PageV02P047 ~~الكلام في القرآن وأنه مبنى على خمسة فصول # أحدها أن القرآن كلام الله فقد حكى عن جهم بن صفوان أن القرآن ليس كلام ~~الله على الحقيقة انما هو كلام خلقه الله فنسب اليه كما قيل سماء الله وأرض ~~الله وكما قيل بيت الله وشهر الله وأما المعتزلة فإنهم أطلقوا القول بأنه ~~كلام الله على الحقيقة ثم وافقوا جهما في المعنى حيث قالوا كلام الله خلقه ~~بائنا منه وقال عامة المسلمين ان القرآن كلام الله على الحقيقة وانه تكلم به # والفصل الثاني في أن القرآن غير قديم فان الكلابية وأصحاب الأشعرى زعموا ~~أن الله لم يزل يتكلم بالقرآن وقال أهل الجماعة بل إنما تكلم بالقرآن حيث ~~خاطب به جبريل وكذلك سائر الكتب # والفصل الثالث أن القرآن غير مخلوق فان الجهمية والنجارية والمعتزلة ~~زعموا أنه مخلوق وقال أهل الجماعة انه غير مخلوق # والفصل الرابع أنه غير بائن من الله فان الجهمية وأشياعهم PageV02P048 ~~من المعتزلة قالوا ان القرآن بائن من الله وكذلك سائر كلامه وزعموا أن الله ~~خلق كلاما في الشجرة فسمعه موسى وخلق كلاما في الهواء فسمعه جبريل ولا يصح ~~عندهم أن يوجد من الله كلام يقوم به في الحقيقة وقال اهل الجماعة بل القرآن ~~غير بائن من الله وانما هو موجود منه وقائم به # وذكر محمد بن الهيصم في مسالة الارادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق ~~ما ذكره هنا من اثبات الصفات ms0272 الفعلية القائمة بالله التي ليست قديمة ولا مخلوقة # وقال عثمان بي سعيد الدرامي في كتابه المعروف بنقض عثمان بن سعيد على بشر ~~المريسى الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد قال وادعى المعارض ~~ايضا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم ان الله ينزل الى السماء الدنيا حين ~~يمضى ثلث الليل فيقول هل من مستغفر هل من تائب هل من داع قال فادعى أن الله ~~ينل بنفسه انما ينزل أمره ورحمته وهو على العرش PageV02P049 ~~وبكل مكان من غير زوال لإنه الحي القيوم والقيوم بزعمه من لا يزول # قال فيقال لهذا المعارض وهذا ايضا من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده ~~بيان ولا لمذهبه برهان لأن امر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان فما ~~بال النبي صلى الله عليه وسلم يحد لنزوله الليل دون النهار ويؤقت من الليل ~~شطره أو الاسحار أفأمره ورحمته يدعوان العباد الى الاستغفار أو يقدر الأمر ~~والرحمة أن يتكلما دونه فيقولا هل من داع فأجيب هل من مستغفر فأغفر له هل ~~من سائل فأعطي فان قررت مذهبك لزمك أن تدعى أن الرحمة والأمر هما اللذان ~~يدعوان الى الاجابة والاستغفار بكلامها دون الله وهذا محال عند السفهاء ~~فكيف عند الفقهاء قد علمتم ذلك ولكن تكابرون وما بال رحمته وأمره ينزلان من ~~عنده شطر الليل ثم لا يمكثان الا طلوع الفجر ثم يرفعان لأن رفاعة يرويه ~~يقول في حديثه حتى ينفجر الفجر قد علمتم ان شاء الله أن هذا التأويل PageV02P050 ~~أبطل باطل لا يقبله الا كل جاهل واما دعواك أن تفسير القيوم الذي لا يزول ~~عن مكانه ولا يتحرك فلا يقبل منك هذا التفسير الا بأثر صحيح مأثور عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو عن بعض أصحابه أو التابعين لأن الحي القيوم ~~يفعل ما يشاء ويتحرك اذا شاء ويهبط ويرتفع اذا شاء ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس ~~اذا شاء لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك كل حي متحرك لا محالة وكل ميت ~~غير متحرك ms0273 لا محالة ومن يلتفت الى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ~~ورسول العزة رب العزة اذ فسر نزوله مشروحا منصوصا ووقت لنزوله وقتا مخصوصا ~~لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبسا ولا عويصا قال ثم اجمل المعارض جميع ما ~~ينكر الجهمية من صفات الله تعالى وذاته المسماة في كتابه وفي آثار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعد منها بضعا وثلاثين صفة نسقا واحدا يحكم عليها ~~ويفسرها بما حكم المريسى وفسرها وتأولها حرفا حرفا خلاف ما عنى الله وخلاف PageV02P051 ~~ما تأولها الفقهاء الصالحون لا يعتمد في اكثرها الا على المريسى فبدأ منها ~~بالوجه ثم بالسمع والبصر والغضب والرضا والحب والبغض والفرح والكره والضحك ~~والعجب والسخط والارادة والمشيئة والاصابع والكف والقدمين وقوله { كل شيء ~~هالك إلا وجهه } سورة القصص 88 { فأينما تولوا فثم وجه الله } سورة البقرة ~~115 { وهو السميع البصير } سورة الشورى 11 و{ خلقت بيدي } سورة ص 75 { ~~وقالت اليهود يد الله مغلولة } سورة المائدة 64 و{ يد الله فوق أيديهم } ~~سورة الفتح 10 { والسماوات مطويات بيمينه } سورة الزمر 67 وقوله { فإنك ~~بأعيننا } سورة الطور 48 و{ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة } سورة البقرة 210 { وجاء ربك والملك صفا صفا } سورة الفجر 22 { ~~ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } سورة الحاقة 17 و{ الرحمن على العرش ~~استوى } سورة طه 5 و{ الذين يحملون العرش ومن حوله } سورة غافر 7 # وقوله { ويحذركم الله نفسه } سورة آل عمران 28 30 وولا يكلمهم الله ولا ~~ينظر إليهم سورة آل عمران 77 و{ كتب ربكم على نفسه الرحمة } سورة الانعام ~~54 و{ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } سورة المائدة 116 و{ الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين } سورة البقرة 222 PageV02P052 ~~قال عمد المعارض الى هذة الصفات والايات فنسقها ونظم بعضها الى بعض كما ~~نظمها شيئا بعد شىء ثم فرقها ابوابا في كتابة وتلطف بردها بالتأويل كتلطف ~~الجهمية معتمدا فيها على تفسير الزائغ الجهمى ms0274 بشر بن غياث المريسي دون من ~~سواه مستترا عند الجهال بالتشنيع بها على قوم يؤمنون بها ويصدقون الله ~~ورسوله فيها بغير تكييف ولا تمثال فزعم ان هؤلاء المؤمنين بها يكيفونها ~~ويشبهونها بذوات انفسهم وان العلماء بزعمه قالوا ليس فى شئ منها اجتهاد رأى ~~ليدرك كيفية ذلك او يشبة شئ منها بشئ مما هو فى الخلق موجود # قال وهذا خطأ لما أن الله ليس كمثله شيء فكذلك ليس ككيفيته شيء # قال ابو سعيد فقلنا لهذا المعارض المدلس بالتشنيع أما قولك ان كيفية هذه ~~الصفات وتشبيهها بما هو في الخلق خطأ فأنا لا نقول انه خطأ كما قلت بل هو ~~عندنا كفر ونحن لكيفيتها وتشبيهها بما PageV02P053 ~~هو في الخلق موجود أشد أنفا منكم غير أنا كما لا نشبهها ولا نكيفها لا نكفر ~~بها ولا نكذبها ولا نبطلها بتأويل الضلال كما أبطلها امامك المريسى في ~~أماكن من كتابك سنبينها لمن غفل عنها ممن حواليك من الأغمار # وأما ما ذكرت من اجتهاد الرأي في تكييف صفات الله فإنا لا نجيز اجتهاد ~~الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا وتسمع في آذاننا ~~فكيف في صفات الله التي لم ترها العيون وقصرت عنها الظنون غير أنا لا نقول ~~فيها كما قال امامك المريسى ان هذه كلها شيء واحد وليس السمع منه غير البصر ~~ولا الوجه منه غير اليد ولا اليد منه غير النفس وأن الرحمن ليس يعرف بزعمكم ~~لنفسه سمعا من بصر ولا بصرا من سمع ولا وجها من يدين ولا يدين من وجه هو ~~كله بزعمكم سمع وبصر ووجه وأعلى وأسفل ويد ونفس وعلم ومشيئة وارادة مثل PageV02P054 ~~خلق الارضين والسماء والجبال والتلال والهواء التي لا يعرف لشيء منها شيء ~~من هذه الصفات والذوات ولا يوقف لها منها على شيء فالله المتعالى عندنا ان ~~يكون كذلك فقد ميز الله في كتابه السمع من البصر فقال { إنني معكما أسمع ~~وأرى } سورة طه 46 و{ إنا معكم مستمعون } سورة الشعراء 15 وقال { ولا ~~يكلمهم الله ولا ms0275 ينظر إليهم } سورة آل عمران 77 ففرق بين الكلام والنظر دون ~~السمع فقال عند السماع والصوت { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير } سورة المجادله 1 ~~و{ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } سوره آل عمران ~~181 ولم يقل قد رأى الله قول التي تجادلك في زوجها # وقال موضع الرؤية انه { الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين } سورة ~~الشعراء 218 219 وقال تعالى { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله } PageV02P055 ~~سورة التوبة 105 ولم يقل يسمع الله تقلبك ويسمع الله عملكم فلم يذكر الرؤية ~~فيما يسمع ولا السماع فيما يرى لما أنهما عنده خلاف ما عندكم # وكذلك قال الله تعالى { ودسر تجري بأعيننا } سورة القمر 13 14 { واصبر ~~لحكم ربك فإنك بأعيننا } سورة الطور 48 { ولتصنع على عيني } سورة طه 39 ولم ~~يقل لشيء من ذلك على سمعي فكما نحن لا نكيف هذه الصفات لا نكذب بها ~~كتكذيبكم ولا نفسرها كباطل تفسيركم # ثم قال باب الحد والعرش قال ابو سعيد وادعى المعارض ايضا انه ليس لله حد ~~ولا غاية ولا نهاية # قال وهذا هو الاصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منها جميع ~~اغلوطاته وهي كلمة لم يبلغنا انه سبق جهما اليها احد من العالمين فقال له ~~قائل ممن يحاوره قد علمت مرادك ايها الاعجمي تعنى ان الله لا شيء لان الخلق ~~كلهم قد PageV02P056 ~~علموا انه ليس له شيء يقع عليه اسم الشيء الا وله حد وغاية وصفة وان لا شيء ~~ليس له حد ولا غاية ولا صفة فالشيء ابدا موصوف لا محالة ولا شيء يوصف بلا ~~حد ولا غاية وقولك لا حد له يعنى انه لا شيء # قال ابو سعيد والله تعالى له حد لا يعلمه احد غيره ولا يجوز لأحد ان ~~يتوهم لحده غاية في نفسه ولكن نؤمن بالحد ونكل علم ذلك الى الله ولمكانه ~~ايضا حد وهو على عرشه فوق ms0276 سمواتة فهذان حدان اثنان # وسئل عبد الله بن المبارك بم نعرف ربنا قال بأنه على عرشه باءن من خلقه ~~قيل بحد قال بحد حدثناه الحسن بن الصباح البزار عن علي بن الحسن بن شقيق عن ~~ابن المبارك # فمن ارعى أنه ليس لله حد فقد رد القرالقرآن وادعى أنه لا شيء لإن الله ~~وصف حد مكانه في مواضع كثيرة من كتابه فقال { الرحمن على العرش استوى } ~~سورة طه 5 { أأمنتم من في السماء } سورة الملك 16 { إني متوفيك ورافعك إلي ~~} سورة آل عمران 55 { يخافون ربهم من فوقهم } سورة النحل 50 { إليه يصعد ~~الكلم الطيب } سورة فاطر PageV02P057 ~~فهذا كله وما أشبه من شواهد ودلائل على الحد ومن لم يعترف به فقد كفر ~~بتنزيل الله وجحد آيات الله # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله فوق عرشه فوق سمواته وقال ~~للأمة السوداء أين الله قالت في السماء قال اعتقها فانها مؤمنة قول رسوله ~~الله صلى الله عليه وسلم أنها مؤمنه دليل على أنها لو لم تؤمن بأن الله في ~~السماء كما قال الله ورسوله لم تكن مؤمنة وانه لا يجوز في الرقبة المؤمنة ~~الا من يحد الله أنه في السماء كما قال الله ورسوله PageV02P058 # حدثنا أحمد بن منيع حدثنا ابو معاوية عن شبيب بن شيبة عن الحسن عن عمران ~~بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبيه يا حصين كم تعبد اليوم الها ~~قال سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك قال ~~الذي في السماء فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على الكافر اذ عرف أن ~~اله العالمين في السماء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فحصين الخزاعي في ~~كفره يومئذ كان أعلم بالله الجليل الأجل من المريسى وأصحابه مع ما ينتحلون ~~من الاسلام اذ ميز بين الاله الخالق الذي في السماء وبين الآلهة والأصنام ~~المخلوقة التي في الأرض # وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء وحده بذلك ms0277 الا ~~المريسى الضال واصحابه حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك ~~اذا حزب الصبي شيء يرفع يده الى ربه يدعوه في السماء دون ماسواها وكل أحد ~~بالله وبمكانه أعلم من الجهمية PageV02P059 # ثم انتدب المعارض لتلك الصفات التي ألفها وعددها في كتابه من الوجه ~~والسمع والبصر وغير ذلك يتأولها ويحكم على الله وعلى رسوله فيها حرفا بعد ~~حرف وشيئا بعد شيء بحكم بشر بن غياث المريسى لا يعتمد فيها على امام أقدم ~~منه ولا أرشد منه عنده فإغتمنا ذلك كله منه اذ صرح بإسمه وسلم فيها لحكمه ~~لما أن الكلمة قد اجتمعت من عامة الفقهاء في كفره وهتك ستره وافتضاحه في ~~مصره وفي سائر الأمصار الذين سمعوا بذكره # ثم ذكر الكلام على ابطال تأويلات الجهمية للصفات الواردة في الكتاب والسنة # وقال عثمان بن سعيد في كتاب الرد على الجهمية له باب الايمان بكلام الله ~~قال ابو سعيد فالله المتكلم اولا وآخرا لم يزل له الكلام اذ لا متكلم غيره ~~ولا يزال له الكلام اذ لا يبقى غيره فيقول { لمن الملك اليوم } سورة غافر 16 أنا PageV02P060 ~~الملك أنا الديان أين ملوك الأرض فلا ينكر كلام الله الا من يريد ابطال ما ~~أنزل الله عز وجل وكيف يعجز عن الكلام من علم العباد الكلام وأنطق الأنام ~~قال الله تعالى في كتابه { وكلم الله موسى تكليما } سورة النساء 164 فهذا ~~لا يحتمل تأويلا غير نفس الكلام وقال لموسى { إني اصطفيتك على الناس ~~برسالاتي وبكلامي } سورة الأعراف 144 وقال الله تعالى { وقد كان فريق منهم ~~يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } سورة البقرة 75 ~~وقال { يريدون أن يبدلوا كلام الله } سورة الفتح 15 وقال لا تبديل لكلمات ~~الله سورة يونس 64 وقال { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته } سورة ~~الأنعام # وذكر آيات أخر الى أن قال وقال تعالى لقوم موسى حين اتخذوا العجل فقال { ~~أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ms0278 } سورة طه 89 ~~وقال عجلا جسدا له خوار الم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه ~~وكانوا ظالمين سورة الأعراف 148 PageV02P061 # قال ابو سعيد ففي كل ما ذكرنا تحقيق كلام الله وتثبيته نصا بلا تأويل ~~ففيما عاب الله تعالى به العجل في عجزه عن القول والكلام بيان أن الله غير ~~عاجز عنه وأنه متكلم وقائل لأنه لم يكن ليعيب العجل بشيء هو موجود فيه وقال ~~ابراهيم { بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون } سورة الانبياء 63 ~~إلى قوله افلا تعقلون سورة الأنبياء 67 فلم يعب ابراهيم أصنامهم وآلهتهم ~~التي يعبدون بالعجز عن الكلام الا وأن الهه متكلم قائل # وبسط الكلام في ذلك الى أن قال أرأيتم قولكم انه مخلوق فما بدء خلقه أقال ~~الله له كن فكان كلاما قائما بنفسه بلا متكلم به فقد علم الناس الا ما شاء ~~الله منهم أن الله لم يخلق كلاما يرى ويسمع بلا متكلم به فلا بد من أن ~~تقولوا في دعواكم PageV02P062 ~~الله المتكلم بالقرآن فأضعتموه الى الله فهذا أجور وأكذب الكذب أن تضيفوا ~~كلام المخلوق الى الخالق ولو لم يكن كفرا كان كذبا بلا شك فيه فكيف وهو كفر ~~لا شك فيه لا يجوز لمخلوق يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدعي الربوبية ويدعو ~~الخلق الى عبادته فيقول { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } سورة طه ~~14 و{ إني أنا ربك } سورة طه 12 { وأنا اخترتك } سورة طه 13 { واصطنعتك ~~لنفسي اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري } سورة طه 41 42 { إنني ~~معكما أسمع وأرى } سورة طه 46 { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } سورة ~~الذاريات 56 { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم } سورة يس 60 61 قد علم الخلق الا من ~~اضله الله انه لا يجوز لأحد أن يقول هذا وما أشبهه ويدعيه غير الخالق بل ~~القائل به والداعي الى عبادة غير الله كافر ms0279 كفرعون الذي قال { أنا ربكم ~~الأعلى } سورة النازعات 24 والمجيب له والمؤمن بدعواه اكفر وأكذب # وان قلتم تكلم به مخلوق فأضفناه الى الله لأن الخلق كلهم PageV02P063 ~~بصفاتهم وكلامهم لله فهذا المحال الذي ليس ورائه محال فضلا عن أن يكون كفرا ~~لأن الله عز وجل لن ينسب شيئا من الكلام كله الى نفسه انه كلامه غير القرآن ~~وما أنزل على رسله فان قد تم كلامكم ولزمتموه لزمكم أن تسموا الشعر وجميع ~~الغناء والنوح وكلام السباع والبهائم والطير كلام الله فهذا مما لم يختلف ~~المصلون في بطوله واستحالته فما فضل القرآن اذا عندكم على الغناء والنوح ~~والشعر واذا كان كله في دعواكم كلام الله فكيف خص القرآن بأنه كلام الله ~~ونسب كل كلام الى قائله فكفا بقوم ضلالا ان يدعوا قولا لا يشك الموحدون في ~~بطوله واستحالته # ومما يزيد دعواكم تكذيبا واستحالة ويزيد المؤمنين بكلام الله ايمانا ~~وتصديقا ان الله قد ميز بين من كلم من رسله في الدنيا وبين من لم يكلم ومن ~~يكلم من خلقه في الآخرة ومن لا يكلم فقال { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ~~منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } سورة البقرة 253 فميز بين من اختصه ~~الله بكلامه وبين من لم يكلمه ثم سمى ممن كلم الله موسى فقال { وكلم الله ~~موسى تكليما } سورة النساء 164 فلو لم يكلمه بنفسه الا على تأويل ما PageV02P064 ~~ادعيتم فما فضل من ذكر الله في تكليمه اياه على غيره من لم يكلمه اذ كل ~~الرسل في تكليم الله اياهم مثل موسى وكل عندكم لم يسمع كلام الله وقد قال ~~تعالى { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله } سورة آل عمران 77 ~~ففي هذا بيان أنه لا يعاقب قوما يوم القيامة بصرف كلامه عنهم الا وأنه يثبت ~~بتكليمه قوما آخرين # وقال ايضا في بيان كفر الجهمية أخبر الله أن القرآن كلامه وادعت الجهمية ~~أنه خلقه وأخبر الله تبارك وتعالى أنه كلم موسى تكليما وقال هؤلاء لم يكلمه ~~الله ms0280 بنفسه ولم يسمع موسى نفس كلام الله انما سمع كلاما خرج اليه من مخلوق ~~ففي دعواهم دعى مخلوق موسى PageV02P065 ~~الى ربوبيته فقال { إني أنا ربك فاخلع نعليك } سورة طه 12 فقال له موسى في ~~دعواهم صدقت ثم اتى فرعون يدعوه الى ربوبية مخلوق كما أجاب موسى في دعواهم ~~فما فرق بين موسى وفرعون في الكفر اذا فأي كفر اوضح من هذا وقال الله تبارك ~~وتعالى { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } سورة النحل 40 ~~وقال هؤلاء ما قال لشيء قط قولا وكلاما كن فكان ولا يقوله ابدا ولم يخرج ~~منه كلام قط ولا يخرج ولا هو يقدر على الكلام في دعواهم فالصنم في دعواهم ~~والرحمن بمنزلة واحدة في الكلام # وقال ايضا في كتاب النقض على المريسى وادعيت أيها المريسى في قول الله عز ~~وجل { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } سورة ~~البقرة 210 وفي قوله { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك } ~~سورة الأنعام 158 فادعيت أن هذا ليس منه باتيان لما أنه غير متحرك عندك PageV02P066 ~~ولكن يأتي بالقيامة بزعمك وقوله { يأتيهم الله في ظلل من الغمام } يأتي ~~الله بأمره في ظليل من الغمام ولا يأتي هو بنفسه ثم زعمت أن معناه كمعنى ~~قوله { فأتى الله بنيانهم من القواعد } سورة النحل 26 { فأتاهم الله من حيث ~~لم يحتسبوا } سورة الحشر 2 # فيقال لهذا المريسى قاتلك الله ما أجراك على الله وعلى كتابه بلا علم ولا ~~بصر أنبأك الله أنه اتيان وتقول ليس بإتيان انما هو كقوله { فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد } سورة النحل 26 لقد ميزت بين ما جمع الله وجمعت بين ما ~~ميز الله ولا يجمع بين هذين التأوليين الا كل جاهل بالكتاب والسنة لأن ~~تاويل كل منهما مقرون به في سياق القراءة لا يجهلهه الا مثلك # وقد اتفقت الكلمة من المسلمين ان الله فوق عرشه فوق سماواته وأنه لا ينزل ~~قبل يوم القيامة لعقوبة أحد من خلقه ms0281 ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل ~~بين عباده ويحاسبهم ويثيبهم وتشقق السماوات يومئذ لنزوله وتنزل لملائكة ~~تنزيلا وحمل عرش ربك PageV02P067 ~~فوقهم يومئذ ثمانية كما قال الله ورسوله فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ~~ينزل الى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من امور الدنيا علموا يقينا أن ما ~~يأتي الناس من العقوبات انما هو من أمره وعذابه # فقوله { فأتى الله بنيانهم من القواعد } يعني مكره من قبل قواعد بنيانهم ~~{ فخر عليهم السقف من فوقهم } سورة النحل 26 فتفسير هذا الاتيان خرور السقف ~~عليهم من فوقهم وقوله { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } مكر بهم { وقذف في ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } سورة الحشر 2 وهم بنو ~~النضير فتفسير الاتيانين مقرون بهما فخرور السقف والرعب وتفسير اتيان الله ~~يوم القيامة منصوص في الكتاب مفسر قال الله تعالى { فإذا نفخ في الصور نفخة ~~واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت ~~السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ~~ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } سورة الحاقة 13 18 الى قوله ~~تعالى { هلك عني سلطانيه } سورة الحاقة 29 فقد فسر الله المعنيين تفسيرا لا ~~لبس فيه PageV02P068 ~~ولايشتبه على ذي عقل فقال فيما يصيب به من العقوبات في الدنيا { أتاها ~~أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس } سورة يونس 24 فحين ~~قال { أتاها أمرنا } علم اهل العلم ان امره ينزل من عنده من السماء وهو على ~~عرشه فلما قال { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة } سورة الحاقة 13 الايات ~~التي ذكرناها وقال ايضا { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا } ~~سورة الفرقان و{ يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى ~~الله ترجع الأمور } سورة البقرة 210 و{ دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك ~~صفا صفا } سورة الفجر 21 22 علم بما نص الله من الدليل وبما حد لنزول ~~الملائكة يومئذ ان هذا اتيان الله بنفسه ms0282 يوم القيامة ليلى محاسبة خلقه ~~بنفسه لا يلي ذلك أحد غيره وأن معناه مخالف لمعنى اتيان القواعد لاختلاف ~~القضيتين # الى أن قال وقد كفانا رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P069 ~~وأصحابه تفسير هذا الاتيان حتى لا نحتاج منك له الى تفسير وذكر حديث ابي ~~هريرة الذي في الصحيحين في تجليه يوم القيامة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفيه قال فيقول المؤمنون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه ~~فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه وذكر حديث ابن عباس ~~من وجهين موقوتا ومرفوعا الى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ثم يأتي الرب ~~تعالى في الكروبيين وهم أكثر من أهل السموات والأرض ورواه الحاكم في صحيحه ~~وذكر عن أنس بن مالك أنه قال وتلا هذه الآية { يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات } قال يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة لم تعمل عليها ~~الخطايا ينزل عليها الجبار # ثم قال ومن يلتفت أيها المريسى الى تفسيرك المحال في اتيان PageV02P070 ~~الله يوم القيامة ودع تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الا كل ~~جاهل مجنون خاسر مغبون لما أنك مفتون في الدين مأفون وعلى تفسير كتاب الله ~~غير مأمون ويلك أيأتي الله بالقيامة ويتغيب هو بنفسه فمن يحاسب الناس يومئذ ~~لقد خشيت على من ذهب مذهبك هذا أنه لا يؤمن بيوم الحساب # وادعيت ايها المريسى قي قول الله { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ~~سورة البقرة 255 وادعيت أن تفسير القيوم عندك الذي لا يزول يعنى الذي لا ~~ينزل ولا يتحرك ولا يقبض ولا يبسط وأسندت ذلك عن بعض أصحابك غير مسمى عن ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس انه قال القيوم الذي لا يزول دمع روايتك ~~هذه عن ابن العباس دلائل وشواهد أنها باطلة # احداها أنك رويتها وأنت المتهم في توحيد الله # والثانية أنك رويته عن بعض أصحابك غير مسمى وأصحابك مثلك في الظنة ~~والتهمة PageV02P071 # والثالثة أنه عن الكلبي وقد أجمع أهل العلم ms0283 بالأثر على أن لا يحتجوا ~~بالكلبي في أدنى حلال ولا حرام فكيف في تفسير توحيد الله وتفسير كتابه ~~وكذلك أبو صالح # ولو قد صحت روايتك عن ابن عباس أنه قال القيوم الذي لا يزول لم نستنكره ~~وكان معناه مفهوما واضحا عند العلماء وعند أهل البصر بالعربية أن معنى لا ~~يزول لا يفنى ولا يبيد لا أنه لا يتحرك ولا يزول من مكان الى مكان اذا شاء ~~كما كان يقال للشيء الفاني هو زائل كما قال لبيد # الا كل شيء ماخلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل يعني فان لا أنه ~~متحرك فان أمارة ما بين الحي والميت التحرك وما لا يتحرك فهو ميت لا يوصف ~~بحياة كما لا توصف الأصنام الميتة قال الله تعالى { والذين يدعون من دون ~~الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون } ~~سورة النحل 20 21 فالله الحي القيوم القابض الباسط يتحرك اذا شاء PageV02P072 ~~وينزل اذا شاء ويفعل ما يشاء بخلاف الأصنام الميتة التي لا تزول حتى تزال # واحتججت أيها المريسى في نفي التحرك عن الله والزوال بحجج الصبيان فزعمت ~~أن ابراهيم صلى الله عليه وسلم حين رأى كوكبا وشمسا وقمرا قال { هذا ربي ~~فلما أفل قال لا أحب الآفلين } سورة الأنعام 76 ثم قلت فنفى ابراهيم المحبة ~~عن كل اله زائل يعني أن الله اذا نزل من سماء الى سماء أو نزل يوم القيامة ~~لمحاسبة العباد فقد أفل وزال كما أفل الشمس والقمر فتنصل من ربوبيتهما ~~ابراهيم فلو قاس هذا القياس تركى طمطماني أو رومي عجمي ما زاد على ما قست ~~قبحا وسماجة ويلك من قال من خلق الله ان الله اذا نزل أو تحرك أو نزل ليوم ~~الحساب أفل في شيء كما تأفل الشمس في عين حمئة ان الله لا يأفل في شيء سواه ~~اذا نزل أو ارتفع كما تأفل الشمس والقمر والكواكب بل هو العالي على كل شيء ~~المحيط بكل شيء في جميع أحواله من نزوله وارتفاعه ms0284 وهو الفعال لما يريد لا ~~يأفل في شيء بل الأشياء كلها تخشع له وتتواضع والشمس والقمر والكواكب خلائق ~~مخلوقة اذا افلت افلت في مخلوق في عين حمئة كما قال الله تعالى والله أعلى ~~وأجل لا يحيط به شيء ولا يحتوي عليه شيء PageV02P073 ~~وقال أبو بكر عبد العزيز بن الجعفر صاحب الخلال في أول كتابه الكبير المسمى ~~بالمقنع وقد ذكر ذلك عنه القاضي أبو يعلى في كتاب ايضاح البيان في مسألة ~~القرآن قال أبو بكر لما سألوه انكم اذا قلتم لم يزل متكلما كان ذلك عبثا ~~فقال لأصحابنا قولان أحدهما أنه لم يزل متكلما كالعلم لأن ضد الكلام الخرس ~~كما أن ضد العلم الجهل قال ومن أصحابنا من قال قد أثبت سبحانه لنفسه أنه ~~خالق ولم يجز ان يكون خالقا في كل حال بل قلنا انه خالق في وقت ارادته ان ~~يخلق وان لم يكن خالقا في كل حال ولم يبطل ان يكون خالقا كذلك وان لم يكن ~~متكلما في كل حال لم يبطل أن يكون متكلما بل هو متكلم خلق وان لم يكن خالقا ~~في كل حال ولا متكلما في كل حال # وذكر القاضي ابو يعلى في كتابه المسمى با يضاح البيان هذا السؤال فقال ~~نقول انه لم يزل متكلما وليس بمكلم ولا مخاطب ولا امر ولا ناه نص عليه احمد ~~في روايه حنبل فقال لم يزل الله متكلما عالما غفورا قال وقال في رواية عبد ~~الله لم يزل الله متكلما اذا شاء PageV02P074 # وقال حنبل في موضع اخر سمعت ابا عبد الله يقول لم يزل الله متكلما ~~والقران كلام الله غير مخلوق # قال القاضي ابو يعلى وقال احمد في الجزء الذي فيه الرد على الجهمية ~~والزنادقة وكذلك الله يتكلم كيف شاء من غير ان نقول جوف ولا فم ولا شفتان # وقال بعد ذلك بل نقول ان الله لم يزل متكلما اذا شاء ولا نقول انه كان ~~ولا يتكلم حتى خلق # وقال أبو عبد الله بن حامد في كتابه في أصول ms0285 الدين ومما يجب الايمان به ~~والتصديق أن الله متكلم وأن الله متكلم وان كلامه قديم وأنه لم يزل متكلما ~~في كل اوقاته موصوفا بذلك وكلامه قديم غير محدث كالعلم والقدرة # قال وقد يجيء على المذهب أن يكون الكلام صفة المتكلم لم يزل موصوفا بذلك ~~ومتكلما كما شاء وذا شاء ولا نقول أنه PageV02P075 ~~ساكت في حال أو متكلم في حال من حيث حدوث الكلام # قال ولا خلاف عن ابي عبد الله أن الله كان متكلما قبل أن يخلق الخلق وقبل ~~كل الكائنات وان الله كان في ما لم يزل متكلما كيف وكما شاء واذا شاء انزل ~~كلامه واذا شاء لم ينزله # قلت قول ابن حامد ولا نقول أنه ساكت في حال أو متكلم في حال من حيث حدوث ~~الكلام يريد به أنا لا نقول أن جنس كلامه حادث في ذاته كما تقول الكرامية ~~من أنه كان ولا يتكلم ثم صار يتكلم من بعد أن لم يكن متكلما في الأزل ولا ~~كان تكلمه ممكنا # وقال أبو اسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الاسلام في ~~اعتقاد اهل السنة وما وقع عليه اجماع أهل الحق من الأمة اعلم أن الله متكلم ~~قائل مادح نفسه وهو متكلم كلما شاءويتكلم بكلام لا مانع له ولا مكره ~~والقرآن كلامه هو تكلم به # وقال ايضا في كتاب مناقب احمد بن حنبل في باب الاشارة الى طريقته في ~~الاصول لما ذكر كلامه في مسائل القرآن وترتيب البدع التي ظهرت فيه وأنهم ~~قالوا أولا هو مخلوق وجرت المحنة المشهورة ثم مسألة اللفظية بسبب حسين ~~الكرابيسي الى أن قال وجاءت PageV02P076 ~~طائفة فقالت لا يتكلم بعد ما تكلم فيكون كلامه حادثا قال وهذه سحارة أخرى ~~تقذي في الدين غير عين واحدة فانتبه لها أبو بكر بن خزيمة وكانت حينئذ ~~بنيسابور دار الآثار تمد اليها الدانات وتشد اليها الركائب ويجلب منها ~~العلم وما ظنك بمجالس يحبس عنها الثقفي والصبغي مع ما جمعا من الحديث ~~والفقه والصدق والورع واللسان والبيت والقدر لا ms0286 يستر لوث بالكلام واستمام ~~لأهله فابن خزيمة في بيت ومحمد بن اسحاق في بيت وأبو حامد القرشوقي في بيت ~~قال فطار لتلك الفتنة ذلك الامام أبو بكر فلم يزل يصيح بتشويهها ويصنف في ~~ردها كأنه منذر جيش حتى PageV02P077 ~~دون في الدفاتر وتمكن في السرائر ولقن في الكتاتيب ونقش في المحاريب أن ~~الله متكلم ان شاء الله تكلم وان شاء سكت فجزى الله ذلك الامام وأولئك ~~النفر الغر عن نصرة دينه وتوقير نبيه خيرا # قلت هذه القصة التي أشار اليها عن ابن خزيمة مشهورة ذكرها غير واحد من ~~المصنفين كالحاكم أبي عبد الله في تاريخ نيسابور وغيره ذكر أنه رفع الى ~~الامام أنه قد نبغ طائفة من أصحابه يخالفونه وهو لا يدري وأنهم على مذهب ~~الكلابية وأبو بكر الامام شديد على الكلابية # قال فحدثني أبو بكر أحمد بن يحيى المتكلم قال اجتمعتا ليلة عند بعض أهل ~~العلم وجرى ذكر كلام الله أقديم لم يزل أو يثبت عند اختياره تعالى أن يتكلم ~~به فوقع بيننا في ذلك خوض قال جماعة منا ان كلام الباري قديم لم يزل وقال ~~جماعة ان كلامه قديم غير أنه لا يثبت الا باختياره لكلامه فبكرت أنا الى ~~أبي على الثقفي وأخبرته بما جرى فقال من أنكر أنه لم يزل فقد اعتقد أنه ~~محدث وانتشرت هذه المسألة في البلد وذهب منصور الطوسي في جماعة معه الى ابي ~~بكر محمد بن اسحاق واخبروه بذلك حتى قال منصور الم أقل للشيخ ان هؤلاء ~~يعتقدون مذهب الكلابية وهذا مذهبهم PageV02P078 ~~فجمع ابو بكر اصحابه وقال الم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام ولم يزدهم ~~على هذا في ذلك اليوم وذكر أنه بعد ذلك خرج على أصحابه وأنه صنف في الرد ~~عليهم وأنهم ناقضوه ونسبوه الى القول بقول جهم في أن القرآن محدث وجعلهم هو كلابية # قال الحاكم سمعت أبا عبد الرحمن بن أحمد المقري يقول سمعت أبا بكر محمد ~~بن اسحاق يقول الذي اقول به أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزليه ms0287 غير مخلوق ~~ومن قال أن القران أو شيئا منه وحيه وتنزيله مخلوق أو يقول ان الله لا ~~يتكلم بعد ما كان تكلم به في الأزل أو يقول ان أفعال الله مخلوقة أو يقول ~~ان القرآن محدث أو يقول ان شيئا من صفات الله صفات الذات أو اسما من أسماء ~~الله مخلوق فهو عندي جهمي يستتاب فان تاب والا ضربت عنقه هذا مذهبي ومذهب ~~من رأيت من أهل الأثر في الشرق والغرب من أهل العلم ومن حكى عني خلاف هذا ~~فهو كاذب باهت ومن نظر في كتبي المصنفة ظهر له وبان أن الكلابية كذبة فيما ~~يحكون عني مما هو خلاف أصلي وديانتي # وذكرعن ابن خزيمة أنه قال زعم بعض جهلة الذين نبغوا في سنتنا هذه أن الله ~~لا يكرر الكلام فهم لا يفهمون كتاب الله فإن PageV02P079 ~~الله قد أخبر في نص الكتاب في مواضع أنه خلق آدم وأنه أمر الملائكة بالسجود ~~له فكرر هذا الذكر في غير موضع وكرر ذكر كلامه مع موسى مرة بعد أخرى وكرر ~~ذكر عيسى بن مريم في مواضع وحمد نفسه في مواضع فقال { الحمد لله الذي أنزل ~~على عبده الكتاب } سورة الكهف 1 و{ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } ~~سورة الانعام 1 و{ الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } سورة ~~سبأ 1 وكرر زيادة على ثلاثين مرة { فبأي آلاء ربكما تكذبان } سورة الرحمن ~~ولم أتوهم أن مسلما يتوهم أن الله لا يتكلم بشيء مرتين # قال الحاكم سمعت أبا بكر محمد بن اسحاق يعني الصبغي يقول لما وقع من ~~أمرنا ما وقع ووجد بعض المخالفين يعني المعتزلة الفرصة في تقرير مذهبهم ~~بحضرتنا قال أبو على الثقفي للامام ما الذي أنكرت من مذاهبنا أيها الامام ~~حتى نرجع عنه قال ميلكم الى مذاهب الكلابية فقد كان PageV02P080 ~~أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد وعلى أصحابه مثل الحارث ~~المحاسبي وغيره حتى طال الخطاب بينه وبين أبي على في هذا الباب فقلت ms0288 قد ~~جمعت أنا أصول مذاهبنا في طبق فأخرجت اليه الطبق فقلت تأمل ما جمعته بخطى ~~وبينته في هذه المسائل فان كان فيها شيء تكرهه فبين لنا وجهه فذكر أنه ~~تأمله ولم ينكر منه شيئا وذكر لشيخه الخط وفيه ان الله بجميع صفات ذاته ~~واحد ولم يزل ولا يزال وما أضيف الى الله من صفات فعله مما هو غيربائن عن ~~الله فغير مخلوق وكل شىء أضيف إلى الله بائن عنه دونه خلقه # وذكر أن أبا العباس القلانسي وغيره من خالف ابا بكر وأنه كتب الى جماعة ~~منا العلماء تلك المسائل وأنهم كانو يرفعون من خالف أبا بكر الى السلطان ~~وأن أمير نيسابور أمر أن يمتثل أمر أبي بكر فيهم من النفي والضرب والحبس ~~وأن عبد الله بن حماد قال طوبى لهم ان كان ما يقال عنهم مكذوبا عليهم وأن ~~عبد الله بن حماد PageV02P081 ~~من غد ذلك اليوم قال رأيت البارحة في المنام كان أحمد بن السري الزاهد ~~المروزى لكمني برجله ثم قال كأنك في شك من امور هؤلاء الكلابية قال ثم نظر ~~الى محمد بن اسحاق فقال { هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله ~~واحد وليذكر أولوا الألباب } سورة ابراهيم 52 وهذه القصة مبسوطة في موضع ~~آخر وأكثر أهل العلم والدين كانوا مع ابن خزيمة على الكلابية # ذكر أبو اسماعيل الأنصاري المعروف بشيخ الاسلام في كتاب ذم الكلام سمعت ~~أبا نصر بن أبي سعيد الرداد سمعت أبراهيم بن اسماعيل الخلال يقول اني ذهبت ~~بكتاب ابن خزيمة في الصبغي والثقفي الى أمير المؤمنين فكتب بصلبهما فقال ~~ابن خزيمة لا قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم النفاق من أقوام فلم يصلبهم # قال أبو اسماعيل سمعت اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني يقول استتيب الصبغي ~~والثقفي على قبر ابن خزيمة # وقال سمعت أحمد بن أبي نصر يقول رأينا محمد بن الحسين السلمي يعني أبا ~~عبد الرحمن السلمي صاحب التصانيف المعروفة في طريقة الصوفية يلعن الكلابية PageV02P082 # قال وسمعت محمد بن العباس بن ms0289 محمد يقول كان أبو على الرفا يقول لعن الله ~~الكلابية # ومن الموافقين لابن خزيمة أبو حامد الشاركي وأبو سعيد الزاهد ويحيى بن ~~عمار وأبو عثمان النيسابوري الملقب بشيخ الاسلام # قال وسمعت عبد الواحد بن ياسين يقول رأيت بابين قلعا من مدرسة أبي الطيب ~~يعني الصعلوكي بأمره من بيتي شابين حضرا أبا بكر بن فورك وسمعت الطيب بن ~~محمد سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول وجدت أبا حامد الاسفرايني وأبا الطيب ~~الصعلوكي وأبا بكر القفال المروزي وابا منصور الحاكم على الانكار على ~~الكلام واهله # وقال الحافظ ابو نصر السجزي في رسالته المعروفه الى اهل زبيد في الواجب ~~من القول في القرآن اعلموا ارشدنا الله واياكم انه لم يكن خلاف بين الخلق ~~على اختلاف نحلهم من اول الزمان الى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي ~~والأشعري واقرانهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم بل أخس حالا ~~منهم في PageV02P083 ~~الباطن من أن الكلام لا يكون الا حرفا وصوتا ذا تأليف واتساق وان اختلفت به ~~اللغات وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات وقالوا الكلام ~~حروف متسقة وأصوات مقطعة وقالت يعني علماء العربية الكلام اسم وفعل وحرف ~~جاء لمعنى فالاسم مثل زيد وعمرو والفعل مثل جاء وذهب والحرف الذي يجيء ~~لمعنى مثل هل وبل وقد وما شاكل ذلك فالاجماع منعقد بين العقلاء على كون ~~الكلام حرفا وصوتا فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزله من ~~طريق مجرد العقل وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان السلف عليه ولا ~~يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعما منهم أنها اخبار آحاد وهي لا توجب ~~علما والزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف ~~وصوت يدخله التعاقب والتأليف وذلك لا يوجد في الشاهد الا بحركة وسكون ولا ~~بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من ~~صفات ذات الله تعالى لأن ذات الحق لا توصف بالاجتماع والافتراق والكل ~~والبعض والحركة ms0290 والسكون وحكم الصفة الذاتية حكم الذات # قالوا فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف الى الله تعالى خلق له PageV02P084 ~~احدثه وأضافه الى نفسه كما نقول خلق الله وعبد الله وفعل الله # قال فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الالزام لقلة معرفتهم بالسنن ~~وتركهم قبولها وتسليمهم العنان الى مجرد العقل # فالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الاجماع المنعقد ~~بين الكافة المسلم والكافر وقالو للمعتزلة الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام ~~وانما سمي ذلك كلاما على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه وحقيقة الكلام ~~معنى قائم بذات المتكلم فمنهم من اقتصر على هذا القدر ومنهم من احترز عما ~~علم دخوله على هذا الحد فزاد فيه تنافي السكوت والخرس والآفات المانعة فيه ~~من الكلام ثم خرجوا من هذا الى ان اثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم ~~واثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم واثبات اللغة فيه تشبيه وتعلقوا ~~بشبه منها قول الآخطل % ان البيان من الفؤاد وانما % جعل اللسان على الفؤاد ~~دليلا % PageV02P085 ~~فغيروه وقالوا ان الكلام من الفؤاد وزعموا أن لهم حجة على مقالتهم في قوله ~~تعالى { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } سورة المجادلة 8 ~~وقول الله عز وجل { فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم } سورة يوسف 77 ~~واحتجوا بقول العرب ارى فى نفسك كلاما وفى وجهك كلاما فألجاهم الضيق مما ~~دخل عليهم فى مقالتهم الى ان قالوا الاخرس متكلم وكذلك الساكت والنائم ولهم ~~فى حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون بة ثم افصحوا بإن الخرس ~~والسكوت والافات المانعة من النطق ليست باضداد الكلام # وهذة مقالة تبين فضيحة قائلها فى ظاهرها من غير رد علية ومن علم منه خرق ~~اجماع الكافة ومخالفة كل عقلى وسمعى قبلة لم يناظر بل يجانب ويقمع # وقال ابو نصر السجزى ايضا فى كتابة المسمى بالابانة فى مسألة القرآن لما ~~قيل لة ان القراءة عمل والعمل لا يكون صفة اللة والدليل على انها عمل انك ~~تقول قرا فلان يقرا وما حسن فيه ms0291 ذكر المستقبل فهو عند العرب عمل PageV02P086 # فقال هذا لا يلزم لأنك تقول قال الله عز وجل ويقول الله عز وجل والله ~~تعالى قال { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } سورة البقرة 35 وقال ~~تعالى { يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد } سورة ق 30 فقد حسن في ~~القول ذكر المستقبل # فإن ارتكبوا العظمى وقالوا كلام الله شيء واحد على أصلنا لا يتجزأ وليس ~~بلغة والله سبحانه من الأزل الى الأبد متكلم بكلام واحد لا أول له ولا آخر ~~فقال ويقول إنما يرجع الى العبارة لا الى المعبر عنه # قيل لهم قد بينا مرارا كثيرة أن قولكم في هذا الباب فاسدو أنه مخالف ~~للعقليين والشرعيين جميعا وأن النص الكتاب والثابت من الأثر قد نطقا بفساده ~~قال الله تالى { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } سورة ~~النحل 40 فبين الله سبحانه أنه يقول للشيء كن إذا أراد كونه فعلم بذلك أنه ~~لم يقل للقيامة بعد كوني # وقال أيضا في موضع آخر النبي صلى الله عليه وسلم قال نبدأ بما بدأ الله ~~به ثم قرأ { إن الصفا والمروة من شعائر الله } PageV02P087 ~~سورة البقرة 158 والله تعالى قال { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون } سورة آل عمران 59 وقال { إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون } سورة يس 82 فبين جل جلاله أنه قال لآدم بعد أن ~~خلقه من تراب كن وأنه إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون ولم يقتض ذلك حدوثا ~~ولا خلقا بعد حدوث نوع الكلام لما قام من الدليل على انتفاء الخلق عن كلام ~~الله تعالى # وقال أبو نصر السجزي أيضا فأما الله تعالى فإنه متكلم فيما لم يزل ولا ~~يزال متكلما لما شاء من الكلام يسمع من يشاء من خلقه ما شاء من كلامه إذا ~~شاء ذلك ويكلم من شاء تكليمه بما يعرفه ولا يجهله وهو سبحانه حي عليم متكلم ms0292 ~~لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء لا يوصف الا بما وصف به نفسه وبما وصفه به ~~رسوله ليس بجسم ولا في معنى جسم ولا يوصف بأداة ولا جارحة وآلة وكلامه PageV02P088 ~~أحسن الكلام وفيه سور وأي وكلمات وكل ذلك حروف وهو مسموع منه على الحقيقة ~~سماعا يعقله الخلق ولا كيفية لتكلمه وتكليمه وجائز وجود أعداد من المكلمين ~~يكلمهم سبحانه في حال واحدة بما يريده من كل واحد منهم من غير أن يشغله ~~تكليم هذا عن تكليم هذا # قال ومنع كثير من أهل العلم إطلاق السكوت عليه ومن أهل الأثر من جوز ~~اطلاق السكوت عليه لوروده في الحديث وقال معناه تركه التوبيخ والتقرير ~~والمحاسبة اليوم وسيأتي يوم يقرر فيه ويحاسب ويوبخ فذلك الترك بمعنى السكوت # قال والأصل الذي يجب أن يعلم أن اتفاق التسميات لا يوجب اتفاق المسمين ~~بها فنحن إذا قلنا إن الله موجود رؤوف واحد حي عليم سميع بصير متكلم وقلنا ~~إن النبي صلى الله عليه وسلم كان موجودا حيا عالما سميعا بصيرا متكلما لم ~~يكن ذلك تشبيها ولا خالفنا به أحدا من السلف والأئمة بل الله موجود لم يزل ~~واحد حي قديم قيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل ولا يجوز أن يوصف ~~بأضداد هذه الصفات والموجود منا إنما وجد عن عدم وحيي بمعنى PageV02P089 ~~حله ثم يصير ميتا بزوال ذلك المعنى وعلم بعد أن لم يعلم وقد ينسى ما علم ~~وسمع وأبصر وتكلم بجوارح قد تلحقها الآفات فلم يكن فيما أطلق للخلق تشبيه ~~بما أطلق للخالق سبحانه وتعالى وإن اتفقت مسميات هذه الصفات # وقال أبو نصر أيضا خاطبني بعض الأشعرية يوما في هذا الفصل وقال التجزؤ ~~على القديم غير جائز فقلت له أتقر بأن الله أسمع موسى كلامه على الحيقة بلا ~~ترجمان فقال نعم وهم يطلقون ذلك ويموهون على من لم يخبر مذهبهم وحقيقة سماع ~~كلام الله من ذاته على أصل الأشعري محال لأن سماع الخلق على ما جبلوا عليه ~~من البنية وأجروا عليه من العادة لا يكون ms0293 ألبتة الا لما هو صوت أوفي معنى ~~الصوت واذا لم يكن كذلك كان الواصل الى معرفته بضرب من العلم والفهم وهما ~~يقومان في وقت مقام السماع لحصول العلم بهما كما يحصل بالسماع وربما سمى ~~ذلك سماعا على التجوز لقربه من معناه فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت ~~فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري # قال فقلت لمخاطبي الأشعري قد علمنا جميعا أن حقيقة السماع لكلام الله منه ~~على أصلكم محال وليس ههنا من تتقيه وتخشى PageV02P090 ~~تشنيعه وإنما مذهبك أن الله يفهم من شاء كلامه بلطيفة منه حتى يصير عالما ~~متيقنا بأن الذي فهمه كلام الله والذي أريد أن ألزمك وارد على الفهم وروده ~~على السماع فدع التمويه ودع المصانعة ما تقول في موسى عليه السلام حيث كلمه ~~الله أفهم كلام الله مطلقا أم مقيدا فتلكأ قليلا ثم قال ما تريد بعد فقلت ~~دع إرادتي وأجب بما عندك فأبا وقال ما تريد بهذا فقلت أريد أنك إن قلت إنه ~~عليه السلام فهم كلام الله مطلقا اقتضى أن لا يكون لله كلام من الأزل الى ~~الأبد إلا وقد فهمه موسى وهذا يؤول الى الكفر فإن الله تعالى يقول { ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } سورة البقرة 255 ولو جاز ذلك لصار من ~~فهم كلام الله عالما بالغيب وبما في نفس الله تعالى وقد نفى الله تعالى ذلك ~~بما أخبر به عن عيسى عليه السلام أنه يقول { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما ~~في نفسك إنك أنت علام الغيوب } سورة المائدة 116 وإذا لم يجز إطلاقه وألجئت ~~الى أن تقول افهمه الله ما شاء من كلامه دخلت في التبعيض الذي هربت منه ~~وكفرت من قال به ويكون مخالفك أسعد منك لأنه قال بما اقتضاه النص الوارد من ~~قبل الله عز وجل ومن قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت أبيت أن تقبل PageV02P091 ~~ذلك وادعيت أن الواجب المصير الى حكيم العقل في هذا الباب وقد ردك العقل ~~الى موافقة النص خاسئا ms0294 # فقال هذا يحتاج الى تأمل وقطع كلام # وقال أبو نصر لم يزل الله متكلما لأن الكلام من صفات المدح لحي الفاعل ~~وضده من النقائص والله منزه عنها وذكر كلاما كثيرا الى أن قال وقد ثبت بما ~~ذكرناه كون القرآن مفرقا مفصلا ذا أجزاء وأبعاض وآي وكلمات وحروف وأن ما ~~كان بخلاف ذلك لم يكن القرآن المنزل الذي آمن به المسلمون وجحده الكفار وأن ~~المقروء سور وآي وكلمات وحروف وكذلك المحفوظ والمكتوب والمتلو وأنه عربي ~~مبين نازل بلسان العرب ولسان قريش والمراد باللسان في هذا الباب اللغة لا ~~اللسان الذي هو لحم ودم وعروق تعالى الله عن ذلك وجل عن أن يوصف إلا بما ~~وصف به نفسه وتنزه عن الأشباه # قال ونحن نذكر عقب هذا الفصل فصلا في ذكر حروف القرآن وفصلا بعد ذلك في ~~الصوت وما ورد فيه من القرآن والحديث وكل ذي لب صحيح يعرف بالحس والمشاهدة ~~قبل الاستدلال أن القرآن العربي حروف ولا فرق بين منكر ذلك ومنكر الحواس ~~وأنها من مباديء العلم وأسباب المدارك PageV02P092 ~~قال وقد بين الله في كتابه مالا إشكال بعده في هذا الفصل لما قال { وإذ ~~نادى ربك موسى } سورة الشعراء 10 والعرب لا تعرف نداء الا صوتا وقد جاء عن ~~موسى تحقيق ذلك فإن أنكرو الظاهر كفروا وإن قالوا إن النداء غير صوت خالفوا ~~لغات العرب وإن قالوا نادى المير إذا أمر غيره بالنداء دفعوا فضيلة موسى ~~عليه السلام المختصة به من تكليم الله إياه بذاته من غير واسطة ولا ترجمان ~~وليس في وجود الصوت من الله تعالى تشبيه بمن يوجد الصوت منه من الخلق كما ~~لم يكن في إتبات الكلام له تشبيه بمن له كلام من خلقه وكيف وكلامه وكلام ~~خلقه معا عند الأشعري معنى قائم بذات المتكلم لا يختلف فهو المشبه لا محاله # قال واما نحن فنقول كلام الله حرف وصوت بحكم النص قال وليس ذلك عن جارحة ~~ولا آلة وكلامنا حروف وأصوات لا يوجد ذلك منا الا بآله والله سبحانه ms0295 وتعالى ~~يتكلم بما شاء لا يشغله شيء عن شيء والمتكلم منا لا يتأتى منه أداء حرفين ~~إلا بأن يفرغ من أحدهما ويبتديء في الآخر والقرآن لما كن كلاما لله كان ~~معجزا وكلام الخلق غير معجز وفي كلام الله بيان ما كان وما سيكون PageV02P093 ~~وما لا يكون ابدا لو كان كيف كان يكون والخلق لا يصلون الى هذه الأشياء إلا بتعريف # وقال أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي في ~~كتابه المعروف بالحجة على تارك المحجة أجمع المسلمون على أن القرآن كلام ~~الله وإذا صح أنه كلام الله صح أنه صفة الله تعالى وأنه موصوف به وهذه ~~الصفة لازمة لذاته تقول العرب زيد متكلم فالكلام صفه له لا نعرف إلا ان ~~حقيقة هذه الصفة الكلام كان كذلك كان القرآن كلام الله وكانت هذه الصفه ~~لازمه له أزلية والدليل على ان الكلام لا يفارق المتكلم أنه لو كان مفارقه ~~لم يكن للمتكلم الا كلمة واحدة فإذا تكلم بها لم يبق له كلام فلما كان ~~المتكلم قادرا على كلمات كثيرة كلمة بعد كلمة دل على أن تلك الكلمات فروع ~~لكلامه الذي هو صفة له ملازمة # قال والدليل على أن القرآن غير مخلوق أنه كلام الله وكلام الله سبب الى ~~خلق الأشياء قا الله تعالى { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون } سورة النحل 40 أي أردنا خلقه وايجاده وإظهاره فقوله كن كلام الله ~~وصفته والصفة التي منها يتفرع PageV02P094 ~~الخلق والفعل وبها يتكون المخلوق لا تكون مخلوقة ولا يكون مثلها للمخلوق ~~والدليل على أنه كلام لا يشبه كلام المخلوقين أنه كلام معجز وكلام ~~المخلوقين غير معجز لو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل سورة من سوره أو آية ~~من آياته عجزوا عن ذلك ولم يقدروا عليه # وقال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في كتابه الذي ~~سماه الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول وذكر اثني عشر إماما الشافعي ومالك ~~والثوري وأحمد وابن عيينة وابن المبارك ms0296 والأوزاعي والليث بن سعد وأسحاق بن ~~راهوية والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم # ثم قال فيه سمعت الإمام أبا منصو محمد بن أحمد يقول سمعت الإمام أبا بكر ~~عبد اله بن أحمد يقول سمعت الشيخ أبا حامد الإسفرايني يقول مذهبي ومذهب ~~الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو ~~كافر والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم ~~سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي ~~نتلوه نحن بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ~~ومحفوظا ومنقوشا وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام PageV02P095 ~~الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس ~~اجمعين قال الشيخ أبو الحسن وكان الشيخ ابو حامد الإسفرايني شديد الإنكار ~~على الباقلاني وأصحاب الكلام قال ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون ~~أن ينسبوا الى الأشعري ويتبرؤن مما بنى الأشعري مذهبه عليه وينهون أصحابهم ~~وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة منهم الحافظ ~~المؤتمن بن أحمد بن على الساجي يقولون سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا ~~كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرايني إمام الأئمة الذي طبق ~~الأرض علما وأصحابا اذا سعى الى الجمعة من قطعية الكرج الى جامع المنصور ~~يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع ويقبل على من حضر ويقول اشهدوا ~~على بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما قاله الإمام ابن حنبل لا كما يقوله ~~الباقلاني وتكرر ذلك منه جمعات فقيل له في ذلك PageV02P096 ~~فقال حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلاح ويشيع الخبر في أهل البلاد أني ~~بريء مما هم عليه يعني الأشعرية وبريء من مذهب ابي بكر بن الباقلاني فإن ~~جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية وقرؤون عليه فيفتنون ~~بمذهبه فإذا رجعوا الى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم منى ~~تعلموه قبله وأنا ما قلته وأنا بريء من مذهب البلاقلاني وعقيدته # قال ms0297 الشيخ أبو الحسن الكرجي وسمعت شيخي الإمام أبا منصور الفقيه ~~الأصبهاني يقول سمعت شيخنا الأمام أبا بكر الزاذقاني يقول كنت في درس الشيخ ~~أبي حامد الإسفرانين وكان ينهي أصحابه عن الكلام وعن الدخول على الباقلاني ~~فبلغه أن نفرا من أصحابه يدخلون عليه خفية لقراءة الكم فظن أني معهم ومنهم ~~وذكر قصة قال في آخرها إن الشيخ أبا حامد قال لي يا بني قد بلغني أنك تدخل ~~على هذا الرجل يعني الباقلاني فإياك وإياه فإنه مبتدع يدعو الناس الى ~~الضلالة وإلا فلا تحضر مجلسي فقلت أنا عائذ بالله مما قيل وتائب اليه ~~واشهدوا على أني لا أدخل إليه PageV02P097 # قال الشيخ أبو الحسن وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن علي العجلي ~~يقول سمعت عدة من المشايخ والأئمة ببغداد أظن الشيخ ابا إسحاق الشيرازي ~~أحدهم قالوا كان أبو بكر الباقلانى يخرج الى الحمام متبرقعا خوفا من الشيخ ~~ابي حامد الإسفرايني # قال أبو الحسن ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام حتى ميز أصول ~~فقه الشافعي من أصول الأشعري وعلقه عنه ابو بكر الزاذاقاني وهو عندي وبه ~~اقتدي الشيخ ابو اسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع والتبصرة حتى لو وافق قول ~~الأشعري وجها لأصحابنا ميزه وقال هو قول بعض اصحابنا وبه قالت الأشعرية ولم ~~يعدهم من أصحاب الشافعي استنكفوا منهم ومن مذهبهم في اصول الفقه فضلا عن ~~أصول الدين # قلت هذا المنقول عن الشيخ ابي حامد وأمثاله من أئمة اصحاب الشافعي أصحاب ~~الوجوه معروف في كتبهم المصنفة في أصول الفقه وغيرها # وقد ذكر الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابو اسحاق الشرازي وغير واحد ~~بينوا مخالفة الشافعي وغيره من الأئمة لقول ابن كلاب والأشعري في مسألة ~~الكلام التي امتاز بها ابن كلاب والأشعري عن غيرهما والا فسائر المسائل ليس ~~لابن كلاب والأشعري بها PageV02P098 ~~اختصاص بل ما قالاه قاله غيرهما إما من أهل السنة والحديث وإما من غيرهم ~~بخلاف ما قاله ابن كلاب في مسألة الكلام واتبعه عليه الأشعري فإنه لم يسبق ~~ابن كلاب ms0298 الى ذلك أحد ولا وافقه عليه أحد من رؤوس الطوائف واصله في ذلك هي ~~مسألة الصفات الإختيارية ونحوها من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته تعالى ~~هل تقوم بذاته أم لا فكان السلف والأئمة يثبتون ما يقوم بذاته من الصفات ~~والأفعال مطلقا والجهمية من المعتزلة وغيرهم ينكرون ذلك مطلقا فوافق ابن ~~كلاب والسلف والأئمة في إثبات الصفات ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال به ~~تعالى وما يتعلق بمشيئته وقدرته # ولهذا وغيره تكلم الناس فيمن اتبعه كالقلانسي والأشعري ونحوهما بأن في ~~أقوالهم بقايا من الإعتزال وهذه البقايا أصلها هو الإستدلال على حدوث ~~العالم بطريقة الحركات فإن هذا الأصل هو الذي أوقع المعتزلة في نفي الصفات ~~والأفعال # وقد ذكر الأشعري في رسالته الى أهل الثغر بباب الأبواب أنه طريق مبتدع في ~~دين الرسل محرم عندهم وكذلك غير الأشعري كالخطابي وأمثاله يذكرون ذلك لكن ~~مع هذا من وافق ابن كلاب لا يرى بطلان هذه الطريقة عقلا وإن لم يقل إن ~~الدين محتاج اليها فلما رأى من رأى صحتها لزمه إما قول ابن كلاب أو ما يضاهيه # وهذا الذي نقلوه من إنكار أبي حامد وغيره على القاضي أبي بكر PageV02P099 ~~الباقلاني هو بسبب هذا الاصل وجرى له بسبب ذلك امور اخرى وقام عليه الشيخ ~~ابو حامد والشيخ ابو عبدالله بن حامد وغيرهما من العلماء من اهل العراق ~~وخراسان والشام واهل الحجاز ومصر مع ما كان فيه من الفضائل العظيمة ~~والمحاسن الكثيرة والرد على الزنادقة والملحدين واهل البدع حتى انه لم يكن ~~في المنتسبين الى ابن كلاب والأشعري اجل منه ولا احسن كتبا وتصنيفا وبسببه ~~انتشر هذا القول وكان منتسبا الى الامام احمد واهل السنة واهل الحديث ~~والسلف مع انتسابه الى مالك والشافعي وغيرهما من الائمة حتى كان يكتب في ~~بعض اجوبته محمد بن الطيب الحنبلى وكان بينه وبين ابى الحسن التميمي واهل ~~بيته وغيرهم من التميميين من الموالاة والمصافاة ما هو معروف كما تقدم ذكر ~~ذلك ولهذا غلب على التميين موافقته في اصوله ولما صنف ابو بكر ms0299 البيهقى ~~كتابة فى مناقب الامام احمد وابو بكر البيهقى موافق لابن الباقلانى فى ~~اصوله ذكر ابو بكر اعتقاد احمد الذى صنفه ابو الفضل عبد الواحد بن ابى ~~الحسن التميمى وهو مشابه لاصول القاضى ابى بكر وقد حكى عنه انه كان اذا درس ~~مسالة الكلام على اصول ابن كلاب والاشعرى يقول هذا الذى ذكره ابو الحسن ~~اشرحه لكم وانا لم تتبين لى هذه المسالة فكان يحكى عنه الوقف فيها اذ له فى ~~عدة من المسائل PageV02P100 ~~قولان وأكثركما تنطق بذلك كتبه ومع هذا تكلم فيه أهل العلم وفي طريقته التي ~~أصلها هذه المسأله مما يطول وصفه كما تكلم من قبل هؤلاء في ابن كلاب ومن ~~وافقه حتى ذكر أبو اسماعيل الانصاري قال سمعت احمد بن أبي رافع وخلقا ~~يذكرون شدة أبي حامد يعني الإسفرايني على ابن الباقلاني قال وأنا بلغت ~~رسالة أبي سعد الى ابنه سالم ببغداد ان كنت تريد أن ترجع الى هراة فلا تقرب ~~الباقلاني قال وسمعت الحسين بن أبي امامة المالكي يقول سمعت أبي يقول لعن ~~الله أبا ذر الهروي فإنه أول من حمل الكلام الى الحرم وأول من بثه في ~~المغاربه # قلت أبو ذر فيه من العلم والدين والمعرفة في الحديث والسنة وانتصابه ~~لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف ~~به وكان قد قدم الى بغداد من هراة فأخذ طريقة إبن الباقلاني وحملها الى ~~الحرم فتكلم فيه وفي طريقته من تكلم كأبي نصر السجزي وأبي القاسم سعد بن ~~علي الزنجاني وأمثالهما من أكابر أهل العلم والدين بما ليس هذا موضعه وهو ~~ممن يرجح طريقة الصبغي والثقفي على طريقة ابن خزيمة وأمثاله من أهل الحديث ~~وأهل المغرب كانوا يحجون فيجتمعون به ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة ~~ويدلهم على أصلها فيرحل منهم من يرحل الى المشرق كما رحل أبو الوليد PageV02P101 ~~الباجي فأخذ طريقة أبي جعفر السمناني الحنفي صاحب القاضي أبي بكر ورحل بعده ~~القاضي أبو بكر بن العربي فأخذ طريقة أبي المعالي في الإرشاد ms0300 # ثم إنه ما من هؤلاء الا من له في الاسلام مساع مشكورة وحسنات مبرورة وله ~~في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والإنتصار لكثير من أهل السنة ~~والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلم فيهم ويعلم وصدق وعدل وانصاف ~~لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء عن المتعزلة وهم فضلاء عقلاء ~~احتاجوا الى طرده والتزام لوازمه فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره ~~المسلمون من أهل العلم والدين وصار الناس بسبب ذلك منهم من يعظمهم لما لهم ~~من المحاسن والفضائل ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل ~~وخيار الأمور أوساطها # وهذا ليس مخصوصا بهؤلاء بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين والله ~~تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات { ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ~~آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } PageV02P102 ~~سورة الحشر 10 # ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه تحقيقا للدعاء الذي استجابه الله ~~لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } سورة ~~البقرة 226 # ومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صوابا ~~بعد اجتهاده وهو من البدع المخالفه للسنة فإنه يلزمه نظير ذلك أو أعظم أو ~~أصغر في من يعظمه هو من أصحابه فقل من يسلم من مثل ذلك من المتأخرين لكثرة ~~الإشتباه والإضطراب وبعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل ~~الهدى والصواب ويزول به عن القلوب الشك والاتياب ولهذا تجد كثيرا من ~~المتأخرين من علماء الطوائف يتناقضون في مثل هذه الأصول ولوازمها فيقولون ~~القول الموافق للسنة وينفون ما هو من لوازمه غير ظانيين أنه من لوازمه ~~ويقولون ما ينافيه غير ظانيين أنه ينافيه ويقولون بملزومات القول المنافي ~~الذي ينافي ما أثبتوه من السنة وربما كفروا من ms0301 خالفهم في القول المنافي ~~وملزوماته فيكون مضمون قولهم أن PageV02P103 ~~يقولوا قولا ويكفروا من يقوله وهذا يوجد لكثير منهم في الحال الواحد لعدم ~~تفطنه لتناقض القولين ويوجد في الحالين لإختلاف نظر واجتهاده # وسبب ذلك ما أوقعه أهل الإلحاد والضلال من الألفاظ المجمله التي يظن ~~الظان أن لا يدخل فيها الا الحق وقد دخل فيها الحق والباطل فمن لم ينقب ~~عنها أويستفصل المتكلم بها كما كان السلف والأئمة يفعلون صار متناقضا أو ~~مبتدعا ضالا من حيث لا يشعر # وكثير ممن تكلم بالألفاظ المجملة المبتدعة كلفظ الجسم والجوهر والعرض ~~وحلول الحوادث ونحو ذلك كانوا يظنون أنهم ينصرون الاسلام بهذه الطريقة ~~وأنهم بذلك يثبتون معرفة الله وتصديق رسوله فوقع منهم من الخطأ والضلال ما ~~أوجب ذلك وهذه حال أهل البدع كالخوارج وأمثالهم فإن البدعة لا تكون حقا ~~محضا موافقا للسنة اذ لو كانت كذلك لم تكن باطلا ولا تكون باطلا محضا لا حق ~~فيه اذ لو كانت كذلك لم تخف على الناس ولكن تشتمل على حق وباطل فيكون ~~صاحبها قد لبس الحق بالباطل إما مخطئا غالطا وإما متعمدا لنفاق فيه والحاد PageV02P104 # كما قال تعالى { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم ~~يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم } سورة التوبة 47 فأخبر أن المنافقين لو ~~خرجوا في جيش المسلمين ما زادوهم الا خبالا ولكانوا يسعون بينهم مسرعين ~~يطلبون لهم الفتنة وفي المؤمنين من يقبل منهم ويستجيب لهم اما لظن مخطىء أو ~~لنوع من الهوى أو لمجموعهما فإن المؤمن إنما يدخل عليه الشيطان بنوع من ~~الظن واتباع هواه ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~إن الله يحب البصر النافذ عند وجود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول ~~الشهوات # وقد أمر المؤمنين أن يقولوا في صلاتهم { اهدنا الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } سورة الفاتحة 6 7 ~~فالمغضوب عليهم عرفوا الحق ولم يعملوا به والضالون عبدوا الله بلا علم # ولهذا نزه الله نبيه عن الأمرين ms0302 بقوله { والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما ~~غوى } سورة النجم 1 2 وقال تعالى { واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~أولي الأيدي والأبصار } سورة ص 45 # وهذا الذي تقدم ذكره من إنكار ائمة الراقيين من أصحاب الشافعي قول ابن ~~كلاب ومتبعيه في القرآن هو معروف في كتبهم PageV02P105 ~~ومعلوم أنه ليس بعد الشافعي وابن سريج مثل الشيخ أبي حامد الإصفرايني حتى ~~ذكر أبو اسحاق في طبقات الفقهاء عن أبي الحسين القدوري أنه كان يقول في ~~الشيخ أبي حامد إنه انظر من الشافعي وهذا الكلام وإن لم يكن مطابقا لمعناه ~~لجلالة قدر الشافعي وعلو مرتبته فلولا براعة أبي حامد ما قال فيه الشيخ أبو ~~الحسين القدوري مثل هذا القول # وقد قال أبو حامد في كتاب التعليق في اصول الفقه مسألة في أن الأمر أمر ~~لصيغته أو لقرينة تقترن به أختلف الناس في الأمر هل له صيغة تدل على كونه ~~أمرا ام ليس له ذلك على ثلاثة مذاهب فذهب ائمة الفقهاء الى أن الأمر له ~~صيغة تدل بمجردها على كونه أمرا اذا عريت عن القرائن وذلك مثل قول القائل ~~افعل كذا وكذا وذا وجد ذلك عاريا عن القرائن كان أمرا ولا يحتاج في كونه ~~أمرا الى قرينه # هذا مذهب الشافعي رحمه الله ومالك وأبي حنيفة والأوزاعي وجماعة أهل العلم ~~وهو قول البلخي من المعتزلة # وذهبت المعتزلة بأسرها غير البلخي الى ان الأمر لا صيغة له ولا يدل اللفظ ~~بمجرده على كونه أمرا وإنما يكون أمرا بقرينة تقترن PageV02P106 ~~به وهي الإرادة ثم اختلفوا في تلك الإرادة فمنهم من قال هي ارادة المأمور ~~به فاذا قال افعل واراد بذلك ايجاد المأمور به صار أمرا واذا عري عن ذلك لم ~~يكن امرا ومنهم من قال يحتاج الى ارادة شيئين إرادة المأمور به وإرادة كون ~~اللفظ أمرا ومنهم من اعتبر إرادة ثلاثة أشياء ولسنا نتكلم معهم في هذا ~~الفصل فإنه شيء يتفرع على مذاهبهم وانما الخلاف بيننا وبينهم في الأصل وهو ~~أن اللفظ هل يكون امرا بصيغته ms0303 أو بقرينة تقترن به # وذهب الأشعري ومن تابعه الى أن الأمر هو معنى قائم بنفس الآمر لا يفارق ~~الذات ولا يزايلها وكذلك عنده سائر أقسام الكلام من النهي والخبر ~~والاستخبار وغير ذلك كل هذه المعاني قائمة بالذات لا تزايلها كالقدرة ~~والعلم وغير ذلك وسواء فى هذا أمر الله تعالى وأمر الآدميين الا إلا أن ~~امرا الله تعالى يختص بكونه قديما وامر الآدمي محدث وهذه الألفاظ والأصوات ~~ليست عندهم أمرا ولا نهيا وانما هي عبارة عنه # قال وكان ابن كلاب عبد الله بن سعيد القطان يقول هي حكاية عن الأمر ~~وخالفه أبو الحسن الأشعري في ذلك فقال لا يجوز أن يقال إنها حكاية لأن ~~الحكاية تحتاج الى أن تكون مثل المحكي ولكن هو عبارة عن الأمر القائم ~~بالنفس وتقرر مذهبهم على هذا فإذا كان هذا حقيقة مذهبهم فليس يتصور بيننا ~~وبينهم خلاف PageV02P107 ~~في أن الأمر هل له صيغة أم لا فإنه اذا كان الأمر عندهم هو المعنى القائم ~~بالنفس فذلك المعنى لا يقال إن له صيغة أو ليست له صيغة وانما يقال ذلك في ~~الألفاظ ولكن يقع الخلاف في اللفظ الذي هو عندهم عبارة عن الأمر وعندنا أن ~~هذا هو أمر وتدل صيغته على ذلك من غير قرينه وعندهم أنه لا يكون عبارة عن ~~الأمر ولا دالا على ذلك بمجرد صيغته ولكنه يكون موقوفا على ما بينه الدليل ~~فإن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن غيره من التهديد والتعجيز ~~والتحذير وغير ذلك حمل عليه الا أننا نتكلم معهم في الجملة أن هذا اللفظ هل ~~يدل على الأمر من غير قرينه أم لا وبسط كلامه في هذه المسأله الى آخرها # وهذا ايضا معروف عن أئمة الطريقة الخراسانية ومن متأخريهم أبو محمد ~~الجويني والد أبي المعالي # وقد ذكر القاضي أبو القاسم بن عساكر في مناقبه ما ذكره عبد الغافر ~~الفارسي في ترجمة ابي محمد الجويني قال سمعت خالي أبا PageV02P108 ~~سعيد يعني عبد الواحد بن أبي القاسم القشيري يقول كان أئمتنا في ms0304 عصره ~~والمحققون من أصحابنا يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحميدة أنه لو ~~جاز أن يبعث الله نبيا في عصره لما كان الا هو من حسن طريقته وورعه وزهده ~~وديانته في كمال فضله # قال أبو محمد في آخر كتاب صنفه سماه عقيدة أصحاب الامام المطلبي الشافعي ~~وكافة أهل السنة والجماعة وقد نقل هذا عنه أبو القاسم ابن عساكر في كتابه ~~الذي سماه تبيين كذب المفتري # قال أبو محمد ونعتقد أن المصيب من المجتهدين في الأصول والفروع واحد ويجب ~~التعيين في الأصول فأما في الفروع فربما يتأتى التعيين وربما لا يتأتى ~~ومذهب الشيخ أبي الحسن تصويب المجتهدين في الفروع وليس ذلك مذهب الشافعي ~~وأبو الحسن أحد اصحاب الشافعي فاذا خالفه في شيء أعرضنا عنه فيه ومن هذا ~~القبيل قوله انه لا صيغة للألفاظ أي كلام وتقل وتعز PageV02P109 ~~مخالفته اصول الشافعي ونصوصه وربما نسب المبتدعون اليه ما هو بريء منه كما ~~نسبوا اليه أنه يقول ليس في المصحف قرآن ولا في القبر نبي وكذلك الاستثناء ~~في الايمان ونفي القدرة على الخلق في الأزل وتكفير العوام وايجاب علم ~~الدليل عليهم قال وقد تصفحت ما تصفحت من كتبه فوجدته كلها خلاف ما نسب اليه # قلت هذه المسائل فيها كلام ليس هذا موضعه ولكن المقصود هنا أنه جعل من ~~القبيل الذي خالف فيه الشافعي وأعرض عنه فيه أصحابه مسألة صيغ الألفاظ وهذه ~~هي مسألة الكلام وقوله فيها هو قول ابن كلاب ان كلام الله معنى واحد قائم ~~بنفس الله تعالى ان عبر عنه بالعربية كان قرآنا وان عبر عنه بالعبرية كان ~~توراة وان عبر عنه بالسريانية كان انجيلا وان القرآن العربي لم يتكلم الله ~~به وليس هو كلام الله وانما خلقه في بعض الأجسام # وجمهور الناس من أهل السنة وأهل البدعة يقولون ان فساد هذا القول معلوم ~~بالاضطرار وان معاني القرآن ليست هي معاني التوراة المعربة هي القرآن ولا ~~القرآن اذا ترجم بالعبرية هو التوراة ولا حقيقة الأمر هي حقيقة الخبر PageV02P110 ~~وإنما اضطر ابن كلاب ms0305 والأشعري ونحوهما الى هذا الأصل أنهم لما اعتقدوا أن ~~الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا تكلم ولا غير ذلك وقد ~~تبين لهم فساد قول من يقول القرآن مخلوق ولا يجعل لله تعالى كلاما قائما ~~بنفسه بل يجعل كلامه ما خلقه في غيره وعرفوا أن الكلام لا يكون مفعولا ~~منفصلا عن المتكلم ولا يتصف الموصوف بما هو منفصل عنه بل اذا خلق الله شيئا ~~من الصفات والأفعال بمحل كان ذلك صفة لذلك المحل لا لله فإذا خلق في محل ~~الحركة كان ذلك المحل هو المتحرك بها وكذلك اذا خلق فيه حياة كان ذلك المحل ~~هو الحي بها وكذلك اذا خلق علما أو قدرة كان ذلك المحل هو العالم القادر ~~فإذا خلق كلاما في غيره كان ذلك المحل هو المتكلم به # وهذا التقرير مما اتفق عليه القائلون بأن القرآن غير مخلوق من جميع ~~الطوائف مثل أهل الحديث والسنة ومثل الكرامية والكلابية وغيرهم # ولازم هذا أن من قال ان القرآن العربي مخلوق أن لا يكون القرأن العربي ~~كلام الله بل يكون كلاما للمحل الذي خلق فيه ومن PageV02P111 ~~قال ان لفظ الكلام يقع بالاشتراك على هذا وهذا تبطل حجته على المعتزلة فان ~~أصل الحجة أنه اذا خلق كلاما في محل كان الكلام صفة لذلك المحل فإذا كان ~~القرآن العربي كلاما مخلوقا في محل كان ذلك المحل هو المتكلم به ولم يكن ~~كلام الله ولهذا قال من قال لا يسمى كلاما الا مجازا فرارا من أن يثبتوا ~~كلاما حقيقيا قائما بغير المتكلم به فلما عظم شناعة الناس على هذا القول ~~وكان تسمية هذا كلاما حيقيقة معلوما بالاضطرار من اللغة اراد من ينصرهم أن ~~يجعل لفظ الكلام مشتركا فأفسد الأصل الذي بنوا عليه قولهم # وبإنكار هذا الأصل استطال عليهم من يقول بخلق القرآن من المعتزلة والشيعة ~~والخوارج ونحوهم فإن هؤلاء لما ناظرهم من سلك طربقة ابن كلاب ومضمونها أن ~~الله لا يقدر على الكلام ولا يتكلم بما شاء ولا هو متكلم ms0306 باختياره ومشيئته ~~طمع فيهم أولئك لأن حمهور الخلق يعلمون أن المتكلم يتكلم بمشيئته واختباره ~~وهو قادر على الكلام هو يتكلم بما يشاء # ولكن منشأ اضطراب الفريقين اشتراكهما في أنه لا يقوم به ما يكون PageV02P112 ~~بإرادته وقدرته فلزم هؤلاء اذا جعلوه يتكلم بإرادته وقدرته واختياره أن ~~يكون كلامه مخلوقا منفصلا عنه ولزم هؤلاء اذا جعلوه غير مخلوق أن لا يكون ~~قادرا على الكلام ولا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا يتكلم بما يشاء # والمقصود هنا أن عبد الله بني سعيد بن كلاب وأتباعه وافقوا سلف الأمة ~~وسائر العقلاء على ان كلام المتكلم لا بد أن يقوم به فما لا يكون الابئنا ~~عنه لا يكون كلامه كما قال الأئمة كلام الله من الله ليس ببائن منه وقالو ~~ان القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ واليه يعود فقالوا منه بدأ ردا على ~~الجهمية الذين يقولون بدأ من غيره ومقصودهم أنه هو المتكلم به كما قال ~~تعالى { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } سورة الزمر 1 وقال تعالى { ~~ولكن حق القول مني } سورة السجدة 13 وأمثال ذلك # ثم إنهم مع موافقتهم للسلف والأئمة والجمهور على هذا اعتقدوا هذا لأصل ~~وهو أنه لا يقوم به ما يكون مقدور له متعلقا بمشيئته بناء على هذا الأصل ~~الذي وافقوا فيه المعتزلة فاحتاجوا حينئذ ان يثبتوا ما لا يكون مقدورا ~~مرادا قالوا والحروف المنظومة والأصوات لا تكون الا مقدورة مراده فأثبتوا ~~معنى واحدا لم يمكنهم اثبات معان متعددة خوفا من اثبات ما لا نهاية له ~~فاحتاجوا PageV02P113 ~~أن يقولوا معنى واحدا فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها ~~نكير جمهور العقلاء عليهم # وأنكر الناس عليهم امورا اثبات معنى واحد هو الأمر والخبر وجعل القرآن ~~العربي ليس من كلام الله الذي تكلم به وأن الكلام المنزل ليس هو كلام الله ~~وأن التوراة والانجيل والقرآن انما تختلف عباراتها فإذا عبر عن التوراة ~~بالعربية كان هو القرآن وأن الله لا يقدر أن يتكلم ولا يتكلم بمشيئته ~~واختياره وتكليمه لمن كلمه من ms0307 خلقه كموسى وآدم ليس الا خلق ادراك ذلك ~~المعنى لهم فالتكليم هو خلق الادراك فقط # ثم منهم من يقول السمع يتعلق بذلك المعنى وبكل موجود فكل موجود يمكن أن ~~يرى ويسمع كما يقوله أبو الحسن # ومنهم من يقول بل كلام الله لا يسمع بحال لا منه ولا من غيره اذ هو معنى ~~والمعنى يفهم ولا يسمع كما يقوله أبو بكر ونحوه # ومنهم من يقول إنه يسمع ذلك المعنى من القاريء مع صوته المسموع منه كما ~~يقول ذلك طائفة أخرى # وجمهور العقلاء يقولون إن هذه الأقوال معلومة الفساد PageV02P114 ~~بالضرورة وانما ألجأ اليها القائلين بها ما تقدم من الأصول التي استلزمت ~~هذه المحاذير واذا انتفى اللازم انتفى الملزوم # وكذلك من قال لا يتكلم الا بأصوات قديمة أزلية ليست متعاقبة وهو لا يقدر ~~على التكلم بها ولا له في ذلك مشيئة ولا فعل من أهل الحديث والفقهاء ~~والكلام المنتسبين الى السنة فجمهور العقلاء يقولون ان قول هؤلاء ايضا ~~معلوم الفساد بالضرورة وانما ألجأهم الى ذلك اعتقادهم أن الكلام لا يتعلق ~~بمشيئة المتكلم وقدرته مع علمهم بأن الكلام يتضمن حروفا منظومة وصوتا ~~مسموعا من المتكلم # وأما من قال ان الصوت المسوع من القاريء قديم أو يسمع منه صوت قديم ومحدث ~~فهذا أظهر فسادا من أن يحتاج الى الكلام عليه وكلام السلف والأئمة والعلماء ~~في هذا الأصل كثير منتشر ليس هذا موضع استقصائه # وأما دلالة الكتاب والسنة على هذا الأصل فأكثر من أن تحصر وقد ذكر منها ~~الامام احمد وغيره من العلماء في الرد على الجهمية ما جمعوه كما ذكر منها ~~الخلال في كتاب السنة قال أخبرنا المروزي قال هذا ما جمعه واحتج به أبو عبد ~~الله على الجهمية من القرآن وكتبه بخطه وكتبته من كتابه فذكر المروزي آيات ~~كثيرة دون ما ذكر الخضر بن أحمد عن عبد الله بن أحمد وقال فيه سمعت PageV02P115 ~~أبا عبد الله يقول في القرآن عليهم من الحجج في غير موضع يعني الجهمية # قال الخلال وأنبأنا الخضر بن أحمد المثنى ms0308 الكندى سمعت عبد الله بن أحمد ~~بن حنبل قال وجدت هذا الكتاب بخط أبي فيما احتج به على الجهمية وقد ألف ~~الآيات الى الآيات في السور فذكر آيات كثيرة تدل على هذا الأصل مثل قوله ~~تعالى { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } سورة البقرة 186 وقوله تعالى ~~بديع { السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } سورة ~~البقرة 117 وقوله { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ~~ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم ~~القيامة } سورة البقرة 174 وقوله تعالى { قد سمع الله قول التي تجادلك في ~~زوجها } سورة المجادلة 1 وقوله تعالى { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن ~~الله فقير ونحن أغنياء } سورة آل عمران 181 وقوله تعالى { إن الله يبشرك ~~بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم } الى قوله تعالى { كذلك الله يخلق ما ~~يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } سورة آل عمران 45 47 وقوله ~~تعالى { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } PageV02P116 ~~سورة آل عمران 59 وقوله تعالى { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة } سورة آل عمران 77 وقوله تعالى { وهو الذي خلق السماوات والأرض ~~بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك } سورة الأنعام 73 { وكلم ~~الله موسى تكليما } سورة النساء 164 وقوله { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ~~ربه } سورة الأعراف 143 { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك ~~منه مريب } سورة هود 110 { ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم } سورة الشورى 21 { ~~وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } سورة هود 119 { نحن ~~نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن ~~الغافلين } سورة ms0309 يوسف 3 وقوله { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي } سورة الكهف 109 وقال تعالى { فلما أتاها ~~نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك ~~فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } ~~سورة طه 11 14 الى PageV02P117 ~~قوله { إنني معكما أسمع وأرى } سورة طه 46 { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع ~~على عيني } سورة طه 39 { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى } ~~سورة طه 129 { وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ~~فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم } سورة الأنبياء ~~83 84 وقوله { وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه ~~من الغم وكذلك ننجي المؤمنين } سورة الأنبياء 87 88 وقوله { وزكريا إذ نادى ~~ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى ~~وأصلحنا له زوجه } سورة الأنبياء 88 89 وقوله { الذي خلق السماوات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا } سورة ~~الفرقان 59 وقوله { فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها } سورة ~~النمل 80 وقوله { فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين } سورة القصص 30 ~~وقوله تعالى { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } سورة يس 88 ~~وقوله تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن ~~جندنا لهم الغالبون PageV02P118 ~~سورة الصافات 171 173 وقوله تعالى { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } ~~سورة الزمر 67 وقوله تعالى { هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون ms0310 } سورة غافر 68 { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } سورة غافر 60 { ~~ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب ~~من بعدهم لفي شك منه مريب } سورة الشورى 14 { وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء } سورة الشورى ~~51 وقوله تعالى { فلما آسفونا انتقمنا منهم } سورة الزخرف 55 وقوله { قد ~~سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما } ~~سورة المجادلة # قلت وفي القرآن مواضع كثيرة تدل على هذا الأصل كقوله تعالى { هو الذي خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء ~~عليم } سورة البقرة 29 وقوله { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ~~وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين } الى قوله { ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } سورة فصلت 9 ~~11 وقوله { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } سورة البقرة ~~210 وقوله { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ~~آيات ربك } PageV02P119 ~~سورة الأنعام 158 وقوله { وجاء ربك والملك صفا صفا } سورة الفجر 22 وقوله ~~تعالى { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } سورة التوبة 105 ~~وقوله { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون } سورة يونس ~~14 وقوله تعالى { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش } سورة الأعراف 54 في غير موضع في القرآن وقوله تعالى { ~~إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } سورة النحل 40 وقوله ~~تعالى { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها } سورة الاسراء ~~16 وقوله تعالى { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من ~~وال } سورة الرعد وقوله تعالى { كل يوم هو في شأن } سورة الرحمن 29 ms0311 وقوله ~~تعالى { ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين } سورة القصص 65 وقوله ~~تعالى { ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون } سورة القصص 62 ~~{ وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } سورة الشعراء 10 { وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } ~~سورة الأعراف 22 وقوله PageV02P120 ~~تعالى { قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون } سورة الشعراء 15 وقوله ~~{ سلام قولا من رب رحيم } سورة يس 58 وقوله تعالى { الله نزل أحسن الحديث } ~~سورة الزمر 23 وقوله { فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } سورة الجاثية 6 ~~وقوله { فبأي حديث بعده يؤمنون } سورة المرسلات 50 وقوله { ومن أصدق من ~~الله حديثا } # وأمثال ذلك كثير في كتاب الله تعالى بل يدخل في ذلك عامة ما أخبر الله به ~~من أفعاله لا سيما المرتبة كقوله تعالى { ولسوف يعطيك ربك فترضى } سورة ~~الضحى 5 وقوله { فسنيسره لليسرى } سورة الليل 7 وقوله { فسنيسره للعسرى } ~~سورة الليل 10 وقوله { إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم } سورة الغاشية ~~25 26 وقوله { إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا ~~بيانه } سورة القيامة 17 19 وقوله { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } سورة ~~الإنشقاق 8 وقوله { أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا } سورة عبس 25 ~~26 وقوله تعالى { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } سورة الروم ~~27 وقوله { ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين } سورة المرسلات 16 17 ونحو ذلك PageV02P121 ~~لكن الاستدلال بمثل هذا مبني على أن الفعل ليس هو المفعول والخلق ليس هو ~~المخلوق وهو قول جمهور الناس على اختلاف اصنافهم وقد قرر هذا في غير هذا الموضع # ثم هؤلاء على قولين منهم من يقول ان الفعل قديم لازم للذات لا يتعلق ~~بمشيئته وقدرته ومنهم من يقول يتعلق بمشيئته وقدرته وإن قيل ان نوعه قديم ~~فهؤلاء يحتجون بما هو الظاهر المفهوم من النصوص # واذا تأول من ينازعهم أن التجدد انما هو المفعول المخلوق فقط من ms0312 غير تجدد ~~فعل كان هذا بمنزلة من يتأول نصوص الإرادة والحب والبغض والرضا والسخط على ~~أن التجدد ليس أيضا الا المخلوقات التي تراد وتحب وترضى وتسخط وكذلك نصوص ~~القول والكلام والحديث ونحو ذلك على أن المجدد ليس الا ادراك الخلق لذلك ~~وتأويل الاتيان والمجيء على أن المتجدد ليس الا مخلوقا من المخلوقات # فهذه التأويلات كلها من نمط واحد ولا نزاع بين الناس أنها خلاف المفهوم ~~الظاهر الذي دل عليه القرآن والحديث PageV02P122 # ثم ملاحدة الباطنية يقولون ان الرسل ارادوا افهام الناس ما يتخيلونه وان ~~لم يكن مطابقا للخارج ويجعلون ذلك بمنزلة ما يراه النائم فتفسر القرآن ~~عندهم يشبه تعبير الرؤيا التي لا يفهم تعبيرها من ظاهرها كرؤيا يوسف والملك ~~بخلاف الرؤيا التي يكون ظاهرها مطابقا لباطنها # وأما المسلمون من أهل الكلام النفاة فهم وإن كانوا يكفرون من يقول بهذا ~~فإما أن يتأولوا تأويلات يعلم بالضرورة أن الرسول لم يردها وإما أن يقولوا ~~ما ندري ما أراد فهم اما جهل بسيط أو مركب ومدار هؤلاء كلهم على أن العقل ~~عارض ما دلت عليه النصوص # وقد بين أهل الإثبات أن العقل مطابق موافق لما أخبرت به النصوص ودلت عليه ~~لا معارض له لكن المقصود هنا أن نبين أن القرآن والسنة فنهما من الدلالة ~~على هذا الأصل ما لا يكاد يحصر فمن له فهم في كتاب الله يستدل بما ذكر من ~~النصوص على ما ترك ومن عرف حقيقة قول النفاة علم أن القرآن مناقض لذلك ~~مناقضة لا حيلة لهم فيها وأن القرآن يثبت ما يقدر الله عليه ويشاءه من ~~أفعاله التي ليست هي نفس المخلوقات وغير أفعاله ولولا ما وقع في كلام الناس ~~من الالتباس والإجمال لما كان يحتاج أن يقال الافعال التي ليست هي PageV02P123 ~~نفس المخلوقات إن المعقول عند جميع الناس أن الفعل المتعدي إلى مفعول ليس ~~هو نفس المفعول ولكن النفاة عندهم أن المخلوقات هي نفس فعل الله ليس له فعل ~~عندهم الا نفس المخلوقات فلهذا احتيج الى البيان # ومما يد ل ms0313 على هذا الأصل ما علق بشرط كقوله تعالى { ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } سورة الطلاق 302 وقوله { إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله } سورة آل عمران 31 وقوله { إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا } سورة الأنفال 29 وقوله { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } سورة ~~الطلاق 1 وقوله تعالى { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ~~} سورة الكهف 23 24 وقوله تعالى { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله } سورة ~~محمد 28 # وفي الجملة هذا في كتاب الله أكثر من أن يحصر # وكذلك في الأحاديث المتستفيضة الصحيحة المتلقاه بالقبول كقوله صلى الله ~~عليه وسلم في ما يروى عن ربه ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه ~~وقوله أتدرون ماذا قال ربكم PageV02P124 ~~الليلة وقوله في حديث الشفاعة ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ~~ولن يغضب بعده مثله وقوله اذا تكلم الله بالوحي سمع اهل السماوات كجر ~~السلسلة على الصفا وقوله ان الله يحدث من أمره وما شاء وإن مما احدث ان ~~لاتكلموا في الصلاة وقوله في حديث التجلي فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ~~ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون # وقوله الله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل اضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها ~~طعامه وشرابه فطلبها فلم يجدها فنام تحت PageV02P125 ~~شجرة ينتظر الموت فلما استيقظ اذا هو بدابته عليها طعامه وشرابه فالله أشد ~~فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته وهذا حديث مستفيظ عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وسلم في الصحيحين من غير وجه من حديث ابن مسعود وابي هريرة وانس وغيرهم # وقوله يضحك الله الى رجلين يقتل احدهما صحاحبه كلاهما يدخل الجنة وفى ~~حديث آخر يدخل الجنة قال فيضحك الله منه وقوله مامنكم من احد الاسيكلمه ربه ~~ليس بيينه وبينه حاجب ولا ترجمان وفى حديث قسمت الصلاة بينى وبين PageV02P126 ~~عبدى نصفين فأذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله ms0314 حمدني عبدي فإذا ~~قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي فإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني ~~عبدي وقوله صلى الله علي هو وسلم يقول الله تعالى من تقرب الي شبرا بقربت ~~اليه ذراعا ومن تقرب الي ذراعا تقربت اليه باعا وقوله صلى الله عليه وسلم ~~ينزل الله تعالى الى السماء الدنيا شطر الليل أو ثلث الليل الآخر فيقول من ~~يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له # وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأنصاري الذي أضاف رجلا وآثره على ~~نفسه وأهله فلما أصبح الرجل غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لقد ~~ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما PageV02P127 ~~وأنزل الله تبارك وتعالى { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } سورة ~~الحشر 9 وهذه الأحاديث كلها في الصحيحين # وفي السنن من حديث على عن النبي صلى الله علي هو سلم حديث الركوب على ~~الدابة قال فقلت يا رسول الله من أي شيء تضحك قال ربك يضحك الى عبده اذا ~~قال رب اغفر لي ذنوبي انه لا يغفر الذنوب الا انت قال علم عبدي أنه لا يغفر ~~الذنوب غيري وفي لفظ ان ربك ليعجب من عبده اذا قال رب اغفرلي ذنوبي يعلم ~~أنه لا يغفر الذنوب غيري وفي حديث أبي رزين عنه صلى الله عليه وسلم قال ضحك ~~ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ينظر اليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن ~~فرجكم قريب فقال له ابو رزين أو يضحك الرب قال نعم فقال لن نعدم من رب يضحك خيرا # وفي الصحيحين وغيرهما في حديث التجلي الطويل المشهور الذي PageV02P128 ### | AUTO روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة فهو في ~~الصحيحين من حديث ابي هريرة وأبي سعيد وفي مسلم من حديث جابر ورواه أحمد من ~~حديث ابن مسعود وغيره قال في حديث ابي هريرة قال أو لست قد أعطيت العهود ~~والمواثيق أن لا تسأل غير الذي أعطيت فيقول يا رب لا تجعلني أشقى ms0315 خلقك ~~فيضحك الله تبارك وتعالى منه ثم يأذن له في دخول الجنة وفي صحيح مسلم عن ~~ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيقول الله يا ابن آدم أترضى أن ~~اعطيك الدنيا ومثلها معها فيقول أي رب أتستهزىء بي وأنت رب العالمين وضحك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألا تسألوني مم ضحكت فقالوا مم ضحكت يا ~~رسول الله فقال من ضحك رب العالمين PageV02P129 ~~حين قال أتستهزىء بي وأنت رب العالمين فيقول إني لا أستهزىء بك ولكني على ~~ما أشاء قادر # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يضحك الله الى رجلين يقتل ~~أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة قالوا كيف يا رسول الله قال يقتل هذا فيلج ~~الجنة ثم يتوب الله على الآخر فيهديه الى الإسلام ثم يجاهد في سبيل الله ~~فيستشهد # وفي الصحيح أيضا عنه صلى الله عليه وسلم قال عجب الله من قوم يقادون الى ~~الجنة في السلاسل # وفي حديث معروف لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ويسبغه ثم يأتي المسجد لا ~~يريد الا الصلاه فيه الا تبشبش الله به كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم ايضا أنه قال الدنيا حلوة خضرة وإن ~~الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون وفي لفظ PageV02P130 ~~مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملو فاتقوا الدنيا واتقوا النساء # وفي الصحيح أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله لا ينظر صوركم ~~وأموالكم ولكن ينظر الى قلوبكم وأعمالكم # وفي الصحيحين عن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~قاعدا في أصحابه اذ جاء ثلاثة نفر فأما رجل فوجد فرجة في الحلقة فجلس وأما ~~رجل فجلس يعني خلفهم وأما رجل فانطلق فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا ~~اخبركم عن هؤلاء النفر أما الرجل الذي جلس في الحلقة فرجل أوى الى الله ~~فآواه الله وأما الرجل الذي جلس خلف الحلقة فاستحيا فاستحيا الله منه وأما ~~الرجل الذي انطلق فأعرض فأعرض الله عنه ms0316 # وعن سلمان الفرسي موقوفا ومرفوعا قال إن الله يستحي أن PageV02P131 ~~يبسط العبد يديه اليه ويسأله فيهما خيرا فيردهما صفرا خائبتين # وفي الصحيح عنه فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى لا يزال عبدي يتقرب الى ~~بالنوافل حتى احبه فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ~~ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي ~~يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيئ انا فاعله ~~ترددى عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه # وفي الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقالت ~~عائشة إنا لنكره الموت قال ليس ذاك ولكن المؤمن اذا حضره الموت يبشر برضوان ~~الله وكرامته واذا بشر بذلك أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وان الكافر اذا حضره PageV02P132 ~~الموت يبشر بعذاب الله وسخطه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه # وفي الصحيحين عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأنصار ~~لا يحبهم الا مؤمن ولا يبغضهم الا منافق من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم ~~أبغضه الله # وفي الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله تبارك ~~وتعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك وسعديك فيقول هل رضيتم ~~فيقولون وما لمنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول عز وجل ~~أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا رب وأي شيء أفضل من ذلك قال PageV02P133 ~~أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده ابدا # وفي الصحيحين عن أنس قال أنزل علينا ثم كان من المنسوخ أبلغوا قومنا أنا ~~قد لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا # وفي حديث عمرو بن مالك الرواسي قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ~~يا رسول الله ارض عني قال فأعرض عني ثلاثا قال قلت ms0317 يا رسول الله ان الرب ~~ليرضى فيرضى فارض عني فرضي عني # وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف ~~على يمين صبر ليقتطع بها مال امريء مسلم وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان PageV02P134 # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اشتد غضب ~~الله على قوم فعلوا هذا برسول الله وهو حينئذ يشير الى رباعيته # وقال اشتد غضب الله على رجل يقتله رسولالله في سبيل الله # وفي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا مر ~~بالنطفة ثنتان واربعون ليلة بعث الله اليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها ~~وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب ذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب ~~الملك ثم يقول يا رب أجله فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك فيقول يا رب رزقه ~~فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك ثم PageV02P135 ~~يخرج الملك الصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص # وفي الصحيح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده أعوذ ~~برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك # وفي حديث آخر أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده وفي ~~الصحيحين عن أنس في حديث الشفاعة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإذا ~~رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء اله أن يدعني ثم يقول لي يامحمد ارفع ~~رأسك سل تعطه واشفع تشفع وذكر مثل هذا ثلاث مرات PageV02P136 # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة ~~العصر ثم يعرج اليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي ~~قالوا تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون # وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ms0318 قال أن لله ~~ملائكة سيارة فضلا عن كتاب الناس سياحين في الأرض فإذا وجدوا قوما يذكرون ~~الله تنادوا هلموا الى حاجتكم قال فيجيئون حتى يحفون بهم الى السماء الدنيا ~~قال فيقول الله عز وجل أي شيء تركتم عبادي PageV02P137 ~~يصنعون قال فيقولون تركناهم يحمدونك ويسبحونك ويمجدونك قال فيقول هل رأوني ~~قال فيقولون لا قال كيف لو رأوني قال قال فكيف لو رأوك لكانو أشد ذكرا قال ~~فيقول فأي شيء يطلبون قالوا الجنة قال فيقول هل رأوها قال فيقولون لا قال ~~فيقول كيف لو رأوها قال فيقولون لو رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها ~~طلبا قال فيقول من أي شيء يتعوذون قال فيقولون يتعوذون من النار قال فيقول ~~وهل رأوها قال فيقولون لا لو رأوها كانوا أشد منها تعوذا وأشد منها هربا ~~قال فيقول اني أشهدكم أني قد غفرت لهم قال فيقولون ان فيهم فلانا الخطاء لم ~~يردهم انما جاء في حاجة قال فيقول هم القوم لا يشقى بهم جليسهم # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله PageV02P138 ~~اذا أحب عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ~~ينادي في السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له ~~القبول في الأرض وقال في البغض مثل ذلك # وفي الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى أنا ~~عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ~~ذكرني في ملاء ذكرته في ملاء خير منهم وان اقترب الي شبرا اقتربت اليه ~~ذراعا وان اقترب الي ذراعا اقتربت اليه باعا وان أتاني يمشي أتيته هرولة # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ما جلس قوم يذكرون الله الا حفت PageV02P139 ~~بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا ms0319 أصاب ~~ذنبا فقال رب إني قد أصبت ذنبا فاغفره لي فقال ربه علم عبدي أن له ربا يغفر ~~الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا آخر فقال أي ~~رب إني قد أذنبت ذنبا فاغفره لي فقال ربه علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ~~ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليعمل ما يشاء # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقبض الله ~~الأرض يطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض PageV02P140 # وفي الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما منكم أحد الا ~~سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى الا ~~شيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى الا شيئا قدمه ونظر أمامه فتستقبله النار ~~فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل فان لم يجد فبكلمة طيبة # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤية ~~قال فيه فيلقي العبد القول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل ~~والابل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب قال فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول ~~لا فيقول اني أنساك كما نسيتني ثم يلقي الثاني فيقول أي فل فذكر مثل ما قال ~~الأول ويلقي الثالث فيقول آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت وتصدقت ويثني ~~بخير ما استطاع قال فيقول فههنا اذن قال ثم يقال الا نبعث شاهدنا عليك ~~فيفكر في نفسه من الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فتنطق ~~فخذه ولحمه وعظامه بعمله ما كان ذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذكر الحديث PageV02P141 # وفي صحيح مسلم عن أنس قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك قال ~~هل تدرون مم أضحك قال قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبه العبد ربه يقول ~~يا رب ألم تجرني من الظلم قال فيقول بلى قال فيقول فإني لا أجيز ms0320 على نفسي ~~الا شاهدا مني قال فيقول فكفى بنفسك عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا ~~قال فيختم على فيه ويقال للأركانه انطقي فتنطق بأعماله قال ثم يخلى بينه ~~وبين الكلام قال فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل وفي الصحيحين عن أنس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله لأهون أهل النار عذابا يوم ~~القيامة لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت تفتدى به فيقول نعم فيقول له ~~قد أردت منك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي فأبيت الا أن تشرك PageV02P142 ~~وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدنو أحدكم من ~~ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول عملت كذا وكذا فيقول نعم يا رب فيقرره ثم يقول ~~قد سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم قال ثم يعطى كتاب حسناته وهو ~~قول { هاؤم اقرؤوا كتابيه } سورة الحاقة 19 وأما الكفار والمنافقون فينادون ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين # وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~يقول الله يوم القيامة يا أبن آدم مرضت فلم تعدني فيقول يا رب كيف أعودك ~~وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك ~~لو عدته لوجدتني عنده ويقول يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني فيقول أي رب ~~وكيف اسقيك وأنت رب العالمين فيقول تبارك وتعالى أما علمت أن عبدي فلان ~~استسقاك فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي قال ويقول يا ابن ~~آدم استطعمتك فم تطعمني فيقول أي رب وكيف أطعمك وأنت PageV02P143 ~~رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا استطعمك فلم تطعمه أما انك لو ~~أطعمته لوجدت ذلك عندي # وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ان الله يقول لهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ms0321 ربنا ~~وسعديك والخير في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون ربنا وما لنا لا نرضى وقد ~~أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أل اعطيكم أفضل من ذلك قال أحل عليكم ~~رضواني فلا أسخط عليكم بعده ابدا وهذا فيه ذكر المخاطبة وذكر الرضوان جميعا # وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال آخر ~~أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا من النار رجل يخرج حبوا فيقول ~~له أدخل الجنة فيقول ان الجنة ملأى فيقول له ذلك ثلاث مرات كل ذلك يعيد ~~الجنة ملأى فيقال ان لك مثل الدنيا عشر مرات PageV02P144 # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا ~~يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل حلف ~~على يمين على مال امرئ مسلم فاقتطعه ورجل حلف على يمينه بعد العصر أنه أعطي ~~بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب ورجل منع فضل ماء يقول الله اليوم أمنعك عم ~~فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك # وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا ~~يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم قال ~~فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال أبو ذر خابوا وخسروا ~~من هم يا رسول الله قال المسبل إزاره والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب PageV02P145 ~~وهذان الحديثان فيهما نفي التكليم والنظر عن بعض الناس عما نفى القرآن مثل ~~ذلك وأما نفي التكليم وحده ففي غير حديث # وهذا الباب في الأحاديث كثير جدا يتعذر استقصاؤه ولكن نبهنا ببعضه على ~~نوعه والأحاديث جاءت في هذا الباب كما جاءت الآيات مع زيادة تفسير في ~~الحديث كما أن أحاديث الأحكام تجيء موافقة لكتاب الله مع تفسيرها لمجمله ~~ومع ما فيها من الزيادات التي لا تعارض القرآن فإن الله سبحانه وتعالى أنزل ~~على نبيه الكتاب والحكمة وأمر أزواج نبيه أن يذكرن ما ms0322 يتلى في بيوتهن من ~~آيات الله والحكمة وامتن على المؤمنين بأن بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وقال النبي صلى اله عليه وسلم ~~إلا واني أوتيت الكتاب ومثله معه وفي رواية ألا انه مثل القرآن أو أكثر # فالحكمة التي أنزلها الله عليه مع القرآن وعلمها لأمته تتناول ما تكلم به ~~في الدين من غير القرآن من أنواع الخبر والأمر فخبره موافق PageV02P146 ~~لخبر الله وأمره موافق لأمر الله فكما أنه يأمر بما في الكتاب أو بما هو ~~تفسير ما في الكتاب وبما لم يذكر بعينه في الكتاب فهو أيضا يخبر بما في ~~الكتاب وبما هو تفسير ما في الكتاب وبما لم يذكر بعينه في الكتاب فجاءت ~~أخباره في هذا الباب يذكر فيها أفعال الرب كخلقه ورزقه وعدله وإحسانه ~~وإثابته ومعاقبته ويذكر فيها أنواع كلامه وتكليمه لملائكته وأنبيائه وغيرهم ~~من عباده ويذكر فيها ما يذكره من رضاه وسخطه وحبه وبغضه وفرحه وضحكه وغير ~~ذلك من الأمور التي تدخل في هذا الباب # والناس في هذا الباب ثلاثة أقسام # الجهمية المحضة من المعتزلة ومن وافقهم يجعلون هذا كله مخلوقا منفصلا عن ~~الله تعالى # والكلابية ومن وافقهم يثبتون ما يثبتون من ذلك إما قديما بعينه لازما ~~لذات الله وإما مخلوقا منفصلا عنه # وجمهور أهل الحديث وطوائف من أهل الكلام يقولون بل هنا قسم ثالث قائم ~~بذات الله متعلق بمشيئته وقدرته كما دلت عليه النصوص الكثيرة PageV02P147 ~~ثم بعض هؤلاء قد يجعلون نوع ذلك حادثا كما تقوله الكرامية وأما أكثر أهل ~~الحديث ومن وافقهم فانهم لا يجعلون النوع حادثا بل قديما ويفرقون بين حدوث ~~النوع وحدوث الفرد من أفراده كما يفرق جمهور العقلاء بين دوام النوع ودوام ~~الواحد من أعيانه فإن نعيم أهل الجنة يدوم نوعه ولا يدوم كل واحد واحد من ~~الأعيان الفانية ومن الأعيان الحادثة مالا يفنى بعد حدوثه كأرواح الآدميين ~~فإنها مبدعة كانت بعد أن لم تكن ومع هذا فهي باقية دائمة # والفلاسفة تجوز مثل ذلك في دوام ms0323 النوع دون اشخاصه ولكن الدهرية منهم ظنوا ~~أن حركات الأفلاك من هذا الباب وأنها قديمة النوع فاعتقدوا قدمها وليس لهم ~~على ذلك دليل أصلا وعامة ما يحتجون به إبطال قول من لا يفرق بين حدوث النوع ~~وحدوث الشخص ويقولون إنه يلزم من حدوث الأعيان حدوث نوعها ويقولون إن ذلك ~~كله حدث من غير تجدد أمر حادث # وهذا القول إذا بطل كان بطلانه أقوى في الحجة على الدهرية في إفساد قولهم ~~وفي صحة ما جاء به الكتاب والسنة كما تقدم بيانه وان لم يبطل قولهم PageV02P148 # فالمعقول الصريح موافق للشرع متابع له كيف ما أدير الأمر وليس في صريح ~~المعقول ما يناقض صحيح المنقول وهو المطلوب ومن المعلوم أن أصل الإيمان ~~تصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على ~~أنه لا يجوز أن يكون ثم دليل لا عقلي ولا غير عقلي يناقض ذلك وهذا هو ~~المطلوب هنا # ولكن أقواما ادعوا معارضة طائفة من أخباره للمعقول # وأصل وقوع ذلك في المنتسبين للإسلام والإيمان أن أقواما من أهل النظر ~~والكلام أرادوا نصرة مع اعتقدوا أنه قوله بما اعتقدوه انه قوله بما اعتقدوه ~~انه حجة ورأوا أن تلك الحجة لها لوازم يجب التزامها وتلك الل تناقض كثيرا ~~من أخباره # وهؤلاء غلطوا بالمنقول والمعقول جميعا كما اعتقدت المعتزلة وغيرها من ~~الجهمية نفاة الصفات والأفعال أنه أخبر أن كل ما ساوى الذات القديمة ~~المجردة عن الصفات محدث الشخص والنوع جميعا وظنوا أن هذا من التوحيد الذي ~~جاء به واحتجوا على ذلك بما يستلزم حدوث كل ما قامت به صفة وفعل وجعلوا هذا ~~هو الطريق إلى إثبات وجوده وحدانيته وتصديق رسله فقالوا أن كلامه مخلوق ~~خلقه في غيره لم يقم به كلام وأنه لا يرى في الآخرة ولا يكون مباينا للخلق ~~ولا يقوم به علم ولا قدرة ولا غيرهما ومن الصفات ولا PageV02P149 ~~فعل من الأفعال لا خلق للعالم ولا استواء ولا غير ذلك فإنه لو قام به فعل ~~أو صفة لكان موصوفا محلا ms0324 للأعراض ولو قام به فعل يتعلق بمشيئته للزم تعاقب ~~الأفعال ودوام الحوادث وإذا جاوزوا دوام النوع الحادث أو قدمه بطل ما به ~~احتجوا على ما ظنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به # وهم مخطئون في المنقول والمعقول # أما المنقول فإن الرسول لم يخبر قط بقدم ذات مجردة عن الصفات والأفعال بل ~~النصوص الإلهية متظاهرة باتصاف الرب بالصفات والأفعال وهذا معلوم بالضرورة ~~لمن سمع الكتاب والسنة وهم يسلمون أن هذا هو الذي يظهر من النصوص ولكن أخبر ~~عن الله بأسمائه الحسنى وآياته المثبتة لصفاته وأفعاله وأنه { خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش } سورة الفرقان 59 # فمن قال أن الأفلاك قديمة أزلية فقوله مناقض لقول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بلا ريب كما أن من قال إن الرب تعالى لا علم له ولا قدرة ولا كلام ولا ~~فعل فقوله مناقض لقول الرسول وليس مع وأحد منهما عقل صريح يدل على قوله بل ~~العقل الصريح مناقض لقوله كما قد بين في موضعه من وجوه كثيرة مثل ما يقال ~~إن العقل الصريح يعلم أن إثبات عالم بلا علم وقادر بلا قدرة ممتنع كإثبات PageV02P150 ~~علم بلا عالم وقدرة بلا قادر وأعظم امتناعا من ذلك أن يكون العلم هو العالم ~~والعلم هو القدرة فهذا قول نفاه الصفات # وأما القائلون بقدم العالم فقولهم يستلزم امتناع حدوث حادث فإن القديم ~~إما واجب بنفسه أو لازم للواجب بنفسه ولوازم الواجب لا تكون محدثة ولا ~~مستلزمة لمحدث فالحوادث ليست من لوازمه وما لا يكون من لوازمه يتوقف وجوده ~~على حدوث سبب حادث فإذا كان القديم الواجب بنفسه أو اللازم للواجب لا يصدر ~~عنه حادث امتنع حدوث الحوادث وهذا حقيقة قولهم فانهم يزعمون أن العالم له ~~علة قديمة موجبة له وهو لازم لعلته وعلته عندهم مستلزمة لمعلولها ومعلول ~~معلولها فيمتنع أن يحدث شيء في الوجود إذ الحادث المعين يكون لازما للقديم ~~بالضرورة واتفاق العقلاء # وإذا قالوا يجوز أن يحدث عن الواجب بنفسه حادث ms0325 بواسطة قيل الكلام في تلك ~~الواسطة كالكلام في الأول فإنها إن كانت قديمة لازمة له لزم قدم المعلولات ~~كلها وان كانت حادثة فلا بد لها من سبب حادث # وإذا قالوا كل حادث مشروط بحادث قبله لا إلى أول # قيل لهم فليست أعيان الحوادث من لوازم الواجب بنفسه وإذا كان النوع من ~~لوازم الواجب أمتنع وجود الواجب بنفسه بدون النوع ونوع الحوادث ممكن بنفسه ~~ليس فيه واجب بنفسه فيكون نوع الحوادث صادرا عن الواجب بنفسه فلا يجب قدم ~~شيء معين من أجزاء العالم لا الفلك ولا غيره وهو نقيض قولهم PageV02P151 ~~وإذا قالوا نوع الحوادث لازم لجرم الفلك والنفس وهذان لازمان للعقل وهو ~~لازم للواجب بنفسه # قيل لهم فذاته مستلزمة لنوع الحوادث سواء كان بوسط أو بغير وسط والذات ~~القديمة المستلزمة لمعلولها لا يحدث عنها شيء لا بوسط ولا بغير وسط سواء ~~كان الحادث نوعا أو شخصا لأن النوع الحادث يمتنع مقارنته لها كما تمتنع ~~مقارنة الشخص الحادث لها ولان النوع الحادث إنما يوجد شيئا فشيئا والمقارن ~~لها قديم معها لا يوجد شيئا فشيئا فبطل أن تكون الحوادث صادرة عن علة تامة ~~مستلزمة لنوعها المقترن بعضه ببعض أو شخص منها فبطل أن يكون العالم صادرا ~~عن علة موجبة له كما بطل وجوبه بنفسه وهو المطلوب # ومما يبين ذلك أن القديم يستلزم قدم موجبه أو وجوبه بنفسه فان القديم إما ~~واجب بنفسه وإما واجب بغيره إذ الممكن الذي لا موجب له لا يكون موجودا فضلا ~~عن أن يكون قديما بالضرورة واتفاق العقلاء وإذا كان واجبا بغيره فلا بد أن ~~يكون الموجب له قديما ولا يكون موجبا له حتى تكون شروط الإيجاب قديمة أيضا ~~فيمتنع أن يكون موجب القديم أو شرط من شروط الإيجاب حادثا لأن الموجب ~~المقتضي للفاعل المؤثر يمتنع أن يتأخر عن موجبه PageV02P152 ~~الذي هو مقتضاه وأثره وهذا معلوم بالضرورة ومتفق عليه بين العقلاء # وإذا كان كذلك فيمتنع أن يكون جميع العالم واجبا بنفسه إذ لو كان كذلك لم ~~يكن في الموجودات ms0326 مما هو حادث لان الحادث كان معدوما وهو مفتقر إلى محدث ~~يحدثه فضلا عن أن يكون واجبا بنفسه # فثبت أن في العالم ما ليس بواجب والواجب بغيره لا بد له من موجب تام ~~مستلزم لموجبه والموجب التام لا يتأخر عنه شئ من موجبه ومقتضاه فيمتنع صدور ~~الحوادث عن موجب تام كما يمتنع أن تكون هي واجبة بنفسها وإذا لم تكن واجبة ~~ولا صادرة عن علة موجبة فلا بدلها من فاعل ليس موجبا بذاته وإذا كان غاية ~~ما يقولون إن العالم صادر عن علة موجبة بنفسها بغير واسطة أو بوسائط لازمة ~~لتلك العلة فعلى هذا التقدير يمتنع حدوث الحوادث عنه فإن لم يكن للحوادث ~~فاعل غيره وإلا لزم حدوثها بلا محدث وهذا معلوم الفساد بالضرورة # فتبين أن للحوادث محدثا ليس هو مستلزما لموجبه ومقتضاه فامتنع أن يكون ~~محدث الحوادث علة مستلزمة لمعلولها أو أن يكون شيئا من PageV02P153 ~~معلولاتها وهم يقولون إن العالم صادر عن علة مستلزمة لمعلولها وكل ما سواها ~~معلول لها وهذا مما تبين بطلانه بالضرورة # ومن قال إن مجموع أجزاء العالم واجبة أو قديمة فقوله معلوم الفساد ~~بالضرورة # ومن قال إن الحوادث صادرة عن جزء منه واجب فقوله أيضا معلوم الفساد سواء ~~جعل ذلك الجزء الأفلاك أو بعضها لوجهين أحدهما أن ذلك الجزء الذي هو واجب ~~بغيره إذا كان علة تامة لغيره لزم أيضا قدم معلوله معه فيلزم أن لا يحدث شئ ~~وإن كان ذلك الجزء الواجب ليس هو علة تامة امتنع صدور شيء عن غير علة تامة ~~ولو قدر إمكان الحدوث عن غير علة تامة أمكن حدوث كل ما سوى الله فعلى كل ~~تقدير قولهم باطل # الوجه الثاني انه من المعلوم انه ليس شيء من أجزاء العالم مستقلا ~~بالإبداع لغيره من أجزائه وإن قيل إن بعض أجزائه سبب لبعض فتأثيره متوقف ~~على سبب آخر وعلى انتفاء موانع فلا يمكن أن يجعل شيء من أجزاء العالم ربا ~~واجبا بنفسه قديما مبدعا لغيره والحوادث لا بد لها من رب واجب ms0327 بنفسه قديم ~~مبدع لغيره وليس شيء من أجزاء العالم مما يمكن ذلك فيه فعلم أن الرب تعالى ~~خارج عن العالم وأجزائه وصفاته وهذا كله مبسوط في موضع آخر PageV02P154 # المقصود هنا بيان أنه ليس في المعقول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم # وقد علم أن المدعين لمعقول يناقضه صنفان صنف يجوزون عليه وعلى غيره من ~~الرسل فيما أخبروا به عن الله تعالى وبلغوه إلى الأمم عن الله تعالى الكذب ~~عمدا أو خطأ أو أن يظهر نقيض ما يبطن كما يقول ذلك من يقوله من الكفار ~~بالرسل ومن المظهرين لتصديقهم كالمنافقين من المتفلسفة والقرامطة والباطنية ~~ونحوهم ممن يقول بشيء من ذلك # وصنف لا يجوزون عليهم ذلك وهذا هو الذي يقوله المتكلمون المنتسبون إلى ~~الإسلام على اختلاف أصنافهم # والمبتدعة من هؤلاء مخطئون في السمع وفى العقل ففي السمع حيث يقولون على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يقل عمدا أو خطأ وفى العقل حيث يقررون ذلك ~~بما يظنونه براهين وإذا كانت الدعوى خطأ لم تكن حجتها إلا باطلة فإن الدليل ~~لازم لمدلوله ولازم الحق لا يكون إلا حقا وأما الباطل فقد يلزمه الحق فلهذا ~~يحتج عليه إلا بباطل فإن حجته لو كانت حقا لكان الباطل لازما للحق وهذا لا يجوز PageV02P155 ~~لأنه يلزم من ثبوت الملزموم ثبوت اللازم فلو كان الباطل مستلزما للحق لكان ~~الباطل حقا فإن الحجة الصحيحة لا تستلزم إلا حقا وأما الدعوى الصحيحة فقد ~~تكون حجتها صحيحة وقد تكون باطلة # ومن أعظم ما بنى عليه المتكلمة النافية للأفعال وبعض الصفات أو جميعها ~~أصولهم التي عارضوا بها الكتاب والسنة هي هذه المسألة وهي نفى قيام ما ~~يشاؤه ويقدر عليه بذاته من أفعاله وغيرها # فصل وقد ذكر أبو عبد الله الرازي هو وأبوالحسن الآمدي ومن اتبعهما أدلة ~~نفاة ذلك وأبطلوها كلها ولم يستدلوا على نفى ذلك إلا بأن ما يقوم به إن كان ~~صفة كمال كان عدمه قبل حدوثها نقصا وإن كان نقصا لزم اتصافه بالنقص والله ~~تعالى منزه عن ms0328 ذلك # وهذه الحجة ضعيفة ولعلها أضعف مما ضعفوه ونحن نذكر ما PageV02P156 ~~ذكره أبو عبد الله بن الخطيب في ذلك في أجل كتبه الكلامية الذي سماه نهاية ~~العقول في دراية الأصول وذكر أنه أورد فيه من الحقائق والدقائق ما لا يكاد ~~يوجد في شئ من كتب الأولين والآخرين والسابقين واللاحقين من الموافقين ~~والمخالفين ووصفه بصفات تطول # قال وهذا كله لا يعلمه إلا من تقدم تحصيله لا كثر كلام العلماء وتحقيق ~~وقوفه على مجامع بحث العقلاء من المحقين والمبطلين والموافقين والمخالفين # قال فإنني قلما PageV02P157 ~~تكلمت فيه في المبادئ والمقدمات بل أكثر العناية كان مصروفا إلى تلخيص ~~النهايات والغايات وقال في هذا الكتاب الأصل الثاني عشر وهو ما يستحيل على ~~الله قال المسألة الرابعة في أنه يستحيل عليه أن يكون محلا للحوادث واتفقت ~~الكرامية على تجويز ذلك وأما تجدد الأحوال فالمعتزلة اختلفوا في تجويزه مثل ~~المدركية والسامعية والمبصرية والمريدية والكارهية وأما أبو الحسين البصري ~~فإنه أثبت تجدد العالميات في ذاته # قال وأما الفلاسفة فمع أنهم في المشهور أبعد الناس عن هذا المذهب ولكنهم ~~يقولون بذلك من حيث لا يعرفونه فإنهم يجوزون PageV02P158 ~~تجدد الإضافات على ذاته مع أن الإضافة عندهم عرض وجودى وذلك يقتضي كون ذاته ~~موصوفة بالحوادث وأما أبو البركات البغدادي فقد صرح باتصاف ذاته بالصفات ~~المحدثة # قلت أبو عبد الله الرازي غالب مادته في كلام المعتزلة ما يجده في كتب أبي ~~الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وشيخه عبد الجبار الهمداني ونحوهم ~~وفي كلام الفلاسفة ما يجده في كتب ابن سينا وأبي البركات ونحوهما وفي مذهب ~~الأشعري يعتمد على كتب أبي المعالي كالشامل ونحوه وبعض كتب القاضي أبي بكر ~~وأمثاله وهو ينقل أيضا من كلام الشهرستاني وأمثاله وأما كتب القدماء كأبي ~~الحسن الأشعري وأبي محمد بن كلاب وأمثالهما وكتب قدماء المعتزلة والنجارية ~~والضرارية ونحوهم فكتبه تدل على أنه لم يكن يعرف ما فيها وكذلك مذهب ظوائف ~~الفلاسفة المتقدمين والإ فهذا القول الذي حكاه عن أبي البركات هو قول أكثر ~~قدماء الفلاسفة الذين كانوا ms0329 قبل أرسطو وقول كثير منهم كما نقل ذلك أرباب ~~المقالات عنهم فنقل أرباب المقالات الناقلون لاختلاف الفلاسفة في الباري ما ~~هو قالوا قال سقراط وأفلاطون وأرسطو إن الباري لا يعبر PageV02P159 ~~عنه الا بهو فقط وهو الهوية المحضة غير المتكثرة وهي الحكمة المحضة والحق ~~المحض وليست لله صورة مثل الصورة التي تكثرت في العنصر وهو الأيس الذي لا ~~يحيط به الذهن ولا العقل ولا يجوز عليه التغير ولا الصفة ولا العدد ~~ولاالإضافة ولا الوقت ولا المكان ولا الحدود ولا يدرك بالحواس ولا بالعقول ~~من جهة غاية الكنة لكن بأنه واحد أزلى ليس باثنين لأنا إن أوقعنا عليه ~~العدد لزمته التثنية وإن أوقعنا عليه الإضافة لزمه الزمان والمكان والقبل ~~والبعد وإن أوقعنا عليه المكان لزمه الحدود وجعلناه متناهيا إلى غيره وقال تاليس PageV02P160 ~~وبلاطرخس ولوقيوس وكسيفايس وانبذقليس جميعا إن الباري واحد ساكن غير أن ~~انبذقليس قال إنه متحرك بنوع سكون كالعقل المتحرك بنوع سكون فذلك جائز لأن ~~العقل إذا كان مبدعا فهو متحرك بنوع سكون فلا محالة أن المبدع متحرك PageV02P161 ~~بسكون لانه علة قالوا وشايعه على هذا القول فيثاغورس ومن بعده إلى زمن ~~أفلاطون وقال زينون وديمقراط وساغوريون إن الباري PageV02P162 ~~متحرك في الحقيقة وإن حركته فوق الذهن فليس زوالا قالوا وقال تاليس وهو أحد ~~أساطين الحكمة إن صفة الباري لا تدركها العقول إلا من جهة آثاره فأما من ~~جهة هويته فغير مدرك له صفة من نحو ذاته بل من نحو ذواتنا وكان يقول أبدع ~~الله العالم لا لحاجة إليه بل لفضله ولولا ظهور أفاعيل الفضيلة لم يكن ~~هاهنا وجود وكان يقول إن فوق السماء عوالم مبدعة أبدعها من لا تدرك العقول كنهه # وقال فيثاغورس نحو قول تاليس لا يدرك من جهة النفس هو فوق الصفات العلوية ~~الروحانية غير مدرك بجوهريته بل من قبل آثاره في كل عالم فيوصف وينعت بقدر ~~ظهور تلك الآثار في ذلك العالم وهو الواحد الذي إذا رامت العقول إدراك ~~معرفته عرفت أن ذواتها مبدعة مسبوقة مخلوقة PageV02P163 # قالوا وقال انكسيمانس ms0330 نحو مقالة هذين غير أن يجوز لقائل أن يقول أن ~~الباري يتحرك بحركة فوق هذه الحركات # قلت وكذلك أبو البركات في المعتبر حكى المقالتين عن غيره بل عن القائلين ~~بقدم العالم فقال قال القائلون بالحدوث للقدمين فإذا كان الله لم يزل جوادا ~~خالقا قديما في الأزل فالحوادث في العالم كيف وجدت أعن قديم أم عن غيره ~~فإذا قلتم هو خالقها وعنه صدر وجودها فقد قلتم بأن القديم خلق المحدث وأراد ~~خلقه بعد أن لم يرد وإن قلتم إن غيره فعل الحوادث فقد أشركتم بعد ما بالغتم ~~في التوحيد لواجب الوجود بذاته # قال فقال القدميون بل الخالق الأول والواحد القديم هو خالق المخلوقات ~~بأسرها من قديم وحديث وحده لا شريك له في وجودة PageV02P164 ~~وخلقه وملكه وأمره وتشعب رأيهم في ذلك إلى مذهبين # فمنهم من قال إنه خلق الأشياء القديمة دائمة الوجود بدوام وجوده والحوادث ~~شيئا بعد شيء أراد فخلق وخلق فأراد أوجب خلقه إرادته وأوجب إرادته خلقه ~~مثال ذلك أنه أراد خلق آدم الذي هو الأب فخلقه وأوجده وأراد بوجود الأب ~~وجود الابن أراد فجاد وجاد فأراد إرادة بعد إرادة لموجود بعد موجود فإذا ~~قلتم لم أوجد قيل لانه أراد فجاد ولم أراد قيل لأنه أوجد فوجود الحوادث ~~يقتضي بعضها بعضا من جوده السابق واللاحق # فإن قالوا كيف تحدث له الإرادة وكيف يكون له حال منتظرة تكون بعد أن لم ~~تكن وكيف يكون محل الحوادث قيل وكيف يكون محلا لغير الحوادث أعني الإرادة ~~القديمة PageV02P165 # فإن قيل بأنها له منه قيل والإرادات له منه # فإن قيل الإرادة القديمة له في قدمه قيل والحديثة له في قدمه لن السابق ~~من وجوده بالإرادة السابقة أوجد عنده إرادة لاحقه فأحدث خلقا بعد خلق ~~بإرادة بعد إرادة وجبت في حكمته من خلقه بعد خلقه فاللاحق من إرادته وجب عن ~~سابق إرادته بتوسط مراداته وهكذا هلم جرا # قال والتنزيه عن الإرادة الحادثة كالتنزيه عن الإرادة القديمة في كونه ~~محلا لها لكنه لا وجه لهذا التنزيه كما سنتكلم ms0331 عليه في فصل العلم إذا قلنا ~~في علم لم يعلم وكيف يعلم قال فهذا أحد المذهبين قال وأما المذهب PageV02P166 ~~الآخر فإن أهله يقولون إن كل حادث يتجدد بعد عدمه فله سبب يوجب حدوثه وذلك ~~السبب حادث أيضا حتى ترتقي أسباب الحوادث إلى الحركة الدائمة في المتحركات ~~الدائمة وساق تمام قول هؤلاء وهو قول أرسطو وأتباعه # وقد نقل غير واحد أن أول من قال بقدم العالم من الفلاسفة هو أرسطو وأما ~~أساطين الفلاسفة قبله فلم يكونوا يقولون بقدم سورة الفلك وان كان لهم في ~~المادة أقوال أخر وقد بسط الكلام على هذا الأصل في مسألة العلم وغيره لما ~~رد على من زعم أنه لا يعلم الجزيئات حذرا من التغير والتكثر في ذاته وذكر ~~حجة أرسطو وأبن سينا ونقضها # وقال فأما القول بإيجاب الغيرية فيه بإدراك الغيار والكثرة بكثرة ~~المدركات فجوابه المحقق أنه لا يتكثر بذلك تكثرا في ذاته بل في إضافته ~~ومناسباته وتلك مما لا يعيد الكثرة على هويته PageV02P167 ~~وذاته ولا الوحدة التي أوجبت وجوب وجوده بذاته ومبدئيته الأولى التي بها ~~عرفناه وبحسبها أوجبنا له ما أوجبنا وسلبنا عنه ما سلبنا هي وحدة مدركاته ~~ونسبه وإضافاته بل إنما هي وحدة حقيقته وذاته وهويته # قال ولا تعتقدن أن الوحدة المقولة في صفات واجب الوجود بذاتها قيلت على ~~طريق التنزيه بل لزمت بالبرهان عن مبدئيته الأولى ووجوب وجوده بذاته والذي ~~لزم عن ذلك لم يلزم إلا في حقيقته وذاته لا في مدركاته وإضافاته فأما أن ~~يتغير بإدراك المتغيرات فذلك أمر إضافي لا معنى في نفس الذات وذلك مما لم ~~تبطله الحجة ولم يمنعه البرهان ونفيه من طريق التنزيه والإجلال لا وجه له ~~بل التنزيه من هذا التنزيه والإجلال من هذا الإجلال أولى # وتكلم على قول أرسطو إذ قال من المحال أن يكون كماله بعقل غيره إذ كان ~~جوهرا في الغاية من الإلهية والكرامة والعقل PageV02P168 ~~فلا يتغير والتغير فيه انتقال إلى الأنقص وهذا هو حركة ما فيكون هذا العقل ~~ليس عقلا بالفعل ولكن بالقوة ms0332 فقال أبو البركات ما قيل في منع التغير مطلقا ~~حتى يمنع التغير في المعارف والعلوم فهو غير لازم في التغير مطلقا بل هو ~~غير لازم البتة وإن لزم كان لزومه في بعض تغيرات الأجسام مثل الحرارة ~~والبرودة وفي بعض الأوقات لا في كل حال ووقت ولا يلزم مثل ذلك في النفوس ~~التي تخصها المعرفة والعلم دون الأجسام فإنه يقول إن كل تغير وانفعال فإنه ~~يلزم أن يتحرك قبل ذلك التغير حركة مكانية # قال وهذا محال فان النفوس تتجدد لها المعارف والعلوم من غير أن تتحرك على ~~المكان على رأيه فإنه لا يعتقد فيها أنه مما يكون في مكان البتة فكيف أن ~~تتحرك فيه وإنما ذلك للأجسام في بعض التغيرات والأحوال كالتسخن والتبرد ولا ~~يلزم فيهما أبدا PageV02P169 ~~وإنما ذلك في ما يصعد بالبخار من الماء ويتدخن من الأرض من الأجزاء التي هي ~~كالهباء دون غيرها من الأحجار الكبار الصلبة التي تحمي حتى تصير بحيث تحرق ~~وهي في مكانها لا تتحرك والماء يسخن سخونة كثيرة وهو في مكانه لا يتبخر ~~وإنما يتبخر منه بعض الأجزاء ثم تكون الحركة المكانية بعد الاستحالة لا ~~قبلها كما قال أن جميع هذه هي حركات توجد بأخرة بعد الحركة المكانية وفيما ~~عدا ذلك فقد يسود الجسم ويبيض وهو في مكانه لم يتحرك ولا يتحرك قبل ~~الاستحالة ولا بعدها فما لزم هذا في كل جسم بل في بعض الأجسام ولا في كل ~~حال ووقت بل في بعض الأحوال والأوقات ولا كان ذلك على طريق التقدم كما قال ~~بل على طريق التبع ولو لزم في التغيرات الجسمانية لما لزم في التغيرات ~~النفسانية ولو لزم في التغيرات النفسانية أيضا لما لزم انتقال الحكم فيه ~~إلى التغيرات في المعارف والعلوم والعزائم والإرادات اتفالحكم الجزئي لا ~~يلزم كليا ولا يتعدى من البعض إلى البعض وآلا لكانت الأشياء على حالة واحدة # وبسط الكلام في مسألة العلم وقال لما ذكر القولين PageV02P170 ~~المتقدمين والقائلون بالحدوث قالوا أنه لا يحتاج إلى هذا التمحل وسموه على ~~طريق ms0333 المجادلة باسم التمحل للتشنيع والتسفيه بل نقول بأن المبدأ المعيد خلق ~~العالم وأحدثه بإرادة قديمة أزلية أراد بها في القدم إحداث العالم حتى أحدثه # وقال وقيل في جوابهم أن ذلك المبدأ لا يتغير ويتخصص في القدم إلا بمعقول ~~يجعله مقصودا في العلم القديم عند الإرادة القديمة حيث أرادوه في مدة العدم ~~السابق لحدوث العالم التي هي مدة غير متناهية البداية وما لا يعقل ولا ~~يتصور لا يعلم وما لا يمكن أن يعلم لا يعلمه عالم لا لأن الله لا يقدر على ~~علمه لكن لأنه في نفس غير مقدور عليه ثم ما الذي يقولونه في حوادث العالم ~~من مشيئة الله وإرادته التي بها يقبل الدعاء من الداعي ويحسن إلى المحسن ~~ويسيء إلى المسيء ويقبل توبة التائب ويغفر للمستغفر هل يكون ذلك عنه أو لا ~~يكون فإن قالوا بأنه لا يكون أبطلوا بذلك PageV02P171 ~~الشرع الذي قصدهم نصرته وأبطلوا حكم أوامره ونواهيه وكل ما جاء لأجله من ~~الحث على الطاعة والنهي عن المعصية وإن قالوا يكون ذلك بأسره عنه فهل هو ~~بإرادة أم بغير إرادة وكونه بغير إرادة اشنع وإن كان بإرادة فهل هي إرادة ~~قديمة أم محدثة فإن كانت فالارادات القديمة غير واحدة وما أظنهم يقولون إن ~~المرادات الكثيرة صدرت عن إرادة واحدة # قال وإن قالوا إن ذلك يصدر عنه بإرادات حادثة فقد قالوا بما هربوا منه أولا # قلت فأبو البركات لاستبعاد عقله أن تصدر المرادات الكثيرة عن إرادة واحدة ~~ظن أن هؤلاء لا يقولون به وهم يقولون به فإن هذا قول أبن كلاب والأشعري ومن ~~وافقهما من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف يقولون إنه يعلم المعلومات ~~كلها بعلم واحد بالعين ويريد المرادات كلها بإرادة واحدة بالعين وإن كلامه ~~الذي تكلم به من الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر عنه هو أيضا واحد ~~بالعين ثم تنازع القائلون بهذا الأصل هل كلامه معنى فقط والقرآن PageV02P172 ~~العربي ليس هو كلامه أو كلامه الحروف أو الحروف والأصوات التي نزل بها ~~القرآن وغيره وهي قديمة ms0334 العين على قولين # ومن القائلين بقدم أعيان الحروف والصوات من لا يقول هي واحدة بل يقول هي ~~متعددة وإن كانت لا نهاية لها ويقول بثبوت حروف أو حروف ومعان لا نهاية لها ~~في آن واحد وأنها لم تزل ولا تزال وهذا مما أوجب قول القائلين بأن كلام ~~الله مخلوق وأنه ليس له كلام قائم بذاته لما رأوا أن ما ليس بمخلوق فهو ~~قديم العين والثاني ممتنع عندهم فتعين الأول # واولئك الصنفان قالوا والقول ممتنع فتعين الثاني وهؤلاء إنما قالوا هذه ~~الأقوال لظنهم أنه يمتنع أن تقوم به الأمور الاختيارية لا كلام باختيارة ~~ولا غير كلام كما قد بين في موضعه # وهذا الأصل وهو القول بقيام الحوادث به هو قول هشام بن الحكم وهشام ~~الجواليقي وابن مالك الحضرمي وعلى بن ميثم PageV02P173 ~~وأتباعهم وطوائف من متقدمي أهل الكلام والفقه كأبي معاذ التومني وزهير ~~الأثري وداود الأصبهاني وغيرهم كما ذكره الأشعري عنهم في المقالات وقال وكل ~~القائلين بأن القرآن ليس بمخلوق كنحو عبد الله بن سعيد بن كلاب ومن قال إنه ~~محدث كنحو زهير الأثري يعني وداود الأصبهاني ومن قال إنه حدث كنحو أبي معاذ ~~التومني يقولون عن القرآن ليس بجسم ولا عرض # وأما أقوال أئمة الفقه والحديث والتصوف والتفسير وغيرهم من علماء ~~المسلمين وكذلك كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان فكلام الرازي يدل على ~~أنه لم يكن مطلعا على ذلك # والمقصود هنا أن نبين غاية حجة النفاة فإنه بعد أن ذكر الخلاف قال ~~والمعتمد أن نقول كل ما صح قيامه بالباري تعالى فإما أن يكون صفة كمال أو ~~لا يكون فإن كان صفة كمال استحال أن يكون PageV02P174 ~~حادثا والا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية عن صفة الكمال والخالي ~~عن الكمال الذي هو ممكن الإتصاف به ناقص والنقص على الله محال بإجماع الأمة ~~وإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف الباري بها لأن إجماع الأمة على أن صفات ~~الله بأسرها صفات كمال فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وإنه غير ms0335 جائز # قال وهذا ما نعول عليه وإنه مركب من السمع والعقل # قال والذي عول عليه أصحابنا أنه لو صح اتصافه بالحوادث لوجب اتصافه ~~بالحوادث أو بأضدادها في الأزل وذلك يوجب اتصافه بالحوادث في الأزل وإنه محال # وقال وهذه الدلالة مبينة على أن القابل للضدين يستحيل خلوه عنهما وقد ~~عرفت فساده # قال ومن أصحابنا من أورد هذه الدلالة على وجه لا يحتاج في تقريرها إلى ~~البناء على ذلك الأصل وهو أنه لو كان قابلا للحوادث لكان قابلا لها في ~~الأزل وكون الشيء قابلا للشيء فرع عن إمكان وجود المقبول فيلزم صحة حدوث ~~الحوادث في الأزل وهو محال # قال إلا أن ذلك معارض بأن الله قادر في الأزل ولا يلزم من أزلية قادريته ~~صحة أزلية المقدور فكذلك هاهنا PageV02P175 # قال ومنهم من قال لو كانت الحوادث قائمة به لتغير وهو محال # قال وهذا ضعيف لأنه إن فسر التغير بقيام الحوادث به اتحد اللازم والملزوم ~~وإن فسر بغيره امتنع إثبات الشرطية # قال وأما المعتزلة فجعلهم تمسكوا بأن المفهوم من قيام الصفة بالموصوف ~~حصولها في الحيز تبعا لحصول ذلك الموصوف فيه والباري تعالى ليس في الجهة ~~فامتنع قيام الصفة به # قال وقد عرفت ضعف هذه الطريقة # قال ومشايخهم استدلوا بأن الجوهر إنما يصح قيام المعاني الحادثة به لكونه ~~متحيزا بدليل أن العرض لما لم يكن متحيزا لم يصح قيام هذه المعاني به # قال وإنه باطل لإحتمال أن يقال ان الجوهر إنما صح قيام الحوادث به لا ~~لكونه متحيزا بل الأمر آخر مشترك بينه وبين الباري تعالى وغير مشترك بينه ~~وبين العرض سلمنا ذلك الا أنه من المحتمل أن يكون الجوهر يقبل الحوادث ~~لكونه متحيزا والله تعالى يقبلها لوصف آخر لصحة تعليل الأحكام المتساوية ~~بالعلل المختلفة # قال واستدلوا أيضا بأنه لو صح قيام حادث به لصح قيام كل حادث به # قال وهذه دعوى لا يمكن إقامة البرهان عليها PageV02P176 # قال فهذه عيون ما تمسكت به الناس في هذه المسألة # قلت أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس ms0336 منازعة للكرامية حتى يذكر بينه ~~وبينهم أنواع من ذلك وميله إلى المعتزلة والمتفلسفة أكثر من ميله اليهم ~~واختلف كلامه في تكفيرهم وإن كان هو قد استقر أمره على أنه لا يكفر أحدا من ~~أهل القبلة لا لهم ولا للمعتزلة ولا لأمثالهم وهذه المسألة من أشهر المسائل ~~التي ينازعهم فيها ومع هذا قد ذكر أن قولهم يلزم أكثر الطوائف وذكر أنه ليس ~~لمخالفيهم عليهم حجة صحيحة الا الحجة التي احتج هو بها وهي من أضعف الحجج ~~كما سنبينه ان شاء الله تعالى # وأما الحجج التي يحتج بها الكلابية والمعتزلة فقد بين هو فسادها مع أنه ~~قد استوعب حجج النفاة والذي ذكره هو مجموع ما يوجد في كتب الناس مفرقا ونحن ~~نوضح ذلك # فأما الحجة الأولى وهي أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده فلو جاز ~~اتصافه بها لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث فهذه الحجة مبينة ~~على مقدمتين وفي كل من المقدمتين نزاع معروف بين طوائف من المسلمين PageV02P177 # أما الأولى وهي أن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده فأكثر العقلاء على ~~خلافها والنزاع فيها بين طوائف الفقهاء والنظار ومن الفقهاء من أتباع ~~الأئمة الأربعة كأصحاب أحمد ومالك الشافعي وابي حنيفة وغيرهم ومن قال ذلك ~~التزم أن يكون لكل جسم طعم ولون وريح وغير ذلك من أنواع الأعراض ولا دليل ~~لاصحابها عليها # وأبو المعالي في كتابه المشهور الذي سماه الإرشاد إلى قواطع الأدلة لم ~~يذكر على ذلك حجة بل هذه المقدمة احتاج اليها في مسألة حدوث العالم لما ~~أراد أن يبين أن الجسم لا يخلو من كل جنس من أجناس الأعراض عن عرض منه ~~فأحال على كلامه مع الكرامية ولما تكلم مع الكرامية في هذه المسألة أحال ~~على كلامه في مسألة حدوث العالم مع الفلاسفة ولم يذكر دليلا عقليا لا مع ~~هؤلاء ولا مع هؤلاء وإنما احتج الكرامية بتناقضهم # ومضمون ما اعتمد عليه من قال إن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده أن ~~الجسم لا ms0337 يخلو عن الأكوان الأربعة الإجتماع والإفتراق والحركة والسكون ~~فتقاس بقية الأعراض عليها واحتجوا بأن القابل لها لا يخلو عنها وعن ضدها ~~بعد الإتصاف كما سلمته الكرامية فكذلك قبل الإتصاف PageV02P178 # فأجابهم من خالفهم كالرازي وغيره بأن الأولى قياس محض بغير جامع فإذا قدر ~~أن الجسم يستلزم نوعا من أنواع الآعراض فمن أين يجب أن يستلزم بقية الأنواع ~~وأيضا فإن الذي يسلمونه لهم الحركة والسكون والسكون هل وجود أو عدم فيه ~~قولان معروفان وأما الإجتماع والافتراق فهو مبني على مسألة الجوهر الفرد ~~ومن قال إن الاجسام ليست مركبة من الجواهر الفردة وهم أكثر الطوائف لم يقل ~~بأن الجسم لا يخلو من الإجتماع والافتراق بل الجسم البسيط عنده واحد سواء ~~قبل الافتراق أو لم يقبله وكذلك اذا قدر أن فيه حقائق متلازمة لم يلزم من ~~ذلك أن يقبل الإجتماع والافتراق # وأما كونه لا يخلو عنهما بعد الاتصاف فأجابوا عنه بمنع ذلك في الاعراض ~~التي لا تقبل البقاء كالحركات والأصوات وأما ما يقبل البقاء فهو مبني على ~~أن الباقي هل يفتقر زواله إلى ضد أم لا فمن قال ن الباقي لا يفتقر زواله ~~إلى ضد أمكنه أن يقول بجواز الخلو عن الاتصاف بالحادث بعد قيامه بدون ضد ~~يزيله ومن قال لا يزول الا بضد قال إن الحادث لا يزول الا بضد حادث فإن ~~الحادث بعد الحدوث لا يخلو المحل منه ومن ضده بناء على هذا PageV02P179 ~~الأصل فإن كان هذا الأصل صحيحا ثبت الفرق وإن كان باطلا منع الفرق تناقضهم ~~يدل على فساد أحد قوليهم # ثم القائلون بموجب هذا الأصل طوائف كثيرون بل أكثر الناس على هذا فلا ~~يلزم من تناقض الكرامية تناقض غيرهم وأما المقدمة الثانية وهي أن ما لا ~~يخلو من الحوادث فهو حادث فهذه قد نازع فيها طوائف من أهل الكلام والفلسفة ~~والفقه والحديث والتصوف وغيرهم وقالوا التسلسل الممتنع هو التسلسل في العلل ~~فأما التسلسل في الآثار المتعاقبة والشروط المتعاقبة فلا دليل على بطلانه ~~بل لا يمكن حدوث شيء من الحوادث لا ms0338 العالم ولا شيء من أجزاء العالم الا ~~بناء على هذا الأصل فم لم يجوز ذلك لزمه حدوث الحوادث بلا سبب حادث وذلك ~~يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح كما قد بسط هذا في مسألة حدوث ~~العالم وبين أنه لا بد من تسلسل الحوادث أو الترجيح بلا مرجح وأن القائلين ~~بالحدوث بلا سبب حادث يلزمهم الترجيح بلا مرجح وأن القائلين بقدم العالم ~~يلزمهم الترجيح بلا مرجح ويلزمهم حدوث الحوادث بلا محدث أصلا وهذا افسد من ~~حدوثها بلا سبب حادث PageV02P180 # والطوائف أيضا متنازعة في هذا الأصل وجمهور الفلاسفة وجمهور أهل الحديث ~~لا يمنعون ذلك وأما أهل الكلام فللمعتزلة فيه قولان وللأشعرية فيه قولان # وأما الحجة الثانية وهي أنه لو كان قابلا لها لكان قابلا لها في الأزل ~~وذلك فرع إمكان وجودها ووجودها في الأزل محال فقد أجاب عنها بالمعارضة بأنه ~~قادر على الحوادث ولا يلزم من كون القدرة أزلية أن يكون إمكان المقدور أزليا # قلت ويمكن أن يجاب عنها بوجوه أخرى # أحدها أنه لا يسلم أنه اذا كان قابلا لحدوث الحادث أن يكون قابلا له في ~~الأزل الا اذا أمكن وجود ذلك في الأزل فإنه اذا قيل هو قابل لما يمتنع أن ~~يكون أزليا كان بمنزلة أن يقال هوقادر على ما يمتنع أن يكون أزليا فمن ~~اعتقد امتناع حدوث حادث في الأزل وقال مع ذلك بأنه قادر على الحوادث وقابل ~~لها لم يلزمه القول بإمكان وجود المقدور المقبول في الأزل لكن هذا المقام ~~هو مقام الذين يقولون يمتنع حدوث الحوادث بلا سبب حادث والكلام في هذا ~~مشترك بين كونه قادرا وقابلا فمن جوز حدوث الحوادث بلا سبب حادث كالكلابية ~~وامثالهم من المعتزلة والكرامية كان كلامه في هذا PageV02P181 ~~بمنزلة كلامه في هذا ومن قال إن حدوث الحوادث لا بد له من سبب حادث كما ~~يقوله من يقوله من أهل الكلام والفلسفة وأهل الحديث وغيرهم الذين يقولون ~~إنه تقوم به الأمور المتعلقة بقدرته ومشيئته ولم يزل كذلك أو يقولون بتعاقب ~~ذلك في غيره ms0339 كما يشترك في هذا الأصل من يقوله من الهشامية والمعتزلة ~~والمرجئة وأهل الحديث والسلفية والفلاسفة ومن وافق هؤلاء من أتباع الأشعري ~~وغيرهم فقولهم في هذا كقولهم في هذا # الوجه الثاني أن يلتزم قائل ذلك إمكان وجود المقدور في الأزل كما يلتزم ~~من يلتزممن يلتزم إمكان وجود المقدور في الأزل وقد عرف أن لطوائف المسلمين ~~في هذا الاصل قولين معروفين فإن مالا يتناهى من الحوادث هل يمكن وجوده في ~~الماضي والمستقبل أو في الماضي فقط أو فيهما جميعا على ثلاثة أقوال معروفة ~~قال بكل قول طوائف من نظار المسلمين وغيرهم # الوجه الثالث أن يجاب بجواب مركب فيقال هو قابل لما هو قادر عليه فإن كان ~~ثبوت جنسها في الأزل ممكنا كان قابلا لذلك في الأزل وقادرا عليه في الأزل ~~وإن لم يكن ثبوت هذا الجنس ممكنا في الأزل كان قابلا للممكن من ذلك كما هو ~~قادر على الممكن من ذلك # الوجه الرابع أن يقال كونه قابلا أو ليس بقابل هو نظر في PageV02P182 ~~محل هذه الأمور وليس نظرا في إمكان تسلسلها أو امتناع ذلك كما أن النظر في ~~كونه يقبل الاتصاف بالصفات كالعلم والقدرة هو نظر في إمكان اتصافه بذلك ~~فأما وجوب تناهي ما مضى من الحوادث أو ما بقي وإمكان وجود جنس الحوادث في ~~الأزل فذلك لا اختصاص له بمحل دون محل فإن قدر امتناع قيام ذلك به فلا فرق ~~بين المتسلسل والمتناهي وإن قدر إمكان ذلك كان بمنزلة إمكان حدوث الحوادث ~~المنفصلة والكلام في إمكان تسلسلها وعدم إمكان ذلك مسألة أخرى # الجواب الخامس أن يقال هذه الأمور المقبولة هي من الحوادث المقدورة بخلاف ~~الصفات اللازمة له فإنها ليست مقدورة فالمقبولات تنقسم إلى مقدور وغير ~~مقدور كما أن المقدورات تنقسم إلى مقبول وغير مقبول وما يقوم بالذات من ~~الحوادث هو مقبول مقدور وحينئذ فإذا كان وجود المقدور في الأزل محالا كان ~~وجود هذا المقبول في الأزل محالا لأن هذا المقبول مقدور من المقدورات واذا ~~كان وجود هذه الحوادث المقدورة المقبولة محالا ms0340 في الأزل لم يلزم من ذلك ~~امتناع وجودهما فيما لا يزال كسائر الحوادث ولم يلزم من كون الذات قابلة ~~لها إمكان وجودها في الأزل # الجواب السادس أن يقال أنتم تقولون إنه قادر في الأزل مع امتناع وجود ~~المقدور في الأزل وتقولون إنه قادر في الأزل على مالا يزال فإن كان هذا ~~الكلام صحيحا أمكن أن يقال في PageV02P183 ~~المقبول كذلك ويقال هو قابل في الأزل مع امتناع وجود المقبول في الأزل وهو ~~قابل في الأزل لما لا يزال وإن كان هذا الكلام باطلا لزم إما إمكان وجود ~~المقدور في الأزل واما امتناع كونه قادرا في الأزل وعلى التقديرين يبطل ما ~~ذكرتموه من الفرق بين القادر وبين القابل بقولكم تقدم القدرة على المقدور ~~واجب دون تقدم القابل على المقبول # الجواب السابع أن يقال أنتم اعتمدتم في هذا على أن تلك القابلية يجب أن ~~تكون من لوازم الذات ويلزم من ذلك إمكان وجود المقبول في الأزل لأن قابلية ~~الشيء لغيره نسبة بين القابل والمقبول والنسبة بين الشيئين موقوفة عليهما ~~فيقال لكم ان كانت النسبة بين الشيئين موقوفة عليهما أي على تحققهما معا في ~~زمن واحد كما اقتضاه كلامكم بطل فرقكم وهو قولكم بأن تقدم القدرة على ~~المقدور واجب فإن القدرة نسبة بين القادر والمقدور مع وجوب تقدم القدرة على ~~المقدور وهكذا تقولون الإرادة قديمة مع امتناع وجود المراد في الأزل ~~وتقولون الخطاب قديم مع امتناع وجود المخاطب في الأزل فإذا كنتم تقولون بأن ~~هذه الأمور التي تتضمن النسبة بين شيئين تتحقق في الأزل مع وجود أحد ~~المنتسبين في الأزل دون الآخر امكن PageV02P184 ~~أن يقال إن القابلية متحققة في الأزل مع امتناع تحقق المقبول في الأزل كما ~~قال كثير من الناس إن التكوين ثابت في الأزل مع امتناع وجود المكون في الأزل # وأما الحجة الثالثة وهو أن قيام الحوادث به تغير والله منزه عن التغير ~~فهذه هي التي اعتمد عليها الشهرستاني في نهاية الأقدام ولم يحتج بغيرها # وقد أجاب الرازي وغيره عن ذلك بأن ms0341 لفظ التغير مجمل فإن الشمس والقمر ~~والكواكب إذا تحركت أو تحركت الرياح أو تحركت الأشجار والدواب من الأناسي ~~وغيرهم فهل يسمى هذا تغيرا أولا يسمى تغيرا فإن سمي تغيرا كان المعنى أنه ~~اذا تحرك المتحرك فقد تحرك وإذا تغير بهذا التفسير فقد تغير وإذا قامت به ~~الحوادث كالحركة ونحوها فقد قامت به الحوادث فهذا معنى قوله إن فسر بذلك ~~فقد اتحد اللازم والملزوم # فيقال وما الدليل على امتناع هذا المعنى وإن سماه المسمى تغيرا وان كان ~~هذا لا يسمى تغيرا بل المراد بالتغير غير مجرد قيام الحوادث مثل أن يعني ~~بالتغير الاستحالة في الصفات كما يقال تغير المريض وتغيرت البلاد وتغير ~~الناس ونحو ذلك فلا دليل على أنه يلزم من PageV02P185 ~~الحركة ونحوها من الحوادث مثل هذا التغير ولا ريب أن التغير المعروف في ~~اللغة هو المعنى الثاني فإن الناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب اذا ~~كانت جارية في السماء إن هذا تغير وإنها تغيرت ولا يقولون للإنسان إذا كانت ~~عادته أن يقرأ القرآن ويصلى الخمس إنه كلما قرأ وصلى قد تغير وإنما يقولون ~~ذلك لمن لم تكن عادته هذه الأفعال فإذا تغيرت صفته وعادته قيل إنه قد تغير # وحينئذ فمن قال إنه سبحانه لم يزل متكلما اذا شاء فعالا لما يشاء لم يسم ~~أفعاله تغيرا ومن قال إنه تكلم بعد أن لم يكن متكلما وفعل بعد أن لم يكن ~~فاعلا فإنه يلزم من قال إن الكلام والفعل يقوم به ما يلزم من قال أن الكلام ~~والفعل يقوم بغيره والقول في أحد النوعين كالقول في الآخر وذا قدر أن ~~النزاع لفظي فلا بد من دليل سمعي أو عقلي يجوز أحدهما ويمنع الاخر والا فلا ~~يجوز التفريق بين المتماثلين بمجرد الدعوى أو بمجرد اطلاق لفظي من غير أن ~~يكون ذلك اللفظ مما يدل على ذلك المعنى في كلام المعصوم فأما اذا كان اللفظ ~~في كلام المعصوم وهو كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل الإجماع وعلم مراده ~~بذلك اللفظ فإنه يجب مراعاة مدلول ms0342 ذلك اللفظ ولا يجوز مخالفة قول المعصوم ~~وواطلاق التغير على الأفعال كإطلاق لفظ الغير على الصفات وإطلاق لفظ الجسم PageV02P186 ~~على الذات وكل هذه الألفاظ فيها إجمال واشتباه وإبهام ومذهب السلف والأئمة ~~أنهم لا يطلقون لفظ الغير على الصفات لا نفيا ولا إثباتا فلا يطلقون القول ~~بأنها غيره ولا بأنها ليست غيره اذ اللفظ مجمل فإن اراد المطلق بالغير ~~المباين فليست غيرا وإن أراد بالغير ما قد يعلم أحدهما دون الآخر فهي غير ~~وهكذا ما كان من هذا الباب # واذا كان هذا كلامهم في لفظ الغير فلفظ التغير مشتق منه # ومتأمل كلام فحول النظر في هذا المسألة علم أن الرازي قد استوعب ما ذكروه ~~وأن النفاة ليست معهم حجة عقلية تثبت على السبر وإنما غايتهم الزام التناقض ~~لمن يخالفهم من المعتزلة والكرامية والفلاسفة # ومن المعلوم أن تناقض المنازع يستلزم فساد أحد قوليه بعينه الذي هو مورد ~~النزاع ولهذا كان من ذم أهل الكلام المحدث من أهل العلم لأنهم يصفونهم بهذا ~~ويقولون يقابلون فاسدا بفاسد وأكثر كلامهم في إبداء مناقضات الخصوم # وايضا فغير ذلك الخصم لا يلتزم مقالته التي ناقض بها مورد النزاع كما في ~~هذه المسألة فإنه وإن كانت الكرامية قد تناقضوا فيها فلم يتناقض فيها غيرهم ~~من الأئمة والسلف وأهل الحديث وغيرهم من طوائف أهل النظر والكلام PageV02P187 # وقد قال أبو القاسم الأنصاري شيخ الشهرستاني وتلميذ أبي المعالي في شرح ~~الارشاد اجود ما يتمسك به في هذه المسألة تناقض الخصوم # وهو كما قال فإنه لم يجد لمن تقدمه في ذلك مسلكا سديدا لا عقليا ولا ~~سمعيا واعتبر ذلك بما ذكره أبو المعالي في كتابه الذي سماه الإرشاد إلى ~~قواطع الأدلة وقد ضمنه عيون الأدلة الكلامية التي يسلكها موافقوه وقد تكلم ~~على هذا الأصل في موضعين من كتابه # أحدهما في مسألة حدوث العالم فإنه استدل بدليل الأعراض المشهور وهو أن ~~الجسم لا يخلو عن الأعراض وما لا يخلو عنها فهو حادث وهو الدليل الذي ~~اعتمدت عليه المعتزلة قبله وهو الذي ذمه الأشعري ms0343 في رسالته إلى أهل الثغر ~~وبين أنه ليس من طرق األنبياء واتباعهم والدليل هو مبني على أثبات أربع ~~مقدمات الأعراض وإثبات حدوثها وأن الجسم لا يخلو منها وإبطال حوادث لا أول ~~لها فلما صار إلى المقدمة الثالثة قال وأما الأصل الثالث PageV02P188 ~~وهو تبيين استحالة تعري الجواهر عن الأعراض فالذي صار اليه أهل الحق أن ~~الجوهر لا يخلو عن كل جنس من الأعراض وعن جميع اضداده ان كان له اضداد وأن ~~كان له ضد واحد لم يخل الجوهر عن أحد الضدين وإن قدر عرض لا ضد له لم يخل ~~الجوهر عن قبول واحد من جنسه # قال وجوزت الملحدة خلو الجوهر عن جميع الأعراض والجواهر في اصطلاحهم تسمى ~~الهيولي والمادة والأعراض تسمى الصورة # قال وجوز الصالحي العرو عن جملة الأعراض ابتداء ومنع البصريون من ~~المعتزلة من العرو عن جميع الأكوان وجوزوا PageV02P189 ~~الخلو عما عداها وقال الكعبي ومتبعوه يجوز الخلو عن الأكوان ويمتنع العرو ~~عن الألوان # قال وكل مخالف لنا يوافقنا على امتناع العرو عن الأعراض بعد قبول الجواهر ~~لها فيفرض الكلام على الملحدة في الأكوان فإن القول فيها يستند إلى الضرورة ~~فإننا ببديهة العقل نعلم أن الجواهر القابلة للإجتماع والإفتراق لا تعقل ~~غير متماسة ولا متبانية # ومما يوضح ذلك أنها اذا اجتمعت فيما لا يزال فلا يتقرر اجتماعها الا عن ~~افتراق سابق اذا قدر لها الوجود قبل الاجتماع وكذلك اذا طرأ الافتراق عليها ~~اضطررنا إلى العلم بأن الافتراق مسبوق باجتماع وغرضنا في روم اثبات حدث ~~العالم يتضح بالأكوان PageV02P190 # قلت إثبات الأكوان بقبول الحركة والسكون هو الذي لا يمكن دفعه فإن الجسم ~~الباقي لا بد له من الحركة أو السكون وأما الاجتماع والافتراق فهو مبني على ~~اثبات الجوهر الفرد والنزاع فيه كثير مشهور فإن من ينفيه لا يقول إن الجسم ~~مركب منه ولا إن الجواهر كانت متفرقة فاجتمعت والذين يثبتونه أيضا لا ~~يمكنهم إثبات أن الجواهر كانت متفرقة فاجتمعت فإنه لا دليل على ان السماوات ~~كانت جواهر متفرقة فجمع بينها ولهذا قال في ms0344 الدليل فإنا ببديهة العقل نعلم ~~أن الجواهر القابلة للإجتماع والافتراق لا تعقل غير متماسة ولا متباينة ~~وهذا كلام صحيح لكن الشأن في اثبات الجواهر القابلة للاجتماع والافتراق فما ~~ذكره من الدليل مبني على تقدير أنها كانت متفرقة فاجتمعت وهذا التقدير غير ~~معلوم بل هو تقدير منتف في نفس الأمر عند جمهور العقلاء من المسلمين وغيرهم # ثم قال أبو المعالي وإن حاولنا ردا على المعتزلة فيما خالفونا فيه تمسكنا ~~بنكتتين إحداهما الاستشهاد بالاجماع على امتناع العرو عن الأعراض بعد ~~الاتصاف بها فنقول كل عرض باق فإنه ينتفي عن محله بطريان ضده ثم الضد إنما ~~يطرأ في حال عدم المنتفي به PageV02P191 ~~على زعمهم فإذا انتفى البياض فهلا جاز أن لا يحدث بعد انتفائه لون إن كان ~~يجوز الخلو من الألوان وتطرد هذه الطريقة في أجناس الأعراض # قلت مضمون هذا أنه قاس ما بعد الاتصاف على ما قبله وقد اجابه المنازعون ~~عن هذا بأن الفرق بينهما أن الضد لا يزول الا بطريان ضده فلهذا لم يخل ~~منهما فإن كان هذا الفرق صحيحا بطل القياس والا منع الحكم في الأصل وقيل بل ~~يجوز خلوه بعد الاتصاف اذا أمكن زوال الضد بدون طريان آخر وما ذكره في ~~السواد والبياض قضية جزئية فلا تثبت بها دعوى كلية ومن أين يعلم أن كل طعم ~~في الأجسام اذا زال فلا بد أن يخلفه طعم آخر وكل ريح إذا زالت فلا بد أن ~~يخلفها ريح آخر وكذلك في الإرادة والكراهة ونحو ذلك فمن أين يعلم أن المريد ~~للشيء المحب له إذا زالت إرادته ومحبته فلا بد أن يخلفه كراهية وبغضة ولم ~~لا يجوز خلو الحي عن حب المعين وبغضه وارادته وكراهته # قال ونقول أيضا الدال على استحالة قيام الحوادث بذات PageV02P192 ~~الرب سبحانه وتعالى أنها لو قامت به لم يخل عنها وذلك يقضي بحدثه فإذا جوز ~~الخصم عرو الجوهر عن حوادث مع قبوله لها صحة وجوازا فلا يستقيم مع ذلك دليل ~~على استحالة قبول الباريء للحوادث # قلت فلقائل أن يقول ms0345 هذا غايته إلزام لهؤلاء المعتزلة إنكم اذا جوزتم ذلك ~~لم يكن لكم حجة على استحالة قبول الباري للحوادث # فيقال إما أن ليكون هذا لازما وأما أن لا يكون لازما فإن كان لازما دل ~~ذلك على أنه لا دليل للمعتزلة على ذلك ولا دليل له أيضا فإن مجرد موافقة ~~المعتزلة له لا يكون دليلا لواحد منهما في شيء من المسائل التي لم نعلم ~~فيها نزاع فكيف مع ظهور النزاع وإن لم يكن لازما لهم لم يكن حجة عليهم # فقد تبين أنه لم يذكر حجة على أن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده # الموضع الثاني قال في أثناء الكتاب PageV02P193 ~~فصل مما يخالف فيه الجوهر حكم الإله قبول الأعراض وصحة الاتصاف بالحوادث ~~والرب يتقدس عن قبول الحوادث # قال وذهبت الكرامية إلى أن الحوادث تقوم بذات الرب ثم زعموا أنه لا يتصف ~~بما يقوم به من الحوادث وصاروا إلى جهالة لم يسبقوا اليها فقالوا القول ~~الحادث يقوم بذات الرب وهو غير قائل به وإنما يقول بالقائلية والقائلية ~~عندهم القدرة على التكلم وحقيقة أصلهم أن أسماء الرب لا يجوز أن تتجدد ~~ولذلك وصفوه بكونه خالقا في PageV02P194 ~~الأزل ولم يتحاشوا من قيام الحوادث به وتنكبوا إثبات وصف جديد له ذكرا وقولا # قال والدليل على بطلان ما قالوه أنه لو قبل الحوادث لم يخل منها لما سبق ~~تقريره في الجواهر حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأعراض ولو لم تخل عن ~~الحوادث لم تسبقها وينساق ذلك إلى الحكم بحدث الصانع # قال ولا يستقيم هذا الدليل على أصل المعتزلة مع مصيرهم إلى تجويز خلو ~~الجوهر عن الأعراض على تفصيل لهم أشرنا اليه واثباتهم أحكاما متجددة لذات ~~الرب تعالى من الإرادة المحدثة القائمة لا بمحل على زعمهم ويصدهم أيضا عن ~~طرد دليل في هذه المسألة أنه اذا لم يمتنع تجدد أحكام للذات من غير أن تدل ~~على الحدث لم يبعد مثل ذلك في اعتوار نفس الأعراض على الذات PageV02P195 # هذا كلامه ولقائل أن يقول قوله الدليل على بطلان ما قالوه ms0346 انه لو قبلها ~~لم يخل منها لما سبق تقريره في الجواهر هو لم يذكر دليلا هناك الا قياس ما ~~قبل الاتصاف على ما بعده وهو ليس حجة علمية عقلية بل غايته احتجاج بموافقة ~~منازعه في مسألة عظيمة عقلية ترد لأجلها نصوص الكتاب والسنة وينبني عليها ~~من مسائل الصفات والأفعال أمور عظيمة اضطرب فيها الناس فمن الذي يجعل أصول ~~الدين مجرد قول قالته طائفة من أهل الكلام وافق بعضهم بعضا عليه من غير حجة ~~عقلية ولا سمعية # وقد أجاب المنازعون بجواب مركب وهو إما الفرق إن صح والا منع حكم الأصل # وأيضا فإنه قد قرر هناك وهنا أن المعتزلة أئمة الكلام الذين أظهروا في ~~الإسلام نفي الصفات والأفعال وسموا ذلك تقديسا له عن الأعراض والحوادث وقد ~~ذكر أبو المعالي أنه لا حجة لهم على استحالة اتصافه بالحوادث وأنه يلزمهم ~~نقيض ذلك أما الأول فإن القابل للشيء عندهم يجوز أن يخلو عنه وعن ضده وأما ~~لزوم هذا القول له فلإثباتهم أحكاما متجددة للرب وأنه اذا لم يمتنع تجدد ~~أحكام للذات PageV02P196 ~~من غير أن يدل على الحدوث لم يبعد مثل ذلك في اعتوار أنفس الأعراض وكان ما ~~ذكره الأستاذ أبو المعالي يقتضي أن القول بحلول الحوادث يلزم المعتزلة وأنه ~~لا دليل لهم على نفي ذلك وهو أيضا لم يذكر دليلا لموافقيه على نفي ذلك # فأفاد ما ذكره أن أئمة النفاة لحلول الحوادث به القائلين بأنه لا يقوم به ~~ما يتعلق بمشيئته وقدرته لا دليل لهم على ذلك بل قولهم يستلزم قول أهل ~~الإثبات لذلك # قال ونقول للكرامية مصيركم إلى إثبات قول حادث مع نفيكم اتصاف الباري به ~~تناقض اذ لو جاز قيام معنى بمحل من غير أن يتصف المحل بحكمة لجاز شاهدا ~~قيام أقوال وعلوم وارادات بمحال من غير أن تتصف المحال بأحكام موجبة عن ~~المعاني وذلك يخلط الحقائق ويجر إلى جهالات # قال ثم نقول له اذا جوزتم قيام ضروب من الحوادث بذاته فما المانع من ~~تجويز قيام أكوان حادثة بذاته على التعاقب ms0347 PageV02P197 ~~وكذلك سبيل الإلزام فيما يوافقوننا على استحالة قيامه به من الحوادث ومما ~~يلزمهم تجويز قيام قدرة حادثه وعلم حادث بذاته على حسب أصلهم في القول ~~والارادة الحادثين ولا يجدون بين ما جوزوه وامتنعوا عنه فصلا # قال ونقول لهم قد وصفتم الرب تعالى بكونه متحيزا وكل متحيز جسم وجرم ولا ~~يتقرر في المعقول خلو الأجرام من الأكوان فما المانع من تجويز قيام الأكوان ~~بذات الرب ولا محيص لهم عن شيء مما ألزموه # قلت ولقائل أن يقول هذه الوجوه الأربعة التي ذكرها ليس فيها حجة تصلح ~~لاثبات الظن في الفروع فضلا عن اثبات اعتقاد يقيني في أصول الدين يعارض به ~~نصوص الكتاب والسنة فإن غاية هذا الكلام إن صح أن الكرامية تناقضوا وقالوا ~~قولا ولم يلتزموا بلوازمه PageV02P198 # فيقال إن كان ما ذكره لازما لهم لزمهم الخطأ إما في إثبات الملزوم وإما ~~في نفي اللازم ولم يتعين الخطأ في أحدهما فلم لا يجوز أن يكون خطؤهم في نفي ~~اللوازم فإن أقام على ذلك دليلا عقليا كان هو حجة كافية في المسألة والا ~~استفدنا خطأ الكرامية في أحد قوليهم وإن لم يكن ما ذكره لازما لم يفد لا ~~إثبات تناقضهم ولا دليلا في مورد النزاع # ثم يقال أما الوجه الأول فحاصله نزاع لفظي هل يتصف بالحوادث أو لا يتصف ~~كالنزاع في أمثال ذلك وإذا كان من أصلهم الفرق بين اللازم وغير اللازم بحيث ~~يسمون اللازم صفة دون العارض كاصطلاح من يفرق بين الصفات والأفعال فلا يسمى ~~الأفعال صفات وإن قامت بمحل كاصطلاح من يفرق بين الأقوال والأفعال فلا يسمى ~~ما يتكلم به الإنسان عملا وإن كان له فيه حركة ونحو ذلك كانت هذه أمورا ~~اصطلاحية لفظية لغوية لا معاني عقلية والمرجع في إطلاق الألفاظ نفيا ~~وإثباتا إلى ما جاءت به الشريعة فقد يكون في إطلاق اللفظ مفسدة وإن كان ~~المعنى صحيحا # وما ألزمهم إياه في الشاهد فأكثر الناس يلتزمونه في الأفعال فإن الناس ~~تفرق في الإطلاقات بين صفات الإنسان وبين أفعاله كالقيام PageV02P199 ~~والقعود والذهاب ms0348 والمجيء فلا يسمون ذلك صفات وإن قامت بالمحل # وكذلك العلم الذي يعرض للعالم ويزول والإرادة التي تعرض له وتزول قد لا ~~يسمون ذلك صفة له وإنما يصفونه بما كان ثابتا له كالخلق الثابت # وبالجملة فهذه بحوث لفظية سمعية لا عقيلة وليس هذا موضعها # وأما قيام الأكوان به على التعاقب وقيام ما أحالوا قيامه به فهم يفرقون ~~بين ما جوزوه ومنعوه بما يفرق به مثبته الصفات بين ما وصفوه به وبين ما ~~منعوه فكما أنهم يصفونه بصفات الكمال فلا يلزمهم أن يصفوه بغيرها فكذلك ~~هؤلاء يقولون فإن صح الفرق والا كانوا متناقضين # ومن المعلوم أن الله تعالى لما وصف بالسمع والبصر كما دلت عليه النصوص ~~ألزمت النفاة لأهل الإثبات إدراك الشم والذوق واللمس فمن الناس من طرد ~~القياس ومنهم من فرق بين الثلاثة والاثنين ومنهم من فرق بين ادراك اللمس ~~وادراك الشم والذوق لكون النصوص أثبتت الثلاثة دون الاثنين # فإذا قال المعتزلة البصريون والقاضي أبو بكر وأبو المعالى وغيرهما ممن ~~يصفه بالإدراكات الخمسة لمن لم يصفه الا باثنين أو ثلاثة يلزمكم PageV02P200 ~~طرد القياس لزمهم إما الفرق والا كانوا متناقضين ولم يكن هذا دليلا على ~~ابطال اتصافه بالسمع والبصر وكذلك اذا قال من جعل الإدراكات الخمسة تتعلق ~~به كما فعله هؤلاء ومن وافقهم كالقاضي أبي يعلى ونحوه لمن أثبت الرؤية ~~يلزمكم أن تصفوه بتعلق السمع والشم والذوق واللمس به كما قلتم في الرؤية ~~كانوا أيضا على طريقين منهم من يذكر الفرق ومنهم من يفرق بين اللمس وغيره ~~لمجيء النصوص بذلك دون غيره # قال أبو المعالي في إرشاده فإن قيل قد وصفتم الرب تعالى بكونه سميعا ~~بصيرا والسمع والبصر إدراكان ثم ثبت شاهدا إدراكات سواهما إدراك يتعلق ~~بقبيل الطعوم وادراك يتعلق بقبيل الروائح وادراك يتعلق بالحرارة والبرودة ~~واللين والخشونة فهل تصفون الرب تعالى بأحكام هذه الإدراكات أم تقتصرون على ~~وصفه بكونه سمعيا بصيرا # قلنا الصحيح المقطوع به عندنا وجوب وصفه بأحكام الادراك إذ كل إدراك ~~ينفيه ضد فهو آفة فما دل على وجوب ms0349 PageV02P201 ~~وصفه بحكم السمع والبصر فهو دال على وجوب وصفة بأحكام الادراك ثم يتقدس ~~الرب تعالى عن كونه شاما ذائقا لامسا فإن هذه الصفات منبئة عن ضروب من ~~الاتصالات والرب يتعالى عنها وهي لا تنبىء عن حقائق الادراكات فإن الانسان ~~يقول شممت تفاحة فلم أدرك ريحها ولو كان الشم دالا على الادراك لكان ذلك ~~بمثابة قول القائل أدركت ريحها ولم أدركه وكذلك القول في الذوق واللمس # قلت ولا يلزم من تناقض هؤلاء إن كانوا متناقضين نفى الرؤية التي تواترت ~~بها النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم # وقلت وأما تعاقب الحوادث فهم نفوه بناء على امتناع حوادث لا أول لها فإن ~~صح هذا الفرق والا لزمهم طرد الجواز كما طرده غيرهم ممن لا يمنع ذلك PageV02P202 ~~وأما حدوث القدرة والعلم فنفوهما لأن عدم ذلك يستلزم النقص لعموم تعلق ~~العلم والقدرة بخلاف الإرادة والكلام فإنه عموم لها فإنه سبحانه لا يتكلم ~~الا بالصدق لا يتكلم بكل شيء ولا يريد الا مايسبق علمه به لا يريد كل شيء ~~بخلاف العلم والقدرة فإنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير # وهذا كما فرقت المعتزلة بين هذا وهذا فقالوا إن له إرادة حادثة وكلاما ~~حادثا ولم يقولوا له عالمية حادثة وقادرية حادثة فالسؤال على الفريقين ~~جميعا فإن صح الفرق والا كانوا متناقضين وقد أثبت غيرهم قيام علم بالموجود ~~بعد وجوده ولم يجعل ذلك عين العلم المتعلق به قبل وجوده كما دل على ذلك ~~ظاهر النصوص وقد أثبت ذلك من أهل الكلام والفلسفة طوائف كأبي الحسين البصري ~~وأبي البركات وغيرهم وغير المتقدمين مثل هشام بن الحكم وأمثاله ومثل جهم ~~والمفرق إن صح فرقه والا لزم تناقضه # وقيام الأكوان به نفوه لأنها هي دليلهم على حدوث العالم كما استدلت بذلك ~~المعتزلة وهم يقولون المتصف بالأكوان لا يخلو منها وهذا معلوم بالبديهة كما ~~بينه الأستاذ أبو المعالي في أول كلامه وقال نفرض الكلام في الأكوان فإن ~~القول فيها يستند PageV02P203 ~~إلى الضرورة فإذا كان من المعلوم بالضرورة أن القابل للأكوان ms0350 لا يخلو عنها ~~فلو وصفوه بالأكوان للزم أن لا يخلو عنها وهم يقولون بامتناع تسلسل الحوادث ~~ويقولون مالا يخلو من الحوادث فهو حادث كما يوافقهم على ذلك أبو المعالي ~~وأمثاله فإن كان هذا الفرق صحيحا بطل الألزام لهم وصح فرقهم وان لم يكن هذا ~~الفرق صحيحا لم يكن في ذلك حجة للمنازع لهم بل يقول القائل كلاكما مخطيء ~~حيث قلتم بامتناع دوام الحوادث وتسلسلها # ومعلوم أن هذا كلام متين لا جواب عنه فإن فرقهم بين الأكوان وغيرها هو ~~العلم الضروري من الجميع بأن القابل للأكوان لا يخلو منها فما قبل الحركة ~~والسكون لم يخل من أحدهما فهذا هو محيصهم عما ألزمهم به فإن كانت الأكوان ~~كغيرها من في أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده فقد ثبت تناقضهم اذا كان ~~قابلا لها وإن لم تكن مثل غيرها كما تقوله المعتزلة صح فرقهم وهم يدعون أنه ~~ليس قابلا لها كما وقد وافقهم على ذلك المعتزلة والأشعرية # قإذا قال المعترض عليهم يجب على أصلهم أن يكون قابلا لها لأنهم يصفونه ~~بكونه متحيزا وكل متحيز جسم وجرم قيل هذا كما تقوله المعتزلة للأشعرية ~~يلزمكم اذا قلتم إن له حياة وعلما وقدرة أن يكون متحيزا لأنه لا يعقل قيام ~~هذه الصفات الا بمتحيز ويقولون PageV02P204 ~~إنه لا يعقل موصوف بالعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والارادة الا ما ~~هو جسم فإذا وصفتموه بهذه الصفات لزمكم أن يكون جسما # فإذا قال هؤلاء للمعتزلة قد اتفقنا نحن وأنتم على أنه حي عليم قدير وليس ~~بمتحيز ولا جسم فإذا عقلنا موجودا حيا عليما قديرا ليس بجسم عقلنا حياة ~~وعلما وقدرة لا تقوم بجسم قالوا وأنتم وافقتمونا على أنه حي عليم قدير ~~وإثبات حي عليم قدير بلا حياة ولا علم ولا قدرة مكابرة للعقل واللغة والشرع # قالت الكرامبة لهؤلاء قد اتفقنا نحن وانتم على أنه موصوف بالحياة والعلم ~~والقدرة ونحو ذلك من الصفات مع اتفاقنا نحن وأنتم على أنه لا يتصف بالأكوان ~~فهكذا اذا جوزنا عليه أنه يسمع أصوات ms0351 عباده حين يدعونه ويراهم بعد أن ~~يخلقهم ويغضب عليهم اذا عصوه ويحب العبد اذا تقرب اليه بالنوافل ويكلم موسى ~~حين أتى الوادي ويحاسب خلقه يوم القيامة ونحو ذلك مما دلت عليه النصوص لم ~~يلزمنا مع ذلك أن نجوز لم يلزمنا مع ذلك أن نجوز عليه حدوث الأكوان # ومن تدبر كلام هؤلاء الطوائف بعضهم مع بعض تبين له أنهم لا يعتصمون فيما ~~يخالفون به الكتاب والسنة الا بحجة جدلية يسلمها بعضهم لبعض وآخر منتهاهم ~~حجة يحتجون بها في إثبات حدوث العالم لقيام الأكوان به أو الأعراض ونحو ذلك ~~من الحجج التي هي PageV02P205 ~~أصل الكلام المحدث الذي ذمه السلف والأئمة وقالوا إنه جهل وإن حكم أهله أن ~~يضربوا بالجريد والنعال وطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ~~ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام ولكن من عرف حقائق ما انتهى اليه هؤلاء ~~الفضلاء الأذكياء ازداد بصيرة وعلما ويقينا بما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وبأن ما يعارضون به الكتاب والسنة من كلامهم الذي يسمونه عقليات ~~هي من هذا الجنس الذي لا ينفق الا بما فيه من الألفاظ المجملة المشتبهة مع ~~من قلت معرفته بما جاء به الرسول وبطرق اثبات ذلك ويتوهم أن بمثل هذا ~~الكلام يثبت معرفة الله وصدق رسله وأن الطعن في ذلك طعن فيما به يصير العبد ~~مؤمنا فيتعجل رد كثير مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لظنه أنه بهذا ~~الرد يصير مصدقا للرسول في الباقي واذا أنعم النظر تبين له أنه كلما ازداد ~~تصديقا لمثل هذا الكلام ازداد نفاقا وردا لما جاء به الرسول وكلما ازداد ~~معرفة ازداد معرفة بحقيقة هذا الكلام وفساده ازداد ايمانا وعلما بحقيقة ما ~~جاء به الرسول ولهذا قال من قال من الأئمة قل احد نظر في الكلام الا تزندق ~~وكان في قلبه غل على أهل الإسلام بل قالوا علماء الكلام زنادقة # ولهذا قيل إن حقيقة ما صنفه هؤلاء في كتبهم من الكلام PageV02P206 ~~الباطل المحدث المخالف للشرع والعقل هو ترتيب ms0352 الأصول في تكذيب الرسول ~~ومخالفة صريح المعقول وصحيح المنقول ولولا أن هؤلاء القوم جعلوا هذا علما ~~مقولا ودينا مقبولا يردون به نصوص الكتاب والسنة ويقولون إن هذا هو الحق ~~الذي يجب قبوله دون ما عارضه من النصوص الإلهية والأخبار النبوية ويتبعهم ~~على ذلك من طوائف أهل العلم والدين مالا يحصيه إلا الله لاعتقادهم أن هؤلاء ~~أحذق منهم وأعظم تحقيقا لم يكن بنا حاجة إلى كشف هذه المقالات مع أن الكلام ~~هنا لا يحتمل إلا الاختصار # ومقصودنا بحكاية هذا الكلام أن يعلم أن ما ذكره الرازي في هذه المسألة قد ~~استوعب فيه جميع حجج النفاة وبين فسادها # وأما الحجة التي احتج بها فهي أضعف من غيرها كما سيأتي بيانه # وقد ذكر أن هذه المسألة تلزم عامة الطوائف # وذكر في كتاب الأربعين أنها تلزم أصحابه أيضا فقال في الأربعين المشهور ~~أن الكرامية يجوزون ذلك وينكره سائر الطوائف وقيل أكثر العقلاء يقولون به ~~وإن أنكروه باللسان فإن أبا علي وأبا هاشم من المعتزلة وأتباعهما قالوا إنه ~~يريد بإرادة حادثة PageV02P207 ~~لا في محل ويكره بكراهة حادثة لا في محل إلا أن صفة المريدية والكارهية ~~محدثة في ذاته تعالى # وإذا حضر المرئي والمسموع حدث في ذاته تعالى صفة السامعية والمبصرية ~~لكنهم إنما يطلقون لفظ التجدد دون الحدوث # وأبو الحسين البصري يثبت في ذاته علوما متجددة بحسب تجدد المعلومات ~~والأشعرية يثبتون نسخ الحكم مفسرين ذلك برفعه أو انتهائه والارتفاع ~~والانتهاء عدم بعد الوجود ويقولون إنه عالم بعلم واحد يتعلق قبل وقوع ~~المعلوم بأنه سيقع وبعده يزول ذلك التعلق ويتعلق بأنه وقع ويقولون بأن ~~قدرته تتعلق بإيجاد المعين وإذا وجد انقطع ذلك التعلق لامتناع إيجاد ~~الموجود وكذا تعلق الارادة بترجيح المعين وأيضا PageV02P208 ~~المعدوم لا يكون مرئيا ولا مسموعا وعند الوجود يكون مرئيا ومسموعا فهذه ~~التعلقات حادثة # فإن التزم جاهل كون المعدوم مرئيا ومسموعا قلنا الله تعالى يرى المعدوم ~~معدوما لا موجودا وعند وجوده يراه موجودا لا معدوما لأن رؤية الموجود ~~معدوما أو بالعكس غلط وأنه يوجب ما ms0353 ذكرنا والفلاسفة مع بعدهم عن هذا يقولون ~~بأن الاضافات وهي القبلية والبعدية والمعية موجودة في الأعيان فيكون الله ~~مع كل حادث وذلك الوصف الإضافي حدث في ذاته وأبو البركات من المتأخرين منهم ~~صرح في المعتبر بإرادات محدثة وعلوم محدثة في ذاته تعالى زاعما بأنه لا ~~يمكن الاعتراف بكونه الها لهذا العالم إلا مع هذا القول ثم قال الإجلال من ~~هذا الإجلال والتنزيه من هذا التنزيه واجب PageV02P209 # قال الرازي واعلم أن الصفة إما حقيقية عارية عن الإضافة كالسواد والبياض ~~أو حقيقة تلزمها إضافة كالعلم والقدرة فإنه يلزمها تعلق بالمعلوم والمقدور ~~وهو اضافة مخصوصة بينهما وإما اضافة محضة ككون الشيء قبل غيره وبعده ويمينه ~~ويساره فإن تغير هذه الأشياء لا يوجب تغيرا في الذات ولا في صفة حقيقية ~~منها فنقول تغير الإضافات لا محيص عنه وأما تغير الصفات الحقيقية فالكرامية ~~يثبتونه وغيرهم ينكرونه فظهر الفرق بين مذهب الكرامية وغيرهم لا نسمي ذلك ~~صفة ولا نقول إن ذلك تغير في الصفات الحقيقية كما تقدم # ثم استدل الرازي بثلاثة أوجه # أحدها أن صفاته صفات كمال فحدوثها يوجب PageV02P210 ~~نقصانه يعني قبل حدوثها والإضافات لا وجود لها في الأعيان دفعا للتسلسل فلا ~~يرد نقصا # ولقائل أن يقول هذا الدليل قد تقدم الكلام عليه والمنازع لا يسمى ذلك صفة ~~وإن وصف الموصوف بنوع ذلك فليس كل فرد من الأفراد صفة كمال مستحقة القدم ~~بحيث يكون عدمها في الأزل نقصا وما اقتضت الحكمة حدوثه في وقت لم يكن عدمه ~~قبل ذلك نقصا بل الكمال عدمه حيث لا تقتضي الحكمة وجود حدوثه ووجوده حيث ~~اقتضت الحكمة وجوده كالحوادث المنفصلة فليس عدم كل شيء نقصا عما عدم عنه # وأيضا فالحوادث لا يمكن وجودها الا متعاقبة وقدمها ممتنع وما كان ممتنع ~~الوجود لم يكن عدمه نقصا والتسلسل المذكور هو التسلسل في الآثار والشروط ~~ونحوها وهذا فيه قولان مشهوران فالمنازع قد يختار جوازه لا سيما من يقول إن ~~الرب لم يزل فاعلا متكلما إذا شاء # الثاني لو كانت ذاته قابلة للحوادث لكانت ms0354 تلك القابلية من PageV02P211 ~~لوازمها وأزلية القابلية توجب صحة وجود المقبول أزلا لأن قابلية الشيء ~~للغير نسبة بينهما والنسبة بين الشيئين موقوفة عليهما لكن وجود الحوادث في ~~الأزل محال ولا يلزم علينا القدرة الأزلية لأن تقدم القدرة على المقدور ~~واجب دون تقدم القابل على المقبول # قال الأرموي ولقائل أن يقول ما ذكرتم بتقدير التسليم يقتضي أزلية صحة ~~وجود الحوادث لا صحة أزلية وجود الحوادث وقد عرفت الفرق بينهما في مسألة ~~الحدوث والفرق المذكور إن صح الفرق مع أن الدليل المذكور ينفيه لزم بطلان الدليل # قلت فقد ذكر الأرموي في بطلان هذا الدليل ثلاثة أوجه أحدهما الفرق بين ~~صحة أزلية الحدوث وأزلية صحة الحدوث وسيأتي إن شاء الله الكلام فيه وبيان ~~أنه فرق فاسد لكن يقال إن صح فهذا الفرق بطل الدليل وإن لم يصح لزم إمكان ~~الحوادث في الأزل ولزم إمكان وجود المقدور والمقبول في الأزل وكلاهما يبطل PageV02P212 ~~الدليل أو يقال ما كان جوابا لكم عن المقدور كان جوابا لنا عن المقبول أو ~~يقال إن صح هذا الفرق بطل الدليل وإن لم يصح هذا الفرق فاللازم أحد أمرين ~~إما إمكان دوام الحوادث وإما امتناع دوامها فإن كان اللازم هو الأول لزم ~~إمكان وجود جنس الحوادث المقبولة في الأزل وبطل الدليل وأن كان اللازم هو ~~الثاني كان وجودها في الأزل ممتنعا وحينئذ فإذا جاز أن يقال هو قادر عليها ~~مع امتناع وجود المقدور أمكن أن يقال هو قابل لها مع امتناع وجود المقبول # وقول الأرموي والفرق المذكور إن صح أغنى عن الدليل السابق والا بقي النقص ~~قد يقال أراد به الفرق بين أزلية الصحة وصحة الأزلية وقد يقال عني به الفرق ~~بين القادر والقابل فإن أراد الأول كان معنى كلامه إن صح الفرق أمكن أن ~~يكون قابلا لها في الأزل وتكون صحتها أزلية أي لم تزل ممكنة صحيحة مع ~~امتناع صحة أزلية الحوادث كما يقولون إذ لم تزل الحوادث ممكنة صحيحة جائزة ~~مع امتناع كون الحادث أزليا ويقولون صحة الجواز وإمكانها أزلي ms0355 لامتناع ~~انقلابها من الإمتناع إلى الإمكان من غير سبب حادث مع امتناع وجودها في ~~الأزل وامتناع صحة أزليتها # وهذا الفرق ذكره الغزالي في تهافت الفلاسفة والرازي وغيرهما في جواب من ~~قال بإن إمكان وجود المقدورات لا أصل له فقالوا نحن نقول إمكان الحوادث لا ~~بداية لها ونقول الشيء المعين بشرط كونه PageV02P213 ~~حادث لا بداية لأزليته ولا يلزم من ذلك إمكان وجود شيء من الحوادث في الأزل ~~لأن كونه حادثا مع كونه أزليا ممتنع # وهذا الفرق عند التحقيق باطل فإنه مستلزم للجمع بين النقيضين فإن الحادث ~~يجب أن يكون مسبوقا بالعدم # فإذا قيل بأن الحادث لم يزل ممكنا وأن صحته وإمكانه أزليته كان معناه أن ~~ما كان مسبوقا بالعدم يمكن أن يكون أزليا والأزلي لا يكون مسبوقا بالعدم ~~فكان معناه أن ما يجب أن يكون حادث يمكن أن يكون قديما وما يجب كونه مسبوقا ~~بالعدم يجوز أن يكون أزليا غير مسبوق بالعدم وهذا جمع بين النقيضين # فإذا قيل الحادث المعين إمكانه هل هو أزلي أو حادث # قيل بل هو حادث فإن كون الحادث المعين في الأزل ممتتنع لا يكون قط ولكن ~~حدثت أسباب أوجبت إمكان حدوثه فكان إمكان حدوثه ممكنا كوجود الولد المشروط ~~بوجود والده فإن كونه ابن فلان يستلزم وجود فلان ويمتنع أن يكون وجود ابن ~~فلان موجودا قبل وجود فلان والممتنع لذاته لا يكون مقدورا وتجدد القادرية ~~بتجدد إمكان المقدور ليس ممتنعا فإن الجميع حاصل بمشيئة الرب وقدرته وهو ~~سبحانه بما يحدثه بمشيئته وقدرته يجعل المعدوم موجودا فيجعل ما لم يكن ~~ممكنا مقدورا يصير ممكنا مقدورا وهذا مبسوط في موضع آخر # والمقصود شرح مراد الأرموي فإذا أراد بالفرق الفرق بين صحة PageV02P214 ~~الأزلية وأزلية الصحة كان معنى كلامه إن صح هذا الفرق بطل الدليل فإنه يقول ~~في الحوادث المقبولة ما يقال في الحوادث المنفصلة من الفرق بين صحة أزليتها ~~وأزلية صحتها لكن لو أراد بالفرق هذا لم يستقم قوله إن هذا الفرق إن صح ~~أغنى عن الدليل السابق بل هذا ms0356 الفرق إن صح بطل الدليل المذكور فهذا يرجح ~~أنه أراد بالفرق بين القادر والقابل فيكون قد ذكر ثلاثة أجوبة نقول إن صح ~~الفرق بينهما بأن القابل يستلزم وجود المقبول في الأزل دون القادر فهذا ~~الفرق يغني عن الدليل وإن صح هذا الفرق انتقض الدليل بالقادر # الوجه الثاني أنه إن صح الفرق بين المقدور والمقبول بأن المقدور يجب ~~تأخره عن القدرة والمقبول بأن المقدور يجب تأخره عن القدرة والمقبول لا يجب ~~ذلك فيه كان هذا وحده دليلا على وجوب حصول الحادث في الأزل اذا كان قابلا ~~له وحينئذ فلا حاجة إلى أن يستدل على ذلك بما ذكره من النسبة إن كان الفرق ~~صحيحا وإن لم يكن صحيحا صح النقض به # الثالث إن الدليل المذكور يوجب المقدور في الأزل لأن القادرية على ~~الشيئين نسبة بينهما والنسبة بين الشيئين متوقفة عليهما فإن صح الفرق بين ~~المقدور والمقبول مع أن الدليل يتناولهما جميعا وينفي PageV02P215 ~~الفرق لزم بطلان الدليل فيلزم بطلان مقدمة الدليل أو انتفاضة وكلاهما مبطل ~~له وهذا بين # قال الرازي الثالث قول الخليل { لا أحب الآفلين } سورة الأنعام 76 يدل ~~على أن المتغير لا يكون الها ولقائل أن يقول إن كان الخليل صلى الله تعالى ~~عليه وسلم احتج بالأفول على نفي كونه رب العالمين لزم أنه لم يكن ينفي عنه ~~حلول الحوادث لأن الأفول هو المغيب والاحتجاب باتفاق أهل التفسير واللغة ~~وهو مما يعلم من اللغة اضطرارا وهو حين بزغ قال هذا ربي فإذا كان من حين ~~بزوغه إلى حال أفوله لم ينف عنه الربوبية دل على أنه لم يجعل حركته منافية ~~لذلك وإنما جعل المنافي الأفول وإن كان الخليل صلى الله عليه وسلم إنما ~~احتج بالأفول على أنه لا يصلح أن يتخذ ربا يشرك به ويدعي من دون الله فليس ~~فيه تعرض لأفعال الله تعالى فقصة الخليل إما أن تكون حجة عليهم أو لا لهم ~~ولا عليهم # قال الرازي واحتجوا بأن الدليل على أن الكلام والسمع PageV02P216 ~~والبصر صفات حادثة ولا بد لها ms0357 من محل وهو ذاته تعالى ولأنه يصح قيام الصفات ~~القديمة بذاته تعالى باتفاق منا ومن الأشعرية والقدم لا يعتبر في المقتضى ~~فإنه عبارة عن نفس الأزلية وهو عدمى فالمقتضى هو كونها صفات والحوادث كذلك ~~فليلزم قيامها به # قال والجواب عن الأول بالجواب عن أدلة حدوث تلك الصفات وعن الثاني بأن ~~تلك الصفات قد تكون مخالفة لهذه بالنوع سلمنا أنه لا فارق سوى القدم فلم ~~قلتم إنه عدمي فإنه عبارة عن نفي العدم ونفي النفي ثبوت # قلت ليس بالمقصود هنا ذكر أدلة المثبتة فإن النصوص تدل على ذلك في مواضع ~~لا تكاد تحصى الا بكلفة وانما الغرض بيان هل في العقل ما يعارض النصوص ومن ~~أراد تقرير ما احتجوا به من الدليل العقلي على الإثبات قدح فيما يذكره ~~النفاة من امتناع حدوث تلك الأمور PageV02P217 # وعمدة المانعين هو امتناع حلول الحوادث وامتناع تسلسلها فإذا كانوا لا ~~ينفون حدوثها في ذاته الا لامتناع حلول الحوادث لم يجز أن يجيبوا عن أدلة ~~الحدوث بمجرد دليل امتناع حلول الحوادث ان لم يجيبوا عن المعارض لن ذلك دور ~~فإذا قال القائل الدليل على بطلان دليل المثبتة هو دليل النفاة قيل له دليل ~~النفاة لا يتم الا ببطلان دليل المثبتة فإذا لم تمكن المطالبة الا بدليل ~~المثبتة كان صحة دليل النفاة متوقفا على صحته وذلك دور فإنه لا يتم نفي ذلك ~~الا بالجواب عن حجة المثبتين فيكون قولهم بانتفاء حلول الحوادث مبنيا على ~~انتفاء حلول الحوادث فلا يكون لهم حجة على ذلك # فالمثبتون معهم السمعيات الكثيرة المتواترة بخلاف النفاة فإنه ليس معهم ~~شيء من السمع وإنما يدعون قيام الدليل العقلي على امتناع قيام الحوادث به ~~فإذا اراد بعض المثبتين أن يقيم دليلا عقليا على قيامها به أو إمكان قيامها ~~به احتاج إلى أن يجيب عن أدلة النفاة والنفاة لا يتم دليلهم على النفي حتى ~~يجيبوا على أدلة المثبتين والا فلو قدر تعارض الأدلة العقلية من الجانبين ~~فتكافأتا وبقيت الأدلة السمعية خالية عن معارض يجب تقدمه عليها فإذا ms0358 احتج ~~المثبتون بالآيات والأحاديث لم يمكن للنفاة أن يقولوا هذا يثبت قيام ~~الحوادث به وذلك ممتنع الا اذا أقاموا الدليل العقلي على الامتناع وأجابوا ~~عما يحتج به المثبتة من الدليل العقلي فلا بد للنفاة من هذا وهذا بخلاف ~~المثبتة فإنه يمكنهم PageV02P218 ~~ان يقولوا السمع دل على ذلك ولم يقيموا دليلا عقليا خاليا عن المعارض ~~المقاوم ينفي ذلك فلا يحتاج المثبتون إلى دليل عقلي يوافق السمع بل يكفيهم ~~إبطال ما يعارضه وإذا أقاموا دليلا عقليا فعورضوا بأدلة النفاة لم يحتاجوا ~~إلى إبطالها بل تكفيهم المعارضة فإذا أبطلوها كانوا قد سدوا على النفاة ~~الأبواب # فلهذا كان ما يحتاج اليه النفاة من إقامة دليل عقلي وإبطال ما يعارضه مما ~~احتاج اليه المثبتة بل يكفيهم منع مقدمات المعارض فإن أبطلوها فقد زادوا ~~وتكفيهم المقارضة بالعقليات فإن بينوا رجحان عقلياتهم فقد زادوا وإذا بينوا ~~صحة عقلياتهم وبطلان عقليات النفاة ومعهم السمعيات كانوا قد أثبتوا أن معهم ~~السمع والعقل وأن المنازع ليس معه لا سمع ولا عقل # وأما أدلة المثبتين فهو ما يذكرونه من الشرعيات والعقليات وهم قد قدحوا ~~في أدلة النفاة فيتم كلامهم # وأما التسلسل فالكرامية ومن وافقهم لا يجيزونه كما لا يجيزه كثير من ~~المعتزلة ومن وافقهم وأما من يجوز التسلسل في الآثار من أهل الحديث والكلام ~~والفلسفة وغيرهم فهؤلاء قد عرف طعنهم في أدلة النفاة وطعن بعض النفاة في ~~أدلة بعض حتى متكلمة أهل الإثبات PageV02P219 ~~من الأشعرية وغيرهم متنازعون في ذلك كما قد عرف # وايضا فإن المثبتين يقولون كونه قادرا على الفعل بنفسه صفة كمال كما أن ~~قدرته على المفعول المنفصل صفة كمال فإنا اذا عرضنا على صريح العقل من يقدر ~~على الفعل القائم به والمنفصل عنه ومن لا يقدر على أحدهما علم أن الأول ~~أكمل كما إذا عرضنا عليه من يعلم نفسه وغيره ومن لا يعلم الا أحدهما وأمثال ~~ذلك ويقول من يجوز دوام الحوادث وتسلسلها إذا عرضنا على صريح العقل من يقدر ~~على الأفعال المتعاقبة الدائمة ويفعلها دائمة متعاقبة ومن لا ms0359 يقدر على ~~الدائمة المتعاقبة كان الأول أكمل # وكذلك اذا عرضنا على العقل من فعل الأفعال المتعاقبة مع حدوثها ومن لا ~~يفعل حادثا أصلا لئلا يكون عدمه قبل وجوده عدم كمال شهد صريح العقل بأن ~~الأول أكمل فإن الثاني ينفي قدرته وفعله للجميع لئلا يعدم البعض في الأزل ~~والأول يثبت قدرته وفعله للجميع مع عدم البعض في الأزل فذاك ينفي الجميع ~~حذرا من فوت البعض والثاني يثبت ما يثبته من الكمال مع فوت البعض ففوت ~~البعض لازم على التقديرين وامتاز الأول بإثبات كمال في قدرته وفعله لم ~~يثبته الثاني # وأيضا فهم يقولون كون الكلام لا يقوم بذاته يمنع أن يكون PageV02P220 ~~كلامه فإن ما قام به شىء من الصفات والافعال عاد حكمه إليه لا إلى غيره ~~فإذا خلق فى محل علما أو قدرة أو كلاما كان ذلك صفة للمحل الذي خلق فيه ~~فذلك المحل هو العالم القادر المتكلم به فإذا خلق كلاما في محل كان ذلك ~~الكلام المخلوق كلام ذلك المحل لا كلامه فإذا خلق في الشجرة { إني أنا الله ~~رب العالمين } سورة القصص 30 ولم يقم هو به كلام كان ذلك كلاما للشجرة ~~فتكون هي القائلة إنى أنا الله رب العالمين وهذا باطل فيتعين أن يقوم به ~~الكلام وكونه لا يقدر أن يتكلم ولا يتكلم بما شاء بل يلزمه الكلام كما ~~تلزمه الحياة مع كون تكليمه هو خلق مجرد الادراك يقتضي أن يكون القادر على ~~الكلام الذي يتكلم باختياره أكمل منه فإنا إذا عرضنا على العقل من يتكلم ~~باختياره وقدرته ومن كلامه بغير اختياره وقدرته كان الاول أكمل فتعين أن ~~يكون متكلما بقدرته ومشيئته كلاما يقوم بذاته وكذلك في مجيئه وإتيانه ~~واستوائه وامثال ذلك وإن قدرنا هذه أمورا منفصلة عنه لزم أن لا يوصف بها ~~وإن قدرناها لازمة لذاته لا تكون بمشيئته وقدرته لزم عجزه وتفضيل غيره عليه ~~فيجب أن يوصف بالقدرة على هذه الأفعال القائمة به التي يفعلها بمشيئته ~~وقدرته وهذا هو الذي تعنيه النفاة بقولهم لا تحله الحوادث كما ms0360 يعنون نفي ~~العلم والقدرة ونحوهما بقولهم لا تحله الأعراض # وأيضا فإن ما به تثبت الصفات القائمة به تثبت الأفعال القائمة به PageV02P221 ~~التي تحصل بقدرته واختياره ونحو ذلك وذلك أنه يقال العلم والقدرة والسمع ~~والبصر والكلام ونحو ذلك صفات كمال فلو لم يتصف الرب بها اتصف بنقائضها ~~كالجهل والعجز والصمم والبكم والخرس وهذه صفات نقص والله منزه عن ذلك فيجب ~~اتصافه بصفات الكمال ويقال كل كمال يثبت لمخلوق من غير أن يكون فيه نقص ~~بوجه من الوجوه فالخالق تعالى أولى به وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق ~~سبحانه أولى بتنزيهه عنه بل كل كمال يكون للموجود لا يستلزم نقصا فالواجب ~~الوجود أولى به من كل موجود وأمثال هذه الأدلة المبسوطة في غير هذا الموضع # فإذا قال النفاة من الجهمية والمتفلسفة والباطنية هذه الصفات متقابلة ~~تقابل العدم والملكة فلا يلزم من رفع أحدهما ثبوت الثاني الا أن يكون المحل ~~قابلا لهما فأما ما لا يقبلهما كالجماد فلا يقال فيه حي ولا ميت ولا أعمى ~~ولا بصير # اجيبوا عن ذلك بعدة أجوبة # مثل أن يقال هذا اصطلاح لكم والا فاللغة العربية لا فرق فيها والمعاني ~~العقلية لا يعتبر فيها مجرد الاصطلاحات # ومثل أن يقال فما لا يقبل هذه الصفات كالجماد أنقص مما يقبلها PageV02P222 ~~ويتصف بالناقص منها فالحي الأعمى أكمل من الجماد الذي لا يوصف ببصر ولا عمى ~~وهذا بعينه يقال فيما يقوم به من الأفعال ونحوها التي يقدر عليها ويشاؤها ~~فإنه لو لم يتصف بالقدرة على هذه الأفعال لزم اتصافه بالعجز عنها وذلك نقص ~~ممتنع كما تقدم والقادر على الفعل والكلام أكمل من العاجز عن ذلك # فإذا قال النافي إنما يلزم اتصافه بنقيض ذلك لو كان الأفعال به ممكنا ~~فأما مالا يقبل ذلك كالجدار فلا يقال هو قادر على الحركة ولا عاجز عنها # فيقال هذا نزاع لفظي كما تقدم ويقال أيضا فمالا يقبل قيام الأفعال ~~الاختيارية به والقدرة عليها كالجماد أنقص مما يقبل ذلك كالحيوان فالحيوان ~~الذي يقبل أن يتحرك بقدرته وارادته اذا ms0361 قدر عجزه هو أكمل مما لا يقبل ~~الاتصاف بذلك كالجماد فإذا وصفتموه بعدم قبول ذلك كان ذلك أنقص من أن تصفوه ~~بالعجز عن ذلك وإذا كان وصفه بالعجز عن ذلك صفة نقص مع إمكان اتصافه ~~بالقدرة على ذلك فوصفه بعدم قبول الأفعال والقدرة عليها أعظم نقصا # فإن قال النافي لو جاز أن يفعل أفعالا تقوم به بإرادته وقدرته للزم أن ~~يكون محلا للحوادث وما قبل الشيء لا يخلو عنه وعن ضده فيلزم تعاقبها وما ~~تعاقبت عليه الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها PageV02P223 # قيل لهم هذا مبني على مقدمتين على أن ما يقبل الشيء لا يخلو عنه وعن ضده ~~وعلى امتناع دوام الحوادث وكل من المقدمتين قد بين فسادها كما تقدم # ثم قبل العلم بفسادها يعلم بصريح العقل أن ما ذكر في إثبات هذه الأفعال ~~من الأدلة العقلية الموافقة للأدلة الشرعية ابين وأظهر وأصرح في العقل من ~~امتناع دوام الحوادث وتعاقبها فإن هذه المقدمة في غاية الخفاء والاشتباه ~~وأكثر العقلاء من جميع الأمم ينازعون فيها ويدفعونها وهي أصل علم الكلام ~~الذي ذمه السلف والأئمة وبهذه المقدمة استطالت الدهرية على من احتج بها من ~~متكلمة أهل الملل وعجزوهم عن إثبات كون الله تعالى يحدث شيئا لا العالم ولا ~~غيره والذين اعتقدوا صحة هذه المقدمة من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ظنوا ~~أن حدوث العالم واثبات الصانع لا يتم الا بها وفي حقيقة الأمر هي تنافي ~~حدوث العالم واثبات الصانع بل لا يمكن القول بإحداث الله تعالى لشيء من ~~الحوادث الا بنقضها ولا يمكن اثبات خلق الله لما خلقه وتصديق رسله فيما ~~أخبروا به عنه الا بنقيضها فما جعلوه أصلا ودليلا على صحة المعقول والمنقول ~~هو مناف مناقض للمنقول والمعقول كما قد بسط في غير هذا الموضع PageV02P224 ~~وأيضا فإن هؤلاء يقولون لم يكن الرب تعالى قادرا على الفعل فصار قادرا وكان ~~الفعل ممتنعا فصار ممكنا من غير تجدد شيء أصلا يوجب القدرة والإمكان وهذا ~~معنى قول القائل إنه يلزم أن ينقلب الشيء ms0362 من الامتناع الذاتي إلى الامكان ~~الذاتي وهذا مما تجزم العقول ببطلانه مع ما فيه من وصف الله بالعجز وتجدد ~~القدرة له من غير سبب # ومن اعتذر منهم عن ذلك مثل كثير منهم قالوا ان الممتنع هو القدرة على ~~الفعل في الأزل فنفس انتفاء الأزل يوجب إمكان الفعل والقدرة عليه # قيل لهم الأزل ليس هو شيئا كان موجودا مقدم ولا معدوما فوجد حتى يقال إنه ~~تجدد أمر أوجب ذلك بل الأزل كالأبد فكما أن الأبد هو الدوام في المستقبل ~~فالأزل هو الدوام في الماضي فكما أن الأبد لا يختص بوقت دون وقت فالأزل لا ~~يختص بوقت دون وقت فالأزلي هو الذي لم يزل كائنا والأبدي هو الذي لا يزال ~~كائنا وكونه لم يزل ولا يزال معناه دوامه وبقاؤه الذي ليس له مبتدأ ولا ~~منتهى فقول القائل شرط قدرته انتفاء الأزل كقول نظيره شرط قدرته انتفاء الأبد # فإذا كان سلف الأمة وأئمتها وجماهير الطوائف أنكروا قول الجهم في PageV02P225 ### | AUTO كونه تعالى لا يقدر في الأبد على الأفعال فكذلك قول من قال لا ~~يقدر في الأزل على الأفعال وقول أبي الهذيل إنه تعالى لا يقدر على أفعال ~~حادثة في الأبد يشبه قول من قال لا يقدر على أفعال حادثة في الأزل وقد بسط ~~الكلام على هذا وقول من يفرق بين النوعين في غير هذا الموضع فصل # وقد استدل بعضهم على النفي بدليل آخر فقال إن كل صفة تفرض لواجب الوجود ~~فإن حقيقيته كافية في حصولها أو لا حصولها والا لزم افتقاره إلى سبب منفصل ~~وهذا يقتضي امكانه فيكون الواجب ممكنا هذا خلف وحينئذ يلزم من دوام حقيقته ~~دوام تلك الصفة # والمثبتون يجيبون عن هذا بوجوه # أحدها أن هذا إنما يقال فيما كان لازما لذاته في النفي أو الإثبات أما ما ~~كان موقوفا على مشيئته وقدرته كأفعاله فإنه يكون اذا شاءه الله تعالى ولا ~~يكون اذا لم يشأه فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإن بين المستدل ~~أنه لا يجوز ms0363 أن يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته كان هذا وحده كافيا في ~~المسألة وإن لم يبين ذلك لم يكن فيما ذكره حجة # الثاني أن يقال إن هذا منقوض بأفعاله فإن حقيقته PageV02P226 ~~كافية في حصولها والإلزم افتقاره إلى سبب منفصل وذلك يقتضي إمكانه فيكون ~~الواجب ممكنا فما كان جوابا عن الأفعال كان جوابا للمثبتين القائلين إنه ~~يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته ومن جوز أنه يفعل بعد أن لم يكن فاعلا ~~بمحض القدرة والمشيئة القديمة قال هنا كذلك كما يقوله الكرامية ومن قال إنه ~~لم يزل يفعل ويتكلم اذا شاء قال هنا كذلك كما يقوله من يقوله من أئمة السنة ~~والحديث # الثالث أن يقال أتعني بقولك ذاته كافية أنها مستلزمة لوجود اللازم في ~~الأزل أم هي كافية فيه وإن تأخر وجوده فإن عنيت الأول انتقض عليك ~~بالمفعولات الحادثة فإنه يلزمك إما عدمها وإما افتقاره إلى سبب منفصل إذ ~~كان ما لا تكفي فيه الذات يفتقر إلى سبب منفصل وإن عنيت الثاني كان حجة ~~عليك إذ كان ما تكفي الذات يمكن تأخره # الرابع أن يقال قولك يفتقر إلى سبب منفصل تعني به شيئا يكون من فعل الله ~~تعالى أو شيئا لا يكون من فعله أما الأول فلا يلزم افتقاره إلى غيره فإنه ~~إذا كان هو فاعل الأسباب فهو فاعلها وفاعل ما يحدث بها فلا يكون مفتقرا إلى ~~غيره وأما إن عنيت بالسبب PageV02P227 ~~ما لا يكون من فعله لزمك أن كل ما لا يكفي فيه الذات فلا يستلزم وجوده في ~~الأزل الا يوجد الا بشريك مع الله ليس من مخلوقاته ومعلوم أن هذا خلاف ~~اجماع أهل الايمان بل خلاف اجماع جماهير العقلاء وهو خلاف المعقول الصريح ~~ايضا فإن ذلك الشريك المقدر إن كان واجب الوجود بنفسه الها آخر لزم اثبات ~~خالق قديم مع الله مشارك له في فعله لا يفعل إلا به وهذا مع أنه لم يقل به ~~أحد من بني آدم فهو باطل في نفسه لأنه يستلزم افتقار كل من الفاعلين إلى ms0364 ~~الآخر فإن التقدير في هذا المشترك هو أن أحدهما لا يستقل به بل يحتاج إلى ~~معاونة الآخر وما احتاج إلى معاونة الآخر كان فقيرا إلى غيره ليس بغنى وكان ~~عاجزا ليس بقادر فإن كان هذا دليلا على انتفاء الوجوب بطل دليلك وإن لم يكن ~~دليلا بطل دليلك ايضا فإنه مبني عليه وإن كان ذلك الشريك المقدر ليس واجب ~~الوجود بنفسه فهو ممكن لا يوجد الا بالواجب بنفسه فلزم أن يكون من مفعولاته # الجواب الخامس أن يقال قول المحتج كل ما يفرض له فإما أن تكون ذاته كافية ~~في ثبوت حصوله أو لا تكفي في PageV02P228 ~~حصوله والالزم افتقاره إلى سبب منفصل كلام باطل وذلك أنه يقال لا نسلم أن ~~مالا يكون مجرد الذات كافية في ثبوته أو انتفائه يفتقر فيه إلى سبب منفصل ~~وانما يلزم ذلك أن لو لم تكن الذات قادرة على ما يتصل بها من الأفعال فإذا ~~كانت قادرة على ذلك أمكن أن يكون ما يتجدد لها من الثبوت موقوفا على ما ~~يقوم بها من مقدوراتها فليس مجرد الذات مقتضية لذلك ولا افتقرت إلى سبب ~~منفصل وذلك أن لفظ الذات فيه أحمال واشتباه وبسبب الإجمال في ذلك وقعت شبهة ~~في مسائل الصفات والأفعال فإنه يقال له ما تريد بذاته أتريد به الذات ~~المجردة عما يقوم بها من مقدوراتها ومراداتها أم تعني به الذات القادرة على ~~ما تريده مما يقوم بها ومما لا يقوم بها # فإن أردت به الأول كان التلازم صحيحا فإنه اذا قدر ذات لا يقوم بها شيء ~~من ذلك كان ما يثبت لها وما ينفي عنها إن لم تكن هي كافية فيه والا افتقرت ~~إلى سبب منفصل لأنه لا يقوم بها ما تقدر عليه وتريده لكن يقال ثبوت التلازم ~~ليس بحجة إن لم تكن الذات في نفس الأمر كذلك وكون الذات في نفس الأمر كذلك ~~هو رأس المسألة ومحل النزاع فلا يكون الدليل صحيحا حتى يثبت المطلوب ولو ~~ثبت المطلوب لم يحتج إلى دليل فتكون قد صادرت ms0365 على PageV02P229 ~~المطلوب حيث جعلته مقدمة في اثبات نفسه وهذا باطل بصريح العقل واتفاق أهله ~~العارفين بذلك # وإن أردت بالذات النوع الثاني لم يصح التلازم فإنه اذا قدر ذات تقدر على ~~أن تفعل الأفعال التي تختارها وتقوم بها لم يلزم أن يكون ما يتجدد من تلك ~~الأفعال موقوفا على سبب منفصل ولا يكون مجرد الذات بدون ما يتجدد من ~~مقدورها ومرادها كافيا في كل فرد من ذلك بل قد يكون الفعل الثاني لا يوجد ~~الا بالأول والأول بما قبله وهلم جرا فليس مجرد الذات بدون ما تجدده كافيا ~~في حصول المتأخرات ولا هي مفتقرة في ذلك إلى أمور منفصلة عنها فلفظ الذات ~~قد يراد به الذات عما يقوم بها # فإذا قيل هل الذات كافية إن إريد به الذات المجردة فتلك لا حقيقة لها في ~~الخارج عند أهل الاثبات واذا قدرت تقديرا فهي لا تكفي في اثبات ما يثبت لها ~~وإن أريد به الذات المنعوته فإنه يقوم بها الأفعال الاختيارية فمعلوم أن ~~هذه الذات لا يجب أن يتوقف ما يتجدد لها من فعل ومفعول على سبب منفصل عنها ~~ونظير هذا قول نفاة الصفات إن الصفات هل هي زائدة على الذات أو ليست زائدة PageV02P230 # فإنا قد بينا في غير هذا الموضع أن الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها ~~بل الصفات زائدة على ما يثبته النفاة من الذات وأما الذات الموصوفة بصفاتها ~~القادرة على أفعالها فتلك مستلزمة لما يلزمها من الصفات فادرة على ما تشاؤه ~~من الأفعال فهي لا تكون الا موصوفة لا يمكن أن تتجرد عن الصفات اللازمة لها ~~حتى يقال هل هي زائدة عليها أو ليست زائدة عليها بل هي داخلة في مسمى اسمها ~~والأفعال القائمة بها بقدرتها وارادتها كذلك # فكما أنه مسمى بأسمائه الحسنى منعوت بصفاته العلى قبل خلق السماوات ~~والأرض وبعد إقامة القيامة وفيما بين ذلك لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات ~~الكمال منعوتا بنعوت الاكرام والجلال فكذلك هو مسمى بأسمائه الحسنى منعوت ~~بصفاته العلى قبل هذه الافعال وبعدها ms0366 # وكما أن ذلك ثابت قبل حدوث المفعولات وبعدها فهو أيضا ثابت قبل حدوث ~~الأفعال وبعدها ومن آياته الشمس والقمر والكواكب وما تستحقه هذه الأعيان من ~~الأسماء والصفات هو ثابت لها قبل الحركات المعينة وبعدها ولا يحتاج أن يقدر ~~لها ذات مجردة عن النور وعن دوام الحركة ثم زيد عليها النور ودوام الحركة ~~فالخالق سبحانه أولى بثبوت الكمال له وانتفاء النقص عنه والمخلوقات PageV02P231 ~~إنما احتاجت فيما يحدث عنها إلى سبب منفصل لأنها هي في نفسها محتاجة إلى ~~الفاعل المنفصل فلا يوجد شيء من ذاتها وصفاتها وأفعالها الا بأمر منفصل ~~عنها وأما الخالق سبحانه وتعالى فهو الغني عما سواه فلا يفتقر في شيء من ~~ذاته وصفاته وأفعاله إلى أمر منفصل عنه بل كل ما كان منفصلا عنه فهو مفتقر ~~اليه وهو سبحانه غني عن ذلك المنفصل الذي هو مفتقر اليه فلا يحتاج فيما ~~يجدده من أفعاله القائمة بنفسه التي يريدها ويقدر عليها إلى أمر مستغن عنه ~~كما لا يحتاج في مفعولاته المنفصلة عنه إلى ذلك وأولى واذا كان قد خلق من ~~الأمور المنفصلة عنه ما جعله سببا لأفعال تقوم بنفسه كما يخلق الطاعات التي ~~ترضيه والتوبة التي يفرح بها والدعاء الذي يجيب سائله وأمثال ذلك من الأمور ~~فليس هو في شيء من ذلك مفتقرا إلى ما سواه بل هو سبحانه الخالق للجميع وكل ~~ما سواه مفتقر اليه وهو الغني عن كل ما سواه وهذا كما أن ما يفعله من ~~المخلوقات بعضها ببعض كإنزال المطر بالسحاب وانبات النبات بالماء لا يوجب ~~افتقاره إلى الأسباب المنفصلة اذ هو خالق هذا وهذا وجاعل هذا سببا لهذا وقد ~~بسطت هذه الامور في غير هذا الموضع بما لا يليق بهذا المكان # الجواب السادس أن يقال قولهم إن لم يكن ذاته كافية في PageV02P232 ~~حصلولها لزم افتقاره إلى سبب منفصل وذلك يقضي امكانه فيكون الواجب ممكنا ~~تمنع فيه المقدمة الأولى التلازمية التي هي شرطية متصلة وذلك أن الذات إن ~~لم تكن كافية في حصولها انما يلزم افتقار ذلك الحادث ms0367 إلى سبب منفصل لا يلزم ~~افتقار نفس الذات إلى سبب منفصل فإن المحتج يقول كل صفة تفرض فذاته كافية ~~في حصولها أو لا حصولها لأنه لو لم يكن كذلك لزم افتقاره إلى سبب منفصل # فيقال له بتقدير أن لا تكون الذات كافية في نفي تلك الصفة أو ثبوتها يلزم ~~أن يكون نفيها أو اثباتها موقوفا على أمر غير الذات وأما كون الذات تكون ~~موقوفة على ذلك الغير فهذا ليس بلازم من هذا التقدير الا أن يتبين أنه اذا ~~كان شيء من الأمور التي توصف بها من السلب والايجاب موقوفا على الغير وجب ~~أن يكون هو نفسه موقوقا على الغير وهو لم يبين ذلك # ومن المعلوم أن القائلين بهذا يقولون إن ما يتجدد من الأمور القائمة به ~~فهو موقوف على مشيئته وقدرته وذاته ليست موقوفة على مشيئته وقدرته ويقولون ~~إنه بجوز أن يقف ذلك على ما يحدثه من الحوادث بمشيئته وقدرته وهو في نفسه ~~ليس موقوفا على ما يحدثه من الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته وليس في ~~الوجود موجود سواه وسوى مخلوقاته حتى يقال إن تلك الأمور موقوفة عليه بل ~~غاية ما يمكن أن يقال إنها موقوفة على مشيئته وقدرته أو توابع مشيئته ~~وقدرته واصحاب هذا القول يقولون ذلك وتكون تلك الأمور موقوفة على ذلك لا ~~يقتضي أن يكون هو نفسه موقوفا على ذلك ولكن هذا المحتج إن لم PageV02P233 ~~يقرر مقدمات لم تكن حجته صحيحة وحجته مبنية على أنه لو لم تكف ذاته في حصول ~~ما ينفى ويثبت للزم افتقاره إلي غيره وإنما يلزم افتقار تلك المثبتات إلي ~~ذلك الغير فإن هذا بين فإن لم يبن أن افتقار تلك الامور إلي الغير مستلزم ~~لافتقاره وإلا لم تكن حجة صحيحة لاسيما وتلك الامور على هذا التقدير ليست ~~من لوازم ذاته فإنها لو كانت من لوازم ذاته كانت ذاته كافية فيها ولوازم ~~الذات متى افتقرت إلى الغير لزم افتقار الذات إلى الغير فإن الملزوم لا ~~يوجد الا بلازم أو الازم لا يوجد إلا بذلك ms0368 الغير ولكن ذلك الغير لا يجب أن ~~يكون فاعلا أو علة فاعلة بل يجوز أن يكون شرطا ملازما # وقد بين في غير هذا الموضع أن نفس ذات الواجب إذا قيل هي ملازمة لصفاته ~~الواجبة له أو صفاته الواجبة له ملازمه لذاته أو كل من الصفات الواجبة ~~ملازم للأخرى كان هذا حقا وهو متضمن أن تحقيق كل من ذلك مشروط بتحقيق الآخر # وأما كون الرب تعالى مفتقر إلى شىء مباين له غني عنه فهذا ممتنع فإنه ~~سبحانه الغني عن كل شئ فإذا قدر أن بعض لوازمه توقف على ما هو مباين له لم ~~يكن وجوده ثابتا إلا بوجود ذلك المباين وكان الله مفتقرا إليه والله غني عن ~~كل شىء وأما إذا لم يكن الامر من لوازم ذاته بل كان من الامور العارضة فلا ~~ريب أن أهل الايمان والسنة يقولون إن الله لا يفتقر في شىء من الاشياء إلى غيره PageV02P234 ~~لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله سواء قام بذاته أو لم يقم بذاته ولكن هو ~~بنفسه غني عن كل ما سواه ولا يقال إنه نفسه غني عن نفسه وليس في كونه ~~مستلزما لصفاته وفاعلا لافعاله ما يقتضي افتقاره إلى غير نفسه فإنه إذا كان ~~وحده مستلزما لصفاته فاعلا لجميع أفعاله لم يكن شىء مما وجد بغيره بل جميع ~~ما وجد فلا يخرج من ذاته وصفاته وأفعاله فلا يتصور أن يكون مفتقرا إلى غير ~~نفسه المقدسة سبحانه وتعالى # ولكن المقصود أن هذا المحتج إذا قال له المعترض ما المانع أن تكون هذه ~~الأمور العارضة موقوفة على غير مع كون الحق واجب الوجود بذاته لم يكن فيما ~~ذكر حجة بل ذكر أن تلك الأمور إذا لم تكن من لوازم ذاته بحيث تكون مجرد ~~الذات كافية فيها والإ لزم افتقاره إلى سبب منفصل واللازم إنما هو افتقار ~~تلك الأمور إلى سبب منفصل فإن بين أن ما يقوم بالواجب يمتنع أن يكون موقوفا ~~على سبب منفصل تمت حجته والا فلا ولا يمكن أن يقيم حجه ms0369 إلا على أنه لا يقف ~~على ما هو مستغن عن الواجب بنفسه وهذا حق # وأما كونه لا يقف على ما هو مفتقر إلى الواجب فهذا لا يمكن إقامة الدلالة عليه # الوجه السابع أن يقال قولك بأن عواض ذاته لا يتوقف على الغير يستلزم أن ~~عواض ذاته يتوقف على الغير وإذا كان تقدير ثبوته مستلزما لانتفائه دل على ~~أن تقدير ثبوته مستلزم لجمع بين النقيضين فلا يكون ثابتا وإن شئت قلت قولك ~~لا تقوم به الحوادث مستلزم لقيام PageV02P235 ~~الحوادث به فيلزم الجمع بين النقيضين وإن شئت قلت قولك لا يقوم به ما يتعلق ~~بمشيئته وقدرته يستلزم نقيض ذلك فيكون باطلا وهذا يصلح أن يكون دليلا ~~مستقلا في أول المسألة وذلك لأن هذا العالم المشهود إما أن يكون واجبا ~~بذاته أو ممكنا فإن كان واجبا بذاته فمن المعلوم قيام الحوادث به فيلزم ~~قيامها بالواجب بذاته # وأيضا فمن المعلوم أن ما يقوم ببعض الأفلاك من الحوادث ليست ذاته كافية ~~له بل هو موقوف على غيره فيكون ما يقوم بالواجب بنفسه موقوفا على غيره وإن ~~كان هذا العالم ممكنا وهو الحق فلا بد له من واجب فذلك الواجب إما أن يكون ~~علة تامة مستلزمة في الأزل لجميع معلولاته أو لا والأول باطل لأنه لو كان ~~كذلك لم يتأخر شيء من معلولاته والثاني يقتضي أنه فعل بعد أن لم يكن فعل ~~وذلك يقتضي تجدد فاعلية فأما أن يكون تجدد ذلك مستلزما لكون متجدداته توجب ~~افتقار ذاته الى غيره أولا فإن لم تكن بطلت الحجة وإن استلزم ذلك ثبت ~~افتقار ما يتجدد بذاته الى غيره فلو قيل إن الواجب لا تقوم بذاته هذه ~~الامور للزم أن تقوم بذاته هذه الامور فيلزم الجمع بين النقيضين وإن قيل ~~تجدد الفاعلية لا يستلزم قيام شيء به بل تجددت من غير حدوث شيء أصلا قيل ~~فكذلك ما يتجدد من الأمور القائمة بذاته ممكن حينئذ تجدده من غير حدوث شيء ~~أصلا بطريق الأولى وإن شئت أن تكون هذه معارضة ودليلا في ms0370 رأس المسألة ونقول ~~ما يتجددد من مفعولاته هل يقتضي افتقار ذاته PageV02P236 ### | AUTO الى غيره أم لا فإن قيل لا يقتضي فكذلك ما يتجدد من أفعاله ~~القائمة به والا فلا وهذا لأن نفاة الامور القائمة به منهم من يقول حدثت ~~الحوادث المباينة له من غير تجدد شيء أصلا كما يقول ذلك من يقوله من ~~المعتزلة والكلابية وغيرهم ومنهم من يقول بل ما زالت الحوادث تحدث مع كونه ~~مستلزما لجميع مفعولاته كما تقول ذلك الدهرية الفلاسفة والدهرية منهم من ~~يقول إن العالم واجب الوجود بنفسه ومنهم من يقول إن الأول علة غائية له وكل ~~من هذه الأقوال يلزمه من التناقض ما يبين به أنه لا يمكنه ابطال القول ~~بقيام مراداته ومحبوباته بذاته فصل # وقد عارض بعضهم الرازي فيما ذكره من أن هذه المسألة تلزم عامة الطوائف ~~فقال المراد بالحادث بالموجود الذي وجد بعد العدم ذاتا كان أو صفة أما ما ~~لا يوصف بالوجود كالأعدام المتجددة والأحوال عند من يقول بها والإضافات عند ~~من لا يقول إنها وجودية فلا يصدق عليها اسم الحادث وإن صدق عليها اسم ~~المتجدد فلا يلزم من تجدد الإضافات والأحوال في ذات الباري أن تكون محلا ~~للحوادث PageV02P237 # قال وما قاله الامام يعني الرازي في هذا المقام إن أكثر العقلاء قالوا به ~~وإن أنكروه باللسان وبينه بصور فليس كذلك لن أكثر ما ذكر من تلك الأمور ~~فإنما هي متجددة لا محدثة والمتجدد أعم من الحادث فلا يلزم من وجود العام ~~وجود الخاص # قلت ولقائل أن يقول هذا ضعيف من وجوه # أحدها أن الدليل الذي استدلوا به على نفي الحوادث ينفي المتجددات ايضا ~~كقولهم اما ان يكون كمالا او نقصا وقولهم لو حصل ذلك للزم التغير وقولهم ~~اما ان تكون ذاته كافية فيه او لا تكون وقولهم كونه قابلا له في الأزل ~~يستلزم امكان ثبوته في الازل فانه لا يمكن ان يحصل في الأزل لا متجدد ولا ~~حادث ولا يوصف الله بصفة نقص سواء كان متجددا او حادثا وكذلك التغير لا ms0371 فرق ~~بين ان يكون بحادث او متجدد فإن قالوا تجدد المتجددات ليس تغيرا قال اولئك ~~وحدوث الحركات الحادثة ليس تغيرا فإن قالوا بل هذا يسمى تغيرا منعوهم الفرق ~~وان سلموه كان النزاع لفظيا واذا كان استدلالهم ينفي القسمين لزم اما فساده ~~واما النقض # الوجه الثاني أن يقال تسمية هذا متجددا وهذا حادثا فرق PageV02P238 ~~لفظي لا معنوي ولا ريب أن أهل السنة والحديث لا يطلقون عليه سبحانه وتعالى ~~أنه محل الحوادث ولا محل الأعراض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة التي يفهم ~~منها معنى باطل فإن الناس يفهمون من هذا أن يحدث في ذاته ما يسمونه هم ~~حادثا كالعيوب والآفات والله منزه عن ذلك سبحانه وتعالى واذا قيل فلان ولي ~~على الاحداث او تنازع اهل القبلة في أهل الأحداث فالمراد بذلك الأفعال ~~المحرمة كالزنا والسرقة وشرب الخمر وقطع الطريق والله أجل واعظم من ان يخطر ~~بقلوب المؤمنين قيام القبائح به والمقصود أن تفرقة المفرق بين المتجدد ~~والحادث امر لفظي لا معنى عقلي ولا عكسه عاكس فسمي هذا متجددا وهذا حادثا ~~لكان كلامه من جنس كلامه # الوجه الثالث إن دعوى المدعي ان الجمهور انما يلزمهم تجدد الاضافات ~~والاحوال والاعدام لا تجدد الحادث الذي وجد بعد العدم ذاتا كان او صفة دعوى ~~ممنوعة لم يقم عليها دليلا بل الدليل يدل على ان اؤلئك الطوائف يلزمهم قيام ~~امور وجودية حادثة بذاته مثال ذلك انه سبحانه وتعالى يسمع ويرى ما يخلق من ~~الاصوات والمرئيات # وقد اخبر القرآن بحدوث ذلك في مثل قوله { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون } PageV02P239 ~~سورة التوبة 105 وقوله تعالى { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر ~~كيف تعملون } سورة يونس 14 وقد اخبر بسمعه ورؤيته في مواضع كثيرة كقوله ~~لموسى وهارون { إنني معكما أسمع وأرى } سورة طه 46 وقوله { الذي يراك حين ~~تقوم وتقلبك في الساجدين } سورة الشعراء 218 219 وقوله { لقد سمع الله قول ~~الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } سورة آل عمران 181 { قد سمع الله ~~قول ms0372 التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله } سورة المجادلة 1 # وفي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت سبحان الذي وسع سمعه ~~الاصوات لقد كانت المجادلة تشتكي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب ~~البيت وانه ليخفى علي بعض كلامها فأنزل الله تعالى { قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله } ومثل هذا كثير # فيقال لهؤلاء انتم معترفون وسائر العقلاء بما هو معلوم بصريح العقل ان ~~المعدوم لا يرى موجودا قبل وجوده فإذا وجد فرآه موجودا وسمع كلامه فهل حصل ~~امر وجودي لم يكن قبل او لم يحصل شيء PageV02P240 # فإن قيل لم يحصل امر وجودي وكان قبل ان يخلق لا يراه فيكون بعد خلقه لا ~~يراه ايضا وان قيل حصل امر وجودي فذلك الوجودي اما ان يقوم بذات الرب واما ~~ان يقون بغيره فإن قام بغيره لزم أن يكون غير الله هو الذي رآه وان قام ~~بذاته علم انه قام به رؤية ذلك الموجود الذي وجد كما قال تعالى { وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } سورة التوبة 105 وما سموه ~~اضافات واحوالا وتعلقات وغير ذلك # يقال لهم هذه امور موجودة او ليست موجودة فإن لم تكن موجودة فلا فرق بين ~~حاله قبل ان يرى ويسمع وبعد ان يرى ويسمع فإن العدم المستمر لا يوجب كونه ~~صار رائيا سامعا وان قلتم بل هي امور وجودية فقد اقررتم بأن رؤية الشيء ~~المعين لم تكن حاصلة ثم صارت حاصلة بذاته وهي امر وجودي # والمتفلسفة لا يقتصر في الزامهم على تجدد الاضافات بل يلزمون بكونه محدثا ~~للحوادث المتجددة شيئا فشيئا والاحداث هو من مقوله أن يفعل وأن يفعل أحد ~~المقولات العشر وهي امور وجودية # فيقال كونه فاعلا لهذه الحوادث المعينة بعد أن لم يكن فاعلا لها إما أن ~~يكون أمرا حادثا واما أن لا يكون حدث كونه فاعلا فإن لم يحدث كونه فاعلا ~~فحاله قبل أن يحدثها وبعد أن يحدثها واحد وقد كان قبل أن يحدثها غير ms0373 فاعل ~~لها فيلزم أن لا يحدث شيء أو يحدث بلا PageV02P241 ~~محدث وأنتم أنكرتم على المتكلمة الجهمية والمعتزلة أن قالوا الذات تفعل بعد ~~أن لم تكن فاعلة بلا أمر تجدد فكيف تقولون هي دائما تفعل الحوادث شيئا بعد ~~شىء من غيرأن يحدث لها أمر # وايضا فالفاعلية التامة لكل واحد من الحوادث ان كانت موجودة في الأزل قبل ~~حدوثه لزم تأخر الفعل عن الفاعلية التامة وهذا باطل وذلك وذلك يبطل قولهم ~~وان قالوا بل الفاعلية التامة لكل حادث تحدث بعد أن لم تكن حادثة فقد صارت ~~الذات فاعلة لذلك الحادث بعد ان لم تكن فاعلة وكونها فاعلة هي من مقولة أن ~~يفعل وهي احدى المقولات العشر التي هي الاجناس العالية المسماة عندهم ~~بقاطيغورياس وهي كلها وجودية فيلزم اتصاف الرب بقيام الامور الوجودية به ~~شيئا بعد شيء كما اختاره كثير من سلفهم وخلفهم # وهكذا يمكن تقرير كل ما ذكر الدازي من الزام الطوائف شيئا بعد شيء لمن ~~تصور ذلك تصورا تاما وكل من قال لم يحدث شيء موجود فإنه يلزمه التناقض ~~البين الذي لا ينازع فيه المنصف الذي يتصور ما يقول تصورا تاما PageV02P242 ~~وقد اعتذر من اعتذر من الفلاسفة عما ألزمهم اياه من الاضافات بأن قالوا ~~الاضافات لا توجد الا كذلك فلا يتصور فيه الكمال قبلها ولانها تابعة لغيرها ~~فلا يثبت فيها الكمال بل في متبوعها # قلت ولقائل أن يقول هذا بعينه يقوله المثبتون فإن الكلام انما هو في ~~الحوادث المتعلقة بمشيئتة وقدرته ومن المعلوم امتناع ثبوت الحوادث جميعها ~~في الأزل فاذا فاذا قال القائل الاضافات لا توجد الا حادثة قيل له والحوادث ~~المتعلقة بمشيئته وقدرته لا توجد الا حادثة # وأما قوله الاضافة تابعة لغيرها فلا يثبت فيها الكمال فعنه جوابان # أحدهما أن الدليل لا يفرق بين التابع والمتبوع فإن صح الفرق ظل الدليل ~~وان لم يصح انتقض الدليل فيبطل على التقديرين # الثاني أن يقال وهكذا ما يتعلق بمشيئته وقدرته هو تابع ايضا فلا يثبت فيه الكمال # يوضح ذلك أنه سبحانه مستحق في ms0374 أزله لصفات الكمال لا وزر أن يكون شيء من ~~الكمال الأزلي الا وهو متصف به في أزله PageV02P243 ~~كالحياة والعلم والقدرة وغير ذلك وانما الشأن فيما لا يمكن وجوده في الأزل # ومما يبين لك أن الرازي وأمثاله كانوا يعتقدون ضعف هذه المسألة مع فرط ~~رغبتهم في إبطال قول الكرامية اذا امكنهم انه لم يعتمد على ذلك في مسألة ~~كلام الله تعالى في أجل كتبه نهاية العقول ومسألة الكلام هي من أجل ما يبني ~~على هذا الأصل # وذلك ان الطريقة المعروفة التي سلكها الأشعري وأصحابه في مسألة القرآن هم ~~ومن وافقهم على هذا الأصل من أصحاب أحمد وغيرهم كأبي الحسن التميمي والقاضي ~~أبي يعلي وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم من أصحاب أحمد وكأبي ~~المعالي الجويني وأمثاله وأبي القاسم الرواسي وابي سعيد المتولي وغيرهم من ~~أصحاب الشافعي والقاضي أبي الوليد الباجي وابي بكر الطرطوشي والقاضي PageV02P244 ~~وابي بكر بن العربي وغيرهم من أصحاب مالك وكأبي منصور الماتريدي وميمون ~~النسفي وغيرهما من اصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا لو كان القرآن مخلوقا للزم ~~أن يخلقه إما في ذاته أو في محل غيره أو أن يكون قائما بنفسه لا في ذاته ~~ولا في محل آخر والأول يستلزم أن يكون الله محلا للحوادث والثاني يقتضي أن ~~يكون الكلام كلام المحل الذي خلق فيه فلا يكون ذلك الكلام كلام الله كسائر ~~الصفات اذا خلقها في محل كالعلم والحياة والحركة واللون وغير ذلك والثالث ~~يقتضي أن تقوم الصفة بنفسها وهذا ممتنع # فهذه الطريقة هي عمدة هؤلاء في مسالة القرآن وقد سبقهم عبد العزيز المكي ~~صاحب الحيدة المشهورة الى هذا التقسيم # وقد يظن الظان أن كلامهم هو كلامه بعينه وأنه كان يقول بقولهم وأن الله ~~لا يقوم بذاته ما يتعلق بقدرته ومشيئته وان قوله من جنس قول ابن كلاب وليس ~~الامر كذلك فان عبد العزيز هذا له في الرد على الجهمية وغيرهم من الكلام ~~مالا يعرف فيه خروج عن مذهب السلف وأهل الحديث PageV02P245 ~~وذلك أنه قال بعد أن ذكر ms0375 جوابه لبشر فيما احتج به بشر من النصوص مثل قوله ~~تعالى { الله خالق كل شيء } سورة الزمر 62 وقوله تعالى { إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا } سورة الزخرف 3 قال فقال بشر يا امير المؤمنين عندي اشياء كثيرة الا ~~انه يقول بنص التنزيل وانا اقول بالنظر والقياس فليدع مطالبتي بنص التنزيل ~~ويناظرني بغيره فإن لم يدع قوله ويرجع عنه ويقول بقولي ويقر بخلق القرآن ~~الساعة والا فدمي حلال # وذكر عبد العزيز أنه طلب من بشر أن يناظره على وجه النظر والقياس ويدع ~~مطالبته بنص التنزيل الى أن قال فقال عبد العزيز يا بشر تسألني أم أسألك ~~فقال بشر PageV02P246 ~~سل أنت وطمع في وجميع أصحابه وتوهموا أني اذا خرجت عن نص التنزيل لم أحسن ~~أن اتكلم بشيء غيره قال عبد العزيز فقلت يا بشر تقول ان كلام الله مخلوق ~~قال أقول عن كلام الله مخلوق قال فقلت له يلزمك واحدة من ثلاث لا بد منها ~~أن تقول ان الله خلق القرآن وهو عندي أنا كلامه في نفسه أو خلقه قائما ~~بذاته ونفسه أو خلقه في غيره فقل ما عندك قال بشر أقول إنه مخلوق وإنه خلقه ~~كما خلق الاشياء كلها قال عبد العزيز فقلت يا أمير المؤمنين تركنا القرآن ~~ونص التنزيل والسنن والأخبار عند هربه منها وذكر أنه يقيم الحجة وأنا اقول ~~معه بخلق القرآن فقد رجع بشر إلى الحيدة عن الجواب وانقطع عن الكلام فإن ~~كان يريد أن يناظرني على أنه يجيبني عما أسأله عنه وإلا فأمير المؤمنين ~~أعلى عينا في صرفي فإنما يريد بشر أن يقع PageV02P247 ~~معه من لا يفهم فيخدعه عن دينه ويحتج عليه بما لا يعقله فتظهر حجته عليه ~~فيبيح دمه # قال فأقبل عليه المأمون فقال أجب عبد العزيز عما سألك عنه فقد ترك قوله ~~ومذهبه وناظرك على مذهبك وما ادعيت أنك تحسنه وتقيم الحجة به عليه فقال بشر ~~قد أجبته ولكنه يتعنت فقال المأمون يأبي عليك عبد العزيز إلا أن تقول واحدة ~~من ثلاث فقال هذا اشد طلبا ms0376 من مطالبته بنص التنزيل ما عندي غير ما اجبته به # قال فاقبل على المأمون قال يا عبد العزيز تكلم انت في شرح هذه المسألة ~~وبيانها ودع بشرا فقد انقطع عن الجواب من كل جهة # فقلت نعم سألته عن كلام الله تعالى أمخلوق هو قال نعم فقلت له ما يلزمه ~~في هذا القول وهو واحدة من ثلاث لا بد منها أن يقول خلق الله خلق كلامه في ~~نفسه أو خلقه في غيره أو خلقه قائما بذاته ونفسه فإن قال ان الله خلق كلامه ~~في نفسه فهذا محال لا يجد سبيلا الى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول ~~لأن الله لا يكون مكانا للحوادث ولا يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصا ~~فيزيد فيه شيء اذا خلقه تعالى الله عن ذلك وجل وتعظم PageV02P248 ~~وان قال خلقه الله في غيره فيلزمه في النظر والقياس أن كل كلام خلقه في ~~غيره هو كلام الله عز وجل لا يقدر أن يفرق بينهما فيجعل كلامه كلاما لله ~~ويجعل قول الكفر والفحش وكل قول ذمه الله وذم قائلة كلاما لله عز وجل وهذا ~~محال لا يجد السبيل اليه ولا الى القول به لظهور الشناعة والفضيحة والكفر ~~على قائله تعالى الله عن ذلك # وان قال خلقه قائما بنفسه وذاته فهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد الى ~~القول به سبيلا في قياس ولا نظر ولا معقول لأنه لا يكون الكلام الا من ~~متكلم كما لا تكون الارادة الا من مريد ولا العلم الا من عالم والقدرة الا ~~من قدير ولا يرى ولا رئى كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته وهذا مما لا يعقل ~~ولا يعرف ولا يثبت في نظر ولا قياس ولا غير ذلك فلما استحال من هذه الجهات ~~أن يكون مخلوقا علم أنه صفة لله وصفات الله كلها غير مخلوقة فبطل قول بشر # فقال المأمون أحسنت يا عبد العزيز فقال بشر سل عن غير هذه المسألة فلعله ~~يخرج من بيننا شيء # فقلت أنا ادع هذه ms0377 المسالة وأسأل عن غيرها قال سل PageV02P249 ~~قال عبد العزيز فقلت لبشر الست تقول إن الله كان ولا شيء وكان ولما يفعل ~~شيئا ولما يخلق شيئا قال بلى فقلت فباي شيء حدثت الاشياء بعد ان لم تكن ~~شيئا أهي احدثت نفسها ام الله احدثها فقال الله احدثها فقلت له فباي شيء ~~حدثت الاشياء اذ احدثها الله قال احدثها بقدرته التي لم تزل قلت له انه ~~احدثها بقدرته كما ذكرت افليس تقول انه لم يزل قادرا قال بلى قلت له فتقول ~~انه لم يزل يفعل قال لا اقول هذا قلت له فلا بد أن يلزمك ان تقول انه خلق ~~بالفعل الذي كان عن القدرة وليس الفعل هو القدرة لأن القدرة صفة الله ولا ~~يقال لصفة الله هي الله ولا هي غير الله فقال بشر ويلزمك أنت ايضا ان تقول ~~ان الله لم يزل يفعل ويخلق واذا قلت ذلك فقد ثبت ان المخلوق لم يزل مع الله ~~قال عبد العزيز فقلت لبشر ليس لك ان تحكم علي وتلزمني ما لا يلزمني وتحكي ~~عني ما لم اقل اني لم اقل PageV02P250 # انه لم يزل الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل ليلزمني ما قلت وفي نسخة ~~اخرى وانما قلت انه لم يزل الفاعل سيفعل ولم يزل الخالق سيخلق لأن الفعل ~~صفة الله والله يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع قال بشر انا اقول انه احدث ~~الاشياء بقدرته فقل ما شئت فقال عبد العزيز فقلت يا امير المؤمنين قد اقر ~~بشر ان الله كان ولا شيء وانه احدث الاشياء بعد ان لم تكن شيئا بقدرته وقلت ~~انا انه احدثها بامره وقوله عن قدرته فلم يخل يا امير المؤمنين ان يكون اول ~~خلق خلقه الله خلق بقول قاله او بإرادة ارادها او بقدرة قدرها فبأي ذلك كان ~~فقد ثبت ان ههنا ارادة ومريدا ومرادا وقولا وقائلا ومقولا له وقدرة قادرا ~~ومقدورا عليه وذلك كله متقدم قبل الخلق وما كان قبل الخلق متقدما فليس هو ~~من الخلق في شيء ms0378 فقد كسرت قول بشر بالكتاب والسنة واللغة العربية والنظر ~~والمعقول ثم ذكر حجة اخرى # والمقصود هنا أن عبد العزيز احتج بتقسيم حاصر معقول فإن الله PageV02P251 ~~تعالى اذا خلق شيئا فإما ان يخلقه في نفسه او في غيره او يخلقه قائما بنفسه ~~وقد ابطل الاقسام الثلاثة # ولا ريب ان المعتزلة يقولون انه خلقه في غيره فأبطل ذلك عبد العزيز ~~بالحجة العقلية التي يتداولها اهل السنة وهو انه قد علم بالاضطرار من دين ~~الاسلام ان القرآن كلام الله فإن كان مخلوقا في محل آخره غيره إلى الله ~~ولزم أن يكون ما كل الكلام مخلوق في محل كلام الله لتماثلها بالنسبة الى ~~الله ويلزم ان يكون ما يخلقه تعالى من كلام الجلود والأيدي والأرجل كلام ~~الله فإذا قالوا { أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم } سورة فصلت 21 ~~كان الناطق هو المنطق وبشر لم يكن من القدرية بل كان ممن يقر بأن الله ~~تعالى خالق افعال العباد فألزمه عبد العزيز ان يكون كلام كل مخلوق كلام ~~الله حتى قول الكفر والفحش وهذا الالزام صرح به حلولية الجهمية من ~~الاتحادية ونحوهم كصاحب الفصوص والفتوحات المكية ونحوه وقالوا % وكل كلام ~~في الوجود كلامه % % سواء علينا نثره ونظامه % PageV02P252 ~~ولهذا قال من قال من السلف من قاله { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } سورة ~~طه 14 مخلوق فقد جعل كلام الله بمنزلة قول فرعون الذي قال { أنا ربكم ~~الأعلى } سورة النازعات 24 لأن عنده هذا الكلام خلقه الله في الشجرة وذلك ~~خلقه في فرعون فإذا كان هذا كلام الله كان هذا كلام الله # كما قال سليمان بن داود الهاشمي احد ائمة الاسلام نظير الشافعي واحمد ~~واسحاق وابي عبيد وابي بكر بن ابي شيبة وامثالهم قال من قال القرآن مخلوق ~~فهو كافر وان كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون اولى بأن يخلد في ~~النار اذ قال { أنا ربكم الأعلى } من هذا وكلاهما عنده مخلوق فأخبر بذلك ~~ابو عبيد فاستحسنه وأعجبه ذكر ذلك البخاري في ms0379 كتاب خلق افعال العباد # وكذلك ذكر نظير عبد الله بن المبارك وعبد الله بن ادريس ويحيى بن سعيد ~~القطان وهذا مبني على ان الله خالق افعال العباد فإذا كان قد خلق في محل { ~~إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } وخلق في محل { أنا ربكم الأعلى } ~~كان ذلك المحل الذي خلق فيه ذلك الكلام اولى بالعقاب من فرعون واذا كان ذلك ~~كلام الله كان كلام فرعون كلام الله PageV02P253 ~~وأما كونه خلقه قائما بنفسه فهو ظاهر البطلان أيضا لأن الصفات لا تقوم ~~بنفسها ولكن الجهمية تقول خلق علما لا في محل والبصريون من المعتزلة يقولون ~~خلق إرادة وقدرة لا في محل وطائفة منهم يقولون خلق بخلق بعد خلق لا في محل ~~وهذه المقالات ونحوها مما يعلم فساده بصريح العقل # وأما القسم الأول وهو كونه سبحانه خلقه في نفسه فأبطله عبد العزيز أيضا ~~لكن ما في نفس الله تعالى يحتمل نوعين # أحدهما أن يقال أحدث في نفسه بقدرته كلاما بعد أن لم يكن متكلما وهذا قول ~~الكرامية وغيرهم ممن يقول كلام الله حادث ومحدث في ذات الله تعالى وأن الله ~~تكلم بعد ان لم يكن يتكلم أصلا وأن الله يمتنع أن يقال في حقه ما زال ~~متكلما وهذا مما أنكره الامام أحمد وغيره # والثاني أن يقال لم يزل الله متكلما اذا شاء كما قاله الأئمة وكل من ~~هاتين الطائفتين لا تقول إن ما في نفس الله مخلوق بل المخلوق عندهم لا يكون ~~الا منفصلا عن نفس الله تعالى وما قام به من أفعاله وصفاته فليس بمخلوق # ولا ريب أن بشرا وغيره من القائلين بخلق القرآن كانوا يقولون إنه خلقه ~~منفصلا عنه كما خلق غيره من المخلوقات فأما نفس خلق الرب PageV02P254 ~~عند من يقول الخلق غير المخلوق وهم الأكثرون فلا يقولون إن الخلق مخلوق ومن ~~قال بتجدد ما يقوم به من الأفعال أو الارادات أو الادراكات لم يقل إن ذلك ~~مخلوق فإنه اذا كان ثم خلق وخالق ومخلوق لم يكن الخلق داخلا ms0380 في المخلوق # ولهذا كان من يقول ان كلام الله قائم بذاته متفقين على أن كلام الله غير ~~مخلوق ثم هم بعد هذا متنازعون على عدة اقوال هل يقال إنه معنى واحد أو خمسة ~~معان لم تزل قديمة كما يقوله ابن كلاب والأشعري # أو أنه حروف وأصوات قديمة أزلية لم تزل قديمة كما يذكر عن ابن سالم وطائفة # أو يقال بل هو حروف وأصوات حادثة في ذاته بعد أن لم يكن متكلما كما يقوله ~~ابن كرام وطائفة # أو يقال إنه لم يزل متكلما اذا شاء وإنه اذا شاء تكلم بصوت يسمع وتكلم ~~بالحروف كما يذكر ذلك عن أهل الحديث والأئمة # والمقصود هنا أن ما قام بذاته لا يسميه أحد منهم مخلوقا سواء كان حادثا ~~أو قديما # وبهذا يظهر احتجاج عبد العزيز على بشر فإن بشرا من أئمة الجهمية نفاة ~~الصفات وعنده لم يقم بذات الله تعالى صفة ولا فعل PageV02P255 ~~ولا قدرة ولا كلام ولا ارادة بل ما ثم عنده الا الذات المجردة عن الصفات ~~والمخلوقات المنفصلة عنها كما تقول ذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم فاحتج ~~عليه عبد العزيز بحجتين عقليتين # أحداهما أنه اذا كان كلام الله مخلوقا ولم يخلقه في غيره ولا خلقه قائما ~~بنفسه لزم أن يكون مخلوقا في نفس الله وهذا باطل # والثانية أن المخلوقات المنفصلة عن الله خلقها الله بما ليس من المخلوقات ~~إما القدرة كما أقر به بشر وإما فعله وأمره وارادته كما قاله عبد العزيز ~~وعلى التقديرين ثبت أنه كان قبل المخلوقات من الصفات ما ليس بمخلوق فبطل ~~أصل قول بشر والجهمية إنه ليس لله صفة وان كل ما سوى الذات المجردة فهو ~~مخلوق وتبين أن الذات يقوم بها معان ليست مخلوقة وهذا حجة مثبتة الصفات ~~القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق على من نفى الصفات وقال بخلق ~~القرآن فإن كل من نفى الصفات لزمه القول بخلق القرآن # يبقى كلام اهل الاثبات فيما يقوم بذاته هل يجوز أن يتعلق شيء منه بمشيئته ~~وقدرته أم لا ms0381 وهل عبد العزيز ممن يجوز أن يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته ~~وقدرته أو ممن يقول لا يكون المراد المقدور الا منفصلا عنه مخلوقا ويجعل ~~المقدور هو المخلوق وهما في الأصل قولان معروفان ذكرهما الحارث المحاسبي ~~وغيره عن أهل السنة حسبما تقدم ايراده # وهذا القول الثاني هو قول ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما من PageV02P256 ~~أصحاب ابي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم # والقول الأول هو قول أئمة أهل الحديث والهشامية والكرامية وطوائف من أهل ~~الكلام من المرجئة كأبي معاذ التومني وزهير الأثري وغيرهم ومن وافق هؤلاء ~~من أصحاب ابي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم # فقد يقول القائل إن عبد العزيز موافق لابن كلاب لأنه قال إن الله لا يكون ~~مكانا للحوادث ولا يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء اذا ~~خلقه لكن اذا تدبر المتدبر سائر كلام عبد العزيز وجده من أهل القول الأول ~~قول أهل الحديث لأنه قال بعد هذا لبشر بأي شيء حدثت الأشياء قال أحدثها ~~الله بقدرته التي لم تزل قال عبد العزيز فقلت له إنه قد أحدثها بقدرته كما ~~ذكرت أفلست تقول إنه لم يزل قادرا قال بلى فقلت له فتقول إنه لم يزل يفعل ~~قال لا أقول هذا قلت فلا بد أن يلزمك أن تقول إنه خلق بالفعل الذي كان ~~بالقدرة لأن القدرة صفة وقال PageV02P257 ~~عبد العزيز بعد هذا لم أقل لم يزل الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل وإنما ~~الفعل صفة والله يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع # وقد أثبت عبد العزيز فعلا مقدورا لله هو صفة له ليس من المخلوقات وأنه به ~~خلق المخلوقات وهذا صريح في أنه يجعلا الخلق غير المخلوق والفعل غير ~~المفعول وأن الفعل صفة لله مقدور لله اذا شاء ولا يمنعه منه مانع وهذا خلاف ~~قول الأشعري ومن وافقه # يبقى أن يقال هذا الخلق الذي يسمى التكوين من الناس من يجعله قديما ومنهم ~~من يجعله مقدورا ومرادا وعبد العزيز صرح بأن الفعل الذي به يخلق الخلق ~~مقدور له ms0382 وهذا تصريح بأنه يقوم بذات الله عنده ما يتعلق بقدرته وما كان ~~موجودا مقدورا لله فهو مراد له بالضرورة واتفاق الناس # وأيضا فإنه قال قد أقر بشر أن الله أحدث الأشياء بقدرته وقلت أنا إنه ~~أحدثها بأمره وقوله عن قدرته فقد صرح بأن القول يكون عن قدرته فجعل قول ~~الله مقدورا له مع أنه صفة له عنده # وهذا قول من يقول إنه يقدر على التكلم وإنه يتكلم بمشيئته وقدرته وليس هو ~~من يقول إن القول لازم له لا يتعلق بقدرته ومشيئته PageV02P258 ~~فتبين أن عبد العزيز الكناني يثبت أنه يقوم بذات الله تعالى ما يتعلق ~~بمشيئته وقدرته وأنه لا يجعل كل واحد من ذلك قديما وإن كان النوع قد يكون ~~قديما لأن بشرا لما قال له أحدثها بقدرته التي لم تزل قال له أفليس تقول لم ~~يزل قادرا قال بلى قال فتقول إنه لم يزل يفعل قال لا فلا بد أن يلزمك أن ~~تقول إنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة # وهذا لأنه اذا كان لم يزل قادرا ولا مخلوق ثم وجد مخلوق لم يكن قد وجد ~~قدرة بلا فعل فإنه لو كان مجرد القدرة كافيا في وجوده بلا فعل للزم مقارنة ~~المخلوق للقدرة القديمة # وهذا المقام هو المقام المعروف وهو أنه هل يمكن وجود الحوادث بلا سبب ~~حادث أم لا فإن جمهور العقلاء يقولون ان انتفاء هذا معلوم بالضرورة وان ذلك ~~يقتضي الترجيح بلا مرجح وهذا هو الذي ذكره عبد العزيز بخلاف قول من يقول ان ~~نفس القادر يرجح احد طرفي مقدوره بلا مرجح كما يقوله أكثر المعتزلة ~~والجهمية أو بمجرد ارادة قديمة كما تقوله الكلابية والكرامية فإن هذا هو ~~الذي ذكره بشر PageV02P259 # يبقى هنا سؤال على عبد العزيز وهو الذي الزمه اياه بشر حيث قال له وأنت ~~أيضا يلزمك أن تقول لم يزل يفعل ويخلق واذا كان كذلك ثبت أن المخلوق لم يزل ~~مع الله لأن الحادث إن لم يفتقر الى سبب حادث كفت القدرة القديمة وإن افتقر ~~الى سبب ms0383 حادث فالقول في حدوث ذلك السبب كالقول في الذي حدث به فيلزم تسلسل ~~الحوادث فيلزمك أنه لم يزل يفعل ويخلق فيكون المخلوق معه فأجابه عبد العزيز ~~بأني لم أقل لم يزل الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل ليلزمني ما قلت وأنما ~~الفعل صفة والله يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع وفي النسخة الأخرى وإنما قلت ~~لم يزل الخالق سيخلق والفاعل سيفعل لأن الفعل صفة والله يقدر عليه ولا ~~يمنعه منه مانع # ومضمون كلامه أنني لم أقل إن الله لم يزل يخلق الأشياء المنفصلة ويفعلها ~~ولا يلزمني هذا كما لزمك لأنك جعلت المخلوقات تحصل بالقدرة القديمة من غير ~~فعل من القادر يقوم به فإذا لم تتوقف المخلوقات على غير القدرة والقدرة ~~قديمة لزم وجود المخلوقات معها والا لزم الترجيح بلا مرجح والحدوث بلا سبب ~~لأن القدرة دائمة أزلا PageV02P260 ~~وابدا ووجود المخلوقات ممكن والممكن لا يترجح وجوده على عدمه الا بمرجح ~~وعند المرجح التام يجب وجوده لأنه لو لم يجب لكان قابلا للوجود والعدم ~~فيبقى ممكنا كما كان فلا يترجح الا بمرجح تام فتبين أن وجود القدرة التي ~~يمكن معها وجود المخلوقات لا يوجد المخلوق مع مجردها بل لا بد من أمر آخر ~~يفعله الرب # قال عبد العزيز وهذا الفعل صفة لله ليس من المخلوقات المنفصلة عنه والله ~~يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع فأما قول القائل ان ذلك الفعل الذي لم يكن ثم ~~كان بالقدرة وهو صفة فإنه يسأل عن سبب حدوثه كما يسأل عن سبب حدوث المخلوق به # فيجيب عنه العزيز بأجوبة # أحدها الجواب المركب وهو أن يقول تسلسل الآثار الحادثة اما أن يكون ممكنا ~~وإما أن يكون ممتنعا فإن كان ممكنا فلا محذور في التزامه وان كان ممتنعا لم ~~يلزمني ذلك ولا يلزم من بطلان التسلسل بطلان الفعل الذي لا يكون المخلوق ~~الا به فإنا نعلم أن المفعول المنفصل لا يكون الا بفعل والمخلوق لا يكون ~~الا بخلق قبل العلم بجواز التسلسل أو بطلانه ولها كان كثير من الطوائف ms0384 ~~يقولون الخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول فيثبتون ذلك مع إبطال التسلسل ~~مثل كثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ومن الصوفية PageV02P261 ~~وأهل الحديث والكلام من الكرامية والمرجئة والشيعة وغيرهم وهؤلاء منهم من ~~يقول الفعل الذي هو التكوين قديم والمكون المنفصل حادث كما يقولون مثل ذلك ~~في الارادة ومنهم من يقول بل ذلك حادث الجنس بعد أن لم يكن وكلا الفريقين ~~لا يقولون ان ذلك مخلوق بل يقولون ان المخلوق وجد به كما وجد بالقدرة # الجواب الثاني أن يقول ما ذكرته من التسلسل لازم لكل من قال ان جنس ~~الحوادث يكون بعد أن لم يكن فهو لازم لك ولي اذا قلت بهذا فلا اختص بجوابه ~~وأما وجود المفعول بدون فعل فهذا لازم لك وحدك وهو الذي احتججت به عليك ~~فحجتي عليك ثابتة تبطل قولك دون قولي والالزام الذي ذكرته انت مشترك بيني ~~وبينك فلا يخصني جوابه # الجواب الثالث أن يقول أنا قلت الفعل صفة والله يقدر عليه ولا يمنعه منه ~~مانع والفعل القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه وانما يجب ان يكون ~~المخلوق معه في الأزل اذا ثبت أن الفعل يستلزم فعلا قبله وأن الفعل اللازم ~~يستلزم ثبوت الفعل المتعدي الى المخلوق فإن ذلك يستلزم ثبوت غير المخلوق # وكل هذه المقدمات فيها ممانعات ومعارضات وتحتاج الى حجج لم PageV02P262 ~~يذكر المريسي منها شيئا وعبد العزيز لم يلتزم شيئا من ذلك وإنما التزم حجته ~~يحصل بها المقصود # وقوله في النسخة الأخرى ان صح عنه انما قلت لم يزل الفاعل سيفعل والخالق ~~سيخلق قد نفى فيه أن يكون نفس الفعل قديما فضلا عن أن يكون المفعول قديما # وقوله ان الفعل صفة لله والله يقدر عليه لا يمنعه منه مانع يمنع قدم عين ~~الفعل لا يمنع قدم نوعه الا ان يثبت امتناع تسلسل الآثار وليس في كلامه ~~تعرض لنفي ذلك ولا اثباته # وقوله لم يزل سيفعل ان صح عنه يحتمل معنيين أحدهما أنه لم يزل موصوفا ~~بأنه سيفعل ما يفعله من جميع ms0385 المفعولات أعيانها وأنواعها كما يقوله من يقول ~~بحدوث نوع الفعل القائم به كما يقوله من يقول بحدوث انواع المنفصلات عنه ~~والثاني أنه لم يزل الفاعل سيفعل شيئا بعد شيء فهو متقدم على كل واحد واحد ~~من أعيان المفعولات # فعلى الأول يمتنع أن يكون شيء من أنواعها أو اعيانها قديما وعلى PageV02P263 ~~الثاني لا يمتنع تقدم الأنواع بل قد يمتنع تقدم أعيان المخلوقات فلا يكون ~~شيء من المخلوقات مع الله في الأزل على التقديرين وجماع ذلك أن الذي الزمه ~~عبد العزيز للمريسي لأزم له مبطل لقوله بلا ريب وعليه جمهور الناس فإن ~~جمهور الناس فإن جماهير الناس يقولون الخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول ~~وهذا قول جماهير الفقهاء من اصحاب ابي حنيفة ومالك والشافعي واحمد وجماهير ~~الصوفية وجماهير أهل الحديث بل كلهم وكثير من أهل الكلام والفلسفة أو ~~جماهيرهم فهو قول أكثر المرجئة من الكرامية وغيرهم وأكثر الشيعة وكثير من ~~المعتزلة والكلابية وكثير من الفلاسفة ولأصحاب مالك والشافعي وأحمد في ذلك ~~قولان فالذي عليه أئمتهم أن الخلق غير المخلوق وهو آخر قول القاضي ابي يعلى ~~وقول جمهور اصحاب احمد وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة وهو قول كثير من ~~الكلابية # وأما قوله إنه قادر على الفعل لا يمنعه منه مانع فكلامه يقتضي أنه لم يزل ~~قادر على الفعل لا يمنعه منه مانع وهذا الذي قاله هو الذي عليه جماهير ~~الناس ولهذا أنكروا على من قال لم يكن قادرا على الفعل في الأزل وكان من ~~يبغض الأشعري ينسب اليه هذا لتنفر عنه قلوب الناس واراد ابو محمد الجويني ~~وغيره تبرئته من هذا القول كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع PageV02P264 ~~واذا كان لم يزل قادرا على الفعل كان هذا صفة كمال فلهذا قال عبد العزيز ~~لأن الفعل صفة والله قادر عليه لا يمنعه منه مانع وقد خلق المخلوقات بفعله ~~فوجدت بالفعل الذي هو الخلق والفعل الذي هو الخلق بقدرة الله تعالى والقدرة ~~على خلق المخلوق هي القدرة عليه كما قال تعالى { أو ms0386 ليس الذي خلق السماوات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى } سورة يس 81 وقوله تعالى { أليس ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى } سورة القيامة 40 وقوله تعالى { قل هو القادر ~~على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } سورة الأنعام 65 الآية ونحو ذلك مما ~~فيه وصف الله بالقدرة على الافعال المتناولة للمفعولات وفيه بيان أن الخلق ~~ليس هو المخلوق ولا أن نفس خلقه للسموات والارض هو السموات والارض والقدرة ~~التي تزل ثم وجدت المخلوقات بدون فعل أصلا # فيقول له المريسي فذلك الذي هو صفته وهو يقدر عليه لا يمنعه منه مانع ان ~~كان قديما كان كالقدرة وكان السؤال على كالسؤال عليك وان كان حادثا من غير ~~تقدم فعل آخر سألتك عن سبب حدوثه بالقدرة التي لم تزل كما سألتني عن سبب ~~حدوث المخلوق بالقدرة التي لم تزل وإن كان ذلك الفعل كان بفعل آخر وتسلسل PageV02P265 ~~الأمر لزم تسلسل الأفعال ولزم أن يكون الفاعل لم يزل يفعل والخالق لم يزل يخلق # فيقول له عبد العزيز لم أقل انه قديم بل قلت انه صفة والله قادر عليه لا ~~يمنعه من مانع وما كان مقدورا له لا يمنعه منه مانع لم يجب أن يكون قديما ~~معه بل ان شاء فعله وان شاء لم يفعله # وأما سؤالك عن سبب حدوثه فهنا لأهل الاثبات جوابان أحدهما وهو جواب ~~الكرامية ومن وافقهم ان اثبات الفعل للمفعول والخلق للمخلوق لا بد منه فإنا ~~نعقل أن القادر على الفعل قبل ان يفعله ليس له فعل فاذا فعله كان هناك فعل ~~به فعل المفعول وخلق به خلق المخلوق ونحن مقصودنا اثبات فعل وصفة لله تقوم ~~به مغاير مخلوقاته وكلامه من هذا الباب ونحن لم نورد عليكم التسلسل فإن ذلك ~~باطل على قولنا وقولكم جميعا # الجواب الثاني أن يقول من يجيب به لا يمتنع أن يكون قبل الفعل المعين ما ~~هو أيضا فعل فعله الله بقدرته ولا يضرني التسلسل فإن ذلك جائز ممكن فإن هذا ~~تسلسل في الأفعال والآثار ms0387 والشروط وهذا ليس بممتنع # فعلى الجواب الأول يظهر قوله انما قلت لم يزل الخالق سيخلق وسيفعل ولم ~~أقل لم يزل يخلق ويفعل PageV02P266 ~~وأما على الجواب الثاني فاذا قال لم أقل لم يزل يخلق ويفعل بل أقول إنه لم ~~يزل سيخلق وسيفعل فنقرره بوجهين # أحدهما أن الفعل لا يستلزم وجود مخلوق بل يكون الفعل قائما بنفسه بعد فعل ~~قائم بنفسه وهلم جرا من غير وجود مخلوق منفصل عنه # الثاني أنه لو قدر تسلسل المفعولات كتسلسل الأفعال فما من مفعول ولا فعل ~~الا وهو حادث كائن بعد أن لم يكن فليس مع الله في الأزل شيء من المفعولات ~~ولا الأفعال اذ كان كل منهما حادثا بعد أن لم يكن والحادث بعد أن لم يكن لا ~~يكون مقارنا للقديم الذي لم يزل واذا قيل ان نوع الأفعال أو المفعولات لم ~~يزل فنوع الحوادث لا يوجد مجتمعا لا يوجد الا متعاقبا فاذا قيل لم يزل ~~العاعل يفعل والخالق يخلق والفعل لا يكون الا معينا والخلق والمخلوق لا ~~يكون الا معينا فقد يفهم أن الخالق للسموات والانسان لم يزل يخلق السموات ~~والانسان والفاعل لذلك لم يزل يفعله وليس كذلك بل لم يزل الخالق لذلك ~~سيخلقه ولم يزل الفاعل لذلك سيفعله فما من مخلوق من المخلوقات ولا فعل من ~~الأفعال الا والرب تعالى موصوف بأنه لم يزل سيفعله ليس موصوفا بأنه لم يزل ~~فاعلا له خالقا له بمعنى أنه موجود معه في الأزل وإن قدر أنه كان قبل هذا ~~الفعل فاعلا لفعل آخر وقبل هذا المخلوق خالقا لمخلوق آخر فهو لم يزل ~~بالنسبة الى كل PageV02P267 ~~فعل ومخلوق سيفعله وسيخلقه لا يقال لم يزل فاعلا له خالقا بمعنى مقارنته له ~~واذا اريد أنه لم يزل فاعلا للنوع كان هذا بمعنى قولنا إنه لم يزل سيفعل ما ~~يفعله لكن هذه العبارة تفهم من الباطل مالا تفهمه تلك العبارة # وهذا الموضع للناس فيه أقوال فإن جمهور أهل السنة يقولون لم يزل الله ~~خالقا فاعلا كما قال الامام احمد لم ms0388 يزل الله عالما متكلما غفورا بل يقولون ~~لم يزل يفعل اما بناء على أن الفعل قديم وإن كان المفعول محدثا أو بناء على ~~قيام الأفعال المتعاقبة بالفاعل # ومذهب بشر واخوانه الجهمية أن المخلوقات كلها كائنة بدون فعل ولا خلق ~~وكلام الله من جملتها فألزمه عبد العزيز على أصله فقال له اذا قلت كان الله ~~ولما يفعل ولما يخلق شيئا وهو لم يزل قادرا ثم خلق المخلوقات فأنت تقول لم ~~يزل قادرا ولا تقول لم يزل يفعل المخلوقات فلا بد له من أن يكون هناك فعل ~~حصل بالقدرة وليس هو القدرة التي لم تزل ولا هو المخلوق المنفصل اذ لو كان ~~كذلك لكان المخلوق قد وجد من غير خلق والمفعول قد وجد من غير فعل وهذا أعظم ~~امتناعا في العقل من كونه وجد بغير قدرة فإنه PageV02P268 ~~إذا عرض على العقل مفعول مخلوق حدث بعد أن لم يكن بلا فعل ولا خلق كان ~~انكار العقل لذلك اعظم من انكاره لحدوثه من غير قدرة للفاعل وانكاره لحدوث ~~من غير فاعل اعظم امتناعا في العقل من هذا وهذا فإذا قيل فعله الفاعل بلا ~~قدرة أنكره العقل واذا قيل حدث بلا فاعل كان أعظم وأعظم فإن الفاعل بلا فعل ~~كالعالم بلا علم والحي بلا حياة والقادر بلا قدرة ونحو ذلك وذلك نفي لجزء ~~مدلول اللفظ الذي دل عليه بالتضمن وأما نفي القدرة عن الفاعل فهو نفي لما ~~دل عليه باللزوم العقلي # واذا قال القائل بل يجوز ان يكون المفعول المخلوق حدث بلا فعل ولا خلق ~~غيره لأنه لو كان بفعل للزم أن يكون للفعل فعل ولزم التسلسل وأن يكون محلا ~~للحوادث # قيل فعلى هذا يجوز أن يكون المفعول المخلوق حدث بلا قدرة من الفاعل لأن ~~ثبوت القدرة يستلزم ثبوت الصفات وقيام الأعراض به # فإذا قال الفعل بدون القدرة ممتنع وليس في العقل ما يحيل لوازم القدرة بل ~~علمنا بامتناع الفعل بلا قدرة أعظم من علمنا بامتناع قيام الصفات به وان ~~سماها المسمى إعراضا PageV02P269 # قيل له ms0389 والمخلوق المفعول بلا فعل ولا خلق أعظم امتناعا في العقل وليس في ~~العقل ما يحيل لوازم الفعل الذي كان بالقدرة بل علمنا بامتناع ذلك أعظم من ~~علمنا بامتناع قيام الأفعال به وان سماها المسمى حوادث # يبين ذلك أن افتقار المخلوق إلى خلق والمفعول المنفصل إلى فعل يعلم ~~باللزوم العقلي وبالقول السمعي فإن فاعل وخالق مثل متكلم وقائل ومريد ~~ومتحرك وغير ذلك من الأسماء التي تستلزم قيام معان بالمسميات # فلما ظهرت حجة عبد العزيز على المريسي في أنه لا بد من فعل للرب تعالى ~~بقدرته كما قال له يلزمك أن تقول انه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة وليس ~~الفعل هو القدرة لأن القدرة صفة لله ولا يقال لصفة الله هي الله ولا يقال ~~إنها غير الله ولم يقل عبد العزيز إنها ليست هي الله ولا غيره بل قال لا ~~يقال إنها هي الله ولا يقال إنها غيره وقول عبد العزيز هذا هو قول أئمة ~~السنة كالإمام احمد وغيره وهو قول ابن كلاب وغيره من الأعيان ولكن طائفة من أصحاب PageV02P270 ~~أحمد مع طائفة من متكلمي الصفاتية أصحاب الأشعري يقولون لا هي الله ولا غيره # وتلك العبارة هي الصواب كما قد بسط في غير هذا الموضع فإن لفظ الغير فيه ~~إجمال فلا يصح إطلاقه لا نفيا ولا إثباتا على الصفة ولكن يصح نفي إطلاقه ~~نفيا أو إثباتا كما قال السلف مثل ذلك في لفظ الجبر ونحوه من الألفاظ ~~المجملة إنه لا يطلق لا نفيها ولا إثباتها وإذا قيل لا يطلق لا هذا ولا هذا ~~لم يلزم إثبات قسم ثالث لا هو الموصوف ولا غير الموصوف بل يلزم إثبات مالا ~~يطلق عليه لفظ الغير لا ما ينفي عنه المغايرة # ومقصود عبد العزيز أن القدرة صفة لله ليست هي الفعل الذي كان عن القدرة ~~فإنه يقول لم يزل الله قادرا ولا قول لم يزل فاعلا # فعارضه المريسي بأن هذا يلزمك أيضا فيلزمك أن تقول لم يزل يفعل ويخلق ~~وإذا قلت ذلك فقد ثبت أن ms0390 المخلوق لم يزل مع الله # فقال له عبد العزيز ليس لك أن تحكم على وتلزمني ما لا يلزمني وتحكي عني ~~ما لم اقل وذلك لأن عبد العزيز لم يقل في هذا قولا يحكى PageV02P271 ~~عنه ولكن قال له إما أن تلتزم أنت ما ألزمتني وإلا التزمت أن تقول إن ~~المخلوق لم يزل مع الله # وهذا الذي قاله المريسي إنما يلزم عبد العزيز إذا أبطل لك قسم مما يمكن ~~أن يقال في هذا المقام وهو لم يفعل ذلك ولا سبيل له إليه بخلاف ما ألزمه ~~إياه عبد العزيز فإنه لازم له لا محالة إذ كان قوله إن المخلوقات كلها ~~وكلام الله عنده من جملتها حدثت بعد أن لم تكن من غير فعل فعله الله بل ~~بقدرته التي لم تزل مع أن عبد العزيز قد بين فيما بعد أن ما أقر به المريسي ~~يكفيه في الاحتجاج في مسألة القرآن فإن المريسي أقر بأن الله خلقها بقدرته ~~فأثبت هنا معنى هو صفة لله تعالى ليس بمخلوق فبطل اصل قوله الذي نفى به ~~الصفات وقال إن القرآن مخلوق لكن عبد العزيز بين له ما يلزمه وما أقر به ~~وأن الحجة تحصل بهذا وبهذا وأما المريسي فعارضه بأن قال يلزمك ما ألزمتني # وذلك مبني على مقدمات لم يذكر منها واحدة أحدها أن يقول إذا كان احدث ~~الأشياء بفعله الكائن عن قدرته حصل المقصود من غير إثبات قديم مع الله ~~تعالى ولهذا قال له عبد العزيز إنما قلت الفعل صفة لله والله يقدر عليه ولا ~~يمنعه منه مانع وفي نسخة أخرى زيادة على ذلك إنما قلت انه لم يزل الفاعل ~~سيفعل ولم يزل الخالق سيخلق لأن الفعل صفة لله PageV02P272 ~~وهذه الزيادة لم تتقدم في كلام عبد العزيز فإما أن تكون ملحقة من بعض الناس ~~في بعض النسخ أو يكون معنى الكلام إنما قولي هذا وإنما قلت أنى إنما اعتقدت ~~والتزمت هذا أو يكون المعنى إنما أقول واعتقد هذا والأشبه أن هذه الزيادة ~~ليست من كلام عبد العزيز ms0391 فإنها لا تناسب ما ذكره من مناظرته المستقيمة ولم ~~يتقدم من عبد العزيز ذكر هذا الكلام ولا ما يدل عليه بخلاف قوله إنما الفعل ~~صفة لله والله يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع فإن هذا كلام حسن صحيح وهو لم ~~يكن قد قاله ولهذا لم يقل إني قلت ذلك ولكن قال هذا هو الذي يجب أن يقال ~~وهو الذي يلزمني أن أقوله لأني بينت أن المخلوق لا يكون إلا بفعل عن قدرة ~~الله والفعل قائم بالله ليس هو مخلوقا منفصلا وهذا مراده بقوله انه صفة لم ~~يرد بذلك إن الفعل المعين لازم لذات الله تعالى لأنه قد قال والله يقدر ~~عليه ولا يمنعه منه مانع # فحصل بذلك مقصود عبد العزيز من أن هناك فعلا احدث الله به المخلوقات عن ~~قدرته فأقام الحجة على أنه يقوم بالله تعالى أمر غير المخلوقات عن القدرة ~~واعترف له المريسي بالقدرة PageV02P273 ~~فقد ثبت على تقدير أن قبل المخلوق شيئا خارجا عن المخلوق سواء كان هو ~~القدرة وحدها أو كان مع ذلك الفعل والقول والإرادة وما كان متقدما قبل ~~المخلوق فليس هو من المخلوق فبطل قول المريسي إن مالا يسمى بالله فهو مخلوق ~~فإن هذه الأمور كلها ليست هي الله وليست مخلوقة لأن هذه صفات له ولا يقال ~~أنها هي الله ولا يقال أنها غير الله وإذا قلنا الله الخالق وما سواه مخلوق ~~فقد دخل في مسمى اسمه صفاته فإنها داخلة في مسمى اسمه ولما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم من حلف بغير الله فقد أشرك لم يكن الحلف بعزة الله ونحو ذلك ~~حلفا بغير الله # ولما حدثت الجهمية واعتقدوا ان القرآن خارج عن مسمى اسم الله تعالى قال ~~من قال من السلف الله الخالق وما سواه مخلوق الا القرآن فإنه كلام الله غير ~~مخلوق فاستثنوا القرآن مما سواه لما أدخله من أدخله فيما سواه ولفظ ما سواه ~~هو كلفظ الغير وقد قلنا PageV02P274 ~~ان القرآن وسائر الصفات لا يطلق عليه أنه هو ولا يطلق عليه ms0392 أنه غيره فكذلك ~~لا يطلق عليه أنه مما سواه ولا أنه ليس مما سواه لكن مع القرينة قد يدخل في ~~هذا تارة وفي هذا تارة # فلما كان بعض الناس قد يفهم ان القرآن هو مما سواه قال من قال من السلف ~~ما سواه مخلوق الا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ واليه يعود ومن ~~لم يفهم دخول الكلام في لفظ سواه لم يحتج إلى هذا الاستثناء بل قال الله ~~الخالق وما سواه مخلوق والقرآن كلام الله غير مخلوق لا يقول الا القرآن أي ~~القرآن هو كلامه وكلامه وفعله وعلمه وسائر ما يقوم بذاته لا يكون مخلوقا ~~وانما المخلوق ما كان مباينا له ولهذا قال السلف والأئمة كأحمد وغيره ~~القرآن كلام الله ليس ببائن منه وقالوا كلام الله من الله # وقال احمد بن حنبل لرجل سأله فقال له ألست مخلوقا فقال بلى فقال أوليس ~~كلامك منك قال بلى قال والله ليس بمخلوق وكلامه منه ومراده أن المخلوق اذا ~~كان كلامه صفة PageV02P275 ~~له هو داخل في مسمى اسمه وهو قائم به فالخالق اولى ان يكون كلامه صفة له ~~داخلة في مسمى اسمه وهو قائم به لأن الكلام صفة كمال وعدمه صفة نقص ~~فالمتكلم أكمل ممن لا يتكلم والخالق أحق بكل كمال من غيره # والسلف كثيرا ما يقولون الصفة من الموصوف والصفة بالموصوف فيقولون علم ~~الله من الله وكلام الله من الله ونحو ذلك لأن ذلك داخل في مسمى اسمه فليس ~~خارجا عن مسماه بل هو داخل في مسماه وهو من مسماه # فعبد العزيز قرر حجته بأن الفعل صفة لله عن قدرته لا يمنعه منه مانع وهذا ~~كاف وما الزمه اياه بشر لا يلزمه الا بمقدمات لم يقرر بشر منها شيئا # وأي تقدير من تلك التقديرات قال به القائل كان خيرا من قول المريسي # التقدير الاول قول من يقول ان الفعل حادث قائم بذات الله بقدرته كما يقول ~~ذلك من يقوله من الكرامية وهذا خير من قول المريسي وأمثاله من الجهمية ms0393 فإن ~~ما يلزم اصحاب هذا القول من PageV02P276 ~~تسلسل الحوادث يلزمهم مثله والذي يلزمهم من نفي الخلق والفعل لا يلزم اصحاب ~~هذا القول # وأما قولهم انه محل للحوادث فمثل قولهم انه محل للأعراض # التقدير الثاني قول من يقول ان الفعل قديم ازلي كما يقول ذلك من يقوله من ~~الكلابية ومن الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والصوفية # وهذا ايضا على هذا التقدير يكون من جنس قول الصفاتية هؤلاء لا يقولون ~~بقيام الحوادث به ولا تسلسلها واذا الزمهم المريسي واخوانه ان يقال فإذا ~~كان الفعل لم يزل والارادة لم تزل لزم ان يكون المفعول المراد لم يزل وقيل ~~لهم فحدوث الحوادث لا بد له من سبب قالوا هذا السؤال مشترك بيننا وبينكم ~~لكن عبد العزيز لم يجب بهذا الجواب فإنه لو أجاب به لانتقضت حجته التي احتج ~~بها على المريسي فإنه احتج بأنه لم يزل قادرا فلو قال الفعل قديم قال ~~المريسي انه لم يزل فاعلا عندك # وايضا فعبد العزيز ذكر انه يقدر على الفعل لا يمنعه منه مانع وذكر غير ذلك # والتقدير الثالث ان الفعل الذي كان عن قدرته كان قبله فعل PageV02P277 ~~آخر كان عن قدرته ايضا وهلم جرا ولم يكن شيء من المفعولات والمخلوقات ~~موجودا معه في الأزل فإن الفعل ينقسم إلى متعد ولازم فإذا قدر دوام الأفعال ~~اللازمة لم يجب دوام الافعال المتعدية وعلى هذا التقدير فإذا قال كان الله ~~ولما يخلق شيئا ولما يفعل شيئا لم يلزم أن لا يكون هناك فعل قائم بنفسه ~~بدون مخلوق مفعول ولا يجب ان يكون المخلوق لم يزل مع الله تعالى # وهذا التقدير ان لم ينفه المريسي بالحجة لم يكن ما الزمه لعبد العزيز ~~لازما واذا قال السلف والأئمة ان الله لم يزل متكلما اذا شاء فقد اثبتوا ~~انه لم يتجدد له كونه متكلما بل نفس تكلمه بمشيئته قديم وان كان يتكلم شيئا ~~بعد شيء فتعاقب الكلام لا يقتضي حدوث نوعه الا اذا وجب تناهي المقدورات ~~المرادات وهو المسمى بتناهي الحوادث والذي عليه ms0394 السلف وجمهور الخلف ان ~~المقدورات المرادات لا تتناهى وهم بهذا نزهوه عن كونه كان عاجزا عن الكلام ~~كالأخرس الذي لا يمكنه الكلام وعن أنه كان ناقصا فصار كاملا وأثبتوا مع ذلك ~~أنه قادر على الكلام باختياره وحجة عبد العزيز على المريسي تتم على هذا ~~التقدير ولا يكون مع الله في الأزل مخلوق # التقدير الرابع أنه لو قيل بأن كل ما سوى الله مخلوق محدث PageV02P278 ~~كائن بعد ان لم يكن فليس مع الله في أزله شيء من المخلوقات لكنه لم يزل ~~يفعل لم يوجب ذلك ان يكون معه شيء من المفعولات المخلوقات وانما يوجب ذلك ~~كون نوع المفعول لم يزل مع أن كل واحدة من آحاده حادث لم يكن ثم كان معه ~~فليس من ذلك شيء مع الله في الأزل وعبد العزيز لم يقل هذا ولم يلتزمه بل ~~ولا التزم شيئا من هذه التقديرات ولا يلزمه واحد منها بعينه الا بتقدير ~~امتناع ما سواه ولكن المقصود ان الزام المريسي له بأن يكون المخلوق لم يزل ~~مع الله لا يلزمه التزامه فإنه على التقديرات الثلاث لا يلزم وجود شيء من ~~المفعولات ولا نوعها في الأزل # وأما على التقدير الرابع فإنما يلزم أنه لم يزل نوع المفعول لا شيء من ~~المفعولات بعينه # وهذا التقدير اذا كان باطلا فالمريسي لم يذكر إبطاله ولا ابطال شيء من ~~التقديرات وهو لو اراد ان يبطل هذا لم يبطله الا بإبطال التسلسل في الآثار ~~كما هو طريقة من أبطل ذلك من أهل الكلام ولكن المريسي وموافقوه الذين ~~يقولون بأن اله يخلق المخلوقات بغير فعل قائم به ويقولون الخلق هو المخلوق ~~ويقولون ان المخلوقات كلها وجدت بعد ان لم تكن موجودة من غير ان يتجدد من ~~الله فعل ولا قصد ولا امر من الامور بل ولا من غيره فيقولون إن PageV02P279 ~~الأمر ما زال على وجه واحد ثم حدثت جميع المحدثات وكانت جميع المخلوقات ~~وليس هناك من الفاعل شيء غير وجودها بل حاله قبل وجودها ومع وجودها وبعد ~~وجودها واحد ms0395 لم يتجدد منه أمر يضاف الحدوث اليه فأصحاب القول الأول يلتزمون ~~التسلسل مع قولهم بأن كل ما سوى الله محدث كائن بعد أن لم يكن مسبوق بعدم ~~نفسه لكن تحدث الحوادث شيئا بعد شيء وهو محدثها بأفعاله سبحانه التي يفعلها ~~ايضا شيئا بعد شيء واصحاب الثاني يقولون بل حدثت من غير سبب حادث كما ترى # ومن المعلوم أنه اذا عرض على العقل القولان كان بطلان هذا القول أظهر من ~~بطلان ذلك القول فإن ترجيح احد طرفي الممكن بغير مرجح وتخصيص الشيء عن ~~أمثاله التي تماثله من كل وجه بلا مخصص وحدوث الحوادث جميعها بدون سبب حادث ~~بل مع كون الأمر قبل حدوثها ومع حدوثها على حال واحد هو أبعد في المعقول ~~وأنكر في القلوب من كون المحدثات لم تزل تحدث شيئا بعد شيء ومن كون الله ~~سبحانه لم يزل يفعل ما يشاء ويتكلم بما يشاء كما أنه لا يزال في الأبد يفعل ~~ما يشاء ويتكلم بما يشاء PageV02P280 ~~فلو قدر أن عبد العزيز والمريسي انتهيا الى هاتين المقدمتين لم يكن للمريسي ~~أن يلزم عبد العزيز بشيء الا ألزمه عبد العزيز بما هو اشنع منه فكيف وعبد ~~العزيز لم يحتج الى شيء من ذلك بل بين أنه لا بد أن يكون قبل المخلوق ما به ~~يخلق المخلوق من صفات الله وأفعاله فيبطل ما يدعيه المريسي ونحوه من أن ~~الله لا صفة له ولا كلام ولا فعل بل خلق المخلوقات وخلق الكلام الذي سماه ~~كلامه بلا صفة ولا فعل ولا كلام # وهذان الجوابان اللذان يمكن عبد العزيز أن يجيب بهما عن الزامه التسلسل ~~يمكن معهما جواب ثالث مركب منهما كما تقدم التنبيه على ذلك وهو أن يقول # إن كان التسلسل ممتنعا بطل هذا الإلزام وان كان ممكنا أمكن التزامه كما ~~قد ذكرنا في غير هذا الموضع أن المسلمين وغيرهم من أهل الملل القائلين بأن ~~الله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة ايام يمكنهم أن يجيبوا ~~بمثل هذا الجواب للقائلين بقدم العالم ms0396 من الفلاسفة وغيرهم المحتجين على ذلك ~~بحجتهم العظمى التي اعتمد عليها ابن سينا وابن الهيثم وغيرهما حيث احتجوا ~~على المعتزلة ونحوهم من PageV02P281 ~~أهل الكلام فقالوا الموجب التام للعالم إن كان ثابتا في الأزل لزم قدمه ~~والا لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح وان لم يكن ثابتا في الأزل احتاج ~~في حدوث تمامه الى مرجح والقول فيه كالقول في الأول ويلزم التسلسل # وعظم شأن هذه الحجة على هؤلاء المتكلمين لأنهم يقولون ببطلان التسلسل ~~وبحدوث الحوادث من غير سبب حادث ويقولون بأن المرجح التام لا يستلزم اثره ~~بل القادر او المريد يرجح احد مقدوريه او احد مراديه على الآخر بلا مرجح ~~فصاروا بين أمرين إما إثبات الترجيح بلا مرجح وإما إلتزام التسلسل وكلامهما ~~مناقض لأصولهم ولهذا عدل من عدل في جوابها الى الإلزام والمعارضة بالحوادث ~~اليومية # ونحن قد بينا جوابها من وجوه # منها ان يقال التسلسل يراد به امور احدها التسلسل في المؤثرات والفاعلين ~~والعلل وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء ومنها التسلسل في تمام كون ~~المؤثر مؤثرا وهذا كالذي قبله باطل بصريح العقل وقول جمهور العقلاء PageV02P282 ~~ومنها التسلسل الذي في معنى الدور مثل أن يقال لا يحدث حادث اصلا حتى يحدث ~~حادث وهذا ايضا باطل بضرورة العقل واتفاق العقلاء # ومنها التسلسل في الآثار المتعاقبة وتمام التأثير في الشيء المعين مثل أن ~~يقال لا يحدث هذا حتى يحدث قبله ولا يحدث هذا الا ويحدث بعده وهلم جرا وهذا ~~فيه نزاع مشهور بين المسلمين وبين غيرهم من الطوائف فمن المسلمين وغيرهم من ~~جوزه في المستقبل دون الماضي # وإذا عرفت هذه الأنواع فهم قالوا اذا لم يكن المؤثر تاما في الأزل لم ~~يحدث عنه شيء حتى يحدث حادث به يتم كونه مؤثرا إذ القول في ذلك الحادث ~~كالقول في غيره فيكون حقيقة الكلام أنه لا يحدث شيء ما حتى يحدث شيء وهذا ~~باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء # لكن هذا الدليل إن طلبوا به أنه لم يزل مؤثرا في شيء بعد شيء فهذا يناقض ms0397 ~~قولهم وهو حجة عليهم وان ارادوا أنه كان في الأزل مؤثرا تاما في الأزل لم ~~تتجدد مؤثريته لزم من ذلك انه لا يحدث عنه شيء بعد أن لم يكن حادثا فيلزم ~~أن لا يحدث في العالم PageV02P283 ~~شيء ولهذا عارضهم الناس بالحوادث اليومية وهذا لازم لا محيد لهم عنه وهو ~~يستلزم فساد حجتهم # وإن ارادوا أنه مؤثر في شيء معين فالحجة لا تدل على ذلك وهو أيضا باطل من ~~وجوه كما قد بسط في موضع آخر فالمؤثر التام يراد به المؤثر في كل شيء ~~والمؤثر في شيء معين والمؤثر تأثيرا مطلقا في شيء بعد شيء فالأول هو الذي ~~يجعلونه موجب حجتهم وهو يستلزم ان لا يحدث شيء فعلم بطلان دلالة الحجة على ~~ذلك ويراد به التأثير في شيء بعد شيء فهذا هو موجب الحجة وهو يستلزم فساد ~~قولهم وأنه ليس في العالم شيء قديم بل لا قديم الا الرب رب العالمين ويراد ~~به التأثير في شيء معين فالحجة لا تدل على هذا فلم يحصل مطلوبهم بذلك بل ~~هذا باطل من وجوه أخرى # فبهذا التقسيم ينكشف ما في هذا الباب من الإجمال والإشتباه فكل حادث معين ~~فيقال هذا الحادث المعين ان كان مؤثره التام موجودا في الازل لزم جواز ~~تأخير الأثر عن مؤثره التام فبطل قولهم # وإن قيل بل لا بد أن يحدث تمام مؤثره عند حدوثه فالقول في حدوث ذلك ~~التمام كالقول في حدوث تمام الأول وذلك يستلزم التسلسل في حدوث تمام ~~التأثير وهو باطل بصريح العقل فيلزم على قولهم حدوث الحوادث بغير سبب حادث ~~وهذا أعظم مما أنكروه على المتكلمين من التسلسل PageV02P284 # فإن قيل فما الفرق بين هذا التسلسل وبين التسلسل في تمام تأثير معين بعد معين # قيل الفرق بينها من وجوه # أحدها أن هؤلاء قد قالوا إنه مؤثر تام في الأزل والمؤثر التام مستلزم ~~أثره معه فيلزمكم أن لا يحدث عنه شيء بل تكون جميع الممكنات قديمة أزلية ~~وهذا باطل بالحس والمشاهدة # فادعوا امرين باطلين احدها انه كان مؤثر ms0398 تاما في الأزل وأن المؤثر التام ~~يكون أثره معه في الزمان حتى يكون الأثر مقارنا للمؤثر في الزمان # فإن قيل إنه يتقدم عليه بالعلية وهذا بخلاف قول من قال لم يزل مؤثرا في ~~شيء بعد شيء فهذا لم يقل إنه كان مؤثرا في الأزل في شيء قط ولم يكن مؤثرا ~~تاما في الأزل قط # الثاني أنهم إن قالوا إن الأثر يجب أن يقارنه أثره في الزمان لزم أن لا ~~يحدث شيء وإن قالوا بل الأثر يكون عقب المؤثر في الزمان لزم أن لا يكون معه ~~قديم وحينئذ فمن قال بهذا قال إنه لم يزل مؤثرا في شيء بعد شيء وكل ما سواه ~~حادث مسبوق بالعدم # الثالث أن هؤلاء يقولون كل حادث معين لا بد أن يحدث تمام تأثيره فيكون هو ~~حادثا عقب تمام التأثير فأي شيء كونه الله كان عقب PageV02P285 ~~تكوين الرب له كأجزاء الزمان والحركة التي توجد شيئا فشيئا فقوله تعالى { ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } سورة يس 82 فيكون الحادث ~~عقب تكوين الرب له كما يكون الإنكسار عقب التكسر والطلاق عقب التطليق فيلزم ~~على هذا حوادث متعاقبة شيئا بعد شيء # وهذا غير ممتنع عند من يقول بهذا من أئمة أهل الملل ومن الفلاسفة بخلاف ~~قول المتفلسفة ومن وافقهم على أن الأثر يكون مع المؤثر في الزمان كما قالوا ~~الفلك قديم بقدم علته وهو معه في الزمان # فهؤلاء إن قالوا بحدوث الحوادث بدون سبب حادث لزمهم المحذور الذي فروا ~~منه وأن قالوا بل عند كل حادث يحدث مع زمن حدوثه وحدوث تمام مؤثره لزم حدوث ~~حوادث لا تتناهى في آن واحد من غير تجدد شيء عن المؤثر الأزلي فلزمهم ~~التسلسل في تمام أصل التأثير لا في تأثير شيء معين وهو ممتنع مع قولهم ~~بحوادث لا تتناهى في آن واحد # وهم وسائر العقلاء يسلمون بطلان هذا وانما نازع فيه معمر صاحب المعاني ~~وقد ظهر بطلان ذلك فإنه تسلسل في أصل التأثير لا في تأثير المعينات ms0399 فلزمهم ~~المحال الذي لزم أصحاب معمر ويلزمهم المحال والتناقض الذي اختصوا به وهو ~~قولهم بأن المؤثر مع PageV02P286 ~~مؤثرة في الزمان مع كون الرب مؤثرا تاما في الأزل فيلزمهم أن لا يحدث في ~~العالم شيء # ومنها أن يقال التسلسل جائز على أصلكم فلا تكون الحجة برهانية بل تكون ~~جدلية وهي تلزمنا بتقدير صحتها أحد أمرين إما القول بالترجيح بلا مرجح وإما ~~القول بالتسلسل والا كنا قد تناقضنا في نفي هذا وهذا ولكن جواز التناقض ~~علينا يقتضي بطلان أحد قولينا فلم قلتم إن قولنا الباطل هو نفي الترجيح بلا ~~مرجح مع اتفاقنا على بطلانه فقد يكون قولنا الباطل هو نفي التسلسل في ~~الآثار الذي نازعنا فيه من نازعنا من اخواننا المسلمين مع منازعتكم لنا في ~~ذلك واذا كان كذلك فالتزامنا لقول نوافق فيه اخواننا المسلمين وتوافقوننا ~~أنتم عليه وتبطل به حجتكم على قدم العالم أولى أن نلتزمه من قول يخالفنا ~~فيه هؤلاء وهؤلاء وتقوم به حجتكم على قدم العالم # الجواب الثالث الجواب المركب وهو أن يقال ان كان التسلسل في تمام التأثير ~~ممكنا بطلت الحجة فإنه يمكن حينئذ أن يحدث PageV02P287 ~~كل ما سوى الله بأن يحدث تمام تأثيره وإن كان ممتنعا لزم إما أن لا يحدث ~~شيء وهو خلاف المشاهد وإما أن تحدث الحوادث بدون سبب حادث وهو يبطل الحجة ~~فبطلت الحجة على كل تقدير # وان شئت قلت ان التسلسل في الآثار ان كان ممكنا بحيث يحدث شيئا بعد شيء ~~ولا يكون علة تامة في الأزل لزم حدوث كل ما سوى الله وبطلت الحجة وإن كان ~~ممتنعا لزم أيضا أن تحدث الحوادث عن المؤثر التام الأزلي فيلزم حدوث جميع ~~الحوادث عنه ولزم حينئذ حدوث العالم فتبطل حجة قدمه فالحجة باطلة على ~~التقديرين وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # وأما قول عبد العزيز فقد ثبت أن ههنا إرادة ومريدا ومرادا وقولا وقائلا ~~ومقولا له وقدرة وقادرا ومقدورا عليه وذلك كله متقدم قبل الخلق فيحتمل أمرين # أحدهما أنه أراد بالمراد المراد ms0400 المتصور في علم الله وبالمقدور عليه ~~الثابت في علم الله وبالمقول له المخاطب الثابت في علم الله المخاطب خطاب ~~التكوين كما قال تعالى { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } PageV02P288 ~~سورة يس 82 وهذه معان ثابتة لله تعالى قبل وجود المخلوق ولهذا اضطربت نفاة ~~الصفات من المعتزلة وغيرهم في هذه الأمور فتارة يثبتونها في الخارج وتارة ~~ينفونها مطلقا ومن هنا غلط من قال المعدوم شيء فإنهم ظنوا أنه لما كان لا ~~بد من تمييز ما يريده الله مما لا يريده ونحو ذلك توهموا أن هذا يقتضي كون ~~المعدوم ثابتا في الخارج وليس الأمر كذلك بل هي معلومة لله تعالى ثابتة في ~~علم الله تعالى # وضل آخرون في مقابلة هؤلاء كهشام الفوطي فإنه ذكر عنه الأشعري في ~~المقالات أنه كان يقول لم يزل الله عالما أنه واحد لا ثاني له ولا يقول إنه ~~لم يزل عالما بالأشياء أثبتها لم تزل مع الله وإذا قيل له أفتقول بأن الله ~~لم يزل عالما بأن ستكون الأشياء قال وضل آخرون في مقابلة هؤلاء كهشام ~~الفوطي فإنه ذكر عنه الأشعري في المقالات أنه كان يقول لم يزل الله عالما ~~أنه واحد لا ثاني له ولا يقول إنه لم يزل عالما بالأشياء وقال إذا قلت لم ~~يزل عالما بالأشياء أثبتها لم تزل مع الله وإذا قيل له أفتقول بأن الله لم ~~يزل عالما بأن ستكون الأشياء قال إذا قلت بأن ستكون فهذه إشارة إليها ولا ~~يجوز أن يشار إلا إلى موجود وكان لا يسمى ما لم يخلقه ولم يكن شيئا PageV02P289 # والثاني أن يريد بذلك نفس الفعل المقدور المراد الذي يكون به المخلوق # وأما القول فهو المصدر كما تقدم والمقول هو الكلام فإن في إحدى النسختين ~~مقولا له وفي الأخرى ومقولا # وعلى هذا فقول عبد العزيز أن قال خلق كلامه في نفسه فهذا محال لا يجد ~~سبيلا إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول لأن الله لا يكون مكانا ~~للحوادث ولا يكون ms0401 فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقضا فيزيد فيه شيء إذا خلقه ~~تعالى الله عن ذلك مراده أنه لا يكون مكانا لما حدث مطلقا وهو ما حدث جنسه ~~كالكلام عند من يقول انه حادث الجنس فإنه يقول إن الله صار متكلما بعد أن ~~لم يكن متكلما فيكون جنس الكلام محدثا وكذلك إذ قيل أراد بعد آن لم يكن ~~مريدا فحدث جنس الإرادة وكذلك إذا قيل علم بعد أن لم يكن عالما فيكون جنس ~~العلم حادثا وأمثال هذا فإن الله لا يكون مكانا لأجناس الحوادث # على هذا فيكون عبد العزيز قد ذكر على بطلان قول المريسي عدة حجج أنه لا ~~يكون مكانا للمخلوقات ولا يكون مكانا لما جنسه حادث ولا يكون ناقصا فيزيد ~~فيه شيء فهذه ثلاث حجج PageV02P290 # وهذا لا ينافي ما ذكره من أنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة وأن الفعل صفة ~~والله يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع وأنه أحدث الأشياء بأمره وقوله عن ~~قدرته ونحو ذلك فإن هذا الفعل والقول المقدور الذي ليس هو مخلوقا منفصلا ~~عنه ليس جنسه محدثا عنده وإن كان الواحد من آحاده يكون بعد أن لم يكن ~~فالجنس لا يقال له حادث ولا محدث بل لم يزل الله موصوفا بذلك عنده ولهذا ~~قال ولا يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء إذا خلقه فإن ما ~~كان جنسه محدثا كان قد زادت به الذات وقد عرف أن المخلوق عنده ما كان ~~مسبوقا بفعله الذي خلق به وقوله وقدرته وأن المخلوق لا يكون إلا منفصلا عنه # فهذا الذي قاله عبد العزيز فيه رد على الكرامية ومن وافقهم في أنهم جوزوا ~~عليه أن يحدث له جنس الكلام ونحوه مما لم يكن موجودا فيه قبل ذلك وجوزوا أن ~~يحدث له جنس صفات الكمال ومتى قيل إنه لم يكن موصوفا بجنس من أجناس صفات ~~الكمال حتى حدث له لزم أن يكون قبل ذلك ناقصا عن صفة من صفات الكمال فلا ~~يكون متكلما بل يكون موصوفا قبل ذلك ms0402 بعدم الكلام وهذا الذي قاله عبد العزيز ~~هو نظير قول الإمام أحمد وغيره من الأئمة # قال أحمد في رده على الجهمية باب ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم ~~موسى فقلنا لم أنكرتم ذلك قالوا إن الله PageV02P291 ~~لم يتكلم ولا يتكلم وإنما كون شيئا فعبر عن الله وخلق صوتا فأسمع وزعموا أن ~~الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين فقلنا هل يجوز لمكون أو غير الله ~~أن يقول { يا موسى إني أنا ربك } سورة طه 12 أو يقول { إنني أنا الله لا ~~إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } سورة طه 14 فمن قال ذلك زعم أن ~~غير الله ادعى الربوبية ولو كان كما زعم الجهمي أن الله كون شيئا كان يقول ~~ذلك المكون { يا موسى إني أنا الله رب العالمين } سورة القصص 30 وقد قال جل ~~ثناؤه { وكلم الله موسى تكليما } سورة النساء وقال تعالى { ولما جاء موسى ~~لميقاتنا وكلمه ربه } سورة الأعراف 143 وقال تعالى { إني اصطفيتك على الناس ~~برسالاتي وبكلامي } سورة الأعراف 144 هذا منصوص القرآن # فأما ما قالوا إن الله لا يتكلم فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خيثمة عن ~~عدي بن حاتم الطائي قال قال رسول الله PageV02P292 ~~صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان # وأما قولهم إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان وأدوات فقد ~~قال تعالى { وسخرنا مع داود الجبال يسبحن } سورة الأنبياء 79 أتراها أنها ~~يسبحن بجوف وفم ولسان وشفتين والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا { لم ~~شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } سورة فصلت 21 أتراها ~~أنها نطقت بجوف وفم ولسان ولكن الله أنطقها كيف شاء وكذلك الله يتكلم كيف ~~شاء من غير أن نقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان فلما خنقته الحجج قال ~~إن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره فقلنا وغيره مخلوق قالوا نعم قلنا هذا ~~مثل قولكم الأول إلا أنكم PageV02P293 ~~تدفعون ms0403 عن أنفسكم الشنعة وحديث الزهري قال لما سمع موسى كلام الله قال يا ~~رب هذا الذي سمعته هو كلامك قال نعم يا موسى هو كلامي وإنما كلمتك بقوة ~~عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأنا أقوى من ذلك وإنما كلمتك على قدر ~~ما يطيق بدنك ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له ~~صف لنا كلام ربك فقال سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم قالوا فشبهه قال ~~هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله # فقد ذكر أحمد في هذا الكلام أن الله تعالى يتكلم كيف شاء وذكر فيما ~~استشهد به من الأثر أن الله كلم موسى عليه السلام بقوة عشرة آلاف لسان وأن ~~له قوة الألسن كلها وهو أقوى من ذلك وأنه إنما كلم موسى على قدر ما يطيق ~~ولو كلمه بأكثر من ذلك لمات # وهذا بيان منه لكون تكلم الله متعلقا بمشيئته وقدرته كما ذكر عبد العزيز ~~وهو خلاف قول من يجعله كالحياة القديمة اللازمة للذات التي PageV02P294 ~~لا تتعلق بمشيئته ولا قدرة وبين أيضا في كلامه أنه سبحانه تكلم وسيتكلم ردا ~~على الجهمية واستدل على أنه تكلم بالحديث الذي في الصحيحين عن عدى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه وجعل قوله ~~سيكلمه ربه دليلا على أنه سيتكلم فبين أن التكليم عنده مستلزم للتكليم ~~متضمن للتكلم ليس هو مجرد خلق إدراك في المستدل # وقال الإمام احمد وقلنا للجهمية من القائل يوم القيامة { يا عيسى ابن ~~مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } سورة المائدة 116 ~~أليس الله هو القائل قالوا يكون الله شيئا فيعبر عن الله كما كون شيئا فعبر ~~لموسى قلنا فمن القائل { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن ~~عليهم بعلم } سورة الأعراف 67 أليس الله هو الذي يسأل قالوا هذا كله إنما ~~يكون شيء فيعبر عن الله فقلنا قد أعظمتم على الله الفرية ms0404 حين زعمتم أنه لا ~~يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله لأن الأصنام لا تتكلم ولا ~~تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان فلما PageV02P295 ~~ظهرت عليه الحجة قال إن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق قلنا وكذلك بنو آدم ~~كلامهم مخلوق فقد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق ففي مذهبكم قد ~~كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام وكذلك بنو آدم كانوا لا ~~يتكلمون حتى خلق لهم كلاما فقد جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى الله عن هذه ~~الصفة بل نقول إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا يتكلم ~~حتى خلق كلاما ولا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علما فعلم ولا نقول إنه ~~قد كان ولا قدرة حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول إنه قد كان ولا نور له حتى ~~خلق لنفسه نورا ولا نقول إنه قد كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه عظمة # فقد بين أحمد في هذا الكلام الإنكار على النفاة الذين شبهوه بالجمادات ~~التي لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان مثل الأصنام المعبودة ~~من دون الله والإنكار على من زعم أنه كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى ~~خلق الكلام فشبهه بالآدمي الذي كان PageV02P296 ~~لا يتكلم حتى خلق الله له كلاما فأنكر تشبيه بالجماد الذي لا يتكلم ~~وبالإنسان الذي كان غير قادر على الكلام حتى خلق الله له الكلام فكان قادرا ~~على الكلام في وقت دون وقت وبين أن من وصف الله بذلك فقد جمع بين الكفر حيث ~~سلب ربه صفة الكلام وهي من أعظم صفات الكمال وجحد ما أخبرت به النصوص وبين ~~التشبيه # ثم قال أحمد بل نقول إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا ~~يتكلم حتى خلق فبين أن الكلام يتعلق بمشيئته وأنه لم يزل متكلما إذا شاء ~~فرد قول من لا يجعل الكلام متعلقا بالمشيئة كقول الكلابية ومن وافقهم ومن ms0405 ~~يقول كان ولا يتكلم حتى حدث له الكلام كقول الكرامية ونحوهم وقال لا نقول ~~إنه كان ولا يتكلم حتى خلق كلاما لا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علما ~~فعلم ولا نقول إنه كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول إنه قد كان ~~ولا نور له حتى خلق لنفسه PageV02P297 ~~ولا نقول إنه كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه عظمة فنزهه سبحانه عن سلب صفات ~~الكمال في وقت من الأوقات وإنا لا نقول تجددت له صفات الكمال بل لم يزل ~~موصوفا بصفات الكمال ومن صفات الكمال أنه لم يزل متكلما إذا شاء لا أن يكون ~~الكلام خارجا عن قدرته ومشيئته ولهذا لم يقل لم يزل عالما إذا شاء ولا قال ~~يعلم كيف شاء وقد قال في موضع آخر فيما رواه عنه حنبل لم يزل اله عالما ~~متكلما غفورا # وكلام احمد وغيره من الأئمة في هذا الأصل كثير ليس هذا موضع بسطه مثل ما ~~ذكره البخاري في آخر صحيحه في كتاب التوحيد والرد على الجهمية قال باب ما ~~جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرهما من الخلائق وهو فعل الرب وأمره فالرب ~~تعالى بصفاته وفعله وأمره وفي نسخة وكلامه هو الخالق المكون غير PageV02P298 ~~مخلوق وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مكون مخلوق # وقال بعد ذلك باب قول الله تعالى { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ~~} إلى قوله { ماذا قال ربكم قالوا الحق } سورة سبأ 23 ولم يقولوا ماذا خلق ~~ربكم قال عز وجل { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } سورة البقرة 255 وقال ~~مسروق عن ابن مسعود إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئا فإذا فزع ~~عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا { ماذا قال ربكم قالوا الحق } ~~سورة سبأ 23 ويذكر عن جابر بن عبد الله بن أنيس سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ~~أنا الملك ms0406 أنا الديان وذكر حديث أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا ~~لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم PageV02P299 ~~قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير وذكر حديث أبي سعيد الخدري قال قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله يا آدم فيقول لبيك وسعديك فينادى بصوت ~~إن اله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار والحديث فيه طول استوفاه في ~~موضع آخر # وقال بعد ذلك باب ما جاء في قول الله تعالى { كل يوم هو في شأن } سورة ~~الرحمن 29 وقال { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } سورة الأنبياء 2 وقوله ~~تعالى { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } سورة الطلاق 1 وإن حدثه لا يشبه حدث ~~المخلوقين لقوله تعالى { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } سورة الشورى 11 ~~وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما ~~أحدث أن لا تكلموا في الصلاة وقول ابن PageV02P300 ~~عباس كتابكم أحدث الأخبار بالرحمن عهدا محضا لم يشب # ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق ~~الناس نظرا وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول وأن ~~أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول ولهذا تأتلف ولا تختلف وتتوافق ولا ~~تتناقض والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة فلم يعرفوا ~~حقيقة المنصوص والمعقول فتشعبت بهم الطرق وصاروا مختلفين في الكتاب مخالفين ~~للكتاب وقد قال تعالى { وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } سورة ~~البقرة 176 ولهذا قال الإمام أحمد في أول خطبته فيما خرجه في الرد على ~~الزنادقة والجهمية الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من ~~أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على PageV02P301 ~~الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل ~~لإبليس قد أحيوه وكم من ضال ms0407 تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح ~~أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل ~~الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مخالفون للكتاب ~~مختلفون في الكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي ~~كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما ~~يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين # ومن أعظم أصول التفريق بينهم في هذه المسألة مسألة أفعال الله تعالى ~~وكلام الله ونحو ذلك مما يقوم بنفسه ويتعلق بمشيئته وقدرته فإن هذا الأصل ~~لما أنكره من أنكره من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة ونحوهم وظنوا أنه لا ~~يمكن إثبات حدوث العالم واثبات الصانع إلا بإثبات حدوث الجسم ولا يمكن ~~إثبات حدوثه إلا بإثبات حدوث ما يقوم به من الصفات والأفعال المتعاقبة ~~ألجأهم ذلك إلى أن ينفوا عن الله صفاته وأفعاله القائمة به المتعلقة ~~بمشيئته وقدرته أو ينفوا بعض ذلك وظنوا أن الإسلام لا يقوم إلا بهذا النفي ~~وأن الدهرية من PageV02P302 ~~الفلاسفة وغيرهم لا يبطل قولهم إلا بهذا الطريق وأخطأوا في هذا وهذا # أما الفلاسفة الدهرية فإن هذه الطريقة زادتهم إغراء وأوجبت لهم حجة عجز ~~هؤلاء عن دفعها إلا بالمكابرة التي لا تزيد الخصم إلا قوة وإغراء فقالوا ~~لهم كيف يحدث الحادث بلا سبب حادث وكيف تكون الذات حالها وفعلها وجميع ما ~~ينسب إليها واحدا من الأزل إلى الأبد والعالم يصدر عنها في وقت دون وقت من ~~غير فعل يقوم به ولا سبب حدث # فكان ما جعلوه أصلا للدين وشرطا في معرفة الله تعالى منافيا للدين ومانعا ~~من كمال معرفة الله وكان ما احتجوا به من الحجج العقلية هو في الحقيقة على ~~نقيض مطلوبهم أدل فالحوادث لا تحدث إلا بشرط جعلوه مانعا من الحدوث وأما ~~أمور الإسلام فإن هذا الأصل اضطرهم إلى نفي صفات الله تعالى لئلا تنتقض ~~الحجة ومن لم ينف الصفات نفى الأفعال القائمة به وغيرها مما يتعلق بمشيئته ~~وقدرته فلزمهم من عدم الإيمان ms0408 ببعض ما جاء به الرسول ومن جحد بعض ما يستحقه ~~الله تعالى من أسمائه وصفاته ما أوجب لهم من التناقض والارتياب ما تبين ~~لأولي الألباب فلم يعطوا الإيمان بالله ورسوله حقه PageV02P303 ~~ولا الجهاد لعدو الله ورسوله حقه وقد قال تعالى { إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا } الآية سورة الحجرات 15 # هذا مع دعواهم أنهم أعظم علما وأيمانا وتحقيقا لأصول الدين وجهادا ~~لأعدائه بالحجج من الصحابة وإن هم في ذلك إلا كبعض الملوك الذين لم يجاهدوا ~~العدو بل أخذوا منهم بعض البلاد ولا عدلوا في المسلمين العدل الذي شرعه ~~الله للعباد إذا ادعى أنه أمكن وأعدل من عمر بن الخطاب وأصحابه رضوان الله عليهم # ثم إنهم بسبب ذلك تفرقوا في أصول كثيرة من أصول دينهم كتفرقهم في كلام ~~الله من القرآن وغيره فإنهم تفرقوا فيه شيعا شيعة قالت هو مخلوق وحقيقة ~~قولهم لم يتكلم الله به كما كان قدماؤهم يقولون لكن المعتزلة صاروا يطلقون ~~اللفظ بأن الله متكلم حقيقة ولكن مرادهم مراد من قال إن الله لم يتكلم ولا ~~يتكلم كما ذكره أحمد أنهم تارة ينفون الكلام وتارة يقولون يتكلم بكلام ~~مخلوق وهو معنى الأول # وهذا في الحقيقة تكذيب للرسل الذين إنما أخبروا الأمم بكلام الله الذي ~~أنزله إليهم وجاءت الفلاسفة القائلون بقدم العالم فقالوا أيضا متكلم وكلامه ~~ما يفيض من العقل الفعال على نفوس الأنبياء PageV02P304 ~~وهذا قول من وافقهم من القرامطة الباطنية ونحوهم ممن يتظاهر بالإسلام ويبطن ~~مذهب الصابئة والمجوس ونحو ذلك وهو قول طوائف من ملاحدة الصوفية كأصحاب ~~وحدة الوجود ونحوهم الذين أخذوا دين الصابئة والفراعنة والدهرية فأخرجوه في ~~قالب المكاشفات والولاية والتحقيق # والذين قالوا ليس هو مخلوق ظن فريق منهم أنه لا يقابل المخلوق إلا القديم ~~اللازم للذات الذي ثبوته بدون مشيئة الرب وقدرته كثبوت الذات فقالوا ذلك # ثم طائفة رأت أن الحروف والأصوات يمتنع أن تكون كذلك فقالت كلامه هو مجرد ~~معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر وأنه إن عبر عن ذلك المعنى ms0409 بالعبرية كان ~~توراة وان عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا وان عبر عنه بالعربية كان قرآنا ~~فلزمهم أن تكون معاني القرآن هي معاني التوراة والإنجيل وان يكون الأمر هو ~~النهي وهو الخبر وان تكون هذه صفات له لا أنواعا له ونحو ذلك مما يعلم ~~فساده بصريح العقل # وطائفة قالت بل هو حروف وأصوات قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته وقدرته كما ~~قال الذين من قبلهم # واتفق الفريقان على أن تكليم الله لملائكته وتكليمه موسى وتكليمه لعباده ~~يوم القيامة ومناداته لمن ناداه ونحو ذلك إنما هو خلق إدراك في PageV02P305 ~~المستمع أدرك به ما لم يزل موجودا كما أن تجليه عند من ينكر مباينته لعباده ~~وان يكشف لهم حجابا منفصلا عنهم ليس هو إلا خلق إدراك في أعينهم من غير أن ~~يكون هناك حجاب منفصل عنهم يكشفه لهم # وطائفة ثالثة لما رأت شناعة كل من القولين قالت بل يتكلم بعد أن لم يكن ~~يتكلم بصوت وحروف وكلامه حادث قائم بذاته متعلق بمشيئته وقدرته وأنكروا أن ~~يقال لم يزل متكلما إذا شاء إذ ذلك يقتضي تسلسل الحوادث وتعاقبها وهذا هو ~~الدليل الذي استدلوا به على حدوث أجسام العالم # فليتدبر المؤمن العالم كيف فرق هذا الكلام المحدث المبتدع بين الأمة ~~وألقى بينها العداوة والبغضاء مع أن كل طائفة تحتاج أن تضاهي من آمن ببعض ~~الكتاب وكفر ببعض إذ مع كل طائفة من الحق ما تنكره الأخرى فالذين قالوا ~~بخلق القرآن إنما ألقاهم في ذلك أنهم رأوا أنه لا يمكن أن يكون الكلام ~~لازما للذات لزوم العلم بل الكلام يتعلق بمشيئة المتكلم وقدرته فقالوا يكون ~~من صفات الفعل والمتكلم من فعل الكلام ثم لم يثبته فعلا إلا منفصلا PageV02P306 ~~عنه لنفيهم أن يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته وصار من قابلهم يريد أن ~~يثبت كلاما لازما للمتكلم لا يتعلق بمشيئته وقدرته إما معنى وإما حروفا ~~ويثبت أن المتكلم لا يقدر على التكلم ولا يمكنه أن يقول غير ما قال ويسلب ~~المتكلم قدرته على القول والكلام وتكلمه باختياره ومشيئته ms0410 فإذا قال له ~~الأول المتكلم من فعل الكلام قال هو المتكلم من قام به الكلام ولكن ذاك ~~يقول لا يقوم الكلام بفاعله وهذا يقول لا يختار المتكلم أن يتكلم # فأخذ هذا بعض صفة الكلام وهذا بعضها والمتكلم المعروف من قام به الكلام ~~ومن يتكلم بمشيئته وقدرته ولهذا يوجد كثيرا من المتأخرين المصنفين في ~~المقالات والكلام يذكرون في أصل عظيم من أصول الإسلام الأقوال التي ~~يعرفونها # وأما القول المأثور عن السلف والأئمة الذي يجمع الصحيح من كل قول فلا ~~يعرفونه ولا يعرفون قائله فالشهرستاني صنف الملل والنحل وذكر فيها من ~~مقالات الأمم ما شاء الله والقول المعروف عن السلف والأئمة لم يعرفه ولم ~~يذكره والقاضي أبو بكر وأبو المعالي والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني وأبو ~~الحسين البصري ومحمد ابن الهيثم ونحو هؤلاء من أعيان الفضلاء المصنفين تجد ~~أحدهم يذكر في مسألة القرآن أو نحوها عدة أقوال للأمة ويختار واحدا منها ~~والقول الثابت عن السلف والأئمة كالإمام احمد ونحوه من الأئمة لا يذكره ~~الواحد منهم مع أن PageV02P307 ~~عامة المنتسبين إلى السنة من جميع الطوائف يقولون انهم متبعون للأئمة كمالك ~~والشافعي واحمد وابن المبارك وحماد بن زيد وغيرهم لا سيما الإمام احمد فإنه ~~بسبب المحنة المشهورة من الجهمية له ولغيره اظهر من السنة ورد من البدعة ما ~~صار به إماما لمن بعده وقوله هو قول سائر الأئمة فعامة المنتسبين إلى السنة ~~يدعون متابعته والإقتداء به سواء كانوا موافقين له في الفروع أو لا فإن ~~أقوال الأئمة في أصول الدين متفقة ولهذا كلما اشتهر الرجل بالانتساب إلى ~~السنة كانت موافقته لأحمد أشد ولما كان الأشعري ونحوه اقرب إلى السنة من ~~طوائف من أهل الكلام كان انتسابه إلى احمد اكثر من غيره كما هو معروف في كتبه # وقد رأيت من اتباع الأئمة آبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد وغيرهم من يقول ~~أقوالا ويكفر من خالفها وتكون الأقوال المخالفة هي أقوال أئمتهم بعينها كما ~~أنهم كثيرا ما ينكرون أقوالا ويكفرون من يقولها وتكون منصوصة عن النبي صلى ms0411 ~~الله عليه وسلم لكثرة ما وقع من الإشتباه والاضطراب في هذا الباب ولئن شبه ~~الجهمية النفاة أثرت في قلوب كثير من الناس حتى صار الحق الذي جاء به PageV02P308 ~~الرسول وهو المطابق للمعقول لا يخطر ببالهم ولا يتصورونه وصار في لوازم ذلك ~~من العلم الدقيق ما لا يفهمه كثير من الناس والمعنى المفهوم يعبر عنه ~~بعبارات فيها إجمال وإبهام يقع بسببها نزاع وخصام والله تعالى يغفر لجميع ~~المؤمنين والمؤمنات { ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا ~~تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } سورة الحشر 10 # وكان هذا من تلك البدع الكلامية كبدع الذين جعلوا اصل الدين مبنيا على ~~كلامهم في الأجسام والأعراض ولهذا كثر ذم السلف والأئمة لهؤلاء وإذا رأيت ~~الرجل قد صنف كتابا في أصول الدين ورد فيه من أقوال أهل الباطل ما شاء الله ~~ونصر فيه من أقوال أهل الحق ما شاء الله ومن عادته انه يستوعب الأقوال في ~~المسألة فيبطلها إلا واحدا ورأيته في مسألة كلام الرب تعالى وأفعاله أو نحو ~~ذلك ترك من الأقوال ما هو معروف عن السلف والأئمة تبين أن هذا القول لم يكن ~~يعرفه ليقبله أو يرده إما لأنه لم يخطر بباله أو لم يعرف قائلا به أو لأنه ~~خطر له فدفعه بشبهة من الشبهات وكثيرا ما يكون الحق مقسوما بين المتنازعين ~~في هذا الباب فيكون في قول هذا حق وباطل وفي قول هذا حق وباطل والحق بعضه ~~مع هذا وبعضه مع هذا وهو مع ثالث غيرها والعصمة إنما هي ثابتة لمجموع الأمة ~~ليست ثابتة لطائفة بعينها PageV02P309 ~~فإذا رأيت من صنف في الكلام كصاحب الإرشاد والمعتمد ومن اتبعهما ممن لم ~~يذكروا في ذلك إلا أربعة أقوال وما يتعلق بها علم أنه لم يبلغهم القول ~~الخامس ولا السادس فضلا عن السابع فالذين يسلكون طريقة ابن كلاب كصاحب ~~الإرشاد ونحوه يذكرون قول المعتزلة وقول الكرامية ويبطلونهما ثم لا يذكرون ~~مع ذلك إلا ما يقولون فيه وذهبت الحشوية المنتمون إلى الظاهر إلى ms0412 أن كلام ~~الله تعالى قديم أزلي ثم زعموا أنه حروف وأصوات وقطعوا بأن المسموع من ~~أصوات القراء ونغماتهم عين كلام الله تعالى وأطلق الرعاع منهم القول بأن ~~المسموع صوت الله تعالى الله عن قولهم وهذا قياس جهالاتهم ثم قالوا إذا كتب ~~كلام الله بجسم من الأجسام رقوما ورسوما وأسطرا وكلما فهي بأعيانها كلام ~~الله القديم فقد كان إذ كان جسما حادثا ثم انقلب قديما ثم قضوا بأن المرئي ~~من الأسطر هو الكلام القديم الذي هو PageV02P310 ~~حرف وأصوات وأصلهم أن الأصوات على تقطيعها وتواليها كانت ثابتة في الأزل ~~قائمة بذات الباري تعالى وقواعد مذهبهم مبينة على دفع الضرورات # فلم يذكر أبو المعالي الا هذا القول مع قول المعتزلة والكلابية والكرامية # ومعلوم أن هذا القول لا يقوله عاقل يتصور ما يقول ولا نعرف هذا القول عن ~~معروف بالعلم من المسلمين ولا رأينا هذا في شيء من كتب المسلمين ولا سمعناه ~~من أحد منهم فما سمعنا من أحد ولا رأينا في كتاب أحد أن المداد الحادث ~~انقلب قديما ولا أن المداد الذي يكتب به القرآن قديم بل رأينا عامة ~~المصنفين من أصحاب أحمد وغيرهم ينكرون هذا القول وينسبون ناقلة عن بعضهم ~~الى الكذب # وأبو المعالي وأمثاله أجل من أن يتعمد الكذب لكن القول المحكي قد يسمع من ~~قائل لم يضبطه وقد يكون القائل نفسه لم يحرر قولهم بل يذكر كلاما مجملا ~~يتناول النقيضين ولا يميز فيه بين لوازم أحدهما ولوازم الآخر فيحكيه الحاكي ~~مفصلا ولا يجمله إجمال القائل ثم اذا فصله يذكر لوازم أحدهما دون ما ~~يعارضها ويناقضها مع اشتمال الكلام على النوعين المتناقضين أو احتماله لهما ~~أيضا وقد يحكيه الحاكي باللوازم التي لم يلتزمها القائل نفسه وما كل من قال ~~قولا التزم لوازمه بل عامة الخلق لا يلتزمون لوازم أقوالهم فالحاكي يجعل ما PageV02P311 ~~يظنه من لوازم قوله هو أيضا من قوله لا سيما اذا لم ينف القائل ما يظنه ~~الحاكي لازما فإنه يجعله قولا له بطريق الأولى # ولا ريب أن من الناس ms0413 من يقول هذا القرآن كلام الله وما بين اللوحين كلام ~~الله ويقول إن كلام الله محفوظ في القلوب متلو بالألسن مسموع بالآذان مكتوب ~~في المصاحف وهذا الإطلاق حق متفق عليه بين المسلمين ثم من هؤلاء من إذا سئل ~~عن المداد وصوت العبد أقديم هو أنكر ذلك وربما سكت عن ذلك وكره الكلام فيه ~~بنفي أو اثبات خشية أن يجره ذلك الى بدعة مع أنه لو سمع من يقول إن المداد ~~قديم ألزمه العقوبة به والعذاب الأليم # وأما صوت العبد فقد تكلم فيه طائفة من المنتسبين الى الأئمة كالشافعي ~~وأحمد وغيرهما فمنهم من قال إن الصوت المسموع قديم ومنهم من يقول يسمع ~~شيئين الصوت القديم والمحدث وهذا خطأ في العقل الصريح وهو بدعة وقول قبيح # والإمام أحمد وجماهير أصحابه منكرون لما هو أخف من ذلك فإن أحمد وأئمة ~~أصحابه قد أنكروا على من قال اللفظ بالقرآن غير مخلوق فكيف بمن قال اللفظ ~~به قديم فكيف بمن قال PageV02P312 ~~الصوت غير مخلوق فكيف بمن قال الصوت قديم وقد بدعوا هؤلاء وأمروا بهجرهم ~~وقد صنف المروذي في ذلك مصنفا كبيرا ذكره الخلال في كتاب السنة كما جهموا ~~وبدعوا من قال اللفظ به مخلوق أيضا كما بين في موضعه # إذ المقصود هنا أن من أكابر الفضلاء من لا يعرف أقوال الأئمة في أكابر ~~المسائل لا أقوال أهل الحق ولا أهل الباطل بل لم يعرف الا بعض الأقوال ~~المبتدعة في الإسلام ومن المعلوم أن السلف والأئمة كان لهم قول ليس هو قول ~~المعتزلة ولا الكلابية ولا الكرامية ولا هو قول المسلمين بالحشوية فأين ذلك ~~القول أكان أفضل الأمة وأعلمها وخير قرونها لا يعلمون في هذا حقا ولا باطلا # ومعلوم أن كل قول من هذه الأقوال فاسد من وجوه وقد يكون بعضها أفسد من ~~بعض فقول المعتزلة الذين قالوا إن كلام الله مخلوق وإن كان فاسدا من وجوه ~~فقول الكلابية فاسد من وجوه وقول الكرامية فاسد من وجوه # والإمام أحمد وغيره من الأئمة أنكروا هذه الأقوال كلها ms0414 أنكروا قول ~~الكلابية والكرامية بالنصوص الثابتة عنهم وإنكارهم لقول المعتزلة متواتر ~~مستفيض عنهم وأنكروا على من جعل ألفاظ العباد بالقرآن غير مخلوقة PageV02P313 ~~فكيف بالقول المنسوب الى هؤلاء الحشوية ولهذا لما كان أبو حامد مستمدا من ~~كلام أبي المعالي وأمثاله وأراد الرد على الفلاسفة في التهافت ذكر أنه ~~يقابلهم بكلام المعتزلة تارة وبكلام الكرامية تارة وبكلام الواقفة تارة كما ~~يكلمهم بكلام الأشعرية وصار في البحث معهم الى مواقف غايته فيها بيان ~~تناقضهم وإذا ألزموه تناقضه فر الى الوقف # ومن المعلوم أنه لا بد في كل مسألة دائرة بين النفي والإثبات من حق ثابت ~~في نفس الأمر أو تفصيل ومن المعلوم أن كلام الفلاسفة المخالف لدين الإسلام ~~لا بد أن يناقضه حق معلوم من دين الإسلام موافق لصريح العقل فإن الرسل ~~صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا بمحالات العقول وإنما يخبرون بمجازات ~~العقول وما يعلم بصريح العقل انتفاؤه لا يجوز أن يخبر به الرسل بل تخبر بما ~~لا يعلمه العقل وبما يعجز العقل عن معرفته # ومن المعلوم أن السلف والأئمة لهم قول خارج عن قول المعتزلة والكرامية ~~والأشعرية والواقفة ومن علم ذلك القول فلا بد أن يحكيه ويناظرهم به كما ~~يناظرهم بقول المعتزلة وغيرهم لكن من لم يكن عارفا بآثار السلف وحقائق ~~أقوالهم وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة PageV02P314 ~~وحقيقة المعقول الصريح الذي لا يتصور أن يناقض ذلك لم يمكنه أن يقول الا ~~بمبلغ علمه ولا يكلف الله نفسا الا وسعها # ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل ~~العملية ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة وإذا كان الله تعالى يغفر لمن جهل ~~وجوب الصلاة وتحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم ~~فالفاضل المجتهد في طلب العمل بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان ~~مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على ~~اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأه تحقيقا لقوله تعالى { ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو ms0415 أخطأنا } سورة البقرة 286 # والشهرستاني لما كان أعلم بالمقالات من إخوانه ذكر في مسألة الكلام قولا ~~سادسا وظن أنه قول السلف فقال في نهاية الإقدام بعد أن ذكر قول الفلاسفة ~~والمعتزلة والأشعرية والكرامية وأن المعتزلة لما قالت أجمع المسلمون قبل ~~ظهور هذا الخلاف على أن القرآن كلام الله واتفقوا على أنه سور وآيات وحروف ~~منظومة وكلمات مجموعة وهي مقروءة مسموعة على التحقيق لها PageV02P315 ~~مفتتح ومختتم وأنه معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم دالة على صدقة وأن ~~الأشعرية تفرق بين اللفظ والمعنى وتثبت معنى هو مدلول اللفظ ثم قال قال ~~السلف والحنابلة قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين كلام الله وأن ما ~~نقرؤه ونكتبه ونسمعه عين كلام الله فيجب أن تكون تلك الكلمات والحروف هي ~~بعينها كلام الله ولما تقرر الاتفاق على أن كلام الله غير مخلوق فيجب أن ~~تكون تلك الكلمات أزلية غير مخلوقة # ولقد كان الأمر في أول الزمان على قولين أحدهما القدم والثاني الحدوث ~~والقولان مقصوران على الكلمات المكتوبة والآيات المقروءة بالألسن فصار الآن ~~قول ثالث وهو حدوث الحروف والكلمات وقدم الكلام والأمر الذي تدل عليه ~~العبارات وقدحتم قدحا ليس منها وهو خلاف القولين فكانت السلف على اثبات ~~القدم والأزلية لهذه PageV02P316 ~~الكلمات دون التعرض لمعنى وراءها فأبدع الأشعري قولا وقضى بحدوث الحروف وهو ~~خرق الإجماع وحكم بأن ما نقرأه كلام الله مجازا لا حقيقة وهو عين الإبتداع ~~فهلا قال ورد السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله دون أن يتعرض لكيفيته ~~وحقيقته كما ورد السمع بإثبات كثير من الصفات من الوجه واليدين الى غير ذلك ~~من الصفات الخبرية # قال قال السلف ولا يظن بنا أنا نثبت القدم للحروف والأصوات التي قامت ~~بألسنتنا وصارت صفات لنا فإنا على قطع نعلم افتتاحها واختتامها وتعلقها ~~بأكسابنا وأفعالنا وقد بذل السلف أرواحهم وصبروا على أنواع البلايا والمحن ~~من معتزلة الزمان دون أن يقولوا القرآن مخلوق ولم يكن ذلك على حروف وأصوات ~~هي افعالنا وأكسابنا بل هم عرفوا يقينا أن لله ms0416 تعالى قولا PageV02P317 ~~وكلاما وأمرا وأن أمره غير خلقه بل هو أزلي قديم بقدمه # كما ورد القرآن بذلك في قوله تعالى { ألا له الخلق والأمر } سورة الأعراف ~~54 وقوله تعالى { لله الأمر من قبل ومن بعد } سورة الروم 4 وقوله تعالى { ~~إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } سورة النحل 40 فالكائنات ~~كلها إنما تتكون بقوله وأمره وقوله تعالى { إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون } سورة يس 82 وقوله تعالى { وإذ قال ربك } سورة البقرة 30 ~~{ وإذ قلنا للملائكة } سورة البقرة 34 { قال الله } سورة المائدة 115 ~~فالقول قد ورد في السمع مضافا الى الله اخص من إضافة الخلق فإن المخلوق لا ~~ينسب الى الله تعالى الا من جهة واحدة وهي الخلق والإبداع والأمر ينسب اليه ~~لا على تلك النسبة والا فيرتفع الفرق بين الخلق والأمر والخلقيات والأمريات # قالوا ومن جهة العقل العاقل يجد فرقا ضروريا بين قال وفعل وبين أمر وخلق ~~ولو كان القول فعلا كسائر الأفعال بطل الفرق الضروري فثبت أن القول غير ~~الفعل وهو قبل PageV02P318 ~~الفعل وقبليته قبلية أزلية إذ لو كان له أول لكان فعلا سبقه قول آخر ~~ويتسلسل # قال وحققوا زيادة تحقيق فقالوا قد ورد في التنزيل اظهر مما ذكرناه من ~~الأمر وهو التعرض لإثبات كلمات الله حيث قال تعالى { وتمت كلمة ربك صدقا ~~وعدلا لا مبدل لكلماته } سورة الأنعام 115 وقال { ولولا كلمة سبقت من ربك } ~~سورة يونس 19 وقال تعالى { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر ~~قبل أن تنفد كلمات ربي } سورة الكهف 109 وقال تعالى { ولو أنما في الأرض من ~~شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } سورة لقمان ~~27 وقال تعالى { ولكن حق القول مني } سورة السجدة 13 وقال { ولكن حقت كلمة ~~العذاب } سورة الزمر 71 فتارة يجيء الكلام بلفظ الأمر وتثبت له الوحدة ~~الخالقية التي لا كثرة فيها { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر } سورة ~~القمر ms0417 50 وتارة يجيء بلفظ الكلمات وتثبت لها الكثرة البالغ التي لا وحدة ~~فيها ولا نهاية لها { ما نفدت كلمات الله } فله تعالى إذا أمر واحد وكلمات ~~كثيرة وذلك لا يتصور الا بحروف PageV02P319 ~~فعن هذا قلنا أمره قديم وكلماته أزلية والكلمات مظاهر الأمر والروحانيات ~~مظاهر الكلمات والأجسام مظاهر الروحانيات والإبداع والخلق إنما يبتدي من ~~الأرواح والأجسام وأما الكلمات والحروف والأمر فأزلية قديمة وكما أن أمره ~~لا يشبه أمرنا فكلماته وحروف كلماته لا تشبه كلامنا وهي حروف قدسية علوية ~~وكما أن الحروف بسائط الكلمات والكلمات اسباب الروحانيات والروحانيات ~~مدبرات الجسمانيات وكل الكون قائم بكلمات الله محفوظ بأمر الله # قال ولا يغفلن عاقل عن مذهب السلف وظهور القول في حدوث الحروف فإن له ~~شأنا وهم يسلمون الفرق بين القراءة والمقروء والكتابة والمكتوب ويحكمون بأن ~~القراءة التي هي PageV02P320 ~~صفتنا وفعلنا غير المقروء الذي ليس هو صفة لنا ولا فعلنا غير أن المقروء ~~بالقراءة قصص وأخبار واحكام وأمر وليس المقروء من قصة آدم وابليس هو بعينه ~~المقروء من قصة موسى وفرعون وليست أحكام الشرائع الماضية هي بعينها أحكام ~~الشرائع الخاتمة فلا بد إذا من كلمات تصدر عن كلمة وترد على كلمة ولا بد من ~~حروف تتركب منها الكلمات وتلك الحروف لا تشبه حروفنا وتلك الكلمات لا تشبه كلامنا # قلت فهذا القول الذي ذكره الشهرستاني وحكاه عن السلف والحنابلة ليس هو من ~~الأقوال التي ذكرها صاحب الإرشاد واتباعه فإن أولئك لم يحكوا الا قول من ~~يجعل القديم عين صوت العبد والمداد وهذا القول لا يعرف به قائل له قول أو ~~مصنف في الإسلام وأما القول الذي ذكره الشهرستاني فقال به طائفة كبيرة وهو ~~أحد القولين لمتأخري أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم من الطوائف وهو ~~المذكور عن أبي الحسن بن سالم وأصحابه السالمية وقد قاله طائفة PageV02P321 ~~غير هؤلاء كما ذكر ذلك الأشعري في كتاب المقالات لما ذكر كلام ابن كلاب ~~فقال قال ابن كلاب إن الله لم يزل متكلما وإن كلامه صفة له قائمة به وإنه ~~قديم ms0418 بكلامه وإن كلامه قائم به كما أن العلم قائم به والقدرة قائمة به وإن ~~الكلام ليس بحروف ولا صوت ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض وإنه معنى واحد ~~قائم بالله # قال وقال بعض من أنكر خلق القرآن إن القرآن يسمع ويكتب وإنه متغاير غير ~~مخلوق وكذلك العلم غير القدرة والقدرة غير العلم وان الله لا يجوز أن يكون ~~غير صفاته وصفاته متغايره وهو غير متغاير # قال وزعم هؤلاء أن الكلام غير محدث وأن الله لم PageV02P322 ~~يزل متكلما وأنه مع ذلك حروف وأصوات وأن هذه الحروف الكثيرة لم يزل الله ~~متكلما بها # قلت فبعض هذا القول الذي ذكره الشهرستاني عن السلف منقول بعينه عن السلف ~~مثل إنكارهم على من زعم أن الله خلق الحروف وعلى من زعم أن الله لا يتكلم ~~بصوت ومثل تفريقهم بين صوت القارىء وبين الصوت الذي يسمع من الله ونحو ذلك ~~فهذا كله موجود عن السلف والأئمة وبعض ما ذكره من هذا القول ليس هو معروفا ~~عن السلف والأئمة مثل إثبات القدم والأزلية لعين اللفظ المؤلف المعين ولكن ~~القول الذي أطبقوا عليه هو أن كلام الله غير مخلوق ولكن الناس تنازعوا في ~~مرادهم بذلك والنزاع في ذلك موجود في عامة الطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم ~~كما هو مبسوط في غير هذا الموضع # والنزاع في ذلك مبني على هذا الأصل وهو كون قوله مع أنه غير مخلوق ومع ~~أنه قائم به ومع أنه لم يزل متكلما هل يتعلق بقدرته ومشيئته أم لا فهذا ~~القول السابع لم يذكره الشهرستاني ونحوه إذ الأقوال المعروفة للناس في ~~مسألة الكلام سبعة أقوال PageV02P323 # والمقصود هنا أن أبا عبد الله الرازي في أكثر كتبه لم يبن مسألة القرآن ~~على الطريقة المعروفة للأشعري وهو أنه يمتنع أن يحدث في نفسه كلام لكونه ~~ليس محلا للحوادث وذلك لأنه قد ضعف ها الأصل فلم يمكنه أن يبني عليه بل ~~أثبت ذلك بإجماع مركب فقرر أن الكلام له معنى غير العلم والإرادة خلافا ~~للمعتزلة ونحوهم وإذا كان كذلك ms0419 فكل من قال بذلك قال إنه معنى واحد قديم ~~قائم بذات الله تعالى فلو لم يقل بذلك لكان خلاف الإجماع فهذا هو العمدة ~~التي اعتمد عليها في نهاية العقول وهو ضعيف فإن الأقوال في المسألة متعددة ~~غير قول المعتزلة والكلابية # وكان من الممكن أن يقال له إن ثبت أنه لا يقوم بالله ما يتعلق بمشيئته ~~وقدرته أمكن أن يجعل كلام الله قديما بالطريقة المعروفة فإنه يمتنع أن ~~يحدثه قائما في نفسه أو في محل آخر فإذا امتنع حدوثه في نفسه تعين قدمه وإن ~~لم يثبت ذلك بل أمكن أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته أمكن هنا قول ~~الكرامية وقول أهل الحديث الذين يقولون إنه قول السلف والأئمة فلم يتعين ~~قول الكلابية فذكر في نهاية العقول ما جرت عادته وغيره بذكره وهو أن معنى ~~الكلام إما أن يكون هو الإرادة والعلم وإما أن يكون الطلب مغايرا للإرادة ~~والحكم الذهني مغايرا للعلم والأول باطل لأن PageV02P324 ~~الإنسان في الشاهد قد يخبر بما لا يعلمه ولا يعتقده وقد يأمر بأمر لا يريده ~~كالسيد إذا كان قصده امتحان العبد # قال وإذا ثبت ذلك في الشاهد ثبت في الغائب لانعقاد الإجماع على أن ماهية ~~الخبر لا تختلف في الشاهد والغائب # قال فثبت أن أمر الله ونهيه وخبره صفات حقيقية قائمة بذاته مغايرة لذاته ~~وعلمه وأن الألفاظ الواردة في الكتب الإلهية دالة عليها وإذا ثبت ذلك وجب ~~القطع بقدمها لأن الأمة على قولين في هذه المسألة منهم من نفى كون الله ~~موصوفا بالأمر والنهي والخبر بهذا المعنى ومنهم من اثبت ذلك وكل من أثبته ~~موصوفا بهذه الصفات زعم أن هذه الصفات قديمة فلو أثبتنا كونه تعالى موصوفا ~~بهذه الصفات ثم حكمنا بحدوث هذه الصفات كان ذلك قولا ثالثا خارقا للإجماع ~~وهو باطل PageV02P325 ~~وأورد على نفسه أسئلة منها قول القائل لم قلتم إن تلك المعاني قديمة قولكم ~~كل من أثبت تلك المعاني أثبتها قديمة قلنا القول في إثباتها مسألة والقول ~~في قدمها مسألة أخرى فلو لزم من ms0420 ثبوت إحدى المسألتين ثبوت الأخرى لزم من ~~إثبات كونه تعالى عالما بعلم قديم إثبات كونه تعالى متكلما بكلام قديم وإن ~~سلمنا أن هذا النوع من الإجماع يقتضي قدم كلام الله لكنه معارض بنوع آخر من ~~الإجماع وهو أن أحدا من الأمة لم يثبت قدم كلام الله بالطريق الذي ذكرتموه ~~فيكون التمسك بما ذكرتموه خرقا للإجماع # وذكر في جواب ذلك قوله لو لزم من إثبات هذه الصفة إثبات قدمها لأن كل من ~~قال بالأول قال بالثاني لزم من القول بإثبات العلم القديم إثبات الكلام ~~القديم لأن كل من قال بالأول قال بالثاني قلنا الفرق بين الموضعين مذكور في ~~المحصول PageV02P326 ~~فإن المعتزلة يساعدوننا على الفرق بين الموضعين فلا نطول قوله إثبات قدم ~~كلام الله بهذه الطريق على خلاف الإجماع قلنا قد بينا في كتاب المحصول أن ~~أحداث دليل لم يذكره أهل الإجماع لا يكون خرقا للإجماع # قلت المقصود أن يعرف أنه عدل عن الطريقة المشهورة وهو أنه لو أحدثه في ~~نفسه لكان محلا للحوادث مع أنها عمدة ابن كلاب والأشعري ومن اتبعهما لضعف ~~هذا الأصل عنده ولو أعتقد صحته لكان ذلك كافيا مغنيا له عن هذه الطريقة ~~التي أحدثها # وليس المقصود هنا الكلام في مسألة القرآن فإن هذا مبسوط في مواضعه وإنما ~~الغرض التنبيه على اعتراف الفضلاء بأن هذا الأصل ضعيف وأما ضعف ما اعتمده ~~في مسألة القرآن فمبين في موضع آخر فإن إثبات المقدمة الأولى فيها كلام ليس ~~هذا موضعه إذ كانت العمدة فيه على أمر الممتحن وخبر الكاذب والمنازع يقول ~~هذا اظهار للأمر والخبر والا فهو في نفس الأمر لم يدل الخبر هنا على معنى ~~في النفس ولهذا يقول الله تعالى عن الكاذبين إنهم { يقولون بألسنتهم ما ليس ~~في قلوبهم } PageV02P327 ~~سورة الفتح 11 فهم ينازعون في أن الكاذب قام بنفسه حكم أو دل لفظه على معنى ~~في نفسه بل أظهر الدلالة على معنى في نفسه كذبا # وأما المقدمة الثانية فضعيفة وذلك أنه يقال هب أن هذا ثبت لكن لم لا ms0421 يجوز ~~أن يتكلم بحروف ومعان قائمة في ذاته حادثة وهذا القول قول طوائف من ~~المسلمين فليس هو خلاف الإجماع فإن أبطل هذا بقوله ليس هو محلا للحوادث قيل ~~فهذا إن صح فهو دليل كاف كما سلكه من سلكه من الناس وإن لم يصح بطلت ~~الدلالة فتبين أنه لا بد في إثبات قدمه من هذه المقدمة # وأما قوله كل من أثبت اتصاف الله بهذه المعاني فإنه يقول بقدمها فليس ~~الأمر كذلك بل كثير من أهل الحديث وأهل الكلام يثبتونها ولا يقولون بقدمها # وأما الفرق الذي ذكره في المحصول فهو أن الأمة إذا اختلفت في مسألتين على ~~قولين فإن كان مأخذهما واحدا كتنازعهم في الرد وذوي الأرحام لم يكن لمن ~~بعدهم إحداث موافقة هؤلاء في مسألة وهؤلاء في مسألة وإن كان المأخذ مختلفا ~~كتنازعهم في الشفعة وميراث ذوي الأرحام جاز موافقة هؤلاء في مسألة وهؤلاء ~~في مسألة فظن أن قدم PageV02P328 ~~الكلام مع إثبات هذه المعاني من هذا الباب وليس الأمر كذلك فإن مأخذ إثبات ~~هذه المعاني ليس هو مأخذ القدم فإن القدم مبني على مسألة الصفات وعلى أنه ~~هل يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته وأما إثبات هذه المعاني فمسألة أخرى # والناس لهم في مسمى الكلام أربعة أقوال أحدها أنه اللفظ الدال على المعنى ~~والثاني أنه المعنى المدلول عليه باللفظ والثالث أنه مقول بالإشتراك على كل ~~منهما والرابع أنه اسم لمجموعهما وإن كان مع القرينة يراد به أحدهما وهذا ~~قول الأئمة وجمهور الناس وحينئذ فمن أثبت هذه المعاني وقال إن اسم الكلام ~~يتناولهما بالعموم أو الاشتراك يمكنه اثبات قيام اللفظ والمعنى جميعا بالذات # ثم من جوز تعلق ذلك بمشيئته وقدرته يمكنه أن لا يقول بالقدم أو لا يقول ~~بالقدم في الكلام المعين وإن قال بالقدم في نوع الكلام ومن لم يجوز ذلك ~~فمنهم طائفة يقولون بقدم الحروف وطائفة تقول بقدم المعاني دون الحروف وما ~~به يستدل أولئك على حدوث الحروف كالتعاقب والمحل يعارضونهم بمثله في ~~المعاني فإنها بالنسبة إلينا متعاقبة ولها محل ms0422 لا يليق بالله تعالى فإن PageV02P329 ~~جاز أن تجعل فينا متعددة مع اتحادها في حق الله تعالى وأن محلها من ليس ~~كمحلها منا أمكن أن يقال في الحروف كذلك إنها وإن تعددت فينا فهي متحدة ~~هناك وليس المحل كالمحل وإذا قيل هي مرتبة فينا قيل فكذلك المعاني مرتبة ~~فينا فترتيب أحدهما كترتيب الآخر وإذا قيل دعوى اتحادهما مخالف لصريح العقل ~~قيل وكذلك دعوى اتحاد المعاني فكلام هؤلاء من جنس كلام هؤلاء # والمقصود هنا الكلام على هذا الأصل وهي مسألة الصفات الاختيارية كالأفعال ~~ونحوها مما يقوم به ويتعلق بمشيئته وقدرته # وأما قول القائل الجمهور على خلاف ذلك وإنما الخلاف فيه مع الكرامية فهذا ~~قول من ظن أن طوائف المسلمين منحصرة في المعتزلة والكلابية والكرامية بل ~~أكثر طوائف المسلمين يجوزون ذلك من أهل الكلام وأهل الحديث والفقهاء ~~والصوفية وغيرهم وأما أئمة أهل الحديث والسنة فكالمجمعين على ذلك فكلام من ~~يعرف كلامه في PageV02P330 ~~ذلك صريح فيه والباقون معظمون لمن قال ذلك شاهدون له بأنه إمام في السنة ~~والحديث لا ينسبونه الى بدعة # وأما متأخرو أهل الحديث فلهم فيها قولان ولأصحاب أحمد قولان ولأصحاب ~~الشافعي قولان ولأصحاب مالك قولان ولأصحاب أبي حنيفة قولان وللصوفية قولان ~~وجمهور أهل التفسير على الإثبات # وأما أهل الكلام فقد ذكر الأشعري هذا في كتاب المقالات عن غير واحد من ~~أئمة الكلام غير الكرامية ولم يذكر للكرامية شيئا انفردوا به الا قولهم في ~~الإيمان بل ذكر عن هشام بن الحكم وغيره من الشيعة أنهم يصفونه بالحركة ~~والسكون ونحو ذلك وأن عامة القدماء من الشيعة كانوا يقولون بالتجسيم أعظم ~~من قول الكرامية وأن المتأخرين منهم هم الذين قالوا في التوحيد بقول ~~المعتزلة بل ذكر عنهم تجدد الصفات من العلم والسمع والبصر والناس قد حكوا ~~عن هشام والجهم أنهما يقولان بحدوث العلم وهذا رأس المعطلة وهذا رأس الشيعة ~~لكن جهم كان يقول بحدوث العلم في غير ذاته وهشام يقول بحدوثه في ذاته وحكى ~~الأشعري تجدد العلم له عن جمهور PageV02P331 ~~الإمامية وحكى عنهم إثبات ms0423 الحركة له وأن كلهم يقولون بذلك إلا شرذمة منهم ~~وذكر عن هشام بن الحكم وهشام بن الجواليقي وأبي مالك الحضرمي وعلي بن ميثم ~~وغيرهم أنهم يقولون غرادته حركة وهل يقال إنها غيره أم لا على قولين لهم ~~وذكر عن طائفة أنهم يقولون يعلم الأشياء قبل كونها الا أعمال العباد فإنه ~~لا يعلمها إلا في حال كونها وهذا قول غلاة القدرية كمعبد الجهني وأمثاله ~~وهو أحد قولي عمرو بن عبيد وذكر عن زهير الأثري أنه كان يقول إن الله ليس ~~بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول والمماسة ويزعم أن الله تعالى يجيء ~~يوم القيامة كما قال PageV02P332 ~~تعالى { وجاء ربك والملك صفا صفا } سورة الفجر 22 ويزعم أن القرآن كلام ~~الله محدث غير مخلوق # قال وكان أبو معاذ التومني يوافق زهيرا في أكثر قوله ويخالفه في القرآن ~~ويزعم أن كلام الله حدث غير محدث ولا مخلوق وهو قائم بالله لا في مكان ~~وكذلك قوله في محبته وإرادته أيضا # قال زهير كلام الله حدث وليس بمحدث وفعل وليس بمفعول وامتنع أن يزعم أنه ~~خلق ويقول ليس بخلق ولا مخلوق وإنه قائم بالله ومحال أن يتكلم الله بكلام ~~قائم بغيره كما يستحيل أن يتحرك بحركة قائمة بغيره وكذلك يقول في إرادة ~~الله ومحبته وبغضه إن ذلك أجمع قائم بالله # قال الأشعري وبلغني عن بعض المتفقهة أنه كان يقول إن الله لم يزل متكلما ~~بمعنى أنه يزل قادرا على الكلام ويقول إن كلام الله محدث غير مخلوق قال ~~وهذا قول داود الأصبهاني قال وكل القائلين بأن القرآن غير مخلوق كنحو عبد ~~الله بن كلاب PageV02P333 ~~ومن قال إنه محدث كنحو زهير ومن قال إنه حدث كنحو أبي معاذ التومني يقولون ~~إن القرآن ليس بجسم ولا عرض # وأما الحجة التي احتج بها الرازي للنفاة فهي أيضا ضعيفة من وجوه # احدها أن المقدمة التي اعتمد عليها فيها قوله إن الخالي عن الكمال الذي ~~يمكن الاتصاف به ناقص # فيقال معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في ms0424 الأزل كما لا ~~يمكن وجودها في الأزل فإن ما كان وجوده مشروطا بحادث سابق له امتنع إمكان ~~وجوده قبل وجود شرطه وعلى هذا فالخلو عن هذه في الأزل لا يكون خلوا عما ~~يمكن الاتصاف به والخالي عما لا يمكن اتصافه به ليس بناقص # الوجه الثاني أن يقال هو لم يثبت امتناع ما ذكره من النقص بدليل عقلي ولا ~~بنص كتاب ولا سنة بل إنما أثبته بما ادعاه من الإجماع وهذه طريقته وطريقة ~~أبي المعالي قبله ومن وافقهم يقولون إن امتناع النقص على الله تعالى إنما ~~علم بالإجماع لا بالنص ولا بالعقل وإذا كان كذلك فمعلوم أن المنازعين في ~~اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع فكيف يحتج بالإجماع في مسائل النزاع PageV02P334 # فإن قال هؤلاء وافقونا على امتناع النقص عليه وإنما نازعونا في كون ذلك نقصا # قيل له إما أن يكونوا وافقوا على إطلاق اللفظ وإما أن يكونوا وافقوا على معانيه # فإن وافقوا على إطلاق القول بأنه سبحانه منزه عن النقص وقالوا ليس هذا من ~~النقص لم يكن مورد النزاع داخلا فيما عنوه بلفظ النقص ومعلوم أن الإجماع ~~حينئذ لا يكون حاصلا على المعنى المتنازع فيه ولكن على لفظ لم يدخل فيه هذا ~~المعنى عند بعض أهل الإجماع ومثل هذا لا يكون حجة في المعنى ولكن غايته إذا ~~قام الدليل على أن هذا يسمى في اللغة نقصا أن يكونوا لم يعبروا باللفظ ~~اللغوي وهذا بتقدير أن لا يكون له مساغ في اللغة إنما فيه خطأ لغوي فكيف ~~إذا كانت هذه المقدمات غير مسلمة لهم في اللغة أيضا ومثل هذا ليس بحجة على ~~المعنى المتنازع فيه وإنما يكون حجة لفظية لو صحت مقدماته فلا يحصل بها ~~المقصود # وإن كانوا وافقوا على نفي المعاني التي يعبر عنها بلفظ النقص فمعلوم أن ~~المعنى المتنازع فيه لم يوافقوهم عليه فتبين أن مورد النزاع لا إجماع على ~~نفيه قطعا فلا يجوز الاحتجاج على نفيه بالإجماع PageV02P335 # الوجه الثالث أن يقال إن قول القائل إن الأمة اجتمعت على تنزه ms0425 الله تعالى ~~عن النقص وقوله اجتمعت على تنزيه الله تعالى عن العيب والآفة ونحو ذلك وهذ ~~القدر ليس بمنقول اللفظ عن كل واحد من الأمة لكن نحن نعلم أن كل مسلم فهو ~~ينزه الله تعالى عن النقص والعيب بل العقلاء كلهم متفقون على ذلك فإنه ما ~~من أحد ممن يعظم الصانع سبحانه وتعالى وصف الله بصفة وهو يعتقد أنها آفة ~~وعيب ونقص في حقه وإن كان بعض الملحدين يصفه بما يعتقده هو نقصا وعيبا فهذا ~~من جنس نفاة الصانع تعالى ولهذا كان نفاة الصفات إنما نفوها وهم يعتقدون أن ~~إثباتها يقتضي النقص كالحدوث والإمكان ومشابهة الأحياء ومثبوتها إنما ~~أثبتوها لاعتقادهم أن إثباتها يوجب الكمال وعدمها يستلزم النقص والعدم ~~ومشابهة الجمادات وكذلك مثبتة القدر ونفاته بل بعض نفاة النبوة زعموا أنهم ~~نفوها تعظيما لله أن يكون رسوله من البشر وأهل الشرك أشركوا تعظيما لله أن ~~يعبد بلا واسطة تكون بينه وبين خلقه فإذا كان كذلك فمن المعلوم PageV02P336 ~~أن الإنسان لو احتج بإجماع المسلمين على نفي النقص والعيب عن الله تعالى ~~على من يثبت الصفات مدعيا أن إثباتها نقص وعيب أو بالعكس لقال له المثبتة ~~نحن لم نوافقك على نفي هذا المعنى الذي سميته أنت نقصا وعيبا فلا تحتج ~~علينا بالموافقة على لفظ لم نوافقك على معناه وأمكنهم حينئذ أن يقولوا نحن ~~ننازعك في هذا المعنى وإن سميته أنت نقصا وعيبا فلا يكون حجة ثابتة الا أن ~~يقوم دليل على انتفاء ذلك غير الاجماع المشروط بموافقتهم # الوجه الرابع أن يقال له قولك إحماع الأمة على أن صفاته كلها صفات كمال ~~إن عنيت بذلك صفاته كلها اللازمة له لم يكن في هذا حجة لك وإن عنيت ما يحدث ~~بقدرته ومشيئته لم يكن هذا إجماعا فإنك أنت وغيرك من أهل الكلام تقولون إن ~~صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفا ~~فكونه خالقا ومبدعا وعادلا ومحسنا ونحو ذلك عندك أمور حادثة متجددة وليست ~~صفة مدح ولا كمال ms0426 وإن قلت المفعولات ليست قائمة به بخلاف ما يقوم به قيل لك ~~هب أن الأمر كذلك لكن ما يحدث بقدرته ومشيئته إما أن يقال هو متصف به أو لا ~~يقال هو متصف به فإن قيل ليس متصفا به لم يكن PageV02P337 ~~متصفا لا بهذا ولا بهذا وإن قيل هو متصف به كان متصفا بهذا وهذا # ومعلوم أن المشهور عند أهل الكلام من عامة الطوائف أنهم يقسمون الصفات ~~الى صفات فعلية وغير فعلية مع قول من يقول منهم إن الأفعال لا تقوم به ~~فيجعلونه موصوفا بالأفعال كما يقولون إنه موصوف بأنه خالق ورازق وعندهم هذه ~~أمور كائنة بعد أن لم تكن ولما قال لهم من يقول بتسلسل الحوادث من الفلاسفة ~~وغيرهم الفعل إن كان صفة كمال لزم اتصافه به في الأزل وإن كان صفة نقص ~~امتنع اتصافه به في الأبد أجابوا عن ذلك بأن الفعل ليس صفة كمال ولا نقص # الوجه الخامس # احتجاجه بقوله إن الأمة مجمعة على أن PageV02P338 ~~صفاته لا تكون إلا صفة كمال أضعف من احتجاجه بإجماعهم على تنزيهه عن صفة ~~النقص فإن كونه منزها عن صفات النقص مشهور في كلام الناس وأما كون صفاته لا ~~تكون الا صفات كمال فليس هذا اللفظ مشهورا معروفا عن الأئمة ومن أطلق ذلك ~~منهم فإنما يطلقه على سبيل الإجمال لما استقر في القلوب من أن الله موصوف ~~بالكمال دون النقص وهذه الإطلاقات لا تدل على دق المسائل ولو قيل لمطلق هذا ~~كونه يفعل أفعالا بنفسه يقدر عليها ويشاؤها هو صفة نقص أو كمال لكان إلى أن ~~يدخل ذلك في صفات الكمال أو يقف عن الجواب أقرب منه إلى أن يجعل ذلك من ~~صفات النقص # الوجه السادس أن هذا الإجماع حجة عليهم فإنا إذا عرضنا على العقول ~~موجودين أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلاما وفعلا يقوم به والآخر ~~لا يمكنه ذلك بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور له ولا مراد أو يكون بائنا ~~عنه لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل موجودين وكذلك ms0427 إذا عرضنا على العقول PageV02P339 ~~موجودين من المخلوقين أو موجودين مطلقا أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء ~~والتصرف بنفسه والآخر لا يمكنه ذلك لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من ~~الثاني كما أنا إذا عرضنا على العقل موجودين من المخلوقين أو موجودين مطلقا ~~أحدهما حي عليم قدير والآخر لا حياة له ولا علم ولا قدرة لكانت العقول تقضي ~~بأن الأول أكمل من الثاني فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والعلم ~~والقدرة صفة كمال به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي ~~تقوم به التي بها يفعل المفعولات المباينة صفة كمال # والعقلاء متفقون على أن الأعيان المتحركة أو التي تقبل الحركة أكمل من ~~الأعيان التي لا تقبل الحركة كما أنهم متفقون على أن الأعيان الموصوفة ~~بالعلم والقدرة والسمع والبصر أو التي تقبل الاتصاف بذلك أكمل من الأعيان ~~التي لا تتصف بذلك ولا تقبل الاتصاف به # وهذه الطريقة هي من أعظم الطرق في إثبات الصفات وكان السلف يحتجون بها ~~ويثبتون أن من عبد إلها لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم فقد عبد ربا ناقصا ~~معيبا مؤوفا ويثبتون أن هذه صفات كمال فالخالي عنها ناقص PageV02P340 ~~ومن المعلوم أن كل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه يثبت للمخلوق فالخالق ~~أحق به وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق سبحانه أحق بتنزيهه عنه # ولما أورد من أورد من الملاحدة نفاة الصفات بأن عدم هذه الصفات إنما يكون ~~نقصا إذا كان المحل قابلا لها وإنما يكون عدم البصر عمى وعدم الكلام خرسا ~~وعدم السمع صما إذا كان المحل قابلا لذلك كالحيوان فأما ما لايقبل ذلك ~~كالجماد فإنه لا يوصف بهذا ولا بهذا أجيبوا عن هذا بأن مالا يقبل الاتصاف ~~لا بهذا ولا بهذا أعظم نقصا مما يقبلهما ويتصف بأحدهما وإن اتصف بالنقص ~~فالجماد الذي لا يقبل الحياة والسمع والبصر والكلام أعظم نقصا من الحيوان ~~الذي يقبل ذلك وإن كان أعمى أصم أبكم فمن نفى الصفات جعله كالأعمى الأصم ~~الأبكم ومن قال إنه لا يقبل لا هذا ولا ms0428 هذا ولا هذا جعله كالجماد الذي هو ~~دون الحيوان الأعمى الأصم الأبكم # وهذا بعينه موجود في الأفعال فإن الحركة بالذات مستلزمة للحياة وملزومة ~~لها بخلاف الحركة بالعرض كالحركة القسرية التابعة للقاسر والحركة الطبيعية ~~التي تطلب بها العين العود الى مركزها لخروجها عن المركز فإن تلك حركة ~~بالعرض والعقلاء متفقون على أن ما كان من PageV02P341 ~~الأعيان قابلا للحركة فهو أشرف مما لا يقبلها وما كان قابلا للحركة بالذات ~~فهو أعلى مما لا يقبلها الا بالعرض وما كان متحركا بنفسه كان أكمل من ~~الموات الذي تحركه بغيره وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # فصل ونحن نتكلم على هذه الحجة حجة الكمال والنقصان كلاما مطلقا لا يختص ~~بنظم الرازي إذ قد يقول القائل أنا أصوغها على غير الوجه الذي صاغها عليه ~~الرازي فنقول # اعلم أن الطوائف المسلمين لهم في هذا الأصل بالذي تنبني عليه مسألة ~~الأفعال الاختيارية القائمة بذات الله تعالى اربعة أقوال تتفرع الى ستة ~~وذلك أنهم متنازعون هل يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغير ~~الأفعال على قولين مشهورين ومتنازعون في أن الأمور المتجددة الحادثة هل ~~يمكن تسلسلها ودوامها في الماضي والمستقبل أو في المستقبل دون الماضي أو ~~يجب تناهيها وانقطاعها في الماضي والمستقبل على ثلاثة أقوال معروفة فصارت ~~الأقوال أربعة # طائفة تقول يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته ثم هل يقال PageV02P342 ~~ما زال كذلك أو يقال حدث هذا الجنس بعد أن لم يكن على قولين وطائفة تقول لا ~~يقوم به شيء من ذلك ثم هل يمكن دوام ذلك وتسلسله خارجا عنه على قولين # وكل من الطائفتين تنازعوا هل يمكن وجود هذه المعاني بدون محل تقوم به على قولين # فالقائلون من أهل القبلة بجواز تسلسل الحوادث منهم من قال تقوم به ومنهم ~~من قال تحدث لا في محل ومنهم من قال تحدث في محل غيره والمانعون لذلك من ~~أهل القبلة منهم من قال تقوم به ولها ابتداء ومنهم من قال بل تحدث قائمة في ~~غيره ولها ابتداء ومنهم ms0429 من قال بل تحدث لا في محل ولها ابتداء # وقد ذكرنا حجة المانعين من قيام المقدورات والمرادات به وكلام من ناقضها ~~ونحن نذكر حجة المانعين من التسلسل في الآثار وكلام بعض من عارضهم من أهل ~~القبلة وهذا موجود في عامة الطوائف حتى في الطائفة الواحدة فإن أبا الثناء ~~الأرموى قد ذكر في لباب الأربعين لأبي عبد الله الرازي من الاعتراضات على ~~ذلك ما يناسب PageV02P343 ~~هذا الموضع وتابع في ذلك طوائف من النظار كأبي الحسن الآمدي وغيره بل نفس ~~الرازي قد ذكر في مواضع من كتبه نقض ما ذكره في الأربعين ولم يجب عن ذلك ~~كما قد حكينا كلامه في موضع آخر وسيأتي إن شاء الله كلام الرازي في إفساد ~~هذه الحجج التي ذكرها في تناهي الحوادث بأمور لم يذكر عنها جوابا # وذلك أن أبا عبد الله الرازي ذكر في الأربعين في مسألة حدوث العالم من ~~الحجج على حدوث الأجسام أو العالم مالم يذكره في عامة كتبه # فذكر خمس حجج الأولى أنه لو كانت الأجسام قديمة لكانت إما متحركة أو ~~ساكنة والأول يستلزم حوادث لا أول PageV02P344 ~~واحتج على انتفاء ذلك بستة أوجه # الأول أن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير وماهية الأزل تنفيها ~~فامتنعت أزلية الحركة # فعارضه أبو الثناء الأرموي بأنه لقائل أن يقول كون ماهية الحركة مركبة من ~~جزء سابق وجزء لاحق لا ينافي دوامها في ضمن أفرادها المتعاقبة لا إلى أول ~~وهو المعنى بكونها أزلية # قلت ونكتة هذا الاعتراض أي يقال إن المستدل قال ماهية الحركة تقتضي أن ~~تكون مسبوقة بالغير فهل المراد بالغير أن تكون الحركة مسبوقة بما ليس بحركة ~~أو أن يكون بعض أجزائها سابقا لبعض أما الأول فباطل وهو الذي يشعر به قوله ~~ماهية الحركة PageV02P345 ~~تقتضي المسبوقية بالغير فإن ذلك قد يفهم منه أن ماهيتها تقتضي أن تكون ~~مسبوقة بغير الحركة ولو كان الأمر كذلك لامتنع كون المسبوق بغيره أزليا لكن ~~لا يصلح أن يريد الا الثاني وهو أن ماهيتها تقتضي تقديم بعض أجزائها على ~~بعض وحينئذ ms0430 فقد منعوه المقدمة الثانية وهي قوله إن ماهية الأزل تنفي ذلك ~~وقالوا لا نسلم أن ما كان كذلك لا يكون أزليا بل هذا رأس المسألة ولا سيما ~~وهو وجماهير المسلمين وغيرهم من أهل الملل يسلمون أن ما كان كذلك فإنه يصلح ~~أن يكون أبديا # ومعلوم أن ماهية الحركة تقتضي أن يكون بعضها متأخرا عن بعض ولا يمتنع مع ~~ذلك وجود مالا انقضاء له من الحركات قالوا فكذلك لا يمتنع وجود مالا ابتداء ~~له منها كما لم يمتنع وجود ما لا أول لوجوده وهو القديم الواجب الوجود مع ~~إمكان تقدير حركات وأزمنة لا ابتداء لها مقارنة لوجوده والكلام في انتهاء ~~المحقق كالكلام في انتهاء المقدر # قال الرازي الوجه الثاني لو كانت أدوار الفلك متعاقبة لا الى أول كان قبل ~~كل حركة عدم لا الى أول وتلك العدمات PageV02P346 ~~مجتمعة في الأزل وليس معها شيء من الوجودات والا لكان السابق مقارنا ~~للمسبوق فلمجموع الوجودات أول # قال الأرموي ولقائل أن يقول إن عنيت باجتماعها تحققها بأسرها معا حينا ما ~~فهو ممنوع لأنه ما من حين يفرض الا ويتهي واحد منها فيه لوجود الحركة التي ~~هي عدمها ضرورة تعاقب تلك الحركات لا الى أول وإن عنيت به أنه لا ترتيب في ~~بدايات تلك العدمات كما في بدايات الوجودات فلا يلزم من اجتماع بعض ~~الوجودات معها المحذور # قلت مضمون هذا أن عدم كل حركة ينتهي بوجوده فليست الاعدام متساوية في ~~النهايات فلا تكون مجتمعة في شيء من الأوقات لأنه في كل وقت يثبت بعضها دون ~~بعض لوجود حادث يزول به عدمه ولكن لا بداية لكل عدم منها فإن ما حدث لم يزل ~~معدوما قبل حدوثه بخلاف الحركات فإن لكل حركة بداية وحينئذ فلا يمتنع أن ~~يقارن الوجود بعضها دون بعض كما يقارن الوجود الباقي الأزلي عدم كل ما سواه ~~فالمستدل يقول عدم كل حادث ثابت في الأزل PageV02P347 ~~والمعترض يقول نعم لكن لا نسلم أن عدم الجنس ثابت في الأزل وليس الجنس ~~حادثا حتى يكون مسبوقا بعدم ms0431 الجنس وإنما الحادث في أفراده كما في دوامه في ~~الأبد فليس لعدم المجموع تحقق في الأزل والعدم السابق لأفراد الحركات ~~بمنزلة العدم اللاحق لها ولا يقال إن تلك الأعدام مجتمعة في الأبد والفرق ~~بين عدم المجموع وعدم كل فرد فرد فرق ظاهر والمستدل يقول عدم كل واحد أزلي ~~فمجموع الأعدام أزلي وهذا بمنزلة أن يقول كل واحد من الأفراد حادث فالمجموع ~~حادث أو كل حادث فله بداية فالمجموع له بداية وبمنزلة أن يقول كل حادث فله ~~انقضاء فمجموع الحوادث له انقضاء أو كل واحد مسبوق بغيره فالمجموع مسبوق بغيره # فإذا قال المتكلم عن المستدل قول المعترض إن عنيت باجتماعها تحققها ~~بأسرها معا حينا ما فهو ممنوع لأنه ما من حين يفرض الا وينتهي واحد منها ~~فيه ليس بمستقيم فإنها مجتمعة في الأزل # قال المتكلم عن المعترض ليس الأزل ظرفا معينا يقدر فيه وجود أو عدم كما ~~أن الأبد ليس ظرفا معينا يقدر فيه وجود أو عدم ولكن معنى كون الشيء أزليا ~~أنه مازال موجودا أو ليس لوجوده ابتداء ومعنى PageV02P348 ~~كونه أبديا أنه لا يزال موجودا أو ليس لوجوده انتهاء ومعنى كون عدم الشيء ~~أزليا أنه ما زال معدوما حتى وجد وإن كان عدمه مقارنا لوجود غيره وقائل ذلك ~~يقول لا يتصور اجتماع هذه العدمات في وقت من الأوقات أصلا بل ما من حال ~~يقدر الا فيه عدم بعضها ووجود غيره فقول القائل إن العدمات مجتمعة في الأزل ~~فرع إمكان اجتماع هذه الأعدام واجتماع هذه الأعدام ممتنع وسيأتي تمام ~~الكلام على ذلك بعد هذا # قال الرازي الثالث إنه إن لم يحصل شيء من الحركات في الأزل أو حصل ولم ~~يكن مسبوقا بغيرها فلكلها أول وإن كان مسبوقا بغيرها كان الأزل مسبوقا بالغير # قال الأرموي ولقائل أن يقول ليس شيء من الحركات PageV02P349 ~~الجزئية أزليا بل كل واحدة منها حادثة وإنما القديم الحركة الكلية بتعاقب ~~الأفراد الجزئية وهي ليست مسبوقة بغيرها فلم يلزم أن يكون لكل الحركات ~~الجزئية أول # قلت قول المستدل إن ms0432 حصل شيء من الحركات في الأزل ولم يكن مسبوقا بغيرها ~~فلها أول يريد به ليس مسبوقا بحركة أخرى فإن الحركة المعينة التي لم تسبقها ~~حركة أخرى تكون لها ابتداء فلا تكون أزلية إذ الأزلي لا يكون إلا الجنس أما ~~الحركة المعينة إذا قدرت غير مسبوقة بحركة كانت حادثة كما أنها إذا كانت ~~مسبوقة كانت حادثة ولم يرد بقوله إن حصل شيء من الحركات في الأزل ولم يكن ~~مسبوقا بغيره فلها أول أي لم يكن مسبوقا بغير الحركات فإن ما كان في الأزل ~~ولم يكن مسبوقا بغيره لا يكون له أول فلو أراد بالغير غير الحركات لكان ~~الكلام متهافتا فإن ما كان أزليا لا يكون مسبوقا بغيره فالجنس عند المنازع ~~أزلي وليس مسبوقا بغيره والواحد من الجنس ليس بأزلي وهو مسبوق بغيره وما ~~قدر أزليا لم يكن مسبوقا بغيره سواء كان جنسا أو شخصا لكن إذا قدر أزليا ~~وليس مسبوقا بغيره فكيف يكون له أول ولكن إذا قدر مسبوقا بالغير كان له أول ~~فالمسبوق بغيره هو الذي له أول وأما ما ليس مسبوقا بغيره فكيف يكون له أول PageV02P350 ~~ومع هذا فيقال له تقدير كون الحركة المعينة في الأزل ومسبوقة بأخرى جمع بين ~~النقيضين فهو ممتنع لذاته والممتنع لذاته يلزمه حكم ممتنع فلا يضر ما لزم ~~على هذا التقدير وأما على التقدير الآخر وهو حصول شيء منها في الأزل مع ~~كونه مسبوقا فقد أجابه الأرموي بأن وجود الحركة المعينة في الأزل محال أيضا ~~وإذا كان ذلك ممتنعا جاز أن يلزمه حكم ممتنع وهو كون الأزلي مسبوقا بالغير ~~وإنما الأزلي هو الجنس وليس مسبوقا بالغير وقد اعترض بعضهم على هذا ~~الاعتراض بأن قال فحينئذ ليس شيء من الحركات حاصلا في الأزل إذ لو حصل في ~~الأزل لا متنع زواله وما هذا شأنه يمتنع كونا أزليا # وجواب هذا الاعتراض أن يقال ليس شيء من الحركات المعينة في الأزل إذ ليس ~~شيء منها لا أول له بل كل واحد منها له أول لكن جنسها هل ms0433 له أول وهذا غير ~~ذلك والمنازع يسلم أن ليس شيء من الحركات المعينة أزليا وإنما نزاعه في غير ~~ذلك كما أنه يسلم أنه ليس شيء من الحركات المعينة أبديا مع أنه يقول جنسها أبدي # قال الرازي الوجه الرابع كلما تحرك زحل دورة PageV02P351 ~~تحركت الشمس ثلاثين فعدد دورات زحل اقل من عدد دورات الشمس والأقل من غيره ~~متناه والزائد على المتناهي بالمتناهي متناه فعددهما متناه # قال الأرموي ولقائل أن يقول تضعيف الواحد إلى غير النهاية أقل من تضعيف ~~الاثنين كذلك مع كونهما غير متناهيين # قلت هذا الذي ذكره الأرموي معارضة ليس فيه منع شيء من مقدمات الدليل ولا ~~حل له ثم قد يقول المستدل الفرق بين مراتب الأعداد وأعداد الدورات من وجهين # أحدهما أن مراتب الأعداد المجردة لا وجود لها في الخارج وإنما يقدرها ~~الذهن تقديرا كما يقدر الأشكال المجردة يقدر شكلا مستديرا وشكلا أكبر منه ~~وشكلا أكبر من الآخر وهلم جرا وتلك الأشكال التي يقدرها الذهن لا وجود لها ~~في الخارج وكذلك الأعداد المجردة لا وجود لها في الخارج فالكم المتصل أو ~~المنفصل إذا أخذ مجردا عن الموصوف به لم يكن إلا في الذهن وكذلك الجسم ~~التعليمي وهو أن يقدر طول وعرض وعمق مجرد عن الموصوف به وإذا كان كذلك لم ~~يلزم من إمكان تقدير ذلك في الذهن إمكان وجوده في الخارج فإن الذهن تقدر ~~فيه الممتنعات كاجتماع النقيضين والضدين فيقدر فيه كون الشيء موجودا معدوما ~~وكون الشيء متحركا ساكنا ويقدر فيه PageV02P352 ~~أن كون الشيء لا موجودا ولا معدوما ولا واجبا ولا ممكنا ولا ممتنعا إلى غير ~~ذلك من التقديرات الذهنية التي لا تستلزم إمكان ذلك في الخارج ولهذا يمكن ~~تقدير خط لا يتناهى وسطح لا يتناهى وتقدير أشكال بعضها أكبر من بعض بلا ~~نهاية وأبعاد لا نهاية لها ولا يلزم من إمكان تقدير ما لا نهاية له في ~~الذهن إمكان ذلك في الخارج والمنازعون يسلمون امتناع أجسام لا يتناهى قدرها ~~وأبعاد لا تتناهى وعلل ومعلولات لا تتناهى مع إمكان ms0434 تقدير ذلك في الذهن # فإذا قيل لهم كذلك تقدير أعداد لا تتناهى أو تقدير مراتب أعداد لا تتناهى ~~بعضها افضل من بعض إذا قدر في الذهن لم يدل ذلك على إمكان وجوده في الخارج ~~بطلت معارضتهم وكان من عارض تقدير الأعداد التي لا تتناهى بتقدير الأشكال ~~التي لا تتناهى وتقدير التفاضل في هذا كالتفاضل في هذا أولى ممن عارض تفاضل ~~الدورات بتفاضل مراتب الأعداد فإنه إذا قيل تضعيف الواحد إلى غير نهاية أقل ~~من تضعيف الاثنين قيل وإذا فرض خط عرضه بقدر الكف لا يتناهى طولا وخط عرضه ~~بقدر الذراع لا يتناهى فالذي بقدر الكف أقل وإذا فرض أجسام مستديرة كل منها ~~بقدر رأس الإنسان لا تتناهى وأخرى كل منها بقدر الفلك لا PageV02P353 ~~تتناهى كانت مقادير تلك أصغر مع أن الجميع لا يتناهى كان معلوما أن هذه ~~المعارضة أعدل وأولى بالقبول من تلك المعارضة # الوجه الثاني إن كان تضعيف الأعداد ومراتبها وسائر المقادير إلى غير ~~نهاية كان هذا التضعيف إنما هو في الذهن فكل ما يتصوره الذهن من ذلك ويقدره ~~فهو يتناهى والذهن لا يزال يضعف حتى يعجز وهكذا إذا نطق بأسماء الأعداد أو ~~بألفاظ فلا يزال ينطق حتى يعجز وإن قدر أنه لا يعجز بل لا يزال الذهن يقدر ~~واللسان ينطق فإن جميع ذلك داخل في الوجود الذهني واللفظي والجناني ~~واللساني وكل ما يدخل من ذلك في الوجود فهو متناه وله مبدأ محدود فله أول ~~ابتدأ منه وهو من ذهن الإنسان ولفظه وكل ما يوجد منه متعاقبا فإنه متناه ~~لكن هذا يدل على جواز مالا نهاية له في المستقبل وأن الشيء قد يكون له ~~بداية ولا يكون له نهاية فإن ما يخطر بالأذهان وينطق به اللسان له بداية ~~ويمكن وجود مالا يتناهى منه ومن هذا الباب أنفاس أهل الجنة وألفاظهم ~~وحركاتهم فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس ومن هذا الباب تسبيح ~~الملائكة دائما # فهذا المذكور من تضعيف الأعداد ذهنا ولفظا يدل على وجود مالا يتناهى في ~~المستقبل إذا كان ms0435 له بداية محدودة وأما التفاضل فيه سواء أريد به تضعيف ~~الذهن أو اللسان أو جميعهما فمعلوم أنه إذا قيل ضعف الواحد وضعف ضعفه وضعف ~~ضعف ضعفه وهلم جرا PageV02P354 ~~وقيل ضعف الاثنين وضعف ضعفهما وضعف ضعف الضعف وهلم جرا فإن أريد بكون تضعيف ~~الواحد أقل من تضعيف الاثنين أن ما وجد من نطق اللسان بالتضعيف أو ما يخطر ~~بالقلب من التضعيف أقل فهذا ممنوع إذا قدر التساوي في المبدأ والحركة وإن ~~قدر التفاضل فأكثرهما أسبقهما مبدأ وأقواهما حركة وحينئذ فقد يكون تضعيف ~~الواحد هو الأكثر # وإن أريد بذلك أن مسمى أحد اللفظين أكثر مما في كل مرتبة من مراتب ~~التضعيف فإذا ضعف الواحد خمس مرات كان اثنين وثلاثين وإذا ضعف الاثنان خمس ~~مرات كان أربعا وستين مرة فهذه الأربع والستون ليست معدودا موجودا في ~~الخارج ولا في الذهن حتى يقال وجد التفاضل فيما لا يتناهى وإنما نطق بلفظ ~~أعداد متناهية والمعدودات ليست موجودة لا في الذهن ولا في الخارج فلو قدر ~~وجود ألفاظ الأعداد من هذه المرتبة ومن هذه المرتبة في الذهن واللسان لم ~~يلزم إذا قدر أنهما غير متناهيين أن يكونا متفاضلين مع استوائهما في المبدأ ~~والحركة # وإن أراد أن مسمى هذا لو وجد لكان أكبر من مسمى هذا PageV02P355 ~~فيقال نعم ولكن لم قلت إن وجود ذلك المسمى ممكن وهذا كما لو قال القائل ~~مالا يتناهى أقدره في ذهني وأتكلم بلفظه لم يكن في ذلك ما يقتضي أنه يمكن ~~وجوده في الخارج كما يقدر ذهنا ولسانا ما لا يتناهى من الأجسام والأبعاد ~~والأشكال فهذا هذا فهذا مما يجيب به المستدل عن المعارضة بمراتب الأعداد # وهذا الفرق وإن كنا قد أوردناه فقد ذكره غير واحد من النظار المفرقين بين ~~العدد والحركات من متكلمي المسلمين وغيرهم وذكر هؤلاء هذا الفرق المعروف ~~عند من يوافق المستدل على هذا النقض هو أن تضعيف العدد ليس أمرا موجودا بل ~~مقدرا بخلاف ما وجد من الحركات # وهكذا فرق من فرق بين الماضي والمستقبل بأن الماضي قد ms0436 وجد بخلاف المستقبل ~~والممتنع وجود ما لا يتناهى لا تقدير ما لا يتناهى # ومن يوافق المعترض يقول الماضي أيضا قد عدم فليست أفراده موجودة معا ~~والمحذور وجود مالا يتناهى فيما كان مجتمعا بل مجتمعا منتظما بعضه ببعض ~~بحيث يكون له ترتيب طبيعي أو وضعي # وهذا فرق ابن سينا وأتباعه من المتفلسفة ولكن ابن رشد PageV02P356 ~~يقول إن مذهب الفلاسفة الفرق بين المجتمع وغير المجتمع سواء كان المجتمع له ~~ترتيب أو ليس له ترتيب وإنما النزاع بينهم في النفوس البشرية المفارقة هل ~~هي موجودات متميزة غير متناهية أم لا ويقول هؤلاء لا نسلم أن ما كان وعدم ~~أو ما سيكون إذا قدر أن بعضه أقل من بعض يجب أن يكون متناهيا والمؤمنون بأن ~~نعيم الجنة دائم لا ينقضي من المسلمين وأهل الكتاب يسلمون ذلك ولم ينازعوا ~~فيه من أهل الكلام إلا الجهم ومن وافقه على فناء النعيم وأبو الهذيل القائل ~~بفناء الحركات وهما قولان شاذان قد اتفق السلف والأئمة وجماهير المسلمين ~~على تضليل القائلين بهما ومن أعظم ما أنكره السلف والأئمة على الجهمية ~~قولهم بفناء الجنة # وقال الأشعري في كتاب المقالات واختلفوا أيضا في معلومات الله عز وجل ~~ومقدوراته هل لها كل أو لا كل لها على مقالتين فقال أبو الهذيل إن لمعلومات ~~الله كلا وجميعا ولما يقدر الله عليه كل وجميع وإن أهل الجنة تنقطع حركاتهم PageV02P357 ~~يسكنون سكونا دائما وقال أكثر أهل الإسلام ليس لمعلومات الله ولا لما يقدر ~~عليه كل ولا غاية واختلفوا أيضا هل لأفعال الله سبحانه آخر أم لا آخر لها ~~على مقالتين فقال الجهم بن صفوان إن لمعلومات الله ومقدوراته غاية ونهاية ~~ولأفعاله آخر وإن الجنة والنار تفنيان ويفنوا أهلهما حتى يكون الله آخرا لا ~~شيء معه كما كان أولا لا شيء معه وقال أهل الإسلام جميعا ليس للجنة والنار ~~آخر وأنهما لا تزالان باقيتين وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعمون ~~وأهل النار في النار يعذبون ليس لذلك آخر ولا لمعلومات الله ومقدوراته غاية ~~ولا ms0437 نهاية # وقد ذكر بعض الناس بين الماضي والمستقبل فرقا لمثال ذكره كما ذكره صاحب ~~الإرشاد وغيره وهو أن المستقبل بمنزلة ما إذا قال قائل لا أعطيك درهما إلا ~~أعطيتك بعده درهما وهذا كلام صحيح والماضي بمنزلة أن يقول لا أعطيك درهما ~~إلا أعطيتك قبله درهما وهذا كلام متناقص PageV02P358 # لكن هذا المثال ليس بمطابق لأن قوله لا أعطيك نفي للحاضر والمستقبل ليس ~~نفيا للماضي فإذا قال لا أعطيك هذه الساعة أو بعدها شيئا إلا أعطيتك قبله ~~شيئا اقتضي أن لا يحدث فعلا الآن حتى يحدث فعلا في الزمن الماضي وهذا ممتنع ~~أو بمنزلة أن يقول لا أفعل حتى أفعل وهذا جمع بين النقيضين وإنما مثاله أن ~~يقول ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما فكلاهما ماض فإذا قال القائل ~~ما يحدث شيء إلا ويحدث بعده شيء كان مثاله أن يقول ما حدث شيء إلا حدث قبله ~~شيء لا يقول لا يحدث في المستقبل شيء إلا حدث قبله شيء وكل ما له ابتداء ~~وانتهاء كعمر العبد يمتنع أن يكون فيه عطاء لا انتهاء له أو عطاء لا ابتداء ~~له وإنما الكلام فيما لم يزل ولا يزال # والناس لهم في إمكان وجود ما لا يتناهى أقوال # أحدها امتناع ذلك مطلقا في الماضي والمستقبل والحاضر في كل شيء وهذا قول ~~الجهم وابن الهذيل # والثاني جواز ذلك حتى في الأبعاد التي لا تتناهى وهو قول طائفة من فلاسفة ~~الهند وطائفة من نظار أهل الملة وغيرهم ويقولون إن الرب له قدر لا يتناهى ~~ثم من هؤلاء من يقول لا يتناهى من PageV02P359 ~~جميع الجهات ومنهم من يقول يتناهى من جهة العرش فقط وأما من سائر الجهات ~~فإنه لا يتناهى # وقد ذكر الأشعري في المقالات هذه الأقوال وغيرها عن طوائف وممن ذكر ذلك ~~الكرامية وطائفة من أتباع الأئمة كالقاضي أبي يعلى وغيره وهؤلاء منهم من ~~يقول بتناهي الحوادث في الماضي مع قوله بوجود مالا يتناهى من المقدار في الحاضر # وكذلك معمر وأتباعه من أصحاب المعاني يقولون بوجود معان ms0438 لا تتناهى في آن ~~واحد مع قولهم بامتناع حوادث لا أول لها فصار بعض الناس يقول بجواز التناهي ~~في الحوادث الماضية والأبعاد ومنهم من يقول بجواز ذلك في الأبعاد دون ~~الحوادث فهذه ثلاثة أقوال # الرابع قول من يقول لا يجوز ذلك فيما دخل في الوجود لا في الماضي ولا في ~~الحاضر ويجوز فيما لم يوجد بعد وهو المستقبلات وهذا قول كثير من النظار # الخامس قول من يقول يجوز ذلك في الماضي والمستقبل ولا يجوز فيما يوجد في ~~آن واحد لا في الأبعاد ولا الأنفس ولا المعاني وهو قول ابن رشد وحكاه عن ~~الفلاسفة وزعم أن النفوس البشرية واحدة بعد المفارقة كما زعم أنها كانت ~~كذلك قبل المفارقة PageV02P360 # السادس قول من يقول ما كان مجتمعا مترتبا فإنه يجب تناهيه كالعلل ~~والأجسام فتلك لها ترتيب طبيعي وهذه لها ترتيب وضعي وكلها موجودة في آن ~~واحد وأما ما لم يكن له ترتيب كالأنفس أو كان له ترتيب ولكن يوجد متعاقبا ~~كالحركات فلا يمتنع فيه وجود مالا يتناهى وهذا قول ابن سينا وهو للمحكي ~~عندهم عن أرسطو وأتباعه لكن ابن رشد ذكر أن هذا القول لم يقله أحد من ~~الفلاسفة إلا ابن سينا # وأما وجود علل ومعلومات لا تتناهى فهذا مما لم يجوزه أحد من العقلاء # إذا عرف هذا تكلمنا على الاحتجاج بتفاضل الدورات التي لا تتناهى فإن ~~الشمس تقطع الفلك في السنة مرة والقمر اثنتي عشرة مرة وهذا مشهود والمشتري ~~في كل اثنتي عشرة سنة مرة وزحل في كل ثلاثين سنة مرة فتكون دورات القمر ~~بقدر دورات زحل ثلاثمائة وستين مرة ودورات الشمس بقدر دورات زحل ثلاثين مرة ~~فتكون دورات هذا أضعاف دورات هذا وكلاهما لا يتناهى عند القائلين بذلك ~~والأقل من غير المتناهي متناه والزائد على المتناهي متناه وقد عرف أن ~~المعارضة بالعدد باطلة PageV02P361 ~~وقد يقال هذا من جنس تطبيق الحوادث الماضية إلى اليوم بالحوادث الماضية إلى ~~أمس فإن كلاهما لا يتناهى مع التفاضل وهو الوجه الخامس الذي سيأتي لكن ~~بينهما فروق ms0439 مؤثرة # منها أنه هناك هذه الحوادث هي تلك بعينها لكن زادت حوادث اليوم فغاية تلك ~~أن يكون مالا ابتداء له من الحوادث لا يزال في زيادة شيئا بعد شيء وأما هنا ~~فهذه الدورات ليست تلك ومنها أنه هناك فرض انطباق اليوم على الأمس مع ~~اشتراكهما في عدم البداية وهذا التطبيق ممتنع فإن حقيقته أنا تقدر تماثلهما ~~وتفاضلهما فإنه إذا طبق أحدهما على آخر لزم التماثل مع التفاضل لأنهما ~~استويا في عدم البداية وفي حد النهاية وهما متفاضلان وهذا تقدير ممتنع ~~بخلاف الدورتين فإنهما هنا مشتركتان في عدم البداية وفي حد النهاية ~~فالتفاضل هنا حاصل مع الاشتراك في عدم النهاية عند هؤلاء فهذا لا يحتاج إلى ~~فرض وتقدير حتى يقال هو تقدير ممتنع بخلاف ذلك ولكن التقابل يوافق ذلك ~~التقابل في أن كليهما قد عدمت فيه الحوادث الماضية ويوافقه في أن كليهما قد ~~قدر فيه انتهاء الحوادث من أحد الجانبين فهما متفقان من هذين الوجهين ~~مفترقان من ذينك الوجهين PageV02P362 ~~وحينئذ فيقال الدهرية يزعمون أن حركات الفلك لا بداية لها ولا نهاية لا ~~يجعلون لها آخرا تنتهي إليه فلا يصح اعتمادهم على أن هذه الحوادث متناهية ~~من أحد الجانبين بل يلزمهم قطعا أن تكون الحركة الفلكية التي زعموا أنها لم ~~تزل ولا تزال متفاضلة فدورات زحل عندهم لم تزل ولا تزال وكذلك دورات الشمس ~~والقمر مع أن دورات القمر بقدر دورات الشمس اثنتي عشرة مرة ودورات الشمس ~~بقدر دورات زحل ثلاثين مرة فكل من هذين لا يتناهى في الماضي والمستقبل وهذا ~~أقل من هذا بقدر متناه وهذا أزيد من هذا بقدر متناه فإذا كان الأقل من غيره ~~متناهيا لزم أن يكون كل من الدورات متناهيا # وهذا الوجه لا يرد على من قال من أئمة الإسلام وأهل الملل بجواز حوادث لا ~~تتناهى فإن أولئك يقولون بأن حركة الفلك لها ابتداء ولها انتهاء وأنه محدث ~~مخلوق كائن بعد أن لم يكن وأنه ينشق وينفطر فتبطل حركة الشمس والقمر وكل ~~واحد من دورات الفلك وكواكبه ms0440 وشمسه وقمره له عندهم بداية ونهاية # وهذا الدليل إنما يدل على أن حركته يمتنع أن تكون غير متناهية ولا يلزم ~~إذا وجب تناهي حركة جسم معين أن يجب تناهي جنس الحوادث إلا إذا كان الدليل ~~الذي دل على تناهي حركة المعين يدل PageV02P363 ~~على تناهي الجنس وليس الأمر كذلك فإن هذا الدليل لا يتناول إلا الفلك وهو ~~دليل على حدوثه وامتناع أن تكون حركته بلا بداية ولا نهاية فهو يدل على ~~فساد مذهب أرسطو وابن سينا وأمثالهما ممن يقول بأن الفلك قديم أزلي فهذا حق ~~متفق عليه بين أهل الملل وعامة العقلاء وهو قول جمهور الفلاسفة ولم يخالف ~~في ذلك إلا شرذمة قليلة ولهذا كان الدليل على حدوثه قويا والاعتراض الذي ~~اعترض به الأرموي ضعيفا بخلاف الوجوه الدالة على امتناع جنس دوام الحوادث ~~فإن أدلتها ضعيفة واعتراضات غيره عليها قوية # وهذا مما يبين أن ما جاءت به الرسل هو الحق وأن الأدلة العقلية الصريحة ~~توافق ما جاءت به الرسل وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول وإنما يقع ~~التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه وما يدخل في العقل وليس منه كالذين ~~جعلوا من السمع أن الرب لم يزل معطلا عن الكلام والفعل لا يتكلم بمشيئته ~~ولا يفعل بمشيئته بل ولا يمكنه عندهم أنه لا يزال يتكلم بمشيئته ويفعل ~~بمشيئته # فجعل هؤلاء هذا قول الرسل وليس هو قولهم وجعل هؤلاء من المعقول أنه يمتنع ~~دوام كونه قادرا على الكلام والفعل بمشيئته # وعارضهم آخرون فادعوا أن الواحد من مخلوقاته كالفلك أزلي معه وأنه لم يزل ~~ولا تزال حوادثه غير متناهية فهذه الدورات لا تتناهى وهذه لا تتناهى مع أن ~~هذه بقدر هذه مرات متناهية وكون الشيئين لا يتناهيان أزلا وأبدا مع كون ~~أحدهما بقدر الآخر مرات مع PageV02P364 ~~كونه مفعولا معلولا مساويا لفاعله في الزمن هو الذي انفردوا به وأما ~~الفاعلية فيما لا يتناهى ابتداء وانتهاء فهو الذي ذكر في هذا الوجه # وقد يقال يلزم مثل هذا في كلمات الله وإرادته التي ms0441 كل منها غير متناه ~~أزلا وأبدا وإن كان أحدهما أكثر من الآخر وقد يذكر هنا أن مقدار القمر أصغر ~~من مقدار الشمس فحركته وإن زادت في الدورات فقد نقصت في المقدار لكن هذا لا ~~ينفع إلا إذا عرف تساوي مقدار جميع حركات الكواكب التي كل منها غير متناه ~~وإلا لزم التفاضل فيما لا يتناهى فإذا كان تساويها باطلا كان هذا السؤال باطلا # قال الرازي الوجه الخامس نقدر أن الأدوار الماضية من اليوم لا إلى أول ~~جملة ومن الأمس كذلك ثم نطبق الطرف المتناهي من إحدى الجملتين في الوهم على ~~الطرف المتناهي من PageV02P365 ~~الأخرى ونقابل كل فرد من أفراد إحداهما بنظيره من الأخرى فإن لم تقصر ~~إحداهما عن الأخرى في الطرف الآخر كان الشيء مع غيره كهولا مع غيره وإن ~~قصرت كانت متناهية والأخرى زائدة بقدر متناه فهي متناهية أيضا # قال الأرموي ولقائل أن يقول الجملة الناقصة لا تنقطع من طرف المبدأ وإنما ~~يكون الشيء مع غيره كهولا مع غيره إذا كان أفراد الزائد مثل أفراد الناقص ~~كما في مراتب الأعداد من الواحد إلى مالا يتناهى ومن العشرة إلى مالا ~~يتناهى إذا طبقنا إحدى الجملتين على الأخرى # قلت المعترض لم يبين فساد الحجة بل عارضها معارضة وغيره قد يمنع كلتا ~~المقدمتين أو إحداهما فالمعترض يقول وإن قصرت كانت متناهية فنقول إنما تكون ~~متناهية لو كانت منقطعة PageV02P366 ~~من طرف المبدأ فأما مع عدم انقطاعها فلا نسلم تناهيها كما أن المستقبل ~~وتضعيف العدد لما لم يكن منقطعا من جهة المنتهي لم يكن متناهيا وإن أمكن ~~فيه مثل هذه المقابلة # وأما غيره فيجب بثلاثة أجوبة # أحدها قوله فإن لم تقصر إحداهما عن الأخرى في الطرف الآخر كان الشيء مع ~~غيره كهولا مع غيره فنقول هذا إنما يلزم إذا طبقنا إحدى الجملتين على ~~الأخرى والتطبيق في المعدوم ممتنع كما في تطبيق مراتب الأعداد من الواحد ~~إلى ما لا يتناهى ومن العشرة إلى ما لا يتناهى ومن المائة إلى ما لا يتناهى ~~فإنا نعلم أن عدد ms0442 تضعيف الواحد أقل من عدد تضعيف العشرة وعدد تضعيف الغشرة ~~أقل من عدد تضعيف المائة وعدد تضعيف المائة أقل من عدد تضعيف الألف والجميع ~~لا يتناهى وهذه الحجة من جنس حجة مقابلة دورات أحد الكوكبين بدورات الآخر ~~لكن هناك الدورات وجدت وعدمت وهنا قدرت الأزمنة والحركات الماضية ناقصة وزائدة # ومما يجاب به عن هذه الحجة وهي أشهر حججهم أن يقال لا نسلم إمكان التطبيق ~~فأنه إذا كان كلاهما لا بداية له وأحدهما PageV02P367 ~~انتهى أمس والآخر انتهى اليوم كان تطبيق الحوادث إلى اليوم على الحوادث إلى ~~الأمس ممتنعا لذاته فإن الحوادث إلى اليوم أكثرفكيف تكون إحداهما مطابقة ~~للأخرى فلما كان التطبيق ممتنعا جاز أن يلزمه حكم ممتنع # وأيضا فيقال نحن نسلم أنها متناهية من الجانب المتناهي لكن لم قلت إذا ~~كانا متناهيين من أحد الجانبين كانا متناهيين من الجانب PageV02P368 ~~الآخر وهذا أول المسألة والتفاضل وقع من الجانب المتناهي لا من الجانب الذي ~~ليس بمتناه فلم يقع فيما لا يتناهى تفاضل # قال الرازي السادس لو كانت الأدوار الماضية غير متناهية كان وجود اليوم ~~موقوفا على انقضاء مالا نهاية له والموقوف على المحال محال # قال الأرموي ولقائل أن يقول انقضاء مالا نهاية له محال وأما انقضاء مالا ~~بداية له ففيه نزاع # قلت هنا نزاع لفظي ونزاع معنوي أما اللفظي فهو أنه إذا قدر تسلسل الحوادث ~~في الماضي وعدم انقطاعها وأنها لا أول لها فهل يعبر عن هذا بأن يقال لا ~~نهاية لها أو يقال لا بداية لها ولا يقال لا نهاية لها فالمستدل عبر بأنه ~~لا نهاية لها والمعترض أنكر ذلك وهذا نزاع لفظي وذلك أنه يقال هذا غير ~~متناه بمعنى أنه ليس له حد محدود وقد يقال غير متناه بمعنى أنه لا آخر له ~~ويقال هذا له نهاية أي له آخر وهذا لا نهاية له أي لا آخر له والحوادث ~~الماضية إذا قدر أنها لم تزل فإنه يقال لا نهاية لها بالمعنى الأول وأما ~~بالمعنى الثاني فقد انقضت وانصرمت ولها آخر PageV02P369 ~~وهذه ms0443 الحجة اعتمد عليها أكثر المتكلمين كأبي المعالي ومن قبله وبعده من ~~المعتزلة والأشعرية وذكروا أنه اعتمد عليها يحيى النحوي وغيره من المتقدمين ~~وظنوا أن ما لمم يتناهى يمتنع أن يكون منقضيا منصرما فإنما انقضى وانصرم ~~فقد تناهى فكيف يقال إنه لا نهاية له واشتبه عليهم لفظ النهاية لما فيه من ~~الإجمال والاشتباه فإن الماضي له آخر انتهى إليه فهو متناه بهذا الاعتبار ~~بلا نزاع وبهذا المعنى يقال انه انصرم وانقضى وفرغ ونفذ واما بالمعنى ~~المتنازع فيه فهو أنه لا بداية له أي لم تزل آحاده متعاقبة # وأما النزاع المعنوي فهو أنه هل يعقل انقضاء ما يقدر أنه لا بداية له ولا ~~ينتهي من جهة مبدئه أولا ولا ريب أن المستدل لم يذكر دليلا على امتناع ~~انقضاء ذلك لكن أخذ لفظ ما لا يتناهى ولفظ مالا يتناهى فيه إجمال فقد يعنى ~~به مالا يتناهى في المستقبل من جهة آخره فإذا قيل إن هذا ينقضي كان PageV02P370 ~~ذلك جمعا بين النقيضين وقد يعنى به ما لا بداية له وهو ينازع في إمكان ذلك ~~لأنه حينئذ يكون له نهاية بلا بداية وكأنه يقول ماله نهاية فلا بد له من ~~بداية ومنازعوه يقولون هذا مسلم في الأشخاص فكل شخص ينتهي فلا بد له من ~~مبدأ إذا لو لم يكن له مبدأ لكان قديما وما وجب قدمه امتنع عدمه كما سيأتي ~~وينازعونه في النوع ويقولون يمكن أن يقال إن الله لم يزل يفعل شيئا بعد شيء # وسيأتي إن شاء الله كلام الرازي على إفساد هذه الحجة التي ذكرها هاهنا ~~على تناهي الحوادث بكلام لم يذكر عنه جوابا # قال الرازي وان كان الجسم في الأزل ساكنا كان ذلك ممتنعا لأن السكون ~~وجودي وكل وجودي أزلي فإنه يمتنع زواله # والمنازع نازعه في كون السكون وجوديا ولم ينازعه في أن الوجود الأزلي ~~يمتنع زواله وقد قرر ذلك الرازي بأن القديم إما واجب بذاته أو ممكن يكون ~~مؤثرة موجبا بذاته سواء كان تأثيره بنفسه أو بشرط لازم PageV02P371 ~~له ولا يحتاج ms0444 إلى هذا بل يقال القديم إن كان واجبا بنفسه امتنع عدمه وان لم ~~يكن كذلك فالمقتضى له سواء سمي موجبا أو مختارا إما أن يتوقف اقتضاؤه له ~~على شرط محدث أو لا والثاني ممتنع فإن القديم لا يتوقف على شرط محدث إذ لو ~~توقف عليه لكان القديم مع المحدث أو بعده وإذا لم يتوقف على شرط محدث لزم ~~أن يكون قد وجد المقتضي التام المستلزم له في الأزل وحينئذ فيجب دوامه ~~بدوام المقتضي التام ثم كون القديم لا يكون مقتضي له اختيار فيه كلام ونزاع ~~وليس هذا موضعه والمقصود هنا أن منازعه نازعه في كون السكون وجوديا # وقد احتج عليه الرازي بأن تبدل حركة الجسم الواحد بالسكون وبالعكس يقتضي ~~كون أحدهما وجوديا لأن رفع العدم ثبوت فيكون الآخر وجوديا لأن الحركة هي ~~الحصول في حيز مسبوقا بالحصول في الآخر والسكون هو الحصول في حيز مسبوقا ~~بالحصول فيه فاختلافهما إنما هو بالمسبوقية بالغير وإنها وصف عرضي لا يمنع ~~اتحاد الماهية فيلزم كونهما وجوديين PageV02P372 ~~قال الأرموي ولقائل أن يقول الحركة والسكون متقابلان تقابل الضدين أو تقابل ~~العدم والملكة والبديهة حاكمة باختلاف الضدين في تمام الماهية وكذا العدم ~~والملكة وأيضا المسبوقية وصف عرضي لما به الاشتراك والوصف العرضي لما به ~~الاشتراك يكون ذاتيا للماهية المركبة منهما # قلت مضمون ذلك أن الرازي احتج بأن السكون من جنس الحركة وإنما يختلفان في ~~كون أحدهما مسبوقا بالغير وهذا اختلاف في وصف عرضي لا يمنع التماثل في ~~الحقيقة فمنعه الأرموي بمقدمتين بل أبطل الأولى بأن المتقابلين تقابل ~~الضدين كالسواد والبياض والحلاوة والمرارة ونحو ذلك هما مختلفان في الحقيقة ~~وكذا المتقابلان تقابل العدم والملكة كالعمى والبصر والحياة والموت والعلم ~~والجهل ونحو ذلك والحركة مع السكون إما من هذا وإما من هذا فكيف تجعل حقيقة ~~أحدهما مماثلة لحقيقة الآخر وأنهما لا يختلفان إلا بوصف عرضي PageV02P373 ~~وإيضاح هذا أن الحركة ليست من جنس الحصول المشترك بينها وبين السكون فإن ~~كون الشيء في هذا الحيز وفي هذا الحيز معقول مع قطع ms0445 النظر عن كونه متحركا ~~فإنه إذا قدر أنه سكن في الحيز الثاني كان هذا الحصول من جنس ذلك الحصول ~~وأما نفس حركته فأمر زائد على مطلق الحصول المشترك ومنع الثانية وجعل سند ~~منعه أن قول القائل المسبوقية وصف عرضي إن عني أنها ليست ذاتية فلا دليل ~~على ذلك وإن عني أنها عرضية لما اشتركا فيه فالعرض لما به الاشتراك قد يكون ~~ذاتيا للحقيقة المركبة من المشترك والمميز كالناطقية فإنها تعرض للحيوانية ~~ليست ذاتية لها ثم إنها ذاتية للإنسانية المركبة من الحيوانية والناطقية # والرازي قد يمكنه أن يجيب عن هذا بأن كون هذا مسبوقا بهذا إنما هو أمر ~~إضافي أي هو متأخر عنه ومثل هذا لا يكون من الصفات الذاتية كالحركتين ~~المتماثلتين الثانية مع الأولى فإنهما إذا كانتا متماثلتين لم يجز أن يجعل ~~كون إحداهما مسبوقة بالغير دون الأخرى من الصفات الذاتية المفرقة بينهما # ولقائل أن يقول الحجة والاعتراض مبني على أن الصفات اللازمة للحقيقة ~~تنقسم إلى ذاتي وعرضي كما يقوله من يقوله من أهل المنطق فإن تقسيم الصفات ~~اللازمة للحقيقة إلى ما هو ذاتي داخل في الحقيقة وما هو عرضي خارج عنها قول ~~لا يقوم عليه دليل بل PageV02P374 ~~الدليل يقوم على نقيضه ولهذا لما لم يكن في نفس الأمر بينهما فرق لم يحدد ~~المفرقون بينهما حدا يفصل بينهما بل ما ذكروه من الضوابط منتقض كما هو ~~مبسوط في موضعه وإذا كانت الصفتان متلازمتين في الوجود والعدم الثبوت ~~والانتفاء لا توجد هذه إلا مع هذه وإذا انتفت هذه كان التفريق بجعل إحداهما ~~مقومة والأخرى عرضية تحكما # ثم إذا قيل الذات هي المركبة من الصفات الذاتية والصفات الذاتية مالا ~~تتصور الذات إلا بها لم تعرف الذات إلا بالصفات الذاتية ولا الصفات الذاتية ~~إلا بالذات # وأيضا فإن هذا مبني على أن وجود الشيء في الخارج زائد على حقيقته ~~الموجودة في الخارج وهو أيضا قول باطل ضعيف # وأيضا فالذات الموجودة في الخارج القائمة بنفسها كهذا الإنسان إن قيل إنه ~~مركب من عرضين لزم كون ms0446 الجوهر مركبا من عرضين وأن يكونا سابقين له وهذا ~~ممتنع في البديهة وإن قيل إنه مركب من جوهرين كل منهما يحمل عليه كما يقال ~~هو حيوان ناطق لزم أن يكون فيه جوهران أحدهما حيوان والآخر ناطق وهذا ~~مكابرة للحس والعقل إذ هو حيوان واحد موصوف بأنه ناطق PageV02P375 # وإذا كان كذلك فكون الحصول الذي هو مسبوق بحصول آخر إذا كان ذلك لازما له ~~كان من الصفات اللازمة وإذا افترق الشيئان في الصفات اللازمة لم يجب أن ~~تكون حقيقة أحدهما مثل حقيقة الآخر فإن المتماثلين هما المشتركان فيما يجب ~~ويجوز ويمتنع فإذا وجب لأحدهما مالا يجب للآخر لم يكن مثله # وللأرموي أن يقول قد تبين بطلان المقدمتين سواء كان بطريقة المنطقيين أو ~~بطريقة سائر أهل النظر الذين أنكروا على المنطقيين ما ذكروه كما أنكر سائر ~~طوائف أهل النظر من المسلمين وغيرهم عليهم كثيرا مما ذكروه في الحدود ~~وغيرها كما هو معروف في كتب أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية والكرامية ~~وطوائف الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وليس المقصود هنا ~~بسط ما يتعلق بهذا # قال الرازي وإنما قلنا السكون لا يمتنع زواله لأن الخصم يسلم جواز حركة ~~كل جسم ولأن المتحيز يجوز خروجه من حيزه لأنه إن كان بسيطا كانت طبائع ~~جوانبه متساوية فيجوز على كل منها ما يجوز على الآخر وإن كان مركبا كان هذا ~~لازما لبسائطه وخروجه PageV02P376 ~~عن حيزه هو الحركة # ولقائل أن يقول هذا يقتضي إمكان كون نوع الجسم يقبل الحركة فإذا قدر أن ~~السكون وجودي وله موجب مستلزم له كان امتناع الحركة لمعنى آخر يختص به ~~الجسم المعين لم يوجد لغيره من الأجسام فلا يلزم إذا قدر أنه موجود أزلي ~~أنه يمكن زواله بل هذا جمع بين المتناقضين فما قدر موجودا أزليا لا يمكن ~~زواله بحال ولا يمكن أن يجمع بين تقديرين متناقضين وقبول كل جسم للحركة لا ~~يحتاج إلى هذا فإذا قيل إن السكون عدم الحركة أمكن مع كون السكون أزليا من ~~إثبات الحركة مالا يمكن مع تقدير ms0447 كونه وجوديا وذلك أنه حينئذ لا تتوقف ~~الحركة إلا على وجود مقتضيها وانتفاء مانعها وليس هناك معنى وجودي أزلي ~~يحتاج إلى زواله # وقد أورد بعضهم على استدلاله على أن السكون أمر وجودي اعتراضا بالغا فقال ~~هذا فيه نظر من جهة أن مقدمة الدليل مناقضة للمطلوب لأن المطلوب كونهما ~~وجوديين ومقدمة الدليل أن أحدهما وجودي ولا يمكن تقريره إلا بما سبق وهو ~~يتقضي أن يكون أحدهما عدميا فادعاء كونهما وجوديين بعد ذلك مناقض له PageV02P377 # قلت وهذا كلام جيد فإن الأمرين اللذين تبدل أحدهما بالآخر ورفعه إن لزم ~~أن يكون أحدهما وجوديا والآخر عدميا لزم أن تكون الحركة والسكون أحدهما ~~وجوديا والآخر عدميا وهو نقيض المطلوب وإن جاز أن يكونا جميعا وجوديين أو ~~عدميين بطل الدليل وهو قوله لأن تبدل أحدهما بالآخر يقتضى أن يكون أحدهما ~~وجوديا لأن المرفوع إن كان وجوديا وإلا فالرافع وجودي لأن رفع العدم ثبوت ~~فإنه على هذا التقدير يمكن رفع العدم بالعدم والوجود بالوجود # وإن قيل بل يجب ان يكونا وجوديين أو يكون أحدهما وجوديا ولا يجوز ان ~~يكونا عدميين لأن العدم لا يرتفع بالعدم كما يرتفع الوجود بالوجود والعدم ~~بالوجود أو بالعكس # قيل بل العدمان قد يتضادان كما قد يتلازمان فكما أن عدم الشرط مستلزم ~~لعدم المشروط فعدم الأمور الواجب واحد منها ينافي عدمها كلها فإذا كان ~~الجنس لا يوجد الا بوجود نوع له فصل امتنع مع وجود الجنس عدم جميع الانواع ~~والفصول فكان عدم بعضها ينافي عدمها كلها وهذا كما يقال في التقسيم وهو ~~الشرطي المنفصل قد يكون مانعا من الجمع والخلو كقول القائل العدد إما شفع ~~وإما وتر وقد يكون مانعا من الجمع فقط كقول القائل الجسم إما أسود وإما ~~ابيض وقد يكون من الخلو فقط فما كان مانعا من الخلو فقط PageV02P378 ~~أو من الجمع امتنع اجتماع العدمين فيه فكما ان الشفعية تنافي الوترية في ~~العدد فعدم الشفعية ينافي عدم الوترية لا ثبوتها فلا يحصل العدمان معا بل ~~إذا ثبت أحد العدمين لم يثبت ms0448 العدم الآخر فيكون العدم رافعا للعدم # وأيضا فمطلوب المستدل ان تكون الحركة والسكون وجوديين فإذا قال تبدل ~~الحركة بالسكون يقتضي كون أحدهما وجوديا لأن رفع العدم ثبوت كان إثبات ~~كونهما وجوديين موقوفا على تقدير كون أحدهما عدميا لأنه قال لأن رفع العدم ~~ثبوت فإن لم يكن أحدهما عدميا لم يصح هذا وإذا كان المرفوع عدميا امتنع أن ~~يكونا وجوديين والمطلوب كونهما وجوديين فصار المطلوب مناقضا لمقدمة الدليل ~~كما ذكره المعترض # لكنه قال فالأولى أن يقال في تقريره ان الحركة وجودية إجماعا ولأنه مبصر ~~فوجب أن يكون السكون أيضا وجوديا بالتقرير الذي سبق # ثم ذكر اعتراض الأرموي فقال وأورد بينهما إما تقابل التضاد أو العدم ~~والملكة والبديهة حاكمة باختلاف ماهية المتضادين والمتقابلين # قال وأجيب بأن التضاد بين الشيئين إذا كان عارضا لهما كما بين الأسود ~~والأبيض لم يلزم ذلك وما نحن فيه كذلك فإن تضاد عارض لهما بسبب المسبوقية ~~بالغير وهي عدمية فلم يجز أن تكون PageV02P379 ~~جزءا ولأنه ليس جعل السكون عبارة عن عدم الحركة أولى من العكس فإما أن ~~يكونا عدميين وهو باطل وفاقا وفتعين أن يكونا وجوديين # ولقائل أن يقول التضاد بين الحركة والسكون من جنس التضاد بين الحياة ~~والموت والعلم والجهل والقدرة والعجز والسواد والبياض والعمى والبصر ~~والحلاوة والحموضة ونحو ذلك من الصفات الثبوتية أو التي بعضها ثبوتي وبعضها ~~عدمي ليس هو من جنس تضاد القائمين بأنفسهما كالأسود والأبيض فإن التضاد ~~إنما يكون في المعتقبين اللذين يعتقبان على محل واحد كما قال متكلمة أهل ~~الإثبات الضدان كل معنيين يستحيل اجتماعهما في محل واحد لذاتيهما من جهة ~~واحدة فما لم يكن المعنيان قائمين بمحل واحد فلا تضاد والحركة والسكون ~~يتعقبان على المحل الواحد اما تعاقب اللونين والطعميين واما تعاقب العلم ~~والبصر والسمع وعدم ذلك فكيف يكون إحداهما مثل الآخر لا يفارقه إلا بصفة عرضية # وفي الجملة فالحركة والسكون هما ان كانا وجوديين فهما عرضان وان كان ~~احداهما وجوديا فإحداهما عرض والآخر عدم العرض وعلى التقديريين فلسا قائمين ~~بأنفسهما فلا ms0449 يجوز تشبيههما بالأجسام كالأسود والأبيض والطويل والقصير ~~والعالم والجاهل بل يجب تشبيههما بالإعراض وعدم الإعراض كالسواد والبياض ~~والعلم وعدم العلم ونحو ذلك PageV02P380 ~~فقول الأرموي إن الحركة والسكون متقابلان تقابل الضدين أو تقابل العدم ~~والملكة وعلى التقديرين يجب اختلاف ماهيتهما لا تماثلهما كلام صحيح وقول ~~المعارض له إن الاختلاف إذا كان لعارض كما بين الأسود والأبيض لم يجب ~~اختلاف الماهيتين فإن ماهية الأسود من جنس ماهية الأبيض كلام باطل لأن ~~الأسود والأبيض من باب الأجسام القائمة بأنفسها لا من باب الصفات والاعراض # وأيضا فالأسود والأبيض لا يتقابلان تقابل الضدين ولا تقابل العدم والملكة ~~فليسا من هذا الباب اللهم إلا إذا أراد مريد بذلك أن الحيز الذي فيه الأسود ~~لا يكون فيه الأبيض وحينئذ فيكون تضاد الأبيض والأسود كتضاد الأسودين ~~والأبيضين # وأيضا فيقال اختلاف الأسود والأبيض يراد به اختلاف عينهما مع قطع النظر ~~عن السواد والبياض أو بشرط السواد والبياض فإن اريد الأول فلا اختلاف بين ~~ذاتيهما مع قطع النظر عن اللونين فإن الجسم الذي هو الأسود قد يكون نفس ~~الجسم الذي هو الأبيض وإن أريد بالإختلاف اختلافهما بشرط اللون المختلف ~~فحينئذ يكون اختلافهما كاختلاف السواد والبياض فإن الشيء المشروط السواد ~~مخالف للشيء المشروط بالبياض ولا يجوز أن يقال إن الذاتين متماثلتان إلا مع ~~التجريد PageV02P381 ~~عن الاختلاف والا فإذا أخذت الذاتين مشروطتين بالإختلاف لم يكونا متماثلتين ~~التماثل الذي لا يشترط فيه الاختلاف كيف والمتماثلان يجوز على أحدهما ما ~~يجوز على الآخر والشيء في حال سواده لا يجوز أن يكون ابيض وهو في حاله ~~بياضه لا يكون اسود فلا يكون الأسود حال كونه مشروطا بالسواد يجوز عليه ما ~~يجوز على الأبيض حال كونه مشروطا بالبياض # وقول القائل إن الاختلاف بين الحركة والسكون عارض بسبب المسبوقية بالغير ~~ليس بمسلم له فإنه يعقل التضاد بينهما مع عدم خطور المسبوقية بالبال كما ~~يعقل التضاد بني العلم والجهل والقدرة والعجز والسواد والبياض # وقول القائل ليس جعل السكون عبارة عن عدم الحركة بأولى من العكس دعوى ~~مجردة فلا ms0450 نسلم انتفاء هذه الأولية بل هذه الدعوى بمنزلة قول القائل ليس ~~جعل العمى عدم البصر بأولى من العكس وليس جعل الصمم عدم السمع بأولى من ~~العكس وليس جعل الجهل البسيط عدم العلم بأولى من العكس وليس جعل أحد ~~المتقابلين عدما والآخر وجودا بأولى من العكس # ومعلوم أن كل هذه دعاوي مجردة بل باطلة فإنا نعلم بالحس أن الحركة أمر ~~وجودي كما نعلم أن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر أمر وجودي وأما كون ~~ما يقابل ذلك هو ضد ما ينافيها أو PageV02P382 ~~عدمها عن محلها فهذا فيه نظر ولهذا تنازع العقلاء في هذا دون الأول وكثير ~~من النزاع في ذلك يكون لفظيا فإنه قد يكون عدم الشيء مستلزما لأمر وجودي ~~مثل الحياة مثلا فإن عدم حياة البدن مثلا مستلزم لأعراض وجودية # والناس تنازعوا في الموت هل هو عدمي أو وجودي ومن قال إنه وجودي احتج ~~بقوله تعالى { خلق الموت والحياة } سورة الملك 2 فأخبر أنه خلق الموت كما ~~خلق الحياة ومنازعه يقول العدم الطارئ يخلق كما يخلق الوجود أو يقول الموت ~~المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة وحينئذ فالنزاع لفظي وكذلك ~~تنازعوا في الظلمة هل هي وجودية أو عدمية وهي عدم النور عما من شأنه قبوله ~~ومن قال إنها وجودية يحتج بقوله تعالى { وجعل الظلمات والنور } سورة ~~الأنعام 1 والآخر يقول كل ما يتجدد ويحدث من الأمور الوجودية والعدمية ~~فالله سبحانه جاعله أو يقول عدم النور مستلزم لأمور وجودية هي الظلمة ~~المجعولة وكون السكون وجوديا ابعد من كون الموت والظلمة ونحو ذلك وجوديا ~~والسكون قد يراد به قوة في الجسم تمنع حركته كالطبيعة التي في الحجر التي ~~توجب استقراره في الأرض وهذا أمر وجودي لكن من قال إن السكون عدمي لم يجعل ~~تلك الطبيعة هي السكون بل قد يسمون ذلك اعتمادا ويفرقون بين السكون ~~الاعتماد لكن قد PageV02P383 ~~يقال له فالجسم إذا كان ساكنا فإما أن يكون السكون وجوديا أو مستلزما لأمر ~~وجودي وحينئذ فالمقتضي لذلك الأمر الوجودي إما موجب بنفسه ويساق ms0451 الدليل إلى ~~آخره لكن من قال إن الجسم الأول كان ساكنا في الأزل ثم تحرك يقول في هذا ما ~~يقوله القائلون بحدوث الأجسام فإنهم إذا قالوا حدثت هي وحركتها من غير سبب ~~يقتضي حدوثها قال لهم هذا المنازع بل كان ما قدر قديما من الأجسام ساكنا ثم ~~حدثت حركته من غير سبب يقتضي تحركها وهذا يقوله من يقول إن الأول جسم وإنه ~~يتجدد له الفعل بعد أن لم يكن له فاعلا ويقول الكلام في حدوث الفعل القائم ~~به كالكلام في حدوث المفعول المنفصل عنه # وذلك أن أهل الكلام والنظر من أهل القبلة وغيرهم تنازعوا في ثبوت جسم ~~قديم فطائفة قالت بامتناع جسم قديم وحدوث كل جسم وتنازعوا في المحدث للجسم ~~هل أحدث بعد أن لم يكن محدثا بدون سبب حادث أصلا أم لا بد من سبب حادث وهل ~~تقوم به أمور حادثة كإرادة حادثة وتصور حادث بل وفعل حادث على قولين لهم PageV02P384 ~~وطائفة قالت بثبوت جسم قديم ثم هؤلاء منهم من قال لم يزل فاعلا متحركا ~~ومنهم من قال بل تجدد له الفعل والحركة فإذا احتج الاولون على هؤلاء بأن ~~الجسم لو كان أزليا لم يخل من الحركة والسكون والحركة لا تكون أزلية ~~لامتناع دوام الحوادث وتسلسلها والسكون لا يكون أزليا لأنه وجودي فلو كان ~~أزليا لامتنع زواله لأن الوجودي الأزلي يمتنع زواله لأن المقتضى له إما ~~موجب بنفسه أو لازم للموجب بنفسه ثم نقول والسكون يجوز زواله فلا يكون أزليا # أجابوهم عن جواز دوام الحوادث بأجوبتهم المعروفة كما تقدم التنبيه على ~~ذلك وأجابوهم عن السكون الزلي بأن قالوا ما ذكرتموه يناقض ما ذكرتموه في ~~حدوث الأجسام وذلك أنكم إذا قلتم بحدوثها فلا يخلو إما ان تقولوا بجواز ~~تسلسل الحوادث واما أن لا تقولوا بجواز ذلك # فإن قلتم بجواز تسلسل الحوادث وان الأجسام حدثت بشرط حوادث متعاقبة كما ~~قال ذلك من قاله من القائلين بحدوث الأجسام كالأرموي والأبهري وغيرهما ~~قالوا لهم فإذا جوزتم تسلسل الحوادث بطل دليلكم على امتناع التسلسل ms0452 في ~~الآثار أمكن حينئذ أن يكون الجسم القديم لم يزل متحركا فبطل دليلكم على ~~حدوث الجسم # وان قلتم لا يجوز تسلسل الحوادث والآثار وقلتم بحدوث PageV02P385 ~~الأجسام من غير سبب حادث لزم أن لا يكون حدوث الحادثات متوقفا على سبب حادث ~~بل كان الفاعل المختار يحدث ما يحدث من غير سبب حادث أصلا كما يقول ذلك من ~~يقوله من المعتزلة ومن وافقهم # وحينئذ فيقول لهم منازعوهم من الهشامية والكرامية وغيرهم فيجوز حينئذ ان ~~يكون الجسم القديم الازلي تحرك بعد أن كان ساكنا من غير سبب أوجب ذلك بل ~~بمحض المشيئة والقدرة لأن القادر المختار يمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا ~~مرجح يرجح السكون تارة والحركة أخرى # فإن قالوا هم فنحن نقول يفعل بعد ان لم يكن فاعلا فإذا قلتم السكون أمر ~~وجودي جعلتموه فاعلا في الأزل الامر وجودي والفعل في الأزل محال # قالوا لهم نحن ليس لنا غرض في أن نجعل السكون امرا وجوديا ولا ان جعله ~~فاعلا في الأزل لأمر وجودي بل اتفقنا نحن وانتم على انه يفعل ما لم يكن ~~فاعلا له من غير سبب حادث لكن نزاعنا في الفعل هل يقوم به وفي الفاعل هو ~~جسم فإذا طالبتمونا بسبب فعله للحركة بعد السكون قلنا لكم هذا بمنزلة فعله ~~لكل محدث بعد ان لم يكن فاعلا والفرق إنما يعود إلى محل الفعل لا إلى سببه PageV02P386 ~~ومقتضيه وتلك مسألة اخرى قد تكلم عليها في غير هذا الوضع والا فمن جهة ~~المطالبة بسبب الفعل الحادث لا فرق بيننا وبينكم بل قولنا اقرب إلى المعقول ~~من قولكم فان أحداث الأمور المنفصلة بدون حدوث فعل يقوم بالفاعل أمر غير ~~معقول بخلاف العكس # فإذا قالوا لهم السكون أمر وجودي فإذا كان أزليا كان له موجب قديم ويمتنع زواله # قالوا لهم حدوث ما يحدث اما ان يقف على سبب حادث واما ان لا يقف فإن وقف ~~على امر حادث بطل قولكم بحدوث الأجسام وان لم يقف فقد يقال فرق بين حدوث ~~حادث يزيل أمرا عدميا ms0453 فإن لم يقف بطل قولكم بحدوث الأجسام وان وقف فلا فرق ~~بين حدوث حادث يزيل أمرا وجوديا أو حدوث حادث يزيل أمرا وجوديا وذلك أنه ان ~~جوز على الفاعل أن يحدث ما يحدث من غير تجدد أمر فقد تغير الأمر الذي لم ~~يزل بلا سبب اقتضى التغير إلا محض مشيئة الفاعل وقدرته وحينئذ فيجوز أن ~~يتغير السكون الذي لم يزل بدون سبب يقتضي التغير إلا محض مشيئة الفاعل ~~وقدرته وإذا كان الفاعل القادر المختار قادرا على أن يحدث ما يحدث ويجعل ~~المعدوم موجودا بدون سبب حادث أصلا لأنه يمكنه ترجيح احد طرفي الممكن بلا ~~مرجح كان قادرا على أن يجعل PageV02P387 ~~الساكن متحركا بدون سبب حادث أصلا لأنه يمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا ~~احداث الأجسام التي تكون ساكنة ومتحركة أعظم من احداث نفس حركاتها فإذا ~~امكنه احداثها بدون سبب حادث فإحداث حركاتها أمكن وأمكن # وقال له ملو خلق الباري تعالى جسما ساكنا ثم أراد تحركيه بدون سبب حادث ~~أكان ذلك ممكنا أو ممتنعا # فإن قلتم يمتنع ذلك بطل مذهبكم ودليلكم وان قلتم يمكن ذلك قيل لكم فالقول ~~في زوال ذلك السكون كالقول في زوال غيره فإنه يقال السكون امر وجودي وذلك ~~السكون الوجودي لا بد له من سبب وحينئذ فتجيء مسألة زوال الضد هل هو بإحداث ~~ضد آخر أو باحداث عدمه أو بخلق فناء أو نفس الاعراض لا تبقى فيقال في هذا ~~ما يقال في ذلك ومن قال السكون الوجودي لا يبقى زمانين بل ينقضي شيئا فشيئا ~~قيل له فكذلك إذا قدر السكون قديما فإنه لا يبقى زمانين بل يحدث شيئا فشيئا ~~وحينئذ فكل جزء من أجزاء السكون ليس هو قديما بنفسه كما قلتم في كل جزء من ~~أجزاء الحركة ليس هو قديما بنفسه # فإذا كان القائلون بأن السكون أمر وجودي يقولون إنه يتجدد شيئا فشيئا كما ~~يقولون مثل ذلك في الحركة PageV02P388 ~~قيل لهم فيكون دليلكم على امتناع كون الأزلي ساكنا من جنس دليلكم على ~~امتناع كونه متحركا وهو تناهي ms0454 الحوادث وقد تقدم الكلام فيه # فإذا قالوا السكون امر وجودي فإذا كان قديما امتنع زواله لن ما وجب قدمه ~~امتنع عدمه لأن القديم إما أن يكون واجبا بنفسه أو من لوازم الواجب بنفسه # قيل لهم هذا مثل أن يقال عدم الفعل هو تركه وترك الفعل أمر وجودي فإذا ~~كان قديما امتنع عدمه لان ما وجب قدمه امتنع عدمه # فإذا قالوا عدم الفعل ليس هو تركا وجوديا امكن ان يقال عدم الحركة ليس هو ~~سكونا وجوديا # وقد ضعف الآمدي وغيره هذه الحجة حجة الحركة والسكون وهي فاسدة على اصول ~~من يقول بأن الاعراض لا تبقى زمانين من هذه الجهة وهي في الاصل من حجج ~~المعتزلة الذين يقولون بجواز بقاء الاعراض لكن من ينازعهم من الهشامية ~~والكرامية وغيرهم ممن يقول بإثبات جسم قديم وأنه قام من الفعل ما لم يكن ~~قائما سواء سموا ذلك حركة كما يقر بعضهم بذلك أو لم يسموه حركة كما يمتنع ~~بعضهم من ذلك فإن المقصود المعاني العقلية لا الإطلاقات اللفظية PageV02P389 ~~فاذا قال من قال من معتزلة البصرة ان إفناء الأجسام بإحداث فناء لا في محل ~~كما ان احداثها بحدوث إرادة لا في محل والتزموا حدوث عرض لا محل له وحدوث ~~الحوادث بلا سبب حادث وأن من الحوادث ما يحدث بدون إرادة وقالوا لا يزول ~~الضد إلا بحدوث ضده # قال لهم هؤلاء فكذلك إذا قدرنا جسما قديما تحرك بعد أن كان ساكنا كان ~~زوال ذلك السكون بحدوث ضده من الحركة وحدوث ذلك بما به يحدث المنفصل ومن ~~قال العرض يعدم بإحداث اعدام كما هو أحد القولين لمتكلمه أهل لأثبات من ~~الأشعرية والكرامية وغيرهم قالوا ذلك السكون يعدم بإحداث اعدام والقول في ~~سبب حدوث الاعدام كالقول في حدوث سبب الاحداث # وان قالوا ان السكون ينقضي شيئا فشيئا كما تنقضي الحركة شيئا فشيئا كما ~~قالوا مثل ذلك في سائر الاعراض كما هو أحد قولي أهل الاثبات من الأشعرية ~~وغيرهم قالوا لهم فالسكون اذن كالحركة فكما ان الحركة متعاقبة الاجزاء ~~فكذلك ms0455 السكون # ولا ريب ان هذه الأمور تلزم المستدلين بدليل الحركة والسكون لزوما لا ~~محيد عنه وإنما التبس مثل هذا لأن الواحد من هؤلاء يبني على المقدمة ~~الصحيحة في موضع ويلتزم ما يناقضها في موضع آخر فيظهر PageV02P390 ~~من تناقض أقوالهم ما يبين فسادها لكن قد يكونوا ما أثبتوه في احد الموضعين ~~صحيحا متفقا عليه فلا ينازعهم الناس فيه ولا في مقدماته وقد تكون المقدمات ~~فيها ضعف لكن لكون النتيجة صحيحة يتساهل الناس في تسليم مقدماتها وانما يقع ~~تحرير المقدمات والنزاع فيها إذا كانت النتيجة مورد نزاع # والمسلمون متفقون على ان الله سبحانه وتعالى وصفاته اللازمة لذاته لا ~~يجوز عليها العدم وقد اشتهر في اصطلاح المتكلمين تسميته بالقديم بل غالب ~~المعتزلة ومن سلك سبيلهم غالب ما يسمونه بالقديم وان كان من المعتزلة ~~وغيرهم من لا يسميه بالقديم وان سماه بالأزلي واكثرهم يجعلون القدم أخص ~~وصفه كما أن الفلاسفة المتأخرين الإلهين غالب ما يسمونه به واجب الوجود ~~والمتقدمون منهم غالبا ما يسمونه به العلة الاولى والمبدأ الاول # فإذا قرر المقرر ان ما وجب قدمه امتنع عدمه كان من العلوم أن الرب القديم ~~الواجب الوجود يمتنع عدمه تعالى وليس عند المسلمين قديم قائم بنفسه غيره ~~حتى يقال انه يمتنع عدمه تعالى وليس عند المسلمين قديم قائم بنفسه غيره حتى ~~يقال انه يمتنع عدمه والمتفلسفة القائلون بقدم الافلاك يقولون انه يمتنع ~~عدمها فهذه المقدمة وان كانت صحيحة في نفسها فلا يصلح أن يستدل بها من قال ~~بما يناقضها أو بما يستلزم ما يناقضها فإن نفس ما يستدل به عليها إذا ناقض ~~قوله أمكن PageV02P391 ~~معارضه أن يبطل حجته بالإعتراض المركب لا سيما إذا اقتضى فساد قوله على ~~التقديرين # فمن كان من اصل قوله ان الفاعل المختار له أن يرجح احد المقدورين على ~~الآخر بلا مرجح اصلا بمجرد كونه قادرا أو بمجرد ارادته القديمة وقدر مع ذلك ~~جسم قديم قادر مختار يقبل الحركة والسكون كان تحركه بعد سكونه الدائم ~~بمنزلة تحريكه لغيره فإن أمكن تحريكه لغيره بمجرد ms0456 كونه قادرا أو بمجرد ~~ارادته امكن ذلك في هذا الموضع ولا يمتنع من ذلك إلا ان يقول دليل على ان ~~الجسم يمتنع قدمه أو ان القديم يمتنع كونه يتحرك لكن هؤلاء إذا لم يثبتوا ~~حدوث الجسم او امتناع تحرك القديم إلا بهذا الدليل لم يمكنهم ان يجعلوا من ~~مقدمات الدليل حدوث الجسم او امتناع حركة القديم بل إذا كان حدوث الجسم أو ~~أمتناع حركة القديم موقوفا على هذا الدليل كانوا قد صادروا على المطلوب ~~وجعلوا المطلوب حجة في اثبات نفسه لكن غيروا العبارات وداروا الدورات وهم ~~من موضعهم لم يتغيروا فلهذا كان من وافقهم وفهم كلامهم حائرا لم يفده علما ~~ومن لم يفهمه ووافقهم كان جاهلا مقلدا لاقوام جهال ضلال يظهرون انهم من ~~أعلم الناس واصول الدين والكلام والعقليات # ثم ان الرازي ذكر من جهة المنازعين بأن هذه الوجوه الستة في امتناع كون ~~الجسم ازليا متحركا التي تقدمت وتقدم اعتراض PageV02P392 ~~الأرموي عليها معارضة بأن امتناع الحركة في الأزل ان كان لذاتها وجب ان لا ~~توجد اصلا وان كان بغيرها فذلك المانع ان كان واجبا لذاته فكذلك وان كان ~~واجبا لغيره عاد الكلام فيه وتسلسل او ينتهي إلى واجب الوجود لذاته ولزم ~~امتناع زوال المانع # فإن قلت المانع هو مسمى الأزل لأنه ينافي المسبوقية بالغير إلى تقتضيها ~~الحركة وانه زائل فيما لا يزال # قلت الترديد المذكور عائد في مسمى الأزل انه هو واجب لذاته او لغيره # وأجاب الرازي عن هذه المعارضة فقال قوله صحة الحركة ازلية قلنا انه لا ~~يلزم من ازلية الصحة صحة الازلية قلت ولقائل ان يقول ما تعني بقولك صحة ~~الحركة ازلية اتعني به انه يصح وجود الحركة في الأزل ام تعني به انه في ~~الأزل يصح الحكم عليها بالصحة فيما لا يزال PageV02P393 ~~أما الأول فهو تسليم للمطلوب واما الثاني فهو حكم علمي لا كلام فيه ~~كالأحكام العقلية الذهنية فينا فإنه يصح في الازل الحكم بالامتناع على ~~الممتنعات كما يصح الحكم بالجواز على الجائزات ثم يقال الحركة في ms0457 الأزل اما ~~ممتنعة الامكان العام الذي يدخل فيه الواجب واما ممكنة فان كانت ممتنعة فهو ~~باطل كما تقدم وان كانت ممكنة كان الدليل على امتناعها باطلا فبطلت الوجوه ~~الدالة على امتناع الحركة في الازل # ولم يرضى أبو الحسن الآمدي هذا الجواب الذي ذكره الرازي بل ذكر جوابا آخر ~~فقال وجوابه أن يقال لا يلزم من امتناع الوجود الازلي على الحركة لذاتها ~~امتناع الوجود الذي ليس بأزلي فإذا ما هو الممتنع غير زائل وهو الوجود ~~الأزلي وما هو الجائز لم يكن ممتنعا # قلت ولقائل ان يقول هذا يستلزم انقلاب الشيء من الامتناع الذاتي إلى ~~الامكان الذاتي من غير تجدد سبب يوجب هذا الإنقلاب بما لا ينضبط لا في ~~الوجود ولا في العقل فإن الامكان الذاتي ثابت بالضرورة والاتفاق وما من وقت ~~يقدر فيه الامكان إلا والامكان ثابت قبله لا إلى غاية فليس للإمكان ابتداء محدود # يبين ذلك انه قد يقال صحة الحركة أو امكان الحركة او جواز PageV02P394 ~~الحركة وصحة الفعل او جواز الفعل او امكان الفعل اما ان يكون له ابتداء ~~واما ان لا يكون فإن لم يكن له ابتداء لزم انها لم تزل جائزة ممكنة فلا ~~تكون ممتنعة فتكون جائزة في الأزل وان كان لجوازها ابتداء فمعلوم انه ما من ~~وقت يقدره الذهن إلا والجواز ثابت قبله فكل ما يقدر فيه الجواز فالجواز ~~ثابت قبله لا إلى غاية فعلم انه ليس للجواز بداية فيكون جواز ثبوت الحركات ~~دائما لا ابتداء له ويلزم من ثبوت الجواز عدم الامتناع # وإذا قال القائل ان مسمى الحركة ممتنع في الأزل قيل معنى هذا الكلام أن ~~مسمى الحركة يمتنع أن يكون قبله حركة اخرى لا إلى اول وزوال الأزل ليس ~~موقوفا على تجدد أمر من الامور فإن المتجدد هو من الحوادث فتكون الحركة ~~ممتنعة ثم صارت ممكنة من غير تجدد أمر من الامور # فإن قيل المتجدد هو عدم الأزل او انقضاء الأزل او نحو ذلك # قيل عدم الأزل ليس شيئا كان موجودا فعدم ولا معدوما ms0458 فوجد إذ معنى الأزل ~~في الماضي كمعنى الأبد في المستقبل فما ليس بأزلي فهو متجدد حادث فإذا قيل ~~يشترط في جواز المتجدد الحادث تجدد المتجدد الحادث كان المعنى أنه يشترط في ~~امكان الشيء ثبوته ومن المعلوم ان ثبوته كاف في إمكانه PageV02P395 ~~يوضح هذا أن القائل إذا قال كل ما يسمى متجددا حادثا أما أن يكون ممكنا في ~~الأزل واما أن لا يكون فإن كان ممكنا بطل القول بامتناعه في الأزل وان كان ~~ممتنعا ثم صار ممكنا لزم انقلاب الشيء من كونه ممكنا الى كونه ممتنعا من ~~غير تجدد شيء أصلا وإذا كان القول بحدوث الحوادث بلا سبب ممتنعا لاستلزامه ~~ترجيح احد طرفي الممكن بلا مرجح فالقول بتجدد الامكان والجواز او حدوث ~~الامكان والجواز بلا سبب حادث اولى بالامتناع اذ كانت الحقيقة المحكوم ~~عليها بالجواز والامتناع هي هي بالنسبة إلى كل ما يقدر في كل وقت وقت وإذا ~~كانت نسبة الحقيقة إلى كل ما يقدر من الاوقات كنسبتها إلى الوقت الآخر ~~امتنع اختصاص احد الوقتين بجواز الحقيقة فيه دون الوقت الآخر وإذا امتتنع ~~الاختصاص إلا بمخصص ولا مخصص لزم اما الامتناع في جميع الاوقات وهو باطل ~~بالحس والاجماع فلزم الامكان والجواز في جميع الاوقات وهو المطلوب # وعلى هذا التقدير فيمكن أن ينظم ما ذكروه من المعارضة بعبارة لا يرد ~~عليها ما ذكر بأن يقال إن قيل ان الحركة لم تزل ممكنة PageV02P396 ~~ثبت المطلوب وان قيل انها كانت ممتنعة ثم صارت ممكنة فالإمتناع اما لذاتها ~~واما لموجب واجب بذاته وعلى التقديرين فيلزم دوام الامتناع وان كان لا ~~لذاتها ولا لموجب بذاته فلا بد أن يكون الامتناع لأمر واجب بغيره وحينئذ ~~فالكلام في ذلك المانع كالكلام في غيره ويلزم التسلسل ثم يقال تسلسل ~~الموانع ان كان ممكنا ثبت جواز التسلسل وامكن القول بتسلسل الحوادث وان كان ~~تسلسل الموانع ممتنعا بطل كون الامتناع متسلسلا وقد بطل كونه واجبا بنفسه ~~او بغيره فلا يكون الامتناع ثابتا في الأزل فيثبت نقيضه وهو الإمكان # وإيضاح ذلك بعبارة ms0459 أخرى ان يقال مسمى الحركة اما ان يكون ممتنعا في الأزل ~~واما ان لا يكون فإن لم يكن ممتنعا في الأزل ثبت امكانه فيكون مسمى الحركة ~~ممكنا في الأزل وان كان ممتنعا في الأزل فامتناعه اما لنفسه واما لموجب ~~واجب بنفسه او لازم للواجب وحينئذ فلا يزول الامتناع وان كان لمعنى متسلسل ~~لزم جواز التسلسل وهو يستلزم بطلان الاصل الذي بني عليه امتناع تسلسل ~~الحوادث # وسر هذا الدليل ان الازل ليس هو شيئا معينا محدودا ولكن ما من وقت يقدر ~~إلا وقبله شيء آخر وهلم جرا وهذا هو التسلسل فيلزم من تحقق الأزل التسلسل PageV02P397 ~~لكن قد يقال تسلسل العدميات ليس كتسلسل الوجوديات بل تسلسل العدميات ممكن ~~بخلاف تسلسل الوجوديات ويكون حدوث الحوادث موقوفا على تسلسل العدميات فيقال ~~ان لم يكن تسلسل العدميات أمرا محققا فلا حقيقة له فيكون امكان حدوث ~~الحوادث موقوفا على ما لا حقيقة له وهذا باطل وان كان تسلسلها امرا محققا ~~فقد ثبت ان تسلسل الامور المحققة جائز وانه ازلي مع أن كل واحد من تلك ~~التسلسلات ليس بأزلي وهذا ينقض ما ذكروه في امتناع تسلسل الحوادث فهم بين ~~امرين اما ان يقولوا بالترجيح بلا مرجح واما ان يقولوا بجواز التسلسل وهذا ~~بعينه هو الذي يلزمهم في قولهم انه لا بد للحوادث من ابتداء فكما انهم في ~~هذا يلزمهم اما الترجيح بلا مرجح واما التسلسل فكذلك في قولهم انه لا بد ~~لامكانها من ابتداء يلزمهم اما هذا واما هذا والقول بالترجيح بلا مرجح تام ~~ممتنع وهم متفقون على ان الترجيح بلا فاعل مرجح ممتنع لكن لا يشترطون تمام ~~ما به يكون مرجحا بل يقولون يحصل الترجيح التام من غير حصول الرجحان ويحصل ~~الرجحان بدون المرجح التام بناءا على ان القادر يرجح احد مقدورية بلا مرجح ~~إذ ان الارادة القديمة ترجح احد المثلين بلا مرجح والقول بجواز التسلسل PageV02P398 ### | AUTO يبطل القول بامتناع التسلسل فثبت بطلان قولهم على التقديرين ~~درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية أو موافقة صحيح المنقول ms0460 لصريح المعقول PageV02P399 # قال الرازي البرهان الثاني كل جسم متناهى القدر وكل متناهى القدر محدث ~~وقرر الثانية بان متناهى القدر يجوز كونه أزيد وأنقص فاختصاصه به دونهما ~~لمرجح مختار وإلا فقد ترجح الممكن لا عن المرجح وفعل المختار محدث # قال الأرموي ولقائل أن يمنع لزوم الترجيح لا لمرجح # قلت مضمونه أنه يقول لا نسلم أنه إذا لم يكن المرجح للقدر مختارا لزم ~~الترجيح بلا مرجح بل قد يكون أمرا مستلزما للقدر PageV03P003 # فإن المرجح أعم من أن يكون مختارا أو غير مختار فإذا قدر المرجح أمرا ~~مستلزما لذلك القدر إما أمر قائم به أو أمر منفصل عنه حصل المرجح للقدر ~~وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكمال على هذا إذا ذكرنا اعتراضات الآمدي ~~على هذا # قال الرازي البرهان الثالث لو كان الجسم أزليا لكان في الأزل مختصا بحيز ~~معين لأن كل موجود مشار إليه حسا بأنه هنا أو هناك يجب كونه كذلك والأزلي ~~يمتنع زواله لما تقدم فامتنعت الحركة عليه وقد ثبت جوازها # قال الأرموي ولقائل أن يقول معنى الأزلي الدائم لا إلى أول فيكون معنى ~~قولنا لو كان الجسم أزليا لكان في الأزل مختصا بحيز معين أنه لو كان الجسم ~~دائما لا إلى أول لكان حصوله في حيز واحد معين دائما وهو معنى السكون وهذا ~~ممنوع بل دائما يكون حصوله في موضع معين إما عينا وإما على البدل أي يكون ~~في كل وقت في حيز معين غير الذي كان حاصلا فيه قبله انتهى # قلت مضمون هذا الاعتراض أن المشار إليه بأنه هنا أو هناك لا يستلزم حيزا ~~معينا يمتنع انتقاله عنه غاية ما يقال إنه لا بد له من حيز أما كونه واحدا ~~بعينه في جميع الأوقات فلا وإذا استلزم نوع الحيز لا عينه أمكن كونه تارة ~~في هذا وتارة في هذا PageV03P004 # يوضح هذا أن هذا الحكم لازم للجسم سواء قدر أزليا أو محدثا فإن الجسم ~~المحدث لا بد له من حيز أيضا مع إمكان انتقاله عنه # فإن قال لا بد ms0461 للجسم من حيز معين يكون فيه إذ المطلق لا وجود له في ~~الخارج فإذا كان أزليا امتنع زواله بخلاف المحدث # قيل ليس الحيز أمرا وجوديا بل هو تقدير المكان ولو قدر أنه وجودي فكونه ~~فيه نسبة وإضافة ليس أمرا وجوديا أزليا # وأيضا فيقال مضمون هذا الكلام لو كان أزليا للزم أن يكون ساكنا لا يتحرك ~~عن حيزه لأن الموجود الأزلي لا يزول # فيقال إن لم يكن السكون وجوديا بطل الدليل وإن كان وجوديا فأنت لم تقم ~~دليلا على إمكان زوال السكون الوجودي الأزلي وإنما أقمت الحجة على أن جنس ~~الجسم يقبل الحركة ومعلوم أنه إذا كان كل جسم يقبل الحركة وغيرها من الصفات ~~كالطعم واللون والقدرة والعلم وغير ذلك ثم قدر أن في هذه الصفات الوجودية ~~ما هو أزلي قديم لوجوب قدم ما يوجبه لم يلزم إمكان زوال هذه الصفة التي وجب ~~قدم ما يوجبها فإن ما وجب قدم موجبه وجب قدمه وامتنع حدوثه ضرورة # فإن قيل نحن نشاهد حركة الفلك فامتنع أن يقال لم يزل ساكنا PageV03P005 # قيل أولا ليس الكلام في حدوث الفلك بعينه بل في حدوث كل جسم فإذا قدر جسم ~~أزلي ساكن غير الفلك لم يكن فيما ذكره ولا في حركة الفلك دليل على حدوثه لا ~~سيما عند من يقول القديم الأزلي الخالق جسم لم يزل ساكنا كما يقوله كثير من ~~النظار من الهشامية والكرامية وغيرهم # وقيل ثانيا الفلك وإن كان متحركا فحيزه واحد لم يخرج عن ذلك الحيز وحركته ~~وضعية ليست حركة مكانية تتضمن نقله من حيز إلى حيز وحينئذ فقوله وقد ثبت ~~جواز الحركة إن أراد به الحركة المكانية كان ممنوعا وإن أراد غيرها كالحركة ~~الوضعية لم يلزم من ذلك جواز انتقاله من هذا الحيز إلى غيره # وقد سبق الآمدي إلى هذا الاعتراض فإنه قال في الاعتراض على المقدمة ~~الأولى الأزل ليس هو عبارة عن زمان مخصوص ووقت مقدر حتى يقال بحصول الجسم ~~في الحيز فيه بل الأزل لا معنى له غير كون الشيء لا ms0462 أول له والأزل على هذا ~~يكون صادقا على ذلك الشيء في كل وقت يفرض كون ذلك الشيء فيه فقول القائل ~~الجسم في الأزل موصوف بكذا أي في حالة كونه متصفا بالأزلية وما من وقت يفرض ~~ذلك الجسم فيه إلا وهو موصوف بالأزلية وأي وقت قدر حصول ذلك الجسم فيه وهو ~~في حيز معين لم PageV03P006 # يلزم أن يكون حصوله في ذلك الحيز المعين أزليا لأن نسبة حصوله في ذلك ~~الحيز المعين كنسبة حصوله في ذلك الوقت المعين وما لزم من كون الجسم الأزلي ~~لا يخلو عن وقت معين أن يكون كونه في الوقت المعين أزليا فكذلك الحصول في ~~الحيز المعين قال وفيه دقة مع ظهوره # قلت ويوضح فساد هذه الحجة أن قوله كل جسم يجب اختصاصه بحيز معين لأن كل ~~موجود يشار إليه حسا بأنه هنا أو هناك يجب كونه كذلك يجاب عنه بأن يقال ~~أتريد به أنه يجب اختصاصه بحيز معين مطلقا أو يجب اختصاصه بحيز معين حين ~~الإشارة إليه أما الأول فباطل فليس كل مشار إليه إشارة حسية يجب اختصاصه ~~دائما بحيز معين فإنه ما من جسم إلا وهو ويقبل الإشارة الحسية مع العلم ~~بأنا نشاهد كثيرا من الأجسام تتحول عن أحيازها وأمكنتها # فإن قال بل يجب أن يكون حين الإشارة إليه له حيز معين فهذا حق لكن ~~الإشارة إليه ممكنة في كل وقت أما كونه في كل الأوقات لا يكون إلا في ذلك ~~المعين لا في غيره فلا والأزلي هو الذي لم يزل فليس بعض الأوقات أخص به من ~~بعض حتى يقال يكون في ذلك الوقت PageV03P007 # المعين في حيز معين بل يجوز أن يكون في وقت في هذا الحيز وفي وقت آخر في ~~حيز آخر وتمام ذلك ما تقدم ذكره من أن الأزل ليس شيئا معينا حتى يطلب له ~~حيز معين بل هو عبارة عن عدم الأول # ثم ذكر الرازي البرهان الرابع والخامس وليسا متعلقين بهذا المكان ومضمون ~~الرابع أن كل ما سوى الواحد ممكن بذاته وكل ممكن ms0463 بذاته فهو مفتقر إلى ~~المؤثر والمؤثر لا يؤثر إلا في الحادث لا في الباقي سواء كان تأثيره فيه في ~~حال حدوثه أو حال عدمه لأن التأثير في الباقي من باب تحصيل الحاصل PageV03P008 # والمقدمة الأولى من هذه الحجة مبنية على توحيد الفلاسفة وهو نفي التركيب ~~وأن كل مركب فهو مفتقر إلى أجزائه وأجزاؤه غيره وهو في غاية الضعف كما بسط ~~في غير موضع # والثانية مبنية على أن علة الافتقار هي الحدوث لا الإمكان # قلت إنه إن أريد بذلك الحدوث مثلا دليل على أن المحدث يحتاج إلى محدث أو ~~أن الحدوث شرط في افتقار المفعول إلى الفاعل PageV03P009 # فهذا صحيح وإن أريد بذلك أن الحدوث هو الذي جعل المحدث مفتقرا إلى الفاعل ~~فهذا باطل وكذلك الإمكان إذا أريد به أنه دليل على الافتقار إلى المؤثر أو ~~أنه شرط في الافتقار إلى المؤثر فهذا صحيح وإن أريد به أنه جعل نفس الممكن ~~مفتقرا فهذا باطل وعلى هذا فلا منافاة بين أن يكون كل من الإمكان والحدوث ~~دليلا على الافتقار إلى المؤثر وشرطا في الافتقار إلى المؤثر # وإنما النزاع في مسألتين أحدهما أن الواجب بغيره هل يصح كونه مفعولا لمن ~~يقول الفلك قديم معلول ممكن فهذا مما ينكره جماهير العقلاء ويقولون لا يمكن ~~مقارنته لفاعله أزلا وأبدا ويقولون الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون ~~إلا معدوما تارة وموجودا أخرى فنفس المخلوقات مفتقرة إلى الخالق بذاتها ~~واحتياجها إلى المؤثر أمر ذاتي لا يحتاج إلى علة فليس كل حكم ثبت للذوات ~~يحتاج إلى علة إذ ذلك يفضي إلى تسلسل العلل وهو باطل باتفاق العلماء بل من ~~الأحكام ما هو لازم للذوات لا يمكن أن يكون مفارقا للذوات ولا يفتقر إلى ~~علة وكون كل ما سوى الله فقيرا إليه محتاجا إليه دائما هو من هذا الباب ~~فالفقر والاحتياج أمر لازم ذاتي لكل ما سوى الله كما أن الغنى والصمدية أمر ~~لازم لذات الله # وهنا ينشأ النزاع في المسألة الثانية وهو أن المحدث المخلوق هل افتقاره ~~إلى الخالق ms0464 المحدث وقت الإحداث فقط أو هو دائم مفتقر إليه على قولين للنظار # وكثير من أهل الكلام المتلقي عن جهم وأبي الهذيل يقولون إنه PageV03P010 # لا يفتقر إليه إلا في حال الإحداث لا في البقاء وهذا في مقابلة قول ~~الفلاسفة الدهرية القائلين بأن افتقار الممكن إلى الواجب لا يستلزم حدوثه ~~بل افتقاره إليه في حال بقائه أزلا وأبدا وكلا القولين باطل # وهو في أكثر كتبه ينصر خلاف ذلك ولكن نحن نقرر أن كل ما سوى الواجب فهو ~~محدث وأن التأثير لا يكون إلا في حادث وأن الحدوث والإمكان متلازمان وهو ~~قول جمهور العقلاء من أهل الملل والفلاسفة وإنما أثبت ممكنا ليس بحادث ~~طائفة من متأخري الفلاسفة كابن سينا والرازي فلزمهم إشكالات لا محيص عنها ~~مع أنهم في كتبهم المنطقية يوافقون آرسطو وسلفهم وهو الممكن الذي يقبل ~~الوجود والعدم لا يكون إلا حادثا وقد أنكر ابن رشد قولهم بأن الشيء الممكن ~~الذي يقبل الوجود والعدم يكون قديما أزليا وقال لم يقل بهذا أحد من ~~الفلاسفة قبل ابن سينا # قلت وابن سينا ذكر في الشفاء في مواضع أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم ~~لا يكون إلا حادثا فتناقض في ذلك تناقضا مبسوطا في غير هذا الموضع PageV03P011 # وقد أورد هو على هذه الحجة معارضة مركبة تستلزم فساد إحدى المقدمتين وهي ~~المعارضة بكونه تعالى عالما بالعلم قادرا بالقدرة فإن علمه إن كان واجبا ~~لذاته وذاته واجبة أيضا فقد وجد واجبان وبطلت المقدمة الأولى وإن كان ممكنا ~~كان واجبا بغيره لوجوب ذاته ولزم كون الأثر والمؤثر دائمين وبطلت المقدمة ~~الثانية ولم يجب عن هذه المعارضة بل قال وأما الجواب عن كونه عالما بالعلم ~~قادرا بالقدرة فصعب # وقد اعترض الأرموي على ما ذكره في المقدمتين أما الأولى فإن الرازي قال ~~لو وجد واجبان وجوبا ذاتيا لتشاركا في الوجوب الذاتي وتباينا بالتعيين ~~فيلزم تركبهما مما به المشاركة والمباينة وكل مركب مفتقر إلى غيره لافتقاره ~~إلى جزئه وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته # قال الأرموي ولقائل أن يقول قد يكون ms0465 الوجوب والتعيين وصفين عرضيين ~~للماهية البسيطة PageV03P012 # قلت تقدم الكلام على هذا في التركيب وذكر ما استدلوا به على امتناع كونه ~~عرضيا فإن الوصف الغرضي يحتاج إلى سبب منفصل عن الذات فيكون وجوب الواجب ~~مفتقرا إلى شيء غير الواجب وأيضا فيكون وجوب الواجب وصفا عرضيا وهو ظاهر ~~الفساد وأيضا التفريق في الصفات اللازمة للحقيقة بين الذاتي والعرضي تحكم محض # ولكن لقائل أن يقول قول القائل تشاركا في الوجوب الذاتي أتعني به ~~تشاركهما في مطلق الوجوب أو أن أحدهما شارك الآخر في الوجوب الذي يخصه # فإن أراد الأول قيل له وكذلك قد اشتركا في مطلق التعين فإن هذا واجب وهذا ~~واجب وهذا معين وهذا معين والمعينات مشتركة في مسمى التعين كما أن الواجبات ~~مشتركة في مسمى الوجوب والموجودات مشتركة في مسمى الوجود والماهيات مشتركة ~~في مسمى الماهية والحقائق مشتركة في مسمى الحقيقة وكذلك سائر الأسماء ~~العامة المطلقة الكلية وحينئذ فلم يتباينا في مطلق التعيين كما لم يتباينا ~~في مطلق الوجوب # وإن قال اشتركا في عين الوجوب PageV03P013 # قيل هذا ممتنع كما أن اشتراكهما في عين التعين ممتنع # وإن جاز لقائل أن يقول هذا شارك هذا في نفس وجوبه الذي يخصه لجاز لآخر أن ~~يقول إن هذا شارك هذا في نفس تعينه الذي يخصه وإنما المستدل أخذ الوجوب ~~مطلقا وأخذ التعين مقيدا وكان الواجب أن يسوى بينهما في الإطلاق والتعيين ~~إذ هما متلازمان فإن وجوب هذا ملازم لعينه ووجوب هذا ملازم لعينه فيمتنع ~~انفكاك أحدهما عن الآخر # ولو عكس عاكس قوله لكان قوله مثل قوله بأن يقول اشتركا في التعين الذاتي ~~فإن لكل منهما تعينا ذاتيا وتباينا في الوجوب فإن لكل منهما وجوبا يخصه ~~ومعلوم أن هذا فاسد فكذلك نظيره # وفي الجملة فالصفات المتلازمة لا يكون بعضها أخص من بعض فإذا قدر إنسانان ~~فكل منهما له إنسانية تخصه وحيوانية تخصه وناطقية تخصه وهي متلازمة لا توجد ~~إنسانيته دون ناطقيته ولا ناطقيته دون إنسانيته ولا توجد واحدة منهما دون ~~عينه المعينة وإن وجد PageV03P014 # إنسانية أخرى ms0466 وناطقية أخرى فتلك نظير إنسانيته وناطقيته ليست هي هي ~~بعينها كما أن هذا الإنسان نظير هذا الإنسان ليس هو إياه بعينه إلا أن يراد ~~بلفظ العين النوع كما يقال لمن عمل مثل ما يعمل غيره هذا عمل فلان بعينه ~~فالمقصود أنه ذلك النوع بعينه ليس المقصود أنه ذلك العمل المشخص الذي قام ~~بذات ذلك الفاعل فإنه مخالف للحس فقد تبين أن الموجودين والواجبين ونحو ذلك ~~لم يتركب أحدهما من مشارك ومميز بل ليس فيه إلا وصف مختص به يتميز به عن ~~غيره وإن كانت صفاته بعضها يشابه فيها غيره وبعضها يخالف فيها غيره # فإذا قيل لو قدر واجبان أو موجودان أو إنسانان لكان أحدهما يشابه الآخر ~~في الوجوب أو الوجود أو الإنسانية لكان صحيحا ولكان يمكن مع ذلك أنه يشابهه ~~في الحقيقة كما يمكن أن يخالفه # ثم هب أن كلا منهما فيه ما يشارك به غيره وما يتميز به عنه فقوله إنه ~~مركب مما به الاشتراك والامتياز إن عنى بذلك أنه موصوف بالأمرين فصحيح وإن ~~عنى أن هناك أجزاء تركبت ذاته منها فهذا باطل كقول من يقول إن الإنسان مركب ~~من الحيوانية والناطقية فإنه لا ريب أنه موصوف بهما وأما كون الإنسان ~~المعين له أجزاء تركب منها فهذا باطل كما تقدم PageV03P015 # ولو سلم أن مثل هذا يسمى تركيبا فقوله كل مركب مفتقر إلى غيره يدخل فيه ~~ما ركبه المركب كالأجسام المركبة من مفرداتها من الأغذية والأدوية والأشربة ~~ونحو ذلك ويدخل فيه ما يتميز بعض جوانبه عن بعض ويدخل فيه الموصوف بصفات ~~لازمة له وهذا هو الذي أراده هنا # فيقال له حينئذ يكون المراد أن كل ما كان له صفة لازمة له فلا بد في ~~ثبوته من الصفة اللازمة له وهذا حق وهب أنك سميت هذا تركيبا فليس ذلك ~~ممتنعا في واجب الوجود بل هو الحق الذي لا يمكن نقيضه # قولك المركب مفتقر إلى غيره معناه أن الموصوف بصفة لازمة له لا يكون ~~موجودا بدون صفته اللازمة له لكن سميته مركبا ms0467 PageV03P016 # وسميت صفته اللازمة له جزءا وغيرا وسميت استلزامه إياها افتقارا فقولك ~~بعد هذا كل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته معناه أن كل مستلزم لصفة لازمة لا ~~يكون موجودا بنفسه بل بشيء مباين له ومعلوم أن هذا باطل وذلك لأن المعلوم ~~أن ما كانت ذاته تقبل الوجود والعدم فلا يكون موجودا بنفسه بل لا بد له من ~~واجب بنفسه يبدعه وهذا حق فهو مفتقر إلى شيء مباين له يبدعه وهذا هو الغير ~~الذي يفتقر إليه الممكن وكل ما افتقر إلى شيء مباين له لم يكن موجودا بنفسه ~~قطعا أما إذا أريد بالغير الصفة اللازمة وأريد بالافتقار التلازم فمن أين ~~يقال إن كل ما استلزم صفة لازمة له لا يكون موجودا بنفسه بل يفتقر إلى مبدع ~~مباين له # وقد ذكرنا مثل هذا في غير موضع وبينا أن لفظ الجزء والغير والافتقار ~~والتركيب ألفاظ مجملة موهوا بها على الناس فإذا فسر مرادهم بها ظهر فساده ~~وليس هذا المقام مقام بسط هذا # ونحن هذا البرهان عندنا صحيح وهو أن كل ما سوى الله ممكن وكل ممكن فهو ~~مفتقر إلى المؤثر لأن المؤثر لا يؤثر إلا في حال حدوثه لكن يقرر ذلك ~~بمقدمات لم يذكرها الرازي هنا كما بسط في موضع آخر # وأما الجواب عن المعارضة بكون الرب عالما قادرا فجوابه أن PageV03P017 # الواجب بذاته يراد به الذات الواجبة بنفسها المبدعة لكل ما سواها وهذا ~~واحد ويراد به الموجود بنفسه الذي لا يقبل العدم # وعلى هذا فالذات واجبة والصفات واجبة ولا محذور في تعدد الواجب بهذا ~~التفسير كما لا محذور في تعدد القديم اذا اريد به ما لا اول لوجوده وسواء ~~كان ذاتا او صفة لذات القديم بخلاف ما اذا اريد بالقديم الذات القديمة ~~الخالقة لكل شيء فهذا واحد لا اله إلا هو وقد يراد بالواجب الموجود بنفسه ~~القائم بنفسه وعلى هذا فالذات واجبة دون الصفات # وعلى هذا فإذا قال القائل الذات مؤثرة في الصفات والمؤثر والاثر ذاتان ~~قيل له لفظ التأثير مجمل اتعني بالتأثير هنا ms0468 كونه ابدع الصفات وفعلها ام ~~تعني به كون ذاته مستلزما لها فالأول ممنوع في الصفات والثاني مسلم ~~والتأثير في المبدعات هو بالمعنى الاول لا بالمعنى الثاني بل قد بينا في ~~غير هذا الموضع انه يمنع ان يكون مع الله شيء من المبدعات قديم بقدمه # قال الرازي في البرهان الخامس لو كان الجسم قديما لكان قدمه أما ان يكون ~~عين كونه جسما واما مغايرا لكونه جسما والقسمان باطلان فبطل القول بكون ~~الجسم قديما PageV03P018 # انما قلنا انه لا يجوز ان يكون قدم الجسم عين كونه جسما لانه لو كان كذلك ~~لكان العلم بكونه جسما علما بكونه قديما فكما ان العلم بكونه جسما ضروري ~~لزم ان يكون العلم بكونه قديما ضروريا ولما بطل ذلك فسد هذا القسم # وانما قلنا انه لا يجوز ان يكون قدم الجسم زائدا على كونه جسما لان ذلك ~~الزائد ان كان قديما لزم ان يكون قدمه زائدا عليه ولزم التسلسل وان كان ~~حادثا فكل حادث فله أول وكل قديم فلا أول له فلو كان قدم القديم عبارة عن ~~ذلك الحادث للزم ان يكون ذلك الشيء له أول وان لا يكون له أول وهو محال # ثم قال فان عارضوا بكونه حادثا قلنا الحادث عبارة عن مجموع الوجود الحاصل ~~في الحال والعدم السابق ولا يبعد حصول العلم بالوجود الحاصل مع الجهل ~~بالعدم السابق بخلاف القديم فانه لا معنى له إلا نفس وجوده فظهر الفرق # ثم قال وهذا وجه جدلى فيه مباحثات دقيقة PageV03P019 # قال وليكن هذا اخر كلامنا في شرح دلائل حدوث الاجسام # قلت قال الارموى لقائل ان يقول ضعف الاصل والجواب لا يخفي اه # قلت قد بين في غير هذا الموضع فساد مثل هذه الحجة من وجوه وهي مبينة على ~~ان القديم هل هو قديم بقدم ام لا فمذهب ابن كلاب والاشعري في احد قوليه ~~وطائفة من الصفاتية انه قديم بقدم ومذهب الاشعري في القول الاخر والقاضي ~~ابي بكر والقاضي ابي يعلي وابي علي بن ابي موسى وابي المعالى الجويني ~~وغيرهم ms0469 ليس كذلك وهم متنازعون في البقاء فقول الاشعري وطائفة معه انه باق ~~ببقاء وهو قول الشريف وابي علي بن ابي موسى وطائفة وقول القاضي ابي بكر ~~وطائفة كالقاضي ابي يعلي ونحوه نفى ذلك # وحقيقة الأمر ان النزاع في هذه المسالة اعتباري لفظى كما قد بسط في غير ~~هذا الموضع وهو متعلق بمسائل الصفات هل هي زائدة على الذات ام لا وحقيقة ~~الأمر ان الذات ان اريد بها الذات الموجودة في الخارج فتلك مستلزمة لصفاتها ~~يمتنع وجودها بدون تلك الصفات واذا قدر عدم اللازم لزم عدم الملزوم فلا ~~يمكن فرض PageV03P020 # الذات الموجودة في الخارج منفكة عن لوازمها حتى يقال هي زائدة او ليس ~~زائدة لكن يقدر ذلك تقديرا في الذهن وهو القسم الثاني فإذا اريد بالذات ما ~~يقدر في النفس مجردا عن الصفات فلا ريب ان الصفات زائدة على هذه الذات ~~المقدرة في النفس ومن قال من متكملة اهل السنة ان الصفات زائدة على الذات ~~فتحقيق قوله انها زائدة على ما اثبته المنازعون من الذات فإنهم اثبتوا ذات ~~مجردة عن الصفات ونحن نثبت صفاتها زائدة على ما اثبتوه هم لا انا نجعل في ~~الخارج ذاتا قائمة بنفسها ونجعل الصفات زائدة عليها فإن الحي الذي يمتنع ان ~~لا يكون إلا حيا كيف تكون له ذات مجردة عن الحياة وكذلك ما لا يكون إلا ~~عليما قديرا كيف تكون ذاته مجردة عن العلم والقدرة # والذين فوقوا بين الصفات النفسية والمعنوية قالوا القيام بالنفس والقدم ~~ونحو ذلك من الصفات النفسية بخلاف العلم والقدرة فإنهم نظروا إلى ما لا ~~يمكن تقدير الذات في الذهن بدون تقديره فجعلوه من النفسية وما يمكن تقديرها ~~بدونه فجعلوه معنويا ولا ريب انه لا يعقل موجود قائم بنفسه ليس قائما بنفسه ~~بخلاف كما يقدر انه عالم فإنه يمكن تقدير ذاته بدون العلم # وهذا التقدير عاد إلى ما قدروه في انفسهم وألا ففي نفس الأمر جميع صفات ~~الرب اللازمة له هي صفات نفسية ذاتية فهو عالم بنفسه وذاته وهو عالم بالعلم ~~وهو ms0470 قادر بنفسه وذاته وهو قادر بالمقدرة PageV03P021 # فله علم لازم لنفسه وقدرة لازمة لنفسه وليس ذلك خارجا عن مسمى اسم نفسه # وعلى كل تقدير فالاستدلال على حدوث الاجسام بهذه الحجة في غاية الضعف كما ~~اعترفوا هم به فإن ما ذكروه يوجب ان لا يكون في الوجود شيء قديم سواء قدر ~~انه جسم او غير جسم فانه يقال لو كان الرب رب العالمين قديما لكان قدمه أما ~~ان يكون عين كونه ربا وإما زائدا عن ذلك والأمران باطلان فبطل كونه قديما # أما الأول فلأن لو كان كذلك لكان العلم بكونه ربا أو واجب الوجود أو نحو ~~ذلك علما بكونه قديما وهذا باطل # وأما الثاني فلأن ذلك الزائد إن كان قديما يلزم أن يكون قدمه زائدا عليه ~~ولزم التسلسل وإن كان حادثا كان للقديم أول فما كان جوابا عن مواضع الإجماع ~~كان جوابا في موارد النزاع وإن كان العلم بكونه رب العالمين يستلزم العلم ~~بقدمه لكن ليس العلم بنفس الربوبية هو العلم بنفس القدم بل قد يقوم العلم ~~الأول بالنفس مع ذهولها عن الثاني وقد يشك في قدمه مع العلم بأنه ربه ويخطر ~~له أن للرب ربا حتى يتبين له فساد ذلك وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك في الحديث الصحيح في قوله # إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلق كذا فيقول الله فيقول فمن خلق الله ~~فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته وقد بسطت هذا في موضع آخر كما ~~سيأتي إن شاء الله PageV03P022 # والمقصود هنا أن هذه البراهين الخمسة التي احتج بها على حدوث الأجسام قد ~~بين أصحابه المعظمون له ضعفها بل هو نفسه أيضا بين ضعفها في كتب أخرى مثل = ~~المطالب العالية وهي آخر ما صنفه وجمع فيها غاية علومه و= المباحث المشرقية ~~وجعل منتهى نظره وبحثه تضعيفها # وقد بسط الكلام على هذا في مواضع وبين كلام السلف والأئمة في هذا الموضع ~~كالإمام أحمد وغيره وكلام النظار الصفاتية كأبي محمد بن كلاب وغيره وأن ~~القائل إذا قال عبدت ms0471 الله ودعوت الله وقال الله خالق كل شيء ونحو ذلك فاسمه ~~تعالى يتناول الذات والصفات ليست الصفات خارجة عن مسمى اسمه ولا زائدة على ~~ذلك بل هي داخلة في مسمى اسمه ولهذا قال أحمد فيما صنفه في الرد على ~~الجهمية نفاة الصفات قالوا إذا قلتم الله وعلمه والله وقدرته والله ونوره ~~قلتم بقول النصارى فقال لا نقول الله وعلمه والله وقدرته والله ونوره ولكن ~~الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد فبين أحمد أنا لا نعطف صفاته على مسمى ~~اسمه العطف المشعر بالمغايرة بل ننطق بما يبين أن صفاته داخلة في مسمى اسمه PageV03P023 # ولما ناظره الجهمية في محنته المشهورة فقال له عبد الرحمن بن إسحاق ~~القاضي ما تقول في القرآن أهو الله أم غير الله يعني إن قلت هو الله فهذا ~~باطل وإن قلت غير الله فما كان غير الله فهو مخلوق # فأجابه أحمد بالمعارضة بالعلم فقال ما تقول في علم الله أهو الله أم غير ~~الله فقال أقول في كلامه ما أقوله في علمه وسائر صفاته وبين ذلك في رده على ~~الجهمية بأنا لا نطلق لفظ الغير نفيا ولا إثباتا إذ كان لفظا مجملا يراد ~~بغير الشيء ما باينه وصارت مفارقته له ويراد بغيره ما أمكن تصوره بدون ~~تصوره ويراد به غير ذلك # وعلم الله وكلامه ليس غير الذات بالمعنى الأول وهو غيرها بالمعنى الثاني ~~ولكن كونه ليس غير الله بالمعنى الأول فعلى إطلاقه وأما كونه غير الله ~~بالمعنى الثاني ففيه تفصيل فإن أريد بتصوره معرفته المعرفة الواجبة الممكنة ~~في حق العبد فلا يعرفه هذه PageV03P024 # المعرفة من لم يعرف أنه حي عليم قادر متكلم فلا يمكن تصوره ومعرفته بدون ~~صفاته فلا تكون مغايرة لمسمى اسمه وإن أريد أصل التصور وهو الشعور به من ~~بعض الوجوه فقد يشعر به من لا يخطر له حينئذ أنه حي ولا عليم ولا متكلم ~~فتكون صفاته مغايرة له بالاعتبار الثاني # وأجاب أحمد أيضا بأن الله لم يسم كلامه غيرا ولا قال إنه ليس بغير ms0472 يعني ~~والقائل إذا قال ما كان غير الله أو سوى الله فهو مخلوق فإن احتج على ذلك ~~بالسمع فلا بد أن يكون مندرجا هذا اللفظ في كلام الشارع وليس كذلك وإن احتج ~~بالعقل فالعقل إنما يدل على خلق الأمور المباينة له وأما صفاته القائمة ~~بذاته فليست مخلوقة والذين يجعلون كلامه مخلوقا يقولون هو بائن عنه والعقل ~~يعلم أن كلام المتكلم ليس ببائن عنه # وبهذا التفصيل يظهر أيضا الخلل فيما ذكروه من الفرق بين الصفات الذاتية ~~والمعنوية بأن الذاتية لا يمكن تقدير الذات في الذهن بدون تقديرها بخلاف ~~المعنوية فإنه يقال لهم ما تعنون بتقدير الذات في الذهن أو تصور الذات أو ~~نحو ذلك من الألفاظ أتعنون به أصل الشعور والتصور والمعرفة ولو من بعض ~~الوجوه أم تريدون به التصور والمعرفة والشعور والواجب أو الممكن أو التام ~~فإن عنيتم الأول فما من PageV03P025 # صفة تذكر إلا ويمكن أن يشعر الإنسان بالذات مع عدم شعوره بها # وقد يذكر العبد ربه ولا يخطر له حينئذ كونه قديما أزليا ولا باقيا أبديا ~~ولا واجب الوجود بنفسه ولا قائما بنفسه ولا غير ذلك وكذلك قد يخطر له ما ~~يشاهده من الأجسام ولا يخطر له كونه متحيزا أو غير متحيز # وإن عنيتم الثاني فمعلوم أن الإنسان لا يكون عارفا بالله المعرفة الواجبة ~~في الشرع ولا المعرفة التي تمكن بني آدم ولا المعرفة التامة حتى يعلم أنه ~~حي عليم قدير وممتنع لمن يكون عارفا بأن الله متصف بذلك إذا خطر بباله ذاته ~~وهذه الصفات أن يمكن تقدير ذاته موجودة في الخارج بدون هذه الصفات كما ~~يمتنع أن يقدر ذاته موجودة في الخارج بدون أن تكون قديمة واجبة الوجود ~~قائمة بنفسها فجميع صفاته تعالى اللازمة لذاته يمتنع مع تصور الصفة ~~والموصوف والمعرفة بلزوم الصفة للموصوف يمتنع أن يقدر إمكان وجود الذات ~~بدون الصفات اللازمة لها مع العلم باللزوم وإن قدر عدم العلم باللزوم أو ~~عدم خطور الصفات اللازمة بالبال فيمكن خطور الذات بالبال بدون شيء من هذه ~~الصفات وإذا ms0473 علم لزوم بعض الصفات دون بعض فما علم لزومه لا يمكن تقدير وجود ~~الذات دونه وما لم يعلم لزومه أمكن الذهن أن يقدر وجوده دون وجود تلك الصفة ~~التي لم يعلم لزومها لكن هذا الإمكان معناه عدم العلم بالامتناع لا العلم ~~بالإمكان في الخارج إذ كل ما لم يعلم الإنسان عدمه فهو ممكن عنده PageV03P026 # إمكانا ذهنيا بمعنى عدم علمه بامتناعه لا إمكانا خارجيا بمعنى أنه يعلم ~~إمكانه في الخارج # وفرق بين العلم بالإمكان وعدم العلم بالامتناع وكثير من الناس يشتبه عليه ~~هذا بهذا فإذا تصور ما لا يعلم امتناعه أو سئل عنه قال هذا ممكن وهذا غير ~~ممتنع وهذا لو فرض وجوده لم يكن من فرضه محال # وإذا قيل له قولك إنه لو فرض وجوده لم يلزم منه محال قضية كلية وسلب عام ~~فمن أين علمت أنه لا يلزم من فرض وجوده محال والنافي عليه الدليل كما أن ~~المثبت عليه الدليل وهل علمت ذلك بالضرورة المشتركة بين العقلاء أم بنظر ~~مشترك أم بضرورة اختصصت بها أم بنظر اختصصت به فإن كان بالضرورة المشتركة ~~وجب أن يشركك نظراؤك من العقلاء في ذلك وليس الأمر كذلك عندهم وإن كان بنظر ~~مشترك فأين الدليل الذي تشترك فيه أنت وهم وإن كان بضرورة مختصة أو نظر ~~مختص فهذا أيضا باطل لوجهين أحدهما أنك تدعي أن هذا مما يشترك فيه العقلاء ~~ويلزمهم موافقتك فيه وتدعي أنهم إذا ناظروك كانوا منقطعين معك بهذه الحجة ~~وذلك يمنع دعواك الاختصاص بعلم ذلك والثاني أن اختصاصك بعلم ذلك ضرورة أو ~~نظرا إنما يكون لاختصاصك بما يوجب تخصيصك بذلك كمن خص بنبوة أو تجربة أو ~~نحو ذلك مما ينفرد به وأنت لست كذلك فيما تدعي إمكانه ولا تدعي اختصاصك ~~بالعلم بإمكانه وإن ادعيت ذلك لم يلزم غيرك موافقتك في ذلك إن لم تقم PageV03P027 ~~عليه دليلا يوجب موافقتك سواء كان سمعيا أو عقليا وأنت تدعي أن هذا من ~~العلوم المشتركة العقلية وهذه الأمور لبسطها موضع آخر # والمقصود هنا التنبيه على هذا ms0474 الأصل الذي نشأ منه التنازع أو الاشتباه في ~~مسائل الصفات من هذا الوجه وتفريق هؤلاء المتكلمين في الصفات اللازمة ~~للموصوف بين ما سموها نفسية وذاتية وما سموها معنوية يشبه تفريق المنطقيين ~~في الصفات اللازمة بين ما سموه ذاتيا مقوما داخلا في الحقيقة وما سموه ~~عرضيا خارجا عن الذات مع كونه لازما لها وتفريقهم في ذلك بين لازم الماهية ~~ولازم وجود الماهية كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع # وبين أن هذه الفروق إنما تعود عند الحقيقة إلى الفرق بين ما يتصور في ~~الأذهان وهو الذي قد يسمى ماهية وبين ما يوجد في الأعيان وهو الذي قد يسمى ~~وجودها وأن ما يتصور في النفس من المعاني ويعبر عنه بالألفاظ له لفظ دل ~~عليه بالمطابقة هو الدال على تلك الماهية وله جزء من المعنى هو جزء تلك ~~الماهية واللفظ المذكور دال عليه بالتضمن وله معنى يلزمه خارج عنه فهو ~~اللازم لتلك الماهية الخارج عنها واللفظ يدل عليه بالالتزام وتلك الماهية ~~التي في الذهن هي بحسب ما يتصوره الذهن من صفات الموصوف تكثر تارة وتقل ~~تارة وتكون تارة مجملة وتارة مفصلة وأما الصفات اللازمة للموصوف في الخارج ~~فكلها لازمة له لا تقوم ذاته مع عدم شيء منها وليس منها شيء يسبق الموصوف ~~في الوجود العيني كما قد PageV03P028 ~~يزعمونه من أن الذاتي يسبق الموصوف في الذهن والخارج وتلك الصفات هي أجزاء ~~الماهية المتصورة في الذهن كما أن لفظ كل صفة جزء من تلك الألفاظ إذا قلت ~~جسم حساس نام مغتذ متحرك بالإرادة ناطق وأما الموصوف الموجود في الخارج ~~كالإنسان فصفاته قائمة به حالة فيه ليست أجزاء الحقيقة الموجودة في الخارج ~~سابقة عليها سبق الجزء على الكل كما يتوهمه من يتوهمه من هؤلاء الغالطين ~~كما قد بسط في موضعه # وقول هؤلاء المتكلمين في الصفات اللازمة إنها زائدة على حقيقة الموصوف ~~يشبه قول أولئك إن الصفات اللازمة العرضية خارجة عن حقيقة الموصوف وكلا ~~الأمرين منه تلبيس واشتباه حاد بسببه كثير من النظار الأذكياء ms0475 وكثر بينهم ~~النزاع والجدال والقيل والقال وبسط هذا له موضع آخر # وإنما المقصود هنا التنبيه على ذلك والله أعلم وأحكم وإن كان PageV03P029 ~~قد بسط الكلام على ضعفها في غير هذا الموضع مع أن هذا الذي ذكره مستوعب لما ~~ذكره غيره من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم من ~~الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم في ذلك # وكان المقصود ما ذكروه في تناهي الحوادث ولهذا لم يعتمد الآمدي في مسألة ~~حدوث العالم على شيء من هذه الطرق بل بين ضعفها واحتج بما هو مثلها أو ~~دونها في الضعف وهو أن الأجسام لا تنفك عن الأعراض والأعراض لا تبقى زمانين ~~فتكون حادثة وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث وهذا الدليل مبني على مقدمتين ~~على أن كل عرض في زمان فهو لا يبقى زمانين وجمهور العقلاء يقولون إن هذا ~~مخالف للحسن والضرورة وعلى امتناع حوادث لا أول لها وقد عرف الكلام في ذلك ~~والوجوه التي ضعف بها الامدى ما احتج به من قبله على حدوث الأجسام يوافق ~~كثير منها ما ذكره الارموى وهو متقدم على الارموى # فأما ان يكون الارموى راى كلامه وانه صحيح فوافقه واما ان يكون وافق ~~الخاطر الخاطر كما يوافق الحافر الحافر او ان يكون الارموى والامدى اخذا ~~ذلك او بعضه من كلام الرازي او غيره # وهذا الإحتمال ارجح فان هذين وامثالها وقفوا على كتبه التي فيها هذه PageV03P030 ~~الحجج مع ان تضعيفها مما سبق هؤلاء اليه كثير من النظار ومن تكلم النظار ~~ينظر ما تكلم به من قبله فإما ان يكون أخذه عنه او تشابهت قلوبهم # وبكل حال فهما مع الرازي ونحوه من افضل بني جنسهم من المتأخرين فاتفاقهما ~~دليل على قوة هذه المعارضات لا سيما إذا كان الناظر فيها ممن له بصيرة من ~~نفسه يعرف بها الحق من الباطل في ذلك بل يكون تعظيمه لهذه البراهين لان ~~كثيرا من المتكلمين من هؤلاء وغيرهم اعتمد عليها في حدوث الأجسام فإذا راى ~~هؤلاء وغيرهم من النظار قدح فيها ms0476 وبين فسادها علم ان نفس النظار مختلفون في ~~هذه المسالك وان هؤلاء الذين يحتجون بها هم بعينهم يقدحون فيها وعلى القدح ~~فيها استقر أمرهم وكذلك غيرهم قدح فيها كأبي حامد الغزالي وغيره # وليس هذا موضع استقصاء ذكر من قدح قي ذلك وانما المقصود القدح في هذه ~~المسالك التي يسمونها براهين عقلية ويعارضون بها نصوص الكتاب والسنة واجماع ~~السلف ثم ان نفس حذاقهم قدحوا فيها # فأما المسلك الأول الذي ذكره الرازي فقال الامدى المسلك السادس لبعض ~~المتأخرين من اصحابنا في الدلالة على اثبات حدوث الأجسام وهو انه لو كانت ~~الأجسام أزلية لكانت في الأزل أما ان PageV03P031 ~~تكون متحركة او ساكنة وساق المسلك إلى اخره ثم قال وفيه وفي تقريره نظر ~~وذلك ان القاتل يقول أما ان تكون الحركة عبارة عن الحصول في الحيز بعد ~~الحصول في حيز اخر والسكون عبارة عن الحصول في الحيز بعد ان كان في ذلك ~~الحيز او لا تكون كذلك فان كان الاول فقد بطل الحصر بالجسم في أول زمان ~~حدوثه فانه ليس متحركا لعدم حصوله في الحيز بعد ان كان في حيز اخر وليس ~~ساكنا لعدم حصوله في الحيز بعد ان كان فيه وان كان الثاني فقد بطل ما ذكره ~~في تقرير كون السكون امرا وجوديا ولا محيص عنه # فان قيل الكلام انما هو في الجسم في الزمن الثاني والجسم في الزمن الثاني ~~ليس يخلو عن الحركة والسكون بالتفسير المذكور فهو ظاهر الاحالة فانه إذا ~~كان الكلام في الجسم انما هو في الزمن PageV03P032 ~~الثاني من وجود الجسم فالزمن الثاني ليس هو حالة الأزلية وعند ذلك لا يلزم ~~ان يكون الجسم ازلا لا يخلو عن الحركة والسكون # قال وان سلمنا الحصر فلم قلتم بامتناع كون الحركة أزلية وما ذكروه من ~~الوجه الاول في الدلالة فانما يلزم ان لو قيل بان الحركة الواحدة بالشخص ~~أزلية وليس كذلك بل المعنى بكون الحركة أزلية ان اعداد اشخاصها المتعاقبة ~~لا أول لها وعند ذلك فلا منافاة بين كون كل واحدة من ms0477 احاد الحركات المشخصة ~~حادثة ومسبوقة بالغير وبين كون جملة احادها أزلية بمعنى متعاقبة إلى غير ~~النهاية # قال وما ذكروه في الوجه الثاني باطل أيضا فان كل واحدة من الحركات ~~الدورية وان كانت مسبوقة بعدم لا بداية له فمعنى اجتماع الاعدام السابقة ~~على كل واحدة من الحركات في الازل انه لا أول لتلك الاعدام ولا بداية ومع ~~ذلك فالعدم السابق على كل PageV03P033 ~~حركة وان كان لا بداية له فيقارنه وجود حركات قبل الحركة المفروضة لا نهاية ~~لها على جهة التعاقب أي يعاقبه وجود حركات لا نهاية لها من قبل الحركة ~~المفروضة وليس فيه مقارنة السابق للمسبوق # وعلى هذا فيكون الكلام في العدم السابق على حركة حركة وعلى هذا فحصول شيء ~~من الموجدات الأزلية مع هذه الإعدام ازلا على هذا النوع لا يكون ممتنعا إذ ~~ليس فيه مقارنة السابق للمسبوق على ما عرف # قال وفيه دقة فليتأمل # قلت هذا هو الاعتراض الذي ذكره الارموى وقد ذكره غيرهما والظاهر ان ~~الارموى تلقى هذا عن الامدى وهم يقولون اجتماع الإعدام لا معنى له سوى انها ~~مشتركة في عدم البداية والأولية وحينئذ فعدم كل حركة يمكن ان يقارنه وجود ~~اخرى وليس فيه مقارنة السابق للمسبوق وهذا الذي قالوه صحيح لكن قد يقال هذا ~~الاعتراض انما يصح لو كان احتج بأن في ذلك مقارنة السابق للمسبوق فقط وهو ~~لم يحتج إلا بان العدمات تجتمع في الازل وليس معها PageV03P034 ~~شيء من الموجدات إذ لو كان معها موجود لكان هذا الموجود مقارنا لتلك ~~العدمات المجتمعة ومنها عدمه فاقترن السابق والمسبوق فعدمته اجتماعها في الأزل # وقد قالوا له ان عنيت باجتماعها تحققها بأسرها معا حينا فهو ممنوع لانه ~~ما من حين يفرض إلا وينتهي واحد منها وهو يقول انا لم اعن باجتماعها في حين ~~حادث ليلزمني انتهاء واحد منها وانما قلت هي مجتمعة في الأزل # وفصل الخطاب ان يقال العدم ليس بشيء وليس لعدم هذه الحركة حقيقة ثابتة ~~مغايرة لعدم الاخرى حتى يقال ان اعدامها اجتمعت في الأزل او ms0478 لم تجتمع بل ~~معنى حدوث كل منها انها كانت بعد ان لم تكن وكون الحوادث كلها مشتركة في ~~انها لم تكن لا يوجب ان يكون عدم كونها حقائق متغايرة ثابتة في الأزل # يوضح ذلك ان يقال أتعنى بكونها مسبوقة بالعدم ان جنسها مسبوق بالعدم او ~~لك واحد منها مسبوق بالعدم أما الاول فهو محل النزاع واما الثاني فإذا قدر ~~ان كل واحد كان بعد ان لم يكن والجنس لم يزل كائنا لم يجز ان يقال الجنس ~~كائن بعد ان لم يكن ولا يلزم من كون كل من افراده مسبوقا بعدم ان يكون ~~الجنس مسبوقا بالعدم إلا إذا ثبت حدوث الجنس وهو محل النزاع وعدم الحوادث ~~هو نوع واحد ينقضي بحسب الحدوث فكلما حدث حادث انقضى من ذلك العدم عدم ذلك ~~الحادث ولم ينقض عدم غيره فالأزلى حينئذ عدم اعيان الحوادث كما ان الأزلي ~~عند من يقول بأنه لا PageV03P035 ~~أول لها هو جنس الحوادث فجنس وجودها أزلي وعدم كل من أعيانها أزلي ولا ~~منافاة بين هذا وهذا إلا أن يثبت وجوب البداية وهو محل النزاع # وبهذا يظهر الجواب عما ذكره بعضهم في تقرير هذا الوجه فإن بعضهم لما رأى ~~ما أوردوه على ما ذكره الرازي حرر الدليل على وجه آخر فقال القول بكون كل ~~من الحركات الجزئية مسبوقا بأخرى لا إلى أول يسلتزم المحال فيكون محالا # بيان الأول أن كل واحد منها من حيث إنه حادث يقتضي أن يكون مسبوقا بعدم ~~أزلي لأن كل حادث مسبوق بعدم أزلي فهذا يقتضي أن تكون تلك العدمات مجتمعة ~~في الأزل ومن حيث أنه ما من جنس يفرض إلا ويجب أن يكون فرد منها موجودا ~~يقتضي ألا تكون تلك العدمات مجتمعة في الأزل وإلا لزم أن يكون السابق ~~مقارنا للمسبوق ولا شك أن اجتماعها في الأزل وعدم اجتماعها فيه متناقضان ~~فالمستلزم له محال # فيقال لمن احتج بهذا الوجه العدم الأزلي السابق على كل من الحوادث إن ~~جعلته شيئا ثابتا في الأزل متميزا عن عدم الحادث ms0479 الآخر فهذا ممنوع فإن ~~العدم الأزلي لا امتياز فيه أصلا ولا يعقل حتى يقال إن هناك أعداما ولكن ~~إذا حدث حادث علم أنه انقضى عدمه الداخل في ذلك النوع الشامل لها وليس شمول ~~جنس الموجودات لها PageV03P036 ~~كشمول جنس العدم للمعدومات فإن الموجودات لها امتياز في الخارج فشخص هذا ~~الموجود متميز في الخارج عن شخص الآخر وأما العدم فليس بشيء أصلا في الخارج ~~ولا امتياز فيه بوجه من الوجوه # ولكن هذا الدليل قد بني على قول من يقول المعدوم شيء ولا يبعد أن يكون ~~الرازي أخذ هذا الوجه من المعتزلة القائلين بهذا فإنهم يثبتون المعدوم شيئا ~~فيكون هذا الحادث في حال عدمه شيئا وهذا الحادث في حال عدمه شيئا وحينئذ ~~فللحوادث أعدام متميزة ثابتة في الأزل # وهؤلاء القائلون بهذا يقولون ذلك في كل معدوم ممكن سواء حدث أو لم يحدث ~~فإذا قال القائل للحوادث أعدام أزلية ثابتة في الأزل متميزة لم يتوجه إلا ~~على قول هؤلاء وهذا القول قد عرف فساده وبتقدير تسليمه فيجاب عنه بما ذكره ~~هؤلاء وهو أن اجتماعه في الأزل بمعنى غير انتفاء البداية ممتنع وعدم ~~البداية ليس أمرا موجودا حتى يعقل فيه اجتماع # وعلى هذا فيقال لا نسلم أن الأزل شيء مستقر أو شيء موجود وليس للأزل حد ~~محدود حتى يعقل فيه اجتماع بل الأزل عبارة عن عدم الابتداء ومالا ابتداء له ~~فهو أزلي ومالا انتهاء له فهو أبدى PageV03P037 ~~وما من حين يقدر موجودا إلا وليس هو الأزل ففي كل حين بعضها موجود وبعضها ~~معدوم فوجود البعض مقارن لعدم البعض دائما وحينئذ فاجتماعها في الأزل معناه ~~اشتراكها في ان كل واحد ليس له أول وعدم اجتماعها فيه معناه أنه لم يزل في ~~كل حين واحد منها موجودا وعدمه زائلا ولا تناقض بين اشتراكها في عدم ~~الابتداء ووجود أشخاصها دائما إلا اذا قيل يمتنع جنس الحوادث الدائمة # وقد اعترض المستدل بهذا على ما ذكره الآمدي والارموى في الوجه الاول # قال فإن قلت الازلي الحركة الكلية بمعنى ان كل ms0480 فرد منها مسبوق بالاخر لا ~~إلى أول افرادها الموجودة التي تقتضي المسبوقية بالغير # ثم قال قلت فحينئذ ما هو المحكوم عليه بالازلي غير موجود في الخارج ~~لامتناع وجود الحركة الكلية في الخارج وما هو موجود منها في الخارج فهو ليس بأزلي # ولقائل أن يقول هذا غلط نشأ من الاجمال الذي في لفظ الكلي # وذلك أنه انما يمتنع وجود الكلى في الخارج مطلقا اذا كان مجردا عن أفراده ~~كوجود انسان مطلق وحيوان مطلق وحركة مطلقة لا تختص بمتحرك ولا بجهة ولون ~~مطلق لا يكون أبيض ولا أسود ولا غير ذلك من الالوان المعينة فإذا قدر حركة ~~مطلقة لا تختص بمتحرك معين كان كان وجودها في الخارج ممتنعا واما الحركات ~~المتعاقبة فوجود الكلى فيها هو وجود تلك الافراد كما اذا وجد عدة أناسي فوجود PageV03P038 # الانسان الكلى هو وجود أشخاصه ولا يحتاج ان يثبت للكلى في الخارج وجودا ~~غير وجود أشخاصه بل نفس وجود أشخاصه هو وجوده # ومعلوم أنه اذا أريد بوجود الكلى في الخارج وجود اشخاصه لا ينازع فيه احد ~~من العقلاء وان كانوا قد يتنازعون في أن الكلى المطلق لا بشرط وهو الطبيعي ~~هل هو موجود في الخارج أم لا وحينئذ فمرادهم بوجود الحركة الكلية في الخارج ~~هو وجود أفرادها المتعاقبة شيئا بعد شيء فكل فرد مسبوق بالغير وليس هذا ~~الجنس المتعاقب الذي يوجد بعضه شيئا فشيئا بمسبوق بالغير # وان شئت قلت لا نسلم ان الكلى لا يوجد في الخارج ولكن نسلم أنه لا يوجد ~~في الخارج كليا وهذا هو الكلى الطبيعي هو المطلق بشرط كمسمى الانسان لا ~~بشرط فإنه يوجد في الخارج لكن معينا مشخصا وتوجد أفراده أما مجتمعة واما ~~متعاقبة كتعاقب الحوادث المستقبلة فوجود الحركات المعينة كوجود سائر ~~الاشياء المعينة ووجود مسمى الحركة كوجود سائر المسميات الكلية والمحكوم ~~عليه بالازلية هو النوع الذي لا يوجد إلا شيئا فشيئا لا يوجد مجتمعا # فإن قال القائل مسمى الحركة ليس بموجود في الخارج على وجه الاجتماع كما ~~يوجد من أفراد الانسان فقد ms0481 صدق وان قال انه لا يوجد شيئا فشيئا فهذا ممنوع ~~ومن قال ذلك لزمه ان لا يوجد في الخارج حركة أصلا لا متناهية ولا غير ~~متناهية وهذا مخالف للحس والعقل وقد تفطن ابن سينا لهذا الموضع وتكلم في ~~وجود الحركة PageV03P039 ~~بكلام له وقد نقله عنه الرازي وغيره وقد تكلمنا عليه وبينا فساده فيما ~~سيأتي ان شاء الله # قال الآمدي وباقي الوجوه في الدلالة ما ذكرناه في امتناع حوادث غير ~~متناهية في اثبات واجب الوجود وقد ذكرت فلا حاجة إلى اعادتها # وهو قد ذكر قبل ذلك في امتناع مالا يتناهي اربعة طرق فزيفها واختار طريقا ~~خامسا الاول التطبيق وهو أن يقدر جملة فلو كان ما قبلها لا نهاية له فلو ~~فرضنا زيادة متناهية على الجملة المفروضة ولتكن الزيادة عشرة مثلا فالجملة ~~الاولى أما ان تكون مساوية لنفسها مع فرض الزيادة عليها او أزيد او أنقص # والقول المساواة والزيادة محال فإن الشيء لا يكون مع غيره كهو لا مع غيره ~~ولا أزيد وان كانت الجملة الاولى ناقصة بالنظر إلى الجملة الثانية فمن ~~المعلوم ان التفاوت بينهما انما هو بأمر متناه وعند ذلك PageV03P040 ~~فالزيادة لا بد أن يكون لها نسبة إلى الباقي بجهة من جهات النسب على نحو ~~زيادة المتناهي على المتناهي # ومحال ان يحصل بين ما ليسا بمتناهين النسبة الواقعة بين المتناهين # وأيضا فإنه اذا كانت احدى الجملتين أزيد من الاخرى بأمر متناه فليطبق بين ~~الطرفين الآخرين بأن تأخذ من الطرف الاخير من احدى الجملتين عددا مفروضا ~~ومن الاخرى مثله وهلم جرا فإما ان يتسلسل الأمر إلى غير النهاية فيلزم منه ~~مساواة الانقص للازيد في كلا طرفيه وهو محال وان قصرت الجملة الناقصة في ~~الطرف الذي لا نهاية له فقد تناهت والزائدة انما زادت على الناقصة بأمر ~~متناه وكل ما زاد على المتناهى بأمر متناه فهو متناه # قال وهذا لا يستقيم لا على قواعد الفلاسفة ولا على قواعد المتكلمين PageV03P041 # أما الفلاسفة فإن قضوا بأن كل ماله ترتيب وضعي كالابعاد والامتدادات او ~~الترتيب ms0482 الطبيعي وآحاده موجودة معا كالعلل والمعلولات فالقول بعدم النهاية ~~فيه مستحيل وما سوى ذلك فالقول بعدم النهاية فيه غير مستحيل وسواء كانت ~~آحاده موجوده معا كالنفوس بعد مفارقة الابدان او هي على التعاقب والتجدد ~~كالازمنة والحركات الدورية فإن ما ذكروه وان استمر لهم فيما قضوا فيه ~~بالنهاية فهو لازم لهم فيما قضوا فيه بعدم النهاية وعند ذلك فلا بد من ~~بطلان احد الامرين أما الدليل ان كان اعتقادهم عدم النهاية حقا واما اعتقاد ~~عدم النهاية ان كان الدليل حقا لاستحالة الجمع # قال وليس لما يذكره الفيلسوف من جهة الفرق بين العلل والمعلومات والازمنة ~~والحركات قدح في الجمع وهو قوله ان مالا ترتيب له وضعا ولا آحاده موجودة ~~معا وان كان ترتيبه PageV03P042 ~~طبيعيا فلا يمكن فرض جواز قبوله الانطباق وفرض الزيادة والنقصان فيه بخلاف ~~مقابله لان المحصل يعلم ان الاعتماد على هذا الخيال في تناهي ذوات الاضلاع ~~وفيما له الترتيب الطبيعي وآحاده موجودة معا ليس إلا من جهة افضائه إلى ~~وقوع الزيادة والنقصان بين ما ليسا بمتناهين وذلك انما يمكن بفرض زيادة على ~~ما فرض الوقوف عنده من نقطة ما من البعد المفروض او وحدة ما من العدد ~~المفروض وعند ذلك فلا يخفي امكان فرض الوقوف على جملة من أعداد الحركات ~~والنفوس الانسانية المفارقة لابدانها وجواز فرض الزيادة عليها بالتوهم مما ~~هو من نوعها وإذ ذاك فالحدود المستعملة في القياس المذكور في محل الاستدلال ~~بعينها مستعملة في صورة الالزام مع اتحاد الصورة القياسية من غير فرق # وايضا فليس كل جملتين تفاوتتا بأمر متناه تكونان متناهيتين فإن عقود ~~الحساب مثلا لا نهاية لاعدادها وان كانت الاوائل اكثر من الثواني بأمر ~~متناه وهذه الامور وان كانت تقديرية ذهنية فلا خفاء ان وضع القياس المذكور ~~فيها على نحو وضعه في PageV03P043 ~~الامور الموجودة بالفعل فلا تتوهمن الفرق واقعا من مجرد هذا الاختلاف # والقول بأن ما زادت به إحدى الجملتين على الاخرى لا بد وان تكون له نسبة ~~إلى الثاني غير مسلم ولا يلزم من قبول ms0483 المتناهي لنسبة المتناهي اليه قبول ~~غير المتناهي لنسبة المتناهي اليه # قال واما المتكلم فله في ابطال القول بعدم النهاية طرق الاول ما أسلفناه ~~من الطريقة المذكورة ويلزم عليه ما ذكرناه ما عدا التناقض اللازم للفيلسوف ~~من ضرورة اعتقاد عدم النهاية فيما ذكرناه من الصور وعدم اعتقاد المتكلم ~~لذلك غير ان المناقضة لازمة للمتكلم من جهة اعتقاده عدم النهاية في معلومات ~~الله تعالى ومقدوراته مع وجود ما ذكرناه من الدليل الدال على وجوب النهاية فيها # قال وما يقال من أن المعنى بكون المعلومات PageV03P044 ~~والمقدورات غير متناهية صلاحية العلم لتعلقه بما يصح ان يعلم وصلاحية ~~القدرة لتعلقها بكل ما يصح ان يوجد وما يصح ان يعلم ويوجود غير متناه لكنه ~~من قبيل التقديرات الوهمية والتجويزات الامكانية وذلك مما لا يمتنع كونه ~~غير متناه بخلاف الامور الوجودية والحقائق العينية فلا أثر له في القدح ~~أيضا فإن هذه الامور وان لم تكن من موجودات الاعيان غير أنها متحققة في ~~الاذهان ولا يخفى ان نسبة ما فرض استعماله فيما له وجود ذهني على نحو ~~استعماله فيما له وجود عيني # قلت التفريق بين الشيئين يحتاج إلى ثبوت الوصف الفارق وثبوت تأثيره ~~والآمدي سلم لهم الوصف ونازعهم في كونه مؤثرا PageV03P045 # والتحقيق أن ما ذكروه من الوصف متوجه في القدرة فإن تعلقها بالمعدوم من ~~باب التجويز بخلاف العلم فإن فساد تعلقه بالمعدوم ليس من باب التجويز فإن ~~المعدوم هنا معلوم للعالم ليس المراد بذلك أن ثم صفة تصلح ان يعلم بها ~~المعدوم اذا وجد بل هو معلوم قبل وجوده بخلاف القدرة فإن تعلقها بالمعدوم ~~معناه انها صفة صالحة لتعلق المعدوم اذا وجد # قلت وأيضا فإن قول القائل المعنى بكون المعلومات والمقدورات غير متناهية ~~هو صلاحية العلم والقدرة للتعلق وهو وان سلم في القدرة فلا يسلم في العلم ~~فإن الكلام ليس هو في امكان العلم بها بل في العلم الذي يقال انه علم موجود ~~أزلي متعلق بما لا نهاية له وهذا أمر موجود # وعن هذه الشبهة صار طائفة من ms0484 النظار إلى استرسال العلم على آحاد نوع ~~العرض كما قاله ابو المعالي وحكي ذلك عن أبي الحسين البصري وداود الجواربي PageV03P046 # قال ابو المعالي الأجسام جنس واحد والأعراض اجناسها محصورة وأفراد الجنس ~~غير محصورة قال فلا يجوز وجود أجناس لا تتناهى لأنه يجب حينئذ وجود مالا ~~يتناهى في العلم ولا الدليل دال على نفي النهاية في هذا وهذا قال وأما آحاد ~~الاعراض فإن العلم يسترسل عليها استرسالا وأما الجواب بصلاحية التعلق فهو ~~جواب الشهرستاني ونحوه # قال الطريق الثاني يعني في بيان امتناع مالا نهاية له قوله لو وجد اعداد ~~لا نهاية لها لم تخل أما ان تكون شفعا او وترا معا او شفعا ووترا معا أو لا ~~شفعا ولا وترا فإن كانت شفعا فهي تصير وترا بزيادة واحدة وان كانت ولا شفعا ~~ولا وترا فهي تصير شفعا بزيادة واحد واعواز الواحد لما لا يتناهى مح وإن PageV03P047 ~~كانت شفعا ووترا فهو محال لأن الشفع ما يقبل الانقسام بمتساويين والوتر غير ~~قابل لذلك والعدد الواحد لا يكون قابلا لذلك وغير قابل له معا وان لم يكن ~~شفعا ولا وترا فيلزم منه وجود واسطة بين النفي والاثبات وهو محال وهذه ~~المحالات انما لزمت من القول بعدد لا نهاية له فالقول به محال # قال وهو من النمط الاول في الفساد لوجهين الاول قد لا نسلم استحالة ~~الشفعية او الوترية فيما لا نهاية له والقول بأن مالا يتناهى لا يعوزه ~~الواحد الذي به يصير شفعا ان كان وترا او وترا ان كان شفعا فدعوى مجردة ~~ومحض استبعاد لا دليل عليه # الوجه الثاني انه يلزم عليه عقود الحساب ومعلومات الله تعالى ومقدوراته ~~فإنها غير متناهية امكانا مع امكان اجراء الدليل المذكور فيها # قلت ولقائل ان يقول أما الوجه الاول فضعيف فإن كون مالا PageV03P048 ~~يتناهى معوزا للواحد كالمعلوم فساده بالضرورة بل يمكن ان يقال مالا يتناهى ~~لا يمكن ان يكون لا شفعا ولا وترا لأن الشفع والوتر نوعا جنس العدد المحصور ~~الذي له طرفان مبدأ ومنتهى فأما اذا ms0485 قدر مالا مبدأ له ولا منتهى له فليس ~~عددا محصورا فلا يكون شفعا ولا وترا كما يقوله المسلمون وغيرهم من اهل ~~الملل فيما يحدثه الله تعالى في المستقبل من نعيم الجنة انه لا شفع ولا وتر # وهذا أيضا قول الفلاسفة الطبيعية والالهية ان مالا نهاية له لا يكون شفعا ~~ولا وترا وذلك ان مالا نهاية له ليس له طرفان والشفع ما يقبل الانقسام ~~بقسمين متساويين وهذا انما يعقل فيما له طرفان منتهيان واذا لم يمكن ان ~~يكون شفعا لم يمكن ان يكون وترا # وأما عقود الحساب فالمقدر منها في الذهن محصور متناه ومالا يتناهى لا ~~تقدره الاذهان بل كل ما يضعفه الذهن من عقود الحساب فهو متناه والمراتب في ~~نفسها متناهية ولكن احدى المرتبتين لو وجدت افرادها في الخارج لكانت اكثر ~~من الاولى وليس ذلك تفاوتا في امور موجودة لا في الاذهان ولا في الاعيان # قال ابو الحسن الامدي الطريق الثالث انه لو وجد اعداد لا نهاية لها فكل ~~واحد منها محصور بالوجود فالجملة محصورة بالوجود وما لا يتناهى لا ينحصر بحاصر PageV03P049 # قال وهو أيضا فاسد لثلاثة اوجه # الاول لا نسلم ان الوجود زائد على الموجود حتى يقال يكون الوجود حاصرا له ~~بل الوجود هو ذات الموجود وعينه على ما يأتي # الثاني وان كان زائدا على كل واحد من آحاد الجملة فلا نسلم كونه حاصرا بل ~~عارض مقارن لكل واحد من الآحاد والمعارض المقارن للشيء لا يكون حاصرا له # الثالث سلمنا ان الوجود حاصر لكل واحد من آحاد الجملة ولكن لا نسلم ان ~~الحكم على الآحاد يكون حكما على الجملة ولهذا يصدق ان يقال لكل من آحاد ~~الجملة انه جزء الجملة ولا يصدق على الجملة انها جزء الجملة # ولقائل ان يقول في إفساد هذا الوجه أيضا قول القائل انه محصور في الوجود ~~ايريد به ان هناك سورا موجودا حصر ما يتناهى او مالا يتناهى بين طرفيه ام ~~يريد به انه موصوف بكونه موجودا فإن PageV03P050 ~~اراد الاول فهو باطل فإنه ليس ms0486 للموجودان شيء خارج عن الموجودات يحصرها سواء ~~قيل انها متناهية او غير متناهية وان قيل ان كل واحد مما لا يتناهى من ~~الموجودات هو موجود فهذا حق # فإذا سمى المسمى هذا حصرا كان هذا اطلاقا لفظيا وكان قوله حينئذ مالا ~~يتناهى لا يكون محصورا بمنزلة قوله لا يكون موجودا وهذا محل النزاع فقد غير ~~العبارة وصادر على المطلوب ثم مالا يتناهى في المستقبل موجود باتفاق اهل ~~الملل وعامة الفلاسفة ولم ينازع في ذلك إلا من شذ كالجهم وأبي الهذيل ~~ونحوهما ممن هو مسبوق باجماع المسلمين محجوج بالكتاب والسنة مخصوم بالادلة ~~العقلية مع مخالفة جماهير العقلاء من الاولين والاخرين وهو مع هذا محصور ~~بالوجود كما ان ما لا يتناهى في الماضي محصور بالوجود لكنهم يفرقون بأن ~~الماضي دخل في الوجود بخلاف المستقبل ومنازعوهم يقولون الماضي دخل ثم خرج ~~فصارا جميعا معدومين والمستقبل لم يدخل في الوجود وهو تفريق صورى حقيقته ان ~~الماضي كان وحصل والمستقبل لم يحصل بعد # فيقال لهم ولم قلتم ان كل ما حصل وكان يمتنع ان يكون دائما لم يزل وهو ~~وان كان متناهيا من الجانب الذي يلينا فالمستقبل ايضا متناه في هذا الجانب ~~وانما الكلام في الطرفين الآخرين # وايضا فالحوادث الماضية عدمت بعد وجودها فهي الان معدومة كما ان الحوادث ~~المستقبلة الان معدومة فلا هذا موجود PageV03P051 ~~ولا هذا موجود الان وكلاهما له وجود في غير هذا الوقت ذاك في الماضي وهذا ~~في المستقبل وكون الشيء ماضيا ومستقبلا امر اضافي بالنسبة إلى ما يقدر ~~متأخرا عن الماضي ومتقدما على المستقبل وألا فكل ماض قد كان مستقبلا وكل ~~مستقبل سيكون ماضيا كما ان كل حاضر قد كان مستقبلا وسيصير ماضيا # قال الامدي الطريق الرابع انه لو وجد مالا يتناهى فما من وقت يقدر إلا ~~وهو متناه في ذلك الوقت وانتهاء مالا يتناهى محال # قال وهو أيضا غير سديد فإن الانتهاء من احد الطرفين وهو الاخير وان سلمه ~~الخصم فلا يوجب النهاية في الطرف الاخر ثم يلزم عليه عقود الحساب ms0487 ونعيم أهل ~~الجنة وعذاب أهل النار فإنه وان كان متناهيا من طرف الابتداء فغير متناه ~~امكانا في طرف الاستقبال # قلت هذا الوجه من جنس الوجه السادس الذي ذكره الرازي وهو أنه لو كانت ~~الحوادث الماضية غير متناهية كان PageV03P052 # وجود اليوم موقوفا على انقضاء مالا نهاية له وانقضاء مالا نهاية له محال ~~والموقوف على المحال محال # وقد اعترض عليه الارموي بما اعترض به هو وغيره بأن انقضاء مالا نهاية له محال # واما انقضاء مالا بداية له ففيه النزاع وهو من جنس جواب الامدي فإن ~~الانتهاء الذي يسلمه الخصم هو من أحد الطرفين دون الاخر والاخر هو الابتداء ~~وقد تقدم ذلك # ثم قال الامدي والاقرب في ذلك أن يقال لو كانت العلل والمعلولات غير ~~متناهية وكل واحد منها ممكنا على ما وقع به الفرض فهي أما متعاقبة واما معا ~~فإن كانت متعاقبة فقد قيل ان ذلك محال لوجوه ثلاثة # الاول ان كل واحد منها يكون مسبوقا بالعدم والجملة مجموع الآحاد فالجملة ~~مسبوقة بالعدم وكل جملة مسبوقة PageV03P053 # بالعدم فلوجودها أول تنتهي اليه وكل ما لوجوده أول ينتهي اليه فالقول ~~بكون غير متناه محال # الثاني ان كل واحد منها يكون مشروطا في وجوده بوجود علته قبله ولا يوجد ~~حتى توجد علته وكذلك الكلام في علته بالنسبة إلى علتها وهلم جرا # فإذا قيل بعدم النهاية فقد تعذر الوقوف على شرط الوجود فلا وجود لواحد ~~منها وهذا كما اذا قيل لا أعطيك درهما إلا وقبله درهم فإنه لما كان اعطاء ~~الدرهم مشروطا باعطاء درهم قبله وكذلك في إعطاء كل درهم يفرض إلى غير ~~النهاية كان الاعطاء محالا # الثالث هو ان القول بتعاقب العلل والمعلولات يجر إلى تأثير العلة بعد ~~عدمها في معلولها وتأثير المعدوم في الموجود محال # قال وهذه الحجج مما لا مثبت لها # أما الاولى فلأنه لا يلزم من سبق العدم على كل واحد من الآحاد PageV03P054 # سبقه على الجملة فإن الحكم على الآحاد لا يلزم ان يكون حكما على الجملة ~~كما سبق تحقيقه # واما الثاني ms0488 فإنما يلزم ان لو كان ما توقف عليه الموجود وهو شرط في ~~الوجود غير موجود كما في المثال المذكور وأما ان كان موجودا فلا يلزم ~~امتناع وجوب المشروط والقول بأن الشرط غير موجود محل النزاع فلا تقبل ~~الدعوى به من غير دليل # واما الثالثة فإنما تلزم أيضا ان لو كان معنى التعاقب وجود المعلول بعد ~~عدم علته وليس كذلك بل معناه وجود المعلول متراخيا عن وجود علته مع بقاء ~~علته موجودة إلى حال وجوده وبقاؤه موجودا بعد عدم علته وكذلك في كل علة مع ~~معلولها وذلك لا يلزم منه تأثير المعدوم في الموجود ولا ان تكون العلل ~~والمعلولات موجودة معا وذلك متصور في العلل الفاعلة بالاختيار # قال والاقرب في ذلك ان يقال لو كانت العلل والمعلولات PageV03P055 # متعاقبة فكل واحد منها حادث لا محالة وعند ذلك فلا يخلو أما ان يقال ~~بوجود شيء منها في الأزل او لا وجود لشيء منها في الأزل فإن كان الاول فهو ~~ممتنع لأن الازلي لا يكون مسبوقا بالعدم والحادث مسبوق بالعدم فلو كان شيء ~~منها في الأزل لكان مسبوقا بالعدم ضرورة كونه حادثا وغير حادث ضرورة كونه ~~ازليا وان كان الثاني فجملة العلل والمعلولات مسبوقة بالعدم ضرورة أن لا ~~شيء منها في الأزل ويلزم من ذلك ان يكون لها ابتداء ونهاية غير متوقف على ~~سبق غيره عليه وهو المطلوب # قلت هذا الوجه هو الوجه الثالث الذي ذكره الرازي حيث قال أما ان يقال حصل ~~في الأزل شيء من هذه الحركات او لم يحصل فإن لم يحصل في الأزل شيء من هذه ~~الحركات وجب ان يكون لمجموع هذه الحركات والحوادث بداية وأول وهو المطلوب ~~وإن حصل في الأزل شيء من هذه الحركات فتلك الحركة الحاصلة في الأزل ان لم ~~تكن مسبوقة بغيرها كانت تلك الحركة أول الحركات وهو المطلوب وان كانت ~~مسبوقة بغيرها لزم ان يكون الاول مسبوقا بغيره وهو محال PageV03P056 # وقد اعترض ابو الثناء الارموي على هذا بأنه ليس شيء من الحركات الجزئية ~~ازليا بل ms0489 كل واحدة منها حادثة وإنما القديم الحركة الكلية بتعاقب الأفراد ~~الجزئية وهي ليست مسبوقة بغيرها فلا يلزم ان يكون لكل الحركات الجزئية أول # وبيان هذا الاعتراض فيما ذكره الامدي ان يقال قوله أما ان يقال بوجود شيء ~~منها في الأزل اولا وجود لشيء منها في الأزل حوابه انه ليس شيء بعينه ~~موجودا في الأزل ولكن الجنس لم يزل متعاقبا وحينئذ يندفع ما ذكره على ~~التقديرين أما الاول فإنه قال لو كان شيء منها موجودا في الأزل لكان مسبوقا ~~بالعدم غير مسبوق بالعدم وهذا انما يلزم اذا قيل في واحد من الحوادث ~~المتعاقبة انه قديم أزلي وهذا لا يقوله عاقل # واما التقدير الثاني فقوله وان كان الثاني فقول القائل العلل والمعلومات ~~المتعاقبة او غيرها من الحوادث المتعاقبة تكون مسبوقة بالعدم انما يلزم اذا ~~قيل ان جنسها ليس بقديم ولا أزلي وهذا محل النزاع # وحقيقة الأمر ان قول القائل أما ان يقال بوجود شيء منها في PageV03P057 ~~الأزل أولا وجود لشيء منها في الأزل معناه إما أن شيئا منها قديم أزلي أو ~~ليس شيء منها قديما أزليا وهذا اللفظ محتمل فإن أراد به أن واحدا من ~~الحوادث المتعاقبة يكون قديما أزليا فهذا لا يقولونه وإن أراد أن جنسها لم ~~يزل يحدث شيئا بعد شيء وأنه لا أول للجنس بل الجنس قديم أزلي فهذا هو الذي ~~يقولونه وحينئذ فلا يلزم من نفي الأزلية عن واحد نفيها عن الجنس # وذلك أن معنى الأزل ليس هو شيئا له ابتداء محدود حتى يقال هل حصل شيء ~~منها في ذلك المبدأ المحدود بل معنى الأزل هو معنى القدم ومعناه ما لا ~~ابتداء لوجوده ولا يقدر الذهن غاية إلا كان قبل تلك الغاية فإذا قال القائل ~~هل وجد شيء من هذه الحوادث في الأزل كان معناه هل منها قديم لا أول لوجوده ~~لم يزل موجودا # والمثبت لذلك إنما يقول لم يزل الجنس موجودا شيئا بعد شيء كما يقوله ~~المسلمون وجمهور الناس غيرهم في الأبد فيقولون إنه لا يزال جنس ms0490 الحوادث ~~يحدث شيئا بعد شيء فلو قال القائل الحوادث المنقضية لا تكون أبدية ولا تكون ~~فيما لا يزال لأنه إما أن يوجد شيء منها في الأبد أو لا وجود لشيء منها في ~~الأبد فإن كان الأول ممتنع لأن الأبدي لا يكون منقضيا بل لا يزال موجودا ~~وإن كان الثاني فجملة المنقضيات ملحوقة بالعدم وما كان ملحوقا بالعدم لم ~~يكن أبديا لأن الأبدي هو ما لا يلحقه العدم كما أن الأزلي ما لا يسبقه ~~العدم كان الجواب عن قول هذا القائل بأن يقال الأبدي PageV03P058 # هو جنس الحوادث المنقضية لا واحد واحد منها والجنس لا يلحقه العدم وإن ~~لحق آحاده كما قال تعالى { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } سورة ص 54 وقال ~~تعالى { أكلها دائم } سورة الرعد 35 فالدائم هو الجنس وكذلك الذي لا نفاد ~~له هو الجنس لا كل واحد من أعيان الرزق والمأكولات # وقد أورد الآمدي على نفسه سؤالا وأجاب عنه فقال قولكم إن لم يوجد شيء ~~منها في الأزل فلها أول وبداية فنقول لا يلزم من كون كل واحد من العلل ~~والمعلولات غير موجود في الأزل أن تكون الجملة غير أزلية فإنه لا يلزم من ~~الحكم على الآحاد أن يكون حكما على الجملة بل جاز أن يكون كل واحد من آحاد ~~الجملة غير أزلي والجملة أزلية بمعنى تعاقب آحادها إلى غير النهاية # وقال في الجواب عن هذا قلنا إذا كان كل واحد من الآحاد لا وجود له في ~~الأزل وهو بعض الجملة فليس بعض من أبعاض الجملة يكون موجودا في الأزل وإذا ~~لم يكن شيء من الأبعاض موجودا في الأزل فالجملة غير موجودة في الأزل فإنه ~~لا وجود للجملة دون وجود أبعاضها PageV03P059 # قلت ولقائل أن يقول قوله لا وجود للجملة دون وجود أبعاضها أيعني به وجود ~~أبعاضها معها أو وجود أبعاضها ولو كانت متعاقبة # أما الأول فلا يصح لأن ما فرض متعاقبا لا يمكن أن تكون أبعاضه موجودة معه ~~وليس له وجود مجتمع في زمن واحد حتى ms0491 يمكن اجتماع أبعاضه معه بل وجود أبعاضه ~~وهو متعاقب مع جملته جمع بين النقيضين # وإن عنى به وجود أبعاضها كيفما كان فيقال له هذا صحيح والمنتفي إنما هو ~~وجود شيء من أبعاضها في الأزل ولا يلزم من انتفاء كون الواحد من أبعاضها ~~قديما أزليا أن لا يكون موجودا فإذا كان وجود الجملة موقوفا على وجود ~~أبعاضها فوجود أبعاض المتعاقب ممكن وإن قال إن وجود الجنس المتعاقب الذي هو ~~قديم أزلي أبدي موقوف على كون الواحد من آحاده قديما أزليا أو أبديا فهذا ~~محل النزاع # فتبين أن الجواب فيه مغلطة وحقيقة الجواب أنه يجب الحكم على الجملة بما ~~يحكم به على أفرادها وقد بين هو وغيره فساد هذا PageV03P060 # الجواب فإنه إذا لم يكن بعض الجملة أزليا كان ذلك سلبا للأزلية عن أفراد ~~الجنس ونفى الأزلية هو لحدوث فيصير معنى الكلام إذا كان كل واحد من الأفراد ~~أو الأبعاض المتعاقبة حادثا وجب أن يكون الجنس المتعاقب حادثا وقد عرف فساد ~~هذا الكلام # وأبو الحسن الآمدي وغيره أدخلوا هذه المقدمة أعني منع العلل المتعاقبة في ~~إثبات واجب الوجود ولا حاجة بهم إليها وهي مبنية على مقدمتين إحداهما أن ~~العلة قد تتقدم المعلول وقد ذكر هو في كتابه المسمى ب دقائق الحقائق نقيض ~~ما ذكره هنا في كتابه المسمى أبكار الأفكار وذكر في إثبات واجب الوجود هذه ~~الطريقة التي تقدمت حكايتها عنه وقال فيها إن كانت العلل والمعلولات غير ~~متناهية فإما أن تكون متعاقبة أو معا لا جائز أن يقال بالأول إذ قد بينا ~~امتناع الافتراق بين العلة والمعلول فيما تقدم # والذي قاله فيما تقدم هو أن العلة أو الفاعل لا يفتقر في كونه علة ~~لمعلوله ولا كون المعلول معلولا إلى سبق العدم فإن ما كان من PageV03P061 ~~المعلولات الوجودية مسبوقا بالعدم إما أن يكون وجوده بإيجاد العلة له في ~~حال وجوده أو في حال عدمه لا جائز أن يكون ذلك له في حال عدمه لامتناع ~~اجتماع الوجود والعدم فلم يبق إلا أن يكون موجدا ms0492 له في حال وجوده لا بمعنى ~~أنه أوجده بعد وجوده بل بمعنى أن ما قدر له من الوجود غير مستغن عن العلة ~~بل يستند إليها ولولاها لما كان وإذ ذاك فلا فرق بين أن يكون المعلول وجوده ~~مسبوقا بالعدم أو غير مسبوق بالعدم # قلت هذه الحجة هي حجة ابن سينا وأمثاله على أن المعلول يكون مع العلة في ~~الزمان وهي حجة فاسدة وبتقدير صحتها لا تنفع الآمدي في هذا المقام فإن ~~الناس لهم في مقارنة المعلول لعلته التامة والمفعول لفاعله ثلاثة أقوال # قيل يجب أن يقارن الأثر للمؤثر ولتأثيره بحيث لا يتأخر الأثر عن التأثير ~~في الزمان فلا يتعقبه ولا يتراخى عنه وهذا قول هؤلاء الدهرية القائلين بأن ~~العالم قديم عن موجب قديم وقولهم أفسد الأقوال الثلاثة وأعظمها تناقضا فإنه ~~إذا كان الأثر كذلك لزم أن لا يحدث في العالم شيء فإن العلة التامة إذا ~~كانت تستلزم مقارنة معلولها لها في الزمان وكان الرب علة تامة في الأزل لزم ~~أن يقارنه PageV03P062 ~~كل معلول وكل ما سواه معلول له إما بواسطة وإما بغير واسطة فيلزم أن لا ~~يحدث في العالم شيء # وأيضا فما يحدث من الحوادث بعد ذلك يفتقر إلى علة تامة مقارنة له فيلزم ~~تسلسل علل أو تمام علل ومعلولات في آن واحد وهذا باطل بصريح العقل واتفاق ~~العقلاء وإن قدر أن الرب لم يكن علة تامة في الأزل بطل قولهم # وقيل بل يجب تراخي الأثر عن المؤثر التام كما يقوله أكثر أهل الكلام ~~ويلزم من ذلك أن يصير المؤثر مؤثرا تاما بعد أن لم يكن مؤثرا تاما بدون سبب ~~حادث او أن الحوادث تحدث بدون مؤثر تام وأن الممكن يرجح وجوده على عدمه ~~بدون المرجح التام # وهذا قول كثير من أهل الكلام منهم من يقول القادر يرجح أحد المقدورين بلا مرجح # ومنهم من يقول بل يرجح بالارادة القديمة الأزلية # ومن هؤلاء وهؤلاء من يقول بل يرجح مع كون الرجحان أولى لامع وجوبه وهو ~~قول محمود الخوارزمي من الأولين وهو ms0493 قول محمد بن الهيصم الكرامي وغيره من ~~الآخرين فإن الكرامية مع الاشعرية والكلابية يقولون المرجح هو الارادة ~~القديمة الأزلية ويقولون ان الارادة لا توجب المراد لكن منهم من يقول من ~~شأن الارادة ان ترجح بلا مزية للترجيح بل مع تساوي الامرين كما PageV03P063 ~~تقوله الاشعرية ومنهم من يقول ترجح اولوية الترجيح وهذا قول الكرامية # والقول الثالث ان المؤتمر التام يستلزم وجود اثره عقبه لا معه في الزمان ~~ولا متراخيا عنه كما قال تعالى { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون } سورة النحل 40 وعلى هذا فليلزم حدوث كل ما سوى الرب لانه مسبوق ~~بوجود التأثير ليس زمنه زمن التأثير والقادر المريد يستلزم مع وجود القدرة ~~والإرادة وجود المقدور المراد والقدرة والارادة حاصلان قبل المقدور المراد ~~ومع وجود المقدور المراد مستلزمان له وهذا قول اكثر اهل الاثبات # وعلى هذا فيجب الفرق بين وجود العلة والفاعل والمؤثر عند وجود الاثر في ~~الزمان فإن هذا لا بد منه وبين وجود العلة التي هي الفعل والتأثير في ~~الزمان فإن هذا هو الذي يتعقبه المفعول المعلول الذي هو الاثر # ومن الناس من فرق بين تأثير القادر المختار وتأثير العلة الموجبة فزعم ان ~~الاول لا يكون إلا مع تراخي الاثر والثاني لا يكون إلا مع مقارنة الاثر للمؤثر PageV03P064 # وهذا أيضا غلط فان الادلة الدالة توجب التسوية لو قدر انه يمكن ان يكون ~~المؤثر غير قادر مختار فكيف اذا كان ذلك ممتنعا # وكون المعلول والمفعول لا يكون مفعولا معلولا إلا بعد عدمه هو من القضايا ~~الضرورية التي اتفق عليها عامة العقلاء من الأولين والآخرين وكل هؤلاء ~~يقولون ما كان معلولا يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا حادثا مسبوقا بالعدم # وممن قال ذلك أرسطوا واتباعه حتى ابن سينا وامثاله صرحوا بذلك لكن ابن ~~سينا تناقض مع ذلك فزعم ان الفلك هو قديم ازلى مع كونه ممكنا يقبل الوجود ~~والعدم وهذا مخالف لما صرح به هو وصرح به أئمته وسائر العقلاء وهو مما ~~انكره عليه ابن ms0494 رشد الحفيد وبين ان هذا مخالف لما صرح به أرسطوا وسائر ~~الفلاسفة وان هذا لم يقبله احد قبله # وارسطو لم يكن يقسم الوجود إلى واجب وممكن ولا يقول ان الاول موجب بذاته ~~للعالم بل هذا قول ابن سينا وامثاله وهو وإن كان اقرب إلى الحق مع فساده ~~وتناقضه فليس هو قول سلفه بل قول ارسطو واتباعه ان الأول إنما افتقر إليه ~~الفلك لكونه يتحرك للتشبه به لا لكون الاول علة فاعلة له # وحقيقة قول ارسطو واتباعه ان ما كان واجب الوجود فإنه PageV03P065 ~~يكون مفتقرا إلى غيره فيكون جسما مركبا حاملا للأعراض فإن الفلك عندهم واجب ~~بذاته وهو كذلك كما قد بسط كلامهم والرد عليهم في غير هذا الموضع وبين ما ~~وقع من الغلط في نقل مذاهبهم وان اتباعهم صاروا يحسنون مذاهبهم فمنهم من ~~يجعل الأول محدثا للحركة بالأمر وليس هذا قولهم فإن الأول عندهم لا شعور له ~~بحركة ولا إرادة وانما الفلك يتحرك عندهم للتشبه به فهو يحركه كتحريك ~~الإمام للمؤتم به او المعشوق لعاشقه لا تحريك الأمر لماموره كما يزعمه ابن ~~رشد وغيره # ومنهم من يقول بل هو علة مبدعة فاعلة للأفلاك كما يقوله ابن سينا واتباعه ~~وليس هذا أيضا قولهم # ولكن كثير من هؤلاء المتأخرين لا يعرفون من مذاهب الفلاسفة آلا ما ذكره ~~ابن سينا كابي حامد الغزالي والرازي والامدى وغيرهم ويذكرون ما ذكره ابن ~~سينا من حججه كما ذكر الامدى في هذا الموضع حيث قال ان العلة أو الفاعل لا ~~يفتقر في كونه علة إلى سبق العدم لان تأثير العلة في المعلول انما هو في ~~حال وجود المعول PageV03P066 # فيقال لهم ليس في هذا ما يدل على ان المعلول يجوز ان يكون قديما أزليا ~~غير مسبوق بالعدم بل قولكم وإذ ذاك فلا فرق بين ان يكون المعلول وجوده ~~مسبوقا بالعدم او غير مسبوق دعوى مجردة # فتبين ان ما ذكره الامدى وغيره من امتناع الافتراق بين العلة والمعلول في ~~الزمن ووجوب مقارنتهما في الزمن من اضعف الحجج بل ما ms0495 ذكره لا يدل على جواز ~~الاقتران فضلا عن ان يدل على وجوب الاقتران بل غاية ما ذكره ان سبق العدم ~~ليس بشرط في إيجاد العلة ولا يلزم من كونه ليس بشرط وجوب الاقتران بل قد ~~يقال بجواز الاقتران وجواز التأخير # وحينئذ فلقائل ان يقول هذا الذي ذكرته وان كان باطلا كما قد بسط في غير ~~هذا الموضع وبين فيه ان للناس في هذا المقام ثلاثة أقوال # قيل يجوز ان يقارن المعلول العلة في الزمان فيقترن الاثر PageV03P067 ~~بالمؤثر في الزمان كما يقوله ابن سينا ومتابعوه # وقيل يل يجب تراخي الاثر عن المؤثر وتأثيره كما يقوله اكثر المتكلمين # وقيل بل الاثر يتعقب التأثير ولا يكون معه في الزمان ولا يكون متراخيا ~~عنه وهذا هو الصواب كما قال تعالى { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له ~~كن فيكون } سورة النحل 40 ولهذا يقال طلقت المرأة فطلقت وأعتقت العبد فعتق ~~فالعتق والطلاق عقب التطليق والإعتاق لا يقترن به ولا يتأخر عنه # وبين ان ما قال باقتران الاثر بالمؤثر كما يقوله هؤلاء المتفلسفة فإن ذلك ~~يستلزم أن لا يكون لشيء من الحوادث فاعل وستلزم ان لا يحدث شيء في العالم ~~ومن قال بالتراخي فقوله يستلزم ان المؤثر التام لا يستلزم الاثر بل يحدث ~~الحادث بلا سبب حادث وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا ان هذا الجواب الذي ذكره هو مأخوذ من كلام ابن سينا وهو مع ~~فساده غايته ان المعلول يجوز ان يقارن وجوده وجود PageV03P068 # العلة لا يجب ان يكون مسبوقا بالعدم مع وجود العلة وليس في هذا بيان انه ~~يمتنع تأخر وجوده عن وجود العلة # والاقسام الممكنة ثلاثة أما ان يقال بوجوب المقارنة او بوجوب التأخر او ~~بجواز الامرين وما ذكرته لا يدل على شيء من ذلك ولو دل فانما يدل على جواز ~~الاقتران لا على وجوبه وانت فبما ذكرته هناك جوزت تأخر المعلول فلا منافاة ~~بين الامرين # وذلك ان غاية ما ذكرته ان المؤثر أي المعلول الذي هو المصنوع المفعول ms0496 أما ~~ان ان تكون تأثيريه قديمة كواجب الوجود وذلك لا ينفي ان يكون التأثير يه هو ~~الأحداث فان فاعل هذه الحادثات تأثيره فيها في حال الوجود مع كونها محدثة ~~فليس كون التأثير فيها في حال وجودها مما ينفي انه لا بد ان تكون محدثة # وقولك اذا كان التأثير فيها في حال وجودها فلا فرق بين ان يكون وجودها ~~مسبوقا بالعدم او غير مسبوق دعوى مجردة لاستواء الحالين والعقلاء يعلمون ~~بضرورة عقلهم ان المبدع الفاعل لا يعقل ان يبدع القديم الازلى الذي لم يزل ~~موجودا وانما يعقل ابداع ما لم PageV03P069 ~~يكن ثم كان بل العقلاء متفقون على ان الممكن الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه لا ~~يكون إلا حادثا بعد عدمه ولا يكون قديما ازليا # وهذا مما اتفق عليه الفلاسفة مع سائر العقلاء وقد صرح به أرسطوا وجميع ~~اتباعه حتى ابن سينا واتباعه ولكن ابن سينا واتباعه تناقصوا فادعوا في موضع ~~اخر ان الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه قد يكون قديما ازليا ومن قبله من ~~الفلاسفة حتى الفارابي لم يدعو ذلك ولا تناقضوا وقد حكينا اقوالهم في غير ~~هذا الموضع # واما المقدمة الثانية التي بنوا عليها امتناع العلل المتعاقبة فهي مبنية ~~على امتناع حوادث لا أول لها والمتفلسف لا يقول بذلك فلم يمكنهم ان يجعلوها ~~مقدمة في اثبات واجب الوجود # والتحقيق انه لا يحتاج اليها بل ولا يحتاج في اثبات واجب الوجود إلى هذه ~~الطريقة كما قد بينا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع # وهؤلاء تجدهم مع كثرة كلامهم في النظريات والعقليات وتعظيمهم للعلم ~~الإلهي الذي هو سيد العلوم وأعلاها أشرفها واسناها لا يحققون ما هو المقصود ~~منه بل لا يحققون ما هو المعلوم لجماهير الخلائق وان اثبتوه طولوا فيه ~~الطريق مع إمكان تقصيرها بل قد يورثون الناس شكا فيما هو معلوم لهم بالفطرة ~~الضرورية PageV03P070 # والرسل صلوات الله عليهم وسلامه بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا ~~بإفسادها وتغييرها قال تعالى { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل ms0497 لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون } سورة الروم 30 32 # وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال # كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج ~~البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم قال أبو هريرة اقرأوا ان ~~شئتم { فطرة الله التي فطر الناس عليها } قالوا يا رسول الله أرأيت من يموت ~~من أطفال المشركين وهو صغير فقال الله أعلم بما كانوا عاملين PageV03P071 # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # يقول الله تعالى اني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما ~~أحللت لهم وأمرتهم ان يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا # فالاقرار بالخالق سبحانه وتعالى والاعتراف بوجود موجود واجب الوجود قديم ~~أزلي كما أنه مركوز في الفطرة مستقر في القلوب فبراهينه وأدلته متعددة جدا ~~ليس هذا موضعها وهؤلاء عامة ما يذكرونه من الطرق أما ان يكون فيه خلل واما ~~ان يكون طويلا كثير التعب والغالب عليهم الاول # فالرازي أثبت الصانع بخمسة مسالك وهي كلها مبينة على مقدمة واحدة # الاول الاستدلال بحدوث الذوات كالاستدلال بحدوث الأجسام المبني على حدوث ~~الاعراض كالحركة والسكون وامتناع مالا PageV03P072 ~~نهاية له وهذا طريق المعتزلة ومن وافقهم من الاشعرية كأبي المعالي بناء على ~~أن أجسام العالم محدثة وكل محدث فله محدث # أما المقدمة الاولى فقد تبين كلامهم فيها ومناقضة بعضهم بعضا وانهم ~~التزموا لأجلها أما جحد صفات الله وأفعاله القائمة به وإما جحد بعض ذلك ~~وأنهم اشترطوا في خلق الله تعالى للعالم ما ينافي خلق العالم فسلطوا عليهم ~~أهل الملل والفلاسفة جميعا # وأما الثانية فهي أظهر وأعرف وأبده في العقول من أن تحتاج إلى بيان ~~فبنوها على أن كل محدث فهو ممكن الوجود وأن الممكن يحتاج في وجوده ms0498 إلى مؤثر ~~موجود وكل من هاتين المقدمتين صحيحة في نفسها مع أن القول بافتقار المحدث ~~إلى المحدث أبين وأظهر في العقل من القول بافتقار الممكن إلى المؤثر ~~الموجود فبتقدير بيانهم للمقدمتين يكونون قد طولوا وداروا بالعقول دورة ~~تبعد على العقول معرفة الله تعالى والاقرار بثبوته وقد يحصل لها في تلك ~~الدورة من الآفات ما يقطعها عن المقصود فكانوا كما قيل لبعض الناس أين أذنك ~~فرفع يده وأدارها على رأسه ومدها وتمطى وقال هذه أذني وكان يمكنه أن يشير ~~اليها بالطريق المستقيم القريب ويقول هذه أذني وهو كما قيل % أقام يعمل ~~أياما رويته % وشبه الماء بعد الجهد بالماء % PageV03P073 # وهو نظير ما يذكر عن يعقوب بن اسحاق الكندي فيما حكاه عنه السيرافي من ~~قوله هذا من باب فقد عدم الوجود وفقد عدم الوجود هو الوجود فكيف وقد ذكر وا ~~في افتقار الممكن إلى الواجب بنفسه مع ظهوره وبيانه كما قد بيناه في غير ~~هذا الموضع ما هو نقيض المقصود من التعليم والبيان وتحرير الادلة والبراهين ~~وقد تكلمنا على تقرير ما يتعلق بهذا المقام في غير هذا الموضع # قال الرازي المسلك الثاني الاستدلال بامكان الأجسام على وجود الصانع ~~سبحانه وتعالى وهو عمدة الفلاسفة قالوا الأجسام ممكنة وكل ممكن فلا بد له ~~من مؤثر أما بيان كونها ممكنة فالبطريق المذكورة في مسألة الحدوث وأما بيان ~~أن الممكن لا بد له من مؤثر فالبطريق المذكورة هنا # قلت وهذه الطريقة هي طريقة ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة PageV03P074 ~~وليست طريقة أرسطوا والقدماء من الفلاسفة وابن سينا كان يعجب بهذه الطريقة ~~ويقول انه أثبت واجب الوجود من نفس الوجود من غير احتياج إلى الاستدلال ~~بالحركة كما فعل أسلافه الفلاسفة ولا ريب ان طريقته تثبت وجودا واجبا لكن ~~لم تثبت انه مغاير للافلاك إلا ببيان امكان الأجسام كما ذكره الرازي عنهم ~~وامكان الأجسام هو مبنى على توحيدهم المبنى على نفي صفات الله تعالى كما ~~تقدم التنبيه عليه وهو من أفسد الكلام كما قد بين ذلك في غير موضع # ومن ms0499 طريقهم دخل القائلون بوحدة الوجود وغيرهم من أهل الالحاد القائلين ~~بالحلول والاتحاد كصاحب الفصوص وأمثاله الذين حققة قولهم تعطيل الصانع ~~بالكلية والقول بقول الدهرية الطبيعية دون الالهية # قال المسلك الثالث الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء كانت ~~الأجسام واجبة وقديمة او ممكنة وحادثة # قال وتقريره ان يقال اختصاص كل جسم بما له من PageV03P075 ~~الصفات أما ان يكون لجسميته او لما يكون حالا في الجسمية او لما يكون محلا ~~لها او لما يكون حالا فيها ولا محلا لها وهذا القسم الاخير أما ان يكون ~~جسما جسمانيا اولا جسما ولا جسمانيا وتبطل كل هذه الاقسام سوى القسم الاخير ~~بما مر تقريره في اثبات المسلك الاول في مسألة حدوث العالم # قلت وهذا هو القول بتماثل الأجسام وان تخصيص بعضها بالصفات دون بعض يفتقر ~~إلى مخصص والقول بتماثل الأجسام في غاية الفساد والرازي نفسه قد بين بطلان ~~ذلك في غير موضع وهذا الذي احال عليه ليس فيه إلا ان الجسم لا يكون اختصاصه ~~بالحيز واجبا بل جائزا وبتقدير ثبوت هذا في التحيز لا يلزم مثله في سائر الصفات # وما ذكره من الدليل لا يصح وذلك انه قال اختصاصه بذلك ان كان واجبا فإما ~~ان يكون الوجوب لنفس PageV03P076 ~~الجسمية او لأمر عرض للجسمية او لأمر الجسمية عرضت له أو لأمر غير عارض لها ~~ولا معروض لها والاول يوجب اشتراك الأجسام في تلك الصفة وان كان لعارض فإما ~~ان يكون ممتنع الزوال وهو اللازم او ممكن الزوال وهو العارض فإن العرضى في ~~اصطلاحهم اعم من العارض فإن كان ممتنع الزوال فإن كان الامتناع لنفس ~~الجسمية عاد الاشكال الاول وان كان لغيرها افضى إلى التسلسل وان كان لمعروض ~~الجسمية لم يصح لأن المعقول من الجسمية الذهاب في الجهات فلو كان في محل ~~لكن ذلك المحل يجب ان يكون ذاهبا في الجهات فيكون محل الجسمية جسما لأنه ان ~~لم يكن ذاهبا في الجهات لم PageV03P077 ~~يكن له اختصاص بالحيز فلا يعقل حصول الجسم المختص بالحيز في محل غير ms0500 مختص ~~بالحيز واذا كان محله ذاهبا في الجهات كان جسما وحينئذ فالقول في اختصاصه ~~بذلك الحال فيه كالقول في الحيز لا يجوز ان يكون للجسمية او لوازمها بل ~~لأمر عارض ممكن الزوال فيكون ذلك الحيز ممكن الزوال وهو المقصود # قلت ولقائل ان يقول هذا الدليل مبنى على تماثل الأجسام وأكثر العقلاء على ~~خلافه وقد قرر الرازي في موضع آخر انها مختلفة لا متماثلة وهو مبنى ايضا ~~على الكلام في الصورة والمادة ونحو ذلك مما ليس هذا موضع بسط الكلام فيه ~~لكن يبين فساده ببيان موضع المنع في مقدماته # قوله ان كان الامتناع لغير الجسمية افضى إلى التسلسل ممنوع فإن الأجسام ~~اذا كانت مشتركة في مسمى الجسمية وقد اختص بعضها عن بعض بصفات أخرى لم يجب ~~في ذلك التسلسل كما في سائر الامور التي تشترك في شيء وتفترق في شيء ~~فالمقادير والحيوانات اذا اشتركت في مسمى القدر والحيوانية واختص بعضها عن ~~بعض بشيء آخر لازم له لم يلزم التسلسل سواء قيل بتماثل الأجسام او اختلافها ~~فإنه ان قيل باختلافها كانت ذات كل واحد موصوفة بصفات لازمة لها لا توجد في ~~الاخر كسائر الحقائق المختلفة وان قيل بتماثلها كتماثل افراد النوع فالموجب ~~لوجود كل فرد من تلك PageV03P078 ~~الافراد هو الموجب لصفاته اللازمة له لا تفتقر صفاته اللازمة له إلى موجب ~~غير الموجب لذات وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين فيه فساد ما يقوله ~~المنطقيون من اختلاف افراد النوع انما هو بسبب المادة القابلة ونحو ذلك ~~فإنهم بنوه على ان للحقيقة الموجودة في الخارج سببا غير سبب وجودها وهذا ~~غلط لا يستريب فيه من فهمه مع أنه لا حاجة بنا هنا إلى هذا بل نقول مجرد ~~اشتراك الاثنين في كون كل منهما جسما او متحيزا او موصوفا او مقدار او غير ~~ذلك لا يمنع اختصاص أحدهما بصفات لازمة له وليس اذا احتاج اختصاصه بالحيز ~~إلى سبب غير الجسمية المشتركة يلزم ان يكون ذلك المخصص له مخصص آخر بل ~~المشاهد خلاف ذلك ms0501 فإن اختصاص الأجسام المشهودة بأحيازها ليس للجسمية ~~المشتركة بل لأمر يخصها هو من لوازمها يمعنى أن المقتضى لذاتها هو المقتضى ~~لذلك اللازم # وأيضا فقوله إن كان الامتناع لمعروض الجسمية فهو محال ممنوع # وقوله لأن المعقول من الجسمية الامتداد في الجهات فمحله لا بد أن يكون له ~~ذهاب في الجهات # يقال له محل الامتداد في الجهات هو الممتد في الجهات كما أن محل التحيز ~~هو المتحيز ومحل الطول والعرض والعمق هو الطويل PageV03P079 ~~العريض العميق ومحل المقدار هو المقدر وكذلك محل الحياة والعلم والقدرة هو ~~الحي العليم القدير وكذلك محل السواد والبياض هو الأسود والأبيض وهذا في كل ~~ما يوصف بصفة فمحل الصفة هو الموصوف وهكذا جميع مسميات المصادر وغيرها من ~~الأعراض محلها الأعيان القائمة بنفسها فإذا كانت الجسمية هي الامتداد في ~~الجهات التي هي الطول والعرض والعمق مثلا كان محلها هو الشيء الممتد في ~~الجهات الذي هو الطويل العريض العميق وحينئذ فمحلها له اختصاص بالحيز ويكون ~~ذلك المعروض للجسمية الذي هو محل لها الممتد في الجهات هو المقتضى لاختصاصه ~~بما اختص به من الصفات اللازمة وهو مستلزم لذلك كما هو مستلزم للامتداد في ~~الجهات فجنس الجسم مستلزم لجنس الامتداد وجنس الأعراض والصفات فالجسم ~~المعين هو مستلزم للامتداد المعين في الجهات المعينة ومستلزم للصفات ~~المعينة التي يقال إنها لازمة له حتى إنه متى قدر عدم تلك اللوازم فقد تبطل ~~حقيقته فالموجب لها هو الموجب لحقيقته وهذا مطرد في كل ما يقدر من ~~الموصوفات المستلزمة لصفاتها كالحيوانية والناطقية للإنسان وكذلك الاغتذاء ~~والنمو للحيوان والنبات مثلا فإن كون النبات ناميا متغذيا هو صفة لازمة له ~~لا لعموم كونه جسما ولا لسبب غير حقيقته التي يختص بها بل حقيقته مستلزمة PageV03P080 ~~لنموه واغتذائه وهذه الصفات أقرب إلى أن تكون داخلة في حقيقته من كونه ~~ممتدا في الجهات وإن كان ذلك أيضا لازما له فإنا نعلم أن النار والثلج ~~والتراب والخبز والإنسان والشمس والفلك وغير ذلك كلها مشتركة في أنها ~~متحيزة ممتدة في الجهات كما أنها مشتركة ms0502 في أنها موصوفة بصفات قائمة بها ~~وفي أنها حاملة لتلك الصفات وما به افترقت وامتاز بعضها عن بعض أعظم مما ~~فيه اشتركت فالصفات الفارقة بينها الموجبة لاختلافها ومباينة بعضها لبعض ~~أعظم مما يوجب تشابهها ومناسبة بعضها لبعض فمن يقول بتماثل الجواهر ~~والأجسام يقول إن الحقيقة هي ما اشتركت فيه من التحيزية والمقدارية ~~وتوابعها وسائر الصفات عارضة لها تفتقر إلى سبب غير الذات # ومن يقول باختلافها يقول بل المقدارية للجسم والتحيزية للمتحيز ~~كالموصوفية للموصوف واللونية للملون والعرضية للعرض والقيام بالنفس ~~للقائمات بأنفسها ونحو ذلك ومعلوم أن الموجودين إذا اشتركا في أن هذا قائم ~~بنفسه وهذا قائم بنفسه لم يكن أحدهما مثلا للآخر وإذا اشتركا في أن هذا لون ~~وهذا لون وهذا طعم وهذا طعم وهذا عرض وهذا عرض لم يكن أحدهما مثلا للآخر ~~وإذا اشتركا في أن هذا موصوف وهذا موصوف لم يكن أحدهما مثلا للآخر وإذا ~~اشتركا في أن لهذا مقدارا ولهذا مقدارا PageV03P081 ~~ولهذا حيزا ومكانا ولهذا حيزا ومكانا كان أولى أن لا يوجب هذا تماثلهما لأن ~~الصفة للموصوف أدخل في حقيقته من القدر للمقدر والمكان للمتمكن والحيز ~~للمتحيز فإذا كان اشتراكهما فيما هو أدخل في الحقيقة لا يوجب التماثل ~~فاشتراكهما فيما هو دونه في ذلك أولى بعدم التماثل والكلام على هذه الأمور ~~مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على مجامع ما أثبتوا به الصانع # قال الرازي المسلك الرابع الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض على وجود ~~الصانع تعالى مثل صيرورة النطفة المتشابهة الأجزاء إنسانا فإذا كانت تلك ~~التركيبات أعراضا حادثة والعبد غير قادر عليها فلا بد من فاعل آخر ثم من ~~ادعى العلم بأن حاجة المحدث إلى الفاعل ضروري ادعى الضرورة هنا ومن استدل ~~على ذلك بالإمكان أو بالقياس على حدوث الذوات فكذلك يقول أيضا في حدوث الصفات # قال والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات وبين PageV03P082 ~~الاستدلال بحدوثها أن الأول يقتضي أن لا يكون الفاعل جسما والثاني لا يقتضي ذلك # قلت هذه الطريقة جزء من الطريقة المذكورة في القرآن وهي ms0503 التي جاءت بها ~~الرسل وكان عليها سلف الأمة وائمتها وجماهير العقلاء من الادميين فإن الله ~~سبحانه يذكر في آياته ما يحدثه في العالم من السحاب والمطر والنبات ~~والحيوان وغير ذلك من الحوادث ويذكر في آياته خلق السموات والارض واختلاف ~~الليل والنهار ونحو ذلك لكن القائلون باثبات الجوهر الفرد من المعتزلة ومن ~~وافقهم من الاشعرية وغيرهم يسمون هذا استدلالا بحدوث الصفات بناء على أن ~~هذه الحوادث المشهود حدوثها لم تحدث ذواتها بل الجواهر والاجسام التي كانت ~~موجودة قبل ذلك لم تزل من حين حدوثها بتقدير حدوثها ولا تزال موجودة وانما ~~تغيرت صفاتها بتقدير حدوثها كما تتغير صفات الجسم اذا تحرك بعد السكون وكما ~~تتغير ألوانه وكما تتغير أشكاله وهذا مما ينكره عليهم جماهير العقلاء من ~~المسلمين وغيرهم PageV03P083 # وحقيقة قول هؤلاء الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الاشعرية وغيرهم ان ~~الرب لم يزل معطلا فلا يفعل شيئا ولا يتكلم بمشيته وقدرته ثم إنه أبدع ~~جواهر من غير فعل يقوم به وبعد ذلك ما بقي يخلق شيئا بل انما تحدث صفات ~~تقوم بها ويدعون أن هذا قول أهل الملل الانبياء وأتباعهم وبينهم وبين ~~الفلاسفة في مثل هذا نزاع أخطأ فيه كل من الفريقين فإن الفلاسفة يقولون ~~بإثبات المادة والصورة ويجعلون المادة والصورة جوهرين وهؤلاء يقولون ليست ~~الصورة إلا عرضا قائما بجسم # والتحقيق ان المادة والصورة لفظ يقع على معان كالمادة والصورة الصناعية ~~والطبيعية والكلية والأولية # فالأول مثل الفضة اذا جعلت درهما وخاتما وسبيكة والخشب اذا جعل كرسيا ~~واللبن والحجر اذا جعل بيتا والغزل اذا نسج ثوبا ونحو ذلك فلا ريب ان لمادة ~~هنا التي يسمونها الهيولي هي أجسام قائمة بنفسها وأن الصورة اعراض قائمة ~~بها فتحول الفضة من صورة إلى صورة هو تحولها من شكل إلى شكل مع أن حقيقتها ~~لم تتغير أصلا # وبهذا يظهر لك خطأ قول القائل ان من أثبت افتقار المحدث إلى الفاعل ~~بالقياس على حدوث الذوات قال هنا كذلك وهذه الطريقة PageV03P084 ~~طريقة ابي علي وأبي هاشم ومن وافقهما # فيقال هؤلاء ms0504 انما قاسوا على افتقار الكتابة إلى كاتب والبناء إلى بان ~~ونحو ذلك ومعلوم ان البناء والكاتب لم يبدع جسما وانما أحدث في الأجسام ~~تأليفا خاصا وهو عرض من الاعراض فكيف يجعل مثل هذا محدثا للذوات ويجعل الذي ~~خلق الانسان من نطفة والشجرة من نواة انما أحدث الصفات لكن المعتزلة لا ~~يقولون ان الجسم يحدث جسما وانما يحدث عرضا # والثاني من معاني المادة والصورة هي الطبيعية وهي صورة الحيوانات ~~والنباتات والمعادن ونحو ذلك فهذه ان أريد بالصورة فيها نفس الشكل الذي لها ~~فهو عرض قائم بجسم وليس هذا مراد الفلاسفة وان أريد بالصورة نفس هذا الجسم ~~المتصور فلا ريب أنه جوهر محسوس قائم بنفسه # ومن قال ان هذا عرض قائم بجوهر من أهل الكلام فقد غلط وحينئذ فيقول ~~المتفلسف ان هذه الصورة قائمة بالمادة والهيولى ان اراد بذلك ما خلق منه ~~الانسان كالمنى وهو لم يرد ذلك فلا ريب ان ذاك جسم آخر فسد واستحال وليس هو الان PageV03P085 ~~موجودا بل ذاك صورة وهذا صورة والله تعالى خلق إحداهما من الأخرى وان أراد ~~أن هنا جوهرا قائما بنفسه غير هذا الجسم المشهود الذي هو صورة قائم بذلك ~~الجوهر العقلي فهذا من خيالاتهم الفاسدة # ومن هنا تعرف قولهم في الهيولى الكلية حيث ادعوا أن بين أجسام العالم ~~جوهرا قائما بنفسه تشترك فيه الأجسام ومن تصور الأمور وعرف ما يقول علم أنه ~~ليس بين هذا الجسم المعين وهذا الجسم المعين قدر مشترك موجود في الخارج ~~أصلا بل كل منهما متميز عن الآخر بنفسه المتناولة لذاته وصفاته ولكن ~~يشتركان في المقدارية وغيرها من الأحكام اللازمة للأجسام وعلم أن اتصال ~~الجسم بعد انفصاله هو نوع من التفرق والتفرق والاجتماع هما من الأعراض التي ~~يوصف بها الجسم فالاتصال والانفصال عرضان والقابل لهما نفس الجسم الذي يكون ~~متصلا تارة ومنفصلا أخرى كما يكون مجتمعا تارة ومفترقا أخرى ومتحركا تارة ~~وساكنا أخرى وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # قال الرازي والطريقة الخامسة وهي عند التحقيق PageV03P086 ~~عائدة إلى الطرق الأربع ms0505 وهي الاستدلال بما في العالم من الإحكام والإتقان ~~على علم الفاعل والذي يدل على علم الفاعل هو بالدلالة على ذاته أولى # قلت والمقصود هنا التنبيه على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو ~~الحق الموافق لصريح المعقول وأن ما بينه من الآيات والدلائل والبراهين ~~العقلية في إثبات الصانع سبحانه ومعرفة صفاته وأفعاله هو فوق نهاية العقول ~~وأن خيار ما عند حذاق الأولين والآخرين من الفلاسفة والمتكلمين هو بعض ما ~~فيه لكنهم يلبسون الحق بالباطل فلا يأتون به على وجهه كما أن طريقة ~~الاستدلال بحدوث المحدثات على إثبات الصانع الخالق هي طريقة فطرية ضرورية ~~وهي خيار ما عندهم بل ليس عندهم طريقة صحيحة غيرها لكنهم أدخلوا فيها من ~~الاختلال والفساد ما يعرفه أهل التحقيق والانتقاد الذين آتاهم الله الهدى ~~والسداد وقد بسط الكلام على هذه المطالب في غير هذا الموضع PageV03P087 ### | AUTO فصل # وأما ما تكلموا به في وجود واجب الوجود وتحيرهم فيه هل وجوده حقيقته أو ~~زائد على حقيقته وفي صفاته وأفعاله فهذا بحر واسع قد بسطناه في غير هذا الموضع # وقد اعترف الرازي بحيرته في مسائل الذات والصفات والأفعال وهو تارة يقول ~~بقول هؤلاء وتارة يقول بقول هؤلاء والآمدي متوقف في مسائل الوجود والذات ~~ونحو ذلك مع أنه لم يذكر دليلا على إثبات واجب الوجود البتة فإنه ظن أن ~~الطرق المذكورة ترجع إلى الاستدلال بالإمكان على المرجح الموجب فلم يسلك في ~~إثبات واجب الوجود إلا هذه الطريقة التي هي طريقة ابن سينا لكن ابن سينا ~~وأتباعه قرروها أحسن من تقرير الآمدي فإن أولئك أثبتوا واجب الوجود ~~بالبرهان العقلي الذي لا ريب فيه لكن احتجوا على مغايرته للموجودات ~~المحسوسة بطريقتهم المبنية على نفي الصفات وهي باطلة وأما الآمدي فلم يقرر ~~إثبات واجب الوجود بحال بل قال في كتاب بكار الأفكار في أعظم مسائل الكتاب ~~وهي مسألة إثبات واجب الوجود مذهب أهل الحق من المتشرعين وطوائف الإلهيين ~~القول بوجوب PageV03P088 ~~وجود موجود وجوده لذاته لا لغيره وكل ما سواه فمتوقف ms0506 في وجوده عليه خلافا ~~لطائفة شاذة من الباطنية ومنشأ الاحتجاج على ذلك ما نشاهده من الموجودات ~~العينية ونتحققه من الأمور الحسية فإنه إما أن يكون واجبا لذاته أو لا يكون ~~واجبا لذاته فإن كان الأول فهو المطلوب وإن كان الثاني فكل موجود لا يكون ~~واجبا لذاته فهو ممكن لذاته لأنه لو كان ممتنعا لذاته لما كان موجودا وإذا ~~كان ممكنا فالوجود والعدم عليه جائزان وعند ذلك فإما أن يكون في وجوده ~~مفتقرا إلى مرجح أو غير مفتقر إليه فإن لم يكن مفتقرا إلى المرجح فقد ترجح ~~أحد الجائزين من غير مرجح وهو ممتنع وإن افتقر إلى المرجح فذلك المرجح إما ~~واجب لذاته أو لغيره فإن كان الأول فهو المطلوب وإن كان الثاني فذلك الغير ~~إما أن يكون معلولا لمعلوله أو لغيره فإن كان الأول فيلزم أن يكون كل واحد ~~منهما مقوما للآخر ويلزم من ذلك أن يكون كل واحد منهما مقوما لمقوم نفسه ~~فيكون كل واحد منهما مقوما لنفسه لأن مقوم المقوم مقوم وذلك يوجب جعل كل ~~واحد من الممكنين متقوما بنفسه والمقوم بنفسه لا يكون ممكنا وهو خلاف الفرض ~~ولأن التقويم إضافة بين المقوم PageV03P089 ~~والمقوم فيستدعي المغايرة بينهما ولا مغايرة بين الشيء ونفسه وإن كان ~~الثاني وهو أن يكون ذلك الغير معلولا للغير فالكلام في ذلك الغير كالكلام ~~في الأول وعند ذلك فإما أن يقف الأمر على موجود هو مبدأ الموجودات غير ~~مفتقر في وجوده إلى غيره أو يتسلسل الأمر إلى غير النهاية فإن كان الأول ~~فهو المطلوب وإن كان الثاني فهو ممتنع # ثم ذكر الأدلة المتقدمة على إبطال التسلسل وبين فسادها كلها كما تقدم ~~حكاية قوله واختار الحجة المذكورة عنه التي حكيناها فقال وإن كانت العلل ~~والمعلولات المفروضة موجودة معا فلا يخفى أن النظر إلى الجملة غير النظر ~~إلى كل واحد واحد من آحادها فإن حقيقة الجملة غير حقيقة كل واحد من الآحاد ~~وعند ذلك فالجملة موجودة وهي إما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة لا جائز أن ms0507 ~~تكون واجبة وإلا لما كانت آحادها ممكنة وقد قيل إنها ممكنة PageV03P090 ~~كما سبق وإن كانت واجبة فهو مع الاستحالة عين المطلوب وإن كانت ممكنة فلا ~~بد لها من مرجح والمرجح أما ان يكون داخلا فيها او خارجا عنها لا جائز ان ~~يقال بالأول فان المرجح للجملة مرجح لاحادها ويلزم ان يكون مرجحا لنفسه ~~ضرورة كونه من الآحاد ويخرج بذلك عن ان يكون ممكنا وهو خلاف الفرض وان يكون ~~مرجحا لعلته لكونه من الآحاد وفيه جعل العلة معلولا والمعلول علة وهو دور ~~ممتنع وان كان المرجح خارجا عنها فهو أما ممكن او اوجب فان كان ممكنا فهو ~~من الجملة وهو خلاف الفرض فلم يبق إلا ان يكون واجبا لذاته وهو المطلوب # قلت فهذه الطريقة التي ذكرها لم يذكر غيرها في إثبات الصانع ثم أورد على ~~نفسه اسئلة كثيرة منها قول المعترض لا نستسلم وجود ما يسمى جملة في غير ~~المتناهى ليصح ما ذكرتموه ولا يلزم من صحة ذلك في المتناهي مع أشعاره ~~بالحصر صحته في غير المتناهى سلمنا ان مفهوم الجملة حاصل فيما لا يتناهى ~~وانه ممكن PageV03P091 ~~ولكن لا نسلم انه زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية وعند ذلك فلا ~~يلزم ان يكون معللا بغير علة الآحاد سلمنا أنه زائد على الآحاد ولكن ما ~~المانع أن يكون مترجحا بآحاد الداخلة فيه لا بمعنى انه مترجح بواحد منها ~~ليلزم ما ذكرتموه بل طريق ترجحه بالآحاد الداخلة فيه ترجح كل واحد من آحاده ~~بالآخر إلى غير النهاية وعلى هذا فلا يلزم افتقاره إلى مرجح خارج عن الجملة ~~ولا ان يكون المرجح للجملة مرجحا لنفسه ولا لعلته # ثم قال في الجواب قولهم لا نسلم ان مفهوم الجملة زائد على الآحاد ~~المتعاقبة إلى غير النهاية قلنا ان اردتم ان مفهوم الجملة هو نفس المفهوم ~~من كل واحد من الآحاد فهو ظاهر الإحالة وإن أردتم به الهيئة الإجتماعية من ~~آحاد الاعداد فلا خفاء بكونه زائدا على كل واحد من الآحاد وهو المطلوب ~~قولهم ما المانع ms0508 من ان تكون الجملة مترجحة بآحادها الداخلة فيها كما قرروه ~~قلنا أما ان يقال تترجح الجملة بمجموع الآحاد الداخلة فيها PageV03P092 ~~أو بواحد منها فإن كان بواحد منها فالمحال الذي ألزمناه حاصل وإن كان ~~بمجموع الآحاد فهو نفس الجملة المفروضة وفيه ترجح الشيء بنفسه وهو محال # فهذا ما ذكره في كتابه المشهور المعروف ب أبكار الأفكار المصنف في الكلام ~~وليس في هذا تعرض لإبطال علل ومعلولات ممكنة مجتمعة لا نهاية لها ولكن فيه ~~إثبات واجب الوجود خارجا عنها وقد ذهب طائفة من أهل الكلام كأصحاب معمر إلى ~~إثبات معان لا نهاية لها مجتمعة وهي الخلق وهي شرط في الحدوث # ثم إنه في كتابه المسمى ب دقائق الحقائق في الفلسفة ذكر هذه الحجة وزاد ~~فيها إبطال إثبات علل ومعلولات لا نهاية لها ولكنه اعترض عليها باعتراض ~~وذكر أنه لا جواب له عنه فبقيت حجته على إثبات واجب الوجود موقوفة على هذا الجواب # فقال بعد أن ذكر ما ذكره هنا الجملة إما أن تكون باعتبار ذاتها واجبة أو ~~ممكنة لا جائز أن تكون واجبة وإلا لما كانت آحادها ممكنة وما يتوهمه بعض ~~الناس من قوله إنه إذا كانت الآحاد ممكنة ومعناه افتقار كل واحد إلى علته ~~وكانت الجملة هي مجموع الآحاد فلا مانع من إطلاق الوجود وعدم الإمكان عليها ~~بمعنى أنها غير PageV03P093 ~~مفتقرة إلى أمر خارج عن ذاتها وإن كانت أبعاضها مما يفتقر بعضها إلى بعض ~~فتوهم ساقط فإنه إذا قيل إن الجملة غير ممكنة فقد بينا في المنطقيات أن كل ~~ما ليس بممكن بالمعنى الخاص فإما واجب لذاته وإما ممتنع لا جائز أن يقال ~~بالامتناع وإلا لما كانت موجودة بقي أن تكون واجبة بذاتها وإذا كانت الجملة ~~هي مجموع آحادها وكل واحد من الآحاد ممكن فالجملة أيضا ممكنة بذاتها ~~والواجب باعتبار ذاته يستحيل أن يكون ممكنا باعتبار ذاته وإن كانت ممكنة ~~فلا بد لها من مرجح لضرورة كونها موجودة والمرجح فإما أن يكون ممكنا أو ~~واجبا لا جائز أن يكون ممكنا إذ ms0509 هو من الجملة ثم يلزم أن يكون مرجحا لنفسه ~~لكونه مرجحا للجملة والمرجح للجملة مرجح لآحادها وهو من آحادها وذلك محال ~~ثم يلزم أن يكون علة علته وهو دور ممتنع وإن كان واجبا لذاته غير مفتقر إلى ~~علة في وجوده فإما أن يكون علة للجملة أو لبعضها فإن كان علة للجملة لزم أن ~~يكون علة لكل واحد من آحادها إذ الجملة هي مجموع الآحاد وهو محال من جهة ~~إفضائه إلى كون كل واحد من آحاد الجملة المفروضة معللا بعلتين وهي العلة ~~الواجبة الوجود وما قيل إنه علة له من آحاد الجملة وإن كان علة لبعض منها ~~لا يكون معلولا لغيره فهو خلاف الفرض # وهذه المحالات إنما لزمت من القول بعدم النهاية فهو محال كيف وكل علل ~~ومعلولات قيل باستنادها إلى علة لا علة لها فالقول PageV03P094 ~~بكونها غير متناهية أعدادها محال وجمع بين متناقضين وهو القول بأن ما من ~~علة إلا ولها علة والقول بانتهاء العلل والمعلولات إلى علة لا علة لها # فإذا قد اتضح بما مهدنا امتناع كون العلل والمعلولات غير متناهية وأن ~~القول بأن لا نهاية لها محال # ثم قال ولقائل أن يقول إثبات الجملة لما لا يتناهى وإن كان غير مسلم لكن ~~ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود ويكون ترجحها بترجح آحادها وترجح ~~آحادها كل واحد بالآخر إلى غير النهاية على ما قيل # قال وهذا إشكال مشكل وربما يكون عند غيري حله # قلت فهذا استدلاله على واجب الوجود لم يذكر في كتبه غيره وأما حدوث ~~العالم فأبطل طرق الناس وبناه على أن الجسم لا يخلو من الأعراض الحادثة إذ ~~العرض لا يبقى زمانين واستدل على امتناع حوادث لا أول لها بعد أن أبطل وجوه ~~غيره بالوجه الذي تقدم وتقدم ما فيه من الضعف الذي بينه الأرموي وغيره ثم ~~إذا ثبت حدوث العالم فإنه لم يستدل بالحدوث على المحدث إلا بطريقة الذين PageV03P095 ~~بنوا ذلك على الإمكان وهو أن ذلك يتضمن التخصيص المفتقر إلى مخصص لأنه ~~ترجيح لأحد طرفي ms0510 الممكن فهو لا يستدل بالحدوث على المحدث إلا بناء على أن ~~ذلك ممكن يفتقر إلى واجب ولا يجعل الممكن دالا على الواجب إلا بناء على نفي ~~التسلسل والتسلسل قد أورد عليه السؤال الذي قال إنه لا جواب له عنه # وكل هذه المقدمات التي ذكرها لا يفتقر إثبات الصانع إليها وبتقدير ~~افتقاره إليها فإبطال التسلسل ممكن فتتم تلك المقدمات وذلك أن إثبات الصانع ~~لا يفتقر إلى حدوث الأجسام كما تقدم بل نفس ما يشهد حدوثه من الحوادث يغني ~~عن ذلك والعلم بأن الحادث يفتقر إلى المحدث هو من أبين العلوم الضرورية وهو ~~أبين من افتقار الممكن إلى المرجح فلا يحتاج أن يقرر ذلك بأن الحدوث ممكن ~~أو أنه كان يمكن حدوثه على غير ذلك الوجه فتخصيصه بوجه دون وجه ممكن جائز ~~الطرفين فيحتاج إلى مرجح مخصص بأحدهما # وهذه الطريقة يسلكها من يسلكها من متأخري أهل الكلام من المعتزلة ~~والأشعرية ومن وافقهم على ذلك من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم # وقد نبهنا على أنها وإن كانت صحيحة فإنها تطويل بلا فائدة فيه واستدلال ~~على الأظهر بالأخفى وعلى الأقوى PageV03P096 ~~بالأضعف كما لا يحد الشيء بما هو أخفى منه وإن كان الحد مطابقا للمحدود ~~مطردا منعكسا يحصل به التمييز مع ان الحد والاستدلال بالأخفى قد يكون فيه ~~منفعة من وجوه اخرى مثل ما حصلت له شبهة او معاندة في الأمر الجلى فتبين له ~~بغيره لكون ذلك اظهر عنده فان الظهور والخفاء امر نسبي اضافي مثل من يكون ~~من شأنه الاستخفاف بالأمور الواضحة البينة فإذا كان الكلام طويلا مستغلقا ~~هابه وعظمه كما يوجد في جنس هؤلاء إلى غير ذلك من الفوائد لكن ليس هذا مما ~~يتوقف العلم والبيان عليه مطلقا وهذا هو المقصود هنا وهؤلاء كثيرا ما ~~يغلطون فيظنون ان المطلوب لا يمكن معرفته إلا بما ذكروه من الحد والدليل ~~وبسبب هذا الغلط يضل من يضل حتى يتوهم ان ذلك الطريق المعين اذا بطل انسد ~~باب المعرفة # ولهذا لما بنى الامدى وغيره على ms0511 هذه الطريقة التي تعود إلى طريقة الامكان ~~على نفي التسلسل حصل ما حصل فكان مثل هؤلاء من عمد إلى امراء المسلمين ~~وجندهم الشجعان الذين يدفعون العدو ويقاتلونهم فقطعهم ومنعهم الرزق الذي به PageV03P097 ~~يجاهدون وتركوا واحدا ظنا انه يكفي في قتال العدو وهو اضعف الجماعة أعجزهم ~~ثم انهم مع هذا قطعوا رزقه الذي به يستعين فلم يبق بازاء العدو أحد # ومثل نهر كبير كدجلة والفرات كان عليه عدة جسور يعبر الناس عليها ومنها ~~ما هو قوى مكين في مكان قريب فعمد المتولى إلى تلك الجسور فقطعها كلها ولم ~~يترك إلا واحد طويلا بعيدا ضعيفا ثم انه خرقه في أثنائه حتى انقطع الطريق ~~ولم يبق الأحد طريق إلى العبور وهو مع هذا يستعمل الناس في الآلات التي ~~يصنع بها الجسور ويشعر الناس انه لا يمكن أحدا ان يعبر بما يصنعه # او مثل رجل كان لمدينته أسوار متداخلة سور خلف سور كل سور منها يحفظ ~~المدينة فعمد المتولى فهدم تلك الأسوار كلها وترك سورا هو أضعفها وأطولها ~~وأصبعها حفظا ثم انه مع ذلك خرق منه ناحية يدخل منها العدو فلم يبق للمدينة ~~سور يحفظها # فيقال ان إثبات الصانع ممكن بطرق كثيرة منها الاستدال بالحدوث على المحدث ~~وهذا يكفي فيه حودث الانسان نفسه او حدوث ما يشاهد من المحدثات كالنبات ~~والحيوان وغير ذلك ثم انه يعلم بالضرورة ان المحدث لا بد له من محدث واذا ~~قدر انه اثبت الصانع بحدوث PageV03P098 ~~العالم لزم ان المحدث لا بد له من محدث ثم اذا قدر انه استدل بطريقة ~~الامكان أما ابتداء واما طريقة الحدوث فالعلم بان الممكن يفتقر إلى الواجب ~~علم ضروري لا يفتقر إلى نفي التسلسل # وايضا فإبطال التسلسل له طرق كثيرة وذلك انه يمكن ان يقال فيه وجوه # أحدهما ان الموجودات بأسرها أما ان تكون واجبة الوجود او ممكنة الوجود او ~~ممتنة الوجود والاقسام الثلاثة باطلة فلزم ان يكون بعضها واجبا وبعضها ممكنا # أما الثالث فهو باطل لان ما وجد لا يكون ممتنع الوجود # والثاني ms0512 باطل أيضا لان ممكن الوجود هو الذي يمكن وجوده وعدمه وما كان ~~كذلك لم يوجد إلا بغيره فلو كان مجموع الموجودات ممكنة لا فتقرت الموجودات ~~كلها إلى غيرها وما ليس بموجود فهو معدوم والمعدوم لا يفعل الموجود ~~بالضرورة # والاول باطل أيضا لانا نشاهد فيها ما يحدث بعد ان لم يكن كالحيوان ~~والنبات والمعدن والسحاب والامطار PageV03P099 # والحادث عدم مرة ووجد أخرى فلا يكون ممتنعا لأن الممتنع لا يوجد ولا ~~واجبا بنفسه لأن الواجب بنفسه لا يعدم فثبت أنه ممكن وثبت أن في الموجودات ~~ما هو ممكن بنفسه وأنه ليس كلها ممكنا فثبت أن فيها موجودا ليس بممكن ~~والموجود الذي ليس بممكن هو الواجب بنفسه فإن الموجود إما أن يكون وجوده ~~بنفسه وهو الواجب أو يغيره وهو الممكن ولا يجوز أن يكون فيهما ممتنع لأن ~~الممتنع هو الذي لا يجوز أن يوجد فيمتنع أن يكون في الوجود ممتنع # فتبين أن في الموجودات واجبا وممكنا وليس فيها ممتنع وإن شئت قلت إما أن ~~يقبل من جهة نفسه العدم وهو الممكن أو لا يقبل العدم وهو الواجب بنفسه وإن ~~شئت قلت إما أن يفتقر إلى غيره وهو الممكن أو لا يفتقر وهو الواجب # وإذا كانت الموجودات إما واجبة وإما ممكنة وليس كلها ممكنا ولا كلها ~~واجبا وتعين أن فيها واجبا وفيها ممكنا # الوجه الثاني أن يقال كل ممكن بنفسه لا يوجد إلا بموجب يجب به وجوده لأنه ~~إذا لم يحصل ما به يجب وجوده كان وجوده ممكنا قابلا للوجود والعدم فلا يوجد ~~وما به يجب وجوده لا يكون ممكنا لأن الممكن لا يجب به شيء لافتقاره إلى ~~غيره فالمفتقر إلى الممكن مفتقر إليه وإلى ما به وجب الممكن وإذا كان ~~الممكن وحده لا يجب به شيء علم افتقار الممكن إلى واجب بنفسه PageV03P100 # الوجه الثالث أن يقال طبيعة الإمكان سواء فرضت الممكنات متناهية أو غير ~~متناهية لا توجب الوجود بنفسها فإن ما كان كذلك لم يكن ممكنا فلا بد للممكن ~~من حيث هو ممكن من ms0513 موجود ليس بممكن والمراد بالممكن في هذه المواضع الممكن ~~الإمكان الخاص وهو الذي يقبل الوجود والعدم فيكون الواجب والممتنع قسيميه ~~فأما إذا أريد به الممكن الإمكان العام وهو قسيم الممتنع فكل موجود فهو ~~ممكن بالإمكان العام # ثم الموجود إما موجود بنفسه وإما بغيره وليس كل موجود وجد بنفسه لأن منها ~~المحدثات التي يعلم بضرورة العقل أن وجودها ليس بأنفسها # فثبت أن من الموجودات ما هو موجود بنفسه وما هو موجود بغيره # الوجه الرابع أن يقال الموجودات ليست كلها موجودة بغيرها لأن الغير إن ~~كان معدوما امتنع أن يكون الموجود موجودا بما ليس بموجود وإن كان الغير ~~موجودا كان الموجود خارجا عن جملة الموجودات # وإذا لم تكن الموجودات كلها موجودة بغيرها فإما أن تكون كلها أو كل منها ~~موجودا بنفسه وإما أن لا يكون والأول ممتنع لأن المحدثات التي يشهد حدوثها ~~يعلم بالضرورة أنها ليست موجودة بنفسها وإذا لم تكن كلها موجودة بغيرها ولا ~~كلها موجودة بنفسها تعين أن منها PageV03P101 ~~ما هو موجود بنفسه ومنها ما هو موجود بغيره وهذا لك أن تعتبره في كل فرد ~~فرد من الموجودات وفي المجموع فتقول يمتنع في كل فرد من الموجودات أن يكون ~~موجودا بغير موجود لأنه إذا كان كل واحد من الموجودات موجودا بغير موجود ~~لزم أن يكون كل من الموجودات موجودا بمعدوم وهذا ممتنع وإذا امتنع فإما أن ~~يكون كل موجود موجودا بنفسه وإما أن يكون موجودا بوجود غيره وإما أن يكون ~~منها ما هو موجود بنفسه ومنها ما هو موجود بوجود غيره # والأول ممتنع لوجود الحوادث التي لا توجد بأنفسها # والثاني ممتنع لأن كل واحد واحد من الموجودات إذا كان موجودا بوجود غيره ~~والغير من الموجودات التي لا توجد إلا بموجود غيرها لم يكن فيها إلا ما هو ~~مفتقر محتاج إلى الغير وما كان بنفسه مفتقرا محتاجا إلى الغير ولم يوجد إلا ~~بوجود ذلك الغير وما كان بنفسه مفتقرا محتاجا إلى الغير ولم يوجد إلا بوجود ~~ذلك الغير وما كان في ms0514 نفسه لا يوجد إلا بغيره فأولى أن لا يكون بنفسه مبدعا ~~لغيره فيلزم أن لا يكون في الموجودات ما هو موجود بنفسه ولا ما هو فاعل ~~لغيره فيلزم حينئذ أن لا يوجد شيء من الموجودات لأن الموجود إما موجود ~~بنفسه وإما بوجود غيره وهذا إنما لزم لما قدر أن كل موجود موجود بغيره PageV03P102 # فتعين أن من الموجودات ما هو موجود بنفسه وهو المطلوب # وأما إذا اعتبرت ذلك في المجموع فمجموع الموجود لا يكون واجبا بنفسه لأن ~~من أجزائه ما هو ممكن محدث كائن بعد أن لم يكن والمجموع يتوقف عليه ~~والمتوقف على الممكن لا يكون واجبا بنفسه ولا يكون المجموع مفتقرا إلى غيره ~~المباين له فإن ذلك لا يكون إلا معدوما الموجود لا يكون مفتقرا إلى فاعل ~~معدوم ليس بموجود فضلا عن مجموع الموجود فتعين أن يكون المجموع مفتقرا إلى ~~ما هو داخل في المجموع وذلك البعض لا يكون إلا واجبا بنفسه إذ لو لم يكن ~~واجبا بنفسه لكان ممكنا مفتقرا إلى غيره فيكون مجموع كل واحد من الموجودات ~~مفتقرا إلى غيره وذلك الغير ممكن بنفسه وهو جزء من المجموع الممكن المفتقر ~~إلى غيره ويمتنع أن يكون مجموع الممكنات ليس مفتقرا إلى ما هو بعض الممكنات ~~فإن مجموعها أعظم من بعضها وذلك البعض يشرك المجموع في الفقر والاحتياج إلى ~~الغير ففيه ما فيها من الاحتياج والفقر إلى الغير مع أن المجموع أعظم منه ~~فإذا كانت الأجزاء كلها فقيرة محتاجة والمجموع محتاجا فقيرا امتنع أن يكون ~~شيء من الأجزاء بالمجموع وحده فضلا عن أن يكون بجزء آخر فضلا عن أن يكون ~~المجموع الذي كل أجزائه فقراء بواحد من تلك PageV03P103 ### | AUTO الأجزاء الفقراء وهذا كله بين ضروري لا يستريب فيه من تصوره ~~ويمكن تصوير هذه المواد على وجوه أخرى فصل # وكذلك يمكن تصوير هذه الأدلة في مادة الحدوث بأن يقال الموجودات إما أن ~~تكون كلها حادثة وهو ممتنع لأن الحوادث لا بد لها من فاعل وذلك معلوم ~~بالضرورة ومحدث الموجودات كلها لا ms0515 يكون معدوما وذلك أيضا معلوم بالضرورة ~~وما خرج عن الموجودات لا يكون إلا معدوما فلو كانت الموجودات كلها محدثة ~~للزم إما حدوثها بلا محدث وإما حدوثها بمحدث معدوم وكلاهما معلوم الفساد ~~بالضرورة فثبت أنه لا بد في الوجود من موجود قديم وليس كل موجود قديما ~~بالضرورة الحسية فثبت أن الموجودات تنقسم إلى قديم ومحدث # وهاتان المقدمتان وهو أن كل حادث فلا بد له من محدث وأن المحدث للموجود ~~لا يكون إلا موجودا مع أنهما معلومتان بالضرورة فإن كثيرا من أهل الكلام ~~أخذوا يقررون ذلك بأدلة نظرية ويحتجون على ذلك بأدلة وهي وإن كانت صحيحة لكن PageV03P104 ~~النتيجة أبين عند العقل من المقدمات فيصير كمن يحد الأجلى بالأخفى وهذا وإن ~~كان قد يذمه كثير من الناس مطلقا فقد ينتفع به في مواضع مثل عناد المناظر ~~ومنازعته في المقدمة الجلية دون ما هو أخفى منها ومثل حصول العلم بذلك من ~~الطرق الدقيقة الخفية الطويلة لمن يرى أن حصول العلم له بمثل هذه الطرق ~~أعظم عنده واحب اليه وانه اذا خوطب بالأدلة الواضحة المعروفة للعامة لم تكن ~~مزية على العامة ولمن يقصد بمخاطبته بمثل ذلك ان مثل هذه الطرق معروف معلوم ~~عندنا لم ندعه عجزا وجهلا وانما اعرضنا عنه استغناء عنه بما هو خير منه ~~واشتغالا بما هو انفع من تطويل لا يحتاج اليه إلى امثال ذلك من المقاصد # فأما كون الحادث لا بد له من محدث فهي ضرورية عند جماهير العلماء وكثير ~~من متكلمة المعتزلة ومن اتبعهم جعلوه نظريا كما سيأتي ذكره بعد هذا # واما كون المعدوم لا يكون فاعلا للموجودات فهو اظهر من ذلك ولذلك اعترف ~~بكونه ضرويا من استدل على ان المحدث لا بد له من محدث موجود والممكن لا بد ~~له من مؤثر موجود كالرازي وغيره PageV03P105 # قال الرازي أما كون المؤثر موجودا فإنه لا فرق بين نفي المؤثر وبين مؤثر ~~منفي والحكم بالاكتفاء بالمؤثر المنفي حكم بعدم الاحتياج إلى المؤثر # قال والعلم بذلك ضروري ولا يتصور في هذا المقام الاستدلال ms0516 بالكلام ~~المشهور من ان المعدوم لا تميز فيه فلا يمكن استناد الاثر اليه لانه يتوجه ~~عليه شكوك معروفة # قال والجواب عنها وان كان ممكنا إلا ان العلم بفساد استناد الاثر الموجود ~~إلى المؤثر المعدوم اظهر كثيرا من العلم بذلك والدليل PageV03P106 ~~والاجوبة عن الاسولة التي تورد عليه وايضاح لا يزيده إلا خفاء # قال وقول القائل هب ان المؤثر ليس بمعدوم فلم يجب ان يكون موجودا قلنا لا ~~واسطة بين الوجود والعدم وقول القائل الماهية تقتضي الامكان لا بشرط الوجود ~~ولا العدم فهو متوسط بين الوجود والعدم قلنا نحن لا ندعى ان كل حقيقة فهي ~~إما الوجود وإما العدم حتى يلزم من كون الماهية مغايرة لهما فساد ذلك الحصر ~~بل ندعى ان العقل يحكم على كل حقيقة من الحقائق التي لا نهاية لها انها لا ~~تخلوا عن وصفي الوجود والعدم واذا كان كذلك فكون الماهية مغايرة للوجود ~~والعدم لا يقدح في قولنا انه لا واسطة بين الوجود والعدم PageV03P107 # قلت هذا السؤال والجواب عنه لا يحتاج اليه مع علمنا الضروري بان المؤثر ~~في الموجود لا يكون إلا موجودا وهذا قد سبقه اليه غير واحد من النظار كأبي ~~المعالى الجويني فانه فال في الارشاد فان قال قائل قد دللتم فيما قدمتم على ~~العلم بالصانع فبم تنكرون على من يقدر الصانع عدما قلنا العدم عندنا نفي ~~محض وليس المعدوم على صفة من صفات الاثبات ولا فرق بين نفي الصانع وبين ~~تقدير الصانع منفيا من كل وجه بل نفي الصانع وان كان باطلا بالدليل القاطع ~~فالقول به غير متناقض في نفسه والمصير إلى إثبات صانع منفي متناقض وإنما ~~يلزم القول بالصانع المعدوم المعتزلة حيث اثبتوا للمعدوم صفات الاثبات ~~وقضوا بان المعدوم على خصائص الاجناس # قال والوجه ان لا نعد الوجود من الصفات فان الوجود نفس الذات وليس بمثابة ~~التحيز للجوهر فان التحيز صفة زائدة على ذات الجوهر ووجود عندنا نفسه من ~~غير تقدير مزيد # قال والائمة يتوسعون في عد الوجود من الصفات والعلم به علم بالذات ms0517 # قال الكيا الهراسى الطبري اذا قلنا الباري موجود فوجوده ذاته هذا ~~بالإتفاق من اصحابنا القائلين بالأحوال والنافين لها إلا على راى المعتزلة ~~الذين قالوا المعدوم شيء PageV03P108 # وقال ابو القاسم الانصارى شارح الارشاد والقاضي ابو بكر وان اثبت الاحوال ~~فلم يجعل الوجود حالا فان العلم به علم بالذات وعند ابي هاشم ومتبعيه ~~الوجود من الاحوال وهو من اثر كون الفاعل قادرا # قال وما قاله امام الحرمين من ان الائمة يتوسعون في عد الوجود من الصفات ~~فانما قالوا ذلك لما بيناه من ان صفة النفس عندهم تفيد ما تفيده النفس فلا ~~فرق بين وجود الجوهر وتحيزه وهكذا قال الكيا الوجود يمنزلة التحيز للجوهر ~~فإن التحيز للجوهر نفس الجوهر خالف ابا المعالى # قال ومن الدليل على وجود الصانع انه موصوف بالصفات القائمة به كالحياة ~~والقدرة والعلم ونحوها وهذه الصفات مشروطة بوجود محلها وقد يكون الشيء ~~موجودا ولا يكون مختصا بهذه الصفات ويستحيل الاختصاص بهذه الصفات من غير ~~تحقق وجود # قال ومما يحقق ما قلناه قيام الدليل القاطع على انه فاعل ومن شرط الفاعل ~~ان يكون موجودا # قلت هذا الثاني هو ما ذكره ابو المعالي فان إثبات الصانع إثبات لوجوده ~~وإلا فصانع منتف كنفي الصانع واما الاول فهو وان كان صحيحا لكن النتيجة ~~ابين من المقدمات فإن العلم بان الصانع لا يكون إلا موجودا ابين من العلم ~~بثبوت من صفاته وبأن الموصوف لا يكون إلا PageV03P109 # موجودا ولهذا اقر بوجوده طوائف إنكروا قيام الصفات به واذا قرروا قيام ~~الصفات به فكون الفاعل لا يكون إلا موجودا ابين من كون ما تقوم به الصفة لا ~~يكون إلا موجودا وكلاهما معلوم بالضرورة لكن الفاعل الذي يبدع غيره احق ~~بالوجود وكما ان الوجود من محل الصفة فان محل الصفة قد يكون جمادا وقد يكون ~~حيوانا وقد يكون قادرا وقد يكون عاجزا والصفة أيضا قد تقوم بها الصفة عند ~~كثير من الناس بشرط قيامها جمعيها بمحل اخر فالصفة وان كانت مفتقرة إلى محل ~~وجودي فهو من باب الافتقار إلى ms0518 المحل القابل واما المفعول المفتقر إلى ~~الفاعل فهو من باب الافتقار إلى الفاعل # ومعلوم ان الحاجة إلى الفاعل فيما له فاعل اقوى من الحاجة إلى القابل ~~فيما له قابل وايضا فان القابل شرط في المقبول لا يجب تقدمه عليه بل يجوز ~~اقترانهما بخلاف الفاعل فإنه لا يجوز ان يقارن المفعول بل لا بد من تقدمه ~~عليه ولهذا اتفق العقلاء على انه لا يجوز ان يكون كل من الشيئين فاعلا ~~للاخر لا بمعنى كونه علة فاعلة ولا بغير ذلك من المعاني واما كون كل من ~~الشيئين فاعلا للاخر فانه يجوز وهذا هو الدور المعى وذاك هو الدور القبلى ~~وقد بسط هذا في غير هذا PageV03P110 ~~الموضع وبين ما دخل على الفلاسفة من الغلط في مسائل الصفات من هذا الوجه ~~حيث لم يميزوا بين الشرط والعلة الفاعلة بل قد يجعلون ذلك كله علة إذ العلة ~~عندهم يدخل فيها الفاعل والغاية وهما العلتان المفصلتان اللتان بهما يكون ~~وجود المعلول والقابل الذي قد يسمى مادة وهيولى مع الصورة وهما علتا حقيقة ~~الشيء في نفسه سواء قيل ان حقيقته غير العين الموجودة في الخارج كما يدعون ~~ذلك او قيل هى هي كما هو المعروف عن متكلمي اهل السنة # والمقصود هنا ان الدليل لما دل على انه لا بد من موجود واجب بنفسه أي لا ~~يكون له فاعل يوجده لا علة فاعلة ولا ما يسمي فاعلا غير ذلك صاروا يطلقون ~~عليه الواجب بنفسه ثم اخذوا ما يحتمله هذا اللفظ من المعاني فأرادوا ~~اثباتها كلها فصاروا ينفون الصفات وينفون ان يكون له حقيقة موصوفة بالوجود ~~لئلا تكون الذات متعلقة بصفة فلا تكون واجبة بنفسها ومعلوم ان كون الذات ~~مستلزمة لصفة كمال يمتنع PageV03P111 ~~تحققها بدونها لا يوجب افتقارها إلى فاعل أو علة فاعلة ولكن غاية ما فيه أن ~~تكون الذات مشروطة بالصفة والصفة مشروطة بالذات وأن تكون الصفة إذا قيل ~~بأنها واجبة لا تقوم إلا بموصوف فإذا قيل هذا فيه افتقار الواجب إلى غيره ~~لم يلزم أن يكون ذلك ms0519 الغير فاعلا ولا علة فاعلة بل إذا قدر أنه يطلق عليه ~~غير فإنما هو شرط من الشروط وكون الذات مشروطة بالصفة اللازمة لها والصفة ~~مشروطة بالذات لا يمنع أن يكون الجميع واجبا بنفسه لا يفتقر إلى فاعل ولا ~~إلى علة فاعلة وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # والمقصود أنه إذا كان قد علم أن الصفة المشروطة بمحلها تقتضي أن يكون ~~محلها موجودا فالمفعول المفتقر إلى فاعل موجب يقتضي أن يكون فاعله موجودا ~~بطريق الأولى # وأيضا فيقال الحوادث المشهودة لا بد لها من محدث إذ المحدث من حيث هو ~~محدث وكل ما يقدر محدثا سواء قدر متناهيا أو غير متناه لا يوجد بنفسه بل لا ~~بد له من فاعل ليس بمحدث والعلم بذلك ضروري إذ طبيعة الحدوث تقتضي الافتقار ~~إلى فاعل فلا بد لكل ما يقدر محدثا من فاعل فيمتنع أن يكون فاعل كل ~~المحدثات محدثا فوجب أن يكون قديما PageV03P112 # وأيضا فالمحدث مفتقر إلى محدث كامل مستقل بالفعل إذ ما ليس مستقلا بالفعل ~~مفتقر إلى غيره فلا يكون هو وحده الفاعل بل الفاعل هو وذلك الغير فلا يكون ~~وحده فاعلا للمحدث ثم ذلك الغير إن كان محدثا فلا بد له من فاعل أيضا فلا ~~بد للمحدثات من فاعل مستقل بالفعل مستغن عن جميع محدثاته والعقل يعلم ضرورة ~~افتقار المحدث إلى المحدث الفاعل ويقطع به ويعلمه ضرورة أبلغ من علمه ~~بافتقار الممكن إلى الواجب الموجب له فلا يحتاج أن يقال في ذلك أن المحدث ~~يتخصص بزمان دون زمان أو بقدر دون قدر ولا بد للتخصيص من مخصص فإن العلم ~~بافتقار المحدث إلى المحدث أبين في العقل وأبده له # ولهذا قال تعالى { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } سورة الطور 35 # قال جبير بن مطعم لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها أحسست ~~بفؤادي قد انصدع # وقال { أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون } سورة الواقعة ~~59 58 إذ كان كل من القسمين وهو كونهم خلقوا من ms0520 غير خالق وكونهم خلقوا ~~أنفسهم معلوم الانتفاء بالضرورة فإن الإنسان يعلم بالضرورة أنه لم يحدث من ~~غير محدث وأنه لم يحدث نفسه فلما كان العلم بأنه لا بد له من محدث وأن ~~محدثه ليس هو إياه علما ضروريا ثبت بالضرورة أن له محدثا خالقا غيره وكل ما ~~يقدر فيه أنه مخلوق فهو كذلك PageV03P113 ### | AUTO والخلق يتضمن الحدوث والتقدير ففيه معنى الإبداع والتقدير وإذا ~~علمت أن الممكن لا بد له من مرجح يجب به وإلا لم يكن موجودا بل يبقى معدوما ~~على أصح القولين أو مترددا بين الوجود والعدم على الآخر فالمحدث لا بد له ~~من فاعل يستغني به المفعول فيكون به وإلا بقي مفتقرا إلى غيره وإذا قدر ~~محدثه أيضا فهو أيضا محدث لم يستغن به لأن ذلك المحدث مفتقر إلى غيره ~~فالمفتقر إليه مفتقر إلى ذلك الغير الذي هو الأول مفتقر إليه بطريق الأولى ~~فلا توجد الحوادث إلا بفاعل غني عن غيره وكل محدث مفتقر إلى غيره فلا توجد ~~الحوادث إلا بفاعل قديم غير محدث فهذه طرق متعددة يثبت بها الموجود الواجب ~~بنفسه القديم فصل # ويمكن تصوير هذه المادة في الغنى والفقر وفي الخلق وعدم الخلق والقدرة ~~وعدم القدرة والكمال والنقصان والحياة والموت والعلم والجهل وغير ذلك بأن ~~يقال كل موجود فإما أن يكون غنيا بنفسه عما سواه وإما ان يكون مفتقرا إلى ~~ما سواه والمفتقر إلى ما سواه لا يوجد إلا بغنى عما سواه فيلزم وجود الغنى ~~عما سواه على التقديرين PageV03P114 ~~والحوادث مفتقرة إلى غيرها فثبت أن من الموجودات ما هو غني بنفسه ومنها ما ~~هو مفتقر إلى ما سواه ومثل أن يقال كل موجود فإما أن يكون مخلوقا وإما ألا ~~يكون مخلوقا والمخلوق لا يكون مخلوقا إلا بخالق ليس بمخلوق # وقد علم أن الحوادث لا تكون إلا مخلوقة فثبت أن في الموجودات ما هو حادث ~~مخلوق ومنها ما هو خالق لتلك الحوادث ليس بمخلوق وهو المطلوب # ومثل أن يقال الموجود إما أن يكون قادرا بنفسه وإما ألا ms0521 يكون قادرا بنفسه ~~وما ليس بقادر بنفسه لا يكون قادرا إلا بإقدار القادر بنفسه والحوادث ~~المشهودة كانت معدومة والمعدوم لا يكون موجودا بنفسه فضلا عن أن يكون قادرا ~~بنفسه فثبت أن الموجودات ما هو محدث ومنها ما هو موجود قادر بنفسه والقادر ~~بنفسه لا يكون إلا قديما أزليا واجبا بنفسه فثبت انقسام الموجودات إلى هذا ~~وهذا وهو المطلوب # ومثل أن يقال الموجود إما أن يكون كاملا ليس فيه نقص يحتاج إلى غيره وإما ~~أن يكون ناقصا يحتاج في كماله إلى غيره ومعلوم أن الحوادث المشهودة ليس لها ~~من نفسها وجود فضلا عن أن تكون كاملة بنفسها وأنها بعد وجودها مفتقرة إلى ~~من يكمل نقصها فثبت أن الموجودات فيها كامل ليس فيه نقص يحتاج فيه إلى غيره ~~وما ليس فيه PageV03P115 ~~نقص لا يكون إلا كاملا قديما أزليا واجبا بنفسه فثبت انقسام الموجودات إلى ~~هذا وهذا وهو المطلوب # ومثل أن يقال الموجود إما عالم بنفسه وإما محتاج في العلم إلى من يعلمه ~~وإما أن لا يقبل العلم ومعلوم أن الإنسان مفتقر في حصول علمه إلى من يعلمه ~~ليس علمه من لوازم ذاته فإنه خرج من بطن أمه لا يعلم شيئا ثم حدث له العلم ~~بعد ذلك فثبت أن في الموجود ما ليس عالما بنفسه بل هو مفتقر في حصول العلم ~~له إلى من يعلمه ومعلوم أن كل ما ليس بعالم بنفسه فلا بد له من عالم يعلمه ~~وذاك العالم إن كان عالما بنفسه وإلا افتقر إلى عالم بنفسه فلا بد أن ينتهي ~~الأمر إلى عالم بنفسه قطعا للتسلسل الممتنع فثبت أن في الوجود ما هو عالم ~~بنفسه وما ليس عالما بنفسه بل بمن يعلمه كما قال { اقرأ باسم ربك الذي خلق ~~} إلى قوله { اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } ~~سورة العلق 1 5 وقال { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } سورة البقرة 255 # وما كان عالما بنفسه فأن يكون موجودا بنفسه أولى وأحرى فإن العلم ms0522 صفة له ~~وإذا كانت تلك الصفة قديمة واجبة لا تفتقر إلى فاعل يفعلها في العالم بنفسه ~~فلا يكون الموصوف بها قديما واجبا بطريق الأولى والأحرى PageV03P116 # ومثل أن يقال الموجود إما حي بنفسه وإما حي بغيره وإما ليس بحي ومعلوم أن ~~الحي بغيره موجود فإن الإنسان يكون في بطن أمه قبل نفخ الروح فيه ليس بحي ~~ثم يصير حيا بعد ذلك فثبت وجود الحي بغيره الذي جعله حيا وذلك الذي جعله ~~حيا إما أن يكون حيا بنفسه وإما بغيره والحي بغيره يحتاج إلى حي فلا بد أن ~~ينتهي الأمر إلى حي بنفسه قطعا للتسلسل الممتنع فثبت أن في الوجود ما هو حي ~~بنفسه والحي بنفسه لا يكون إلا واجبا قديما بنفسه فإن ذاته إذا كانت ~~مستلزمة لحياته بحيث لا تكون حياته حاصلة له من غيره فأن تكون ذاته واجبة ~~بنفسها لا تكون حاصلة بغيرها أولى وأحرى فإن الحياة قائمة في الموصوف الحي ~~بها فإذا كانت الحياة قديمة أزلية واجبة بنفسها يمتنع عدمها فالحي الموصوف ~~بها أن يكون حيا قديما أزليا واجبا بنفسه أولى وأحرى # والتسلسل الذي يسمى التسلسل في العلل والمعلولات والمؤثر والأثر والفاعل ~~والمفعول والخالق والمخلوق هو ممتنع باتفاق العقلاء وبصريح المعقول بل هو ~~ممتنع في بديهة العقل بعد التصور وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالاستعاذة منه في قوله صلى الله عليه وسلم يأتي الشيطان أحدكم فيقول من ~~خلق كذا من خلق كذا فيقول الله فيقول من خلق الله فإذا وجد ذلك أحدكم ~~فليستعذ بالله ولينته فأمره بالاستعاذة منه ليقطع عنه الله الوساوس الفاسدة التي PageV03P117 ### | AUTO يلقيها الشيطان بغير اختياره ويؤذيه بها حتى قد يتمنى الموت أو ~~حتى يختار أن يحترق ولا يجدها وهي الوسوسة التي سأله عنها الصحابة فقالوا ~~يا رسول الله ان أحدنا ليجد في نفسه ما لان يحترق حتى يصير حمة او يخر من ~~السماء إلى الارض خيرا له من ان يتكلم به فقال ذلك صريح الإيمان وفي رواية ~~ما يتعاظم أحدنا ان يتكلم ms0523 به فقال الحمد الله الذي ردكيده إلى الوسوسة ~~واراد بذلك ان كراهته هذه الوسوسة ونفيها هو محض الإيمان وصريحه فصل # واعلم ان علم الانسان بان كل محدث لا بد له من محدث او كل ممكن لا بد له ~~من واجب او كل فقير فلا بد له من غني او كل مخلوق فلا بد له من خالق او كل ~~معلوم فلا بد له من يعلم او كل اثر فلا بد له من مؤثر ونحو ذلك من القضايا ~~الكلية والاخبار العامة هو علم كلى بقضية كلية وهو حق في نفسه لكن علمه بأن ~~هذا المحدث المعين لا بد له من محدث وهذا الممكن المعين لا بد له من واجب ~~هو ايضا معلوم له مع كون القضية معينة مخصوصة جزئية وليس علمه بهذه القضايا ~~المعينة المخصوصة PageV03P118 ~~موقوفا على العلم يتلك القضية العامة الكلية بل هذه القضايا المعينة قد ~~تسبق إلى فطرته قبل ان يستشعر تلك القضايا الكلية وهذا كعلمه بان الكتابة ~~لا بد لها من كاتب والبناء لا بد له من بان فإنه اذا راى كتابه معينة علم ~~انه لا بد لها من كاتب واذا راى بنيانا علم انه لا بد من بان وان لم يستشعر ~~في ذلك الحال كل كتابة كانت او تكون او يمكن ان تكون ولهذا تجد الصبي ونحوه ~~يعلم هذه القضايا المعنية الجزئية وان كان عقله لا يستحضر القضية الكلية ~~العامة وهذا كما ان الإنسان يعلم أن هذا المعين لا يكون اسود ابيض ولا يكون ~~في مكانين وان لم يستحضر ان كل اسود وكل بياض فإنهما لا يجتمعان وان كل ~~جسمين فإنهما لا يكونان في مكان واحد وهكذا إذا رأى درهما ونصف درهم علم ان ~~هذا الكل اعظم من هذا الجزء وان لم يستحضر أن كل كل فانه يجب أن يكون اعظم ~~من جزئه # وكذلك إذا قيل هذا العدد الأول مساو لهذا العدد الثاني وهذا العدد الثاني ~~مساو لهذا العدد الثالث فانه يعلم أن الأول مساو لمساوى الثاني وهو ms0524 مساو ~~والثالث وان لم يستحضر ان كل مساو لمساو فهو مساو PageV03P119 # وكذلك إذا علم أن الشخص موجود علم أنه ليس بمعدوم وإذا علم أنه ليس ~~بمعدوم علم أنه موجود ويعلم أنه لا يجتمع وجوده وعدمه بل يتناقضان وإن لم ~~يستحضر قضية كلية عامة أنه لا يجتمع نفي كل شيء وإثباته ووجوده وعدمه وهكذا ~~عامة القضايا الكلية # فإنه قد يكون علم الانسان بالحكم في أعيانها المشخصة الجزئية أبده للعقل ~~من الحكم الكلي ولا تكون معرفته بحكم المعينات موقوفة على تلك القضايا ~~الكليات ولهذا كان علم الإنسان أنه هو لم يحدث نفسه لا يتوقف على علمه بأن ~~كل إنسان لم يحدث نفسه ولا على أن كل حادث لم يحدث نفسه بل هذه القضايا ~~العامة الكلية صادقة وتلك القضية المعينة صادقة والعلم بها فطري ضروري لا ~~يحتاج أن يستدل عليه وإن كان قد يمكن الاستدلال على بعض المعينات بالقضية ~~الكلية ويستفاد العلم بالقضية الكلية بواسطة العلم بالمعينات لكن المقصود ~~أن هذا الاستدلال ليس شرطا في العلم بل العلم بالمعينات قد يعلم كما تعلم ~~الكليات وأعظم بل قد يجزم بالمعينات من لا يجزم بالكليات ولهذا لا تجد أحدا ~~يشك في أن هذه الكتابة لا بد لها من كاتب وهذا البناء لا بد له من بان بل ~~يعلم هذا ضرورة # وإن كان العلم بأن كل حادث لا بد له من محدث فاعل PageV03P120 ~~قد اعتقده طوائف من النظار نظريا حتى أقاموا عليه دليلا إما بقياس الشمول ~~وإما بقياس التمثيل فالأول قول من يقول كل محدث لا بد له من محدث والثاني ~~قول من يقول هذا محدث فيفتقر إلى محدث قياسا على البناء والكتابة # ثم القائلون بأن كل محدث لا بد له من محدث منهم من يثبت هذا بالاستدلال ~~على ان الحادث مختص والتخصص لا بد له من مخصص ثم من الناس من يثبت هذا بأن ~~المخصوص ممكن والممكن لا بد له من مرجح لوجوده ثم من الناس من يثبت هذا بأن ~~نسبة الممكن إلى الوجود والعدم ms0525 سواء فلا بد من ترجيح أحد الجانبين # وكثير من الناس يجعل المقدمة الأولى في هذه القضايا ضرورية بل يجعلها ~~أبين من الثانية التي استدل بها عليها وهذا الاضطراب إنما يقع في القضايا ~~الكلية العامة # وأما كون هذا البناء لا بد له من بان وهذه الكتابة لا بد لها من كاتب ~~وهذا الثوب المخيط لا بد له من خياط وهذه الآثار التي في الأرض من آثار ~~الأقدام لا بد لها من مؤثر وهذه الضربة لا بد لها من ضارب وهذه الصياغة لا ~~بد لها من صائغ وهذا PageV03P121 ~~الكلام المنظوم المسموع لا بد له من متكلم وهذا الضرب والرمي والطعن لا بد ~~له من ضارب ورام وطاعن # فهذه القضايا المعينة الجزئية لا يشك فيها أحد من العقلاء ولا يفتقر في ~~العالم بها إلى دليل وإن كان ذكر نظائرها حجة لها وذكر القضية التي ~~تتناولها وغيرها حجة ثانية فيستدل عليها بقياس التمثيل وبقياس الشمول لكن ~~هي في نفسها معلومة للعقلاء بالضرورة مع قطع نظرهم عن قضية كلية كما يعلم ~~الإنسان أحوال نفسه المعينة فإنه يعلم انه لم يحدث نفسه وان لم يستحضر ان ~~كل حادث لا يحدث بنفسه # ولهذا كانت فطرة الخلق مجبولة على انهم متى شاهدوا شيئا من الحوادث ~~المتجددة كالرعد والبرق والزلازل ذكروا الله وسبحوه لأنهم يعلمون أن ذلك ~~المتجدد لم يتجدد بنفسه بل له محدث أحدثه وأن كانوا يعلمون هذا في سائر ~~المحدثات لكن ما اعتادوا حدوثه صار مألوفا لهم بخلاف المتجدد الغريب وألا ~~فعامة ما يذكرون الله ويسبحونه عنده من الغرائب المتجددة قد شهدوا من آيات ~~الله المعتادة ما هو اعظم منه ولو لم يكن ألا خلق الإنسان فانه من اعظم ~~الآيات فكل أحد يعلم انه هو لم PageV03P122 ### | AUTO يحدث نفسه ولا أبواه أحدثاه ولا أحد من البشر أحدثه ويعلم انه ~~لا بد له من محدث فكل أحد يعلم أن له خالقا خلقه ويعلم انه موجود حي عليم ~~قدير سميع بصير ومن جعل غيره حيا كان أولى ان يكون ms0526 حيا ومن جعل غيره عليما ~~كان أولى أن يكون عليما ومن جعل غيره قادرا كان أولى ان يكون قادرا ويعلم ~~أيضا أن فيه من الأحكام ما دل على علم الفاعل ومن الاختصاص ما دل على إرادة ~~الفاعل وأن نفس الأحداث لا يكون إلا بقدرة المحدث فعلمه بنفسه المعينة ~~المشخصة الجزئية يفيده العلم بهذه المطالب الالهية وغيرها كما قال تعالى { ~~وفي أنفسكم أفلا تبصرون } سورة الذاريات 21 فصل # اذا تبين ذلك فالآية والعلامة والدلالة على الشيء يجب ان يكون ثبوتها ~~مستلزما لثبوت المدلول الذي هي آية له وعلامة عليه ولا تفتقر في كونها آية ~~وعلامة ودلالة إلى ان تندرج تحت قضية كلية سواء كان المدلول عليه قد عرفت ~~عينه او لم تعرف عينه بل عرف على وجه مطلق مجمل PageV03P123 # فالأول مثل أن يقال علامة دار فلان أن على بابها كذا أو على عتبها كذا او ~~علامة فلان أنه كذا وكذا فإذا رؤيت تلك العلامة عرف ذلك المعين # والثاني ان يقال علامة من يكون أميرا او قاضيا ان تكون هيئته كذا وكذا ~~فإذا رؤيت تلك الهيئة علم ان هناك اميرا او قاضيا وان لم تعلم عينه # واذا كان كذلك فجميع المخلوقات مستلزمة للخالق سبحانه وتعالى بعينه وكل ~~منها يدل بنفسه على أن له محدثا بنفسه ولا يحتاج ان يقرن بذلك ان كل محدث ~~فله محدث كما قدمناه ان العلم بأفراد هذه القضية لا يجب ان يتوقف على ~~كلياتها بل قد تكون دلالته على المحدث المعين أظهر وأسبق # ولهذا كان ما يشهده الناس من الحوادث آيات دالة على الفاعل المحدث بنفسها ~~من غير ان يجب ان يقترن بها قضية كلية ان كل محدث فله محدث وهي أيضا دالة ~~على الخالق سبحانه من حيث يعلم انه لا يحدثها إلا هو فإنه كما يستدل على ان ~~المحدثات لا بد لها من محدث قادر عليم مريد حكيم فالفعل يستلزم القدرة ~~والاحكام PageV03P124 ~~يستلزم العلم والتخصيص يستلزم الارادة وحسن العاقبة يستلزم الحكمة # وكل حادث يدل على ذلك كما ms0527 يدل عليه الآخر وكل حادث كما دل على عين الخالق ~~فكذلك الآخر يدل عليه فلهذا كانت المخلوقات آيات عليه وسماها الله آيات ~~والايات لا تفتقر في كونها آيات إلى قياس كلي لا قياس تمثيلي ولا قياس ~~شمولي وان كان القياس شاهدا لها ومؤيدا لمقتضاها لكن علم القلوب بمقتضى ~~الآيات والعلامات لا يجب ان يقف على هذا القياس بل يعلم موجبها ومقتضاها ~~وان لم يخطر لها ان كل ممكن فإنه لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح ~~او لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح # ومن هنا يتبين لك ان ما تنازع فيه طائفة من النظار وهو ان علة الافتقار ~~إلى الصانع هل هو الحدوث او الامكان او مجموعيهما لا يحتاج اليه وذلك ان كل ~~مخلوق فنفسه وذاته مفتقرة إلى الخالق وهذا الافتقار وصف له لازم ومعنى هذا ~~ان حقيقته لا تكون موجودة إلا بخالق يخلقه فإنه شهدت حقيقته موجودة في ~~الخارج علم انه لا بد لها من فاعل وان تصورت في العقل علم انها لا توجد في ~~الخارج إلا بفاعل ولو قدر انها تتصور تصورا مطلقا علم انها لا توجد إلا ~~بفاعل فهي في نفسها لا توجد إلا بفاعل وهذا يعلم بنفس تصورها وان لم يشعر القلب PageV03P125 ~~بكونها حادثة او ممكنة وان كان كل من الامكان والحدوث دليلا ايضا على هذا ~~الافتقار لكن الحدوث يستلزم وجودها بعد العدم وقد علم انها لا توجد إلا ~~بفاعل والامكان يستلزم انها لا تكون إلا بموجد وذلك يستلزم اذا وجت ان تكون ~~بموجد وهي من حيث هي هي وان لم تدرج تحت وصف كلي يستلزم الافتقار إلى ~~الفاعل أي لا تكون موجودة إلا بالفاعل ولا تدوم وتبقى إلا بالفاعل المبقى ~~المديم لها فهي مفتقرة اليه في حدوثها وبقائها سواء قيل ان بقاءها وصف زائد ~~عليها او لم يقل # ولهذا يعلم العقل بالضرورة ان هذا الحادث لا يبقى إلا بسبب يبقيه كما ~~يعلم انه لم يحدث إلا بسبب يحدثه ولو بنى الانسان سقفا ولم ms0528 يدع شيئا يمسكه ~~لقال له الناس هذا لا يدوم ولا يبقى وكذلك اذا خاط الثوب بخيوط ضعيفة وخاطه ~~خياطة فاسدة قالوا له هذا لا يبقى البقاء الطلوب فهم يعلمون بفطرتهم افتقار ~~الامور المفتقرة إلى ما يبقيها كما يعلمون افتقارها إلى ما يحدثها وينشئها # وما يذكر من الامثال المضروبة والشواهد المبينة لكون الصنعة تفتقر إلى ~~الصانع في حدوثها وبقائها انما هو للتنبيه على ما في الفطرة كما يمثل ~~بالسفينة في الحكاية المشهورة عن بعض أهل العم انه قال له طائفة PageV03P126 ~~من الملاحدة ما الدلالة على وجود الصانع فقال لهم دعوني فخاطري مشغول بأمر ~~غريب قالوا ما هو قال بلغني ان في دجلة سفينة عظيمة مملوءة من أصناف ~~الأمتعة العجيبة وهي ذاهبة وراجعة من غير أحد يحركها ولا يقوم عليها فقالوا ~~له امجنون أنت قال وما ذاك قالوا اهذا يصدقه عاقل فقال فكيف صدقت عقولكم ان ~~هذا العالم بما فيه من الانواع والاصناف والحوادث العجيبة وهذا الفلك ~~الدوار السيار يجرى وتحدث هذه الحوادث بغير محدث وتتحرك هذه المتحركات بغير ~~محرك فرجعوا على أنفسهم بالملام وهكذا اذا قيل فهذه السفينة اثبتت نفسها في ~~الساحل بغير موثق أوثقها ولا رابط ربطها كذبت العقول بذلك # فهكذا اذا قيل ان الحوادث تبقى وتدوم بغير مبق يبقيها ولا ممسك يمسكها ~~ولهذا نبه سبحانه على هذا وهذا فالأول كثير وأما الثاني ففي مثل قوله { إن ~~الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ~~إنه كان حليما غفورا } سورة فاطر 41 وقوله { ومن آياته أن تقوم السماء ~~والأرض بأمره } سورة الروم 25 وقوله { رفع السماوات بغير عمد ترونها } سورة ~~الرعد 2 # وهذا الابقاء يكون بالرزق الذي يمد الله به المخلوقات كما قال الله PageV03P127 ~~تعالى { الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون } سورة الروم 40 وهذا الذي ذكرناه من ~~أن نفس الاعيان المحدثة كالانسان تستلزم وجود الصانع الخالق وأن علم ms0529 ~~الانسان بأنه مصنوع يستلزم العلم بصانعه بذاته من غير احتياج إلى قضية كلية ~~تقترن بهذا وهو معنى ما يذكره كثير من الناس مثل قول الشهرستاني أما تعطيل ~~العالم عن الصانع العليم القادر الحكيم فلست أرها مقالة ولا عرفت عليها ~~صاحب مقالة إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية انهم قالوا كان العالم في ~~الأزل اجزاء مبثوثة تتحرك على غير استقامة فاصطكت اتفاقا فحصل العالم بشكله ~~الذي تراه عليه PageV03P128 # قال ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع بل هو يعترف بالصانع لكنه ~~يحيل سبب وجود العالم علة البخت والاتفاق احترازا عن التعليل فما عدت هذه ~~المسألة من النظريات التي يقام عليها برهان فإن الفطرة السليمة الإنسانية ~~شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها بصانع عليم قادر حكيم { أفي الله شك } ~~سورة إبراهيم 10 { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } سورة الزخرف 87 { ~~ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم } سورة ~~الزخرف 9 وإن غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليها ~~في حال الضراء { دعوا الله مخلصين له الدين } سورة يونس 22 { وإذا مسكم ~~الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه } سورة الإسراء 67 # قال ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ~~ونفي الشرك أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله PageV03P129 ~~إلا الله فاعلم أنه لا إله إلا الله ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل وبين ~~الخلق في التوحيد { ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا ~~} سورة غافر 12 { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~} سورة الزمر 45 { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا } ~~سورة الإسراء 46 # قال وقد سلك المتكلمون طريقا في إثبات الصانع وهو الاستدلال بالحوادث على ~~محدث صانع وسلك الأوائل طريقا آخر وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على مرجح ~~لأحد طرفي الإمكان # قلت وهذا الطريق الثاني لم يسلكه الأوائل وإنما سلكه ابن سينا ومن ms0530 وافقه ~~ولكن الشهرستاني وأمثاله لا يعرفون مذهب أرسطو والأوائل إذ كان عمدتهم فيما ~~ينقلونه من الفلسفة على كتب ابن سينا PageV03P130 # قال ويدعي كل واحد في جهة الاستدلال ضرورة وبديهة # قال وأنا أقول ما شهد به الحدوث أو دل عليه الإمكان بعد تقديم المقدمات ~~دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياجه في ذاته إلى مدبر هو منتهى ~~مطلب الحاجات يرغب إليه ولا يرغب عنه ويستغنى به ولا يستغنى عنه ويتوجه ~~إليه ولا يعرض عنه ويفزع إليه في الشدائد والمهمات فإن احتياج نفسه أوضح من ~~احتياج الممكن الخارج إلى الواجب والحادث إلى المحدث # وعن هذا المعنى كانت تعريفات الحق سبحانه في التنزيل على هذا المنهاج { ~~أم من يجيب المضطر إذا دعاه } سورة النمل 62 { قل من ينجيكم من ظلمات البر ~~والبحر } سورة الأنعام 63 { قل من يرزقكم من السماء والأرض } PageV03P131 ~~سورة يونس 31 { أم من يبدأ الخلق ثم يعيده } سورة النمل 64 # وعن هذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم خلق الله العباد على معرفته ~~فاجتالتهم الشياطين عنها # قلت لفظ الحديث في الصحيح يقول الله خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ~~وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا # قال فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج وذلك الاجتيال من الشيطان هو تسويله ~~الاستغناء ونفي الحاجة والرسل مبعوثون لتذكير وضع الفطرة وتطهيرها عن ~~تسويلات الشياطين فإنهم الباقون على أصل الفطرة وما كان له عليهم من سلطان ~~{ فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى } سورة الأعلى 10 11 PageV03P132 # { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } سورة طه 44 # قلت الذي في الحديث إن الشياطين أمرتهم أن يشركوا به ما لم ينزل به ~~سلطانا وهذا المرض العام في أكثر بني آدم وهو الشرك كما قال تعالى { وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } سورة يوسف 106 وأما التعطيل فهو مرض ~~خاص لا يكاد يقع إلا عن عناد كما وقع لفرعون # وليس في الحديث أن الشياطين سولت لهم الاستغناء ms0531 عن الصانع فإن هذا لا يقع ~~إلا خاصا لبعض الناس أو لكثير منهم في بعض الأحوال وهو جنس السفسطة بل هو ~~شر السفسطة والسفسطة لا تكون عامة لعدد كثير دائما بل تعرض لبعض الناس أو ~~لكثير منهم في بعض الأشياء # قال ومن رحل إلى الله قربت مسافته حيث رجع إلى نفسه أدنى رجوع فعرف ~~احتياجه إليه في تكوينه وبقائه وتقلبه في أحواله وأنحائه ثم استبصر من آيات ~~الآفاق إلى آيات الأنفس ثم استشهد به على الملكوت لا بالملكوت عليه الخ PageV03P133 # قلت هو وطائفة معه يظنون أن الضمير في قوله { حتى يتبين لهم أنه الحق } ~~سورة فصلت 53 عائد إلى الله تعالى ويقولون هذه جمعت طريق من استدل بالخلق ~~على الخالق ومن استدل بالخالق على المخلوق # والصواب الذي عليه المفسرون وعليه تدل الآية أن الضمير عائد إلى القرآن ~~وأن الله يري عباده من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن القرآن حق ~~وذلك يتضمن ثبوت الرسالة وأن يسلم ما أخبر به الرسول كما قال تعالى { قل ~~أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } سورة فصلت 52 53 # والمقصود هنا التنبيه على أن حاجة المعين إلى العلم لا تتوقف على العلم ~~بحاجة كل من هو مثله والاستدلال على ذلك بالقياس الشمولي والتمثيلي # وأيضا فالحاجة التي يقترن مع العلم بها ذوق الحاجة هي أعظم وقعا في النفس ~~من العلم الذي لا يقترن به ذوق ولهذا كانت معرفة النفوس بما تحبه وتكرهه ~~وينفعها ويضرها هو أرسخ فيها من معرفتها بما لا تحتاج إليه ولا تكرهه ولا ~~تحبه ولهذا كان ما يعرف من أحوال الرسل مع أممهم PageV03P134 ~~بالأخبار المتواترة ورؤية الآثار من حسن عاقبة اتباع الرسل وسوء عاقبة ~~المكذبين أنفع من معرفة صدق الرسول واتباعه مما يفيد العلم فقط فإن هذا ~~يفيد العلم مع الترغيب والترهيب فيفيد كمال القوتين العلمية والعملية بنفسه ~~بخلاف ما يفيد ms0532 العلم ثم العلم يفيد العمل # ولهذا كان أكثر الناس على أن الإقرار بالصانع ضروري فطري وذلك أن اضطرار ~~النفوس إلى ذلك أعظم من اضطرارها إلى ما لا تتعلق به حاجتها # ألا ترى أن الناس يعرفون من أحوال من تتعلق به منافعهم ومضارهم كولاة ~~أمورهم وممالكيهم وأصدقائهم وأعدائهم ما لا يعلمونه من أحوال من لا يرجونه ~~ولا يخافونه ولا شيء أحوج إلى شيء من المخلوق إلى خالقه فهم يحتاجون إليه ~~من جهة ربوبيته إذ كان هو الذي خلقهم وهو الذي يأتيهم بالمنافع ويدفع عنهم ~~المضار { وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } سورة ~~النحل 53 # وكل ما يحصل من أحد فإنما هو بخلقه وتقديره وتسبيبه وتيسيره وهذه الحاجة ~~التي توجب رجوعهم إليه حال اضطرارهم كما يخاطبهم بذلك PageV03P135 ~~في كتابه وهم محتاجون إليه من جهة ألوهيته فإنه لا صلاح لهم إلا بأن يكون ~~هو معبودهم الذي يحبونه ويعظمونه ولا يجعلون له أندادا يحبونهم كحب الله بل ~~يكون ما يحبونه سواه كأنبيائه وصالحي عباده إنما يحبونهم لأجله كما في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة ~~الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه ~~إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما يكره أن ~~يلقى في النار # ومعلوم أن السؤال والحب والذل والخوف والرجاء والتعظيم والاعتراف بالحاجة ~~والافتقار ونحو ذلك مشروط بالشعور بالمسئول المحبوب المرجو المخوف المعبود ~~المعظم الذي تعترف النفوس بالحاجة إليه والافتقار الذي تواضع كل شيء لعظمته ~~واستسلم كل شيء لقدرته وذل كل شيء لعزته # فإذا كانت هذه الأمور مما تحتاج النفوس إليها ولا بد لها منها بل هي ~~ضرورية فيها كان شرطها ولازمها وهو الاعتراف بالصانع والإقرار به أولى أن ~~يكون ضروريا في النفوس # وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح كل مولود يولد على ~~الفطرة وقوله فيما يروي عن ربه ms0533 خلقت عبادي حنفاء PageV03P136 ~~ونحو ذلك لا يتضمن مجرد الإقرار بالصانع فقط بل إقرارا يتبعه عبودية لله ~~بالحب والتعظيم وإخلاص الدين له وهذا هو الحنيفية # وأصل الإيمان قول القلب وعمله بالخالق وعبوديته للخالق والقلب مفطور على ~~هذا وهذا وإذا كان بعض الناس قد خرج عن الفطرة بما عرض له من المرض إما ~~بجهله وإما بظلمه فجحد بآيات الله واستيقنتها نفسه ظلما وعلوا لم يمتنع أن ~~يكون الخلق ولدوا على الفطرة # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع طائفة من قول من ذكر أن المعرفة ضرورية ~~والعلم الذي يقترن به حب المعلوم قد يسمى معرفة كما في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فالمعروف ما تحبه القلوب مع العلم والمنكر ما تكرهه وتنفر ~~عنه عند العلم به فلهذا قد يسمى من كان فيه مع علمه بالله حب لله وإنابة ~~إليه عارفا بخلاف العالم الخالي عن حب القلب وتألهه فإنهم لا يسمونه عارفا # ومن المعلوم أن وجود حب الله وخشيته والرغبة إليه وتألهه في القلب فرع ~~وجود الإقرار به وهذا الثاني مستلزم للأول فإذا كان هذا يكون ضروريا في ~~القلب فوجود الإقرار السابق عليه اللازم له أولى أن يكون ضروريا فإن ثبوت ~~الملزوم لا يكون إلا مع ثبوت اللازم PageV03P137 # وقد يراد بلفظه المعرفة العلم الذي يكون معلومه معينا خاصا وبالعلم الذي ~~هو قسيم المعرفة ما يكون المعلوم به كليا عاما وقد يراد بلفظ المعرفة ما ~~يكون معلومه الشيء بعينه وإن كان لفظ العلم يتناول النوعين في الأصل كما ~~بسط في موضع آخر وسيأتي كلام الناس في الإقرار بالصانع هل يحصل بالضرورة أو ~~بالنظر أو يحصل بهذا وبهذا # وقد بينا في غير هذا الموضع الكلام على قولهم علة الحاجة إلى المؤثر هل ~~هي الحدوث أو الامكان أو مجموعهما وبينا أنه إن أريد بذلك أن الحدوث مثلا ~~دليل على أن المحدث يحتاج إلى محدث أو أن الحدوث شرط في افتقار المفعول إلى ~~فاعل فهذا صحيح وإن أريد بذلك أن الحدوث هو الذي جعل المحدث مفتقرا إلى ~~الفاعل ms0534 فهذا باطل وكذلك الإمكان إذا أريد به أنه دليل على الافتقار إلى ~~المؤثر أو أنه شرط في الافتقار إلى المؤثر فهذا صحيح وإن أريد به أنه جعل ~~نفس الممكن مفتقرا فهذا باطل # وعلى هذا فلا منافاة بين أن يكون كل من الإمكان والحدوث دليلا على ~~الافتقار إلى المؤثر وشرطا في الافتقار إلى المؤثر وإنما النزاع في مسألتين # إحداهما أن الواجب بغيره أزلا وأبدا هل يصح أن يكون مفعولا PageV03P138 ~~لغيره كما يقوله من يقول من المتفلسفة إن الفلك قديم معلول ممكن لواجب ~~الوجود أزلا وأبدا فهذا هو القول الذي ينكره جماهير العقلاء من بني آدم ~~ويقولون إن كون الشيء مفعولا مصنوعا مع كونه مقارنا لفاعله أزلا وأبدا ~~ممتنع ويقولون أيضا إن المكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا موجودا ~~تارة ومعدوما أخرى فأما ما كان دائم الوجود فهذا عند عامة العقلاء ضروري ~~الوجود وليس من الممكن الذي يقبل الوجود والعدم وهذا مما وافق عليه ~~الفلاسفة قاطبة حتى ابن سينا وأتباعه # ولكن ابن سينا تناقض فادعى في باب إثبات واجب الوجود أن الممكن قد يكون ~~قديما أزليا مع كونه ممكنا ووافقه على ذلك طائفة من المتأخرين كالرازي ~~وغيره ولزمهم على ذلك من الاشكالات ما لم يقدروا على جوابه كما قد بسط في ~~موضعه وعلى هذا فالإمكان والحدوث متلازمان فكل ممكن محدث وكل محدث ممكن # وأما تقدير ممكن مفعول واجب لغيره مع أنه غير PageV03P139 ~~محدث فهذا ممتنع عند جماهير العقلاء وأكثر الفلاسفة من أتباع أرسطو وغيره ~~مع الجمهور يقولون إن الإمكان لا يعقل إلا في المحدثات وأما الذي ادعى ثبوت ~~ممكن قديم فهو ابن سينا ومن وافقه ولهذا ورد عليهم في إثبات هذا الإمكان ~~سؤالات لا جواب لهم عنها # والرازي لما كان مثبتا لهذا الإمكان موافقة لابن سينا كان في كلامه من ~~الاضطراب ما هو معروف في كتبه الكبار والصغار مع ان هؤلاء كلهم يثبتون في ~~كتبهم المنطقية ما يوافقون فيه سلفهم أرسطو وغيره أن الممكن الذي يقبل ~~الوجود والعدم لا يكون ms0535 إلا حادثا كائنا بعد أن لم يكن وقد ذكر أبو الوليد ~~بن رشد الحفيد هذا وقال ما ذكره ابن سينا ونحوه من أن الشيء يكون ممكنا ~~يقبل الوجود والعدم مع كونه قديما أزليا قول لم يقله أحد من الفلاسفة قبل ~~ابن سينا # قلت وابن سينا قد ذكر أيضا في غير موضع أن الممكن الذي يقبل الوجود ~~والعدم لا يكون إلا حادثا مسبوقا بالعدم كما قاله سلفه وسائر العقلاء وقد ~~ذكرت ألفاظه من كتاب الشفاء وغيره في غير هذا PageV03P140 ~~الموضع وهو مما يتبين به اتفاق العقلاء على أن كل ممكن يقبل الوجود والعدم ~~فلا يكون إلا حادثا كائنا بعد أن لم يكن وهذا مما يبين أن كل ما سوى الواجب ~~بنفسه فهو محدث كائن بعد أن لم يكن وهذا لا يناقض دوام فاعليته # والمقصود هنا أن نفس الحدوث والإمكان دليل على الافتقار إلى المؤثر وأما ~~كون أحدهما جعل نفس المخلوقات مفتقرة إلى الخالق فهذا خطأ بل نفس المخلوقات ~~مفتقرة إلى الخالق بذاتها واحتياجها إلى المؤثر أمر ذاتي لها لا يحتاج إلى ~~علة فإنه ليس كل حكم ثبت للذوات يحتاج إلى علة إذ ذلك يفضي إلى تسلسل العلل ~~وهو باطل باتفاق العلماء بل من الأحكام ما هو لازم للذوات لا يمكن أن يكون ~~مفارقا للذوات ولا يفتقر إلى علة وكون كل ما سوى الله فقيرا إليه محتاجا ~~إليه دائما هو من هذا الباب # فالفقر والاحتياج أمر لازم ذاتي لكل ما سوى الله كما أن الغنى والصمدية ~~أمر لازم لذات الله فيمتنع ان يكون سبحانه فقيرا ويمتنع أن يكون إلا غنيا ~~عن كل ما سواه ويمتنع فيما سواه أن يكون غنيا عنه PageV03P141 ~~بوجه من الوجوه ويجب في كل ما سواه أن يكون فقيرا محتاجا إليه دائما في كل وقت # وهنا ينشأ النزاع في المسألة الثانية وهو أن المحدث المخلوق هل افتقاره ~~إلى الخالق المحدث وقت الإحداث فقط أو هو دائما مفتقر إليه على قولين ~~للنظار وكثير من أهل الكلام المحدث المتلقي عن جهم ms0536 وأبي الهذيل ومن أتبعهما ~~من المعتزلة وغيرهم يقولون إنه لا يفتقر إليه إلا في حال الإحداث لا في حال ~~البقاء وهذا القول في مقابلة قول الفلاسفة الدهرية الذين يقولون افتقار ~~الممكن إلى الواجب لا يستلزم حدوثه بل افتقاره إليه في حال بقائه دائما ~~أزلا أبدا # فهؤلاء زعموا وجود الفعل بلا حدوث شيء وألئك زعموا أن المخلوق لا يفتقر ~~إلى الخالق دائما وكلا القولين باطل كما قد بسط في موضعه # والمقصود هنا أن كثيرا مما يجعلونه مقدمات في أدلة إثبات الصانع وإن كان ~~حقا فإنه لا يحتاج إليه عامة الفطر السليمة وإن كان من عرضت له شبهة قد ~~ينتفع به PageV03P142 # والكلام على إبطال الدور والتسلسل هو من هذا الباب وما سلكوه من الطرق ~~بقطع التسلسل والدور فهو طريق صحيح أيضا # وجماع ذلك أن الدور نوعان والتسلسل نوعان # أما الدور فقد يراد به أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا ولا هذا إلا مع هذا ~~ويسمى هذا الدور المعي الاقتراني ويراد به أنه لا يوجد هذا إلا بعد هذا ولا ~~هذا إلا بعد هذا ونحو ذلك وهو الدور البعدي فالأول ممكن كالأمور المتضايقة ~~مثل البنوة والأبوة وكالمعلولين لعلة واحدة وسائر الأمور المتلازمة التي لا ~~يوجد الواحد منها إلا مع الآخر كصفات الخالق سبحانه المتلازمة وكصفاته مع ~~ذاته وكسائر الشروط وكغير ذلك مما هو من باب الشرط والمشروط # وأما الثاني فممتنع فإنه إذا كان هذا لا يوجد إلا بعد ذاك وذاك لا يوجد ~~إلا بعد هذا لزم أن يكون ذاك موجودا قبل هذا وهذا قبل ذاك فيكون كل من هذا ~~وذاك موجودا قبل أن يكون موجودا فيلزم PageV03P143 # اجتماع الوجود والعدم غير مرة وذلك كله ممتنع # ومن هذا الباب أن يكون هذا فاعلا لهذا أو علة فاعلة أو علة غائية ونحو ~~ذلك لأن الفاعل والعلة ونحو ذلك يمتنع أن يكون فاعلا لنفسه فكيف يكون فاعلا ~~لفاعل نفسه وكذلك العلة الفاعلة لا تكون علة فاعلة لنفسها فكيف لعلة نفسها ~~وكذلك العلة الغائية التي يوجدها الفاعل ms0537 هي مفعولة للفاعل ومعلولة في ~~وجودها له لا لنفسها فإذا لم تكن معلولة لنفسها فكيف تكون معلولة لمعلول نفسها # فهذا ونحوه من الدور المستلزم تقدم الشيء على نفسه أو على المتقدم على ~~نفسه وكونه فاعلا لنفسه المفعولة أو لمفعول مفعول نفسه أو علة لنفسه ~~المعلولة أو لمعلول معلول نفسه أو معلولا مفعولا لنفسه أو لمعلول نفسه ~~ومفعول نفسه كل ذلك ممتنع ظاهر الامتناع ولهذا اتفق العقلاء على امتناع ذلك # وأما التسلسل في الآثار والشروط ونحو ذلك ففيه قولان معروفان لأصناف ~~الناس وأما التسلسل في الفاعلين والعلل الفاعلة ونحو ذلك فهذا ممتنع بلا ريب PageV03P144 # فإذا تبين هذا فنقول لو كان جميع الموجودات ممكنا مفتقرا إلى فاعل غيره ~~فذلك الغير إن كان هو الغير الفاعل له لزم كون كل منها فاعلا للآخر وهذا من ~~الدور القبلي الممتنع باتفاق العقلاء وإن كان ذلك الغير غيرا آخر لزم وجود ~~فاعلين ومفعولين إلى غير غاية وإن شئت قلت لزم مؤثرون كل منهم مؤثر في ~~الآخر إلى غير غاية وإن شئت قلت لزم علل كل منها معلول للآخر إلى غير غاية ~~وكل من هؤلاء ممكن الوجود مفتقر إلى غيره لا يوجد بنفسه # فهنا سؤالان # أحدهما قول القائل لم لا يجوز أن يكون المجموع واجبا بنفسه وإن كان كل ~~فرد من أفراده ممكنا بنفسه وقد أجيب عن هذا بأنه يستلزم ثبوت واجب الوجود ~~بنفسه مع أنه باطل أيضا لأن المجموع هو الأجزاء المجتمعة مع الهيئة ~~الاجتماعية وكل من الأجزاء ممكن بنفسه والهيئة الاجتماعية عرض من الأعراض ~~الذي لا يقوم بنفسه فهو PageV03P145 ~~أيضا ممكن لنفسه بطريق الأولى فكل من الأجزاء ومن الهيئة الاجتماعية ممكن ~~لنفسه فامتنع أن يكون هناك ما يقدر واجبا بنفسه # وأيضا فإن ما توصف به الأفراد قد يوصف به المجموع وقد لا يوصف فإن كان ~~اتصاف الأفراد به لطبيعة مشتركة بينها وبين المجموع وجب اتصاف المجموع به ~~بخلاف ما إذا حدث للمجموع بالتركيب وصف منتف في الأفراد # ومعلوم أن كل واحد واحد إذا لم يكن ms0538 موجودا إلا بغيره وهو فقير محتاج ~~فكثرة المفتقرات المحتاجات واجتماعها لا يوجب استغناءها إلا أن يكون في ~~بعضها معاونة للآخر كالضعيفين إذا اجتمعا حصل باجتماعهما قوة لأن كلا منهما ~~مستغن عن غيره من وجه محتاج إليه من وجه وأما إذا قدر أن كلا منهما مفتقر ~~إلى غيره من كل وجه امتنع أن يحصل لهما بالاجتماع قوة أو معونة من أحدهما ~~للآخر إذ التقدير أن كل منهما ليس له شيء إلا من الآخر وهذا هو الدور ~~القبلي دور الفاعلين والعلل الفاعلية والغائية فلا يحصل لأحدهما من الآخر شيء PageV03P146 ~~والتقدير أنه ليس له من نفسه شيء فلا يحصل بالاجتماع وجود أصلا # يبين هذا أن كل جزء فهو مفتقر من كل وجه إلى غيره والمجموع أيضا مفتقر من ~~كل وجه إلى الأفراد فإنه أي فرد من الأفراد قدر عدمه لزم عدم المجموع فليس ~~في المجموع وجود يعطيه للأفراد ولا لشيء من الأفراد وجود يعطيه للمجموع أو ~~لغيره من الأفراد وهذا بخلاف ما إذا اجتمعت آحاد العشرة فإن كونها عشرة لا ~~يحصل لأفرادها كما أن كل فرد ليس وجوده مستفادا من اجتماع العشرة فلما لم ~~يكن كل من الافراد وجوده من العشرة ولا من غيره من الأفراد امكن وجوده ~~بنفسه وامكن ان يكون شرطا في وجود الفرد الاخر وان يكون الحكم الحاصل ~~باجتماع العشرة لا يحصل لفرد فرد فتبين ان مجموع الممكنات لا يكون إلا ~~ممكنا وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # والسؤال الثاني سؤال الامدى وهو قوله ما المانع من كون الجملة ممكنة ال 4 ~~وجود ويكن بترجح آحادها وترجح كل واحد بالآخر إلى غير نهاية PageV03P147 # فيقال عن هذا اجوبة # الاول انه اذا كان كل من الجملة ممكنا بنفسه لا يوجد إلا بغيره فكل من ~~الآحاد ليس وجوده بنفسه والجملة ليس وجودها بنفسها فليس هناك شيء وجوده ~~بنفسه وكل ما ليس وجوده بنفسه فلا يكون وجوده إلا بغيره فتعين ان يكون هناك ~~غير ليس هو جملة مجموع الممكنات ولا شيئا من الممكنات ms0539 وما ليس كذلك فهو ~~موجود بنفسه وهو الواجب بنفسه ضرورة # واما قوله يكون ترجح كل واحد بالآخر أي يكون كل من الممكنات موجودا بممكن ~~آخر على سبيل التسلسل # فيقال له نفس طبيعة الامكان شاملة لجميع الآحاد وهي مشتركة فيها فلا ~~يتصور ان يكون شيء من أفراد الممكنات خارجا عن هذه الطبيعة العامة الشاملة ~~ونفس طبيعة الامكان توجب الافتقار إلى الغير فلو قدر وجود ممكنات بدون واجب ~~بنفسه للزم استغناء طبيعة الامكان عن الغير فيكون ما هو ممكن مفتقرا إلى ~~غيره ليس ممكنا مفتقرا إلى غيره وذلك جمع بين النقيضين # بين ذلك انه مهما قدر من الممكنات التي ليست متناهية فإنه PageV03P148 ~~ليس واحد منها موجودا بنفسه بل هو مفتقر إلى ما يبدعه ويفعله # فالثاني منها مشارك للأول في هذه الصفة من كل وجه فليس لشيء منها وجود من ~~نفسه ولا للجملة فلا يكون هناك موجود أصلا # بل إذا قال القائل هذا موجود بآخر والآخر بآخر إلى غير نهاية او هذا ~~أبدعه آخر والآخر أبدعه اخر إلى غير نهاية كان حقيقة الكلام انه يقدر ~~معدومات لا نهاية لها فإن قدر فاعلا إذا لم يكن موجودا بنفسه لم يكن له من ~~نفسه إلا العدم وقد قدر فاعله ليس له من نفسه إلا العدم # فكل من هذه الامور المتسلسلة ليس لشيء منها من نفسه إلا العدم ولا ~~للمجموع من نفسه إلا العدم وليس هناك إلا الأفراد والمجموع وكل من ذلك ليس ~~منه إلا العدم فيكون قد قدر مجموع ليس منه إلا العدم وافراد متسلسلة ليس ~~لشيء منها إلا العدم وما كان كذلك امتنع ان يكون منه وجود فان مالا يكون ~~منه إلا العدم ولا من مجموعه ولا من أفراده يمتنع ان يكون منه وجود # فإذا قدر ممكنات متسلسلة منها لا وجود له من نفسه لم يكن هناك إلا العدم ~~والوجود من غيره وهو المطلوب PageV03P149 # الجواب الثاني ان يقال الموجود الذي ليس وجوده من نفسه يمتنع ان يكون ~~وجود غيره منه فان وجود نفسه بنفسه ms0540 واستغناء نفسه بنفسه وقيام نفسه بنفسه ~~اولى من وجود غيره بوجوده واستغناء غيره به وقيام غيره به فإذا قدر ممكنات ~~ليس فيها ما وجوده بنفسه امتنع ان يكون فيها ما وجود غيره به بطريقة الاولى ~~فلا يجوز ان يكون كل ممكن لا يوجد بنفسه وهو مع هذا فاعل لغيره إلى غير نهاية # وهذا مما لا يقبل النزاع بين العقلاء الذين يفهمونه وسواء قيل ان المؤثر ~~في مجموع الممكنات هو قدرة الله تعالى بدون اسباب او قيل انها مؤثرة فيها ~~بالأسباب التي خلقها او قيل ان بعضها مؤثر في بعض بالإيجاب او الابداع او ~~التوليد او الفعل او غير ذلك مما قيل فان كل من قال قولا من هذه الأقوال لا ~~بد ان يجعل للمؤثر وجودا من موجود بنفسه لا يمكن أحد ان يقول كل منها مؤثر ~~وليس له من نفسه إلا العدم وليس هناك مؤثر له من نفسه وجود فانه يعلم بصريح ~~العقل انه إذا قدر ان كل تلك الامور ليس لشيء منها وجود من نفسه ولا بنفسه ~~لم يكن له تأثير من نفسه ولا بنفسه فإن ما لا يكون موجودا بنفسه ومن نفسه ~~فأولى به إن لا يكون مؤثرا في وجود غيره بنفسه ومن نفسه فإذا لم يكن هناك ~~ما هو موجود بنفسه ولا مؤثر بنفسه بل كل PageV03P150 # منها غير موجود بنفسه ولا مؤثر بنفسه كان كل منها معدوما بنفسه معدوم ~~التأثير بنفسه فنكون قد قدرنا أمورا متسلسلة كل منها لا وجود له بنفسه ولا ~~تأثير له بنفسه وليس هناك مغاير لها يكون موجودا مؤثرا فيها فليس هناك لا ~~وجود ولا تأثير قطعا # وإذا قال القائل كل من هذه الأمور التي لا توجد بنفسها يبدع الآخر الذي ~~لا يوجد بنفسه كان صريح العقل يقول له فما لا يكون موجودا بنفسه لا يكون ~~مؤثرا بنفسه فكيف تجعله مؤثرا في غيره ولا حقيقة له # فإن قال بل حقيقته توجد بذلك الغير # قيل له ليس هناك غير يتحقق به فإن الغير الذي ms0541 قدرته هو أيضا لا وجود له ~~ولا تأثير أصلا إلا بما تقدره من غير آخر ليس له وجود ولا تأثير # ونكتة هذا الجواب أن تقدير العقل لما لا يوجد بنفسه بعد ولا يحقق له وجود ~~بغيره كونه مؤثرا مبدعا لغيره من أعظم الأمور بطلانا وفسادا فإن إبداعه ~~للغير لا يكون إلا بعد وجوده وهو مع PageV03P151 # كونه ممكنا يقبل الوجود والعدم ليس موجودا فكل ما قدر إنما هي معدومات # يوضح هذا الجواب الثالث وهو أن نقول قول القائل الممكن الذي لم يوجد هو ~~معدوم ليس بموجود أصلا والمعدوم الذي لم يحصل له ما يقتضي وجوده هو باق ~~مستمر على العدم وإذا قال القائل الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا ~~بمرجح فهذا بين ظاهر في جانب الإثبات فإنه لا يكون موجودا إلا بمقتضى ~~لوجوده إذا كان ليس له من نفسه وجود # وأما في النفي فمن الناس من يقول علة عدمه عدم علة وجوده ويجعل لعدمه علة ~~كما لوجوده علة وهذا قول ابن سينا وأتباعه والتحقيق الذي عليه جمهور النظار ~~من المتكلمين والمتفلسفين PageV03P152 # وهو الآخر من قولي الرازي أن عدمه لا يفتقر إلى علة تجعله معدوما فالعدم ~~المحض لا يعلل ولا يعلل به إذ العدم المحض المستمر لا يفتقر إلى فاعل ولا ~~علة ولكن عدم علته مستلزم لعدمه ودليل على عدمه فإذا أريد بعلة عدمه ما ~~يستلزم عدمه ويدل على عدمه فهو صحيح وإن أريد بعلة عدمه تحقق العدم الذي ~~يفتقر في تحقق إلى علة موجبة له فليس كذلك فإن العدم المستمر لا يفتقر إلى ~~علة موجبة # فقول القائل الممكن لا يوجد إلا بمرجح بمنزلة قوله لا يوجد بنفسه لا يوجد ~~إلا بغيره ولا يحتاج أن يقول ما لا يوجد بنفسه لا يعدم إلا بغيره فإن ما لا ~~يوجد بنفسه فليس له من نفسه وجود # وإذا قلت له من نفسه فهذا له معنيان إن أردت أن حقيقة مستلزمة للعدم لا ~~تقبل الوجود فليس كذلك بل هي قابلة للوجود والعدم وإن أردت ms0542 أن حقيقته لا ~~تقتضي الوجود بل ليس لها من نفسها غير العدم وأن وجودها لا يكون إلا من ~~غيرها لا من نفسها فهذا صحيح فالفرق بين كونه ليس له من نفسه إلا العدم ~~وبين كون نفسه مستلزمة للعدم فرق بين مع أن قولنا له PageV03P153 # من نفسه وليس له من نفسه لا نريد به أنه في الخارج نفس ثابتة ليس لها إلا ~~العدم أو هي مستلزمة للعدم فإن هذا يتخيله من يقول المعدوم شيء ثابت في ~~الخارج أو يقول الماهيات في الخارج أمور مغايرة للوجود المحقق في الخارج ~~وهذا كله خيال باطل كما قد بسط في موضعه # ولكن الماهية والشيء قد يقدر في الذهن قبل وجوده في الخارج وبعد ذلك فما ~~في الأذهان مغاير لما في الأعيان # وإذا قلنا هذا الممكن يقبل الوجود والعدم أو نفسه أو حقيقته لا تقتضي ~~الوجود ولا تستلزم العدم فنعني به أن ما تصوره العقل من هذه الحقائق لا ~~يكون موجودا في الخارج بنفسه وليس له في الخارج وجود من نفسه ولا يجب عدمه ~~في الخارج بل يقبل أن تتحقق حقيقته في الخارج فيصير موجودا ويمكن أن لا ~~تتحقق حقيقته في الخارج فلا يكون موجودا وليس في الخارج حقيقة ثابتة أو ~~موجودة تقبل الإثبات والنفي بل المراد أن ما تصورناه في الأذهان هل يتحقق ~~في الأعيان أو لا يتحقق وما تحقق في الأعيان هل تحققه بنفسه أو بغيره فإذا ~~قدر أن المتصورات في الأذهان ليس فيها ما يتحقق بنفسه في الخارج فليس فيها ~~ما هو مبدع بنفسه لغيره في الخارج بطريق الأولى PageV03P154 ~~وليس فيها ما هو معدوم في الخارج بل ليس فيها إلا ما هو ممتنع في الخارج ~~فإن الممكن إذا قدر عدم موجود بنفسه يبدعه كان ممتنعا لغيره فإذا قدر أنه ~~ليس في الخارج إلا ما ليس له وجود بنفسه لم يكن في الخارج إلا ما هو ممتنع ~~الوجود إما لنفسه وإما لغيره ولا يكون عدم شيء من ذلك مفتقرا إلى علة توجب ~~عدمه بل ms0543 هو معدوم بنفسه سواء أمكن وجوده أو امتنع وحينئذ فلا يكون في ~~الخارج إلا العدم المستمر # وإذا قيل بعد هذا هذا الذي لا وجود له من نفسه موجود بهذا الذي لا وجود ~~له من نفسه وهلم جرا كان بمنزلة أن يقال هذا المعدوم موجود بهذا المعدوم ~~وهلم جرا بل بمنزلة أن يقال هذا الممتنع موجود بهذا الممتنع فيكون هذا ~~تناقضا حيث جعلت المعدوم موجودا بمعدوم وسلسلت ذلك فجمعت بين تسلسل ~~المعدومات وبين جعل كل واحد منها هو الذي أوجد المعدوم الآخر # الوجه الرابع أن يقال الممكن لا يتحقق وجوده بمجرد ممكن آخر فإن ذلك ~~الممكن الآخر لا يترجح وجوده على عدمه إلا بغيره وإذا كان الممكن الذي قدر ~~أنه الفاعل المؤثر المرجح لم يترجح وجوده على عدمه بل يقبل الوجود والعدم ~~فالممكن الذي قدر أنه الأثر المفعول المصنوع المرجح أولى أن لا يترجح وجوده ~~على عدمه بل هو قابل للوجود PageV03P155 # والعدم بل الممكن لا يكون موجودا إلا عند ما يجب به وجوده فإنه ما دام ~~مترددا بين إمكان الوجود والعدم لا يوجد فإذا حصل ما به يجب وجوده وجد وإذا ~~كان كذلك فنفس الممكن لا يجب به ممكن بل لا يجب الممكن إلا بواجب والواجب ~~إما بنفسه وإما بغيره والواجب بغيره هو الممكن من نفسه الذي لا يوجد إلا ~~بما يجب وجوده وحينئذ فيمتنع تسلسل الممكنات بحيث يكون هذا الممكن هو الذي ~~وجب به الآخر بل إنما يجب الآخر بما هو واجب وما كان ممكنا باقيا على ~~الإمكان لم يكن واجبا لا بنفسه ولا بغيره فإذا قدر تسلسل الممكنات القابلة ~~للوجود والعدم من غير ان يكون فيها موجود بنفسه كانت باقية على طبيعة ~~الإمكان ليس فيها واجب فلا يكون فيها ما يجب به شيء من الممكنات بطريق ~~الأولى فلا يوجد شيء من الممكنات وقد وجدت الممكنات هذا خلف وإنما لزم هذا ~~لما قدرنا ممكنات توجد بممكنات ليس لها من نفسها وجود من غير ان يكون هناك ~~واجب بنفسه # واعلم ان ms0544 الناس قد تنازعوا في الممكنات هل يفتقر وجودها إلى ما به يجب ~~وجودها بحيث تكون إما واجبة الوجود معه وإما ممتنعة العدم او قد يحصل ما ~~تكون معه بالوجود اولى مع امكان العدم وتكون موجودة لمرجح الوجود مع إمكان ~~العدم فالأول قول الجمهور والثاني قول من يقول ذلك من المعتزلة ونحوهم PageV03P156 # وكثير من الناس يتناقض في هذا الأصل فإذا بنينا على القول الصحيح فلا ~~كلام وان أردنا ان نذكر ما يعم القولين قلنا # الوجه الخامس أن الممكن لا يتحقق وجوده بمجرد ممكن آخر لم يتحقق وجوده بل ~~لا يتحقق وجوده إلا بما يحقق وجوده وحينئذ فإذا قدرنا الجميع ممكنات ليس ~~فيها ما تحقق وجوده لم يحصل شرط وجود شيء من الممكنات فلا يوجد شيء منها ~~لأن كل ممكن إذا أخذته مفتقرا إلى فاعل يوجده فهو في هذه الحال لم يتحقق ~~وجوده بعده فإنه ما دام مفتقرا إلى أن يصير موجودا فليس بموجود فإن كونه ~~موجودا ينافي كونه مفتقرا إلى أن يصير موجودا فلا يكون فيها موجود فلا يكون ~~فيها ما يحصل به شرط وجود الممكن فضلا عن أن يكون فيها ما يكون مبدعا لممكن ~~أو فاعلا له فلا يوجد ممكن وقد وجدت الممكنات فتسلسل الممكنات بكون كل منها ~~مؤثرا في الآخر ممتنع وهو المطلوب # واعلم أن تسلسل المؤثرات لما كان ممتنعا ظاهر الامتناع في فطر جميع ~~العقلاء لم يكن متقدمو النظار يطيلون في تقريره لكن المتأخرون أخذوا ~~يقررونه وكان من أسباب ذلك اشتباه التسلسل في الآثار التي هي الأفعال ~~بالتسلسل في المؤثرين الذين هم الفاعلون فإن جهم بن صفوان وأبا الهذيل ~~العلاف ومن اتبعهما من اهل الكلام المحدث الذي ذمه السلف والائمة وسلكه من ~~سلكه من المعتزلة والكلابية والكرامية وغيرهم اعتقدوا بطلان هذا كله وعن ~~هذا امتنعوا ان يقولوا ان الرب لم يزل متكلما إذا شاء ثم اختلفوا هل كلامه ~~مخلوق او حادث النوع PageV03P157 # او قديم العين وهو معنى او قديم العين وهو حروف او حروف واصوات مقترن ~~بعضها ببعض ms0545 ازلا وابدا على الأقوال المعروفة في هذا الموضوع # ثم ان جهما وأبا الهذيل العلاف منعا ذلك في الماضي والمستقبل ثم ان جهما ~~كان اشد تعطيلا فقال بفناء الجنة والنار واما ابو الهذيل فقال بفناء حركات ~~الجنة وجعلوا الرب تعالى فيما لا يزال لا يمكن ان يتكلم ولا يفعل كما قالوا ~~لم يزل وهو لا يمكن ان يتكلم وان يفعل ثم صار الكلام والفعل ممكنا بغير ~~حدوث شيء يقتضي امكانه واما اكثر اتباعهما ففرقوا بين الماضي والمستقبل كما ~~ذكر في غير هذا الموضع ### | AUTO والمقصود هنا انه لما جعل من جعل التسلسل نوعا واحدا كما جعل ~~من جعل الدور نوعا واحدا حصلت شبهة فصار بعض المتأخرين كالآمدى والابهري ~~يوردون اسولة على تسلسل المؤثرات ويقولون انه لا جواب عنها فلذلك احتيج إلى ~~بسط الكلام في ذلك فصل # وما سلكه هؤلاء المتأخرون في ابطال الدور والتسلسل في العلل والمعلولات ~~دون الاثار فهو طريق صحيح أيضا وان كان منهم من PageV03P158 ~~يورد على ذلك شكوكا يعجز بعضهم عن حلها كما قد بسط في غير هذا الموضع # لكنه طريق مشق لا حاجة اليه ولهذا لم يسلكه أحد من النظار المتقدمين من ~~اهل الكلام المحدث فضلا عن السلف والائمة فشيوخ المعتزلة والاشعرية ~~والكرامية وغيرهم من اصناف اهل الكلام اثبتوا الصانع بطريق الحدوث والامكان ~~وما يتعلق بذلك من غير احتياج إلى بناء ذلك على ابطال الدور والتسلسل كما ~~هو الموجود في كتبهم فلا يوجد بناء إثبات الصانع على قطع الدور والتسلسل في ~~العلل والمعلولات دون الاثار في كلام مثل ابي على الجباني وابي هاشم وعبد ~~الجبار بن احمد وابي الحسين البصري وغيرهم ولا في كلام مثل أبي الحسن ~~الاشعري والقاضي أبي بكر وابي بكر بن فورك وابي اسحق الاسفرايينى وأبي ~~المعالي الجويني وامثالهم ولا في كلام محمد بن كرام ومحمد بن الهيصم ~~وامثالهما ولا في كتب من يوافق المتكلمين في كثير من طرقهم مثل كلام ابي ~~الحسن التميمي والقاضي أبي يعلي وأبي الوفاء بن عقيل وأبي الحسن بن ms0546 ~~الزاغوني وامثالهم وكذلك غير هؤلاء من أصحاب مالك والشافعي واحمد PageV03P159 ~~ولا في كلام متكلمي الشيعة كالموسوي والطوسى وامثالهما لا اعلم أحدا من ~~متكلمي طوائف المسلمين جعل إثبات الصانع موقوفا على ابطال الدور والتسلسل ~~في العلل والمعلولات دون الآثار وان كان هؤلاء يبطلون ما يبطلونه من الدور ~~والتسلسل # فالمقصود انهم لم يجعلوا إثبات الصانع متوقفا عليه بل من يذكر منهم ابطال ~~التسلسل يذكره في مسائل الصفات والافعال فإن هذا فيه نزاع مشهور فيذكرون ~~ابطال التسلسل مطلقا في العلل والاثار لابطال حوادث لا أول لها بدليل ~~التطبيق ونحوه واما التسلسل في الفاعلين والعلل الفاعلة والعلل الغائية دون ~~الاثار فإنهم مع اتفاقهم على بطلانه لا يحتاجون اليه في إثبات الصانع واما ~~التسلسل في الاثار والشروط فهذا احتاج اليه من احتاج من نفاة ما يقوم به من ~~المقدورات والمرادات كالكلابية واكثر المعتزلة والكرامية ومن وافق هؤلاء PageV03P160 # ومن اقدم من رايته ذكر نفي التسلسل في إثبات واجب الوجود في المؤثرات ~~خاصة دون الاثار ابن سينا وهو بناه على نفي التسلسل في العلل فقط ثم اتبعه ~~من سلك طريقه كالسهر وردى المقتول وامثاله وكذلك الرازي والامدى والطوسى وغيرهم # لكن هؤلاء زادوا عليه احتياج الطريقة إلى نفي الدور أيضا والدور القبلى ~~مما اتفق العقلاء على نفيه ولوضوح انتفائه لم يحتج المتقدمون والجمهور إلى ~~ذكر ذلك لان المستدل بدليل ليس عليه ان يذكر كل ما قد يخطر بقلوب الجهال من ~~الاحتمالات ما ينقدح ولا ريب ان انقداح الاحتمالات يختلف باختلاف الاحوال # ولعل هذا هو السبب في ان بعض الناس يذكر في الادلة من PageV03P161 ~~الاحتمالات التي ينفيها مالا يحتاج غيره إلى ذلك ولكن هذا لا ضابط له كما ~~ان الاسولة والمعارضات الفاسدة التي يمكن ان يوردها بعض الناس على الادلة ~~لا نهاية لها فان من باب الخواطر الفاسدة وهذا لا يحصيه أحد إلا الله تعالى ~~لكن إذا وقع مثل ذلك لناظر او مناظر فإن الله ييسر من الهدى ما يبين له ~~فساد ذلك فإن هدايته لخلقه وارشاده لهم هو ms0547 بحسب حاجتهم إلى ذلك ويحسب ~~قبولهم الهدى وطلبهم له قصدا وعملا # ولهذا لما شرح الرازي طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود وقال انه لم ~~يذكر فيها ابطال الدور وذكر ما ذكره في ابطال الدور ثم قال والانصاف ان ~~الدور معلوم البطلان بالضرورة ولعل ابن سينا إنما تركه لذلك والطريقة التي ~~سلكها ابن سينا في إثبات واجب الوجود ليس هي طريقة ائمة الفلاسفة القدماء ~~كأرسطو وامثاله وهي عند التحقيق لا تفيد إلا إثبات مجرد وجود واجب واما ~~كونه مغايرا للأفلاك فهو مبنى على نفي الصفات وهو توحيدهم الفاسد الذي PageV03P162 ~~قد بينا فساده في غير هذا الموضع ولهذا كان من سلك هذه الطريقة قد يفضي به ~~الأمر إلى انكار وجود واجب مغاير لوجود الممكنات كما يقوله اهل الوحدة ~~القائلون بوحدة الوجود من متأخري متصوفة هؤلاء الفلاسفة كابن عربي وابن ~~سبعين وامثالهما والقول بوحدة الوجود قول حكاة أرسطوا واتباعه عن طائفة من ~~الفلاسفة وابطلوه # والقائلون بوحدة الوجود حقيقة قولهم هو قول ملاحدة الدهرية الطبيعية ~~الذين يقولون ما ثم موجود إلا هذا العالم المشهود وهو واجب بنفسه وهو القول ~~الذي اظهره فرعون لكن هؤلاء ينازعون اولئك في الاسم فأولئك يسمون هذا ~~الموجود بأسماء الله وهؤلاء لا يسمونه بأسماء الله وأولئك يحسبون ان الإله ~~الذي اخبرت عنه الرسل هو هذا الموجود وأولئك لا يقولون هذا وأولئك لهم توجه ~~إلى الوجود المطلق وأولئك ليس لهم توجه اليه # وفساد قول هؤلاء يعرف بوجوه منها العلم بما يشاهد حدوثه كالمطر PageV03P163 ~~والسحاب والحيوان والنبات والمعدن وغير ذلك من الصور والأعراض فإن هذه ~~يمتنع أن يكون وجودها واجبا لكونها كانت معدومة ويمتنع ان تكون ممتنعة ~~لكونها وجدت فهذه مما يعلم بالضرورة أنها ممكنة ليست واجبة ولا ممتنعة # ثم ان الرازي جعل هذه الطريقة التي سلكها ابن سينا هي العمدة الكبرى في ~~إثبات الصانع كما ذكر ذلك في رسالة إثبات واجب الوجود ونهاية العقول ~~والمطالب العالية وغير ذلك من كتبه # وهذا مما لم يسلكه أحد من ائمة النظار المعروفين من ms0548 اهل الإسلام بل لم ~~يكن في هؤلاء من سلك هذه الطريقة في إثبات الصانع فضلا عن ان يجعلها هي ~~العمدة ويجعل مبناها على ما سنذكره من المقدمات # وقد رأيت من اهل عصرنا من يصنف في اصول الدين ويجعلون عمدة جميع الدين ~~على هذا الأصل تبعا لهؤلاء لكن منهم من لا يذكر دليلا أصلا بل يجعل عمدته ~~في نفي النهاية امتناع وجود مالا PageV03P164 ~~يتناهى من غير حجة أصلا ولا يفرق بين النوعين ويرتب على ذلك جميع اصول ~~الدين ثم من هؤلاء المصنفين من يدخل مع اهل وحدة الوجود المدعين للتحقيق ~~والعرفان ويعتقد صحة قصيدة ابن الفارض لكونه قرأها على القونوى واعان على ~~شرحها لمن شرحها من اخوانه وهم مع هذا يدعون انهم اعظم العالم توحيدا ~~وتحقيقا ومعرفة # فلينتظر العاقل ما هو الرب الذي اثبته هؤلاء وما هو الطريق لهم إلى ~~اثباته وتناقصهم فيه فان القائلين بوحدة الوجود يقولون بقدم العالم تصريحا ~~او لزوما وذلك مستلزم للتسلسل ودليله الذي اثبت به واجب الوجود وعمدته فيه ~~نفي كل ما يسمى تسلسلا # وايضا ففيما صنفه من اصول الدين يذكر حدوث العالم موافقة للمتكلمين ~~المبطلين للتسلسل مطلقا في المؤثرات والاثار ومع هؤلاء يقول بوحدة الوجود ~~المستلزمة لقدمه وللتسلسل موافقة لمتصوفة الفلاسفة الملاحدة كابن العربي ~~وابن سبعين وابن الفارض وامثالهم PageV03P165 # واذا كان ما ذكره ابن سينا واتباعه في إثبات واجب الوجود صحيحا في نفسه ~~وان كان لا حاجة اليه ولا يحصل المقصود من إثبات الصانع به وكان الرازي ~~ونحوه يزعمون ان هذه الطريقة التي سلكها الامدى مع انه اعترض عليها باعتراض ~~ذكر انه لا جواب له عنه فنحن نذكرها على وجهها # قال ابن سينا إشارة كل موجود إذا التفت اليه من حيث ذاته من غير التفات ~~إلى غيره فإما ان يكون بحيث يجب له الوجود في نفسه اولا يكون فإن وجب فهو ~~الحق بذاته الواجب وجوده من ذاته وهو القيوم وان لم يجب لم يجز ان يقال هو ~~ممتنع بذاته بعدما فرض موجودا بل ان قرن ms0549 باعتبار ذاته شرط مثل شرط عدم علته ~~صار ممتنعا او مثل شرط وجود PageV03P166 ~~علته صار واجبا وان لم يقرن بها شرط لا حصول علة ولا عدمها بقي له من ذاته ~~الأمر الثالث وهو الإمكان فيكون باعتبار ذاته الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع ~~فكل موجود إما واجب بذاته واما ممكن الوجود بحسب ذاته # إشارة ما حقه في نفسه الإمكان فليس يصير موجودا من ذاته فإنه ليس وجوده ~~من ذاته اولى من عدمه ومن حيث هو ممكن فان صار أحدهما اولى فلحضور شيء او ~~غيبته فوجود كل ممكن الوجود هو من غيره # ثم قال تنبيه إما ان يتسلسل ذلك إلى غير النهاية فيكون كل واحد من آحاد ~~السلسلة ممكنا في ذاته والجملة معلقة بها فتكون غير واجبة ايضا وتجب بغيرها ~~ولنزد هذا بيانا PageV03P167 # شرح كل جملة كل واحد منها معلول فإنها تقتضي علة خارجة عن آحادها وذلك ~~لأنها إما أن تقتضي علة أصلا فتكون واجبة غير معلولة وكيف يتأتى هذا وإنما ~~تجب بآحادها وإما أن تقتضي علة هي الآحاد بأسرها فتكون معلولة لذاتها فإن ~~تلك الجملة والكل شيء واحد وأما الكل بمعنى كل واحد فليس تجب به الجملة ~~وإما أن تقتضي علة هي بعض الآحاد وليس بعض الآحاد أولى بذلك من بعض إن كان ~~كل واحد منها معلولا ولأن علته أولى بذلك وإما أن تقتضي علة خارجة عن ~~الآحاد كلها وهو الثاني # إشارة كل علة جملة هي غير شيء من آحادها فهي علة أولا للآحاد ثم للجملة ~~وإلا فلتكن الآحاد غير محتاجة إليها فالجملة إذا تمت بآحادها لم تحتج إليها ~~بل ربما كان شيء علة لبعض PageV03P168 ~~الآحاد دون بعض ولم يكن علة للجملة على الإطلاق # إشارة كل جملة مترتبة من علل ومعلولات على الولاء وفيها علة غير معلولة ~~فهي طرف لأنها إن كانت وسطا فهي معلولة # إشارة كل سلسلة مترتبة من علل ومعلولات كانت متناهية أو غير متناهية فقد ~~ظهر أنها إذا لم يكن فيها إلا معلول احتاجت إلى علة خارجة ms0550 عنها لكنها يتصل ~~بها لا محالة طرف فظهر أنه إن كان فيها ما ليس بمعلول فهو طرف ونهاية فكل ~~سلسلة تنتهي إلى واجب الوجود بذاته # قلت مضمون هذا الكلام أن الموجود إما واجب بنفسه وإما ممكن لا يوجد إلا ~~بغيره كما قرر ذلك في الإشارتين لكن قد قيل إن في الكلام تكريرا لا يحتاج ~~إليه وإذا كان الممكن لا يوجد إلا بغيره فهو مفعول معلول ويمتنع تسلسل ~~المعلولات لأن كل واحد من تلك الآحاد ممكن والجملة متعلقة بتلك الممكنات ~~فتكون ممكنة غير PageV03P169 ~~واجبة أيضا فتجب بغيرها وما كان غير جملة الممكنات وآحادها فهو واجب فهذا ~~معنى قوله إما أن يتسلسل ذلك إلى غير النهاية فيكون كل واحد من آحاد ~~السلسلة ممكنا في ذاته والجملة معلقة بها فتكون غير واجبة أيضا وتجب بغيرها ~~لكن قوله إما ان يتسلسل يحتاج ان يقال وإما أن لا يتسلسل فقيل إنه حذف ذلك ~~اختصارا إذ كان هو مقصوده والمعنى وإن لم تتسلسل الممكنات انتهت إلى واجب ~~الوجود وهو المطلوب # ولو قيل بدل هذا اللفظ ان تسلسل ذلك كان هو العبارة المناسبة لمطلوبه # ثم ذكر شرح هذا الدليل على وجه تفصيلي بعد ان ذكره محملا فقال إذا تسلسلت ~~الممكنات وكل منها معلول فإنها تقتضي علة خارجة عن آحادها لأنه إما يكون ~~لها علة وإما أن لا PageV03P170 ~~يكون واذا كان لها علة فالعلة إما المجموع وإما بعضه وإما خارج عنه ~~والأقسام ممتنعة إلا الأخير # أما الأول وهو ان لا تقتضي علة اصلا فتكون الجملة واجبة غير معلولة فهذا ~~لا يتأتى لأنها إنما تجب باحادها وما وجب باحاده كان معلولا واجبا بغيره # وهذا يقرره بعضهم كالرازي بوجهين # أحدهما ان الجملة مركبة من الآحاد واحادها غيرها وما افتقر إلى غيره لم ~~يكن واجبا بنفسه وهو تقرير ضعيف لانه لو قدر ان كل واحد من الاجزاء واجب ~~بنفسه لم يمتنع ان تكون الجملة واجبة بنفسها فإن مجموع الامور الواجبة ~~بنفسها لا يمتنع ان تكون غير محتاجه إلى امور خارجة عنها ms0551 وهذا هو المرد ~~بكونه واجبا بنفسه ولكن هذا من جنس حجتهم على نفي الصفات بنفي التركيب وهي ~~حجة داحضة # الوجه الثاني ان كل واحد من الآحاد ممكن غير واجب والجملة لا تحصل إلا ~~بها فما لا يحصل إلا بالممكن اولى ان يكون ممكنا وهذا PageV03P171 ~~التقرير خير من ذاك وهذا التقرير الثاني هو الذي ذكره السهر وردى في ~~تلويحاته وهو أحد الوجهين اللذين ذكرهما الرازي وهو أحد وجهي الآمدى أيضا # قال السهروردى لما كان واحد من الممكنات يحتاج إلى العلة فجميعها محتاج ~~لأنه معلول الآحاد الممكنة فيفتقر إلى علة خارجة عنه وهي ممكنة لأنها لو ~~كانت ممكنة لكانت من الجملة فتكون اذا واجبة الوجود # وقد قررها الآمدى بوجه ثالث وهو انها ان كانت الجملة واجبة بذاتها فهو ~~عين المطلوب فقال الجملة إما ان تكون واجبه لذاتها واما ان تكون ممكنة لا ~~جائز ان تكون واجبة وألا لما تكون واجبة وألا لما PageV03P172 ~~كانت آحادها ممكنة وقد قيل انها ممكنة قال ثم وان كانت واجبة فهو مع ~~الاستحالة عين المطلوب # وهذا الوجه الثاني الذي ذكره هو وجه ثالث وليس هذا بمحصل للمقصود لانه ~~حينئذ لا يلزم ثبوت واجب بنفسه خارج عن جملة الممكنات # وقد أورد بعضهم على هذا سؤالا فقال إذا كانت الآحاد ممكنة ومعناه افتقار ~~كل واحد إلى علته وكانت الجملة هي مجموع الآحاد فلا مانع من اطلاق الوجوب ~~وعدم الإمكان عليها بمعنى انها غير مفتقرة إلى امر خارج عنها وان كانت ~~ابعاضها مما يفتقر بعضها إلى بعض # قال الامدى وهذا ساقط إذا كانت الجملة غير PageV03P173 ~~ممكنة كانت واجبة بذاتها وهي مجموع الآحاد وكل واحد من الآحاد ممكن فالجملة ~~أيضا ممكنة بذاتها لا يكون ممكنا بذاته # قلت وهذا السؤال يحتمل ثلاثة اوجه # أحدها ان يقال انها واجبة بالآحاد والاجتماع جميعا ومعلوم ان الجملة هي ~~الآحاد واجتماعها فإذا كان ذلك ممكنا كانت الذات ممكنة فيكون السؤال ساقطا ~~كما قال الامدى # الثاني ان يقال المجموع واجب بآحاده الممكنة ولا يجعل المجموع نفسه ممكنا ~~بل ms0552 يقال المجموع واجب بالآحاد الممكنة وهذا هو السؤال الذي يقصده من يفهم ~~ما يقول وحينئذ فسيأتي جوابه بان الاجتماع الذي للمكنات اولى ان يكون ممكنا ~~لكونه عرضا لها والعرض محتاج إلى موارده فإذا كانت ممكنة كان هو اولى ~~بالإمكان وغير ذلك # الاحتمال الثالث ان يقال كل واحد من الآحاد يترجح بالاخر والمجموع ممكن ~~أيضا لكنه يترجح الآحاد المتعاقبة # وهذا السؤال ذكره الامدى موردا له على هذه الحجة في كتابه المسمى بدقائق ~~الحقائق PageV03P174 # قال ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود وبكون ترجحها بترجيح آحادها ~~وترجح آحادها كل واحد بالاخر إلى غير النهاية # قال وهذا شكال مشكل وربما يكون عنده غيري حله # ولقائل ان يقول ان اريد بكون الجملة ممكنة انها ممكنة غير واجبة بل ~~مفتقرة إلى امر خارج عنها فلذلك يوجب افتقارها إلى غيرها وهو المطلوب وإن ~~أريد أنها ممكنة بنفسها واجبة بالآحاد المتسلسلة فهذا السؤال هو في معنى ~~السؤال الذي قبله وإنما الاختلاف بينهما في أن الأول قال لم لا تكون واجبة ~~بنفسها بمعنى أنها غير مفتقرة إلى أمر خارج عن آحادها بل المجموع واجب ~~بآحاده الممكنة # والثاني قال لم لا تكون ممكنة بنفسها واجبة بآحادها على وجه التسلسل # لكن قد يقال انه في أحد التقديرين ادعى وجوب الهيئة الاجتماعية بنفسها مع ~~إمكان الآحاد وفي الثاني ادعى ان الهيئة الاجتماعية ممكنة PageV03P175 ~~بنفسها لكنها واجبة بالآحاد المتسلسلة ومعلوم ان كليهما باطل والاول أظهر ~~بطلانا من الثاني فانه إذا كانت الآحاد كلها ممكنة والاجتماع نسبة واضافة ~~بينها غايته ان يكون عرضا قائما بها امتنع ان يكون واجبا بنفسه فإن الموصوف ~~الممكن يمتنع ان تكون صفته واجبة الوجود بنفسها # واما الثاني فلأن الهيئة الاجتماعية إذا كانت معلول الآحاد الممكنة كانت ~~اولى بالإمكان فان معلول الممكن أولى أن يكون ممكنا وان شئت قلت المفتقر ~~إلى الممكن اولى أن يكون ممكنا والاحاد ليس فيها إلا ما هو ممكن فلا يكون ~~في الاجتماع واحاده إلا ما هو ممكن لا يوجد بنفسه ومالا يوجد بنفسه يمتنع ms0553 ~~ان يوجد به غيره إذا لم يحصل له ما يوجد به فإن وجوده في نفسه قبل وجود ~~غيره به فإذا لم يكن وجوده إلا بموجد يوجده فلأن لا يكون وجود غيره به بدون ~~الموجد الذي يوجده اولى واحرى وكل من الممكنات واجتماعها ليس موجودا بنفسه ~~فيمتنع ان يكون شيء منها موجدا لغيره فامتنع ترجح بعضها ببعض وترجح المجموع ~~بالآحاد # وفي الجملة فكلا السؤالين يتضمن افتقار الاجتماع إلى PageV03P176 ~~الآحاد فكلاهما لم يدع فيه إلا وجوبها بالآحاد لم يدع وجوبا بالذات غير ~~الوجوب بالآحاد لكن الامدى وهي هذا السؤال لما اضافه إلى غيره بعبارة اخرى ~~واعتبار ثم انه اعترف بعدم قدرته على حله لما اورده من جهة نفسه بعبارة ~~اخرى واعتبار اخر # ومن اجاب عن الامدى في الفرق بينهما يقول السؤال الاول قيل فيه ان ~~المجموع واجب بنفسه وذلك ممتنع وهذا قيل فيه إنه ممكن وجب بالآحاد # وهذا الجواب بالفرق ضعيف وذلك لأنه إذا قيل هو ممكن واجب بالآحاد فقد قيل ~~انه واجب بتلك الآحاد وتلك الآحاد كلها ممكنة ومعلول الممكن اولى ان يكون ~~ممكنا فيمتنع ان يكون معلول الممكن واجبا بالممكن قبل وجوب الممكن والممكن ~~لا يجب إلا بالواجب بنفسه بل ما كان واحد من الممكنات جزء علة لوجوده فهو ~~ممكن فكيف إذا كان كل من الممكنات التي لا نهاية لها جزء علة PageV03P177 ~~وجوده فان الاجتماع الذي يحصل للممكنات المتسلسلة التي هي علل ومعلولات ~~يتوقف على كل واحد من تلك الامور التي كل منها علة معلول فالاجتماع اولى ~~بالإمكان وابعد عن الوجوب ان قدر ان له حقيقة غير الآحاد # فثبت انه إذا قدر سلسلة العلل والمعلولات كل منها ممكن فلا بد لها من أمر ~~خارج عنها وهذا امر متفق عليه بين العقلاء وهو من اقوى العلوم اليقينة ~~والمعارف القطيعة # ولولا ان طوائف من متأخري النظار طولوا في ذلك وشكك فيه بعضهم كالامدى ~~والابهري لما بسطنا فيه الكلام # واصل هذا السؤال مبناه على ان المجموع ليس هو كل واحد واحد من الآحاد ms0554 إذا ~~المجموع مغاير لكل واحد من الآحاد فقد يقال هو واجب بكل واحد واحد من ~~الآحاد وحينئذ فالمجموع ممكن من جهة كونه مجموعا واجبا بالآحاد الممكنة لا ~~سيما وهؤلاء الفلاسفة الذين احتجوا بهذا هم واكثر الناس يقولون لا يجب في ~~كل جملة ان توصف بما يوصف به آحادها # قال ابن سينا ليس إذا صح على كل واحد حكمه صح PageV03P178 ~~على كل محصل وإلا لكان يصح ان يقال الكل من غير المتناهي يمكن ان يدخل في ~~الوجود لان كل واحد يمكن ان يدخل في الوجود فيحمل الإمكان على الكل كما حمل ~~على كل واحد # وكذلك قال السهروردي الحكم على الكل بما على كل واحد لا يجوز فإن كل ممكن ~~غير الحركة جائز وقوعه دفعة واحدة وليس كذلك الجميع وكل واحد من الضدين ~~ممكن في محل والكل معا غير ممكن # وهذا السؤال يجاب عنه بأوجه # أحدهما ان يقال نفس الاجتماع يمتنع ان يكون واجبا بنفسه بدون الاجزاء فإن ~~فساد هذا معلوم بالضرورة ولم يقله أحد كيف والاجتماع عرض يفتقر إلى محله ~~فإذا كان محل العرض غير واجب بنفسه كان العرض المفتقر إلى الممكن بنفسه ~~اولى ان يكون ممكنا غير واجب بنفسه وانما يتوهم وجوبه بالأجزاء الممكنة ~~وحينئذ فيكون ذلك الإجتماع ممكنا بنفسه واجبا بالأجزاء واذا كان ممكنا ~~بنفسه فنفس PageV03P179 ~~اجتماع الآحاد من جملة اجزاء المجموع فيقال المجموع هو الآحاد مع الهيئة ~~الاجتماعية وكل واحد من ذلك ممكن ليس واجبا بنفسه وحينئذ فلا يكون هنا ~~مجموع منفصل عن جميع الاجزاء فلو قيل وجب المجموع بالآحاد لكان قولا بوجوب ~~أحد الجزأين الممكنين بالاخر وهو وجوب الجزء الممكن بنفسه الذي هو الصورة ~~الاجتماعية بسائر الاجزاء التي كل منها ممكن بنفسه # واذا كان كذلك كان هذا مضمونه حصول أحد الممكنين بالاخر من غير شيء واجب بنفسه # ومن المعلوم ان المعلق بالممكن بنفسه اولى ان يكون ممكنا بنفسه والممكن ~~بنفسه لا يوجد إلا بغيره فيلزم ان لا يوجد واحد منهما على هذا التقدير ~~والتقدير ان الممكنات قد ms0555 وجدت فهمناك شيء خارج عن الممكنات وجدت به # الوجه الثاني بان يقال المجموع الذي هو هيئة اجتماعية نسبه واضافة بين ~~احاد الممكنات ليس هو جوهرا قائما بنفسه فيمتنع ان تكون واجبة بنفسها فإن ~~العرض مفتقر إلى غيره والنسبة من اضعف PageV03P180 ~~الأعراض وما كان مفتقرا إلى ممكن من الممكنات امتنع وجوبه بنفسه فالمفتقر ~~إلى كل واحد واحد من الممكنات أولى أن لا يكون واجبا بنفسه فإذا كان ~~الاجتماع ممكنا بنفسه وكل واحد من الممكنات ممكن بنفسه ولا يوجد شيء مما هو ~~ممكن بنفسه إلا بغيره لم يوجد شيء من ذلك إلا بغيره ويمتنع وجود الممكن ~~بمجرد ممكن فإن الممكن لا يوجد بنفسه فلا يوجد به غيره بطريق الأولى وهو ~~معنى قولهم المعلق بالممكن أولى أن يكون ممكنا # الوجه الثالث أن يقال المجموع إما أن يكون مغايرا لكل واحد واحد وإما أن ~~لا يكون فإن لم يكن مغايرا بطل هذا السؤال ولم يكن هناك مجموع غير الآحاد ~~الممكنة وإن كان مغايرا لها فهو معلول لها ومعلول الممكن أولى أن يكون ممكنا # وهذا معنى قول ابن سينا إن الجملة إذا لم تقتض علة أصلا أي لم تستلزم علة ~~تكون موجبة للجملة كانت واجبة غير معلولة وكيف يتأتى هذا وإنما تجب بآحادها ~~يقول هي لم تجب بنفسها وإنما وجبت بآحادها وما وجب بغيره لم يكن واجبا بنفسه # وإيضاح هذا بالكلام على عبارة الآمدي حيث قال هذا إشكال مشكل وربما يكون ~~عند غيري حله مع أنه يعظم ما يتكلم فيه PageV03P181 ~~من الكلام والفلسفة ويقول في خطبة كتابه أبكار الأفكار ما تقوله الفلاسفة ~~من أنه لما كان كمال كل شيء وتمامه بحصول كمالاته له كان كمال النفس ~~الإنسانية بحصول ما لها من الكمالات وهي الإحاطة بالمعقولات والعلم ~~بالمجهولات ولما كانت العلوم متكثرة والمعارف متعددة وكان الزمان لا يتسع ~~لتحصيل جملتها مع تقاصر الهمم وكثرة القواطع كان الواجب السعي في تحصيل ~~أكملها والإحاطة بأفضلها تقديما لما هو الأهم فالأهم وما الفائدة في معرفته ~~أتم ولا يخفى أن ms0556 أولى ما تترامى إليه بالبصر أبصار البصائر PageV03P182 ~~وتمتد نحوه اعناق الهمم والخواطر ما كان موضوعه احل الموضوعات وغايته اشرف ~~الغايات واليه مرجع العلوم الدينية ومستند النواميس الشرعية وبه صلاح ~~العالم ونظامه وحله وابرامه والطرق الموصلة اليه يقينيات والمسالك المرشدة ~~نحوه قطعيات # وذلك هو العلم الملقب بعلم الكلام الباحث في ذات واجب الوجود وصفاته ~~وافعاله ومتعلقاته ولما كنا مع ذلك قد حققنا اصوله ونقحنا فصوله واحطنا ~~بمعانيه واوضحنا مبانيه واظهرنا اغواره وكشفنا اسراره وفزنا فيه بقصب سبق ~~الأولين وحزنا غايات افكار المتقدمين والمتأخرين واستنزعنا منه خلاصة ~~الالباب وفصلنا القشر عن اللباب سألني بعض الاصحاب PageV03P183 ~~والفضلاء من الطلاب جمع كتاب لمسائل الاصول جامع لابكار افكار العقول # وذكر تمام الكلام فهو مع هذا الكلام ومع ما في كلامه من ذكر مباحث اهل ~~الفلسفة والكلام يذكر مثل هذا السؤال المشكل الوارد على طريقة معرفة واجب ~~الوجود الذي لم يذكر طريقا سواه ويذكر انه مشكل وليس عنده حله ولكن من عدل ~~عن الطرق الصحيحة الجلية القطيعة القريبة البينة إلى طرق طويلة بعيدة لم ~~يؤمن عليه مثل هذا الانقطاع كما فد نبه العلماء على ذلك غير مرة وذكروا ان ~~الطرق المبتدعة إما ان تكون مخطرة لطولها ودقتها واما ان تكون فاسدة ولكن ~~من سلك الطريق المخوقة وكانت طريقا صحيحة فإنه يرجى له الوصول إلى المطلوب # ولكن لما فعل هؤلاء ما فعلوا وصاروا يعارضون بمضمون طرقهم PageV03P184 ~~صحيح المنقول وصريح المعقول ويدعون ان لا معرفة إلا من طريقهم او لا يكون ~~عالما كاملا إلا من عرف طريقهم احتيج إلى تبين ما فيها دفعا لمن يحارب الله ~~ورسوله ويسعى في الارض فسادا وبيانا للطرق النافعة غير طريقهم وبيانا لان ~~اهل العلم والايمان عالمون بحقائق ما عندهم ليسوا عاجزين عن ذلك ولكن من ~~كان قادرا على قطع الطريق فترك ذلك ايمانا واحتسابا وطلبا للعدل والحق وجعل ~~قوته في الجهاد في اعداء الله ورسوله كان خيرا ممن جعل ما اوتيه من القوة ~~فيما يشبه قطع الطريق { وإذا قيل لهم لا تفسدوا ms0557 في الأرض قالوا إنما نحن ~~مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن ~~الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ~~وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~إنما نحن مستهزؤون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ~~صم بكم عمي فهم لا يرجعون أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون ~~أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين } PageV03P185 # فإن الهدى الذي بعث الله به رسوله لما كان فيه معنى الماء الذي يحصل به ~~الحياة ومعنى النور الذي يحصل به الاشراق ذكر هذين المثلين كما قال تعالى { ~~أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها } سورة الانعام 122 وكما ضرب المثل بهذا وهذا في ~~قوله تعالى { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا ~~رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال } سورة الرعد 17 وقال تعالى { ألم تر إلى ~~الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا ~~بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين ~~يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون ~~بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ~~فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } سورة النساء 60 63 # ومن اعظم المصائب ان يصاب الانسان ms0558 فيما لا سعادة له ولا نجاة له PageV03P186 ~~إلا به ويصاب في الطريق الذي يقول انه به يعرف ربه ويرد عليه فيه اشكال لا ~~ينحل له مع انه من كبر رؤوس طوائف اهل الكلام والفلسفة بل قد يقال انه لم ~~يكن في وقته مثله # والمقصود هنا ذكر عبارته في الاشكال الذي اورده وهو قوله ما المانع من ~~كون الجملة ممكنة الوجود ويكون ترجحها بترجح آحادها وترجح آحادها كل واحد ~~بالاخر إلى غير نهاية # فيقال له والامور التي شملها وجوب او إمكان او امتناع او غير ذلك ان لم ~~يكن هناك إلا مجرد شمول ذلك الوصف له من غير امر وجودى زائد على الآحاد ~~فليس اجتماعها زائدا على افرادها وان كان هناك اجتماع خاص كالتأليف الخاص ~~فهذا التأليف والاجتماع الخاص زائد على الأفراد وإذا كان كذلك فليس في مجرد ~~تقدير ممكنات شملها الإمكان ما يقتضي أن يكون اشتراكها في ذلك قدرا زائدا ~~على الآحاد كما أن العشرة المطلقة ليست قدرا زائدا على آحاد العشرة # لكن نحن نذكر التقسيمات الممكنة التي تخطر بالبال ليكون الدليل جامعا ~~فنقول إذا قال القائل في مثل المعلولات الممكنة PageV03P187 ~~الجملة معلولة بالآحاد فيقال له إما أن لا يكون هنا جملة غير الآحاد كما ~~ليس للعشرة جملة غير آحاد العشرة وإما أن تكون الجملة غير الآحاد كالشكل ~~المثلث فإن اجتماع الأضلاع الثلاثة غير وجودها مفترقة وكالعشرة المصفوفة ~~فإن اصطفافها غير العشرة المطلقة فإن كان الأول فالجملة هي الآحاد ~~المتعاقبة وكلها ممكن فالجملة كلها ممكنة # وإن كان الثاني فالجملة إما أن يراد بها الهيئة الاجتماعية دون أفرادها ~~وإما أن يراد بها الأفراد دون الاجتماع وإما أن يراد بها الأمران والأول هو ~~الذي أراده بالسؤال # لكن ذكرنا كل ما يمكن أن يقال فإذا قال الاجتماع ممكن وترجحه بالآحاد ~~المتعاقبة # قيل له فيكون الاجتماع معلول الآحاد وموجبها ومقتضاها والآحاد ممكنة ~~ومعلول الممكن أولى أن يكون ممكنا فيكون حينئذ كل من الآحاد ممكنا ونفس ~~الجملة ممكنة لكن هذا الممكن معلول تلك الممكنات وقد ms0559 علم أن الممكن لا يوجد ~~بنفسه فلا يكون شيء من تلك الآحاد موجودا بنفسه ولا الجملة موجودة بنفسها ~~فلا يكون PageV03P188 ~~في جميع ما ذكر ما يوجد بنفسه وما لا يوجد بنفسه إذا وجد فلا بد له من موجد # ومما يبين ذلك أن الجملة إذا قيل هي ممكنة معلولة الآحاد المتعاقبة كان ~~هناك ممكن زيد على تلك الممكنات فكأن الممكنات التي هي معلولات متعاقبة ~~زيدت معلولا آخر ومعلوم أنها بزيادة معلول آخر تكون أحوج إلى الواجب منها ~~لو لم تزد ذلك المعلول # ولو قيل إنها زيدت علة ممكنة لم يغن عنها شيئا فكيف إذا زيدت معلولا ممكنا # ومما يبين هذا أن الجملة قد تكون مقترنة وقد تكون متعاقبة فالمقترنة مثل ~~اجتماع أعضاء الإنسان واجتماع أبعاض الجسم المركب سواء كان لها ترتيب وضعي ~~كالجسم أو لم يكن كاجتماع الملائكة والناس والجن والبهائم وغير ذلك # وأما المتعاقبة فمثل تعاقب الحوادث كاليوم والأمس والولد مع الوالد ونحو ذلك # والجملة المقترنة أحق بالاجتماع مما تعاقبت أفرادها فإن ما PageV03P189 ~~تعاقبت أفراده قد يقال إنه ليس بموجود لأن الماضي معدوم والمستقبل معدوم ~~ولهذا جوز من جوز عدم التناهي في هذا دون ذاك وفرق من فرق بين الماضي ~~والمستقبل لأن الماضي دخل في الوجود بخلاف المستقبل وفرق قائل ثالث بين ~~ماله اجتماع وترتيب كالجسم وبين ما فقد أحدهما كالنفوس والحركات # وإذا كان كذلك فإذا قال القائل الجملة ممكنة وهي معلولة الآحاد فلو كانت ~~الجملة هنا مقترنة مجتمعة في زمان واحد لكان الأمر فيها أظهر من المتعاقبة ~~التي لا اقتران لآحادها ولا اجتماع لها في زمن واحد والعلل والمعلولات لا ~~تكون إلا مجتمعة لا تكون متعاقبة # لكن المقصود أن ما يذكره يشمل القسمين فلو قدر أنها متعاقبة لكان ذلك يشملها # والآمدي جعل العمدة في نفي تناهي العلل والمعلولات على أنه قال والأقرب ~~في ذلك أن يقال لو كانت العلل والمعلولات غير متناهية وكل واحد منها ممكن ~~على ما وقع به الغرض فهي إما متعاقبة PageV03P190 ~~وإما معا فإن قيل بالأول ms0560 فقد أبطل بثلاثة أوجه ثم زيفها وقال والأقرب في ~~ذلك أن يقال لو كانت العلل والمعلولات متعاقبة فكل واحد منها حادث لا محالة ~~وعند ذلك فلا يخلو ما أن يقال بوجود شيء منها في الأزل أو لا وجود لشيء ~~منها في الأزل فإن كان الأول فهو ممتنع لأن الأزلي لا يكون مسبوقا بالعدم ~~والحادث مسبوق بالعدم وإن كان الثاني فجملة العلل والمعلولات مسبوقة بالعدم ~~ويلزم من ذلك أن يكون لها ابتداء ونهاية وما له ابتداء ونهاية فهو متوقف ~~على سبق غيره عليه وأما إن كانت العلل والمعلولات المفروضة موجودة معا # ثم ساق الدليل كما حكيناه عنه وهذه التقاسيم والتطويل لا يحتاج إليها وهي ~~باطلة في نفسها فزاد في الدليل ما يستغني عنه ويكون توقف الدليل عليه مبطلا ~~له إذا لم يبطل إلا بما ذكره # وهذا كثيرا ما يقع في كلام أهل الكلام المذموم يطولون في الحدود PageV03P191 ~~والأدلة بما لا يحتاج التعريف والبيان إليه ثم يكون ما طولوا به به مانعا ~~من التعريف والبيان فيكونون مثل من يريد الحج من الشام فيذهب إلى الهند ~~ليحج من هناك فينقطع عليه الطريق فلم يصل إلى مكة # وبيان ذلك بوجوه # أحدها أن يقال ما ذكره من الدليل على امتناع علل ومعلولات مجتمعة يتناول ~~العلل والمعلولات مطلقا سواء كانت متعاقبة أو لم تكن وإذا كان دليل ~~الامتناع يعم القسمين فلا حاجة إلى التقسيم ولكن زيادة هذا القسم كزيادة ~~القسم فيما ذكره بعد ذلك حيث قال وان كانت العلل والمعلولات معا فالنظر إلى ~~الجملة غير النظر إلى كل من الآحاد وحينئذ فالجملة إما ان تكون واجبة واما ~~ان تكون ممكنة وهذا لا يحتاج اليه ايضا فإنه قد ذكر ان الآحاد ممكنة مفتقرة ~~إلى الواجب فبتقدير ان لا تكون الجملة زائدة على الآحاد يكون الأمر أقرب PageV03P192 # وهو بعد هذا قد أورد انه لا يلزم من كون الأفراد ممكنة كون الجملة ممكنة ~~وأجاب عن ذلك بأن هذا ساقط وهذا السؤال والجواب كاف عن ذلك التطويل بزيادة ~~قسم لا ms0561 يحتاج اليه لكن هذا القسم وان لم يحتج اليه فإنه لم يضره بخلاف ما ~~ذكره من زيادة تعاقب العلل فإنه زيادة أفسد بها دليله مع استغناء الدليل عنها # وذلك يظهر بالوجه الثاني وهو أنه قال لو كانت العلل والمعلولات متعاقبة ~~فكل واحد منها حادث لا محالة فيلزم ان تكون الأولى حادثة او تكون كلها ~~حادثة مسبوقة بالعدم وهذا قد استدل به طائفة من أهل الكلام على امتناع ~~حوادث لا تتناهى # وقد تقدم الاعتراض عليه وبين الفرق بين ما هو حادث بالنوع وحادث بالشخص ~~وان ما كان لم تزل آحاده متعاقبة كان كل منها بمنزلة الآخر وكل منها مسبوق ~~بالعدم وليس النوع مسبوقا بالعدم # وقول القائل الازلي لا يكون مسبوقا بالعدم لفظ مجمل # فإن أراد به ان الواحد الذي هو بعينه أزلي لا يكون مسبوقا PageV03P193 ~~بالعدم فهذا صحيح وليس الكلام فيه وان اراد ان النوع الازلي الابدي الذي لم ~~يزل ولا يزال لا يكون مسبوقا بالعدم فهذا محل النزاع # فقد صادر على المطلوب بتغيير العبارة وكأنه قال لا يمكن دوام الحوادث كما ~~لو قال الابدي لا يكون منقطعا وكل من أفراد المستقبلات منقطع فلا تكون ~~المستقبلات ابدية # فيقال النوع هو الابدي ليس كل واحد أبديا كذلك يقال في الماضي وهذا ~~الكلام قد بسط في غير هذا الموضع # الوجه الثالث ان يقال هذه المقدمة فيها نزاع مشهور بين العقلاء ولعل أكثر ~~الأمم من أهل الملل والفلاسفة ينازع فيها وأما وجود علل ومعلولات لا نهاية ~~لها فلم يتنازع فيها أحد من العقلاء المعروفين # فلو قدر ان تلك المقدمة المتنازع فيها صحيحة لكان تقدير المقدمة المجمع ~~عليها بمقدمة متنازع فيها خلاف ما ينبغي في التعليم والبيان والاستدلال لا ~~سيما وليست اوضح منها ولا لها دليل يخصها فإنه ربما ذكرت المقدمة المتنازع ~~فيها لاختصاصها بدليل أو وضوح ونحو ذلك وأما بدون ذلك فهو خلاف الصواب في ~~الاستدلال PageV03P194 # الوجه الرابع ان الغزالي سلك مسلكا في تعجيز الفلاسفة عن إثبات الصانع ~~بأن قال دليلكم مبني على نفي ms0562 التناهي عن العلل والمعلولات قال وأنتم لا ~~يمكنكم ذلك مع اثباتكم حوادث لا تتناهى فإن ما تذكرونه من دليل نفي النهاية ~~في العلل يلزم مثله في الحوادث وما تذكرونه مما يسوغ وجود حوادث لا تتناهى ~~يلزمكم نظيره في العلل # وهذا الذي قاله وان كان قد استدركه من استدركه عليه لكن هو أجود مما فعله ~~الامدي فإن مقصوده الزامهم أحد أمرين إما عدم إثبات الواجب واما الإقرار ~~بحدوث العالم وبين ان إثبات الصانع معلول بإثبات الحوادث وان افتقار المحدث ~~إلى المحدث امر ضروري فهذا خير من ان يجعل إثبات الصانع موقوفا على تقسيمها ~~إلى التعاقب والاقتران وان العلل المتعاقبة لا يمكن ابطالها إلا بالتسوية ~~بين امتناع كون الحادث المعين دائما لم يزل وكون نوع الحوادث دائما لم يزل ~~فإن هذا فيه من التطويل ووقف العلم بالصانع على مثل هذه المقدمة ما لا يخفى # الوجه الخامس ان الدليل الذي ذكره غايته ان يثبت ان الحوادث PageV03P195 ~~لها ابتداء إذ لو كانت العلل متعاقبة محدثة وللحوادث أول لزم ان يكون ~~للحادث أول وهذا غايته ان يكون بمنزلة إثبات حدوث العالم # وهو وأمثاله مع كونهم يحتجون على حدوث العالم فلم يقولوا ان المحدث لا بد ~~له من محدث كما هو قول الجمهور ولا أثبتوا ذلك بأن الحدوث مخصص بوقت دون ~~وقت فيفتقر إلى مخصص كما فعله كثير من أهل الكلام بل ولا بأن الممكن يفتقر ~~إلى المرجح لوجوده بل قالوا المحدث ممكن والممكن لا يترجح أحد طرفيه على ~~الآخر إلا بمرجح ثم اوردوا جواز التسلسل في العلل واجابوا عن ذلك # فإذا كان الجواب عن ذلك لا يتم إلا بإثبات حدوث العلل كان غايتهم ان ~~يثبتوا افتقار الممكن إلى علة حادثة فهم بعد ذلك ان قالوا والمحدث لا بد له ~~من محدث كانوا قد قالوا حقا لكن طولوا بذكر تقسيمات لا فائدة فيها بل تضعف ~~الدليل وكانوا مستغنين عنها في الاول وان لم يقولوا والمحدث لا بد له من ~~محدث لم يكن ما ذكروه نافعا فإن ms0563 مجرد حدوث العلة ان لم يستلزم وجود المحدث ~~لم يثبت واجب الوجود PageV03P196 # فتبين ان ما سلكوه إما ان لا يفيد او يكون فيه من التطويل والتعقيد ما ~~يضر ولا ينفع ومع هذا فمثل هذا التطويل والتعقيد قد يكون فيه منفعة لمن ~~يسفسط ويعاند ولمن لا تنقاد نفسه إلا بمثل ذلك كما قد نبهنا عليه في غير ~~هذا الموضع # ومضمون ما ذكروه دور في الاستدلال فلا يكون استدلالا صحيحا فإنه إذا قدر ~~علل ومعلولات متعاقبة وأثبت امتناع ذلك لأن الحادث لا يكون أزليا لزم ان ~~هذه العلل محدثة # فيقال له فلم لا يجوز ان يكون استناد الممكنات إلى علل محدثة فلا بد ان ~~يقول على طريقته ان المحدث ممكن والممكن يفتقر إلى علة وعلته لا تكون محدثة ~~فيكون حقيقة كلامه المحدث يفتقر إلى محدث لان المحدث يفتقر إلى محدث إذ كان ~~حقيقة ما يقوله ان المحدث لا بد له من علة لأنه ممكن فيفتقر إلى مرجح ~~ومرجحه لا يكون محدثا لأن المحدث ممكن لا بد له من علة # وإن غير العبارة فقال هذا الممكن لا بد له من علة والعلة لا تكون ممكنة ~~لأن الممكن لا بد له من علة كان قد قال الممكن له علة لأن الممكن له علة ~~وكل ذلك إثبات الشيء بنفسه PageV03P197 # والمقصود هنا أن ما ذكر من امتناع التسلسل في العلل يشمل ما إذا قدرت ~~متعاقبة كما إذا قدرت مقترنة وأنه حينئذ يكون الاجتماع معلولا للأفراد واذا ~~كان كل من الأفراد ممكنا لا يوجد بنفسه والاجتماع معلولا لها كان أولى ان ~~يكون ممكنا لا يوجد بنفسه ولا يوجد ممكن بممكن لا موجد له فإن ما لم يوجد ~~نفسه أولى ان لا يوجد غيره فإذا لم يكن في الآحاد ما يوجد نفسه كان أولى ان ~~لا يوجد غيره لا الجملة ولا غيرها من الآحاد # يبين هذا ان الممكن لا يوجد بنفسه بل لا يوجد إلا بغيره فإذا قدر ان ثم ~~ممكنات موجودة سواء كانت عللا أو لم تكن ms0564 وسواء كانت متناهية أو غير متناهية ~~لم يكن فيها شيء وجد بنفسه فإذا كان المجموع لا يوجد إلا بها وليس فيها شيء ~~موجود بنفسه لم يكن في جميع ما ذكر ما يوجد بنفسه لا جملة ولا تفصيلا واذا ~~وجد ما لا يوجد بنفسه لم يوجد إلا بغيره # إلا ترى انه لو قال الحوادث لا توجد بنفسها لم يكن فرق بين الحوادث التي ~~لها نهاية والتي لا نهاية لها بل كل من الحوادث التي لا تتناهى لا يوجد ~~بنفسه بل لا بد له من محدث # والذهن إذا قدر ممكنات محصورة ومحدثات محصورة ليس لها PageV03P198 ~~محدث ولا مبدع علم امتناع ذلك فإذا قدرها لا تتناهى لم تكن هذه الحال توجب ~~استغناءها عن المحدث المبدع وتجعلها غنية عن مبدع خارج عنها بل كلما كثر ~~ذلك كان أولى بالحاجة إلى المبدع فما لا يوجد بنفسه إذا ضم اليه ما لا يوجد ~~بنفسه مرات متناهية او غير متناهية كان ذلك مثل ضم المعدومات بعضها إلى بعض ~~وذلك لا يغني عنها شيئا بل المعدومات لا تفتقر حال عدمها إلى فاعل وأما هذه ~~التي لا بد لها من فاعل إذا كثرت كان احتياجها إلى الفاعل أوكد وأقوى ~~وتسلسل الممكنات لا يخرجها عن طبيعة الإمكان الموجب لفقرها إلى المبدع كما ~~ان طبيعة الحدوث لا تخرج المحدثات عن طبيعة الحدوث الموجبة لفقرها إلى الفاعل # ومن جوز تسلسل الحوادث وقال كل منها حادث والنوع ليس بحادث لا يمكنه ان ~~يقول كل من الممكنات ممكن والجملة ليست ممكنة كما لا يمكنه ان يقول كل من ~~الموجودات موجود والجملة ليست موجودة ولا يقول كل من الممتنعات ممتنع ~~والجملة ليست ممتنعة بل الامتناع لجملة الممتنعات اولى منه لآحادها وكذلك ~~الإمكان لجملة الممكنات اولى منه لآحادها والفقر إلى الصانع الذي يستلزمه ~~الإمكان لجملة الممكنات أولى منه لآحادها وأما الوجود لجملة الموجودات فليس ~~هو أولى منه لآحادها PageV03P199 # وان قيل هو واجب للجملة وذلك ان جملة الموجودات موقوفة على وجود كل منها ~~بخلاف وجود الواحد منها ms0565 فإنها لا تتوقف على وجود الجملة وأما الممتنعات ~~فامتناع جملتها ليس موقوفا على امتناع كل منها بل كل منها ممتنع لذاته ~~فامتناع الجملة لذاتها أولى وأحرى اللهم إلا ان يكون الامتناع مشروطا ~~بأفرادها كالمتلازمين اللذين يمتنع وجود أحدهما دون الآخر ولا يمتنع ~~اجتماعهما # وكذلك الممكنات إذا كان كل منها ممكنا لذاته بحيث يفتقر إلى الفاعل ولا ~~يوجد بنفسه فليس إمكان كل منها مشروطا بالاخر ولا معلقا به ولا لامكان هذا ~~تأثير في إمكان هذا كما في الامتناع بخلاف الموجودات فإنه قد يكون وجود أحد ~~الامرين إما مشروطا واما علة للاخر بخلاف ما إذا قدر موجودات واجبة بأنفسها ~~فإنه حينئذ لا يكون وجود بعضها موقوفا على وجود البعض وأما ما هو ممكن ~~بنفسه أو ممتنع بنفسه فليس امكانه وامتناعه مشروطا بغيره بل نفس تصور ~~حقيقته يوجب العلم بامتناعه وامكانه # وحينئذ فكلما كثر افراد هذه الحقيقة كان العلم بامتناعها او امكانها PageV03P200 ~~أكثر والعلم بامتناع الجملة او امكانها أولى وأحرى ولو قدرنا واجبات ~~بأنفسها غنية عن الغير بحيث لا يكون بعضها شرطا في البعض لكانت الجملة ~~واجبة ولم يكن وجوبها بدون وجوب الآحاد وامتنع ان يقال الجملة ممتنعة او ~~ممكنة مع وجوب كل من الآحاد بنفسه وجوبا لا يقف فيه على غيره # فتبين انه إذا كان من الامور ما هو ممكن في نفسه لا يقف امكانه على غيره ~~ومعنى امكانه أنه لا يستحق بنفسه وجودا ويمتنع وجوده بنفسه وهو بالنظر إلى ~~نفسه فقير محض أي الفقر الذاتي الذي يمتنع معه غناه بنفسه وسواء قلنا ان ~~عدمه لا يفتقر إلى مرجح او قلنا ان عدمه لعدم المرجح وقدرنا عدم المرجح فهو ~~في الموضعين لا يستحق إلا العدم لا يستحق وجودا أصلا # فكثرة مثل هذا وتقدير ما لا يتناهى من هذا الضرب لا يقتضي حصول وجود له ~~او غنى في وجوده عن غيره ولا وجود بعض هذه الامور ببعض فإن كثرة هذه الامور ~~التي لا تستحق إلا العدم توجب كثرة استحقاقها للعدم وكثرة افتقارها إلى ms0566 ~~موجد يكون موجودا بنفسه # فإذا قدر امور لا نهاية لها ليس فيها شيء يستحق الوجود كان قول القائل ان ~~بعضها يوجد بعضا في غاية الجهل فإن ما لا يستحق في نفسه ان يكون موجودا كيف ~~يستحق ان يكون موجدا PageV03P201 ~~لغيره وكيف يكون وجوده بوجود ما هو مساو له في أنه لا يستحق الوجود # يبين هذا أنه إذا كان هذا لا يستحق الوجود وهذا لا يستحق الوجود لم يكن ~~جعل هذا علة والآخر معلولا بأولى من العكس فإن شرط الفاعل أن يكون موجودا ~~فإذا لم يكن موجودا امتنع أن يكون فاعلا وكل منهما لا يستحق أن يكون موجودا ~~فلا يكون فاعلا # وإذا قال إن أحد هذين وجد بالآخر فهذا إنما يعقل إذا كان الآخر موجودا ~~وذاك الآخر لا يكون موجودا بنفسه لا يكون موجودا إلا بغيره وذلك الغير الذي ~~يفتقر إليه الممكن ليس هو أي غير كان بل لا بد من غير يحصل به وجوده ووجوده ~~بحيث يستغنى به عما سواه فذلك الغير الذي يفتقر إليه الممكن من شرطه أن ~~يكون مستقلا بإبداع الممكن لا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه فمتى قدر أنه ~~محتاج إلى غيره كان الممكن محتاجا إلى هذا الغير وإلى هذا الغير فلا يحصل ~~وجوده بأحد الغيرين بل لا بد منهما وكذلك لو قدر من الأغيار ما يقدر فلا بد ~~أن يكون ما يفتقر إليه الممكن غير محتاج إلى غيره بوجه من الوجوه وليس في ~~الممكنات ما هو بهذا الشرط بل كل منها يحتاج إلى غيره فلو قدر أن الممكن ~~يوجد بممكن إلى نهاية أو غير نهاية والجملة PageV03P202 ~~الممكنة توجد بالأفراد لكان الغير الذي يفتقر إليه الممكن محتاجا إلى غيره ~~مع أن كلا من المحتاجين لا يغني عن نفسه شيئا أصلا البتة # يزيد هذا إيضاحا أن الممكن مع عدم المقتضى التام يكون ممتنعا لا ممكنا ~~وأعني بالمقتضى التام الذي يلزم من وجوده وجود المقتضى لكن يكون ممتنعا ~~لغيره فإذا كان كل من الممكنات له علة ممكنة والعلة ms0567 الممكنة ليست مقتضيا ~~تاما فإنها لا توجد إلا بغيرها إذ الممكن مفتقر إلى غيره فوجوده مجردا عن ~~مقتضيه ممتنع فضلا عن أن يكون مقتضيا لغيره فإذا لم يكن مع شيء من الممكنات ~~مقتض تام كان كل منها ممتنعا وتقدير ممتنعات لا نهاية لها يوجب قوة ~~امتناعها ويمتنع مع ذلك أن تكون جملتها ممكنة فضلا عن أن تكون واجبة فتبين ~~بذلك أن جملة العلل الممكنات التي لا تتناهى جملة ممتنعة فامتنع أن يقال هي ~~موجودة معلولة للأفراد لأن الممتنع لا يكون موجودا لا معلولا ولا غير معلول # يبين ذلك أن تقدير معلول لا علة له ممتنع والممكن الموجود معلول لغيره ~~فإذا قدر علل ممكنة لا تتناهى كان كل منها معلولا فقد قدر معلولات لا ~~تتناهى ومن المعلوم بالضرورة أن وجود معلولات لا تتناهى لا يقتضي استغناءها ~~عن العلة وإذا قيل إن الجملة معلولة للآحاد فقد ضم معلول إلى معلولات لا ~~تتناهى وذلك لا يقتضى استغناءها عن العلة PageV03P203 # فتبين أن من توهم كون العلل الممكنة التي لا تتناهى التي هي معلولات لا ~~تتناهى يمكن أن يكون لها معلول لا يتناهى فإنما قدر ثبوت معلولات لا تتناهى ~~ليس فيها علة وإذا كانت المعلولات المتناهية لا بد لها من علة فالمعلولات ~~التي لا تتناهى أولى بذلك فإن طبيعة المعلول تستلزم الافتقار إلى العلة ~~وهذا يظهر باعتبار المعاني التي يوصف بها الممكن فإنه معلول مفتقر مبدع ~~مصنوع مدبر مفعول لا يوجد بنفسه لا يستحق الوجود فإذا قدر واحد من هذا ~~النوع كان ذلك مستلزما لعلته وموجبه وصانعه وفاعله ومبدعه وإذا قدر اثنان ~~كان الاستلزام أعظم وإذا قدر ما لا يتناهى كان الاستلزام أعظم فإنه إذا كان ~~الواحد منها بدون الواجب ممتنعا فالاثنان ممتنع وممتنع وتقدير ما لا يتناهى ~~من هذا تقدير ممتنعات لا تتناهى # وإن قيل إن وجود الواحد منها يستلزم وجود الواجب فتقدير PageV03P204 ~~اثنين أولى أن يستلزم وجود الصانع ولو أمكن وجود ما لا يتناهى من العلل ~~الممكنة كان ذلك أعظم في امتناعها فكيف ms0568 بما يتناهى كما يقدر من يقدر أن ~~العقل الأول أبدع الثاني والثاني أبدع الثالث وفلكه إلى العاشر المبدع لما ~~تحت الفلك وإذا قدر ما لا يتناهى كان الاستلزام أعظم # فتبين أنه كلما كثرت الممكنات وتسلسلت كان ذلك أعظم في دلالتها على ثبوت ~~الواجب واستلزامها له والإنسان قد يتوهم إذا فرض علل هي معلولات لا تتناهى ~~وتوهم أن العلة تكون وحدها مؤثرة في المعلول أو مقتضية له أو موجبة فهذا ~~ممتنع فإن العلة إذا كانت معلولة لزم أنها لا تقوم بنفسها بل تفتقر إلى ~~غيرها فالمعلول المفتقر إليها مفتقر إلى علة علتها التي هي مفتقرة إليه ~~فيكون معلولها كما أنه مفتقر إليها فهو مفتقر إلى كل ما هي مفتقرة إليه ~~فإذا قدر من ذلك ما لا يتناهى قدر أنه محتاج إلى أمور لا تتناهى وليس فيها ~~ما هو موجود بنفسه ولا غنى عن غيره PageV03P205 # ومن المعلوم أنه كلما كثرت الأمور المشروطة في وجود الموجود كان وجوده ~~موقوفا عليها كلها وكان أبعد عن الوجود من الموجود الذي لا يتوقف وجوده إلا ~~على بعض تلك الأمور فإذا كان الممكن لا يوجد بعلة واحدة ممكنة بل يمتنع ~~وجوده بها فإذا كثرت العلل الممكنة التي يتوقف وجوده عليها كان وجوده أعظم ~~في الامتناع وأبعد عن الجواز وإذا كانت الممكنات قد وجدت فقد وجد قطعا مقتض ~~لها مستغن عن غيره وكلما تدبر المتدبر هذه المعاني ازداد لها تبينا وعلم أن ~~كل ما يقدر وجوده من الممكنات فإنه دال على الواجب الغني بنفسه عن كل ممكن ~~مباين له # ومن العجب أن هؤلاء يذكرون في إثبات واجب الوجود من الشبهات ما يذكرون ~~وإن كانوا يجيبون عنها ثم إذا أخذوا وجوده إما مبرهنا وإما مسلما وصفوه من ~~الصفات السلبية بأمور لم يدل عليها ما دل على وجوده بل يصفونه بما يمتنع ~~معه وجوده حتى يعلم أن ما وصفوا به واجب الوجود لا يكون إلا ممتنع الوجود ~~كما قد بسط في غير هذا الموضع ولا يذكرون من القوادح المعارضة لتلك ms0569 السلوب ~~بعض ما يذكرونه في إثبات وجوده وإن توهموا بطلانها مع أن تلك المعارضات PageV03P206 ~~هي صحيحة قادحة فيما ينفي صفاته بل الشيطان يلقى إليهم من الشبهات القادحة ~~في الحق ما لو حصل لهم نظير من الأمور القادحة في الباطل لما اعتقدوه # فهذا كله إذا أريد بالجملة الاجتماع المغاير لكل واحد واحد وإن أريد بها ~~كل واحد واحد كان الأمر أظهر وأبين فإن كل واحد واحد ممكن مفتقر إلى الفاعل ~~فإذا لم يكن هناك جملة غير الآحاد امتنع أن يكون هناك غير الآحاد الممكنة ~~مما يوصف بوجوب أو إمكان # وإن أريد بالجملة مجموع الأمرين الآحاد والاجتماع كان الاجتماع جزءا من ~~أجزاء المجموع فيكون هناك أجزاء متعاقبة وجزء هو الاجتماع وهذا الجزء يمتنع ~~أن يكون واجبا بنفسه لأنه مفتقر إلى الممكنات ولأنه عرض قائم بغيره وأحسن ~~أحواله أن يكون كالتأليف مع المؤلف فإذا كان المؤلف ممكنا بنفسه فتأليفه ~~أولى بل قد يقال ليس للجملة هنا أمر وجودي مغاير للأفراد المتعاقبة وإنما ~~لها أمر نسبي اعتباري كالنسبة التي بين أفراد العشرة وهذا وغيره مما يبين ~~امتناع وجوبها بنفسها فيبقى هذا الجزء ممكنا بنفسه فقيرا إلى غيره كسائر ~~الأجزاء فيكون حينئذ هناك ممكنات كل منها محتاج إلى الموجد فيحتاج كل منها ~~إلى الموجد والجملة هنا داخل في قولنا كل منها فإنه جزء من هذا الكل PageV03P207 # فتبين أنه كيفما أدير الأمر ليس في الممكنات المتعاقبة لا واجب بنفسه ولا ~~بغيره إلا أن يكون هناك واجب بنفسه خارج عن الممكنات إذا كان كل فرد فرد ~~ممكنا والاجتماع أيضا ممكن بطريق الأولى والأمران ممكنان بطريق الأولى ~~والأحرى وكل من الأفراد مستغن عن الهيئة الاجتماعية فإنه موجود بدونها وما ~~احتاج إلى الممكن المستغن عنه كان أحق بالإمكان # وإيضاح ذلك أنه إذا قدر كل موجود معلول مفعول مفتقر وليس في الوجود إلا ~~ما هو كذلك كما إذا قدر أن الممكنات ليس لها مقتض واجب بنفسه فإنه يكون ~~الأمر كذلك وإن لم يجعل بعضها معلولا لبعض فهذا التقدير يقتضي أن ms0570 لا يوجد ~~شيء منها لأنها لا توجد بأنفسها إذ التقدير كذلك وما لم يكن موجودا بنفسه ~~فهو أولى أن لا يوجد غيره فلا يكون شيء منها موجودا بنفسه ولا موجودا بغيره ~~ومعلوم أن الموجود إما موجود بنفسه وإما موجود بغيره فإذا قدر أنها موجودة ~~وقدر مع ذلك أنها لا موجودة بأنفسها ولا بموجود أوجدها لزم الجمع بين ~~النقيضين ولو قدر تسلسلها فتسلسلها لا يوجب أن يكون شيء منها موجودا بنفسه ~~فلا يقتضي أن يكون موجدا لغيره والمعدوم لا يوجد غيره فإذا لم يكن فيها ما ~~هو موجود بنفسه لم يكن فيها ما هو PageV03P208 ~~موجد لغيره وهذا أعظم امتناعا من تقدير أفعال لا فاعل لها وحوادث لا محدث ~~لها فإن تلك يكون التقدير فيها أنها وجدت بأنفسها والتقدير هنا أنها لم ~~توجد بأنفسها ولا هناك ما هو موجود بنفسه يوجدها ولا هناك غير موجود يوجدها ~~وإنما التقدير معلولات مفتقرات والمعلول من حيث هو معلول والمفتقر من حيث ~~هو مفتقر ليس فيه ما يقتضي وجوده واذا لم يكن لها وجود ولا لمقتضيها وجود ~~لزم انتفاء الوجود عنها كلها وهذا مع كونها موجودة جمع بين النقيضين # وهذا كلام محقق وتنبيه للإنسان بأن يعلم ان مجرد تقدير معلولات ممكنة لا ~~هي موجودة بنفسها ولا فيها علة موجودة بنفسها لا يقتضي وجود ذلك في الخارج ~~فليس كل ما قدرته الاذهان امكن وجوده في الاعيان لا سيما مع سلب الوجود ~~عنها من نفسها ومن موجد يوجدها واذا قدر ان المعلول الممكن له علة ممكنة ~~فهي أيضا معدومة من تلقاء نفسها فليس فيما قدر قط شيء موجود فمن اين يحصل ~~لها الوجود PageV03P209 ### | AUTO فصل # وقد أورد الابهري ومن اتبعه على هذه الحجة المذكورة لقطع التسلسل في ~~العلل اعتراضا زعم انه يبين ضعفها فقال في كلامه على ملخص الرازي وغيره قول ~~القائل مجموع تلك العلل الممكنة يحتاج إلى كل واحد منها الخ قلنا لم لا ~~يجوز ان يكون المؤثر في ذلك المجموع واحدا منها إما قوله بان ذلك ms0571 لا يكون ~~علة لنفسه ولا لما قبله فلا يكون علة للمجموع قلنا لا نسلم وانما يلزم أن ~~لو كان علة المجموع علة لكل واحدة من أجزائه فلم قلتم إنه كذلك وهذا لان ~~الشيء جاز ان يكون علة للمجموع من هو حيث مجموع فلا يكون علة لكل واحد من ~~اجزائه فان الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات وليس علة لكل واحد من اجزائه ~~لاستحالة كونه علة لنفسه لا يقال بأن مجموع تلك العلل المتسلسلة ممكن وكل ~~ممكن فهو مفتقر إلى علة خارجية فذلك المجموع افتقر إلى علة خارجية عنه لانا ~~نقول لا نسلم ان كل ممكن فهو محتاج إلى علة خارجية عنه فإن المجموع المركب ~~من الواجب والممكن ممكن لافتقاره إلى الممكن وليس مفتقرا إلى علة خارجية ~~عنه لا يقال بأن المجموع المركب من آحاد كل واحد منها ممكن محتاج إلى علة ~~خارجية لانا PageV03P210 ~~نقول لا نسلم وانما يكون كذلك ان لو لم يكن كل واحد منها معلولا لاخر إلى ~~غير النهاية لا يقال ان جملة ما يفتقر اليه المجموع إما ان يكون نفس ~~المجموع او داخلا فيه او خارجا عنه والاول محال وألا لكان الشيء علة نفسه ~~والثاني محال وألا لكان بعض الاجزاء كافيا في المجموع والثالث حق قلنا ان ~~اردتم بجملة ما يفتقر اليه المجموع جملة الامور التي يصدق على كل واحد منها ~~انه مفتقر اليه فلم قلتم بأنه لا يجوز ان يكون هو نفس المجموع والذي يدل ~~عليه ان جملة الامور التي يفتقر اليها الواجب والممكن ليس داخلا في المجموع ~~لتوقفه على كل جزء منه ولا خارجا عنه فهو نفس المجموع وان اردتم العلة ~~الفاعلية فلم قلتم انه يلزم ان يكون بعض الاجزاء كافيا في المجموع واذا كان ~~المجموع ممكنا في نفسه فهو مفتقر إلى غيره فما يفتقر اليه المجموع إما ان ~~يكون هو المجموع او داخلا فيه او خارجا منه والاول محال وألا لكان الشيء ~~علة لنفسه والثاني محال وألا لكان بعض الاجزاء كافيا في المجموع لان ~~المجموع ms0572 إذا كان ممكنا وانما يفتقر إلى البعض لزم ان يكون البعض هو المقتضي ~~للمجموع فليلزم ان يكون مقتضيا لنفسه ولعلته وان كان ما PageV03P211 ~~يفتقر اليه المجموع خارجا عن المجموع فهو المطلوب وهذا التحرير يوجب ان ~~يكون البعض علة فاعلة للمجموع والعلة الفاعلة كافية للمجموع # وقوله ان اردتم بجملة ما يفتقر اليه المجموع جملة الامور التي يصدق على ~~كل واحد منها انه مفتقر اليه فلم قلتم بأنه لا يجوز ان يكون هو نفس المجموع # فيقال له لأن المجموع إن لم يكن زائدا على تلك الأمور التي كل منها معلول ~~فليس هنا مجموع غير المعلولات والمعلولات التي لا يوجد شيء منها بنفسه بل ~~لا بد له من موجد موجود إذا لم يكن فيها موجد موجود وامتنع أن يكون مجموعها ~~حاصلا بمجموعها وإن كان المجموع معلولا لها فهو أولى بالافتقار وهذا أمر ~~معلوم بالضرورة وما قدح فيه كان قدحا في الضروريات فلا يسمع # الوجه الثالث الجواب عن معارضته وهو قوله إن جملة الأمور التي يتوقف ~~عليها الواجب والممكن ليس داخلا في المجموع لتوقفه على كل جزء منه ولا ~~خارجا عنه فهو نفس المجموع # وملخص هذا الكلام أن مجموع الموجودات ليس متوقفا على بعض الأجزاء لتوقفه ~~على الجميع ولا متوقفا على ما خرج عن المجموع فالمجموع متوقف على المجموع PageV03P212 # فيقال له هذا يناقض ما ذكرتم أولا من أن المؤثر في مجموع الموجودات واحد ~~منها وزعمت أن هذا معارضة لقولهم مجموع الممكنات لا يجوز أن يكون المؤثر ~~فيها واحدا وإذا كان هذا يناقض ذاك فإما أن تقول المؤثر في المجموع جزؤه أو ~~المؤثر فيه هو المجموع فإن قلت إنه جزؤه بطل هذا الاعتراض وسلم هذا الدليل ~~الدال على امتناع معلولات ممكنة ليس لها علة واجبة وبذلك يحصل المقصود من ~~إثبات واجب الوجود وإن قلت إن المؤثر هو المجموع بطل اعتراضك على ذلك ~~الدليل وسلم ذلك الدليل عن المعارضة فحصل به المقصود # الوجه الرابع أن يقال قولك جملة الأمور أو مجموع الأمور الذي يفتقر إليه ~~الواجب ms0573 والممكن ليس داخلا في المجموع يتضمن أن مجموع الموجودات يفتقر إلى ~~أمر من الأمور وانت لم تذكر على ذلك دليلا فلم قلت إن مجموع الموجودات ~~يفتقر إلى أمر وأولئك إنما ادعوا أن مجموع الممكنات يفتقر إلى أمر من ~~الأمور وهذا معلوم بأدلة متعددة بل بالضرورة وما ذكرته ليس بمعلوم # الوجه الخامس أن يقال مجموع الموجود المتضمن للواجب PageV03P213 ~~لا يقبل العدم وما لا يقبل العدم فليس بممكن وما ليس بممكن فهو واجب ~~فالمجموع حينئذ واجب وما كان واجبا لم يفتقر إلى أمر من الأمور وقولك إن ~~المجموع مفتقر إلى المجموع هو معنى قول القائل إنه واجب بنفسه فإن الواجب ~~بنفسه لا يستغني عن نفسه بل لا بد له من نفسه وإذا كنت قد أقررت أنه واجب ~~بنفسه بطل قولك إنه يفتقر إلى أمر وهذا بخلاف مجموع العلل الممكنة فإنه لا ~~يمكن أن يكون واجبا بنفسه لأنه ليس فيها ما هو موجود بنفسه وإذا لم يكن في ~~المجموع ما هو موجود بنفسه كان امتناع المجموع أن يكون واجبا بنفسه أولى وأحرى # وهذا السؤال الذي أورده هذا من جنس السؤال الذي أورده الآمدي بل هو هو ~~ولعل أحدهما أخذه من الآخر وهو أن تكون الجملة مترجحة بالآحاد وكل منها ~~مترجح بالآخر إلى غير نهاية وأجاب عنه الآمدي في أحد كتابيه وقال في الآخر ~~إنه لا يعرف عنه جوابا وذكر عن قوم أنهم قالوا المجموع واجب بنفسه بهذا ~~الاعتبار واستفسط هذا الاعتراض # ومقصود الجميع أن مجموع المعلولات التي لا تتناهى لا تفتقر إلى شيء غير ~~آحادها المتعاقبة وفساد هذا معلوم بالاضطرار بعد جودة التصور وإنما أشكل ~~على من أشكل لعدم التصور التام فإنه إذا قال القائل علل PageV03P214 ~~لا تتناهى أو ممكنات لا تتناهى كل منها مترجح أو معلول بالآخر توهم الذهن ~~أن هذا يتضمن تقدير موجودات في الخارج كل منها معلول الموجود الآخر وأن ~~الأمر هكذا إلى غير نهاية # ولهذا أراد طائفة أن يبطلوا هذا التسلسل بجنس ما يبطلون به الآثار التي ~~لا تتناهى ms0574 كالحركات التي لا تتناهى وهذا غلط فإن المقدر هو أمور ليس فيها ~~ما يوجد بنفسه بل لا يوجد إلا بعلة مباينة له موجودة وكلها بهذه المثابة ~~إلى غير نهاية # وهذا في الحقيقة تقدير معدومات بعضها علة لبعض في وجوده إلى غير نهاية من ~~غير أن يوجد شيء منها وكما أن المعدوم إذا قدر أنه معلل يعلل معدومة إلى ~~غير نهاية مع أنه لم يوجد ولم يوجد شيء منها كان باطلا وإن قدر وجوده مع ~~ذلك كان جمعا بين النقيضين وإذا كان تقدير معلول معدوم بعلة معدومة تقتضي ~~وجوده ولم يوجد ممتنع في بديهة العقل من جهة أنه لم يوجد ومن جهة أن علته ~~ليست موجودة فكثرة هذه العلل أولى بالامتناع وتسلسلها إلى غير نهاية أعظم ~~وأعظم في الامتناع فكذلك إذا قدر ما هو معلول ممكن لا يوجد إلا بموجد يوجده ~~وقدر أنه ليس هناك موجود يوجده فإن وجوده يكون ممتنعا فإن قدر موجودا كان PageV03P215 ~~جمعا بين النقيضين وتسلسل هذه المعلولات من غير أن تنتهي إلى موجود بنفسه ~~أعظم في الامتناع لكن من توهم أنها موجودات متسلسلة التبس عليه الأمر ~~وتقدير كونها موجودات متسلسة ممتنع في نفسه بل هو جمع بين النقيضين لأن ~~التقدير أنه ليس فيها ما يوجد بنفسه ولا يوجد إلا بموجد موجود وإذا لم يكن ~~فيها موجود بنفسه ولا موجد امتنع أن يكون فيها إلا معدوم فتقدير وجودها جمع ~~بين النقيضين # وبيان ذلك أن كلا منها هو مفتقر إلى موجد يوجده فلا يوجد بنفسه وعلته لم ~~توجد بنفسها فليس فيها موجود بنفسه وليس هنا علة موجودة بنفسها فإذا قدر في ~~كل منها أنه موجود بغيره فذلك الغير هو بمنزلته أيضا لا وجود له من نفسه ~~فليس هناك موجود يوجدها إلا ما يقدر منها وكل منها إذا لم يكن له من نفسه ~~وجود فأن لا يكون موجدا لغيره بطريق الأولى والأحرى فلا له من نفسه وجود ~~ولا إيجاد وغيره من جنسه ليس له من نفسه وجود ولا إيجاد فمن ms0575 أين يكون لشيء ~~منها وجود بلا وجود لنفسه ولا إيجاد إذ الإيجاد فرع الوجود # قلت وهذا الاعتراض فاسد جدا وبيان فساده من وجوه PageV03P216 # أحدها أن يقال هو اعتراض على قولهم مجموع العلل الممكنة ممكن لافتقار ~~المجموع إلى الآحاد الممكنة ولا يجوز أن يكون المؤثر في المجموع واحدا من ~~العلل الممكنة لأن ذلك لا يكون علة لنفسه ولا لما قبله من العلل فامتنع أن ~~يكون مؤثرا في المجموع فقال المعترض إنما يلزم هذا أن لو كان علة المجموع ~~علة لكل واحد من أجزائه فلم قلتم إنه كذلك # فيقال له أولا نحن لا نعني بالمجموع مجرد الهيئة الاجتماعية بل نعني به ~~كل واحد من الأفراد والهيئة الاجتماعية وحينئذ فتكون علة المجموع علة كل ~~واحد من أجزائه وهذا معلوم بالضرورة فإن المؤثر إذا كان مؤثرا في مجموع ~~الآحاد مع الهيئة الاجتماعية فقد أثر في كل جزء من أجزائه فإنه لو لم يؤثر ~~في كل جزء من الأجزاء لجاز انتفاء ذلك الجزء وإذا انتفى انتفى المجموع ~~والتقدير أنه أثر في المجموع بحيث جعل المجموع موجودا والمجموع هو الأفراد ~~والهيئة الاجتماعية فلو قدر أنه غير موجود لزم الجمع بين النقيضين وهو ~~الممتنع وهذا الممتنع لزم من تقدير كونه مؤثرا في المجموع بحيث جعل المجموع ~~موجودا مع تقدير عدم بعض أجزاء المجموع فعلم أنه يستلزم من كونه أثر في ~~المجموع وجود PageV03P217 ~~المجموع ويلزم من وجود المجموع أنه لا ينتفي شيء من أجزائه فعلم أن ما ~~استلزم ثبوت المجموع استلزم ثبوت كل من أجزائه وإن لم يكن المستلزم علة ~~فاعلة فكيف إذا كان المستلزم علة فاعلة فكيف إذا كان المجموع علة فاعلة ~~فتبين أن ثبوت العلة الفاعلة للمجموع يتضمن أن يكون علة لكل من أجزائه ولو ~~تخيل متخيل أن الواحد من الجملة علة لسائر الأجزاء والأجزاء علة للمجموع أو ~~أنه علة للمجموع والمجموع علة للآحاد فيكون ذلك الواحد علة العلة # قلنا هذا لا يضر لأن علة العلة علة وكما يمتنع في الواحد أن يكون علة ~~نفسه فيمتنع ms0576 أن يكون علة علة نفسه بطريق الأولى فلو كان بعض الأجزاء علة ~~للمجموع والمجموع علة لكل من الأجزاء أو بالعكس لزم أن يكون ذلك الجزء علة ~~علة نفسه وعلة علة علل نفسه وهو ما قبل ذلك الجزء من العلل التي قدر أنه لا ~~نهاية لها وهذا بين لا يتصوره أحد إلا يعلم امتناعه بالبديهة ومن نازع فيه ~~كان إما لعدم تصوره له وإما لعنادة وحينئذ فيكفي أن يقال هذا معلوم ~~بالبديهة فالشبهة الواردة عليه من جنس شبه السوفسطائية فلا يستحق جوابا PageV03P218 # الوجه الثاني أن يحل ما ذكره من المعارضة وهي قوله وهذا لأن الشيء جاز أن ~~يكون علة للمجموع من حيث هو علة للمجموع من حيث هو مجموع ولا يكون علة لكل ~~واحد من أجزائه فإن الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات وليس علة لكل واحد ~~من أجزائه لاستحالة كونه علة لنفسه # قلنا لا نسلم أن الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات وإنما هو علة لبعض ~~الموجودات وهي الممكنات وأما الموجود الواجب بنفسه فلا علة له وهو من ~~الموجودات وإذا كانت الموجودات منقسمة إلى واجب وممكن والواجب علة للمكن لم ~~يكن الواجب علة لمجموع الموجودات بل علة لبعضها وبعضها لا علة له # فإن قيل إنما قلنا الواجب علة للمجموع من حيث هو مجموع لا لكل واحد فهو ~~علة للهيئة الاجتماعية # قيل أولا لا نسلم أن المجموع له وجود يزيد على الآحاد # ويقال ثانيا إذا قدر أن المجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية أمر مغاير ~~للأفراد فالواحد من تلك الأفراد إذا كان علة للهيئة الاجتماعية فالعلة ~~مغايرة للمعلول ليست العلة بعض المعلول PageV03P219 # وهذا بين إذا تصوره المتصور معلوم بالبديهة ولكن لفظ المجموع فيه إجمال ~~قد يعنى به الأفراد المجتمعة وقد يعنى به اجتماعها وقد يعنى به الأمران ~~ومعلوم أنه يمتنع أن يكون بعض الأفراد المجتمعة علة لكل من الأفراد ~~المجتمعة وهذا هو المطلوب # وأما الاجتماع إذا قدر أنه مغاير للأفراد فالواحد منها يكون علة لذلك ~~الاجتماع المغاير لذلك المفرد وغيره وإن أريد الإفراد والاجتماع ms0577 كان ~~الاجتماع جزءا من أجزاء المجموع فيكون الواحد من ذلك المجموع علة لسائر ~~الأجزاء وهذا ممكن فالواجب سبحانه وتعالى هو المبدع لسائر الموجودات ومبدع ~~للاجتماع الحاصل منها ومنه إذا قدر ذلك الاجتماع مغايرا للأفراد لكن ذلك ~~الاجتماع هو من جملة سائر الموجودات # فإذا قيل إنه مبدع لسائر الموجودات دخل في ذلك كل ما سواه من الموجودات ~~أعيانها وأعراضها ودخل في ذلك الاجتماع الحاصل منه ومنها وهو الهيئة ~~الاجتماعية إذا قدر أنها موجودة فإن ذلك الاجتماع أمر مغاير للواجب بنفسه ~~فهو داخل في سائر الموجودات سواه فهو من جملة مصنوعاته # ومما يوضح ذلك أن الاجتماع إذا قدر أمرا مغايرا للأفراد أمرا يحدث بحدوث ~~ما يحدث من الممكنات فكلما حدث ممكن كان له مع سائر الممكنات اجتماع وذلك ~~الاجتماع حادث بحدوثه فإذا قدر أن ما سوى الله حادث فاجتماع وجود الحوادث ~~مع وجود الله وهو أيضا حادث وهو كمعية المخلوقات مع خالقها وهذه المعية ~~ونحوها هو مما يجوز حدوثه باتفاق العقلاء بل هم متفقون على جواز حدوث النسب PageV03P220 # والإضافات بين الخالق والمخلوق سواء قيل إنها وجودية أو عدمية ولو قدر أن ~~من الممكنات ما هو قديم أزلي كما يقوله من يقول بقدم شيء من العالم فاجتماع ~~ذلك الممكن مع ذلك الواجب معلول للواجب كما أن الممكن نفسه معلول للواجب ~~والواجب ليس هو بعض ذلك الاجتماع بل هو بعض الأمور المجتمعة إذا كان علة ~~لسائر الأبعاض كان هذا ممكنا وذلك الاجتماع هو بعض آخر الواجب الذي هو بعض ~~الأمور المجتمعة التي منها الاجتماع علة لسائر الأبعاض والاجتماع واحد منها ~~فليس في ذلك امتناع كون بعض الجملة علة لجميع أبعاض الجملة وهذا هو المطلوب ~~انتفاؤه فتبين أن امتناع كون بعض الممكنات علة لجميع الممكنات أعظم مما ~~يتبين امتناع كونه علة لغيره من الممكنات فإن الأول يقتضي كونه علة لنفسه ~~وكون الممكن المفعول المصنوع مبدع نفسه ويخلقها أظهر امتناعا من كونه يخلق ~~غيره بعد وجوده ولهذا قال تعالى { أم خلقوا من غير شيء أم هم ms0578 الخالقون } ~~سورة الطور 35 فإنه من المعلوم في بدائه الفطر امتناع كونهم حدثوا من غير ~~محدث وامتناع كونهم أحدثوا أنفسهم فعلم أن لهم محدثا أحدثهم # ويقال ثالثا لا نسلم أن المجموع المركب من الواجب والممكن يكون الواجب ~~وحده علة له بل علته الأجزاء جميعها وذلك لأن PageV03P221 ~~المجموع متوقف على كل من الأجزاء الواجب والممكنات فالمجموع من حيث هو ~~مجموع توقفه على كل جزء كتوقفه على الجزء الآخر إذ كان لا يوجد إلا بوجود ~~كل من الأجزاء ثم إذا كان بعض الأجزاء علة لبعض كان المجموع مفتقرا إلى ~~الجزء الواجب وإلى الجزء المفتقر إلى الجزء الواجب ولا يلزم من ذلك أن يكون ~~مجرد الواجب مقتضيا للمجموع بلا واسطة بل لولا الجزء الآخر الممكن لما حصل ~~المجموع فتبين ان الواجب لا يكون وحده علة للمجموع من حيث هو مجموع وإنما ~~يكون علة لسائر الأجزاء وهو وسائر الأجزاء علة للمجموع # نعم يلزم أن يكون علة بنفسه للمكنات وهو بتوسط الممكنات أو مع الممكنات ~~علة للمجموع من حيث هو مجموع ومثل هذا منتف في الأجزاء الممكنة فإنه لا ~~يمكن أن يكون علة للمجموع ى بنفسه ولا بتوسط غيره # أما الأول فلأن الجزء الواجب إذا لم يكن وحده علة للمجموع فالجزء الممكن ~~أولى ولأن المجموع متوقف على جميع الأجزاء قلا يستقل به واحد منها # وأما الثاني فلأن الممكن لا يكون علة لنفسه ولا لما قبله من العلل ولأن ~~المجموع متوقف على جميع الأجزاء بالضرورة فإن المعلول لا يكون علة علته ~~وإذا امتنع كونه علة لنفسه ولسائر الأجزاء المتقدمة PageV03P222 ~~عليه لم يحصل به وحده هذه الأجزاء والمجموع متوقف على هذه الأجزاء فلا يكون ~~شيء من الأجزاء الممكنة علة للمجموع لا بنفسه ولا بتوسط معلولاته بخلاف ~~الجزء الواجب فإنه إذا قيل عنه إنه علة للمجموع بنفسه وبتوسط معلولاته كان ~~هذا المعنى ممتنعا في الممكن فالمعنى الذي يمكن أن يجعل فيه الواجب علة ~~للمجموع الذي هو واحد منه يمتنع مثله في الممكنات فلا يتصور أن يكون علة ~~للمجموع ms0579 الذي هو واحد منه وهذا يكشف ما في الاعتراض من التلبيس والغلط # الوجه الرابع أن يقال لا نسلم أن الواجب علة للمجموع من حيث هو مجموع بل ~~الواجب علة للممكنات من الأجزاء والآحاد علة للمجموع ومثل هذا لا يمكن أن ~~يقال في مجموع العلل الممكنة ولا في مجموع الممكنات فإنه لا يمكن أن يكون ~~شيء منها علة لسائر الأجزاء إذ كل منها معلول لا يكون علة لنفسه ولا لعلله ~~وإذا كان كل من الأجزاء معلولا والمجموع معلول الآحاد كان المجموع أولى بأن ~~يكون معلولا # الوجه الخامس أن يقال في إبطال هذا الاعتراض نحن إنما ذكرنا هذه الحجة ~~لإثبات أن يكون في الوجود واجب بنفسه فإما أن يكون في الموجودات واجب بنفسه ~~وإما أن لا يكون فإن كان فيها واجب بنفسه حصل المقصود وإن لم يكن فيها واجب ~~بنفسه بطل الاعتراض PageV03P223 # الوجه السادس أن يقال الاعتراض مبناه على أن مجموع الموجودات له علة هو ~~بعضه وهو الواجب فإن لم يكن في المجموع بعض واجب بطل الاعتراض وهذا ~~الاعتراض مذكور على سبيل المعارضة لأنا قد ذكرنا أنا نعلم بالضرورة أن ~~مجموع العلل الممكنة إذا كان له علة كان علة لكل منها وأن العلم بذلك ضروري ~~وبيناه بيانا لا ريب فيه وإذا تبين أن صحة الاعتراض مستلزمة لثبوت واجب ~~الوجود كان واجب الوجود ثابتا على تقدير صحة الاعتراض وعلى تقدير فساده ~~وإذا كان ثابتا على التقديرين تقدير النفي وتقدير الإثبات ثبت أنه ثابت في ~~نفس الأمر وهو المطلوب وهذا بين لمن تأمله ولله الحمد # وهذا الجواب يمكن إيراده على وجوه # أحدها أن يقال إما أن يقدر ثبوت الواجب في نفسه وإما أن يقدر انتفاؤه فإن ~~قدر ثبوته في نفس الأمر حصل المقصود وامتنع أن يكون في نفس الأمر ما ينفي ~~وجوده وإن قدر انتفاؤه لزم بطلان الاعتراض المذكور على دليل ثبوته وإذا بطل ~~الاعتراض كان الدليل المذكور على ثبوته سليما عما يعارضه فيجب ثبوت مدلوله ~~وهو الواجب الوجود فلزم ثبوت وجود سواء قدر ms0580 المعترض ثبوته او قدر اتنفاءه وما PageV03P224 ~~لزم ثبوته على تقدير ثبوته وتقدير انتفائه كان ثابتا في نفس الأمر قطعا وهو ~~المطلوب # فان قيل كيف يمكن تقدير ثبوته مع تقدير انتفائه وفي ذلك جمع بين النقيضين # قيل نعم هذا لان تقدير انتفائه لما كان ممتنعا في نفس الأمر جاز ان يلزمه ~~ما هو ممتنع في نفس الأمر وهذا مما يقرر ثبوته # وايضا فإذا كان تقدبر انتفائه يستلزم الجمع بين النقيضين كان تقديرا ~~ممتنعا في نفس الأمر ويكون تقدير انتفائه ممتنعا في نفس الأمر وإذا كان ~~انتفاءه ممتنعا كان ثبوته واجبا وهو المطلوب # فإن قيل إذا كان انتفاءه في نفس الأمر ممتنعا قطعا وكان بطلان الاعتراض ~~معلقا بانتفائه لم يلزمه بطلان الاعتراض واذا صح الاعتراض بطل الدليل ~~المذكور # قلنا تقدير انتقائه هو جزء الدليل على بطلان الاعتراض ليس هو بطلان ~~الاعتراض ومن المعلوم ان انتفاء الدليل لا يوجب انتفاء ول عليه في نفس ~~الأمر فإن الدليل لا يجب عكسه فلو كان انتفاءه بس الأمر وحده دليلا على ~~بطلان الاعتراض لم يلزم صحة الاعتراض بتقدير نقيض هذا الدليل فكيف إذا كان ~~جزء دليل PageV03P225 # فإن قيل بطلان جزء الدليل يوجب بطلان الدليل فيبطل ما ذكر من الدليل على ~~فساد الاعتراض # قيل لفظ جزء الدليل مجمل فان أريد بالجزء قسم من الأقسام المقدرة كان هذا ~~باطلا فإنه لا يلزم من بطلان قسم في الأقسام المقدرة بطلان الدليل إذا كان ~~غيره من الأقسام صحيحا وان أريد بجزء الدليل مقدمة من مقدماته فهذا صحيح ~~فإنه إذا بطلت مقدمة الدليل بطل لكن مقدمة الدليل هنا صحيحة فإنها تقسيم ~~دائر بين النفي والاثبات ومن المعلوم ان التقسيم الدائر بين النقيضين ~~يستلزم بطلان أحد القسمين في نفس الأمر ومقدمة الدليل ليست اجتماع النقيضين ~~فإن هذا ممتنع وانما هي صحة التقسيم إلى النفي والاثبات # والمقدمة الثانية بيان حصول المطلوب على كل من التقديرين فإذا كان ~~التقسيم دائرا بين النفي والاثبات والمطلوب حاصل على كل منهما ثبت حصوله في ~~نفس الأمر وان ms0581 كان أحد القسمين منتفيا في نفس الأمر فإن المطلوب حاصل على ~~التقدير الآخر فلا يضر انتفاء هذا التقدير وانما ذكرت هذه التقديرات ليتبين ~~ان ما ذكره المعترض لا يقدح في صحة الدليل المذكور على واجب الوجود بل ~~الدليل صحيح على تقدير النقيضين وهذا من احسن الدورات في النظر والمناظرة ~~لابطال الاعتراضات الفاسدة بمنزلة عدو قدم يريد محاربه PageV03P226 ~~الحجيج وهناك عدة طرق يمكن ان ياتي من كل منها فإذا وكل بكل طريق طائفة ~~يأخذونه كان من المعلوم ان الذي يصادفه طائفة ولكن ارسال تلك الطوائف ليعلم ~~انه منع المحذور على كل تقدير إذ كان من الناس من هو خائف ان يأتي من طريقة ~~فيرسل اليه من يزيل خوفه ويوجب امنه # ويمكن ايراد الجواب على وجه اخر هو ان يقال إما ان يقدر فساد هذا ~~الاعتراض في نفس الأمر واما ان يقدر صحته فإنه لا يخلو من أحدهما وذلك انه ~~إما ان يكون مفسدا للدليل المذكور على بطلان تسلسل المؤثرات واما ان بكون ~~مبطلا مفسدا فإن لم بكن مفسدا للدليل لفساده في نفسه ثبت صحة الدليل وهو ~~المطلوب # وان كان مفسدا للدليل فلا يفسده إلا إذا كان متوجها صحيحا وألا فالاعتراض ~~الفاسد لا يفسد الدليل واذا كان متوجها صحيحا لزم ثبوت واجب الوجود فانه لا ~~يصح ان لم يكن مجموع الموجودات فيها واجب واذا صح ان فيها واجبا حصل ~~المقصود فيلزم ثبوت الموجود الواجب على تقدير صحته وفساده # ويمكن ايراد الجواب على صورة ثالثة وهو ان يقال إما ان يقدر ان في ~~الموجودات ما هو واجب بنفسه واما ان لا يكون فان كان فيها PageV03P227 ~~واجب بنفسه حصل المقصود وان لم يقدر ان فيها ما هو واجب بنفسه لم يكن لها ~~مجموع يكون جزء علة له فبطل الاعتراض # واذا بطل الاعتراض كان الدليل المذكور على واجب الوجود مستلزما لمدلوله ~~وهو الموجود الواجب فيلزم ثبوت واجب الوجود # واصل الغلط في هذا الاعتراض الذي يظهر به الفرق ان التقدير المستدل به ~~قدر فيه امور ليس ms0582 فيها موجود بنفسه بل كل منها مفتقر إلى غيره واجتماعها ~~أيضا مفتقر فليس هناك إلا فقير محتاج والتقدير المعترض به قدر ان موجودا ~~واجبا بنفسه معه ممكنات موجودة به ولكن المجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية ~~يفتقر إلى بعض الجملة وذلك البعض هو واجب بنفسه فهنا في الجملة واحد واجب ~~بنفسه هو علة لسائر الاجزاء وللمجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية وتلك ليس ~~فيها واجب بنفسه بل كان من الأجزاء والمجموع ممكن بنفسه فكيف يجعل افتقار ~~هذا إلى خارج عنه كافتقار ذاك إلى خرج عنه والهندي لم يجب عليه PageV03P228 # فان قيل فقد قدرتم عدم وجوب واجب الوجود فكيف الوجود فكيف يكون موجودا ~~بتقدير عدمه لما ذكرتم من الدليل # قلنا لان التقدير الممتنع قد يستلزم امرا موجودا واجبا وجائزا كما قد ~~يستلزم امرا ممتنعا لان التقدير هو شرط مستلزم للجزاء والملزوم يلزم من ~~تحققه اللازم ولا يلزم من انتفائه انتفاء اللازم # وهذا كما لو قيل لو جاز ان يحدث اجتماع الضدين لافتقر إلى محدث بل قد ~~يكون اللازم ثابتا على تقدير النقيضين كوجود الخالق مع كل واحد من مخلوقاته ~~فإنه موجود سواء كان موجودا او لم يكن # وحينئذ فيجوز ان يكون التقدير الممتنع وهو تقدير عدم الواجب يستلزم وجوده ~~كما يكون التقدير الممكن فإذا قدر عدمه لزم بطلان الاعتراض المذكور وذلك ~~يستلزم سلامة الدليل عن المعارض والدليل يستلزم وجوده # وايضا فان تقدير عدمه ممتنع في نفس الأمر والتقدير الممتنع قد يستلزم ~~امرا ممتنعا فاستلزم تقدير عدمه الجمع بين النقيضين وهو ثبوت وجوده مع ثبوت ~~عدمه وهذا ممتنع فعلم ان تقدير عدمه ممتنع وهو المطلوب وعلم انه لا بد من ~~وجوده وان قدر في الاذهان عدم وجوده فتقدير عدمه في الاذهان لا يناقض وجوده ~~في الخارج وقد ثبت وجوده فلا بد من وجوده على كل تقدير وبهذا وغيره يظهر PageV03P229 ~~الجواب عن اعتراضه على سائر ما ذكروه من التقديرات في احتياج مجموع ~~الممكنات إلى واجب خارج عنها # ونحن نبين ذلك # قوله لا يقال بان مجموع ms0583 تلك السلسة ممكن وكل ممكن فهو مفتقر إلى علة ~~خارجة عنه وذلك المجموع مفتقر إلى علة خارجة عنه لانا نقول لا نسلم ان كل ~~ممكن فهو محتاج إلى علة خارجة عنه فإن المجموع المركب من الواجب والممكن ~~ممكن لافتقار إلى الممكن وليس إلى علة خارجة عنه # والجواب عن هذا ان يقال قول القائل كل ممكن فهو مفتقر إلى علة خارجة عنه ~~قضية بديهة ضرورية بعد تصورها فان المعنى بالممكن مالا يوجد بنفسه بل لا بد ~~له من موجد مقتض سواء سمى فاعلا او علة فاعلة او مؤثرا واذا كان كذلك فإذا ~~كان المجموع ممكنا لا يوجد بنفسه لم يكن له بد من موجد يوجده وقد علم ان ~~المجموع لا يوجد بنفسه إذ لو كان كذلك لكان واجبا بنفسه # ومن المعلوم بالضرورة ان المجموع الذي هو الأفراد واجتماعها إذا لم يكن ~~موجدا مقتضيا فبعض المجموع اولى ان لا يكون مقتضيا موجدا PageV03P230 ~~فإنه من المعلوم ببدائه العقول ان المجموع إذا لم يجز ان يكون موجدا ولا ~~مقتضيا ولا فاعلا ولا علة فاعلة فبعضه اولى ان لا يكون كذلك فإن المجموع ~~يدخل فيه بعضه فإذا كان بجميع ابعاضه لا يكفي في الاقتضاء والفعل والايجاد ~~فكيف يكفي بعضه في ذلك # وهذا دليل مستقل في هذا المقام وهو ان المجموع إذا لم يكن علة فاعلة بل ~~هو معلول مفتقر فبعضه اولى ان لا يكون علة فاعلة بل معلول مفتقر فعلم ان ~~مجموع الممكنات إذا كان مفتقرا إلى المؤثر فكل من ابعاض المجموع اولى ~~بالافتقار إلى المؤثر فتبين ان كل ممكن ومجموع الممكنات مفتقر إلى المؤثر ~~وهو المطلوب ولله الحمد والمنة # واما قول المعترض لا نسلم ان كل ممكن فهو محتاج إلى علة خارجة عنه فإن ~~المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن لافتقاره إلى الممكن وليس محتاجا ~~إلى علة خارجة عنه # فيقال له اولا منشأ هذه الشبهة ان لفظ المجموع فيه اجمال يراد به نفسه ~~الهيئة الاجتماعية ويراد به جميع الأفراد ويراد به المجموع والمجموع المركب ms0584 ~~الذي هو كل واحد واحد من الأفراد لا يفتقر PageV03P231 ~~إلى الممكن فإن منها الواجب وهو لا يفتقر إلى الممكن ولكن الهيئة ~~الاجتماعية إذا قدر ان لها تحققا في الخارج فهي التي يقال انها متوقفة على ~~الممكن وحينئذ فيظهر الفرق بين مجموع الممكنات ومجموع الموجودات فإن مجموع ~~الممكنات هو نفس الهيئة الممكنة وكل من الأفراد ممكن والمجموع المتوقف على ~~الممكن اولى بالإمكان واما مجموع الموجودات فليس كل منها ممكنا بل منها ~~الواجب فليس المجموع ممكنا بمعنى ان كل واحد منها ممكن فظهر الفرق # وحينئذ فيقال له هذا باطل من وجوه # أحدهما ان يقال انت قد قلت في الاعتراض على الدليل الأول ان الواجب لذاته ~~علة لمجموع الموجودات وقلت هنا ان المجموع مفتقر إلى الممكن فإن كان معلول ~~الواجب يجب استغناؤه عن الممكنات بطل اعتراضك الأول وصح الدليل الأول لانه ~~حينئذ لا يكون المجموع مستغنيا بالواجب بل هو محتاج إلى الممكنات فلا يكون ~~الواجب علة للمجموع إلا مع اقتضائه لجميع الممكنات ثم هو مع الممكنات إما ~~المجموع واما علة المجموع ومثل هذا منتف في مجموع الممكنات فإن الواحد منها ~~لا يجوز ان يكون علة لسائرها إذ ليس علة لنفسه ولا لعلته وعلة علته واذا لم ~~يكن في الممكنات إلا ما هو PageV03P232 ~~معلول لم يكن فيها ما يوجب سائرها فلم يكن فيها ما يصلح ان يكون علة ~~للمجموع بوجه من الوجوه # وان قلت ان معلول الواجب يجب استغناؤه عن الممكنات سواء اقتضاه بوسط او ~~بغير وسط وانه لما كان الواجب مقتضيا للوسط كانت الحاجة في الحقيقة إلى ~~الواجب والغنى به إذ كان هو مبدع الممكنات التي هي لغيرها شروط او وسائط او ~~علل او ما قيل من الامور # فيقال لك على هذا التقدير فمجموع الموجودات التي فيها الواجب بنفسه ليس ~~مفتقرا إلى شيء من الممكنات بل افتقاره إلى الواجب وحده فبطل اعتراضك على ~~هذا الدليل الثاني واي الدليلين صح حصل المقصود # وتلخيص هذا الجواب ان مجموع الموجودات من حيث هو مجموع ان قال ms0585 هو معلول ~~الواجب وحده او بوسط بحيث لا يقال مفتقر إلى غيره بطل هذا الاعتراض وهو ~~كونه مفتقرا إلى الممكن # وان قال هو معلول الواجب لكون الممكن معلول الواجب وهو معلول الممكن ~~والواجب كان هذا مفسدا لاعتراضه على الدليل الأول لكون مجموع الممكنات لا ~~يكون معلولا لواحد منها بوجه من الوجوه PageV03P233 # الوجه الثاني ان يقال قولك لا نسلم ان كل ممكن فهو محتاج إلى علة خارجة ~~لان المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن وليس محتاجا إلى علة خارجة غلط # وذلك ان لفط الممكن فيه اجمال # قد يراد بالممكن ما ليس بممتنع فيكون الواجب بنفسه ممكنا ويراد بالممكن ~~ما ليس بموجود مع إمكان وجوده فيكون ما وجد ليس بممكن بل واجب بغيره ثم ما ~~يقبل الوجود والعدم هو المحدث عند جمهور العقلاء بل جميعهم وبعضهم تناقض ~~فجعله يعم المحدث والقديم الذي زعم انه واجب بغيره # ويراد بالممكن ما ليس له من نفسه وجود بل يكون قابلا للعدم هو وكل جزء من اجزائه # وانت قد سميت مجموع الموجود ممكنا ومرادك ان المجموع يقبل العدم ولا ~~يقبله كل جزء من اجزائه # وهؤلاء الذين قالوا ان مجموع الممكنات او مجموع العلل الممكنة ممكن ~~مرادهم ان كل كا ما كان لا يقبل الوجود بنفسه بل يكون قابلا للعدم بنفسه ~~وكل جزء من اجزائه قابل للعدم يفتقر PageV03P234 ~~إلى علة خارجة عنه وهذا هو المفهوم عند اطلاقهم من الممكن بنفسه المفتقر ~~إلى علة خارجة فان الممكن بنفسه مالا يوجد بنفسه أي نفسه قابلة للعدم # وهذا لا يكون عند وجوب بعضها فإن القابل للعدم حينئذ إنما هو بعض نفسه لا ~~جملة نفسه فغلطك او تغليطك حصل مما في لفظ الممكن بنفسه من الاجمال # والادلة العقلية إنما يعترض على معانيها فإن كنت أوردت هذا سؤالا لفظيا ~~كان قليل الفائدة وان كان سؤالا معنويا كان باطلا في نفسه والقوم لما قالوا ~~الموجود إما ان يكون واجبا بنفسه واما ان يكون ممكنا بنفسه جعلوا الوجود ~~منحصرا في هذين القسمين أي جعلوا ms0586 كل واحد واحد من الموجودات منحصرا في هذين ~~القسمين # واما الجملة الجامعة لهذا وهذا فهي جامعة للقسمين ومرادهم بالممكن في أحد ~~القسمين ما يكون كل شيء منه لا يوجد إلا بشيء منفصل عنه ومرادهم بالواجب ~~بنفسه ما لا يفتقر إلى مباين له بوجه من الوجوه # ومن المعلوم أن الأول مفتقر إلى مقتض خارج عنه وأن مجموع تلك الممكنات ~~ممكن مفتقر إلى ما هو مفتقر إلى مقتض مباين له # والمفتقر إلى المفتقر المباين له أولى أن يكون مفتقرا إلى المباين وأما PageV03P235 ~~الثاني فلا يجوز أن يكون مفتقرا إلى مباين له وأما افتقاره إلى نفسه أو ~~جزئه فهذا لا ينافي كونه غنيا عما يباينه # وحينئذ فمجموع الموجودات التي بعضها واجب وبعضها ممكن ليس هو من الممكن ~~بهذا التفسير بل هو من الواجب لعدم افتقاره إلى مباين له # وإذا قيل إن المجموع واجب بنفسه لكونه واجبا بما هو واجب بنفسه أو قيل هو ~~واجب بنفسه وأريد بذلك أن فيه ما هو واجب بنفسه وسائره مستغن بذلك الواجب ~~بنفسه فالمجموع واجب ببعضه والواجب ببعضه يدخل بهذا الاعتبار في الواجب ~~بنفسه تبين مغلطة المعترض # وقيل له قولك المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن أتعنى به أنه مفتقر ~~إلى أمر مباين أم تعنى به أنه مفتقر إلى بعضه # أما الأول فباطل وأما الثاني فحق ولكن إذا قيل إن مجموع الممكنات التي كل ~~منها مفتقر إلى مباين للمجموع هو أيضا ممكن PageV03P236 ~~مفتقر إلى مباين لهذا المجموع لم يعارض هذا بمجموع الموجودات فإن مجموع ~~الموجودات لا يصح أن يكون ممكنا بمعنى أنه مفتقر إلى مباين له إذ ليس في ~~أجزائه ما هو مفتقر إلى مباين للمجموع فإذا كان هو متوقفا على آحاده وليس ~~في آحاده ما هو متوقف على أمر مباين له لم يجب أن يكون هو متوقفا على أمر ~~مباين له # وأيضا فمن المعلوم بالضرورة أن مجموع الموجودات لا يتوقف على أمر مباين ~~له إذ المباين لمجموع الموجودات ليس بموجود ومجموع الموجودات لا يكون ~~معلولا لأمر غير ms0587 موجود بخلاف مجموع الممكنات فإنه يكون معلولا لأمر غير ~~ممكن فكيف بقاس أحدهما بالآخر أم كيف يعارض هذا بهذا ويقال إذا كان مجموع ~~الموجودات لا يفتقر إلى أمر خارج عنها ليس بموجود فكذلك يجوز أن يكون مجموع ~~الممكنات لا يفتقر إلى أمر خارج عنها ليس بممكن # وهل هذا إلا بمنزلة من قال إذا كان مجموع الموجودات لا تفتقر في وجودها ~~إلى ما ليس بموجود فمجموع المعدومات لا تفتقر في وجودها إلى ما ليس بمعدزم ~~وهل هذا إلا مجرد مقايسة لفظية مع فرط التباين في المعنى # وهل يقول عاقل إن الموجود الواجب بنفسه والموجود الذي PageV03P237 ~~وجب بغيره إذا لم يحتج إلى معدوم فالمعدوم الذي لم يجب بنفسه ولا بغيره ~~يكون موجودا بأمر معدوم والممكن ليس له من نفسه وجود بل لا وجود له إلا من ~~غيره سواء قيل إن عدمه لا يفتقر إلى علة أو قيل إن عدمه لعدم مقتضيه فمجموع ~~الممكنات التي ليس فيها ما وجوده بنفسه لا تكون إلا معدومة وكل منها لا ~~يكون موجودا إلا إذا كان وجوده بغيره سواء سمى هو معلولا لغيره أو مفعولا ~~لغيره كيف تكون موجودة بغيرها # ونكتة هذا الجواب أن لفظ الممكن يراد به الممكن بالإمكان الذي توصف به ~~الممكنات المفتقرة إلى مقتض مباين فيلزم أن لا يكون لها ولا لشيء منها وجود ~~بوجه من الوجوه إلا من المباين وأما الإمكان الذي وصف به مجموع الموجودات ~~فمعناه أن ذلك المجموع لم يجب إلا بوجوب ما هو داخل فيه فبعض ذلك المجموع ~~واجب بنفسه فلا يكون ذلك المجموع مفتقرا إلى مباين له # ويتضح هذا بالوجه الثالث وهو أنا نقول ابتداء كل موجود فإما أن يكون ~~وجوده بأمر مباين له وإما أن لا يكون وجوده بأمر مباين له وكل ما كان وجوده ~~بأمر مباين له لا يكون موجودا إلا بوجود ما PageV03P238 ~~يباينه ومجموع الممكنات لا توجد إلا بمباين لها فلا يوجد شيء منها إلا ~~بمباين لها وبعضها ليس بمباين لها فلا يوجد ببعضها بخلاف مجموع ms0588 الموجودات ~~فإنها لا تفتقر إلى مباين لها وإنما تفتقر إلى بعضها ### | AUTO وحينئذ فإذا صيغت الحجة هذه على هذا الوجه تبين أنه لا بد من ~~موجود مباين للممكنات خارج عنها وهو المطلوب وأن مجموع الموجودات لا بد لها ~~من موجود هو بعضها فوجد به مجموعها وحينئذ فيلزم ثبوت واجب الوجود على ~~التقديرين فكان ما ذكروه من الاعتراض دليلا على إثبات واجب الوجود لا على ~~نفيه فصل # واعلم أن هؤلاء غلطوا في مسمى واجب الوجود وفيما يقتضيه الدليل من ذلك ~~حتى صاروا في طرفي نقيض فتارة يثبتونه ويجردونه عن الصفات حتى يجعلوه وجودا ~~مطلقا ثم يقولون هو الوجود الذي في الموجودات فيجعلون وجود كل ممكن وحادث ~~هو الوجود الواجب PageV03P239 ~~بنفسه كما يفعل ذلك محققة صوفيتهم كابن عربي وابن سبعين والقونوي ~~والتلمساني وأمثالهم # وتارة يشككون في نفس الوجود الواجب ويقدرون أن يكون كل موجود ممكنا بنفسه ~~لا فاعل له وأن مجموع الوجود ليس فيه واجب بنفسه بل هذا معلول مفعول وهذا ~~معلول مفعول وليس في الوجود إلا ما هو معلول مفعول فلا يكون في الوجود ما ~~هو فاعل مستغن عن غيره فتارة يجعلون كل موجود واجبا بنفسه وتارة يجعلون كل ~~موجود ممكنا بنفسه # ومعلوم بضرورة العقل بطلان كل من القسمين وأن من الموجودات ما هو حادث ~~كان تارة موجودا وتارة معدوما وهذا لا يكون واجبا بنفسه وهذا لا بد له من ~~موجود واجب بنفسه # ومن غلطهم في مسمى واجب الوجود أنهم لم يعرفوا ما هو الذي قام عليه ~~الدليل والذي قام عليه الدليل أنه لا بد من واجب بنفسه لا يحتاج إلى شيء ~~مباين له فلا يكون وجوده مستفادا من أمر مباين له بل وجوده بنفسه وكون ~~وجوده بنفسه لا ينفي أن يكون موجودا بنفسه وأن يكون ما دخل في مسمى نفسه من ~~صفاته لازما له فالدليل دل على أنه لا بد للممكنات من أمر خارج عنها يكون PageV03P240 ~~موجودا بنفسه فلا يكون وجوده بأمر خارج عنه وحينئذ فاتصافه بصفاته سواء سمى ~~ذلك ms0589 تركيبا أو لم يسم لا يمنعه أن يكون واجبا بنفسه لا يفتقر إلى أمر خارج ~~عنه ولهذا كانت صفاته واجبة الوجود بهذا الاعتبار وإن لزم من ذلك تعدد مسمى ~~واجب الوجود بهذا المعنى بخلاف ما إذا عني به أنه الموجود الفاعل للممكنات ~~فإن هذا واحد سبحانه لا شريك له # وأما إذا عني به الموجود بنفسه القائم بنفسه فالصفات اللازمة تكون ممكنة ~~لكن هذا يقتضي أن يكون في الممكنات ما هو قديم أزلي وهذا باطل كما قد ~~بسطناه في موضع آخر # الوجه الثالث أن يقال قولك المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن ممنوع ~~بأن يقال ليس المجموع إلا الأفراد الموجودة في الخارج والمجموع هو جميع تلك ~~الأفراد وتلك الأفراد بعضها واجب وبعضها ممكن والجميع ليس هو صفة ثبوتية ~~قائمة بالأفراد وإنما هو أمر نسبي إضافي كالعدد الموجود في الخارج فليست ~~جملته غير آحاده المعنية ومعلوم أن الجملة ليست هي كل واحد من الآحاد بعينه ~~لكن هي الآحاد جميعها فالآحاد PageV03P241 ~~جميعها هي الجملة والمجموع وهذا لا حقيقة له غير الآحاد والآحاد بعضها واجب ~~وبعضها ممكن # يبين ذلك أنه قد قال بعد هذا إن جملة الأمور التي يتوقف عليها الواجب ~~والممكن ليس داخلا في المجموع لتوقفه على كل جزء منها ولا خارجا عنه فهي ~~نفس المجموع # فإن قال بل المجموع هو الهيئة الاجتماعية الحاصلة باجتماع الواجب والممكن ~~وتلك ممكنة لتوقفها على غيرها # قيل تلك النسبة ليست أعيانا قائمة بأنفسها ولا صفات ثبوتية قائمة ~~بالأعيان بل أمر نسبي إضافي سواء كانت نسبة عدمية أو ثبوتية إذا قيل هي ~~ممكنة لم يضر فإن الواجب الذي هو واحد من المجموع موجب لسائر الممكنات وتلك ~~النسبة من الممكنات ولا يكون جزء المجموع موجبا للمجموع بمعنى أنه موجب لكل ~~واحد من الأفراد فإن هذا يقتضي أن يكون موجبا لنفسه وهو ممتنع بل بمعنى أنه ~~موجب لما سواه وللهيئة الاجتماعية وهذا صحيح PageV03P242 ~~أو يقال هو موجب لما سواه والهيئة الاجتماعية إن كانت ثبوتية فهي ممكنة من ~~جملة الممكنات التي ms0590 هي سواه وان كانت عدمية فالأمر ظاهر # الوجه الرابع أن يقال مجموع الموجودات إما أن يكون فيها واجب بنفسه واما ~~أن لا يكون أي إما أن يقدر ذلك وإما أن لا يقدر فان قدر فيها واجب بن ثبت ~~ووجوب الواجب بنفسه وهو المطلوب وان لم يقدر ذلك بطلت هذه الحجة وقد تقدم ~~تقرير هذا الكلام # وأما الدليل الثالث على إبطال التسلسل وهو قولهم ان جملة ما يفتقر اليه ~~المجموع إما أن يكون نفس المجموع أو داخلا فيه أو خارجا عنه # والأول محال وألا لكان الشيء علة نفسه # والثاني محال وألا لكان بعض أجزائه كافيا في المجموع # والثالث حق # فقد اعترض عليه بقوله قلنا إن أردتم بجملة ما يفتقر إليه المجموع جملة ~~الامور التي يصدق على كل واحد منها أنه مفتقر اليه فلم قلتم بأنه لا يجوز ~~أن يكون هو نفس المجموع والذي يدل عليه أن جملة الأمور التي يفتقر إليه ~~الواجب والممكن ليس داخلا في المجموع لتوقفه على كل جزء منه ولا خارجا عنه ~~فهو نفس المجموع PageV03P243 # وإن أردتم العلة الفاعلية فلم قلتم أنه يلزم أن يكون بعض الأجزاء كافيا ~~في المجموع # والجواب عنه من وجوه # أحدها أن نقول العلم بكون مجموع المعلولات الممكنة معلولا ممكنا أمر ~~معلول بالاضطرار فإن المجموع مفتقر إلى المعلولات الممكنة والمفتقر إلى ~~المعلول أولى أن يكون معلولا وحينئذ فما أورده من القدح في تلك الحجة لا ~~يضر إذ كان قدحا في الضروريات فهو من جنس شبه السوفسطائية # الوجه الثاني أن مجموع المعلولات الممكنة إما أن يكون واجبا بنفسه وإما ~~أن يكون ممكنا وإذا كان ممكنا فالمقتضي له إما نفسه أو جزؤه أو أمر خارج عنه # أما كون مجموع المعلولات الممكنات واجبا بنفسه فهو معلوم الفساد بالضرورة ~~لأن المجموع إما كل واحد واحد من الأفراد وإما الهيئة الاجتماعية وإما ~~مجموعهما وكل من ذلك ممكن # فإذا ليس الأفراد ممكنة وكل منها معلول ولو قدر ما لا غاية له PageV03P244 ~~والمعلول من حيث هو معلول لا بد له من ms0591 علة فكل منها لا بد له من علة وتعاقب ~~معلولات لا تتناهى لا يمنع أن يكون كل منها محتاجا إلى العلة فإذا لم يكن ~~ثم مجموع إلا هذه الآحاد التي كل منها معلول محتاج لزم أن لا يكون في ~~الوجود إلا ما هو معلول محتاج ومن المعلوم بالضرورة أن المعلول المحتاج لا ~~يوجد بنفسه # فعلى هذا التقدير لا يكون في الوجود ما يوجد بنفسه وما لا يوجد بنفسه لا ~~يوجد إلا بموجد والموجد إذا لم يكن موجودا بنفسه كان مما لا يوجد بنفسه فلا ~~يوجد فيلزم أن لا يوجد شيء وقد وجدت الموجودات فيلزم الجمع بين النقيضين ~~وهو أن لا يكون شيء من الموجودات موجودا إذا قدر أنه ليس فيها شيء موجود ~~بنفسه وهي كلها موجودة فلا بد من غير موجود بنفسه فيكون الموجود موجودا ~~بنفسه غير موجود بنفسه وهو جمع بين النقيضين # الوجه الثالث أن يقال أردنا بجملة ما يفتقر إليه المجموع العلة الفاعلة ~~فإن الكلام إنما هو في إثبات الفاعل لمجموع الممكنات ليس هو فيما هو أعم من ~~ذلك قوله إن أردتم العلة الفاعلة التامة فلم قلتم إنه يستلزم أن يكون بعض ~~الأجزاء كافيا في المجموع # فيقال قلنا ذلك لأنه إذا وجدت العلة الفاعلة التامة لزم وجود المعلول ~~فإنا إنما نعني بالعلة مجموع ما يلزم من وجوده وجود المعلول فإن الممكن لا ~~يوجد حتى يحصل المرجح التام المستلزم لوجوده فإذا PageV03P245 ~~كان الفاعل فاعلا باختياره فلا بد من القدرة التامة والإرادة الجازمة فلا ~~يحصل الممكن بدون ذلك ومتى وجد ذلك وجب حصول المفعول الممكن فما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن فما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ الله امتنع وجوده ~~فإن حصل للممكن المؤثر التام وجب وجوده بغيره وإن لم يحصل امتنع وجوده ~~لانتفاء المؤثر التام فوجوده لا يحصل إلا بغيره وأما عدمه فقد قيل إنه أيضا ~~لا بد له من علة وهو قول ابن سينا وأتباعه المتأخرين الذين يقولون إن ~~الممكن لا يترجح أحد ms0592 طرفيه على الآخر إلا بمرجح وقيل لا يحتاج عدمه إلى علة ~~وهو قول نظار السنة المشهورين كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي والقاضي أبي ~~يعلي وابن عقيل وهو آخر قولي الرازي فإنه يقول بقول هؤلاء تارة وهؤلاء تارة ~~لكن هذا آخر قوليه فإن العدم عندهم لا يفتقر إلى علة وإذا قيل عدم لعدم ~~علته فمعناه أن عدم علته مستلزم لعدمه لا أنه هو الذي أوجب عدمه بل إذا ~~عدمت علته علمنا أنه معدوم فكان ذلك دليلا على عدمه لا أن أحد العدمين PageV03P246 ~~أوجب الآخر فإن العدم لا تأثير له في شيء أصلا بل عدمه يستلزم عدم علته ~~وعدم علته يستلزم عدمه من غير أن يكون أحد العدمين مؤثرا في الآخر # وأما وجوده فلا بد له من المؤثر التام وإذا حصل المؤثر التام وجب وجوده ~~وإلا امتنع وجوده # ولهذا تنازع الناس في الممكن هل من شرطه أن يكون معدوما فالذي عليه قدماء ~~الفلاسفة كأرسطو وأتباعه من المتقدمين والمتأخرين كابن رشد وغيره حتى ~~الفارابي معلمهم الثاني فإن أرسطو معلمهم الأول وحتى ابن سينا وأتباعه ~~وافقوا هؤلاء أيضا لكن تناقضوا وعليه جمهور نظار أهل الملل من المسلمين ~~وغيرهم أن من شرطه أن يكون معدوما وأنه لا يعقل الإمكان فيما لم يكن معدوما # وذهب ابن سينا وأتباعه إلى أن القديم الموجود بغيره يوصف بالإمكان وإن ~~كان قديما أزليا لم يزل واجبا بغيره لكنه قد صرح هو وأصحابه في غير موضع ~~بنقيض ذلك كما قاله الجمهور وقد ذكرت بعض ألفاظه في كتابه المسمى بالشفاء ~~في غير هذا الموضع وأصحابه الفلاسفة المتبعين لأرسطو وأصحابه مع الجمهور ~~أنكروا ذلك عليه وقالوا إنه خالف به سلفهم كما خالف به جمهور النظار وخالف ~~به ما ذكره هو مصرحا به في غير موضع PageV03P247 # وذلك لأن الممكن بنفسه هو الذي يمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد وذلك إنما ~~يعقل فيما يكون معدوما ويمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد بل يستمر عدمه فأما ~~ما لم يزل موجودا بغيره فكيف يقال فيه ms0593 إنه يمكن وجوده وعدمه أو يقال فيه ~~إنه يقبل الوجود والعدم # ومما يوضح ذلك أن القابل للموجود والعدم إما أن يكون هو الموجود في ~~الخارج أو الماهية الموجودة في الخارج عند من يقول الوجود زائد على الماهية ~~أو ما ليس موجودا في الخارج # فإن قيل بالأول فهو ممتنع لأن ما كان موجودا في الخارج أزلا وأبدا واجبا ~~بغيره فإنه لا يقبل العدم أصلا فكيف يقال إنه يقبل الوجود والعدم # وإن قيل أمر آخر فذلك لا حقيقة له حتى يقبل وجودا أو عدما لأن وجود كل ~~شيء عين ماهيته في الخارج ولكن الذهن قد يتصور ماهية غير الوجود الخارجي ~~فإذا اعتبرت الماهية في الذهن والوجود في الخارج أو PageV03P248 ~~بالعكس فأحدهما غير الآخر وأما إذا اعتبر ما في الخارج فقط أو ما في الذهن ~~فقط فليس هناك وجود وماهية زائدة ومن تصور هذا تصورا تاما لم ينازع فيه ~~وإنما ينازع من لم يميز بين الذهني والخارجي واشتبه عليه أحدهما بالآخر ~~وأيضا فلو قدر أن في الخارج ماهية ووجودا لواجب قديم أزلي فهذه كما يقوله ~~كثير من المتكلمين إن لواجب الوجود ماهية غير زائدة على وجوده وحينئذ فمثل ~~وجود هذه الماهية لا يقبل العدم كما أن وجود الماهية الواجبة بنفسها لا ~~تقبل العدم # وإن قيل نحن نريد بذلك أن ماهية الممكن الزائدة على وجوده القديم الأزلي ~~كماهية الفلك هي من حيث هي هي مع قطع النظر عن وجودها وعدمها تقبل الوجود والعدم # قيل إثبات هذه الماهية زائدة على الوجود باطل كما قد بين في موضع آخر PageV03P249 # وبتقدير التسليم فهذا كما يقدر أن وجود واجب الوجود زائد على ماهيته ~~ومعلوم أنه لا يستلزم ذلك كون ماهيته قابلة للعدم # ثم يقال قول القائل الماهية من حيث هي هي تقدير للماهية مجردة عن الوجود ~~والعدم وهذا تقدير ممتنع في نفسه فإن الماهية لو قدر تحققها فإما أن تكون ~~موجودة أو معدومة فلا يمكن تقديرها مجردة في الخارج حتى يقال إن تلك ~~الماهية تقبل الوجود والعدم # وأيضا ms0594 فلو قيل إنه يمكن تقديرها مجردة فهذا إنما يمكن في الماهية إذا ~~كانت يمكن أن تكون موجودة ويمكن أن تكون معدومة وأما ما كان الوجود لازما ~~لها قديما أزليا يمتنع عدمه فكيف يتصور أن يقال إن هذه الماهية تقبل العدم ~~وهي لم تزل واجبة الوجود فليس لها وقت من الأوقات تقبل فيه العدم وإذا قدرت ~~مجردة في الذهن فليست هذه المقدرة في الذهن هي الموجودة في الخارج ~~المستلزمة للوجود القديم الأزلي # فإن قيل هذا كما نقول في ماهية المحدث إنه يقبل الوجود والعدم # قيل إن سلم لكم أن ماهية المحدث زائدة على وجوده مع موافقتكم لسائر ~~العقلاء على أنه يمتنع تحققها في الخارج إلا إذا كانت موجودة PageV03P250 ~~وحين وجودها لا تكون معدومة بمعنى كونها تقبل الوجود والعدم قيل أحد أمرين ~~إما ان يقال الماهية المقدرة في الذهن يمكن ان تكون موجودة في الخارج ويمكن ~~ان تكون معدومة واما ان يقال هذه الحقيقة يمكن ان تكون في الخارج معدومة ~~تارة وموجودة أخرى فإذا اخترنا من ذلك حال عدمها قيل يمكن وجودها بعد العدم ~~وان كان حين وجودها قيل يمكن عدمها بعد الوجود ومثل هذا ممتنع في الماهية ~~القديمة الأزلية التي يجب وجودها ويمتنع عدمها سواء قدر ان وجوبها بنفسها ~~او بغيرها كما أن صفات الرب عند من قال ممكنة مع كونها قديمة أزلية واجبة ~~بالذات فإنها عندهم لا يمكن عدمها ولا تقبله فإن ما وجب قدمه من الامور ~~الوجودية امتنع عدمه باتفاق العقلاء فإن ما يجب قدمه لا يكون إلا واجبا ~~بنفسه وان قدر أنه ليس واجبا بنفسه فلا بد ان يكون واجبا بغيره وما ليس ~~واجبا بنفسه ولا بغيره ليس قديما باتفاق العقلاء PageV03P251 # فإنه إذا قدر أنه ليس واجبا بنفسه فلا بد أن يكون من لوازم الواجب بنفسه ~~فإنه إذا لم يكن من لوازمه بل جاز وجوده تارة وعدمه أخرى لم يكن هناك موجب ~~لذاته ولا ذاته واجبة بنفسها فامتنع قدمه واذا كان من لوازم الواجب بنفسه ~~امتنع عدمه إلا ms0595 إذا عدم الملزوم فإن اللازم لا ينتفي إلا إذا انتفى الملزوم ~~والملزوم الواجب بنفسه يمتنع عدمه فيمتنع عدم لازمه وما امتنع عدمه لا يكون ~~ممكن العدم # فإن قيل فالممكنات التي هي محدثة هي واجبة بغيرها إذا وجدت تجب بوجوب ~~سببها فما شاء الله كان ووجب وجوده وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده وهي ~~ممتنعة حال عدمها ومع هذا فهي تقبل الوجود والعدم ولا يلزم من عدمها عدم الواجب # قيل الفرق بينهما من وجهين أحدهما ان تلك كانت معدومة تارة وموجودة أخرى ~~فثبت قبولها للوجود والعدم فلا يمكن ان يقال انها لا تقبل PageV03P252 ~~العدم بخلاف ما هو لم يعدم قط ولم يمكن عدمه في وقت من الاوقات # الثاني ان هذه لا يوجبها نفس الواجب إذ لو كان كذلك لكانت لازمة لذاته ~~قديمة أزلية بل إنما توجبها الذات مع ما يحدث من الشروط التي بها تم حصول ~~المقتضى التام فحينئذ ليست من لوازم الواجب بنفسه بل من لوازم مؤثرها التام ~~ومن جملة ذلك الامور الحادثة التي هي شرط في حدوثها واذا عدمت فإنها تعدم ~~لانتفاء بعض هذه الشروط الحادثة أو لحدوث مانع ضاد وجودها ومنع تمام علتها ~~التامة فعدم لعدم بعض الحوادث او وجود بعض الحوادث كما وجدت لحدوث بعض ~~الحوادث PageV03P253 # وقدم بعضها ايضا فلهذا لم تكن من لوازم ذاته المجردة في الأزل بخلاف ما ~~كان من لوازم ذاته في الأزل فإن هذا لازم ذاته يمتنع تحقق ذاته في الأزل ~~بدونها فمتى قدر عدمه لزم عدم الذات الأزلية الواجبة الوجود وعدمها ممتنع ~~فعدم لازمها الازلي ممتنع فلا يكون لازمه الازلي ممكنا البتة بل لا يكون ~~إلا واجبا قديما ازليا لا تقبل ذاته العدم وهذا هو المطلوب فقد تبين ان ما ~~كان ازليا فإنه واجب الوجود يمتنع عدمه لا يكون ممكنا البتة وهذا مما اتفق ~~عليه العقلاء أولوهم وآخروهم حتى ارسطو وجميع أتباعه الفلاسفة إلى الفارابي ~~وغيره وكذلك ابن سينا واتباعه # لكن هؤلاء تناقضوا فوافقوا سلفهم والجمهور في موضع وخالفوا العقلاء قاطبة ms0596 ~~مع مخالفتهم لأنفسهم في هذا الموضع حيث قضوا بوجود موجود ممكن يقبل الوجود ~~والعدم مع كونه قديما ازليا واجبا وان قيل هو واجب بغيره PageV03P254 # ولهذا لا يوجد هذا القول عن أحد من العقلاء قبل هؤلاء ولا نقله اهل ~~المقالات عن أحد من الطوائف وانما يوجد في كلام هؤلاء واتباعهم واذا عرف ~~هذا فإن قال هؤلاء نحن نريد به العدم الاستقبالي أي يقبل ان يعدم في ~~المستقبل قيل فهذا يبطل قولكم لأن ما كان واجبا بغيره أزليا لم يقبل العدم ~~لا في الماضي ولا في المستقبل وكذلك هو عندكم ما كان أزليا كان أبديا يمتنع ~~عندكم عدمه # وان قيل نريد به أن ما تصور في الذهن يمكن وجوده في الخارج ويمكن أن لا يوجد # قيل إذا كان أزليا واجبا بغيره لم يمكن أن يقبل العدم بحال فلا يكون ~~ممكنا أن لم يكن معدوما في الماضي أو المستقبل # واذا قيل ان الممكن يقبل الوجود والعدم لم نرد به أنه يقبلهما على سبيل ~~الجمع فإن هذا جمع بين النقيضين بل المراد به أنه يقبل الوجود بدلا عن ~~العدم والعدم بدلا عن الوجود فإذا كان معدوما كان قابلا لدوام العدم وقابلا ~~لحدوث الوجود واذا كان موجودا قبل دوام الوجود وقبل حدوث العدم هذا إذا ~~اعتبر حاله وان اعتبر حاله في الذهن فالمراد PageV03P255 ~~أن ما يتصوره في الذهن يمكن أن يوجد في الخارج ويمكن أن لا يوجد فبكل حال ~~إذا اعتبر الممكن ذهنيا أو خارجيا لا يتحقق فيه الإمكان إلا مع إمكان العدم ~~تارة ووجوده أخرى فما كان ضروري العدم كالجمع بين النقيضين لا يكون ممكنا ~~وما كان ضروري الوجود وهو القديم الأزلي لا يكون ممكنا وقد وافق على هذا ~~جميع الفلاسفة أرسطو وجميع أصحابه المتقدمين والمتأخرين والعقلاء أما مع ~~وجوب وجوده بنفسه أو بغيره دائما فليس هناك ممكن يحكم عليه بقبول الوجود والعدم # ولما سلك الرازي ونحوه مسلك ابن سينا في إثبات إمكان مثل هذا اضطربوا في ~~الممكن وورد عليهم فيه اشكالات كثيرة كما ms0597 هو موجود في كتبهم كما أورده ~~الرازي في محصله من الحجج الدالة على نفي هذا الممكن ولم يكن له عنها جواب ~~إلا دعواه أن ما كان متغيرا فإنه يعلم امكانه بالضرورة # وهذه الدعوى يخالفه فيها جمهور العقلاء حتى ارسطو وأصحابه وهذا الذي ~~نبهنا عليه هو أحد ما يستدل به على أن كل ممكن فهو مسبوق بالعدم وكل ما سوى ~~الله ممكن فكل ما سوى الله حدث عن عدم كما قد بسط في موضعه PageV03P256 # والمقصود هنا أن الذين استدلوا بهذه الأدلة على افتقار الممكنات إلى واجب ~~خارج عنها فان مرادهم بقولهم جملة ما يفتقر اليه مجموع الممكنات هو المؤثر ~~التام وهو المرجح التام الذي يلزم من وجوده بتأثيره التام وجودها كما ~~ذكرناه من أن الفاعل باختياره إذا وجدت قدرته التامة وإرادته التامة وجب ~~وجود المقدور وهي الممكنات # وأما قوله فلم قلتم انه يلزم أن يكون بعض الأجزاء كافيا في المجموع فلما ~~ذكرناه من أن المؤثر التام يستلزم وجود أثره فإذا قدر أن المؤثر التام في ~~المجموع هو بعض المجموع لزم أن يكون بعض أجزاء المجموع هو المؤثر في ~~المجموع فيكون مؤثرا في نفسه وفي غيره # وهذا ظاهر فإنه إذا قدر مجموع الممكنات وقدرنا ان واحدا منها مؤثر في ~~المجموع أي في كل واحد واحد وفي الهيئة الاجتماعية لزم أن يكون مؤثرا في ~~نفسه وفي غيره فيكون بعض اجزاء المجموع موجبا لحصول المجموع المذكور ومن ~~المجموع نفسه وهذا ممتنع وأما المجموع المركب من الواجب والممكن فهناك ليس ~~بعضه مؤثرا في كل واحد واحد وفي الهيئة الاجتماعية فإن من المجموع الواجب ~~بنفسه لم يؤثر فيه شيء فظهر الفرق # وأيضا فالواجب مؤثر في الممكن وفي الهيئة الاجتماعية ليس مؤثرا في نفسه ~~بخلاف مجموع الممكنات فإن كل واحد منها لا بد له من مؤثر والاجتماع لا بد ~~له من مؤثر في نفسه بخلاف مجموع الممكنات فإن كل واحد منها لا بد له من ~~مؤثر والاجتماع لا بد له من مؤثر فالمجموع مفتقر إلى المؤثر بأي ms0598 تفسير PageV03P257 ~~فسر فإن فسر بالهيئة الاجتماعية فهي متوقفة على الأفراد الممكنة والمتوقف ~~على الممكن أول أن يكون ممكنا مع أن الهيئة الاجتماعية نسبة وإضافة متوقفة ~~على غيرها فهي أدخل في الإمكان والافتقار من غيرها وهي من أضعف الاعراض ~~المفتقرة إلى الاعيان ان قدر لها ثبوتا وجوديا وألا فلا وجود لها وان فسر ~~المجموع بكل واحد واحد أو فسر بالأمرين بكل واحد واحد وبالاجتماع أو بغير ~~ذلك بأي شيء فسر لم يكن إلا ممكنا مفتقرا إلى غيره وكلما كثرت الامكانات ~~كثر الافتقار والحاجة # فإذا قيل المؤثر في ذلك واحد منها وهو ممكن لزم ان يكون الممكن الذي لم ~~يوجد بعد فاعلا لجميع الممكنات ونفسه من الممكنات فإن نفسه لا بد له من ~~فاعل أيضا # وهذا المعترض اخذ المجموع المركب من الواجب والممكن فعارض به المجموع من ~~الممكنات ولفظ المجموع فيه اجمال يراد به الاجتماع ويراد به جميع الأفراد ~~ويراد به الامران فكانت معارضته في غاية الفساد فإن ذلك المجموع فيه واجب ~~بنفسه لا يحتاج إلى غيره وما سواه من الأفراد والهيئة الاجتماعية مفعول له ~~فهذا معقول PageV03P258 ~~فالله تعالى هو الموجود الواجب بنفسه خالق لكل ما سواه وأما الهيئة ~~الاجتماعية ان قدر لها وجود في الخارج فهي حاصلة به أيضا سبحانه وتعالى ~~وأما المجموع الذي كل منه مفتقر إلى من يبدعه وليس فيه موجود بنفسه فيمتنع ~~ان يكون فاعلهم واحدا منهم لأنه لا بد له من فاعل فلو كان فاعلهم ما كان ~~فاعل نفسه وغيره من الممكنات ولزم ان يكون بعض اجزاء الممكنات كافيا في ~~مجموع الممكنات واذا كان مجموع الممكنات يمتنع ان يكون فاعلها فلأن يمتنع ~~ان يكون بعضها فاعلا لها بطريق الأولى فإن ما يتعذر على المجموع يتعذر على ~~بعضه بطريق الأولى وما يفتقر اليه المجموع يفتقر اليه بعضه بطريق الأولى ~~وهذا المعترض اخذ ما يفتقر اليه المجموع لفظا مجملا فالافتقار قد يكون ~~افتقار المشروط إلى شرطه وقد يكون افتقار المفعول إلى فاعله ثم أخذ يورد ~~على هذا وعلى هذا ms0599 ونحن نجيب على كل تقدير # الوجه الرابع ان يقال أتعني بجملة ما يفتقر اليه المجموع ما إذا وجد وجد ~~المجموع وما لا يوجد المجموع إلا بوجوده كله مع قطع النظر عن كونه شرطا او ~~فاعلا فإن جملة ما يفتقر اليه الشيء هو الجملة التي تشتمل على كل ما يفتقر ~~اليه الشيء مفتقرا اليه فهو PageV03P259 ~~داخل في هذه الجملة واذا حصل كل ما يحتاج اليه الشيء لم يبق الشيء محتاجا ~~إلى شيء أصلا فيلزم وجوده حينئذ فإنه ما دام مفتقرا إلى شيء لم يوجد واذا ~~حصل كل ما يتوقف وجوده عليه ولم يبق وجوده موقوفا على شيء أصلا لزم وجوده ~~فيعني بجملة ما يتوقف وجود الشيء عليه الامور التي إذا وجدت وجد المجموع ~~وان لم توجد جميعها لم يوجد المجموع # ومعلوم أنه إذا عنى به ذلك لم يمكن ان يكون ذلك بعضها لأنه يلزم حينئذ ان ~~يكون بعض الاجزاء كافيا في المجموع فإنه قد فسر الجملة بما إذا حصل وجب ~~حصول المجموع وان لم يحصل لم يجز حصوله فلو كان بعض الاجزاء هو تلك الجملة ~~لوجب ان يكون ذلك البعض كافيا في حصول المجموع سواء قدر فاعلا لنفسه ولباقي ~~الجملة أو قدر أن حصوله هو حصول المجموع او قدر غير ذلك من التقديرات ~~الممتنعة فأي تقدير قدر كان ممتنعا فإن جملة ما يفتقر اليه المجموع لا يكون ~~بعض المجموع بأي تفسير فسر وهو المطلوب # ولكن لفظ المجموع فيه اجمال فإنه قد يعني به مجرد الهيئة الاجتماعية وقد ~~يعني به كل من الأفراد أو كل من الأفراد مع الهيئة الاجتماعية فإن عني به ~~الأول فلا ريب ان هذا قد يكون بعض الأفراد موجبا له كما في المجموع المركب ~~من الواجب والممكن فإن PageV03P260 ~~الواجب هو الموجب للممكنات وهو الموجب أيضا للهيئة الاجتماعية والهيئة ~~الاجتماعية امر ممكن خارج عن الواجب ليس هو بعض الهيئة الاجتماعية لكنه بعض ~~الأفراد والهيئة نسبة واضافة وليس هو بعض النسبة والاضافة ولكن هو بعض ~~الأفراد المنسوب بعضها إلى بعض ms0600 والنسبة وسائر الأفراد غير له وهو الموجب ~~لكل ما هو غير له # واما المجموع الذي هو الأفراد فلا يكون بعضه هو الموجب لكل من الأفراد ~~فان هذا يقتضي ان يكون ذلك البعض موجبا لنفسه فاعلا لذاته وهذا ممتنع ~~بالضرورة واتفاق العقلاء بل هو من ابلغ الامور امتناعا والعلم بذلك من اوضح ~~المعارف واجلاها ولهذا لم يقل هذا أحد من العقلاء # واذا المجموع كلا من الأفراد مع الهيئة فهو ابعد عن ان يكون واحد من ~~الأفراد موجبا لنفسه ولسائر الأفراد ومع الهيئة الاجتماعية وهذا بين ولله ~~الحمد والمنة # واعلم ان مثل هذه الاعتراضات مع صحة الفطرة وحسن النظر يعلم فسادها ومثل ~~هذه االخواطر الفاسدة التي تقدح في المعلومات PageV03P261 ~~لا نهاية لها ولا يمكن استقصاء ما يرد على النفوس من وساوس الشيطان ولولا ~~ان هذين الرجلين اللذين كان يقال انهما من افضل اهل زمانهما في المباحث ~~العقلية كلاميها وفلسفيها أورد كل منها ما ذكرت وصار ذلك عنده مانعا من صحة ~~الطريق المذكور في إثبات واجب الوجود لما ذكرت ذلك لظهور فساده عند من له ~~تصور صحيح لما ذكروه فضلا عمن نور الله قلبه # ثم ان هؤلاء الفلاسفة يقولون كما زعم الامدى ان كمال النفس الانسانية هو ~~الاحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات وهم مع هذا لم يعرفوا الموجود الواجب ~~فأي شيء عرفوه # وقد بلغني بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو الخونجي صاحب كشف الاسرار في ~~المنطق وهو عند كثير منهم غاية في هذا الفن انه قال عند الموت اموت وما ~~علمت شيئا إلا ان الممكن يفتقر إلى الواجب ثم قال الافتقار وصف عدمى اموت ~~وما علمت شيئا # وذكر الثقة عن هذا الامدى انه قال أمنعت النظر في الكلام وما استفدت منه ~~شيئا إلا ما عليه العوام او كلاما هذا معناه PageV03P262 # وذلك ان هذا الامدى لم يقرر في كتبه لا التوحيد ولا حدوث العالم ولا ~~إثبات واجب الوجود بل ذكر في التوحيد طرقا زيفها وذكر طريقة زعم انه ~~ابتكرها وهي اضعف من غيرها # وكان ابن ms0601 عربي صاحب الفصوص والفتوحات وغيرهما يعظم طريقته ويقول ان ~~الطريقة التي ابتكرها في التوحيد طريقة عظيمة او ما هو نحو هذا حتى افضى ~~الأمر ببعض اعيان القضاة الذين نظروا في كلامه إلى ان قال التوحيد لا يقوم ~~عليه دليل عقلي وانما يعلم بالسمع فقام عليه اهل بلده وسعوا في عقوبته وجرت له قصة # وكذلك الاصبهاني اجتمع بالشيخ إبراهيم الجعبري يوما فقال له بت البارحة ~~أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالم عن المعارض فما وجدته # وكذلك حدثني من قرا على ابن واصل الحموي انه قال ابيت بالليل واستلقى على ~~ظهري واضع الملحفه على وجهي وابيت PageV03P263 ~~أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس واصبح وما ترجح عندي شيء كأنه يعني ~~أدلة المتكلمين والفلاسفة # وقد بسطنا الكلام في التوحيد وأدلته في غير هذا الموضع وذكرنا ان الناس ~~قبلنا قد ذكروا له من الأدلة العقلية اليقينية ما شاء الله ولكن الانسان ~~يريد ان يعرف ما قاله الناس وما سبقوا اليه وبينا أيضا ان القران ذكر من ~~ذلك ما هو خلاصة ما ذكره الناس وفيه من بيان توحيد الإلهية ما لم يهتد اليه ~~كثير من النظار ولا العباد بل هو الذي بعث الله به رسله وانزل به كتبه # وهؤلاء كما ذكرت انقسموا إلى أصحاب نظر وفكر وبحث واستدلال واصحاب ارادة ~~وعبادة وتأله وزهد فكان منتهى اولئك الشك ومنتهى هؤلاء الشطح فأولئك يشكون ~~في ثبوت واجب الوجود او يعجزون عن اقامة الدلالة عليه # واذا لم يكن في الوجود واجب لم يوجد شيء فتكون الموجودات كلها معدومات ~~فيفضى بهم سوء النظر إلى جعل الموجودات معدومات او تجويز كونها معدومات ~~وجعل الموجود الواجب ممكنا وجعل الواجب ممكنا غاية التعطيل # والآخرون يجعلون كل موجود واجب الوجود ويجعلون وجود كل موجود هو نفس وجود ~~واجب الوجود فلا يكون في الوجود وجود هو PageV03P264 ~~عندهم مخلوق ولا مصنوع ولا مفتقر إلى غيره ولا محتاج إلى سواه فلا يكون في ~~الوجود ما وجد بعد عدمه ولا ما عدم بعد وجوده وهذا فيه ms0602 من جعل المعدوم ~~موجودا ومن جعل الممكن واجبا وجعل العبد ربا وجعل المحدث قديما ما هو غاية ~~الكفر والشرك والضلال # هذا مع ان إثبات الموجود الواجب الغني الخالق واثبات الموجود الممكن ~~المحدث الفقير المخلوق هو من اظهر المعارف وابين العلوم # واما ثبوت الموجود المفتقر المحدث الفقير فيما نشاهده من كون بعض ~~الموجودات يوجد بعد عدمه ويعدم بعد وجوده من الحيوانات والنباتات والمعدن ~~وما بين السماء والأرض من السحاب والمطر والرعد والبرق وغير ذلك وما نشاهده ~~من حركات الكواكب وحودث الليل بعد النهار والنهار بعد الليل فهذا كله فيه ~~من حدوث موجود بعد عدمه ومعدوم بعد وجوده ما هو مشهود لبني ادم يرونه ~~بأبصارهم # ثم إذا شهدوا ذلك فنقول معلوم ان المحدثات لا بد لها من محدث والعلم بذلك ~~ضروري كما قد بين ولا بد من محدث لا يكون PageV03P265 ~~محدثا وكل محدث ممكن والممكنات لا لها من واجب وكل محدث وممكن فقير مربوب ~~مصنوع والمفتقرات لا بد لها من غني والمربوبات لا بد لها من رب والمخلوقات ~~لا بد له من خالق # وأيضا فإنه يقال هذا الموجود إما ان يكون واجبا بنفسه واما ان لا يكون ~~واجبا بنفسه بل ممكنا بنفسه واجبا بغيره والممكن بنفسه الواجب بغيره لا بد ~~له من واجب بنفسه فلزم ثبوت الواجب بنفسه على التقديرين # وأيضا فالموجود إما ان يكون محدثا واما ان يكون قديما والمحدث لا بد له ~~من قديم فلزم وجود القديم على التقديرين # وأيضا فالموجود إما ان يكون مخلوقا واما ان لا يكون والمخلوق لا بد له من ~~خالق فيلزم ثبوت الموجود الذي ليس بمخلوق على التقديرين # وأيضا فإما ان يكون خالقا واما ان لا يكون وقد علم فيما ليس بخالق ~~كالموجودات التي علم حدوثها انها مخلوقة والمخلوق لا بد له من خالق فعلم ~~ثبوت الخالق على التقديرين # أيضا فالموجود إما غني عن كل ما سواه واما مفتقر إلى غيره والفقير إلى ~~غيره لا بد له من غني بنفسه فعلم ثبوت الغني بنفسه على ms0603 التقديرين PageV03P266 # فهذه البراهين وامثالها كل منها يوجب العلم بوجود الرب سبحانه وتعالى ~~الغني القديم الواجب بنفسه # وابن سينا واتباعه كالرازي والامدى والسهورودي المتقول واتباعهم سلكوا في ~~إثبات واجب الوجود طريقة الاستدلال بالوجود وعظموها وظن من ظن منهم انها ~~اشرف الطرق وانه لا طريق إلا وهو يفتقر اليها حتى ظنوا ان طريقة الحدوث ~~مفتقرة اليها # وكل ذلك غلط بل هي طريقة توجب إثبات واجب الوجود بلا ريب لو كانوا يفسرون ~~الممكن بالممكن الذي هو ممكن عند العقلاء سلفهم وغير سلفهم وهو الذي يكون ~~موجودا تارة ومعدوما اخرى # فأما إذا فسر الممكن بالممكن الذي ينقسم إلى قديم واجب بغيره والى محدث ~~مسبوق بالعدم كما هو قول ابن سينا واتباعه فلا يصح لهم على هذا الأصل ~~الفاسد لا إثبات واجب بنفسه ولا إثبات ممكن يدل على الواجب بنفسه # وهذه الطريقة هي في الحقيقة مأخوذة من طريقة الحدوث PageV03P267 # وطريقة الحدوث اكمل وابين فإن الممكن الذي يعلم انه ممكن هو ما علم انه ~~وجد بعد عدمه او عدم بعد وجوده # هذا الذي اتفق العقلاء على انه ممكن وهو الذي يتحق ان يسمى ممكنا بلا ريب ~~وهذا محدث فإذا كل ممكن محدث # واما تقدير ممكن لم يزل واجبا بغيره فأكثر العقلاء دفعوا ذلك حتى ~~القائلون بقدم العالم كأرسطوا واتباعه المتقدمين وحتى هؤلاء الذين قالوا ~~ابن سينا واتباعه لا يجعلون هذا من الممكن بل الممكن عندهم ما امكن وجوده ~~وعدمه فكان موجودا تارة ومعدوما اخرى # وانما جعل هذا من الممكن ابن سينا واتباعه مع تناقضه وتصريحه بخلاف ذلك ~~لما سلكوا في إثبات واجب الوجود الاستدلال بالموجود على الواجب فقالوا كل ~~ما سواه يكون ممكنا بنفسه واجبا بغيره وجعلوا العالم قديما أزليا مع كونه ~~ممكنا بنفسه # وهذا خلاف قول سلفهم وقول ائمة الطوائف سواهم وخلاف ما صرحوا أيضا به ~~وهذا مما انكره ابن رشد وغيره على ابن سينا وبسط الكلام فيه له موضع اخر PageV03P268 # والمقصود هنا ان هؤلاء الذين يدعون ان كمال النفس هو الاحاطة بالمعقولات ~~والعلم بالمجهولات ms0604 هذا اضطرابهم في اشرف المعلومات الموجودات بل فيما لا ~~تنجو النفوس إلا بمعرفته وعبادته ولكن لما سلموا للفلاسفة اصولهم الفاسدة ~~تورطوا معهم في محاراتهم وصاروا يجرونهم كما يجر الملاحدة الباطنية الناس ~~صنفا صنفا # والفلسفة هي باطن الباطنية ولهذا صار في هؤلاء نوع من الالحاد فقل ان ~~يسلم من دخل مع هؤلاء في نوع من الالحاد في اسماء الله واياته وتحريف الكلم ~~عن مواضعه # ونفس المقدمة الهائلة التي جعلوها غاية مطلوبهم وهو ان كمال النفس في ~~مجرد العلم بالمعقولات مقدمة باطلة قد بسطنا الكلام عليها في الكلام على ~~معجزات الانبياء لما تكلمانا على قولهم انها قوي نفسانية وذكرنا قطعة من ~~كلامهم على ذلك وبينا ان قولهم ان كمال النفس في مجرد العلم بالمعقولات خطأ ~~وضلال ومن هنا جعلوا الشرائع مقصودها إما اصلاح الدنيا واما تهذيب النفس ~~لتستعد للعلم او لتكون الشريعة امثالا لتفهيم المعاد في PageV03P269 # العقليات كما قوله الملاحدة الباطنية مثل أبي يعقوب السبحستاني وامثاله ~~ولهذا لا يوجبون العمل بالشرائع على من وصل إلى حقيقة العلم ويقولون انه لم ~~يجب على الانبياء ذلك وانما كانوا يفعلونه لانه من تمام تبليغهم الامم ~~ليقتدوا بهم في ذلك لا لانه واجب على الانبياء وكذلك لا يجب عندهم على ~~الواصلين البالغين من الأمة والعلماء # ودخل في ذلك طائفة من ظلال المتصوفة ظنوا ان غاية العبادات هو حصول ~~المعرفة فإذا حصلت سقطت العبادات وقد يحتج بعضهم بقوله { واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين } سورة الحجر 99 ويزعمون ان اليقين هو المعرفة وهذا خطأ ~~باجماع المسلمين اهل التفسير وغيرهم فان المسلمين متفقون على ان وجوب ~~العبادات كالصلوات الخمس ونحوها وتحريم المحرمات كالفواحش والمظالم لا يزال ~~واجبا على كل أحدها دام عقله حاضرا ولو بلغ ما بلغ وان الصلوات لا تسقط عن ~~أحد قط إلا عن الحائض والنفساء او من زال عقله مع ان من زال عقله بالنوم ~~فإنه يقضيها بالسنة المستفيضة المتلقاه بالقبول واتفاق العلماء واما من زال ~~عقله بالاغماء ونحوه مما يعذر فيه ففيه نزاع مشهور منهم ms0605 من يوجب قضاءها ~~مطلقا كأحمد ومنهم من لا يوجبه كالشافعي ومنهم من يوجب قضاء ما PageV03P270 ~~قل وهو مادون اليوم والليلة او صلوات اليوم والليلة كما هو مذهب أبي حنيفة ~~ومالك والمجنون لا يقضي عند عامتهم وفيه نزاع شاذ # فالمقصود من هذا ان الصلوات الخمس لا تسقط عن أحد له عقل سواء كان كبيرا ~~او صالحا او عالما وما يظنه طوائف من جهال العباد واتباعهم وجهال النظار ~~واتباعهم وجهال الإسماعيلية والنصيرية او اهل الحضرة او عمن خرقت لهم ~~العادات او عن الائمة الإسماعيلية او بعض اتباعهم او عمن عرف العلوم ~~العقلية او عن المتكلم الماهر في النظر او الفيلسوف الكامل الفلسفة فكل ذلك ~~باتفاق المسلمين وبما علم بالاضطرار من دين الإسلام # واتفق علماء المسلمين على ان الواحد من هؤلاء يستتاب فإن تاب واقر ~~بوجوبها وألا قتل فإنه لا نزاع بينهم في قتل الجاحد لوجوبها وانما تنازعوا ~~في قتل من اقر بوجوبها وامتنع من فعلها مع ان اكثرهم يوجب قتله # ثم الواحد من هؤلاء إذا عاد واعترف بالوجوب فهل عليه قضاء ما تركه فهذا ~~على ثلاثة انواع أحدهما ان يكون قد صار مرتدا ممتنعا PageV03P271 ~~عن الإقرار بما فرضه الرسول فهذا حكمه حكم المرتدين وفيه للعلماء ثلاثة ~~اقوال أحدهما انه لا يقضي ما كركه في الردة ولا قبلها لا من صلاة ولا صيام ~~ولا زكاة بناء على ان الردة احبطت عمله وانه إذا عاد بإسلام جديد فيستأنف ~~العمل كما هو معروف في مذهب أبي حنيفية ومالك وقول في مذهب احمد والثاني ~~انه يقضي ما تركه في الردة وقبلها وهذا قول الشافعي واحدى الرويات عن احمد ~~والثالث انه لا يقضي ما تركه في الردة ويقضي ما تركه قبلها كالرواية ~~المشهورة عن احمد # وان كان الواحد من هؤلاء جاهلا وهو مصدق للرسول لكن ظن ان من دينه سقوط ~~هذه الواجبات عن بعض البالغين كما يظن ذلك طوائف ممن صحب الشيوخ الجهال ~~وكما يظنه طائفة من الشيوخ الجهال ولهم مع ذلك احوال نفسانية وشيطانية # فهؤلاء مبنى ms0606 امرهم على ان ما ترك الصلاة قبل العلم بوجوبها فهل يقضي ~~وفيهة ثلاثة اقوال منها وجهان في مذهب احمد أحدهما انه لا قضاء عليه بحال ~~بناء على ان حكم الخطاب لا يثبت PageV03P272 ~~في حق العبد إلا بعد الخطاب اليه والثاني عليه القضاء بكل حال كما يقوله من ~~يقوله من أصحاب الشافعي وغيره والثالث يفرق بين من أسلم في دار الحرب ومن ~~أسلم في غيرها كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب أبي حنيفة والأول أظهر ~~الأقوال # وأيضا فقد تنازع الناس فيمن فوت الصلاة عمدا بغير عذر والصوم هل يصح منه ~~القضاء أم قد استقر عليه الذنب فلا يقبل منه القضاء على قولين معروفين وليس ~~هذا موضع هذا # وإنما المقصود هنا أنه ليس في علماء المسلمين من يقول بسقوط الصلاة عمن ~~هو عاقل على أي حال كان # فمن تأول قوله تعالى { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } سورة الحجر 99 على ~~سقوط العبادة بحصول المعرفة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل والمراد بالآية ~~اعبد ربك حتى تموت كما قال الحسن البصري لم يجعل الله لعبادة المؤمن أجلا ~~دون الموت وقرأ الآية # واليقين هو ما يعاينه الميت فيوقن به كما قال تعالى عن أهل النار { وكنا ~~نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين } سورة المدثر 46 47 وفي الصحيح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما مات عثمان بن مظعون قال # أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه # والمقصود هنا أن هؤلاء الملاحدة ومن شركهم في نوع من إلحادهم لما ظنوا أن ~~كمال النفس في مجرد العلم وظنوا أن ذلك إذا حصل فلا PageV03P273 ~~حاجة إلى العمل وظنوا أن ذلك حصل لهم ظنوا سقوط الواجبات العامة عنهم وحل ~~المحرمات العامة لهم # وضلالهم من وجوه # منها ظنهم أن الكمال في مجرد العلم # والثاني ظنهم أن ما حصل لهم علم # والثالث ظنهم أن ذلك العلم هو الذي يكمل النفس # وكل من هذه المقدمات كاذبة فليس كمال النفس في مجرد العلم ولا في أن تصير ~~عالما معقولا موازيا ms0607 للعالم الموجود بل لا بد لها من العمل وهو حب الله ~~وعبادته فإن النفس لها قوتان علمية وعملية فلا تصلح إلا بصلاح الأمرين وهو ~~أن تعرف الله وتعبده # والجهمية هم خير من هؤلاء بكثير ومع هذا فلما قال جهم ومن وافقه إن ~~الإيمان مجرد المعرفة أنكر ذلك أئمة الإسلام حتى كفر من قال بهذا القول ~~وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما PageV03P274 # وهذا القول وإن كان قد تابعه عليه الصالحي والأشعري في كثير من كتبه ~~وأكثر أصحابه فهو من أفسد الأقوال وأبعدها عن الصحة كما قد بيناه في غير ~~هذا الموضع لما بينا الكلام في مسمى الإيمان وقبوله للزيادة والنقصان وما ~~للناس في ذلك من النزاع # وأما المقدمة الثانية فلو كان كمال النفس في مجرد العلم فليس هو أي علم ~~كان بأي معلوم كان بل هو العلم الذي لا بد منه العلم بالله وهؤلاء ظنوا أنه ~~العلم بالوجود بما هو موجود وظنوا أن العالم أبدي أزلي فإذا حصل له العلم ~~بالوجود الازلي الابدي كملت نفسه # وعلى هذا بنى أبو يعقوب السجستاني وغيره من شيوخ الفلسفة والباطنية ~~أقوالهم وكذلك امثالهم من الفلاسفة كالفارابي وغيره وابن سينا وان كان أقرب ~~إلى الإسلام منهم ففيه من الالحاد بحسبه وابو حامد وان سلك احيانا مسلكهم ~~لكنه لا يجعل العلم بمجرد الوجود موجبا للسعادة بل يجعل ذلك في العلم بالله ~~وقد يقول في بعض كتبه انه العلم بالأمور الباقية وهذا كلامهم # فمن قال ان العالم أزلي أبدي قال بقولهم ومن قال ان كل ما سوى الله كان ~~معدوما ثم وجد لم يلزمه ذلك وابن عربي وابن PageV03P275 # سبعين ونحوهما جمعوا بين المسلكين فصاروا يجعلون كمال النفس هو العلم ~~بالوجود المطلق ويقولون ان الله هو الوجود المطلق فأخذوا من طريقة الصوفية ~~أنه العلم بالله وأخذوا من كلام هؤلاء أنه العلم بالوجود المطلق وجمعوا ~~بينهما فقالوا ان الله هو الوجود المطلق # وأما المقدمة الثالثة فزعمهم أنهم حصل لهم العلم بالوجود وهذا باطل فإن ~~كلامهم في الالهيات مع قلته ms0608 فالضلال أغلب عليه من الهدى والجهل أكثر فيه من ~~العلم وهي العلوم التي تبقى معلوماتها تكمل النفوس بها عندهم # وأما الطبيعيات فهي مبدأ الحركة والتغير والاستحالة ولكن منها كليات لا ~~تنتقض بزعمهم وهي منتقضة # وهذه الامور مبسوطة في غير هذا الموضع ولكن نبهنا عليه هنا لأن مثل هذا ~~الامدي وأمثاله الذين عظموا طريقهم وصدروا كتبهم التي صنفوها في أصول دين ~~الإسلام بزعمهم بما هو أصل هؤلاء الجهال من أن كمال النفس الانسانية بحصول ~~مالها من الكمالات وهي الاحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات وسلكوا طرقهم ~~وقعوا في الجهل والحيرة والشك بما لا تحصل النجاة إلا به ولا تنال السعادة ~~إلا بمعرفته فضلا عن نيل الكمال الذي هو فوق ذلك فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # كمل من الرجال كثير فالكاملون من الرجال PageV03P276 ~~كثير ولكن الذين سلكوا طريق هؤلاء من أبعد الناس عن الكمال # والمقصود هنا الكلام على ما سلكه هؤلاء المتأخرون في تقرير واجب الوجود ~~والآمدي قد قررها في أبكار الافكار وأورد سؤالا على بعض مقدماتها في رموز ~~الكنوز قد ذكرنا سؤاله وجوابه # وأما تقريره لها فقال في تقرير هذه الحجة النظر إلى الجملة غير النظر إلى ~~كل واحد واحد من آحادها فإن حقيقة الجملة غير حقيقة كل واحد من الآحاد وعند ~~ذلك فالجملة موجودة فإما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة لا جائز أن تكون ~~واجبة كما تقدم وإن كانت ممكنه فلا بد لها من مرجح والمرجح إما داخل فيها ~~وإما خارج عنها فإن كان داخلا فيها فالمرجح للجملة مرجح لآحادها PageV03P277 # فيلزم ان يكون مرجحا لنفسه لكونه من الآحاد فيلزم ان يكون علة لنفسه ~~معلولا لها وان كان خارجا عنها لم يكن ممكنا لأنه من الجملة فيكون واجبا # ثم أورد على ذلك قول السائل لا نسلم وجود ما يسمى جملة في غير المتناهى ~~ليصح ما ذكرتموه ولا يلزم من صحة ذلك في المتناهى مع اشعاره بالحصر صحته في ~~المتناهى سلمنا ان مفهوم الجملة حاصل فيما لا يتناهى وانه ممكن لكن ms0609 لا نسلم ~~انه زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية وحينئذ فلا يلزم ان يكون ~~معللا بغير علة الآحاد سلمنا انه زائد على الآحاد ولكن ما المانع ان يكون ~~مترجحا بآحاده الداخلة فيه لا بمعنى أنه مترجح بواحد منها ليلزم ما ذكرتموه ~~بل طريق ترجيحه بالآحاد الداخلة فيه ترجح كل واحد من آحاده بالاخر إلى غير ~~النهاية وعلى هذا فلا يلزم افتقاره إلى مرجح خارج عن الجملة ولا ان يكون ~~المرجح للجملة مرجحا لنفسه ولا لعلته PageV03P278 # ثم قال في الجواب قولهم لا نسلم وجود ما يسمى جملة في غير المتناهى قلنا ~~مسمى الجملة هو ما وصفتموه بكونه غير متناه ولا شك انه غير كل واحد من ~~الآحاد إذ كل واحد من الآحاد متناه والموصوف بما لا يتناهى هو الاعداد ~~المفروضة بحيث لا يخرج عنها واحد قولهم لا نسلم ان مفهوم الجملة زائد على ~~الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية # قلنا ان أردتم ان مفهوم الجملة هو نفس المفهوم من كل واحد من الآحاد فهو ~~ظاهر الاحالة وان اردتم به الهيئة الاجتماعية من آحاد الاعداد فلا خفاء ~~بكونه زائدا على كل واحد من الآحاد وهو المطلوب # ولقائل ان يقول يريدون بالجملة كل الآحاد لا كل واحد منها ولا يسلمون ان ~~كل الآحاد أمر مغاير للاحاد المتعاقبة # قولهم ما المانع من أن تكون الجملة مترجحة بآحادها الداخلة فيها كما قرروه PageV03P279 # قلنا إما ان يقال تترجح الجملة بمجموع الآحاد الداخلة فيها او بواحد منها ~~فإن كان يوجد منها فالمحال الذي ألزمناه حاصل وان كان بمجموع الآحاد فهو ~~نفس الجملة المفروضة وفيه ترجح الشيء بنفسه وهو محال # قلت ولقائل ان يقول الحجة المذكورة لا تحتاج إلى إثبات كون الجملة غير ~~الآحاد وان كان ذلك حقا فإنه يقال لمن قال لا نسلم وجود ما يسمى جملة في ~~غير المتناهى لا يخلو إما ان يكون هنا جملة غير الآحاد واما ان لا يكون فإن ~~كان بطل سؤاله وان لم يكن كان ذلك أبلغ في الحجة فإن كل ms0610 واحد من الآحاد ~~ممكن وليس هنا جملة يمكن ان تكون واجبة فكل من الممكنات يمتنع ان يوجد ~~بنفسه او بممكن آخر كامتناع وجود الجملة الممكنة بكل من الممكنات # وقد أورد هو هذا السؤال فكان فيه كفاية من ان يقرر امورا إذا حذفها كان ~~ابلغ في الحجة واقوى لها # وكذلك السؤال الثاني وهو قوله سلمنا ان مفهوم الجملة حاصل فيما لا يتناهى ~~وانه ممكن لكن لا نسلم انه زائد اعلى الآحاد المتعاقبة فلا يكون معللا بغير ~~علة الآحاد فان هذا السؤال هو PageV03P280 ~~نظير الأول بل هو مع تغير العبارة فإن من نفي وجود ما يسمى جملة في غير ~~المتناهي لم ينازع في وجود كل واحد واحد من الآحاد المتعاقبة فإذا سلم ~~مفهوم الجملة فيما لا يتناهى وفسر ذلك بالآحاد المتعاقبة كان باقيا على ~~منعه الأول لكن من الناس من يقول الجملة لا تعقل إلا في المتناهى ومنهم مند ~~قد ينازع في الجملة هل لها الجملة هل لها حقيقة غير كل واحد من الآحاد ~~فلهذا جعلهما سؤالين # وبكل حال فالسؤال ان كان متوجها كان ذلك اقوى في الحجة وان لم يكن متوجها ~~لم يرد بحال وذلك انه إذا لم يكن للجملة حقيقة غير كل واحد واحد لم يكن هنا ~~مجموع نحتاج ان نصفه بوجوب او إمكان غير كل واحد واحد وتلك كلها ممكنة ~~فتكون الحجة على هذا التقدير اقل مقدمات فانه إذا كانت الجملة غير الآحاد ~~احتيج إلى نفي وجوبها بنفسها او بالآحاد إما إذا قدر انتفاء ذلك لم يحتج ~~إلى ذلك فلا يحتاج إلى نفي الوجوب عنها لا بنفسها ولا بالآحاد # ولهذا قال في الاعتراض إذا لم تكن الجملة غير الآحاد لم يلزم ان تكون ~~معللة بغير علة الآحاد # وهذا مما يقوى الحجة فإنها إذ لم تكن معللة بغير علة الآحاد ومعلوم انه ~~لا بد من إثبات علة الآحاد فذلك وحده كاف بخلاف ما إذا كانت غيلا الآحاد ~~فإنه يحتاج إلى نفي وجوبها او بالآحاد PageV03P281 # وهذا هو السؤال الثالث وهو قوله ms0611 ما المانع ان يكون المجموع وهو الجملة ~~مترجحا باحاده الداخلة فيه لا بواحد منها بل طريق ترجحه بالآحاد الداخلة ~~فيه بترجح كل واحد من احاده بالاخر إلى غير نهاية # وقد اجاب عن هذا بقوله مجموع الآحاد نفس الجملة المفورضة وفيه ترجح الشيء ~~بنفسه وهو محال # وهذا السؤال هوالذي ذكره في كتابه الآخر وذكر انه لايعرف له جوابا حيث ~~قال ما المانع من ترجحها بترجح آحادها وترجح آحادها كل واحد بالآخر إلى غير ~~النهاية # قال وهذا اشكال مشكل وربما يكون عند غيري حله والجواب الذي ذكر عنه إنما ~~يستقيم إذا ارادوا بالجملة كل واحد واحد من الاجزاء ولم يجعلوا للاجتماع ~~قدرا زائدا وجعلوا الاجتماع جزءا فانه حينئذ يقال الجملة هي الآحاد فأما ~~إذا أريد بالجملة الاجتماع وهو الهيئة الاجتماعية وان ترجحها بالآحاد ~~المتعاقبة لم يكن الجواب صحيحا PageV03P282 # وهذا هو الذي استشكله في كتابه الآخر وحينئذ يكون السؤال لم لا يجوز ترجح ~~الاجتماع بالآحاد المجتمعة وترجح كل واحد بالاخر وليس الجملة هو الآحاد ~~المتعاقبة كما تقدم بل هو الهيئة الاجتماعية ولكن يمكن تقرير هذا الجواب ~~إذا جعلت الهيئة الاجتماعية جزءا من اجزاء الجملة وهذا امر اصطلاحي فان ~~المجموع المركب من اجزاء قد يجعل نفس الاجتماع ليس جزءا من المجموع وقد ~~يجعل جزءا من المجموع فإذا جعل الاجتماع جزءا من المجموع كان تقرير السؤال ~~ان هذا الجزء معلل بسائر الاجزاء وترجح كل جزء بالاخر وترجح جزء ممكن بجزء ~~ممكن كترجح جزء ممكن باجزاء ممكنة وحينئذ فاجابته بقوله مجموع الآحاد نفس ~~الجملة المفروضة وفيه ترجح الشيء بنفسه ليس بجواب مطابق فإنهم لم يدعوا ~~ترجح المجموع بالمجموع بل ترجح الاجتماع بكل واحد من الاجزاء المتعاقبة ~~والاجتماع وان كان جزءا فليس هو من الاجزاء المتعاقبة لكن هذا فيه ترجيح ~~بعض الاجزاء ببعض فهو كتعليل بعض الممكنات ببعض فيعود الأمر ويقال فالمجموع ~~هو واجب بنفسه او ممكن معلول لنفسه او معلول ببعضه او بخارج عنه كما تقدم ~~تقرير ابن سينا لحجته # وقد تقدم ان المجموع إما ان ms0612 لا يكون له علة بل هو واجب PageV03P283 ~~بنفسه وهذا باطل كما تقدم واما ان يكون له علة وهو المجموع او بعضه او ما ~~هو خارج عنه كما يقال نظير ذلك في دلالة المطابقة والتضمن والالتزام # فلهذا قال في القسم الثاني واما ان يقتضي المجموع علة هي الآحاد بأسرها ~~فتكون معلولة لذاتها فان تلك الجملة والكل شيء واحد واما الكل بمعنى كل ~~واحد فليس تجب به الجلمة # يقول ان كان المقتضي للمجموع هي الآحاد بأسرها بحيث تدخل فيها الهيئة ~~الاجتماعية لزم ان تكون الجملة الممكنة معلولة لذاتها فان الجملة والكل ~~والمجموع شيء واحد بخلاف ما إذا أريد بالكل كل واحد واحد فان الجملة لا تجب ~~بكل واحد واحد إنما تجب بمجموع الآحاد كالعشرة لا تحصل بكل فرد فرد من ~~افرادها وكذلك سائر المركبات وانما يحصل المركب بمجموع اجزائه التي من ~~جملتها الهيئة الاجتماعية ان جعلت الهيئة الاجتماعية امرا وجوديا وان لم ~~تجعل كذلك لم يحتج إلى هذا بل يقال المجموع هو الآحاد بأسرها وليس هنا غير الآحاد # ولعل ابن سينا اراد هذا ولهذا اوردا عليه تلك الاسولة PageV03P284 ~~وهو ان المجموع مغاير للاحاد وانه يجوز ان يجب المجموع بالآحاد المتعاقبة ~~ونحو ذلك مما تقدم # وأما القسم الثالث وهو ان يكون للمجموع علة هي بعضه فهذا قد ابطله بقوله ~~ليس بعض الآحاد اولى بذلك من بعض ان كان واحد منها معلولا ولان علته اولى بذلك # وهذان ان وجهان في تقرير ذلك أحدهما ان كل جزء من الاجزاء إذا كان ممكنا ~~ومن ذلك الهيئة الاجتماعية فليس وجوب المجموع بهذا الجزء بأولى من هذا لانه ~~متوقف على كل جزء جزء منها # والثاني ان كل واحد من تلك الاجزاء معلول لغيره فعلته اولى ان تكون هي ~~الموجبة للجميع منه سواء قيل ان علة المجموع واحد معين او واحد منها غير ~~معين واما إذا قيل كل واحد واحد فذلك ابعد لانه يقتضي اجتماع مؤثرين ~~مستقلين على اثر واحد وهو ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء # فإن قيل إذا ms0613 كان المجموع هو الاجزاء ونفس الاجتماع فهذا لا يفتقر إلى شيء منفصل # قيل هذا هو القول بوجوب ذلك بنفسه وقد تقدم ابطاله فانه يكون كل جزء ~~ممكنا بنفسه والاجتماع ممكن بنفسه ولم يكن هنا PageV03P285 ~~ما يغاير ذلك حتى يقال هو واجب بنفسه فلا يمكن ان يكون هنا ما هو واجب بنفسه ### | AUTO وقد ابطل غيره هذا القسم بوجهين أحدهما ذكره الرازي والامدى ان ~~ما كان سبب المجموع كان سبب كل واحد من اجزاء ذلك المجموع فلو قدر جزء من ~~اجزاء المجموع سببا لزم كون ذلك الجزء سببا لنفسه فيلزم كون الممكن علة ~~معلولا وأيضا فذلك الجزء معلول فإذا كان مرجحا للمجموع كان مرجحا لعلته ~~فيكون علة لعلته فصل # ولم يذكر ابن سينا ولا غيره في إثبات واجب الوجود قطع الدور كما يذكر ~~الجمهور قطع التسلسل لظهور فساده وقد ذكرنا غير مرة ان المقدمة إذا كانت ~~معلومة مثل علمنا بأن المحدث لا بد له من محدث بل مثل علمنا ان هذا المحدث ~~له محدث كان العلم بها كافيا في المطلوب وان ما يرد على الامور المعلومة هو ~~من جنس شبه السوفسطائية التي لا نهاية لها فيجب الفرق بين ما يكون من ~~المقدمات خفيا على أكثر الناس يحتاج إلى بيان وما يكون معلوما لاكثر الناس ~~والشبه الواردة عليه من جنس شبه السوفسطائية # ولما كان اهل الكلام كثيرا ما يوردون ويورد عليهم ما هو من جنس شبه ~~السوفسطائية كما يورده الكفار الذين يجادلون بالباطل ليد حضوا به PageV03P286 ~~الحق لم يكن لهذا حد محدود ولا عد معدود بل هو بحسب ما يخطر للقلوب فلهذا ~~صار كلما طال الزمان أورد المتاخرون اسولة سوفسطائية لم يذكرها المتقدمون # وزاد المتأخرون مقدمة في الدليل لدفع ذلك السؤال فزادوا اولا ان المحدث ~~لا يختص بوقت دون وقت إلا بمخصص والاوقات متماثلة والامور المتماثلة يمتنع ~~اختصاص بعضها دون بعض إلا بمخصص منفصل # ثم زادوا بعد هذا ان التخصيص ممكن والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إذ لا ~~يترجح أحد طرفيه ms0614 على الآخر إلا بمرجح وزادوا ان المرجحات يمتنع تسلسلها كما ~~تقدم ثم زادوا بعد هذا قطع الدور # وكذلك ابن سينا لم يذكر في برهانه ان الممكن لا يوجد من نفسه فلا بد ان ~~يوجد بغيره فقال الرازي لا يلزم من صحة قولنا ليس الممكن موجودا من ذاته ~~صحة قولنا إنه موجود بغيره لأن بين القسمين واسطة وهي ان لا يكون وجوده من ~~شيء أصلا لا من ذاته ولا من غيره واذا كان كذلك لم يتم البرهان إلا بذكر ~~هذا القسم وابطاله إما بادعاء الضرورة في فساده او بذكر البرهان على فساده # قال وهو لم يفعل شيئا من ذلك PageV03P287 # فيقال له كون وجود الشيء لا من نفسه ولا من غيره هو مما يعلم فساده ~~بالضرورة والامور المعلومة الفساد بالضرورة لا يجب على كل مستدل تقديرها ~~ونفيها فان هذا لا غاية له وانما يذكر الانسان من ذلك ما قد قيل او خطر ~~بالبال فأما الذهن الصحيح الذي يعلم بالضرورة فساد مثل هذا التقدير فهو لا ~~يورده على نفسه ولا يورده عليه غيره وانما يقع الايراد عند الشك والاشتباه ~~فإن قدر من الناس من يشك في هذا احتاج مثل هذا إلى البيان وقد قلنا ان ~~الاسولة السوفسطائية ليس لها حد محدود ولا عد معدود وهذا نظير قول القائل ~~ان المحدث الذي كان بعد ان لم يكن يحدث نفسه وهذا كله من العلوم البديهية ~~الضوروية الفطرية التي هي من ابين الامور عند العقلاء # لو احتاج المستدل ان يذكر من الأقسام ما يخطر ببال كل أحد وان كان فساده ~~معلوما بالضرورة لقال الممكن إذا لم يوجد بنفسه فإما ان يوجد بموجد او بغير ~~موجد واذا وجد بموجد فذلك الموجد إما ان يوجده وهو معدوم أو يوجده وهو موجود # ثم يريد ان يبطل الثاني بأن الموجد لا يوجد وهو معدوم كما فعل ذلك طائفة ~~من اهل الكلام واذا اراد ان يبطل ذلك قال والمعدوم لا يكون موجدا لان العدم ~~لا يتميز فيه شيء عن شيء والموجد ms0615 PageV03P288 # لا بد ان يتميز عن غيره واذا قيل المعدوم يتميز فيه شيء عن شيء على قول ~~من يقول المعدوم شيء تبين ان المعدوم ليس بشيء فيكون إثبات وجود الصانع ~~موقوفا على ابطال قول هؤلاء كما فعل ذلك طائفة من اهل الكلام # ومن المعلوم ان ابطال هذا ادق من ابطال كون الشيء الذي لا يكون وجوده من ~~نفسه يكون موجودا لا بنفسه ولا بغيره إذ كان من المعلوم البين لكل أحد ان ~~مالم يوجد بنفسه فلا بد ان يكون وجوده بغيره واما تقدير موجود لم يوجد ~~بنفسه ولا بغيره فهو ممتنع فإنه لا يعني بكونه موجودا بنفسه ان نفسه اوجدته ~~إذ كان هاذ معلوم الامتناع بل يعني انه لا يحتاج في وجوده إلى غيره بل ~~وجوده واجب بنفسه فهو موجود ازلا وابدا فظهور صحة هذا الكلام وبطلان نقيضه ~~ابين مما يستدل به عليه بل يمكن هنا ايراد اسولة اخرى يطول بها الكلام # وقال الرازي أيضا قد كان الواجب على ابن سينا ان يتكلم قبل هذا الفصل في ~~بيان ان سبب الممكن لا يكون مقدما عليه تقدما زمانيا فإنه لو جاز ذلك لما ~~امتنع اسناد كل ممكن إلى اخر قبله لا إلى أول وذلك عنده غير ممتنع فكيف ~~يمكن ابطاله لاثبات واجب الوجود واما إذا قامت الدلالة على ان السبب لابد ~~من وجوده مع المسبب فحينئذ لو حصل التسلسل لكانت تلك الاسباب والمسببات ~~بأسرها حاضرة معا وذلك عنده محال PageV03P289 # والبرهان الذي ذكره في ابطال التسلسل أيضا مختص بهذه الصورة فكان الأولى ~~اللاكم في هذه المسالة لكن لما كان في عزمه ان يذكره في موضع اخر وهو النمط ~~الخامس من هذا الكتاب لا جرم تساهل فيه ههنا # قلت مثل هذا الكلام هو الذي اوجب ان يدخل هذا القسم من ادخله في هذا ~~الدليل كالامدى وغيره ولا حاجة اليه بل ما ذكره ابن سينا كاف # والدليل الذي ذكره على إبطال التسلسل في العلل يوجب ابطال علل متسلسلة ~~سواء قدرت مجتمعة أو لا كما قد ms0616 تبين من كلامه وهو لا يجوز عللا متسلسلة لا ~~متعاقبة ولا غير متعاقبة وإنما يجوز حوادث متسلسلة وتلك عنده شروط لحدوث ~~الحوادث لا علل ولا أسباب بمعنى العلل ولا يجوز عنده إسناد كل ممكن إلى ~~ممكن قبله أصلا ولكن يجوز أن يكون وجوده مشروطا بوجود ممكن قبله وبين العلة ~~والشرط فرق معروف # ومن هنا دخل الغلط على الرازي في هذا الاعتراض ولهذا كان سائر من تكلم في ~~إبطال العلل المتسلسلة لم يحتج إلى ذكر هذا القسم أصلا ولا يقولون إن ~~الممكن أو الحادث الذي يوجد قبل الممكن أو الحادث هو علة أيضا ولا هو مستند ~~وجوده وإنما يقولون هو شرط فيه PageV03P290 # وأيضا فإسناد كل ممكن إلى آخر قبله إما أن يراد به أنه يستند إلى آخر ~~موجود قبله فيستمر الوجود إلى حين وجود الممكن المفعول وإما أن يراد به إلى ~~آخر يكون موجودا قبله ويعدم قبله # فإن أريد الأول فمعلوم أنه إذا بطل إسناده إلى ممكن موجود مع وجوده كان ~~هذا متناولا لما يوجد مع ذلك قبل وجوده ولما لم يوجد إلا عند وجوده فلا ~~حاجة إلى تخصيص ما وجد قبل وجوده بالذكر كما لا يحتاج إلى تخصيص ما يبقى ~~بعد وجوده بالذكر إذ الدليل يتناول كل ما كان موجودا عند وجوده سواء وجد ~~قبل ذلك أيضا أو بعد ذلك أيضا أو لم يكن موجودا إلا حين وجوده # وأما أن أريد استناده إلى آخر يكون موجودا قبله ويعدم أيضا قبله وهذا هو ~~الذي أراده الرازي لم يحتج أيضا إلى هذا لوجوه # أحدها أنه إذا بطل إسناده إلى ممكن موجود حال وجوده فبطلان إسناده إلى ~~ممكن يعدم حين وجوده أولى وأحرى فإذا قام الدليل على بطلان تسلسل العلل ~~الممكنة مع كونها معا في الوجود فبطلان التسلسل مع تعاقبها أظهر وأجلى # الثاني أن الدليل الدال على بطلان التسلسل في العلل هو دليل مطلق عام ~~سواء قدرت متقارنة أو متعاقبة فإن جميع ما ذكر من PageV03P291 ~~الأدلة الدالة على أن مجموع الممكنات مفتقرة إلى ms0617 أمر خارج عنها يتناول جميع ~~الأنواع التي يقدرها سواء قدر أنها متسلسلة على سبيل الاقتران أو على سبيل ~~التعاقب وسواء قدرت مع التعاقب بعدم الأول عند وجود الثاني أو يبقى بعد ~~وجوده أو لا يكون وجوده إلا مع وجوده لا سابقا ولا لاحقا وكذلك إذا قدرت مع ~~الاقتران لا يكون بعضها قبل بعض ولا بعده أو يوجد بعضها قبل بعض أو بعده ~~فمهما قدر من التقديرات التي تخطر بالبال في تسلسل المؤثرات فما ذكر من ~~الأدلة يبطل ذلك كله ويبين امتناعه فتبين أن ما ذكره ابن سينا كاف في ذلك ~~لا يحتاج إلى الزيادة التي زادها الرازي والآمدي # الثالث أنه إذا كانت الممكنات محتاجة إلى خارج عنها ليس بممكن بل هو واجب ~~الوجود بنفسه فذلك يمتنع عدمه ويجب وجوده فكان نفس إثبات واجب الوجود كافيا ~~في أنه يستمر الوجود حال وجود الممكن لا يحتاج إلى ذلك الواجب # الرابع أن ما ذكروه من الممكن يفتقر إلى الواجب وإنما لا يكون افتقاره ~~إليه مختصا ببعض الأزمنة أن الواجب # وقال الرازي أيضا لما شرح طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود PageV03P292 ~~وأبطل التسلسل قد بقي هنا كلام آخر وهو إبطال الدور وهو أن يكون هذا يترجح ~~بذاك وذاك يترجح بهذا # قال واعلم أن الدور باطل والمعتمد في إبطاله أن يقال العلة متقدمة على ~~المعلول ولو كان كل منهما علة للآخر لكان كل منهما متقدما على الآخر فيكون ~~كل منهما متقدما على المتقدم على نفسه فيلزم تقدم كل منهما على نفسه وهو محال # وأورد على هذا ما مضمونه أن التقدم إن كان غير كون أحدهما علة للآخر فلا ~~نسلم الأولى وإن كان هو كون أحدهما علة للآخر كان اللازم هو الملزوم فيكون ~~المعنى لو كان أحدهما علة للآخر لكان علة للآخر # ثم قال والإنصاف أن الدور معلوم البطلان بالضرورة ولعل الشيخ إنما تركه لذلك # قلت هذا هو الصواب فإن بطلان الدور معلوم بالضرورة ولأجل هذا لا يخطر ~~لأكثر العقلاء حتى يحتاجوا إلى نفيه عن ms0618 قلوبهم كما لا يخطر لهم أن الفاعل ~~للموجودات يكون معدوما ولا يخطر لهم أن الشيء يحدث أو يكون لا بنفسه ولا ~~بغيره بل ولا يخطر لهم أنه يمكن أن تكون مفعولات متعاقبة لا فاعل لها وهو ~~تسلسل العلل فيكون معلول مفعول لمعلول مفعول والمعلول المفعول معلول لمفعول ~~آخر لا إلى نهاية فأكثر الأذهان الصحيحة لا يخطر لها إمكان هذا PageV03P293 ~~حتى تحتاج إلى نفيه وكذلك لا يخطر لها أنه يمكن وجود شيئين كل منهما فعل ~~الآخر بل هم يعلمون أن الشيء لا يفعل نفسه فكيف يفعل فاعل نفسه # وقول القائل إنه لو كان كل منهما فاعلا للآخر أو مؤثرا في الآخر أو علة ~~في الآخر لكان كل منهما قبل الآخر كلام صحيح # وأما قول المعترض إن أريد بالتقدم تقدم العلة على المعلول فاللازم هو ~~الملزوم وإن أريد غيره فإنه ممنوع # فهذا عنه جوابان أحدهما أن يراد به التقدم المعقول في فطر الناس من تقدم ~~الفاعل على المفعول وهو كونه قبله بالزمان أو تقدير الزمان وعلى هذا جمهور ~~العقلاء # بل قد يقولون إن هذا معلول بالضرورة وهو كون الفاعل سابقا متقدما على ~~مفعوله وإنه يمتنع أن يكونا متساويين في زمان الوجود # وهذ مما يستدل به على أن كل ما سوى الله حادث ليس في الموجودات ما يقارن ~~الخالق ويكون معه بالزمان ولا يعرف في الوجود مفعول معين قارن فاعله في ~~زمانه أصلا وإنما يعرف هذا في الشرط والمشروط فإن الشرط قد يقارن المشروط ~~فلا يوجد قبله وقد يوجد قبله لكن لا بد من وجوده معه كما أن الحياة إذا ~~كانت شرطا في العلم والإرادة أمكن أن تكون متقارنة في صفات الله تعالى فإن حياته PageV03P294 ~~وعلمه معا لم يسبق الآخر والعلم مشروط بالحياة وكذلك الذات مع الصفات ~~اللازمة لا يوجد أحدهما قبل الآخر بل هما متلازمان ولا يوجد أحدهما إلا مع الآخر # وقد يكون الشرط سابقا كالاعراض التي لا توجد إلا بمحل وقد يكون المحل ~~موجودا قبل وجود الاعراض وكما في افعال الله ms0619 الحادثة فإنها مشروطة بوجود ~~ذاته وذاته متقدمة عليها # وما ذكره من ذكره من اهل الفلسفة والكلام في مسالة حدوث العالم وغيرها من ~~ان التقدم ينقسم الى تقدم بالذات والعلية وقد يسمى الأول تقدما بالعلية ~~والثاني تقدما بالذات كتفدم العلة على المعلول وتقدم بالطبع كتقدم الواحد ~~على الاثنين # وفرقوا بينهما بأنه في الأول يكون المتقدم فاعلا للمتاخر وفي الثاني يكون ~~شرطا فيه ومثلوا الأول بتقدم حركة اليد على حركة الخاتم والكم فإنك تقول ~~تحركت يدي فتحرك الخاتم فيها فزمانهما واحد مع العلم بأن الأول متقدم على ~~الثاني وينقسم إلى التقدم بالزمان وبالرتبنة الحسية او العقلية # وزاد طائفة منهم الشهرستاني والرازي ومن اتبعهما تقدما اخر بمطلق الوجود ~~وجعلوا التقدم بعض اجزاء الزمان على بعض PageV03P295 ~~منه فيجيب عنه من يوافق جمهور العقلاء بأن التقدم المعقول إنما هو التقدم ~~بالزمان او تقدير الزمان على النزاع المعروف في هذا الموضع # واما التقدم بالمكان والمرتبة فهو تابع لهذا لما كان المتقدم في المكان ~~يتحرك قبل حركة المتأخر كتحرك الامام قبل الماموم والامير قبل المأمور # واما التقدم بالعلية فان عني به هذا وألا فلا حقيقة له فلا تعقل علة تامة ~~تكون هي بسائر اجزائها مقارنة لمعلولها أصلا # وقول القائل تحركت يدي فتحرك الخاتم ليس هو من تقدم الفاعل على المفعول ~~فإن حركة اليد ليست هي الفاعل لحركة الخاتم لكن هي شرط فيها فلا توجد حركة ~~الخاتم التابعة لحركة اليد إلا بشرط وجود حركة اليد التي هي متبوعة كما ان ~~حركة الاصابع لا توجد إلا بحركة الكف # فإن قيل الحركتان معا في الزمان فالفاعل لهذه هو الفاعل للاخرى وهو متقدم ~~عليهما جميعا PageV03P296 # وان قيل بل أحداهما عقب الاخرى في الزمان كاجزاء الزمان المتلاحقة بطل ~~قول القائل انهما معا في الزمان # وكثيرا ما يشتبه على الناس الوجود مع الشيء بالوجود عقبه بل يطلقون لفظ ~~لمع على المعاقب له ويقولون جاءا معا وان كان مجيء أحدهما معاقبا للاخر إذا ~~لم يكن بينهما فصل بل يطلقون ذلك مع قرب الآخر فالحادثان ms0620 إذا كان زمانهما ~~واحدا او حدث أحدهما عقب حدوث الآخر بلا فصل كاجزاء الحركة والزمان لم يميز ~~اكثر الناس بين هذا وهذا بالحس # وحينئذ فقول القائل تحركت يدي فتحرك كمي # يقال له لم لا يجوز ان يكون هذا مع هذا كاجزاء الحركة والزمان بعضها مع ~~بعض والحركة تحدث شيئا فشيئا من الفاعل والقابل فمن حرك سلسلة او حبلا معلق ~~الطرفين فإنه إذا حرك أحد الطرفين تحرك شيئا فشيئا حتى تنتهي الحركة إلى ~~الطرف الآخر وهي متعاقبة كتعاقب زمان تلك الحركة وليست اجزاء الحركة ~~وزمانها متقارنة في الزمان وانما يتحرك معا في الزمان ما لاتكون الحركة في ~~أحدهما اسبق من الآخر مثل البدن إذا تحرك منتقلا فان اجزاء البدن تتحرك في ~~ان واحد لا يسبق بعضها بعضا إلا ما تقدم من الحركة كما تقدم احدى الرجلين ~~على الاخرى بخلاف خرزات الظهر المتصلة تتصل PageV03P297 ~~حركتها فإذا حركت يده تحركت جميع اجزائها وما فيها كالخاتم وما يتصل بها ~~كالكم فيكون حكمها حكم الجسم المتصل إذا تحرك والحركة المنفصلة عن اخرى ~~كحركة الرجل قبل الرجل يشهد فيها التقدم بالزمان لوجود المنفصل واما مع ~~الاتصال فقد يشتبه المتصل بالمقارن وحينئذ فأي حركة كانت من قبل المتصل فهي ~~متصلة بما قبلها كاتصال اجزاء زمان الحركة فليس هناك اقتران في الزمان # واذا قيل في حركة الكم ان زمانها زمان حركة اليد كما يقال مثل ذلك في ~~سائر المتحركات معا بالزمان فهنا لا نسلم ان احدى الحركتين فاعلة للاخرى بل ~~غايتها ان تكون شرطا فيها والشرط يجوز ان يقارن المشروط بخلاف الفاعل فإنه ~~لا بد ان يتقدم على الفعل المعين والمفعول المعين وان قدر ان نوع الفعل ~~لازم له كما إذا قدر قديم ازلى متحرك لم يزل متحركا فإنه سيتقدم على كل جزء ~~من اجزاء الحركة لازما له فمن جوز وجود جسم قديم لم يزل متحركا لا يقول ان ~~شيئا معينا من الحركة قديم ازلى بل يقول نوع من الحركة ازلى وان كان كل ~~منها حادثا كائنا بعد ms0621 ان لم يكن مسبوقا بالعدم # والمتفلسفة القائلون بقدم شيء من العالم لا دليل لهم على ذلك اصلا بل ~~غايه ما عندهم إثبات قدم نوع الفعل وقدم نوع الفعل لا يستلزم قدم فعل معين ~~ولا مفعول معين بل ذلك ممتنع PageV03P298 # وقول القائل العلة متقدمة على المعلول وان قارنته بالزمان وجعله الباري ~~مع العالم بهذه المنزلة # يقال له ان اردت بالعلة ماهو شرط في وجود المعلول لا مبدعا له كان حقيقة ~~قولك ان واجب الوجود ليس هو مبدعا للممكنات ولا ربا لها بل وجوده شرط في ~~وجودها وهذا حقيقة قول هؤلاء فالرب على اصلهم والعالم متلازمان كل منهما ~~شرط في الآخر والرب محتاج إلى العالم كما ان العالم محتاج إلى الرب وهم ~~يبالغون في إثبات غناه عن غيره وعلى اصلهم فقره إلى غيره كفقر بعض ~~المخلوقات # وغاية المتحذلق منهم كأرسطو ان يجعل الفلك واجب الوجود لا يقبل العدم مع ~~كونه مفتقرا إلى المبدا الأول لأجل التشبه به ويجعل المبدأ الأول غنيا عما ~~سواه لكن من التناقص ان يقول ان واجب الوجود مفتقرالى غيره وأيضا فالأزلي ~~الذي يثبته لا حقيقه له كما قد بسط في موضع اخر # وان اراد بالعلة ما هو مبدع للمعلول له فهذا لا يعقل مع كون زمانه ~~المعلول لم يتقدم على المعلول تقدما حقيقيا وهو التقدم المعقول PageV03P299 # واذا شبهوا وجود الفلك مع الرب بالصوت مع الحركه والضوء مع الشمس كان هذا ~~ونحوه تشبيها باطلا لا يفيد إمكان صحة قولهم فضلا عن إثبات صحته فان هذه ~~الامور وامثالها إما ان يقال فيها ان الثاني موجود متصل بالأول كأجزاء ~~الزمان والحركة لا أنه معه في الزمان وإما أن يقال الثاني مشروط بالأول لا ~~ان الأول مبدع للثاني فاعل له فلا يمكنهم ان يذكروا وجود فاعل لغيره مع ان ~~زمانهما معا أصلا # ونحن ذكرنا هذا التقسيم لئلا يكون الجواب مبنيا على امور دقيقة يختص ~~بفهمها بعض الناس فإن الجواب كلما كان اظهر واتفاق العقلاء عليه اكثر كان ~~اولى بالذكر من غيره إذ ms0622 المقصود بيان الحق وابطال الباطل وألا فيمكن بسط ~~الكلام في هذا وان يقال السبب لابد ان يتقدم على مسببه بالزمان وان الفاء ~~المستعمله في هذا هي فاء التعقيب # فقول القائل تحركت يدي فتحرك كمي يدل على ان الثاني عقب الأول ويقال إن ~~فاء التسبب تتضمن التعقيب من غير عكس فكل مسبب فإنه يكون بعد سببه فليس كل ~~ما كان عقب PageV03P300 ~~غيره يكون مسببا عنه بل قد يكونان مسببين لسبب اخر وان كان شرطا فيه # ثم الكلام في هذا ينجر إلى الفرق بين السبب وجزئه والشرط وليس هذا موضع ~~استقصائه فإن المقصود حاصل بدون ذلك وإنما المقصود هنا أن تقدم العلة ~~الفاعلة على المعلول المفعول أمر معقول عند جماهير العقلاء من الأولين ~~والآخرين وإنما يجوز كون المفعول المعلول مقارنا لفاعله طائفة قليلة من ~~الناس كابن سينا والرازي ونحوهما # وقد زعم الرازي في محصله وغيره أن المتكلمين والفلاسفة يجوزون وجود ~~الممكن القديم عن موجب بالذات وهي العلة القديمة # لكن المتكلمون يقولون إنه فاعل بالاختيار فلهذا يمنعون قدم شيء من ~~الممكنات والمتفلسفة يقولون إنه غير فاعل بالاختيار فلهذا قالوا بقدم ~~معلوله وهذا الذي قاله غلط على الطائفتين جميعا كما قد بسطناه في موضع آخر # فالمتكلمون الذين يقولون بامتناع مفعول قديم يقولون إن ذلك ممتنع على أي ~~وجه قدر فاعله ويقولون كون الرب فاعلا بغير الاختيار ممتنع أيضا وليس ~~امتناع أحدهما مشروطا بالعلم بامتناع الآخر # والفلاسفة القائلون بقدم الأفلاك لهم قولان في العلة الأولى هل هي فاعلة ~~بالاختيار أو موجبة بلا اختيار PageV03P301 # وقد ذكر القولين عنهم أبو البركات صاحب المعتبر وغيره وهو يختار أنه فاعل ~~بالاختيار مع قوله بقدم الفعل وليست مسألة القدم ملازمة لمسألة الفاعل ~~بالاختيار لا عند هؤلاء ولا عند هؤلاء كما ادعاه الرازي على الطائفتين ~~وكذلك القول بإمكان معلول مفعول مقارن لفاعله هو قول بعض القائلين بقدم ~~العالم لا قولهم كلهم ولا قول واحد من أتباع الرسل ولا ممن يقول بأن الله ~~خالق لما برأه محدث له وحينئذ فالقول بتقدم الفاعل ms0623 على مفعوله تقدما معقولا ~~زمانيا وإما مقدرا تقدير الزمان قول جمهور العقلاء فهذا أحد الجوابين # الوجه الثاني أن يقال هب أنهم أرادوا بالتقدم تقدم العلة على المعلول من ~~غير تقدم بالزمان ولا تقدير الزمان وكان اللازم هو الملزوم لكن الشيء ~~الواحد إذا عبر عنه بعبارتين تدل كل منهما على وصف غير الوصف الآخر كان ~~تعدد المعاني نافعا وإن كانت الذات واحدة ولهذا قد تعلم الذات بوصف ولا ~~تعلم بوصف آخر فإذا كان ذات التقدم ذات العلة فليس المفهوم من نفس العلة هو ~~المفهوم من نفس التقدم وإن كانا متلازمين بل معنى العلة أنه اقتضاه وأوجبه ~~ومعنى التقدم أنه قبله # وقد يفهم السبق والقبلية من لا يعلم أنه علة بعد فإذ قيل لو كان علة لكان ~~قبله كان هذا صحيحا ثم العقل يجزم بأن الشيء لا يكون قبل نفسه فضلا عن أن ~~يكون قبل ما هو قبل نفسه بأي وجه فسر معنى السبق والقبلية PageV03P302 # وحينئذ فيستدل بهذا على ذاك من لم بفهم الامتناع من لفظ العلة وأما من ~~فهم الامتناع من لفظ العلة كما عليه جمهور الفطر السليمة فلا يحتاج إلى هذا # ولكن كون الشيء دليلا على الشيء معناه أنه يلزم من ثبوته ثبوته # والشيئان المتلازمان كل منهم يصلح أن يكون دليلا على الآخر ثم من شأن ~~الإنسان أن يستدل بالظاهر على الخفى لكن الظهور والخفاء من الأمور النسبية ~~فقد يظهر لهذا ما لا يظهر لهذا وقد يظهر للإنسان في وقت ما يخفى عليه في ~~وقت آخر فلهذا أمكن أن يستدل بهذا على ذاك وبذاك على هذا إذا قدر إن هذا ~~أظهر من ذاك تارة وذاك أظهر من هذا أخرى وإما بحسب شخصين وإما بحسب حالين # وهذه المعاني من تفطن لها انجلت عنه شبه كثيرة فيما يورده الناس على ~~الحدود والأدلة التي قد يقال إنه لا فائدة فيها ولا حاجة إليها وذاك صحيح ~~وقد يقال بل ينتفع بها وهذا أيضا صحيح # لكن من حصر العلم بطريق عينه هو مثل حد معين ms0624 ودليل معين أخطأ كثيرا كما ~~أن من قال إن حد غيره ودليله لا يفيد بحال أخطأ كثيرا وهذا كما أن الذين ~~أوجبوا النظر وقالوا لا يحصل العلم إلا به مطلقا أخطأوا والذين قالوا لا ~~حاجة إليه بحال بل المعرفة دائما ضرورية لكل أحد في كل حال أخطأوا بل ~~المعرفة PageV03P303 # وإن كانت ضرورية في حق أهل الفطر السليمة فكثير من الناس يحتاج فيها إلى ~~النظر والإنسان قد يستغني عنه في حال ويحتاج إليه في حال وكذلك الحدود قد ~~يحتاج إليها تارة ويستغنى عنها أخرى كالحدود اللفظية والترجمة قد يحتاج ~~إليها تارة وقد يستغنى عنها أخرى وهذا له نظائر # وكذلك كون العلم ضروريا ونظريا والاعتقاد قطعيا وظنيا أمور نسبية فقد ~~يكون الشيء قطعيا عند شخص وفي حال وهو عند آخر وفي حال أخرى مجهول فضلا عن ~~أن يكون مظنونا وقد يكون الشيء ضروريا لشخص وفي حال ونظريا لشخص آخر وفي ~~حال أخرى # وأما ما أخبر به الرسول فإنه حق في نفسه لا يختلف باختلاف عقائد الناس ~~وأحوالهم فهو الحق الذي لا يقبل النقيض ولهذا كل ما عارضه فهو باطل مطلقا # ومن هنا يتبين لك أن الذين بنوا أمورهم على مقدمات إما ضرورية أو نظرية ~~أو قطعية أو ظنية بنوها على أمور تقبل التغير والاستحالة فإن القلوب بيد ~~الله يقلبها كيف يشاء وأما ما جاء به الرسول فهو حق لا يقبل النقيض بحال ~~فهو صلى الله عليه وسلم يخبر بالحق كما قال أهل الجنة لما دخلوها { الحمد ~~لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا ~~بالحق } سورة الأعراف 43 وقد قال تعالى { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } ~~سورة البقرة 119 { وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } سورة الأحزاب 46 ~~وقال تعالى { أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم ~~بالحق وأكثرهم للحق كارهون ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ~~ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون } PageV03P304 ~~سورة المؤمنون ms0625 69 71 # وقال تعالى { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم ~~سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا ~~اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم } سورة محمد 1 3 ومثل ~~هذا كثير # فالرسول صلى الله عليه وسلم يخبر بالحق ويقيم عليه الأدلة العقلية ~~البرهانية الموصلة إلى معرفته كالأقيسة العقلية وهي الأمثال المضروبة # قال تعالى { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس ~~إلا كفورا } سورة الإسراء 89 وقال تعالى { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ~~من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } سورة الكهف 54 إلى قوله تعالى { ~~ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ~~ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا ~~أبدا } سورة الكهف 56 57 PageV03P305 # وقال تعالى { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون } ~~سورة الزمر 27 # وهو سبحانه يجيب عن المعارضات كما قال تعالى { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك ~~بالحق وأحسن تفسيرا } سورة الفرقان 23 وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هان ان الطريقة الشرعية تتضمن الخبر بالحق والتعريف بالطرق ~~الموصلة اليه النافعة للخلق واما الكلام على كل ما يخطر ببال كل أحد من ~~الناس من الشبهات السوفسطائية فهذا لا يمكن ان يبينه خطاب على وجه التفصيل # والعلوم الفطرية حاصلة مع صحة الفطرة وسلامتها وقد يعرض للفطرة ما يفسدها ~~ويمرضها فترى الحق باطلا كما في البدن إذا فسد او مرض فإنه يجد الحلو مرا ~~ويرى الواحد اثنين فهذا يعالج بما يزيل مرضه # والقرآن فيه شفاء لما في الصدور من الامراض والنبي صلى الله عليه وسلم ~~علم ان وسواس التسلسل في الفاعل يقع في النفوس وانه معلوم الفساد ms0626 بالضرورة ~~فأمر عند ورود بالاستعاذة بالله منه والانتهاء عنه كما في الصحيحن واللفظ ~~لمسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال الناس ~~يتسائلون حتى يقال PageV03P306 # هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك فليقل آمنت بالله # وفي لفظ اخر ياتي الشيطان احدكم فيقول من خلق السماء من خلق الارض فيقول ~~الله وزاد فليقل امنت بالله ورسله وفي لفظ اخر يقول من خلق كذا من خلق كذا ~~حتى يقول من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته هذا لفظ البخاري نحوه # وفي مسلم عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله عز وجل ان ~~امتك لا يزالون يقولون ما كذا ما كذا حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن ~~خلق الله سبحانه # وفي البخاري عن انس قال قال رسول اله صلى الله عليه وسلم لن يبرح الناس ~~يتساءلون هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله PageV03P307 # وقد سئل بعض السالكين طريقة هؤلاء كالرازي ونحوه فقيل له لم لم يامر ~~النبي صلى اله عليه وسلم عند هذا الوسواس بالبرهان المبين لفساد التسلسل ~~والدور بل امر بالاستعاذة فأجاب بان مثل هذا مثل من عرض له كلب يمبح عليه ~~ليؤذيه ويقطع طريقه فتارة يضربه بعضا وتارة يطلب من صاحب الكلب ان يزجره ~~قال فالبرهان هو الطريق الأول وفيه صعوبة والاستعاذة بالله هو الثاني وهو اسهل # واعترض بعضهم على هذا الجواب بان هذا يقتضي ان طريقة البرهان اقوى واكمل ~~ولبس الأمر كذلك بل طريقة الاستعاذة اكمل واقوى فإن الله للوسواس عن القلب ~~اكمل من دفع الانسان ذلك عن نفسه # فيقال السؤال باطل وكل من جوابيه مبنى على الباطل فهو باطل وذلك ان هذا ~~الكلام مبناه على ان هذه الاسئلة الواردة على النفس تندفع بطريقين أحدهما ~~البرهان والآخر الاستعاذة وان النبي صلى الله عليه وسلم امر بالاستعاذة وان ~~المبين لفساد الدور والتسلسل قطعة بطريق البرهان وان طريقة البرهان تقطع ~~الاسولة الواردة على النفس ms0627 بدون ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وان ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بطريقة البرهان # وهذا خطأ من وجوه بل النبي صلى الله عليه وسلم أمر بطريقة البرهان حيث ~~يؤمر بها ودل على مجاميع البراهين التي يرجع اليها غاية PageV03P308 # نظر النظار ودل من البراهين على ما هو فوق استنباط النظار والذي امر به ~~في دفع هذا الوسواس ليس هو الاستعاذة فقط بل امر بالايمان وامر بالاستعاذة ~~وامر بالانتهاء ولا طريق إلى نيل المطلوب من النجاة والسعادة إلا بما امر ~~به لا طريق غير ذلك # وبيان ذلك من وجوه # أحدهما ان يقال البرهان الذي ينال بالنظر فيه العلم لا بد ان ينتهي إلى ~~مقدمات ضروية فطرية فإن كل علم ليس بضروري لا بد ان ينتهي إلى علم ضروري إذ ~~المقدمات التظرية لو اثبتت بمقدمات نظرية دائما لزم الدور القبلى او ~~التسلسل في المؤثرات في محل له ابتداء وكلاهما باطل بالضرورة واتفاق ~~العقلاء من وجه فان العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات ~~معلومة بدون النظر إذ لو كانت تلك المقدمات أيضا نظرية لتوقف على غيرها ~~فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الانسان والانسان حادث كائن بعد ان لم يكن ~~والعلم الحاصل في قلبه حادث فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله للزم ~~ان لا يحصل في قلبه علم ابتداء فلا بد من علوم بديهية أولية يبتدؤها الله ~~في قلبه وغاية البرهان ان ينتهي اليها PageV03P309 # ثم تلك العلوم الضرورية قد يعرض فيها شبهات ووساوس كالشبهات السوفسطائية ~~مثل الشبهات التي يوردها على العلوم الحسية والبديهية كالشبهات التي اوردها ~~الرازي في أول محصلة وقد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع # والشبهات القادحة في تلك العلوم لا يمكن الجواب عنها البرهان لأن غاية ~~البرهان ان ينتهي اليها فإذا وقع الشك فيها انقطع طريق النظر والبحث ولهذا ~~كان من انكر العلوم الحسية والضرورية لم يناظر بل إذا كان جاحدا معاندا ~~عوقب حتى يعترف بالحق وان كان غالطا إما لفساد ms0628 عرض لحسه او عقله لعجزه عن ~~فهم تلك العلوم واما لنحو ذلك فانه يعالج بما يوجب حصول شروط العلم له ~~وانتفاء موانعه فإن عجز عن ذلك لفساد في طبيعته عولج بالادوية الطبيعية او ~~بالدعاء والرقى والتوجه ونحو ذلك وألا ترك # ولهذا اتفق العقلاء على ان كل شبهة تعرض لا يمكن ازالتها بالبرهان والنظر ~~والاستدلال وانما يخاطب بالبرهان والنظر والاستدلال من كانت عنده مقدمات ~~علمية وكان ممن يمكنه ان ينظر فيها نظرا يفيده العلم بغيرها فمن لم يكن ~~عنده مقدمات علمية او لم يكن قادرا على النظر لم تتمكن مخاطبته بالنظر ~~والاستدلال PageV03P310 # واذا تبين هذا فالوسوسة والشبهة القادحة في العلوم الضرورية لا تزال ~~بالبرهان بل متى فكر العبد ونظر ازداد ورودها على قلبه وقد يغلبه الوسواس ~~حتى يعجز عن دفعه عن نفسه كما يعجز عن حل الشبهة السوفسطائية # وهذا يزول بالاستعاذة بالله فان الله هو الذي يعيذ العبد ويجيره من ~~الشبهات والشهوات المغوية ولهذا امر العبد أن يستهدي ربه في كل صلاة فيقول ~~{ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين } سورة الفاتحة 6 7 # وفي الحديث الالهي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه ~~تبارك وتعالى # يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم # وقال تعلى { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } سورة ~~النحل 97 # وقال تعالى { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } ~~سورة الاعراف 200 PageV03P311 # وقال تعالى # { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } سورة ~~( فصلت 36 ) # وفي الصحيحين عن سليمان بن صرد قال استب رجلان عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم اني لأعلم ~~كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فأمر الله تعالى ~~العبد ان يستعيذ من الشيطان عند القراءة وعند الغضب ليصرف عنه شره عند وجود ~~سبب الخير وهو القراءة ليصرف عنه ما ms0629 يمنع الخير وعند وجود سبب الشر ليمنع ~~ذلك السبب الذي يحدثه عند ذلك # وقدة ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من قلب من قلوب العباد ~~إلا وهو بين اصبعين من أصابع الرحمن ان شاء أن يقيمه اقامه وان شاء ان ~~يزيغه ازاغه PageV03P312 # وكانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب # وكان كثيرا ما يقول والذي نفس محمد بيده # وفي الحديث للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمع غليانا # وشواهد هذا الأصل كثيرة مع ما يعرفه كل أحد من حال نفسه من كثرة تقلب ~~قلبه من الخواطر التي هي من جنس الاعتقادات ومن جنس الارادات وفيها المحمود ~~والمذموم والله هو القادر على صرف ذلك عنه فالاستعاذة بالله طريق مفضية إلى ~~المقصود الذي لا يحصل بالنظر والاستدلال # والوجه الثاني أن يقال النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالاستعاذة ~~وحدها بل أمر العبد ان ينتهي عن ذلك مع الاستعاذة اعلاما منه بأن هذا ~~السؤال هو نهاية الوسواس فيجب الانتهاء عنه PageV03P313 # ليس هو من البدايات التي يزيلها ما بعده فإن النفس تطلب سبب كل حادث وأول ~~كل شيء حتى تنتهي إلى الغاية والمنتهى # وقد قال الله تعالى { وأن إلى ربك المنتهى } سورة النجم 42 وفي الدعاء ~~المأثور الذي ذكره مالك في الموطأ حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس ~~وراء الله مرمى # وفي رواية ليس وراء الله منتهى # فإذا وصل العبد إلى غاية الغايات ونهاية النهايات وجب وقوفه فإذا طلب بعد ~~ذلك شيئا آخر وجب أن ينتهي فأمر النبي صلى الله عليه وسلم العبد أن ينتهي ~~مع استجارته بالله من وسواس التسلسل كما يؤمر كل من حصل نهاية المطلوب ~~وغاية المراد أن ينتهي إذ كل طالب ومريد فلا بد له من مطلوب ومراد ينتهي ~~إليه وإنما وجب انتهاؤه لأنه من المعلوم بالعلم الضروري الفطري لكل من سلمت ~~فطرته من بني آدم أنه سؤال فاسد وأنه يمتنع أن يكون لخالق كل مخلوق خالق ~~فإنه لو كان له ms0630 خالق لكان مخلوقا ولم يكن خالقا لكل مخلوق بل كان يكون من ~~جملة المخلوقات والمخلوقات كلها لا بد لها من خالق وهذا معلوم بالضرورة ~~والفطرة وإن لم يخطر ببال العبد قطع الدور والتسلسل فإن وجود المخلوقات ~~كلها بدون خالق معلوم الامتناع بالضرورة PageV03P314 ~~وإذا قلنا يمتنع وجود المحدثات كلها بدون محدث كان هذا متضمنا لذاك فإن كل ~~مخلوق محدث فإذا كان كل محدث لا بد له من محدث فكل مخلوق لا بد له من خالق ~~أولى وكذلك إذا قلنا كل ممكن لا بد له من واجب # فلما كان بطلان هذا السؤال معلوما بالفطرة والضرورة أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن ينتهى عنه كما يؤمر أن ينتهى عن كل ما يعلم فساده من الأسولة ~~الفاسدة التي يعلم فسادها كما لو قيل متى حدث الله أو متى يموت ونحو ذلك # وهذا مما يبين أن سؤال السائل أين كان ربنا في حديث أبي رزين لم يكن هذا ~~السؤال فاسدا عنده صلى الله عليه وسلم كسؤال السائل من خلق الله فإنه لم ~~ينه السائل عن ذلك ولا أمره بالاستعاذة بل النبي صلى الله عليه وسلم سأل ~~بذلك لغير واحد فقال له أين الله وهو منزه أن يسأل سؤالا فاسدا وسمع الجواب ~~عن ذلك وهو منزه أن يقر على جواب فاسد ولما سئل عن ذلك أجاب فكان سائلا به ~~تارة ومجيبا عنه أخرى # ولو كان المقصود مجرد التمييز بين الرب والصنم مع علم الرسول أن PageV03P315 ~~السؤال والجواب فاسدان لكان في الأسولة الصحيحة ما يغني غير الرسول عن ~~الأسولة الفاسدة فكيف يكون الرسول صلى الله عليه وسلم فانه كان يمكن أن ~~يقول من ربك من تعبدين كما قال لحصين الخزاعي يا حصين كم تعبد اليوم قال ~~أعبد سبعة آلهة ستة في الارض وواحدا في السماء قال فمن الذي تعد لرغبتك ~~ورهبتك قال الذي في السماء فقال أسلم حتى اعلمك كلمة ينفعك الله بها فلما ~~أسلم سأله عن الدعوة فقال قل اللهم الهمني رشدي وقني شر نفسي ms0631 رواه أحمد في ~~المسند وغير أحمد # والثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العبد ان يقول آمنت بالله وفي ~~رواية ورسوله فهذا من باب دفع الضد الضار بالضد النافع فإن قوله آمنت بالله ~~يدفع عن قلبه الوسواس الفاسد # ولهذا كان الشيطان يخنس عند ذكر الله ويوسوس عند الغفلة عن ذكر الله ~~ولهذا سمى الوسواس الخناس فإنه جاثم على فوائد ابن آدم فإن ذكر الله خنس ~~والخنوس الاختفاء بانخفاض ولهذا سميت الكواكب الخنس # وقال أبو هريرة لقيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة وأنا ~~جنب فانخنست منه PageV03P316 # ويقال انخنست من فلان وهو اختفاء بنوع من الانخفاض والذل له فالمختفي من ~~عدو يقاتله لا يقال انخنس منه وانما ينخنس الانسان ممن يهابه ويعظمه فيذل ~~له وينخفض منه في اختفائه فهكذا الشيطان في حال ذكر الله يذل ويخضع ويختفي ~~واذا غفل العبد عن ذكر الله وسوس # فأمر النبي صلى الله عليه وسلم العبد ان يقول آمنت بالله او آمنت بالله ~~ورسوله فإن هذا القول ايمان وذكر الله يدفع به ما يضاده من الوسوسة القادحة ~~في العلوم الضرورية الفطرية ويشبه هذا الوسواس الذي يعرض لكثير من الناس في ~~العبادات حتى يشككه هل كبر أو لم يكبر وهل قرأ الفاتحة أم لا وهل نوى ~~العبادة أم لم ينوها وهل غسل عضوه في الطهارة او لم يغسله فيشككه في علومه ~~الحسية الضرورية # وكونه غسل عضوا أمر يشهده ببصره وكونه تكلم بالتكبير او الفاتحة أمر ~~يعلمه بقلبه ويسمعه بأذنه وكذلك كونه يقصد الصلاة مثل كونه يقصد الاكل ~~والشرب والركوب والمشي وعلمه بذلك كله علم ضروري يقيني أولي لا يتوقف على ~~النظر والاستدلال ولا يتوقف على البرهان بل هو مقدمات البرهان وأصوله التي ~~يبنى عليها البرهان أعنى البرهان النظري المؤلف من المقدمات PageV03P317 # وهذا الوسواس يزول بالاستعاذة وانتهاء العبد وأن يقول إذا قال لم تغسل ~~وجهك بلى قد غسلت وجهي واذا خطر له أنه لم ينو ولم يكبر يقول بقلبه بلى قد ~~نويت وكبرت فيثبت ms0632 على الحق ويدفع ما يعارضه من الوسواس فيرى الشيطان قوته ~~وثباته على الحق فيندفع عنه وألا فمتى رآه قابلا للشكوك والشبهات مستجيبا ~~إلى الوساوس والخطرات أورد عليه من ذلك ما يعجز عن دفعه وصار قلبه موردا ~~لما توحيه شياطين الانس والجن من زحرف القول وانتقل من ذلك إلى غيره إلى ان ~~يسوقه الشيطان إلى الهلكة ### | AUTO فالله { ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين ~~كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } سورة البقرة 257 { ~~إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم ~~يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون } سورة الاعراف 201 202 فصل # ومما ينبغي ان يعرف في هذا المقام وان كنا قد نبهنا عليه في PageV03P318 ~~مواضع أن كثيرا من العلوم تكون ضرورة فطرية فإذا طلب المستدل ان يستدل ~~عليها خفيت ووقع فيها شك إما لما في ذلك من تطويل المقدمات واما لما في ذلك ~~من خفائها واما لما في ذلك من كلا الامرين # والمستدل قد يعجز عن نظم دليل على ذلك إما لعجزه عن تصوره واما لعجزه عن ~~التعبير عنه فإنه ليس كل ما تصوره الانسان أمكن كل أحد أن يعبر عنه باللسان ~~وقد يعجز المستمع عن فهمه ذلك الدليل وان أمكن نظم الدليل وفهمه فقد يحصل ~~العجز عن إزالة الشبهات المعارضة إما من هذا وإما من هذا وإما منهما # وهذا يقع في التصورات أكثر مما يقع في التصديقات فكثير من الامور ~~المعروفة إذا حدث بحدود تميز بينها وبين المحدودات زادت خفاء بعد الوضوح ~~لكونها أظهر عند العقل بدون ذلك الحد منها بذلك الحد # ولكن قد يكون في الأدلة والحدود من المنفعة ما قد نبه عليه غير مرة ولهذا ~~تنوعت طرق الناس في الحدود والادلة وتجد كثيرا من الناس يقدح في حدود غيره ~~وأدلته ثم يذكر هو حدودا وأدلة يرد عليها ايرادات من جنس ما يرد على تلك او ~~من جنس آخر وذلك لأن المقصود بالحدود ان كان التمييز بين المحدود ms0633 وبين غيره ~~كانت الحدود الجامعة المانعة على أي صورة كانت مشتركة في حصول التمييز بها ~~وان لم تكن جامعة مانعة كانت مشتركة في عدم حصول التمييز بها وإن لم تكن ~~جامعة مانعة كانت مشتركة في عدم حصول التمييز وان كان المطلوب بها تعريف ~~المحدود فهذا لا يحصل بها مطلقا ولا يمتنع بها PageV03P319 ~~مطلقا بل يحصل لبعض الناس وفي بعض الاوقات دون بعض كما يحصل بالاسماء فإن ~~الحد تفصيل ما دل عليه الاسم بالاجمال فلا يمكن ان يقال الاسم لا يعرف ~~المسمى بحال ولا يمكن ان يقال يعرف به كل أحد كذلك الحد # وان قيل ان المطلوب بالحد ان مجرد الحد يوجب ان المستمع له يتصور حقيقة ~~المحدود التي لم يتصورها إلا بلفظ الحاد وانه يتصورها بمجرد قول الحاد كما ~~يظنه من يظنه من الناس بعض أهل المنطق وغيرهم فهذا خطأ كخطأ من يظن ان ~~الاسماء توجب معرفة المسمى لمن سمع تلك الاسماء بمجرد ذلك اللفظ # وقد بسط الكلام على هذا في موضعه وبينا ما عليه جمهور النظار من المسلمين ~~واليهود والنصارى والمجوس والصابئين والمشركين من ان الحدود مقصودها ~~التمييز بين المحدود وغيره وان ذلك يحصل بالوصف الملازم للمحدود طردا وعكسا ~~الذي يلزم من ثبوته ثبوت المحدود ومن انتفائه انتفاؤه كما هو طريقة نظار ~~المسلمين من جميع الطوائف مثل أبي علي وأبي هاشم وأمثالهما ومثل أبي الحسن ~~الاشعري والقاضي أبي بكر وأبي المعالي الجويني والقاضي أبي يعلي وأبي ~~الوفاء ابن عقيل وأمثالهم PageV03P320 # وأما طريقة أهل المنطق ودعواهم ان الحد التام مقصوده التعريف بالحقيقة ~~وان الحقيقة مؤلفة من الصفات الذاتية الداخلة في المحدود وهي الجنس والفصل ~~وتقسيمهم الصفات اللازمة للموصوف إلى داخل في الحقيقة وخارج عنها عرضي وجعل ~~العرضى الخارج عنها اللازم على نوعين لازم للماهية ولازم لوجود الماهية ~~وبناءهم ذلك على ان ماهيات الاشياء التي هي حقائقها ثابتة في الخارج وهي ~~مغايرة للموجودات المعينة الثابتة في الخارج وان الصفات الذاتية تكون ~~متقدمة على الموصوف في الذهن والخارج وتكون أجزاء سابقة لحقيقة ms0634 الموصوف في ~~الوجودين الذهني والخارجي # فهذا ونحوه خطأ عند جماهير العقلاء من نظار الإسلام وغيرهم بل الذي عليه ~~نظار الإسلام ان الصفات تنقسم إلى لازمة للموصوف لا تفارقه إلا بعدم ذاته ~~والى عارضة له يمكن مفارقتها له مع بقاء ذاته وهذه اللازمة منها ما هو لازم ~~للشخص دون نوعه PageV03P321 ~~وجنسه ومنها ما هو لازم لنوعه او جنسه # واما تقسيم اللازمة إلى ذاتي وعرضي وتقسيم العرضي إلى لازم للماهية ولازم ~~للوجود وغير لازم بل عارض فهذا خطأ عند نظار الإسلام وغيرهم # بل طائفة من نظار الإسلام قسموا اللازم إلى ذاتي ومعنوي وعنوا بالصفات ~~الذاتية ما لا يمكن تصور الذات مع عدمه وعنوا بالمعنوى ما يمكن تصور الذات ~~بدون تصوره وان كان لازما للذات فلا يلزمها إلا إذا تصور معينا يقوم بالذات # فالأول عندهم مثل كونالرب قائما بنفسه وموجودا بل وكذلك كونه قديما عند ~~أكثرهم فإن ابن كلاب يقول القديم بقدم والاشعري له قولان اشهرهما عند ~~اصحابه انه قديم بغير قدم لكنه باق ببقاء وقد وافقه على ذلك ابن أبي موسى ~~وغيره واما القاضي PageV03P322 # ابو بكر فإنه يقول باق بغير بقاء ووافقه على ذلك ابو يعلي وابو المعالي ~~وغيرهما # والثاني عندهم مثل كونه حيا وعليما وقديرا ونحو ذلك # وتقسيم هؤلاء اللازمة إلى ذاتي ومعنوى كلام ليس هذا موضع بسطه فإنهم لم ~~يعنوا بالذاتي ما يلزم الذات إذ الجميع لازم للذات ولا عنوا بالذاتي المقوم ~~للذات كاصطلاح المنطقيين فإن هؤلاء ليس عندهم في الذوات ما هو مركب من ~~الصفات كالجنس والفصل ولا يقسمون الصفات إلى مقوم داخل في الماهية هو جزء ~~منها والى عرضي خارج عنها ليس مقوما بل هذا التقسيم عندهم وعند جمهور ~~العقلاء خطأ كما هو خطأ في نفس الأمر إذ التفريق بين الذاتي المقوم واللازم ~~الخارج تفريق باطل لا يعود إلا إلى مجرد تحكم يتضمن التفريق بين المتماثلين ~~كما قد بسط في موضعه # ولهذا يعترف حذاق أئمة أهل المنطق كابن سينا وأبي البركات صاحب المعتبر ~~وغيرهما بأنه لا يمكن ذكر ms0635 فرق مطرد بين هذا وهذا وذكر ابن سينا ثلاثة فروق ~~مع اعترافه بأنه ليس واحد منها PageV03P323 ~~صحيحا اعترض أبو البركات على ما ذكره ابن سينا بما يبين فساد الفرق بين ~~الذاتي المقوم والعرضي الازم # وأبو البركات لما كان معتبرا لما ذكره أئمة المشائين لا يقلدهم ولا يتعصب ~~لهم كما يفعله غيره مثل ابن سينا وأمثاله نبه على أن ما ذكره ارسطو وأصحابه ~~في هذا الموضع مما لم تعرف صحته ولا منفعته # وغير أبي البركات بين فساده وتناقضه وصنف الناس مصنفات في الرد على اهل ~~المنطق كما صنف أبو هاشم وابن النوبختي والقاضي ابو بكر بن الطيب وغيرهم # وهؤلاء الكلابية الذين يفرقون بين الصفات الذاتية والمعنوية هم أصح نظرا ~~من هؤلاء المنطقيين وهم ينكرون ما ذكر المنطقيون من الفرق فلا يعود تفريقهم ~~إلى تفريق المنطقيين بل تفريقهم يعود إلى ما ذكروه هم من أن الصفات الذاتية ~~عندهم ما لا يمكن تصور الذات مع تصور عدمها والصفات المعنوية ما يمكن الذات ~~مع تصور عدمها كالحياة والعلم والقدرة فإنه يمكن تصور الذات مع نفي كونها ~~قائمة بالنفس وموجودة وكذلك لا يمكن ذلك مع نفي كونها قديمة عند أكثرهم # وأبن كلاب الاشعري في أحد قوليه جعل القدم كالعم والقدرة والبقاء فيه ~~نزاع بين الاشعري ومن اتبعه كأبي علي بن PageV03P324 ~~أبي موسى وأمثاله وبين القاضي أبي بكر ومن اتبعه كالقاضي أبي يعلى وأمثاله # وهؤلاء أيضا تفريقهم باطل فإن قولهم لا يمكن تصور الذات مع نفي تلك الصفة # يقال لهم لفظ التصور مجمل يراد به تصور ما وهو الشعور بالمتصور من طريق ~~الوجود ويراد به التصور التام وما من تصور إلا وفوقه تصور أتم منه # ومن هذا دخل الداخل على هؤلاء المنطقيين الغالطين وعلى هؤلاء فإن عنوا به ~~التصور التام للذات الثابتة في الخارج التي لها صفات لازمة لها فهذه لا ~~يمكن تصورها كما هي عليه مع نفي هذه الصفات فإذا عنى بالماهية ما يتصوره ~~المتصور في ذهنه فهذا يزيد وينقص بحسب تصور الأذهان # وإن عنوا ms0636 به ما في الخارج فلا يوجد شيء بدون جميع لوازمه وإن عني بذلك ~~أنه لا يمكن تصورها بوجه من الوجوه مع نفي هذه الصفات فهذا يرد عليهم فيما ~~جعلوه ذاتيا مثل كونه قائما بنفسه وكونه قديما ونحو ذلك # فإنه قد يتصور الذات تصورا ما من لا يخطر بقلبه هذه المعاني بل PageV03P325 ~~من ينفي هذه المعاني أيضا وإن كان ضالا في نفيها كما أن من نفى الحياة ~~والعلم والقدرة كان ضالا في نفيها # وإذا قيل لا يمكن وجود الفعل إلا من ذات قائمة بنفسها قديمة # قيل ولا يمكن إلا من ذات حية عالمة قادرة # فإذا قيل هذه يمكن بعض العقلاء أن يتصور كونها فاعلا مع انتفاء هذه الصفات # قيل هذا تصور باطل والتصورات الباطلة لا ضابط لها فقد يمكن ضال آخر أن ~~يتصور كونها فاعلة مع عدم القيام بالنفس فإن الفرق إذا عاد إلى اعتقاد ~~المعتقدين لا إلى حقائق موجودة في الخارج كان فرقا ذهنيا اعتباريا لا فرقا ~~حقيقيا من جنس فرق أهل المنطق بين الذاتي المقوم والعرضي اللازم فإنه يعود ~~إلى ذلك حيث جعلوا الذاتي ما لا تتصور الماهية بدون تصوره والعرضى ما يمكن ~~تصورها بدون تصوره وليس هذا بفرق في نفس الأمر وإنما يعود إلى ما تقدره ~~الأذهان فإنه ما من تصور إلا وفوقه تصور أتم منه فإن أريد بالتصور مطلق ~~الشعور بالشيء فيمكن الشعور به بدون الصفات التي جعلوها ذاتية فإنه قد يشعر ~~بالإنسان من لا يخطر بباله أنه حيوان ناطق أو جسم نام حساس متحرك بالإرادة ناطق # وإن أرادوا التصور التام فقول القائل حيوان ناطق لا يوجب PageV03P326 ~~التصور التام للموصوف بل ما من تصور إلا وفوقه تصور أكمل منه # فإن صفات الموصوف ليست منحصرة فيما ذكروه # وإن قالوا نريد به التصور التام للصفات الذاتية عادت المطالبة بالفرق ~~فيبقى الكلام دورا # وهذا كما أنهم يقولون ماهية الشيء هي المركبة من الصفات الذاتية ثم ~~يقولون الصفات الذاتية هي التي يتوقف تحقق الماهية عليها أو يقف تصور ~~الماهية عليها فلا ms0637 تعقل الصفة الذاتية حتى تعقل الماهية ولا تعقل الماهية ~~حتى تعقل الصفة الذاتية لها فيبقى الكلام دورا # كما يجعلون الصفات الذاتية أجزاء للماهية مقومة لها سابقة لها في الحقيقة ~~في الوجودين الذهني والخارجي مع العلم بأن الذات أحق بأن تكون سابقة من ~~الصفات إن قدر أن هناك سبقا وإلا فهما متلازمان # وإذا قيل هي أجزاء # قيل إن كانت جواهر كان الجوهر الواحد جواهر كثيرة وإن كانت أعراضا فهي صفات # فإذا قيل الإنسان حيوان ناطق PageV03P327 # قيل إن كانت الحيوانية والناطقية أعراضا فهي صفات الإنسان وإن كانت جواهر ~~فهنا جوهر هو إنسان وجوهر هو حيوان وجوهر هو ناطق وجوهر هو جسم وجوهر هو ~~حساس وجوهر هو نام ومعلوم فساد هذا # وحقيقة الأمر أنها صفات لما يتصور في الأذهان وصفات لما هو موجود في ~~الأعيان وأن الذات هي أحق بتقويم الصفات من الصفات بتقويم الذات # وأيضا فإن أرادوا تصور الصفات مفصلة فمعلوم أن قولهم حيوان ناطق لا يوجب ~~تصور سائر الذاتيات مفصلا فإن كونه جسما ناميا وحساسا ومتحركا بالإرادة لا ~~يدل عليه اسم الحيوان دلالة مفصلة بل مجملة وإن أرادوا بالتصور التصور سواء ~~كان مجملا أو مفصلا فمعلوم أن لفظ الإنسان يدل على الحيوان والناطق كما يدل ~~لفظ الحيوان على الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة فيكون اسم الإنسان ~~كافيا في تعريف صفات الإنسان مثل ما أن لفظ الحيوان كاف في تعريف صفات ~~الحيوان # فإذا كانوا في تعريف الإنسان لا يأتون إلا بلفظ يدل على صفاته الذاتية ~~دلالة مجملة وهذا القدر حاصل بلفظ الإنسان كان تعريفهم من جنس التعريف ~~بالأسماء وكان ما جعلوه حدا من جنس ما جعلوه اسما PageV03P328 # فإن كان أحدهما دالا على الذات فكذلك الآخر وإلا فلا فلا يجوز جعل أحدهما ~~مصورا للحقيقة دون الآخر غاية ما يقال إن في هذا الكلام من تفصيل بعض ما ~~ليس في الآخر # فإن قول القائل حيوان ناطق فيه من الدلالة على معنى النطق باللفظ الخاص ~~ما ليس في لفظ الإنسان # فيقال وكذلك في لفظ النامي ms0638 من الدلالة على النمو باللفظ الخاص ما ليس في ~~لفظ الحيوان وأنتم لا توجبون ذلك # وكذلك لفظ الحساس والمتحرك بالإرادة فعلم ان كلامهم لا يرجع إلى حقيقة ~~موجودة معقولة وإنما يرجع إلى مجرد وضع واصطلاح وتحكم واعتبارات ذهنية وهذا ~~مبسوط في موضعه # وكذلك الذين فرقوا بين الصفات الذاتية وبين المعنوية اللازمة للذات من ~~الكلابية وأتباعهم يعود تفريقهم إلى وضع واصطلاح وتحكم واعتبارات ذهنية لا ~~إلى حقيقة ثابتة في الخارج ولهذا يضطربون في الفرق بين الصفات الذاتية ~~والمعنوية # فهذا يقول إنه قديم بقدم باق ببقاء وهذا ينازع في هذا أو في هذا # والنافي يقول هو عالم بذاته قادر بذاته كما يقول هؤلاء إنه باق بذاته ~~قديم بذاته # وإذا أراد بذلك أن علمه من لوازم ذاته لا يفتقر إلى شيء آخر فقد PageV03P329 ~~أصاب وإن أراد أنه يمكن كونه حيا عالما قادرا بدون حياة وعلم وقدرة فقد ~~اخطأ وذاته حقيقتها هي الذات المستلزمة لهذه المعاني فتقدير وجودها بدون ~~هذه المعاني تقدير باطل لا حقيقة له ووجود ذات منفكة عن جميع الصفات إنما ~~يمكن تقديره في الأذهان لا في الأعيان وهذه الأمور مبسوطة في موضعها # والمقصود هنا أن التعريف بالحدود والتعريف بالأدلة قد يتضمن إيضاح الشيء ~~بما هو أخفى منه وقد يكون الخفاء والظهور من الأمور النسبية الإضافية فقد ~~يتضح لبعض الناس أو للإنسان في بعض الأحوال ما لا يتضح لغيره أو له في وقت ~~آخر فينتفع حينئذ بشيء من الحدود والأدلة لا ينتفع بها في وقت آخر # وكلما كانت حاجة الناس إلى معرفة الشيء وذكره أشد وأكثر كانت معرفتهم به ~~وذكرهم له أعظم وأكثر وكانت طرق معرفته أكثر وأظهر وكانت الأسماء المعرفة ~~له أكثر وكانت على معانيه أدل # فالمخلوق الذي يتصوره الناس ويعبرون عنه أكثر من غيره تجد له من الأسماء ~~والصفات عندهم ما ليس لغيره كالأسد والداهية والخمر والسيف ونحو ذلك فلكل ~~من هذه المسميات في اللغة من الأسماء أسماء كثيرة وهذا الاسم يدل على معنى ~~لا يدل عليه PageV03P330 ~~الاسم الآخر كما ms0639 يقولون في السيف صارم ومهند وأبيض وبتار ومن ذلك أسماء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن قال النبي صلى الله عليه وسلم # لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ~~وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب وقال # أنا الضحوك القتال أنا نبي الرحمة أنا نبي الملحمة # ومن أسمائه المزمل والمدثر والرسول والنبي # ومن أسماء القرآن الفرقان والتنزيل والكتاب والهدى والنور والشفاء ~~والبيان وغير ذلك # ولما كانت حاجة النفوس إلى معرفة ربها أعظم الحاجات كانت طرق معرفتهم له ~~أعظم من طرق معرفة سواه وكان ذكرهم لأسمائه أعظم من ذكرهم لأسماء ما سواه ~~وله سبحانه في كل لغة أسماء وله في اللغة العربية أسماء كثيرة PageV03P331 # والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن قول النبي صلى الله عليه وسلم # إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة معناه أن من أحصى التسعة ~~والتسعين من أسمائه دخل الجنة ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسما ~~فإنه في الحديث الآخر الذي رواه أحمد وأبو حاتم في صحيحه # أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من ~~خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ~~ونور صدري وجلاء حزني وذهاب غمي وهمي # وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده # اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء ~~عليك أنت كما أثنيت على نفسك فأخبر أنه صلى الله عليه وسلم لا يحصى ثناء ~~عليه ولو PageV03P332 ### | AUTO أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها فكان يحصى الثناء عليه لأن ~~صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه فصل # ولما كانت طرق معرفة الله والإقرار به كثيرة متنوعة صار كل طائفة من ~~النظار تسلك طريقا إلى إثبات معرفته ويظن أنه لا طريق إلا تلك وهذا غلط محض ~~وهو قول بلا علم # فإنه من أين للإنسان أنه ms0640 لا يمكن المعرفة إلا بهذا الطريق فإن هذا نفي ~~عام لا يعلم بالضرورة فلا بد من دليل يدل عليه وليس مع النافى دليل يدل على ~~هذا النفي بل الموجود يدل على أن للمعرفة طرقا أخرى وأن غالب العارفين ~~بالله من الأنبياء وغير الأنبياء بل من عموم الخلق عرفوه بدون تلك الطريق ~~المعينة # وقد نبهنا في هذا الكتاب على ما نبهنا عليه من طرق أهل النظر وتنوعها على ~~ما يأتي وأن الطرق تتنوع تارة بتنوع أصل الدليل وتارة بزيادة مقدمات فيه ~~يستغني عنها آخرون فهذا يستدل بالإمكان وهذا بالحدوث وهذا بالآيات وهذا ~~يستدل بحدوث الذوات وهذا بحدوث الصفات وهذا بحدوث المعين كالإنسان وهذا PageV03P333 ~~بحدوثه وحدوث غيره وآخرون غلطوا فظنوا أنه لا بد من العلم بحدوث كل موصوف ~~تقوم به الصفات وقد يعبرون عنه بلفظ الجسم والجوهر والمحدود والمركب وغير ~~ذلك من العبارات وآخرون يستدلون بحدوث ما قام به الحوادث ويقولون كل ما ~~قامت به الحوادث فهو محدث وليس كل ما قامت به الصفات محدثا # والفلاسفة لم يسلكوا هذه الطريق لاعتقادهم أن من الأجسام ما هو قديم تحله ~~الحوادث والصفات فكونه جسما ومتميزا وقديما وتحله الصفات والحوادث ليس هو ~~عندهم مستلزما لكونه محدثا بل وليس ذلك مستلزما عند أرسطو كونه مممكنا يقبل ~~الوجود والعدم # وكذلك لم يسلكها كثير من أهل الكلام كالهشامية والكرامية وغيرهم بل ولا ~~سلكها سلف الأمة وأئمتها كما قد بسط في موضعه # ولم يسلكها متأخرو أهل الكلام الذين ركبوا طريقا من قول الفلاسفة وقول ~~أسلافهم المتكلمين كالرازي والآمدي والطوسي ونحوهم بل سلكوا طريقة ابن سينا ~~التي ذكرها في إثبات واجب الوجود # وطريقة ابن سينا لم يسلكها سلفه الفلاسفة كأرسطو وأصحابه PageV03P334 # بل ولا سلكها جماهير الفلاسفة بل كثير من الفلاسفة ينازعونه في نفيه ~~لقيام الحوادث والصفات بذات واجب الوجود ويقولون إنه تقوم به الصفات ~~والإرادات وأن كونه واجبا بنفسه لا ينافي ذلك كما لا ينافي عندهم جميعا ~~كونه قديما # ولكن ابن سينا وأتباعه لما شاركوا الجهمية في نفي الصفات وشاركوا ms0641 سلفهم ~~الدهرية في القول بقدم العالم سلكوا في إثبات رب العالمين طريقا غير طريقة ~~سلفه المشائين كأرسطو وأتباعه الذين أثبتوا العلة الأولى بحركة الفلك ~~الإرادية وأن لها محركا يحركها كحركة المعشوق لعاشقه وهو يحرك الفلك للتشبه ~~بالعلة الأولى فعدل ابن سينا عن تلك الطريقة إلى هذه الطريقة التي سلخها من ~~طريقة أهل الكلام الذين يحتجون بالمحدث على المحدث وهو لا يقول بحدوث ~~العالم فجعل طريقته الاستدلال بالممكن على الواجب ورأى أولئك المتكلمين ~~قسموا الوجود إلى قديم ومحدث فقسمه هو إلى واجب وممكن وأثبت الواجب بهذا ~~الطريق ولكن هذا بناء على أن القديم ممكن وله ماهية تقبل الوجود والعدم # وهذا مما خالفه فيه جمهور العقلاء من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم حتى أنه ~~هو تناقض في ذلك فوافق سلفه وجميع العقلاء PageV03P335 ~~وصرح بأن الممكن لا يكون إلا ما يقبل الوجود والعدم ثم تناقض هنا كما قد ~~بسط في غير هذا الموضع # ونحن ننبه عليه هنا فقوله كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير ~~التفات إلى غيره فإما أن يكون بحيث يجب له الوجود نفسه أو لا يكون فإن وجب ~~فهو الحق بذاته الواجب وجوده من ذاته وهو القيوم وإن لم يجب لم يجز أن يقال ~~هو ممتنع بذاته بعد ما فرض موجودا بل إن قرن باعتبار ذاته شرط مثل شرط عدم ~~علته صار ممتنعا أو قرن شرط وجود علته صار واجبا وأما إن لم يقرن بها شرط ~~لا حصول علة ولا عدمها بقي له من ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان فيكون ~~باعتبار ذاته الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع فكل موجود إما واجب الوجود بذاته ~~وإما ممكن الوجود بحسب ذاته # فيقال أما كون الموجود ينقسم إلى واجب وهو الواجب بنفسه وإلى ممكن وموجود ~~بغيره وأن الموجود بغيره لا بد له من موجود بنفسه فهذا كله حق وهي قضايا صادقة PageV03P336 # وأما كون الممكن بنفسه له ذات يعتقب عليها الوجود والعدم وأنها مع ذلك قد ~~تكون قديمة أزلية واجبة بغيرها كما يقوله ms0642 ابن سينا وموافقوه فهذا باطل عند ~~العقلاء قاطبة من الأولين والآخرين حتى عند ابن سينا مع تناقضه # والاعتراض على هذا من وجوه # أحدها قوله إن قرن باعتبار ذاته شرط صار ممتنعا أو واجبا وإن لم يقرن بها ~~شرط بقي له من ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان يقتضي إثبات ذات لهذا الممكن ~~تكون تارة واجبة وتارة ممتنعة وهذا يقتضي أن لكل ممكن ذاتا مغايرة لوجوده ~~وأن تلك الذات يمكن اتصافها بالوجود تارة وبالعدم أخرى وهذا باطل سواء أريد ~~به قول من يجعل المعدوم شيئا من المعتزلة ونحوهم أو قول من يجعل الماهيات ~~النوعية في الخارج مغايرة للوجود في الخارج كما يقوله من يقوله من ~~المتفلسفة والكلام على فساد هذين مبسوط في غير هذا الموضع # وهو لم يذكر هنا دليلا على صحة ذلك ومجرد ما ذكره من التقسيم لا يدل على ~~وجود الأقسام الثلاثة في الخارج فيبقى دليله غير مقدر المقدمات PageV03P337 # وهذا مما يسلكه أمثال هؤلاء يذكرون أقساما مقدرة تقديرا ذهنيا ولا يقيمون ~~الدليل على إمكان كل من الأقسام ولا وجوده وإنما يذكرون مجرد تقدير ذلك ~~ويبنون على ذلك التقدير بناء من قد أثبته في الخارج وهم لم يثبتوه في ~~الخارج كما ذكرنا نظائر ذلك في مواضع # والمقصود هنا أن قول القائل كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير ~~التفات إلى غيره فإما واجب وإما ممكن إنما يصح إذا علم أن الموجود في ~~الخارج له ذات يمكن أن لا يلتفت معها إلى غيرها ليقال إن تلك الذات إما ~~واجبة وإما أن يجب لها الوجود وإما أن لا يجب # وأما إذا كان لا شيء في الخارج إلا الموجود إما بنفسه وإما بغيره ~~فالموجود بغيره إذا التفت إليه من غير التفات إلى غيره فلا ذات له يمكن ~~الالتفات إليها حتى يقال إنها ممكنة قابلة للوجود والعدم بل هذا الذي قدر ~~أنه موجود بغيره إذا لم يلتفت إلى غيره فلا حقيقة له أصلا لا وجود ولا غيره ~~ولا هناك ما يكون ممكن ms0643 الوجود أصلا # فهذا التفسير لا يصح الاستدلال به إلا بعد إثبات ذات محققة في الخارج ~~مغايرة لما هو في الخارج من الوجود ولما لم يثبت هذا القسم كان الاستدلال باطلا PageV03P338 # وإذا قيل قد قرر هذا في غير هذا الموضع # قيل الجواب من وجهين # أحدهما أنه قد بين أيضا في غير هذا الموضع فساد ما ذكره # الثاني أنه بتقدير أن يقرره فلا ريب أن هذه المقدمة مما ينازع فيه كثير ~~من العقلاء بل أكثرهم وهي مقدمة خفية تحتاج إلى بيان # ومتفلسفة الأشعرية كالرازي والآمدي حائرون فيها فالرازي له فيها قولان ~~والآمدي متوقف فيها وأهل الإثبات قاطبة كالأشعري وغيره متفقون على بطلانها ~~فكيف تكون مثل هذه المقدمة في إثبات واجب الوجود الذي وجوده أظهر وأعرف من ~~هذه المقدمة وهل الاستدلال على القوي بالضعيف إلا كتحديد الجلي بالخفي وهذا ~~إذا كان في الحدود مردودا فهو في الأدلة أولى بالرد # الوجه الثاني أن هذا باطل على كل قول أما على قول نظار السنة الذين ~~يقولون وجود كل شيء في الخارج عين حقيقته فظاهر وأما على قول القائلين بأن ~~المعدوم شيء المفرقين بين الوجود والثبوت فإنهم لا يقولون ذلك إلا في ~~المعدوم لا يقولون إن الموجود القديم ثبوته يقبل الوجود والعدم بل قد ~~يقولون إن ماهية القديم مغايرة لوجوده لكن لا يقولون إنها تقبل الوجود ~~والعدم ففي الجملة PageV03P339 ~~لا يتصور عندهم ماهية مستلزمة للوجود تقبل الوجود والعدم # وأما على قول متأخري الفلاسفة الذين يجعلون وجود الممكنات زائدا على ~~ماهيتها فتلك الماهيات إنما تتحقق في حال الوجود لا يمكن تجردها عن الوجود ~~فلا يتصور أن يكون عندهم ماهية هي نفسها تقبل الوجود والعدم فإثبات ماهية ~~تقبل الوجود والعدم وهي مع ذلك مستلزمة للوجود ليس قول أحد من الطوائف # الوجه الثالث أن هذا باطل فإنها إذا كانت مستلزمة للوجود امتنع أن تقبل ~~العدم وإن كان عدمها ممكنا امتنع أن تستلزم الوجود فدعوى المدعي أنها يمكن ~~وجودها وعدمها وأنها مع ذلك تستلزم الوجود لا يمكن عدمها جمع بين ms0644 ~~المتناقضين # وإذا قيل هي باعتبار ذاتها يمكن وجودها وعدمها وأما باعتبار سببها فإنه ~~يجب وجودها # قيل قول القائل هي باعتبار ذاتها يمكن وجودها وعدمها ليس معناه أنه يجب ~~وجودها أو عدمها بل معناه أنها باعتبار ذاتها لا تستحق وجودا ولا عدما بل ~~لا بد لها من أحدهما باعتبار غيرها # والتقدير أنها موجودة فيكون الوجود لها من غيرها واجبا والوجود الواجب ~~ولو بغيره لا يمكن عدمه فهذه الذات الواجبة بغيرها لا يمكن عدمها بوجه من الوجوه PageV03P340 # وهب أنه لولا السبب الموجب لها لعدمت لكن هذا تقدير ممتنع فإن السبب واجب ~~بذاته وهي من لوازمه ولازم الواجب بذاته يمتنع عدمه لان عدم اللازم يوجب ~~عدم الملزوم فلو عدم لازم الواجب لعدم الواجب وعدمه ممتنع فعدم لازمه ممتنع ~~فكان عدم هذه الذات ممتنعا فلا يكون عدمها ممكنا فإن الممكن نقيض الممتنع ~~واذا كان عدمها لم يكن ممكنا # الوجه الرابع ان يقال معلوم انه لولا وجود الفاعل لكانت معدومة بنفسها ~~ولم يكن عدمها معلول علة منفصلة عنها # وقوق القائل علة العدم عدم العلة ان اراد به ان عدم العلة يستلزم عدمها ~~ويدل عليه فهذا صحيح وان اراد ان نفس عدم العلة هو الذي جعل المعلول معدوما ~~فهذا معلوم البطلان بصريح العقل فإن العدم المحض لا يكون له تأثير في شيء ~~أصلا ولان ما لا يوجد إلا بغيره إذا لم يوجد الغير فهو باق على العدم مستمر ~~على ما كان عليه والعدم المستمر الباقي لا يكون له علة أصلا ولو قدر أن لكل ~~معدوم علة لعدمه للزم تقدير علل لا تتناهى لان ما يقدر عدمه لا يتناهى وكل ~~هذا باطل فإن العدم نفي محض ليس بشيء أصلا حتى يقدر فيه علل ومعلولات # واذا كان كذلك فالممكن لا يفتقر إلى المؤثر إلا إذا قدر وجوده وألا فمع ~~تقدير عدمه لا يفتقر إلى شيء أصلا فإذا قدر وجوده واجبا بغيره وجوبا قديما ~~أزليا لم يكن هناك ما يقبل العدم ولا يمكن ان يقرن بذاته شرط عدم علته ms0645 PageV03P341 # وهذا الاعتراض يمكن ايراده على قوله كل موجود إذا التفت اليه من حيث ذاته ~~من غير التفاف إلى غيره فهو إما واجب واما ممكن # فيقال ان قيل بان الذات هي نفس الوجود المحقق في الخارج فذاك إذا قيل ليس ~~له حقيقة بدون الوجود بنفسه فإذا نظر اليه مجردا عن غيره بطلت حقيقيته وكان ~~نفيا محضا لم يكن له حقيقة يلتفت القلب اليها البته # وان قيل ان له ذاتا مغايرة للوجود فتلك الذات سوء قدر إمكان تحقيقها دون ~~الوجود كما يقوله من يقول المعدوم شيء او فرض انه لا يمكن تحققها بدون ~~الوجود فعلى التقديرين إذا التفت اليها من غير التفاف إلى غيرها لم تكن ~~موجودة بل معدومة وانت قد فرضتها موجودة فهذا جمع النقيضين # وأيضا فهي عدم الالتفاف إلى غيرها ممتنعة الوجود لا جائزة الوجود فما ~~يمكن وجوده إذا التفت اليه من غير التفاف إلى ما يقتضي وجوده كان ممتنع ~~الوجود سواء فرض عدم ما يوجده او لم يفرض لا وجوده ولا عدمه فهو لا يكون ~~موجودا إلا مع ما يوجده فإذا التفت اليه مجردا عما يوجده امتنع وجوده # وان قال القائل فرق بين التفات اليه بشرط لا او لا PageV03P342 ~~بشرط او قال بشرط عدم الموجد او لا بشرط وجوده فانه ممتنع في الأول وممكن ~~في الثاني # قيل له بل هو ممتنع في القسمين فإذا اخذ لا بشرط كان ممتنع الوجود وكذلك ~~إذا اخذ لامع وجود الفاعل وذلك انه لا يمكن وجوده إلا بالفاعل ووجوده بدون ~~الفاعل ممتنع فإذا التفت إليه لا مع لازم وجوده كان وجوده ممتنعا والممتنع ~~أعم من أن يكون ممتنعا بنفسه او بغيره كما ان الموجود اعم من ان يكون ~~موجودا بنفسه او بغيره والامتناع لا يفتقر إلى ان يقترن به شرط وهو عدم ~~علته بل إذا لم يقترن به سبب وجوده كان ممتنعا والعقل يعقل امتناعه بدون ما ~~يوجده وان لم يخطر له انه قرن به عدم علته فهو في تجرده عن الاقتران بما ~~يوجده ms0646 ممتنع كما هو في الاقتران فعدم العلة ممتنع # يبين ذلك ان عدم العلة لا شيء فاقترانه بعدم العلة اقتران بعدم محض فلم ~~تختلف حاله بين تقدير عدم هذا الاقتران وانتفائه إلا إذا قرن به ما يقتضي ~~وجوده وألا فهو بدون القرين المقتضي لوجوده ممتنع معدوم وسبب هذا ان هذا ~~الاقتران ليس هو الموجب لعدمه في نفس الأمر بل هو دليل على العدم والادلة ~~تتعدد والدليل لا ينعكس فلا يلزم من عدمه عدم المدلول إلا إذا كان ملازما ~~فالشيء إذا اخذ مع ضده كان ممتنعا ومع عدم فاعله كان ممتنعا وكل من الأمرين ~~يدل على امتناعه وكذلك إذا اخذ بدون شرطه كان ممتنعا وبدون لازمه PageV03P343 ~~كان ممتنعا والمقتضي الممكن الزم اللوازم له واعظم الشروط ولا فرق بين ان ~~يقدر مع انتفاء اللازم او يقدر لا مع ثبوت اللازم فالامران سواء هو في ~~كليهما ممتنع إلا مع اللازم فان وجود الملزوم بدون اللازم ممتنع ولهذا كل ~~ما يقدر في الخارج فأما واجب بنفسه او بغيره واما ممتنع بنفسه او بغيره # فإذا قيل هو باعتبار نفسه لا واجب ولا ممتنع # قيل ليس في الخارج شيء لا واجب ولا ممتنع وانما ذاك شيء يقدر في الذهن ~~فيقدر في الذهن ذات يمكن وجودها وعدمها وانت لم تتكلم فيما يقدر في الاذهان ~~بل قلت كل موجود فجعلت التقسيم واردا على الامور الموجودة في الخارج وتلك ~~إما موجودة بنفسها واما بغيرها وليس فيها ما يمكن الالتفات اليه مع كونه ~~غير موجود إلا إذا كان في الذهن مع انه في الذهن موجود وجودا ذهنيا # الوجه الخامس قوله ان قرن باعتبار ذاته شرط صار واجبا او ممتنعا وان لم ~~يقترن بها شرط لا حصول علة ولا عدمها بقي له من PageV03P344 ~~ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان فيكون باعتبار ذاته الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع # فيقال هذا التقسيم يتضمن رفع النقيضين فانه لا بد ان يقترن بها حصول ~~العلة او عدمها لا يمكن رفع النقيضين جميعا وهو حصول العلة وعدمها ms0647 معا ~~فالتقدير المقابل لهذين وهو أن لا يقترن بها حصول العلة ولا عدمها فهو ~~تقدير سلب النقيضين وهو رفع وجود العلة وعدمها معا وهذا ممتنع # وحينئذ فلا يثبت الإمكان إلا على تقدير ممتنع وما لا يثبت إلا على تقدير ~~ممتنع فهو ممتنع فيكنو الإمكان الذي اثبتوه وهو أنه لا يجب ولا يمتنع لا ~~يحصل إلا تقدير ممتنع وهو رفع النقيضين فيكون ممتنعا وهذا يوضح أن هذا ~~الإمكان امر لا حقيقة له في الخارج ولا يعقل الإمكان إلا في شيء يكون ~~موجودا تارة ومعدوما أخرى وأما ما يكون موجودا لا يقبل العدم البتة فليس ~~بممكن كما أن المعدوم الذي لا يقبل الوجود البتة ليس بممكن مثل نقيض صفات ~~كمال الباري فإن العجز والجهل ونحوذلك أمور معدومة له لا تقبل الوجود البتة ~~كما ان حياته وقدرته وعلمه من لوازم ذاته لا تقبل العدم البتة بل يجب ~~وجودها ويمتنع عدمها وليست من الممكن الذي يقبل الوجود والعدم يبين هذا PageV03P345 # الوجه السادس وهو قوله وإن لم يقرن بها شرط لا حصول علة ولا عدمها بقي له ~~من ذاته الأمر الثالث # يقتضي أن هذا الأمر الثالث إنما يكون له من ذاته إذا لم يقرن بها أحد ~~الأمرين ومعلوم أنه لا بد أن يقرن بها أحد الأمرين فإذا لم يكن لها الإمكان ~~إلا في حال تجردها عن الاقتران وهي لا تتجرد عن الاقتران لم يكن لها من ~~ذاتها إمكان أصلا فإنه جعل ما لا يمكن عدمه واجبا سواء كان واجبا بنفسه أو ~~بغيره وما كان واجبا لم يكن ممكنا وإنما يكون ممكنا إذا لم يقرن به لا سبب ~~وجوده ولا سبب عدمه يقرر هذا # الوجه السابع وهو أن هذا الكلام يقتضي أنها في حال اقترانها بشرط حصول ~~العلة واجبة ليس لها من ذاتها الإمكان والتقدير أنها موجودة وأن الموجود ~~إما واجب وإما ممكن وفي حال وجودها قد PageV03P346 # اقترن بها حصول العلة فلا يكون في حال وجودها لها من ذاتها الإمكان # وحينئذ فوصفها بالإمكان في حال الوجود ms0648 الواجب ممتنع فبطل تقسيم الوجود ~~الواجب إلى واجب وممكن بهذا الاعتبار بخلاف تقسيم من قسمه إلى واجب وممكن ~~وفسر الممكن بما يوصف بالوجود تارة والعدم أخرى فيكون تارة موجودا وتارة ~~معدوما فإن تقسيم الوجود إلى واجب وممكن بهذا الاعتبار لا منافاة فيه فإنها ~~توصف بالإمكان حال عدمها لأنه يمكن وجودها وتوصف به في حال وجودها لأنه ~~أمكن وجودها كما أمكن عدمها # الوجه الثامن أن قول القائل له من ذاته الإمكان أو أن ذاته تقبل الوجود ~~والعدم ونحو ذلك # يقال له هذه الذات هي من حيث هي ذات مع قطع النظر عن وجودها كما فرضتم ~~ذلك هي واجبة أو ممكنة أو ممتنعة فإن كانت واجبة أو ممتنعة بطل كونها ممكنة ~~وإن كانت ممكنة فلا تكون ذاتا إلا بأمر آخر يجعلها ذاتا كما أنها لا تكون ~~موجودة إلا بأمر آخر يجعلها موجودة بل قياس ما ذكروه أنه لا يثبت كونها ~~ذاتا إلا بسبب PageV03P347 ~~ولا ينتفي كونها ذاتا إلا بسبب وهذا يفضي إلى التسلسل لأن القول فيما يوصف ~~بكونه ذاتا كالقول فيما يوصف بكونه موجودا # الوجه التاسع أنه إذا كانت تلك الحقيقة والذات مفتقرة في كونها حقيقة ~~وذاتا إلى سبب فلا سبب إلا واجب الوجود وواجب الوجود يمتنع أن يجعلها حقيقة ~~مع كونها معدومة فلا يجعلها ذاتا وحقيقة إلا مع كونها موجودة وحينئذ فإذا ~~كان وجودها واجبا به فحقيقتها واجبة به فلا تكون قابلة للعدم كما أن نفس ~~الوجود لا يكون قابلا للعدم لما فيه من الجمع بين النقيضين # الوجه العاشر أنه إذا قدر أن واجب الوجود لم يجعل حقيقتها وهي لا تكون ~~لها حقيقة إلا بسبب لم يكن هناك حقيقة تقبل الوجود والعدم # الوجه الحادي عشر قوله كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير ~~التفات إلى غيره الخ # يقال نحن إذا التفتنا إلى السماء أو غيرها من الموجودات من غير التفات ~~إلى غيرها لم نعقل إلا تلك العين الموجودة فإذا قدرنا أنه لا يجب لها ~~الوجود من نفسها لم ms0649 تكن موجودة إلا بموجد يوجدها فنحن نعقل أن الشيء إما ~~موجود بنفسه وإما موجود بغيره وإذا قسم الوجود إلى موجود بنفسه وموجود ~~بغيره وسمى هذا ممكنا كان هذا تقسيما صحيحا وهو كتقسيمه إلى مفعول وغير ~~مفعول ومخلوق وغير PageV03P348 ~~مخلوق أما كون هذا الممكن له ذات وليس له من تلك الذات وجود ولا عدم فهذا ~~غير معقول في شيء من الموجودات بل المعقول أنه ليس في الممكن من نفسه وجود ~~أصلا ولا تحقق ولا ذات ولا شيء من الأشياء # وإذا قلنا ليس له من ذاته وجود فليس معناه أنه في الخارج له ذات ليس له ~~منها وجود بل معناه أنا نتصور ذاتا في أنفسنا ونتصور أن تلك الذات لا توجد ~~في الخارج إلا بمبدع يبدعها فالحقائق المتصورة في الأذهان لا توجد في ~~الأعيان إلا بمبدع يبدعها في الخارج لا أنه في الخارج لها ذات ثابتة في ~~الخارج تقبل الوجود في الخارج والعدم في الخارج فإن هذا باطل # وإذا كان كذلك وعلمنا أن كل موجود فإما موجود بنفسه وهو الخالق أو موجود ~~بغيره وهو المصنوع المفعول والمصنوع المفعول لا يكون إلا محدثا مسبوقا ~~بالعدم بل الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثا مسبوقا بالعدم ~~عند عامة العقلاء ولو قدر أنا لم نعرف هذا فتسمية ما وجوده بنفسه ووجود ~~غيره منه خالقا PageV03P349 ~~وتسمية ما أبدعه مخلوقا أحسن وأبين من تسمية هذا ممكنا إذا الممكن لا يوصف ~~به في العادة إلا المعدوم الذي يمكن أن يوجد وأن لا يوجد وأما ما وجد فقد ~~خرج عن الإمكان إلى الوجوب بالغير فالمعروف في فطر الناس أن ما مضى من وجود ~~وعدم لا يسمونه ممكنا وإنما يسمون بالممكن شيئا يمكن وجوده في المستقبل ~~وعدمه في المستقبل # ثم إذا عرف أن كل ما سوى الموجود بنفسه فهو مفعول مصنوع له علم أن ~~المصنوع المفعول لا يكون إلا محدثا كما قد بسط في موضعه وهذه الاعتراضات ~~ليست اعتراضات على إثبات واجب الوجود فإنه حق لكن على هذا ms0650 الطريق الذي سلكه ~~حيث أثبت ذاتا ممكنة مع كونها عنده قديمة أزلية ولا يحتاج إثبات واجب ~~الوجود إلى هذا في هذه الطريق # بل إذا قيل كل موجود فإما موجود بنفسه وإما موجود بغيره والموجود بغيره ~~لا يوجد إلا بالموجود بنفسه ثبت وجود الموجود بنفسه وإذا سمي هذا واجبا ~~وهذا ممكنا كان ذلك أمرا لفظيا لكن المقصود أنه لا يثبت واجب الوجود بما ~~يدعي أنه ذات تقبل الوجود والعدم وهي مع ذلك قديمة أزلية واجبة فالواجب لا ~~يقبل العدم بحال والله أعلم PageV03P350 ### | AUTO وهذه الأمور التي ذكرناها في هذا الموضع عامة النفع يحتاج ~~إليها في هذا الموضع وغيره لما في القلوب من الأمراض ولكن خرجنا إليها من ~~الكلام على المسالك التي سلكها أبو عبد الله الرازي في حدوث العالم ~~والأجسام وذكرنا كلام الآمدي على تلك المسالك فحصل هذا في الكلام على ~~المسلك الأول فصل # وأما المسلك الثاني فمسلك افتقار الاختصاص إلى مخصص فقرره الآمدي من وجهين # أحدهما ما ذكره الرازي ثم زيفه # قال الآمدي المسلك الثاني هو أن أجزاء العالم مفتقرة إلى ما يخصصها ~~بمالها من الصفات الجائزة لها وكل ما كان كذلك فهو محدث فالعالم محدث # أما المقدمة الأولى فقد انتهج الأصحاب فيها طريقين الأول أنهم قالوا كل ~~جسم من أجسام العالم فهو متناه وكل متناه فله شكل معين ومقدار معين وحيز معين # أما المقدمة الأولى فلما سبق تقريره وأما المقدمة الثانية فلأن كل PageV03P351 # جسم متناه فلا بد له من مقدار معين وأن يحيط به حد واحد كالكري أو حدود ~~كالمضلع وهو المعني بالشكل وأن يكون في حيز بحيث يمكن أن يشار إليه بأنه ~~ههنا أو هناك # وهذا كله معلوم بالضرورة وكل ماله شكل ومقدار وحيز معين فلا بد له من ~~مخصص يخصصه به # وبرهانه أنه ما من جسم إلا ويعلم بالضرورة أنه يجوز أن يكون على مقدار ~~أكبر أو أصغر مما هو عليه أو شكل غير شكله وحيز غير حيزه إما متيامنا عنه ~~أو متياسرا وإذا كان كذلك فلا ms0651 بد له من مخصص يخصصه بما يخصص به وإلا كان ~~أحد الجائزين واقعا من غير مخصص وهو محال # الطريق الثاني أن جواهر العالم إما أن تكون مجتمعة أو متفرقة أو مجتمعة ~~ومتفرقة معا أو لا مجتمعة ولا متفرقة أو البعض PageV03P352 ~~مجتمعا والبعض متفرقا لاجائز أن يقال بالاجتماع والافتراق معا ولا أنها غير ~~مجتمعة ولا متفرقة معا إذ هو ظاهر الإحالة فلم يبق إلا أحد الأقسام الأخر ~~وأي قسم منها قدر أمكن في العقل فرض الأجسام على خلافه فيكون ذلك جائزا لها ~~ولا بد لها من مخصص يخصصها به لما تقدم في الطريق الأول # وأما بيان المقدمة الثانية وهو أن كل مفتقر إلى المخصص محدث فهو أن ~~المخصص لا بد أن يكون فاعلا مختارا وأن يكون ما يخصصه حادثا لما تقدم في ~~المسلك الأول يعني مسلك الإمكان فإنه قدمه وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ~~ذكره فيه وإذا ثبت أن أجزاء العالم من الجواهر والأجسام لا تخلو عن الحادث ~~فتكون حادثة فإذا كانت أجزاء العالم من الجواهر PageV03P353 ~~والأجسام حادثة فالأعراض كلها حادثة ضرورة عدم قيامها بغير الجواهر ~~والأجسام والعالم لا يخرج عن الجواهر والأعراض فيكون حادثا # قال الآمدي وهذا المسلك ضعيف أيضا إذ لقائل أن يقول المقدمة الأولى وإن ~~كانت مسلمة غير أن المقدمة الثانية وهي أن كل مفتقر إلى المخصص محدث ممنوعة ~~وما ذكر في تقريرها باطل بما سبق من المسلك الأول وبتقدير تسليم حدوث ما ~~أشير إليه من الصفات فلا يلزم أن تكون الجواهر والأجسام حادثة لجواز أن ~~تكون هذه الصفات متعاقبة عليها إلى غير النهاية إلا بالالتفات إلى ما سبق ~~في بيان امتناع حوادث متعاقبة لا أول لها تنتهي إليه # قلت هذا المسلك أضعف من مسألة الحركة والسكون فإن هذا يفتقر إلى ما يفتقر ~~إليه ذاك من غير عكس إذ كلاهما مفتقر إلى بيان PageV03P354 ~~امتناع حوادث متعاقبة دائمة وقد عرف ما فيه وهذا يزيد باحتياجه إلى بيان أن ~~الجسم لا يخلو عن صفات حادثة غير الحركة والسكون وهذا ms0652 يخالف فيه جمهور ~~العقلاء وهذا مبني على مقدمات على أنه لا بد من قدر أو اجتماع أو افتراق ~~وأن ذلك لا يكون إلا بمخصص وأن كل ما لا بد له من مخصص فهو محدث # أما المقدمة الأولى فجمهور العقلاء سلموا أنه لا بد له من قدر وأما كونه ~~لا بد له من اجتماع وافتراق فهو مبني على مسألة الجوهر الفرد # وأكثر العقلاء من طوائف المسلمين وغيرهم ينكرون الجوهر الفرد حتى الطوائف ~~الكبار من أهل الكلام كالنجارية والضرارية والهشامية والكلابية وكثير من ~~الكرامية مع أكثر الفلاسفة وإن كان القول بتركيب الجسم من المادة والصورة ~~كما يقوله من يقوله من المتفلسفة أيضا أفسد من دعوى تركبه من الجواهر ~~الفردة فكلا القولين ضعيف # ونحن في هذا المقام مقصودنا التنبيه على جوامع الطرق ومقاصدها وأما كون ~~ما له قدر يفتقر إلى مخصص فهذا فيه نزاع مشهور وذلك أن القدر صفة من صفات ~~ذى القدر كألوانه وأكوانه وسائر ما يمكن أن يتصف به الجسم من الحياة والعلم ~~والقدرة والكلام والسمع والبصر PageV03P355 ~~وغير ذلك فإن صفاته نوعان منها ما يختص بالأحياء مثل هذه الصفات ومنها ما ~~يشترك فيه الحي وغيره كالأكوان والقدر والطعم والريح # فإذا قال القائل كل ذي قدر يمكن أن يكون قدره على خلاف ما هو عليه كان ~~بمنزلة أن يقول كل موصوف يمكن أن يكون موصوفا بخلاف صفته فإذا عرضنا على ~~عقولنا ما نعلمه من الموجودات التي لها أقدار وصفات كان تجويزنا لكونها على ~~خلاف أقدارها كتجويزنا لها أن تكون على خلاف صفاتها بل القدر من الصفات # ولهذا لما تكلم الفقهاء في مفهوم الصفة كقوله صلى الله عليه وسلم في ~~الإبل السائمة الزكاة تكلم بعضهم في مفهوم القدر كقوله إذا بلغ الماء قلتين ~~لم يحمل الخبث فقال آخرون القدر من جملة الصفات # ولهذا كان مما احتج به من احتج به من أهل الكلام على الفلاسفة في مسألة ~~حدوث العالم أن العالم له صفات وأقدار يمكن أن يكون على خلافها فهو مفتقر ~~إلى مخصص ms0653 لأن العالم ممكن بالاتفاق والمخصص لا يكون موجبا بالذات # وقد سلك هذا الطريق أبو المعالي في النظامية فسالكو هذه الطريقة ~~ومنازعوهم لم يفرقوا بين القدر وسائر الصفات في إمكان القبول وعدمه والقدر ~~المعين أقرب إلى الذات المعينة من الصفات PageV03P356 ~~المطلقة كما أن صفاته المخصوصة ألزم له من جنس القدر فإن نفس الجسم ~~التعليمي الذي يقدر في الذهن لا يمكن فرضه إلا وله قدر يمكن فرضه خاليا عن ~~جميع الصفات لأنه فرض جسم شامل لجميع الأجسام فلهذا قدر مجردا عن جميع ~~الصفات كما يفرض عدد مجرد عن جميع المعدودات # وكذلك مايتخيله الانسان من الأجسام بعد رؤيته له كتخيله الانسان والفرس ~~والشجر والدار والمدينة والجبل ونحو ذلك يمكنه تخيله مع عدم تخيل شيء من ~~صفاته كألوانه وغيرها ولا يمكنه تخيله مع نفي قدره فاختصاص جنس الجسم بجنس ~~القدر كاختصاص جنس الموصوفات بجنس الصفات واختصاص الجسم المعين بقدره ~~كاختصاصه بصفته المعينه وحقيقته المخصوصة # وكل شيء له حقيقه تخصه وقدر وصفات تقوم به فهنا ثلاثة أشياء المقدار ~~والحقيقة وصفات الحقيقة # فقول القائل كل ذي قدر يمكن أن يكون بخلاف ذلك القدر كقوله كل موصوف يمكن ~~وجوده على خلاف تلك الصفات وهو أقرب من قوله كل ماله حقيقه فيمكن وجوده على ~~خلاف تلك الحقيقة # ولكن في هذا المقام يكفي أن يجعل حكم المقدار حكم سائر PageV03P357 ~~الصفات فلا ريب أن كيفية الموصوف وصفاته ألزم له من قدره فكيفيته أحق به من ~~كميته فاختصاصه بقدر دون اختصاصه بصفة فالنار والماء والهواء يلزمها ~~كيفياتها المخصوصة أعظم مما يلزمها المقدار المعين # فيقال إن أمكن أن يقرر أن كل جسم يقبل من الصفات خلاف ما هو عليه وما كان ~~كذلك فهو ممكن أو محدث كان هذا دليلا عاما لا يختص بالمقدر وإن لم يمكن ذلك ~~فلا فرق بين القدر وغيره # وأحد الطرق التي ذكرها الرازي وغيره في إثبات الصانع تعالى الاستدلال ~~بإمكان صفات الجسم أو حدوثها لم يفرق السالكون فيه بين القدر وغيره # ثم لقائل أن يقول قول القائل كل ms0654 ذي قدر يمكن أن يكون أكبر أو أصغر أو كل ~~ذي وصف يمكن أن يكون بخلاف ذلك الوصف ونحو ذلك أتريد به الإمكان الذهني أو ~~الخارجي والفرق بينهما أن الإمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع فليس ~~في ذهنه ما يمنع ذلك والإمكان الخارجي معناه العلم بالإمكان في الخارج PageV03P358 # والإنسان يقدر في نفسه أشياء كثيرة يجوزها ولا يعلم أنها ممتنعة ومع هذا ~~فهي ممتنعة في الخارج لأمور أخر # فإن قال أريد به الإمكان الذهني لم ينفعه ذلك لأن غايته عدم العلم ~~بامتناع كون تلك الصفة واجبة له # وإن قال أريد الإمكان الخارجي وهو أني أعلم أن كل موصوف بصفة أو كل ذي ~~قدر يمكن أن يكون بخلاف ذلك كان مجازفا في هذا الكلام لأن هذه قضية كلية ~~تتناول من الأفراد ما لا يحصيه إلا الله تعالى وليس معه دليل يدل على إمكان ~~ذلك في الخارج يتناول جميع هذه الأفراد غايته أنه رأى بعض الموصوفات ~~والمقدرات يقبل خلاف ما هو عليه فإذا قاس الغائب على الشاهد كان هذا من ~~أفسد القياس لاختلاف الحقائق ولأن هذا ينعكس عليه # فيقال له لم نر إلا ما له صفة وقدر فيقاس الغائب على الشاهد # ويقال كل قائم بنفسه فله صفة وقدر وهذا إلى المعقول أقرب من قياسهم فإن ~~هذا لا يعلم انتقاضه # وأما قول القائل كل ما له صفة وقدر فيقبل خلاف ذلك فلا يعلم اطراده فأين ~~القياس الذي لا يعلم انتقاضه من القياس الذي لا يعلم اطراده # والناس متفقون على أنهم لم يروا موجودا إلا له صفة وقدر وليسوا متفقين ~~على ان كل ما رأوه يمكن وجوده على خلاف صفاته PageV03P359 ~~وقدره مع بقاء حقيقته التي هو بها هو ولكن مع استحالة حقيقته فاستحالة قدره ~~وصفاته أولى # ثم ان ما نشاهده من السموات إنما نعلم جواز كونها على خلاف هذه الصفات ~~بأدلة منفصلة لا نعلم ذلك ضرورة ولا حسا ولهذا نازع في ذلك كثير من العقلاء ~~الذين لا يجمعهم مذهب معين تلقاه بعضهم عن بعض ولو ms0655 كان هذا الجواز معلوما ~~بالضرورة لم ينازع فيه طوائف العقلاء الذين لم يتواطأوا على قول فإن هؤلاء ~~لا يتفقون على جحد الضروريات # ثم يقال هذا بعينه معارض بالحقائق في نفسها وصفاتها اللازمة لها فإنه ~~يمكن ان يقال كل موجود له حقيقة تخصه يمتاز بها عن غيره فاختصاص ذلك ~~الموجود بتلك الحقيقة دون غيرها من الحقائق يفتقر إلى مخصص # ويقال أيضا كل موجود له صفات لازمة تخصه فاختصاصه بتلك الصفات دون غيرها ~~يفتقر إلى مخصص # ومن المعلوم أنه قد علم بضرورة العقل واتفاق العقلاء انه لا بد من وجود ~~واجب بنفسه قديم وموجود ممكن محدث فإنا نشاهد حدوث الحوادث والحادث ممكن ~~وألا لما وجد وليس بواجب بنفسه وإلا لم PageV03P360 ~~يعدم ويعلم بالضرورة ان طبيعة المحدث لا تكون إلا بقديم وطبيعة الممكن لا ~~تكون إلا بواجب كما قد بسط في غير هذا الموضع # فإذا كانت الموجودات منقسمة إلى قديم ومحدث وواجب وممكن فمن المعلوم ~~انهما يشتركان في مسمى الوجود والماهية والذات والحقيقة وغير ذلك ويختص ~~الواجب بما لا يشركه فيه غيره # بل من المعلوم بالضرورة ان الواجب له حقيقة تخصه لا يشركه فيها غيره فإن ~~كان كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين له افتقرت حقيقة الواجب بنفسه إلى مخصص ~~مابين له فلا يكون في الموجودات قديم ولا واجب فيلزم حدوث الحوادث بلا محدث ~~ووجود الممكنات بلا واجب # وهذا كما أنه معلوم الفساد بالضرورة فلم يذهب اليه أحد من العقلاء بل ~~غاية الدهري المعطل الكافر ان يقول العالم قديم وجب الوجود بنفسه لا يقول ~~انه ممكن محدث ليس له مبدع واذا قال الدهري ان العالم واجب الوجود بنفسه ~~لزمه ان الواجب بنفسه مختص عن غيره بصفات لا يشركه فيها غيره كالحادث من ~~الحيوان والنبات والمعدن # ففي الجملة كل عاقل مضطر إلى إثبات موجود واجب بنفسه له PageV03P361 ~~حقيقة يختص بها عما سواه من غير مخصص مباين له خصصه بتلك الحقيقة # ومن قال ان واجب الوجود هو الوجود المطلق بشرط الاطلاق او لا بشرط # فيقال ms0656 له هذا القول وان كان فساده معلوما بالاضطرار كما بين في موضعه قول ~~متناقض وهو مستلزم انه مختص عن غيره بما يخصه # وذلك ان المطلق لا يوجد في الخارج مطلقا ولا يوجد إلا مقيدا بقيد من القيود # فإذا قيل موجود واجب قيده بالوجوب فلم يبق مطلقا # وان قال ليس بواجب قيده بسلب الوجوب فلم يكن مطلقا # وان ادعى وجود موجود لا واجب ولا غير واجب لزمه رفع النقيضين جميعا وهو ~~أظهر الامور الممتنعة في بديهة العقل # ثم انه يقيده بكونه مبدأ لغيره وبكونه عاقلا ومعقولا وعقلا وعاشقا ~~ومعشوقا وعشقا وغير ذلك من الامور المقيدة المخصصة التي يمتاز بها عن غيهر ~~ولا يكون وجودا مطلقا PageV03P362 # ثم ان قال هو مطلق لا بشرط لزمه ان يصدق حمله على كل موجود كما ان ~~الحيوان المطلق لا بشرط يصدق عليه حمله على الانسان والفرس وغيرهما من ~~الحيوانات وهذا متفق عليه بين العقلاء فيلزم حينئذ ان يكون كل موجود واجب ~~الوجود ان كان واجب الوجود هو الوجود المطلق لا بشرط كما يقوله الصدر ~~القونوي وأمثاله من الملاحدة الباطنية باطنية الرافضة وباطنية الصوفية # ومعلوم ان هذا مكابرة للحس والعقل وهو منتهى الالحاد في الدين وان قال هو ~~مطلق بشرط الاطلاق كما يقوله طائفة من ملاحدة الطائفتين ممن يرفع عنه ا ~~النقيضين فهم قد قرورا في منطقهم أن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في ~~الاذهان لا في الاعيان ثم يلزمهم ان لا يصفوه بالوجوب ولا بكونه علة ولا ~~عاقلا ولا معقولا ولا عاشقا ولا معشوقا لأن هذا كلها تخرج الوجود عن أن ~~يكون مطلقا بشرط الاطلاق وتميزه عما ليس كذلك والمطلق لا بشرط ليس فيه ~~اختصاص ولا امتياز # وان قالوا مطلق بشرط سلب سائر الامور الثبوتية عنه وهو الموصوف بالسلوب ~~والاضافات دون الاثبات كما يقوله ابن سينا PageV03P363 ~~وطائفة فهذا مع انه باطل من وجوه كثيرة ليس هو مطلقا بل موجود مقيد بقيود ~~سلبية واضافية وذلك تخصيص امتاز به عن سائر الموجودات فلا يمكن تقدير وجود ~~واجب ms0657 ولا ممكن إلا وهو مختص بما يميزه عن سائر الموجودات على أي وجه قدر # ثم يقال كل ما أشار اليه العقل من الامور فلا بد له من حقيقة تختص به ~~تميزه عما سواه كيفما كان وكل ما هو موجود في الخارج فلا بد له من وجود ~~يختص به يمتاز به عما سواه فإنن كان كل ما اختص بأمر يخصه يجب ان يكون له ~~مخصص من خارج امتنع ان يكون في الوجود موجود بنفسه وان تكون حقيقة من ~~الحقائق موجودة بنفسها وان يكون ثم وجود واجب # ثم يلزم التناقض والدور الممتنع والتسلسل الممتنع فإنه إذا افتقر كل مختص ~~إلى مباين يخصه فذاك الثاني إما ان يفتقر إلى مخصص واما ان لا يفتقر فإن لم ~~يفتقر انتقضت القضية الكلية وهو المطلوب # وان افتقر إلى الأول لزم الدور القبلي وان افتقر إلى غيره لزم التسلسل في ~~العلل وكلاهما ممتنع باتفاق العقلاء # ولو قدر مقدر انه يلزم الدور المعي وهو ان يكون كل من المختصين موجودا مع الآخر PageV03P364 # فيقال فكل منهما مختص بأمر فهو متوقف على ما اختصت به نفسه وعلى ما اختص ~~به الآخر فيلزم ان يكون هناك اختصاصان فالقول في ذلك الاختصاص كالقول في الأول # وبالجملة اختصاص الشيء بما هو عليه من خصائصه كاختصاصه بنفسه ووجوده ~~وصفاته كلها لازمها وعارضها فقول القائل كل مختص لا بد له من مخصص مباين له ~~كقوله كل موجود فلا بد له من موجد مباين له وكل حقيقة فلا بد لها من محقق ~~مباين لها وكل قائم بنفسه فلا بد له من مقوم مباين له وأمثال ذلك # فإنه ما من أمر من هذه الامور إلا ويمكن الذهن ان يقدره على خلاف ما هو ~~عليه ومجرد تقدير إمكان ذلك في الذهن لا يوجب إمكان ذلك في الخارج ولكن ~~طائفة من أهل الجدل والباطل والحكمة السوفسطائية يستدلون على إمكان الشيء ~~في الخارج بإمكانه في الذهن كما يوجد مثل ذلك في كلام كثير من أهل الكلام ~~والفلسفة # والرازي والامدي ونحوهما ms0658 يستعملون ذلك كثيرا كاستدلال الرازي وغيره على ~~إمكان وجود موجود لا مباين للعالم ولا مجانب بأن يقولوا القسمة العقلية ~~تقتضي ان كل موجود فإما مباين لغيره وإما مجانب له وإما لا مباين ولا مجانب ~~أو كل موجود فإما داخل في غيره وإما خارج عنه وإما لا داخل ولا خارج PageV03P365 # ويجعلون مثل هذه التقسيم دليلا على إمكان كل من الأقسام في الخارج وقد ~~يسمون ذلك برهانا عقليا وهو من أفسد الكلام فإن هذا بمنزلة قول القائل كل ~~موجود فإما ان يكون قائما بنفسه او قائما بغيره واما ان لا يكون قائما ~~بنفسه ولا بغيره فإن هذا لا يقتضي إمكان وجود موجود لا قائم بنفسه ولا ~~بغيره بل هذا مما يعلم امتناعه بالضرورة واتفق العقلاء على امتناعه # ومثله ان يقال كل موجود إما قديم او محدث او لا قديم ولا محدث ومثله كل ~~موجود إما واجب او ممكن او لا هذا ولا هذا وكل موجود إما خالق او مخلوق او ~~لا خالق ولا مخلوق ومثله إما عالم او جاهل او لا عالم ولا جاهل ومثله إما ~~حي وميت او لا حي ولا ميت # فهذه التقسيمات وامثالها لا تدل على إمكان كل قسم منها ولا على وجوده في ~~الخارج باتفاق العقلاء بل العقلاء متفقون على ان الموجود إما واجب واما ~~ممكن واما قديم واما محدث واما قائم بنفسه واما قائم بغيره # فأما تقسيم كل قائم بنفسه إلى الحي والميت والعالم والجاهل والقادر ~~والعاجز فهو أيضا صحيح عند جماهير العقلاء وهو قول المثبة لاسماء الله ~~الحسنى وهو أنه حي عالم قادر PageV03P366 # وانما ينازع فيه النفاة من الجهمية والباطنية فلا يسمونه بشيء من الاسماء ~~الحسنى التي سمى بها نفسه وسمته بها رسله حتى لا يقولون هو شيء ولا موجود ~~لأن ذلك بزعمهم يستلزم التشبيه بغيره من الاشياء والموجودات # وللملاحدة الفلاسفة سؤال مشهور على قول القائل إما ان يكون حيا او ميتا ~~او عالما او جاهلا وقادرا او عاجزا وسميعا بصيرا او اعمى وأصم فإن هذين ms0659 ~~متقابلان تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والايجاب # والفرق بينهما ان الأول سلب الشيء عما من شأنه ان يكون متصفا به كسلب ~~الحياة والسمع والبصر والعلم عن الحيوان فإنه قابل لذلك فإذا سلب عنه لزم ~~ان يكون ميتا أعمى أصم جاهلا وأما الجماد فإنه لا يقبل الاتصاف بذلك فلا ~~يقال فيه حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا سميع بصير ولا أعمى أصم # قلت وقد بسطنا الكلام على هذه الشبهة وان كان الامدي وأمثاله عجزوا عن ~~حلها بل اعترفوا بورودها وبينا الجواب عن ذلك من وجوه # احدها ان مالا يقبل الاتصاف بصفات الكمال انقص مما يقبل الاتصاف بصفات ~~الكمال والحي الجاهل الاعمى الاصم لقبوله للعلم PageV03P367 ~~والسمع والبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل ذلك فإذا كان يمتنع كون الواجب ~~يقبل صفات الكمال ولا يتصف بها فلأن يمتنع كونه لا يقبلها بطريق الأولى # والثاني ان كل صفة من صفات الكمال إذا لم تستلزم نقصا فالواجب اولى بها ~~من الممكن واتصافه بها اولى من الممكن لأنه أكمل ولأن كل كمال حصل للممكن ~~فهو من الواجب وهم يسلمون ان كل كمال حصل للمعلوم فهو من علته فالمعلول ~~اولى بذلك # الثالث ان كل ما أمكن اتصاف الرب سبحانه به فهو واجب له لامتناع توقف شيء ~~من صفاته على غيره # الرابع ان نفي هذه الصفات نقص وان لم يسم جهلا وصما بكما # الخامس ان ما ذكروه من التفريق بين السلب والايجاب والعدم والملكة بتسمية ~~هذا ميتا دون هذا اصطلاح لهم لا يجب اتباعه والله قد سمى الجماد مواتا في ~~مثل قوله تعالى { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~أموات غير أحياء } سورة النحل 20 21 وفي قوله تعالى { وآية لهم الأرض ~~الميتة } سورة يس 33 وأمثال ذلك PageV03P368 # فإذا كان قد علم انه لا بد من موجود بنفسه مختص بخصائص لا يشركه فيها ~~غيره ولا يحتاج فيها إلى مباين له كان توهم المتوهم ان كل مختص فلا بد له ~~من مخصص ms0660 مباين له توهما باطلا شيطانيا وهو من جنس ما ذكره النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح لما قال # يأتي الشيطان احدكم فيقول من خلق كذا فيقول الله فيقول من خلق الله فإذا ~~وجد احدكم ذلك فليستعذ بالله ولينته # وفي حديث آخر # لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خلق كل شيء فمن خلق الله # وهذا لكون الوسواس الشيطاني الباطل لا يقف عند حد الموجود الواجب القديم ~~الخالق وهذا المقام ضل فيه طوائف من الناس صاروا ينفون ما يجب اثباته لله ~~تعالى من الصفات لعدم علمهم بما يوجب اختصاصه بذلك # ثم إنهم يتناقضون فالمعتزلة فرقوا بين كونه عالما وقادرا وكونه متكلما ~~مريدا بأن العلم عام التعلق فإنه سبحانه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ~~والكلام خاص فإنه يتكلم بشيء دون شيء فإنه لا يتكلم إلا بالصدق والارادة ~~خاصة فإنه يريد شيئا دون شيء لا يريد إلا ما علم ان سيكون # فقال لهم الناس هب ان الأمر كذلك لكن ما الموجب للتكلم ببعض الكلام دون ~~بعض ولارادة بعض الامور دون بعض فلا بد PageV03P369 ~~من سبب يوجب التخصيص فلا بد حينئذ ان يكون هو المخصص فقالوا القادر المختار ~~يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مخصص # فيقال لهم هذا مع بطلانه يوجب تناقضكم فإنكم قلتم لا بد للتخصيص من مخصص ~~ثم قلتم كل الممكنات مخصصة ووجدت بدون مخصص بل رجح المرجح أحد المتماثلين ~~على الآخر من غير مخصص واذا جوزتم في الممكنات وجود المخصصات بدون مخصص مع ~~أن نسبة القادر اليها نسبة واحدة فالموجود بنفسه اولى ان يستغني عن مخصص ~~مما اختص به من ذاته وصفاته وذلك انه من المعلوم ان وجود ذاته وصفاته اولى ~~من وجود مفعولاته واذا جوزتم ان يكون مخصصا لمفعولاته المختصة بحقيقة وقدر ~~وصفة بلا مخصص اصلا فتجويزكم ان تكون ذاته المختصة الواجبة بنفسها لا تفتقر ~~إلى مخصص بطريق الأولى # وهذا لا ينعكس فإنه إذا قيل ان افعاله تفتقر إلى مخصص لم يلزم ان تكون ~~ذاته ms0661 مفتقرة إلى مخصص فإن ذاته واجبة الوجود بنفسها فهي لا تفتقر إلى سبب ~~اصلا بخلاف مفعولاته فإنها مفتقرة إلى سبب وما افتقر إلى فاعل جاز ان يقال ~~هو مفتقر إلى مخصص بخلاف مالا يفتقر إلى فاعل فإنه لا يجب ان يفتقر إلى مخصص # فإذا قيل ما افتقر إلى سبب او ما افتقر إلى فاعل او ما افتقر إلى PageV03P370 ~~علم افتقر إلى مخصص وما لم يفتقر إلى شيء من ذلك لم يفتقر كان هذا كلاما معقولا # بخلاف ما إذا قيل المفتقر إلى الفاعل لا يفتقر إلى مخصص والغنى عن الفاعل ~~يفتقر إلى مخصص فإن هذا قلب للحقيقة كما قالته المعتزلة الجهمية القدرية من ~~نفي افتقار الأفعال إلى مخصص واثبات افتقار الذات إلى مخصص قلب للحقائق # وأفسد منه قول الفلاسفة الذين يثبون مفعولات مختلفة مع حدوث كثير منها ~~ويقولون ان مخصصها مجرد وجود بسيط ثم يصفونه بصفات تفيد اختصاصه بما يتميز ~~به عن سائر الموجودات ويقولون مع ذلك الاختصاص لا بد له من مخصص مباين له ~~ثم العلم فيه من العموم ما ليس في القدرة وفي القدرة من العموم ما ليس في ~~الارادة # والمتفلسفة نفوا الاختصاص حتى اثبتوا وجودا مطلقا مجردا ثم اثبتوا له من ~~اللوازم ما يوجب الاختصاص مثل كونه وجودا واجبا وذلك يميزه عن الوجود ~~الممكن وجعلوه عاقلا ومعقولا وعقلا وعاشقا ومعشوقا وعشقا وملتذا ومتلذا به ~~وأنواع ذلك مما يوجب اختصاصه بهذه الامور عمن ليس هو موصوفا بها من ~~الجمادات # وقالوا صدر عنه العالم المختص بما له من الصفات والاقدار من غير موجب ~~للتخصيص فهل في الوجود أعظم من هذا التناقض PageV03P371 ~~وهو ان يكون وجود مطلق لا اختصاص فيه يوجب كل اختصاص في الوجود من غير سبب ~~يوجب التخصيص # وهؤلاء ينكرون على من أثبت من أهل الكلام الحوادث بلا سبب حادث ثم يثبتون ~~الحوادث بلا محدث ويثبتون التخصيصات في الموجودات بلا مخصص اصلا وهو شبيه ~~بقول من يجعل الممكن الذي ليس له من نفسه وجود يوجد بلا واجب بنفسه # ومن ms0662 وافق هؤلاء من الكلابيه في بعض الامور يثبت صفات معدودة يختص بها ~~ويجعل لها خصائص ثم يطلب المخصص لغير تلك الصفات ولهذا كان منتهى من سلك ~~هذه السبيل إلى ان يثبت وجودا مطلقا ثم يتناقض اعظم من تناقض غيره وذلك لأن ~~كل موجود فمختص بما هو من خصائصه سواء كان واجبا او ممكنا فطلب الذهن شيئا ~~مطلقا لا اختصاص له بشيء يميزه عن غيره طلب ما هو ممتنع لذاته فمن وصف ~~الواجب بذلك فقد وصفه بصفة الممتنع لذاته وهذا نهاية هؤلاء وهو الجمع بين ~~النقيضين # ثم يقول من يقول من متصوفتهم أنه يجوز الجمع بين النقيضين وأنه يثبت في ~~الكشف ما يناقض صريح العقل # والشهرستاني لما اعتمد في مناظرته للقائلين بالعلو والمباينة والصفات ~~الفعلية ونحو هؤلاء على هذه الطريقة أورد على نفسه من اللوازم ما PageV03P372 ~~اعترف معه بالحيرة فلما احتج بأن الاختصاص بالقدر يقتضي مخصصا والاختصاص ~~بالجهة يقتضي مخصصا قال فإن قيل بم تنكرون على من يقول القدر الذي اختص به ~~نهاية وحدا واجب له لذاته فلا يحتاج إلى مخصص بخلاف مقادير الخلق فإنها ~~احتاجت إلى ذلك لأنها جائزة وذلك لأن الجواز في الجائزات إنما يعرف بتقدير ~~القدرة عليها فلما كانت المقادير المخلوقة مقدورة عرف جوازها واحتاج الجواز ~~إلى مرجح فإذا لم يكن فوق الباري تعالى قادر يقدر عليه لم يمكن اضافة ~~الجواز اليه واثبات الاحتياج له السنا اتفقنا على ان الصفات ثمان أفهي ~~واجبة له على هذا العدد ام جائز ان توجد صفة أخرى فإن قلتم يجب الانحصار في ~~هذا العدد كذلك نقول الاختصاص بالحد المذكور واجب له إذ لا فرق بين مقدار ~~في الصفات عدا ومقدار في PageV03P373 ~~الذات حدا وان قلتم جائز ان توجد صفة أخرى فما الموجب للانحصار في هذا ~~العدد والحد فيحتاج إلى مخصص حاصر ثم قال قلنا المقادير من حيث انها مقادير ~~طولا وعرضا وعمقا لا تختلف شاهدا ولا غائبا في تطرق الجواز العقلى اليها ~~واستدعاء مخصص # فيقال له هذا الذي قلته هو أول المسألة ms0663 فإن المقادير من حيث هي لا وجود ~~لها في الخارج كما ان الصفات والذوات من حيث هي هي لا وجود لها في الخارج ~~وانما يوجد في الخارج ذات مخصوصة بصفاتها المخصوصة فالقول فيما اختصت به من ~~المقدار كالقول فيما اختصت به من سائر الصفات وما اختصت به من الحقيقة ~~الموصوفة بتلك الصفات # ثم قال وأما الصفات وانحصارها في ثمان فقد اختلف جواب الاصحاب عنه بوجوه ~~منها انهم منعوا اطلاق لفظ PageV03P374 ~~العدد عليها فضلا عن الثمانية وقالوا قد دل الفعل بوقوعه على كون الفاعل ~~قادرا وباختصاصه ببعض الجائزات على كونه مريدا وبإحكامه على كونه عالما ~~وعلم بالضرورة ان القضايا مختلفة وورد في الشرع اطلاق العلم والقدرة ~~والارادة ولا مدلول سوى ما دل الفعل عليه او ورد في الشرع اطلاقه ولهذا ~~اقتصرنا على ذلك فلو سئل هل يجوز ان يكون له صفة اخرى اختلف الجواب عنه ~~فقيل لا يتطرق اليه الجواز فإنا لم نثبت الصفات إلا بدليل الفعل والفعل ما ~~دل إلا على تلك وقيل يجوز عقلا إلا ان الشرع لم يرد به فنتوقف في ذلك ولا ~~يضر الاعتقاد إذا لم يرد به تكليف # قال ومنها أنهم فرقوا في الشاهد بين الصفات الذاتية التي تلتئم منها ~~حقيقة الشيء وبين المقادير العرضية التي لا مدخل لها في تحقيق حقيقة الشيء ~~فإن الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى PageV03P375 ~~الفاعل بل هي له من غير سبب والمقادير العرضية تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل ~~فإن جعلها له بسبب # ومنها أنه لو قدر صفة زائدة على الثمان لم يخل إما ان تكون صفة مدح وكمال ~~او صفة ذم ونقصان فإن كان صفة كمال فعدمها في الحال نقص وان كان صفة نقص ~~فعدمها عنه واجب واذا بطل القسمان تعين انه لا يتصف بزيادة على الثمانية # قال ويترتب على ما ذكرناه هل يجوز ان يكون للباري تعالى اخص وصف لا ندركه ~~وفرق بين هذا السؤال والسؤال الأول فإن السائل الأول سأل هل يجوز ان تزيد ~~صفاته على الصفات ms0664 الثمانية والسائل الثاني سأل هل له أخص وصف تميز PageV03P376 ~~به عن المخلوقات واختلف جواب الاصحاب عنه ايضا فقال بعضهم ليس له اخص وصف ~~ولا يجوز ان يكون لأنه بذاته وصفاته تميز عن ذوات المخلوقات وصفاتها من حيث ~~ان ذاته لا حد لها زمانا ومكانا ولا تقبل الانقسام فعلا ووهما بخلاف ذوات ~~المخلوقات وصفاته غير متناهية في التعلق بالمتعلقات ولو كان الغرض ان يتحقق ~~اخص وصف به يقع التميز فقد وقع التميز بما ذكرناه فلا أخص سوى ما عرفناه ~~وقال بعضهم لا بل له اخص وصف في الالهة لا ندركه وذلك ان كل شيئين لهما ~~حقيقتان معقولتان فإنهما يتمايزان بأخص وصفيهما وجميع ما ذكرنا من أن لا حد ~~ولا نهاية لا انقسام للذات ولا تناهي للتعلق في الصفات كل ذلك سلوب وصفات ~~نفي وبالنفي لا يتميز الشي ءعن الشيء بل لا بد من صفة إثبات بها يقع التميز ~~وإلا فترتفع الحقيقة رأسا ثم إذا ثبت PageV03P377 ~~أخص الوصف هل يجوز ان يدرك قال امام الحرمين لا يجوز ان يدرك اصلا وقال ~~بعضهم يجوز ان يدرك وقال ضرار بن عمرو يدرك ذلك عند الرؤية بحاسة سادسة ~~ونفس المسألة من محارات العقول وتصور الاخص من محارات العقول # فيقال هذا وما أشبهه هو الذي يقال في هذا المقام من جهة من يفرق بين بعض ~~الصفات وبعض كما يفرق بين الصفة والقدر من تدبره علم انه لا يمكن الفرق # وذلك من وجوه # احدها ان ما ذكره ليس فيه جواب عن الالزام والمعارضة فإنهم عارضوه بإثبات ~~صفات متعددة سواء كانت ثمانيا أو أكثر أو اقل فإن اختصاص الصفات بعدد من ~~الاعداد كاحتصاص الذات بقدر من الاقدار واذا كان المسمى لا يسمى ذلك عددا ~~فمنازعه لا يسمى الآخر قدرا وليس الكلام في الاطلاقات اللفظية بل في ~~المعاني العقلية وما زاد على ذلك سواء نفي ثبوته او نفي PageV03P378 ~~العلم به لا يضر فإن السؤال قائم إلا أن يثبت المثبت صفات لا نهاية لعددها ~~وهذا ينقض قاعدة من يقول إنه ms0665 لا يوجد ما لا نهاية له وإلا فإذا أثبت الصفات ~~متناهية كانت المعارضة متوجهة سواء عرف عددها أو لم يعرف وتفريق من فرق بين ~~الصفات الذاتية والعرضية بأن هذه تفتقر إلى فاعل دون الأخرى لا يصح لأن هذا ~~إنما يجيء على قول من يقول الماهيات غير مفعولة ولا مجعولة كما يقول ذلك من ~~يقوله من المتفلسفة ونحوهم وإلا فأهل السنة ومتكلموهم متفقون على أن حقائق ~~جميع المخلوقات مخلوقة مصنوعة بل ليس لها حقيقة في الخارج إلا ما هو موجود ~~في الخارج وما سوى ذلك فإنما هو الصورة العلمية وما في الأذهان من ذلك ~~فالله تعالى هو الذي جعله فيها والله سبحانه هو الذي خلق فسوى وهو الذي قدر ~~فهدى وهو الذي خلق الإنسان من علق وهو الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم ~~يعلم وهو الذي خلق الإنسان علمه البيان # فقوله الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل قول باطل بل صفة كل ~~موصوف مخلوق مضافة إلى الله تعالى فإنه خلق كل موصوف بصفاته وليس في ~~المخلوق شيء لا من ذاته ولا من صفاته إلا والله تعالى خلقه وأبدعه # وأيضا فكل صفة لازمة لموصوفها لا يكون الموصوف إلا بها فإن كان مفتقرا ~~إلى الفاعل فالفاعل فعله بصفاته وإن كان غنيا عن PageV03P379 ~~الفاعل استغنى بصفاته عن الفاعل وتسمية أهل المنطق لبعضها ذاتيا ولبعضها ~~عرضيا لا يمنع اشتراكها في هذا الحكم # وقول القائل لو قدر صفة زائدة على الثمان لكان صفة كمال او نقص إنما ~~يفيده نفي ما زاد على الثمان وهذا لا يضر المعارض بل يقوي معارضته فإن ~~تخصيص الصفات بإثبات ثمان دون ما زاد ونقص تخصيص بقدر وعدد فإن كان كل مختص ~~يفتقر إلى مخصص مباين للموصوف فالسؤال قائم فإن قال القائل هذه الصفات على ~~هذا الوجه من لوازم الذات لا تفتقر إلى موجب غير الذات قيل له فهكذا مورد ~~النزاع وبطل ما ذكرته من اختصاص كل موصوف بصفات ومقدار يفتقر إلى مخصص ~~منفصل عنه # الوجه الثاني ان ما ms0666 ذكره من الكلام في أخص وصف هو أيضا لازم لهم كما أن ~~ما ذكره في الصفات هو أيضا لازم لهم فإن هذا معارضة باختصاص الحقيقة في ~~نفسها وذلك معارضة باختصاصها ببعض الصفات دون بعض وبعدد من الصفات دون ما ~~زاد وسواء قيل بإثبات اخص وصف او لم يقل فإنه لا بد من ذات متميزة بنفسها ~~عما سواها # الوجه الثالث ان يقال اهل الاثبات للصفات لهم فيما زاد على الثمانية ~~ثلاثة أقوال معروفة احدها إثبات صفات أخرى كالرضى والغضب والوجه واليدين ~~والاستواء وهذا قول ابن كلاب والحارث PageV03P380 ~~المحاسبي وأبي العباس القلانسي والاشعري وقدماء اصحابه كأبي عبد الله بن ~~مجاهد وأبي الحسن بن مهدي الطبري والقاضي أبي بكر بن الطيب وامثالهم وهو ~~قول أبي بكر بن فورك وقد حكى إجماع اصحابه على إثبات الصفات الخبرية كالوجه ~~واليد وهو قول أبي القاسم القشيري وأبي بكر البيهقي كما هو قول القاضي أبي ~~يعلي وابن عقيل والشريف أبي علي وابن الزاغوني وأبي الحسن التميمي واهل ~~بيته كابنه أبي الفضل ورزق الله وغيرهم كما هو قول سائر المنتسبين إلى اهل ~~السنة والحديث وليس للاشعري نفسه في إثبات صفة الوجه واليد والاستواء ~~وتأويل نصوصها قولان بل لم يختلف قوله انه يثبتها ولا يقف فيها بل يبطل ~~تأويلات من ينفيها ولكن ابو المعالي وأتباعه ينفونها ثم لهم في التأويل ~~والتفويض قولان فأول قولي أبي المعالي التأويل كما ذكره في = الارشاد ~~وآخرهما التفويض كما ذكره في الرسالة النظامية وذكر إجماع السلف على المنع ~~من التأويل وأنه محرم PageV03P381 # وأما ابو الحسن وقدماء اصحابه فهم من المثبتين لها وقد عد القاضي ابو بكر ~~في التمهيد والابانة له الصفات القديمة خمس عشرة صفة ويسمون هذه الصفات ~~الزائدة على الثمانية الصفات الخبرية وكذلك غيرهم من أهل العلم والسنة مثل ~~محمد بن جرير الطبري وأمثاله وهو قول أئمة أهل السنة والحديث من السلف ~~وأتباعهم وهو قول الكرامية والسالمية وغيرهم # وهذا القول هو القول المعروف عند متكلمة الصفاتية لم يكن يظهر بينهم غيره ~~حتى جاء ms0667 من وافق المتعتزلة على نفيها وفارق طريقة هؤلاء وأصل هؤلاء أنهم ~~يثبتون الصفات بالسمع وبالعقل بخلاف من اقتصر على الثمانية فإنه لم يثبت ~~صفة إلا بالعقل وقد أثبت طائفة منهم بعضها بالعقل كما أثبت ابو اسحق ~~الاسفراييني صفة اليد بالعقل وكما يثبت كثير من المحققين صفة الحب والبغض ~~والرضى والغضب بالعقل PageV03P382 # القول الثاني قول من ينفي هذه الصفات كما ذكره الشهرستاني وغيره وهو أضعف ~~الأقوال فإن عمدته انه لو كان لله صفة غير ذلك لوجب ان ينصب عليها دليلا ~~نعلمه ولم ينصب فلا صفة له وكلتا المقدمتين باطلة فإن دعوى المدعي انه لابد ~~ان ينصب الله تعالى على كل صفة من صفاته دليلا باطل ودعواه انه لم ينصب ~~دليلا إلا نعلمه هو أيضا باطل كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع ~~فإن هذه القاعدة إنما هي معدة لجمل المقاصد # والثالث قول الواقفة الذين يجوزون إثبات صفات زائدة لكن يقولون لم يقم ~~عندنا دليل على نفي ذلك ولا اثباته وهذه طريقة محققي من لم يثبت الصفات ~~الخبرية وهذا اختيار الرازي والامدي وغيرهما # وأئمة أهل السنة والحديث من أصحاب الائمة الاربعة وغيرهم يثبتون الصفات ~~الخبرية لكن منهم من يقول لا نثبت إلا ما في القرآن والسنة المتواترة وما ~~لم يقم دليل قاطع على اثباته نفيناه كما يقوله ابن عقيل وغيره احيانا ومنهم ~~من يقول بل نثبتها بأخبار الآحاد المتلقاة بالقبول ومنهم من يقول نثبتها ~~بالاخبار الصحيحة مطلقا ومنهم من يقول يعطي كل دليل حقه فما كان قاطعا في ~~الاثبات قطعنا بموجبه وما كان راجحا لا قاطعا قلنا بموجبه فلا PageV03P383 ~~نقطع في النفي والاثبات إلا بدليل يوجب القطع واذا قام دليل يرجح أحد ~~الجانبين بينا رجحان أحد الجانبين وهذا أصح الطرق # وكثير من الناس قد يظن صحة أحاديث فإما ان يتأولها او يقول هي مثل غيرها ~~من الأخبار وتكون باطلة عند أئمة الحديث # ومن الأخبار ما يكون ظاهره يبين المراد به لا يحتاج إلى دليل يصرفه عن ~~ظاهره ولكن يظن ms0668 قوم انه مما يفتقر إلى تأويل كقوله # الحجر الاسود يمين الله في الارض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه # فهذا الخبر لو صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ظاهره ان الحجر صفة ~~لله بل هو صريح في أنه ليس صفة لله لقوله يمين الله في الارض فقيده في ~~الارض ولقوله فمن صافحه فكأنما صافح الله والمشبه ليس هو المشبه به واذا ~~كان صريحا في انه ليس صفة الله لم يحتج إلى تأويل يخالف ظاهره ونظائر هذا ~~كثيرة مما يكون في الاية PageV03P384 ~~والحديث ما يبين انه لم يرد به المعنى الباطل فلا يحتاج نفي ذلك إلى دليل ~~منفصل ولا تأويل يخرج اللفظ عن موجبه ومقتضاه # واذا كان كذلك فالمعارضة بالصفات ثابتة على كل قول من الأقوال الثلاثة إذ ~~لا بد فيها من اختصاص فإن كان كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين لزم افتقار ~~صفات الله تعالى إلى مباين له # ثم رأيت ابا الحسن الامدي قد ذكر هذا الدليل الذي ذكره الشهرستاني وبين ~~ضعفه في كتابه المسمى بغاية المرام في علم الكلام فقال في مسألة نفي العلو ~~وتوابع ذلك وقد سلك بعض الاصحاب في الرد على هؤلاء طريقا شاملا فقال لو كان ~~الباري مقدرا بقدر متصورا بصورة متناهيا بحد ونهاية مختصا بجهة متغيرا بصفة ~~حادثة في ذاته لكان محدثا إذ العقل الصريح يقضي بأن المقادير في تجويز ~~العقل متساوية فما من مقدار وشكل يقدر في العقل إلا ويجوز ان يكون مخصوصا ~~بغيره فاختصاصه بما اختص به من مقدار او شكل او غيره يستدعي مخصصا ولو ~~استدعى مخصصا لكان الباري محدثا # قال الامدي لكن هذا المسلك مما لا يقوى وذلك PageV03P385 ~~انه وان سلم ان ما يفرض من المقادير والجهات وغيرها ممكنة في انفسها وان ما ~~وقع منها لا بد له من مخصص لكن إنما يلزم ان يكون الباري حادثا أن لو كان ~~المخصص خارجا عن ذاته ونفسه # ولعل صاحب هذا القول لا يقول به وعند ذلك فلا يلزم ms0669 أن يكون الباري تعالى ~~حادثا ولا محوجا إلى غيره اصلا فإن قيل ان ما اقتضاه بذاته ليس هو أولى من ~~غيره لتساوي الجميع بالنسبة اليه في جهة الاقتضاء فهو نحو الخلاف ولعل ~~الخصم قد لا يسلم تساوي النسبة في جهة الاقتضاء إلا ان يقدر انه لا اختلاف ~~بين هذه الممكنات ولا محالة ان بيان ذلك متعذر جدا كيف وأنه يحتمل ان ينتهج ~~الخصم في تخصيص هذه الصفات الثابتة للذات منهج أهل الحق في تخصيص سائر ~~الممكنات وبه درء الالزام # ثم استدل على هذه المسألة بما هو أضعف من هذا وهو ان البناء على ذلك ~~مستلزم لكونه جوهرا والجواهر متماثلة وقد عرف ما في هذين الاصلين من ~~المنازعات اللفظية والمعنوية في غير هذا الموضع PageV03P386 ~~والامدى نفسه قد بين بطلان قول من جعل الجواهر متماثلة # وما ينبغي ان يعرف في مثل هذه المسائل المنازعات اللفظية فإن القائل إذا ~~قال التخصيص يفتقر إلى محخصص والتقدير إلى مقدر كان بمنزلة من يقول التحريك ~~يفتقر إلى محرك وامثال ذلك وهذا لا ريب فيه فإن التخصيص مصدر خصص يخصص ~~تخصيصا وكذلك التقدير والتكليم ونحو ذلك ومصدر الفعل المتعدى لا بد له من ~~فاعل يتعدى فعله فإذا قدر مصدر متعد بلا فاعل يتعدى فعله كان متناقضا بخلاف ~~ما إذا قيل الاختصاص يفتقر إلى مخصص والمقدار إلى مقدر ونحو ذلك فان هذا ~~ليس في الكلام ما يدل عليه لان المذكور إما مصدر فعل لازم كالاختصاص ونحوه ~~او اسم ليس بمصدر كالمقدار وكل من هذين ليس في الكلام ما يوجب افتقاره إلى ~~فاعل يتعداه فعله فإذا قيل الموصوف الذي له صفة وقدر قد اختص بصفة وقدر فلا ~~بد له من مخصص لم يكن في هذا الكلام ما يدل على افتقاره إلى مخصص مباين له ~~يخصصه بذلك بخلاف ما إذا قيل إذا خص بصفة او قدر فلا بد له من مخصص فإن هذا ~~كلام صحيح # والناطقون من اهل النظر وغيرهم إذا قصدوا المعاني فقد لا يراعون مثل هذا ~~بل يطلقون ms0670 اسم المفعول على ما لم يعلم ان له فاعلا فيقول احدهم هذا مخصوص ~~بهذه الصفة والقدر والمخصوص لا بد له من مخصص فإذا اخذ المخصوص على انه اسم ~~مفعول فمعلوم انه PageV03P387 ~~لا بد له من فاعل يتعدى فعله واذا اخذ على ان المقصود اختصاصه بذلك الوصف ~~كان هذا مما يفتقر إلى دليل وهذا مثل الموجود فإنه لا يقصد به ان غيره ~~اوجده بل يقصد به المحقق الذي هو بحيث يوجد فكثير من الأفعال التي بنيت ~~للمفعول واسم المفعول التابع لها قد كثر في الاستعمال حتى بقي لا يقصد به ~~قصد فعل حادث له فاعل أصلا بل يقصد إثبات ذلك الوصف من حيث الجملة # وكثير من الفاظ النظار من هذا الباب كلفظ الموجود والمخصوص والمؤلف ~~والمركب والمحقق فإذا قالوا ان الرب تعالى مخصوص بخصائص لا يشركه فيها غيره ~~او هو موجود لم يريدوا ان أحدا غيره خصه بتلك الخصائص ولا ان غيره جعله موجودا # وبسب ذلك تجد جماعات غلطوا في هذا الموضع في مثل هذه المسالة إذا قيل ~~البارى تعالى مخصوص بكذا وكذا او مختص بكذا وكذا قالوا فالمخصوص لا بد له ~~ممن خصه بذلك والمخصص لا بد له من مخصص خصصه بذلك # والناس قد يبحثون عن اختصاص الشيء بأمور قبل بحثهم هل هي من نفسه او من ~~غيره ويعلمون ويقولون انه مخصوص بذلك وقد خص بهذا واختص به ونحو ذلك PageV03P388 # ونظير ذلك ماذكره ابو حامد في تهافت الفلاسفة لما رد عليهم مذهبهم في نفي ~~الصفات وبين انه لا دليل لهم على نفيها وتكلم في ذلك بكلام حسن بين فيه ما ~~احتجوا به من الالفاظ المجملة المبهمة كلفظ التركيب فانهم جعلوا إثبات ~~الصفات تركيبا وقالوا متى اثبتنا معنى يزيد على مطلق الوجود كان تركيبا ~~وادخلوا في مسمى التركيب خمسة انواع # أحدها انه ليس له حقيقة إلا الوجود المطلق لئلا يكون مركبا من وجود وماهية # والثاني ليس له صفة لئلا يكون مركبا من ذات وصفات # والثالث ليس له وصف مختص ومشترك لئلا ms0671 يكون مركبا مما به الاشتراك وما به ~~الامتياز لتركب النوع من الجنس والفصل او من الخاصة والعرض العام # الرابع انه ليس فوق العالم لئلا يكون مركبا من الجواهر المفردة وكذلك لا ~~يكون مركبا من المادة والصورة فلا يكون مركبا تركيبا حسيا كتركب الجسم من ~~الجواهر المنفردة ولا عقليا كتركبه من المادة والصورة # وهذان نوعان بهما يصير خمسة وهذه الطريقة هي طريقة PageV03P389 ~~ابن سينا فإنه زعم ان نفس الوجود إذا كان يستلزم وجودا واجبا فالوجود ~~الواجب له هذه الخصائص النافية لهذه الصفات ويقول ليس له اجزاء حد ولا ~~اجزاء كم وهذا مراده # واما قدماء الفلاسفة فلم يكونوا يثبتون واجب الوجود بهذه الطريقة بل ~~بطريقة الحركة فلما جاء ابن رشد الحفيد يعترض على أبي حامد فيما ذكره لم ~~يمكنه الانتصار لابن سينا بل بين ان هذه الطريقة التي سلكها ضعيفة كما ذكر ~~ابو حامد واحتج هو بطريقة اخرى ظن انها قوية وهي اضعف من طريقة ابن سينا ~~فان ابا حامد لما ذكر القول المضاف إلى الفلاسفة كابن سينا وامثاله وذكر ~~انهم ينفون تلك الانواع الخمسة قال ومع هذا فانهم يقولون للبارى تعالى انه ~~مبدأ واول وموجود وجوهر واحد وقديم وباق وعالم وعاقل وعقل ومعقول وفاعل ~~وخالق ومريد وقادر وحي وعاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ وجواد وخير محض وزعموا ان ~~كل ذلك عبارة عن معنى واحد لاكثرة فيه PageV03P390 # قال وهذا من العجائب وهم يقولون ذات المبدأ الأول واحد وانما تكثر ~~الاسماء باضافته إلى شيء او اضافة شيء اليه او سلب شيء عنه والسلب والاضافة ~~لا يوجب كثرة في ذات المسلوب عنه ولكن الشأن في رد هذه كلها إلى السلوب ~~والاضافات وذكر تمام قولهم # قال ابو حامد فيقال لهم بم عرفتم استحالة الكثرة من هذا الوجه وأنتم ~~مخالفون من جميع المسلمين سوى المعتزلة فما البرهان عليه فان قول القائل ~~الكثرة محال في واجب الوجود مع كون الصفات الموصوفة واحدة يرجع إلى انه ~~يستحيل كثرة الصفات فيه وفيه النزاع وليس PageV03P391 ~~استحالته معلوما بالضرورة ولهم مسلكان أحدهما ms0672 ان كل واحد من الصفة والموصوف ~~ان كان مستغنيا عن الآخر فهما واجبا الوجود وان كان مفتقرا اليه فلا يكون ~~واحد منهما واجب الوجود وان احتاج أحدهما إلى الآخر فهو معلول والآخر هو ~~الواجب وايهما كان معلولا افتقر إلى سبب فيؤدي إلى ان ترتبط ذات واجب ~~الوجود بسبب # قال ابو حامد المختار من هذه الأقسام هو الاخير ولكن ابطالكم القسم الأول ~~لا دليل لكم عليه فان برهانكم عليه إنما يتم بنفي الكثرة من هذه المسالة ~~فكيف تنبنى هذه المسالة على تلك # قلت الجواب عن هذه الحجة يمكن بوجوه # أحدها ان يقال قولكم إما ان يكون أحدهما محتاجا إلى الآخر واما ان يكون ~~مستغنيا عنه تريدون بالاحتياج حاجة المفعول إلى فاعله او مطلق التلازم وهو ~~كون أحدهما لا يوجد إلا بالاخر ام قسم ثالث PageV03P392 # فإن أردتم الأول لم يكن أحدهما محتاجا إلى الآخر بل غنيا عن كونه فاعلا ~~له ولا يلزم أن يكونا واجبي الوجود بمعنى أن كلا منهما هو الواجب بنفسه ~~المبدع للمكنات # وإن قيل إن كلا منهما واجب الوجود بمعنى أنه لا مبدع له # قيل نعم ولا نسلم امتناع تعدد مسمى واجب الوجود بهذا التفسير وإنما يمتنع ~~تعدده بالتفسير الأول فإن الأدلة قامت على أن خالق الممكنات رب واحد لم تقم ~~على نفي صفاته بل كل من صفاته اللازمة له قديم أزلي ممتنع عدمه ليس له فاعل ~~فإذا عبر عن هذا المعنى بأنه واجب الوجود فهو حق وإن عني بواجب الوجود ما ~~ليس ملازما لغيره فليست الذات وحدها واجبة الوجود ولا الصفات بل الواجب ~~الوجود هو الذات المتصفة بصفاتها اللازمة لها لا سيما وهم يقولون إنها ~~مستلزمة للمعلول فامتناع ذلك على أصلهم أبلغ وقد عرف أن كلا من الصفات ~~الذاتية ملازمة للأخرى والصفات ملازمة للذات وليس كل منهما مبدعا للآخر # وإن قلتم كل منهما محتاج إلى الآخر بمعنى أنه ملازم له لم يلزم من كونه ~~ملازما أن يكون معلولا # وهذا الجواب الثاني وهو أن يقال ما تعني بواجب الوجود ms0673 PageV03P393 ~~أتعني به ما لا فاعل له أو تعني به القائم بنفسه الذي لا فاعل له # فإن عنيت الأول لم يمتنع أن يكون كل من الصفات والذات واجب الوجود بهذا ~~التفسير ولم يدل على امتناع تعدد الواجب بهذا التفسير دليل كما لم يدل على ~~امتناع تعدد القديم بهذا التفسير دليل وإنما دل الدليل على أنه لا إله إلا ~~الله وأن الله رب العالمين واحد لا شريك له وهو التوحيد الذي دل عليه الشرع والعقل # فأما نفي الصفات وتسمية ذلك توحيدا فهو مخالف للشرع والعقل # وإن أراد بواجب الوجود القائم بنفسه الذي لا فاعل له كانت الذات واجبة ~~الوجود وهي بالصفة واجبة الوجود ولم تكن الصفة وحدها واجبة الوجود # وإن أريد بحاجة كل من الصفة والموصوف إلى الآخر التلازم اختير إثبات ذلك ~~ولم يلزم من ذلك كون أحدهما معلول الآخر فإن المتضايفين متلازمان وليس ~~أحدهما معلول الآخر وإن أريد بذلك كون أحدهما فاعلا اختير نفي الحاجة بهذا ~~التفسير وهو القسم الأول وهو أنه ليس أحدهما محتاجا إلى الآخر PageV03P394 # وإن أريد أن أحدهما محل للآخر اختير جواب الغزالي وهو أن الصفة محتاجة ~~إلى الذات من غير عكس # وعلى هذا فقول القائل إن أحدهما معلول للآخر إن أراد به أن أحدهما فاعل ~~للآخر فهو باطل فإنه لا يجب من قيام الصفة بالموصوف أن يكون الموصوف فاعلا ~~للصفة بل الأمر بالعكس فإن المفعول يمتنع أن يكون من باب الصفات اللازمة ~~للموصوف # وإن أريد يذلك أن يكون أحدهما قابلا للآخر فلا امتناع في ذلك وإن قيل بل ~~إن المحل علة للحال # واعلم أن هذه الحجة وأمثالها إنما نشأت الشبهة فيها من جهة أن ألفاظها ~~مجملة فلفظ العلة يراد به العلة الفاعلة والعلة القابلة ولفظ الحاجة إلى ~~الغير يراد به الملازم للغير ويراد به حاجة المشروط إلى شرطه ويراد به حاجة ~~المفعول إلى فاعله # وإذا عرف هذا فالصفات اللازمة مع الذات متلازمة وليس أحدهما فاعلا للآخر ~~بل الذات محل للصفات وليس الواحد منهما علة فاعلة بل الموصوف ms0674 قابل للصفات ~~وهذا لا امتناع فيه بل هو الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول # لكن الغزالي لم يجب إلا بجواب واحد ومضمون كلامهم أنهم في جميع كلامهم في ~~نفي الصفات ينتهي أمرهم إلى أن هذا PageV03P395 ~~تركيب والمركب مفتقر إلى جزئه والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بنفسه لأنه محتاج # فقال لهم أبو حامد نحن نختار أن يقال الذات في قوامها غير محتاجة إلى ~~الصفات والصفات محتاجة إلى الموصوف كما في حقنا فبقي قولكم إن المحتاج إلى ~~غيره لا يكون واجب الوجود فيقال إن أردتم بواجب الوجود أنه ليس له علة ~~فاعلية فلم قلتم ذلك ولم استحال أن يقال كما أن ذات واجب الوجود قديم لا ~~فاعل له فكذلك صفته قديمة معه ولا فاعل لها وإن أردتم بواجب الوجود أن لا ~~يكون له علة قابلية فهو ليس بواجب الوجود على هذا التأويل ولكنه قديم مع ~~هذا ولا فاعل له فما المحيل لذلك فإن قيل واجب الوجود المطلق هو الذي ليس ~~له علة فاعلية ولا قابلية فإذا سلم أن له علة قابلية فقد سلم كونه معلولا ~~قلنا تسمية الذات القابلة علة قابلية من PageV03P396 ~~اصطلاحكم والدليل لم يدل على ثبوت واجب الوجود بحكم اصطلاحكم إنما دل على ~~إثبات طرف ينقطع به تسلسل العلل والمعلولات ولم يدل على هذا القدر وقطع ~~التسلسل يمكن بواحد له صفات قديمة لا فاعل لها كما أنه لا فاعل لذاته ~~ولكنها تكون متقررة في ذاته # قال ابن رشد يريد أنه إذا وضع لهم هذا القسم من الأقسام التي استعملوا في ~~إبطال الكثرة آل الأمر معهم إلى أن يثبتوا أن واجب الوجود ليس يمكن أن يكون ~~مركبا من صفة وموصوف ولا أن تكون ذاته ذات صفات كثيرة وهذا شيء ليس يقدرون ~~عليه بحسب أصولهم ثم أخذ يبين أن المحال الذي راموا أن يلزموه على تقدير ~~هذا القسم ليس بلازم قال فيقال لهم إن أردتم بواجب الوجود أنه ليس له علة ~~فاعلية فلم قلتم ذلك أي فلم قلتم بامتناع كونه ms0675 موصوفا بالصفات ولم استحال PageV03P397 ~~أن يقال كما أن ذات واجب الوجود قديم لا فاعل له فكذلك صفاته قديمة لا فاعل لها # قال ابن رشد وهذا كله معاندة لمن سلك في نفي الصفات طريقة ابن سينا في ~~إثبات واجب الوجود بذاته وذلك أنهم يفهمون في الممكن الوجود الممكن الحقيقي ~~ويرون أن كل ما دون المبدأ الأول هو بهذه الصفة وخصومهم من الأشعرية يسلمون ~~هذا ويرون أن كل ممكن فله فاعل وأن التسلسل ينقطع بالانتهاء إلى ما ليس ~~ممكنا في نفسه فإذا سلم لهم هذه ظن بها أنه يلزم عنها أن يكون الأول الذي ~~انقطع عنده الإمكان ليس ممكنا فوجب أن يكون بسيطا غير مركب لكن للأشعرية أن ~~يقولوا إن الذي ينتفي عنه الإمكان الحقيقي ليس يلزم أن يكون بسيطا وإنما ~~يلزم أن يكون قديما فقط لا علة فاعلية له فلذلك ليس عند هؤلاء برهان على ان ~~الأول بسيط من طريقة واجب الوجود PageV03P398 # قال أبو حامد فإن قيل فإذا أثبتم ذاتا وصفة وحلولا للصفة بالذات فهو مركب ~~وكل تركيب يحتاج إلى مركب ولذلك لم يجز أن يكون الأول جسما لأنه مركب قلنا ~~قول القائل كل مركب يحتاج إلى مركب كقوله كل موجود يحتاج إلى موجد فيقال له ~~الأول قديم موجود لا علة له ولا موجد # فكذلك يقال موصوف قديم ولا علة لذاته ولا لصفته ولا لقيام صفاته بذاته بل ~~الكل قديم بلا علة وأما الجسم فإنما لم يجز أن يكون هو الأول لأنه حادث من ~~حيث أنه لا يخلو عن الحوادث ومن لم يثبت له حدوث الجسم يلزمه أن تكون العلة ~~الأولى جسما كما سنلزمه عليكم فيما بعد # قال ابن رشد معترضا على أبي حامد التركيب ليس هو PageV03P399 ~~مثل الوجود لأن التركيب هو مثل التحريك أعني صفة انفعالية زائدة على ذات ~~الأشياء التي قبلت التركيب والوجود هو صفة هذه الذات بعينها وأيضا المركب ~~ليس ينقسم إلى مركب من ذاته ومركب من غيره فيلزم أن ينتهي الأمر إلى مركب ~~قديم كما ينتهي الأمر ms0676 في الموجودات إلى موجود قديم وأيضا فإذا كان الأمر ~~كما قلنا من أن التركيب أمر زائد على الوجود فلقائل أن يقول إن كان يوجد ~~مركب من ذاته فسيوجد متحرك من ذاته وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد المعدوم ~~من ذاته لأن وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل وكذلك الأمر في ~~الحركة والمتحرك # قال والفصل في هذه المسألة أن المركب لا يخلو من أن يكون كل واحد من ~~جزأيه أو أجزائه التي تركب منها شرطا في وجود صاحبه بجهتين مختلفتين أو لا ~~يكون شرطا أو يكون أحدهما PageV03P400 ~~شرطا في وجود الثاني والثاني ليس شرطا في وجود الأول فأما الأول فلا يمكن ~~أن يكون قديما لأن التركيب نفسه شرط في وجود الأجزاء فلا يمكن أن تكون ~~الأجزاء علة التركيب ولا التركيب علة نفسه إلا لو كان الشيء علة نفسه وأما ~~الثاني إذا لم يكن واحد منهما شرطا في وجود صاحبه فإن أمثال هذه إذا لم يكن ~~في طباع أحدهما أن يلازم الآخر فإنها ليست تتركب إلا بمركب خارج عنها وإن ~~كان أحدهما شرطا في وجود الآخر من غير عكس كالحال في الصفة والموصوف الغير ~~جوهرية فإن كان الموصوف قديما ومن شأنه أن لا تفارقه الصفة فالمركب قديم ~~وإذا كان هذا هكذا فليس يصح إن جوز مجوز وجود مركب قديم أن يبين على طريق ~~الأشعرية أن كل جسم محدث لأنه إن وجد مركب PageV03P401 ~~قديم وجدت أعراض قديمة أحدها التركيب لأن أصل ما يبنون عليه وجوب حدوث ~~الأعراض أنه لا تكون الأجزاء التي تركب منها الجسم إلا بعد الافتراق فإذا ~~جوزوا مركبا قديما أمكن أن يوجد اجتماع لم يتقدمه افتراق وحركة لم يتقدمها ~~سكون وإذا جاز هذا أمكن أن يوجد جسم ذو أعراض قديمة ولم يصح لهم أن ما لا ~~يخلو عن الحوادث حادث # قلت ما ذكره أبو حامد مستقيم مبطل لقول الفلاسفة وما ذكره ابن رشد إنما ~~نشأ من جهة ما في اللفظ من الإجمال والاشتراك وكلامه في ذلك أكثر مغلطة ms0677 من ~~كلام ابن سينا الذي أقر بفساده وضعفه # وذلك أن هؤلاء قالوا لأبي حامد والمثبتين إذا أثبتم ذاتا وصفة وحلولا ~~للصفة بالذات فهو مركب وكل مركب يحتاج إلى مركب # قال لهم قول القائل كل مركب يحتاج إلى مركب كقول القائل كل موجود يحتاج ~~إلى موجد # ومقصوده بذلك أن هذا المعنى الذي سميتموه تركيبا ليس معنى كونه مركبا إلا ~~كون الذات موصوفة بصفات قائمة بها ليس معناه أنه كان هناك شيء متفرق فركبه ~~مركب بل ولا هناك شيء يقبل التفريق فإن الكلام إنما هو في إثبات صفات واجب ~~الوجود اللازمة له كالحياة والعلم PageV03P402 ~~والقدرة وإذا كانت هذه الصفات لازمة للموصوف القديم الواجب الوجود بنفسه لم ~~يمكن أن تفارقه ولا أن توجد دونه ولا يوجد إلا بها فليس هناك شيئان كانا ~~مفترقين فركبهما فركب # ولفظ المركب في الأصل اسم مفعول لقول القائل ركبته فهو مركب كما تقول ~~فرقته فهو مفرق وجمعته فهو مجمع وألفته فهو مؤلف وحركته فهو محرك # قال الله تعالى { في أي صورة ما شاء ركبك } سورة الانفطار 8 يقال ركبت ~~الباب في موضعه # هذا هو المركب في اللغة لكن صار في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة يقع على ~~عدة معان غير ما كان مفترقا فاجتمع كما يقول أحدهم الجسم إما بسيط وإما ~~مركب يعنون بالبسيط الذي تشتبه أجزاؤه كالماء والهواء وبالمركب ما اختلفت ~~كالإنسان وقد يقولون كل جسم مركب من أجزائه لأن هذا الجزء غير هذا الجزء ~~وإن كانوا يعتقدون أنه لم يتفرق قط وأنه لم يزل كذلك ويتنازعون هل الجسم ~~مركب من الجواهر المنفردة أو من الهيولى والصورة أم ليس مركبا من واحد ~~منهما مع اتفاقهم على أنه من الأجسام ما لم PageV03P403 ~~تكن أجزاؤه مفترقة فتركبت وقد يعنون بالمركب المركب من الصفات كما يقولون ~~الإنسان مركب من الجنس والفصل وهو الحيوان الناطق وهاتان الصفتان لم تفارق ~~إحداهما الأخرى ولا يمكن وجود الناطق إلا مع الحيوان ولا يمكن وجود حيوان ~~إلا مع ناطق أو ما يقوم مقامه كالصاهل ونحوه # فأبو حامد ms0678 وأمثاله خاطبوا هؤلاء بلغتهم في أن الموصوف بصفة لازمة له يسمى ~~مركبا وقالوا لهم قلتم إن مثل هذا المعنى الذي سميتموه تركيبا يمتنع في ~~الواجب الوجود فقولهم إن كل مركب مفتقر إلى مركب مغلطة نشأت من الإجمال في ~~لفظ مركب فإنهم لم يسلموا لهم أن هناك تركيبا هو فعل مركب حتى يقال إن ~~المركب يفتقر إلى مركب بل هناك ذات موصوفة بصفات لازمة له فإذا قال القائل ~~كل موصوف بصفات لازمة له يفتقر إلى مركب ومؤلف يجمع بين الذات والصفات كان ~~قوله باطلا فقولهم في هذا الموضع كل مركب يفتقر إلى مركب من هذا الباب # وكذلك إذا قيل كل مؤلف يفتقر إلى مؤلف كما يستعمل مثل هذا الكلام غير ~~واحد من الناس في نفي معان سماها مسم تأليفا وتركيبا فجعل المستدل يستدل ~~بمجرد إطلاق اللفظ من غير نظر إلى PageV03P404 ~~المعنى العقلي فيقال لمن سمى مثل هذا تركيبا وتأليفا أتعني بذلك أن هنا ~~شيئا فعله مركب ومؤلف أو أن هنا ذاتا موصوفة بصفات # أما الأول فممنوع فإنه ليس في خلق الله من يقول إن صفات الله اللازمة له ~~متوقفة على فاعل يؤلف ويركب بين الذات والصفات # وإن عنيت الثاني فمسلم ولا دليل لك على ان الذات القديمة الواجبة ~~المستلزمة للصفات تفتقر إلى من يركب صفاتها فيها فلهذا قال أبو حامد هذا ~~كقول القائل كل موجود يفتقر إلى موجد ولو قال إلى واجد لكان أقرب إلى ~~مطابقة اللفظ # وهذا صحيح فإن الموجود اسم مفعول من وجد يجد فهو واجد فإذا قال القائل كل ~~موجود يفتقر إلى واجد أو موجد نظرا إلى اللفظ كان كقوله كل مركب يفتقر إلى ~~مركب نظرا إلى اللفظ ولكن لفظ الموجود إنما يراد به ما كان متحققا في نفسه ~~لا يعنى به ما وجده أو أوجده غيره كما أنهم يعنون بالمركب هنا ما كان متصفا ~~بصفة قائمة به أو كان فيه معان متعددة وكثرة لا يعنون به ما ركبه غيره ~~فالذي جرى لهؤلاء المغالطين في لفظ التأليف والتركيب ms0679 كما جرى لأشباههم في ~~لفظ التخصيص والتقدير فإن الباب واحد فليتفطن اللبيب لهذا فإنه يحل عنه ~~شبهات كثيرة PageV03P405 # وأما اعتراض ابن رشد على أبي حامد بقوله ليس المركب مثل الموجود بل مثل ~~التحريك # فجوابه من وجوه # أحدها أن يقال ليس الكلام في الموازنات اللفظية بل في المعاني العقلية ~~والمقصود هنا أن الذات القديمة الواجبة الموصوفة بصفات لا يجب أن يكون لها ~~جامع منفصل جمع بين الذات والصفات كما أن الموجود المحقق لا يفتقر إلى ~~موجود غير نفسه بل قد يكون موجودا بنفسه لا يفتقر إلى فاعل كذلك اتصافها ~~بالصفات لا يفتقر إلى فاعل # الثاني أن يقال وهب أن هذا مثل التحريك في اللفظ فقولك هي صفة انفعالية ~~زائدة على ذات الأشياء التي قبلت التركيب إن عنيت أنها زائدة على الذات ~~والصفة وقيام الصفة بالذات فهذا باطل وإن عنيت أنها هي قيام الصفة بالذات ~~أو هي الصفة القائمة بالذات فليس في ذلك ما يوجب كونها انفعالية لها فاعل ~~مباين للموصوف # الثالث أن التحريك إن عني به تحريك الشيء لغيره فليس هذا نظير مورد ~~النزاع فإن أحدا لم يسلم أن في الذات القديمة الموصوفة بصفاتها اللازمة ~~شيئا ركبه أحد وإن عني به مطلق الحركة صار معنى PageV03P406 ~~الكلام أن اتصاف الذات بالصفات كاتصافها بالحركات وليس في واحد منهما ما ~~يقتضي احتياج الموصوف إلى مباين له # وأما قوله ليس ينقسم الأمر إلى مركب من ذاته ومركب من غيره حتى ينتهي ~~الأمر إلى مركب قديم كما ينتهي الأمر في الموجودات إلى موجود قديم # فيقال له بل هؤلاء المسلمون كأبي حامد وأمثاله لما خاطبوكم باصطلاحهم ~~وأنتم جعلتم قيام الصفة بالموصوف تركيبا فإنهم يقولون بحسب اصطلاحكم إنه ~~ينقسم إلى مركب من ذاته ومركب من غيره # وحقيقة الأمر أن ثبوت الصفات إن سميتموه تركيبا لم نسلم لكم عدم انقسام ~~المركب إلى قديم واجب ومحدث ممكن وإن لم تسموه تركيبا بطل أصل كلامكم ولكن ~~أنتم سميتم هذا تركيبا ونفيتموه فلهذا قلتم لا ينقسم المركب فكان كلامكم ~~ممنوعا بل باطلا ms0680 # وأما قوله إن لقائل أن يقول إن كان يوجد مركب من ذاته فسيوجد متحرك من ~~ذاته وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد معدوم من ذاته PageV03P407 # فجوابه من وجوه # أحدها منع المقدمة الأولى فما الدليل على أنه إذا وجدت ذات موصوفة بصفات ~~لازمة له يلزم أن توجد ذات متحركة بحركة منها ليس معه في ذلك إلا مجرد ~~الموازنة اللفظية # الثاني أن حقيقة قوله إن افتقار التركيب إلى مركب كافتقار التحريك إلى ~~المحرك فإن أخذ ذلك على أن له فاعلا فلكل منهما فاعل وإن أخذ مجرد التركيب ~~أخذ مجرد التحرك قيل فعلى هذا يكون المعنى إذا وجد متصف بصفة بنفسه يوجد ~~فاعل متحرك بنفسه وإذا كان حقيقة كلامه أنه إذا كان متصفا بالصفات من ذاته ~~فسيوجد متصفا بالأفعال من ذاته فيقال له إما أن تكون هذه الملازمة صحيحة ~~وإما أن لا تكون فإن لم تكن صحيحة فليست بحجة وإن كانت صحيحة كانت دليلا ~~على ثبوت إفعال الله تعالى وكان حقيقتها أنه يلزم من ثبوت الصفات القائمة ~~به ثبوت الأفعال القائمة به فأي محذور في هذا إذا كانت الملازمة صحيحة # الثالث قوله وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد المعدوم من ذاته لأن وجود ~~المعدوم هو خروج ما هو بالقوة إلى الفعل PageV03P408 ~~وكذلك الأمر في الحركة والمتحرك وليس كذلك الوجود لأنه ليس صفة زائدة على ~~الذات فكل موجود لم يكن وقتا موجودا بالقوة ووقتا موجودا بالفعل فهو موجود ~~بذاته والمتحرك وجوده إنما هو مع القوة المحركة فلذلك احتاج كل متحرك إلى محرك # فيقال القني بقولك فسيوجد المعدوم من ذاته أي نفس ما كان معدوما يوجد من ~~الذات المعدومة ام تعني به ان الحركة توجد من الذات المتحركة # إما الأول فغير معقول فان المعدوم ليس له وجود أصلا حتى يعقل ان يوجد منه ~~ذاته او غير ذاته ووجوده موجود من غير موجود ممتنع بضرورة العقل وكون ~~المعدوم يوجد بنفسه معلوم البطلان بالبديهة وإن عنيت الثاني فاللازم ~~والملزوم واحد فإن المتحرك من ذاته توجد حركته المعدومة ms0681 من ذاته # وقول القائل انه إذا جاز هذا جاز وجود المعدوم من الذات المعدومة ممنوع ~~بل باطل معلوم البطلان # وقوله لأن وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل وكذلك الأمر في ~~الحركة والمتحرك فيقال له غاية هذا انهما يشتركان في امر من الامور فمن أين ~~يلزم إذا اشتركا في امر ما ان يشتركا في غيره مع ظهور الفرق فان قوله PageV03P409 ~~وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل لا يجوز ان يراد به ان نفس ~~المعدوم كان فيه قوة هي مبدأ وجوده فإن المعدوم ليس في شيء ولا فيه شيء # وانما يقال ان ما منه وجد المعدوم كان فيه قوة وجوده كما في النطفة قوة ~~ان تصير علقة وفي الحبة قوة أن تصير سنبلة وفي النواة قوة أن تصير نخلة ~~فالذي فيه القوة ليس هو المعدوم واما الحركة والمتحرك فنفس المتحرك فيه قوة ~~هي مبدأ الحركة فنظير المتحرك المحل الذي وجد فيه ما كان معدوما من الاعراض ~~كما يوجد اللون في المتلونات والطعم في المطعومات والحياة في الاحياء فكذلك ~~الحركة في المتحركات فمحل هذه الصفات والحركات كان قابلا لها وفيه قوة ~~القبول والاستعداد لها واما نفس هذه الامور التي كانت معدومة فوجدت فليس ~~فيها من القوة ولا غيرها شيء # فقياس القائس وجود المعدوم من ذاته بوجود الحركة من المتحرك في غاية ~~الفساد والعلة تكون فاعلة وتكون قابلة فلو قال القائل الموجود او الجسم او ~~القائم بنفسه او نحو ذلك يقبل الصفات والأعراض كالحركات ونحوها وفيه قوة ~~لذلك فيجب ان يكون المعدوم فيه قبول لقيام الصفات والحركات به لكان قوله في غاية PageV03P410 ~~الفساد فكيف إذا قال إذا كان المتحرك فاعلا بنفسه لحركته وجب ان يكون ~~المعدوم فاعلا لذاته بل يقال الفاعل يمكن ان يفعل غيره واما فعله لنفسه ~~فممتنع فلو قال إذ كان المتحرك يفعل حركة وجب ان يفعل المعدوم حركة لكان ~~باطلا فكيف إذا قال وجب ان يفعل نفسه # وقوله فكل موجود لم يكن وقتا موجودا بالقوة ووقتا بالفعل ms0682 فهو موجود بذاته ~~والمتحرك وجوده إنما هو مع القوة المحركة فلهذا احتاج كل كتحرك إلى محرك # فيقال له وهب انه سلم لك ان المتحرك وجوده مع القوة المحركة فلم قلت ان ~~الحركة تحتاج إلى محرك منفصل عنه # ثم يقال لك هل يجوز ان يتحرك المتحرك بنفسه بعد ان لم يكن متحركا ام لا # فان اجزت هذا بطل قولك وجاز وجود المتحرك بنفسه قبل الحركة وقبل القوة ~~المحركة # وان قلت لا يجوز قيل فحركته حينئذ إما ان تكون من نفسه واما من غيره فان ~~كانت من نفسه كانت الحركة من نفس المتحرك وبطل قولك وان كانت من غيره وكان ~~ذلك الغير متحركا فالقول PageV03P411 ~~فيه كالقول في الأول وان كان غير متحرك لزم وجود حركات غير متوالية عن غير ~~متحرك وهذا قولهم وهو باطل # وذلك ان اجزاء الحركات متعاقبة شيئا بعد شئ فالمقتضى لكل من تلك آلاجزاء ~~يمتنع ان يكون موجبا تاما في الأزل لانه لو كان كذلك للزم ان يقارنه موجبا ~~فان العلة التامة لا يتأخر عنها معلوها وحينئذ يلزم كون المحدث قديما وهو ~~ممتنع او يقال ان كانت العلة التامة تستلزم مقارنة معلوها لزم ذلك وان لم ~~تسلزم ذلك جاز حدوث الحركات المتأخرة عن موجب قديم فيجوز أن يتحرك الشيء ~~بعد أن لم يكن متحركا بدون سبب حادث وهذا يبطل قولكم وإذا لم يكن الموجب ~~التام لها ثابتا في الأزل لزم أن يكون حادثا والقول في حدوثه كالقول في ~~حدوث غيره فيمتنع أن يحدث هو أو غيره عن علة تامة قديمة فإذا لم يكن في ~~الفاعل فعل حادث امتنع أن يصدر عنه شيء حادث فامتنع صدور الحركات عن غير متحرك # ومما اعترف به ابن رشد وغيره من الفلاسفة والمتكلمين وقال عن إخوانه ~~الفلاسفة إن الذي يتمسكون به سببان # أحدهما أن فعل الفاعل يلزمه التغير وإن كل متغير فله مغير # والثاني أن القديم لا يتغير بضروب من ضروب التغير # قال وهذا كله عسير البيان # قلت وهذا المقام وهو حدوث الحوادث عن ms0683 ذات لا PageV03P412 ~~يقوم بها حادث مما اعترف حذاقهم بصعوبته وبعده عن المعقول كما ذكر ذلك ابن ~~رشد والرازي وغيرهما وهؤلاء المتفلسفة يقولون إن النفس المحركة للأفلاك ~~يحدث لها تصورات وإرادات هي مبدأ الحركة وأن محركها العقل الذي يريد التشبه ~~به أو واجب الوجود الذي يطلب الفلك التشبه به بإخراج ما فيه من الأيون ~~والأوضاع وتحريك الواجب أو العقل للفلك أو لنفس الفلك كتحريك المحبوب للمحب ~~والمشتهى للمشتهي والمعشوق للعاشق ليس من جهة المحرك فعل أصلا بل ذلك يحبه ~~فيتحرك تشبها به # وبهذا أثبت أرسطو وأتباعه العلة الأولى وأن فوق الأفلاك ما يوجب تحريك ~~الأفلاك # والكلام على هذا من وجوه ليس هذا موضع بسطها لكن يقال كون الفلك يتحرك ~~للتشبه بالواجب أو إخراج ما فيه الأيون والأوضاع كلام لا دليل عليه بل ~~الأدلة الدالة على فساده كثيرة ليس هذا موضعها PageV03P413 # فنقول هب أن الأمر كذلك فهذا إنما فيه أنه أثبت العلة الغائية للحركة # فيقال أين السبب الفاعل لحركة الفلك فإن الحركة وإن افتقرت إلى غاية ~~مقصودة فتفتقر إلى مبدأ فاعل بالضرورة # فإذا قالوا نفسه تحركه # قيل لهم فما الفاعل لما يحدث في النفس من أسباب الحركة كالتصورات ~~والإرادات فإن هذه كانت معدومة ثم وجدت بعد العدم فما السبب الفاعل لهذه الحركة # فإن قالوا النفس هي الفاعلة لهذه الحركة فقد جعلوها متحركة من نفسها وهذا ~~خلاف ما قالوه # وإن قالوا شيئا غيرها قيل لهم الكلام فيه كالكلام في النفس فإنه إن حدث ~~فيه ما لم يحدث سئل عن سبب ذلك # وإن قيل بل المحدث لحركة النفس على حال واحدة أزلا وأبدا # قيل لهم فقد لزمكم حدوث حادث بلا سبب وقيل لكم ذلك المحرك للنفس إن كان ~~علة تامة في الأزل وجب وجود معلوله في الأزل فيجب وجود ما حدث للنفس من ~~التصورات والإرادات في الأزل وهذا جمع بين النقيضين PageV03P414 # وإن قيل بل حدث له أمر به صار فاعلا لما يحدث في النفس سئل عن سبب حدوث ذلك # وإذا قيل الحادث استعداد النفس ms0684 لأن يفيض عليها من الفعل ما تتصور به وتريد # قيل فذلك الاستعداد حادث والقول في سبب حدوثه كالقول في سبب حدوث غيره ~~فلا بد من أحد امرين إما حدوث الحوادث بلاسبب حادث واما حدوث الحوادث عن ~~متحرك وايهما كان بطل قولهم والاول يقولون انه معلوم البطلان بالضرورة ~~فيلزمهم الثاني فقد الزم مناظريه ما يلزمه هو اشد منه وتبين به ان قول ~~اوخوانه اشد فسادا فانه قال والذي لا ملخص للاشعرية منه هو انزال فاعل أول ~~وانزال فعل له أول لانهم لا يمكنهم ان يضعوا ان حالة الفاعل من المفعول ~~المحدث تكون في وقت الفعل هي بعينها حالته في وقت عدم الفعل فهنالك ولا بد ~~حالة متجددة ونسبة PageV03P415 # لم تكن وذلك ضرورة إما في الفاعل او في المفعول او في كليهما واذا كان ~~كذلك فتلك الحال المتجددة إذا اوجبنا ان لكل حال متجددة فاعلا لا بد ان ~~الفاعل لها إما فاعلا اخر فلا يكون ذلك الفاعل هو الأول ولا يكون بنفسه بل ~~بغيره واما ان يكون الفاعل لتلك الحال التي هي شرط في فعله هو نفسه فلا ~~يكون ذلك الفعل الذي فرض صادرا عنه اولا أولا بل يكون فعله لتلك الحال التي ~~هي شرط في المفعول قبل فعله المفعول # قال وهذا لازم كما ترى ضرورة إلا ان يجوز مجوز ان من الاحوال الحادثة في ~~الفاعلين ما لا يحتاج إلى محدث وهذا بعيد إلا على قول من يجوز ان ههنا ~~اشياء تحدث من تلقائها وهو قول الاوائل من القدماء الذين انكروا الفاعل وهو ~~قول بين سقوط بنفسه # فيقال له انت الزمت مناظريك من اهل الكلام حدوث حادث بلا سبب حادث وذكرت ~~ان هذا ممتنع بالضرورة وهذا هو المقام المعروف الذي استطالت به المتفلسفة ~~الدهرية على مناظريهم من اهل PageV03P416 ~~الكلام الماخوذ في الأصل عن الجهيمة والقدرية فيقال له انت يلزمك ما هو اشد ~~من هذا وهو حدوث الحوادث بلا فاعل وهو الذي ذكرت انه ساقط بين سقوط وذلك ان ~~الحوادث المشهودة إن قلت ms0685 لا فاعل لها فقد لزمك هذا القول وان قلت لها فاعل ~~قيل لك افعلها بعد ان لم تكن من غير حدوث شيء في ذاته ام لم يفعلها حتى حدث ~~شيء في ذاته # فان قلت بالأول قيل لك فهي دائمة اولها ابتداء فان قلت لها ابتداء فهذا ~~قول منازعيك وان قلت لا ابتداء لها فقد صارت الحوادث كلها تحدث عن فاعل من ~~غير حدوث شيء فيه وقد قلت انه لا يمكن ان يكون حال الفاعل في المفعول ~~المحدث وقت الفعل هي بعينها حاله وقت عدم الفعل فيلزمك ان لا يكون حاله عند ~~وجود حوادث الطوفان هي حالة عند وجود الحوادث التي قبله فإن الحوادث مختلفة ~~فإن أمكن أن يكون حاله واحدا مع حدوث الحوادث المختلفة أمكن ان يكون حاله ~~واحدا مع تجدد الحوادث لان الحادث الثاني كالطوفان فيه من الامور ما لم يكن ~~له قبل ذلك نظير فتلك حوادث لا نظير لها ولا فرق بين احداث هذا واحداث غيره ~~واذا جعل المقتضي لذلك تغيرات تحدث في الفلك كان الكلام في حدوث تلك ~~التغيرات العلوية كالكلام في حدوث التغيرات السفلية PageV03P417 # وان قلت بل حدث اوجب هذه الحوادث # قيل لك الفاعل له ان كان هو الأول الالزام جذعا وان كان غيره لزمك حدوث ~~الحوادث بلا فاعل وان التزمت انه ما فعلها حتى حدث فيه شيء فقد تركت قولك # وأيضا فالفاعل المستكمل لشروط الفعل إما ان يجوز حدوث المفعول عنه بعد ان ~~لم يكن بلا سبب حادث واما ان لا يجوز فإن جاز فهو قول منازعك الذي ادعيت ~~انه فاسد بالضرورة وان لم يجز لزم ان يكون مفعوله مقارنا له لا يتأخر عنه ~~منه شيء فلا يجوز ان يحدث عن الفاعل شيء كما تقوله انت واخوانك انه علة ~~تامة وموجب تام والعلة التامة لا يتأخر عنها معلولها ولا شيء من معلولها ~~فإذا كل ما تأخر عن الأول ليس معلولا للعلة التامة ولا مفعولا للفاعل الأول ~~ولا يجوز ان يكون فعلا لغيره إذ القول في ms0686 ذلك الغير كالقول فيه فيلزم ان ~~تكون الحوادث كلها حادثة بلا محدث # وهذا لازم لهؤلاء الفلاسفة الالهيين كما يلزم اخوانهم الطبيعيين وهو ~~القول الذي هو من اظهر المعارف الضرورية فسادا وقد بسط الكلام على هذه ~~المواضع في غير هذا الموضع وانما كان المقصود هنا التنبيه على جنس ما يغالط ~~به هؤلاء وامثالهم من الالفاظ المجملة كلفظ المركب ونحوه كما يغالطون بلفظ ~~التخصيص والمخصص وان كلام أبي حامد وامثاله في مناظريهم خير من كلامهم واقوم PageV03P418 # واما قول ابن رشد لا يخلو إما ان يكون كل من جزأيه شرطا في وجود الآخر او ~~لا يكون او يكون الواحد شرطا في الآخر من غير عكس # وقوله القسم الأول لا يكون قديما وذلك ان التركيب نفسه هو شرط في وجود ~~الآخر فليس يمكن ان تكون الاجزاء هي علة التركيب ولا التركيب علة النفس إلا ~~لو كان الشيء علة نفسه # فيقال له اولا تسمية هذا تركيبا واجزاء ليس هو من لغات بني ادم المعروفة ~~التي يتخاطبون بها فإنه ليس في لغة من لغات الادميين أن الموصوف بصفات يقال ~~انه مركب منها وانها اجزاء له واذا خاطبناكم باصطلاحكم فقد علمتم انه ليس ~~المراد بالمركب إلا اتصاف الذات بصفات لازمة لها او وجود معان فيها او ~~اجتماع معان وامور ونحو ذلك ليس المراد ان هناك مركبا ركبه غيره حتى يقال ~~ان المركب مفتقر إلى مركب فإن من وافقكم على اصطلاحكم في تسمية الذات ~~الواجبة الموصوفة بصفاتها اللازمة تركيبا لم يرد بذلك ان هناك مركبا ركبها ~~فان هذا المعنى يقتضي ان يكون له فاعل ولكن تدعون PageV03P419 # ثبوت ذلك إما بطريقة ابن سينا ونحوه الذي قد تقدم إبطالها وإما بطريقة ~~المعتزلة التي اختارها ابن رشد واعترف بفساد طريقة ابن سينا # وإذا كان المراد بلفظ التركيب ما قد عرف فمن المعلوم أن الذات الموصوفة ~~بصفات لازمة لها أو التي فيها معان لازمة لها لا يقال فيها إن اتصاف الذات ~~بالصفات أمر معلول مفتقر إلى فاعل حتى يقال إن الأجزاء هي ms0687 علة التركيب أو ~~يقال التركيب علة نفسه بل هذا المعنى الذي سميته تركيبا هو من لوازم الواجب ~~بنفسه لا يمكن أن يكون الواجب إلا موصوفا بالصفات اللازمة له ثابتة له ~~المعاني اللازمة له وليس لذلك علة فاعلة كما تقدم # وأما قوله إن التركيب شرط في وجود الأجزاء # فيقال له لا ريب أنه لا يمكن وجود الذات إلا موصوفة بلوازمها ولا يمكن أن ~~توجد صفاتها إلا بوجودها فاجتماع الذات بالصفات واجتماع الأمور المتلازمة ~~شرط في وجود كل منها وهي أيضا شرط في وجود ذلك الاجتماع وليس شيء من ذلك ~~معلولا لفاعل ولا مفتقرا إلى مباين وتوقف أحدهما على الآخر هو من باب الدور ~~الاقتراني المعي لا من باب الدور السبقي القبلي والأول جائز والثاني ممتنع ~~فإن الأمور المتلازمة لا يوجد بعضها إلا مع بعض وليس بعضها فاعلا لبعض بل ~~إن كانت واجبة الوجود بنفسها وإلا افتقرت كلها إلى فاعل PageV03P420 # والذات التي لا تقبل العدم بما هي عليه من الصفات اللازمة هي الحق الواجب ~~الوجود بنفسه وأما مجرد وجود مطلق في الخارج وذات لا صفة لها فذلك ممتنع ~~لنفسه فضلا عن أن يكون واجب الوجود # واتصاف الذات الواجبة بصفاتها اللازمة سواء سمي تركيبا أو لم يسم لا يوجب ~~افتقاره ولا افتقار الذات ولا شيء من صفاته إلى فاعل ولا علة فاعلة ولا ما ~~يشبه ذلك وأما كون بعضها مستلزما لبعض ومشروطا به ولا يوجد إلا معه وثبوته ~~متوقف عليه ونحو ذلك فليس في هذا ما يقتضي افتقار ذلك إلى فاعل مبدع لكن ~~يعلم أن الذات لا تكون إلا بصفاتها اللازمة وصفاتها لا تكون إلا بها # وإذا سمى المسمى هذا افتقارا وسمى هذه أجزاء وسمى هذا الاجتماع تركيبا لم ~~يكن في هذه التسمية ما يوجب أن يكون هذا الموصوف مفتقرا إلى فاعل وما جعله ~~افتقارا ليس هو افتقار المفعول إلى الفاعل والمعلول إلى العلة الفاعلة ~~وإنما هو تلازم ومن سماه افتقارا لا يمكنه أن يفسره إلا بافتقار المشروط ~~إلى الشرط والشرط إلى المشروط ms0688 # ومثل هذا المعنى لازم للوجود الواجب لا ممتنع عليه وإنما الممتنع أن ~~يفتقر إلى مباين له فيكون وجود الواجب متوقفا على وجود PageV03P421 # مباين فإن كان المباين علة له لم يكن موجودا بنفسه بل ممكنا له فاعل وعلة ~~وإن قدر أنه شرط فيه وهو غني عنه وما كان وجوده مشروطا بما هو غني عنه لم ~~يكن موجودا بنفسه فلا يجوز أن يكون الرب الخالق تعالى الذي له الذات ~~الموصوفة بصفات الكمال متوقفا على شيء مباين له بل ولا على شيء غني عنه ~~بوجه من الوجوه لا على فاعل ولا شرط # وهذا هو الذي يقوم عليه الدليل فإن الممكنات التي لا وجود لها من نفسها ~~لا توجد إلا بغيرها وما كان خارجا عنها لم يكن وجوده إلا بنفسه ونفسه هي ~~الذات الموصوفة بصفاتها اللازمة ليست نفسه مجرد وجود مطلق ولا ذات مجردة # ومن ادعى أن ما كان وجوده بنفسه لا يكون إلا وجودا مجردا وذاتا مجردة لأن ~~الذات الموصوفة مفتقرة إلى الصفة فلا تكون موجودة بنفسها # قيل له الممكنات والمحدثات لم تفتقر إلى ذات مجردة حتى يقال إذا قيل إنها ~~موصوفة لزم الافتقار بل افتقرت إلى ما هو خارج عنها كلها # والتعبير عن هذا المعنى يكون بعبارات فإذا قيل ما لا يقبل العدم أو قيل ~~موجود بنفسه أو واجب بنفسه ونحو ذلك كان المقصود واحدا ومن المعلوم أن ما ~~لا يقبل العدم إذا كان ذاتا PageV03P422 ~~موصوفة بصفات الكمال لم يجز ان يقال اتصافها بصفات الكمال يوجب افتقارها ~~إلى الصفات فتقبل العدم فان فساد هذا الكلام ظاهر وهو بمنزلة ان يقال قولكم ~~موجود بنفسه او واجب الوجود بنفسه يقتضي افتقاره إلى نفسه والمفتقر لا يكون ~~واجب الوجود بنفسه بل يكون قابلا للعدم واذا كان هذا فاسدا فالأول افسد فان ~~صفات كماله داخلة في مسمى نفسه فإذا كان قول القائل هو مفتقر إلى نفسه لا ~~يمنع وجوب وجوده فقوله انه مفتقر إلى صفاته اولى ان لا يمنع وجوب وجوده # وكذلك إذا سمى ذلك اجزاء ms0689 وقال هو مفتقر إلى اجزائه فان جزء الشيء وبعضه ~~وصفته ونحو ذلك داخل في مسمى نفسه فإذا لم يكن قول القائل هو مفتقر إلى ~~نفسه مانعا من وجوب وجوده فقوله هو مفتقر إلى جزئه وصفته ونحو ذلك اولى ~~وتسميه مثل هذا افتقارا لفظ فيه تلبيس وتدليس يشعر الجاهل بفقره وهذا كما ~~لو قيل هو غنى بنفسه فانه قد يقول القائل فهو فقير إلى نفسه فصفاته داخلة ~~في ] مسمى [ نفسه وهو غنى سبحانه بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير اليه # وهذه المعاني مبسوطة في غير هذا الموضع وقد قال ابن رشد هذا الذي يعير ~~على من قال بنفى تعدد الصفات هو ان تكون PageV03P423 ~~الصفات المختلفة ترجع إلى ذات واحدة حتى يكون مفهوم العلم مثلا والارادة ~~والقدرة مفهوما واحدا وانها ذات واحدة وان يكون ايضا العلم والعالم والقدرة ~~والقادر والارادة والمريد معنى واحدا والذي يعير على من قال ان ههنا ذاتا ~~وصفات زائدة على الذات أن تكون الذات شرطا في وجود الصفات والصفات شرطا في ~~كمال الذات ويكون المجموع من ذلك شيءا واجب الوجود أي موجودا واحدا ليس فيه ~~علة ولا معلول # قال ( لكن هذا لا جواب عنه في الحقيقة إذا وضع ان ههنا شيئا واجب الوجود ~~بذاته فإنه يجب ان يكون واحدا من جميع الوجوه وغير مركب اصلا لا من شرط ~~ومشروط ولا من علة ومعلول لان كل موجود بهذه الصفة فإما ان يكون تركيبه ~~واجبا واما ان يكون ممكنا فان كان واجبا كان واجبا بغيره لا بذاته لانه ~~يعسر انزال مركب قديم من ذاته اعنى من غير ان يكون له مركب وبخاصة على قول ~~من انزل ان كل عرض حادث لان التركيب فيه يكون عرضا قديما وان كان ممكنا فهو ~~محتاج إلى ما يوجب اقتران العلة بالمعلول ) PageV03P424 # قال ( واما هل يوجد شيء مركب من ذاته على اصول الفلاسفة وان جوزوا اعراضا ~~قديمة فغير ممكن وذلك ان التركيب شرط في ] وجوده وليس يمكن ان تكون الاجزاء ~~هي فاعلة ms0690 للتركيب لان التركيب شرط في [ وجودها وكذلك اجزاء كل مركب من ~~الامور الطبيعية إذا انحلت لم يكن الاسم المقول عليها إلا بالاشتراك مثل ~~اسم ( اليد ) المقولة على التي هي جزء من الانسان الحي واليد المقطوعة بل ~~كل تركيب عند ارسطو طاليس فهو كائن فاسد فضلا عن ان يكون لا علة له واما هل ~~تفضى الطريقة التي سلكها ابن سينا في واجب الوجود إلى نفي مركب قديم فليس ~~تفضى إلى ذلك لانه إذا فرضنا ان الممكن ينتهي إلى علة ضرورية والضرورية لا ~~يخلو إما ان يكون لها علة او لا علة لها وانها ان كانت لها علة فإنها تنتهي ~~إلى ضرورة لا علة لها ] فان هذا القول إنما يؤدي من جهة امتناع التسلسل إلى ~~وجود ضروري لا علة له [ فاعلة لا إلى موجود PageV03P425 ~~ليس له علة اصلا لانه يمكن ان يكون له علة صورية ومادية إلا ان يوضع ان كل ~~ما له صورة ومادة وبالجملة كل مركب فواجب ان يكون له فاعل خارج عنه وهذا ~~يحتاج إلى بيان ولم يتضمنه القول المسلوك في شان واجب الوجود مع ما ذكرنا ~~ان فيه من الاختلال ولهذا بعينه لا يفضى دليل الاشعرية وهو ان كل حادث له ~~محدث إلى أول قديم ليس بمركب وانما يفضى إلى أول ليس بحادث ) # قال ( واما ان يكون العالم والعلم شيئا واحدا فليس ممتنعا بل واجب ان ~~ينتهي الأمر في امثال هذه الاشياء إلى ان يتحد المفهوم فيها وذلك ان العالم ~~ان كان عالما بعلم فالذي به العالم عالم احرى ان يكون عالما وذلك ان كل ما ~~استفاده صفة من غيره فتلك الصفة اولى بذلك المعنى المستفاد مثال ذلك ان هذه ~~الأجسام الحية التي لدينا ليست حية من ذاتها بل من قبل حياة تحلها فواجب ان ~~تكون تلك الحياة التي استفاد منها ما ليس بحي الحياة حية بذاتها او يفضى ~~الأمر فيها إلى غير نهاية وكذلك يعرض في العلم وسائر الصفات ) PageV03P426 # قلت ليتامل اللبيب كلام هؤلاء الذين يدعون من ms0691 الحذق والتحقيق ما يدفعون ~~به ما جاءت به الرسل كيف يتكلمون في غاية حكمتهم ونهاية فلسفتهم بما يشبه ~~كلام المجانين ويجعلون الحق المعلوم بالضرورة مردودا والباطل الذي يعلم ~~بطلانه بالضرورة مقبولا بكلام فيه تلبيس وتدليس فإنه ذكر ما يلزم مثبة ~~الصفات وما يلزم نفاتها فقال يلزم النفاة أن تكون الصفات المختلفة ترجع إلى ~~ذات واحدة فيكون مفهوم العلم والقدرة والإرادة مفهوما واحدا وأنها ذات ~~واحدة وأن يكون العلم والعالم والقدرة والقادر والإرادة والمريد واحدا وقد ~~قال إن هذا عسير # قلت بل الواجب أن يقال إن هذا مما يعلم فساده بضرورة العقل فمن جعل العلم ~~هو القدرة والقدرة هي الإرادة وجعل الإرادة هي المريد والعلم هو العالم ~~والقدرة هي القادر كان مخالفته للعلوم الضرورية وسفسطته أعظم من سفسطة كثير ~~من السوفسطائية وقود هذه المقالة أنه يمكن أن يكون المتكلم هو الكلام ~~والمتحرك هو الحركة والمصلي هو الصلاة والصائم هو الصوم وأمثال ذلك وإن فرق ~~بين الصفات اللازمة وغيرها فلا فرق في الحقيقة بل هذا تحكم ويلزمه أن يكون ~~الإنسان الناطق نفس النطق والفرس الصاهل نفس الصهيل والحمار الناهق نفس ~~النهيق والجسم الحساس المتحرك بالإرادة نفس الإحساس والحركة الإرادية ~~ويلزمه أيضا أن PageV03P427 ~~يجعل نفس الحس نفس الحركة ونفس الحيوانية نفس الناطقية ونفس الصاهلية نفس ~~الناهقية # وما أحق هؤلاء بدخولهم في قول الله تعالى { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ~~في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } سورة ~~الأنعام 39 # وبقوله تعالى { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } سورة الأعراف 179 # وبقوله تعالى { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } ~~سورة الملك 10 # وقول ابن رشد كون العالم والعلم شيئا واحدا ليس ممتنعا بل واجب أن ينتهي ~~الأمر في أمثال هذه الأشياء إلى أن يتحد المفهوم فيها # فيقال له هذا من ms0692 أعظم المكابرة والسفسطة والبهتان وقوله إن العالم إذا ~~كان عالما بعلم فالذي به العالم عالم أحرى أن يكون عالما إلى آخر كلامه ~~كلام في غاية الفساد كما أنه إذا قيل إذا كان الضارب ضاربا بضرب فالضرب ~~أولى أن يكون ضاربا والقائم إذا PageV03P428 ~~كان قائما بقيام فالقيام اولى ان يكون قائما والناطق إذا كان ناطقا بنطق ~~فالنطق اولى ان يكون ناطقا والقاتل إذا كان قاتلا بقتل فالقتل اولى ان يكون ~~قاتلا والماشي إذا كان ماشيا بمشي فالمشي اولى ان يكون ماشيا والخالق إذا ~~كان خالقا بخلق فالخلق اولى ان يكون خالقا والرازق إذا كان رازقا برزق ~~فالرزق اولى ان يكون رازقا والمحيي المميت إذا كان محييا مميتا باحياء ~~واماتة فالاحياء والاماتة اولى ان يكون محييا مميتا # وبالجملة فهذا يلزم نظيره في عامة اسماء الله الحسنى وفي اسماء نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وأسماء سائر الموجودات المشتقة يلزم ان يكون المصدر الذي ~~اشتق منه الاسم احق بالاسم من الفاعل ويكون مسمى المصدر الذي هو الحدث احق ~~بأسماء الفاعلين والصفات المشبهة بها من نفس الفاعل الموصوف # وتصور هذا الكلام كاف في معرفة فساده وانما دخلت الشبهة على من قاله لأن ~~قوله إذا كان العالم عالما بعلم فالذي به العالم عالم احرى ان يكون عالما ~~كلام اشتبهبت فيه باء الاستعانة بباء المصاحبة فظن انه إذا قيل هذا عالم ~~بعلم ان العلم هو الذي أفاده العالم والعلم هو الذي اعطاه العالم كأنه ~~معلمه فكأنه قال إذا كان المتعلم عالما فمعلمه اولى ان يكون عالما وليس ~~الأمر كذلك بل قولنا هذا عالم بعلم أي انه موصوف بالعلم أي ليس مجردا عن ~~العلم ولا معرى منه بل هو متصف به والعلم نفسه لا يعطيه العلم بل نفس العلم هو PageV03P429 ~~العلم وان كان العلم قديما من لوازم ذاته فلم يستفده من أحد وان كان محدثا ~~فقد استفاده من غيره ولم يستفد العلم من العلم لكن هل له حال وهو كونه ~~عالما معللة بالعلم ام كونه عالما نفس سالعلم ms0693 هذا فيه نزاع بين مثبتة الحال ~~ونفاتها ومن اثبتها لم يقل انها صفة موجودة # وقوله ما استفاد صفة من غيره فتلك الصفة يعني المستفاد منها اولى بذلك ~~المعنى المستفاد كما مثل به من الحياة كلام فاسد فإن العالم لم يستفد الصفة ~~التي هي العلم من الصفة التي هي العلم بل نفس علمه هو نفس الصفة ليس هنا ~~صفة مفيدة وصفة مستفادة إلا ان يقال العلم اثبت العالمية على رأي مثبتة ~~الحال وعلى هذا التقدير فالعالمية ليست صفة وجودية وهو إنما كان عالما ~~بالعلم الموجب للحال لا بالحال الموجبة للعلم واذا كان عالما بالعلم لم يكن ~~العلم حصل من علم آخر وانما العلم عند هؤلاء اوجب كونه عالما والذي عليه ~~الجمهور ان نفس العلم هو نفس كونه عالما فليس هنا شيئان وعلى القولين فإذا ~~استحق الموصوف بالعلم أن يسمى عالما لم يكن العلم احق بأن يكون عالما فإن ~~هذا لا يقوله عاقل # وقوله ان الجسم إذا كانت حياته من قبل حياة تحله فواجب PageV03P430 ~~ان تكون تلك الحياة التي استفاد منها ما ليس بحي الحياة حية بذاتها # فيقال هذا باطل من وجهين # أحدهما ان الحياة التي حلتة هي الحياة التي صار بها حيا ليس هنا حياة ~~اخرى صار بها حيا حتى يقال هنا حياة حلته وحياة جعلته حيا # الثاني ان حياته إذا قدر انها مستفادة من حياة اخرى فتلك الحياة الاخرى ~~قائمة بحي هو حي بها لا ان تلك الحياة هي الحية بل الحي الموصوف بالحياة لا ~~نفس الحياة فلينظر العاقل نهايات مباحث هؤلاء الفلاسفة في العلم الالهي ~~العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته ولينظر هذا المعقول الذي يعارضون به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مع ان هذا مبسوط من غير هذا الموضع وليس هذا ~~موضع بسطه # والناس شنعوا على أبي الهذيل العلاف لما قال ان الله عالم بعلم وعلمه ~~نفسه ونسبوه إلى الخروج من العقل مع ان كلامه اقل تناقضا من كلام هؤلاء # واما زعمه ان ما يلزم مثبتة الصفات لا جواب ms0694 عنه لأن واجب PageV03P431 ~~الوجود يجب ان يكون غير مركب من شرط ومشروط # فيقال له قد تقدم انكم انتم سميتم هذا تركيبا وهو لا يسمى تركيبا في لغه ~~من اللغات المعروفة لبني آدم بل إنما سماه تركيبا متأخروكم كابن سينا ~~وأمثاله واما قدماؤكم فقد ذكرتم عن ارسطو طاليس ان كل تركيب فهو كائن عنده ~~فاسد والسماء عنده ليست كائنة فاسدة فهو لا يسمى السموات وما فيها من ~~الكواكب مركبة مع انها اجسام متحيزة متحركة تقوم بها الاعراض فكيف يسمى ما ~~كان حيا عالما قادرا مركبا واذا خاطبناكم باصطلاحكم المبتدع لنقطع شغبكم ~~بحثنا معكم بحثا عقليا فإنكم تدعون ان هذه الامور معلومة بالعقل لا بالسمع ~~واطلاق الالفاظ ونفيها لا تقفون انتم فيه عند الشرع فالواجب على اصولكم ان ~~ما علم بالعقل ثبوته او انتفاؤه اتبع من غير مراعاة للفظ # ونحن نبين فساد ما ذكرتموه من المعنى بالعقل الصريح مع مخاطبتكم بلغتكم ~~فيقال له لم قلت ان ما كان مركبا من شرط لا يكون واجب الوجود # واما قوله لأن تركيبه إذا كان واجبا كان واجبا بغيره لا بذاته لأنه يعد ~~تقدير مركب قديم من غير ان يكون له مركب # فيقال له هذا هو البحث اللفظي الذي ذكرناه هذا لأجله PageV03P432 ~~والمركب الذي يفتقر إلى مركب هو ما ركبه غيره كما ان المحرك الذي يفتقر إلى ~~محرك ما حركه غيره ولم يقل أحد من العقلاء ان واجب الوجود مركب ركبه غيره ~~وانتم إذا سميتم اجتماع الذات والصفات تركيبا لم تريدوا بذلك إلا الاجتماع ~~والتعدد والتألف وكثرة المعاني ونحو ذلك لم تقصدوا بذلك ان هناك فاعلا لذلك ~~وان اردتم ذلك كان باطلا وبطل اللفظ والمعنى جميعا فإن أصل الكلام ان ~~الواجب إذا كان ذاتا موصوفة بصفات كان مركبا فإن أراد المريد كان له من ~~ركبه من الذات والصفات كان التلازم ممنوعا بل هو باطل ضرورة فإنا إذا قدرنا ~~واجب الوجود بنفسه الغنى عن الفاعل موصوفا بصفات لازمة له امتنع ان يكون ~~للواجب بنفسه المستلزم لصفاته من ms0695 ركب بينه وبين صفاته فإن كونه واجبا بنفسه ~~يمنع ان يكون له فاعل وكون صفاته لازمة له يمنع جواز مفارقتها له ويمنع ~~افتقارها إلى من يجعلها فيه فكيف يقال ان له مركبا ركبه حتى يقال ان هذا ~~تركيب يفتقر إلى مركب ويقال يمتنع ثبوت مركب قديم أي من ذاته ومن سمى هذا ~~تركيبا وقال انه قديم فإنه يقول هو تركب وتألف واجتماع ومثل هذا لا يفتقر ~~إلى مركب مؤلف جامع ولو قيل PageV03P433 ~~على سبيل الفرض ان الذات المستلزمة للصفات هي الموصوفة بذلك فليس هنا ما ~~يقتضى افتقارها إلى غيرها # واما قوله خاصة على قول من يقول كل عرض حادث لأن التركيب يكون فيه عرضا ~~قديما فهذا باطل من وجوه # احدها ان القائلين بأن كل عرض حادث من الاشعرية ومن وافقهم لا يسمون صفات ~~الله اعراضا فإذا قالوا هو عالم وله علم وهو متصف بالعلم لم يقولوا ان علمه ~~واتصافه بالعلم عرض ومن سمى صفاته اعراضا كالكرامية ونحوهم لم يلزمهم ان ~~يقولوا كل عرض حادث وما أعلم احدا من نظار المسلمين يقول كل عرض حادث وصفات ~~الله القديمة عرض فإن هذا تناقض بين فما ذكره لا يلزم احدا من المسلمين فلم ~~يقل أحد من المسلمين فلم يقل أحد ان كل عرض حادث مع قوله ان صفات الله ~~اللازمة له أعراض # الوجه الثاني ان يقال على سبيل التقدير من قال كل عرض حادث فإنه يقول في ~~الاعراض الباقية انها تحدث شيئا بعد شيء فإذا قدر موصوف قديم بصفات وقيل ~~انها اعراض والعرض لا يبقى زمانين لزم ان يقال انها تحدث شيئا بعد شيء ~~وحينئذ فإذا قدر اجتماع أو تألف أو تعدد في الصفات ونحو ذلك مما سميته تركيبا PageV03P434 ~~وقيل انه قديم وانه عرض وان كل عرض فهو حادث لا يبقى زمانين كان أولى بتجدد ~~امثاله من سائر الاعراض فثبوت المعنى الذي سماه تركيبا وجعله عرضا قديما ~~كسائر الصفات القديمة # الثالث ان يقال هذا الذي سميته عرضا قديما حكمه عندهم حكم سائر الصفات ms0696 ~~فإن أقمت دليلا على انتفاء الصفات أمكن نفي هذا وإلا فالقول فيه كالقول في ~~أمثاله وأنت لا دليل لك على انتفاء الصفات إلا انتفاء الاجتماع والتعدد ~~الذي سميته تركيبا فإذا لم يمكنك نفي هذا إلا بنفي غيره نم الصفات ولا ~~يمكنك نفي الصفات إلا نفي هذا كان هذا دورا قبليا باطلا وقد تبين انه لا ~~يمكنك لا نفي هذا ولا نفي هذا وان ما ذكرته من لفظ التركيب كلام فيه تلبيس ~~توهم به من لا يفهم حقيقة المقصود أن مثبته الصفات أثبتوا لله تعالى ما ~~يفتقر فيه إلى مركب يركبه معه وكل عاقل يعلم ان مذهب المسلمين المثبتين ~~للصفات ان صفاته القديمة لازمة لذاته لا يفتقر فيها إلى أحد سواه ومن جعل ~~اتصافه بها مفتقرا إلى مركب غيره فهو كافر عندهم فضلا عن أن يقولوا انه ~~مفتقر إلى مركب جمع بينه وبينها # الرابع ان يقال على سبيل الفرض لو نازعك بعض اخوانك الفلاسفة في امتناع ~~مركب قديم من ذاته لم يكن لك عليه حجة فلو قدر ان ذلك يستلزم مركبا قديما ~~من ذاته لم يكن لك عل اصول PageV03P435 ~~اخوانك الفلاسفة حجة على ابطال هذا فإن الفلك عندكم جسم قديم وهو مركب بهذا ~~الاصطلاح # واما قولك الفلاسفة وان جوزوا اعراضا قديمة فغير ممكن وجود مركب قديم من ~~ذاته عندهم لأن التركيب شرط في وجوده ولا يمكن ان تكون الاجزاء هي فاعلة ~~للتركيب لأن التركيب شرط في وجودها # فيقال لك إذا كان التركيب شرطا في وجودها وهي شرط في وجود التركيب لم يكن ~~أحدهما فاعلا للاخر بل ان كانا مفتقرين إلى الفاعل ففاعل الاجزاء هو فاعل ~~التركيب وان كانا غنيين عن الفاعل لم يفتقر أحدهما إلى الفاعل والكلام على ~~تقدير ان يكون المركب قديما تركيبه بنفسه وقولك مركب من نفسه لا تعني به ان ~~اجزاءه فعلت التركيب وانما تعني به ان نفس الاجزاء والتركيب متلازمان وهما ~~مستغنيان عن غيرهما # الخامس ان يقال انت قد اعترفت بفساد طريقة ابن سينا وانها لا تتضمن ms0697 ان كل ~~مركب فلا بد له من فاعل خارج عنه # وهذا الذي قلته في طريقة ابن سينا يلزمك بطريق الأولى فإنه ليس فيما ~~ذكرته ان كل مركب فلا بد له من فاعل خارج عنه إلا ما أخذته من لفظ مركب ~~وهذا تدليس قد عرف حاله PageV03P436 # واما قولك ان دليل الاشعرية ايضا لا يفضي إلى إثبات أول قديم ليس بمركب ~~وانما يفضى إلى إثبات أول ليس بحادث # فهذا ايضا توكيد لاثبات الصفات فإن مرادك بالمركب ما كان موصوفا بالصفات ~~ولا ريب ان الأدلة الدالة على إثبات الصانع ليس فيها والحمد لله ما ينفي ~~إثبات الصفات # فإن قلت فهم ينفون التجسيم بناء على انتفاء التركيب ولا دليل لهم على ذلك # قيل لك هذه حجة جدلية وغايته ان تلزمهم التناقض وذلك لا يقتضي صحة قولك ~~الذي نازعوك فيه وهم نازعوك في إثبات الصفات فقلت ان إثبات الصفات يستلزم ~~التركيب وانت لم تقم دليلا على نفي هذا التركيب فلم تقدم دليلا على نفي ~~الصفات وقالوا لك ايضا لا دليل لك على نفي التجسيم فإن عمدتك هو نفي الصفات ~~العائد إلى نفي التركيب وقد ظهر ذلك # فإذا قلت لهم وأنتم أيضا لا دليل لكم على ذلك فإن دليل الحدوث لا يقتضى ذلك # قالوا لك نحن اثبتنا الحدوث بحدوث الجسم وهو المراد بقولنا مركب فإن صح ~~دليلهم ثبت نفي ما سموه تركيبا وان لم يصح دليلهم لم يكن في هذا منفعة لك PageV03P437 # وهذه الطريق هي التي سلكها ابو حامد في مناظرته اخوانك وهي طريق صحيحة ~~وقد تبين ان ما ذكره ابو حامد عن احتجاجهم بلفظ المركب جواب صحيح وان ~~احتجاجهم بهذا نظير احتجاج اولئك بلفظ التخصيص حيث قالوا ان المختص بشيء لا ~~بد له من مخصص وهذا هو الذي سلكه نفاة الصفات ويسمون نفي الصفات توحيدا ~~وهذا هو الذي سلكه نفاة الصفات ويسمون نفي الصفات توحيدا وهذا هو الذي سلكه ~~أبو عبد الله محمد بن تومرت الملقب عند اصحابه بالمهدى وامثاله من نفاة ~~الصفات المسمين ذلك ms0698 توحيدا # ولقب ابن التومرت اصحابه بذلك إذ كان قوله في التوحيد قول نفاة الصفاة ~~جهم وابن سينا ويقال انه تلقى ذلك عمن يوجد في كلامه موافقة الفلاسفة تارة ~~ومخالفتهم اخرى # قلت ولهذا رأيت لابن التومرت كتابا في التوحيد صرح فيه بنفي الصفات ولهذا ~~لم يذكر في مرشدته سيئا من إثبات الصفات ولا إثبات الرؤية ولا قال ان كلام ~~الله غير مخلوق ونحو ذلك من المسائل التي جرت عادة مثبتة الصفات بذكرها ~~ولهذا كان حقيقة قوله موافقا لحقيقة قول ابن سبعين والقائلين بالوجود ~~المطلق موافقة لابن سينا وقد ذكر ابن التومرت في فوائده المشرقية ان الوجود ~~مشترك بين PageV03P438 ~~الخالق والمخلوق فوجود الخالق يكون مجردا ووجود المخلوق يكون مقيدا # وقال ابن التومرت في كتاب الدليل والعلم فقال المعلومات على ضربين معدوم ~~وموجود والموجود على ضربين مطلق ومقيد فالمقيد هو المخصص والاختصاص على ~~ثلاثة اضرب الاختصاص بزمان دون زمان سواه والثاني الاختصاص بجهة دون جهة ~~غيرها والثالث الاختصاص بخاصة دون خاصة غيرها والموجود المطلق هو الذي ليس ~~بمقيد ولا بمخصص فلا يختص بزمان دون غيره ولا بجهة دون غيرها ولا بخاصة دون ~~غيرها فلو اختص بشيء لكان من جنسه فلما انتفت عنه الخواص على الاطلاق وجب ~~له الوجود المطلق # قال والموجود المطلق هو القديم الازلي الذي استحالت عليه القيود والخواص ~~المختص بمطلق الوجود من غير تقييد ولا تخصيص وذكر كلاما كثيرا في نفي ~~الاختصاص إلى ان قال واذا تساوت المتناهيات في الاختصاص بجهة مقدرة امتنع ~~عليها التخصيص من جهتها ومن مخصص من جنسها واذا بطل التخصيص من جنسها PageV03P439 ~~بطل التخصيص من جميع المخصصات إلى الاطلاق ثم قال بعد هذا انفرد بالعلم ~~والكمال والحكم والاختيار وانفرد بالقهر والاقتدار وانفرد بالخلق والاختراع ~~وقال مع هذه المخصصات بأسرها يستحيل الكمال عليها وان تكاملت صفاتها # قلت ومعلوم ان هذا تناقض فإن نفي الاختصاص بخاصة من الخواص ودعوى انه ~~وجود مطلق لا يختص بوجه من الوجوه يمنع ان يختص بعلم او قدرة او مشيئة ونحو ~~ذلك من الصفات ms0699 فإن العالم مختص بعلمه متميز به عن الجاهل والقادر مختص ~~بقدرته متميز بها عن العاجز والمختار مختص بالاختيار متميز به عن المستكره ~~فإن أثبت شيئا من صفات الكمال فقد أثبت اختصاصه بذلك وان نفي جميع الصفات ~~ولم يثبت إلا وجودا مطلقا تناقض كلامه # وقيل له المطلق لا يوجد إلا في الذهن لا في الخارج فلا يتصور ان يكون في ~~الخارج شيء مطلق لا حيوان مطلق ولا انسان مطلق ولا جسم مطلق ولا موجود مطلق ~~بل كل موجود فله حقيقة يختص بها لا يشركه فيها غيره # وقيل له هذا الوجود المطلق اهو وجود المخلوقات ام غيره فإن قال هو هو بطل ~~إثبات الخالق وان قال هو غيره قيل له PageV03P440 ~~فوجوده مثل وجود المخلوقات او ليس مثله فإن كان الأول لزم ان يكون الخالق ~~مثل المخلوق والمثلان يجوز ويجب ويمتنع على أحدهما ما يجوز ويجب ويمتنع على ~~الآخر فيلزم ان يكون الشيء الواحد واجبا غير واجب محدثا غير محدث وهو جمع ~~بين النقيضين # وان قال وجوده مخالف لوجود المخلوقات فقد اثبت له وجودا يختص به لا يشركه ~~فيه غيره فلا يماثله غيره وهذا وجود مخصوص مقيد لا وجود مطلق وقد بسط ~~الكلام على هذه الامور في غير هذا الموضع # والمقصود هنا الكلام في ان كل مختص بأمر هل يفتقر إلى مخصص منفصل عنه لان ~~الكلام كان في المسلك الثاني في حدوث الأجسام الذي بين فساده الامدي ~~والارموي وغيرهما فإنه مبنى على مقدمتين احداهما انها مفتقرة إلى ما يخصصها ~~بصفاتها والثانية ان ما كان كذلك فهو محدث وقد بينوا فساد المقدمة الثانية ~~كما تقدم PageV03P441 # وأما الأولى فقررت بوجهين # أحدهما أن المختص بمقدار لا بد له من مخصص وقد تبين فساده أيضا # الثاني أن جواهر العالم إما أن تكون مجتمعة أو مفترقة أو مجتمعة ومفترقة ~~معا أو لا مجتمعة ولا مفترقة أو البعض مجتمعا والبعض مفترقا وخلوها عنهما ~~وأيضا الجمع بينهما ممتنع وأما بقية الأقسام فهي ممكنة ومهما قدر أمكن ~~تقدير خلافه فيكون جائزا ms0700 والجائز يفتقر إلى مخصص # وهذا أضعف لوجهين # أحدهما أنه مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة وأن كل جسم ~~يقبل الاجتماع والافتراق وأكثر عقلاء الناس على خلاف ذلك فإن للناس في هذا ~~المقام أقوالا أحدها قول من يقول إنها مركبة من الجواهر المنفردة التي لا ~~تقبل القسمة كما هو قول أكثر المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وموافقيهم # والثاني قول من يقول إنها مركبة من جواهر لا نهاية لها كما هو قول النظام ~~ومتبعيه # والثالث قول من يقول إنها مركبة من المادة والصورة وإنها تقبل الانقسام ~~إلى غير نهاية كما هو قول ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة PageV03P442 # والرابع قول من يقول إنها ليست مركبة من هذا ولا هذا لكن تقبل الانقسام ~~إلى جوهر لا يتجزأ كما هو قول الشهرستاني وغيره # والخامس قول من يقول إنها ليست مركبة لا من هذا ولا هذا ولا تقبل ~~الانقسام إلى جزء لا يتجزأ ولا إلى غير غاية لكن كل جزء موجود فإنه يقبل ~~الانقسام العقلي ولا يقبل الانقسام الفعلي ولكنه يستحيل إذا تصغر كما تفسد ~~وتستحيل أجزاء المادة إذا صغرت فتصير هواء فلا يكون في الأجزاء ما لا يتميز ~~يمينه عن شماله ولا يكون فيها ما يقبل الانقسام إلى غير غاية # وهؤلاء تخلصوا من هذا المحذور وهذا المحذور فإن مثبتة الجزء الذي لا ~~ينقسم الزمهم الناس بأنه لا بد ان يتميز أحد جانبيه عن الآخر وما كان كذلك ~~فهو يقبل الانقسام المتنازع فيه # والزموهم انه إذا وضع بين جوهرين فإن لاقى هذا بعين مالا قى به هذا امتنع ~~كونه بينهما وان لاقى هذا بغير ما لاقى به هذا لزم انقسامه # والزموهم من هذا الجنس الزامات لا محيد لهم عنها # ومن نفاه وقال بأنه يمكن انقسام الأجسام إلى غير نهاية الزمهم الناس ان ~~يكون الجسم الصغير كالكبير وان يكون مالا يتناهى محصورا بين حاصرين PageV03P443 # ثم إما ان يقول هي غير متناهية مع وجودها كما يقوله النظام والتزم على ~~ذلك ان الظافر لا يحاذى ما تحته ms0701 من الاجزاء لئلا يقع مالا يتناهى تحت ما ~~يتناهى وصار الناس يقولون عجائب الكلام طفرة النظام واحوال أبي هاشم وكسب ~~الاشعري ولهم في ذلك من الكلام ما يطول وصفه # او يقول ان الانقسام إلى غير غاية ممكن فيها كما يقوله المتفلسفة كابن ~~سينا وامثاله # ولما كان كل من القولين معلوم الفساد بالضرورة قول من أثبت مالا يتميز ~~بعضه عن بعض ومن أثبت ما ينقسم إلى غير نهاية توقف من توقف من أفاضل النظار ~~فيه فتوقف فيه ابو الحسين البصري وابو المعالي الجويني في بعض كتبه وابو ~~عبد الله الرازي في نهايته # فهؤلاء الذين لم يثبتوا إمكان الانقسام إلى غير غاية ولا اثبتوا مالا ~~يقبل امتياز بعضه عن بعض خلصوا من هذا وهذا وقالوا انه إذا صغر استحال إلى ~~غيره مع امتياز بعضه عن بعض لو بقي موجودا # وبالجملة نفي هذا وهذا قول طوائف كثيرة من أهل النظر من الكلابية ~~والكرامية بل والهاشمية والنجارية والضرارية وغيرهم # ومازال السلف والائمة وغيره من عقلاء الناس ينكرون على هؤلاء ما تكلموا ~~به في الجوهر والجسم ويعدون هذا من الكلام الباطل PageV03P444 # والمقصود هنا ان هؤلاء الذين يقولون ان جواهر العالم إما ان تكون مجتمعة ~~او مفترقة إلى آخرها قولهم مبني على هذا الأصل والتزموا على ذلك ان جميع ما ~~يحدث من الحيوان والنبات والمعدن وما يفسد من ذلك إنما هو لاجتماع الجواهر ~~وافتراقها فالحادث صفات الجواهر لا ان عينا من الاعيان يحدث وانكروا ~~استحالة الأجسام بعضها إلى بعض وقالوا ان اجزاء المني باقية في الانسان ~~وكذلك اجزاء النواة في الشجرة ولكن زادت اجزاء بما انضم اليها من اجزاء ~~الغذاء كأجزاء الماء والهواء وان تلك الاجزاء ايضا باقية لم تستحل ولم تعدم ~~بل تجتمع تارة وتفترق اخرى # وجماهير العقلاء على مخالفة هؤلاء وقائلون باستحالة الأجسام بعضها إلى ~~بعض كما اطبق على ذلك علماء الشريعة وعلماء الطبيعة وغيرهم من اصناف الناس # ولهذا يقولون النجاسة هل تطهر بالاستحالة ام لا تطهر فإذا صارت الميتة ~~والدم ولحم الخنزير رمادا ms0702 او ترابا او ملحا ونحو ذلك ففي طهارة ذلك قولان ~~مشهوران للعلماء والقول بطهارته قول اكثر الفقهاء فإنه قول أصحاب أبي حنيفة ~~وأهل الظاهر وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد بن حنبل واتفقوا على ان الخمر ~~إذا استحالت وانقلبت بغير قصد الانسان انها تطهر # والاطباء مع سائر الناس يعلمون ان الماء يستحيل هواء والهواء يستحيل ماء ~~والنار تستحيل هواء والهواء يستحيل ماء كما PageV03P445 ~~هو مبسوط في غير هذا الموضع إذ المقصود هنا التنبيه على اصول هذه الحجة # وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين ما يقوله هؤلاء وهؤلاء من ~~التركيب وان هؤلاء يدعون التركيب من جواهر محسوسة لا تنقسم وهي الجواهر ~~المنفردة وهؤلاء يدعون التركيب من جواهر معقولة لا تنقسم كما يقولون في ~~تركب الانواع من الاجناس والفصول وفي تركب الأجسام من المادة والصورة ~~والمركب لا بد له من واحد لا تركيب فيه ولا تقسيم # وقد بين ان ما يدعيه هؤلاء وهؤلاء من هذا الواحد لا حقيقة له في الخارج ~~وانما تقديره في الذهن وكذلك ما يدعيه هؤلاء من الجواهر العقلية المجردة ~~التي لا تنقسم كالعقول العشرة فقد بين في غير هذا الموضع انها لا تتحقق إلا ~~في الاذهان لا في الاعيان # وتوحيد القديم الازلي واجب الوجود الذي مضمونه نفي الصفات عند الفريقين ~~ينزه عن مثل هذه الآحاد والوحدات التي يثبتونها في الخارج ولا حقيقة لها ~~إلا في الذهن ولهذا كان منتهى تحقيقهم القول بوحدة الوجود وأن الوجود واحد ~~لا يميزون بين الواحد بالنوع والواحد بالشخص فإن الواحد بالنوع كما يقال ~~الموجودات تشترك في مسمى الوجود والاناسي تشترك في مسمى الانسان والحيوانات ~~تشترك في مسمى الحيوان والاجسام تشترك في مسمى الجسم ونحو ذلك PageV03P446 # وهذا المشترك هو الكلي الذي لا يوجد في الخارج كليا ولا يكون كليا إلا في ~~الاذهان لا في الاعيان # وبين ما دخل على المنطقيين من الغلط في دعواهم تركب الحقائق من هذه ~~الكليات وما دخل عليهم من الفساد في العلم الالهي والطبيعي وانهم يجعلون ms0703 ~~الواحد اثنين كالجسم والاثنين واحدا كالعلم والعالم والارادة والقدرة ~~ويجعلون الموجود معدوما كالحقيقة الإلهية وصفاتها وأفعالها والمعدوم موجودا ~~كالوجود المطلق ويجعلون ما في الذهن في الخارج كالمجردات والكليات وأمثال ~~ذلك مما ليس هذا موضع بسطه # الوجه الثاني انه لو سلم أن الجسم مؤلف من الجواهر المجتمعة فالقول في ~~الاجتماع كالقول في المقدار وقوله ان اختصاصه بذلك الاجتماع يفتقر إلى مخصص ~~قد بين فساده ( كقوله ان اختصاصه بالمقدار يفتقر إلى مخصص وهو مبني على ان ~~كل مختص يفتقر إلى مخصص ) # واما المقدمة الثانية فانها قررت بأن المخصص لا بد ان يكون فاعلا مختارا ~~وأن يكون ما خصصه به حادثا وقد أبطل الآمدي وغيره كلا المقدمتين PageV03P447 # وغاية هذا المسلك أن الأجسام لا تخلو عن الحوادث # قال الآمدي وبتقدير تسليم حدوث ما أشير اليه من الصفات فلا يلزم ان تكون ~~الجواهر والاجسام حادثة لجواز ان تكون هذه الصفات متعاقبة عليها إلى غير ~~النهاية إلا بالالتفات إلى ما سبق من امتناع حوادث متعاقبة لا أول لها ~~ينتهي اليه # قلت وهذا الذي اعتمده الآمدي في هذه المسألة فانه ذكر في حدوث الأجسام ~~سبعة مالك وزيف ستة منها # الأول مسلك الإمكان وأنه ممكن وكل ممكن محدث # والثاني مسلك الاختصاص # الثالث مسلك الحيز المعين # الرابع مسلك القدم أنه قديم # والخامس مسلك الإمكان [ ايضا ] لكن فيه تقدير الحدوث بطريقة أخرى # والسادس مسلك الحركة والسكون الذي قدمه الرازي PageV03P448 # وقد تقدم ما اعترض به هو والأرموي وغيرهما على هذه المسالك وبينوا به فسادها # قال الآمدي والمسلك السابع المسلك المشهور للأصحاب PageV03P449 ~~وعليه الاعتماد وذكر ان المسلك المشهور للأشعرية والرازي ونحوه لم يعتمد ~~على هذا المسلك لأنه مبني على أن الأعراض ممتنعة البقاء وقدح الآمدي في ~~الطرق التي اعتمد عليها الرازي # قال الآمدي وهو أنا نقول العالم مؤلف من أجزاء حادثه والمؤلف من الأجزاء ~~الحادثة حادث فالعالم حادث بيان الأول ان اجزاء العالم منحصرة في الجواهر ~~والأعراض والجواهر والأعراض حادثة فأجزاء العالم حادثة وبيان الأول ما سبق ~~في الوجود والممكن بيان الثانية ms0704 إما بيان ان الاعراض حادثة فلأنا بينا ان ~~الاعراض ممتنعة البقاء وكل ممتنع البقاء فهو حادث مسبوق بعدم نفسه فكل واحد ~~من الاعراض حادث مسبوق بعدم نفسه وعند ذلك فإما ان تكون متعاقبة في وجودها ~~إلى غير النهاية او هي منتهية إلى عرض ليس وراءه عرض آخر الأول محال لما ~~بيناه من بيان امتناع حوادث لا أول لها ينتهي اليه في إثبات واجب الوجود ~~فلم يبق إلا الثاني وهو ان تكون جملتها متناهية PageV03P450 ~~ومسبوقة بالعدم فتكون حادثة وأما الجواهر فلأنا بينا فيما تقدم امتناع عرو ~~الجواهر عن الاعراض واذا كانت الاعراض التي لا عرو للجواهر عنها حادثة ~~ومسبوقة بالعدم فالجواهر كذلك لأن مالا يعرى عما له أول فله أول وهو حادث ~~وإلا فلو كان قديما للزم منه إما عروه عن العرض في حال قدمه واما ان تكون ~~الاعراض لا أول لها وكل واحد من الامرين محال لما تقدم # إما بيان المقدمة الثانية من أصل الدليل فهو أن ما كانت اجزاؤه حادثة ~~ولها أول تنتهي اليه فالهيئة الاجتماعية الكائنة عنها تكون حادثة مسبوقة ~~بالعدم وهو معلوم بالضرورة # فهذا تمام تقريره لهذا المسلك الذي ارتضاه # ولقائل ان يقول هذا الدليل اضعف بكثير مما ذكره الرازي ولهذا لم يعرف ~~الرازي على هذا لضعفه واستدل بدليل الحركة والسكون كما استدل به من استدل ~~من المعتزلة فإن هذا الدليل مبنى على مقدمتين احداهما ان الاعراض جميعها ~~ممتنعة البقاء وجمهور PageV03P451 ~~العقلاء من أهل الكلام وغيرهم من أصناف الناس ينكرون ذلك بل يقولون ان هذا ~~خلاف الحس والضرورة ويجعلونه جنس قول النظام ان الأجسام ايضا لا تبقى # وعمدة من قال بامتناع بقائها ان العرض لو جاز بقاؤه لامتنع عدمه لان ~~العدم لا يجوز ان يكون بحدوث ضد فإن الحادث إنما يحدث في حالة عدم الثاني ~~لامتناع اجتماع الضدين لأنه ليس عدم الثاني لطريان الحادث بأولى من العكس ~~ولا يجوز ان يكون بفعل القادر المختار لأن العدم نفي محض وفعل الفاعل لا ~~يكون نفيا محضا # ومعلوم ان هذا ms0705 كلام ضعيف فإنه يمكن عدمه بالاعدام وفعل الإعدام ليس فعلا ~~لعدم مستمر بل هو احداث لعدم ما كان موجودا كما أن احداث الوجود احداث ~~لوجود ما كان معدوما وهذا امر متجدد يعقل كونه مفعولا للفاعل # وايضا فالضد الحادث إذا قدر انه أقوى من الباقي كان ازالته له لفضل قوته ~~فإن كون العرضين متضادين لا يستلزم تساويهما وتماثلهما في القوة والضعف # وأيضا فإن الفاعل المحدث للعرض الحادث يجعله مزيلا لذلك الباقي دون العكس # ولولا ان هذا ليس موضع بسط الكلام في مثل هذه الامور وألا لكان ينبغي ان ~~نبين ان مثل هذا الكلام من أسخف الكلام الذي ذمه PageV03P452 ~~السلف والائمة وغيرهم من العقلاء فإن هؤلاء يقولون ان الله لا يمكن ان يفنى ~~شيئا من الأجسام والأعراض بل طريق فنائها انه لا يخلق الاعراض التي تحتاج ~~إلى تجديد واحداث دائما فإذا لم يحدثها عدمت الأجسام وفنيت بأنفسها لأنه لا ~~وجود لها إلا بالاعراض ومثل هذا الكلام لو قاله الصبيان لضحك منهم # وأما المقدمة الثانية فهو وجوب تناهي الحوادث وقد تقدم كلامهم في افساد ~~جميع ما استدل به على ذلك والطريقة التي قررها الامدي قد تقدم اعتراض ~~الارموي وغيره عليها وبيان فسادها # فهذا جملة ما احتج به هؤلاء الذين هم فحول النظر وأئمة الكلام والفلسفة ~~في هذه المسائل وقد تبين بكلام بعضهم في بعض افساد هذه الدلائل وهذا جملة ~~ما يعارضون به الكتاب والسنة ويسمونه قواطع عقلية ويقولون انه يجب تقديم ~~مثل هذا الكلام على نصوص التنزيل والثابت من أخبار الرسول وما اتفق عليه ~~سلف الأمة وأئمتها # فلو لم يكن في المعقول ما يوافق قول الرسول لم تجز معارضته PageV03P453 ~~بمثل هذا الكلام فضلا عن تقديمه عليه فكيف والمعقول الصريح موافق لما جاء ~~به الرسول كما بين في موضعه بل لا يجوز ان تعارض بمثل هذا الكلام الاحكام ~~الثابتة بالعمومات والاقيسة والظواهر واخبار الآحاد فكيف تعارض بذلك النصوص ~~الثابتة عن المعصوم # بل مثل هذا الكلام لا يصلح لافادة ظن ولا يقين وانما هو كلام ms0706 طويل ~~بعبارات طويلة وتقسيمات متنوعة يهابه من لم يفهمه وعامة من وافق عليه وافق ~~عليه تقليدا لمن قاله قبله لا عن تحقيق عقلي قام في نفسه # وكلام السلف والائمة في ذم مثل هذا الكلام الذي احتجوا فيه بطريقة ~~الاعراض والجواهر على حدوث الأجسام واثبات الصانع كثير منتشر قد كتب في غير ~~هذا الموضع وكل من أمعن نظره وفهم حقيقة الأمر علم ان السلف كانوا أعمق من ~~هؤلاء علما وأبر قلوبا وأقل تكلفا وأنهم فهموا من حقائق الامور ما لم يفهمه ~~هؤلاء الذين خالفوهم وقبلوا الحق وردوا الباطل والله أعلم PageV03P454 ### | AUTO فصل # وإذ قد عرف ما قاله الناس من جميع الطوائف فى مسألة الأفعال الاختيارية ~~القائمة بذات الله تعالى وضعف أدلة النفاة واعتراف أبى عبد الله الرازى ~~وغيره بذلك وأنه اعتمد على حجة الكمال والنقصان وهى ضعيفة أيضا كما تقدم ~~وذكر هو وأبو الحسن الآمدى ومن اتبعهما أدلة نفاة ذلك وأبطلوها كلها ولم ~~يستدلوا على نفى ذلك إلا بأن ما يقوم به إن كان صفة كمال كان عدمه قبل ~~حدوثه نقصا وإن كان نقصا لزم اتصافه بالنقص والله منزه عن ذلك # وهذه الحجة ضعيفة ولعلها أضعف مما ضعفوه فإن لقائل أن يبطلها من وجوه كثيرة # أحدها أن يقال القول فى أفعاله القائمة به الحادثة بمشيئته وقدرته كالقول ~~فى أفعاله التى هى المفعولات المنفصلة التى يحدثها بمشيئته وقدرته فإن ~~القائلين بقدم العالم أوردوا عليهم هذا السؤال فقالوا الفعل إن كان صفة ~~كمال لزم عدم الكمال له فى الأزل وإن كان صفة نقص لزم اتصافه بالنقائص ~~فأجابوهم بأنه ليس صفة نقص ولا كمال # وهذا كما أن من حجج النفاة أنه لو كان قابلا لقيام الحادث به لكان القبول ~~من لوازم ذاته ووجود المقبول في الأزل محال PageV04P003 ~~فأجيبوا بأنه لا فرق بين حدوث ما يقوم به أو بغيره # فإذا قيل لو كان قادرا على فعل الحوادث لكان ذلك من لوازم ذاته وذلك فى ~~الأزل محال فما كان جوابا عن هذا كان جوابا عن هذا ms0707 # وقد أورد الرازى على ذلك فى بعض كتبه أن القادر يتقدم المقدور والقابل لا ~~يجب أن يتقدم المقبول وهذا فرق فى غاية الضعف لوجوه # أحدها أن الكلام إنما هو مقبول مقدور لا فى مقبول غير مقدور فإن ما كان ~~حادثا فالرب قادر عليه وهو قادر على أفعاله القائمة به كما هو قادر على ~~مفعولاته المنفصلة # قال تعالى { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } [ سورة القيامة 40 ] ~~وقال تعالى { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } الآية ] ~~سورة الانعام 65 ] وقال تعالى { أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم } [ سورة يس 81 ] وقال تعالى { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ~~} [ سورة الشورى 29 ] فبين أنه قادر على الإحياء والبعث والخلق والجمع وهذه ~~أفعال وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبى مسعود البدرى لما PageV04P004 ~~رآه يضرب عبدا له لله أقدر عليك منك عليه فتعين أنه قادر عليه نفسه # والمقصود هنا أن الكلام إنما هو فى الحوادث التى هى مقدورة ليس فى كل ~~مقبول فإذا كان المقدور لا يوجد فى الأزل امتنع وجود الحوادث كذلك فلا يصح ~~أن يفرق بين مقبول مقدور ومقبول غير مقدور إذ كلاهما مقدور # الوجه الثانى أن يقال إما أن يكون وجود الحادث فى الأزل ممكنا وإما أن ~~يكون ممتنعا فإن كان ممكنا أمكن وجود المقدور في الأزل وإن كان ممتنعا ~~امتنع وجوده مقبولا ومقدورا # الثالث أن يقال إثبات المقدور حال امتناع المقدور جمع بين المتناقضين فلا ~~يعقل إثبات القدرة فى حال امتناع المقدور بل فى حال إمكانه ولهذا أنكر ~~المسلمون وغيرهم على من قال من أهل الكلام إنه قادر فى الأزل مع امتناع ~~المقدور فى الأزل وقالوا هذا جمع بين المتناقضين وقالوا إنه يستلزم انتقال ~~المقدور من الإمكان إلى الامتناع بدون سبب يوجب هذا الانتقال ويوجب أن يصير ~~الرب قادرا بعد أن لم يكن قادرا بدون سبب يوجب ذلك وقد بسط الكلام على ذلك ~~فى غير هذا الموضع PageV04P005 # الوجه ms0708 الثاني أن يقال كونه بحيث يتكلم ويفعل ما يشاء صفة كمال وهو لم يزل ~~متصفا بذلك وأما الشىء المعين فحدوثه لا نقص ولا كمال # الوجه الثالث أن يقال ما تعنى بقولك عدم ذلك نقص أتعنى به أن ذاته ناقصة ~~وانها ليست متصفة بصفات الكمال الواجبة لها أم تعنى به عدم ما سيوجد لها ~~أما الأول فباطل وأما الثانى فلم قلت إن هذا ممتنع # الرابع أن يقال أنتم قلتم ما ذكره أبو المعالى والرازى وغيرهما من أن ~~تنزيهه عن النقائص إنما علم بالسمع لا بالعقل فإذا قلتم إنه ليس فى العقل ~~ما ينفى ذلك لم يبق نفى ذلك إلا بالسمع الذى هو الإجماع عند كم ومعلوم أن ~~السمع الذى هو الإجماع والإجماع وغيره لم ينف هذه الأمور وإنما نفى ما ~~يناقض صفات الكمال كالموت المنافى للحياة والسنة والنوم المنافى للقيومية ~~اللغوب المنافى لكمال القدرة # ولهذا كان الصواب أن الله منزه عن النقائص شرعا وعقلا فإن PageV04P006 ~~العقل كما دل على اتصافه بصفات الكمال من العلم والقدرة والحياة والسمع ~~والبصر والكلام دل أيضا على نفى أضداد هذه فإن إثبات الشىء يستلزم نفى ضده ~~ولا معنى للنقائص إلا ما ينافى صفات الكمال # وأيضا فكل كمال اتصف به المخلوق إذا لم يكن فيه نقص بوجه ما فالخالق أحق ~~به لأنه هو الذى خلقه وكل كمال اتصف به موجود ممكن وحادث فالموجود الواجب ~~القديم أولى به وكل نقص تنزه عنه مخلوق موجود حادث إذا لم يكن فيه نقص بوجه ~~ما فالخالق أولى بتنزيهه عنه # الخامس أن يقال إذا عرضنا على العقل الصريح ذاتا لا علم لها ولا قدرة ولا ~~حياة ولا تتكلم ولا تسمع ولا تبصر أولا تقبل الاتصاف بهذه الصفات وذاتا ~~موصوفة بالحياة والعلم والقدرة والكلام والمشيئة كان صريح العقل قاضيا بأن ~~المتصفة بهذه الصفات التى هى صفات الكمال بل القابلة للاتصاف بها أكمل من ~~ذات لا تتصف بهذه أو لا تقبل الاتصاف بها PageV04P007 # ومعلوم بصريح العقل أن الخالق المبدع لجميع الذوات وكمالاتها أحق بكل ms0709 ~~كمال وأحق بالكمال الذى باين به جميع الموجودات وهذا الطريق ونحوه مما سلكه ~~أهل الإثبات للصفات # فيقال وإذا عرضنا على العقل الصريح ذاتا لا فعل لها ولا حركة ولا تقدر أن ~~تصعد ولا تنزل ولا تأتى ولا تجىء ولا تقرب ولا تقبض ولا تطوى ولا تحدث شيئا ~~بفعل يقوم بها وذاتا تقدر على هذه الأفعال وتحدث الأشياء بفعل لها كانت هذه ~~الذات أكمل فإن تلك كالجماد أو الحى الزمن المجدع والحى أكمل من الجماد ~~والحى القادر على العمل أكمل من العاجز عنه كما أن ما لا يسمع ولا يبصر ولا ~~يتكلم كالجماد أو كالأعمى الأصم الأخرس والحى أكمل من الجماد والحى الذى ~~يسمع ويبصر ويتكلم أكمل من الأصم الأعمى الأخرس # وإذا كان كذلك فإذا أراد نافى الفعل أن ينفيه لئلا يصفه فى الأزل بالنقص ~~فقال لو كان فعالا بنفسه لكان الفعل المتأخر PageV04P008 ~~معدوما فى الأزل وعدمه صفة نقص فكان متصفا بالنقص كان بمنزلة من يقول إنه ~~لا يقدر ان يحدث الحوادث ولا بفعل ذلك لأنه لو قدر على ذلك وفعله لكان ~~إحداثه للحادث الثانى معدوما قبل إحداثه وذلك نقص فيكون متصفا بالنقص # فيقال أنت وصفته بالكمال عن النقص حذرا من أن تصفه بما هو عندك نوع نقص ~~فإن من لا يفعل قط ولا يقدر أن يفعل هو أعظم نقصا ممن يقدر على الفعل ~~ويفعله والفعل لا يكون إلا حادثا شيئا بعد شىء # وهذه عادة النفاة لا ينفون شيئا من الصفات فرارا من محذور إلا لزمهم فى ~~النفى أعظم من ذلك المحذور كنفاة الصفات من الباطنية من المتفلسفة وغيرهم ~~لما قيل لهم إذا لم يوصف بالعلم والقدرة والحياة لزم أن يتصف بما يقابل ذلك ~~كالعجز والجهل والموت # فقالوا إنما يلزم ذلك لو كان قابلا للاتصاف بذلك فإن المتقابلين تقابل ~~السلب والايجاب كالوجود والعدم إذا عدم أحدهما ثبت الآخر وأما المتقابلان ~~تقابل العدم والملكة كالحياة والموت والعمى والبصر فقد يخلو المحل عنهما ~~كالجماد فإنه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا PageV04P009 # فيقال لهم ms0710 فررتم عن تشبيه بالحيوان الناقص الذي لا يسمع ولا يبصر مع ~~إمكان ذلك منه فشبهتموه بالجماد الذي لا يقبل الإتصاف لا بهذا ولا بهذا ~~فكان ما فررتم إليه شرا مما فررتم منه ولهذا نظائر مبسوطة في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن من نفى الأفعال الإختيارية القائمة به لئلا يكون قبل ~~وجود الحادث منها ناقصا كان قد وصفه بالنقص التام فرارا بزعمه مما يظنه نقصا # الوجه السادس أن يقال الأفعال التي حدثت بعد أن لم تكن لم يكن وجودها قبل ~~وجودها كمالا ولا عدمها نقصا فإن النقص إنما يكون إذا عدم ما يصلح وجوده ~~وما به يحصل الكمال وما ينبغى وجوده ونحو ذلك والرب تعالى حكيم في أفعاله ~~وهو المقدم والمؤخر فما قدمه كان الكمال في تقديمه وما أخره كان الكمال في ~~تأخيره كما أن ما خصصه بما خصصه به من الصفات فقد فعله على وجه الحكمة وإن ~~لم نعلم نحن تفاصيل ذلك واعتبر ذلك بما يحدثه من المحدثات # الوجه السابع أن يقال الحوادث يمتنع قدمها ويمتنع أن توجد معا ولو وجدت ~~معا لم تكن حوادث ومعلوم أنه إذا دار الأمر بين PageV04P010 ~~إحداث الحوادث وعدم إحداثها كان إحداثها أكمل ولا يكون إحداثها إلا مع عدم ~~الحادث منها في الأزل # وإذا كان كذلك صار هذا بمنزلة جعل الشيء موجودا معدوما فلا يقال عدم فعل ~~هذا أو عدم تعلق القدرة به صفة نقص بل النقص عدم القدرة على جعله موجودا ~~فإذا كان قادرا على ذلك كان موصوفا بصفة الكمال التي لا يمكن غيرها فكذلك ~~المحدث للأمور المتعاقبة هو موصوف بالكمال الذي لا يمكن في الحدوث غيره # الوجه الثامن أن يقال لا ريب أن الحوادث مشهودة وأن لها محدثا أحداثها ~~فالمحدث لها إما أن يحدثها بفعل اختياري يقوم به وإما أن تحدث عنه شيئا بعد ~~شيء من غير فعل يقوم به ولا حدوث شيء منه ومعلوم أن اتصافه بالاول أولى لو ~~كان الثاني ممكنا فإن الاول فيه وصفه بصفة الكمال بخلاف الثاني فكيف ms0711 ~~والثاني ممتنع لأن حدوث الحوادث من غير سبب حادث ممتنع # وإذا كان حال الفاعل قبل حدوثها كحاله مع حدوثها وبعد حدوثها وهي في ~~الحالين حادثة لم يكن الفاعل قد فعل شيئا ولا أحدث شيئا بل حدثت بذاتها # وهذا الدليل قد بسط في غير هذا الموضع وبين فساد قول PageV04P011 ~~الفلاسفة الدهرية القائلين بأن حركات الأفلاك تصدر عن قديم أزلي لا يحدث ~~منه شيء وأن قولهم أفسد من قول المعتزلة ونحوهم من أهل الكلام فإن هؤلاء ~~الفلاسفة استدلوا على قدم العالم بحجتهم العظمى وهو أنه لو حدث بعد أن لم ~~يكن لاحتاج إلى سبب حادث والقول في ذلك السبب كالقول فيه فيلزم التسلسل أو ~~الترجيح بلا مرجح # فيقال لهم أنتم تقولون بحدوث الحوادث شيئا بعد شيء عن فاعل قائم بنفسه لا ~~تقوم به صفة ولا فعل ولا يحدث له فعل ولا غير فعل فقولكم بصدور الحوادث ~~المختلفة الدائمة عمن لا فعل له ولا صفة ولا يحدث منه شيء أعظم فسادا من ~~قول من يقول إنه تارة تصدر عنه الحوادث وتارة لا تصدر فإنه إن كان صدور ~~الحوادث عنه من غير حدوث شيء فيه محالا فصدورها دائما عنه من غير حدوث شيء ~~فيه أشد إحالة # الوجه التاسع أن يقال أفعال الله تعالى إما أن يكون لها حكمة هي غايتها ~~المطلوبة وإما أن لا يكون والناس لهم في هذا المقام قولان مشهوران أحدهما ~~قول من لا يثبت إلا المشيئة والثاني قول من يثبت حكمة قائمة بالمخلوق أو ~~حكمة قائمة بالخالق والأقوال الثلاثة معروفة في الطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم PageV04P012 # فإن نفيتم الحكمة جوزتم أن يفعل أفعالا لا يحصل له بها كمال فيقال لهم ~~قولوا في أفعاله القائمة بنفسه الإختيارية ما تقولونه في حدوث المفعولات ~~عنه وهو الفاعل عندكم # وإن أثبتم الحكمة قيل لكم الحكمة الحاصلة بالفعل الحادث حادثة بعده فحدوث ~~هذه الحكمة بعد أن لم تكن سواء كانت قائمة بنفسه أو بغيره أهي صفة كمال أم لا # فإن قلتم صفة كمال فقولوا في نفس ms0712 الفعل الحادث ما قلتموه في الحكمة ~~المطلوبة به # وإن قلتم ليست صفة كمال فقولوا أيضا في نفس الفعل الحادث ما قلتموه في ~~الحكمة المطلوبة # فقد لزمكم في الحكمة إن أثبتموها أو نفيتموها ما يلزمكم في نفس الفعل ~~سواء بسواء وهذا بين واضح # الوجه العاشر أن يقول من يثبت الفعل القائم به والحكمة القائمة به معلوم ~~بصريح العقل أن هذا صفة كمال وأن من يكون كذلك أكمل ممن لا يفعل أو يفعل لا ~~لحكمة فلم قلتم إن هذا ممتنع # فإذا قيل لئلا يلزم الكمال بعد النقص # قيل لهم لم قلتم وجود مثل هذا الكمال ممتنع PageV04P013 # ولفظ النقص [ لفظ ] مجمل كما تقدم فإن غايته أن يفسر بعدم ما وجد قبل أن ~~يوجد فيعود الأمر إلى أن هذا الموجود إذا وجد بعد أن لم يكن لزم أن يكون ~~معدوما قبل وجوده # فيقال ومن أين علمتم أن وجود هذا بعد عدمه محال وليس في ذلك افتقار الرب ~~إلى غيره ولا إستكماله بفعل غيره بل هو الحي الفعال لما يشاء العليم القدير ~~الحكيم الخبير الرحيم الودود لا إله إلا هو وكل ما سواه فقير إليه وهو غنى ~~عما سواه لا يكمل بغيره ولا يحتاج إلى سواه ولا يستعين بغيره في فعل ولا ~~يبلغ العباد نفعه فينفعوه ولا ضره فيضروه بل هو خالق الأسباب والمسببات وهو ~~الذي يلهم عبده الدعاء ثم يجيبه وييسر عليه العمل ثم يشبه ويلهمه التوبة ~~ويحبه ويفرح بتوبته وهو الذي استعمل المؤمنين فيما يرضيه ورضى عنهم فلم ~~يحتج في فعله لما يحبه ويرضاه إلى سواه بل هو الذي خلق حركات العباد التي ~~يحبها ويرضاها وهوالذي خلق ما لا يحبه ولا يرضاه من أعمالهم لما له في ذلك ~~من الحكمة التي يحبها ويرضاها { وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى ~~والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون } [ سورة القصص 70 ] فلا إله إلا هو { لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } [ سورة الأنبياء 22 ] إذ كان هو الذى ~~يستحق أن تكون العبادة ms0713 له وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل لا منفعة فيه PageV04P014 ~~فما لا يكون به لا يكون فإن لا حول ولا قوة إلا به وما لا يكون له لا ينفع ~~ولا يدوم كما قال تعالى { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ~~} [ سورة الفرقان 23 ] وقال { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت ~~به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء } [ سورة إبراهيم 18 ] ~~وهو سبحانه يحب عباده الذي يحبونه والمحبوب لغيره أولى أن يكون محبوبا # فإذا كنا إذا أحببنا شيئا لله كان الله هو المحبوب في الحقيقة وحبنا لذلك ~~بطريق التبع وكنا نحب من يحب الله لأنه يحب الله فالله تعالى يحب الذي ~~يحبونه فهو المستحق أن يكون هو المحبوب المألوه المعبود وأن يكون غاية كل ~~حب كيف وهو سبحانه الذى يحمد المعبود ويثنى على نفسه ويحب الحمد من خلقه # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لا أحد أحب إليه ~~المدح من الله وقال له الأسود بن سريع يا رسول PageV04P015 ~~الله إنى حمدت ربى بمحامد فقال إن ربك يحب الحمد # وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده اللهم ~~إنى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصى ثناء عليك أنت ~~كما أثنيت على نفسك وقد روى أنه كان يقول ذلك في آخر الوتر # فهو المثنى على نفسه وهو كما أثنى على نفسه إذ أفضل خلقه لا يحصى ثناء عليه # والثناء تكرير المحامد وتثنيتها كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني ~~عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي فإذا قال مالك يوم الدين ~~قال مجدني عبدي # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رفع رأسه من ~~الركوع قال ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ms0714 ما ~~شئت من شىء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع ~~لما أعطيت ولا PageV04P016 ~~معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد فذكر الحمد والثناء والمجد هنا ~~كما ذكره فى أول الفاتحة فالحمد يتناول جنس المحامد والثناء يقتضى تكريرها ~~وتعديدها والزيادة فى عددها والمجد يقتضى تعظيمها وتوسيعها والزيادة فى ~~قدرها وصفتها # فهو سبحانه مستحق للحمد والثناء والمجد ولا أحد يحسن أن يحمده كما يحمد ~~نفسه ولا يثنى عليه كما يثنى على نفسه ولا يمجده كما يمجد نفسه # كما فى حديث ابن عمر الذى فى الصحيح لما قرأ النبى صلى الله عليه وسلم ~~على المنبر { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه } [ سورة الزمر 67 ] قال يقبض الله سمواته بيده ~~والأرضون بيده الأخرى ثم يمجد نفسه فيقول أنا الملك أنا القدوس أنا السلام ~~أنا المؤمن أنا المهيمن أنا العزيز أنا الجبار أنا المتكبر أنا الذى بدأت ~~الدنيا ولم تك شيئا أنا الذى أعدتها أين الملوك أين الجبارون أين المتكبرون ~~أو كما قال PageV04P017 # وفى الحديث الآخر يقول الله تعالى إنى جواد ماجد واجد إنما أمرى إذا أردت ~~شيئا أن أقول له كن فيكون ### | فصل # ونحن نذكر ما ذكره أبو الحسن الآمدى فى هذا الأصل ونتكلم عليه قال فى ~~كتابة الكبير المسمى أبكار الأفكار المسألة الرابعة من النوع الرابع الذى ~~سماه إبطال التشبيه فى بيان امتناع حلول الحوادث بذاته تبارك وتعالى # قال وقبل الخوض فى الحجاج لابد من تلخيص محل PageV04P018 ~~النزاع فنقول المراد بالحادث المتنازع فيه الموجود بعد العدم كان ذاتا ~~قائمة بنفسها أو صفة لغيره كالأعراض وأما ما لا وجود له كالعدم أو الأحوال ~~عند القائلين بها فإنها غير موصوفة بالوجود ولا بالعدم كالعالمية والقادرية ~~والمريدية ونحو ذلك أو النسب والإضافات فإنها عند المتكلم أمور وهمية لا ~~وجود لها فما تحقق من ذلك بعد أن لم يكن فيقال له متجدد ولا يقال له حادث # قال وعند هذا فنقول العقلاء ms0715 من أرباب الملل وغيرهم متفقون على استحالة ~~قيام الحوادث بذات الرب تبارك وتعالى [ غير المجوس والكرامية فإنهم اتفقوا ~~على جواز ذلك ] # غير أن الكرامية لم يجوزوا قيام كل حادث بذات الرب تعالى بل قال أكثرهم ~~هو ما يفتقر إليه فى الإيجاد والخلق ثم اختلفوا فى هذا الحادث فمنهم من قال ~~هو قوله كن ومنهم من قال هو PageV04P019 ~~الإرادة فخلق الإرادة أو القول في ذاته يستند إلى القدرة القديمة لا أنه ~~حادث بإحداث وأما خلق باقى المخلوقات فمستند إلى الإرادة أو القول على ~~إختلاف مذهبهم فالمخلوق القائم بذاته يعبرون عنه بالحادث والخارج عن ذاته ~~يعبرون عنه بالمحدث ومنهم من زاد على ذلك حادثين آخرين وهما السمع والبصر # قال وأجمعت الكرامية على أن ما قام بذاته من الصفات الحادثة لا يتجدد له ~~منها اسم ولا يعود إليه منها حكم حتى لا يقال إنه قائل بقول ولا مريد ~~بإرادة بل قائل بالقائلية ومريد بالمريدية ولم يجوزوا عليه إطلاق اسم متجدد ~~لم يكن فيما لا يزال بل قالوا أسماؤه كلها أزلية حتى في الخلق والرازق وإن ~~لم يكن في الأزل خلق ولا رزق PageV04P020 # قال وأما ما كان من الصفات المتجددة التي لا وجود لها في الاعيان فما كان ~~منها حالا فقد اتفق المتكلمون على امتناع اتصاف الرب به غير أبى الحسين ~~البصرى فإنه قال تتجدد عالميات لله تعالى بتجدد المعلومات وما كان من النسب ~~والإضافات والتعلقات فمتفق بين أرباب العقول على جواز اتصاف الرب تعالى بها ~~حتى يقال إنه موجود مع العالم بعد أن لم يكن وإنه خالق العالم بعد أن لم ~~يكن وما كان من الأعدام والسلوب فإن كان سلب أمر يستحيل تقدير وجوده لله ~~تعالى فلا يكون متجددا بالإجماع مثل كونه غير مجسم ولا جوهر ولا عرض إلى ~~غير ذلك وإن كان سلب أمر لا يستحيل تقدير اتصاف الرب به كالنسب والإضافات ~~فغير ممتنع أن يتصف به الرب تعالى بعد أن PageV04P021 ~~لم يكن بالاتفاق فإنه إذا كان الحادث موجودا صح أن يقال ms0716 الرب تعالى موجود ~~مع وجوده وتنعدم هذه المعية عند فرض عدم ذلك الحادث فيتجدد له صفة سلب بعد ~~أن لم تكن # قلت قد ذكر أن لفظ الحادث مرادهم به الموجود بعد العدم سواء كان قائما ~~بنفسه كالجوهر او صفة لغيره كالأعراض وسمى ما ليس بموجود كالاحوال والسلوب ~~والإضافات متجددات وهذا الفرق أمر اصطلاحي وإلا فلا فرق بين معنى المتجدد ~~ومعنى الحادث # وأيضا فإن الاحوال عند القائلين بها منهم من يقول بوجودها وقالوا يصح أن ~~تكون معلومة تبعا لغيرها وأن يكون وجودها تبعا لغيرها # وخالفوا أبا هاشم في قوله ليست معلومة ولا مجهولة ولا موجودة ولا معدومة # وأيضا فالنسب والإضافات عند الفلاسفة قد تكون وجودية وأما المذاهب فيقال ~~لفظ الحوادث والمتجددات في لغة العرب يتناول أشياء كثيرة وربما أفهم أو ~~أوهم في العرف PageV04P022 ~~استحالات كالأمراض والغموم والأحزان ونحوها إذا قيل فلان حدث به حادث وكثير ~~منهم يعبر بالاحداث عن المعاصى والذنوب ونحو ذلك كما قد عرف هذا # وأما مورد النزاع أنه هل يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته إما من باب ~~الأفعال كالاستواء إلى غيره والإستواء عليه والإتيان والمجىء والنزول ونحو ~~ذلك وإما من باب الأقوال والكلمات وإما من باب الأحوال كالفرح والغضب ~~والإرادات والرضا والضحك ونحو ذلك وإما من باب العلوم والإدراكات كالسمع ~~والبصر والعلم بالموجود بعد العلم بأنه سيوجد وإذا كان كذلك فقوله إن ~~العقلاء من أرباب الملل وغيرهم متفقون على استحالة ذلك غير أن الكرامية إلى ~~آخره ليس بنقل مطابق # وأما أهل الملل فلا يضاف إليهم من حيث هم أرباب ملة إلا ما ثبت عن صاحب ~~الملة صلوات الله عليه وسلامه أو ما أجمع عليه أهل العلم وأما ما قاله بعض ~~أهل الملة برأيه أو استنباطه مع منازعة غيره له فلا يجوز إضافته إلى الملة # ومن المعلوم أنه لا يمكن أحد أن ينقل عن محمد صلى الله عليه وسلم ولا عن ~~إخوانه المرسلين كموسى وعيسى صلوات الله عليهما ما يدل على قول النفاة لا ~~نصا ولا ظاهرا بل ms0717 الكتب الإلهية PageV04P023 ~~المتواترة عنهم والأحاديث المتواترة عنهم تدل على نقيض قول النفاة وتوافق ~~قول أهل الإثبات # وكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان وأئمة ~~المسلمين أرباب المذاهب المشهورة وشيوخ المسلمين المتقدمين لا يمكن أحد أن ~~ينقل نقلا صحيحا عن أحد منهم بما يوافق قول النفاة بل المنقول المستفيض ~~عنهم يوافق قول أهل الإثبات فنقل مثل هذا عن أهل الملة خطأ ظاهر # ولكن اهل الكلام والنظر من أهل الملة تنازعوا في هذا الأصل لما حدث في ~~أهل الملة مذهب الجهمية نفاة الصفات وذلك بعد المائة الاولى في آواخر عصر ~~التابعين ولم يكن قبل هذا يعرف في أهل الملة من يقول بنفى الصفات ولا بنفى ~~الامور الإختيارية القائمة بذاته # فلما حدث هذا القول وقالت به المعتزلة وقالوا لا تحل به الأعراض والحوادث ~~وأرادوا بذلك أنه لا تقوم به صفة كالعلم والقدرة ولا فعل كالخلق والإستواء ~~أنكر ائمة السلف ذلك عليهم كما هو متواتر معروف # وعن هذا قالت العتزلة إن القرآن مخلوق لأنه لو قام بذاته للزم أن تقوم به ~~الأفعال والصفات وأطبق السلف والأئمة على إنكار هذا عليهم PageV04P024 # وكل من خالفهم قبل ابن كلاب كان يقول بقيام الصفات والأقوال والأفعال ~~المتعلقة بمشيئته وقدرته به لكن ابن كلاب ومتبعوه فرقوا بين ما يلزم الذات ~~من أعيان الصفات كالحياة والعلم وبين ما يتعلق بالمشيئة والقدرة فقالوا هذا ~~لا يقوم بذاته لأن ذلك يستلزم تعاقب الحوادث عليه كما سيأتي # وابن كرام كان متأخرا بعد محنة الإمام أحمد بن حنبل وتوفى ابن كرام في ~~حدود ستين ومائتين فكان بعد ابن كلاب بمدة وكان أكثر أهل القبلة قبله على ~~مخالفة المعتزلة والكلابية حتى طوائف اهل الكلام من الشيعة والمرجئة ~~كالهشامية وأصحاب ابى معاذ التومنى وزهير الاثرى وغيرهما كما ذكر ذلك عنهم ~~الأشعري في المقالات # وأمثال هؤلاء كانوا يقولون بقيام الحوادث به حتى صرح طوائف منهم بالحركة ~~كما صرح بذلك طوائف من أئمة الحديث والسنة وصرحوا بأنه لم يزل متكلما إذا ~~شاء وأن الحركة ms0718 من لوازم الحياة وأمثال ذلك بل هم يقولون إنه إنما ابتدع من ~~ابتدع من أهل الكلام البدع المخالفة للنصوص وللمعقول لقولهم بهذا الأصل ~~كقول من قال إن الكلام معنى واحد قديم وقول من قال إن المعدوم يرى ويسمع ~~وقول من قال بقدم صوت معين # وأما غير أهل الملل فالفلاسفة متنازعون في هذا الاصل والمحكى عن كثير من ~~اساطينهم القدماء أنه كان يقول بذلك كما تقدم نقل المقالات عنهم حتى صرح ~~بالحركة من صرح منهم بل الذين PageV04P025 ~~كانوا قبل أرسطوا من الأساطين كانوا يقولون بحدوث العالم عن أسباب حادثة ~~وهم يقولون بهذا الأصل إما تصريحا وإما لزوما وكذلك غير واحد من متأخريهم ~~كأبى البركات البغدادي صاحب المعتبر وهذا اختيار طائفة من النظار كالأثير ~~الأبهرى وغيره # وما حكاه عن أبى الحسين البصرى فهو قول غير واحد قبل أبى الحسين وبعده ~~كهشام [ ونحوه ] وغيره وابن عقيل يختار قول أبى الحسين وهو معنى قول السلف ~~والرازى يميل إلى قول إبى الحسين بل وإلى زيادة على قوله كما ذكره في ~~المطالب العالية بل ينصره وقوله عن الكرامية إنهم قالوا أسماؤه كلها أزلية ~~أى معانى اسمائه أى ما لأجله استحق تلك الأسماء كالخالقية والرازقية # وأما نفس الإسم فهومن كلامه وكلامه عندهم حادث قائم بذاته ويمتنع عندهم ~~أن يكون في الأزل كلام أو أسماء لأن ذلك يقتضى حوادث لا أول لها أو يقتضى ~~قدم القول المعين وكلاهما باطل عندهم # وحكايته عن الكرامية أنهم يقولون خلق الإرادة والقول في ذاته مستند إلى ~~القدرة القديمة وخلق ما في المخلوقات يستند إلى PageV04P026 ~~الإرادة والقول تعبير عن مذهبهم بعبارته وإلا فهم لا يسمون شيئا مما يقدم ~~بذات الرب لا مخلوقا ولا محدثا وإنما يقولون حادث ولا يقولون إن إرادته ~~وكلامه لا مخلوق ولا محدث # قال وقد إحتج أهل الحق على امتناع قيام الحوادث به بحجج ضعيفة # الأولى قالوا لو كان البارى تعلى قابلا لحلول الحوادث بذاته لما خلا عنها ~~أو عن أضدادها وضد الحادث حادث وما لا يخلو عن الحوادث فيجب ms0719 ان يكون حادثا ~~والرب تعالى ليس بحادث # قال وهذه الحجة مبنية على خمس مقدمات الأولى أن كل صفة حادثة لا بد لها ~~من ضد والثانية أن ضد الصفة الحادثة لا بد وأن يكون حادثا # والثالثة وأن ما قبل حادثا فلا يخلو عنه وعن ضده والرابعة أن مالا يخلو ~~عن الحوادث فهو حادث والخامسة أن الحدوث PageV04P027 ~~على الله تعالى محال أما أن الرب تعالى ليس بحادث فقد سبق تقريره # قلت هذا معلوم باتفاق أهل الملل وسائر العقلاء ممن اثبت الصانع ومعلوم ~~بالأدلة اليقينية بل معلوم بالضرورة وقد ذكر أنه قرر ذلك وهو لم يقرره فإنه ~~إنما قرره بناء على إثبات واجب الوجود وبنى ذلك على نفى التسلسل في العلل ~~وإبطال حوادث لا أول لها وحجته على ذلك ضعيفة # وقد أورد في كتابه المسمى بدقائق الحقائق على إبطال تسلسل العلل سؤالا ~~زعم أنه لا يعرف عنه جوابا فبطل بقوله ما ذكره من تقريره لكن هذا بحمد الله ~~أجل من أن يحتاج إلى مثل هذا التقرير # وقال وأما أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فسيأتي تقريره في حدوث ~~الجواهر # قلت لم يقرر ذلك إلا بدليل حدوث الأعراض وأنه يمتنع وجود حوادث لا أول ~~لها وإنما قرر ذلك بإبطال التسلسل في الآثار وقرر ذلك بأن الحادث يمتنع أن ~~يكون أزليا # وقد تقدم فساد ذلك بان لفظ الحادث يراد به النوع الدائم ويراد به الحادث ~~المعين والمعلوم امتناعه إنما هو النوع الثاني والنزاع إنما هو في الأول PageV04P028 # وأيضا فإن الذى قرر به إمتناع تسلسل العلل في دقائق الحقائق أورد عليه ~~سؤالا واعترف بأنه لا جواب له عنه وإذا كان تقريره لنفى تسلسل العلل قد بين ~~أنه ورد عليه سؤال لا يعرف جوابه فكيف بتقرير نفى تسلسل الحوادث # ومن المعلوم ان العقلاء اتفقوا على نفى تسلسل العلل وتنازعوا فى نفى ~~تسلسل الحوادث فإن كان لم يقم على نفى ذاك عنده دليل عقلى فهذا أولى # والسؤال الذى أورده يرد على النوعين وقد [ ذكرناه ] وذكرنا الجواب ms0720 عنه ~~فيما تقدم ومضمونه أنه لم لا يجوز أن يكون مجموع المعلولات التي لا تتناهى ~~وإن كان ممكنا في نفسه لكنه واجب بوجوب آحاده المتعاقبة وكل واحد واجب بما ~~قبله وهذا وإن كان باطلا لكن المقصود التنبيه على أن من خالف الكتاب والسنة ~~وقال إنه ينصر بالمعقول اصول الدين يخل بمثل هذا الواجب في اعظم أصول الدين ~~مع أنه يقرر ما لا يحتاج إليه فى الدين أو ما يعارض مايثبت انه من الدين # وكذلك من قال مثل هذا وأمثاله أنه يتكلم بالعقليات يظهر منه في أعظم ~~المعقولات التقصير والتوقف والخيرة فيها ويحقق من المعقولات ما تقل الحاجة ~~إليه أو ما يكون وسيلة إلى غيره مع أن المقصود بالوسيلة لم يحققه PageV04P029 # وقد احتج على إبطال حوادث لا أول لها بعد أن أبطل حجج موافقيه بان ذلك ~~يستلزم كون الحادث أزليا وهذا الوجه ضعيف # فإن المنازع يقول أشخاص الحوادث ليست أزلية وإنما الازلى النوع فالموصوف ~~بأنه أزلى ليس هو الموصوف بأنه حادث ثم يقال إذا لم تقدر أن تقيم حجة على ~~امتناع تسلسل المعلولات وإثبات الصانع عندك موقوف على هذا فأى شيء ينفعك ~~نفى حلول الحوادث عما لم تقم حجة على إثباته فضلا عن قدمه # قال وإنما الإشكال في المقدمات الثلاثة الأول # قال وذلك أن لقائل أن يقول قولكم إن كل صفة حادثة لا بد لها من ضد فإما ~~أن يراد بالضد معنى وجودى يستحيل اجتماعه مع تلك الصفة لذاتيهما وأما أن ~~يراد به ما هو أعم من ذلك وهو ما لا يتصور اجتماعه مع وجود الصفة لذاتيهما ~~وإن كان عدما حتى يقال فإن عدم الصفة يكون ضدا لوجودها فإن كان الأول فلا ~~نسلم انه لا بد وأن يكون للصفة ضد بذلك الإعتبار والاستدلال على موقع المنع ~~عسير جدا وإن كان الثانى فلا نسلم أنه PageV04P030 ~~يلزم ان يكون ضد الحادث حادثا وإلا كان عدم العالم السابق على وجوده حادثا ~~ولو كان عدمه حادثا كان وجوده سابقا على عدمه وهو محال # قال وإن ms0721 سلمنا أنه لابد ان يكون ضد الحادث معنى وجوديا ولكن لا نسلم ~~امتناع خلو المحل عن الصفة وضدها بهذا الإعتبار وحيث قررنا في مسألة الكلام ~~والإدراكات أن القابل لصفة لا يخلو عنها وعن ضدها إنما كان بالمعنى الأعم ~~لا بالمعنى الأخص فلا مناقضة # قلت هذا كلام حسن جيد لو كان قد وفى بموجبه فإن هذه الطريقة مما كان يحتج ~~بها السلف والأئمة في إثبات صفات الكمال كالكلام والسمع والبصر وقد اتبعهم ~~في ذلك متكلمة الصفاتية من أصحاب ابن كلاب وابن كرام والأشعرى وغيرهم بل ~~أثبتوا بها عامة صفات الكمال # وقد أورد عليها ما يورده نفاة الصفات وزعم أن ذلك قادح فيها PageV04P031 ~~فقال أما أهل الإثبات يعنى للصفات فقد سلك بعضهم في الإثبات مسلكا ضعيفا ~~وهو أنهم تعرضوا لإثبات أحكام الصفات ثم توصلوا منها إلى إثبات العلم ~~بالصفات ثانيا فقالوا إن العالم لا محالة على غاية من الحكمة والإتقان وهو ~~مع ذلك جائز وجوده وجائز عدمه كما سيأتي وهو مستند في التخصيص والإيجاد إلى ~~واجب الوجود كما سيأتي أيضا فيجب ان يكون قادرا عليه مريدا له عالما به كما ~~وقع [ به ] الاستقراء في الشاهد فإن من لم يكن قادرا لا يصح صدور شيء عنه ~~ومن لم يكن مريدا لم يكن تخصيص بعض الجائزات عنه دون بعض بأولى من العكس إذ ~~نسبتها إليه واحدة ومن لم يكن عالما بالشيء لا يتصور منه القصد إلى إيجاده PageV04P032 # قالوا وإذا ثبت كونه قادرا مريدا عالما وجب أن يكون حيا إذ الحياة شرط في ~~هذه الصفات على ما عرف في الشاهد وما كان له في وجوده أو عدمه شرط لا يختلف ~~شاهدا ولا غائبا ويلزم من كونه حيا ان يكون سميعا بصيرا متكلما فإن من لم ~~تثبت له هذه الصفات من الأحياء فهو متصف بأضدادها كالعمى والطرش والخرس على ~~ما عرف في الشاهد أيضا والإله تعالى يتقدس عن الإتصاف بهذه الصفات # قالوا وإذا ثبت له هذه الأحكام فهي في الشاهد معللة بالصفات فالعلم في ~~الشاهد علة ms0722 كون العالم عالما والقدرة علة كون القادر قادرا وعلى هذا النحو ~~باقي الصفات والعلة لا تختلف لا شاهدا ولا غائبا # وأيضا فإن حد العالم في الشاهد من قام به العلم والقادر من قامت به ~~القدرة وعلى هذا النحو والحد لا يختلف شاهدا ولا غائبا PageV04P033 # وأيضا فإن شرط العالم فى الشاهد قيام العلم به وكذلك فى القدرة وغيرها ~~والشرط لا يختلف شاهدا ولا غائبا # قلت وهذه الطريقة مع إمكان تقريرها على هذا الوجه فإنه يمكن تقريرها على ~~وجه أكمل منه ومع هذا فقد قال هذه الحجة مما يضعف التمسك بها جدا وأورد ~~عليها أنها مبنية على الجمع بين الشاهد والغائب # وقد تكلمنا على ما ذكره هو وغيره فى هذا الموضوع وبينا أن الحجة لا يحتاج ~~فيها إلى هذا الجمع [ ولو احتيج فيها إلى هذا الجمع ] فهو صحيح فإنه من باب ~~قياس الأولى وهو أن ما كان من لوازم الكمال فثبوته للخالق أولى منه للمخلوق ~~كما ذكر فى غير هذا الموضع # لكن المقصود هنا أنه اعترض على قولهم لو لم يتصف بهذا لا تصف بضده العام ~~الذى يتضمن النفى وهو ذكر هنا أنه قرره # قال وأما قولهم إنه لو لم يتصف بهذه الصفات مع كونه PageV04P034 ~~حيا لكان متصفا بما يقابلها فالتحقيق فيه موقوف على بيان حقيقة المتقابلين ~~يعنى المتنافيين # وذكر التقسيم المشهور فيه للفلاسفة وأنه أربعة أقسام تقابل السلب ~~والإيجاب والعدم والملكة والتضايف والتضاد وأن تقابل العلم والجهل والعمى ~~والبصر هو عندهم من باب تقابل العدم والملكة # والملكة على اصطلاحهم كل معنى وجودى أمكن أن يكون ثابتا للشىء إما بحق ~~جنسه كالبصر للإنسان فإن البصر يمكن ثبوته لجنسه وهو الحيوان أو بحق نوعه ~~ككتابة زيد فإن هذا ممكن لنوع الإنسان أو بحق شخصه كاللحية للرجل فإنها ~~ممكنة فى حق الرجل # قال والعدم المقابل لها ارتفاع هذه الملكة PageV04P035 # قال فإن أريد بتقابل الإدراك ونفيه تقابل التناقض بالسلب والإيجاب وهو ~~أنه لا يخلو من كونه سميعا وبصيرا ومتكلما أو ليس فهو ما يقوله الخصم ms0723 ولا ~~يقبل نفيه من غير دليل # وإن أريد بالتقابل تقابل العدم والملكة فلا يلزم من نفى الملكة تحقق ~~العدم ولا بالعكس إلا فى محل يكون قابلا لها ولهذا يصح لأن يقال الحجر لا ~~أعمى ولا بصير والقول بكون البارى تعالى قابلا للبصر والعمى دعوى محل ~~النزاع والمصادرة على المطلوب وعلى هذا فقد امتنع نفى لزوم العمى والخرس ~~والطرش فى حق الله تعالى من ضرورة نفى البصر والسمع والكلام عنه # [ قلت وقد أشكل هذا على كثير من النظار حتى ضل به لاعتقادهم صحته حتى على ~~الآمدى ] فهذا كلامه فى الخلو عن الضدين بالمعنى العام [ قد ] أورد عليه ما ~~ذكر فكيف يدعى أنه PageV04P036 ~~قرره وهذا الإيراد إيراد معروف للمعطلة نفاة الصفات وهو ايراد فاسد من وجوه # أحدهما أن يقال نحن نريد بالتقابل السلب والإيجاب ونفى هذه الصفات يتضمن ~~النقص لكل من نفيت عنه سواء قيل إنه قابل لها أو لم يقل فإنه من المعلوم ~~بصريح العقل أن المتصف بالحياة والعلم والكلام والسمع والبصر أكمل ممن لم ~~يتصف بذلك وما قدر انتفاء ذلك عنه كالجماد فهو أنقص بالنسبة إلى من اتصف بذلك # وهو قد سلك فى إثبات الصفات طريقة الكمال وهى فى الحقيقة من جنس هذه فقال ~~واعلم أن ههنا طريقة رشيقة سهلة المعرك قريبة المدرك يعسر على المنصف ~~المتبحر الخروج عنها والقدح فى دلالتها يمكن طردها فى إثبات جميع الصفات ~~النفسانية وهى مما ألهمنى الله إياها ولم أجدها على صورتها وتحريرها لأحد ~~غيرى وهو أن يقال المفهوم من كل واحد من هذه الصفات المذكورة مع قطع النظر ~~عما يتصف به صفة كمال أو صفة كمال لا جائز أن تكون لا صفة كمال وغل كان حال ~~من اتصف بها فى الشاهد أنقص من حال من اتصف بها إن كان عدمها فى نفس الأمر ~~كمالا أو مساويا لحال من لم يتصف بها إن لم يكن عدمها فى نفس الأمر كمالا ~~وهو خلاف ما نعلمه بالضرورة فى الشاهد فلم يبق إلا القسم الأول وهو أنه ms0724 فى PageV04P037 ~~نفسها وذواتها كمال وعند ذلك فلو قدر عدم اتصاف البارى تعالى بها لكان ~~ناقصا بالنسبة إلى من اتصف بها من مخلوقاته ومحال الخالق أنقص من المخلوق # قلت هذه الحجة مادتها صحيحة وقد استدل بها ما شاء الله من السلف والخلف ~~وإن كان تصويرها والتعبير عنها يتنوع وهذه المادة بعينها يمكن نقلها إلى ~~الحجة الأولى التى زيفها بأن يقال لو لم يتصف بصفات الكمال لاتصف بنقائضها ~~وهى صفات نقص فيكون أنقص من بعض مخلوقاته # الوجه الثانى أن يقال هب أنهما متقابلان تقابل العدم والملكة فقولكم لا ~~يلزم من نفى أحدهما ثبوت الآخر إلا إذا كان المحل قابلا # جوابه أن يقال الموجودات نوعان نوع يقبل الاتصاف بأحد هذين كالحيوان وصنف ~~لا يقبل ذلك كالجماد ومن المعلوم أن ما قبل أحدهما أكمل ممن لا يقبل واحدا ~~منهما وإن كان موصوفا بالعمى والصمم والخرس فإن الحيوان الذى هو كذلك أقرب ~~إلى الكمال ممن لا يقبل لا هذا ولا هذا أذ الحيوان الأبكم الأعمى الأصم ~~يمكن أن يتصف بصفات الكمال وما يقبل الاتصاف بصفات الكمال أكمل ممن لا يقبل ~~الاتصاف بصفات الكمال # فإذا كان قد علم أن الرب تعالى مقدس عن أن يتصف بهذه النقائص مع قبوله ~~للاتصاف بصفات الكمال فلأن يقدس عن كونه لا يقبل PageV04P038 ~~الاتصاف بصفات الكمال أولى وأحرى وهذا معلوم ببداهة العقول # الوجه الثالث أن نقول لا نسلم أن فى الأعيان ما لا يقبل الاتصاف بهذه ~~الصفات فإن الله قادر على أن يخلق الحياة فى كل جسم وأن ينطقه كما أنطق ما ~~شاء من الجمادات [ وقد ] قال تعالى { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون ~~شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء } [ سورة النحل 20 21 ] # وإذا كان كذلك فدعواهم أن من الأعيان ما لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات ~~رجوع منهم إلى مجرد ما شهدوه من العادة والإ فمن كان مصدقا بأن الله قلب ~~عصا موسى وهى جماد ثعبانا عظيما ابتلعت الحبال والعصى لم يمكنه أن يطرد هذه الدعوى # وإذا كان سبحانه ms0725 قادرا على أن يثبت هذه الصفات صفات الكمال لما كان جمادا ~~من مخلوقاته وكان كل مخلوق يقبل ذلك بقدرة الله تعالى فهو أحق بقبول ذلك بل ~~بوجوبه له إذ ما كان ممكنا فى حقه من صفات الكمال كان واجبا له فإنه لا ~~يستفيد صفات الكمال من غيره بل هو مستحق لها بذاته فهى من لوازم ذاته # وهذا فصل معترض ذكرناه تنبيها على تقصير من يقصر فى الاستدلال على الحق ~~الذى قامت عليه الدلائل اليقينية العقلية مع PageV04P039 ~~السمعية مع مدافعتهم لما دلت عليه دلائل السمع والعقل وإن كنا لا نظن بمسلم ~~بل بعاقل أن يتكلم فى جهة الربوبية بما يراه تقصيرا ولكن لا يخلو صاحب هذه ~~الطريق من عجز أو تفريط وكلاهما يظهر به نقصه عن حال السلف والأئمة ~~الموافقين للشرع والعقل وأنهم كانوا فوق المخالفين لهم فى هذه المطالب ~~الإلهية والمعارف الربانية # وهذه الحجة التى صدر بها الآمدى وزيفها هى الحجة التى اعتمد عليها ~~الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من السالمية والفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم ~~كالقاضى أبى يعلى وابن عقيل وابن الزاغونى وغيرهم وهى مبنية على مقدمتين أن ~~القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده وأكثر الناس ينازعونهم فى ذلك بل جميع ~~الطوائف من أهل النظر والأثر ينازعونهم كالمعتزلة والكرامية والشيعة ~~والمرجئة وأهل الحديث والفقهاء والصوفية والفلاسفة # والثانية على امتناع تسلسل الحوادث والنزاع فيها مشهور بين جميع الطوائف ~~قال الآمدى الحجة الثانية أنه لو قامت الحوادث بذات الرب تعالى لكان لها ~~سبب والسبب إما الذات وإما خارج عنها فإن كان هو الذات وجب دوامها بدوام PageV04P040 ~~الذات وخرجت عن أن تكون حادثة وإن كان خارجا عن الذات فإما أن يكون معلولا ~~للإله تعالى أو لا يكون معلولا له فإن كان الأول لزم الدور وإن كان الثاني ~~فذلك الخارج يكون واجب الوجود بذاته مفيدا للإله تعالى صفاته فكان أولى أن ~~يكون هو الإله # وهذه المحالات إنما لزمت من قيام الحوادث بذات الرب تبارك وتعالى فتكون محالا # قال الآمدى ولقائل أن يقول وإن ms0726 افتقرت الصفات الحادثة إلى سبب فالسبب ~~إنما هو القدرة القديمة والمشيئة الأزلية القائمة بذات الرب كما هو مذهب ~~الكرامية على ما أوضحناه فليس السبب هو المسبب ولا خارجا ولا يلزم من دوام ~~القدرة دوام المقدور وإلا كان العلم قديما وهو محال # قال فإن قيل إذا كان المرجح للصفة الحادثة هو القدرة القديمة والاختيار ~~فلا بد وأن يكون الرب تعالى قاصدا لمحل PageV04P041 ~~حدوثها ومحل حدوثها ليس إلا ذاته فيجب أن يكون قاصدا لذاته والقصد إلى ~~الشىء يستدعى كونه فى الجهة وهو محال ثم ولجاز قيام كل حادث به وهو محال # وأيضا فإن الصفة الحادثة عند الكرامية إنما هو قوله كن والإرادة هى مستند ~~المحدثات وعند ذلك فلا حاجة إلى الحادث الذى هو القول والإرادة لأمكان ~~إسناد جميع المحدثات إلى القدرة القديمة # قلنا أما الأول فمندفع فإن القصد إلى إيجاد الصفة وإن استدعى القصد إلى ~~محل حدوثها أن لو كان القصد بمعنى الإشارة إلى الجهة وليس كذلك بل بمعنى ~~إرادة أحداث الصفة فيه وذلك غير موجب للجهة # ثم وإن كان القصد إلى إيجاد الصفة فى المحل يوجب كون المحل فى الجهة ~~فيلزم من ذلك امتناع القصد من الله تعالى إلى إيجاد الأعراض لأن القصد ألى ~~إيجادها يكون قصدا لمحالها ويلزم من ذلك أن تكون محالها فى الجهات والقصد ~~إلى ما هو فى جهة ممن ليس PageV04P042 ~~فى الجهة محال وذلك يفضى إلى أن يكون الرب فى الجهة عند قصد خلق الأعراض ~~وهو محال # والقول بأنه إذا جاز بعض الحوادث فى ذاته جاز خلق كل حادث فدعوى مجردة ~~وقياس من غير جامع وهو باطل على ما أسلفناه فى تحقيق الدليل # وأما الثانى فحاصله يرجع إلى لزوم رعاية الغرض والحكمة فى أفعال الله ~~تعالى وهو غير موافق لأصولنا وإن كان ذلك بطريق الإلزام للخصم فلعله لا ~~يقول به وإن كان قائلا به فليس القول بتخطئته فى القول بحلول الحوادث بذات ~~الرب تعالى ضرورة تصويبه فى رعاية الحكمة أولى من العكس # قلت هذه الحجة مادتها من ms0727 الفلاسفة الدهرية كابن سينا وأمثاله الذين ~~يقولون إن الرب لا يحدث عنه شىء بعد أن لم يكن حادثا ولهذا يستدل بهذه ~~الحجة على نفى الحوادث المنفصلة كما يستدل بها على نفى الحوادث المتصلة وهو ~~أن الموجب لحدوث PageV04P043 ~~الحادث مطلقا من الذات إن كان الذات لزم دوامه وإن كان خارجا عنها فإن كان ~~معلولا للذات لزم الدور لأن ذلك الحادث موقوف على ذلك المعلول الخارج وذلك ~~المعلول الخارج لابد أن يكون حادثا وإلا لو كان قديما لكان كمال المقتضى ~~لذلك الحادث قديما وهو الذات ومعلولها القديم وإذا كان المعلول الخارج ~~حادثا فلا يحدث إلا بسبب حادث فى الذات وإلا لزم حدوث الحادث بلا سبب فيلزم ~~أن يكون ما حدث فى الذات من الذات موقوفا على الحادث الخارج وما حدث فى ~~الخارج موقوفا على الحادث فيهافيلزم الدور وإن كان الخارج ليس من مقتضيات ~~الذات لزم أن يكون واجبا بنفسه فيكون ما يقوم بالرب من الحوادث موقوفا على ~~ذلك الواجب بنفسه ثم قال فيكون أولى بالإلهية فهذه عمدة هؤلاء الدهرية فى ~~نفى فعله للحوادث سواء كانت قائمة به أو بغيره # ولهذا بين الآمدى ضعفها بين المتكلمين المنازعين للكرامية فإنه قال ~~الكرامية يقولون فى الحوادث بذاته كما تقولون أنتم فى الحوادث المنفصلة عنه ~~فكما أن تلك الحوادث تحدث عندكم بكونه قادرا أو بالقدرة أو المشيئة القديمة ~~فهكذا نقول فيما يقوم بذاته # ولا ريب أن ما ذكره جواب تنقطع به عنهم مطالبة إخوانهم المتكلمين من ~~المعتزلة والأشعرية ولكن لا تنقطع عنهم مطالبة PageV04P044 ~~الفلاسفة إلا بما يقوله الجميع من أن القادر المختار يرجح أحد المتساويين ~~لا لمرجح أو أن الإرادة الأزلية ترجح أحد المتساويين لمرجح # والمنازعون فى هذا من أهل الحديث والكلام والفلسفة يقولون إن هذا جحد ~~للضرورة وإن هذا يقدح فيما به أثبتوا وجود الصانع فإنهم أثبتوا الصانع بأن ~~ترجيح أحد المتساويين لا بد له من مرجح وقد عرف كلام الناس فى هذا المقام # ونحن نذكر ما تجاب به الفلاسفة عن أهل الملل جميعا وذلك ms0728 من وجوه # الأول أن يقال الحوادث إما أن يجب تناهيها أو لا يجب بل يجوز أن لا يكون ~~لها نهاية فإن وجب تناهيها لزم أن يكون للحوادث أول ولزم جواز حدوث الحوادث ~~بدون سبب حادث وبطلت حجتكم وقولكم بدوام حركات الفلك وأنها أزلية وإن جاز ~~دوام الحوادث فحينئذ ما من حادث إلا وهو مسبوق بحادث وحينئذ فالأفلاك إذا ~~كانت حادثة لزم أن يكون قبلها حادث آخر وحينئذ فيمكن أن تكون تلك الإردات ~~المتعاقبة القائمة بذات الواجب أو غيرها من الحوادث هى الشرط فى حدوث ~~الأفلاك كما تقولون أنتم كل حادث فهو مشروط بحادث قبله # فإن قالوا ذاته لا تحلها الحوادث PageV04P045 # قيل لهم دليلكم على نفى قيام الحوادث به إما أن يكون نافيا لقيام الصفات ~~به مطلقا وإما أن يخص الحوادث فإن كان الأول فقد عرف فساد قولكم فيه ببيان ~~فساد حجتكم على نفى الصفات وإبطال ما تذكرونه فى التوحيد الذى مضمونه نفى ~~الصفات كما بسط فى موضعه # وإن كان مختصا فدليكم على النفى هو هذا الدليل على امتناع حدوث الحوادث ~~عنه فليس لكم أن تثبتوا هذا بهذا وهذا بهذا فإنه يكون دورا وهذا من ~~المصادرة على المطلوب فإن نفيكم لحدوث الحوادث بذاته وبغيره سواء فإذا لم ~~يمكنكم نفى ذلك إلا بنفى حلولها بذاته كنتم قد صادرتم على المطلوب # الوجه الثانى أن يقال لهم قول القائل سبب الحوادث إما الذات أو خارج عنها ~~أتريدون به سبب كل حادث أو سبب نوع الحوادث فإن أردتم الأول منعوكم الحصر ~~وقالوا لكم بل سبب كل حادث الذات بما قام بها من الحوادث المتعاقبة # فإن قلتم هذا يستدعى تعاقب الحوادث بذاته وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث # قالوا لكم فهذا يبطل قولكم بقدم الأفلاك ويوجب حدوثها PageV04P046 # وأيضا فيقال لكم مالا يخلو من جنس الحوادث إن لم يجب حدوثه بطلت هذه ~~الحجة وإن وجب حدوثه لزم حدوث الأفلاك وحينئذ فالموجب لحدوث الأفلاك إن كان ~~قديما لم يحدث به حادث جاز حدوث الحادث بدون سبب الحادث ms0729 ولا فرق حينئذ بين ~~أن يكون الحادث بذاته أو منفصلا عنه فيلزم قول الكرامية وإن كانت الحوادث ~~لا تحدث إلا بحوادث متعاقبة لزم تسلسل الحوادث وبطل قول القائل فما لا ينفك ~~عن جنس الحوادث فهو حادث وحينئذ فتبطل هذه الحجة # فتبين أنه يلزمكم إما بطلان هذه الحجة وإما تصحيح قول الكرامية وذلك ~~يستلزم بطلان الحجة فثبت بطلانها على كل تقدير # وإن أردتم سبب نوع الحوادث فيقال لكم سبب نوع الحادث المتصل كسبب نوع ~~الحادث المنفصل عندكم واذا جاز عندكم أن تكون الذات سبب الحوادث التى لا ~~أول لها مع انفصاله عنها فمع قيامها به بطريق الأولى فإن اقتضاء المقتضى ~~لما قام به أولى من اقتضائه لما باينه ولا محيص لهم عن هذا إلا بما ينفون ~~به الصفات مطلقا # وقد عرف فساد قولهم فى ذلك وأن حجتهم عليه من أسقط الحجج وحينئذ فيكون ~~جماهير الناس خصومهم فى ذلك الأصل # الوجه الثالث أن يقال هب أن سبب الحادث خارج عن الذات وهو معلوم الذات ~~قولهم يلزم الدور فيقال له إنما PageV04P047 ~~يلزم الدور اذا كان ذلك الخارج موقوفا على الحادث المتصل والمتصل موقوفا ~~على الخارج واما اذا كان الخارج موقوفا على متصل وذلك المتصل موقوف على ~~خارج والخارج الاخر موقوف على متصل اخر فانما يلزم التسلسل في الاثار وفي ~~تمام التأثيرات المعينة لا يلزم الدور على هذا التقدير # واذا كان اللازم هو التسلسل في الاثار والتاثيرات المعينة فذلك لا يلزم ~~منة الدور والتسلسل جائز عند هولاء الفلاسفة وكثير من اهل الكلام والحديث ~~وغيرهم وليس هذا تسلسلا ولا دورا في اصل التأثير فان هذا باطل باتفاق ~~العقلاء كالدور والتسلسل في نفس المؤثر فان الدور والتسلسل في تمام اصل ~~التاثير كالتسلسل فى أصل الآثار # ثم يقال أن كان هذا التسلسل جائزا بطلت هذه الحجة وإن كان ممتنعا لزم أن ~~يكون للحوادث أول وأن تصدر الحوادث كلها عن قديم بلا سبب حادث من غير أن ~~يجب دوام الحوادث وحينئذ فيلزم صحة قول الكرامية كما يلزم صحة ms0730 قول غيرهم من ~~أهل الكلام الجهمية والقدرية وأتباعهم الذين يقولون بحدوث جميع الحوادث ~~بدون سبب حادث وإنما النزاع بينهم فى المتصل والمنفصل # الوجه الرابع فى الجواب أن يقال هب أن ذلك الخارج إذا PageV04P048 ~~كان ليس معلوم الذات يلزم أن يكون مفيدا للأله صفاته فيكون أولى بالإلهية # يقال لهم هذا وإن كان باطلا عند المسلمين وغيرهم من أهل الملل ولكن على ~~أصولكم لا يمتنع بطلانه وذلك أن هذا لا ينافى وجوب وجوده بذاته بمعنى أنه ~~لا فاعل له فإن ما كان لا فاعل له لم يمتنع من هذه الجهة أن يقوم به أمر ~~بسبب منه ومن أمر مباين له وإنما ينتفى ذلك بنفى واجب بذاته مباين له وذلك ~~مبنى على نفى واجبين بالذات # وأنتم ادعيتم ذلك وأدرجتم فى ذلك نفى الصفات كما ادعت الجهمية أن القديم ~~واحد وأدرجوا فى ذلك نفى الصفات فقلتم أنتم لو كان له صفات لتعدد الواجب ~~بذاته كما قال أولئك لو كان له صفات لتعدد القديم وحجتكم على ذلك ضعيفة جدا ~~حتى إن منكم من قال بقدم الأفلاك ووجودها بذاتها لضعف ذلك # وهذا حقيقة قول أرسطو وأصحابه فى الأفلاك وهو قول أهل وحدة الوجود فى كل ~~موجود الذين أظهروا التصوف والتحقيق وحقيقة قولهم قول هؤلاء الدهرية ~~المعطلة # وحينئذ فنخاطب الجميع خطابا يتناول الطوائف كلها ونقول إما أن تكون ~~الأفلاك واجبة الوجود بذاتها وإما أن لا تكون PageV04P049 # فإن قيل إنها واجبة بذاتها مع أن الحوادث تقوم بها بطل قولكم إن الواجب ~~أو القديم لا تقوم به الحوادث # وإن قلتم إنها معلولة مفعولة لغيرها فالموجب لها إن كان علة تامة لم ~~يتأخر عنه شيء من معلوله فلا تصدر عنه الحركات والحوادث فتفتقر الحوادث ~~المشاهدة إلى واجب آخر والقول فيه كالقول فيه وإن لم يكن علة تامة فلا بد ~~لما يتأخر حدوثه أن يكون موقوفا على شرط حادث والقول فيه كالقول في الذى ~~قبله فيلزم التسلسل وإذا لزم لزم دوام الحوادث المتسلسلة ويمتنع صدورها عن ~~علة تامة أزلية لا يقوم ms0731 بها حادث فإن ذلك يقتضى مقارنة جميع معلولها لها ~~لوجوب مقارنة جميع معلول العلة التامة لها وامتناع أن يصير علة لشيء ما بعد ~~أن لم يكن علة بدون سبب منها وإذا جاز أن تقوم به الحوادث المتعاقبة فيلزم ~~قيام الحوادث المتعلقة بالقديم على كل تقدير فبطلت هذه الحجة # وأيضا فقدماؤهم يقولون إن الأول يحرك الأفلاك حركة شوقية مثل حركة ~~المحبوب لمحبه ولم يذكروا ان الأفلاك مبدعة [ له ] ولا معلولة لعلة فاعلة # وحينئذ فلا بد أن يقال هى واجبة بنفسها وهى مفتقرة فى حركتها إلى المحرك ~~المنفصل عنها فلا يمكن من قال هذا أن يقول إن الواجب PageV04P050 ~~بنفسه لا يقوم به حادث بسبب مباين له كما لا يمكنه أن ينفى شيئين واجبين ~~بأنفسهما كل منهما متوقف على الآخر # إذ حقيقة قول هؤلاء أن الفلك والعلة الأولى كل منهما محتاج إلى الآخر ~~حاجة المشروط إلى شرطه لا حاجة المصنوع إلى مبدعه # الوجه الخامس أن يقال غاية ما ذكرتموه فى الحوادث منقوص بالمتجددات ~~كالأضافات والعدميات فإنهم سلموا حدوثها وهذه الحجة تتناول هذا كما تتناول ~~هذا فما كان جوابكم عن هذا كان جواب منازعيكم عن هذا # فإنه يقال تلك الأمور الإضافية والعدمية إذا تجددت فلا بد لها من سبب ~~متجدد والسبب إما الذات وإما خارج عنها فإن كان الأول لزم دوام الإضافات ~~والعدميات وإن كان الثانى لزم الدور أو التسلسل وإن كان الثالث فالأمر ~~الخارجى الذى أوجب تجدد تلك الإضافات والأعدام يجب أن يكون واجب الوجود # وأما الأسولة التى ذكر أبو الحسن الآمدى أنهم أوردوها على هذه الحجة فهى ~~ضعيفة كما ذكر ضعفها ويمكن الجواب عنها بغير ما ذكر أيضا # أما قول القائل القاصد إلى الحدوث فى محل يستدعى كون المحل فى جهة فإن ~~أراد به ما يقصد حدوثه فى محل مباين له فالكرامية PageV04P051 ~~تقول بموجب ذلك وليس هذا النزاع هنا ثم القائل لهذا إما أن يجوز كون الأمور ~~المباينة للرب فى جهة منه أو لا يجوز ذلك # فإن جوزه قال بموجبه مع بقاء ms0732 محل النزاع وإن لم يجوزه كان ذلك دليلا على ~~فساد قوله فى مسألة الجهة وحينئذ فيكون ذلك أقوى لقول الكرامية ومن وافقهم # وإن أراد أن ما يقصد حدوثه في محل هو ذاته يوجب أن تكون ذاته في جهة من ذاته # فيقال له هل يعقل كون الشيء في جهة من نفسه أم لا فإن عقل ذلك قالوا ~~بموجب التلازم وإن لم يعقل ذلك منعوا التلازم # يبين ذلك أن الانسان يحدث حوادث في نفسه بقصده وإراداته وهذا السؤال يرد ~~عليها فإن عقل كون نفسه في جهة من نفسه أمكن للمنازعين أن يقولوا بموجب ذلك ~~في كل شيء وإلا فلا # وأيضا فيقال قصد الشيء إما أن يستلزم كونه بجهة من المقاصد وإما أن لا ~~يستلزم ذلك فإن استلزم ذلك لزم كون جميع الأجسام بجهة من الرب فإنه إذا ~~أحدث فيها الأعراض الحادثة كان قاصدا لها على ما ذكروه فيلزم ان يكون بجهة ~~منه على هذا التقدير وحينئذ فيكون هو أيضا بجهة منها لامتناع كون أحد ~~الشيئين بجهة من الآخر من غير عكس كما ذكروه وإذا كان كذلك لزم أن يكون ~~البارى في جهة PageV04P052 # وإذا كان كذلك بطلت حجتهم لأن غايتها أن قصده للحوادث في ذاته يستلزم كون ~~ذاته في جهة وهذا محال فإذا كان على هذا التقدير لزم أن تكون ذاته في جهة ~~بطل نفى هذا اللازم # وإما أن يقال قصد الشيء لا يستلزم كونه بجهة من المقاصد وحينئذ فبطلت هذه ~~الحجة فثبت بطلانها على التقديرين # وإيضاح فسادها أنها مبنية على مقدمتين وصحة إحداهما تستلزم بطلان الأخرى ~~وبطلانها يتضمن إحدى المقدمتين فثبت بطلان إحداهما على كل تقدير وإذا بطلت ~~إحدى المقدمتين بطلت الحجة فإن إحدى المقدمتين أن القاصد لا يقصد إلا ما هو ~~في جهة والثانية أن كون البارى في الجهة محال فإن كانت المقدمة الأولى ~~صحيحة لزم أن يكون في الجهة لأنه يقصد حدوث حوادث قطعا فبطلت الثانية وإن ~~كانت الأولى باطلة بطلت الحجة أيضا لبطلان إحدى مقدمتيها # وكما أن فساد هذه ms0733 الحجة ظاهر على أصول أهل الملل وغيرهم ممن يقول بحدوث ~~العالم فبطلانها على رأى الفلاسفة الدهرية أظهر فإن هؤلاء لا ينكرون حدوث ~~الحوادث فإن قالوا إنها حادثة عن علة أزلية موجبة بنفسها كما يقوله ابن ~~سينا وأمثاله فهؤلاء يقولون بأن الحوادث تحدث عنه بوسائط PageV04P053 # وحينئذ فيقال إما أن ذلك يستلزم كونها منه في جهة أو لا يستلزم وتبطل ~~الحجة على التقديرين كما تقدم # وإن قالوا بل العالم واجب الوجود بنفسه فقد قالوا بحدوث الحوادث عن ~~القديم الواجب بنفسه وقيامها به فإن الحوادث قائمة بذات الأفلاك وحينئذ فكل ~~ما يحتج به على نقيض ذلك فهو باطل فإن صحة أحد النقيضين تستلزم بطلان الآخر ~~وبطلان اللازم يقتضي بطلان الملزوم والدليل مستلزم للمدلول والمدلول لازم ~~للدليل فإذا بطل اللازم الذى هو المدلول كانت أدلته المستلزمة له كلها باطلة # وهذا الجواب خير من جواب الآمدى بقوله القصد إلى ما هو في جهة ممن ليس في ~~الجهة محال فإن جميع نفاة الجهة من أهل الكلام يقولون إن الرب تعالى يقصد ~~إلى ما هو في جهة من المخلوقات والقصد منه وليس هو في جهة عندهم # بل يقال جوابا قاطعا القصد في الجهة ممن ليس في الجهة إن كان ممكنا بطلت ~~المقدمة الأولى من الاعتراض وإن كان ممتنعا بطلت المقدمة الثانية PageV04P054 # وأما الاعتراض الثاني وهو قولهم لجاز قيام كل حادث به فظاهر الفساد فإنا ~~إذا جوزنا قيام صفة به لم يلزم قيام كل صفة به فإذا جوزنا أن تقوم به صفات ~~الكمال كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام لم يلزم أن تقوم صفات ~~النقص به كالجهل المركب والمرض والسنة والنوم وغير ذلك من النقائص الوجودية ~~وإذا جوزنا أن يقوم به كلام لم نجوز قيام كل كلام به وإذا جاز قيام إرادة ~~به لم يجز قيام إرادة كل شيء به وإنما يقوم به ما يليق بجلاله وما يناسب ~~كبرياءه إذ هو موصوف بصفات الكمال ولا يوصف بنقائضها بحال # وذلك لأن كونه سبحانه قابلا لأن تقوم به الصفات أوالحوادث ms0734 لم يكن لمجرد ~~كون ذلك صفة أوحادثا فيلزم طرد ذلك في كل صفة وحادث كما أنه إذا قيل تقوم ~~به أمور وجودية لم يلزم ان يقوم به كل موجود لأن قيام الصفات الوجوديه به ~~لم يكن لمجرد كونها موجودة حتى يقوم به كل موجود وهذا كما إذا قلنا إن رب ~~العالمين قائم بنفسه وهو موجود وهو ذات متصفة بالصفات ان يكون رب العالمين # والناس متنازعون في صفاته هل تسمى أعراضا أولا تسمى مع تنازعهم في ثبوتها ~~ونفيها ففي مثبتة الصفات ونفاتها من يسميها أعراضا PageV04P055 # فإذا قيل لو جاز أن يقوم به عرض للزم أن يقوم به كل عرض لكان هذا أيضا ~~باطلا فإن ذلك لم يكن لكونه عرضا فيلزم قيام كل عرض به # والمسلمون متفقون على أن الله خالق كل موجود سواه فلو قيل لو جاز أن يخلق ~~موجودا للزم أن يخلق كل موجود فيلزم أن يكون خالقا لنفسه وهو محال أو لو ~~قيل لو جاز أن يخلق عالما قادرا حيا للزم أن يخلق كل حى عالم قادر وهو حى ~~عالم قادر فيلزم أن يكون خالقا لنفسه وهو محال لكان هذا كلاما باطلا # وأصل هذا أن السالب النافى لما نفى نفيا عاما أن يقوم بالله صفة أو أن ~~يقوم به ما يريده ويقدر عليه لكونه حادثا فنفى نفيا عاما أن يقوم به حادث ~~ونحو ذلك قابله المثبت فناقض هذا الخبر العام وهذه القضية السالبة الكلية ~~وكذبها يحصل بإثبات خاص وهو القضية الجزئية الموجبة فيجوز قيام صفة ما من ~~الصفات وحادث ما من الحوادث وذلك الجائز لم يجز قيامه للمعنى المشترك بينه ~~وبين سائر الصفات والحوادث وإنما قام لمعنى يختص به وبأمثاله لا يشاركه فيه ~~جميع الصفات والحوادث # لكن المشترك كما أنه ليس هو المقتضى له للقيام بالذات فليس هو مانعا فكون ~~القائم به صفة أو حادثا ليس أمرا موجبا للقيام به حتى يقوم كل صفة وحادث ~~ولا مانعا من القيام به حتى يمنع كل صفة وحادث PageV04P056 # فمن نفى نفيا عاما ms0735 لأجل ذلك فهو معارض بمن أثبت إثباتا عاما لأجل ذلك ~~وكلاهما باطل بل هو المستحق لصفات الكمال العارية عن النقص وهو على كل شىء ~~قدير ولم يزل قادرا على أن يتكلم ويفعل بمشيئه واختياره سبحانه وتعالى # وإذا قال القائل هذا يقتضى قيام الصفات أو الحوادث به # قيل هذا المعنى عديم التأثير لا موجب للامتناع ولا للجواز # والمثبتون يقولون كونه قادرا على الفعل والكلام بنفسه صفة كمال وكونه لا ~~يقدر على ذلك صفة نقص فإن القدرة على الفعل والكلام مما يعلم بصريح العقل ~~أنه صفة كمال وأن من يقدر أن يخلق ويتكلم أكمل ممن لا يقدر أن يخلق ويتكلم ~~فإنه يكون بمنزلة الزمن ويقولون بالطريق التى تثبت له صفات الكمال يثبت هذا ~~فإن الفاعل بنفسه الذى يقدر بنفسه على الفعل من حيث هو كذلك أكمل ممن لا ~~يمكنه ذلك كما قد بسط كلامهم فى غير هذا الموضع # وأيضا فإن أراد المريد بقوله تقوم به الحوادث كلها أنه قادر على أن يمسك ~~العالم كله فى قبضته كما جاءت به الأخبار الإلهية فهم يجوزون ذلك بل هذا ~~عندهم من أعظم أنواع الكمال كما قال تعالى { وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } [ سورة الزمر 67 ] PageV04P057 # وقد ثبت فى الصحاح عن النبى صلى الله عليه وسلم من حديث أبى هريرة وابن ~~عمر وابن مسعود وابن عباس ما يوافق مضمون هذه الآية وأن الله تعالى يقبض ~~العالم العلوى والسفلى ويمسكه ويهزه ويقول أنا الملك أين ملوك الأرض # وفى بعض الآثار ويدحوها كما يدحو أحدكم الكرة # وقال ابن عباس ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن فى يد ~~الرحمن إلا كخردلة فى يد أحدكم # فإن اراد مريد بقوله إن الحوادث كلها تقوم بذاته المعنى الذى دلت عليه ~~النصوص فهو حق وهو من أعظم الأدلة على عظمة الله وعظم قدره وقدرته وعلى ~~فعله القائم بنفسه وفى مخلوقاته # وإن أراد بذلك أنه يتصف بكل حادث فهذا يستلزم أن يتصف بالنقائص ms0736 الوجودية ~~مثل أن يتصف بالجهل المركب الحادث ونحو PageV04P058 ~~ذلك وهذا ممتنع لكونه نقصا لا لكونه حادثا فالموت والسنة والنوم والعجز ~~واللغوب والجهل وغير ذلك من النقائص هو منزه عنها ومقدس أزلا وأبدا فلا ~~يجوز ان تقوم به لا قديمة ولا حادثة لكونها نقائص تناقض ما وجب له من ~~الكمال اللازم لذاته # وإذا كان أحد النقيضين لازما للذات لزم انتفاء النقيض الآخر فكل ما تنزه ~~الرب عنه من الحوادث والصفات فهو منزه عنه لما أوجب ذلك لا للقدر المشترك ~~بينه وبين ما قام به من الكمالات # وأما السؤال الثالث وهو قوله أنه لا حاجة إلى ذلك فيقال ليس كل ما لا ~~تعلم الحاجة إليه يجزم بنفيه فإن الله أخبر أنه كتب مقادير الخلائق قبل ~~خلقهم ولا يعلم إلى ذلك حاجة وكذلك قد خلق آدم بيده عند أهل الإثبات مع ~~قدرته على أن يخلقه كما خلق غيره # وأيضا فإن عدم الحاجة إلى الشىء أوجبت نفيه فينبغى أن تنفى جميع ~~المخلوقات فإن الله لا يحتاج إلى شىء # وأما ما يقوم بذاته فما كان الخلق محتاجا إليه وجب إثباته وما لم يكن ~~الخلق محتاجا إليه كان قد انتفى هذا الدليل المعين الدال على إثباته وعدم ~~الدليل مطلقا لا يستلزم عدم المدلول عليه فى نفس الأمر وإن استلزم عدم علم ~~المستدل به فضلا عن عدم الدليل المعين # وأيضا فإن الرب تعالى يمكن أن يكون له من صفات الكمال ما لا يعلمه العباد ~~ولا يمكنهم نفيه لانتفاء الحاجة إليه PageV04P059 # ولكن هذا السؤال يمكن تحريره على وجه آخر وهو أن يقال الكرامية إنما ~~أثبتوا ما أثبتوه لاحتياج الخلق إليه والقدرة والمشيئة الأزلية كافية فى ~~حدوث المخلوقات المنفصلة كما هى كافية فى حدوث ما قام بالذات فيكون دليلهم ~~على ذلك باطلا # وهذا الكلام إنما يفيد إن أفاد إبطال هذا الدليل المعين ولا يبطل دليلا ~~آخر ولا يبطل ثبوت المدلول فلا يجوز أن ينفى قيام الحوادث بذاته لعدم ما ~~يثبت ذلك بل الواجب فيما لا يعرف دليل ثبوته وانتفائه ms0737 الوقف فيه # ثم هم قد يقولون صدور المفعولات المنفصلة من غير سبب حادث يقوم بالفاعل ~~أمر ممتنع كصدور المفعولات بدون قدرة وإرادة للفاعل # ويقولون أيضا قد علم أن الله خالق للعالم والخلق ليس هو المخلوق إذ هذا ~~مصدر وهذا مفعول به والمصدر ليس هو المفعول به فلا بد من إثبات خلق قائم به ~~ومن إثبات مخلوق منفصل عنه # وهذا قول جمهور الناس وهو أشهر القولين عند أصحاب الأئمة الأربعة [ أصحاب ~~] أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد وهو قول جمهور الناس أهل الحديث والصوفية ~~وكثير من أهل الكلام أو أكثرهم وكثير من أساطين الفلاسفة أو أكثرهم PageV04P060 # لكن النزاع بينهم فى الخلق المغاير للمخلوق هل هو قديم قائم بذاته أو هو ~~منفصل عنه أو هو حادث قائم بذاته وإذا كان حادثا فهل الحادث نوعه أو أن ~~الحوادث هى الأعيان الحادثة ونوع الحوادث قديم لتكون صفات الكمال قديمة لله ~~لم يزل ولا يزال متصفا بصفات الكمال # هذه الأقوال الأربعة قد قال كل قول طائفة ويقولون أيضا إن قيام هذه ~~الأمور بذاته من صفات الكمال وذلك أنا قد علمنا أن الله متكلم لا يكون ~~متكلما إلا بكلام قائم بذاته وأنه مريد ولا يكون مريدا إلا بإرادة قائمة ~~بذاته إذ ما قام بغيره من الكلام والإرادة لا يكون كلاما له ولا إرادة إذ ~~الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره ويقولون قد أخبر ~~الله أنه ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) وأن تدل على أن ~~الفعل مستقبل فوجب أن يكون القول والإرادة حادثين بالسمع # وبالجملة عامة ما يذكر فى هذا الباب يعود إلى نوع تناقض من الكرامية وهو ~~عمدة منازعيهم ليس معهم ما يعتمدون عليه إلا تناقضهم وتناقض أحد المتنازعين ~~لا يستلزم صحة قول الآخر لجواز أن يكون الحق فى قول ثالث لا قول هذا ولا ~~قول هذا لا سيما إذا عرف أن هناك قولا ثالثا وذلك القول يتضمن زوال الشبه ~~القادحة فى كل من القولين الضعيفين ms0738 PageV04P061 # قال الآمدى الحجة الثالثة انه لو كان قابلا لحلول الحوادث بذاته لكان ~~قابلا لها فى الأزل والإ كانت القابلية عارضة لذاته واستدعت قابلية أخرى ~~وهو تسلسل ممتنع وكون الشىء قابلا للشىء فرع إمكان وجود المقبول فيستدعى ~~تحقق كل واحد منهما ويلزم من ذلك إمكان حدوث الحوادث فى الأزل وحدوث الحادث ~~فى الأزل ممتنع للتناقض بين كون الشىء أزليا وبين كونه حادثا # قال الآمدى ولقائل أن يقول لا نسلم أنه لو كان قابلا لحلول الحوادث بذاته ~~لكان قابلا لها فى الأزل فإنه لا يلزم من القبول للحادث فيما لا يزال مع ~~إمكانية القبول له أزلا مع كونه غير ممكن أزلا والقول بأنه يلزم منه ~~التسلسل يلزم عليه الإيجاد PageV04P062 ~~بالقدرة للمقدور وكون الرب خالقا للحوادث فإنه نسبة متجددة بعد أن لم يكن ~~فما هو الجواب ههنا به يكون الجواب ثم [ وإن ] سلمنا أنه يلزم من القبول ~~فيما لا يزال القبول أزلا فلا نسلم أن ذلك يوجب إمكان وجود المقبول أزلا ~~ولهذا على أصلنا البارى موصوف في الأزل بكونه قادرا على خلق العالم ولا ~~يلزم [ منه ] إمكان وجود العالم أزلا # قلت قد ذكر في إفساد هذه الحجة وجهين هما منع لكلتا مقدمتيها فإن مبناها ~~على مقدمتين إحداهما أنه لو كان قابلا لكان القبول أزليا # والثانية أنه يمكن وجود المقبول مع القبول # فيقال في الأولى لا نسلم أنه إذا كان قابلا للحوادث في الأبد يلزم قبولها ~~في الأزل لأن وجودها فيما لا يزال ممكن ووجودها فى الأزل ممتنع فلا يلزم من ~~قبول الممكن قبول الممتنع وهذا كما يقال إذا أمكن حدوث الحوادث فيما لا ~~يزال أمكن حدوثها فى الأزل # وقد احتجوا على ذلك بأنه يجب أن يكون القبول من لوازم الذات إذ لو كان من ~~عوارضها لكان للقبول قبول آخر ولزم التسلسل PageV04P063 # فأجاب عن هذه الحجة بالمعارضة بالإيجاد والإحداث فإنه عند من يمنع تسلسل ~~الآثار من عوارض الذات لا من لوازمها فالقول فى قبولها كالقول فى فعلة لها ~~إذ التسلسل فى القابل كالتسلسل فى ms0739 الفاعل # وهذا الجواب من جنس جوابه عن الحجة الأولى وهو جواب صحيح على أصل من وافق ~~الكرامية من المعتزلة والأشعرية والسالمية وغيرهم وهؤلاء أخذوا هذا الأصل ~~عن الجهمية والقدرية من المعتزلة ونحوهم # وأما المقدمة الثانية فيقال لا نسلم أنه يلزم من ثبوت القبول فى الأزل ~~إمكان وجود المقبول فى الأزل بدليل أن القدرة ثابتة فى الأزل ولا يمكن وجود ~~المقدور فى الأزل عند هذه الطوائف # وهذا الجواب أيضا جواب لمن وافقه على ذلك والنكته فى الجوابين أن ما ~~ذكروه فى المقبول ينتقض عليهم بالمقدور فإن المقبول من الحوادث هو نوع من ~~المقدورات لكن فارق غيره فى المحل فهذا مقدور فى الذات وهذا مقدور منفصل عن ~~الذات فإن قدرته قائمة بذاته ومقدور القدرة هو فعله القائم بذاته وإن كانت ~~المخلوقات أيضا مقدورة عندهم فهذا المنفصل عندهم PageV04P064 ~~مقدور وفعله القائم بذاته مقدور وقدرته قائمة بمحل هذا المقدور المتصل دون ~~المنفصل # والناس لهم فى وجود المقدور بمحل القدرة وخارجا عنها أقوال منهم من يقول ~~القدرة القديمة والمحدثة توجد فى محل المقدور كأئمة [ أهل ] الحديث ~~والكرامية وغيرهم # ومنهم من يقول القدرتان توجدان فى غير محل المقدور كالجهمية والمعتزلة وغيرهم # ومنهم من يقول المحدثة لا تكون إلا فى محل المقدور والقديمة لا تكون تكون ~~فى محل المقدور وهم الكلابية ومن وافقهم # ومتنازعون أيضا هل يمكن أن تكون القدرتان أو إحداهما متعلقة بالمقدور فى ~~محلها وخارجة عن محلها جميعا # والمقصود هنا أن ما عارضهم به معارضة صحيحة ولكن كثير من الناس من أهل ~~الحديث والكلام والفلسفة وغيرهم يقولون فى المقدور ما يقولون فى المقبول ~~ويقولون بجواز حوادث لا تتناهى ومنهم من يخص ذلك بالمقدورات PageV04P065 # فيقال لهؤلاء حينئذ فيجوز حوادث لا تتناهى فى المقبولات والمقدورات كما ~~فى المقدورات المنفصلة لا فرق بينهما # والجواب القاطع المركب أن يقال إما أن يكون وجود حوادث لا تتناهى ممكنا ~~وإما أن يكون ممتنعا فإن كان الأول كان وجود نوع الحوداث فى الأزل ممكنا ~~وحينئذ فلا يكون اللازم منتفيا فتبطل المقدمة الثانية ms0740 # وإن كان ممتنعا لم يجز أن يقال إنه قابل لها فى الأزل قبولا يستلزم إمكان ~~وجود المقبول وحينئذ فلا يلزم وجودها فى الأزل فتبطل المقدمة الأولى # فتبين أنه لا بد من بطلان إحدى المقدمتين وأيهما بطلت بطلت الحجة فهذا ~~جواب ليس بإلزامي بل هو علمى يبطل الحجة قطعا # وهنا طريقة ثالثة فى الجواب على قول من قال إنه لم يزل متكلما إذا شاء ~~وإن الحركة من لوازم الحياة من أهل السنة والحديث وغيرهم فإن هؤلاء يقولون ~~إنه قابل لها فى الأزل وإنها موجودة فى الأزل # وما ذكره من الحجة يستلزم صحة قول هؤلاء فى المقدور والمقبول فإنهم ~~يقولون هو قادر عليها فيما لا يزال وهى ممكنة فيما لا يزال فوجب أنه لم يزل ~~قادرا وأنها ممكنة فإن هذه القدرة والإمكان PageV04P066 ~~إما أن تكون قديمة وإما أن تكون حادثة فإن كانت قديمة حصل المطلوب وإن كانت ~~حادثة فلا بد لها من سبب حادث وذلك يستلزم التسلسل والتسلسل يتضمن دوام ~~القدرة وإمكان الفعل فثبت أنه لم يزل قادرا على الفعل والفعل ممكن له وهو ~~المطلوب # وإيضاح ذلك أنه إذا كان قادرا على الفعل وجب أن يكون قادرا عليه فى الأزل ~~وإلا كانت القادرية عارضة لذاته واستدعت القادرية قادرية أخرى وذلك يقتضى ~~التسلسل فإن كان التسلسل باطلا لزم دوام نوع القادرية لأنه يمتنع أن تكون ~~عارضة إذ كانت العارضة تستلزم التسلسل الباطل على هذا التقدير وما استلزم ~~الباطل فهو باطل وإذا امتنع كونها عارضة ثبت كونها لازمة لأنه متصف بها ~~قطعا وإن كان ممكنا لزم إمكان دوام قادريات لا تتناهى لأنه يتصف بها ويمتنع ~~تجددها له إذ كانت قدرته من لوازم ذاته لامتناع أن يكون غير القادر يجعل ~~نفسه قادرا بعد أن لم يكن وذلك يقتضى دوام نوع القادرية فلا بد فى الأزل من ~~ثبوت القادرية على التقديرين وهو المطلوب # وإذا كان كذلك فالقدرة على الشىء فرع إمكان المقدور إذ القادرية نسبة بين ~~القادر والمقدور فتستدعى تحقق كل منهما وإلا فما لا يكون ms0741 ممكنا لا يكون ~~مقدورا فلا تكون القادرية عليه ثابتة فى PageV04P067 ~~الأزل فدل على أنه يلزم من ثبوت القدرة في الأزل إمكان وجود المقدور في الأزل # وحينئذ فذلك يدل على إمكان الفعل في الأزل فلا يكون هنا ما يمنع وجود ~~المقدور المقبول في الأزل فصار ما ذكروه حجة على النفى هو حجة على الإثبات ~~لكن هذا حجة لإمكان وجود المقبول في الأزل ويمكن أن يحتجوا على وجود ~~المقبول في الأزل بأن يقولوا لو لم يقم بذاته ما هو مقدور مراد له دائما ~~للزم أن لا يحدث شيئا لكنه قد أحدث الحوادث فثبت دوام فاعليته وقابليته لما ~~يقوم بذاته من مقدورات ومرادات # وبيان التلازم أن الحادث بعد أن لم يكن إن حدث بغير سبب لزم ترجيح الممكن ~~بلا مرجح وتخصيص أحد المثلين من الوقتين وغيرهما بلا مخصص وهذا ممتنع # وإن حدث بالسبب فالقول في ذلك السبب كالقول في غيره فيلزم تسلسل الحوادث # ثم تلك الحوادث الدائمة إما أن تحدث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها وهو ~~ممتنع لأن العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها ولا شىء منه وإما أن تحدث عن ~~غير علة تامة وما ليس بعلة تامة ففعله للحادث موقوف على الشرط الذى به يتم ~~فاعليته لذلك الحادث PageV04P068 # وذلك الشرط إما منه وإما من غيره فإن كان من غيره لزم أن يكون رب ~~العالمين محتاجا في أفعاله إلى غيره وإن كان منه لزم أن يكون دائما فاعلا ~~للحوادث # وتلك الحوادث إما أن تحدث بغي أحوال تقوم به وإما أنه لا بد من أحوال ~~تقوم به والثاني يستلزم أنه لم يزل قادرا قابلا فاعلا تقوم به الأفعال ~~والأول باطل لأنه إذا كان في نفسه أزلا وأبدا على حال واحدة لم يقم به حال ~~من الأحوال أصلا كانت نسبة الأزمان والكائنات إليه واحدة فلم يكن تخصيص أحد ~~الزمانين بحوادث تخالف الحوادث في الزمان الآخر أولى من العكس # وتخصيص الأزمنة بالحوادث المختلفة أمر مشهود ولأن الفاعل الذى يحدث ما ~~يحدثه من غير فعل يقوم بنفسه ms0742 غير معقول بل ذلك يقتضى أن الفعل هو المفعول ~~والخلق هو المخلوق وأن مسمى المصدر هو مسمى المفعول به وأن التأثير هو الأثر # ونحن نعلم بالاضطرار أن التأثير أمر وجودي وإذا كان دائما لزم قيامه ~~بذاته دائما وأن تكون ذاته دائما موصوفة بالتأثير والتأثير صفة كمال فهو لم ~~يزل متصفا بالكمال قابلا للكمال مستوجبا للكمال وهذا اعظم في إجلاله ~~وإكرامه سبحانه وتعالى # وبهذه الطريق وأمثالها يتبين أن الحجة العقلية التي يحتج بها PageV04P069 ~~أهل الضلال فإنه يحتج بها على نقيض مطلوبهم كما أن الحجج السمعية التي ~~يحتجون بها حالها كذلك # وذلك مثل احتجاجهم على قدر الأفلاك بأنه إذا كان مؤثرا في العالم فإما أن ~~يكون التأثير وجوديا أو عدميا والثاني معلوم الفساد بالضرورة # لكن هذا قول كثير من المعتزلة والأشعرية وهو قول من يقول الخلق هو ~~المخلوق وإن كان وجوديا فإن كان حادثا لزم التسلسل ولزم كونه محلا للحوادث ~~فيجب أن لا يكون قديما وإن كان قديما لزم قدم مقتضاة فيلزم قدم الأثر # فيقال أولا هذا يقتضى أن لا يكون شىء من آثاره محدثا وهذا خلاف المشاهدة # وموجب هذه الحجة أن الأثر يقترن بالمؤثر التام التأثير وإذا كان كذلك ~~فكلما حدث من الحوادث شىء كان التأثير التام له منتفيا في الأزل وكذلك أيضا ~~كلما تجدد شىءمن المتجددات وحينئذ فيلزم أنه لم يكن في الأزل تأثير يستلزم ~~آثاره وهذا نقيض قولهم # وحينئذ فيلزم حدوث التأثير وتسلسله وإذا كان التأثير وجوديا PageV04P070 ~~وجب أن يكون قائما بالمؤثر وهذا يقتضى دوام ما يقوم بذاته من أحواله وشئونه ~~التي هى [ من ] آثار قدرته ومشيئه # وهذه الحجج الثلاث المذكورة مبناها على جواز التسلسل في الآثار والكرامية ~~لا تقول بذلك لكن يقول به غيرهم من المسلمين وأهل الملل وغير أهل الملل # والكرامية تجيب من يوافقها على التسلسل بما تقدم من المعارضات أو ~~الممانعات # قال الآمدي الحجة الرابعة أنه لو قامت الحوادث بذاته لكان متغيرا ~~والتغيرعلى الله محال ولهذا قال الخليل عليه السلام { لا أحب الآفلين } [ ~~سورة الأنعام 76 ms0743 ] أى المتغيرين # قال ولقائل أن يقول إن أردتم بالتغير حلول الحوادث بذاته فقد اتحد اللازم ~~والملزوم وصار حاصل المقدمة الشرطية لو قامت الحوادث بذاته لقامت الحوادث ~~بذاته وهو غير مفيد ويكون القول بأن التغير على الله بهذا الاعتبار محال ~~دعوى محل PageV04P071 ~~النزاع فلا يقبل وإن أردتم بالتغير معنى آخر وراء قيام الحوادث بذات الله ~~تعالى فهو غير مسلم ولا سبيل إلى إقامة الدلالة عليه # قلت لفظ التغير في كلام الناس المعروف هو يتضمن استحالة الشىء كالإنسان ~~إذا مرض يقال غيره المرض ويقال في الشمس إذا اصفرت تغيرت والأطعمة إذا ~~استحالت يقال لها تغيرت قال تعالى { فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من ~~لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين } [ سورة محمد 15 ] فتغير ~~الطعم استحالته من الحلاوة إلى الحموضة ونحو ذلك # ومنه قول الفقهاء إذا وقعت النجاسة في الماء الكثير لم ينجس إلا أن يتغير ~~طعمه أو لونه أو ريحه وقولهم إذا نجس الماء بالتغير زال بزوال التغير ولا ~~يقولون إن الماء إذا جرى مع بقاء صفائه أنه تغير ولا يقال عند الإطلاق ~~للفاكهة والطعام إذا حول من مكان إلى مكان أنه تغير ولا يقال للإنسان إذا ~~مشى أو قام أو قعد قد تغير اللهم إلا مع قرينه ولا يقولون للشمس والكواكب ~~إذا كانت PageV04P072 ~~ذاهبة من المشرق إلى المغرب إنها متغيرة بل يقولون إذا إصفر لون الشمس إنها ~~تغيرت ويقال وقت العصر ما لم يتغير لون الشمس [ ويقولون تغير الهواء إذا ~~برد بعد السخونة ولا يكادون يسمون مجرد هبوبة تغيرا وإن سمى بذلك فهم ~~يفرقون بين هذا وهذا ] ويقال قد أمر أهل الذمة بلباس الغيار أي اللباس الذى ~~يخالف [ لونه ] لون لباس المسلمين وتقول العرب تغايرت الأشياء إذا اختلفت ~~والغيار البدال # قال الشاعر % فلا تحسبنى لكم كافرا % ولا تحسبنى أريد الغيارا ### | AUTO ويقولون % نزل القوم يغيرون أى يصلحون الرحال # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بأبى قحافة ورأسه ولحيته ~~كالثغامة فقال غيروا الشيب وجنبوه ms0744 السواد أى غيروا لونه ألى لون آخر أحمر ~~أو أصفر وتقول العرب غيرت الشىء فتغير غيرا PageV04P073 # ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره أى ~~قرب تغيره من الجدب إلى الخصب # وغار الرجل على أهله يغار إذا حصل له غضب أحال صفته من حال إلى حال # وقال النبى صلى الله عليه وسلم من رأى منكرا فلغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان # وقال إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه PageV04P074 # وتغيير المنكر تبديل صفته حتى يزول المنكر بحسب الإمكان وإن لم يكن إلا ~~بتغير الإنسان في نفسه غضبا لله # ولهذا لم يطلق على الصفة الملازمة للموصوف أنها مغايرة له لأنه لا يمكن ~~أن يستحيل عنها ولا يزايل # والغير والتغير من مادة واحدة فإذا تغير الشيء صار الثاني غير ما كان فما ~~لم يزل على صفة واحدة لم يتغير ولا تكون صفاته مغايرة له # والناس إذا قيل لهم التغير على الله ممتنع فهموا من ذلك الإستحالة ~~والفساد مثل إنقلاب صفات الكمال إلى صفات نقص أو تفرق الذات ونحو ذلك مما ~~يجب تنزيه الله عنه # وأما كونه سبحانه يتصرف بقدرته فيخلق ويستوى ويفعل ما يشاء بنفسه ويتكلم ~~إذا شاء ونحو هذا فهذا لا يسمونه تغيرا # ولكن حجج النفاة مبناها على ألفاظ مجملة موهمة كما قال الإمام أحمد ~~يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم حتى ~~يتوهم الجاهل انهم يعظمون الله وهم إنما يقودون قولهم إلى فرية على الله # ومن أعجب الأشياء احتجاجهم بقصة إبراهيم الخليل وهم مع افترائهم فيها على ~~التفسير واللغة إنما هي حجة عليهم لا لهم كما قال PageV04P075 ~~بعضهم في قوله { لا أحب الآفلين } [ سورة الأنعام 76 ] أى المتغيرين وربما ~~قال غيره المتحركين أو المنتقلين وقال بعض المتفلسفة المتأخرين الممكنين ~~وأراد بالممكن ما يتناول القديم الأزلى الذى يمتنع عدمه # وزعم بعضهم كالرازى في تفسيره أن هذا قول المحققين ms0745 وهؤلاء من أعظم الناس ~~تحريفا للفظ الافول ولفظ الإمكان فإنهم وسائر العقلاء يسلمون ان الممكن ~~الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا ما كان معدوما فأما القديم الأزلى ~~الذي لم يزل فيمتنع عندهم وعند سائر العقلاء أن يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم # ولكن ينتاقضون تناقضا بينا فقالوا الفلك ممكن يقبل الوجود والعدم وهو مع ~~ذلك قدم أزلى # ثم استعمال لفظ الأفول في الممكن الذى يقبل الوجود والعدم من أعظم الكذب ~~على اللغة والتفسير فإن المخلوقات الموجودة كالشمس والقمر والكواكب ~~والآدميين وغيرهم لا يسمون في حال حضورهم آفلين # وهؤلاء اجتراوا على ذلك لما جعلت الجهمية وأهل الكلام المحدث المتحرك ~~آفلا فجعلوا كل متحرك آفلا وزعموا أن إبراهيم عليه السلام احتج بالحركة على ~~امتناع كون المتحرك رب العالمين فلما قال هؤلاء هذا قال أولئك نحن نجعل كل ~~ما سوى الرب آفلا فجعلوا السموات والأرض وكل ما سواه آفلا وفسروا بذلك القرآن PageV04P076 # وهذا لا يعرف في لغة العرب أن الافول بمعنى التحرك والانتقال ولا بمعنى ~~التغير الذى هو استحالة من صفة إلى صفة دع ما هو من باب التصرف الذى لا ~~تستحيل فيه الصفات # وإبراهيم إنما قال { لا أحب الآفلين } [ سورة الأنعام 76 ] ردا لمن كان ~~يتخذ كوكبا يعبده من دون الله كما يفعله أهل دعوة الكواكب كما كان قومه ~~يفعلون ذلك لا ردا على من قال إن الكوكب هو رب العالمين فإن هذا لم يقله ~~احد لكن قومه كانوا مشركين ولو كان إبراهيم مقصوده نفى كون الكوكب رب ~~العالمين واحتج على ذلك بالأفول لكانت حجة عليهم لأنه لما رأى الكوكب ~~والقمر والشمس بازغة كانت متحركة من حين بزوغها إلى حين غروبها وهو في تلك ~~الحال لا ينفى عنها المحبة كما نفاها حين غابت # فعلم بذلك أن ما ذكر من التغير والحركة والانتقال لم يناف مقصود إبراهيم ~~عليه السلام وإنما نافاه التغيب والاحتجاب فإن كان مقصوده نفى كونه رب ~~العالمين كان ذلك حجة عليهم لا لهم وكانوا قد حكوا عن إبراهيم أنه لم ms0746 يجعل ~~التغير والحركة والانتقال مانعة من كون الموصوف بذلك رب العالمين فما ذكروه ~~لوصح كان حجة عليهم لا لهم PageV04P077 # وبكل حال فإبراهيم لم يجعل الحركة والانتقال مانعة من حب المتصف بذلك كما ~~جعل الأفول مانعا فعلم أن ذلك ليس من صفات النقص التى تنافى كون المتصف بها ~~معبودا عند إبراهيم ذ # قال الآمدى وأما المعتزلة فمنهم من قال المفهوم من قيام الصفة بالموصوف ~~حصولها فى الحيز تبعا لحصول محلها فيه والبارى ليس بمتحيز فلا تقوم بذاته ~~الصفة ومنهم من قال الجوهر إنما صح قيام الصفات به لكونه متحيزا ولهذا فإن ~~الأعراض لما لم تكن متحيزة لم يصح قيام المعانى بها والبارى ليس بمتحيز فلا ~~يكون محلا للصفات # قال وهذه الشبهة تدل على انتفاء الصفة عن الله تعالى مطلقا قديمة كانت أو ~~حادثة وهى ضعيفة جدا أما الشبهة الأولى فلقائل أن يقول لا نسلم أنه لا معنى ~~لقيام الصفة بالموصوف إلا ما ذكروه بل معنى قيام الصفة بالموصوف تقوم الصفة ~~بالموصوف فى الوجود وعلى هذا فلا يلزم أن يكون المعلول قائما PageV04P078 ~~بالعلة لكونه متقوما بها فى الوجوه إذ ليس المعلوم صفة ولا العلة موصوفة به # وأما الشبهة الثانية فلقائل أن يقول لا نسلم أن قيام الصفات بالجوهر ~~لكونه متحيزا بل أمكن أن يكون ذلك لمعنى مشترك بينه وبين البارى تعالى وإن ~~كان ذلك لكونه متحيزا فلا يلزم من انتقاء الدليل فى حق الله تعالى انتفاء ~~المدلول كما تقدم تحقيقه وقد أمكن أن يكون ذلك لمعنى اختص به البارى تعالى ~~ولا يمتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين فى صورتين # قلت أما الحجة الأولى فيقال قيام الصفة بالموصوف معروف يتصور بالبديهة ~~وهو أوضح مما حدوه به حيث قالوا إن ذلك هو حصول الصفة فى الحيز تبعا لحصول ~~محلها فيه فإن الناس يفهمون قيام اللون والطعم والريح بالموصوف بذلك وإن لم ~~يخطر بقلوبهم هذا الحصول # فإن ادعى مدع أن كل موصوف متحيز وأن قيام الصفة بدون المتحيز ممتنع PageV04P079 # فيقال من الناس من ينازعك فى هذا ms0747 ومنهم من يوافقك عليه والموافقون لك ~~منهم من يقول كل قائم بنفسه متحيز ولا أعلم قائما بنفسه إلا المتحيز ومنهم ~~من يقول بل أعلم قائما بنفسه غير المتحيز فقولك لا يصح إلا إذا ثبت لك أن ~~كل موصوف متحيز وثبت لك وجود موجود ليس بمتحيز حتى يستلزم ثبوت موجود ليس بموصوف # وجمهور الخلق ينكرون هذه الدعوى بل يقولون إثبات موجود لا يوصف بشىء من ~~الصفات بل هو ذات مجردة كإثبات وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص وهذا كله ~~ممتنع لمن تصوره بضرورة العقل ويقولون هذا إنما يعقل تصوره فى الأذهان لا ~~فى الأعيان والذهن يقدر فيه الممتنعات كالجمع بين الضدين والنقيضين # والجواب المركب أن يقال ما تعنى بقولك متحيزا أتعنى به ما كان له حيز ~~موجود يحيط به أم تعنى به ما يقدر المقدر له حيزا عدمياأو ما كان منحازا عن غيره # فإن عنيت الأول كان باطلا متناقضا فإن الأجسام إن كانت متناهية لم تكن فى ~~حيز وجودى فإنها إذا كانت متناهية لو كانت فى حيز وجودى لزم أن يكون الجسم ~~فى جسم آخر إلى ما لا يتناهى ولزم وجود أبعاد لا تتناهى وإن كانت غير ~~متناهية امتنع كون ما لا يتناهى فى حيز وجودي لأن ذلك الحيز هو أيضا داخل ~~فيما لا يتناهى PageV04P080 # فهذا جواب برهانى والجواب الإلزامى أن قولك كل موصوف يحيط به حيز وجودى ~~يستلزم وجود أجسام لاتتناهى وهذا باطل عندك فإن العالم متحيز موصوف وليس فى ~~حيز وجودى # وإن قلت أعنى به أمرا عدميا # قيل لك العدم لاشىء وما جعل فى لاشىء لم يجعل فى شىء # فكأنك قلت المتحيز ليس فى غيره وحينئذ فلا نسلم لك امتناع كون الرب ~~متحيزا بهذا الاعتبار # وكذلك إن فسرته بالمنحاز المباين لغيره كان نفى اللازم ممتنعا # فإن قلت قد قام الدليل على حدوث ما كان كذلك لأن ما كان كذلك لم يخل من ~~الحوادث والأعراض أو كان مختصا بقدر أو صفة أو تميز منه شىء عن شىء وهذا ~~تركيب عاد ms0748 الكلام إلى هذه المواد الثلاثة وقد علم أنها مادة الكلام الباطل # وقد بين فساد ذلك بوجوه وحينئذ فلا يمكنك نفى شىء من موارد النزاع إلا ~~بنفى ذلك فيعود الكلام إلى نفى ذلك # وأما الحجة الثانية فقول القائل إن الجوهر إنما صح قيام الصفة له لكونه متحيزا PageV04P081 # فيقال أولا لا نسلم أن قيام الصفة بمحلها يحتاج إلى علة أعم من المحل بل ~~كل صفة لازمة لمحلها وهى محتاجة إلى ذلك المحل المعين لمعنى يخص ذلك المعين ~~لا يعلل كونها فيه بأعم منه لأنه العلة إذا كانت أعم من المعلول كانت منتقضة # وإن قيل نحن نعلل جنس قيام الصفات بجنس التحيز # قيل وجنس قيام الصفات لا يحتاج إلى غير محل يقوم به وإن لم يخطر بالقلب ~~كونه متحيزا # وإن قيل إن التحيز لازم للمحل الذى تقوم به الصفات # قيل وقيام الموصوف بنفسه لازم أيضا وغير ذلك # ثم الكلام فى التحيز على ما تقدم وبالجملة فهذا كلام فى جنس الصفات لا فى ~~خصوص الحوادث ولا ريب أن نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة ~~كلامهم فى الموضعين [ واحد ] وفساد أصولهم مبين فى غير هذا الموضع # قال الآمدى والمعتمد فى المسألة حجتان تقريرية وإلزامية PageV04P082 ~~أما التقريرية فهو أن يقال لو جاز قيام الصفات الحادثة بذات الرب تعالى ~~فإما أن يوجب نقصا فى ذاته أو صفة من صفاته أو لا يوجب شيئا من ذلك فإن كان ~~الأول فهو محال باتفاق العقلاء وأهل الملل وإن كان الثانى فإما أن تكون فى ~~نفسها صفة كمال أولاصفة كمال لا جائز أن يقال بالأول وإلا كان الرب تعالى ~~ناقصا قبل اتصافه بها وهو محال أيضا بالاتفاق ولا جائز أن يقال بالثانى ~~لوجهين اتفاق الأمة وأهل الملل قبل الكرامية على امتناع اتصاف الرب بغير ~~صفات الكمال ونعوت الجلال والثانى أن وجود كل شىء أشرف من عدمه فوجود الصفة ~~فى نفسها أشرف من عدمها فإذا كان اتصاف الرب بها لا يوجب نقصا في ذاته ولا فى صفة PageV04P083 ~~من صفاته على ما وقع ms0749 به الفرض فاتصافه إذا بما هو فى نفسه كمال لا عدم كمال ~~ولو كان كذلك لكان ناقصا قبل اتصافه بها وهو محال كما سبق # قلت فهذا عمدته وهو من أفضل هؤلاء المتأخرين وهى من أضعف الحجج كما قد ~~بسط فى غيرهذا الموضع # وبيان ذلك من وجوه أحدها أن عمدته فى ذلك على مقدمة زعم أنها إجماعية فلا ~~تكون المسألة عقلية ولا ثابتة بنص بل بالإجماع المدعى ومثل هذا الإجماع ~~عنده من الأدلة الظنية فكيف يصلح أن يثبت بها مثل هذا الأصل # وإذا كانت هذه المسألة مبينة على مقدمة إجماعية لم يمكن العلم بها قبل ~~العلم بالسمع لأن الأجماع دليل سمعى وهم بنوا عليها كون القرآن غير مخلوق # قالوا لأنه لو خلقه فى ذاته لكان محلا للحوادث وحينئذ فقبل العلم بهذا ~~الإجماع يمكن تقدير قيام كلام حادث بذاته وإرادات حادثة بذاته وغير ذلك فلا ~~يكون شىء من هذه المسائل من المسائل العقلية وإذا لم تكن من العقلية لم تكن ~~من العقليات التى يتوقف PageV04P084 ~~صحة السمع عليها بطريق الأولى وحينئذ فلا يجوز معارضة نصوص الكتاب والسنة ~~بها ويقال قد عارض الظواهر النقلية قواطع عقيلة فليس هنا عقلى لا قاطع ولا ~~غير قاطع بل غاية ما هنا دعوى المرعى للإجماع # وهؤلاء إذا احتج عليهم المحتج فى إثبات الاستواء والنزول والمجىء ~~والإتيان وغير ذلك بنصوص الكتاب والسنة ادعوا أن هذه المسائل لا يحتج فيها ~~بالسمع وأن الأدلة السمعية قد عارضها العقل # فإذا اعترفوا بأنه لم يعارضها إلا ما ادعوه من الدليل المبنى على مقدمة ~~زعموا أنها معلومة بالإجماع كان عليهم أن يسمعوا من الأدلة السمعية ما هو ~~أقوى من هذا ويذكروا من الإجماعات ماهو أبين من هذا الإجماع لاسيما والأدلة ~~السمعية المثبتة للصفات الخبرية ولقيام الحوادث به أضعاف أضعاف ما يدل على ~~كون الإجماع حجة من السمع وهى أقوى دلالة # فإذا كانت الأدلة السمعية المثبتة لهذه الصفات أقوى مما يدل على كون ~~الإجماع حجة امتنع أن تعارض هذه النصوص بنصوص الإجماع فضلا عن نفس ms0750 الإجماع ~~فضلا عما هو مبنى على مقدمه PageV04P085 ~~مبنية على الإجماع لو كان البناء حقا فكيف إذا كان باطلا # الوجه الثاني أن يقال هذا الإجماع لم ينقل بهذا اللفظ عن السلف والأئمة ~~لكن لعلمنا بعظمة الله فى قلوبهم نعلم أنهم كانوا ينزهونه عن النقائص ~~والعيوب # وهذا كلام مجمل فكل من رأى شيئا عيبا أو نقصا نزه الله عنه بلا ريب وإن ~~كان من هؤلاء الجهمية الاتحادية من يقول إنه موصوف بكل النقائص والعيوب كما ~~هو موصوف عنده بكل المدائح إذ لا موجود عنده إلا هو فله جميع النعوت ~~محمودها ومذمومها # وهذا القائل يدعى أن هذا غاية الكمال المطلق كما قال ابن عربى وغيره ~~العلى لذاته هو الذى يكون له الكمال المطلق الذى يتضمن جميع الأمور ~~الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عقلا وشرعا وعرفا أو مذمومة عقلا ~~وشرعا وعرفا وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة PageV04P086 # وجمهور العقلاء الذين يتصورون هذا القول يقولون هذا معلوم الفساد بالحس ~~والعقل كما هو كفر باتفاق أهل الملل # ومن المعلوم أن كل متنازعين فى هذا الباب فإن أحدهما يزعم أنه وصف الحق ~~تعالى بصفة نقص لكن منازعة لا يسلم له ذلك # فإذا قال أنت وافقتنى على تنزيهه عن النقص والعيب # قال له هذا الذى نازعتك فيه ليس هو عندى نقصا ولا عيبا فإى شىء تنفعك ~~موافقتى لك على لفظ أنازعك فى معناه # وإن قال بل اتفقنا على أن كل ما هو نقص فى نفس الأمر فالله منزه عنه وهذا ~~نقص فى نفس الأمر فيجب تنزيه الله عنه # قال له أنا وافقتك على أن كل ما هو نقص فى نفس الأمر فالله منزه عنه ولم ~~أوافقك على أن كل ما أثبت أنت أنه نقص بدليل تدعى صحته فإنه منزه عنه # وحاصلة أن الإجماع لم يقع بلفظ يعلم به دخول مورد النزاع فيه ولكن يعلم ~~أن كل ما اعتقده الرجل نقصا فإنه ينزه الله عنه وما تنازعا فى ثبوته يقول ~~المثبت أنا لم أوافقك على انتفاء هذا ولكن ms0751 أنت تقول هذا نقص فعليك أن تنفيه ~~كما نفيت ذلك النقص الآخر وأنا أقول ليس هذا بنقص وذلك الأمر الآخر الذى ~~نفيته نفيته PageV04P087 ~~لمعنى منتف فيما أثبته وأنا ما نفيت ذاك إلا لمعنى يختص به فإن كان ذلك ~~المأخذ صحيحا لم تجب التسوية وإن كان باطلا لزم خطىء فى نفى ذاك وحينئذ فإن ~~كانا مستويين لزم خطىء فى الفرق بينهما وليس خطىء فى إثبات ما أثبته بأولى ~~من خطىء فى نفى ما نفيته فإنما يفيدك هذا تناقضى إن صح التسوية لا يفيدك ~~صحة مذهبك وإن ثبت الفرق بطل قولك # فتبين أن هذا الإجماع هو من الإجماعات المركبة التى ترجع إلى حجة جدلية ~~ولو كانت صحيحة لم تفد إلا تناقض الخصم # الوجه الثالث أن يقال ما ذكرته من الحجة معارض بتجويزك على الله إحداث ~~الحوادث بعد أن لم تكن وهو كونه فاعلا فالفاعلية إما أن تكون صفة كمال وإما ~~أن لا تكون صفة كمال فإن كانت كمالا كان قد فاته الكمال قبل الفعل وإن لم ~~تكن كمالا لزم اتصافه بغير صفات الكمال وهذا محال لهذين الوجهين # وإذا قلت إن الفعل نسبة وإضافة # قيل لك وإضافة هذا الحادث إليه نسبة وإضافة ولا فرق بينهما إلا كون ~~أحدهما متصلا والآخر منفصلا PageV04P088 # ومعلوم أن الإجماع على تنزيه الله تعالى عن صفات النقص متناول لتنزيهه عن ~~كل نقص من صفاته الفعلية وغير الفعلية وأنت وجميع الطوائف تقسمون الصفات ~~إلى صفات ذاتية وصفات فعلية ومتفقون على تنزيهه عن النقص فى هذا وفى هذا # وأيضا فهذا منقوض بسائر ما جوزوه من تجدد الإضافات والسلوب فإن الرب منزه ~~عن الاتصاف بالنقائص فى الثبوت والسلب والإضافة فما كان جوابهم فى ~~المتجددات كان جوابا لمنازعيهم فى المحدثات # وهم يجيبون فى المتجددات بأنه لا يمكن ثبوتها فى الأزل # فيقال لهم وكذلك الحوادث المتعاقبة لا يمكن ثبوتها فى الأزل وهو وأمثاله ~~يجيبون الدهرية بمثل ذلك فى مسألة حدوث العالم # فإن من حججهم شبهة برقلس قالوا إن الجود صفة كمال وعدمه صفة نقص ms0752 فلو كان ~~العالم قديما لكان الرب تعالى فى الأزل جوادا ولو كان حادثا لما كان الرب ~~تعالى فى الأزل جوادا لعدم صدور العالم عنه وهو محال # ثم قال فى الجواب وأما الشبهة الرابعة فحاصل لفظ PageV04P089 ~~الجود فيها يرجع إلى صفة فعلية وهو كون الرب تعالى موجدا وفاعلا لا لغرض ~~يعود إليه من جلب نفع أو دفع ضر وعلى هذا فلا نسلم أن صفات الأفعال من ~~كمالاته تعالى وليس ذلك من الضروريات فلا بد له من دليل كيف وأنه لو كان ~~ذلك من الكمالات لقد كان كمال واجب الوجود متوقفا على وجود معلوله عنه ~~ومحال أن يستفيد الأشرف كماله من معلوله كما قرروه فى كونه موجودا بالإرادة ~~وإن سلمنا أنه كمال لكن إنما يكون عدمه فى الأزل نقصا بالإرادة وإن سلمنا ~~أنه كمال لكن إنما عدمه فى الأزل نقصا أن لو كان وجود العالم فى الأزل ~~ممكنا وهو غير مسلم وهو على نحو قولهم فى نفى النقص عنه بعدم إيجاده ~~للكائنات الفاسدات كالصور الجوهرية العنصرية والأنفس الإنسانية لتعذر ~~وجودها أزلا من غير توسط ولا يلزم من كون العالم غير ممكن الوجود أزلا أن ~~لا يكون ممكن الحدوث لما حققناه # فهذا الجواب الذى أجاب به فى هذا الموضع إذا أجابته به الكرامية كان ~~جوابهم له أحسن من جوابه لأولئك وأدنى أحواله PageV04P090 ~~أن يكون مثله فإنه قال صفة الإحداث والفعل مطلقا ليست بصفة كمال مع كونه ~~اتصف بها بعد أن لم يكن # فيقال له لا فرق بينهما إلا من جهة أن أحدهما بنفسه [ والآخر ] مباين عنه ~~ومن المعلوم أن ما يتصرف بنفسه أكمل ممن لا يتصرف بنفسه # الوجه الرابع أن يقال قول القائل إما أن تكون فى نفسها صفة كمال أو لا ~~صفة كمال # قلنا ليست فى نفسها صفة كمال [ قوله ] فيلزم اتصاف الرب بما ليس من صفات ~~الكمال وذلك ممتنع # قلنا متى يكون الممتنع إذا كان ذلك مع غيره صفة كمال أو إذا لم يكن مع ~~غيره صفة كمال وذلك أن الشىء ms0753 وحده قد لا يكون صفة كمال لكن هو مع غيره صفة ~~كمال وما كان كهذا لم يجز اتصاف الرب به وحده لكن يجوز اتصافه به مع غيره ~~ولا يلزم من كونه ليس صفة كمال منع قيامه بالرب مطلقا PageV04P091 # وهذا كالإرادة للفعل الخالية عن القدرة على المراد ليست صفة كمال فإن من ~~أراد شيئا وهو عاجز عنه كان ناقصا ولكن إذا كان قادرا على ما أراد كانت ~~الإرادة مع القدرة صفة كمال # فلو قال قائل مجرد الإرادة هل هو كمال أم لا # فإن قيل هو كمال انتقص بإرادة العاجز المتمنى المتحسر # وإن قيل ليس بكمال لزم اتصافه بما ليس بكمال # قيل له الإرادة مع القدرة كمال # وكذلك قوله كن إما أن يكون صفة كمال أو لا فإن كان صفة كمال فينبغى أن ~~يكون كمالا للعبد ومعلوم أن العبد لو قال للمعدوم كن كان هاذيا لا كاملا ~~وإن لم يكن كمالا فلا يوصف به الرب # فيقال له كن من القادر على التكوين الذى إذا قال للشىء كن فيكون كمال ومن ~~غيره نقص وكذلك الغضب إما أن يكون صفة كمال أو لا فإن كان كمالا فيحمد كل ~~غضبان وإن كان نقصا فكيف اتصف الرب به # فيقال الغضب على من يستحق الغضب عليه من القادر على عقوبته صفة كمال وأما ~~غضب العاجز أو غضب الظالم فلا يقال إنه كمال ونظائر هذا كثيرة # وإذا كان كذلك فكونه قادرا على الأفعال المتعاقبة وفعله لها شيئا بعد شيء ~~صفة كمال وكل منها بشرط غيره كمال وأما الواحد منها PageV04P092 ~~مع عدم غيره فليس بكمال فإنه من المعلوم أنا إذا عرضنا على العقل الصريح ~~ذاتا لا تقدر أن تتصرف بنفسها وذاتا تتصرف دائما شيئا بعد شىء كانت هذه ~~الذات أكمل من تلك وكان الكمال قدم هذا النوع # وكذلك إذا قدرنا شيئا يتكلم إذا شاء بما شاء وهو لم يزل كذلك وآخر لا ~~يمكنه الكلام إلا بعض الأحيان أو حدث له الكلام بعد أن لم يكن كان الأول أكمل # ونكتة ms0754 الجواب أن الواحد منها إذا لم يكن وحده كمالا لا يلزم أن [ لا ] ~~يكون مع سائر النوع كمالا # لكن هذا الجواب إنما يناسب قول من يقول لم يزل متصفا بهذا النوع # والكرامية لا تقول بذلك بل تقول حدث له النوع بعد أن لم يكن لكن الكرامية ~~تقول قولنا فى هذا النوع كقول غيرنا فى الحوادث المنفصلة وهو أن دوام هذا ~~لما كان ممتنعا لامتناع الحوادث فى الأزل لم يلزم أن لا يكون متصفا بصفات ~~الكمال لأن عدم الممتنع ليس بنقص # وتحقيق هذا الجواب الخامس أن يقال قول القائل إذا كان هذا كمالا كان الرب ~~ناقصا قبل اتصافه به PageV04P093 # يقال له متى يكون ناقصا إذا كان وجوده قبل ذلك ممكنا أو لم يكن ممكنا ~~والأول ممتنع فإن عدم الممتنعات لا يكون نقصا والحوادث عندهم يستحيل وجودها ~~فى الأزل فلا يكون عدمها نقصا # الجواب السادس أن يقال متى يكون عدم الشىء نقصا إذا عدم فى الحال التى ~~يصلح ثبوته فيها أو إذا عدم فى حال لا يصلح ثبوته فيها الأول مسلم والثانى ممنوع # وهم يقولون كل حادث فإنما حدث فى الوقت الذى كانت الحكمة مقتضية له ~~وحينئذ فوجوده ذلك الوقت صفة كمال وقبل ذلك صفة نقص مثال ذلك تكليم الله ~~لموسى صفة كمال لما أتى وقبل أن يتمكن من سماع كلام الله فصفة نقص # السابع أن يقال الأمور التى لا يمكن وجودها إلا حادثة أو متعاقبة أيما ~~أكمل عدمها بالكلية أو وجودها على الوجه الممكن # ومعلوم أن وجودها على الوجه الممكن أكمل من عدمها وهكذا يقولون فى ~~الحوادث PageV04P094 # الوجه الثامن أن يقال قول القائل اتفاق الملل قبل الكرامية على امتناع ~~اتصاف الرب بغير صفات الكمال كلام مجمل # فإن أريد بذلك أن الناس ما زالوا يقولون إن الله موصوف بصفات الكمال منزه ~~عن النقائص فالكرامية تقول بذلك وإن أرادت أن الناس قبل الكرامية كانوا ~~يقولون إن الله لا يقوم به شىء من مقدوراته ومراداته فهذا غلط # فإن جمهور الخلائق على جواز ذلك قبل ms0755 الإسلام وبعد الإسلام فالتوراة ~~مملوءة من وصف الله بمثل ذلك وكذلك الإنجيل وسائر نبوات الأنبياء مثل ~~الزبور ونبوة أشعيا وأرميا وأساطين الفلاسفة كانوا يقولون بذلك والسلف من ~~الصحابة والتابعين وأهل الحديث متواتر عنهم ذلك # ثم هذا الرجل لما أوردت عليه الدهرية هذا فى صفة الخالقية قال صفة ~~الخالقية لا صفة نقص ولا صفة كمال # الوجه التاسع قوله إن وجود الشىء أشرف من عدمه # يقال له وجوده أشرف مطلقا أم فى الوقت الذى يمكن وجوده فيه ويصلح وجوده فيه # أما الأول فممنوع فإن وجود الجهل المركب ليس أشرف من PageV04P095 ~~عدمه ولا وجود تكذيب الرسول أشرف من عدمه ولا وجود الممتنع أشرف من عدمه # وإن أريد وجود الممكن الصالح # قيل فلا نسلم أن ما حدث كان يمكن حدوثه ويصلح حدوثه قبل وقت حدوثه وحينئذ ~~فلا يلزم من كونه وقت وجوده كمالا أن يكون قبل وجوده نقصا # ومدار الدليل على مقدمتين مغلطتين إحداهما أن ما وجد من الكمال كان عدمه ~~قبل ذلك نقصا وهذا فيه تفصيل كما تبين والثانى أن ما لا يكون وحده كمالا ~~يجب نفيه عن الرب مطلقا وهذا فيه تفصيل كما سبق فإنه يقال إن كان الحادث ~~كمالا فعدمه قبل ذلك نقص وإن لم يكن كمالا لم يتصف الرب بما ليس بكمال وكلا ~~المقدمتين فيها من التمويه والإجمال ما قد بين ويحتمل من البسط أكثر من هذا # قال الآمدى الحجة الثانية من جهة المناقضة للخصم والإلزام وذلك من ثمانية ~~أوجه الأول أن [ من ] مذهب الكرامية أنهم لا يجوزون إطلاق اسم متجدد على ~~الله تعالى فيما لا يزال كما بيناه من قبل فلو قامت بذاته صفات حادثة لاتصف ~~بها وتعدى إليه حكمها كالعلم فإنه إذا قام بمحل وجب اتصافه بكونه عالما PageV04P096 ~~وكذا فى سائر الصفات القائمة بمحالها وسواء كان المحل قديما أو حادثا وسواء ~~كانت الصفة قديمة أو حادثة إذ لا فرق بين القديم والحادث من حيث انه محل ~~قامت به صفة إلا فيما يرجع إلى أمر خارج فلا أثر له ms0756 وإذا ثبت ذلك فيلزم [ ~~أن يقال إنه قائل بقول ومريد بإرادة ويلزم من ذلك تجدد اسم لم يكن له قبل ~~قيام الصفة الحادثة به وهو مناقض لمذهبهم # قلت ولقائل أن يقول هذا أمر اصطلاحى لفظى ليس بحثا عقليا فإن كونهم لا ~~يسمونه إلا بما هو لازم لذاته دون ما يعرض لها أمر اصطلحوا عليه ولا يرد ~~عليهم العلم والقدرة ونحوهما فإنه من لوازم ذاته ولعلهم يدعون فى ذلك ~~توقيفا كما يدعى غيرهم فى كثير مما لا يطلقه من الأسماء # وأيضا فيقال هذا إما أن يكون لازما لهم وإما ان لا يكون لازما فإن لم يكن ~~لازما بطل النقص به وإن كان لازما أمكن التزامه وليس فيه إلا تجدد أسماء له ~~مما تجدد من أفعاله # والمنازع يقول بمثل ذلك فى جميع الأفعال فإنه تجدد استحقاقه لأسمائها عند ~~تجدد الأفعال كالخالق والرازق ونحو ذلك # وحينئذ فيمكن إذا كان صوابا أن يجمع بين الصوابين فيقال بتجدد الحادث ~~وتجدد الاسم أيضا PageV04P097 # وأيضا فيقال الكرامية قالوا هذا لكونه عندهم متصفا فى الأزل بصفات الكمال ~~وكون أسمائه كلها الأسماء الحسنى التى تتضمن مدحا له وثناء عليه وكون ذلك ~~الحادث لا يمكن أن يكون أزليا فلا يكون مما يوجب اسما # وحينئذ فيقال إما أن يمكن دوام نوع ذلك الحادث وإما أن لا يمكن فإن أمكن ~~كانوا قد أخطأوا فى نفى دوامه وإن لم يمكن فإما أن يكون تجدد اسم له ممكنا ~~أو لا يكون فإن كان ممكنا أخطأوا فى نفى ذلك الاسم وإن لم يكن ممكنا كانوا ~~مصيبين فبتقدير خطئهم على بعض التقديرات لا يلزم صواب قول منازعيهم # قال الآمدى الوجه الثانى أن الكرامية موافقون على أن القول والإرادة لا ~~يقومان إلا بحى كالسمع والبصر وقد وافقوا على أن الحى إذا خلا عن السمع ~~والبصر لايخلو عن ضده وعند ذلك فإما أن يقولوا بأن الله يخلو عن القول ~~الحادث والإرادة الحادثة وعن ضده فلا يجدون إلى الفرق بينه وبين السمع ~~والبصر سبيلا PageV04P098 ~~وإن قالوا بأنه لا يخلو ms0757 الرب عن القول والإرادة وعن ضده فلا يخلو ذلك الضد ~~إما أن يكون قديما أو حادثا فإن كان الأول فيلزم من ذلك عدم الموجود القديم ~~ضرورة حدوث ضده وهو محال بالاتفاق وبالدليل على ما سيأتى وإن كان الثانى ~~فالكلام فى ذلك الضد كالكلام فى الأول ويلزم من ذلك تعاقب الحوادث على الرب ~~تعالى على وجه لا يتصور خلوه عن واحد منها والحوادث المتعاقبة لابد وأن ~~تكون متناهية على ما سبق فى إثبات واجب الوجود وما لا يخلو عن الحوادث فهو ~~حادث ضرورة # فيقال ولقائل أن يقول نظير الحادث والإرادة الحادثة عندهم التسمع الحادث ~~والتبصر الحادث فإنهم يقولون إنه عند وجود المسموعات والمرئيات تجدد ما ~~يسمونه التسمع والتبصر فهذا الحادث نظير ذلك الحادث وعندهم أنه يخلو من ~~وجود مثل هذا وضده العام بخلاف نفس السمع والبصر فإن ذاك عندهم بمنزلة ~~القائلية والمريدية وعندهم أنه لا يخلو عن القائلية PageV04P099 ~~والمريدية وضدها العام كما لا يخلو عن نفس السمع والبصر وضده العام # فإن قيل منهم من يفرق بين القول والإرادة وبين التسمع والتبصر # فيقال قد قيل إن هذا ليس هو المشهور عنهم وسواء كان هو المشهور أو لم يكن ~~فإنه يقال إن كانت صورة الإلزام كصورة الوفاق لزم خطأ من فرق بين الصورتين ~~منهم وإن كان بينهما فرق مؤثر فى الحكم لزم خطأ المسوى منهم وعلى التقديرين ~~لا يلزم صواب المنازع لهما # وأيضا فإنه يقول إما أن يكون تعاقب الحوادث ممكنا وإما أن يكون ممتنعا ~~فإن كان ممكنا كانوا أخطأوا فى قولهم يخلو عن القول والإرادة وعن ضدهما إذ ~~يمكن تعاقب ذلك عليه دائما وإن كان ممتنعا كان هذا الامتناع هو الفرق بين ~~ذلك وبين السمع والبصر فإنه يمكن اتصافه فى الأزل بالسمع والبصر دون اتصافه ~~بالحادث من القول والإرادة # لكن على هذا لا يلزم تناقضهم فى أن القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده ~~فإنهم يقولون ليس هو قابلا فى الأزل للاتصاف بالحوادث # لكن يقال لهم هذا فرع إمكان اتصافه بالحوادث فلم ms0758 قلتم إن ذلك ممكن PageV04P100 # فيقولون وهذا الإلزام والمعارضة فرع امتناع اتصافه بالحوادث فلم قلتم إن ~~ذلك ممتنع # فعلم أن مثل هذا الإلزام لا ينقطع به لا هم ولاخصومهم المسلمون لهم ~~امتناع تسلسل الحوادث # وأما من يقول أنه يمكن تسلسل الحوادث فإنه يبين خطأهم فى هذا التفريق ~~ويقول إذا كان الحى لا يخلو عما يقبله وعن ضده والرب تعالى قابل للاتصاف ~~بالقول والإرادة لزم أن لا يخلو عن ذلك وعن ضده لكن ضده صفة نقص كضد السمع ~~والبصر فيلزم أنه ما زال متصفا بالقول والإرادة والاتصاف بنوع ذلك ممكن # ولهم جواب ثالث عما ذكره من الإلزام وهو أن يقال نحن قلنا الحى القابل ~~لهذا لا يخلو عنه وعن ضده العام الذى يدخل فيه عدم هذه الصفات لم نقل إنه ~~لا يخلو عنه وعن ضد وجودى فإن هذا ليس قولنا فإن القابل للشىء ولضده ~~الوجودى قد يخلو عنهما عندنا # ولكن الأشعرية يقولون إن القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده الوجودى وإذا ~~كان كذلك فضد القول والإرادة عدم ذلك فلا يقال القول فى ضد ذلك كالقول فيه ~~ويلزم تسلسل الحوادث لأن ضد ذلك عدم والعدم لا يفتقر إلى فاعل عندنا PageV04P101 ~~ولا يضر عدم الشىء فى الأزل ووجوده فيما لا يزال كالأفعال المحدثة # وهذا جواب محقق لهم لكنه لا يتم إلا بأن يكون عدم القول والإرادة فى ~~الأزل ليس صفة نقص # وقولهم فى ذلك كقول المعتزلة وهم خير من المعتزلة من وجهين # من جهة أنهم يجعلون القول والإرادة قائمة بذاته وهذا بحث آخر لا يختص ~~بهذه المسألة # ومن جهة أنهم يثبتون مشيئة أزلية وقابلية أزلية # وأيضا فما ادعاه من أنه أثبت أن الحوادث لا بد وأن تكون متناهية ليس كما ~~ذكر وقد عرف الكلام فيما ذكر هو وغيره وضعف ذلك # قال أبو الحسن الآمدى الوجه الثالث يعنى فى بيان تناقضهم أن [ من ] ~~مذهبهم أن القول الحادث والإرادة الحادثة عرض كاللون والطعم والرائحة وأنه ~~يجوز فى الشاهد تعرى PageV04P102 ~~الجواهر عن الأقوال والإرادات والطعوم والروائح ms0759 والإلوان مع جواز اتصافها ~~بها وقد أحالوا قيام الألوان والطعوم والروائح بذات الله تعالى وجوزوا ذلك ~~في القول والإرادة ولو قيل لهم لم قضيتم بجواز قيام الطعوم والألوان ~~والروائح بذات الله تعالى من غير أن يلزم استحالة التعرى عنها كما فى القول ~~الحادث والإرادة الحادثة لم يجدوا إلى الفرق سبيلا # فيقال ولقائل أن يقول جوابهم فى هذا كجواب الأشعرية والسالمية إذا قيل ~~لهم لم وصفتم الرب بالقول والإرادة ولم تصفوه بالطعم واللون والريح # فإذا قالوا لأن القول والإرادة من الصفات المشروطة بالحياة وهى صفة كمال ~~بخلاف الطعم واللون والريح أو غير هذا من الفرق قالت الكرامية نظير ذلك ~~فالفرق بين هذا وهذا ليس من خصائص مسألة حلول الحوادث فإن نفى ذلك عند من ~~ينفيه واجب سواء قال بحلول الحوادث أو لم يقل وإنما يفترقان فى أن هذا يجوز ~~حدوث ذلك بخلاف الآخر فحاصله أنهم لم ينفوا الطعم واللون والريح لكونه لو ~~قبلها لم يخل منها فإن هذا الأصل عندهم PageV04P103 ~~فاسد بل نفوها لما فارقت به صفات الحى # وأيضا فيقال الفرق الذى فرقوا به بين اللون والريح وبين القول والإرادة ~~إما أن يكون مؤثرا وإما أن لا يكون فإن كان مؤثرا بطل الإلزام وإن لم يكن ~~مؤثرا لزم خطؤهم فى إحدى الصورتين لا بعينها فلم لا يجوز أن يكون الخطأ ~~فيما نفوه لا فيما أثبتوه فلا يدل على صحة قول المنازع لهم فيما أثبتوه فإن ~~أقام المنازع لهم دليلا عقليا أو سمعيا على نفى اللون والريح دون القول ~~والإرادة كان ذلك فرقا مؤثرا وإن أقام دليلا على نفى حلول الجميع كان ذلك ~~حجة كافية دون الإلزام # قال الآمدى الوجه الرابع هو أن من مذهبهم أن الرب متحيز وأنه مقابل للعرش ~~وأكبر منه وليس مقابلا لجوهر فرد من العرش وقد قالوا بأن العرض الواحد لا ~~يقوم بجوهرين والصفة الحادثة فى ذات الله تعالى وهى القول أو PageV04P104 ~~الإرادة كما هو مذهبهم يوجب قيامها مع اتحادها بجزئين فصاعدا وهو مناقض ~~لمذهبهم # قلت ولقائل أن ms0760 يقول قولهم إن العرض لا يقوم بجوهرين مع قولهم بقيام القول ~~والإرادة بالله تعالى أمر لا يختص بمسألة حلول الحوادث فإن العلم والقدرة ~~والمشيئة القديمة قائمة عندهم بذات الله تعالى فالقيام بذاته لا يفترق ~~الحال فيه بين أن يكون قديما أو حادثا من جهة كونه صفة واحدة قامت بجزأين ~~بل هذا بحث يتعلق بمسألة الصفات مطلقا ولها موضع آخر # وأيضافيقال إذا كان من مذهبهم أن الرب متحيز كما حكاه عنهم مع أن ابن ~~الهيصم وغيره منهم ينكر أن يكون متحيزا فما ذكر من حجة المعتزلة عليهم ~~غايتها إلزامهم إذا قامت به الصفات والحوادث أن يكون متحيزا فإذا كانوا ~~ملتزمين لذلك كان هذا طرد قولهم ويبقى البحث ليس هو فى هذه المسألة بل يبقى ~~الكلام مع المعتزلة يعود إلى مسألة التحيز # والكلام إذا عاد إلى أصل واحد كان الكلام فيه أخف مع PageV04P105 ~~أنهم يمكنهم أن يلزموا المعتزلة بقيام الحوادث به وإن لم يكن متحيزا إذ كان ~~لكل من المسألتين مأخذ يخصه وبينهما اتفاق وافتراق # وأيضا فإن ذكر قولهم فى العرش ههنا لا يظهر له وجه إلا أن يقال هم يقولون ~~بالتحيز والمتحيز مركب من الجواهر المنفردة والعرض الواحد لا يقوم بجوهرين ~~فلا تقوم به إرادة ولا قول # وهذا القول إن توجه كان سؤالا عليهم فى أصل إثبات الصفات لله سواء كانت ~~قديمة أو حادثة لا يختص هذا بمسألة حلول الحوادث # والكرامية لهم فى إثبات الجوهر الفرد قولان فمن نفى ذلك لم يلزمه هذا ~~الإلزام ومن أثبته كان جوابه عن هذا كجواب غيره من الصفاتية فى الصفات ~~القائمة بالملائكة والآدميين وغيرهم وكان لهم أيضا أجوبة أخرى كما قد بسط ~~الكلام على ذلك فى غير هذا الموضع # قال الآمدى الخامس هو أن من مذهبهم أن مستند المحدثات إنما هو القول ~~الحادث أو الإرادة الحادثة ومستند القول PageV04P106 ~~والإرادة القدرة القديمة والمشيئة الأزلية ولا فرق بين الحادث والمحدث من ~~جهة تجدده وهو إنما كان مفتقرا إلى المرجح من جهة تجدده وقد استويا فى ~~التجدد فلو ms0761 قيل لهم لم لا أكتفى بالقدرة القديمة والمشيئة الأزلية فى حدوث ~~المحدثات من غير توسط القول والإرادة كما اكتفى بها فى القول والإرادة لم ~~يجدوا إلى الفرق سبيلا # فيقال ولقائل أن يقول من الصفات ما يثبت بالسمع وقد يكونون أثبتوا ذلك ~~بالسمع كما أثبت أئمة الصفاتية من السلف والخلف كابن كلاب والأشعرى والقاضى ~~أبى بكر والقشيرى والبيهقى تكوين آدم باليدين بالسمع مع أن غيره لم يحتج ~~إلى ذلك كما أثبت أيضا الأشعرى وغيره التكوين بكن سمعا مع أن العقل يكتفى ~~بالقدرة # ونقل ذلك عن أهل السنة والحديث وقال عنهم إن الله لم يخلق شيئا إلا قال ~~له كن وذكر أنه بقولهم يقول # والقرآن قد أخبر أنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وأن تخلص الفعل ~~المضارع للاستقبال وكذلك إذا ظرف لما يستقبل من الزمان يتضمن معنى الشرط غالبا PageV04P107 # فلما رأوا السمع دل على أن المحدث يتعلق بقول وإرادة يكون المحدث عقبه مع ~~علمهم بأن قول الرب وإرادته لا يقوم إلا بذاته قالوا كذلك # وأيضا فجميع الطوائف فرقوا بين حادث وحادث وشرطوا فى هذا ما لم يشرطوه فى الآخر # فالفلاسفة يقولون كل حادث مشروط بما قبله من الحوادث ولا يسوون بين ~~الحوادث # والمعتزلة البصريون يقولون كل المحدثات لا تحدث إلا بإرادة ولا تقوم ~~الصفات إلا بمحل # وقالوا إن الإرادة حدثت بلا إرادة وقامت فى غير محل وكذلك الفناء عندهم # والأشعرية فرقوا بين خلق آدم وغيره # وأيضافلا يخلو إما أن يكون بين هذين الحادثين فرق مؤثر وإما أن لا يكون ~~فإن كان بينهما فرق مؤثر بطل الإلزام وإن لم يكن فرق مؤثر لزم خطؤهم فى أحد ~~القولين إما فى الاكتفاء فى الحدوث بالقدرة القديمة وإما فى إثبات شىء حادث ~~للمحدثات المنفصلة PageV04P108 # وحينئذ فقد يكونون إنما أخطأوا فى الاكتفاء بمجرد القدرة والإرادة ~~القديمة كما يقوله من يقول إن الحوادث لا بد لها من سبب حادث وحينئذ ~~فيلزمهم القول بدوام الحوادث كما هو قول من قاله من السلف وأهل الحديث ~~والكلام والفلسفة ms0762 # وفى الجملة هذا الإلزام إذا صح يلزم الخطأ فى أحد الموضعين لا يلزم صحة ~~قول المنازع # قال الآمدى الوجه السادس يخص القائلين بحدوث القول وذلك أنهم وافقوا على ~~أن القول مركب من حروف منتظمة والحروف متضادة فإنا كما نعلم استحالة الجمع ~~بين السواد والبياض نعلم استحالة الجمع بين الحروف وأنه يتعذر الجمع بين ~~الكاف والنون من قوله ( كن ) وقد وافقوا على استحالة تعرى البارى عن ~~الأقوال الحادثة فى ذاته بعد قيامها به وعند ذلك فإما أن يقال باجتماع حروف ~~القول فى ذات البارى تعالى أولا PageV04P109 ~~يقال باجتماعها فيه فإن قيل باجتماعها فإما أن يقال بتجزى ذات البارى تعالى ~~وقيام كل حرف بجزء منه وإما أن يقال بقيامها بذاته مع اتحاد الذات فإن كان ~~الأول فهو محال لوجهين الأول أنه يلزم منه التركيب فى ذات الله تعالى وقد ~~أبطلناه فى إبطال القول بالتجسيم الثانى أنه ليس اختصاص بعض الأجزاء ببعض ~~الحروف دون البعض أولى من العكس وإن كان الثانى فيلزم منه اجتماع المتضادات ~~فى شىء واحد وهو محال وإن لم نقل باجتماع حروف القول فى ذاته فيلزم منه ~~مناقضة أصلهم فى أن ما اتصف به الرب تعالى يستحيل عروه عنه بعد اتصافه به ~~والحرف السابق الذى عدم عند وجود اللاحق قد كان صفة للرب وقد زال بعد وجوده له # قلت ولقائل أن يقول هذا غايته أن يستلزم خطأهم فى قولهم إن ما يقوم به من ~~الحوادث لا يخلو منه PageV04P110 ~~ولا ريب أن أكثر الناس يخالفون فى هذا ولا يقولون بدوام الحادث المعين # فمن قال بإثبات الاستواء والنزول وغيرهما من الأفعال القائمة بذاته ~~المتعلقة بمشيئته وقدرته لا يقول إن ذلك يدوم # وكذلك أكثر القائلين بأن الله كلم موسى بنداء بصوت سمعه موسى والنداء ~~بالصوت قائم بذات الله تعالى لايقولون إن ذلك النداء بالصوت قائم بذات الله ~~تعالى لا يقولون إن ذلك النداء بعينه دائم أبدا ونظائره كثيرة # وإذا كان كذلك فيقال إما أن يكون بقاء الحادث الذى هو الحروف والأصوات ~~ممكنا أو ms0763 ممتنعا # فإن كان ممكنا صح قول الكرامية وإن كان ممتنعا صح قول من ينازعهم فى دوام ~~الحادث ويقول إنه لا يبقى مع اتفاق الجميع على قيام الحوادث به # وحينئذ فعلى التقديرين لا يلزم صحة قول المنازع النافى لقيام الحوادث به # وأيضا فيقال قول القائل إنه يستحيل الجمع بين الحروف هو من موارد النزاع ~~فذهب طوائف إلى إمكان اجتماعها من القائلين بقدم الحروف والقائلين بحدوثها # وهذا قول السالمية وغيرهم من القائلين باجتماعها مع قدمها وقول من قال ~~باجتماعها مع حدوثها كالكرامية PageV04P111 # وقدقال بالأول طوائف من أهل الحديث والفقه والكلام من أصحاب مالك ~~والشافعى وأحمد وغيرهم # وإذا كان هذا من موارد النزاع فإذا قال مثل هذا القائل نحن نعلم استحالة ~~اجتماع الحروف كما نعلم استحالة اجتماع الضدين كالسواد والبياض # قيل له فالذى تنصرهم أنت من الكلابية والأشعرية قالوا بأن المعانى التى ~~هى معانى الحروف المنظمة هى معنى واحد فى نفسه والأمر والنهى والخبر صفات ~~لموصوف واحد فالذى هو الأمر هو الخبر والذى هو الخبر هو النهى وقالوا إن ~~ذلك الواحد إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة ~~وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا # ولا ريب أن جمهور العقلاء من الأولين والآخرين القائلين بأن القرآن غير ~~مخلوق والقائلين بأنه مخلوق يقولون إن فساد هذا القول معلوم بالضرورة من ~~عدة أوجه # منها كون الأمر هو عين الخبر # ومنها كون الخبر عن الخالق بمثل آية الكرسى هو الخبر عن المخلوق بمثل تبت ~~يدا أبى لهب PageV04P112 # ومنها كون معانى التوراة إذا عربت تكون معانى القرآن إلى أمثال ذلك # ولهذا لم يقل هذا القول من طوائف المسلمين ولا غير المسلمين إلا ابن كلاب ~~ومن اتبعه # وهذا القول يتضمن أن تكون المعانى المتنوعة معنى واحدا ولو قال إن ~~المعانى التى للحروف يمكن اجتماعها فى زمن واحد كان أقرب إلى المعقول من ~~كونها معنى واحدا # ولو قال قائل إن الحروف المجتمعة هى حرف واحد فى الحقيقة وإنما الحروف ~~المتفرقة صفات للحرف لا أقسام له ms0764 كان هذا شبيها بقول من يقول إن تلك ~~المعانى المتنوعة معنى واحد # وذلك أنه من المعلوم بالاضطرار أن الحروف المنتظمة مطابقة لمعانيها ~~المدلول عليها بها تحدث بحدوثها فى نفس المتكلم # وإذا قال القائل إن الحروف متضادة يمتنع اجتماع اثنين [ منها ] فى محل ~~واحد أمكن أن يقال إن المعانى متضادة يمتنع اجتماع اثنين فى محل واحد # فإن غاية ما يقال إن محل المعانى واحد بخلاف محل الحروف PageV04P113 ~~فإنه متعدد لكن المحل واتحاده لا ينفى التضاد فإن المثلين متضادان وإن كانا ~~متماثلين فى الحقيقة والمحل فالباء والتاء تتضادان أعظم من تضاد الباء ~~والحاء إذ الحرفان اللذان يتعدد محلهما يمكن اجتماعهما بخلاف ما يتحد ~~محلهما والضدان إنما يمتنع اجتماعهما فى محل واحد لا فى محلين # فإذا قدر أن الحروف لا تكون إلا فى محل واحد كانت بمنزلة معانيها التى ~~تكون لا إلا فى محل واحد وإذا قدر أن لها محلين أمكن اجتماعها كما تجتمع ~~أصوات المتكلمين جميعا # لكن الواحد منا لا يقدر على ذلك لكونه حركة بعض آلاته مستلزما لحركة ~~الآخر وإلا فلو قدر أنا يمكننا تحريك الجميع كالذى ينفخ بيديه فى هذه نفاخة ~~وفى هذه نفاخة أمكن اجتماع الحروف واجتماع الأصوات فى زمن واحد مع تعدد ~~المحل وإنما الذى يظهر امتناعه اجتماع حرفين فى محل واحد فى زمن واحد # ولكن هذا قد يقال فيه إنه بمنزلة معانى الكلام فإن الواحد منا يجد من ~~نفسه أنه لا يمكنه جمع معانى الكلام فى زمن واحد فى قلبه # وإذا كان كذلك فمن قال باجتماع المعانى لزمه ما يلزم من قال PageV04P114 ~~باجتماع الحروف فكيف من قال إن المعانى تكون معنى واحدا والفضلاء من أصحاب ~~الأشعرى يعترفون بضعف لوازم هذا القول مع نصرهم لكثير من أقواله الضعيفة # حتى الآمدى لما تكلم فى مسألة الكلام قال فإن قيل وإذا ثبت أنه متصف بصفة ~~الكلام وأن كلامه قديم وأنه ليس بحرف ولا صوت فهو متحد لا كثرة فيه فى نفسه ~~بل التكثر إنما هو فى تعلقاته ومتعلقاته فإن قيل ms0765 عاقل ما لا يمارى نفسه فى ~~انقسام الكلام إلى أمر ونهى وغيره من أقسام الكلام وأن ما انقسم إليه حقائق ~~مختلفة وأمور متمايزة وأنها من أخص أوصاف الكلام لا أن الاختلاف عائد إلى ~~نفس العبارات والتعلقات والمتعلقات ولهذا فإنا لو قطعنا النظر عن العبارات ~~والتعلقات والمتعلقات ورفعناها وهما لم يخرج الكلام عن كونه منقسما وأيضا ~~فإن ما أخبر به عن القصص الماضية والأمور السالفة PageV04P115 ~~مختلفة متمايزة وكذلك المأمورات والمنهيات مختلفة أيضا فلا يتصور أن يكون ~~الخبر عما جرى لموسى هو نفس الخبر عما جرى لعيسى ولا الأمر بالصلاة هو نفس ~~الأمر بالزكاة وغيرها ولا أن ما تعلق بزيد هو نفس ما تعلق بعمرو ولا ما سمى ~~خبرا هو عين ما سمى أمرا إذا الأمر طلب والخبر لا طلب فيه بل هو حكم بنسبة ~~مفرد إيجابا أو سلبا فثبت أن الكلام أنواع مختلفة والكلام عام للكل فيكون ~~كالجنس لها # قلنا قد بينا فيما تقدم أن الكلام قضية واحدة ومعلوم واحد قائم بالنفس ~~وأن اختلاف العبارات عنه بسبب اختلاف التعلقات والمتعلقات وهذا النوع من ~~الاختلافات ليس راجعا إلى أخص صفة الكلام بل إلى أمر خارج عنه وعلى هذا ~~نقول إنه لو قطع النظر عن التعلقات والمتعلقات الخارجة فلا سبيل إلى توهم ~~اختلاف فى الكلام النفسانى أصلا ولا يلزم منه رفع الكلام فى نفسه وزوال حقيقته PageV04P116 # قال وعلى هذا فلا يخفى اندفاع ما استبعدوه من اتحاد الخبر واختلاف المخبر ~~واتحاد الأمر واختلاف المأمور وكذلك اختلاف الأمر والخبر مع اتحاد صفة الكلام # قال فإن قيل إذا قلتم بأن الكلام قضية واحدة وأن اختلاف العبارات عنها ~~بسبب المتعلقات الخارجة فلم لا جوزتم أن تكون الإرادة والقدرة والعلم وباقى ~~الصفات راجعة إلى معنى واحد ويكون اختلاف التعبيرات عنه بسبب المتعلقات لا ~~بسبب اختلافه فى ذاته وذلك بأن تسمى إرادة عند تعلقه بالتخصيص وقدرة عند ~~تعلقه بالإيجاد وهكذا سائر الصفات وإن جاز ذلك فلم لا يجوز أن يعود ذلك كله ~~إلى نفس الذات من غير احتياج إلى ms0766 الصفات # وقال أجاب الأصحاب عن ذلك بانه يمتنع أن يكون الاختلاف بين القدرة ~~والإرادة بسبب التعلقات والمتعلقات إذ PageV04P117 ~~القدرة معنى من شأنه تأتى الإيجاد به والإرادة معنى من شأنه تأتى تخصيص ~~الحادث بحال دون حال وعند اختلاف التأثيرات لابد من الاختلاف فى نفس المؤثر ~~وهذا بخلاف الكلام فإن تعلقاته بمتعلقاته لا توجب أثرا فضلا عن كونه مختلفا # قال وفيه نظر وذلك أنه وإن سلم امتناع صدور الآثار المختلفة عن المؤثر ~~الواحد مع إمكان النزاع فيه فهو موجب للاختلاف فى نفس القدرة وذلك لأن ~~القدرة مؤثرة فى الوجود والوجود عند أصحابنا نفس الذات لا أنه زائد عليها ~~وإلا كانت الذوات ثابتة فى العدم وذلك مما لا نقول به وإذا كان الوجود هو ~~نفس الذات فالذوات مختلفة فتأثير القدرة فى آثار مختلفة فيلزم أن تكون ~~مختلفة كما قرروه وليس كذلك وأيضا فإن ما ذكره من الفرق وإن استمر فى ~~القدرة والإرادة فغير PageV04P118 ~~مستمر فى باقى الصفات كالعلم والحياة والسمع والبصر لعدم كونها مؤثرة فى أثر ما # قال والحق أن ما أوردوه من الإشكال على القول باتحاد الكلام وعود ~~الاختلاف إلى التعلقات والمتعلقات مشكل وعسى أن يكون عند غيرى حله ولعسر ~~جوابه فر بعض أصحابنا إلى القول بان كلام الله القائم بذاته خمس صفات ~~مختلفة وهى الأمر والنهى والخبر والاستخبار والنداء # هذا كلامه فيقال قول القائل إن الكلام خمس صفات أو سبع أو تسع أو غير ذلك ~~من العدد لا يزيل ما تقدم من الأمور الموجبة تعدد الكلام # وقد رأيت أنه يلزم من قال باتحاد معنى الكلام اتحاد الصفات كلها ثم رفعها ~~بالكلية وجعلها نفس الذات وهذا يعود إلى قول القائلين بأن الوجود واحد ولا ~~يميزون بين الواحد بالعين والواحد بالنوع وذلك لأنه من جوز على الحقائق ~~المتنوعة أن تكون شيئا واحدا فلا فرق بين هذا وهذا وذلك من جنس من يقول إن ~~العالم هو العلم والعلم هو القدرة PageV04P119 ~~ولهذا كان منتهى هؤلاء النفاة إلى أن يجعلوا الوجود الذى هو نوع واحد واحدا ms0767 ~~بالعين فيجعلون وجود الخالق هو عين وجود المخلوقات ووجود زيد هو عين وجود ~~عمرو ووجود الجنة هو عين وجود النار ووجود الماء هو عين وجود النار # ومنشأ ضلال هؤلاء كلهم انهم يأخذون القدر المشترك بين الأعيان وهو الجنس ~~اللغوى فيجدونه واحدا فى الذهن فيظنون أن ذلك هو وحدة عينية ولا يميزون بين ~~الواحد بالجنس والواحد بالعين وأن الجنس العام المشترك لا وجود له فى ~~الخارج وإنما يوجد فى الأعيان المتميزة # ولهذا شبه بعض أهل زماننا الكلام فى أنه جنس واحد مع تعدد أنواعه بالنوع ~~الواحد وعلى قوله لا يبقى فى الخارج كلام أصلا ولو اهتدى لعلم أن هذا ~~الكلام ليس هذا الكلام كما أن هذه الحركة ليست هذه الحركة وأن اشتراك أنواع ~~الكلام فى الكلام كاشتراك أنواع الحركة فى الحركة بل اختلاف معانى الكلام ~~أعظم من اختلاف انواع الحركات من بعض الوجوه والكلام على هذا مبسوط فى غير ~~هذا الموضع # والمقصود هنا أن يقال من جوز أن تكون القدرة والإرادة PageV04P120 ~~والعلم حقيقة واحدة كما أن الطلب والخبر حقيقة واحدة فلماذا لا يجوز أن ~~تكون حقيقة الحروف المختلفة حقيقة واحدة وكذلك حقيقة الأصوات لست أعنى ~~واحدة بالنوع بل واحدة بالعين كما جعل الكلام واحدا بالعين وكما سوغ أن ~~تكون الصفات المتنوعة واحدة بالعين # والذين قالوا إن الكلام حروف وأصوات متقارنة قديمة لا يسبق بعضها بعضا ~~وهو مع ذلك واحد إنما قالوه تبعا لأولئك وجريا على قياس قولهم وهو لازم لهم ~~مع ظهور فساده وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم # ويلزم من قال ذلك أن يجعل الطعم واللون والريح شيئا واحدا # وإذا قيل هذا كالسواد والبياض # قيل له ويلزمك أن تجعل السواد والبياض شيئا واحدا كما جعلت العلم والقدرة ~~والحياة شيئا واحدا # فإذا قال نحن تكلمنا فيما يمكن اجتماعه من المعانى والسواد والبياض ~~متضادان # قيل الجواب من وجهين PageV04P121 # أحدهما أنه يلزمك هذا فى المعانى المختلفة التى يمكن اجتماعها كالطعم ~~واللون والريح فقل إنها شىء واحد كما أن العلم والإرادة والقدرة والطلب ~~والخبر ms0768 والأمر والنهي شيء واحد الثانى أن يقال تضاد الحروف كتضاد معانى ~~الكلام أو تضاد الحركات لا كتضاد السواد والبياض فإن المحل الواحد لا يتسع ~~لحركتين ولا لمعنيين فلا يتسع لحرفين وصوتين وفرق بين ما يتضادان لأنفسهما ~~وما يتضادان لضيق المحل # وإذا كان كذلك كان تضاد الحروف والحركات كتضاد معانى الكلام # فإن قلب الإنسان يعجز فى الساعة الواحدة عن جمع جميع معانى الكلام 2 ~~فإلحاق حروف الكلام بأسبابها وهى الحركات ومضموناتها ومدلولاتها وهى ~~المعانى أولى من إلحاقها بالمتضادات لنفسها كالسواد والبياض # وحينئذ فإذا جعلت معانى الكلام شيئا واحدا فاجعل حروف الكلام شيئا واحدا ~~وإلا فما الفرق # وقد يقال فى الفرق إن الحروف مقاطع الأصوات والأصوات تابعة لأسبابها وهى ~~الحركات والحركات إما متماثلة وإما مختلفة وكل من الحركات المختلفة ~~والمتماثلة متضادة لا يمكن اجتماع PageV04P122 ~~حركتين فى محل واحد فى زمن واحد فلا يجتمع صوتان فلا يجتمع حرفان # والحركات هى من الأكوان والأكوان كالألوان فكما لا يجتمع لونان مختلفان ~~فى محل واحد فى وقت واحد فلا يجتمع كونان [ مختلفان ] فى محل واحد فى وقت واحد # بخلاف معانى الكلام كالطلب الذى يتضمن الحب للمأمور به والبغض للمنهى عنه ~~والخبر الذى يتضمن العلم والاعتقاد للمخبر عنه فإنها وإن كانت حقائق متنوعة ~~لكن لا يمتنع اجتماعها فإن الأمر بالشىء لا يضاد النهى عن غيره ولا العلم ~~بثالث فلم تتضاد لأنفسها ولكن لعجز العبد عن جمعها # فالأمور ثلاثة أنواع ما امتنع اجتماعها لنفسها كالألوان المختلفة وما ~~أمكن اجتماعها وقد تجتمع كالعلم والإرادة والقدرة والطعم واللون والريح وما ~~يعجز بعض الأحياء عن جمعها كجمع الإرادات الكثيرة والاعتقادات الكثيرة فى ~~زمن واحد فهذه ليس بين حقائقها منافاة تمنع اجتماعها ولكن العبد يعجز عن ~~جمعها كما أنه لا يمتنع أن يعمل بلسانه عملا وبيده PageV04P123 ~~عملا وبرجله عملا وأن يسمع كلام هذا القارىء وهذا القارىء وهذا القارىء ~~فالجمع بين هذه الأمور قد يتعذر لعجز العبد لا لامتناع اجتماعها فى نفسه ~~فإن سمع هذا لا ينافى سمع هذا لذاته ولا هذه الحركة ms0769 تنافى هذه الحركة ~~لذاتها ولهذا يعقل اجتماع هذه بخلاف اجتماع الضدين # وكذلك رؤية المرئيات المختلفة لا تتضاد ولكن يتضاد تحريك الأجفان إلى ~~جهتين مختلفتين فنفس الحركات متضادة وأما ما يحصل عنها من إدراك فليس هو ~~نفسه متضادا # فإذا قدر إدراك لا يفتقر إلى حركة أو يحصل بحركة واحدة كمن ينظر إلى ~~السماء بتحديق واحد لم يكن إدراكه لهذه المدركات فى آن واحد متضادا فهل ~~يمكن أن يقال فى الصوت مثل ذلك وأنه يمكن حصول أصوات بلا حركات وحينئذ فلا ~~تتضاد تلك الأصوات المجتمعة فى محل واحد فى زمن واحد # فيه نزاع وجمهور العقلاء على امتناعه فإن كان هذا مما يمكن اجتماعه صار ~~كمعانى الكلام والصفات وإن لم يمكن اجتماعه صار كالمتضادات # وعلى هذا التقدير فمن قال بإمكان اجتماع هذه الأمور لم يكن فى قوله من ~~الاستبعاد أعظم من قول من يقول تكون تلك الحقائق المختلفة شيئا واحدا PageV04P124 ~~وليس اجتماع ما يظهر تضاده بأعظم من اتحاد ما يعلم اختلافه # وإذا قال القائل الأمور الإلهية لا تشبه بأحوال العباد بل العبد يختلف ~~علمه باختلاف المعلومات وإرادته باختلاف المرادات ويتعدد ذلك فيه والبارى ~~ليس كذلك # قيل فإذا جوزتم أن يكون ما يعلم تعدده واختلافه فى المخلوقين واحدا لا ~~تعدد فيه ولا تنوع فى حق الخالق أمكن منازعكم أن يقول كذلك فيقول ما يمتنع ~~اجتماعه فى حقنا لا يمتنع اجتماعه فى حقه لأنه واسع لا يقاس بالمخلوقين بل ~~اجتماع الأمور التى يظهر تضادها فينا أقرب من اتحاد الأمور التى نعلم ~~اختلافها فإن كون الشىء هو نفس ما يخالفه أمر في قلب الحقائق # وأما اجتماع الشىء وغيره فى حق الخالق مع امتناع اجتماعهما فى حق المخلوق ~~فيدل على أنه يمكن فى حقه ما لا يمكن فى حق الخلق وذلك يدل على عظمته وقدرته # وأيضا فقد يقول الكرامية وأمثالهم إن محل هذه الحروف والأصوات ليس هو ~~بعينه محل الأخرى والله واسع عظيم لا يحيط العباد به علما ولا تدركه ~~أبصارهم # وبالجملة فالناس متنازعون فى إمكان اجتماع ms0770 الحروف وإمكان PageV04P125 ~~قدمها والنزاع فى ذلك قديم ذكره الأشعرى فى المقالات وأصحاب أحمد متنازعون ~~فى ذلك وكذلك أصحاب مالك وأبى حنيفة والشافعى وغيرهم من الطوائف وكذلك أهل ~~الحديث والصوفية # وحينئذ فيقال إما أن يكون ذلك ممتنعا وإما أن يكون ممكنا # فإن كان ممتنعا لم يكن ظهور امتناعه أعظم من ظهور امتناع قول الكلابية ~~الذى يوجب قدم المعانى المتنوعة التى هى مدلول العبارات المنتظمة ويجعلها ~~مع ذلك معنى واحدا فإن الألفاظ قوالب المعانى ونحن كما لا نعقل الحروف إلا ~~متوالية متعاقبة فلا تعقل معانيها إلا كذلك وبتقدير أن نعقل اجتماع معانيها ~~فهى معان متنوعة ليست شيئا واحدا # ولهذا لما قالت الكلابية لهؤلاء الحروف متعاقبة والسين بعد الباء وذلك ~~يمنع قدمها # أجابوهم بثلاثة أجوبة كما ذكر ابن الزاغونى وقالوا هذا معارض بمعانى ~~الحروف فإنها متعاقبة عندنا وأنتم تقولون بقدمها # الثانى أن التعاقب والترتيب نوعان أحدهما ترتيب فى نفس الحقيقة والثانى ~~ترتيب فى وجودها فإذا كانت موجودة شيئا بعد شىء كان الثانى حادثا وأما ~~الترتيب الذاتى العقلى فهو بمنزلة كون PageV04P126 ~~الصفات تابعة للذات وكون الإرادة مشروطة بالعلم والعلم مشروطا بالحياة # وادعوا أن تقدم الحروف من هذا الباب وهذا الذى يقال له تقدم بالطبع وهو ~~تقدم الشرط على المشروط كتقدم الواحد على الإثنين وجزء المركب على جملته ~~ومثل هذا الترتيب لا يستلزم عدم الثاني عند وجود الأول # فقول هؤلاء إن كان باطلا فكون العلم هو الحياة والحياة هى الإرادة ومعنى ~~القرآن هو معنى التوراة ومعنى آية الكرسى وقل هو الله أحد هو معنى آية ~~الدين وتبت يدا أبى لهب هو باطل أيضا سواء كان مثله فى البطلان أو أخفى ~~بطلانا منه أو أظهر بطلانا منه # وحينئذ فيقال هب أن قول السالمية والكرامية باجتماع الحروف محال فقول ~~الكلابية أيضا محال فلا يلزم من بطلان ذاك صحة هذا وقول المعتزلة والفلاسفة ~~أبطل من الكل # وحينئذ فيكون الحق هو القول الآخر وهو أنه لم يزل متكلما بحروف متعاقبة ~~لا مجتمعة وهذا يستلزم قيام الحوادث به فمن قال ms0771 بهذا لم يكن تناقض الكرامية ~~حجة عليه ولم يلزم من بطلان قولهم بطلان هذا الأصل وإن كان اجتماع الحروف ~~ممكنا بطل أصل الاعتراض PageV04P127 # ومعلوم أن القسمة العقلية أربعة لأن الحروف إما أن يمكن قدم أعيانها ~~حينئذ يلزم إمكان اجتماعها إما أن لا يمكن قدم أعيانها بل قدم أنواعها وإما ~~أن لا يمكن قدم أعيانها ولا أنواعها # وأما القسم الرابع وهو قدم أعيانها لا أنواعها فهذا لا يقوله عاقل وعلى ~~التقديرين فإما أن يمكن اجتماعها وإما أن لا يمكن فهذه خمسة أقسام # وأيضا فإذا أمكن الاجتماع فإما أن يكون بقاؤها ممكنا وإما أن لا يكون ~~فالقول المذكور عن الكرامية يتضمن حدوث أعيانها وأنواعها لكن مع إمكان ~~اجتماعها وبقائها بعد الحدوث وهذا قول من أقوال متعددة # وبإزاء ذلك من يقول يجب حدوثها ويمتنع بقاؤها إما مع إمكان الإجتماع وإما ~~مع عدم إمكان الاجتماع # ومن يقول يجب قدم نوعها لا قدم أعيانها قد يقول بإمكان الاجتماع وقد لا يقول # والناس متنازعون في تكليم الله لعباده هل هو مجرد خلق إدراك لهم من غير ~~تجدد تكليم من جهته أم لا بد من تجدد تكليم من جهته على قولين للمنتسبين ~~إلى السنة وغيرهم من أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم PageV04P128 # فالأول قول الكلابية والسالمية ومن وافقهم من أصحاب هؤلاء الأئمة ~~القائلين بأن الكلام لا يتعلق بمشيئته وقدرته بل هو بمنزلة الحياة # والثاني قول الأكثرين من أهل الحديث والسنة من أصحاب هؤلاء الأئمة وغيرهم ~~وهو قول أكثر أهل الكلام من المرجئة والشيعة والكرامية والمعتزلة وغيرهم # قالوا ونصوص الكتاب والسنة تدل على هذا القول ولهذا فرق الله بين إيحائه ~~وتكليمه كما ذكر في سورة النساء وسورة الشورى # والأحاديث التي جاءت بأنه يكلم عباده يوم القيامة ويحاسبهم وأنه إذا قضى ~~أمرا في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان ~~إلى غير ذلك مما يطول ذكره # وإذا كان كذلك امتنع أن لا يقوم كلام الله به فإنه يلزم أن لا يكون كلامه ~~بل كلام من ms0772 قام به كما قد قرر في موضعه # والله سبحانه يحاسب الخلق في ساعة واحدة لا يشغله حساب هذا عن حساب هذا ~~وكذلك إذا ناجوه ودعوه أجابهم كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها ~~لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال [ العبد ] الحمد لله رب العالمين قال الله ~~حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال الله أثنى علي عبدي فإذا قال مالك ~~يوم الدين قال مجدني عبدي فإذا PageV04P129 ~~قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما ~~سأل فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين قال هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل # فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يقول هذا لكل مصل والناس ~~يصلون في ساعة واحدة والله تعالى يقول لكل منهم هذا وقد روي أن ابن عباس ~~قيل له كيف يحاسب الله الخلق في ساعة واحدة فقال كما يرزقهم في ساعة واحدة ~~وأمثال ذلك كثير # وحينئذ فمن قال إن هذه أقوال قائمة بنفسه تتعلق بمشيئته وقدرته يلزمه أحد ~~أمرين إما أن يقول باجتماعها في محل واحد وإما أن يقول إن ذاته واسعة تسع ~~هذه الأقوال كلها # ونحن نعقل أن نقوم بالذات الواحدة حروف كثيرة في آن واحد وأصوات مجتمعة ~~في آن واحد لكن لا يكون هذا حيث هذا إذ لا يعقل في الشاهد أنهما يجتمعان في ~~محل واحد # وقد يقال إن مثل هذا يجيء على قول من يقول إنه يقوم بذاته علوم لا نهاية ~~لها وإرادات لا نهاية لها وقدر لا نهاية لها فإن ذلك كقيام أفعال وأقوال لا ~~نهاية لها وهذا على وجهين فمن قال PageV04P130 ~~إنذلك يقوم به على سبيل التعاقب فهو كمن يقول إنه تقوم به الكلمات والأفعال ~~على سبيل التعاقب # ومن قال إنها كلها أزلية كما تقوله طائفة يقولون إنه تقوم به علوم لا ~~نهاية لها في آن ms0773 واحد كما يقوله أبو سهل الصعلوكي وغيره فإن هذا يشبه قول ~~من يقول تقوم به حروف لا نهاية لها في آن واحد # لكن قد يقال اجتماع العلوم بمعلومات والإرادات بمرادات قد يقال إنه لا ~~يتضاد كاجتماع معاني الكلام بخلاف اجتماع حروف فإنه كاجتماع أصوات واجتماع ~~أصوات كاجتماع حركات # وجماع ذلك أن الحقائق إما أن تكون متماثلة وإما أن لا تكون وإذا لم تكن ~~متماثلة فإما أن يمكن اجتماعها في محل واحد في زمن واحد وإما أن يمكن ~~فالأولى المختلفة التي ليست بمتضادة كالعلم والقدرة وكالطعم واللون والثاني ~~المتضادة كالسواد والبياض وكالعجز مع القدرة كالعلم بمعلومات والقدرة على ~~مقدورات والإرادة لمرادات ليست هي متضادة بل يمكن اجتماع PageV04P131 ~~ذلك لكن قد يضيق عنه المحل كما يضيق قلب العبد عن اجتماع أمور كثيرة من ذلك ~~[ وإن كان قد يجتمع في قلبه من ذلك ] # والقلوب تختلف أيضا بذاتها ولهذا يمكن بعض الناس أن يقرأ ويفعل بيده ~~ورجله وآخر لا يمكنه ذلك كما يمكن هذا الحركة القوية الشديدة والآخر لا ~~يمكنه ذلك ويمكن أن يرى ويسمع من المختلفات ما لا يمكن الآخر رؤيته أوسماعه # وإذا كان كذلك فالكلام في الصوت في شيئين أحدهما [ في بقائه وقدمه كما ] ~~في بقاء الحركة وقدمها ولا ريب في إمكان بقاء نوع الصوت والحركة بمعنى حدوث ~~الحركة شيئا فشيئا كحركة الفلك والكواكب # وأما إمكان قدم نوع الصوت والحركة ففيه قولان مشهوران للنظار فالجمهية ~~والمعتزلة ومن اتبعهم تنكر إمكان قدم ذلك وكثير من أئمة أهل الحديث والفقه ~~والتصوف والفلاسفة يجوزون قدم ذلك ومنهم من يجوز قدم نوع الصوت لا نوع الحركة # وأما بقاء الصوت المعين والحركة فجمهور العقلاء يحيلون بقاء ذلك وقدمه بل ~~امتناع قدم ما يمتنع بقاؤه أولى فإن ما وجب قدمه PageV04P132 ~~وجب بقاؤه وامتنع عدمه ومن الناس من جوز بقاء الصوت المعين والحركة المعينة ~~وبعض هؤلاء جوز قدم الصوت المعين # ولا فرق بين الحركة والصوت وأما الحروف المنطوق بها فالناس متنازعون هل ~~هي طرف للصوت أم يمكن وجود حروف ms0774 منظومة بلا صوت على قولين # وإذا قيل لا يمكن وجود حرف منطوق به إلا بصوت فالحرف قد يعبر به عن نهاية ~~الصوت وتقطيعه وقد يعبر به عن نفس الصوت المقطع كما يعبر بلفظ الحرف عن ~~الحرف المكتوب ويراد به [ مجرد ] الشكل تارة مجردا عن المادة ويراد به ~~مجموع المادة والشكل وهو المداد المصور # والمسألة الثانية أن الأصوات المتنوعة سواء قيل بوجوب تعاقبها شيئا بعد ~~شيء أو قيل بإمكان بقاء الصوت المعين هل تقوم بالصائت الواحد إذا كان محل ~~هذا الصوت ليس هو بعينه محل هذا الصوت وإن كان الصائت واحدا # ولا ريب أن هذا أولى من قيام الحركات المتنوعة بالمتحرك الواحد # وأما اجتماع الصوتين والحركتين في محل واحد فهو متعذر للتضاد عند أكثر ~~العقلاء أو لضيق المحل عند بعضهم كاجتماع العلمين PageV04P133 ~~والقدرتين والإرداتين المختلفتين والإدراكين ثم إذا قدر أن محل هذه الصفات ~~لا يكون إلا جسما فيبقى الكلام في الجسم هل هو مركب من الجواهر المنفردة او ~~من المادة والصورة أولا من هذا ولا من هذا # وفي ذلك للنظار ثلاثة أقوال فمن قال بالمركب من الجواهر المنفردة اضطربوا ~~في محل العلم ونحوه من العبد هل هو جزء مفرد في القلب كما يذكر عن ابن ~~الرواندي أو أن الأعراض المشروطة بالحياة إذا قامت بجزء من الجملة اتصف بها ~~سائر الجملة كما يقوله المعتزلة أو حكم العرض لا يتعدى محله بل يقوم بكل ~~جوهر فرد عرض يخصه من العلم والقدرة ونحو ذلك كما يقول الأشعري على ثلاثة أقوال # ومن لم يقل بالجوهر الفردلم يلزمه ذلك بل يقول إن العرض القائم بالجسم ~~ليس بمنقسم في نفسه كما أن الجسم ليس بمنقسم وأما قبوله للقسمة فهو كقبول ~~الجسم للقسمة وهؤلاء يقولون إن الإنسان تقوم به الحياة والقدرة والحس بجميع ~~بدنه وويقولون إن بدن الإنسان ليس مركبا من الجواهر المنفردة فلا يرد عليهم ~~ما ورد على أولئك PageV04P134 # وأما الأعراض القائمة بروحه من العلم والإرادة ونحو ذلك فهي أبعد عن ~~الانقسام من الأعراض القائمة ببدنه وروحه ms0775 أبعد عن كونها مركبة من الجواهر ~~المنفردة من بدنه وإن قيل إنها جسم # وعلى هذا فإذا قيل يقوم بها علم واحد بمعلوم واحد كان هذا بمنزلة أن يقال ~~يقوم بالعين إدراك واحد لمدرك واحد وبمنزلة أن يقوم بداخل الأذن سمع واحد ~~لمسموع واحد # وهذا وغيره مما يجيبون به المتفلسفة الذين قالوا إن النفس الناطقة لا ~~تتحرك ولا تسكن ولا تصعد ولا تنزل وليست بجسم فإن عمدتهم على ذلك كونها ~~يقوم بها ما لا ينقسم كالعلم بما لا ينقسم [ فيجب أن لا ينقسم ] وإذا لم ~~تنقسم امتنع كونها جسما وكلا المقدمتين ممنوعة كما قد بسط الجواب عن هذه ~~الحجة التي هي عمدتهم في غير هذا الموضع # ولما عسر الجواب هذه على الرازي ونحوه من اهل الكلام اعتقدوا ان القول ~~بالمعاد مبني على إثبات الجوهر الفرد لظنهم أنه لا يمكن الجواب عن هذه إلا ~~بإثبات الجوهر الفرد وأن القول بالمعاد يفتقر إلى القول بان أجزاء البدن ~~تفرقت ثم اجتمعت # وليس الأمر كذلك فإن إثبات الجوهر الفرد مما أنكره أئمة السلف والفقهاء ~~وأهل الحديث والصوفية وجمهور العقلاء وكثير من PageV04P135 ~~طوائف أهل الكلام كالهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وكثير من ~~الكرامية # والقول بمعاد الأبدان مما اتفق عليه أهل الملل فكيف يكون القول بمعاد ~~الأبدان مستلزما للقول بالجوهر الفرد وبسط هذه الأمور له موضع آخر # والمقصود هنا التنبيه على ما ذكره من البحث مع الكرامية وحينئذ فيقال قول ~~الكرامية الذي حكاه عنهم من انه يستحيل تعري الباري عن الأقوال الحادثة في ~~ذاته بعد قيامها قول لا يوافقهم عليه كل من وافقهم على أصل هذه المسألة فإن ~~الموافقين لهم على أصل المسألة هم أكثر الناس وأئمتهم من الطوائف كلها حتى ~~من ائمة أهل السنة والحديث وأئمة الفلاسفة أهل الشرع وأهل الرأي واماهذا ~~القول فمواقفهم عليه قليل # قال وعند ذلك فإما أن يقال باجتماع حروف القول في ذاته تعالى أو لا يقال ~~باجتماعها فيه فإن قيل باجتماعها فإما أن يقال بتجزى ذات الباري وقيام كل ~~حرف بجزء منه ms0776 وإما أن يقال بقيامها بذاته مع اتحاد الذات فإن كان الأول فهو ~~محال لوجهين PageV04P136 ~~أحدهما أنه يلزم منه التركيب في ذات الله وقد أبطلناه في إبطال لقول ~~بالتجسيم # قلت ولقائل أن يقول قول القائل إما أن يتجزأ ويلزم منه التركيب لفظ مجمل ~~كما قد عرف غير مرة فإن هذا يفهم منه إما جواز الافتراق عليه او أنه كان ~~مفترقا فاجتمع أو ركبه مركب ونحو هذه المعاني التي لا يقولونها # فإن أراد المريد بقوله إما أن يقال بتجزى ذات الباري تعالى هذا المعنى ~~فهم لا يقولون بتجزئة ولكن لا يلزم من رفع هذا امتناع كون الذات واسعة تسع ~~هذا وهذا وهذا وأن كل واحد يقوم حيث لا يقوم الآخر وهذا هو الذي عناه بلفظ ~~التجزي والتركيب # وقوله إنه أبطل هذا في إبطال القول التجسيم فهو يقولون ليس فيما ذكرته في ~~نفي التجسيم حجة على نفي قولهم وذلك أنه قال والمعتمد في نفي التجسيم أن ~~يقال لو كان PageV04P137 ~~الباري جسما فإما أن يكون كالأجسام وإما أن لا يكون كالأجسام فإن قيل إنه ~~لا كالأجسام كان االنزاع في اللفظ دون المعنى والطريق في الرد ما أسلفناه ~~في كونه جوهرا وإن قيل إنه كالأجسام فهو ممتنع لثمانية اوجه منها أربعة وهي ~~ما ذكرناها في استحالة كونه جوهرا وهي الأول والثالث والرابع والخامس ويختص ~~الجسم بأربعة أخرى # قلت والذي ذكره في إبطال كونه جوهرا هو أن المعتمد [ هو ] أنا نقول لو ~~كان الباري جوهرا لم يخل إما أن يكون جوهرا كالجواهر أو لا كالجواهر والأول ~~باطل لم يخل إما أن يكون جوهرا لا كالجواهر فهو تسليم للمطلوب فإنا إنما ~~ننكر كونه جوهرا كالجواهر وإذا عاد الأمر إلى الإطلاق اللفظي فالنزاع لفظي ~~ولا مشاحة فيه إلا من جهة ورود التعبد من الشارع به ولا يخفى أن ذلك مما لا ~~سبيل إلى إثباته PageV04P138 # قال وعلى هذا فمن قال إنه جوهر بمعنى أنه موجود لا في موضوع والموضوع هو ~~المحل المقوم ذاته المقوم لما يحل فيه كما قاله ms0777 الفلاسفة أو أنه الجوهر ~~بمعنى أنه قائم بنفسه غير مفتقر في وجوده إلى أحكام الجواهر فقد وافق في ~~المعنى وأخطأ في الإطلاق من حيث أنه لم ينقل عن العرب إطلاق الجوهر بإزاء ~~القائم بنفسه ولا ورد فيه إذن من الشرع # فيقال إذا كان قول القائل إنه جوهر لا كالجواهر وجسم لا كالأجسام موافقا ~~لقولك في المعنى وإنما النزاع بينك وبينهم في اللفظ قامت حجته عليك لفظا ~~ومعنى أما اللفظ فمن وجهين احدهما أنه كما أن الشارع لم يأذن في إثبات هذه ~~الألفاظ له فلم يأذن في نفيها عنه وأنت إذا لم تسمه سخيا لعدم إذن الشرع ~~فليس لك أن تقول ليس بسخي لعدم إذن الشرع ف هذا النفي بل إذا لم يطلق إلا ~~ما أذن فيه الشرع لا يطلق لا هذا ولا هذا PageV04P139 ~~ثم أنت تسميه قديما وواجب الوجود وذاتا ونحو ذلك مما لم يرد به الشرع ~~والشارع يفرق بين ما يدعى به من الأسماء لإثبات معنى يستحقه نفاه عنه ناف ~~لما يستحقه من الصفات كما أنه من نازعك في قدمه أو وجوب وجود وجوده قلت ~~مخبرا عنه بما يستحقه إنه قديم وواجب الوجود فإن كان النزاع مع من يقول هو ~~جوهر وجسم في اللفظ فعذرهم في الإطلاق أن النافي نفى ما يستحقه الرب من ~~الصفات في ضمن نفي هذا الاسم فأثبتنا له ما يستحقه من الصفات بإثبات مسمى ~~هذا الاسم كما فعلت أنت وغيرك ف اسم قديم وذات ووواجب الوجود ونحو ذلك # الثاني أنك احتججت على نفي ذاك بأن العرب لم ينقل عنها إطلاق الجوهر ~~بإزاء القائم بنفسه # فيقال لك ولم ينقل عنها إطلاقة بإزاء كل متحيز حامل للأعراض ولا نقل عنها ~~إطلاق لفظ ذات بإزاء نفسه وإنما لفظ الذات عندهم تأنيث ذو فلا تستعمل إلا ~~مضافة كقوله تعالى { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } [ سورة الأنفال 1 ] ~~وقوله { إنه عليم بذات الصدور } [ سورة الأنفال 43 ] وقول النبي PageV04P140 ~~صلى الله عليه وسلم لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ms0778 ذات الله وقول ~~خبيب % وذلك في ذات الإله وإن يشأ % % يبارك على أوصال شلو ممزع % # وأمثال ذلك أي في جهة الله أي الله تعالى ولهذا أنكر ابن برهان وغيره على ~~المتكلمين إطلاق لفظ ذات الله # وإذا كان كذلك فأنت أطلقت لفظ الذات على ما لم تطلقه العرب بغير إذن من ~~الشرع ولو قال لك قائل إن الله ليس بذات نازعته فهكذا يقول منازعك في اسم ~~الجوهر والجسم إذا كان موافقا لك على معناهما # وأيضا فإن لفظ الجوهر والجسم قد صار في اصطلاحكم جميعا اعم مما استعملت ~~فيه العرب فإن العرب لا تسمي كل متحيز PageV04P141 ~~جوهرا ولا تسمي كل مشار إليه جسما فلا تسمي الهواء جسما # وفي اصطلاحكم سميتم هذا جسما كما سميتم في اصطلاحكم باسم الذات كل موصوف ~~أو كل قائم بنفسه أو كل شيء فلستم متوقفين في الاستعمال لا على حد اللغة ~~العربية ولا على إذن الشارع لا في النفي ولا في الإثبات # فإن لم يكن لك حجة على منازعك إلا هذا كان خاصما لك وكان حكمه فيما ~~تنازعتما فيه كحكمكما فيم ااتفقتما عليه أو انفردت به دونه من هذا الباب # وأيضا فحكايتك عن الفلاسفة أنهم يسمونه جوهرا والجوهر عندهم الموجود لا ~~في موضوع إنما قاله ابن سينا ومن تبعه # وأما آرسطو وأتباعه وغيرهم من الفلاسفة فسيمونه جوهرا فالوجود كله ينقسم ~~عندهم إلى جوهر وعرض والمبدأ الأول داخل عندهم في مقولة الجوهر # والأظهر أن النصارى إنما اخذوا تسميته جوهرا عن الفلاسفة فإنهم ركبوا ~~قولا من دين المسيح ودين المشركين الصابئين # وأما النزاع المعنوي فيقال قول القائل إنه جوهر كالجواهر أو جسم كالأجسام ~~لفظ مجمل فإنه قد يراد به أنه مماثل لكل جوهر وكل PageV04P142 ~~جسم فيما يجب ويجوز ويمتنع عليه وقد يريد به أنه مماثل لها في القدر ~~المشترك بينها كلها بحيث يجب ويجوز ويمتنع عليه ما يجب ويجوز ويمتنع على ما ~~حصل فيه القدر المشترك منها ولو أنه واحد # فأما الأول فإنه إما أن يقول مع ذلك بتماثل الأجسام ms0779 والجواهر وإما أن ~~يقول باختلافها فإن قال بتماثلها كان قوله هو القول الثاني إذ كان يجوز على ~~كل منها ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ~~باعتبار ذاته # وإن قال باختلافها امتنع مع ذلك أن يقول إنه كالأجسام فإنه من المعلوم ~~على هذا التقدير أن كل جسم ليس هو مثل الآخر ولا يجوز على أحدهما ما يجوز ~~على الآخر فكيف يقال في الخالق سبحانه إنه يجوز عليه ما يجوز على كل مخلوق ~~قائم بنفسه حتى في الجماد والنبات والحيوان # هذا لا يقوله عاقل حتى القائلون بوحدة الوجود فهؤلاء عندهم هو نفس وجود ~~الأجسام المخلوقة ولكن هم مع هذا لا يقولون إنه يجوز على وجود جميع ~~الموجودات ما يجوز على وجود هذا # وهذا وإن قال إنه كالأجسام المخلوقة في القدر المشترك بينها بحيث يجوز ~~عليه ما يجوز على المجموع لا على كل واحد واحد فهذا PageV04P143 ~~أيضا قول معلوم الفساد ولا نعرف قائلا معروفا يقول به فإن هذا هو التشبيه ~~والتمثيل الذي يعلم تنزه الله عنه إذ كان كل ما سواه مخلوقا والمخلوقات ~~تشترك في هذا المسمى فيجوز على المجموع من العدم والحدوث والافتقار ما يجب ~~تنزيه الله عنه بل لو جاز ووجب وامتنع عليه ما يجوز ويجب ويمتنع على ~~الممكنات والمحدثات لزم الجمع بين النقيضين فإنه يجب له الوجود والقدم فلو ~~وجب ذلك للمحدث مع أنه لا يجب له ذلك لزم أن يكون ذلك واجبا للمحدث غير ~~واجب له ولو جاز عليه الإمكان والعدم مع أن الواجب بنفسه القديم الذي لا ~~يقبل العدم لا يجوز عليه الإمكان والعدم للزم ان يمتنع عليه العدم لا يمتنع ~~عليه وأن يجب له الوجود لا يجب له وذلك جمع بين النقيضين # فتنزيه الله عما يستحق التنزيه عنه من مماثلة المخلوقين يمنع أن يشاركها ~~في شيء من خصائصها سواء كانت تلك الخاصة شاملة لجميع المخلوقات أو مختصة ببعضها # فعلم أن القول بأنه جوهر كالجواهر او جسم كالأجسام سواء جعل ms0780 التشبيه لكل ~~منها أو بالقدر المشترك بينها لم تقل به طائفة معروفة أصلا فإن كان النزاع ~~ليس إلا مع هؤلاء فلا نزاع في المسألة فتبقى بحوثه المعنوية في ذلك ضائعة ~~وبحوثه اللفظية غير نافعة مع أني إلى ساعتي هذه لم أقف على قول لطائفة ولا ~~نقل عن طائفة أنهم قالوا PageV04P144 ~~جسم كالأجسام مع ان مقالة المشبهة الذين يقولون يد كيدي وقدم كقدمي وبصر ~~كبصري مقالة معروفة وقد ذكرها الأئمة كيزيد ابن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق ~~بن راهويه وغيرهم وأنكروها وذموها ونسبوها إلى مثل داود الجواربي البصري ~~وأمثاله # ولكن مع هذا صاحب هذه المقالة لا يمثله بكل شيء من الأجسام بل ببعضها ولا ~~بد مع ذلك أن يثبتوا التماثل من وجه والاختلاف من وجه لكن إذا أثبتوا من ~~التماثل ما يختص بالمخلوقات كانوا مبطلين على كل حال # وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه وفيه عن الله مقام والكلام في ~~التجسيم وفيه مقام آخر فإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف ~~والإئمة واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون يد كيدي وبصر كبصري ~~وقدم كقدمي # وقد قال الله تعالى { ليس كمثله شيء } [ سورة الشورى 11 ] PageV04P145 ~~وقال تعالى { ولم يكن له كفوا أحد } [ سورة الإخلاص ] وقال { هل تعلم له ~~سميا } سورة مريم 65 وقال تعالى { فلا تجعلوا لله أندادا } سورة البقرة 22 ~~وأيضا فنفى ذلك معروف بالدلائل العقلية التي لا تقبل النقيض كما قد بسط ~~الكلام على ذلك في غير موضع وأفردنا الكلام على قوله تعالى { ليس كمثله شيء ~~} [ سورة الشورى آية 11 ] في مصنف مفرد # وأما الكلام في الجسم والجوهر ونفيهما أو إثباتهما فبدعة ليس لها أصل في ~~كتاب الله ولا سنة رسوله ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك لا نفيا ولا إثباتا # والنزاع بين المتنازعين في ذلك بعضه لفظي وبعضه معنوي أخطأ هؤلاء من وجه ~~وهؤلاء من وجه فإن كان النزاع مع من يقول هو جسم أو جوهر إذ قال لا ~~كالأجسام ولا كالجواهر إنما هو في ms0781 اللفظ فمن قال هو كالأجسام والجواهر يكون ~~الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى # فإن فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى كان قوله مردودا وذلك بأن ~~يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله فكل قول تضمن هذا فهو باطل PageV04P146 ~~وإن فسر قوله جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر مع تنزيه الرب عن خصائص ~~المخلوقين كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه # فلا بد أن يلحظ في هذا المقام إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا ~~وذلك مثل أن يقول أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر كما أصفه ~~بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات وبين كل حي عليم سميع بصير وإن ~~كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات وإلا فلو قال الرجل هو حي لا كالأحياء ~~وقادر لا كالقادرين وعليم لا كالعلماء وسميع لا كالسمعاء وبصير لا كالبصراء ~~ونحو ذلك وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين فقد أصاب # وإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك مثل أن يثبت ~~الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه وهو من صفات كماله فقد أخطأ # إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته يقع من جهة المعنى ~~في شيئين أحدهما انهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين ~~معروفين # فمن قال بتماثلها قال كل من قال إنه جسم لزمه التمثيل ومن قال إنها لا ~~تتماثل قال إنه لا يلزمه التمثيل PageV04P147 ~~ولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة بحسب ما ظنوه لازما لهم كما ~~يسمى نفاة الصفات لمثبتيها ومجسمة حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة ~~ومجسمة وحشوية وغثاء وغثراء ونحو ذلك بحسب ما ظنوه لازما لهم # لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم لم يجز نسبتها إليه على ~~أنها قول له سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة بل إن كانت لازمة ~~مع فسادها دل على فساد قوله # وعلى هذا فالنزاع بين هؤلاء وهؤلاء في تماثل الأجسام وقد بسط الكلام على ~~ذلك في غير ms0782 هذا الموضع وبين الكلام على جميع حججهم # والثاني أن مسمى الجسم في اصطلاحهم قد تنازعوا فيه هل هو مركب من أجزاء ~~منفردة او من الهيولي والصورة أو لا مركب لا من هذا ولا من هذا # وإذا كان مركبا فهل هو جزآن او ستة أجزاء أو ثمانية اجزاء أو ستة عشر ~~جزءا أو اثنان وثلاثون # هذا كله مما تنازع فيه هؤلاء فمثبتو التركيب المتنازع فيه في الجسم ~~يقولون لأولئك إنه لازم لكم إذا قالوا هو جسم وأولئك ينفون هذا اللزوم PageV04P148 # وقد يكون في المجسمة من يقول إنه جسم مركب من الجواهر المنفردة وينازعهم ~~في امتناع مثل هذا التركيب عليه ويقول لا حجة لكم على نفي ذلك إلا ما ~~أقمتموه من الأدلة على كون الأجسام محدثة أو ممكنة وكلها ادلة باطلة كما ~~بسط في موضعه # وبينهم نزاع في أمور أخرى ينازعهم فيها من لا يقول هو جسم مثل كونه فوق ~~العالم أو كونه ذا قدر أو كونه متصفا بصفات قائمة به فالنفاة يقولون هذا لا ~~تقوم إلا بجسم وأولئك قد ينازعونهم في هذا أو بعضه وينازعونهم في إنتفاء ~~هذا المعنى الذي سموه جسما فهم ينازعون إما في التلازم وإما في انتفاء ~~اللازم إذا تبين أن هذه الأمور كلها ترجع إلى هذه الأمور الثلاثة فإن الحجج ~~الثمانية التي ذكرها الآمدي أربعة على نفي الجوهر وأربعة مختصة بالجسم # الأولى قوله لو كان جوهرا كالجواهرفإما أن يكون واجبا لذاته وإما أن لا ~~يكون فإن كان واجبا لذاته لزم اشتراك جميع الجواهر في وجوب الوجود لذاتها ~~ضرورة اشتراكها في معنى PageV04P149 ~~الجوهرية وإن كان ممكنا لزم أن لا يكون واجبا لذاته وإن كان لا كالجواهر ~~فهو تسليم للمطلوب # فيقال لا نسلم أنه إذا كان واجبا لذاته لزم اشتراك جميع الجواهر في وجوب ~~الوجود ولا يلزم أن الاشتراك في الجوهرية يقتضي الاشتراك في جميع الصفات ~~التي تجب لكل منها وتمتنع عليه وتجوز له # وكذلك يقال لا نسلم أنه إذا لم يكن كالجواهر كان تسليما للمطلوب وذلك أنه ~~إذا ms0783 قيل حي لا كالأحياء وعالم لا كالعلماء وقادر لا كالقادرين لا يلزم من ~~ذلك نفي هذه الصفات ولا إثبات خصائص المخلوقات # فمن قال هو جوهر وفسره إما بالمتحيز وإما بالقائم بذاته وأما بما هو ~~موجود في موضوع لم يسلم أن الجواهر متماثلة بل يقول تنقسم إلى واجب وممكن ~~كما ينقسم الحي والعليم إلى هذا وهذا PageV04P150 # فإن قال إذا كان متحيزا فالمتحيزات مماثلة له كان هذا مصادرة على المطلوب ~~لأنه نفى كونه جسما بناء على نفي الجوهرونفي الجوهر بناء على نفي المتحيز ~~والمتحيز هو الجسم أو الجوهر والجسم فيكون قد جعل الشيء مقدمة في إثبات ~~نفسه وهذه هي المصادرة # قال الآمدي الوجه الثاني أنه إما أن يكون قابلا للتحيزية أو لا يكون فإن ~~كان الأول لزم أن يكون جسما مركبا وهو محال كما يأتي وإن كان الثاني لزم أن ~~يكون بمنزلة الجوهر الفرد # ولقائل أن يقول إن عنيت بالتحيزية تفرقته بعد الاجتماع أو اجتماعه بعد ~~الإفتراق فلا نسلم أن ما لا يكون كذلك يلزم أن يكون حقيرا # وإن عنيت به ما يشار إليه أو يتميز منه شيء عن شيء لم نسلم أن مثل هذا ~~ممتنع بل نقول إن كل موجود قائم بنفسه فإنه كذلك PageV04P151 ~~وأما ما لا يكون كذلك فلا يكون إلا عرضا قائما بغيره وأنه لا يعقل موجود ~~إلا ما يشار إليه أو ما يقوم بما يشار إليه كما قد بسط في موضعه وسيأتي ~~الكلام على نفي حجته # قال والثالثة لا يخلو إما أن يكون لذاته قابلا لحلول الأعراض المتعاقية ~~أولا فإن كان الأول فيلزم أن يكون محلا للحوادث وهو محال كما يأتي فإن كان ~~الأول فيلزم امتناع ذلك على كل الجواهر ضرورة الاشتراك بينها في المعنى وهو ~~محال خلاف المحسوس # ولقائل أن يقول الجواب من وجوه أحدها أنا لا نسلم امتناع حلول الأعراض ~~المتعاقبة وأنت قد اعتمدت في هذا الوجه الذي ذكرته من تناقض أهل هذا القول ~~على نفي الجسم والجوهر فلو جعلت جحة في ذلك لزم المصادرة على ms0784 المطلوب إذ ~~كنت في كل من المسألتين تعتمد على الأخرى وإن اعتمدت على نفيه بالوجوه ~~الأخرفقد عرف فساد كلامك وكلام غيرك PageV04P152 # الثاني ان يقال ولم قلت إنه إذا امتنع حلول الحوادث على بعض الجواهر ~~يمتنع على سائرها ألست تقول إن ذلك يمتنع على بعض الذوات دون بعض وبعض ~~القائمين بأنفسهم دون بعض وبعض الموصوفات دون بعض فلو قال لك قائل الاشتراك ~~في كون كل من الشيئين ذاتا قائمة بنفسها موصوفة بالصفات يوجب اشتراكها في ~~حلول الحوادث لكان هذا القول إما أن يلزمك وإما ان لا يلزمك فإن لزمك كان ~~هذا لازما لك ولمنازعك فليس لك أن تنفيه وإن لم يلزمك فما كان جوابك عن ~~إلزام من يلزمك به فهو جواب منازعك # فإن قلت الاشتراك في الجوهرية اشتراك في المعنى الذي لأجله جاز قيام ~~الحوادث به # قال لك كل من الخصمين والاشتراك في الذاتية والموصوفية والقيام بالنفس ~~اشتراك في المعنى الذي لأجله جاز قيام الحوادث به وأنت إذا أنصفت علمت أن ~~البابين واحد الثالث ان يقال ما تعني بقولك الأعراض المتعاقية اتعني به ~~أحواله التي دلت النصوص علي قيامها به أم غير ذلك # الأول مسلم لكن لا نسلم مساواة المخلوقات له في خصائصه والثاني ممنوع PageV04P153 ~~قال الرابع أنه لا يخلو إما أن تكون ذاته قابلة لأن يشار إليها أنها هنا أو ~~هناك أو لا تكون قابلة لذلك فإن كان الأول فيكون متحيزا إذ لا معنى للتحيز ~~إلا هذا على الله محال لوجهين # الأول أنه إما أن يكون منتقلا عن حيزه أو لا يكون منتقلا عنه فإن كان ~~منتقلا عنه فيكون متحركا وإن لم يكن منتقلا عنه فيكون ساكنا والحركة ~~والسكون حادثان على ما يأتي وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث # الوجه الثاني ان اختصاصه بحيزه إما ان يكون لذاته أو لمخصص من خارج فإن ~~كان الأول فليس هو اولى من تخصيص غيره من الجواهر به ضرورة المساواة في ~~المعنى وإن كان لغيره وجب أن يكون الرب مفتقرا إلى غيره في ms0785 وجوده فلا يكون واجب PageV04P154 ~~الوجودوإن كان غير متحيز لزم في كل جوهر أن يكون غير متحيز ضرورة المساواة ~~في المعنى وهو محال وكيف وأنه لا معنى للجوهر غير المتحيز بذاته فما لا ~~يكون كذلك لا يكون جوهرا # قلت ولقائل أن يقول لا نسلم أنه إذا كان قابلا للإشارة كان متحيزا وقوله ~~لا معنى لمتحيز إلا هذا إن أراد به أن المفهوم من كونه مشارا إليه هو ~~المفهوم من كونه متحيزا كان قوله فاسدا بالضرورة وإن أراد أن ما صدق عليه ~~هذا صدق عليه هذا # قيل له من الناس من ينازعك في هذا ويقول إنه سبحانه فوق العالم ويشار ~~إليه وليس بمتحيز فإن قال هذا فساده معلوم بالضرورة قيل له ليس هذا بأبعد ~~من قولك إنه موجود قائم بنفسه متصف بالصفات مرئي بالأبصار وهو مع هذا لا ~~يشار إليه وليس بداخل العالم ولا خارجه ولا مباين له ولا مداخل له # فإن قلت إحالة هذا من حكم الوهم # قيل لك وإحالة موجود قائم بنفسه يشار إليه ولا يكون متحيزا من حكم الوهم ~~بل تصديق العقول بموجود يشار إليه ولا يكون متحيزا PageV04P155 ~~أعظم من تصديقها بموجود قائم بنفسه متصف بالصفات لا يشار إليه وليس بداخل ~~العالم ولا خارجه # ثم يقال ثانيا لم قلتم إنه يمتنع أن يكون متحيزا قولك إما أن يكون متحركا ~~أو ساكنا يقال لك فلم لا يجوز أن لا يكون قابلا للحركة والسكون وثبوت ~~أحدهما فرع قبوله له # فإن قلت كل متحيز فهو قابل لهما # قيل لك علمنا بهذا كعلمنا بأن كل موجود قائم بنفسه موصوف بالصفات إما ~~مباين لغيره وإما محايث له فإن جوزت موجودا قائما بنفسه لا مباين ولا محايث ~~فجوز وجود موجود متحيز ليس بمتحرك ولا ساكن # فإن قلت المتحيز إما ان يكون منتقلا عن حيزه او لا يكون منتقلا عنه ~~والأول هو الحركة والثاني هو السكون # قيل لك ليس كل متحيز أمر وجوديا فإن العالم متحيز وليس له حيز وجودي ومن ~~قال إن الباري وحده فوق ms0786 العالم أو سلم لك إنه متحيز لم يقل إنه في حيز ~~وجودي وحينئذ فالحيز أمر عدمي فقولك إما أن يكون منتقلا عنه أولا كقولك إما ~~أن يكون منتقلا بنفسه أولا وهو معنى قولك إما أن يكون متحركا أو ساكنا وهذا ~~إ ثبات الشيءبنفسه PageV04P156 # فإن قلت هذا بين مستقر في الفطرة والعلم به بديهي # قيل لك ليس هذا بأبين من قول القائل إما أن يكون صانع العالم حيث العالم ~~وإما أن لا يكون حيث العالم والأول هو المحايثة والدخول فيه والثاني هو ~~المباينة والخروج عنه # فإن قلت يمكن ان لا يكون داخلا فيه ولا خارجا عنه # قيل لك ويمكن ان لا يكون المتحيز منتقلا ولا يكون ساكنا كما تقوله انت ~~فيما تقول إنه قائم بنفسه لا منتقل ولا ساكن فإن قلت أنا أعقل هذا فيما ليس ~~بمتحيز ولا أعقله في المتحيز # قيل وكيف عقلت أولا ثبوت ما ليس بمتحيز بهذا التفسير والمنازع يقول أنا ~~لا أعقل إلا ما هو داخل أو خارج # فإذا قلت أنت هذا فرع ثبوت قبول ذلك وقابل ذلك هو المتحيز فما لا يكون ~~كذلك لا يكون قابلا للمباينة والمحايثة والدخول والخروج # قال لك نحن لا نعقل موجودا إلا هذا # فإن قلت بل هذا ممكن في العقل وثابت أيضا قال # قال لك وكذلك متحيز لا يقبل الحركة والسكون هو أيضا ممكن في العقل وثابت PageV04P157 # فإن قلت الفطرة تدفع هذا # قيل لك وهي لدفع ذاك اعظم # فإن قلت ذاك حكم الوهم # قيل وهذا حكم الوهم # فإن قلت العقل أثبت موجودا ليس بمتحيز # قيل لك إنما أثبت ذاك بمثل هذه الأدلة التي تتكلم على مقدماتها فإن أثبت ~~مقدمات النتيجة بالنتيجة كنت مصادرا على المطلوب فأنت لا يمكنك إثبات موجود ~~ليس بمتحيز إلا بمثل هذا الدليل وهذا الدليل لا يثبت إلا ببيان إمكان وجود ~~موجود ليس بمتحيز فلا يجوز أن تجعله مقدمة حجة في إثبات نفسه # ويقول له الخصم ثالثا هب أنك تقول لا بد إذا كان متحيزا من الحركة ~~والسكون ms0787 فنحن نقول إن كل قائم بنفسه لا يخلو عن الحركة والسكون فإنه إما أن ~~يكون منتقلا أو لا يكون منتقلا فإن كان منتقلا فهو متحرك وإلا فهو ساكن # فإن قلت ثبوت الانتقال وسلبه فرع قبوله PageV04P158 # قيل لك هذا التقسيم معلوم بالضرورة في كل قائم بنفسه كما ذكرت أنه معلوم ~~بالضرورة في كل ما سميته متحيزا وحيزه عدم محض فإنه إذا لم يكن إلا ~~الانتقال وعدم الانتقال فالانتقال هو الحركة وعدمه هو السكون # وإذا قلت هذا متقابلان تقابل العدم والملكة فلا بد من ثبوت القبول # كان الجواب من وجوه # أحدها أن يقال لك مثل هذا فيما سميته متحيزا # الثاني ان يقال هذا اصطلاح اصطلحته وإلا فكل ما ليس بمتحرك وهو قائم ~~بنفسه فهو ساكن كما أن كل ما ليس بحي فهو ميت # الثالث ان يقال هب أن الأمر كذلك ولكن إذا اعتبرنا الموجودات فما يقبل ~~الحركة أكمل مما لا يقبلها فإذا كان عدم الحركة عما من شأنه ان يقبلها صفة ~~نقص فكونه لا يقبل الحركة اعظم نقصا كما ذكرنا مثل ذلك في الصفات PageV04P159 # ونقول رابعا الحركة الاختيارية للشيء كمال له كالحياة ونحوها فإذا قدرنا ~~ذاتين إحداهما تتحرك باختيارها والأخرى تتحرك أصلا كانت الأولى أكمل # ويقول الخصم رابعا قوله لم لا يجوز أن يكون متحركا قولك الحركة حادثة # قلت حادثة النوع أو الشخص الأول ممنوع والثاني مسلم # وقولك ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث إن أريد به ما لا يخلو عن نوعها ~~فممنوع والثاني لا يضر وأنت لم تذكر حجة على حدوث نوع الحركة إلا حجة واحدة ~~وهو قولك الحادث لا يكون أزليا وهي ضعيفة كما عرف # إذا لفظ الحادث يراد به النوع ويراد به الشخص فاللفظ مجمل كما أن قول ~~القائل الفاني لا يكون باقيا لفظ مجمل فإن أراد به أن القائم بنفسه لا يكون ~~باقيا فهو حق وإن أراد به ما كان فاني الأعيان لا يكون نوعه باقيا فهو باطل ~~فإن نعيم الجنة دائم باق مع أن كل أكل ms0788 وشرب ونكاح وغير ذلك من الحركات تفنى ~~شيئا بعد شيء وإن كان نوعه لا يفنى # وأما قوله في الوجه الثاني إن اختصاصه بحيزه إما أن يكون لذاته أو لمخصص ~~من خارج PageV04P160 ~~فيقال أتعني بالحيز شيئا معينا موجودا أو شيئا معينا سواء كان موجودا أو ~~معدوما أو شيئا مطلقا فإن عنيت الأول فالرب سبحانه لا يجب أن يكون متحيزا ~~بهذا الاعتبار عند المنازع بل ولا عند طائفة معروفة وإن عنيت الثاني لم ~~يسلم المنازع كونه متحيزا بهذا الاعتبار وإن عنيت الثالث فيقال لك حينئذ ~~فليس اختصاصه بحيز معين من لوازم ذاته بل هو باختياره وإذا كان يخصص بعض ~~الأحياز بما شاء من مخلوقاته فتصرفه بنفسه أعظم من تصرفه بمخلوقاته # وأما قولك ليس هو أولى من تخصيص غيره من الجواهر به ضرورة المساواة في المعنى # فكلام ساقط لوجوه # أحدها أن الله يخص ما شاء من الأحياز بما شاء من الجواهر ولا يقال ليس ~~هذا أولى من هذا فكيف يقال إنه ليس أولى من بعض مخلوقاته بما هو قادر عليه ~~مختار له # والثاني أن يقال فما من جوهرإلا وله حيز يختص به دون غيره من الجواهر ~~سواء قيل إنه حيزه الطبيعي أو لا فعلم أن مجرد الاشتراك في الجوهرية لا ~~يستلزم الاشتراك في كل حيز PageV04P161 # الثالث أن كل جوهر مختص عن غيره بصفة تقوم به ومقدار يخصه مع اشتراكها في ~~الجوهرية فكيف لا يختص بحيزه # الرابع أن الحيز ليس أمرا وجوديا وإنما هو امر عدمي والجواهر الموجودة لا ~~بد أن يكون لبعضها نسبة إلى بعض بالعلو والسفول والتيامن والتياسر ~~والملاقاة والمباينة ونحو ذلك وكل منها مختص من ذلك بما هو مختص به لا ~~تشاركه فيه سائر الجواهر فكيف يجب أن يشارك المخلوق لخالقه # الخامس أن هذا مبني على تماثل الجواهر وهو ممنوع بل هو مخالف للحس وسيأتي ~~كلامه في إبطاله # السادس أنا لو فرضنا الجواهر متماثلة فالمخصص لكل منها بما يختص به هو ~~مشيئة الرب وقدرته وإذا كان بقدرته ومشيئته يصرف مخلوقاته فكيف ms0789 لا يتصرف هو ~~بقدرته ومشيئته كماأخبرت عنه رسله وكما أنزل بذلك كتبه حيث أخبر أنه خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأمثال ذلك من النصوص # وأما قوله إن كان غير متحيز أن يكون كل جوهر غير متحيز # فعنه جوابان # أحدهما أن يقال له ولأمثاله كالرازي والشهرستاني ونحوهما من PageV04P162 ~~المتأخرين الذين أثبتوا جواهر معقولة غير متحيزة موافقة للفلاسفة الدهرية ~~أو قالوا إنه دليل على نفي ذلك أنتم إذا ناظرتم الملاحدة المكذبين للرسل ~~فادعوا إثبات جواهر غير متحيزة عجزتم عن دفعهم أو فرطتم فقلتم لا نعلم ~~دليلا على نفيها أو قلتم بإثباتها وإذا ناظرتم إخوانكم المسلمين الذين ~~قالوا بمقتضى النصوص الإلهية والطريقة السلفية وفطرة الله التي فطر عباده ~~عليها والدلائل العقلية السليمة عن المعارض وقالوا إن الخالق تعالى فوق ~~خلقه سعيتم في نفي لوازم هذا القول وموجباته وقلتم لا معنى للجوهر إلا ~~المتحيز بذاته فإن كان هذا القول حقا فادفعوا به الفلاسفة الملاحدة وإن كان ~~باطلا فلا تعارضوا به المسلمين أما كونه يكون حقا إذا دفعتم ما يقوله ~~إخوانكم المسلمون ويكون باطلا إذا عجزتم عن دفع الملاحدة في الدين فهذا ~~طريق من بخس حظه من العقل والدين وحسن النظر والمناظرة عقلاوشرعا # والجواب الثاني انك قلت في أول هذا الوجه إما أن تكون ذاته قابلة لأن ~~يشار إليها أنها ههنا أو هناك أو لاتكون قابلة ثم قلت فإن كان الأول فيكون ~~متحيزا فكان حقك ان تقول وإن لم تكن ذاته قابلة PageV04P163 ~~للإشارة إليه إذا لزم في كل جوهر أن لا يكون مشارا إليه وأن لا يكون متحيزا # وإذا قلت ذلك قيل لك إثبات هؤلاء جوهرا لا يشار إليه هو قول المتفلسفة ~~الذين يثبتون جواهر لا يشار إليها وقول النصارى الذين ينفون العلو وحينئذ ~~فيقولون لا نسلم أن كل جوهر فإنه يجب ان [ يكون ] مشارا إليه وأنت قد ~~اعترفت في بحثك مع الفلاسفة بهذا وهذا القول وإن كان باطلا لكن المقصود ~~تبيين ضعف حجج هؤلاء النفاة نفيا يستلزم نفي الصفات ms0790 # ويقال لك إثبات جوهر لا يشار إليه كإثبات قائم بنفسه لا يشار إليه # وإن قال انا ذكرت هذا لنفي كونه جوهرا كالجواهر # فيقال من قال هذا يقول هو جوهر كالجواهر التي يدعي إثباتها من يقول ~~بإثبات الجواهر العقلية المجردة فإنه هو جوهر كالجواهر العقلية المجردة فمن ~~نفى هذه الجواهر أبطل قولهم وإلا فلا PageV04P164 # قال الآمدي الخامس أنه لو كان جوهرا كالجواهر لما كان مفيدا لوجود غيره ~~من الجواهرفإنه لا أولوية لبعض الجواهر بالعلية دون بعض ويلزم من ذلك أن لا ~~يكون شيء من الجواهر معلولا أو [ أن يكون ] كل جوهر معلولا للآخر والكل ~~محال فإن قيل الجواهر وإن تماثلت في الجوهرية إلا أنها متمايزة ومتغايرة ~~بامور موجبة لتعين كل واحد منها عن الآخر وعند ذلك فلا مانع من اختصاص ~~بعضها بامور واحكام لا وجود لها في البعض الاخر ويكون ذلك باعتبار ما به ~~التعين لا باعتبار ما به الاشتراك فنقول والكلام في اختصاص كل واحد بما به ~~التعين كالكلام في الأول فهو تسلسل ممتنع فلم يبق إلا أن يكون اختصاص كل ~~واحد من المتماثلات بما اختص به لمخصص من خارج وذلك على الله محال PageV04P165 # قلت ولقائل أن يقول قوله لو كان جوهرا كالجواهر إن عني به أنه لو كان ~~جوهرا مماثلا للجواهر فيما يجب ويجوز ويمتنع لم ينفعه هذا لوجوه # أحدها أن هذا لا يقوله عاقل يتصور ما يقول لما فيه من الجمع بين النقيضين ~~كما تقدم # الثاني أنه إذا كان يقتضي هذا أنه يماثل كل جوهر فيما يجب ويجوز ويمتنع ~~لم يلزم انتفاء مشابهته له من بعض الوجوه فإن نفى التماثل في مجموع هذه ~~الأمور يكون بانتفاء التماثل في واحد من أفرادها فإذا قدر أنه خالف غيره في ~~فرد من أفراد هذه الأمور لم يكن مثله في مجموعها ولكن ذلك لا ينفى مماثلته ~~في فرد آخر وحينئذ فلا يكون قول القائل هو جوهر لا كالجواهر صحيحا ولا يكون ~~النزاع معه في اللفظ بل لا بد أن ينفى عنه مماثلة ms0791 المخلوقات في كل ما هو من ~~خصائصها # الثالث أنه على هذا التقدير يكون مشابها لها من وجه مخالفا من وجه وليس ~~في كلامه ما يبطل ذلك بل قد صرح في غير هذا الموضع بأن هذا هو الحق # فقال في مسألة حدوث الأجسام لما ذكر حجة القائلين PageV04P166 ~~بالقدم قال الوجه العاشر أنه لو كان العالم محدثا فمحدثه إما أن يكون ~~مساويا له من كل وجه او مخالفا له من كل وجه فإن كان الأول فهو حادث ~~والكلام فيه كالكلام في الأول ويلزم التسلسل الممتنع وإن كان الثاني ~~فالمحدث ليس بموجود وإلا لما كان مخالفا له من كل وجه وهو خلاف الفرض وإذا ~~لم يكن موجودا امتنع أن يكون موجبا للموجودكما سبق وإن كان الثالث فمن جهة ~~ما هو مماثل للحادث يجب أن يكون حادثا والكلام فيه كالأول وهو تسلسل محال ~~وهذه المحالات إنما لزمت من القول بحدوث العالم فلا حدوث # ثم قال في الجواب وأما الشبهة العاشرة فالمختار من أقسامها PageV04P167 ~~إنما هو القسم الأخير ولا يلزم من كون القديم مماثلا للحوادث من وجه أن ~~يكون مماثلا للحادث من جهة كونه حادثا بل لا مانع من الاختلاف بينهما في ~~صفة القدم والحدوث وإن تماثلا بأمر آخر وهذا كما أن السواد والبياض مختلفان ~~من وجه دون وجه لاستحالة اختلافهما من كل وجه وإلا لما اشتركا في العرضية ~~واللونية والحدوث واستحالة تماثلهما من كل وجه وإلا كان السواد بياضا ومع ~~ذلك فما لزم من مماثلة السواد للبياض من وجه أن يكون مماثلا له في صفة ~~البياضية # وإن عني به أنه لو كان جوهرا مماثلا في مسمى الجوهرية فهذا مثل أن يقال ~~لو كان حيا مماثلا للأحياء في مسمى الحيية او عالما مماثلا للعلماء في مسمى ~~العالمية أو قادرا مماثلا للقادرين في مسمى القادرية أو موجودا مماثلا ~~للموجودات في مسمى الموجودية وحينئذ فموافقته في ذلك لا تستلزم أن يكون ~~مماثلا لها فيما يجب ويجوز ويمتنع إلا أن تكون الجواهر كلها كذلك # ومعلوم أن من يقول ms0792 هو جوهرلا يقول إن الجواهر متماثلة بل يقول إنه مخالف ~~لغيره بل جمهور العقلاء يقولون إن PageV04P168 ~~الجواهر مختلفة في الحقائق وحينئذ فتبقى هذه الوجوه موقوفة على القول ~~بتماثل الجواهر والمنازع يمنع ذلك بل ربما قال العلم باختلافها ضروري # ودعوى تماثلها مخالف للحس والعلم الضروري فإنا نعلم أن حقيقة الماء ~~مخالفة لحقيقة النار وأن حقيقة الذهب مخالفة لحقيقة الخبز وأن حقيقة الدم ~~مخالفة لحقيقة التراب وأمثال ذلك وأن اشتراكهما في كونها جوهرين هو ~~اشتراكهما في كونهما قائمين بأنفسهما أو متحيزين أو قابلين للصفات وهذا ~~اشتراك في بعض صفاتهما لا في الحقيقة الموصوفة بتلك الصفات # الثالث إنه إن أراد بقوله إنه جوهر كالجواهر أنه مماثل لكل جوهر في ~~حقيقته ويجوز عليه ما يجوز على كل جوهر فهذا لا يقوله عاقل وإنما أراد ~~المنازع انه إما قائم بنفسه وإما متحيز وإما نحو ذلك من المعاني التي يقول ~~إن الاشتراك فيه كالاشتراك في كون كل منها حيا عالما قائما بنفسه ونحو ذلك ~~فيبقى النزاع في أن مسمى الجوهر عند هؤلاء يقتضي تماثل أفراده # وهؤلاء يقولون لا بل هو اسم لما تختلف أفراده وفي أن هؤلاء يقولون ~~الاشتراك في التحيز الاصطلاحي يقتضي التماثل في الحقيقة وهؤلاء ينفون ذلك PageV04P169 # ومعلوم عند التحقيق أن قول النفاة للتماثل هو الحق كما قد بسط في موضعه # وهؤلاء يقولون قولنا جوهر كقولكم ذات قائمة بنفسها ونحو ذلك # فتبين أن ما ذكره من الدليل على نفي الجوهر هو دليل على نفي ما اتفقت ~~الطوائف على نفيه فإن أحدا من العقلاء لا يقول إنه جوهر بمعنى مماثلته لكل ~~قائم بنفسه فيما يجب ويجوز ويمتنع وما قاله المثبتة منه ما سلم لهم معناه ~~ومنه ما لا حجة له على نفيه إلا حجته على نفي الجسم وحينئذ فيكون الكلام في ~~نفي الجوهر مفرعا على الكلام في نفي الجسم # وقوله إن الوجوه الأربعة التي نفي بها الجوهر ينفي [ بها ] الجسم لا ~~يستقيم فإنه إنما نفى بها الجوهر بمعنى أنه مماثل لغيره فيما يجب ويجوز ~~ويمتنع ms0793 وهذا مما يسلمه له من يقول إنه جوهر وجسم فإقامة الدليل عليه نصب ~~للدليل في غير محل النزاع لم ينف بها الجوهر بالمعنى الذي يثبته من قاله # وحرف المسألة أن كلامه مبني على تماثل الجواهر ومن يقول ذلك لا يقول إنه ~~جوهر ولا جسم فالكلام في هذا الباب فرع PageV04P170 ~~على تلك المسألة ولو كان هذا صحيحا لكان العلم بحدوث الأجسام وإمكانها من ~~أسهل الأمور فإن بعضها محدث بالمشاهدة والمحدث ممكن فإذا كانت متماثلة جاز ~~على كل واحد منها ما جاز على الآخر فيلزم إما حدوثها وإما إمكان حدوثها ~~وعلى التقديرين يحصل المقصود # والنافي لتماثلها لا يقول السؤال الذي أورده إنها متماثلة في الجوهرية ~~لكنها متمايزة ومتغايرة بأمور موجبة للتعين هو الموجب للاختصاص بل يقول ~~إنها مختلفة بحقائقها وأنفسها لكنها تشابهت في كونها قائمة بأنفسها أو ~~كونها متحيزة قابلة للصفات وهذا معنى اتفاقها في الجوهرية كما ذكره هو في ~~الاعتراض على دليل القائلين بتماثلها # ويقول أيضا إن الأمور المتماثلة من كل وجه لا يجوز تخصيص أحدها بما يتميز ~~به عن الآخر إلا لمخصص وإلا لزم ترجيح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح ~~ومشيئة الله تعالى ترجح أحد الأمرين لحكمة تقتضي ذلك وتلك الحكمة مقصودة ~~لنفسها وإلا فنسبة الإرادة إلى المتماثلين سواء وتلك الحكمة المرادة تنتهي ~~إلى حكمة تراد لنفسها كما بسط في موضعه PageV04P171 # وأيضا فإن قول القائل إن هذه الجواهر المشهودة متماثلة في الحقيقة ولكن ~~الفاعل المختار خص كلا منها بصفات تخالف بها الآخر يقتضي أن لها حقيقة ~~مجردة عن جميع الصفات التي اختلفت فيها فيكون الماء المشهود له حقيقة غير ~~هذا الماء المشهود والنار المشهودة لها حقيقة غير هذه النار المشهودة ويكون ~~مخالفا ما خالف به هذا لهذا في الماء والنار أمرا عارضا لتلك الحقيقة لا ~~صفة ذاتية لها ولا لازمة # وهذا مكابرة للحس [ وأيضا ] فعلى هذا القول لا يكون لشيء من الموجودات ~~صفة ذاتية ولا صفة لازمة لذاته أصلا بل كل صفة يوصف بها عارضة له يمكن ~~زوالها مع ms0794 بقاء حقيقته لأن كل ما اختلفت به الأعيان أمر عارض لها ليس بداخل ~~في حقيقتها عند من يقول بتماثل الجواهر والأجسام وحينئذ فيكون الإنسان الذي ~~هو حيوان ناطق يمكن زوال كونه حيوانا وكونه ناطقا مع بقاء حقيقته وذاته ~~وكذلك الفرس يمكن زوال حيوانيته وصاهليته مع بقاء حيقته وذاته وهكذا كل ~~الأعيان # ثم يقال إذا قدرنا عدم هذه الصفات التي هي لازمة للأنواع وذاتية لها لم ~~يبق ما يعقل كونه جوهرا لا مماثلا ولا مخالفا فإنا إذا نظرنا إلى هذا ~~الإنسان وقدرنا انه ليس بحي ولا ناطق ولا ضاحك PageV04P172 ~~ولا حساس ولا متحرك بالإرادة لم يعقل هنالك جوهر قائم بنفسه غيره تعرض له ~~هذه الصفات بل إثبات ذلك النوع من الخيال الذي لا حقيقة له وهذا الخيال في ~~الجواهر المحسوسة نظير خيال من أثبت الجواهر المعقولة لكن تلك محلها العقل ~~وهذه محلها الخيال فإنا يمكننا تقدير هذا الشكل مع عدم كونه حيوانا ناطقا ~~لكن حينئذ يكون المقدر شكلا مجردا هو عرض من الأعراض وهو الذي يسمى الجسم ~~التعليمي كما نقدر أعدادا مجردة عن المعدودات وهذه المقادير المجردة ~~والأعداد المجردة لا وجود لها إلا في الأذهان واللسان وكل جسم موجود له قدر ~~يخصه وهذه هي الجسمية والجوهرية التي يثبتها من يقول بعدم تماثل الجواهر ~~وهي نظير الصورة الجسمية التي هي عرض من أعراض الجسم التي يثبتها من يقول ~~بالمادة والصورة فدعوى أولئك أن الصورة الجسمية جوهر وأن المادة جوهر آخر ~~هو نظير دعوى هؤلاء أن الصور الجسمية جواهر متماثلة وليس هنا إلا هذه ~~الأعيان القائمة بأنفسها وما قام بها من الصفات والمقادير التي هي أشكالها ~~وصورها ثم من العجيب أن هؤلاء المتكلمين المتأخرين كأبي حامد PageV04P173 ~~والشهرستاني والرازي والآمدي وأمثالهم ممن يوافق أهل المنطق على صحة المنطق ~~يوافقون أهل المنطق فيما يدعونه من انقسام صفات الجواهر والأجسام إلى ذاتي ~~وعرضي وانقسام العرضي إلى لازم للماهية وعارض لها وانقسام العارض إلى لازم ~~ومفارق مع ما في هذا الكلام من الخطأ فإن الصفات في الحقيقة ms0795 إنما تنقسم إلى ~~لازم للماهية وعارض لها # وأما تقسيم اللازم إلى ذاتي وعرضي وإثبات شيئين في هذه الأعيان أحدهما ~~الذات والثاني هذا الموجود المشاهد فكلام باطل كما قد بسط في موضعه # ثم إنهم في قولهم بتماثل الجواهر والأجسام يدعون أن جميع صفات الأجسام ~~التي تختلف بها إنما هي عارضة لها قابلة لزوالها ليس منها شيء لازم للحقيقة ~~ولا هو من موجبات الذات ومقتضياتها فيا سبحان الله أين ذلك التلازم الذي ~~غلوتم فيه حتى تجعلون الحقيقة مؤلفة من صفاتها الذاتية وتقولون إن الذات هي ~~المقتضية للوازم ولوازم اللوازم # وهنا يقولون ليس لهذه الأعيان حقيقة قائمة بنفسها إلا ما تشترك فيه وليس ~~لشيء منها لازم يخصه ولا لازم يفارق PageV04P174 ~~به غيره بل ليست اللوازم إلا ما لزم جميع ما يسمى جوهرا وجسما # وهذا المعنى قد رأيت منه عجائب لهؤلاء النظار يتكلم كل منهم مع كل قوم ~~على طريقتهم بكلام يناقض ما تكلم به على طريقة أولئك مع تناقض كل من ~~القولين في نفس الأمر وهذا إما أن يكون لكونه لم يفهم أن هذا المعنى الذي ~~أثبته بهذه العبارة هو الذي نفاه بتلك فلا يكون قد تصور حقيقة ما يقول بل ~~تصور ما يتقيد باللفظ بحيث إذا خرج المعنى عن ذلك اللفظ لم يعرف أنه هو ~~وهذا قبيح بمن يدعي النظر في العقليات المحضة التي لا تتقيد بلغة ولا لفظ ~~وإما أن يكون مع نسيانه وذهوله في كل مقام لما قاله في المقام الآخر وهذا ~~أشبه أن يظن بمن له عقل وتصور صحيح لكنه يدل على أن له في المسألة قولين ~~وأنه يقول في كل مقام ما ترجح عنده في ذلك المقام لا يمشي مع الدليل مطلقا ~~بل يتناقض وإما ان يكون مع فهمه التناقض وحينئذ فإما لا يبالي بتناقض كلامه ~~وإما أن يرجح هذا في هذا الموطن وهذا في هذا الموطن PageV04P175 ### | AUTO فصل # ومن العجب ان كلامه وكلام أمثاله يدور في هذا الباب على تماثل الأجسام ~~وقد ذكر النزاع فيتماثل الأجسام وأن ms0796 القائلين بتماثلها من المتكلمين بنوا ~~ذلك على أنه مركبة من الجواهر لمنفردة وأن الجواهر متماثلة ثم إنه في مسألة ~~تماثل الجواهر ذكر أنه لا دليل على تماثلها فصار أصل كلامهم الذي ترجع إليه ~~هذه الأمور كلاما بلا علم بل بخلاف الحق مع أنه كلام في الله تعالى # وقد قال الله تعالى { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون } [ سورة الأعراف 33 ] وقال تعالى عن الشيطان { إنما ~~يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [ سورة البقرة ~~169 ] قال في كتابه هذا الكبير الفصل الرابع في أن الجواهر متجانسة غير ~~متحدة اتفقت الأشاعرة وأكثر المعتزلة على أن الجواهر متماثلة متجانسة وذهب ~~النظام والنجار من المعتزلة بناء على قولهما PageV04P176 ~~بتركب الجواهر من الأعراض إلى ان الجواهر إن تركبت من الأعراض المختلفة فهي ~~مختلفة ولهذا فإنا ندرك الاختلاف بين بعض الجواهر كالاختلاف الواقع بين ~~النار والهواء والماء والتراب ضرورة كما يدرك الاختلاف بين السواد والبياض ~~والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وسائر الأعراض المختلفة # قال وهو باطل اما كون الجواهر مركبة من الأعراض فيما سبق وأما ما ندركه ~~من الاختلاف بين الجواهر كالأمثلة المضروبة فلا نسلم أنه عائد إلى اختلاف ~~الجواهر في أنفسها بل هو عائد إلى الأعراض القائمة واختلاف الأعراض لا يدل ~~على اختلاف المعروض له في نفسه # قلت النجار ليس هو من المعتزلة بل هو رأس مقالة وهو يخالف المعتزلة في ~~القدر فيثبته وفي غير ذلك من أصول المعتزلة لكنه PageV04P177 ~~يوافقهم على نفي الصفات ويخالفهم أيضا في تماثل الأسماء والأحكام والوعيد # وجمهور الناس على أن الأجسام مختلفة من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم وقد ~~ذكر الأشعري في مقالاته النزاع في ذلك # والمقصود هنا اعترافه بأنه لا حجة للقائلين بالتماثل فإنه قال فإن قيل ما ~~ذكرتموه وإن دل على إبطال ماخذ القائلين بالاختلاف فما دليلكم في التماثل ~~والتجانس فلئن قلتم دليل التماثل ms0797 اشتراك جميع الجواهر في صفات نفس الجوهر ~~وهي التحيز وقبول الأعراض والقيام بنفسه فنقول وما المانع من كون الجواهر ~~مختلفة بذواتها وإن اشتركت فيما ذكرتموه من الصفات فإنه لا مانع من اشتراك ~~المختلفات في عوارض عامة لها وإنما يثبت كون ما ذكرتموه صفات نفس الجوهر أن ~~لو لم يكن الجواهر مختلفة وهذه أعراض عامة لها وإنما يمتنع كون الجواهر ~~مختلفة وأن هذه اعراض PageV04P178 ~~عامة لها أن لو كانت هذه الصفات صفات نفس الجوهر وهو دور ممتنع قال واعلم ~~أن طرق أهل الحق في إثبات المجانسة وإن اختلفت عباراتها فكلها آيلة إلى ما ~~ذكر وما قيل عليه من الإشكال فلازم لا مخلص منه إلا بأن يقال نحن لا نعني ~~بتجانس الجواهر غير كونها مشتركة فيما ذكرناه من الصفات وعند ذلك فحاصل ~~النزاع يرجع إلى التسمية لا إلى نفس المعنى # قلت فهذا قوله مع اطلاعه على طرق القائلين بالتجانس ورغبته في نصرهم لو ~~امكنه فذكر ان جميع ما ذكروه من الطرق يرجع إلى ما ذكره وهو مما يعلم ~~بالاضطرار أن لا يدل على تماثلها بل يدل على اشتراكها في معنى من المعاني ~~وليس جعل ما به من الاشتراك هو الذات وما به الاختلاف من الصفات بأولى من ~~العكس وهذا على سبيل التنزل وإلا فنحن نعلم بالضرورة والحس واختلاف الأجسام ~~المختلفة كما نعلم اختلاف الأعراض المختلفة وما ذكره من أن الاختلاف عائد ~~إلى الأعراض لا إلى المعروض فمخالفة للحس فإن نفس النار مخالفة للماء ليس ~~مجرد حرارة النار هي المخالفة لبرودة الماء بل PageV04P179 ~~نحن نعلم أن النار تخالف الماء أعظم مما نعلم أن الحرارة تخالف البرودة ~~وذلك أن الحرارة والبرودة بينهما من الاشتراك في الكيفيات مثل كون كل منهما ~~عرضا قائما بغيره وهو صفة محسوسة باللمس وكذلك بين السواد والبياض من ~~الاشتراك في العرضية واللونية والقيام بالغير والرؤية بالبصر وغير ذلك من ~~الصفات اعظم من الاشتراك بين الماء والنار فإن الاشتراك بينهما هو في القدر ~~ونحو ذلك من الكميات والاشتراك في الكيفية أعظم ms0798 من الاشتراك في الكمية فإذا ~~كان ذلك لا يوجب التماثل فذاك بطريق الأولى # وأيضا فالحرارة قد تنكسر بالبرودة فيمثل الفاتر فإنه لا يبقى حارا كحرارة ~~النار ولا باردا برودة الماء المحض وأما نفس الماء والنار فلا يجتمعان ~~وأيضا فالآعراض المختلفة تشترك في محل واحد واما نفس الأقسام فلا تشترك في ~~محل واحد وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا بيان اعتراف هؤلاء بفساد الأصول التي بنوا عليها ما خالفوه ~~من النصوص وبيان تناقضهم في ذلك وأنهم يقولون إذا تكلموا في المنطق وغيره ~~بما يناقض كلامهم هنا ويبعد أو يمتنع في العادة أن يكون هذا لمجرد اختلاف ~~الاجتهاد مع الفهم التام في الموضعين بل يكون لنقص كمال الفهم والتصور ~~وخوفا أن لا يكون القولان متنافيين فلا يهجم بإثبات التناقض أو لنوع من الهوى PageV04P180 ~~والغرض ولو لم يكن إلا مراعاة الطائفة التي يتكلم باصطلاحها أن لا يخالفها ~~فيما هو من مشهورات أقوالها ولعل كلا الأمرين موجود في مثل هذه المعاني ~~التي تعبر عنها العبارات الهائلة ولها عند أصحابها هيبة ووهم عظيم والكلام ~~على هذه الأمور مبسوط فيغير هذا الموضع # والمقصود هنا نوع تنبيه على ان ما يدعونه من العقليات المخالفة للنصوص لا ~~حقيقة لها عند الاعتبار الصحيح وإنما هي من باب القعقعة بالشنان لمن يفزعه ~~ذلك من الصبيان ومن هو شبيه بالصبيان وإذا أعطى النظر في المعقولات حقه من ~~التمام وجدها براهين ناطقة بصدق ما أخبر به الرسول وأن لوازم ما اخبر به ~~لازم صحيح وأن ما نفاه نفاه لجهله بحقيقة الأمر وفزعا باطنا وظاهرا كالذي ~~يفزع من الآلهة المعبودة من دون الله أن تضره ويفزع من عدو الإسلام لما ~~عنده من ضعف الإيمان # قال تعالى عن الخليل صلوات الله عليه { وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله ~~وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما ~~أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل ~~به عليكم سلطانا ms0799 فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } [ سورة الأنعام 80 ) PageV04P181 ~~81 ] قال الله تعالى { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون } [ سورة الأنعام 82 ] # ومن خالف الرسل لا يسلم من الشرك والإفك { سبحان ربك رب العزة عما يصفون ~~وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين } [ سورة الصافات 180 182 ] { ~~إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك ~~نجزي المفترين } [ سورة الأعراف 152 ] قال أبو قلابة هي لكل مفتر من هذه ~~الأمة إلى يوم القيامة # وما أشبه هؤلاء في رعبهم من الألفاظ الهائلة التي لم يعلموا حقيقتها بمن ~~رأى العدو المخذول فلما رأى لباسهم رعب منهم قبل تحقق حالهم ومن كشف حالهم ~~وجدهم في غاية الضعف والعجز ولكن قال تعالى { سنلقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا } [ سور ة آل عمران 151 ] # وبسط هذا يطول والمقصود التنبيه فهذا ما ذكره في الجوهر وأما الجسم فإنه ~~اعتمد في نفيه على هذه الوجوه الأربعة في الجوهر وقد عرف حالها # وقال ويختص الجسم بأربعة أوجه الأول أنه إذا ثبت أن PageV04P182 ~~الرب غير متصف بكونه جوهر امتنع أن يكون متصفا بكونه جسما لأن الجسم مركب ~~من الجواهر ومفتقر إليها ويلزم من انتفاء ما لابد منه في كونه جسما أن لا ~~يكون جسما # قلت هذا الوجه بين الضعف وذلك أنه لو قدر انتفاء كون الشيء جوهرا منفردا ~~لم يلزم أن لا يكون جسما مؤلفا من الجواهر فإن الأجسام جميعها كل ما عنده ~~ليس جوهرا منفردا مع كونها مؤلفة من الجواهر وهو لم يقم دليلا على نفي كونه ~~جوهرا ولا نفى ما يستلزم الجوهر # وهذا كما لو أقام دليلا على أنه ليس بعلم أو قدرة أو كلام أو مشيئة لم ~~يستلزم ذلك أن لا تكون هذه من لوازمه فنفى كون الشيء أمرا من الأمور غير ~~نفى كونه ملزوما لذلك الأمر # وأيضا فيقال أنت لم تقم دليلا على كون الجواهر متماثلة بل ms0800 صرحت بأنه لا ~~دليل على ذلك فبطل ما ذكرته في نفى الجوهر وأيضا فيقال لفظ الجوهر فيه ~~إجمال وله عدة معان PageV04P183 ~~أحدها الجوهر الفرد وعلى هذا فالجسم ليس بجوهر وفي كونه مركبا منه نزاع ~~والثاني المتحيز وعلى هذا فالجسم جوهر ومن نفى الجوهر الفرد قال كل جسم ~~جوهر وكل جوهر جسم ومن أثبته قال الجوهر أعم من الجسم # والثالث الجواهر العقلية عند من يثبت جوهرا ليس بمتحيز كالعقول والنفوس ~~والمادة والصورة فإن هؤلاء المتفلسفة المشائين يدعون أن الجواهر خمسة أقسام ~~وجمهور العقلاء يدفعون هذا ويقولون هذه الأمور التي سميتموها جواهر عقلية ~~إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان # وقد يراد بالجوهرما هو قائم بنفسه فمن كان الجوهر أعم عنده من الجسم فإذا ~~انتفى الأعم انتفى الأخص وكذلك من كان الجوهر عنده مرادفا للجسم وأما من ~~كان الجوهر عنده لا يتناول معنى الجسم مثل أن يقدر أنه لايستعمل لفظ الجوهر ~~إلا في الفرد فهذا لا يلزم من نفى كونه جوهرا نفى كونه جسما إلا بالحجة ~~التي ذكرها وهو أن يقال الجسم مركب من الجواهر فالحجة لا تستقيم إلا على ~~تقدير ثبوت هذا الاصطلاح مع أني لا أعرفه اصطلاحا لأحد مطلقا PageV04P184 # ولكن بعض الناس قد يخص به الفرد مع أنه هو وغيره دائما يسمون الجسم جوهر # ولهذا قال الآمدي وغيره في نفي كونه جوهرا إما أن يكون قابلا للتحيزية ~~فيكون جسما مركبا وإما أن لا يكون قابلا للتحيزية فيكون في غاية الصغر ~~والحقارة وكثيرا ما يقع في كلامهم لفظ الجوهر متناولا للجسم وكثيرا ما يقع ~~مختصا بالفرد فما ذكره أولا في نفي الجوهر بالمعنى العام فالجسم يدخل فيه ~~فإن صح ما ذكره صح نفي الجسم لكن قد عرف ضعفه # وأما إذا كان المنفى هو الجوهر الفرد فقط فيحتاج أن يقول إن الجسم مركب ~~منه لينفى الجسم لكن هذا فيه نزاع معروف وأكثر الناس على أنه ليس بمركب من ~~الجواهر المنفردة وهو الصواب كما قد بسط في موضعه # فمن الناس من يقول إنه ms0801 مركب من جواهر متناهية لا تقبل القسمة بوجه من ~~الوجوه حتى ولا بالوهم ومنهم من يقول هو مركب من جواهر غير متناهية كذلك ~~ومنهم من يقول هو مركب من الهيولي والصورة لكنه يقبل القسمة إلى غير نهاية ~~ومنهم من يقول ليس بمركب لكنه يقبل التقسيم إلى الجواهر المنفردة التي لا تتجزأ PageV04P185 ~~ومنهم من يقول بل كل موجود فلا بد أن يتميز منه شيء عن شيء فلا يتصور وجود ~~جوهر لا يتميز منه شيء عن شيء لكن إذا تصغرت الأجزاء استحالت وقد لا تقبل ~~القسمة الفعلية بل إذا قسمت استحالت كما في أجزاء الماء إذا تصغرت فإنها ~~تصير هواء فهي وإن كان يتميز منها شيء عن شيء لكن ليس لها من القوة ما ~~يحتمل الانقسام الفعلي بل تستحيل إذا أريد بها ذلك وعلى هذا القول فلا نثبت ~~شيئا لا يتميز منه جانب عن جانب ولا يثبت ما لا نهاية له في ضمن ما لا ~~يتناهى ولا انقسام إلى غير نهاية بل كل موجود فإنه يتميز منه شيء عن شيء ~~وهو قد يستحيل قبل وجود الانقسامات التى لا تتناهى فتزول بهذا القول ~~الإشكالات الواردة على غيره مع أنه مطابق للواقع فتبين ضعف هذا الوجه # قال الآمدى الثاني أنه قد ثبت أن الرب متصف بالعلم والقدرة وغيرهما من ~~الصفات فلو كان جسما كالأجسام لزم من اتصافه بهذه الصفات المحال وذلك من ~~وجهين الأول أنه لو PageV04P186 ~~اتصف بهذه الصفات فإما أن يكون كل جزء من أجزائه متصفا بجميع الصفات وإما ~~أن يكون المتصف بجملتها بعض الأجزاء وإما أن يكون كل جزء مختصا بصفة وإما ~~أن تقوم كل صفة من هذه الصفات مع اتحادها بجملة الأجزاء فإن كان الأول يلزم ~~منه تعدد الآلهة وأما الثاني فهو ممتنع لأنه لا أولويه لبعض تلك الأجزاء ~~بأن يكون هو المتصف دون الباقي ولأنه يلزم أن يكون الإله هو ذلك الجزء دون ~~غيره لأن حكم العلة لا يتعدى محلها وإن كان الثالث فلا أولوية أيضا وإن كان ~~الرابع فهو ms0802 محال لما فيه من قيام المتحد بالمتعدد # ولقائل أن يقول الاعتراض على هذا من وجوه الأول قولك لو اتصف بكل واحدة ~~من هذه الصفات فإما أن يكون كل جزء من أجزائه متصفا بجميع هذه الصفات إلى ~~آخره فرع على ثبوت الأجزاء وذلك ممنوع فلم قلت إن كل ما هو جسم فهو مركب من ~~الأجزاء فإن هذا مبنى على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة وهذا ممنوع PageV04P187 ~~وجمهور العقلاء على خلافه وهولم يثبته هنا بالدليل فيكفي مجرد المنع وبسط ~~ذلك في موضعه وكل من أمعن في معرفة هذا المقام علم أن ما ذكروه من أن الجسم ~~مركب من جواهر مننفردة متشابهة عرض لها التركيب أو من مادة وصورة وهما ~~جوهران من أفسد الكلام وإذا كان كذلك أمكن أن يكون كل من الصفات القائمة ~~بجميع المحل شائعة في جميع الموصوف ولا يلزم أن يكون الواحد قام بأجزاء بل ~~القول في الصفة الحالة كالقول في المحل الذى هو الموصوف # الوجة الثاني أن يقال القول في وحدة الصفة وتعددها وانقسامها وعدم ~~انقسامها كالقول في الموصوف وسواء في ذلك الصفات المشروطة بالحياة كالقدرة ~~والحس بل والحياة نفسها أو التي لا تشترط بالحياة كالطعم واللون والريح فإن ~~طعم التفاحة مثلا شائع فيها كلها فإذا بعضت تبعض ولا يقال إنها قام طعم ~~واحد بجملة التفاحة بل إن قيل إن التفاحة أجزاء كثيرة قيل قام بها طعوم ~~كثيرة وإن قيل هي شيء واحد قيل قام بها طعم واحد فإن PageV04P188 ~~قيل فهذا هو التقدير الأول وهو اتصاف كل جزء من هذه الأجزاء بجميع هذه ~~الصفات قيل ليس كذلك أما أولا فلمنع التجزى وأما ثانيا فلأنه لم يقم بكل ~~جزء إلا جزء من الصفة القائمة بالجميع لم تقم جميع الصفة بكل جزء وحينئذ ~~فيبطل التلازم المذكور وهو كون كل جزء إلها فإن الإله سبحانه هو المتصف ~~بأنه بكل شيء عليم وهو على كل شيء قدير أما إذا قدر موصوف قام به جزء من ~~هذه القدرة لا تنقسم هي ولا محلها ms0803 لم يلزم أن يكون ذلك الجزء قادرا فضلا عن ~~أن يكون ربا إذ القادر لا يجب أن يكون من قام به جزء من القدرة ولا الحى من ~~قام به جزء من الحياة ولا العالم من قام به جزء من العلم فإن قيل كيف يعقل ~~انقسام القدرة والحياة والعلم قيل كما يقعل انقسام محل هذه الصفات فإن ~~الإنسان تقوم حياته بجميع بدنه وكذلك الحس والقدرة تقوم ببدنه وغيرهما من ~~صفاته فكما أن بدنه ينقسم فالقائم ببدنه ينقسم # فإن قيل إذا انقسم لم يبق قدرة ولا علما ولا حياة PageV04P189 # قيل وكذلك المحل لا يبقى يدا ولا عضوا لا قادرا ولا حيا ولا عالما ولا ~~حساسا فإن الجزء المنفرد بتقدير وجوده هو أحقر من أن يقال إنه يد أو عضو أو ~~بدن حى عالم قادر فكيف يقال فيه إنه إله # الوجه الثالث أن ما ذكروه معارض بقيام هذه الصفات في الأنسان فإن الإنسان ~~تقوم به الحياة والقدرة والحس ولم نذكر العلم ولا نحتاج أن نقول كما قالت ~~المعتزلة إن الأعراض المشروطة بالحياة إذا قامت بجزء في الجملة عاد حكمها ~~إلى جميع الجملة بل نذكر من الأعراض ما يعلم قيامه بالبدن الظاهر كالحياة ~~والحس والحركة والقدرة فإن هذا التقسم الذى ذكروه يرد عليه فإنه إن قيل إن ~~كل جزء من أجزائه متصف بهذه الصفات لزم تعدد الإنسان وإن كان المتصف ~~بجملتها بعض الأجزاء فلا أولوية ولزم أن لا يتعدى حكم الصفة محلها # والتقدير أن ظاهر البدن كله حى حساس وإن قيل إن كل واحد يختص بصفة فهو ~~معلوم الفساد بالضرورة مع أنه لا أولوية PageV04P190 ~~وإن قيل تقوم الصفة الواحدة بالجملة لزم قيام الواحد بالمتعدد فإذا كان هذا ~~التقسيم واردا على ما يعلم قيام الصفات به ولم ينف قيامها به علم أنها حجة باطلة # الوجة الرابع قوله والرابع محال لأنه يلزم ( منه ) قيام المتحد بالمتعدد # فيقال لا نسلم التلازم فإن هذا القيام مبناه على أنه حينئذ يقوم الواحد ~~بالمتعدد فإنه فرض قيام علم واحد وقدرة ms0804 واحدة وحياة واحدة بجملة أجزاء وهذا ~~الأصل فاسد فإن المعلوم من وحدة الصفة الحالية وتعددها هو المعلوم من وحدة ~~المحل وتعدده فالحياة القائمة بجسم حى إذا قيل هي حياة واحدة قيل هو حى ~~واحد وإذا قيل الحى أجزاء متعددة قيل الحياة أجزاء متعددة فالحال ومحله ~~سواء في الاتحاد والتعدد وحينئذ فقولهم إنه قام المتحد بالمتعدد كلام باطل بل ما PageV04P191 ~~فسروا به الاتحاد في أحدهما كان موجودا في الآخر وما فسروا به تعدد أحدهما ~~كان موجودا في الآخر # الوجة الخامس أنا لا نسلم الحصر فيما ذكروه من الأقسام بتقدير انقسام ~~الجسم بل من الممكن أن يقال قام كل جزء من أجزاء هذه الصفات بجزء من أجزاء ~~الموصوف وكل جزء منه متصف بجزء من الصفة # وهذا التقسيم غير ما ذكره من الأقسام ليس فيه اتصاف كل جزء بجميع الصفة ~~ولا المتصف بجميعها بعض الجملة ولا كل جزء مختصا بجميع صفته ولا قيام واحد بمتعدد # فإن قال الصفة لا تنقسم ومحلها ينقسم # قيل هذه مكابرة للحس والعقل بل انقسامها بانقسام محلها يبين هذا أن من ~~أعظم عمد مثبتى الجوهر الفرد قولهم إن الحركة قائمة بالجسم والزمان مقدار ~~الحركة والزمان فيه الآن الذى لا ينقسم فلا ينقسم قدره من الحركة فلا ينقسم ~~الجزء الذى يحلها فإنما استدلوا على وجود الجزء الذى لا ينقسم ( إلا ) ~~بوجود جزء من الحركة لا ينقسم فعلم أن انقسام الحال عندهم كانقسام محله مع ~~هذا معلوم بالحس والعقل PageV04P192 # وكذلك المتفلسفة القائلون بأن النفس الناطقة ليست جسما عمدتهم أنه يقوم ~~بها ما لا ينقسم وما لا ينقسم لا يقوم إلا بما لا ينقسم فقداتفقت الطوائف ~~على أن الصفة إذا لم تنقسم كان محلها لا ينقسم # الوجه السادس أن قوله إما أن يكون كل جزء من الأجزاء متصفا بهذه الصفات # يقال له إن أردت أنه يتصف به كما تتصف به الجملة فهذا لا يقوله عاقل فإنه ~~ليس في الأجسام ما يكون صفة جميعه صفة للجوهر الفرد منه على الوجه الذى هي ~~به ms0805 صفة لجمعيه وإن أردت أنه متصف به كما يليق بذلك الجزء فلم قلت إن ما ~~اتصف به بالصفة على هذا الوجه يمكن انفراده عن غيره فضلا عن كونه إلها # وهذا لأنه ليس في جميع ما يعلم من الموصوفين المنفردين بأنفسهم ما هو ~~جوهر فرد ولا في شيء مما يشاهد من الموصوفين ما هو جوهر فرد بل والجوهر ~~الفرد بتقدير وجوده لا يحس به ولا يوجد منفردا فما كان لا يوجد وحده حتى ~~ينضم إليه أمثاله كيف يكون حيا فضلا عن أن يكون فرسا أو بعيرا فضلا عن أن ~~يكون إنسانا أو ملكا أو جنيا فضلا عن أن يكون إلها PageV04P193 ~~وهل ذكر مثل هذا في حق الله إلا من أعظم الدليل على جهل قائله فإنهم لا ~~يعلمون شيئا من الجواهر المنفردة يسمى باسم جملته لقيام الصفة بالجملة فيكف ~~يجب في حق الله إذا قامت به صفات الكمال أن يكون بتقدير ما ذكروه يجب فيه ~~مثل ذلك # ( الوجه ) السابع أن يقال كما أنه لا يجب في كل جزء من الإنسان أن يكون ~~إنسانا لأنه قام به من الصفات ما يقوم بالإنسان ولا في كل جزء من أجزاء ~~الفرس وسائر الحيوان أن يكون فرسا لكونه من الجملة التي قامت بها الصفة ~~فلماذا يجب في كل ما كان من الإله أن يكون إلها لقيام صفة الإله بالإله ~~الموصوف كله مع أن كل واحد من الموجودات لا يكون حكم جزئه حكم كله لقيام ~~الصفة بالجميع وهل هذا إلا من أفسد الحجج وإن كان هو من أعظم عمد النفاة # قال الوجة الثاني في بيان لزوم المحال من اتصافه بهذه الصفات هو أنه لا ~~يخلو إما أن يكون اتصافه بها واجبا لذاته أو PageV04P194 ~~لغيره لا جائز أن يقال بالأول وإلا لزم اتصاف كل جسم بها وجوبا لذاته ~~للتساوى في الحقيقة على ما وقع به الفرض وإن كان الثاني فيلزم أن يكون الرب ~~مفتقرا إلى ما يخصصه بصفاته والمحتاج إلى غيره في إفادة صفاته له لا يكون إليها ms0806 # قلت ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يكون اتصافه بها واجبا لذاته # قوله يلزم اتصاف كل جسم بها للتساوي في الحقيقة علي ما وقع به الفرض # قيل الذي وقع به الفرض أنه جسم كالأجسام وذلك يقتضى الإشتراك في مسمى ~~الجسمية فلم قلت إن ذلك يستلزم التساوي في الحقيقة فإن هذا مبنى على تماثل ~~الأجسام وهو ممنوع وهو باطل # وإن قيل إنه يقتضي مماثلة كل جسم في حقيقته بحيث يجوز عليه ما يجوز على ~~كل جسم ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ويجب له ما يجب له فهذا لا يقوله عاقل ~~يفهم ما يقول ولا يعرف هذا قولا لطائفة معروفة وفساده ظاهر لا يحتاج إلى ~~إطناب ولكن لا يلزم من فساده أن PageV04P195 ~~لا يكون النزاع إلا لفظا فإن المنازع يقول ليس هو مثل كل جسم من الأجسام ~~فيما يجب ويجوز ويمتنع ولكن شاركها في مسمى الجسمية كما إذا قيل هو حي ~~وغيره حي شاركه في مسمى الحي وكذلك شارك غيره في مسمى العالم والقادر ~~والموجود والذات والحقيقة فما كان من لوازم القدر المشترك ثبت لهما وما ~~اختص بأحدهما لم يثبت للآخر # ومعلوم أن مسمى الجسمية إن قيل إنه يستلزم أن يجوز على كل جسم ما جاز على ~~الآخر فلا يقول عاقل إن الله جسم بهذا التفسير ومن قال إنه جسم لم يقل إن ~~القدر المشترك إلا كالقدر المشترك في الذات والقائم بالنفس ومسمى التحيز ~~ويقول مع ذلك إن هذا المسمى وقع على أمور مختلفة الحقائق كالموصوف والقائم ~~بالنفس ونحو ذلك # وبالجملة إن ثبت تماثل الأجسام في كل ما يجب ويجوز ويمتنع أغناه عن هذا ~~الكلام وإن لم يثبت لم ينفعه هذا الكلام فهذا الكلام لا يحتاج إليه على ~~التقديرين فالمنازع يقول مسمى الجسم كمسمى الموصوف والقائم بنفسه والذات ~~والماهية والوجود ينقسم إلى واجب بنفسه وواجب بغيره وإذا كان أحد النوعين ~~واجبا بنفسه لم يجب أن يكون كل موصوف قائما بنفسه ولا كل موجود وكذلك لا يكون PageV04P196 ~~كل جسم فتبين أن كل ms0807 ما ذكره مغلطة لأنه قال إما أن يقال إنه جسم كالأجسام ~~وإما أن يقال جسم لا كالأجسام فإن قيل بالثاني كان النزاع في اللفظ لا في ~~المعنى فدل ذلك على أن قوله في المعنى موافق لقول من يقول جسم لا كالأجسام ~~ثم جعل القسم الأول هو القول بتماثل الأجسام فكان حقيقة قوله إنه إما أن ~~يقال إنه مماثل للأجسام في حقيقتها بحيث يتصف بما تتصف به من الوجوب ~~والجواز والامتناع وإما إن لا يقال بذلك فمن لم يقل بذلك لم ينازعه في ~~المعنى ومن قال بالأول فقوله باطل # ومعلوم أن أحدا من الطوائف المعروفة وأهل الأقوال المنقولة لم يقل إنه ~~جسم مماثل للأجسام كما ذكر ومعلوم أيضا أن فساد هذا أبين من أن يحتاج إلى ~~ما ذكره من الأدلة فإن فساد هذا معلوم بالأدلة اليقينية لما في ذلك من ~~الجمع بين النقيضين إذ كان كل منهما يلزم أن يكون واجبا بنفسه لا واجبا ~~بنفسه محدثا لا محدثا ممكنا لا ممكنا قديما لا قديما إذ المتماثلان يجب ~~اشتراكهما في هذه الصفات # وإذا كان القول الذي نفاه لم يقله أحد ولم ينازعه فيه أحد والقول الذي ~~ادعى انه موافق لقائله في المعنى لا يخالف فيه قائلة بقي مورد النزاع لم ~~يذكره ولم يقم دليلا على نفيه وهو قول من يقول هو PageV04P197 ~~جسم كالأجسام بمعنى أنه مشارك لغيره في مسمى الجسمية كما يشاركه في مسمى ~~الموصوفية والقيام بالنفس وأنه لم يثبت له لوازم القدر المشترك ولا يثبت له ~~شيء من خصائص المخلوقين ولا يكون مماثلا لشيء من الأجسام فيما يجب ويجوز ~~ويمتنع عليه لأن الأجسام المخلوقة لها خصائص تختص باعتبارها ثبت لها ما يجب ~~ويجوز ويمتنع عليه # والقدر المشترك عند هؤلاء لا يستلزم شيئا من خصائص المخلوقين وهذا القدر ~~لم يتعرض له هنا بنفي ولا إثبات لكنه يقول إن القدر المشترك يستلزم التماثل ~~في الحقيقة وإن ما لزم كلا من الأجسام لزم الآخر وإنما يفترقان فيما يعرض ~~لهما بمشيئة الخالق # لكن هذا القول ms0808 لم يقرر هنا فبقي كلامه هنا بلا حجة مع أن هذا القول فاسد ~~في نفسه كما قد عرف وهو لما قرره في موضع آخر بناه على أصلين على إثباب ~~الجوهر الفرد وتماثل الجواهر وكلاهما ممنوع باطل قد قرر هو أنه لا حجة عليه ~~مع أن القول بأنه جسم كالأجسام ما علمت أنه قال أحد ولا نقله أحد عن أحد ~~وهو مع هذا لم PageV04P198 ~~يذكر دليلا على نفيه فكيف يكون قد أقام دليلا على نفي قول من يقول هو جسم ~~لا كالأجسام # قال الثالث هو أنه لو كان جسما لكان له بعد وامتداد وذلك إما أن يكون غير ~~متناه أو متناهيا فإن كان غير متناه فإما أن يكون غير متناه من جميع الجهات ~~أو من بعض الجهات دون بعض فإن كان الأول فهو محال لوجهين الأول ما سنبينه ~~من إحالة بعد لا يتناهى والثاني يلزم منه أن لا يوجد جسم غيره أو أن تتداخل ~~الأجسام وهو يخالط القاذورات وهو محال وإن كان الثاني فهو ممتنع أيضا ~~لوجهين الأول ما سنبينه من إحالة بعد لا يتناهي والثاني أنه إما أن يكون ~~اختصاص أحد الطرفين بالنهاية دون الآخر لذاته أو لمخصص من خارج فإن كان ~~الأول فهو محال لعدم الأولوية وإن كان الثاني فيلزم أن يكون الرب مفتقرا في ~~إفادة مقداره إلى موجب ومخصص ولا معنى للبعد غير نفس الأجزاء على PageV04P199 ~~ما تقدم فيكون الرب معلول الوجود وهو محال وإن كان متناهيا من جميع الجهات ~~فله شكل ومقدار وهو أما أن يكون مختصا بذلك الشكل والقدر لذاته أو لأمر ~~خارج فأن كان الأول لزم منه اشتراك جميع الأجسام فيه ضرورة الاتحاد في ~~الطبيعة وإن كان الثاني فالرب محتاج في وجوده إلى غيره وهو محال # قلت ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يكون مختصا بالشكل والمقدار لذاته قوله ~~إن ذلك يستلزم اشتراك جميع الأجسام كلها متحدة وهذا ممنوع بل باطل بل معلوم ~~الفساد بالضرورة والحس فإن طبيعة النار ليست طبيعة الماء ولا طبيعة ms0809 الحيوان ~~طبيعة النبات وهذا مبنى على القول بأن الأجسام متماثلة في الحقيقة وهذا لو ~~صح لأغنى عن هذه الوجوه كلها وهو في كتابه لما ذكر قول من يقول بتجانس PageV04P200 ~~الأجسام من أهل الكلام المعتزلة والأشعرية قال إنهم بنوا ذلك على أصلهم أن ~~الجسم هو الجوهر المؤلف أو الجواهر المؤتلفة وأن الجواهر متجانسة وأن ~~التأليف من حيث هو تأليف غير مختلف فالأجسام الحاصلة منها غير مختلفة # ومعلوم أن هذين الأصلين اللذين بنوا عليهما تماثل الأجسام قد أبطلهما هو ~~وغيره وهي مما يخالفهم فيها جمهور العقلاء فأكثر العقلاء لا يقولون إن ~~الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة لا جمهور أهل الملل ولا جمهور الفلاسفة ~~بل جمهور أهل الكلام من الهشامية والنجارية والضرارية والكلابية والكرامية ~~لا يقولون بذلك فكيف بمن عدا أهل الكلام من سائر أنواع أهل العلم فإنهم من ~~أعظم الناس إنكارا لذلك # وكذلك القول بتماثل الجواهر قول لا دليل عليه إذ المتازعون في الجواهر ~~المنفردة منهم من يقول باختلافها ومنهم من يقول بتماثلها # وأيضا فقول القائل إما أن يكون مختصا بذلك المقدار لذاته أو لأمر خارج # يقال له أتريد بذاته مجرد الجسمية المشتركة أم ذاته الذي يختص بها ويمتاز ~~بها عن غيره # أما الأول فلا يقوله عاقل فإن عاقلا لا يعلل الحكم المختص بالأمر PageV04P201 ~~المشترك فلا يقول عاقل إن ما اختص به أحد الشيئين عن الآخر كان للقدر ~~المشترك بينهما فإن القدر المشترك بين الشيئين لا يستلزم المختص فضلا عن أن ~~يكون علة للمختص والعلة مستلزمة للمعلول والملزوم أعم من العلة فإذا لم يكن ~~المشترك ملزوما للمختص كان أن لا يكون علة أولى وأحرى فإن الملزوم حيث وجد ~~وجد اللازم # ومعلوم انه ليس حيث وجد المشترك يوجد المختص إذ المشترك يوجد في هذا ~~والمختص بالآخر منتف # وفي الجملة فهذا مما لا يتنازع فيه العقلاء فلا يكون اختصاص أحد الجسمين ~~( عن الأخر ) بخصائصه لمجرد الجسمية المشتركة بل تلك الخصائص مما يمتنع ~~ثبوتها لسائر الأجسام # وحينئذ فيقال معلوم أن كل جسم مختص بخصائص وخصائصه ms0810 لا تكون لأجل الجسمية ~~المشتركة وذلك يمنع تماثل الأجسام لأنها لو كانت متماثلة للزم أن يكون ~~اختصاص بعضها بخصائصه لمخصص والمخصص إما الرب وإما غيره وتخصيص غيره ممتنع ~~لأنه جسم من الأجسام فالكلام فيه كالكلام في غيره ولأن التقدير أنها ~~متماثلة فليس هذا بالتخصيص أولى من هذا وتخصيصة أيضا ممتنع PageV04P202 ~~لانه يستلزم ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بغير مرجح وذلك ممتنع # وإذا قيل المرحج هو القدرة والمشيئة # قيل نسبة القدرة والمشيئة إلى جميع المتماثلات سواء فيمتنع الترجيح بمجرد ~~ذلك فلا بد أن يكون المرجح ما لله تعالى في ذلك من الحكمة والحكمة تستلزم ~~علم الحكيم بأن أحد الأمرين أولى من الآخر وأن يكون ذلك الراجح أحب إليه من ~~الآخر وحينئذ فذلك يستلزم تفاضل المعلومات المرادات وذلك يمنع تساويها وهو ~~المطلوب # وهذا الكلام يتعلق بمسألة حكمة الله في خلقة وأمره وهو مبسوط في غير هذا ~~الموضع ونفاة ذلك غاية ما عندهم أنهم يزعمون أن ذلك يقتضي افتقاره إلى ~~الغير لأن من فعل شيئا لمراد كان مفتقرا إلى ذلك المراد مستكملا به ~~والمستكمل بغيره ناقص بنفسه # وهذه الحجة باطلة كبطلان حجتهم في نفي الصفات وذلك أن لفظ الغير مجمل فإن ~~أريد بذلك أنه يفتقر إلى شيء مباين منفصل عنه فهذا ممنوع فإن مفعولاته ~~ومراداته هو الفاعل لها كلها لا يحتاج في شئ منها إلى غيره وإن إريد بذلك ~~أنه يفتقر إلى ما هو مقدور له مفعول له كان حقيقة ذلك أنه مفتقر إلى نفسه ~~أو لوازم نفسه # ومعلوم أنه سبحانه موجود بنفسه لا يفتقر إلى ما هو غير له مباين PageV04P203 ~~له وأنه مستوجب لصفات الكمال التي هي من لوازم ذاته فإذا قال القائل إنه ~~مفتقر إلى نفسه كان حقيقته أنه لا يكون موجودا إلا بنفسه وهذا المعنى حق # وإذا قيل هو مفتقر إلى صفاته اللازمة أو جزئه أو لوازم ذاته أو نحو ذلك ~~كان حقيقة ذلك أنه لا يكون موجودا إلا بصفات الكمال وأنه يمتنع وجوده دون ~~صفات الكمال التي هي من ms0811 لوازم ذاته وهذا حق ومعلوم أن الأمور التي لا يمكن ~~وجودها إلا حادثة متعاقبة ليس الكمال في أن يكون كل منها أزليا فإن ذلك ~~ممتنع ولا في أن ذلك لا يكون فإن ذلك نقص وعدم بل في أن تكون بحسب إمكانها ~~على ما تقتضية الحكمة فيكون وجود تلك المرادات الحادثة من الكمالات التي ~~يستحقها ولا يحتاج فيها إلى غيره فيكون فعله ما يفعله للحكمة من أعظم نعوت ~~الكمال التي يجب أن يوصف بها ونفيها عنه يقتضى وصفه بالنقائص وإن كل كمال ~~يوصف به فليس مفتقرا فيه إلى غيره أصلا بل هو من لوازم ذاته سبحانه وتعالى ~~عما يقول الظالمون علوا كبيرا الذين يصفونه بالنقائص ويسلبونه الحكمة التي ~~هي من أعظم نعوت الكمال توهما أن إثباتها يقتضي الحاجة PageV04P204 ~~إلى غيره وذلك غلط محض بل لا يقتضي إثباتها إلا استلزام ذاته لنعوت كماله ~~وكمال نعوته لا افتقار إلى شيء مباين لنفسه المقدسة # وأيضا فيقال القول في استلزام الذات لقدرها الذي لم يقدره المشركون كما ~~قال تعالى { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } سورة الزمر 67 ~~كاستلزام الذات لسائر صفاتها من العلم والقدرة والحياة فإنه لو كان كل مختص ~~يحتاج إلى مخصص لزم الدور أو التسلسل الباطلان فلا بد من مختص بما يختص به ~~يختص بذلك لنفسه وذاته لا لأمر مباين له # وهذا هو حقيقة الواجب لنفسه المستلزم لجميع نعوته من غير افتقار إلى غير ~~نفسه مع أن ماذكره في وجوب تناهي الأبعاد قد أبطل فيه مسالك الناس كلها ~~وأنشأ مسلكا ذكر أنه لم يسبقه إليه أحد وإذا حرر الأمر عليه وعليهم في تلك ~~المسالك كان القدح فيها أقوى من مسالكهم ( في النفي ) فلو قدر أن اثنين ~~أثبت أحدهما موجودا قائما بنفسه لا يتناهي وأثبت الآخر موجودا لا يكون ~~متناهيا ولا غير PageV04P205 ~~متناه كان قول الثاني أفسد والأول أقرب إلى الصواب وما من مقدمة يدعون بها ~~إفساد قول الأول وفي أقوالهم ما ms0812 هو أفسد منها # والمناظرة تارة تكون بين الحق والباطل وتارة بين القولين الباطلين لتبيين ~~بطلانهما أو بطلان أحدهما أو كون أحدهما أشد بطلانا من الآخر فإن هذا ينتفع ~~به كثيرا في أقوال أهل الكلام والفلسفة وأمثالهم ممن يقول أحدهم القول ~~الفاسد وينكر على منازعه ما هو أقرب منه إلى الصواب فيبين أن قول منازعه ~~أحق بالصحة إن كان قوله صحيحا وأن قوله أحق بالفساد إن كان قول منازعة ~~فاسدا لتنقطع بذلك حجة الباطل فإن هذا أمر مهم إذ كان المبطلون يعارضون ~~نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم فإن بيان فسادها أحد ركني الحق وأحد المطلوبين ~~فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت ولكن صالوا عليها صول ~~المحاربين لله ولرسوله فإذا دفع صيالهم وبين ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد ~~في سبيل الله # وقد حكى الأشعرى وغيره عن طوائف أنهم يقولون إنه لا يتناهي وهؤلاء نوعان ~~نوع يقول هو جسم ونوع يقول ليس بجسم فإذا أراد النفاة أن يبطلوا قول هؤلاء ~~لم يمكنهم ذلك فإنهم إذا قالوا يلزم أن يخالط القاذورات والأجسام قالوا كما ~~أثبتم موجودا لا يشار إليه ولا هو داخل ولا خارج فنحن نثبت موجودا هو داخل PageV04P206 ~~ولا يخالط غيره فإذا قالوا هذا لا يعقل قالوا وذلك لا يعقل # ومذهب النفاة أبعد في العقل من مذهب الحلولية ولهذا إذا ذكر القولان لأهل ~~الفطر السليمة نفروا عن قول النفاة أعظم من نفورهم عن قول الحلولية وكذلك ~~ما ذكره من امتناع النهاية من بعض الجوانب دون بعض فإن هذا قاله طائفة ممن ~~يقول إنه على العرش # وقول هؤلاء وإن قيل إنه باطل فقول النفاة أبطل منه أما احتجاجه على هؤلاء ~~بأن اختصاص أحد الطرفين بالنهاية دون الآخر محال لعدم الأولوية أو لافتقاره ~~إلى مخصص من خارج فيقولون له أنت دائما تثبت تخصيصا من هذا الجنس كما تقول ~~إن الإرداة تخصص أحد المثلين لا لموجب فإذا قيل لك هذا يستلزم ترجيح أحد ~~المتامثلين بلا مرجح قلت هذا شأن الإرداة والإرادة صفة من صفاته ms0813 فإذا كانت ~~ذاته مستلزمة لما من شأنه ترجيح أحد المثلين لذاته بلا مرجح فلأن تكون ذاته ~~تقتضي ترجيح أحد المثلين بلا مرجح أولى # وهذا للمعتزله والفلاسفة ألزم فإن المعتزلة يقولون إن القادر المختار ~~يرجح بلا مرجح والفلاسفة يقولون مجرد الذات اقتضت ترجيح الممكنات بلا مرحج ~~آخر فقد اتفقوا كلهم على أن الذات توجب الترجيح لأحد المتماثلين بلا مرجح ~~فكيف يمكنهم مع هذا أن يمنعوا كونها تستلزم تخصيص احد الجانبين بلا مخصص PageV04P207 # ولو قال لهم منازعهم الموجودان القائمان بأنفسهما لابد أن يكون بينهما حد ~~وانفصال فعلمنا التناهي من جانب هذا الموجود وأما الجانب الآخر فلا نعلم ~~امتناعه إلا إذا علمنا امتناع وجود ابعاد لا تتناهي وهذا غير معلوم لنا أو ~~هو باطل لكان قولهم أقوى من قولهم # والمقصود هنا أن غايتهم في إبطال قول هؤلاء أن ينتهوا إلى إبطال بعد لا ~~يتناهي أو إلى عدم الأولوية أو وجوب المخالطة # وهذه المقدمات يمكن منازعوهم أن ينازعوهم فيها أعظم مما يمكنهم هم منازعة ~~أولئك في مقدمات حجتهم ويرد عليهم من المناقضات والمعارضات أعظم مما يرد ~~على أولئك وهذا مبسوط في موضعه # فهذه الحجة وأمثالها من حجج النفاة يمكن إبطالها من وجوه كثيرة بعضها من ~~جهة المعارضة بأقوال أهل باطل آخر وبيان أنه ليس قول أولئك بأبطل من قول ~~هؤلاء فإذا لم يمكن الاستدلال على نفي أحد القولين إلا بالمقدمة التي بها ~~نفي القول الآخر لم يكن نفي أحدهما أولى من نفي الآخر بل إن كانت المقدمة ~~صحيحة لزم نفيها جميعا وإن كانت باطلة لم تدل على نفي واحد منهما فكيف إذا كانت PageV04P208 ~~المقدمة التي استدل بها المستدل على نفي قول منازعه قد قال بها وبما هو ~~أبلغ منها وبعض ما تبطل به هذه الحجة يكون من جهة أهل الحق الذين لم يقولوا باطلا # ونحن نذكر ما يحضر من إبطالها بالكلام على مقدماتها والمواضع التي ينازعه ~~فيها الناس # الأول قوله لو كان جسما لكان له بعد وامتداد فإن هذا مما نازعه فيه طائفة ~~ممن ms0814 يقول هو جسم وهو مع ذلك واحد لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه فلا يشار ~~إلى شيء منه دون شيء فإن هذا معروف عن طائفة من أهل الكلام من الكرامية ~~وغيرهم والرازي قد ذكر عن بعضهم لكنه ادعى أن هذا القول لا يعقل وأن فساده ~~معلوم بالضرورة # وكذلك قول من قال إنه فوق العرش وإنه مع ذلك ليس بجسم كما يذكر ذلك عن ~~الأشعري وكثير من أهل الكلام والحديث والفقة من أصحاب الأئمة الأربعة ~~وغيرهم وهو قول القاضي أبي يعلى وأبي الحسن الزاغوني وقول أبي الوفاء بن ~~عقيل في كثير من كلامه وهو قول أبي العباس القلانسي وقبله ابو محمد بن كلاب ~~وطوائف غير هؤلاء # فإذا قال القائل كونه جسما مع كون غير منقسم او كونه فوق العرش مع كونه ~~غير جسم مما يعلم فساده بضرورة العقل PageV04P209 # فيقال ليس العلم بفساد هذا بأظهر من العلم بفساد قول من قال إنه موجود ~~قائم بنفسه فاعل لجميع العالم وأنه مع ذلك لا داخل في العالم ولا خارج عنه ~~ولا حال فيه ولا مباين له لا سيما إذا قيل مع ذلك إنه حي عالم قادر وقيل مع ~~ذلك ليس له حياة ولا علم ولا قدرة أو قيل هو عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق ~~وعشق وأن العلم والحب نفس العالم المحب ونفس الحب هو نفس العلم أو قيل مع ~~ذلك إنه حي بحياة عليم بعلم قدير بقدرة سميع بسمع بصير ببصر متكلم بكلام ~~وقيل مع ذلك إنه لا داخل في مخلوقاته ولا خارج عنها ولا حال فيها ولا مباين ~~لها وأن إرادته لهذا المراد هو إرادته لهذا المراد ونفس رؤيته لهذا هو نفس ~~رؤيته لهذا ونفس علمه بهذا هونفس علمه بهذا وأن الكلام معنى واحد بالعين ~~فمعنى أية الكرسى وآية الدين وسائرالقرآن والتوارة والإنجيل وسائر ما تلكم ~~به هو شيء واحد فإن كانت هذه الأقوال مما يمكن صحتها في العقل فصحة قول من ~~قال هو فوق العرش وليس بجسم أو هو جسم وليس بمنقسم ms0815 أقرب إلى العقل # وإن قيل بل هذا القول باطل في العقل فيقال تلك أبطل في العقل ومتى بطلت ~~تلك صح هذا # وإذا قيل النافي لإمكان تلك الأمور هو الوهم ( لا العقل ) PageV04P210 ~~وإلا فالعقل يجوز وجود ما ذكر قيل والنافي لإمكان هذا هو الوهم وإلا فالعقل ~~يجوز وجود ما ذكر وإذا قيل البرهان العقلي دل على وجود ما أنكره الوهم هنا # ومن تأمل هذا وجده من أصح المعارضة وأبين التناقض في كلام هؤلاء النفاة ~~وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # الوجة الثاني قوله وإذا كان له بعد وامتداد فإما أن يكون غير متناه وإما ~~أن يكون متناهيا # فيقال من الناس من يقول إنه غير متناه وهؤلاء منهم من يقول جسم ومنهم من ~~يقول غير جسم وقد حكى القولين أبو الحسن الاشعري في المقالات وحكاهما غيره ~~أيضا ومن الناس من قال هو متناه من بعض الجهات وهذا مذكور عن طائفة من أهل ~~الكلام من الكرامية وغيرهم وقد قاله بعض المنتسبين إلى الطوائف الأربعة من ~~الفقهاء كما ذكره القاضي أبو يعلى في عيون المسائل فإن هذه الأقوال يوجد ~~عامتها في بعض أتباع الأئمة منها ما يوجد في بعض أصحاب أبي حنيفة ومنها ما ~~يوجد في بعض أصحاب مالك ومنها ما يوجد في بعض أصحاب الشافعي ومنها ما يوجد ~~في بعض أصحاب أحمد ومنها ما يوجد في بعض أصحاب اثنين أو ثلاثة أو الأربعة PageV04P211 # قوله إن كان غير متناه من جميع الجهات فهو محال لوجوه الأول ما سنبينه من ~~إحالة بعد لا يتناهي # فيقال له أنت قد أبطلت أدلة نفاة ذلك ولم تذكر إلا دليلا هو أضعف من أدلة ~~غيرك فبقيت الدعوى بلا دليل # قوله الثاني أنه يلزم منه نفي الأجسام أو تداخلها ومداخلة القاذورات # فيقال هؤلاء يقولون لا يلزم منه شيء من ذلك بل هو غير متناه مع كونه جسما ~~أو مع كونه غير جسم ويقولون لا يلزم نفي سائر الأجسام ولا مداخلتها فإذا ~~قيل لهم هذا ينفيه العقل قالوا نفى العقل ms0816 لهذا كنفيه وجوده قائما بنفسه ~~فاعلا للعالم وهو مع ذلك لا حال في العالم ولا بائن من العالم بل نفي العقل ~~لهذا أعظم من نفيه لهذا وما قيل من الاعتذار عن ذلك بالفرق بين الوهم ~~والعقل يمكن في هذا بطريق الأولى كما قد بسط في موضعه # فإن هؤلاء ادعوا أن ( قول ) القائل كل موجودين إما أن يكونا متحايثين أو ~~متباينين أو كل موجودين قائمين بأنفسهما فإما أن يكونا متباينين أو ~~متلاصقين أو كل موجود قائم بنفسه فلا بد أن يكون PageV04P212 ~~مشارا إليه وأن قول القائل بإثبات موجود لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا ~~حال فيه ولا مباين له ولا يشار إليه ولا يقرب من شيء ولا يبعد من شيء ولا ~~يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء وأمثال ذلك من الصفات السالبة النافية هو ~~محال في العقل # قالوا إن هذا الموجب لذلك التقسيم والمحيل لوجود هذا إنما هو الوهم دون ~~العقل وأن الوهم يحكم غير المحسوس بحكم المحسوس وهذا باطل # فقيل لهم فأنتم لم تثبتوا بعد وجود ما لا يمكن الإحساس به وحكم الفطرة ~~أولى بديهي والوهم عندكم إنما يدرك الأشياء المعينة كإدراك العداوة ~~والصداقة كإدراك الشاة عداوة الذئب وصداقة الكبش وهذه أحكام كلية والكليات ~~من حكم العقل لا من حكم الوهم # فهذا وأمثاله مما أبطل به ما ذكروه من الاعتذار بأن هذا حكم الوهم لكن ~~المقصود هنا أن ذلك العذر إن كان صحيحا فلمنازعيهم أن يعتذروا به ههنا ~~فيقولون ما ذكرتموه من كونه لو كان فوق العرش أو لو كان جسما لكان ممتدا ~~متناهيا أو غير متناه هو من حكم الوهم وهو فرع كونه قابلا لثبوت الامتداد ~~ونفيه أو لثبوت النهاية ونفيها ونحن نقول هو فوق العرش أو هو ( فوق العرش ) ~~وهو مع ذلك لا يقبل أن يكون ممتدا ولا غير PageV04P213 ~~ممتد ولا أن يكون متناهيا ولا غير متناه كما قلتم أنتم إنه موجود قائم ~~بنفسه مبدع للعالم مسمى بالأسماء الحسنى وأنه مع ذلك لا يقبل أن يقال ms0817 هو ~~متناه ولا غير متناه بل ذاته لا تقبل إثبات ذلك ولا نفيه ولا تقبل أن يقال ~~هو حال في العالم ولا خارج عنه فلا توصف ذاته بالدخول ولا بالخروج فإن ذاته ~~لا تقبل الإتصاف لا بإثبات ذلك ولا بنفيه # فهذا ونحوه قولكم فإن كان هذا القول صحيحا أمكن من أثبت العلو دون ~~التجسيم أو العلو والتجسيم ونفي ما يذكر من لوازمه أن يقول فيه ما تقولونه ~~أنتم حيث أثبتم موجودا قائما بنفسه مبدعا للعالم ونفيتم ما يذكر من لوازمه ~~أن يقول فيه ما تقولونه أنتم حيث أثبتم موجودا قائما بنفسه مبدعا للعالم ~~ونفيتم ما يذكر من لوازمه فإن لزوم تلك اللوازم لما أثبتوه أظهر في صريح ~~العقل من لزوم هذه اللوازم لما أثبته هؤلاء فإن أمكنكم نفي اللزوم وادعيتم ~~أن القول باللزوم وإحالة ما أثبتموه من حكم الوهم دون العقل أمكن خصومكم أن ~~يقولوا مثل ذلك بمثل ما قلتموه بطريق الأولى # وهذا يفهمه من تصور حقيقة قول الطائفتين وأدلتهم العقلية فإنه إذا قابل ~~بين قول هؤلاء وقول هؤلاء تبين له صحة الموازنة وأن الإثبات PageV04P214 ~~أقرب إلى صريح المعقول وأبعد عن التناقض كما أنه أقرب إلى صحيح المنقول # وكذلك يقال في الوجه الثالث فإن إثبات النهاية من أحد الطرفين دون الآخر ~~أبعد عن الإحالة من إثبات موجود قائم بنفسه لا يمكن أن يقال فيه هو متناه ~~ولا أن يقال غير متناه # وكذلك إثبات موجود لا نهاية له من الطرفين أقرب إلى المعقول من كونه لا ~~يقبل إثبات النهاية ولا نفيها # قوله فيلزم أن يكون الرب مفتقرا في إفادة مقداره إلى موجب ومخصص ولا معنى ~~للبعد غير نفس الأجزاء فيكون الرب معلولا لغيره # يقال ما من أحد من النفاة إلا وقد قال نظير هذا فالكلابية والأشعرية ~~يقولون الذات اقتضت صفات معدودة دون غيرها من الصفات فإنهم وإن تنازعوا في ~~كون صفاته كلها معلومة للبشر فإنهم لم يتنازعوا في إثبات صفات لا تتناهى بل ~~لابد أن تكون صفاته متناهية فجعلوا الذات مقتضية ms0818 لعدد معين دون غيره من ~~الأعداد ولصفات معينة دون غيرها من الصفات بل واقتضت الأمر بشيء دون غيره ~~من المأمورات وبإرادة شيء دون غيره من المرادات مع أن نسبتها إلى جميع ~~المرادات والمأمورات نسبة واحدة PageV04P215 # وأصلهم أنه يجوز تخصيص أحد المثلين دون الآخر بغير مخصص بل بمحض الإرادة ~~وأن الذات اقتضت تلك الإرادة على ذلك الوجه دون غيرها لا لأمر آخر # فإذا قيل الذات اقتضت تناهيا من جانب دون جانب أو قدرا مخصوصا لم يكن هذا ~~في صريح العقل بأبعد من الامتناع من ذلك لا سيما وهم مع ذلك يقولون إن هذه ~~الإرادة اقتضت أن تكون الحوادث متناهية من أحد الطرفين دون الآخر فالحوادث ~~عندهم لا تتناهى من جانب المستقبل مع تناهيها من جانب الماضي ومع إمكان ~~تقدم الحوادث على مبدأ حدوثها وتأخرها عن ذلك المبدأ ولكن الإرادة هي ~~المخصصة لأحد المثلين والذات هي المخصصة لتلك الإرادة المعينة دون غيرها من ~~الإرادات وهي المخصصة للكلام المعين الذي هو أمر بشيء معين دون غيره من ~~الكلام والأوامر # والمعتزلة يقولون إن تلك الذات هي المخصصة لأحد المقدورين دون أمثاله من ~~المقدورات وكذلك هي المخصصة لكونها آمرة ومتكلمة وفاعلة بالأمر المعين ~~والكلام المعين والفعل المعين دون غيره من الأنوامر والكلام والفعل وهي ~~المخصصة للإرادة أو لكونه مريدا دو غير تلك الإرادة أو غير تلك المريدية # والفلاسفة يقولون إن الذات أو الوجود الذي لا اختصاص له PageV04P216 ~~بحقيقة من الحقائق ولا صفة من الصفات هو المخصص للعالم كله بما هو عليه من ~~الحقائق والصفات والمقادير وأنه علة تامة موجبة للمعلول مع أن الحوادث من ~~المعلولات ليست أعيانها أزلية ولم يكن فيه ما يوجب تأخر شيء من المعلولات ~~ولا قام به صفة ولا معنى ولا فعل يوجب التخصيص لا بحقيقة دون حقيقة ولا ~~بصفة دون صفة ولا لحادث دو حادث ولا لتأخير ما يتأخر # والعالم يشهد فيه من الحقائق المختلفة والحوادث الحادثة ما يعلم معه ~~بالضرورة أنه لا بد له من مخصص وهم لا يثبتون إلا ms0819 وجودا مطلقا ليس فيه ~~اختصاص وجودي بوجه من الوجوه فضلا عن أن يكون مقتضيا لتخصيص حقيقة دون ~~حقيقة وصفة دون صفة والحدوث من غير سبب يقتضي الحدوث وهذه الأمور لبسطها ~~موضع آخر # والمقصود أن هؤلاء القائلين بعدم التناهي أو بالتناهي من جانب دون جانب ~~مع كون قولهم فاسدا فنفاة كون الرب على العرش الذين يحتجون على نفي ذلك ~~بنفي الجسم وعلى نفي الجسم بهذه الحجج يلزمهم من التناقض أعظم مما يلزم ~~المثبتين والمقدمات التي PageV04P217 ~~يحتجون بها هي أنفسها وما هو أقوى منها من جنسها تدل على فساد أقوالهم ~~بطريق الأولى فإن كانت صحيحة دلت على فساد قولهم ومتى فسد قولهم صح قول ~~المثبتة لامتناع رفع النقيضين وإن كانت باطلة لم تدل على فساد قول المثبته ~~فدل ذلك على أن هذه المقدمات مستلزمة فساد قول النفاة دون قول أهل الإثبات # وهذه الطريق هي ثابته في الأدلة الشرعية والعقلية فإنا قد بينا في الرد ~~على أصول الجهمية النفاة للصفات في الكلام على تأسيس التقديس وغيره أن عامة ~~ما يحتج به النفاة للرؤية والنفاة لكونه فرق العرش ونحوهم من الأدلة ~~الشرعية الكتاب والسنة هي أنفسها تدل على نقيض قولهم ولا تدل على قولهم ~~فضلا عما يعترفون هم دلالته على نقيض قولهم وهكذا أيضا عامة ما يحتجون به ~~من الأدلة العقلية إذا وصلت معهم فيها إلى آخر كلامهم وما يجيبون به ~~معارضهم وجدت كلامهم في ذلك يدل على نقيض قولهم وأن ما يذكرونه من ~~المناظرات العقلية هو على قول أهل الإثبات أدل منه على قولهم PageV04P218 # الجواب الرابع قوله إذا كان متناهيا من جميع الجهات فاختصاصه بالشكل ~~والمقدار إن كان لذاته لزم منه اشتراك جميع الأجسام فيه ضرورة الاتحاد في ~~الطبيعة # فيقال له لا نسلم اشتراك جميع الأجسام في ذلك ولا نسلم أن الأجسام متحدة ~~في الطبيعة وقد عرف أن النزاع في هذه المسألة من النظار من أشهر الأمور ~~وهذا المصنف نفسه قد بين فساد حجج أصحابه المدعين تماثلها وتماثل الجواهر ~~فإذا كان هو نفسه ms0820 قد بين فساد حجج القائلين بالاتحاد في الطبيعة كان قد ~~أفسد حجته بما ذكره هو من الأدلة العقلية على فسادها فضلا عما يذكره غيره ~~من العقلاء وقد بسط هذا في موضعه وإنما المقصود هنا التنبية على أن كل ~~مقدمة في هذه الحجة يمكن منعها ويكون قول المانع فيها أقوى من قول المحتج # قال الرابع أنه لو كان جسما لكان مركبا من الأجزاء وهو محال لوجهين الأول ~~أنه يكون مفتقرا إلى كل واحد من تلك الأجزاء ضرورة استحالة وجود المركب دون ~~أجزائه وكل منها غير PageV04P219 ~~مفتقر إليه وما افتقر إلى غيره كا ممكنا لا واجبا لذاته وقد قيل إ نه واجب لذاته # قلت ولقائل أن يقول هذا باطل من وجوه أحدها أن الذين قالوا إنه جسم لا ~~يقول أكثرهم إنه مركب من الأجزاء بل ولا يقولون إن كل جسم مركب من الأجزء ~~فالدليل على امتناع ما هو مركب من الأجزاء فقط لا يكون حجة على من قال إنه ~~ليس بمركب وإن كان بناء على أن كل جسم مركب فهذا ممنوع # وإن قيل لا نعنى بالأجزاء أجزاء كانت موجودة بدونه وإنما نعني بها أنه لا ~~بد أن يتميز منه شيء عن شيء # قيل فحينئذ لا يلزم أن يكون ذلك الذي يمكن أن يصير جزءا غير مفتقر إليه ~~إذ هو لابد منه في وجود الجملة وليس موجودا دونها فالجملة لا تستغنى عنه ~~وهو أيضا لا يستغنى عنها فتكون الحجة باطلة # الثاني أن يقال ما تعنى بقولك إنه يكون مفتقرا إلى كل واحد من تلك ~~الأجزاء أتعنى أنه يكون مفعولا للجزء أو معلولا لعلة فاعلة أو تعنى أنه ~~يكون وجوده مشروطا بوجود الجزء PageV04P220 ~~بحيث لا يوجد أحدهما إلا مع الآخر فإن ادعيت الأول كان التلازم باطلا فإن ~~من المعلوم أن الأجسام التي خلقها الله تعالى ليس شيء من أجزائها فاعلا لها ~~ولا علة فاعلة لها فإذا لم يكن شيء من المركبات المخلوقة جزؤه فاعلا له ولا ~~علة فاعلة له كان دعوى أن ذلك قضية ms0821 كلية من أفسد الكلام فإنه لا يعلم ~~ثبوتها في شيء من الجزئيات المشهودة فضلا عن أن تكون كلية # وإن قيل نعنى بالإفتقار أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا # قيل ولم قلتم إن مثل هذا ممتنع على الواجب بنفسه فإن الممتنع عليه أن ~~يكون فاعلا أو علة فاعلة إذا قيل بإمكان علة فاعلة لا تفعل بالاختيار فأما ~~كونه لا يكون وجوده مستلزما للوازم لا يكون موجودا إلا بها فالواجب بنفسه ~~لا ينافي ذلك سواء سميت صفات أو أجزاء أو ما سميت # ويظهر هذا بالوجه الثالث وهو أن النافي لمثل هذا التلازم إن كان متفلسفا ~~فهو يقول إن ذاته مستلزمة للممكنات المنفصلة عنه فكيف يمتنع أن تكون ~~مستلزمة لصفاته اللازمة له أو لما هو داخل في مسمى اسمه وهو أيضا يسلم أن ~~ذاته تستلزم كونه واجبا وموجودا PageV04P221 ~~وعاقلا ( ومعقولا ) وعقلا ولذيذا وملتذا به ومحبا لذاته ومحبوبا لها وأمثال ~~ذلك من المعاني المتعدده # فإذا قيل هذه كلها شيء واحد # قيل هذا مع كونه معلوم الفساد بالضرورة لكونه تضمن أن العلم هو الحب وأن ~~العالم المحب هو العلم والحب فإن قدر إمكانه فقول القائل إن الجسم ليس ~~بمركب من الهيولي والصورة ولا من الجواهر المنفردة بل هو واحد بسيط أقرب ~~إلى العقل من دعوى اتحاد هذه الحقائق # وإن كان من المعتزلة وامثالهم فهم يسلمون أن ذاته تستلزم أنه حي عالم ~~قادر وإن كان من الصفاتية فهم يسلمون استلزام ذاته للعلم والقدرة والحياة ~~وغير ذلك من الصفات فما من طائفة من الطوائف إلا وهي تضطر إلى أن تجعل ذاته ~~مستلزمة للوازم وحينئذ فنفي هذا التلازم لا سبيل لأحد إليه سواء سمى ~~افتقارا أو لم يسم وسواء قيل إن هذا يقتضي التركيب أو لم يقل # الوجه الرابع أن يقال قول القائل إن المركب مفتقر إلى كل PageV04P222 ~~واحد من تلك الأجزاء أتعنى بالمركب تلك الأجزاء أو تعنى به اجتماعها أو ~~الأمرين أو شيئا رابعا فإن عنيت الأول كان المعنى أن تلك الأجزاء مفتقرة ~~إلى تلك الأجزاء ms0822 وكان حاصله أن الشيء المركب مفتقر إلى المركب وأن الشيء ~~مفتقر إلى نفسه وأن الواجب بنفسه مفتقر إلى الواجب بنفسه # ومعلوم أن الواجب بنفسه لا يكون مستغنيا عن نفسه بل وجوبه بنفسه يستلزم ~~أن نفسه لا تستغنى عن نفسه فما ذكرتموه من الافتقار هو تحقيق لكونه واجبا ~~بنفسه لا مانع لكونه واجبا بنفسه # وإن قيل إن المركب هو الإجتماع الذي هو اجتماع الأجزاء وتركيبها # قيل فهذا الاجتماع هو صفة وعرض للأجزاء لا يقول عاقل إنه واجب بنفسه دون ~~الأجزاء بل إنما يقال هو لازم للأجزاء والواجب لنفسه هو الذات القائمة ~~بنفسها وهي الأجزاء لا مجرد الصفة التي هي نسبة بين الأجزاء وإذا لم يكن ~~هذا هو نفس الذات الواجبة بنفسها وإنما هو صفة لها فالقول فيه كالقول في ~~غيره مما سميتموه أنتم أجزاء وغايته أن تكون بعض الأجزاء PageV04P223 ~~مفتقرة إلى سائرها وليس هذا هو افتقار الواجب بنفسه إلى جزئه # وإن قيل إن المركب هو المجموع أي الأجزاء واجتماعها فهذا من جنس أن يقال ~~المركب هو الأجزاء لكن على هذا التقدير صار الإجتماع جزءا من الأجزاء # وحينئذ فإذا قيل هو مفتقر إلى الأجزاء كان حقيقته أنه مفتقرا إلى نفسه أي ~~لا يستغى عن نفسه وهذا حقيقة وجوبه بنفسه لا مناف لوجوبه بنفسه وإن عنيت به ~~شيئا رابعا فلا يعقل هنا شيء رابع فلا بد من تصويره # ثم هذا الكلام عليه وإن قال بل المجموع يقتضى افتقاره إلى كل جزء من ~~الأجزاء # قيل افتقار المجموع إلى ذلك الجزء كافتقاره إلى سائر الأجزاء ذلك ( الجزء ~~) وسائر الأجزاء هي المجموع فعاد ( الأمر ) إلى أنه مفتقر إلى نفسه # فإن قيل فاحد الجزأين مفتقر إلى الآخر أو قيل الجملة مفتقرة إلى كل جزء ~~إلى آخره # قيل أولا ليس هذا هو حجتكم فإنما ادعيتم افتقار الواجب بنفسه إلى جزئه PageV04P224 # وقيل ثانيا إن عنيت بكون الجزأين مفتقرا إلى الآخر أن أحدهما فاعل للآخر ~~أو علة فاعلة له فهذا باطل بالضرورة فإن المركبات الممكنة ليس أحد أجزائها ~~علة فاعلة ms0823 للآخر ولا فاعلا له باختياره فلو قدر أن في المركبات ما يكون ~~جزؤه فاعلا لجزئه لم يكن كل مركب كذلك فلا تكون القضية كلية فلا يجب أن ~~يكون مورد النزاع داخلا فيما جزؤه مفتقر إلى جزئه فكيف إذا لم يكن في ~~الممكنات شئ من ذلك فكيف يدعى في الواجب بنفسه إذا قدر مركبا أن يكون بعض ~~أجزاءه علة فاعلة للجزء الآخر # وإن عنيت أن أحد الجزأين لا يوجد إلا مع الجزء الأخر فهذا إنما فيه ~~تلازمهما وكون أحدهما مشروطا بالأخر وذلك دور معي اقتراني وهو ممكن صحيح ~~لابد منه في كل متلازمين وهذا لا ينافي كون المجموع واجبا بالمجموع # وإذا قيل في كل من الأجزاء هل هو واجب بنفسه أم لا # قيل إن أردت هل هو مفعول معلول لعلة فاعلة أم لا فليس في الأجزاء ما هو ~~كذلك بل كل منها واجب بنفسه بهذا الاعتبار وإن عنيت أنه هل فيها ما يوجد ~~بدون وجود الآخر PageV04P225 ~~فليس فيها ما هو مستقل دون الآخر ولا هو واجب بنفسه بهذا الاعتبار والدليل ~~دل على إثبات واجب بنفسه غنى عن الفاعل والعلة الفاعلة لا على أنه لا يكون ~~شئ غنى عن الفاعل مستلزما للوازم # فلفظ الواجب بنفسه فيه إجمال واشتباه دخل بسببه غلط كثير فما قام عليه ~~البرهان من إثبات الواجب بنفسه ليس هو ما فرضه هؤلاء النفاة فإن الممكن هو ~~الذي لا يوجد إلا بموجد يوجده والواجب هو الذي يكون وجوده بنفسه لا بموجد ~~يوجده فكونه موجودا بنفسه مستلزما للوازم لا ينافي أن يكون ذاتا متصفة ~~بصفات الكمال وكل من الذات والصفات ملازم للآخر وكل من الصفات ملازمة ~~للأخرى وكل ما يسمى جزءا فهو ملازم للآخر # وإذا قيل هذا فيه تعدد الواجب # قيل إن أردتم تعدد الإله الموجود بنفسه الخالق للممكنات فليس كذلك وإن ~~أردتم تعدد معان وصفات له أو تعدد ما سميتموه أجزاء له فلم قلتم إنه إذا ~~كان كل من هذه واجبا بنفسه أي هو موجود بنفسه لا بموجد يوجده مع ms0824 أن وجوده ~~ملزوم لوجود PageV04P226 ~~الآخر يكون ممتنعا ولم قلتم إن ثبوت معنيين أو شيئين واجبين متلازمين يكون ممتنعا # وهذا كما تقوله المعتزله إنكم إذا أثبتم الصفات قلتم بتعدد القديم # فيقال لهم إن قلتم أن ذلك يتضمن تعدد آلهة قديمة خالقة للمخلوقات فهذا ~~التلازم باطل # وإن قلتم يستلزم تعدد صفات قديمة للإله القديم # فلم قلتم إن هذا محال # فعامة ما يلبس به هؤلاء النفاة ألفاظ مجملة متشابهة إذا فسرت معانيها ~~وفصل بين ما هو حق منها وبين ما هو باطل زالت الشبهة وتبين أن الحق الذي لا ~~محيد عنه هو قول أهل الإثبات للمعاني والصفات # الوجه الخامس أن يقال قولك إن المركب مفتقر إلى كل واحد من تلك الأجزاء ~~ضرورة استحالة وجود المركب دون أجزائه ليس في ما يدل على افتقار المركب إلى ~~أجزائه فإن كونه يستحيل PageV04P227 ~~وجوده دون الأجزاء يقتضي أنه لا يوجد بدونها بل لا يوجد إلا وهي موجودة # وكون الشيء لا يوجد إلا مع الشيء لا يقتضى افتقاره إليه بل إنما يكون ~~مفتقرا إليه إذا كان لا يوجد إلا به ألا ترى أن المتضايفين لا يوجد أحدهما ~~دون الآخر ولا يقال إن أحدهما مفتقر إلى الآخر كالبنوة والأبوة بل كلاهما ~~معلول علة منفصلة فمعلولا العلة لا يوجد أحدهما دون الآخر وهما جميعا ~~مفتقران إلى العلة ليس أحدهما مفتقرا إلى الأخر فإذا قدر أنه لا علة لهما ~~لم يكن أحدهما مفتقرا إلى الآخر ولا إلى علة # الوجه السادس أن يقال قولك وكل منهما غير مفتقر إليه خطأ ظاهر فإنه ليس ~~من ضرورة كون المركب متوقفا على كل من أجزائه أن لا يكون شئ من تلك الأجزاء ~~متوقفا عليه وذلك أن المركب إن أريد به نفس الأجزاء المجتمعة كان المعنى أن ~~المجتمع متوقف على المجتمع أو أن كل جزء متوقف على سائر الأجزاء أو على جزء ~~آخر أو على نفسه وأي شيء فرض من ذلك لم يلزم أن يكون أحد الجزأين هو ~~المفتقر دون الآخر وإن قدر أن المركب هو ms0825 الإجتماع أو الاجتماع مع الأجزاء ~~فغنه إذا قدر أنها متلازمة لم يكن PageV04P228 ~~أحد الأجزاء واجبا بنفسه بمعنى أمكان وجوده دون سائر الأجزاء لا الإجتماع ~~ولا غيره بل لا يوجد شيء منها إلا بالآخر فلا يكون شيء من الأجزاء غير ~~مفتقر إلا المركب بل كل منها مفتقر إليه # وهذا لا يقاس بالواحد مع العشرة الذي يمكن وجوده دون وجود العشرة فإن ~~أجزاء العشرة ليست متلازمة وإنما الكلام في أمور متلازمة لا يمكن وجود ~~بعضها دون بعض كالصفات اللازمة للرب تعالى # وما سماه النفاة أجزاء فإنه لا يمكن وجود صفة من تلك الصفات دون الذات بل ~~ولا دون الصفة الأخرى وكذلك ما سموه جزءا لا يمكن وجوده دون الجميع ولا دون ~~جزء آخر فامتنع أن يقال إن كل جزء من الأجزاء غير مفتقر إلى المجموع المركب ~~مع أن المجموع المركب مفتقر إليه بل إذا سمى هذا التلازم افتقارا فافتقار ~~الصفة وما سموه جزءا إلى المجموع أعظم من افتقار الذات الواجبة بنفسها أو ~~ما سموه المجموع المركب الواجب بنفسه إلى الصفة أوالجزء فإن المجموع هو ~~الواجب بنفسه الذي لا يقبل العدم أصلا وكل جزء من أجزائه فلا يتصور وجوده ~~بدون وجود الآخر وهذا كما يقولون إن الحيوانية والناطقية جزء من الإنسانية ~~ومع هذا يمتنع وجود الجزء دون هذه الماهية المركبة وكذلك يقولون إن الجسم ~~مركب من المادة والصورة PageV04P229 ~~ويمتنع وجود أحدهما بدون الجسم بل والجوهر عند عامة القائلين به يمتنع ~~وجوده بدون وجود الجسم # الوجه السابع أن يقال قولك إن المركب الواجب بنفسه مفتقر إلى كل واحد من ~~أجزائه ضروره استحالة وجود المركب دون أجزائه وكل منها غير مفتقر إليه كلام ~~باطل وهو بالعكس أولى # وذلك أن ما قدر أنه جزء إذا كان غير مفتقر إليه لزم أن يكون واجبا بنفسه ~~وإذا كان واجبا بنفسه فإما أن يكون مستقلا لا يتوقف على وجود الجزء الآخر ~~ولا الجملة أو لا بد له من ذلك فإن كان مستقلا بنفسه لا يتوقف على جزء آخر ~~ولا ms0826 على المجموع لزم تعدد الأمور الواجبة بنفسها المستقلة التي يستغنى ~~بعضها عن بعض ولا يتوقف واحد منها على الآخر ( ولا على الجملة ) # ومعلوم أنه إذا كان هذا جائزا لزم أن يكون هناك مجموع كل منه واجب بنفسه ~~والمجموع واجب بتلك الواجبات فإذا قدر تعدد الواجب بنفسه كان هذا مبطلا ~~لأصل هذا الكلام فضلا عن فروعه PageV04P230 ~~ومع تقدير تعدده يمتنع عدم تعدده فيكون الدليل الذي استدل به على نفي ~~التركيب مستلزما لثبوت التركيب فيكون دليله يدل على نقيض مطلوبه وهذا أبلغ ~~ما يكون في بطلان قوله # وإن قدر أن للمجموع حقيقة غير تلك الأفراد فإن ما لزم الواجب كان واجبا ~~ويبيقى حينئذ الكلام في أن المجموع إن كان زائدا على العدد إنما وجوبه ~~بالعدد نزاع لا فائدة فيه فإنه إذا قدر عشرة كل منهم واجب بنفسه لزم أن ~~تكون العشرة واجبة قطعا وإذا كان كل من العشرة لا يقبل العدم لنفسه فالعشرة ~~لا تقبل العدم بطريق الأولى والأحرى # وانضمام الواجب بنفسه إلى الواجب بنفسه إذا قدر ذلك لا يوجب ضعفا لأحدهما ~~بل نفس ذلك الاجتماع هو من لوازم وجودهما بطريق الأولى والأحرى وإذا قدر أن ~~اتصال بعضها ببعض من لوازم وجودها الواجب بنفسه لم يكن ممتنعا فإن الواجب ~~بنفسه على هذا التقدير لا يمتنع أن يكون له لوازم وملزومات واجبة PageV04P231 ~~ومن العجب أن هؤلاء القوم كهذا وأمثاله من الخائضين في واجب الوجود على ~~طريقة ابن سينا وأمثاله الذين جعلوا التركيب عمدتهم في نفي ما ينفونه ~~يوردون في طريق إثبات واجب أسولة تفسد ما ذكروه في انتقاء التركيب بالضرورة ~~وهي لا تفسد امتناع التسلسل وهم مع ذلك يوردونها في طريق إثباته إشكالا على ~~إبطال القول بالتسلسل الذي جعلوه مقدمة من مقدمات إثباته حتى يبقوا دائما ~~في نصرة التعطيل بالباطل وهم إذا نصروا الإثبات ببعض ما نصروا به التعطيل ~~كان فيه كفاية وبيان لفساد التعطيل # وبيان ذلك أنهم لم أثبتوا واجب الوجود جعلوا إثباته موقوفا على إبطال ~~التسلسل لما قالوا إن الممكن لا ms0827 بد له من مرجح مؤثر ثم إما أن يتسلسل ثم ~~إما أن يتسلسل الأمر حتى يكون لكل ممكن مرجح ممكن فتتسلسل العلل والمعلولات ~~الممكنة أو ينتهي الأمر إلى واجب لنفسه ثم قالوا لم لا يجوز أن يكون ~~التسلسل جائزا كما قد تكلم على هذا في غير هذا الموضع # ومن أعظم أسولتهم قولهم لم لا يكون المجموع واجبا بأجزائه المتسلسلة وكل ~~منها واجب بالآخر وهذا السؤال ذكره الآمدى PageV04P232 ~~وذكر أنه لا يستطيع أن يجيب عنه ومضمونه وجوب وجود أمور ممكنه بنفسها ليس ~~فيها ما هو موجود واجب بنفسه لكن كل منها معلول للآخر والمجموع معلول ~~بالأجزاء # ومن المعلوم أنا إذا فرضنا مجموعا واجبا بأجزائه الواجبة التي لا تقبل ~~العدم كان أولى في العقل من مجموع يجب باجزاء كل منها ممكن لا يوجد بنفسه ~~فإن المحتاج إلى الممكنات أولى بالإمكان أما الذي يكون وجوده لازما ~~للواجبات فلا يمكن عدمه # والعقل الصريح الذي لم يكذب قط يعلم أن المركب المجموع من أجزاء كل منها ~~ممكن لا وجود له بنفسه هو أيضا ممكن لا وجود له وأما المركب من أجزاء كل ~~منها واجب بنفسه فإنه لا يمتنع كونه واجبا بنفسه أي بتلك الأجزاء التي كل ~~منها واجب # وإذا قيل الإجتماع نفسه مفتقر إلى تلك الأجزاء التي كل منها واجب بنفسه ~~كان ذلك نزاعا لفظيا # والمقصود أن العقل يصدق بإمكان هذا ولا يصدق بإمكان أجزاء كل منها ممكن ~~والمجموع واجب بها وهؤلاء قلبوا الحقائق العقلية PageV04P233 ~~فقالوا إذا اجتمعت واجبات بأنفسها صارت ممكنه وإذا اجتمعت ممكنات بأنفسها ~~صارت واجبة فإذا تكلموا في نفي الصفات الواجبة لله جعلوا كون المركب يستلزم ~~أجزاءه موجبا لامتناع المركب الذي جعلوه مانعا من العلو والتجسيم ومن ثبوت ~~الصفات ولا يوردون على أنفسهم ما أوردوه في إثبات واجب والوجود وإيراده هنا ~~أولى لأن فيه مطابقة لسائر أدله العقل مع تصديق ما جاءت به الرسل وما في ~~ذلك من إثبات صفات الكمال لله تعالى بل وإثبات حقيقته التي لا يكون موجودا ~~إلا بها ms0828 فكان يمكنهم ا يقولوا لم لا يجوز أن يكون المجموع الواجب أو المركب ~~الواجب أو الجملة الواجبة واجبة بوجوب كل جزء من أجزائها التي هي واجبة ~~بنفسها لا تقبل العدم # وكان هذا خيرا من أن يقولوا لم لا يجوز أن يكون المجموع الذي كل من ~~أجزائه ممكن بنفسه هو واجبا بنفسه أو واجبا بأجزائه وهذا الأمدي مع أنه من ~~أفضل من تكلم من أبناء جنسه في هذه الأمور وأعرفهم بالكلام والفلسفة اضطرب ~~وعجز عن الجواب عن PageV04P234 ~~الشبهة الداحضة القادحة في إثبات واجب الوجود وهو دائما يحتج بنظيرها الذي ~~هو أضعف منها على نفي العلو وغيره من الأمور الثابته بالشرع والعقل ويقول ~~إن ذلك يستلزم التجسيم وأن المخالفين في الجسم جهال # ولو أعطى النظر حقه لعلم أن الجهل المركب فضلا عن البسيط أجدر بمن سلك ~~مثل تلك الطريق فإن من شك في اوضح الأمرين وأبينهما في العقل وفي أمر لم ~~يشك أحد من الأولين والآخرين فيه كان أولى بالجهل ممن قال بما قالت به ~~الأنبياء والرسل وأتباعهم وسائر عقلاء بني آدم من الأولين والآخرين وعلم ~~ثبوته بالبراهين اليقينية # وذلك أنه لم يجوز أحد من بنى آدم وجود فاعل للعالم ولذلك الفاعل فاعل إلى ~~ما لا نهاية له من غير أن يكون هناك فاعل موجود PageV04P235 ~~بنفسه فمن شك في جواز هذا أو عجز عن جواب شبهة مجوزة كان جهله بينا وكان ~~أجهل من أفحش الناس قولا بالباطل المحض من التشبية والتجسيم حتى لو فرض ~~القول الذي يحكى عن غالية المنتقصة لله من اليهود وغيرهم مثل الذين يصفونه ~~بالبكاء والحزن وعض اليد حتى جرى الدم ورمد العين وباللغوب والفقر والبخل ~~وغير ذلك من النقائص التي يجب تنزه الله تعالى عنها سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا # فإذا قدر واجب بنفسه موصوف بهذه النقائص لم يكن هذا ابعد في العقل من ~~وجود فاعل موجودا بنفسه له فاعل ليس موجودا بنفسه إلى ما لا يتناهي فإن هذا ~~وصف لجميع الفاعلين بالعدم الذي هو غاية ms0829 النقص فإن غاية النقص أنه يرجع إلى ~~أمور عدمية فكيف عدم كل ما يقدر فاعلا للعالم # فتبين أن هؤلاء الذين يدعون العقليات التي تعارض السمعيات هم من أبعد ~~الناس عن موجب العقل ومقتضاه كما هم من أبعد الناس عن متابعة الكتاب المنزل ~~والنبي المرسل وأن نفس ما به يقدحون في أدلة الحق التي توافق ما جاء به ~~الرسول لو قدحوا به فيما يعارض ما جاء به الرسول لسلموا عن التناقض وصح ~~نظرهم وعقلهم واستدلالهم ومعارضتهم صحيح المنقول وصريح المعقول بالشبهات ~~الفاسدة PageV04P236 ~~ومن أعجب الأشياء أن هذا الآمدى لما تكلم على مسألة هل وجوده زائد على ذاته ~~أم لا ذكر حجة من قال لا يزد وجوده على ذاته فقال احتجوا بأنه لو كان زائدا ~~على ذاته لم يخل إما أن يكون واجبا أو ممكنا لا جائز أن يكون واجبا لأنه ~~مفتقر إلى الذات ضرورة كونه صفة لها ولا شيء من المفتقر إلى غيره يكون ~~واجبا فإذا وجوده لو كان زائدا على ذاته لما كان واجبا فلم يبق إلا أن يكون ~~ممكنا وإذا كان ممكنا فلابد له من مؤثر والمؤثر فيه إما الذات أو خارج عنها ~~والأول ممتنع لأنه يستلزم كون الذات قابلة وفاعلة ولأن المؤثر في الوجود لا ~~بد أن يكون موجودا فتأثيرها في وجودها يفتقر إلى وجودها فالوجوه مفتقر إلى PageV04P237 ~~نفسه وهو محال وإن كان المؤثر غيرها كان الوجود الواجب مستفادا له من غيره ~~فلا يكون الوجود واجبا بنفسه # ثم قال وهذه الحجة ضعيفة إذ لقائل أن يقول ما المانع من كون الوجود ~~الزائد على الماهية واجبا لنفسه قولكم لأنه مفتقر إلى الماهية والمفتقر إلى ~~غيره لا يكون واجبا لنفسه قلنا لا نسلم أن الواجب لنفسه لا يكون مفتقر إلى ~~مؤثر فاعل ولا يمتنع أن يكون موجبا بنفسه وإن كان مفتقرا إلى القابل فإن ~~الفاعل الموجب بالذات لا يمتنع توقف تأثيره على القابل وسواء كان اقتضاؤه ~~بالذات لنفسه أو لما هو خارج عنه وهذا كما يقوله الفيلسوف في PageV04P238 ~~العقل الفعال ms0830 بأنه موجب بذاته للصور الجوهرية والأنفس الأنسانية وإن كان ما ~~اقتضاه لذاته متوقفا على وجود الهيولى القابلة # قال وإن سلمنا أنه لا بد وأن يكون ممكنا ولكن لا نسلم أن حقيقة الممكن هو ~~المفتقر إلى المؤثر بل الممكن هو المفتقر إلى الغير الافتقار إلى الغير أعم ~~من الافتقار إلى المؤثر وقد تحقق ذلك بالافتقار إلى الذات القابلة # فيقال ففي هذا الكلام جوز أن يكون الوجود الواجب مفتقرا إلى الماهية وذكر ~~أن الواجب بنفسه هو الذي لا يفتقر إلى المؤثر ليس هو الذي لا يفتقر إلى ~~الغير وأن كونه ممكنا بمعنى افتقاره إلى الغير لا إلى المؤثر هو الإمكان ~~الذي يوصف به الوجود الواجب المفتقر إلى الماهية # وهذا الذى قاله هو بعينه يقال له فيما ذكره هنا حيث قال إن المجموع مفتقر ~~إلى كل من أجزائه والمفتقر إلى الغير لا يكون واجبا بنفسه لأنه ممكن PageV04P239 # فيقال له لا نسلم أن المفتقر إلى الغير على الإطلاق لا يكون واجبا بنفسه ~~بل المفتقر إلى المؤثر لا يكون واجبا لنفسه وافتقار المجموع إلى كل من ~~أجزائه ليس افتقارا إلى مؤثر بل إلى الغير كافتقار الوجود إلى الماهية اذا ~~فرض تعددها # ويقال قولك إن المجموع يكون ممكنا أتعنى بالممكن ما يفتقر إلى مؤثر أم ما ~~يفتقر إلى الغير # فإن قلت الأول كان باطلا وإن قلت الثاني فلم قلت إن الواجب بنفسه الذى لا ~~يفتقر إلى فاعل لا يكون ممكنا بمعنى أنه يفتقر إلى غير لا إلى فاعل # فهذا الكلام الذى ذكره هو بعينه يجيب به نفسه عما ذكره هنا بطريق الأولى ~~والأحرى فإن توقف المجموع الواجب لأجزائه على كل من أجزائه لا ينفى وجوبه ~~بنفسه التي هي المجموع مع الأجزاء أما توقف الوجود على الماهية المغايرة له ~~فإنه يقتضى توقف الوجود الواجب على ما ليس داخلا فيه PageV04P240 ~~ومعلوم أن افتقار الشيء إلى جزئه ليس هو كافتقاره إلى ما ليس جزأه بل الأول ~~لا ينفى كمال وجوبه إذ كان افتقاره إلى جزئه ليس أعظم من افتقاره ms0831 إلى نفسه ~~والواجب بنفسه لا يستغنى عن نفسه فلا يستغنى عما وهو داخل في مسمى نفسه أما ~~إذا قدر وجود واجب وماهية مغايرة له كان الواجب مفتقرا إلى ما ليس داخلا في ~~مسمى اسمه فمن جوز ذاك كيف يمنع هذا # ولهذا كان قول مثبتة الصفات خيرا من قول أبي هاشم وأمثاله من المعتزلة ~~وأتباعهم الذين قالوا إن وجود كل موجود في الخارج مغاير لذاته الموجودة في ~~الخارج وأن وجود واجب الوجود زائد على ماهيته وإن كان قد وافقه على ذلك ~~طائفة من أهل الإثبات في أثناء كلامهم حتى من أصحاب الأئمة الأربعة ( أحمد ~~) وغيره كابن الزغواني وهو أحد قولي الرازي بل هو الذى رجحه في أكثر كتبه ~~وكذلك أبو حامد فإبطال مثل هذا التركيب أولى من إبطال ذاك وأدنى الأحوال أن ~~يكون مثله فإن من قال إن الوجود زائد على الماهية PageV04P241 ~~لزمه أن يجعل الماهية قابلة للوجود والوجود صفة لها فيجعل الوجود الواجب ~~صفة لغيره والصفة مفتقرة إلى محلها وهذا الافتقار أقرب إلى أن تكون الصفة ~~ممكنة من افتقار الجميع إلى جزئه فإن افتقار الجميع إلى نفسه لا ينافى ~~وجوبه بنفسه فكيف افتقاره إلى صفته اللازمة له وإلى ما يقدر أنه جزؤه الذى ~~لا يوجد إلا في ضمن نفسه وأما افتقار الصفة إلى الموصوف فأدل على إمكان ~~الصفة بنفسها فإذا كان الوجود الواجب لا يمتنع أن يكون صفة لماهية فكيف ~~يمتنع أن يكون مجموعا # وغاية ما يقال إن الاجتماع صفة للأجزاء المجتمعة الموجودة الواجبة ومعلوم ~~أن صفة الأجزاء بنفسها أولى أن تكون موجودة واجبة من صفة الماهية التي هي ~~في نفسها ليست وجودا # فهذا الذى ذكره هناك حجة عليه هنا مع أنه يمكن تقريره بخير مما قرره به ~~فإنه قد يقال إن هذا تقرير ضعيف وذلك أنه قال لا نسلم ان الواجب لنفسه لا ~~يكون مفتقرا إلى غيره فإن الواجب لنفسه هو الذي لا يكون مفتقرا إلى مؤثر ~~فاعل ولا يمتنع أن يكون موجبا بنفسه وإن كان مفتقرا إلى القابل ms0832 فإن PageV04P242 ~~الفاعل الموجب بالذات لا يمتنع توقف تأثيره على القابل وسواء كان اقتضاؤه ~~بالذات لنفسه أو لما هو خارج عنه وهذا كما يقول الفيلسوف في العقل الفعال ~~بأنه موجب بذاته للصور الجوهرية والأنفس الإنسانية وإن كان ما اقتضاه لذاته ~~متوقفا على وجود الهيولى القابلة # فقد يقال إن هذا التقرير ضعيف لوجوه # أحدها أن الكلام فيما هو واجب بنفسه لا فيما هو موجب لغيره أو فاعل له ~~وإذا قدر أن الموجب الفاعل يقف على غيره لم يلزم أن يكون الواجب بنفسه يقف ~~على غيره # الثاني أن الموجب الفاعل لا تقف نفسه على غيره وإنما يقف تأثيره ولا يلزم ~~من توقف تأثيره على غيره توقفه وهذا كما ذكره من التمثيل بالعقل الفعال فإن ~~أحدا لا يقول إن نفسه تتوقف على غيره الذى يقف عليه تأثيره فإذا كان هذا في ~~الموجب فكيف بالواجب # بل هم يقولون إن نفس إيجابه يتوقف على غيره بل وصول الأثر إلى المحل ~~يتوقف على استعداد المحل PageV04P243 # الثالث أن هذا التمثيل يمكن في غير الواجب بنفسه أما هو سبحانه وتعالى ~~فلا يتصور أن تقف ذاته على غيره ولا فعله على غيره فإن القوابل هي أيضا من ~~فعله فالكلام في فعله للمقبول لها كالكلام في فعله للقابل فكل ما سواه فقير ~~إليه مفعول له وهو مستغن عن كل ما سواه من كل وجه بخلاف الفاعل المخلوق ~~الذى يتوقف فعله على قابل فإنه فعل مفتقر إلى شئ منفصل عنه لكن يمكن أن ~~يجاب عنه بأن يقال إذا كان الموجب لغيره المتوقف إيجابه على غيره لا يمنع ~~أن يكون موجبا بنفسه كما قالوا في العقل الفعال فأن يكون توقف إيجابه على ~~غيره لا يمنع أن يكون واجبا بنفسه أولى وأحرى فإن الموجب لغيره واجب وزيادة ~~إذ لا يوجد إلا ما هو موجود ولا يوجب إلا ما هو واجب # والعقل الفعال يقولون هو واجب بغيره وهو موجب بغيره لا واجب بنفسه ~~ومقصوده أن الوجوب والإيجاب بالذات لا يمنع توقف ذلك على غيره وإنما ms0833 يمنع ~~كونه مفعولا للغير # وتلخيص الكلام أنه إذا قيل إن الوجود زائد على الماهية كانت الماهية محلا ~~للوجود الواجب فيكون الواجب لنفسه مفتقرا إلى قابل لا إلى فاعل فنقول ~~الواجب هو الذي لا يكون مفتقرا إلى فاعل ليس هو الذى لا يكون مفتقرا إلى ~~قابل فإن الذى قام عليه قطع التسلسل أن الواجب لا فاعل له ولا علة PageV04P244 # أما كون الوجود الواجب له محل هو موصوف به أم لا فذاك كلام آخر لكنه عضد ~~ذلك بأن الإيجاب بالذات لا ينافي كون الموجب له محل يقبله فكذلك الوجوب ~~بالذات لاينفي أن يكون له محل يقبله واستشهد بالعقل الفعال لكنهم يقولون ~~العقل الفعال ليس بموجب بالذات وأما الرب الموجب بالذات فليس له محل يقبله ~~فتبين أن الاستشهاد بهذا لا يصح وليس التمثيل به مطابقا # والمقصود هنا أن الذى يعتمد عليه هو وأمثاله في نفي ما يسمونه التركيب هم ~~أنفسهم قد أبطلوه في مواضع أخر واحتجوا به في موضع آخر وهو حيث احتجوا به ~~أضعف منه حيث أبطلوه # وكذلك ما ذكره من الوجه الثاني على إبطال التركيب فإنه قال الوجه الثاني ~~في امتناع كونه مركبا من الأجزاء أن تلك الأجزاء إما أن تكون واجبة الوجود ~~لذاتها أو ممكنة أو البعض واجبا والبعض ممكنا لا جائز أن يقال بالأول على ~~ما سيأتي تحقيقة في إثبات الوحدانية وإن كان الثاني أو الثالث فلا يخفى أن ~~المفتقر إلى الممكن المحتاج إلى الغير أولى بالإمكان والاحتياج والممكن ~~المحتاج لا يكون واجبا لذاته وما لا يكون واجبا لذاته لا يكون إلها PageV04P245 # قلت ولقائل أن يقول هذا الوجه أيضا فاسد من وجوه # أحدها أن يقال لم لا يجوز أن تكون تلك الأجزاء كلها واجبة # قوله على ما سيأتي تحقيقة في مسألة التوحيد # يقال له الذى ذكرتة فيما بعد في مسألة التوحيد هي الطريقة المعروفة لابن ~~سينا وأتباعه أن الفلاسفة وهي وجهان أحدهما مبناه على أن المركب يفتقر إلى ~~أجزائه وها هو الوجه ( الأول ) الذى ذكرته هنا فصار مدار هذا ms0834 الوجه الثانى ~~على الأول فلم يذكر إلا الأول وقد تبين فساده # الوجه الثاي الذى ذكرته في التوحيد مبناه على كون الوجوب يصير معلولا ~~وهذا هو الذى ذكرته في كون الوجود الواجب لا يزيد على الماهية لئلا يكون ~~معلولا للماهية وأنت قد أفسدت هذا الوجه وبا أفسدته به يفسد الآخر أيضا # فتبين أن ما ذكرته في مسألة التوحيد يعود إلى وجه واحد وأنت قد قدمت ~~فساده فالحوالة على ما سيأتى وما سيأتي منه ما هو مكرر فكلاهما فاسد # وهو دائما في كلامه يذكر فساد هذه الطريقة حتى أنه لما استدلت الفلاسفة ~~أتباع ابن سينا وغيرهم على أن الأجسام ممكنة بهذه PageV04P246 ~~الطريقة واستدل بها طائفة على حدوث العالم وهذا أول طريقة ذكرها في حدوث ~~العالم فقال قد احتج الأصحاب بمسالك الأول قولهم العالم ممكن بذاته وكل ~~ممكن بذاته فهو محدث وقرر الإمكان بأن قال أجسام العالم مؤلفة ومركبة لما ~~سبق بيانه في الأجسام وكل ما كان مؤلفا مركبا فهو مفتقر إلى أجزائه وكل ~~مفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بذاته فالأجسام ممكنة لذواتها والأعراض قائمة ~~بالأجسام ومفتقرة إليها والمفتقر إلى الممكن أولى أن يكون ممكنا # ثم ضعف هذا المسلك قال وقولهم إن العالم مركب مسلم ولكن ما المانع أن ~~تكون أجزاؤه واجبة وما ذكروه من PageV04P247 ~~الدلالة فقد بينا ضعفها في مسألة الوحدانية فهنا لما احتجوا بهذه الدلالة ~~على حدوث العالم ذكر ضعفها وأحال على ما ذكره في الوحدانية فكيف يحتج بها ~~بعينها في مثل هذا المطلوب بعينه وهو كون الأجسام ممكنة لأنها مركبة ويحيل ~~على ما ذكره في التوحيد # ومعلوم أنه لو أبطلها حيث تعارض نصوص الكتاب والسنة واعتمد عليها حيث لا ~~تناقض ذلك لكان مع مافيه من التاقض أقرب إلى العقل والدين من أن يحتج بها ~~في نفى لوازم نصوص الكتاب والسنة ويبطلها حيث لا تخالف نصوص الأنبياء # الوجة الثاني أن يقال أنت أيضا قد بينت في الكلام على إثبات وحدانية الله ~~تعالى فساد هذه الطريقة التى سلكها ابن سينا وغيره ms0835 من الفلاسفة التى أحلت ~~عليها هنا وذلك أنه قال الفصل الثاني في امتناع وجود إلهين لكل واحد منهما ~~من صفات الإلهية ما للآخر وقد احتج النافون للشركة بمسالك ضعيفة المسلك ~~الأول وهو ما ذكره الفلاسفة وذلك أنهم قالوا لو قدر وجود واجبين كل PageV04P248 ~~واحد منهما واجب لذاته فلا يخلو إما أن يقال باتفاقهما من كل وجه أو ~~باختلافهما من كل وجه أو باتفاقهما من وجه دون وجه فإن كان الأول فلا تعدد ~~في مسمى واجب الوجود إذ التعدد والتغاير دون مميز محال وإن كان الثاني فما ~~اشتركا في وجوب الوجود وإن كان الثالث فما به الاشتراك غير ما به الافتراق ~~وما به الاشتراك إن لم يكن هو وجوب الوجود فليسا بواجبين بل أحدهما دون ~~الآخر وإن كان الاشتراك بوجوب الوجود فهو ممتنع لوجهين الأول هو أن ما به ~~الاشتراك من وجوب الوجود إما أن يتم تحققه في كل واحد من الواجبين بدون ما ~~به الافتراق أو لا يتم دونه فإن كان الأول فهو محال وإلا كان المعنى ~~المشترك المطلق متحققا في الأعيان من غير مخصص وهو محال وإن كان الثاني كان ~~وجوب الوجود ممكنا لافتقاره في تحققه إلى غيره فالموصوف به وهو ما قيل ~~بوجوب وجوده به أولى أن يكون ممكنا الوجه الثاني أن مسمى واجب الوجود إذا ~~كان مركبا من أمرين وهو وجوب الوجود المشترك وما به الافتراق فيكون مفتقرا ~~في وجوده إلى كل واحد من مفرديه وكل PageV04P249 ~~واحد من المفردين مغاير للجملة المركبة منهما ولهذا يتصور تعقل كل أحد من ~~الأفراد مع الجهل بالمركب منها والمعلوم غير المجهول وكل ما كان مفتقرا إلى ~~غيره في وجوده كان ممكنا لا واجبا لذاته إذ لا معنى لواجب الوجود لذاته إلا ~~مالا يفتقر في وجوده إلى غيره وهذه المحالات إنما لزمت من القول بتعدد واجب ~~الوجود لذاته فيكون محالا # قال وربما استروح بعض الأصحاب في إثبات الوحدانية إلى هذا المسلك أيضا ~~وهو ضعيف إذ لقائل أن يقول وإن سلمنا الاتفاق بينهما ms0836 من وجه والافتراق من ~~وجه وأن ما به الاتفاق هو وجوب الوجود ولكن لم قلتم بالامتناع وما ذكرتموه ~~في الوجه الأول إنما يلزم أن لو كان مسمى وجوب الوجود معنى وجوديا وأما ~~بتقدير أن يكون أمرا سلبيا ومعنى عدميا وهو عدم افتقار الوجود إلى علة ~~خارجة فلا فلم قلتم بكونه أمرا وجوديا # ثم بسط الكلام في كونه عدميا بما ليس هذا موضع الكلام فيه PageV04P250 # قال وعلى هذا فقد بطل القول بالوجه الثاني فإنه إذا كان حاصل الوجوب يرجع ~~إلى صفة سلب فلا يوجب ذلك التركيب من ذات واجب الوجود وإلا لما وجد بسيط ~~أصلا فإنه ما من بسيط إلا ويتصف بسلب غيره عنه وإن سلمنا أن وجوب الوجود ~~أمر وجودى ولكن ما ذكرتموه من لزوم التركيب فهو لازم وإن كان واجب الوجود ~~واحدا من حيث أن مسمى واجب الوجود مركب من الذات المتصفة بالوجوب ومن ~~الوجوب الذاتي فما هو العذر عنه مع اتحاد واجب الوجود فهو العذر مع تعدده # قلت الوجه الأول ذكره الرازي قبله في إبطال هذا والوجه الثاني ذكره ~~الرازي كما ذكره الشهرستاني قبله وهو أن هذا منقوض بمشاركة واجب الوجود ~~لسائر الموجودات في مسمى الوجود وامتيازه عنها بوجوب الوجود فقد صار فيه ~~على أصلكم ما به الاشتراك وما به الامتياز PageV04P251 # والأمدى يقول إن وجوب الوجود بالاشتراك اللفظي وقاله قبله الشهرستاني ~~والرازي مع تناقضهما في ذلك وقولهما في موضع آخر خلاف ذلك # والمقصود هنا أن ما ذكروه في إبطال تعدد واجب الوجود وإفساد طرق ابن سينا ~~وأتباعه في ذلك يبين بطلان ما أحال عليه في قوله لا يجوز أن تكون الأجزاء ~~كلها واجبة على ما سيأتي تحقيقة في مسألة التوحيد # ومن أعجب خذلان المخالفين للسنة وتضعيفهم للحجة إذا نصر بها حق وتقويتها ~~إذا نصر بها باطل أن حجة الفلاسفة على التوحيد قد أبطلها لاما استدلوا بها ~~على أن الإله واحد والمدلول حق لا ريب فيه وإن قدر ضعف الحجة ثم إنه يحتج ~~بها بعينا على نفي لوازم علو ms0837 الله على خلقه بل ما يستلزم تعطيل ذاته ~~فيجعلها حجة فيما يستلزم التعطيل ويبطلها إذا احتج بها على التوحيد # وأيضا فما ذكره في إبطال هذه الحجة يبطل الوجه الأول أيضا فإنه إذا لم ~~يمتنع واجبان بأنفسهما فأن لا يمتنع جزءان كل منهما واجب بنفسه بطريق ~~الأولى والأحرى # واعلم أن الوجهين اللذين أبطلا بهما الحجة أحدهما منع كون الوجوب أمرا ~~ثبوتيا والثاني المعارضة أما المعارضة فواردة على هؤلاء الفلاسفة لا مندوحة ~~لهم عنها ومعارضة الشهرستاني والرازي وأظن PageV04P252 ~~الغزالى أجود من معارضة الآمدى ومن اعتذر عن ذلك بأن الواجب لفظ مشترك لزم ~~بطلان توحيد الفلاسفة بطريق الأولى فإنه لا محذور حينئذ في إثبات أمور ~~متعددة كل منها يقال له واجب الوجود بمعنى غير ما يقال للآخر # فبكل حال يلزم إما لزوم التركيب وإما بطلان توحديهم وأيهما كان لازما لزم ~~الآخر فإنه إذا لزم التركيب بطل توحيدهم وإذا بطل توحيدهم أمكن تعدد الواجب ~~وهذا يبطل امتناع التركيب # ولا ريب أن أصل كلامهم بل وكلام نفاة العلو الصفات مبنى على إبطال ~~التركيب وإثبات بسيط كلى مطلق مثل الكليات وهذا الذى يثبتونه لا يوجد إلا ~~في الأذهان والذى أبطلوه هو لازم لكل الأعيان فأثبتوا ممتنع الوجود في ~~الخارج وأبطلوا واجب الوجود في الخارج # ونحن نبين بطلان ذلك بغير ما ذكره هؤلاء فنقول قول القائل إما أن يقال ~~باتفاقهما من كل وجه أو اختلافهما من كل وجه أو اتفاقها من وجه دون وجه إن ~~أريد به أنهما يتفقان في شيء بعينه موجود في الخارج فليس في الموجودات ~~شيئان ما يتفقان في شيء بعينه موجود في الخارج ولكن يشتبهان من بعض الوجوه ~~مع أن كلا منهما مختص بما قام به نفسه كالبياضين أو الأبيضين المشتبهين مع أنه PageV04P253 ~~ليس في أحدهما شئ مما في الآخر وإن أراد بقوله أو اختلافهما من كل وجه ~~أنهما لا يشتبهان في شئ ما ولا يشتركان في شئ ما فليس في الوجود شيئان إلا ~~بينهما اشتراك في شئ وتشابه في شئ ما ولو ms0838 أنه مسمى الوجود وإن أراد امتياز ~~أحدهما عن الآخر فكل منهما ممتاز عن الآخر من ( كل ) وجه وإن كانا مشتركين ~~في أشياء بمعنى اشتباههما لا بمعنى أن في الخارج شيئا بعينه اشتركا فيه كما ~~يشترك الشركاء في العقار # وإذا عرف أن هذه الألفاظ مجملة فنقول هما مشتبهان مشتركان في وجوب الوجود ~~كما أن كل متفقين في اسم متواطئ بالمعنى العام سواء كان متماثلا وهو ~~التواطؤ الخاص أو مشككا وهو المقابل للتواطؤ الخاص كالموجودين والحيوانين ~~والإنسانين والسوادين اشتركا في مسمى اللفظ الشامل لهما مع أن كلا منهما ~~متميز في الخارج عن الآخر من كل وجه فهما لم يشتركا في أمر يختص بأحدهما بل ~~وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه وإنما اشتركا في مطلق الوجود PageV04P254 ~~والوجود المطلق المشترك الكلى لا يكون كليا لا في هذا ولا في هذا بل هو كلى ~~في الأذهان مختص في الأعيان وإذا قيل الكلى الطبيعي موجود فمعناه أن ما كان ~~كليا في الذهن يوجد في الخارج لكن لا يتصور إذا وجد ان يكون كليا كما يقال ~~العام موجود في الخارج وهو لا يوجد عاما # وقوله إما أن يختلفا من كل وجه أو يتفقا من كل وجه # قلنا إذا أريد بالاختلاف ضد الاشتباه فقد يقال ليسا مختلفين من كل وجه ~~وإن أريد الإمتياز فهما مختلفان من كل وجه # وقوله إذا كانا متفقين من كل وجه زال الامتياز يصح إذا أريد بالاختلاف ضد ~~الامتياز فإنهما إذا لم يتميز أحدهما عن الآخر بوجه بطل الامتياز وأما إذا ~~أريد بالاتفاق التشابه والتماثل فقد يكونان متماثلان من كل وجه كتماثل ~~أجزاء الماء الواحد # والتماثل لا يوجب أن يكون أحد المثلين هو الأخر بل لا بد ان يكون غيره PageV04P255 ~~وحينئذ فقوله ما به الاشتراك غير ما به الامتياز # قلنا لم يشتركا في شيء خارجي حتى يحوجهما اشتراكهما فيه إلى الامتياز بل ~~هما ممتازان بانفسهما وإنما تشابها أنو تماثلا في شئ والمتماثلان لا ~~يحوجهما التماثل إلى مميز بين عينيهما بل كل منهما ممتاز عن ms0839 الآخر بنفسه # وقوله ما به الاشتراك إما وجوب الوجود أو غيره # قلنا كل منهما مختص بوجوب وجوده الذى يخصه كما هو مختص بسائر صفاته التى ~~تخص نفسه وهو أيضا مشابه الآخر في وجوب الوجود فما اشتركا فيه من الكلى لا ~~يقبل الاختصاص وما اختص به كل منهما عن الآخر لا يقبل الاشتراك فضلا عن أن ~~يكون ما اشتركا فيه محتاجا إلى مخصص وما اختص به كل منهما يقارنه فيه مشترك ~~وحينئذ فالاشتراك في وجوب الوجود المشترك والامتياز بوجوب الوجود المختص ~~والاشتراك أيضا في كل مشترك والامتياز بكل مختص # وقوله وإن كان الاشتراك بوجوب الوجود فهو ممتنع لوجهين أحدهما أن المشترك ~~إما أن يتم بدون ما به الافتراق وذلك محال وإلا كان المطلق متحققا في ~~الأعيان من غير مخصص وإن لم يتم إلا بما به الافتراق كان وجوب الوجود ممكنا ~~لافتقاره في تحققه إلى غيره # قلنا إن أريد بالمشترك بينهما المعنى المطلق الكلى فذاك لا يفتقر إلى ما ~~به الامتياز وليس له ثبوت في الأعيان حتى يقال إنه يلزم أن يكون PageV04P256 ~~المطلق في الأعيان من غير مخصص وإن أريد به ما يقوم بكل منهما من المشترك ~~وهو ما يوجد في الأعيان من الكلى فذاك لا اشتراك فيه في الأعيان فإن كل ما ~~لأحدهما فهو مختص به لا اشتراك فيه وحينئذ فالموجود من الوجوب هو مختص ~~بأحدهما بنفسه لا يفتقر إلى مخصص فلا يكون الوجوب الذى لكل منهما في الخارج ~~مفتقرا إلى مخصص واذا لم يكن ذلك بطل ما احتجوا به على كونه ممكنا وأما ~~المشترك الكلى المطلق من الوجوب فذاك ليس موجودا لهذا ولا لهذا ولا متحققا ~~في الأعيان وحينئذ فلا يلزم أن الكلى يتحقق في الأعيان بلا مخصص # وأيضا فيقال هب أن المشترك لا يتحقق في الأعيان إلا بالمختص فهذا لا يمنع ~~وجوب وجوده إذ الواجب هو مالا فاعل له ليس هو ما لا لازم ولا ملزوم له # وهذا الآمدى ذكر هذا فيما تقدم وبين أن الوجود الواجب لا يمتنع ms0840 توقفه على ~~القابل وإنما يمتنع توقفه على الفاعل # وبهذا يبطل الوجه الثاني وهو كون الوجود الواجب مركبا مما به PageV04P257 ~~الاشتراك وما به الامتياز ( فإن ما به الاشتراك لم يوجد في الخارج وما به ~~الامتياز لم يقع فيه اشتراك فليس في أحدهما ما به الاشتراك وما به الامتياز ~~) ولكن كل منهما موصوف بصفة يشابه بها الآخر وهو الوجوب واتصاف الموصوف ~~بصفة يشابه بها غيره من وجه وامر يختص به إنما يوجب ثبوت معان تقوم به وأن ~~ذاته مستلزمة لتلك المعاني وهذا لا ينافي وجوب الوجود بل لا يتم وجوب ~~الوجود إلا به ولو سلم أن مثل هذا تركيب فلا نسلم أن مثل هذا التركيب ممتنع ~~كما تقدم بيانه # فقد تبين بطلان الوجه الأول من وجهين وبطلان الوجه الثاني من وجهين غير ~~ما ذكروه والله أعلم # والوجه الأول من الوجهين هو الذي اعتمده ابن سينا في إشاراته وقد بسطنا ~~الكلام عليه في جزء مفرد شرحنا فيه أصول هذه الحجة التي دخل منها عليهم ~~التلبيس في منطقهم وإلهياتهم وعلى من اتبعهم كالرازي والسهروردى والطوسى وغيرهم # وقد ذكرنا عنه هناك جوابين # أحدهما أن هؤلاء عمدوا إلى الصفات المتلازمة في العموم والخصوص ففرضوا ~~بعضها مختصا وبعضها عاما بمجرد التحكم كالوجود والثبوت والحقيقة والماهية ~~ونحو ذلك PageV04P258 ~~فإذا قيل الواجب والممكن كل منهما يشارك الأخر في الوجود ويفارقه بحقيقه أو ~~ما هيته # قيل لهم معنى الوجود يعمهما ومعنى الحقيقة يعمهما وكل منهما يمتاز عن ~~الآخربوجوده المختص به كما يمتاز عنه بحقيقته التى تختص به فليس جعل هذا ~~مشتركا وهذا مختصا بأولى من العكس # وهكذا إذا قدر واجبان لكل منهما حقيقة فهما مشتركان في مطلق الوجوب ومطلق ~~الحقيقة وكل منهما يمتاز عن الآخر بما يخصه من الوجوب والحقيقة فما قلتم به ~~الامتياز متلازم وما قلتم به الاشتراك متلازم ولا يفتقر ما جعلتم به ~~الاشتراك إلى ما جعلتم به الامتياز ولا ما جعلتم به الامتياز إلى ما جعلتم ~~به الاشتراك بل كل منها موصوف بما به الامتياز وهو ما ms0841 يخصه وتلك الخصائص ~~تشابه خصائص الآخر من بعض الوجوه فذلك القدر المشترك الذى لا يختص بأحدهما ~~هو ما به الاشتراك # فإذا قيل هذا لون وهذا لون كانت لونية كل منهما مختصة به واللونية العامة ~~مشتركة بينهما # وكذلك إذا قيل هذا حيوان وهذا حيوان وهذا إنسان وهذا إنسان وهذا أسود ~~وهذا أسود وامثال ذلك فليس شيء من PageV04P259 ~~الموجودات في الخارج مركبا من نفس ما به الاشتراك وما به الامتياز بل هو ~~مختص بوصف وذلك الوصف يشابه غيره لكن هو مشتمل على صفات بعضها أعم من بعض ~~أى بعضها يوجد نظيره في غيره اكثر مما يوجد نظير الآخر وأما هو نفسه فلا ~~يوجد في غيره # وأما الجواب الثاني فلا ريب أن كلا منهما فيه وجوب وفيه معنى آخر غير ~~الوجوب بل نفس الواجب الواحد فيه الوجوب وفيه ذاته وهذا هو النقض الذى ~~عارضهم به الآمدى # لكن قول القائل وجوب الوجود حينئذ يكون ممكنا لافتقاره في تحققه إلى غيره ~~فالموصوف به أولى أن يكون ممكنا كلام مجمل # فإنه يقال ما تعنى بكون الوجوب مفتقرا إلى غيره أتعنى به أنه مفتقر إلى ~~مؤثر أم مستلزم لغيره # فإن عنيت الأول فهو باطل فإنه لا يحتاج الوجوب سواء فرض مختصا أو مشتركا ~~إلى فاعل ولكن لا بد له من محل يتصف به فإن الوجوب لا يكون إلا لواجب ~~وافتقار الوجوب إلى محله الموصوف به لا يمنع المحل أن يكون واجبا بل ذلك ~~يستلزم كونه واجبا # وقول القائل إن الوجوب يكون ممكنا إن أراد به افتقاره إلى PageV04P260 ~~محل فهذا حق لكن هذا لا يستلزم كونه مفتقرا إلى فاعل ولا كون المحل مفتقرا ~~إلى فاعل # فقوله وإن كان الثاني كان الوجوب ممكنا فالموصوف به أولى مغلطة فإن ~~الإمكان الذى يوصف به الوجوب إنما هو افتقاره إلى محل لا إلى فاعل ومعلوم ~~أنه إذا كانت صفة الموصوف تفتقر إليه لكونه محلا لها لا فاعلا لم يلزم ان ~~يكون الموصوف أولى بأن يكون محلا ولو قدر أن الوجوب يفتقر إلى ms0842 مميز غير ~~المحل فهو من افتقار الشرط إلى المشروط واللازم إلى الملازم ليس هو من باب ~~افتقار المعلول إلى العلة الفاعلة # ومثل هذا لا يمتنع على وجوب الوجود بل لابد لوجوب الوجود من ذلك إذ وجوب ~~الوجود ليس هو الواجب الوجود بل هو صفة له مع أن الواجب الوجود له لوازم ~~وملزومات وذلك لا يوجب افتقاره إلى المؤثر فالوجوب أولى أن لا يفتقر إلى ~~مؤثر لأجل ما له من اللوازم والملزومات فهذان وجهان غير ما ذكره هو وأمثاله هنا PageV04P261 # الوجه الرابع أن يقال لم لا يجوز ان يكون بعض تلك الأجزاء واجبا وبعضها ممكنا # قوله الموقوف على الممكن أولى بالأمكان # قيل متى إذا كان الجزء الممكن من مقتضيات الجزء الواجب أو بالعكس وهذا ~~كما أن مجموع الوجود بعضه واجب لنفسه وبعضه ممكن والممكن منه من مفعولات ~~الواجب لنفسه ولا يلزم من ذلك أن يكون مجموع الموجودات أولى بالإمكان من ~~الموجودات الممكنة # وهذا الجواب يقوله من يقوله في مواضع أحدها في الذات مع الصفات # فإذا قيل له الذات والصفات مجموع مركب من أجزاء فإما أن تكون واجبة كلها ~~أو بعضها واجب وبعضها ممكن أمكنه أن يقول الذات واجبة والصفات ممكنة بنفسها ~~وهي واجبة بالذات كمايجيب بمثل ذلك طائفة من الناس PageV04P262 # فإذا قيل المجموع متوقف على ة الممكن # قال إن ذلك الممكن من مقتضيات الواجب بنفسه # وهذا يقوله هؤلاء إذا فسر إمكان الصفات بأنها تفتقر إلى محل فالذات لا ~~تفتقر إلى محل فالذات لا تفتقر إلى فاعل ولا محل والصفات لابد لها من محل ~~وإن فسر الواجب بما لا يفتقر إلى موجب فالصفات أيضا لا تفتقر إلى موجب لكنه ~~قد يسلم له هؤلاء أن الصفات لها موجب وهو الذات # وقولهم إن الشيء الواحد لا يكون فاعلا وقابلا من أفسد الكلام كما قد بسط ~~في موضعه فيقول هؤلاء الذات موجبة للصفات ومحل لها والذات واجبة بنفسها ~~والصفات واجبة بها والمجموع واجب وإن توقف على الممكن بنفسه الواجب بغيره ~~لأن الواجب بنفسه مستلزم للصفات ms0843 ولاجتماع المجموع # وأيضا فيقوله من يقول إنه يقوم بذاته أمور متعلقة بمشيئته وقدرته فإن تلك ~~( أيضا ) ممكنة بنفسها وقد تدخل في مسمى أسمائه ففي الجملة ليس معهم حجة ~~تمنع كون المجموع فيه ما هو واجب موجب لغيره وإذا قيل المحتاج إلى الغير ~~أولى بالاحتياج PageV04P263 # قيل هب أن الأمر كذلك لكن إذا كان الغير من لوازم الجزء الواجب بنفسه كان ~~المجموع من لوازم الجزء الواجب بنفسه وحاصله أن في الأمور المجتمعة ما هو ~~مستلزم لسائرها # وإذا قيل فحينئذ لا يكون الواجب بنفسه إلا ذلك الملزوم # قيل هذا نزاع لفظي فإن الممكنات لا بد لها من فاعل غنى عن الفاعل والدليل ~~دل على هذا وليس فيما ذكرتموه ما ينفى أن تكون ذاته مستلزمة لأمور لازمة له ~~واسمه يتناول الملزوم واللازم جميعا وإن سمى الملزوم واجبا بنفسه والالزم ~~واجبا بغيره كما قاله من قاله في الذات والصفات # فيقول المنازع له فهذه مجموع الأدلة التي ذكرها هو وغيره على نفي كون ~~الواجب بنفسه جسما أو جوهرا قد تبين أنه لا دلالة في شيء منها بل هي على ~~نقيض مطلوبهم أدل منها على المطلوب # وهذا ذكرناه لما أحال عليه قوله إن الحروف إذا قام كل منها بمحل غير ( ~~محل ) الآخر يلزم التركيب وقد أبطلناه في إبطال التجسيم # ثم قال الوجه الثاني أنه قال ليس اختصاص بعض الأجزاء ببعض الحروف دون ~~البعض أولى من العكس PageV04P264 # ولقائل أن يقول هذا الوجه في غاية الضعف وذلك أنه إذا كانت الحروف مقدورة ~~له حادثة بمشيئته كما ذكرته عن منازعيك فتخصيص كل منها بمحلة كتخصيص جميع ~~الحوادث بما اختصت به من الصفات والمقادير والأمكنة والأزمنة # وهذا إما أن يرد إلى محض المشيئة وإما إلى حكمة جلية أو خفية وقد تنازع ~~الناس في الحروف التي في كلام الآدميين هل بينها وبين المعاني مناسبة تقتضي ~~الاختصاص على قولين مشهورين وأما اختصاصها بمحالها في حق الآدميين بسبب ~~يقتضى الاختصاص فهذا لا نزاع فيه فعلم أن الاختصاص منه بالمحل أولى منه ~~بالمعنى # وأما قوله ms0844 إن قالوا باجتماع الحروف بذاته مع اتحاد الذات فيلزم منه ~~اجتماع المتضادات في شيء واحد فهذا قد تقدم أن للناس فيه قولين وأن ~~القائلين باجتماع ذلك إن كان قولهم فاسدا فقول من يقول باجتماع المعانى ~~المتعاقبة وأنها شيء واحد وأن الصفات المتنوعة شيء واحد أعظم فسادا # وأما قوله وإن لم يقولوا باجتماع حروف القول في ذاته فيلزم منه مناقضة ~~اصلهم في أن ما اتصف به الرب يستحيل عروه عنه فكلام صحيح ولكن تناقضهم لا ~~يستلزم صحة قول منازعيهم إذا كان ثم قول ثالث وهذا اللازم فيه نزاع معروف ~~وقد حكى النزاع عنهم أنفسهم PageV04P265 # فمن قال إن ما اتصف به من الأصوات والأفعال ونحو ذلك يجوز عروه عنه لم ~~يكن مناقضا # والذين قالوا منهم إنه لا يجوز عروه عما اتصف به عمدتهم أنه لو جاز عروه ~~عنه لم يمكن ذلك إلا بحدوث ضد ثم ذلك الضد الحادث لا يزول إلا بضد حادث ~~فيلزم تسلسل الحوادث بذاته وهذا يجيب عنه بعضهم بأنه يجوز عدمه بدون حدوث ~~ضد ويجيب عنه بعضهم بالتزام التسلسل في مثل ذلك في المستقبل # قال الآمدي السابع في تناقض الكرامية أنهم جوزوا اجتماع الإرادة الحادثة ~~مع الإرادة القديمة ومنعوا ذلك في العلم والقدرة ولو سئلوا عن الفرق لكان متعذرا # قلت ولقائل أن يقول إن كانوا هم فرقوا فغيرهم لم يفرق بل جوز تجدد علوم ~~وقدر وحينئذ فهم اعتمدوا في الفراق على ما اعتمدت عليه المعتزلة في الفرق ~~بين كونه عالما قادرا وبين كونه متكلما مريدا PageV04P266 ~~حيث قالوا العلم والقدرة عام في كل معلوم ومقدور فإنه بكل شيء عليم وعلى كل ~~شيء قدير والإرادة والكلام ليسا عامين في كل مراد ومقول بل لا يقول إلا ~~الصدق ولا يأمر إلا بالخير ولا يريد إلا ما وجد ولا يريد إرادة محبة إلا ~~لما أمر ### | AUTO فهذا مما احتجوا به على حدوث كونه مريدا متكلما دونه كونه ~~عالما قادرا قالوا لأن الاختصاص يتعلق بالمحدثات بخلاف العموم فإنه يكون ~~للقديم ( فصل ) # ومما يبين الأمر ms0845 في ذلك وأن الأدلة التي يحتج بها هؤلاء على نفي لوازم ~~علو الله على خلقه هم يقدحون فيها ويبينون فسادها في موضع آخر أن عامة هذه ~~الحجج التي احتج بها الآمدي وغيره على نفي كونه جسما هم أنفسهم أبطلوها في ~~موضع آخر # والمقصود هنا ذكر ما قاله الآمدي وذلك أنه لما ذكر مسالك الناس في إثبات ~~حدوث الأجسام أبطل عامتها واختار الطريقة المبنية على أن الجسم لا يخلو من ~~الأعراض وأن العرض لا يبقى زمانين فتكون الأعراض حادثة ويمتنع حدوث ما لا ~~نهاية له وما لا يخلو عن الحوادث التى لها أول فله أول وذكر أن هذه الطريقة ~~هي المسلك PageV04P267 ~~المشهور للأشعرية وعليه اعتماده # والرازي وأمثاله لم يعتمدوا على هذا المسلك لأنه مبنى على أن الأعراض ~~ممتنعة البقاء وهذه مقدمة خالف فيها جمهور العقلاء وقالوا إن قائليها ~~مخالفون للحس ولضرورة العقل فرأى أن الاعتماد عليها في حدوث الأجسام في ~~غاية الضعف # والآمدى قدح في الطرق التى اعتمد عليها الرازي كلها والمقصود هنا ذكر طعن ~~الآمدي في حجج نفسه التى احتج بها على نفي كونه جسما ونفي قيام الحوادث به ~~وقد تقدم أن حججه المبنية على تماثل الجواهر والأجسام قد قدح فيها وبين أنه ~~لا دليل لمن أثبت ذلك وحجته المبنية على التركيب قد قدح هو فيها في غير ~~موضع كما ذكر بعضه PageV04P268 # وأما حجته المبنية على نفي المقدار اوالشكل وأنه لا بد له من مخصص وكل ما ~~له مخصص فهو محدث فإنه قال المقدمة الأولى وإن كانت مسلمة غير أن الثانية ~~وهي أن كل مفتقر إلى المخصص محدث وما ذكر في تقريرها باطل بما سبق في ~~المسلك الأول # قال وبتقدير تسليم حدوث ما أشير إليه من الصفات فلا يلزم أن تكون الأجسام ~~حادثه لجواز أن تكون هذه الصفات المتعاقبة عليها إلى غير النهاية إلا ~~بالالتفات إلى ما سبق من بيان امتناع حوادث متعاقبة لا أول لها تنتهى إليه ~~فقد ذكر هنا أنه وإن كان لابد للمختص من مخصص فلا يلزم ms0846 أن يكون حادثا بل ~~جاز أن يكون قديما في ذاته وصفاته أو قديما في الذات مع تعاقب الصفات ~~المحدثه من المقادير وغيرها عليه إلا إذا قيل ببطلان حوادث لا تتناهى # وحينئذ فيقال القديم إما واجب بنفسه وإما واجب بغيره فإن كان واجبا بنفسه ~~بطلت حجته وإن كان واجبا بغيره لزم من كون المعلول مختصا أن تكون علته ~~مختصة أيضا وإلا فبتقدير أن تكون العلة الموجبة وجودا مطلقا لا تختص بشيء ~~من الأشياء كما يقوله من يقول هو وجود مطلق تكون نسبته إلى جميع أجناس ~~الموجودات ومقاديرها وصفاتها نسبة واحدة وحينئذ فلا يخص مقدارا دون مقدار ~~بالاقتضاء والإيجاب إلا أن يقال لا يمكن غير ذلك المقدار PageV04P269 ~~وإذا قيل ذلك لزم أن يكون من المقادير ما هو واجب لا يمكن غيره فإذا قيل ~~هذا في الممكن ففي الواجب بنفسه أولى فإن تطرق الجواز إلى الممكن بنفسه ~~أولى من تطرقه إلى الواجب بنفسه فإذا قدر في الممكن مقدار لا يمكن وجود ما ~~هو أكبر منه فتقدير ذلك في الواجب بنفسه أولى # ونكته الجواب أن الموجب الذى يسمونه علة إن كان له مقدار بطل أصل قولهم ~~وإن لم يكن له مقدار فإما أن تكون جميع المقادير ممكنة بالنسبة إليه وإما ~~أن لا يكون كذلك فإن كان الأول لم يخص بعضها دون بعض بلا مخصص لما في ذلك ~~من ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وإن لم يمكن إلا بعضها كما ~~يقوله من يقوله من المتفلسفة فحينئذ لزم أن يكون من المقادير ما هو ممتنع ~~لنفسه بل منها ما هو متعين لا يمكن وجود غيره # وإذا جاز أن يمتنع بعضها لنفسه فوجوب بعضها لنفسه أولى وأحرى وإذا جاز أن ~~يتعين ممكن من المقادير دون غيره لنفسه فتعين مقدار واجب لنفسه أولى وأحرى # وهذا كلام لا محيص لهم عنه فإن العالم إن كان واجبا بنفسه فقد ثبت أن ~~الواجب بنفسه يختص بمقدار وإن كان ممكنا فوجد ما هو أكبر منه أو أصغر إما ~~أن يكون ms0847 في نفسه ممكنا وإما أن لا يكون فإن PageV04P270 ~~لم يكن ممكنا ثبت امتناع بعض المقادير لنفسه دون بعض في الممكنات ففي ~~الواجب أولى # وحينئذ فبطل قول القائل ( إنه ) ما من مقدار إلا ويمكن ما هو أكبر منه ~~وأصغر وإن كان غير هذا المقدار ممكنا فتخصيص أحد الممكنين بالوجود يفتقر ~~إلى مخصص والوجود المطلق لا اختصاص له بممكن دون ممكن فلا بد أن يكون ~~المخصص أمرا فيه اختصاص وذلك الاختصاص واجب بنفسه وإذا كان الواجب لنفسه ~~فيه اختصاص واجب لم يمكن أن يقال كل اختصاص فلا بد له من مخصص إذ الاختصاص ~~ينقسم إلى واجب لنفسه وممكن # يوضح هذا إن المتفلسف إذا قال إن الموجب لتخصيص الفلك بمقدار دون مقدار ~~كون الهيولى لا تقبل إلا ذلك المقدار مثلا أو امتناع بعد وراء العالم أو ما ~~قيل من الأسباب # قيل له ما ذكرته من الهيولى وامتناع وجود موجود وراء العالم وإن كان ~~باطلا فيقال ما الموجب لكون الهيولى لا تكون على غير تلك الصفة ولم لا كانت ~~الهيولى غير هذه بحيث تقبل شكلا أكبر من هذا ثم إذا زعمت ان الممكن له ~~مقدار لا يمكن أن يكون اكبر منه لعدم القابل مع أنه لا يعلم وجود مخصص ~~لمقدار دون مقدار ولا PageV04P271 ~~لكون حيز هذا المقدار يقبل الوجود دون الحيز الذي يجاوره فإن الأحياز ~~المجردة المحضة متشابهة أبلغ من تشابه المقادير # فإذا ادعيت التخصيص في هذا ففي الواجب بنفسه أولى وأحرى ثم بتقدير أن ~~تكون المقادير والصفات حادثه فالحجة المبنية على نفي حوادث لا تتناهى قد ~~عرف ضعفها # وقد أبطل هو جميع أدلة الناس التى ذكرها إلا حجة واحدة اختارها وهي أضعف ~~من غيرها كما قد ذكر غيره مرة # وإذا كانت هذه الحجة لا تمنع جواز تعاقب الحوادث على القديم لم يمنتع كون ~~القديم محلا للحوادث فبطل استدلالهم على نفي ذلك بمثل هذه الحجة # فهذه الحجج الثلاث قد قدح هو فيها وأما الرابعة وهي تعدد الصفات فالقدح ~~فيها تبع للقدح في هذه الثلاث ms0848 فإنها مبنية عليها إذ عمدة النفاة هي هذه ~~الثلاث وكلامهم كله يدور عليها حجة التركيب وحجة الأعراض بأن ما لا يخلو عن ~~الحادث فهو حادث وحجة الاختصاص # وحججه الأولى على نفى الجوهر مبنية على نفي تماثل الجواهر وهو قد بين أن ~~جميع ما ذكروه فإنه يرجع إلى ما قاله وقال إنه لا دليل فيه على نفى تماثلها PageV04P272 # وأما الثانية وهي قوله إما أن يكون مركبا فيكون جسما أو لا يكون فيكون ~~جوهرا فردا فمبنية على نفي التركيب وهو قد أفسد أدلة ذلك أو على نفي الجسم ~~وقد عرف كلامه وقدحه في حجج نفى ذلك # وأما حجته الثالثة فإنها مبنية على تماثل الجواهر أيضا وهو قد أبطل أدلة ~~ذلك ومبنية على امتناع حلول الحوادث به أيضا وقد أبطل هو أيضا جميع حجج ذلك ~~واستدل بحجة الكمال والنقصان كما احتج بها الرازي وهو أيضا قد أبطل هذه ~~الحجة لما استدل بها الفلاسفة على قدم العالم كما ذكر عنه # وأما حجته الرابعة على نفى الجوهر فبناها على نفى التحيز وبنى نفى التحيز ~~على حجتين على حجة الحركة والسكون وعلى تماثل الجواهر # وهو قد بين أنه لا دليل على تماثل الجواهر وأبطل أيضا حجة الحركة والسكون ~~لما احتج بها من احتج على حدوث الأجسام فإنه قال المسلك السادس لبعض ~~المتأخرين من أصحابنا يعنى به الرازي وهذا المسلك أخذه الرازي عن المعتزلة ~~ذكره أبو الحسين وغيره أنه لو كانت الأجسام أزلية لكانت ( في الأزل ) إما أن PageV04P273 ~~تكون متحركة أو ساكنة والقسمان باطلان فالقول بأزليتها باطل # ثم اعترض عليه بوجوه متعددة # قال ولقائل أن يقول إما أن تكون الحركة عبارة عن الحصول في الحيز بعد ~~الحصول في حيز آخر والسكون عبارة عن الحصول في الحيز بعد أن كان في ذلك ~~الحيز أو لا يكون كذلك فإن كان الأول فقد بطل الحصر بالجسم في أول زمان ~~حدوثه فإنه ليس متحركا لعدم حصوله في الحيز بعد أن كان فيه وإن كان الثاني ~~فقد بطل ما ذكره في تقرير ms0849 كون السكون أمرا وجوديا ولا مخلص عنه قلت هذه ~~مسألة نزاع بين أهل النظر أن الجسم في أول أوقات حدوثه هل يوصف بأحدهم أو ~~يخلو عنهما والذى قاله الرازى هو قول PageV04P274 ~~أبى هاشم وغيره من المعتزله ومضمونه أنه في أول أوقات حدوثه ليس متحركا ولا ساكنا # واعترض عليه بتقسيم حاصر فقال إن كانت الحركة عبارة عن الانتقال من حيز ~~إلى حيز والسكون البقاء في حيز بعد حيز فالجسم في أول أوقات حدوثه لا متحرك ~~ولا ساكن وإن لم يكن الأمر كذلك فقد بطل ما ذكره من كون السكون أمرا وجوديا ~~فإنه اعتمد في ذلك على أن السكون عبارة عن الحصول في الحيز بعد أن كان في ~~ذلك الحيز # قال الآمدي فإن قيل الكلام إنما هو في الجسم في الزمان الثاني والجسم في ~~الزمان الثاني لا يخلو عن الحركة والسكون بالتفسير المذكور فهذا قول ظاهر ~~الإحالة فإنه إذا كان الكلام في الجسم إنما هو في الزمان الثاني فوجود ~~الجسم بالزمان الثاني ليس هو حالة الأولية وعند ذلك فلا يلزم أن PageV04P275 ~~يكون الجسم أزلا لا يخلو عن الحركة والسكون قلت بل بتقدير قدمه لا يخلو عن ~~الحركة والسكون لأنه حينئذ إما أن يبقى في حيز أو ينتقل عنه والأول السكون ~~والثاني الحركة # وما ذكره الآمدى من جواز خلوه عنهما على أحد التقديرين فإنما هو بتقدير ~~حدوثه ومعلوم أنه إذا كان بتقدير قدمه لا يخلو عنهما وكلاهما ممتنع كان ~~بتقدير قدمه # مستلزما لأمر ممتنع وهو الجمع بين النقيضين فإنه إذا صحت المقدمتان لزم ~~أن يكون حادثا بتقدير قدمه وهو أنه لو كان قديما لم يخل من حادث وما لا ~~يخلو من الحوادث فهو حادث # وما ذكره الآمدى إنما يتوجه إذا قيل الجسم مطلقا لا يخلو عن الحركة ~~والسكون وحينئذ فإما أن يخلو عنهما أو لا يخلو فإن خلا عنهما لم يكن ذلك ~~إلا حال حدوثه فكيون حادثا وإن لم يخل عنهما لزم أن يكون حادثا فيلزم حدوثه ~~على كل تقدير # ونحن نذكر ما ms0850 يقدح به الآمدي وامثاله في حججهم التى احتجوا بها في موضع ~~آخر وإن كان بعض ذلك القدح ليس بحق ولكن يعطى كل ذى حق حقه قولا بالحق ~~واتباعا للعدل PageV04P276 ~~وقد ذكرنا كلام الأمدى على سائر ما ذكره في امتناع كون الحركة أزلية مثل ~~قوله لم قلتم بامتناع كون الحركة أزلية وما ذكروه من الوجه الأول فإنما ~~يلزم أن لو قيل بأن الحركة الواحدة بالشخص أزلية وليس كذلك بل المعنى بكون ~~الحركة أزلية أن أعداد أشخاصها المتعاقبة لا أول لها وعند ذلك فلا منافاة ~~بين كون كل واحد من آحاد الحركات الشخصية حادثة ومسبوقة بالغير وبين كون ~~جملة آحادها أزلية بمعنى أنها متعاقبة إلى غير نهاية إلى آخر كلامه ### | AUTO والمقصود هنا التنبيه على أنه نقض في موضع آخر عامة ما احتج به ~~هنا ( فصل ) # ومما ينبغي معرفته في هذا الباب أن القائلين بنفى علو الله على خلقه ~~الذين يستدلون على ذلك أو عليه وعلى غيره بنفى التجسيم ( فإنهم ) ينقضون ~~الحجج التى يحتجون بها فتارة ينقض أحدهم الحجج التى يحتج ( كما ذكرناه ) عن ~~الرازى والأمدى PageV04P277 ~~( وأمثالهما ) من حذاق النظار الذين جمعوا خلاصة ما ذكره النفاة من أهل ~~الفلسفة والكلام بل يعارضون ( ما يجب تصديقه ) بما يعلم بصريح العقل أنه ~~خطأ بل يعارضون السمعيات التى يعلم أن العقل الصريح ( موافق لها بما يعلم ~~العقل الصريح أنه باطل ) ( وتارة ) كل طائفة تبطل الطريقة العقلية التى ~~اعتمدت عليها الأخرى بما يظهر به بطلانها بالعقل الصريح وليسوا متفقين على ~~طريقة واحدة # وهذا يبين خطأهم كلهم من وجهين من جهة العقل الصريح الذى بين به كل قوم ~~فساد ما قاله الآخرون ومن جهة أنه ليس معهم معقول اشتركوا فيه فضلا عن أن ~~يكون من صريح المعقول # بل المقدمة التي تدعى طائفة من النظار صحتها تقول الأخرى هي باطلة وهذا ~~بخلاف مقدمات أهل الإثبات الموافقة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فإنها من العقليات التى اتفقت عليها فطر العقلاء السليمى الفطرة التى لا ~~ينازع فيها ms0851 إلا من تلقى النزاع تعليما من غيره لا من موجب فطرته فإنما يقدح ~~فيها بمقدمة تقليدية أو نظرية PageV04P278 ~~لا ترجع إلى ( العقل الصريح ) وهو يدعى أنها عقلية فطرية # ومن كان له خبرة بحقيقة هذا الباب تبين له أن جميع المقدمات العقلية التي ~~ترجع إليها براهين المعارضين للنصوص النبوية إنما ترجع إلى تقليد منهم ~~لأسلافهم لا إلى ما يعلم بضرورة العقل ولا إلى فطرة فهم يعارضون ما قامت ~~الأدلة العقلية على وجوب تصديقه وسلامته من الخطأ بما قامت الأدلة العقلية ~~على أنه لا يجب تصديقه بل قد علم جواز الخطأ عليه وعلم وقوع الخطأ منه فيما ~~هو دون الإلهيات فضلا عن الإلهيات التى يتيقن خطأ من خالف الرسل فيها ~~بالأدلة المجملة والمفصلة # والمقصود هنا التنبيه على جوامع قدح كل طائفة في طريق الطائفة الأخرى من ~~نفاة العلو أو العلووغيره من الصفات بناء على نفى التجسيم ففحول أهل الكلام ~~كأبي على وأبى هاشم والقاضي PageV04P279 ~~عبد الجبار وأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي الحسين البصرى ومحمد ~~بن الهيصم وأبي المعالى الجوينى وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزال ~~وغيرهم يبطلون طرق الفلاسفة التى بنوا عليها النفى منهم من يبطل أصلوهم ~~المنطقية وتقسيمهم الصفات إلى ذاتي وعرضى وتقسيم العرضى إلى لازم للماهية ~~وعارض لها ودعواهم أن الصفات اللازمة للموصوف منها ما هو ذاتي داخل في ~~الماهية ومنها ما هو عرضى خارج عن الماهية وبناءهم توحيد واجب الوجود الذى ~~مضمونه نفى الصفات على هذه الأصول وهم في هذا التقسيم جعلوا الماهيات ~~النوعية زائدا في الخارج على الموجودات العينية وليس هذا قول من قال ~~المعدوم شيء فإن أولئك يثبتون ذواتا معينة ثابتة في العدم تقبل الوجود ~~المعين وهؤلاء يثبتون ماهيات كلية لا معينة وأرسطو وأتباعه إنما يثبتونها ~~مقارنة للموجودات المعينة لا مفارفة لها واما شيعة أفلاطن فيثبتونها مفارقة ~~ويدعون أنها أزلية أبدية وشيعة فيثاغورس تثبت أعدادا مجردة # وما يثبته هؤلاء إنما هو في الأذهان ظنوا ثبوته في الخارج وتقسيمهم الحد ~~إلى حقيقى ذاتي ورسمى أو ms0852 لفظي أو تقسيم المعرف إلى حد ورسم هو بناء على هذا ~~التقسيم # وعامة نظار أهل الإسلام وغيرهم ردوا ذلك عليهم وبينوا فساد PageV04P280 ~~كلامهم وأن الحد إنما يراد به التمييز بين المحدود وغيره وأنه يحصل بالخواص ~~التى هي لازمة ملزومة لا يحتاج إلى ذكر الصفات العامة بل منعوا أن يذكر في ~~الحد الصفات المشتركة بينه وبين غيره بل وأكثرهم منعوا تركيب الحد كما هو ~~مبسوط في موضعه وقد صنف في ذلك متكلموا الطوائف كأبي هاشم وغيره من ~~المعتزلة وابن النوبخت وغيره من الشيعة والقاضى أبى بكر وغيره من مثبتة الصفات # وأما أبو حامد الغزالى فإنه وإن وافقهم على صحة الأصول المنطقية وخالف ~~بذلك فحول النظار الذين هم أقعد بتحقيق النظر في الإلهيات ونحوها من أهل ~~المنطق واتبعه على ذلك من سلك سبيله كالرازي وذويه وأبي محمد بن البغدادي ~~صاحب ابن المثنى وذويه فقد بين في كتابه تهافت الفلاسفة وغيره من كتبه ~~فسادقولهم في الإلهيات مع وزنه لهم بموازينهم المنطقية حتى ( أنه ) بين أنه ~~لا حجة لهم على نفى التجسيم بمقتضى أصولهم المنطقية فضلا عن أن يكون لهم ~~حجة على نفيى الصفات مطلقا وإن كان أبو حامد قد يوجد في كلامه ما يوافقهم ~~عليه تارة أخرى وبهذا PageV04P281 ~~تسلط عليه طوائف من علماء الإسلام ومن الفلاسفة أيضا كابن رشد وغيره حتى ~~أنشد فيه % يوما يمان إذا ما جئت ذا يمن % وإن لقيت معديا فعدناني % # فالاعتبار من كلامه وكلام غيره بما يقوم عليه الدليل وليس ذلك إلا فيما ~~وافق فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يقوم دليل صحيح على مخالفة الرسول ألبته # وهذا كما أن ابن عقيل يوجد في كلامه ما يوافق المعتزلة والجهمية تارة وما ~~يوافق به المثبتة للصفات بل للصفات الخبرية أخرى فالاعتبار من كلامه وكلام ~~غيره بما يوافق الدليل وهو الموافق لما جاء به الرسول # والمقصود هنا أن نبين أن فحول النظار بينوا فساد طرق من نفى الصفات أو ~~العلو بناء على نفيى التجسيم وكذلك فحول الفلاسفة كابن سينا وأبى ms0853 البركات ~~وابن رشد وغيرهم بينوا فساد طرق أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والأشعرية ~~التى نفوا بها التجسيم حتى ( أن ) ابن رشد في تهافت التهافت بين فساد ما ~~اعتمد عليه هؤلاء كما بين أبو حامد في التهافت فساد ما اعتمد عليه الفلاسفة PageV04P282 # ولهذا كان في عامة طوائف النظار من يوافق أهل الإثبات على إثبات الصفات ~~بل وعلى قيام الأمور الاختيارية في ذاته وعلى العلو كما يوجد فيهم من ~~يوافقهم على أن الله خالق أفعال العباد فأحذق متأخرى المعتزلة هو أبو ~~الحسين البصرى ومن عرف حقيقة كلامه علم أنه يوافق على إثبات كونه حيا عالما ~~قادرا وعلى أن كونه حيا ليس هو كونه عالما وكونه عالما ليس كونه قادرا لكنه ~~ينازع مثبتة الأحوال الذين يقولون ليست موجودة ولا معدومة # وهذا الذى اختاره هو قول أكثر مثبتة الصفات فنزاعه معهم نزاع لفظى كما ~~أنه يوافق على أن الله يخلق الداعى في العبد وعند وجود الداعى والقدرة يجب ~~وجود المقدور # وهذا قول أئمة أهل الإثبات وحذاقهم الذين يقولون إن الله خالق أفعال ~~العباد وهو أيضا يقول إنه سبحانه مع علمه بما سيكون فإنه إذا كان يعلمه ~~كائنا فعالميته متجدده # وابن عقيل يوافق على ذلك وكذلك الرازي وغيره وهذا موافق لقول من يقول ~~بقيام الحوادث به # وبعض حذاق المعتزلة نصر القول بعلو الله ومباينته لخلقه بالأدلة العقلية ~~وأظنه من أصحاب أبى الحسين PageV04P283 # وقد حكى ابن رشد ذلك عن أئمة الفلاسفة وأبو البركات وغيره من الفلاسفة ~~يختارون قيام الحوادث به كإرادات وعلوم متعاقبة وقد ذكروا ذلك وما هو أبلغ ~~منه عن متقدمى الفلاسفة كما ذكرت أقوالهم في غير هذا الموضع ( وتقدم بعضها ~~) والمقصود هنا أن جميع ما احتج به النفاة قدح فيه بعض النفاة قدحا يبين ~~بطلانه كما بين غير واحد فساد طرق الفلاسفة # قال أبو حامد مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم ~~فنقول هذا إنما يستقيم لمن يرى أن الجسم حادث من حيث إنه لا يخلو عن ~~الحوادث وكل حادث ms0854 فيفتقر إلى محدث فأما أنتم إذا عقلتم جسما قديما لا أول ~~لوجوده مع أنه لا يخلو عن الحوادث فلم يمتنع أن يكون الأول جسما إما الشمس ~~وإما الفلك الأقصى وإما غيره فإن قيل لأن الجسم لا يكون إلا مركبا منقسما ~~إلى جزأين بالكمية وإلى الهيولى والصورة بالقسمة المعنوية وإلى أوصاف يختص ~~بها لا محالة حتى يباين سائر PageV04P284 ~~الأجسام وإلا فالأجسام متاسوية في أنها أجسام وواجب الوجود واحد لا يقبل ~~القسمة بهذه الوجوه # قلنا وقد أبطلنا هذا عليكم وبينا أنه لا دليل لكم عليه سوى أن المجتمع ~~إذا افتقر بعض أجزائه إلى البعض كان معولا وقد تكلمنا عليه وبينا أنه إذا ~~لم يبعد تقدير موجود لا موجود له لم يبعد تقدير مركب لا مركب له وتقدير ~~موجودات لا موجود لها إذ نفى العدد والتثنية بنيتموه على نفى التركيب ونفى ~~التركيب على نفى الماهية سوى الوجود وما هو الأساس الأخير فقد استأصلناه ~~وبينا تحكمكم فيه # فإن قيل الجسم إن لم يكن له نفس لا يكون فاعلا وإن كان له نفس فنفسه علة ~~له فلا يكون الجسم أولا # قلنا أنفسنا ليست علة لوجود أجسامنا ولا نفس الفلك بمجردها علة لوجود ~~جسمة عندكم بل هما يوجدان بعلة سواهما فإذا جاز وجودهما قديما جاز أن لا ~~يكون لهما علة PageV04P285 ~~فإن قيل كيف اتفق اجتماع النفس والجسم # قلنا هو كقول القائل كيف اتفق وجود الأول فيقال هذا سؤال عن حادث فأما ما ~~لم يزل موجودا فلا يقال كيف اتفق فكذلك الجسم ونفسه إذا لم يزل كل واحد ~~منهما موجودا لم يبعد أن يكون صانعا # فإن قيل لأن الجسم من حيث إنه جسم لا يخلق غيره والنفس المتعلقة بالجسم ~~لا تفعل إلا بواسطة الجسم ولا يكون الجسم واسطة للنفس في خلق الأجسام ولا ~~في إبداع النفوس والأشيائ لا تناسب الأجسام # قلنا ولم لا يجوز أن يكون في النفوس نفس تختص بخاصية تتهيأ بها لأن توجد ~~الأجسام وغير الأجسام منها فاستحالة ذلك لا تعرف ضرورة ولا برهان يدل ms0855 عليه ~~إلا أنه لم يشاهد من هذه الأجسام المشاهدة وعدم المشاهدة لا يدل على ~~الاستحالة فقد PageV04P286 ~~أضافوا إلى الموجود الأول ما لا يضاف إلى موجود أصلا ولم يشاهد من غيره ~~وعدم المشاهدة من غيره لا يدل على استحالته منه فكذا في نفس الجسم والجسم # فإن قيل الفلك الأقصى أو الشمس أو ما قدر من الأجسام فهو متقدر بمقدار ~~يجوز أن يزيد عليه وينقص منه فيفتقر اختصاصه بذلك المقدار الجائز إلى مخصص ~~فلا يكون أولا # قلنا بما تنكرون على من يقول إن ذلك الجسم يكون على مقدار يجب أن يكون ~~عليه لنظام الكل ولو كان أصغر منه أو أكبر لم يجز كما أنكم قلتم إن المعلول ~~الأول يفيض الجرم الأقصى منه متقدرا بمقدار وسائر المقادير بالنسبة إلى ذات ~~المعلول الأول متساوية ولكن يعين بعض المقادير ليكون النظام متعلقا به ~~فيوجب المقدار الذى وقع ولم يجز خلافه فكذلك إذا قدر غير معلول بل لو ~~أثبتوا في المعلول الأول الذى هو علة الجرم الأقصى عندهم PageV04P287 ~~مبدأ للتخصيص مثل إرادة مثلا لم ينقطع السؤال إذ يقال ولم أراد هذا المقدار ~~دون غيره كما ألزموه على المسلمين في إضافته الأشياء إلى الإرادة القديمة ~~وقد قلبنا عليهم ذلك في تعين جهة حركة السماء وفي تعيين نقطتي القطبين فإذا ~~ظهر أنهم مضطرون إلى تجويز تمييز الشيء عن مثله في الوقوع بعلة فتجويزه ~~بغير علة كتجويزه بعلة إذ لا فرق بين أن يتوجه السؤال في نفس الشيء فيقال ~~لم اختص بهذا القدر وبين أن يتوجه في العلة فيقال ولم خصص هذا القدر عن ~~مثله فإن أمكن دفع السؤال عن العلة بأن هذا المقدار ليس مثل غيره إذ النظام ~~مرتبط به دون غيره أمكن دفع السؤال عن نفس الشئ ولم يفتقر إلى علة وهذا لا ~~مخرج عنه فإن هذا المقدار المعين الواقع إن كان مثل الذى لم يقع فالسؤال ~~متوجه أنه كيف ميز الشيء عن مثله خصوصا على أصلهم وهم ينكرون الإرادة ~~المميزة وإن لم تكن مثلا له فلا ms0856 PageV04P288 ~~يثبت الجواز بل يقال وقع كذلك قديما كما وقعت العلة القديمة بزعمهم # قال وليستمد الناظر في هذا الكتاب مما أوردناه لهم من توجيه السؤال في ~~الإرادة القديمة وقلبنا ذلك عليهم في نقطة القطب وجهة حركة الفلك وتبين ~~بهذا أن من لا يصدق بحدوث الأجسام فلا يقدر على إقامة الدليل على أن الأول ~~ليس بجسم ( أصلا ) # فهذا أبو حامد هو وغيره يبينون فساد ما ذكروه من نفى كون الأول جسما ~~ويقولون لا طريق إلى ذلك إلا الاستدلال على حدوث الجسم ثم أبو حامد وغيره ~~من النظار يبينون أيضافساد ما احتج به على حدوث الجسم وقد سبقهم الأشعري ~~إلى بيان فساد ما احتجت به المعتزلة على حدوث الجسم PageV04P289 # والرازي وأتباعه يبينون حدوث الجسم في كتبه الكلامية كالأربعين ونهاية ~~العقول والمحصل وغير ذلك ثم يبينون فساد كل ما يحتج به على حدوث الأجسام في ~~مواضع أخر مثل المباحث المشرقية وكذلك في المطالب العالية التى هي آخر كتبه ~~بين فساد حجج من يقول بحدوثها وأنه فعل بعد أن لم يكن فاعلا ويذكر حججا ~~كثيرة على دوام الفاعلية ويورد عليها مع ذلك ما يدل على فسادها ويعترف ~~بالحيرة في هذه المواضع العظيمة مسائل الصفات وحدوث العالم ونحو ذلك # وسبب ذلك أنهم يقولون أقوالا تستلزم الجمع بين النقيضين تارة ورفع ~~النقيضين تارة بل تستلزم كليهما والأصل العظيم الذى هو من أعظم أصول العلم ~~والدين لا يذكرون فيه إلا أقوالا ضعيفة # والقول الصواب الموافق للميزان والكتاب لا يعرفونه كما في مسألة حدوث ~~العالم فإنهم لا يذكرون إلا ( قولين ) قول من يقول PageV04P290 ~~بقدم الأفلاك وإن كانت صادرة عن علة توجبها فالمعلول مقارن لعلته أزلا ~~وأبداوقول من يقول بل تراخي المفعول عن المؤثر التام وأنه يمتنع أنه لم يزل ~~متكلما إذا شاء ويفعل ما يشاء # والقول الصواب الذى هو قول السلف والأئمة لا يعرفونه وهو القول بأن الأثر ~~يتعقب التأثير التام فهو سبحانه إذا كون شيئا كان عقب تكوينه له كما قال ~~تعالى { إنما أمره إذا أراد شيئا أن ms0857 يقول له كن فيكون } سورة يس 82 وهذا هو ~~المعقول كما يكون الطلاق والعتاق عقب الطليق والاعتاق والانكسار والانقطاع ~~عقب الكسر والقطع فهو سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ويذكرون في كونه ~~موجبا بذاته وفاعلا بشميئته وقدرته قولين فاسدين أحدهما قول من يقول من ~~المتفلسفة هو موجب بذاته في الأزل وأنه علة تامة في الأزل فيجب أن يستلزم ~~معلولة وأن معلوله يجب أن يكون مقارنا له في الزمان أزلا وأبدا PageV04P291 # وهذا القول من أفسد أقوال بنى آدم فإنه يستلزم أن لا يحدث في العالم حادث ~~فإنه إذا كانت علة تامة أزلية ومعلولها معها والعالم كله معلوله إما بواسطة ~~وإما بغير وسط لزم أن لا يكون في العالم شيء إلاأزليا فلا يكون في العالم ~~شيء من الحوادث وهو خلاف المشاهدة # ثم إنهم لما أثبتوا الواجب بالممكن إنما استدلوا على الممكن بالحادث الذى ~~يفتقر إلى محدث فإن لم يكن في العالم حادث بطل الإمكان الذى به أثبتوا ~~الواجب ولزم إما أن لا يكون في العالم واجب الوجود ولا ممكن الوجود وهو ~~إخلاء للوجود عن النقيضين وإما أن يكون جميعه واجب الوجود فيكون الحادث ~~الذى كان بعد أن لم يكن واجب الوجود # وأيضا فإذا كان المعلول لا يكون إلا مع علته التامة لزم أن لا يحدث شيء ~~من الحوادث إلا مع تمام علته ولم يحدث حين حدوثه ما يوجب حدوث علة تامة له ~~وإن قدر حدوث ذلك لزم حدوث تمام علل ومعلولات في آن واحد وهو تسلسل في ~~العلل وذلك معلوم الفساد بصريح العقل واتفاق العقلاء بخلاف تسلسل الحوادث ~~المتعاقبة وهو أنه لا يكون حادث إلا بعد حادث فهذا فيه نزاع مشهور PageV04P292 # والناس فيه على أربعة أقوال قيل يمتنع في الماضي والمستقبل كقول جهم وأبي ~~الهذيل ولهذا قال الجهم بفناء الجنة والنار وقال أبو الهذيل بفناء حركاتهما # وقيل يمتنع في الماضي دون المستقبل وهو قول كثير من طوائف أهل الكلام ~~كأكثر المعتزلة والأشعرية والكرامية وغيرهم # وقيل يجوز فيهما فيما هو ms0858 مفتقر إلى غيره كالفلك سواء قيل إنه محتاج إلى ~~مبدع كقول ابن سينا وأتباعه أو قيل إنه محتاج إلى ما يتشبه به كقول أرسطو ~~وأتباعه # وقيل يجوز فيهما لكن لا يجوز ذلك فيما سوى الرب فإنه مخلوق مفعول وحوادثه ~~القائمة به لا تحصل إلا من غيره فهو محتاج في نفسه وحوادثه إلى غيره ~~والمحتاج لا يكون إلا مربوبا والمربوب لا يكون إلا مخلوقا محدثا والمحدث لا ~~يقوم به حوادث لا أول لها فإن ما لم يسبق الحادث المعين والحوادث المحدودة ~~فهو محدث مثلها باتفاق العقلاء إذ لو كان لم يسبقها فإما أن يكون معها أو ~~بعدها وعلى التقديرين فهو حادث بخلاف الرب القديم الأزلى الواجب بنفسه فإنه ~~إذا كان لم يزل متكلما إذا شاء فعالا لما يشاء كان ذلك من كماله وكان هذا ~~كما قاله أئمة السنة والحديث PageV04P293 # والثاني قول من يقول إنه فاعل مختار لكنه يفعل بوصف الجواز فيرجح أحد ~~المتماثلين على الأخر بلام مرجح إما بمجرد كونه قادرا أو لمجرد كونه قادرا ~~عالما أو لمجرد إرادته القديمة التى ترجح مثلا على مثل بلا مرجح ويقولون إن ~~الحوادث تحدث بعد أن تكن حادثة من غير سبب يوجب الحدوث فيقولون بتراخي ~~الأثر عن المؤثر التام # وهذا وإن كان خيرا من الذى قبله ولهذا ذهب إليه طوائف من أهل الكلام ~~ففساده أيضا بين فإنه إذا قيل إن المؤثر التام حصل مع تراخي الأثر عنه وعند ~~حصول الأثر لم يحصل ما يوجب الحصول كان حاله بعد حصول الأثر وقبله ( حالا ) ~~واحدة متشابهة ثم اختص أحدالحالين بالأثر من غير ترجيح ( مرجح وحدوث ) ~~الحادث بلا سبب حادث وهذا معلوم الفساد بصريح العقل # والقول الثالث قول أئمة ( السنة إنه ما شاء الله ) كان وما لم يشأ لم يكن ~~فما شاء الله وجب بمشيئته وقدرته وما لم يشأه امتنع PageV04P294 ~~لعدم ( مشيئته له فهو ) موجب بمشيئته وقدرته لا بذات خالية عن الصفات وهو ~~موجب له إذا شاءه لا موجب ( له في الأزل كما ) قال { إنما أمره إذا ms0859 أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون } سورة يس 82 وهذا الإيجاب مستلزم لمشيئته وقدرته ~~لا مناف لذلك بل هو سبحانه يخلق ما يشاء ويختار فهو فاعل لما يشاؤه إذا شاء ~~وهو موجب له بمشيئته وقدرته والله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم PageV04P295 # الوجه العشرون # أن نقول ما سلكه هؤلاء نفاة الصفات من معارضة النصوص الإلهية بآرائهم هو ~~بعينه الذي احتج به الملاحدة الدهرية عليهم في إنكار ما أخبر الله به عباده ~~من أمور اليوم الآخر حتى جعلوا ما أخبرت به الرسل عن الله وعن اليوم الآخر ~~لا يستفاد منه علم ثم نقلوا ذلك إلى ما أمروا به من الأعمال كالصلوات الخمس ~~والزكاة والصيام والحج فجعلوها للعامة دون الخاصة فآل الأمر بهم إلى أن ~~ألحدوا في الأصول الثلاثة التي اتفقت عليها الملل كما قال تعالى { إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } PageV05P003 # فأفضى الأمر بمن سلك سبيل هؤلاء إلى الإلحاد في الإيمان بالله واليوم ~~الآخر والعمل الصالح وسرى ذلك في كثير من الخائضين في الحقائق من أهل النظر ~~والتأله من أهل الكلام والتصوف حتى آل الأمر بملاحدة المتصوفة كابن عربي ~~صاحب فصوص الحكم وأمثاله إلى أن جعلوا الوجود واحدا وجعلوا وجود الخالق هو ~~وجود المخلوق وهذا تعطيل للخالق # وحقيقة قولهم فيه مضاهاة لقول الدهرية الطبيعية الذين لا يقرون بواجب ~~أبدع الممكن وهو قول فرعون ولهذا كانوا معظمين لفرعون ثم إنهم جعلوا أهل ~~النار يتنعمون فيها كما يتنعم أهل الجنة في الجنة فكفروا بحقيقة اليوم ~~الآخر ثم ادعوا أن الولاية أفضل من النبوة وأن خاتم الأولياء وهو شئ لا ~~حقيقة له زعموا أنه أفضل من خاتم الأنبياء بل ومن جميع الأنبياء وأنهم كلهم ~~يستفيدون من مشكاته العلم بالله الذي حقيقته عندهم أن وجود المخلوق هو وجود الخالق # وكان قولهم كما يقال لمن قال فخر عليهم السقف من تحتهم لا ms0860 عقل ولا قرآن ~~فإن المتأخر يستفيد من المتقدم دون العكس والأنبياء أفضل من غيرهم فخالفوا ~~الحس والعقل مع كفرهم بالشرع # وآخر تحقيقهم استحلال المحرمات وترك الواجبات كما كان يفعل أبرع محققيهم ~~التلمساني وأمثاله # هذا وشيوخ التصوف المشهورون من أبرأ الناس من هذا المذهب وأبعدهم عنه ~~وأعظمهم نكيرا عليه وعلى أهله وللشيوخ المشهورين بالخير كالفضيل بن عياض ~~وأبي سليمان الداراني والجنيد بن محمد PageV05P004 ~~وسهل بن عبد اله التستري وعمرو بن عثمان المكي وأبي عثمان النيسابوري وأبي ~~عبد الله بن خفيف الشيرازي ويحيى بن معاذ الرازي وأمثالهم من الكلام في ~~إثبات الصفات والذم للجهمية والحلولية ما لا يتسع هذا الموضع لعشرة # بل قد قيل للشيخ عبد القادر الجيلي قدس الله روحه هل كان لله ولي على غير ~~اعتقاد أحمد بن حنبل فقال لا كان ولا يكون # والاعتقاد إنما أضيف إلى أحمد لأنه أظهره وبينه عند ظهور البدع وإلا فهو ~~كتاب الله وسنة رسوله حظ أحمد منه كحظ غيره من السلف معرفته والإيمان به ~~وتبليغه والذب عنه كما قال بعض أكابر الشيوخ الاعتقاد لمالك والشافعي ~~ونحوهما من الأئمة والظهور لأحمد ابن حنبل # وذلك لأنه كان بعد القرون الثلاثة لما ظهرت بدعة الجهمية ومحنتهم ~~المشهورة وأرادوا إظهار مذهب النفاة وتعطيل حقائق الأسماء والصفات ولبسوا ~~على من لبسوا عليه من الخلفاء ثبت الله الإسلام والسنة بأحمد بن حنبل وغيره ~~من أئمة الدين فظهرت بهم السنة وطفئت بهم نار المحنة فصاروا علما لأهل ~~الإسلام وأئمة لمن بعده من علماء المسلمين أهل السنة والجماعة وصار كل ~~منتسب إلى السنة لابد أن يواليه وإياهم ويوافقهم في جمل الاعتقاد إذ كان ~~ذلك اعتقاد أهل الهدى والرشاد المعتصمين بالكتاب والسنة وإجماع السابقين ~~الأولين والتابعين لهم بإحسان # وأئمة السنة ليسوا مثل أئمة البدعة فإن أئمة السنة تضاف السنة PageV05P005 ~~إليهم لأنهم مظاهر بهم ظهرت وأئمة البدعة تضاف إليهم لأنهم مصادر عنهم صدرت ~~ولهذا كان جمل الاعتقاد الذي يذكره أهل المقالات عن أهل السنة والجماعة هو ~~قول أحمد وأمثاله من أئمة السنة # ولهذا ms0861 قال أبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة فإن [ قال ] قائل قد ~~أنكرتم قول الجهمية والقدرية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم ~~الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له قولنا الذي نقول به ~~وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا وبما روي عن الصحابة ~~والتابعين وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل قائلون ولما خالف ~~قوله مجانبون فإنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان PageV05P006 ~~الله به الحق وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك ~~الشاكين فرحمة الله عليه من إمام معظم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين # والمقصود هنا أن صفوة أولياء الله تعالى الذين لهم في الأمة لسان صدق من ~~سلف الأمة وخلفها هم على مذهب أهل السنة والجماعة أهل الإثبات للأسماء ~~والصفات وهم من أبعد الناس عن مذاهب أهل الإلحاد من أهل الحلول والوحدة ~~والاتحاد وإن كان كثير من متأخري الصوفية دخلوا في مذاهب الإباحة والحلولية ~~وخلطوا التصوف بالفلسفة اليونانية كما خلطه بعضهم بشيء من أقوال أهل الكلام ~~الجهمية ومبدأ هذا من أقوال الذين يعارضون النصوص بآرائهم كما ذكر ~~الشهرستاني في أول كتابه في الملل والنحل أن مبدأ أنواع كل الضلالات هو من ~~تقديم الرأي على النص واختيار الهوى على الشرع فسرى في المنتسبين إلى العلم ~~والدين من أهل الفقه والكلام والتصوف من أقوال الملاحدة بسبب هذا الأصل ما لا PageV05P007 ~~يعلمه إلا الله وأما ملاحدة الشيعة من القرامطة الباطنية والإسماعيلية ~~والنصيرية ونحوهم فأولئك أمرهم أظهر من أن يخفى على من عرف حالهم ممن فيه ~~نوع إيمان بالله ورسوله ولهذا كثر الكاشفون لأسرارهم الهاتكون لأستارهم من ~~جميع أصناف أهل القبلة حتى الشيعة والمعتزلة ونحوهم فإنهم متفقون على ~~تكفيرهم كما اتفق على تكفيرهم أئمة السنة ومن انتسب إليهم من متكلمة ~~الإثبات وغيرهم # وصنف القاضي أبو بكر كتابه المشهور فيهم ووصف فضائحهم القاضي عبد الجبار ~~والقاضي أبو يعلى وأبو الوفا بن عقيل وأبو حامد الغزالي والشهرستاني ~~والخبوشاني وغير واحد من العلماء وتكلموا في ms0862 العبيديين الذين كانوا بالمغرب ~~ومصر الذين ادعوا النسب العلوي وأضمروا مذهبهم تكلموا فيهم بما بينوا فيه PageV05P008 ~~بطلان نسبهم كما عرفوا بطلان مذهبهم وأن باطن مذهبهم أعظم كفرا من أقوال ~~كفار أهل الكتاب ومن أقوال الغالية الذين يدعون نبوة علي أو إلهيته ونحوهم ~~إذ كان مضمون مذهبهم تعطيل الخالق وتكذيب رسله والتكذيب باليوم الآخر ~~وإبطال دينه # وقد ذكروا منتهى دعوتهم في البلاغ الأكبر والناموس الأعظم الذي لهم وأن ~~أقرب الطوائف إليهم الفلاسفة [ مع أنهم ] خالفوا الفلاسفة في إثبات واجب ~~الوجود فإن الفلاسفة الإلهيين [ يثبتونه ] وهؤلاء أصحاب البلاغ الأكبر ~~والناموس الأعظم أنكروه كما فعلت الدهرية الطبيعية # وقول الاتحادية كصاحب الفصوص وأمثاله يؤول إلى قول هؤلاء وهو القول الذي ~~أظهره فرعون وأما المشاؤون أرسطو وأتباعه ومن اتبعهم من المتأخرين ~~كالفارابي وابن سينا وأمثالهم فهم يقرون بالعلة الأولى المغايرة لوجود ~~الأفلاك لكن دليلهم الذي احتجوا به على الطبيعيين منهم هو دليل الحركة الذي ~~احتج به أرسطو وقدماؤهم أو دليل الوجود الذي احتج به ابن سينا ومتأخروهم ~~وهو منهم دليل ضعيف إذ مبناه على حجة التركيب وهي حجة ضعيفة كما قد بين في ~~غير هذا الموضع PageV05P009 # وكان أهل بيت ابن سينا من أتباع هؤلاء القرامطة من المستجيبين للحاكم ~~الذي كان بمصر قال ابن سينا وبسبب ذلك دخلت في الفلسفة # كما كان أصحاب رسائل إخوان الصفا من الموافقين لهم وصنفت الرسائل على ~~طريقتهم في الزمان الذي بنيت فيه القاهرة في أثناء المائة الرابعة وكان أمر ~~المسلمين قد اضطرب في تلك المدة اضطرابا عظيما # والمقصود هنا أن هؤلاء الملاحدة يحتجون على النفاة بما وافقوهم عليه من ~~نفي الصفات والإعراض عن دلالة الآيات كما ذكر ذلك ابن سينا في الرسالة ~~الأضحوية التي صنفها في المعاد لبعض الرؤساء الذين طلب تقربه إليهم ليعطوه ~~مطلوبه منهم من الجاه والمال وصرح بذلك في أول هذه الرسالة قال فيها لما ~~ذكر حجة من أثبت معاد البدن وأن الداعى لهم إلى ذلك ما ورد به الشرع من بعث ~~الأموات فقال وأما أمر الشرع ms0863 فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد وهو أن PageV05P010 ~~الشرع والملة الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافة ~~ثم من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد ~~من الإقرار بالصانع موحدا مقدسا عن الكم والكيف والأين ومتى والوضع والتغير ~~حتى يصير الاعتقاد به أنه ذات واحدة لا يمكن أن يكون لها شريك في النوع أو ~~يكون لها جزء وجودي كمى أو معنوي ولا يمكن أن تكون خارجة عن العالم ولا ~~داخلة فيه ولا حيث تصح الإشارة إليه أنه هنا أو هناك ممتنع إلقاؤه إلى ~~الجمهور ولو ألقى هذا على هذه الصورة إلى العرب العاربة أو العبرانيين ~~الأجلاف لتسارعوا إلى العناد واتفقوا على أن الإيمان المدعو إليه إيمان ~~بمعدوم أصلا ولهذا ورد ما في التوراة تشبيها كله ثم إنه لم يرد في الفرقان ~~من الإشارة إلى PageV05P011 ~~هذا الأمر الأهم شيء ولا إلى صريح ما يحتاج إليه في التوحيد بيان مفصل بل ~~إلى بعضه على سبيل التشبيه في الظاهر وبعضه جاء تنزيها مطلقا عاما جدا لا ~~تخصيص ولا تفسير له وأما الأخبار التشبيهية فأكثر من أن تحصى ولكن لقوم أن ~~لا يقبلوه فإذا كان الأمر في التوحيد هذا فكيف فيما هو بعده من الأمور ~~الاعتقادية ولبعض الناس أن يقولوا إن للعرب توسعا في الكلام ومجازا وأن ~~الألفاظ التشبيهية مثل اليد والوجه والإتيان في ظلل من الغمام والمجيء ~~والذهاب والضحك والحياء والغضب صحيحة ولكن نحو الاستعمال وجهة العبارة يدل ~~على استعمالها مستعارة مجازا # قال ويدل على استعمالها غير مجازية ولا مستعارة بل PageV05P012 ~~محققة أن المواضع التي يوردونها حجة في أن العرب تستعمل هذه المعاني ~~بالاستعارة والمجاز على غير معانيها الظاهرة مواضع في مثلها يصلح أن تستعمل ~~على غير هذا الوجه ولا يقع فيها تلبيس ولا تدليس وأما قوله { في ظلل من ~~الغمام } وقوله { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي ~~بعض آيات ربك } على القسمة المذكورة وما جرى مجراه فليس تذهب ms0864 الأوهام فيه ~~ألبتة إلى أن العبارة مستعارة أو مجازية فإن كان أريد فيها ذلك إضمارا فقد ~~رضي بوقوع الغلط والشبهة والاعتقاد المعوج بالإيمان بظاهرها تصريحا وأما ~~قوله { يد الله فوق أيديهم } وقوله { ما فرطت في جنب الله } PageV05P013 ~~فهو موضع الاستعارة والمجاز والتوسع في الكلام ولا يشك في ذلك اثنان من ~~فصحاء العرب ولا يلتبس على ذي معرفة في لغتهم كما يلتبس في تلك الأمثلة فإن ~~هذه الأمثلة لا يقع شبهة في أنها مستعارة مجازية كذلك في تلك لا يقع شبهة ~~في أنها ليست استعارية ولا مرادا فيها شيء غير الظاهر ثم هب أن هذه كلها ~~موجودة على الاستعارة فأين التوحيد والعبارة المشيرة بالتصريح إلى التوحيد ~~المحض الذي تدعو إليه حقيقة هذا الدين [ القيم ] المعترف بجلالته على لسان ~~حكماء العالم قاطبة # وقد قال في ضمن كلامه إن الشريعة الجائية على لسان نبينا PageV05P014 ~~محمد صلى الله عليه وسلم جاءت أفضل ما يمكن أن تجئ عليه الشرائع وأكمله ~~ولهذا صلح أن تكون خاتمة الشرائع وآخر الملل # قال وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني المشيرة إلى علم التوحيد مثل أنه ~~عالم بالذات أو عالم بعلم قادر بالذات أو قادر بقدرة واحد الذات على كثرة ~~الأوصاف أو قابل لكثرة تعالى عنها بوجه من الوجوه متحيز الذات أو منزهها عن ~~الجهات فإنه لا يخلو إما ان تكون هذه المعاني واجبا تحققها وإتقان المذهب ~~الحق فيها أو يسع الصدوف عنها وإغفال البحث والروية فيها فإن كان البحث ~~عنها معفوا عنه وغلط الاعتقاد الواقع فيها غير مؤاخذ به فجعل مذهب هؤلاء ~~القوم المخاطبين بهذه الجملة تكلف وعنه غنية وإن كان فرضا محكما فواجب أن ~~يكون مما صرح به في الشريعة وليس التصريح المعمى أو الملبس أو المقتصر PageV05P015 ~~فيه بالإشارة والإيماء بل التصريح المستقصى فيه والمنبه عليه والموفى حق ~~البيان والإيضاح والتفهيم والتعريف على معانيه فإن المبرزين المنفقين ~~أيامهم ولياليهم وساعات عمرهم على تمرين أذهانهم وتذكية أفهامهم وترشيح ~~نفوسهم لسرعة الوقوف على المعاني الغامضة يحتاجون في تفهم هذه المعاني ms0865 إلى ~~فضل إيضاح وشرح عبارة فكيف غتم العبرانيين وأهل الوبر من العرب ولعمري لو ~~كلف الله رسولا من الرسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى الجمهور من العامة ~~الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أوهامهم ثم سامه أن يتنجز منهم ~~الإيمان والإجابة غير ممهل فيه ثم سامه أن يتولى رياضة نفوس الناس قاطبة ~~حتى تستعد للوقوف عليها لكلفه شططا وأن يفعل ما ليس في قوة البشر اللهم إلا ~~أن تدركهم خاصة إلهية وقوة علوية وإلهام سماوي فتكون PageV05P016 ~~حينئذ وساطة الرسول مستغنى عنها وتبليغه غير محتاج إليه ثم هبك الكتاب ~~العزيز جائيا على لغة العرب وعادة لسانهم في الاستعارة والمجاز فما قولهم ~~في الكتاب العبراني وكله من أوله إلى آخره تشبيه صرف وليس لقائل أن يقول إن ~~ذلك الكتاب محرف كله وأنى يحرف كلية كتاب منتشر في أمم لا يطاق تعديدهم ~~وبلادهم متنائية وأوهامهم متباينة منهم يهود ونصارى وهم أمتان متعاديتان ~~فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة بخطاب الجمهور بما يفهمون مقربا ما لا ~~يفهمون إلى أوهامهم بالتمثيل والتشبيه ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع ألبتة # قال فكيف يكون ظاهر الشرائع حجة في هذا الباب يعني أمر المعاد ولو فرضنا ~~الأمور الأخروية روحانية غير مجسمة PageV05P017 ~~بعيدة عن إدراك بدائه الأذهان لحقيقتها لم يكن سبيل الشرائع في الدعوة ~~إليها والتحذير عنها منبها بالدلالة عليها بل بالتعبير عنها بوجوه من ~~التمثيلات المقربة إلى الإفهام فكيف يكون وجود شيء حجة على وجود شيء آخر لو ~~لم يكن الشيء الآخر على الحالة المفروضة لكان الشيء الأول على حالته فهذا ~~كله هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصا من الناس لا عاما أن ظاهر ~~الشرائع غير محتج به في مثل هذه الأبواب # قلت فهذا كلام ابن سينا وهو نحوه كلام أمثاله من القرامطة الباطنية مثل ~~صاحب الأقاليد الملكوتية وأمثاله من الملاحدة # والكلام على هذا من فنين # أحدهما بيان لزوم ما ألزمه لنفاة الصفات الذين سموا نفيها توحيدا من ~~الجهمية المعزلة وغيرهم PageV05P018 # والثاني بيان ms0866 بطلان كلامه وكلامهم الذي وافقوهم عليه # أما الأول فإن هؤلاء وافقوه على نفي الصفات وأن التوحيد الحق هو توحيد ~~الجهمية المتضمن أن الله لا علم له ولا قدرة ولا كلام ولا رحمة ولا يرى في ~~الآخرة ولا هو فوق العالم فليس فوق العرش إله ولا على السموات رب ومحمد لم ~~يعرج به إلى ربه والقرآن أحسن أحواله عندهم أن يكون مخلوقا خلقه في غيره إن ~~لم يكن فيضا فاض على نفس الرسول وأنه سبحانه لا ترفع الأيدي إليه بالدعاء ~~ولم يعرج شيء إليه ولم ينزل شيء منه لا ملك ولا غيره ولا يقرب أحد إليه ولا ~~يدنو منه شيء ولا يتقرب هو من أحد ولا يتجلى لشيء وليس بينه وبين خلقه حجاب ~~وأنه لا يحب ولا يبغض ولا يرضى ولا يغضب وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ~~ولا مباينا للعالم ولا حالا فيه وأنه لا يختص شيء من المخلوقات بكونه عنده ~~بل كل الخلق عنده بخلاف قوله تعالى { وله من في السماوات والأرض ومن عنده } ~~وأنه إذا سمي حيا عالما قادرا سميعا بصيرا فهو حي بلا حياة عالم بلا علم ~~قادر بلا قدرة سميع بلا سمع بصير بلا بصر إلى أمثال هذه الأمور التي يسمى ~~نفيها الجهمية توحيدا ويلقبون أنفسهم بأهل التوحيد كما يلقب الجهمية من ~~المعتزلة وغيرهم أنفسهم بذلك وكما لقب ابن PageV05P019 ~~التومرت أصحابه بذلك إذ كان قوله في التوحيد قول نفاة الصفات جهم وابن سينا ~~وأمثالهما # ويقال إنه تلقى ذلك عن من يوجد في كلامه موافقة الفلاسفة تارة ومخالفتهم ~~أخرى ولهذا رأيت لابن التومرت كتابا في التوحيد صرح فيه بنفي الصفات ولهذا ~~لم يذكر في مرشدته شيئا من إثبات الصفات ولا أثبت الرؤية ولا قال إن القرآن ~~كلام الله غير مخلوق ونحو ذلك من المسائل التي جرت عادة مثبتة الصفات ~~بذكرها في عقائدهم المختصرة ولهذا كان حقيقة قوله موافقا لحقيقة قول ابن ~~سبعين وأمثاله من القائلين بالوجود المطلق موافقة لابن سينا وأمثاله من أهل ~~الإلحاد كما يقال إن ms0867 ابن التومرت ذكره في فوائده المشرقية إن الوجود مشترك ~~بين الخالق والمخلوق فوجود الخالق يكون مجردا ووجود المخلوق يكون مقيدا PageV05P020 # والمقصود أن هؤلاء لما سموا هذا النفي توحيدا وهي تسمية ابتدعها الجهمية ~~النفاة لم ينطق بها كتاب ولا سنة ولا أحد من السلف والأئمة بل أهل الإثبات ~~قد بينوا أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الصفات وعبادة الله وحده لا شريك له ~~كما ذكر الله ذلك في سورتي الإخلاص وعامة آيات القرآن فلما وافقه هؤلاء ~~الجهمية من المعتزلة وغيرهم على نفي الصفات وأن هذا هو التوحيد الحق احتج ~~عليهم بهذه المقدمة الجدلية على أن الرسل لم يبينوا ما هو الحق في نفسه من ~~معرفة توحيد الله تعالى ومعرفة اليوم الآخر ولم يذكروا ما هو الذي يصلح أو ~~يجب على خاصة بني آدم وأولو الألباب منهم أن يفهموه ويعقلوه ويعلموه من هذا ~~الباب وأن الكتاب والسنة والإجماع لا يحتج بها في باب الإيمان بالله واليوم ~~الآخر لا في الخلق ولا البعث لا المبدأ ولا المعاد وأن الكتب الإلهية إنما ~~أفادت تخييلا تنتفع به العامة لا تحقيقا يفيد العلم والمعرفة وأن أعظم ~~العلوم وأجلها وأشرفها وهو العلم بالله لم تبينه الرسل أصلا ولم تنطق به ~~ولم تهد إليه الخلق بل ما بينت لا معرفة الله ولا معرفة المعاد لا ما هو ~~الحق في الإيمان بالله ولا ما هو الحق في الإيمان باليوم الآخر بل ليس ~~عندهم في كلام الله ورسوله من هذا الباب علم ينتفع به أولو الألباب وإنما ~~فيه تخييل وإيهام ينتفع به جهال العوام # ولماكان هذا حقيقة قول الملاحدة القرامطة الباطنية صاروا يجعلون أحد ~~رؤوسهم مثل الرسول أو أعظم من الرسول ويسوغون له نسخ PageV05P021 ~~شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما زعموا أن محمد بن إسماعيل بن جعفر نسخ شريعته # وصار كل من هؤلاء يدعي النبوة والرسالة أو يريد أن يفصح بذلك لولا السيف ~~كما فعل السهروردي المقتول فإنه كان يقول لا أموت حتى يقال لي قم فأنذر ~~وكان ابن ms0868 سبعين يقول لقد زرب ابن آمنة حيث قال لا نبي بعدي ويقال إنه كان ~~يتحرى غار حراء لينزل عليه فيه الوحي # وابن عربي ادعى ما هو أعظم من النبوة عنده وهو ختم الولاية PageV05P022 ~~وخاتم الأولياء عنده أفضل من خاتم الأنبياء في العلم بالله وهو يقول إن ~~جميع الأنبياء والرسل يستفيدون من مشكاة هذا الخاتم المدعي معرفة الله التي ~~حقيقتها وحدة الوجود وهي تعطيل الصانع سبحانه التي هي سر قول فرعون # وأما أئمة القرامطة والإسماعيلية كابن الصباح الذين تلقوا أركان الدعوة ~~عن المستنصر أطول خلفائهم مدة وفي زمنه كانت فتنة البساسيري وأمثاله وأما ~~سنان وأمثاله من الملاحدة فتظاهروا بإظهار الكفر بين أصحابهم وقالوا قد ~~أبحنا لكم كل ما تشتهونه من فرج ولحم وشراب ونسخنا عنكم العبادات فلا صوم ~~ولا صلاة ولا حج ولا زكاة PageV05P023 # وهذه الحجة التي احتج بها هؤلاء الملاحدة على نفاة الصفاة لإثبات إلحادهم ~~هي من حجج أهل الإثبات عليهم لإثبات إيمانهم فإن الله سبحانه أخبر أنه { ~~أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله } وقال تعالى { كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم } وقال تعالى { ~~قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ~~ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم } وقال تعالى ~~{ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط ~~الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } وقال تعالى { الم } ذلك الكتاب ~~لا ريب فيه { هدى للمتقين } وقال تعالى { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل ~~شيء } وقال تعالى { ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء } وقال تعالى { ~~قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا } وقال تعالى { فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } PageV05P024 ~~وقال تعالى { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } وقال تعالى ms0869 { وأنزلنا ~~إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } وقال تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم ~~} وقال تعالى { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } # وأمثال هذه النصوص التي تبين أن الرسول هدى الخلق وبين لهم وأنه أخرجهم ~~من الظلمات إلى النور لا أنه لبس عليهم وخيل وكتم الحق فلم يبينه ولم يهد ~~إليه لا للخاصة ولا للعامة فإنه من المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لم يتكلم مع أحد بما يناقض ما أظهره للناس ولا كان خواص أصحابه يعتقدون فيه ~~نقيض ما أظهره للناس بل كل من كان به أخص وبحاله أعرف كان أعظم موافقة له ~~وتصديقا له على ما أظهره وبينه فلو كان الحق في الباطن خلاف ما أظهره للزم ~~إما أن يكون جاهلا به أو كاتما له عن الخاصة والعامة ومظهرا خلافه للخاصة ~~والعامة # وكل من كان عارفا بسنته وسيرته علم أن ما يروى خلاف هذا فهو مختلق كذب ~~مثل ما يذكره بعض الرافضة عن علي أنه كان عنده علم خاص باطن يخالف هذا الظاهر PageV05P025 # وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة التي لا يتنازع أهل المعرفة في صحتها عن علي ~~رضي الله عنه أنه لما قيل له هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كتاب فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسر إلينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شيئا كتمه عن غيرنا إلا فهما يؤتيه الله لعبد في كتابه وما في ~~هذه الصحيفة وفيها عقول الديات وفكاك الأسير أن لا يقتل مسلم بكافر وفي لفظ ~~في الصحيح هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى ~~الناس فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة الحديث # وقد أجمع أهل المعرفة بالمنقول على أن ما يروى عن علي وعن جعفر الصادق من ~~هذه الأمور التي يدعيها الباطنية كذب مختلق ولهذا كانت ملاحدة الشيعة ~~والصوفية ينسبون إلحادهم إلى علي وهو برئ من ذلك فأهل البطاقة من أهل ms0870 ~~الإلحاد ينسبون ذلك إلى علي وكذلك باطنية الشيعة من الإسماعيلية والنصيرية ~~وكذلك جعفر الصادق نسبوا إليه من الكلام في النجوم واختلاج الأعضاء ~~والتفاسير المحرفة وأنواع الباطل ما برأه الله منه حتى رسائل إخوان الصفا ~~زعم بعض رؤوسهم أنها كلامه وهذه إنما صنفت بعد المائة الثالثة لما بنيت PageV05P026 ~~القاهرة وصنفها جماعة من الفلاسفة وقد ذكروا فيها من حوادث الإسلام التي ~~حدثت بعد المائة الثالثة مثل دخول النصارى بلاد الإسلام ونحو ذلك ما يبين ~~أنها صنفت بعد جعفر بنحو مائتي سنة # ومن هذا الباب ما ينقله آخرون عن عمر رضي الله عنه أنه قال كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما فهذا وأمثاله من ~~الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة # وملاحدة الزهاد والعباد وجهالهم يرون من هذه الأمور فنونا مثل روايتهم أن ~~أهل الصفة قاتلوا مع الكفار النبي صلى الله عليه وسلم لما لم يكن النصر معه ~~ليحتجوا بذلك على أن العارف يكون مع من غلب وإن كان كافرا ويروون أن أهل ~~الصفة عرفهم الله تعالى بالسر الذي أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~صبيحة المعراج بدون إخبار الرسول وأن لله صفوة يصلون إليه من غير طريق ~~الرسول والذين كذبوا هذه الأباطيل لم يكونوا خبيرين بالكذب فإن الصفة إنما ~~كانت بالمدينة والمعراج كان بمكة بالنص والإجماع وقد علم كل عالم يعلم سيرة النبي PageV05P027 ~~صلى الله عليه وسلم بالاضطرار أن أهل الصفة كانوا كسائر المؤمنين مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن لأحد من الصحابة إلى الله طريق إلا متابعة ~~رسوله وان أفضل الصحابة كان أقومهم بالمتابعة كأبي بكر وعمر وأبو بكر أفضل ~~من عمر رضي الله عنهما وهو أفضل الصديقين # وقد ثبت في الصحيحين أنه قال إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن ~~في أمتي أحد فعمر # فعمر وإن كان محدثا فالصديق الذي يأخذ من مشكاة النبوة أفضل منه وأكمل ~~منه لأن ما استقر مجيء الرسول به فهو معصوم لا يتطرق إليه الخطأ ms0871 وما يلقى ~~إلى المحدث يقع فيه خطأ يحتاج إلى تقويمه بنور النبوة ولهذا كان أبو بكر ~~يقوم عمر كما قومه يوم الحديبية ويوم موت النبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~قتال أهل الردة وغير ذلك وكان عمر يرى أشياء ثم يتبين له الحق بخلافها كما ~~جرى له هذا في عدة مواطن PageV05P028 # وهذا وأمثاله مما يبين حاجة أفضل الخلق بعد الرسول وأكملهم إلى الاهتداء ~~بالرسول والتعلم منه ومعرفة الحق مما جاء به فكيف بمن يقول ليس في كلامه في ~~معرفة الله واليوم الآخر علم ولا هدى ولا معرفة ينتفع بها أولو الألباب ~~الذين هم دون عمر وأمثال عمر # وقد قال الله تعالى { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } وقال ~~تعالى { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } # وكيف يحكم بين الناس في مواطن الخلاف والنزاع كلام وخطاب ليس فيه علم ولا ~~هدى ينتفع به أولو الألباب # كما زعم هؤلاء الملاحدة من الفلاسفة المشائين المتأخرين وأتباعهم أن ~~الشرائع لا يحتج بها في مثل هذه الأبواب فما لا يحتج به كيف يحتج به الناس ~~فيما اختلفوا فيه # وأي اختلاف أعظم من اختلافهم في أعظم الأمور وهي معرفة الله تعالى واليوم ~~الآخر لا سيما ومن المعلوم أن الخلاف الحقيقي إنما يكون في الأمور العلمية ~~والقضايا الخبرية التي لا تقبل النسخ والتغيير فأما العمليات التي تقبل ~~النسخ فتلك تتنوع في الشريعة الواحدة فكيف بالشرائع المتنوعة PageV05P029 # وما جاز تنوعه لم يكن الخلاف فيه له حقيقة فإنه إن كانا مشروعين في وقتين ~~أو رسولين فكلاهما حق وإن كان الخلاف في المشروع منهما أيهما هو فهذا يعلم ~~بالخبر المنقول عن الكتاب المنزل والكتاب المنزل هو نفس الأمر والنهي ~~والخبر وفيه الشرع الذي لا يكون خلافه شرعا # وحينئذ فما ذكره ابن سينا وأمثاله من أنه لم يرد في القرآن من الإشارة ~~إلى توحيدهم شيء فكلام صحيح وهذا دليل على أنه باطل لا حقيقة له وأن ms0872 من ~~وافقهم عليه فهو جاهل ضال # وكذلك ما ذكره من أن من المواضع ما لا يحتمل اللفظ فيها إلا معنى واحدا ~~لا يحتمل ما يدعونه من الاستعارة والمجاز كما ذكر في قوله تعالى { هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } وقال تعالى { هل ينظرون إلا ~~أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك } على القسمة ~~المذكورة وأنه ليس تذهب الأوهام فيه ألبتة إلى أن العبارة مستعارة أو ~~مجازية فإن كان أريد بها ذلك إضمارا فقد رضي بوقوع الغلط والشبهة فهذا حجة ~~على من [ نفى مضمون ] ذلك من نفاة الصفات وهو حجة عليه وعليهم جميعا ~~وموافقتهم له لا PageV05P030 ~~تنفعه فإن ذلك حجة جدلية لا علمية إذ تسليمهم له ذلك لا يوجب على غيرهم أن ~~يسلم ذلك له فإذا بين بالعقل الصريح ما يوافق النقل الصحيح دل ذلك على فساد ~~قوله وقولهم جميعا # وكذلك قوله ثم هب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوحيد ~~والدلالة بالتصريح على التوحيد المحض الذي تدعو إليه حقيقة هذا الدين القيم ~~المعترف بجلالته على لسان الحكماء قاطبة كلام صحيح لو كان ما قاله النفاة ~~حقا فإنه حينئذ على قولهم لا يكون التوحيد الحق قد بين أصلا وهذا ممتنع وهو ~~أصل منهم حيث زعم أن الرسل أيضا لم تبين التوحيد بل ذكروا ما يناقض التوحيد ~~لينقاد لهم الجمهور في صلاح دنياهم # وقد بينا في غير موضع توحيد ابن سينا وأمثاله وبينا أنه من أفسد الأقوال ~~التي يعلم بصريح العقل فساده ولنا في ذلك كلام مفرد مكتوب في غير هذا الموضع PageV05P031 # واما قوله وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني المشيرة إلى علم التوحيد ~~مثل أنه عالم بالذات أو عالم بعلم أو قادر بالذات أو قادر بقدرة إلى آخره # فهو خطاب لمن وافقه على ضلاله وإلحاده حيث ظن أن التعطيل هو التوحيد وأن ~~الباري تعالى لا علم له ولا قدرة ولا صفات # فأما من لم يوافقه على خطئه فإنه يعلم أن الكتاب بين ms0873 دقائق التوحيد الحق ~~الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب على أحسن وجه # فإن الله تعالى أخبر عن صفاته وأسمائه بما لا يكاد يعد من آياته وذكر ~~علمه في غير موضع # كقوله تعالى { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } # وقوله تعالى { أنزله بعلمه } # وقوله تعالى { وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع ~~إلا بعلمه } وغير ذلك PageV05P032 # وقد قال تعالى { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } # وقال تعالى { والسماء بنيناها بأيد } أي بقوة وقال تعالى { أولم يروا أن ~~الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } # وفي الحديث الصحيح حديث الاستخارة اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك ~~بقدرتك فأي بيان لعلم الله وقدرته أبين من هذا # واما قول القائل هنا هو عالم بالذات أو عالم بعلم فإن كان يظن أن الذات ~~التي لا تكون إلا عالمة قادرة يمكن وجودها مجردة عن العلم والقدرة كما ~~يقوله النفاة فهو كلام ضال متناقض فإن إثبات عالم بلا علم وقادر بلا قدرة ~~وحي بلا حياة وسميع بلا سمع وبصير بلا بصر مما يعلم فساده بالضرورة عقلا وسمعا PageV05P033 # وهذا بمنزلة متكلم بلا كلام ومريد بلا إرادة ومتحرك بلا حركة ومحب بلا ~~محبة ومصل بلا صلاة وصائم بلا صيام وحاج بلا حج وأبيض بلا بياض وأسود بلا ~~سواد وحلو بلا حلاوة ومر بلا مرارة وطويل بلا طول وقصير بلا قصر ونحو ذلك ~~من الألفاظ المشتقة كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المعدولة عنهما # فإن لم يكن هذا باطلا في بدائه العقول عقلا وسمعا لم يكن لنا طريق إلى ~~معرفة الحق من الباطل ولهذا كان هؤلاء النفاة يعودون في آخر الأمر إلى ~~السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات # وإن كان معنى قوله هل هو عالم بالذات أو بعلم أن هنا ذاتا مجردة موجودة ~~بدون العلم وأن العلم زائد عليها فهذا تصور فاسد فإن الذات المجردة عن ~~العلم اللازم لها إنما تقدر في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان # ولفظ الذات يراد به الذات ms0874 الموصوفة بالعلم وحينئذ فقولنا هل هو عالم ~~بالذات أو بالعلم كلام واحد لأن لفظ الذات متضمن للعلم على هذا التفسير فلا ~~يكون قولنا أو بالعلم قسما آخر # ويراد بالذات المجردة عن العلم فهذه لا حقيقة لها إذا كانت الذات لا تكون ~~إلا عالمة كما أن ما لا يكون إلا حيا لا يمكن وجوده PageV05P034 ~~منفكا عن كونه حيا وما لا يكون إلا متحيزا لا يمكن وجوده منفكا عن التحيز ~~فما لا يمكن وجوده إلا عالما وقادرا ويمتنع وجوده غير عالم قادر كيف يكون ~~تقديره غير عالم ولا قادر ممكنا في الخارج # ونفس العلم والقدرة هو نفس كونه عالما قادرا على قول الجمهور الذين ينفون ~~أن تكون الأحوال [ زائدة في الخارج على الصفات ومن أثبت الأحوال زائدة على ~~الصفات كالقاضي أبي بكر وأبي يعلى وأبي المعالي في أول قوليه فهؤلاء يقولون ~~ثبوت الصفات يستلزم ثبوت الأحوال وإثبات الملزوم يقتضي ثبوت اللازم مع أن ~~الصواب أن الأحوال كالكليات لها وجود في الأذهان لا في الأعيان # ومما يبين ذلك أن النزاع في كون الرب تعالى عالما لذاته أو بالعلم أو ~~قادرا لذاته أو بالقدرة كثير منه نزاع لفظي بل عامة المتنازعين فيه إذا حرر ~~عليهم الكلام لم يتلخص بينهم نزاع وإنما يحصل النزاع بين مثبتة الأحوال ~~ونفاتها فإن أهل الإثبات متفقون على أن علمه وقدرته من لوازم ذاته وأنه لا ~~يمكن وجوده غير عالم ولا قادر وينكرون وجود PageV05P035 ~~ذات مجردة عن العلم والقدرة وإذا قالوا هي زائدة على الذات فلا يعنون أنها ~~زائدة على الذات العالمة القادرة بل هي زائدة على ذات مجردة عن العلم ~~والقدرة إلا من يقول منهم إن له صفة هي العلم أو جبت كونه عالما فهؤلاء ~~مثبتو الحال وأكثر الصفاتية هم من نفاة الأحوال # وأما النفاة فيسلمون ثبوت الأحكام وهي أنه عالم قادر وينازعون في ثبوت ~~الصفات ويتنازعون بينهم في ثبوت الأحوال ثم الأحكام التي يثبتونها لا يجوز ~~أن يراد بها مجرد حكمنا بأنه عالم قادر واعتقادنا لذلك وخبرنا عنه ms0875 وهو ~~الوصف بالقول فإن هذا الوصف والحكم إن لم يكن مطابقا لمضمونه كان باطلا ~~فكونه حيا عالما قادرا ليس هو مجرد الحكم بذلك والخبر عنه ووصفه بالقول ولا ~~هو نفس الذات التي هي العالمة القادرة فإن كون الذات حية عالمة قادرة ليس ~~هو نفس الذات فتعين أن يكون هو الصفة # وأئمة المعتزلة يعترفون بذلك لكن يشنعون على الصفاتية بكلام لم يحققوا ~~قولهم فيه بل ذكروا عنهم ما يفهم منه معنى فاسد إما لكونهم لم يفهموا قول ~~أولئك أو لكونهم ألزموهم ما ظنوه لازما لهم أو لنوع من الهوى الموجب ~~للافتراق الذي ذمه الله ورسوله # واعتبر ذلك بما ذكره أبو الحسين البصري أفضل متأخري المعتزلة فإنه قال في ~~كتاب عيون الأدلة قال باب القول في أن الله قديم وحده عندنا أنه لا قديم ~~إلا الله وذهب قوم إلى إثبات قديم أكثر من PageV05P036 ~~قديم واحد فالكلابية والأشعرية أثبتوا ذواتا قديمة قائمة بذات الباري تعالى ~~منها ذات توجب أن يكون عالما ولولاها لم يكن عالما وذات توجب كونه قادرا ~~ولولاها لم يكن قادرا وذات توجب كونه حيا ولولاها لم يكن حيا وكذلك القول ~~في السمع والبصر والإرادة # وأثبتت كلامه قديما وقالوا هذه المعاني لا هي الله ولا غيره ولا بعضه وكل ~~منها ليس هو الآخر ولا غيره ولا بعضه وقالوا لو لم يكن في الوجود إلا ذات ~~الباري تعالى وحده لكان غير قادر ولا عالم ولا حي وعندنا أن الله تعالى ~~قادر عالم حي لذاته ونعني بذلك أن ذاته متميزة عن سائر الذوات تمييزا يجب ~~معه أن يعلم الأشياء ويقدر على ما لا نهاية له ويحيا ولا يحتاج إلى معنى به ~~يقدر وإلى معنى به يعلم وإلى معنى به يحيا ولو لم يكن في الوجود إلا ذات ~~الله تعالى فقط لكان عندنا عالما حيا قادرا سميعا بصيرا # قال فإن قالوا لله علم وقدرة وحياة قيل لهم إن أردتم بذلك أنه قادر عالم ~~حي فنعم لله علم بكل شيء وقدرة على كل شيء مما ms0876 لا نهاية له وحياة بمعنى أنه ~~عالم قادر حي وإن أردتم بالعلم ذاتا كان بها عالما ولولاها ما كان عالما ~~تسمونها علما وأردتم بالقدرة ذاتا بها كان قادرا تسمونها قدرة وأردتم ~~بالحياة ذاتا بها كان حيا تسمونها حياة فالله تعالى مستغن عن ذلك # قال وذهبت الثنوية إلى إثبات قديمين لا يقوم أحدهما بذات الآخر نور وظلمة ~~ونسبوا الخير كله إلى النور ونسبوا الشر كله إلى PageV05P037 ~~الظلمة وقالوا إنهما لم يزالا متباينين ثم امتزجا فحدث من امتزاجهما العالم ~~فكل خير في العالم فمن النور وكل شر فيه فمن الظلمة ولم يقل أحد بإثبات ~~قديمين مثلين حكيمين ونحن نفسد ذلك وإن لم يذهب إليه ذاهب ومن المجوس من ~~يقول بحدوث الشيطان وقدم الله تعالى وأما النصارى فإنها تقول إن الله جوهر ~~واحد ثلاثة أقانيم [ وذهبوا ] بذلك إلى قريب من مذهب الكلابية ونسخة ~~أمانتهم يعني النصارى تدل على أنهم أثبتوا ذواتا فاعلة # قال ونحن نفسد هذه المذاهب كلها ليصح ما ذهب إليه ] شيوخنا من أنه لا ~~قديم إلا الله # فيقال هذا الكلام يقتضي أنه ليس بينه وبين أئمة الكلابية والأشعرية وسائر ~~الصفاتية خلاف معنوي فأما نقله عنهم أنهم أثبتوا أكثر من قديم واحد وأنهم ~~أثبتوا ذاتا قديمة قائمة بذات الله تعالى فيقال له أما الكلابية ومن سلك ~~سبيلهم من أهل الحديث والفقه كأبي الحسن التميمي وأبي سليمان الخطابي ~~وغيرهما من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم فإنهم لا يقولون عن الصفات وحدها ~~إنها قديمة فلا يقولون العلم قديم ولكن يقولون الرب بعلمه قديم ومن أطلق ~~منهم على الصفات أنها قديمة فلا يقول إن الذات PageV05P038 ~~والصفات قديمان ومن أطلق القدم على الصفات فإنهم لا يطلقون عليها لفظ ~~الذوات فإن الذات إذا أطلقت يفهم منها أنها الذات القائمة بنفسها الموصوفة ~~بالصفات ولهذا يفرق بين الذات والصفات # وأصل الذات تأنيث ذو ومعناه الصاحبة أي صاحبة الصفة فهم لا يسمون الصفات ~~ذوات بهذا الاعتبار وإنما يسمونها معاني # وإذا قال بعضهم كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وغيرهما إن العلة ms0877 ذات ~~من الذوات موجودة لا يصح أن يوجب الحكم إلا لذات موجودة فمرادهم بذلك أنها ~~شيء موجود كما بينوه بقولهم إن العلة لا يجوز أن تكون معدومة ولا حكمها ~~معدوما مع أن هذا ينازعهم فيه نفاة الحال # لكن المقصود أن مرادهم بهذا اللفظ ليس هو أنها ذات قائمة بنفسها بل معنى ~~من المعاني وأما نقلك عنهم أنهم يثبتون ذاتا توجب أن يكون عالما ولولاها ~~لما كان عالما فهذا أولا ليس هو قول أئمتهم ولا جمهورهم بل هذا قول من يثبت ~~الحال منهم وأما جمهورهم فعندهم العلم هو نفس كونه عالما لا يثبتون هناك ~~ذاتا أوجبت كونه عالما # وأنت قد اعترفت بأن له علما وقدرة وحياة بمعنى أنه عالم قادر PageV05P039 ~~حي لا بمعنى أن له ذاتا بها كان عالما فقولك موافق لقول جمهورهم ثم مثبتة ~~الحالة تقول قام به معنى هو العلم أوجب كونه عالما وأما نقلك عنهم أنهم ~~يقولون لو لم يكن في الوجود إلا ذات الباري وحده لكان غير قادر ولا عالم ~~ولا حي فليس الأمر على ما يفهم من هذه الشناعة فإنهم متفقون على أنه لو لم ~~يكن موجود إلا الله وحده لكان حيا قادرا عالما وإنما نقلت قولهم بلفظ الذات ~~ولفظ الذات مجمل فإن أردت أنهم يقولون لو لم يكن إلا الذات الموصوفة بهذه ~~الصفات فإنه من المعلوم أنه لو لم يكن إلا الذات الموصوفة بالعلم والقدرة ~~لكانت عالمة قادرة وإن أردت أنهم يقولون لو لم يكن إلا الذات المجردة عن ~~الصفات فعندهم أن وجود ذات الرب مجردة عن هذه الصفات ممتنع فهو كما تقول ~~أنت لو قدر أنه ليس في الوجود إلا هو مع كونه غير عالم ولا قادر ومعلوم أنه ~~إذا قدر هذا التقدير الممتنع لذاته لزمه حكم ممتنع # ويقال له أنت قد قلت إن الله عندكم قادر حي لذاته # قلت ويعني بذلك أن ذاته متميزة من سائر الذوات تميزا يجب معه أن يعلم ~~الأشياء كلها ويقدر على ما لا نهاية له فيقال له قولكم ms0878 إن ذاته متميزة ~~تميزا يجب معه أن يعلم ويقدر هل نفس أن يعلم ويقدر هو الذات المتميزة أو ~~نفس أن يعلم الذات ويقدر ليس هو نفس الذات PageV05P040 ~~فإن قلت إن نفس الذات هو نفس أن يعلم ويقدر فهذه مكابرة للضرورة فإن العلم ~~ليس هو نفس العالم ولا القدرة نفس القادر وهذا أيضا متفق عليه بين المعتزلة ~~وأهل الإثبات # وأيضا فيكون حقيقة قولك إن الذات متميزة تميزا تجب معه الذات وأنت لو قلت ~~الذات أوجبت الذات لم يصح فكيف إذا كان تميزها هو الموجب لها وإن قلت ليس ~~هذا هو هذا فهذا قول الصفاتية والعلم الذي يثبتونه هو قولك أن تعلم فإن أن ~~والفعل هو بتأويل المصدر فقول القائل علم علما وله علم كقوله هو موصوف بأن ~~يعلم وإذا قالوا عالم بالعلم لا بذاته لم يرد جمهورهم بذلك أن العلم هو ~~أوجب صفة غيرالعلم وهو كونه عالما بل نفس علمه هو كونه عالما فيقولون عالم ~~بصفة له هي العلم لا بذات مجردة عن العلم ومعلوم أن ذاته هي الموجبة لكونه ~~عالما فلا ينازعون في أنه عالم بالذات بمعنى أن ذاته أوجبت كونه عالما وأنه ~~[ نفسه مستغن عما يجعله عالما وليس هناك شيء غيره جعله عالما # وأما قولك ولا يحتاج إلى معنى به يقدر وإلى معنى به يعلم فهذا لفظ مجمل ~~فإن هذا إنما يصلح أن يكون حجة على مثبتة الأحوال الذين يقولون هناك معنى ~~هو العلم أوجب كونه عالما فقولك هذا كقول القائل لا يحتاج إلى كونه عالما ~~قادرا ولا يحتاج إلى أن يعلم ويقدر وأنتم تسلمون لهم أنه لابد أن يعلم ~~ويقدر وهذا هو عندهم العلم والقدرة فقول القائل بعد هذا يحتاج إلى هذا أو ~~لا يحتاج PageV05P041 ~~سؤال لا يرد عليهم ولا على أحد وذلك أن معنى الحاجة إن أريد به أن اتصافه ~~بصفات الكمال لا يستلزم كونه عالما قادرا فهذا باطل وإذا قيل إن ذلك يتضمن ~~الحاجة إلى صفة فهو كقول القائل إن ذلك يتضمن الحاجة إلى ذاته وهو ms0879 غني ~~بنفسه عن كل ما سواه ولا يقال هو غنى عن نفسه فإن نفسه المقدسة الموصوفة ~~بصفة الكمال المستلزمة لذلك هي الغنية فإذا قيل هو غني عن ذلك كان مثل قول ~~القائل هو غني عن نفسه أو غني عن غناه أو غني عما لا يكون غنيا إلا به ~~وكقوله الحي الذي تجب الحياة له غني عن حياته أو واجب الوجود غنى عن وجوده ~~والقديم غنى عن قدمه ونحو ذلك # فإن قال هم يقولون عالم بعلم ولا يقولون موجود بوجود ولا باق ببقاء ولا ~~قديم بقدم # قيل منهم من يقول ذلك ومنهم من لا يقول به ويفرق بأن نفس الذات القديمة ~~الباقية إذا قدرت غير قديمة ولا باقية لم يرجع الخلاف في ذلك إلى معنى ~~ثبوتي قام بها فإن البقاء هو الدوام والشيء الباقي إذا قدر أنه لم يتغير ~~فحاله مع البقاء ودونه سواء بخلاف العلم والقدرة فإن الذات العالمة القادرة ~~إذا قدر أنها غير عالمة ولا قادرة علم بذلك اختلاف حالها في نفسها فدل ذلك ~~على أن العلم والقدرة معنى يقوم بها تتصف به يختلف حالها في نفسها بتقدير ~~عدمه ليس هو مجرد نسبة وإضافة كالبقاء ونحوه # وأيضا فجمعك بين هؤلاء الصفاتية وبين المجوس والنصارى فيه من التحامل ما ~~لا يخفى على منصف PageV05P042 # وقولك عن النصارى إنهم ربما أومأوا إلى مذهب الكلابية فيقال له لو كان ~~قول النصارى ليس فيه إلا إثبات أن الله حي بحياة عالم بعلم لكان قولهم ~~وقولك وقول الكلابية سواء والنصارى لم يكفرهم الله بهذا وإنما كفرهم الله ~~بما ذكره عنهم في كتابه مما لا يقول به أحد من الصفاتية المسلمين وقول ~~النصارى فيه من التناقض والاضطراب ما يتبين لكل عاقل فساده حيث يثبتون ~~الابن صفة أقنوما ويجعلونه مع ذلك إلها فاعلا ويجعلون مع ذلك الإله واحدا ~~ويقولون إن المتحد بالمسيح هو الابن وهو الكلمة دون الأب فهو مذهب متناقض ~~كتناقض الفلاسفة بل والمعتزلة متناقضون أيضا في نفي الصفات وإثباتها كما ~~تراه وهذا كلام أفضل متأخريهم ms0880 # ثم إنه لم يحتج على الصفاتية إلى بحجتين إحداهما أنه لو كان له علم لكان ~~علمه مثل علمنا والمثلان لا يكون أحدهما محدثا والآخر قديما # والثانية أن كونه عالما قادرا واجب والصفة إذا كانت واجبة استغنت بوجوبها ~~عن معنى يوجبها فقد سمى ذلك صفة وهذه الحجة إنما تلزم مثبتة الحال وهم ~~يقولون يعلل الواجب بالواجب وأما الأولى ففسادها ظاهر جدا لا سيما وأبو ~~الحسين لا يسلم لهم أن الواحد منا عالم لمعنى ولهذا عدل عن طريقتي شيوخه ~~المذكورتين في نفى الصفات إلى طريقة ثالثة أضعف منهما فقال إنه لا طريق إلى ~~إثبات هذه المعاني PageV05P043 ~~وما لا طريق إليه لا يجوز إثباته فكان مضمون كلامه نفي الشيء لانتفاء دليله ~~وهذا في غاية الفساد فإن الدليل لا ينعكس ولا يلزم متى انتفى الدليل على ~~الشيء انتفاؤه في نفس الأمر بل النافي عليه الدليل على نفي ما نفاه ] كما ~~على المثبت الدليل على ثبوت ما أثبته ومن ليس عنده دليل على النفي والإثبات ~~فعليه أن لا ينفى ولا يثبت فغاية ما عنده التوقف في نفي ذلك وإثباته يبين ~~ذلك أنه ذكر في حجة أهل الإثبات أن الواحد منا عالم لمعنى لا يكون عالما ~~إلا به فوجب مثل ذلك للباري سبحانه وتعالى # قال والجواب يقال لهم ولم وجب أن يكون حكم الباري حكمنا في ذلك أو ليس ~~الواحد منا عالما بقلب وبعلم محدث وليس كذلك الباري سبحانه وتعالى فما ~~أنكرتم أن يكون الواحد منا عالما لمعنى ويكون الباري عالما لذاته على أن ~~الواحد منا عالم لا لمعنى وإن لم يكن ذلك مذهب أصحاب أبي هاشم وقد فرق ~~أصحاب أبي هاشم بين الواحد منا وبين الباري تعالى في ذلك فقالوا الواحد منا ~~علم مع جواز أن لا يعلم فلم يجز أن يكون عالما إلا لمعنى PageV05P044 ~~يرجح به كونه عالما على كونه غير عالم والباري تعالى علم الأشياء ويستحيل ~~أن لا يعلمها فلم يحتج إلى معنى يترجح به كونه عالما على كونه غير عالم # فيقال لأبي ms0881 الحسين إذا كان مذهبك ومذهب نفاة الأحوال أن الواحد منا عالم ~~لا لمعنى والباري عالم لا لمعنى فقد صحت حجة الصفاتية وتبين أن إثبات الصفة ~~لأحد العالمين دون الآخر باطل وأما ما ذكرته من قول أبي هاشم فهو قول مثبتة ~~الحال وحينئذ فيخاطبه مثبتة الحال من الصفاتية كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي ~~يعلى ومن تبعهما فيقولون كونه علم مع وجوب أن يعلم لا يمنع استلزام ذلك ~~علما به صار عالما بل الحال الواجبة تستلزم علة واجبة والحال الجائزة ~~تستلزم علة جائزة وإنما الفرق بينهما أن الواحد منا علم مع جواز أن لا يكون ~~له علم وأن لا يكون عالما والباري علم مع وجوب أن يكون له علم وأن يكون ~~عالما فالفرق بينهما من جهة وجوب الصفة والحال وجواز الصفة والحال أما ثبوت ~~الصفة والحال في أحدهما وثبوت الحال دون الصفة في الآخر ففرق فاسد كفرق ~~النفاة بين إثبات الصفة لأحدهما دون الآخر وهذا كله مما تبين لمن علم وأنصف ~~أنه لا يمكن أبا الحسين وأمثاله من المعتزلة أن يذكروا فرقا معقولا بين ~~قولهم وقول أئمة الصفاتية وإذا قدر أنهم يذكرون فرقا فحجتهم على PageV05P045 ~~النفي في غاية الفساد والتناقض فهم يتناقضون لا محالة في نفس المذهب أو في ~~حجته ونقلهم عن منازعيهم فيه من التحريف والمجازفة والشناعة بغير حق ما ~~يتبين لمن تأمله مثل تشنيعهم على أهل الإثبات بأنكم تقولون بتعدد القديم ~~والقديم لفظ مجمل يوهمون به بعض الناس أنهم يقولون بتعدد الآلهة لا سيما مع ~~قول أكثر شيوخهم كالجبائي ومن قبله إن أخص وصف الرب هو القدم وإن الاشتراك ~~فيه يوجب التماثل فلو شاركت الصفة الموصوف في القدم لكانت مثله وهذا وإن ~~كان في غاية الفساد فإن خصائص الرب التي لا يوصف بها غيره كثيرة مثل كونه ~~رب العالمين وأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه الحي القيوم القائم ~~بنفسه القديم الواجب الوجود المقيم لكل ما سواه ونحو ذلك من الخصائص التي ~~لا تشركه فيها صفة ولا غيرها ms0882 # فيقال القدم الذي هو من خصائصه هو قدم القائم بنفسه وكذلك وجوبه الذي هو ~~وجوب وجود القائم بنفسه ونحو ذلك # وأما الصفات التي لا تقوم إلا به فإن قيل بقدمها أو وجوبها فلا ريب أنها ~~ليست قائمة بنفسها بل لا تقوم إلا بالموصوف وحقيقة الأمر أن القديم الواجب ~~بنفسه هو الذات المستلزمة لصفات الكمال وأما ذات مجردة عن هذه الصفات أو ~~صفات مجردة عنها فلا وجود لها فضلا عن أن تكون واجبة بنفسها أو قديمة ~~فقولهم مع فساده PageV05P046 ~~أوجب أن صار كثير من الناس يحترزون عن إطلاق لفظ القديم على الصفة وكذلك ~~لفظ الواجب بنفسه أو يحترزون من إطلاق لفظ القديم على الموصوف والصفة جميعا ~~وإن كانوا يطلقون ذلك على أحدهما عند الانفراد وهذه طريقة ابن كلاب وأكثر ~~أئمة متكلمي الصفاتية وعلى هذا جرى كلام أبي الحسن التميمي والخطابي ~~وغيرهما ممن سلك هذا المسلك # كما قال أبو الحسن في كتاب الإشارة له في جامع الأصول قال مسألة إن سأل ~~سائل فقال هل يقال إن الصفات قديمة قيل له هذا سؤال ضعيف لا يسأل عنه من ~~عرف حقائق الكلام لأن القديم الأزلي لم يكن قديما بغير صفة وإنما كان قديما ~~بصفاته التي هي مضافة إليه في نفسه فإثبات القديم قديما بصفاته يسقط ~~المسألة عن قدم الصفات لإضافة الصفة إلى الموصوف فكل صفة للقديم في نفسه لم ~~يزل بها ألا ترى أن المحدث جميعه محدث فإذا سألت عنه مفرقا مبعضا كانت كل ~~طائفة منه محدثه وكل شيء منه محدث لأنه كله محدث بكماله أو لا ترى أن ~~الإنسان محدث بجميع جوارحه وآلته فيقال هو محدث عند المسألة عنه في الجملة ~~ويقال يده محدثة عند المسألة عنها في التفسير ولا يقال إن الإنسان ويده ~~محدثان ولا أن الإنسان ورأسه محدثان فكذلك أيضا يقال القديم بجميع صفاته ~~قديم وكل شيء من القديم فهو قديم غير محدث PageV05P047 # فإن قال قائل يقولون إن الموصوف قديم وصفته القديمة قديمان قيل له هذا ~~خطأ لا يجوز أن يقال ms0883 كما انه لما لم يجز حين كان المحدث محدثا بجميع صفاته ~~أن أجبت من سألني عنه منفردا وعن صفاته مفردة أن أقول إنه وصفته محدثان ~~لأنه واحد هو وصفاته فهو كله محدث وهي على حالها محدثة ولا يجوز أن أقول ~~هما جميعا محدثان لأن في قولنا إنهما جميعا محدثان فسادا لإثبات الواحد ~~المحدث وإيهام أنه اثنان وليس بواحد فكذلك في قولي في الأول الواحد القديم ~~الذي له صفات إنه قديم وصفاته قديمة فإذا قلت هو وصفاته قديمان ففيه إثبات ~~تعطيل لتوحيده وقدمه وإيجاب أنه اثنان دون واحد ففسد من ذلك أن يقال هو ~~وصفته قديمان كما فسد أن يقال للمحدث هو وصفته محدثان وكان الواجب أن يقال ~~إن القديم الأزلي لم يزل موصوفا فمن سأل عن صفة صفة مفردة جاز أن يقال له ~~هي قديمة صفة لقديم لم يزل بها ولم تزل به كما لا تكون صفة المحدث إلا ~~محدثة فما جرى على القديم في شرط القدم فهو واقع عليه بصفاته وليس بواقع ~~عليه دون صفاته # فإذا قال القائل الموصوف قديم فقد قال إن صفاته قديمة كما إذا قال ~~الموصوف محدث فقد أوجب أن صفاته محدثة PageV05P048 # قلت فهذه الطريقة التي سلكها هؤلاء في أنهم يقولون عن الذات إنها قديمة ~~وعن الصفات إنها قديمة ولا يقولون عن الذات والصفات إنهما قديمان لما في ~~العطف من الإشعار بالتغاير وهم لا يطلقون على الصفات إنها غير الذات # ولهم في لفظ المغايرة ثلاث طرق أحدها وهي طريق الأئمة كالإمام أحمد وغيره ~~وأظنها قول ابن كلاب وغيره وقد ذكرها أبو إسحاق الإسفرايينى أنهم لا يقولون ~~عن الصفة إنها الموصوف ولا يقولون إنها غيره ولا يقولون ليست هي الموصوف ~~ولا غيره لأن لفظ الغير مجمل فلا ينفونه عند الإطلاق ولا يثبتونه # والطريقة الثانية وهي المحكية عن الأشعري نفسه أنه قال أقول مفرقا إن ~~الصفة ليست هي الموصوف وأقول إنها ليست غير الموصوف لكن لا أجمع بين ~~السلبين فأقول ليست الموصوف ولا غيره وهكذا أبو الحسن التميمي ms0884 ومن سلك هذه ~~الطريقة يقولون في العلم ونحوه من الصفات إنه ليس غير الله وأن الصفات ليست ~~متغايرة كما يقولون إنها ليست هي الله كما يقولون إن الموصوف قديم والصفة ~~قديمة ولا يقولون عند الجمع قديمان كما لا يقال عند الجمع لا هو الموصوف ~~ولا غيره # والثالثة قول من يجمع بين السلبين كما هي طريقة ابن الباقلاني والقاضي ~~أبي يعلى وغيرهما وهؤلاء قد يطلقون القول بإثبات قديمين أحدهما الصفة ~~والآخر الموصوف كما ذكروا ذلك في كتبهم وإذا احتج عليم المعتزلة بأنه إذا ~~كانت صفاته قديمة وجب إثبات قديمين PageV05P049 ~~ولو كان علمه قديما لكان إلها أجابوهم بأن كونهما قديمين لا يوجب تماثلهما ~~كالسواد والبياض اشتركا في كونهما مخالفين للجوهر ومع هذا لا يجب تماثلهما ~~وأنه ليس معنى القديم معنى الإله لأنه القديم هو ما بولغ له في الوصف ~~بالتقدم ومنه بناء قديم ودار قديمة إذا بولغ له في الوصف بالتقدم وليس معنى ~~الإله مأخوذا من هذا ولأن النبي محدث وصفاته محدثة وليس إذا كان الموصوف ~~نبيا وجب أن يكون صفاته أنبياء لكونها محدثة كذلك لا يجب إذا كانت الصفات ~~قديمة والموصوف بها قديما أن تكون إلهة لكونها قديمة وبسط الكلام على ذلك ~~له موضع آخر # وأما قول ابن سينا وهل هو واحد الذات على كثرة الأوصاف أو قابل لكثرة ~~تعالى عنها بوجه من الوجوه # فيقال له الكتاب الإلهي مملوء بإثبات الصفات لله تعالى كالعلم والقدرة ~~والرحمة ونحو ذلك ولم يتنازع اثنان من العقلاء أن النصوص ليست دالة على نفي ~~الصفات بل إنما هي دالة على قول أهل الإثبات لكن غاية ما تدعيه النفاة أن ~~ظاهرها دال على ذلك وأنه يمكن تأويله للدليل المعارض # ولا ريب أن ما ذكره لازم لنفاة الصفات إذ لو كان قولهم هو الحق لكان ~~الواجب بيان ذلك وإن لم يبين فلا أقل من السكوت عن PageV05P050 ~~الحق ونقيضه فأما ذكر ما يدل ظاهره على نقيض الحق من غير ذكر للحق فهذا ~~ممتنع في حق من قصده هدى الخلق ms0885 وإن كان هذا جائزا فهو حجة لهؤلاء الملاحدة ~~عليهم في المعاد بل وفي الشرائع أيضا فإن أجابوا الملاحدة في المعاد بأنا ~~نعلم بالاضطرار معاد الأبدان من أخبار الرسول فلا يحتاج أن نتلقاه من ألفاظ ~~السمع لئلا يقدح في دلالة السمع بالتأويل كان هذا جوابا بعينه لأهل الإثبات ~~فإنهم يقولون إنا نعلم بالاضطرار أن إثبات الصفات مما أخبر به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وأنه أخبر الأمة أن ربهم الذي يعبدونه فوق العالم وأنه عليم ~~قدير رحيم له العلم والقدرة والرحمة إلى أمثال ذلك من الصفات # والعلم بإثبات الصفات من قول الله ورسوله بعد تدبر النصوص الإلهية علم ~~ضروري لا يرتاب فيه وهو أبلغ من العلم بثبوت الشفعة وميراث الجدة وتحريم ~~المرأة على عمتها وخالتها وسجود السهو في الصلاة ونحو ذلك من الأحكام ~~المعلومة عند الخاصة دون العامة فإن ما في الكتب الإلهية من إثبات علو الله ~~تعالى وإثبات صفاته وأسمائه هو من العلم العام الذي علمته الخاصة والعامة ~~كعلمهم بعدد الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وغير ذلك من الشرائع الظاهرة ~~المتواترة ولا تجد أحدا من نفاة الصفات يعتمد في ذلك على الشرع ولا يدعي أن ~~أصل اعتقاده لذلك من جهة الكتاب والسنة ولا ينقل قوله عن أحد من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان ولا عن أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والدين وإنما ~~ينقل قوله في النفي PageV05P051 ~~عمن هو معروف بتقليد أو بدعة أو إلحاد وعلى قدر بدعته وإلحاده يكون إيغاله ~~في النفي وبعده عن الإثبات # وقوله أو قابل لكثرة تعالى عنها لفظ مموه فإنه إن عني كثرة الآلهة وهو لم ~~يعن ذلك فقد علم أن الله سبحانه قد بين أن الإله إله واحد في غير موضع ~~والقرآن ملآن من نفى تعدد الآلهة ونفى الشرك بكل طريق وإن عني كثرة صفاته ~~التي دلت عليها أسماؤه وآياته فتعليته الرب عنها كتعلية المشركين له أن ~~يدعى ويعبد بلا واسطة وتعليتهم له عن أن يرسل رسولا من البشر فتنزيهه له عن ~~صفاته كتنزيه المشركين له عن ms0886 أن يكون إلها واحدا وأن يكون له رسول من البشر # وقد أنكر الله تعالى على المشركين نفيهم اسم الرحمن كما قال تعالى { وإذا ~~قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا } ~~وقوله تعالى { كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي ~~أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن } # ومعلوم أن الاسم العلم لا ينكره أحد ولو كانت أسماؤه أعلاما لم يكن فرق ~~بين الرحمن والجبار كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم في PageV05P052 ~~الحديث المعروف في السنن يقول الله أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من ~~اسمى فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته # فإذا كانت الرحم مشتقة من اسم الرحمن امتنع أن يكون علما لا معنى فيه # وفي الصحيح عنه الرحم شجنة من الرحمن # فإذا كان هذا قوله سبحانه فيمن ينكر الرحمن فما الظن بمن ينكر جميع معاني ~~أسمائه وصفاته وحمية هذا الملحد وأمثاله أن يكون له صفات حمية جاهلية شر من ~~حمية الذين قال الله فيهم { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية ~~الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } فإنه قد ثبت في ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اصطلح هو والمشركون عام الحديبية ~~أمر عليا أن يكتب في أول كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن ~~عمرو وكان إذ ذاك مشركا لا نعرف الرحمن ولكن اكتب كما كنت تكتب باسمك اللهم ~~فأمر عليا فكتب باسمك اللهم ثم قال اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ~~فقالوا لو علمنا PageV05P053 ~~أنك رسول الله ما قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله # فهؤلاء أخذتهم حمية جاهلية في إثبات أسماء الله ونبوة رسوله والملاحدة ~~شاركوهم في ذلك من وجوه كثيرة فإنهم ينفون حقائق أسماء الله وحقيقة رسالة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وغايتهم أن يؤمنوا بها من وجه ويكفروا من وجه ~~كالذين قالوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض # ويقال له ذات لا صفة لها لا وجود لها إلا في ms0887 الذهن بل لفظ ذات تأنيث ذو ~~ولا تستعمل إلا مضافا وذات معناه صاحبة كقوله تعالى { عليم بذات الصدور } ~~وقوله تعالى { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } وقول خبيب # وذلك في ذات الإله # أي في سبيل الإله وجهته # ثم استعملها أهل الكلام بالتعريف فقالوا الذات أي الصاحبة والمعنى صاحبة الصفات # فتقدير المستلزم للإضافة بدون الإضافة ممتنع وهذا كما أثبته ابن سينا ~~وأمثاله من هؤلاء الملحدة حيث جعلوه وجودا مطلقا إما بشرط PageV05P054 ~~النفي وإما بشرط الإطلاق وهم قد قرروا في منطقهم ما لم ينازعهم فيه أحد من ~~أهل الملل أن المطلق بشرط الإطلاق إنما وجوده في الأذهان لا في الأعيان ~~فكيف بالمطلق المشروط بالنفي فإنه أبعد عن الوجود من المشروط بالإطلاق وهذا ~~مبسوط في غير هذا الموضع # وقوله أهو متحيز الذات أم منزهها عن الجهات # هو أيضا من حججهم على نفاة الصفات فإن الكتب الإلهية وصفته بالعلو ~~والفوقية ولم تنف أن يكون فوق العالم كما تقوله النفاة # وإذا كانت النصوص الإلهية قد بينت أنه العلي الأعلى الذي يصعد إليه الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه الذي تعرج الملائكة والروح إليه الذي نزل منه ~~القرآن والملائكة تنزل من عنده الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش ونحو ذلك من النصوص المبينة لمباينته لخلقه وعلوه عليهم ~~فأي بيان للمقصود أعظم من هذا # وأما لفظ التحيز والجهة فلفظان مجملان ومراد النفاة منهما غير المراد في ~~اللغة المعروفة فإن المتحيز اسم فاعل من تحيز يتحيز فهو متحيز مثل تعوذ ~~وتكبر وتجبر ونحو ذلك والحيز ما يحوز PageV05P055 ~~الشيء ويحوطه والمفهوم من ذلك في اللغة الظاهرة أن يكون هناك شيء موجود ~~يحوز غيره # ولا ريب أن الخالق مباين للمخلوقات عال عليها كما دلت عليه النصوص ~~الإلهية واتفق عليه السلف والأئمة وفطر الله تعالى على ذلك خلقه ودلت عليه ~~الدلائل العقلية # وإذا كان كذلك وليس ثم موجود إلا خالق ومخلوق فليس وراء المخلوقات شيء ~~موجود يكون حيزا لله تعالى فلا يجوز أن يقال هو متحيز بهذا الاعتبار ms0888 # وهم قد يريدون بالحيز أمرا عدميا حتى يسموا العالم متحيزا وإن لم يكن في ~~شيء آخر موجود غير العالم وإذا كان كذلك فكونه متحيزا بهذا الاعتبار معناه ~~أنه في حيز عدمي والعدم ليس بشيء وما ليس بشيء فليس في كونه فيه أكثر من ~~كونه وحده لا موجود معه وأنه منحاز عن الخلق متميز عنهم بائن عنهم ليست ~~ذاته مختلطة بذات المخلوق فإذا أريد بالمتحيز المباين لغيره وقد دلت النصوص ~~على أن الله تعالى عال على الخلق بائن عنهم ليس مختلطا بهم فقد دلت على هذا ~~المعنى فالقرآن قد دل على جميع المعاني التي تنازع PageV05P056 ~~الناس فيها دقيقها وجليلها كما قال الشعبي ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب ~~الله بيانها وقال مسروق ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن ~~ولكن علمنا قصر عنه # ولما كان لفظ المتحيز فيه إجمال وإبهام امتنع طوائف من أهل الإثبات عن ~~إطلاق القول بنفيه أو إثباته ولا ريب أنه لا يوجد عن أحد من السلف والأئمة ~~لا إثباته ولا نفيه كما لا يوجد مثل ذلك في لفظ الجسم والجوهر ونحوهما # وذلك لأنها ألفاظ مجملة يراد بها حق وباطل وعامة من أطلقها في النفي أو ~~الإثبات أراد بها ما هو باطل لا سيما النفاة فإن نفاة الصفات كلهم ينفون ~~الجسم والجوهر والمتحيز ونحو ذلك ويدخلون في نفي ذلك نفي صفات الله وحقائق ~~أسمائه ومباينته لمخلوقاته بل إذا حقق الأمر عليهم وجد نفيهم متضمنا لحقيقة ~~نفي ذاته إذ يعود الأمر إلى وجود مطلق لا حقيقة له إلا في الذهن والخيال أو ~~ذات مجردة لا توجد إلا في الذهن والخيال أو إلى الجمع بين المتناقضين ~~بإثبات صفات ونفي لوازمها PageV05P057 # فعامة من يطلق ذلك إما متناقض في نفيه وإثباته يثبت الشيء بعبارة وينفيه ~~بأخرى أو يثبته وينفي نظيره أو ينفيه مفصلا ويثبته مجملا أو بالعكس أو ~~يتكلم في النفي والإثبات بعبارات لا يحصل مضمونها ولا يحقق معناها # وهذا كثير في الكبار فضلا عن الصغار وكثير منهم ms0889 لا يفهم مراد أكابرهم ~~بهذه العبارات وهم يعلمون أن عامتهم لا يفهمون مرادهم وإنما يظنونه تعطيما ~~وتسبيحا من حيث الجملة والواجب على المسلمين أن يتلقوا الأقوال الثابتة عن ~~الرسول بالتصديق والقبول مطلقا في النفي والإثبات # وأما الألفاظ التي تنازع فيها أهل الكلام فلا تتلقى بتصديق ولا تكذيب حتى ~~يعرف مراد المتكلم بها فإن وافق ما قاله الرسول كان من القول المقبول وإلا ~~كان من المردود ولا يكون ما وافق قول الرسول مخالفا للعقل الصريح أبدا كما ~~لا يكون ما خالف قوله مؤيدا ببرهان العقل أبدا كما قد بين ذلك في غير هذا الموضع # وكذلك لفظ الجهة لفظ مجمل فإن الناطقين به من أهل الكلام والفلسفة قد ~~يريدون بلفظ الجهة أمرا وجوديا إما جسما وإما عرضا في جسم # وقد يريدون بلفظ الجهة ما يكون معدوما كما وراء الموجودات PageV05P058 # فقول القائل إن الحق في جهة # إن أراد به ما هو موجود مباين له فلا موجود مباين له إلا مخلوقاته فإذا ~~كان مباينا لمخلوقاته فكيف تكون محتوية عليه # وإن أراد بالجهة ما فوق العالم فلا ريب أن الله فوق العالم وليس هناك إلا ~~هو وحده وليس فوق المخلوقات إلا خالقها هو العلي الأعلى # فصل # وقول ابن سينا فإنه لا يخلو إما أن تكون هذه المعاني واجبا تحققها وإتقان ~~المذهب الحق فيها أو يسع الصدوف عنها وإغفال البحث والروية فيها فإن كان ~~البحث عنها معفوا عنه وغلط الاعتقاد الواقع فيها غير مؤاخذ به فجل مذهب ~~هؤلاء القوم المخاطبين بهذه الجملة تكلف وعنه غنية وإن كان فرضا محكما ~~فواجب أن يكون مما صرح به في الشريعة # فهذا كله حجة على إخوانه نفاة الصفات وهم المخاطبون بهذه الجملة وأما أهل ~~الإثبات فهم يقولون إن ذلك كله مما صرح به في الشريعة # وكذلك قوله وليس التصريح المعمى أو الملبس أو المقتصر PageV05P059 ~~فيه بالإشارة والإيماء بل بالتصريح المستقصى فيه والموفى حق البيان ~~والإيضاح والتفهيم والتعريف # فهذا كله حجة على إخوانه نفاة الصفات الجهمية وأما أهل الإثبات فيقولون ~~إنه ms0890 قد صرح بالتوحيد الحق التصريح المستقصى فيه الموفى حق البيان والإيضاح ~~والتفهيم والتعريف وهذه نصوص القرآن والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم من السلف فيها من البيان ~~للإثبات ما لا يحصيه إلا رب السموات # وقوله فإن المبرزين المنفقين أيامهم لسرعة الوقوف على المعاني الغامضة ~~يحتاجون في تفهم هذه المعاني إلى فضل إيضاح وشرح وعبارة فكيف غتم ~~العبرانيين وأهل الوبر من العرب # فهذا الكلام حجة له على إخوانه الجهمية من المعتزلة وأتباعهم نفاة الصفات ~~الذين يقولون إن التوحيد الحق هو قول أهل السلب نفاة الصفات الذين يقولون ~~إن التوحيد الحق هو قول أهل السلب نفاة الصفات الذين يقولون إن التوحيد ~~الحق هو قول السلب نفاة الصفات ولا ريب أن فهم قولهم فيه غموض ودقة لأنه ~~قول متناقض فاسد أعظم تناقضا من قول النصارى كما قد بين في PageV05P060 ~~موضعه فما يفهمه إلا الذكي الذي مرن ذهنه على تسليم المقدمات التي بها ~~يفسدون ذهنه أو على تصور أقوالهم المتناقضة فإن كان من متابعيهم نقلوه من ~~درجة إلى درجة كما تفعل القرامطة بنقل المستجيبين لهم من درجة إلى درجة ~~وكذلك هؤلاء الجهمية النفاة لا يمكنهم أن يخاطبوا ذكيا ولا بليدا بحقيقة ~~قولهم إن لم يتقدم قبل ذلك منه تسليم لمقدمات وضعوها تتضمن ألفاظا مجملة ~~يلبسون بها عليه الحق بالباطل فيبقى ما سلمه لهم من المقدمات مع ما فيه من ~~التلبيس والإبهام حجة لهم عليه فيما ينازعهم فيه إلى أن يخرجوه إن تمكنوا ~~من العقل والدين كما تخرج الشعرة من العجين فإن من درجات دعوتهم الخلع ~~والسلخ وأمثال هذه العبارات # وقد رايت كتبهم فرأيتهم يحتجون على طوائف المسلمين الذين فيهم بدعة بما ~~وافقوهم عليه من البدعة كما احتج ابن سينا على المعتزلة ونحوهم من نفاة ~~الصفات بما وافقوه عليه من هذه الأقوال المبتدعات وإلا فالفطر السليمة تنكر ~~أقوال النفاة إذ قد توافق على إنكارها الفطر والمعقول والسمع المنقول وإنما ~~يخالف بنوع من الشبه الدقيقة التي هي من أبطل الباطل ms0891 في الحقيقة # ولقد حدثني بعض أصحابنا أن بعض الفضلاء الذين فيهم نوع PageV05P061 ~~من التجهم عاتبه بعض أصحابه على إمساكه عن الانتصار لأقوال النفاة لما ظهر ~~قول الإثبات في بلدهم بعد أن كان خفيا واستجاب له الناس بعد أن كان المتكلم ~~به عندهم قد جاء شيئا فريا فقال هذا إذا سمعه الناس قبلوه وتلقوه بالقبول ~~وظهر لهم أنه الحق الذي جاء به الرسول ونحن إذا أخذنا الشخص فربيناه ~~وغذيناه ودهناه ثلاثين سنة ثم أردنا أن ننزل قولنا في حلقه لم ينزل في حلقه ~~إلا بكلفة # وهو كما قال فإن الله تعالى نصب على الحق الأدلة والأعلام الفارقة بين ~~الحق والنور وبين الباطل والظلام وجعل فطر عباده مستعدة لإدراك الحقائق ~~ومعرفتها ولولا ما في القلوب من الإستعداد لمعرفة الحقائق لم يكن النظر ~~والاستدلال ولا الخطاب والكلام كما أنه سبحانه جعل الأبدان مستعدة للاغتذاء ~~بالطعام والشراب ولولا ذلك لما أمكن تغذيتها وتربيتها وكما أن في الأبدان ~~قوة تفرق بين الغذاء الملائم والمنافى ففي القلوب قوة تفرق بين الحق ~~والباطل أعظم من ذلك # وهذا كما أن لأرباب السحر والنيرنجيات وعمل الكيمياء وأمثالهم ممن يدخل ~~في الباطل الخفي الدقيق يحتاج إلى أعمال PageV05P062 ~~عظيمة وأفكار عميقة وأنواع من العبادات والزهادات والرياضيات ومفارقة ~~الشهوات والعادات ثم آخر أمرهم الشك بالرحمن وعبادة الطاغوت والشيطان وعمل ~~الذهب المغشوش والفساد في الأرض والقليل منهم من ينال بعض غرضه الذي لا ~~يزيده من الله إلا بعدا وغالبهم محروم مأثوم يتمنى الكفر والفسوق والعصيان ~~وهو لا يحصل إلا على نقل الأكاذيب وتمنى الطغيان سماعون للكذب أكالون للسحت ~~عليهم ذلة المفترين # كما قال تعالى { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في ~~الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين } # ولهذا تجد أهل هذه الأباطيل الصعبة الشديدة في الغالب إما ملحدا من أهل ~~النفي والتكذيب وإما جاهلا قد أضلوه ببعض شبهاتهم # وأما قوله فكيف غتم العبرانيين وأهل الوبر من العرب فيقال له نحن لا ننكر ~~أن في العبرانيين والعرب من يكون ذهنه مقصرا عن ms0892 بعض دقيق العلم لكن إذا ~~وازنت من كان مع محمد صلى الله عليه وسلم من العرب الخاصة والعامة ومن كان ~~مع موسى عليه الصلاة والسلام أيضا بمن فرضته من الأمم وجدتهم أكمل منهم في كل PageV05P063 ~~سبب ينال به دقيق العلم وجليله فإذا قدرت بعض الناقصين من ذلك القرن فقابله ~~بإخوانك القرامطة الباطنية وعوام الفلاسفة الدهرية وأمثالهم من عوام ~~النصيرية والإسماعيلية وأمثالهم فإنك نجد بين أدنى أولئك وخيار هؤلاء في ~~الذهن والعلم من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق أليس أصحابك هم ~~المستجيبين لدعوة بني عبيد الذين راج عليهم مكرهم وكيدهم في الدنيا والدين ~~حتى اعتقدوا فيمن هو من أكفر الناس وأكذبهم أنه إمام معصوم يعلم علم ~~الأولين والآخرين بل عوام النصارى مع فرط جهلهم وضلالهم أحذق وأذكى من عوام ~~أصحابك المستجيبين لمثل هؤلاء المنقادين لهم # وهل وجد في العالم أمة أجهل وأضل وأبعد عن العقل والعلم من أمة يكون ~~رؤوسها فلاسفة أو لم تكن أئمتكم اليونان كأرسطو PageV05P064 ~~وأمثاله مشركين يعبدون الأوثان ويشركون بالرحمن ويقربون أنواع القرابين ~~لذرية الشيطان # أو ليس من أعظم علومهم السحر الذي غايته أن يعبد الإنسان شيطانا من ~~الشياطين ويصوم له ويصلي ويقرب له القرابين حتى ينال بذلك عرضا من الدنيا ~~فساده أعظم من صلاحه وإثمه أكبر من نفعه # أو ليس أضل الشرك في العالم هو من بعض هؤلاء المتفلسفة أو ليس كل من كان ~~أقرب إلى الشرائع ولو بدقيقة كان أقرب إلى العقل ومعرفة الحقيقة وهل رأيت ~~فيلسوفا أقام مصلحة قرية من القرى فضلا عن مدينة من المدائن وهل يصلح دينه ~~ودنياه إلا بأن يكون من غمار أهل الشرائع # ثم يقال له أنت وأمثالك أئمة أتباعكم وهذا قولك وقول أرسطو وأمثالكم من ~~أئمة الفلاسفة في واجب الوجود وصفاته وأفعاله مع دعواكم نهاية التوحيد ~~والتحقيق والعرفان قول لا يقوله إلا من هو من أجهل الناس وأضلهم وأشبههم ~~بالبهائم من الحيوان # وكون الواحد منكم حاذقا في طب أو نجوم أو غرس أو بناء هو لقلة معرفتكم ~~بالله وأسمائه ms0893 وصفاته وأفعاله وعبادته وقلة نصيبكم وحظكم من هذا المطلب ~~الذي هو أجل المطالب وأرفع المواهب PageV05P065 ~~فاعتضم بالأدنى عن الأعلى إما عجزا وإما تفريطا # ولا ريب أن أئمة اليهود والنصارى بعد أن بدلوا الكتاب ودخلوا فيما نهوا ~~عنه أحذق وأعرف بالله من أئمتكم وعوام اليهود والنصارى الذين هم ضالون ~~ومغضوب عليهم أصح عقلا وإدراكا وأصوب كلاما في هذا الباب من عوام أصحابكم ~~وهذا مما لا يشك فيه من له عقل وإنصاف # واعتبر ذلك بعوام النصيرية والإسماعيلية والدرزية والطرقية PageV05P066 ~~والعرباء وعوام التتر المشركين الذين كان علماؤهم المشركون السحرة من ~~البخشية والطوينية وأمثالهم وكان خيار علمائهم رؤوس الملاحدة مثل النصير ~~الطوسي وأمثاله وكذلك عوام أتباع سنان رأس الملاحدة وأمثاله فاعتبر عوام ~~هؤلاء مع عوام اليهود والنصارى تجد عوام اليهود والنصارى أقل فسادا في ~~الدنيا والدين من أولئك وتجد أولئك أفسد عقلا ودينا # وأما متوسطوكم كالمنجمين والمعزمين وأمثالهم ففيهم من الجهل [ والضلال ] ~~والكذب والمحال مالا يحصيه إلا ذو الجلال وهل كان PageV05P067 ~~الطوسي وأمثاله ينفقون عند المشركين من التتر إلا بأكاذيب المنجمين ومكايد ~~المحتالين المنافية للعقل والدين # وأما أئمتكم البارعون كأرسطو وذويه فغايته أن يكون مشركا سحارا وزيرا ~~لملك مشرك سحار كالإسكندر بن فيلبس وأمثاله من ملوك اليونان الذين كانوا ~~أهل شرك يعبدون الأوثان وإنما [ صار ] فيهم ما صار من الهدى والفلاح لما ~~دخلت فيهم النصرانية بعد أرسطو [ بنحو ] ثلاثمائة سنة وتسع عشرة سنة أو ~~أكثر منها وقد قيل إن ذلك كان على عهد آخر [ ملوكهم ] بطليموس صاحب المجسطي ~~فناهيك ممن تكون النصارى أعقل منهم وأعلم وأهدى إلى الدين الأقوم # ومن الضلال أن من يظن ذا القرنين المذكور في القرآن العزيز هو الإسكندر ~~بن فيلبس الذي يقال إن أرسطو كان وزيره وهذا PageV05P068 ~~جهل فإن ذا القرنين قديم متقدم على هذا بكثير وكان مسلما موحدا حنيفا وقد ~~قيل إن اسمه الإسكندر بن دارا وأما اليوناني فهو ابن فيلبس الذي يؤرخ الروم ~~به وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة أو ما يقارب ذلك # وهذا الكلام وأمثاله إنما ms0894 قيل للمقابلة لما في كلام هؤلاء من الاستخفاف ~~بأتباع الأنبياء وأما أئمة العرب وغيرهم من أتباع الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام كفضلاء الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل وأبي بن ~~كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأبي الدرداء ~~وعبد الله بن عباس ومن لا يحصى عدده إلا الله تعالى فهل سمع في الأولين ~~والآخرين بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوم كانوا أتم عقولا وأكمل ~~أذهانا وأصح معرفة وأحسن علما من هؤلاء # فهم كما قال فيهم عبد الله بن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات ~~فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا ~~وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه ~~فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم # وما طمع أهل الإلحاد في هؤلاء إلا بجهل أهل البدع كالرافضة والمتكلمين [ ~~من ] المعتزلة ونحوهم PageV05P069 # وابن سينا وأمثاله من ملاحدة الفلاسفة لما كانوا إنما يخاطبون من ~~المسلمين من هو ناقص في العلم والدين إما رافضي وإما معتزلي وإما غيرهما ~~صاروا يتكلمون في خيار القرون بمثل هذا الكلام # وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خير القرون القرن الذي ~~بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم # ثم يقال لهذا الأحمق لا ريب أن كل أمة فيها ذكي وبليد PageV05P070 ~~بالنسبة إليها لكن هل رأى في أجناس الأمم أمة أذكى من العرب # واعتبر ذلك باللسان العام وما فيه من تفصيل المعاني والتمييز بين دقيقها ~~وجليلها بالألفاظ الخاصة الناصة [ على ] الحقيقة ويليه في الكمال اللسان ~~العبراني فأين هذا من لسان أصحابك الطماطم الذين يسردون ألفاظا طويلة ~~والمعنى خفيف ولولا أن مثلك وأمثالك ممن شملته بعض سعادة المسلمين والعرب ~~فصار فيكم بعض كمال الإنسان في العقل واللسان فعربتم تلك الكتب وهذبتموها ~~وقربتموها إلى العقول وإلا لكان فيها من التطويل والهذيان ما يشح بمثله على ~~الزمان وهي كما قال فيها أبو حامد الغزالي ms0895 هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها ~~ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها وإن بعض الظن إثم ~~فإن ما يقوم عليه الدليل من الرياضي ونحوه كثير التعب قليل الفائدة لحم جمل ~~غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى وما لم يقم عليه الدليل ~~فظنون وأباطيل # ثم يقال له هب أن ما ذكرته من غتم العبرانيين والعرب أهل الوبر لا يمكنهم ~~معرفة الدقيق فهل يمكنك أن تقول ذلك في أذكياء PageV05P071 ~~العرب والعبرانيين وكل أحد يعلم أن عقول الصحابة والتابعين وتابعيهم أكمل ~~عقول الناس # واعتبر ذلك بأتباعهم فإن كنت تشك في ذكاء مثل مالك والأوزاعي والليث بن ~~سعد وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل والشافعي وأحمد بن ~~حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد وإبراهيم الحربي وعبد الملك بن حبيب ~~الأندلسي والبخاري ومسلم وأبي دواد وعثمان بن سعيد الدارمي بل ومثل أبي ~~العباس بن سريج وأبي جعفر الطحاوي وأبي القاسم الخرقي وإسماعيل بن إسحاق ~~القاضي وغيرهم من أمثالهم فإن شككت في ذلك فأنت مفرط في الجهل أو مكابر ~~فانظر خضوع هؤلاء للصحابة وتعظيمهم لعقلهم وعملهم حتى أنه لا يجترئ الواحد ~~منهم أن يخالف لواحد من الصحابة [ إلا ] أن يكون قد خالفه صاحب آخر PageV05P072 # وقد قال الشافعي رحمة الله عليه في الرسالة إنهم فوقنا في كل عقل وعلم ~~وفضل وسبب ينال به علم أو يدرك به صواب ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا أو ~~كما قال رحمة الله عليه # وأما قوله لو كلف الله رسولا من الرسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى ~~الجمهور من العامة الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أذهانهم إلى ~~آخر كلامه # فيقال لا ريب أن فيما غاب عن المشاهدة أمورا من الغيب بعضها يمكن التعريف ~~به مطلقا وبعضها لا يمكن التعريف به إلا بعد شروط واستعداد وبعضها لا يمكن ~~التعريف به في الدنيا إلا على وجه مجمل وبعضها لا يمكن التعريف به في ~~الدنيا بحال وبعضها ms0896 لا يمكن مخلوقا أني علمه ولهذا قال تعالى { فلا تعلم ~~نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى ~~أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فما ~~لا يخطر بالقلوب إذا عرفت به لم تعرفه إلا إذا كان له نظير وإلا لم يمكن ~~التعريف على وجهه PageV05P073 # وفي الدعاء المشهور اللهم إني أسألك بكل اسم [ هو لك سميت به نفسك أو ~~أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت [ به ] في علم الغيب ~~عندك فإذا كان من أسمائه ما استأثر بعلمه لم يعلمه غيره ذلك وما خص به بعض ~~عباده لم يعلمه غيره # وفي الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه لا أحصي ~~ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك # وفي حديث الشفاعة ينفتح علي محامد أحمده بها لا أحسنها الآن PageV05P074 # فإذا كان أعلم الخلق بالله لا يحصى ثناء عليه فكيف غيره وإذا كان يفتح ~~عليه في الآخرة بمحامد لم يعرفها في الدنيا فكيف حال غيره # ونذكر في هذا قصة موسى والخضر عليهما السلام ونقر العصفور من البحر # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيما ذكره البخاري حدثوا الناس بما ~~يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه ~~عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم PageV05P075 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأله رجل عن تفسير آية فقال ما يؤمنك ~~أني لو أخبرتك بها لكفرت بها وكفرك بها تكذيبك بها فتبين أنه ليس كل أحد ~~يليق بمعرفة جميع العلوم # ولهذا قال تعالى { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها } إلى قوله { ~~يضرب الله الأمثال } فإن هذا مثل ضربه الله فشبه فيه ما ينزله من السماء من ~~العلم والإيمان بالمطر وشبه القلوب بالأودية والأودية منها صغار وكبار فكل ~~واد يسيل ms0897 بقدره # فهذا ونحوه حق ولكن حقائق الأمور التي يدعيها هؤلاء الملاحدة هي في ~~الحقيقة نفي وتعطيل تنكرها القلوب العارفة الذكية أعظم مما تنكرها قلوب ~~العامة وكلما قوى عقل الرجل وعلمه زاد معرفة بفسادها ولهذا لا يستجيب لهم ~~الرجل إلا بقدر نقص عقله ودينه # وقوله هبك الكتاب العزيز جاء على لغة العرب في الاستعارة والمجاز فما ~~قولهم في الكتاب العبراني وهو من أوله إلى آخره تشبيه صرف إلى آخر كلامه # فيقال هذا من أعظم حجج أهل الإثبات على نفاة الصفات PageV05P076 ~~ومن أعظم الحجج على صدق الرسولين العظيمين وصدق الكتابين الكريمين اللذين ~~لم يأت من عند الله كتاب أهدى منهما # قال تعالى { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى } ~~إلى قوله { قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى ~~من قبل قالوا سحران تظاهرا } إلى قوله { قل فأتوا بكتاب من عند الله هو ~~أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين } # وقال تعالى حكاية عن الجن { قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد ~~موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم } # وقال تعالى { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من ~~شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس ~~تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم ~~في خوضهم يلعبون } { وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم ~~القرى ومن حولها } # وقال تعالى { ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء ~~وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } وهذا PageV05P077 ~~{ كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون } فقد قرن الله تعالى ~~بين الكتابين العربي والعبري في غير موضع # ومن المعلوم أن موسى كان قبل محمد صلوات الله عليهما وسلامه ولم يأخذ عنه ~~شيئا وكل من عرف حال محمد صلى الله عليه وسلم يعلم أنه لم يأخذ عن أهل ~~الكتاب شيئا فإذا ms0898 أخبر هذا بمثل ما أخبر به هذا عن مرسل واحد من غير تواطؤ ~~ولا تشاعر فيما يمتنع في العادة التوافق فيه من غير تواطؤ كان هذا مما يدل ~~على صدق كل من الرسولين في أصل الرسالة وعلى صدق خبر كل من الرسولين فيما ~~أخبر به من صفات ربه إذ كان كل منهما أخبر بمثل ما أخبر به الآخر وهب أن ~~بعض ألفاظ أحد الكتابين قد يحرفها المحرف فالكتاب الآخر المصدق له يبطل ذلك ~~التحريف ويبين أن المقصود واحد # وما ذكره من امتناع التحريف على كلية الكتاب العبري حق كما قال ويبين ذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بين من تحريف أهل الكتاب ما شاء الله وذمهم ~~على ما وصفوا الله تعالى به من النقائص كقولهم إن الله فقير وإن الله بخيل ~~وإنه تعب لما خلق PageV05P078 ~~السموات والأرض فاستراح فقال تعالى { وما مسنا من لغوب } # فلو كان ما في التوراة من إثبات الصفات مما بدلوه وافتروه لكان إنكار هذا ~~من أعظم الواجبات ولكان الرسول يعيبهم بما ينكره النفاة من التشبيه ~~والتجسيم وأمثال هذه العبارات فلما كان الرسول العربي مقررا لما في التوراة ~~من الصفات ومخبرا بمثل ما في التوراة كان ذلك من أعظم دليل على أن ما في ~~التوراة من الصفات التي أخبر بها الرسول العربي أيضا ليس مما كذبه أهل الكتاب # وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن حبرا من اليهود لما أخبر النبي صلى ~~اله عليه وسلم أن الله يوم القيامة يمسك السماوات على أصبع والأرضين على ~~أصبع والجبال على أصبع والشجر والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم ~~يهزهن ثم يقول أنا الملك أنا الملك ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا ~~وتصديقا لقول الحبر ثم قرأ فوله تعالى { وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } # وهذا الحديث رواه من هو من أعلم الصحابة وأعظمهم اختصاصا PageV05P079 ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود ورواه عنه وعن ms0899 أصحابه من هو ~~من أجل التابعين وأتباع التابعين قدرا ورواه أيضا عبد الله بن عباس الذي هو ~~أعلم الصحابة في زمانه وأصحاب ابن مسعود وابن عباس من أعظم التابعين علما ~~وقدرا عند الأمة # وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيهما أيضا ~~من حديث ابن عمر في تفسير هذه الآية { وما قدروا الله حق قدره } ما يناسب ~~هذا الحديث PageV05P080 ~~ويوافق قول أهل الإثبات ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينكر على ~~أهل الكتاب ما يحبرون به من الصفات التي تسميها النفاة تجسيما وتشبيها ~~وإنما أنكر عليهم ما وصفوا الله تعالى به من النقائص والعيوب # ولهذا لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين ~~أنهم ذموا أهل الكتاب بما يذمهم به نفاة الصفات ولا يذكرون لفظ التجسيم ~~ونحوه من الألفاظ التي أحدثها المحدثون لا بمدح ولا ذم ولا يقولون ما تقوله ~~النفاة إن التوراة فيها تشبيه كما قال ابن سينا الكتاب العبراني كله من ~~أوله إلى آخره تشبيه صرف # فإنه يقال له ما تعني بقولك إنه تشبيه أتعني أنه متضمن الإخبار بأن صفات ~~الرب مثل صفات العباد أو متضمن لإثبات الصفات التي يوصف الحلق بما هو ~~بالنسبة إليهم كتلك الصفات بالنسبة إلى الله # فإن أردت الأول فهذا كذب على التوراة فليس فيها الإخبار بأن صفات الله ~~كصفات عباده بل فيها نفي التمثيل بالله # وإن أردت الثاني فهذا أمر لابد منه لك ولكل أحد فإنك وأمثالك تقولون إن ~~الله موجود مع قولكم إن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وتقولون إنه عقل ~~وعاقل ومعقول مع قولكم إن اسم العقل يقع على العقول العشرة وتقولون إنه علة ~~للعالم مع PageV05P081 ~~قولكم إن العلة تنقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وتقولون إن له عناية مع ~~أن لفظ العناية يقال على صفات العباد وتقولون إنه مبدأ ومبدع ونحو ذلك من ~~العبارات التي تسمون بها غيره فإنكم تطلقون اسم المبادئ على العقول وتطلقون ~~الإبداع على العقول وتقولون ms0900 إن كل عقل أبدع ما دونه والعقل العاشر أبدع ما ~~تحت فلك القمر وتقولون إنه موجب بالذات مع أن لفظ الإيجاب يطلق على غيره # ويقولون إنه عاشق ومعشوق وعشق مع أن لفظ العشق فيه من التشبيه واحتمال ~~النقص ما لا يخفي على عاقل وليس في الكتب الإلهية تسميته بعقل ولا عاشق ولا ~~معقول ولا معشوق # ويقولون أيضا إنه يلتذ ويبتهج ولفظ اللذة فيها من التشبيه واحتمال النقص ~~ما لا يخفى على عاقل ويقولون إنه مدرك وأن اللذة أفضل إدراك لأفضل مدرك ~~فيسمونه مدركا ومدركا # ثم أعجب من هذا كله أنكم تقولون الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة ~~ومن هنا دخل من وافقكم في إثبات تشبه العبد بالرب في الذات والصفات ~~والأفعال كصاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها ومن مشى خلفه من القائلين ~~بالوحدة المطلقة PageV05P082 ~~والاتحاد وقالوا إن الإنسان مثل الله وأن قوله { ليس كمثله شيء } المراد ~~أنه ليس كالإنسان الذي هو مثل الله شئ ويقولون إن الفلك إنما يتحرك تشبها ~~بما فوقه فيجعلون العبد قادرا على أن يتشبه بالله وأن الفلك يتشبه بالله أو ~~يتشبه بالعقل المشبه لله # فإذا كان في التوراة إنا سنخلق بشرا على صورتنا يشبهنا أو نحو هذا فغايته ~~أن يكون الله خالقا لمن يشبهه بوجه وأنتم فد جعلتم العبد قادرا على أن ~~يتشبه بالله بوجه فإن كان التشبه بالله باطلا من كل وجه ولا يمكن الموجود ~~أن يشبهه بوجه من الوجوه فتشبيهكم أنكر من تشبيه أهل الكتاب لأنكم جعلتم ~~العبد قادرا على أن يتشبه بالرب وأولئك أخبروا عن الرب أنه قادر على أن ~~يخلق ما يشبهه # فكان في قولكم إثبات التشبيه وجعله مقدورا للعبد وأولئك مع إثبات التشبيه ~~إنما جعلوه مقدورا للرب فأي الفريقين أحق بالذم والملام أنتم أم أهل الكتاب ~~إن كان مثل هذا التشبيه منكرا من القول وزورا وإن لم يكن منكرا من القول ~~وزورا فأهل الكتاب أقوم منكم لأنهم تبعوا ألفاظ النصوص الإلهية التي أثبتت ~~ما أثبتت مقدورا لرب البرية وأنتم ms0901 ابتدعتم ما ابتدعتم بغير سلطان من الله # وأيضا فيقال إنه ما من موجودين إلا بينهما فدر مشترك وقدر مميز فإنهما لا ~~بد أن يشتركا في أنهما موجودان ثابتان حاصلان وأن PageV05P083 ~~كلا منهما له حقيقة هي ذاته ونفسه وماهيته حتى لو كان الموجودان مختلفين ~~اختلافا ظاهرا كالسواد والبياض فلا بد أن يشتركا في مسمى الوجود والحقيقة ~~ونحو ذلك بل وفيما هو أخص من ذلك مثل كون كل منهما لونا وعرضا وقائما بغيره ~~ونحو ذلك وهما مع هذا مختلفان # وإذا كان بين كل موجودين جامع وفارق فمعلوم أن الله تعالى ليس كمثله شئ ~~لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله فلا يجوز أن يثبت له شئ من خصائص ~~المخلوقين ولا يمثل بها ولا أن يثبت لشئ من الموجودات مثل شئ من صفاته ولا ~~مشابهة في شئ من خصائصه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا # وإذا كان المثل هو الموافق لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع فهو سبحانه لا ~~يشاركه شيء فيما يجب له ويمتنع عليه ويجوز له وإذا أخذ القدر المطلق الذي ~~يتفق فيه الخالق والمخلوق مثل مسمى الوجود والحقيقة والعالم والقادر ونحو ~~ذلك فهذا لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان والمخلوق لا يشارك مخلوقا ~~في شئ من صفاته فكيف يكون للخالق شريك في ذلك لكن المخلوق قد يكون له من ~~يماثله في صفاته والله تعالى لا مثل له أصلا والقدر المشترك المطلق كالوجود ~~والعلم والحقيقة ونحو ذلك لا يلزمه شئ من صفات النقص الممتنعة على الله ~~تعالى فما وجب للقدر المطلق المشترك لا نقص فيه ولا عيب وما نفى عنه فلا ~~كمال فيه وما جاز له فلا محذور في جوازه PageV05P084 # وأما ما يتقدس الرب تعالى ويتنزه عنه من النقائص والآفات فهي ليست من ~~لوازم ما نختص به ولا من لوازم القدر المشترك الكلى المطلق أصلا بل هي من ~~خصائص المخلوقات الناقصة والله تعالى منزه عن كل نقص وعيب وهذه معاني شريفة ~~بسطت في غير هذا الموضع # وما يذكره هؤلاء ms0902 من تعظيم علوم الأسرار والأمر بكتمانها عن الجمهور وقصور ~~الجمهور عن إدراك حقائقها هو كلام مجمل يقوله الصديق والزنديق # والمخالفون من نفاه الصفات الخبرية أو نفي الأوامر الشرعية من المتفلسفة ~~ومن دخل معهم من متصوفة النفاه ونحوهم يشيرون إلى ذلك ويحملون ما يروى من ~~الآثار الصحيحة والسقيمة على ذلك فالأثر المروى إن من العلم كهيئة المكنون ~~لا يعرفه إلا أهل العلم بالله فإذا ذكروه لم ينكره إلا أهل الغرة بالله ~~تعالى وهذا الحديث وإن لم يكن له إسناد صحيح فقد ذكره شيخ الإسلام أبو ~~إسماعيل الهروى وأبو حامد الغزالي وغيرهما PageV05P085 # لكن ذكر شيخ الإسلام عن شيخه يحيى بن عمار أن من هذا أحاديث الصفات ~~الموافقة لقول أهل الإثبات # وأبو حامد قد يحمل هذا إذا تفلسف على ما يوافق أقول الفلاسفة النفاة # وكذلك ما في البخاري عن علي حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون ~~أتحبون أن يكذب الله ورسوله وقد حمله ابن رشد الحفيد على أقوال الفلاسفة ~~الباطنية النفاة ومن المعلوم أن أقوال النفاة لا توجد في كلام الله ورسوله ~~وإنما الموجود في كلام الله ورسوله أقوال أهل الإثبات فإذا حدث المحدث بها ~~من لا يحملها عقله أفضى إلى تكذيب الله ورسوله # والأمور الباطنة فيها إجمال فالملاحدة يدعون الباطن المخالف للظاهر وأما ~~أهل الإيمان فالباطن الحق عندهم موافق للظاهر الحق فما في بواطنهم من ~~المعارف والأحوال وتحقيق التوحيد ومقامات أهل العرفان موافق لما جاء به ~~الكتاب والرسول يزداد صاحبها بأخبار الأنبياء إيمانا بخلاف الملاحدة كلما ~~أمعن الواحد منهم فيه بعد عن الله ورسوله PageV05P086 # وقول ابن سينا هو الإقرار بالصانع مقدسا عن الكم والكيف والأين ومتى ~~والوضع والتغير حتى يصير الاعتقاد أنه ذات واحدة لا يمكن أن يكون له شريك ~~في النوع أو يكون له جزء وجودي كمي أو معنوي إلى آخره # فكلامه هذا يتوهم الجاهل أنه تعظيم لله تعالى ومراده أنه ليس لله علم ولا ~~قدرة ولا إرادة ولا كلام ولا محبة وأنه لايرى ولا يباين المخلوقات # قلت وقد تكلمنا ms0903 على هذا وعلى ثبوت الكليات في الخارج التي ذكرها في ~~إشاراته وشرحها شارحو إشاراته كالرازي والطوسي وابن كمونه اليهودي وأمثالهم ~~فإنه ذكر دليل توحيدهم وقدم قبله مقدمات # قال في الإشارات كل أشياء تختلف بأعيانها وتتفق في أمر مقوم لها فإما أن ~~يكون ما تتفق فيه لازما من لوازم ما تختلف فيه PageV05P087 ~~فيكون للمختلفات لازم واحد وهذا غير منكر وإما أن يكون ما تختلف فيه لازما ~~لما تتفق فيه فيكون الذي يلزم الواحد مختلفا متقابلا وهذا منكر وإما أن ~~يكون ما تتفق فيه عارضا عرض لما تختلف فيه وهذا غير منكر وإما أن يكون ما ~~تختلف فيه عارضا عرض لما تتفق فيه وهذا أيضا غير منكر # قال الشارحون لكلامه كل شيئين فلا بد أن يكونا متخالفين في هويتهما ~~وتشخصهما لأن تشخص هذا لو كان حاصلا لذاك لكان هذا ذاك لاغيره والأشياء قد ~~تكون متوافقة في شئ من المقومات كالأشخاص الداخلة تحت نوع واحد والأنواع ~~الداخلة تحت جنس وقد لا تكون متوافقة في شئ من المقومات كالأجناس العالية ~~فإنها لا تكون متوافقة في شيء من المقومات وإن كانت ربما توافقت في شيء من ~~الصفات العرضية # وإذا كان كذلك فإذا اتفقت في أمر مقوم لها كان ما به الاختلاف مغايرا لما ~~به الاشتراك لا محالة فتكون هوية كل واحد منهما مركبة مما به شارك الآخر ~~ومما به امتاز عن الآخر وعند ذلك فإما أن يكون ما به الاشتراك لازما لما به ~~الاختلاف أو بالعكس أو يكون ما به الاشتراك غارضا لما به الاختلاف أو بالعكس # فأما الأول فهو غير منكر كفصول الأنواع الداخلة تحت جنس فإن طبيعة ذلك ~~الجنس لازمة لطبائع تلك الفصول وكالوجود PageV05P088 ~~والوحدة اللازمين للمقولات والتماثل والاختلاف والتضاد والتغاير اللوازم ~~للحقائق الكثيرة المختلفة فإن السواد والبياض وإن كانا مختلفين لكنهما ~~مشتركان في كون كل منهما ضد الآخر # وأما الثاني وهو كون ما به الاختلاف لازما لما به الاشتراك فهو محال ~~كالناطق مع الحيوان لو كان لازما له لكان كل حيوان ناطقا ms0904 # وأما الثالث والرابع فهما جائزان # قلت وهذا الكلام مبني على أصول سلمها لهم من لم يفهمها مثل كلامهم في ~~الفرق بين الذاتيات المقومة والعرضية اللازمة وكلامهم في تركب الأنواع من ~~الأجناس والفصول ونحو ذلك # ونحن نبين ما يعرف الحق به فنقول معلوم أن هذا الإنسان يشابه غيره في ~~الإنسانية ويشابه سائر الحيوانات في الحيواينة وهذا معنى قولهم متفقان في ~~مسمى الإنسانية أو الحيوانية أو يشتركان في ذلك لكن نفس إنسانيته التي تخصه ~~وحيوانيتة التي تخصه لم يشركه فيها غيره أصلا وإن كان قد ماثله فيها وشابهه ~~فمشابهة الشيء الشيء ومماثلته لا تقتضي أن يكون عين أحدهما يشاركه الآخر ~~فيها أو في شئ من صفاتها القائمة بها فزيد المعين ليس فيه شيء من غيره أصلا ~~ولا في شئ من صفاته القائمة به # فقول القائل اشتركا في الإنسانية أو اتفقا فيها ونحو ذلك فيه إجمال فإن ~~الاشتراك يراد به الاشتراك في الأمور الموجودة في الخارج PageV05P089 ~~كاشتراك الشركاء في العقار بحيث يكون لهذا بعضه ولهذا بعضه مشاعا أو مقسوما ~~وإذا اقتسما ذلك كان لهذا بعضه ولهذا بعضه والمقسوم لا يصدق على كل من ~~القسمين ولا يعمهما فهذا اشتراك في الكل وقسمة للكل إلى أجزائه كالقسمة ~~التي ذكرها الفقهاء في كتبهم وقسمة النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم ~~والمواريث ومنه انقسام الكلام إلى اسم وفعل وحرف # ومعلوم أن اشتراك الأعيان في النوع أو الجنس وانقسام الأجناس إلى الأنواع ~~والأشخاص ليس من هذا فإن هذا قسمة الكلى إلى جزيئاته واشتراك الجزئيات في ~~كلى يتناولها فالكليات لا توجد في الخارج كليات فلا توجد إلا مشخصة معينة # وإذا قال القائل الكلى الطبيعي موجود في الخارج وهو المطلق لا بشرط ~~كالإنسان من حيث هو هو والحيوان من حيث هو هو فإن أراد بذلك أنه يوجد ما ~~يصدق عليه المعنى الذي يقال له إذا كان في الذهن كليا مثل أن يوجد الشخص ~~الذي يقال له إنسان وحيوان وجسم ونحو ذلك فقد صدق وإن أراد أنه يوجد الكلى ~~كليا فقد ms0905 أخطأ فإن الكلى لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه والمعين يمنع ~~تصوره من وقوع الشركة فيه فكيف يكون ذاك جزءا من هذا منحصرا في هذا وهو ~~يصلح لأن يدخل فيه من الأعيان أضعاف هذا وكيف يكون الكبير جزءا من القليل ~~والعظيم جزءا من الصغير # ولا ريب أن الذهن يتصور إنسانا مطلقا لا يمنع تصوره من وقوع PageV05P090 ~~الشركة فيه فيكون كليا في التصور والذهن فإذا وجد فلا يوجد إلا معينا يمنع ~~تصوره من وقوع الشركة فيه # فمن أراد بقوله الكلى يوجد في الأعيان ما يراد بوجود الصور الذهنية في ~~الخارج مثل قول القائل ما كان في نفسي فقد حصل ولله الحمد وما كان في نفسي ~~فقد فعله زيد ونحو ذلك فإن أول الفكرة آخر العمل والإنسان يتصور في نفسه ~~أشياء ثم يفعل ما تصوره ولا يريد بذلك أن نفس الصورة الذهنية التي تصورها ~~وقصدها وجدت في الخارج بعينها ولكن وجد في الخارج ما هو مطابق لها موافق لها # وقد يقال إن هذا هو هذا كما يقال للمكتوب إنه الملفوظ وللملفوظ إنه ~~المعلوم وللمعلوم إنه الموجود فإن الأشياء لها وجود في الأعيان ووجود في ~~الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البيان وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي فإذا ~~كتب اسم زيد وقيل إن هذا هو زيد لم يرد بذلك أن الخط هو الصوت ولا أن الصوت ~~هو العلم ولا أن العلم هو الشخص المعين بل الناس يعلمون أن القائل إذا قال ~~هذا هو زيد فالمراد هذا المكتوب اسمه زيد ونظائر هذا كثيرة # فإذا قيل إن الكلى وجد في الخارج بهذا الاعتبار فهو صحيح لأن الكلى ~~يتصوره الذهن مطلقا غير مشروط بشرط فيوجد في الخارج ما يطابقه بمعنى أنه ~~يصدق عليه المطلق الذي لا يشترط فيه شرط إذا قيل هذا حيوان هذا إنسان لكن ~~إذا صدق عليه المطلق لا بشرط لم يلزم أن يكون قد وجد المطلق مطلقا لا بشرط ~~فإن صدقه عليه PageV05P091 ~~يقتضي أن يكون صفة له ومحمولا عليه وهذا عين التقييد ms0906 والتخصيص # وهذا كما إذا قلنا هذا حيوان هذا جسم لم يلزم من ذلك أن يكون قد وجد ~~حيوان مطلق فضلا عن أن يكون إنسانا أو فرسا أو نحو ذلك من الأنواع أو جسم ~~معين مجرد عن أن يكون معينا من الأجسام المعينة # وقول القائل المطلق لا بشرط ينفي اشتراط الإطلاق فإن ذلك هو المطلق بشرط ~~الإطلاق وذاك ليس بموجود في الخارج بلا نزاع من هؤلاء المنطقيين أتباع ~~أرسطو فإن المنطق اليوناني يضاف إليه ولهذا لا يذكرون فيه نزاعا وإنما ~~يثبته في الخارج أصحاب أفلاطون وإذا لم يكن الإطلاق شرطا فيه لم يمتنع ~~اقتران القيد به فيكون وجوده مقيدا وإذا كان وجوده مقيدا امتنع أن يكون ~~مطلقا فإن الإطلاق ينافي التقييد # وإن قلت المقيد يدخل في المطلق بلا شرط # قلت وإذا دخل فيه كان هو إياه في الذات مغايرا له في الصفات # كما إذا قلت الناطق حيوان لم يكن هناك جوهران أحدهما مطلق والآخر مقيد # وهذا أمر يشهد به الحس ولا ينازع فيه من تصوره فليس في الموجودات المعينة ~~إلا صفاتها المعينة القائمة بها وكل ذلك مشخص PageV05P092 ~~معين وما ثم إلا عين قائمة بنفسها سواء سميت جوهرا أو جسما أو غير ذلك أو ~~صفة لها سواء سميت عرضا أو لم تسم بذلك # والمقصود أن الشيئين إذا اتفقا واشتركا في شئ كالإنسانية والحيوانية ~~واختلفا وامتاز كل منهما عن الآخر بشيء كتعينه وتخصصه فكل ما اتفقا فيه ~~واختلفا فيه يمكن أخذه مطلقا ومعينا فإذا أخذ معينا لم يكن واحد منهما شارك ~~الآخر ووافقه في ما تعين فيه وإذا أخذ مطلقا أو كليا كان كل منهما قد شارك ~~الآخر ووافقه في الكلى المطلق الذي يصدق عليهما ولكن الكليات في الأذهان ~~وليس في الأعيان إلا ما هو معين مختص # لكن بين المعينات تشابه واختلاف وتضاد فإذا قيل هذا الإنسان يشارك هذا في ~~الإنسانية ويمتاز عنه بالتعين # قيل له يشاركه في إنسانيته التي تخصه أو في مطلق الإنسانية فالأول باطل ~~ومخالف لقوله ويمتاز عنه بالتعيين وإن ms0907 أراد الثاني قيل له وكذلك التعين ~~فإنه يشاركه في مطلق التعين فلكل منهما تعين بخصة ويشتركان في مطلق التعين ~~كما قلنا في الإنسانية # فقول هؤلاء كل أشياء تختلف بأعيانها وتتفق في أمر مقوم لها فإما أن يكون ~~ما تتفق فيه لازما لما تختلف فيه أو ملزوما له أو عارضا له أو معروضا له ~~فالأول والثالث والرابع جائز والثاني يمتنع PageV05P093 # يقال لهم الأشياء المعينة كالإنسانين والموجودين سواء قدرا واجبين أو ~~ممكنين أو قدر أحدهما كذلك لم تتفق في أمر هو بعينه في هذا وفي هذا سواء ~~سمي مقوما أو لم يسم فهذا الإنسان لم يوافق هذا في نفس إنسانيته وإنما ~~وافقه [ في ] إنسانية مطلقة وتلك المطلقة يمتنع أن تقوم بالمعين فالتي ~~وافقه فيها يمتنع أن تكون بعينها موجودة في الخارج فضلا عن أن تكون مقومة ~~لشيء من الأشياء والأشياء المعينة لا تقوم بها ولا يقومها إلا ما هو مختص ~~بها لا يشركها [ فيه ] غيره # فهذا الإنسان المعين لا يقومه ولا يقوم به ولا يلزمه ولا يعرض له قط إلا ~~ما هو مختص به سواء كان جوهرا [ أو ] عرضا كما أن يده ورجله وروحه ورأسه ~~مختصة به فما يقوم ببدنه ونفسه من الحياة والنطق والحس والحركة والجسمية ~~وغير ذلك كل ذلك مختص به ليس بقائم بغيره # فليتدبر العاقل اللبيب هذا المكان الذي حصل بسبب الضلال فيه من فساد ~~العقول والأديان ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى # وباشتباه هذا اشتبه الأمر على هؤلاء المنطقيين وعلى من قلدهم واتبعهم ~~فضلوا في العقليات المنطقيات والإلهيات ضلالا بعيدا PageV05P094 ~~وجعلوا الصور الذهنية الخيالية حقائق موجودة في الخارج حتى [ آل بهم ] ~~الأمر إلى أن جعلوا لواجب الوجود الخالق للسموات والأرض رب [ العالمين ] ~~وجودا في أذهانهم وعرضا [ ثابتا ] في نفوسهم [ ليس له حقيقة ] في الخارج ~~ولا وجود ولا ثبوت ويقولون وجوده [ معقول لا محسوس ] وإنما هو معقول في ~~عقولهم كما يعقلون الكليات الثابتة في العقول فالوجود المطلق كالحيوان ~~المطلق والإنسان المطلق والجسم المطلق والشمس المطلقة والقمر المطلق والفلك ms0908 ~~المطلق ونحو ذلك مما لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان # وهذا هو نهاية التوحيد الذي زعموا أن [ الرسل جاءت به ] ولا ريب أن أقل ~~أتباع الرسل أصح وأكمل عقلا من أن يجعل هذا ثابتا في الوجود الخارج فضلا عن ~~أن يجعله رب العالمين مالك يوم الدين سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا # وقوله إما أن يكون المتفق لازما أو ملزوما أو عارضا أو معروضا # فيقال ما سميته متفقا ومشتركا هو وما جعلته مختلفا مميزا لازما له PageV05P095 ~~وملزوما يشتركان في العموم والخصوص والإطلاق والتعيين فالاشتراك والامتياز ~~والاتفاق والاختلاف إذا أخذته باعتبار الذهن والخارج فكل شيئين اشتركا في ~~أمر فذلك المشترك هو في الذهن وكل منهما هو في الخارج متميز فالحيوانان ~~المشتركان في الحيوانية هما مشتركان في الحيوانية المطلقة [ ويمتاز ] ~~أحدهما عن الآخر بالحيوانية الموجودة التي تخصه كما يشترك الناطقان [ في ] ~~الناطقية المطلقة ويمتاز أحدهما عن الآخر بالناطقية التي تخصه # وأما الأمور الموجودة في الخارج فبينها تشابه وتماثل واختلاف وتضاد ليس ~~فيها شيء يشارك شيئا لا في ذاته ولا [ في ] صفة من صفاته # فقولهم في [ القسم ] الأول هو مثل فصول الأنواع الداخلة تحت جنس واحد فإن ~~طبيعة ذلك الجنس لازمة لطبائع الفصول كالوجود والوحدة والتماثل والاختلاف ~~والتضاد والتغاير اللوازم للحقائق الكثيرة # يقال لهم فصول الأنواع كالناطقية والصاهلية ونحوهما التي هي فصول أنواع ~~الحيوان كالفرس والإنسان وغيرهما مما يدخل تحت جنس الحيوان إذا قيل طبيعة ~~الجنس وهو الحيوان لازمة PageV05P096 ~~لطبائع هذه الفصول كما هو لازم لهذه الأنواع فإذا أخذت عين اللازم والملزوم ~~في الخارج كان التلازم من الطرفين يلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر ومن ~~انتفائه انتفاؤه فلا يقال [ إن أحدهما أعم من الآخر ولا أخص # وإذا قيل ] إنهما يشتركان في الحيوانية وكل منهما متميز عن الآخر ~~بالناطقية والصاهلية فكل من هذه الموجودات متميز عن غيره بحيوانيته كما هو ~~متميز بناطقيته وصاهليته ونوع الناطقية لا يميز [ معينا عن معين ] وإنما ~~يميز نوعا عن نوع والأنواع إنما هي في الأذهان لا ms0909 في الأعيان فإن الحيوان ~~إذا لزم الناطق والصاهل فنفس الحيوان الذي يقال إنه في الصاهل ليس هو نفس ~~الحيوان الذي في الناطق ولكن يشابهه بل الحيوان هو نفس الصاهل ونفس الناطق ~~ليس الحيوان فيه # وهم قد يقولون إن في الناطق والصاهل حيوانا وهذا غلط فإن الحيوان هو ~~الموصوف بأنه صاهل وأنه ناطق وليس في [ الجوهر ] المعين جوهر آخر لا مطلقا ~~ولا معينا بل هو جوهر واحد موصوف بهذا وبهذا بل وهذا الصاهل المعين هو ~~حيوان وليس هو هذا الصاهل المعين الذي هو حيوان فضلا عن أن يكون هذا الناطق المعين PageV05P097 # ولو قيل إن هذا الصاهل المعين فيه حيوان فليس الحيوان الذي فيه هو ~~الحيوان الذي فيه الصاهل المعين فكيف بما في الناطق وأمثاله # وإذا أراد أن الطبيعة العامة أو المطلقة أو الكلية [ لازمة ] لهذه ~~الطبائع الخاصة فالمعنى الصحيح أن هذا المعنى الذي يوجد في الذهن [ عاما ] ~~مطلقا كليا والذي يوجد أعيانه في الخارج أكثر من أعيان الطبيعة [ الخاصة ] ~~هو لازم للطبيعة الخاصة فحيث كان ناطق أو صاهل كان هناك [ ما ] هو حيوان ~~وليس إذا كان حيوان يلزم أن يكون هناك ناطق أو صاهل # وهنا كلام ليس هذا موضعه وهو أن الحيوانية التي للإنسان مثلا هي مماثلة ~~للتي للفرس مخالفة لها فهؤلاء يقولون هي مماثلة والمختلفات يلزمها أمور ~~متماثلة وغيرهم يقولون بل لوازم المختلفات مختلفة وليست الحيوانية التي في ~~هذا النوع مثل الحيوانية التي في النوع الآخر # وهذا نظير اختلافهم في الحكم الواحد بالنوع هل يجوز تعليله بعلتين ~~مختلفتين # فمن قال بالأول جوز ذلك # ومن قال بالثاني منع ذلك وقال اختلاف العلل يقتضي PageV05P098 ~~اختلاف الأحكام ويجيبون عن قول من يقول إن الملك نوع واحد وهو يستفاد ~~بالبيع والإرث والاتهاب ونحو ذلك بأن الملك أنواع مختلفة وليس هذا مثل هذا ~~وإن اشتركا [ في ] كثير من الأحكام وكذلك حل الدم الثابت بالردة والقتل والزنا # وقد عورضوا بنقض الوضوء الثابت بأسباب مختلفة فأجابوا بأنه قد يختلف ~~الحكم بالقوة والضعف # وهذا الآن كلام في تماثل ms0910 الأحكام والعلل المختلفة وتماثل لوازم الأنواع ~~المختلفة وأما كون هذا المعين ليس هو هذا المعين فهذا مما لا نزاع فيه # والمقصود هنا أن المتفقات في أمر من الأمور إذا قيل إن ما به الاشتراك ~~لازم لما به الامتياز فما اشتركا فيه لا يفارق ما به الامتياز [ من جهة ] ~~كونه مشتركا ولا يوجد معه فضلا عن أن يلزمه إذ الاشتراك إنما هو فيه إذا ~~كان في الذهن وهو من هذه الجهة لا يوجد في الخارج ولكن الوصف الذي يقال ~~إنهما تشاركا فيه معناه أنه يوجد لهذا معينا ويوجد لهذا من نوعه آخر معين ~~والمعين لا اشتراك فيه فلا يظن أنه وجد في الخارج ما اشتركا فيه في الخارج ~~وإن كان مشتركا فيه في الذهن PageV05P099 # واعتبر عموم المعاني والاشتراك فيهما بعموم الألفاظ والاشتراك فيهما فإذا ~~قلت لفظ إنسان يشترك فيه هذا وهذا وهذا ويعمها ولفظ حيوان يشترك فيه أكثر ~~مما يشترك في لفظ إنسان لم يكن بين المسميات في الخارج شيء اشتركت فيه فليس ~~بين هذا الإنسان وهذا الإنسان ولا بينهما وبين الفرس في الخارج شيء مشترك ~~بينهما لأجل الاشتراك والاتفاق في لفظ إنسان ولفظ حيوان فكذلك اتفاقهما ~~واشتراكهما في المعنى المدلول عليه بهذا اللفظ # وكذلك اتفاقهم واشتراكهم في الخط المرقوم المطابق لهذا اللفظ فالخط يطابق ~~اللفظ واللفظ يطابق المعنى والثلاثة تتناول الأفراد الموجودة في الخارج ~~وتعمها والأعيان متفقة فيها مشتركة من غير أن يكون بين الأعيان في الخارج ~~شيء اشتركت فيه لكن بينها تشابه بحسب ذلك المعنى الشامل لها واللفظ المطابق ~~له والخط المطابق للفظ # وبذلك يتبين الكلام في القسم الثاني وهو أن ما به الاختلاف لازم لما به ~~الاشتراك أنه قسم ممتنع فإنه ليس في الخارج إلا ما به الاختلاف الذي هو ضد ~~الاشتراك إذ ليس في الخارج مشترك بل كل شيء فهو نفسه ليس مشاركا لغيره في ~~شيء فيكون مخالفا له إذا جعل الاختلاف قسيم الاشتراك وأما الاختلاف الذي هو ~~قسيم التشابه فهذا قد يكون في الخارج وقد لا ms0911 يكون فالبياضان المتماثلان هما ~~غير مختلفين بهذا الاصطلاح وهما مختلفان بالاصطلاح PageV05P100 ~~الأول الذي هو بمعنى الامتياز فإذا كان كل من البياضين ممتازا عن الآخر ~~ببياضه الذي يخصه فهو ممتاز عنه أيضا بلونيته [ وعرضيته ] التي تخصه وكذلك ~~الإنسانان فما امتاز به كل منهما عن الآخر لازم للمشترك الموجود معه فإن ~~وجود المشترك المعين بدون المعين ممتنع وأما المشترك الكلي الذي في الذهن ~~فذاك ليس بلازم ولا ملزوم إذ يمكن تقدير حيوان ولون مجردا في الذهن ليس له ~~لازم ولا ملزوم وأما الحيوان الموجود في الخارج فهو حيوان معين يلزمه معين ~~إما إنسان معين وإما فرس معين وإما نحو ذلك وهذا المعين حاصل مع هذا المعين ~~[ أبدا ] ولكن ليس لازما لحيوان آخر فإذا عدم هذا الإنسان المعين عدم هذا ~~الحيوان المعين فإذا وجد حيوان آخر لم يكن هو المستلزم لهذا المعين فالحاصل ~~أن كل موجود في الخارج بعينه فجميع صفاته اللازمة متلازمة يلزم من وجود ~~إنسانيته وجود حيوانيته ويلزم من وجود حيوانيته وجود إنسانيته # وأما المقدمة الثانية فإنه قال قد يجوز أن تكون ماهية الشيء سببا لصفة من ~~صفاته وأن تكون صفة له سببا لصفة أخرى مثل الفصل للخاصة ولكن لا يجوز أن ~~تكون الصفة التي هي الوجود للشيء إنما هي بسبب ماهيته التي ليست هي الوجود ~~أو بسبب PageV05P101 ~~صفة أخرى لأن السبب متقدم في الوجود ولا متقدم بالوجود قبل الوجود # فيقال له هذه مبنية على أن ماهية الشيء مباينة لوجوده فنقول إما أن تعني ~~بالماهية والوجود الماهية العلمية الذهنية والوجود العلمي الذهني وإما أن ~~تعني بهما الماهية الموجودة في الخارج والوجود الثابت في الخارج وإما أن ~~تعني بالماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج وإما بالعكس # فإن عني الثاني فلا ريب أن الذي في الخارج هو الموجود المعين وهو الحقيقة ~~المعينة والماهية المعينة ليس هناك شيئان ثابتان أحدهما هو الموجود والآخر ماهيته # ومن قال إن المعدوم شيء في الخارج أو أن الماهية مباينة للموجود الخارج ~~كما قال هذا طائفة من ms0912 المعتزلة وقال هذا طائفة من الفلاسفة فقوله في غاية ~~الفساد كما هو مبسوط في موضعه # وإن عنى بالماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج فلا ريب أن أحدهما ~~مغاير للآخر وكذلك بالعكس وليس هذا مما يتنازع فيه العقلاء لكن لما غلب على ~~مسمى الماهية الوجود الذهني وعلى مسمى الوجود الثبوت في الخارج وأحدهما غير ~~الآخر توهم من توهم أن للموجود في الخارج ماهية مغايرة للموجود المعين وهو ~~غلط محض PageV05P102 # وإذا كان كذلك فقول القائل يجوز أن تكون ماهية الشيء أو بعض صفاته سببا ~~لصفة أخرى ولا يجوز أن تكون الماهية سببا للصفة التي هي الوجود لأن السبب ~~متقدم على الوجود ولا يتقدم بالوجود على الوجود # كلام مبني على أصول فاسدة # أحدها كون الموجود الثابت في الخارج صفة لماهية ثابتة في الخارج وهذا غلط ~~بل نفس ما في الخارج هو الموجود الذي هو ماهيته والوجود إن عنى به المصدر ~~فذاك قائم بالواحد وإن عني به الموجود فهو الموجود فليس في الموجود وجود ~~يزيد على حقيقته الموجودة # والثاني قوله إن الماهية أو صفتها تكون سببا لصفة أخرى مثل الفصل للخاصة # فإن عنى بالماهية ما في النفس فليس هناك مسبب ولا سبب بل الذهن هو الذي ~~يصور الجميع وإن عني بها ما في الخارج فالفاعل المعين مبدع لصفاتها اللازمة ~~وصفاتها العارضة قد تكون موقوفة على شرط آخر وليست إحدى الصفتين اللازمتين ~~سببا لها وإن كان قد يكون شرطا # الثالث أن لفظ السبب إن عنى به الفاعل فالصفة لا تفعل الصفة ولا الماهية ~~تفعل صفاتها اللازمة لا سيما عندهم حيث يقولون الواحد لا يكون فاعلا وقابلا ~~وإن عنى به ما يقف المسبب PageV05P103 ~~عليه ولو كان شرطا فالمحل حينئذ سبب وهم يزعمون أن الماهية قابلة لوجودها ~~فتكون سببا لوجودها فتناقض قولهم # وأما عند التحقيق فيجوز أن تكون الماهية أو شيء من صفاتها شرطا في صفة ~~أخرى ولو كنا ممن يقول إن في الخارج [ ماهية مغايرة لوجوده لجوزنا أن تكون ~~الماهية شرطا لوجودها لأن الشرط ms0913 لا يجب أن يتقدم المشروط بخلاف العلة فإنها ~~تتقدم المعلول ولكن لما لم يكن في الخارج إلا الوجود الذي هو ماهية نفسه ~~امتنع أن تكون هناك ماهية تكون شرطا لوجود نفسها أو لا تكون شرطا لوجود نفسها # ثم قال ابن سينا في تقرير توحيدهم واجب الوجود المتعين إن كان تعينه ذلك ~~لأنه واجب الوجود فلا واجب وجود غيره وإن لم يكن تعينه لذلك بل لأمر [ آخر ~~] فهو معلول لأنه إن كان وجوب الوجود لازما لتعينه كان الوجوب لازما لماهية ~~غيره أو صفة وذلك محال وإن كان عارضا فهو أولى أن يكون لعلة وإن كان ما ~~تعين به عارضا لذلك فهو لعلة فإن كان ذلك ما PageV05P104 ~~تعين به ماهيته واحدا فتلك العلة علة لخصوصية ما لذاته يجب وجوده هذا محال ~~وإن كان عروضه بعد تعين أول سابق فكلامنا في ذلك وباقي أقسامه محال # قلت وإيضاح هذا الكلام أنه إذا قدر واجبان كان قد اشتركا في مسمى الوجوب ~~وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه فإما أن يكون ما به الاشتراك لازما لما به ~~الامتياز أو ملزوما أو عارضا أو معروضا فإن كان المشترك لازما كلزوم ~~الحيوانية للإنسانية مثلا فهذا لا يجوز في هذا الموضع كما قال لأنه إن كان ~~واجب الوجود لازما لتعينه كان الوجود الواجب لازما لماهية غيره وصفة وذلك محال # وإن كان المشترك وهو الوجوب عارضا للمختص وهو التعين الذي هو الماهية فهو ~~أولى أن يكون لعلة والوجود الواجب لا يكون لعلة # وإن كان التعين عارضا للوجوب المشترك فهو لعلة كتعين آحاد النوع # ولهذا قال بعد هذا اعلم أن الأشياء التي لها حد نوعي واحد فإنما تختلف ~~بعلل أخرى وأنه إذا لم يكن مع الواحد منها القوة PageV05P105 ~~القابلة لتأثير العلل وهي المادة لم يتعين إلا أن يكون [ في طبيعة ] من حق ~~نوعها أن توجد شخصا واحدا وأما إذا كان يمكن في طبيعة نوعها أن تحمل على ~~كثيرين فتعين كل واحد بعلة فلا يكون سوادان ولا بياضان في نفس الأمر إلا ms0914 ~~إذا كان الاختلاف بينهما في الموضوع وما يجري مجراه # قال فإذا كان ما تعين به عارضا للوجوب المشترك بالعروض لعلة فإن كانت تلك ~~العلة وما به تعين الماهية واحدا بحيث تكون علة العروض هي علة التعين كانت ~~تلك العلة علة لخصوص ما لذاته يجب وجوده فيكون لذات واجب الوجود علة وهو ~~ممتنع وإن كان عروضه للوجوب المشترك بعد تعين أول سابق فالكلام في ذلك ~~التعين السابق # وبقي من الأقسام الأربعة قسم رابع وهو أن يكون ما به التعين الذي امتاز ~~به كل منهما عن الآخر لازما للمشترك بينهما وهذا ممتنع في جميع المواد كما ~~تقدم بتعين امتناع واجبي وجود ووجب أن يكون وجوب الوجود مستلزما للتعين ~~فيكون تعينه لأنه واجب الوجود PageV05P106 ~~والمعلول لازم لعلته فلا يكون وجوب الوجود لغير المعين فهذا مراده بهذه الحجة # وقد ظن أبو عبد الله الرازي أن مراده بقوله إن كان تعينه ذلك لأنه واجب ~~الوجود فلا واجب وجود غيره هو القسم الأول من الأقسام الأربعة التي جعل ~~فيها الوجوب بلزوم التعين على تقدير ثبوت واجبين # قال وأما قوله إن لم يكن تعينه لذلك بل لأمر آخر فهو معلول هو القسم الذي ~~جعل الوجوب فيه معروض ذلك التعين قال وقوله وإن كان ما تعين به عارضا لذلك ~~فهو لعلة هو هذا القسم وأنه لم يذكر في إبطاله إلا قوله لو كان تعينه لا ~~لكونه واجبا بل لأمر آخر فهو معلول وأنه أعاد هذا الكلام مرة أخرى وزاد في ~~بيان بطلانه ما ذكره آخرا وأنه لو ذكر هذا الكلام حينما تعرض لإبطال القسم ~~الثاني كان أقرب إلى الضبط # قلت وليس الأمر على ما ظنه بل الرجل ذكر أولا التقدير المستلزم لوحدة ~~الواجب ثم ذكر أربعة أقسام على تقدير تعدده وأبطلها بقوله واجب الوجود ~~المتعين إن كان تعينه أي ذلك PageV05P107 ~~التعين الخاص لأنه واجب الوجود فلا واجب وجود غيره لأنه يكون وجوب الوجود ~~يستلزم التعين الخاص فلا يوجد الملزوم بدون لازمه فلا يتحقق الوجوب إلا في ~~ذلك المعين ms0915 وهو المطلوب وإن لم يكن ذلك التعين لأجل وجوب الوجود فهو معلول ~~وكون واجب الوجود معلولا ممتنع وهذا يعم الأقسام الأربعة لأنه حينئذ يكون ~~المتعين علة غير وجوب الوجود كما ذكر بعد هذا أن الأشياء التي لها حد نوعي ~~إنما تتعدد لعلل وتتعين بعلل أخرى إلا أن يكون من حق نوعها أن توجد شخصا ~~واحدا وإذا كان للتعين علة غير وجوب الوجود فهو معلول كما أن تعين الإنسان ~~معلول لغير الإنسانية ثم بين أنه يكون معلولا على التقديرات الأربعة فقال ~~إن كان وجوب الوجود المشترك لازما للتعين أي لهذا التعين وهذا التعين الذي ~~في الواجبين كما تلزم الإنسانية لهذا الإنسان وهذا الإنسان كان الوجود ~~الواجب لازما أو صفة لماهية غيره وقد قال إن هذا محال في المقدمة الثانية ~~وإن كان عارضا فهو أولى وإن كان معروضا فقد بين بطلانه وباقي أقسامه وهو ~~كون التعين المتعدد لازما للمشترك فهو ممتنع في جميع المواد كما يمتنع أن ~~يكون تعين الإنسان لازما للإنسانية لا يلزم أنه حيث وجد المشترك وجد المعين ~~وهذا محال # وإذا عرف أن هذا مقصوده فاعلم أن هذه الحجة يصوغها بعبارات متنوعة ~~والمعنى واحد كما صاغها الآمدي في دقائق الحقائق في PageV05P108 ~~الفلسفة فقال الفصل الثاني في وحدانية واجب الوجود وأنه لا ضد له ولا ند ~~وأنه قديم أزلي أما أن واجب الوجود واحد لا تعدد فيه ولا اشتراك فذلك لأن ~~مسمى واجب الوجود لو كان مشتركا بين شيئين فالشيئان إما متفقان من كل وجه ~~أو مختلفان من كل وجه أو متفقان من وجه دون وجه فإن اتفقا من كل وجه فلا ~~تعدد إذ التعدد دون مميز محال وإن اختلفا من كل وجه فمسمى PageV05P109 ~~واجب الوجود لا اشتراك فيه وهو خلاف الفرض وإن اتفقا من وجه دون وجه فما به ~~وقع الافتراق إن كان هو مسمى واجب الوجود فلا اشتراك فيه أيضا وإن كان غيره ~~فمسمى واجب الوجود يكون مشتركا بينهما وعند ذلك فإما أن يتم تحقق مسمى واجب ~~الوجود في ms0916 كل واحد من الشيئين بدون ما به التخصص والتمايز أو لا يتم دونه ~~الأول محال وإلا كان الأمر المطلق المشترك متخصصا في الأعيان بدون ما به ~~التخصص وهو محال والثاني يتوجب أن يكون مسمى واجب الوجود مفتقرا إلى أمر ~~خارج عن المفهوم من اسمه فلا يكون واجبا لذاته وقد قيل إنه واجب لذاته وهذه ~~المحالات إنما لزمت من القول بالاشتراك في مسمى واجب الوجود فلا اشتراك فيه ~~فإذا واجب الوجود لا تعدد فيه بل نوعه منحصر في شخصه # قال والناظر المتبحر يزداد بإمعان النظر في هذه الحجة المحررة والبحث ~~فيها مع نفسه وضوحا وجلاء فإن ما طول به من التشكيكات وأنواع التخيلات على ~~غيرها من الحجج المذكورة في هذا الباب فلا اتجاه له ههنا # هذا قوله هنا وهذه الحجة هي [ التي ] ذكرها الآمدي عنهم وعن بعض أصحابه ~~في كتاب أبكار الأفكار واعترض عليها باعتراضين سبقه إلى أحدهما الرازي في ~~شرح الإشارات وهو أن PageV05P110 ~~الوجوب أمر سلبي لا ثبوتي فلا يتم الدليل حينئذ والثاني أن هذه الحجة ~~منتقضة بوجود الله سبحانه مع وجود الممكنات فإنهما اتفقا في مسمى الوجود ~~وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه فإما أن يكون المطلق مع المعين لازما أو ~~ملزوما أو عارضا أو معروضا واعترض الرازي باعتراض ثالث وهو أنه منع كون ~~التعين وصفا ثبوتيا كما منع كون الوجوب وصفا ثبوتيا # قلت أما إلزامهم لهم الوجود الممكن مع الواجب فهذا إلزام لازم لا محيد ~~للفلاسفة عنه ولكن ليس فيه حل الشبهة وأما منع كون الوجوب أمرا ثبوتيا فهو ~~من نوع السفسطة فإن الوجود إذا كان ثبوتيا فوجوبه الذي هو توكده المانع من ~~إمكان نقيضه كيف يكون عدميا ومعلوم أن اسم الوجود هو بالواجب أحق منه ~~بالممكن # وأيضا فإن ما ذكره من التقسيم وارد سواء قيل إن المفهوم ثبوتي أو سلبي ~~فإنه إذا كان سلبيا مشتركا امتنع أن يكون ملزوما للمختص فإن المشترك سواء ~~كان وجوديا أو عدميا لا يستلزم المختص فإنه يقتضى أنه حيث وجد المشترك ~~المطلق ms0917 العام وجد كل واحد من أفراده الخاصة وامتنع أيضا أن يكون لازما ~~للمختص إلا إذا كان الوجوب معلولا ولازما لغيره وهو قد ذكر إبطال هذا # وقد اعترض الرازي باعتراض آخر على أحد قوليه في أن الوجود زائد على ~~الماهية بأن الماهية تكون علة للوجود وذكر أنه لا محذور في أن PageV05P111 ~~تكون الماهية إذا أخذت مطلقة لا بشرط وجود ولا عدم علة لوجود نفسها ~~والماهية من حيث هي هي لا موجودة ولا معدومة # قلت الحجة مدارها على أن المطلق المشترك الكلي موجود في الخارج وهذا هو ~~الموضع الذي ضلت فيه عقول هؤلاء حيث اعتقدوا أن الأمور الموجودة المعينة ~~اشتركت في الخارج في شيء وامتاز كل منها عن الآخر بشيء وهذا عين الغلط # قلت والشخص المعين ليس له تعين غير هذا الشخص المعين لا ثبوتي ولا عدمي ~~فإنه لم يكن مشاركا لغيره في أمر خارجي حتى يحتاج تعينه وتميزه عنه إلى وصف ~~آخر ثبوتي أو سلبي وقولهم في القاعدة الكلية إن الأشياء التي لها حد نوعي ~~إنما تختلف بعلل أخرى وأنه إذا لم يكن مع الواحد منها القوة القابلة لتأثير ~~العلل وهي المادة لم يتعين إلا أن يكون من حق نوعها أن توجد شخصا واحدا ~~فأما إذا كان يمكن في طبيعة نوعها أن تحمل على كثيرين فيعين كل واحد بعلة ~~فلا يكون سوادان ولا بياضان في نفس الأمر إلا إذا كان الاختلاف بينهما في ~~الموضوع وما يجري مجراه هو قول باطل وذلك أن الأشياء التي لها حد واحد نوعي ~~لا وجود لها في الخارج مطلقة ولا عامة أصلا وإنما وجودها كذلك في الذهن ~~فالسبب الفاعل للواحد منها هو الفاعل لذاته ولصفاته وهو الفاعل لذلك الواحد ~~المعين وليس هنا شيئان أحدهما لنوعها والآخر لتشخصها بل ولا وجودان أحدهما لنوعها PageV05P112 ~~والآخر لتشخصها بل ولا قابلان بل الموجود هو الأعيان المشهودة والفاعل إنما ~~فعل تلك الأعيان لم يفعل أنواعا مطلقة كلية وإن كانت تلك تتصور في العلم ~~فالكلام في الوجود الخارجي # وهذا مما يبين لك ms0918 أن من قال من المتفلسفة إنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء ~~على وجه كلي لا جزئي فحقيقة قوله إنه لم يعلم شيئا من الموجودات فإنه ليس ~~في الموجودات إلا ما هو معين جزئي والكليات إنما تكون في العلم لا سيما وهم ~~يقولون إنما علم الأشياء لأنه مبدؤها وسببها والعلم بالسبب يوجب العلم ~~بالمسبب ومن المعلوم أنه مبدع للأمور المعينة المشخصة الجزئية كالأفلاك ~~المعينة والعقول المعينة وأول الصادرات عنه على أصلهم العقل الأول وهو معين ~~فهل يكون من التناقض وفساد العقل في الإلهيات أعظم من هذا # وقولهم إنه إذا لم يكن مع الواحد منها القوة القابلة لتأثير العلل وهي ~~المادة لم يتعين كقول القائل إذا لم يكن مع الواحد منها القوة القابلة وهي ~~المادة لم توجد فإن وجودها هو بعينها لم يكن لها تحقق في الخارج غير وجودها المعين # وقولهم فأما إذا كان يمكن في طبيعة نوعها أن تحمل على كثيرين فتعين كل ~~واحد بعلة كقول القائل فموجود كل واحد بعلة ومعلوم أن الممكن وجوده بعلة ~~سواء كان قد انحصر نوعه في شخصه كالشمس أو كان مما لم ينحصر نوعه في شخصه ~~كالإنسان PageV05P113 ~~فليس للمعين علتان إحداهما لنوعه والأخرى لشخصه بل العلة الموجبة لشخصه ~~كافية في وجوده كوجود ما انحصر نوعه في شخصه # وقوله فلا يكون سوادان ولا بياضان في نفس الأمر إلا إذا كان الاختلاف ~~بينهما في الموضوع وما يجري مجراه كقول القائل لا يكون سوادان إلا إذا كان ~~كل منهما قائما في محل وكذلك السواد الواحد لا يوجد إلا في محل يقوم به ~~وإذا قيل السوادان يفتقران إلى محلين بخلاف السواد الواحد فذلك لأجل كون ~~السواد لابد له ] من محل ولا يعقل تعدد السوادين بدون تعدد المحل كما لا ~~يعقل وجوده بدون وجود المحل وما لا يفتقر إلى محل فتعدده لا يفتقر إلى محل ~~كما أن واحدة لا يفتقر إلى محل والتعين كالوحدة والتكثر كالتعدد وليس للعدد ~~والوحدة في الخارج وجود غير المعدودات والمتوحدات وإنما وجود العدد المطلق ~~والوحدة المطلقة ms0919 والتعين المطلق في الأذهان لا في الأعيان كسائر المطلقات # وعلى هذا التقدير فواجب الوجود المتعين ليس لتعينه علة ولا سبب كما أنه ~~ليس لوجوده علة ولا سبب وليس هناك في الخارج تعين زائد على نفسه المعينة لا ~~ثبوتي ولا سلبي حتى يقال إن ذلك PageV05P114 ~~له علة وإن علته إما وجوب الوجود فلا يتعدد وإما أمر [ آخر ] فيكون وجوب ~~الوجود معلولا # وإذا قدر واجبا وجود وقال القائل [ إنهما ] اشتركا في وجوب الوجود وامتاز ~~كل منهما عن الآخر بتعينه # قيل له اشتركا في وجوب الوجود المطلق أو شارك كل منهما الآخر فيما يخصه ~~من وجوب وجوده فأي شيء قال في ذلك قيل له وكذلك التعين فإنهما اشتركا في ~~التعين المطلق وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه الذي يخصه فإذا قدرت وجوبا ~~مطلقا فخذ معه تعينا مطلقا وإذا قدرت وجوبا معينا فخذ معه تعينا معينا وإذا ~~قلت التعين المطلق لا يكون إلا في الذهن لا في الخارج قيل لك والوجوب ~~المطلق لا يكون إلا في الذهن لا في الخارج # وحينئذ فقولك ما به الاشتراك يكون لازما لما به الامتياز أو ملزوما أو ~~عارضا أو معروضا # جوابه أن ليس في الخارج ما به الاشتراك وإنما في الخارج ما به الامتياز ~~فقط وما جعلته مشتركا هو نظير ما جعلته مميزا يمكن فرض كل منهما مطلقا ومعينا # فإذا قلت اشتركا في الوجوب وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه # قيل لك اشتركا في وجوب مطلق كلي لا وجود له في الخارج كما PageV05P115 ~~اشتركا في تعين مطلق كلي وماهية مطلقة كلية وحقيقة مطلقة كلية وكل منهما ~~ممتاز عن الآخر بما هو به موجود فهو ممتاز عنه بوجوده الذي يخصه وهو حقيقته ~~التي تخصه وهو نفسه وذاته وماهيته التي تخصه فما اشتركا فيه من الأمر الكلي ~~الذهني لا يكون في الخارج فضلا عن أن يحتاج إلى مميز [ وما وجد ] في الخارج ~~هو [ مميز ] عن غيره بنفسه المتناولة لذاته وصفاته المختصة به لا يحتاج إلى ~~مميز آخر [ ولا هو ] يشركه ms0920 فيه بوجه من الوجوه ولا ما وجد بأحدهما هو بعينه ~~الموجود في الآخر وإن شابهه أو ماثله # وإذا قيل هو هو فهو هو باعتبار النوع لا باعتبار الشخص ومعنى ذلك أن ~~الموجود في الخارج من هذا هو مثل الموجود في الخارج من هذا # فإذا قلت هذان إنسانان اشتركا في الإنسانية وامتاز أحدهما عن الآخر بعينه ~~أو بشخصه أو ما قلت من العبارات التي تؤدي هذا المعنى أمكن أن يقال هذان ~~الإنسانان اشتركا في أن كلا منهما له عين تخصه وله شخص ونحو ذلك فاشتركا في ~~التعين والتشخص وامتاز كل منهما عن الآخر بما يخصه من الإنسانية PageV05P116 # وحقيقة الأمر أن كلا منهما ماثل الآخر ووافقه في أنه إنسان معين مشخص وكل ~~منهما ممتاز عن الآخر بنفس عينه المشخصة المتناولة لإنسانيته المعينة ~~المشخصة وكذلك إذا قدرنا موجودين واجبا وممكنا أو موجودين واجبين أو ممكنين ~~فهذا الموجود وافق هذا الموجود في الوجود المطلق المشترك بمعنى أنه شابهه ~~في ذلك فهذا موجود أي ثابت متحقق في الخارج وهذا موجود أي ثابت متحقق في ~~الخارج وكل منهما يفارق الآخر في نفس وجوده الذي يختص به وهو ذاته الموجودة ~~في الخارج وليس بينهما اشتراك [ إلا ] في الخارج سواء كانا متماثلين ~~كالسوادين وحبتي الحنطة أو كانا مختلفين كالسواد مع البياض والفرس مع ~~الإنسان # فإذا قيل إن السواد والبياض أو السوادين اشتركا في الوجود فهو كقولنا ~~اشتركا في التحقق والثبوت وأن لكل واحد ماهية ولا يقتضي هذا تماثلهما في ~~شيء من الأشياء فإن ما وجد في الخارج لكل منهما أمر يخصه فإذا لم يكن ~~الموجود في الخارج منهما متماثلا كالسواد مع البياض لم يكونا متماثلين # وكذلك إذا قدر واجبان وقيل اشتركا في الوجوب وامتاز أحدهما عن الآخر ~~بالتعين # قيل ما في الخارج ليس فيه اشتراك وإنما اشتركا في وجوب PageV05P117 ~~مطلق كلي كما اشتركا في تعين مطلق كلي وهذا الواجب المعين لم يشركه غيره في ~~وجوبه المعين كما لم يشركه في تعينه المعين بل كل منهما حقيقته الموجودة في ms0921 ~~الخارج هي الشيء الموجود في الخارج كما أن حقيقة الممكن المحدث الموجودة في ~~الخارج هي نفس الموجود في الخارج وليس في الخارج حقيقة سوى الشيء المعين ~~الموجود حتى يقال إن الوجود عارض لها أو لازم بل إن كان الشيء الموجود في ~~الخارج من المحدثات كان موجودا تارة ومعدوما أخرى والموجود هي حقيقته ~~الثابتة في الخارج والمعدوم تلك الحقيقة وهي مجعولة مفعولة مصنوعة وأما ~~الحقيقة المتصورة في الذهن فتلك هي وجوده الذهني العلمي وتلك تحصل بالأسباب ~~المحصلة للعلم كما تحصل الخارجة بالأسباب المحصلة للوجود وما ثم إلا هذا أو ~~هذا فتقدير حقيقة لا في العلم ولا في الوجود تقدير ما لا حقيقة له بل هو ~~فرض ممتنع يتصوره الذهن كما يتصور ما لا يمكن وجوده لا في العلم ولا في ~~الخارج فإن تصور ما لا يمكن وجوده أعظم من تصور ما لا يوجد وهو متصور من ~~هذه الجهة العامة حتى يحكم عليه بنفي التصور الخاص ولولا تميزه في الذهن ~~مجملا لما أمكن الحكم على أفراده بالامتناع # ويبين هذا بالكلام على النظم الذي ذكره لهم الآمدي وجعله الغاية التي لا ~~يرد عليها شيء وهو قوله لو كان وجوب الوجود PageV05P118 ~~مشتركا بين شيئين فالشيئان إما متفقان من كل وجه أو مختلفان من كل وجه أو ~~متفقان من وجه دون وجه إلى قوله وإن اتفقا من وجه دون وجه ومسمى واجب ~~الوجود هو ما اشتركا فيه فمسمى واجب الوجود يكون مشتركا فإما أن يتم تحقق ~~مسمى ] واجب الوجود في كل واحد من الشيئين بدون ما به التخصيص والتمايز أو ~~لا يتم بدونه والأول محال وإلا كان الأمر المطلق المشترك مشخصا في الأعيان ~~بدون ما به التخصيص وهو محال والثاني يوجب افتقار مسمى واجب الوجود إلى أمر ~~خارج عن المفهوم من اسمه فلا يكون واجبا بذاته # قلت فيقال لهم قولكم إما أن يتم تحقيق مسمى واجب الوجود في كل واحد من ~~الشيئين بدون ما به التخصص أتعنون بذلك المسمى المطلق الكلي الذي لا يوجد ~~إلا ms0922 في الذهن أم تعنون به المسمى الثابت في الخارج # أما الأول فلا يوجد في الخارج لا فيهما ولا في أحدهما كما لا يوجد ~~الحيوان المطلق الكلي ثابتا في الخارج لا في هذا الحيوان ولا هذا الحيوان ~~بل لا يوجد في الخارج إلا ما هو حيوان معين جزئي وإنسان معين جزئي وكذلك ~~الإنسان المطلق الكلي وكذلك سائر المطلقات PageV05P119 ~~الكلية كالحيوان المطلق وهم يسلمون أنها لا توجد في الخارج كلية مطلقة ~~وإنما يظنون أنها توجد جزءا من المعين وهذا أيضا غلط بل لا توجد إلا معينة ~~مشخصة وليس في المعين المشخص ما هو مطلق ولا في الجزئي ما هو كلي فإن كون ~~الكلي ينحصر في الجزئي والمطلق في المعين ممتنع # والآمدي قد بين فساد هذا في غير موضع من كتبه مثل كلامه على الفرق بين ~~المطلق والمقيد والكلي والجزئي وغير ذلك وزيف ظن من يظن أن الكلي يكون جزءا ~~من المعين وبين خطأ من يقول ذلك كالرازي وغيره فلو رجع إلى اصله الصحيح ~~الذي ذكره في الكلي والجزئي والمطلق والمعين لعلم فساد هذه الحجة ولكن لفرط ~~التباس أقوالهم وما دخلها من الباطل الذي اشتبه عليهم وعلى غيرهم تزلق ~~أذهان كثير من الأذكياء في حججهم ويدخلون في ضلالهم من غير تفطن لبيان ~~فسادها كالرازي والآمدي ونحوهما تارة يمنعون وجود الصور الذهنية حتى يمنعوا ~~ثبوت الكلي في الذهن وتارة يجعلون ذلك ثابتا في الخارج # ففي هذا الموضع أثبت الآمدي المسمى المشترك الكلي في الخارج وفي موضع آخر ~~ينفيه مطلقا كما قال في إحكامه لما أراد الرد على الرازي في الأمر بالماهية ~~الكلية هل يكون أمرا بشيء من جزئياتها أم PageV05P120 ~~لا فإن الرازي ذكر أن الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرا بشيء من جزئياتها ~~وهذا صحيح لكن لا يلزم إذا لم يكن أمرا بشيء من المعينات أن لا يكون فاعل ~~المعين ممتثلا بل الأمر بجميع الأفعال كالأمر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ~~والعتق وإعطاء الفقراء فإنه أمر بشيء مطلق ومع هذا فإذا أعتق رقبة مما أمر ms0923 ~~به أجزأه ولو صام شهرين متتابعين في أول العام أو أوسطه أجزأه بخلاف آخره ~~فإن فيه نزاعا لتخلل الفطر الواجب ومثل هذا كثير # وزعم الآمدي أن الأمر لا يكون بالماهية الكلية بل لا يكون إلا أمرا ~~بالجزئيات وهذا صحيح باعتبار دون اعتبار فإذا أريد به أنه لا يمكنه فعل ~~المطلق إلا معينا فيكون مأمورا بأحد الجزئيات لا بعينه بطريق اللزوم كان ~~صحيحا وأما إن أريد أنه لم يؤمر إلا بمعين لا بمطلق فليس بصحيح # قال الآمدي إذا أمر بفعل من الأفعال مطلقا غير مقيد في اللفظ بقيد خاص ~~قال بعض أصحابنا الأمر إنما تعلق بالماهية الكلية المشتركة ولا تعلق له ~~بشيء من جزئياتها وذلك كالأمر بالبيع فإنه لا يكون أمرا بالبيع بالغبن ~~الفاحش ولا ثمن المثل إذ هما متفقان في مسمى البيع ومختلفان بصفتهما والأمر ~~إنما تعلق بالقدر المشترك وهو غير مستلزم لما يخصص به كل واحد من الأمرين ~~فلا يكون PageV05P121 ~~الأمر المتعلق بالأعم متعلقا بالأخص إلا أن تدل القرينة على إرادة أحد ~~الأمرين # قال ولذلك قلنا إن الوكيل في البيع المطلق لا يمكن البيع بالغبن الفاحش # قال الآمدي وهذا غير صحيح وذلك لأن ما به الاشتراك في الجزئيات معنى كلي ~~لا تصور لوجوده في الأعيان وإلا كان موجودا في جزئياته فيلزم من ذلك انحصار ~~ما يصلح لاشتراك كثيرين فيه مما لا يصلح لذلك وهو محال # قال وعلى هذا فليس معنى اشتراك الجزئيات في المعنى الكلي سوى أن الحد ~~المطابق للطبيعة الموصوفة بالكلية مطابق للطبيعة الجزئية بل إن تصور وجوده ~~فليس في غير الأذهان وإذا كان كذلك فالأمر طلب إيقاع الفعل على ما تقدم ~~وطلب الشيء يستدعي كونه متصورا في نفس الطالب وإيقاع المعني الكلي في ~~الأعيان غير متصور في نفسه فلا يكون متصورا في نفس الطالب فإذا الأمر لا PageV05P122 ~~يكون بغير الجزئيات الواقعة في الأعيان لا بالأمر الكلي # قال وإن سلم أن الأمر يتعلق بالمعنى الكلي المشترك وهو المسمى بالبيع ~~فإذا أتى المأمور ببعض الجزئيات فقد أتى بما هو ms0924 مسمى البيع المأمور به # قلت هذا الثاني صحيح فإن الآتي ببعض المعينات قد أتى بما أمر به لكن ~~الجمهور الذين يقولون لا يصح بيعه بالغبن الفاحش يقولون لم يدخل هذا البيع ~~المعين في المسمى المطلق في عرف الناس كما لم يدخل البيع بثمن مؤجل وثمن ~~محرم ونحو ذلك # وأما قوله إنه لم يؤمر بكلي وإنه لا معنى لاشتراك الجزئيات في المعنى ~~الكلي إلا مطابقة حد الكلي لحد جزئياته فهذا إسراف في النفي فإن الجزئيات ~~تطابق حد بعضها بعضا وليس بعضها عاما مشتركا لسائرها # وقوله إيقاع المعنى الكلي في الأعيان غير متصور في نفسه PageV05P123 ~~صحيح إذا أريد به أن يجعل ذلك المعنى الذي في نفسه كليا هو نفسه موجودا في ~~الخارج وهذا غير مراد فإن ما في النفس صفة قائمة بها لا يكون في الخارج ~~وإنما المراد أن يوجد في الخارج ما يطابقه بحيث يكون ذلك المعنى الكلي ~~الذهني متناولا له كما يقال فعلت ما في نفسي كما قال تعالى { إلا حاجة في ~~نفس يعقوب قضاها } فالحاجة التي في نفسه إنما في نفسه تصورها وقصدها ~~وقضاؤها له فعل ذلك المراد المتصور وهو أمره لهم بما أمرهم به من الدخول من ~~أبواب متفرقة ومثل هذا كثير في كلام سائر الناس # ومنه قول عمر بن الخطاب زورت في نفسي مقالة أردت أن قولها # ويقال كان في نفسي أن أحج وقد فعلت ما كان في نفسي والمقصود هنا أن ~~الآمدي هنا معترف بأن المعنى الكلي لا تصور لوجوده في الأعيان وإلا كان ~~موجودا في جزئياته # قال ويلزم من ذلك انحصار ما يصلح لاشتراك كثيرين فيه مما لا يصلح له وهو ~~محال وهو كما قال فإنه إذا قال إن المطلق جزء من المعين والكلي موجود في ~~الجزئي فقد جعل الكلي بعض الجزئي وبعض الشيء ينحصر فيه ثم إنهم يقولون هو ~~جزء من هذا PageV05P124 ~~المعين وهذا المعين وسائر الجزئيات فيلزم انحصاره في كل جزئي من جزئياته ~~وانحصاره في واحد يمنع وجوده في غيره كما يمتنع وجود ms0925 الجزئي في جزئي آخر ~~فكيف يكون منحصرا في جزئي مع انحصاره في جزئي آخر فإن هذا جمع بين النقيضين ~~مرات متعددة بل لا ينحصر كثرة # فلو كان الآمدي ذكر هذا في هذا الموضع لعلم بطلان هذه الحجة التي حررها ~~لأتباع ابن سينا في كتابيه الكبيرين ولم يبن علتها ولعرف حلها ولم يقتصر ~~على معارضتها # وكذلك الرازي يحتج بمثل هذه كثيرا مع أنه ينقضها كثيرا كما قال في ملخصه ~~حكاية عن المتفلسفة أما الكلي العقلي فالمشهور أن الصورة الذهنية أي وجوده ~~بما هو هو في الذهن فقط لا في الخارج قالوا في بيان ذلك إن الأمر الموصوف ~~بالكلية موجود إما في الذهن وإما في الخارج وإلا لكان عدما صرفا ولو كان ~~كذلك لاستحال أن يكون مشتركا فيه بين كثيرين ومحال أن يكون موجودا في ~~الخارج لأن كل موجود في الخارج فهو مشخص معين ولا شيء من المشخص المعين ~~بمشترك فيه بين كثيرين ينتج لا شيء من الموجود في الخارج بمشترك فيه بين ~~كثيرين وكل كلي مشترك [ فيه ] بين PageV05P125 ~~كثيرين فلا شيء من الموجود في الخارج بكلي ولما بطل كون الكلي موجودا في ~~الخارج تعين كونه موجودا في الذهن فهذا الكلام الذي ذكره الرازي وحكاه عن ~~الحكماء هنا كلام صحيح ولو التزموا موجبه لم يقولوا إن في الخارج شيئا ~~مشتركا كليا ولا أن الإنسانية الكلية موجودة في الخارج ولا أن الواجبين أو ~~الموجودين إذا اشتركا في مسمى الوجود والوجوب كان ذلك المشترك [ الكلي ] ~~متحققا في الخارج واحتاج حينئذ إلى ما به الامتياز # وتناقض القوم أكثر من أن يمكن ذكره هنا ومن تصور هذا المعنى علم بالاضرار ~~أن هذا الإنسان المعين هو حيوان معين وجسم معين وناطق معين وأنه ليس فيه ~~شيء كلي مطلق مشترك بينه وبين غيره ولا الكلي المطلق المشترك بين الأعيان ~~جزء منه ثابت فيه في الخارج ومن جعل المطلقات الكلية ثابتة في الخارج وجزءا ~~من المعينات وأثبت في المعينات أمورا مطلقة فلا ريب أنه لم يتصور ما قال أو ms0926 ~~هو فاسد العقل بأي عبارة عبر عن ذلك مثل أن يقول الماهية الكلية يعرض لها ~~التعين أو هي معروضة التعين أو هي غير مانعة من التعين أو جعلوا الكلية ~~عارضة للتعين كقولهم معروض الكلي في الخارج فإنهم لما ظنوا أن في الخارج ~~كليا ومعينا صاروا تارة PageV05P126 ~~يجعلون هذا عارضا لذاك وتارة يجعلون ذاك عارضا لهذا ويقولون الماهية يعرض ~~لها أن تكون كلية وجزئية # وحقيقة الأمر أن الماهية الكلية إنما تكون كذلك في الذهن وما في الذهن لا ~~يوجد في الخارج إلا معينا ومعنى وجوده وجود ما يطابقه مطابقة العلم للمعلوم ~~والاسم للمسمى والإرادة للمراد وإلا فعاقل يتصور ما يقول لا يقول إن ~~الكليات توجد في الخارج إلا إذا أراد به أن ما هو كلي في الأذهان يكون ~~ثابتا في الأعيان لكن معينا وهؤلاء ينكرون على من يقول المعدوم شيء ثابت في الخارج # وقوله وإن كان باطلا فقولهم أفسد منه وإن كانا يشربان من عين واحدة وهو ~~اشتباه ما في الأذهان بما في الأعيان وكذلك الذين أثبتوا الأحوال في الخارج ~~وقالوا هي لا موجودة ولا معدومة شربوا أيضا من هذه العين وكذلك من ظن اتحاد ~~العالم بالمعلوم والمحب بالمحبوب والعابد بالمعبود كما وقع لأهل الاتحاد ~~المعين قد شرب من هذه العين المرة المالحة أيضا وكذلك من قال بالاتحاد ~~المطلق تصور وجودا مطلقا في نفسه فظن أنه في الخارج فهؤلاء كلهم شربوا من ~~عين الوهم والخيال فظنوا أن ما يكون في وهمهم وخيالهم هو ثابت في الخارج # هذا وهم ينكرون على أهل العقول السليمة والفطر المستقيمة إذا PageV05P127 ~~أنكروا وجود قائم بنفسه موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه ~~ويزعمون أن نفي هذا من حكم الوهم والخيال التابع للحس فإذا طولبوا بدليل ~~يدل على إمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه كان ملجؤهم وغياثهم هي ~~هذه الكليات كما فزع إليها ابن سينا ومن أخذ ذلك عنه كالرازي وأتباعه مثل ~~الأصبهاني وغيره # قال ابن سينا في أول النمط الرابع الذي هو ms0927 في الوجود وعلله اعلم أنه قد ~~يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس وأن ما لا يناله الحس بجوهره ~~ففرض وجوده محال وأن ما لا يتخصص بمكان أو بوضع بذاته كالجسم أو بسبب ما هو ~~فيه كأحوال الجسم فلا حظ له في الوجود وأنت يتأتى لك أن تتأمل نفس المحسوس ~~فتعلم منه بطلان قول هؤلاء إنك ومن يستحق أن يخاطب تعلمان أن هذه المحسوسات ~~قد يقع عليها PageV05P128 ~~اسم واحد لا على [ سبيل ] الاشتراك الصرف بل بحسب معنى واحد مثل اسم ~~الإنسان فإنكما لا تشكان في أن وقوعه على زيد وعمرو بمعنى واحد موجود فذلك ~~المعنى الموجود لا يخلو إما أن يكون بحيث يناله الحس أو لا يكون فإن كان ~~بعيدا من أن يناله الحس فقد أخرج التفتيش من المحسوسات ما ليس بمحسوس وهذا ~~أعجب وإن كان محسوسا فله لا محالة وضع وأين ومقدار معين وكيف معين لا يتأتى ~~أن يحس بل ولا أن يتخيل إلا كذلك فإن كل محسوس وكل متخيل فإنه يتخصص لا ~~محالة بشيء من هذه الأحوال وإذا كان كذلك لم يكن ملائما لما ليس بتلك الحال ~~فلم يكن مقولا على كثيرين يختلفون في تلك الحال فإذا الإنسان من حيث هو ~~واحد بالحقيقة بل هو من حيث حقيقته الأصلية التي لا تختلف فيها الكثرة غير ~~محسوس بل معقول صرف وكذلك الحال في كل كلي # قال ولعل قائلا منهم يقول إن الإنسان مثلا إنما هو إنسان من حيث له أعضاء ~~من يد ورجل وعين وحاجب ومن حيث هو كذلك فهو محسوس فننبهه ونقول إن الحال في كل PageV05P129 ~~عضو مما ذكرته أو تركته كالحال في الإنسان نفسه # قلت يقال له قولك قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس إما أن ~~تريد أن الموجود هو ما أحسه الشخص المعين أو ما يمكن إحساسه في الدنيا أو ~~ما يمكن الإحساس به ولو بعد الموت فأما الأول فلا يقوله عاقل فإنه ما من ~~عاقل إلا ويعلم إما بخبر غيره وإما ms0928 بنظره وقياسه ما لم يعلمه بحسه ومن حكى ~~عن البراهمة أو غيرهم من الأمم أنهم حصروا الموجودات في المحسوسات بمعنى ~~أنه ما لم يحسه الشخص المعين لا يصدق به وأنه لا يصدق بالأخبار المتواترة ~~وغيرها فلم يفهم مرادهم فإن أمة من الأمم لها بلاد يعيشون فيها لابد أن ~~يميز الرجل بين أمه وأبيه وأن يعرف من حوادث بلده وسير ملوكهم وعاداتهم ما ~~لا يعرفه إلا بالخبر وهذا نظير حكاية من حكى أن أمة من الأمم يقال لهم ~~السوفسطائية ينسبون إلى رجل يقال له سوفسطا يجحدون الحقائق أو علمهم بجميع ~~الحقائق أو يقفون أو يجعلون الحقائق مطلقا تابعة للعقائد فإن هذا لا يتصور ~~أن تكون عليه أمة من الأمم لهم بقاء في الدنيا وإنما السفسطة كلمة معربة ~~أصلها سوفسقيا وهي كلمة يونانية أي حكمة مموهة بالسفسطة [ أي ] الكلام ~~الباطل المشبه للحق وهذا يعرض لكثير من الناس أو لأكثرهم في كثير من الأمور ~~لا في جميعها فإنه كما تعرض الأمراض PageV05P130 ~~للأبدان كذلك تعرض الأمراض للنفوس مرض الشبهات والشهوات # وفي الحديث المأثور إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ويحب ~~العقل الكامل عند حلول الشهوات رواه البيهقي مرسلا وزاد فيه بعضهم ويحب ~~السماحة ولو بكف من تمرات ويجب الشجاعة ولو على قتل الحيات # ولكن البراهمة أنكرت ما سوى هذا الموجود المحسوس كما هو قول الطبيعية من ~~الفلاسفة وقول الفرعونية ونحوهم وهذا هو المردود عليهم وسيأتي بيان ذلك في ~~حكاية الإمام أحمد مناظرتهم لجهم ويمكن أن البراهمة أو بعضهم قال ما لا ~~يمكن معرفته بالحس ألبتة فهو ممتنع وهذا قول أكثر أهل الأرض من أهل الملل ~~وغيرهم وهو القول الذي أنكره ابن سينا وأراد إبطاله # لكن هؤلاء نوعان منهم من أنكر ما لا يحسه عموم الناس في الدنيا حتى أنكر ~~الملائكة والجن بل وجحد رب العالمين سبحانه فهؤلاء هم الكفار الدهرية ~~المعطلة المحضة # وابن سينا وأمثاله يردون على هؤلاء لكن يردون عليهم أحيانا بحجج فاسدة # وهذا هو القسم الثاني وهو إنكار الإنسان ما ms0929 لا يحس في الدنيا # وأما القسم الثالث وهو أن الموجود هو ما يمكن الإحساس به ولو في الآخرة ~~وأن ما أخبرت به الرسل من الغيب كما أخبرت به عن الجنة والنار وعن الملائكة ~~بل وإخبارهم عن الله تعالى هو مما يمكن معرفته بالحس كالرؤية PageV05P131 # فهذا قول جماهير أهل الإيمان بالرسل وسلف الأمة وأئمتها فإنهم متفقون على ~~أن الله يرى في الآخرة عيانا كما يرى الشمس والقمر وأنه لا يلزم من تعذر ~~رؤية الشيء في حال تعذر رؤيته في حال أخرى بل قد يرى الشيء في حال دون حال ~~كما أن الأنبياء يرون ما [ لا ] يراه غيرهم من الملائكة وغيرها بل والجن ~~يراهم كثير من الناس # وإن ادعى أن من الموجودات القائمة بأنفسها ما لا يمكن أن يعرف بالإحساس ~~في حال من الأحوال فهذا قول باطل ولا دليل له عليه وهذا قول الجهمية الذين ~~ينكرون رؤية الله تعالى # وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على بطلان قولهم وفساد قولهم يعلم بالعقل ~~الصريح كما يعلم بالنقل الصحيح وهؤلاء في نفس الأمر من أجهل الناس وأضلهم ~~وإن كانوا عند أنفسهم من أعقل الناس وأعرفهم فهم كما قال تعالى { الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } # وكما قال تعالى { وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون } # وقوله { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزؤون } PageV05P132 # وأما حجته على إثبات وجود ما ليس بمحسوس فقد احتج بالكليات # فيقال له قولك إن هذه المحسوسات يقع عليها اسم واحد بحسب معنى واحد مثل ~~اسم الإنسان فإن وقوعه على زيد وعمرو بمعنى واحد موجود # فيقال له أتعني أن هذا المعنى الواحد الذي يشترك فيه زيد وعمرو هو معنى ~~واحد قائم بالعالم كالإنسان كما أن لفظ إنسان قائم بالناطق وكما أن خط زيد ~~قائم باللوح الذي فيه الخط # أم تعني أن ذلك ms0930 المعنى الواحد هو موجود في الخارج في زيد وعمرو أو في غيرهما # أما الأول فصحيح ولا حجة لك فيه # وأما الثاني فقولك في المعنى كقول من يطرد قولك ويجعل لفظ الإنسان الواقع ~~على زيد وعمرو موجودا في الخارج قائما بزيد وعمرو ويجعل الخط المطابق للفظ ~~ثابتا في الخارج عن اللوح قائما بزيد وعمرو إذ كل عاقل يعلم أن الخط مطابق ~~للفظ وأن اللفظ مطابق للمعنى وأن عموم المعنى الواحد كعموم اللفظ الواحد ~~المطابق له # فإذا قال القائل إنسان كان للفظه وجود في لسانه وللمعنى وجود في ذهنه ~~ووقوع هذا على زيد وعمرو كوقوع هذا على زيد وعمرو وهذا هو المعنى الذي ~~سميته معقولا وجعلته معقولا صرفا PageV05P133 ~~وهل يكون المعقول الصرف إلا في الحي العاقل فإن المعقول الصرف الذي لا ~~يتصور وجوده في الحس هو ما لا يوجد إلا في العقل وما لا يوجد إلا في العقل ~~لم يكن موجودا في الخارج عن العقل فالتفتيش الذي أخرج من المحسوس ما ليس ~~بمحسوس أخرج منه المعقولات المحضة التي يختص بها العقلاء وهي الكليات ~~الثابتة في عقول العقلاء فإن الإنسان إذا تصور زيدا أو عمرا ورأى ما بينهما ~~من التشابه انتزع عقله من ذلك معنى عاما كليا معقولا لا يتصور أن يكون ~~موجودا في الخارج عن العقل # فهذا هو وجود الكليات وهذه الكليات المعقولة أعراض قائمة بالذات العاقلة ~~لا توجد إلا بوجودها وتعدم بعدمها وليس بينها وبين الموجودات الخارجية ~~تلازم بل يمكن وجود أعيان في الخارج من غير أن يعقل الإنسان كلياتها ويمكن ~~وجود كليات معقولة في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج كما يعقل الأنواع ~~الممتنعة لذاتها وغير ذلك فمن استدل على إمكان الشيء ووجوده في الأعيان ~~بإمكان تصوره في الأذهان كان في هذا المقام أضل من بهيم الحيوان # قال تعالى { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل } وقال تعالى { والذين كذبوا ms0931 بآياتنا صم وبكم في الظلمات } PageV05P134 # وقال تعالى { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } # وقال تعالى { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل سبيلا } # وقال تعالى { ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا ~~يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون } # وقولهم فالإنسان من حيث هو واحد بالحقيقة بل من حيث الحقيقة الأصلية التي ~~لا يختلف فيها الكثرة غير محسوس بل معقول صرف وكذلك الحال في كل كلى هو من ~~الأقوال الملبسة فإن هذه الحقيقة إما أن تعني بها ما يتصوره المعقول من ~~الإنسان أو ما يوجد منه أو شيء ثالث # فأما شيء [ ثالث فلا حقيقة له فإن كان له حقيقة فبينوها فإنا نعلم ~~بالاضطرار أنه ما في الوجود إلا ما هو موجود في نفسه أو ما هو متصور في ~~الذهن إذ العقل أو العلم ونحو هذه الأمور مما ليس PageV05P135 ~~بحاصل في العلوم والأذهان ليس بموجود في الأعيان فلا حقيقة له البتة ولكن ~~الناطق بهذه العبارة يتصور في نفسه ما لا حقيقة له كتصور إنسان ليس بموجود ~~في الخارج # فإذا قلت الإنسان من حيث هو هو مع قطع النظر عن ثبوته في العلم أو العين # قلت لك تقديره مطلقا لا بشرط من حيث هو هو هو أيضا من تقديرات الأذهان ~~فإذا كان ما لا يوجد إلا مقدرا في الأذهان وفرضته غير مقدر في الأذهان جمعت ~~بين النقيضين # فإن قلت أنا يمكنني أن أتصور إنسانا مطلقا مع قطع النظر عن وجوده في ~~الذهن والخارج # قلت تصوره مطلقا غير مقيد بالذهن ولا بالخارج شيء وتصوره مقيدا بسلب ~~الذهن والخارج شيء آخر فأما الأول فأنت لم تتصور معه سائر لوازمه وتصور ~~الملزوم دون لوازمه ممكن كما تتصور إنسانا مع قطع النظر عن وجوده ms0932 وعدمه وإن ~~كان لا يخلو عن واحد منهما فهذا تصور للشيء دون لوازمه # وأما تصوره مقيدا بسلب الوجود الذهني والخارجي فهو من باب تصور الجمع بين ~~النقيضين أو رفع النقيضين وهو كتصور إنسان مقيد بكونه لا موجودا ولا معدوما ~~ومجرد فرض هذا في الذهن يوجب العلم بامتناعه # وأما الأول فلا يوجب تصور الملزوم بدون لازمة إمكان وجوده في PageV05P136 ~~الخارج بدون لازمة فكونه إما في الذهن وإما في الخارج هو من لوازمه ويمكن ~~تصور الملزوم بدون لازمة ولا يمكن وجوده دون لوازمه وعدم شعور النفس بلازم ~~لا يوجب عدم اللازم فإن عدم العلم بالشيء ليس علما بعدمه وهذا كما يمكنك ~~تصور إنسان مع قطع النظر عن وجوده وعدمه وإن كان لابد له إما أن يكون ~~موجودا أو معدوما لامتناع الخلو عن النقيضين # وهؤلاء يجعلون تقدير الذهن للمتنعات حجة على ثبوتها ويشبهون الوجود ~~الواجب بالوجود الممتنع وهذا كما أن الإنسان يتصور علما مطلقا وقدرة مطلقة ~~مع علمه بأن ذلك لا يكون إلا بذات حية عالمة قادرة # وكذلك يتصور الإنسان حيوانا مطلقا ولا يتصور مع ذلك أنه ناطق أو بهيم ولا ~~يخلد ولا يموت ولا يعلم ولا يجهل ولا يعجز ولا يقدر ولا يسكن ولا يتحرك فهل ~~يستدل بتصوره ذلك في عقله على أنه يوجد أو يمكن أن يوجد في الخارج حيوان ~~مطلق يخلو عن هذه المتقابلات كلها فلا يموت ولا يخلد ولا يقدر ولا يعجز # ومن المعلوم أن مقدرات الأذهان ومتصورات العقول يحصل فيها ما لا وجود له ~~في الخارج تارة بأن لا يوجد ما يطابقه وهو الوهم وتارة مع وجود ما يطابقه ~~كمطابقة الاسم للمسمى والعلم للمعلوم PageV05P137 ~~وهو مطابقة ما في الذهن لما في الخارج ومطابقة الصورة العلمية لمعلوماتها ~~الخارجية # وإذا قيل في هذه الصورة إنها كلية فهو كقولنا في الاسم إنه عام والمراد ~~بذلك أنها مطابقة لأفرادها مطابقة اللفظ العام والمعنى العام لأفراده وهي ~~مطابقة معلومة متصورة لكل عاقل لا تحتاج إلى نظير وإذا شبهت بمطابقة الصورة ~~التي في المرآة ms0933 للمرآة أو مطابقة نقش الخاتم للشمع ونحو ذلك كان ذلك تقريبا ~~وتمثيلا وإلا فالحقيقة معلومة وكل عاقل يعلم مثل هذا من نفسه # واعلم أنه بالكلام على هذه الحجة التي لهؤلاء المتفلسفة في التوحيد بتبين ~~الكلام على حجتهم الثانية وهي قولهم لو كان واجبان لا يشتركان في مسمى ~~الوجوب وامتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه فكان كل منهما مركبا مما به ~~الاشتراك ومما به الامتياز والمركب مفتقر إلى جزئه فلا يكون واجبا # فإنه يقال لهم إنما اشتركا في المطلق الذهني لم يشارك أحدهما الآخر في ~~شيء موجود في الخارج حتى يكون في ذلك الموجود تركيب وكل منهما يمتاز عن ~~الآخر بالوجوب الذي يخصه كما امتاز عنه بحقيقته التي تخصه والوجود الذي يخصه PageV05P138 # ويقال لهم هذا كاشتراك الموجود الواجب والموجود الممكن في مسمى الوجود مع ~~امتياز هذا بما يخصه وهذا بما يخصه فإن الوجود المشترك الكلي ليس هو ثابتا ~~في الخارج بل للواجب وجود يخصه وللممكن وجود يخصه كما أن لهذا حقيقة تخصه ~~ولهذا حقيقة تخصه # وكذلك إذا قيل لهذا ماهية تخصه ولهذا ماهية تخصه فإنهما يشتركان في مسمى ~~الماهية ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يختص به وإنما اشتركا في المسمى المطلق ~~الكلي وامتاز كل منهما عن الآخر بالوجود الذي في الخارج وذلك الموجود في ~~الخارج لا اشتراك فيه وذلك المطلق الكلي لا امتياز فيه فما اشتركا فيه لا ~~يكون إلا في الذهن وما امتازا به هو موجود في الخارج وقد يتصور في الذهن ~~فإن ما في الخارج يتصور في الذهن وليس كل ما يتصور في الذهن يكون في الخارج ~~فلم يكن ما به الاشتراك مفتقرا إلى ما به الامتياز ولا ما به الامتياز ~~مفتقرا إلى ما به الاشتراك بل لا شركة في الأعيان الموجودة الجزئيات ولا ~~امتياز في الكليات المطلقة المعقولات أعني من حيث تناولها وشمولها لأفرادها ~~بل تناولها لأفرادها تناول واحد وشمولها شمول واحد # وهذا المعنى الواحد الشامل هو كاللفظ الواحد الشامل العام واشتراك ~~الموجودين في الوجود أو الواجبين في ms0934 الوجوب مع ما بينهما في الخارج من ~~الامتياز والاختصاص كاشتراك اللونين في اللونية مع أن هذا في الخارج سواد ~~وهذا بياض PageV05P139 # فإذا قلت السواد مركب من اللونية والسوادية كما تقول الموجود مركب من ~~الحيوانية والناطقية # قيل لك أتعني أنه مركب من لونية مطلقة لا تخصه ومن السوادية التي تخصه ~~ومن الوجود المطلق الذي لا يخصه والوجوب الذي يخصه ومن الحيوانية المطلقة ~~التي لا تخصه والناطقية التي تخصه أم مركب من نفس لونيته الخاصة وسواديته ~~ومن نفس وجوده الخاص ووجوبه ومن الحيوانية التي تخصه وناطقيته # فأما الأول فباطل فإنه ليس فيه شيء مطلق لا لونية مطلقة ولا حيوانية ~~مطلقة ولا وجودية مطلقة # وإن عنيت الثاني فلونيته الخاصة وسواديته متلازمان وكذلك حيوانيته الخاصة ~~وناطقيته وكذلك وجوده الخاص ووجوبه فكما لا يمكن تقدير هذا اللون المعين ~~الذي هو سواد بدون السواد فلا يمكن تقدير هذا الحيوان المعين الذي هو ناطق ~~بدون النطق ] [ ولا يمكن تقدير هذا الموجود المعين الذي هو واجب بدون ~~الوجود فإن هذا الحيوان ] هو الحيوان المعين والواجب هو الموجود المعين ولا ~~يتميز في الخارج سواد من لون كما لا يتميز ناطق عن حيوان ولا PageV05P140 ~~وجود عن وجوب بل الذهن يعقل ما بين هذا السواد وسائر الألوان من المشابهة ~~في اللونية ويميز بين ذلك وبين ما يعقله بينه وبين سائر السوادات من ~~المشابهة في السوادية ويضم هذا إلى هذا وهو تركيب عقلي اعتباري وكذلك يعقل ~~ما بين هذا الإنسان وغيره من الحيوان من المشابهة في الحيوانية وما بينه ~~وما بين سائر الأناسي من المشابهة في الإنسانية ويضم هذا إلى هذا وهو تركيب ~~عقلي اعتباري # ومن قال إن الإنسان مركب من الحيوان والناطق وهو يعقل ما يقول فإنما يعني ~~هذا التركيب ونحوه وليس ذلك تركيبا في الوجود الخارجي ولا في الوجود ~~الخارجي جزء لهذا المركب متميز عن كله ولا جزء سابق لكل بل هذه الأمور إنما ~~توجد في الأذهان لا في الأعيان فهذه التركيبات مركبة من تلك الكليات ~~والكليات الخمسة الجنس والنوع ms0935 والفصل والخاصة والعرض العام إنما توجد كليات ~~في الأذهان لا في الأعيان # كذلك التركيب الذي يوجد في بعض هذه مع بعض فإن أجزاء المركب التي هي ~~الكليات لا تكون إلا في الذهن فالمركب من الكليات الذهنية أولى أن لا يكون ~~إلا ذهنيا # وهؤلاء المتفلسفة المنطقيون نفوا حقيقة واجب الوجود وصفاته معتقدين أنهم ~~موحدون لذاته وقالوا هو منزه عن التركيب لافتقار المركب إلى جزئيه PageV05P141 # والتركيب يقع عندهم كما ذكره ابن سينا وغيره وذكره الغزالي عنهم في تهافت ~~الفلاسفة وغيره على خمسة أنواع أحدها تركب الموجود من الوجود والماهية # والثاني تركب الحقيقة من الأمور العامة والخاصة كالوجود العام والوجود الخاص # والثالث تركب الذات الموصوفة من الذات والصفات # والرابع تركب الذات القائمة بنفسها المباينة لغيرها المشار إليها من ~~الجواهر المنفردة التي يقال إنها مركبة منها # والخامس تركبها من المادة والصورة التي يقال إنها مركبة منها # وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبينا أنه يمتنع وجود موجود ~~قائم بنفسه سواء كان واجبا أو ممكنا بدون ثبوت هذه المعاني التي سموها ~~تركيبا وأن تسميتهم لذلك تركيبا غلط منهم # وإن قالوا هو اصطلاح اصطلحنا عليه فلا ترتفع بسبب غلط الغالطين وأوضاعهم ~~اللفظية الحقائق الموجودة والمعاني العقلية وأنه ليس في العقل ما يمنع ذلك ~~بل العقل يصدق السمع الدال على إثبات صفات الله تعالى ومباينته لمخلوقاته ~~وأن العقل أثبت موجودا واجبا بنفسه غنيا عما سواه # وأما كون ذلك الموجود لا يكون إلا حيا عالما قادرا أو لا يكون إلا PageV05P142 ~~موصوفا بصفات لازمة لذاته ولا يكون إلا مباينا لمخلوقاته فالعقل يوجب ذلك ~~لواجب الوجود لا نحيله عليه وأن ما ذكروه من إثبات وجود مطلق بشرط الإطلاق ~~أو بسلب الأمور الثبوتية عنه ليس له حقيقة ولا ماهية سواء مطلق الوجود أو ~~الوجود المسلوب عنه الأمور الثبوتية وهو أمر يمتنع تحققه في الخارج وإنما ~~يكون في الأذهان لا في الأعيان # وهذا هو الواحد الذي قالوا لا يصدر عنه إلا واحد فإنه يمتنع تحققه في ~~الخارج وكذلك الواحد ms0936 البسيط الذي يتركب منه الأنواع هو أيضا مما لا يتحقق ~~إلا في الأذهان # ومتكلموا أهل الإثبات إذا قالوا وجوده عين حقيقته أو ماهيته أو ليس وجوده ~~زائدا على ماهيته فليس مرادهم بذلك مراد المتفلسف الجهمي الذي يقول إنه ~~وجود مطلق فإن الوجود المطلق لا حقيقة له في الخارج ولكن مرادهم بذلك ما ~~يريدونه بقولهم إن حقيقة الإنسان هي وجوده الموجود في الخارج وحقيقة السواد ~~هو السواد الموجود في الخارج ونحو ذلك # ومرادهم بذلك أن الشيء الموجود في الخارج الذي له حقيقة تخصه وجوده ~~الثابت في الخارج هو تلك الحقيقة الخاصة فوجوده المختص به هو حقيقته ~~المختصة كما أن الوجود المطلق كلي عام والحقيقة المطلقة كلية عامة ونفس ~~حقيقة الإنسان والجسم وغيرهما ليست PageV05P143 ~~هي وجودا مطلقا وإن كانت حقيقته نفس وجوده فكيف يكون رب العالمين حقيقته ~~وجود مطلق لا يتصور إلا في الذهن # بل هو سبحانه وتعالى مختص بحقيقته التي لا يشركه فيها غيره ولا يعلم ~~كنهها إلا هو وتلك هي وجوده الذي لا يشركه فيه غيره ولا يعلم كنهه إلا هو # والناس إذا علموا وجودا مطلقا أو حقيقة مطلقة فذاك هو الكلي العام الشامل ~~ليس هو نفس الحقيقة الموجودة في الخارج # وكذلك تركب الحقيقة من الصفات العامة والخاصة إنما هو تركيب في الذهن ~~تركيب ذهني عقلي اعتباري # وكذلك تركب الموصوف من الذات والصفات إنما يكون تركيبا لو كان هناك ذات ~~مجردة عن تلك الصفات أو لو أمكن وجود ذلك فأما الذات التي لا تكون إلا حية ~~عالمة فلا يتصور انفكاكها عن الحياة والعلم حتى نقول إن الذات تركيب مع الصفات # وكذلك أيضا الماهية المشار إليها القائمة بنفسها المباينة لغيرها إنما ~~يقال هي مركبة من الأجزاء المنفردة أو من المادة والصورة ولو كان لهذا ~~التركيب حقيقة فأما إذا كان الجوهر الفرد باطلا وتركب الجسم من الجوهرين ~~المادة والصورة باطلا والأمور المشار إليها المباينة لغيرها من المخلوقات ~~كالشمس والقمر ليس هو مركبا من أجزاء منفردة ولا من جوهرين مادة وصورة فكيف ~~يظن ms0937 برب العالمين أنه مركب من ذلك PageV05P144 # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أن الأعيان القائمة بأنفسها خلقها ~~الله تعالى كذلك ليس فيها أجزاء تركبت منها لكن يمكن أن يفرقها الله ~~ويجزئها إلى أن يتصاغر جدا ثم يستحيل إلى نوع آخر مع أن ذلك الجزء الصغير ~~يتميز منه شيء عن شيء وليس في الوجود عين قائمة لا يتميز منها شيء عن شيء # والصورة إما صورة عرضية كشكل الجسم فالمادة هنا هو الجسم نفسه وإما ~~الصورة التي هي المصور كالإنسان نفسه والمادة فيها ليس لها جوهر يحملها بل ~~مادتها ما منه خلقت وتلك المادة استحالت إلى صورة أخرى وفني الأول وعدم كما ~~يفنى المني إذا صار إنسانا وليس بين ما استحال منه واستحال إليه شيء باق ~~بعينه وإنما يشتركان في أمور نوعية كالمقدار ونحوه # والمركب المعقول هو ما كان مفترقا فركبه غيره كما تركب المصنوعات من ~~الأطعمة والثياب والأبنية ونحو ذلك من أجزائها المفترقة # والله تعالى أجل وأعظم من أن يوصف بذلك بل من مخلوقاته ما لا يوصف بذلك ~~ومن قال ذلك فكفره وبطلان قوله واضح # وقد يقال المركب على ما له أبعاض مختلفة كأعضاء الإنسان PageV05P145 ~~وأخلاطه وإن كان خلق كذلك مجتمعا لكنه يقبل التفريق والانفصال والانقسام ~~والله مقدس عن ذلك # وقد يقال المركب على ما يقبل التفريق والانفصال وإن كان شيئا بسيطا ~~كالماء والله مقدس عن ذلك # فهذا هو التركيب المعقول في اللغة والاصطلاح فأما المركب في اللغة فهو ~~الأول خاصة ولكن هذا المعنى لم يريدوه بلفظ المركب # والثاني والثالث قد يسميه طائفة من أهل العلم مركبا فأما الذات [ المتصفة ~~] بصفات لازمة لها التي لها حقيقة تمتاز بها عن سائر الحقائق وتباين غيرها ~~من الموجودات من غير أن يجوز عليها تفريق وتبعيض وتجزئة وتقسيم فهذه لو قدر ~~أنها مخلوقة لم تكن مما يسمى مركبا في اللغة المعروفة والاصطلاح # وإذا سمى مسم هذه مركبا كان إما غالطا في عقله لاعتقاده اشتمالها على ~~حقيقتين وجودها وحقيقتها المغايرة لوجودها أو على حقيقتين ms0938 ذات قائمة بنفسها ~~معقولة مستغنية عن صفاتها وصفات زائدة عليها قائمة بها أو على جواهر منفردة ~~أو معقولة أو نحو ذلك من الأمور التي يثبتها طائفة من الناس ويسمونها تركيبا PageV05P146 # وجمهور العقلاء يخالفونهم في إثبات ذلك فضلا عن تسميته تركيبا ولو سلم ~~لهم ثبوت ما يدعونه لم تكن تسميته مركبا من اللغة المعروفة بل هو وضع ~~اصطلحوا عليه فإن الجسم الذي له صفات كالتفاحة التي لها لون وطعم وريح لا ~~يعرف في اللغة المعروفة إطلاق كونها مركبة من لونها وطعمها وريحها ولا ~~تسمية ذلك أجزاء لها ولا يعرف في اللغة أن يقال إن الإنسان مركب من الطول ~~والعرض والعمق بل ولا أنه مركب من حياته ونطقه إلى أمثال ذلك من الأمور ~~التي يسميها من يسميها من أهل الفلسفة والكلام تركيتا إما غلطا في ~~المعقولات وإما اصطلاحا انفردوا به عن أهل اللغات # فليس لهؤلاء أن ينفوا ما علم ثبوته بالشرع والدعاء ومضاهاة للمشركين ~~والنصارى والصابئين الذين { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون } # وهذه الشفاعة التي أثبتها المشركون وأبطلها القرآن رأيت من هؤلاء ~~المتفلسفة نفاة الصفات كابن سينا ومن ضاهاهم في بعض الأمور PageV05P147 ~~التي يجعلونها علوما مضنونا بها على غير أهلها قد أثبتوا هذه الشفاعة ~~الشركية وهذه الوسائط الإفكية مع أن القرآن العزيز مملوء من ذم أهلها # قال تعالى { أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ~~ولا يعقلون } { قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ~~ترجعون } # وقال تعالى { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون } # وقال تعالى { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم ~~وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع ~~بينكم وضل عنكم ما كنتم ms0939 تزعمون } # وقال تعالى { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } # وقال تعالى { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا } أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم PageV05P148 ~~{ الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } # وقال تعالى { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير } { ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } # فنفي أن يكون لغيره معه ملك أو شريك في الملك أو مظاهرة له ولم يثبت من ~~الشفاعة النافعة إلا ما كان بإذنه وهذه الشفاعة التي يؤمن بها المؤمنون ~~كشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فإنه باتفاق أهل السنة ~~والجماعة له شفاعات في القيامة حتى يشفع في أهل الكبائر من أمته كما ~~استفاضت بذلك الأحاديث الصحيحة كما كان يدعو لهم ويشفع لهم في حياته وكذالك ~~يشفع غيره ممن يأذن الله له في الشفاعة لكن ليست هي الشفاعة التي يثبتها ~~أصناف المشركين من غير أهل الكتاب والصابئين ومن ضاهاهم من أهل الكتاب ~~كالنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة كالمتفلسفة الملاحدة والإسماعيلية وكأهل ~~المضنون به وغيرهم فإنهم جعلوا الشفاعة تنفع بدون دعاء الشافع لله وبدون ~~إذن الرب له في الشفاعة كما تقدم PageV05P149 # والله تعالى يقول { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } # وقال تعالى { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } وأمثال ذلك في كتاب الله عز وجل # وهنا جواب آخر عن أصل الحجة وهو أن يقال هب أن الشيئين يشتركان في شيء ~~موجود في الخارج ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه وأن الكلى المشترك بينهما ~~ثابت في الخارج وأن أحدهما إما أن يكون لازما للآخر أو ملزوما أو عارضا أو ~~معروضا فلم لا يجوز أن يكون المشترك لازما للمعين بل وملزوما أو عارضا يأو ~~معروضا فلم لا يجوز أن يكون المشترك لازما للمعين بل وملزوما له ms0940 بحيث يكون ~~كل من المشترك والمختص مشروطا بالآخر والشرط لا يجب تقدمه على المشروط # وهذا كما أن الحيوانية مع الناطقية والصاهلية كل منهما مشروط بالآخر فلا ~~يوجد المختص الذي هو الناطقية والصاهلية إلا مع الحيوانية ولا توجد حيوانية ~~إلا مع بعض ذلك # وليس المراد بكون المشترك مشروطا بالمختص أنه مشروط بهذا المعين بل مشروط ~~إما بهذا وإما بهذا فالمشترك من حيث هو مشترك مشروط بأحدهما لا بعينه ومن ~~حيث تشخصه وتعينه مشروط بما اقترن به من التعين PageV05P150 # وهذا ثابت في كل شيئين اتفقا في شيء وافترقا في شيء ولا حيلة لهم فيه ~~وذلك أن كون الشيء لازما للآخر أعم من كونه علة أو معلولا أولا علة ولا ~~معلولا فليس كل لازم معلولا فإذا كان كل من الوجوبين لازما لمعينه لم يجب ~~أن يكون الواجب معلولا ولا يكون الملزوم علة # وبهذا يتبين فساد مقدمته الثانية التي قال فيها يجوز أن تكون ماهية الشيء ~~سببا لصفة من صفاته وأن تكون الصفة سببا لصفة أخرى ولكن لا يجوز أن يكون ~~الوجود بسبب ماهيته التي ليست من الوجود أو بسبب صفة أخرى لأن السبب يتقدم ~~في الوجود ولا يتقدم بالوجود قبل الوجود # فإنه يقال له لفظ السبب قد تعني به العلة الموجبة وقد تعنى به الشرط فإن ~~عنيت به الأول لم يجعل الوجود مسببا عن غيره لئلا يلزم تقدم غير الوجود ~~الواجب عليه # وإن عنيت بالسبب الشرط فالشرط لا يجب تقدمه على مشروط بل يجوز مقارنته ~~للمشروط فالأمور المتلازمة كالمتضايفات كل منها لا يوجد إلا مع الآخر ~~فوجوده مشروط به من غير تقدم أحدهما على الآخر # وكذلك أنتم تقولون إن المادة مع الصورة كل منهما شرط في PageV05P151 ~~الآخر من غير تقدمه عليه والمسلمون يقولون إن العلم والقدرة مشروط بالحياة ~~وكلاهما صفة لازمة لله تعالى لا يجوز تقدمها على الأخرى بالوجود # وإذا كان كذلك وقدر أن للواجب حقيقة مغايرة للوجوب فلم لا يجوز أن يكون ~~وجوده الواجب مشروطا بتلك الحقيقة التي هي أيضا مشروطة به ms0941 من غير أن يكون ~~الوجود الواجب مسبوقا بوجود غيره كما يقولون في وجود الممكن إذا قلتم إنه ~~زائد على ماهيته إن ماهيته لا تنفك عن وجوده كما لا ينفك وجوده عن ماهيته # وهذا جواب لا حيلة لهم فيه وهو جواب عن تلازم الذات مع الصفات إذا قدر ~~أحدهما مغايرا للآخر # وأبو عبد الله الرازي أجاب بجواب لم يفصل فيه العلة من الشرط فقال قولكم ~~لو كانت الماهية علة لوجود نفسها لكانت متقدمة بالوجود على نفسها فإن العلة ~~متقدمة بالوجود على المعلول ممنوع فإما لا نسلم وجوب تقدم العلة على ~~المعلول بالوجود وقول القائل هي متقدمة عليه بالذات إن أريد به كونها مؤثرة ~~فمسلم وإن أريد به أنها لا تؤثر فيه إلا بعد وجودها فهذا ممنوع ونحن ندعي ~~أن المؤثر في وجود الله تعالى هو نفس ماهيته لا باعتبار وجود سابق وإن أريد ~~بالتقدم أمر وراء التأثير فذلك غير منصور PageV05P152 # ثم منع عموم الدعوى فقال نزلنا عن هذا المقام فلم قلتم إن كل علة فهي ~~متقدمة بالوجود على المعلول ألا ترى أن ماهيات الممكنات قابلة لوجود ذاتها ~~فماهياتها علل قابلية لوجود ذاتها ففي هذا الموضع العلل القابلية لا يجب ~~تقدمها على المعلول بالوجود وإذا كان كذلك فلم لا يجوز مثله في العلة ~~الفاعلية # وقال لا نقول المؤثر هو الماهية المعدومة بل الماهية من حيث هي هي مغايرة ~~لوجودها وعدمها ونحن إنما نجعل المؤثر في الوجود تلك الماهية فقط # قال فإن قيل كما جوزتم أن تؤثر ماهيته قبل الوجود في وجود نفسها فلم لا ~~يجوز أن تؤثر تلك الماهية قبل وجودها في وجود العالم وحينئذ لا يمكن ~~الاستدلال بوجود الأفعال على وجود الفاعل قلنا البديهة فرقت بين الموضعين ~~فإنا بالبديهة نعلم أن الشيء ما لم يوجد لا يكون سيئا لوجود غيره ونعلم أن ~~لا استبعاد في أن يكون الشيء موجودا PageV05P153 ~~من ذاته والمعلوم من قولنا إنه موجود لذاته أن ذاته تقتضي وجود نفسه وإذا ~~جزمت بالبديهة بالفرق صح كلامنا في هذه المسألة ms0942 # وقد مانعه بعض أصحابه في هذا الموضع وقال العلم بأن العلة لو كانت موجبة ~~للوجود لكانت موجودة علم ضروري لأن المفيد للوجود لابد أن يكون له وجود ~~بحلاف القابل فإنه مستفيد للوجود والمستفيد للوجود يمتنع أن يكون موجودا # قلت هذا الاضطراب إنما نشأ من قولهم كون ذات الواجب فاعلة لوجوده أو علة ~~مقتضية لوجوده إذا قدر أن وجوده مغاير لذاته وهذا لا يحتاج إليه بل إذا قيل ~~ذاته مشروطة بوجوده كما أن وجوده مشروط بذاته وقيل إنهما متلازمان من غير ~~أن يكون أحدهما هو الموجب للآخر كما قالوا مثل ذلك في ذات الممكن ووجوده ~~زالت هذه الشبهة # وهؤلاء كثيرا ما تشتبه عليهم العلل بالشروط في مسائل الدور والتسلسل وغير ~~ذلك ويجعلون الملزوم علة كما يقولون إن ماهية الثلاثة والأربعة علة للفردية ~~والزوجية فيجعلون ذات الشيء علة لصفته اللازمة له وأن فاعل الذات فاعل ~~صفتها فإن الدور في الشروط بمعنى توقف كل من الأمرين على وجود الآخر معه ~~ممكن واقع وهو الدور المعى الاقتراني وأما الدور في العلل وهو أن يكون كل ~~من الأمرين علة للآخر ومبدعا له فهذا ممتنع باتفاق العقلاء PageV05P154 # وكذلك التقدم فإن تقدم الشرط على المشروط غير واجب وأما تقدم الموجب على ~~الموجب والفاعل على المفعول والعلة على المعلول فلا ريب فيه عند جماهير ~~العقلاء # ومعارضة الرازي لهم بالماهية الممكنة القابلة لوجودها إذا قيل بتعددهما ~~معارضة صحيحة وأما فرق المعارض له بأن الماهية في الواجب فاعلة للوجود فغلط ~~فإن ماهية الواجب إذا قيل بمغايرتها لوجوده ليست فاعلة لوجوده بل هي أيضا ~~قابلة لوجوده كالممكن لكن وجوده واجب مع هذا القبول # والقابل والمقبول كلاهما واجب بنفسه يمتنع عدمه بخلاف الممكن كما تقوله ~~الصفاتية في الذات والصفات وكما تقوله الفلاسفة فيما يدعون قدم ذاته ووجوده ~~من الممكنات كالفلك فإن ابن سينا وأتباعه يقولون إن ماهيته محل لوجوده ~~وكلاهما قديم يمتنع عدمه لكن وجوده بغيره فإذا عقل هذا في الواجب بغيره ففي ~~الواجب بنفسه أولى إذا قيل إن نفسه محل لوجوده ms0943 وكلاهما واجب بماهيته ووجوده ~~يمتنع نفي واحد منهما # وبهذا يظهر الجواب عن النظم الذي حرره لهم الآمدي فإن قوله إذا لم يتم ~~تحقق مسمى واجب الوجود في كل من الشيئين إلا بما به التخصيص والامتياز وجب ~~افتقار مسمى واجب الوجود إلى أمر خارج عن المفهوم من اسمه فلا يكون واجبا بذاته PageV05P155 # جوابه على تقدير كون الوجود مغايرا للذات أن يقال لفظ الافتقار يراد به ~~افتقار المعلول إلى العلة ويراد به افتقار المشروط إلى الشرط وإن قيل يراد ~~به معنى ثالث له فإن قلت يجب افتقار مسماه إلى علة فاعلة لم يسلم لك ذلك ~~فإن تحقق المشترك في المميز لا يستلزم كون المميز هو الفاعل المبدع لمشترك ~~وإن أردت بأنه لا يوجد إلا بما هو شرط في وجوده فلم قلت إن هذا محال # وقوله لا يكون واجبا بذاته باطل حينئذ لأنه إذا قدر أن الذات غير الوجود ~~فلا بد في قوله واجب بذاته من تحقق الوجود والذات معا فلا يتقدم أحدهما على ~~الآخر ولا يستغني أحدهما عن الآخر فصار معنى وجوب الوجود بالذات إذا قدر أن ~~الذات عين الوجود أمرا متضمنا لتلازم الوجود الواجب والذات الموصوفة بذلك ~~فلا يكون موجود بذاته إلا كذلك وهذا كله بتقدير ثبوت شيئين # ثم على هذا التقدير فيها قولان إما أن يقال الوجود الملازم للماهية هو ~~أيضا مختص كما أن الماهية مختصة به وهذا هو القول المأثور عن أبي هاشم ~~ونحوه وقد تقوله طائفة من أهل الإثبات كما يوجد في كلام أبي حامد وابن ~~الزاغوني # وإما إن يقال الوجود مشترك في الخارج ولكن الماهية هي المختصة التي تميز ~~وجودا عن غيره وهذا هو الذي يحكيه الرازي عن أبي هاشم وغيره وهو غلط عليهم ~~كما غلط على الأشعري وأبي الحسين PageV05P156 ~~حيث حكى عنهم أن لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي وهذا لغلط منه حيث ظن أن ~~الكلى الذي هو مورد التقسيم يكون ثابتا مشتركا في الخارج وهذا أصل ~~للمنطقيين يخالفهم فيه أئمة الكلام بحسب ما فهمه من كلام ms0944 أهل المنطق فغلط # والمقصود هنا أن قول أبي هاشم وأتباعه خير من قول ابن سينا وأما إذا كان ~~الوجود هو الماهية ولا مشترك في الخارج كما هو قول الأشعري وعامة المثبتة ~~للصفات وهو الصواب فلا يحتاج إلى هذا الجواب # وليس المراد أن ماهيته وجود مطلق مجرد كما يقوله ابن سينا وابن التومرت ~~وغيرهما من الجهمية ولكن المراد أن حقيقته المختصة به هي وجوده المختص به ~~وليس ذلك وجودا مطلقا ولا مجردا وكذلك يقول في كل موجود إن حقيقته المختصة ~~به هي وجوده المختص به وقد ذكرنا هذا الجواب على تقدير مغايرة وجوده ~~لماهيته لأنه نافع في عامة ما يوردونه لنفي الصفات # قال الإمام أحمد باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى ~~فقلنا لم أنكرتم ذلك قالوا إن الله لم PageV05P157 ~~يتكلم ولا يتكلم إنما كون شيئا يعبر عن الله وخلق صوتا فأسمع وزعموا أن ~~الكلام لا يكون إلا من جوف وشفتين ولسان # فقلنا هل يجوز لمكون أو غير الله أن يقول { يا موسى إني أنا ربك } أو ~~يقول { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } فمن قال ذلك زعم أن غير ~~الله ادعى الربوبية ولو كان كما زعم الجهمي أن الله كون شيئا كان يقول ذلك ~~المكون يا موسى إن الله رب العالمين # إلى أن قال فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه الحديث وأما PageV05P158 ~~قوله إن الكلام لا يكون إلا من جوف وشفتين ولسان # أليس الله قد قال للسموات والأرض { ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين } أتراها قالت بجوف وفم وشفتين وأدوات # وقال تعالى { وسخرنا مع داود الجبال يسبحن } أتراها أنها تسبحن بجوف وفم ~~وشفتين ولسان والجوارح إذا شهدت على الكفار فقالوا { لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } أتراها نطقت بجوف وفم وشفتين ولكن الله ~~انطقها كيف شاء # إلى أن قال فلما خنقته ms0945 الحجج قال إن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره ~~فقلنا وغيره مخلوق قالوا نعم قفلنا هذا مثل قولكم الأول إلا أنكم تدفعون عن ~~أنفسكم الشنعة وحديث PageV05P159 ~~الزهري قال لما سمع موسى كلام ربه قال يارب هذا الذي سمعته هو كلامك قال ~~نعم يا موسى هو كلامي وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها ~~وأنا أقوى من ذلك وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك ولو كلمتك بأكثر من ذلك ~~لمت قال فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له صف لنا كلام ربك فقال سبحان الله ~~وهل أستطيع أن أصفه لكم قالوا فشبهه قال هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل ~~في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله # وقلنا للجهمية من القائل للناس يوم القيامة { يا عيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين } أليس الله هو القائل قالوا يكون الله شيئا ~~فيعبر عن الله كما كون شيئا فعبر لموسى قلنا فمن القائل { فلنسألن الذين ~~أرسل إليهم } أليس هو الله تعالى قالوا هذا كله إنما يكون شيء فيعبر عن ~~الله فقلنا قد أعظمتم PageV05P160 ~~على الله الفرية حين زعمتم أنه لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام لأن الأصنام لا ~~تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان # فلما ظهرت عليه الحجة قال إن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق قلنا وكذلك ~~بنو آدم كلامهم مخلوق فقد شبهتم الله تعالى بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق ~~ففي مذهبكم كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام وكذلك بنو آدم ~~كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما فقد جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى الله ~~عن هذه الصفة بل نقول إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا ~~يتكلم حتى خلق [ الكلام ] ولا نقول إنه كان لا يعلم حتى خلق علما فعلم PageV05P161 # قال الإمام أحمد قالت الجهمية إن زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله ~~وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ms0946 ولم يزل ~~وقدرته قلنا لا نقول إن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره بل نقول لم يزل ~~بقدرته ونوره لا متى قدر ولا كيف قدر فقالوا لا تكونون موحدين أبدا حتى ~~تقولوا قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس ~~إنما نصف إلاها واحدا بجميع صفاته وضربنا لهم في ذلك مثلا فقلنا أخبرونا عن ~~هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار واسمها اسم شيء واحد ~~وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد # إلى أن قال وقد سمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد فقال { ذرني ومن خلقت ~~وحيدا } وكان له PageV05P162 ~~عينان وأذنان ولسان وجوارح فسماه وحيدا بجميع صفاته # قلت فلا يوجد في كلام الله ورسوله واللغة اسم الواحد على ما لا صفة له ~~فإن ما لا صفة له لا وجود له في الوجود # وما ذكره أحمد عن الجهمية أنهم يتأولون كلام الله لموسى بأنه خلق من عبر ~~عنه تأوله جماعة من أتباعه في هذا أو في قوله تعالى كل ليلة من يدعوني ~~فأستجيب له ولو كان كذلك لكان الملك يقول إن الله رب العالمين كما في ~~الصحيحين إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ~~ثم ينادي في السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء الحديث ### | AUTO وقد مثلوا ذلك بأن السلطان يأمر مناديا فيقول نادى السلطان ~~وهذا حجة عليهم فإن المنادى يقول أمر السلطان أو إن المرسوم ونحو ذلك من ~~الألفاظ التي تبين أن القائل غيره لا هو ولو قال المنادى قد أمرتكم فإن لم ~~تقبلوا وإلا عاقبتكم ونحو ذلك لم يكن مناديا عن السلطان ولو قال ذلك عاقبه ~~السلطان فصل # أخبر الله تعالى في كتابه بإثبات مفصل ونفى مجمل والمعطلة الجهمية ~~متكلمهم ومتفلسفهم أخبروا بإثبات مجمل ونفي مفصل PageV05P163 ~~فأخبر في كتابه بأنه حي قيوم عليم قدير سميع بصير عزيز حكيم ونحو ذلك يرضى ~~ويغضب ويحب ms0947 ويسخط وخلق واستوى على العرش ونحو ذلك وقال في النفي { ليس ~~كمثله شيء } { ولم يكن له كفوا أحد } { هل تعلم له سميا } فلهذا مذهب السلف ~~والأئمة إثبات صفاته بلا تمثيل لا ينفون عنه الصفات ولا يمثلونها بصفات ~~المخلوقات ] # قال الإمام أحمد الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من ~~أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله ~~الموتى ويبصرون ] بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ~~ضال تائة قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن ~~كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل PageV05P164 ~~الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في ~~الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله ~~وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس ~~بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتنة المضلين # فالمتشابه من الكلام يتكلمون به ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم هو ~~كقولهم مقدس عن الكم والكيف والأين والوضع ومن مقصودهم بذلك أنه لا علم له ~~ولا قدرة ولا رحمة ولا غير ذلك من الصفات وأنه ليس فوق السموات رب ولا على ~~العرش إله ولا هو مباين لمخلوقاته ولا منفصل عنهم # وكذلك قولهم ليس بداخل العالم ولا خارجه وأمثال هذه العبارات السالبة # وكذلك وصف الإمام أحمد وأمثاله قول الجهمية النفاة قال أحمد وكذلك الجهم ~~وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث وأضلوا بكلامهم بشرا ~~كثيرا فكان مما بلغنا PageV05P165 ~~من أمر الجهم عدو الله أنه كان من أهل خراسان من أهل الترمذ وكان صاحب ~~خصومات وكلام وكان أكثر كلامه في الله فلقى أناسا من المشركين يقال لهم ~~السمنية فعرفوا الجهم فقالوا نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ~~ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا ألست تزعم ~~أن لك إلها قال الجهم نعم فقالوا له فهل ms0948 رأيت إلهك قال لا قالوا فهل سمعت ~~كلامه قال لا قالوا فشممت له رائحة قال لا قالوا فوجدت له حسا قال لا قالوا ~~فوجدت له مجسا قال لا قالوا فما يدريك أنه إلاه قال فتحير الجهم فلم يدر من ~~يعبد أربعين يوما ثم إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة ~~النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله فإذا أراد ~~أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما شاء وينهى عما ~~شاء وهو روح غائبة عن الأبصار PageV05P166 ~~فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني ألست تزعم أن فيك روحا قال ~~نعم قال فهل رأيت روحك قال لا قال فسمعت كلامه قال لا قال فشممت له رياحا ~~قال لا قال فوجدت له حسا أو مجسا قال لا قال فكذلك الله لا يرى له وجه ولا ~~يسمع له صوت ولا تشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان # ووجد ثلاث آيات في القرآن من المتشابه قوله { ليس كمثله شيء } { وهو الله ~~في السماوات وفي الأرض } { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } فبنى أصل ~~كلامه على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحايث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وزعم أن من وصف من الله شيئا مما يصف به نفسه في كتابه ~~أو حدث عنه رسوله كان كافرا وكان من المشبهة PageV05P167 ~~فأضل بكلامه بشرا كثيرا واتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب ~~عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية # قلت فهذا الذي ذكره الإمام أحمد من مناظرة جهم لأولئك السمنية هم الذين ~~يحكى أهل المقالات عنهم أنهم أنكروا من العلم ما سوى الحسيات ولهذا سألوا ~~جهما هل عرفه بشيء من الحواس الخمس فقال لا قالوا فما يدريك أنه إلاه فإنهم ~~لا يعرفون إلا المحسوس وليس مرادهم أن الرجل لا يعلم إلا ما أحسه بل لا ~~يثبتون إلا ما هو محسوس ms0949 للناس في الدنيا # وهؤلاء كالمعطلة الدهرية الطبائعية من فلاسفة اليونان ونحوهم الذين ~~ينكرون ما سوى هذا الوجود الذي يشاهده الناس ويحسونه وهو وجود الأفلاك وما فيها # وهؤلاء الذين ذكر ابن سينا قولهم في إشاراته حيث قال قال قوم إن هذا ~~الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه لكنك إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب ~~الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبا وهذا هو القول الذي أظهره فرعون وإليه ~~يعود عند التحقيق قول أهل الوحدة لكن هؤلاء يعتقدون أنهم يثبتون الخالق وأن وجوده PageV05P168 ~~وجود المخلوق فهم متناقضون ثم إن جهم بن صفوان رد عليهم كرد أرسطو وابن ~~سينا وأمثالهم من المشائين على الطبيعيين منهم وهؤلاء يثبتون وجودا عقليا ~~غير الوجود المحسوس ويعتقدون أنهم بهذا الرد أبطلوا قول أولئك كما تقدم ~~حكاية قول ابن سينا لما تكلم على الوجود وعلله وقال قد يغلب على أوهام ~~الناس أن الموجود هو المحسوس وأبطل هذا القول بإثبات الكليات وقد تقدم ~~التنبيه على فساد هذه الحجة وأن الكليات تكون في الأذهان لا في الأعيان # ومن لم يقر إلا بالمحسوس إنما نازع في الموجودات الخارجية لم ينازع في ~~المعقولات الذهنية وإن نازع في ذلك حصلت الحجة عليه بإثبات المعقولات ~~الذهنية فتبقى الموجودات الخارجية وهي الأصل # والحجة التي ذكرها أحمد عن الجهم أنه احتج بها على السمنية هي من أعظم ~~حجج هؤلاء النفاة الحلولية منهم ونفاة الحلول والمباينة جميعا فإن النفاة ~~تارة يقولون بالحلول والاتحاد أو نحو ذلك وتارة يقولون لا مباين للعالم ولا ~~داخل فيه # والشخص الواحد منهم يقول هذا تارة وهذا تارة فإنهم في حيرة والغالب على ~~متكلميهم نفي الأمرين والغالب على عبادهم وفقهائهم وصوفيتهم وعامتهم الحلول ~~فمتكلموهم لا يعبدون شيئا ومتصوفتهم يعبدون كل شيء PageV05P169 # والحلول نوعان حلول مقيد وحلول مطلق فالحلول المقيد هو قول النصارى ~~ونحوهم من غلاة الرافضة وغلاة العباد وغيرهم يقولون إنه حل في المسيح أو ~~اتحد به وحل بعلي أو اتحد به وأنه يتحد بالعارفين حتى يصير الموحد هو ~~الموحد ويقولون % ما وحد ms0950 الواحد من واحد % إذ كل من وحده جاحد % % توحيد من ~~يخبر عن نعته % عارية أبطلها الواحد % % توحيده إياه توحيد % ونعت من ينعته لأحد % # وهؤلاء الذين حكى أحمد قولهم أنهم يقولون إذا أراد الله أن يحدث أمر دخل ~~فيه بعض خلقه فتكلم على لسانه وقد رأيت من هؤلاء غير واحد ممن خاطبني وتكلم ~~معي في هذا المذهب وبينت له فساده # وأما أهل الحلول المطلق الذين يقولون إنه حال في كل شيء أو متحد بكل شيء ~~أو الوجود واحد كأصحاب فصوص الحكم وأمثالهم فؤهلاء يقولون أخطأ النصارى من ~~جهة أنهم خصصوا وكذلك يقولون في عباد الأصنام خطاؤهم من جهة أنهم خصصوا بعض ~~الأشياء فعبدوها # وقد رأيت من هؤلاء أيضا غير واحد وجرت بيننا وبينهم محنة معروفة PageV05P170 # وجعل الإمام أحمد حجة جهم من جنس حجة أولئك الذين يقولون بالحلول المقيد ~~لأن هؤلاء يقولون إنه حل في بعض خلقه # وهؤلاء الجهمية فيهم من يقول إن اللاهوت في الناسوت من غير حلول فيه ~~وهكذا الجهم وأتباعه جعلوا وجود الخالق في المخلوقات من جنس اللاهوت في ~~الناسوت ويجمعون بين القولين المتناقضين كما جمعت النصارى # واحتجاج الجهم بهذا على السمنية كاحتجاج نفاة الصفات بذلك على أهل ~~الإثبات فإن الرازي وأمثاله احتجوا على إمكان وجود موجود لا مباين للعالم ~~ولا داخل فيه بالنفس الناطقة على قول هؤلاء المتفلسفة الذين يقولون إنها لا ~~داخلة في هذا العالم ولا خارجة من هذا العالم إنها تشبه الإله وإن الفلسفة ~~التشبه بالإله على قدر الطاقة # ومقصود الجهم بهذه الحجة بيان إمكان وجود موجود لا سبيل إلى إحساسه فاحتج ~~عليهم بالنفس الناطقة إذ لا سبيل إلى إحساسها وهذه حجة المشائين من ~~المتفلسفة على الطبيعيين منهم وهؤلاء يجعلون ما يثبتونه من الأمور المعقولة ~~حجة على إثبات موجود ليس بمحسوس ثم يزعمون أن ما أخبرت به الرسل من الغيب ~~هو الوجود العقلي الذي يثبتونه # وهذا الموضع حارت فيه أحلام وضلت فيه أفهام وهم PageV05P171 ~~مخطئون شرعا وعقلا أما الشرع فإن الرسل أخبرت عما لم نشهده ولم ms0951 نحسه في ~~الدنيا وسمت ذلك غيبا لمغيبه عن الشهادة كقوله تعالى { الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة } ومنه قوله تعالى { عالم الغيب والشهادة } فالغيب ما غاب ~~عن شهود العباد والشهادة ما شهدوها # وهذا الفرق لا يوجب أن الغيب ليس مما يمكن إحساسه بل من المعلوم ~~بالاضطرار أن ما أخبرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الثواب والعقاب ~~كله مما يمكن إحساسه بل وكذلك ما أخبرت به عن الملائكة والعرش والكرسي ~~والجنة والنار وغير ذلك لكنا لم نشهده الآن # ولهذا عظم ما أخبرت به من الغيب هو الله سبحانه وتعالى مع إخبار الرسول ~~لنا أنا نراه كما نرى الشمس والقمر فأي الإحساس أعظم من إحساسنا بالشمس والقمر # وما أخبرت به من الغيب كالجنة والنار والملائكة والعرش والكرسي وغير ذلك ~~مما يمكن إحساسه فليس الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس ~~والمعقول # فهذا أصل ينبغي معرفته فإنه بسبب هذا وقع من الخلل في كلام طوائف ما لا ~~يحصيه إلا الله تعالى كصاحب الكتب المضنون بها وصاحب الملل والنحل وطوائف غيرهم PageV05P172 # ولهذا وقع في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وصاحب نهاية ~~الإقدام ونحوهما من كلام هؤلاء الذين يجعلون الفرق بين الغيب والشهادة هو ~~الفرق بين المحسوس وبين المعقول أنواع من جنس كلام الملاحدة الباطنية إما ~~ملاحدة الشيعة كما يوجد في كلام صاحب الملل والنحل ونهاية الإقدام وقد قيل ~~إنه صنف تفسيره سورة يوسف على مذهب الإسماعيلية ملاحدة الشيعة وإما ملاحدة ~~الباطنية المنسوبين إلى الصوفية # ومن هنا دخل أهل وحدة الوجود وأمثالهم من ملاحدة النساك المنتسبين إلى ~~التصوف وكل من هؤلاء وهؤلاء يؤول به الأمر إلى مخالفة صريح العقل والنقل # لكن هذا يحيل على علم الإمام المعصوم وهذا يحيل على معرفة الشيخ المحفوظ ~~حتى يدعي كل منهما فيمن يحيل عليه ما هو أعظم من مقام الأنبياء مع أن الذي ~~يحيل عليه لابد أن يكون فيه من الكذب والجهل والظلم ما لا يعلمه إلا الله ~~وأحسن أحواله أن يكون كثير من كذبه ms0952 جهلا منه وضلالا لم يعتمد فيه خلاف ما ~~يعلمه من الحق كضلال كثير من النصارى أهل الأهواء # والمقصود أنه بهذا يتبين أن خطأهم في العقل وما يسمونه معقولات ودعواهم ~~وجود أمور معقولات خارجة عن العاقل لا PageV05P173 ~~يمكن الإشارة إليها ولا الإحساس بها بوجه من الوجوه وليست داخل شيء من ~~العالم ولا خارجه ولا مباينة له ولا حالة فيه فإنه من المعلوم أن المعقولات ~~ما عقلها الإنسان فهي معقولة العقل وأظهر ذلك الكليات المجردة كالإنسانية ~~المطلقة والحيوانية المطلقة والجسم المطلق والوجود المطلق ونحو ذلك فإن هذه ~~من وجوده في العقل وليس في الخارج شيء مطلق غير معين بل لا يوجد إلا وهو ~~معين مشخص وهو المحسوس وإنما يثبت العقليات المجردة في الخارج الغالطون من ~~المتفلسفة كالفيثاغورية الذين يثبتون العدد المجرد والأفلاطونية الذين ~~يثبتون المثل الأفلاطونية وهي الماهيات المجردة والهيولي المجردة والمدة ~~المجردة والخلاء المجرد # وأما أرسطو وأصحابه كالفارابي وابن سينا فأبطلوا قول سلفهم في إثباتها ~~مجردة عن الأعيان ولكن أثبتوها مقارنة للأعيان فجعلوا مع الأجسام المحسوسة ~~جواهر معقولة كالمادة والصورة وإذا حقق الأمر عليهم لم يوجد في الخارج إلا ~~الجسم وأعراضه وأثبتوا في الخارج أيضا الكليات مقارنة للأعيان وإذا حقق ~~الأمر عليهم لم يوجد في الخارج إلا الأعيان بصفاتها القائمة بها # وكذلك ما أثبتوه من العقول العشرة المفارقات إذا حقق الأمر عليهم لم يوجد ~~لها وجود إلا في العقل لا في الخارج كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع # فهذا الذي ذكره الإمام أحمد من احتجاج جهم على السمنية الطبيعية بإثبات ~~موجود عقلي هو كحجة المشائين على الطبيعية وما في PageV05P174 ~~قوله من الحلول الذي ضاهى به النصارى من جنس كلام الحلولية # والمقصود هنا أن نشير إلى جنس كلام السلف والأئمة مع جنس هؤلاء النفاة ~~وأن الجميع يشربون من عين واحدة وأن كلام هؤلاء النفاة للصفات مع معطلة ~~الصانع كلام قاصر من جنس كلام جهم مع السمنية المشركين وكلام المشائين ~~الإلهيين من المتفلسفة مع الطبيعيين منهم # وذكر أحمد أن الجهم ms0953 اعتمد من القرآن على ثلاث آيات تشتبه معانيها على من ~~لا يفهمها آية نفي الإدراك لينفى بها الرؤية والمباينة وآية نفي المثل ~~لينفى بها الصفات ويجعل من أثبتها مشبها وقوله { وهو الله في السماوات وفي ~~الأرض } لينفي بها علوه على العرش أو ليثبت بها مع ذلك الحلول والاتحاد ~~وعدم مباينته للمخلوقات # وهذه أصول الجهمية من المعتزلة أصحاب عمرو بن عبيد ومن دخل في التجهم أو ~~الاعتزال أو بعض فروع ذلك من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد مع أن ~~هؤلاء الأئمة من أبعد الناس عن أصول الجهمية والمعتزلة # قال الإمام أحمد عن الجهمية فإذا سألهم الناس عن قوله PageV05P175 ~~تعالى { ليس كمثله شيء } يقولون ليس كمثله شيء من الأشياء وهو تحت الأرضين ~~السابعة كما هو فوق العرش لا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان ولم ~~يتكلم ولا يتكلم ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا في الآخرة ولا يوصف ولا ~~يعرف بصفة ولا بعقل ولا غاية ولا له غاية ولا منتهى ولا يدرك بعقل هو وجه ~~كله وهو علم كله وهو سمع كله وهو بصر كله وهو نور كله وهو قدرة كله ولا ~~يكون شيئين مختلفين وفي نسخة ولا يوصف بوصفين مختلفين وليس له أعلى ولا ~~أسفل ولا نواحي ولا جوانب ولا يمين ولا شمال ولا هو ثقيل ولا خفيف ولا له ~~لون ولا له جسم وليس هو معقولا وكل ما خطر على قلبك أنه PageV05P176 ~~شيء تعرفه فهو خلافه فقلنا هو شيء فقالوا هو شيء لا كالأشياء فقلنا إن ~~الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء فعند ذلك تبين للناس ~~أنهم لا يأتون بشيء وفي نسخة لا يثبتون شيئا ولكنهم يدفعون عن أنفسهم ~~الشنعة فإذا قيل لهم من تعبدون قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا هذا ~~الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا نعم فقلنا قد عرف ~~المسلمون أنكم لا تأتمون بشيء وإنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما ms0954 تظهرون ~~فقلنا لهم هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى فقالوا لم يتكلم ولا يتكلم لأن ~~الكلام لا يكون إلا بجارحة والجوارح على الله منتفية فإذا سمع الجاهل قولهم ~~يظن أنهم من أشد الناس تعظيما لله ولا يشعر أنهم إنما يقودون قولهم إلى ~~فرية في الله PageV05P177 # فهذا الذي وصفه الإمام أحمد وغيره من علماء السلف من كلام الجهمية هو ~~كلام من وافقهم من القرامطة الباطنية والمتفلسفة المتبعين لأرسطو كابن سينا ~~وأمثاله ممن يقول إنه الوجود المطلق أو المقيد بالقيود السلبية ونحو ذلك ~~وهو حقيقة كلام القائلين بوحدة الوجود # ولهذا ذكر عنهم أنهم سلبوه كل ما يتميز به موجود عن موجود فسلبوه الصفات ~~والأفعال وسائر ما يختص بموجود # ولما قالوا هو شيء لا كالأشياء علم الأئمة مقصودهم فإن الموجودين لابد أن ~~يتفقا في مسمى الوجود والشيئين لابد أن يتفقا في مسمى الشيء فإذا لم يكن ~~هناك قدر اتفقا فيه أصلا لزم أن لا يكونا جميعا موجودين وهذا مما يعرف بالعقل # ولهذا قال الإمام أحمد فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل ~~إنه لا شيء فبين أن هذا مما يعرف بالعقل وهذا مما يعلم بصريح المعقولات # ولهذا كان قول جهم المشهور عنه الذي نقله عنه عامة الناس أنه لا يسمى ~~الله شيئا لأن ذلك بزعمه يقتضي التشبيه لأن اسم الشيء إذا قيل على الخالق ~~والمخلوق لزم اشتراكهما في مسمى الشيء وهذا تشبيه بزعمه PageV05P178 # وقوله باطل فإنه سبحانه وإن كان لا يماثله شيء من الأشياء في شيء من ~~الأشياء فمن المعلوم بالعقل أن كل شيئين فهما متفقان في مسمى الشيء وكل ~~موجودين فيها متفقان في مسمى الوجود وكل ذاتين فهما متفقان في مسمى الذات ~~فإنك تقول الشيء والموجود والذات ينقسم إلى قديم ومحدث وواجب وممكن وخالق ~~ومخلوق ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام # وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع وبينا غلط من جعل ~~اللفظ مشتركا اشتراكا لفظيا # وهذا الذي نبه عليه الإمام أحمد من أن مسمى الشيء ms0955 والوجود ونحو ذلك معنى ~~عام كلي تشترك فيه الأشياء كلها والموجودات كلها هو المعلوم بصريح العقل ~~الذي عليه عامة العقلاء # ومن نازع فيه فلابد أن يقول به أيضا فيتناقض كلامه في ذلك كما تناقض فيه ~~كلام الشهرستاني والرازي والآمدي وغيرهم إذ يجعلونه تارة عاما مقسوما ~~مشتركا اشتراكا لفظيا ومعنويا بين الأشياء الموجودات ويجعلونه تارة مشتركا ~~اشتراكا لفظيا فقط كلفظ المشتري المشترك بين المبتاع والكوكب ولفظ سهيل ~~المشترك بين الكوكب وبين الرجل المسمى بسهيل ولفظ الثريا المشترك بين ~~الكوكب وبين المرأة المسماة ثريا # كما قيل % أيها المنكح الثريا سهيلا % عمرك الله كيف يلتقيان % % هي ~~شامية إذا ما استقلت % وسهيل إذا استقل يمان % PageV05P179 # ولما كان هذا مما يعرف بالعقل قال أحمد فعند ذلك تبين للناس أنهم لا ~~يأتمون بشيء أي لا يقصدون شيئا فإن المؤتم بالشيء يؤمه ويقصده والإمام ~~الطريق لأن السالك يأتم به وهو أيضا الكتاب الذي يأتم به القارئ وهو الإمام ~~الذي يأتم به المصلى والأمة القدوة الذي يؤتم به أي يقتدا والأمة أيضا ~~الدين يقال فلان [ لا ] أمة له أي لا دين له ولا نحلة له # قال الشاعر % وهل يستوي ذو أمة وكفور % # وقول النابغة % حلفت فلم أترك لنفسك ريبة % وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع % # فقول أحمد لا يأتمون بشيء أي لا يدينون بدين ومن روى أنه قال إنكم لا ~~تثبتون شيئا فقوله ظاهر فإن قول الجهمية يتضمن أنهم لا يثبتون في الخارج ~~ربا خالقا للعالم # ثم قال فإذا قيل للجهمية من تعبدون قالوا نعبد من يدبر PageV05P180 ~~أمر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة ~~قالوا نعم فقلنا قد عرف المسلمون أنكم لا تأتمون بشيء # فقال أحمد في هذا الموضع قد عرف المسلمون وقال هناك قد عرف الناس لأنه ~~هنا تكلم في كونه معبودا وأنهم يعبدون وهناك تكلم في كونه موجودا فلما ~~وصفوه بالسلب المحض أخبر أن أهل العقل يعلمون أن الموصوف بالسلب المحض هو ~~العدم فعرف الناس أنهم لا يثبتون ms0956 شيئا # وهنا لما سألهم من يعبدون فأخبروا أنهم يعبدون مدبر الخلق وقالوا إنه ~~مجهول لا يعرف بصفة عرف المسلمون أنهم لا يعبدون شيئا لأن العبادة أصلها ~~قصد المعبود وإرادته والقصد والإرادة مستلزمة للعلم بالمراد المقصود # فما يكون مجهولا لا يعرف بصفة يمتنع أن يكون مقصودا فيمتنع أن يكون ~~معبودا والعبادة هي أمر ديني أمر الله بها ورسوله وهي أصل دين المسلمين # فلهذا قال هنا قد عرف المسلمون أنكم لا تأتمون بشيء وإنما تدفعون عن ~~أنفسكم الشنعة بما تظهرون فبين أن الناس يعلمون PageV05P181 ~~بعقلهم أنهم لا يثبتون شيئا وأن المسلمين يعرفون أنهم لا يعبدون شيئا وبين ~~أن الجاهل إذا سمع قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيما لله ولا يشعر أنهم ~~إنما يقودون قولهم إلى فرية في الله # وهذا الذي ذكره الإمام أحمد أصل قول هؤلاء النفاة الجهمية وسر مذهبهم ~~وكلما كان الرجل أعقل وأعرف وأعلم وأفضل وأخبر بحقيقة الأمر في نفسه وبقول ~~هؤلاء النفاة ازداد في ذلك بصيرة وإيمانا ويقينا وعرفانا # وقد ذكر ابن جرير في تاريخه نسخة الكتاب الذي أرسل في المحنة المشهورة ~~لما كان المأمون قد ذهب إلى ناحية طرسوس وأرسل كتابا إلى الناس ببغداد وأمر ~~نائبه إسحاق بن إبراهيم أن يقرأه على الناس ويدعوهم إلى موافقته فامتنع ~~العلماء عن الإجابة حتى أرسل كتابا يهدد به الناس وأمر بقتل القاضيين إذا ~~لم يجيبا قاضي الشرقية والغربية وهما بشر بن الوليد وعبد الرحمن بن إسحاق ~~فأجاب الناس كرها واعترفوا بذلك وامتنع عن الإجابة سبعة فقيدوهم فأجاب منهم ~~خمسة وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح النيسابوري فأرسلوهما مقيدين فمات ~~محمد بن نوح في الطريق فبقي أحمد بن حنبل ومات المأمون قبل أن يصير إليه أحمد PageV05P182 # والمقصود أنه ذكر في كتابه لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه فوافقه من لم ~~يعرف حقيقة هذه الكلمة وذكر عن أحمد أنه قال لا يشبه الأشياء وليس كمثله ~~شيء ونحو ذلك أو كما قال # وأما قوله بوجه من الوجوه فامتنع منها وذلك لأنه عرف ms0957 أن مضمون ذلك ~~التعطيل المحض فإنه يقتضي أنه ليس بموجود ولا شيء ولا حي ولا عليم ولا قدير ~~ويقتضي إبطال جميع أسمائه الحسنى # وهذا النفي حقيقة قول القرامطة والله تعالى ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه ~~بل هو سبحانه في كل ما هو موصوف به مختص بما لا يماثله فيه غيره وله المثل الأعلى # ولكن لفظ الشبه فيه إجمال وإبهام فما من شيئين إلا وهما متفقان في أمر من ~~الأمور ولو أنه في كونهما موجودين وذلك الذي اتفقا فيه لا يمكن نفيه إلا ~~بنفي كل منهما فإذا قيل هذا لا يوافق هذا بوجه من الوجوه ولا يواطئه بوجه ~~من الوجوه كان هذا ممتنعا # وكذلك إذا أريد بقول القائل لا يشبهه بوجه من الوجوه هذا المعني بخلاف ما ~~إذا أراد بذلك المماثلة والمساواة والمكافأة أو أراد ذلك بلفظ المشاركة ~~والموافقة والمواطأة فإنه سبحانه لا يماثله شيء بوجه من الوجوه ولا شريك له ~~بوجه من الوجوه لا سيما والكليات التي يتفق فيها الشيئان إنما هي في ~~الأذهان لا في الأعيان فليس في PageV05P183 ~~الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء فضلا عن أن يكون الخالق تعالى ~~مشاركا لغيره في شيء من الأشياء سبحانه وتعالى # والقرامطة الباطنية كالجهمية الذين ينفون أن يسمى الله بشيء من الأسماء ~~التي يسمى بها مخلوق لبسوا على الناس بلفظ التشبيه والتركيب ولهذا أنكر ~~جماهير الطوائف عليهم من المعتزلة والنجارية والضرارية ومتكملة الصفاتية ~~وغيرهم بل أنكر عليهم من أنكر من الفلاسفة مع تناقض كثير من الناس معهم # ولهذا زعم أبو العباس الناشئ أن الأسماء التي يسمى بها الله ويسمى بعض ~~عباده بها هي حقيقة في الله مجاز في عباده نقيض قول القرامطة الباطنية ~~والجهمية PageV05P184 # ولهذا كان السلف يجعلون الجهمية زنادقة ولم يكن إذ ذاك ظهرت ملاحدة ~~الشيعة بل في عصر محنة الجهمية في خلافة المأمون والمعتصم ونحوهما شرعت ~~طوائف الملاحدة الباطنية تظهر مع ظهور الجهمية كما ظهرت الخرمية أصحاب بابك ~~الخرمي وهذا أحد ألقاب الباطنية # ويقال إنه سنة عشرين وهي السنة ms0958 التي ضرب فيها أحمد ظهرت أوائل القرامطة ~~الذين ظهروا بالعراق ثم صارت لهم شوكة بهجر مع الجنابي وأتباعه ثم ظهرت ~~دعوتهم الكبرى بأرض المغرب ثم مصر إلى أن فتحها أهل السنة بعد ذلك وبقاياهم ~~في الأرض متفرقون # وهؤلاء لهم أنواع من الإلحاد في غير الأسماء والصفات وإنما PageV05P185 ~~المقصود هنا بيان إلحاد الجهمية نفاة الأسماء والصفات فهؤلاء الذين ينفون ~~حقائق أسماء الله الحسنى ويقولون إنما يسمى بها مجازا أو المقصود بها غيره ~~أو لا يعرف معناها أصل تلبيسهم هو ما في إطلاق هذه الأسماء مما يظنونه من ~~التشبيه الذي يجب نفيه ولهذا عظم كلام المسلمين في هذا الباب وقد بسط في ~~غير هذا الموضع # وتحقيق هذا الموضع من أعظم أصول الدين كما قال أبو المعالي الجويني في ~~الإرشاد من صفات القديم مخالفته للحوادث فالرب لا يشبه شيئا من الحوادث ولا ~~يشبهه شيء منها # قال والكلام في هذا الباب من أعظم أركان الدين فقد غلت طائفة في النفي ~~فعطلت وغلت طائفة في الإثبات فشبهت فأما الغلاة في النفي فقالوا الاشتراك ~~في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه وقالوا على هذا القديم سبحانه لا ~~يوصف بالوجود بل PageV05P186 ~~يقال ليس بمعدوم وكذلك لا يوصف بأنه قادر عالم حي بل يقال ليس بعاجز ولا ~~جاهل ولا ميت # قال وهذا مذهب الفلاسفة والباطنية وأما الغلاة في الإثبات فاعتقدوا ما ~~يلزمهم القول بمماثلة القديم الحوادث # قلت وهذا الذي قاله أبو المعالي من الاعتناء بهذا الأصل متفق عليه بين ~~الطوائف والذي ذكره عن النفاة هو قول الجهمية الذي ذكره الإمام أحمد ولهذا ~~نقلوا عن جهم أنه لا يسمى الله بشيء ونقلوا عنه أنه لا يسميه باسم من ~~الأسماء التي يسمى بها الخلق كالحي والعالم والسميع والبصير بل يسميه قادرا ~~خالقا لأن العبد عنده ليس بقادر إذ كان هو رأس الجهمية الجبرية # ولما كان كل موجودين لابد أن يكون بينهما اتفاق من بعض PageV05P187 ~~الوجوه واختلاف من بعض الوجوه وقد أنكر طائفة من الناس ذلك وقالوا ~~المتماثلان لا يختلفان بحال ms0959 والمختلفان لا يشتبهان في شيء البتة # واضطرب من خالف شيئا من السنة في الأصل الذي يضبطه في نفي التشبيه إذ جعل ~~مسمى التشبيه والتمثيل واحدا فقالت الباطنية وبعض الفلاسفة إن الاشتراك في ~~صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه والتماثل # وقال النجار والقلانسي المثلان هما المجتمعان في صفة من صفات الإثبات إذا ~~لم يكن أحدهما بالثاني ليحترز بهذا القيد عن القديم والحادث # قال أبو المعالي فأما الرد على الفلاسفة فمن أوجه أحدها الاتفاق على أن ~~السواد يشارك البياض في بعض صفات الإثبات من الوجود والعرضية واللونية ثم ~~هما مختفان وكذلك الجوهر والعرض والقديم والحادث لا يمتنع اشتراكهما في صفة ~~واحدة مع اختلافهما في سائر الصفات ويقال لهم أتثبتون الصانع المدبر أم لا PageV05P188 ~~تثبتونه فإن أثبتوه لزمهم من الحكم بإثباته ما حاذروه فإن الحادث ثابت ~~فاستويا في الثبوت ولا واسطة بين الإثبات والنفي فإن قالوا ليس بمنفى قيل ~~لهم نفي النفي إثبات كما أن نفي الإثبات نفي وإذا لزم الثبوت من نفي النفي ~~حصلت المماثلة فإن قالوا نحن لا نطلق الإثبات على صفاته ولا ننطق به قلنا ~~قد نطقتم في صفات الرب بالإثبات أو بصيغة تتضمنه والمقصود من العبارات ~~معناها ثم نقول أتعتقدون ثبوت الإله سبحانه فإن قالوا لا نعتقده قطع الكلام ~~عنهم فيما هو فرع له على أنهم راغموا البديهة لعلمنا بأن نفي النفي إثبات ~~وإن قالوا نعتقد الثبوت ولا ننطق به قلنا كلامنا في الحقائق لا في ~~الإطلاقات فإن قالوا فصفوا الإله بالثبوت والوجود ولا تنطقوا به واعتقدوا ~~وجود الحادث ولا تنطقوا به لتنتفي المماثلة لفظا فإن المماثلة لفظا مما ~~يتوقى في العقائد قلنا يتوقى اللفظ لأدائه إلى الحدوث أو إلى النقص فكل ما ~~لا يؤدي إلى الحدوث وإلى النقص لا نكترث به ثم محاذرة التعطيل أولى من ~~محاذرة التشبيه PageV05P189 # قال ومما يتمسك به أن نقول هلا قلتم الاشتراك في صفة النفي يوجب الاشتباه ~~وما الفرق بين صفة الإثبات والنفي في هذا الباب ثم نقول الرب سبحانه معقول ~~ومذكور كالحادث ms0960 وهو سبحانه مخالف للحادث ولا مخالفة إلا بين اثنين # قال فأما ما قيد النجار به كلامه فليس بعاصم فإن التماثل يتلقى من ~~الاجتماع في الصفة فأما كون أحدهما بالثاني أو المصير إلى أنه ليس به فلا ~~أثر له في التشابه والتماثل PageV05P190 # واختار أبو المعالي ما اختاره القاضي أبو بكر وأمثاله ويشاركهم في ذلك ~~طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وقالوا إن ~~المثلين كل موجودين ثبت لكل واحد منهما من صفات النفس ما ثبت للآخر ولا ~~يجوز أن ينفرد أحد المثلين عن الآخر بصفة نفس ويجوز أن ينفرد بصفة معنى ~~وقوعا يجوز مثلها على مماثلة وبيان ذلك أن الجواهر متماثلة لتساويها في ~~صفات الأنفس إذ لا يستبد جوهر عن جوهر بالتحيز وقبول العرض والقيام بالنفس ~~وقد يختص بعض الجواهر بضروب من الأعراض يجوز أمثالها في سائر الجواهر ويجوز ~~أن يشارك الشيء ما يخالفه في الوجود مثل كونهما عرضين لونين خلافا للباطنية ~~قالوا ولا يجوز أن يتماثل الشيئان من وجه ويختلفا من وجه لأنه إذا قلنا ~~المثلان PageV05P191 ~~هما المتساويان في جميع صفات النفس فإذا اختلف الشيئان من وجه فليسا ~~متماثلين من كل وجه إذ يستحيل التماثل في جميع الوجوه مع الاختلاف في وجه ~~من الوجوه # قلت هذا بناء على اصل تلقوه من المعتزلة وهو أن الجواهر والأجسام متماثلة ~~بخلاف الأعراض فإنها قد تختلف وقد تتماثل # وحقيقة هذا القول أن الأجسام متماثلة من كل وجه لا تختلف من وجه دون وجه ~~بل الثلج مماثل للنار من كل وجه والتراب مماثل للذهب من كل وجه والخبز ~~مماثل للحديد من كل وجه إذ كانا متماثلين في صفات النفس عندهم # وهذا القول فيه [ من ] مخالفة الحس والعقل ما يستغنى به عن بسط الرد على ~~صاحبه بل أصل دعوى تماثل الأجسام من أفسد الأقوال بل القول في تماثلها ~~واختلافها كالقول في تماثل الأعراض واختلافها فإنها تتماثل تارة وتختلف ~~أخرى وتفريقهم بين الصفات النفسية والمعنوية اللازمة للمعين يشبه تفريق أهل ~~المنطق بين الصفات الذاتية ms0961 واللازمة للماهية وكلاهما قول فاسد لا حقيقة له ~~بل قول هؤلاء أفسد من قول أهل المنطق # وإذا وقع الكلام في جسم مطلق وجوهر مطلق فهذا لا وجود له في الخارج وإن ~~وقع في الوجود من الأجسام كالنار والماء PageV05P192 ~~والتراب والإنسان والفرس والذهب والبر والتمر فكل جسم من هذه الأجسام له ~~صفات نفسية لازمة له لا تزول إلا باستحالة نفسه فدعوى المدعى أنه ليس له من ~~الصفات النفسية إلا التحيز وقبول العرض والقيام بالنفس أفسد من قول أهل ~~المنطق فإن أولئك جعلوا مثلا كون الحيوان حساسا متحركا بالإرادة من الصفات ~~الذاتية وهؤلاء لم يجعلوا له صفة نفسية إلا كونه جسما # والتحيز وقبول العرض والقيام بالنفس أمر تشترك فيه الأجسام كلها والأمور ~~المختلفة تشترك في لوازم كثيرة كاشتراك الألوان المختلفة في اللونية ~~والعرضية ليس حقيقة النار مجرد كونها متحيزة قابلة للعرض قائمة بالنفس بل ~~هذا من لوازمها # وايضا فقد يسلم هؤلاء القائلون بامتناع التشابه من وجه دون وجه كأبي ~~المعالي وغيره أن الأعراض المختلفة تشترك في أمور وقد صرحوا بأن القديم ~~والحادث يستويان في الثبوت وأنه يشارك المحدث في أمور # والاشتراك في بعض صفات الإثبات لا يكون تماثلا وهذا تصريح بأن المختلفين ~~يستويان ويشتركان في بعض الصفات فكيف يمكن أن يقال مع هذا إن المختلفين لا ~~يشتبهان من بعض الوجوه وقد صرح بتساويهما في بعض الأشياء وغاية هذا أن يقال ~~إنهما لا يختلفان بوجه من الوجوه في الصفات النفسية وإن اشتبها في الصفات ~~المعنوية # وهذا مع أن اللفظ لا يدل فيعود إلى ما ذكر وقد أخبر الله PageV05P193 ~~تعالى في كتابه بنفي تساوي بعض الأجسام وتماثلها كما أخبر بنفي ذلك عن بعض ~~الأعراض فقال الله تعالى { وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ~~ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات } # وقال تعالى { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } # وقال تعالى { ليسوا سواء } # وقال تعالى { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } وقال تعالى { وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ms0962 يكونوا أمثالكم } فنفى أن يكون بعض الأجسام ~~مثلا أو مساويا لغيره # وإذا قيل إن الأجسام اختلفت بما عرض لها من الأعراض # قيل من الأعراض ما يكون لازما لنوع الجسم أو للجسم المعين كما يلزم ~~الحيوان أنه حساس متحرك بالإرادة ويلزم الإنسان أنه ناطق وكما يلزم الإنسان ~~المعين ما يخصه من إحساسه وقوة تحركه بالإرادة ونطقه وغير ذلك من الأمور ~~المعينة التي لا يشركه في عينها غيره فهذا لا يجوز أن يكون عارضا له إذ هو ~~لازم له # وما يعقل جسم مجرد عن جميع هذه الصفات عرضت له بعد PageV05P194 ~~ذلك فإذا كانت الأجسام تختلف بالأعراض وهي لازمة لها كان من لوازمها أن ~~تكون مختلفة # وتمام هذا أن الأشياء تتماثل وتختلف بذواتها لا نحتاج أن نقول تتماثل في ~~ذواتها والذات تختلف بصفاتها # ولهذا كان الصواب أن الرب سبحانه غير مماثل لخلقه بل هو مخالف لهم بذاته ~~لا نقول إنه مساو لهم بذاته وإنما خالفهم بصفاته # ودعوى من ادعى أن الأجسام مركبة من جواهر لا تنقسم قائمة بأنفسها ليس لها ~~شيء من هذه الأعراض ولكن لما تركبت صارت متصفة بهذه الصفات كاتصاف النار ~~بالحرارة والماء بالرطوبة دعوى باطلة بالعقل والحس فإن الجسم المعين كهذه ~~النار لم تكن أجزاؤه قط عارية عن كونها نارا بل النار لازمة لها # وإذا قيل قد كان هواء فصار نارا # قيل نعم وتلك الأجزاء الهوائية لم تكن قط إلا هواء واستحالة الجسم إلى ~~جسم آخر مشهود معروف عند العامة والخاصة كما يقول الفقهاء إذا استحال الخمر ~~خلا أو العذرة رمادا والخنزير ملحا ونحو ذلك وكما يكون الإنسان منيا ثم ~~يصير علقة ثم مضغة # فإما أن يقال إن أجزاء العذرة تفرقت وهي بعينها باقية حين صارت رمادا ~~وإنما تغيرت صفاتها كما يتغير اللون والشكل بمنزلة PageV05P195 ~~الثوب المصبوغ وبمنزلة الخاتم إذا عمل درهما فهذا مكابرة للحس لأن الفضة ~~التي كانت خاتما هي بعينها التي جعلت درهما أو سوارا وإنما تغير شكلها ~~كالشمعة إذا غير شكلها # وكذلك إذا صبغ الجسم أو تحرك ms0963 فهنا اختلفت صفاته التي هي أعراضه وأما ~~المني إذا صار آدميا والهواء إذا صار نارا والنار إذا طفئت صارت هواء فهنا ~~نفس حقيقة الشيء استحالت فخلق من الأولى ما هو مخالف لها وفنيت الأولى ولم ~~يبق من نفس حقيقتها شيء ولكن بقي ما خلق منها كما يبقى الإنسان الذي خلق من ~~أبيه بعد موت أبيه ولا يقول عاقل إنه عبارة عن أجزاء كانت في أبيه فتفرقت فيه # وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع وبينا فساد قول من يقول الأجسام مركبة ~~من الجواهر التي لا تنقسم أو مركبة من جوهرين قائمين بأنفسهما مادة وصورة # ومن عرف هذا زاحت عنه شبهات كثيرة في الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر ~~في الخلق وفي البعث وفي إحياء الأموات وإعادة الأبدان وغير ذلك مما هو ~~مذكور في غير هذا الموضع # فهذا الموضع يحتاج إلى تحقيقه كل من نظر في هذه الأمور فإنه بمعرفته تزول ~~كثير من الشبهات المتعلقة بالله واليوم الآخر ويعرف من PageV05P196 ~~الكلام الذي ذمه السلف والمعقول الذي يقال إنه معارض للرسول ما يتبين به أن ~~هؤلاء خالفوا الحس والعقل # وذلك أنا نشهد هذه الأعيان المرئية تتحول من حال إلى حال كما نشهد أن ~~الشمس والقمر والكواكب تتحرك وتبزغ تارة وتأفل أخرى ونشهد أيضا أن السحاب ~~والرياح تتحرك لكن السحاب نشهد اجتماعه وتفرقه وخروج الودق من خلاله ونشهد ~~الماء يتحرك ويجتمع ويفترق ونشهد النبات والحيوان ينمى ويغتذى ومثل هذا ~~منتف في الماء والهواء والأفلاك وحركته بالنمو والاغتذاء ليست من جنس حركة ~~الماء والهواء والنجوم فإن هذه توجب من تغير النامي المغتذي واستحالته ما ~~لا توجبه تلك فإن الكواكب هي في نفسها لم تستحل وتتغير بالحركة بخلاف الطفل ~~إذا كبر بعد صفره والزرع إذا استغلظ واستوى على سوقه # ونشهد مع ذلك أن الحطب يصير رمادا ودخانا وكذلك الدهن يصير دخانا والماء ~~يصير بخارا وليس هذا مثل كبر الصغير بل هذا فيه من الإستحالة والإنقلاب من ~~حقيقة إلى حقيقة ما ليس في نبات الزرع والحيوان # ونشهد ms0964 إخراج الله من الأرض والشجر الزرع والثمر وإخراج الحيوان من ~~الحيوان PageV05P197 # كما قال تعالى { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات ~~مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن ~~الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~} وقال تعالى { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } # وقال تعالى { وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ~~فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا } # وقال { وجعلنا من الماء كل شيء حي } وقال { الله الذي خلق السماوات ~~والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك ~~لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار } { وسخر لكم الشمس والقمر } # فنحن نشهد الثمر يخرج من الخشب وليست حقيقة الخشب حقيقة الرطب والعنب ~~والرمان ثم إذا أخرج الثمرة تكون خضراء ثم تصير صفراء ثم تصير حمراء فتختلف ~~ألوانها وتكبر بعد صغرها # ونرى الألوان المختلفة التي يخلقها الله للحيوان والنبات وغير ذلك من ~~أسود وأحمر وأصفر وأبيض ونفرق بين اختلاف ألوانها وحركاتها وطعومها ~~بالحلاوة والحموضة وغير ذلك وبين اختلافها بالنمو والاغتذاء وكبرها بعد ~~الصغر وبين خروج السنبلة من الحبة PageV05P198 ~~والشجرة من النواة وخروج الثمرة من الشجرة فاختلافها بالحركة والسكون ~~والاجتماع والافتراق كتفريق الماء وجمعه وتفريق التراب وجمعه ليس يوجب ~~اختلاف شيء من حقيقة الجسم وبعد ذلك اختلاف ألوانه وطعومه فإن كونه أحمر ~~وأخضر وأصفر وحلوا وحامضا هو اختلاف يزيد على مجرد الحركة كحركة الكواكب ~~والرياح # ثم اختلافه بالنمو والإغتذاء مثل كبر الصغير من الحيوان والنبات اختلاف ~~آخر فيه من التغير والزيادة وغير ذلك ما ليس في مجرد تغير اللون والحركة # ثم يصير الماء بخارا والحطب دخانا أو رمادا نوع آخر فيه انقلاب الحقيقة ~~واستحالتها ما ليس في ذلك # ثم إخراج الثمرات من الشجر والإنسان من المنى والزرع من النبات أمر آخر ~~غير هذا كله فإن الشجرة لم تنقص بخروج الثمرة منها ولا استحالت حقيقتها ~~وكذلك الأرض ms0965 لم تنقص بخروج الزرع منها ولا استحالت حقيقتها # وكذلك خروج الإنسان من أمه وخروج البيضة من الدجاجة ولكن خلق الفروج من ~~البيضة من جنس خلق الإنسان من المنى PageV05P199 ~~والذي يعقل من اجتماع الأجزاء وافتراقها أن تفترق مع بقاء حقيقتها مثل ~~الماء تفرق حتى تصير أجزاؤه في غاية الصغر وهو ماء وكذلك الزئبق ونحوه فإذا ~~استحالت بعد هواء لم يبق ماء ولا زئبق ومن قال إنه بعد انقلابه بقيت ~~الأجزاء كما تبقى إذا تصغرت أجزاؤه فقد خالف الحس والعقل ولا يعقل الماء ~~ونحوه جزءا إلا وهو ماء فإذا صار هواء لم يكن في الهواء جزء هو ماء بل جزء ~~الهواء هواء # وكذلك الحطب تكسر أجزاؤه إلى أن تتصاغر فإذا صار رمادا فأجزاء الرماد ~~مخالفة لأجزاء الحطب ليست هذه الأجزاء تلك فبقاء الشيء مع تغير أعراضه شيء ~~وانقلاب حقيقته شيء آخر # ولهذا تفرق اللغة والشرع بين هذا وهذا وتجعل هذا جنسا مخالفا لهذا في ~~جميع الأحكام بخلاف ما إذا كانت حقيقته باقية وقد تبدلت أعراضها فالحكم ~~المعلق بالذهب والفضة إذا تعلق بعينه كالربا مثلا هو ثابت فيه وإن تغيرت ~~صوره وأشكاله فسواء كان مجتمعا PageV05P200 ~~مضروبا أو مصوغا على أي صورة كان أو مفترقا بالانكسار بخلاف حكمه لما كان ~~ترابا في المعدن قبل أن يصير ذهبا وفضة # وكذلك النوى حكمه وحقيقته غير حكم النخلة وحقيقتها وأما الشجر والثمر ~~فأبعد من هذا كله لأنه لا نشهد هناك من انقلاب أجزاء الشجرة واستحالتها ما ~~نشهد من هذه المنقلبات وإنما نشهد خروج ثمرة لها طعم ولون وريح من خشبة ~~مخالفة لها غاية المخالفة مع أن تلك الخشبة قد تزيد وتنمي مع خروج الثمرة ~~منها وإن كان في ذلك استحالة لطينتها من الماء والهواء والتراب لكن خلق ~~الحيوان والنبات والمعدن من العناصر ليس هو من جنس استحالة هذه المولدات ~~بعضها إلى بعض لا سيما إذا كان بأفعالنا بل كلما بعد التسبب بأفعالنا يكون ~~خلقه أعجب والإبداع للأعيان فيه أعظم # وما كان أقرب إلى مفعولاتنا يكون أبعد عن ms0966 إبداع الأعيان بل وعن انقلاب ~~الحقائق إلى تغير الصفات إلى أن تنتهي إلى مطلق الحركة التي ليس فيها من ~~تغيير الذات شيء كحركة أحدنا بالمشي والقيام والقعود وحركة الكواكب فإن جنس ~~الحركة هو المقدور للآدميين ابتداء وهو أبعد الأعراض والأحوال عن تغير ~~الأعيان والحقائق ولهذا لا يسمى هذا في اللغة المعروفة تغيرا أصلا ولا يقول ~~أحد عند الإطلاق للكواكب إذا كانت سائرة وللإنسان إذا كان ماشيا متغيرا ~~اللهم إلا مع قرينة تبين المراد بخلاف ما إذا تغير لونه بحمرة أو PageV05P201 ~~صفرة فإنهم قد يقولون قد تغير ويقولون تغير الهواء إذا برد بعد السخونة ولا ~~يكادون يسمون مجرد هبوبه تغيرا وإن سمي بذلك فهم يفرقون بين هذا وهذا # والمقصود أن قول من يقول إن هذه المخلوقات التي يخلقها الله بعضها من بعض ~~ليس خلقه لها إلا تغيير صفتها وأن حقيقة كل شيء جواهر أصلية متماثلة باقية ~~لا تتغير حقيقتها أصلا ولكن تكثر تلك الأجزاء وتقل كلام لا حقيقة له وهو ~~متضمن أمورا باطلة إثبات جواهر قائمة بانفسها مخلوقة وراء هذه الأعيان ~~المشهودة وذاك باطل لا حقيقة له # وإثبات هؤلاء لهذه الجواهر الحسية من جنس إثبات آخرين لجواهر عقلية قائمة ~~بأنفسها وراء هذه الأعيان المشهودة يسمونها المادة والصورة وإثبات أن هذه ~~الجواهر متماثلة والأعيان المشهودة متماثلة وهو أمر لا حقيقة له # فدعوى أن خلق الله لمخلوقاته من الحيوان والنبات والمعدن ليس إلا إحداث ~~أعراض وصفات ليس فيه خلق لعيان قائمة بنفسها ولا إحداث لأجسام وجواهر قائمة ~~بنفسها كما تحرك الرياح والمياه وتفرق الماء في مجاريه وهو أيضا من أبطل الباطل # وهذا من أعظم ضلال هؤلاء حيث عمدوا إلى ما هو من أعظم آيات الرب الدالة ~~الشاهدة بوجوده وقدرته ومشيئته وعلمه PageV05P202 ~~وحكمته ورحمته أنكروا وجودها بالكلية وادعوا أنه ليس في ذلك إبداع عين ولا ~~خلق شيء قائم بنفسه وإنما هو إحداث أعراض والواحد منا يقدر على إحداث بعض ~~الأعراض ثم اقتصروا في ذلك على مجرد إحداث أعراض وصفات # ثم أرادوا أن يثبتوا إبداعه ms0967 لجميع الأعيان بأن ادعوا وجود جواهر منفردة ~~لا حقيقة لها وادعوا في الأعيان المختلفات تماثلا لا حقيقة له # ثم أرادوا أن يثبتوا حدوث هذه الجواهر بمجرد قيام الأعراض أو الحركات بها ~~وذلك من أبعد الأشياء عن الدلالة على المطلوب فاحتاجوا إلى تلك المقدمات ~~الباطلة التي ناقضوا بها عقول العقلاء وكذبوا بها ما جاءت به الرسل من ~~الأنبياء واحتاجوا أن ينفوا حقيقة الرب بعد أن نفوا حقيقة مخلوقاته وآل ~~الأمر بهم إما إلى نفى صفاته أيضا وإما إلى إثبات صفات لا موصوف لها كما لم ~~يثبتوا من آياته إلا ما يحدث من صفات الأشياء # ومن تدبر هذا كله وتأمله تبين له أن ما جاء به القرآن من بيان آيات الرب ~~ودلائل توحيده وصفاته هو الحق المعلوم بصريح المعقول وأن هؤلاء خالفوا ~~القرآن في أصول الدين في دلائل المسائل وفي نفس المسائل خلافا خالفوا به ~~القرآن والإيمان وخالفوا به صريح عقل الإنسان وكانوا في قضاياهم التي ~~يذكرونها في خلاف ذلك أهل كذب وبهتان وإن لم يكونوا متعمدين الكذب بل التبس ~~عليهم ما ابتدعوه من الهذيان PageV05P203 ### | AUTO الوجه الحادي والعشرون # أن يقال معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال وتقديم ذلك عليها هو من فعل ~~المكذبين للرسل بل هو جماع كل كفر كما قال الشهرستاني في أول كتابه المعروف ~~بالملل والنحل ما معناه أصل كل شر هو من معارضة النص بالرأي وتقديم الهوى ~~على الشرع # وهو كما قال فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه وبين أن المتبعين لما انزله ~~هم أهل الهدى والفلاح والمعرضين عن ذلك هم أهل الشقاء والضلال # كما قال تعالى { قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } # وقال تعالى { يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن ~~اتقى وأصلح فلا ms0968 خوف عليهم ولا هم يحزنون } والذين PageV05P204 ~~{ كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } # وقد أخبر عن أهل النار أنهم إنما دخلوها لمخالفة الرسل قال تعالى { ويوم ~~يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس } إلى قوله { يا معشر الجن ~~والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين } # وقال تعالى { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت ~~أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } # وقال تعالى { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى ~~قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير } # ومعلوم أن الكلام الذي جاءت به الرسل عن الله نوعان إما إنشاء وإما إخبار ~~والإنشاء يتضمن الأمر والنهي والإباحة فأصل السعادة تصديق خبره وطاعة أمره ~~وأصل الشقاوة معارضة خبره وأمره بالرأي والهوى وهذا هو معارضة النص بالرأي ~~وتقديم الهوى على الشرع PageV05P205 # ولهذا كان ضلال من ضل من أهل الكلام والنظر في النوع الخبري بمعارضة خبر ~~الله عن نفسه وعن خلقه بعقلهم ورأيهم وضلال من ضل من أهل العبادة والفقه في ~~النوع الطلبي بمعارضة أمر الله الذي هو شرعه بأهوائهم وآرائهم # والمقصود هنا أن معارضة أقوال الرسل بأقوال غيرهم من فعل الكفار كما قال ~~تعالى { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد ~~} إلى قوله { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب } # وقال تعالى { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق } # وقوله تعالى { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } مصدق لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم مراء في القرآن كفر # ومن المعلوم أن كل من عارض القرآن وجادل في ذلك بعقله ورأيه فهو ms0969 داخل في ~~ذلك وإن لم يزعم تقديم كلامه على كلام الله ورسوله بل إذا قال ما يوجب ~~المرية والشك في كلام الله فقد دخل في ذلك فكيف بمن يزعم أن ما يقوله بعقله ~~ورأيه مقدم على نصوص الكتاب والسنة PageV05P206 # وقال تعالى { إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } # وقال { الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله ~~وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } # والسلطان هو الكتاب المنزل من السماء كما ذكر ذلك غير واحد من المفسرين # وشواهده كثيرة كقوله تعالى { أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا ~~به يشركون } # وقوله { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان } في سورة الأعراف ويوسف PageV05P207 ~~والنجم فمن عارض آيات الله المنزلة برأيه وعقله من غير سلطان أتاه دخل في ~~معنى هذه الآية # وهذا مما يبين أنه لا يجوز معارضة كتاب الله إلا بكتاب الله لا يجوز ~~معارضته بغير ذلك # وكتاب الله نوعان خبر وأمر كما تقدم أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض ولكن ~~قد يفسر أحد الخبرين الآخر ويبين معناه وأما الأمر فيدخله النسخ ولا ينسخ ~~ما أنزل الله إلا بما أنزله الله فمن أراد أن ينسخ شرع الله الذي أنزله ~~برأيه وهواه كان ملحدا وكذلك من دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحدا # والقرامطة جمعوا هذا وهذا وزعموا أن محمد بن إسماعيل هو السابع الذي نسخ ~~دين محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك تعرض لدعوى النبوة غير واحد من الملاحدة # وآخرون يدعون ما هو عندهم أعلى من النبوة إما ختم الولاية عند من يزعم أن ~~الولاية أفضل من النبوة كمذهب صاحب الفصوص ابن عربي وأمثاله وإما دعوى ~~الفلسفة والحكمة والتي هي في زعم كثير منهم أعلى من النبوة # وهؤلاء الملاحدة نوعان نوع يزعم أنه نزل عليه كما يدعي ذلك من يدعيه من ~~ملاحدة أهل النسك والتصوف # ثم ms0970 من هؤلاء من يقول إن الله أنزل عليه ذلك ومنهم من يقول ألقي إلي أوحي ~~إلي ولا يسمي الموحي PageV05P208 # وقوم يزعمون أنهم يقولون ذلك بعقلهم ورأيهم # وقد جمع الله هؤلاء في قوله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال ~~أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } فذكر سبحانه ~~من يفتري الكذب على الله ومن يقول أنه يوحى إليه ومن يزعم أنه يقول كلاما ~~مثل الكلام الذي أنزله الله # وهذا الأصل هو مما يعلم بالضرورة من دين الرسل من حيث الجملة يعلم أن ~~الله إذا أرسل رسولا فإنما يقول ما يناقض كلامه ويعارضه من هو كافر فكيف ~~بمن يقدم كلامه على كلام الرسول # وأما المؤمنون بما جاء به فلا يتصور أن يقدموا أقوالهم على قوله بل قد ~~أدبهم الله بقوله { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } # ولكن البدع مشتقة من الكفر فلهذا كانت معارضة النصوص الثابتة عن الأنبياء ~~بآراء الرجال هي من شعب الكفر وإن كان المعارض لهذا بهذا يكون مؤمنا بما ~~جاء به الرسول في غير محل التعارض # وإذا كان أصل معارضة الكتب الإلهية بقول فلان وفلان من أصول الكفر علم أن ~~ذلك كله باطل وهذا مما ينبغي للمؤمن تدبره فإنه إذا حاسب نفسه على ذلك علم ~~تصديق ذلك ومما بين هذا PageV05P209 ### | AUTO الوجه الثاني والعشرون # وهو أن يقال إن الله سبحانه ذم من ذمه من أهل الكفر على أنهم يصدون عن ~~سبيل الله ويبغونها عوجا # كما قال تعالى { قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ~~ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ~~وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون } # وقال تعالى { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به ~~وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } # وقال { ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا } # وقال { وويل للكافرين من عذاب شديد ms0971 } الذين يستحبون الحياة الدنيا على ~~الآخرة ويصدون عن سبيل الله # ومعلوم أن سبيل الله هو ما بعث به رسله مما أمر به وأخبر عنه فمن نهى ~~الناس نهيا مجردا عن تصديق رسل الله وطاعتهم فقد صدهم عن سبيل الله فكيف ~~إذا نهاهم عن التصديق بما أخبرت به الرسل وبين أن العقل يناقض ذلك وأنه يجب ~~تقديمه على ما أخبرت به الرسل PageV05P210 ### | AUTO ومعلوم أن من زعم أن العقل الصريح الذي يجب اتباعه يناقض ما ~~جاء به الرسل وذلك هو سبيل الله فقد بغى سبيل الله عوجا أي طلب لها العوج ~~فإنه طلب أن يبين اعوجاج ذلك وميله عن الحق وأن تلك السبيل الشرعية السمعية ~~المروية عن الأنبياء عوجا لا مستقيمة وأن المستقيم هو السبيل التي ابتدعها ~~من خالف سبيل الأنبياء ويوضح هذا الوجه الثالث والعشرون # وهو أن يقال من المعلوم أن الله أخبر أنه أرسل رسله بالهدى والبيان لترج ~~الناس من الظلمات إلى النور فقال تعالى { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } # وقال تعالى { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } # وقال تعالى { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } ~~إلى قوله { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } PageV05P211 ~~وقد قال تعالى { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } # وقال { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } # وقال { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك ~~هم المفلحون } # وقال تعالى { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم } # وقال تعالى { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } # وقال تعالى { ما كان ms0972 حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } # وقال تعالى { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين } # وقال تعالى { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } PageV05P212 # ونظائر هذا في القرآن كثيرة # وإذا كان كذلك فيقال أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إما أن يكون الرسول ~~تكلم فيه بما يدل على الحق أو بما يدل على الباطل أو لم يتكلم لا بما يدل ~~على حق ولا بما يدل على باطل # ومعلوم أنه إذا قدر في شخص من الأشخاص أنه لم يتكلم في أمر الإيمان بالله ~~واليوم الآخر لا بحق ولا بباطل ولا هدى ولا ضلال بل سكت عن ذلك لم يكن قد ~~هدى الناس ولا أخرجهم من الظلمات إلى النور ولا بين لهم ولا كان معه [ ما ] ~~يستضيء به السالك المستدل # فإن قدر أن هذا الشخص تكلم بما يفهم منه نقيض الحق وبما يدل على ضد ~~الصواب وكان مدلول كلامه في ذلك معلوم الفساد بصريح العقل لكان هذا الشخص ~~قد أضل بكلامه وما هدى وكان مخرجا لمن اتبعه بكلامه من النور إلى الظلمات ~~كحال الطاغوت الذين قال الله فيهم { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات } # ومن زعم أن ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة قد عارضه صريح المعقول ~~الذي يجب تقدمه عليه فقد جعل الرسول شبيها بالشخص الثاني الذي أضل بكلامه ~~من وجه ويجعله بمنزلة من جعله كالساكت الذي لم يضل ولم يهد من وجه آخر PageV05P213 # فإنه إذا زعم أن الحق والهدى هو قول نفاة الصفات الذي يعلم بالعقل عنده ~~فمعلوم أن كلام الله ورسوله لم يدل على قول النفاة دلالة يحصل بها الهدى ~~والبيان للمخاطبين بالقرآن إن كان قول النفاة هو الحق # ومعلوم أن كلام الله ورسوله دل على إثبات ms0973 الصفات المناقض لقول النفاة ~~دلالة بينة بقول جمهور الناس إنها دلالة قطعية على ذلك # والمعتزلة ونحوهم من النفاة معترفون بأنها دلالة ظاهرة فإذا كان الرسول ~~لم يظهر للناس إلا إثبات الصفات دون نفيها وكان الحق في نفس الأمر نفيها ~~لكان بمنزلة الشخص الذي كتم الحق وذكر نقيضه # وهذا خلاف ما نعته الله في كتابه فدل على أن هذه الطريق التي يسوغ فيها ~~تقديم عقول الرجال في أصول التوحيد والإيمان على كلام الله ورسوله تناقض ~~دين الرسول مناقضة بينة بل مناقضة معلومة بالاضطرار من دين الإسلام لمن ~~تدبر حقيقة هذا القول وعرف غائلته ووباله ### | AUTO وحينئذ فنقول الوجه الرابع والعشرون # إنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول هذا القرآن أو ~~الحكمة الذي بلغته إلينا قد تضمن أشياء كثيرة تناقض ما علمنا بعقولنا ونحن ~~إنما علمنا صدقك بعقولنا فلو قبلنا جميع ما تقوله PageV05P214 ~~مع أن عقولنا تناقض ذلك لكان ذلك قدحا فيما علمنا به صدقك فنحن نعتقد موجب ~~الأقوال المناقضة لما ظهر من كلامك وكلامك نعرض عنه لا نتلقى منه هدى ولا ~~علم لم يكن مثل هذا الرجل مؤمنا بما جاء به الرسول ولم يرض الرسول منه بهذا ~~بل يعلم أن هذا لو ساغ لأمكن كل أحد أن لا يؤمن بشيء مما جاء به الرسول إذ ~~العقول متفاوتة والشبهات كثيرة والشيطان لا يزال يلقي الوساوس في النفوس ~~فيمكن حينئذ أن يلقى في قلب غير واحد من الأشخاص ما يناقض عامة ما أخبر به ~~الرسول وما أمر به # وقد ظهر ذلك في القرامطة الباطنية الذين ردوا عامة الظاهر الذي جاء به من ~~الأمر والخبر وزعموا أن العقل ينافي هذا الظاهر الذي بينه الرسول # ثم قد يقولون الظاهر خطاب الجمهور والعامة حتى يصل الشخص إلى معرفة ~~الحقيقة التي يزعمون أنها تناقض ما بينه الرسول وحينئذ فتسقط عنه طاعة أمره ~~ويسوغ له تكذيب خبره # ومن المعلوم لعامة المسلمين أن قول الباطنية الذي يتضمن مخالفة الرسول ~~معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام ms0974 # وكذلك ما أخبر به في المعاد قد قال متكلمة المسلمين إن قول الفلاسفة ~~المناقض لذلك معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام # وهكذا ما أخبر به الرسول من أسماء الله وصفاته يعلم أهل الإثبات أن قول ~~النفاة فيه معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام PageV05P215 # وأصل هذا الإلحاد جواز معارضة ما جاءت به الأنبياء بالعقول والآراء ### | AUTO يبين ذلك الوجه الخامس والعشرون # وهو أن الله سبحانه وتعالى قد بين في كتابه أن معارضة مثل هذا فعل ~~الشياطين المعادين للأنبياء # قال تعالى { اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين } ~~ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل { ولا ~~تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل ~~أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم ~~أنها إذا جاءت لا يؤمنون { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } أي وما يشعركم أن الآيات إذا جاءت لا ~~يؤمنون وأنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة فقوله { ونقلب ~~أفئدتهم } معطوف على قوله { لا يؤمنون } وكلاهما داخل في معنى قوله { وما ~~يشعركم } PageV05P216 ~~وبهذا تزول شبهة من لم يفهم الآية فظن أن أن بمعنى لعل لتوهمه أن قوله { ~~ونقلب } فعل مبتدأ إلى قوله { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين ~~آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم } # ومن تدبر هؤلاء الآيات علم أنها منطبقة على من يعارض كلام الأنبياء بكلام ms0975 ~~غيرهم بحسب حاله فإن هؤلاء هم أعداء ما جاءت به الأنبياء # وأصل العداوة البغض كما ان أصل الولاية [ الحب ] ومن المعلوم أنك لا تجد ~~أحدا ممن يرد نصوص الكتاب والسنة بقوله إلا وهو يبغض ما خالف قوله ويود أن ~~تلك الآية لم تكن نزلت وأن ذلك الحديث لم يرد ولو أمكنه كشط ذلك من المصحف لفعله # قال بعض السلف ما ابتدع أحد بدعة إلا خرجت حلاوة الحديث من قلبه # وقيل عن بعض رؤوس الجهمية إما بشر المريسي أو غيره PageV05P217 ~~أنه قال ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن فأقروا به في الظاهر ثم صرفوه ~~بالتأويل ويقال إنه قال إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب وإذا ~~احتجوا بالآيات فغالطوهم بالتأويل # ولهذا تجد الواحد من هؤلاء لا يحب تبليغ النصوص النبوية بل قد يختار ~~كتمان ذلك والنهي عن إشاعته وتبليغه خلافا لما أمر الله به ورسوله من ~~التبليغ عنه # كما قال ليبلغ الشاهد الغائب # وقال بلغوا عني ولو آية # وقال نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه PageV05P218 ~~فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه # وقد ذم الله في كتابه الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى ~~وهؤلاء يختارون كتمان ما أنزله الله لأنه معارض لما يقولونه وفيهم جاء ~~الأثر المعروف عن عمر قال إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم ~~السنن أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها وسئلوا فقالوا في الدين برأيهم فذكر ~~أنهم أعداء السنن # وبالجملة فكل من أبغض شيئا من الكتاب والسنة ففيه من عداوة النبي بحسب ~~ذلك وكذلك من أحب ذلك ففيه من الولاية بحسب ذلك PageV05P219 # قال عبد الله بن مسعود لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب ~~القرآن فهو يحب الله وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله # وعدو الأنبياء هم شياطين الإنس والجن # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس ~~والجن فقال أو للإنس شياطين فقال نعم ms0976 شر من شياطين الجن وهؤلاء يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا # والزخرف هو الكلام المزين كما يزين الشيء بالزخرف وهو المذهب وذلك غرور ~~لأنه يغر المستمع والشبهات المعارضة لما جاءت به الرسل هي كلام مرخرف يغر ~~المستمع # ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة فهؤلاء المعارضون لما جاءت به ~~الرسل تصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة كما رأيناه وجربناه # ثم قال { أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا } وهذا ~~يبين أن الحكم بين الناس هو الله تعالى بما أنزله من الكتاب المفصل PageV05P220 # كما قال تعالى في الآية الأخرى { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } # وقال تعالى { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } # وقوله تعالى { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا } جملة في موضع الحال # وقوله { أفغير الله أبتغي حكما } استفهام إنكار يقول كيف أطلب حكما غير ~~الله وقد أنزل كتابا مفصلا يحكم بيننا # وقوله مفصلا يبين أن الكتاب الحاكم مفصل مبين بخلاف ما يزعمه من يعارضه ~~بآراء الرجال ويقول إنه لا يفهم معناه ولا يدل على مورد النزاع فيجعله إما ~~مجملا لا ظاهر له أو مؤولا لا يعلم عين معناه ولا دليل يدل على عين المعنى ~~المراد به # ولهذا كان المعرضون عن النصوص المعارضون لها كالمتفقين على أنه لا يعلم ~~عين المراد [ به ] وإنما غايتهم أن يذكروا احتمالات كثيرة ويقولون يجوز أن ~~يكون المراد واحدا منها ولهذا أمسك من أمسك منهم عن التأويل لعدم العلم ~~بعين المراد PageV05P221 # فعلى التقديرين لا يكون عندهم الكتاب الحاكم مفصلا بل مجملا ملتبسا أو ~~مؤولا بتأويل لا دليل على إرادته # ثم قال { والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } وذلك أن ~~الكتاب الأول مصدق للقرآن فمن نظر فيما بأيدي أهل الكتاب من التوراة ~~والإنجيل علم علما يقينا لا يحتمل النقيض أن هذا وهذا جاءا من مشكاة واحدة ~~لا سيما في باب التوحيد والأسماء ms0977 والصفات فإن التوراة مطابقة للقرآن موافقة ~~له موافقة لا ريب فيها # وهذا مما يبين أن ما في التوراة من ذلك ليس هو من المبدل الذي أنكره ~~عليهم القرآن بل هو من الحق الذي صدقهم عليه ولهذا لم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه ينكرون ما في التوراة من الصفات ولا يجعلون ذلك مما بدله ~~اليهود ولا يعيبونهم بذلك ويقولون هذا تشبيه وتجسيم كما يعيبهم بذلك كثير ~~من النفاة ويقولون إن هذا مما حرفوه بل كان الرسول إذا ذكروا له شيئا من ~~ذلك صدقهم عليه كما صدقهم في خبر الحبر كما هو في الصحيحين عن عبد الله بن ~~مسعود وفي غير ذلك # ثم قال { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } فقرر أن ما أخبر الله به فهو صدق ~~وما أمر به فهو عدل وهذا يقرر أن ما في النصوص من الخبر فهو صدق علينا أن نصدق PageV05P222 ~~به لا نعرض عنه ولا نعارضه ومن دفعه فإنه لم يصدق به وإن قال أنا أصدق ~~الرسول تصديقا مجملا فإن نفس الخبر الذي أخبر به الرسول وعارضه هو بعقله ~~ودفعه لم يصدق به تصديقا مفصلا ولو صدق الرجل الرسول تصديقا مجملا ولم ~~يصدقه تصديقا مفصلا فيما علم أنه أخبر به لم يكن مؤمنا له ولو أقر بلفظه مع ~~إعراضه عن معناه الذي بينه الرسول أو صرفه إلى معان لا يدل عليها مجرى ~~الخطاب بفنون التحريف بل لم يردها الرسول فهذا ليس بتصديق في الحقيقة بل هو ~~إلى التكذيب أقرب ### | AUTO يحقق هذا الوجه السادس والعشرون # وهو أن يقال إن الله ذم أهل الكتاب على كتمان ما أنزل الله وعلى الكذب ~~فيه وعلى تحريفه وعلى عدم فهمه # قال تعالى { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ~~ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ~~وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به ~~عند ربكم أفلا تعقلون { أو لا يعلمون أن الله ms0978 يعلم ما يسرون وما يعلنون } ~~ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا PageV05P223 ~~أماني وإن هم إلا يظنون { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا ~~من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما ~~يكسبون } # فذم المحرفين له والأميين الذين لا يعلمونه إلا أماني والذين يكذبون ~~فيقولون لما يكتبونه هو من عند الله وما هو من عند الله كما ذم الذين يلوون ~~ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب وقد ذم الذين يكتمون ~~ما أنزل الله من الكتاب في غير هذا الموضع # وهذه الأنواع الأربعة موجودة في الذين يعرضون عن كتاب الله ويعارضونه ~~بآرائهم وأهوائهم فإنهم تارة يكتمون الأحاديث المخالفة لأقوالهم ومنهم ~~طوائف يضعون أحاديث نبوية توافق بدعهم كالحديث الذي تحتج به الفلاسفة أول ~~ما خلق الله العقل # والحديث الذي يحتج به الجهمية كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان PageV05P224 # والحديث الذي يحتجون به في نفي الرؤية لا ينبغي لأحد أن يرى الله في ~~الدنيا ولا في الآخرة # والحديث الذي يحتجون به في نفي العلو كالحديث الذي رواه ابن عساكر فيما ~~أملاه في نفي الجهة عن شيخه ابن عبد الله العوسجي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال الذي أين الأين فلا يقال له أين وعارض به حديث ابن إسحاق الذي ~~رواه أبو داود وغيره الذي قال فيه يستشفع بك على الله ويستشفع بالله عليك ~~وأكثر فيه في القدح في ابن إسحاق مع احتجاجه بحديث أجمع العلماء على أنه من ~~أكذب الحديث وغاية ما قالوا فيه إنه غريب # والأحاديث التي تحتج بها الإتحادية من هؤلاء وغيرهم مثل قولهم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال رب زدني فيك تحيرا # ومثل الأحاديث التي يحتج بها الواصفون بالنقائص كحديث الجمل الأورق ~~ونزوله عشية عرفة إلى الأرض يصافح الركبان ويعانق PageV05P225 ~~المشاة ونزوله إلى بطحاء مكة وقعوده على كرسي بين السماء والأرض ونزوله على ~~صخرة بيت المقدس وأمثال ذلك # وكذلك ما ms0979 يضعونه من الكتب بآرائهم وأذواقهم ويدعون أن هذا هو دين الله ~~الذي يجب اتباعه وأما تحريفهم للنصوص بأنواع التأويلات الفاسدة التي يحرفون ~~بها الكلم عن مواضعه فأكثر من أن يذكر كتأويلات القرامطة الباطنية والجهمية ~~والقدرية وغيرهم # وأما عدم الفهم فإن النصوص التي يخالفونها تارة يحرفونها بالتأويل وتارة ~~يعرضون عن تدبرها وفهم معانيها فيصيرون كالأميين PageV05P226 ~~الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني ولهذا تجد هؤلاء معرضين عن القرآن ~~والحديث فمنهم طوائف لا يقرون القرآن مثل كثير من الرافضة والجهمية لا تحفظ ~~أئمتهم القرآن وسواء حفظوه أو لم يحفظوه لا يطلبون الهدى منه بل إما أن ~~يعرضوا عن فهمه وتدبره كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإما أن ~~يحرفوه بالتأويلات الفاسدة # وأما الحديث فمنهم من لا يعرفه ولم يسمعه وكثير منهم لا يصدق به ثم إذا ~~صدقوا به كان تحريفهم له وإعراضهم عنه أعظم من تحريف القرآن والإعراض عنه ~~حتى أن منهم طوائف يقرون بما أخبر به القرآن من الصفات وأما الحديث إذا ~~صدقوا به فهم لا يقرون بما أخبر به # وإذا تبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بالمعقولات لابد له من كتمان أو ~~كذب أو تحريف أو أمية مع عدم علم وهذه الأمور كلها مذمومة دل ذلك على أن ~~هؤلاء مذمومون في كتاب الله كما ذم الله أشباههم من أهل الكتاب وأن هؤلاء ~~وأمثالهم دخلوا في قوله صلى الله عليه وسلم الذي ثبت عنه في الصحيح الذي ~~قال فيه لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن PageV05P227 # فإن قيل فما ذكرتموه قد يشعر بأنه ليس لأحد أن يعارض حديثا ولا يستشكل ~~معناه وقد كان الصحابة يفعلون ذلك # حتى قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال من نوقش ~~الحساب عذب قالت عائشة يا رسول الله أليس الله يقول { فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا } فقال ذلك العرض ومن نوقش ms0980 الحساب عذب # ولما قال لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة قالت له حفصة أليس الله يقول ~~{ وإن منكم إلا واردها } فقال ألم تسمعي قوله { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر ~~الظالمين فيها جثيا } # وقال له عمر عام الحديبية ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف PageV05P228 ~~به فقال هل قلت لك إنك تدخله هذا العام قال لا قال فإنك آتيه ومطوف به # قيل لم يكن في الصحابة من يقول إن عقله مقدم على نص الرسول وإنما كان ~~يشكل على أحدهم قوله فيسأل عما يزيل شبهته فيتبين له أن النص لا شبهة فيه # فلما نفى النبي صلى الله عليه وسلم مناقشة الحساب عن الناجين لم ينف كل ~~ما يسمى حسابا والحساب يراد به الموازنة بين الحسنات والسيئات وهذا يتضمن ~~المناقشة ويراد به عرض الأعمال على العامل وتعريفه بها # ولهذا لما تنازع أهل السنة في الكفار هل يحاسبون أم لا كان فصل الخطاب ~~إثبات الحساب بمعنى عد الأعمال وإحصائها وعرضها عليهم لا بمعنى إثبات حسنات ~~نافعة لهم في ثواب يوم القيامة تقابل سيئاتهم # وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل النار أحد بايع تحت ~~الشجرة لم يرد به المرور على الصراط فإن ذاك لا يسمى دخولا ولكن سماه الله ~~ورودا بقوله { وإن منكم إلا واردها } PageV05P229 # ولفظ الورود يحتمل العبور والدخول وأيضا فالورود والدخول قد يراد ورود أعلاها # وقد ثبت في الصحيح أنهم إذا عبروا على الصراط منهم من يمر كالطرف ومنه من ~~يمر كالريح ومنهم من يمر كأجاويد الخيل # وفسر النبي صلى الله عليه وسلم الورود بهذا وهذا عام لجميع الخلق فلما ~~قالت حفصة أليس الله يقول { وإن منكم إلا واردها } لم تكن هذه معارضة صحيحة ~~لما أخبر به فبين لها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن زبرها أن الله قال { ~~ثم ننجي الذين اتقوا } فتلك النجاة هي المعنى الذي أراده بقوله لا يدخل ~~النار أحد بايع تحت الشجرة # فإن قيل فعائشة قد عارضت ما رواه عمر وغيره عن ms0981 النبي صلى الله PageV05P230 ~~عليه وسلم من قوله إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه بقول الله تعالى { ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى } وعارضت ما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~مخاطبة أهل القليب يوم بدر بقوله { إنك لا تسمع الموتى } # قيل الجواب من وجهين # أحدهما أنا لم ننكر أنهم كانوا يعارضون نصا بنص آخر وإنما أنكرنا معارضة ~~النصوص بمجرد عقلهم والنصوص لا تتعارض في نفس الأمر إلا في الأمر والنهي ~~إذا كان أحدهما ناسخا والآخر منسوخا وأما الأخبار فلا يجوز تعارضها # وأما إذا قدر أن الإنسان تعارض عنده خبران أو أمران عام وخاص وقدم الخاص ~~على العام فإنه يعلم أن ذلك ليس بتعارض في PageV05P231 ~~نفس الأمر وأن المعنى الخاص لم يدخل في إرادة المتكلم باللفظ العام فالدليل ~~الخاص يبين ما لم يرد باللفظ العام كما في قوله { يوصيكم الله في أولادكم } ~~فالسنة بينت أن الكافر والعبد والقاتل لم يدخل في ذلك # هذا عند من يجعل اللفظ عاما لهؤلاء وأما من قال العام في الأشخاص مطلق في ~~الأحوال فإنه يقول إن الآية تعم كل ولد ولكن لم يبين فيها الحال الذي يرث ~~فيها الولد والحال التي لم يرث فيها ولكن هذا مبين في نصوص أخرى # وهؤلاء يقولون لفظ القرآن باق على عمومه ولكن ما سكت عنه لفظ القرآن من ~~الشروط والموانع بين في نصوص أخرى # وهكذا يقولون في قوله { والسارق والسارقة } وأمثال ذلك من عمومات القرآن ~~وظواهره لا يقولون إن ظاهر اللفظ متروك ولكن يقولون ما سكت عنه اللفظ يبين ~~في نصوص أخرى ويقولون فرق بين ما يعمه اللفظ وبين ما سكت عنه من أحوال ما ~~عمه فإن اللفظ مطلق في ذاك لا عام له # وإذا كان في كلام الله ورسوله كلام مجمل أو ظاهر قد فسر معناه وبينه كلام ~~آخر متصل به أو منفصل عنه لم يكن في هذا خروج عن كلام الله ورسوله ولا عيب ~~في ذلك ولا نقص كما في الحديث PageV05P232 ~~الصحيح يقول الله عبدي جعت فلم ms0982 تطعمني فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين ~~فيقول أما علمت أن عبدي فلانا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي عبدي عطشت فلم ~~تسقني فيقول كيف أسقيك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا عطش ~~فلو أسقيته لوجدت ذلك عندي عبدي مرضت فلم تعدني فيقول كيف أعودك وأنت رب ~~العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده # فهذا الحديث قد قرن به الرسول بيانه وفسر معناه فلم يبق في ظاهره ما يدل ~~على باطل ولا يحتاج إلى معارضة بعقل ولا تأويل يصرف فيه ظاهره إلى باطنه ~~بغير دليل شرعي # فأما أن يقال إن في كلام الله ورسوله ما ظاهره كفر وإلحاد من غير بيان من ~~الله ورسوله لما يزيل الفساد ويبين المراد فهذا هو الذي تقول أعداء الرسل ~~الذين كفروا من المشركين وأهل الكتاب وهو الذي لا يوجد في كلام الله أبدا # وإيضاح ذلك في PageV05P233 ### | AUTO الوجه السابع والعشرون # وهو أن نقول الذين يعارضون كلام الله وكلام رسوله بعقولهم إن كانوا من ~~ملاحدة الفلاسفة والقرامطة قالوا إن الرسل أبطنت خلاف ما أظهرت لأجل مصلحة ~~الجمهور حتى يؤول الأمر بهم إلى إسقاط الواجبات واستحلال المحرمات إما ~~للعامة وإما للخاصة دون العامة ونحو ذلك مما يعلم كل مؤمن أنه فاسد مخالف ~~لما علم بالاضطرار من دين الإسلام وإن كانوا من أهل الفقه والكلام والتصوف ~~الذين لا يقولون ذلك فلابد لهم من التأويل الذي هو صرف اللفظ عن الاحتمال ~~الراجح إلى الاحتمال المرجوح # ولفظ التأويل يراد به التفسير كما يوجد في كلام المفسرين ابن جرير وغيره ~~ويراد به حقيقة ما يؤول إليه الكلام وهو المراد بلفظ التأويل في القرآن # وهذان الوجهان لا ريب فيهما والتأويل بمعنى التفسير والبيان كان السلف ~~يعلمونه ويتكلمون فيه # وأما بالمعنى الثاني فمنه ما لا يعلمه إلا الله ولهذا كانوا يثبتون العلم ~~بمعاني القرآن وينفون العلم بالكيفية كقول مالك وغيره الاستواء معلوم ~~والكيف مجهول PageV05P234 # فالعلم بالاستواء من باب التفسير وهو التأويل الذي نعلمه ms0983 وأما الكيف فهو ~~التأويل الذي لا يعلمه إلا الله وهو المجهول لنا # ويراد بالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين صرف اللفظ عن الاحتمال ~~الراجح إلى الاحتمال المرجوح وهذا هو الذي تدعيه نفاة الصفات والقدر ونحو ~~ذلك من نصوص الكتاب والسنة # وهؤلاء قولهم متناقض فإنهم بنوه على أصلين فاسدين فإنهم يقولون لابد من ~~تأويل بعض الظواهر كما في قوله جعت فلم تطعمني وقوله الحجر الأسود يمين ~~الله في الأرض ونحو ذلك ثم أي نص خالف رأيهم جعلوه من هذا الباب فيجعلون ~~تارة المعنى الفاسد هو الظاهر ليجعلوا في موضع آخر المعنى الظاهر فاسدا وهم ~~مخطئون في هذا وهذا # ومضمون كلامهم أن كلام الله ورسوله في ظاهره كفر وإلحاد من غير بيان من ~~الله ورسوله للمراد # وهذا قول ظاهر الفساد وهو أصل قول أهل الكفر والإلحاد # أما النصوص التي يزعمون أن ظاهرها كفر فإذا تدبرت النصوص وجدتها قد بينت ~~المراد وأزالت الشبهة فإن الحديث الصحيح لفظه عبدي مرضت فلم تعدني فيقول ~~كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته ~~لوجدتني عنده # فنفس ألفاظ الحديث نصوص في أن الله نفسه لا يمرض وإنما الذي مرض عبده المؤمن PageV05P235 # ومثل هذا لا يقال ظاهره أن الله يمرض فيحتاج إلى تأويل لأن اللفظ إذا قرن ~~به ما يبين معناه كان ذلك هو ظاهره كاللفظ العام إذا قرن به استثناء أو ~~غاية أو صفة كقوله { فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } وقوله { فصيام ~~شهرين متتابعين } ونحو ذلك فإن الناس متفقون على أنه حينئذ ليس ظاهره ألفا ~~كاملة ولا شهرين سواء كانا متفرقين أو متتابعين # وأما قوله الحجر الأسود يمين الله في الأرض فهو أولا ليس من الحديث ~~الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا نحتاج أن ندخل في هذا الباب ~~ولكن هؤلاء يقرنون بالأحاديث الصحيحة أحاديث كثيرة موضوعة ويقولون بتأول ~~الجميع كما فعل بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي وأبو بكر بن فورك في كتاب ~~مشكل الحديث حتى ms0984 أنهم يتأولون حديث عرق الخيل وأمثاله من الموضوعات PageV05P236 # هذا مع أن عامة ما فيه من تأويل الأحاديث الصحيحة هي تأويلات المريسي ~~وأمثاله من الجهمية وقد يكون الحديث مناما كحديث رؤية ربه في أحسن صورة ~~فيجعلونه يقظة ويجعلونه ليلة المعراج ثم يتأولونه # وقد صنف القاضي أبو يعلى كتابه في إبطال التأويل ردا لكتاب ابن فورك وهو ~~وإن كان أسند الأحاديث التي ذكرها وذكر من رواها ففيها عدة أحاديث موضوعة ~~كحديث الرؤية عيانا ليلة المعراج ونحوه وفيها اشياء عن بعض السلف رواها بعض ~~الناس مرفوعة كحديث قعود الرسول صلى الله عليه وسلم على العرش رواه بعض ~~الناس من طرق كثيرة مرفوعة وهي كلها موضوعة وإنما الثابت أنه عن مجاهد ~~وغيره من السلف وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه ويتلقونه بالقبول PageV05P237 # وقد يقال إن مثل هذا لا يقال إلا توقيفا لكن لا بد من الفرق بين ما ثبت ~~من ألفاظ الرسول وما ثبت من كلام غيره سواء كان من المقبول أو المردود # ولهذا وغيره تكلم رزق الله التميمي وغيره من أصحاب أحمد في تصنيف القاضي ~~أبي يعلى لهذا الكتاب بكلام غليظ وشنع عليه أعداؤه بأشياء هو منها بريء كما ~~ذكر هو ذلك في آخر الكتاب # وما نقله عنه أبو بكر بن العربي في العواصم كذب عليه عن مجهول لم يذكره ~~أبو بكر وهو من الكذب عليه مع أن هؤلاء وإن كانوا نقلوا عنه ما هو كذب عليه ~~ففي كلامه ما هو مردود نقلا وتوجيها وفي كلامه من التناقض من جنس ما يوجد ~~في كلام الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي المعالي وأمثالهم ممن ~~يوافق النفاة على نفيهم ويشارك أهل الإثبات على وجه يقول الجمهور إنه جمع ~~بين النقيضين # ويقال إن أبا جعفر السمناني شيخ أبي الوليد الباجي قاضي PageV05P238 ~~الموصل كان يقول عليه ما لم يقله ويقال عن السمناني إنه كان مسمحا في حكمه وقوله # والمقصود هنا أن ما لم يكن ثابتا عن الرسول لا نحتاج أن ندخله في هذا ~~الباب سواء احتيج إلى ms0985 تأويل أو لم يحتج # وحديث الحجر الأسود يمين الله في الأرض هو معروف من كلام ابن عباس وروي ~~مرفوعا وفي رفعه نظر ولفظ الحديث الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن ~~صافحه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه ففي لفظ هذا الحديث أنه يمين ~~الله في الأرض وأن المصافح له كأنما صافح الله وقبل يمينه ومعلوم أن المشبه ~~ليس هو المشبه به فهذا صريح في أنه ليس هو نفس صفة الله فلا يمكن أحد أن ~~يأتي بنص صحيح صريح يدل على معنى فاسد من غير بيان للنص أصلا فالحمد لله ~~الذي سلم كلامه وكلام رسوله من كل نقص وعيب وسبحان ربك رب العزة عما يصفون ~~وسلام على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب والحمد لله رب ~~العالمين # وأما الخطأ الثاني فيأتون إلى نصوص صحيحة دالة على معان دلالة بينة بل ~~صريحة قطعية كأحاديث الرؤية ونحوها مما فيه إثبات الصفات فيقولون هذه تحتاج ~~إلى التأويل كتلك وقد تبين استغناء كل من الصنفين عن التحريف وأن التفسير ~~الذي به يعرف الصواب PageV05P239 ~~قد ذكر ما يدل عليه في نفس الخطاب إما مقرونا به وإما في نص آخر # ولهذا لما لم يكن لهم قانون قويم وصراط مستقيم في النصوص لم يوجد أحد ~~منهم يمكنه التفريق بين النصوص التي تحتاج إلى تأويل والتي لا تحتاج إليه ~~إلا بما يرجع إلى نفس المتأول المستمع للخطاب لا بما يرجع إلى نفس المتكلم ~~بالخطاب فنجد من ظهر له تناقض أقوال أهل الكلام والفلاسفة كأبي حامد ~~وأمثاله ممن يظنون أن في طريقة التصفية نيل مطلوبهم يعولون في هذا الباب ~~على ذوقهم وكشفهم فيقولون إن ما عرفته بنور بصيرتك فقرره وما لم تعرفه فأوله # ومن ظن أن في كلام المتكلمين ما يهدي إلى الحق يقول ما ناقض دلالة العقل ~~وجب تأويله وإلا فلا # ثم المعتزلي والمتفلسف الذي يوافقه يقول إن العقل يمنع إثبات الصفات ~~وإمكان الرؤية # ويقول المتفلسف الدهري إنه يمنع إثبات معاد الأبدان وإثبات أكل وشرب في ms0986 ~~الآخرة ونحو ذلك # فهؤلاء مع تناقضهم لا يجعلون الرسول نفسه نصيب في خطابه PageV05P240 ~~دليلا يفرق به بين الحق والباطل والهدى والضلال بل يجعلون الفارق هو ما ~~يختلف باختلاف الناس من أذواقهم وعقولهم # ومعلوم أن هذا نسبة للرسول إلى التلبيس وعدم البيان بل إلى كتمان الحق ~~وإضلال الخلق بل إلى التكلم بكلام لا يعرف حقه من باطله ولهذا كان حقيقة ~~أمرهم الإعراض عن الكتاب والرسول فلا يستفيدون من كتاب الله وسنة رسوله ~~شيئا من معرفة صفات الله تعالى بل الرسول معزول عندهم عن الإخبرا بصفات ~~الله تعالى نفيا وإثباتا وإنما ولايته عندهم في العمليات أو بعضها مع أنهم ~~متفقون على أن مقصوده العدل بين الناس وإصلاح دنياهم # ثم يقولون مع ذلك إنه أخبرهم بكلام عن الله وعن اليوم الآخر صار ذلك ~~الكلام سببا للشر بينهم والفتن والعداوة والبغضاء مع ما فيه عندهم من فساد ~~العقل والدين فحقيقة أمرهم أنه أفسد دينهم ودنياهم وهذا مناقض لقولهم إنه ~~أعقل الخلق وأكملهم أو من أعقلهم وأكملهم وأنه قصد العدل ومصلحة دنياهم # فهم مع قولهم المتضمن للكفر والإلحاد يقولون قولا مختلفا يؤفك عنه من أفك ~~متناقض غاية التناقض فاسد غاية الفساد # وهذا ينكشف PageV05P241 ### | AUTO الوجه الثامن والعشرين # وهو أن يقال حقيقة قول هؤلاء الذين يجوزون أن تعارض النصوص الإلهية ~~النبوية بما يناقضها من آراء الرجال أن لا يحتج بالقرآن والحديث على شيء من ~~المسائل العلمية بل ولا يستفاد التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله فإنه إذا ~~جاز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسنة أخبار يعارضها صريح ~~العقل ويجب تقديمه عليها من غير بيان من الله ورسوله للحق الذي يطابق مدلول ~~العقل ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح العقل فالإنسان لا يخلو من ~~حالين وذلك لأن الإنسان إذا سمع خطاب الله ورسوله الذي يخبر فيه عن الغيب ~~فإما أن يقدر أن له رأيا مخالفا للنص أو ليس له رأي يخالفه فإن كان عنده ~~مما يسميه معقولا ما يناقض خبر الله ورسوله وكان ms0987 معقوله هو المقدم قدم ~~معقوله وألغى خبر الله ورسوله وكان حينئذ كل من اقتضى عقله مناقضة خبر من ~~أخبار الله ورسوله قدم عقله على خبر الله ورسوله ولم يكن مستدلا بما أخبر ~~الله به ورسوله على ثبوت مخبره بل ولم يستفد من خبر الله ورسوله فائدة ~~علمية بل غايته أن يستفيد إتعاب قلبه فيما يحتمله ذلك اللفظ من المعاني ~~التي لا يدل عليها الخطاب إلا دلالة بعيدة ليصرف إليها اللفظ PageV05P242 # ومعلوم أن المقصود بالخطاب الإفهام وهذا لم يستفد من الخطاب الإفهام فإن ~~الحق لم يستفده من الخطاب بل من عقله والمعنى الذي دل عليه الخطاب الدلالة ~~المعروفة لم يكن المقصود الخطاب إفهامه وذلك المعنى البعيد الذي صرف الخطاب ~~إليه قد كان عالما بثبوته بدون الخطاب ولم يدله عليه الخطاب الدلالة ~~المعروفة بل تعب تعبا عظيما حتى أمكنه احتمال الخطاب له مع أنه لا يعلم أن ~~المخاطب أفاده بالخطاب فلم يكن في خطاب الله ورسوله على قول هؤلاء لا إفهام ~~ولا بيان بل قولهم يقتضي أن خطاب الله ورسوله إنما أفاد تضليل الإنسان ~~وإتعاب الأذهان والتفريق بين أهل الإيمان وحصول العداوة بينهم والشنآن ~~وتمكين أهل الإلحاد والطغيان من الطعن في القرآن والإيمان # وأما إن لم يكن عنده ما يعارض النص مما يسمى رأيا ومعقولا وبرهانا ونحو ~~ذلك فإنه لا يجزم بأنه ليس في عقول جميع الناس ما يناقض ذلك الخبر الذي ~~أخبر الله به ورسوله # ومن المعلوم أن الدلالات التي تسمى عقليات ليس لها ضابط ولا هي منحصرة في ~~نوع معين بل ما من أمة إلا ولهم ما يسمونه معقولات # واعتبر ذلك بأمتنا فإنه ما من مدة إلا وقد يبتدع بعض الناس بدعا يزعم ~~أنها معقولات PageV05P243 # ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص ~~بالعقليات فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي والمرجئة والقدرية ~~حدثوا في أواخر عصر الصحابة وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على ~~قولهم لا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص # ولكن لما ms0988 حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم المعارضين للنصوص ~~برأيهم ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين في الأمة # وأولهم الجعد بن درهم ضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بواسط ~~وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم ~~أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول ~~الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه # وإنما صار لهم ظهور وشوكة في أوائل المائة الثالثة لما قواهم من PageV05P244 ~~قواهم من الخلفاء فامتحن الناس ودعاهم إلى قولهم ونصر الله الإيمان والسنة ~~بمن أقامه من أئمة الهدى الذين جعلهم الله أئمة في الدين بما آتاهم الله من ~~الصبر واليقين كما قال الله تعالى { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } # والمقصود هنا أن ما تذكره الجهمية نفاة الصفات من العقليات المناقضة ~~للنصوص لم يكن معروفا عند الأمة إذ ذاك ولما ابتدعوه لم يسمعه أكثر الأمة # ثم قد وضعت الجهمية من المعتزلة وغيرهم من ذلك في الكتب ما شاء الله ~~وأكثر المؤمنين لا يعلمون ذلك وما من أحد من النفاة إلا وقد يذكر على النفي ~~من حججه العقلية ما لا يذكره الآخر ولا تجد طائفتين يتفقان على طريقة واحدة ~~عقلية بل المعتزلة عمدتهم في النفي أن الصفات أعراض والأعراض لا تقوم إلا ~~بجسم وعمدتهم في نفي الجسم كونه لا ينفك من الحوادث أو كونه مركبا من ~~الأجزاء المفردة فهم يستدلون بالأكوان الأربعة التي للجسم وهي الإجتماع ~~والإفتراق والحركة والسكون على حدوثه # وأما ابن كلاب وأتباعه فينازعونهم في أن الصفات لا تقوم إلا بمحدث ~~ويسلمون لهم أن الأفعال ونحوها من الأمور الاختيارية لا PageV05P245 ~~تقوم إلا بمحدث وكذلك الأشعري وأتباعه ينازعونهم في أن الصفات لا تقوم إلا ~~بجسم وتوافقهم على أن الأفعال لا تقوم إلا بجسم # ومن أتباعهم المتفلسفة من نازعهم في أن الأفعال لا تقوم إلا بجسم # وطوائف غير هؤلاء من الهشامية والكرامية وغيرهم يسلمون لهم أن الصفات ~~والأفعال لا تقوم ms0989 إلا بجسم وينازعونهم في كون الجسم لا يخلو من الحوادث ~~ويجوزون وجود جسم ينفك من قيام الحوادث به ثم يحدث فتقوم به بعد ذلك وقد ~~ينازعونهم في كون كل جسم مركبا من الأجزاء المنفردة # وهذه الطوائف وأمثالها من طوائف أهل الكلام من المسلمين واليهود والنصارى ~~وغيرهم كلهم متفقون على أن الممكن لا يكون إلا جسما أو قائما بجسم ~~ومتنازعون في الواجب # والمتفلسفة المشاءون الذين يثبتون ممكنا ليس بجسم ولا قائم بجسم يقولون ~~إن الجسم الممكن قد يكون قديما أزليا أبديا تحله الحوادث والأعراض وأن ~~الجسم الممكن لا ينفك من الحوادث وليس هو عندهم بمحدث وهو مركب كتركيب ~~الأجسام وهو عندهم قديم أزلي فهذا عندهم لا ينافي القدم والأزلية وإنما ~~ينفون ذلك عن واجب الوجود بناء على أن إثبات الصفات تركيب وواجب الوجود ليس بمركب PageV05P246 # والتركيب الذي يعنيه هؤلاء أعم من التركيب الذي يعنيه أولئك فإن هؤلاء ~~يزعمون أن هنا خمسة أنواع من التركيب يجب نفيها عن الواجب فيقولون ليس له ~~حقيقة سوى الوجود المطلق إذ لو كان له حقيقة سوى ذلك لكان مركبا من تلك ~~الحقيقة # والوجود يثبتونه وجودا مطلقا بشرط الإطلاق أو بشرط النفي أو لا بشرط مع ~~علم كل عاقل أن هذا لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان ويقولون ليس له ~~صفة ثبوتية لا علم ولا قدرة إذ لو كان كذلك لكان مركبا من ذات وصفات # ثم يقولون هو عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق وعشق وهو ملتذ ومبتهج وملتذ ~~به مبتهج به وذلك كله شيء واحد فيجعلون الصفة هي الموصوف وهذه الصفة هي الأخرى # ومعلوم أن هذا أكثر تناقضا من قول النصارى ويقولون لا يدخل هو وغيره تحت ~~عموم لئلا يكون مركبا من صفة عامة وخاصة كتركيب النوع من الجنس والفصل أو ~~من الخاصة والعرض العام مع أنهم يقولون الموجود ينقسم إلى واجب وممكن ~~والواجب يتميز عن الممكن بما يختص به ويقولون ليس فوق العالم لأنه لو كان ~~كذلك لكان له جانبان فيكون جسما مركبا من ms0990 الأجزاء المفردة أو المادة ~~والصورة # ثم أتباع هذه الطوائف يحدثون من الحجج العقلية على قول متبوعهم PageV05P247 ~~ما لم تكن عند متبوعهم فيكونون بزعمهم قد تبين لهم من العقليات النافية ما ~~لم يتبين لمتبوعهم # واعتبر ذلك بما تجده من الحجج لأبي الحسين البصري وأمثاله مما لم يسبقه ~~إليها شيوخه وما تجده لأبي هاشم ولأبي علي الجبائي وعبد الجبار بن أحمد مما ~~لم يسبقهم إليها شيوخهم # بل أبو المعالي الجويني ونحوه ممن انتسب إلى الأشعري ذكروا في كتبهم من ~~الحجج العقليات النافية للصفات الخبرية ما لم يذكره ابن كلاب والأشعري ~~وأئمة أصحابهما كالقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثاله فإن هؤلاء متفقون على ~~إثبات الصفات الخبرية كالوجه واليد والاستواء # وليس للأشعري في ذلك قولان بل لم يتنازع الناقلون لمذهبه نفسه في أنه ~~يثبت الصفات الخبرية التي في القرآن وليس في كتبه المعروفة إلا إثبات هذه ~~الصفات وإبطال قول من نفاها وتأول النصوص وقد رد في كتبه على المعتزلة ~~الذين ينفون صفة اليد والوجه والاستواء ويتأولون ذلك بالاستيلاء ما هو ~~معروف في كتبه لمن يتبعه ولم ينقل عنه أحد نقيض ذلك ولا نقل أحد عنه في ~~تأويل هذه الصفات قولين # ولكن لأتباعه فيها قولان فأما هو وأئمة أصحابه فمذهبهم إثبات هذه الصفات ~~الخبرية وإبطال ما ينفيها من الحجج العقلية وإبطال تأويل نصوصها PageV05P248 # وابو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات موافقة للمعتزلة والجهمية ثم لهم ~~قولان أحدهما تأويل نصوصها وهو أول قولي أبي المعالي كما ذكره في الإرشاد ~~والثاني تفويض معانيها إلى الرب وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في ~~الرسالة النظامية وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ~~ليس بسائغ ولا واجب # ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول إن العقل الصريح نفى هذه الصفات ومنهم من ~~يقف ويقول ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي لا على إثباتها ولا على نفيها وهي ~~طريقة الرازي والآمدي # وابو حامد تارة يثبت الصفات العقلية متابعة للأشعري وأصحابه وتارة ينفيها ~~أو يردها إلى العلم موافقة ms0991 للمتفلسفة وتارة يقف وهو آخر أحواله ثم يعتصم ~~بالسنة ويشتغل بالحديث وعلى ذلك مات # وكذلك أبو محمد بن حزم مع معرفته بالحديث وانتصاره PageV05P249 ~~لطريقة داود وأمثاله من نفاة القياس أصحاب الظاهر قد بالغ في نفي الصفات ~~وردها إلى العلم مع أنه لا يثبت علما هو صفة ويزعم أن أسماء الله كالعليم ~~والقدير ونحوهما لا تدل على العلم والقدرة وينتسب إلى الإمام أحمد وأمثاله ~~من أئمة السنة ويدعي أن قوله هو قول أهل السنة والحديث ويذم الأشعري ~~وأصحابه ذما عظيما ويدعي أنهم خرجوا عن مذهب السنة والحديث في الصفات # ومن المعلوم الذي لا يمكن مدافعته أن مذهب الأشعري وأصحابه في مسائل ~~الصفات أقرب إلى مذهب أهل السنة والحديث من مذهب ابن حزم وأمثاله في ذلك # ثم المتفلسفة الدهرية كالفارابي وابن سينا يزعمون أن العقل يحيل معاد ~~الأبدان فيجب تقديم العقليات على دلالة السمع ويخاطبون من أقر بالمعاد من ~~المعتزلة وموافقيهم في نفي ذلك بما تخاطب به المعتزلة المثبتة الصفات ~~ويقولون لهم قولنا في نصوص المعاد كقولكم في نصوص الصفات PageV05P250 # وهكذا خاطبت القدرية من المعتزلة والشيعة وغيرها لمتكلمة الإثبات في ~~مسألة القدر وقالت القول في النصوص المثبتة للقدر وأن الله خالق أفعال ~~العباد كالقول في نصوص الصفات # وبهذا أجاب من أجاب من المعتزلة والشيعة لهؤلاء فقالوا في الجواب عما ~~يحتج به هؤلاء من الحجج السمعية على أن الله خالق أفعال العباد من جهة ~~الجملة ومن جهة التفصيل # أما من جهة الجملة فمن وجوه # أحدها أنه إذا ثبت كونه تعالى عادلا لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب في ~~حكمته وجب أن يكون للآيات التي يتعلقون بها وجوه لا تنافي ما ثبت من ~~الدلالة وإن لم تعلم الوجوه على سبيل التفصيل # وقالوا هذا كما نقول نحن وهم في الآيات التي تتعلق بها المشبهة في كون ~~الله تعالى جسما نحو قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان } وما يجري مجري ذلك من ~~الآيات التي يفيد ظاهرها التشبيه من أنه إذا ثبت أنه تعالى لا يشبه الأشياء ~~وجب ms0992 أن يكون لهذه الآيات وجوه تطابق أدلة العقول وإن لم نعلمها على سبيل ~~التفصيل # فهذه الطريق التي سلكها هؤلاء القدرية هي الطريق التي سلكها من وافقهم ~~على نفي الصفات أو بعضها من الجهمية كجهم بن PageV05P251 ~~صفوان وحسين النجار وضرار بن عمرو وغيرهم فإن هؤلاء يثبتون القدر ويوافقون ~~المعتزلة على نفي الصفات # ومن المعلوم أن الحجج العقلية التي يحتج بها المعتزلة والشيعة ليس لها ~~ضابط بل قد سلك أبو الحسين البصري مسلكا خالف فيه شيوخه وادعى أن العلم ~~بإحداثها ضروري # فهذا وأضعافه مما يبين أنه ليس لما يدعى من العقليات التي يقال إنها ~~تناقض النصوص ضابط بل ذلك من باب الوساوس والخطرات التي لا تزال تحدث في النفوس # فإذا جوز المجوز أن يكون لبعض ما أخبر الله به ورسوله معقول صريح يناقضه ~~ويقدم عليه لم يأمن أن يكون كل ما يسمعه من أخبار الله ورسوله من هذا الباب ~~غيته أن يقول ليس عندي من العقليات ما يناقض ذلك أو لم أسمع أو لم أجد ونحو ذلك # وهذا القدر لا ينفي أن يكون في نفس الأمر قضايا عقلية لم تصل إليه بعد ~~وإذا قال العقل لا ينفي ما أقر به # قيل له أتريد بذلك أنك لم تعلم معقولا ينافي ذلك أو تعلم أنه ليس يمكن أن ~~يكون في المعقول ما ينافي ذلك إذا جوزت أن يكون في المعقول ما يناقض أخبار الرسول # فإن قلت بالأول لم ينفعك ذلك # وإن قلت بالثاني لم يكن كلامك صحيحا لأنك جوزت أن يكون في المعقول ما ~~يناقض أخبار الرسول PageV05P252 # ومع هذا فالجزم ينفي كل معقول جزم بلا علم بخلاف المؤمن بجميع ما أخبر ~~الله به الذي يجزم بأنه ليس في المعقول ما يناقض منصوص الرسول فإن هذا قد ~~علم ذلك علما يقينا عاما مطلقا # وإذا قال الذي يقر ببعض النصوص دون بعض المضاهي لمن آمن ببعض الكتاب دون ~~بعض الذي نفيته يحيله العقل والذي أقررته لا يحيله العقل بل هو ممكن في العقل # قيل له أتعني ms0993 بقولك لا يحيله العقل وهو ممكن في العقل الإمكان الذهني أو ~~الخارجي # فإن عنيت الإمكان الذهني بمعنى أنه لم يقم دليل عقلي يحيله فهذا لا ينفي ~~أن يكون في نفس الأمر ما يحيله ولم تعلمه # وإن عنيت به الإمكان الخارجي وهو أنك علمت بعقلك أنه يمكن ذلك في الخارج ~~فهذا لا يتأتى لك في كثير من الأخبار # وهؤلاء الذين يدعون أنهم يقررون إمكان ذلك بالعقل يقول أحدهم هذا لو ~~فرضناه لم يلزم منه محال كما يقول ذلك الآمدي ونحوه أو يقول هذا لا يفضي ~~إلى قلب الأجناس ولا تجوير الرب ولا كذا ولا كذا فيعددون أنواعا محصورة من ~~الممتناعات # ومعلوم أن نفي محالات معدودة لا يستلزم نفي كل محال # وقول القائل لو فرضناه لم يلزم منه محال إن أراد به لآ أعلم أنه يلزم منه ~~محال لم ينفعه PageV05P253 # وإن قال أعلم أنه لا يلزم منه محال فهو لم يذكر دليلا على هذا العلم فما ~~الدليل على أنه علم أنه لا يلزم منه محال # فتبين أن من جوز على خبر الله أو خبر رسوله أن يناقضه شيء من المعقول ~~الصريح لم يمكنه أن يصدق بعامة ما أخبر الله به ورسوله من الغيب لا سيما ~~والأمور الغائبة ليس للمخبرين بها خبرة يمكنهم أن يعلموا بعقولهم ثبوت ما ~~أخبر به أو انتقاء جميع ما تتخيله النفوس من المعارضات له # بل إذا كانت الأمور المشاهدة الحسية وما يبني عليها من العلوم العقلية قد ~~وقع فيها شبهات كثيرة عقلية تعارض ما علم بالحس أو العقل وكثير من هذه ~~الشبه السوفسطائية يعسر على كثير من الناس أو أكثرهم حلها وبيان وجه فسادها ~~وإنما يعتصمون في ردها بأن هذا قدح فيما علم بالحس أو الضرورة فلا يستحق ~~الجواب فيكون جوابهم عنها أنها معارضة للأمر المعلوم الذي لا ريب فيه فيعلم ~~أنها باطلة من حيث الجملة وإن لم يذكر بطلانها على وجه التفصيل # ولو قال قائل هذه الأمور المعلومة لا تثبت إلا بالجواب عما يعارضها من ~~الحجج السوفسطائية ms0994 لم يثبت لأحد علم بشيء من الأشياء إذ لا نهاية لما يقوم ~~بنفوس بعض الناس من الحجج السوفسطائية # فهكذا تصديق خبر الله ورسوله قد علم علما يقينيا أنه صدق PageV05P254 ~~مطابق لمخبره وعلمنا بثبوت جميع ما أخبر به أعظم من علمنا بكل فرد فرد من ~~علومنا الحسية والعقلية وإن كنا جازمين بجنس ذلك فإن حسنا وعقلنا قد يعرض ~~له من الغلط ما يقدح في بعض إدراكاته كالشبه السوفسطائية # وأما خبر الله ورسوله فهو صدق موافق لما الأمر عليه في نفسه لا يجوز أن ~~يكون شيء من أخباره باطلا ولا مخالفا لما هو الأمر عليه في نفسه ويعلم من ~~حيث الجملة أن كل ما عارض شيئا من أخباره وناقضه فإنه باطل من جنس حجج ~~السوفسطائية وإن كان العالم بذلك قد لا يعلم وجه بطلان تلك الحجج المعارضة ~~لأخباره # وهذه حال المؤمنين للرسول الذين علموا أنه رسول الله الصادق فيما يخبر به ~~يعلمون من حيث الجملة أن ما ناقض خبره فهو باطل وأنه لا يجوز أن يعارض خبره ~~دليل صحيح لا عقلي ولا سمعي وأن ما عارض أخباره من الأمور التي يحتج بها ~~المعارضون ويسمونها عقليات أو برهانيات أو وجديات أو ذوقيات أو مخاطبات أو ~~مكاشفات أو مشاهدات أو نحو ذلك من الأمور الدهاشات أو يسمون ذلك تحقيقا أو ~~توحيدا أو عرفانا أو حكمة حقيقية أو فلسفة أو معارف يقينية ونحو ذلك من ~~الأسماء التي يسميها بها أصحابها فنحن نعلم علما يقينيا لا يحتمل النقيض أن ~~تلك جهليات PageV05P255 # وضلالات وخيالات وشبهات مكذوبات وحجج سوفسطائية وأوهام فاسدة وأن تلك ~~الأسماء ليست مطابقة لمسماها بل هي من جنس تسمية الأوثان آلهة وأربابا ~~وتسمية مسيلمة الكذاب وأمثاله أنبياء { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى } # والمقصود أنه من جوز أن يكون فيما علمه بحسه وعقله حجج صحيحة تعارض ذلك ~~لم يثق بشيء من علمه ولم يبق له طريق ms0995 إلى التصديق بشيء من ذلك # فهكذا من جوز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله حجج صحيحة تعارض ذلك لم ~~يثق بشيء من خبر الله ورسوله ولم يبق له طريق إلى التصديق بشيء من أخبار ~~الله ورسوله # ولهذا كان هؤلاء المعرضين عن الكتاب المعارضين له سوفسطائية منتهاهم ~~السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات يتأولون كلام الله وكلام رسوله ~~بتأويلات يعلم بالاضطرار أن الله ورسوله لم يردها بكلامه وينتهون في أدلتهم ~~العقلية إلى ما يعلم فساده بالحس والضرورة العقلية # ثم إن فضلاءهم يتفطنون لما بهم من ذلك فيصيرون في الشك والحيرة والارتياب ~~وهذا منتهى كل من عارض نصوص الكتاب PageV05P256 # وإذا كان قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن التصديق الجازم بما أخبر به ~~الرسول حق واجب وطريق هؤلاء تناقضه علم بالضرورة من دين الإسلام أن طريق ~~هؤلاء فاسدة في دين الإسلام وهذه هي طريقة أهل الإلحاد في أسماء الله وآياته # وإذا كان ما أوجب الشك والريب ليس بدليل صحيح وإنما الدليل ما أفاد العلم ~~واليقين وطريق هؤلاء لا يفيد العلم واليقين بل يفيد الشك والحيرة علم أنها ~~فاسدة في العقل كما أنها إلحاد ونفاق في الشرع # وهذا كله بين لمن تدبره والأمر فوق ما أصفه وأبينه وهذا الموضع لا يحتمل ~~البسط والإطناب ولا ريب أن موجب الشرع أن من سلك هذه السبيل فإنه بعد قيام ~~الحجة عليه كافر بما جاء به الرسول # ولهذا كان السلف والأئمة يتكلمون في تكفير الجهمية النفاة بما لا يتكلمون ~~به في تكفير غيرهم من أهل الأهواء والبدع وذلك لأن الإيمان إيمان بالله ~~وإيمان للرسول فإن الرسول أخبر عن الله بما أخبر به من أسماء الله وصفاته ~~ففي الإيمان خبر ومخبر به فالإيمان للرسول تصديق خبره والإيمان بما أخبر به ~~والإقرار بذلك والتصديق به # ولهذا كان من الناس من يجعل الكفر بإزاء المخبر به كجحد الخالق وصفاته ~~ومنهم من يجعله بإزاء الخبر وهو تكذيب الرسول # وكلا الأمرين حق فإن الإيمان والكفر يتعلق بهذا وبهذا وكلام PageV05P257 ~~الجهمية نفاة ms0996 الصفات مناقض لحبر الرسول الصادق ونفي لما هو ثابت لله من ~~صفات كماله # ومما يوضح الأمر في ذلك أنك لا تجد من سلك هذه السبيل وجوز على الأدلة ~~السمعية أن يعارضها معقول صريح ينافيها إلا وعنده ريب في جنس خبر الله ~~ورسوله وليس لكلام الله ورسوله في قلبه من الحرمة ما يوجب تحقيق مضمون ذلك ~~فعلم أن هذا طريق إلحاد ونفاق لا طريق علم وإيمان # ونحن نبين فساد طريق هؤلاء بالطرق الإيمانية والقرآنية تارة وبالأدلة ~~التي يمكن أن يعقلها من لا يستدل بالقرآن والإيمان # وذلك لأنا في مقام المخاطبة لمن يقر بأن ما أخبر به الرسول حق ولكن قد ~~يعارض ما جاء عنه عقليات يجب بقديمها عليه وإذا كنا في مقام بيان فساد ما ~~يعارضون به من العقليات على وجه التفصيل فذلك ولله الحمد هو عينا من أيسر الأمور # ونحن ولله الحمد قد تبين لنا بيانا لا يحتمل النقيض فساد الحجج المعروفة ~~للفلاسفة والجهمية والقدرية ونحوهم التي يعارضون بها كتاب الله وعلمنا ~~بالعقل الصريح فساد أعظم ما يعتمدون عليه من ذلك وهذا ولله الحمد مما زادنا ~~الله به هدى وإيمانا فإن فساد المعارض مما يؤيد معرفة الحق ويقويه وكل من ~~كان أعرف بفساد الباطل كان أعرف بصحة الحق PageV05P258 # ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال إنما تنقض عرى الإسلام عروة ~~عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف يالجاهلية # وهذا حال كثير ممن نشأ في عافية الإسلام وما عرف ما يعارضه ليتبين له ~~فساده فإنه لا يكون في قلبه من تعظيم الإسلام مثل ما في قلب من عرف الضدين # ومن الكلام السائر الضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتبين الأشياء # والاعتبار والقياس نوعان قياس الطرد وقياس العكس فقياس الطرد اعتبار ~~الشيء بنظيره حتى يجعل حكمه مثل حكمه وقياس العكس اعتبار الشيء بنقيضه حتى ~~يعلم أن حكمه نقيض حكمه # وقوله تعالى { فاعتبروا يا أولي الأبصار } يتناول الأمرين فيعتبر العاقل ~~بتعذيب الله لمن كذب رسله كما فعل ببني النضير حتى ms0997 يرغب في نقيض ذلك ويرهب ~~من نظير ذلك فيستعمل قياس الطرد في الرهبة وقياس العكس في الرغبة # ومن أمثلة قياس العكس قياس من يحتج على أن الوتر ليس بواجب فإنه يفعل على ~~الراحلة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم PageV05P259 ~~والواجبات لا تفعل على الراحلة والنوافل تفعل على الراحلة فلما كان مفعولا ~~على الراحلة كان حكمه عكس حكم الفرائض ونقيض حكم الفرائض ومثل حكم النوافل ~~فيقاس بالواجبات قياس العكس وبالنوافل قياس الطرد # وكذلك إذا قيل دم السمك طاهر لأنه لو كان نجسا لوجب سفحه بالتذكية لأن ~~الدماء النجسة يجب سفحها بالتذكية فلما لم يجب سفحه كان حكمه نقيض حكمها ~~وكان ملحقا بالرطوبات الطاهرة التي لا تسفح # وفي الحقيقة فكل قياس يجتمع فيه قياس الطرد والعكس فقياس الطرد هو الجمع ~~والتسوية بينه وبين نظيره وقياس العكس هو الفرق والمخالفة بينه وبين مخالفة ~~فالقايس المعتبر ينظر في الشيء فيلحقه بما يماثله لا بما يخالفه ويبين له ~~حكمه في اعتباره بهذا وهذا # والمقصود هنا أن معرفة ما يعارض الكتاب والمرسلين كنبوة مسيلمة ونحوه من ~~الكذابين وأقاويل أهل الإلحاد الذين يعارضون بعقولهم وذوقهم ما جاء به ~~الرسول كلما ازداد العارف معرفة بها وبما جاء به الرسول تبين له صدق ما جاء ~~به الرسول وبيانه وبرهانه وبطلان هذه وفسادها وكذبها كما إذا قدر مفتيان أو ~~قاضيان أو محدثان أحدهما يتكلم بعلم وعدل والآخر بجهل وظلم فإنه كلما ~~اعتبرت أحدهما بالآخر ظهرت PageV05P260 ~~الحقيقة الفارقة بينهما وكذلك الصانعان اللذان أحدهما قادر ناصح والآخر ~~عاجز غاش وكذلك التاجران اللذان أحدهما صادق أمين والآخر كاذب خؤون وكذلك ~~المتوليان اللذان أحدهما قوى أمين والآخر عاجز خائن وأمثال ذلك # فنحن ولله الحمد قد تبين لنا من فساد الأقاويل المعارضة لقول الرسول ما ~~ليس هذا المقام مقام تفصيله فإنه يحتاج أن نتكلم في كل مسألة من مسائل ~~الدين ونستوفي حجج المبطلين فيها ونتبين فسادها وليس هذا موضع استيفاء ذلك # وإنما المقصود بيان فساد القانون الزائغ الذي يقدمون به مذاهبهم المبتدعة ~~على المنصوص من ms0998 كلام الله ورسوله وهم قد وضعوا عبارات مجملة مشتبهة لبسوا ~~بها على كثير ممن عنده إيمان بالله ورسوله من كبار أهل العلم والدين وأولئك ~~لم يعرفوا حقيقة ما في تلك الأقوال من الإلحاد فقبلوها ممن ابتدعها من أهل النفاق # كما قال الله تعالى عن المنافقين { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ~~ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم } بين سبحانه أن ~~المنافقين لو خرجوا في غزوة ما زادوا المؤمنين إلا خبالا ولأوضعوا أي ~~أسرعوا خلالهم أي بينهم يطلبون لهم الفتنة وفي المؤمنين من يقبل منهم وهم ~~السماعون لهم أي يستجيبون لهم ليس المراد من ينقل الأخبار إليهم كما يظنه ~~بعض الناس # بل هذا نظير قوله { سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } PageV05P261 ~~أي يسمعون الكذب فيقبلونه ويصدقونه ويسمعون لقوم آخرين لم يأتوك فيستجيبون ~~لهم فبين أنهم يصدقون الكذب ويستجيبون لمن يخالف الرسول # وأما من ظن أن المراد بقوله { سماعون لهم } أنهم جواسيس لمن غاب وأخذ حكم ~~الجاسوس من هذه الآية فقد غلط فإن ما كان يظهره النبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى يسمعه المنافقون واليهود لم يكن مما يكتمه حتى يكون نقله جسا عليه ~~وإنما المراد أنهم سماعون الكذب أي يصدقون به سماعون أي مستجيبون لقوم ~~آخرين مخالفين للرسول وهذه حالة كل من خرج عن الكتاب والسنة فإنه لابد أن ~~يصدق الكذب فيكون من السماعين للكذب ولابد أن يستجيب لغير الله والرسول ~~فيكون سماعا لقوم آخرين لم يتبعوا الرسول # وهؤلاء لهم نصيب من قوله تعالى { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا } يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا { لقد أضلني ~~عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا } وقوله { يوم تقلب ~~وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } وقالوا ربنا ~~إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا { ربنا آتهم ضعفين من العذاب ~~والعنهم لعنا كبيرا } فتبين أن أصل طريق من يعارض [ النصوص ] النبوية برأيه PageV05P262 ~~وعقله هي طريق أهل النفاق والإلحاد ms0999 وطريق أهل الجهل والارتياب لا طريق ذي ~~عقل ولا ذي دين # كما قال تعالى { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } # وقال تعالى { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ~~كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير } # فإنه قد يقال هذه حال كل من عارض آيات الله بمعقوله فإنه لا علم عنده إذ ~~ذلك المعارض وإن سماه معقولا فإنه جهل وضلال فليس بعلم ولا عقل ولا هدى إذ ~~لا إيمان عنده ليكون مهتديا فإن المهتدين الذين على هدى من ربهم هم مؤمنون ~~بما جاء به الرسول ولا كتاب منير فإن الكتاب المنير لا يناقض كتاب الله # وهؤلاء المعارضون ليس عندهم لا علم ولا إيمان ولا قرآن فهم يجادلون في ~~آيات الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير # واسم العلم يتناول هذا وهذا لكن هو من باب عطف الخاص على العام ولهذا ذكر ~~تارة وحذف أخرى # وذلك أنه قد يقال إنه سبحانه ذكر ثلاثة أصناف صنف يجادل PageV05P263 ~~في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد مكتوب عليه إضلال من تولاه وهذه حال ~~المتبع لمن يضله # وصنف يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن ~~سبيل الله وهذه حال المتبوع المستكبر الضال عن سبيل الله # ثم ذكر حال من يعبد الله على حرف وهذه حال المتبع لهواه الذي إن حصل له ~~ما يهواه من الدنيا عبد الله وإن أصابه ما يمتحن به في دنياه ارتد عن دينه ~~فهذه حال من كان مريضا في إرادته وقصده وهي حال أهل الشهوات والأهواء # ولهذا ذكر الله ذلك في العبادة التي أصلها القصد والإرادة وأما الأولان ~~فحال الضال والمضل وذلك مرض في العلم والمعرفة وهي حال أهل الشبهات والنظر ~~الفاسد والجدال بالباطل فإنه تعالى يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ويحب ~~العقل الكامل عند حلول الشهوات ولا بد للعبد من معرفة الحق وقصده # كما ms1000 قال { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين } فمن لم يعرفه كان ضالا ومن علم ولم يتبعه كان مغضوبا عليه # كما أن أول الخير الهدى ومنتهاه الرحمة والرضوان فذكر سبحانه ما PageV05P264 ~~يعرض في العلم من الضلال والإضلال وما يعرض في الإرادة من اتباع الأهواء ~~كما جمع بينهما في قوله { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم ~~من ربهم الهدى } # فقال أولا { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } وكل من جادل في الله ~~بغير هدى ولا كتاب منير فقد جادل بغير علم أيضا فنفي العلم يقتضي نفي كل ما ~~يكون علما بأي طريق حصل وذلك ينفي أن يكون مجادلا بهدي أو كتاب منير لكن ~~هذه حال الضال المتبع لمن يضله فلم يحتج إلى تفصيل فبين أنه يجادل بغير علم ~~ويتبع كل شيطان مريد كتب على ذلك الشيطان أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه ~~إلى عذاب السعير # وهذه حال مقلد أئمة الضلال بين [ أهل ] الكتاب وأهل البدع فإنهم يجادلون ~~في الله بغير علم ويتبعون من شياطين الجن والإنس من يضلهم # ثم ذكر حال المتبوع الذي يثنى عطفيه تكبرا كما قال { وإذا تتلى عليه ~~آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها } وقال { فلا صدق ولا صلى } ولكن كذب ~~وتولى { ثم ذهب إلى أهله يتمطى } # وهذا النوع يجادل ليضل عن سبيل الله وجداله بغير علم أيضا ولكن فصل حاله ~~فبين أنه لا يجادل بهدى كإيمان المؤمن ولا بكتاب PageV05P265 ~~منير كالجدال بكتاب منزل من السماء فليس معه علم من هذا الطريق ولا من غيرها # كما قال تعالى { فلا صدق ولا صلى } وكل من لم يصدق لم يصل # وقال تعالى { لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع ~~الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين } # وقال تعالى { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين } # ومثل هذا كثير قد ينفى الشيء الذي نفيه يستلزم نفي غيره لكن تذكر تلك ~~اللوازم على سبيل التصريح للفرق ms1001 بين دلالة اللوازم ودلالة المطابقة كما قد ~~ذكرنا نحو ذلك في قوله { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق } وأن كل من ~~لبس بالباطل فلا بد أن يكتم بعض الحق وبينا أن هذا ليس من باب النهي عن ~~المجموع المقتضى لجواز أحدهما ولا من باب النهي عن فعلين متباينين حتى لا ~~يعاد فيه حرف النفي بل هو من باب النهي عن المتلازمات كما يقال لا تكفر ~~وتكذب بالرسول ولا تجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير # والمقصود أن كل من عارض كتاب الله بمعقوله أو وجده أو ذوقه PageV05P266 ~~وناظر على ذلك فقد جادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ليضل عن ~~سبيل الله فإن كتاب الله هو سبيل الله # ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الصراط المستقيم بكتاب الله وفسره ~~بالإسلام كلاهما مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ففي حديث النواس بن ~~سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى ~~جنبتي الصراط سوران وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وداع ~~من فوق الصراط وداع على رأس الصراط فالصراط المستقيم هو الإسلام والسوران ~~حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله والداعي على رأس الصراط كتاب الله ~~والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم فإذا أراد العبد أن يفتح بابا ~~من تلك الأبواب دعاه الداعي يا عبد الله لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه رواه ~~الإمام أحمد والترمذي وصححه # ومن المعلوم أن من أعظم المحارم معارضة كتاب الله بما يناقضه ويقدم ذلك عليه # وفي حديث علي رضي الله عنه الذي رواه الترمذي وأبو نعيم من عدة PageV05P267 ~~طرق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها ستكون فتن قلت فما المخرج منها ~~يا رسول [ الله ] فقال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما ~~بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في ~~غيره أضله الله وهو حبل ms1002 الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم ~~وهو الذي لا تزيع به الأهواء ولا تختلف به الآراء ولا تلتبس به الألسن ولا ~~يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه ولا تشبع منه العلماء من قال به صدق ~~ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ### | AUTO وبسط الكلام على مثل هذا يطول جدا وإنما نبهنا هنا على أصله ~~الوجه التاسع والعشرون # أن يقال العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له ومعلوم أنه إذا كان اللزوم ~~من أحد الطرفين لزم من وجود الملزوم وجود اللازم ومن نفي اللازم نفى ~~الملزوم فكيف إذا كان التلازم من الجانبين PageV05P268 # فإن هذا التلازم يستلزم أربع نتائج فيلزم من ثبوت هذا اللازم ثبوت هذا ~~ومن نفيه نفيه ومن ثبوت الملازم الآخر ثبوت ذلك ومن نفيه نفيه # وهذا هو الذي يسميه المنطقيون الشرطي المتصل ويقولون استثناء عين المقدم ~~ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم فإذا كان التلازم ~~من الجانبين كان استثناء عين كل من المتلازمين ينتج عين الآخر واستثناء ~~نقيض كل منهما ينتج نقيض الآخر # وبيان ذلك هاهنا أنه إذا كان العقل هو الأصل الذي به عرف صحة الشرع كما ~~قد ذكروا هم ذلك وقد تقدم أنه ليس المراد بكونه أصلا له أنه أصل في ثبوته ~~في نفسه وصدقه في ذاته بل هو أصل في علمنا به أي دليل لنا على صحته # فإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده وهو ملزوم للمدلول عليه ~~فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه ولا يجب عكسه فلا يلزم من عدم ~~الدليل عدم المدلول عليه # وهذا كالمخلوقات فإنها آية للخالق فيلزم من ثبوتها ثبوت الخالق ولا يلزم ~~من وجود الخالق وجودها PageV05P269 # وكذلك الآيات الدالات على نبوة النبي وكذلك كثير من الأخبار والأقيسة ~~الدالة على بعض الأحكام يلزم من ثبوتها ثبوت الحكم ولا يلزم من عدمها عدمه ~~إذ قد يكون الحكم معلوما بدليل آخر اللهم إلا أن يكون الدليل لازما ms1003 للمدلول ~~عليه فيلزم من عدم اللازم عدم الملزوم وإذا كان لازما له أمكن أن يكون ~~مدلولا له إذ المتلازمان يمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر مثل الحكم ~~الشرعي الذي لا يثبت إلا بدليل شرعي فإنه يلزم من عدم دليله عدمه # وكذلك ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله إذا لم ينقل لزم من عدم نقله ~~عدمه ونقله دليل عليه وإذا كان من المعقول ما هو دليل على صحة الشرع لزم من ~~ثبوت ذلك المعقول ثبوت الشرع ولم يلزم من ثبوت الشرع ثبوته في نفس الأمر # لكن نحن إذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بصحة الشرع إلا ذلك العقل لزم من ~~علمنا بالشرع علمنا بدليله العقلي الدال عليه ولزم من علمنا بذلك الدليل ~~العقلي علمنا به فإن العلم بالدليل يستلزم العلم بالمدلول عليه # وهذا هو معنى كون النظر يفيد العلم وهذا التلازم فيه قولان قيل إنه بطريق ~~العادة التي يمكن خرقها وقيل بطريق اللزوم الذاتي الذي لا يمكن انفصاله ~~كاستلزام العلم للحياة والصفة لموصوف ما وكاستلزام جنس العرض لجنس الجوهر ~~لامتناع ثبوت صفة وعرض بدون موصوف وجوهر # والمقصود هنا أنه إذا كان صحة الشرع لا تعلم إلا بدليل عقلي فإنه PageV05P270 ~~يلزم من علمنا بصحة الشرع علمنا بالدليل العقلي الدال عليه ويلزم من علمنا ~~بذلك الدليل العقلي علمنا بصحة الشرع # وهكذا الأمر في كل ما لا يعلم إلا بالدليل ويلزم أيضا من ثبوت ذلك الدليل ~~المعقول في نفس الأمر ثبوت الشرع ولا يلزم من ثبوت الشرع ثبوت ذلك الدليل # وإذا كان العلم بصحة الشرع لازما للعلم بالمعقول الدال عليه وملزوما له ~~ولازما لثبوت ذلك المعقول في نفس الأمر كما أن ثبوت ذلك المعقول في نفس ~~الأمر مستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر فمن الممتنع تناقض اللازم والملزوم ~~فضلا عن تعارض المتلازمين فإن المتعارضين هما المتنافيان اللذان يلزم من ~~ثبوت أحدهما انتفاء الآخر كالضدين والنقيضين # والمتلازمان يلزم من ثبوت كل منهما ثبوت الآخر ومن انتفائه انتفاؤه فكيف ~~يمكن أن يكون المتلازمان متعارضين ms1004 متنافيين متناقضين أو متضادين # ولفظ التنافي والتضاد والتناقض والتعارض ألفاظ متقاربة في أصل اللغة وإن ~~كانت تختلف فيها الاصطلاحات فكل مضاد فهو مستلزم للتناقض اللغوي # ولهذا يسمى أهل اللغة أحد الضدين نقيض الآخر وكل تعارض فهو PageV05P271 ~~مستلزم للتناقض اللغوي لأن أحد الضدين ينقض الآخر أي يلزم من ثبوته عدم ~~الآخر كما يلزم من ثبوت السواد انتفاء البياض # والنقيضان في اصطلاح كثير من أهل النظر هما اللذان لا يجتمعان ولا ~~يرتفعان والضدان لا يجتمعان لكن قد يرتفعان # وفي اصطلاح آخرين منهم هما النفي والإثبات فقط كقولك إما أن يكون وإما أن ~~لا يكون # ولهذا يقولون التناقض اختلاف قضيتين بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق ~~إحداهما كذب الأخرى فالتناقض في عرف أولئك أعم منه في عرف هؤلاء فان ما لا ~~يجتمعان ولا يرتفعان قد يكونان ثبوتيين وقد يكونان عدميين وقد يكونان ثبوتا ~~وانتفاء ولو كان أحدهما وجودا والآخر عدما فقد يعبر عنهما بصيغة الإثبات ~~التي لا تدل بنفسها على التناقض الخاص كما إذا قيل للموجود إما أن يكون ~~قائما بنفسه وإما أن يكون قائما بغيره وإما أن يكون واجبا بنفسه وإما أن ~~يكون ممكنا بنفسه وإما أن يكون قديما وإما أن يكون محدثا ونحو ذلك فمن ~~المعلوم أن تقسيم الموجود إلى قائم بنفسه وغيره وواجب وممكن وقديم ومحدث ~~تقسيم حاصر كتقسيم المعلوم إلى الثابت والمنفي PageV05P272 ~~وهذان القسمان لا يجتمعان ولا يرتفعان كما أن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا ~~يرتفعان وأما أهل اللغة فالنقيضان عندهم أعم من هذا كله كالمتنافيين فكل ما ~~نفى أحدهما الآخر فقد نقضه وأزاله وأبطله فيسمونه نقيضه # وللمتفلسفة المشائين اصطلاح أخر في المتقابلين في السلب والايجاب يسمونه ~~تقابل العدم والملكة وهو نفي الشيء عما من شأنه أن يكون قابلا له كنفي ~~السمع والبصر والكلام عن الحيوان فإنه يسمى عمى وصمما وبكما لأن الحيوان ~~يقبل هذا وهذا بخلاف 0 نفى ذلك عن الجماد كالجدار فانه لا يسمى في اصطلاحهم ~~عمى ولا صمما ولا بكما لأن الجدار لا يقبل ذلك ms1005 # ثم إنهم تذرعوا بذلك إلى سلب النقيضين عن الخالق تعالى فاحتج السلف ~~والأئمة وأهل الإثبات بأن الخالق سبحانه لو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام ~~ونحو ذلك من صفات الكمال لوجب أن يوصف بما يقابل ذلك من الصمم والعمى ~~والبكم ونحو ذلك من صفات النقص # فقال لهم هؤلاء العمى والبصر والبكم ( والكلام ) متقابلان تقابل العدم ~~والملكه مهم وهو سلب الشيء عما من شأنه أن ( يكون ) قابلا له كالحيوان فأما ~~مالا يقبل ذلك كالجماد فلا يوصف بعمى ولا ( بصر ولا كلام ) ولا بكم ولا سمع ~~ولا صمم ولا حياة ولا موت والجواب عن هذا من وجوه PageV05P273 ~~أحدها أن يقال هذا اصطلاح لكم وإلا فما ليس بحي يسمى ميتا كما قال تعالى { ~~والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء } ~~وقال تعالى { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها } وقال { اعلموا أن الله يحيي ~~الأرض بعد موتها } والثاني أن مالا يقبل صفات الكمال أنقص مما يقبلها ولم ~~يتصف بها فان الجماد أنقص من الحيوان الأعمى الأصم الأبكم فإذا كان اتصافه ~~بصفات النقص مع إمكان اتصافه بصفات الكمال نقصا وعيبا يجب تنزيهه عنه فعدم ~~قبوله لصفات الكمال أعظم نقصا وعيبا ولهذا كان منتهى أمر هؤلاء تشبيهه ~~بالجمادات ثم بالمعدومات ثم بالممتنعات # الثالث أن النفس عدم الحياة والعلم والقدرة نقص لكل ما عدم عنه ذلك سواء ~~فرض قابلا أو غير قابل بل ما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله كما أن نفس الحياة ~~والعلم والقدرة صفات كمال فنفس وجود هذه الصفات كمال ونفس عدمها نقص سواء ~~سمى موتا وجهلا وعجزا أو لم يسم وكذلك السمع والبصر والكلام كمال وعدم ذلك ~~نقص وقد بسط الكلام على ذلك في مواضع بسطا لا يليق بهذا الموضع PageV05P274 # وإذا تبين أن الدليل العقلي الذي به يعلم صحة الشرع مستلزم للعلم بصحة ~~الشرع ومستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر وعلمنا الشرع يستلزم العلم بالدليل ~~العقلي الذي قيل إنه أصل للشرع وإن العلم بصحة الشرع موقوف عليه وليس ثبوت ms1006 ~~الشرع في نفسه مستلزما لثبوت ذلك الدليل العقلي في نفس الأمر علم أن ثبوت ~~الشرع في نفس الأمر أقوى من ثبوت دليله العقلي في نفس الأمر وأن ثبوت الشرع ~~في علمنا أقوى من ثبوت دليله العقلي إن قيل إنه ممكن أن تعلم صحته بغير ذلك ~~الدليل وإلا كان العلم بهذا والعلم بهذا متلازمين # وإذا كان كذلك كان القدح في الشرع قدحا في دليله العقلي الدال على صحته ~~بخلاف العكس فكان القدح في الشرع قدحا في هذا العقل وليس القدح في هذا ~~العقل مستلزما للقدح في الشرع مطلقا وأما ما سوى المعقول الدال على صحة ~~الشرع فذلك لا يلزم من بطلانه بطلان الشرع كما لا يلزم من صحته صحة الشرع # فتبين أنه ليس في المعقولات ما يجب تقديمه على الشرع لكونه أصلا للشرع ~~لأن المقدم عليه ان لم يكن هو المعقول الدال عليه فليس هو أصلا له فلا يجب ~~تقديمه عليه بهذا الاعتبار وان كان هو المعقول الدال عليه امتنع أن يكون ~~صحيحا مع بطلان الشرع لأن صحته مستلزمة لصحة الشرع وإلا لم يكن دليلا عليه # وثبوت الملزوم بدون اللازم محال فمن قدم العقل على الشرع فقد PageV05P275 ~~قدح في العقل والشرع جميعا وهو حال الذين قالوا ( لو كنا نسمع أو نعقل ما ~~كنا في أصحاب السعير ) # وإذا قال القائل ونحن إنما قدحنا في القدر الذي خالف العقل من الشرع لم ~~نقدح في كل الشرع # قيل ومن قدم الشرع إنما قدح في ذلك القدر مما يقال إنه عقل لم يقدح في كل ~~عقل ولا في العقل الذي هو أصل يعلم به صحة الشرع وإنما قلنا مما يقال إنه ~~عقل لأنه ليس بمعقول صحيح وإن سماه أصحابه معقولا # فإن من خالف الرسل عليهم الصلاة والسلام ليس معه لا عقل صريح ولا نقل ~~صحيح وإنما غايته أن يتمسك بشبهات عقلية أو نقلية كما يتمسك المشركون ~~والصابئون من الفلاسفة وغيرهم بشبهات عقلية فاسدة وكما يتمسك أهل الكتاب ~~المبدل المنسوخ بشبهات نقلية فاسدة # قال الله تعالى ms1007 { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات } # وقال تعالى { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل سبيلا } # ولهذا كان من قدم العقل على الشرع لزمه بطلان العقل والشرع ومن قدم الشرع ~~لم يلزمه بطلان الشرع بل سلم له الشرع PageV05P276 # ومعلوم أن سلامة الشرع للإنسان خير له من أن يبطل عليه العقل والشرع ~~جميعا وذلك لأن القائل الذي قال العقل أصل الشرع به علمت صحته فلو قدمنا ~~عليه الشرع للزم القدح في أصل الشرع يقال له ليس المراد بكونه أصلا له أنه ~~أصل في ثبوته في نفس الأمر بل هو أصل في علمنا به لكونه دليلا لنا على صحة الشرع # ومعلوم أن الدليل مستلزم لصحة المدلول عليه فإذا قدر بطلان المدلول عليه ~~لزم بطلان الدليل فإذا قدر عند التعارض أن يكون العقل راجحا والشرع مرجوحا ~~بحيث لا يكون خبره مطابقا لمخبره لزم أن يكون الشرع باطلا فيكون العقل الذي ~~دل عليه باطلا لأن الدليل مستلزم للمدلول عليه فإذا انتفى المدلول اللازم ~~وجب انتفاء الدليل الملزوم قطعا ولهذا يمتنع أن يقوم دليل صحيح على باطل بل ~~حيث كان المدلول باطلا لم يكن الدليل عليه إلا باطلا # أما إذا قدم الشرع كان المقدم له قد ظفر بالشرع ولو قدر مع ذلك بطلان ~~الدليل العقلي لكان غايته أن يكون الإنسان قد صدق بالشرع بلا دليل عقلي ~~وهذا مما ينتفع به الإنسان بخلاف من لم يبق عنده لا عقل ولا شرع فإن هذا قد ~~خسر الدنيا والآخرة فكيف والشرع يمتنع أن يتناقض العقل المستلزم لصحته ~~وإنما يتناقض شيئا آخر ليس هو دليل صحته بل ولا يكون صحيحا في نفس الأمر PageV05P277 # وأيضا فلو قدر أنه ناقض دليلا خاصا عقليا يدل على صحته فالأدلة العقلية ~~الدالة على صحة الشرع متنوعة متعددة فلا يلزم من بطلان واحد منها بطلان ~~غيره بخلاف الشرع المدلول عليه فانه إذا قدر بطلانه لزم بطلان جميع ما يدل ~~عليه من المعقولات # وأيضا فإن هؤلاء المعارضين للشرع ms1008 بالعقل هم يدعون في معقولات معينة أنهم ~~عرفوا بها الشرع كدعوى الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم أن الشرع إنما تعلم ~~صحته بالدليل الدال على حدوث الأجسام المبني على أن الأجسام مستلزمة ~~للأعراض والأعراض حادثة لامتناع حوادث لا أول لها # وهذا الدليل يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العلم بصدق الرسول ليس ~~موقوفا عليه لأن الذين آمنوا بالله ورسوله وشهد لهم القرآن بالايمان من ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم باحسان لم يستدلوا ~~على صدق الرسول بهذا الدليل # وحينئذ فلو قدر أن هذا الدليل صحيح لم يلزم من عدم الاستدلال به بطلان ~~الإيمان بالرسول بل يمكن الاستدلال على صدق الرسول بالأدلة الأخرى كالأدلة ~~التي استدل بها السلف وجماهير الأمة # وحينئذ فإذا قدر أن هذا المعقول المعين مناقض لخبر الرسول لم يلزم من ~~تقديم خبر الرسول عليه القدح في أصل السمع الذي لا يعلم إلا به فكيف إذا ~~كان هذا الدليل باطلا PageV05P278 # فإنه حينئذ لا يجوز أن يعتمد عليه في إثبات شيء ولا نفيه فثبت أنه على كل ~~تقدير لا يجب تقديمه على الشرع # ومن زعم من أهل الكلام أنه لا طريق إلى معرفة الصانع وصدق رسوله إلا هذا ~~فإنه من أجهل الناس شرعا وعقلا # وأما الشرع فقد علم أن السابقين الأولين لم يستدلوا به وأما العقل فإن ~~قول القائل إنه لا دليل إلا هذا قضية كلية سالبة وشهادة على النفي العام ~~وأنه ليس لأحد من بني آدم علم يعلم به صدق الرسول إلا هذا وهذا مما لم ~~يقيموا عليه دليلا بل لا يمكن أحد العلم بهذا النفي لو كان حقا فكيف إذا ~~كان باطلا # وكذلك جميع ما يعارضون به الشرع من العقليات فإنها لا تخلو من أمرين إن ~~كانت صحيحة فلم ( تصح ) الدلالة في ذلك المسلك العقلي ولا يلزم من بطلانه ~~بطلان دليل الشرع إذا كان للشرع أدلة عقلية تدل عليه غير ذلك المعين العقلي ~~وان كانت باطلة فهي من العقليات الباطلة وليست أصلا للشرع فيجب أن يعرف ~~معنى كون العقل ms1009 أصلا للشرع أن المراد به أنه دليل # ونحن قد بينا أن كل ما عارض الشرع من العقليات فليس هو دليلا صحيحا فضلا ~~عن أن يكون هو الدليل على صحة الشرع ولكن قبل أن نبين ذلك نقول معلوم أنه ~~لا ينحصر الدال على صحة الشرع PageV05P279 # في دليل عقلي خاص بل غيره من الأدلة العقلية يدل على الشرع وحينئذ فلا ~~يلزم من بطلان ذلك الدليل العقلي بطلان أصل الشرع فكيف إذا كان ذلك الدليل ~~باطلا فإن قيل نحن إذا قدمنا العقل لم يبطل الشرع بل نفوضه أو نتأوله # قيل إن لم يكن الشرع دالا على نقيض ما سميتموه معقولا فليس هو محل النزاع ~~وإن كان الشرع دالا فتفويضه تعطيل لدلالة الشرع وذلك إبطال له وإذا دل ~~الشرع على شيء فالإعراض عن دلالته كالإعراض عن دلالة العقل # فلو قال القائل أنا قد علمت مراد الشارع وأما المعقول فأفوضه لأني لم ~~أفهم صحته ولا بطلانه فما أنا جازم بمخالفته لما دل عليه الشرع وقد رأيت ~~المدعين للمعقولات مختلفين فما أنا واثق بهذا المعقول المناقض للشرع كان ~~هذا أقرب من قول من يقول إن الله ورسوله لم يبين الحق بل تكلم بباطل يدل ~~على الكفر ولم يبين مراده فان المقدم للمعقول عند التعارض لا بد أن يقول إن ~~الشرع يدل على خلاف العقل إما نصا وإما ظاهرا # وإلا فإذا لم يكن له دلالة بحال تخالف العقل امتنعت المعارضة وحينئذ ~~فحقيقة قوله إن الله ورسوله أظهر ما هو باطل وضلال PageV05P280 ~~وكفر ومحال ولم يبين الحق ولا هدى الخلق وإنما الخلق عرفوا الحق بعقولهم # والمقدم للشرع يقول إن الله ورسوله بين المراد وهدي العباد وأظهر سبيل ~~الرشاد ولكن هؤلاء المخالفون له ضلوا وأضلوا وهم الذين قال الله فيهم { وإن ~~الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } فأنا أطعن فيما خالفوا به الرسول ~~ونبذوا به كتاب الله وراء ظهورهم وخالفوا به الكتاب والسنة والإجماع لا ~~أطعن في العقليات الصحيحة الصريحة الدالة على أن الرسول صادق بلغ البلاغ ~~المبين ms1010 فإن هذه المعقولات يمتنع معها أن يكون الرسول هو الرسول الذي وصفوه # فهذا القائل قد صدق بالمعقول الصريح والمنقول الصحيح وصدق بموجب الأدلة ~~العقلية والنقلية # وأما ذاك القائل فإنه لم يتقبل بموجب الدليل العقلي الدال على صدق الرسول ~~وتبليغه وبيانه وهداه للخلق ولا قام بموجب الدليل الشرعي الذي دل عليه ما ~~دل عليه نصا أو ظاهرا بل طعن في دلالة الشرع وفي دلالة العقل الذي يدل على ~~صحة الشرع # فتبين أن ذلك المقدم للشرع هو المتبع للشرع وللعقل الصحيح دون هذا الذي ~~ليس معه لا سمع ولا عقل # ومما يوضح هذا أن ما به عرف صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ~~الله تعالى وأنه لا يكون فيه كذب ولا خطأ يدل على PageV05P281 ~~ثبوت ذلك كله لا يميز بين خبر وخبر بل الدليل الدال على صدقه يقتضي ثبوت ~~جميع ما أخبر به وإذا كان ذلك الدليل عقليا فهذا الدليل العقلي يمنع ثبوت ~~بعض أخباره دون بعض فمن أقر ببعض ما أخبر به الرسول دون بعض فقد أبطل ~~الدليل العقلي الدال على صدق [ الرسول وقد ] أبطل الشرع فلم يبق معه لا عقل ~~ولا شرع # وهذا حال من آمن ببعض الكتاب دون بعض قال تعالى { إن الذين يكفرون بالله ~~ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ~~ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا } # ولا ريب أن [ من ] قدم على كلام الله ورسوله ما يعارضه من معقول أو غيره ~~وترك ما يلزمه من الإيمان به كما آمن بما يناقضه فقد آمن ببعض وكفر ببعض # وهذا حقيقة حال أهل البدع كما في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية لأحمد ~~بن حنبل وغيره من وصفهم بأنهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على ~~مخالفة الكتاب # وقوله مختلفون في الكتاب يتضمن الاختلاف المذموم PageV05P282 ~~المذكور في قوله تعالى { وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } # وأما الاختلاف المذكور في قوله تعالى { تلك الرسل ms1011 فضلنا بعضهم على بعض ~~منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه ~~بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ~~ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله ~~يفعل ما يريد } فهذا الاختلاف يحمد فيه المؤمنون ويذم فيه الكافرون # وأما الاختلاف في الكتاب الذي يذم فيه المختلفون كلهم فمثل أن يؤمن هؤلاء ~~ببعض دون [ بعض ] وهؤلاء ببعض دون بعض كاختلاف اليهود والنصارى وكاختلاف ~~الثنتين وسبعين فرقة # وهذا هو الاختلاف المذكور في قوله تعالى { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ~~ربك } وفي قوله تعالى { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا ~~مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء } فأغرى بينهم العداوة والبغض ~~بسبب ما تركوه من الإيمان بما أنزل عليهم PageV05P283 # وهذا هو الوصف الثاني فيما تقدم من قول أحمد مخالفون للكتاب فإن كلا منهم ~~يخالف الكتاب # وأما قوله بأنهم متفقون على مخالفة الكتاب فهذا إشارة إلى تقديم غير ~~الكتاب على الكتاب كتقديم معقولهم وأذواقهم وآرائهم ونحو ذلك على الكتاب ~~فإن هذا اتفاق منهم على مخالفة الكتاب # ومتى تركوا الاعتصام بالكتاب والسنة فلابد أن يختلفوا فإن الناس لا يفصل ~~بينهم إلا كتاب منزل من السماء كما قال تعالى { كان الناس أمة واحدة فبعث ~~الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم } # وكما قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } # وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا ms1012 نعمة الله عليكم ~~إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة ~~من النار فأنقذكم منها } PageV05P284 # ومن العجائب أنك تجد أكثر الغلاة في عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم أبعد ~~الطوائف عن تصديق خبره وطاعة مره وذلك مثل الرافضة والجهمية ونحوهم ممن ~~يغلون في عصمتهم وهم مع ذلك يردون أخباره وقد اجتمع كل من آمن بالرسول على ~~أنه معصوم فيما يبلغه عن الله فلا يستقر في خبره خطأ كما لا يكون فيه كذب ~~فإن وجود هذا وهذا في خبره يناقض مقصود الرسالة ويناقض الدليل الدال على ~~أنه رسول الله # وأما ما لا يتعلق بالتبليغ عن الله من أفعاله فللناس في العصمة منه نزاع ~~وتفصيل ليس هذا موضعه ومتنازعون في أن العصمة من ذلك هل تعلم بالعقل أو ~~بالسمع بخلاف العصمة في التبليغ فإنه متفق عليه معلوم بالسمع والعقل ومقصود ~~التبليغ تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر فمن كان من أصله أن الدلالة ~~السمعية لا تفيد اليقين أو أنه يقدم رأيه وذوقه على خبر الرسول لم ينتفع ~~بإثبات عصمته المتفق عليها فضلا عن موارد النزاع من العصمة بل هم معظمون ~~للرسول في غير مقصود الرسالة وأما مقصود الرسالة فلم يأخذوه عنه وصاروا في ~~ذلك كالنصارى مع المسيح عليه السلام الذي أرسل إليهم فلم يتلقوا عنه الدين ~~الذي بعث به بل غلوا فيه غلوا صاروا مشركين به لا مؤمنين به # وكذلك الغالية في الأنبياء وأهل البيت والمشايخ تجدهم مشركين بهم لا ~~متبعين لهم في خبرهم وأمرهم فخرجوا عن حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله PageV05P285 # وهؤلاء يعزلون الأنبياء والرسل في أنفسهم عن الولاية التي ولاهم الله ~~إياها باتفاق المسلمين ويعتقدون أنه ولاهم ولاية لو كانت حقا لم ينفعهم ذلك ~~فكيف إذا كانوا كاذبين مشركين ### | AUTO ولهذا تجد فيهم من تحريف نصوص الأنبياء التي أخبروا بها عن ~~الله وملائكته وكتبه ورسله ما يناقض مقصود أخبارهم الوجه الثلاثون # أن هذا الذي ذكرناه يفيد أن الشرع لا ms1013 يمكن أن يخالفه العقل الدال على ~~صحته بل هما متلازمان في الصحة وهذا القدر لا يمكن مؤمن بالله ورسوله أن ~~ينازع فيه بل لا ينازع مؤمن بالله ورسوله أن العقل لا يناقض في نفس الأمر ~~لكن الذي تقوله الجهمية والقدرية وغيرهم من أهل البدع أن تصديق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم مبني على الأدلة النافية للصفات والقدر كما يقولونه من أن ~~صدق الرسول موقوف على قيام المعجزة الدالة على صدقه وقيام المعجزة موقوف ~~على أن الله لا يؤيد الكذاب بالمعجزة وذلك موقوف على أن فعل الله قبيح ~~والله لا يفعل القبيح وتنزيهه عن فعل القبيح موقوف على أنه غني عنه عالم ~~بقبحه والغني عن القبيح العالم بقبحه لا يفعله PageV05P286 ~~وغناه عنه موقوف على أنه ليس بجسم وكونه ليس بجسم موقوف على نفي صفاته ~~وأفعاله لأن الموصوف بالصفات والأفعال جسم ونفى ذلك موقوف على ما دل على ~~حدوث الجسم فلو بطل الدال على حدوث الجسم بطل ما دل على صدق الرسول # وأيضا فالدال على حدوث الجسم هو الدال على حدوث العالم وإثبات الصانع ~~تعالى فإذا بطل ذلك بطل الدليل الدال على إثبات الصانع فصار العلم بإثبات ~~الصانع وتصديق الرسول موقوفا على نفي الصفات والأفعال فإذا جاء في الشرع ما ~~يدل على إثبات الصفات والأفعال لم يمكن القول بموجبه لأن ذلك ينافي دليل ~~الصدق بل يعلم من حيث الجملة أن الرسول لم يرد به إثبات الصفات والأفعال ~~إما لكذب الناقل عنه أو لعدم دلالة اللفظ على الإثبات أو لعدم قصده الإثبات # ثم إما أن نقدر احتمالات يمكن حمل اللفظ عليها وإن لم يعين المراد وإما ~~أن نعرض عن هذا ونقول لا نعلم المراد # فهذا أصل قولهم ومن وافقهم في نفي بعض الصفات أو الأفعال قال بما يناسب ~~مطلوبة من هذا الكلام فحقيقة قولهم إنه لا يمكن التصديق بكل ما في الشرع بل ~~لا يمكن تصديق البعض إلا بعدم تصديق البعض الآخر # وحينئذ فدليلهم العقلي ليس دالا على صدق الرسول إلا على هذا ms1014 الوجه فلا ~~يمكنهم قبول ما يناقضه من نصوص الكتاب والسنة PageV05P287 ~~وحينئذ فيقال لهم لا نسلم أن مثل هذا هو الأصل الذي به علم صدق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بل هذا معارضة لقول الرسول بما لا يدل على صدقه فبطل قول من ~~يقول إنا إذا قدمنا الشرع كان ذلك طعنا في أصله # وهذه المقدمات التي ذكروها عامتها ممنوعة ويتبين فسادها بما هو مبسوط في ~~مواضع آخر # وإذا قال أحدهم نحن لا نعلم صدق الرسول إلا بهذا أو لا نعلم دليلا يدل ~~على صدق الرسول إلا هذا # قيل لا نسلم صحة هذا النفي وعدم العلم ليس علما بالمعدوم وأنتم مكذبون ~~لبعض ما جاء به الشرع وتدعون أنه لا دليل على صدق الرسول سوى طريقكم فقد ~~جمعتم بين تكذيب ببعض الشرع وبين نفي لا دليل عليه فخالفتم الشرع بغير حجة ~~عقلية أصلا # وإذا قال أحدهم فما الدليل على صدق الرسول غير هذا # قيل في هذا المقام لا يجب بيانه وإن كنا نبينه في موضع آخر بل يكفينا رد ~~المنع ونحن نعلم بالاضطرار أن سلف الأمة وأئمتها كانوا مصدقين للرسول بدون ~~هذا الطريق # يوضح هذا أن المعارضين الذين يقولون بتقديم العقل على الشرع قد اعترف ~~حذاقهم بما يبين أن الشرع ليس مبنيا على معقول يعارض شيئا منه وبيان ذلك في PageV05P288 ### | AUTO الوجه الواحد والثلاثون # وهو أن نقول قد ذكر أبو عبد الله الرازي في أجل كتبه نهاية العقول ما ~~ذكره غيره من أهل الكلام فقال الرازي المطالب على ثلاثة أقسام منها ما ~~يستحيل العلم بها بواسطة السمع ومنها ما يستحيل العلم بها إلا من السمع ~~ومنها ما يصح حصول العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى أما القسم الأول ~~فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته استحال تصحيحه بالسمع مثل ~~العلم بوجود الصانع وكونه مختارا وعالما بكل المعلومات وصدق الرسول PageV05P289 # أما العلم بحدوث العالم فذلك ما لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم ~~بصحته لأنه يمكننا أن نثبت الصانع المختار ms1015 بواسطة حدوث الأعراض أو بواسطة ~~إمكان الأعراض على ما سيأتي تفصيل القول فيه ثم نثبت كونه عالما بكل ~~المعلومات ومرسلا للرسل ثم نثبت بأخبار الرسول حدوث العالم # قال وبهذا يتبين خطأ قول من زعم أن أول الواجبات القصد إلى النظر الصحيح ~~المفضي إلى العلم بحدوث العالم # قلت هذا القول الذي خطأه الرازي هو الذي ذكره أبو المعالي في أول الإرشاد ~~كما ذكره طوائف من أهل الكلام المعتزلة وغيرهم وهو قول من وافقه على هذا من ~~المنتسبين إلى الأشعري وقالوا إن العلم بحدوث العالم لا يمكن إلا بالعلم ~~بحدوث الأجسام ولا يمكن ذلك إلا بحدوث الأعراض وليس هذا قول الأشعري وأئمة ~~أصحابه فإن PageV05P290 ~~إثبات الصانع عندهم لا يتوقف على هذه الطريق بل قد صرح الأشعري في رسالته ~~إلى أهل الثغر هو وغيره بأن هذا الطريق ليس هو طريق الأنبياء وأتباع ~~الأنبياء بل هي محرمة في دينهم ولكن الأشعري لا يبطل هذه الطريق بل يقول هي ~~مذمومة في الشرع وإن كانت صحيحه في العقل وسلك هو طريقه مختصر من هذا وهو ~~إثبات حدوث الإنسان بأنه مستلزم للحواذث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ~~ووافقهم على أن المعلوم حدوثه هو الأعراض كالاجتماع والافتراق وأن ما يخلق ~~من الحيوان والنبات والمعادن إنما تحدث أعراضه لا جواهره # وكذلك الخطابي وطائفة معه ممن يذم هذه الطريقة الكلامية التي ذمها ~~الأشعري يوافقون على صحتها مع ذمهم لها # وأما جمهور الأئمة والعقلاء فهي عندهم باطلة وهذا مما يعلم معناه كل من ~~له نظر واستدلال إذا تأمل حال سلف الأمة وأئمتها وجمهورها فإنهم كلهم ~~مؤمنون بالله ورسوله ولم يكونوا يبنون الإيمان على إثبات حدوث الأجسام بل ~~كل من له أدنى علم بأحوال الرسول والصحابة يعلم أنهم لم يجعلوا العلم ~~بتصديقه مبنيا على القول بحدوث الأجسام بل ليس في الكتاب ولا السنة ولا قول ~~أحد من السلف والأئمة ذكر القول بحدوث الأجسام ولا إمكانها فضلا عن أن يكون ~~فيها أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بذلك وقد بسط ms1016 الكلام على هذا في مواضع # والمقصود هنا أن القول بأن أول الواجبات هو سلوك النظر في PageV05P291 ~~هذه الطريقة هو في الأصل قول الجهمية والمعتزلة وإن وافقهم عليه طائفة ~~غيرهم وهذه طريقة المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وأمثالهم # وهم متنازعون في أن أول الواجبات النظر المفضي إلى العلم بحدوث العالم أو ~~القصد إلى النظر أو الشك السابق على القصد على ثلاثة أقوال لهم معروفة # وقد اعترف الجمهور الذين خالفوا هؤلاء بأن إثبات الصانع لا يتوقف على هذه ~~الطريق بل ولا حدوث العالم # وقد ذكر الرازي أن الطرق التي بها يثبت العلم بالصانع خمس طرق الأول ~~الاستدلال بحدوث الذوات كالاستدلال بحدوث الأجسام المبني على حدوث الأعراض ~~كالحركة والسكون وامتناع ما لا نهاية له وهذا طريق أكثر المعتزلة ومن ~~وافقهم من الأشعرية كابي المعالي وأمثاله # الثاني الاستدلال بإمكان الأجسام وهذه عمدة الفلاسفة وهو مبني على أن ~~الأجسام ممكنة لكونها مركب PageV05P292 # قلت وهذا مبني على توحيد ابن سينا ومن وافقه من الفلاسفة المتضمن نفي الصفات # وجماهير العقلاء من المسلمين واليهود والنصارى والفلاسفة القدماء ~~والمتأخرين يقدحون في موجب هذا الدليل وليس هو طريقة أرسطو وقدماء الفلاسفة ~~ولا طريقة ابن رشد وأمثاله من المتأخرين بل هذا المسلك عند جمهور العالم من ~~أعظم الأقوال فسادا في الشرع والعقل وأما المسلك الأول فهو أيضا عند جمهور ~~أهل الملل وجمهور الفلاسفة باطل مخالف للشرع والعقل # والمسلك الثالث الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء كانت ~~الأجسام واجبة أو قديمة أو ممكنة وحادثه وهو مبني على تماثل الأجسام وهو ~~باطل عند أكثر العقلاء وهو مبني على مقدمتين إحداهما أن اختصاص كل جسم بما ~~له من الصفات لا يكون إلا لسبب منفصل # والثانية أن ذلك السبب لا يكون إلا مخصصا ليس بجسم قلت وهاتان المقدمتان ~~قد عرف نزاع العقلاء فيهما وما يرد عليهما من النقض والفساد ومخالفة أكثر ~~الناس لموجبهما PageV05P293 # قال المسلك الرابع الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض على وجود الصانع ~~كصيرورة النطفة إنسانا فهذا حادث والعبد غير قادر ms1017 عليه فلا بد له من فاعل ~~آخر لافتقار المحدث إلى المحدث إما لأن ذلك معلوم بالضرورة كما يقوله جمهور ~~العقلاء وإما لإثبات ذلك بالإمكان وإما لإثباته بالقياس على ما يحدثه العباد # قال والفرق بين الإستدلال بإمكان الصفات وبين الإستدلال بحدوثها أن الأول ~~يقتضي أن لا يكون الفاعل جسما والثاني لا يقتضي ذلك # قال والطريق الخامسة وهي عائدة إلى الأربعة الاستدلال بما في العالم من ~~الإحكام والإتقان على علم الفاعل والذي يدل على علمه هو بالدلالة على ذاته أولى # قلت طريقة الاستدلال بما يشاهد حدوثه جاء بها القرآن واتفق عليها السلف ~~والأئمة وقد اعترفوا بأن هذه الطريق تفضى إلى العلم PageV05P294 ~~بإثبات الفاعل ولا تقتضي كون الفاعل ليس بجسم وكذلك طريقة العلم لا تقتضي ~~ذلك بخلاف الطرق الثلاثة المتقدمة # وإذا تبين ذلك فيقول القائل إذا علمنا إثبات الصانع بهذه الطريق التي ~~اعترفتم بأنه يمكن العلم بإثبات الصانع وصدق رسله بها وليس فيها ما يقتضي ~~أن الفاعل ليس بجسم لم يكن في الأدلة الشرعية المثبتة لصفات الله تعالى ~~وأفعاله ما يناقض هذه الطريق لأن غاية ما يقوله النفاة أن إثبات الأفعال ~~والصفات أو بعض ذلك يقتضي كون الموصوف الفاعل جسما وإثبات الصانع مبني على ~~الدليل النافي لكونه جسما فلو قلنا بموجب النصوص تقديما لها على الدليل ~~العقلي النافي للجسم لكنا قد قدمنا الشرع على أصله العقلي # فإذا كان قد تبين أن إثبات الشرع المبني على إثبات الصانع وصدق الرسول لا ~~يتوقف على نفي الجسم علم بالضرورة أن الشرع المثبت للصفات والأفعال لا ~~ينافي الدليل العقلي الذي به عرف إثبات ذلك فبطل قول من يدعي أنه قد يتعارض ~~الدليل الشرعي المثبت لذلك وأصله العقلي النافي لذلك وهذا بين واضح ولله الحمد # فإن قالوا هب أن هذا الدليل العقلي الذي به يعرف صحة الشرع لا يعارضه ~~الدليل الشرعي المثبت للصفات والأفعال لكن غيره من الأدلة العقلية ينافي ~~ذلك كان الجواب عنه من وجوه PageV05P295 # أحدها أن المقصود بيان أن الشرع يمكن معرفة صدقه بدليل عقلي لا ms1018 يعارض ~~موجب الشرع وأما ما سوى ذلك من الأدلة فليس على الرجل أن يستدل بها والشيء ~~إذا علمت صحته بدليل عقلي لم يجب أن تعلم صحته بكل دليل فقد تبين أنه يمكن ~~الرجل أن يصدق بما أخبر به الشارع من أسماء الله وصفاته وأفعاله كإثبات ~~العلو لله والصفات الخبرية من غير أن يعارض ذلك ما يكون أصلا للعلم بصحة ~~السمع من الأدلة العقلية فتكون المعارضة بتلك الطريق التي يقال إنها عقلية ~~معارضة بطرق لا يتوقف العلم بصحة السمع عليها فلا يلزم من تقديم الشرع ~~عليها القدح في الأصل الذي به عرفت صحة الشرع وهذا هو المطلوب # الوجه الثاني أن يقال تلك الطرق لم تدل على صحة الشرع مطلقا وإنما دلت ~~على صدق الشارع فيما يخبر عنه من غير الصفات والأفعال التي تنفيها تلك ~~الطرق وحينئذ فلا تكون دالة على صدق الرسول مطلقا # ومعلوم أن دليل الإيمان لابد أن يدل على أن الرسول صادق في كل ما يخبر به ~~مطلقا من غير تقييد بقيد فمتى كان الدليل إنما دل على صدقه بشرط أن لا ~~يعارضه موجب ذلك الدليل صار مضمونه أن الرسول مصدق فيما لا يخالفني فيه ~~وليس مصدقا فيما يخالفني فيه # ومعلوم أن هذا ليس إقرارا بصحة الرسالة فإن الرسول لا يجوز عليه أن يخالف ~~شيئا من الحق ولا يخبر بما تحيله العقول وتنفيه PageV05P296 ~~لكن يخبر بما تعجز العقول عن معرفته فيخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول # ولهذا قال الإمام أحمد في رسالته في السنة التي رواها عبدوس ابن مالك ~~العطار قال ليس في السنة قياس ولا يضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول # هذا قوله وقول سائر أئمة المسلمين فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لا تدركه كل الناس بعقولهم ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا ~~عن الرسول ولا يجوز أن يعارض بالأمثال المضروبة له فلا يجوز أن يعارضه ~~الناس بعقولهم ولا يدركونه بعقولهم فمن قال للرسول أنا أصدقك إذا لم تخالف ~~عقلي أو أنت صادق ms1019 فيما لم تخالف فيه الدليل العقلي فإن كان يجوز على الرسول ~~أن يخالف دليلا عقليا صحيحا لم يكن مؤمنا به وإن قدم على كلامه دليلا عقليا ليس PageV05P297 ~~بصحيح لم يكن مؤمنا به فامتنع أن يصح الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ~~مع هذا الشرط # الوجه الثالث أن تلك الطرق إذا أمكن العلم بصدق الرسول بدونها لم يكن ~~العلم بالشرع محتاجا إليها وحينئذ فإذا عارضت الشرع كان المعارض له دليلا ~~أجنبيا كما لو عارضه من كذبه واحتج على أنه كاذب # ولا ريب أن هذا من باب المعارضة للرسول والقدح فيما جاء به كمعارضة ~~المكذبين للرسل وحينئذ فيكون جوابه بما يجاب به أمثاله من الكفار الملحدين ~~الطاعنين فيما جاء به الرسول أو في بعضه لا يكون جوابه ما يجاب به المؤمنون ~~بالرسول الذي يقرون أنه لا يقول على الله إلا الحق # الوجه الرابع أنا لا نسلم صحة شيء من تلك الطرق حتى تكون دليلا يصلح أن ~~يعارض به شيء من الأدلة لا العلمية ولا الظنية ولا العقلية ولا غيرها فضلا ~~عن أن يعارض بها كلام المعصوم الذي لا يقول إلا حقا وبيان فساد تلك الوجوه ~~العقلية النافية للصفات والأفعال أو بعض ذلك مذكور بتفصيله في غير هذا الموضع # الوجه الخامس أن يقال لا ريب أن النصوص دلت على إثبات الصفات والأفعال ~~لله تعالى ولم تتعرض للجسم بنفي ولا إثبات والنفاة إنما ينفون ما ينفونه ~~بناء على أن الإثبات يستلزم كون الموصوف جسما والعقل ينفي أن يكون جسما ~~وأدلتهم على نفي الجسم إما دليل الإمكان وإما دليل الحدوث فليس لهم ما يخرج عن هذا PageV05P298 # وحينئذ فيقال إما أن يقال وهذا إثبات ما أثبته الدليل الشرعي من الصفات ~~والأفعال موجب لكون الموصوف بذلك ممكنا وحادثا وأن استلزام ذلك للحدوث أو ~~الإمكان معلوم بالأدلة العقلية كما يقوله النفاة وإما أن لا يقال ذلك # فإن لم يقل ذاك أو قيل ليس في الأدلة العقلية ما يدل على ذلك لم يكن معارضا # وإن قيل بل ذلك يدل ms1020 في العقل على أن الموصوف ممكن أو حادث فحينئذ إما أن ~~نفسد ذلك الدليل المعارض على وجه التفصيل وإما أن يقال قد علم بالعقل صدق ~~الرسول وعلم أنه أثبت هذه الصفات والأفعال فالنافي لها لا يجوز أن يكون ~~دليلا صحيحا لأن تعارض الأدلة الصحيحة ممتنع وحينئذ فكل من كان أعلم بدلالة ~~الشرع على الإثبات وبضعف أدلة النفاة كان أعلم بهذا الكلام فيكون العلم ~~بفساد هذه المعارضات تارة بطريق إجمالي وتارة بطريق تفصيلي كما يعلم فساد ~~الحجج السوفسطائية فإن من علم الشيء علما يقينيا علم قطعا فساد ما يناقضه ~~وإن لم يعلم تفصيل فساد تلك الحجج فمن علم صدق الرسول وأنه أخبر بأمر علم ~~قطعا أنه لا يقوم دليل قطعي على نفيه # الوجه السادس أن هؤلاء الذين يرون تقديم عقولهم على كلام الله ورسوله ~~عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو والصفات الخبرية ونحو ذلك مما جاء به ~~الكتاب والسنة PageV05P299 # وهؤلاء يقولون علمنا بأن الرسول أخبر بالعلو وبهذه الصفات علم ضروري من ~~دينه أبلغ من علمنا بثبوت اللعان والشفعة وحد القذف وسجود التلاوة والسهو ~~ونحو ذلك # وإذا كان ذلك معلوما بالاضطرار من دين الإسلام لم يمكن أن يقال إن الرسول ~~لم يخبر به بل لا يمكن إلا أحد أمرين إما تكذيب الرسول وإما رد هذه ~~المعارضات المبتدعة # قالوا وعلمنا بصدق الرسول علم يقيني لا ريب يتخلله فالشبه القادحة في ذلك ~~كالشبه القادحة في العلوم العقلية اليقينية وهذه من جنس شبه السوفسطائية ~~فنحن نعلم فسادها من حيث الجملة من غير خوض في التفصيل # ولا ريب أن هذا الأصل مستقر في قلب كل مؤمن بالله ورسوله فإن أهل الإلحاد ~~قد يذكرون له شبهات يقدحون بها فيما جاء به الرسول في مواضع كثيرة وقد لا ~~يكون للمؤمن خبرة بالمناظرة في ذلك لعدم العلم بعباراتهم ومقاصدهم في ~~كلامهم كمن يتكلم بلفظ الجسم والجوهر والحيز والهيولي والمادة والصورة ~~والكلي والجزئي والماهية ونحو ذلك عند من ليس له خبرة بهذه الأوضاع ~~والاصطلاحات ويؤلفها تأليفا يتضمن القدح فيما أخبر ms1021 الله به ورسوله فإن ~~المؤمن يعلم فساد ذلك مجملا وإن لم يعرف وجه فسادها لا سيما إذا لم يكن ~~خبيرا بطرق PageV05P300 ~~المناظرة وترتيب الأدلة وكيف يفسد المتعارض بالممانعة في موضعها والمعارضة ~~في موضعها ونحو ذلك مما يبين به فساد الأقوال الباطلة المعارضة للحق # وقول هؤلاء لنفاة الصفات نظير قول كل من آمن باليوم الآخر للملاحدة ~~النفاة إذا قالوا قد قام الدليل العقلي على نفي المعاد مطلقا أو نفي الأكل ~~والشرب والنكاح ونحو ذلك في الجنة أو على نفي معاد البدن والنصوص المعارضة ~~لذلك إما أن تأول وإما أن تفوض فإن المؤمنين بالآخرة من أهل الكلام وغيرهم ~~قالوا لهم نحن نعلم ثبوت المعاد بالاضطرار من دين الإسلام فلا يمكن دفع ~~العلوم الضرورية فلو لم يكن المعاد حقا لزم إما جحد كون الرسول أخبر به ~~وإما جحد صدقه فيما أخبر وكلاهما ممتنع وإلا فمن علم أن الرسول أخبر به ~~وعلم أنه لا يخبر إلا بحق علم بالضرورة أن المعاد حق # وهذا بعينه يقوله مثبتو الصفات والأفعال للنفاة حذو القذة بالقذة فإن ~~هؤلاء النفاة للصفات المثبتين للمعاد هم بين المؤمنين بالجميع كالسلف ~~والأئمة وبين الملاحدة المنكرين للصفات والمعاد فالملاحدة تقول لهم قولنا ~~في نفي المعاد كقولكم في نفي الصفات فلا يستدل بالشرع على هذا ولا على هذا ~~لمعارضة العقل له والمؤمنون بالله ورسوله يقولون لهم قولنا لكم في الصفات ~~كقولكم للملاحدة في المعاد PageV05P301 # فإذا قلتم للملاحدة إثبات المعاد معلوم بالاضطرار من دين الرسول # قلنا لكم وإثبات الصفات والعلو والأفعال معلوم بالاضطرار من دين الرسول # وقد تقدم من كلام الملاحدة كابن سينا ونحوه ما يبين ذلك وكل من تدبر كلام ~~السلف والأئمة في هذا الباب علم أن الجهمية النفاة للصفات كانوا عند السلف ~~والأئمة من جملة الملاحدة الزنادقة # ولهذا لما صنف الإمام أحمد ما صنفه في ذلك سماه الرد على الزنادقة ~~والجهمية وكذلك ترجم البخاري آخر كتاب الصحيح بكتاب التوحيد والرد على ~~الزنادقة والجهمية # وقال عبد الله بن المبارك إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ms1022 ولا نستطيع أن ~~نحكي كلام الجهمية وقال يوسف بن أسباط وابن المبارك أصول البدع أربعة ~~الشيعة والخوارج والمرجئة والقدرية قيل والجهمية فقالا ليست الجهمية من أمة ~~محمد ونقل مثل ذلك عن الزهري أنه قال ليس الجعدي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم # وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية PageV05P302 ~~ما الجهمية عندنا من أهل القبلة بل هؤلاء الجهمية أفحش زندقة وأظهر كفرا ~~وأقبح تأويلا لكتاب الله ورد صفاته من الزنادقة الذين قتلهم علي وحرقهم بالنار # قال والزنادقة والجهمية أمرهما واحد ويرجعان إلى معنى واحد ومراد واحد ~~وليس قوم أشبه بقوم منهم بعضهم ببعض # قال ولو كان جهم وأصحابه في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكبار التابعين لقتلوهم كما قتل علي الزنادقة التي ظهرت في عصره ولقتلوا ~~كما قتل أهل الردة ألا ترى أن الجعد بن درهم أظهر بعض رأيه في زمن خالد بن ~~عبد الله القسري فزعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا ~~فذبحه خالد بواسط PageV05P303 ~~يوم عيد الأضحى على رؤوس من حضره من المسلمين لم يعبه به عائب ولم يطعن ~~عليه طاعن بل استحسنوا ذلك من فعله وصوبوه # وكذلك لو ظهر هؤلاء في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ~~سبيلهم عند القوم إلا القتل كسبيل أهل الردة وكما قتل علي من ظهر منهم في ~~عصره وأحرقه وظهر بعضهم بالمدينة في عهد سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن ~~عوف فأشار على والى المدينة يومئذ بقتله # قال ويكفي العاقل من الحجج في إكفارهم ما تأولنا فيه من كتاب الله وروينا ~~فيه عن علي وابن عباس وما فسرنا من واضح كفرهم وفاحش مذهبهم وسنروي عن بعض ~~من ظهر ذلك بين أظهرهم من العلماء # ثنا محمد بن المعتمر السجستاني وكان من أوثق أهل PageV05P304 ~~سجستان وأصدقهم عن زهير بن نعيم البابي أنه سمع سلام بن أبي مطيع يقول ~~الجهمية كفار # وسمعت محمد بن المعتمر يقول سمعت زهير بن ms1023 نعيم يقول سئل حماد بن زيد وأنا ~~معه في سوق البصرة عن بشر المريسي فقال ذلك كافر # قال عثمان بن سعيد وبلغني عن يزيد بن هارون أنه قال الجهمية كفار وقال ~~حرضت أهل بغداد غير مرة على قتل المريسي ثنا يحيى الحماني ثنا الحسن بن ~~الربيع سمعت ابن المبارك يقول من زعم أن قوله { إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا } مخلوق فهو كافر سمعت محبوب بن موسى الأنطاكي يذكر أنه سمع وكيعا يكفر ~~الجهمية قال وحدثت عن سفيان الثوري عن حماد بن أبي سليمان أنه أكفر من زعم ~~أن القرآن مخلوق وسمعت الربيع بن نافع أبا توبة يكفر الجهمية PageV05P305 # وحدثنا الزهراني أبو الربيع قال كان من هؤلاء الجهمية رجل وكان الذي يظهر ~~من حاله الترفض وانتحال حب علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال رجل ممن ~~خالطه ويعرف مذهبه قد علمت أنكم لا ترجعون إلى دين الإسلام ولا تعتقدونه ~~فما الذي حملكم على الترفض وانتحال حب علي قال إذا أصدقك إنا إن أظهرنا ~~رأينا الذي نعتقده رمينا بالكفر والزندقة وقد وجدنا أقواما ينتحلون حب علي ~~ويظهرونه ثم يقعون بمن شاءوا ويعتقدون ما شاءوا فيقولون ما شاءوا فنسبوا ~~بذاك إلى الترفض والتشيع فلم نر لمذهبنا أمرا ألطف من انتحال حب هذا الرجل ~~ثم نقول ما شئنا ونعتقد ما شئنا ونقع بمن شئنا فلأن يقال إنا رافضه وشيعة ~~أحب إلينا من أن يقال زنادقة وكفار وما علي عندنا بأحسن حالا من غيره ممن ~~نقع بهم # قال أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي وصدق هذا الرجل فيما PageV05P306 ~~عبر عن نفسه ولم يراوغ وقد استبان لي ذلك من بعض كبرائهم ونظرائهم أنهم ~~يستترون بالتشيع يجعلونه تسبيبا لكلامهم وخطائهم وسلما وذريعة لاصطياد ~~الضعفاء وأهل الغفلة ثم يبذرون بين ظهراني خطئهم بذر كفرهم وزندقتهم ليكون ~~أنجع في قلوب الجهال وأبلغ فيهم ولئن كان أهل الجهل في شك من أمرهم إن أهل ~~العلم منهم على يقين # قلت قد قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره من ms1024 أئمة السنة هما صنفان فاحذورهما ~~الجهمية والرافضة # وهذا الذي حكاه عثمان بن سعيد عن هذا الرجل هو لسان حال أئمة الجهمية ~~المتشيعة كالقرامطة الباطنية من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم وهم رؤوس ~~الملاحدة وأئمتهم وقد دخل كثير من إلحادهم على كثير من الشيعة والمتكلمين ~~من المعتزلة والنجارية والضرارية والأشعرية والكرامية ومن أهل التصوف ~~والفقه والحديث والتفسير والعامة # لكن عامة هؤلاء لا يعتقدون الزندقة بل يقرون بنبوة النبي صلى الله PageV05P307 ~~عليه وسلم لكن دخل فيهم نوع من الإلحاد وشعبة من شعب النفاق والزندقة أضعف ~~إيمانهم وحصل في قلوبهم نوع شك وشبهة في كثير مما جاء به الرسول مع تصديقهم للرسول # وتجدهم في هذا الباب في حيرة واضطراب وشك وارتياب لم يحققوا ما ذكره الله ~~تعالى في قوله { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } ولكن ليس كل من ~~دخل عليه شعبة من شعب النفاق والزندقة فقبلها جهلا أو ظلما يكون كافرا ~~منافقا في الباطن بل قد يكون معه من الإيمان بالله ورسوله ما يجزيه الله ~~عليه ولا يظلم ربك أحدا # قال أبو سعيد عثمان بن سعيد والزندقة أكبر في نفوس أهل العلم من الإرتداد ~~ومن كفر اليهود والنصارى ولذلك قال ابن المبارك لأن أحكي كلام اليهود ~~والنصارى أحب إلي من أن أحكي كلام الجهمية حدثناه الحسن بن الصباح البغدادي ~~عن علي بن شقيق عن ابن المبارك قال أبو سعيد وصدق ابن المبارك إن في كلامهم ~~ما هو أوحش من كلام اليهود والنصارى PageV05P308 # قال أبو سعيد وذهبت يوما أحكي ليحيى بن يحيى كلام الجهمية لأستخرج منه ~~نقضا عليهم وفي مجلسه يومئذ الحسين بن عيسى البسطامي وأحمد بن حريش القاضي ~~ومحمد بن رافع وأبو قدامة السرخسي فيما أحسب وغيرهم من المشايخ فزبرني بغصب ~~وقال اسكت وأنكر علي المشايخ الذين في مجلسه استعظاما أن أحكي كلام الجهمية ~~وتشنيعا عليهم فكيف بمن يحكي كلامهم ديانة ثم قال يحيى القرآن كلام الله ~~فمن شك فيه أو زعم ms1025 أنه مخلوق فهو كافر # قلت وكلام السلف والأئمة في تكفير الجهمية وبيان أن قولهم يتضمن التعطيل ~~والإلحاد كثير ليس هذا موضع بسطه # وقد سئل عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط عنهم فأجابا بما تقدم # وقد تبين أن الجهمية عندهم من نوع الملاحدة الذين يعلم بالاضطرار أن ~~قولهم مخالف لما جاءت به الرسل بل إنكار صفات الله أعظم إلحادا في دين ~~الرسل من إنكار معاد الأبدان فإن إثبات الصفات لله أخبرت به الرسل أعظم مما ~~أخبرت بمعاد الأبدان PageV05P309 # ولهذا كانت التوراة مملوءة من إثبات صفات الله وأما ذكر المعاد فليس هو ~~فيها كذلك حتى قد قيل إنه ليس فيها ذكر المعاد # والقرآن فيه من ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذكر الأكل ~~والشرب والنكاح في الجنة والآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظم ~~قدرا من آيات المعاد فأعظم آية في القرآن آية الكرسي المتضمنة لذلك # كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لأبي بن كعب أتدري أي آية في كتاب الله أعظم قال { الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم } فضرب بيده في صدره وقال ليهنك العلم أبا المنذر # وأفضل سورة سورة أم القرآن كما ثبت ذلك في حديث أبي سعيد بن المعلي في ~~الصحيح قال له النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم ينزل في التوراة ولا في ~~الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها PageV05P310 ~~وهي السبع المثانى والقرآن العظيم الذي أوتيته وفيها من ذكر أسماء الله ~~وصفاته أعظم مما فيها من ذكر المعاد # وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من غير وجه أن { قل هو الله ~~أحد } تعدل ثلث القرآن PageV05P311 # وثبت في الصحيح أنه بشر الذي كان يقرأها ويقول إني لأحبها لأنها صفة ~~الرحمن بأن الله يحبه فبين أن الله يحب من يحب ذكر صفاته سبحانه وتعالى ~~وهذا باب واسع # الوجه السابع أن يبين أن الفطرة التي فطر الله عليها عباده ms1026 والعلوم ~~الضرورية التي جعلها في قلوبهم توافق ما أخبر به الرسول من علو الله على ~~خلقه ونحو ذلك فالمعقول الضروري الذي هو أصل العلوم النظرية موافق للأدلة ~~الشرعية مصدق لها لا مناقض معارض لها # الوجه الثامن أن يقال الإرادات والقصود الضرورية التي تضطر العباد عندما ~~يضطرون إلى أن يطلبوا من الله قضاء الحاجات وتفريج الكربات موافقة لما أخبر ~~به الرسول لا معارضة لذلك # الوجه التاسع أن يقال الأدلة العقلية البرهانية المؤلفة من المقدمات ~~اليقينية هي موافقة لخبر الرسول لا معارضة له ومن كان له خبرة بالأدلة ~~العقلية وتأليفها وتأمل أدلة المثبتة والنفاة رأى بينهما من الفرق أعظم مما ~~بين القدم والفرق فإن أدلة الإثبات أدلة صحيحة مبنية على مقدمات يقينية ~~خالصة من الشبهة وأما حجج PageV05P312 ~~النفاة فجميعها مبناها على ألفاظ مجملة متشابهة ومعان مشتابهة ولهذا متى ~~وقع الاستفسار والتفصيل لمجمل كلامهم ووقع البيان والتفصيل لمشتبه معانيهم ~~تبين لكل عاقل فاهم أن النفاة جمعوا بين المختلفات وفرقوا بين المتماثلات ~~وسووا بين الشيئين اللذين هما في غاية التباين لاشتراكهما في بعض الصفات # ولهذا كان مآل أمرهم إلى أن جلعوا الوجود واحدا فجعلوا وجود الخالق رب ~~العالمين الذي لا يماثله شيء من الموجودات بوجه من الوجوه ومباينته لكل ~~موجود أعظم من مباينة كل موجود لكل موجود 0 هو وجود أحقر المخلوقات وأصغر ~~المخلوقات أو مماثلا له لاتفاقهما في مسمى الوجود أو مسمى الذات أو الحقيقة ~~وصار أئمتهم النظار في هذه المسألة التي هي أول ما ينبغي لذى النظر أن ~~يعرفه في حيرة عظيمة فهذا يقول الوجود واحد لاشتراك الموجودات في مسمى ~~الوجود ولا يميز بين الواحد بالعين والواحد بالنوع أو الجنس اللغوي # وهذا يقول وجوده وجود مطلق إما بشرط الإطلاق وإما مطلقا لا بشرط وإما ~~بشرط سلب جميع الأمور الثبوتية عنه وهذا يمتنع ثبوته في الموجودات وإنما ~~يكون مثل هذا فيما تقدره الأذهان لا فيما يوجد في الأعيان # وغاية من يجعل ذلك ثابتا في الخارج أن يجعل وجود الخالق هو وجود ~~المخلوقات أو ms1027 جزءا منها فيجعل افتقاره إلى المخلوقات كافتقار المخلوقات ~~إليه كما يقوله من يفرق بين الوجود والثبوت PageV05P313 # وهذا يقول لفظ الوجود والذات وغيرهما مقول عليه وعلى الموجودات بالإشتراك ~~اللفظي المجرد كاشتراك المشتري وسهيل فتخرج الأسماء العامة الكلية كاسم ~~الوجود والذات والنفس والحقيقة والحي والعالم والقادر ونحو ذلك عن مسمياتها ~~وتسلبه العقول ما جعله الله فيها من المعاني والقضايا العامة الكلية وهذه ~~خاصة العقل التي تميز بها عن الحس إلى أمثال هذه المقالات التي هي عند من ~~فهمها وعرف حقيقة قول أصحابها ضحكة للعاقل من وجه وأعجوبة له من وجه ومسخطة ~~له من وجه # ومثل هذه المعقولات لو تصرف بها في تجارة أو صناعة من الصناعات لأفسدت ~~التجارة والصناعة فكيف يتصرف بها في الأمور الإلهية وفي صفات رب البرية ثم ~~يعارض بها كلام الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه # فمن تبحر في المعقولات وميز بين البينات والشبهات تبين له أن العقل ~~الصريح أعظم الأشياء موافقة لما جاء به الرسول وكلما عظمت معرفة الرجل بذلك ~~عظمت موافقته للرسول # ولكن دخلت الشبهة في ذلك بأن قوما كان لهم ذكاء تميزوا به في أنواع من ~~العلوم إما طبيعية كالحساب والطب وإما شرعية كالفقه مثلا وأما الأمور ~~الإلهية فلم يكن لهم بها خبرة كخبرتهم بذلك وهي أعظم المطالب وأجل المقاصد ~~فخاضوا فيها بحسب أحوالهم وقالوا PageV05P314 ~~فيها مقالات بعبارات طويلة مشتبهة لعل كثيرا من أئمة المتكلمين بها لا ~~يحصلون حقائق تلك الكلمات ولو طالبتهم بتحقيقها لم يكن عندهم إلا الرجوع ~~إلى تقليد أسلافهم فيها # وهذا موجود في منطق اليونان وإلهياتهم وكلام أهل الكلام من هذه الأمة ~~وغيرهم يتكلم رأس الطائفة كأرسطو مثلا بكلام وأمثاله من اليونان بكلام وابي ~~الهذيل والنظام وأمثالهما من متكلمة أهل الإسلام بكلام ويبقى ذلك الكلام ~~دائرا في الأتباع يدرسونه كما يدرس المؤمنون كلام الله وأكثر من يتكلم به ~~لا يفهمه # وكلما كانت العبارة أبعد عن الفهم كانوا لها أشد تعظيما وهذا حال الأمم ~~الضالة كلما كان الشيء مجهولا كانوا أشد له ms1028 تعظيما كما يعظم الرافضة ~~المنتظر الذي ليس لهم منه حس ولا خبر ولا وقعوا له على عين ولا أثر # وكذلك تعظيم الجهال من المتصوفة ونحوهم للغوث وخاتم الأولياء ونحو ذلك ~~مما لا يعرفون له حقيقة PageV05P315 # وكذلك النصارى تعظم ما هو من هذا الباب وهكذا الفلاسفة تجد أحدهم إذا سمع ~~أئمته يقولون الصفات الذاتية والعرضية والمقوم والمقسم والمادة والهيولي ~~والتركيب من الكم ومن الكيف وأنواع ذلك من العبارات عظمها قبل أن يتصور ~~معانيها ثم إذا طلب معرفتها لم يكن عنه في كثير منها إلا التقليد لهم # ولهذا كان فيها من الكلام الباطل المقرون بالحق ما شاء الله ويسمونها ~~عقليات وإنما هي عندهم تقليديات قلدوا فيها ناسا يعلمون أنهم ليسوا معصومين ~~وإذا بين لأحدهم فسادها لم يكن عنده ما يدفع ذلك بل ينفي تعظيمه المطلق ~~لرؤوس تلك المقالة [ ثم ] يعارض ما تبين لعقله فيقول كيف يظن بأرسطو وابن ~~سينا وأبي الهذيل أو أبي علي الجبائي ونحو هؤلاء أن يخفى عليه مثل هذا أو ~~أن يقول مثل هذا # وهو مع هذا يرى أن الذين قلدوا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى { إن هو ~~إلا وحي يوحى } قد بخسوا أنفسهم حظها من العقل والمعرفة والتمييز ورضوا ~~بقبول قول لا يعلمون PageV05P316 ~~حقيقته وهو مع هذا يقبل أقوالا لا يعلم حقيقتها وقائلين يعلم أنهم يخطئون ~~ويصيبون # وهذا القدر قد تبينته من الطوائف المخالفين للكتاب والسنة ولو في أدنى ~~شيء ممن رأيت كتبهم وممن خاطبتهم وممن بلغني أخبارهم إذا أقيمت على أحدهم ~~الحجة العقلية التي يجب على طريقته قبولها ولم يجد له ما يدفعها به فر إلى ~~التقليد ولجأ إلى قول شيوخه وقد كان في أول الأمر يدعو إلى النظر والمناظرة ~~والاعتصام بالعقليات والإعراض عن الشرعيات # ثم إنه في آخر الأمر لا حصل له علم من الشرعيات ولا من العقليات بل هو ~~كما قال الله { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد } # وكما قال تعالى { ومن الناس من يجادل في الله بغير ms1029 علم ولا هدى ولا كتاب منير } # وكما قال تعالى { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~ونذرهم في طغيانهم يعمهون } # وكما قال { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم ~~أضل سبيلا } # وكما قال تعالى { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع ~~الرسول سبيلا } PageV05P317 ~~يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا { لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ~~وكان الشيطان للإنسان خذولا } # وكما قال { يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا } وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا { ربنا ~~آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا } # وهذه النصوص فيها نصيب لكل من اتبع أحدا من الرؤوس فيما يخالف الكتاب ~~والسنة سواء كانوا من رؤوس أهل النظر والكلام والمعقول والفلسفة أو رؤوس ~~أهل الفقه والكلام في الأحكام الشرعية أو من رؤوس أهل العبادة والزهادة ~~والتأله والتصوف أو من رؤوس أهل الملك والإمارة والحكم والولاية والقضاء # ولست تجد أحدا من هؤلاء إلا متناقضا وهونفسه يخالف قول ذلك المتبوع الذي ~~عظمه في موضع آخر إذ لا يصلح أمر دنياه ودينه بموافقة ذلك المتبوع لتناقض أوامره # بخلاف ما جاء من عند الله فإنه متفق مؤتلف فيه صلاح أحوال العباد في ~~المعاش والمعاد # قال تعالى { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } وهذه ~~الجمل مبسوطة في مواضع غير هذا PageV05P318 # والمقصود هنا أن ننبه المسلم على أن العقل الصريح كلما أمعن في تحقيقه لا ~~يكون إلا موافقا للشرع الذي جاءت به الرسل حتى تتبين لك صحة ما جاء به ~~بالأدلة العقلية التي لا يحتاج فيها إلى خبر مخبر ولو كان معصوما لكن ~~تتعاضد الأدلة السمعية والعقلية الخبرية والنظرية # كما قال تعالى { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } # ولكن الناس متفاوتون في هذا بحسب ما يؤتيهم الله من العقل والمعرفة ~~والنظر والإستدلال والتمييز فكل من ms1030 كان أكمل في معرفة الصواب من هذا كان ~~أكمل في معرفة الموافقة والمطابقة # وهذا أمر يخبر به من خبره فقد يكون الرجل قبل أن يستيقن ما جاءت به السنة ~~عنده شبهة ووهم لظنه أنه قد عارضها ما يعارضها به المعارض إما من عقلياته ~~وإما من ذوقياته وإما من سياساته فإذا هداه الله وأرشده تبين له في آخر ~~الأمر أن ما وافق الشرع هو المعقول الصريح وهو الذوق الصحيح وهو السياسة ~~الكاملة العادلة وأن ما خالف ذلك هو من أمور أهل الجهل والظلم # والله يقول الحق وهو يهدي السبيل { ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } # الوجه العاشر أنه ما من قول موافق للسنة إلا وتجد العقلاء الذين يقرون به ~~أكثر وأعظم من العقلاء الذين ينكرونه بل تجد الموافقين له PageV05P319 ### | AUTO من العقلاء قد اتفقوا على ذلك بغير مواطأة من بعضهم لبعض وذلك ~~يبين أنه موجب العقل الصريح بخلاف الأقوال المخالفة فإنك لا تجد من يقولها ~~من طوائف العقلاء إلا من تواطأ على تلك المقالة التي تلقاها بعضهم عن بعض ~~وما تواطأ عليه الناس يجوز فيه من الغلط والكذب ما لا يجوز فيما اتفق عليه ~~العقلاء من غير مواطأة ولا تشاعر والله أعلم الدليل الثاني والثلاثون # أن يقال القول بتقديم غير النصوص النبوية عليها من عقل أو كشف أو غير ذلك ~~يوجب أن لا يستدل بكلام الله ورسوله على شيء من المسائل العلمية ولا يصدق ~~بشيء من أخبار الرسول لكون الرسول أخبر به ولا يستفاد من أخبار الله ورسوله ~~هدى ولا معرفة بشيء من الحقائق بل ذلك مستلزم لعدم الإيمان بالله ورسوله ~~وذلك متضمن للكفر والنفاق والزندقة والإلحاد وهو معلوم الفساد بالضرورة من ~~دين الإسلام كما أنه في نفسه قول فاسد متناقض في صريح العقل # وهذا لازم لكل من سلك هذه الطريق كما يجد ذلك من اعتبره وذلك لأنه إذا ~~جوز أن يكون ما أخبر الله به ورسوله وبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~أمته من القرآن والحديث وما فيه من ms1031 ذكر صفات الله تعالى وصفات ملائكته ~~وعرشه والجنة والنار والأنبياء وأممهم وغير ذلك مما قصه الله في كتابه أو ~~أمر به من التوحيد PageV05P320 ~~والعبادات والأخلاق ونهى عنه من الشرك والظلم والفواحش وغير ذلك إذا جوز ~~المجوز أن يكون في الأدلة العقلية القطعية التي يجب اتباعها وتقديمها عليه ~~عند التعارض ما يناقض مدلول ذلك ومفهومه ومقتضاه لم يمكنه أن يعرف ثبوت شيء ~~مما أخبر به الرسول إن لم يعلم انتفاء المعارض المذكور وهو لا يمكنه العلم ~~بانتفاء هذا المعارض إن لم يعلم بدليل آخر عقلي ثبوت ما أخبر به الرسول ~~وإلا فإذا لم يعلم بدليل عقلي ثبوته وليس معه ما يدله على ثبوته إلا إخبار ~~الله ورسوله وهذا عنده مما يجوز أن يعارضه عقلي تقدم عليه فلا طريق له إلى ~~العلم بانتفاء المعارضات العقلية إلا أن يحيط علما بكل ما يخطر ببال بني ~~آدم مما يظن أنه دليل عقلي # وهذا أمر لا ينضبط وليس له حد فإنه لا يزال يخطر لبني آدم من الخواطر ~~ويقع لهم من الآراء والإعتقادات ما يظنونه دلائل عقلية وهذه تتولد مع بني ~~آدم كما يتولد الوسواس وحديث النفس فإذا جوز أن يكون فيها ما هو قاطع عقلي ~~معارض للنصوص مستحق للتقديم عليها لم يمكنه الجزم بانتفاء هذا المعارض أبدا ~~فلا يمكنه الجزم بشيء مما أخبر به الرسول بمجرد إخباره أبدا فلا يؤمن بشيء ~~مما أخبر به الرسول لكون الرسول أخبر به أبدا ولا يستفيد من خبر الله ~~ورسوله علما ولا هدى بل ولا يؤمن بشيء من الغيب الذي أخبر به الرسول إذا لم ~~يعلم ثبوته بعقله أبدا # وحقيقة هذا سلب الإيمان برسالة الرسول وعدم تصديقه ثم إن لم يقم عنده ~~المعارض المقدم بقي لا مصدقا بما جاء به الرسول ولا مكذبا به PageV05P321 ~~وهذا كفر باتفاق أهل الملل وبالاضطرار من دين الإسلام وإن قام عنده المعارض ~~المقدم كان مكذبا للرسول فهذا في الكفر الذي هو جهل مركب وذلك في الكفر ~~الذي هو جهل بسيط # ويتناول كلا منهما ms1032 قوله تعالى { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا } يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا { لقد أضلني ~~عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا } وقال الرسول يا رب إن ~~قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ~~وكفى بربك هاديا ونصيرا } # وقال تعالى { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا } ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون { ~~ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون } وأمثال ذلك # ولهذا كان هذا الأصل الفاسد مستلزما للزندقة والإلحاد في آيات الله ~~وأسمائه فمن طرده أداه إلى الكفر والنفاق والإلحاد ومن لم يطرده تناقض ~~وفارق المعقول الصريح وظهر ما في قوله من التناقض والفساد # ومن هذا الباب دخلت الملاحدة والقرامطة الباطنية على كل فرقة من PageV05P322 ~~الطوائف الذين وافقوهم على بعض هذا الأصل حتى صار من استجاب لهم إلى بعضه ~~دعوة إلى الباقي إن أمكنت الدعوة وإلا رضوا منه بما أدخلوه فيه من الإلحاد ~~فإن هذا الأصل مناقض معارض لدين جميع الرسل صلوات الله عليهم وسلامه # وقد رأيت كتابا لبعض أئمة الباطنية سماه الأقاليد الملكوتية سلك فيه هذا ~~السبيل وصار يناظر كل فريق بنحو من هذا الدليل فإنهم وافقوه على تأويل ~~السمعيات ووافقوه على نفي ما يسمى تشبيها بوجه من الوجوه فصار من أثبت شيئا ~~من الأسماء والصفات كاسم الموجود والحي والعليم والقدير ونحو ذلك يقول له ~~هذا فيه تشبيه لأن الحي ينقسم إلى قديم ومحدث والموجود ينقسم إلى قديم ~~ومحدث ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام فيلزم التركيب وهو التجسيم ويلزم ~~التشبيه فإنه إذا كان هذا موجودا [ وهذا موجودا ] اشتبها واشتركا في مسمى ~~الوجود وهذا تشبيه وإذا كان أحد الموجودين واجبا بنفسه صار مشاركا لغيره في ~~مسمى الوجود ومتميزا عنه بالوجوب وما به الامتياز غير ما به الاشتراك فيكون ~~الواجب بنفسه مركبا مما به الإشتراك وما به الإمتياز والمركب محدث ms1033 أو ممكن ~~لأنه مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بنفسه ~~فساق من سلم له الأصول الفاسدة إلى نفي الوجود الواجب الذي يعلم ثبوته ~~بضرورة عقل كل عاقل فأورد على نفسه أنك إذا قلت ليس بموجود ولا حي ولا ميت ~~كان هذا تشبيها بالمعدوم أيضا فقال لا أقول لا هذا ولا هذا فأورد على PageV05P323 ~~نفسه أنك قد قررت في المنطق أنه إذا اختلفت قضيتان بالسلب والإيجاب لزم من ~~صدق إحداهما كذب الأخرى فإن صدق أنه موجود كذب أنه ليس بموجود وإن صدق أنه ~~ليس بموجود كذب أنه موجود ولابد لك بذلك من إحداهما فأجاب بأني لا أقول لا ~~هذا ولا هذا فلا أقول موجود ولا ليس بموجود ولا معدوم ولا ليس بمعدوم # فهذا منتهى كلام الملاحدة وقد حكوا مثل هذا عن الحلاج وأشباهه من أهل ~~الحلول والإتحاد وأنهم لا يثبتونه ولا ينفونه ولا يحبونه ولا يبغضونه # فيقال لهذا الضال كما أن الجمع بين النقيضين ممتنع فرفع النقيضين أيضا ~~ممتنع فإذا امتنع أن يكون موجودا ليس بموجود امتنع أن لا يكون موجودا ولا ~~غير موجود فقد وقعت في شر مما فررت منه # وأما التشبيه فإنك فررت من تشبيه بموجود أو معدوم فشبهته بالممتنع الذي ~~لا حقيقة له فإن ما ليس بموجود ولا معدوم لا حقيقة له أصلا وهذا شر مما ~~يقال فيه إنه موجود أو معدوم # وقد رام طائفة من المتأخرين كالشهر ستاني والآمدي والرازي في بعض كلامه ~~ونحوهم أن يجيبوا هؤلاء عن هذا بأن لفظ الموجود والحي والعليم والقدير ~~ونحوها من الأسماء تقال على الواجب والممكن بطريق الإشتراك اللفظي كما يقال لفظ PageV05P324 ~~المشتري على الكوكب والمبتاع وكما يقال لفظ سهيل على الكوكب والرجل المسمى ~~بسهيل وكذلك لفظ الثريا على النجم والمرأة المسماه بالثريا ومن هنا قال ~~الشاعر % أيها المنكح الثريا سهيلا % % عمرك الله كيف يلتقيان % % هي شامية ~~إذا ما استقلت % % وسهيل إذا استقل يمان % # وهؤلاء متناقضون في هذا الجواب فإنهم وسائر العقلاء يقسمون الوجود إلى ~~واجب ms1034 وممكن وقديم ومحدث وأمثال ذلك مع علمهم بأن التقسيم لا يكون في ~~الألفاظ المشتركة إن لم يكن المعنى مشتركا سواء كان متماثلا أو متفاضلا ~~ومنهم من يخص المتفاضل بتسميته مشككا فالتقسيم لا يكون إلا في الألفاظ ~~المتواطئة التواطؤ العام الذي يدخل فيه المشككة أو في المتواطئة التواطؤ ~~الخاص وفي المشككة أيضا # فأما مثل سهيل فلا يقال سهيل ينقسم إلى الكوكب والرجل إلا أن يراد أن لفظ ~~سهيل يطلق على هذا وهذا # ومعلوم أن مثل [ هذا ] التقسيم لا يراد به الإخبار عن الإطلاق في اللغة ~~وإنما يراد به تقسيم المعنى المدلول عليه باللفظ ولهذا كان تقسيم المعاني ~~العامة صحيحا ولو عبر عن تلك المعاني بعبارات متنوعة في اللغات فإن المقسوم ~~هو المعنى الذي لا يختلف باختلاف اللغات PageV05P325 # وأيضا فلو لم تكن هذه الأسماك متواطئة لكان لا يفهم منها عند الإطلاق ~~الثاني معنى حتى يعرف معناها في ذلك الإطلاق الثاني كما في الألفاظ ~~المشتركة فإنه إذا أطلقه في موضع ما يدل على معناه ثم أطلقه مرة ثانية ~~وأراد به المعنى الآخر فإنه لا يفهم ذلك المعنى إلا بدليل يدل عليه # ثم هم مع هذا التناقض موافقون في المعنى للملاحدة فإنهم إذا جعلوا أسماء ~~الله تعالى كالحي والعليم والقدير والموجود ونحو ذلك مشتركة اشتراكا لفظيا ~~لم يفهم منها شيء إذا سمي بها الله إلا أن يعرف ما هو ذلك المعنى الذي يدل ~~عليه إذا سمي بها الله لا سيما إذا كان المعنى المفهوم منها عند الإطلاق ~~ليس هو المراد إذا سمي بها الله # ومعلوم أن اللفظ المفرد إذا سمي به مسمى لم يعرف معناه حتى يتصور المعنى ~~أولا ثم يعلم أن اللفظ دال عليه فإذا كان اللفظ مشتركا فالمعنى الذي وضع له ~~في حق الله لم نعرفه بوجه من الوجوه فلا يفهم من أسماء الله الحسنى معنى ~~أصلا ولا يكون فرق بين قولنا حي وبين قولنا ميت ولا بين قولنا موجود وبين ~~قولنا معدوم ولا بين قولنا عليم وبين قولنا جهول أو ديز ms1035 أو كجز بل يكون ~~بمنزلة ألفاظ أعجمية سمعناها ولا نعلم مسماها أو ألفاظ مهملة لا تدل على ~~معنى كديز وكجز ونحو ذلك # ومعلوم أن الملاحدة يكفيهم هذا فإنهم لا يمنعون إطلاق اللفظ إذا تظاهروا ~~بالشرع وإنما يمنعون منه أن نفهم معنى PageV05P326 # وسبب هذا الضلال أن لفظ التشبيه والتركيب لفظ فيه إجمال وهؤلاء أنفسهم هم ~~وجماهير العقلاء يعلمون أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك ونفي ذلك ~~القدر المشترك ليس هو نفس التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي ~~على نفيه وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من ~~خصائص المخلوقين لله سبحانه وتعالى إذ هو سبحانه { ليس كمثله شيء } لا في ~~ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله # ولهذا اتفق جميع طوائف المسلمين وغيرهم على الرد على هؤلاء الملاحدة ~~وبيان أنه ليس كل ما اتفق شيئان في شيء من الأشياء يجب أن يكون أحدهما مثلا ~~للآخر ولا يجوز أن ينفى عن الخالق سبحانه كل ما يكون فيه موافقة لغيره في ~~معنى ما فإنه يلزمه عدمه بالكلية كما فعله هؤلاء الملاحدة بل يلزم نفى ~~وجوده ونفي عدمه وهو غاية التناقض والإلحاد والكفر والجهل # وكذلك لفظ التركيب فإن ثبوت معاني لله تعالى ليس هو مما ينفيه الدليل ~~وكون تلك المعاني من لوازم ذاته وأنه لا يكون إلا متصفا بها ليس هو تركيبا ~~ينفيه عقل ولا شرع بل مثل هذا لابد منه كما قد بسط ذلك في مواضع كثيرة فهذا ~~وأمثاله هي العقليات الفاسدة التي تطرق بها أهل الإلحاد وكذلك ردهم للدلالة ~~السمعية إذا عارضها عندهم ما هو عندهم PageV05P327 ~~عقلي يوجب أن لا يستدل بشيء من كلام الله ورسوله كما تقدم فلا يبقى عندهم ~~لا عقل ولا سمع # وهذا الذي ذكرناه من أن هذا الأصل يوجب عدم الاستدلال بكلام الله ورسوله ~~على المسائل العلمية قد اعترف حذاقهم به بل التزمه من التزمه من متأخري أهل ~~الكلام كالرازي كما التزمته الملاحدة الفلاسفة # وأما المعتزلة فلا يقولون الأدلة السمعية لا ms1036 تفيد اليقين بل يقولون لا ~~يحتج بالسمع على مسائل التوحيد والعدل لأن ذلك بزعمهم يتوقف العلم بصدق ~~الرسول عليه # وكذلك متأخرو الأشعرية يجعلون القول في الصفات من الأصول العقلية وأما ~~الأشعري وأئمة أصحابه فيحتج عليها عندهم بالسمع كما يحتج بالعقل # ولهذا لما ذكر أبو عبد الله الرازي أصول الأدلة التي يحتج بها في أصول ~~الدين أصحابه وغيرهم ذكر هذا الأصل واعترض عليه فقال في نهاية العقول الفصل ~~السابع في تزييف الطرق الضعيفة وهي أربع فذكر نفي الشيء لانتفاء دليله وذكر ~~القياس وذكر الإلزامات ثم قال والرابع هو التمسك بالسمعيات فنقول المطالب ~~على أقسام ثلاثة منها ما يستحيل حصول العلم بها بواسطة PageV05P328 ~~السمع ومنها ما يستحيل العلم بها إلا من السمع ومنها ما يصح حصول العلم بها ~~من السمع تارة ومن العقل أخرى # قال أما القسم الأول فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته ~~استحال تصحيحه بالسمع مثل العلم بوجود الصانع وكونه مختارا وعالما بكل ~~المعلومات وصدق الرسل # قال وأما القسم الثاني وهو ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر إذا لم يجده ~~الإنسان من نفسه ولا يدركه بشيء من حواسه فإن حصول غراب على قلة جبل قاف ~~إذا كان جائز الوجود والعدم مطلقا وليس هناك ما يقتضي وجوب أحد طرفيه أصلا ~~وهو غائب عن النفس والحس استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق وأما القسم ~~الثالث وهو معرفة وجوب الواجبات وإمكان الممكنات واستحالة المستحيلات التي ~~لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بوجوبها وإمكانها واستحالتها مثل ~~مسألة الرؤية والصفات والوحدانية وغيرها PageV05P329 # قلت ليس المقصود هنا استيفاء الكلام فيما ذكره من الأمثال فإن فيما ذكر ~~أنه لا يعلم إلا بالسمع ما يمكن علمه بدون السمع إذ علم الإنسان بوجود بعض ~~الممكنات له طرق متعددة غير إخبار الرسول وكذلك ما ذكر أنه لا يعلم بالسمع ~~فيه كلام ليس هذا موضعه # ولكن المقصود ذكر قوله بعد ذلك [ فإنه ] قال إذا عرفت ذلك فنقول أما أن ~~الأدلة السمعية لا يجوز استعمالها في الأصول ms1037 في القسم الأول فهو ظاهر وإلا ~~لو وقع الدور وأما أنه يجب استعمالها في القسم الثاني فهو ظاهر كما سلف ~~وأما القسم الثالث ففي جواز [ استعمال ] الأدلة السمعية فيه إشكال # وذلك لأنا لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر ~~الدليل السمعي فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي لأنه ~~إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر كما سلف وأما القسم الثالث ففي جواز استعمال ~~الأدلة السمعية فيه إشكال # وذلك لأنا لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر ~~الدليل السمعي فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي لأنه ~~إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر PageV05P330 ~~النقل وبين مقتضى الدليل العقلي فإما أن نكذب بالعقل وإما نأول النقل فإن ~~كذبنا العقل مع أن النقل لا يمكن إثباته إلا بالعقل فإن الطريق إلى إثبات ~~الصانع ومعرفة النبوة ليس إلا العقل فحينئذ تكون صحة النقل متفرعة على ما ~~يجوز فساده وبطلانه فإذن لا يكون النقل مقطوع الصحة فإذن تصحيح النقل برد ~~العقل يتضمن القدح في النقل وما أدى ثبوته إلى انتفائه كان باطلا فتعين ~~تأويل النقل # فإذن الدليل السمعي لا يفيد اليقين بوجود مدلوله إلا بشرط أن لا يوجد ~~دليل عقلي على خلاف ظاهره فحينئذ لا يكون الدليل النقلي مفيدا للمطلوب إلا ~~إذا بينا أنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهره ولا طريق لنا إلى إثبات ذلك ~~الأمر إلا من وجهين إما PageV05P331 ~~أن نقيم دلالة عقلية على صحة ما أشعر به ظاهر الدليل النقلي وحينئذ يصير ~~الإستدلال بالنقل فضلا غير محتاج إليه وإما بأن نزيف أدلة المنكرين لما دل ~~عليه ظاهر النقل وذلك ضعيف لما بينا من أنه لا يلزم من فساد ما ذكروه أن لا ~~يكون هناك معارض أصلا اللهم إلا أن نقول إنه لا دليل على هذه المعارضات ~~فوجب نفيه ولكنا زيفنا هذه الطريقة أو نقيم دلالة قاطعة على أن المقدمة ~~الفلانية غير معارضة لهذا النص ولا ms1038 المقدمة الفلانية الأخرى وحينئذ يحتاج ~~إلى إقامة الدلالة على أن كل واحدة من هذه المقدمات التي لانهاية لها غير ~~معارضة لهذا الظاهر فثبت أنه لا يمكن حصول اليقين بعدم ما يقتضي خلاف ~~الدليل النقلي وثبت أن الدليل النقلي يتوقف إفادته اليقين على ذلك فإذا ~~الدليل النقلي تتوقف إفادته على مقدمة غير يقينيه وهي عدم دليل PageV05P332 ~~عقلى فوجب تأويل ذلك النقل وكل ما تبنى صحته على ما لا يكون يقينيا لا يكون ~~هو أيضا يقينيا فثبت أن ذلك الدليل النقلي من هذا القسم لا يكون مفيدا لليقين # قال وهذا بخلاف الأدلة العقلية فإنها مركبة من مقدمات لا يكتفي منها بأن ~~لا يعلم فسادها بل لابد وأن يعلم بالبديهية صحتها ويعلم بالبديهية لزومها ~~مما علم صحته بالبديهية ومتى كان كذلك استحال أن يوجد ما يعارضه لإستحالة ~~التعارض في العلوم البديهية # قال فإن قيل إن الله لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره بشيء فلو ~~كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء وجب عليه تعالى أن يخطر ببال ~~المكلف ذلك الدليل وإلا كان ذلك PageV05P333 ~~تلبيسا من الله تعالى وأنه غير جائز قلنا هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح ~~وأنه يجب على الله شيء ونحن لا نقول بذلك سلمنا ذلك فلم قلتم إنه يجب على ~~الله أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل العقلي وبيانه أن الله تعالى إنما ~~يكون ملبسا على المكلف لو أسمعه كلاما يمتنع عقلا أن يريد به إلا ما أشعر ~~به ظاهره وليس الأمر كذلك لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر ثم إنه يجوز أن ~~يكون هناك دليل على خلاف ذلك الظاهر فبتقدير أن يكون الأمر كذلك لم يكن ~~مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر فعلى هذا إذا أسمع الله المكلف ~~ذلك الكلام فلو قطع المكلف بحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا ~~كان ذلك التقصير واقعا من المكلف لا من قبل الله تعالى حيث قطع لا في موضع ~~القطع فثبت أنه لا يلزم من ms1039 عدم إخطار الله تعالى ببال المكلف PageV05P334 ~~ذلك الدليل العقلي المعارض للدليل السمعي أن يكون ملبسا # قال فخرج مما ذكرناه أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في المسائل ~~العلمية ولعله يمكن أن يجاب عن هذا السؤال بما به يجاب عن تجويز ظهور ~~المعجزات على الكاذبين نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية تارة لإفادة ~~اليقين كما في مسألة الإجماع وخير الواحد وتارة لإفادة الظن كما في الأحكام ~~الشرعية # قلت فليتدبر المؤمن العاقل هذا الكلام مع أنه قد ينزل فيه درجة ولم يجعل ~~عدم إفادته اليقين إلا لتجويز المعارض العقلي وإلا فهو وغيره في موضع آخر ~~ينفون أن يكون الدليل السمعي مفيدا لليقين لكونه موقوفا على مقدمات ظنية ~~كنقل اللغة والنحو والتصريف وعدم المجاز والإشتراك والنقل والإضمار ~~والتخصيص وعدم المعارض السمعي أيضا مع العقلي # وبهذا دفع الآمدي وغيره الإستدلال بالأدلة السمعية في هذا الباب ونحن قد ~~بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبينا إمكان دلالة الأدلة السمعية ~~على اليقين وبينا فساد ما ذكره هؤلاء الذين أسسوا قواعد الإلحاد PageV05P335 # والمقصود هنا أن نبين اعترافهم بما ألزمناهم به وإذا كان كذلك فيقال نحن ~~نعلم بالإضطرار من دين الرسول أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخبر أمته ~~بما أخبرهم به من الغيب من أسماء الله وصفاته وغير ذلك فإنه لم يرد منهم ~~ألا يقروا بثبوت شيء مما أخبر به إلا بدليل منفصل غير خبره فإذا كان القول ~~مستلزما لكون الرسول أراد أن لا يثبت شيء بمجرد خبره وهذا مما يعلم ~~بالإضطرار أنه كذب على الرسول علم أن هذا القول معلوم الفساد بالإضطرار من ~~دين الإسلام # وهؤلاء الذين سماهم أهل التحقيق هم أهل التحقيق عنده سماهم كذلك بناء على ~~ظنه كما يسمى الإتحادية والحلولية أنفسهم أهل التحقيق ويسمي كل شخص طائفته ~~أهل الحق بناء على ظنه واعتقاده # ومثل هذا لا يكون مدحهم زينا ولا ذمهم شيئا إلا إذا كان قولا بحق # والذي مدحه زين وذمه شين هو الله ورسوله والذين جعلهم أهل ms1040 الحق هم ~~المذكورون في قوله تعالى { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } الذين يقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون { أولئك هم المؤمنون حقا } فوصف المؤمنين حقا ~~بأنهم إذا تليت عليم آياته زادتهم إيمانا وهؤلاء المعارضون لآياته إذا تليت ~~عليهم آياته لم تزدهم إيمانا بل ريبا ونفاقا PageV05P336 # وقال تعالى { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا ~~الحق من ربهم } فوصف المؤمنين بأنهم اتبعوا الحق من ربهم ومن اتبع الحق كان محقا # والمؤمنون اتبعوا الحق من ربهم فهم أحق الناس بالتحقيق وإذا كان المؤمنون ~~هم المحققين ومن نعتهم أنهم إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا كان ~~الموصوفون بنقيض ذلك ليسوا من المحققين عند الله وعند رسوله بل من المحققين ~~عند إخوانهم كما أن اليهود والنصارى والمشركين وكل طائفة من المحققين عند ~~من وافقهم على أن ما يقولونه حق # وقد وصف المؤمنين بما ذكره في قوله تعالى { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من ~~يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ~~وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون } # ومن المعلوم أن من ناقض الآيات المنزلة باعتقاده وهواه لم تزده إيمانا ~~ولم يستبشر بنزولها بل تزيده رجسا إلى رجسه # وقال تعالى { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } فالصادق في ~~قوله { آمنوا } هو الذي لم PageV05P337 ~~يحصل له ريب فيما جاء به الرسول ومن جوز أن يكون فيما أخبر به ما يعارضه ~~صريح المعقول لم يزل في ريب من ثبوت ما أخبر به ولكن غايته أن يعلم أن ~~الرسول صادق فيما أخبر به على طريق الجملة فإذا نظر فيما أخبر به لم يعلم ~~ثبوت شيء مما أخبر به # ومن المعلوم أن العلم بأنه صادق مقصوده تصديق أخباره والمقصود بتصديق ~~الأخبار التصديق بمضمونها فإذا كان لم يصدق بمضمون أخبار الرسول صلى الله ~~عليه ms1041 وسلم كان بمنزلة من آمن بالوسيلة ولم يحصل له المقصود ### | AUTO ولو قال الحاكم إن هؤلاء الشهود صادقون في كل ما يشهدون به وهو ~~لا يثبت بشهادة أحد منهم حقا لم يكن في تعديلهم فائدة ومن تدبر هذا الباب ~~علم حقيقته والله أعلم الوجه الثالث والثلاثون # أن يقال نحن نعلم بالإضطرار من دين الرسول أنه أوجب على الخلق تصديقه ~~فيما أخبر به وقطعهم بثبوت ما أخبرهم به وأنه من لم يكن كذلك لم يكن مؤمنا ~~به بل إذا أقر أنه رسول الله وأنه صادق فيما أخبر ولم يقر بما أخبر به من ~~أنباء الغيب لجواز أن يكون ذلك متيقنا في نفس الأمر بدليل لم يعلمه المستمع ~~ولا يمكن إثبات ما أثبته الرسول بخبره إلا بعد العلم بذلك فإن هذا ليس ~~مؤمنا بالرسول PageV05P338 # وإذا كان هذا معلوما بالإضطرار كان قول هؤلاء المعارضين لخبرة بآرائهم ~~معلوم الفساد بالضرورة من دينه وحينئذ فإما أن يكون الرجل مؤمنا بالله ~~ورسوله فيصدقه في كل ما أخبر به ويعلم أنه يمتنع أن يكون ذلك منتفيا في نفس ~~الأمر وأنه لا دليل يدل على انتفائه وإما أن يكون الرجل غير مصدق للرسول في ~~شيء مما أخبر به إلا أن يعلم ذلك بدليل منفصل غير خبر الرسول ومن لم يقر ~~بما أخبر به الرسول إلا بدليل منفصل لم يكن مؤمنا به بل كان مع الرسول ~~كالفقهاء بعضهم مع بعض إن قام دليل على قوله وافقه وإلا لم يوافقه # ومعلوم أن هذا حال الكفار بالرسل لا المؤمنين بهم ورؤوس هؤلاء الذين قال ~~الله فيهم { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ~~الله أعلم حيث يجعل رسالته } # وهذا الذي ذكره هذا في العقل ذكره طائفة أخرى في الكشف كما ذكره أبو حامد ~~في كتابه الإحياء في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول وذكر أنه لا يستدل ~~بالسمع على شيء من العلم الخبري وإنما الإنسان يعرف الحق بنور إلهي يقذف في ~~قلبه ثم يعرض ms1042 الوارد في PageV05P339 ~~السمع عليه فما وافق [ ما ] شاهدوه [ بنور اليقين ] قرروه وما خالف أولوه # ومن هنا زادت طائفة أخرى على ذلك فادعوا أنهم يعلمون إما بالكشف وإما ~~بالعقل الحقائق التي أخبر بها الرسول أكمل من علمه بها بل ادعى بعضهم أن ~~الأنبياء والرسل يستفيدون معرفة تلك الحقائق من مشكاة أحدهم كما ادعاه صاحب ~~الفصوص أن الأنبياء والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة المسمى عنده ~~بخاتم الأولياء وادعى أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الموحي به ~~إلى الرسول ### | AUTO ومعلوم أن هذه الأقوال من شر أقوال الكافرين بالرسول لا ~~المؤمنين به الوجه الرابع والثلاثون # إن الذين يعارضون الشرع بالعقل ويقدمون رأيهم على ما أخبر به الرسول ~~ويقولون إن العقل أصل للشرع فلو قدمناه عليه للزم PageV05P340 ~~القدح في أصل الشرع إنما يصح منهم هذا الكلام إذا أقروا بصحة الشرع بدون ~~المعارض وذلك بأن يقروا بنبوة الرسول وبأنه قال هذا الكلام وبأنه أراد به ~~كذا وإلا فمع الشك في واحدة من هذه المقدمات لا يكون معهم عن الرسول من ~~الخبر ما يعلمون به تلك القضية المتنازع فيها بدون معارضة العقل فكيف مع ~~معارضة العقل # أما النبوة فمن لم يعلم أن الرسول عالم بهذه القضية التي أخبر بها وانه ~~معصوم أن يقول فيها غير الحق لم يمكن أن يعلم حكمها بخبره فمتى جوز أن يكون ~~غير عالم مع خبره بها يجوز عليه أن يخطئ فيما يخبر به عن الله واليوم الآخر ~~أو أن يكذب لم يستفد بخبره علما ومن كانت النبوة عنده مكتسبة من جنس نبي ~~الفلاسفة وأن خاصة النبي قوة ينال بها العلم وقوة يتصرف بها في العالم وقوة ~~تجعل المعقولات في نفسه خيالات ترى وتسمع فتكون تلك الخيالات ملائكة الله ~~وكلامه كما يقوله ابن سينا وأتباعه من المتفلسفة لم يمكنه أن يجزم بأن ~~الرسول عالم بما يقوله معصوم أن يقول غير الحق فكيف إذا كان يقول إن الرسول ~~قد يقول ما يعلم خلافه # فهؤلاء يمتنع أن يستفيدوا بخبر الرسول علما ms1043 فكيف يتكلمون في المعارضة # وكذلك من لم يعلم ثبوت الأخبار لم يتكلم في حصول العلم بموجبها PageV05P341 ~~وكذلك من قال إن الدليل السمعي لا يعلم به مراد المتكلم كما يقوله الرازي ~~ومتبعوه الذين يزعمون أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين بمراد المتكلم ~~فهؤلاء ليس عندهم دليل شرعي يفيد العلم بما أخبر به الرسول فكيف يعارضون ~~ذلك المعقول # وكذلك أيضا من عرف أن معقولاتهم التي يعارضون بها الشرع باطلة امتنع أن ~~يعارض بها دليلا ظنيا عنده فضلا عن أن يعارض بها دليلا يقينيا عنده ولهذا ~~كان الذين صرحوا بتقديم الأدلة العقلية على الشرعية مطلقا كأبي حامد ~~والرازي ومن تبعهم ليس فيهم من يستفيد من الأنبياء علما بما أخبروا به إذا ~~لم يكونوا مقرين بأن الرسول بلغ البلاغ المبين المعصوم بل إيمانهم بالنبوة ~~فيه ريب إما لتجويز أن يقول خلاف ما يعلم كما يقوله ابن سينا وأمثاله وإما ~~لتجويز أن لا يكون عالما بذلك كما تقوله طائفة أخرى وإما لأنه جائز في ~~النبوة لم يجزم بعد بأن النبي معصوم فيما يقوله وأنه بلغ البلاغ المبين فلا ~~تجد أحدا ممن يقدم المعقول مطلقا على خبر الرسول إلا وفي قلبه مرض في ~~إيمانه بالرسول فهذا محتاج أولا إلى أن يعلم أن محمدا رسول الله الصادق ~~المصدوق الذي لا يقول على الله إلا الحق وأنه بلغ البلاغ المبين وأنه معصوم ~~عن أن يقره الله على خطأ فيما بلغه وأخبر PageV05P342 ### | AUTO به عنه ومن ثبت هذا الإيمان في قلبه امتنع مع هذا أن يجعل ما ~~يناقض خبر الرسول مقدما عليه الوجه الخامس والثلاثون # أن يقال قول هؤلاء متناقض والقول المتناقض فاسد وذلك أن هؤلاء يوجبون ~~التأويل في بعض السمعيات دون بعض وليس في المنتسبين إلى القبلة بل ولا في ~~غيرهم من يمكنه تأويل جميع السمعيات # وإذا كان كذلك قيل لهم ما الفرق بين ما جوزتم تأويله فصرفتموه عن مفهومه ~~الظاهر ومعناه البين وبين ما أقررتموه # فهم بين أمرين إما أن يقولوا ما يقوله جمهورهم إن ما عارضه ms1044 عقلي قاطع ~~تأولناه وما لم يعارضه عقلي قاطع أقررناه # فيقال لهم فحينئذ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيء فإنه لا يمكنكم نفى جميع ~~المعارضات العقلية كما تقدم بيانه # وأيضا فعدم المعارض العقلي القاطع لا يوجب الجزم بمدلول الدليل السمعي ~~فإنه على قولكم إذا جوزتم على الشارع أن يقول قولا له معنى مفهوم وهو لا ~~يريد ذلك لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر الناس أو لا تخطر ~~للخلق في قرون كثيرة ما يخالف ذلك جاز أن يريد بكلامه ما يخالف مقتضاه بدون ~~ذلك لجواز أن يظهر في الآخرة ما يخالف ذلك أو لكون ذلك ليس معلوما بدليل PageV05P343 ~~عقلي ونحو ذلك فإنه إذا جاز أن يكون تصديق الناس له فيما أخبر به موقوفا ~~على مثل ذلك الشرط جاز أن يكون موقوفا على أمثاله من الشروط إذ الجميع ~~يشترك في أن الوقف على مثل هذا الشرط يوجب أن لا يستدل بشيء من أخباره على ~~العلم بما أخبر به # وإن قالوا بتأول كل شيء إلا ما علم بالإضطرار أنه أراده كان ذلك أبلغ ~~فإنه ما من نص وارد إلا ويمكن الدافع له أن يقول ما يعلم بالإضطرار أنه ~~أراد هذا # فإن كان للمثبت أن يقول أنا أعلم بالإضطرار أنه أراده # كان لمن أثبت ما ينازعه فيه هذا المثبت أن يقول أيضا مثل ذلك # ولا ريب أن المثبتين للعلو والصفات عندهم أن هذا معلوم بالإضطرار من دين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فهم لا يتناقضون ومن نازعهم يتناقض فإنه لا ~~يمكنه أن يقول لغيره من النفاة شيئا إلا أمكن أهل الإثبات للعلو أن يقولوا ~~له فإما أن تقبل مثل هذا وإلا كان متناقضا لا يستقيم له قول عند واحد من ~~الطوائف وهذا يبين فساد قوله وهو المطلوب # وهذا الذي ذكرناه بين في كلام كل طائفة حتى في كلام المثبتين لبعض الصفات ~~دون بعض فإنك إذا تأملت كلامهم لم تجد لهم قانونا فيما يتأول وما لا يتأول ~~بل لازم قولهم إمكان تأويل الجميع ms1045 فلا يقرون إلا بما يعلم ثبوته بدليل ~~منفصل عن السمع وهم لا يجوزون مثل ذلك ولا يمكنهم أن يقولوا مثل ذلك PageV05P344 ~~فعلم أن قولهم باطل وأن قولهم لا نتأول إلا ما عارضه القطعي قول باطل ومع ~~بطلان قولهم قد يصرحون بلازمه وأنه لا يستفاد من السمعيات علم كما ذكره ~~الرازي وغيره مع أنهم يستفيدون منها علما فيتناقضون ومن لم يتناقض منهم ~~فعليه أن يقول أخبار الرسول ثلاثة أقسام ما علم ثبوته بدليل منفصل صدق به ~~وما علم أنه عارضه العقل القاطع كان مأولا وما لا يعلم بدليل منفصل [ لا ~~يمكن ] لا ثبوته ولا انتفاؤه وكان مشكوكا فيه موقوفا ### | AUTO وهذا حقيقة قولهم الذي ذكرناه أولا وهو ما يعلم بالإضطرار من ~~دين الإسلام أنه مناقض لما أوجبه الرسول من الإيمان بأخباره وأنه في ~~الحقيقة عزل للرسول عن موجب رسالته وجعل له كأبي حنيفة مع الشافعي وأحمد بن ~~حنبل مع مالك ونحو ذلك الوجه السادس والثلاثون # أن يقال هم إذا أعرضوا عن الأدلة الشرعية لم يبق معهم إلا طريقان إما ~~طريق النظار وهي الأدلة القياسية العقلية وإما طريق الصوفية وهي الطريقة ~~العبادية الكشفية وكل من جرب هاتين PageV05P345 ~~الطريقين علم أن ما لا يوافق الكتاب والسنة منهما فيه من التناقض والفساد ~~ما لا يحصيه إلا رب العباد ولهذا كان من سلك إحداهما إنما يؤول به الأمر ~~إلى الحيرة والشك إن كان له نوع عقل وتمييز وإن كان جاهلا دخل في الشطح ~~والطامات التي لا يصدق بها إلا أجهل الخلق # فغاية هؤلاء الشك وهو عدم التصديق بالحق وغاية هؤلاء الشطح وهو التصديق ~~بالباطل والأول يشبه حال اليهود والثاني يشبه حال النصارى فحذاق أهل الكلام ~~والنظر يعترفون بالحيرة والشك كما هو معروف عن غير واحد منهم كالذي كان ~~يتكلم على المنبر فأخذ ينكر العلو على العرش ويقول كان الله ولا عرش وهو لم ~~يتحول عما كان عليه فقام إليه الشيخ أبو الفضل جعفر الهمذاني وقال دعنا يا ~~أستاذ من ذكر العرش واستواء الله عليه يعني ms1046 أن هذا يعلم بالسمع وأخبرنا عن ~~هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا ما قال عارف قط يا الله إلا ويجد قبل أن ~~يتحرك لسانه في نفسه معنى يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فهل عندك [ من ~~جواب على هذا ] PageV05P346 ### | AUTO فصل # ذكر أبو حامد في كتاب ( الإحياء كلاما طويلا في علم الظاهر والباطن قال ~~وذهبت طائفة إلى التأويل فيما يتعلق بصفات الله تعالى وتركوا ما يتعلق ~~بالآخرة على ظواهره ومنعوا التأويل وهم الأشعرية أي متأخروهم الموافقون ~~لصاحب الإرشاد قال وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا كونه سميعا بصيرا والرؤية ~~والمعراج وإن لم يكن بالجسد وأولوا عذاب القبر والميزان والسراط وجملة من ~~أحكام الآخرة ولكن أقروا بحشر الأجساد وبالجنة واشتمالها على المأكولات PageV05P347 # قلت تأويل الميزان والصراط وعذاب القبر والسمع والبصر إنما هو قول ~~البغداديين من المعتزلة دون البصرية # قال أبو حامد وبترقيهم إلى هذا الحد زاد الفلاسفة فأولوا كل ما ورد في ~~الآخرة إلى أمور عقلية روحانية ولذات عقلية إلى أن قال وهؤلاء هم المسرفون ~~في التأويل وحد الاقتصاد بين هذا وهذا دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون ~~الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور ~~على ما هم عليه ونظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فيه فما وافق ما شاهدوه ~~بنور اليقين قرروه وما خالف أولوه فأما من يأخذ هذه الأمور كلها من السمع ~~فلا يستقر له قدم # قلت هذا الكلام مضمونه أنه لا يستفاد من خبر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~شيء من الأمور العلمية بل إنما يدرك ذلك كل إنسان بما حصل له من المشاهدة ~~والنور والمكاشفة # وهذان أصلان للإلحاد فإن كل ذي مكاشفة إن لم يزنها بالكتاب والسنة وإلا ~~دخل في الضلالات PageV05P348 # وأفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وأفضل من ~~كان محدثا من هذه الأمة عمر للحديث وللحديث الآخر إن الله ضرب الحق على ~~لسان عمر وقلبه ومع هذا فالصديق أفضل منه لأن الصديق إنما يأخذ ms1047 من مشكاة ~~الرسالة لا من مكاشفته ومخاطبته وما جاء به الرسول معصوم لا يستقر فيه ~~الخطأ وأما ما يقع لأهل القلوب من جنس المخاطبة والمشاهدة ففيه صواب وخطأ ~~وإنما يفرق بين صوابه وخطائه بنور النبوة كما كان عمر يزن ما يرد عليه ~~بالرسالة فما وافق ذلك قبله وما خالفه رده # قال بعض الشيوخ ما معناه قد ضمنت لنا العصمة فيما جاء به الكتاب والسنة ~~ولم تضمن لنا العصمة في الكشوف وقال أبو سليمان الداراني إنه لتمر بقلبي ~~النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين الكتاب والسنة وقال أبو ~~عمرو إسماعيل بن نجيد كل ذوق أو كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل ~~وقال الجنيد بن محمد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ~~ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا وقال سهل أيضا يا معشر المريدين ~~لا تفارقوا السواد على البياض فما فارق أحد السواد على البياض إلا تزندق PageV05P349 # وهذا وأمثاله كثير في كلام الشيوخ العارفين يعلمون أنه لا تحصل لهم ] ~~حقيقة التوحيد والمعرفة واليقين إلا بمتابعة المرسلين وقد يحصل لهم من ~~الدلائل العقلية القياسية البرهانية ومن المخاطبات والمكاشفات العيانية ما ~~يصدق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم # كما قال تعالى { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } وقال تعالى { ويرى الذين أوتوا ~~العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط } # وقال تعالى { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى } # وتجد كثيرا من السالكين طريق العلم والنظر والاستدلال الذين اشتبهت عليهم ~~الأمور وتعارضت عندهم الأدلة والأقيسة يحسنون الظن بطريق أهل الإرادة ~~والعبادة والمجاهدة طانين أنه ينكشف بها الحقائق # وكثير من السالكين طريق العبادة والإرادة والزهد والرياضة PageV05P350 ~~الذين اشتبهت عليهم الأمور وتعارضت عندهم الأذواق والمواجيد يحسنون الظن ~~بطريق أهل العلم والنظر والاستدلال ظانين أنه ينكشف به لهم الحقائق # وحقيقة الأمر أنه لابد ms1048 من الأمرين فلابد من العلم والقصد ولابد من العلم ~~والعمل به ومن علم بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم # والعبد عليه واجبات في هذا وهذا فلابد من أداء الواجبات ولابد أن يكون كل ~~منهما موافقا لما جاء به الرسول فمن أقبل على طريقة النظر والعلم من غير ~~متابعة للسنة ولا عمل بالعلم كان ضالا في علمه غاويا في عمله ومن سلك طريق ~~الإرادة والعبادة والزهد والرياضة من غير متابعة للسنة ولا علم ينبني العمل ~~عليه كان ضالا غاويا ومن كان معه علم صحيح مطابق لما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بلا عمل به كان غاويا ومن كان معه عمل موافق للسنة بدون ~~العلم المأمور به كان ضالا فمن خرج عن موجب الكتاب والسنة من هؤلاء وهؤلاء ~~كان ضالا وإذا لم يعمل بعلمه أو عمل بغير علم كان ذاك فسادا ثانيا والذين ~~لم يعتصموا بالكتاب والسنة من أهل الأحوال والعبادات والرياضات والمجاهدات ~~ضلالهم أعظم من ضلال من لم يعتصم بالكتاب والسنة من أهل الأقوال والعلم وإن ~~كان قد يكون في هؤلاء من الغي ما ليس فيهم فإنهم يدخلون في أنواع من ~~الخيالات الفاسدة والأحوال الشيطانية المناسبة لطريقهم # كما قال تعالى { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم } PageV05P351 # والإنسان همام حارث فمن لم يكن همه وعمله ما يحبه الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم كان همه وعمله مما لا يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم # والأحوال نتائج الأعمال فيكون ما يحصل لهم بحسب ذلك العمل وكثيرا ما ~~تتخيل له أمور يظنها موجودة في الخارج ولا تكون إلا في نفسه فيسمع خطابا ~~يكون من الشيطان أو من نفسه يظنه من الله تعالى حتى أن أحدهم يظن أنه يرى ~~الله بعينه وأنه يسمع كلامه بأذنه من خارج كما سمعه موسى بن عمران ومنهم من ~~يكون ما يراه شياطين و[ ما ] يسمعه كلامهم [ وهو ] يظنه من كرامات الأولياء ~~وهذا باب واسع بسطه موضع آخر # ولهذا قال ms1049 النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الرؤيا ثلاثة رؤيا ~~من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه في اليقظة ~~فيراه في المنام PageV05P352 # وكثيرا ما يرى الإنسان صورة اعتقاده فيكون ما يحصل له بمكاشفته ومشاهدته ~~هو ما اعتقده من الضلال حتى أن النصراني يرى في كشفه التثليث الذي اعتقده ~~وليس أحد من الخلق معصوما أن يقر على خطأ إلا الأنبياء فمن أين يحصل لغير ~~الأنبياء نور إلهي تدرك به حقائق الغيب وينكشف له أسرار هذه الأمور على ما ~~هي عليه بحيث يصير بنفسه مدركا لصفات الرب وملائكته وما أعده الله في الجنة ~~والنار لأوليائه وأعدائه # وهذا الكلام أصله من مادة المتفلسفة والقرامطة الباطنية الذين يجعلون ~~النبوة فيضا يفيض من العقل الفعال على نفس النبي ويجعلون ما يقع في نفسه من ~~الصور هي ملائكة الله وما يسمعه في نفسه من الأصوات هو كلام الله ولهذا ~~يجعلون النبوة مكتسبة فإذا استعد الإنسان بالرياضة والتصفية فاض عليه ما ~~فاض على نفوس الأنبياء وعندهم هذا الكلام باطل باتفاق المسلمين واليهود ~~والنصارى # ومع هذا فإن هؤلاء لا يقولون إن كل أحد يمكنه أن يدرك بالرياضة ما أدركه ~~من هو أكمل منه فلا يتصور على هذا الأصل أن يدرك عامة الخلق ما أدركه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولو فعلوا ما فعلوا فإن كان العلم بما أخبر به لا يعلم ~~إلا بهذا الطريق لم يمكن معرفته بحال # ثم من المعلوم أن هذا لو كان ممكنا لكان السابقون الأولون أحق PageV05P353 ~~الناس بهذا ومع هذا فما منهم من ادعى أنه أدرك بنفسه ما أخبر به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم # ومن المعلوم أن الله فضل بعض الرسل على بعض وفضل بعض النبيين على بعض # كما قال تعالى { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } # وقال { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } # كما خص موسى بالتكليم فلا يمكن عامة الأنبياء والرسل أن يسمع كلام الله ~~كما سمعه موسى ولا يمكن غير محمد أن يدرك بنفسه ms1050 ما أراه الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ليلة المعراج وغير ليلة المعراج # فإذا كان إدراك مثل ذلك لا يحصل للرسل والأنبياء فكيف يحصل لغيرهم # ولكن الذي قال هذا يظن أن تكليم الله لموسى من جنس الإلهامات التي تقع ~~لآحاد الناس ولهذا ادعوا أن الواحد من هؤلاء قد يسمع كلام الله كما سمعه ~~موسى بن عمران وله في كتاب مشكاة الأنوار من الكلام المبني على أصول هؤلاء ~~المتفلسفة ما لا يرضاه لا اليهود ولا النصارى ومن هناك مرق صاحب خلع ~~النعلين وأمثاله من PageV05P354 ~~أهل الإلحاد كصاحب الفصوص ابن عربي الذي ادعى أن خاتم الأولياء أفضل من ~~خاتم الأنبياء وأن الأنبياء جميعهم إنما يستفيدون معرفة الله من مشكاة خاتم ~~الأولياء # وتلك المعرفة عندهم هي كون الوجود واحدا لا يتميز فيه وجود الخالق عن ~~وجود المخلوق وادعى أن خاتم الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ~~الذي يوحى به إلى الرسول وخاتم الأولياء وإن كان قد تكلم به أبو عبد الله ~~الترمذي وغيره وتكلموا فيه بكلام باطل أنكره عليهم أهل العلم والإيمان فلم ~~يصلوا به إلى هذا الحد # ولكن هذا بناه ابن عربي وأمثاله من الملاحدة على أصول الفلاسفة الصابئة ~~وهؤلاء أخذوا كلام الفلاسفة أخرجوه في قالب المكاشفة والمشاهدة # والملك عند هؤلاء ما يتخيل في نفس النبي من الصورة الخيالية وهم يقولون ~~إن للنبي ثلاث خصائص إحداها أن يكون له قوة PageV05P355 ~~قدسية ينال بها العلم بلا تعلم الثانية أن تكون له قوة نفسانية يؤثر بها في ~~هيولي العالم الثالثة أن يرى ويسمع في نفسه بطريق التخيل ما يتمثل له من ~~الحقائق فيجعلون ما يراه الأنبياء من الملائكة ويسمعونه منهم إنما وجوده في ~~أنفسهم لا في الخارج # وخاتم الأولياء عندهم يأخذ المعقولات الصريحة التي لا تفتقر إلى تخيل ومن ~~كان هذا قوله قال إنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي إلى ~~خاتم الأنبياء فإن الملك عنده هو الخيال الذي في نفس النبي وهو يأخذ من ~~المعدن الذي يأخذ منه ms1051 الخيال # فهذا وأمثاله هو المكاشفة التي يرجع إليها من استغنى عن تلقي الأمور من ~~جهة السمع وهؤلاء هم الذين سلكوا ما أشار إليه صاحب الإحياء وأمثاله ممن ~~جرى في بعض الأمور على قانون الفلاسفة # وطريق هؤلاء المتفلسفة شر من طريق اليهود والنصارى وقد بسط الكلام على ~~طريقهم في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن هؤلاء مع إلحادهم وإعراضهم عن الرسول وتلقى الهدى من ~~طريقه وعزله في المعنى هم متناقضون في قول مختلف يؤفك عنه من أفك فكل من ~~أعرض عن الطريقة السلفية النبوية الشرعية الإلهية فإنه لابد أن يضل ويتناقض ~~ويبقى في الجهل المركب أو البسيط PageV05P356 # وكان المقصود أولا بيان تناقض من أعرض عن الأدلة السمعية الشرعية في ~~الأصول الخبرية كالصفات والنبوات والمعاد وأنه من سلك طريقا يتناول به علم ~~هذه الأمور غير الطريقة الشرعية النبوية فإن قوله متناقض فاسد وليس له ~~قانون مستقيم يعتمد عليه فكيف بمن عارضها بطريق تناقضها يعتمد فيها على ~~آراء متناقضة يحسبها براهين عقلية ومشاهدات ومخاطبات ربانية وهي خيالات ~~فاسدة وأوهام باطلة كما قال السهيلي أعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي ### | AUTO وأما بيان فساد ذلك من جهة الرسل والإيمان بهم فنقول الوجه ~~السابع والثلاثون # أنا نعلم بالاضطرار من دين النبي صلى الله عليه وسلم ودين أمته المؤمنين ~~به بطلان لوازم هذا القول وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم بل نعلم ~~بالاضطرار من دينه أن لوازم هذا القول من أعظم الكفر والإلحاد وذلك لأن ~~لازم هذه المقالة وحقيقتها ومضمونها أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكون ~~فيما أخبر به عن الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لا علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير فلا يستفاد منه علم بذلك ولا هدى يعرف به الحق من الباطل ~~ولا يكون الرسول قد هدى الناس ولا بلغهم بلاغا بينا ولا أخرجهم من الظلمات ~~إلى النور ولا هداهم إلى صراط العزيز الحميد PageV05P357 # ومعلوم أن كثيرا من خطاب القرآن بل أكثره متعلق بهذا الباب فإن الخطاب ~~العلمي في ms1052 القرآن أشرف من الخطاب العملي قدرا وصفة # فإذا كان هذا الخطاب لا يستفيدون منه معرفة ولم يبين لهم الرسول مراده ~~ومقصوده بهذا الخطاب بل إنما يرجع أحدهم في معرفة الأمور التي ذكرها ووصفها ~~وأخبرهم عنها إلى مجرد رأيه وذوقه فإن وافق خبر الرسول ما عنده صدق بمفهوم ~~ذلك ومقتضاه وإلا أعرض عنه كما يعرض المسلم عن الإسرائيليات المنقولة عن ~~أهل الكتاب كان هذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسول # وهذا يعلمه كل من علم ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان ~~مؤمنا أو كافرا فإن كل من بلغته دعوة الرسول وعرف ما كان يدعو إليه علم أنه ~~لم يكن يدعو الناس إلى أن يعتقدوا فيه هذه العقيدة # فالمقصود أنه يعلم بالاضطرار أن هؤلاء مناقضون لدعوة الرسول وأن هذا ~~يعرفه كل من عرف حال الرسول من مؤمن وكافر ولوازم هذا القول أنواع كثيرة من ~~الكفر والإلحاد كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى PageV05P358 ### | AUTO الوجه الثامن والثلاثون # أن يقال إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم ما بين للناس أصول إيمانهم ~~ولا عرفهم علما يهتدون به في أعظم أمور الدين وأجل مقاصد الدعوة النبوية ~~وأجل ما خلق الخلق له وأفضل ما أدركه الخلق وحصلوه وانتهوا إليه بل إنما ~~بين لهم الأمور العملية فإذا كان كذلك فمن الملعوم أن من علمهم وبين لهم ~~أشرف القسمين وأعظم النوعين كان ما أتاهم به أفضل مما أتاهم به من لم يبين ~~إلا القسم المفضول والنوع المرجوح # وحينئذ فمذهب النفاة للصفات ليس من أئمته أحد من خيار هذه الأمة وسابقيها ~~وإنما أئمتهم الكبار القرامطة الباطنية من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم ~~ومن يوافق هؤلاء من ملاحدة الفلاسفة وملاحدة المتصوفة القائلين بالوحدة ~~والحلول والاتحاد كابن سينا والفارابي وابن عربي وابن سبعين وأمثال هؤلاء # ثم من هو أمثل هؤلاء كأئمة الجهمية مثل الجهم بن صفوان والجعد بن درهم ~~وأبي الهذيل العلاف وأبي إسحاق النظام PageV05P359 ~~وبشر المريسي وثمامة بن أشرس وأمثال هؤلاء فيكون ما أتى به هؤلاء ms1053 من العلم ~~والهدى والمعرفة أفضل وأشرف مما أتى به موسى بن عمران ومحمد بن عبد الله ~~سيد ولد آدم وأمثالهما من الرسل صلوات الله عليهم وسلامه لأن هؤلاء عند ~~النفاة الجهمية لم يبينوا افضل العلم وأشرف المعرفة وإنما بينها أولئك على ~~قول النفاة # ولازم هذا القول أن يكون عند النفاة الجهمية أولئك أفضل من الأنبياء ~~والرسل في العلم بالله وبيان العلم بالله وقد صرح أئمة هؤلاء بهذا فابن ~~عربي وأمثاله يقولون إن الأنبياء والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة ~~خاتم الأولياء وأن هذا الخاتم يأخذ العلم من المعدن الذي يأخذ منه الملك ~~الذي يوحى به إلى الرسول # وابن سبعين يقول إنه بين العلم الذي رمز إليه هرامس الدهور الاولية ورامت ~~إفادته الهداية النبوية فعلى قوله إن الأنبياء راموا إفادته وما أفادوه PageV05P360 # وطائفة من المتفلسفة يقولون إن الفيلسوف أفضل من النبي وأكمل منه وهكذا ~~ملاحدة الشيعة من الإسماعيلية ونحوهم يقولون إن أئمتهم كمحمد بن إسماعيل بن ~~جعفر ونحوه أفضل من موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين # ثم إن هذا كثر في طوائف من جهال البربر والأكراد والفرس والعرب يعتقدون ~~في شيخهم أنه أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم ومن شيوخ هؤلاء من يكون ~~منافقا زنديقا # ومن قال في أئمة الإسماعيلية وأمثالهم من الشيوخ المنافقين والفاسقين إنه ~~أفضل من الرسل فإن هؤلاء شر من النصارى فإن النصارى يزعمون أن الحواريين ~~وأمثالهم أفضل من إبراهيم الخليل وموسى وداود وغيرهم من الأنبياء ~~والحواريون كانوا مؤمنين فإذا كان من قال هذا من النصارى من أجهل الناس ~~وأكفرهم فمن فضل ملحدا من الملاحدة على أنبياء الله ورسله كان كفره أعظم من ~~كفر النصارى من هذا الوجه PageV05P361 # بل هؤلاء قد يكونون شرا ممن يفضل من النصارى على إبراهيم وموسى وداود ~~وسليمان وغيرهم كبولص وأمثاله الذين يقال إنهم ابتدعوا للنصارى ما ابتدعوه ~~من الضلالات وأضلوهم وأدخلوا في دين المسيح من دين المشركين والصابئين من ~~الروم وأمثالهم ما أفسدوا به دين المسيح صلى الله عليه وسلم وجعلوا ms1054 النصارى ~~على الضلالات التي فارقوا بها دين المسيح حتى قال من قال من العلماء إن ~~النصارى صاروا على مذهب الروم المشركين لا أن الروم صاروا على دين النصارى ~~فإن أولئك غيروا شريعة دين المسيح مستبدلين بها ما استبدلوه من شرائع ~~المشركين وغايتهم أنه ركبوا دينا من دين الفلاسفة والصابئين والمشركين ودين ~~النصارى كما صنع ماني لما ركب دينا من دين المجوس ودين النصارى PageV05P362 # فإذا كان هؤلاء من أجهل الناس وأكفرهم فمن جعل أئمة الملاحدة الباطنية ~~أفضل من محمد وإبراهيم وموسى وعيسى كان أكفر من هؤلاء # وهؤلاء الملاحدة ركبوا مذهبا من دين المجوس ودين الصابئين ودين رافضة هذه ~~الأمة فطافوا على أبواب المذاهب وفازوا بأخس المطالب فإنهم يبطنون من ~~مناقضة الرسل وإبطال ما جاؤوا به ما لم يبطنه أتباع بولص وأمثاله من ~~النصارى ### | AUTO ومن لم يصل إلى هذا الحد من ملاحدة المتكلمين والمتعبدين ~~ونحوهم فقد شاركهم في الأصل وهو تفضيل أئمته وشيوخه على الأنبياء ومن لم ~~يقر منهم بتفضيل أئمته وشيوخه على الأنبياء لزمه ذلك لزوما لا محيد عنه كما ~~تقدم إذا جعل العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله والمعاد لا يستفاد من خطاب ~~الأنبياء وكلامهم وبيانهم وطريقهم التي بينوها وإنما يستفاد من كلام شيوخه ~~وأئمته الوجه التاسع والثلاثون # أن يقال إن الرسل لم يسكتوا عن الكلام في هذا الباب ولو سكتوا عنه للزم ~~تفضيل شيوخ النفاة وأئمتهم على الأنبياء كما تقدم فكيف إذا تكلموا فيه بما ~~يفهم منه الخلق نقيض الحق على قول النفاة PageV05P363 ~~فإذا كان الحق هو قول النفاة ولم يتكلموا إلا بما يدل على نقيضه كانوا مع ~~أنهم لم يهدوا الخلق ويعلموهم الحق عند النفاة قد لبسوا عليهم ودلسوا بل ~~أضلوهم وجهلوهم وأخرجوهم إلى الجهل المركب وظلمات بعضها فوق بعض إما من علم ~~كانوا عليه وإما من جهل بسيط أو حيروهم وشككوهم وجعلوهم مذبذبين لا يعرفون ~~الحق من الباطل ولا الهدى من الضلال إذ كان ما تكلموا به عارضوا به طرق ~~العلم العقلية والكشفية # فعند هؤلاء كلام الأنبياء ms1055 وخطابهم في أشرف المعارف وأعظم العلوم يمرض ولا ~~يشفى ويضل ولا يهدى ويضر ولا ينفع ويفسد ولا يصلح ولا يزكي النفوس ويعلمها ~~الكتاب والحكمة بل يدسي النفوس ويوقعها في الضلال والشبهة بل يكون كلام من ~~يسفسط تارة ويبين أخرى كما يوجد في كلام كثير من أهل الكلام والفلسفة كابن ~~الخطيب وابن سينا وابن عربي وأمثالهم خيرا من كلام الله وكلام رسله فلا ~~يكون خير الكلام كلام الله ولا أصدق الحديث حديثه بل يكون بعض قرآن مسيلمة ~~الكذاب الذي ليس فيه كذب في نفسه وإن كانت نسبته إلى الله كذب ولكنه مما لا ~~يفيد كقوله الفيل وما أدراك ما الفيل له زلوم طويل إن ذلك من خلق ربنا PageV05P364 ~~لجليل عند هؤلاء الملاحدة خيرا من كلام الله الذي وصف به نفسه ووصف به ~~ملائكته واليوم الآخر وخيرا من كلام رسوله لأن قرآن مسيلمة وإن لم تكن فيه ~~فائدة ولا منفعة فلا مضرة فيه ولا فساد بل يضحك المستمع كما يضحك الناس من أمثاله # وكلام الله ورسوله عند هؤلاء أضل الخلق وأفسد عقولهم وأديانهم وأوجب أن ~~يعتقدوا نقيض الحق في الإيمان باله ورسوله أو يشكوا ويرتابوا في الحق أو ~~يكونوا إذا عرفوا بعقلهم تعبوا تعبا عظيما في صرف الكلام عن مدلوله ومقتضاه ~~وصرف الخلق عن اعتقاد مضمونه وفحواه ومعاداة من يقر بذلك وهم السواد الأعظم ~~من أتباع الرسل # وإنما ذكرنا هذا لأن كثيرا من الجهمية النفاة يقولون فائدة إنزال هذه ~~النصوص المثبتة للصفات وأمثالها من الأمور الخبرية التي يسمونها هم المشكل ~~والمتشابه فائدتها عندهم اجتهاد أهل العلم في صرفها عن مقتضاها بالأدلة ~~المعارضة لها حتى تنال النفوس كد الاجتهاد وحتى تنهض إلى التفكر والاستدلال ~~بالأدلة العقلية المعارضة لها الموصلة إلى الحق فحقيقة الأمر عندهم أن ~~الرسل خاطبوا الخلق بما لا يبين الحق ولا يدل على العلم ولا يفهم منه الهدى ~~بل يدل على الباطل ويفهم منه الضلال ليكون انتفاع الخلق بخطاب الرسول ~~اجتهادهم في رد ما أظهرته الرسل وأفهمته الخلق وأنهم بسبب ذلك ms1056 ينظرون نظرا PageV05P365 ~~يؤديهم إلى معرفة الحق من غير أن ينصب الرسول لهم على الحق دلالة ولا بينة ~~لهم بخطابه أصلا فمثال ذلك عندهم مثل من أرسل مع الحجاج أدلة يدلونهم على ~~طريق مكة وأوصى الأدلاء بأن يخاطبوهم بخطاب يدلهم على غير طريق مكة ليكون ~~ذلك الخطاب سببا لنظرهم واستدلالهم حتى يعرفوا طريق مكة بنظرهم لا بأولئك ~~الأدلاء وحينئذ يردون ما فهم من كلام الأدلاء ويجتهدون في نفي دلالته ~~وإبطال مفهومه ومقتضاه # وإذا كان الأمر كذلك فمن المعلوم أن خلقا كثيرا لا يتبعون إلا الأدلاء ~~الذين يدعون أنهم أعلم بالطريق منهم وأن ولاة الأمور قد قلدوهم دلالة الحاج ~~أو تعريفهم الطريق وأن درك ذلك عليهم فيتبعون الأدلاء # والطائفة التي ظنت أن الأدلاء لم يقصدوا بكلامهم الدلالة والإفهام ~~والإرشاد إلى سبيل الرشاد صار كل منهم يستدل بنظره واجتهاده فاختلفوا في ~~الطرق وتشتتوا فمنهم من سلك طرقا أخرى غير طريق مكة فأفضت بهم إلى أودية ~~مهلكة ومفاوز متلفة وارض متشعبة فأهلكتهم # وطائفة أخرى شكوا وحاروا فلا مع الأدلاء سلكوا فأدركوا المقصود ولا لطرق ~~المخالفين للأدلاء ركبوا وسلكوا بل وقفوا مواقف التائهين الحائرين حتى ~~هلكوا أيضا في أمكنتهم جوعا وعطشا كما هلك PageV05P366 ~~أرباب الطرق المتشعبة فلم يظفروا بالمطلوب ولا نالوا المحبوب بل هلكوا هلاك ~~الخاسر الحائر # وآخرون اختصموا فيما بينهم فصار هؤلاء يقولون الصواب فيما ذكره الأدلاء ~~ونطق به هؤلاء الخبراء وآخرون يقولون بل الصواب مع هؤلاء الذين يقولون إنهم ~~أخبر وأحذق وكلامهم في الدلالة أبين وأصدق وآخرون حاروا مع من الصواب ~~ووقفوا موقف الارتياب فاقتتل هؤلاء وهؤلاء وخذل الواقفون الحائرون لهؤلاء ~~ولهؤلاء ولكن فاتت باختلاف أولئك مصالح دينهم ودنياهم فهلك الحجيج وكثر ~~الضجيج وعظم النشيج واضطربت السيوف وعظمت الحتوف وتزاحف الصفوف وحصل من ~~الفتنة والشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد # فهل من فعل هذا بالحجيج يكون قد هداهم السبيل وأرشدهم إلى اتباع الدليل ~~أم يكون مفسدا عليهم دينهم ودنياهم فاعلا بهم ما لا يفعله إلا أشد عداهم ~~وإذا قال إنما قصدت ms1057 بذلك أن يجتهد الحجاج في أن يعرفوا الطريق بعقولهم ~~وكشوفهم ولا يستدلوا بكلام الأدلاء الذين أرسلتهم لتعريفهم لينالوا بذلك ~~أجر المجالدين وتنبعث هممهم إلى طريق المجادلين هل يصدقه في ذلك عاقل أو ~~يقبل عذره من عنده حاصل # فهذا مثال ما يقوله النفاة في رسل الله الذين أرسلهم الله تعالى إلى ~~الخلق ليعلموهم ويهدوهم سبيل الله ويدعوهم إليه كما قال تعالى PageV05P367 ~~{ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط ~~العزيز الحميد } # وقال تعالى { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا } # وقال تعالى { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور } وأمثال ذلك # فجعل هؤلاء الجهاد في إفساد سبيل الله جهادا في سبيل الله والاجتهاد في ~~تكذيب رسل الله اجتهادا في تصديق رسل الله والسعي في إطفاء نور الله سعيا ~~في إظهار نور الله والحرص على أن لا تصدق كلمته ولا تقبل شهادته أو لا تفيد ~~دلالته سعيا في أن تكون كلمة الله هي العليا والمبالغة في طريق أهل الإشراك ~~بالله والتعطيل مبالغة في طريق أهل التوحيد السالكين سواء السبيل فقلبوا ~~الحقائق وأفسدوا الطرائق وأضلوا الخلائق # وهذه المعاني وأمثالها وأعظم منها يعرفها كل من فهم لوازم أقوال هؤلاء ~~المبدلين المعطلين وإن كان قد التبس كثير من كلامهم على من لا يعرف لا الحق ~~ولا نقيضه بل صار حائرا حتى أنك تجد كثيرا ممن عنده علم وفقه وعبادة وزهد ~~وحسن قصد وقد ضرب في العلم والدين بسهم وافر وهو لا يختار أن ينحاز عن ~~المؤمنين بالله واليوم الآخر فيسمع كلام الله وكلام رسوله وأهل العلم ~~والإيمان PageV05P368 ~~وكلام أهل الزندقة والإلحاد الذين سعوا في الأرض بالفساد فيؤمن بهذا وهذا ~~إيمانا مجملا ويصدق الطائفتين أو يعرض عنهما فلا يدخل في تحقيق طريق هؤلاء ~~ولا هؤلاء بمنزلة من سمع كلام محمد بن عبد الله الصادق الأمين صلى الله ~~عليه وسلم وكلام مسيلمة الكاذب الكافر ولم ms1058 يفهم ما بينهما من التناقض ~~والاختلاف فصار يصدق هذا وهذا ويقر كلا منهما على ما قاله ويسلم إليه حاله ~~ويقول هذا رسول الله وهذا رسوله # لكن هؤلاء لا يمكنهم التظاهر بين المسلمين بإظهار رسالة غير محمد صلى ~~الله عليه وسلم ولكن يقولون ما هو بمعنى الرسالة أو أبلغ منها فيقولون هذا ~~كلام رسول الله وهذا كلام أولياء الله بل كلام خاتم الأولياء وهذا كلام ~~العارفين المحققين وكلام العقلاء أهل البراهين وكلام النظار المحققين ونحن ~~نسلم هذا وهذا ففضلاؤهم الذين يفهمون التناقض هم في الباطن مع أعداء الرسول ~~وإليهم أميل وهم عندهم أهل التحقيق والتبيين بحقيقة الطريق # وأما من لم يفهم التناقض فقد يكون الطائفتان عنده على السواء وقد يكون ~~إلى أهل مسيلمة أميل لمعنى من المعاني وإلى أبي بكر الصديق وأمثاله أميل من ~~وجه ثان وربما رجح هؤلاء من وجه وهؤلاء من وجه آخر # فهذا وأمثاله من الأمور الواقعة بسبب هذه الواقعة التي أصلها PageV05P369 ### | AUTO ترك الاستدلال بكلام الله ورسوله على الأمور العلمية والمطالب ~~الخيرية والمعارف الإلهية الوجه الأربعون # أن يقال كل عاقل يعلم بالضرورة أن من خاطب الناس في الطب أو الحساب أو ~~النحو أو السياسة والأخلاق أو الهيئة أو غير ذلك من الأمور بكلام عظم قدره ~~وكبر أمره وذكر أنه بين لهم به وعلم وهدى به وأفهم ولم يكن في ذلك الكلام ~~بيان تلك المعلومات ولا معرفة لتلك المطلوبات بل كانت دلالة الكلام على ~~نقيض الحق أكمل وهي على غير العلم أدل كان هذا إما مفرطا في الجهل والضلالة ~~أو الكذب والشيطنة والنذالة فكيف إذا كان قد تكلم في الأمور الإلهية ~~والحقائق الربانية التي هي أجل المطالب العالية وأعظم المقاصد السامية ~~بكلام فضله على كل كلام ونسبه إلى خالق الأنام وجعل من خالفه شبيها ~~بالأنعام وجعلهم من شر الجهلة الضلال الكفار الطغام وذلك الكلام لم يدل على ~~الحق في الأمور الإلهية ولا أفاد علما في مثل هذه القضية بل دلالته ظاهرة ~~في نقيض الحق والعلم والعرفان مفهمة لضد ms1059 التوحيد والتحقيق الذي يرجح إليه ~~ذوو الإيقان فهل يكون مثل هذا المتكلم إلا في غاية الجهل والضلال أو في ~~غاية الإفك والبهتان والإضلال PageV05P370 # فهذا حقيقة قول هؤلاء الملاحدة في رسل الله الذين هم أفضل الخلق وأعلمهم ~~بالله وأعظمهم هدى لخلق الله لا سيما خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم الذي هو ~~أعلم الخلق بالله وأنصح الخلق لعباد الله وأفصح الخلق في بيان هدى الله ~~صلوات الله وسلامه عليه وعيهم أجمعين # ومن المعلوم أن من وصف الأمر على خلاف ما هو عليه فإما أن يكون قد أتي من ~~علمه أو قصده أو عجزه فإنه قد يكون جاهلا بالحق وقد لا يكون جاهلا به بل ~~ليس مراده تعليم المخاطبين وهداهم وبيان الأمر لهم كما يقصده أهل الكيد ~~والخداع والنفاق وأمثالهم وإما أن يكون علمه تاما وقصده البيان لكنه عجز عن ~~البيان والإفصاح لقصور عبارته وعجزه عن كمال البيان والإيضاح # فإن الفعل يتعذر لعدم العلم أو لعدم القدرة أو لعدم الإرادة فأما إذا كان ~~الفاعل له مريدا له وهو قادر عليه وعالم بما يريده لزم حصول مطلوبه # ومن المعلوم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالله وتوحيده ~~وأسمائه وصفاته وملائكته ومعاده وأمثال ذلك من الغيب وهو أحرص الخلق على ~~تعليم الناس وهدايتهم # كما قال تعالى { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤوف رحيم } # ولهذا كان من شدة حرصه على هداهم يحصل له ألم عظيم إذا لم PageV05P371 ~~يهتدوا حتى يسليه ربه ويعزيه كقوله تعالى { إن تحرص على هداهم فإن الله لا ~~يهدي من يضل } # وقال تعالى { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } # وقال تعالى { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ز وقال تعالى { وإن كان ~~كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء ~~فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين } # ثم إنه سبحانه وتعالى أمره بالبلاغ المبين فقال تعالى { قل أطيعوا الله ms1060 ~~وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه ~~تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين } # وقال تعالى { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا ~~أنما على رسولنا البلاغ المبين } # وقال تعالى { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين } PageV05P372 # ومعلوم أنه كان من أفصح الناس وأحسنهم بيانا واللغة التي خاطب بها أتم ~~اللغات وأكملها بيانا وقد امتن الله عليهم بذلك كما في قوله تعالى { الر ~~تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } # وقال تعالى { إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } # وقال تعالى { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } # وقال تعالى { نزل به الروح الأمين } على قلبك لتكون من المنذرين { بلسان ~~عربي مبين } # وقال تعالى { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين } وأمثال ذلك # فإذا كان المخاطب أعلم الخلق بما يخبر به عنه ويصفه ويخبر به وأحرص الخلق ~~على تفهيم المخاطبين وتعريفهم وتعليمهم وهداهم وأقدر الخلق على البيان ~~والتعريف لما يقصده ويريده كان من الممتنع بالضرورة أن لا يكون كلامه مبينا ~~للعلم والهدى والحق فيما خاطب به وأخبر عنه وبينه ووصفه بل وجب أن يكون ~~كلامه أحق الكلام بأن يكون دالا على العلم والحق والهدى وأن يكون ما ناقض ~~كلامه من الكلام أحق الكلام بأن يكون جهلا وكذبا وباطلا PageV05P373 ### | AUTO وهذا قول جميع من آمن بالله ورسوله فتبين أن قول الذين يعرضون ~~عن طلب الهدى والعلم في كلام الله ورسوله ويطلبونه في كلام غيره من أصناف ~~أهل الكلام والفلسفة والتصوف وغيرهم هم من أجهل الناس وأضلهم بطريق العلم ~~فكيف بمن يعارض كلامه بكلام هؤلاء الذين عارضوه وناقضوه ويقول إن الحق ~~الصريح والعلم والهدى إنما هو في كلام هؤلاء المناقضين المعارضين لكلام ~~رسول رب العالمين دون ما أنزله الله من الكتاب والحكمة وبعث به ms1061 رسوله من ~~العلم والرحمة الوجه الحادي والأربعون # أن يقال كل من سمع القرآن من مسلم وكافر علم بالضرورة أنه قد ضمن الهدى ~~والفلاح لمن اتبعه دون من خالفه كما قال تعالى { الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ~~هدى للمتقين } # وقال تعالى { المص } كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به ~~وذكرى للمؤمنين { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء } # وقال { فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } ومن أعرض ~~عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى { قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا } قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى { ~~وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } PageV05P374 ~~وقال تعالى { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون } # وقال تعالى { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } # وقال تعالى { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } # وكذلك نعلم أنه ذم من عارضه وخالفه وجادل بما يناقضه كقوله تعالى { ما ~~يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } وقال تعالى { إن الذين يجادلون في ~~آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } وأمثال ذلك # وإذا كان كذلك فقد علم بالاضطرار أن من جاء بالقرآن أخبر أن من صدق ~~بمضمون أخباره فقد علم الحق واهتدى ومن أعرض عن ذلك كان جاهلا ضالا فكيف ~~بمن عارض ذلك وناقضه PageV05P375 # وحينئذ فكل من لم يقل بما أخبر به القرآن عن صفات الله واليوم الآخر كان ~~عند من جاء بالقرآن جاهلا ضالا فكيف بمن قال بنقيض ذلك # فالأول عند من جاء بالقرآن في الجهل البسيط وهؤلاء في الجهل المركب # ولهذا ضرب الله تعالى مثلا لهؤلاء ومثلا لهؤلاء فقال { والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه ms1062 والله سريع الحساب } فهذا مثل أهل الجهل المركب # وقال تعالى { أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ~~ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور } فهذا مثل أهل الجهل البسيط # ومن تمام ذلك أن يعرف أن للضلال تشابها في شيئين أحدهما الإعراض عما جاء ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم والثاني معارضته بما يناقضه فمن الثاني ~~الاعتقادات المخالفة للكتاب والسنة # فكل من أخبر بخلاف ما أخبر به الرسول عن شيء من أمر الإيمان بالله PageV05P376 ~~واليوم الآخر أو غير ذلك فقد ناقضه وعارضه سواء اعتقد ذلك بقلبه أو قاله بلسانه # وهذا حال كل بدعة تخالف الكتاب والسنة وهؤلاء من أهل الجهل المركب الذين ~~أعمالهم كسراب بقيعة # ومن لم يفهم خبر الرسول ويعرفه بقلبه فهو من أهل الجهل البسيط وهؤلاء من ~~أهل الظلمات # وأصل الجهل المركب هو الجهل البسيط فإن القلب إذا كان خاليا من معرفة ~~الحق واعتقاده والتصديق به كان معرضا لأن يعتقد نقيضه ويصدق به لا سيما في ~~الأمور الإلهية التي هي غاية مطالب البرية وهي أفضل العلوم وأعلاها وأشرفها ~~وأسماها والناس الأكابر لهم إليه غاية التشوف والاشتياق وإلى جهته تمتد ~~الأعناق فالمهتدون فيه أئمة الهدى كإبراهيم الخليل وأهل بيته وأهل الكذب ~~فيه أئمة الضلال كفرعون وقومه # قال الله تعالى في أولئك { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل ~~الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين } # وقال تعالى في الآخرين { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ~~ينصرون } PageV05P377 # فمن لم يكن فيه على طريق أئمة الهدى كان ثغر قلبه مفتوحا لأئمة الضلال ~~ومصداق هذا أن ما وقع في هذه الأمة من البدع والضلال كان من أسبابه تقصير ~~من قصر في إظهار السنة والهدى مثل ما وقع في هذا الباب فإن الجهل المركب ~~الذي وقع فيه أهل التكذيب والجحود في توحيد الله تعالى وصفاته كان من ~~أسبابه التقصير في إثبات ما ms1063 جاء به الرسول عن الله وفي معرفة معاني أسمائه ~~وآياته حتى أن كثيرا من المنتسبين إلى الكتاب والسنة يرون أن طريقة السلف ~~والأئمة إنما هو الإيمان بألفاظ النصوص والإعراض عن تدبر معانيها وفقهها وعقلها # ومن هنا قال من قال من النفاة إن طريقة الخلف أعلم وأحكم وطريقة السلف ~~أسلم لأنه ظن أن طريقة الخلف فيها معرفة النفي الذي هو عنده الحق وفيها طلب ~~[ التأويل ] لمعاني نصوص الإثبات فكان في هذه عندهم علم بمعقول وتأويل ~~لمنقول ليس في الطريقة التي ظنها طريقة السلف وكان فيه أيضا رد على من ~~يتمسك بمدلول النصوص وهذا عنده من إحكام تلك الطريق # ومذهب السلف عنده عدم النظر في فهم النصوص لتعارض الإحتمالات وهذا عنده ~~أسلم لأنه إذا كان اللفظ يحتمل عدة معان فتفسيره ببعضها دون بعض فيه مخاطرة ~~وفي الإعراض عن ذلك سلامة من هذه المخاطرة # فلو كان قد بين وتبين لهذا وأمثاله أن طريقة السلف إنما هي إثبات PageV05P378 ~~ما دلت عليه النصوص من الصفات وفهم ما دلت عليه وتدبره وعقله وإبطال طريقة ~~النفاة وبيان مخالفتها لصريح المعقول وصحيح المنقول علم أن طريقة السلف ~~أعلم وأحكم وأسلم وأهدى إلى الطريق الأقوم وأنها تتضمن تصديق الرسول فيما ~~أخبر به وفهم ذلك ومعرفته وأن ذلك هو الذي يدل عليه صريح المعقول ولا يناقض ~~ذلك إلا ما هو باطل وكذب وأن طريقة النفاة المنافية لما أخبر به الرسول ~~طريقة باطلة شرعا وعقلا وأن من جعل طريقة السلف عدم العلم بمعاني الآيات ~~وعدم إثبات ما تضمنته من الصفات فقد قال غير الحق إما عمدا وإما خطأ كما أن ~~من قال على الرسول إنه لم يبعث بإثبات الصفات بل بعث بقول النفاة كان ~~مفتريا عليه # وهؤلاء النفاة هم كذابون إما عمدا وإما خطأ على الله وعلى رسوله وعلى سلف ~~الأمة وأئمتها كما أنهم كذابون إما عمدا وإما خطأ على عقول الناس وعلى ما ~~نصبه الله تعالى من الأدلة العقلية والبراهين اليقينية # والكذب قرين الشرك كما قرن بينهما في غير موضع ms1064 كقوله تعالى { فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين } وقال تعالى { ~~إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك ~~نجزي المفترين } PageV05P379 # وقال تعالى { ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من ~~كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } # وتجد هؤلاء حائرين في مثل قوله تعالى { وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب } حيث ظنوا أن المراد بالتأويل صرف النصوص عن مقتضاها # وطائفة تقول إن الراسخين في العلم يعلمون هذا التأويل وهؤلاء يجوزون مثل ~~هذه التأويلات التي هي تأويلات الجهمية النفاة # ومنهم من يوجبها تارة ويجوزها تارة وقد يحرمونها على بعض الناس أو في بعض ~~الأحوال لعارض حتى أن الملاحدة من المتفلسفة والمتصوفة وأمثالهم قد يحرمون ~~التأويلات لا لأجل الإيمان والتصديق بمضمونها بل لعلمهم بأنه ليس لها قانون ~~مستقيم وفي إظهارها إفساد الخلق فيرون الإمساك عن ذلك مصلحة وإن كان حقا في نفسه # وهؤلاء قد يقولون الرسل خاطبوا الخلق بما لا يدل على الحق لأن مصلحة ~~الخلق لا تتم إلا بذلك بل لا تتم إلا بأن تخيلوا لهم في أنفسهم ما ليس ~~موجودا في الخارج لنوع من المصلحة كما يخيل للنائم والصبي والقليل العقل ما ~~لا وجود له لنوع من المناسبة لما له في ذلك من المصلحة PageV05P380 # وطائفة يقولون هذا التأويل لا يعلمه إلا الله # ثم من هؤلاء من يقول تجرى على ظواهرها ويتكلم في إبطال التأويلات بكل طريق # ومن المعلوم أنه إذا كان لها تأويل يخالف ظاهرها لم يحمل على ظاهره وما ~~حمل على ظاهره لم يكن له تأويل يخالف ذلك فضلا عن أن يقال يعلمه الله أو غيره # بل مثل هذا التأويل يقال فيه كما قال تعالى { قل أتنبئون الله بما لا ~~يعلم في السماوات ولا في الأرض } فإن ما كان منتفيا لا وجود له لا يعلمه ms1065 ~~الله إلا منتفيا لا وجود له لا يعلمه ثابتا موجودا # وسبب هذا الإضطراب أن لفظ التأويل في عرف هؤلاء المتنازعين ليس معناه ~~التأويل في التنزيل بل ولا في عرف المتقدمين من مفسري القرآن فإن أولئك كان ~~لفظ التأويل عندهم بمعنى التفسير ومثل هذا التأويل يعلمه من يعلم تفسير القرآن # ولهذا لما كان مجاهد إمام أهل التفسير وكان قد سأل ابن عباس رضي الله ~~عنهما عن تفسير القرآن كله وفسره له كان يقول إن الراسخين في العلم يعلمون ~~التأويل أي التفسير المذكور # وهذا هو الذي قصده ابن قتيبة وأمثاله ممن يقول إن PageV05P381 ~~الراسخين في العلم يعلمون التأويل ومرادهم به التفسير وهم يثبتون الصفات لا ~~يقولون بتأويل الجهمية النفاة التي هي صرف النصوص عن مقتضاها ومدلولها ~~ومعناها # وأما لفظ التأويل في التنزيل فمعناه الحقيقة التي يؤول إليها الخطاب وهي ~~نفس الحقائق التي أخبر الله عنها فتأويل ما أخبر به عن اليوم الآخر هو نفس ~~ما يكون في اليوم الآخر وتأويل ما أخبر به عن نفسه هو نفسه المقدسة ~~الموصوفة بصفاته العلية # وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله ولهذا كان السلف يقولون الإستواء ~~معلوم والكيف مجهول فيثبتون العلم بالإستواء وهو التأويل الذي بمعنى ~~التفسير وهو معرفة المراد بالكلام حتى يتدبر ويعقل ويفقه ويقولون الكيف ~~مجهول وهو التأويل الذي انفرد الله بعلمه وهو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو # وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى الإحتمال المرجوح ~~كتأويل من تأول استوى بمعنى استولى ونحوه فهذا عند السلف والأئمة باطل لا ~~حقيقة له بل هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته PageV05P382 # فلا يقال في مثل هذا التأويل لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم بل ~~يقال فيه { قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض } ~~كتأويلات الجهمية والقرامطة الباطنية كتأويل من تأول الصلوات الخمس بمعرفة ~~أسرارهم والصيام بكتمان أسرارهم والحج بزيارة شيوخهم والإمام المبين بعلي ~~بن أبي طالب وأئمة الكفر بطلحة والزبير ms1066 والشجرة الملعونة في القرآن ببني ~~أمية واللؤلؤ والمرجان بالحسن والحسين والتين والزيتون وطور سينين وهذا ~~البلد الأمين بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والبقرة بعائشة وفرعون بالقلب ~~والنجم والقمر والشمس بالنفس والعقل ونحو ذلك # فهذه التأويلات من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في آيات الله وهي ~~من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه ومثل هذه لا تجعل حقا حتى يقال إن ~~الله استأثر بعلمها بل هي باطل مثل شهادة الزور وكفر الكفار يعلم الله أنها ~~باطل والله يعلم عباده بطلانها بالأسباب التي بها يعرف عباده من نصب الأدلة وغيرها # وأصل وقوع أهل الضلال في مثل هذا التحريف الإعراض عن فهم كتاب الله تعالى ~~كما فهمه الصحابة والتابعون ومعارضة ما دل عليه بما يناقضه وهذا هو من أعظم ~~المحادة لله ولرسوله لكن على وجه النفاق والخداع PageV05P383 # وهو حال الباطنية وأشباههم ممن يتظاهر بالإسلام واتباع القرآن والرسالة ~~بل بموالاة أولياء الله تعالى من أهل بيت النبوة وغيرهم من الصالحين وهو في ~~الباطن من أعظم الناس مناقضة للرسول فيما أخبر به وما أمر به لكنه يتكلم ~~بألفاظ القرآن والحديث ويضم إلى ذلك من المكذوبات ما لا يحصيه إلا الله ثم ~~يتأول ذلك من التأويلات بما يناسب ما أبطنه من الأمور المناقضة لخبر الله ~~ورسوله وأمر الله ورسوله ويظهر تلك التأويلات لمستجيبيه بحسب ما يراه من ~~قبولهم وموافقتهم له # مثل أن يروا أن العالم كله مفعول ومصنوع لشيء يسميه العقل الأول فجعله هو ~~رب الكائنات ومبدع الأرض والسموات ولكنه لازم للواجب بنفسه ومعلول له وأنه ~~يلزمه عقل ونفس وفلك ثم يلزم ذلك العقل عقل ونفس وفلك حتى ينتهي الأمر إلى ~~العقل العاشر الذي أبدع بزعمه جميع ما تحت السماء من العناصر والحيوان ~~والمعادن وغير ذلك وهو الذي يفيض عنه العلم والنبوة والرسالة وغير ذلك في ~~أنفس العباد وعنه صدر القرآن والتوراة وغير ذلك # ثم يريد أن يوفق بين هذا وبين ما أخبرت به الرسل فيقول هذه العقول هي ~~الملائكة التي أخبرت بها الأنبياء ms1067 وقد يقول عن هذا العقل الفعال إنه جبريل ~~الذي ما هو على الغيب بضنين أي ببخيل لأنه دائم الفيض بزعمه ولكن يحصل ~~الفيض بحسب استعداد القوابل PageV05P384 # ومن المعلوم بالإضطراب لكل من تدبر ما أخبرت به الرسل من صفات الملائكة ~~أن هذه العقول التي وصفها هؤلاء الفلاسفة الصابئة المشركون ليست هي ~~الملائكة [ فإنا نعلم بالإضطرار أنهم لم يجعلوا ملكا واحدا أبدع جميع ما ~~سوى الله تعالى ولا ملكا أبدع جميع ما تحت السماء ولا جعلوا الملائكة ~~أربابا ولا آلهة # بل قد قال تعالى { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } # وقال تعالى { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون } # إلى { ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم } ونحو ذلك من الآيات # فغاية الملك أن يكون شافعا عند الله ولا يشفع إلا من بعد إذنه # ومن المعلوم أن كفر هؤلاء أعظم من كفر النصارى فإن النصارى يقرون بإله ~~خلق جميع المخلوقات لا يجعلون له معلولا خلق المخلوقات لكن يقولون إنه اتحد ~~بالمسيح # وأما هؤلاء فيثبتون عقولا لا حقيقة لها ثم يقولون إن كلا منها أبدع الآخر ~~وسائر العالم PageV05P385 # وتسميتهم للعقول بالملائكة باطل ثم يستدل من يجمع بين كلامهم وكلام ~~الأنبياء بحديث موضوع نبه على وضعه أبو حاتم البستي والعقيلي والدارقطني ~~والخطيب وابن الجوزي # وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول ما خلق الله العقل ~~فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا ~~أكرم علي منك فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وعليك العقاب # ومع هذا فهو لفظه لما خلق الله العقل فهذا اللفظ يقتضي أنه خاطبه في أول ~~أوقات خلقه لا يقتضي أنه أول المخلوقات بل هذا اللفظ يقتضي أنه خلق قبله ~~غيره فإنه قال له ما خلقت خلقا أكرم علي منك # وأيضا فإنه وصف بالإقبال والإدبار والعقل عندهم لا يقبل ولا يدبر # وأيضا فإنه قال بك آخذ وبك أعطي ms1068 وبك الثواب وعليك العقاب وهؤلاء عندهم ~~جميع الموجودات صادرة عنه من العقول والأفلاك والأرض والحيوان والنبات ونحو ذلك # والأعراض من العلوم والإرادات فقول القائل بك آخذ وبك أعطي إلى آخره ~~يقتضي أن به هذه الأعراض الأربعة وعندهم PageV05P386 ~~جميع الكائنات هو مبدعها وهو ربهم الأعلى فمرتبته عندهم أجل مما وصف في هذا الحديث # فهؤلاء يتمسكون من السمعيات بمثل هذا الحديث المكذوب وهو لا يدل إلا على ~~نقيض المطلوب لا إسناد ولا متن ثم يفسرون هذه الأحاديث مقلوبا ويعبرون بتلك ~~الألفاظ عن معان غير ما عناه الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعبرون بلفظ ~~الملك والملكوت والجبروت عن الجسم والنفس والعقل # ولفظ الملك والملكوت والجبروت في كلام الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم لا يراد به ذلك ### | AUTO وكذلك يعبرون بلفظ الملائكة والشياطين عن قوى النفس المحمودة ~~والمذمومة وبالضرورة من الدين أن الرسل أرادوا بالملائكة والشياطين أعيانا ~~قائمة بأنفسها متميزين لا مجرد أعراض قائمة بنفس الإنسان كالقوة الجاذبة ~~والماسكة والدافعة والهاضمة وقوة الشهوة والغضب وإن كان قد يسمى بعض ~~الأعراض باسم صاحبه الوجه الثاني والأربعون # [ أن يقال إن ] هؤلاء متناقضون تناقضا بينا فإنهم جعلوا PageV05P387 ~~المعلومات ثلاثة أقسام ما لا يعلم إلا بالعقل وما لا يعلم إلا بالسمع وما ~~يعلم بكل منهما وجعلوا من المعلومات التي لا تعلم إلا بالسمع الإخبار عما ~~يمكن وجوده وعدمه # ومعلوم أن ما ذكروه ينفي أن يكون الدليل السمعي حجة في هذا القسم أيضا ~~وذلك لأن الشيء الذي يمكن وجوده وعدمه إذا دل الدليل السمعي على أحد طرفيه ~~وجوزنا أن لا يكون مدلول الدليل السمعي ثابتا أمكن هنا أيضا أن لا يكون ذلك ~~المدلول المخبر به ثابتا في نفس الأمر وأن يكون الشارع لم يرد مادل عليه ~~قوله ولا يحتاج ذلك إلى تجويز قيام دليل عقلي يعارض ذلك فإن المعارض الدال ~~على أن مدلول الدليل السمعي غير ثابت أو أن الشارع لم يرد بكلامه ما دل ~~عليه إذا قدر عدمه لم يلزم انتفاء مدلوله فإن الدليل ms1069 لا ينعكس فلا يلزم من ~~عدم الدليل العقلي النافي لموجب الدليل السمعي عدم مدلوله إذا جوزنا أن ~~يكون مدلوله ثابتا في نفس الأمر فإنه كما لا يلزم من عدم علمنا عدم الدليل ~~لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه # وحينئذ فلا يستدل بالسمع على ما لا مجال للعقل فيه من الأمور الأخروية ~~وهذا نهاية الإلحاد # فإن اعتذروا عن ذلك بأن الشارع لا يجوز أن يريد بكلامه ما يخالف ظاهره ~~إلا أن يكون في العقل ما يدل على ذلك # قيل جوابك عن هذا كجوابكم للمعتزلة لما قالوا لا يجوز أن PageV05P388 ~~يسمعه الخطاب الذي أراد به خلاف ظاهره إلا إذا أخطر بباله العقلي المعارض # فلما قلتم له هذا مبني على قاعدة الحسن والقبح وأيضا فالتفريط من المكلف ~~كما تقدم إيراده # فيقال لكم هنا كذلك هذا مبني على قاعدة الحسن والقبح وأيضا فالتفريط من ~~المكلف لأنه لما اعتقد في الأدلة السمعية أنها تفيد اليقين وهي لا تفيد ~~اليقين كان مفرطا فكان جزمه بمدلول خبر الشارع مطلقا تفريط منه مع تجويزه ~~أن يريد بخطابه خلاف ظاهره # فإن سلكوا طريقة أخرى وهو أنه لا يحتج بالسمع على شيء من المسائل العلمية ~~وقالوا المعاد ونحوه معلوم بالضرورة من دين الرسول صلى الله عليه وسلم كما ~~علم وجوب الصلاة وأجابوا به ابن سينا كان هذا أيضا جوابا لأهل الإثبات فإن ~~إثبات الأسماء والصفات والأفعال معلوم بالضرورة بل وإثبات العلو أيضا # ومنشأ الضلال قوله لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما دل ~~عليه الدليل السمعي وإثبات هذا التقدير هو الذي أوقعكم في هذه المحاذير ~~فكان ينبغي لكم أن تعلموا أن هذا التقدير يجب نفيه قطعا وأنه يمتنع أن يقوم ~~دليل قاطع عقلي مخالف للدليل السمعي PageV05P389 ~~ثم هؤلاء يحكون إجماعات يجعلونها من أصول علمهم ولا يمكنهم نقلها عن واحد ~~من أئمة الإسلام وإنما ذلك بحسب ما يقوم في أنفسهم من الظن فيحكون ذلك عن ~~الأئمة كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المحافل # فإذا قيل لأحدهم في ms1070 الخلوة أنت حكيت أن هذا قول هؤلاء الأئمة فمن نقل ذلك ~~عنهم قال هذا العقلاء والأئمة لا يخالفون ] العقلاء فيحكون أقوال السلف ~~والأئمة لاعتقادهم أن العقل دل على ذلك # ومن المعلوم أنه لو كان العقل يدل على ذلك باتفاق العقلاء لم يجز أن يحكى ~~عن الإنسان قول لم ينقله عنه أحد ولهذا كان أهل الحديث يتحرون الصدق حتى أن ~~كثيرا من الكلام الذي هو في نفسه صدق وحق موافق للكتاب والسنة يروى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيضعفونه أو يقولون هو كذب عليه لكونه لم يقله أو ~~لم يثبت عنه وإن كان معناه حقا # ولكن أهل البدع أصل كلامهم الكذب إما عمدا وإما بطريق الابتداع ولهذا ~~يقرن الله بين الكذب والشرك في غير موضع من كتابه كقوله تعالى { إن الذين ~~اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي ~~المفترين } وقوله تعالى { واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به } PageV05P390 # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عدلت شهادة الزور الإشراك مرتين أو ثلاثا # وقال تعالى { ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من ~~كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } # وهذا كحكاية الرازي وإجماع المعتبرين على إمكان وجود موجود لا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا يمكن أحد أن ينقل عن نبي من أنبياء الله تعالى ولا من ~~الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة ولا أعيان أئمتها وشيوخها إلا ما يناقض ~~هذا القول ولا يمكنه أن يحكي هذا عمن له في الأمة لسان صدق أصلا # وكما تقول طائفة كأبي المعالي وغيره اتفق المسلمون على أن الأجسام تتناهى ~~في تجزئها وانقسامها حتى تصير أفرادا فكل جزء لا يتجزأ وليس له طرف واحد PageV05P391 # ومعلوم أن هذا القول لم يقله إلا طائفة من أهل الكلام لم يقله أحد من ~~السلف والأئمة وأكثر طوائف أهل الكلام من الهاشمية والضرارية والنجارية ~~والكلابية وكثير من الكرامية على خلاف ذلك PageV05P392 ### | AUTO الوجه الثالث ms1071 والأربعين # أن يقال المعارضون للكتاب والسنة بآرائهم لا يمكنهم أن يقولوا إن كل واحد ~~من الدليلين المتعارضين هو يقينى وقد تناقضا على وجه لا يمكن الجمع بينهما ~~فإن هذا لا يقوله عاقل يفهم ما يقول ولكن نهاية ما يقولونه إن الأدلة ~~الشرعية لا تفيد اليقين وإن ما ناقضها من الأدلة البدعية التي يسمونها ~~العقليات تفيد اليقين فينفون اليقين عن الأدلة السمعية الشرعية ويثبتونه ~~لما ناقضها من أدلتهم المبتدعة التي يدعون أنها براهين قطعية # ولهذا كان لازم قولهم الإلحاد والنفاق والإعراض عما جاء به الرسول ~~والإقبال على ما يناقض ذلك كالذين ذكرهم الله تعالى في كتابه من مجادلى ~~الرسل كما قال { وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب } سورة غافر 5 PageV06P003 # وقوله تعالى { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم ~~في البلاد } سورة غافر 4 # وقوله تعالى { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى ~~إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } ~~سورة الأنعام 112 113 وأمثال ذلك وهذا باب واسع في كتاب الله # ومقصودنا تنبيه المؤمنين على حال مثل هؤلاء في كتاب الله وإلا فالمقصود ~~هنا دفعهم عن الرسل ومن جاهد الكفار والمنافقين لم يحتج عليهم بأقوال من ~~كذبوه من المرسلين ولكن المؤمن بالرسل يستفيد بهذا أن جنس هؤلاء هم ~~المكذبون للرسل # وأما طريق الرد عليهم فلنا فيه مسالك ### | AUTO الأول أن نبين فساد ما ادعوه معارضا للرسول صلى الله عليه ~~وسلم من عقلياتهم # الثاني أن نبين أن ما جاء به الرسول معلوم بالضرورة من دينه أو معلوم ~~بالأدلة اليقينية وحينئذ فلا يمكن مع تصديق الرسول أن نخالف ذلك وهذا ينتفع ~~به كل من آمن بالرسول PageV06P004 ### | AUTO الثالث أن نبين أن المعقول الصريح يوافق ما جاءت به الرسل لا ~~يناقضه إما بأن ذلك معلوم بضرورة العقل وإما بأنه معلوم ms1072 بنظره وهذا أقطع ~~لحجة المنازع مطلقا سواء كان في ريب من الإيمان بالرسول وبأنه أخبر بذلك أو ~~لم يكن كذلك فإن هؤلاء المعارضين منهم خلق كثير في قلوبهم ريب في نفس ~~الإيمان بالرسالة وفيهم من في قلبه ريب في كون الرسول أخبر بهذا # وهؤلاء الذين تكلمنا على قانونهم الذين قدموا فيه عقلياتهم على كلام الله ~~ورسوله عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو لله ونحوها فإن النصوص التي في ~~الكتاب والسنة بإثبات علو الله على خلقه كثيرة منتشرة قد بهرتهم بكثرتها ~~وقوتها وليس معهم في نفي ذلك لا آية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا قول أحد من سلف الأمة إلا أن يرووا في ذلك ما يعلم ~~أنه كذب كحديث عوسجة وأمثاله وإما أن يحتجوا بما يعلم أنه لا دلالة له على ~~مطلوبهم كاستدلالهم بأنه أحد والأحد لا يكون فوق العرش PageV06P005 ~~لأنه لو كان فوق العرش لم يكن أحدا بناء على أن ما فوق العرش يكون جسما ~~والجسم منقسم فلا يكون أحدا والأجسام متماثلة فيكون له كفو ونظير # وقد بين فساد مثل هذة الأدلة السمعية بوجوه كثيرة في غير هذا الموضع ~~وبينا أن اسم الواحد والأحد لا يقع في لغة العرب إلا على نقيض مطلوبهم ~~كقوله تعالى { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } ~~سورة التوبة 6 وقوله { ذرني ومن خلقت وحيدا } سورة المدثر 11 وقوله { وإن ~~كانت واحدة فلها النصف } سورة النساء 11 وقوله { أيود أحدكم أن تكون له جنة ~~من نخيل وأعناب } سورة البقرة 266 وقوله { فابعثوا أحدكم بورقكم } سورة ~~الكهف 19 إلى قوله { ولا يشعرن بكم أحدا } سورة الكهف 19 وقوله { كتب عليكم ~~إذا حضر أحدكم الموت } سورة البقرة 185 وقوله { شهادة بينكم إذا حضر أحدكم ~~الموت } سورة المائدة 106 وقوله { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } سورة البقرة ~~96 وقوله { ولم يكن له كفوا أحد } سورة الإخلاص 4 وقوله PageV06P006 ~~{ قل إني لن يجيرني من الله أحد } سورة ms1073 الجن 22 وقوله { ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا } سورة الكهف 110 وأمثال ذلك كثير وأن لفظ المثل والمساوى منتفيان ~~في لغة العرب عما ادعوا هم تماثلهما وتساويهما # كقوله تعالى { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } سورة ~~محمد 38 فقد نفى التماثل عن صنفين من بني آدم فنفى التماثل عن الحيوان ~~والإنسان والفلك والتراب أولى # فعلم أنه ليس في لغة العرب أن يكون كل ما كان متحيزا مماثلا لكل ما هو ~~متحيز متحيز وإن ادعى بعض المتكلمين تماثل ذلك عقلا فالمقصود أن هذا ليس ~~مثلا في اللغة # والقرآن نزل بلغة العرب فلا يجوز حمله على اصطلاح حادث ليس من لغتهم لو ~~كان معناه صحيحا فكيف إذا كان باطلا في العقل # وقوله تعالى { وما يستوي الأعمى والبصير } سورة فاطر 19 { وما يستوي ~~الأحياء ولا الأموات } سورة فاطر 22 وقوله { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة } سورة الحشر 20 PageV06P007 ~~وعقلاؤهم يعلمون فساد ما يستدلون به من الأدلة الشرعية وكلهم يعترف بأن مثل ~~هذه الأدلة لا تعارض ما في القرآن من إثبات العلو والفوقية ونحو ذلك # ولهذا لم يكن معهم على نفى ذلك أصل يعتصمون به من جهة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وإنما يتمسكون بما يظنونه من العقليات فيحتاجون إلى بيان تقديم ~~ذلك على الأدلة الشرعية # وإذا كان كذلك فنحن نبين أن الأدلة العقلية موافقة للأدلة النقلية لا ~~معارضة لها ونذكر ما ذكروه هم في ذلك ليكون أبلغ في الحجة # قالوا وهذا لباب ما ذكروه الرازي في الأربعين قال أنه تعالى ليس في جهة ~~ولا مكان قال وادعى كثير من المخالفين العلم البديهي بأن كل موجودين لا بد ~~من كون أحدهما ساريا في الآخر كالعرض والجوهر أو مباينا عنه في الجهة ~~كالجوهرين PageV06P008 ### | AUTO قال وهذا باطل لوجوه ### | AUTO أحدهما لو كان بديهيا لامتنع إطباق الجمع العظيم على إنكاره ~~وهم ما سوى الحنابلة والكرامية ### | AUTO الثاني أن مسمى الإنسان مشترك بين الأشخاص ذوات الأحياز ~~المختلفة والمقادير المختلفة فهو من حيث هو ms1074 ممتنع أن يكون له قدر معين وحيز ~~معين وإلا لم يكن مشتركا فيه بين كل الأشخاص فإن قلت فالإنسان من حيث هو ~~إنسان لا وجود له إلا في العقل والكلام في الموجودات الخارجية قلت الغرض ~~منه أنه لا يمتنع تعقل أمر لا يثبت العقل له جهة ولا قدرا وهذا يمنع كون ~~تلك المقدمة بديهية ### | AUTO الثالث أن الخيال والوهم لا يمكننا أن نستحضر لنفسيهما PageV06P009 ~~صورة ولا شكلا ولا للقوة الباصرة وغيرها من القوى ### | AUTO الرابع أن العقل يتصور النفي والإثبات ثم يحكم بتناقضهما مع ~~أنه لا يحكم بكون أحدهما ساريا في الآخر أو مباينا عنه في الجهة أو لا ~~ساريا ولا مباينا ثم إنا نجد العقل يتوقف عن القسم الثالث إلا لبرهان يثبته ~~أو ينفيه وأن العقل يدرك ماهيات مراتب الأعداد مع أنه لا يمكنه أن يحكم على ~~أحد منها بأن موضوعها كذا ومقدارها كذا # إذا عرفت ذلك فنقول المعنى من اختصاص الشيء بالجهة والمكان أنه يمكن ~~الإشارة الحسية إليه بأنه هنا أو هناك والعالم مختص بالجهة والمكان بهذا ~~المعنى فإن كان الباري كذلك كان مماسا للعالم أو محاذيا له قطعا # ثم قالت الكرامية إنه تعالى مختص بجهة فوق مماسا للعرش أو مباينا عنه ~~ببعد متناه وهو قول أكثر طوائفهم وإما مباينا عنه ببعد غير متناه وهو قول ~~الهيصمية وهذا لا يعقل مع إثبات الجهة PageV06P010 ~~لأنه إذا كان في جانب والعالم في جانب كان البعد بينهما محصورا فهذا ما ذكروه ### | AUTO فيقال قد ذكرتم عمن ذكرتموه من منازعيكم أنهم ادعوا العلم ~~البديهي ببطلان قولكم وصحة نقيضه حيث جوزتم وجود موجود لا يشار إليه بأنه ~~هنا وهناك وأنه يجوز وجود موجودين ليس أحدهما ساريا في الآخر ولا مباينا ~~عنه بالجهة # فقال هؤلاء المنازعون نحن نعلم بالبديهة بطلان هذا فاحتجتم إلى مقامين ### | AUTO أحدهما أن تبينوا أن بطلان هذا ليس معلوما بالبديهية وإلا ~~فإذا كان بطلان القول معلوما بالبديهة لم يمكن إقامة الدليل على صحته لأن ~~النظريات لا تعارض الضروريات بل ما ms1075 عارضها كان من باب السفسطة ### | AUTO والمقام الثاني بيان ثبوت ذلك فإنه لا يلزم من عدم العلم ~~بامتناعه أو العلم بإمكانه ثبوت ذلك في الخارج # وإذا ثبت هذان المقامان لكم فإما أن يمكن مع ذلك القول بمقتضى النصوص من ~~أن الله فوق العرش أو لا يمكن فإن أمكن ذلك لم يكن بين ما ذكرتموه من ~~المعقولات وبين النصوص الإلهية تعارض وإن لم يمكن ذلك ثبت التعارض بينهما ~~فقد تبين أن ثبوت التعارض PageV06P011 ### | AUTO مبنى على هذه المقدمات الثلاث فإن لم تثبت الثلاث بطل كلامكم ~~فكيف إذا تبين بطلان واحدة منها فكيف إذا تبين بطلانها كلها وبيان ذلك في ~~كل مقام ### | AUTO أما المقام الأول فإن المثبتين قالوا إنهم يعلمون بالبديهة ~~امتناع وجود موجودين لا يكون أحدهما ساريا في الآخر ولا مباينا له بالجهة ~~وأنه لا يمكن وجود موجود قائم بنفسه لا يمكن الإشارة إليه بل قد يقولون إن ~~علمهم بأن الله فوق العالم علم ضروري فطري وأن الخلق كلهم إذا حزبهم شدة أو ~~حاجة في أمر وجهوا قلوبهم إلى الله يدعونه ويسألونه وأن هذا أمر متفق عليه ~~بين الأمم التي لم تغير فطرتها لم يحصل بينهم بتواطئ واتفاق ولهذا يوجد هذا ~~في فطرة الأعراب والعجائز والصبيان من المسلمين واليهود والنصارى والمشركين ~~ومن لم يقرأ كتابا ولم يتلق مثل هذا عن معلم ولا أستاذ وهذا القدر ما زال ~~يذكره المصنفون في هذا الباب من أهل الكلام والحديث وغيرهم # قالوا وإذا كان هذا مما يجيز هؤلاء الذين لم يتواطئوا بثبوته عندهم كانوا ~~صادقين فإنه يمتنع على الجمع الكثير الكذب من غير تواطئ وبمثل هذا علم ثبوت ~~ما يخبر به أهل التواتر مما يعلم بالحس والضرورة فإن المخبر إذا لم يكن ~~خبره مطابقا فإما أن يكون متعمدا للكذب وإما أن يكون مخطئا وتعمد الكذب ~~يمتنع في العادة على الجمع الكثير من غير تواطئ والخطأ على الجمع الكثير ~~ممتنع في PageV06P012 ~~الأمور الحسية والضرورية قالوا وهذا بخلاف إثبات موجودين ليس أحدهما داخلا ~~في الآخر ولا ms1076 خارجا عنه فإن هذا لا تقوله إلا طائفة يذكرون أنهم علموا ذلك ~~بالنظر لا بالضرورة وقد تلقاه بعضهم عن بعض فهو قول تواطئوا عليه ولهذا لا ~~يقول ذلك من لم ينظر في كلام النفاة # وأما الإقرار بعلو الله تعالى ورفع الأيدي إليه فهو مما اتفقت عليه الأمم ~~الذين يقولون ذلك ويفعلونه من غير اتفاق ولا مواطأة # وحينئذ فالجمع الكثير إما أن يجوز عليهم الاتفاق على مخالفة البديهيات ~~وإما أن لا يجوز فإن لم يجز ذلك عليهم ثبت أن هذه المقدمة بديهية لأنه اتفق ~~عليها أمم كثيرة بدون التواطؤ وإن جاز ذلك عليهم بطل احتجاجهم على أن هذه ~~المقدمة ليست بديهية فإن الجمع الكثير أنكروها وإذا بطلت حجتهم على أنها ~~ليست بديهية بقى أحد المتناظرين يقول إن مقدمته معلومة له بالبديهة والآخر ~~لا يمكنه إبطال قوله فلا تكون له حجة عقلية على بطلان قوله وهو المطلوب # فكيف والنفاة لا يدعون بديهيات فطرية ولا سمعيات شرعية PageV06P013 ~~وإنما يدعون نظريات عقلية والمثبتون يقولون معنا نظريات عقلية مع البديهيات ~~الفطرية ومع السمعيات اليقينية الشرعية النبوية # وأيضا فيقال إذا قال المنارعون المثبتون إن قولنا معلوم بالبديهة لم يكن ~~أن يناظر بقضية نظرية لأنه لا يمكن القدح بالنظريات في الضروريات كما لا ~~يقبل قدح السوفسطائي بنظره فيما يقول الناس إنه معلوم بالبديهة ولا يقبل ~~مجرد قوله على منازعه بل المرجع في القضايا الفطرية الضرورية إلى أهل الفطر ~~السليمة التي لم تتغير فطرتها بالاعتقادات الموروثة والأهواء # ومن المعلوم أن هذه المقدمة مستقرة في فطر جميع الناس الذين لم يحصل لهم ~~ما يغير فطرتهم من ظن أو هوى # والنفاة لا ينازعون في أن هذا ثابت في الفطرة لكن يزعمون أن هذا من حكم ~~الوهم والخيال وأن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات لا في العقليات # قالوا ويتبين خطأ الوهم والخيال في ذلك بأن يسلم للعقل مقدمات تستلزم ~~نقيض حكمه مثل أن يسلم للعق مقدمات تستلزم ثبوت موجود ليس بجسم ولا في جهة ~~فيعلم حينئذ أن حكمه الأول ms1077 باطل # والمثبتون يقولون هذا كلام باطل لوجوه PageV06P014 ### | AUTO أحدهما أنه إذا جاز أن يكون في الفطرة حكمان بديهيان أحدهما ~~مقبول والآخر مردود كان هذا قدحا في مبادئ العلوم كلها وحينئذ لا يوثق بحكم ~~البديهة ### | AUTO الثاني أنه جوز ذلك فالتمييز بين النوعين إما أن يكون بقضايا ~~بديهية أو نطرية مبنية على البديهية وكلاهما باطل فإنا إذا جوزنا أن يكون ~~في البديهيات ما هو باطل لم يمكن العلم بأن تلك البديهية المميزة بين ما هو ~~صحيح من البديهيات الأولى وما هو كاذب مقبول التمييز حتى يعلم أنها من ~~القسم الصحيح وذلك لا يعلم إلا ببديهية أخرى مبينة مميزة وتلك لا يعلم أنها ~~من البديهيات الصحيحة إلا بأخرى فيفضى إلى التسلسل الباطل أو ينتهى الأمر ~~إلى بديهية مشتبهة لا يحصل بها التمييز والنظريات موقوفة على البديهيات ~~فإذا جاز أن تكون البديهيات مشتبهة فيها حق وباطل كانت النظريات المبنية ~~عليها أولى بذلك وحينئذ فلا يبقى علم يعرف به حق وباطل وهذا جامع كل سفسطة # وبتقدير ثبوت السفسطة لا تكون لنا عقليات يثبت بها شيء فضلا عن أن تعارض ~~الشرعيات PageV06P015 ### | AUTO الثالث أن قول القائل إن الوهم يسلم للعقل قضايا بديهية ~~تستلزم إثبات وجود موجود تمتنع الإشارة الحسية إليه ممنوع ### | AUTO الرابع أنه بتقدير التسليم بكون المقدمة جدلية فإن الوهم إذا ~~سلم للعقل مقدمة لم ينتفع العقل بتلك القضية إلا أن تكون معلومة له ~~بالبديهة الصحيحة فإذا لم يكن له سبيل إلى هذا انسدت المعارف على العقل ~~وكان تسليم الوهم إنما يجعل القضية جدلية لا برهانية وهذا وحده لا ينفع في ~~العلوم البرهانية العقلية # الخامس أن قول القائل إن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات دون ~~العقليات إنما يصح إذا ثبت أن في الخارج موجودات لا يمكن أن تعرف بالحس ~~بوجه من الوجوه وهذا إنما يثبت إذا ثبت أن في الوجود الخارجي ما لا يمكن ~~الإشارة الحسية إليه وهذا أول المسألة فإن المثبتين يقولون ليس في الوجود ~~الخارجي إلا ما يمكن الإشارة الحسية ms1078 إليه أولا يعقل موجود في الخارج إلا كذلك # فإذا قيل لهم حكم الوهم والخيال مقبول في الحسيات دون العقليات والمراد ~~بالعقليات موجودات خارجة قائمة بأنفسها لا يمكن الإشارة الحسية إليها # قالوا إيطالكم لحكم الفطرة الذي سميتموه الوهم والخيال موقوف على ثبوت ~~هذه العقليات وثبوتها موقوف على إبطال هذا PageV06P016 ~~الحكم وإذا لم يثبت هذا إلإ بعد هذا ولا هذا إلا بعد هذا كان هذا من الدور ~~الممتنع ### | AUTO السادس أن يقال إن أردتم بالعقليات ما يقوم بالقلب من العلوم ~~العقلية الكلية ونحوها فليس الكلام هنا في هذه ونحن لا نقبل مجرد حكم الحس ~~ولا الخيال في مثل هذه العلوم الكلية العقلية وإن أردتم بالعقليات موجودات ~~خارجة لا يمكن الإشارة الحسية إليها فلم قلتم إن هذا موجود فالنزاع في هذا ~~ونحن نقول إن بطلان هذا معلوم بالبديهة ### | AUTO السابع أن يقال الوهم والخيال يراد به ما كان مطابقا وما كان ~~مخالفا فأما المطابق مثل توهم الإنسان لمن هو عدوه أنه عدوه وتوهم الشاة أن ~~الذئب يريد أكلها وتخيل الإنسان لصورة ما رآه في نفسه بعد مغيبه ونحو ذلك ~~فهذا الوهم والخيال حق وقضاياه صادقة وأما غير المطابق فمثل أن يتخيل ~~الإنسان أن في الخارج ما لا وجود له في الخارج وتوهمه ذلك مثل من يتوهم ~~فيمن يحبه أنه يبغضه ومثل ما يتوهم الإنسان أن الناس يحبونه ويعظمونه ~~والأمر بالعكس والله لا يحب كل مختال فخور فالمختال الذي يتخيل في نفسه أنه ~~عظيم فيعتقد في نفسه أكثر مما يستحقه وأمثال ذلك # قالوا وإذا كان الأمر كذلك فلم قلتم إن حكم الفطرة بأن الموجودين إما ~~متباينان وإما متحايثان من حكم الوهم والخيال الباطل ونحن نقول إنه من حكم ~~الوهم والخيال المطابق PageV06P017 ~~فإذا قلتم إن العقل دل على أنه باطل كان الشأن في المقدمات التي ينبني ~~عليها ذلك وتلك المقدمات أضعف في الفطرة من هذه المقدمات فكيف يدفع الأقوى ~~بالأضعف ### | AUTO الثامن أن المثبتين قالوا بل المقدمات المعارضة لهذا الحكم هي ~~من الوهم والخيال الباطل ms1079 مثل إثبات الكليات في الخارج وتصور النفى والإثبات ~~المطلقين ثابتين في الخارج وتصور الأعداد المجردة ثابتة في الخارج فإن هذه ~~المتصورات كلها لا تكون إلا في الذهن ومن اعتقد أنها ثابتة في الخارج فقد ~~توهم وتخيل ما لا حقيقة له وجعل هذا التوهم والخيال الباطل مقدمة في دفع ~~القضايا البديهية ### | AUTO التاسع أن يقال لا نسلم أن في الفطرة قضايا تستلزم نتائج ~~تناقض ما حكمت به أولا كما يدعونه فإن هذا مبني على أن المقدمات المستلزمة ~~ما يناقض الحكم الأول مقدمات صحيحة وليس الأمر كذلك كما سنبينه إن شاء الله ~~تعالى فإن هذه المقدمات هي النافية لعلو الله على خلقه ومباينته لعباده ~~والمقدمات المستلزمة لهذا ليست مسلمة فضلا عن أن تكون بديهية ### | AUTO الوجه العاشر أن الذين جعلوا هذه القضايا من حكم الوهم الباطل ~~هم طائفة من نفاة الصفات الجهمية من المتكلمين والمتفلسفة ومن تلقى ذلك ~~عنهم وهذا معروف في كتب ابن سينا ومن اتبعه من أهل المنطق PageV06P018 # وكثير من أهل المنطق كابن رشد الحفيد وغيره يخالف ابن سينا فيما ذكره في ~~هذا الباب في الإلهيات والمنطقيات ويذكر أن مذهب الفلاسفة المتقدمين بخلاف ~~ما ذكره وأما الأساطين قبله فالنقل عنهم مشهور بخلافهم في هذا الباب # والمقصود أن هذا الكلام عامة من تكلم به من المتأخرين أخذوه من ابن سينا ~~ومن تدبر كلامه وكلام أتباعه فيه وجده في غاية التناقض والفساد فإنه قال في ~~إشاراته التي هي كالمصحف لهؤلاء المتفلسفة الملحدة لما ذكر مواد القياس ~~وتكلم عن القضايا من جهة ما يصدق بها وذكر أن أصناف القضايا المستعملة فيما ~~بين القائسين ومن يجرى مجراهم أربعة مسلمات ومظنونات وما معها ومشتبهات ~~بغيرها ومتخيلات ### | AUTO قلت المتخيلات هي مواد القياس الشعري والمشتبهات هي مواد ~~السوفسطائي وما قبل ذلك هو مواد البرهاني والخطابي والجدلي ### | AUTO قال والمسلمات إما معتقدات وإما مأخوذات والمعتقدات أصنافها ~~ثلاثة الواجب قبولها والمشهورات PageV06P019 ~~والوهميات والواجب قبولها أوليات ومشاهدات ومجربات وما معها من الحدسيات ~~والمتواترات وقضايا أقيستها معها # وتكلم عن القضايا ms1080 الواجب قبولها بما ليس هذا موضعه وقد بسط الكلام فيما ~~في منطقهم اليوناني من الفساد مثل كلامهم في الفرق بين الذاتيات واللازمة ~~للماهية ودعواهم أن الحد الحقيقي يفيد تعريف الماهية وأن الحقائق مركبة من ~~الأجناس والفصول وكلامهم في الكليات الخمسة وما ذكروه في مواد البرهان ~~ودعواهم أن التصورات المكتسبة لا تنال إلا بحدهم والتصديقات المكتسبة لا ~~تحصل إلا بمثل قياسهم وغير ذلك مما ليس هذا موضعه # والمقصود هنا أنه قال وأما القضايا الوهمية الصرفة فهي قضايا كاذبة إلا ~~أن الوهم الإنساني يقضي بها قضاء شديد القوة لأنه ليس يقبل ضدها ومقابلها ~~بسبب أن الوهم تابع للحس فما لا يوافق المحسوس لا يقبله الوهم ومن المعلوم ~~أن المحسوسات إذا كان لها مبادئ وأصول كانت تلك قبل المحسوسات ولم تكن ~~محسوسة ولم يكن وجودها على نحو وجود المحسوسات فلم يكن أن يتمثل ذلك PageV06P020 ~~الوجود في الوهم ولهذا كان الوهم مساعدا للعقل في الأصول التي تنتج وجود ~~تلك المبادئ فإذا تعديا معا إلى النتيجة نكص الوهم وامتنع عن قبول ما سلم ~~موجبه وهذا الصنف من القضايا أقوى في النفس من المشهورات التي ليست بأولية ~~وتكاد تشاكل الأوليات وتدخل في المشبهات بها وهي أحكام للنفس في أمور ~~متقدمة على المحسوسات أو أعم منها على نحو ما يجب أن لا يكون لها وعلى نحو ~~ما يجب أن يكون أو يظن في المحسوسات مثل اعتقاد المعتقد أنه لا بد من خلاء ~~ينتهي إليه الملاء إذا تناهى وأنه لا بد في كل موجود أن يكون مشارا إلى جهة وجوده # وهذه الوهميات لولا مخالفة السنن الشرعية لها لكانت تكون مشهورة وإنما ~~يثلم في شهرتها الديانات الحقيقية والعلوم الحكمية ولا يكاد المدفوع عن ذلك ~~يقاوم نفسه في دفع ذلك لشدة استيلاء الوهم على أن ما يدفعه الوهم ولا يقبله ~~إذا كان في المحسوسات PageV06P021 ~~فهو مدفوع منكر بل إنه باطل شنع بل تكاد أن تكون الأوليات والوهميات التي ~~لا تزاحم من غيرها مشهورة ولا تنعكس ### | AUTO قلت وقد ذكر في ms1081 غير هذا الموضع شرح القوى الدراكة وذكر القوة ~~التي تتخيل بها المحسوسات والتي تحفظ بها وسمى الأولى على اصطلاحهم الحسن ~~المشترك والثانية الخيال ### | AUTO قال وأيضا فالحيوانات ناطقها وغير ناطقها تدرك في المحسوسات ~~الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس مثل إدراك الشاة ~~معنى في الذئب غير محسوس وإدراك الكبش معنى في النعجة غير محسوس إدراكا ~~جزئيا يحكم به كما يحكم الحس بما يشاهده فعندك قوة هذا شأنها وأيضا فعندك ~~وعند كثير من الحيوانات العجم قوة تحفظ هذه المعاني بعد حكم الحاكم بها غير ~~الحافظ للصور وهذه هي الذاكرة PageV06P022 ### | AUTO قال وتجد قوة أخرى لها أن تركب وتفصل ما يليها من الصور ~~المأخوذة عن الحس والمعاني المدركة بالوهم وتركب أيضا الصور بالمعاني ~~وتفصلها عنها وتسمى عند استعمال العقل مفكرة وعند استعمال الوهم متخيلة ~~وكأنها قوة ما للوهم وبتوسط الوهم للعقل ### | AUTO قلت والمقصود أن يعرف اصطلاحهم ومرادهم بلفظ الخيال والوهم ~~ونحو ذلك وأن الخيال هو تصور الأعيان المحسوسة في الباطن والوهم تصور ~~المعاني التي ليست محسوسة في تلك الأعيان وكلاهما تصور معين جزئي والعقل هو ~~الحكم العام الكلي الذي لا يختص بعين معينة ولا معنى معين # وإذا عرف ذلك فيقال هذه القوة في الباطن بمنزلة القوى الحسية في الظاهر ~~والقدح فيها كالقدح في الحسيات وهذه القوة لا يجوز أن يناقض تصورها للمعقول ~~كما لا يناقض سائر القوى الحسية PageV06P023 ~~للمعقول لأن المعقولات أمور كلية تتناول هذا المعين وهذا المعين سواء كان ~~جوهرا قائما بنفسه أو معنى في الجوهر والحس الباطن والظاهر لا يتصور إلا ~~أمورا معينة فلا منافاة بينهما فالحس الظاهر يدرك الأعيان المشاهدة وما قام ~~بها من المعاني الظاهرة كالألوان والحركات والذي سموه الوهم جعلوه يدرك ما ~~في المحسوسات من المعاني التي لا تدرك بالحس الظاهر كالصداقة والعداوة ونحو ~~ذلك والتخيل هو بمثل تلك المحسوسات في الباطن ولهذا جعلوا الإدراكات ثلاثة ~~الحس والتخيل والعقل ### | AUTO قال ابن سينا الشيء يكون محسوسا عندما يشاهد ثم يكون متخيلا ~~عند ms1082 غيبته بتمثل صورته في الباطن كزيد الذي أبصرته مثلا إذا غاب عنك ~~فتخيلته وقد يكون معقولا عندما يتصور من زيد مثلا معنى الإنسان الموجود ~~أيضا لغيره وهو عندما يكون محسوسا تكون غشيته غواش غريبة عن ما هيته لو ~~أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ما هيته مثل أين ووضع وكيف ومقدار بعينه لو PageV06P024 ~~توهمت بدله غيره لم يؤثر في حقيقة ما هية إنسانيته والحس يناله من حيث هو ~~مغمور في هذه العوارض التي تلحقه بسبب المادة التي خلق منها لا يجردها عنه ~~ولا يناله إلا بعلاقة وضعية بين حسه ومادته ولذلك لا يتمثل في الحس إلا ~~ظاهر صورته إذا زال وأما الخيال الباطن فيتخيله مع تلك العوارض لا يقتدر ~~على تجريده المطلق عنها لكنه يجرده عن تلك العلاقة المذكورة التي يتعلق بها ~~الحس فهو يتمثل صورته مع غيبوبة حاملها وأما العقل فيقتدر على تجريد ~~الماهية المكنوفة باللواحق الغريبة المشخصة مستثبتا إياها حتى كأنه عمل ~~بالمحسوس عملا جعله مغفلا وأما ما هو في ذاته برئ عن الشوائب المادية ومن ~~اللواحق PageV06P025 ~~الغريبة التي لا تلزم ما هيته عن ماهيته فهو معقول لذاته ليس يحتاج إلى عمل ~~يعمل به يعده لأن يعقل ما من شأنه أن يعقله بل لعله في جانب ما من شأنه أن يعقله ### | AUTO قلت هذا الكلام هو من أصول أقواهم ومنه وقعوا في الاشتباه ~~والالتباس حتى صاروا في ضلال عظيم # فإنه يقال قوله وقد يكون معقولا عندما يتصور من زيد مثلا معنى الإنسان ~~الموجود أيضا لغيره # أتعنى به أن ذلك الإنسان المعقول الذي يكون لهذا ولهذا هو شيء ثابت في ~~الخارج هو بعينه لهذا المعين ولهذا المعين مغاير للإنسان المعين ولصفاته ~~القائمة به # أم تعنى به الإنسان المعقول الكلى الثابت في العقل الذي يتناول المعينات ~~تناول اللفظ العام لمفرداته # فإن أردت الاول فهذا باطل لا حقيقة له ونحن نعلم بالضرورة أن هذا الإنسان ~~المعين ليس فيه شيء من الإنسان المعين الآخر بل كل PageV06P026 ~~منهما مختص بذاته وصفاته ولم يشتركا ms1083 في شيء ثابت في الخارج أصلا ولهذا يكون ~~أحدهما موجودا مع عدم الآخر وبالعكس ويموت أحدهما مع حياة الاخر وبالعكس ~~ويتألم أحدهما مع لذة الآخر وبالعكس # ولهذا قال الشارحون لكلامه كالرازي إن الشخص المعين إما أن يدرك بحيث ~~يمنع نفس إدراكه من الشركة وإما أن لا يكون كذلك # والأول لا يخلو إما أن يتوقف حصول ذلك الإدراك على وجود ذلك المدرك في ~~الخارج أو لا يتوقف # فهذه أقسام ثلاثة أولها الإدراك الذي يجتمع فيه الأمران وهو أن يكون ~~مانعا من الشركة ويكون متوقفا على وجود المدرك في الخارج وهذا هو إدراك ~~الحس فإني إذا أبصرت زيدا فالمبصر يمنع لذاته من أن يكون مشركا فيه بين ~~كثيرين وهذا الإبصار لا يحصل إلا عند حصول المدرك في الخارج PageV06P027 # وثانيها أن يحصل فيه أحد الموضعين دون الآخر فيكون مانعا من الشركة ولكنه ~~لا يتوقف على الوجود الخارجي وهو التخيل فإني إذا شاهدت زيدا ثم غاب فإني ~~أتخيله على ما هو عليه من الشخصية فنفس ما تخيلته يمنع من الشركة وأما هذا ~~الإدراك فإنه لا يتوقف على وجود المدرك في الخارج فإني يمكنني أن أتخيله ~~بعد عدمه # وثالثها أن يخلو عن الموضعين جميعا فلا يكون مانعا من الشركة ولا موقوفا ~~على وجود المدرك في الخارج وهو المسمى بالإدراك العقلي # قلت فقد بينوا أن الإدراك العقلي هو ما لا يمنع الشركة ولا يشترط فيه ~~وجود المدرك من خارج ومعلوم أن هذا هو إدراك الكليات الثابتة في العقل وإذا ~~كان كذلك فقوله وهو عندما يكون محسوسا تكون غشيته غواش غريبة عن ماهيته لو ~~أزيلت عنه لم توثر في كنه ما هيته كلام يستلزم أن يكون في الخارج شيئان ~~أحدهما ما هية مجردة عن المحسوسات والثاني محسوسات غشيت تلك الماهية ~~المجردة المعقولة الثابتة في الخارج وهذا باطل يعلم بطلانه بالضرورة من ~~تصور ما يقول PageV06P028 # فإنه إن كان المعقول المجرد لا يكون إلا في النفس فكيف يكون في الخارج ~~معقول مجرد تقارنه المعينات المحسوسة واحدا بعد واحد أو ms1084 تقارنه تارة ~~وتفارقه أخرى وقوله مثل أين ووضع وكيف ومقدار بعينه لو توهمت بدله غيره لم ~~يؤثر في حقيقة ما هية إنسانيته # يقال له نعم إذا تصورنا بدل المعنى غيره لم يؤثر فيما في النفس من ~~الإنسان المعقول الكلى المجرد فإن مطابقته لهذا المعين كمطابقته لهذا ~~المعين كما لا يؤثر ذلك في لفظ الإنسان المطلق فإن مطابقته لهذا المعين ~~كمطابقته لهذا المعين فشمول اللفظ ومعناه الذي هو في الذهن سواء لكن ذلك ~~المعين إذا توهمنا بدله غيره لم يكن في ذلك البدل من هذا المعين شيء أصلا ~~بل كان البدل نظيره وشبيهه ومثله فإما أن يكون هو إياه أو يكون في الخارج ~~حقيقة معينة في هذا المعين هي نفسها حقيقة ثابتة في هذا المعين فهذا هو محل الغلط # ويقال لمن ظن هذا لما خلق الله هذا المعين كانت تلك الحقيقة موجودة قبله ~~أو حدثت معه # فإن حدثت معه معينة لا مطلقة كلية لأن الكلي لا يتوقف على وجود هذا ~~المعين وإن كانت موجودة قبله فإن كانت PageV06P029 ~~مجردة عن الاعيان لم يحتج فيها إلى شيء من المعينات وإلا فالقول في ~~مقارنتها لذلك المعين كالقول في هذا # وأيضا فإنه يقال هل اتنقلت من غيره وقارنته أو قامت به وبغيره فإن انتقلت ~~من غيره فارفت ذلك المعين فثبت أن المعين لا يحتاج إلى مطلق يقارنه وإن ~~قامت به وبغيره فإما أن يكون جوهرا أو عرضا فإن كانت عرضا فالعرض الواحد لا ~~يكون في محلين وإن كانت جوهرا فالجوهر الواحد لا يكون في محلين # فإن قال هذا في الجواهر المحسوسة وأما الجواهر المعقولة فقد تقوم بمحلين # قيل إن أردت بالجواهر المعقولة ما في القلوب فتلك أعراض لا جواهر وإن ~~أردت هذه الكليات التي تدعي وجودها في الخارج فتلك لا محل لها عندك فضلا عن ~~أن تقوم بمحلين # وهذا أيضا مما يناقض قولهم إن المطلق جزء من المعين فكيف يكون ما لا ~~يتخصص بحيز ولا مكان جزءا مما يتخصص بحيز ومكان # وإذا قال القائل المعقول ms1085 الذي لا حيز له ولا مكان ولا جهة ولا يشار إليه ~~جزء وبعض وداخل في هذا الجسم المتحيز الذي له مكان وجهة وحيز لعلم كل عاقل ~~فساد ما يقول وهذا حقيقة قول هؤلاء # وأيضا فتلك الحقيقة المجردة المطلقة إذا كانت كلية والكلي لا يمنع تصوره ~~من وقوع الشركة فيه وكانت جزءا من المعين كان في PageV06P030 ~~كل معين كليات كثيرة لا يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها فيكون في كل إنسان ~~معين حيوان كلي وناطق كلي وإنسان كلي وجسم كلي وحساس كلي وقائم بنفسه كلي ~~وجوهر كلي وموجود كلي ومخلوق كلي وآكل كلي وشارب كلي ومتنفس كلي وأمثال ذلك ~~مما يمكن أن يوصف به الإنسان # ومن المعلوم بصريح العقل أن الكلي الذي قد يعم جزئيات كثيرة لا يكون بعض ~~جزئي واحد فإن الكثير لا يكون بعض القليل وجزءه ولا يكون ما يتناول أمورا ~~كثيرة ويشملها ويعمها أو يصلح لذلك بعض واحد لا يقبل العموم والشركة ### | AUTO وقوله والحس يناله من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تلحقه ~~بسبب المادة التي خلق منها لا يجردها عنه ولا يناله إلا بعلاقة وضعية ### | AUTO فيقال هذا مبني على أن في الخارج شيئا موجودا في هذا الإنسان ~~المعين عرض له هذا الإنسان المعين وهذا مكابرة للحس والعقل والمادة التي ~~خلق منها بدنه ليست موجودة الآن بل استحالت وعدمت وليس فيه الساعة منى أصلا ### | AUTO وقوله لا يجردها عنه إنما يصح لو كان هنا مادة موجودة مغايرة ~~لهذا البدن المشهود حتى يمكن تجريد أحدهما عن الآخر نعم إن أريد بالمادة ~~البدن وأن الروح مقارنة للبدن فهذا كلام صحيح PageV06P031 # لكن الروح معينة والبدن معين ومقارنة أحدهما الآخر ممكن وهؤلاء يشتبه ~~عليهم مقارنة الروح للبدن وتجريدها عنه بمقارنة الكليات المعقولة لجزئياتها ~~وتجريدها عنها والفرق بين هذا وهذا أبين من أن يحتاج إلى بسط # وهم يلتبس عليهم أحدهما بالآخر فيأخذون لفظ التجريد والمقارنة بالاشتراك ~~ويقولون العقول المفارقة للمادة ولا يميزون بين كون الروح قد تكون مقارنة ~~للبدن وبين ms1086 المعقولات الكلية التي لا تتوقف على وجود معين فإن الروح التي ~~هي النفس الناطقة موجودة في الخارج قائم بنفسه إذا فارقت البدن # وأما العقليات الكلية المنتزعة من المعينات فإنما هي في الأذهان لا في ~~الأعيان فيجب الفرق بين تجريد الروح عن البدن وتجريد الكليات عن المعينات ### | AUTO وأما قوله وكذلك لا يتمثل في الحس إلا ظاهر صورته # فسبب هذا أن الحس لا يدركه كله وإن كان كله محسوسا بمعنى أنه يمكن إحساسه ~~ورؤيته في الجملة ولكن باطنه ليس بمحسوس لنا PageV06P032 ~~عند رؤية ظاهره لا لعدم إمكان إحساسه لكن لا حتجاب باطنه أو لمعنى آخر # وهذا أيضا من مثارات غلطهم فإنهم قد لا يفرقون في المحسوس بين ما هو ~~محسوس بالفعل لنا وبين ما يمكن إحساسه وإن كنا الآن لا نستطيع أن نحسه فإن ~~عني بالمحسوس الأول فلا ريب أن الأعيان منها ما هو محسوس ومنها ليس بمحسوس ~~وما أخبرتنا به الأنبياء من الغيب ليس محسوسا لنا فلا نشهده الآن بل هو غيب ~~عنا ولكن هو مما يمكن إحساسه ومما يحسه الناس بعد الموت # ولهذا كانت عبارة الأنبياء عليهم السلام تقسم الأمور إلى غيب وشهادة قال ~~تعالى { الذين يؤمنون بالغيب } سورة البقرة 3 وقال تلك من أنباء الغيب ~~نوحيها إليك سورة هود 49 # وقال { هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم ~~} سورة الحشر 22 # وأما هؤلاء فيقسمونها إلى محسوس ومعقول والمعقول في الحقيقة ما كان في ~~العقل وأما الموجودات الخارجية فيمكن أن ينالها الحس وأن يوقف الإحساس بها ~~على شروط متيقنه الآن PageV06P033 ### | AUTO وأما قوله وأما الخيال الباطن فيتخيله مع تلك العوارض لا ~~يقتدر على تجريده المطلق عنها لكنه يجرده عن تلك العلاقة المذكورة التي ~~تعلق بها الحس فهو يتمثل صورته مع غيبوبة حاملها ### | AUTO فيقال له هذه حجة عليكم فإن ما يتخيله الإنسان في نفسه إنما ~~هو موجود في نفسه فالصورة الخيالية ليست موجودة في الخارج ولا يشترط في ~~التخيل ثبوت المتخيل في الخارج ms1087 # وقولكم يتخيله مع تلك العوارض إثبات لشيئين ولا حقيقة لذلك بل لم يتخيل ~~إلا الصورة التي هي عرض قائم بنفسه # وقولكم فهو يتمثل صورته مع غيبوبة حاملها كلام ملتبس فإن الصورة التي ~~تخيلها في نفسه ليس لها حامل في الخارج وحامل الصورة التي في الخارج هو ~~موجود معها فالصورة المحمولة في الخارج ليست عين ما في نفسه وما في نفسه ~~ليست الصورة المحمولة # والتحقيق أنه يتخيل الصورة مع غيبوبتها بالكلية عن حسه الظاهر ليس مع ~~غيبوبة حاملها قط سواء عني بالصورة نفس الشخص المتصور أو نفس الشكل القائم به ### | AUTO وقوله إن الخيال يتخيله مع تلك العوارض لا يقدر على PageV06P034 ~~تجريده المطلق عنها لكنه يجردها عن تلك العلاقة المذكورة التي تعلق بها ~~الحس وأما العقل فيقدر على تجريد الماهية المكنوفة باللواحق الغريبة ~~المشخصة مستثبتا إياها حتى كأنه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا # فقد يعترض على ذلك بأن يقال إنه يقتضي أن تجريد الخيال الكلي من جنس ~~تجريد العقل فإن ما يتخيله المختال هو مثال المحسوس المعين فلم يجرد منه ~~معنى كلي أصلا لكن إن ارتسم فيه صورة تشاكله كما ترتسم في الحائط صورة ~~تشاكل الصورة المعينة ثم قد يتخيل المعين بجميع صفاته وقد يتخيل بعضها دون ~~بعض وقد يتصور عينه مع مغيب صورة بدنه كان المتصور حقيقته المعينة كالروح ~~دون الإنسانية المطلقة # وأما العقل فقد يراد به عقل الصورة المعينة فهو من جهة كونه تصورا معينا ~~من جنس التخيل ومن جهة كونه لا يختص بشكل معين من جنس تصور العقل # وقد يراد بالعقل تصور الكلي المطلق كتصور الإنسان المطلق وجوابه أن ~~الإنسان المطلق قد يتخيل مطلقا والبهائم لها تخيل كلي ولهذا إذا رأت الشعير ~~حنت إليه ولولا أن في خيالها صورة مطلقة مطابقة لهذا الشعير وهذا الشعير لم ~~تطلب هذا المعين حتى تذوقه PageV06P035 ~~فطلبها له إذا رأته يقتضي أنها أدركت أن هذا مثل الأول وإنما تدرك التماثل ~~إذا كان في النفس صورة تطابق المتماثلين يعتبر بها تماثلهما # لكن يقال فحينئذ ms1088 لا فرق بين التخيل والتعقل من جهة كون كل منهما يكون ~~معينا ويكون مطلقا وكل منهما ليس عين ما فيه هو عين الموجود في العقل بل مثاله ### | AUTO فقوله حتى كأنه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا # تحقيقة أن المحسوس لم يعمل به شي أصلا ولا فيه معقول أصلا بل العقل تمثل ~~معقولا يطابق المحسوس وأمثاله ### | AUTO وقوله وأما ما هو في ذاته برىء عن الشوئب المادية وعن اللواحق ~~الغريبة التي لا تلزم ماهيته عن ماهيته فهو معقول لذاته # ففيه كلامان # أحدهما أن يقال ثبوت مثل هذا المعقول تبع لثبوت المعقول المنتزع من ~~المحسوس وذلك ليس إلا في العقل لا وجود له في الخارج فيكون المعقول المجرد ~~كذلك وحينئذ فليس في ذلك ما يقتضي أن يكون في الخارج معقول مجرد # الثاني أن يقال ثبوت هذه المعقولات المجردة في الخارج فرع إمكان وجودها ~~وإمكان وجودها مبني على إمكان وجود ما لا يمكن PageV06P036 ~~الإحساس به فلا يجوز إثبات إمكان وجود ذلك بناء على وجود هذه المجردات لأن ~~ذلك دور قبلى وهو ممتنع # والمقصود أن في كلامهم ما يقتضي أنه ليس في المعقولات إلا ما يعقله ~~العاقل في نفسه مثل العلم الكلي وقد يدعون ثبوت هذه المعقولات في الخارج ~~فيتناقضون وهذا موجود في كلام أكثرهم يقولون كلهم الكليات وجودها في ~~الأذهان لا في الأعيان ثم يقول بعضهم إن الكليات تكون موجودة في الخارج ~~ولهذا كثيرا ما يرد بعضهم على بعض في هذا الموضع وهو من أصول ضلالاتهم ~~ومجازاتهم وكلامهم في المعقولات المجردة من هذا النمط وليس لهم دليل على ~~إثباتها وإذا حرر ما يجعلونه دليلا لم تثبت إلا أمور معقولة في الذهن # واسم الجوهر عندهم يقال على خمسة أنواع على العقل والنفس والمادة والصورة ~~والجسم وهم متنازعون في واجب الوجود هل هو داخل في مسمى الجوهر على قولين ~~فأرسطو وأتباعه يجعلونه من مقولة الجوهر وابن سينا وأتباعه لا يجعلونه من ~~مقولة الجوهر وإذا حرر ما يثبتونه من العقل والنفس والمادة والصورة لم يوجد ~~عندهم ms1089 إلا ما هو معقول في النفس أو ما هو جسم أو عرض قائم بجسم كما قد بسط ~~في موضعه PageV06P037 # والمراد هنا أن يعرف أن المعقولات التي هي العلوم الكلية الثابتة في ~~النفس لا ينازع فيها عاقل وكذلك تصور المعينات الموجودة في الخارج سواء كان ~~المتصور عينا قائمة بنفسها أو معنى قائما بالعين وسواء سمي ذلك التصور ~~تعقلا أو تخيلا أو توهما فليس المقصود النزاع في الألفاظ بل المقصود ~~المعاني # وإذا عرف أن الإنسان يقوم به تصور لأمور معينة موجودة في الخارج وتصور ~~كلي مطابق للمعينات تبين ما وقع من الاشتباه في هذا الباب # فقول القائل إن حكم الوهم أو الخيال قد يناقض حكم العقل إذا أراد به أن ~~التصور المعين الذي في النفس لما هو محسوس أو لما يحسه كالعدواة والصداقة ~~قد يناقض العقل الذي حكمه كلي عام كان هذا باطلا # وإن أراد به أن العقل يثبت أمورا قائمة بنفسها تقوم بها معاني وتصوره ~~للمحسوسات ولما قام بها يناقض ذلك كان هذا أيضا باطلا فإنه لا منافاة بين ~~هذا وهذا وذلك لأن الكلام ليس في مناقضة تصور الجزئيات للكليات بل في تناقض ~~القضايا الكلية بالسلب والإيجاب PageV06P038 # وإذا أراد به أن ما سماه الوهم والخيال يحكم حكما كليا يناقض حكما كليا ~~للعقل وهذا هو مرادهم كان هذا تناقضا منهم وذلك أنهم قد فسروا حكم الوهم ~~المناقض للعقل عندهم بأنه يقضي قضاء كليا يناقض القضاء الكلي المعلوم ~~بالعقل مثل أنه يقضي أنه ما من موجود إلا ويمكن الإشارة إليه وما من ~~موجودين إلا وأحدهما محايث للآخر أو مباين له ويمنع وجود موجود لا داخل ~~العالم ولا خارجه وأمثال ذلك # فيقال لهم هذه قضايا كلية وأحكام عامة وأنتم قلتم إن الوهم هو الذي يدرك ~~في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحس ~~كإدراك الصداقة والعداوة إدراكا جزئيا يحكم به كما يحكم الحس بما نشاهده # وكذلك الخيال عندكم يحفظ ما يتصوره من المحسوسات الجزئية فإذا كان الوهم ~~والخيال إنما يدرك ms1090 أمورا جزئية بمنزلة الحس وهذه القضايا التي تزعمون أنها ~~تعارض حكم العقل قضايا كلية علم بذلك أن هذه ليست من إدراك الوهم والخيال ~~كما أنها ليست من إدراك الحس وإنما هي قضايا كلية عقلية بمنزلة أمثالها من ~~القضايا الكلية العقلية وهذا لا محيد لهم عنه وهذا بمنزلة الحكم بإن كل وهم ~~وخيال فإنما يدرك أمورا جزئية PageV06P039 # فهذه القضية الكلية عقلية وإن كانت حكما على الأمور الوهمية الخيالية ~~وكذلك إذا قلت كل صداقة فإنها ضد للعداوة فهذا حكم بما في عقل كل الأفراد ~~التي هي وهمية # وكذلك إذا قلنا كل محسوس فإنه جزئي فهذه قضية كلية عقلية تتناول كل حسي # ومعلوم أنه كلما كان الحكم أعم كان أقرب إلى العقل فقولنا كل موجود قائم ~~بنفسه فإنه يشار إليه وكل موجودين فإما أن يكونا متباينين وإما أن يكونا ~~متحايثين من أعم القضايا وأشملها فكيف تكون من الوهميات التي لا تكون إلا جزئية # وحينئذ فقولهم إن حكم الوهم والخيال قد يناقض حكم العقل بمنزلة قولهم إن ~~حكم الحس قد يناقض حكم العقل وبمنزلة قولهم إن حكم العقل يناقض حكم العقل ~~وليس الكلام في الحس والوهم والخيال والعقل إذا كان فاسدا عرضت له آفة فإن ~~هذا لا ريب في إمكان تناقض أحكامه وإنما الكلام في الحس المطلق وتوابعه مما ~~سموه هم توهما وتخيلا # وأيضا فقد قال ابن سينا في مقامات العارفين أول درجات حركات العارفين ما ~~يسمونه هم الإرادة وهو ما يعترى المستبصر PageV06P040 ~~باليقين البرهاني أو الساكن النفس إلى العقد الإيماني من الرغبة في اعتلاق ~~العروة الوثقى فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال فما دامت درجته ~~هذه فهو مريد ثم إنه يحتاج إلى الرياضة والرياضة موجهة إلى ثلاثة أغراض ~~الأولى تنحية ما سوى الحق عن مستن الآثار والثاني تطويع النفس الأمارة ~~للنفس المطمئنة لتنجذب قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر ~~القدسي منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي والثالث تلطيف السر ~~للتنبيه # والأول يعين عليه الزهد والثاني يعين عليه العبادة المشفوعة بالفكر ms1091 ثم ~~الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما يلحن بها من الكلام موقع القبول ~~في الأوهام والثالث يعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف PageV06P041 ### | AUTO قلت وقد تكلمنا على ما في هذا الكلام من حق وباطل في غير هذا ~~الموضوع والمقصود هنا أنه جعل من الأمور التي يحتاج إليها العارف ما يجذب ~~قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمرالقدسي من العبادة وسماع ~~الألحان وسماع الوعظ فإن كان الأمر القدسي أمرا معقولا مجردا لا داخل ~~العالم ولا خارجه وقوى الوهم والتخيل لا تناسب إلا الأمور الحسية دون ~~العقلية المجردة كان هذا من الكلام الذي يناقض بعضه بعضا # بل كان الواجب على العارف أن يعرض عما يحكم به الوهم والخيال لينال معرفة ~~الأمر القدسي المعقول المجرد الذي يناقض حكم الوهم والخيال لا يناسبة # ولكن ما ذكره في مقدمات العارفين هو الأمر الفطري فإن القلوب الطالبة لله ~~إذا تحركت بما يصرف إرادتها إلى العلو ويصرف إرادتها عن السفل كان هذا ~~مناسبا لمطلوبها ومرادها ومحبوبها ومعبودها فإن الله الذي هو العلي الأعلى ~~هو المعبود المحبوب المراد المطلوب فإذا حركت النفس بما يصرف قواها إلى ~~إرادته انصرفت قواها إلى العلو وأعرضت عن السفل # والذي يبين هذا أن هذه القوة الوهمية وفعلها الذي هو الوهم لا يريدون به ~~أن يتوهم في الشيء ما ليس فيه وهو الوهم الكاذب PageV06P042 ~~وكذلك لفظ التخيل لا يريدون تخيل ما لا وجود له في الخارج بل هذا وهذا ~~يتناول عندهم توهم ما له وجود في الخارج وتخيل ما له وجود في الخارج وهو ~~إدراك صحيح صادق مطابق # وذلك لأن لفظ الوهم والخيال كثيرا ما يطلق على تصور ما لا حقيقة له في ~~الخارج بل هذا المعنى هو المعروف من لغة العرب ### | AUTO قال الجوهري وهمت في الحساب أوهم وهما إذا غلطت فيه وسهوت ~~ووهمت في الشيء بالفتح أوهم وهما إذا ذهب همك إليه وأنت تريد غيره وتوهمت ~~أي ظننت وأوهمت غيري إيهاما والتوهم مثله واتهمت فلانا بكذا والاسم التهمة ~~بالتحريك ويقال أوهم في ms1092 الحساب مائة أي أسقط وأوهم في صلاته ركعة ويقال قد ~~أيهم إذا صار به الريبة ### | AUTO قلت فهذا أبو نصر الجوهري قد نقل في صحاحه المشهور في لغة ~~العرب أن مادة هذا اللفظ تستعمل في جهة الغلط بمعنى الخطأ PageV06P043 ~~تارة وتستعمل بمعنى الطن تارة ولم ينقل أنها تستعمل بمعنى اليقين وهم ~~يستعملونها في تصور يقيني وهو تصور المعاني التي ليست بمحسوسة ولا ريب في ~~ثبوتها كعداوة الذئب للنعجة وصداقة الكبش لها وهو في لغة العرب يقال في هذه ~~المعاني تصورتها وعملتها وتحققتها وتيقنتها وتبينتها ونحو ذلك من الألفاظ ~~الدالة على العلم ولا يقال توهمتها إلا إذا لم تكن معلمه فاصطلاحهم مضاد ~~للمعروف في لغة العرب بل وفي سائر اللغات # وإذا كان كذلك فالإدراك الصحيح الذي يسمونه هم توهما وتخيلا هو نوع من ~~التصور والشعور والمعرفة # يوضح ذلك أنهم قالوا في إثبات القوة الوهمية كما قال ابن سينا الحيوانات ~~ناطقها وغير ناطقها تدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا ~~متأدية من طريق الحواس مثل إدراك الشاة معنى في الذئب غير محسوس وإدراك ~~الكبش معنى في النعجة غير محسوس إدراكا جزئيا يحكم به كما يحكم الحس بما ~~يشاهده فعندك قوة هذا شأنها وعند كثير من الحيوانات العجم قوة تحفظ هذه ~~المعاني بعد حكم الحاكم بها غير الحافظ للصورة PageV06P044 # فقد تبين أن هذه القوة تدرك معاني غير محسوسة وغير متأدية من الحس ففرق ~~بينها وبين الحسية والخيالية بأن الخيالية إدراك ما تأدى من الحس # وقد فسر الشارحون ما دل عليه كلامه فقالوا هذ بيان إثبات الوهم والحافظة ~~أما الوهم فقوة يدرك الحيوان بها معاني جزئية لم تتأد من الحواس إليها ~~كإدراك العداوة والصداقة والموافقة والمخالفة في أشخاص جزئية فإدراك تلك ~~المعاني دليل على وجود قوة تدركها وكونها مما لا يتأدى من الحواس دليل على ~~مغايرتها للحس المشترك ووجودها في الحيوانات العجم دليل على مغايرتها للنفس ~~الناطقة # قالوا وقد يستدل على ذلك أيضا بأن الإنسان ربما يخاف شيئا يقتضي عقله ~~الأمن منه ms1093 كالموتى وما يخالف عقله فهو غير عقله ### | AUTO وقال ابن سينا أيضا في إشاراته كل ملتذ به فهو سبب كمال يحصل ~~للمدرك هو بالقياس إليه خير ثم لا يشك أن الكمالات وإدراكاتها متفاوته ~~فكمال الشهوة مثلا أن يتكيف العضو PageV06P045 ~~الذاتي بكيفية الحلاوة مأخوذة عن مادتها ولو وقع مثل ذلك لا عن سبب خارج ~~كانت اللذة قائمة وكذلك الملموس والمشموم ونحوهما وكمال القوة الغضبية أن ~~تتكيف النفس بكيفية غضب أو بكيفية شعور بأذى يحصل من المغضوب عليه والوهم ~~التكيف بهيئة ما يرجوه أو يذكره وعلى هذا الحال سائر القوى # والمقصود أنه جعل كمال الوهم اتصافه بصفة ما يرجوه أو يذكره والمرجو في ~~المستقبل والمذكور في الماضي كلاهما لا بد أن يكون هنا مما يوافقه ويحبه ~~فإن الكمال كما قد ذكروه إنما يكون بإدراك الملائم لا المنافي # والقوة الوهمية هي التي تدرك بها الصداقة والعداوة والموافقة والمخالفة ~~والصداقة هي الولاية التي أصلها المحبة والعداوة أصلها البغض # فالقوة الوهمية عندهم هي التي يدرك بها الحيوان ما يحبه وما يبغضه PageV06P046 ~~من المعاني التي لا تدرك بالحس والخيال ثم يكون حبه وبغضه لمحل ذلك المعنى ~~تبعا لحبه وبغضه ذلك المعنى فالشاة إذا توهمت أن في الذئب قوة تنافرها ~~أبغضته والتيس إذا توهم أن في الشاة قوة تلائمه أحبها فهذه القوة هي التي ~~تدرك المحبوبات والمكروهات من المعاني القائمة بالمحسوسات وهي التي يحصل ~~بها الرجاء والخوف فيرجو حصول المحبوب ويخاف حصول المكروه ولهذا علقوا ~~الرجاء والخوف بها كما تقدم من كلامهم وجعلوا كمالها في التكييف بهيئة ما ~~ترجوه أو تذكره وقالوا إن خوف الإنسان من الموتى ونحوهم هو بهذه القوة # وعلى هذا فكل حب وبغض ورجاء وخوف لما لم يحسه الحيوان بحسه الظاهر فهو ~~بهذه القوة # ولهذا عظموا شأنها فقال ابن سينا في شفائه في القوة المسماة بالوهم هي ~~الرئيسة الحاكمة في الحيوان حكما ليس فصلا كالحكم العقلي ولكن حكما تخييليا ~~مقرونا بالجزئية وبالصورة الحسية وعنه تصدر أكثر الأفعال الحيوانية PageV06P047 ### | AUTO وقال أيضا في شفائه ويشبه ms1094 أن تكون القوة الوهمية هي بعينها ~~المفكرة المتخيلة والمتذكره وهي بعينها الحاكمة فتكون بعينها حاكمة ~~وبأفعالها وحركاتها متخيلة بما تعمل من الصور والمعاني والمتذكرة بما ينتهي ~~إليه عملها وأما الحافظة فهي قوة خزانتها # فهذه ألفاظه ومن الناس من قال هذا يدل على اضطرابه في أمر هذه القوى وليس ~~المقصود هنا الكلام فيما يتنازعون فيه وهو أن هذه الإدراكات الجزئية ~~والأفعال الجزئية هل هي للنفس وإن كان بواسطة الجسم أو هي للجسم وهل محل ~~هذه شيء واحد أو أشياء متعددة وهل هو بقوة واحدة أو بقوى متعددة # فإن الكلام في هذا مما لم يتعلق بالمقصود في هذا المكان فإنه لا خلاف بين ~~العقلاء أن الإنسان بل وغيره من الحيون يتصور في غيره ما يحبه ويواليه عليه ~~ويرجو وجوده ويتصور ما يبغضه ويعاديه عليه ويخاف وجوده PageV06P048 # فهذا التصور أمر معلوم في الإنسان وفي الحيوان وهم سموا التصور وهما ~~وقالوا إنه يحصل بقوة تسمى الوهمية # والناس متنازعون في إدراك الحيوان وأفعاله كالسمع والبصر والتفكر والعقل ~~وغيرذلك من أنواع التصورت والأفعال سواء كان تصور ولاية أو عداوة أو غير ~~ذلك هل هو بقوى في الحيوان أم لا # فالأول قول الجمهور والثاني قول من يقول إنه ليس للعبد قدره مؤثرة في مقدوره # والأولون على قولين منهم من يخص القوى بالأفعال الاختيارية ومنهم من ~~يجعله في جميع الحوادث # وهؤلاء نوعان منهم من يقول بقول المتفلسفة الذين يقولون إن الله موجب ~~بذاته بدون مشيئته وعلمه بالجزئيات وهذا باطل شرعا وعقلا ومنهم من يقول إن ~~الله خالق ذلك كله بمشيئته وعلمه وقدرته # وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها وجمهور علمائها يثبتون ما في الأعيان من ~~القوى والطبائع ويثبتون للعبد قدرة حقيقية وإرادة ويقولون إن هذه الأمور ~~جعلها الله أسبابا لأحكامها وهو يفعل بها كما قال تعالى { حتى إذا أقلت ~~سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات } ~~سورة الأعراف 57 PageV06P049 # وقال تعالى { وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ms1095 } ~~سورة البقرة 164 إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة # وكلام السلف والأئمة المذكور في غير هذا الموضع ولهذا نص أحمد بن حنبل ~~والحارث المحاسبي وغيرهما أن العقل غريزة في الإنسان # ولكن من قال بالقول الأول من نفاة الأسباب والقوى الذين سلكوا مسلك ~~الأشعري في نفي ذلك قالوا إن العقل إنما هو نوع من العلوم الضرورية كما قال ~~ذلك القاضي أبو بكر بن الطيب والقاضي أبو يعلى والقاضي أبو بكر بن العربي وغيرهم # والمقصود أن هذا التصور لمعان في الأعيان المشهودة كتصور أن هذا يوافقني ~~ويواليني وينفعني وفيه ما أحبه وهذا يخالفني ويعاديني ويضرني وفيه ما أبغضه ~~أمر متفق عليه بين العقلاء سواء قبل بتعدد القوى أو اتحادها أو عدمها وسواء ~~قيل المدرك هو النفس أو البدن PageV06P050 # إذا كان كذلك فيقال إذاكان الوهم مفسرا عندهم بما ذكوره من تصور معنى غير ~~محسوس في الأعيان المحسوسة وألا يتأدى من الحس فمعلوم أن هذا تدخل فيه كل ~~صفة تقوم بالحي من الصفات الباطنة كالقدرة والإرادة والحب والبغض والشهوة ~~والغضب وأمثال ذلك # فإن القدرة في القادر كالعداوة في العدو والصداقة في الصديق بل قد يكون ~~ظهور الولاية والعداوة والحب والبغض إلى الحس الظاهر أقرب من ظهور القدرة # وعلى هذا فيكون تصور الملك والملك هو أيضا من الوهم فإن كون الشخص المعين ~~ملكا لغيره أو مالكا لغيره هو تصور معنى في الشخص المحسوس وذلك المعنى غير ~~محسوس ولا يتخيل تخيل المحسوسات # وكذلك تصور الشهوة والنفرة يكون أيضا من باب التصور الوهمي في اصطلاحهم ~~وكذلك تصور الألم في الغير واللذة فيه هو من الباب فإن ما يجده الحيوان في ~~نفسه من اللذة والألم غير محسوس ### | AUTO فإن قيل هذه الأمور تدرك بآثار تظهر يدرك الحس تلك الظواهر ~~فلا يقال هي موهومة ### | AUTO قيل إن كان هذا كافيا فمعلوم أن تصور الشاة صورة الذئب ~~المحسوسة إدراك لتلك الصورة فتلك الصورة مستلزمة للعداوة PageV06P051 ~~وكذلك إدراك التيس صورة الشاة وكذلك إدراك الإنسان شعار صديقه وعدوه مثل ~~إدراك كل ms1096 من الطائفتين المقتتلتين شعار الأخرى المسموعة بالأذن كالشعائر ~~المتداعى بها والمرئية كالرايات المرئية هي أيضا مما يدرك بالحس ويستدل بها ~~على الولاية والعداوة التي ليست بمحسوسة بل هي في الأشخاص المحسوسة # ففي الجملة ليس من شرط الصورة الوهمية عندهم أن يدركها الوهم بلا توسط ~~شيء محسوس بل لا تدرك تلك المعاني إلا في الأشياء المحسوسة ولا بد أن تدرك ~~تلك الأشياء المحسوسة فيكون الوهم مقارنا للحس لا بد من ذلك وإلا فلو أدرك ~~الوهم ما يدركه مجردا عن الحس لكان يدرك ما يدركه لا في أعيان محسوسة فلا ~~بد أن يدرك بباطنه وهو القوة المسماة بالوهم عندهم وبظاهره وهو الحس ما في ~~المدرك من الأمر الباطن وهو المعنى كالصداقة والعداوة والظاهر وهو الشخص ~~الذي هو محل ذلك # وعلى هذا فميل كل جنس إلى ما يناسبه في الباطن هو بسبب إدراك هذه القوة ~~كما يتفق في المتحابين والمتباغضين والمتحابون قد يكون تحابهم لاشتراكهم في ~~التعاون على ما ينفعهم ودفع ما يضرهم كما يوجد في أجناد العساكر وأهل ~~المدينة الواحدة وأهل الدين الواحد والنسب الواحد ونحو ذلك PageV06P052 # وفي الجملة فميل الحيوان إلى ما يظن أنه ينفعه ونفوره عما يظن أنه يضره ~~بسبب هذه القوة فإن إدراكه كون هذا نافعا له موافقا له ملائما له وكون هذا ~~ضارا له مخالفا له منافرا له هو بهذه القوة # وعلى هذا فينبغي أن يكون إدراك ما في الأغذية والأدوية من الملاءمة هو ~~بهذه القوة فإن الإنسان يتوهم في الخبز أنه يلائمه إذا أكله كما يتوهم ~~الفرس ذلك في الشعير ويتوهم في السيف أنه يضره إذا ضرب به كما يتوهم الحمار ~~ذلك في العصا # وفي الجملة فتصور الإنسان بل والحيوان لما ينفعه ويضره هو بهذه القوة على ~~موجب اصطلاحهم فإن الإنسان إذا رأى بئرا محفورة يتصور أنه إن وقع فيها عطب ~~كان هذا بهذه القوة لأن الحس إنما شهد مكانا عميقا أما كونه يضر الإنسان ~~إذا سقط فيه فهذا لا يعلم بالحس ولهذا كان من لا تمييز ms1097 له يسقط في مثل هذا ~~المكان كالصبي والمجنون والبهيمة وإن كان له حس فالذي يسميه الناس عقلا ~~سماه هؤلاء ووهما وتصور الإنسان أن هذا ماله وهذا مال غيره وهذه الدار داره ~~وهذه دار غيره هو بهذه القوة لأن الحس الظاهر لا يميز بين هذا وهذا وإنما ~~يعرف هذا من هذا بقوة باطنة تتصورفي المحسوس ما ليس بمحسوس وهو أن هذه ~~الدار أو المال له أو لأقاربه أو لأصدقائه وتلك الدار أو المال للأجانب او ~~الأعداء فإن هذه المعاني هي في المحسوس وليست محسوسة وإدراك كون هذا ~~الإنسان PageV06P053 ~~عادلا جوادا رحيما شجاعا وهذا ظالما بخيلا قاسيا جبانا هو على موجب ~~اصطلاحهم وهم فإن هذا إدراك أمور غير محسوسة في المحسوسات # وكذلك سائر الأخلاق التي بها مدح وقدح مثل البر والفجور والعفة والصدق ~~والكذب والكرم واللؤم وأمثال ذلك فإن هذه معان تقوم بالشخص المحسوس ونفس ~~الأخلاق القائمة فيه ليست بمحسوسة وإنما يحس بالأفعال الظاهرة الصادرة عنها ~~كما يحس بالأفعال الظاهرة الصادرة عن الصداقة والعداوة # ومعلوم أن إدراك هذه الأمور هي مما يدخل في مسمى العقل والعلم والمعرفة ~~عند عامة العقلاء بل إدراك كون المعروف معروفا وكون المنكر منكرا هو أيضا ~~مما يدخل في الوهم على اصطلاحهم فإن المعروف هو المحبوب الموافق الملائم ~~والمنكر هو المكروه المخالف المنافي وما يدرك به هذه المعاني من الامور ~~الحسية وهم بل على قولهم كل معنى يدرك في الأعيان المحسوسة فإدراكه بالوهم ~~ولا يبقى فرق بين الوهميات والعقليات في مثل هذا إلا كون الوهميات جزئية ~~والعقليات كلية # ومعلوم أن إدراك كثير من هذه المعاني من خواص العقل ومما يبين هذا أن ~~الرجل إذا رأى امرأته مع من يظن به السوء كان هذا إدراكا لأمر PageV06P054 ~~غيرمحسوس في المحسوس وهو إدراك ما ينافيه وهو ميل الأجنبي إلى امرأته وميل ~~امرأته إليه وكذلك المرأة إذا وجدت مع زوجها امرأة أخرى فظنت أن بينهما ~~اتصالا وحصلت لها الغيرة فالغيرة إنما تحصل بهذه القوة فإن الغيرة من باب ~~كراهة المؤذى وبغضه وهو ms1098 من جنس إدراك العداوة فيما يغار منه كما أن الرجل ~~يميل إلى أبيه وأمه وزوجته لما يستشعره من محبتهم ومودتهم وإدراك ما منهم ~~من المحبة والمودة هو أيضا عندهم وهم لأنه إدراك في المحسوس بما ليس بمحسوس ~~وهو الولاية التي بينهما كما قالوا في إدراك التيس معنى في الشاة وإذا رأى ~~الإنسان امرأة أجنبية فقد يدرك منها أنها تميل إليه فيكون كإدراك التيس ~~معنى في الشاة وقد يدرك منها أنها تنفر عنه فيكون كإدراك الشاة معنى في ~~الذئب وهذا باب واسع # والمقصود أن يجمع بين هذا وبين ما قاله ابن سينا في مقامات العارفين وهو ~~خاتمة مصحفهم وقد قال الرازي هذا الباب أجل ما في هذا الكتاب فإنه رتب علم ~~الصوفية ترتيبا ما سبقه إليه من قبله ولا يلحقه من بعده # وأقره الطوسي على هذا الكلام وقال قد ذكر الفاضل PageV06P055 ~~الشارح أن هذا الباب أجل ما في هذا الكتاب فإنه رتب فيه علوم الصوفية ~~ترتيبا ما سبقه إليه من قبله ولا لحقه من بعده # وهذا الذي هو غاية ما عند هؤلاء من معارف الصوفية إذا تدبره من يعرف ما ~~بعث الله به رسوله وما عليه شيوخ القوم المؤمنون بالله ورسوله المتبعون ~~للكتاب والسنة تبين له أن ما ذكره في الكتاب بعد كمال تحقيقه لا يصير به ~~الرجل مسلما فضلا عن أن يكون وليا لله وأولياء الله هم المؤمنون المتقون ~~فإن غايته هو الفناء في التوحيد الذي وصفه وهو توحيد غلاة الجهمية المتضمن ~~نفي الصفات مع القول بقدم الأفلاك وأن الرب موجب بالذات لا فاعل بمشيئته ~~ولا يعلم الجزئيات ولو قدر أنه فناء في توحيد الربوبية المتضمن للإقرار بما ~~بعث الله به رسوله من الأسماء والصفات لم يكن هذا التوحيد وحده موجبا لكون ~~الرجل مسلما فضلا عن أن يكون عارفا وليا لله إذ كان هذا التوحيد يقر به ~~المشركون عباد الأصنام فيقرون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وإنما يجعل ~~الفناء في هذا التوحيد هو غاية العارفين صوفية هؤلاء الملاحدة ms1099 كابن الطفيل ~~صاحب رسالة حي بن يقظان وأمثاله ولهذا يستأنسون بما يجدونه من كلام أبي حامد PageV06P056 ~~موافقا لقولهم إذ كان في كثير من كلامه ما يوافق الباطل من قول هؤلاء كما ~~في كثير من كلامه رد لكثير من باطلهم # ولهذا صار كالبرزخ بينهم وبين المسلمين فالمسلمون ينكرون ما وافقهم فيه ~~من الباطل عند المسلمين وهم ينكرون عليه ما خالفهم فيه من الباطل عند ~~المسلمين # ومن أسباب ذلك أن هؤلاء جعلوا غاية الإنسان وكماله في مجرد أن يعلم ~~الوجود أو يعلم الحق فيكون عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود وهو التشبه ~~بالإله على قدر الطاقة وجعلوا ما يأتي به من العبادات والأخلاق إنما هي ~~شروط وأعوان على مثل ذلك فلم يثبتوا كون الرب تعالى مألوها يحب لذاته ويكون ~~كمال النفس أنها تحبه فيكون كمالها في معرفته ومحبته بل جعلوا الكمال مجرد ~~معرفة الوجود عند أئمتهم أو في مجرد معرفته عند من يقرب إلى الإسلام منهم # فهذا أحد نوعي ضلالهم والنوع الآخر أنه لو قدر كمالها في مجرد العلم فما ~~عندهم ليس بعلم بل كثير منه جهل PageV06P057 # والقدر الذي حصل لهم من العلم لا تحصل به النجاة فضلا عن حصول السعادة ~~الكبرى فهم أبعد عن الكمال البشرى عن النجاة في الآخرة والسعادة من اليهود ~~والنصارى من حيث هم كذلك وإن كان من اليهود والنصارى من هو أبعد عن ذلك ممن ~~كان أقرب إلى الإسلام من اليهود والنصارى إذ النجاة والسعادة باتباع الرسل ~~علما وعملا # وكتبهم ليس فيها إيمان بنبي معين ولا بكتاب معين لا توراة ولا إنجيل ولا ~~قرآن ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى بل ولا فيها إثبات رب معين وإنما فيها ~~إثبات موجود كلي وأمور كليه ولا فيها الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له ~~والنهي عن عبادة ما سواه ومعلوم أن النجاة والسعادة لا تحصل إلا بذلك بل ~~ليس عندهم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ولا ~~الإيمان بأن الله قدر مقادير العباد فإنه عندهم لا يعلم الجزئيات ms1100 فكيف ~~يقدرها ومعلوم أن السعادة لا تحصل إلا بذلك # وهؤلاء لما كان قولهم مخالفا للفطرة التي فطر الله عليها عباده من ~~الإقرار به ومن محبته كان ما ذكروه من كمال النفس منافيا لهذا ولهذا # ولهذا اضطرب كلامهم في هذا الباب فتارة يحتاجون أن يقروا بما يوجب محبته ~~وموالاته مع الإقرار به سبحانه بعلوه على خلقه وتارة يدعون ما يوجب انتفاء ~~هذا وهذا PageV06P058 # وقد تقدم أقوالهم في الوهم ومعناه عندهم والقضايا الوهمية والمقصود أن ~~يجمع بين النظر في ذلك وبين ما ذكروه في مقامات العارفين الذي هو أجل ما ~~عندهم وكثير منه أو أكثره كلام جيد ولكن الاقتصار عليه وحده مع ما عندهم لا ~~يوجب نجاة النفوس من العذاب فضلا عن حصول السعادة لها ولكن كل ما قالوه هم ~~وغيرهمم من حق فمقبول ويتبين من ذلك الحق وغيره بطلان ما يناقضه من الباطل ~~الذي قالوه أيضا ### | AUTO قال ابن سينا العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره ولا يؤثر ~~شيئا على عرفانه وتعبده له فقط ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه ~~لا لرغبة ولا لرهبة وإن كانتا فيكون المرغوب فيه أو المهروب عنه هو الداعي ~~وفيه المطلوب ويكون الحق ليس الغاية بل الواسطة إلى شيء غيره وهو الغاية ~~وهو المطلوب دونه ### | AUTO فيقال هذا الذي قاله من كون الحق تعالى عند العارف هو المراد ~~المعبود لنفسه لا يراد لغيره فيكون هو الواسطة إلى ذلك الغير ويكون ذلك ~~الغير هو الغاية كلام صحيح وهو من مبادئ ما يتكلم PageV06P059 ~~فيه أهل الإيمان والإرادة بل هو من شعائرهم ومن أشهر الأمورعندهم # وقد قال تعالى { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } ~~سورة الأنعام 52 # وقال تعالى { وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ~~ولسوف يرضى } سورة الليل 19 21 # وقال تعالى { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما } سورة الأحزاب 29 # وقال تعالى { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } سورة ms1101 المائدة 54 # وقال { والذين آمنوا أشد حبا لله } سورة البقرة 165 # وقال تعالى { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا } سورة التوبة 24 # وقد قال تعالى { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا } سورة النساء 125 PageV06P060 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال إن الله ~~اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا # وفي الصحيحين أنه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان ~~يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقي في النار # وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده لا يؤمن ~~أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين # وفي الصحيح أن عمر رضي الله عنه قال والله يا رسول الله PageV06P061 ~~لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من ~~نفسك فقال والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي فقال الآن يا عمر # فإذا كان هذا في حب الرسول التابع لحب الله فكيف في حب الله الذي إنما ~~وجب حب الرسول لحبه والذي لا يجوز أن نحب شيئا من المخلوقات مثل حبه بل ذلك ~~من الشرك # قال تعالى { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله } سورة البقرة 165 وهذا هو دين الإسلام الذي بعث ~~الله به رسله وأنزل به كتبه وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له # والعبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل فلا يكون أحد مؤمنا حتى يكون الله ~~أحب إليه من كل ما سواه وأن يعبد الله مخلصا له الدين # فهذا الذي ms1102 ذكره في مقامات العارفين هو أول قدم يضعه المؤمن في الإيمان ~~ولا يكون مؤمنا من لم يتصف بهذا وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وعلماؤها على ~~أن الله يحب لذاته لم ينازع في ذلك إلا طائفة من أهل الكلام والرأي الذين ~~سلكوا مسلك الجهمية في بعض أمورهم فقالوا إنه لا يحب ولا يحب PageV06P062 # وابن سينا والفلاسفة وإن كانوا يردون على هؤلاء كما يرد عليهم أئمة الدين ~~فهم أقرب إلى الحق من ابن سينا وأتباعه كما سنبينه إن شاء الله تعالى # وقد قال طائفة من النظار إن الإرادة لا تتعلق إلا بمعدوم محدث وهو ما ~~يراد أن يفعل فأما القديم الواجب بنفسه فلا تتعلق به الإرادة # وقالوا قول القائل أريد الله أي أريد عبادته ونحو ذلك # وقال آخرون بل الإرادة تتعلق بنفس القديم الواجب بنفسه كما نطقت به النصوص # والتحقيق أنه لا منافاة بين القولين فإن كون الشيء محبوبا لذاته مرادا ~~لذاته هو أن المحب المريد لم يطلب إرادته لما سواه بل كان هو أقصى مراده ~~وإنما يكون الشيء مرادا محبوبا لما للمحب المريد في الإتصال بذلك من السرور ~~واللذة إذ المحبة لا تكون إلا لما يلائم المحب فما يحصل عند ذكره ومعرفته ~~والنظر إليه من اللذة هو مطلوب المحب المريد المحب لذاته PageV06P063 # كما ثبت في صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله ~~موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ~~ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسألك لذة النظر إلى ~~وجهك والشوق إلى لقائك # فقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله لم يعط أهل الجنة PageV06P064 ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهذا غاية مراد العارفين وهذا موجب حبهم إياه ms1103 ~~لذاته لا لشيء آخر # فمن قال إنه لا يحب لذاته ولا يتلذذ بالنظر إليه كما تزعمه طائفة من أهل ~~الكلام والرأي فقد أخطأ ومن قال إن محبة ذاته وإرادة ذاته لا تتضمن حصول ~~لذة العبد بحبه ولا يطلبه العبد ولا يريده بل يكون العبد محبا مريدا لما لا ~~يحصل له لذة به فقد أبطل # ومن قال إن العبد يفني عن حظوظه وإراداته وأراد بذلك أنه يفني عن حظوظه ~~وإرادته المتعلقة بالمخلوقات فقد أصاب وأما إن أراد انه يفني عن كل إرادة ~~وحب وتبقى جميع الأمور عنده سواء فهذا مكابر لحسه ونفسه # وكل مراد محبوب لذاته فلا معنى لكونه مرادا محبوبا لذاته إلا أن ذاته هو ~~غاية مطلب الطالبين بمعنى أن ما يحصل لهم من النعم واللذة هو غاية مطلوبهم ~~لا يطلبونها لأجل غيرها فأما بتقدير أن تنتفي كل لذة فلا يتصور حب فإن حب ~~ما لا لذة في الشعور به ممتنع PageV06P065 # وعلى هذا فقول القائل العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره ولا يؤثر شيئا ~~على عرفانه لا منافاة بينهما # وكذلك قوله وتعبده له فقط لا ينافي قوله ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة ~~شريفة إليه بل كونه تعبده له فقط إنما كان محمودا لأنه مستحق للعبادة وإنما ~~انبغى للعبد أن يفعلها لأنها نسبة شريفة وإلا فلو فعل العبد ما لا خير فيه ~~كان مذموما لكن يفرق بين من يكون قد عرف الله معرفة أحبه لأجلها وبين من ~~سمع مدح أهل المعرفة فاشتاق إلى كونه منهم لما في ذلك من الشرف فإن هذا في ~~الحقيقة إنما مراده تعظيم نفسه وجعل المعرفة طريقا إليها # وكذلك كل من أراد الله لأمر من الأمور كما حكى أن أبا حامد بلغه أن من ~~أخلص لله أربعين يوما تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه قال فأخلصت ~~أربعين يوما فلم يتفجر شيء فذكرت ذلك لبعض العارفين فقال لي إنك أنما أخلصت ~~للحكمة لم تخلص لله # وذلك لأن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة أو نيل ms1104 المكاشفات ~~والتأثيرات أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه أو غير ذلك من المطالب PageV06P066 # وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه فإذا قصد أن يطلب ذلك ~~بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضا لأن من أراد شيئا لغيره فالثاني هو ~~المراد المقصود بذاته والأول يراد لكونه وسيلة إليه فإذا قصد أن يخلص لله ~~ليصير عالما أو عارفا أو ذا حكمة أو متشرفا بالنسبة إليه أو صاحب مكاشفات ~~وتصرفات ونحو ذلك فهو هنا لم يرد الله بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك ~~المطلوب الأدنى وإنما يريد الله ابتداء من ذاق حلاوة محبته وذكره # وفطر العباد مجبولة على محبته لكن منهم من فسدت فطرته قال تعالى { فأقم ~~وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } ~~سورة الروم 30 # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مولود يولد على ~~الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل ~~تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة اقرأوا إن شئتم { فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } سورة الروم 30 # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ~~ربه تعالى قال إني خلقت عبادي حنفاء PageV06P067 ~~فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما احللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي مالم ~~أنزل به سلطانا # وأما قول القائل لا للرغبة والرهبة # فهذا له ثلاث معان # أحدها أن يراد به لا لرغبة في حصول مطلوب المحب من المحبوب لذاته ولا ~~لرهبة من ذلك وهذا ممتنع فإنه ما من عبد مريد محب إلا وهو يطلب حصول شيء ~~ويخاف فواته # والثاني أنه لا يرغب في التمتع بمخلوق ولا يخاف من التضرر بمخلوق فيمكن ~~أن يعبد الله من يعبده بدون هذه الرغبة والرهبة # كما قال عمر رضي الله عنه نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه # وفي الأثر لو لم أخلق جنة ولا نارا أما كنت أهلا ms1105 أن أعبد وقد ثبت في ~~الصحيح أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس PageV06P068 # وكذلك الملائكة فلولا تمتع أهل الجنة بذلك التسبيح الذي هو لهم كالنفس لم ~~يكن الأمر كذلك # وقد ثت في الحديث الصحيح المتقدم قوله فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من ~~النظر إليه # والثالث أن يراد أن العبد لا يرهب مما يضره كألم العذاب ولا يرغب فيما ~~يحتاج إليه كالطعام والشراب فهذا ممتنع فإن ما جعل الله العبد محتاجا إليه ~~متألما إذا لم يحصل له لا بد أن يرغب في حصوله ويرهب من فواته وما كان ~~ملتذا به غير متألم بفواته كأكل أهل الجنة وشربهم فهذا يرغب فيه ولا يرهب ~~من فواته فوجود تلك اللذة العليا الحاصلة بمعرفة الله ورؤيته لا ينافي وجود ~~لذات أخر حاصلة بإدراك بعض المخلوقات ومن نفى الأولى من الجهمية والمعتزلة ~~ومن وافقهم فقد أخطأ ومن نفى الثانية من المتفلسفة والمتصوفة على طريقهم ~~فقد أخطأ مع أن هؤلاء المتفلسفة لا يثبتون حقيقة الأولى فإنهم لا يثبتون أن ~~الرب تحبه الملائكة والمؤمنون وإنما يجعلون الغاية تشبههم به لا حبهم إياه ~~وفرق بين أن تكون الغاية كون هذا مثل هذا PageV06P069 ~~وبين أن تكون الغاية كون هذا يحب هذا محبة عبودية وذلك # ولهذا قالوا الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة ولهذا كان مطلوب ~~هؤلاء إنما هو نوع من العلم والقدرة الذي يحصل لهم به شرف فمطلوبهم من جنس ~~مطلوب فرعون بخلاف الحنفاء الذين يعبدون الله محبة له وذلا له ### | AUTO وهم ايضا لا يثبتون معرفة تحصل بها النجاة والسعادة بعد الموت ~~بل المعروف عندهم وجود مطلق او مقيد بالسلوب ولا يثبتون بعد الموت تجدد نظر ~~إليه إذ المفارقات عندهم ليس فيها حركة أصلا لا من الناظر ولا من المنظور ~~إليه وهو خلاف ما دلت عليه الدلالة الشرعية والعقلية فصل ### | AUTO ثم قال إشارة المستحل بوسيط الحق مرحوم من وجه فإنه لم يطعم ~~لذة البهجة به فيستطعمها إنما معارفته مع اللذات PageV06P070 ~~المخدجة فهو حنون إليها غافل عما ms1106 وراءها وما مثله بالقياس إلى العارفين إلا ~~مثل الصبيان بالقياس إلى المحتنكين فإنهم لما غفلوا عن طيبات يحرص عليها ~~البالغون واقتصرت بهم المباشرة على طيبات اللعب وصاروا يتعجبون من أهل الجد ~~إذا أزوروا عنها عائفين لها عاكفين على غيرها كذلك من غض النقص بصره عن ~~مطالعة بهجة الحق أعلى كفيه بما يليه من اللذات لذات الزور فتركها في دنياه ~~عن كره وما تركها إلا ليستأجل أضعافها وإنما يعبد الله ويطيعه ليخوله في ~~الآخرة ويشبعه منها فيبعث إلى مطعم شهى ومشرب هنى ومنكح بهى إذا بعثر عنه ~~فلا مطمح لبصره في أولاه وآخرته إلا إلى لذات فبقبه وذبذبه والمستبصر بهداية PageV06P071 ~~القدس في شجون واجب الإيثار قد عرف اللذة الحق وولى وجهه سمتها مترحما على ~~هذا المأخوذ عن رشده إلى ضده وإن كان ما يتوخاه بكده مبذولا له حسب وعده ### | AUTO فيقال ينبغي أن يفرق بين كون الإنسان محبا مريدا وبين كونه ~~يعرف أنه محب مريد وكذلك يفرق بين كونه سامعا رائيا عالما وبين كونه عالما ~~بكونه كذلك ذاكرا له # ومثال ذلك أن الإنسان لا يفعل اختياريا وهو يعلم أنه يفعله إلا بإرادة ~~فكل من شهد المسجد ليصلي فيه الصلاة الحاضرة وهو يعلم أنها الجمعة أو الفجر ~~امتنع أن يصلي إلا وهو ناو لهذه الصلاة ومع هذا فقد يظن كثير من الناس أنه ~~لا ينوي أو لا تحصل له نية حتى يتكلم بذلك وربما كرر ذلك ورفع صوته به وآذى ~~من حوله وأصابه من جنس ما يصيب المجنون # وكذلك المعرفة بالله فطرية ضرورية كما قد بسط في موضعه وكذلك حب الله ~~ورسوله حاصل لكل مؤمن ويظهر ذلك بما إذا خير المؤمن بين أهله وماله وبين ~~الله ورسوله فإنه يختار الله ورسوله PageV06P072 ~~والمؤمنون متفاضلون في هذه المحبة ولكن المنافقون الذين أظهروا الإسلام ~~ولما يدخل الإيمان في قلوبهم ليسوا من هؤلاء وما من مؤمن إلا وهو إذا ذكر ~~له رؤية الله اشتاق إلى ذلك شوقا لا يكاد يشتاقه إلى شيء # وقد قال الحسن البصري ms1107 لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت ~~أنفسهم في الدنيا # والحب لله يقوى بسبب قوة المعرفة وسلامة الفطرة ونقصها من نقص المعرفة ~~ومن خبث الفطرة بالأهواء الفاسدة # ولا ريب أن النفوس تحب اللذة بالأكل والشرب والنكاح وقد تشتغل النفوس ~~بأدنى المحبوبين عن أعلاهما لقوة حاجته العاجلة إليه كالجائع الشديد الجوع ~~فإن ألمه بالجوع قد يشغله عن لذة مناجاته لله في الصلاة # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لا يصلين أحدكم بحضرة ~~طعام ولا وهو يدافع الأخبثين # وإن كانت الصلاة قرة عين العارفين والإنسان إنما يشتاق إلى ما يشعر به من ~~المحبوبات فأما ما لم يشعر به فهو لا يشتاق إليه وإن كان لو شعر به لكان ~~شوقه إليه أشد من شوقه إلى غيره PageV06P073 # ولما كانت الجنة فيها كل نعيم يتنعم به العباد من غير تنغيص مما يعرفونه ~~وما لا يعرفونه # كما قال تعالى { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } سورة السجدة 17 # وقال { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } سورة الزخرف 71 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى إني أعددت ~~لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما ~~اطلعتم عليه ثم قرأ { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } سورة السجدة ~~17 الآية # وكان النعيم الذي فيها منه ما له نظير عند المخاطبين إذا ذكر اشتاقوا ~~إليه ومنه ما لا نظير له عندهم أخبرهم الله تعالى منه بما له نظير فإنه ~~بذلك يحصل شوقهم ورغبتهم فيما أمروا به ثم إذا فعلوا ما أمروا به نالوا ~~بذلك مالم يخطر بقلوبهم كما أخبر بذلك الكتاب والسنة # ولذة النظر وإن كانت أفضل اللذات وسببها وهو حب الله ورسوله موجود في قلب ~~كل مؤمن لكن الظاهر من الحب هو الشهوات ومعرفة الناس لكون ذلك مشتهاة ~~ومرغوبا فيها وأن محبتها PageV06P074 ~~غالبة وذكرهم لذلك أظهر من معرفتهم بما في حب الله ms1108 ورسوله # والنظر إليه من ذلك ومن ذكرهم لذلك وإن كان ذلك موجودا فيهم فوجود الشيء ~~غير معرفته وذكره وظهوره فذكر الله في كتابه من اللذات الظاهرة كالأكل ~~والشرب والنكاح ما يعرف كل أحد أنه لذة وما تشتاق إليه كل نفس ويعرفون أنه ~~مما يرغب فيه وذلك لا ينال إلا بعبادة الله وطاعته # وهم إذا عبدوا الله فقد يحصل لهم من حلاوة المعرفة والعبادة ما هو أعظم ~~من ذلك وإذا كشف الحجاب في الآخرة فنظروا إليه كان ذلك أحب إليهم من جميع ~~ما أعطاهم فكان ترغيبهم في العبادة بذلك شائقا لهم إلى هذا وكان كمن أسلم ~~رغبة في الدنيا فلم تغرب الشمس إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس ~~وكمن دخل في العلم والدين لرغبة في مال أو جاه أو رهبة من عزل أو عقوبة أو ~~أخذ مال فلما ذاق حلاوة العلم والإيمان كان ذلك أحب إليه مما طلعت عليه الشمس # وإذا كان هذا في الدنيا فما الظن بما في الآخرة وإذا عرفت هذا عرفت شيئين ~~أحدهما أن كل مؤمن تحقق إيمانه فإنما يعبد الله والله أحب إليه من كل ما ~~سواه وإن كان لا يستشعر هذا في PageV06P075 ~~نفسه بل يكون ما يرجوه من الأكل والشرب والنكاح وما يخافه من العقاب باعثا ~~له على العبادة لكن إذا ذاق حلاوة الإيمان وطعم العبادة كان الله أحب إليه ~~من كل شيء وإن كان يغيب عن علمه بحاله حتى لا يرغب ولا يرهب إلا من غير ذلك ~~فما كل محبوب واجب يستحضر في كل وقت ولا تحصل به الرغبة ولا من فواته ~~الرهبة بل تحصل الرغبة الرهبة بالمحبوب الأدنى والمرهوب الأدنى ويقوده ذلك ~~إلى المحبوب الأعلى وهذا موجود فيمن ذاق طعم المحبوب الأعلى فإنه قد يعرض ~~له هوى في محبوب أدنى فيكون حضوره ودواعي الشهوة إليه يوجب تقديمه مع علمه ~~بأنه يفوته بذلك ما هو أحب إليه منه وكمن يشتهي شيئا فيتناوله وهو يعلم أنه ~~يضره وأنه يفوته به ما هو أحب إليه ms1109 بل يعلم أنه يوجب له ما يضره وأنه يفوته ~~به ما هو أحب إليه بل يعلم أنه يوجب له ما يضره فإذا حصل له ترهيب يصده عن ~~ذلك أو رغبة فيما ترغب فيه نفسه حتى يترك ذاك كان هذا دواء نافعا له يشتاق ~~به إلى المحبوب الأعلى # والله قد أنزل كتابه شفاء لما في الصدور وهدى للخلق ورحمة لهم وبعث رسوله ~~بالحكمة # وأما ما ذكره هذا الرجل من الكلام المزخرف الذي قال الله فيه { وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } سورة الأنعام 112 113 PageV06P076 # وذلك أنه عظم من يعبد الحق لذاته وعبادة الحق تعالى لذاته أصل عظيم وهو ~~أصل الملة الحنيفية وأساس دعوة الأنبياء لكن هذا حاصل فيما جاءت به الرسل ~~لا في طريق أصحابه فإن أصحابه لا يعبدون الله بل ولا يحبونه أصلا بل ولا ~~يطيعونه وإنما العبادات عندهم رياضة للنفوس لتصل إلى علمهم الذي يدعون أنه ~~كمال النفس والكمال عندهم في التشبيه به لا في أن يكون محبوبا مرادا # ولهذا لم يتكلم أحد منهم في مقامات العارفين بمثل هذا الكلام الذي تكلم ~~به ابن سينا وهو أراد أن يجمع بين طريقهم وطريق العارفين أهل التصوف فأخذ ~~ألفاظا مجملة إذ فسر مراد كل واحد منها تبين أن القوم من أبعد الناس عن ~~محبة الله وعبادته وأنهم أبعد عن ذلك من اليهود والنصارى بكثير كثير # ولهذا يظهر فيهم من إهمال العبادات والأوراد والأذكار والدعوات ما لا ~~يظهر في اليهود والنصارى ومن سلك منهم مسلك العبادات فإن لم يهده الله إلى ~~حقيقة دين الإسلام وإلا صار آخر أمره ملحدا من الملاحدة من جنس ابن عربي ~~وابن سبعين وأمثالهما # وأيضا فإنه استحقر ما وعد الناس به في الآخرة من أنواع النعيم وطلب تزهيد ~~الناس فيما رغبهم الله فيه وهو مضادة للأنبياء وهو في ms1110 الحقيقة منكر لوجود ~~ذلك كما هو في الحقيقة منكر لوجود محبة الله ومعرفته والنظر إليه وإنما ~~الذي أثبته من ذلك خيال كما أن الذي أثبته من لذة المعرفة إنما هو مجرد ~~كونه عالما معقولا موازيا للعالم PageV06P077 ~~الموجود وظن أنه بهذا تحصل اللذة التي يسعد بها في الآخرة وينجو بها من ~~العذاب وهذا ضلال عظيم ### | AUTO وقد أعرض الرازي عن الكلام على هذا فلم يمدحه ولم يذمه وأما ~~الطوسي فمدحه عليه لأنه ملحد من جنسه والكلام على هؤلاء مبسوط في موضعه فصل ### | AUTO ثم قال إشارة أول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الإرادة ~~وهو ما يعترى المستبصر باليقين البرهاني أو الساكن النفس إلى العقد ~~الإيماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى فيتحرك سرة إلى القدس لينال من ~~روح الاتصال فما دامت درجته هذه فهو مريد # إشارة ثم إنه يحتاج إلى الرياضة والرياضة متوجهة إلى ثلاثة أغراض الأول ~~تنحية ما دون الحق عن مستن الإيثار والثاني تطويع النفس الأمارة للنفس ~~المطمئنة لتنجذب قوى التوهم والتخيل PageV06P078 ~~إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر ~~السفلي والثالث تلطيف السر للتنبه والأول يعين عليه الزهد الحقيقي والثاني ~~تعين عليه أشياء العبادة المشفوعة بالفكرة ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس ~~الموقعة لما يلحن بها من الكلام موقع القبول من الأوهام والثالث نفس الكلام ~~الواعظ من قائل زكى بعبارة بليغة ونغمة رخيمة وسمت رشيد وأما الغرض الثالث ~~فيعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف الذي تأمر فيه شمائل المعشوق ليس ~~سلطان الشهوة ### | AUTO فيقال قد ذكر أن المريد يحتاج في الرياضة التي تسمى السلوك ~~إلى ثلاثة أشياء متعلقة بالقصد والعمل والعلم # أما القصد فأن لا يقصد إلا الحق فينحى ما سواه عن طريق القصد فلا يقصد ~~إلا إياه وهذا حق لكن لا يكون إلا على دين المرسلين وأما إرادة الله ومحبته ~~دون ما سواه فليس هو طريق هؤلاء المتفلسفة بل هو ممتنع على أصولهم الفاسدة ~~وليس زهدهم زهد الأنبياء ولكن زهدهم للتوفر على مطلوبهم الذي يرونه ms1111 كمالا ~~لا على عبادة الله PageV06P079 # وأما العمل فهو تطويع قوة النفس الأمارة بالسوء لقوتها المطمئنة وهذا ~~متفق عليه لكن عند أهل الملل أن هذا تكميل لعبادة الله وطاعته وعند ~~الملاحدة إنما هو تهديب للنفس لتستعد لما جعلوه هم كمالا # وليس المقصود هنا ذكر ما في هذا الكلام من حق وباطل فإن هذا له موضع آخر ~~وإنما المقصود ذكر ما يتعلق بكلامهم في قوى التوهم والتخيل فإنه قال لتنجذب ~~قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي منصرفة عن التوهمات ~~المناسبة للأمر السفلي # فذكر أن المقصود انجذاب قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر ~~القدسي ولم يقل إلى التوهمات والتخيلات كما قال انجذاب قوى التخيل والوهم ~~لأنه يريد أن يجذب قوى التخيل والوهم # فالتخيل لصور المحسوسات والوهم لما فيها من المعاني والجذب يكون إلى ~~التوهمات المناسبة للأمر القدسي لا إلى التخيل فإنه ليس المقصود جذبها إلى ~~صورة متخيلة بل إلى أمر متوهم وهو المعاني التي تحبها النفس لأن الوهم كما ~~تقدم تصور المعاني المحبوبة في الأعيان وهي التي تكون لأجلها الولاية ~~والعداوة PageV06P080 # والمقصود حصول التوهمات المناسبة للأمر القدسي والانصراف عن التوهمات ~~المناسبة للأمر السفلي والتوهمات هي تصور ما يحب ويبغض ويوالي ويعادي ~~ويوافق ويخالف ويرجي ويخاف من المعاني التي في الأعيان فيريد أن يتصور ما ~~يحب ويرجي لينجذب إليه وما يكره ويخاف لينجذب عنه ويكون ما يحب ويرجي في ~~الأمر القدسي والمكروه والمخوف في الأمر السفلي # وقد ذكر أن المراد المعبود لذاته هو الله تعالى فلا بد أن يتصور ما يوجب ~~حبه الله وبغضه لما يصرفه عن ذلك وأن يتصور من رجائه وخوفه ما يصرفه إليه ~~كما يتصور في الدنيا ما يجذبه عنها # وإذا كان قد قال هذا مع قوله إن الوهم أن يتصور في المحسوسات أمرا غير ~~محسوس لم يمكن هذا حتى يتصور في حق الله تعالى ما يوجب انجذاب القلب إليه ~~وقد سمى ذلك توهما ### | AUTO وقوله ولتنجذب قوة التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي # إن أريد التوهمات ms1112 المناسبة لقدس الرب تعالى مثل كونه هو الذي يستحق أن ~~يعبد ويحمد وأمثال ذلك من المعاني المناسبة لعبادته فقد جعل الشعور بهذه من ~~باب التوهم PageV06P081 ~~وإن أريد به توهم معان في غير الرب فتلك لا يحتاج إليها في عبادته تعالى ~~فلا يحتاج العابد لله إلى أن يتصور ما يناسب محبته لله وعبادته بشعوره بما ~~يوجب محبة الله وعبادته إياه دون ما سواه فإن عبادة الله وحدة تحصل إذا عرف ~~من الله ما تحصل به محبته لله فلا يحتاج أن يعرف من غيره ما يوجب محبته لله ~~ولو قدر أن تصوره لغيره يوجب محبته فقد جعل طلب ما يوجب انجذاب قوة التخيل ~~والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي # فهذه الأمور سواء كانت صفات لله أو أمورا تقتضي محبة الله فإنه جعلها من ~~باب التوهم # وهذا يوجب كون الله عاليا على خلقه من وجوه ### | AUTO أحدها أنه قد ذكر أن الحيوانات ناطقها وغير ناطقها تدرك في ~~المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس وهذه ~~قوة الوهم كما تقدم فإذا كان قد قال مع ذلك إنه لا بد من تطويع القوة ~~الأمارة للقوة المطمئنة لتنجذب قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة ~~للأمر القدسي منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي والتوهمات المناسبة ~~لإرادة الله وحده إنما تكون بتصور معنى فيه يوجب انجذاب القلب إليه # وهو سبحانه يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه فإنه واحد لا شريك له وهم ~~يقولون انحصر نوعه في شخصه فلا يجوز أن يكون PageV06P082 ~~التصور الجاذب للقلب إليه وحده إلا تصور معين في معين وهذا هو التوهم عندهم # فهذا تصريح منهم بأن التوهم تصور صفاته فقولهم مع ذلك بنفي إدراك هذه ~~القوة له تناقض ### | AUTO الثاني أن القوة المتوهمة إذا كانت لا تتصور إلا في معين ~~والمعين لا يكون كليا امتنع أن يكون هذا معقولا إذا كانت المعقولات هي ~~الكليات كما قد يقولونه ولأنه لا حجة لهم على إثبات معقول غير الكليات ### | AUTO الثالث أن هذا يوجب ms1113 أن يكون محسوسا أي يمكن الإحساس به وهو ~~رؤيته كما ثبت أنه يرى في الآخرة لأن التوهم عندهم أن يتصور في المحسوس ما ~~ليس بمحسوس # فإذا كان هو سبحانه يجب أن يوالي ويحب دون ما سواه وكان ذلك بتوهم الأمور ~~المناسبة لذلك التوهم وهو تصور أمر غير محسوس في معين محسوس لزم أن يكون ~~هومعينا محسوسا ### | AUTO الوجه الرابع أنه جعل الذي يعين على تطويع النفس ثلاثة أشياء ~~العبادة المشفوعة بالفكرة ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما لحن ~~بها من الكلام موقع القبول من الأوهام والثالث نفس الكلام الواعظ # ومعلوم أن العبادة لا تكون إلا بقصد وإرادة والقصد والإرادة PageV06P083 ~~الذي تتجذب معه قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة لعبادة الله ~~منصرفة عن المناسبة للأمر السفلي لا يكون إلا إذا تصور في المراد الذي ~~انجذبت إليه قوة التوهم ما يوجب إرادته ومحبته فتكون إرادته توجب موالاته ~~ومحبته بل وخوفه ورجاءه # وهذا كله عندهم من عمل القوة المتوهمة فدل على أنه لا بد عندهم أن يكون ~~الحق تعالى مما يتعلق الوهم بمعان فيه وهذا لازم لكلامهم لا محيد عنه ### | AUTO الوجه الخامس أنه قال الموقعة لما لحن بها من الكلام موقع ~~القبول من الأوهام # فبين أنه يطلب كون الوهم يقبل الكلام الملحن والقوة الوهمية هي التي تدرك ~~المعنى المحبوب والمكروه في المعين المحسوس الجزئي كما تقدم # فدل بهذا على أن الكلام الملحن يكون فيه ما يوجب قبول الوهم للكلام الذي ~~يدعو إلى عبادة الله ومحبته وذلك بما تقدم من كون الوهم هو الذي يشعر ~~بالمعاني التي تحب وتبغض وتوالي وتعادي فكان حب العبد لربه وعبادته إياه ~~مشروطا بتوهمه في ربه ما يحبه العبد فوجب كون الرب عندهم محسوسا وكون الوهم ~~يتصور فيه ما يحب لأجله ### | AUTO السادس أنه قال لينجذب التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة ~~للأمر القدسي منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي PageV06P084 ~~والسفلي ضد العلوي فدل ذلك على أن القدسي علوي ### | AUTO فإن قيل يراد بذلك علو القدر أو الصفات ms1114 ### | AUTO قيل هذا لا يصح هنا لأن قوى الوهم إنما تنجذب إلى معان غير ~~محسوسة في أمر محسوس وما كان محسوسا أمكن أن يكون فوق العالم ### | AUTO السابع أن يقال ما أشار إليه من هذه المعاني وإن كان التعبير ~~عنه بعباراته غير معروف فهذا هو الذي فطر الله عليه عباده فإنهم إذا حزبهم ~~أمر احتاجوا فيه إلى توجيه قلوبهم إلى الله توجهوا إلى العلو وتصوروا أن ~~الله جواد كريم يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويرزقهم وينصرهم فعرفوا منه ما ~~يوافق مطلوبهم ومرادهم ومحبوبهم # وهذا هو الذي يسميه هؤلاء التوهم # وأيضا فمن كان محبا له محبا لذكره متلذذا بمناجاته فإنه يجد في فطرته ~~معنى يطلب العلو ويتصور أن ربه متصف بما يستحق لأجله أن يعبد ويحب ويطاع ~~وهذا هو الذي يسمونه التوهم ويجد قلبه منصرفا إلى العلو منصرفا عن السفل ~~إلا إذا كان قد غيرت فطرته # فإن قيل له ربك ليس فوق أو غير ذلك بأن يقال ليس في PageV06P085 ~~جهة أو لا يختص أو لا تحصره أو نحو ذلك من العبارات المجملة التي يراد بها ~~أنه ليس فوق فيحتاج حينئذ أن يصرف فطرته علما وإرادة عما فطر عليه # فما ذكره في مقامات العارفين موافق لما فطر الله عليه عباده أجمعين بخلاف ~~ما ذكره هناك فإنه مخالف للفطرة كما تقدم ### | AUTO الثامن أن الشرائع الإلهية جاءت بما يوافق الفطرة ### | AUTO التاسع أنه قد اتفق على ذلك سلف الأمة # العاشر أنه دلت على ذلك الدلائل العقلية اليقينية ### | AUTO الحادي عشر أن موجب ما ذكروه أن لا يكون الرب معبودا إلا ~~يتعلق المعنى الذي سموه الوهم به وأن من نفى تعلق الوهم بمعنى في الرب فقد ~~أبطل كون الرب محبوبا معبودا فمن قال بعد ذلك إنه لا يقبل في الإلهيات هذه ~~القضايا الوهمية فقد نفى كون الرب مستحقا لأن يعبد وأن يحب وهذا حقيقة ~~قولهم ولهذا كان حقيقة قولهم تعطيل الرب عن أن يكون موجودا وأن يكون مقصودا ~~وأن يكون معبودا # وعلى هذا كانت ms1115 أئمتهم كالقرامطة الباطنية الذين قادوا حقيقة قولهم وكذلك ~~باطنية الصوفية الذين وافقوهم كأصحاب ابن عربي وابن سبعين فإن الذين عرفوا ~~حقيقة قولهم كالتلمساني كانوا من أبعد PageV06P086 ~~الناس عن عبادة الله وطاعته وطاعة رسله وأشدهم فجورا وتعديا لحدود الله ~~وانتهاكا لمحارمه ومخالفة لكتابه ولرسوله وقد بسط الكلام على هذا في غير ~~هذا الموضع # وحينئذ فنقول قوله إن القضايا الوهمية كاذبة # إن أراد به القضايا الكلية التي تناقض معقولا فتلك عندهم ليست من قضايا ~~الوهم وإن أراد به ما يدركه الوهم من الأمور المعينة في المحسوسات فتلك ~~صادقة عنده لا كاذبة وهي لا تعارض الكليات # وقوله إن الوهم الإنساني يقضي بها قضاء شديد القوة لأنه ليس يقبل ضدها ~~ويقابلها ### | AUTO فيقال له هذا يقتضي تمكنها من الفطرة وثبوتها في النفس وأن ~~الفطرة لا تقبل نقيضها وهذا يقتضى صحتها وثبوتها لا ضعفها وفسادها ### | AUTO وأما قوله لأن الوهم تابع للحس فما لا يوافق المحسوس لا يقبله الوهم ### | AUTO فيقال له إن أردت بالوهم التابع للحس ما سميته وهما وهو توهم ~~معاني جزئية غير محسوسة في المحسوسات الجزئية فلا ريب أن PageV06P087 ~~الوهم تابع للحس وهذا الوهم قد ذكرت أنه صحيح مطابق كالحس فإن قدحت في هذا ~~قدحت في الحس وإن جعلت هذا معارضا للعقل كان بمنزلة جعل الحس معارضا للعقل # وإن أردت بالوهم ما يقضي قضاء كليا أن إثبات موجود لا داخل العالم ولا ~~خارجه محال ونحو ذلك من القضايا الكلية التي تزعم أنها معارضة للعقل كان ~~هذا الكلام باطلا من وجهين ### | AUTO أحدهما أن هذه قضايا كلية مطلقة والوهم قد ذكرت أن تصوراته ~~جزئية فلا يكون هذا من الوهميات ### | AUTO الثاني أن يقال هذه القضايا الكلية كسائر القضايا الكلية التي ~~مبادئها من الحس كالقضاء بأن السواد والبياض يتضادان والحركة والسكون ~~يتناقضان والجسم الواحد لا يكون في مكانين وأمثال ذلك # بل هذه بمنزلة الحكم بأن الموجود إما أن يكون قائما بنفسه وإما أن يكون ~~قائما بغيره وإما أن يكون قديما وإما أن يكون محدثا ms1116 وإما أن يكون واجبا ~~بنفسه وإما أن يكون ممكنا بنفسه وأمثال ذلك # فالقدح في هذه القضايا الكلية كالقدح في تلك فإن جاز القدح في هذه لأن ~~مبادئها الحس جاز القدح في تلك وإلا فلا إذ الحس وما يتبعه مما يسمونه ~~توهما وتخيلا لا يدرك إلا أمورا معينة جزئية ثم يقضي الذهن قضاء كليا فإن ~~جاز أن تكون تلك القضايا الكلية باطلة بسبب كون مبدئها من هذا الوهم الذي ~~هو في الأصل صحيح PageV06P088 ~~عندهم جاز أن تكون القضايا الكلية باطلة إذا كان مبدئها من الحس عندهم # ولو قال قائل يمكن في الموجود غير المحسوس أن يكون لا واجبا ولا ممكنا ~~ولا قديما ولا محدثا ولا قائما بنفسه ولا قائما بغيره كان بمنزلة قول ~~القائل يمكن فيه أن يكون لا مباينا لغيره ولا محايثا له ولا مداخلا له ولا ~~خارجا عنه # وإن جاز أن يقال لهذا هذه قضايا وهمية والوهم تابع للحس جاز أن يقال ~~للأول وهذه قضايا وهمية أو يقال قضايا حسية وحكم الحس والوهم لا يقبل إلا ~~في الحسيات فلا يحكم في الوجود المطلق وتوابعه لأن ذلك معقول غير محسوس فما ~~به ترد تلك القضايا الكلية يمكن أن يقال في أمثالها من القضايا الكلية ~~المتناولة لجميع الموجودات والمعلومات # وأما قوله في بيان أنها كاذبة من المعلوم أن المحسوسات إذا كان لها مبادئ ~~وأصول كانت تلك قبل المحسوسات ولم تكن محسوسة ولم يكن وجودها على نحو وجود ~~المحسوسات فلم يمكن أن يتمثل ذلك الوجود في الوهم PageV06P089 ### | AUTO فيقال له هذا كلام على تقدير أن يكون للمحسوسات مباد لا يمكن ~~تعلق الحس بها وهذا هو رأس المسألة وأول النزاع فإذا جعلت هذا حجة في إثبات ~~مطلوبك فقد صادرت على المطلوب # ثم يقال لك الوهم إنما يتصور عندك في الأمور الجزئية وهذه القضايا كلية ~~لا جزئية # ويقال لك أيضا هذا بعينه يرد عليك في تقسيم الوجود إلى قائم بنفسه وبغيره ~~وقديم ومحدث وجوهر وعرض وعلة ومعلول ونحو ذلك فإن ما ذكرته من هذه ms1117 القضايا ~~يتناول هذه # ويقال لك ما تعني بقولك إن المحسوسات إذا كان لها مباد وأصول كانت قبل ~~المحسوسات # أتعني به أن ما أحسسناه له مباد وأصول لم نحسها أم تعني به أن ما يمكن أن ~~يحس به يجب أن يكون له مبدأ لا يمكن الاحساس به # فإن عنيت الأول فهو مسلم لكن لا يلزم من عدم إحساسنا بها أن لا يكون ~~الإحساس بها ممكنا ولا يقول عاقل إن كل ما لم نشهده الآن لا يمكن أن نشهده ~~بعد الموت أو في وقت آخر فإنه ما من عاقل إلا يجوز أن يكون فوق الأفلاك ما ~~لا نشهده الآن بل يجوز أن تكون هناك أفلاك ونجوم لا ندركها فضلا عن غيرها # وإن قال إنه لا بد أن يكون لكل ما يمكن أن يحس به مبدأ لا PageV06P090 ~~يمكن أن نحس به فهذا ممنوع وهو رأس المسألة ولم يذكر عليه دليلا # وهو في إشاراته لم يذكر على ذلك من الأدلة إلا ما ذكره الرازي وأمثاله ~~فإن قال في الوجود وعلله إنه قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو ~~المحسوس وأن ما لا يناله الحس بجوهره ففرض وجوده محال وأن ما لا يتخصص ~~بمكان أو يوضع بذاته كالجسم أو بسبب ما هو فيه كأحوال الجسم فلا حظ له من الوجود ### | AUTO قال وأنت يتأتى لك أن تتأمل نفس المحسوس فتعلم منه بطلان قول ~~هؤلاء فإنك ومن يستحق أن يخاطب تعلمان أن هذه المحسوسات قد يقع عليها اسم ~~واحد لا على الإشتراك الصرف بل بحسب معنى واحد مثل اسم الإنسان فإنكما لا ~~تشكان في أن وقوعه على زيد وعمرو بمعنى واحد موجود فذلك المعنى الموجود لا ~~يخلو إما أن يكون بحيث يناله الحس أو لا يكون فإن كان بعيدا من أن يناله ~~الحس فقد أخرج التفتش من المحسوسات ما ليس بمحسوس وهذا PageV06P091 ~~أعجب وإن كان محسوسا فله لا محالة وضع وأين ومقدار معين وكيف معين لا يتأتى ~~أن يحس بل ولا أن يتخيل إلا كذلك ms1118 فإن كل محسوس وكل متخيل فإنه يتخصص لا ~~محالة بشيء من هذه الأحوال وإذا كان كذلك لم يكن ملائما لما ليس بتلك الحال ~~فلم يكن مقولا على كثيرين يختلفون في تلك الحال فإذن الإنسان من حيث هو ~~واحد بالحقيقة بل من حيث الحقيقة الأصلية التي لا تختلف فيها الكثرة غير ~~محسوس بل معقول صرف وكذلك الحال في كل كلي # فهذا لفظه وأتباعه مشوا خلفه فأثبتوا ما ليس بمحسوس بإثبات الكليات ~~المعقولة وقد عرف بالاضطرار أن الكليات لا تكون كلية إلا في العقل لا في ~~الخارج بل ليس في الخارج كلي ألبتة والذي يقال أنه كلي طبيعي لا يوجد إلا ~~معينا جزئيا فما كان كليا في العقل يوجد في الخارج معينا لا كليا كما قد ~~بسط في موضعه # فهذا الكلام وأمثاله هو الذي يثبت به أن الموجود مبادئ لا يمكن أن يحس بها # وأما قوله إذا كانت للمحسوسات مبادئ كانت غير محسوسة فتلبيس لأن لفظ ~~المحسوس يراد به ما هو محسوس لنا PageV06P092 ~~بالفعل وما يمكن إحساسه ولا ريب أن المحسوسات بالفعل لها مبادئ غير محسوسة # لكن لم قلت إن كل ما يمكن إحساسه له مبدأ لا يمكن إحساسه هذا حكاية المذهب ### | AUTO وأما قوله ولهذا كان الوهم مساعدا للعقل في الأصول التي تنتج ~~وجود تلك المبادئ فإذا تعديا معا إلى النتيجة نكص الوهم وامتنع عن قبول ما ~~سلم موجبه فهذا ممنوع وقد عرف أن أدلته على إثبات ذلك من جنس هذه الأدلة ~~التي أثبت بها الموجودات العقلية الثابتة في الخارج بإثبات كليات وهو مثل ~~إثباته لما كان خارج الذهن # ثم يقال له الوهم المساعد للعقل إن أردت به ما سميته وهما وهو ما يتصور ~~في المحسوسات الجزئية معاني غير محسوسة كالصداقة والعداوة فليس في هذه ~~التصورات مقدمة تساعد على إثبات موجود لا يمكن الإحساس به بل تلك المقدمات ~~مثل إثبات الكليات وأمثالها ليس فيها مقدمة يتصورها هذا الوهم # وإن أردت بالوهم المساعد ما يقضي قضايا كلية مثل قضاء الذهن بأن بين ms1119 هذا ~~الإنسان وهذا الإنسان إنسانية مشتركة ونحو ذلك فهذه قضايا عقلية لا وهمية # وأيضا فالقاضي بإثبات إنسانية مطلقة هو القاضي بأن كل PageV06P093 ~~موجودين لا بد أن يكون أحدهما مباينا للآخر أو محايثا له كما أنه هو القاضي ~~بأن كل موجودين لا بد أن يقارن وجود أحدهما الآخر أو يتقدم عليه وأن كل ~~موجود فلابد أن يكون قائما بنفسه أو بغيره # فهذه القضايا الكلية إن سميتها وهمية كانت العقليات هي الوهميات وإن ~~سميتها عقليات وقدرت تناقضها لزم تناقض العقليات # واعلم أن هؤلاء قد يجيبون بجواب يمكن أن يجاب به كل من قدح في العقليات الكلية ### | AUTO وقولك فإذا تعديا معا إلى النتيجة نكص الوهم ### | AUTO يقال لك ما الوهم الناكص أهو الذي سميته وهما فذاك إنما يتصور ~~معاني جزئية فليس له في الكليات حكم لا بقبول ولا رد فلا يقال فيه لا يقبل ~~ولا ينكص كما لا يقال في القضايا الكلية إن الحس يقبلها ولا يردها كما لا ~~يقال إن البصر يميز بين الأصوات والسمع يميز بين الألوان # وإن قلت إن العقل يثبت موجودا معينا لا يمكن الإشارة إليه والوهم لا ~~يتصور معينا لا يشار إليه PageV06P094 # فيقال لك العقل إنما يثبت أمورا كلية مطلقة لا يثبت شيئا معينا إلا ~~بواسطة غيره كالحس وتوابع الحس ولهذا كان القياس العقلي المنطقي لا ينتج إن ~~لم يكن فيه قضية كلية وإذا أردنا أن ندخل شيئا من المعينات تحت القضايا ~~الكلية فلا بد من تصور للمعينات غير التصور للقضايا الكلية # فإذا علمنا أن كل شيء فإما قائم بنفسه وإما بغيره وأن كل موجود فإما واجب ~~بنفسه وإما ممكن بنفسه وأن كل موجود فإما قديم وإما محدث وأن كل موجود أو ~~كل ممكن فهو إما جوهر وإما عرض وأردنا أن نحكم على معين بأنه قديم أو محدث ~~أو جوهر أو عرض أو واجب أو ممكن أو نحو ذلك فلا بد من أن نعينه بغير ما به ~~علمنا تلك القضية الكلية فتصور المعين الداخل في القضية الكلية ms1120 شيء وتصور ~~القضية الكلية شيء آخر # فليتدبر الفاضل هذا ليتبين له أن من لم يثبت موجودا يمكن الإحساس به لم ~~يثبت إلا قضايا كلية في الأذهان كما يثبتون العدد المطلق والمقدار المطلق ~~والحقائق المطلقة والوجود المطلق وكل هذه أمور ثابتة في الأذهان لا موجودة ~~في الأعيان # ولهذا من أثبت أن في الوجود موجودا واجبا قديما وقال إنه يمتنع الإشارة ~~إليه امتنع أن يكون عنده معينا مختصا ولزم أن يكون مطلقا مجردا في الذهن ~~فلا حقيقة له في الخارج PageV06P095 # وهذا مذهب أئمة الجهمية فإنهم يثبتون موجودا مطلقا يمتنع وجوده في الخارج ~~فابن سينا وأتباعه يقولون هو وجود مطلق بشرط نفي جميع الأمور الثبوتية وهو ~~أبلغ الأقوال في كونه معدوما وآخرون يقولون هو مطلق بشرط نفي الأمور ~~الثبوتية والسلبية لا بشرط شيء من الأمور الثبوتية والسلبية كما يقول هذا ~~وهذا طائفة من ملحدة الباطنة ومن وافقهم من الصوفية # ومن المعلوم أو الوجود المشروط فيه نفي هذا وهذا ممتنع فكيف بالمشروط فيه ~~النفي فإن ما اشترط فيه العدم كان أولى بالعدم مما لم يشترط فيه وجود ولا ~~عدم ومما اشترط فيه نفي الوجود والعدم جميعا وهذا هو المطلق بشرط الإطلاق # وهم يقررون في منطقهم ما هو متفق عليه بين العقلاء من أن المطلق بشرط ~~الإطلاق لا وجود له في الخارج ويقررون أن الفصول المميزة بين موجودين لا بد ~~أن تكون أمورا وجودية لا تكون عدمية وهم لا يميزون الوجود الواجب عن الوجود ~~الممكن إلا بأمور عدمية ومن ظن أن مذهب ابن سينا إثبات وجود خاص بمنزلة ~~الوجود المشروط PageV06P096 ~~بسلب جميع الحقائق فجعل فيه وجودا مشتركا ووجودا مختصا فلم يفهم مذهبه كما ~~فعل ذلك الطوسى منتصرا له فلم يفهم مذهبه # والقونوى وأمثاله يقولون هو المطلق لا بشرط وهذا إما أن يكون ممتنعا في ~~الخارج وإما أن يكون جزءا من الممكنات فيكون الواجب جزءا من الممكنات # وقد بسط بيان تناقض أقوالهم في غير هذا الموضع واعتبر ما ذكرناه من أن كل ~~ما يثبتونه بالبرهان القياسي ms1121 فإنه قضايا كلية مطلقة بأنهم إذا أرادوا أن ~~يعينوا شيئا موجودا في الخارج داخلا في تلك القضية الكلية عينوه إما بالحس ~~الباطن أو الظاهر إذ العقل يدرك الكليات والحس هو الذي يدرك الجزئيات فإذا ~~أثبتوا أن الحركة الإدارية مسبوقة بالتصور وأرادوا تعيين ذلك عينوا إما نفس ~~الإنسان فيشيرون إليها وإما النفس الفلكية فيشرون إلى الفلك # وإن أثبتوا وجود موجود معين في الخارج يدخل تحت هذه القضية من غير إشارة ~~إليه تعذر ذلك عليهم # وكذلك إذا ثبت بالعقل أن الكل أعظم من الجزء وأن الأمور المساوية لشي ~~واحد متساوية وأن الشيء الواحد لا يكون موجودا معدوما ونحو ذلك فمتى أراد ~~الإنسان إدخال معين في هذه القضية PageV06P097 ~~الكلية أشار إليه والقضايا الكلية تارة يكون لجزئياتها وجود في الخارج ~~وتارة تكون مقدورة في الأذهان لا وجود لها في الأعيان وهذه كثيرا ما يقع ~~فيها الغلط والالتباس # وليس المقصود الأول بالعلم إلا علم ما هو ثابت في الخارج وأما المقدرات ~~الذهنية فتلك بحسب ما يخطر للنفوس من التصورات سواء كانت حقا أو باطلا وما ~~يثبته هؤلاء النفاة من إثبات موجود لا يمكن الإشارة إليه ولا هو داخل ~~العالم ولا خارجه عند التأمل والتدبير تبين أنه من المقدرات الذهنية لا من ~~الموجودات العينية # وغير ابن سينا وأتباعه من المنطقيين مثل أبي البركات صاحب المعتبر وغيره ~~لم يخرجوا هذه القضايا التي سماها ابن سينا وهميات من الأوليات البديهيات ~~كما أخرجها ابن سينا وما أظن صاحب المنطق أرسطو أخرجها أيضا ### | AUTO وأما قوله وهذا الضرب من القضايا أقوى في النفس من PageV06P098 ~~المشهورات التي ليست بأوليه وتكاد تشاكل الأوليات وتدخل في المشبهات بها ~~إلى آخره # يقال له هذا أيضا مما يبين قوتها وصدقها فإنهم اعترفوا بأنها أقوى من ~~المشهورات التي ليست بأولية وهذه المشهورات عند أكثر العقلاء من العقليات ~~الضروريات فإذا كانت هذه أقوى منها لزم أن تكون أقوى من بعض العقليات ~~الضروريات وذلك يوجب صدقها # وذلك أنه قال فأما المشهورات فمنها هذه الأوليات ونحوها مما يجب قبوله ms1122 لا ~~من حيث هي واجب قبولها بل من حيث عموم الاعتراف بها ومنها الآراء المسماة ~~بالمحمودة وربما خصصناها باسم المشهورة إذ لا عمدة لها إلا الشهرة وهي أن ~~لو خلى الإنسان وعقله المجرد ووهمه وحسه ولم يؤدب بقبوله قضايا ما ~~والاعتراف بها ولم يمكنه الاستقرار بظنه القوي إلى حكم لكثرة الجزئيات ولم ~~يستدع إليها ما في طبعه الإنساني من الرحمة والخجل والأنفة والحمية وغير ~~ذلك لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه PageV06P099 ~~وحسه مثل حكمنا أن سلب مال الإنسان للإنسان قبيح وأن الكذب قبيح ومن هذا ~~الجنس ما يسبق إلى وهم كثير من الناس وليس شيء من هذا يوجبه العقل الساذج ~~ولو توهم الإنسان نفسه وأنه خلق دفعة تام العقل ولم يسمع أدبا ولم يطع ~~انفعالا نفسانيا أو خلقا لم يقض في أمثال هذه القضايا بشيء بل أمكنه أن ~~يجهله ويتوقف فيه وليس كذلك حال قضائه لأن الكل أعظم من الجزء وهذه ~~المشهورات قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة وإن كانت صادقة فليست تنسب إلى ~~الأوليات ونحوها إذا لم تكن بينة الصدق عند العقل الأول إلا بنظر وإن كانت ~~محمودة عنده والصادق غير المحمود وكذلك الكاذب غير الشنيع ورب شنيع حق ورب ~~محمود كاذب PageV06P100 ~~والمشهورات إما من الواجبات وإما من التأديبات الصلاحية وما تتطابق عليها ~~الشرائع الإلهية وإما خلقيات وانفعاليات وإما استقرائيات وهي إما بحسب ~~الإطلاق وإما بحسب صناعة ### | AUTO قلت ليس هذا موضع بسط القول ### | AUTO قال ابن سينا وأما القضايا الوهمية الصرفة فهي قضايا كاذبة ~~إلا أن الوهم الإنساني يقضي بها قضاء شديد القوة لأنه ليس يقبل ضدها ~~ومقابلها بسبب أن الوهم تابع للحس فما لا يوافق الحس لا يقبله الوهم ومن ~~المعلوم أن المحسوسات إذا كان لها مبادىء وأصول كانت تلك قبل المحسوسات ولم ~~تكن محسوسة ولم يكن PageV06P101 ~~وجودها على نحو وجود المحسوسات فلم يمكن أن يتمثل ذلك الوجود في الوهم ~~ولهذا كان الوهم مساعدا للعقل في الأصول التي تنتج وجود تلك المبادىء فإذا ~~تعديا معا ms1123 إلى النتيجة نكص الوهم وامتنع عن قبول ما سلم موجبه وهذا الضرب ~~من القضايا أقوى في النفس من المشهورات التي ليست بأولية وتكاد تشاكل ~~الأوليات وتدخل في المشبهات بها وهي أحكام للنفس في أمور متقدمة على ~~المحسوسات أو أعم منها على نحو ما يجب أن لا يكون لها وعلى نحو ما يجب أن ~~يكون أو يظن في المحسوسات مثل اعتقاد المعتقد أنه لا بد من خلاء ينتهي إليه ~~الملاء إذا تناهى وأنه لا بد في كل موجود من أن يكون مشارا إلى جهة وجوده ### | AUTO فيقال له هذا الكلام إنما يصح أن لو ثبت وجود أمور لا يمكن ~~الإحساس بها حتى يكون حكم هذه في ما هو مقدم على تلك أو ما هو أعم منها ~~وثبوت وجود هذه الأمور إنما يصح إذا ثبت إمكان ذلك وإمكان ذلك إنما يصح إذا ~~ثبت بطلان هذه القضايا التي يسميها الوهميات فلو أبطلت هذه الوهميات بإثبات ~~ذلك لزم الدور فإن هذه القضايا تحكم بامتناع وجود ما لا يمكن الإشارة إليه ~~والمقدمات PageV06P102 ~~التي تثبت ذلك ليست مسلمة عندها بل لا يمكن عندها تسليم ما يستلزم نقيض ذلك ~~فإنه قدح في الضروريات بالنظريات # وأيضا فالوهم عندهم إنما يتصور معاني جزئية وهذه قضايا كليه فامتنع أن ~~تكون وهمية # وأيضا فما يثبت به وجود هذه الموجودات قضايا سوفسطائية كما يبين في موضعه ### | AUTO وأما قوله وهذه الوهميات لولا مخالفة السنن الشرعية لها لكانت ~~تكون مشهورة وإنما تثلم في شهرتها الديانات الحقيقية والعلوم الحكمية ### | AUTO فيقال له هذا من أصدق الدليل على صحتها وذلك أن هذه مشهورة ~~عند جميع الأمم الذين لم تغير فطرتهم وعند جميع الأمم المتبعين لسنن ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من المسلمين واليهود والنصارى وإنما يقدح ~~فيها المبتدعة من أهل الديانات كالمعتزلة ونحوهم # وابن سينا لما كان من أتباع القرامطة الباطنية وهو يعاشر أهل الديانات ~~المبتدعين من الرافضة والمعتزلة أو من فيه شعبة من ذلك PageV06P103 # وهؤلاء يقولون إن الله ليس فوق العرش لم تكن هذه مشهورة ms1124 عند هؤلاء # ومن المعلوم باتفاق هؤلاء وغيرهم أن الأنبياء لم يقدحوا في هذه القضايا ~~ولا أخبروا بما يناقضها بل أخبار الأنبياء كلها توافق هذه القضايا # والقرآن والتوراه والإنجيل فيها من الموافق لهذه القضايا ما لا يحصيه إلا ~~الله وكذلك في الأخبار النبوية والآثار السلفية بل لا يعرف عن أحد من ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم قول يناقض إثبات هذه القضايا # وابن سينا وأمثاله مقرون بأن الكتب الإلهية إنما جاءت بما يوافق مذهب ~~المثبتة للصفات والعلو لا بما يناقض ذلك وهم يسمون ذلك تشبيها ويقولون ~~الكتب الإلهية إنما جاءت بالتشبيه ويجعلون هذا مما احتجوا به كما قد حكينا ~~كلامه في ذلك وأنه احتج بذلك على هؤلاء الذين وافقوه على نفي الصفات والعلو # وقال إذا كان هذا التوحيد الحق والأنبياء لم تخبر به بل بنقيضه فكذلك في ~~أمر المعاد فكيف يزعم مع هذا أن السنن الشرعية والديانات الحقيقية منعت هذه ~~أن تكون مشهورة # فعلم أن المانع لشهرتها هو قول لم يوجد عن الأنبياء وأتباع الأنبياء وأن ~~شهرتها إنما امتنعت بين هؤلاء الذين ابتدعوا قولا ليس مشروعا PageV06P104 ~~وحينئذ فيكون المانع من شهرتها عند من لم تشتهر عنده سنة بدعية لا شرعية ~~وديانة وضعها بعض الناس ليست منقولة عن نبي من الأنبياء # ولا ريب أن المشركين والمبدلين من أهل الكتاب لهم شرائع وديانات ابتدعوها ~~ووضعوها وتلك لا يجب قبولها عند العقلاء وإنما يجب أن يتبع ما يثبت نقله عن ~~الأنبياء المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم # وكذلك قوله إنه يثلم في شهرتها العلوم الحكمية # فيقال له قد نقل غيرك عن الفلاسفة القدماء أنهم كانوا يقولون بموجب هذه ~~القضايا كما بين ذلك ابن رشد الحفيد وغيره بل المنقول عن متقدمي الفلاسفة ~~وأساطينهم قبل أرسطو وعن كثير من متأخريهم القول بما هو أبلغ من هذه ~~القضايا من قيام الحوادث بالواجب وما يتبع ذلك كما تقدم نقل بعض ذلك عنهم ### | AUTO وقوله ولا يكاد المدفوع عن ذلك يقاوم نفسه في دفع ذلك لشدة ~~استيلاء الوهم ### | AUTO فيقال له هذا يدل ms1125 على تمكنها في الفطرة وثبوتها في الجبلة ~~وأنها مغروزة في النفوس فمن دفع ذلك عن نفسه لم يقاوم نفسه ولم يمكنه دفعها ~~عن نفسه PageV06P105 # وهذا حد العلم الضروري وهو الذي يلزم نفس العبد لزوما لا يمكنه معه دفعه ~~عن نفسه فإذا لم يمكن الإنسان أن يدفع هذه القضايا عن نفسه ولا يقاوم نفسه ~~في دفعها تبين أنها ضرورية وأن هؤلاء الدافعين لها يريدون تغيير فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها وتغيير خلقه كأمثالهم من الجاحدين المكذبين بالحق ~~الذين يكذبون بالحق المعلوم بالبهتان والسفسطة وأن قدحهم في هذه كقدح ~~أمثالهم من السوفسطائية في أمثال هذه ### | AUTO وأما قوله لشدة استيلاء الوهم # فقد قلنا غير مرة قد فسروه بالقوة التي تتصور معاني جزئية في محسوسات ~~جزئية وهذا الوهم إنما تصرفه في الجزئيات من المعاني وأما هذه القضايا فهي ~~قضايا كلية فهي من حكم العقل الصريح فالمخالف لها مخالف لصريح العقل وهو ~~المتبع لقضايا الوهم الفاسد فإنه يثبت موجودا مطلقا بشرط الإطلاق أو موجودا ~~لا داخل العالم ولا خارجه وهذا الموجود لا يثبته في الخارج إلا الوهم ~~والخيال الفاسد لا يثبته لا عقل صريح ولا نقل صحيح بل ولا وهم مطابق ولا ~~خيال مستقيم كما لا يثبته حس سليم فنفاة ذلك ينفون موجب العقل والشرع والحس ~~السليم والوهم المستقيم والخيال القويم ويثبون ما لا يدرك إلا بوهم فاسد ~~وخيال فاسد PageV06P106 ### | AUTO وقوله على أن ما يدفعه الوهم ولا يقبله إذا كان في المحسوسات ~~فهو مدفوع منكر ### | AUTO فيقال له هذا أيضا حجة عليكم فإن المنازع يقول إنه لم يقم ~~دليل شرعي ولا عقلي على إثباث موجود لا يمكن أن يعرف بالحس بوجه من الوجوه ~~وإن كان لا يمكن أن يعرفه كثير من الناس بحسه ولا يمكن أن يعرف بالحس في ~~كثير من الأحوال # وقد عرف من مذهب السلف وأهل السنة والجماعة أن الله يمكن أن يرى في ~~الآخرة وكذلك الملائكة والجن يمكن أن ترى وما يقوم بالمرئيات من الصفات ~~يمكن أن يعرف بطريقها ms1126 كما تعرف المسموعات بالسمع والملموسات باللمس ويقول ~~إن الرسل صلوات الله عليهم قسموا الموجودات إلى غيب وشهادة وأمروا الإنسان ~~بالإيمان بما أخبروا به من الغيب # وكون الشيء شاهدا وغائبا أمر يعود إلى كونه الآن مشهودا أو ليس الآن ~~بمشهود فما لم يكن الآن مشهودا يمكن أن يشهد بعد ذلك بخلاف هؤلاء النفاة ~~فإنهم قسموا الموجودات في الخارج إلى محسوس وإلى معقول لا يمكن الإحساس به بحال # وهذا مما ينفيه صريح العقل لا مما يثبته وإنما المعقول الصرف ما كان ~~ثابتا في العقل كالعلوم الكلية وليس للكليات وجود في الخارج مع أنه قد يقال ~~إنه يمكن الإحساس بها أيضا إذا أمكن الإحساس PageV06P107 ~~بمحلها كما يمكن الإحساس بأمثالها من الأعراض كالعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك # لكن نحن لا نحس الآن بهذه الأمور بالحس الظاهر وعدم إحساسنا الآن بذلك لا ~~يمنع أن الملائكة يمكنها الإحساس بذلك وأنه يمكننا الإحساس بذلك في حال ~~أخرى وأنه يمكن كل واحد أن يحس بما في باطن غيره كما يمكنه الإحساس الآن ~~بوجهه وعينه وإن كان الإنسان لا يرى وجهه وعينه فقد يشهد الإنسان من غيره ~~ما لا يشهده من نفسه وقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع # وأيضا فالحس نوعان حس ظاهر يحسه الإنسان بمشاعره الظاهرة فيراه ويسمعه ~~ويباشره بجلده وحس باطن كما أن الإنسان يحس بما في بطنه من اللذة والألم ~~والحب والبغض والفرح والحزن والقوة والضعف وغير ذلك # والروح تحس بأشياء لا يحس بها البدن كما يحس من يحصل له نوع تجريد بالنوم ~~وغيره بأمور لا يحس بها غيره # ثم الروح بعد الموت تكون أقوى تجردا فترى بعد الموت وتحس بأمور لا تراها ~~الآن ولا تحس بها # وفي الأنفس من يحصل له ما يوجب أن يرى بعينه ويسمع بأذنه ما لا يراه ~~الحاضرون ولا يسمعونه كما يرى الأنبياء الملائكة ويسمعون PageV06P108 ~~كلامهم وكما يرى كثير من الناس الجن ويسمعون كلامهم # وأما ما يقوله بعض الفلاسفة إن هذه المرئيات والمسموعات إنما هي في نفس ms1127 ~~الرائي لا في الخارج فهذا مما قد علم بطلانه بأدلة كثيرة وقد بسط الكلام ~~على ذلك في غير هذا الموضع # ومن كان له نوع خبرة بالجن إما بمباشرته لهم في نفسه وفي الناس أو ~~بالأخبار المتواترة له عن الناس علم من ذلك ما يوجب له اليقين التام ~~بوجودهم في الخارج دع ما تواتر من ذلك عن الأنبياء # وكذلك ما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو ما يوجب العلم اليقيني ~~بوجودهم في الخارج كقصة إبراهيم المكرمين ومجيئهم إلى إبراهيم وإتيانه لهم ~~بالعجل السمين ليأكلوه وبشارتهم لسارة بإسحاق ويعقوب ثم ذهابهم إلى لوط ~~ومخاطبتهم له وإهلاك قرى قوم لوط وقد قص الله هذه القصة في غير موضع # وكذلك قصة مريم وإرسال الله إليها جبريل في صورة بشر حتى نفخ فيها الروح ~~وكذلك قصة إتيان جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم تارة في صورة أعرابي PageV06P109 ~~وتارات في صورة دحية الكلبي # فمن علم أن الروح قد تحس بما لا يحس به البدن وأن من الناس من يحس بروحه ~~وبدنه ما لا يحسه غيره من الناس توسع له طرق الحس ولم ير الحس مقصورا على ~~ما يحبه جمهور الناس في الدنيا بهذا البدن فإن هذا الحس إنما يدرك بعض ~~الموجودات # وحينئذ فإذا قيل إن كل قائم بنفسه أو كل موجود يمكن الإحساس به فإنه يراد ~~بذلك ما هو أعم من هذا الحس بحيث يدخل في ذلك هذا وهذا وليس للنفاة دليل ~~على إثبات ما ليس بمحسوس بهذا الحس والعقليات التي يثبتونها إنما هي ~~الكليات الثابتة في الذهن وتلك في الحقيقة وجودها في الأذهان لا في الأعيان PageV06P110 # وهذا منتهى ما عند ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة ولهذا كان كمال الإنسان ~~عندهم أن يصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود ويجعلون النعيم والعذاب ~~أمرين قائمين بالنفس من جملة أعراضها لا ينفصل شيء من ذلك عنها وقد بينا ~~بعض ما في هذا القول من الضلال في غير هذا الموضع # ولهذا جعل في منطقه العلوم اليقينية العقلية في ms1128 هذه العقليات ونفى أن ~~تكون المشهورات العملية من اليقينيات ونفى أن يكون ما يثبت الموجودات ~~الحسية الغائبة من اليقينيات وسمى هذه وهميات فبإنكاره هذا أنكر الموجودات ~~الغائبة عن إحساس أكثر الناس في هذه الدنيا فلم يصدق بالموجودات الغائبة ~~ولا بكثير مما يشاهد في هذا العالم من الملائكة والجن وغير ذلك وبإنكاره ~~المشهورات أن تكون يقينية أنكر موجب القوة العملية في النفس التي بها ~~تستحسن ما ينفعها من الأعمال وتستقبح ما يضرها فأخرج الأعمال التي لا تكمل ~~النفس إلا بها من أن تكون يقينية كما أخرجها من أن تكون من الكمال ولم يجعل ~~كمال النفس إلا مجرد علم مجرد لا حب معه لله تعالى في الحقيقة وإنما ~~الأعمال عندهم لأجل إعداد النفس لنيل ما يظنونه كمالا من العلم # وهذا العلم الذي يدعونه غالبه جهل وما فيه من العلم فليس علما PageV06P111 ~~بموجودات معينة وإنما هو علم أمور مطلقة في الذهن لا وجود لها في الخارج ~~فلم يحصل له من الكمالات العلمية والعملية ما يوجب سعادتهم في الآخرة ولا ~~نجاتهم من النار وكان كثير من اليهود والنصارى أقرب إلى السعادة والنجاة ~~منهم كما قد بسط في موضعه # والمقصود هنا أن الناس متفقون على أن حكم الذهن بأنه ما من موجود قائم ~~بنفسه إلا ويمكن الإشارة إليه وأنه يمتنع وجود موجودين ليس أحدهما مباينا ~~للآخر ولا محايثا له بل أن صانع العالم فوق العالم ليس مما تواطأ عليه ~~الناس وقبله بعضهم عن بعض كقول النفاة إنه يمكن وجود موجود لا داخل العالم ~~ولا خارجه بل ذلك مما أقربه بفطرهم وعرفوه ببدائه عقولهم وضرورات قلوبهم # والقادحون فيها يسلمون ذلك ويدعون أن فطر الناس أخطأت في هذا الحكم وأنه ~~من حكم الوهم والخيال الباطل # فإذا كانوا معترفين بأن هذا مما أقروا به بلا مواطأة لم يمكن أن يقال ~~إنهم كذبوا على فطرهم لأن هؤلاء القائلين بذلك أضعاف أضعاف أضعاف أهل ~~التواتر بل هم جماهير بني آدم فإذا قالوا إن هذا أمر نجده في قلوبنا ~~وفطرتنا وجب ms1129 تصديقهم في ذلك # وحينئذ فلا يجوز إبطال هذه القضايا البديهية بقضايا نظرية PageV06P112 ~~لأن البديهيات أصل للنظريات فلو جاز القدح بالنظريات في البديهيات ~~والنظريات لا تصح إلا بصحة البديهيات كان ذلك قدحا في أصل النظريات فلزم من ~~القدح في البديهيات بالنظريات فساد النظريات وإذا فسدت لم يصح القدح بها ~~وهو المطلوب # فهذا ونحوه يبين أنه لا تسمع من النفاة حجة على إبطال مثل هذه القضية ~~البديهية ثم يبين فساد ما استدل به على بطلان ذلك ### | AUTO فأما قول الرازي لو كان بديهيا لامتنع اتفاق الجمع العظيم على ~~إنكاره وهم ما سوى الحنابلة والكرامية فعنه أجوبة # أحدها أن يقال من المعلوم أن هذا لا ينكره إلا من يقول بأن الله ليس داخل ~~العالم ولا خارجه وينكرون أن يكون الله نفسه فوق العالم فإنهم يقولون لو ~~كان فوق العرش لكان مباينا له بالجهة مشارا إليه وذلك ممتنع عندهم فيجوزون ~~وجود موجودين ليس أحدهما مباينا للآخر ولا مداخلا له ووجود موجود قائم ~~بنفسه لا يشار إليه ويقولون البارى ليس مباينا للعالم ولا مداخلا له # وطائفة من الفلاسفة تقول مثل ذلك فيما تثبته من العقول والنفس الناطقة ~~ولهم في النفس الفلكية قولان PageV06P113 # وإذا كان كذلك فجماهير الخلائق يخالفون هؤلاء ويقولون بأن الله نفسه فوق ~~العالم وإذا كان الله نفسه فوق العالم فإن كان ذلك مستلزما لجواز الإشارة ~~إليه وأن يكون مباينا للعالم بالجهة فلازم الحق حق وامتنع حينئذ وجود موجود ~~لا مباين للعالم ولا محايث له ولا يشار إليه وإن أمكن أن يكون هو نفسه فوق ~~العالم ويكون مع ذلك غير مشار إليه ولا مباين للعالم بالجهة بطل قول هؤلاء ~~النفاة فإنهم إنما نفوا أن تكون نفسه فوق العالم لأن ذلك عندهم مستلزم ~~لكونه مشارا إليه ومباينا للعالم بالجهة وإذا بطل قولهم حصل المقصود ولم ~~يكن إلى هذه المقدمات الضرورية حاجة # فالمقصود أنه لا يوافقهم على أنه ليس فوق العالم إلا أقل الناس ومن لم ~~يوافقهم على ذلك فإما أن ينكر وجود موجودين ليس أحدهما ms1130 مباينا للآخر ولا ~~محايثا له وإما أن لا ينكر ذلك فإن لم ينكر ذلك مع إنكار قولهم بأنه ليس ~~فوق العالم كان إنكاره لقولهم أعظم من ترك إنكاره لما يبطل قولهم # فإن المقصود ما يبطل قولهم فإذا كان الناس إما منكر له وإما منكر لما ~~يستلزم إبطاله ثبت اتفاق جمهور الناس على إنكاره وهو المطلوب # ثم يقال هذه القضية قد صرح أئمة الطوائف الذين كانوا قبل أن يخلق الله ~~الكرامية والحنبلية بأنها قضية بديهية ضرورية فمن ذلك ما PageV06P114 ### | CHECK [الرد على الزنادقة والجهمية زعمت الجهمية في قوله تعالى ~~الرحمن على العرش استوى سورة طه إنما المعنى استولى كقول العرب استوى فلان ~~على مصر استوى فلان عل الشام يريد استولى عليها] # ذكره عبد العزيز بن يحيى المكي المشهور صاحب الحيدة وهو من القدماء الذين ~~لقوا الشافعي ومن هو أقدم من الشافعي وهو من مشاهير متكلمي أهل السنة الذين ~~اتفقت الأشعرية مع سائر الطوائف المثبتة على تعظيمه واتباعه # قال في الرد على الزنادقة والجهمية زعمت الجهمية في قوله تعالى { الرحمن ~~على العرش استوى } سورة طه 5 إنما المعنى استولى كقول العرب استوى فلان على ~~مصر استوى فلان عل الشام يريد استولى عليها ### | AUTO قال فيقال له هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس الله ~~بمستول عليه فإذا قال لا قيل له فمن زعم ذلك فمن قوله من زعم ذلك فهو كافر ~~يقال له يلزمك أن تقول إن العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه وذلك ~~أن الله تبارك وتعالى أخبر أنه خلق العرش قبل خلق السموات والأرض ثم استوى ~~عليه بعد خلق السموات والأرض PageV06P115 # قال الله عز وجل { وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه ~~على الماء } سورة هود 7 فأخبر أن العرش كان على الماء قبل السموات والأرض # ثم قال { خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~الرحمن فاسأل به خبيرا } سورة الفرقان 59 # وقوله { الذين يحملون العرش ms1131 ومن حوله يسبحون بحمد ربهم } سورة غافر 7 # وقوله { استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات } سورة البقرة 29 # وقوله { ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين } سورة فصلت 11 # فأخبر أنه استوى على العرش فيلزمك أن تقول المدة التي كان على العرش فيها ~~قبل خلق السموات والأرض ليس الله بمستول عليه إذ كان استوى على العرش معناه ~~عندك استولى فإنما استولى بزعمك في ذلك الوقت لا قبله # وقد روى عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اقبلوا ~~البشرى يا بني تميم قالوا قد بشرتنا فأعطنا قال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن ~~قالوا قد قبلنا فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان PageV06P116 ~~قال كان الله قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح ذكر كل شيء # وروى عن أبي رزين وكان يعجب النبي صلى الله عليه وسلم مسألته أنه قال يا ~~رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض قال كان في عماء ما ~~قوله هواء وما تحته هواء ثم خلق العرش على الماء ### | AUTO قال فقال الجهمي أخبرني كيف استوى على العرش أهو كما يقال ~~استوى فلان على السرير فيكون السرير قد حوى فلانا وحده إذا كان عليه فيلزمك ~~أن تقول إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه لأنا لا نعقل الشيء على ~~الشيء إلا هكذا قال فيقال له أما قولك كيف استوى فإن الله لا يجرى عليه كيف ~~وقد أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى فوجب PageV06P117 ~~على المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش وحرم عليهم أن يصفوا كيف ~~استوى لأنه لم يخبرهم كيف ذلك ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت وحرم ~~عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون فآمنوا بخبره عن الاستواء ثم ردوا ~~علم كيف استوى إلى الله ولكن يلزمك أيها الجهمي أن تقول إن الله محدود وقد ~~حوته الأماكن إذ زعمت ms1132 في دعواك أنه في الأماكن لأنه لا يعقل شيء في مكان ~~إلا والمكان قد حواه كما تقول العرب فلان في البيت والماء في الجب فالبيت ~~قد حوى فلانا والجب قد حوى الماء ويلزمك أشنع من ذلك لأنك قلت أفظع مما ~~قالت به النصارى وذلك أنهم قالوا إن الله عز وجل في عيسى وعيسى بدن إنسان ~~واحد فكفروا بذلك وقيل لهم ما أعظم الله إذ جعلتموه في بطن مريم وأنتم ~~تقولون إنه في كل مكان وفي بطون النساء كلهن وبدن عيسى وأبدان الناس كلهم ~~ويلزمك أيضا أن تقول إنه في أجواف الكلاب والخنازير لأنها أماكن وعندك أن ~~الله في كل مكان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فلما شنعت مقالته قال أقول ~~إن الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء ولا كالشيء على الشيء ولا كالشيء ~~خارجا عن الشيء ولا مباينا للشيء قال فيقال له أصل قولك القياس والمعقول ~~فقد دللت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئا لأنه لو كان شيئا داخلا ~~فمن القياس والمعقول أن يكون داخلا في الشيء أو PageV06P118 ~~خارجا منه فلما لم يكن في قولك شيئا استحال أن يكون كالشيء في الشيء أو ~~خارجا من الشيء فوصفت لعمرى ملتبسا لا وجود له وهو دينك وأصل مقالتك ~~التعطيل # هذا كلام عبد العزيز يبين أن القياس المعقول يوجب أن مالا يكون في الشيء ~~ولا خارجا منه فإنه لا يكون شيئا وأن ذلك صفة توجب أن ما لا يكون في الشيء ~~ولا خارجا منه فإنه لا يكون شيئا وأن ذلك صفة المعدوم الذي لا وجود له # والقياس هو الأقيسة العقلية والمعقول هو العلوم الضرورية وعبد العزيز هذا ~~وجود الحنبلية والكرامية كما تقدم # وقال أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام الحارث المحاسبي وأبو ~~العباس القلانسي والأشعري وأمثالهم وممن ذكر ذلك عنه أبو بكر بن فورك فيما ~~جمعه من كلامه فإنه جمع من كلامه وجمع كلام الأشعري أيضا وبين اتفاقهما في ~~عامة أصولهما ### | AUTO قال ابن كلاب وأخرج ms1133 من النظر والخبر قول من قال لا في العالم ~~ولا خارج منه فنفاه نفيا مستويا لأنه لو قيل له صفة بالعدم ما قدر أن يقول ~~فيه أكثر منه ورد أخبار الله نصا وقال في ذلك ما لا يجوز في خبر ولا معقول ~~وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص والنفي الخالص عندهم هو الإثبات الخالص وهم ~~عند أنفسهم قياسون # قال فإن قالوا هذا إفصاح منكم بخلو الأماكن منه وانفراد PageV06P119 ~~العرش به قيل إن كنتم تعنون خلو الأماكن من تدبيره وأنه عالم بها فلا وإن ~~كنتم تذهبون إلى خلوها من استوائه عليها كما استوى على العرش فنحن لا نحتشم ~~أن تقول استوى الله على العرش ونحتشم أن نقول استوى على الأرض واستوى على ~~الجدار وفي صدر البيت ### | AUTO وقال أيضا أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ويقال لهم أهو ~~فوق ما خلق فإن قالوا نعم قيل ما تعنون بقولكم إنه فوق ما خلق فإن قالوا ~~بالقدرة والعزة قيل لهم ليس عن هذا سألناكم وإن قالوا المسألة خطأ قيل فليس ~~هو فوق فإن قالوا نعم ليس هو فوق قيل لهم وليس هو تحت فإن قالوا ولا تحت ~~أعدموه لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم وإن قالوا هو فوق وهو تحت قيل لهم ~~فوق تحت وتحت فوق # وقال أيضا يقال لهم إذا قلنا الإنسان لا مماس ولا مباين للمكان فهذا محال ~~فلا بد من نعم قيل لهم فهو لا مماس ولا مباين فإذا قالوا نعم قيل لهم فهو ~~بصفة المحال من المخلوقين الذي لا يكون ولا يثبت في الوهم فإذا قالوا نعم ~~قيل فينبغي أن يكون بصفة المحال من هذه الجهة وقيل لهم أليس لا يقال لما ~~ليس بثابت في الإنسان مماس ولا مباين فإذا قالوا نعم قيل فأخبرونا عن ~~معبودكم مماس هو أو مباين فإذا قالوا لا يوصف بهما قيل لهم PageV06P120 ~~فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق فلم لا تقولون عدم كما تقولون للإنسان ~~عدم إذا وصفتموه بصفة العدم ms1134 وقيل لهم إذا كان عدم المخلوق وجودا له فإذا ~~كان العدم وجودا كان الجهل علما والعجز قوة # وقد ذكر هذا الكلام وأشباهه ذكره عنه أبو بكر بن فورك في الكتاب الذي ~~أفرده لمقالاته وقال فيه إنه أحب من سماه من أعيان أهل عصره أن أجمع له ~~متفرق مقالات أبي محمد بن كلاب وشيخ أهل الدين وإمام المحققين المنتصر للحق ~~وأهله المبين بحجج الله الذاب عن دين الله لما من به الله تعالى من معالم ~~طرق دينه الحق وصراطه المستقيم السيف المسلول على أهل الأهواء والبدع ~~الموفق لاتباع الحق والمؤيد بنصرة الهدى والرشيد وأثنى عليه ثناء عظيما # قال وكان ذلك على أثر ما جمعت من متفرق مقالات شيخنا الأشعري # قال ولما كان الشيخ الأول والإمام السابق أبو محمد عبد الله ابن سعيد ~~الممهد لهذه القواعد المؤسس لهذه الأصول والفاصل بحسن ثنائه بين حجج الحق ~~وشبه الباطل بالتنبيه على طرق الكلام فيه والدال على موضع الوصل والفصل ~~والجمع والفرق الفاتق لرتق الأباطيل والكاشف عن لبس ما زخرفوا وموهوا وذكر ~~كلاما طويلا في الثناء عليه PageV06P121 # والمقصود أن ابن كلاب إمام الأشعري وأصحابه ومن قبلهم كالحارث المحاسبي ~~وأمثاله يبين أن من قال لا هو في العالم ولا خارج منه فقوله فاسد خارج عن ~~طريق النظر والخبر وأنه قد رد خبر الله نصا ولو قيل له صفة بالعدم ما قدر ~~أن يقول أكثر منه وأنه قال ما لا يجوز في خبر ولا معقول وأنهم قالوا هذا هو ~~التوحيد الخالص وهو النفي الخالص فجعلوا النفي الخالص هو التوحيد الخالص # وهذا الذي قاله هو الذي يقوله جميع العقلاء الذين يتكلمون بصريح العقل ~~بخلاف من تكلم في المعقول بما هو وهم وخيال فاسد # ولذلك قال إذا قالوا ليس هو فوق وليس هو تحت فقد أعدموه لأن ما كان لا ~~تحت ولا فوق فعدم # وهذا كله يناقض قول هؤلاء الموافقين للمعتزلة والفلاسفة من متأخري ~~الأشعرية ومن وافقهم من الحنبلية والمالكية والحنفية والشافعية وغيرهم من ~~طوائف الفقهاء الذين يقولون ليس ms1135 هو تحت وليس هو فوق # وذكر حجة ثالثة فقال أنتم تصفونه بالصفات الممتنعة التي مضمونها الجمع ~~بين المتقابلين في الموجودات فيلزمكم أن تصفوه بسائر المتقابلات # قال فيقال لهم إذا قلنا الإنسان يعني وغيره من الأعيان القائمة بأنفسها ~~لا مماس ولا مباين للمكان فهذا محال باعترافهم # وهم يقولون إنه لا مماس ولا مباين للمكان فيصفونه بالصفة PageV06P122 ~~المستحيلة الممتنعة في المخلوق التي لا تثبت في التوهم ويقولون يجوز أن ~~نصفه بما يمتنع تصوره وتوهمه في غيره من هذه السلوب فإذا جوزوا أن يوصف بما ~~يمتنع تصوره في سائر الموجودات فليصفوه بسائر الممتنعات من الموجودات ~~فيقولوا لا هو قديم ولا محدث ولا قائم بنفسه ولا بغيره ولا متقدم على غيره ~~ولا مقارن له ونحو ذلك ويقولوا هذه إنما يمتنع في غيره من الموجودات لا فيه ~~وحينئذ فيقولون لا هو حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا ~~موجود ولا معدوم وهذا منتهى قول القرامطة وهو جمع النقيضين أو رفع النقيضين # ومن المعلوم أن العقل إذا جزم بامتناع اجتماع الأمرين أو امتناع ~~ارتفاعهما سواء كان أحدهما وجودا والآخر عدما وهو التناقض الخاص أو كانا ~~وجودين فإنا نعلم ذلك ابتداء بما نشهده في الموجودات التي نشهدها كما أن ما ~~يثبت من الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام وأمثال ذلك إنما نعلمه ~~ابتداء بما نعلمه في الموجودات التي نعرفها ثم إذا أخبرنا الصادق المصدوق ~~عن الغيب الذي لا نشهده فإنما نفهم مراده الذي أراد أن يفهمنا إياه لما بين ~~ما أخبر به من الغيب وبين ما علمناه في الشاهد من القدر الجامع الذي فيه ~~نوع تناسب وتشابه فإذا أخبرنا عما في الجنة من الماء واللبن والعسل والخمر ~~والحرير والذهب لم نفهم ما أراد إفهامنا إن لم نعلم هذه الموجودات في ~~الدنيا ونعلم أن بينها وبين ما في الجنة قدرا مشتركا وتناسبا PageV06P123 ~~وتشابها يقتضي أن نعلم ما أراد بخطابه وإن كانت تلك الموجودات مخالفة لهذه ~~من وجع آخر # كما قال ابن عباس ليس في ms1136 الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء رواه الأعمش عن ~~أبي ظبيان عن ابن عباس وقد رواه غير واحد منهم محمد ابن جرير الطبري في ~~التفسير في قوله { وأتوا به متشابها } سورة البقرة 25 # وإذا كان بين المخلوق والمخلوق قدر فارق مع نوع من إثبات القدر المشترك ~~الذي يقتضي التناسب والتشابه من بعض الوجوه فمعلوم أن ما بين الخالق ~~والمخلوق من المفارقة والمباينة أعظم مما بين المخلوق والمخلوق فهذا مما ~~يوجب نفي مماثلة صفاته لصفات خلقه ويوجب أن ما بينهما من المباينة ~~والمفارقة أعظم مما بين مخلوق ومخلوق مع أنه لولا أن بين مسمى الموجود ~~والموجود والحي والحي والعليم والعليم والقدير والقدير وأمثال ذلك من ~~المعنى المتفق المتواطىء المناسب والمتشابه ما PageV06P124 ~~يوجب فهم المعنى لم يفهمه ولا أمكن أن يفهم أحد ما أخبر به عن الأمور ~~الغائبة # وإذا كان هذا في الخطاب السمعي الخبري فكذلك في النظر القياسي العقلي ~~فإنما نعرف ما غاب عنا باعتباره بما شهدناه فيعتبر الغائب بالشاهد ويحصل في ~~قلوبنا بسبب ما نشهده من الأعيان والجزئيات الموجودة قضايا كلية عقلية ~~فيكون إدراج المعينات فيها هو قياس الشمول كالذي يسميه المنطقيون المقدمتان ~~والنتيجة ويكون اعتبار المعين بالمعنى هو قياس التمثيل الجامع المشترك سواء ~~كان هو دليل الحكم أو علة دليل الحكم # والناس في هذا المقام منهم من يزعم أن القياس البرهاني هو قياس الشمول ~~وأن قياس التمثيل لا يفيد اليقين بل لا يسمى قياسا إلا بطريق المجاز كما ~~يقول ذلك من يقوله من أهل المنطق ومن وافقهم من نفاة قياس التمثيل في ~~العقليات والشرعيات كابن حزم وأمثاله # ومنهم من ينفي قياس التمثيل في العقليات دون الشرعيات كأبي المعالي ~~ومتبعيه مثل الغزالي والرازي والآمدي وأبي محمد المقدسي وأمثالهم # ومنهم من يعكس ذلك قيثبت قياس التمثيل في العقليات دون الشرعيات كما هو ~~قول أئمة أهل الظاهر مثل داود بن علي وأمثاله PageV06P125 ~~وقول كثير من المعتزلة البغداديين كالنظام وأمثاله ومن الشيعة الإمامية ~~كالمفيد والمرتضى والطوسي وأمثالهم # وكثير من هؤلاء يقول إن قياس ms1137 التمثيل هو الذي يستحق أن يسمى قياسا على ~~سبيل الحقيقة وأما تسمية قياس الشمول قياسا فهو مجاز كما ذكر ذلك الغزالي ~~وأبو محمد المقدسي وغيرهما # والذي عليه جمهور الناس وهو الصواب أن كليهما قياس حقيقة وأن كليهما يفيد ~~اليقين تارة والظن أخرى بل هما متلازمان فإن قياس التمثيل مضمونه تعلق ~~الحكم بالوصف المشترك الذي هو علة الحكم أو دليل العلة أو هو ملزوم للحكم ~~وهذا المشترك هو الحد الأوسط في قياس الشمول فإذا قال القايس نبيذ الحنطة ~~المسكر حرام قياسا على نبيذ العنب لأنه شراب مسكر فكان حراما قياسا عليه ~~وبين أن السكر هو مناط التحريم فيجب تعلق التحريم بكل مسكر كان هذا قياس ~~تمثيل وهو بمنزلة أن يقول هذا شراب مسكر وكل مسكر حرام فالمسكر الذي جعله ~~في هذا القياس حدا أوسط هو الذي جعله في ذلك القياس الجامع المشترك الذي هو ~~مناط الحكم فلا فرق بينهما عند التحقيق في المعنى بل هما متلازمان وإنما ~~يتفاوتان في ترتيب المعاني والتعبير عنها ففي الأول يؤخر الكلام في المشترك ~~الذي هو الحد الأوسط وبيان أنه مستلزم للحكم متضمن له يذكر الأصل الذي هو ~~نظير الفرع ابتداء وفي الثاني يقدم الكلام في الحد الأوسط يبين شموله ~~وعمومه وأنه مستلزم للحكم ابتداء PageV06P126 # والمقصود هنا أنا إذا حكمنا بعقولنا حكما كليا يعم الموجودات أو يعم ~~المعلومات مثل قولنا إن الموجود إما واجب وإما ممكن وإما قديم وإما محدث ~~وإما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وإما مشار إليه وإما قائم بالمشار إليه ~~وكل موجودين فأحدهما إما متقدم على الآخر وإما مقارن له وإما مباين له وإما ~~محايث له وقلنا إن الصانع إما أن يكون متقدما على العالم أو مقارنا له وإما ~~أن يكون خارجا عنه أو داخلا فيه كان علمنا بهذه القضايا الكلية العامة ~~بتوسط ما علمناه من الموجودات # فإذا كنا نعلم أن المعلوم إما أن يكون موجودا وإما أن يكون معدوما فادعى ~~مدع أن الواجب لا يقال إنه موجود ولا معدوم أو ليس بموجود ms1138 ولا معدوم كما ~~يقول ذلك من يقوله من القرامطة الباطنية كنا وإن لم نشهد الغائب نعلم أن ~~هذا الخبر العام والقضية الكلية تتناوله وغيره وإذا قلنا لهذا هل يمكنك ~~إثبات شيء في الشاهد ليس بموجود ولا معدوم قال لا قلنا له فكيف تثبت في ~~الغائب ما ليس بموجود ولا معدوم كنا قد أبطلنا قوله # فإذا قال أنا لا أصفه لا بهذا ولا بهذا بل أنفى عنه هذين الوصفين ~~المتقابلين لأن اتصافه بأحدهما إنما يكون لو كان قابلا لأحدهما وهو لا يقبل ~~واحدا منهما لأنه لو قبل ذلك لكان جسما إذ هذه من صفات الأجسام فإذا قدرنا ~~موجودا ليس بجسم لم يقبل لا هذا ولا هذا قيل له فهكذا سائر الملاحدة إذا ~~قالوا لا نصفه لا بالحياة ولا بالموت ولا بالعلم ولا الجهل ولا القدرة ولا العجز PageV06P127 ~~ولا الكلام ولا الخرس ولا البصر ولا العمى ولا السمع ولا الصمم لأن اتصافه ~~بأحدهما فرع لقبوله لأحدهما وهو لا يقبل واحدا منهما لأن القابل للاتصاف ~~بذلك لا يكون إلا جسما فإن هذه من صفات الأجسام فإذا قدرنا موجودا ليس بجسم ~~لم يقبل هذا ولا هذا فما كان جوابا لهؤلاء الملاحدة فهو جواب لك فما تخاطب ~~به أنت النفاة الذين ينفون ما تثبته أنت يخاطبك به المثبتون لما تنفيه أنت ~~حذو القذة بالقذة ### | AUTO ونحن نجيبك بما يصلح أن تجيب أنت ونحن به لسائر الملاحدة فإن ~~حجتك عليهم قاصرة وبحوثك معهم ضعيفة كما بينا ضعف مناظرة هؤلاء الملاحدة في ~~غير موضع وذلك من وجوه ### | AUTO أحدها أن يقال إن ما يقدر عدم قبوله لهذا وهذا أشد نقصا ~~واستحالة وامتناعا من وصفه بأحد النقيضين مع قبوله لأحدهما وإذا قدرنا جسما ~~حيا عالما قادرا سميعا بصيرا متكلما كالإنسان والملك وغيرهما كان ذلك خيرا ~~من الجسم الأعمى الأصم الأبكم وإن أمكن أن يتصف بضد الكمال # وهذا الجسم الأعمى الأصم الذي يمكن اتصافه بتلك الكمالات PageV06P128 ~~أكمل من الجماد الذي لا يمكن اتصافه لا بهذا ولا بهذا والجسم الجماد ms1139 خير من ~~العدم الذي يكون لا مباينا لغيره ولا مداخلا له ولا قديما ولا محدثا ولا ~~واجبا ولا ممكنا فأنت وصفته بما لا يوصف به إلا ما هو أنقص من كل ناقص ### | AUTO الوجه الثاني أن يقال قولك فهذه م صفات الأجسام لفظ مجمل فإن ~~عنيت أن هذه الصفات لا يوصف بها إلا من هو من جنس المخوقات وإذا وصفنا الرب ~~بها لزم أن يكون من جنس الموجودات مماثلا لها كان هذا باطلا فإنك لا تعلم ~~أن هذه لا يوصف بها إلا مخلوق فإن هذا أول المسألة فلو قدرت أن تبين أن هذه ~~لا يوصف بها إلا مخلوق لم تحتج إلى هذا الكلام ويقال لك لا سبيل لك إلى هذا ~~النفي ولا دليل عليه # وإن قلت إن هذه الصفات توصف بها المخلوقات وتوصف بها الأجسام # قيل لك نعم وليس في كون الأجسام المخلوقة توصف بها ما يمنع اتصاف الرب ~~بما هو اللائق به من هذا النوع كاسم الموجود والثابت والحق والقائم بنفسه ~~ونحو ذلك فإن هذه الأمور كلها توصف بها الأجسام المخلوقة فإن طرد قياسه لزم ~~الإلحاد المحض والقرمطة وأن يرفع النقيضين جميعا فيقول لا موجود ولا معدوم ~~ولا ثابت ولا منتف ولا حق ولا باطل ولا قائم بنفسه ولا بغيره وهذا لازم قول ~~من نفى هذه الصفات وحينئذ فيلزمه الجمع بين النقيضين أو رفع PageV06P129 ~~النقيضين ويلزمه أن يمثله بالممتنعات والمعدومات فلا يفر من محذور إلا وقع ~~فيما هو شر منه ### | AUTO الجواب الثالث أن يقال لهذا النافي للمباينة والمداخلة أنت ~~تصفه بأنه موجود قائم بنفسه قديم حي عليم قدير وأنت لا تعرف موجودا هو كذلك ~~إلا جسما فلا بد من أحد الأمرين إما أن تقول هو موجود حي عليم قديم وليس ~~بجسم فيقال لك وهو أيضا له حياة وعلم وقدرة وليس بجسم ويقال لك هو مباين ~~للعالم عال عليه وليس بجسم # وإن قلت يلزم من كونه مباينا للعالم عاليا عليه أن يكون جسما لأني لا ~~أعقل المباينة والمحايثة إلا ms1140 من صفات الأجسام # قيل لك ويلزم من كونه حيا عليما قديرا أن يكون جسما لأنك لا تعقل موجودا ~~حيا عليما قديرا إلا جسما فهذا نظير هذا فما تقوله في أحدهما يلزمك نظيره ~~في الآخر وإلا كنت متناقضا مفرقا بين المتامثلين # وإما أن تقول أنا أقول إنه موجود قائم بنفسه حي عليم قدير لأن ذلك قد علم ~~بالشرع والعقل وإن لزم أن يكون جسما التزمته لأن لازم الحق حق # قيل لك وهكذا يقول من يقول إنه فوق العالم مباين له أنا أصفه بذلك لأنه ~~قد ثبت ذلك بالشرع والعقل وإذا لزم من ذلك أن يكون جسما التزمته لأن لازم ~~الحق حق PageV06P130 # وإما أن تقول أنا لا أعرف لفظ الجسم أو تقول لفظ الجسم فيه إجمال وإبهام ~~فإن عنيت به الجسم المعروف في اللغة وهو بدن الإنسان لم أسلم أني لا أعلم ~~موجودا حيا عالما قادرا إلا ما كان مثل بدن الإنسان فإن الروح هي أيضا حية ~~عالمة قادرة وليست من جنس البدن وكذلك الملك وغيره # وإن عنيت بالجسم أنه يقبل التفريق والتجزئة والتبعيض بحيث ينفصل بعضه عن ~~بعض بالفعل # قيل أنا أتصور موجودا عالما قادرا قبل أن أعلم أنه يمكن تفريقه وتبعيضه ~~فلا يلزم من تصوري للموجود الحي العالم القادر أن يكون قابلا لهذا التفريق ~~والتبعيض # وإن عنيت بالجسم أنه يمكن أن يشار إليه إشارة حسية لم يكن هذا ممتنعا ~~عندي بل هذا هو الواجب فإن كل ما لا يمكن أن يشار إليه لا يكون موجودا # وإن عنيت بالجسم أنه مركب من الجواهر المنفردة الحسية أو من المادة ~~والصورة اللذين يجعلان جوهران عقليان فأنا ليس عندي شيء من الأجسام كذلك ~~فضلا عن أن يقدر مثل ذلك فإذا كنت نافيا لذلك في المخلوقات البسيطة فتنزيه ~~رب العالمين عن ذلك أولى # وإن عنيت بالتبعيض أنه يمكن أن يرى منه شيء دون شيء كما قال ابن عباس ~~وعكرمه وغيرهما من السلف ما يوافق ذلك لم أسلم لك أن هذا ممتنع PageV06P131 # وإن عنيت بالجسم أنه ms1141 يماثل شيئا من المخلوقات لم نسلم الملازمة # فأي شيء أجبت به الملحدة من هذه الأجوبة قال لك المثبت لمباينته للعالم ~~وعلوه عليه مثل ما قلت أنت لهؤلاء الملاحدة # قال ما تعنى بقولك لو كان عاليا على العالم مباينا له كان جسما إن عنيت ~~أنه بدن لم نسلم لك الملازمة # وإن عنيت أنه يقبل التفريق والتبعيض فكذلك # وإن عنيت أنه مركب من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة لم نسلم ~~الملازمة أيضا # وإن عنيت أنه يكون مماثلا لشيء من المخلوقات لم نسلم الملازمة # وإن عنيت أنه يشار إليه أو أنه يرى منه شيء دون شيء منع انتفاء اللازم ### | AUTO والجواب الرابع أن يقال الحكم بأن المعلوم إما موجود وإما ~~معدوم وأن الموجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وإما واجب وإما ممكن ~~وإما قديم وإما محدث وإما متقدم على غيره وإما مقارن له وإما مباين لغيره ~~وإما محايث له وأن القائم بنفسه او القائم القابل لصفات الكمال إما حي وإما ~~ميت وإما عالم وإما جاهل وإما قادر أو عاجز وأن ما لا يقبل ذلك أنقص مما ~~يقبله وأن المتصف بصفات الكمال أكمل من المتصف بصفات النقص وممن لا يقبل ~~الاتصاف لا بهذا ولا بهذا # وهذه العلوم وأمثالها مستقرة في العقول وهي إما علوم ضرورية PageV06P132 ~~أو قريبة من الضرورية والقطع بها أعظم من القطع بوجود موجود لا يمكن ~~الإشارة الحسية إليه وأن الواجب الوجود لا يشار إليه فإن ما يشار إليه فهو ~~جسم فلو أشير إليه لكان جسما وليس بجسم فإن هذه الأمور إما أن تكون معلومة ~~الفساد بالضرورة أو بالنظر وإما أن تكون إذا علمت لا تعلم إلا بطرق نظرية ~~فلا يمكن القدح بها في تلك المقدمات الضرورية فالاعتبار والقياس تارة يكون ~~بلفظ الشمول والعموم وتارة بلفظ التشبيه والتمثيل # وكذلك إذا قلنا إما أن يكون قائما بنفسه أو بغيره أو قديما أو محدثا أو ~~واجبا أو ممكنا فكذلك إذا قلنا إما أن يكون مباينا أو محايثا أو داخلا أو خارجا # فبين ms1142 ابن كلاب وغيره من أئمة النظار لهؤلاء النفاة أنكم إذا جوزتم خلو ~~الرب عن الوصفين المتقابلين الذين يعلمون أنه يمتنع خلو الوجود عنهما لزمكم ~~مثل ذلك وأن تصفوه بسائر الممتنعات فقال إذا وصفتموه بأنه لا مماس ولا ~~مباين وأنتم تعلمون أن الموجود الذي تعرفونه لا يكون إلا مماسا أو متباينا ~~فوصفتموه بما هو عندكم محال فيما تعرفونه من الموجودات لزمكم أن تصفوه ~~بأمثال ذلك من المحالات فتقولون لا قديم ولا محدث ولا قائم بنفسه ولا غيره ~~ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل وأمثال ذلك # وذكر أيضا حجة أخرى رابعة فقال أليس يقال لما ليس بثابت PageV06P133 ~~في الإنسان لا مماس ولا مباين فإذا قالوا نعم قيل فأخبرونا عن معبودكم مماس ~~أو مباين فإذا قالوا لا يوصف بهما قيل لهم فصفة إثبات الخالق كصفة عدم ~~المخلوق فلم لا تقولون عدم كما تقولون للإنسان عدم إذا وصفتموه بصفة العدم # يقول أنتم تعرفون أن سلب هذين المتقابلين جميعا هو من صفات المعدومات ~~فالموجود الذي تعرفونه القائم بنفسه لا يقال إنه ليس مباينا لغيره من ~~الأمور القائمة بأنفسها ولا مماسا لها بخلاف المعدوم فإنه يقال لا هو مماس ~~لغيره ولا مباين له فإذا وصفتموه بصفة المعدوم فجعلتم ما هو صفة لما هو عدم ~~في الموجودات صفة للخالق الموجود الثابت وحيئنذ فيمكن أن يوصف بأمثال ذلك ~~فيقال هو عدم كما يوصف ما عدم من الأناسي بأنه عدم فقال لهم إذا كان عدم ~~الموجود وجودا له فإذا كان العدم وجودا كان الجهل عالما والعجز قوة أي إذا ~~جعلتم المعدوم الذي لا يعقل إلا معدوما جعلتموه موجودا أمكن حينئذ أن يجعل ~~الجهل علما والعجز قوة والموت حياة والحرس كلاما والصمم سمعا والعمى بصرا ~~وأمثال ذلك # وهذا حقيقة قول النفاة فإنهم يصفون الرب بما لا يوصف به إلا المعدوم بل ~~يصفون الموجود الواجب بنفسه الذي لا يقبل العدم بصفات الممتنع الذي لا يقبل ~~الوجود فإن كان هذا ممكنا أمكن أن يجعل أحد المتناقضين صفه لنقيضه كما ذكر ms1143 PageV06P134 # ولا ريب أن النفاة لا تقر بوصفه بالامتناع والعدم والنقائص ولكن تقول ~~لانصفه لا بهذا ولا بهذا لا نصفه بالعلم ولا بالجهل ولا الحياة ولا الموت ~~ولا القدرة ولا العجز ولا الكلام ولا الخرس # فإذا قيل لهم إن لم يوصف بصفة الكمال لزم اتصافه بهذه النقائص # قالوا هذا إنما يكون فيما يقبل الاتصاف بهذا وهذا # ويقول المنطقيون هذان متقابلان تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب ~~والإيجاب والمتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا يرتفعان جميعا بخلاف ~~المتقابلين تقابل العدم والملكة كالحياة والموت والعمى والبصر فإنهما قد ~~يرتفعان جميعا إذا كان المحل لا يقبلهما كالجمادات فإنها لم تقبل الحياة ~~والبصر والعلم لم يقل فيها أنها حية ولا ميتة ولا عالمة ولا جاهلة وقد أشكل ~~كلامهم هذا على كثير من النظار وأضلوا به خلقا كثيرا حتى الآمدي وأمثاله من ~~أذكياء النظار اعتقدوا أن هذا كلام صحيح وأنه يقدح في الدليل الذي استدل به ~~السلف والأئمة ومتكلموا أهل الإثبات في إثبات السمع والبصر وغير ذلك من الصفات # وهذا من جملة تلبيسات أهل المنطق والفلسفة التي راجت على هؤلاء فأضلتهم ~~عن كثير من الحق الصحيح المعلوم بالعقل الصريح # وجواب هذا من وجوه بسطناها في غير هذا الموضع # منها أن يقال فما يقبل الاتصاف بهذه الصفات مع إمكان PageV06P135 ~~انتفائها عنه أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بها بحال فالحيوان الذي يقبل أن ~~يتعاقب عليه العدم والملكة فيكون إما سميعا وإما أصم وإما بصيرا وإما أعمى ~~وإما حيا وإما ميتا أكمل من الجماد الذي لا يقبل لا هذا ولاهذا بل الحيوان ~~الموصوف بهذه النقائض مع إمكان اتصافه بهذا الكمال أكمل من الجماد الذي لا ~~يقبل ذلك # فإذا قلتم إن الموجود الواجب لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال مع أن المتصف ~~بالنقائص يمكنه الاتصاف بها جعلتموه أنقص من الحيوانات وجعلتموه بمنزلة ~~الجمادات وكان من وصفه بهذه النقائص مع إمكان اتصافه بالكمالات خيرا منكم ~~فمن وصفه بالعمى والصمم والعور مع إمكان زوال هذه النقائص عنه كان خيرا منكم # وهم يشنعون بما يحكى ms1144 عن بعض ضلال اليهود والنصارى من أن الله ندم على ~~الطوفان حتى عض على إصبعيه وجرى الدم وبكى على الطوفان حتى رمد وعادته ~~الملائكة وآلى على نفسه أنه لا يغرق بنيه وأن بعض بني إسرائيل وجده ينوح ~~على خراب بيت المقدس وفي بعض كتب النصارى أنه ينام # ومن قال إن بشرا كمسيح الهدى ومسيح الضلالة أنه الله مع كونه يأكل ويشرب ~~وأنه أعور # وأمثال هؤلاء الذين يصفونه بهذه النقائص مع إمكان اتصافه PageV06P136 ~~بالكمال هم خير ممن يقول لا يمكن اتصافه بصفات الكمال بحال # بل من جعله يأكل ويشرب فهو خير ممن يقول لا يمكن أن يكون حيا ولا عالما ~~ولا قادرا فإن الحي الذي يأكل ويشرب خير من الجماد الذي لا يعلم ولا يتكلم ~~ولا يسمع ولا يبصر علم أن من نفى عنه صفات الكمال كان شرا من جميع هذه ~~الطوائف فإنهم جعلوه كالعدوم أو الجماد وهؤلاء شبهوه بالحيوان الذي فيه صفة ~~كمال مع نوع من النقص فكان تعطيل الأول له عن صفات الكمال وتمثيله له ~~بالمعدومات والجمادات شرا من تعطيل هذا له عن بعض صفات الكمال مع إثباته ~~لكثير من صفات الكمال وكان تشبيهه له بالحيوان أمثل من تشبيه ذاك له ~~بالجماد والمعدوم # وهكذا من قيل له هو واجب فإنه إن لم يكن واجبا كان ممكنا وهو قديم فإنه ~~إن لم يكن قديما كان محدثا وهو خالق فإن القائم بنفسه إن لم يكن خالقا كان ~~مخلوقا وهو مباين للعالم خارج عنه فإنه إن لم يكن مباينا له خارجا عنه كان ~~داخلا فيه محصور محوزا # وممن ذكر ذلك الإمام أحمد فيما خرجه في الرد على الزندقة والجهمية قال ~~بيان ما أنكرت الجهمية الضلال أن يكون الله PageV06P137 ~~على العرش قلنا لم أنكرتم أن الله على العرش وقد قال الله عز وجل { الرحمن ~~على العرش استوى } سورة طه 5 فقالوا هو تحت الأرضين السابعة كما هو على ~~العرش فهو على العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كل مكان لا يخلو منه مكان ms1145 ~~ولا يكون في مكان دون مكان وتلوا آيات من القرآن { وهو الله في السماوات ~~وفي الأرض } سورة الأنعام 3 فقلنا قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من ~~عظم الرب شيء فقالوا أي شيء قلنا أحشاؤكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش ~~والأماكن القذرة ليس فيها من عظم الرب شيء وقد أخبرنا أنه في السماء فقال { ~~أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض } PageV06P138 ~~سورة الملك 16 { أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا } سورة الملك ~~17 وقال تعالى { إليه يصعد الكلم الطيب } سورة فاطر 10 وقال { إني متوفيك ~~ورافعك إلي } سورة آل عمران 55 وقال { بل رفعه الله إليه } سورة النساء 158 ~~وقال { وله من في السماوات والأرض ومن عنده } سورة الأنبياء 19 وقال { ~~يخافون ربهم من فوقهم } سورة النحل 50 وقال { ذي المعارج } سورة المعارج 3 ~~وقال { وهو القاهر فوق عباده } سورة الأنعام 18 وقال { وهو العلي العظيم } ~~سورة البقرة 255 # فهذا خبر الله أنه في السماء ووجدنا كل شيء أسفل مذموما بقول الله عز وجل ~~{ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } سورة النساء 145 { وقال الذين ~~كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا ~~من الأسفلين } سورة فصلت 29 PageV06P139 # وقلنا لهم أليس تعلمون أن إبليس مكانه مكان فلم يكن الله ليجتمع هو ~~وإبليس في مكان واحد # ولكن معنى قول الله عز وجل { وهو الله في السماوات وفي الأرض } سورة آل ~~عمران 129 يقول هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو الله على العرش ~~وقد أحاط الله بعلمه ما دون العرش لا يخلو من علم الله مكان ولا يكون علم ~~الله في مكان دون مكان # وذلك قوله تعالى { لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل ~~شيء علما } سورة الطلاق 12 # ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلا كان في يديه قدح من قوارير صاف وفيه شيء ~~صاف لكان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح PageV06P140 ~~من ms1146 غير أن يكون ابن آدم في القدح والله وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع ~~خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه # وخصلة أخرى لو أن رجلا بنآ دارا بجميع مرافقها ثم أغلق بابها وخرج منها ~~كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره وكم سعة كل بيت من غير أن يكون ~~صاحب الدار في جوف الدار # فالله عز وجل وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع ما خلق وعلم كيف هو وما هو ~~من غير أن يكون في شيء مما خلق # وما تأول الجهمية من قول الله عز وجل { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم } سورة المجادلة 7 فقالوا إن الله عز وجل 4 مقنا وفينا قال قلنا فلم ~~قطعتم الخبر من أوله بأذن الله PageV06P141 ~~يقول { ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم } يعني إلا الله بعلمه رابعهم { ولا خمسة إلا هو } ~~بعلمه { سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم } يعني بعلمه فيهم { ~~أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم } سورة ~~المجادلة 7 يفتح الخبر بعلمه فيهم ويختمه بعلمه # ويقال للجهمي إذا قال إن الله معنا بعظمة نفسه قيل له هل يغفر الله لكم ~~فيما بينه وبين خلقه فإن قال نعم فقد زعم أن الله يباين خلقه وأن خلقه دونه ~~وإن قال لا PageV06P142 ~~كفر وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان ولا ~~يكون في مكان دون مكان فقل له أليس الله كان ولا شيء فيقول نعم فقل له حين ~~خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل واحد ~~منها إن زعم أن الله خلق في نفسه فقد كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين ~~في نفسه وإن قال خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضا كفرا ms1147 حين ~~زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر ردىء وإن قال خلقهم خارجا عن نفسه ثم لم ~~يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة # فقد بين الإمام أحمد ما هو معلوم بصريح العقل وبديهته من أنه لا بد إذا ~~خلق الخلق من أن يخلقه مباينا له أو محايثا له ومع المحايثة إما PageV06P143 ~~أن يكون هو في العالم وإما أن يكون العالم فيه لأنه سبحانه قائم بنفسه ~~والقائم بنفسه إذا كان محايثا لغيره فلا بد أن يكون أحدهما حالا في الآخر ~~بخلاف ما لا يقوم بنفسه كالصفات فإنها قد تكون جميعا قائمة بغيرها # فهذا القسم لم يحتج أن يذكره لظهور فساده وان أحدا لا يقول به إذ من ~~المعلوم لكل أحد أن الله تعالى قائم بنفسه لا يجوز أن يكون من جنس الأعراض ~~التي تفتقر إلى محل يقوم به # وكذلك من هذا الجنس قول من يقول لا هو مباين ولا محايث لما كان معلوما ~~بصريح العقل بطلانه لم يدخله في التقسيم إذ من المستقر في صريح العقل أن ~~الموجود إما مباين لغيره وإما مداخل له فانتفاء هذين القسمين يبطل قول من ~~يجعله لا مباينا ولا مداخلا كالمعدوم وقول من يجعله حالا في العالم مفتقرا ~~إلى المحل كالأعراض إذ المفتقر إلى المحل لا يقوم بنفسه ولا يكون غنيا عما ~~سواه فيمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه # وهذا 4 لم يقل مثل هذا أحد من العقلاء وإن قال بعضهم ما يستلزم ذاك فما ~~كل من قال مذهبا التزم لوازمه # وقد نفى أيضا قول من يقول هو في كل مكان بتقسيم آخر من هذا الجنس إذ ~~القائل بأنه لا داخل العالم ولا خارجه لا يمكنه أن PageV06P144 ~~ينفي قول من يقول إنه في كل مكان لأنه إن جوز وجود موجود لا داخل العالم ~~ولا خارجه ولا يقبل الإشارة إليه لم يمكنه مع هذا السلب أن ينفي قول من ~~يقول هو في كل مكان لا كالجسم مع الجسم ولا كالعرض مع ms1148 العرض أو الجسم فإنه ~~إذا احتج على نفي ذلك بأنه لو كان في كل مكان للزم احتياجه إلى محل أو نحو ~~ذلك قال له المنازع هو في كل مكان وهو مع ذلك لا يحتاج إلى محل فإن المحتاج ~~إلى المحل إنما هو العرض أو الجسم وهو ليس بجسم ولا عرض بل هو لا مماس ~~للأشياء ولا مباين لها إذ المماسة والمباينة من صفات الجسم وهو ليس بجسم # كما قد يقول إنه في كل مكان وليس بحال ولا مماس ولا مباين فإذا قال ~~النافي هذا لا يعقل قال له نظيره الذي يقول لا داخل العالم ولا خارجه وقولك ~~أيضا لا يعقل فكلا القولين مخالف للمعروف في العقول فليس إبطال أحدهما دون ~~الآخر بأولى من العكس # وإنما يمكن أن يرد على الطائفتين أهل الفطر السليمة الذين لم يقولوا ما ~~يناقض صريح العقل # ومن المعلوم أن من قال إنه في العالم مثل كون القائم بنفسه في PageV06P145 ~~القائم بنفسه كان قوله أقل فسادا من قول من قال إنه في العالم كالقائم ~~بغيره مع القائم بنفسه فإن هذا لا يقوله عاقل فإذا بطل الأول بطل الثاني # فأبطل الإمام أحمد هذا القول أيضا فقال بيان ما ذكره الله في القرآن من ~~قوله تعالى { وهو معكم } سورة الحديد 4 # وهذا على وجوه قول الله لموسى { إنني معكما } سورة طه 46 يقول في الدفع عنكما # وقال { ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ~~} سورة التوبه 40 يقول في الدفع عنا # وقال { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } ~~سورة البقرة 249 يقول في النصر لهم على عدوهم # وقال { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم } سورة محمد ~~35 في النصر لكم على عدوكم PageV06P146 # وقال { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم } سورة النساء 108 ~~يقول بعلمه فيهم # وقال { فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ~~ربي سيهدين ms1149 } سورة الشعراء 61 62 يقول في العون على فرعون # قال فلما ظهرت الحجة على الجهمي لما ادعى على الله أنه مع خلقه في كل شيء ~~غير مماس للشيء ولا مباين منه فقلنا إذا كان غير مباين أليس هو مماسا قال ~~لا قلنا فكيف يكون في كل شيء غير مماس له ولا مباين له فلم يحسن الجواب ~~فقال بلا كيف فخدع الجهال بهذه الكلمة وموه عليهم فقلنا له إذا كان يوم ~~القيامة أليس أنما هو الجنة PageV06P147 ~~والنار والعرش والهواء قال بلى قلنا فأين يكون ربنا قال يكون في الآخرة في ~~كل شيء كما كان حيث كانت الدنيا في كل شيء قلنا فإن مذهبكم أن ما كان من ~~الله على العرش فهو على العرش وما كان من الله في الجنة فهو في الجنة وما ~~كان من الله في النار فهو في النار وما كان من الله في الهواء فهو في ~~الهواء فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله تعالى # فكان الإمام أحمد وغيره من الأئمة يبينون فساد قول الجهمية سواء قالوا ~~إنه في كل مكان أو قالوا لا داخل العالم ولا خارجه أوتن قالوا إنه في ~~العالم من العالم أو خارج العالم إذ جماع قولهم أنه ليس مباينا للعالم ~~مختصا بما فوق العالم # ثم هم مع هذا مضطربون يقولون هذا تارة وهذا تارة ولا يمكن بعض طوائفهم أن ~~يفسد مقالة الأخرى لاشتراكهم في الأصل الفاسد # ولهذا كان الحولية والاتحادية منهم الذين يقولون إنه في كل PageV06P148 ~~مكان يحتجون على النفاة منهم الذين يقولون ليس مباينا للعالم ولا مداخلا له ~~بانا قد اتفقنا على أنه ليس فوق العالم وإذا ثبت ذلك تعين مداخلته للعالم ~~إما أن يكون وجوده وجود العالم أو يحل في العالم أو يتحد به كما قد عرف من ~~مقالاتهم # والذين أنكروا الحلول والاتحاد من الجهمية ليست لهم على هؤلاء حجة إلا من ~~جنس حجة المثبتة عليهم وهو قول المثبتة إن ما لا يكون لا داخلا ولا مباينا ~~غير موجود فإن أقروا ms1150 بصحة هذه الحجة بطل قولهم وإن لم يقروا بصحتها أمكن ~~إخوانهم الجهمية الحلولية أن لا يقروا بصحة حجتهم إذ هما من جنس واحد # واعتبر ذلك بما ذكره الرازي في الرد على الحلولية فإنه لما ذكر الكلام في ~~أنه يمتنع حلول ذاته أو صفة من صفاته في شيء ذكر أن النصارى تقول بالحلول ~~تارة والاتحاد أخرى قال والحلول باطل لأن الحلول إنما يعقل إذا كان الحال ~~مفتقرا إلى المحل فحلوله بصفة الجواز ينفي افتقار الحال إلى المحل وبصفه ~~الوجوب يقتضي افتقار الواجب إلى غيره وحدوثه أو قدم المحل PageV06P149 # قال فإن قلت إنه قد يقتضي الحلول بشرط وجود المحل أو المحل يقتضي حلوله ~~فيه فلم يلزم قدم المحل ولا حلول الواجب # قلت كلاهما يمنع وجوب الحلول والاتحاد باطل لأن المتحدين إن بقيا عند ~~الاتحاد أو عدما وحصل ثالث فلا اتحاد فإن بقي أحدهما دون الآخر فلا اتحاد ~~لامتناع كون المعدوم عين الموجود # قال الرازي ناظرت بعض النصارى فقلت تسلم أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم ~~المدلول قال نعم فقلت فما الدليل على أنه تعالى لم يحل في بدن زيد ولا عمرو ~~والذبابة والنملة فقال لأنه ثبت في حق عيسى أنه أحيي الأموات وأبرأ PageV06P150 ~~الأكمة والأبرص ولم يوجد في حق غيره فقلت له فقد سلمت أنه لا يلزم من عدم ~~الدليل عدم المدلول ولأنه ظهر على يد موسى قلب العصا ثعبانا وانقلاب الخشبة ~~ثعبانا أعجب من انقلاب الميت حيا فهو أولى بالدلالة على الحلول في الجملة # قال وبالجملة مذهب النصارى والحلولية أخس من أن يلتفت إليه # قلت ما ذكره من إبطال الحلول بإلزام النصارى كلام صحيح ولكن هذا إنما ~~يستقيم على قول أهل الإثبات المثبتين لمباينته للعالم فأما على قول الجهمية ~~النفاة فلا تستقيم هذه الحجة # وذلك أن الحلولية على وجهين # أحدهما أهل الحلول الخاص كالنصارى والغالية من هذه الأمة الذين يقولون ~~بالحلول إما في على وإما في غيره # والثاني القائلون بالحلول العام الذين يقولون في جميع المخلوقات نحوا مما ~~قالته النصارى ms1151 في المسيح عليه السلام أو ما هو شر PageV06P151 ~~منه ويقولون النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا كما يقول ذلك الاتحادية أصحاب ~~صاحب الفصوص وأمثاله وهم كثيرون في الجهمية # بل عامة عباد الجهمية وفقهائهم وعامة الذين ينتسبون إلى التحقيق من ~~الجهمية هم من هؤلاء كابن الفارض وابن سبعين والقونوي والتلمساني وأمثالهم # فإذا قال الجهمي الذي يقول إنه في كل مكان ويقول مع ذلك بأن وجوده غير ~~وجود المخلوقات أو يقول بالاتحاد من وجه والمباينة من وجه كما هو قول ابن ~~عربي وأمثاله كما حكى الإمام أحمد عنهم يقول إنه في كل مكان لا مماس ~~للأمكنة ولا مباين لها وأنه حال في العالم أو متحد به لا كحلول الأعراض ~~والأجسام في الأجسام وأشباه ذلك # فاحتج موافقوهم على نفي المباينة كالرازي وأمثاله بما ذكروه من قولهم ~~الحلول إنما يعقل إذا كان الحال مفتقرا إلى المحل فإما أن يكون الحلول ~~جائزا أو واجبا فإن كان جائزا انتفى افتقاره إلى المحل فلزم الجمع بين ~~النقيضين أن يكون مفتقرا إلى المحل غير مفتقر إليه لكون حلوله جائزا لا ~~واجبا وإن كان الحلول واجبا لم يكن الحال واجبا بنفسه بل بغيره PageV06P152 # قال لهم الحلولية قولكم الحلول المعقول يقتضي افتقار الحال إلى المحل ~~إنما يكون إذا كان الحال عرضا فضلا عن أن يكون جسما فضلا عن أن يكون لا ~~جسما ولا عرضا فإما إذا قدر حال ليس بجسم ولا عرض فلم قلتم إن حلوله يقتضي ~~افتقاره إلى المحل وقالوا لهم إذا جوزتم وجود موجود لا مباين لغيره ولا حال ~~فيه فلم لا يجوز وجود موجود حال في غيره ليس مفتقرا إليه # فإذا قلتم لا نعقل حالا في شيء إلا مفتقرا إليه # قيل لكم هذا كما قلتموه للمثبتة هذا من حكم الوهم والخيال لما قال ~~المثبتة لا نعقل موجودا إلا مباينا لغيره أو محايثا له # وهذا هو السؤال الذي أورده أحمد من جهة الجهمية حيث قالوا هو في كل مكان ~~لا مماس ولا مباين فضلا عن أن يقولوا مفتقرا فإن ms1152 الافتقار إنما يعقل في ~~حلول الأعراض فأما حلول الأعيان القائمة بأنفسها في الأعيان القائمة ~~بأنفسها فلا يجب فيه الافتقار # والقائلون بالحلول إنما يقولون هو حلول عين في عين لا حلول صفة في محل ~~فلهذا قال لهم الإمام أحمد وأمثاله أهو مماس أو مباين فإذا سلبوا هذين ~~المتقابلين تبين مخالفتهم لصريح العقل وكانت هذه الحجة عليهم خيرا من حجة ~~الرازي حيث إنه نفى حلول العرض في محله فإن هذا لم يقله أحد PageV06P153 # وكذلك ما نفاه من الاتحاد ليس فيه حجة على ما ادعوه من الاتحاد فإنهم لا ~~يقولون ببقائهما بحالهما ولا ببقاء أحدهما وإنما يشبهون الاتحاد باتحاد ~~الماء واللبن والماء والخمر واتحاد النار والحديد # فقوله هذا ليس باتحاد نزاع لفظي فهم يسمون هذا اتحادا فلا بد من بيان ~~بطلان ما أثبتوه من الجلول والاتحاد وإلا كان الدليل منصوبا في غير محل النزاع # وأما الأئمة الذين ردوا على الحلولية فأبطلوا نفس ما ادعوه وإن كان هؤلاء ~~لا يقرون بأنا نقول بالحلول كما لا يقر القائلون بأنه لا داخل العالم ولا ~~خارجه بالتعطيل فلزوم الحلول لهؤلاء كلزوم التعطيل لهؤلاء والتعطيل شر من الحلول # ولهذا كان العامة من الجهمية إنما يعتقدون أنه في كل مكان وخاصتهم لا ~~تظهر لعامتهم إلا هذا لأن العقول تنفر عن التعطيل أعظم من نفرتها عن الحلول ~~وتنكر قول من يقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه أعظم مما تنكر أنه في كل ~~مكان فكان السلف يردون خير قوليهم وأقربهما إلى المعقول وذلك مستلزم فساد ~~القول الآخر بطريق الأولى PageV06P154 # ومن العجب أن الجهمية من المعتزلة وغيرهم ينسبون المثبتين للصفات إلى قول ~~النصارى كما قد ذكر ذلك عنهم أحمد وغيره من العلماء # وبهذا السبب وضعوا على ابن كلاب حكاية راجت على بعض السبين إلى السنة ~~فذكروها في مثالبه وهو أنه كان له أخت نصرانية وأنها هجرته لما أسلم وأنه ~~قال لها أنا أظهرت الإسلام لأفسد على المسلمين دينهم فرضيت عنه لأجل ذلك # وهذه الحكاية إنما افتراها بعض الجهمية من المعتزلة ونحوهم ms1153 لأن ابن كلاب ~~خالف هؤلاء في إثبات الصفات وهم ينسبون مثبتة الصفات إلى مشابهة النصارى ~~وهم أشبه بالنصارى لأنه يلزمهم أن يقولوا إنه في كل مكان وهذا أعظم من قول ~~النصارى أو أن يقولوا ما ما هو شر من هذا وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه # ولهذا كان غير واحد من العلماء كعبد العزيز المكي وغيره يردون عليهم بمثل ~~هذا ويقولون إذا كان المسلمون كفروا من يقول إنه PageV06P155 ~~حل في المسيح وحده فمن قال بالحلول في جميع الموجودات أعظم كفرا من النصارى بكثير # وهم لا يمكنهم أن يردوا على من قال بالحلول إن لم يقولوا بقول أهل ~~الإثبات القائلين بمباينته للعالم فيلزمهم أحد الأمرين إما الحلول وإما ~~التعطيل والتعطيل شر من الحلول ولا يمكنهم إبطال قول أهل الحلول مع قولهم ~~بالنفي الذي هو شر منه وإنما يمكن ذلك لأهل الإثبات # وهم وإن قالوا إن مذهب النصارى والحلولية أخس من أن يلتفت إليه فلا ~~يقدرون على إبطاله مع قولهم بالتجهم ولهذا لم يكن فيما ذكروه حجة على ~~إبطاله فيلزمهم إما إمكان تصحيح قول النصارى والحلولية وإما أبطال قولهم ~~وهذا لا حيلة فيه لمن تدبر ذلك # وهب أنهم يمكنهم إبطال قول النصارى في تخصيصهم المسيح بالحلول والاتحاد ~~حيث يقال إذا جوز الحلول والاتحاد بالمسيح جاز بغيره فإن القائلين بعموم ~~الحلول والاتحاد يلتزمون هذا ويقولون النصارى كفرهم لأجل التخصيص وكذلك ~~عباد الأصنام إنما أخطأوا من حيث عبدوا بعض المظاهر دون بعض والعارف المحقق ~~عندهم من لا يقتصر على بعض المظاهر والمجالي بل يعيد كل شيء كما قد صرح ~~بذلك ابن عربي صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم وأمثاله من أئمة هؤلاء ~~الجهمية القائلين بوحدة الوجود PageV06P156 ~~الذين هم محققو أهل الحلول والاتحاد ولهذا كان هؤلاء لهم الظهور والاستطالة ~~على نفاة الحلول والمباينة جميعا بل هؤلاء يخضعون لأولئك ويعتقدون فيهم ~~ولاية الله وينصرونهم على أهل الإيمان القائلين بمباينة الخالق للمخلوق كما ~~قد رأيناه وجربناه # وسبب ذلك أن قول هؤلاء الحلولية والاتحادية مسقف بالتأله والتعبد والتصوف ms1154 ~~والأخلاق ودعوى المكاشفات والمخاطبات ونحو ذلك مما لا يكاد يفهمه أكثر ~~النفاة فإذا كانوا لا يفهمون حقيقة قولهم سلموا إليهم ما يقولونه وظنوا أن ~~هذا من جنس كلام أكابر أولياء الله الذين أطلعهم الله من الحقائق على ما ~~يقصر عنه عقول أكثر الخلائق وسلموا لهم ما لا يفهمونه من أقوالهم كما ~~يسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يفهمونه من أقواله فيعظمون هؤلاء ~~كما يعظمون الرسول بمثابة من صدق محمدا رسول الله ومسيلمة الكذاب صدق كلا ~~منهما في أنه رسول الله كحال أهل الردة الذين آمنوا بمسيلمة المتنبي مع ~~دعواهم أنهم مؤمنون بمحمد رسول الله ولا يعرفون ما بين قول هذا وقول هذا من ~~المناقضة والمنافاة لعدم تحققهم في الإيمان بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم # فهكذا نفاة العلو والصفات من الجهمية أو نفاة العلو وحده إذا سمعوا ~~النصوص الإلهية المثبتة للعلو والصفات أعرضوا عن فهم PageV06P157 ~~معناها وإثبات موجبها ومقتضاها وآمنوا بألفاظ لا يعرفون مغزاها وآمنوا ~~للرسول إيمانا مجملا بأنه لا يقول إلا حقا ولم يكن في قلوبهم من العلم ~~بمباينة الله لخلقه وعلوه عليهم ما ينفون به بدعة الحلولية والاتحادية ~~وأمثالهم لأن أحد المتقابلين إنما يرتفع عن القلب بإثبات مقابله وأحد ~~النقيضين لا يزول عن القلب زوالا مستقرا إلا بإثبات نقيضه # فإذا كان حقيقة الأمر أن الرب تعالى إما مباين للعالم وإما مداخل له كان ~~من لم يثبت المباينة لم يكن عنده ما ينافي المداخلة بل إما أن يقر ~~بالمداخلة وإما أن يبقى خاليا عن اعتقاد المتقابلين المتناقضين ولا يمكنه ~~مع عدم اعتقاد نقيض قول أن يعتقد فساده ولا ينكره ولا يرده بل يبقى بمنزلة ~~من سمع أن محمدا قال إنه رسول الله وأن مسليمة قال إنه رسول الله وهو لم ~~يصدق واحدا منهما ولم يكذب واحد منهما فمثل هذا يمتنع أن يرد على مسيلمة أو يكذبه # فهكذا من كان لم يقر بأن الخالق تعالى مباين للمخلوق لم يمكنه أن يناقض ~~قول من يقول بالحلول والاتحاد بل ms1155 غايته أن لا يوافقه كما لم يوافق قول أهل ~~الإثبات فهو لم يؤمن بما قاله محمد رسول الله والمؤمنون به ولا بما قاله ~~مخالفوه الدجالون الكذابون من أهل الحلول والاتحاد وغيرهم من نفاة العلو PageV06P158 ~~وقول النفاة للمباينة المداخلة جميعا لما كان في حقيقة الأمر نفيا ~~للمتقابلين المتناقضين بمنزلة قول القرامطة الذين يقولون لا حي ولا ميت ولا ~~عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز كان قولهم في العقل أفسد من قول من لا ~~يؤمن بمحمد ولا بمسيلمة فإن كلاهما مبطل لكن بطلان سلب النقيضين وما هو في ~~معنى النقيضين أبين في العقل من الإقرار بنبوة رسول من رسل الله صلى الله ~~عليهم أجمعين فلهذا لا تكاد تجد أحدا من نفاة المباينة والمداخلة جميعا أو ~~من الواقفة في المباينة يمكنه مناقضة الحلولية والاتحادية مناقضة يبطل بها ~~قولهم بل أي حجة احتج بها عليهم عارضوه بمثلها وكانت حجتهم أقوى من حجته # فإذا قال لهم لا يعقل الحلول إلا حلول العرض فيكون الحال مفتقرا إلى ~~المحل أو قال ما هو أبلغ من هذا مما احتج به الأئمة عليهم لو كان حالا لم ~~يخل من المباينة والمماسة فإن القائم بنفسه إذا حل في القائم بنفسه لم يخل ~~من هذا وهذا قالوا للنفاة هذا أنما يكون إذا كان الحال متحيزا او قائما ~~بمتحيز أو قالوا هذا هو المعقول من حلول الأجسام وأعراضها فأما إذا قدرنا ~~موجودا قائما بنفسه ليس بجسم ولا متحيز لم يمتنع أن يكون حالا بلا افتقار ~~إلى المحل ولا مماسة ولا مباينة PageV06P159 ~~فإن قال إخوانهم من النفاة للعلو والمباينة هذا لا يعقل # قالوا لهم إذا عرضنا على العقل وجود موجود قائم بنفسه لا مباين للعالم ~~ولا محايث له ولا داخل فيه ولا خارج عنه وعرضنا على العقل وجود موجود في ~~العالم قائم بنفسه لا مماس له ولا مباين له وليس بجسم ولا متحيز أو وجود ~~موجود مباين له وليس بجسم ولا متحيز كان هذا أقرب إلى العقل # وذلك أن وجود موجود لا ms1156 يشار إليه ولا يكون متحيزا لا جسما ولا جوهرا إما ~~أن يكون ممكنا وإما أن لا يكون فإن لم يكن ممكنا بطل قول من يثبت موجودا لا ~~داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه وكان حينئذ قول من أثبت موجودا خارج ~~العالم أو داخله وقال إنه لا يشار إليه أقل فسادا في العقل من هذا وإن كان ~~وجود موجود لا يشار إليه ولا يكون جسما ولا متحيزا ممكنا في العقل فمن ~~المعلوم إذا قيل مع ذلك إنه خارج العالم لم يجب أن يشار إليه ولا يكون جسما ~~منقسما ولا مطابقا موازيا محاذيا للعرش لا أكبر منه ولا أصغر ولا مساويا # وإن قيل مع ذلك إنه حال في العالم لم يجز أن يقال إنه مماس أو مباين لأن ~~المماسة والمباينة عندهم من عوارض الجسم المشار إليه فما PageV06P160 ~~لا يكون جسما لا يشار إليه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا وإذا كان قائما بنفسه ~~لا يشار إليه امتنع أن يقال هو عرض أو كالعرض المفتقر إلى المحل بل إثبات ~~ما لا يشار إليه وهو داخل العالم أو خارجه أقرب إلى ما تثبته العقول من ~~إثبات ما لا يشار إليه ولا هو داخل العالم ولا خارجه # ومما يقرر هذه الحجج أن هؤلاء النفاة لما أرادوا بيان إمكان وجود موجود ~~لا داخل العالم ولا خارجه وأن نفي ذلك ليس معلوما بضرورة العقل احتجوا على ~~ذلك بإثبات الكليات واحتجوا بأن الفلاسفة وطائفة من متكلمي المسلمين من ~~المعتزلة والشيعة والأشعرية أثبتوا النفس وقالوا إنها لا داخل البدن ولا ~~خارجه ولا توصف بحركة ولا سكون ولا مباينة لغيرها ولا حلول فيه # قالوا وقول هؤلاء ليس معلوم الفساد بالضرورة والمثبتون لما طلبوا بيان ~~فساد قولهم بينوا أن الكليات وجودها في الأذهان لا في الأعيان وأن قول ~~هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة حتى عند جماهير المتكلمين من المعتزلة ~~والأشعرية والكرامية وغيرهم # والمقصود هنا أن يقال لهؤلاء إذا جوزتم إثبات كليات لا PageV06P161 ~~داخل العالم ولا خارجه مع أنها متعلقة بمعينات بل ms1157 جعلتموها جزءا من ~~المعينات حيث قلتم المطلق جزء من المعين وجوزتم وجود نفوس مجردات عقلية لا ~~داخل العالم ولا خارجه مع أنها متعلقة بأبدان بني آدم تعلق التدبير ~~والتصريف وجوزتم أيضا وجود نفس فلكية كذلك على أحد قوليكم فما المانع أن ~~يكون واجب الوجود مع تدبيره وتصريفه للعالم متعلقا به تعلق النفوس بالأبدان ~~وتعلق الكليات بالأعيان # والنصارى لا يصلون إلى أن يقولوا إن اللاهوت في الناسوت كالنفس في البدن ~~بل مباينة اللاهوت للناسوت عندهم أعظم من مباينة النفس للبدن فإذا جوزتم ما ~~يكون لا داخل العالم ولا خارجه مع تعلقه بالأبدان أعظم من تعلق اللاهوت ~~بالناسوت عند النصارى أمكن أن يكون واجب الوجود متعلقا بالأبدان بل ~~بالموجودات كلها كذلك وكان قول الجهمية الذين يقولون إن اللآهوت في كل مكان ~~أقرب إلى المعقول من قول من يقول إن المجردات في الأبدان والأعيان # ومما يزيد الأمر وضوحا أن هؤلاء الفلاسفة المشائين ومن وافقهم من ~~المتكلمة والمتصوفة يثبتون خمسة أنواع من الجواهر واحد منها هو الجوهر الذي ~~يمكن إحساسه وهو الجسم في اصطلاحهم وأربعة هي جواهر عقلية لا يمكن الإحساس ~~بها وهي العقل PageV06P162 ~~والنفس والمادة والصورة مع اتفاقهم على أن الأجسام المحسوسة مركبة من ~~المادة والصورة وهما جوهران عقليان كما يقولون إن الأعيان المعينة المحسوسة ~~فيها كليات طبيعية عقلية هي أجزاء منها # فإذا كان هؤلاء يثبتون في الجواهر المحسوسة ومعها جواهر عقلية لا ينالها ~~الحسن بحال ويجعلون هذا حالا وهذا محلا لم يمكنهم مع ذلك أن ينكروا كون ~~الوجود الواجب هو حالا أو محلا لهذه المحسوسات # وهذا هو الذي انتهى إليه محققوهم كابن سبعين وأمثاله فإنهم جعلوا الوجود ~~الواجب مع الممكن كالمادة مع الصورة وكالصورة مع المادة أو ما يشبه ذلك ~~يجعلون الوجود الواجب جزءا من الممكن كما أن المطلق جزء من المعين حتى أن ~~ابن رشد الحفيد وأمثاله يجعلون الوجود الواجب كالشرط في وجود الممكنات الذي ~~لا يتم وجود الممكنات إلا به مع أن الشرط قد يكون وجوده مشروطا بوجود ~~المشروط فيكون ms1158 كل منهما شرطا في وجود الآخر # وهذا حقيقة قولهم يجعلون الواجب مع الممكن كل منهما مفتقر إلى الآخر ~~ومشروط به كالمادة والصورة فابن عربي يجعل أعيان الممكنات ثابتة في العدم ~~والوجود الواجب فاض عليها فلا يتحقق وجوده إلا بها ولا تتحقق ماهيتها إلا ~~به وبنى قوله على أصلين فاسدين PageV06P163 # أحدهما أن الوجود واحد ليس هنا وجودان أحدهما واجب بنفسه والآخر بغيره # والثاني أن وجود كل شيء زائد على حقيقته وماهيته وأن المعدوم شيء موافقة ~~لمن قال هذا وهذا من المعتزلة والفلاسفة ومن وافقهم من متأخري الأشعرية ~~فالحقائق والذوات عنده ثابتة في العدم ووجود الحق فاض عليها فكان كل منهما ~~مفتقرا إلى الآخر ولهذا يقول إن الحق يتصف بجميع صفات المخلوقات من النقائض ~~والعيوب وأن المخلوق يتصف بجميع صفات الله تعالى من صفات الكمال كما قال ~~ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبرا بذلك عن نفسه وبصفات النقص وصفات ~~الذم ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق فهي من أولها إلى آخرها صفات له كما ~~أن صفات المحدثات حق للحق # ولهذا قال فالأمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين ~~واحدة لا بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة # { فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } سورة الصافات PageV06P164 ~~102 فالولد عين أبيه فما رأى يذبح غير نفسه { وفديناه بذبح عظيم } سورة ~~الصافات 107 فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان بل بحكم ولد من هو عين ~~الوالد { وخلق منها زوجها } سورة النساء 1 فما نكح سوى نفسه # وقال فيعبدني وأعبده ويحمدني وأحمده # وقال ولما كان فرعون في مرتبة الحكم قال { أنا ربكم الأعلى } سورة ~~النازعات 24 أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته ~~من الحكم فيكم ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله لم ينكروه وأقروا PageV06P165 ~~بذلك وقالوا { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } { فاقض ما أنت قاض } سورة طه ~~72 فالدولة لك فصح قوله { أنا ربكم الأعلى } سورة النازعات 24 وإن كان عين ms1159 الحق # وقال فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه ~~بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه وما حكم الله بشيء إلا وقع فكان عتب ~~موسى على أخيه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من ~~يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء # وقال في قصة قوم نوح { ومكروا مكرا كبارا } سورة نوح 22 لأن الدعوة إلى ~~الله مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية PageV06P166 # وقوله ادعوا إلى الله عين المكر فأجابوه مكرا كما دعاهم مكرا فقالوا في ~~مكرهم { لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا } ~~سورة نوح 23 فإنهم إذا تركوا هؤلاء جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من ~~هؤلاء فإن اللحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله كما قال في ~~المحمدين { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } سورة الإسراء 23 أي حكم # وفسر قوله قضى بمعنى قدر لا بمعنى أمر # قال وما حكم الله بشيء إلا وقع # والعارف يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق والكثرة ~~كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية فما عبد ~~غير الله في كل معبود PageV06P167 ~~وأمثال هذا الكلام كثير في كلام هذا وأمثاله كابن سبعين الذي حقق قول هؤلاء ~~الفلاسفة تحقيقا لم يسبق إليه وكان آخر قوله وأن الله في النار نار وفي ~~الماء ماء وفي الحلو حلو وفي المر مر وأنه في كل شيء تصوره ذلك الشيء كما ~~قد بسط الكلام عليه غير هذا الموضع # وكذلك ابن حموية الذي يتكلم بنحو هذا في مواضع من كلامه # وكذلك ابن الفارض في قصيدته المشهورة التي يقول فيها % لها صلواتي ~~بالمقام أقيمها % وأشهد فيها أنها لي صلت % % كلانا مصل واحد ساجد إلى % ~~حقيقته بالجمع في كل سجدة % PageV06P168 ~~% وما كان لي صلى سواى ولم تكن % صلاتي لغيرى في أدا كل ركعة % # إلى أن قال ms1160 % ومازلت أياها وإياى لم تزل % ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت % ~~% إلى رسولا كنت منى مرسلا % وذاتي بآياتي على استدلت % % فإن دعيت كنت ~~المجيب وإن أكن % منادى أجابت من دعاني ولبت % % وقد رفعت تاء المخاطب ~~بيننا % وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي % % وفارق ضلال الفرق فالجمع منتج % ~~هدى فرقة بالاتحاد تحدت % PageV06P169 # فإن العارف المحقق من هؤلاء يقول أرسل من نفسه إلى نفسه رسولا بنفسه فهو ~~المرسل والمرسل إليه والرسول ويقول من هو من أكبر من أضلوه من أهل الزهادة ~~والعبادة مع الصدق في تسبيحاته وأذكاره الوجود واحد وهو الله ولا أرى ~~الواحد ولا أرى الله # ويقول أيضا نطق الكتاب والسنة بثنوية الوجود والوجود واحد لا ثنوية فيه # ويكرر ذلك كما يكرر المسلمون سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر # وعنده أن هذا غاية التحقيق والعرفان # ويجىء من هو أفضل المتكلمين من النفاة للعلو يعتقد في مثل هذا أنه كان من ~~أفضل أهل الأرض أو أفضلهم ويأخذ ورقة فيها سر مذهبه يرقى بها المرضى كما ~~يرقى المسلمون بفاتحة الكتاب كما أخبرنا بذلك الثقاة وهم يقدمون تلك الرقية ~~على فاتحة الكتاب PageV06P170 # ويقول من هو من شعرائهم العارفين % وما أنت غير الكون بل أنت عينه % ~~ويشهد هذا السر من هو ذائق % # ويقول % وتلتذ إن مرت على جسدي يدى % لأني في التحقيق لست سواكم % # وأمثال هذا كثير # والمتكلمة النفاة منهم من يوافق هؤلاء ومنهم من لا يوافقهم ومن وافقهم ~~يقال له أين ذاك النفي لا داخل ولا خارج من هذا الإثبات وهو أنه وجود كل موجود # فيقول هذا حكم عقلي وهذا حكم ذوقي أو يرجع عن ذلك النفي ويقول المطلق جزء ~~من المعينات والوجود الواجب للموجودات مثل الكلي الطبيعي للأعيان كالجنس ~~لأنواعه والنوع لأشخاصه كالحيوانية في الحيوانات والإنسانية في الأناسي ~~وهذا غايته أن يجعله شرطا في وجود الممكنات لا مبدعا فاعلا لها فإن الكليات ~~لا تبدع أعيانها بل غايتها إذا كانت موجودة في الخارج أن تكون شرطا في ~~وجودها بل جزءا ms1161 منها # ومن لا يوافقهم أكثرهم يسلمون لهم أقوالهم أو يقولون نحن لا نفهم هذا أو ~~يقولون هذا ظاهره كفر لكن قد تكون له أسرار وحقائق يعرفها أصحابها PageV06P171 # ومن هؤلاء من يعاونهم وينصرهم على أهل الإيمان المنكرين للحلول والاتحاد ~~وهو شر ممن ينصر النصارى على المسلمين فإن قول هؤلاء شر من قول النصارى بل ~~هو شر ممن ينصره المشركين على المسلمين # فإن قول المشركين الذين يقولون إنما نعبدهم { ليقربونا إلى الله زلفى } ~~سورة الزمر 3 خير من قول هؤلاء فإن هؤلاء أثبتوا خالقا ومخلوقا غيره ~~يتقربون به إليه وهؤلاء يجعلون وجود الخالق وجود المخلوق # وغاية من تجده يتحرى الحق منهم أن يقول العالم لا هو الله ولا غير الله # ولما وقعت محنة هؤلاء الملاحدة المشهورة وجرى فيها ما جرى من الأحوال ~~ونصر الله الإسلام عليهم طلبنا شيوخنا لنتوبهم فجاء من كان من شيوخهم وقد ~~استعد لأن يظهر عندنا غاية ما يمكنه أن يقوله لنا ليسلم من العقاب فقلنا له ~~العالم هو الله أو غيره فقال لا هو الله ولا غيره # وهذا ما كان عنده هو القول الذي لا يمكن أحد أن يخالف فيه ولو علم أنا ~~ننكره لما قاله لنا وكان من أعيان شيوخهم ومحققيهم PageV06P172 ~~وممن له أتباع ومريدون وله ولأصحابه سلطان ودولة ومعرفة ولسان وبيان حتى ~~أدخلوا معهم من ذوي السلطان والقضاة والشيوخ والعامة ما كان دخولهم في ذلك ~~سببا لانتقاص الإسلام ومصيره أسوا من دين النصارى والمشركين لولا ما من ~~الله به من نصر الإسلام عليهم وبيان فساد أقاويلهم وإقامة الحجة عليهم وكشف ~~حقائق ما في أقوالهم من التلبيس الذي باطنه كفر وإلحاد لا يفهمه إلا خواص العباد # والمقصود هنا أن الحلولية إذا أراد النفاة للمباينة والحلول جميعا من ~~متكلمة الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية كابن سينا والرازي وأبي حامد وأمثالهم ~~أن يردوا عليهم حجة عقلية تبطل قولهم لم يمكنهم ذلك كما تقدم بل يلزم من ~~تجويزهم إثبات وجود لا داخل العالم ولا خارجه تجويز قول الحلولية ولهذا لا ~~تجد في ms1162 النفاة من يرد على الحلولية ردا مستقيما بل إن لم يكن موافقا لهم ~~كان معهم بمنزلة المخنث كالرافضي مع الناصبي فإن الرافضي لا يمكنه أن يقيم ~~حجة على الناصبي الذي يكفره علنا أو يفسقه فإنه إذا قال للرافضي بماذا عملت ~~أن عليا مؤمن ولي لله من أهل الجنة قبل ثبوت إمامته وهذا إنما يعلم بالنقل ~~والنقل إما متواتر وإما آحاد # فإن قال له الرافضي بما تواتر من إسلامه ودينه وجهاده وصلاته وغير ذلك من ~~عباداته PageV06P173 # قال له وهذا أيضا متواتر عن أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وعمرو ابن العاص ~~وغيرهم من الصحابة وأنت تعتقد كفرهم أو فسقهم # وقال له أيضا أنت تقول إن عليا كان يستجيز التقية وأن يظهر خلاف ما يبطن ~~ومن كان هذا قوله أمكن أن يظهر الإسلام مع نفاقه في الباطن # فإن قال الرافضي للناصبي علمت ذلك بثناء النبي صلى الله عليه وسلم ~~وشهادته له بالإيمان والجنة كقوله لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ~~ويحبه الله ورسوله وقوله أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ونحو ذلك # قال له الناصبي قد نقل أضعاف ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وأنت تطعن في ~~تلك المنقولات أو تقول إنهم ارتدوا بعد موته فما يؤمنك إن كان قولك في ~~هؤلاء صحيحا أن يكون على كذلك PageV06P174 # وأيضا فهذه الأحاديث إنما نقلها الصحابة الذين تذكر أنت كفرهم وفسقهم ~~والكافر والفاسق لا تقبل روايته # فإن قال هذه نقلها الشيعة # قال له الناصبي الشيعة لم يكونوا موجودين على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهم يقولون إن الصحابة ارتدوا إلا نفرا قليلا إما عشرة أو أقل أو أكثر ~~ومثل هؤلاء يجوز عليهم المواطأة على الكذب # فإن قال أنا أثبت إيمانه بالقرآن كقوله تعالى { والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه } سورة ~~التوبة 100 وقال { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~} سورة الفتح 29 # وقال { وكلا وعد الله الحسنى } سورة النساء 95 # وقوله ms1163 { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } سورة الفتح 18 # قال له الناصبي هذه الآيات تتناول أبا بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين ~~والأنصار كما تتناول عليا ليس في ظاهرها ما يخص عليا # فإن جاز أن يدعى خروج هؤلاء منها أو أنهم دخلوا فيها ثم خرجوا بالردة ~~أمكن الخوارج الذين يكفرون عليا أن يقولوا مثل ذلك # والمقصود هنا أن الرافضة لا يمكنهم إقامة حجة صحيحة على PageV06P175 ~~الخوارج وإنما يتمكن من ذلك أهل السنة والجماعة الذين يقرون بعموم هذه ~~الآيات وتناولها لأهل بيعة الرضوان كلهم ويقرون بالأحاديث الصحيحة المروية ~~في فضائل الصحابة وأنهم كانوا صادقين في روايتهم فهم الذين يمكنهم الرد على ~~الخوارج والروافض بالطرق الصحيحة السليمة عن التناقص # وهكذا الرد على الحولية وبيان إبطال قولهم بالحق إنما يتمكن منه أهل ~~السنه المثبتة لعلو الله على خلقه ومباينته لهم فإن قول هؤلاء نقيض قول ~~الحلولية ومن علم ثبوت أحد النقيضين أمكنه إبطال ما يقابله بخلاف قول ~~النفاة فإنه متضمن رفع النقيضين أو ما هما في معنى النقيضين ورفع النقيضين ~~أشد بطلانا من إثبات أحدهما بل أشد بطلانا من المناقض الباطل فإن رفعهما ~~يعلم امتناعه بصريح العقل وأما انتفاء أحدهما فهو أخفى في العقل من رفعهما ~~فمن رفع النقيضين أو ما في معناهما لم يمكنه إبطال قول من أثبت أحدهما وما ~~من حجة يحتج بها من رفع المتقابلين إلا ويمكن من أثبت أحدهما أن يحتج عليه ~~بما هو أقوى منها من جنسها # ولهذا كان إطباق العقول السليمة على إنكار قول النفاة المتقابلين أعظم من ~~إطباقها على إنكار قول الحلولية لأن الموجود الواجب الوجود كلما وصف بصفات ~~المعدومات الممتنعات كان أعظم بطلانا وفسادا من وصفه بما هو أقرب إلى الوجود # ومما يبين هذا أن الصفات السلبية ليس فيها بنفسها مدح ولا توجب PageV06P176 ~~كمالا للموصوف إلا أن تتضمن أمر وجوديا كوصفه سبحانه بأنه لا تأخذه سنة ولا ~~نوم فإنه يتضمن كمال حياته وقيوميته # وكذلك قوله تعالى { وما مسنا من لغوب } سورة ق 38 ms1164 متضمن كمال قدرته # وقوله { لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض } سورة سبأ 3 ~~يقتضي كمال علمه # وكذلك قوله { لا تدركه الأبصار } سورة الأنعام 103 يقتضي عطمته بحيث لا ~~تحيط به الأبصار # وكذلك نفي المثل والكفو عنه يقتضي أن كل ما سواه فإنه عبد مملوك له وذلك ~~يقتضي من كماله ما لا يحصل إذا كان له نظير مستغن عنه مشارك له في الصنع ~~فإن ذلك نقص في الصانع فأما العدم المحض والنفي الصرف مثل كونه لا يمكن ~~رؤيته بحال وكونه لا مباينا للعالم ولا مداخلا له فإن هذا أمر يوصف به ~~المعدوم فإن المعدوم لا يمكن رؤيته بحال وليس هو مباينا للعالم ولا مداخلا ~~له والمعدوم المحض لا يتصف بصفة كمال ولا مدح ولهذا كان تنزيه الله تعالى ~~بقوله سبحان الله يتضمن مع نفي صفات النقص عنه إثبات ما يلزم ذلك من عظمته ~~فكان في التسبيح تعظيم له مع تبرئته من السوء # ولهذا جاء التسبيح عند العجائب الدالة على عظمته كقوله تعالى { سبحان ~~الذي أسرى بعبده ليلا } سورة الإسراء 1 وامثال ذلك # ولما قال { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } سورة PageV06P177 ~~الصافات 180 كان تنزيهه عما وصفوه به متضمنا لعظمته اللازمة لذلك النفي # وإذا كان كذلك فنفاة النقيضين وما هو في معنى النقيضين لم يتضمن وصفهم له ~~بذلك شيئا من الإثبات ولا التعظيم بخلاف القائلين بالحلول في جميع الأمكنة ~~فإنهم يصفونه بما فيه تعظيم له # ولهذا يقول من يذر الطائفتين إن هؤلاء قصدوا تنزيهه وهؤلاء قصدوا تعظيمه ~~فإذا كان التنزيه إن لم يتضمن تعظيما لم يكن مدحا كان من وصفه بما فيه ~~تعظيم أقرب إلى المعقول ممن وصفه بما يشركه فيه المعدوم من غير أن يكون فيه ~~تعظيم فلم يمكن أولئك النفاة أن يبطلوا حجج هؤلاء المعظمين وإذا ردوا عليهم ~~ببيان ما في قولهم من إثبات ما لا يعقل أو التناقص قالوا لهم إن في قولهم ~~من إثبات ما لا يعقل ومن التناقص ما هو أعظم من ms1165 ذلك # فإن قال النفاة هؤلاء الحلولية قد أثبتوا حلولا يقتضي افتقاره إلى المحل ~~كالصورة مع المادة وكالوجود مع الثبوت ونحو ذلك مما يقتضي أن أحدهما محتاج ~~إلى الآخر ونحن قد بينا إنما يعقل الحلول إذا كان الحال محتاجا إلى المحل ~~وذلك باطل لأن ذلك يناقض وجوبه كما تقدم فقد أبطلنا قول هؤلاء # قيل عن هذا جوابان # أحدهما أنه ليس كل من قال بالحلول يقول بافتقاره إلى المحل بل كثير من ~~القائلين بالحلول يقولون إنه في كل مكان مع استغنائه عن PageV06P178 ~~المحل وهو قول النجارية وكثير من الجهمية وقول من يقول بالحلول الخاص ~~كالنصارى وغيرهم # الثاني أنه بتقدير أن يكون الحلول مستلزما للافتقار فأنتم لن تثبتوا غناه ~~عما سواه فإن طريقة الرازي والآمدى وأمثالهما في إثبات الصانع هي طريقة ابن ~~سينا في إثبات واجب الوجود وهذه الطريقة لا تدل على إثبات موجود قائم بنفسه ~~واجب الوجود # وإن قيل إنها تدل على ذلك فلم تدل على أنه مغاير للعالم بل يجوز أن يكون ~~هو العالم # ومن طريقهم قال هؤلاء بوحدة الوجود فإن طريقتهم المشهورة أن الوجود ينقسم ~~إلى واجب وممكن والممكن لا بد له من واجب فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين ~~وهذا القدر يدل على أنه لا بد من وجود واجب ومن قال كل موجود واجب فقد وفى ~~بموجب هذه الحجة ومن قال إن الوجود الواجب مع الممكن كالصورة مع المادة أو ~~كالوجود مع الثبوت فقد وفي بموجب هذه الحجة بل لا يمكنهم إثبات لوجود واجب ~~مغاير للممكن إن لم يثبتوا أن في الوجود ما هو ممكن يقبل الوجود والعدم # وهم يدعون أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم قد يكون قديما أزليا ولا ~~يمكنهم إقامة دليل على ثبوت الإمكان بهذا الاعتبار # ولهذا لما احتاجوا إلى إثبات الإمكان استدلوا بأن الحادث لا بد له من ~~محدث وأن الحوادث مشهودة PageV06P179 # وهذا حق لكنه يدل على أن المحدث لا بد له من قديم فيلزم ثبوت قديم لكن لا ~~يلزم من ذلك عندهم أن يكون واجب ms1166 الوجود ثابتا إلا بذلك التقسيم إذ كانوا ~~يجوزون على القديم أن يكون ممكن الوجود فإذا قالوا القديم إن كان ممكنا فلا ~~بد له من واجب لم يمكنهم إثبات واجب إلا بإثبات هذا الممكن وهذا ممتنع وهو ~~أيضا مستلزم للدور فإنه لا يمكنهم إثبات واجب الوجود إلا بإثبات ممكن ~~الوجود ولا يمكن إثبات ممكن الوجود إلا بإثبات أن المحدث ممكن وله فاعل ~~وذلك لا يستلزم إلا إثبات قديم والقديم عندهم لا يجب أن يكون واجب الوجود ~~فلا يمكنهم أن يثبتوا واجب الوجود حتى يثبتوا ممكن الوجود الذي قد يكون ~~قديما وهذا لا يمكن إثباته إلا بإثبات الممكن الذي هو حادث وهذا لا يدل إلا ~~على إثبات قديم والقديم عندهم لا يستلزم أن يكون واجب الوجود # وأيضا فإذا أثبتوا واجب الوجود فإنهم لم يثبتوا أنه مغاير لهذه المشهودات ~~إلا بطريقة التركيب وهي باطلة # وحينئذ فيمكن أن يقول لهم أهل الحلول الواجب هو حال وإيضاح ذلك أنهم ~~قسموا الوجود إلى واجب وممكن لكن جعلوا الممكن منه ما هو قديم ومنه ما هو ~~محدث وحينئذ فلا يمكن إثبات الواجب إلا بإثبات هذا الممكن وهذا الممكن لا ~~يمكن إثباته # وأيضا فهم لا يثبتون الممكن إلا بإثبات الحادث والحادث لا بد له من ~~القديم والقديم لا يستلزم أن يكون واجبا PageV06P180 # وإذا قالوا القديم إن كان واجبا ثبت الواجب وإن كان ممكنا ثبت الواجب ~~فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين # قيل هذا إذا صح لزم أنه لا بد من واجب كما أن الموجود مستلزم أنه لا بد ~~من واجب وهذا مما لا نزاع فيه لكنه لا يدل على أثبات صانع ولا على أنه ~~مغاير للأفلاك ولا على أنه ليس بحال بل يستلزم أنه لا بد من موجود يمتنع ~~عدمه وهذا مما يوافق عليه منكرو الصانع والقائلون بقدم العالم وأهل الحلول ~~وغيرهم فتبين أنه ليس في كلامهم إبطال مذهب الحلول # والمقصود هنا أن السلف والأئمة كانوا يردون من أقوال النفاة ما هو أقرب ~~إلى الإثبات فيكون ردهم لما هو ms1167 أقرب إلى النفي بطريق الأولى وقول النفاة ~~لبماينته للعالم ومداخلته له أبعد عن العقل من قول المثبتين لأنه قائم ~~بنفسه في كل مكان مع نفي مماسته ومباينته # والسلف ردوا هذا وهذا وكان ذلك تنبيها على إبطال الحلول بمعنى حلول العرض ~~في المحل لكن هذا لم يقل به أحد وإن كان النفاة لم يمكنهم إلا إبطاله خاصة ~~دون أقوال أهل الحلول المعروفة عنهم # ومما يبين هذا أن الطوائف كلها اتفقت على إثبات موجود واجب بنفسه قديم ~~أزلى لا يجوز عليه العدم ثم تنازعوا فيما يجب له ويمتنع عليه # فالنفاة تصفه بهذه الصفات السلبية أنه لا مباين للعالم ولا مداخل ولا فوق ~~ولا تحت ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء PageV06P181 ~~ولا يقرب إليه شيء ولا يقرب هو من شيء وأمثال ذلك بل ويقولون أيضا إنه لا ~~تمكن رؤيته ولا غير ذلك من الإحساس به ولا يمكن الإشارة إليه # وآخرون منهم يقولون ليس له علم ولا قدرة ولا حياة ولا غير ذلك من الصفات # وآخرون يقولون لا يسمى موجودا حيا عالما قادرا إلا مجازا أو بالاشتراك ~~اللفظي وأن هذه الأسماء لا تدل على معنى معقول ويقولون إذا أثبتنا هذه ~~الصفات لزم أن يكون متحيزا والمتحيز مركب أو كالجوهر الفرد في الصغر ونحو ~~ذلك فيفرون من هذه الصفات لا عتقادهم أن ذلك يقتضى التجسيم والأجسام عندهم ~~موجودة لكنها عند بعضهم محدثة وعند بعضهم ممكنة فإذا وصفوا الواجب القديم ~~بذلك لزم أن يكون عندهم ممكنا أو محدثا وذلك ينافي وجوبه وقدمه ويقولون إن ~~هذه المقدمات معلومة بالنظر # وأما المثبتون فيقولون الموصوف بهذه الصفات السلبية لا يكون إلا ممتنعا ~~والامتناع ينافي الوجود فضلا عن وجوب الوجود فيقولون إن الواصفين له بهذه ~~الصفات وصفوه بما لا يتصف به إلا ما يمتنع وجوده ومن وصف ما يجب وجوده بما ~~يمتنع وجوده فقد جعله دون المعدوم الممكن الوجود # ويقولون إن هذه المقدمات معلومة بالضرورة فهم يقولون لأولئك أنتم قررتم ~~من وصفه بالإمكان فوصفتموه بالامتناع ومن وصفه بالحدوث ms1168 فوصفتموه بالعدم PageV06P182 # ويقولون إن الأجسام الجامدة خير من الموصوف بهذه الصفات فضلا عن الأجسام ~~الحية الناقصة فضلا عن الأجسام الحية الكاملة ومن المعلوم أنه إذا دار ~~الأمر بين جسم حي كامل وبين معدوم أو ممتنع كان ذلك خيرا من هذا وإذا كانت ~~هذه التنيجة لازمة لمقدمات يقول أهلها إنها معلومة بالاضطرار كانت أثبت من ~~مقدمات يقول أهلها أنتم لا تعلمونها إلا بالنظر مع اختلافهم في كل مقدمة منها # فعلم بذلك أن المثبتة هم أقطع بما يقولونه وأشد تعظيما لما يثبتونه وأن ~~النفاة أقرب إلى الظن وأبعد عن التعظيم والإثبات # يبين ذلك أن عمدة النفاة على أنه لو ثبتت هذه الصفات من العلو والمباينة ~~ونحو ذلك للزم أن يكون جسما وكون الواجب القديم جسما ممتنع وهذه المقدمة هي ~~نظرية باتفاقهم وكل طائفة منهم تطعن في طريق الآخرين والعمدة فيها طريقان ~~طريق الجهمية والمعتزلة وطريق الفلاسفة # ومن وافق على هذه المقدمة من الفقهاء وأهل الكلام من الأشعرية وغيرهم فهو ~~تبع فيها إما للمعتزلة والجهمية وإما للفلاسفة # فاما المعتزلة والجهمية فطريقهم هي طريق الأعراض والحركات PageV06P183 ~~وأنه لو ثبت للقديم الصفات والأفعال لكان محلا للأعراض والحركات وذلك يقتضي ~~تعاقبها عليه وذلك يوجب حدوثه # وقد عرف أن الفلاسفة مع طوائف من أهل الحديث والفقه والتصوف والكلام ~~يطعنون في هذه الطريقة وقد صنف الأشعرى نفسه كتابا بين فيه عجز المعتزلة عن ~~إثبات هذه الطريق كما سيأتي بيان ذلك # وأما طريقة الفلاسفة فهي مبنية على أن واجب الوجود لا يكون متصفا بالصفات ~~لأن ذلك يستلزم التركيب # وقد علم ما بينه نظار المسلمين من فساد هذه الطريق # فإذا ليس بين النفاة مقدمة اتفقوا عليها يبنون عليها النفي بل هم يشتركون ~~فيه كاشتراك المشركين وأهل الكتاب في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~واشتراك أهل البدع في مخالفة الحديث والسنة ومآخذ كل فريق غير مآخذ الآخر # وإذا كانت مقدماتهم ليست مما اتفقوا عليه بل ولا اتفق عليه أكثرهم بل ~~أكثرهم ينكر صدق جميعها علم أنها ليست مقدمات فطرية ضرورية ms1169 لأن الضرويات لا ~~ينكرها جمهور العقلاء الذين لم يتواطأوا عليها ولا يكفي أن تكون بعض ~~المقدمات معلومة بل لابد أن تكون الجميع معلومة وما لم تكن معلومة بالضرورة ~~فلا بد أن تستلزمها مقدمات ضرورية وليس معهم شيء من ذلك بل غاية PageV06P184 ~~هؤلاء لفظ التركيب وأنه لا يكون واجبا وقد علم ما في ذلك من الإجمال ~~والاشتراك # وغاية هؤلاء أن الأعراض لا تبقى وجمهور العقلاء يخالفون في ذلك وأن ~~الأفعال يجب تناهيها وقد علم نزاع العقلاء فيها وجمهورهم يمنعون امتناع ~~تناهيها من الطرفين # وقد ذكرنا اعتراض الأرموي وغيره على شيوخه في هذه المقدمات وقد سبقه إلى ~~ذلك الرازي وغيره وقدحوا فيها قدحا بينوا به فسادها على وجه لم يعترضوا ~~عليه وإن كان الرازي يعتمدها في مواضع أخر فنظره استقر على القدح فيها # وكذلك الأثير الأبهري في كتابه المعروف بتحرير الدلائل في تقرير المسائل ~~هو وغيره قدحوا في تلك الطرق وبينوا فساد عمدة الدليل وهو بطلان حوداث لا ~~أول لها وذكر الأبهري الدليل المتقدم دليل الحركة والسكون وقولهم لو كان ~~الجسم أزليا لكان إما متحركا وإما ساكنا والقسمان باطلان # أما الأول فلأنها لو كانت متحركة للزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم ~~المسبوقية بالغير لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير والأزل يقتضي عدم ~~المسبوقية فيلزم الجمع بينهما ولأنها لو كانت متحركة لكانت بحال لا يخلو عن ~~الحوادث وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وإلا لكان الحادث أزليا وهو ~~محال ولأنها لو كانت متحركة PageV06P185 ~~لكانت الحركة اليومية موقوفة على انقضاء ما لا نهاية له وانقضاء ما لا ~~نهاية له محال والموقوف على المحال محال ولأنها لو كانت متحركة لكان قبل كل ~~حركة حركة أخرى لا إلى أول وهو محال ولأن الحاصل من الحركة اليومية إلى ~~الأزل جملة ومن الحركة التي قبل الحركة اليومية إلى الأزل جملة أخرى فتطبق ~~إحداهما على الأخرى بأن يقابل الجزء الأول من الجملة الثانية بالجزء الأول ~~من الجملة الأولى والثاني بالثاني فإما أن يتطابقا إلى غير النهاية أو لم ms1170 ~~يتطابقا فإن تطابقا كان الزائد مثل الناقص وإن لم يتطابقا لزم انقطاع ~~الجملة الثانية وإذا لزم انقطاع الجملة الثانية لزم انقطاع الجملة الأولى ~~أيضا لأن الأولى لا تزيد على الثانية إلا بمرتبة واحدة # ثم تكلم على تقدير السكون وهذا هو الذي تقدم ذكر الرازي له # ومن تدبر كتب أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم في حدوث الأجسام علم أن هذا ~~عمدة القوم # قال الأبهري والإعراض على قوله يلزم المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية ~~بالغير قلنا لا نسلم وإنما يلزم الجمع بينهما أن لو كان الواحد مسبوقا ~~بالغير وغير مسبوق بالغير وليس كذلك فإن المسبوق بالغير لا يكون إلا الحركة ~~وغيرالمسبوق بالغير هو الجسم فلا يلزم الجمع بين المسبوقية وعدم المسبوقية ~~في شيء واحد # قلت وهذا الأعتراض فيه نظر ولكن الأعتراض المتقدم وهو PageV06P186 ~~أن المسبوق لغير آحاد الحركة لا جنسها فكل من أجزائها مسبوق بالغير وأما ~~الجنس ففيه النزاع اعتراض جيد وإلا فإذا كانت الحركة من لوازم الجسم لم يكن ~~سابقا لها فكيف يقال إن الحركة مسبوقة بالجسم # وكأن الأبهري لم يفهم مقصود القائل إن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير فظن ~~أنه أراد أنها مسبوقة بالجسم وإنما أراد أن الحركة تقتضي أن يكون بعض ~~أجزائها سابقا على بعض # قال الأبهري وأما قوله لو كانت متحركة لكانت بحالة لا تخلو عن الحوادث ~~وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث قلنا لا نسلم قوله لو لم يكن كذلك لكان ~~الحادث أزليا قلنا لا نسلم وإنما يلزم ذلك لو كانت الحادث الواح 4 د يصير ~~بعينه أزليا وليس كذلك بل يكون قبل كل حادث آخر لا إلى أول فلا يلزم قدم ~~الحادث أما قوله فإنها لو كانت متحركة لكان الحادث اليومي موقوفا على ~~انقضاء ما لا نهاية له قلنا لا نسلم بل يكون الحادث اليومي مسبوقا بحوادث ~~لا أول لها ولم قلتم بأن ذلك غير جائز والنزاع ما وقع إلا فيه واما قوله ~~بأن الحاصل من الحركة اليومية إلى الأزل جملة قلنا لا نسلم وإنما يلزم ذلك ms1171 ~~أن لو كانت الحركات مجتمعه في الوجود ليحصل منها جملة ومجموع واستدل هو على ~~حدوث العالم بأن صانع العالم إن كان موجبا بالذات لزم دوام آثاره فلا يكون ~~في الوجود حادث وإن كان PageV06P187 ~~فاعلا بالاختيار امتنع أن يكون مفعوله أزليا لأنه يكون قاصدا إلى إيجاد ~~الموجود وتحصيل الحاصل محال وقد اعترض بعضهم على دليله بأنه يجوز ان يكون ~~بعضه حادثا له فاعل بالاختيار وبعضه قديم له موجب بالذات وجوزه بعضهم بأنه ~~يجوز أن يكون موجبا بالذات ومعلوله فاعل بالاختيار أحدث غيره # قلت وهذا الأعتراض ساقط لأن ما كان فاعلا بالاختيار فحدوث فعله بعد أن لم ~~يكن حادث من الحوادث فإذا كان مفعولا لعلة تامة موجبة امتنع أن يتخلف عنها ~~معلولها ولا يجوز أن يحدث عنها شيء ولا عن لازمها ولا لازم لازمها وهلم جرا ~~وإن قدر أن البعض الحادث له فاعل واجب بنفسه غير فاعل للآخر فهذا مع انه لم ~~يقله أحد وأدلة التوحيد للصانع تبطله فهو يبطل حجة القائلين بالقدم لأن ~~عمدتهم أن الواجب بنفسه لا يتأخر عنه فعله فإذا جوزوا تأخر فعله عنه بطل ~~أصل حجتهم # وهذا الدليل الذي احتج به قد ذكرنا في غير موضع أنه يبطل قول الفلاسفة ~~بانه صدر عن علة موجبة وان قولهم هذا يتضمن حدوث الحوادث بلا سبب # وأما الفاعل باختياره يمتنع أن يقارنه فعله فقد تكلمنا على هذا في غير ~~هذا الموضع ولكن نبين فساد قول الفلاسفة بأن يقال الفاعل بالاختيار إما أن ~~يجوز أن يقارنه فعله وإما أن يجب تأخره فإن وجب تأخره بطل قولهم بقدم ~~العالم فإن الفعل إذا لزم تأخره كان تأخر المفعول أولى إن جعل المفعول غير ~~الفعل وإن جعل المعفول هو PageV06P188 ~~الفعل فقد لزم تأخره فتأخره لازم على التقديرين وإن جاز مقارنة فعله له ~~فإما أن يكون التسلسل ممكنا وإما أن يكون ممتنعا فإن كان ممتنعا لزم أن ~~يكون للحوادث أول وحينئذ فإذا كان الفعل المقارن قديما لم يقدح هذا في وجوب ~~حدوث المفعولات # وهذا يقوله من ms1172 يقول إنه أحدث الحوادث يتخليق قديم أزلى قائم بذاته كما ~~تقول ذلك طوائف من المسلمين وإن كان التسلسل ممكنا أمكن أن يكون بعد ذلك ~~الفعل فعل آخر وبعده فعل آخر وهلم جرا وأن تكون هذه الأفلاك حادثة بعد ذلك ~~كما أخبرت به النصوص وهو المطلوب # والأبهري وغيره اعترضوا على هذه المقدمة لما ذكروها في حجة من احتج على ~~حدوث العالم بانه ممكن وكل ممكن فهو محدث لأن المؤثر فيه إما أن تؤثر فيه ~~حالة وجوده وهو باطل لأن التأثير حالة الوجود يكون إيجاد الموجود وتحصيل ~~الحاصل وهو محال وإما حال العدم وهو محال لأنه يستلزم الجمع بين الوجود ~~والعدم فتعين أن يكون لا حال الوجود ولا حال العدم وهو حال الحدوث # فاعترض الأبهري وغيره على ذلك بأنه لم لا يجوز أن يكون التأثير حال ~~الوجود قوله يكون تحصيلا للحاصل قلنا لا نسلم لأن التأثير عبارة عن كون ~~المرجح مترجح الوجود على العدم بالمؤثر وجاز أن يكون الممكن مترجح الوجود ~~على العدم حال الوجود فيقول له من يعارضه في دليله مثل ذلك فإذا قال لو كان ~~الفعل الذي فعله الفاعل المختار أزليا لكان الفاعل قاصدا إلى إيجاد الموجود ~~وتحصيل الحاصل PageV06P189 ~~قالوا بل وجود الموجود وحصول الحاصل مقصده واختياره فقولك لو كان قاصدا إلى ~~إيجاد الموجود إن أردت إلى إيجاد ما هو موجود بدون قصده فهذا ممنوع وإنما ~~يستقيم هذا إذا ثبت أن الأزلي لا يمكن أن يكون مرادا مقصودا وهو أول ~~المسألة وإن أردت إلى إيجاد ما هو موجود بقصده فهذا هو المدعى فكأنك قلت لو ~~كان مقصودا لأزلى موجودا بقصده لكان موجودا بقصده وإذا كان هذا هو المدعي ~~فلم قلت إنه محال ولكن يلزم هؤلاء على هذا التقدير أن لا يكون فرق بين ~~الموجب بالذات والفاعل بالاختيار وهم يقولون إن أريد بالموجب بالذات أنه لم ~~يزل فاعلا فهذا لا يمنع كونه مختارا على هذا التقدير وإن أريد به ما يلزمه ~~موجبه ومعلوله فهذا أيضا لا يمنع كونه مختارا أيضا على ms1173 هذا التقدير # وهذا القسم باطل بلا شك سواء سمى موجبا أو مختارا لأن ذلك يستلزم ان لا ~~يحدث شيء من الحوادث فإن موجبه إذا كان لازما له ولازم اللازم لازم كانت ~~جميع الموجبات لوازم قديمة فلا يكون شيء من المحدثات صادرا عنه ولا عن غيره ~~إذ القول في كل ما يقدر واجبا كالقول فيه فيلزم أن لا يكون للحوادث فاعل # ولا ريب أن هذا لازم للفلاسفة الدهرية الإلهيين وغيرهم كأرسطوا والفارابي ~~وابن سينا لزوما لا محيد عنه وأن قولهم يستلزم أن PageV06P190 ~~لا يكون للحوادث فاعل وأن هذه الحوادث الممكنة حصلت بعد عدمها من غير واجب ~~ولا فاعل ### | AUTO وإما القسم الأول وهو كونه لم يزل فاعلا سواء سمى موجبا أو ~~مختارا فهذا لا يوجب قدم هذا العالم لإمكان توقفه على أفعال قبل ذلك كما ~~تحدث سائر الحوادث الجزئية فصل # والمقصود في هذا المقام أن هؤلاء النفاة للعلو المباينة لم يتفقوا على ~~مقدمة واحدة يبنون عليها مطلوبهم بل كل منهم يقدح في مقدمة الآخر وإذا كان ~~اتفاقهم على النفي مبنيا على المقدمات التي بها اعتقدوا النفي وتلك ~~المقدمات متنازع فيها بينهم ليس فيها مقدمات متفق عليها تبني عليها النتيجة ~~المذكورة علم أن ما اشتركوا فيه من التنيجة كان من لوازم ما اعتقدوه من ~~القضايا المختلف فيها لا القضايا الضرورية # وحينئذ فاتفاقهم على النفي لا يمنع أن يكون اتفاقا على خلاف المعلوم ~~بالضرورة كما لو كان لرجل مال كثير وله غرماء كثيرون فأقام كل منهم شاهدين ~~بقدر من المال واستوفاه حتى استوفى المال كله وكل من الغرماء يقدح في شهود ~~الآخر كان اللازم من الحكم بشهادة الشهود كلهم أخذ مال ذلك الرجل كله ولا ~~يقال إن هؤلاء عدد كثير لا يتفقون على الكذب فإنهم لم يتفقوا على خبر واحد ~~بل كل طائفة PageV06P191 ~~أخبرت بخبر تكذبها فيه الأخرى ولزم من مجموع الأخبار أخذ المال فهم لم ~~يخبروا بقضية واحدة توجب أخذ المال بل الكذب ممكن عليهم كلهم # كذلك المتفقون على رد بعض ما ms1174 أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وعلم ~~بضرورات العقول يمكن أن يقع منهم على هذا الوجه وهذا كاشتراك الكفار في ~~تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وقول هؤلاء هو ساحر وهؤلاء هو كاهن وهؤلاء ~~هو مجنون فهم في الحقيقة مختلفون لا متفقون # وأيضا فاتفاق العدد الكثير على تعمد الكذب الذين يعلمون أنه كذب يجوز إذا ~~كان ذلك عن تواطئ منهم وأما اتفاق الخلق الكثير على الكذب خطأ فهو ممكن ~~بالنظر والأمور الضرورية فقد يعبر عنها بعبارات فيها إجمال واشتباه يظن ~~كثير من الناس أن مفهومها لا يخاف الضرورة وإنما يعلم أنها مخالفة للضرورة ~~من ميز بين معانيها وفصل المعنى المخالف للضرورة من غيره فإذا كان قد سبق ~~قليل من الناس إلى اعتقاد خطأ يتضمن مخالفة الضرورة كان هذا جائزا باتفاق ~~العقلاء فإن السفسطة تجوز على الطائفة القليلة تعمدا فكيف خطأ # فإذا تلقى تلك الأقوال عن أولئك السابقين إليها عدد آخرون واشتهرت بين من ~~اتبعهم فيها صاروا متواطئين على قبولها لما فيها من الاشتباه والإجمال مع ~~تضمنها مخالفة الضرورة وإن كان كثير من القائلين بها أو أكثرهم لا يعلمون ~~ذلك وهذا هو السبب في اتفاق PageV06P192 ~~طوائف كثيرة على مقالات يعلم أنها باطلة بضرورة العقل كمقالات النصارى ~~والرافضة والجهمية # ثم إن المتقدمين من النظار يحكمون إجماع الخلائق على نقيض قول النفاة كما ~~ذكروه أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام الأشعرى وأصحابه ذكره في ~~كتاب الصفات مما نقله عنه أبو بكر بن فورك فقال فى كتاب الصفات فى باب ~~القول فى الاستواء فرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صفوة الله من خلقه ~~وخيرته من بريته وأعلمهم جميعا به يجيز السؤال بأين ويقوله يستصوب قول ~~القائل إنه في السماء ويشهد له بالإيمان عند ذلك وجهم بن صفوان وأصحابه لا ~~يجيزون الأين زعموا ويحيلون القول به ولو كان خطأ كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أحق بالإنكار له وكان ينبغي أن يقول لها لا تقولى ذلك فتوهمين أن ~~الله ms1175 عز وجل محدود وأنه في مكان دون مكان ولكن قولى إنه في كل مكان دون ~~مكان لأنه الصواب دون ما قلت PageV06P193 ~~كلا لقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه بما فيه وأنه أصوب ~~الأقاويل والأمر الذي يجب الإيمان لقائله ومن أجله شهد لها بالإيمان حين ~~قالته فكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق به وشاهد له # قال ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه ~~الأمور لكان فيه ما يكفي كيف وقد غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ~~ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد لأنك لا تسأل أحدا من الناس عنه عربيا ولا ~~عجميا ولا مؤمنا ولا كافرا فتقول أين ربك إلا قال في السماء إن أفصح أو ~~أوما بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا ~~سهل ولا جبل ولا رأينا أحدا داعيا له إلا رافعا يديه إلى السماء ولا وجدنا ~~أحدا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول في كل مكان كما يقولون وهم يدعون أنهم ~~أفضل الناس كلهم فتاهت العقول وسقطت الأخبار واهتدى جهم وحده وخمسون رجلا ~~معه نعوذ بالله من مضلات الفتن # فقد ذكر ابن كلاب في هذا الكلام أن العلم بأن الله فوق فطرى مفروز في فطر ~~العباد اتفق عليه عامتهم وخاصتهم وأنه لم يخالف الجماعة في ذلك إلا نفر ~~قليل يدعون أنهم أفضل الناس جهم ونفر قليل معه وبين أيضا ابن كلاب أن قول ~~الجهمية هو نظير قول الدهرية وهو كما قال فإن منتهى كلام الجهمية إلى أنه ~~لا موجود إلا العالم # قال يقال للجمهية أليست الدهرية كفارا ملحدين في قولهم PageV06P194 ~~إن الدهر هو واحد إلا أنه لا ينفك عن العالم ولا ينفك العالم منه ولا يباين ~~العالم ولا يباينه ولا يماس العالم ولا يماسه ولا يداخل شيئا من العالم ولا ~~يداخله لأنه واحد والعالم غير مفارق له فإذا قالوا نعم قيل لهم ms1176 صدقتم فلم ~~أثبتم المعبود بمعنى الدهر وأكفرتم من قال بمثل مقالتكم وهل تجدون بينكم ~~وبينهم فرقا أكثر من أن سميتموه بغير ما سموه به وقد قلتم إنه غير مفارق ~~للعالم ولا العالم مفارق له ولا هو داخل في العالم ولا العالم داخل فيه ولا ~~مماس للعالم ولا العالم مماس له فأين تذهبون يا أولى الألباب إن كنتم ~~تعقلون من أولى أن يكون قد شبه الله بخلقه نحن أو أنتم ولم رجعتم على من ~~خالفكم بالتكفير وزعمتم أنهم قد كفروا لأنهم قالوا واحد منفرد بائن فلم لا ~~كنتم أولى بالكفر والتشبيه منهم إذ زعمتم مثل زعم الملحدين وقلتم مثل مقالة ~~المخالفين الضالين وخرجتم من توحيد رب العالمين # قال وكذلك مشاركتكم الثنوية في إلحادهم لما قالوا إن الأشياء من شيئين لا ~~تنفك منهما ولا ينفكان منها وإن الأشياء تولدت عنهما ومنهما وأن النور ~~والظلمة لا نهاية لهما في أنفسهما وأن أحدهما مازج الآخر فتولدت الأشياء ~~منهما وقلتم لهم كيف يكون ما لا نهاية له يفعل شيئا لا في نفسه وكيف يجىء ~~ما لا نهاية له فيكون في غيره فقيل لكم مثل ذلك كيف يكون مالا نهاية له ~~يفعل شيئا لا في نفسه ولا بائنا من نفسه ويلزمكم إذا زعمتم أنه لا تفاق ~~النور والظلمة أن PageV06P195 ~~الخلق تولدوا منه كما ألزمكم المنانية حيث زعموا أن النور والظلمة أصل ~~الاشياء وأن الأشياء تحدث منهما وأنهما لا ينفكان مما كان بعدهما ولا ينفك ~~عنهما كذلك زعمتم أن الواحد الذي { ليس كمثله شيء } سورة الشورى 11 تعالى ~~عما قلتم كان لا نهاية له ثم خلق الأشياء غير منفكة منه ولا هو منفك منها ~~ولا يفارقها ولا تفارقه فأعظمتم معناهم ومنعتم القول والعبارة # فيقال هذا الذي ذكره ابن كلاب من موافقة الجهمية في الحقيقة للدهرية ~~والثنوية يحققه ما فعلته غالية الجهمية من القرامطة الباطنية فأنهم ركبوا ~~لهم قولا من قول الفلاسفة الدهرية وقول المجوس الثنوية وقولهم هو منتهى قول ~~الجهمية # وكان ذلك مصداق قول النبي صلى الله ms1177 عليه وسلم في الحديث الصحيح لتأخذن ~~أمتي مأخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا فارس والروم قال ومن ~~الناس إلا هؤلاء PageV06P196 # وفي الحديث الآخر الصحيح لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى ~~لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا اليهود والنصارى قال فمن # ومشابهة اليهود والنصارى أيسر من مشابهة فارس والروم فإن الفرس كانوا ~~مجوسا والروم إن لم يكونوا نصارى كانوا مشركين صابئة وغير صابئة فلاسفة ~~وغير فلاسفة والباطنية ركبوا مذهبهم من قول المجوس ومن دخل فيهم ومن قول ~~المشركين من الروم ومن دخل فيهم كاليونان ونحوهم # وأما الأشعري وأئمة أصحابه فهم مصرحون بأن الله نفسه فوق العرش كما ذكر ~~ذلك في كتبه كلها الموجز والإبانة والمقالات وغير ذلك # قال إن قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل نقول إن الله عز وجل مستو على ~~عرشه كما قال { الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 وقد قال { إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } PageV06P197 ~~سورة فاطر 10 وقال { بل رفعه الله إليه } سورة النساء 158 وقال { يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه } سورة السجدة 5 # وقال تعالى حكاية عن فرعون { يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ~~أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا } سورة غافر 36 37 كذب ~~موسى في قوله إن الله عز وجل فوق السموات # وقال عز وجل { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض } سورة الملك 16 ~~فالسموات فوقها العرش # فلما كان العرش فوق السموات وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السموات ~~وليس إذا قال { أأمنتم من في السماء } يعني جميع السماء وإنما أراد العرش ~~الذي هو أعلى PageV06P198 ~~السموات ألا ترى أن الله عز وجل ذكر السموات فقال { وجعل القمر فيهن نورا } ~~سورة نوح 16 ولم يرد أن القمر يملؤهن جميعا وأنه فيهن جميعا ورأينا ~~المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله عز وجل مستو ~~على العرش الذي هو فوق السموات فلولا أن ms1178 الله عز وجل على العرش لم يرفعوا ~~أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض # قال وقال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى قول الله تعالى ~~{ الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 أنه استولى وملك وقهر وأن الله عز ~~وجل في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في ~~الاستواء إلى القدرة ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض ~~السابعة لأن الله قادر على كل شيء والأرض فالله قادر عليها PageV06P199 ~~وعلى كل ما في العالم فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو ~~سبحانه مستول على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى ~~السماء وعلى الحشوش والأقذار لأنه قادر على الأشياء مستول عليها وإذا كان ~~قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله مستو ~~على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو ~~عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء كلها # قال وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله في كل مكان فلزمهم أنه في ~~بطن مريم والحشوش والأخلية وهذا خلاف الدين تعالى الله عن قولهم # وقال دليل آخر وقال الله عز وجل { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء } PageV06P200 ~~سورة الشورى 51 فقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر ولو ~~كانت الآية عامة للبشر وغيرهم كان أبعد من الشبهة وإدخال الشك على من يسمع ~~الآية أن يقول ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيرتفع الشك والحيرة من أن يقول ما كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب أو أرسل رسولا ويترك أجناسا لم يعمهم بالآية فدل ما ~~ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم # قلت ومقصود الأشعري ms1179 من هذا أنه على قول النفاة لا فرق بين البشر وغيرهم ~~فإنه عندهم لا يحجب الله تعالى أحدا بحجاب منفصل عنه بل هو محتجب عن جميع ~~الخلق بمعنى أنه لا يمكن أحد أن يراه فاحتجابه عن بعضهم دون بعض دل على ~~نقيض قولهم وذلك أن نفاة المباينة يفسرون الاحتجاب بمعنى عدم الرؤية لمانع ~~من الرؤية في العين ونحو ذلك من الأمور التي لا تنفصل عن المحجوب بل نسبتها ~~إلى جميع الأشياء واحدة # قال الأشعري دليل آخر قال تعالى { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } سورة ~~الأنعام 62 وقال تعالى { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } PageV06P201 ~~سورة الأنعام 30 وقال { ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم } سورة ~~السجدة 12 وقال تعالى { وعرضوا على ربك صفا } سورة الكهف 48 وكل ذلك يدل ~~على أنه ليس في خلقه ولا خلقه فيه وأنه مستو على عرشه سبحانه وتعالى عما ~~يقول الظالمون علو كبيرا الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له ~~بذكرهم إياه وحدانية إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم تدل على ~~النفي يريدون بذلك زعموا التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب ~~النفي والتعطيل # قلت فقد احتج على عدم مداخلته يقول تعالى { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ~~سورة الأنعام 30 وقوله { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } سورة الأنعام 62 ~~وقوله تعالى { ناكسو رؤوسهم عند ربهم } سورة السجدة 12 وقوله { وعرضوا على ~~ربك صفا } سورة الكهف 48 فإنه لو كانت نسبته إلى جميع الأمكنة واحدة ولا ~~يختص بالعلو لكان في المردود كما هو في المردود إليه وفي PageV06P202 ~~الواقف كما هو في الموقوف عليه وفي الناكس كما هو فيمن نكس رأسه عنده وفي ~~المعروض كما هو في المعروض عليه # فهذه النصوص تنفى مداخلته للخلق وتوجب مباينته لهم فلو أمكن وجود موجود ~~لا مباين ولا محايث لكان نسبة ذاته إلى جميع المخلوقات نسبة واحدة وهو ~~مناقض لما ذكر وقوله مع نفى المداخلة أنه على العرش يبين أنه ms1180 يثبت المباينة ~~لا ينفيها كما ينفى المداخلة # وقال الأشعري # أيضا وروت العلماء عن ابن عباس رضي اللع عنهما أنه قال تفكروا في خلق ~~الله ولا تفكروا في ذات الله فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام والله عز ~~وجل فوق ذلك # قلت وهذه الحديث رواه الحاكم أبو محمد العسال في كتاب المعرفة له من حديث ~~عبد الوهاب الوراق الرجل الصالح ثنا على بن عاصم عن عطاء بن السايب عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس قال تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله فإن ما ~~بين كرسيه إلى السماء سبعة الآف نور وهو فوق ذلك قال عبد PageV06P203 ~~الوهاب الوراق من زعم أن الله ههنا فهو جهمي خبيث إن الله فوق العرش وعلمه ~~محيط بالدنيا والآخرة # قال الأشعري ومما يؤكد أن الله مستو على عرشه دون الأشياء كلها ما نقله ~~أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث النزول كقوله ينزل ~~الله كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر ~~فأغفر له هل من داع فأستجيب له حتى يطلع الفجر # قال الأشعري دليل آخر قال الله تعالى { يخافون ربهم من فوقهم } سورة ~~النحل 50 وقال تعالى { تعرج الملائكة والروح إليه } سورة المعارج 4 وقال { ~~ثم استوى إلى السماء وهي دخان } سورة فصلت 11 وقال { ثم استوى على العرش ~~الرحمن فاسأل به خبيرا } سورة الفرقان 59 وقال { ثم استوى على العرش ما لكم ~~من دونه من ولي ولا شفيع } سورة السجدة 4 فكان ذلك يدل على أنه تعالى في ~~السماء مستو على عرشه والسماء PageV06P204 ~~بإجماع الناس ليست الأرض فدل على أن الله منفرد بوحدانيته مستو على عرشه # وقال الأشعري دليل آخر قال عز وجل { وجاء ربك والملك صفا صفا } سورة ~~الفجر 22 وقال تعالى { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة } سورة البقرة 210 وقال تعالى { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو ~~أدنى فأوحى إلى عبده ما ms1181 أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى } ~~إلى قوله { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } سورة النجم 7 18 # وقال عز وجل لعيسى بن مريم { إني متوفيك ورافعك إلي } سورة آل عمران 55 # وقال { وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه } سورة النساء 157 158 وأجمعت ~~الأمة على أن الله رفع عيسى إلى السماء # قال الأشعري ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذ هم PageV06P205 ~~رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعا يا ساكن العرش ومن ~~حلفهم جميعا لا والذي احتجب بسبع سماوات # فقد حكى الأشعري إجماع المسلمين إلى أن الله فوق العرش وأن خلقه محجوبون ~~عنه بالسموات وهذا مناقض لقول من يقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه فإن ~~هؤلاء يقولون ليس للعرش به اختصاص وليس شيء من المخلوقات يحجب عنه شيئا # ومن أثبت الرؤية منهم إنما يفسر رفع الحجاب بخلق إدراك في العين لا أن ~~يكون هناك حجاب منفصل يحجب العبد عن الرؤية # وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابي الإبانة والتمهيد وغيرهما فإن ~~قال قائل أتقولون إنه في كل مكان قيل له معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما ~~أخبر في كتابه فقال { الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 وقال { إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } سورة فاطر 10 وقال { أأمنتم من في ~~السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور } سورة الملك 16 PageV06P206 # ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي نرغب ~~عن ذكرها ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن وينقص ~~بنقصانها إذا بطل منها ما كان ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا ~~وإلى يميننا وشمائلنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله # فقد وافق القاضي أبو بكر لأبي الحسن الأشعري وأنكر أن يكون في كل مكان ~~وجعل مقابل ذلك أنه على العرش لم يجعل مقابل ذلك أنه لا داخل العالم ولا ~~خارجه فإن الأقسام ms1182 أربعة ليس لها خامس إما أن يكون نفسه مباينا للعالم وإما ~~أن يكون مداخلا له وإما أن يكون مباينا ومداخلا وإما أن يكون لا مباينا ولا مداخلا # فهؤلاء جعلوا مقابلة المداخلة المباينة ولم يقولوا لا داخل العالم ولا ~~خارجه وهؤلاء أئمة طوائفهم # وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل فإذا ثبت أنه على العرش ~~فالعرش في جهة وهو على عرشه PageV06P207 # قال وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه # قال والصواب جواز القول بذلك لأن أحمد أثبت هذه الصفة التي هي الاستواء ~~على العرش وأثبت أنه في السماء وكل من أثبت هذا أثبت الجهة # قال والدليل عليه أن العرش في جهة بلا خلاف وقد ثبت بنص القرآن أنه مستو ~~عليه فاقتضى أنه في جهة ولأن كل عاقل من مسلم وكافر إذا دعا فإنما يرفع ~~يديه ووجهه إلى نحو السماء وفي هذا كفاية # قال ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية يقول ليس في جهة ولا خارجا ~~منها وقائل هذا بمثابة من قال بإثبات موجود مع وجود غيره ولا يكون وجود ~~أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده ولأن العوام لا يفرقون بين قول القائل ~~طلبته فلم أجده في موضع ما وبين قوله طلبته فإذا هو معدوم # قلت وهذا الذي اختلف فيه قول القاضي اختلف فيه أصحاب أحمد وغيرهم فكان ~~طائفة يقولون العلو من الصفات السمعية الخبرية كالوجه واليد ونحوذلك وهذا ~~قول طوائف من الصفاتية ولهذا نفاة من متأخري الصفاتية من نفى الصفات ~~السمعية الخبرية كأتباع صاحب الإرشاد PageV06P208 # وأما الأشعري وأئمة أصحابه فإنهم متفقون على إثبات الصفات السمعية مع ~~تنازعهم في العلو هل هو من الصفات العقلية أو السمعية # وأما أئمة الصفاتية كابن كلاب وسائر السلف فعندهم أن العلو من الصفات ~~المعلومة بالعقل وهذا قول الجمهور من أصحاب أحمد وغيرهم وإليه رجع القاضي ~~أبو يعلى آخرا وهو قول جمهور أهل الحديث والفقه والتصوف وهو قول الكرامية وغيرهم # وأما الاستواء فهو من صفات السمعية عند من يجعله من الصفات ms1183 الفعلية بلا ~~نزاع فإن ذلك لم يعلم إلا بالسمع وهذا الذي ذكره ابن كلاب وغيره من أن ~~المنازع من المسلمين في أن الله فوق العرش كانوا قليلين جدا يبين خطأ من ~~قال إن النزاع إنما هو مع الكرامية والحنبلية بل جماهير الخلق من جميع ~~الطوائف على الإثبات جمهور أئمة الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية ~~والحنبلية والداوودية وجمهور أهل التصوف والزهد والعبادة وجمهور أهل ~~التفسير وجمهور أهل الحديث وجمهور أهل الكلام من الكرامية والكلابية ~~والأشعرية والهشامية وجمهور المرجئة وجمهور قدماء الشيعة # وإنما الخلاف في ذلك معروف عن جهم وأتباعه والمعتزلة ومن PageV06P209 ~~وافقهم من الخوارج ومتأخري الشيعة ومتأخري الأشعرية وللمعتزلة والفلاسفة ~~فيها قولان # بل وهذا هو المنقول عن أكثر الفلاسفة أيضا كما ذكر أبو الوليد ابن رشد ~~الحفيد وهو من أتبع الناس لمقالات المشائين أرسطو وأتباعه ومن أكثر الناس ~~عناية بها وموافقة لها وبيانا لما خالف فيه ابن سينا وأمثاله لها حتى صنف ~~كتاب تهافت التهافت وانتصر فيه لإخوانه الفلاسفة ورد فيه على أبي حامد في ~~كتابه الذي صنفه في تهافت الفلاسفة مع أن في كلام أبي حامد من الموافقة ~~للفلاسفة في مواضع كثيرة ما هو معروف وإن كان يقال إنه رجع عن ذلك واستقر ~~أمره على التلقى من طريقة أهل الحديث بعد أن أيس من نيل مطلوبه من طريقة ~~المتكلمين والمتفلسفة والمتصوفة أيضا # فالمقصود أن ابن رشد ينتصر للفلاسفة المشائين أرسطو وأتباعه بحسب الإمكان ~~وقد تكلمنا على كلامه وكلام أبي حامد في غير هذا المواضع وبينا صواب ما رده ~~أبو حامد من ضلال المتفلسفة وبينا ما تقوى به المواضع التي استضعفوها من ~~رده بطرق أخرى لأن الرد على أهل الباطل لا يكون مستوعبا إلا إذا اتبعت ~~السنة من كل الوجوه وإلا فمن وافق السنة من وجه وخالفها من وجه طمع فيه ~~خصومه من الوجه الذي خالف فيه السنة واحتجوا عليه بما وافقهم عليه من تلك ~~المقدمات المخالفة للسنة # وقد تدبرت عامة ما يحتج به أهل الباطل عل من هو أقرب إلى ms1184 الحق منهم ~~فوجدته إنما تكون حجة الباطل قوية لما تركوه من الحق الذي PageV06P210 ~~أرسل الله به رسوله وأزل به كتابه فيكون من تركوه م ذلك الحق من أعظم حجة ~~المبطل عليهم ووجدت كثيرا من أهل الكلام الذي هم أقرب إلى الحق ممن يردون ~~عليه يوافقون خصومهم تارة على الباطل ويخالفونهم في الحق أخرى ويستطيلون ~~عليهم بما وافقوهم عليه من الباطل وبما خالفوهم فيه من الحق كما يوافق ~~المتكلمة النفاة للصفات أو لبعضها كالعلو وغيره لمن نفى ذلك من المتفلسفة ~~وينازعونهم في مثل بقاء الأعراض أو مثل تركيب الأجسام من الجواهر المنفردة ~~أو وجوب تناهي جنس الحوادث ونحو ذلك # والمقصود هنا أن ابن رشد نقل عن الفلاسفة إثبات الجهة وقرر ذلك بطرقهم ~~العقلية التي يسمونها البراهين مع أنه يزعم أنه لا يرتضي طرق أهل الكلام بل ~~يسميها هو وأمثاله من الفلاسفة الطرق الجدلية ويسمون المتكلمين أهل الجدل ~~كما يسميهم بذلك ابن سينا وأمثاله فإنهم لما قسموا أنواع القياس العقلي ~~الشمولي الذي ذكروه في المنطق إلى برهاني وخطابي وجدلي وشعري وسوفسطائي ~~زعموا أن مقاييسهم في العلم الإلهي من النوع البرهاني وأن غالب مقاييس ~~المتكلمين إما من الجدلي وإما من الخطابي كما يوجد هذا في كلام هؤلاء ~~المتفلسفة كالفارابي وابن سينا ومحمد بن يوسف العامري PageV06P211 ~~ومبشر بن فاتك وأبي علي بن الهيثم والسهروردي المقتول وابن رشد وأمثالهم ~~وإن كانوا في هذه الدعاوى ليسوا صادقين على الإطلاق بل الأقيسة البرهانية ~~في العلم الإلهي في كلام المتكلمين أكثر منها في كلامهم وأشرف وإن كان قد ~~يوجد في كلام المتكلمين أقيسة جدلية وخطابية بل سوفسطائيه فهذه الأنواع في ~~العلم الإلهي هي في كلام الفلاسفة أكثر منها في كلام المتكلمين وأضعف إذ ا ~~قوبل ما تكلموا فيه من العلم الإلهي بما تكلم فيه المتكلمون بل ويستعملون ~~من هذا الضرب في الطبيعيات بل وفي الرياضيات قطعة كبيرة # والمقصود هنا ذكر ما ذكره ابن رشد عنهم وهذا لفظه في كتاب مناهج الأدلة ~~في الرد على الأصوليين قال القول في ms1185 الجهة وأما هذه الصفة فلم يزل أهل ~~الشريعة في أول الأمر PageV06P212 ~~يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخرو ~~الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله وظواهر الشرع تقتضي إثبات الجهة مثل ~~قوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 ومثل قوله تعالى { وسع ~~كرسيه السماوات والأرض } سورة البقرة 255 ومثل قوله { ويحمل عرش ربك فوقهم ~~يومئذ ثمانية } سورة الحاقة 17 ومثل قوله { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ~~ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } سورة السجدة 5 ومثل ~~قوله { تعرج الملائكة والروح إليه } سورة المعارج 4 ومثل قوله { أأمنتم من ~~في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور } سورة الملك 16 إلى غير ذلك من ~~الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولا وإن قيل فيها إنها ~~من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله ~~في السماء وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين وأن من السماء نزلت ~~الكتب وإليها PageV06P213 ~~كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى # قال وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت ~~جميع الشرائع على ذلك والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هو أنهم ~~اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات ~~الجسمية # قال ونحن نقول إن هذا كله غير لازم فإن الجهة غير المكان وذلك أن الجهة ~~هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به وهي ستة وبهذا نقول إن للحيوان فوقا ~~وسفلا ويمينا وشمالا وأماما وخلفا وإما سطوح جسم آخر تحيط بالجسم من الجهات ~~الست فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلا ~~وأما سطوح الجسم المحيطة به فهي له مكان مثل سطوح الهواء المحيطة بالإنسان ~~وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء هي أيضا مكان للهواء وهذه الأفلاك بعضها ~~محيط ببعض ومكان له وأما سطح الفلك الخارج فقد تبرهن انه ليس خارجه ms1186 جسم PageV06P214 ~~لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم أيضا جسم آخر ويمر الأمر إلى ~~غير نهاية فإذا سطح آخر أجسام العالم ليس مكانا أصلا إذ ليس يمكن أن يوجد ~~فيه جسم فإذا إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون ~~غير جسم فالذي يمتنع وجوده هنالك هو عكس ما ظنه القوم وهو موجود هو جسم لا ~~موجود ليس بجسم وليس لهم أن يقولوا إن خارج العالم خلاء وذلك أن الخلاء قد ~~تبين في العلوم النظرية امتناعه لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئا ~~أكثر من أبعاد ليس فيها جسم أعنى طولا وعرضا وعمقا لأنه إن وقعت الأبعاد ~~عنه عاد عدما وإن أنزل الخلاء موجودا لزم أن تكون اعراض موجودة في غير جسم ~~وذلك لأن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية ولا بد ولكنه قد قيل في الآراء ~~السالفة القديمة والشرائع الغابرة إن ذلك الموضع هو مسكن الروحانيين يريدون ~~الله والملائكة وذلك أن ذلك الموضع ليس بمكان ولا يحويه زمان وكذلك إن كان ~~كل ما يحويه الزمان والمكان فاسدا فقد يلزم أن يكون ما هنالك غير فاسد ولا كائن PageV06P215 ~~وقد تبين هذا المعنى فيما أقوله وذلك أنه لما لم يكن ههنا شيء يدرك إلا هذا ~~الموجود المحسوس أو العدم وكان من المعروف بنفسه أن الموجود إنما ينسب إلى ~~الوجود أعني أنه يقال إنه موجود في الوجود إذ لا يمكن أن يقال إنه موجود في ~~العدم فإن كان ههنا موجود هو أشرف الموجودات فواجب أن ينسب من الوجود ~~المحسوس إلى الجزء الأشرف وهي السموات ولشرف هذا الجزء قال الله تعالى { ~~لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس } سورة غافر 57 # قال فهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم فقد ظهر لك من ~~هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه ~~فإن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع وأن وجه العسر في تفهيم هذا المعنى مع ~~نفي ms1187 الجسمية هو PageV06P216 ~~أنه ليس في الشاهد مثال له وهو بعينه السبب في أنه لم يصرح الشرع بنفي ~~الجسم عن الخالق سبحانه لأن الجمهور إنما يقع لهم التصديق بحكم الغائب متى ~~كان ذلك معلوم الوجود في الشاهد مثل العلم في الفاعل فإنه لما كان في ~~الشاهد شرطا في وجوده كان شرطا في وجود الصانع الغائب وأما متى كان الحكم ~~الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عن الأكثر ولا يعلمه إلا ~~العلماء الراسخون فإن الشرع يزجر عن طلب معرفته إن لم تكن بالجمهور حاجة ~~إلى معرفته مثل العلم بالنفس أو يضرب له مثال في الشاهد فإن بالجمهور حاجة ~~إلى معرفته في سعادتهم وإن لم يكن ذلك المثال هو الأمر المقصود فتفهيمه مثل ~~كثير مما جاء من أحوال المعاد والشبهة الواقعة في نفي الجهة عند الذين ~~نفوها ليس يتفطن الجمهور لها لا سيما إذا لم يصرح لهم بأنه ليس بجسم فيجب ~~أن يمتثل في هذا كله فعل الشرع ولا يتأول ما لم يصرح الشرع بتأويله # والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث رتب صنف لا PageV06P217 ~~يشعرون بالشكوك العارضة في هذا المعنى وخاصة متى تركت هذه الأشياء على ~~ظاهرها في الشرع وهؤلاء هم الأكثرون وهم الجمهور وصنف عرفوا حقيقة هذه ~~الأشياء وهم العلماء الراسخون في العلم وهؤلاء هم الأقل من الناس وصنف عرضت ~~لهم في هذه الأشياء شكوك ولم يقدروا على حلها وهؤلاء هم فوق العامة ودون ~~العلماء وهذ الصنف هم الذين يوجد في حقهم التشابه في الشرع وهم الذين ذمهم ~~الله تعالى وأما عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابه فعلى هذا المعنى ~~ينبغي أن يفهم المتشابه ومثال ما عرض لهذا الصنف من الشرع مثال ما يعرض ~~لخبز البر مثلا الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان أن يكون لأقل الأبدان ~~ضارا وهو نافع للأكثر وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر وربما ضر الأقل ~~ولهذا الإشارة بقوله تعالى { وما يضل به إلا الفاسقين } سورة البقرة 26 لكن ~~هذا إنما يعرض في ms1188 آيات الكتاب العزيز على الأقل منها والأقل من الناس وأكثر ~~ذلك هي الآيات التي تتضمن الإعلام عن أشياء في الغائب ليس لها مثال في ~~الشاهد فيعبر عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إليها وأكثرها شبها بها ~~فيعرض لبعض الناس أن PageV06P218 ~~يرى الممثل به هو الممثل نفسه فتلزمه الحيرة والشك وهو الذي يسمى متشابها ~~في الشرع وهذا ليس يعرض للعلماء والجمهور وهم صنفا الناس بالحقيقة لأن ~~هؤلاء هم الأصحاء والغذاء الملائم إنما يوافق أبدان الأصحاء وأما أولئك ~~فمرضى والمرضى هم الأقل ولذلك قال تعالى { فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } سورة آل عمران 7 ~~وهؤلاء هم أهل الجدل والكلام # وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس ~~على ظاهره وقالوا إن هذا التأويل هو المقصود به وإنما أتى به في صورة ~~المتشابه ابتلاء لعباده واختبارا لهم ونعوذ بالله من هذا الظن بالله بل ~~نقول إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجزا من جهة الوضوح والبيان فإذا ما ~~أبعد عن مقصد الشرع من قال فيما ليس بمتشابه إنه متشابه ثم أوله بزعمه وقال ~~لجميع الناس إن فرضكم هو اعتقاد هذا التاويل مثل ما قالوه في آية الاستواء ~~على العرش وغير ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه وبالجملة فأكثر التأويلات ~~التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تؤملت PageV06P219 ~~وجدت ليس يقوم عليها برهان ولا تفعل فعل الظاهر في قبول الجمهور لها وعلمهم ~~عنها فإن المقصود الأول في العلم في حق الجمهور إنما هو العمل فما كان أنفع ~~في العمل فهو أجدر فأما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو الأمران جميعا ~~أعنى العلم والعمل # قال ومثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن ما أوله هو الذي قصد الشرع وصرح ~~لذلك التأويل للجمهور مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر الحفظ صحة ~~جميع الناس أو الأكثر فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب الأعظم لرداءة ~~مزاج كان ms1189 به ليس يعرض إلا لأقل الناس فزعم أن بعض تلك الأدوية التي صرح ~~باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المركب لم يرد به ذلك الدواء الذي ~~جرت به العادة في ذلك أن يدل بذلك الاسم عليه وإنما أراد به دواء آخر مما ~~يمكن أن تدل عليه بذلك استعارة بعيدة فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم PageV06P220 ~~وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه قصده الطبيب وقال للناس هذا هو الذي قصده ~~الطبيب الأول فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه ~~هذا المتأول ففسدت به أمزجة كثير من الناس فجاء آخرون شعروا بفساد أمزجة ~~الناس عن ذلك الدواء المركب فراموا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواء آخر ~~غير الدواء الأول فعرض من ذلك للناس نوع من المرض غير المرض الأول فجاء ~~ثالث فتأول أدوية ذلك المركب على غير التأويل الثاني فعرض للناس نوع ثالث ~~من المرض غير النوعين المتقدمين فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير ~~الأدوية المتقدمة فعرض للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة فلما ~~طال الزمان بهذا الدواء المركب الأعظم وسلط الناس التأويل على أدويته ~~وغيروها وبدلوها عرض منه للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك ~~الدواء المركب في حق أكثر الناس وهذه حال الفرق الحادثة في هذه الشريعة ~~وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تاويلا غير PageV06P221 ~~التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى وزعمت أنه الذي قصد صاحب الشرع حتى تمزق ~~الشرع كل ممزق وبعد جدا عن موضوعه الأول ولما علم صلى الله عليه وسلم مثل ~~هذا يعرض ولا بد في شريعته قال ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في ~~النار إلا واحدة يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله تأويلا صرحت ~~به للناس # قال وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض ~~فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح فأول من غير هذا الدواء ~~الأعظم هم الخوارج ثم المعتزلة ms1190 بعدهم ثم الأشعرية ثم الصوفية ثم جاء أبو ~~حامد فطم الوادي على القرى وذلك أنه صرح بالحكمة كلها للجمهور وبآراء PageV06P222 ~~الحكماء على ما أداه إليه فهمه وذلك في كتابه الذي سماه بالمقاصد وزعم أنه ~~إنما ألف هذا الكتاب للرد عليهم ثم وضع كتابه المعروف بتهافت الفلاسفة ~~فكفرهم فيه في مسائل ثلاثة من جهة خرقهم فيها الإجماع فيها زعم وبدعهم في ~~مسائل وأتى فيه بحجج مشككه وشبه محيرة أضلت كثيرا من الناس عن الحكمة ~~والشريعة جميعا ثم قال في كتابه المعروف بجواهر القرآن إن الذي أثبته في ~~كتاب التهافت هي أقاويل جدلية وأن الحق إنما أثبته في المضنون به على غير ~~أهله ثم جاء في كتابه المعروف بمشكاة الأنوار فذكر فيه مراتب العارفين ~~بالله وقال إن سائرهم محجوبون إلا الذين اعتقدوا أن الله سبحانه غير محرك ~~السماء الأولى وهو الذي صدر عنه هذا المحرك وهذا تصريح منه باعتقاد مذاهب ~~الحكماء في العلوم الإلهية وهو قد قال في غير ما موضع إن علومهم الإلهية ~~تخمينات بخلاف الأمر في سائر علومهم وأما في كتابه الذي سماه بالمنقذ من ~~الضلال فتحامل فيه على PageV06P223 ~~الحكماء وأشار إلى أن العلم إنما يحصل بالخلوة والفكرة وأن هذه المرتبة من ~~جنس مراتب الأنبياء في العلم وكذلك صرح بذلك بعينه في كتابه الذي سماه ~~بكيمياء السعادة فصار الناس بسبب هذا التخليط والتشويش فرقتين فرقة انتدبت ~~لذم الحكماء والحكمة وفرقة انتدبت لتأويل الشرع وروم صرفه إلى الحكمة وهذا ~~كله خطأ بل ينبغي أن يقر الشرع على ظاهره ولا يصرح للجمهور بالجمع بينه ~~وبين الحكمة لأن التصريح بذلك هو تصريح بنتائج الحكمة لهم دون أن يكون ~~عندهم برهان عليها وهذا لا يحل ولا يجوز أعنى التصريح بشيء من نتائج الحكمة ~~لم يكن عنده البرهان عليها لأنه لا يكون مع العلماء الجامعين بين الشرع ~~والعقل ولا مع الجمهور المتبعين لظاهر الشرع فلحق من فعله هذا إخلال ~~بالأمرين جميعا أعنى بالحكمة وبالشرع عند أناس وحفظ الأمرين أيضا جميعا عند ~~آخرين أما إخلاله بالشريعة ms1191 فمن جهة إفصاحة فيها بالتأويل الذي لا يجب ~~الإفصاح به وأما إخلاله بالحكمة فلإفصاحه أيضا بمعان فيها لا PageV06P224 ~~يجب أن يصرح بها إلا في كتاب البرهان وأما حفظه للأمرين جميعا فإن كثيرا من ~~الناس لا يرى بينهما تعارضا من جهة الجمع الذي استعمل منهما وأكد هذا ~~المعنى بأن عرف وجه الجمع بينهما وذلك في كتابه الذي سماه التفرقة بين ~~الإسلام والزندقة وذلك أنه عدد فيه أصناف التأويلات وقطع فيه على أن ~~المتأول ليس بكافر وإن خرق الإجماع في التأويل فإذا ما فعل من هذه الأشياء ~~هو ضار للشرع بوجه وللحكمة بوجه ونافع لهما بوجه وهذا الذي فعله هذا الرجل ~~إذا فحص عنه ظهر أنه ضار بالذات للأمرين جميعا أعنى الحكمة والشريعة وأنه ~~نافع لهما بالعرض وذلك أن الإفصاح بالحكمة لمن ليس من أهلها يلزم عن ذلك ~~بالذات إما إبطال الحكمة وإما إبطال الشريعة وقد يلزم عنها بالعرض الجمع ~~بينهما والصواب كان ألا يصرح بالحكمة للجمهور فأما وقد وقع التصريح فالصواب ~~أن تعلم الفرقة من الجمهور التي ترى أن الشريعة مخالفة للحكمة أنها ليست ~~مخالفة لها وكذلك يعرف الذين يرون أن الحكمة PageV06P225 ~~مخالفة لها من الذين ينتسبون للحكمة أنها غير مخالفة لها وذلك بأن يعرف كل ~~أحد من الفريقين أنه لم يقف على كنهها بالحقيقة أعنى على كنه الشريعة ولا ~~على كنه الحكمة وأن الرأي في الشريعة الذي اعتقد أنه مخالف للحكمة هو رأي ~~إما مبتدع في الشريعة لامن أصلها وإما رأي خطأ في الحكمة أعنى تأويل خطأ ~~عليها كما عرض في مسألة علم الجزئيات وفي غيرها من المسائل # قال ولهذا المعنى اضطررنا نحن في هذا الكتاب أن نعرف أصول الشريعة فإن ~~أصولها إذا تؤملت وجدت أشد مطابقة للحكمة مما أول عليها وكذلك الرأي في ~~الذي ظن في الحكمة أنه مخالف للشريعة يعرف أن السبب في ذلك أنه لم يحط علما ~~بالحكمة ولا بالشريعة ولذلك اضطرنا نحن إلى وضع قول في موافقه الحكمة ~~للشريعة # قال فإذا تبين هذا فلنرجع إلى حيث ms1192 كنا فنقول إن PageV06P226 ~~الذي بقى علينا من هذا الجزء من المسائل المشهورة هي مسألة الرؤية فإنه قد ~~يظن أن هذه المسألة هي بوجه ما داخلة في هذا الجزء أعني في الجزء المعدوم ~~يعني جزء التنزيه فإنه تكلم في التنزيه بعد تكلمه في الصفات الثبوتية فقال ~~فإنه قد يظن أن هذه المسألة هي بوجه ما داخله في هذا الجزء أعني في الجزء ~~المعدوم لقوله تعالى { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } سورة الأنعام ~~103 ولذلك أنكرتها المعتزلة وردت الآثار الواردة في الشرع بذلك مع كثرتها ~~وشهرتها فشنع الأمر عليهم والسبب في وقوع هذه الشبهة في الشرع أن المعتزلة ~~لما اعتقدوا انتفاء الجسمية عنه سبحانه واعتقدوا وجوب التصريح بها لجميع ~~المكلفين وجب عندهم إذا انتفت الجسمية أن تنتفى الجهة وإذا انتفت الجهة ~~انتفت الرؤية إذ كل مرئي في جهة من الرائي فاضطروا لهذا المعنى إلى رد ~~الشرع المنقول وأعلوا الأحاديث بأنها أخبار آحاد وأخبار الآحاد لا توجب ~~العلم مع أن ظاهر القرآن معارض لها أعني قوله { لا تدركه الأبصار } سورة ~~الأنعام 103 PageV06P227 # قال وأما الأشعرية فراموا الجمع بين الاعتقادين أعنى بين انتفاء الجسمية ~~وبي جواز الرؤية لما ليس بجسم بالحس فعسر ذلك عليهم ولجاؤا في ذلك إلى حجج ~~سوفسطائية مموهة أعني الحجج الي توهم أنها حجج وهي كاذبة وذلك أنه يشبه أن ~~يكون يوجد في الحجج ما يوجد في الناس أعني كما يوجد في الناس الفاضل التام ~~الفضيلة يوجد فيهم من هو دون ذلك في الفضل ويوجد فيهم من يوهم أنه فاضل ~~وليس بفاضل وهو المرائي وكذلك الأمر في الحجج أعني أن منها ما هو في غاية ~~اليقين ومنها ما هو دون اليقين ومنها حجج مرائية وهي التي توهم أنها يقين ~~وهي كاذبة والأقاويل التي سلكها الأشعرية في هذه المسألة منها أقاويل في ~~دفع دليل المعتزلة ومنها أقاويل لهم في جواز إثبات الرؤية لما ليس بجسم ~~وأنه ليس بعرض من فرضها محال فأما ما عاندوا به قول المعتزلة أن كل مرئي ~~فهو ms1193 في جهة من الرائي فمنهم من قال إن هذا إنما هو حكم الشاهد لا حكم ~~الغائب وإن هذا الموضع ليس هو من المواضع التي يجب فيها نقل حكم الشاهد إلى ~~الغائب وإنه جائز أن يرى الإنسان ما ليس في جهة إذ كان جائزا أن يرى ~~الإنسان بالقوة المبصرة نفسها PageV06P228 ~~دون عين وهؤلاء اختلط عليهم إدراك العقل مع إدراك البصر فإن العقل هو الذي ~~يدرك ما ليس في جهة أعني في مكان وأما إدراك البصر فظاهر من أمره أن من ~~شرطه أن يكون المرئي منه في جهة أعني في مكان ولا في كل جهة بل في جهة ما ~~مخصوصة ولذلك ليس تتأتي الرؤية بأي وضع اتفق أن يكون البصر من المرئي بل ~~بأوضاع محدودة وشروط محدودة أيضا وهي ثلاثة أشياء حضور الضوء والجسم الشفاف ~~المتوسط بين البصر والمبصر وكون المبصر ذا لون والرد لهذه الأمور المعروفة ~~بنفسها في الإبصار هو رد للأوائل المعلومة بالطبع للجميع وإبطال لجميع علوم ~~النظر والهندسة وقد قال القوم أعني الأشعرية إن أحد المواضع التي يجب فيها ~~أن ينقل حكم الشاهد إلى الغائب هو الشرط مثل حكمنا بأن كل عالم حي لكون ~~الحياة تظهر في الشاهد شرطا في وجود العلم قلنا لهم وكذلك يظهر في الشاهد ~~أن هذه الأشياء هي شرط في الرؤية فألحقوا الغائب فيها بالشاهد على أصلكم PageV06P229 # قال وقد رام أبو حامد في كتابه المعروف بالمقاصد أن يعاند هذه المقدمة ~~أعني أن كل مرئي في جهة من الرائي بأن الإنسان ينظر ذاته في المرآة وليست ~~ذاته منه في جهة ولا في غير جهة تقابله وذلك أنه لما كان يبصر ذاته وكانت ~~ذاته لا تحل في المرآة التي في الجهة المقابلة فهو يبصر ذاته في غير جهة # قال وهذه مغالطة فإن الذي يبصر هو خيال ذاته فقط والخيال هو في جهة إذ ~~كان الخيال في المرآة والمرآة في جهة وأما حجتهم التي أتوا بها في إمكان ~~رؤية ما ليس بجسم فإن المشهور عندهم من ذلك حجتان ms1194 إحداهما وهي الأشهر عندهم ~~ما يقولونه من أن الشيء لا يخلو من أن يرى من جهة أنه متلون أو من جهة أنه ~~جسم أو من جهة أنه لون أو من جهة أنه موجود وربما عددوا جهات أخر غير هذه ~~الوجوه ثم يقولون وباطل أن يرى من قبل أنه جسم إذ لو كان كذلك لما رئي ما PageV06P230 ~~هو غير جسم وباطل أن يرى من قبل أنه ملون إذ لو كان كذلك لما رئي اللون ~~وباطل أن يرى لمكان أنه لون إذ لو كان كذلك لما رئي الجسم قالوا وإذا بطلت ~~جميع هذه الأقسام التي تتوهم في هذا الباب لم يبق أن يرى الشيء إلا من قبل ~~أنه موجود # قال والمغالطة في هذا القول بينة فإن المرئي منه ما هو مرئي بذاته ومنه ~~ما هو مرئي من قبل المرئي بذاته وهذه هي حال اللون والجسم فإن اللون مرئي ~~بذاته والجسم مرئي من قبل اللون وكذلك ما لم يكن له لون لم يبصر ولو كان ~~الشيء إنما يرى من حيث هو موجود فقط لوجب أن تبصر الأصوات وسائر المحسوسات ~~الخمس فكان يكون البصر والسمع وسائر الحواس الخمس حاسة واحدة وهذا كله خلاف ~~ما يعقل وقد اضطر المتكلمون لمكان PageV06P231 ~~هذه المسألة وما أشبهها إلى أن يسلموا أن الألوان ممكنة أن تسمع والأصوات ~~ممكنة أن لا تسمع وهذا كله خروج عن الطبع وعما يمكن أن يعقله الإنسان فإن ~~من الظاهر أن حاسة البصر غير حاسة السمع وأن محسوس هذه غير محسوس تلك وأن ~~آلة هذه غير آلة تلك وأنه ليس يمكن أن ينقلب البصر سمعا كما لا يمكن أن ~~يعود اللون صوتا والذين يقولون إن الصوت يمكن أن يبصر في وقت فقد يجب أن ~~يسألوا فيقال لهم ما هو البصر فلا بد أن يقولوا هو قوة تدرك بها المرئيات ~~الألوان وغيرها ثم يقال لهم ما هو السمع فلا بد أن يقولوا هو قوة تدرك بها ~~الأصوات فإذا وضعوا هذا قيل لهم فهل البصر عند إدراكه ms1195 الأصوات هو بصر فقط ~~أو سمع فقط فإذا قالوا سمع فقط فقد سلموا أنه لا يدرك الألوان وإن قالوا ~~بصر فقط فليس يدرك الأصوات وإذا لم يكن بصرا فقط لأنه يدرك الأصوات ولا ~~سمعا فقط لأنه يدرك الألوان فهو بصر وسمع معا وعلى هذا فتكون الأشياء كلها ~~شيئا واحدا حتى المتضادات وهذا شيء فيما أحسب يسلمه المتكلمون من أهل ملتنا ~~أو يلزمهم تسليمه يعني هؤلاء الأشعرية PageV06P232 # قال وهو رأى سوفسطائي لأقوام مشهورين بالسفسطة # وأما الطريقة الثانية التي سلكها المتكلمون في جواز الرؤية فهي الطريقة ~~التي اختارها أبو المعالى في كتابه المعروف بالإرشاد وتلخيصها أن الحواس ~~إنما تدرك ذوات الأشياء وما تنفضل به الموجودات بعضها من بعض فهي أحوال ~~ليست بذوات فالحواس لا تدركها وإنما تدرك الذات والذات هي نفس الوجود ~~المشترك لجميع الموجودات فإذا الحواس إنما تدرك الشيء من حيث هو هو موجود # قلت هذه الحجة من جنس الأولى لكن هذه على قول مثبتة الأحوال وتلك على رأى ~~نفاة الأحوال لكن ذكرها على هذا الوجه فيه تناقض حيث جعل الأحوال لا ترى بل ~~إنما يرى الوجود والوجود حال عند مثبتة الأحوال لكن مضمون ذلك أنها تدرك ~~للحال المشتركة وهي الوجود لا لما اختصت به # ثم قال ابن رشد وهذا كله في غاية الفساد ومن أبين ما يظهر به فساد هذا ~~القول أنه لو كان البصر إنما يدرك الأشياء لوجودها لما أمكنه أن يفرق بين ~~الأبيض والأسود لأن الأشياء لا تفترق بالشيء PageV06P233 ~~الذي تشترك فيه ولكان في الجملة لا يمكن في الحواس لا في البصر أن يدرك ~~فصول الألوان ولا في السمع أن يدرك فصول الأصوات ولا في الطعم أن يدرك فصول ~~المطعومات وللزم أن يكون مدارك المحسوسات بالحس واحدا فلا يكون فرق بين ~~مدرك السمع ومدرك البصر وهذا كله في غاية الخروج عما يعقله الإنسان وإنما ~~تدرك الحواس ذوات الأشياء المشار إليها يتوسط إدراكها لمحسوساتها الخاصة ~~بها فوجه المفالطة في هذا هو أنه ما يدرك ثانيا أخذ أنه يدرك بذاته ms1196 # قال ولولا النشأ على هذه الأقاويل وعلى التعظيم للقائلين بها لما أمكن أن ~~يكون فيها شيء من الإقناع ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة # قال والسبب في مثل هذه الحيرة الواقعة في الشريعة حتى ألجأت القائلين ~~بنصرتها في زعمهم إلى مثل هذه الأقاويل الهجينة التي هي ضحكة عند من عنى ~~بتمييز أصناف الأقاويل أدنى عناية هو التصريح في الشرع بما لم يأذن به الله ~~ورسوله وهو التصريح ينفي PageV06P234 ~~الجسمية للجمهور وذلك أنه من العسير أن يجتمع في اعتقاده واحد أن ههنا ~~موجودا ليس بجسم وأنه مرئي بالأبصار لأن مدرك الأبصار هي في الأجسام أو ~~أجسام وكذلك رأى قوم أن هذه الرؤية هي مزيد علم في ذلك الوقت وهذا لا يليق ~~أيضا الإفصاح به للجمهور فإنه لما كان العقل من الجمهور لا ينفك عن التخيل ~~بل ما لا يتخيلون هو عندهم عدم وكان تخيل ما ليس بجسم لا يمكن والتصديق ~~بوجود ما ليس بمتخيل غير ممكن عندهم عدل الشرع عن التصريح لهم بهذا المعنى ~~ووصف لهم نفسه سبحانه بأوصاف تقرب من قوة التخيل مثل ما وصفه به من السمع ~~والبصر والوجه وغير ذلك مع تعريفهم أنه لا يجانسه شيء من الموجودات ~~المتخيلة ولا يشبهه ولو كان القصد تعريف الجمهور أنه ليس بجسم لما صرح لهم ~~بشيء من ذلك بل لما كان أرفع الموجودات المتخيلة هو النور ضرب المثال به إذ ~~كان النور هو أشهر الموجودات عند الحس والتخيل وبهذا النحو من التصور أمكن ~~أن يفهموا المعاني PageV06P235 ~~الموجودات في المعاد أعني تلك المعاني مثلت لهم بأمور متخيلة محسوسة فإذا ~~متى أخذ الشرع في أوصاف الله على ظاهره لم تعرض فيه هذه الشبهة ولا غيرها ~~لأنه إذا قيل إنه نور وإن له حجابا من نور كما جاء في القرآن والسنن ~~الثابتة ثم قيل إن المؤمنين يرونه في الدار الآخرة كما ترى الشمس لم يعرض ~~في هذا كله شك ولا شبهة في حق الجمهور ولا حق العلماء وذلك أنه قد تبرهن ~~عند العلماء ms1197 أن تلك الحال مزيد علم لكن متى صرح به للجمهور بطلت عندهم ~~الشريعة كلها أو كفروا المصرح لهم بها فمن خرج عن منهاج الشريعة في هذه ~~الأشياء فقد ضل عن سواء السبيل وأنت إذا تأملت الشرع وجدته مع أنه قد ضرب ~~للجمهور في هذا المعنى المثالات التي لم يمكن تصورهم إياها دونها فقد نبه ~~العلماء على تلك المعاني أنفسها التي ضرب مثالاتها للجمهور فيجب أن يوقف ~~عند حد الشرع في نحو التعليم الذي خص به صنفا صنفا من الناس لئلا يختلط ~~التعليمان كلاهما فتفسد الحكمة الشرعية النبوية ولذلك قال عليه PageV06P236 ~~السلام إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم وأن نخاطبهم على ~~قدر عقولهم ومن جعل الناس شرعا واحدا في التعليم فهو كمن جعلهم شرعا واحدا ~~في عمل من الأعمال وهذا كله خلاف المحسوس والمعقول # قال وقد تبين لك من هذا أن الرؤية معنى ظاهر وأنه ليس يعرض فيه شبهة إذا ~~أخذ الشرع على ظاهره في حق الله تبارك وتعالى أعنى إذا لم يصرح فيه بنفي ~~الجسمية ولا إثباتها # قلت هذا الرجل قد ذكر في كتابه أن أصناف الناس أربعة الحشوية والأشعرية ~~والمعتزلة والباطنية باطنية الصوفية وهو يميل إلى باطنية الفلاسفة الذين ~~يوجبون إقرار الجمهور على الظاهر كما يفعل ذلك من يقول بقولهم من أهل ~~الكلام والفقه والحديث ليس هو من باطنية الشيعة كالإسماعيلية ونحوهم الذين ~~يظهرون الإلحاد PageV06P237 ~~ويتظاهرون بخلاف شرائع الإسلام وهو في نفي الصفات أسوأ حالا من المعتزلة ~~وأمثالهم بمنزلة إخوانه الفلاسفة الباطنية حتى أنه يجعل العلم هو العالم ~~والعلم هو القدرة وهو مع موافقته لابن سينا على نفي الصفات يبين فساد ~~طريقته التي احتج بها وخالف بها قدماء الفلاسفة وهو أن ما شهد به الوجود من ~~الموجود الواجب يمتنع كونه موصوفا لأن ذلك تركيب ووافق أبا حامد مع تشنيعه ~~عليه على أن استدلال ابن سينا على نفي الصفات بأن وجوب الوجود مستلزم لنفي ~~التركيب المستلزم لنفي الصفات طريقة فاسدة واختار طريقة المعتزلة وهي أن ~~ذلك التركيب والمركب ms1198 يفتقر إلى مركب وهي أيضا من نمط تلك في الفساد # وكذلك أيضا زيف طريقهم التي استدلوا بها على نفي التجسيم زيف طريقة ابن ~~سينا وطرق المعتزلة والأشعرية بكلام طويل واعتمد هو في نفي التجسيم على ~~إثبات النفس الناطقة وأنها ليست بجسم فيلزم أن يكون الله ليس بجسم # ولا ريب أن هذه الحجة أفسد من غيرها فإن الاستدلال على نفي كون النفس ~~جسما أضعف بكثير من نفي ذلك في الواجب والمنازعون له في النفي أكثر من ~~المنازعين له في ذلك لكن مما يطعمه ويطمعه أمثاله في ذلك ضعف مناظرة أبي ~~حامد لهم في مسألة النفس فإن أبا حامد بين فساد أدلتهم التي استدلوا بها ~~على نفي كون الواجب ليس بجسم وبين أنه لا حجة لهم على ذلك وإنما الحجة على ~~ذلك طريق PageV06P238 ~~المعتزلة طريقة الأعراض والحوادث وأما في مسألة النفس فهو موافق لهم على ~~قولهم لاعتقاده صحة طريقهم # وابن رشد يذم أبا حامد من الوجه الذي يمدحه به علماء المسلمين ويعظمونه ~~عليه ويمدحه من الوجه الذي يذمه به علماء المسلمين وإن كانوا قد يقولون إنه ~~رجع عن ذلك لأن أبا حامد يخالف الفلاسفة تارة ويوافقهم أخرى فعلماء ~~المسلمين يذمونه بما وافقهم فيه من الأقوال المخالفة للحق الذي بعث الله به ~~محمدا صلى الله عليه وسلم الموافقة لصحيح المنقول وصريح المعقول كما وقع من ~~الإنكار عليه أشياء في كلام رفيقه أبي الحسن المرغيناني وأبي نصر القشيري ~~وأبي بكر الطرشوشي وأبي بكر بن العربي وأبي PageV06P239 ~~عبد الله المازري وأبي عبد الله الذكي ومحمود الخوارزمي وابن عقيل وأبي ~~البيان الدمشقي ويوسف الدمشقي وابن حمدون القرطبي القاضي وأبي الفرج بن ~~الجوزي وأبي محمد المقدسي وأبي عمرو بن الصلاح وغير واحد من علماء المسلمين ~~وشيوخهم PageV06P240 # والمتفلسفة الذين يوافقون ما ذكره من أقوالهم يذمونه لما اعتصم به من دين ~~الإسلام ووافقه من الكتاب والسنة كما يفعل ذلك ابن رشد الحفيد هذا وابن ~~الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان وابن سبعين وابن هود وأمثالهم # وهؤلاء وأمثالهم يعظمون ما ms1199 وافق فيه الفلاسفة كما يفعل ذلك صاحب خلع ~~النعلين وابن عربي صاحب الفصوص وأمثالهم ممن يأخذ المعاني الفلسفية يخرجها ~~في قوالب المكاشفات والمخاطبات الصوفية ويقتدي في ذلك بما وجده من ذلك في ~~كلام أبي حامد ونحوه # وأما عوام هؤلاء فيعظمون الألفاظ الهائلة مثل لفظ الملك والملكوت ~~والجبروت وأمثال ذلك مما يجدونه في كلام هؤلاء وهم لا يدرون هل أراد ~~المتكلم بذلك ما أراده الله ورسوله أم أراد بذلك ما أراده الملاحدة كابن ~~سينا وأمثاله PageV06P241 # والمقصود هنا أن ابن رشد هذا مع اعتقاده أقوال الفلاسفة الباطنية لا سيما ~~الفلاسفة المشائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم الذين لهم التصانيف المعروفة ~~في الفلسفة ومع أن قول ابن رشد هذا في الشرائع من جنس قول ابن سينا وأمثاله ~~من الملاحدة من أنها أمثال مضروبة لتفهيم العامة ما يتخيلونه في أمر ~~الإيمان بالله واليوم الآخر وأن الحق الصريح الذي يصلح لأهل العلم فإنما هو ~~أقوال هؤلاء الفلاسفة وهذه عند التحقيق منتهاها التعطيل المحض وإثبات وجود ~~مطلق لا حقيقة له في الخارج غير وجود الممكنات وهو الذي انتهى إليه أهل ~~الوحدة القائلون بالحلول والاتحاد كابن سبعين وأمثاله ممن حقق هذه الفلسفة ~~ومشوا على طريقة هؤلاء المتفلسفة الباطنية من متكلم ومتصوف وممن أخذ بما ~~يوافق ذلك من كلام أبي حامد وأمثاله وزعموا أنهم يجمعون بين الشريعة ~~الإلهية والفسلفة اليونانية كما زعم ذلك أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم ~~من هؤلاء الملاحدة # وابن رشد هذا مع خبرته بكلام هؤلاء وموافقته لهم يقول إن جميع الحكماء قد ~~اتفقوا على أن الله الملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك ~~وقرر ذلك بطريق عقلية من جنس تقرير ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبي العباس ~~القلانسي والأشعري PageV06P242 ~~والقاضي أبي بكر وأبي الحسن التميمي وابن الزاغوني وأمثالهم ممن يقول إن ~~الله فوق العرش وليس بجسم # وقال هؤلاء المتفلسفة كما يقوله هؤلاء المتكلمون الصفاتية إن إثبات العلو ~~لله لا يوجب إثبات الجسمية بل ولا إثبات الكان وبناء ذلك على أن المكان هو ~~السطح الباطن من ms1200 الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المحوى وهذا ~~قول أرسطو وأتباعه فهؤلاء يقولون مكان الإنسان هو باطن الهواء المحيط به ~~وكل سطح باطن من الأفلاك فهو مكان للسطوح الظاهرة بما يلاقيه # ومعلوم أنه ليس وراء الأجسام سطح جسم باطن يحوي شيئا فلا مكان هناك على ~~اصطلاحهم إذ لو كان هناك محوى لسطح الجسم لكان الحاوي جسما وإذا كان كذلك ~~فالموجود هناك لا يكون في مكان ولا يكون جسما ولهذا قال فإذا إن قام ~~البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم فالذي يمتنع ~~وجود هناك هو موجود جسم لا وجود ما ليس بجسم PageV06P243 # فقرر إمكان ذلك كما قرر إثباته كما ذكره من أنه لا بد من نسبة بينه وبين ~~العالم المحسوس # والذي يمكن منازعوه من الفلاسفة أن يقولوا له لا يمكن أن يوجد هناك شيء ~~لا جسم ولا غيره أما الجسم فلما ذكره وأما غيره فلانه يكون مشارا إليه بأنه ~~هناك وما أشير إليه فهو جسم # وهذا كما يقوله المعتزلة للكلابية وقدماء الأشعرية ومن وافقهم من أهل ~~الحديث كالتميميين وأمثالهم وأتباعهم فيقول ابن رشد لهم ما تقوله الكلابية ~~للمعتزلة وهو أن وجود موجود ليس هو وراء أجسام العالم ولا داخل فيها إما أن ~~يكون ممكنا وإما أن لا يكون فإن لم يكن ممكنا بطل قولكم وإن كان ممكنا ~~فوجود موجود هو وراء أجسام العالم وليس بجسم أولى بالجواز لأنا إذا عرضنا ~~على العقل وجود موجود قائم بنفسه لا في العالم ولا خارجا عنه ولا يشار إليه ~~وعرضنا عليه وجود موجود يشار إليه فوق العالم ليس بجسم كان إنكار العقل للأول PageV06P244 ~~أعظم من إنكاره للثاني فإن كان الأول مقبولا وجب قبول الثاني وإن كان ~~الثاني مردودا وجب رد الأول فلا يمكن منازعو هؤلاء أن يبطلوا قولهم مع ~~إثباتهم لموجود قائم بنفسه لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه # وما ذكره ابن رشد من أن هذه الصفة صفة العلو لم يزل أهل الشريعة في أول ~~الأمر ms1201 يثبتونها لله تعالى حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخروا ~~الأشعرية كلام صحيح وهو يبين خطأ من يقول إن النزاع في ذلك ليس إلا مع ~~الكرامية والحنبلية وكلامه هذا أصح مما زعمه ابن سينا حيث ادعى أن السنن ~~الإلهية منعت الناس عن شهرة القضايا التي سماها الوهميات مثل أن كل موجود ~~فلابدان يشار إليه فإن تلك السنن ليست إلا سنن المعتزلة والرافضة ~~والإسماعيلية ومن وافقهم من أهل البدع ليست سنن الأنبياء والمرسلين صلوات ~~الله عليهم أجمعين # وما نقله ابن رشد عن هذه الأمه فصحيح وهذا مم يرجح أن نقله لأقوال ~~الفلاسفة أصح من نقل ابن سينا لكن التحقيق أن الفلاسفة في هذه المسألة على ~~قولين وكذلك في مسألة ما يقوم بذاته من الأفعال وغيرها من الأمور للفلاسفة ~~في ذلك قولان PageV06P245 # والرازي إذ قال اتفق الفلاسفة فإنما عنده ما في كتب ابن سينا وذويه وكذلك ~~الفلاسفة الذين يرد عليهم أبو حامد إنما هم هؤلاء # ولا ريب أن مسائل الإلهيات والنبوات ليس لأرسطو وأتباعه فيها كلام طائل ~~أما النبوات فلا يعرف له فيها كلام وأما الإلهيات فكلامه فيها قليل جدا ~~وأما عامة كلام الرجل فهو في الطبيعيات والرياضيات ولهم كلام في الروحانيات ~~من جنس كلام السحرة والمشركين وأما كلامهم في واجب الوجود بنفسه فكلام قليل ~~جدا مع ما فيه من الخطأ وهم لا يسمونه واجب الوجود ولا يقسمون الوجود إلى ~~واجب وممكن وإنما فعل هذا بن سينا وأتباعه ولكن يسمونه المحرك الأول والعلة ~~الأولى كما قد بسطت أقوالهم في موضع آخر # وعلم ما بعد الطبيعة عندهم هو العلم الناظر في الوجود ولواحقه وتلك أمور ~~كلية عامة مطلقة تتناول الواجب وغيره وبعض كلامهم في ذلك خطأ وبعضه صواب ~~وغالبه تقسم لأجناس الجواهر والأعراض ولهذا كانوا نوعين نوعا نظارين مقسمين ~~للكليات ونوعا متألهين بالعبادة والزهد على أصولهم أو جامعين بين الأمرين ~~كالسهروردي المقتول وأتباع ابن سبعين وغيرهم PageV06P246 # وأما كلامهم في نفس العلة الأولى فقليل جدا ولهذا كانوا على قولين منهم ~~من يثبت موجودا ms1202 واجبا مباينا للأفلاك ومنهم من ينكر ذلك وحجج مثبتي ذلك على ~~نفاته منهم حجج ضعيفة وقدماؤهم كأرسطو كانوا يستدلون بأنه لا بد للحركة من ~~محرك لا يتحرك وهذا لا دليل عليه بل الدليل يبطله # وابن سينا سلك طريقته المعروفة وهو الاستيدلال بالوجود على الواجب ثم ~~دعواه أن الواجب لا يجوز أن يتعدد ولا تكون له صفة وهذه أيضا طريقة ضعيفة ~~ولعلها أضعف من طريقة أولئك أو نحوها أو قريب منها # وإذا كان كلام قدمائهم في العلم بالله تعالى قليلا كثير الخطأ فإنما كثر ~~كلام متأخريهم لما صاروا من أهل الملل ودخلوا في دين المسلمين واليهود ~~والنصارى وسمعوا ما أخبرت به الأنبياء من أسماء الله وصفاته وملائكته وغير ~~ذلك فأحبوا أن يستخرجوا من أصول سلفهم ومن كلامهم ما يكون فيه موافقة لما ~~جاءت به الأنبياء لما رأوا في ذلك من الحق العظيم الذي لا يمكن جحده والذي ~~هو أشرف المعارف وأعلاها فصار كل منهم يتكلم بحسب اجتهاده فالفارابي لون ~~وابن سينا لون وأبو البركات صاحب المعتبر لون وابن رشد الحفيد لون ~~والسهروردي المقتول لون وغير هؤلاء ألوان أخر # وهم في هواهم بحسب ما يتيسر لهم من النظر في كلام أهل PageV06P247 ~~الملل فمن نظر في كلام المعتزلة والشيعة كابن سينا وأمثاله فكلامه لون ومن ~~خالط أهل السنة وعلماء الحديث كأبي البركات وابن رشد فكلامه لون آخر أقرب ~~إلى صريح المعقول وصحيح المنقول من كلام ابن سينا # لكن قد يخفي ذلك على من يمعن النظر ويظن أن قول ابن سينا أقرب إلى ~~المعقول كما يظن أن كلام المعتزلة والشيعة أقرب إلى المعقول من كلام ~~الأشعرية والكرامية وغيرهم من أهل الكلام ومن نظار أهل السنه والجماعة ومن ~~المعلوم بعد كمال النظر واستيفائه أن كل من كان إلى السنة وإلى طريقة ~~الأنبياء أقرب كان كلامه في الإلهيات بالطرق العقلية أصح كما أن كلامه ~~بالطرق النقلية أصح لأن دلائل الحق وبراهينه تتعاون وتتعاضد لا تتناقص ~~وتتعارض # وما ذكره ابن رشد في اسم المكان يتوجه عند من ms1203 يسلم له مذهب أرسطو وأن ~~المكان هو السطح الداخل الحاوي المماس للسطح الخارج المحوى ومعلوم أن من ~~الناس من يقول إن للناس في المكان أقوالا أخر منهم من يقول إن المكان هو ~~الجسم الذي يتمكن غيره عليه ومنهم من يقول إن المكان هو ما كان تحت غيره ~~وإن لم يكن ذلك متمكنا عليه ومنهم من يزعم أن المكان هو الخلاء وهو أبعاد # والنزاع في هذا الباب نوعان أحدهما معنوي كمن يدعى وجود مكان هو جوهر ~~قائم بنفسه ليس هو الجسم وأكثر العقلاء ينكرون ذلك PageV06P248 # والثاني نزاع لفظي وهو من يقول المكان ما يحيط بغيره ويقول آخر ما يكون ~~غيره عليه أو ما يتمكن عليه # ولا ريب أن لفظ المكان يقال على هذا وهذا ومن هنا نشأ تنازع أهل الإثبات ~~هل يقال إن الله تعالى في مكان أم لا وهذا كتنازعهم في الجهة والحيز لكن قد ~~يقر بلفظ الجهة من لا يقر بلفظ الحيز أو المكان وربما أقر بلفظ الحيز أو ~~المكان من لا يقر بالآخر وسبب ذلك إما اتباع ما ورد أو اعتقاد أن في أحد ~~اللفظين من المعنى المردود ما ليس في الآخر # وحقيقة الأمر في المعن أن ينظر إلى المقصود فمن اعتقد أن المكان لا يكون ~~إلا ما يفتقر إليه المتمكن سواء كان محيطا به أو كان تحته فمعلوم أن الله ~~سبحانه ليس في مكان بهذا الاعتبار ومن اعتقد أن العرش هو المكان وأن الله ~~فوقه مع غناه عنه فلا ريب أنه في مكان بهذا الاعتبار # فما يجب نفيه بلا ريب افتقار الله تعالى إلى ما سواه فإنه سبحانه غني عن ~~ما سواه وكل شيء فقير إليه فلا يجوز أن يوصف بصفة تتضمن افتقاره إلى ما ~~سواه وأما إثبات النسب والإضافات بينه وبين خلقه فهذا متفق عليه بين أهل ~~الأرض وأما علوه على العالم ومباينته للمخلوقات فمتفق عليه بين الأنبياء ~~والمرسلين وسلف الأمة وأئمتها وبين هؤلاء الفلاسفة كما ذكر ذلك عنهم ولكن ~~آخرون من الفلاسفة ينازعون في ذلك ms1204 PageV06P249 ### | AUTO فصل # فهذا ونحوه بعض كلام رؤوس أهل الكلام والفلسفة في هذا الباب يبين خطأ من ~~جعل النزاع في ذلك مع الكرامية والحنبلية ويبين أن أكثر طوائف العقلاء ~~يقولون بالعلو وبامتناع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه وأما كلام من ~~نقل مذهب السلف والأئمة فأكثر من أن يمكن سطره ### | AUTO قال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له فأئمتنا كسفيان ~~الثوري ومالك وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن ويد وعبد الله بن ~~المبارك وفضيل بن عياض وأحمد ابن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي متفقون ~~على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم ~~القيامة بالأبصار فوق العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ~~ويتكلم بما شاء فمن خاف شيئا من ذلك فهو منهم برئ وهم منه براء # وأبو نصر هذا كان مقيما بمكة في أثناء المائة الخامسة # وقال قبله الشيخ أبو عمر الطلمنكي المالكي أحد أئمة وقته بالأندلس في ~~كتاب الوصول إلى معرفة الأصول قال وأجمع PageV06P250 ~~المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله { وهو معكم أين ما كنتم } سورة ~~الحديد 4 ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه وأن الله فوق السموات بذاته مستو ~~على عرشه كيف شاء # وقال أيضا قال أهل السنة في قوله { الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 ~~أن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز # وقال الشيخ نصر المقدسي الشافعي الشيخ المشهور في كتاب الحجة له إن قال ~~قائل قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام من أتباع كتاب الله وسنة ورسوله وما ~~أجمع عليه الأئمة والعلماء والأخذ بما عليه أهل السنة والجماعة فاذكر ~~مذاهبهم وما أجمعوا من اعتقادهم وما يلزمنا من المصير إليه من إجماعهم ~~فالجواب أن الذي أدركت عليه أهل العلم ومن لقيتهم وأخذت عنهم ومن بلغني ~~قوله من غيرهم فذكر جمل اعتقاد أهل السنة وفيه أن الله مستو على عرشه بائن ~~من خلقه كما قال في ms1205 كتابه { أحاط بكل شيء علما } سورة الطلاق 12 { وأحصى كل ~~شيء عددا } سورة الجن 28 PageV06P251 # وقال قبله الحافظ أبو نعيم الأصبهاني المشهور صاحب التصانيف المشهورة ~~كحلية الأولياء وغيرها في عقيدته المشهورة عنه طريقتنا طريقة المتبعين ~~للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة فما اعتقدوه اعتقدناه فما اعتقدوه أن ~~الأحاديث التي تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش واستواء الله ~~عليه يقولون بها ويثبتونها ومن غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وأن الله ~~بائن عن خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على ~~عرشه في سماواته من دون أرضه # وقال الشيخ أبو أحمد الكرخي الإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة في ~~العقيدة التي ذكر أنها اعتقاد أهل السنة والجماعة وهي العقيدة التي كتبها ~~للخليفة القادر بالله وقرأها على الناس وجمع الناس عليها وأقرتها طوائف أهل ~~السنة وكان قد استتاب من خرج عن السنة من المعتزلة والرافضة ونحوهم سنة ~~ثلاث عشرة وأربعمائة وكان حينئذ قد تحرك ولاة الأمور لإظهار السنة لما كان ~~الحاكم المصري وأمثاله من أئمة الملاحدة قد انتشر أمرهم وكان أهل ابن سينا ~~وأمثالهم PageV06P252 ~~من أهل دعوتهم وأظهر السلطان محمود بن سبكتكين لعنة أهل البدع على المنابر ~~وأظهر السنة وتناظر عنده ابن الهيصم وابن فورك في مسألة العلو فرأى قوة ~~كلام ابن الهيصم فرجح ذلك ويقال إنه قال لابن فورك فلو أردت تصف المعدوم ~~كيف كنت تصفه بأكثر من هذا أو قال فرق لي بين هذا الرب الذي تصفه وبين ~~المعدوم وأن ابن فورك كتب إلى أبي إسحاق الإسفراييني يطلب الجواب عن ذلك ~~فلم يكن الجواب إلا أنه لو كان فوق العرش للزم أن يكون جسما ومن الناس من ~~يقول إن السلطان لما ظهر له فساد قول ابن فورك سقاه السم حتى قتله وتناظر ~~عنده فقهاء الحديث من أصحاب الشافعي وغيرهم وفقهاء الرأي فرأى قوة مذهب أهل ~~الحديث فرجحه وغزا المشركين بالهند وهذه العقيدة مشهورة وفيها كان ربنا ~~وحده ولا شيء معه ولا مكان يحويه ms1206 فخلق كل شيء بقدرته وخلق العرش لا لحاجته ~~إليه فاستوى عليه استواءاستقرار كيف شاء واراد لا استقرار راحة كما يستريح ~~الخلق وهو يدبر السموات والأرض ويدبر ما فيهما ومن في البر والبحر لا مدبر ~~غيره ولا PageV06P253 ~~حافظ سواه يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم ويميتهم والخلق كلهم عاجزون الملائكة ~~والنبيون والمرسلون وسائر الخلق أجمعين وهو القادر بقدرة والعالم بعلم أزلي ~~غير مستفاد وهو السميع بسمع والبصير ببصر تعرف صفتهما من نفسه لا يبلغ ~~كنههما أحد من خلقه متكلم بكلام يخرج منه لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين لا ~~يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم وكل صفة وصف ~~بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقة لا صفة مجاز # وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد في شرح الموطأ لما تكلم على ~~حديث النزول قال هذا حديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل ~~الحديث في صحته وهو منقول من طرق سوى هذه من أخبار العدول عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفيه دليل على أن الله في السماء على PageV06P254 ~~العرش فوق سبع سموات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم ~~إن الله بكل مكان # قال والدليل على صحة قول أهل الحق قوله تعالى وذكر عدة آيات إلى أن قال ~~وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته لأنه ~~اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم # وقال أبو عمر أيضا أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل ~~قالوا في تأويل قوله تعالى { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } سورة ~~المجادلة 7 هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله PageV06P255 # وقال أيضا أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن ~~والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون ~~شيئا من ذلك ولا يجدون فيه صفة محصورة وأما ms1207 أهل البدع الجهمية والمعتزلة ~~كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل منها شيئا على الحقيقة ويزعم أن من ~~أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود بلاشون والحق فيما قاله ~~القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة ورسوله وهم أئمة الجماعة # قال الشيخ العارف معمر بن أحمد الأصبهاني أحد شيوخ الصوفية في أواخر ~~المائة الرابعة أحببت أن أوصى أصحابي بوصية من السنة وموعظة من الحكمة ~~وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين ~~والمتأخرين قال PageV06P256 ~~فيها وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول ~~والكيف فيه مجهول وأنه عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق منه ~~بائنون بلا حلول ولا ممازجة لا اختلاط ولا ملاصقة لأنه الفرد البائن من ~~الخلق الواحد الغني عن الخلق وأن الله سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ~~ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء ~~الدنيا كيف شاء فيقول هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له هل من ~~تائب فأتوب عليه حتى يطلع الفجر # قال ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل فمن أنكر النزول ~~وتأول فهو مبتدع ضال # وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة يعني ~~في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار فقالوا أدركنا ~~العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا فكان من مذاهبهم ~~أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته # إلى أن قال وأن الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى ~~لسان رسوله بلا كيف أحاط بكل شيء علما PageV06P257 # وقال الشيخ أبو محمد المقدسي إن الله وصف نفسه بالعلو في السماء ووصفه ~~بذلك رسوله خاتم الأنبياء وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة والأتقياء ~~والأئمة من الفقهاء فتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين وجمع ms1208 الله ~~عليه قلوب المسلمين وجعله مغروزا في طباع الخلق أجمعين فتراهم عند نزول ~~الكرب يلحظون السماء بأعينهم ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم وينتظرون مجيء ~~الفرج من ربهم وينطقون بذلك بألسنتهم ولا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته ~~أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته # قال وأنا ذاكر في هذا الجزء بعض ما بلغني في ذلك عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وصحابته والأئمة المقتدين بسنته على وجه يحصل القطع واليقين بصحة ~~ذلك عنهم ونعلم تواتر الرواية بوجوه منهم ليزداد من وقف عليه من المؤمنين ~~إيمانا وننبه من خفى ذلك عليه حتى يصير كالمشاهد له عيانا # وقال أبو عبد الله القرطبي المالكي لما ذكر اختلاف الناس في تفسير ~~الاستواء قال وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخبار ~~أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف بائن من جميع ~~خلقه هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات PageV06P258 # وقال أيضا في كتابه الكبير في التفسير لما تكلم على آية الاستواء قال هذه ~~مسألة الاستواء وللعلماء فيها كلام وأجزاء وقد بينا أقوال العلماء فيها في ~~شرح الأسماء الحسنى وذكرنا فيها أربعة عشر قولا وذكر قول النفاة من ~~المتكلمين فقال وأنهم يقولون إذا وجب تنزيه الرب عن الحيز فمن ضرورة ذلك ~~ولواحقه له تنزيه الرب عن الجهة فليس بجهة فوق عندهم لأنه يلزم من ذلك ~~عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز ويلزم على المكان والحيز الحركة ~~والسكون ويلزم من ذلك التغير والحدوث # وذكر قول هؤلاء المتكلمين وقال قد كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة ~~ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه ~~وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف PageV06P259 ~~الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وإنما جهلوا كيفية الاستواء # وأما كلام السلف أنفسهم فأكثر من أن يمكن حصره فال أبو بكر النقاش صاحب ~~التفسير والرسالة حدثنا أبو العباس السراج قال سمعت قتيبة بن سعيد يقول هذا ~~قول الأئمة ms1209 في الإسلام والسنة والجماعة نعرف ربنا في السماء السابعة على ~~عرشه كما قال { الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 # وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة أنبأ أبو بكر المروذي ثنا محمد بن ~~الصباح النيسابوري ثنا سليمان بن داود أبو داود الخفاف قال قال إسحاق بن ~~إبراهيم بن راهويه قال الله تعالى { الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 ~~إجماع أهل العلم أنه فوق العرش ويعلم كل شيء في أسفل الأرضين السابعة وفي ~~قعور البحار وفي رواية وفي رؤوس الآجام وبطون الأودية وفي كل موضع كما يعلم ~~علم ما في السموات السبع وما دون العرش أحاط بكل شيء علما فلا تسقط من ورقة ~~إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا قد عرف ذلك كله ~~وأحصاه ولا يعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره PageV06P260 # وروى عبد الله بن أحمد في كتاب السنة وعبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب ~~الرد على الجهمية عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علما ودينا من ~~طبقة شيوخ الشافعي وأحمد وإسحق أنه ذكر عنده الجهمية فقال هم شر قولا من ~~اليهود والنصارى قد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن ~~الله فوق العرش وقالوا هو ليس عليه شيء # ورويا أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور وهو من هذه الطبقة قال ~~أصحاب جهم يريدون أن يقولوا إن الله لم يكلم موسى ويريدون أن يقولوا ليس في ~~السماء شيء وأن الله ليس على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا # وروى عبد الله بن أحمد عن عباد بن العوام الواسطي من تلك الطبقة قال كلمت ~~بشر المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا ليس في السماء شيء # ورويا عن علي بن عاصم شيخ البخاري وغيره قال ناظرت جهميا فتبين من كلامه ~~أنه لا يرى أن في السماء ربا # وروى عبد الله بن أحمد عن سليمان بن حرب قال سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء ms1210 ~~الجهمية فقال إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء # وروى عبد الله وغيره عن أبيه أحمد بن حنبل ثنا شريح بن PageV06P261 ~~النعمان سمعت عبد الله بن نافع الصائغ سمعت مالك بن أنس يقول الله في ~~السماء وعلمه في كل مكان وروى هذا الكلام مالك مكي خطيب قرطبة فيما جمعه من ~~تفسير مالك نفسه وكل هذه الأسانيد صحيحة # وروى أبو بكر البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال كنا نحن والتابعون ~~متوافرون نقول إن الله تعالى فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته # فقد ذكر الأوزاعي وهو أحد الأئمة في عصر تابعي التابعين الذي كان فيه ~~مالك وابن الماجشون وابن أبي ذئب ونحوهم أئمة أهل الحجاز والليث بن سعد ~~ونحوه أئمة أهل مصر والثوري وابن أبي ليلى وأبو حنيفة ونحوهم أئمة أهل ~~الكوفة وحماد بن زيد وحماد بن سلمه ونحوهما أئمة أهل البصره وهؤلاء ونحوهم ~~أئمة الإسلام شرقا وغربا في ذلك الزمن وقد حكى الأوزاعي عن شهرة القول بذلك ~~في زمن التابعين وهم أيضا متطابقون على ما كان عليه التابعون كما ذكرنا قول ~~مالك وحماد بن زيد وغيرهما PageV06P262 # وقال أبو حنيفة في كتاب الفقه الأكبر المعروف المشهور عند أصحابه الذي ~~رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال قال أبو حنيفة عمن ~~قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقال قد كفر لأن الله يقول { الرحمن ~~على العرش استوى } سورة طه 5 وعرشه فوق سبع سماوات قال أبو مطيع قلت فإن ~~قال إنه على العرش ولكنه يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض قال هو ~~كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من ~~أعلى لا من أسفل # وفي لفظ قال سألت أبا حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض ~~قال قد كفر لأن الله يقول { الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 وعرشه فوق ~~سبع سموات PageV06P263 # قال فإنه يقول على العرش ms1211 استوى ولكنه لا يدري العرش في الأرض أم في ~~السماء قال إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر # وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحيحة عن عبد الله بن المبارك أنه ~~قيل له بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ولا ~~نقول كما يقول الجهمية بأنه ههنا في الأرض # وممن ذكر هذا عن ابن المبارك البخاري في كتاب خلق أفعال العباد # وهكذا قال الإمام أحمد وغيره # وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة من لم يقل بأن الله فوق ~~سماواته وأنه على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب والإ ضربت عنقه ~~ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة وهذا ~~معروف عنه رواه الحاكم في تاريخ نيسابور وأبو عثمان النيسابوري في رسالته ~~المشهورة # وروى الخلال بإسناد كلهم ثقات عن سفيان بن عيينة قال سئل ربيعة بن أبي ~~عبد الرحمن عن قوله { الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 قال الاستواء غير ~~مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا ~~التصديق وهذا PageV06P264 ~~الكلام مروى عن مالك بن أنس صاحب ربيعة من وجوه متعددة يقول في بعضها ~~الاستواء معلوم وفي بعضها غير مجهول وفي بعضها استواؤه غير مجهول فيثبت ~~العلم بالاستواء وينفي العلم بالكيفية # وروى ابن أبي حاتم عن هشام بن عبيد الله الرازي أنه حبس رجلا في التجهم ~~فتاب فجيء به إلى هشام ليمتحنه فقال له أتشهد أن الله على عرشه بائن من ~~خلقه قال لا أدري ما بائن من خلقه قال ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب بعد # وروى أيضا عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي أنه جعل يضرب قرابة له بالنعل ~~على رأسه يرى رأي جهم ويقول لا حتى يقول الرحمن على العرش استوى بائن من خلقه # وعن جرير بن عبد الحميد الرازي أنه قال كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم ~~وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله ms1212 # وجميع الطوائف تنكر هذا إلا من تلقى ذلك عن الجهمية كالمعتزلة ونحوهم من ~~القلاسفة فأما العامة من جميع الأمم فلا يستريب اثنان في أن فطرهم مقرة بأن ~~الله فوق العالم وأنهم إذا قيل لهم لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا يصعد ~~إليه شيء ولا ينزل منه شيء ولا يقرب إليه شيء ولا يقرب هو من شيء ولا يحجب ~~العباد عنه شيء ولا ترفع إليه الأيدي ولا تتوجه القلوب إليه طالبة له في ~~العلو فإن فطرهم تنكر ذلك وإذا أنكروا هذا في هذه القضية PageV06P265 ~~المعينة التي هي المطلوب فإنكارهم لذلك في القضايا المطلقة العامة التي ~~تتناول هذا وغيره أبلغ وأبلغ وأما خواص الأمم فمن المعلوم أن قول النفاة لم ~~ينقل عن نبي من الأنبياء بل جميع المنقول عن الأنبياء موافق لقول أهل ~~الإثبات وكذلك خيار هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم ينقل ~~عنهم إلا ما يوافق قول أهل الإثبات # وأول من ظهر عنه قول النفاة هو الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وكانا في ~~أوائل المائة الثانية فقتلهما المسلمون وأما سائر أئمة المسلمين مثل مالك ~~والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم فالكتب مملوءة ~~بالنقل عنهم لما يوافق قول أهل الإثبات # وكذلك شيوخ أهل الدين مثل الفضيل بن عياض وبشر الحافي وأحمد بن أبي ~~الحواري وسهل بن عبد الله التستري وعمرو بن عثمان المكي والحارث المحاسبي ~~ومحمد بن خفيف الشيرازي وغير هؤلاء # وكتب أهل الآثار مملوءة بالنقل عن السلف والأئمة لما يوافق قول أهل ~~الإثبات ولم ينقل عن أحد منهم حرف واحد صحيح يوافق قول النفاة فإذا كان سلف ~~الأئمة وأئمتها وأفضل قرونها متفقين على قول أهل الإثبات فكيف يقال ليس هذا ~~إلا قول الكرامية والحنبلية # ومن المعلوم أن ظهور قول أهل الإثبات قبل زمن أحمد بن حنبل كان أعظم من ~~ظهوره في هذا الزمان فكيف يضاف ذلك إلى أتباعه PageV06P266 # وأيضا فعبد الله بن سعيد بن كلاب والحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي ~~وأبو الحسن بن مهدي ms1213 الطبري وعامة قدماء الأشعرية يقولون إن الله بذاته فوق ~~العرش ويردون على النفاة غاية الرد وكلامهم في ذلك كثير مذكور في غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على بطلان ما يعارض به النفاة من الحجج العقلية ~~وأما النفي فلم يكن يعرف إلا عن الجهمية كالمعتزلة ونحوهم ومن وافقهم من ~~الفلاسفة وإلا فالمنقول عن أكثر الفلاسفة هو قول أهل الإثبات كما نقله ابن ~~رشد الحفيد عنهم وهو من أعظم الناس انتصارا لهم وسلوكا لطريقتهم لا سيما ~~لأرسطو وأتباعه مع أنه يميل إلى القول يقدم العالم أيضا # الوجه الثاني من أجوبة قوله لو كان بديهيا لامتنع اتفاق الجمع العظيم على ~~إنكاره وهم ما سوى الحنابلة والكرامية # هو أن يقال لم يطبق على ذلك إلا من أخذه بعضهم عن بعض كما أخذ النصارى ~~دينهم بعضهم عن بعض وكذلك اليهود والرافضة وغيرهم # فأما أهل الفطر التي لم تغير فلا ينكرون هذا العلم وإذا كان كذلك فأهل ~~المذاهب الموروثة لا يمتنع إطباقهم على حجد العلوم البديهية فإنه PageV06P267 ~~ما من طائفة من طوائف الضلال وإن كثرت إلا وهي مجتمعة على جحد بعض العلوم ~~الضرورية # الوجه الثالث أن يقال ما من طائفة من طوائف الكلام والفلسفة إلا وجمهور ~~الناس يقولون إنهم حجدوا العلوم الضرورية # فالقائلون بأن الممكن قد يترجح أحد طرفيه بلا مرجح من القادر أو غيره ~~يقول جمهور العقلاء إنهم حجدوا العلوم الضرورية # والقائلون بأن الأجسام لا تبقى والأعراض لا تبقى يقول جمهور الناس إنهم ~~جحدوا العلوم الضرورية # والقائلون بأن الأصوات المتعاقبة تكون قديمة أزلية الأعيان باقية وأن ~~الأصوات المسموعة من الآدميين هي قديمة يقول جمهور العقلاء إنهم خالفوا ~~العلم الضروري # والقائلون بأن الكلام هو معنى واحد هو الأمر بكل ما أمر به والخبر عن كل ~~ما أخبر به وأنه إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن وإن عبر عنه بالعبرية ~~كان هو التوراة يقول جمهور العقلاء إنهم حجدوا العلم الضروري # والقائلون بأن العالم هو العلم والمعلوم والعاقل هو العقل والمعقول ~~والعاشق هو العشق والمعشوق واللذة ms1214 هي الملتذ والعلم هو القدرة والقدرة هي ~~الإرادة يقول جمهور العقلاء إنهم خالفوا العلوم الضرورية PageV06P268 # والقائلون بأن الوجود الواجب وجود مطلق بشرط الإطلاق أو لا بشرط يقول ~~جمهور العقلاء إنهم خالفوا العلوم الضرورية # والقائلون بأن النفس لا تدرك إلا الكليات دون الجزئيات يقول جمهور ~~العقلاء إنهم خالفوا العلم الضروري # والقائلون بأن كل موجود يجوز أن تتعلق به الإدراكات الخمسة وأن الصوت يرى ~~والطعم يسمع واللون يشم يقول جمهور العقلاء إنهم خالفوا العلم الضروري # والقائلون بأنه يحدث إرادة لا في محل أو يحدث فناء لا في محل يقول جمهور ~~العقلاء إن فساد قولهم معلوم بالضرورة والقائلون بأن افرادة تحدث في ~~الإنسانت من غير سبب يوجب حدوثها مما يقول جمهور العقلاء إن فساد قولهم ~~معلوم بالضرورة # والقائلون بأنه حي عليم قدير من غير حياة ولا علم ولا قدرة مما يقول ~~جمهور العقلاء إن فساد قولهم معلوم بالضرورة # والقائلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على على بالخلافة نصا جليا ~~اشاعه بين المسلمين فكتموه ولم يظهروه يقول جمهور العقلاء إن قولهم معلوم ~~الفساد بالضرورة # والقائلون بأن للأمة إماما معصوما عمره سنتان أو ثلاث أو أربع دخل ~~السرداب من أكثر من أربعمائة سنة أو أن عليا لم يمت PageV06P269 ~~وأمثال ذلك يقول جمهور الناس إن قولهم معلوم الفساد بالضرورة # وكذلك قول القائلين بأن الأعراض لا تبقى زمانين مما يقول جمهور العقلاء ~~إن فساده معلوم بالضرورة # وكذلك من يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمى المنافقين مؤمنين ~~ويجعل إيمانهم كإيمان المؤمنين غير المنافقين وهم مع ذلك مخلدون في النار ~~مما يعلم جمهور المسلمين فساده بالاضطرار من دين الإسلام # وكذلك القائلون بأن القرآن العزيز زيد فيه زيادات ونقص منه أشياء مما ~~يعلم بالضرورة امتناعه في العادة # وقول النصارى إن الكلمة اتحدث بالمسيح وإنها ليست هي الآب الجامع ~~للأقانيم وهي مع ذلك الرب الذي يخلق ويرزق وهي جوهر والجوهر عندهم واحد ليس ~~إلا الآب مما يقول الناس إنه معلوم الفساد بالضرورة # ومثل هذا إذا تتبعناه ms1215 كثير # فوجود الأقوال التي يقول جمهور الناس إنها معلومة الفساد بالضرورة في قول ~~طوائف كثيرة من الناس أكثر من أن تستوعب فكيف يقال لا يجوز إطباق الجمع ~~الكثير على إنكار ما علم بالبديهة PageV06P270 # ولكن إذا قيل ما الفرق بين هذا وبين ما لا يمكن التواطؤ عليه من إثبات ~~منف أو نفي ثابت كما في خبر أهل التواتر # كان الجواب أن الفطر التي لم تتواطأ يمتنع اتفاقها على حجد ما يعلم ~~باليديهة فأما مع المواطأة فلا يمتنع اتفاق خلق كثير على الكذب الذي يعلمون ~~كلهم أنه كذب وإن تضمن من حجد الحسيات والضروريات وإثبات نقيضها ما شاء ~~الله وأما في المذاهب فقد يجتمع على حجد الضروريات جمع كثير إذا كان هناك ~~شبهة أو هوى فيكون عامتهم لم يفهموا ما قاله خاصتهم مثل التعبير عن هذا ~~المسألة بنفى الجهة والحيز والمكان فيظن عامتهم أن مرادهم تنزيه الله تعالى ~~عن أن يكون محصورا في خلقه أو مفتقرا إلى مخلوق فيوافقون على هذا المعنى ~~الصحيح ظانين أنه مفهوم تلك العبارة فأما إذا فهموا هم حقيقة قولهم وهو أنه ~~ما فوق السموات رب ولا وراء العالم شيء موجود فهذا لا يوافقهم عليه بعد ~~فهمه أحد بفطرته وإنما يوافقهم عليه من قامت عنده شبهة من شبه النفاة لا ~~سيما إن كان له هوى وغرض # وإذا كان المتفقون على هذا النفي بعد فهمه إنما قالوه لما قامت عندهم من ~~حجج النفاة أمكن غلطهم في ذلك وخطؤهم واتفاقهم على حجد ما يخالف ذلك وإن ~~كان معلوما بالضرورة كما PageV06P271 ~~وقع مثل ذلك في عامة فرق أهل الضلال ومع هذا فلا يكاد يوجد منهم من يرجع ~~إلى فطرته بلا هوى إلا وفطرته تنكر إثبات موجود لا مباين ولا محايث لكن ~~يقهر فطرته بالشبهة أو العادة أو التقليد كما يقهر النصراني فطرته إذا ~~أنكرت أن يكون الله هو المسيح بن مريم # وعامة هؤلاء إذا أصابت أحدا منهم ضرورة تلجئه إلى دعاء الله وجد في قلبه ~~معنى يطلب العلو لا يلتفت يمنة ms1216 ولا يسرة ففطرته وضرورته تقر بالعلو وينكر ~~وجود موجود لا محايث ولا مباين وعقيدته التي اعتقدها تقليدا أو عادة أو ~~شبهة تناقض فطرته وضرورته ### | AUTO الوجه الرابع أن يقال هذا معارض بما هو أبلغ منه فإن الجموع ~~الكثيرة يقولون إنهم يجدون في أنفسهم عند الضرورة معنى يطلب العلو في توجه ~~قلوبهم إلى الله ودعائه وأنه يمتنع في عقولهم وجود موجود لا داخل العالم ~~ولا خارجه وأن هذا معلوم لهم بالضرورة فإن امتنع القاف الجمع العظيم على ~~مخالفة البديهة فتجب الحجة المثبتة فيبطل نقيضها وإن لم تمتنع بطلت حجة ~~النفاة فيثبت بطلانها على التقديرين فصل # وأما الوجه الثاني فقوله إن مسمى الإنسان المشترك بين الأشخاص ممتنع أن ~~يكون له قدر معنى وحيز معنى وما أوردوه من أن PageV06P272 ~~هذا لا وجود له إلا في العقل وأن النزاع في الموجودات الخارجية وجوابه بأن ~~الغرض تعقل أمر لا يثبت العقل له جهة ولا قدرا وهذا يمنع كون تلك المقدمة بديهية # فجوابه من وجوه # أحدها أن المثبتين إنما ادعوا أنه لا يوجد في الخارج موجودان إلا ولا بد ~~أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا له وأما ما في النفس من العلوم ~~الكلية فلم ينفوه ومن المعلوم أنه لا يلزم من كون العلوم الكلية ثابتة في ~~النفس إمكان ثبوتها في الخارج وإذا لو يلزم ذلك إمكان وجود موجود في الخارج ~~لا محايث للآخر ولا مباين له # وأما قوله المقصود أنه ممكن تعقل أمر لا يثبت له العقل جهة ولا قدرا # فيقال بتقدير صحة ذلك هذا يفيد إمكان تعقل ثبوته في النفس لا يفيد إمكان ~~تعلقه في الخارج فمورد النزاع لا دليل عليه وما أثبته ليس مورد النزاع # الوجه الثاني أن يقال هذه المعاني الكلية هي كلية باعتبار مطابقتها ~~لمفرداتها كما يطابق اللفظ العام لأفراده وأما هي في نفسها PageV06P273 ~~فأعراض معينة كل منها عرض معين قائم فى نفس معينة كما يقوم اللفظ المعين ~~بالفم المعين والخط المعين بالورق المعين فالخط يطابق اللفظ واللفظ يطابق ~~المعنى الذهني ms1217 والمعنى يطابق الموجود الخارجي وكل من تلك الثلاثة قد يقال ~~له عام وكلي ومطلق باعتبار شموله للأعيان الموجودة في الخارج وأما هو في ~~نفسه فشيء معين مشخص # وإذا كان كذلك فالإنسان المطلق من حيث هو الذي تصوره الذهن هو علم وعرض ~~معين في محل معين فإذا قدر أن محل العلم وغيره من صفات الإنسان كالحب ~~والرضا والبغض وغير ذلك مما يشار إليه إشارة حسية كما يقوله جمهور الخلق ~~كانت الإشارة إلى ما فيه من الأعراض كالإشارة إلى كل عرض قائم بمحله وحينئذ ~~فإذا كان المشار إليه حسيا له قدر معين وحيز معين فلمحل الصور الذهينة قدر ~~معين وحيز معين وله أيضا جهة # والكليات الثابتة في النفس كالجزئيات الثابتة فيها فالنفس تعلم الإنسان ~~المطلق والإنسان المعين والإشارة إلى أحدهما كالإشارة إلى الآخر فلا فرق ~~حينئذ بين تصور الإنسان المشترك الكلي والإنسان المعين الجزئي من هذه الجهة ~~لكن أحدهما لا يوجد إلا في النفس والآخر يوجد في الخارج ويوجد تصورة في النفس # والوجه الثالث أن يقال هذه الماهية المطلقة من حيث هي هي PageV06P274 ~~إما أن يقال هي ثابتة في الخارج وإما أن لا يقال هي ثابتة في الخارج فإن من ~~الناس من يقول بثبوت الماهيات المجردة منفردة عن الأعيان كالقائلين بالمثل ~~الأفلاطونية # ومن الناس من يقول بثبوتها مقارنة للمعينات والمطلق بجزء من المعين ~~ويقولون المطلق لا بشرط موجود في الخارج وأما المطلق بشرط الإطلاق فليس ~~موجودا في الخارج ويسمون المطلق لا بشرط الكلي الطبيعي والمطلق بشرط ~~الإطلاق هو العقلي وكونه كليا ومطلقا هو الكلي المنطقي إذ العقل عندهم مركب ~~من الطبيعي والمنطقي فيقول الإنسان من حيث هو مع قطع النظر عن جميع قيوده ~~هو الطبيعي وكونه عاما وكليا ومطلقا هو المنطقي والمؤلف منهما هو العقلي # وآخرون يقولون ليس في الخارج ما هو كلي في الخارج أصلا بل ليس في الخارج ~~إلا ما هو معين مخصوص ولكن ما كان في النفس كليا يوجد في الخارج ولا يوجد ~~في الخارج إلا معينا # فإذا قيل ms1218 الكلي الطبيعي موجود في الخارج وأريد به أن الطبيعة التي يجردها ~~العقل كلية توجد في الخارج ولا توجد فيه إلا معينة فهذا صحيح وإذا قيل إن ~~الطبيعة الكلية مع كونها كلية توجد في الخارج أو أن الكلي الذي لا يمنع ~~تصوره من وقوع الشركة فيه جزء من المعين الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة ~~فيه أو أن هذا الإنسان المعين مركب من جوهرين أحدهما حيوان والآخر ناطق أو ~~من عرضين حيوانية وناطقية أو نحو هذه المقالات هذا كله PageV06P275 ~~باطل وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن يقال هذه الكليات إما أن يقال إنها ثابتة في الخارج وأما ~~أن لا يقال فإن لم يقل بذلك لم يكن فيها حجة على إمكان وجود موجود في ~~الخارج لا يشار إليه وإذا قيل بثبوتها في الخارج فمن المعلوم أن هذا ليس من ~~العلوم البديهية الأولية بل لم يقل هذا إلا طائفة من أهل المنطق اليوناني ~~وهم متناقضون في ذلك ويقولون القول ويقولون ما يناقضه وبعضهم ينكر على بعض ~~إثبات ذلك # وإذا كان كذلك لم يصلح أن يجعل مثل هذه القضية مقدمة في إبطال قضية اعترف ~~بها جماهير الأمم واعترفوا بأنها مركوزة في فطرهم مغروزة في أنفسهم وأنهم ~~مضطرون إليها لا يمكنهم دفعها عن أنفسهم # لكن طائفة منهم تقول إنها مع هذا خطأ لاعتقادهم أنها وإن كانت ضرورية في ~~فطرتهم ففطرتهم تسلم مقدمات تنتج نقيضها وهؤلاء لا ينازعون أنها فطرية ~~مبتدأة في النفوس ولكن يقدحون فيها بطرق نظرية # فإذا قال لهم المثبتون نحن لا نقبل القدح في القضايا المبتداة في النفس ~~بالقضايا النظرية أو قالوا نحن لا نسلم لكم المقدمات التي تستدلون بها على ~~نقيض هذه القضايا كما لا نسلم لكم ثبوت الكليات في الخارج ونحو ذلك ظهر ~~انقطاع المعارض لهم وأنهم يريدون دفع القضايا الضرورية بمجرد الدعاوي ~~الوهمية الخيالية PageV06P276 ### | AUTO فصل # وأما الوجه الثالث فقوله إن الخيال والوهم لا يمكنهما أن يستحضرا ~~لأنفسهما صورة وشكلا ولا للقوة الباصرة وغيرها ms1219 من القوى # فهذه الحجة من جنس حجة ابن سينا على ذلك فإنه قال في إشاراته في الحجة ~~الثانية لو كان كل موجود بحيث يدخل في الوهم والحس لكان الحس والوهم يدخل ~~في الحس والوهم ولكان العقل الذي هو الحكم الحق يدخل في الوهم ومن بعد هذه ~~الأصول فليس شيء من العشق والخجل والوجل والغضب والشجاعة والجبن مما يدخل ~~في الحس والوهم وهي من علائق الأمور المحسوسة فما ظنك بموجودات إن كانت ~~خارجة الذوات عن درجة المحسوسات وعلائقها # وجواب ذلك من وجوه # أحدهما أن يقال الوهم والخيال والقوة الباصرة وغير ذلك من PageV06P277 ~~القوى هي من باب الأعراض الباطنة في الإنسان وكذلك العشق والخجل والوجل ونحوها # ومن المعلوم أن أحدا لم يقل إن كل عرض له شكل وصورة وأنما غاية من يقول ~~ذلك أن يقوله في الجسم القائم بنفسه لا في العرض بل الأعراض الظاهرة ~~المشهودة كالألوان والحركات والطعوم والروائح ليس لها في أنفسها شكل وصورة ~~قائمة بنفسها فكيف بالأعراض الباطنة # فإن قال بل هذه لها صورة وشكل إما باعتبار محلها وصورتها وشكلها بحسب ~~الجسم الذي قامت به أو بجعل نفس العرض القائم بالجسم له صورة وشكل # يقال وهذا يمكن أن يقال في الأعراض الباطنة القائمة بباطن الإنسان كحسه ~~الباطن وتوهمه وتخيله القائم بدماغه ونفسه ونحو ذلك فإن هذه أعراض قائمة ~~ببعض بدن الإنسان وبروحه التي هي النفس الناطقة أو بهما وذلك جسم له شكل ~~وصورة فلها من الشكل والصورة من جنس ما للطعم واللون والحركات # الوجه الثاني أن هذه الأمور إما أن تكون قائمة بنفسها وإما أن تكون قائمة ~~بغيرها فإن قال هي قائمة بنفسها مثل أن يريد PageV06P278 ~~بالوهم والخيال الروح الباطن في الدماغ الذي تقوم به هذه القوى أو جسما آخر ~~فمعلوم أن ذلك له ما لغيره من الأجسام من الشكل والصورة وإن كانت قائمة ~~بهذه الأجسام فلها حكم أمثالها من الأعراض القائمة بالأجسام # فعلى التقديرين لم يثبت بذلك إمكان وجود موجود لا جسم ولا قائم بجسم فضلا ~~عن أن ms1220 يثبت وجود ما ليس في جهة وما لا يمكن الإشارة إليه # وهكذا القول في الخجل والوجل وسائر الأعراض النفسانية # فإن قال هذه الأعراض عندي قائمة بالنفس الناطقة وتلك ليست جسما ولا قوة ~~في جسم ولا يمكن الإشارة إليها وليست داخل السموات والأرض ولا خارج السموات ~~والأرض ولا تصعد ولا تنزل ولا تتحرك ولا تسكن # فيقال له هذا منتف في التخيل والتوهم ونحو ذلك مما يعرف بأن محله قائم ~~بنفسه وهو جسم # ثم يقال إن ثبت ما تقوله في النفس الناطقة كان ذلك حجة في إثبات موجود لا ~~يمكن الإشارة إليه وإن لم يثبت ذلك لم يكن في مجرد الدعوى حجة لك في إثبات ~~موجود قائم بنفسه لا يمكن الإشارة إليه وقال لك المنازع جميع هذه الأعراض ~~عندي يمكن الإشارة إليها بالإشارة إلى محلها كما يشار إلى غيرها من الأعراض ~~ويمكن الإحساس بها وإن كنت الآن لا أحس بها كما لا أحس ببعض أعضاء بدني ~~الباطنة والظاهرة PageV06P279 # وأهل الملل يعلمون أن الملائكة والجن موجودون في الخارج وجمهور العباد لا ~~يحسون بهم والعقلاء لا يرتابون في إمكان أن يكون فوق الأفلاك ما لا نشاهده ~~نحن الآن وهذا معلوم بالضرورة # الوجه الثالث أن يقال المثبتون قالوا إنه لا يمكن وجود موجودين إلا أن ~~يكون أحدهما مباينا للآخر أو محايثا له أو قالوا لا يمكن وجود موجود لا ~~يمكن الإشارة إليه أو لا يمكن وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ونحو ~~ذلك فهذه قضية كلية لا تبطل إن قبلت البطلان إلا بثبوت نقيضها # وقول القائل إن الخيال والوهم لا يمكنهما أن يستحضرا لأنفسهما صورة ولا ~~شكلا ولا للقوة الباصرة وغيرها من القوى كلام أجنبي لا يقدح في مقصودهم ~~سواء كان حقا أو باطلا إلا أن يثبت أن ما لا يمكن الوهم والخيال أن يثبت له ~~صورة وشكلا لا يمكن الإشارة إليه بل يكون لا محايثا لغيره ولا مباينا له ~~ونحو ذلك # ومعلوم أن هذا باطل فإن القوة الباصرة وغيرها من القوى قائمة بالجسم ms1221 يشار ~~إليها كما يشار إلى كل عرض قائم بجسم وهي محايثة لمحلها كما تحايث الأعراض ~~للجواهر وتحايث سائر الأرض القائمة لمحلها كما يحايث العرض العرض فليست ~~خارجه عن المباينة والمحايثة فلم يكن في إثبات ذلك ما يناقص دعواهم الكلية ~~التي قالوا إنها معلومة بالضرورة 281 # الوجه PageV06P280 ~~الرابع أن يقال قول القائل إن الوهم والخيال والقوة الباصرة وغيرها من ~~القوى والعشق والخجل والوجل والغضب والشجاعة لا تدخل في الحس والوهم ~~والخيال إما أن يعنى به لا يمكن الإنسان أن يحس هذه الأمور أو لا يمكن ~~الإحساس بها بحال # فإن أراد الأول لم يكن فيه حجة # وإن أراد الثاني منعه المنازع وقال بل هذا مما يمكن الإحساس به وطالبه ~~بالدليل على أنه لا يمكن الإحساس به # الوجه الخامس أن يقال حكم الإنسان بأن هذه الأعراض والقوى أو النفس ~~الحاملة لها لا يتصور أن تحس بها أضعف من حكمه بأن كل موجودين فلا بد أن ~~يكون أحدهما مباينا للآخر أو محايثا له وبأن كل موجود قائم بنفسه مشار إليه ~~ونحو ذلك # بل يقال بأن العاقل إذا رجع إلى فطرته وقيل له هل يمكن أن يخلق الله في ~~الإنسان قوة يحس بها إما بالمشاهدة وإما باللمس وإما بغير ذلك ما في باطن ~~غيره من القوى والأعراض ومحل ذلك وعرض على فطرته وجود موجود لا داخل العالم ~~ولا خارجه كان جزمه بامتناع هذا أقوى من جزمه بامتناع الأول # فإذا كان كذلك لم يمكن أن يجزم بامتناع الأول ويجعل امتناعه دليلا على ~~إمكان الثاني PageV06P281 # وأما الوجه الرابع فقوله العقل يتصور النفي والإثبات ثم يحكم بتناقضهما ~~مع أنه لا يحكم بكون إحداهما ساريا في الآخر أو مباينا عنه في الجهة # فجوابه من وجوه # أحدها أن ما يتصوره العقل من النفي والإثبات إما أن يكون معينا أو مطلقا ~~فإن كان إثبات معين ونفيه كان تصوره تبعا لذلك المعين فإذا كان ذلك المعين ~~محايثا لغيره أو مباينا كان تصوره كذلك فإذا كان العقل يجزم بانتفاء وجود ~~موجودين لا متباينين ms1222 لا متحايثين نفى الثالث وإن تصور النفي المطلق ~~والإثبات المطلق كان هذا من القضايا العامة الكلية والكليات وجودها في ~~الأذهان لا في الأعيان وقد تقدم أن الكلام إنما هو في الوجود الخارجي لا الذهني # الثاني أن يقال لا نسلم أنه لا يحكم بكون أحدهما محايثا للآخر بل تصوره ~~للنفي والإثبات محله الذهن وتصور أحدهما هو حيث هو تصور الآخر ولا نعني ~~بالمحايثة إلا هذا # الوجه الثالث أن يقال هو عبر عن قول هؤلاء بعباة لا يقولونها فإنهم لا ~~يقولون إن كل موجودين لا بد أن يكون أحدهما ساريا في الآخر أو مباينا عنه ~~فإن الأعراض المجتمعة في محل واحد ليس كل منها مباينا للآخر ولا يقال إن ~~العرض سار في العرض بل يقال إن الأعراض سارية في المحل اللهم إلا أن يعبر ~~معبر بلفظ PageV06P282 ~~السريان عن كون أحد العرضين بحيث هو الآخر فإن هذا قد يسمى محايثة ومداخلة ~~ومجامعة ونحو ذلك وإذا كان كذلك فتصور النفي وتصور الإثبات يجتمعان كما ~~تجتمع سائر التصورات والتصورات محلها كلها محل العلم من الإنسان وهذه كلها ~~متحايثة متجامعة قائمة بمحل واحد # وأما الوجه الخامس فقوله إن البديهية حاكمة بأن كل موجودين فإما أن يكون ~~أحدهما ساريا عنه أو مباينا عنه في الجهة أو لا ساريا ولا مباينا ثم إنا ~~نجد العقل متوقفا عن القسم الثالث إلا لبرهان يثبته أو ينفيه # فجوابه من وجوه # أحدها أن يقال مجرد تقدير الذهن للأقسام لا يدل على إمكانها في الخارج ~~فإنه يقدر أن الشيء إما موجود وإما معدوم وإما لا موجود ولا معدوم وأن ~~الموجود إما أن يكون واجبا وإما أن يكون ممكنا وإما أن يكون لا واجبا ولا ~~ممكنا وأنه إما قديم وإما محدث وإما قائم بنفسه أو بغيره أو لا قائم بنفسه ~~ولا بغيره وأمثال ذلك من التقديرات ثم لم يكن هذا دليلا على إمكان كل هذه ~~الأقسام في الخارج PageV06P283 # فكذلك تقديره لأن الشيء إما محايث وإما مباين وإما غير محايث ولا مباين ~~لا يدل على ms1223 إمكان كل من الأقسام في الخارج # الثاني أن يقال القوم لا يقولون إما سارى وإما مباين ولكن يقولون إما أن ~~يكون مباينا له وإما أن يكون محايثا له أي بحيث هو سواء كان ساريا فيه ~~سريان الصفة في الموصوف وإما أن يكونا جميعا ساريين في موصوف واحد كالحياة ~~والقدرة القائمة لموصوف واحد # وحينئذ فلا يسلم توقف العقل عن نفي القسم الثالث فإن من يقول أنا أعلم ~~بالضرورة أن الموجودين إما أن يكونا متباينين وإما أن يكونا متحايثين يجزم ~~بانتفاء موجود لا يكون مباينا للموجود الآخر ولا محايثا له # الوجه الثالث أن يقال القسم الثالث إما أن يقول إنه ممكن إمكانا ذهنيا أو ~~خارجيا والإمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع والثاني معناه العلم ~~بالإمكان في الخارج # وهو قد فسر مراده بالأول وهو عدم العلم حتى يقوم دليل وحينئذ فيقال مجرد ~~الإمكان الذهني وهو عدم العلم بالامتناع لا يدل على الإمكان الخارجي ولا ~~العلم به وإنما غايته أن يقول إني لا أعرف إمكانه ولا امتناعه والمدعي يقول ~~أنا اعلم امتناعه بالضرورة وقد ذكرنا أنهم طوائف متفرقون اتفقوا على ذلك من ~~غير مواطأة وذلك يقتضي أنهم صادقون فيما يخبرون به عن فطرهم PageV06P284 # ومعلوم أن العلوم الضرورية لا يقدح فيها نفي النافي لها فكيف يقدح فيها ~~شك الشاك فيها # والجواب الرابع أن يقال لا نسلم توقف العقل بعد التصور التام بل لا يتوقف ~~إلا لعدم التصور أو لوجود ما يمنع من الحكم لظن أو هوى كسائر المنازعين في ~~القضايا الضرورية من أهل الجحود والتكذيب # ومعلوم أن هؤلاء كثيرون في بني آدم فإن الله قد أخبر عن قوم فرعون أنهم ~~حجدوا بآياته واستيقنتها أنفسهم # وقال تعالى عن اليهود { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ~~وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } سورة البقرة 146 وقال تعالى { ~~أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من ~~بعد ما عقلوه وهم يعلمون } سورة البقرة 75 # وقال عن المشركين { فإنهم لا يكذبونك ms1224 ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } ~~سورة الأنعام 33 وقال موسى لفرعون { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصائر } سورة الإسراء 102 # وقد أخبر عن كذب طوائف وإذا كان كثير من الطوائف يتعمدون الكذب والتكذيب ~~بما يعلمون أنه حق وهذا جحد لما علموه وتيقنوه علم أن في الطوائف من قد ~~يتفقون على حجد ما يعلمونه وكل طائفة PageV06P285 ~~جاز عليها المواطأة على الكذب جاز عليها ذلك ويجوز أيضا أن يشبته عليها ~~الحق بالباطل حتى تجحد ما هو حق في نفسه لاشتباهه عليها وإن كان معلوما ~~بالضرورة عند غيرها فإنه إذ جاز تعمد الكذب عليهم فجواز الخطأ عليهم أولى # ومعلوم أن الحس قد يغلط والعقل قد يغلط فيجوز على الطائفة المعينة غلط ~~حسهم أوعقلهم وإذا كانت المعاني دقيقة وفيها ألفاظ مجملة وقد ألقى بعضهم ~~إلى بعض أن هذه القول باطل وكفر أمكن أن لا يتصوروه على وجهه وإن كان غيرهم ~~يتصوره لسلامته من الهوى ومن الاعتقاد المانع من ذلك # وأما قوله في الوجه السادس إن العقل يدرك ماهيات كمراتب الأعداد مع أنه ~~لا يمكنه أن يحكم على كل واحدة منها بأن موضعها كذا أو مقدارها كذا # فجوابه من وجوه # أحدها ما أجاب به بعض أصحابهم حيث قال هذا لا يرد عليهم لأن الأعداد أمور ~~ذهنية والكلام في أمور خارجية # الوجه الثاني أن يقال العدد مع المعدود والتقدير مع المقدر PageV06P286 ~~كالحد مع المحدود والاسم مع المسمى والعلم مع المعلوم ونحو ذلك فالعلم ~~والقول والعدد والحد الذي هو القول الدال والتقدير ونحو ذلك هي قائمة ~~بالعالم القائل العاد الحاد المقدر وإذا كان العدد هو معنى يقوم بالعاد كان ~~حكمه حكم سائر ما يقوم بالإنسان من هذه الأمور وموضع ذلك نفس الإنسان وأما ~~مقدارها فهو تابع محلها كأمثالها من الأعراض # الوجه الثالث أن يقال هذه الأعداد هي من جملة الكليات والقول فيها كالقول ~~في كليات الأنواع ومن المعلوم أن أصحاب فيثاغورس لما أثبتوا عددا مجردا ~~قائما بنفسه أنكر ذلك عليهم جماهير العقلاء من ms1225 إخوانهم وغيرهم وكانوا أضعف ~~قولا من أصحاب أفلاطن الذين أثبتوا الحقائق المجردة الكلية قائمة بأنفسها ~~التي يسمونها المثل الأفلاطونية ### | AUTO فإذا كان قد تقدم بطلان حجة من احتج بكليات الحقائق فبطلان حجة ~~من احتج بكليات العدد أولى وأحرى فصل # قال الرازي وإذا عرفت ذلك فنقول المعنى من اختصاص الشيء بالجهة والمكان ~~أنه يمكن الإشارة الحسية إليه بأنه هنا أو هناك والعالم مختص بالجهة ~~والمكان بهذا المعنى فإن كان الباري PageV06P287 ~~كذلك كان مماسا للعالم أو محاذيا له قطعا ثم قول أكثر الكرامية إنه مختص ~~بجهة فوق مماس للعرش أو مباين عنه ببعد متناه وقالت الهيصمية هو مباين عن ~~ببعد غير متناه # فيقال الناس لهم في هذا المقام أقوال منهم من يقول هو نفسه فوق العرش غير ~~مماس ولا بينه وبين العرش فرجة وهذا قول ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبي ~~العباس القلانسي والأشعري وابن الباقلاني وغير واحد من هؤلاء وقد وافقهم ~~على ذلك طوائف كثيرون من أصناف العلماء من أتباع الأئمة الأربعة وأهل ~~الحديث والصوفية وغيرهم # وهؤلاء يقولون إنه بذاته فوق العرش وليس بجسم ولا هو محدود ولا متناه # ومنهم من يقول هو نفسه فوق العرش وإن كان موصوفا بقدر له لا يعلمه غيره ~~ثم من هؤلاء من لا يجوز عليه مماسة العرش ومنهم من يجوز ذلك وهذا قول أئمة ~~أهل الحديث والسنة وكثير من أهل الفقه والصوفية والكلام غير الكرامية فأما ~~أئمة أهل السنة والحديث PageV06P288 ~~وأتباعهم فلا يطلقون لفظ الجسم نفيا ولا إثباتا وأما كثير من أهل الكلام ~~فيطلقون لفظ الجسم كهشام بن الحكم وهشام الجواليقي وأتباعهما # قال الرازي لنا وجوه الأول لو كان مشارا إليه فإن لم ينقسم كان في ~~الحقارة كالجوهر الفرد وتعالى عنه وفاقا وإن انقسم كان مركبا وقد سبق بطلانه # قال وعبر أصحابنا عن هذا بأنه لو كان العرش فإن كان أكبر منه أو مثله كان ~~منقسما لكون العرش منقسما وإن كان أصغر فإن بلغ إلى صغر الجوهر الفرد جاءت ~~الحقارة المنزه عنها وفاقا وإلا لزم التركيب ms1226 ثم قال بأن كل متحيز قابل ~~للقسمة كفاه أن يقول كل متحيز فإنه يمينه غير يساره وقدامه غير خلفه ولزم ~~التركيب # فيقال الاعتراض على هذا من وجوه # أحدها قول من يقول هو فوق العرش وليس بمنقسم ولا متحيز ولا له يمين ولا ~~يسار يتميز منه بعضه عن بعض كما يقول ذلك من يقوله من الكلابيه والكرامية ~~والأشعرية ومن وافقهم من أهل الحديث والصوفية الذين يقولون هو فوق العرش ~~وليس بجسم PageV06P289 ~~كالتميميين والقاضي أبي يعلى وأتباعه كابن الزاغوني وغير ذلك وكما يقول ذلك ~~من يقوله من الفلاسفة كما حكاه ابن رشد عن الحكماء كما تقدم بعض ذلك # وهؤلاء خلق كثيرون فإن هؤلاء يقولون لا نسلم أنه إذا لم ينقسم كان ~~كالجوهر الفرد ويقولون لا نسلم أنه يلزم أنه يكون أكبر من العرش أو أصغر أو ~~مساويا فإن هذه الأقسام الثلاثة إنما تلزم إذا كان جسما متحيزا محدودا فإذا ~~كان فوق العرش وليس بجسم مقدر محدود لم يلزم لا هذا ولا هذا مع أنه مشار إليه # فإن قال النفاة فساد هذا معلوم بالضرورة فإنا نعلم بالضرورة أن ما كان ~~فوق غيره فإما أن يكون أكبر منه أو أصغر منه أو بقدره ونعلم أنه يتميز منه ~~جانب عن جانب وهذا هو الانقسام # قال لهم المثبتة تجويز هذا أقرب إلى العقل من تجويز وجود موجود لا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا يشار إليه وتجويز وجود موجودين ليس أحدهما محايثا ~~للآخر ولا مباينا له وأنتم تقولون إن الحكم بكون الشيء أكبر من غيره وأصغر ~~ومساويا وأنه مباين له ومحايث له ومشار إليه ونحو ذلك هو من حكم الوهم ~~التابع للحس وتقولون إن حكم الوهم لا يقبل في غير الأمور الحسية وتزعمون أن ~~الكلام في صفات الرب تعالى من هذا الباب # فيقال لكم إن كان مثل هذا الحكم غير مقبول لم يقبل حكمكم PageV06P290 ~~بأنه إما أكبر وإما أصغر وإما مساو فإن هذا حكم على ذوات المقدار فإذا قدر ~~ما لا مقدار له وهو فوق غيره لم ms1227 يلزمه شيء من الأقسام الثلاثة وإن كان مثل ~~هذا الحكم مقبولا لزم الحكم بأن كل موجودين فلا بد أن يكون أحدهما محايثا ~~للآخر أو مباينا له # ومن المعلوم بضرورة العقل أنا إذا عرضنا على العقل أو الوهم أو الخيال أو ~~الحس أو ما شئت فقل قولين أحدهما يتضمن إثبات موجود لا داخل العالم ولا ~~خارجه ولا يشار إليه والآخر يتضمن إثبات موجود خارج العالم ليس بجسم ولا ~~منقسم ولا يكون أكبر من العالم ولا أصغر كان إنكار العقل إن أنكر القولين ~~للأول أعظم وتجويزه إن جوز القولين للثاني أعظم # فإن ادعى المدعى أن فساد قول من يثبت موجودا خارج العالم لا أكبر ولا ~~أصغر ولا مساويا معلوم بالضرورة # قيل له وفساد قول من يثبت موجودا لا داخل العالم ولا خارجه وهو معلوم ~~بالضرورة بطريق الأولى وقد تقدم بيان قول من يقول إن فساد هذا القول معلوم ~~بالضرورة وإن المنازعين له يقولون هذا حكم الوهم لا حكم العقل فهكذا يقول ~~هؤلاء إن قولكم هذا فاسد من حكم الوهم لا من حكم العقل # ولك هؤلاء النفاة فيهم جهل وظلم فإنهم يحتجون على منازعيهم بحجة هي لهم ~~ألزم ويثبتون قولهم بحجة هي على قول منازعيهم أدل وهذا القول مع أنه أقرب ~~إلى العقل فهو أقرب إلى السمع فإن صاحبه لا يحتاج أن يتأول النصوص المثبتة ~~للعلو والفوقية والاستواء PageV06P291 ~~فيكون قوله أقرب إلى اتفاق الشرع والعقل وأقرب إلى الشرع منفردا وأقرب إلى ~~العقل منفردا فيكون أرجح من قولهم على كل تقدير # وهكذا هو عند أهل الإسلام فإن الكلابية والكرامية والأشعرية أقرب إلى ~~السنة والحق من جهمية الفلاسفة والمعتزلة ونحوهم باتفاق جماهير المسلمين ~~وعوامهم # الجواب الثاني أنه يقال له ما تعنى بقولك إن كل مشار إليه فإما أن ينقسم ~~أو لا ينقسم أتعني بالانقسام إمكان تفريقه وتجزئته وتبعضه أم تعني به أن كل ~~مشار إليه إذا لم يكن بقدر الجوهر الفرد فإنه يكون مركبا من الجواهر ~~المنفردة أو تعني به أنه يشار إلى شيء منه ms1228 دون شيء ويرى منه شيء دون شيء ~~ويتميز منه شيء عن شيء # فإن أردت الأول بطل لازم التقدير الأول فإنه لا يلزم من كونه لا يمكن ~~تفريقه وتبعيضه وتقسيمه أن يكون صغيرا بقدر الجوهر الفرد فإنا نعلم ~~بالاضطرار إمكان كون الشيء كبيرا عظيما مع أنه لا يمكن تفريقه وتبعيضه ~~وتقسيمه بل قد تنازع الناس في كثير من المخلوقات هل تقبل التفريق أو لا ~~تقبله ومن قال إنها تقبله أثبته بالدليل لم يقل إنه معلوم بالضرورة # وإن أردت أن كل مشار إليه فإنه يكون مركبا من الجواهر المفردة إذا لم يكن ~~حقيرا منعت هذا وقيل لك هذا مبني على أن الأعيان المشهودة مركبة من الجواهر ~~المنفردة وأكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم ينكرون ذلك بل أكثرهم طوائف أهل ~~الكلام تنكر ذلك كالهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وكثير من ~~الكرامية وغير هؤلاء PageV06P292 # وكذلك إن عني به أنه مركب من المادة والصورة كما يقول بعض الفلاسفة فأكثر ~~العقلاء ينكرون ذلك والصواب قول من ينكر ذلك كما هو مذكور في غير هذا ~~الموضع وبتقدير تسليمه ينازع من سلمه في صحة المقدمة الثانية ويمنع صحة ~~انتفاء اللازم # وإن أردت به المعنى الثالث وهو أنه يتميز منه شيء عن شيء # فيقال لك هذا القول لازم لجميع الخلائق أما الصفاتية فإنهم يثبتون العلم ~~والقدرة والإرادة والكلام ومن المعلوم أن هذه معاني متميزة في أنفسها ليس ~~كل واحد منها هو الآخر وأما غيرهم فيعلمون الفرق بين كونه عالما وكونه ~~قادرا وكونه حيا ونحو ذلك والمتفلسفة يعلمون الفرق بين كونه موجودا وكونه ~~واجبا وكونه عاقلا وعقلا وعاشقا وعشقا ولذيدا وملتذا ونحو ذلك ففي الجملة ~~لزوم مثل هذه المعاني المتعددة المتكثرة لازم لجميع الخلائق وهذه مسألة الصفات # فإذا قال النفاة عندنا العلم هو الإرادة والإرادة هي القدرة والوجوب هو ~~الوجود ونحو ذلك # كان لهم جوابان أحدهما أن يقال هذا معلوم الفساد بالضرورة كما تقدم ولا ~~يرتاب عاقل في فساد مثل هذا بعد تصوره # والثاني أن يقال إذا جاز لكم أن تثبتوا معاني ms1229 متعددة ومتغايرة في الأحكام ~~واللوازم والأسماء ليس التغاير بينها تغاير العموم والخصوص كاللون والسواد ~~وتقولون إنه لا تعدد فيها ولا كثرة ولا انقسام جاز PageV06P293 ~~لمنازعكم أن يثبت ذاتا فوق العالم لا انقسام فيها ولا تركيب وكان هذا أقرب ~~إلى العقل # فإن جاز أن تقولوا لا يتميز العلم عن القدرة ولا الإرادة عن الحياة جاز ~~أن يقول لا يتميز ما يحاذي يمين العرش عما يحاذي يسار العرش # ومن المعلوم أن التعدد في الصفات أظهر من التعدد في المقدر فإن كان ذلك ~~مقبولا كان هذا أولى بالقبول وإن كان هذا مردودا كان ذلك أولى بالرد ولا ~~يمكن أحد من العقلاء أن يرد ما يثبت أنه من المعاني المتعددة المعلومة ~~بصريح العقل مع نطق الشرع بذلك في غير موضع فإن الله تعالى أثبت لنفسه من ~~الأسماء الحسنى التي تتعدد معانيها كالعليم والقدير والرحيم والعزيز وغير ~~ذلك وأثبت له من الكلمات التي لا تعادلها ما شهد به الكتاب العزيز فقد أثبت ~~أسمائه وكلماته وفي ضمن ذلك تعدد صفاته وهو الواحد المسمى بأسمائه الحسنى ~~المنعوت بصفاته العلى الصادق العدل في كلماته التامات صدقا وعدلا وإذا كانت ~~هذه الحجة مبنية على نفي الصفات فقد علم فساد أصلها # الوجه الثالث أن يقال قولك وإن انقسم كان مركبا وقد سبق بطلانه قد سبق ~~قولك إنه ليس بمتحيز لأن كل متحيز منقسم لذاته بناء على نفي الجزء وكل ~~منقسم لذاته ممكن لافتقاره إلى PageV06P294 ~~جزئه الذي هو غيره وكون المفتقر إلى الغير ممكنا بالذات # ومعلوم أن هذه الحجة قد تبين فسادها بطريق البسط في مواضع متعددة وبين أن ~~مبناها على ألفاظ مجملة مشتبهة وهي أصل توحيد الفلاسفة وقد بين نظار ~~المسلمين فسادها كما بين ذلك أبو حامد الغزالي وغيره # والرازي أجاب الفلاسفة عن حجة التركيب في مسألة الصفات فقال في نهاية ~~العقول قوله يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية فتكون ~~تلك الحقيقة ممكنة قلنا إن عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا ~~يلزم لاحتمال استناد ms1230 تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها وإن عنيتم به ~~توقف الصفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة فذلك مما يلتزمه فأين المحال ~~وأيضا فعندكم الإضافات صفات وجودية في الخارج فيلزمكم ما ألزمتمونا في ~~الصفات في الصور المرتسمة في ذاته من المعقولات # وقال أيضا مما يحقق فساد قول الفلاسفة أنهم قالوا إن الله PageV06P295 ~~عالم بالكليات وقالوا إن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم ~~في العالم وقالوا إن صورة المعلومات موجودة في ذات الله تعالى حتى ابن سينا ~~قال إن تلك الصفة إذا كانت غير داخلة في الذات بل كانت من لوازم الذات ومن ~~كان هذا مذهبا له كيف يمكنه أن ينكر الصفات وفي الجملة فلا فرق بين ~~الصفاتية وبين الفلاسفة إلا أن الصفاتية يقولون إن الصفات قائمة بالذات ~~والفلاسفة يقولون إن هذه الصورة العقلية عوارض متقومة بالذات والذي تسميه ~~الصفاتية صفة يسميه الفلسفي عارضا والذي يسميه الصفاتي قياما يسميه الفلسفي ~~قواما وتقوما فلا فرق إلا بالعبارات وإلا فلا فرق في المعنى # الوجه الرابع أن يقال إذا كان لفظ التحيز والانقسام PageV06P296 ~~والجزء والافتقار والغير ألفاظا مجملة فلفظ المتحيز يراد به ما حازه غيره ~~من الموجودات وليس مرادهم بهذا ويراد به ما كان منحازا عن غيره أو ما كان ~~بحيث يشار إليه وإن لم يكن معه موجود سواه وهذا مرادهم بلفظ المتحيز ولهذا ~~يقولون العالم متحيز # ولفظ الاتقسام يراد به الانقسام المعروف الذي يتضمن تفريق الأجزاء وليس ~~هذا مرادهم ويراد به ما يتميز منه شيء عن شيء أو جانب عن جانب وهذا مرادهم # ولفظ الجزء يراد به ما كان منفردا فانضم إليه غيره أو ما أمكن التفريق ~~بينه وبين غيره وليس هذا مرادهم ويراد به ما حصل الامتياز بينه وبين غيره ~~وهذا مرادهم ولفظ الافتقار يراد به أن يكون الشيء مفتقرا إلى فاعل يفعله ~~وليس هذا مرادهم هنا ويراد به أن يكون ملازما لغيره فلا يوجد أحدهما إلا مع ~~الآخر وهذا مرادهم وقد يقال إنه يراد به كون الشيء مفتقرا إلى ms1231 أمر منفصل ~~عنه وليس هذا مرادهم هنا ويراد أن يكون الشيء لا يتم إلا بما يدخل فيه مما ~~يقال إنه جزء كالصفة وهذا مرادهم هنا # وإذا عرف ذلك كان مضمون كلامهم أنه لوكان مشارا إليه للزم أن لا يوجد إلا ~~بلوازمه التي لا يوجد إلا بها الداخلة في مسمى اسمه ومعلوم أن ما كان كذلك ~~لم يمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه المستلزمه لهذه اللازمات المتصفة بهذه ~~الصفات بل إذا كانت حقيقته متصفة بصفات الكمال الوجودية كانت أحق بالوجود ~~من أن لا يوصف إلا بأمور سلبية يستلزم أن تكون ممتنعة الوجود مشبهة PageV06P297 ~~بالمعدومات والجمادات فما لا يتصف بشيء من صفات الكمال فلا تكون له حياة ~~ولا علم ولا قدرة ولا كلام ولا فعل ولا عظمه ولا رحمة بل يكون موجودا مطلقا ~~أو مجردا كان ممتنع الوجود ولا واجب الوجود وما لا يكون إلا كاملا لا يكون ~~إلا بكماله وما يجب أن يكون حيا عليما قديرا لا يكون إلا بحياته وقدرته ~~وعلمه وليس لزوم صفات الكمال له واستلزامه إياها موجبا لكونه لا يكون ~~موجودا بنفسه # وتسمية المسمى هذا جزءا وبعضا ونحو ذلك غايته أن يقال لا يمكن وجود الكل ~~إلا بوجود بعضه ومن المعلوم أن وجود الكل لا يوجد إلا بوجود الكل فيكون ~~الكل موجودا بالكل ولا يتضمن ذلك افتقارا له إلى غيره فإذا كان قول القائل ~~إنه مفتقر إلى نفسه أو كله لا يقدح في وجوب وجوده فقوله هو مفتقر إلى صفته ~~أو بعضه أولى أن لا يقدح في وجوب وجوده # ومما يبين ذلك أن هؤلاء المتفلسفة يقولون إن وجوده مستلزم لوجود ~~المعلولات الممكنات فلا يتصور وجوده بدون وجودات ممكنة معلومة منفصلة عنه ~~وذلك لا يقدح عندهم في وجوب وجوده بنفسه فكيف يقدح في وجوب وجوده كونه ~~مستلزما لصفات كمال لازمه له قائمة بنفسه فإن كان استلزامه لغيره افتقارا ~~إليه فاقتقاره إلى معلولة PageV06P298 ~~المنفصل أعطم امتناعا وإن لم يكن افتقارا إلى اللازم لم يكن استلزامه ~~الصفات افتقارا إليها # ومثل هذا ms1232 التناقض كثير في كلام المخالفين للسنة تحقيقا لقوله تعالى { ولو ~~كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } سورة النساء 82 # قال الرازي والوجه الثاني لوكان مشارا إليه لكان متناهيا من جميع الجوانب ~~لما سبق من تناهي الأبعاد ولأن عدم تناهيه إن كان من جميع الجوانب فإنه ~~مخالط للعالم وما فيه من القاذورات تعالى عنه وإن كان من بعضها فالجانب ~~المتناهي إن وافق غير المتناهي في الماهية صح على المتناهي أن ينقلب غير ~~متناه وبالعكس فصح عليه الفصل والوصل وإن خالفه فيها وكل مركب من أجزاء ~~مختلفة الطبائع ففيه أجزاء بسيطة فأمكن على كل منها أن يماس ما على يمينه ~~ويساره وبالعكس فصح عليه الوصل والفصل وكل ما كان كذلك كان تأليفه بمؤلف ~~تعالى عنه وكل متناه من جميع الجوانب أمكن وجوده أزيد وأنقص مما وجد PageV06P299 ~~فاختصاصه بذلك القدر المخصص ولأنه لو كان متناهيا من جميع الجوانب لم يكن ~~فوق كل الموجودات لأنه يكون فوقه أمكنة خالية عنه والخصم ينفيه # فيقال الاعتراض على هذا من وجوه # أحدها قول من يقول هو فوق العرش ولا يوصف بالتناهي ولا بعدمه إذ لا يقبل ~~واحدا منها وهو قول من تقدم ممن يقول هو فوق العرش ولا يوصف بأن له قدرا ~~كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف من الكلابية ~~والكرامية والأشعرية ومن وافقهم من أتباع الأئمة من أصحاب أحمد ومالك ~~والشافعي وغيرهم # وإذا قال لهم النفاة هذا ممتنع في بديهة العقل # قالوا لهم القول بوجود موجود لا يشار إليه ولا يقبل الوصف بالنهاية ~~وعدمها ولا بدخول العالم ولا خروج منه أظهر فسادا في بديهة العقل فإنا إذا ~~عرضنا على العقل وجود موجود خارج العالم بائن منه لا يوصف بثبوت النهاية ~~ولا انتفائها ووجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا بائن ولا محايث ولا ~~متناه ولا غير متناه كان الثاني أظهر فسادا في العقل كما ت تقدم نظيره # القول الثاني قول من يقول هو غير متناه إما من ms1233 جانب PageV06P300 ~~وإما من جميع الجوانب كما قال ذلك طوائف أيضا من أهل الكلام والفقهاء ~~وغيرهم وحكاه الأشعري في المقالات عن طوائف # فإذا قيل لهم هذا ممتنع # قالوا قول منازعينا أظهر امتناعا # وإذا قيل لهم يلزمكم أن يكون مخالطا للعالم # قالوا منازعونا منهم من يقول هو بذاته في كل مكان ومنهم من ينفي ذلك ونحن ~~يمكننا أن نقول كما قال هؤلاء وهؤلاء وإذا ادعى هؤلاء إمكان ذلك من غير ~~مخالطة ادعينا مثل ذلك # والقول الثالث قول السلف والأئمة وأهل الحديث والكلام والفقه والتصوف ~~الذين يقولون له حد لا يعلمه غيره # فإذا قيل لهؤلاء كان متناه من جميع الجوانب أمكن وجوده أزيد وأنقص مما ~~وجد واختصاصه بذلك القدر المخصص منفصل منعوا هذا كما تقدم ذكره وقالوا لا ~~نسلم أن كل ما اختص بقدر افتقر إلى مخصص منفصل عنه ولا نسلم أن كل ما ثبت ~~لواجب الوجود من خصائصه يمكن أن يوجد بخلاف ذلك PageV06P301 # وقد تقدم الكلام على هاتين المقدمتين اعتراف هؤلاء المحتجين بهما ~~بفسادهما # وأما قوله لو كان متناهيا من جميع الجوانب لم يكن فوق كل الموجودات لأنه ~~يكون فوقه أمكنه خالية منه # فكلام ساقط لأنه ليس هناك شيء موجود لا مكان ولا غير مكان وإنما هناك إما ~~خلاء هو عدم محض ونفي صرف ليس شيئا موجودا على قول طائفة وإما أنه لا يقال ~~هناك لا خلاء ولا ملاء # وعلى كل تقدير فليس هناك شيء موجود بل يقال لمن احتج بهذا أنت تقول ليس ~~فوق العالم شيء موجود ولا وراء العالم شيء موجود مع أنه متناه عندك فكيف ~~يجب أن يكون فوق رب العالمين شيء موجود # ثم قال أنتم تزعمون أنكم تحتجون بالمعقولات اليقينية لا بالمقدمات ~~الجدلية فهب أنه لا يكون فوق جيمع الموجودات فأين دليلكم العقلي على امتناع هذا # الوجه الرابع قول بعض هؤلاء النفاة لبعض لم قلتم إن عدم تناهيه إن كان من ~~جميع الجوانب فإنه مخالط للعالم وما فيه من القاذورات تعالى عنه ولم لا ~~يجوز أن يكون غير ms1234 متناه من جميع الجوانب وهو غير مخالط فإن قالوا لأن فرض ~~مشار إليه غير متناه لا يخالط العالم ممتنع في صريح العقل # قيل وفرض موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يكون مباينا لغيره ممتنع في ~~صريح العقل PageV06P302 # فإن قلتم هذا في حكم الوهم # قالوا وإثبات المخالطة لما لا نهاية له من حكم الوهم # وهؤلاء النفاة لمباينته للعالم منهم من يقول إنه جسم وهو في كل مكان ~~وفاضل عن جميع الأماكن وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكبر من مساحة ~~العالم لأنه أكبر من كل شيء # وقال بعضهم مساحته على قدر مساحة العالم # وقال بعضهم هو جسم له مقدار في المساحة ولا ندري كم ذلك القدر # ومنهم من يقول إنه جسم تحل الأشياء فيه وهو الفضاء وليس بذى غاية ولا ~~نهاية وقال بعضهم هو الفضاء وليس بجسم والأشياء قائمه به وقال بعضهم ليس ~~لمساحة البارئ PageV06P303 ~~نهاية ولا غاية وإنه ذاهب في الجهات الست اليمين والشمال والأمام والخلف ~~والفوق والتحت قالوا وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض ~~ولا عميق وليس بذى حدود ولا هيئة ولا قطب # حكى هذه الأقوال الأشعري في المقالات وحكى عن زهير الأثري أنه كان يقول ~~إن الله بكل مكان وإنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف ~~وأنه موجود الذات بكل مكان وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول ~~والمماسة ويزعم أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى { وجاء ربك والملك صفا ~~صفا } سورة الفجر 22 بلا كيف وكذلك أبو معاذ التومني # وهذا القول الذي حكاه الأشعري عن هؤلاء يشبه قول كثير من الصوفية ~~والسالمية كأبي طالب المكي وغيره # فهؤلاء القائلون بأنه بذاته في كل مكان على أقوال منهم من يقول له قدر ~~ومنهم من يقول ليس له غاية ولا نهاية ومنهم من يقول هو جسم ومنهم من يقول ~~ليس بجسم ثم من هؤلاء من PageV06P304 ~~يقول إنه غير متناه من جميع الجوانب وهو مع ذلك ms1235 لا يخالط الأشياء وأيضا ~~فإنهم إذا قالوا إنه يخالط الأشياء قالوا هذا لا يقدح في كماله كما أن ~~الشعاع لا يقدح فيه أنه فوق الأقذار # وقول هؤلاء وإن كان باطلا كما قد بين في غير هذا الموضع فالمقصود أن ~~النفاة الذين يقولون لي بداخل العالم ولا خارجه لا يمكنهم إبطال قول هؤلاء ~~بل قد يقول القائل إن قول هؤلاء الحلولية خير من قول أولئك المعطلة الذين ~~يقولون لا داخل العالم ولا خارجه # ولهذا قال من قال متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء # ومنهم من يقول هذا تارة وهذا تارة ومنهم من يقول هذا اعتقادي وهذا ذوقي ~~ووجدى وإنما يتمكن من إبطال قول هؤلاء كلهم أهل السنة المثبتة الذين يقولون ~~إنه مباين للعالم فأما بعض هذه الطوائف مع بعضهم فإنهم متناقضون # فإذا قالوا لا نسلم أنه يجب أن يخالط العالم أو لا نسلم أن في ذلك محذورا ~~بل يمكن عدم المخالطة أو المخالطة بلا نقص ولا عيب كان قول هؤلاء من جنس ~~أقوال أولئك فإنهم أثبتوا ما يحيله العقل # فإذا قالوا لأولئك هذا من حكم الوهم لا من حكم العقل كان PageV06P305 ~~هذا بمنزلة قول أولئك إن إحالة موجود لا داخل العالم ولا خارجه من حكم ~~الوهم فإنهم قد قالوا إنه حكم في غير المحسوس بحكم المحسوس فإن لم يكن في ~~الوجود ما لا يمكن الإحساس به بطل قولهم وإن كان فيه ما لا يمكن الإحساس به ~~وادعى هؤلاء أنه غير متناه من جميع الجوانب هوغير جسم عند بعضهم وجسم عند ~~آخرين منهم كان الحكم حينئذ بكونه يكون مخالطا للعالم وأن ذلك ممتنع عليه ~~حكما على غير المحسوس بحكم المحسوس وهم لا يقبلون هذا الحكم # ثم إن الكلام هنا من جهة من يقول إنه مشار إليه ويقول إنه متناه وهو مع ~~ذلك جسم أو ليس بجسم وإذا قال هؤلاء كل مشار إليه فهو جسم كان كقولهم لو ~~كان فوق العرش لكان مشارا إليه ولكان جسما وقد نازعهم في ms1236 ذلك طوائف # وتبين أن قول من قال هو فوق العرش وليس بجسم ليس هو أبعد عن العقل من قول ~~من قال إنه لا داخل العالم ولا خارجه أصلا فإن هذا أقرب إلى المعدوم من ذلك ~~وكل ما كان أقرب إلى العدم كان أبعد عن الوجود الواجب # فهكذا من قال يشار إليه وهو غير متناه ولا يخالط أو يخالط ولا نقص في ذلك ~~فقوله ليس أبعد عن العقل من قول أولئك بل نظير قولهم أن يقال إنه في كل ~~مكان بذاته ولا يشار إليه ولا نهاية له كما قال بعضهم PageV06P306 # فهذه الأقوال حكم ببطلانها حاكم واحد فإن رد حكمه في بعضها رد في سائرها ~~فهذا جواب هؤلاء # الوجه الخامس قول من يقول لا نسلم أنه إذا كان متناهيا من بعض الجهات ~~يلزم ما ذكره من المحذور وقوله الجانب المتناهي إن وافق غير المتناهي في ~~الماهية صح عليه أن ينقلب غير متناه وإلا لزم التركيب فيصح الفصل والوصل ~~وما كان كذلك احتاج إلى مؤلف يؤلفه # قالوا لا نسلم أنه يجوز عليه الفصل والوصل والحال هذه لإمكان أن يكون ذلك ~~الاتصال من لوازم الذات كقيام الصفات اللازمة لموصوفها وأيضا الموافقة في ~~الماهية إنما تقتضي جواز انقلابه غير متناه إن لم يكن المقدار المعين من ~~لوازم وجوده # فإن قال إن كل مختص بقدر فهو ممكن فهي المقدمة الثانية وقد تقدم إبطالها ~~فلا يمكنه حينئذ تقرير المقدمة الأولى إلا بالثانية فلا يكون قد أقام دليلا ~~على أنه إذا كان متناهيا لزم التناهي من جيمع الجوانب إلا لافتقار الاختصاص ~~إلى مخصص وهذا إن كان دليلا صحيحا فهو كاف سواء قدر التناهي من جميع ~~الجوانب أو بعضها وإن لم يكن صحيحا بطل كلامه على بطلان تناهيه من جيمع ~~الجوانب ومن بعضها PageV06P307 # قال الرازي الوجه الثالث أنه لو كان مشارا إليه فإن صح عليه الحركة ~~والسكون كان محدثا لما سبق في مسألة الحدوث وإلا كان كالزمن المقعد وهو نقص ~~تعالى عنه # فيقال الاعتراض عليه من وجوه أحدها أن ms1237 يقال قد تقدم إبطال هؤلاء لدليل ~~الحركة والسكون كما أبطله الرازي نفسه في كتبه العقلية المحضة وأبطل كل ما ~~احتج به النفاة من غير اعتراض على إبطال ذلك وكذلك أبطله الآمدي والأرموي وغيرها # الثاني قول من يقول هو مع كونه مشارا إليه لا يقبل الوصف بالحركة والسكون ~~ولا بضد ذلك كما يقولون هم إنه لا يقبل الوصف بالدخول والخروج والمباينة ~~والمحايثة ونحو ذلك من المتقابلات # فإذا قيل لهؤلاء إثبات مشار إليه لا يقبل ذلك غير معقول # قالوا هذا أقرب إلى العقل من إثبات موجود قائم بنفسه لا يشار إليه # وهؤلاء إذا قيل لهم إما أن يكون مباينا وإما أن يكون محايثا # قالوا هذا من عوارض الجسم فإذا قدر موجود لا يقبل ذلك لم يوصف بمباينة ~~ولا محايثة فيقول لهم هؤلاء كونه موصوفا بالحركة PageV06P308 ~~والسكون فرع على قبوله لذلك فإذا قدر موجود مشار إليه لا يقبل ذلك لم يوصف ~~بأحدهما # ومن الناس من يقول الحركة من خصائص الجسم ومنهم من يقول الحركة يوصف بها ~~ما ليس بجسم كمن يقول بإثبات نوع من الحركة للنفس ويقول إنها غير جسم وكذلك ~~قول من قال مثل ذلك في الواجب # الثالث أن يقال اتصاف المتصف بالحركة والسكون إما أن يكون صفة كمال أو لا ~~فإن لم يكن صفة كمال لم يكن سلب ذلك نقصا فلا محذور فيه وإن كان صفة كمال ~~أمكن اتصافه بذلك فلا محذور فيه # فإن قيل هو صفة كمال للجسم دون غيره # قيل إما أن نعلم ثبوت موجود غير الجسم أولا نعلمه فإن لم نعلمه لم يمكن ~~إثبات موجود قائم بنفسه لا تكون الحركة كمالا وإن علمنا وجود موجود ليس ~~بجسم فالعلم بذلك ليس بضروري بل هو نظري فلا بد له من دليل # وحينئذ فإما أن يمكن وجود مشار إليه ليس بجسم أو لا يمكن فإن أمكن جاز أن ~~يشار إلى الباري تعالى ويكون فوق العرش وليس بجسم وإن لم يمكن وجود مشار ~~إليه إلا أن يكون جسما فلا بد من دليل ms1238 يدل على إثبات وجود موجود لا يمكن ~~الإشارة إليه ولا يكون جسما PageV06P309 ~~وهذه الوجوه هي أدلة ثبوت ذلك # فإذا قيل لو لم يصح عليه الحركة والسكون لكان كالزمن لم يمكن إثبات ذلك ~~إلا إذا ثبت أن كل مشار إليه يقبل الحركة والسكون وأن كل مشار إليه جسم # وهذا لا يثبت إلا إذا بطل قول من يقول يمكن أن يشار إليه ولا يكون جسما ~~أو يمكن أن يكون فوق العرش ولا يكون جسما # وهؤلاء لا يمكن إبطال قولهم إلا إذا بطل قول من يقول بوجود موجود قائم ~~بنفسه لا يشار إليه لأنه بتقدير صحة قول هؤلاء يمكن صحة قول أولئك فإنه إذا ~~جاز في العقل إمكان وجود موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يباين غيره ولا ~~يحايثه أمكن وجود موجود قائم بنفسه فوق عرشه لا يشار إليه وكان هذا أقرب ~~إلى العقل من ذلك # فإذا كان إبطال قول هؤلاء مستلزما لبطلان قول المدعي لم يبطل قولهم إلا ~~ببطلان قوله وإذا بطل قوله كانت الحجة على صحته باطلة # فتبين أن هذه الحجة يلزم من صحة مقدمتيها بطلان قول المدعي المحتج بها ~~فلا يمكن الاستدلال بها عليه وهو المطلوب فإنها إن صحت استلزمت بطلان دعواه ~~وإن لم تصح لم يمكن الاستدلال بها على دعواه فبطلت الدلالة على التقديرين ~~وهو المطلوب # الرابع أن يقال كثير من النظار يقولون صحة الحركة ليست PageV06P310 ~~من خصائص كونه مشارا إليه فإن كثيرا من هؤلاء يجوز أن يقوم به ما هو متجدد ~~أو حادث وإن قال إنه غير مشار إليه وقد تقدم قول الرازي إن عامة الطوائف ~~يلزمهم القول بحلول الحوادث وإن أنكروا ذلك مع أن نفاة العلو من هؤلاء ~~يمنعون جواز الإشارة إليه كما يقول ذلك من يقوله من الفلاسفة والمعتزلة ~~والأشعرية وغيرهم بل المتفلسفة يجوزون حلول الحوادث بما ليس بجسم غير ~~الواجب كما يقولون مثل ذلك في النفس الفلكية والإنسانية ثم أكثر أهل الكلام ~~من هؤلاء يقولون إن ذلك الحادث القائم بالواجب تجدد بعد أن لم ms1239 يكن فهؤلاء ~~يصفونه بقيام الحوادث به في وقت دون وقت ومع هذا فلا يجعلونه في حال انتفاء ~~ذلك كالزمن المقعد فيقول هؤلاء يمكن أن تقوم به الحوادث وهو نوع من الحركة ~~ولا يكون مشارا إليه ولا يكون عند انتفاء ذلك كالزمن فإن سلم أولئك لهم ~~إمكان ذلك بطلت الحجة وإن لم يسلموا ذلك لهم قالوا هذا أقرب إلى العقل من ~~إثبات موجود قائم بنفسه لايشار إليه وإن كان هذا من حكم الوهم فكذلك الأول ~~وإلا لزم امتناع موجود قائم بنفسه لايشار إليه وهو المطلوب # ومما يوضح هذا أن لفظ الحركة قد يعني به الانتقال من حيز إلى حيز وقد ~~يعنى به ما هو أعم من ذلك كالحركة في الكيف والكم والوضع مثل مصير النفس ~~عالمة وقادرة ومريدة ومصير الجسم أسود وأحمر وحلوا وحامضا ومثل الاغتذاء ~~والنمو الحاصل في الحيوان والنبات ومثل حركة الفلك في حيز واحد فهذه قد ~~تسمى حركات وإن لم يكن قد خرج الجسم فيها من حيز إلى حيز آخر PageV06P311 # وإذا كان لفظ الحركة من جنس لفظ الحدوث كان البحث عن قيام أحدهما به ~~كالبحث عن قيام الآخر به ومعلوم أن كثيرا من النظار يصفونه بذلك ولا يقولون هو جسم # قال الرازي الوجه الرابع المكان الذي يزعم الخصم حصوله فيه إن كان موجودا ~~وهو منقسم كان جسما ولزم قدم الأجسام لذواته وأيضا المكان مستغن في وجوده ~~عن المتمكن لجوازه الخلاء وفاقا والباري تعالى عند الخصم يمتنع كونه لا في ~~حيز فكان مفتقرا إلى الحيز وكان المكان بالوجوب والإلهية أولى وإن كان ~~معدوما استحال حصول الوجود فيه ولا يلزم علينا كون الجسم في المكان لأن ~~المعنى منه كونه يمكن الإشارة إلى أحد جوانبه بأنه غير الآخر ومتصل به وهذا ~~المعنى في الباري يوجب التركيب وتعالى عنه # والجواب عن هذا من وجوه # أحدها أن يقال لا نسلم الحصر بل قد يكون الحيز تارة PageV06P312 ~~موجودا وتارة معدوما فإنه إذا كان في الأزل وحده لم يكن معه شيء موجود فضلا ~~عن أن ms1240 يكون في شيء موجود ثم لما خلق العالم فإما أن يكون مداخلا للعالم ~~وإما أن يكون مباينا له وإذا امتنع أن يكون هو نفسه دخل في العالم أو دخل ~~العالم فيه وجب أن يكون مباينا له وإذا كان مباينا للعالم أمكن أن يكون فوق ~~العالم ويكون ما يسمى حينئذ مكانا أمرا وجوديا ولا يلزم أن يكون ملازما له ~~فلا يلزم قدم المخلوقات ولا افتقاره إلى شيء منها بل كان مستغنيا عنها وما ~~زال مستغنيا عنها وإن كان عاليا عليها فعلوه على العرش وعلى غيره من ~~المخلوقات لا يوجب افتقاره إليه فإن السماء عالية على الأرض وليست مفتقرة ~~إليها والهواء عال على الأرض وليس مفتقرا إليها وكذلك الملائكة عالون على ~~الأرض وليسوا مفتقرين إليها فإذا كان المخلوق العالى لا يجب أن يكون مفتقرا ~~إلى السافل فالعلى الأعلى الخالق لكل شيء الغني عن كل شيء أولى أن لا يكون ~~مفتقرا إلى المخلوقات مع علوه عليها # الوجه الثاني أن قول القائل إنه في مكان لفظ فيه إجمال وتلبيس والمثبتون ~~لعلو الله على خلقه لا يحتاجون أن يطلقوا القول بأنه في مكان بل منهم كثير ~~لا يطلقون ذلك بل يمنعون منه لما فيه من الإجمال # فإذا قال القائل إنه لو كان في مكان لم يخل إما أن يكون المكان موجودا أو معدوما # قيل له إذا قيل إن الشيء في مكان وفسر المكان بأنه معدوم PageV06P313 ~~كان حقيقته أنه وحده ليس معه غيره إذ لا يقول عاقل إنه في مكان معدوم وإنه ~~مع هذا في شيء موجود قد أحاط به أو كان هو فوقه أو غير ذلك إذ هذا كله من ~~صفات الموجودات # وإذا كان كذلك فقول القائل وإن كان المكان معدوما استحال حصول الموجود ~~فيه إنما يلزم لو قدر أن هناك أمرا يكون الواجب فيه فأما إذا فسر ذلك بأنه ~~وحده ليس معه غيره امتنع أن يقال إنه في غيره # الثالث أن يقال إذا كنت أنت وعامة العقلاء تقولون إن الجسم في مكان ولا ~~يلزم ms1241 من هذا أن يكون في شيء موجود لأنه يستلزم أبعادا لا تتناهى ولا في ~~معدوم لأن العدم لا يكون فيه شيء فقولهم أولى بالقبول والجواز # وأما قوله إن المعنى من كون الجسم في المكان كونه بحيث يمكن الإشارة إلى ~~أحد جوانبه بأنه غير الآخر ومتصل به # فيقال له وبهذا المعنى فسرت قولهم بأنك قلت المعنى من اختصاص الشيء ~~بالجهة والمكان أنه يمكن الإشارة الحسية إليه بأنه هنا أو هناك # وأما قولهم هذا المعنى يوجب التركيب في الباري فهذا هو الحجة الأولى وقد ~~تقدم جوابها فإذن هذه الحجة لا تتم إلا بالأولى فلا تجعل حجة أخرى وحجة ~~التركيب قد تقدم بيان فسادها # الرابع أن يقال لفظ الحيز والمكان قد يعني به أمر PageV06P314 ~~وجودي وأمر عدمي وقد يعني بالمكان أمر وجودي وبالجيز أمر عدمي ومعلوم أن ~~هؤلاء المثبتين للعلو يقولون إنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه وإذا ~~قالوا أنه بائن من جميع المخلوقات فكل ما يقدر موجودا من الأمكنة والأحياز ~~فهو من جملة الموجودات فإذا كان بائنا عنها لم يكن داخلا فيها فلا يكون ~~داخلا في شيء من الأمكنة والأحياز الوجودية على هذا التقدير ولا يلزم قدم ~~شيء من ذلك على هذا التقدير # وإذا قالوا إنه فوق العرش لم يقولوا إن العرش كان موجودا معه في الأزل بل ~~العرش خلق بعد أن لم يكن وليس هوداخلا في العرش ولا هو مفتقر إلى العرش بل ~~هو الحامل بقوته للعرش ولحملة العرش فكيف يلزم على هذا أن يكون معه في ~~الأزل بل كيف يلزم على هذا أن يكون داخلا في العرش أو مفتقرا إليه وإنما ~~يلزم ما ذكره من لا بد له من شيء مخلوق يحتوي عليه وهذا ليس قول من يقول ~~إنه بائن عن جميع المخلوقات # الوجه الخامس أن يقال قوله الباري عند الخصم يمتنع كونه لا في حيز لفظ ~~مجمل فإن قال إنه مفتقر عنده إلى حيز وجودي فهذا لم يقله الخصم وولا يعرف ~~أحدا قاله وإن قاله من لا ms1242 يعرف لم يلتفت إليه ولا ريب عند المسلمين أن الله ~~تعالى غني عن كل ما سواه فكيف يقال إنه مفتقر إلى حيز عدمي فالعدم ليس بشيء ~~حتى يقال إن الرب مفتقرا إليه أو ليس بمفتقر إليه PageV06P315 # وإذا فسر الحيز بأمر عدمي لم يجز أن يقال إن العدم الذي ليس بشيء أحق ~~بالإلهية من الموجود القائم بنفسه فعلم أن هذه الحجة مغلطة محضة وأن لفظ ~~الحيز لفظ مجمل # وهؤلاء يريدون بالحيز تارة ما هو موجود ويريدون به تارة ما هو معدوم ~~وكذلك لفظ المكان لكن الغالب عليهم أنهم يريدون بالحيز ما هو معدوم ~~وبالمكان ما هو موجود ولهذا يقولون العالم في حيز وليس في مكان # وإذا كان كذلك فمن أثبت متحيزا في حيز عدمي لم يجعل هناك موجودا غيره ~~سواء كان ذلك واجبا أو ممكنا وإذا كان كذلك لم يجب أن يكون هناك ما يجب أن ~~يكون موجودا معه فضلا عن أن يكون هو مفتقرا إليه # الوجه السادس أن يقال هذه الجحة مبنية على أن كل مشار إليه مركب وأن ذلك ~~ممتنع في الواجب فإن أردت بالتركيب أن غيره ركبه أو أنه يقبل التفريق ونحو ~~ذلك لم تسلم الأولى # وإن عينت بالتركيب إمكان الإشارة إلى بعضه دون بعض فللناس هنا جوابان # أحدهما قول من يقول هو فوق العالم وليس بمشار إليه أو هو مشار إليه وهو ~~لا يتبعض فيشار إلى بعضه دون بعض لأن الإشارة إلى البعض دون البعض إنما ~~تعقل فيما له أبعاض فإذا قدر مشار إليه لا يتبعض لم يمكن أن يقال هذا فيه PageV06P316 # والثاني قول من يقول يمكن الإشارة إلى بعضه دون بعض ويقول التبعيض المنفي ~~عنه هو مفارقة بعضه لبعض وأما كونه يرى بعضه دون بعض فليس هذا منفيا عنه بل ~~هو من لوازم وجوده وإذا قال الثاني هذا تركيب وهو ممتنع فقد عرف بطلان هذه الحجة # الوجه السابع أن يقال إذا كان فوق العرش فلا يخلو إما أن يلزم أن يكون ~~جسما أو لا يلزم فإن ms1243 لم يلزم بطل مذهب النفي فإن مدار قولهم على أن العلو ~~يستلزم أن يكون جسما فإذا لم يلزم ذلك لم يكن في كونه على العرش محذور وإن ~~لزم أن يكون جسما فإن لازم هذا القول قدم ما يكون جسما وحينئذ فقول القائل ~~إن كان المكان موجودا كان جسما ولزم قدم الأجسام لدوامه لا يكون محذورا على ~~هذا التقدير ولا يصح الاستدلال على انتفاء المكان بهذا الاعتبار # وأما الوجه الثامن فقوله المكان مستغن في وجوده عن المتمكن لجواز الخلاء ~~وفاقا والباري عند الخصم يمتنع كونه لا في الحيز فكان مفتقرا إلى الحيز ~~يعترض عليه الخصم بأنا لا نسلم أنه على هذا التقدير يكون كل مكان مستغنيا ~~عن المتمكن فإنه لا يقول عاقل إن شيئا من الممكنات مستغنية عن الواجب ~~الوجود فإذا جعل ما سمى مكانا عن الممكنات المبدعات لله تعالى لم يجز أن ~~يقال هو مستغن عنه # وأيضا يقال إن عنيت بكون المكان مستغنيا عن المتمكن أنه لا يفتقر إلى كون ~~المتمكن عليه فهذا مسلم لكنه لا يفيدك إلا إذا PageV06P317 ~~قيل إن المتمكن مفتقرا إلى وجود المكان المستغنى عنه وهذا لم يذكره في ~~التقسيم # وإن عنيت أنه يستلزم استغناءه عن فاعل مبدع فهذا ليس بلازم على هذا ~~التقدير فإن الأمكنة كلها مفتقرة إلى فاعل مبدع وإن استغنت عن متمكن وإذا ~~كان وجوده مستلزما للحيز على هذا التقدير لم يكن مفتقرا إلى ما هو مستغن ~~عنه بل كان وجوده مستلزما لأمور لازمة له مفتقرة إليه وذلك لا يوجب أن يكون ~~غيره مستغنيا عنه ولا أن يكون مفتقرا إلى ما هو مستغن عنه كما أن الذات إذا ~~كانت مستلزمة للصفات لم يجب أن تكون الصفات أحق بالإلهية # هذا عند من يقول بالصفات وكذلك من يقول بالأحوال من المسلمين ومن نفى ~~الجميع كالفلاسفة الدهرية فعندهم أن وجود الواجب مستلزم لوجود الممكنات مع ~~أنها هي المفتقرة إليه وهو مستغن عنها # ونكتة الاعتراض أنه إذا فرض افتقاره إلى مكان مستغن عنه فلا ريب ان هذا ~~باطل ms1244 بالاتفاق لأنه يلزم أن يكون الخالق فقيرا إلى ما هو مستغن عنه وهذا ~~ينافي وجوب وجوده وأما إذا كان ما سمى مكانا مفتقرا إليه وهو المبدع الخالق ~~له لم يكن فيما ذكره ما يبطل ذلك PageV06P318 # أما إذا قدر أن وجوده لا يستلزم وجود ذلك ولا يشترط فيه ذلك لكن حصل بحكم ~~الجواز لا بحكم الوجوب فهذا ظاهر # وأما إذا قدر أن ذلك لازم له فغايته أن وجوده مستلزم لما يكون الرب ~~ملزوما له وهو مفتقر إلى الرب تعالى وقد عرف كلام الناس في مثل هذا # قال الرازي الوجه الخامس في نفي علوه على الخلق أن الأحياز إن تساوت في ~~تمام الماهية كان حصوله في بعضها بدلا عن الآخر جائزا فافتقر فيه إلى مرجح ~~وإن تخالفت فيها كانت متباينة بالعدد والماهية تختص بخواص معينة وصفات ~~معينة وهي غير متناهية فقد وجد في الأزل مع الله أشياء قائمة بأنفسها غير ~~متناهية ولا يرتضيه مسلم # والاعتراض على هذا من وجوه # أحدها أن يقال الأحياز أمور عدمية كما قد عرف فإنهم يقولون العالم في حيز ~~والحيز عندهم عدمى ولو قال قائل إن الحيز قد يكون وجوديا فالمثبتون يقولون ~~نحن نقول إنه فوق العالم وحده كما كان قبل المخلوقات وليس هو في حيز وجودي فإذا PageV06P319 ~~سميت ما هناك حيزا كان تسميته للعدم حيزا وهو اصطلاحهم # وحينئذ فالعدم المحض ليس هو أشياء موجودة حتى يقال إنها متماثلة أو مختلفة # فإن قيل من الناس من يقول الحيز جوهر قائم بنفسه لا نهاية له # قيل هذا القول إن كان صحيحا ثبت قدم الحيز الوجودي وحينئذ فتبطل الحجة ~~التي مبناها على نفي ذلك وإن كان باطلا بطلت الحجة أيضا كما تقدم فهي باطلة ~~على تقدير النقيضين فثبت بطلانها في نفس الأمر # الوجه الثاني أن يقال لم لا يجوز أن تكون الأحياز متساوية في الماهية # قوله حصوله في بعضها بدلا عن الآخر جائز فيفتقر إلى مرجح # يقال له نعم وإذا افتقر إلى مرجح فإنه يرجح بعضها بقدرته ومشيئته كما ~~ترجح ms1245 سائر الأمور الجائزة بعضها على بعض وكما يرجح خلق العالم في بعض ~~الأحياز على بعض مع إمكان أن يخلقه في حيز آخر وكما رجح ما خلقه بمقدار على ~~مقدار وصفة على صفة مع إمكان أن يخلقه على قدر وصفة أخرى # الوجه الثالث أن يقال ترجح بعض الأحياز على بعض متفق PageV06P320 ~~عليه بين العقلاء سواء قالوا بالفاعل بالاختيار أو بالعلة الموجبة فإن ~~القائلين بالعلة الموجبة يقولون إنها اقتضت وجود العالم في هذا الحيز دون ~~غيره وأما على القول بالفاعل المختار فالأمر ظاهر وإذا كان ترجيح بعض ~~الأحياز على بعض متفقا عليه بين العقلاء لم يكن في ذلك محذور # وإذا قيل هذا ترجيح لبعضها على بعض في الممكن # قيل فإذا جاز ذلك في الممكن فهو في الواجب أولى بالجواز فإن المرجح إن ~~كان موجبا بالذات فترجيحه لما يتعلق به أولى من ترجيحه لما يتعلق بغيره وإن ~~كان فاعلا بالاختيارفاختياره لما يتعلق به أولى من اختياره لما يتعلق بغيره # وإذا قيل هذا يلزم منه قيام الأمور الاختيارية بذاته # قيل قد عرف أنهم يعترفون بذلك وهو لازم لعامة العقلاء # الوجه الرابع أن يقال أهل الإثبات القائلون بأن الله سبحانه فوق العالم ~~لهم في جواز الأفعال القائمة بذاته المتعلقه بمشيئته وقدرته قولان مشهوران # أحدهما قول من يقول لا يجوز ذلك كما يقوله ابن كلاب والأشعري ومن اتبعهما ~~من أصحاب أبي حنيفة وأحمد ومالك والشافعي وغيرهم فهؤلاء يقولون استواؤه ~~مفعول له فعله في العرش ويقولون إنه خلق العالم تحته من غير أن يحصل منه ~~انتقال وتحول من حيز إلى حيز ويقولون إنه خصص العالم بذلك الحيز بمشيئته وقدرته PageV06P321 # والقول الثاني قول من يقول إنه يفعل أفعالا قائمة بنفسه باختياره ومشيئته ~~كما وصف نفسه في القرآن بالاستواء إلى السماء وعلى العرش وبالإتيان والمجيء ~~وطي السموات بيمينه وغير ذلك مما هو قول أئمة أهل الحديث وكثير من أهل ~~الكلام ومن وافقهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد فهؤلاء يقولون ~~إن ما يحصل من الترجيح لبعض الأحياز على ms1246 بعض بأفعاله القائمة بنفسه هو ~~بمشيئته وقدرته فحصل الجواب عن هذا على قول الطائفتين جميعا # الوجه الخامس أن يقال الحيز إما أن يقال إنه موجود وإما أن يقال إنه معدوم # فإن قيل هو معدوم لم يلزم أن يكون مع الله في الأزل شيء موجود # وإن قيل هو موجود فإما إن يكون وجوده في الأزل ممتنعا وإما أن الأحياز ~~متماثله في تمام الماهية فإن العدم المحض لا يتميز فيه شيء عن شيء وحينئذ ~~فالتخصيص المفتقر إلى المرجح يحصل إما بقدرته ومشيئته على قول المسلمين ~~وجمهور الخلق وإما بالذات عند من يجوز نظير ذلك وإن كان وجوده في الأزل ~~ممكنا فلا محذور فيه فبطل انتفاء اللازم # الوجه السادس أن يقال التقسيم المذكور غير حاصر وذلك لأن الأحياز إما أن ~~تكون متماثلة وإما أن تكون مختلفة وعلى التقديرين فإما أن تكون متناهية ~~وإما أن تكون غير متناهية فإن كان PageV06P322 ~~وجود أحياز وجودية غير متناهية ممتنعا بطل هذا التقسيم ولم يلزم بطلان غيره ~~وكذلك أي قسم بطل لم يلزم بطلان غيره وذلك لأن هؤلاء النفاة منهم من يقول ~~بثبوت أحياز قديمة إما بنفسها وإما بغيرها كما تقول طائفة منهم بأن القدماء ~~خمسة الواجب بنفسه والحيز الذي هو الخلاء والدهر والمادة والنفس ويقول ~~آخرون منهم بثبوت أبعاد لا نهاية لها وإن لم يقولوا بغير ذلك # وما يذكر من هذه الأقوال ونحوها وإن قيل إنه باطل فالقائلون بغير ذلك ~~بهذه الأقوال هم المعارضون لنصوص الكتاب والسنة وهم الذين يدعون أن معهم ~~عقليات برهانية تنافي ذلك فإذا خوطبوا على موجب أصولهم وبين أنه ليس في ~~العقليات ما ينافي النصوص الإلهية على كل مذهب كان هذا من تمام نصر الله ~~لرسوله وإظهار لنوره # الوجه السابع أن يقال مقدمات هذه الحجة ليست برهانية فإنه على تقدير ~~تماثل الأحياز إنما يلزم الافتقار إلى المرجح وهذا غير ممتنع وأما على ~~التقدير الثاني فيلزم ثبوت أحياز مختلفة أما كونها غير متناهية فذلك غير لازم # وحينئذ فيقال إذا قدر أن هذه الأحياز مفتقرة ms1247 إليه ممكنة بنفسها واجبة به ~~أمكن أن يقال فيا ما يقوله من يجوز أن يكون معه ما هو من لوازم ذاته كما ~~عرف من مذاهب الطوائف ويقال على وجه التقسيم إن امتنع أن يكون معه ما هو من ~~لوازم ذاته تعين القسم الأول وإلا جاز الثاني PageV06P323 # والمقصود بيان فساد أمثال هذا الكلام بالحجج العقلية المحضة فإن هؤلاء ~~النفاة يستعينون على معارضة النصوص الإلهية بأقوال الفلاسفة وغيرها ~~المخالفة لدين المرسلين فإذا احتج لنصر النصوص الإلهية بما هو من هذا الجنس ~~كان ذلك خيرا من فعلهم # الوجه الثامن أن يقال الأحياز إن كانت عدمية لم يكن في ذلك محذور سواء ~~كانت متماثلة أو مختلفة فإن ثبوت أعدام غير متناهية في الأزل غير محذور ~~والمثبت لا يقول إنه يفتقر إلى حيز وجودي منفصل عنه فإن هذا ليس هو معروفا ~~من أقوال المثبتين وإن قدر قائل يقوله أمكنه أن يقول هذا من لوازم ذاته ~~وحينئذ فإن جاز أن يلزمه أمر وجودي كان هذا ممكنا وإلا تعين قول من يجعل ~~الحيز عدميا فعلم أنه لا حجة فيما ذكره # الوجه التاسع أن من المسلمين من يقول قد قامت به في الأ زل معاني لا ~~نهاية لها كعلوم لا نهاية لها وكلمات لا نهاية لها وإرادات لا نهاية لها ~~ونحو ذلك ومن الناس من يقول بثبوت أبعاد لا نهاية لها وحينئذ فإن كان علوه ~~على العالم ممكنا بدون ثبوت أحياز قديمة مختلفة غير متناهية لم يضرهم بطلان ~~هذا اللازم وإن قيل # إن ذلك يستلزم هذا القول كان نفيه محتاجا إلى دليل وهو لم يذكر على نفيه ~~وإنما قنع بحجة مسلمة وهى أن المسلمين ليس فيهم من يرتضي أن يوجد معه في ~~الأزل أشياء موجودة PageV06P324 ~~قائمة بأنفسها غير متناهية ومعلوم أن هذا لا يرتضيه المسلمون من أهل ~~الإثبات وغيرهم لاعتقادهم أن ذلك ليس من لوازم قولهم فإذا قدر أنه من لوازم ~~قولهم احتاج نفيه إلى دليل ولا يجوز أن يحتج على ذلك بالسمع لأن السمع ~~الدال على علو ms1248 الله على خلقه أظهر وأكثر وأبين مما يدل على مثل هذا فإن ~~المحتج إذا احتج بمثل قوله تعالى { الله خالق كل شيء } سورة الزمر 62 و{ رب ~~العالمين } سورة الفاتحة 2 ونحو ذلك لم يدل إلا على أن الأحياز الموجودة ~~مخلوقه لله وهو ربها وهذا لا ينازع فيه مسلم لكن الاستدلال بالسمع على قدم ~~شيء من ذلك أضعف من الاستدلال على أن الله تعالى ليس فوق العالمين فلا يمكن ~~دفع أقوى الدلالتين بأضعفهما # الوجه العاشر أن يقال هذا الرازي وأمثاله يدعون أنه ليس في السمع ما يصرح ~~بأن الله كان وحده ثم ابتدأ إحداث الأشياء من العدم بل يقولون بما هو أبلغ ~~من ذلك كما يذكر مثل ذلك في كتاب المطالب العالية وغير ذلك من كتبه # وأما النصوص الكثيرة الدالة على علو الله على خلقه فلا ينازعون في كثرتها ~~وظهور دلالتها ولا يدعون أنه عارضها نصوص سمعية تدفع موجبها وإنما يدعون ~~أنه عارضها العقل # وإذا كان الأمر كذلك لم يجز أن يدفع موجب النصوص الكثيرة الدالة على أن ~~الله فوق بأدلة سمعية ليست في الظهور والكثرة بمنزلتها PageV06P325 ~~بل إذا قدر تعارض الأدلة السمعية كان الترجيح مع الأكثر الأقوى دلالة بلا ~~ريب فعلم أنه لا يجوز دفع موجب نصوص العلو بالمقدمة التي أثبتها بالسمع # والمقدمة السمعية إما نص أو إجماع ولا نص في المسألة وأما الإجماع فهو ~~يقول إنه لا يمكن العلم بإجماع من بعد الصحابة ومعلوم أنه ليس عن الصحابة ~~بل ولا التابعين ولا الأئمة المشهورين ما يقرر مطلوبه بل النقول المتواترة ~~عنهم توافق إثبات العلو لا نفيه # وأيضا فالإجماع عنده دليل ظني # ومعلوم أن النصوص الدالة على العلو أكثر وأقوى دلالة من النصوص الدالة ~~على كون الإجماع حجة فكيف يجوز أن تدفع النصوص الكثيرة البينة الدلالة ~~بنصوص دونها في الظهور والكثرة # وبالجملة من بنى كونه تعالى ليس على العرش على مقدمة سمعية فقوله في غاية ~~الضعف كيفما احتج سواء ادعاها نصية أو إجماعية مع أن قوله أيضا في غاية ms1249 ~~الفساد في العقل عند من خبر حقائق الأدلة العقلية فقوله فاسد في صحيح ~~المنقول وصريح المعقول والله يقول الحق وهو يهدي السبيل # قال الرازي الوجه السادس العالم كرة فإن الكسوف القمري يرى في البلاد ~~الشرقية في أول الليل وفي البلاد الغربية في PageV06P326 ~~آخره فلو كان الله في جهة فوق لكان أسفل بالنسبة إلى سكان الوجه الآخر وأنه باطل # والاعتراض على هذا من وجوه # أحدها أن يقال القائلون بأن العالم كرة يقولون إن المحيط هو الأعلى وإن ~~المركز الذي هو جوف الأرض هو الأسفل ويقولون إن السماء عالية على الأرض من ~~جميع الجهات والأرض تحتها من جميع الجهات ويقولون قسمان حقيقية وإضافية ~~فالحقيقية جهتان وهما العلو والسفل فالأفلاك وما فوقها هو العالى مطلقا وما ~~في جوفها هو السافل مطلقا # وأما الإضافية فهي بالنسبة إلى الحيوان فما حاذى رأسه كان فوقه وما حاذى ~~رجليه كان تحته وما حاذى جهته اليمنى كان عن يمينه وما حاذى اليسرى كان عن ~~يساره وما كان قدامه كان أمامه وما كان خلفه كان وراءه # وقالوا هذه الجهات تتبدل فإن ما كان علوا له قد يصير سفلا له كالسقف مثلا ~~يكون تارة فوقه وتاره تحته وعلى هذا التقدير فإذا علق رجل جعلت رجلاء إلى ~~السماء ورأسه إلى الأرض أو مشت نملة تحت سقف رجلاها إلى السقف وظهرها إلى ~~الأرض كان هذا PageV06P327 ~~الحيوان باعتبار الجهة الحقيقية السماء فوقه والأرض تحته لم يتغير الحكم ~~وأما باعتبار الإضافة إلى رأسه ورجليه فيقال إن السماء والأرض فوقه # وإذا كان كذلك فالملائكة الذين في الأفلاك من جميع الجوانب هم باعتبار ~~الحقيقة كلهم فوق الأرض وليس بعضهم تحت بعض ولا هم تحت شيء من الأرض أي ~~الذين في ناحية الشمال ليسوا تحت الذين في ناحية الجنوب وكذلك من كان في ~~ناحية برج السرطان ليس تحت من كان في ناحية برج العقرب وإن كان بعض جوانب ~~السماء تلى رؤوسنا تارة وأرجلنا أخرى وإن كان فلك الشمس فوق القمر وكذلك ~~السحاب وطير الهواء هو من جميع ms1250 الجوانب فوق الأرض وتحت السماء ليس شيء منه ~~تحت الأرض ولا من في هذا الجانب تحت من في هذا الجانب وكذلك ما على ظهر ~~الأرض من الجبال والنبات والحيوان والأناسي وغيرهم هم من جميع جوانب الأرض ~~فوقها وهم تحت السماء وليس أهل هذه الناحية تحت أهل هذه الناحية ولا أحد ~~منهم تحت الأرض ولا فوق السماء ألبتة فكيف تكون السماء تحت الأرض أو يكون ~~من هو فوق السماء تحت الأرض ولو كان شيء منهم تحت الأرض للزم أن يكون كل ~~منهم تحت الأرض وفوقها ولزم أن تكون كل من الملائكة وطير الهواء وحيتان ~~الماء ودواب الأرض فوق الأرض وتحت الأرض ويلزم أن يكون كل شيء فوق ما ~~يقابله وتحته ولزم أن يكون كل من جانبي PageV06P328 ~~السماء فوق الآخر وتحت الأرض وأن يكون العرش إذا كان محيطا بالعالم تحت ~~السماء وتحت الأرض مع أنه فوق السماء وفوق الأرض ولزم أن تكون الجنة تحت ~~الأرض وتحت جهنم مع أنها فوق السموات وفوق الأرض وفوق جهنم ولزم أن يكون ~~أهل عليين تحت أهل سجين مع أنهم فوقهم # فإذا كانت هذه اللوازم وأمثالها باطلة باتفاق أهل العقل والإيمان علم أنه ~~لا يلزم من كون الخالق فوق السموات أن يكون تحت شيء من المخلوقات وكان من ~~احتج بمثل هذه الحجة إنما احتج بالخيال الباطل الذي لا حقيقة له مع دعواه ~~أنه من البراهين العقلية فإن كان يتصور حقيقة الأمر فهو معاند جاحد محتج ~~بما يعلم أنه باطل وإن كان لم يتصور حقيقة الأمر فهو من أجهل الناس بهذه ~~الأمور العقلية التي هي موافقه لما أخبرت به الرسل وهو يزعم أنها تناقض ~~الأدلة السمعية فهو كما قيل % فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة % وإن كنت تدري ~~فالمصيبة أعظم % # الوجه الثاني أن يقال هب أنا لا نأخذ بما يقوله هؤلاء أليس من المعلوم ~~عند جميع الناس أن السموات فوق الأرض والهواء فوق الأرض والسحاب والطير فوق ~~الأرض والحيتان والدواب والشجر فوق الأرض الأرض والملائكة الذين في السموات ms1251 ~~فوق الأرض وأهل عليين فوق أهل سجين والعرش أعلى المخلوقات PageV06P329 # كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سألتم الله ~~الجنة فسلوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفه عرش الرحمن # وهذه الأمور بعضها متفق عليه عند جميع العقلاء وما لم يعرفه جميع العقلاء ~~فهو معلوم عند من يقول به ولم يقل أحد من العقلاء إن هذه الأمور تحت الأرض ~~وسكانها وعلم العقلاء بذلك أظهر من علمهم بكرية الأفلاك لو قدر أن ذلك ~~معارض لهذا فكيف إذا لم يعارضه # وإذا كانت المخلوقات التي في الأفلاك والهواء والأرض لا يلزم من علوها ~~على ما تحتها أن تكون تحت ما في الجانب الآخر من العالم فالعلى الأعلى ~~سبحانه أولى أن لا يلزم من علوه على العالم أن يكون تحت شيء منه # الوجه الثالث أن يقال هذه الحجة إما أن تكون سمعية وإما أن تكون عقلية ~~ومن المعلوم أنها ليست سمعية ولو كانت سمعية لكانت السمعيات التي تدل على ~~علو الله تعالى أنص وأكثر وأظهر على مالا يخفى على مسلم وإن كانت عقلية فلا ~~بد من بيان مقدماتها بالعقل وهو لم يذكر إلا قوله فإن كان الله في جهة فوق ~~لكان أسفل بالنسبة إلى PageV06P330 ~~سكان الوجه الآخر من الأرض وأنه باطل فذكر مقدمتين لم يدل عليهما لزوم كونه ~~أسفل بالنسبه إلى بعض المخلوقات وبطلان هذا اللازم والمنازع ينازع في كل من ~~المقدمتين فلا يسلم لزوم السفول وإن سلم لزومه فلا بد من دليل عقلي ينفي به ~~ذلك وهو لم يذكر على ذلك دليلا # ولا يجوز أن يقال هذا يوجب النقص وهو منزه عنه لوجهين # أحدهما أن المثبت لا يسلم أن هذا نقص ألا ترى أن الأفلاك موصوفة بالعلو ~~على الأرض مع لزوم ما ذكر من السفول تحت سكان الوجه الآخر وليس ذلك نقصا ~~فيها وكذلك كل ما يوصف بالعلو على ما تحته مثل الهواء والسحاب والطير ~~والحيوان والنبات والجبال والمعدن ومثل الملائكة والجنة والعرش وغير ذلك ~~فإذا كانت المخلوقات ms1252 العالية أشرف في النفوس من المخلوقات السافلة ولم يكن ~~ما ذكره من هذا السفول الإضافي مانعا من هذا الشرف والرتبة ولا يوجب ذلك ~~نقصا علم أن هذا ليس بنقص # فإن قيل الناحية الأخرى ليس فيها حيوان ونبات ومعادن وجبال وإنما فيها ~~ماء وكذلك السحاب والمطر قد يمنع كونه فيها # قيل هذا لا يضرنا فإنا نعلم أن الكواكب والشمس والقمر فوق الأرض مطلقا ~~وعلوها على الأرض ليس بنقص فيها وإن قدر ما تخيلوه في السفول وكذلك إذا قدر ~~هناك مثل ما في هذا الوجه ولو PageV06P331 ~~كان ما هناك سافلا للزم أن تكون الشمس والقمر والسموات إذا ظهرت علينا تحت ~~ذلك الجانب من الأرض وتحت ما هناك ولزم انه لا تزال الأفلاك تحت الكواكب ~~والشمس والقمر تحت الأرض وهذا في غاية الفساد # ومن العجب أن هؤلاء النفاة يعتمدون في إبطال كتاب الله وسنة أنبيائه ~~ورسله وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وما فطر الله عليه عباده وجعلهم ~~مضطرين إليه عند قصده ودعائه ونصب عليه البراهين العقلية الضرورية على مثل ~~هذه الحجة التي لا يعتمدون فيها إلا على مجرد خيال ووهم باطل مع دعواهم ~~أنهم هم الذين يقولون بموجب العقل ويدفعون موجب الوهم والخيال # وكل من له معرفة يعلم أن قول القائل إن الشمس والقمر والكواكب الدائرة في ~~الفلك هي بالليل تحت الأرض وهو من حكم الوهم الفاسد والخيال الباطل ليس له ~~حقيقه في الخارج فيريدون بهذا الوهم والخيال الفاسد أن يبطلوا صريح المعقول ~~وصحيح المنقول في أعظم الأصول ويحولوا بين القلوب وقصد خالقها وعبادته بمثل ~~هذا الوهم والخيال الفاسد الملتبس على من لا يفهم حقيقة قولهم # الوجه الثاني أن يقال أنتم تقولون لم يقم دليل عقلى على نفي النقص عن ~~الله تعالى كما ذكر ذلك الرازي متلقيا له عن أبي المعالى وأمثاله وإنما ~~ينفون النقص بالأدلة السمعية وعمدتهم فيه على PageV06P332 ~~الإجماع وهو ظني عنده والنصوص الدالة عليه دون النصوص الدالة على العلو في ~~الكثرة والقوة # وإذا كان كذلك وكان علو الله تعالى ms1253 على خلقه ثابتا بالسمع كان السمع ~~مثبتا لما نفيتموه لا نافيا له ولم يكن في السمع ما ينفي هذا المعنى وإن ~~سميتموه نقصا فإنه إذا كان عمدتهم الإجماع فلا إجماع في موارد النزاع ولا ~~يجوز الاحتجاج بإجماع في معارضة النصوص الخبرية بلا ريب فإن ذلك يستلزم ~~انعقاد الإجماع على مخالفة النصوص وذلك ممتنع في الخبريات وإنما يدعيه من ~~يدعيه في الشرعيات ويقولون نحن نستدل بالإجماع على أن النص منسوخ # الوجه الرابع أن يقال إذا قدرنا موجودين أحدهما عظيم كبير أعظم من ~~السموات والأرض بحيث يمكنه ان يحيط بذلك كله ويحتوي عليه وآخر ولا يشار ~~إليه وليس هو داخل العالم ولا خارجه كان من المعلوم بالضرورة أن الأول أكمل وأعظم # فإذا قال القائل هذه العظمة تقتضي إذا كان محيطا بالعالم أن يكون تحت شيء ~~منه كان من المعلوم أن وصف ذاك له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار ~~إليه ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء ولا يحيط بشيء ولا يوصف بأنه عظيم ~~كبير في نفسه ولا أنه PageV06P333 ~~ليس بعظيم كبير في نفسه أعظم نقصا من وصفه بإحاطة ما يستلزم إحاطته بجميع ~~الموجودات # الوجه الخامس أن يقال هب أن العالم كرى فلم قلت إنه إذا كان فوق العالم ~~يلزم أن يكون تحت بعضه فإن هذا إنما يلزم إذا قدر أنه محيط بالعالم كله من ~~جميع الجهات فأما إذا قدر أنه فوق العالم من هذه الجهة التي عليها الحيوان ~~والنبات والمعدن لم يلزم أن يكون تحت العالم من تلك الجهة فلو فرضنا ~~مخلوقين أحدهما مدور والآخر فوق المدور ليس محيطا به كما يجعل الإنسان تحت ~~قدمه حمصة أو بندقة لم يلزم أن يكون الذي فوق المدور تحت المدور يوجه من الوجوه # وإذا قيل المحيط بالمدور كالفلك التاسع المحيط بالأرض هو العالي من كل جانب # قيل هو العالي بالنسبة إلى ما في جوف المدور وأما بالنسبة إلى ما فوق ~~المدور فلا بل المحيط وما في جوفه تحت ذلك الفوقاني مطلقا ms1254 كما أن الحمصة ~~والبندقة تحت الرجل الموضوعة عليها # ومما يوضح ذلك أن مركز الفلك هو السفل المطلق للفلك والفلك من كل جانب ~~عال عليه فإذا قدر فوق الفلك من الجانب الذي يلي الجانب الذي عليه الأنام ~~ما هو أعلى من الفلك من هذا الجانب وليس محيطا به ولا مركز العال مركزا له ~~امتنع أن يكون هذا تحت شيء من العالم بل هو قطعا فوق الأفلاك من هذا الجانب ~~وليس تحتها من ذلك الجانب فيلزم أن يكون هو فوقها لا تحتها PageV06P334 # وإذا قال القائل هذا كما لا يوصف بالسفول فهو لا يوصف أيضا بالعلو فإن ~~العالي المطلق هو المحيط إذا ليس إلا المحيط والمركز وهذا إذا لم يكن محيطا ~~لم يكن عاليا # قيل عن هذا جوابان أحدهما أنه على هذا التقدير إذا كان محيطا لم يكن ~~سافلا ألبتة بل يكون عاليا وعلى هذا فإن كان هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء ~~وهو الباطن الذي ليس دونه شيء ولو أدلى المدلى بجبل لهبط عليه كان محيطا ~~بالعالم عاليا عليه مطلقا ولم يلزم من ذلك أن يكون فلكا ولا مشابها للفلك ~~فإن الواحد من المخلوقات تحيط قبضته بما في يده من جميع جوانبها وليس شكلها ~~شكل يده بل ولا شكل يده شكلها # وذكر أن بعض الشيوخ سئل عن كون الرب عاليا محيطا بالعالم ممسكا له فقال ~~بعض مخلوقاته كالباشق مثلا يقبض بيده حمصة فيكون فوقها محيطا بها ممسكا لها ~~فإذا كان هذا لا يمتنع في بعض مخلوقاته فكيف يكون ممتنعا في حقه # الثاني أنه إذا قدر أنه عال وليس بمحيط لم يلزم أن يكون له مركز ولا أن ~~يكون مركز العالم مركزا له وأن يكون المركز هو السفل بالنسبة إليه وأن يكون ~~العالي هو المحيط بالنسبة إليه بل ذلك بل ذلك إنما يلزم في المحيط كالنقطة ~~من الدائرة فإذا قدر ما ليس بدائرة ولا هو كرة لم يكن له مركز كنقطة ~~الدائرة ولهذا لو PageV06P335 ~~قدر أن السموات ليست محيطة بالأرض لم يكن لها ms1255 مركز مع تقدير الكرة ~~المستديرة فلا بد لها من نقطة في وسطها هو المركز وأما ما ليس بمستدير ولا ~~هو كرة فليس مركز الكرة وهو النقطة التي وسطها مركزا له سواء جعل فوق ~~المستدير أو تحته فلا يمتنع أن يكون شيء فوق المستدير وتحته إذا لم يكن ~~مستديرا ولا يكون مع هذا مشاركا للمستدير في أن النقطة لتي هي المحيطة ~~مركزا له بل المركز نسبته إلى جميع جهات المحيط واحدة وليست نسبته إلى ما ~~فوق المحيط أو تحته إذا قدر أن فوقه شيء أو تحته شيء ليس بمستدير نسبة ~~واحدة بل يكون المركز مع المحيط تحت هذا الشيء المعين الذي ليس بمستدير كما ~~قد يمكن أن يكون قوق شيء آخر فالمركز بالنسبة إلى المحيط تحته والمحيط فوقه ~~وأما ما يقدر فوق المحيط فهو عال على الجميع قطعا ويمتنع أن يقال إنه ليس ~~فوق المحيط فإنه معلوم بصريح العقل أن الهواء فوق الأرض والسماء فوق الأرض ~~وهذا معلوم قبل أن يعلم كون السماء محيطة بالأرض بل الإحاطة قد يظن أنها ~~مناقضة للعلو لا يقول أحد إن العلم بالعلو موقوف على العلم بها ولا إن ~~العلو مشروط بها فإن الطير فوق الأرض وليس محيطا به والسحاب فوق الأرض وليس ~~محيطا بها وكل جزء من أجزاء الفلك هو فوق الأرض وليس محيطا بها فتبين أن ~~العلو معنى معقول مع أنه لا يشترط فيه الإحاطة وإن كانت الإحاطة لا تناقضه PageV06P336 # وهؤلاء النفاة حائرون تارة ويجعلون الإحاطة مناقضة للعلو وتارة يجعلونها ~~شرطا في العلو لازمة له ونحن قد بينا خطأهم في هذا وهذا فلا هي مناقضة له ~~ولا هي منافية له # ولهذا كان الناس يعلمون أن السماء فوق الأرض والسحاب فوق الأرض قبل أن ~~يخطر بقلوبهم أنها محيطة بالأرض # وكذلك يعلمون أن الله فوق العالم وإن لم يعلموا أنه محيط به وإذا علموا ~~أنه محيط لم يمنع ذلك علمهم بأنه فوقه # فتبين أنه ليس من شرط العلم بكون الشيء عاليا أن يعلم أنه محيط ولو ms1256 كانت ~~الإحاطة شرطا في العلم امتنع العلم بالمشروط دون شرطه ولكن لما كان في نفس ~~الأمر الأفلاك عالية محيطة كانت الإحاطة والعلو متلازمين في هذا محال فإن ~~قدر أن كل عال فهو محيط كان العلو والإحاطة متلازمين وإن قدر وجود موجود ~~عال ليس بمحيط لم تكن الإحاطة لازمة للعلو # فقد تبين أنه بتقدير أن يكون الرب عاليا ليس بمحيط فهو عال وبتقدير أن ~~يكون عاليا محيط فهو عال فثبت علوه على التقديرين وهو المطلوب وإذا كان هذا ~~معقولا في مخلوقين ففي الخالق بطريق الأولى # وقد قررت هذا على وجه آخر بأن يقال فإن قيل المحيط لا يتميز منه جانب دون ~~جانب بكونه فوقا وسفلا فلا يمكن إذا قدر شيء PageV06P337 ~~خارجا عنه أن يقال هو فوقه إلا كما يقال هو سفله وحينئذ ففرض شيء خارجا عن ~~المدور المحيط مع كونه فوقه جمع بين الضدين # قيل الجواب عن هذا من وجوه # أحدها أن هذا الكلام إن كان صحيحا لزم بطلان حجتكم وإن لم يكن صحيحا لازم ~~بطلانها فثبت بطلانها على تقدير النقيضين فيلزم بطلانها في نفس الأمر لأن ~~الحق في نفس الأمر لا يخلو عن النقيضين # بيان ذلك أن المحيط إما أن يصح أن يقال إن بعضه عال وبعضه سافل وإما أن ~~لا يصح فإن لم يصح بطل أن يكون الخارج عنه تحت شيء من العالم بل إذا قدر ~~أنه يحيط به ولو بقبضته له لزم أن يكون عاليا عليه مطلقا ولم يكن سافلا تحت ~~شيء من العالم وإن صح أن يكون بعضه عاليا وبعضه سافلا أمكن أن يكون مباينا ~~للعالم من الجهة العالية فيكون عاليا عليه # وإن قيل بل المحيط إذا حاذى رؤوسنا كان عاليا وإذا حاذى أرجلنا كان سافلا ~~فلا يزال بعضه عاليا وبعضه سافلا # قيل فعلى هذا التقدير يكون العالي ما كان فوق رؤوسنا وحينئذ فإذا كان ~~مباينا للعالم من جهة رؤوسنا دون أرجلنا لم يزل عاليا علينا دائما وهو ~~المطلوب # الوجه الثاني أن يقال هب أنه محيط بالعالم ms1257 وفوقه من PageV06P338 ~~جميع الجهات فإنما يلزم ما ذكرت أن لو كان من جنس فلك من الأفلاك فإن ~~المتخيل قد يتوهم أن ما استدار وأحاط بالأفلاك كان تحت بعض العالم من بعض الجهات # ومن المعلوم أن الله تعالى ليس مثل فلك من الأفلاك ولا يلزم إذا كان فوق ~~العالم ومحيطا به أن يكون مثل فلك فإنه العظيم الذي لا أعظم منه # وقد قال الله تعالى { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه } سورة الزمر 67 # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه ما يوافق ذلك ~~مثل حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقبض الله الأرض ~~ويطوي السموات بيمينه ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض وفي رواية ~~إنها تكون بيده مثل الكرة في يد الصبيان وروى ما هو أقل من ذلك # والمقصود أنه إذا كان الله أعظم وأكبر وأجل من أن يقدر العباد قدره أو ~~تدركه أبصارهم أو يحيطون به علما وأمكن أن تكون السموات والأرض في قبضته لم ~~يجب والحال هذه أن يكون تحت العالم أو تحت شيء منه فإن الواحد من الآدميين ~~إذا قبض قبضة أو بندقة أو حمصة أو حبة خردل وأحاط بها بغير ذلك لم يجز أن ~~يقال إن أحد جانبيها فوقه لكون يده لما أحاطت بها كان منها PageV06P339 ~~الجانب الأسفل يلي يده من جهة سفلها ولو قدر من جعلها فوق بعضه بهذا ~~الاعتبار لم يكن هذا صفة نقص بل صغة كمال # وكذلك أمثال ذلك من إحاطة المخلوق ببعض المخلوقات كاحاطة الإنسان بما في ~~جوفه وإحاطة البيت بما فيه وإحاطة السماء بما فيها من الشمس والقمر ~~والكواكب فإذا كانت هذه المحيطات لا يجوز أن يقال إنها تحت المحاط وأن ذلك ~~نقص مع كون المحيط يحيط به غيره فالعلى الأعلى المحيط بكل شيء الذي تكون ~~الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه كيف يجب أن يكون تحت ~~شيء ms1258 مما هو عال عليه أو محيط به ويكون ذلك نقصا ممتنعا # وقد ذكر أن بعض المشايخ سئل عن تقريب ذلك إلى العقل فقال للسائل إذا كان ~~باشق كبير وقد أمسك برجله حمصة أليس يكون ممسكا لها في حال طيرانه وهو ~~فوقها ومحيط بها فإذا كان مثل هذا ممكنا في المخلوق فكيف يتعذر في الخالق # قال الرازي واحتج الخصم بالعلم الضروري بأن كل موجودين فإن أحدهما سار في ~~الآخر أو مباين عنه في الجهة PageV06P340 # قال والجواب أن دعوى الضرورة قد سبق بطلانها وبقي القسم الثالث فهذه ~~المقدمة توجب الدور لتوقف ثبوتها على نفيها # والاعتراض على هذا أن دعوى الضرورة لا يمكن إبطالها إلا بتكذيب المدعي أو ~~بيان حطئه والمدعون لذلك أمم كثيرة منتشرة يعلم أنهم لم يتواطأوا على الكذب ~~فالقدح في ذلك كالقدح في سائر الأخبار المتواترة فلا يجوز أن يقال إنهم ~~كذبوا فيما أخبروا به عن أنفسهم من العلم الضروري # وأيضا فالمنازع يسلم أن مثل هذا مستقر في فطر جميع الناس وبدائههم وأنهم ~~مضطرون إليه لا يمكنهم دفعه عن أنفسهم إلا كما يمكن دفع أمثاله مما هم ~~مضطرون إليه وإنما يقولون إن هذه الضرورة خطأ وهي من حكم الوهم # وقد تقدم بيان فساد ذلك وأن هذه القضية كلية عقلية لا خبرية معينة ولو ~~كانت خبرية معينة فالجزم بها كالجزم بسائر الحسيات الباطنة والظاهرة فهي لا ~~تخرج عن العقليات الكلية والحسيات المعينة وكما يمتنع اتفاق الطوائف ~~الكثيرة التي لم تتواطأ على دعوى الكذب في مثل PageV06P341 ~~ذلك يمتنع اتفاقهم على الخطأ في مثل ذلك ولو جاز الخطأ في مثل ذلك لم يكن ~~الجزم بما يخبر به الناس عما عرفوه بالحس أو الضرورة لإمكان غلطهم في ذلك ~~فإن غلط الحس الظاهر أو الباطن أو العقل يقع لآحاد الناس ولطائفة حصل بينها ~~مواطأة وتلقى بعضها عن بعض كالمذاهب الموروثة وكقول التابعين لكون هذا ~~معلوما بالضرورة فإنهم أهل مذهب تلقاه بعضهم عن بعض # وأما الجازمون بالضرورة في أن الله فوق العالم أو أنه لا يعقل ms1259 موجود قائم ~~بنفسه لا يشار إليه ولا يعقل موجودان ليس أحدهما محايثا للآخر ولا مباينا ~~له وأن مثل هذا ممتنع بالضرورة التي يجدونها في أنفسهم كسائر علومهم ~~الضرورية فهؤلاء أمم كثيرة لم يتواطأوا ولم يتفقوا على مذهب معين # وأما قوله وبقي القسم الثالث فهذه المقدمة توجب الدور لتوقف ثبوتها على نفيها # فليس الأمر كذلك لأن هذه المقدمة الضرورية لا يتوقف ثبوتها على نفي ما ~~يعارضها كسائر المعارف الضرورية بل نعلم بالضرورة أن ماعارضها من النظريات ~~فهو باطل على سبيل الجملة وإن لم نذكر حل الشبه على وجه التفصيل كما نعلم ~~فساد سائر النظريات السوفسطائية المعارضة للعلوم الضرورية # وإذا قال القائل لا تثبت هذه المقدمة حتى ينفى المعارض المبطل لها ونفي ~~ذلك لا يكون إلا بثبوتها PageV06P342 # كان قوله ممنوعا غير مقبول باتفاق العقلاء على نظائر ذلك فإن كل مقدمة ~~ضرورية لا يتوقف ثبوتها على نفي ما يقدح فيها والاستدلال بها لا يتوقف على ~~ذلك بل هم يقولون إن القضايا اليقينية سواء كانت ضرورية أو نظرية لا يتوقف ~~العلم بموجبها على نفي المعارض ولو توقف على ذلك لم يعلم أحد شيئا لأن ما ~~يخطر بالقلوب من الشبهات المعارضة لا نهاية له فكيف يحتاج فى العلوم ~~الضرورية إلى نفي المعارض # ولهذا كان جميع العقلاء السالمي الفطرة يحكمون بموجب هده القضية الضرورية ~~قبل أن يعلموا أن فى الوجود من ينكرها ويخالفها وأكثر الفطر السليمة إذا ~~ذكر لهم قول النفاة بادروا إلى تجهيلهم وتكفيرهم ومنهم من لا يصدق أن عاقلا ~~يقول ذلك لظهور هذه القضية عندهم واستقرارها في أنفسهم فينسبون من خالفها ~~إلى الجنون حتى يروا ذلك في كتبهم أو يسمعوه من أحدهم # ولهذا تجد المنكر لهذه القضية يقر بها عند الضرورة ولا يلتفت إلى ما ~~اعتقده من المعارض لها فالنفاة لعلو الله إذا حزب أحدهم شدة وجه قلبه إلى ~~العلو يدعو الله # ولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا من هو من مشايخهم وهو يطلب مني حاجة ~~وأنا أخاطبه في هذا المذهب كأني غير ms1260 منكر له وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره ~~فرفع طرفه ورأسه إلى السماء وقال يا الله فقلت له أنت محقق لمن ترفع طرفك PageV06P343 ~~ورأسك وهل فوق عندك أحد فقال استغفر الله ورجع عن ذلك لما تبين له أن ~~اعتقاده يخالف فطرته ثم بينت له فساد هذا القول فتاب من ذلك ورجع إلى قول ~~المسلمين المستقر في فطرهم # قال الرازي واحتج الخصم أيضا بأن اختصاص الجسم بالحيز والجهه إنما كان ~~لكونه قائما بالنفس يعني وهذا ثابت لكل قائم بنفسه وإذا كان في جهة كان في ~~جهة فوق لأن اختصاص الأشرف بالأشرف هو المناسب ولأن الخلق بطباعهم وقلوبهم ~~السليمة يرفعون أيديهم إليها عند التضرع والدعاء قال والجواب أن اختصاص ~~الجسم بالحيز والجهة قد يكون لذاته المخصوصة فإنه لا يجب أن يكون اختصاص كل ~~شيء بصفة لصفة أخرى # والاعتراض على ذلك أن يقال إن عنيت بذاته المخصوصة هو ما PageV06P344 ~~يمتاز به جسم عن جسم كما يقال اختصاص الفلك بالحيز لكونه فلكا واختصاص ~~الماء بالحيز لكونه ماء واختصاص الهواء بالحيز لكونه هواء فهذا باطل لا ~~يقوله عاقل فإن جميع الأجسام مشتركة في الاختصاص بالحيز والجهة والحكم ~~العام المشترك بينها لا يكون إلا لما امتاز به بعضها عن بعض فإنه لو كان ~~لما امتاز به بعضها عن بعض وجب أن يختص ببعضها كسائر ما كان من ملزومات ~~المخصصات المميزات # وإذا قيل إن المختلفات يجوز أن تشترك في لازم عام كاشتراك أنواع ~~الحيوانات المختلفة في الحيوانية فهذا صحيح لكن لا يجوز أن يكون الحكم ~~العام المشترك فيه لأجل ما يختص به كل حيوان # وإذا قيل إن الحكم الواحد بالنوع يجوز أن يعلل بعلتين مختلفتين كما يعلل ~~حل الدم بالردة والقتل والزنا وكما يعلل الملك بالإرث والبيع والاصطياد ~~وكما يعلل وجوب الغسل بالإنزال والإيلاج والحيض فالوجوب الثابت بهذا السبب ~~ليس هو بعينه الوجوب الثابت بهذا السبب لكنه نظيره مع أنهما يختلفان بحسب ~~اختلاف الأسباب فليس الملك الثابت بالإرث مساويا للملك الثابت بالبيع من كل ~~وجه بل له ms1261 خصائص يمتاز بها عنه وكذلك حل الدم الثابت بالردة ليس مساويا لحل ~~الدم الثابت بالقتل بل بينهما فروق معروفة # وكذلك الغسل المشروع بالحيض مخالف للغسل المشروع بالإيلاج من بعض الوجوه ~~وأما الإنزال والإيلاج فهما نوع واحد # وأما ما جزم العقل بثبوته للقدر المشترك فيجب أن يضاف إلى قدر PageV06P345 ~~مشترك والعقل يحزم بثبوت الحيز والجهة لكل جسم من غير أن يعلم كل جسم بل لا ~~يعقل حقيقة الجسم عنده إلا مع كونه متحيزا ذا جهة فصار هذا من لوازم القدر ~~المشترك فلا يجوز أن يضاف إلى المخصصات # وقوله لا يجب أن يكون اختصاص كل شيء بصفه لصفة أخرى # إنما تكون حجة لو قيل العلة في ثبوت هذه الصفة لصفة أخرى وليس هذا هو ~~المدعى بل المدعى أن هذا من لوازم القدر المشترك سواء قيل إنه معلول له أو ~~لازم غير معلول له وحينئذ فلا يحتاج أن نقول ثبت لصفة أخرى بل يمكن أن يكون ~~لازما لنفس الذات لكن هو لازم لسائر ما يشابهها في الحيز والجهة فلم يكن ~~لزومه لها من جهة ما يمتاز به عن غيرها بل من جهة القدر المشترك بينها وبين ~~غيرها من الأجسام # فعلم أن اتصاف الجسم بكونه متحيزا وذا جهة لازم له لعموم كونه جسما لا ~~لخصوص المعينات بمعنى أن المشترك مستلزم لهذا الحكم # وإن عنيت بذاته المخصوصة القدر المشترك بين الأجسام فلفظ الجسم مجمل إن ~~عنيت به كل ما يشار إليه فتسمية مثل هذا جسما مما ينازعك فيه من ينازعك من ~~أهل الإثبات والكلام في المعاني العقلية لا في المنازعات اللفظية # وصاحب هذا القول قد يمنع أن كل ما يشار إليه مركب من الجواهر PageV06P346 ~~المفردة أو من المادة والصورة وحينئذ فالناس هنا طوائف منهم من يقول لك هو ~~فوق العالم وليس بجسم ومنهم من يقول لك هو فوق العالم وهو جسم بمعنى أنه ~~يشار إليه لا بمعنى أنه مركب ومنهم من يسلم لك أنه يلزم أن يكون مركبا ~~ومنهم من لا يطلق الألفاظ البدعية في ms1262 النفي ولا الإثبات بل يراعي المعاني ~~العقلية والألفاظ الشرعية فيقولون لك القدر المشترك بينهما هو القيام ~~بالنفس فإنها كلها مشتركة في القيام بالنفس وفي التحيز وفي الجهة فهذه أمور ~~متلازمة # ويقول لك كثير منهم أو أكثرهم لا يعقل قائم بنفسه غير متحيز كما لا يعقل ~~قائم بغيره إلا وهو صفة سواء سمى عرضا أو لم يسم فإثبات المثبت قائما بنفسه ~~لا يشار إليه أمر لا يعقل عند عامة العقلاء كإثباته قائما بغيره ليس صفة له # ويوضح ذلك أن الأجسام مختلفة على أصح قولى الناس وإنما اشتركت في مسمى ~~القيام بالنفس والمقدار مع القيام بالنفس فكما أن التحيز والجهة هما من ~~لوازم المقدار العام لا من لوازم ما يختص ببعضها فكذلك هما من لوازم القيام ~~بالنفسى العام لا من لوازم ما يختص ببعضها وإن عنيت بلفظ الجسم ما هو مركب ~~من المادة والصورة أو من الجواهر المفردة كما هو قول طوائف من أهل الكلام ~~والفلسفة فهنا المنازعون لك صنفان منهم من يقول هو جسم مركب من الجواهر ~~المفردة أو من المادة والصورة وهؤلاء وإن كان قولهم باطلا فليس لك حجة تبطل ~~بها قولهم بل هم على إبطال قولك أقدر منك على إبطال قولهم فإن كل قول يكون ~~أبعد عن الحق PageV06P347 ~~تكون حجج صاحبه أضعف من حجج من هو أقل خطأ منه # وقول المعطلة لما كان أبعد عن الحق من قول المجسمة كانت حجج أهل التعطيل ~~أضعف من حجج أهل التجسيم ولما كان مرض التعطيل أعظم كان عناية الكتب ~~الإلهية بالرد على أهل التعطيل أعظم وكانت الكتب الإلهية قد جاءت بإثبات ~~صفات الكمال على وجه التفضيل مع تنزيهه عن أن يكون له فيها مثيل بل يثبتون ~~له الأسماء والصفات وينفون عنه مماثلة المخلوقات ويأتون بإثبات مفصل ونفي ~~مجمل فيثبتون أن الله حي عليم قدير سميع بصير غفور رحيم ودود إلى غير ذلك ~~من الصفات ويثبتون مع ذلك أنه لا ند له ولا مثل له ولا كفو له ولا سمى له # ويقول تعالى ms1263 { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } سورة الشورى 11 ففي ~~قوله { ليس كمثله شيء } رد على أهل التمثيل وفي قوله { وهو السميع البصير } ~~رد على أهل التعطيل # ولهذا قيل الممثل يعبد صنما والمعطل يعبد عدما # والمقصود هنا أن هؤلاء النفاة لا يمكنهم إقامة حجة على غلاة المجسمة الذي ~~يصفونه بالنقائص حتى الذين يقولون ما يحكى عن بعض اليهود أنه بكى على ~~الطوفان حتى رمد وأنه عض يده حتى جرى منه الدم ندما ونحو ذلك من المقالات ~~التي هي من أفسد المقالات وأعظمها كفرا ليس مع هؤلاء النفاة القائلين بأنه ~~بداخل العالم ولا خارجه حجة عقليه يبطلون بها مثل هؤلاء الأقوال الباطلة ~~فكيف بما هو دونها من الباطل فكيف بالأقوال الصحيحة PageV06P348 ~~وذلك أن عمدتهم على أن هذه الصفات تستلزم التجسيم وهو باطل وعمدتهم في نفي ~~التجسيم على امتناع اتصافه بالصفات ويسمونه التركيب أو على حدوث الجسم الذى ~~مبناه على أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وعلى أن ما اختص بشيء فلا بد ~~له من مخصص من غير فرق بين الواجب بذاته القديم الأزلي وبين غيره مع العلم ~~بأنه لا بد للموجود الواجب من حقيقة يختص بها يتميز بها عما سواه وأن ما ~~اختصت به حقيقته يمتنع أن يكون لها مخصص كما يمتنع أن يكون لوجوده الواجب ~~موجب أو لعلمه معلم أو لقدرته مقدور ونحو ذلك # وإذا كان كذلك فهؤلاء يقولون لك الاختصاص بالحيز والجهة إنما كان لكون ~~المختص بها قائما بالنفس فيكون كل قائم بنفسه مختصا بالحيز والجهة ويقولون ~~إن عنيت أن كل مختص بجهة إنما اختص بجنس الحيز والجهة لذاته المخصوصة فقد ~~ظهر بطلان ذلك # وإن قلت إنما اختص بالجهة المخصوصة والحيز المخصوص لذاته المخصوصة لم ~~ينازعك في ذاك بل يقولون الاختصاص بجنس الجهة والحيز كان لجنس القيام ~~بالنفس فجنس الاختصاص لازم لجنس القيام بالنفس فكل قائم بنفسه مختص بحيز ~~وجهة فقد تبين أن كونه متحيزا ذا جهة لازم لعموم كونه جسما لا لخصوص جسم معين # وحينئذ فإذا ms1264 قلت كما أن الاختصاص بالجهة والحيز من لوازم القيام بالنفس ~~فهو مستلزم لكونه جسما # قالوا لك ونحن نقول بذلك PageV06P349 # وكذلك إذا قلت لهم كما لا تعقلون قائما بنفسه إلا مختصا بجهة وحيز فلا ~~تعقلون قائما بنفسه إلا جسما # قالوا لك ونحن نقول بذلك # فإذا شرعت معهم في نفي الجسم كان لهم طريقان أحدهما أن يقولوا هذا قدح في ~~الضروريات بالنظريات فلا نقبله كما تقدم # والثاني أن يبينوا بطلان أدلة النافيه للتجسيم وأنت تعترف ببطلانها # فأنت في غير موضع من كتبك ومن تقدمك كالغزالي وغيره تبينون فساد حجج ~~المتكلمين على أن كل جسم محدث وتقدحون فيها بما لا يمكن إبطاله كما فعلت في ~~المباحث المشرقية والمطالب العالية بل كما فعل من بعدك كالآمدي والآرموي ~~وغيرهما وأنتم في مواضع أخر تقدحون في حجج من احتج على أن الجسم مركب وكل ~~مركب فهو مفتقر بذاته وتقدحون في أدلة الفلاسفة التي احتجوا بها على إمكان ~~كل مركب كما فعل الغزالي في تهافت الفلاسفة وكما فعله الرازي والآمدي ~~وغيرهما # وهذه الحجة وهي الاحتجاج بكون الرب قائما بنفسه على كونه مشار إليه وأنه ~~فوق العالم لما كانت حجة عقلية لا يمكن مدافعتها وكانت مما ناظر به ~~الكرامية لأبي إسحاق الإسفراييني فر أبو إسحاق وغيره إلى إنكار كون الرب ~~قائما بنفسه بالمعنى المعقول PageV06P350 ~~وقال لا أسلم أنه قائم بنفسه إلا بمعنى أنه غني عن المحل فجعل قيامه بنفسه ~~وصفا عدميا لا ثبوتيا وهذا لازم لسائرهم # ومعلوم أن كون الشيء قائما بنفسه أبلغ من كونه قائما بغيره فإذا كان ~~العرض القائم بغيره يمتنع أن يكون عدميا فقيام الجسم بنفسه أبلغ في ~~الامتناع وإذا كان المخلوق قائما بنفسه فمعلوم أن هذه صفة كمال تميز بها ~~الجسم عن العرض فخالق الجميع كيف لا يتصف إلا بهذه الصفة الكمالية # بل لا يكون قائما بنفسه ولا بغيره إلا بمعنى عدمي فيكون المخلوق مختصا ~~بصفة موجودة كمالية والخالق لا يتصف إلا بالأمر العدمي فيكون المخلوق متصفا ~~بصفة كمال وجودية والخالق مختصا بالأمر العدمى ms1265 والعدم لا يكون قط صفة كمال ~~إلا إذا تضمن أمرا وجوديا فما ليس بوجود ولا كمال في الوجود فليس بكمال ~~فإذن لم يكن القيام بالنفس متضمنا لأمر وجودي بل لا معنى له إلا العدم ~~المحض لم يكن صفة كمال وعدم افتقاره إلى الغير أمر عدمي والعدمي إن لم ~~يتضمن صفة ثبوتية لم يكن صفة كمال والعدم المحض لا يفتقر إلى محل وكل صفة ~~لا يشاركه فيها المعدوم لم تكن صفة كمال # وأما الصنف الثاني فهم يوافقونك على أن صانع العالم ليس بمركب من الجواهر ~~المفردة ولا من المادة والصورة فليس هو بجسم # وحينئذ فقولك إن اختصاص الجسم بالحيز والجهة قد يكون PageV06P351 ~~لذاته المخصوصة إن عنيت بذاته المخصوصة هذا التركيب فهذا المعنى ممنوع عنده ~~فضلا عن أن يكون علة لهذا الحكم # وإن عنيت بذاته المخصوصة ما هو مشترك بين الأجسام من كونها مشارا إليها ~~فلا يسلم لك أن في الوجود قائما بنفسه غير مشار إليه # قال الرازي في حجة خصمه وإذا كان في جهة كان في جهة فوق لأن اختصاص ~~الأشرف بالأشرف هو المناسب # قال والجواب قوله جهة فوق أشرف الجهات خطابي لا يثبت به العقليات # قال ولأن العالم كرة فلا فوق إلا وهو تحت بالنسبة ولأنه إن لم يكن ~~لامتداده في جهة العلو نهاية فكل نقطة فوقها نقطة أخرى فلا شيء يفرض فيه ~~إلا وهو سفل وإن كان له نهاية كان فوق طرفه الأعلى خلاء أعلى منه فلم يكن ~~علوا مطلقا ولأن الشرف الحاصل بسبب الجهة للجهة بالذات وللحاصل فيها بالعرض ~~فكان المكان في هذا الباب أشرف منه تعالى الله عن ذلك PageV06P352 # قلت ولقائل أن يقول تقرير العلو بالأدلة العقلية ثبت من طرق # أحدها أن يقال إذا ثبت بالعقل أنه مباين للمخلوقات وثبت أن العالم كرى ~~وأن العلو المطلق فوق الكرة لزم أن يكون في العلو بالضرورة # وهذه مقدمات عقلية ليس فيها خطابي وذلك لأن العالم إذا كان مستديرا فله ~~جهتان حقيقيتان العلو والسفل فقط وإذا كان مباينا للعالم امتنع ms1266 أن يكون في ~~السفل داخلا فيه فوجب أن يكون في العلو مباينا له وقد تقدم أن النافي قال ~~إن العالم كرة واستدل على ذلك بالكسوف القمري إذا كان يتقدم في الناحية ~~الشرقية على الغربية # والقول بأن الفلك مستدير هو قول جماهير علماء المسلمين والنقل بذلك ثابت ~~عن الصحابة والتابعين بل قد ذكر أبو الحسين بن المنادى وأبو محمد بن حزم ~~وابن الجوزي وغيرهم أنه ليس في ذلك خلاف بين الصحابة والتابعين وغيرهم من ~~علماء المسلمين وقد نازع في ذلك طوائف من أهل الكلام والرأي من الجهمية ~~والمعتزلة وغيرهم # وقد قال الله تعالى { وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في ~~فلك يسبحون } سورة الأنبياء 33 وقال { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ~~ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } سورة يس 40 PageV07P003 # قال ابن عباس وغيره في فلكه مثل فلكة المغزل # وفي حديث جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داود ~~والترمذي وغيرهما أن أعرابيا قال يا رسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال ~~وهلك المال فادع الله لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فسبح ~~رسول الله حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال ويحك أتدري ما الله شأن الله ~~أعظم من ذلك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه إن عرشه على سماواته ~~هكذا وقال بأصابعه مثل القبة وإنه ليأط به أطيط الرحل الجديد براكبه وهذا ~~مبسوط في غير هذا الموضع # وإذا كان الخصم قد استدل بذلك كان ذلك حجة عليه فإذا كان العالم كريا وقد ~~ثبت بالضرورة أنه إما مداخل له وإما مباين له وليس بمداخل له وجب أن يكون ~~مباينا له وإذا كان مباينا له وجب أن يكون فوقه إذ لا فوق إلا المحيط وما ~~كان وراءه PageV07P004 # الطريق الثاني أن يقال علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم أمر مستقر ~~في فطر العباد معلوم لهم بالضرورة كما اتفق عليه جميع الأمم إقرارا بذلك ~~وتصديقا ms1267 من غير أن يتواطأوا على ذلك ويتشاعروا وهم يخبرون على أنفسهم أنهم ~~يجدون التصديق بذلك في فطرهم # الطريق الثالث أن يقال هم عندما يضطرون إلى قصد الله وإرادته مثل قصده ~~عند الدعاء والمسألة يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو فكما انهم مضطرون ~~إلى دعائه وسؤاله هم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه لا يجدون ~~في قلوبهم توجها إلى جهة أخرى ولا استواء الجهات كلها عندها وخلو القلوب عن ~~قصد جهة من الجهات بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها ~~من الجهات # وهذا الوجه يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو وتوجههم عند دعائه إلى ~~العلو والأول يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك فهذا ~~فطرة واضطرار إلى العلم والتصديق والإقرار وذاك اضطرار إلى القصد والإرادة ~~والعمل المتضمن للعلم والتصديق والإقرار # الطريق الرابع أن يقال قوله جهة فوق أشرف الجهات خطابي ليس كذلك وذلك ~~لأنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال ~~والآخر صفة نقص فإن الله يوصف بالكمال منهما دون النقص فلما تقابل الموت ~~والحياة وصف PageV07P005 ~~بالحياة دون الموت ولما تقابل العلم والجهل وصف بالعلم دون الجهل ولما ~~تقابل القدرة والعجز وصف بالقدرة دون العجز ولما تقابل الكلام والبكم وصف ~~بالكلام دون البكم ولما تقابل السمع والبصر والصمم والعمى وصف بالسمع ~~والبصر دون الصمم والعمى ولما تقابل الغنى والفقر وصف بالغنى دون الفقر ~~ولما تقابل الوجود والعدم وصف بالوجود دون العدم ولما تقابل المباينة ~~للعالم والمداخلة له وصف بالمباينة دون المداخلة وإذا كان مع المباينة لا ~~يخلو إما أن يكون عاليا على العالم أو مسامتا له وجب أن يوصف بالعلو دون ~~المسامتة فضلا عن السفول # والمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر وعلو المكانة معناه أنه ~~أكمل من العالم وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم فإذا كان مباينا ~~للعالم كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم لا محاذيا له ولا سافلا عنه ~~ولما كان ms1268 العلو صفة كمال كان ذلك من لوازم ذاته فلا يكون مع وجود غيره إلا ~~عاليا عليه لا يكون قط غير عال عليه # كما ثبت في الصحيح الذي في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر ~~فليس بعدك شيء وأنت الظاهر PageV07P006 ~~فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء # ولهذا كان مذهب السلف والأئمة أنه مع نزوله إلى سماء الدنيا لا يزال فوق ~~العرش لا يكون تحت المخلوقات ولا تكون المخلوقات محيطة به قط بل هو العلي ~~الأعلى العلي في دنوه القريب في علوه # ولهذا ذكر غير واحد إجماع السلف على أن الله ليس في جوف السماوات ولكن ~~طائفة من الناس قد يقولون إنه ينزل ويكون العرش فوقه ويقولون إنه في جوف ~~السماء وإنه قد تحيط به المخلوقات وتكون أكبر منه # وهؤلاء ضلال جهال مخالفون لصريح المعقول وصحيح المنقول كما أن النفاة ~~الذين يقولون ليس داخل العالم ولا خارجه جهال ضلال مخالفون لصريح المعقول ~~وصحيح المنقول فالحلولية والمعطلة متقابلان PageV07P007 # الطريق الخامس أن يقال إذا كان مباينا للعالم فإما أن يقدر محيطا به أو ~~لا يقدر محيطا به سواء قدر أنه محيط به دائما أو محيط به بعض الأوقات كما ~~يقبض يوم القيامة الأرض ويطوي السماوات فإن قدر محيطا به كان عاليا عليه ~~علو المحيط على المحاط به # وقد تقدم قولهم ان الفلك كرى فيلزم أن تكون الأفلاك محيطة بالأرض وهي ~~فوقها باتفاق العلماء فما كان محيطا بالجميع أولى بالعلو والارتفاع سبحانه ~~وتعالى وإن لم يكن مماثلا لشيء من المخلوقات ولا مجانسا للأفلاك ولا غيرها # وإن لم يقدر محيطا به فإن كان العالم كريا وليس لبعض جهاته اختصاص بالعلو ~~فإذا كان مباينا له لزم أن يكون عاليا كيفما كان الأمر # وإن قدر أن العالم ليس بكرى أو هو كرى ولكن بعض جهاته لها اختصاص بالعلو ~~مثل أن نقول إن الله وضع الأرض وبسطها للأنام فالجهة ms1269 التي تلي رؤوس الناس ~~هي جهة العلو من العالم دون الأخرى فحينئذ إذا كان مباينا وقدر أنه غير ~~محيط فلا بد من اختصاصه بجهة العلو أو غيرها # ومن المعلوم أن جهة العلو أحق بالاختصاص لأن الجهة العالية أشرف بالذات ~~من السافلة ولهذا اتفق العلماء على أن جهة السماوات أشرف من جهة الأرض وجهة ~~الرأس أشرف من جهة الرجل فوجب اختصاصه بخير النوعين وأفضلهما إذ اختصاصه ~~بالناقص المرجوح ممتنع PageV07P008 # وأما قول النافي ولأن العالم كرة فلا فوق إلا وهو تحت بالنسبة # فيقال له هذا خطأ لما تقدم من أن المحيط باتفاق العقلاء عال على المركز ~~وأن العقلاء متفقون على أن الشمس والقمر والكواكب إذا كانت في السماء فلا ~~تكون إلا فوق الأرض وكذلك السحاب والطير في الهواء # وأيضا فإن هذا التحت أمر خيالي وهمي لا حقيقة له وليس فيه نقص كالمعلق ~~برجليه لا تكون السماء تحته إلا في الوهم الفاسد والخيال الباطل وكذلك ~~النملة الماشية تحت السقف فالشمس والقمر والنجوم السابحة في أفلاكها لا ~~تكون بالليل تحتنا إلا في الوهم والخيال الفاسد # وأيضا فإنه مع كونه كريا لا يمتنع أن نختص إحدى جهتيه بوصف اختصاص ألا ~~ترى أن الأرض مع قولهم إنها كرية فإن هذه الجهة التي عليها الحيوان والنبات ~~والمعدن أشرف من الجهة التي غمرها الماء وإذا كانت هذه الجهة أشرف جهتي ~~الأرض لم يمتنع أن يكون ما يحاذيها أشرف مما يحاذي الجهة الأخرى فما كان ~~فوق الأفلاك من هذه الجهة أشرف مما يكون من تلك الجهة الأخرى # ومما يوضح ذلك أن مقتضى طبيعة الماء والتراب عند من يعتبر ذلك أن يكون ~~الماء قد غمر الأرض كلها من هذه الناحية كما غمرها PageV07P009 ~~من تلك الناحية لأن الماء بالطبع يعلو على التراب ومع هذا فقد اختص هذا ~~الوجه بأن الماء ممنوع عنه # وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من ليلة إلا والبحر ~~يستأذن ربه في أن يغرق بني آدم فيمنعه ربه # وأهل الطبع والحساب قد حاروا ms1270 في سبب جفاف هذا الوجه حتى قالوا هذا سببه ~~عناية الرب مع أن هذا عندهم إذا قالوه ينقض مذاهبهم # وإذا كان هذا فيما شوهد فما المانع أن يكون فوق الأفلاك من هذا الجانب ما ~~هو مختص بأمر يقتضي اختصاص الرب بالعلو عليه من هذا الوجه # وأما قوله إن لم يكن لامتداده في جهة العلو نهاية فكل نقطة فوقها أخرى ~~فلا شيء يفرض فيه إلا وهو سفل وإن كان له نهاية كان فوق طرف العلو خلاء ~~أعلى منه فلم يكن علوا مطلقا # فجوابه من وجوه # أحدها أن يقال العلى الأعلى هو الذي ليس فوقه شيء أصلا # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنت PageV07P010 ~~الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء # وحينئذ فهذا الخلق المذكور إما أن يكون شيئا موجودا وإما أن لا يكون شيئا ~~موجودا فإن كان الأول فهو من العالم والله فوقه إذ هو العلى الأعلى الظاهر ~~الذي ليس فوقه شيء وإن لم يكن شيئا موجودا فهذا لا يوصف بأنه فوق غيره ولا ~~تحته ولا يقال إن تحته شيء ولا فوقه شيء إذ هو عدم محض ونفي صرف فلا يجوز ~~أن يقال إن فوق الله شيء والعدم ليس بشيء لا سيما العدم الممتنع فإنه ليس ~~بشيء باتفاق العقلاء ويمتنع أن يكون فوق الله شيء فهو عدم ممتنع # الثاني أن يقال غاية الكمال في العلو أن لا يكون فوق العالي شيء موجود ~~والله موصوف بذلك وما ذكرته من الخلاء إذا قدر أنه لا بد منه لم يقدح ذلك ~~في علوه الذي يستحقه كما أنه سبحانه موصوف بأنه على كل شيء قدير والممتنع ~~لنفسه الذي ليس بشيء ولا يدخل في العموم لا يكون عدم دخوله نقصا في قدرته ~~الشاملة # وكذلك هو سبحانه بكل شيء عليم فيعلم الأشياء على ما هي عليه فما لم يكن ~~موجودا لا يعلمه موجودا كما قال تعالى { قل أتنبئون الله بما لا يعلم في ~~السماوات ولا في ms1271 الأرض } سورة يونس PageV07P011 ~~( 18 ) ولا يكون نفي هذا العلم نقصا بل هو من تمام كماله لأنه يقتضي أن ~~يعلم الأشياء على ما هي عليه ونظائر هذا كثيرة # الثالث أن يقول له إخوانه الذين يقولون إنه لا نهاية له في ذاته قولك إن ~~ما لا يتناهى فكل نقطة منها فوقها نقطة فكل شيء منه سفل لا يقدح في مطلوبنا ~~فإن مقصودنا أن لا يكون غيره أعلى منه بل هو عال على كل موجود ثم بعد ذلك ~~إذا قدرت أنه ما منه شيء إلا وغيره منه أعلى منه لم يقدح هذا في مقصوده ولا ~~في كماله فإنه لم يعل على شيء منه إلا ما هو منه لا من غيره # وأيضا فإن مثل هذا لا بد منه والواجب إثبات صفات الكمال بحسب الإمكان # وأيضا فإن مثل هذا كمال في العلو ولا يقدح في العالي أن يكون بعضه أعلى ~~من بعض إذا لم يكن غيره عاليا عليه # وأيضا فإن الناس متنازعون في صفاته هل بعضها أفضل من بعض مع أنها كاملة ~~لا نقص فيها بوجه من الوجوه وهل بعض كلامه أفضل من بعض مع كمال الجميع # والسلف والجمهور على أن بعض كلامه أفضل من بعض وبعض صفاته أفضل من بعض مع ~~كونها كلها كاملة لا نقص فيها كما دلت PageV07P012 ~~على ذلك نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ~~بخير منها أو مثلها } سورة البقرة 106 # وكقوله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه إن رحمتي تغلب غضبي وفي لفظ سبقت غضبي # وقوله { قل هو الله أحد } سورة الإخلاص 1 تعدل ثلث القرآن # وقوله في فاتحة الكتاب لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ~~ولا في القرآن مثلها # فنفى أن يكون لها مثل # وقوله عن آية الكرسي إنها أعظم آية في القرآن PageV07P013 # وقوله صلى الله عليه وسلم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك ~~منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك # وقوله يمين ms1272 الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق ~~منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه والقسط بيده الأخرى يخفض ~~ويرفع فأخبر أن الفضل بيده اليمنى والقسط بيده الأخرى مع أن كلا يديه يمين # كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم المقسطون على منابر من نور عن ~~يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا # فإذا كانت صفاته كلها كاملة لا نقص فيها وبعضها أفضل من بعض لم يمتنع أن ~~يكون هو العالي علوا مطلقا وإن كان منه ما هو أعلى من غيره PageV07P014 # وأما قوله إن الشرف الحاصل بسبب الجهة لها بالذات وللحاصل فيها بالعرض # فجوابه من وجوه # أحدها أن هذا إنما يمكن أن يقال إذا كانت الجهة أمرا وجوديا فأما إذا ~~كانت أمرا عدميا والمراد بذلك أنه فوق العالم مباين له ليس معه هناك موجود ~~غيره لم يكن هناك شيء موجود غيره يستحق العلو لا جهة ولا غيرها فضلا عن أن ~~يستحق غيره العلو والشرف والذات # وهؤلاء يتكلمون بلفظ الجهة والحيز والمكان ويعنون بها تارة أمرا معدوما ~~وتارة أمرا موجودا ولهذا كان أهل الإثبات من أهل الحديث والسلفية من جميع ~~الطوائف منهم من يطلق لفظ الجهة ومنهم من لا يطلقه وهما قولان لأصحاب أحمد ~~والشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم من أهل الحديث والرأي # وكذلك لفظ ( المكان ) منهم من يطلقه ومنهم من يمنع منه وأما لفظ المتحيز ~~فمنهم من ينفيه وأكثرهم لا يطلقه ولا ينفيه لأن هذه ألفاظ مجملة تحتمل حقا وباطلا # وإذا كان كذلك فيقال قول القائل إن الله في جهة أو حيز أو مكان إن أراد ~~به شيئا موجودا غير الله فذلك من جملة مخلوقاته ومصنوعاته فإذا قالوا إن ~~الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه امتنع أن يكون محصورا أو محاطا ~~بشيء موجود غيره سواء سمى مكانا أو جهة أو حيزا أو غير ذلك ويمتنع أيضا أن ~~يكون محتاجا إلى PageV07P015 ~~شيء من مخلوقاته لا عرش ms1273 ولا غيره بل هو بقدرته الحامل للعرش ولحملته فإن ~~البائن عن المخلوقات العالي عليها يمتنع أن يكون في جوف شيء منها # وإذا قيل إنه في السماء كان المعنى إنه في العلو وهو مع ذلك فوق كل شيء ~~ليس في جوف السماوات فإن السماء هو العلو وكل ما علا فهو سماء # يقال سما يسمو سموا أي علا يعلو علوا وهذا اللفظ يعم كل ما يعلو لم يخص ~~بعض أنواعه بسبب القرينة # فإذا قيل فليمدد بسبب إلى السماء فقد يراد به السقف وإذا قيل نزل المطر ~~من السماء كان نزوله من السحاب وإذا قيل العرش في السماء فالمراد به ما فوق ~~الأفلاك وإذا قيل الله في السماء فالمراد بالسماء ما فوق المخلوقات كلها أو ~~يراد أنه فوق السماء وعليها فأما أن يكون في جوف السماوات فليس هذا قول أهل ~~الإثبات أهل العلم والسنة ومن قال بذلك فهو جاهل كمن يقول إن الله ينزل ~~ويبقى العرش فوقه أو يقول إنه يحصره شيء من مخلوقاته فهؤلاء ضلال كما أن ~~أهل النفي ضلال # وإن أراد بمسمى الجهة والحيز والمكان أمرا معدوما فالمعدوم ليس شيئا فإذا ~~سمى المسمى ما فوق المخلوقات كلها حيزا وجهة ومكانا كان المعنى أن الله ~~وحده هناك ليس هناك غيره من الموجودات لا PageV07P016 ~~جهة ولا حيز ولا مكان بل هو فوق كل موجود من الأحياز والجهات والأمكنة ~~وغيرها سبحانه وتعالى # الوجه الثاني أن يقال لو عارضكم معارض وقال الجهة وإن كانت موجودة فهي ~~مخلوقة له مصنوعة وهي مفتقرة إليه وهو مستغن عنها فإن العرش مثلا إذا سمي ~~جهة ومكانا وحيزا فالله تعالى هو ربه وخالقه والعرش مفتقر إلى الله افتقار ~~المخلوق إلى خالقه والله غني عنه من كل وجه فليس في كونه فوق العرش وفوق ما ~~يقال له جهة ومكان وحيز وإن كان موجودا إثبات شرف لذلك المخلوق أعظم من شرف ~~الله تعالى # وهذا قد يجيب به من يثبت الخلاء ويجعله مبدعا لله تعالى # الوجه الثالث أنه إذا كان عاليا على ما ms1274 يسمى جهة ومكانا كان هو أعلى منه ~~فأي شرف وعلو كان لذلك الموجود بالذات أو بالعرض فعلو الله أكمل منه # الوجه الرابع أن يقال لا نسلم أن العلو الحاصل بسبب الجهة هو لها بالذات ~~ولغيرها بالعرض إذ الجهة تابعة لغيرها سواء كانت موجودة أو معدومة وعلوها ~~تبع لعلو العالي بها فكيف يكون العلو للتابع بالذات وللمتبوع بالعرض # وقولنا عال بالجهة مثل قولنا عال بالعلو وعالم بالعلم وقادر بالقدرة أو ~~عال علو المكانة أو عال بالقهر فليس في ذلك ما PageV07P017 ~~يوجب أن تكون المكانة والقهر والعلو والعلم أكمل من القاهر العالم العالي ~~ذي المكانة العالية ومهما قدر أنه يسمى جهة فإما أن يكون عدما فلا شرف له ~~أصلا وإما أن يقدر موجودا إما صفة لله وإما مخلوقا لله وعلى التقديرين ~~فالموصوف أكمل من الصفة والخالق أكمل من المخلوق فكيف تكون الصفات ~~والمخلوقات أكمل من الموصوف الخالق سبحانه وتعالى # الوجه الخامس أن الجهة قد نعني بها نسبة وإضافة كاليمين واليسار والأمام ~~والوراء فالعلو إذا سمي جهة بهذا الاعتبار كان العالي بالجهة معناه أن بينه ~~وبين ما هو عال عليه نسبة وإضافة أوجبت أن يكون هذا فوق هذا فهل يقال إن ~~هذه النسبة والإضافة التي بها وصف العالي بأنه عال أكمل من ذاته العالية ~~الموصوفة بهذا العلو والنسبة # الوجه السادس أن يقال هذا الذي قاله إنما يتوجه في المخلوق إذا علا على ~~سقف أو منبر أو عرش أو كرسي أو نحو ذلك فإن ذلك المكان كان عاليا بنفسه ~~وهذا صار عاليا لما صار فوقه بسبب علو ذلك فالعلو لذلك السقف والسرير ~~والمنبر بالذات ولهذا الذي صعد عليه بالعرض # فكلامهم يتوجه في مثل هذا وهذا في حق الله وهم وخيال فاسد وتمثيل لله ~~بخلقه وتشبيه له بهم في صفات النقص التي يتعالى عنها PageV07P018 # وهؤلاء النفاة كثيرا ما يتكلمون بالأوهام والخيالات الفاسدة ويصفون الله ~~بالنقائص ولآفات ويمثلونه بالمخلوقات بل بالناقصات بل بالمعدومات بل ~~بالممتنعات فكل ما يضيفونه إلى أهل الإثبات الذين يصفونه بصفات الكمال ~~وينزهونه ms1275 عن النقائص والعيوب وأن يكون له في شيء من صفاته كفو أو سمي فما ~~يضيفونه إلى هؤلاء من زعمهم أنهم يحكمون بموجب الوهم والخيال الفاسد أو ~~أنهم يصفون الله بالنقائص والعيوب أو أنهم يشبهونه بالمخلوقات هو بهم أخلق ~~وهو بهم أعلق وهم به أحق فإنك لا تجد أحدا سلب الله ما وصف به نفسه من صفات ~~الكمال إلا وقوله يتضمن لوصفه بما يستلزم ذلك من النقائص والعيوب ولمثيله ~~بالمخلوقات وتجده قد توهم وتخيل أوهاما وخيالات فاسدة غير مطابقة بنى عليها ~~قوله من جنس هذا الوهم والخيال وأنهم يتوهمون ويتخيلون أنه إذا كان فوق ~~العرش محتاجا إلى العرش كما أن الملك إذا كان فوق كرسيه كان محتاجا إلى كرسيه # وهذا عين التشبيه الباطل والقياس الفاسد ووصف الله بالعجز والفقر إلى ~~الخلق وتوهم أن استواءه مثل استواء المخلوق أولا يعلمون أن الله يحب أن ~~نثبت له صفات الكمال وننفي عنه مماثلة المخلوقات وأنه { ليس كمثله شيء } ~~سورة الشورى 11 لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله فلا بد من تنزيهه عن ~~النقائص والآفات ومماثلة شيء من المخلوقات وذلك يستلزم إثبات صفات الكمال ~~والتمام التي ليس فيها كفو لذي الجلال والإكرام # وبيان ذلك هنا أن الله مستغن عن كل ما سواه وهو خالق كل PageV07P019 ~~مخلوق ولم يصر عاليا على الخلق بشيء من المخلوقات بل هو سبحانه خلق ~~المخلوقات وهو بنفسه عال عليها لا يفتقر في علوه عليها إلى شيء منها كما ~~يفتقر المخلوق إلى ما يعلو عليه من المخلوقات وهو سبحانه حامل بقدرته للعرش ~~ولحملة العرش # وفي الأثر أن الله لما خلق العرش أمر الملائكة بحمله قالوا ربنا كيف نحمل ~~عرشك وعليه عظمتك فقال قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله # فإنما أطاقوا حمل العرش بقوته تعالى والله إذا جعل في مخلوق قوة أطاق ~~المخلوق حمل ما شاء أن يحمله من عظمته وغيرها فهو بقوته وقدرته الحامل ~~للحامل والمحمول فكيف يكون مفتقرا إلى شيء وأيضا فالمحمول من العباد بشيء ~~عال لو سقط ms1276 ذلك العالي سقط هو والله أغنى وأجل وأعظم من أن يوصف بشيء من ذلك # وأيضا فهو سبحانه خلق ذلك المكان العالي والجهة العالية والحيز العالي ~~إذا قدر شيئا موجودا كما لو جعل ذلك اسما للعرش وجعل العرش هو المكان ~~العالي كما في شعر حسان # % تعالى علوا فوق عرش إلهنا % وكان مكان الله أعلى وأعظما % PageV07P020 # فالمقصود أنه خلق المكان وعلاه وبقوته صار عاليا والشرف الذي حصل لذلك ~~المكان العالي منه ومن فعله وقدرته ومشيئته فإذا كان هو عاليا علا ذلك وهو ~~الخالق له وذلك مفتقر إليه من كل وجه وهو مستغن عنه من كل وجه فكيف يكون قد ~~استفاد العلو منه ويكون ذلك المكان أشرف منه # وإنما صار له الشرف به والله مستحق للعلو والشرف بنفسه لا بسبب سواه فهل ~~هذا وأمثاله إلا من الخيالات والأوهام الباطلة التي تعارض بها فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها والعلوم الضرورية والقصود الضرورية والعلوم البرهانية ~~القياسية والكتب الإلهية والسنن النبوية وإجماع أهل العلم والإيمان من سائر البرية # قال الرازي في حجة خصمه ولأن الخلق بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون ~~أيديهم إليها عند التضرع والدعاء # وأجاب عن ذلك بأن رفع الأيدي إلى السماء معارض لوضع الجبهة على الأرض # والاعتراض على هذا من وجوه # أحدها أن يقال وضع الجبهة على الأرض لم يتضمن قصدهم لأحد في السفل بل ~~السجود بها يعقل أنه تواضع وخضوع للمسجود له لا طلب وقصد ممن هو في السفل ~~بخلاف رفع الأيدي إلى العلو عند الدعاء فإنهم يقصدون به الطلب ممن هو في العلو PageV07P021 # والاستدلال هو بقصدهم القائم بقلوبهم وما يتبعه من حركات أبدانهم والداعي ~~يجد من قلبه معنى يطلب العلو والساجد لا يجد من قلبه معنى يطلب السفل بل ~~الساجد أيضا يقصد في دعائه العلو فقصد العلو عند الدعاء يتناول القائم ~~والقاعد والراكع والساجد # الوجه الثاني أن وضع الجبهة على الأرض يفعله الناس لكل من تواضعوا له من ~~أهل الأرض والسماء ولهذا يسجد المشركون للأصنام والشمس والقمر سجود عباده ~~وقد سجد ليوسف ms1277 أبواه وإخوته من سجود تحية لا عبادة لكون ذلك كان جائزا في ~~شرعهم وأمر الله الملائكة بالسجود لآدم والسجود لا يختص بمن هو في الأرض بل ~~لا يكاد يفعل لمن هو في بطنها بل لمن هو على ظهرها عال عليها وأما توجيه ~~القلوب والأبصار والأيدي عند الدعاء إلى السماء فيفعلونه إذا كان المدعو في ~~العلو فإذا دعوا الله فعلوا ذلك وإن قدر منهم من يدعو الكواكب ويسألها أو ~~يدعو الملائكة فإنه يفعل ذلك # فعلم أن قصدهم بذلك التوجه إلى جهة المدعو المسئول الذي يسألونه ويدعونه ~~حتى لو قدر أن أحدهم يدعو صنما أو غيره مما يكون على الأرض لكان توجه قلبه ~~ووجهه وبدنه إلى جهة معبوده الذي يسأله ويدعوه كما يفعله النصارى في ~~كنائسهم فإنهم يوجهون قلوبهم وأبصارهم وأيديهم إلى الصور المصورة في ~~الحيطان وإن كان قصدهم صاحب الصورة وكذلك من قصد الموتى في قبورهم فإنه يوجه PageV07P022 ~~قصده وعينه إلى من في القبر فإذا قدر أن القبر أسفل منه توجه إلى أسفل ~~وكذلك عابد الصنم إذا كان فوق المكان الذي فيه الصنم فإنه يوجه قلبه وطرفه ~~إلى أسفل لكون معبوده هناك # فعلم بذلك أن الخلق متفقون على أن توجيه القلب والعين واليد عند الدعاء ~~إلى جهة المدعو فلما كانوا يوجهون ذلك إلى جهة السماء عند الله علم إطباقهم ~~على أن الله في جهة السماء # الوجه الثالث أن الواحد منهم إذا اجتهد في الدعاء حال سجوده يجد قلبه ~~يقصد العلو مع أن وجهه يلي الأرض بل كلما ازداد وجهه ذلا وتواضعا ازداد ~~قلبه قصدا للعلو كما قال تعالى { واسجد واقترب } سورة العلق 19 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد # فعلم أنهم يفرقون بين توجه وجوههم في حال السجود إلى الأرض وتوجيه القلوب ~~في حال الدعاء إلى من في السماء والقلوب حال الدعاء لا تقصد إلا العلو وأما ~~الوجوه والأيدي فيتنوع حالها تارة تكون في حال السجود إلى جهة الأرض لكون ~~ذلك غاية الخضوع ms1278 وتارة تكون حال القيام مطرقة لكون ذلك أقرب إلى الخشوع ~~وتارة تتوجه إلى السماء لتوجه القلب PageV07P023 # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن رفع البصر في الصلاة إلى ~~السماء وقال لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع ~~إليهم أبصارهم # وأما رفع البصر حال الدعاء خارج الصلاة ففيه نزاع بين العلماء وإنما نهي ~~عن رفع البصر في الصلاة لأنه ينافي الخشوع المأمور به في الصلاة # قال تعالى { فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعا أبصارهم } سورة ~~القمر ( 76 ) # وقال { يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم ~~} سورة المعارج ( 4443 ) # قال { وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي } سورة ~~الشورى 45 # ورأى عمر رضي الله عنه رجلا يصلي وهو يلتفت فقال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه # فخشوع القلب يستلزم خشوع البصر وذله وذلك ينافي رفعه وفي اعتبار هذا في ~~الدعاء نزاع ولهذا يوجد من يخاطب المعظم عنده لا يرفع PageV07P024 ~~بصره إليه ومعلوم أنه لو كانت الجهات بالنسبة إلى الله سواء لم نؤمر بهذا # الوجه الرابع أن السجود من باب العبادة والخضوع للمسجود له كالركوع ~~والطواف بالبيت وأما السؤال والدعاء ففيه قصد المسئول المدعو وتوجيه القلب ~~نحوه لا سيما عند الضرورة فإن السائل الداعي يقصد بقلبه جهة المدعو المسئول ~~بحسب ضرورته واحتياجه إليه # وإذا كان كذلك كان رفع رأسه وطرفه ويديه إلى جهة متضمن لقصده إياه في تلك ~~الجهة بخلاف الساجد فإنه عابد ذليل خاشع وذلك يقتضي الذل والخضوع ليس فيه ~~ما يقتضي توجيه الوجه واليد نحوه لكن إن كان داعيا وجه قلبه إليه وهذا حجة ~~من فرق بين رفع البصر في حال الصلاة وحال الدعاء # الوجه الخامس أن يقال قصد القلوب للمدعو في العلو أمر فطري عقلي اتفقت ~~عليه الأمم من غير مواطأة وأما السجود فأمر شرعي يفعل طاعة للآمر كما ~~تستقبل الكعبة حال العبادة طاعة للآمر # وحينئذ فالاحتجاج بما في فطر العباد ms1279 من قصد من في العلو وهذا لا معارض له # قال واحتج الخصم أيضا بالآيات الواردة الموهمة للجهة كقوله تعالى { ~~الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 وقوله { يخافون ربهم من فوقهم } سورة ~~النحل 50 وقوله { وهو القاهر فوق عباده } سورة الأنعام 62 PageV07P025 # قال والجواب أن الظواهر النقلية إذا عارضت الدلائل العقلية لم يمكن ~~تصديقهما ولا تكذيبهما لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ولا تصديق النقل ~~وتكذيب العقل لأن العقل أصل النقل فتكذيبه لتصديقه يوجب تكذيبهما فتعين ~~تصديق العقل وتفويض علم النقل إلى الله أو الاشتغال بتأويل الظواهر # وجواب هذا أن يقال القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من ~~الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة بعد تدبر ذلك كالعلم بالأكل والشرب في ~~الجنة والعلم بإرسال الرسل وإنزال الكتب والعلم بأن الله بكل شيء عليم وعلى ~~كل شيء قدير والعلم بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما بل نصوص العلو قد ~~قيل إنها تبلغ مئين من المواضع # والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين متواترة ~~موافقة لذلك فلم يكن بنا حاجة إلى نفي ذلك من لفظ معين قد يقال إنه يحتمل ~~التأويل ولهذا لم يكن بين الصحابة والتابعين نزاع في ذلك كما تنطق بذلك كتب ~~الآثار المستفيضة المتواترة في ذلك وهذا يعلمه من له عناية بهذا الشأن أعظم ~~مما يعلمون أحاديث الرجم والشفاعة PageV07P026 ~~والحوض والميزان وأعظم مما يعلمون النصوص الدالة على خبر الواحد والإجماع ~~والقياس وأكثر مما يعلمون النصوص الدالة على الشفعة وسجود السهو ومنع نكاح ~~المرأة على عمتها وخالتها ومنع ميراث القاتل ونحو ذلك مما تلقاه عامة الأمة ~~بالقبول # ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك لأنه عندهم معلوم ~~بالاضطرار من الدين والأمور المعلومة بالضرورة عند السلف والأئمة وعلماء ~~الدين قد لا تكون معلومة لبعض الناس إما لإعراضه عن سماع ما في ذلك من ~~المنقول فيكون حين انصرافه عن الاستماع والتدبر غير محصل لشرط العلم بل ~~يكون ذلك الامتناع مانعا له من حصول العلم بذلك كما يعرض عن رؤية ms1280 الهلال ~~فلا يراه مع أن رؤيته ممكنة لكل من نظر إليه وكما يحصل لمن لا يصغي إلى ~~استماع كلام غيره وتدبره لا سيما إذا قام عنده اعتقاد أن الرسول لا يقول ~~مثل ذلك فيبقى قلبه غير متدبر ولا متأمل لما به يحصل له هذا العلم الضروري # ولهذا كان كثير من علماء اليهود والنصارى يؤمنون بأن محمدا رسول الله ~~وأنه صادق ويقولون إنه لم يرسل إليهم بل إلى الأميين لأنهم أعرضوا عن سماع ~~الأخبار المتواترة والنصوص المتواترة التي تبين أنه كان يقول إن الله أرسله ~~إلى أهل الكتاب بل أكثرهم لا يقرون بأن الخليل بنى الكعبة هو وإسماعيل ولا ~~أن إبراهيم ذهب إلى تلك الناحية مع أن هذا من أعظم الأمور تواترا لإعراضهم # وكثير من الرافضة تنكر أن يكون أبو بكر وعمر مدفونين عند النبي PageV07P027 ~~صلى الله عليه وسلم وفي الغالية من يقول إن الحسن والحسين لم يكونا ولدين ~~لعلي وإنما ولدهما سلمان الفارسي وكثير من الرافضة لا تعلم أن عليا زوج ~~بنته لعمر ولا أنه كان له ابن كان يسمى عمر # وأما دعوى التقية والإكراه فهذا شعار المذهب عندهم # وبعض المعتزلة أنكر وقعة الجمل وصفين وكثير من الناس لا يعلمون وقعة ~~الحرة ولا فتنة ابن الأشعث وفتنة يزيد بن المهلب ونحوها من الوقائع ~~المتواترة المشهورة # بل كثير من الناس بل من المنسوبين إلى العلم لا يعلمون مغازي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المتواترة المشهورة وترتيبها وما كان فيه قتال أو لم ~~يكن فلا يعلمون أيما قبل بدر أو أحد وأيما قبل الخندق أو خيبر وأيما قبل ~~فتح مكة أو حصار الطائف ولا يعلمون هل كان في تبوك قتال أو لم يكن ولا ~~يعلمون عدد أولاد النبي صلى الله عليه وسلم الذكور والإناث ولا يعلمون كم ~~صام رمضان وكم حج واعتمر ولا كم صلى إلى بيت المقدس بعد هجرته ولا أي سنة ~~فرض رمضان ولا يعلمون هل أمر بصوم يوم عاشوراء في عام واحد أو أكثر ولا ~~يعلمون هل كان ms1281 يداوم على قصرا لصلاة في السفر أم لا ولا يعلمون هل كان يجمع ~~بين الصلاتين وهل كان يفعل ذلك كثيرا أم قليلا # إلى أمثال هذه الأمورا لتي كلها معلومة بالتواتر عند أهل العلم PageV07P028 # بأحواله وغيرهم ليس عنده فيها ظن فضلا عن علم بل ربما أنكر ما تواتر عنه # ومعلوم أن أئمة الجهمية النفاة والمعتزلة وأمثالهم من أبعد الناس عن ~~العلم بمعاني القرآن والأخبار وأقوال السلف وتجد أئمتهم من أبعد الناس عن ~~الاستدلال بالكتاب والسنة وإنما عمدتهم في الشرعيات على ما يظنونه إجماعا ~~مع كثرة خطئهم فيما يظنونه إجماعا وليس بإجماع وعمدتهم في أصول الدين على ~~ما يظنونه عقليات وهي جهليات لا سيما مثل الرازي وأمثاله الذين يمنعون أن ~~يستدل في هذه المسائل بالكتاب والسنة # واعتبر ذلك بما تجده في كتب أئمة النفاة مثل أبي الحسين البصري وأمثاله ~~ومثل أبي حامد والرازي وأمثالهما # فأبو الحسين البصري وأمثاله من المعتزلة يعتمدون في أصول دينهم على ~~أحاديث قد جمعها عبد الوهاب بن أبي حية البغدادي فيها الكذب والضعف وأضعاف ~~أضعافها من الأخبار المتواترة لا يعرفونها البتة حتى يعتقدون أنه ليس في ~~الرؤية إلا حديث جرير بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر فإن استطعتم أن لا تغلبوا على ~~صلاة قبل طلوع PageV07P029 ~~الشمس وقبل غروبها فافعلوا ويقولون هذا لم يروه إلا قيس بن أبي حازم وكان ~~يبغض عليا فيظنون أنه ليس في الرؤية إلا هذا الحديث # وأهل العلم بالحديث يعلمون أحاديث الرؤية متواترة أعظم من تواتر كثير مما ~~يظنونه متواترا وقد احتج أصحاب الصحيح منها أكثر مما خرجوه في الشفعة ~~والطلاق والفرائض وسجود السهو ومناقب عثمان وعلي وتحريم المرأة على عمتها ~~وخالتها والمسح على الخفين والإجماع وخبر الواحد والقياس وغير ذلك من ~~الأبواب الذين يقولون إن أحاديثها متواترة # فأحاديث الرؤية أعظم من حديث كل نوع من هذه الأنواع وفي الصحاح منها أكثر ~~مما فيها من هذه الأنواع # مثل حديث أبي هريرة الطويل ms1282 في تجليه يوم القيامة ومرورهم على الصراط وهو ~~في الصحيح أيضا من حديث أبي سعيد ومن حديث جابر PageV07P030 # وفي الصحيحين حديث أبي موسى في رؤيته في الجنة # وفي الصحيحين في حديث الشفاعة رؤيته لربه # وفي الصحيح حديث صهيب في رؤية أهل الجنة # وأما أحاديث العلو وما يتضمن هذا المعنى فأضعاف أضعاف أحاديث الرؤية # فأبو الحسين وأمثاله من المعتزلة وكذلك الغزالي والرازي وأمثالهما من ~~فروع الجهمية هم من أقل الناس علما بالأحاديث النبوية وأقوال السلف في أصول ~~الدين وفي معاني القرآن وفيما بلغوه من الحديث حتى أن كثيرا منهم لا يظن أن ~~السلف تكلموا في هذه الأبواب PageV07P031 # ومن كان له علم بهذا الباب علم أن كلام السلف في هذه المسائل الأصولية ~~كمسألة العلو وإثبات الصفات الخبرية وغير ذلك أضعاف أضعاف كلامهم في مسائل ~~الجد والإخوة والطلاق والظهار والإيلاء وتيمم الجنب ومس المحدث للمصحف ~~وسجود السهو ومسائل الأيمان والنذور والفرائض وغير ذلك مما تواتر به النقل عنهم # وهذا الأصل قد بسطناه في مواضع مثل كلامنا في تواتر معجزات الرسول وغير ~~ذلك مما يحتاج إلى معرفة هذا الأصل وأنه قد يتواتر عند أهل العلم بالشيء ما ~~لا يتواتر عند غيرهم # وأهل العلم بالحديث أخص الناس بمعرفة ما جاء به الرسول ومعرفة أقوال ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان فإليهم المرجع في هذا الباب لا إلى من هو ~~أجنبي عن معرفته ليس له معرفة بذلك ولولا أنه قلد في الفقه لبعض الأئمة ~~لكان في الشرع مثل آحاد الجهال من العامة # فإن قيل قلت إن أكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي ~~المعرفة بما جاء عن الرسول واقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين وما ~~بلغوه عن الرسول ففي النفاة كثير ممن له معرفة بذلك # قيل هؤلاء أنواع نوع ليس لهم خبرة بالعقليات بل هم يأخذون ما قاله النفاة ~~عن الحكم والدليل ويعتقدونها براهين قطعية وليس لهم قوة على الاستقلال بها ~~بل هم في الحقيقة مقلدون فيها وقد اعتقد أقوال أولئك فجميع ما يسمعونه من ~~القرآن ms1283 والحديث PageV07P032 ~~وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك بل إما أن يظنوه موافقا لهم وإما ~~أن يعرضوا عنه مفوضين لمعناه # وهذه حال مثل أبي حاتم البستي وأبي سعد السمان المعتزلي ومثل أبي ذر ~~الهروي وأبي بكر البيهقي والقاضي عياض وأبي الفرج ابن الجوزي وأبي الحسن ~~علي بن المفضل المقدسي وأمثالهم # والثاني من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها كما غلط غيره ~~فيشارك الجهمية في بعض أصولهم الفاسدة مع أنه لا PageV07P033 ~~يكون له من الخبرة بكلام السلف والأئمة في هذا الباب ما كان لأئمة السنة ~~وإن كان يعرف متون الصحيحين وغيرهما # وهذه حال أبي محمد بن حزم وأبي الوليد الباجي والقاضي أبي بكر بن العربي ~~وأمثالهم # ومن هذا النوع بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي وأمثالهما # ونوع ثالث سمعوا الأحاديث والآثار وعظموا مذهب السلف وشاركوا المتكلمين ~~الجهمية في بعض أصولهم الباقية ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث ~~والآثار ما لأئمة السنة والحديث لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها ~~وضعيفها ولا من جهة الفهم لمعانيها وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة ~~الجهمية ورأوا ما بينهما من التعارض # وهذا حال أبي بكر بن فورك والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأمثالهم PageV07P034 ~~ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل كما فعله ابن فورك وأمثاله ~~في الكلام على مشكل الآثار # وتارة يفوضون معانيها ويقولون تجري على ظواهرها كما فعله القاضي أبو يعلى ~~وأمثاله في ذلك # وتارة يختلف اجتهادهم فيرجحون هذا تارة وهذا تارة كحال ابن عقيل وأمثاله # وهؤلاء قد يدخلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذب موضوع ولا يعرفون أنه ~~موضوع وما له لفظ يدفع الإشكال مثل أن يكون رؤيا منام فيظنونه كان في ~~اليقظة ليلة المعراج # ومن الناس من له خبرة بالعقليات المأخوذة عن الجهمية وغيرهم وقد شاركهم ~~في بعض أصولها ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة ~~كمسألة القرآن والرؤية فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف ~~وأهل السنة والحديث أن القرآن ms1284 كلام الله غير مخلوق وأن الله يرى في الآخرة ~~فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند اهل السنة والحديث وبين موافقة ~~الجهمية في تلك الأصول العقلية التي ظنها صحيحة ولم يكن لهم من الخبرة ~~المفصلة بالقرآن ومعانيه والحديث وأقوال الصحابة ما لأئمة السنة والحديث ~~فذهب مذهبا مركبا من هذا وهذا وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض PageV07P035 # وهذه طريقة الأشعري وأئمة أتباعه كالقاضي أبي بكر وأبي إسحاق الإسفراييني ~~وأمثالهما ولهذا تجد أفضل هؤلاء كالأشعري يذكر مذهب أهل السنة والحديث على ~~وجه الإجمال ويحكيه بحسب ما يظنه لازما ويقول إنه يقول بكل ما قالوه وإذا ~~ذكر مقالات أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم حكاها حكاية خبير بها عالم ~~بتفصيلها # وهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغيرهم ومعرفة فساد أقوالهم ~~وأما في معرفة ما جاء به الرسول وما كان عليه الصحابة والتابعون فمعرفتهم ~~بذلك قاصرة وإلا فمن كان عالما بالآثار وما جاء عن الرسول وعن الصحابة ~~والتابعين من غير حسن ظن بما يناقض ذلك لم يدخل مع هؤلاء إما لأنه علم من ~~حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعا وقد علم أنه ~~من خالف الرسول فهو ضال كأكثر أهل الحديث أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك ~~وتناقضها كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم كمالك وعبد العزيز ~~الماجشون وحماد بن زيد وحماد بن سلنة وسفيان بن عيينة وابن المبارك ووكيع ~~بن الجراح وعبد الله بن إدريس وعبد الرحمن بن مهدي ومعاذ بن معاذ ويزيد بن ~~هارون الواسطي ويحيى بن سعيد القطان وسعيد بن عامر والشافعي وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبد الرحمن القاسم بن PageV07P036 ~~سلام ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري والدارميين أبي ~~محمد عبد الله بن عبد الرحمن وعثمان بن سعيد وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين ~~وأبي داود السجستاني وأبي بكر الأثرم وحرب الكرماني ومن لايحصى عدده إلا ~~الله من أئمة الإسلام وورثة الأنبياء وخلفاء الرسل # فهؤلاء كلهم متفقون على ms1285 نقيض قول النفاة كما تواترت الآثار عنهم وعن ~~غيرهم من أئمة السلف بذلك من غير خلاف بينهم في ذلك # الوجه الثاني أن يقال نصوص ذلك صريحة لا تحتمل التأويل بل التأويلات ~~المذكورة في ذلك من جنس تأويلات القرامطة الباطنية وهي باطلة كما قد بين في ~~موضعه بل معلومة الفساد بالضرورة كما بين بطلان تأويل كل من تأول استوى على ~~غير ما يتضمن علوه على العرش مثل تأويله بالقدرة والمكانة أو غير ذلك # الوجه الثالث أن يقال لا نسلم أنه عارض ذلك دليل عقلي أصلا بل العقليات ~~التي عارضتها هذه السمعيات هي من جنس شبه السوفسطائية التي هي أوهام ~~وخيالات غير مطابقة وكل من قالها لم يخل من أن يكون مقلدا لغيره أو ظانا في ~~نفسه وإلا فمن رجع في مقدماتها إلى الفطر السليمة واعتبر تأليفها لم يجد ~~فيما يعارض السمعيات برهانا مؤلفا من مقدمات يقينية تأليفا صحيحا وجمهور من تجده PageV07P037 ~~يعارض بها أو يعتمد عليها إذا بينت له فسادها وما فيها من الاشتباه ~~والالتباس قال هذه قالها فلان وفلان وكانوا فضلاء فكيف خفي عليهم مثل هذا ~~فينتهون بعد إعراضهم عن كلام المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى وإجماع السلف ~~الذين لا يجتمعون على ضلالة ومخالفة عقول بني آدم التي فطرهم الله عليها ~~إلى تقليد رجال يقولون إن هذه القضايا عقلية برهانية وقد خالفهم في ذلك ~~رجال آخرون من جنسهم مثلهم وأكثر منهم وعامة من تجده من طلبة العلم ~~المنتسبين إلى فلسفة أو كلام أو تصوف أو فقه أو غير ذلك إذا عارض نصوص ~~الكتاب والسنة بما يزعم أنه برهان قطعي ودليل عقلي وقياس مستقيم وذوق صحيح ~~ونحو ذلك إذا حاققته وجدته ينتهي إلى تقليد لمن عظمه إذا كان من الأتباع أو ~~إلى ما افتراه هو أو توهمه إن كان من المتبوعين وللطائفتين نصيب مما ذكره ~~الله في أشباههم # قال تعالى { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا ms1286 إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا وأن الله شديد العذاب إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا ~~العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم ~~كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من ~~النار } سورة البقرة 165167 # وقال تعالى { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول ~~سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ~~وكان الشيطان للإنسان خذولا } PageV07P038 ~~سورة الفرقان 2927 # وقال تعالى { يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ~~ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا } سورة الأحزاب 6866 # وقال تعالى { وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا ~~لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل ~~فيها إن الله قد حكم بين العباد } سورة غافر 47 48 # الوجه الرابع أن يقال لا نسلم أنه بتقدير ما يذكر من التعارض لا يمكن ~~تصديقهما بل يمكن ذلك فإن ما ينفيه صريح العقل من صفات النقص وإثبات ~~المماثلة بين الخالق وصفاته والمخلوق وصفاته لم يثبته السمع الصحيح وما ~~أثبته السمع الصحيح الصريح لم ينفه عقل صريح # وحينئذ فلا يجوز أن يتعارض العقل الصريح والسمع الصحيح وإنما يظن ~~تعارضهما من غلط في مدلولهما أو مدلول أحدهما كمن يعارض الدلالات العقلية ~~الصريحة من السوفسطائية وأمثالهم وكمن يظن تعارض الأدلة السمعية من ~~الملاحدة PageV07P039 # وكثيرا ما يشتبه ذلك وتتعارض الدلالتان عند من يكن السفسطة والإلحاد لشبه ~~قامت به فتكون الآفة من إدراكه لا من المدرك كالأحول الذي يرى الواحد اثنين ~~والممرور الذي يجد الحلو مرا وإلا فالسمع الصحيح هو القول الصادق من ~~المعصوم الذي لا يجوز أن يكون في خبره كذب لا عمدا ولا خطأ والمعقول الصحيح ~~هو ما كان ثابتا أو منتفيا في نفس الأمر لا بحسب إدراك شخص ms1287 معين وما كان ~~ثابتا أو منتفيا في نفس الأمر لا يجوز أن يخبر عنه الصادق بنقيض ذلك بل من ~~شهد الكائنات على ما هي عليه وجدها مطابقة لخبر الصادق # كما قال تعالى { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } سورة فصلت 53 فأخبر أنه سيريهم ~~من الآيات العيانية المشهودة لهم ما يبين لهم أن القرآن حق # وقال تعالى { ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ~~ويهدي إلى صراط العزيز الحميد } سورة سبأ 6 فمن أوتي العلم رأى أن ما أنزل ~~إليه به من ربه هو الحق وأما ما كان عنده ما يظنه علما وهو جهل فذاك يرى ~~الأمر على خلاف ما هو عليه مثل من زاغ فأزاغ الله قلبه وكان في قلبه مرض ~~فزاده الله مرضا وممن يقلب الله أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~ومن الصم والبكم PageV07P040 ~~العمي الذين لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهدى أو لم يكونوا يعقلون بحال # وأمثال هؤلاء قال تعالى فيهم { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ~~من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } سورة الأنعام 39 # وقد ضرب الله مثل هؤلاء وهؤلاء في غير موضع من القرآن كسورة النور وغيرها # الوجه الخامس أن يقال لا نسلم أن تصديق النقل المثبت لعلو الله على خلقه ~~وتكذيب ما يناقض ذلك مما يسمى معقولا يوجب القدح في أصل النقل كما في قوله ~~لأن العقل أصل للنقل فتكذيبه لتصديقه موجب لتكذيبهما # قلنا لا نسلم أن المعقول النافي لعلو الله على خلقه أصل للنقل فإنه ليس ~~كل ما يسمى معقولا ولا كل ما يعلم بالعقل يتوقف العلم بصحة السمع عليه فتلك ~~الأمور التي لا يتوقف العلم بصحة السمع عليها ليست أصلا للسمع ولا يجوز أن ~~يقال جنس المعقول به يعلم بالسمع فلا يجوز أن يرد شيء منه فإن العقلاء ~~متفقون على أن جنس المعقولات لا ms1288 يلزم من تكذيب بعضها تكذيب السمع وإن قدر ~~أنها عقليات صحيحة مثل مسائل الحساب الدقيقة وغيرها فإنها مع كونها PageV07P041 ~~عقليات صحيحة لا يلزم من القدح فيها القدح في السمع فكيف بالمعقولات التي ~~فيها خطأ كثير وتنازع عظيم # بل كل من كان عن الشرائع أبعد كان اضطرابهم في عقلياتهم أكثر كالفلاسفة ~~فإن بينهم من الاختلاف في عقلياتهم حتى في المنطق والهيئة والطبيعيات ما لا ~~يكاد يحصى وكلامهم في الإلهيات قليل وعلمهم بها ضعيف ومسائلها عندهم يسيرة ~~وهي مع هذا عندهم لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل # وأساطينهم معترفون بأنه لا سبيل لهم إلى اليقين فيها وإنما يتكلمون فيها ~~بالأولى والأخلق وهم مع هذا متنازعون فيها أعظم من تنازع كل فرقة من مبتدعة ~~أهل الملل في الأمور الإلهية # وإذا كان جنس ما يسميه هؤلاء عقليات فيه خطأ كثير باتفاق الناس وبالضرورة ~~لم يمكن أن يقبل جنس ما يقال له عقليات فضلا عن أن يعارض به ولو قبل جنس ما ~~يقال له عقليات كله للزم من الجمع بين النقيضين ما شاء الله # فنفاة الجزء الذي هو الجوهر الفرد ومثبتوه كل منهم يقول إن ذلك معلوم ~~بالعقل والقائلون ببقاء بعض الأعراض مع القائلين بفنائها والقائلون بتماثل ~~الأجسام مع القائلين باختلافها والقائلون PageV07P042 ~~بوجوب تناهي الحوادث مع القائلين بعدم جواز تناهيها وأضعاف ذلك # بل العقليات الصحيحة ما كان معقولا للفطر السليمة الصحيحة الإدراك التي ~~لم يفسد إدراكها وهذا القدر لا يزال موجودا في بني آدم وإن فسد رأى قوم لم ~~يلزم فساد رأي آخرين # لكن إذا تنازع الناس وادعى كل فريق أن قولنا هو الذي تشهد به الفطر ~~السليمة لم يفصل بينهم إلا ما يتفقون على صدق شهادته إما كتاب منزل من ~~السماء يحكم بينهم وإما شهادة فطر تقر الطائفتان أنها صحيحة الإدراك صادقة ~~الخبر فلا يحكم بين المتنازعين إلا حاكم يسلمان لحكمه # والمقصود هنا أنه لا يقول عاقل إن كل ما يسمى معقولا يجوز قبوله فضلا عن ~~أن ms1289 يجب فضلا عن أن يعارض به معقول آخر فضلا عن أن يعارض به كتاب منزل من ~~عند الله # وإذا كان كذلك لم يكن في رد كثير مما يسمى معقولا رد لسائرها فإذا رد مما ~~يسمى معقولا ما لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه لم يكن في هذا رد للأصل ~~المعقول الذي به يعلم السمع وهو المطلوب # وإذا كان كذلك فالمعقول المذكور هنا الذي عارضوا به الآيات الإلهية ~~والأحاديث النبوية هو ما ذكروه في نفي علو الله على خلقه وليس شيء من ذلك ~~مما يحتاج في العلم بصحة السمع إليه فإن إثبات موجود لا يمكن أن يشار إليه ~~ولا يكون داخل العالم ولا خارجه PageV07P043 ~~ومقدمات ذلك المستلزمة له لا يتوقف العلم بصحة السمع على شيء من ذلك فإنا ~~نعلم بالاضطرار بعد تأمل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ~~لهم بإحسان أن الذين آمنوا بالرسول وجزموا بصدقه وهم باتفاق المسلمين أعلم ~~الأمة بصدقه وصدق ما أخبر به وصحة ذلك لم يكونوا في إيمانهم وعلمهم بصدقه ~~يستدلون بشيء من هذه المقدمات على صحة ذلك ولا مناظرين بها أحدا ولا يقيمون ~~بها حجة على غيرهم فضلا عن أن يكونوا هم لم يعلموا صدقه إلا بعد العلم بهذه ~~المقدمات المستلزمة لوجود موجود لا يشار إليه وأن صانع العالم ليس بداخل ~~العالم ولا خارجه ولا فوق العالم رب ولا على العرش إله # ومما يوضح ذلك أنا نعلم بالعادة المطردة أن القضايا التي بها علموا أنه ~~رسول الله الصادق فيما يخبر به عن الله لو كانت مستلزمة لقول نفاة العلو ~~وأن الله ليس مباينا للعالم ولا هو فوق السماوات ولا يمكن الإشارة إليه ولا ~~عرج أحد من الملائكة ولا محمد إليه نفسه ولا نزل من عنده نفسه شيء لا ملك ~~ولا غيره لكانت هذه اللوازم تحصل في نفوسهم كما حصلت في أنفس غيرهم لاسيما ~~مع كثرة الخلق وانتشار الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجا ولو كانت ~~هذه القضايا مستقرة في أنفسهم لامتنع في العادة ms1290 أن لا يتكلموا بها فضلا عن ~~أن يتكلموا بنقيضها ولو وجب في العادة أن يعارضوا بها ما دل عليه ظاهر ~~السمع لكانوا يسألونه ويقولون ما دلت PageV07P044 ~~عليه هذه الآيات والأحاديث التي أخبرتنا بها يناقض هذه القضايا التي علمنا ~~بها أنك رسول الله الصادق عليه فما يمكننا أن نجمع بين تصديقك في دعوى ~~الرسالة وبين الإخبار بهذه الأمور بل تصديقك في دعوى الرسالة يقتضي تكذيب ~~مقتضى هذه الأخبار فكيف نصنع هل لها تأويل يوافق ما به علمنا أنك صادق أم ~~نحن مأمورون بأن نقرأ ما ظاهره كفر وكذب يقدح في أصول إيماننا ونعرض ~~بقلوبنا وعقولنا عن فهم ذلك وتدبره والنظر فيه # وهذا فيه عذاب عظيم للعقول وفساد عظيم في القلوب إذا كان الرجل مأمورا أن ~~يقرأ في الليل والنهار كلاما يقرأ به في صلاته وغير صلاته ويجزم بأنه صدق ~~لا كذب وأن من كفر بحرف منه فهو كافر وذلك الكلام مشتمل على أخبار ظاهرها ~~ومفهومها يناقض ما به علم صدق ذلك الكلام بل هو باطل وضلال وكفر فيورثه ذلك ~~الحيرة والاضطراب ويمرض قلبه أعظم مرض ويكون تألمه بذلك ووجع قلبه أعظم ~~بكثير من مرض بدنه ووجع يده ورجله # فإنه حينئذ إن قبل ما به صدق هذا الرسول قدح في الكلام الذي أخبره أنه حق ~~وصدق فيكون ذلك الدليل الذي دله على صدقه دله على كذب المفهوم من أخباره ~~وإن صدق المفهوم من أخباره أبطل شاهد صدقه # ومن المعلوم أن أخباره لو عارضت معقولا لهم غير ما به علموا صدقه لأوجب ~~ذلك من الحيرة والألم والفساد ما لا يعلمه إلا الله فكيف إذا كان المعارض ~~له ما به علموا صدقه PageV07P045 # وقد كان الصحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسأل بعضهم بعضا ~~عن أدنى شبهة تعرض في خطابه وخبره مثل ما كان يوم الحديبية لما صالح النبي ~~صلى الله عليه وسلم مشركي مكة على أن يرجع ذلك العام بأصحابه الذين قدموا ~~معه معتمرين وبايعهم بيعة الرضوان تحت الشجرة وهم السابقون الأولون ms1291 وكانوا ~~أكثر من ألف وأربعمائة فصالح المشركين على أن يرجع بهم ذلك العام ويرد إلى ~~المشركين من جاءه مؤمنا مهاجرا ولا يرد المشركون من ذهب إليهم مرتدا ~~وامتنعوا من أن يكتبوا في كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم وأن يكتبوا ~~هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله وأمثال ذلك # والمقصود أن كثيرا من الصحابة اشتد عليهم ذلك وأجلهم عمر فجاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ~~قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديننا قال إني رسول الله وهو ناصري ولست ~~أعصيه فقال ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به فقال بلى أقلت لك أنك ~~تأتيه هذا العام قال لا قال فإنك آتيه ومطوف به ثم ذهب عمر إلى أبي بكر ~~فقال له مثل ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم وأجابه أبو بكر بمثل ما أجابه ~~النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يكون سمع جواب النبي صلى الله عليه وسلم PageV07P046 # والقصة مستفيضة رواها أهل الصحيح والمسند والمغازي والسير والتفسير ~~والفقه وسائر العلماء # فهذا عمر وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد كان في الأمم ~~قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر أخرجه في الصحيحين # وقال إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه # وقال لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر رواه الترمذي # إلى غير ذلك من فضائله وقد اشتبه عليه معنى نص وليس في ظاهره ما ينافي ~~الواقع بل هو ظن أن ظاهره ينافي الواقع فإن الله تعالى قال { لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين } سورة الفتح 27 PageV07P047 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بذلك قبل نزول الآية خبرا مطلقا ~~ومن المعلوم باتفاق الفقهاء أن الرجل إذا قال والله لأفعلن كذا وكذا ولم ~~يكن هناك سبب ولا نية توجب التعجيل كان له أن يؤخره إلى وقت آخر فلم يكن في ~~ظاهر خطاب الله ورسوله ما ms1292 يقتضي تعجيل إتيان البيت والطواف به # ومع هذا لما ظن هذا الذي هو أفضل الأمة بعد أبي بكر أن ظاهره يقتضي ~~التعجيل أورده على النبي صلى الله عليه وسلم ثم على صديقه وأجابه كل منهما ~~في مغيب الآخر بأنه ليس في الخطاب ما يقتضي التعجيل وإنما الذي فهم ذلك من ~~الخطاب غلط في فهمه فالغلط منه لا لنقص في دلالة الخطاب # وأيضا ففي الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم من نوقش الحساب عذب قالت ~~عائشة فقلت يا رسول الله أليس الله يقول في كتابه { فسوف يحاسب حسابا يسيرا ~~} سورة الانشقاق 8 فقال ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب # ومعلوم أن قوله { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } لا يدل ظاهره على أن المحاسب ~~يناقش بل الظاهر من لفظ الحساب اليسير أنه لا تكون فيه مناقشة ومع هذا فلما ~~قال من نوقش الحساب عذب فظنت امرأة تحبه ويحبها وهي أحب النساء إليه وأبوها ~~أحب الرجال إليه أن ظاهر خطابه يعارض تلك الآية سألته عن ذلك ولم تسكت PageV07P048 # وكذلك في الحديث الصحيح أنه قال والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع ~~تحت الشجرة قالت حفصة فقلت يا رسول الله أليس الله يقول { وإن منكم إلا ~~واردها } سورة مريم 71 فقال ألم تسمعيه قال { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر ~~الظالمين فيها جثيا } سورة مريم 72 # وقد بين في الحديث الصحيح الذي رواه جابر وغيره أن الورود هو المرور على ~~الصراط ومعلوم أنه إذا كان قد أخبرهم أن جميع الخلق يعبرون الصراط ويردون ~~النار بهذا الاعتبار لم يكن قوله لهم فلان لا يدخل النار منافيا لهذا ~~العبور ولهذا قال لها ألم تسمعيه قال { ثم ننجي الذين اتقوا } فأخبرها أن ~~هذا الورود لا ينافي عدم الدخول الذي أخبرت به فالذين نجاهم الله بعد ~~الورود الذي هو العبور لم يدخلوا النار # ولفظ الورود والدخول قد يكون فيه إجمال فقد يقال لمن دخل سطح الدار إنه ~~دخلها ووردها وقد يقال لمن مر على السطح ولم يثبت فيها ms1293 إنه لم يدخلها فإذا ~~قيل فلان ورد هذا المكان الرديء ثم نجاه الله منه وقيل فلان لم يدخله الله ~~إياه كان كلا الخبرين صدقا لا منافاة بينهما # وقوله تعالى { وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين ~~اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } PageV07P049 ~~سورة مريم 71 72 فيه بيان نعمة الله على المتقين أنهم مع الورود والعبور ~~عليها وسقوط غيرهم فيها نجوا منها والنجاة من الشر لا تستلزم حصوله بل ~~تستلزم انعقاد سببه فمن طلبه أعداؤه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه يقال نجاه ~~الله منهم # ولهذا قال تعالى { ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم } سورة الأنبياء 76 ومعلوم أن نوحا لم يفرق ثم خلص بل نجى من ~~الغرق الذي أهلك الله به غيره # كما قال { فأنجيناه وأصحاب السفينة } سورة العنكبوت 15 # وكذلك قوله عن لوط { ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث } سورة ~~الأنبياء 74 # ومعلوم أن لوطا لم يصبه العذاب الذي أصابهم من الحجارة والقلب وطمس ~~الأبصار # وكذلك قوله { ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ~~ونجيناهم من عذاب غليظ } سورة هود 58 وقوله { فلما جاء أمرنا نجينا صالحا ~~والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ } سورة هود 66 PageV07P050 # وأمثال ذلك يبين سبحانه أنه نجى عباده المؤمنين من العذاب الذي أصاب ~~غيرهم وكانوا معرضين له لولا ما خصهم الله من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك # فلفظ النجاة من الشر يقتضي انعقاد سبب الشر لا نفس حصوله في المنجى # فقوله تعالى { ثم ننجي الذين اتقوا } سورة مريم 72 لا يقتضي أنهم كانوا ~~معذبين ثم نجوا لكن يقتضي أنهم كانوا معرضين للعذاب الذي انعقد سببه وهذا ~~هو الورود # فقوله صلى الله عليه وسلم لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة لا ينافي ~~هذا الورود فإن مجرد الورود ليس بعذاب بل هو تعريض للعذاب وهو إنما نفى ~~دخول الذي هو العذاب لم ينف التقريب من العذاب ولا انعقاد سببه ms1294 ولا الدخول ~~على سطح مكان العذاب # ومع هذا لما اشتبه ذلك على امرأته سألته عن ذلك وذكرت ما يعارض خبره في ~~فهمها ولم تسكت وقد كان يفعل الأمر فيسألونه هل هو بوحي فيجب طاعته أو هو ~~رأي يمكن معارضته برأي أصلح منه ويشيرون عليه في الرأي برأي آخر فيقبل منهم ~~ويوافقهم كما سأله الحباب بن المنذر لما نزل ببدر فقال يا رسول الله أرأيت ~~هذا المنزل الذي نزلته أهو منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتعداه أم هو الرأي PageV07P051 ~~والحرب والمكيدة فقال بل هو الرأي والحرب والمكيدة فقال ليس هذا بمنزل قتال # ولما صالح غطفان عام الخندق على نصف ثمر المدينة لما تألبت عليهم الأحزاب ~~من قريش وحلفائها وأهل نجد وجموعهم وبني قريظة اليهود جيران المدينة وكانت ~~تلك القضية من أعظم البلاء والمحنة وفيها أنزل الله سورة الأحزاب فلما ~~صالحهم على نصف ثمرها قال له سعد ما مضمونه إن كان الله أمرك بهذا سمعنا ~~وأطعنا وإن كان رأيا منك أردت به مصلحتنا فقد كنا في الجاهلية وما أحد منهم ~~ينال منها ثمرة إلا بشرى أو قرى فحين أعزنا الله بالإسلام نعطيهم ثمرنا أو ~~كما قال فبين له النبي صلى الله عليه وسلم إني لما رأيت الأعداء قد تحزبوا ~~عليكم خشيت أن تضعفوا عنهم فرأيت أن أدفع هؤلاء ببعض الثمر فإذا كنتم ~~ثابتين صابرين فلا حاجة إلى هذا # وفي الصحيح أنهم كانوا في بعض الأسفار فنفد زادهم فاستأذنوه في نحر ظهرهم ~~وهي الإبل التي يركبونها فأذن لهم فأتاه عمر وأخبره أنهم إن نحروا ظهرهم ~~تضرورا بذلك وطلب أن تجمع أزوادهم ويدعو فيها PageV07P052 ~~بالبركة ليغنيهم الله بذلك عن نحر ظهرهم ففعل ذلك # وكذلك في الصحيح أنه أعطى أبا هريرة نعلة ليبشر الناس بأن الموحدين في ~~الجنة فلقيه عمر فرده وقال للنبي صلى الله عليه وسلم إنهم إذا سمعوا بذلك ~~اتكلوا فترك ذلك # بل كان يأمرهم بالأمر الذي يجب عليهم طاعته فيعارضه بعضهم بما لا يصلح ~~للمعارضة فيجيبهم فإن في الصحيح أنه نهاهم ms1295 عن الوصال فقالوا إنك تواصل فقال ~~إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني # ومعلوم أن هذه معارضة فاسدة لو أوردها بعض طلبة الفقهاء أجابه آخر بأن ~~امره ونهيه يجب طاعته فيه وحكمه لازم للأمة باتفاق المسلمين بل ذلك معلوم ~~بالاضطرار من دينه وإن كان بعض الناس PageV07P053 ~~ينازع في الأمر المطلق هل يفيد الإيجاب أم لا فلم ينازع في أنه إذا بين في ~~الأمر أنه للإيجاب يجب طاعته ولا أنه إذا صرح ابتداء بالإيجاب تجب طاعته # ولكن نزاعهم في مراده بالأمر المطلق هل يعلم به أنه أراد به الإيجاب فهذا ~~نزاع في العلم بمراده لا نزاع في وجوب طاعته فيما أراد به الإيجاب فإن ذلك ~~لا ينازع فيه إلا مكذب به # والمقصود أن حكم النهي لازم للأمة وأما فعله فقد يكون مختصا به باتفاق ~~الأمة بل قد تنازعوا في تعدي حكم فعله إلى غيره على ما هو معروف فإذا أمر ~~المسلمين أو نهاهم أمرا ونهيا علموا به مراده لم يكن لأحد منهم أن يعارض ~~ذلك بفعله باتفاق العلماء وإنما يتكلمون في تعارض دلالة القول والفعل إذا ~~لم يعلموا مراده بالقول كما تكلموا في نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها ~~بغائط أو بول مع أنه قد رآه ابن عمر مستقبل الشام مستدبر الكعبة وهو يتخلى # فهنا قد يظن بعضهم أن نهيه ليس عاما بل خاص إذا لم يكن حائل ويوفق بين ~~القول والفعل ويظن بعضهم الفرق بين الاستقبال والاستدبار ويظن بعضهم أن ~~أحدهما منسوخ لاعتقاده التعارض PageV07P054 ~~ويظن بعضهم أن الفعل خاص له فهذا كله لعدم علمهم بأن النهي عام محكم وأما ~~إذا علموا أن نهيه عام محكم غير منسوخ كانوا متفقين على أنه لا يعارض بفعله ~~فتبين أن من عارض نهيه عن الوصال بقوله إنك تواصل كا (1) # 1- ت معارضته خطأ باتفاق العلماء ومع هذا فقد أجابه ببيان الفرق وقال إني ~~لست كأحدكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني # بل لما غير عادته يوم الفتح فصلى الصلوات بوضوء واحد سأله عمر فقال ms1296 إنك ~~فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال عمدا فعلته # وهذا وأمثاله كثير هذا من المؤمنين به المحبين له فاما معارضة الكفار له ~~بما لا يصلح للمعارضة عند أهل النظر والخبرة بالمناظرة على سبيل الجدل ~~بالباطل فكثيرة # مثل معارضتهم له لما نزل قوله تعالى { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم أنتم لها واردون } سورة الأنبياء 98 فقام ابن الزبعرى وغيره فقالوا قد ~~عبد المسيح فآلهتنا خير أم هو # فأنزل الله تعالى { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون } سورة ~~الزخرف 57 أي يضجون # { وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون إن هو ~~إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل > PageV07P055 ~~سورة الزخرف 58 59 # وأنزل الله تعالى { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا ~~يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون } سورة الأنبياء 101 102 # وقد ظن طائفة من الناس أن قوله { وما تعبدون } سورة الأنبياء 98 لفظ يعم ~~كل معبود من دون الله لكل أمة فيتناول المسيح وغيره وجعلوا هذا مما استدلوا ~~به على عموم الأسماء الموصولة مثل من وما والذي واستدل بذلك بعضهم على جواز ~~تأخير البيان عن وقت الخطاب # قالوا لأن اللفظ عام وأخر بيان المخصص إلى أن نزل قوله { إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى } سورة الأنبياء 101 # وهذا خطأ ولو كان قول هؤلاء صحيحا لكانت معارضته المشركين صحيحة فإن من ~~سمع اللفظ العام ولم يسمع المخصص فأورد على المتكلم كان إيراده مستقيما # وهذا سوء ظن ممن قاله بكلام الله ورسوله وحسن ظن بالمشركين ولكن هؤلاء ~~وأمثالهم الذين يجعلون المفهوم المعقول الظاهر من القرآن مردودا بآرائهم ~~كما رده المشركون بالمسيح فإن قول المشركين إن المسيح لا يدخل النار ~~والملائكة لا تدخل النار كلام صحيح أصح مما يعارض به المعارضون لكلام الله ورسوله PageV07P056 # فإذا كانت معارضة ابن الزبعري باطلة فمعارضة هؤلاء أبطل وهي باطلة قبل ~~نزول القرآن وقبل رد الله عليهم وما نزل ms1297 من القرآن كان مبينا لبطلانها الذي ~~هو ثابت في نفسه يمكن علمه بالعقل فإن الله إنما خاطب بقوله { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله } سورة الأنبياء 98 المشركين الذين يعبدون الأوثان لم ~~يخاطب بذلك أهل الكتاب # بل الآيات المكية عامتها خطاب لمن كذب الرسل مطلقا وأما ما يخاطب به من ~~صدق جنس الرسول من أهل الكتاب والمؤمنين ففي السور المدنية # والقرآن قد فصل بين المشركين وأهل الكتاب في غير موضع كقوله { لم يكن ~~الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } سورة البينة 1 # وقوله { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين ~~أشركوا } سورة الحج 17 # وقوله لهم { إنكم وما تعبدون من دون الله } سورة الأنبياء 98 # بمنزلة قوله { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا ~~عن دراستهم لغافلين } سورة الأنعام 156 PageV07P057 # وبمنزلة قوله { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا } سورة فاطر 42 # وأمثال ذلك مما فيه ضمير المخاطب والغائب وهو متناول لأولئك المشركين لكن ~~يتناول غيرهم من جهة المعنى والاعتبار وتماثل الحالين # فلما قال تعالى { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ~~لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون } سورة الأنبياء 98 99 أخبر ~~أن آلهتهم التي يعبدونها حصب جهنم ولم يدخل في هذا المسيح وأمثاله فإنهم لم ~~يكونوا يعبدونهم # وقوله { لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها } سورة الأنبياء 99 دليل على انتفاء ~~الإلهية فإن الإله لا يدخل النار والدليل لا ينعكس فلا يلزم أن يكون من لم ~~يدخل النار إلها فمن ورد النار لم يكن إلها وليس كل من لا يردها إله # لكن كانت معارضة ابن الزبعرى وأشباهه من جهة المعنى والقياس والاعتبار أي ~~إذا كانت آلهتنا دخلوا النار لكونهم معبودين وجب أن يكون كل معبود يدخل ~~النار والمسيح معبود فيجب أن يدخلها فعارضوه بالقياس والقياس مع وجود ~~الفارق المؤثر قياس فاسد فبين الله الفرق ms1298 بأن المسيح عبد حي مطيع لله لا يصلح PageV07P058 ~~أن يعبد لأجل الانتقام من غيره بخلاف الأوثان فإنها حجارة فإذا عذبت لتحقيق ~~عدم كونها آلهة وانتقاما ممن عبدها كان ذلك مصلحة ليس فيها عقوبة لمن لا ~~يصلح أن يعاقب # ولهذا قال تعالى { ولما ضرب ابن مريم مثلا } سورة الزخرف 157 أي جعلوه ~~مثلا لآلهتهم فقاسوها به فهذا حال من عارض النص الخبري بالقياس الفاسد وهو ~~حال الذين يعارضون النصوص الإلهية بأقيستهم الفاسدة فيقولون لو كان له علم ~~وقدرة ورحمة وكلام وكان مستويا على عرشه للزم أن يكون مثل المخلوق الذي له ~~علم وقدرة ورحمة وكلام ويكون مستويا على العرش ولو كان مثل المخلوق للزم أن ~~يجوز عليه الحدوث وإذا جاز عليه الحدوث امتنع وجوب وجوده وقدمه # فهذا من جنس معارضة ابن الزبعرى حيث قاس ما أخبر الله عنه بشيء آخر ليس ~~مثله بل بينهما فرق والفرق بين الله وبين مخلوقاته أعظم من الفرق بين ~~المسيح وبين الأوثان فإن كلاهما مخلوق لله تعالى # وأما قياس الخالق بالمخلوق وقول القائل لو كان متصفا بالصفات والأفعال ~~القائمة به لكان مماثلا للمخلوق المتصف بالصفات والأفعال القائمة به ففي ~~غاية الفساد فإن تشابه الشيئين من بعض الوجوه لايقتضي تماثلهما في جميع ~~الأشياء فإذا كان المسيح المشابه لآلهتهم في وجوه كثيرة لا تكاد تحصى مثل ~~كون هذا كان معدوما وهذا كان معدوما وهذا محدث ممكن وهذا محدث ممكن PageV07P059 ~~غيره وهذا مفتقر إلى غيره وهذا يقدر عليه غيره وهذا يقدر عليه غيره وهذا ~~تعترض عليه الآفات والعلل كالتفريق والتجزئة والتبعيض وهذا تعترض عليه ~~الآفات والعلل كالتفريق والتجزئة والتبعيض وهذا يمكن إفساده واستحالته وهذا ~~يمكن إفساده واستحالته وأمثال ذلك من الأمور التي يجب تنزيه الرب عنها فمع ~~اشتراكهما في هذه الأمور التي يجب تنزه الرب عنها لم يصح قياس أحدهما ~~بالآخر ولا أن يثبت له من الحكم ما ثبت له وإن كانا قد اشتركا في هذه الأمور # فالخالق سبحانه الذي يفارق غيره بأعظم مما فارق به المسيح آلهتهم هو ms1299 أولى ~~وأحق بأن لايمثل بخلقه لأجل موافقته في بعض الأسماء والصفات إذ أصل هذا ~~القياس الفاسد أن الشيئين إذا اشتركا وتشابها في بعض الأشياء لزم اشتراكهما ~~وتماثلهما في غير ذلك مما ليس من لوازم المشترك وهذا كله خطأ فاحش وبعضه ~~أفحش من بعض فالشيئان إذا اشتركا في شيء لزم أن يشتركا في لوازمه فإن ثبوت ~~الملزوم يقتضي ثبوت اللازم فاما ما ليس من لوازمه فلا يجب اشتراكهما فيه # فكون المعبود من حصب جهنم ليس من لوازم كونه معبودا بل من لوازم كونه ~~معبودا يصلح دخوله النار والمسيح ونحوه لا يصلح دخولهم النار # وكذلك ثبوت الوجود والحياة والعلم والقدرة والاستواء والنزول ونحو ذلك من ~~الأمور التي يوصف بها الخالق والمخلوق ليس من لوازمها PageV07P060 ~~الإمكان والحدوث والآفات والنقائص فإن الإمكان من لوازم ما ليس واجبا بنفسه ~~والحدوث من لوازم المعدوم وإمكان الآفات والنقائص من لوازم ما يقبل ذلك # وهذه الصفات صفات كمال لا تستلزم الآفات بل قد تكون منافية للآفات ~~والنقائص والمنافي للشيء لا يكون من لوازمه بل هو مناقض للوازمه فكيف يجعل ~~المنافي كالملازم # والمقصود أن المشركين كانوا يعارضون الرسول بما يتخيلونه مناقضا لقوله ~~وإن لم يكن في ظاهر قوله ما يناقض لا معقولا ولا منقولا فكيف إذا كان ظاهر ~~قوله يناقض صريح المعقول الذي عليه أئمة أرباب العقول لا سيما إذا كان ذلك ~~المعقول هو الذي لا يمكن تصديقه إلا به فإذا كان قد أظهر ما يطعن في دليل ~~صدقه وشاهده كان معارضته بذلك أولى الأشياء # وكذلك أيضا لما أخبرهم بالإسراء وشجرة الزقوم أنكر ذلك طائفة منهم وزعموا ~~أن العقل ينفي ذلك وأنزل الله تعالى { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا ~~فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن } سورة الإسراء 60 # وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة أسري به PageV07P061 # قال تعالى { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه ms1300 هو السميع البصير } سورة ~~الإسراء 1 # وقال { أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها ~~جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى } سورة النجم 12 16 # وقال تعالى { وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب ~~بضنين وما هو بقول شيطان رجيم } سورة التكوير 22 25 # فإذا كان ما أخبرهم به من رؤية الآيات التي أراه الله إياها ليلة الإسراء ~~قد أنكروها وكذبوه لأجلها واستبعدوا ذلك بعقولهم مع أن ذلك ليس ممتنعا في ~~العقل فكيف بما هو ممتنع في صريح العقل # وكذلك أيضا أنكروا أن يبعث الله بشرا رسولا وجعلوا ذلك منكرا ممتنعا في عقولهم # كما قال تعالى { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا ~~أبعث الله بشرا رسولا } سورة الإسراء 24 # وقال { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس } سورة يونس 2 PageV07P062 ~~وقال تعالى { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا } ~~سورة الفرقان 41 # وقال تعالى { وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم ~~لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون } سورة ~~الأنعام 9 # وقال تعالى { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من ~~شيء } سورة الأنعام 91 # وقد حكى نحو ذلك عمن تقدم من الكفار كقول قوم فرعون { أنؤمن لبشرين مثلنا ~~وقومهما لنا عابدون فكذبوهما فكانوا من المهلكين } سورة المؤمنين 47 48 # وقول قوم نوح { ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا } سورة هود 27 # وقالت أصناف الأمم لرسلهم { إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما ~~كان يعبد آباؤنا } سورة ابراهيم 10 # حتى قالت الرسل { إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من ~~عباده } سورة إبراهيم 11 وأمثال هذا # فقد ذكر عن المشركين أنهم أنكروا إرسال رسول من البشر ودفعوا ذلك بعقولهم PageV07P063 # وهذا قول من يجحد ms1301 النبوات من البراهمة مشركي الهند وغيرهم ولهم شبه ~~معروفة يزعمون أنها براهين عقلية تقدح في جواز إرسال الرسل # ولهذا قال تعالى { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ~~} سورة يوسف 109 # وقال { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون } سورة النحل 43 # وقال { قل ما كنت بدعا من الرسل } سورة الأحقاف 9 وأمثال ذلك # وكذلك لما أخبرهم بالمعاد عارضوه بعقولهم وقد ذكر الله تعالى من حججهم ~~التي احتجوا بها في إنكار المعاد ما هو مذكور في القرآن # كقوله تعالى { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ~~نارا فإذا أنتم منه توقدون أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن ~~يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم } سورة يس 78 81 # وقد ذكر طعنهم في الرسالة والمعاد جميعا في قوله تعالى { ق والقرآن ~~المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أئذا متنا ~~وكنا ترابا ذلك رجع بعيد قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ } PageV07P064 ~~سورة ق 1 4 # ثم ذكر الأدلة عليهم إلى قوله { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من ~~خلق جديد } سورة ق 15 # وهذه السورة قد تضمنت من أصول الإيمان ما أوجبت أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقرأ بها في المجامع العظام فيقرأ بها في خطبة الجمعة وفي صلاة ~~العيد وكان من كثرة قراءته لها يقرأ بها في صلاة الصبح وكل ذلك ثابت في الصحيح # قال تعالى { وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا قل ~~كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل ~~الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون ~~قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } سورة ms1302 ~~الإسراء 49 52 # وقد ذكر نحو ذلك عمن مضى من المكذبين للرسل كقولهم عن رسولهم { أيعدكم ~~أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي ~~إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على ~~الله كذبا وما نحن له بمؤمنين } PageV07P065 ~~سورة المؤمنون 35 38 # وقال تعالى { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون } سورة الجاثية 24 # وأمثال هذا في القرآن كثير # وذكر عنهم أنهم طعنوا في الرسول بعقولهم بأمور ظنوها لازمة له كقولهم { ~~وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون ~~إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } سورة الفرقان 7 8 # قال تعالى { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } سورة ~~الفرقان 9 # وكذلك قالوا عمن قبله من الرسل كما قال فرعون { أم أنا خير من هذا الذي ~~هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة ~~مقترنين } سورة الزخرف 52 53 # وقالوا لشعيب { وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا ~~بعزيز } سورة هود 91 # والمقصود هنا أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم كان يعارضه من PageV07P066 ~~المؤمنين به والكفار من لا يكاد يحصى معارضة لا ترد عليه ولم تكن إلا من ~~جهل المعارض ولم يكن في ظاهر الكلام الذي يقوله لهم ومفهومه ومعناه ما ~~يخالفه صريح المعقول بل كان المعارضون يعارضون بعقولهم ما لا يستحق ~~المعارضة فلو كان فيما بلغهم إياه عن الله من أسمائه وصفاته ونحو ذلك ما ~~يخالف ظاهره صريح المعقول لكان هذا أحق بالمعارضة وكان يمتنع في مستمر ~~العادة أن مثل هذا لا يعارضه أحد لا معارضة دافع طاعن ولا معارضة مستشكل ~~مسترشد فكيف إذا كان يعارض القضايا العقلية التي بها علموا ms1303 نبوته وأنه رسول ~~الله إليهم فكيف تكون المعارضة بذلك أولى أن تقع من الكفار والمسلمين # أما الكفار فيقولون له نحن لا نعلم صدقك إلا بأن نعلم بعقولنا أمورا ~~تناقض ما يفهم ويظهر مما تخبرنا به فالمصدق لك يكون متناقضا متلاعبا لا ~~يمكنه أن يقبل بعض أخبارك إلا برد بعضها وهذا ليس فعل العالمين الصادقين ~~دائما بل فعل من يكذب تارة ويصدق أخرى أو يصيب تارة ويخطىء أخرى # وأما المسلمون المظهرون للإسلام فقد كان فيهم منافقون وفي المؤمنين ~~سماعون لهم يتعلقون بأدنى شبهة يوقعون بها الشك والريب في قلوب المؤمنين ~~وكان فيهم من له معرفة وذكاء وفضيلة وقراءة للكتب ومدارسة لأهل الكتاب مثل ~~أبي عامر الفاسق الذي كان يقال له عامر الراهب الذي اتخذ له المنافقون مسجد الضرار PageV07P067 # وأيضا فقد كان اليهود والنصارى يعارضونه بما لا يصلح للمعارضة ويقدحون في ~~القرآن بأدنى شبهة ويخاطبون بذلك من أسلم كما قالوا للمغيرة بن شعبة أنتم ~~تقرأون في كتابكم { يا أخت هارون } سورة مريم 28 وموسى بن عمران كان قبل ~~عيسى بسنين كثيرة فظنوا أن هارون المذكور هو هارون أخو موسى وهذا من فرط ~~جهلهم فإن عاقلا لا يخفى عليه أن موسى كان قبل عيسى بسنين كثيرة وأن مريم ~~أم عيسى ليست أخت موسى وهارون ولا هو المسيح ابن أخت موسى وليس في من له ~~تمييز وإن كان من أكذب الناس من يرى أن يتكلم بمثل هذا الذي يضحك عليه به ~~كل من سمعه فكيف بمن هو أعظم الناس عقلا وعلما ومعرفة غلبت عقول بني آدم ~~ومعارفهم وعلومهم حتى استجاب له كل ذي عقل مصدقا لخبره مطيعا لأمره وذل له ~~أو خاف منه كل من لم يستجب له وظهر به من العلم والبيان والهدى والإيمان ما ~~قد ملأ الآفاق وأشرق به الوجود غاية الإشراق # فكان النصارى الذين سمعوا هذا لو كان لهم تمييز لعلموا أن مثل هذا الرجل ~~العظيم الذي جاء بالقرآن لا يخفى عليه أن المسيح ليس هو ابن أخت موسى بن ~~عمران ms1304 ولا يتكلم بمثل ذلك ولو كانت أختهما لكان إضافتها إلى موسى أولى من ~~إضافتها إلى هارون فكان يقال لها يا أخت موسى لكن لما اتفق أن مريم هذه بنت ~~عمران وذانك PageV07P068 ~~موسى وهارون ابنا عمران فكان لفظ عمران فيه اشتراك والاشتراك غالب على ~~أسماء الأعلام نشأت الشبهة حتى سأل المغيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك فقال ألا قلت لهم إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم إن ~~هارون هذا كان رجلا في بني إسرائيل سموه باسم هارون النبي # فمن كانوا يعارضونه بمثل هذه المعارضة كيف يسكتون عن معارضته إذا كان ~~الخطاب الذي أخبر به والمفهوم الظاهر منه بل الصريح منه الذي لا يحتمل ~~التأويل مخالفا لصريح العقل بل مخالفا لما به يعلم صدقه وصدق الأنبياء قبله ~~وهلا كان أهل الكتاب يقولون له ما جئت به يقدح في نبوات الأنبياء قبلك فإنا ~~لا يمكننا أن نصدقك إلا بقضايا عقلية بها يعلم صدق الرسل وما أظهرته للناس ~~وبينته لهم وأخبرتهم به يناقض الأصول العقلية التي بها نعلم تصديق الأنبياء # واعلم أن من أمعن النظر في هذا المقام وتوابعه حصل له أمور جليلة # بطلان قول من يقول العلم بصحة السمع لا يكون إلا بقضايا عقلية مناقضة ~~للمفهوم الظاهر من أخبار الله ورسوله # بل بطلان قول من يجعل صريح العقل مناقضا لأخباره PageV07P069 # بل بطلان قول من يدعي أن أقوال الجهمية النفاة لعلو الله على خلقه مما هي ~~معروفة بصريح العقل سواء كانت موافقة لخبر الرسول أو مخالفة له # وذلك من وجوه # أحدها أن إيمان المؤمنين به العالمين بصدقه حصل بدون هذه القضايا # الثاني أن أحدا منهم لم يورد هذه المعارضة ولم يستشكل هذا الذي هو تناقض ~~في زعم هؤلاء # الثالث أن المنافقين لم يورد أحد منهم هذا # الرابع أن المشركين لم يورد أحد منهم هذا # الخامس أن أهل الكتاب لم يورد أحد منهم هذا # السادس أنه لم يعهد إليهم أن لا يصدقوا بمضمون هذه الظواهر ولا يعتقدوا ~~موجبها ولا أمرهم بترك تدبرها ms1305 وفهمها وعقلها ولا بتأويلها تأويلا يصرفها عن ~~المعنى الظاهر المفهوم منها ولا بتفويضها وقولهم لا نعلم معناها # السابع أن الصحابة لم يوصوا التابعين بذلك # الثامن أن التابعين لم يوردوا على الصحابة ولا أورد بعضهم على بعض ظهور ~~هذا التناقض والتعارض ولا سأل بعضهم بعضا كيف نصنع هل نتبع موجب النصوص أو ~~موجب العقول المعارضة PageV07P070 ~~ونتأول النصوص أو نصرف قلوبنا عن فهمها وتدبرها وعقلها ونقول لا ندري ما معناها # فإن قيل فهذا الذي ذكرته ظاهر لا يخفى على من تأمل أمور الإسلام كيف كانت ~~وكيف ظهر الإسلام ومع هذا فهذه الشبه العقلية التي احتج بها النفاة قد ضل ~~بها خلق كثير من هذه الأمة ومن أهل الكتاب فهل كانت عقول الكفار أصح من ~~عقول هؤلاء ثم إذا كان الأمر هكذا فكيف وقع في هذا من وقع # قيل المقصود هنا فساد قول من يقول إن تصديق الرسول لا يمكن إلا بقضايا ~~عقلية تناقض مفهوم ما أخبر به وهذا يلزم من قال ذلك من الجهمية والمعتزلة ~~وأتباعهم من الأشعرية ومن دخل معهم من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة ~~والصوفية أن تصديق الرسول لا يمكن إلا بأن يستدل على حدوث العالم بحدوث ~~الأجسام وانه يستدل على ذلك بحدوث ما قام بها من الأعراض مطلقا أو الحركات ~~وأن ذلك مبني على امتناع حوادث لا أول لها وذلك يستلزم نفي الأفعال القائمة ~~بذات الله تعالى المتعلقة بمشيئته واختياره بل نفي صفاته وأن يكون القرآن ~~مخلوقا وأن الله لا يرى في الآخرة ولا يكون فوق العالم # فمن قال إن تصديقه فيما أخبر به لا يمكن إلا بهذه الطريق كان قوله معلوم ~~الفساد بالاضطرار من دين الإسلام ولهذا قال الأشعري وغيره إن هذه الطريق ~~مبتدعة في دين الأنبياء بل محرمة غير PageV07P071 ~~مشروعة ولا ريب أن عقل من آمن بالله والرسول كان خيرا من عقل من سلك هذه ~~الطريق من أهل الكلام # وأما عقول الكفار فلا ريب وإن كانت عقول جنس المؤمنين خيرا من عقولهم لكن ~~قد يكون عند ms1306 الكافر من العقل والتمييز ما يمنعه أن يقول ما يقوله كثير من ~~أهل البدع ألا ترى أن أكاذيب الرافضة لا يرضاها أكثر العقلاء من الكفار ~~فكذلك عقول المشركين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن ~~تقبل أن ترد رسالته بمثل هذا الكلام الذي فيه من الدقة والغموض ما لا يفهمه ~~أكثر الناس ومن فهمه من العقلاء علم أنه من باب الهذيان والبهتان # يبين لك كل ذلك أن العرب مع شركها كانت مقرة بأن الله رب كل شيء وخالقه ~~ومليكه مقرة بالقدر وكانت عقولهم من هذا الوجه خيرا من عقل من جعل كثيرا من ~~المحدثات لم يخلقه الله ولا قدره ولا أراده وكانت العرب أيضا تقر بأن الله ~~فاعل مختار ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فكانت عقولهم خيرا من عقول ~~الدهرية الفلاسفة الذين يقولون بأن العالم صدر عن علة تامة موجبة له كما ~~يقوله الدهرية الإلهيون # ولا ريب أن من أنكر الصانع وقال بأن العالم واجب بذاته فعقله أفسد من عقل ~~هؤلاء والعرب لم تكن تقول بهذا اللهم إلا أن يكون في تضاعيفهم آحاد تقوله ~~ولكن لم يكن هذا القول ظاهرا فيهم بل الظاهر فيهم الإقرار بالخالق وعلمه ~~وقدرته ومشيئته # وهذه الشبه شبه الجهمية هي في الأصل نشأت من ملاحدة PageV07P072 ~~الأمم المنكرين للصانع وهؤلاء أجهل الطوائف وأقلهم عقلا فلهذا لم تكن العرب ~~تعارض بمثل هذه الشبه وإنما ذكر الله تعالى نظير قول الجهمية عن مثل فرعون ~~وأمثاله من المعطلة كالذي حاج إبراهيم في ربه # ولا ريب أن المعطلة شر من المشركين والعرب وإن كانوا مشركين لم يكن ~~الظاهر فيهم التعطيل للصانع وإن كان قد يكون في أضعافهم من هو في المرتابين ~~في الصانع أو الجاحدين له كما في تضاعيف كل أمة حتى في المصلين من هو من ~~هؤلاء إذ المنافقون لم يزالوا في الأمة ولن يزالوا على اختلاف أصنافهم # وإذا عرف أن المقصود بيان فساد قول من يزعم أنه لا يمكن تصديق الرسول إلا ms1307 ~~بالطريق الجهمية المناقضة لإثبات ما أخبر به من صفات الله وكلامه وأفعاله ~~حصل المقصود # وأما من قال إن هذه المعقولات تعارض المفهوم الظاهر من الآيات والأحاديث ~~من غير أن يقول إن العلم بصدق الرسول موقوف عليها كما يقوله من يعتقد صحة ~~هذه الطريق طريقة الاستدلال على الصانع بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام وإن ~~قال إنه يمكن تصديق الرسول بدونها كما يقوله الأشعري نفسه وكثير من أصحابه ~~والرازي وأمثاله وكثير من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية ويوجد شيء من هذا ~~في كلام المحاسبي وأبي حاتم البستي والخطابي وأبي الحسن التميمي والقاضي ~~أبي يعلى وابن عقيل وابن الزاغوني وغير هؤلاء فإن هؤلاء وجمهور المسلمين ~~يقولون إنه PageV07P073 ~~يمكن تصديق الرسول بدون طريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام # لكن هؤلاء وغيرهم يعتقدون صحة تلك الطرق وإن قالوا إن تصديق الرسول ~~لايتوقف عليها # ثم منهم من يقول إنها لا تعارض النصوص بل يمكن الجمع بينهما # وهذه طريقة الأشعري وأئمة أصحابه يثبتون الصفات الخبرية التي جاء بها ~~القرآن مع اعتقادهم صحة طريقة الاستدلال بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام # وهذه طريقة أبي حاتم بن حبان البستي وأبي سليمان الخطابي والتميميين كأبي ~~الحسن التميمي وغيره من أهل بيته وأبي علي بن أبي موسى والقاضي أبي يعلى ~~وأبي بكر البيهقي وابن الزاغوني وخلق كثير من طوائف المسلمين من الحنفية ~~والمالكية والشافعية والحنبلية # ومن هؤلاء من يدعي التعارض بينهما كالرازي وأمثاله كما يقول ذلك من يوجب ~~الاستدلال بطريقة حدوث الأعراض كالمعتزلة وأبي المعالي وأتباعه # فهؤلاء مشتركون في أن هذه الطريقة المعقولة لهم مناقضة لما يفهم من ~~الآيات والأحاديث سواء قالوا إن تصديق الرسول موقوف عليها كما يقوله من ~~يقوله من المعتزلة وأتباع صاحب الإرشاد أو لم يقولوا ذلك كما يقوله من ~~يوافق الأشعري والرازي وجمهور المسلمين على PageV07P074 ~~أن تصديق الرسول ليس موقوفا عليها # وليس المقصود في هذا المقام إلا إبطال قول من يدعي أن تقديم النقل على ~~العقل المعارض له يقدح في العقل الذي به علم صحة السمع وقد تبين أن فساد ~~هذا القول ms1308 معلوم بالاضطرار من الدين معلوم بالاضطرار من العادة وأن الذين ~~آمنوا بالرسول وعلموا صدقه لم يكن علمهم موقوفا على هذه القضايا # ومما يشترك فيه الفريقان أن يقال أهل العقول الذين سمعوا القرآن والكفار ~~من المشركين وأهل الكتاب في العصور المتقدمة لم يكن منهم من طعن فيه أو ~~أورد عليه مخالفة هذه الأخبار عن صفات الله لصريح المعقول فلو كان العلم ~~بنقيض ذلك ثابتا في عقول بني آدم لم يمكن في العادة أن يكون هذا الكلام ~~الذي طبق مشارق الأرض ومغاربها وظهر وليه على عدوه بالحجة الباهرة والسيف ~~القاهر وفي صريح المعقول ما يناقض أخباره ولا أحد من العقلاء يتفطن لذلك لا ~~على وجه الطعن ولا على وجه الاستشكال مع أن هذه العقليات مما تتوفر الهمم ~~والدواعي على استخراجها واستنباطها لو كانت صحيحة لأنها متعلقة بأشرف ~~المطالب والعلم به الذي تتوفر الهمم على طلب معرفة صفاته نفيا وإثباتا # فلو كانت هذه الطرق الدالة على السلب طرقا صحيحة تعلم بالعقل لكان مع ~~الداعي التام يجب تحصيلها فإنه مع كمال القدرة PageV07P075 ~~والداعي يجب وجود المقدور فكان يجب أن تظهر هذه من أفضل الناس عقلا ودينا # فلما لم يكن الأمر كذلك علم أن ذلك كان لفسادها وأنهم لصحة عقولهم لم ~~يعتقدوها كما لم يعتقدوا مذهب القرامطة الباطنية والرافضة الغالية وأمثالهم ~~من الطوائف التي يعلم فساد قولهم بصريح المعقول # ومعلوم أن الباطل ليس له حد محدود فلا يجب أن يخطر ببال أهل العقل والدين ~~كل باطل وأن يردوه فإن هذا لا نهاية له بخلاف ما هو حق معلوم بصريح العقل ~~في حق الله تعالى لا سيما إذا كان مما يجب اعتقاده بل يتوقف تصديق الرسول ~~على معرفته فإن هذا يمتنع أن تكون العصور الفاضلة مع كثرة أهلها وفضلهم ~~عقلا ودينا لم يعلموها ولم يقولوها # فعلم بذلك أن هذه المعارضات ليست من العقليات الصحيحة التي هي مستقرة في ~~صريح العقل بل هي من الخيالات الفاسدة المشابهة للعقليات التي تنفق على ~~طائفة من الناس دون طائفة كما ms1309 نفقت على الجهمية ومن وافقهم دون جمهور عقلاء ~~بني آدم ولهذا كان أعظم نفاقها على أجهل الناس وأعظمهم تكذيبا بالحق ~~وتصديقا بالباطل من القرامطة الباطنية والحلولية والاتحادية وأمثالهم # ومن المعلوم أن أهل التواتر لا يجوز عليهم في مستقر العادة أن يكذبوا ولا ~~أن يكتموا ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فكما أن الفطر فيها مانع من ~~الكذب ففيها داع إلى الإظهار والبيان فكذلك ها هنا كما أن العقول المتباينة ~~والفطر المختلفة إذا أخبرت عما تعلمه بضرورة أو PageV07P076 ~~حس لم تتفق على الكذب ولا الخطأ فكذلك أيضا العقول المتباينة والفطر ~~المختلفة إذا سمعت ما يعلم بصريح العقل بطلانه وفساده لم تتفق على الإعراض ~~عن النظر والاستدلال حتى يعرف فساده وبطلانه # ولهذا لم تظهر في امة من الأمم أقوال باطلة إلا كان فيهم من يعرف بطلان ~~ذلك فيتكلم بذلك مع من يثق به وإن وافق في الظاهر لغرض من الأغراض # ولهذا تجد خلقا من الرافضة والإسماعيلية والنصيرية يعلمون في الباطن فساد ~~قولهم ويتكلمون بذلك مع من يثقون به # وكذلك بين النصارى خلق عظيم يعلمون فساد قول النصارى وكذلك بين اليهود # وهذه الأمة قد كان فيها في القرون الثلاثة منافقون لا يعلم عددهم لا الله ~~وقد جاورهم من المشركين وأهل الكتاب أمم أخر وهم طوائف متباينة فما يمكن ~~احدا أن ينقل أنه كان قبل الجعد بن درهم وجهم بن صفوان من ظهر عنه القول ~~بأن العقول تنافي ما في القرآن من إثبات العلو والصفات أو بعض الصفات لا من ~~المؤمنين ولا من أهل الكتاب ولا من سائر الكافرين # ومن المعلوم أن هذا إذا كان مستقرا في صريح المعقول فلا بد مع توفر الهمم ~~والدواعي أن يستخرج ويستنبط وإذا استخرج واستنبط فلا بد مع توفر الهمم ~~والدواعي أن يتكلم به وإذا تكلم به فلا بد مع PageV07P077 ~~توفر الهمم والدواعي أن ينقل ألا ترى أنه لما تكلم به واحد وهو الجعد بن ~~درهم نقل الناس ذلك ثم الجهم بعده كذلك ولم نقل إن هذا لم ms1310 يكن في نفس أحد ~~فإن هذا لا يمكن نفيه ولم ينقل أن أحدا من هؤلاء لم يناج به بعض الناس فإن ~~هذا لا يمكن نفيه بل قلنا إنه لم يظهر وعدم ظهوره مع الكثرة والقوة الموجبة ~~لتوفر الهمم والدواعي على استخراجه واستنباطه إن كان حقا يوجب أنه ليس حقا ~~فإن معرفة الله وما يستحقه من الصفات نفيا وإثباتا أعظم المطالب # ونحن نعلم بالاضطرار أن سلف الأمة كانوا أعظم الناس رغبة في هذا ومحبة له ~~فإذا كان الحق هو قول النفاة وعلى ذلك أدلة عقلية يستخرجها الناظر بعقله ~~وهم من أعقل الناس وأرغبهم في هذا المطلب امتنع مع ذلك أن لا يكون منهم من ~~يفطن لهذا الحق وإذا تفطنوا له مع قوة دينهم ورغبتهم في الخير كانوا ~~يظهرونه ويبينونه وذلك يوجب ظهوره وانتشاره لو كان حقا # وكذلك الكفار لهم رغبة في معرفة ذلك وإظهاره لو كان حقا لما فيه من ~~معارضة الرسول ومناقضته ولما فيه من معرفة الحق # واعلم أن هذا كما يقال في أمتنا فإنه يقال في بني إسرائيل فإن التوراة ~~مملوءة بإثبات الصفات التي يسميها النفاة تشبيها وتجسيما ومن المعلوم أن ~~التوراة قد تداولها من الأمم ما لا يحصيهم إلا الله وقد انتشرت بين النصارى ~~كما انتشرت بين اليهود فلو كان ما فيها من الصفات وإثبات العلو لله مما ~~يناقض صريح العقل لكان ذلك من أعظم ما كان PageV07P078 ~~ينبغي أن يتعنت به بنو إسرائيل وغيرهم لموسى فقد ذكر عنهم من تعنت بموسى ~~أشياء لا تعلم بصريح العقل فقد اذوا موسى وقالوا إنه آدر وإنه قتل هارون ~~ودس عليه قارون بغيا لرميه بالزنا ليؤذي موسى بذلك # وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله ~~مما قالوا } سورة الأحزاب 69 ومع هذا فأذى موسى بذلك أذى لا يشهد به صريح ~~العقل فلو كان ما أخبرهم به مما يناقض صريح العقل لكان أذاه بالقدح في ذلك ~~أبين وأظهر وأولى أن يستعمله من يريد الأذى له # وقد قال ms1311 تعالى { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني ~~فضلتكم على العالمين } سورة البقرة 47 # وقال { وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم ~~أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } سورة المائدة 20 # وقال { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على العالمين } سورة الجاثية 16 # وقد كان القوم مجاورين للروم والقبط والنبط والفرس وهم أئمة الفلاسفة ~~والصابئين والمشركين من جميع الأصناف وقد ذكروا أن PageV07P079 ~~أساطين الفلاسفة كفيثاغورس وسقراط وأفلاطن قدموا الشام وتعلموا الحكمة من ~~لقمان وأصحاب داود وسليمان فكيف يكون ما تدل عليه التوراة ويفهم منها ~~مناقضا لصريح المعقول الذي لا ينبغي أن يشك عاقل فيه ولا يظهر ذلك لا في ~~أوليائها ولا أعدائها # بل الطوائف كلها مجتمعة على تعظيم الذي جاء بالتوراة خاضعين له فهل يكون ~~كتاب مملوءا مما ظاهره كذب وفرية على الله ووصف له بما يمتنع عليه ولا يجوز ~~في حقه ولا يظهر بين العقلاء مناقضته ومعارضته # ومن اعتبر الأمور وجد الرجل يصنف كتابا في طب وحساب أو نحو أو فقه أو ~~ينشىء خطبة أو رسالة أو ينظم قصيدة أو أرجوزة فيلحن فيها لحنة أو يغلط في ~~المعنى غلطة فلا يسكت الناس حتى يتكلموا فيه ويبينوا ذلك ويخرجون من الحق ~~إلى زيادة من الباطل وإن كان صاحب ذلك الكلام لا يدعوهم إلى طاعته ~~واستتباعه ويذم من يخالفه فضلا عن أن يكفره ويبيح قتاله وشتمه فإذا كان ~~الذي جاء بالقرآن ودعا الناس إلى طاعته واستتباعه وأن يكون هو المطاع الذي ~~لا ينبغي مخالفته في شيء دق ولا جل ويقول إن السعادة لمن أطاعه والشقاء لمن ~~خالفه ويعظم مطيعيه ويعدهم بكل خير ويلعن مخالفيه ويبيح دماءهم وأموالهم ~~وحريمهم فمن المعلوم ان مثل هذه الدعوى لا يدعيها إلا أكمل الناس وأحقهم ~~بها وهم الرسل الصادقون أو أكذب الناس وأبعدهم عنها كالمتنبئين الكاذبين PageV07P080 # ومعلوم أن صاحب هذه الدعوة تعاديه النفوس وتحسده كما قال ورقة بن نوفل ms1312 ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره بما جاءه فقال إن قومك سيخرجوك قال أو ~~مخرجي هم قال نعم إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك ~~أنصرك نصرا مؤزرا # ومن المعلوم أن أعداء من يقول مثل هذا إذا كان المفهوم من كلامه والظاهر ~~من خطابه هو كذب على الله ووصفه بما يجب تنزيهه عنه وبما يعلم بصريح العقل ~~أن الله منزه عنه وأنه من وصفه بذلك كان قائلا من التشبيه والتجسيم بما ~~يخالف صريح العقل بل يكون صاحبه كافرا كاذبا مفتريا على الله كان هذا من ~~أعظم ما تتوفر الهمم والدواعي على معارضته به والطعن في ذلك والقدح في ~~نبوته به # وهكذا موسى بن عمران وبنو إسرائيل كان بمقتضى العادة المطردة أنه لا بد ~~في كل عصر من أن يظهر إنكار مثل ذلك والقدح فيما جاء به موسى وأن يكون ~~المؤذون له يؤذونه بذلك وأعظم منه # فإذا قيل إنه قد وجد طعن في موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم بمثل هذا PageV07P081 # قلنا نعم وجد بعد أن ظهرت مقالة الجهمية في المسلمين وحديث الملاحدة من ~~القرامطة الباطنية الذين أخذوا شر قول الجهمية وشر قول الرافضة وركبوا ~~منهما قولا ثالثا شرا منهما ونحن لم نقل إنه لم يقدح أحد في الأنبياء ~~والمرسلين ولا كذبهم ولا عارضهم في نفس ما دعوا إليه من التوحيد والنبوة ~~والمعاد وعارضوهم بعقولهم ولم يعارضوهم معارضة صحيحة بل كان ما عارضوا به ~~فاسدا في العقل # فهؤلاء الذين حدثوا من المعارضين هم أسوأ حالا من أولئك المعارضين فإن ~~القرامطة الباطنية شر من عباد الأصنام من العرب وشر من اليهود والنصارى ~~فمجادلة هؤلاء وأمثالهم بالباطل ليس بعجيب فما زال في الأرض من يجادل ~~بالباطل ليدحض به الحق ولكن قلنا إذا كان الظاهر المفهوم مما خبروا به ~~مخالفا لصريح العقل امتنع في العادة أن لا يعارض أولئك الأعداء به ولا ~~يستشكله الأصدقاء مع طول الزمان وتفرق الأمة فإذا كان العدو يعارض بالمعقول ~~الفاسد فكيف لا ms1313 يعارض بالمعقول الصريح وإذا كان الولي يستشكل ما لا إشكال ~~فيه لخطأه هو نفسه فكيف لا يستشكل ما هو مشكل يخالف ظاهره بل نصه للحق ~~المعلوم بصريح العقل # فقلنا عدم وجود هذه المعارضات مع توفر الهمم والدواعي على وجودها لو كانت ~~حقا دليل على أنها باطل كما أن عدم نقل ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ~~لو كان موجودا دليل على أنه كذب بخلاف وجود الطعن والمعارضة فإنه ليس دليلا ~~على صحة ما PageV07P082 ~~عارض به وطعن كما أن مجرد نقل الناقل ليس دليلا على صحة ما نقل # فليتدبر الفاضل هذا النوع من النظر والكلام فإنه ينفتح له أبواب من الهدى ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله فإن الجهمية النفاة هم من أفسد الناس عقلا ~~وأعظمهم جهلا وإن كان قد يحصل لأحدهم ملك وسلطان بيد او لسان كما حصل ~~لفرعون ونمرود بن كنعان ونحوهما # ولهذا وصف الله لهؤلاء وأشباههم بأنهم لا يسمعون ولا يعقلون ومن تدبر ~~الحقائق وجد كل من كان أقرب إلى التصديق بما جاءت به الرسل والعمل به كان ~~أكمل عقلا وسمعا وكل من كان أبعد عن التصديق بما جاءت به الرسل والعمل به ~~كان أنقص عقلا وسمعا # ولا ريب أن قول أهل التعطيل والإلحاد ومن دخل منهم من أهل الحلول ~~والاتحاد ومن شاركهم في بعض أصولهم المستلزمة لتعطيلهم وإلحادهم من سائر ~~العباد هي من أفسد الأقوال وأكذبها وأعظمها تناقضا وأكثر الأمور أدلة على ~~نقيضها من الأدلة العقلية والسمعية لكن اشتبه بعض أصولهم على كثير من أهل ~~الإيمان فظنوا أن ذلك برهان عقلي معارض للقرآن الإلهي ولم يعلموا أن ~~البرهان موافق للقرآن معاضد لا مناقض معارض وأن دلائل الآيات والآفاق ~~العيانية موافقة للدلائل القرآنية إذ كانت أدلة الحق شهودا صادقين وحكاما ~~لا يثبت عندهم إلا الحق المبين # ومن المعلوم أن أخبار الصادقين وشهاداتهم وإثباتاتهم تتعاون وتتعاضد ~~وتتناصر وتتساعد لا تتناقض ولا تتعارض وإن قدر أن PageV07P083 ~~أحدهم يغلط خطأ أو يكذب أحيانا فلا بد أن يظهر خطؤه وكذبه وهذا مما ms1314 استقراه ~~الناس في أحاديث المحدثين للأحاديث النبوية لا يعرف أن أحدا منهم غلط أو ~~كذب إلا وظهر لأهل صناعته كذبه أو خطؤه # وكذلك الناظرون أهل النظر والاستدلال في الأدلة السمعية أو العقلية ما ~~يكاد يغلط غالط منهم إلا ويعرف الناس غلطه من أبناء جنسه وغيرهم # والجهمية النفاة المعطلة قلبوا حقائق الأدلة والبراهين العقلية والسمعية ~~ثم ادعوا أن معهم دلالات عقلية تعارض الآيات السمعية فحرفوا الآيات وبدلوها ~~بالتأويل بعد أن أفسدوا العقول بزخرف الأباطيل # قال تعالى { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى ~~بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه ~~أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون أفغير الله ~~أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون ~~أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا ~~مبدل لكلماته وهو السميع العليم } سورة الأنعام 112 115 # فإذا رأيت الدلائل اليقينية تدل على أن ما أخبر به الرسول لا يناقض ~~العقول بل يوافقها وأن ما ادعاه النفاة من مناقضة البرهان PageV07P084 ~~لمدلول القرآن قول باطل فلا تعجب من كثرة أدلة الحق وخفاء ذلك على كثيرين ~~فإن دلائل الحق كثيرة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وقل لهذه العقول ~~التي خالفت الرسول في مثل هذه الأصول عقول كادها باريها واتل قوله تعالى { ~~وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون ~~} سورة الأحقاف 26 # ومما يوضح الأمر في ذلك أن يقال من المعلوم أن موسى ومحمدا صلى الله ~~عليهما وسلم وأمثالهما كانوا من أكمل الناس معرفة وخبرة وعقلا باتفاق من ~~آمن بهم ومن كفر فإن الكافر بهم يقول كانوا من أدهى الناس وأخبرهم بالأمور ~~وأعرفهم بالطرق التي تنال بها المقاصد والأسباب التي تطلب بها المرادات ~~فسعوا فيما يصدقهم به الناس ويطيعونهم بما كان ms1315 عندهم من المعرفة والحذق ~~والذكاء # وأما المؤمن بهم فيقول إن الله خصهم من العلم والعقل والمعرفة واليقين ~~بما لم يشركهم فيه أحد من العالمين # قال وهب بن منبه لو وزن عقل محمد صلى الله عليه وسلم بعقل أهل الأرض لرجح # وإذا كان كذلك امتنع في صريح العقل أن من يريد أن الناس يصدقونه ويطيعونه ~~يذكر لهم ما يوجب في صريح العقل تكذيبه PageV07P085 ~~ومعصيته والقدح فيما جاء به ومعارضته فإن كان المفهوم المعروف مما أخبروا ~~به الناس مناقضا لصريح العقل وهم لم يعرفوا أنه مناقض لصريح العقل فقد ~~وصفهم من قال ذلك من نقص العقل وفساده بما أجمع الناس على فساده وإن علموا ~~أنه مناقض لصريح العقل وأظهروه ولم يبينوه ولم يذكروا ما يجمع بينه وبين ~~صريح المعقول فقد سعوا فيما به يكذبهم المكذب ويرتاب المصدق ويستطيل به ~~أعداؤهم على أوليائهم فيكون أولياؤهم في الريب والاضطراب وأعداؤهم قد فوقوا ~~إليهم النشاب وحزبوا عليهم الأحزاب وهم لا يستطيعون نصر ما جاء به الرسول ~~بل يطلبون الإعراض عن سماعه ومنع الناس من استماعه ولا يفعله إلا من هو أقل ~~الناس عقلا # وإذا كان هؤلاء بإجماع أهل الأرض كاملي العقول والمعرفة بل أكمل الناس ~~عقلا ومعرفة تبين أن الدين الذي أظهروه وبينوه وأخبروا به ووصفوه لم يكن ~~عندهم مناقضا لصريح المعقول ولا منافيا لحق مقبول بل كان عندهم لا يخالف ~~ذلك إلا كل كاذب جهول # ومما يوضح الأمر في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ظهر وانتشر ما ~~أخبر به من تبديل أهل الكتاب وتحريفهم وما أظهر من عيوبهم وذنوبهم وتنزيهه ~~لله عما وصفوه به من النقائص والعيوب PageV07P086 ~~كقوله تعالى { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ~~سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق } سورة آل ~~عمران 181 # وقوله تعالى { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ~~بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك ms1316 ~~طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين } ~~سورة المائدة 64 65 # وقوله تعالى { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما ~~مسنا من لغوب } سورة ق 38 # ونزه نفسه عما وصفوه به من الفقر والبخل والإعياء فالإعياء من جنس العجز ~~المنافي لكمال القدرة والفقر من جنس الحاجة إلى الغير المنافي لكمال الغنى ~~والبخل من جنس منع الخير وكراهة العطاء المنافي لكمال الرحمة والإحسان ~~وكمال القدرة والرحمة # والغني عن الغير مستلزم سائر صفات الكمال فإن الفاعل إذا كان عاجزا لم ~~يفعل وإذا كان قادرا ولم يرد فعل الخير لم يفعله فإذا كان قادرا مريدا له ~~فعل الخير ثم إن كان محتاجا إلى غيره كان معاوضا لا محسنا متفضلا وكان فيه ~~نقص من وجه آخر فإذا كان مع PageV07P087 ~~هذا غنيا عن الغير لم يفعل إلا لمجرد الإحسان والرحمة وهذا غاية الكمال # وقد نزه الله سبحانه نفسه في القرآن عما زعمته النصارى من الولد والشريك ~~فقال تعالى { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ~~سبحانه } سورة النساء 171 # وقال { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من ~~الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا } سورة ~~المائدة 17 # وقال تعالى { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله ~~واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا ~~يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } سورة المائدة 73 74 # ثم إنه جمع اليهود والنصارى في قوله { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا ms1317 من ~~قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون } سورة التوبة 30 # ومن المعلوم لمن له عناية بالقرآن أن جمهور اليهود لا تقول إن عزير ابن ~~الله وإنما قاله طائفة منهم كما قد نقل أنه قال فنحاص بن PageV07P088 ~~عازورا أو هو وغيره # وبالجملة إن قائلي ذلك من اليهود قليل ولكن الخبر عن الجنس # كما قال { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم } سورة آل عمران ~~173 فالله سبحانه بين هذا الكفر الذي قاله بعضهم وعابه به فلو كان ما في ~~التوراة من الصفات التي تقول النفاة إنها تشبيه وتجسيم فإن فيها من ذلك ما ~~تنكره النفاة وتسميه تشبيها وتجسيما بل فيها إثبات الجهة وتكلم الله بالصوت ~~وخلق آدم على صورته وأمثال هذه الأمور # فإن كان هذا مما كذبته اليهود وبدلته كان إنكار النبي صلى الله عليه وسلم ~~لذلك وبيان ذلك أولى من ذكر ما هو دون ذلك فكيف والمنصوص عنه موافق للمنصوص ~~في التوراة فإنك تجد عامة ما جاء به الكتاب والأحاديث في الصفات موافقا ~~مطابقا لما ذكر في التوراة وقد قلنا قبل ذلك إن هذا كله مما يمتنع في ~~العادة توافق المخبرين به من غير مواطأة # وموسى لم يواطىء محمدا ومحمد لم يتعلم من أهل الكتاب فدل PageV07P089 ~~ذلك على صدق الرسولين العظيمين وصدق الكتابين الكريمين وقلنا إن هذا لو كان ~~مخالفا لصريح المعقول لم يتفق عليه مثل هذين الرجلين اللذين هما وأمثالهما ~~أكمل العالمين عقلا من غير أن يستشكل ذلك وليهما المصدق ولا يعارض بما ~~يناقضه عدوهما المكذب ويقولان إن إقرار محمد صلى الله عليه وسلم لأهل ~~الكتاب على ذلك من غير أن يبين كذبهم فيه دليل على أنه ليس مما كذبوه ~~وافتروه على موسى مع أن هذا معلوم بالعادة فإن هذا في التوراة كثير جدا ~~وليس لأمة كثيرة عظيمة منتشرة في مشارق الأرض ومغاربها غرض في أن تكذب من ~~تعظمه غاية التعظيم بما يقدح فيه وتبين فساد أقواله ولكن لهم غرض في أن ~~يكذبوا كذبا يقيمون به رياستهم وبقاء ms1318 شرعهم والقدح فيما جاء به من ينسخ ~~شيئا منهم كما لهم غرض في الطعن على عيسى ابن مريم وعلى محمد صلى الله ~~عليهما وسلم فإذا قالوا ما هو جنس القدح في عيسى ومحمد كان تواطؤهم على ~~الكذب فيه ممكنا فأما إذا قالوا ما هو من جنس القدح في موسى فيمتنع تواطؤهم ~~على ذلك في العادة مع علمهم بأنه يقدح في موسى كما يمتنع تواطؤ النصارى على ~~ما يعلمون أنه قدح في المسيح PageV07P090 # وأما المسلمون فقد عصمهم الله من أن يتفقوا على خطأ لكن يعلم بمطرد ~~العادات أنه يمتنع تواطؤهم على ما يعلمون أنه قدح في نبوته فإن هذا لا ~~يفعله إلا من هو مبغض له مكذب ونحن نعلم أن اليهود لم يتفقوا على بغض موسى ~~وتكذيبه ولا اتفقت النصارى على بغض المسيح وتكذيبه فضلا عن أن تتفق طائفة ~~من المسلمين على بغض محمد وتكذيبه وإذا اتفقت طائفة على بغضه وتكذيبه مثل ~~غالية الإسماعيلية والخرمية الباطنية وأمثالهم لم تكن هذه الطائفة من أهل ~~الإيمان به وقد انكشف ولله الحمد أمرهم وانهتك سترهم # وقد تتفق الطائفة على قول يكون متضمنا للقدح فيمن تعظمه ولا يعلم ذلك كما ~~يتفق مثل ذلك للنصارى والرافضة وأمثالهم من جهال الطوائف الذين اعتقدوا ~~عقائد فاسدة فظنوها حقا وكذب بعضهم فنقلها لهم عن المسيح أو علي فصدقوا ذلك ~~الناقل لا لثبوت صدقه عندهم لكن لموافقته لهم فيما يعتقدونه # وهذا سبب كثرة الكذب والضلال بين النصارى والرافضة والغلاة من العامة ~~وغيرهم وإذا كان كذلك فهذه الأقوال التي في التوراة إن كانت مخالفة لصريح ~~العقل لم يكن في إضافتها إلى موسى إلا بطريق القدح فيه فيمتنع اتفاق اليهود ~~على نقلها عنه وإن لم تكن مخالفة لصريح العقل لم يكن حينئذ في نقلها عن ~~موسى محذور # فثبت أنه لايجوز تكذيب نقل هذه عن موسى لاعتقاده مخالفتها بالعقل الصريح PageV07P091 # فإن قيل إن الذي كذبها لهم كان يعتقد صدقها أو كان غرضه إضلالهم كما أن ~~كثيرا من هذه الأمة يكذب على النبي صلى ms1319 الله عليه وسلم أكاذيب لاعتقاده ~~أنها حق صحيح يجب على الناس قبوله فيكذب أحاديث في ذلك ليقبل الناس ما ~~يعتقده كما وقع مثل هذا لطوائف من أهل البدع والكلام وبعض المتفقهة ~~والمتزهدة مثل الجويباري الذي كان يكذب للمرجئة والكرامية وغيرهم أحاديث ~~توافق قولهم ومثل بعض المتفقهة الذين كذبوا أحاديث توافق رأيهم لاعتقادهم ~~أنه صدق ومثل طائفة من أهل الزهد والعبادة كذبوا أحاديث في الترغيب ~~والترهيب وقالوا نحن كذبنا له ما كذبنا عليه ومثل الذين كذبوا أحاديث في ~~فضائل الأشخاص والبقاع والأزمنة وغير ذلك لظنهم أن موجب ذلك حق أو لغرض آخر # واخرون من الزنادقة والملاحدة كذبوا أحاديث مخالفة لصريح العقل ليهجنوا ~~بها الإسلام ويجعلوها قادحة فيه مثل حديث عرق الخيل الذي فيه أنه خلق خيلا ~~فأجراها فعرقت فخلقت نفسه من ذلك العرق فخلق نفسه من ذلك العرق فإن هذا ~~الحديث وأمثاله لا يكذبه من يعتقد صدقه لظهور PageV07P092 ~~كذبه وإنما كذبه من مقصوده إظهار الكذب بين الناس كما يقولون إنه وضعه بعض ~~أهل الأهواء ليقول إن أهل الحديث يروون مثل هذا ومع هذا فكل أهل الحديث ~~متفقون على لعنه من وضعه # ومما يشبه ذلك حديث الجمل الأورق وأنه ينزل عشية عرفة على جمل أورق ~~فيصافح المشاة ويعانق الركبان وحديث رؤيته لربه في الطواف أو رؤيته ليلة ~~المعراج بعين رأسه وعليه تاج يلمع بل وكل حديث فيه رؤيته لربه ليلة المعراج ~~عيانا فإنها كلها أحاديث مكذوبة موضوعة باتفاق أهل المعرفة بالحديث لكن ~~الذين وضعوها يمكن أنهم كانوا زنادقة فوضعوها ليهجنوا بها من يرويها ~~ويعتقدها من الجهال ويمكن أن الذين وضعوها كانوا من الجهال الذين يظنون مثل ~~هذا حقا وأنهم إذا وضعوه قووا الحق كما وضع كثير من هؤلاء أحاديث في فضائل ~~الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان لا سيما ما وضعوه في فضائل علي من الأكاذيب ~~فإنه لا يكاد يحصى مع أن في فضائلهم الصحيحة ما يغني عن الباطل ومثل ما ~~وضعوه في مثالبهم لا سيما ما وضعته الرافضة في مثالب الخلفاء وغيرهم ms1320 فإن ~~فيه من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله # والمقصود أن المعترض يقول يمكن أن يكون الذين كذبوا ما في PageV07P093 ~~التوراة من الصفات على موسى كانوا يعتقدونها فكذبوها أو كان مقصودهم إضلال ~~اليهود وبث الكذب فيهم لإفساد دينهم # قيل هذا القدر يمكن أن يفعله الواحد والاثنان والطائفة القليلة ولكن ~~هؤلاء إذا حدثوا به عامة اليهود مع معرفتهم واختلافهم فلا بد إذا كان ~~معلوما فساده بصريح العقل أن يرده بعضهم أو يستشكله ويقول إن مثل هذا يقدح ~~في موسى فحيث قبلوه كلهم علم أنهم لم يكونوا يعتقدون أنه فاسد في صريح العقل # ومن المعلوم عند أهل الكتاب أن قدماءهم لم يكونوا ينكرون ما في التوراة ~~من الصفات وإنما حدث فيهم بعد ذلك لما صار فيهم جهمية إما متفلسفة مثل موسى ~~بن ميمون وأمثاله وإما معتزلة مثل أبي يعقوب البصير وأمثاله فإن اليهود لهم ~~بالمعتزلة اتصال وبينهما اشتباه ولهذا كانت اليهود تقرأ الأصول الخمسة التي ~~للمعتزلة ويتكلمون في أصول اليهود بما يشابه كلام المعتزلة كما أن كثيرا من ~~زهاد الصوفية يشبه النصارى ويسلك في زهده وعبادته من الشرك والرهبانية ما ~~يشبه سلوك النصارى # ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول في صلاتنا { اهدنا الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } PageV07P094 ~~سورة الفاتحة 6 7 # والنصارى يشبهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال واليهود تشبه الخالق ~~بالمخلوق في صفات النقص ولهذا أنكر القرآن على كل من الطائفتين ما وقعت فيه ~~من ذلك فلو كان ما في التوراة من هذا الباب لكان إنكار ذلك للهدى من أعظم ~~الأسباب وكان فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لذلك من ~~أعظم الصواب ولكان النبي صلى الله عليه وسلم ينكر ذلك من جنس إنكار النفاة # فنقول إثبات هذه الصفات يقتضي التجسيم والتجسيد والتشبيه والتكييف والله ~~منزه عن ذلك فإن عامة النفاة إنما يردون هذه الصفات بأنها تستلزم التجسيم # ومن المسلمين وأهل الكتاب من يقول بالتجسيد فلو كان هذا تجسيما وتجسيدا ~~يجب إنكاره لكان الرسول ms1321 إلى إنكار ذلك أسبق وهو به أحق وإن كان الطريق إلى ~~نفي العيوب والنقائص ومماثلة الخالق لخلقه هو ما في ذلك من التجسيد ~~والتجسيم كان إنكار ذلك بهذا الطريق المستقيم كما فعله من أنكر ذلك بهذا ~~الطريق هو الصراط المستقيم من القائلين بموجب ذلك من أهل الكلام فلما لم ~~ينطق النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه والتابعون بحرف من ذلك بل كان ما نطق به PageV07P095 ~~موافقا مصدقا لذلك وكان اليهود إذا ذكروا بين يديه أحاديث في ذلك يقرأ من ~~القرآن ما يصدقها # كما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن يهوديا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم إن الله يوم القيامة يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع ~~والجبال على إصبع والشجر والثرى على إصبع وسائر الخلائق على إصبع ثم يهزهن ~~ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا ~~وتصديقا لقول الحبر ثم قرأ قوله تعالى { وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ~~} سورة الزمر 67 # وأخبر هو صلى الله عليه وسلم بما يوافق ذلك غير مرة كما في حديث ابن عمر ~~الذي في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر هذه الآية ثم ~~قال يقول الله أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا المتعال يمجد نفسه قال ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرددها حتى رجف به المنبر حتى ظننا أنه ~~سيخر به # فهذا كله ذكرناه لما بينا أن ما يخالف هذه النصوص من القضايا التي يقال ~~إنها عقلية ليست مما يحتاج إليه في العلم بصدق الرسول فعلم PageV07P096 ~~بطلان قول القائل إن تقديم النقل على العقل يوجب القدح فيه بالقدح في أصله ~~حيث تبين أن ذلك ليس قدحا في أصله # وهذا الكلام في الأصل هو من قول الجهمية المعتزلة وأمثالهم وليس من قول ~~الأشعري وأئمة أصحابه وإنما تلقاه عن المعتزلة متأخرو الأشعرية لما مالوا ~~إلى نوع ms1322 التجهم بل الفلسفة وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه الذين لم ~~يكونوا يقرون بمخالفة النقل للعقل بل انتصبوا لإقامة أدلة عقلية توافق السمع # ولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع وأثبت بالعقل الصفات العقلية ~~التي تعلم بالعقل والسمع فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضا للسمع بل ما جعله ~~معاضدا له وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل # وهؤلاء خالفوه وخالفوا أئمة أصحابه في هذا وهذا فلم يستدلوا بالسمع في ~~إثبات الصفات وعارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات # والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم ~~والاعتزال مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الأجسام وإنكار اتصاف الله ~~بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها وأمثال ذلك من المسائل التي أشكلت ~~على من كان أعلم من الأشعري بالسنة والحديث وأقوال السلف والأئمة كالحارث ~~المحاسبي وأبي علي الثقفي وأبي بكر بن إسحاق الصبغي مع أنه قد قيل إن PageV07P097 ~~الحارث رجع عن ذلك وذكر عنه غير واحد ما يقتضي الرجوع عن ذلك وكذلك الصبغي ~~والثقفي قد روى أنهما استتيبا فتابا # وقد وافق الأشعري على هذه الأصول طوائف من أصحاب أحمد ومالك والشافعي ~~وأبي حنيفة وغيرهم منهم من تبين له بعد ذلك الخطأ فرجع عنه ومنهم من اشتبه ~~عليه ذلك كما اشتبه غير ذلك على كثير من المسلمين والله يغفر لمن اجتهد في ~~معرفة الصواب من جهة الكتاب والسنة بحسب عقله وإمكانه وإن أخطأ في بعض ذلك # والمقصود أنه لم يكن في المنسوبين إلى السنة ولو كان فيه نوع من البدعة ~~من يزعم أن صريح المعقول يخالف مدلول الكتاب والسنة بل كل من تكلم بذلك كان ~~عند الأمة من أهل البدع المضلة فضلا عن أن يقال إن ما به يعلم صدق الرسول ~~من المعقول مناقض لمدلول الكتاب والسنة إذ هذا الكلام يفتح على صاحبه من ~~الزندقة والإلحاد ما يخرجه عن طرد قوله إلى غاية الجهل والضلال والكفر ~~والإلحاد وإن لم يطرد قوله ظهر منه التناقض والفساد ما لا يوافقه عليه لا ~~أهل التوحيد والحق والإيمان ولا ms1323 طائفة من طوائف العباد # وبهذا كان يصف الأشعري كل من يواليه ويحبه من المنسوبين إلى السنة ~~والجماعة كما في رسالة أبي بكر البيهقي التي كتبها إلى بعض ولاة الأمور لما ~~كان وقع بخراسان من لعنة أهل البدع ما وقع وقصد بعض PageV07P098 ~~الناس إدخال الأشعرية فيهم وقد ذكر الرسالة أبو القاسم ابن عساكر في تبيين ~~كذب المفترى # قال البيهقي في أثناء الرسالة فليعلم الشيخ العميد أن أبا الحسن من أولاد ~~أبي موسى الأشعري رضي الله عنه # ثم ذكر من فضائل أبي موسى والأشعريين وذرية أبي موسى أمورا معروفة إلى أن ~~قال إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري فلم يحدث في دين الله ~~حدثا ولم يأت فيه ببدعة بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من ~~الأئمة في أصول الدينا فبصرنا بزيادة شرح وتبيين وأن ما قالوه وجاء به ~~الشرع في الأصول صحيح في المعقول خلاف ما زعمه أهل الأهواء من أن بعضه لا ~~يستقيم في الآراء فكان في بيانه PageV07P099 ~~تقوية ما لم يزل عليه أهل السنة والجماعة ونصرة أقاويل من مضى من الأئمة ~~كأبي حنيفة وسفيان الثوري من أهل الكوفة والأوزاعي وغيره من أهل الشام ~~ومالك والشافعي من أهل الحرمين ومن نحا نحوهما من أهل الحجاز وغيرها من ~~سائر البلاد كأحمد بن حنبل وغيره من أهل الحديث والليث بن سعد وغيره ومحمد ~~بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري إمامي أهل الآثار وذلك دأب ~~من تصدر من الأئمة في هذه الأمة وصار رأسا في العلم من أهل السنة في قديم ~~الدهر وحديثه # إلى أن قال وحين كثرت المبتدعة في هذه الأمة وتركوا ظاهر الكتاب والسنة ~~وأنكروا ما ورد أنه من صفات الله تعالى نحو الحياة والقدرة والعلم والمشيئة ~~والسمع والبصر والكلام وجحدوا ما دلا عليه من المعراج وعذاب القبر والميزان ~~وأن الجنة والنار مخلوقاتان وأن أهل الإيمان يخرجون من النيران وما لنبينا ~~صلى الله عليه وسلم من الحوض والشفاعة وأن الخلفاء الأربعة PageV07P100 ~~كانوا محقين فيما قاموا به من ms1324 الولاية وزعموا أن شيئا من ذلك لا يستقيم على ~~العقل ولا يصح في الرأي أخرج الله من نسل أبي موسى الأشعري إماما قام بنصرة ~~دين الله وجاهد بلسانه وبنانه من صد عن سبيل الله وزاد في التبيين لأهل ~~اليقين أن ما جاء به الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة مستقيم على ~~العقول الصحيحة والآراء # ومضمون الرسالة إزالة ما وقع من الفتنة وإطابة قلوب أهل السنة # قال أبو القاسم بن عساكر وإنما كان انتشار ما ذكره أبو بكر البيهقي من ~~المحنة واستعار ما أشار بإطفائه في رسالته من الفتنة ما تقدم به من سب حزب ~~الشيخ أبي الحسن الأشعري في دولة السلطان طغرلبك ووزارة أبي نصر الكندري ~~وكان السلطان حنفيا سنيا وكان وزيره معتزليا رافضيا فلما أمر السلطان بلعن ~~المبتدعة على المنابر في الجمع قرن الكندري للتسلي والتشفي اسم الأشعرية PageV07P101 ~~بأسماء أرباب البدع وامتحن الأئمة الأفاضل وعزل أبا عثمان النيسابوري عن ~~خطابة نيسابور وفوضها إلى بعض الحنفية فأم الجمهور وخرج الأستاذ أبو القاسم ~~وأبو المعالي عن البلد # ثم ذكر زوال تلك المحنة في دولة ابن ذلك السلطان ووزارة النظام # وهذا الذي ذكره عنه البيهقي هو المعروف في كتبه وعند أئمة أصحابه وذكر ~~ابن عساكر عن جماعة ما يوافق كلام البيهقي فذكر أن أبا الحسن القابسي وهو ~~من كبار أئمة المالكية بالمغرب سئل عنه فكان في جوابه واعلموا أن أبا الحسن ~~الأشعري لم يأت من هذا الأمر يعني الكلام إلا ما أراد به إيضاح السنن ~~والتثبيت عليها ودفع الشبه عنها # وقال أبو بكر بن فورك انتقل الشيخ أبو الحسن الأشعري PageV07P102 ~~من مذاهب المعتزلة إلى نصرة مذاهب أهل السنة والجماعة بالحجج العقلية وصنف ~~في ذلك الكتب # وذكر ابن عساكر كلامه في مصنفاته # وقوله فإن قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية ~~والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون ~~قيل له قولنا الذي به نقول وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله وسنة ~~نبيه صلى الله عليه ms1325 وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن ~~بذلك معتصمون وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل ~~مثوبته قائلون ولمن خالف PageV07P103 ~~قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ~~عند ظهور الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك ~~الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين ~~وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما ~~رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك شيئا وأن الله ~~إله واحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة ~~والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن ~~الله مستو على عرشه كما قال { الرحمن على العرش استوى } سورة طه 5 وأن له ~~وجها كما قال { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } سورة طه 27 وأن له يدين ~~كما قال { بل يداه مبسوطتان } سورة المائدة 64 وكما قال { لما خلقت بيدي } PageV07P104 ~~سورة ص 75 وأن له عينين بلا كيف كما قال { تجري بأعيننا } سورة القمر 15 ~~إلى أن قال # ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~وإجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله ~~بها ولا نقول على الله ما لا نعلم ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال ~~{ وجاء ربك والملك صفا صفا } سورة الفجر 22 وأن الله يقرب من عباده كيف ~~يشاء كما قال { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } سورة ق 16 وكما قال { ثم ~~دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } سورة النجم 8 9 # فهذا الكلام وأمثاله في كتبه وكتب أئمة أصحابة يبينون أنهم يعتصمون في ~~مسائل الأصول التي تنازع فيها الناس بالكتاب والسنة والإجماع وأن دينهم ~~التمسك بالكتاب والسنة وما روي عن الصحابة ms1326 والتابعين وأئمة الحديث ثم خصوا ~~الإمام أحمد بالاتباع والموافقة لما أظهره من السنة بسبب ما وقع له من المحنة # فأين هذا من قول من لا يجعل الكتاب والسنة والإجماع طريقا إلى معرفة صفات ~~الله وأمثال ذلك من مسائل الأصول فضلا عمن يدعى تقديم عقله ورأيه على مدلول ~~الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة ويقول إذا تعارض القرآن وعقولنا ~~قدمنا عقولنا على القرآن PageV07P105 # ولهذا كان الأشعري وأئمة أصحابه من المثبتين لعلو الله بذاته على العالم ~~كما كان ذلك مذهب ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأبي بكر ~~الصبغي وأبي علي الثقفي وأمثالهم # لكن للبقايا التي بقيت على ابن كلاب وأتباعه من بقايا التجهم والاعتزال ~~كطريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام احتاج من سلك طريقهم إلى طرد تلك ~~الأقوال فاحتاج أن يلتزم قول الجهمية والمعتزلة في نفي الصفات الخبرية ~~ويقدم عقله على النصوص الإلهية ويخالف سلفه وأئمته الأشعرية وصار ما مدح به ~~الأشعري وأئمة أصحابه من السنة والمتابعة النبوية عنده من أقوال المجسمة ~~الحشوية كما أن المعتزلة لما نصروا الإسلام في مواطن كثيرة وردوا على ~~الكفار بحجج عقلية لم يكن أصل دينهم تكذيب الرسول ورد أخباره ونصوصه لكن ~~احتجوا بحجج عقلية إما ابتدعوها من تلقاء أنفسهم وإما تلقوها عمن احتج بها ~~من غير أهل الإسلام فاحتاجوا أن يطردوا أصول أقوالهم التي احتجوا بها لتسلم ~~عن النقص والفساد فوقعوا في أنواع من رد معاني الأخبار الإلهية وتكذيب ~~الأحاديث النبوية # وأصل ما أوقعهم في نفي الصفات والكلام والأفعال والقول بخلق القرآن ~~وإنكار الرؤية والعلو لله على خلقه هي طريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام ~~وعنها لزمهم ما خالفوا به الكتاب والسنة والإجماع في هذا المقام مع ~~مخالفتهم للمعقولات الصريحة التي لا تحتمل PageV07P106 ~~النقيض فناقضوا العقل والسمع من هذا الوجه وصاروا يعادون من قال بموجب ~~العقل الصريح أو بموجب النقل الصحيح وهم وإن كان لهم من نصر بعض الإسلام ~~أقوال صحيحة فهم فيما خالفوا به السنة سلطوا عليهم وعلى المسلمين أعداء ~~الإسلام فلا للإسلام نصروا ms1327 ولا للفلاسفة كسروا # فإن قيل إنما لم يعارض سلف المؤمنين والكفار المتقدمون لهذه النصوص لأنهم ~~كانوا قوما عربا فصحاء يفهمون ما أريد بها ولم يكونوا يفهمون منها إثبات أن ~~ذاته نفسه فوق العرش ولا ما يشبه ذلك من الأمور المستلزمة للتجسيم فلما لم ~~يفهموا منها ما فهمه المتأخرون من هذا الإثبات لم يكن المفهوم منها عندهم ~~معارضا لشيء من الأدلة العقلية وأما المتأخرون فلما صاروا يستدلون بها على ~~الإثبات المستلزم للتجسيم صار من يريد أن يرد عليهم يعارضهم بالأدلة ~~العقلية النافية # فهذا خلاصة ما يمكن أن يقوله من يعظم الرسول والسلف من النفاة # فيقال هذا باطل من وجوه متعددة # أحدها أن يقال فعلى هذا التقدير لا يكون المفهوم الظاهر من هذه النصوص ~~إثبات العلو على العالم والصفات ولا يجوز أن يقال ظواهر هذه النصوص غير ~~مراد ولا أنه قد تعارضت الدلائل النقلية والعقلية فإنه إذا قدر أنها لا تدل ~~على الإثبات لا دلالة قطعية ولا ظاهرة بطل أن يكون في ظاهرها ما يفهم منه ~~الإثبات PageV07P107 ~~ومن المعلوم أن هذا خلاف قول الطوائف كلها من المثبتة والنفاة حتى من ~~الفلاسفة القائلين بقدم العالم وإنكار معاد الأبدان فإنهم معترفون بما ~~اعترف به سائر الخلق من أن الظاهر المفهوم منها هو إثبات الصفات # لكن هؤلاء المتفلسفة يقولون إن الرسول لم يرد بيان العلم والإخبار بالأمر ~~على وجهه وإنما أراد التخييل وإن تضمن ذلك التدليس وإظهار خلاف ما يبطن ~~والكذب للمصلحة وهذا قول الملاحدة الباطنية # وفساد هذا معلوم من وجوه أكثر مما يعلم به فساد قول الجهمية والمعتزلة ~~ولهذا كان هؤلاء عند المسلمين ملاحدة زنادقة # الوجه الثاني أن يقال التفاسير الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان تبين أنهم إنما كانوا يفهمون منها الإثبات بل والنقول المتواترة ~~المستفيضة عن الصحابة والتابعين في غير التفسير موافقة للإثبات ولم ينقل عن ~~أحد من الصحابة والتابعين حرف واحد يوافق قول النفاة ومن تدبر الكتب ~~المصنفة في آثار الصحابة والتابعين بل المصنفة في السنة من كتاب السنة ~~والرد ms1328 على الجهمية للأثرم ولعبد الله بن أحمد وعثمان بن سعيد الدارمي ومحمد ~~بن إسماعيل البخاري وأبي داود السجستاني وعبد الله بن محمد الجعفي والحكم ~~بن معبد الخزاعي وحشيش بن أصرم النسائي وحرب بن إسماعيل الكرماني وأبي بكر ~~الخلال ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأبي القاسم الطبراني وأبي الشيخ الأصبهاني ~~وأبي أحمد العسال وأبي PageV07P108 ~~نعيم الأصبهاني وأبي الحسن الدارقطني وأبي حفص بن شاهين ومحمد بن إسحاق بن ~~منده وأبي عبد الله بن بطة وأبي عمر الطلمنكي وأبي ذر الهروي وأبي محمد ~~الخلال والبيهقي وأبي عثمان الصابوني وأبي نصر السجزي وأبي عمر بن عبد البر ~~وأبي القائم اللالكائي وأبي إسماعيل الأنصاري وأبي القاسم التيمي وأضعاف ~~هؤلاء رأى في ذلك من الآثار الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين ما ~~يعلم معه بالاضطرار أن الصحابة والتابعين كانوا يقولون بما يوافق مقتضى هذه ~~النصوص ومدلولها وأنهم كانوا على قول أهل الإثبات المثبتين لعلو الله نفسه ~~على خلقه المثبتين لرؤيته القائلين بأن القرآن كلامه ليس بمخلوق بائن عنه # وهذا يصير دليلا من وجهين أحدهما من جهة إجماع السلف فإنهم يمتنع أن ~~يجمعوا في الفروع على خطأ فكيف في الأصول # الثاني من جهة أنهم كانوا يقولون بما يوافق مدلول النصوص ومفهومها لا ~~يفهمون منها ما يناقض ذلك # ولهذا كان الذين أدركوا التابعين من أعظم الناس قولا بالإثبات وإنكارا ~~لقول النفاة كما قال يزيد بن هارون الواسطي من قال إن الله على العرش استوى ~~خلاف ما يقر في نفوس العامة فهو جهمي وقال الأوزاعي كنا والتابعون متوافرون ~~نقر بأن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته # الثالث أن من له عناية بآثار السلف يعلم علما يقينيا أن قول النفاة إنما ~~حدث فيهم في أثناء المائة الثانية وأن أول من ظهر ذلك عنه الجعد PageV07P109 ~~ابن درهم والجهم بن صفوان وقد قتلهما المسلمون وكلام السلف والأئمة في ذم ~~الجهمية أعظم وأكثر من أن يذكر هنا حتى كان غير واحد من الأئمة يخرجهم عن ~~عداد الأمة # وقال يوسف بن ms1329 أسباط وعبد الله بن المبارك أصول الثنتين وسبعين فرقة أربع ~~الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية فقيل لابن المبارك فالجهمية فأجاب بأن ~~أولئك ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم # ولأصحاب أحمد في الجهمية هل هم من الثنتين وسبعين فرقة أم هم خارجون عنها ~~كالملاحدة الزنادقة قولان والجهمية باتفاقهم هم نفاة الصفات الذين يقولون ~~إن الله ليس فوق العالم ولا يرى ولا تقوم به صفة ولا فعل وابن كلاب ومتبعوه ~~خالفوهم في العلو والصفات ووافقوهم على نفي الأفعال القائمة به وغيرها مما ~~يتعلق بمشيئته وقدرته فكيف يمكن مع هذا أن يقال إن السلف كانوا من القائلين ~~بنفي العلو والصفات # وإذا كانوا من المثتبة امتنع أن يقال إنهم عرفوا أن القرآن إنما يدل على ~~قول الإثبات وخالفوه # الوجه الرابع أن يقال القرآن إما أن يقال إنه بنفسه دال على العلو وإثبات ~~ما يفهم منه من الصفات وإما أن يقال إنه ينفي ذلك وإما أن يقال إنه لا يدل ~~على ذلك لا بنفي ولا إثبات # فإن قيل بالأول ثبت المقصود وعلم أن مدلول القرآن ومفهومه هو PageV07P110 ~~الإثبات وتبين ما ذكر من أنه يمتنع أن يكون العقل الصريح معارضا لذلك وإن ~~قيل بالثاني كان هذا معلوم الفساد بالاضطرار فإنه ليس في القرآن آية واحدة ~~ظاهرة في نفي الصفات وغاية ما يريد من يستدل بذلك أن يستدل بقوله { ليس ~~كمثله شيء } سورة الشورى 11 وقوله { ولم يكن له كفوا أحد } سورة الإخلاص 4 ~~ونحو ذلك وهذه الآيات إنما تنفي مماثلة صفاته لصفات المخلوقات لا تنفي ثبوت ~~الصفات ولا ريب أن القرآن تضمن إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات فأما أن ~~يكون فيه ما ينفي الصفات فهذا من أعظم البهتان الذي يظهر أنه كذب لكل عاقل # ولهذا لما كان النفاة يعتمدون على ما ينفي التمثيل كقوله تعالى { ليس ~~كمثله شيء } وقوله { ولم يكن له كفوا أحد } وهذا لا يدل على مقصودهم في ~~اللغة التي نزل بها القرآن بل هو على نقيض مقصودهم أدل فإن هذا يدل على ms1330 ~~ثبوت شيء موصوف بصفات الكمال لا مماثل له في ذلك وهم لم يثبتوا ذلك احتاجوا ~~إلى أن يفتروا على اللغة بعد أن افتروا على العقل فصاروا مفترين على الشرع ~~والعقل واللغة فيقول أحدهم لو كان موصوفا بالعلو لكان جسما ولو كان جسما ~~لكان مماثلا لسائر الأجسام والله قد نفى عنه المثل فهذا أعظم ما يعتمدون ~~عليه من جهة السمع # وقد بين في غير هذا الموضع فساد هذا من وجوه كثيرة منها أن يقال هنا ثلاث ~~مقدمات حصل فيها التلبيس أحدها كون كل PageV07P111 ~~عال جسما والثاني كون الأجسام متماثلة والثالث كون هذا التماثل هو المراد ~~بالمثل في لغة العرب التي نزل بها القرآن # ومنشأ الغلط من الاشتباه والاشتراك والإجمال في لفظ الجسم ولفظ المثل # فيقال الجسم في لغة العرب هو البدن وهو عندكم مما يمكن الإشارة إليه ~~فالهواء والماء والنار ونحو ذلك ليس هو جسما في لغة العرب وهو في اصطلاحكم جسم # وإذا كان الجسم في لغة العرب أخص منه في عرفكم وقد علم بصريح العقل أن ~~الذهب ليس مثل الفضة ولا الخبز مثل التراب ولا الدم كالذهب فما يسمى في لغة ~~العرب جسدا وجسما ونحو ذلك هو مما يعلم أنه ليس متماثلا بصريح العقل والحس ~~فكيف بما هو أعم من ذلك مثل كونه يشار إليه أو كونه يقبل الأبعاد الثلاثة ~~الطول والعرض والعمق مع أن هذه الألفاظ ليس مرادهم بها ما هو معناها في ~~اللغة المعروفة فإن هؤلاء عندهم الحبة الواحدة كالعدسة والسمسمة بل الذرة ~~التي قال الله فيها { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } سورة النساء 40 هي في ~~اصطلاحهم طويلة عريضة عميقة # ومن المعلوم بالاضطرار من لغة العرب أنهم يقولون عن نوع الإنسان هذا طويل ~~وهذا قصير وكذلك أعضاء الإنسان كيده PageV07P112 ~~ورجله وعنقه يقولون هذا طويل وهذا قصير ويقولون هذا عريض وهذا دقيق ورقيق ~~لعنقه ويده # وأما العميق عندهم فيقال في مثل الآبار ونحوها لا يقولون لفم الإنسان إنه ~~عميق ولا لأذنه وعينه ونحو ذلك فكيف بالعدسة والسمسمة ms1331 والذرة # فإذا قالوا عن الشيء إنه طويل عريض عميق لم يقصدوا بذلك المعروف في اللغة ~~وما يعقله الناس من معنى الطول والعرض والعمق بل يقصدون هذا المعنى العام ~~الذي وضعوا له لفظ الطول والعرض والعمق ثم يقولون مع هذا إن كل ما وصف بهذه ~~المعاني العامة فإنه يجب أن يكون متماثلا مستويا في الحد والحقيقة لا يختلف ~~إلا باختلاف أعراضه # فهذا القول من أبعد الأقوال عن المعقول الذي يعرفه الناس بحسهم وعقلهم ثم ~~بتقدير أن يكون كذلك فلا يتمارى عاقلان أن لفظ المثل في لغة العرب وسائر ~~الأمم ليس المراد به هذا وأنه إذا قيل إن كذا مثل كذا أو ليس مثله وهذا ليس ~~له مثل فإنه ليس المفهوم من المثل كون هذا بحيث يشار إليه وكون هذا بحيث ~~يشار إليه أو كون كل منهما له قدر أو له طول وعرض وعمق لا بالمعنى اللغوي ~~ولا بما هو أقرب إليه فضلا عن اصطلاحهم # ونحن نعلم بالضرورة من لغة العرب أنهم لا يقولون الجبل مثل النار ولا ~~الهواء مثل الماء ولا الجمل مثل البقر ولا الشمس والقمر مثل الذهب والفضة ~~مع اشتراكهما في كثير من الصفات الزائدة على PageV07P113 ~~مطلق المقدار بل قد نفى في القرآن كون الشيء مثل غيره مع كون كل منهما جسما ~~بل حيوانا بل إنسانا # كما في قوله { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } سورة ~~محمد 38 # وقال تعالى { أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا ~~بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ~~} سورة الواقعة 58 61 # وهذا في لغة العرب لقول شاعرهم # % ليس كمثل الفتى زهير % خلق يوازيه في الفضائل % # وقال الآخر # % ما إن كمثلهم في الناس واحد % # فكيف يجوز مع هذا أن يستدل بقوله { ليس كمثله شيء } أو قوله { ولم يكن له ~~كفوا أحد } على أنه لا صفة له أو لا يرى في الآخرة أو ليس فوق العرش بناء ~~على تلك المقدمات وهو ms1332 أنه لو كان كذلك لكان جسما والأجسام متماثلة والله قد ~~نفى المثل # ومن عجيب ما يحتجون به أنهم يقولون لو كان متصفا بذلك لكان جسما ولو كان ~~جسما لكان منقسما والمنقسم ليس بواحد والله قد أخبر أنه واحد مع أنه لا ~~يوجد في لغة العرب بل ولا غيرهم PageV07P114 ~~من الأمم استعمال الواحد الأحد والوحيد إلا فيما يسمونه هم جسما ومنقسما ~~كقوله تعالى { ذرني ومن خلقت وحيدا } سورة المدثر 11 # وقوله تعالى { وإن كانت واحدة فلها النصف } سورة النساء 11 # وقوله { واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب } إلى قوله { ~~قال له صاحبه وهو يحاوره } سورة الكهف 32 37 # وقوله { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب } سورة البقرة 266 # وقوله تعالى { ولا يظلم ربك أحدا } سورة الكهف 49 # وقوله { ولا يشرك في حكمه أحدا } سورة الكهف 26 # وقوله { ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } سورة الكهف 110 # وقوله { ولا تستفت فيهم منهم أحدا } سورة الكهف 23 # وقوله { قل إني لن يجيرني من الله أحد } سورة الجن 22 # وقوله { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } سورة الجن 18 # وقوله { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } سورة ~~التوبة 6 PageV07P115 # وقوله { ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا } سورة ~~يوسف 36 # إلى قوله { أما أحدكما فيسقي ربه خمرا } سورة يوسف 41 # وقوله { قالت إحداهما يا أبت استأجره } سورة القصص 26 إلى قوله { إني ~~أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين } سورة القصص 27 # وقوله { ولم يكن له كفوا أحد } سورة الإخلاص 4 # والعرب وغيرهم من الأمم يقولون رجل ورجلان اثنان وثلاثة رجال وفرس واحد ~~وجمل واحد ودرهم واحد وثوب واحد ورأس واحد وذكر واحد وأمير واحد وملك واحد ~~ومسكن واحد وسيد واحد وأمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى # فلفظ الواحد وما يتصرف منه في لغة العرب وغيرهم من الأمم لا يطلق إلا على ~~ما يسمونه هم جسما منقسما لأن ما ms1333 لا يسمونه هم جسما منقسما ليس هو شيئا ~~يعقله الناس ولا يعلمون وجوده حتى يعبروا عنه بل عقول الناس وفطرهم مجبولة ~~على إنكاره ونفيه فلو قدر وجود هذا في الخارج أو إمكان وجوده لاحتيج بعد ~~ذلك إلى أن يثبت لفظ الواحد في لغة العرب يعبرون بها عنه إذ ليس كل ما وجد ~~أو أمكن وجوده يجب أن يتصوره أهل اللغة ويكون داخلا فيما عبروا عنه من لغتهم PageV07P116 # وإذا قدر أن أهل اللغة عبروا بلفظ الواحد والأحد في لغتهم عن هذا لم يجز ~~أن يقال إن لفظ الواحد في لغتهم لا يقع إلا عليه لما ذكرناه من أن لفظ ~~الواحد وما اشتق منه إنما عرف واشتهر استعماله في اللغة فيما يجعلونه هم ~~جسما منقسما وذلك ليس بواحد عندهم فمسمى الواحد عندهم منتف في اللغة وإن ~~قدر وجوده لكان نادرا في اللغة # والغالب المشهور في اللغة أن اسم الواحد يتناول ما ليس هو الواحد في ~~اصطلاحهم وإذا كان كذلك لم يجز أن يحتج بقوله تعالى { وإلهكم إله واحد } ~~سورة البقرة 163 وقوله { قل هو الله أحد } ونحو ذلك مما أنزله الله بلغة ~~العرب وأخبرنا فيه أنه أحد وأنه إله واحد على أن المراد ما سموه هم في ~~اصطلاحهم واحدا مما ليس معروفا في لغة العرب بل إذا قال القائل دلالة ~~القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر كان قد قال الحق فإن القرآن نزل بلغة العرب ~~وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان قديما بنفسه متصفا بالصفات ~~مباينا لغيره مشارا إليه # وما لم يكن مشارا إليه أصلا ولا مباينا لغيره ولا مداخلا له فالعرب لا ~~تسميه واحدا ولا أحدا بل ولا تعرفه فيكون الاسم الواحد والأحد دل على نقيض ~~مطلوبهم منه لا على مطلوبهم PageV07P117 # يؤيد هذا أنهم يقولون اللفظ المشهور في اللغة الذي يتداوله الخاص والعام ~~لا يجوز أن يكون موضوعا بإزاء المعنى الدقيق الذي لا يفهمه إلا خواص الناس ~~وهذا مما استدل به نفاة الأحوال على مثبتيها وقالوا المعروف في اللغة ms1334 أن ~~الحركة هي كون الجسم متحركا وأما ما يدعونه من أن الحركة أمر يوجب كون ~~الجسم متحركا فهذا المعنى لا يفهمه إلا الخاصة فضلا عن أن يعلموا أن لفظ ~~الحركة موضوع له # ولفظ الحركة لفظ مشهور يتداوله الخاصة والعامة فلا يجوز أن يكون مفهومه ~~ما لا يتصوره المتخاطبون به وهذا بعينه يقال لهؤلاء النفاة الذين يسمون ~~نفيهم توحيدا فيقال هذا الواحد الذي تثبتونه وهو أنه لا يشار إليه ولا ~~يتميز منه شيء عن شيء ونحو ذلك أمر لا يتصوره إلا بعض الناس بل قليل منهم ~~والذين تصوروه تنازعوا في إمكان وجوده في الخارج فمنهم من قال وجود هذا في ~~الخارج ممتنع وإذا كان كذلك ولفظ الواحد مشهور في اللغات كلها أشهر من لفظ ~~الحركة فلا يجوز أن يكون مسمى هذا الاسم في اللغة المعروفة معنى لا يتصوره ~~إلا قليل من الناس وهم متنازعون في إمكان ثبوته في الخارج وإذا لم يكن هذا ~~المعنى هو المراد بلفظ الواحد والأحد لم يجز الاستدلال بالسمع الوارد بلغة ~~العرب على هذا PageV07P118 # ولو قيل إنه يجوز استعمال لفظ الواحد في لغتهم في هذا المعنى إما بطريق ~~المجاز والاشتراك أو التواطؤ # قيل هب أنه يجوز لمن بعدهم أن يستعمل ذلك لكن نحن نعلم أنهم لم يستعملوه ~~في ذلك لأنهم لم يكونوا يثبتون هذا المعنى وبتقدير أن يكون مستعملا في هذا ~~وهذا فإنه يكون دالا على ما به الاشتراك فلا يدل على ما يمتاز به أحدهما عن ~~الآخر فلا يدل على محل النزاع ولو قدر أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر ~~لكان حقيقة في المعنى الذي يسبق إلى أفهام الناس عند الإطلاق وهو المعروف ~~ولو قدر أنه مشترك اشتراكا لفظيا لم يجز تعيين محل النزاع إلا بقرينة تدل ~~على تعيينه والقرائن اللفظية إنما تدل على نقيض قولهم لا على عين قولهم ~~فإنه ليس في الكتاب إثبات واحد بالمعنى الذي ادعوه فضلا عن أن يكون الله ~~موصوفا به # وهذا الواحد الذي يثبته هؤلاء من جنس الأحوال التي ms1335 يثبتها أولئك ومن جنس ~~الشيء المعدوم الذي يثبته من يقول المعدوم شيء ومن جنس الكليات والمجردات ~~كالعقول والمادة والصورة العقلية التي يثبتها الفلاسفة فهؤلاء يثبتون في ~~الخارج ما لا وجود له في الخارج لكن مثبتة الأحوال أعقل وهذا كان فيهم من ~~هو أهل الإثبات فإنهم عرفوا أنها ليست موجودة في الخارج لكن تناقضوا حيث ~~قالوا لا موجودة ولا معدومة فصاروا مشابهين للقرامطة الباطنية المتفلسفة ~~الذين يقولون لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ومن قال المعدوم شيء وهو ~~ثابت وليس بموجود يشبه المتفلسفة الذين جعلوا PageV07P119 ~~الكليات المجردات أمورا موجودة في الخارج لكن تناقضوا حيث فرقوا بين الوجود ~~والثبوت # والمقصود أن كل هؤلاء يجمعهم إثبات أمور يدعون أنها موجودة في الخارج وهي ~~لايتصورها إلا طائفة قليلة من الناس فضلا عن أن تكون الألفاظ المعروفة ~~المشهورة في اللغة دالة عليها ولا ريب أنهم أخطأوا في المعاني المعقولة ثم ~~في مدلول الألفاظ المسموعة # فتبين لك أن قولهم يتضمن من الفرية على اللغة والعقل من جنس ما تضمن من ~~الفرية على الشرع وأنهم لا يمكنهم أن يقولوا إن الشرع دل على قولهم بوجه من ~~الوجوه لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز # فإذا أريد بيان انتفاء دلالة النص على ما ادعوه من مسمى الواحد كان هنا طرق # أحدها أن هذا اللفظ لم يستعمل إلا فيما نفوه دون ما أثبتوه # الثاني أن نبين انتفاء ما أثبتوه في الخارج وحينئذ فلا يكون كلام الله ~~دالا على وجود ما ليس بموجود # الثالث أن ما يذكرونه لا يتصوره عامة الناس لا العرب ولا غيرهم فلا يكون ~~اللفظ موضوعا له ودالا عليه وإن كان له وجود ولا يقال هو بتقدير وجوده ~~يشمله لفظ الواحد لما تقدم من أن اللفظ المشهور بين الخاص والعام لا يكون ~~مسماه مما لا يتصوره إلا الخاصة # الرابع أنه بتقدير شموله لما أثبتوه وما نفوه فلا ريب أن شموله لما PageV07P120 ~~نفوه أظهر إذ لم يعرف استعماله في ذلك فلا يمكنهم دعوى اختصاص معنى الواحد ~~بما ms1336 ادعوه # الخامس أنه بتقدير عمومه وكونه متواطئا إنما يدل على القدر المشترك لا ~~على خصوص ما أثبتوه # السادس أنه بتقدير كون أحدهم مجازا فالحقيقة هي ما نفوه دون ما أثبتوه ~~لأنه المعنى الذي يسبق إلى أفهام المخاطبين # السابع أنه بتقدير الاشتراك اللفظي لا يجوز إرادة ما ادعوه إلا بقرينة ~~ويكفينا في هذا المقام ألا نستدل به على أحدهما # الثامن أن من يستدل به على ما نفوه لأن القرائن اللفظية المذكورة في ~~القرآن تدل عليه لأنه أثبت لهذا الواحد صفات متعددة وأفعالا متعددة وتلك ~~تستلزم ما نفوه لا ما أثبتوه # التاسع أن يقال اسم الأحد لا يستعمل في حق غير الله إلا مع الإضافة أو في ~~غير الموجب كقوله { قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا } سورة يوسف 36 وقال { ~~ولا يظلم ربك أحدا } سورة الكهف 489 وقال { وإن أحد من المشركين استجارك } ~~سورة التوبة 6 فهو أبلغ في أثبات الوحدانية من اسم الواحد ومع هذا فلم ~~يستعمل إلا فيما نفوه في مثل قوله { ولم يكن له كفوا أحد } وأمثاله لا يعرف ~~استعمال الأحد فيما ادعوه لا في النفي والإثبات فكيف اسم الواحد PageV07P121 # العاشر أن القرآن أثبت الوحدانية في الإلهية بقوله { وإلهكم إله واحد } ~~سورة البقرة 62 وقوله { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ~~فإياي فارهبون } سورة النحل 51 وقوله حكاية عن المشركين { أجعل الآلهة إلها ~~واحدا إن هذا لشيء عجاب } سورة ص 5 وأمثال ذلك # وأما كون القديم واحدا أو الواجب واحدا فهذا إنما يعرف عن الجهمية من ~~المتكلمين والفلاسفة فإنهم قالوا القديم واحد وهو لفظ مجمل يراد به أن ~~الإله القديم واحد وهذا حق ويراد به أن مسمى القديم واحد ثم قالوا لو ~~أثبتنا له الصفات لكان القديم أكثر من واحد # وقالت جهمية الفلاسفة الواجب واحد وهو مجمل يراد به الإله الواجب بذاته ~~وهذا حق ويراد به مسمى الواجب ثم قالوا لو أثبتنا له الصفات لتعدد الواجب # ومعلوم أن التوحيد الذي في القرآن هو الأول لا ms1337 هذا وكذلك التوحيد الذي ~~جاءت به السنة واتفق عليه الأئمة فتبين أن لفظ التوحيد والواحد والأحد في ~~وضعهم واصطلاحهم غير التوحيد والواحد والأحد في القرآن والسنة والإجماع وفي ~~اللغة التي جاء بها القرآن وحينئذ فلا يمكنهم الاستدلال بما جاء في كلام ~~الله ورسله وفي PageV07P122 ~~لفظ التوحيد على ما يدعونه هم لأن دلالة الخطاب إنما تكون بلغة المتكلم ~~وعادته المعروفة في خطابه لا بلغة وعادة واصطلاح أحدثه قوم آخرون بعد ~~انقراض عصره وعصر الذين خاطبهم بلغته وعادته كما قال تعالى { وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } سورة ابراهيم 4 بل لفظ التوحيد والأحد ~~والواحد الموجود في كلام الله ورسوله يدل على نقيض قولهم وأنه موصوف ~~بالصفات الثبوتية كما تقدم التنبيه عليه من أنه لا يعرف مسمى الواحد في لغة ~~العرب إلا ما كان كذلك ومن أن الله وصف هذا الواحد بالصفات الثبوتية وسماه ~~بالأسماء المتضمنة للمعاني الثبوتية في غير موضع فلو قدر أن لفظ الواحد فيه ~~اشتراك وإجمال لكان ما بينه القرآن من اتصافه بالصفات الثبوتية رافعا ~~للإجمال والاشتراك موافقا لقول أهل الإثبات دون النفاة # وهذه الأدلة كلما تدبرها العاقل تبين له قطعا أن هؤلاء النفاة مناقضون ~~للرسول هم في جانب والرسل في جانب كمناقضة القرامطة الباطنية وأمثالهم وأن ~~استدلال هؤلاء بنصوص الأنبياء على نفيهم من جنس استدلال القرامطة على ~~شريعتهم الإلحادية بنصوص الأنبياء # ومما يبين ذلك أن كلام الله ورسوله صدق بل أصدق الكلام كلام الله والكلام ~~الصدق يتضمن الإخبار عن الأمور على ما هي عليه لا على خلاف ما هي عليه ~~بخلاف الكلام الذي هو كذب سواء كان PageV07P123 ~~صاحبه يعلم أنه كذب أو كان مخطئا يظن أنه صدق مطابق للحقائق وليس كذلك كما ~~هو كلام هؤلاء النفاة للصفات فإن الواحد الذي يثبتونه لا حقيقة له في ~~الخارج فيمتنع أن يكون كلام الله مخبرا عن وجوده في الخارج وذلك أنهم ~~يجعلون الحقائق المتنوعة كل واحدة هي الأخرى بلا امتياز أصلا فيجعلون الذات ~~القائمة بنفسها هي الصفة القائمة ms1338 بها كما يجعلون العالم عين العلم والقادر ~~عين القدرة # ومنهم من يجعل العلم عين المعلوم ويجعلون كل صفة هي الأخرى كما يجعلون ~~العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة أو يجعلون النوع الكلي العام المقسوم ~~إلى أعيان هو واحدا بالعين بحيث تكون هذه العين هي تلك العين كما يقولون ~~الوجود واحد والموجود الواجب هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق الذي لا يختص ~~بوجه من الوجوه أو بشرط عدم كل أمر وجودي عنه فلا يختص بكونه واجبا أو ~~عالما أو قادرا أو حيا أو نحو ذلك من الأمور التي توجب اختصاصه بموجود دون موجود # وإذا حققوا الأمر لم يفرقوا بين الوجود الواجب الخالق القديم الفاطر ~~الغني عن كل ما سواه والوجود الممكن المحدث المخلوق المفطور الفقير الذي لا ~~يستغنى عنه بوجه من الوجه عن خالقه بل لا يزال فقيرا إليه # ويجعلون الكلام المنقسم إلى الأمر والنهي والخبر هو نفس الأمر والنهي ~~والخبر وإن عين الكلام الذي هو أمر عين الكلام الذي هو PageV07P124 ~~خبر وعين الكلام الذي هو أمر بالصلاة هو عين الكلام الذي هو أمر بالصيام ~~وعين الكلام الذي هو خبر عن الله هو عين الكلام الذي هو خبر عن أبي لهب ~~فيجمعون في ذلك بين كون الواحد العام الكلي المشترك الذي لا يكون إلا في ~~الذهن هو الآحاد المعينة الموجودة في الخارج ولا يفرقون بين الواحد بالنوع ~~والواحد بالعين # كما لم يفرق بين هذا وهذا أهل وحدة الوجود الذين قالوا الوجود واحد ~~وجعلوا وجود الخالق عين وجود المخلوقات والذين قالوا الحقائق المتنوعة ~~كالأمر والخبر حقيقة واحدة # فالواحد الذي يثبته النفاة أو من أخذ ببعض أقوالهم لا بد أن يتضمن بعضهم ~~هذا مثل جعل الذات هي الصفات أو جعل كل صفة هي الأخرى أو جعل الكلي المقسوم ~~إلى أنواع هو نفس الأعيان المختلفة الموجودة في الخارج وجعل ما يمتنع وجوده ~~في الخارج ولا يكون إلا في الذهن أمرا موجودا في الخارج يجب وجوده في ~~الخارج وجعل ما يجب وجوده في الخارج مما يمتنع ms1339 وجوده في الخارج فلا يكون ~~إلا في الذهن # ومنتهاهم في توحيدهم في إثبات واحدين أحدهما الجوهر الفرد الذي يثبته من ~~يثبته من المعتزلة ومن وافقهم من أهل الكلام مع أن PageV07P125 ~~جمهور العقلاء ينكرونه مع دعوى النظام أن في كل جسم من ذلك ما لا يتناهى # والثاني الجواهر العقلية التي يثبتها من يثبتها من المتفلسفة مع أن جمهور ~~العقلاء يعلمون بالضرورة أنها إنما هي في الأذهان لا في الأعيان مثل ~~الكليات المطلقة التي توصف بها الأعيان # وهم يقولون إن الحقائق الموجودة في الخارج التي يسمونها الأنواع كالإنسان ~~والفرس وغيرهما من أنواع الحيوان مركبة من هذه ومثل المادة الكلية والصورة ~~الجوهرية اللتين يدعون أنهما جوهران عقليان يتركب منهما كل جسم ومثل العقول ~~العشرة التي يدعون أنها مجردات فإن هؤلاء يصورون ما يعقله الإنسان من ~~المعقولات المجردات المفارقات للأعيان المحسوسة فتوهموا أن تلك المعقولات ~~المجردات هي موجودة في الخارج مفارقات للأعيان المحسوسة وإنما هي أمور ~~متصورة في الأذهان لا أنها موجودة مع كونها كلية أو مع كونها مجردة في ~~الأعيان ثم يدعون تركب الأنواع منها كما يدعي أولئك تركب الأعيان من ~~الأجزاء التي يسمونها الجواهر المنفردة # وقد بسط الكلام على هذه الأمور في موضع آخر وبين أن هذا الواحد الذي ~~يثبتونه في العلم الإلهي والطبيعي والمنطقي لا حقيقة له إلا في الذهن ومن ~~تصور هذا حق التصور تبين له من غلط هؤلاء PageV07P126 ~~وضلالهم ما يطول وصفه وتبين له أن ضلال هؤلاء في العقليات من جنس ضلالهم في ~~السمعيات وأنهم كما أخبر تعالى عن أصحاب النار { وقالوا لو كنا نسمع أو ~~نعقل ما كنا في أصحاب السعير } سورة الملك 10 # وكان من أصول هذا الإلحاد والتعطيل الذي سموه توحيدا هو فرارهم من تعدد ~~صفات الواحد الحق وتعدد أسمائه وكلامه مع أن ذلك لا محذور فيه بل هو الحق ~~الذي لا يمكن جحده # ومن فهم هذا انحل له ما يقوله من يقوله من المتفلسفة إن الواحد لا يصدر ~~عنه إلا واحد وما يقوله من تركيب ms1340 الأنواع من الأجناس والفصول وأن ذلك الفرد ~~الذي تتركب منه هذه الحقائق هو أيضا أمر يقدر في الذهن لا حقيقة له في ~~الخارج وما يقولونه من أن الواحد لا يكون فاعلا وقابلا وأمثال ذلك مما ~~يعبرون عنه بلفظ الواحد وهو واحد يقدر في الأذهان لا حقيقة له في الخارج # وإن قيل إن القرآن لم يدل على العلو والصفات لا بنفي ولا إثبات كان هذا ~~أيضا باطلا ومعلوم البطلان من وجوه # أحدها أن العلم بدلالة النصوص على العلو والصفات أمر ضروري فالقدح فيه من ~~جنس القدح فيما دل عليه القرآن من خلق السماوات والأرض ومن نعيم الجنة ~~والنار ولا ريب أن دلالة القرآن والحديث على ذلك أعظم من دلالته على ~~الميزان والشفاعة والحوض PageV07P127 ~~وفتنة القبر ومساءلة منكر ونكير وأعظم من دلالته على أن محمدا خاتم النبيين ~~وأنه أفضل الخلق وأن الأنبياء أفضل من غيرهم وأن السابقين الأولين من أهل ~~الجنة وأعظم من دلالته على تنزيه الله عن البخل والكذب والظلم ونحو ذلك من ~~النقائص # وبالجملة فما من صنف من الأصناف المعلومة بالضرورة من الدين إلا وتطريق ~~التأويل إلى نصوصه من جنس تطريقه إلى نصوص العلو والصفات أو أبلغ من ذلك أو ~~قريب من ذلك # الوجه الثاني أن يقال جميع الطوائف متفقة على أن ظواهر النصوص مثبتة ~~للعلو والصفات ولهذا كان المخالفون لذلك يقولون إما بالتأويل المتضمن لصرف ~~ذلك عن ظاهره وإما بالتفويض مع قولهم ظاهر ذلك غير مراد فلو لم يكن ظاهرها ~~دالا على الإثبات لما احتاجوا إلى هذا ولدفعوا أصل ظهور هذه الدلالة كما ~~يدفع ظهور الدلالة في غير ذلك مما تقدم التمثيل به وغير ذلك # الثالث أن يقال نحن نعلم بالضرورة أن ظهور دلالة هذه النصوص على العلو ~~والصفات أعظم من ظهور ما كان المؤمنون والكافرون يوردونه على السؤالات عما ~~يظنونه مشكلا من القرآن كما تقدم تمثيلا وإذا كان كذلك ولم يسألوا عن ذلك ~~علم قطعا أنه لم يكن منافيا لما يعلمونه بعقولهم PageV07P128 # الوجه الرابع أن يقال فعلى هذا ms1341 التقدير يمتنع تعارض العقل والسمع إذا لم ~~يكن للسمع ظاهر يخالف العقل وهذا هو كان المقصود بالكلام وإنما ذكرنا مسألة ~~العلو على طريق التمثيل لأنهم يذكرون ذلك فيها فيقال ليس في ظاهر القرآن ما ~~يخالف الأدلة العقلية وهو المطلوب # الوجه الخامس أن الهمم والدواعي متوفرة على طلب العلم بهذه المسائل وهي ~~من أجل علوم الدين ومعرفتها إما واجبة أو مؤكدة الاستحباب وما كان كذلك ~~يمتنع في الشرع والعادة أن الرسول لا يبين أمرها بنفي ولا إثبات # الوجه السادس أن العلم بهذه المسائل إما أن يكون من الدين وإما أن لا ~~يكون فإن قيل ليس ذلك من الدين بحيث لا يكون العلم بها أفضل من الجهل بها ~~وهذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وكل دين فإن العلم بالله وما ~~يستحقه من الأسماء والصفات لا ريب أنه مما يفضل الله به بعض الناس على بعض ~~أعظم مما يفضلهم بغير ذلك من أنواع العلم ولا ريب أن ذلك يتضمن من الحمد ~~لله والثناء عليه وتعظيمه وتقديسه وتسبيحه وتكبيره ما يعلم به أن ذلك مما ~~يحبه الله ورسوله وسواء قيل إن ذلك واجب أو مستحب فالمقصود أنه من المحمود ~~الحسن المفضل عند الله ورسوله فيكون ذلك من الدين # وقد قال تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا } سورة المائدة 3 PageV07P129 # وقال تعالى { يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } سورة المائدة 16 ~~وقال تعالى { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } سورة الإسراء 9 # وقال { كنتم خير أمة أخرجت للناس } سورة آل عمران 110 وأمثال ذلك من ~~النصوص التي يدل كل منها على أن بيان هذا ومعرفته مما جاء به الرسول ونزل ~~به هذا الكتاب وعلمته هذه الأمة وتضمنه هذا الدين فلا يمكن أن يقال إن ~~الرسول والمؤمنين أعرضوا عنه فلم يكن لهم به علم ولا لهم فيه كلام لا بنفي ~~ولا إثبات # والجواب السادس عن أصل الحجة أن يقال لا نسلم أن العقل ينافي موجب هذه ms1342 ~~النصوص بل هذه المعقولات النافية لذلك فاسدة كما تقدم التنبيه على فسادها ~~فضلا عن أن يكون المعقول المنافي لها هو الأصل في العلم بالسمع فإن غاية ~~هذه المعقولات أن يقال لو كان فوق العالم لكان جسما وذلك منتف وقد علم جواب ~~أهل الإثبات عن هذه الحجة فإن منهم من منع المقدمة الأولى مثل كثير من أهل ~~الكلام والفلسفة وغيرهما من أصحاب ابن كلاب والأشعري وأهل الفقه والحديث ~~والتصوف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم والفلاسفة كما ~~ذكره ابن رشد ونحوه ومنهم من منع الثانية كالهشامية والكرامية وغيرهما ~~ومنهم من فصل عن معنى الجسم PageV07P130 # فإن قيل إن معناه ما ليس بلازم للعلو مثل كونه مماثلا للمخلوقات منع الأولى # فإن قيل إن معناه لازم للعلو مثل كونه مشارا إليه منع الثانية # فهو يقول إنه فوق العالم قطعا كما علم ذلك بالعقل والسمع # فإذا قيل لو كان فوقه لكان جسما فالمراد بمعنى الجسم إما أن يكون لازما ~~للعلو وإما أن لا يكون لازما فإن كان لازما لا محالة منعت المقدمة الثانية ~~وهي انتفاء اللازم وإن لم يكن لازما منعت المقدمة الأولى وهي التلازم # وكل ما يقال في هذا المقام من الألفاظ المجملة مثل لفظ المتحيز والمركب ~~ونحو ذلك يستفصل عن معناه كما يستفصل عن معنى لفظ الجسم فإذا تلخص محل ~~النزاع في معنى معقول مثل كون المراد بذلك ما تقوم به الصفات أو ما يتميز ~~منه شيء عن شيء ونحو ذلك من المعاني لم يسلم انتفاء ذلك بل نقول هذا لا بد ~~من ثبوته بالعقل الصريح كما دل عليه النقل الصحيح # الجواب السابع أن يقال بل العقل الصريح موافق للسمع لا منازع له والعقل ~~قد دل على أن الله تعالى فوق العالم وهذه طريقة حذاق أهل النظر من أهل ~~الإثبات كما هو طريق السلف والأئمة يجعلون العلو من الصفات المعلومة بالعقل ~~وهذه طريقة أبي محمد بن كلاب وأتباعه كأبي العباس القلانسي والحارث ~~المحاسبي وأشباههما PageV07P131 ~~من أئمة الأشعرية وهي طريقة محمد بن ms1343 كرام وأتباعه وطريقة أكثر أهل الحديث ~~والفقه والتصوف وإليها رجع القاضي أبو يعلى وأمثاله # ولكن طائفة من الصفاتية من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحاب أحمد ~~وغيرهم يظنون أن العلو من الصفات الخبرية كالوجه واليدين ونحو ذلك وأنهم ~~إذا أثبتوا ذلك أثبتوه لمجيء السمع به فقط ولهذا كان من هؤلاء من ينفي ذلك ~~ويتأول نصوصه أو يعرض عنها كما يفعل مثل ذلك في نصوص الوجه واليد # ومن سلك هذه الطريقة فإنه يبطل الأدلة التي يقال إنها نافية لهذه الصفة ~~كما يبطل به ما به ينفون صفة الاستواء والوجه واليد ويبين أنه لا محذور في ~~إثباتها كما يقول مثل ذلك في الاستواء والوجه واليد ونحو ذلك من الصفات ~~الخبرية # وهؤلاء كلامهم أمتن من كلام نفاة الصفات الخبرية نقلا وعقلا وإذا قيل إن ~~في كلامهم تناقضا أو أنهم يقولون ما لا يعقل ففي كلام النفاة من التناقض ~~وما لا يعقل أكثر مما في كلامهم فهم بالنسبة إلى النفاة أكمل علما بالمعقول ~~والمنقول وأما بالنسبة إلى السلف والأئمة أهل الإثبات فيظهر من تناقضهم ~~وقولهم ما لا يعقل ما يظهر به رجحان طريقة السلف والأئمة عليهم وتنسد به ~~معارضة النفاة لهم ويتبين به الحق الذي لا يعدل عنه من فهمه ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله # ثم المثبتون للعلو بالعقل لهم طرق منها أنهم يقولون العلم بذلك ضروري ~~مستقر في فطر بني آدم PageV07P132 # ومنها أنهم يقولون قصدهم لربهم عند الحاجات التي لايقضيها إلا هو هو أيضا ~~ضروري وقصدهم له بتوجه قلوبهم إلى العلو أيضا ضروري فهم مفطورون على ~~الإقرار به وأنه في العلو وعلى أنهم محتاجون إليه يسألونه عند الضرورات ~~وعلى أنهم يقصدونه في العلو لا في السفل وأن قلوبهم بفطرتها تتوجه إلى ~~العلو اللهم إلا من أفسد فطرته وقصد أن يصدها عن مقتضاها مع أن هذا عند ~~الحقيقة بغلب مع فطرته ويضل عنه ما كان يفتريه # ومنها أنهم يقولون إن ذلك أمر متفق عليه بين العقلاء السليمي الفطرة وكل ~~منهم يخبر بذلك عن ms1344 فطرته من غير مواطأة من بعضهم لبعض ويمتنع في مثل هؤلاء ~~أن يتفقوا على تعمد الكذب عادة ويمتنع أيضا غلطهم في الأمور الفطرية ~~الضرورية فإن ذلك يسد باب العلم والمعرفة وأن يثق الإنسان بشيء من علومه ~~ومتى قدح في مثل هذا كان القدح في مقدمات ما يدعى أنه معارض لذلك أسهل ~~بكثير فإن المعارضين لابد فيما يعارضون به من العقليات من قضايا تلقاها ~~بعضهم عن بعض فيجوز عليهم فيها من الاتفاق على الغلط وعلى تعمد الكذب ما لا ~~يجوز على المتفقين على قضايا لم يتلقها بعضهم عن بعض مع كثرة هؤلاء وتنوع ~~أصنافهم # ومنها أنهم يثبتون العلو بطرق نظرية كقولهم كل موجودين فإما أن أن يكون ~~أحدهما مباينا للآخر وإما أن يكون مداخلا له ونحو ذلك من الطرق المعلومة ~~لهم فمعهم من العلم الضروري والقصد الضروري واتفاق العقلاء الذين لم ~~يتواطأوا على قضاياهم والعقليات PageV07P133 ~~النظرية ما ليس للنفاة ما يشابهه وليس مع النفاة إلا أقيسة نظرية قد بين ~~فسادها ومن لم يعلم فسادها على التفصيل كفاه أن يعلم فسادها مجملا فإنها ~~مخالفة للمعارف الضرورية ولما أجمعت عليه فطر البرية مع مخالفتها لما جاء ~~في الكتب الإلهية كالتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب فالعلم الموروث عن ~~الأنبياء من بني إسرائيل وغيرهم مع علم عامة المسلمين بمخالفتها للقرآن ~~ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولما أجمع عليه سلف الأمة وخيار قرونها ~~ولما أجمع عليه عامة المؤمنين وأعيان الأمة من كل صنف # والجواب الثامن أن يقال لمن أجاب بهذا عن النصوص إذا احتججت على من ينفي ~~ما تثبته بالنصوص كإثبات القدر إن كنت من المثبتين له أو إثبات الجنة ~~والنار وما فيهما من الأكل والشرب واللباس ونحو ذلك إن كنت من المثبتين له ~~وإثبات وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحريم الربا والخمر وغير ذلك من ~~الشرائع إن كنت من المثبتين له إذا قال لك منازعك هذه الظواهر التي احتججت ~~بها قد عارضها دلائل عقلية وجب تقديمها عليها فما كان جوابك لهؤلاء كان ~~جواب أهل ms1345 الإثبات لك # فإن قلت ما أثبته معلوم بالاضطرار من الدين قال لك أهل الإثبات للعلو ~~وهذا معلوم لنا بالاضطرار من الدين # فإن قلت أنا لا أسلم هذا لكم قالوا لك ومن نازعك من القرامطة أو الفلاسفة ~~أو المعتزلة لا يسلم لك ما ادعيته من الضرورة PageV07P134 # فإن قلت لا يقدح في علمي الضروري منازعة غيري قالوا لك لا يقدح في علمنا ~~الضروري منازعتك لنا # فإن قلت أنا إذا نازعني منازع في الضروريات التي عندي سكت عنه ولم أنازعه # قيل لك وهذا مما يمكن المثبت أن يقوله لك كما تقوله لمنازعك أيضا لكن أنت ~~لا توفي بهذا بل تتناقض وتخاصم أهل الإثبات وتنكر عليهم بل قد تعاديهم أو ~~تكفرهم فإن كان ما فعلته سائغا لك ساغ لأولئك النفاة أن يخاصموك ويعادوك ~~ويكفروك كما فعلت هذا بأهل الإثبات وإن كنت تنكر على من يعاديك ويكفرك من ~~النفاة لما أثبته فأنكر على نفسك معاداتك وتكفيرك لأهل الإثبات لما نفيته # وإن قلت أنا لا أثق بصدقهم أنهم يعلمون ذلك اضطرارا أو لا أثق بخبرتهم ~~بالعلم الضروري # قيل لك ومنازعك النافي لا يثق بصدقك وعلمك أيضا # فإن قلت هو يعلم من ديني وعقلي ما يوجب معرفته بصدقي وعلمي # قيل لك وأنت تعرف من دين أهل الإثبات وعقلهم ما يوجب معرفتك بصدقهم وعلمهم # وإن قلت أنا أبين فساد العقليات التي يعارض بها النفاة لما أثبته # قيل لك والمثبتون لما تنفيه يثبتون فساد العقليات التي تعارضهم أنت بها PageV07P135 # وإن قلت أنا وأولئك النفاة متفقون على النفي لما أثبته هؤلاء # قيل لك والطائفة الفلانية والفلانية متفقتان على النفي لما أثبته # واعلم أنه ليس من أهل الأرض إلا من يمكن مخاطبته بهذه الطريق حتى غلاة ~~النفاة من الجهمية والقرامطة والفلاسفة فإنهم لا بد أن يثبتوا شيئا من ~~السمعيات بوجه من الوجوه إذ لا يمكن أحدا من الطوائف أن ينفي جميع ما أثبته ~~السمع من القضايا الخبرية والطلبية # وإذا قال أنا أثبت ما جاء به السمع لكوني علمته بالعقل لا لمجيء ms1346 السمع به ~~أمكن أن يجاب بمثل ذلك في إثبات العلو والصفات أيضا وأمكن أن يجاب بجواب ~~آخر وهو أن كل من أقر بالنبوات بوجه من الوجوه فلا بد له أن يثبت بأقوال ~~الأنبياء ما تكون الحجة فيه مجرد قولهم ولو أنه من الأمور العلمية السياسية ~~فإن هؤلاء كلهم لا بد له من العمل بالشرائع إما في الظاهر وإما للجمهور ~~وإما في أوائل سلوكهم # وإن كان ممن لا يثبت النبوات بوجه فلا بد له من العمل بقول غير الأنبياء ~~كالملوك والفلاسفة ونحوهم # بل لا بد للإنسان أن يفهم كلام بني جنسه إذ الإنسان مدني بالطبع لا يستقل ~~بتحصيل مصالحه فلا بد لهم من الاجتماع للتعاون على المصالح ولا يتم ذلك إلا ~~بطريق يعلم به بعضهم ما يقصده غيره PageV07P136 # وأي طريق فرض من الإشارة والعبارة والكتابة وغير ذلك كان ذلك من جنس ~~السمعيات والنقليات فإن جماع ذلك ما به يعلم مراد الغير فإن نفى ناف ذلك ~~بطريق جعله معارضا له من عقلياته فلا بد لمن أثبت ما يثبته من السمعيات أن ~~يجيبه بجواب فما كان جوابا له كان نظيره جوابا لأهل الإثبات فيما علموا أنه ~~مراد للرسول صلى الله عليه وسلم وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # الجواب التاسع أن يقال نحن لا نرضى أن نجيبكم بما أجبتم به النفاة وذلك ~~أنكم مقصرون في مناظرة النفاة لما أثبتموه عقلا وسمعا فإنكم في كثير من ~~مناظراتكم لهم تصيرون إلى المكابرة ودعوى ما يعلمون هم نقيضها كما تفعلونه ~~في مسألة الرؤية والكلام وإثبات الصفات بدون إثبات لوازم ذلك إذ أنتم كثيرا ~~ما تثبتون الشيء بدون لوازمه أو مع وجود منافيه # ومن هنا تسلط عليكم القرامطة والفلاسفة والمعتزلة ونحوهم من النفاة وكلام ~~أئمتكم معهم كلام قاصر يظهر قصوره لمن كان خبيرا بالعقليات وسبب ذلك ~~تقصيرهم في مناظرتهم حيث سلموا لهم مقدمات عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة ~~فاحتاجوا إلى إثبات لوازمها فاضطروا إما إلى موافقتهم على الباطل وإما إلى ~~التناقض الذي يظهر به ms1347 فساد قولهم وإما إلى العجز الذي يظهر به قصورهم ~~وانقطاعهم PageV07P137 # ثم أخذوا يناظرون أهل الإثبات للعلو ونحوه بما به ناظرهم أولئك ويتسلطون ~~على العاجز عن مناظرتهم من المثبتين كما تسلط عليهم أولئك فصاروا بمنزلة من ~~قصروا في جهاد من يليهم من الكفار حتى غلبوهم وهزموههم فقاموا يقاتلون من ~~يليهم من المسلمين كما قاتلهم أولئك الكفار حتى ظهر الباطل والكفر والضلال ~~بتفريطهم أولا في جهاد من يليهم من الكفار وعداوتهم ثانيا على من يليهم من ~~المسلمين # وصاروا على ضد ما وصف الله به المؤمنين حيث قال { أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم } سورة الفتح 29 { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } سورة ~~المائدة 54 فصاروا أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين كما نعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم الخوارج حيث قال يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان # وحال الجهمية والرافضة شر من حال الخوارج فإن الخوارج كانوا PageV07P138 ~~يقاتلون المسلمين ويدعون قتال الكفار وهؤلاء أعانوا الكفار على قتال ~~المسلمين وذلوا للكفار فصاروا معاونين للكفار أذلاء لهم معادين للمؤمنين ~~أعزاء عليهم كما قد وجد مثل ذلك في طوائف القرامطة والرافضة والجهمية ~~النفاة والحلولية ومن استقرأ أحوال العالم رأى من ذلك عبرا وصار في هؤلاء ~~شبه من الذين قال الله تعالى فيهم { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ~~آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } سورة ~~النساء 51 52 # ولهذا تجد كثيرا من هؤلاء النفاة يصنف في الشرك والسحر وعبادة الكواكب ~~والأوثان وفي النفاق والزندقة التي توجد في كلام كثير من الفلاسفة وغيرهم ~~بل يخضع لهؤلاء الكفار والمنافقين ويذل لهم ويريد أن يعلو على المؤمنين ~~ويقهرهم وإن كان هذا بسبب ضعف من قاتله من المؤمنين وتفريطهم وعداوتهم كما ~~أن قهر أولئك الكفار له كان بسبب ضعفه الحاصل من تفريطه وعدوانه فالذم لاحق ~~له بقدر ما فرط فيه من حقوق الله وتعداه من حرماته كما أن هؤلاء يلحقهم ms1348 ~~أيضا الذم بقدر ما فرطوا فيه من حقوق الله وتعدوه من حرماته # وقد قال تعالى { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } ~~سورة الزخرف 39 # والمقصود هنا أن يقال لهؤلاء الذين ينفون العلو ويثبتون بعض الصفات نحن ~~لا نرضى أن نجيبكم بما تجيبون به أنتم نفاة الصفات PageV07P139 ~~وغيرها مما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم بل نجيبكم وأولئك جميعا ببيان ~~أنه ليس معكم فيما تخالفون به النصوص لا عقل صريح ولا نقل صحيح بل ليس معكم ~~في ذلك إلا الأكاذيب المموهة المزخرفة بالألفاظ المجملة الموهمة التي ~~تلقاها بعضكم عن بعض تقليدا لأسلافكم فإذا فسر معناها وكشف عن مغزاها ظهر ~~فسادها بصريح المعقول كما علم فسادها بصحيح المنقول وتبين أيضا أن حجة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قائمة على من بلغه ما جاء به ليس لأحد أن يعارض ~~شيئا من كلامه برأيه وهواه بل على كل أحد أن يكون معه كما قال تعالى { فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما } سورة النساء 65 # ونحن لا نسلم ما سلمتموه أنتم من المقدمات الفاسدة كما سلمتموه لمن عارض ~~الكتاب من القرامطة والفلاسفة والمعتزلة وغيرهم بل نسد عليهم الطريق التي ~~منها دخلوا على الإسلام ونمنعهم المقدمات التي جعلوها أصل علم الكلام الذي ~~خالفوا به الكتاب والسنة وإجماع الأنام PageV07P140 ### | AUTO الوجه الرابع والأربعون # أن يقال العقليات التي يقال إنها أصل للسمع وأنها معارضة له ليست مما ~~يتوقف العلم بصحة السمع عليها فامتنع أن تكون أصلا له بل هي أيضا باطلة وقد ~~اعترف بذلك أئمة أهل النظر من أهل الكلام والفلسفة فإن جماع هذه الطرق هي ~~طريقان أو ثلاثة # طريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث الموصوف بها أو ببعضها كالحركة ~~والسكون # وطريقة التركيب والاستدلال بها على أن الموصوف بها ممكن أو محدث فهاتان ~~الطريقتان هي جماع ما يذكر في هذا الباب # والثالثة الاستدلال بالاختصاص على إمكان المختص أو حدوثه قد يقال إنها ms1349 ~~طريقة أخرى وقد تدخل في الأولى # والاستدلال باجتماع الجواهر وافتراقها على رأي من يقول إن الجسم مركب من ~~الجواهر المنفردة يدخل في الأولى وفي الثانية # أما دخولها في الأولى فبناء على أن الجواهر لا تخلو من الاجتماع ~~والافتراق كما لا يخلو الجسم بل الجوهر من الحركة والسكون PageV07P141 # وأما دخولها في الثانية فبناء على أن الجسم مركب من الجواهر المنفردة أو ~~من المادة والصورة وحينئذ فيكون إما ممكنا عند من يستدل بذلك على الإمكان ~~وإما محدثا عند من يستدل بذلك على الحدوث # ولكن الاستدلال بهذه الطريق مبني على أن الجسم مركب من الجواهر المحسوسة ~~التي لا تنقسم وهي الجواهر المنفردة أو من الجواهر العقلية وهي المادة ~~والصورة وهذا مما ينازعهم فيه جمهور العقلاء بخلاف كون الجسم لا يخلو عن ~~نوع من الأعراض فلا يخالف فيه إلا شذوذ # ثم الطريقة الأولى مبنية على امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث ~~والثانية مبنية على أن ما اجتمعت فيه معان لزم أن يكون ممكنا أو حادثا ~~والثالثة مبنية على أن المختص لا بد له من مخصص منفصل عنه # وهذه المقدمات الثلاث قد نازع فيها جمهور العقلاء وكل من هذه الطرق تسلكه ~~الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات والأفعال ويسلكه أيضا نفاة الأفعال القائمة ~~به دون الصفات # وأما المتفلسفة القائلون بقدم العالم نفاة الصفات فأصل كلامهم مبني على ~~طريقة التركيب بناء على أن الموصوف مركب وإذا استدلوا PageV07P142 ~~بطريقة الأعراض فإنما يستدلون بها على أن الموصوف بها ممكن ويسندون ذلك إلى ~~التركيب فإنما استدلالهم بالأعراض على حدوث الموصوف فلا يمكنهم بل هذا نقيض قولهم # وكل من الطائفتين تطعن في طريقة الأخرى وتبين فسادها ومعلوم أن المتكلمين ~~القائلين بإثبات الصفات لله تعالى أقرب إلى الإسلام والسنة من نفاة الصفات ~~وأن نفاة الصفات القائلين بحدوث السماوات والأرض أقرب إلى الإسلام والسنة ~~من القائلين بقدم ذلك ومن كان إلى الإسلام والسنة أقرب كانت عقلياته التي ~~يعارض بها النصوص الإلهية أقل بعدا عن دين المسلمين # فإذا كان أئمة العلم قد أنكروا هذه ms1350 التي هي أقرب من غيرها إلى العقل ~~والنقل وبينوا أنها فاسدة في العقل محرمة في الشرع كان ما هو أبعد منها ~~وأضعف أعظم فسادا في العقل وتحريما في الشرع # وما زال أئمة العلم على ذلك حتى أئمة النظر من أهل الكلام والفلسفة ~~فالاستدلال بالحركة والسكون على حدوث المتحرك الساكن بل الاستدلال بالأعراض ~~مطلقا على حدوث ما قامت به من الجواهر والأجسام والاستدلال بحدوث الصفات ~~على حدوث ما قامت به من الموصوفات والاستدلال بتركب الأجسام من الجواهر ~~ونحو ذلك وجعل ذلك طريقا إلى العلم بحدوث العالم وإلى العلم PageV07P143 ~~بإثبات الصانع تعالى هو طريق الجهمية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام ~~المذموم عند السلف المحدث في الإسلام وهم الذين ابتدعوا هذه الطريق ~~والاستدلال بها والتزام لوازمها والتفريع عليها وإن كان قد شركهم في ذلك ~~قوم من غير المسلمين أو سبقوهم إلى ذلك سواء كانوا من الصابئين أو اليهود ~~أو غيرهم # والمقصود أن ظهور هذه في الإسلام كان ابتداؤه من جهة هؤلاء المتكلمين ~~المبتدعين وهذه هي من اعظم أصول هؤلاء المتكلمين وهذه وأمثالها هي من ~~الكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه والنهي عنه وتجهيل أصحابه ~~وتضليلهم حيث سلكوا في الاستدلال طرقا ليست مستقيمة واستدلوا بقضايا متضمنة ~~للكذب فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة وصرائح المعقول ~~فكانوا جاهلين كاذبين ظالمين في كثير من مسائلهم ووسائلهم وأحكامهم ~~ودلائلهم # وكلام السلف والأئمة في ذم ذلك كثير مشهور في عامة كتب الإسلام وما من ~~أحد قد شدا طرفا من العلم إلا وقد بلغه من PageV07P144 ~~ذلك بعضه لكن كثير من الناس لم يحيطوا علما بكثير من أقوال السلف والأئمة ~~في ذلك وبمعانيها وقد جمع الناس من كلام السلف والأئمة في ذلك مصنفات مفردة ~~مثل ما جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ومثل المصنف الكبير الذي جمعه ~~الشيخ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام الذي ~~سماه ذم الكلام وأهله ومن ذلك في كتب الآثار والسنة ما شاء الله # وممن ذكر اتفاق السلف ms1351 على ذلك الغزالي في أجل كتبه الذي سماه إحياء علوم ~~الدين قال فإن قلت فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو ~~مندوب إليه فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا في أطراف فمن قائل إنه بدعة ~~وحرام وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه ~~بالكلام ومن قائل إنه واجب فرض إما على الكفاية أو على الأعيان وإنه أجل ~~الأعمال وأعلى القربات PageV07P145 ~~وإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله # قال وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل سفيان وجميع أهل ~~الحديث من السلف قال ابن عبد الأعلى سمعت الشافعي يوم ناظر حفصا الفرد وكان ~~من متكلمي المعتزلة يقول لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له ~~من أن يلقاه بشيء من الكلام وإني سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه وقال ~~أيضا قد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما كنت ظننته قط ولأن يبتلى العبد بكل ~~ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام # وقال أيضا لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه فرارهم من الأسد PageV07P146 # وقال حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر ~~والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام # قال وقال احمد بن حنبل لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا نظر ~~في الكلام إلا وفي قلبه دغل # قال وبالغ فيه حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتابا ~~في الرد على المبتدعة وقال ويحك ألست تحكي بدعتهم أولا ثم ترد عليهم ألست ~~تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك ~~إلى الرأي والبحث # قلت هجران أحمد للحارث لم يكن لهذا السبب الذي ذكره أبو حامد وإنما هجره ~~لأنه كان على قول ابن كلاب الذي وافق المعتزلة PageV07P147 ~~على صحة طريق الحركات وصحة طريق التركيب ولم يوافقهم على ms1352 نفي الصفات مطلقا ~~بل كان هو وأصحابه يثبتون أن الله فوق الخلق عال على العالم موصوف بالصفات ~~ويقررون ذلك بالعقل وإن كان مضمون مذهبه نفي ما يقوم بذات الله تعالى من ~~الأفعال وغيرها مما يتعلق بمشيئته واختياره وعلى ذلك بنى كلامه في مسألة القرآن # وهذا هو المعروف عند من له خبرة بكلام أحمد من أصحابه وغيرهم من علماء ~~أهل الحديث والسنة ولأبي عبد الله الحسين والد أبي القاسم الخرقي صاحب ~~المختصر المشهور كتاب في قصص من هجرة أحمد سأل فيه لأبي بكر المروذي عن ذلك ~~فأجابه عن قصصهم واحدا واحدا # وقد ذكر ذلك أيضا أبو بكر الخلال في كتاب السنة وقد ذكر ذلك ابن خزيمة ~~وغيره ممن يعرف حقيقة هذه الأمور وكذلك السري السقطي كان يحذر الجنيد بن ~~محمد من شقاشق الحارث ثم ذكر غير واحد أن الحارث رجع عن ذلك كما ذكره معمر ~~بن زياد في أخبار PageV07P148 ~~شيوخ أهل المعرفة والتصوف وذكر أبو بكر الكلاباذي في كتاب التعرف لمذاهب ~~التصوف عن الحارث المحاسبي أنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت وهذا يناقض قول ~~ابن كلاب # وأبو حامد ليس له من الخبرة بالآثار النبوية والسلفية ما لأهل المعرفة ~~بذلك الذين يميزون بين صحيحه وسقيمه ولهذا يذكر في كتبه من الأحاديث ~~والأثار الموضوعة والمكذوبة ما لو علم أنها موضوعة لم يذكرها # وأحمد رضي الله عنه قد رد على الجهمية وغيرهم بالأدلة السمعية والعقلية ~~وذكر من كلامهم وحججهم ما لم يذكره غيره بل استوفى حكاية مذهبهم وحججهم أتم ~~استيفاء ثم أبطل ذلك بالشرع والعقل # وقد نقل أبو حامد في كتابه ما ذكر أنه سمعه من بعض الحنابلة وهو PageV07P149 ~~أن أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أحاديث وهذا غلط على أحمد وقد بسط الكلام على ~~هذا في غير هذا الموضع وتبين ما في هذا الكلام وتوابعه من الصواب والخطأ ~~نقلا وتوجيها ولو اقتصر أبو حامد على ما نقله من كتاب ابن عبد البر عن ~~الأئمة لم يكن فيه شيء من هذا الخطأ فإن ابن ms1353 عبد البر وأمثاله أعلم بالآثار ~~من هؤلاء ولكن لعله نقل ذلك من كلام أبي طالب أو غيره # ونظير هذا ما ذكره أبو المعالي في كتابه أصول الفقه المسمى بالبرهان لما ~~ذكر مذاهب الناس في القياس العقلي والشرعي PageV07P150 ~~فقال القياس فيما ذكره أصحاب المذاهب ينقسم إلى شرعي وعقلي ثم الناظرون في ~~الأصول والمنكرون تفرقوا على مذاهب فذهب بعضهم إلى رد القياسين وقال ~~القائلون هذا مذهب منكري النظر وقال قائلون بالقياس العقلي والسمعي وهذا ~~مذهب الأصوليين والقياسيين من الفقهاء وذهب ذاهبون إلى القول بالقياس ~~العقلي وجحد القياس الشرعي وهذا مذهب النظام وطوائف من الرافضة والإباضية ~~والأزارقة ومعظم فرق الخوارج إلا النجدات وصار صائرون إلى النهي عن القياس ~~النظري والأمر بالقياس الشرعي PageV07P151 # قال وهذا مذهب أحمد بن حنبل والمقتصدين من أتباعه وليس ينكرون إفضاء ~~النظر العقلي إلى العلم ولكن ينهون عن ملابسته والاشتغال به # قال وذهب الغلاة من الحشوية وأهل الظاهر إلى رد القياس العقلي والشرعي ~~قال أبو المعالي أطلق النقلة القياس العقلي وإن عنوا به النظر العقلي فهو ~~من نوعه إذا استجمع شرائط الصحة مفض إلى العلم مأمور به شرعا والقياس ~~الشرعي متقبل معمول به إذا صح على السبر اللائق به وإن عنى الناقلون ~~بالقياس العقلي اعتبار شيء بشيء ووقوف نظر في غائب على استثارة معنى في ~~شاهد فهذا باطل عندي لا أصل له فليس في المعقولات قياس وقد فهم عنا ذلك ~~طلبه المعقولات PageV07P152 ~~قلت هذا الذي ذكره أبو المعالي من إنكار القياس في المعقولات وافقه عليه ~~طائفة من المتاخرين كأبي حامد والرازي وأبي محمد المقدسي وقالوا قياس ~~التمثيل إنما يكون في الشرعيات والمنطقيون قد يدعون أن قياس التمثيل في ~~العقليات إنما يفيد الظن واما جمهور العقلاء فعلى أنه لا فرق بين قياس ~~الشمول وقياس التمثيل في إفادة العلم والظن فإن ما يجعل في قياس الشمول حدا ~~أوسط يجعل في قياس التمثيل مناط الحكم ويسمى العلة والوصف والمشترك # فإذا قيل النبيذ المسكر حرام لأنه مسكر وكل مسكر حرام فهذا قياس شمول ولا ms1354 ~~بد له من دليل يدل على صحة المقدمة الكبرى القائلة كل مسكر حرام فإذا استدل ~~بقياس التمثيل قال لأنه مسكر فكان حراما قياسا على عصير العنب المسكر ثم ~~يبين أن العلة في الأصل هو السكر فالدليل الدال على علية الوصف في الأصل هو ~~الدال على صحة المقدمة الكبرى والسكر هو الوصف الذي علق به الحكم وهو مناطه ~~وهو المشترك بين الأصل والفرع الذي علق به الحكم والمسكر المتصف بالسكر هو ~~الحد الأوسط المكرر في قياس الشمول الذي هو محمول في المقدمة الصغرى موضوع ~~في الكبرى # وأول ما ذكره عن أحمد فقد أنكره أصحاب أحمد حتى قال أبو البقاء العكبري ~~لمن قرأ عليه كتاب البرهان هذا النقل ليس بصحيح عن مذهب الإمام أحمد وهو ~~كما قال فإن أحمد لم ينه عن نظر في دليل عقلي صحيح يفضي إلى المطلوب بل في ~~كلامه في أصول الدين في الرد على الجهمية وغيرهم من الاحتجاج بالأدلة ~~العقلية PageV07P153 ~~على فساد قول المخالفين للسنة ما هو معروف في كتبه وعند أصحابه # ولكن أحمد ذم من الكلام البدعي ما ذمه سائر الأئمة وهو الكلام المخالف ~~للكتاب والسنة والكلام في الله ودينه بغير علم # واستدل أحمد بقوله تعالى { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون } سورة الأعراف 33 # وأحمد أشهر وأكثر كلاما في أصول الدين بالأدلة القطعية نقلها وعقلها من ~~سائر الأئمة لأنه ابتلي بمخالفي السنة فاحتاج إلى ذلك والموجود في كلامه من ~~الاحتجاج بالأدلة العقلية على ما يوافق السنة لم يوجد مثله في كلام سائر ~~الأئمة ولكن قياس التمثيل في حق الله تعالى لم يسلكه أحمد لم يسلك فيه إلا ~~قياس الأولى وهو الذي جاء به الكتاب والسنة فإن الله لا يماثل غيره في شيء ~~من الأشياء حتى يتساويا في حكم القياس بل هو سبحانه أحق بكل حمد وأبعد عن ~~كل ذم فما كان من ms1355 صفات الكمال المحضة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه فهو ~~أحق به من كل ما سواه وما كان من صفات النقص فهو أحق بتنزيهه عنه من كل ما سواه # والقرآن لما بين قدرته على إعادة الخلق بفعله لما هو أبلغ من ذلك كان هذا ~~من باب قياس الأولى وكذلك بين تنزيهه عن الولد والشريك وكذلك أحمد سلك هذا ~~المسلك كما ذكر في موضعه مثل بيانه لإمكان كونه عالما بجميع المخلوقات مع ~~كونه بائنا عن العالم فوق PageV07P154 ~~العرش بقياسين عقليين أحدهما أن الإنسان قد يكون معه قدح صاف فيرى ما فيه ~~مع مباينته له فالرب سبحانه قدرته على العالم ومباينته له أعظم من قدرة هذا ~~على ما في يديه فلا تمتنع رؤيته لما فيه وإحاطته به مع مباينته له # والقياس الثاني من بنى دارا وخرج منها فهو يعلم ما فيها لكونه فعلها وإن ~~لم يكن فيها فالرب الذي خلق كل شيء وأبدعه هو أحق بأن يعلم ما خلق وهو ~~اللطيف الخبير وإن لم يكن حالا في المخلوقات # والمقصود أن أحمد يستدل بالأدلة العقلية على المطالب الإلهية إذا كانت ~~صحيحة إنما يذم ما خالف الكتاب والسنة أو الكلام بلا علم والكلام المبتدع ~~في الدين كقوله في رسالته إلى المتوكل لا أحب الكلام في هذا إلا ما كان في ~~كتاب الله أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو التابعين ~~فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود # وهو لا يكره إذا عرف معاني الكتاب والسنة أن يعبر عنها بعبارات أخرى إذا ~~احتيج إلى ذلك بل هو قد فعل ذلك بل يكره المعاني المبتدعة في هذا أي فيما ~~خاض الناس فيه من الكلام في القرآن والرؤية والقدر والصفات إلا بما يوافق ~~الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين PageV07P155 # ولهذا كره الكلام في الجسم وفي الحيز وفي اللفظ بالقرآن نفيا وإثباتا لما ~~في كل من النفي والإثبات من باطل وكلامه في هذه الأمور مبسوط في موضع آخر ~~كما هو معروف في ms1356 كتابه وخطابه # والمذموم شرعا ما ذمه الله ورسوله كالجدل بالباطل والجدل بغير علم والجدل ~~في الحق بعد ما تبين # فاما المجادلة الشرعية كالتي ذكرها الله تعالى عن الأنبياء عليهم السلام ~~وأمر بها في مثل قوله تعالى { قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } ~~سورة هود 32 # وقوله { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } سورة الأنعام 83 وقوله ~~تعالى { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } سورة البقرة 258 وقوله تعالى ~~{ وجادلهم بالتي هي أحسن } سورة النحل 125 # وأمثال ذلك فقد يكون واجبا أو مستحبا وما كان كذلك لم يكن مذموما في الشرع # وما ذكره أبو حامد الغزالي من كلام السلف في ذم أهل الكلام لولا أنه ~~معروف عنهم في كتب يعتمد عليها لم يذكره هنا PageV07P156 ~~وقد نقل من ذلك ما نقله من كتاب أبي عمر بن عبد البر الذي سماه فضل العلم ~~وأهله وما يلزمهم في تأديته وحمله وأبو عمر من أعلم الناس بالآثار والتمييز ~~بين صحيحها وسقيمها # ومن ذلك ما نقله أبو حامد أيضا عن أحمد أنه قال علماء الكلام زنادقة قال ~~وقال مالك أرأيت إن جاء من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم لدين جديد قال ~~يعني أن أقوال المتجادلين تتقاوم قال وقال مالك لا تجوز شهادة أهل الأهواء ~~والبدع فقال بعض أصحابه في تأويله إنه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي ~~مذهب كانوا # قلت هذا الذي كنى عنه أبو حامد هو محمد بن خويز منده PageV07P157 ~~البصري الإمام المالكي وقد قال إن أهل الأهواء عند مالك وأصحابه الذين ترد ~~شهادتهم هم أهل الكلام # قال فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه وكل متكلم فهو ~~عندهم من أهل الأهواء أشعريا كان أو غير أشعري هكذا ذكره عنه ابن عبد البر ~~ومنه نقل ذلك أبو حامد لكن كنى عن التصريح بذلك # قال أبو حامد وقال أبو يوسف من طلب العلم بالكلام تزندق PageV07P158 # قال وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا ولا ينحصر ما ms1357 ينقل عنهم من ~~التشديدات فيه وقالوا ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح في ~~ترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد منه ولذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم هلك المتنطعون هلك المتنطعون أي المتعمقون في البحث والاستقصاء # قال واحتجوا بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويعلم طريقه ويثني على أربابه فقد علمهم الاستنجاء وندبهم إلى ~~حفظ الفرائض PageV07P159 ~~وأثنى عليهم ونهاهم عن الكلام في القدر وعلى هذا استمر الصحابة فالزيادة ~~على الأستاذ طغيان وظلم وهم الأستاذون والقدوة ونحن الأتباع والتلامذة # قال وأما الفرقة الأخرى فاحتجوا بأن المحذور من الكلام إن كان هو من أجل ~~لفظ الجوهر والعرض وهذه الاصطلاحات الغريبة التي لم تعهدها الصحابة فالأمر ~~فيه قريب إذ ما من علم إلا وقد أحدث فيه اصطلاحات لأجل التفهم كالحديث ~~والتفسير والفقه ولو عرض عليهم عبارة النقض والكسر والتعدية والتركيب وفساد ~~الوضع لما كانوا يفهمونه وإحداث عبارة للدلالة على مقصود صحيح كإحداث آنية على PageV07P160 ~~هيئة جديدة لاستعمالها في مباح وإن كان المحذور هو المعنى فنحن لا نعني به ~~إلا معرفة الدليل على حدوث العالم ووحدانية الخلق تعالى وصفاته كما جاء به ~~الشرع فمن أين تحرم معرفة الله بالدليل وإن كان المحذور هو الشغب والتعصب ~~والعداوة والبغض وما يفضي إليه الكلام فذلك يحرم ويجب الاحتراز منه كما أن ~~الكبر والرياء وطلب الرياسة مما يفضي إليه علم الحديث والتفسير والفقه وهو ~~محرم يجب الاحتراز منه ولكن لا يمنع من العلم لأجل أدائه إليه # وكيف يكون ذكر الحجة والمطالبة والبحث عنها محظورا وقد قال الله تعالى { ~~قل هاتوا برهانكم } سورة النمل 64 وقال تعالى { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى ~~من حي عن بينة } سورة الأنفال 42 PageV07P161 ~~وقال تعالى { إن عندكم من سلطان } سورة يونس 68 أي من حجة وبرهان # وقال تعالى { قل فلله الحجة البالغة } سورة الأنعام 149 # وقال تعالى { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } إلى قوله ms1358 { فبهت الذي ~~كفر } سورة البقرة 258 وذكر إبراهيم ومجادلته وإفحامه خصمه في معرض الثناء ~~عليه وقال تعالى { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } سورة الأنعام 83 # وذكر كلاما طويلا ذكرناه وتكلمنا على ما فيه من مقبول ومردود كلاما ~~مبسوطا في غير هذا الموضع إلى أن قال فهذا ما يمكن أن يذكر للفريقين # ثم ذكر تفصيلا اختاره مضمونه أن فيه مضرة من إثارة الشبهات وتحريك ~~العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم ومضرة في تأكيد اعتقاد المبتدعة ~~وتثبيته في صدورهم بحيث تنبعث PageV07P162 ~~دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه ولكن هذا الإصرار بواسطة التعصب الذي ~~يثور عن الجدل # قلت المضرة التي ذكرها نوعان أحدهما يتعلق بالعلم وهو التنبيه على شبه ~~الباطل التي تضعف اعتقاد الحق وتفضي إلى الباطل والثاني يتعلق بالقصد وهو ~~إثارة الهوى والحمية والعصبية التي تدعو إلى الإصرار ولو على الباطل لئلا ~~يغلب الشيطان # قال وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه ~~وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف وهذا إذا سمعته من محدث أو ~~حشوى ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم ~~قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وجاوز ~~ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام وتحقق أن الطريق إلى حقائق ~~المعرفة من هذا الوجه مسدود # قال ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف PageV07P163 ~~وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور وفي أمور جلية تكاد تنال قبل التعمق في ~~صناعة الكلام # قال بل منفعته شيء واحد وهو حراسة العقيدة التي ترجمناها على العوام ~~وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل فإن العامي يستفزه جدل المبتدع ~~وإن كان فاسدا ومعارضة الفاسد بالفاسد نافعة والناس متعبدون بهذه العقيدة ~~التي قدمناها إذ ورد الشرع بها لما فيها من صلاح دينهم ودنياهم واجتماع ~~السلف عليها والعلماء متعبدون بحفظ ذلك على العوام من تلبيسات المبتدعة كما ~~تعبد السلاطين بحفظ أموالهم عن تهجمات الغصاب والظلمة # قال وإذا وقعت ms1359 الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون PageV07P164 ~~كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر إذ لا يضعه إلا في موضعه وذلك في ~~وقت الحاجة وعلى قدر الحاجة # قلت فهذا كلام أبي حامد مع معرفته بالكلام والفلسفة وتعمقه في ذلك يذكر ~~اتفاق سلف أهل السنة على ذم الكلام ويذكر خلاف من نازعهم ويبين أنه ليس فيه ~~فائدة إلا الذب عن العقائد الشرعية التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لأمته وإذا لم يكن فيه فائدة إلا الذب عن هذه العقائد امتنع أن يكون ~~معارضا لها فضلا عن أن يكون مقدما عليها فامتنع أن يكون الكلام العقلي ~~المقبول مناقضا للكتاب والسنة وما كان من ذلك مناقضا للكتاب والسنة وجب أن ~~يكون من الكلام الباطل المردود الذي لا ينازع في ذمه أحد من المسلمين لا من ~~السلف والأئمة ولا أحد من الخلف المؤمنين أهل المعرفة بعلم الكلام والفلسفة ~~وما يقبل من ذلك وما يرد وما يحمد وما يذم وإن من قبل ذلك وحمده كان من أهل ~~الكلام الباطل المذموم باتفاق هؤلاء # هذا مع أن السلف والأئمة يذمون ما كان من الكلام والعقليات والجدل باطلا ~~وإن قصد به نصر الكتاب والسنة فيذمون من قابل بدعة ببدعة وقابل الفاسد ~~بالفاسد فكيف من قابل السنة بالبدعة وعارض الحق بالباطل وجادل في آيات الله ~~بالباطل ليدحض به الحق PageV07P165 # ولكن المقصود هنا بيان ما ذكره من اتفاق أئمة السنة على ذمه وما ذكره من ~~أنه هو وطريق المتفلسفة لا يفيد كشف الحقائق ومعرفتها مع خبرته بذلك وهو ~~تكلم بحسب ما بلغه عن السلف وما فهمه وعلمه مما يحمد ويذم ولم تكن خبرته ~~بأقوال السلف وحقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كخبرته بما سلكه ~~من طرق أهل الكلام والفلسفة فلذلك لم يكن في كلامه من هذا الجانب من العلم ~~والخبرة ما فيه من الجانب الذي هو به أخبر من غيره وذلك أن ما ذكره من أن ~~مضرته هي إثارة الشبهات في العلم وإثارة التعصب في الإرادة إنما ms1360 يقال إذا ~~كان الكلام في نفسه حقا بأن تكون قضاياه ومقدماته صادقة بل معلومة # فإذا كان مع ذلك قد يورث النظر فيه شبها وعداوة قيل فيه ذلك والسلف لم ~~يكن ذمهم للكلام لمجرد ذلك ولا لمجرد اشتماله على ألفاظ اصطلاحية إذا كانت ~~معانيها صحيحة ولا حرموا معرفة الدليل على الخالق وصفاته وأفعاله بل كانوا ~~أعلم الناس بذلك وأعرفهم بأدلة ذلك ولا حرموا نظرا صحيحا في دليل صحيح يفضي ~~إلى علم نافع ولا مناظرة في ذلك نافعة إما لهدي مسترشد وإما لإعانة مستنجد ~~وإما لقطع مبطل متلدد بل هم أكمل الناس نظرا واستدلالا واعتبارا وهم نظروا ~~في أصح الأدلة وأقومها فإن الناظر PageV07P166 ~~الطالب للعلم إما أن يكون نظره في كلام معلم يبين له ويخاطبه بما يعرفه ~~الحق وإما أن يكون في نفس الأمور الثابتة التي يخبر عنها المتكلم ويريد أن ~~يعلم أمرها المتعلم كسائر الناظرين في الطب والنحو وغير ذلك إما أن ينظر في ~~كلام المعلمين لهذا الفن وإما أن ينظر فيما من شأنه أن يخبر عنه كالأبدان ~~واللغات # والسلف كان نظرهم في خير الكلام وأفضله وأصدقه وأدله على الحق وهو كلام ~~الله تعالى وهم ينظرون في آيات الله تعالى التي في الآفاق وفي أنفسهم فيرون ~~ذلك من الأدلة ما يبين أن القرآن حق قال تعالى { سنريهم آياتنا في الآفاق ~~وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } سورة فصلت 53 # والمناظرة المحمودة نوعان والمذمومة نوعان وذلك لأن المناظر إما أن يكون ~~عالما بالحق وإما أن يكون طالبا له وإما أن لا يكون عالما به ولا طالبا له ~~فهذا الثالث هو المذموم بلا ريب وأما الأولان فمن كان عالما بالحق فمناظرته ~~المحمودة أن يبين لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشدا طالبا للحق إذا ~~تبين له أو يقطعه ويكف عدوانه إن كان معاندا غير متبع للحق إذا تبين له ~~ويوقفه ويسلكه ويبعثه على النظر في أدلة الحق إن كان يظن أنه حق وقصده الحق # وذلك لأن المخاطب بالمناظرة إذا ناظره العالم المبين ms1361 للحجة إما أن PageV07P167 ~~يكون ممن يفهم الحق ويقبله فهذا إذا بين له الحق فهمه وقبله وإما أن يكون ~~ممن لا يقبله إذا فهمه أو ليس له غرض في فهمه بل قصده مجرد الرد له فهذا ~~إذا نوظر بالحجة انقطع وانكف شره عن الناس وعداوته وهذا هو المقصود الذي ~~ذكره أبو حامد وغيره وهو دفع أعداء السنة المجادلين بالباطل عنها # وإما أن يكون الحق قد التبس عليه وأصل قصده الحق لكن يصعب عليه معرفته ~~لضعف علمه بأدلة الحق مثل من يكون قليل العلم بالآثار النبوية الدالة على ~~ما أخبر به من الحق أو لضعف عقله لكونه لا يمكنه أن يفهم دقيق العلم أو لا ~~يفهمه إلا بعد عسر أو قد سمع من حجج الباطل ما اعتقد موجبه وظن أنه لا جواب ~~عنه فهذا إذا نوظر بالحجة أفاده ذلك إما معرفة بالحق وإما شكا وتوقفا في ~~اعتقاده الباطل أو في اعتقاده صحة الدليل الذي استدل به عليه وبعث همته على ~~النظر في الحق وطلبه إن كان له رغبة في ذلك فإن صار من أهل العصبية الذين ~~يتبعون الظن وما تهوى الأنفس ألحق بقسم المعاندين كما تقدم # واما المناظرة المذمومة من العالم بالحق فأن يكون قصده مجرد الظلم ~~والعدوان لمن يناظره ومجرد إظهار علمه وبيانه لإرادة العلو في الأرض فإذا ~~أراد علوا في الأرض أو فسادا كان مذموما على إرادته PageV07P168 ~~ثم قد يكون من الفجار الذين يؤيد الله بهم الدين كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر فكما يجاهد الكفار فاجر ~~فينتفع المسلمون بجهاده فقد يجادلهم فاجر فينتفع المسلمون بجداله لكن هذا ~~يضر نفسه بسوء قصده وربما أوقعه ذلك في أنواع من الكذب والبدعة والظلم ~~فيجره إلى أمور أخرى # وقد وقع في ذلك كثير من هؤلاء وهؤلاء # وأما إن كان المناظر غير عالم بالحق بأن لايعرف الحق في نفس المسألة أو ~~يعرف الحق لكن لا يعرف بعض الحجج أو الجواب عن بعض المعارضات أو الجمع بين ms1362 ~~دليلين متعارضين وأمثال ذلك فهذا إذا ناظر طالبا لمعرفة الحق وأدلته ~~والجواب عما يعارضها والجمع بين الأدلة الصحيحة كان محمودا وإن ناظر بلا ~~علم فتكلم بما لا يعرف من القضايا والمقدمات كان مذموما # والسلف رضوان الله عليهم كانت مناظرتهم مع الكفار وأهل البدع كالخوارج ~~وغيرهم من القسم الأول وكانت مناظرة بعضهم لبعض في مسائل الأحكام والتفسير ~~تارة من القسم الأول وتارة من PageV07P169 ~~القسم الثاني وهي المشاورة التي مدحهم الله عليها بقوله عز وجل { وأمرهم ~~شورى بينهم } سورة الشورى 38 # وما ذكره الله تعالى عن الأنبياء والمؤمنين من المجادلة يتناول هذا وهذا ~~وقد ذم الله تعالى في القرآن ثلاثة أنواع من المجادلة ذم صاحب المجادلة ~~بالباطل ليدحض به الحق وذم المجادلة في الحق بعدما تبين وذم المحاجة فيما ~~لا يعلم المحاج # فقال تعالى { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق } سورة غافر 5 # وقال تعالى { يجادلونك في الحق بعد ما تبين } الآية سورة الأنفال 6 # وقال { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به ~~علم } سورة آل عمران 66 # والذي ذمه السلف والأئمة من المجادلة والكلام هو من هذا الباب فإن أصل ~~ذمهم الكلام هو الكلام المخالف للكتاب والسنة وهذا لا يكون في نفس الأمر ~~إلا باطلا فمن جادل به جادل بالباطل وإن كان ذلك الباطل لا يظهر لكثير من ~~الناس أنه باطل لما فيه من الشبهة فإن الباطل المحض الذي يظهر بطلانه لكل ~~أحد لا يكون قولا ومذهبا لطائفة تذب عنه وإنما يكون باطلا مشوبا بحق كما ~~قال تعالى PageV07P170 ~~{ لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } سورة آل عمران 71 # أو تكون فيه شبهة لأهل الباطل وإن كانت باطلة وبطلانها يتبين عند النظر ~~الصحيح كالذين قالوا إن محمدا صلى الله عليه وسلم شاعر وكاهن ومجنون قالوا ~~إنه شاعر لأن الشعر كلام موزون مقفى فشبهوا القرآن به من هذا الوجه والكاهن ~~يخبر أحيانا بواحدة تصدق فشبهوا الرسول به من هذا الوجه والمجنون يقول ~~ويفعل خلاف ما ms1363 في عقول ذوي العقول فلما زعموا أن ما يأتي به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم يخالف ما يأتي به العقلاء نسبوه إلى ذلك # لكن ما ينصبه الله من الأدلة ويهدي إليه عباده من المعرفة يتبين به الحق ~~من الباطل الذي يشتبه به ولكن ليس كل من عرف الحق إما بضرورة أو بنظر أمكنه ~~أن يحتج على من ينازعه بحجة تهديه أو تقطعه فإن ما به يعرف الإنسان الحق ~~نوع وما به يعرفه به غيره نوع وليس كل ما عرفه الإنسان أمكنه تعريف غيره به ~~فلهذا كان النظر أوسع من المناظرة فكل ما يمكن المناظرة به يمكن النظر فيه ~~وليس كل ما يمكن النظر فيه يمكن مناظرة كل أحد به PageV07P171 # ولهذا كان أهل العلم بالحديث لهم علوم ضرورية بأقوال الرسول ومقاصده لا ~~يشركهم فيها إلا من شركهم في أسبابها # والمقصود هنا أن السلف كانوا أكمل الناس في معرفة الحق وأدلته والجواب ~~عما يعارضه وإن كانوا في ذلك درجات وليس كل منهم يقوم بجميع ذلك بل هذا ~~يقوم بالبعض وهذا يقوم بالبعض كما في نقل الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وغير ذلك من أمور الدين # والكلام الذي ذموه نوعان أحدهما أن يكون في نفسه باطلا وكذبا وكل ما خالف ~~الكتاب والسنة فهو باطل وكذب فإن أصدق الكلام كلام الله # والثاني أن يكون فيه مفسدة مثلما يوجد في كلام كثير منهم من النهي عن ~~مجالسة أهل البدع ومناظرتهم ومخاطبتهم والأمر بهجرانهم وهذا لأن ذلك قد ~~يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم فإن الحق إذا كان ظاهرا قد عرفه المسلمون ~~وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته فإنه يجب منعه من ذلك فإذا هجر وعزر ~~كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيغ بن عسل التميمي ~~وكما كان المسلمون يفعلونه أو قتل كما قتل المسلمون PageV07P172 ~~الجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهما كان ذلك هو المصلحة بخلاف ما إذا ترك ~~داعيا وهو لا يقبل الحق إما لهواه وإما لفساد إدراكه فإنه ms1364 ليس في مخاطبته ~~إلا مفسدة وضرر عليه وعلى المسلمين # والمسلمون أقاموا الحجة على غيلان ونحوه وناظروه وبينوا له الحق كما فعل ~~عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه واستتابه ثم نكث التوبة بعد ذلك فقتلوه # وكذلك علي رضي الله عنه بعث ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم ثم رجع نصفهم ~~ثم قاتل الباقين # والمقصود أن الحق إذا ظهر وعرف وكان مقصود الداعي إلى البدعة إضرار الناس ~~قوبل بالعقوبة # قال الله تعالى { والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة ~~عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد } سورة الشورى 16 # وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة ~~وجواب الشبهة فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل كما ينهى الضعيف في المقاتلة ~~أن يقاتل علجا قويا من علوج الكفار فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة ~~وقد ينهى عنها إذا كان المناظر PageV07P173 ~~معاندا يظهر له الحق فلا يقبله وهو السوفسطائي فإن الأمم كلهم متفقون على ~~أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة بينة بنفسها ضرورية وجحدها الخصم ~~كان سوفسطائيا ولم يؤمر بمناظرته بعد ذلك بل إن كان فاسد العقل داووه وإن ~~كان عاجزا عن معرفة الحق ولا مضرة فيه تركوه وإن كان مستحقا للعقاب عاقبوه ~~مع القدرة إما بالتعزير وإما بالقتل وغالب الخلق لا ينقادون للحق إلا بالقهر # والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها أو مع من لا يكون في ~~مناظرته مصلحة راجحة أو فيها مفسدة راجحة فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف ~~الأحوال # وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة ومستحبة أخرى وفي الجملة ~~جنس المناظرة والمجادلة فيها محمود ومذموم ومفسدة ومصلحة وحق وباطل # ومنشأ الباطل من نقص العلم أو سوء القصد كما قال تعالى { إن يتبعون إلا ~~الظن وما تهوى الأنفس } سورة النجم 23 # ومنشأ الحق من معرفة الحق والمحبة له والله هو الحق المبين ومحبته أصل كل ~~عبادة فلهذا كان أفضل الأمور على الإطلاق معرفة الله ومحبته وهذا هو ملة ~~إبراهيم ms1365 خليل الله تعالى الذي جعله الله للناس إماما وجعله أمة يأتم به ~~الخلق وهو الذي ناظر المعطلين والمشركين PageV07P174 # كما ذكر الله تعالى محاجته لمن حاجه في ربه { إذ قال إبراهيم ربي الذي ~~يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ~~فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } سورة البقرة 258 ومحاجته لقومه الذين ~~كانوا يعبدون الكواكب # والجهمية نفاة الصفات الذين هم رؤوس أهل الكلام المذموم قولهم مأخوذ من ~~قول خصمائه كما هو مأخوذ من قول فرعون خصم موسى عليه السلام فإن فرعون أظهر ~~جحد الصانع وعلوه على خلقه وجحد تكليمه لموسى وقوم إبراهيم كانوا مشركين ~~كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك وكان فيهم من هو معطل كما ذكر الله تعالى ذلك # والفلاسفة القائلون بدعوة الكواكب فيهم المشرك وفيهم المعطل ونفي الصفات ~~من أقوالهم فمنهم من لا يثبت لهذا العالم المشهود ربا أبدعه كما هو قول ~~الدهرية الطبيعية منهم ويجعلون العالم نفسه واجب الوجود بذاته ومنهم من ~~يثبت له مبدعا واجبا بنفسه أبدعه كما هو قول الدهرية الإلهية منهم ويقولون ~~إن الواجب ليس له صفة ثبوتية بل صفاته إما سلب وإما إضافة وأما مركبة منهما # وكان الجعد بن درهم من أهل حران وكان فيهم بقايا من الصابئين والفلاسفة ~~خصوم إبراهيم الخليل عليه السلام فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم ~~موافقة لفرعون والنمروذ بناء على أصل هؤلاء PageV07P175 ~~النفاة وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام ولا يقوم به محبة لغيره فقتله ~~المسلمون ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه # والمحبة متضمنة للإرادة ومسألة الكلام والإرادة ضل فيهما طوائف كما ضلوا ~~في إنكار العلو الذي أنكره فرعون على موسى كما قد بسط هذا في موضعه # ومما يبين هذا أن السلف لم يذموا التكلم بأسماء مفردة كالجوهر والجسم ~~والعرض فإن الاسم المفرد ليس بكلام ولا يتكلم به أحد وإنما ذموا الكلام ~~المؤلف الدال على معان والذين كانوا يتكلمون بهذه الأسماء كان كلامهم ~~متضمنا لأمور فيها افتراء ms1366 على الله ورسوله إما إثبات ما نفاه الله وإما نفي ~~ما أثبته الله ومتضمنة لمعان باطلة هي كذب وباطل في نفس الأمر # والمقصود هنا التنبيه على جنس ما مدحه السلف وذموه وأنهم كانوا أعرف ~~الناس بالحق وأدلته وبطلان ما يعارضه وإنما يظن بهم التقصير في هذا من كان ~~جاهلا بحقيقة الحق وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من العلم ~~والإيمان وبما وصل إليه السلف والأئمة فجهله بالأول يوجب أن لا يعلم الحق ~~بل يعتقد نقيضه وجهله بالثاني يوجب ظنه أن ليس فيما جاء به الرسول بيان ~~الحق بأدلته والمناظرة عنه وجهله بالثالث يوجب ظنه أن السلف ذموا الكلام ~~بالأدلة الصحيحة المفضية PageV07P176 ~~إلى العلم بالله وصفاته خوفا من الشبهات والأهواء بل الأصل في ذم السلف ~~للكلام هو اشتماله على القضايا الكاذبة والمقدمات الفاسدة المتضمنة ~~للافتراء على الله تعالى وكتابه ورسوله ودينه # فهذا هو الكلام المذموم بالذات وهو الكلام الكاذب الباطل وأما الكلام ~~الذي هو حق وصدق فهذا لا يذم بالذات وإنما يذم المتكلم به أحيانا لاشتمال ~~ذلك على مضرة عارضة مثل ما يحرم القذف وإن كان القاذف صادقا إذا لم يكن له ~~أربعة شهداء ومثل ما تحرم الغيبة والنميمة ونحو ذلك مما هو صدق لكن فيه ظلم للغير # وأما الكلام في الدين فنوعان أحدهما أمر والثاني خبر والكلام في أصول ~~الدين هو من نوع الثاني ولا ريب أن الله تعالى أخبر بإثبات أمور ونفى أمور ~~وأصدق الكلام كلام الله فما ناقض ذلك كان كذبا وقولا على الله غير الحق # كما قال تعالى { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله ~~إلا الحق } سورة النساء 171 # وقال تعالى { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا ~~الحق } سورة الأعراف 169 # وقال تعالى { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزي المفترين } سورة الأعراف 152 PageV07P177 # وقال تعالى { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } سورة الصافات 180 وأمثال ذلك # وعامة ms1367 الكلام الذي ذمه السلف تشتمل مسائله على كذب وفرية ودلائل مسائله ~~على كذب وفرية كأقوال الجهمية النفاة لما أثبته الله تعالى له من الأسماء ~~والصفات وكلام القدرية النافية لما أثبته الله من قدرته ومشيئته # ودلائل الجهمية النفاة هو استدلالهم بدليل الجواهر والأعراض فإنهم زعموا ~~أن الأعيان المشاهدة كالسماوات والأرض مركبة من الجواهر المنفردة أو من ~~المادة والصورة وأن المركب مسبوق بجزئه ومفتقر إلى مركب يركبه فيكون محدثا ~~وممكنا وما قام بها من الصفات والحركات أعراض والأعراض أو بعضها حادثة وما ~~كان شخصه حادثا وجب أن يكون نوعه حادثا فيمتنع وجود حوادث لا تتناهى وقالوا ~~بهذا عرفنا أن السماوات مخلوقة وبذلك عرفنا أن الله موجود فلزمهم على ذلك ~~أن ينفوا صفات الله وأفعاله وذلك باطل شرعا وعقلا ولم يكن ما أقاموه دليلا ~~صحيحا فلا هم عرفوا الحق بدليل صحيح قويم ولا PageV07P178 ~~هم نصروه بميزان مستقيم ولكنهم قد يقابلون الفاسد بالفاسد فإن أعداء الملة ~~قد يقيمون شبهة على نقيض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كشبهة ~~الدهرية على قدم السماوات فيقابلون ذلك بفاسد آخر كاستدلالهم على حدوث ذلك ~~بدليل الأعراض والصفات # وحفظ مثل هذا الكلام لاعتقاد العوام كدفع المظلمة عنهم بعقوبات فيها ~~عدوان ومن ظن أن الخلف أعلم بالحق وأدلته أو المناظرة فيه من السلف فهو ~~بمنزلة من زعم أنهم أقوم بالعلم والجهاد وفتح البلاد منهم وكلا الظنين طريق ~~من لم يعرف حقيقة الدين ولا حال السلف السابقين # وهذا مثل كلام الرافضة وأمثالهم من أهل الفرية الذين يتضمن قولهم التكذيب ~~بالحق والتصديق بالباطل فهؤلاء فيما يحدثون به من الكذب ويكذبون به من ~~الصدق في المقولات بمنزلة أهل الكلام الباطل في البحث والنظر كالجهمية ~~الذين يكذبون بالحق ويصدقون بالباطل في العقليات # ولهذا كان غير واحد من السلف يقرن بين الجهمية والرافضة وهما شر أهل ~~الأهواء وكان الكلام المذموم عند السلف أعظم من الشهادة بالزور وظلم الحق PageV07P179 # وذلك لأن الكاذب الظالم إذا علم أنه كاذب ظالم كان معترفا بذنبه معتقدا ~~لتحريم ذلك ms1368 فترجى له التوبة ويكون اعتقاده التحريم وخوفه من الله تعالى من ~~الحسنات التي يرجى أن يمحو الله بها سيئاته # واما إذا كذب في الدين معتقدا أن كذبه صدق وافترى على الله ظانا أن فريته ~~حق فهذا أعظم ضررا وفسادا # ولهذا كان السلف يقولون البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن المعصية ~~يتاب منها والبدعة لا يتاب منها # ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الخوارج المبتدعين مع كثرة ~~صلاتهم وصيامهم وقراءتهم ونهى عن الخروج على أئمة الظلم وأمر بالصبر عليهم # وكان يجلد رجلا يشرب الخمر فلعنه رجل فقال لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله # وجاءه ذو الخويصرة التميمي وبين عينيه أثر السجود فقال يا محمد اعدل فإنك ~~لم تعدل فقال ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أعدل ثم قال ~~يخرج من ضئضىء هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ~~وقراءته PageV07P180 ~~مع قراءتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق ~~السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن ~~قتلهم يوم القيامة # فهذا المبتدع الجاهل لما ظن أن ما فعله الرسول ليس بعدل كان ظنه كاذبا ~~وكان في إنكاره ظالما وهذا حال كل مبتدع نفى ما أثبته الله تعالى أو أثبت ~~ما نفاه الله أو اعتقد حسن ما لم يحسنه الله أو قبح ما لم يكرهه الله ~~فاعتقادهم خطأ وكلامهم كذب وإرادتهم هوى فهم أهل شبهات في آرائهم وأهواء في ~~إراداتهم # فالسلف ذموا أهل الكلام الذين هم أهل الشبهات والأهواء لم يذموا أهل ~~الكلام الذين هم أهل كلام صادق يتضمن الدليل على معرفة الله تعالى وبيان ما ~~يستحقه وما يمتنع عليه ولكن قد يورث شبهة وهوى # وقد اعترف أبو حامد بأن ما ذكره هو من الكلام والفلسفة ليس فيه كشف ~~الحقائق ومعرفته PageV07P181 # وأما حراسة عقيدة العوام # فيقال أولا لا بد أن يكون المحروس هو نفس ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أنه أخبر ms1369 به لأمته فأما إذا كان المحروس فيه ما يوافق خبر الرسول وفيه ~~ما يخالفه كان تمييزه قبل حراسته أولى من الذب عما يناقض خبر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فإن حاجة المؤمنين إلى معرفة ما قاله الرسول وأخبرهم به ~~ليصدقوا به ويكذبوا بنقيضه ويعتقدوا موجبه قبل حاجتهم إلى الذب عن ذلك ~~والرد على من يخالفه فإذا كان المتكلم الذي يقول إنه يذب عن السنة قد كذب ~~هو بكثير مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم واعتقد نقيضه كان مبتدعا ~~مبطلا متكلما بالباطل فيما خالف فيه خبر الرسول صلى الله عليه وسلم كما أن ~~ما وافق فيه خبر الرسول فهو فيه متبع للسنة محق يتكلم بالحق # وأهل الكلام الذين ذمهم السلف لا يخلو كلام أحد منهم عن مخالفة السنة ورد ~~لبعض ما أخبر به الرسول كالجهمية والمشبهة والخوارج والروافض والقدرية ~~والمرجئة # ويقال بأنها لا بد أن تحرس السنة بالحق والصدق والعدل لا تحرس بكذب ولا ~~ظلم فإذا رد الإنسان باطلا بباطل وقابل بدعة ببدعة كان هذا مما ذمه السلف ~~والأئمة PageV07P182 # وهؤلاء كما ذكره أبو حامد يدخلون في هذا وكلام السلف في ذم الكلام متناول ~~لما ذمه الله في كتابه والله سبحانه قد ذم في كتابه الكلام بالباطل والكلام ~~بغير علم # والأول كثير وأما الثاني فقد قال تعالى { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } سورة الأعراف 33 # وقال تعالى { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس ~~لكم به علم } سورة آل عمران 66 # وقال { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا } سورة الإسراء 36 # وهذا النوعان مذمومان في القضاء والفتيا والتفسير # قال النبي صلى الله عليه وسلم القضاة ثلاثة قاض في الجنة وقاضيان في ~~النار رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل ms1370 قضى للناس على جهل فهو في ~~النار ورجل علم الحق وحكم بخلافه فهو في النار PageV07P183 ~~وفي السنن من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ومن قال في القرآن برأيه ~~فأخطأ فليتبوأ مقعده من النار # فهذان النوعان من الكلام مذمومان مطلقا لا سيما ما كان في نفسه كذبا ~~باطلا وأما جنس النظر والمناظرة فهذا لم ينه السلف عنه مطلقا بل هذا إذا ~~كان حقا يكون مأمورا به تارة ومنهيا عنه أخرى كغيره من أنواع الكلام الصدق ~~فقد ينهى عن الكلام الذي لا يفهمه المستمع أو الذي يضر المستمع وعن ~~المناظرات التي تورث شبهات وأهواء فلا تفيد علما ولا دينا # ومن هذا الباب أنه خرج صلى الله عليه وسلم على طائفة من أصحابه وهم ~~يتناظرون في القدر فقال أبهذا أمرتم أم إلى هذا دعيتم أن تضربوا كتاب الله ~~بعضه ببعض وإنما نزل القرآن ليصدق بعضه بعضا لا ليكذب بعضه بعضا # فإذا كانت المناظرة تتضمن أن كل واحد من المتناظرين يكذب ببعض الحق نهي ~~عنها لذلك وأكثر الاختلاف بين ذوي الأهواء من PageV07P184 ~~هذا الباب كالقائلين بأن الله جسم متحيز في جهة والنافين لذلك والقائلين إن ~~الله يجبر العباد والنافين لذلك وأمثال ذلك من الكلام المجمل المتشابه الذي ~~يتضمن حقا وباطلا في جانبي النفي والإبثات # والكلام بلفظ الجسم والجوهر والعرض في مسائل الصفات هو من هذا الباب قال ~~أبو عبد الرحمن السلمي وقد ذكره شيخ الأسلام في ذم الكلام من طريقه سمعت ~~أبا نصر أحمد بن حامد السجزي يقول سمعت أبي يقول قلت لأبي العباس بن سريج ~~ما التوحيد قال توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله وتوحيد أهل الباطل الخوض في الأعراض والأجسام وإنما ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم بإنكار ذلك # والمقصود هنا بيان فساد الطرق المعارضة للكتاب والسنة واما بيان اشتمال ~~الكتاب والسنة على الطرق التي بها تحصل معرفة الله والإيمان به وبرسله ~~وباليوم الآخر فهذا مذكور في موضع آخر # وقد قال ms1371 أبو حامد أيضا لما ذكر أقسام العلوم فإن قلت لم لم تورد في أقسام ~~العلوم الكلام والفلسفة وتبين أنهما محمودان أو PageV07P185 ~~مذمومان فاعلم أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي ينتفع بها ~~فالقرآن والأخبار مشتملة عليه وما خرج عنه فهو إما مجادلة مذمومة وهي من ~~البدع وإما مشاغبات بالتعلق بمناقضات الفرق وتطويل وقت بنقل المقالات التي ~~أكثرها ترهات وهذيانات تزدريها الطباع وتمجها الأسماع وبعضها خوض فيما لا ~~يتعلق بالدين ولم يكن شيء منها مألوفا في العصر الأول فكان الخوض فيه ~~بالكلية من البدع # قال أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب ووقفت على ~~ما التمستموه من ذكر الأصول التي عول PageV07P186 ~~سلفنا رحمة الله عليهم عليها وعدلوا إلى الكتاب والسنة من أجلها واتباع ~~خلفنا الصالح لهم في ذلك وعدولهم عما صار إليه أهل البدع من المذاهب التي ~~أحدثوها وصاروا إلى مخالفة الكتاب والسنة بها وما ذكرتم من شدة الحاجة إلى ~~ذلك فبادرت أيدكم الله بإجابتكم إلى ما التمستموه وذكرت لكم جملا من الأصول ~~مقرونة بأطراف من الحجاج تدلكم على صوابكم في ذلك وخطأ أهل البدع فيما ~~صاروا إليه من مخالفتهم وخروجهم عن الحق الذي كانوا عليه قبل هذه البدع ~~معهم ومفارقتهم بذلك الأدلة الشرعية وما أتى به الرسول منها ونبه عليها ~~وموافقتهم بذلك لطرق الفلاسفة الصادين عنها والجاحدين لما أتت به الرسل ~~صلوات الله عليهم منها اعلموا أرشدكم الله أن الذي PageV07P187 ~~مضى عليه سلفنا ومن اتبعهم من صالح خلفنا أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله ~~عليه وسلم إلى سائر العالمين وهم أحزاب متشتتون وفرق متباينون منهم كتابي ~~يدعو إلى الله بما في كتابه وفلسفي قد تشعبت به الأباطيل في أمور يدعيها ~~بقضايا العقول وبرهمي ينكر أن يكون لله رسول ودهري يدعي الإهمال ويخبط في ~~عشواء الضلال وثنوي قد اشتملت عليه الحيرة ومجوسي يدعي ما ليس له به خبرة ~~وصاحب صنم يعكف عليه ويزعم أن له ربا يتقرب بعبادة ذلك الصنم إليه لينبههم ~~جميعا على ms1372 حدثهم ويدعوهم إلى توحيد المحدث لهم ويبين لهم طرق معرفته بما ~~فيهم من آثار صنعته ويأمرهم برفض كل ما كانوا عليه من سائر الأباطيل بعد ~~تنبيهه عليه السلام لهم على فسادها ودلالته على صدقه فيما يخبرهم به عن ~~ربهم بالآيات الباهرة والمعجزات القاهرة ويوضح لهم سائر PageV07P188 ~~ما تعبدهم الله به من شريعته وأنه عليه السلام دعا جماعتهم إلى ذلك ونبههم ~~على حدثهم بما فيهم من اختلاف الصور والهيئات وغير ذلك من اختلاف اللغات ~~وكشف لهم عن طريق معرفة الفاعل لهم بما فيهم وفي غيرهم مما يقتضي وجوده ~~ويدل على إرادته وتدبيره حيث قال عز وجل { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } سورة ~~الذاريات 21 فنبههم عز وجل بتقلبهم في سائر الهيئات التي كانوا عليها على ذلك # وشرح لهم ذلك بقوله سبحانه { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا ~~المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن ~~الخالقين } سورة المؤمنون 12 14 # وهذا من أوضح ما يقتضي الدلالة على حدث الإنسان PageV07P189 ~~ووجود المحدث له من قبل أن العلم قد أحاط بأن كل متغير لا يكون قديما وذلك ~~أن تغيره يقتضي مفارقة حال كان عليها قبل تغيره وكونه قديما ينفي تلك الحال ~~فإذا حصل متغيرا بما ذكرناه من الهيئات التي لم يكن قبل تغيره عليها دل ذلك ~~على حدوثها وحدوث الهيئة التي كان عليها قبل حدوثها إذ لو كانت قديمة لما ~~جاز عدمها وذلك أن القديم لا يجوز عدمه وإذا كان هذا على ما قلنا وجب أن ~~يكون ما عليه الأجسام من التغير منتهيا إلى هيئات محدثة لم تكن الأجسام ~~قبلها موجودة بل كانت معها محدثة ويدل ترتيب ذلك على محدث قادر حكيم من قبل ~~أن ذلك لا يجوز أن يقع بالاتفاق فيتم من غير مرتب له ولا قاصد إلى ما وجد ~~منه فيها دون ما كان يجوز وقوعها عليه من الهيئات المخالفة لها وجواز ~~تقدمها ms1373 في الزمان وتأخرها وحاجتها بذلك إلى محدثها ومرتبها لأن سلالة الطين ~~والماء المهين يحتمل من الهيئات ضروبا كثيرة لا يقتضي واحد منها سلالة PageV07P190 ~~الطين ولا الماء المهين بنفسه ولا يجوز أن يقع شيء من ذلك فيها بالاتفاق ~~لاحتمالها لغيره فإذا وجدنا ما صار إليه الإنسان في هيئته المخصوصة به دون ~~غيره من الأجسام وما فيه من الآلات المعدة لمصالحه كسمعه وبصره وشمه وحسه ~~وآلات ذوقه وما أعد له من آلات الغذاء التي لا قوام له إلا بها على ترتيب ~~ما قد أحوج إليه من ذلك حتى يوجد في حال حاجته إلى الرضاع بلا أسنان تمنعه ~~من غذائه وتحول بينه وبين مرضعته فإذا نقل من ذلك وخرج إلى غذاء لا ينتفع ~~به ولا يصل منه إلى غرضه إلا بطحنها له جعل له منها بقدر ما به الحاجة في ~~ذلك إليه والمعدة المعدة لطبخ ما يصل إليها من ذلك وتلطيفه حتى يصل إلى ~~الشعر والظفر وغير ذلك من سائر الأعضاء في مجار لطيف قد هيئت لذلك بمقدار ~~ما يقيمها والكبد المعدة لتسخينها بما يصل من حرارة القلب PageV07P191 ~~والرئة المهيأة لإخراج بخار الحرارة التي في القلب وإدخال ما يعتدل به من ~~الهواء البارد باجتذاب المناخر وما فيها من الآلات المعدة لخروج ما يفضل من ~~الغذاء عن مقدار الحاجة في مجار ينفذ ذلك منها وغير ذلك مما يطول شرحه مما ~~لا يصح وقوعه بالاتفاق ولا يستغنى فيما هو عليه عن مقوم له يرتبه إذ كان ~~ذلك لا يصح أن يترتب وينقسم في سلالة الطين والماء المهين بغير صانع لها ~~مدبر عند كل عاقل متأمل كما لا يصح أن تترتب الدار على ما تحتاج إليه فيها ~~من البناء بغير مدبر يقسم ذلك فيها ويقصد إلى ترتيبها # ثم زادهم الله تعالى في ذلك بيانا بقوله عز وجل { إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } PageV07P192 ~~سورة آل عمران 190 فدلهم تعالى بحركة الأفلاك على المقدار الذي بالخلق ~~الحاجة إليه في مصالحهم التي لا ms1374 تخفى مواقع انتفاعهم بها كالليل الذي جعل ~~لسكونهم ولتبريد ما زاد عليهم من حر الشمس في زروعهم وثمارهم والنهار الذي ~~جعل لانتشارهم وتصرفهم في معايشهم على القدر الذي يحتملونه في ذلك # ولو كان دهرهم كله ليلا لأضر بهم ما فيه من الظلمة التي تقطعهم عن التصرف ~~في مصالحهم وتحول بينهم وبين إدراك منافعهم وكذلك لو كان دهرهم كله نهارا ~~لأضر بهم ذلك ودعاهم ما فيه من الضياء إلى التصرف في طلب المعاش مع حرصهم ~~على ذلك إلى ما لا يطيقونه فأداهم قلة الراحلة إلى عطبهم فجعل لهم من ~~النهار قسطا لتصرفهم لا يجوز بهم قدر الطاقة فيه وجعل لهم من الليل قسطا ~~لسكونهم لا يقصر عن درك حاجتهم لتعتدل في ذلك PageV07P193 ~~أحوالهم وتكمل مصالحهم وجعل لهم من الحر والبرد فيهما بمقدار ما لهم ~~ولثمارهم ولمواشيهم من الصلاح رفقا لهم وجعل لون ما يحيط بهم من السماء ~~ملاوما لأبصارهم ولو كان لونها على خلاف ذلك من الألوان لأفسدها ودلهم على ~~حدثها بما ذكرناه من حركاتها واختلاف هيئاتها كما ذكرنا آنفا ودلهم على ~~حاجتها وحاجة الأرض وما فيهما من الحكم مع عظمهما وثقل أجرامهما إلى إمساكه ~~عز وجل لهما بقوله تعالى { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا } سورة فاطر 41 ~~فعرفنا تعالى أن وقوفهما لا يصح أن يكون من غيره وأن وقوفهما PageV07P194 ~~لا يجوز أن يكون بغير موقف لهما ثم نبهنا على فساد قول الفلاسفة بالطبائع ~~وما يدعونه من فعل الأرض والماء والنار والهواء في الأشجار وما يخرج منها ~~من سائر الثمار بقوله عز وجل { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ~~ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل } ثم ~~قال عز وجل { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } سورة الرعد 4 # ثم نبه تعالى خلقه على أنه واحد باتساق أفعاله وترتيبها وأنه تعالى لا ~~شريك له فيها بقوله عز وجل { لو ms1375 كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } سورة ~~الأنبياء 22 ووجه الفساد بذلك لو كانا إلهين ما اتسق أمرهما على نظام ولا ~~يتم على إحكام وكان لا بد أن يلحقهما العجز أو يلحق أحدهما عند التمانع في ~~الأفعال والقدرة على ذلك وذلك أن كل واحد منهما لا يخلو أن يكون قادرا على PageV07P195 ~~ما يقدر عليه الآخر على طريق البدل من فعل الآخر أو لا يكون كل واحد منهما ~~قادرا على ذلك فإن كان كل واحد منهما قادرا على فعل ما يقدر عليه الآخر ~~بدلا منه لم يصح أن يفعل كل واحد منهما ما يقدر عليه الآخر إلا بترك الآخر ~~له وإذا كان كل واحد منهما لا يفعل إلا بترك الآخر له جاز أن يمنع كل واحد ~~منهما صاحبه من ذلك # ومن يجوز أن يمنع ولا يفعل إلا بترك غيره له فهو مذموم عاجز وإن كان كل ~~واحد منهما لا يقدر على فعل مقدور الآخر بدلا منه وجب عجزهما وحدوث ~~قدرتيهما والعاجز لا يكون إلها ولا ربا # ثم نبه المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء على جواز إعادته تعالى لهم ~~حيث قال لهم لما استنكروها وقالوا من يحي العظام وهي رميم { قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } PageV07P196 ~~ثم أوضح ذلك بقوله { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه ~~توقدون } سورة يس 79 80 فدلهم بما يشاهدونه من جعله النار من العفار والمرخ ~~وهما شجرتان خضراوان إذا حكت إحداهما الأخرى بتحريك الريح لها اشتعل النار ~~فيهما على جواز إعادته الحياة في العظام النخرة والجلود المتمزقة # ثم نبه عباد الأصنام بتعريفه لهم على فساد ما صاروا إلى عبادتها مع نحتها ~~بقوله تعالى { أتعبدون ما تنحتون } ثم قال تعالى { والله خلقكم وما تعملون ~~} سورة الصافات 95 96 فبين لهم فساد عبادتها ووجوب عبادته دونها بأنها إذا ~~كانت لا تصير أصناما إلا بنحتكم لها فأنتم أيضا لن تكونوا على ما أنتم عليه PageV07P197 ~~من الصور والهيئات إلا بفعلي وإني مع خلقي ms1376 لكم وما تنحتونه خالق لنحتكم إذ ~~كنت أنا المقدر لكم عليه والممكن لكم منه # ثم رد على المنكرين لرسله بقوله عز وجل { وما قدروا الله حق قدره إذ ~~قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ~~نورا وهدى للناس } سورة الأنعام 91 # وقال تعالى { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل } سورة النساء 165 # ثم احتج النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الكتب بما في كتبهم من ذكر ~~صفته والدلالة على اسمه ونعته وتحدى النصارى لما كتموا ما في كتبهم من ذلك ~~وجحدوه بالمباهلة عند أمر الله عز وجل له بذلك بقوله { فمن حاجك فيه من بعد ~~ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين } PageV07P198 ~~سورة آل عمران 61 # وقال لليهود لما بهتوه { فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } سورة البقرة 94 ~~فلم يجد أحد منهم على ذلك مع اجتماعهم على تكذيبه وتناهيهم في عداوته ~~واجتهادهم في التنفير عنه لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ذلك ~~فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم وصدقه فيما يخبرهم لأقدموا على إجابته ~~ولسارعوا إلى فعل ما يعلمون أن فيه توهين أمره # ثم إن الله تعالى بعد إقامة الحجج عليهم أزعج خواطر جماعتهم للنظر فيما ~~دعاهم إليه ونبههم عليه بالآيات الباهرة والمعجزات القاهرة وأيده بالقرآن ~~الذي تحدى به فصحاء قومه الذين بعث PageV07P199 ~~إليهم لما قالوا إنه مفترى أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات أو سورة من مثله ~~وقد خاطبهم فيه بلغتهم فعجزوا عن ذلك مع إخباره لهم أنهم لا يأتون بمثله ~~ولو تظاهر على ذلك الإنس والجن وقطع عليه السلام عذرهم به وعذر غيرهم كما ~~قطع موسى عليه السلام عذر السحرة وغيرهم في زمانه بالعصا التي فضحت سحرهم ~~وبان بما كان منها لهم ولغيرهم أن ذلك من فعل الله تعالى وأن هذا ليس تبلغه ~~قدرتهم ولا تطمع فيه خواطرهم وكما ms1377 قطع عيسى عليه السلام عذر من كان في ~~زمانه من الأطباء الذين قد برعوا في معرفة العقاقير وقوى ما في الحشائش ~~وقدر ما ينتهي إليه علاجهم وتبلغه حيلهم بإحياء الموتى بغير علاج وإبراء ~~الأكمه والأبرص وغير ذلك مما PageV07P200 ~~بهرهم به وأظهر لهم منه ما يعلمون بيسير الفكر أنه خارج عن قدرهم وما يصلون ~~إليه بحيلهم # وكذلك قد أزاح نبينا صلى الله عليه وسلم بالقرآن وما فيه من العجائب علل ~~الفصحاء من أهل وقطع به عذرهم لرؤيتهم أنه خارج عما انتهت إليه فصاحتهم في ~~لغاتهم ونظموه في شعرهم وبسطوه في خطبهم وأوضح لجميع من بعث إليه من الفرق ~~التي ذكرناها فساد ما كانوا عليه بحجج الله وبيناته ودل على صحة ما دعاهم ~~إليه ببراهين الله وآياته حتى لم يبق لأحد منهم شبهة فيه ولا احتيج مع ما ~~كان عليه السلام في ذلك إلى زيادة من غيره ولو لم يكن ذلك كذلك لم يكن له ~~عليه السلام حجة على جماعتهم ولا كانت طاعته لازمة لهم مع خصامهم وشدة ~~عنادهم ولكانوا قد احتجوا عليه بذلك ودفعوه عما يوجب PageV07P201 ~~طاعتهم له وقرعوه بتقصيره عن إقامة الحجة عليهم فيما يدعوهم إليه مع طول ~~تحديه لهم وكثرة تبكيتهم وطول مقامه فيهم ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا مع ~~حرصهم عليه # وإذا كان هذا على ما ذكرناه علم صحة ما ذهبنا إليه في دعوته عليه الصلاة ~~والسلام إلى التوحيد وإقامة الحجة على ذلك وإيضاحه الطرق إليها وقد أكد ~~الله تعالى دلالة نبوته بما كان من خاص آياته عليه السلام التي تنقض بها ~~عاداتهم كإطعامه الجماعة الكثيرة في المجاعة الشديدة من الطعام اليسير ~~وسقيهم الماء في العطش الشديد من الماء اليسير وهو ينبع من بين أصابعه حتى ~~رووا ورويت مواشيهم وكلام الذب وإخبار الذراع المشوية أنها مسمومة وانشقاق ~~القمر ومجيء الشجرة إليه عند دعائها إليه ورجوعها إلى مكانها بأمره لها ~~وإخباره لهم عليه PageV07P202 ~~السلام بما تجنه صدورهم وما يغيبون به عنه من أخبارهم # ثم دعاهم عليه السلام إلى ms1378 معرفة الله عز وجل وإلى طاعته فيما كلف تبليغه ~~إليهم بقوله تعالى { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } سورة التغابن 12 وعرفهم ~~أمر الله بإبلاغه ذلك وما ضمنه له من عصمته منهم بقوله تعالى { يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك ~~من الناس } سورة المائدة 67 فعصمه الله منهم مع كثرتهم وشدة بأسهم وما ~~كانوا عليه من شدة عنادهم وعداوتهم له حتى بلغ رسالة ربه إليهم مع كثرتهم ~~ووحدته وتبري أهله منه ومعاداة عشيرته وقصد جميع المخالفين له حين سفه ~~آراءهم فيما PageV07P203 ~~كانوا عليه من تعظيم أصنامهم وعبادة النيران وتعظيم الكواكب وإنكار ~~الربوبية وغير ذلك مما كانوا عليه حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة وأوضح ~~الحجة في فساد جميع ما نهاهم مما كانوا عليه ودلهم على صحة جميع ما دعاهم ~~إلى اعتقاده وفعله بحجج الله وبيناته وأنه عليه السلام لم يؤخر عنهم بيان ~~شيء مما دعاهم إليه عن وقت تكليفهم فعله لما يوجبه تأخير ذلك عنهم من سقوط ~~تكليفه لهم وإنما جوز فريق من أهل العلم تأخير البيان فيما أجمله الله من ~~الأحكام قبل لزوم فعله لهم فأما تأخير ذلك عن وقت فعله فغير جائز عند كافتهم # ومعلوم عند سائر العقلاء أن ما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إليه من ~~واجهه من أمته من اعتقاد حدثهم ومعرفة المحدث لهم وتوحيده ومعرفة أسمائه ~~الحسنى وما هو عليه من صفات نفسه وصفات PageV07P204 ~~فعله وتصديقه فيما بلغهم من رسالته مما لا يصح أن يؤخر عنهم البيان فيه ~~لأنه عليه السلام لم يجعل لهم فيما كلفهم من ذلك من مهلة ولا أمرهم بفعله ~~في الزمن المتراخى عنه وإنما أمرهم بفعل ذلك على الفور وإنما كان ذلك من ~~قبل أنه لو أخر ذلك عنهم لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إلى فعله وألزمهم ما ~~لا طريق لهم إلى الطاعة فيه وهذا غير جائز عليه لما يقتضيه ذلك من بطلان ~~أمره وسقوط طاعته # ولهذا المعنى لم يوجد ms1379 عن أحد من صحابته خلاف في شيء مما وقف عليه جماعتهم ~~ولا شك في شيء منه ولا نقل عنهم كلام في شيء من ذلك ولا زيادة على ما نبههم ~~عليه من الحجج بل مضوا جميعا على ذلك وهم متفقون لا يختلفون في حدثهم ولا PageV07P205 ~~في توحيد المحدث لهم وأسمائه وصفاته وتسليم جميع المقادير إليه والرضا فيها ~~بأقسامه لما قد ثلجت به صدورهم وتبينوا وجوه الأدلة التي نبههم عليه السلام ~~عليها عند دعائه لهم إليها وعرفوا بها صدقه في جميع ما أخبرهم به وإنما ~~تكلفوا البحث والنظر فيما كلفوه من الاجتهاد في حوادث الأحكام عند نزولها ~~بهم وحدوثها فيهم وردها إلى معاني الأصول التي وقفهم عليها ونبههم بالإشارة ~~على ما فيها فكان منهم رحمة الله عليهم في ذلك ما نقل إلينا عنهم من طريق ~~الاجتهاد التي اتفقوا عليها والطرق التي اختلفوا فيها ولم يقلد بعضهم بعضا ~~في جميع ما صاروا إليه من جميع ذلك لما كلفوه من الاجتهاد وأمروا به فأما ~~ما دعاهم إليه عليه السلام من معرفة حدثهم والمعرفة PageV07P206 ~~بمحدثهم ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا وعدله وحكمته فقد بين لهم وجوه ~~الأدلة في جميعه حتى ثلجت صدورهم به واستغنوا عن استئناف الأدلة فيه وبلغوا ~~جميع ما وقفوا عليه من ذلك واتفقوا عليه إلى من جاء بعدهم فكان عذرهم فيما ~~دعوا إليه من ذلك مقطوعا بما نبههم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الأدلة على ذلك وما شاهدوه من آياته الدالة على صدقه وعذر سائر من تأخر عنه ~~مقطوع بنقلهم ذلك إليهم ونقل أهل كل زمان حجة على من بعدهم من غير أن نحتاج ~~أرشدكم الله في المعرفة لسائر ما دعينا إلى اعتقاده إلى استئناف أدلة غير ~~الأدلة التي نبه النبي صلى الله عليه وسلم عليها ودعا سائر أمته إلى تأملها ~~إذ كان من المستحيل أن يأتي في ذلك أحد بأهدى PageV07P207 ~~مما أتى به أو يصلوا من ذلك إلى ما بعد عنه عليه السلام # وجميع ما اتفقوا عليه من الأصول ms1380 مشهور في أهل النقل الذين عنوا بحفظ ذلك ~~وانقطعوا إلى الاحتياط فيه والاجتهاد في طلب الطرق الصحيحة إليه من ~~المحدثين والفقهاء يعلمه أكابرهم أصاغرهم ويدرسونه صبيانهم في كتاتيبهم ~~لتقرر ذلك عندهم وشهرته فيهم واستغنائهم في العلم بصحة جميع ذلك بالأدلة ~~التي نبههم صاحب الشريعة عليها في وقت دعوته # واعلموا أرشدكم الله أن ما دل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم من ~~المعجزات بعد تنبيهه لسائر المتكلفين على حدثهم ووجود المحدث لهم قد أوجب ~~صحة أخباره ودل على أن ما أتى به من الكتاب والسنة من عند الله عز وجل وإذا ~~ثبت بالآيات صدقه فقد علم صحة كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم PageV07P208 ~~عنه وصارت أخباره عليه السلام أدلة على صحة سائر ما دعانا إليه من الأمور ~~الغائبة عن حواسنا وصفات فعله وصار خبره عليه السلام عن ذلك سبيلا إلى ~~إدراكه وطريقا إلى العلم بحقيقته وكان ما يستدل به من أخباره عليه السلام ~~على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها ~~الفلاسفة ومن اتبعها من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل عليهم ~~السلام من قبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول ~~الخلاف فيها ويدق الكلام عليها فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال على ~~وجودها والمعرفة بفساد شبه المنكرين لها والمعرفة بمخالفتها للجواهر في ~~كونها لا تقوم بنفسها ولا يجوز ذلك على شيء منها والمعرفة بأنها لا تبقى ~~والمعرفة باختلاف أجناسها وأنه لا يصح انتقالها من محالها والمعرفة بأن ما ~~لا ينفك منها فحكمه في الحدث حكمها ومعرفة ما يوجب ذلك من الأدلة وما PageV07P209 ~~يفسد به شبه المخالفين في جميع ذلك حتى يمكن الاستدلال بها على ما هي أدلة ~~عليه عند مخالفينا الذين يعتمدون في الاستدلال على ما ذكرناه بها لأن العلم ~~بذلك لا يصح عندهم إلا بعد المعرفة بسائر ما ذكرناه آنفا # وفي كل رتبة مما ذكرنا فرق تخالف فيها ويطول الكلام معهم عليها وليس ~~يحتاج أرشدكم الله ms1381 في الاستدلال بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم على ما ~~ذكرناه من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى مثل ذلك لأن آياته والأدلة ~~على صدقه محسوسة مشاهدة قد أزعجت القلوب وبعثت الخواطر على النظر في صحة ما ~~يدعو إليه وتأمل ما استشهد به على صدقه والمعرفة بأن آياته من قبل الله ~~تدرك بيسير الفكر فيها وأنها لا يصح أن PageV07P210 ~~تكون من البشر لوضوح الطرق إلى ذلك ولا سيما مع إزعاج الله قلوب سائر من ~~أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم على النظر في آياته بخرق عوائدهم له ~~وحلول ما يعدهم به من النقم عند إعراضهم عنه ومخالفتهم له على ما ذكرنا مما ~~كان من ذلك عند دعوة موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم # وإذا كان ذلك على ما وصفنا بان لكم أرشدكم الله أن طرق الاستدلال ~~بأخبارهم عليهم السلام على سائر ما دعينا إلى معرفته مما لا يدرك بالحواس ~~أوضح من الاستدلال بالأعراض إذ كانت أقرب إلى البيان على حكم ما شوهد من ~~أدلتهم المحسوسة مما اعتمدت عليه الفلاسفة ومن اتبعهم من أهل الأهواء ~~واغتروا بها لبعدها عن الشبهة كما ذكرناه وقرب من أخلد ممن ذكرنا إلى ~~الاستدلال به من الشبه وكذلك ما منع الله رسله من الاعتماد PageV07P211 ~~عليه لغموض ذلك على كثير ممن أمروا بدعائهم وكلفوا عليهم السلام إلزامهم ~~فرضه فأخلد سلفنا رحمة الله عليهم ومن اتبعهم من الخلف الصالح بعد ما عرفوه ~~من صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما دعاهم إليه من العلم بحدثهم ووجود ~~المحدث لهم بما نبههم عليه من الأدلة إلى التمسك بالكتاب والسنة وطلب الحق ~~في سائر ما دعوا إلى معرفته منها والعدول عن كل ما خالفها لثبوت نبوته عليه ~~السلام عندهم وثقتهم بصدقه فيما أخبرهم به عن ربهم لما وثقته الدلالة لهم ~~فيه وكشفته لهم العبرة وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة ومن اتبعهم من ~~القدرية وغيرهم من أهل البدع من الاستدلال بذلك على ما كلفوا معرفته ~~لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك ms1382 عنه وإنما صار من أثبت حدث العالم ~~والمحدث له من الفلاسفة إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر لدفعهم الرسل ~~وإنكارهم لجواز مجيئهم وإذا كان العلم قد حصل لنا بجواز PageV07P212 ~~مجيئهم في العقول وغلط من دفعهم ذلك وبان صدقهم بالآيات التي ظهرت عليهم لم ~~يسع لمن عرف من ذلك ما عرفه أن يعدل عن طرقهم إلى طرق من دفعهم وأحال ~~مجيئهم فلما كان هذا واجبا لما ذكرناه عند سلف الأمة والخلف كان اجتهاد ~~الخلف في طلب أخبار النبي صلى الله عليه وسلم والاحتياط في عدالة الرواة ~~لها واجبا عندهم ليكونوا فيما يعتقدونه من ذلك على يقين # ولذلك كان أحدهم يرحل إلى البلاد البعيدة في طلب الكلمة تبلغه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حرصا على معرفة الحق من وجهه وطلبا للأدلة الصحيحة ~~فيه حتى تثلج صدورهم بما يعتقدونه وتسكن نفوسهم إلى ما يتدينون به ويفارقوا ~~بذلك من ذمه الله في تقليده لمن يعظمه من سادته بغير دلالة تقتضي ذلك ولما ~~كلفهم الله عز وجل ذلك وجعل أخبار نبيه صلى الله عليه وسلم PageV07P213 ~~طريقا إلى المعارف بما كلفهم إلى آخر الزمان حفظ أخباره عليه السلام في ~~سائر الأزمنة ومنع من تطرق الشبه عليها حتى لا يروم أحد تغيير شيء منها أو ~~تبديل معنى كلمة قالها إلا كشف الله تعالى ستره وأظهر في الأمة أمره حتى ~~يرد ذلك عليه العربي والعجمي ومن قد أهل لحفظ ذلك من حملة علمه عليه السلام ~~والمبلغين عنه كما حفظ كتابه حتى لا يطيق أحد من أهل الزيغ على تحريك حرف ~~ساكن فيه أو تسكين حرف متحرك إلا يبادر القراء في رد ذلك عليه مع اختلاف ~~لغاتهم وتباين أوطانهم لما أراده الله عز وجل من صحة الأداء عنه ووقوع ~~التبليغ لما أتى به نبينا عليه السلام إلى من يأتي في آخر الزمان PageV07P214 ~~لانقطاع الرسل بعده واستحالة خلوهم من حجة الله عليهم حتى قد ظهر ذلك بينهم ~~وأيست من نيله خواطر المنحرفين عنه وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع ms1383 القلوب ~~عليه حجة على من تعبد بعده عليه السلام بشريعته ودلالة لمن دعا إلى قبول ~~ذلك ممن لم يشاهد الأخبار وأكمل الله لجميعهم طرق الدين وأغناهم بها عن ~~التطلع إلى غيرها من البراهين # ودل على ذلك بقوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا } سورة المائدة # وليس يجوز أن يخبر الله عز وجل عن إكماله الدين مع الحاجة إلى غير ما ~~أكمل لهم الدين به وبين النبي صلى الله عليه وسلم معنى PageV07P215 ~~ذلك في حجة الوداع لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته عند اقتراب أجله ~~ومفارقته لهم صلى الله عليه وسلم بقوله اللهم هل بلغت # فلو كنا نحتاج مع ما كان منه عليه السلام في معرفة ما دعانا إليه إلى ما ~~رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال لما كان مبلغا إذ كنا نحتاج في المعرفة ~~بصحة ما دعانا إليه إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها ولو ~~كان هذا كما قالوا لكان فيما دعانا إليه وقوله بمنزلة الملغز ولو كان كذلك ~~لعارضه المنافقون وسائر المرصدين لعداوته في ذلك ولم يمنعهم مانع كما لم ~~يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات ومجادلته في سائر الأوقات ولكنهم لم يجدوا ~~سبيلا إلى الطعن لأنه عليه السلام لم يدع شيئا مما بهم الحاجة إليه في ~~معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده PageV07P216 ~~أو مثل فعله كذا إلا وقد بينه لهم # ويزيد هذا وضوحا قوله عليه السلام إني قد تركتكم على مثل الواضحة ليلها ~~كنهارها وإذا كان هذا على ما وصفنا علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ ولا ~~طعن لمبتدع إذ كان عليه السلام قد أقام الدين بعد أن أرسى أوتاده وأحكم ~~أطنابه ولم يدع النبي صلى الله عليه وسلم لسائر من دعاه إلى توحيد الله ~~حاجة إلى غيره ولا لزائغ طعنا عليه ثم مضى صلى الله عليه وسلم محمودا بعد ~~إقامة الحجة وتبليغ الرسالة وأداء الأمانة والنصيحة لسائر الأمة حتى لم ~~يحوج أحدا ms1384 من أمته إلى البحث عن شيء قد أغفله هو مما ذكره لهم أو معنى أسره ~~إلى أحد من أمته # بل قد قال عليه السلام في المقام الذي لم ينكتم قوله PageV07P217 ~~فيه لاستحالة كتمانه على من حضره أو طي شيء منه على من شهده إني خلفت فيكم ~~ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي ولعمري إن فيهما الشفاء من كل ~~أمر مشكل والبرء من كل داء معضل وإن في حراستهما من الباطل على ما تقدم ~~ذكرنا له آية لمن نصح نفسه ودلالة لمن كان الحق قصده # قال وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال به وقوة لما ~~عرفوا الحق منه فإذا كان ذلك على ما وصفنا فقد علمتم بهت أهل البدع لهم في ~~نسبتهم لهم إلى التقليد وسوء اختيارهم لهم في المفارقة لهم والعدول عما ~~كانوا عليه معهم وبالله التوفيق وإذ قد بان بما ذكرناه استقامة طرق PageV07P218 ~~استدلالهم وصحة معارفهم فلنذكر الآن ما أجمعوا عليه من الأصول # قلت الطريقة المذكورة في القرآن هي الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره من ~~المحدثات المعلوم حدوثها بالمشاهدة ونحوها على وجود الخالق سبحانه وتعالى ~~فحدوث الإنسان يستدل به على المحدث لا يحتاج أن يستدل على حدوثه بمقارنة ~~التغير أو الحوادث له ووجوب تناهي الحوادث # والفرق بين الاستدلال بحدوثه والاستدلال على حدوثه بين والذي في القرآن ~~هو الأول لا الثاني كما قال تعالى { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } ~~سورة الطور 35 فنفس حدوث الحيوان والنبات والمعدن والمطر والسحاب ونحو ذلك ~~معلوم بالضرورة بل مشهود لا يحتاج إلى دليل وإنما يعلم بالدليل ما لم يعلم ~~بالحس وبالضرورة # والعلم بحدوث هذه المحدثات علم ضروري لا يحتاج إلى دليل وذلك معلوم بالحس ~~أو بالضرورة إما بإخبار يفيد العلم الضروري أو غير ذلك من العلوم الضرورية # وحدوث الإنسان من المني كحدوث الثمار من الأشجار وحدوث PageV07P219 ~~النبات من الأرض وأمثال ذلك ومن المعلوم بالحس أن نفس الثمرة حادثة كائنة ~~بعد أن لم تكن وكذلك الإنسان وغيره ms1385 كما قال تعالى { أولا يذكر الإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا } سورة مريم 67 وقال تعالى { قال كذلك قال ربك ~~هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } سورة مريم 9 # ومعلوم أن هذه المخلوقات خلقت من غيرها كما خلق الإنسان من نطفة والطائر ~~من بيضة والثمر من شجرة والشجرة من نواة والسنبلة من حبة ومعلوم أن ما منه ~~خلق هذا استحال وزال فالحبة التي أنبتت سبع سنابل لم تبق حبة ولم يبق منها ~~شيء بل استحال # وقد تنازع الناس في هذا الموضع فقال طائفة من أهل الكلام هنا أجسام ~~وجواهر منتقلة من حال إلى حال كالاجتماع بعد الافتراق والافتراق بعد ~~الاجتماع وأن تلك الجواهر باقية ولكن تغيرت صفاتها وأعراضها وأنكر هؤلاء أن ~~تكون نفس الأعيان القائمة بنفسها انقلبت حقيقتها فاستحالت ذاتها ولكن تغيرت ~~صفاتها وهذا مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة # وهؤلاء يقولون إنما يعلم بالحس والضرورة حدوث ما يحدث من الأعراض والصفات ~~وأما حدوث شيء من الأجسام القائمة بأنفسها فلا نعلمه إلا بالاستدلال PageV07P220 # والذي ذكره الأشعري أولا مبني على هذا الأصل وهو في ذلك موافق لمن قال به ~~من المعتزلة وغيرهم وهذا من البقايا التي بقيت عليه من أصولهم العقلية بعد ~~رجوعه عن مذهبهم وبيانه لبطلان أقوالهم التي أظهروا بها خلاف أهل السنة ~~والجماعة # وجمهور العقلاء من أصناف الناس أهل النظر والفلسفة وغيرهم يقولون إن هذا ~~باطل وأن الأجسام يستحيل بعضها إلى بعض كما يقول ذلك الفقهاء والأطباء ~~وغيرهم وكما يشهد ذلك وإن الحادث هو نفس أعيان الحيوان والنبات لا مجرد ~~صفاتها وينكرون أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة # والمنكرون للجوهر المفرد أكثر طوائف الكلام كالنجارية والضرارية ~~والهشامية والكلابية وطائفة من الكرامية مع جمهور الفلاسفة وقالت طائفة من ~~الفلاسفة وغيرهم بل الأجسام التي يستحيل بعضها إلى بعض بينها مادة وهي ~~هيولى مشتركة بينها هي بعينها باقية لم تتبدل وإنما تبدلت الصورة وتلك ~~الهيولى جوهر عقلي PageV07P221 # وجمهور العقلاء أيضا ينكرون ذلك وذلك أن ms1386 المني إذا صار حيوانا والماء ~~هواء والهواء ماء ونحو ذلك فالجسم الثاني له عين وصفات ليست عين الأول ولا ~~صفاته وإنما يشتركان في النوع وهو أن هذا له قدر وهذا له قدر وكل منهما ~~يقبل الاتصال والانفصال لكن ليس عين قدر هذا هو عين قدر هذا ولا نفس ما ~~يقوم به الاتصال والانفصال من أحدهما هو عين الآخر الذي يقوم به الاتصال ~~والانفصال وأحدهما إذا قبل الاتصال والانفصال فهو اجتماعه وافتراقه وذلك ~~عرض له والقابل للاجتماع الذي هو الاتصال هو القابل للافتراق الذي هو ~~الانفصال بمعنى أن نفس القائم به هو هو ولكن تفرق بعد اجتماعه كالثوب ~~والحجر ونحوهما مما يقطع ويكسر وهو كالشمعة التي تختلف صورها وهي هي بعينها ~~وكالفضة التي تختلف صورها مع بقاء عينها فنفس العين التي هي الجوهر والجسم ~~باقية وإنما تغير شكلها وصفتها وذلك هو الصورة العرضية التي تغيرت لم تتغير ~~الحقيقة # ولفظ الصورة لفظ مشترك يراد بالصورة الشكل والهيئة كصورة الخاتم والشمعة ~~والمادة الحاملة لهذه الصورة هي الجسم بعينه # ويراد بالصورة نفس الجسم المتصور وهذا الجسم المتصور PageV07P222 ~~ليس له مادة تحمله فإن الجسم القائم بنفسه لا يكون شائعا في جسم قائم بنفسه ~~لكن خلق من مادة كما خلق الإنسان من المني وهذه المادة لا تبقى مع وجود ما ~~خلق منها بل تفنى وتعدم شيئا فشيئا وهذا هو العدم المشهود في الأعيان فإن ~~الله تعالى كما ينشىء ما يخلقه شيئا فشيئا فيفني ما يعدمه شيئا فشيئا وقد ~~بسط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع # وإذا كان كذلك فالطريقة المذكورة في القرآن هي المعلومة بالحس والضرورة ~~ولا يحتاج مع ذلك إلى إقامة دليل على حدوث ما يحدث من الأعيان بل يستدل ~~بذلك على وجود المحدث تعالى # وأما المعتزلة والجهمية ومن تبعهم فطريقتهم المشهورة في إثبات حدوث ~~العالم وإثبات الصانع هي الاستدلال بإثبات الأعراض أولا وإثبات حدوثها ~~ثانيا وبيان استحالة خلو الجواهر عنها ثالثا وبيان استحالة حوادث لا أول ~~لها رابعا وقد وافقهم عليها أكثر ms1387 الأشعرية وغيرهم وهذه هي التي ذمها ~~الأشعري وبين أنها ليست طريقة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا من ~~اتبعهم وإنما سلكها من يخالفهم من الفلاسفة وأتباعهم المبتدعة كما تقدم وقد ~~تقدم نقل كلامه في ذلك وهو المقصود وكلامه يقتضي أنها محرمة في الدين PageV07P223 ~~مبتدعة لا حاجة إليها لطول مقدماتها وغموضها وما فيها من النزاع وهذا هو ~~الذي قصدناه وهو أنه نقل اتفاق السلف على الاستغناء عن هذه الطريقة واما ~~بطلانها فذاك مقام آخر ليس في كلامه تعرض لذلك ولهذا كان ما سلكه هو من جنس ~~هذه الطريق # قال الشهرستاني في مسألة حدوث العالم وللمتكلمين طريقان في المسألة ~~إحداهما إثبات حدوثه والثاني إبطال القول بالقدم أما الأول فقد سلك عامتهم ~~طريق الإثبات بإثبات الأعراض كما تقدم ذكره قال وأما الثاني فقد سلك شيخنا ~~أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه طريق الإبطال فقال لو قدرنا قدم الجواهر لم ~~يخل من أمور إما أن تكون مجتمعة أو مفترقة أو لا مجتمعة ولا مفترقة أو ~~مجتمعة ومفترقة معا أو بعضها مجتمعا وبعضها مفترقا وبالجملة ليس يخلو من ~~اجتماع وافتراق PageV07P224 ~~وجواز طريان الاجتماع والافتراق عليها أو تبدل بعضها ببعض وهي بذاتها لا ~~تجتمع ولا تفترق لأن حكم الذات لا يتبدل فلا بد إذا من جامع فارق # قال وقد أخذ الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني هذه الطريق فكساها عبارة أخرى # قلت هذه الطريقة إنما أراد بها امتناع قدم جميع الجواهر فهي مبنية على ~~إثبات الجوهر الفرد حتى يمكن أن يفرض إمكان اجتماع الجواهر وافتراقها وإلا ~~فإذا قيل إن من الأجسام ما هو واحد في نفسه أو كل جسم متشابه فهو واحد في ~~نفسه أو قيل إنه مركب من المادة والصورة لم يلزم الافتراق فيما هو واحد في ~~نفسه ولا يسلم المنازع إمكان افتراق كل جسم فيمنع قوله PageV07P225 ~~لا يخلو من اجتماع وافتراق وجواز طريان الاجتماع والافتراق بل ويمكن مع هذا ~~أن يقال هي مركبة من الجواهر ويمنع قبول كل منهما للافتراق لكن يبنيه على ~~أن الجواهر متماثلة ms1388 فما جاز على أحدهما جاز على الآخر # ولا ريب أن تماثل الجواهر والأجسام إن سلمه المنازع كان القول بحدوث ~~الأجسام كلها ظاهرا فإن منها ما هو حادث قطعا فيكون جميعها قابلا للحدوث ~~وما قبل الحدوث لم يكن بنفسه موجودا فلا بد له من صانع وهو الذي سماه جامعا فارقا # لكن هم يقولون إن الحادث المعلوم حدوثه هو الأعراض وحينئذ فلا يكون في ~~الجواهر ما يعلم حدوثه إلا بالدليل وإن أراد بها امتناع قدم بعض الجواهر ~~فهذا لا ينازعه فيه من يقول إن الأعيان المحدثة جواهر وهم أكثر العقلاء ~~فإنه من المعلوم بالاضطرار حدوث ما يشهد حدوثه من الحيوان والنبات والمعدن ~~لكن من يقول بأن الأجسام مركبة من جواهر قد يقول إن المحدث تأليف وتركيب ~~وهي أعراض واما جمهور العقلاء فيقولون إن المحدث المشهود جواهر قائمة ~~بأنفسها # فالمقصود أن من قال الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة فهذه الحجة توجب ~~أنه لا بد لذلك التركيب من مركب # وكلام الأشعري الذي ذكره الشهرستاني مبني على هذا الأصل ومن نازع في ذلك ~~لم يفده شيئا PageV07P226 # وإذا دلت هذه الحجة فإنما تدل على حدوث التركيب الذي هو عرض لا تدل على ~~حدوث الجواهر إلا بالطريقة الأولى وهي إثبات حدوث التركيب وامتناع حوادث ~~غير متناهية وهذه الطريقة تسلكها الكرامية ونحوهم ممن يقول إن الله جسم ~~قديم أزلي وإنه لم يزل ساكنا ثم تحرك لما خلق العالم ويحتجون على حدوث ~~الأجسام المخلوقة بأنها مركبة من الجواهر المفردة فهي تقبل الاجتماع ~~والافتراق ولا تخلوا من اجتماع وافتراق وهي أعراض حادثة لا تخلو منها وما ~~لا يخلو من الحوادث فهو حادث # وأما الرب فهو عندهم واحد لا يقبل الاجتماع والافتراق ولكنه لم يزل ساكنا ~~والسكون عندهم أمر عدمي وهو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك كما يقول ذلك ~~من يقوله من المتفلسفة وهؤلاء يقولون إن الباري لم يزل خاليا من الحوادث ~~حتى قامت به بخلاف الأجسام المركبة من الجواهر المفردة فإنها لا تخلو من ~~الاجتماع والافتراق # قال الشهرستاني ms1389 وربما سلك أبو الحسن طريقا في حدوث الإنسان بكونه من نطفة ~~أمشاج وتقلبه في أطوار الخلقة وأكوار الفطرة وليس يشك في أنه ما غير ذاته ~~ولا بدل PageV07P227 ~~صفاته لا الأبوان ولا الطبيعة فتعين احتياجه إلى صانع مدبر قال وما ثبت من ~~الأحكام لشخص واحد أو لجسم واحد ثبت في الكل لاشتراك الكل في الجسمية # قال الشهرستاني وهذه الطريقة تجمع الإثبات والإبطال # قلت هذه الطريقة هي المتقدمة التي ذكرها الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر ~~وهي مبنية على أنه أثبت حدوث الإنسان بما فيه من اختلاف الصور والهيئات ~~ولهذا قال إنه سلك طريقا في إثبات حدوث الإنسان فجعل حدوثه هو المدلول وجعل ~~الدليل اختلاف الصور عليه وقد جعل الصورة الحادثة دليلا على حدوث المتصور ~~ولا بد في هذه الطريقة من بيان امتناع حوادث لا أول لها فهذه الطريقة من ~~جنس طريقة الأعراض لكنها أخص دليلا ومدلولا فإن الهيئات أخص ومدلولها إنما ~~هو حدوث ما حدثت هيئته ودليل أولئك يعم ولكن الأشعري عدل عن طريقة غامضة ~~إلى طريقة واضحة وهي الطريقة هي التي يسميها الرازي وأمثاله الاستدلال ~~بحدوث الصفات والأعراض القائمة بالأجسام فإنهم يقولون في PageV07P228 ~~الاستدلال على وجود الصانع ما قاله الرازي في نهاية العقول وغيره # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما ذكره من ذلك في الأربعين وقال في النهاية ~~اعلم أن الاستدلال على ما لا يعلم بالضرورة إنما يكون بما يعلم بالضرورة ~~والمعلوم بالضرورة الأجسام والأعراض القائمة بها وكل منهما إما أن يعتبر ~~إمكانه أو حدوثه فلا جرم كانت الأدلة الدالة على الصانع تعالى هذه المسالك ~~الأربعة # وذكر أن الأول هو الاستدلال بحدوث الأجسام لقيام الأعراض بها أو بعضها ~~بها فهذه هي الطريقة المشهورة عند الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم من ~~الأشعرية والكرامية ومن دخل في ذلك من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم PageV07P229 ~~وهذه هي التي ذكر الأشعري أنها طريقة الفلاسفة ومن اتبعهم من القدرية وذكر ~~أنها مبتدعة مذمومة في الدين لم يسلكها السلف الصالح وذكر أنها خطرة مبتدعة ~~وأنه لا ms1390 حاجة إليها # قال الرازي والثاني الاستدلال بإمكان الأجسام على وجود الصانع تعالى # قال وهذه عمدة الفلاسفة # قلت هذه طريقة ابن سينا ومن وافقه ليست طريقة قدماء الفلاسفة وهي مبنية ~~على أصلهم الفاسد في التوحيد ونفي الصفات الذي بين الناس فساده وتناقضهم ~~فيه وهو طريقة التركيب الذي يقولون إن المتصف بالصفات مركب والمركب مفتقر ~~إلى أجزائه قد تكلمنا عليها في مواضع # قال الرازي والمسلك الثالث الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء ~~كانت الأجسام واجبة أو ممكنة قديمة أو حادثة PageV07P230 # قلت وهذه الحجة مبنية على تماثل الأجسام وقد بين الناس فساد هذه الحجة ~~وبين الرازي نفسه فسادها بل وجمهور العقلاء على فسادها وقد بين ذلك في موضع ~~آخر على وجه لا يبقى في القلب شبهة # قال الرازي والمسلك الرابع الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض على وجود ~~الصانع ولنفرض الكلام في أعراض لا يقدر عليها البشر مثل صيرورة النطفة ~~المتشابهة الأجزاء إنسانا فإذا كانت تلك التركيبات أعراضا حادثة والعبد غير ~~قادر عليها فلا بد من فاعل آخر ثم من ادعى أن العلم بحاجة المحدث إلى ~~الفاعل ضروري ادعى الضرورة هاهنا ومن بنى ذلك على الإمكان أو على القياس ~~على حدوث الذوات فكذلك يقول في حدوث الصفات # قال والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات وبين الاستدلال بحدوثها أن الأول ~~يقتضي أن لا يكون الفاعل جسما والثاني لا يقتضي ذلك # قلت قد ذكرنا في غير موضع أن هذا المسلك صحيح لكن PageV07P231 ~~الرازي قصر فيه من وجهين أحدهما أنه لا يستدل بنفس الحدوث بل يجعل الحدوث ~~دليلا على إمكان الحادث ثم يقول والممكن لا بد له من مرجح وهذا الإمكان ~~الذي يثبته هو الإمكان الذي يثبته ابن سينا وهو الإمكان الذي يشترك فيه ~~القديم والحادث فجعل القديم الأزلي ممكنا يقبل الوجود والعدم وهذا مما ~~خالفوا فيه سلفهم وسائر العقلاء فإنهم متفقون على أن الممكن الذي يقبل ~~الوجود والعدم لا يكون إلا حادثا # وابن سينا وأتباعه يوافقون الناس على ذلك لكن يتناقضون وقد بسط الكلام ~~على ذلك في ms1391 مواضع كما تكلمنا على ذلك فيما ذكره الرازي في إثبات الصانع في ~~أول المطالب العالية وأول الأربعين وبينا فساد ذلك وأنه على هذا التقدير لا ~~ينفى لهم دليل على إثبات واجب الوجود # الوجه الثاني أنه جعل ذلك استدلالا بحدوث الصفات والأعراض ليس بمستقيم بل ~~هو مبني على مسألة الجوهر الفرد وقد ذكرنا في غير موضع أن هؤلاء بنوا مثل ~~هذا الكلام على مسألة الجوهر الفرد وأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة ~~وأن الحادث إنما هو اجتماع الجواهر وافتراقها وحركتها وسكونها وهذه الأربعة ~~هي الأكوان عندهم أو حدوث غير ذلك من الأعراض فيجعلون تبديل الأعيان ~~وإحداثها إنما هو تبديل أعراض وإحداثها PageV07P232 # وقد قابلهم في ذلك طائفة من المتفلسفة كابن سينا وأمثاله فجعلوا الصور ~~كلها جواهر كما جعل أولئك الصور كلها أعراضا وذلك أن هؤلاء المتفلسفة نظروا ~~في المصنوعات كالخاتم والدرهم والسيف والسرير والبيت والثور ونحو ذلك مما ~~يؤلفه الآدميون ويصورونه فوجدوها مركبة من مادة كالفضة ويسمونها أيضا ~~الهيولى والهيولى في لغتهم معناه المحل وتصرفهم فيه بحسب عرفهم الخاص كتصرف ~~متكلمي العرب في اللغة المعربة فهذه المصنوعات مركبة من مادة هي المحل ومن ~~صورة وهي الشكل الخاص وهذا نظر صحيح # ثم زعموا أن صور الحيوان والنبات والمعدن لها مادة هي هيولاها كذلك وأن ~~النار والهواء والتراب لها أيضا مادة هي هيولاها ومنهم من قال جميع الأجسام ~~لها مادة مشتركة وهي هيولاها وجعلوا الهيولى ثلاث مراتب صناعية وطباعية ~~وكلية وتنازعوا هل تنفرد المادة الكلية عن الصور فتكون الهيولى مجردة عن ~~الصور على قولين # وإثبات هذه المادة المجردة يذكر عن شيعة أفلاطن وإنكار ذلك قول أصحاب أرسطو PageV07P233 # والتحقيق أن الصور الصناعية إنما هي أعراض وصفات قائمة بالأجسام كالفضة ~~والحديد والخشب والغزل واللبن ونحو ذلك وأما الحيوان والنبات والمعدن فهي ~~جواهر استحالت عن جواهر أخرى وإثبات مادة مشتركة بينها باقية مع اختلاف ~~الصور عليها قول باطل كما أن إثبات أولئك للجوهر الفرد قول باطل # والذين قالوا إن بدن الإنسان وأمثاله من المحدثات إنما حدثت أعراضه ms1392 لم ~~تحدث عين قائمة أخطأوا والذين قالوا إن جميع الصور جواهر أخطأوا بل الصورة ~~قد تكون عرضا كالشكل والصور الصناعية من هذا الباب # وقد يعبر بالصورة عن نفس الشيء المصور كالإنسان فالصورة هنا جوهر قائم ~~بنفسه ليس قائما بجوهر آخر # والقرآن العزيز ذكر خلق الله تعالى لما خلقه من الجواهر التي هي أعيان ~~قائمة بأنفسها مع ما نشهده من إحداث الصفات والأعراض أيضا والاستدلال بذلك ~~على الخالق سبحانه وجعل ذلك من آياته هو مما بينه القرآن PageV07P234 # ولكن هؤلاء لم يسلكوا طريقة القرآن من وجهين أحدهما أنهم جعلوا الحوادث ~~إنما هي أعراض لا أعيان كما جعله الرازي وغيره # لكن الرازي وغيره مع ذلك استدلوا بذلك على إثبات الصانع فكان دليلا صحيحا ~~في نفسه وإن كان فيه تقصير من ذلك الوجه ومن حيث رد ذلك إلى طريقة الإمكان # الثاني ما ذكره الأشعري حيث إنه استدل بذلك على حدوث محل هذه الصفات ~~والأعراض بناء على أن الحادث صورة هي عرض ولها محل فتكون الأجسام التي هي ~~محل هذه الأعراض حادثة وهذا لا يتم إلا ببيان امتناع حوادث لا أول لها ثم ~~إذا أراد أن يستدل بذلك على حدوث سائر الأجسام احتاج أن يبنيه على تماثل ~~الأجسام # وهذه ثلاث مقدمات ينازعهم فيها أكثر العقلاء بل يبينون فسادها بصريح ~~المعقول فهي من جنس طريقة المعتزلة لكن مقصود الأشعري أن هذه الطريقة تغني ~~الناس عن تلك الطريقة الطويلة # الكثيرة المقدمات الغامضة التي يقع فيها نزاع فإذا كانت الطريقتان ~~مشتركتين في البناء على امتناع حوادث لا أول لها وهذه الطريقة لا تحتاج إلى ~~ما تحتاج إليه تلك فكانت هذه أقرب وأيسر فبحث الأشعري مع المعتزلة في هذه ~~الطريقة من جنس بحوثه PageV07P235 ~~معهم في غير ذلك من أصولهم فإنه يبين تناقضهم ويلزمهم فيما نفوه نظير ما ~~يلزمونه لأهل الإثبات فيما أثبتوه فيستفاد من مناظرته لهم معرفة فساد كثير ~~من أصولهم ولكن سلم لهم أصولا وافقهم عليها مثل تسليمه لهم صحة طريق ~~الأعراض مع طولها ومثل إثباته للصانع بهذه ms1393 الطريق التي هي من جنسها وبنى ~~ذلك على إثبات الجوهر الفرد فلزم من تسليمه ذلك لهم لوازم أراد أن يجمع ~~بينها وبين ما أثبته من الرؤية وإثبات الكلام والصفات والعلو لله تعالى ~~فقال جمهور طوائف العقلاء من أهل السنة والحديث وغيرهم ومن المعتزلة ~~والفلاسفة وغيرهم إن هذا مناقضة مخالفة لصريح المعقول # ولهذا قال من قال بقيت عليه بقية من الاعتزال وقالوا إنه وافقهم على بعض ~~أصولهم التي بنوا عليها قولهم كهذا الأصل # وهذا مثل ما ذكره أبو نصر السجزي في الإبانة قال حكى محمد بن عبد الله ~~المغربي المالكي وكان فقيها صالحا عن الشيخ أبي سعيد البرقي وهو من شيوخ ~~فقهاء المالكيين ببرقة عن أستاذه خلف المعلم وكان من فقهاء المالكيين قال ~~أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال ثم أظهر التوبة فرجع عن الفروع وثبت ~~على الأصول # قال أبو نصر وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره PageV07P236 # قلت ليس مراده بالأصول ما أظهروه من مخالفة السنة فإن الأشعري مخالف لهم ~~فيما أظهروه من مخالفة السنة كمسألة الرؤية والقرآن والصفات ولكن أصولهم ~~الكلامية العقلية التي بنوا عليها الفروع المخالفة للسنة مثل هذا الأصل ~~الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع فإن هذا أصل أصولهم كما قد بينا ~~كلام أبي الحسين البصري وغيره في ذلك وأن الأصل الذي بنت عليه المعتزلة ~~كلامها في أصول الدين هو هذا الأصل الذي ذكره الأشعري لكنه مخالف لهم في ~~كثير من لوازم ذلك وفروعه وجاء كثير من أتباعه المتأخرين كأتباع صاحب ~~الإرشاد فأعطوا الأصول التي سلمها للمعتزلة حقها من اللوازم فوافقوا ~~المعتزلة على موجبها وخالفوا شيخهم أبا الحسن وأئمة أصحابه فنفوا الصفات ~~الخبرية ونفوا العلو وفسروا الرؤية بمزيد علم لا ينازعهم فيه المعتزلة ~~وقالوا ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى وإنما خلافهم مع المجسمة ~~وكذلك قالوا في القرآن إن القرآن الذي قالت المعتزلة إنه مخلوق نحن نوافقهم ~~على خلقه ولكن ندعي ثبوت معنى آخر وأنه واحد قديم # والمعتزلة تنكر تصور هذا بالكلية وصارت المعتزلة والفلاسفة مع ms1394 جمهور ~~العقلاء يشنعون عليهم بمخالفتهم لصريح العقل ومكابرتهم للضروريات PageV07P237 # وسبب ذلك تسليمهم لهم صحة تلك الأصول التي ذكر الأشعري أنها مبتدعة في ~~الإسلام مع أنه يمكن بيان أن قول الأشعري وأصحابه أقرب إلى صريح المعقول من ~~قول المعتزلة كما يمكن أن يبين أن قول المعتزلة أقرب إلى صريح المعقول من ~~قول الفلاسفة لكن هذا يفيد أن هذا القول أقرب إلى المعقول وإلى الحق لا ~~يفيد أنه هو الحق في نفس الأمر فهذا ينتفع به من ناظر الطاعن على الأشعرية ~~من المعتزلة والطاعن على المعتزلة من الفلاسفة فتبين له أن قول هؤلاء خير ~~من قول أصحابك فإنه كما أن كل من كان أقرب إلى السنة فقوله أقرب إلى الأدلة ~~الشرعية فكذلك قوله أقرب إلى الأدلة العقلية # ولا ريب أن هذا مما ينبغي سلوكه فكل قول أو قائل كان إلى الحق أقرب فإنه ~~يبين رجحانه على ما كان عن الحق أبعد ألا ترى أن الله تعالى لما نصر الروم ~~على الفرس وكان هؤلاء أهل كتاب وهؤلاء أهل أوثان فرح المؤمنون بنصر الله ~~لمن كان إلى الحق أقرب على من كان عنه أبعد وأيضا فيمكن القريب إلى الحق أن ينازع PageV07P238 ~~البعيد عنه في الأصل الذي احتج به عليه البعيد وأن يوافق القريب إلى الحق ~~للسلف الأول الذين كانوا على الحق مطلقا # مثال ذلك أن متأخري الأشعرية إذا ناظروا المعتزلة في مسألة الرؤية وقالت ~~لهم المعتزلة رؤية مرئي لا يواجه ولا يقابل مخالف لصريح العقل أمكن ~~الأشعرية ومن وافقهم على نفي المقابلة والمواجهة كطائفة من أصحاب أحمد ~~وغيرهم من أصحاب الأئمة الأربعة أن يقولوا لهم الرؤية ثابتة بالسنة ~~المستفيضة بل المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وبإجماع السلف من أهل ~~العصر الأول ويمكن تقريرها أيضا بالعقل كما بيناه في غير هذا الموضع فلا ~~يخلو مع ذلك إما أن يمكن الرؤية بدون المواجهة والمقابلة وإما أن لا يمكن ~~فإن أمكن ذلك انقطعت المعتزلة وإن لم يمكن كانوا بين أمرين إما موافقة ~~المعتزلة على نفي ms1395 المقابلة لانتفاء المباينة والعلو وإما موافقة أهل الحديث ~~على المباينة والعلو المتضمن معنى المقابلة والمواجهة # وهذا أولى باتباع الأشعري لأنه قول أئمة مذهبهم كابن كلاب وغيره بل وقول ~~الأشعري أيضا وغيره من قدماء الأصحاب # فإن قال له المعتزلي إذا قلت ذلك لزمك أن يكون متحيزا وأنت قد وافقتني ~~على بطلان ذلك أمكن الأشعري أن يقول له إما أن يكون علوه على العرش ~~ومباينته للخلق مع نفي التحيز ممكنا وإما أن PageV07P239 ~~لا يكون فإن كان ممكنا انقطع المعتزلي وإن لم يكن ممكنا قال له أنا وافقتك ~~على نفي التحيز لاعتقادي صحة الدليل الدال على أن كل متحيز فهو محدث لما ~~اتفقنا عليه من أن المتحيز لا بد أن يكون مركبا من الجواهر المنفردة فيصح ~~عليه الاجتماع والافتراق ويصح عليه الحركة والسكون وكل ما قبل ذلك لم يخل ~~من الحوادث والحوادث يجب أن تكون متناهية لها انتهاء وما كان مستلزما لما ~~له انتهاء كان له ابتداء فإذا كان المتحيز لا ينفك عما له ابتداء كان له ~~ابتداء لأن وجود الملزوم بدون اللازم ممتنع # فيقول الأشعري هذا الدليل إن كان صحيحا ودليل الرؤية والعلو والمباينة ~~أيضا صحيح أمكن أن أقول بموجب ذلك وأثبت العلو والرؤية والمباينة بدون ~~التحيز وإن قدر أنه لا يمكن الجمع بين هذين فموافقتي للسلف والأئمة في ~~إثبات الرؤية والعلو والمباينة مع موافقتي للكتاب والسنة أولى من موافقتك ~~على هذه المقدمة وهي امتناع وجود ما لا يتناهى فإن هذه المقدمة لكل طائفة ~~فيها قولان فللفلاسفة فيها قولان وللمعتزلة فيها قولان وللأشعرية فيها ~~قولان ولأهل السنة والحديث والفقه فيها قولان # وأكثر العقلاء على جواز وجود ما لا يتناهى في الجملة لكن منهم PageV07P240 ~~من يجوز ذلك في الماضي كما يجوزه في المستقبل ومنهم من يجوزه في المستقبل ~~دون الماضي والأدلة الدالة على امتناع ذلك قد عرف ضعفها # ويقول له وقد علمت بالاضطرار أن تصديق السلف للرسول صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن مبنيا عليها فلا يكون العلم بصدق الرسول موقوفا عليها ولا ms1396 علمي أيضا ~~بصدق الرسول موقوفا عليها ولا معرفتي للصانع تعالى موقوفة عليها # وليست هذه الطرق وأمثالها هي الطرق العقلية التي دل القرآن عليها وأرشد ~~إليها فإن تلك طرق صحيحة عقلية لا يمكن عاقلا أن ينازع فيها فإن حدوث ~~المحدثات مشهود معلوم بالحس وافتقار المحدث إلى محدث معلوم بضرورة العقل بل ~~العقل الصريح يعلم افتقار كل ما يعلم حدوثه إلى محدث كما يعلم افتقار جنس ~~المحدثات إلى محدث فتعلم الأعيان الجزئية الموجودة في الخارج كما تعلم ~~القضية الكلية الشاملة لها إلى سائر ما في هذا الباب من الآيات الدالة على ~~معرفة الصانع سبحانه كما قد بسط في موضعه PageV07P241 ### | AUTO وإذا كان كذلك تبين أن العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ليس موقوفا على شيء من المقدمات المناقضة لإثبات الصفات الخبرية والرؤية ~~والعلو على العرش ونحو ذلك مما دل عليه السمع وهو المطلوب فصل # ومما يوضح ذلك أن هذه الطرق المبتدعة في الإسلام في إثبات الصانع التي ~~أحدثها المعتزلة والجهمية وتبعهم عليها من وافقهم من الأشعرية وغيرهم من ~~أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم قد طعن فيها جمهور العقلاء فكما طعن فيها ~~السلف والأئمة وأتباعهم وذموا أهل الكلام بها كذلك طعن فيها حذاق الفلاسفة ~~وبينوا أن الطرق التي دل عليها القرآن العزيز أصح منها وإن كان أولئك ~~المعتزلة والأشعرية أقرب إلى الإسلام من هؤلاء الفلاسفة من وجه آخر # فأما ذم السلف والأئمة لهذا الكلام فمشهور كثير وقد قال أبو القاسم ابن ~~عساكر في كتابه المعروف بتبيين كذب المفترى فيما ينسب إلى الأشعري فإن قيل ~~غاية ما تمدحون به أبا الحسن أن تثبتوا أنه PageV07P242 ~~متكلم وتدلونا على أنه بالمعرفة برسوم الجدل متوسم ولا فخر في ذلك عند ~~العلماء من ذوي التسنن والاتباع لأنهم يرون أن من تشاغل بذلك من أهل ~~الابتداع فقد حفظ عن غير واحد من علماء الإسلام عيب المتكلمين وذم أهل ~~الكلام ولو لم يذمهم غير الشافعي لكفى فإنه قد بالغ في ذمهم وأوضح حالهم ~~وشفى وأنتم تنتسبون إلى مذهبه فهلا اقتديتم ms1397 في ذلك به # ثم روى ابن عساكر بإسناده عن الفريابي حدثني بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف ~~يقول من طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب غريب الحديث كذب ومن طلب المال ~~بالكيمياء أفلس قال البيهقي وروى هذا أيضا عن مالك بن أنس وقال قال البيهقي ~~وإنما يريد والله أعلم بالكلام PageV07P243 ~~كلام أهل البدع فإن في عصرهما إنما كان يعرف بالكلام أهل البدع فأما أهل ~~السنة فقلما كانوا يخوضون في الكلام حتى اضطروا إليه بعد # قال ابن عساكر وأما قول الشافعي فأخبرنا فلان وذكر من كتاب مناقب الشافعي ~~لعبد الرحمن بن أبي حاتم ثنا يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول لأن ~~يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه سوى الشرك خير له من الكلام ولقد اطلعت من ~~أهل الكلام على شيء ما ظننت أن مسلما يقول ذلك قال ابن أبي حاتم ثنا أحمد ~~بن أصرم المزني قال قال أبو ثور سمعت الشافعي يقول ما تردى أحد بالكلام فأفلح PageV07P244 # وقال ابن أبي حاتم ثنا الربيع قال رأيت الشافعي وهو نازل من الدرجة وقوم ~~في المجلس يتكلمون بشيء من الكلام فصاح فقال إما أن تجاورونا بخير وإما أن ~~تقوموا عنا وروى أيضا عن ابن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول لو علم الناس ما ~~في الكلام في الأهواء لفروا منه كما يفر من الأسد # قال ابن عساكر فإنما عن الشافعي الكلام البدعي المخالف عند اعتباره ~~للدليل الشرعي # قال وقد بين زكريا بن يحيى الساجي في روايته هذه الحكاية عن الربيع أنه ~~أراد بالنهي عن الكلام قوما تكلموا في القدر ولذلك حكم بالتبديع ويدل عليه ~~ما أخبرنا فلان وروى بإسناده عن محمد بن إسحاق بن خزيمة سمعت يونس بن عبد ~~الأعلى يقول جئت الشافعي بعد ما كلم حفصا الفرد فقال غبت عنا يا PageV07P245 ~~أبا موسى لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء والله ما توهمته قط ولأن يبتلى ~~المرء بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام ms1398 # قال فالشافعي إنما عنى بمقالته كلام حفص القدري وأمثاله # قلت حفص الفرد لم يكن من القدرية وإنما كان على مذهب ضرار بن عمرو الكوفي ~~وهو من المثبتين للقدر لكنه من نفاة الصفات وكان أقرب إلى الإثبات من ~~المعتزلة والجهمية # وقد ذكر ذلك الأشعري في المقالات فقال ذكر الضرارية أصحاب ضرار بن عمرو ~~والذي فارق ضرار بن عمرو به المعتزلة قوله إن أعمال العباد مخلوقة وإن فعلا ~~واحدا لفاعلين أحدهما خلقه وهو الله والآخر اكتسبه وهو العبد وإن الله فاعل ~~لأفعال العباد في الحقيقة وهم فاعلون لها في PageV07P246 ~~الحقيقة وكان يزعم أن الاستطاعة قبل الفعل ومع الفعل وأنها بعض المستطيع ~~وأن الإنسان أعراض مجتمعة وكذلك الجسم أعراض مجتمعة وأن الأعراض قد يجوز أن ~~تنقلب أجساما وكان يزعم أن كل ما تولد عن فعله كالألم الحادث عن الضربة ~~وذهاب الحجر الحادث عن الدفعة فعل لله سبحانه وللإنسان وكان يزعم ان معنى ~~أن الله عالم قادر أنه ليس بجاهل ولا عاجز وكذلك كان يقول في سائر صفات ~~الباري لنفسه # قال وكان يزعم أن الله سخلق حاسة سادسة يوم القيامة للمؤمنين يرون بها ~~ماهيته أي ما هو # قال وقد تابعه على ذلك حفص الفرد وغيره # فهذا الذي ذكره الأشعري من قول ضرار وحفص الفرد في القدر هو مخالف لقول ~~المعتزلة بل هو من أعدل الأقوال وأشبهها وقوله إلى قول الأشعري وأصحابه في ~~القدر والرؤية أقرب من قوله إلى قول المعتزلة بل هو في القدر أقرب إلى قول ~~أهل الحديث والفقهاء وسائر أهل السنة PageV07P247 ~~وأعدل من قول الأشعري حيث جعل العبد فاعلا حقيقة وأثبت استطاعتين ونحو ذلك ~~مما أثبته أئمة الفقهاء وأهل الحديث كما هو مذكور في موضعه # قال ابن عساكر فأما الكلام الموافق للكتاب والسنة الموضح لحقائق الأصول ~~عند الفتنة فهو محمود عند العلماء # وروي عن ابن خزيمة سمعت الربيع يقول لما كلم الشافعي حفصا الفرد فقال حفص ~~القرآن مخلوق قال له الشافعي كفرت بالله العظيم # وعن الربيع قال حضرت الشافعي أو حدثني أبو ms1399 شعيب ألا إني أعلم أنه حضر عبد ~~الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد وحفص الفرد وكان الشافعي يسميه ~~المنفرد فسأل حفص عبد الله بن عبد الحكم فقال ما تقول PageV07P248 ~~في القرآن فأبى أن يجيبه فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه فكلاهما أشار إلى ~~الشافعي فسأل الشافعي واحتج عليه فطالت فيه المناظرة فقام الشافعي بالحجة ~~عليه بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وكفر حفصا الفرد قال الربيع فلقيت ~~حفصا في المسجد بعد فقال أراد الشافعي قتلي # وروي عن الشافعي قال ما ناظرت أحدا أحببت أن يخطىء إلا صاحب بدعة فإني ~~أحب أن ينكشف أمره للناس # قال البيهقي إنما أراد الشافعي بهذا الكلام حفصا الفرد وأمثاله من أهل ~~البدع وهكذا مراده بكل ما حكي عنه من ذم الكلام وذم أهله غير أن بعض الرواة ~~أطلقه وبعضهم قيده PageV07P249 # وروى البيهقي عن أبي الوليد بن الجارود قال دخل حفص الفرد على الشافعي ~~فقال لنا لأن يلقى الله العبد بذنوب مثل جبال تهامة خير له من أن يلقاه ~~باعتقاد حرف مما عليه هذا الرجل وأصحابه وكان يقول بخلق القرآن # قلت حفص الفرد كما هو معروف عند أهل العلم بمقالات الناس بإثبات القدر ~~فهو من نفات الصفات القائلين بأن الله تعالى لا تقوم به صفة ولا كلام ولا ~~فعل وأصل حجتهم في ذلك هو دليل الأعراض المتقدم فإن القرآن كلام والكلام ~~عندهم كسائر الصفات والأفعال لا يقوم إلا بجسم والجسم محدث فكان إنكار ~~الشافعي عليه لأجل الكلام الذي دعاهم إلى هذا لم تكن مناظرته له في القدر ~~ومن ظن أن الشافعي ناظره في القدر فقد أخطأ خطأ بينا فإن الناس كلهم إنما ~~نقلوا مناظرته له في القرآن هل هو مخلوق أم لا # وأهل المقالات متفقون على أن حفصا لم يكن من نفاة القدر بل من PageV07P250 ~~مثبتيه وقد ظن البيهقي وغيره أنه إنما ذم مذهب القدرية فقال وإنما ذم ~~الشافعي مذهب القدرية ألا تراه قال بشيء من هذه الأهواء واستحب ترك الجدال ~~فيه وكأنه ms1400 سمع ما رويناه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم الحديث أو غير ذلك من ~~الأخبار الواردة في معناه وعلى مثل ذلك جرى أئمتنا في قديم الدهر عند ~~الاستغناء عن الكلام فيه فإذا احتاجوا إليه أجابوا بما في كتاب الله ثم في ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدلالة على إثبات القدر لله تعالى ~~وأنه لا يجري في ملكوت السماوات والأرض شيء إلا بحكم الله وبقدرته وإرادته ~~وكذلك في سائر مسائل PageV07P251 ~~الكلام اكتفوا بما فيها من الدلالة على صحة قولهم حتى حدثت طائفة سموا ما ~~في كتاب الله من الحجة عليهم متشابها وقالوا نترك القول بالأخبار أصلا ~~وزعموا أن الأخبار التي حملت عليهم لا تصح في عقولهم فقام جماعة من أئمتنا ~~بهذا العلم وبينوا لمن وفق للصواب ورزق الفهم أن جميع ما ورد في تلك ~~الأخبار صحيح في المعقول وما ادعوه في الكتاب من التشابه باطل في المعقول ~~وحين أظهروا بدعهم وذكروا ما اغتر به أهل الضعف من شبههم أجابوهم فكشفوا ~~عنها بما هو حجة عندهم كما فعل الشافعي فيما حكينا عنه لوجوب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وما في ترك إنكار المنكر والسكوت عنه من الفساد ~~والتعدي وكانوا في القديم إنما يعرفون بالكلام أهل الأهواء فأما أهل السنة ~~والجماعة فمعولهم فيما يعتقدون الكتاب والسنة وكانوا لا يتسمون بتسميتهم # قال وإنما يعنى والله أعلم بقوله من ارتدى بالكلام لم يفلح كلام أهل ~~الأهواء الذين تركوا الكتاب والسنة وجعلوا معولهم PageV07P252 ~~عقولهم وأخذوا في تسوية الكتاب عليها وحين حملت عليهم السنة بزيادة بيان ~~لنقض أقاويلهم اتهموا رواتها وأعرضوا عنها # قال فأما أهل السنة فمذهبهم في الأصول مبني على الكتاب والسنة وإنما أخذ ~~من أخذ منهم في العقل إبطالا لمذهب من زعم أنه غير مستقيم في العقل # إلى أن قال البيهقي وفي كل هذا دلالة أن الكلام المذموم إنما هو كلام أهل ~~البدع الذي يخالف الكتاب والسنة ms1401 فأما الكلام الذي يوافق الكتاب والسنة ~~ويبين بالعقل والعبرة فإنه محمود مرغوب فيه عند الحاجة تكلم فيه الشافعي ~~وغيره من أئمتنا رضي الله عنهم # قال وكان عبد الله بن يزيد بن هرمز شيخ مالك بن أنس أستاذ الشافعي بصيرا ~~بالكلام والرد على أهل الأهواء # وروى من تاريخ يعقوب بن سفيان عن ابن وهب قال PageV07P253 ~~قال مالك كان ابن هرمز رجلا كنت أحب أن أقتدي به وكان قليل الكلام قليل ~~الفتيا شديد التحفظ وكان كثيرا ما يفتي الرجل ثم يبعث في إثره فيرده إليه ~~حتى يخبره بغير ما أفتاه # قال وكان بصيرا بالكلام وكان يرد على أهل الأهواء وكان من أعلم الناس بما ~~اختلف فيه الناس من هذه الأهواء # وروى ابن عساكر من طريق البيهقي عن الحاكم سمعت أبا بكر بن عبد الله بن ~~يوسف الحفيد من أصل كتابه سمعت الحسين بن الفضل البجلي يقول دخلت على زهير ~~بن حرب بعد ما قدم من عند المأمون وقد امتحنه فأجاب إلى ما سأله وكان أول ~~ما قال لي يا أبا علي تكتب عن المرتدين فقلت معاذ الله ما أنت بمرتد وقد ~~قال الله تعالى { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان } سورة النحل 106 فوضع الله عن المكره ما يسمعه في القرآن ثم ~~سألته عن أشياء يطول ذكرها فقال أشدها PageV07P254 ~~علينا أن قال لنا ما تقولون في عيسى صلى الله عليه وسلم قلنا من عيسى يا ~~أمير المؤمنين قال عيسى بن مريم قلنا رسول الله قال وكلمته قلنا نعم قال ~~فما تقولون فيمن قال ليس عيسى كلمة الله قلنا كافر يا أمير المؤمنين قال ~~فقال لنا أليس عيسى كلمة الله قلنا بلى قال أفمخلوق أم غير مخلوق قلنا ~~مخلوق قال فمن زعم أنه غير مخلوق قلنا كافر يا أمير المؤمنين قال فما ~~تقولون في القرآن قلنا كلام الله عز وجل قال مخلوق أو غير مخلوق قلنا غير ~~مخلوق قال فمن زعم أنه مخلوق قلنا كافر قال فمن ms1402 زعم أن عيسى غير مخلوق وهو ~~كلمة الله قلنا كافر قال يا سبحان الله عيسى كلمة الله ومن نفى الخلق عنه ~~كافر والقرآن كلمة الله ومن يثبت الخلق عليه كافر قال الحسين فأعلمته ما ~~يجب من القول وقلت له قد كان المكي يختلف إليكم ويقول لكم إني أعلم من هذا ~~الباب ما لا تعلمون فتعلموا ذلك مني فتحملكم الرياسة على ترك ذلك ويقول لكم ~~يكون لكم ما تعلمتموه مني عدة تعتدونها لأعدائكم فإن هجموا لم تحتاجوا إلى ~~طلب العدة وإن لم يحضركم الأعداء لم يضركم الإعداد للعدة PageV07P255 ~~فتأبون ذلك والحجة في هذا الباب كيت وكيت # فقال والله وددت أني كنت أعلم هذا كما تعلمه يوم دخلت على المأمون وأن ~~ثلث روايتي ساقطة عني ثم نظر إلى يحيى بن معين وهو معه فقال له وأنا أقول ~~كما تقول فقال لي زهير فعلم ابني فإنه حدث فخلوت به في المسجد فعلمته ذلك ~~ثم انصرفت # قال الحاكم الحسين بن الفضل البجلي صاحب عبد العزيز المكي المقدم في ~~معرفة الكلام ه # قلت هذه الحكاية وقع فيها تغيير إن كان أصلها صحيحا فإن زهير بن حرب ~~ويحيى بن معين ونحوهما ممن امتحن في زمن المحنة لم يجتمعوا بالمأمون ولا ~~ناظرهم بل ذهب إلى الثغر بطرسوس وكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن ~~مصعب أن يمتحن الناس فامتنعوا من الإجابة فكتب إليه كتابا ثانيا يغلظ فيه ~~ويأمر بقتل القاضيين بشر بن الوليد وعبد الرحمن بن إسحاق إن لم يجيبا ويأمر ~~بتقييد من لم يجب من العلماء فامتنع من الإجابة سبعة منهم زهير بن حرب ~~المذكور ثم أجاب بعد القيد خمسة منهم PageV07P256 ~~زهير بن حرب وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح لم يجيبا فحملا إليه مقيدين ~~فمات محمد بن نوح في الطريق ومات المأمون قبل وصول أحمد بن حنبل إليه # وهذا كله معلوم عند أهل العلم بذلك لم يختلفوا في ذلك فإن كانت قد جرت ~~مناظرة مع زهير بن حرب فلعل ذلك كان مع غير ms1403 المأمون ولعل ذلك كان بين يدي ~~نائبه إسحاق بن إبراهيم فإنه هو الذي باشرهم بالمحنة وإنما الذي ناظر ~~الجهمية في المحنة هو أحمد بن حنبل وكان ذلك في خلافة المعتصم بعد أن بقي ~~في الحبس أكثر من سنتين وجمعوا له أهل الكلام من البصرة وغيرها من الجهمية ~~والمعتزلة والنجارية مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث صاحب حسين النجار ~~وناظرهم ثلاثة أيام وقطعهم في تلك المناظرات كما قد شرحنا تلك المناظرت في ~~غير هذا الموضع # وهذه الحجة التي ذكرت في حكاية زهير بن حرب ذكرها الإمام أحمد وتكلم ~~عليها فيما كتبه في الرد على الجهمية وهو في الحبس قبل اجتماعه بهم ~~للمناظرة فكان الجواب عن هذه مما هو بعد عند الأئمة كأحمد بن حنبل وأمثاله # قال أحمد فيما كتبه ثم إن الجهمي ادعى أمرا آخر فقال PageV07P257 ~~أنا أجد آية في كتاب الله تدل على القرآن أنه مخلوق فقلنا أي آية قال قول ~~الله عز وجل { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~} سورة النساء 171 وعيسى مخلوق فقلنا إن الله منعك الفهم في القرآن إن عيسى ~~تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن لأنه يسمى مولودا ورضيعا وطفلا وغلاما ~~يأكل ويشرب وهو مخاطب بالأمر والنهي يجري عليه الوعد والوعيد ثم هو من ذرية ~~نوح ومن ذرية إبراهيم فلا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى فهل ~~سمعتم الله يقول في القرآن ما قال في عيسى ولكن المعنى من قول الله جل ~~ثناؤه { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم } PageV07P258 ~~فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له كن فكان عيسى صلى الله عليه وسلم ~~بكن فعيسى ليس هو الكن ولكن بالكن كان فالكن من الله قول وليس الكن مخلوقا # وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالوا عيسى ~~روح الله وكلمته إلا أن كلمته مخلوقة وقالت النصارى عيسى روح الله من ذات ~~الله وكلمة الله ms1404 من ذات الله كما يقال إن هذه الخرقة من هذا الثوب قلنا نحن ~~إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة وأما قول الله تعالى { وروح منه } ~~سورة النساء 171 يقول من أمره كان الروح فيه كقوله { وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه } سورة الجاثية 13 يقول من أمره وتفسير PageV07P259 ~~روح الله إنما معناها أنها روح يملكها الله خلقها الله كما يقال عبد الله ~~وسماء الله وأرض الله # فبين الإمام أحمد أن الجهمية المعطلة والنصارى الحلولية ضلوا في هذا ~~الموضع فإن الجهمية النفاة يشبهون الخالق تعالى بالمخلوق في صفات النقص كما ~~ذكر الله تعالى عن اليهود أنهم وصفوه بالنقائص وكذلك الجهمية النفاة إذا ~~قالوا هو في نفسه لا يتكلم ولا يحب ونحو ذلك من نفيهم والحلولية يشبهون ~~المخلوق بالخالق فيصفونه بصفات الكمال التي لا تصلح إلا لله كما فعلت ~~النصارى في المسيح ومن جمع بين النفي والحلول كحلولية الجهمية مثل صاحب ~~الفصوص وغيره قالوا ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه ~~وبصفات النقص والذم ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق فهي كلها صفات له كما ~~أن صفات المخلوق حق لله # فهم يصفون المخلوق بكل ما يوصف به الخالق ويصفون PageV07P260 ~~الخالق بكل ما يوصف به المخلوق فإن الوحدة والاتحاد والحلول العام يقتضي ذلك # ولفظ الكلام مثل لفظ الرحمة والأمر والقدرة ونحو ذلك من ألفاظ الصفات ~~التي يسمونها في اصطلاح النحاة مصادر ومن لغة العرب أن لفظ المصدر يعبر به ~~عن المفعول كثيرا كما يقولون درهم ضرب الأمير # ومنه قوله تعالى { هذا خلق الله } سورة لقمان 11 أي مخلوقة فالأمر يراد ~~به نفس مسمى المصدر كقوله { أفعصيت أمري } سورة طه 93 { فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره } سورة النور 63 { ذلك أمر الله أنزله إليكم } سورة الطلاق 5 # ويراد به المأمور به كقوله تعالى { وكان أمر الله قدرا مقدورا } سورة ~~الأحزاب 38 { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } سورة النحل 1 فالأول هو من كلام ~~الله وصفاته ms1405 والثاني مفعول ذلك وموجبه ومقتضاه # وكذلك لفظ الرحمة يراد بها صفة الله التي يدل عليها اسمه الرحمن الرحيم ~~كقوله تعالى { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } سورة غافر 7 ويراد بها ما ~~يرحم به عباده من PageV07P261 ~~المخلوقات كقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق الرحمة يوم خلقها ~~مائة رحمة # وقوله عن الله تعالى يقول للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ~~ويقول للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي # وكذلك الكلام يراد به الكلام الذي هو الصفة كقوله تعالى { وتمت كلمة ربك ~~صدقا وعدلا } سورة الأنعام 115 وقوله { يريدون أن يبدلوا كلام الله } سورة ~~الفتح 15 # ويراد به ما فعل بالكلمة كالمسيح الذي قال له كن فكان فخلقه من غير أب ~~على غير الوجه المعتاد المعروف في PageV07P262 ~~الآدميين فصار مخلوقا بمجرد الكلمة دون جمهور الآدميين كما خلق آدم وحواء ~~أيضا على غير الوجه المعتاد فصار عيسى عليه السلام مخلوقا بمجرد الكلمة دون ~~سائر الآدميين # وفي هذا الباب باب المضافات إلى الله تعالى ضلت طائفتان طائفة جعلت جميع ~~المضافات إلى الله إضافة خلق وملك كإضافة البيت والناقة إليه وهذا قول نفاة ~~الصفات من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم حتى ابن عقيل وابن الجوزي ~~وأمثالهما إذا مالوا إلى قول المعتزلة سلكوا هذا المسلك وقالوا هذه آيات ~~الإضافات لا آيات الصفات كما ذكر ذلك ابن عقيل في كتابه المسنى بنفي ~~التشبيه وإثبات التنزيه وذكره أبو الفرج ابن الجوزي في منهاج الوصول وغيره ~~وهذا قول ابن حزم وأمثاله ممن وافقوا الجهمية على نفي الصفات وإن كانوا ~~منتسبين إلى الحديث والسنة # وطائفة بإزاء هؤلاء يجعلون جميع المضافات إليه صفة ويقولون بقدم الروح ~~فمنهم من يقول بقدم روح العبد لقوله PageV07P263 ~~{ ونفخت فيه من روحي } سورة الحجر 29 وهم من جنس النصارى الذين يقولون بأن ~~روح عيسى من ذات الله تعالى # ومن هؤلاء من ينتسب إلى أهل السنة والحديث إلى الإمام أحمد وغيره من أئمة ~~السنة كطائفة أهل طبرستان وجيلان وأتباع الشيخ ms1406 عدي وغيرهم # وطائفة ثالثة تقف في روح العبد هل هي مخلوقة أم لا وهم منتسبون إلى السنة ~~والحديث من أصحاب أحمد وغيرهم والنزاع بين متأخري أصحاب أحمد وغيرهم هو في ~~المضافات الخبرية كالوجه واليد والروح وأما المعتزلة فيطردون ذلك في الكلام وغيره # وقد بين أحمد الرد على الطائفتين الأوليين وهؤلاء الطائفتان أيضا يضلون ~~في المضاف بمن فإن المجرور بالإضافة حكمه حكم المضاف كقوله تعالى { ولكن حق ~~القول مني } سورة السجدة 13 وقوله تعالى { وروح منه } سورة النساء 171 ~~فالطائفتان يجعلون القول منه كالروح منه ثم يقول النفاة والروح مخلوقة ~~بائنة عنه فالقول مخلوق بائن عنه ويقول الحلولية القول صفة له ليس لمخلوق ~~فالروح التي منه صفة له ليست مخلوقة PageV07P264 # والفرق بين البابين أن المضاف إذا كان معنى لا يقوم بنفسه ولا بغيره من ~~المخلوقات وجب أن يكون صفة لله تعالى قائما به وامتنع أن تكون إضافته إضافة ~~مخلوق مربوب وإن كان المضاف عينا قائمة بنفسها كعيسى وجبريل وأرواح بني آدم ~~امتنع ان تكون صفة لله تعالى لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره # فقوله تعالى { فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا } سورة مريم 17 ~~وقوله في عيسى { وروح منه } وقوله تعالى { قل الروح من أمر ربي } سورة ~~الإسراء 85 يمتنع أن يكون شيء من هذه الأعيان القائمة بنفسها صفة لله تعالى # لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين أحدهما أن تضاف إليه من ~~جهة كونه خلقها وأبدعها فهذا شامل لجميع المخلوقات كقولهم سماء الله وأرض ~~الله ومن هذا الباب فجميع المخلوقين عباد الله وجميع المال مال الله وجميع ~~البيوت والنوق لله # والوجه الثاني أن يضاف إليه لما خصه الله به من معنى يحبه ويرضاه ويأمر ~~به كما خص البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون في غيره وكما خص المساجد بأن ~~يفعل فيها ما يحبه ويرضاه من العبادات وأن PageV07P265 ~~تصان عن المباحات التي لم تشرع فيها فضلا عن المكروهات وكما يقال عن مال ~~الفيء والخمس هو مال الله ms1407 ورسوله ومن هذا الوجه فعباد الله هم الذين عبدوه ~~وأطاعوا أمره فهذه إضافة تتضمن ألوهيته وشرعه ودينه وتلك إضافة تتضمن ~~ربوبيته وخلقه وهذه الإضافة العامة لا تتضمن إلا خلقه وربوبيته # وكذلك كلماته نوعان كلماته الدينية المتضمنة شرعه ودينه كالقرآن وكلماته ~~الكونية التي بها كون الكائنات وهي الكلمات التي كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يستعيذ بها في قوله أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا ~~فاجر فإن كلماته التي بها كون المخلوقات لا يخرج عنها بر ولا فاجر بخلاف ~~كلماته التي شرع بها دينه فإن الفجار عصوها كما عصاها إبليس ومن اتبعه # والله تعالى لا يضيف إليه من المخلوقات شيئا إضافة تخصيص إلا PageV07P266 ~~لاختصاصه بأمر يوجب الإضافة وإلا فمجرد كونه مخلوقا ومملوكا لا يوجب أن يخص ~~بالإضافة # وبهذا يتبين فساد قول النفاة الذين يقولون في قوله تعالى { ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي } سورة ص 75 من الأقوال ما لا اختصاص لآدم به كقولهم ~~بقدرته أو بنعمته أو أن المعنى خلقته أنا أو أنه أضافه إلى نفسه إضافة ~~تخصيص فإن هذه المعاني كلها موجودة في الملائكة وإبليس والبهائم فلا بد أن ~~يثبت لآدم من اختصاصه بكونه سبحانه خلقه بيديه ما لا يثبت لهؤلاء # وكذلك أيضا إذا قيل عن القرآن العزيز أو غيره إنه كلام الله فإن هذا لا ~~يوجب أن تكون إضافته إليه إضافة خلق وملك لوجهين أحدهما أنه صفة والصفات ~~إذا أضيفت إليه كانت إضافة وصف لا إضافة خلق الثاني أن هذا يقتضي أن يكون ~~كل كلام خلقه الله كلامه فيكون إنطاقه لما أنطقه من المخلوقات كلاما له ومن ~~عرف أن الله خالق كل شيء لزمه أن يجعل كل كلام في الوجود كلامه كما فعل ذلك ~~حلولية الجهمية كابن عربي وغيره حيث قالوا # % وكل كلام في الوجود كلامه % سواء علينا نثره ونظامه % PageV07P267 ~~ولا يجوز أن تكون إضافته إليه لاختصاصه بمعنى يحبه ويرضاه كما أضاف إليه ~~البيت والناقة بقوله تعالى { وطهر بيتي للطائفين والقائمين } سورة الحج 26 ms1408 ~~وقوله { ناقة الله وسقياها } سورة الشمس 13 لأن هذا يوجب أن يكون كل كلام ~~يحبه الله فإنه كلامه فيكون الإنسان إذا أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين ~~الناس يكون ذلك كلام الله ويكون الشاهد إذا شهد بشهادة أمر بها تكون كلام ~~الله ويكون كل من حدث بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنما حدث بكلام ~~الله تعالى # والناس قد تنازعوا في مثل قوله صلى الله عليه وسلم أخذتموهن بأمانة الله ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله هل المراد بها الكلمة التي شرعها الله وهي ~~عقدة النكاح أو المراد كلمة الله التي تكلم بها وهي شرعه وإذنه وتحليله لذلك # والصواب أن المراد بقوله كلمة الله كلامه الذي تكلم به المتضمن إذنه ~~وتحليله وشرعه لا العقد الذي هو كلام العباد ومن قال PageV07P268 ~~إن المراد به العقد فقد أخطأ من وجوه متعددة قد بسطناها في غير هذا الموضع ~~وتكلمنا على ذلك في مسألة مفردة ولا يعرف قط أنه أضيف إلى الله كلام إلا ~~كلام تكلم الله به ولكن لو قدر أنه قد يراد بالكلام المضاف إلى الله ما أمر ~~به وقدر أنه حصل نزاع في قوله { وكلمة الله هي العليا } سورة التوبة 40 هل ~~المراد الكلمة التي يحبها ويأمر بها أو الكلمة التي تكلم بها وهي نفس أمره وخبره # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فمن ~~قال المراد بالجميع كلام الله الذي تكلم به اطردت الإضافة على قوله ولو قدر ~~أن قائلا قال أضيف إليه من الكلام ما يحبه ويرضاه وإن لم يكن تكلم به لم ~~يمكن أن يجعل كون القرآن PageV07P269 ~~كلامه من هذا الباب بالضرورة والاتفاق إذ لازم ذلك أن يكون القرآن بمنزلة ~~ما أمر به من الشهادة والأخبار وتقويم السلع وخرص النخل وسائر أنواع الكلام ~~الصادق الذي يجب التكلم به فيكون كل من تكلم بشيء من ذلك قد تكلم بكلام ~~الله ويكون كون القرآن كلام الله هو من هذا الباب ولا يكون لله عز ms1409 وجل في ~~نفسه كلام إلا ما تكلم به الخلق وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده # ثم قول القائل الكلام الذي يحبه الله ويرضاه ويأمر به أو الكلام الذي ~~يكرهه وينهى عنه يقتضي أن هناك محبة ورضاء وأمرا غير المأمور به وكلاما هو ~~نهي غير المنهي عنه وذلك هو كلامه الذي هو أمره ونهيه فالأمر والنهي غير ~~المأمور به والمنهي عنه # وهذا على قول من اشتبه عليه أمر الإضافة في هذه المواضع وإلا فالصواب في ~~قوله صلى الله عليه وسلم واستحللتم فروجهن بكلمة الله أنها كلمته التي تكلم بها # وكذلك قوله تعالى { وكلمة الله هي العليا } سورة التوبة 40 PageV07P270 ~~هي كلمته التي تكلم بها وكل كلام تكلم به سبحانه مخبرا فإنه صدق كما أن كل ~~كلام تكلم به آمرا فهو عدل وقد تمت كلماته صدقا وعدلا # فالكلام له نسبة إلى المتكلم به وهو الآمر المخبر به وله نسبة إلى ~~المتكلم فيه وهو المأمور به والمخبر عنه فكلام الله الذي تكلم به يشترك كله ~~في كونه تكلم به # ثم ما أخبر به عن نفسه مثل قوله تعالى { قل هو الله أحد } سورة الإخلاص 1 ~~وآية الكرسي وغير ذلك أفضل مما أخبر به عن خلقه وذكر فيه أحوالهم كقوله ~~تعالى { تبت يدا أبي لهب وتب } سورة المسد 1 وهذا أصح القولين لأهل السنة ~~وغيرهم وهو قول جمهور العلماء من الأولين والآخرين فإن طائفة من المنتسبين ~~إلى السنة وغيرهم يقولون إن نفس كلام الله تعالى لا يتفاضل في نفسه بناء ~~على أنه قديم والقديم لا يتفاضل # ويتأولون قوله تعالى { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } PageV07P271 ~~سورة البقرة 106 أي خير لكم وأنفع والصواب الذي عليه جمهور السلف والأئمة ~~أن بعض كلام الله أفضل من بعض كما دل على ذلك الشرع والعقل # ففي الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي سعيد ابن ~~المعلى لأعلمنك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في ms1410 الزبور ولا ~~في القرآن مثلها ثم أخبره أنها فاتحة الكتاب فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه ليس في القرآن لها مثل فبطل قول من قال بتماثل جميع كلام الله # وكذلك ثبت في الصحيح أنه قال لأبي بن كعب أتدري أي آية في كتاب الله أعظم ~~فقال { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } سورة البقرة 255 فضرب بيده في ~~صدري وقال ليهنك العلم أبا المنذر فبين أن هذه الآية أعظم من غيرها من الآيات PageV07P272 # وقد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أن { قل هو الله أحد } سورة الإخلاص ~~1 تعدل ثلث القرآن # وذلك أن القرآن إما خبر وإما إنشاء والخبر إما خبر عن الخالق وإما عن ~~المخلوق فثلثه قصص وثلثه أمر وثلثه توحيد فهي تعدل ثلث القرآن بهذا ~~الاعتبار # وأيضا فالكلام وإن اشترك من جهة المتكلم به في أنه تكلم بالجميع فقد ~~تفاضل من جهة المتكلم فيه فإن كلامه الذي وصف به نفسه وأمر فيه بالتوحيد ~~أعظم من كلامه الذي ذكر فيه بعض خلقه وأمر فيه بما هو دون التوحيد # وأيضا فإذا كان بعض الكلام خيرا للعباد وأنفع لزم أن يكون في نفسه أفضل ~~من هذه الجهة فإن تفاضل ثوابه ونفعه إنما هو لتفاضله في نفسه وإلا فالشيئان ~~المتساويان من كل وجه لا يكون ثواب أحدهما أكثر ولا نفعه أعظم # والمقصود هنا شيئان أحدهما أن الذين يعظمون الأشعري وأمثاله من أهل ~~الكلام كالبيهقي وابن عساكر وغيرهما وقد عرفوا ذم الشافعي وغيره من الأئمة ~~للكلام ذكروا أن الكلام المذموم هو كلام أهل البدع وقالوا إنما كان يعرف في ~~عصرهم بالكلام أهل البدع PageV07P273 ~~وأنه أراد بذلك كلام مثل حفص الفرد وأمثاله وأنه لما حدثت طائفة سمت ما في ~~كتاب الله من الحجة عليهم متشابها وقالوا بترك القول بالأخبار التي رواها ~~أهل الحديث وزعموا أن الأخبار التي حملت عليهم لا تصح في عقولهم قام جماعة ~~من أئمتنا وبينوا أن جميع ما ورد في الأخبار صحيح في المعقول وما ادعوه في ~~الكتاب ms1411 من التشابه باطل في العقول وكانوا في القديم إنما يعرفون بالكلام ~~أهل الأهواء فاما أهل السنة والجماعة فمعولهم فيما يعتقدون الكتاب والسنة ~~فكانوا لا يسمون تسميتهم وإنما يعني بقوله من ارتدى بالكلام لم يفلح كلام ~~أهل الأهواء الذين تركوا الكتاب والسنة وجعلوا معولهم عقولهم وأخذوا في ~~تسوية الكتاب والسنة عليها فأما أهل السنة فمذهبهم في الأصول مبني على ~~الكتاب والسنة وإنما أخذ من أخذ منهم في العقل إبطالا لمذهب من زعم أنه غير ~~مستقيم في العقل # قلت وهذا اتفاق من علماء الأشعرية مع غيرهم من الطوائف المعظمين للسلف ~~على أن الكلام المذموم عند السلف كلام من يترك الكتاب والسنة ويعول في ~~الأصول على عقله فكيف بمن يعارض PageV07P274 ~~الكتاب والسنة بعقله وهذا هو الذي قصدنا إبطاله وهو حال أتباع صاحب الإرشاد ~~الذين وافقوا المعتزلة في ذلك # وأما الرازي وأمثاله فقد زادوا في ذلك على المعتزلة فإن المعتزلة لا تقول ~~إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين بل يقولون إنها تفيد اليقين ويستدلون بها ~~أعظم مما يستدل بها هؤلاء # الثاني أن كلام الإمام الشافعي رضي الله عنه ونحوه من الأئمة تضمن ذم ~~كلام حفص الفرد وأمثاله في مسألة القرآن والكلام في ذلك مبني على نفي قيام ~~الأفعال به فإن المعتزلة يقولون الكلام لا بد له من فعل يتعلق بمشيئة ~~المتكلم وقدرته فلو قام به الكلام لقامت به الأفعال وهي حادثة فكان يكون ~~محلا للحوادث وبطل الدليل الذي استدللنا به على حدوث العالم # وقد بينا أن ذم الشافعي لكلام حفص وأمثاله لم يكن لأجل لإنكار القدر فإن ~~حفصا لا ينكره وإنما كان لإنكار الصفات والأفعال المبني على دليل الأعراض # وهكذا كان كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة في ذم الكلام كان متناولا ~~لكلام الجهمية وكلام أحمد وأمثاله في ذلك كثير ظاهر معلوم فإن مناظرته ~~للجهمية ورده عليهم أشهر وأكثر من أن PageV07P275 ~~يذكر هنا وكان من المناظرين له أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث وهو على قول ~~حسين النجار والنجار من المثبتة للقدر وكذلك كانوا ms1412 يذمون المريسي وغيره من ~~المثبتين للقدر فتبين أن كلامهم في ذم أهل الكلام لم يكن لأجل إنكار القدر ~~بل كان ذمهم للجهمية أعظم من ذمهم للقدرية # قال الأشعري في المقالات ذكر قول الحسين بن محمد النجار كان هو وأصحابه ~~يقولون إن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى وهم فاعلون لها وأنه لايكون في ~~ملك الله إلا ما يريده وأن الله لم يزل مريدا أن يكون في وقته ما علم أنه ~~يكون في وقته مريدا أن لا يكون ما علم أنه لا يكون وأن الاستطاعة لا يجوز ~~أن تتقدم الفعل وأن العون من الله يحدث في حال الفعل مع الفعل وهو ~~الاستطاعة فإن الاستطاعة الواحدة لا يفعل بها فعلان وأن لكل فعل استطاعة ~~تحدث معه إذا حدث وأن الاستطاعة لا تبقى وأن في وجودها وجود الفعل وفي ~~عدمها عدم الفعل # وذكر سائر قوله في القدر من جنس قول الأشعري وأصحابه PageV07P276 ~~وأن الإنسان لا يفعل في غيره وأنه لا يفعل الأفعال إلا في نفسه كنحو ~~الحركات والسكون والإرادات والعلوم والكفر والإيمان وأن الإنسان لا يفعل ~~ألما ولا إدراكا ولا رؤية ولا يفعل شيئا على طريق التولد # قال وكان برغوث يميل إلى قوله # قال وكان يزعم أن الله لم يزال جوادا بنفي البخل عنه ولم يزل متكلما ~~بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام وأن كلام الله محدث مخلوق وكان يقول ~~في التوحيد بقول المعتزلة إلا في باب الإرادة والجود وكان يخالفهم في القدر ~~ويقول بالإرجاء وكان يزعم أنه جائز أن يحول الله العين إلى القلب ويجعل في ~~العين قوة القلب فيرى الله الإنسان بعينه أي يعلمه بها وكان ينكر الرؤية ~~لله بالإبصار على غير هذا الوجه PageV07P277 ### | AUTO قلت فقول ضرار والنجار وأتباعهما كبرغوث وحفص وقول بشر المريسي ~~ونحوه من أهل الكلام الذين ذمهم الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة ليس فيه ~~إنكار للقدر بل فيه إثبات له وإنما ذموهم لما في قولهم من نفي ما وصف الله ~~به نفسه مع أن قول النجار ms1413 وضرار خير من قول المعتزلة وقولهما في الرؤية ~~يشبه قول من ينفي العلو ويثبت الرؤية من الأشعرية ونحوهم وأصل كلامهم الذي ~~بنوا عليه نفي ذلك ما تقدم من الأصول الثلاثة ليس لهم غيرها وهي دليل ~~الأعراض والتركيب والاختصاص فصل # ومما يبين ذلك ما ذكره الشيخ أبو سليمان الخطابي في رسالته المعروفة في ~~الغنية عن الكلام وأهله قال فيها وقفت على مقالتك وظهور ما ظهر بها من ~~مقالات أهل الكلام وخوض الخائضين فيها وميل بعض منتحلي السنة إليها ~~واغترارهم بها PageV07P278 ~~واعتذارهم في ذلك بأن الكلام وقاية للسنة وجنة لها يذب به عنها ويزاد ~~بسلاحه عن حريمها وفهمت ما ذكرته من ضيق صدرك بمجالسهم وتعذر الأمر عليك في ~~مفارقتهم لأن موقفك بين أن تسلم لهم ما يدعونه من ذلك فتقبله وبين أن ~~تقابلهم على ما يزعمونه فترده وتنكره وكلا الأمرين يصعب عليك أما القبول ~~فلأن الدين يمنعك منه ودلائل الكتاب والسنة تحول بينك وبينه وأما الرد ~~والمقابلة فلأنهم يطالبونك بأدلة العقول ويؤاخذونك بقوانين الجدل ولا ~~يقنعون منك بظواهر الأمور وسألتني أن أمدك بما يحضرني في نصرة الحق من علم ~~وبيان وفي رد مقالة هؤلاء القوم من حجة وبرهان وأن أسلك في ذلك طريقة لا ~~يمكنهم دفعها ولا يسوغ لهم من جهة العقل جحدها وإنكارها فرأيت إسعافك لازما ~~في حق الدين وواجب النصيحة لجماعة المسلمين فإن الدين النصيحة PageV07P279 ~~واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة الدين النصيحة الدين ~~النصيحة # قالوا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم # قال واعلم أن هذه الفتنة قد عمت اليوم وشملت وشاعت في البلاد واستفاضت ~~فلا يكاد يسلم من رهج غبارها إلا من عصمه الله وذلك مصداق قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قال ~~ثم إني تدبرت هذا الشأن فوجدت عظم السبب PageV07P280 ~~فيه أن الشيطان صار اليوم بلطيف حيلته يسول لكل من أحس من نفسه بزيادة فهم ~~وفضل ذكاء وذهن ويوهمه أنه إن ms1414 رضي في علمه ومذهبه بظاهر من السنة واقتصر ~~على واضح بيان منها كان أسوة للعامة وعد واحدا من الجمهور والكافة وأنه قد ~~ضل فهمه واضمحل لطفه وذهنه فحركهم بذلك على التنطع في النظر والتبدع ~~لمخالفة السنة والأثر ليبينوا بذلك عن طبقة الدهماء ويتميزوا في الرتبة عمن ~~يرونه دونهم في الفهم والذكاء فاختدعهم بهذه المقدمة حتى استزلهم عن واضح ~~المحجة وأورطهم في شبهات تعلقوا بزخارفها وتاهوا PageV07P281 ~~عن حقائقها ولم يخلصوا منها إلى شفاء نفس ولا قبلوها بيقين علم # قال ولما رأوا كتاب الله ينطق بخلاف ما انتحلوه ويشهد عليهم بباطل ما ~~اعتقدوه ضربوا بعض آياته ببعض وتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم واستوى ~~عندهم على ما وضعوه من أصولهم ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولسنته المأثورة عنه وردوها على وجوهها وأساءوا في نقلتها القالة ~~ووجهوا عليهم الظنون ورموهم بالتزيد ونسبوهم إلى ضعف المنة وسوء المعرفة ~~بما يروونه من الحديث والجهل بتأويله ولو سلكوا سبيل القصد ووفقوا عند ما ~~انتهى بهم التوقيف لوجدوا برد اليقين وروح القلوب ولكثرت البركة PageV07P282 ~~وتضاعف النماء وانشرحت الصدور ولأضاءت فيها مصابيح النور والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم # فهذا الذي وصفه الشيخ أبو سليمان الخطابي هو حال أهل الكلام الذين ~~يعارضون الكتاب والسنة بعقلهم فيتأولون الكتاب على غير تأويله ويردون ~~الحديث بما يمكنهم مثل زعمهم أنه خبر واحد وإن كان من المستفيضات المتلقاة ~~بالقبول ومثل غير ذلك من وجوه الرد لأن الأصول التي بنوا عليها دينهم تناقض ~~منصوص الكتاب والسنة كطريقة الأعراض والتركيب والاختصاص ونحو ذلك مما تقدم # وهم فيما خاضوا فيه من العقليات المعارضة للنصوص في حيرة وشبهة وشك من ~~كان منهم فاضلا ذكيا قد عرف نهايات أقدامهم كان في حيرة وشك ومن كان منهم ~~لم يصل إلى الغاية كان مقلدا لهؤلاء فهو يدع تقليد النبي المعصوم وإجماع ~~المؤمنين المعصوم ويقلد رؤوس الكلام المخالف للكتاب والسنة الذين هم في شك ~~وحيرة ولهذا لا يوجد أحد من هؤلاء إلا وهو إما ms1415 حائر شاك وإما متناقض يقول ~~قولا ويقول ما يناقضه فيلزم بطلان أحد القولين أو كلاهما لا يخرجون عن ~~الجهل البسيط مع كثرة النظر والكلام أو عن PageV07P283 ~~الجهل المركب الذي هو ظنون كاذبة وعقائد غير مطابقة وإن كانوا يسمون ذلك ~~براهين عقلية وأدلة يقينية فهم أنفسهم ونظراؤهم يقدحون فيها ويبينون أنها ~~شبهات فاسدة وحجج عن الحق حائدة # وهذا الأمر يعرفه كل من كان خبيرا بحال هؤلاء بخلاف أتباع الرسول صلى ~~الله عليه وسلم المتبعين له فإنهم ينكشف لهم أن ما جاء به الرسول هو ~~الموافق لصريح المعقول وهو الحق الذي لا اختلاف فيه ولا تناقض # قال تعالى { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا } سورة النساء 82 # فهؤلاء مثل نور الله في قلوبهم { كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم } سورة النور 35 نور الإيمان ~~ونور القرآن نور صريح المعقول ونور صحيح المنقول # كما قال بعض السلف يكاد المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر فإذا ~~جاء الأثر كان نورا على نور PageV07P284 # وقال غير واحد من الصحابة كجندب بن عبد الله وعبد الله بن عمر تعلمنا ~~الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا # قال تعالى { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير ~~الأمور } سورة الشورى 52 53 # وأما أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة فهم إما في الجهل البسيط وإما في ~~الجهل المركب كالكفار فالأولون { كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج ~~من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ms1416 ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور } سورة النور 40 # والآخرون { كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب } سورة النور 39 # فأهل الجهل والكفر البسيط لا يعرفون الحق ولا ينصرونه وأهل الجهل والكفر ~~المركب يعتقدون أنهم عرفوا وعلموا والذي معهم ليس بعلم بل جهل PageV07P285 # قال أبو سليمان الخطابي واعلم أن الأئمة الماضين والسلف المتقدمين لم ~~يتركوا هذا النمط من الكلام وهذا النوع من النظر عجزا عنه ولا انقطاعا دونه ~~وقد كانوا ذوي عقول وافرة وأفهام ثاقبة وقد كان وقع في زمانهم هذه الشبه ~~والآراء وهذه النحل والأهواء وإنما تركوا هذه الطريقة وأعرضوا عنها لما ~~تخوفوا من فتنتها وحذروه من سوء مغبتها وقد كانوا على بينه من أمرهم وعلى ~~بصيرة من دينهم لما هداهم الله له من توفيقه وشرح به صدورهم من نور معرفته ~~ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب وحكمته وتوقيف السنة وبيانها غناء ~~ومندوحة عما سواهما وأن الحجة قد وقعت بهما والعلة أزيحت بمكانهما فلما ~~تأخر الزمان بأهله وفترت عزائمهم في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة وقلت ~~عنايتهم واعترضهم الملحدون بشبههم والمتحذلقون بجدلهم حسبوا أنهم إن لم ~~يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط من الكلام ولم يدافعوهم بهذا النوع من الجدل ~~لم يقووا PageV07P286 ~~بهم ولم يظهروا في الحجاج عليهم فكان ذلك ضلة من الرأي وغبنا فيه وخدعة من ~~الشيطان والله المستعان # قلت هو كما قال أبو سليمان فإن السلف كانوا أعظم عقولا وأكثر فهوما وأحد ~~أذهانا وألطف إدراكا كما قال عبد الله بن مسعود من كان منكم مستنا فليستن ~~بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة ~~قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه ~~فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم # وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن خير قرون هذه الأمة ~~القرن الذي بعث فيهم ms1417 ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم # وأعظم الفضائل فضيلة العلم والإيمان فهم أعلم الأمة باتفاق علماء الأمة ~~ولم يدعوا الطرق المبتدعة المذمومة عجزا عنها بل كانوا كما قال عمر بن عبد ~~العزيز على كشف الأمور أقوى وبالخير لو كان في تلك الأمور أحرى PageV07P287 # وقول الخطابي تركوا هذه الطريقة وأضربوا عنها لما تخوفوه من فتنتها ~~وحذروه من سوء مغبتها فسنبين إن شاء الله أن تلك الطرق المخالفة للسنة هي ~~في نفسها باطلة فأضربوا عنها كما يضرب عن الكذب والقول الباطل وإن كان ~~مزخرفا مزينا ولم يستجيزوا أن يقابلوا الفاسد بالفاسد ويردوا البدعة ~~بالبدعة وأما الكلام الذي لا يدرى أصدق هو أم كذب فهو بمنزلة الشاهد الذي ~~لا يعلم صدقه فهذا قد يعرض عنه خوفا أن يكون باطلا وكذبا فهذا يكون في ~~الطرق المجهولة الحال # ولا ريب أن كثيرا من الناس لا يعلم أحق هي أم باطل فينهى عن القول بما لا ~~يعلم وقد ينهى بعض الناس عن أن ينظر فيما يعجز عن فهمه ومعرفة الحق فيه من ~~الباطل خوفا من أن يزل ذهنه فيضل ولا يمكن هداه فالخوف يكون فيما لا يعلم ~~حاله او لا يعلم حال سالكه وإن كان حقا وأما الكلام المخالف للنصوص فهو في ~~نفسه باطل فالنهي عنه كالنهي عن الكذب والكفر ونحو ذلك # وقوله وقد كانوا على بينة من أمرهم وعلى بصيرة من دينهم لما هداهم الله ~~له من توفيقه وشرح به صدورهم من نور معرفته PageV07P288 # فهذا بيان لأنهم كانوا أهل علم ويقين لا أهل جهل وتقليد وأنه حصل لهم ~~معرفة يقينية ضرورية بهدى الله لهم وشرح صدورهم كما قد بسط هذا في غير هذا ~~الموضع وبين أن الإيمان والعلم لا يتوقف على النظر الذي أحدثه أهل الكلام ~~فضلا عن الكلام المخالف للنصوص # وقوله ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب والسنة غنى ومندوحة عما سواهما # فهذا لأن الكتاب والسنة قد بين الحق وبين الطرق التي بها يعرف الحق وذكر ~~من الأدلة العقلية والأمثال المضروبة التي هي ms1418 مقاييس برهانية ما هو اكمل في ~~تحصيل العلم واليقين مما أحدثه أهل البدع من أهل الكلام والفلسفة # وليس هدى الكتاب بمجرد كونه خبرا كما يظنه بعضهم بل قد نبه وبين ودل على ~~ما به يعرف الحق من الباطل من الأدلة والبراهين وأسباب العلم واليقين كما ~~قد بسط هذا في غير هذا الموضع # وما ذكره من أنه لما تأخر الزمان وفترت عزائم بعض الناس عن طلب حقائق ~~علوم الكتاب والسنة أخذوا يردون شبه الملحدين PageV07P289 ~~بالكلام المبتدع المستلزم مخالفة النصوص فهو كما قال وقد تأملت هذا في عامة ~~الأبواب فوجدته كذلك بل وجدت جميع أهل البدع يلزمهم أن لا يكونوا مصدقين ~~بتنزيل القرآن ولا بتفسيره وتأويله في كثير من الأمور والعلم والإيمان ~~يتضمن التصديق بالتنزيل وما دل عليه من التأويل وما من بدعة من بدع الجهمية ~~وفروعهم إلا وقد قالوا في القرآن بما يقدح في تنزيله وقالوا في معانيه بما ~~يقدح في تفسيره وتأويله # فمن تأمل طرق المعتزلة ونحوهم التي ردوا بها على أهل الدهر والفلاسفة ~~ونحوهم فيما خالفوا فيه المسلمين رآهم قد بنوا ما خالفوا فيه النصوص على ~~أصول فاسدة في العقل لا قطعوا بها عدو الدين ولا أقاموا على موالاة السنة ~~واتباع سبيل المؤمنين كما فعلوه في دليل الأعراض والتركيب والاختصاص # وكذلك من ناظرهم من الكلابية وغيرهم فيما خالفوا فيه السنة من مسائل ~~الصفات والقدر وغير ذلك بنوا كثيرا من الرد عليهم على أصول فاسدة إما أصول ~~وافقوهم عليها مما أحدثه أولئك كموافقة من وافقهم على دليل الأعراض ~~والتركيب ونحوهما وإما أصول عارضوهم بها فقابلوا الباطل بالباطل كما فعلوه ~~في مسائل القدر والوعد والوعيد ومسائل الأسماء والأحكام فإن أولئك كذبوا ~~بالقدر وأوجبوا إنفاذ الوعيد وقاسوا الله بخلقه فيما يحسن ويقبح وهؤلاء ~~أبطلوا حكمه الله PageV07P290 ~~تعالى وحقيقة رحمته وعدله وقالوا ما يقدح في أمره ونهيه ووعده ووعيده ~~وتوقفوا في بعض أمره ونهيه ووعده ووعيده فصار أولئك يكذبون بقدرته وخلقه ~~ومشيئته وهؤلاء يكذبون برحمته وحكمته وببعضه أمره ونهيه ووعده ووعيده كما ~~قد ms1419 بسط في موضعه # فكان ما دفعوا به أهل البدع من أصول مبتدعة باطلة وافقوهم عليها أو أصول ~~مبتدعة باطلة قاتلوهم فيها ضلة من الرأي وغبنا فيه وخدعة من الشيطان بل ~~الحق أنهم لايوافقون على باطل ولايقابلهم باطلهم بباطل # وهذا كما أصاب كثيرا من الناس من أهل العبادة والزهد والتصوف والفقر ~~أعرضوا عن السماع الشرعي والزهد الشرعي والسلوك الشرعي فاحتاجوا أن يعتاضوا ~~عن ذلك بسماع بدعي وزهد بدعي وسلوك بدعي يوافق فيه بعضا بعضا في باطل أو ~~يقابل باطلهم بباطل آخر وكما أصاب كثيرا من الناس مع الولاة الذين أحدثو ~~الظلم فإنهم تارة يوافقونهم على بعض ظلمهم فيعاونونهم على الإثم والعدوان ~~وتارة يقابلون ظلمهم بظلم آخر فيخرجون عليهم PageV07P291 ~~ويقاتلونهم بالسيف وهو قتال الفتنة فمن الناس من يوافق على الظلم ولا يقابل ~~الظلم مثل ما كان بعض أهل الشام ومنهم من كان يقابله بالظلم والعدوان ولا ~~يوافق على حق ولا على باطل كالخوارج ومنهم من كان تارة يوافق على الظلم ~~وتارة يدفع الظلم بالظلم مثل حال كثير من أهل العراق # وكثير من الناس مع أهل البدع الكلامية والعملية بهذه المنزلة إما أن ~~يوافقوهم على بدعهم الباطلة وإما أن يقابلوها ببدعة أخرى باطلة وإما أن ~~يجمعوا بين هذا وهذا وإنما الحق في أن لا يوافق المبطل على باطل أصلا ولا ~~يدفع باطله بباطل أصلا فيلزم المؤمن الحق وهو ما بعث الله به رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ولا يخرج عنه إلى باطل يخالفه لا موافقة لمن قاله ولا ~~معارضة بالباطل لمن قال باطلا وكلا الأمرين يستلزم معارضة منصوصات الكتاب ~~والسنة بما يناقض ذلك وإن كان لا يظهر ذلك في بادي الرأي # قال أبو سليمان فإن قال هؤلاء القوم فإنكم قد أنكرتم الكلام PageV07P292 ~~ومنعتم استعمال أدلة العقول فما الذي تعتمدون عليه في صحة أصول دينكم ومن ~~أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه وأن ~~الرسول لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقول وأنتم قد نفيتموها # قال أبو سليمان قلنا ms1420 إنا لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف ~~ولكنا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال ~~بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها على حدث العالم وإثبات الصانع ~~ونرغب عنها إلى ما هو أوضح بيانا وأصح برهانا وإنما هو شيء أخذتموه عن ~~الفلاسفة وتابعتموهم عليه وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون ~~النبوات ولا يرون لها حقيقة فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه ~~الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء فأما مثبتوا النبوات فقد ~~أغناهم الله عز وجل عن ذلك وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريقة ~~المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها PageV07P293 ~~والإيداع والانقطاع على سالكها # قلت وهذا الذي ذكره الخطابي يبين أن طريقة الأعراض من الكلام المذموم ~~الذي ذمه السلف والأئمة وأعرضوا عنه كما ذكر ذلك الأشعري وغيره وأن الذين ~~سلكوها سلكوها لكونهم لم يسلكوا الطرق النبوية الشرعية فمن لم يسلك الطرق ~~الشرعية احتاج إلى الطرق البدعية بخلاف من أغناه الله بالكتاب والحكمة # والخطابي ذكر أن هذه الطريقة متعبة مخوفة فسالكها يخاف عليه أن يعجز أو ~~أن يهلك وهذا كما ذكره الأشعري وغيره ممن لم يجزموا بفساد هذه الطريقة ~~وإنما ذموها لكونها بدعة أو لكونها صعبة متعبة قد يعجز سالكها أو لكونها ~~مخوفة خطرة لكثرة شبهاتها # وهكذا ذكر الخطابي في كتاب شعار الدين ما يتضمن هذا المعنى ولهذا كان من ~~لم يعلم بطلان هذه الطريقة أو اعتقد صحتها قد يقول ببعض موجباتها كما يقع ~~مثل ذلك في كلام الخطابي وأمثاله مما يوافق موجبها وقد أنكره عليه أئمة ~~السلف والعلم كما هو مذكور في غير هذا الموضع وهذا قد وقع فيه طوائف من ~~أصناف الناس من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم PageV07P294 # وأما قوله إنهم أخذوا هذه الطريقة من الفلاسفة كما ذكر ذلك الأشعري # فيقال كثير من الفلاسفة يبطل هذه الطريقة كأرسطو وأتباعه فلم يوجد عنهم ~~ومن الفلاسفة من يقول بها والذين قالوا بها من أهل الكلام ليس كلهم أخذها ms1421 ~~عن الفلاسفة بل قد تتشابه القلوب # كما قال تعال { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم } سورة ~~البقرة 118 # وقال تعالى { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون } سورة الذاريات 52 53 # وأكثر المتكلمين السالكين لها مناقضون للقول المشهور عن الفلاسفة لا ~~موافقون لهم بل يردون على أرسطو وأصحابه في المنطق والطبيعيات والإلهيات # قال الخطابي وبيان ما ذهب إليه السلف من أئمة المسلمين في الاستدلال على ~~معرفة الصانع وإثبات توحيده وصفاته وسائر ما ادعى أهل الكلام تعذر الوصول ~~إليه إلا من الوجه الذي يذهبون إليه ومن الطريقة التي يسلكونها ويزعمون أن ~~من لم يتوصل PageV07P295 ~~إليه من تلك الوجوه كان مقلدا غير موحد على الحقيقة هو أن الله سبحانه لما ~~أراد إكرام من هداه لمعرفته بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بشيرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # وقال له { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته } سورة المائدة 67 # وقال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع وفي مقامات شتى وبحضرته عامة ~~أصحابه ألا هل بلغت # وكان الذي أنزل عليه من الوحي وأمر بتبليغه هو كمال الدين وتمامه لقوله ~~تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } سورة المائدة 3 فلم ~~يترك صلى الله عليه وسلم شيئا من أمور الدين قواعده وأصوله وشرائعه وفصوله ~~إلا بينه وبلغه على كماله وتمامه ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه إذ لا ~~خلاف بين فرق الأمة أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال ومعلوم أن ~~أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدا في كل وقت وزمان ~~ولو أخر عنه البيان لكان التكليف واقعا بما لا سبيل PageV07P296 ~~للناس إليه وذلك فاسد غير جائز وإذا كان الأمر على ما قلناه وقد علم يقينا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعهم في أمر التوحيد إلى الاستدلال ms1422 ~~بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها إذ لا يمكن واحدا من الناس أن ~~يروى عنه ذلك ولا عن أحد من أصحابه من هذا النمط حرفا واحدا فما فوقه لا من ~~طريق تواتر ولا آحاد علم أنهم قد ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء وسلكوا غير طريقتهم ~~ولو كان في الصحابة قوم يذهبون مذاهب هؤلاء في الكلام والجدل لعدوا من جملة ~~المتكلمين ولنقل إلينا أسماء متكلميهم كما نقل إلينا أسماء فقهائهم وقرائهم ~~وزهادهم فلما لم يظهر ذلك دل على أنه لم يكن لهذا الكلام عندهم أصل # قال الخطابي وإنما ثبت عندهم أمر التوحيد من وجوه أحدها ثبوت النبوة ~~بالمعجزات التي أوردها نبيهم من كتاب قد أعياهم أمره وأعجزهم شأنه وقد ~~تحداهم به وبسورة من مثله PageV07P297 ~~وهم العرب الفصحاء والخطباء والبلغاء فكل عجز عنه ولم يقدر على شيء منه ~~بوجه إما بأن لا يكون في قولهم ولا في طباعهم أن يتكلموا بكلام يضارع ~~القرآن في جزالة لفظه وبديع نظمه وحسن معانيه وإما أن يكون ذلك في وسعهم ~~وتحت قدرهم طبعا وتركيبا ولكن منعوه وصرفوا عنه ليكون آية لنبوته وحجة ~~عليهم في وجوب تصديقه وإما أن يكونوا إنما عجزوا عن علم ما جمع في القرآن ~~من أنباء ما كان والإخبار عن الحوادث التي تحدث وتكون وعلى الوجوه كلها ~~فالعجز موجود والانقطاع حاصل هذا إلى ما شاهدوه من آياته وسائر معجزاته ~~المشهودة عنه الخارجة عن سوم الطباع الناقضة للعادات كتسبيح الحصا في كفه ~~وحنين الجذع لمفارقته ورجف الجبل تحته وسكونه لما ضربه برجله وانجذاب ~~الشجرة بأغصانها وعروقها إليه وسجود البعير له ونبوع PageV07P298 ~~الماء من بين أصابعه حتى توضأ به بشر كثير وربو الطعام اليسير بتبريكه فيه ~~حتى أكل منه عدد جم وإخبار الذراع إياه بأنها مسمومة وأمور كثيرة سواها ~~يكثر تعدادها هي مشهورة ومجموعة في الكتب التي أنشئت لمعرفة هذا الشأن # قال الخطابي فلما استقر ما شاهدوه من هذه الأمور في نفوسهم وثبت ذلك في ~~عقولهم صحت عندهم نبوته وظهرت عن غيره بينونته ووجب تصديقه على ما ms1423 أنبأهم ~~عنه من الغيوب ودعاهم إليه من أمر وحدانية الله عز وجل وأمر صفاته وإلى ذلك ~~ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة ودلائل الحكمة ~~الشاهدة على أن لها صانعا حكيما عالما خبيرا تام القدرة بالغ الحكمة وقد ~~نبههم الكتاب عليه ودعاهم إلى تدبره وتأمله والاستدلال به على ثبوت ربوبيته ~~فقال عز وجل { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } سورة الذاريات 21 إشارة إلى ما ~~فيها من آثار الصنعة ولطيف الحكمة الدالين على وجود الصانع PageV07P299 ~~الحكيم لما ركب فيها من الحواس التي عنها يقع الإدراك والجوارح التي يباشر ~~بها القبض والبسط والأعضاء المعدة للأفعال التي هي خاصة بها كالأضراس ~~الحادثة فيهم عند استغنائهم عن الرضاع وحاجتهم إلى الغذاء فيقع بها الطحن ~~له وكالمعدة التي اتخذت لطبخ الغذاء والكبد التي يسلك إليها صفاوته وعنها ~~يكون انقسامه على الأعضاء في مجاري العروق المهيأة لنفوذه إلى أطراف البدن ~~وكالأمعاء التي يرسب إليها تفل الغذاء وطحانه فيبرز عن البدن # وكقوله تعالى { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت ~~وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت } سورة الغاشية 17 20 # وكقوله تعالى { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات ~~لأولي الألباب } سورة آل عمران 190 # وما أشبه ذلك من جلال الأدلة وظواهر الحجج التي يدركها كافة ذوي العقول ~~وعامة من يلزمه حكم الخطاب مما PageV07P300 ~~يطول تتبعه واستقراؤه فعن هذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه ثم بينوا ~~وحدانيته وعلمه وقدرته بما شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة واطرادها في ~~سبلها وجريها على ادلالها ثم علموا سائر صفاته توقيفا عن الكتاب المنزل ~~الذي بان حقه وعن قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي قد ظهر صدقه ثم تلقى ~~جملة أمر الدين عنهم أخلافهم وأتباعهم كافة عن كافة قرنا بعد قرن فتناولوا ~~ما سبيله الخبر منها تواترا واستفاضة على الوجه الذي تقوم به الحجة وينقطع ~~فيها العذر ثم كذلك من بعدهم عصرا بعد عصر إلى آخر من تنتهي إليه الدعوة ms1424 ~~وتقوم عليه بها الحجة فكان ما اعتمده المسلمون من الاستدلال في ذلك أصح ~~وأبين وفي التوصل إلى المقصود به أقرب إذ كان التعلق في أكثره إنما هو ~~بمعاني درك الحس وبمقدمات من العلم مركبة PageV07P301 ~~عليها لا يقع الخلف في دلالتها # قلت ذكر الخطابي طريقين إلى معرفة الله وصفاته طريقا سمعية وطريقا عقلية ~~وكلاهما طريق شرعية معروفة بالقرآن أما الأولى فهو أن تعلم نبوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم بما أظهره الله على يديه من المعجزات وبغير ذلك ثم يعرفون ~~بذلك ما أخبرهم به ودعاهم إليه من التوحيد وإثبات الصفات وهذا لأن نفس ~~الإقرار بالصانع سبحانه فطري ضروري أو معلوم بأدنى نظر وتأمل يحصل لعموم الخلق # ثم معرفة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم تعلم بما أظهره من المعجزات ~~الدالة على صدق الرسول وقد نبه الخطابي أن فيما جاء به الرسول من بيان ~~الطرق العقلية التي يعرف بها ثبوت الخالق وتوحيده وصفاته فإن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن تعريفه للناس ما عرفهم إياه بمجرد خبره وإن كان ذلك ~~بعد ثبوت صدقه كما يظنه كثير من أهل الكلام بل عرفهم ما به يعرف ثبوت ~~الخالق ووحدانيته وصفاته وما به يعرف صدقه فبين أن ما جاء به من أصول PageV07P302 ~~الدين وأدلته العقلية التي يعلم بها ما يمكن معرفته بالعقل وأخبرهم عن ~~الغيب الذي لا يمكنهم معرفته بمجرد عقلهم # ولهذا قال الخطابي وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من ~~آثار الصنعة ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعا حكيما عالما خبيرا تام ~~القدرة بالغ الحكمة # قال وقد نبههم الكتاب عليه ودعاهم إلى تدبره وتأمله والاستدلال به على ~~ثبوت ربوبيته فقال عز وجل { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } سورة الذاريات 21 # إلى قوله وما أشبه ذلك من جلال الأدلة وظواهر الحجج التي يذكرها كافة ذوي ~~العقول وعامة من يلزمه حكم الخطاب مما يطول تتبعه واستقراؤه فعن هذه الأمور ~~ثبت عندهم أمر الصانع وكونه ثم بينوا وحدانيته وعلمه وقدرته بما شاهدوه من ms1425 ~~اتساق أفعاله على الحكمة واطرادها في سبلها وجريها على إدلالها ثم علموا ~~سائر صفاته توقيفا عن الكتاب إلى آخر كلامه # وهذا مما اعترف به النظار من جميع الطوائف من المعتزلة والأشعرية ~~والكرامية وغيرهم كما قال القاضي عبد الجبار في أول كتابه المصنف في تثبيت ~~نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم قال الحمد لله PageV07P303 ~~الذي من على عباده بإرسال رسله وختمهم بسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~فأرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وإنما يعرف ~~الرسول من عرف المرسل وقد حصل لك العلم به تبارك وتعالى بما في كتاب ~~المصباح وغيره وأجلها وأعظمها وأوضحها وأبينها ما في القرآن مما نبه الله ~~عليه وجعله في عقول العقلاء فينبغي أن يراعيه ويديم النظر فيه ويواصل الفكر ~~في آيات الله ويعتبر بالنقل والاعتبار تنال المعرفة # وكذلك قال الأشعري في كتابه المشهور المعروف باللمع لما ذكر خلق الإنسان ~~واستدل به على الخالق تعالى كما قد حكينا كلامه وذكرنا كلامه وكلام القاضي ~~أبي بكر عليه وأن كلامه أجود مع أنه جعل الإنسان مما يستدل على خلق جواهره ~~بأنها لا تخلو من الحوادث بناء على أن الحدوث المشهود إنما هو حدوث الأعراض ~~كالتأليف والتركيب وهو المراد بالخلق بناء على ثبوت الجوهر الفرد # وهذا وإن كان ضعيفا وأكثر علماء المسلمين ينازعون في هذا فالمقصود أنه ~~استدل بالخلق على الخالق قال القاضي أبو بكر ثم قال أبو الحسن مؤيدا لما ~~ذكره من حدوث الإنسان وحدوث تصويره PageV07P304 ~~وتعلقه بخالق خلقه ومدبر دبره وقد قال تعالى { أفرأيتم ما تمنون أأنتم ~~تخلقونه أم نحن الخالقون } سورة الواقعة 58 59 فما استطاعوا بحجة أن يقولوا ~~إنهم يخلقون مع تمنيهم الولد فلا يكون ومع كراهتهم له يكون قال وقال تنبيها ~~لخلقه على وحدانيته { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } سورة الذاريات 21 فبين لهم ~~عجزهم وفقرهم إلى صانع صنعهم ومدبر دبرهم # قال القاضي أبو بكر واعلموا أن الغرض بذكر هاتين الآيتين الإخبار عن الله ~~في نص كتابه بما دلهم العقول عليه ms1426 وتقريبه والتنبيه على موضع الاستدلال به ~~من جهة السمع ليكون المرء عند سماعه أقرب إلى العلم بإدراك ما يلتمس علمه ~~وترتيب ما النظر فيه على حقه وموجبه وأن يجمع لأهل التوحيد المقرين بالسمع ~~بين دلائل العقول وتنبيه السمع عليها وأن النظر في مقدورات الله والاعتبار ~~بها طريقا إلى العلم بصانعها المدبر لها والخالق لأعيانها # قال وأما وجه التنبيه من قوله { أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون } PageV07P305 ~~سورة الواقعة 58 59 فهو أن من سبيل الخالق المنشىء أن يكون ما خلقه واقعا ~~بقصده وإرادته وأن يجد نفسه قادرة عليه وعلى إيجاد عينه إن كان مخترعا له ~~أو على تصويره وتخطيطه إن كان الخلق تصويرا وتقديرا # قال وإذا ثبتت هذه الجملة وعلمنا أن وجود الولد بوجود بنيته وهيئته وليس ~~بمقصور على إرادة الوالد ولا مما يجد في نفسه القدرة عليه ثبت بذلك أن ~~الولد المخلوق ليس من فعل الوالد على سبيل المباشرة ولا على جهة التولد عن حركاته # قال وأما وجه التنبيه من قوله { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } سورة الذاريات ~~21 رده لهم إلى الاعتبار في أحوالهم وتنقلهم من حال إلى حال ومن تركيب إلى ~~تركيب وعجيب ما قد فعل بذواتهم من التصوير والتأليف وخلق الحواس ومواضعها ~~وتركيب كل عضو من أعضائهم على صفة ما يحتاج إلى استعماله فيه من اليد للبطش ~~والرجل للمشي وغير ذلك من جوارحهم وما يتجدد في أنفسهم من الحوادث التي لم ~~تكن ويزول عنهم من الأمور التي يؤثرون استدامتها مع علمهم بأن الصورة لا بد ~~لها من مصور وأن التأليف للدار والكتابة وضروب المنسوجات والمصنوعات لا بد ~~لها في عقولهم من صانع مؤلف وأن التغير في صفاته مع جواز بقائه على ما يعبر ~~عنه لا بد له من ناقل نقله ومغير غيره وأنهم يجب أن يعلموا بذلك أن تصوير ~~الإنسان وتغيره في الأحوال التي ذكرها أولى أن يتعلق بمصور صوره وناقل نقله ~~وغيره من تركيب إلى تركيب وحال إلى PageV07P306 ~~حال أن الإنسان أقرب إلى علم ms1427 هذا بالتنبيه من ناحية السمع عليه وأجدر أن ~~يتحقق علم ما فيه وإن كان لو أفرد بعقله وأحيل على صحيح نظره لقال بما نبه ~~السمع على مواضعه وإن احتاج في ذلك إلى فضل فكر بالكد والروية وإتعاب النفس ~~في طلب الحق # قال فهذا وجه التنبيه مما تلاه من التنزيل # وذكر في التوحيد والمعاد نحوا من ذلك بخلاف نفي التشبيه فإنه جعله من باب ~~ما دل القرآن عليه بالخبر # وأما ما ذكره هو وغيره من أنهم عرفوا صدق الرسول بالمعجزات ابتداء فهذا ~~يكون على وجهين أحدهما أنهم عرفوا إثبات الخالق بالضرورة ثم عرفوا صدق ~~الرسول بالمعجزات # والثاني أن يقال نفس ظهور المعجزات دلت على إثبات الخالق وعلى صدق رسوله ~~كما كان إظهار موسى للآيات مثل العصا واليد دليلا على الصانع وعلى صدق الرسول # ولهذا لما قال له فرعون { لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ~~سورة الشعراء 29 قال له موسى { أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من ~~الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين } ~~سورة الشعراء 31 33 # فأظهر موسى هذه الآيات لما قال له فرعون { لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك ~~من المسجونين } فدل ذلك على أنه أظهرها لإثبات PageV07P307 ~~العلم بالصانع ولصدق الرسول والأدلة الدالة على صدق الرسول كثيرة مبسوطة في ~~غير هذا الموضع وبنبوته يستدل على تفصيل صفات الله وأسمائه وعلى توحيده ~~الذي هو عبادته وحده لا شريك له وهو توحيد الإلهية وكذلك على توحيد ~~الربوبية # فكلا نوعي التوحيد مما يمكن علمه بالسمع وهذا مما اعترف به غير واحد من ~~حذاق النظار وقالوا إنه يمكن العلم بصدق الرسول قبل العلم بالوحدانية مع أن ~~الخطابي أراد والله أعلم بعلم التوحيد علم صفات الرب سبحانه وأسمائه فإنهم ~~يسمون ذلك علم التوحيد وذلك مما يمكن معرفته بالشرع فإنه يعلم بالفطرة ~~وبالعقل إثبات الصانع على طريق الإجمال وأما تفصيل صفاته وأسمائه فتعلم بالسمع # وأيضا فإذا عرف أن العلوم الإلهية حقيقتها موجودة عند الأنبياء عليهم ms1428 ~~السلام فإنهم الصادقون المصدوقون فيما يخبرون به من ذلك وأن الواجب تلقى ~~ذلك عنهم كان العلم بأن هذا يستفاد من الرسول يمكن إثباته بما يعلم أنه ~~رسول وإذا علم أنه رسول تعلم منه هذا PageV07P308 ~~المطلوب كما إذا عرف أن علاج المرضى يؤخذ من الأطباء والاستفتاء يرجع فيه ~~إلى المفتين وأمر التقويم يرجع فيه إلى المقومين فإذا عرف أن هذا طبيب أو ~~مفت أو مقوم رجع إليه في ذلك # وهذا مبسوط في غير هذا الموضع وبين أن العلم بصدق النبي صلى الله عليه ~~وسلم له طرق متعددة فمن ادعى من المتكلمين المعتزلة والجهمية وموافقيهم أنه ~~لا يمكن العلم بصدقه إلا بعد العلم بحدوث الأجسام وأن ذلك لا يعلم إلا ~~بطريقة الأعراض فقوله خطأ مبتدع وهو الذي ذكر الخطابي أنه لم يسلك أحد من ~~السلف هذه الطريق # وأما الطريق العقلية التي ذكرها فهي طريق دل عليها القرآن وأرشد إليها ~~ونبه عليها وهي الاستدلال بما يجدونه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار ~~الصنعة ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعا حكما عالما خبيرا إلى قوله ~~فعن هذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه ثم تبينوا وحدانيته وعلمه ~~وقدرته بما PageV07P309 ~~شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة واطرادها في سبلها وجريها على إدلالها # وهذا لأن الفعل الواحد المتسق المنتظم لا يكون عن اثنين ولا يكون إلا عن ~~عالم قادر كما بين في غير هذا الموضع # فهذه الصفات ونحوها مما يعلم بالعقل قال ثم علموا سائر صفاته توقيفا عن ~~الكتاب المنزل وهذه كالصفات الخبرية مثل الوجه واليدين والاستواء على العرش ~~ونحو ذلك # قال الخطابي فأما الإعراض فإن التعلق بها إما أن يكون عذرا وإما أن يكون ~~تصحيح الدلالة من جهتها عسرا متعذرا وذلك أن اختلاف الناس قد كثر فيها فمن ~~قائل لا عرض في الدنيا ناف لوجود الأعراض أصلا وقائل إنما هي قائمة بأنفسها ~~لا تخالف الجواهر في هذه الصفة إلى غير ذلك من الاختلاف فيها وأوردوا في ~~نفيها شبها قوية فالاستدلال بها والتعلق بأدلتها ms1429 لا يصح إلا بعد التخلص من ~~تلك الشبه والانفكاك عنها والطريقة التي PageV07P310 ~~سلكناها سليمة من هذه الآفات برية من هذه العيوب فقد بان ووضح فساد قول من ~~زعم وادعى من المتكلمين أن من لم يتوصل إلى معرفة الله تعالى وتوحيده من ~~الوجه الذي يصححونه من الاستدلال فإنه غير موحد في الحقيقة لكنه مستسلم ~~مقلد وأن سبيله سبيل الذرية في كونها تبعا للآباء في الإسلام وثبت أن قائل ~~هذا القول مخطىء وبين يدي الله ورسوله متقدم وبعامة الصحابة وجمهور السلف ~~مزر وعن طريق السنة عادل وعن نهجها ناكب # قلت وهذا الذي ذكره الخطابي بين ظاهر بتقدير أن تكون تلك الطريق صحيحة في ~~نفسها موصلة إلى العلم فإن سلوكها والحال هذه إما غرر وخطر وإما مشق صعب بل ~~معجوز عنه فإنها تحتاج إلى تصحيح مقدمات كثيرة دقيقة متنازع فيها وقد لا ~~تثبت للإنسان فيضل عنها فكانت بمنزلة من يريد الحج من طريق بعيدة مخوفة ~~يمكن سالكها أن يصل بعد جهد ومشقة ويمكن أن PageV07P311 ~~ينقطع فمثل هذه الطريق قد يعجز صاحبها وقد يضل بعد جهد ومشقة عظيمة إذا لم ~~يكن فيها مخوف وإذا كان فيها مخوف فقد يهلك قبل الوصول # ومعلوم أن من عدل إلى هذه الطريق وترك الطريق المستقيمة الواضحة الآمنة ~~الميسرة كان ظلوما جهولا # وأما بتقدير أن تكون طريقا فاسدة كما يعرفه من عرف حقيقتها فإنها إما أن ~~لا توصل إلى مطلوب لأن النظر في الدليل الفاسد يستلزم الجهل المركب لا ~~محالة بل قد لا يحصل معه لا علم ولا جهل وهذا حال كثير من حذاق النظار ~~الذين سلكوها وإما أن توصل إلى نقيض الحق إذا اعتقد سالكها صدق بعض ~~مقدماتها الكاذبة وهذه حال كثير ممن اعتقد صحتها وعارض بموجبها صحيح ~~المنقول وصريح المعقول # وهي حال أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم على مقتضاها فإنها ~~منشأ ضلال ما شاء الله تعالى من طوائف أهل الكلام كما قد بسط هذا في غير ~~هذا الموضع فالأولون يبقون في الجهل البسيط وهؤلاء يصيرون ms1430 في الجهل المركب PageV07P312 # قال الخطابي فهذا قولهم ورأيهم في عامة السلف وجمهور الأئمة وفقهاء الخلف ~~فلا تشتغل رحمك الله بكلامهم ولا تغتر بكثرة مقالاتهم فإنها سريعة التهافت ~~كثيرة التناقض وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازنه ~~أو يقاربه فكل بكل معارض وبعض ببعض مقابل وإنما يكون تقدم الواحد منهم ~~وفلجه على خصمه بقدر حظه من البيان وحذقه في صنعه الجدل والكلام وأكثر ما ~~يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول مؤصلة لهم ~~ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم فهم يطالبونهم بقودها وطردها فمن تقاعد ~~عن شيء منها سموه من طريق الجدل منقطعا وجعلوه مبطلا وحكموا بالفلج لخصمه ~~عليه والجدل لا يبين به حق ولا تقوم به حجة وقد يكون الخصمان على مقالتين ~~مختلفتين كلتاهما باطل ويكون الحق في ثالثة غيرهما فمناقضة أحدهما صاحبه ~~غير مصحح مذهبه وإن PageV07P313 ~~كان مفسدا به قول خصمه لأنهما مجتمعان معا في الخطأ مشتركان فيه كقول ~~الشاعر فيهم # % حجج تهافت كالزجاج تخالها % حقا وكل كاسر مكسور % # وإنما كان الأمر كذلك لأن واحدا من الفريقين لا يعتمد في مقالتها التي ~~ينصرها أصلا صحيحا وإنما هي أوضاع تتكافأ وتتقابل فيكثر المقال ويدوم ~~الاختلاف ويقل الصواب # قال الله تعالى { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ~~سورة النساء 82 فأخبر سبحانه أن ما كثر فيه الاختلاف فليس من عنده وهذا من ~~أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة لكثرة ما يوجد فيها من ~~الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل وذلك صفة الباطل الذي أخبر الله عنه PageV07P314 # ثم قال سبحانه في صفة الحق { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق } سورة الأنبياء 18 # قال الخطابي فإن قيل دلائل النبوة ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~عدا القرآن إنما نقلت إلينا من طريق الآحاد دون التواتر والحجة لا تقوم ~~بنقل الآحاد على من كان في الزمان المتأخر لجواز وقوع الغلط فيها واعتراض ~~الآفات من الكذب ms1431 وغيره عليها قيل هذه الأخبار وإن كانت شروط التواتر في ~~آحادها معدومة فإن جملتها راجعة من طريق المعنى إلى التواتر ومتعلقة به ~~جنسا لأن بعضها يوافق بعضا ويجانسه إذ كل ذلك واقع تحت الإعجاز والأمر ~~المزعج للخواطر الناقض لمجرى العادات # قال ومثال ذلك أن يروي قوم أن حاتم طي وهب لرجل مائة PageV07P315 ~~من الإبل ويروي آخرون أنه وهب لرجل آخر ألفا من الغنم ويروي آخرون أنه وهب ~~لآخر عشرة أرؤس من الخيل والرقيق إلى ما يشبه ذلك حتى يكثر عدد ما يروى عنه ~~فهو وإن لم يثبت التواتر في كل واحد منها نوعا نوعا فقد ثبت التواتر في ~~جنسها وحصل من جملتها العلم بأن حاتما سخي كذلك هذه الأمور وإن لم يثبت ~~لأفراد أعيانها تواتر فقد ثبت برواية الجم الغفير الذي لا يحصى عددهم ولا ~~يتوهم التواطؤ في الكذب عليهم أنه قد جاء بمعنى معجز للبشر خارج عما في ~~قدرهم فصح بذلك أمر نبوته # وقال الخطابي أيضا فيما ألحقه بكتاب شعار الدين وبراهين المسلمين الكلام ~~المكروه الذي زجر عنه العلماء وعابوه هو التجرد PageV07P316 ~~في مذهب الكلام والتعمق فيه على الوجه الذي يذهب إليه المتكلمون وذلك أنهم ~~ادعوا الوقوف على حقائق الأمور من جهة العقول وزعموا أن شيئا من المعلومات ~~لا يذهب عليهم علمه ولا يعجزهم إدراكه على سبيل التحديد والتحقيق # قلت هذا هو حقيقة قول من لم يجعل السمعيات تفيد العلم إنما يحصل العلم ~~عنده من جهة العقل فقط وقول من يظن أنه بمجرد عقله يعرف ما جاءت به الشرائع # ولهذا قال الإمام أحمد في أول رسالته في السنة التي رواها عنه عبدوس بن ~~مالك العطار ليس في السنة قياس ولا يضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول فبين ~~أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يعارض بضرب الأمثال له ~~ولا يدركه كل أحد بقياس ولا يحتاج أن يثبته بقياس بل هو ثابت بنفسه وليس كل ~~ما ثبت يكون له نظير وما لا نظير له لا ms1432 قياس فيه فلا يحتاج المنصوص خبرا ~~وأمرا إلى قياس بخلاف من أراد أن ينال كل ما جاءت به الرسل بعقله ويتلقاه ~~من طريق القياس PageV07P317 ~~كالقياس العقلي المنطقي وهو قياس الشمول أو قياس التمثيل ونحو ذلك فإن كلا ~~من هذا وهذا يسمى قياسا # وقد تنازع الناس في اسم القياس هل هو حقيقة في قياس التمثيل مجاز في قياس ~~الشمول كما يقوله أبو حامد الغزالي وأبو محمد المقدسي وغيرهما أو هو حقيقة ~~في قياس الشمول مجاز في قياس التمثيل كما يقوله أبو محمد بن حزم وغيره أو ~~القياس حقيقة فيهما كما يقوله الجمهور على ثلاثة أقوال # وأيضا فهم متنازعون في الجنس أيهما هو الذي يوصل إلى العلم وكثير من ~~الناس من أهل المنطق اليوناني ونحوهم يزعم أن الموصل إلى العلم هو قياس ~~الشمول فقط دون قياس التمثيل وكثير من أهل الكلام يرجح قياس التمثيل ويقول ~~إن قياسهم المنطقي قياس الشمول قليل الفائدة أو عديمها # وحقيقة الأمر أن القياسين متلازمان فكل قياس شمول هو متضمن لتمثيل وكل ~~قياس تمثيل هو متضمن لشمول فإن القايس قياس التمثيل لا بد أن يعلق الحكم ~~بالوصف المشترك فإذا قال النبيذ المسكر حرام لأنه مسكر فكان حراما كخمر ~~العنب فقد علق PageV07P318 ~~التحريم بالسكر وبد له من دليل يدل على تعلق الحكم بذلك الوصف المشترك إما ~~بنص أو إجماع أو غير ذلك من الطرق الدالة على أن الحكم معلل بذلك الوصف ~~المشترك بين الأصل والفرع وهو الذي يسمى جواب المطالبة فإن القايس إذا قاس ~~توجه عليه منوع أحدها منع الحكم في الأصل والثاني منع ثبوت الوصل الذي علق ~~به الحكم في الأصل والثالث منع وجوده في الفرع وهذه الأسولة الثلاثة قد ~~يسهل جوابها والرابع منع علة الوصف وهو منع كون الحكم متعلقا به وهذا أعظم ~~الأسولة # وذلك الوصف الذي علق به الحكم يسمونه علة وسببا وداعيا وموجبا ومناطا ~~وباعثا وأمارة وعلامة ومشتركا وأمثال ذلك ثم إذا أراد المستدل أن يصوغ هذا ~~قياس شمول قال النبيذ مسكر وكل مسكر حرام ms1433 ولا بد له من إثبات هذه القضية ~~الكبرى وهو قوله كل مسكر حرام كما يحتاج الأول إلى إثبات كون السكر هو مناط ~~التحريم والذي جعله الأول مناط الحكم جعله الثاني الحد الأوسط المتكرر في ~~المقدمتين ولا بد لكل منهما من الدلالة على ذلك وكل من القياسين يتضمن حكما ~~عاما كليا ولهذا اتفق أرباب القياس الشمولي المنطقي على أنه لابد فيه من ~~قضية كلية PageV07P319 ~~واتفق أرباب القياس التمثيلي على أنه لا بد فيه من مشترك بين الأصل والفرع ~~والمشترك هو الكلي لكن في قياس الشمول لا يجب أن يبين ثبوت الكلي في صورة ~~من الصور المعينة بل يقول الرجل السواد والبياض لا يجتمعان وإن لم يعين ~~سوادا أو بياضا معينين ويقول الكل أعظم من الجزء ولا يعين شيئا # وأما قياس التمثيل فلا بد فيه من تعيين أصل يقاس به الفرع ويمثل به فيقال ~~هذا السواد وهذا البياض لا يجتمعان فكذلك سائر السواد والبياض وهذا الكل ~~أعظم من هذا الجزء وهلم جرا # ويقول أهل التمثيل هذا أنفع لأن الكليات لا وجود لها في الأعيان إنما ~~وجودها في الأذهان فإذا مثل الفرع بمعين ثابت في الخارج أفاد ذلك معرفة شيء ~~موجود معين بخلاف الكلي الذي لا تتمثل أعيانه في الخارج # ولهذا كل متكلم في كليات مقدرة لا يتصور أعيانها الموجودة في الخارج فإما ~~أن يكون كلامه قليل الفائدة بل عديمها وإما أن يكون كثير الخطأ والغلط وإما ~~أن يجتمع فيه الأمران ويقولون أيضا إن العلم بكل واحد واحد من الأعيان يحصل ~~بما به يحصل المعين PageV07P320 ~~الآخر فإنا إذا قلنا الكل أعظم من الجزء كان علمنا بأن هذا الكل أعظم من ~~هذا الجزء كعلمنا بذلك في الكل الآخر فلم نستفد بالقضية الكلية علما بمعين ~~إلا والعلم بذلك المعين مستغن عن القضية الكلية ففيه تطويل بلا فائدة # ويقول أهل قياس الشمول بل قياس التمثيل لا يفيد إلا بتوسط تعليق الحكم ~~بالمشترك وهو الحد الأوسط فلا بد فيه من قضية كلية أيضا لكن قد يدعى القايس ms1434 ~~الممثل تعليق الحكم بالمشترك بمجرد التمثيل ولا يقيم دليلا على أن الوصف ~~المشترك الجامع بين الأصل والفرع هو مناط الحكم الذي هو الحد الأوسط وربما ~~أثبت ذلك بطرق لا تفيد العلم كالاستقراء الناقص الذي هو نوع السبر والتقسيم ~~ونحو ذلك ففي كل من القياسين قضية كلية لكن صاحب الشمول يثبتها وصاحب ~~التمثيل لا يثبتها # قال أصحاب التمثيل بل صاحب الشمول لا يمكنه إثباته إلا بطريق التمثيل ~~وإلا فإذا نازعه المنازع في الشمول والعموم لم يكن له طريق إلا ذكر الأعيان ~~بأن يقول هذا الكل أعظم من هذا PageV07P321 ~~الجزء وإذا قيل بل العقل يقضي بالقضية الكلية قضاء عاما قيل إنما كان ذاك ~~بواسطة علمه بالجزئيات فيعود إلى التمثيل # ولهذا توجد عامة قضاياهم الكلية منتقضة باطلة لأنهم يدعون فيها العموم ~~بناء على ما عرفوه من التجارب والعادات وتكون تلك منتقضة في نفس الأمر كما ~~هو الواقع فإن من قال كل نار فإنها تحرق ما لاقته إنما قال لأجل إحساسه بما ~~أحس به من جزئيات هذا الكلي وقد انتفض ذلك عليه بملاقاتها للياقوت والسمندل ~~وغير ذلك وبسط الكلام في هذا له موضع آخر والمقصود هنا التنبيه على أن كل ~~واحد من قياس التمثيل والشمول يفيد أمرا كليا مطلقا بواسطته يحصل العلم ~~بالمعينات الموجودة في الخارج ثم قد يكون العلم بتلك المعينات غنيا عن ذينك ~~القياسين والمعين الذي لا نظير له لا يعلم لا بهذا القياس ولا بهذا القياس ~~وقد تكون الكلية منتقضة فالقياس لا يحصل بنفسه العلم بالمعينات وقد لا يحصل ~~العلم به مطلقا وقد يكون كثير الانتقاض بخلاف النصوص النبوية فإنها لا تكون ~~إلا حقا وهي تخبر عن المعينات على ما هي عليه # وأعظم المطالب العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه ~~وهذا كله لا تنال خصائصه لا بقياس الشمول ولا بقياس التمثيل فإن الله تعالى ~~لا مثل له فيقاس به ولا يدخل هو PageV07P322 ~~وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها فلهذا كانت طريقة القرآن وهي طريقة ~~السلف والأئمة أنهم لا يستعملون ms1435 في الإلهيات قياس تمثيل وقياس شمول تستوي ~~أفراده بل يستعملون من هذا وهذا قياس الأولى فإن الله له المثل الأعلى فإذا ~~أدخل هو سبحانه وغيره تحت قضية كلية مثل أن يقال القائم بنفسه لا يفتقر إلى ~~المحل كما يفتقر العرض مثلا أو قيل كل موجود فله خاصية لا يشركه فيها غيره ~~ونحو ذلك كان هو سبحانه أحق بمثل هذه الأمور من سائر الموجودات فهو أحق ~~بالغنى عن المحل من كل قائم بنفسه وهو أحق بانتقاء المشارك له في خصائصه من ~~كل موجود وكذلك إذا قيس قياس تمثيل فكل كمال يستحقه موجود من جهة وجودة ~~فالموجود الواجب أحق به وكل نقص ينزه عنه موجود لكمال وجوده فالموجود ~~الواجب أحق بتنزيهه عنه وهو أحق بانتفاء أحكام العدم وأنواعه وأشباهه ~~وملزوماته عنه من كل موجود # وإذا كان الأمر الوجودي كالرؤية مثلا لا يتعلق إلا بأمور موجودة لا يجوز ~~أن تتعلق بمعدوم لأن العدم لا يكون سببا في للوجود وكان كل PageV07P323 ~~ما كان أكمل وجودا كان أحق بأن يرى كان الباري سبحانه بأن يرى أحق من كل ~~موجود وإذا كان تعذر الرؤية أحيانا قد يكون لضعف الأبصار وكان في الموجودات ~~القائمة بنفسها ما تتعذر أحيانا رؤيته لضعف أبصارنا في الدنيا كان ضعفها في ~~الدنيا عن رؤيته أولى وأولى # وليس المقصود هنا الكلام على أعيان المسائل ولكن المقصود بيان مسمى ~~القياس وأنه وإن كان قد يحصل به من العلوم أمور عظيمة فإنه لا يحصل به كل ~~مطلوب ولا يطرد في كل شيء فطرق العلم ثلاث أحدها الحس الباطن والظاهر وهو ~~الذي تعلم به الأمور الموجودة بأعيانها # والثاني الاعتبار بالنظر والقياس وإنما يحصل العلم به بعد العلم بالحس ~~فما أفاده الحس معينا يفيده العقل والقياس كليا مطلقا فهو لا يفيد بنفسه ~~علم شيء معين لكن يجعل الخاص عاما والمعين مطلقا فإن الكليات إنما تعلم ~~بالعقل كما أن المعينات إنما تعلم بالإحساس # والثالث الخبر والخبر يتناول الكليات والمعينات والشاهد والغائب فهو أعم ~~وأشمل لكن الحس والعيان أتم ms1436 وأكمل PageV07P324 # وقد تنازع الناس في السمع والبصر أيهما أكمل فذهبت طائفة منهم ابن قتيبة ~~إلى أن السمع أكمل لعموم ما يعلم به وشموله وذهب الجمهور إلى أن البصر أكمل ~~فليس المخبر كالمعاين وليس كل ما يعاين يمكن الإخبار عنه وليس العلم الحاصل ~~بالخبر كالعلم الحاصل بالعيان وإن كان الخبر لا ريب في صدقه لكن نفس المرئي ~~المعاين لا يحصل العلم به قبل العيان كما يحصل عند العيان # والتحقيق في هذا الباب أن العيان أتم وأكمل والسماع أعم وأشمل فيمكن أن ~~يعلم بالسماع والخبر أضعاف ما يمكن علمه بالعيان والبصر أضعافا مضاعفة ~~ولهذا كان الغيب كله إنما يعلم بالسماع والخبر ثم يصير المغيب شهادة ~~والمخبر عنه معاينا وعلم اليقين عين اليقين # والمقصود هنا أن الخبر أيضا لا يفيد إلا مع الحس أو العقل فإن المخبر عنه ~~إن كان قد شوهد كان قد علم بالحس وإن لم يكن شوهد فلا بد أن يكون شوهد ما ~~يشبهه من بعض الوجوه وإلا لم يعلم بالخبر شيء فلا يفيد الخبر إلا بعد الحس ~~والعقل فكما أن العقل بعد الحس فالخبر بعد العقل والحس فالإخبار يتضمن هذا PageV07P325 ~~وهذا وكما أنه ليس كل ما علم بالقياس والعقل والاعتبار يمكن الإحساس بواحد ~~واحد من أعيانه فكذلك ليس كل ما علم بالخبر والسماع يمكن اعتباره بالقياس ~~إما لعدم النظير له من كل وجه وإما لغير ذلك ثم إذا كان الخبر صادقا لا كذب ~~فيه أمن معه من الانتقاض والفساد بخلاف القياس فإن كثيرا مما يبنى فيه على ~~قضايا كلية تكون منتقضة وإن كان فيه ما ليس منتقضا # والمقصود أنه ليس كل شيء يمكن علمه بالقياس ولا كل شيء يحتاج فيه إلى ~~القياس فلهذا قال الأئمة ليس في المنصوصات النبوية قياس وأما كونها لا ~~تعارض بالأمثال المضروبة فهذا هو الذي ذكرناه من أن المنصوص لا يعارضه دليل ~~عقلي صحيح # أما قولهم لا تدرك بالعقول فإن نفس الغريزة العقلية التي تكون للشخص قد ~~تعجز عن إدراك كثير من الأمور لا سيما ms1437 الغائبات فمن رام بعقل نفسه أن يدرك ~~كل شيء كان جاهلا لا سيما إذا طعن في الطرق السمعية النبوية الخبرية # وهذا هو الذي يسلكه من يسلكه من الفلاسفة ومن يشبههم من أهل الكلام ~~وهؤلاء هم الذين يذكر أبو حامد الغزالي وغيره تهافتهم PageV07P326 ~~وتناقضهم وأن ما يدعونه من المعارف الإلهية بعقولهم جمهوره باطل وإن كان قد ~~وقع في كلامه من كلام هؤلاء أمور قيل أنه رجع عنها ولا ريب أن الرسل صلوات ~~الله عليهم يخبرون الخلق بما تعجز عقولهم عن معرفته ولا يخبرونهم بما ~~يعلمون امتناعه فهم يخبرونهم بمحارات العقول لا بمحالاتها فمن أراد أن يعرف ~~ما أخبرت به الرسل بعقله كان شبيها بمن قال الله تعالى فيه { وإذا جاءتهم ~~آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته } سورة الأنعام 124 وقال { بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ~~} سورة المدثر 52 # قال الخطابي وذهب العلماء إلى خلاف هذا الرأي وجعلوا المعلومات قسمين قسم ~~يمكن استدراكه وتثبته حقيقة وقسم لا يعلم إلا ظاهره ولا يتعرض لعلم باطنه ~~وطلب كيفيته وانتهوا في ذلك إلى ما نطق به الكتاب وهو قوله سبحانه { وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به } سورة آل عمران 7 يجعلون PageV07P327 ~~الوقف عند قوله { إلا الله } ويستأنفون الكلام فيما بعده وهو مذهب الصحابة ~~وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وعائشة وابن عباس قالوا وقد حجب عنا أنواعا ~~من العلم كعلم قيام الساعة وكعلم الروح حين يقول { ويسألونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } سورة الإسراء 85 وقال ~~تعالى { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } سورة المائدة 101 وقال { لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون } سورة الأنبياء 23 # قلت قد ذكرنا معنى لفظ التأويل في غير هذا الموضع وأنه في اللغة التي نزل ~~بها القرآن يراد به حقيقة الشيء كالكيفية التي لا يعلمها إلا الله كما قال ms1438 ~~مالك الاستواء معلوم والكيف مجهول # ويراد به التفسير وهو كقوله الاستواء معلوم فإن تفسيره ومعناه معلوم ~~ويراد به تحريف الكلم عن مواضعه كتأويلات الجهمية مثل تأويل من تأول استوى ~~بمعنى استولى وهذا الذي اتفق السلف والأئمة على بطلانه وذم أصحابه ومثل هذا ~~لا يقال فيه لا يعلمه إلا الله بل يقال إنه باطل وتحريف وكذب ولكن في القسم ~~الأول يقال لا يعلمه إلا الله وأما القسم الثاني فيعلمه الله وقد يعلمه ~~الراسخون في العلم PageV07P328 # قال الخطابي فلم ينته أهل التعمق من المتكلمين حتى تكلموا في الروح ~~وتكلموا في القدر والتعديل والتجوير وتكلموا في النفس والعقل وما بينهما ~~وتكلموا في أشياء لا تعنيهم ولا تجدي عليهم شيئا كالكلام في الجزء والطفرة ~~وما أشبه ذلك من الأمور التي لا طائل لها ولا فائدة فيها فزجر العلماء عن ~~الخوض في هذه الأمور وخافوا فتنتها والخروج منها إلى ما يفضي بالمرء إلى ~~أنواع من المكروه من الأقوال الشنعة والمذاهب الفاسدة ورأوا أن يقتصروا من ~~الكلام على ما انتهى إليه بيان الدين وتوقيف الشريعة # قلت فقد ذكر الخطابي في الكلام المذموم ما لا يدركه الإنسان بعقله وما لا ~~فائدة فيه وما لا يدركه الإنسان بعقله إذا تكلم فيه تكلم بلا علم والكلام ~~بلا علم ذمه الله في كتابه وما لا فائدة فيه هو من باب ما لا يعني الإنسان ~~ولا يفيده ومن باب العلم الذي لا ينفع وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم ~~من علم لا ينفع # ولهذا يقال العلم ما قام عليه الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول وهذان ~~النوعان هما اللذان يذكرهما أبو حامد وغيره في وصف غير العلوم الشرعية ~~فيقول هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ~~ظنون كاذبة لا ثقة بها وإن بعض الظن إثم فالأول كالعلم بدقائق الهيئة ~~وحركات الكواكب وغير ذلك مما هو بعد التعب الكثير لا يفيد إلا تضييع الزمان ~~وتعذيب الحيوان PageV07P329 ~~والثاني كالعلم بأحكام النجوم التي غالبها ظنون ms1439 لا تغني من الحق شيئا ~~والخطأ فيها أكثر من الصواب والكذب فيها أكثر من الصدق # وهذان النوعان غير ما ذكر أولا ذمه لما فيه من الخطر والعسر والعجز وهذه ~~الثلاثة غير ما هو كذب في نفسه وباطل فإن هذا هو الكلام المذموم في نفسه ~~فما كان كذبا غير مطابق للحق فهو مذموم في نفسه بخلاف ما فيه عسر وهو حق ~~فإن هذا وإن ذم من وجه فقد يحمد من وجه آخر بخلاف ما لا يدركه الإنسان أو ~~ما لا فائدة فيه فإن هذا قد يقال إن مضرته تضييع الزمان من جنس اللعب ~~واللهو الذي لا ينفع أو من جنس البطالة وتضييع الزمان لكن متى أفضى بصاحبه ~~إلى اعتقاد الباطل حقا والكذب صدقا كان من القسم المذموم بنفسه وكل كلام ~~ناقض نصوص الأنبياء فإنه من الكلام المذموم بنفسه وهو باطل قطعا # وأما قوله وتكلموا في الروح والقدر والتعديل والتجوير والعقل والنفس فقد ~~يظن أن الكلام في هذا مذموم مطلقا وليس كذلك بل الكلام في ذلك وغيره بالحق ~~النافع لا يذم وإنما يذم الكلام الباطل والكلام بلا علم والكلام الحق لمن ~~يعجز عن معرفته كما قال ابن مسعود ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه ~~عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم وقال علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون PageV07P330 ~~ودعوا ما ينكرون أتريدون أن يكذب الله ورسوله وأما الكلام الحق النافع فهو ~~محمود غير مذموم # قال الخطابي ثم إن الكتاب والسنة لم يستوفيا بيان جميع ما يحتاج الناس ~~إليه نصا وتسمية فاحتجنا إلى انتزاع أحكام الحوادث في ضمن الأسماء والنصوص ~~من طريق المعاني والمعقول من النصوص فاستنبطه العلماء وتكلموا فيه من طريق ~~القياس ولم يتجاوزوه إلى الكلام فيما لا أصل له من الكتاب والسنة ولم ~~يتعرضوا لما ورد الكتاب ثم السنة بالزجر عنه وعن الخوض فيه وكان هذا موضع ~~الفرق بين الكلامين # قال وقد أشار الشافعي إلى هذه الجملة وأبان عنها بما زجر عنه من النظر في ~~الكلام وعابه من مذاهب ms1440 المتكلمين وبما زجر عنه من التقليد وجب عليه من ~~النظر والاستدلال فعلمنا أن الذي زجر عنه ليس هو الذي أمر به وتبينا أن له ~~في الأصول مذهبا ثالثا ليس بالتقليد ولا بالتجريد لمذاهب المقتحمين في ~~غمرات الكلام والخائضين في أوديته وإنما هو الاستدلال بمعقول أصول PageV07P331 ~~الدين التي مرجعها إلى علوم الحس ومقدماتها والنظر المتعلق بالأصول التي هي ~~الكتاب والسنة الصحيحة التي ينقطع العذر بها # قال ونحن لم نعد فيما أوردناه من الكلام في كتاب شعار الدين هذه الجملة ~~وإن كان الذي عبناه في مسألة الغنية عن الكلام هو المذهب الآخر الذي تقدم ~~ذكرنا له وهو مذهب الغلو والإفراط وما يقابله من مذاهب من يرى التقليد ولا ~~يقول بحجج العقول فهو في التفريط والتقصير مواز لمذاهب المتكلمين في الغلو ~~والإفراط والطريقة المثلى هي القصد والاعتدال وهو ما نختاره ونذهب إليه # قال وسبيل ما نأتيه ونذره من هذا الباب سبيل القياس فإنا نستعمله في ~~مواضع ونأباه في مواضع فلا يكون ذلك منا مناقضة وكذلك ما نطلقه من جواز ~~الكلام في موضع وكراهته في موضع آخر والأصل في مذاهب الناس كلهم ثلاث ~~مقالات القول بالحس حسب وهو مذهب الدهرية فإنهم قالوا بما يدركه الحس ولم ~~يقولوا بمعقول ولا خبر وقال قوم بالحس والمعقول حسب ولم يقولوا بالخبر وهو ~~مذهب الفلاسفة لأنهم لا يثبتون PageV07P332 ~~النبوة وقال أهل المقالة الثالثة بالحس والنظر والأثر وهم جماعة المسلمين ~~وهو قول علمائنا وبه نقول # قلت تفصيل مقالات الناس مبسوط في غير هذا الموضع فإن الدهرية لا تنكر جنس ~~المعقول بل تنكر من المعقول ما لا يكون جنسه محسوسا وهذا فيه كلام مبسوط في ~~غير هذا الموضع وإنما كفروا بإنكارهم الغيب الذي أخبرت به الرسل والفلاسفة ~~أيضا لا تنكر جنس الخبر بل تقول بالأخبار المتواترة وغيرها ولكن ينكرون ~~استفادة الأمور الغائبة بأخبار الأنبياء وهم قد يعظمون الأنبياء صلوات الله ~~عليهم ويوجبون اتباع شرائعهم ويأمرون بقتل من يخرج عنها لكن يجعلون مقصودها ~~هو إقامة مصالح الناس في دنياهم بالعدل الذي ms1441 شرعته الأنبياء # وأما الأمور الإلهية والمعاد ونحو ذلك فيزعمون أنهم لم يخبروا عنها بما ~~يحصل به العلم ولكن خاطبوا الناس فيه بطريق التخييل وضرب المثل الذي ينتفع ~~به الجمهور وحقيقة قولهم هو ما ذكره الخطابي من أنهم لا يجعلون خبر ~~الأنبياء طريقا إلى العلم وقد ذكرنا من كلام من دخل معهم في هذا الأصل ~~الفاسد من المنتسبين إلى المسلمين ما تبين به هذا الأصل وبينا من ضلالهم ~~وكذبهم في هذا القول ما قد بسط في موضعه PageV07P333 # وحقيقة ما يزعمونه في المعقول إنما هو أمور ذهنية كلية قائمة في الذهن لا ~~حقيقة لها في الخارج وما يثبتونه من المجردات العقليات بل وواجب الوجود ~~الذي يثبتونه وغير ذلك يعود إلى هذا ومن هنا استطال عليهم إخوانهم الفلاسفة ~~الطبيعية والدهرية فإن أولئك لم ينكروا مثل هذه العقليات ولكن أنكروا وجود ~~هذه في الخارج وادعوا أن كل موجود في الخارج فلا بد أن يمكن إحساسه # والفريقان جميعا كذبوا بالكتاب وبما أرسل الله به رسله من الإخبار بالغيب ~~إلا من كان منهم من الصابئة الحنفاء الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ويعملون صالحا فأولئك هم سعداء في الآخرة # كما قال تعالى { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } سورة البقرة 62 # وأما الصابئة المشركون الذين يعبدون الكواكب والأوثان ونحوهم من الفلاسفة ~~المشركين فهؤلاء كفار كسائر المشركين # والفلسفة اليونانية فلسفة المشائين عامتها من هذه الفلسفة فإن اليونان ~~كانوا مشركين يعبدون الكواكب والأوثان وفي مقالاتهم حق وباطل كما في مقالات ~~مشركي العرب والهند وغيرهم من أصناف المشركين وهذا مبسوط في موضعه PageV07P334 # وأما ما ذكره الخطابي من القياس والاعتبار في الأحكام الشرعية وأن الكتاب ~~والسنة لم يستوفيا بيان جميع ما يحتاج إليه الناس نصا فهذا كلام في القياس ~~العملي الشرعي وهو مبسوط في موضعه # والناس في هذا بين إفراط وتفريط كما هم كذلك في القياس العقلي الخبري ~~فطائفة تزعم أن أكثر الحوادث ms1442 لا تتناولها النصوص بل إنما تعلم بالقياس ~~وطائفة بآرائهم يزعمون أن القياس كله باطل حتى يردون الاستدلال المسمى ~~بتنقيح المناط ويردون قياس الأولى وفحوى الخطاب والعلة المنصوصة ويرجعون ~~إلى العموم واستصحاب الحال # وكل من الطائفتين مخطئة غالطة فإن الطائفة الأولى بخست الكتاب والسنة ~~حقهما وقصرت في معرفتهما وفهمهما واعتصمت بأنواع من الأقيسة الطردية التي ~~لا تغني من الحق شيئا أو بتقليد قول من لا تعرف حجة قائله # وكثيرا ما تجد هؤلاء إذا فتشت حجتهم إنما هي مجرد دعوى بأن يظن أحدهم أن ~~الحكم الثابت في الأصل معلق بالوصف المشترك من غير دليل يدله على ذلك بل ~~بمجرد اشتباه قام في نفسه PageV07P335 ~~أو بمجرد استحسان ورأي ظن به أن مثل ذلك الحكم ينبغي تعليقه بذلك الوصف ~~وأحدهم يبني الباب على مثل هذه القواعد التي متى حوقق عليها سقط بناؤه ~~وربما تمسكوا من الآثار الضعيفة بما يعلم أهل المعرفة بالأثر أنه من ~~الموضوع المكذوب فضلا عن أن يكون من كلام المعصوم وقد يتمسكون بما يظهر لهم ~~من ألفاظ المعصوم ولا تكون دالة على ما فهموه # واما الطائفة الثانية فتعتصم من استصحاب الحال ونفي الحكم لعدم دليله في ~~زعم أحدهم مع ظهور الأدلة الشرعية بما يبين به فساد قولها ويفرق بين ~~المتماثلين تفريقا لا يأتي به عاقل فضلا عن نبي معصوم وتجمد على ما تراه ~~ظاهر النص مع خطائها في فهم النص ومراد قائله وتسلب الشريعة حكمها ومحاسنها ~~ومعانيها وتضيف إلى الله ورسوله من الحكم المنافي للعدل والإحسان ما يجب أن ~~ينزه عنه الملك العادل والرجل العاقل # والناس كلهم متفقون على الاجتهاد والتفقه الذي يحتاج فيه إلى إدخال ~~القضايا المعينة تحت الأحكام الكلية العامة التي نطق بها الكتاب والسنة ~~وهذا هو الذي يسمى تحقيق المناط كالاجتهاد في تعيين القبلة عند الاشتباه ~~والاجتهاد في عدل الشخص المعين والنفقة بالمعروف للمرأة المعينة والمثل ~~لنوع الصيد أو للصيد لمعين والمثل الواجب في إتلاف المال المعين وصلة الرحم ~~الواجبة ودخول أنواع PageV07P336 ~~من المسكرات في اسم الخمر وأنواع ms1443 من المعاملات في اسم الربا والميسر وأمثال ~~ذلك مما فيه إدخال أعيان تحت نوع وإدخال نوع خاص تحت نوع أعم منه # فهذا الاجتهاد مما اتفق عليه العلماء وهو ضروري في كل شريعة فإن الشارع ~~غاية ما يمكنه بيان الأحكام بالأسماء العامة الكلية ثم يحتاج إلى معرفة ~~دخول ما هو أخص منها تحتها من الأنواع والأعيان # وقد احتج من احتج من الأئمة المثبتين للقياس عليه بمثل هذا القياس وأن ~~القرآن العزيز ورد بمثل هذا في القبلة وجزاء الصيد وعدل الشخص ونحو ذلك ~~وهذا لا حجة فيه فإن مثل هذا لا نزاع فيه وهو ضروري لا بد منه ولا يمكن ~~إثبات حكم النوع أو عين إلا بمثل هذا # ونفاة القياس لا يسمونه قياسا وإن سماه المسمى قياسا كان نزاعا لفظيا ~~والتحقيق أن دخول الأعيان في المعنى العام الذي دل عليه الخطاب هو من قياس ~~الشمول وأن تمثيل بعض الأعيان والأنواع ببعض هو من قياس التمثيل لكن شمول ~~اللفظ لهذا ولهذا بطريق العموم يغني عن قياس التمثيل PageV07P337 # ونفاة القياس المعروفون بالسنة لا ينازعون في العموم وإن سماه المسمى ~~قياسا كليا بل هو عمدتهم وعصمتهم هو واستصحاب الحال فهذا نوع ومن نازع في ~~القياس والعموم جميعا كما فعل ذلك من فعله من الرافضة فهؤلاء سدوا على ~~أنفسهم طريق معرفة الأحكام فلهذا يحتجون بما يزعمون أنه قول المعصوم ومن ~~الناس من يظن أن العلة المنصوصة هي المسماة بتحقيق المناط وهي داخلة فيه ~~وليس كذلك فإن هذه فيها نزاع # وهنا نوع ثان يسمى تحقيق المناط وهو أن يكون الشارع قد نص على الحكم في ~~عين معينة وقد علم بالنص والإجماع أن الحكم لا يختص بها بل يتناولها وغيرها ~~فيحتاج أن ينقح مناط الحكم أي يميز الوصف الذي تعلق به ذلك الحكم بحيث لا ~~يزاد عليه ولا ينقص منه # وهذا كأمره صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي استفتاه لما جامع امرأته في ~~رمضان بالكفارة ثم لما أتى بالعرق قال أطعمه أهلك وأمره لمن سأله عن فأرة ~~وقعت ms1444 في سمن بأن تلقى وما حولها ويأكل السمن وأمره لمن سأل عمن أحرم بعمرة ~~وعليه جبة وهو متضمخ بخلوق أن ينزع عنه الجبة ويغسل الخلوق ويصنع في PageV07P338 ~~عمرته ما كان صانعا في حجته وأمره لمن ابتاع صاعا جيدا من التمر بصاعين من ~~الرديء أن يبيع الرديء بدراهم ثم يبتاع بها جيدا ومثل أمره لبريرة لما عتقت ~~أن تختار ومثل رجمه لماعز والغامدية وقطعه لسارق رداء صفوان والمخزومية ~~وغيرهما وأمثال ذلك # فإنه من المعلوم لجميع العلماء أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم ليس ~~مخصوصا بتلك الأعيان بل يتناول ما كان مثلها لكن يحتاجون إلى معرفة مناط ~~المشترك الذي به علق الشارع الحكم # وهذا قد يكون ظاهرا وقد يكون خفيا فالظاهر مثل كون سبب الرجم هو زنا ~~المحصن وسبب القطع هو السرقة والخفي مثل كون الكفارة وجبت لخصوص الجماع أو ~~لعموم الإفطار وهل وجبت لنوع من الإفطار أو لجنسه وهل وجب لوقاع في صوم ~~صحيح في رمضان أو لوقاع في صوم واجب في رمضان سواء كان صحيحا أو فاسدا كما ~~يجب في الإحرام الواجب سواء كان صحيحا أو فاسدا فهذا مما تنازع فيه الفقهاء # وكذلك لما أجاب عن الفأرة التي وقعت في السمن فلا ريب أن الحكم ليس ~~مخصوصا بتلك الفأرة والسمن ولا بنوع من الفأر ونوع من الأسمان فلا بد من ~~إثبات حكم عام وهذا النوع يقر به كثير من منكري القياس أو أكثرهم وكثير من ~~الفقهاء لا يسميه قياسا بل يثبتون به الكفارات والحدود وإن كانوا لا يثبتون ~~ذلك بالقياس فإنه PageV07P339 ~~هنا قد علم يقينا أن الحكم ليس مخصوصا بمورد النص فلا يجوز نفيه عما سواه ~~بالاتفاق كما يمكن ذلك في صور القياس المحض المسمى بتخريج المناط فإنه لما ~~نهى عن التفاضل في الأصناف الستة لم يعلم أن حكم غيرها حكمها إلا بدليل يدل ~~على ذلك ولهذا كان بعض نفاة القياس لما حكموا في مثل هذا بأن الحكم مخصوص ~~بفأرة وقعت في سمن دون سائر الميتات والنجاسات الواقعة في ms1445 سائر المائعات ~~ظهر خطاؤهم يقينا فإن الشارع صلوات الله عليه لم يعلق الحكم في خطابه بفأرة ~~وقعت في سمن ولكن السائل سأله عن ذلك والسائل إذا سأل عن حكم عين معينة أو ~~نوع باسمه لم يجب أن يكون الحكم معلقا مختصا بما سأل عنه السائل بل قد يكون ~~ما سأل عنه السائل داخلا في حكم عام كما أنه إذا سئل عن عين معينة لم يكن ~~الحكم مخصوصا بتلك العين ولافرق بين أن يسأل عن عين أو نوع فليس في جوابه ~~ما يقتضي اختصاص الحكم بمورد السؤال فهذا من أعظم الغلط # وهنا يظهر تفاضل العلماء بما آتاهم الله من العلم فمن استخرج المناط الذي ~~دل عليه الكتاب والسنة دل على فهمه لمراد الرسول صلى الله عليه وسلم مثل أن ~~يقول القائل الحكم هنا ليس متعلقا بمجرد الميتة بل بالخبيث الذي قال الله ~~تعالى فيه { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } سورة الأعراف 157 فإن ~~الميتة وإن PageV07P340 ~~شاركت الخنزير والدم في التحريم فقد شمل الجميع اسم الخبيث فالتحريم متناول ~~للوصف العام ليس مخصوصا بنوع من الأنواع وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ليس فيه دليل على الاختصاص بنوع لتعلق الحكم بالوصف العام المشترك وهو ~~الخبث فيكون الخبيث الجامد الواقع في السمن حكمه حكم الفأرة سواء كان دما ~~أو ميتة متجسدة ونحو ذلك ثم ينظر في السمن فيعلم أنه لا اختصاص في الشرع له ~~بذلك بل سائر الأدهان كذلك ثم سائر المائعات كذلك ثم يبقى النظر هل يفرق ~~بين الماء وسائر المائعات أو يسوى بينهما وهل يفرق بين الجامد والمائع أو ~~يسوى بينهما وهل يفرق بين القليل والكثير أو يسوى بينهما هذا من المواضع ~~الخفية التي تنازع فيها العلماء # والمقصود هنا أن مثل هذا لا يرده إلا جهلة نفاة القياس وكذلك العلة ~~المنصوصة وكذلك القياس في معنى الأصل وقياس الأولى وأما القياس الذي يستخرج ~~علة الأصل فيه بالمناسبة فهذا محل اجتهاد ولهذا تنازع الفقهاء القياسون من ~~أصحاب أحمد وغيرهم في ذلك فمنهم من ms1446 لا يقول إلا بالعلة المنصوصة ومنهم من ~~يقول بالمؤثر PageV07P341 ~~وهو ما نص على تأثيره في نظير ذلك الحكم كالصغر فإنه قد علم أن الشارع علق ~~به ولاية المال فإذا علق به ولاية النكاح كان هذا إثباتا لعلة هذا الحكم ~~بنظيره المؤثر وأما إذا لم يكن مؤثرا فهو الذي يسمونه المناسب الغريب وفيه ~~قولان مشهوران فإنه استدلال على أن الشرع علق الحكم بالوصف لمجرد ما رأيناه ~~في المصلحة # ومن تدبر الأدلة الشرعية منصوصها ومستنبطها تبين له أن القياس الصحيح هو ~~التسوية بين المتماثلين وهو من العدل الذي أمر الله به ورسوله وأنه حق لا ~~يجوز أن يكون باطلا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بالعدل فلم يسو بين ~~شيئين في حكم إلا لاستوائهما فيما يقتضي تلك التسوية ولم يفرق بين اثنين في ~~حكم إلا لافتراقهما فيما يقتضي ذلك الفرق ولا يجوز أن يتناقض قياس صحيح ونص ~~صحيح كما لا يتناقض معقول صريح ومنقول صحيح بل إذا ظن بعض الناس تعارض النص ~~والقياس كان أحد الأمرين لازما إما أن القياس فاسد وإما أن النص لا دلالة له # ومع هذا فالكتاب والسنة بينا جميع الأحكام بالأسماء العام لكن يحتاج ~~إدخال الأعيان في ذلك إلى فهم دقيق ونظر ثاقب لإدخال كل معين تحت نوع ~~وإدخال ذلك النوع تحت نوع آخر بينه الرسول صلى الله عليه وسلم PageV07P342 # وحينئذ فكل من الحوادث شملها خطاب الشارع وتناولها الاعتبار الصحيح وخطاب ~~الشارع العام الشامل دل عليها بطريق العمومم الذي يرجع إلى تحقيق المناط ~~وهو في معنى قياس الشمول البرهاني والاعتبار الصحيح تناولها بطريق قياس ~~التمثيل الذي يتضمن التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين والتماثل ~~والاختلاف ثابت في نفس الأمر وقد نصب الله عليه أدلة تدل عليه وكما أن ~~القياس الشمولي والتمثيلي يرجعان إلى أصل واحد ولا يجوز تناقضهما إلا مع ~~فسادهما أو فساد أحدهما فكذلك الخطاب العام والاعتبار الصحيح يرجعان إلى ~~أصل واحد ولا يجوز تناقضهما إلا لفساد دلالتهما أو دلالة أحدهما # وهذا تنبيه على مجامع نظر ms1447 الأولين والآخرين في جميع استدلالهم ومن تبصر ~~في ذلك وفهمه وعلم ما فيه من الإحاطة تبين له أن دلائل الله تعالى لا ~~تتتناقض وأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الموافق لصرائح ~~المعقول وأن ما شرعه للعباد هو العدل الذي به صلاح المعاش والمعاد وإن فهم ~~مع ذلك مسألة التحسين والتقبيح العقلي وارتباطها بمسألة المناسبات ورجوع ~~جنس التحسين والتقبيح إلى حصول المحبوب ودفع المكروه وهو المعروف والمنكر ~~كما يرجع جنس الخبر إلى الوجود والعدم وأن هذا يرجع إلى الحق النافع وفي ~~مقابلته الباطل الذي لا ينفع وهذا يرجع إلى الحق PageV07P343 ~~الموجود وفي مقابلته المعدوم تبين له أيضا تناسب جميع العلوم الصحيحة ~~والموجودات المعتدلة والشرائع الإلهية وأعطى كل ذي حق حقه { والله يقول ~~الحق وهو يهدي السبيل } سورة الأجزاب 4 { ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور } سورة النور 40 وإذا أحسن الاعتبار تبين له ما في منطق اليونان ~~وفلسفتهم من الصواب والخطأ في الحد والبرهان لا سيما في مواد القياس ~~والبرهان وتبين له كثير من خطأهم في التفريق بين المتماثلين والتسوية بين ~~المختلفين مثلما ذكروه في مواد البرهان من قبول بعض القضايا التي سموها ~~يقينية واعتقدوها كلية وليس الأمر كذلك وردهم لبعض القضايا التي سموها ~~مشهورات ووهميات مع كونها قد تكون أقوى من كثير من القضايا التي سموها ~~يقينية كما قد ذكر في غير هذا الموضع فهذا لمعة من كلام علماء الكلام ~~وغيرهم في طريقة الأعراض ونحوها PageV07P344 ### | AUTO فصل # وأما كلام الفلاسفة في هذا الباب فقال القاضي أبو الوليد بن رشد الحفيد ~~في كتابه المعروف بالأصول في العقائد قد رأيت أن أفصح في هذا الكتاب عن ~~الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها ونتحرى في ذلك كله ~~مقصد الشارع صلى الله عليه وسلم بحسب الجهد والاستطاعة فإن الناس قد ~~اضطربوا في هذا المعنى كل الاضطراب في هذه الشريعة حتى حدثت فرق ضالة ~~وأصناف مختلفة كل واحد منهم يرى أنه على الشريعة ms1448 الأولى وأن من خالفه إما ~~مبتدع وإما كافر مستباح الدم والمال وهذا كله عدول عن مقصد الشارع صلى الله ~~عليه وسلم وسببه ما عرض لهم من الضلال عن مقصد فهم الشريعة # وأشهر هذه الطوائف في زماننا هذا أربعة الطائفة التي تسمى بالأشعرية ~~والتي تسمى بالمعتزلة والطائفة التي تسمى بالباطنية والطائفة التي تسمى ~~بالحشوية وكل هذه الطوائف قد اعتقدت في PageV07P345 ~~الله اعتقادات مختلفة وصرفت كثيرا من ألفاظ الشرع عن ظاهرها إلى تأويلات ~~نزلوها في تلك الاعتقادات وزعم كل منهم أن اعتقاده هو الشريعة الأولى التي ~~قصد بالحمل عليها جميع الناس وأن من زاغ عنها فهو إما كافر وإما مبتدع وإذا ~~تؤملت جميعها وتؤمل مقصد الشرع ظهر أن جلها أقاويل محدثة وتأويلات مبتدعة # وأنا أذكر ما ذلك من ايجري مجرى العقائد الواجبة في الشرع الذي لا يتم ~~الإيمان إلا به وأتحرى في ذلك مقصد الشارع صلى الله عليه وسلم دون ما جعل ~~أصلا في الشرع وعقيدة من عقائده من قبل التأويل الذي ليس بصحيح وأبدأ من ~~ذلك بتعريف ما قصد الشارع أن يعتقده الجمهور في الله تبارك وتعالى والطرق ~~التي سلك بهم في ذلك وذلك في الكتاب العزيز # ونبتدي من ذلك بمعرفة الطريق التي تفضي إلى وجود الصانع إذ كانت أول ~~معرفة يجب أن يعلمها المكلف وقبل ذلك فينبغي أن PageV07P346 ~~نذكر آراء تلك الفرق المشهورة فنقول أما الفرقة التي تدعى بالحشوية فإنهم ~~قالوا إن طريق معرفة وجود الله سبحانه هو السمع لا العقل أعني أن الإيمان ~~بوجوده الذي كلف الناس التصديق به يكفي فيه أن يتلقى من صاحب الشرع ويؤمن ~~به إيمانا كما يتلقى منه أحوال المعاد وغير ذلك مما لا مدخل للعقل فيه # قال وهذه الفرقة الظاهر منها أنها مقصرة عن مقصود الشرع في الطريق التي ~~نصبها للجميع مفضية إلى معرفة وجود الله تبارك وتعالى # قلت ليس المقصود هنا الكلام على كل ما يقوله هذا الرجل فإن حصره للمسلمين ~~في هذه الطوائف الأربع تقصير منه إذ السلف والأئمة وخيار المسلمين ليس ms1449 منهم ~~واحد من هذه الطوائف فإن المعتزلة قد عرفت بدعتهم عند المسلمين والأشعرية ~~جاءوا بعدهم وما كان في كلامهم من حق فهو قول السلف والأئمة وما كان فيه من ~~باطل فهو مما أحدث كأقوال المعتزلة وغيرهم PageV07P347 ~~وأما الباطنية فهم أبعد عن السلف والأئمة من هؤلاء وهؤلاء # وأما الذين سماهم بالحشوية فهذا الذي ذكره عنهم إن أريد به أن الإيمان ~~بوجود الرب تبارك وتعالى يكفي فيه مجرد إخبار من لم يعلم صدقه بعد فهذا قول ~~لا يقوله عاقل يعقل ما يقول فضلا عن أن يكون هذا قول طائفة لها قول أو قول ~~سلف الأمة وأئمتها ولكن غاية ما قد يقال إن الجزم بوجود الرب تعالى يكفي في ~~الإيمان بأي طريق من الطرق حصل ذلك # وقد تنازع الناس في الجزم هل يمكن أن يكون بغير علم أم لا وهل يحصل ~~الإيمان بدون العلم به أم لا وإذا حصل الإيمان بدون العلم فهل يجب بعد ذلك ~~طلب العلم به أم لا # وتنازعوا في العلم به هل يحصل ضرورة وموهبة أم لا يحصل إلا كسبا ونحو ذلك ~~من المسائل التي ليس هذا موضعها # وكذلك العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره من المخبرين له طرق ~~متنوعة ليس هذا موضعها فغير الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أخبر بشيء قد ~~يعلم صدقه بوجوه متنوعة فالرسول صلى الله عليه وسلم أولى أن يعلم صدقه كذلك ~~وقد يفرق في التصديق بين شخص وشخص فهذا وأمثاله مما يقوله من يتكلم في العلم PageV07P348 # فهؤلاء قد يقولون العلم بوجود الرب هو فطري ضروري لا يتوقف على النظر ~~والعلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم مع ما يقترن برسالته من آيات الصدق ~~التي تحصل أيضا بالضرورة # وإذا حصل العلم بالصانع تعالى وبالرسول بعلوم ضرورية أمكن بعد هذا أن ~~يعلم تفصيل المعرفة بالله وصفاته وغير ذلك بطريق السماع من الرسول # ومما يبين هذا أن الذين خاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم كان عامتهم ~~مقرين بالصانع وكانت آيات رسالته وأعلام نبوته ms1450 أظهر عند طالب الحق من أن ~~تخفى على عاقل # وأيضا فقد يقال إن من الناس من يحصل له العلم بحال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأنه عالم صادق فيما يذكره من العلوم الإلهية والمعارف الدينية ثم ~~يعرف من الرسول صلى الله عليه وسلم هذه العلوم كما قد يسلكه أبو حامد وهذا ~~الرجل وغير واحد في العلم بالنبوة فيقولون نعلم أن هذا نبي كما نعلم أن هذا ~~طبيب وأن هذا شاهد عدل وأن هذا أمين وسائر الصناعات PageV07P349 ~~فإنه إذا علم وجود النوع كان العلم بأن هذا الشخص من أهل هذا النوع له طرق ~~متنوعة فهذه طريق تعرف به نبوة النبي قبل العلم بتفصيل العلوم الإلهية ~~والدينية # وبالجملة فالعلم بنبوة النبي لها طرق كثيرة قد ذكرت في غير هذا الموضع ~~فالذين يسلكون في معرفة الله تعالى طريق السماع والخبر المجرد يعرفون صدق ~~النبي أولا ثم يعلمون بخبره ما أخبر به # والعلم بصدق النبي ليس موقوفا على إثبات المقدمات التي يذكرها كثير من ~~أهل الكلام كالمعتزلة ومن تبعهم لما سلكوا في ذلك طريق إثبات حدوث الأجسام ~~بما ادعوه من التركيب وبما اتصفت به من الاختصاص وبما قام بها من الأعراض ~~والحوادث وظنوا أنه لا طريق إلى العلم بصدق الرسول إلا هذه أخذوا يشنعون ~~على من لم يسلك هذه الطرق أو قال ما يناقض مقدماتها وقد عرف بطلان طريقهم ~~شرعا وعقلا ولهم ولنحوهم من أهل الكلام الباطل تشنيعات على أهل الجماعة PageV07P350 ~~وقد تقدم من كلام أبي سليمان الخطابي وغيره في الغنية عن الكلام وأهله ~~وبيان طريق المعرفة ما يتعلق بهذا الموضوع ومثل هذا موجود في كلام عامة ~~أئمة المسلمين فإنهم يذمون الطريق التي أحدثها أهل الكلام كالمعتزلة ونحوهم ~~ولكن هؤلاء الذين ابتدعوها يذمون من لم يسلكها من عوام المسلمين وعلمائهم ~~ويسمونهم حشوية فإن لفظ الحشوية أول ما عرف الذم به من كلام المعتزلة ~~ونحوهم رووا عن عمرو بن عبيد أنه قال كان عبد الله بن عمر حشويا وهم يسمون ~~العامة الحشو كما تسميهم الرافضة ms1451 والفلاسفة الجمهور ويسمون مذهب الجماعة ~~مذهب الحشو فلما كان السلف والأئمة يردونهم إلى الشرع وظنوا هم أن الشرع لا ~~يدل إلا بمجرد خبر الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا بطريق الإلزام فيلزم أن ~~يكون وجود الصانع تعالى يكفي فيه مجرد خبر الرسول بوجوده وكان هذا من ~~تقصيرهم في معرفة الشرع فإن الشرع يتضمن بيان الدلائل العقلية التي يحتاج ~~إليها وينتفع بها في هذا الباب # وقد اعترف بذلك أئمة طوائف الكلام والفلسفة الذين يقولون لا تعرف إلا ~~بالعقل بل الذين يقولون بأن وجودب المعرفة والنظر ثابت في العقل كما سنذكر ~~إن شاء الله تعالى بعض كلامهم في ذلك فإن PageV07P351 ~~الكتاب والرسول وإن كان يخبر أحيانا بخبر مجرد كما يأمر أحيانا بأمر مجرد ~~فهو يذكر مع إخباره عن الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله من الدلالة والبيان ~~والهدى والإرشاد ما يبين الطرق التي يعلم بها ثبوت ذلك وما يهدى القلوب ~~ويدل العقول على معرفة ذلك ويذكر من الآيات والأمثال المضروبة التي هي ~~مقاييس عقلية وبراهين يقينية ما لا يمكن أن يذكر أحد من أهل الكلام ~~والفلسفة ما يقاربه فضلا عن ذكر ما يماثله أو يفضل عليه ### | AUTO ومن تدبر ذلك رأى أنه لم يذكر أحد طريقا عقليا يعرف به وجود ~~الصانع أو شيء من أحواله من أهل الكلام والفلاسفة إلا وقد جاء القرآن بما ~~هو خير منه وأكمل وأنفع وأقوى وأقطع بتقدير صحة ما يذكره هؤلاء فصل # ومما يبين أصل الكلام في هذا المقام أنه قد تنازع الناس في أصل المعرفة ~~بالله هل تحصل ضرورة في قلب العبد أو لا تحصل إلا بالنظر أو تحصل بهذا تارة ~~وهذا تارة # فذهب كثير من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية ومن وافقهم من الطوائف من ~~أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة PageV07P352 ~~وغيرهم إلى أنها لا تحصل إلا بالنظر وهؤلاء يقولون في أول واجب على العبد ~~هل هو النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة الله أو المعرفة وقد تنازعوا في ~~ذلك على قولين ذكرهما هؤلاء الطوائف من أصحاب ms1452 أحمد وغيرهم # والنزاع لفظي فإن النظر واجب وجوب الوسيلة من باب ما لا يتم الواجب إلا ~~به والمعرفة واجبة وجوب المقاصد فأول واجب وجوب الوسائل هو النظر وأول واجب ~~وجوب المقاصد هو المعرفة ومن هؤلاء من يقول أول واجب هو القصد إلى النظر ~~وهو أيضا نزاع لفظي فإن العمل الاختياري مطلقا مشروط بالإرادة وحكى عن أبي ~~هاشم أنه قال أول الواجبات الشك وقال كثير من أهل الكلام والصوفية والشيعة ~~وغيرهم إن المعرفة يبتديها الله اختراعا في قلوب العقلاء البالغين من غير ~~سبب يتقدم وغير نظر وبحث وأنها تقع ضرورة ويذكر ذلك عن صالح قبة وفضل ~~الرقاشي وغيرهما PageV07P353 ~~وعن الجاحظ أنه قال معرفة الله ضرورية وأنها تقع في طباع نامية عقب النظر ~~والاستدلال وأن العبد غير مأمور بها ويذكر نحو ذلك عن ثمامة بن أشرس # وذكروا عن الجهم أنه قال معرفة الله واقعة باختيار الله لا باختيار العبد ~~لأن العبد لا يفعل شيئا # وقال جمهور طوائف المسلمين يمكن أن تقع ضرورة ويمكن أن تقع بالنظر بل قال ~~كثير من هؤلاء إنها تقع بهذا تارة وبهذا تارة فالذين جوزوا وقوعها ضرورة هم ~~عامة اهل السنة وسائر المثبتين للقدر كالأشعري وغيره # وتنازع نظارهم هل ذلك بطريق خرق العادة أو هو معتاد على قولين ومن هؤلاء ~~القائلين بأنها تحصل تارة بالضرورة وتارة بالنظر أبو حامد والرازي والآمدي وغيرهم # ولهذا لما أوردوا عليهم في مسألة وجوب النظر أن المعرفة قد PageV07P354 ~~تحصل بغير الحس والخبر والنظر بطريق تصفية النفس وأنها طريق الصوفية وأنهم ~~جازمون بما هم عليه من العقائد في المعارف الإلهية بخلاف أصحاب النظر فإنه ~~قد لا يحصل لهم مثل هذا الجزم # وإذا كان كذلك فالرياضة إن لم تتعين طريقا إلى تحصيل معرفة الله فلا أقل ~~من أن تكون هي من جملة الطرق المفيدة لمعرفة الله تعالى فقال الرازي في ~~كتابه الكبير نهاية العقول في الجواب العقائد الحاصلة عند التصفية إما أن ~~تكون ضرورية وإما أن لا تكون فإن كانت ضرورية فلا كلام لنا فيها ms1453 فإنا قد ~~نسلم أن النظريات يمكن أن تصير ضرورية وإن لم تكن ضرورية فلا يخلو إما أن ~~تكون تلك العقائد بحال يلزم من زوالها زوال شيء من العلوم الضرورية أو لا ~~يلزم فإن لزم فتلك العلوم إنما حصلت مرتبة على تلك العلوم الضرورية ولا ~~معنى للعلم النظري إلا ذلك وإن لم يلزم فتلك العقائد ليست إلا عقائد ~~تقليدية فلا عبرة حينئذ بذلك فإن أمثال تلك العقائد قد توجد لأصحاب الرياضة ~~من المبطلين من اليهود والنصارى والدهرية PageV07P355 ~~وكذلك قال أبو الحسن الآمدي في كتابه الكبير المسمى أبكار الأفكار في مسألة ~~وجودب النظر لما ذكر حجة من ذكر من جهة المنازع إنا لا نسلم أنه لا طريق ~~إلى معرفة الله إلا بالنظر والاستدلال بل أمكن حصولها بطريق آخر إما بأن ~~يخلق الله تعالى العلم للمكلف بذلك من غير واسطة وإما بأن يخبره به من لا ~~يشك في صدقه كالمؤيد بالمعجزات الصادقة وإما بطريق السلوك والرياضة وتصفية ~~النفس وتكميل جوهرها حتى تصير متصلة بالعوالم العلوية مطلعة على ما ظهر ~~وبطن من غير احتياج إلى تعليم وتعلم # وقال في الجواب قولهم لا نسلم توقف المعرفة على النظر قلنا نحن إنما نقول ~~بوجوب النظر في حق من لم يحصل له العلم بالله PageV07P356 ~~بغير النظر وإلا فمن حصلت له المعرفة بالله بغير النظر فالنظر في حقه غير واجب # وكذلك ذكر هذا غير واحد من أئمة الكلام من أصحاب الأشعري وغيرهم ذكروا أن ~~المعرفة بالله تعالى قد تحصل ضرورة وأنهم مع قولهم بوجوب النظر فإنهم ~~يقولون بإيمان العامة إما لحصول المعرفة لهم ضرورة وإما لكونهم حصل لهم من ~~النظر ما يقتضي المعرفة وإما لصحة الإيمان بدون المعرفة ونقلوا صحة إيمان ~~العامة عن جميعهم # وممن ذكر ذلك أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا في كتابه الكلام أو بعض ~~نظرائه من أصحاب الأستاذ أبي المعالي قال فإن قيل إذا قلتم إن النظر واجب ~~والمعرفة واجبة فما قولكم في العوام وسائر الناس الذين لا ينظرون ولا ~~يعرفون أهم مؤمنون أم كافرون ms1454 قلنا اختلف في هذا علماء الأصول أما أبو هاشم ~~رأس القدرية فإنه ركب الأبلق العقوق في هذا وقال من لا يعرف الله فهو كافر ~~غير مؤمن وقال المعرفة واجبة فإذا لم تحصل فضدها النكرة والنكرة كفر وقرره ~~بأن هؤلاء العامة يقولون إنهم PageV07P357 ~~مخيرون في المذاهب أم غير مخيرين فإن قلتم إنهم مخيرون بين الرفض والاعتزال ~~والقدر والتجسيم والتشبيه وغير ذلك من المذاهب فهذا خطأ وعناد وإن قلتم لا ~~يخيرون بل يتبعون بعض المذاهب فلا يمكن اختيار بعض المذاهب إلا بدليل وذلك ~~هو العلم والنظر # قال وأما علماؤنا فكلهم مجمعون على أن العامة مؤمنون وأنهم حشو الجنة إلا ~~أنهم اختلفوا في ذلك فقال قائلون إنهم عالمون بالله تعالى عارفون بالأدلة ~~إلا أن عبارتهم غير مفصحة بالألفاظ المصطلح عليها وإلا فالأدلة في طي ~~عقولهم ونشر نفوسهم وإذا رأى أحدهم خضرة تفوه يقول سبحان الله وهذا نظر منه ~~وقالوا لا معنى للعلم إلا اعتقاد المعلوم على ما هو عليه وهذا موجود في حق ~~العامة ثم إنهم قالوا في العلوم النظرية ما قولكم فيها أتجيزون وجودها ~~ضرورة أم لا تجيزون وإن لم تجوزوا ذلك فقد أبعدتم وإن جوزتم ذلك فألا قلتم ~~مثله هاهنا ويكون التكليف الوارد في حقهم PageV07P358 ~~قول لا إله إلا الله محمد رسول الله وتكون المعارف ضرورية # قال وقال قائلون من علمائنا هم مؤمنون غير عالمين لأن للعلم حقيقة فإن ~~وجدت حكمنا بانهم عالمون وإلا فلا والعلم معرفة المعلوم على ما هو به على ~~وجه لا يمكن الانحلال عنه ولا الانفكاك منه وإذا طرأت عليه شبهة لا يرتاع ~~لها ولا يتشكك وهذا العلم بناؤه على طريق يفيد العلم ولا يوجد هذا في حق ~~العامة فإنهم وإن اعتقدوا المعلوم على ما هو به إلا أنهم يعرضه التشكك إذا ~~ذكرت لهم شبهة إذ لا يقدرون على دفعها بطريق يستند العلم إليه لأنهم يدفعون ~~الشبه باتباع الآباء والتعصب الذي نشأوا عليه وهذا لا يحصل به العلم وإذا ~~قال إن العلم حصل بغير اتباع الآباء والتقليد ms1455 فهذا عالم حقيقة كسادات ~~الصوفية فإن المعارف في حقهم ضرورة # قال وأما قوله بأن العامة ينظرون قلنا لعمري ذاك كله مبادىء النظر وما ~~وصلوا إلى غاية النظر وهو وقوف منهم على أحد شطري الشيء لأنهم يقولون ~~العالم حادث ويجوز أن يكون PageV07P359 ~~حادثا ويجوز أن يكون قديما مثلا فيعتقد حدوثه ولا ينظر إلى الجانب الآخر ~~والعالم يستعرض المسالك ويشرحها بالمدارك وينهى النظر إلى الغاية القصوى # قال فإن قيل كيف يكونون مؤمنين وليسوا بعارفين قلنا لأن الله تعالى أوجب ~~عليهم هذا القدر ولم يوجب عليهم العلم وهذا معلوم بضرورة العقل مستندا إلى ~~السمع فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكتفي من الأعراب بالتصديق مع ~~علمنا بقصور علمهم عن معرفة النظر والأدلة بل يجب عليهم نفي الشك عنهم فإذا ~~كانوا قد نفوا الشك واللبس عنهم وعقائدهم مستقرة فهم مؤمنون ولا نقول يجب ~~العلم بل لو زال الشك عنهم بخبر التواتر ظاهرا أو قول بعض المشايخ أو منام ~~هائل في حق الخصوم ثم سكنت قلوبهم إلى اعتقادهم صح ذلك فإن لم يزل عنهم ~~الشك إلا بالعلم فعند ذلك لا بد منه # قال وفي القرآن حجاج وإن لم يكن فيه الغلبة والفلج غير أن العامي يكتفي ~~به كقوله تعالى { أفعيينا بالخلق الأول } سورة ق 15 وليس من أنكر الحشر ~~ينكره لأجل العياء وكذلك قوله تعالى { ويجعلون لله ما يكرهون } سورة النحل ~~62 { ألكم الذكر وله الأنثى } سورة النجم 21 وليس هذا يدل على نفي الولد ~~قطعا فمبادىء النظر كافية لهم فإن قيل فإذا لم يجب هذا النظر على كافة ~~الناس فهل يجب على الآحاد قلنا أجل يجب في كل عصر أن يقوم به آحاد الناس ~~وهو فرض من فروض الكفايات كالجهاد وتعلم القرآن PageV07P360 ~~وغير ذلك من فروض الكفايات فأما عامة الناس فلا يتعين عليهم العلم بل ~~الاعتقاد الصحيح يكفيهم # قلت المقصود أن الطائفة الأولى الذين قالوا إن العامة عليهم العلم قالوا ~~إنه قد يحصل لهم ضرورة وقد يحصل بالنظر والطائفة الثانية الذين اكتفوا ~~بالاعتقاد ms1456 اعترفوا بأن من الناس من يحصل له المعرفة ضرورة كسادات الصوفية ~~وأما ذكره من أن الحجاج الذي في القرآن يكتفي به العامي وإن لم يكن فيه ~~الغلبة والفلج فهذا الكلام يقوله مثل هذا الرجل وأمثاله من أهل الكلام ~~الجاهلين بحقائق ما جاء به التنزيل وما بعث به الرسول حتى قد يقول بعضهم إن ~~الطريقة البرهانية ليست في القرآن وهؤلاء جهلهم بمعاني الأدلة البرهانية ~~التي دل عليها القرآن كجهلهم بحقائق ما أخبر به القرآن بل جهلهم بحقائق ما ~~دل عليه الشرع من الدلائل العقلية والمطالب الخبرية أعظم من جهلهم بما ~~سلكوه من الطرق البدعية التي سموها عقلية # وقد رأيت في كلام هذا الرجل وأمثاله من ذلك عجائب يخالفون بها صريح ~~المعقول مع مخالفتهم لصحيح المنقول ونقص علمهم وإيمانهم بما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع PageV07P361 # وقد بينا في غير هذا الموضع أن الطرق التي جاء بها القرآن هي الطرق ~~البرهانية التي تحصل العلم في المطالب الإلهية مثال ذلك أنه يستدل بقياس ~~الأولى البرهاني لا يستدل بقياس التمثيل والتعديل وذلك أن الله تعالى ليس ~~مماثلا لشيء من الموجودات فلا يمكن أن يستعمل في حقه قياس شمول منطقي تستوي ~~أفراده في الحكم كما لا يستعمل في حقه قياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع ~~فإنه سبحانه لا مثل له وإنما يستعمل في حقه من هذا وهذا قياس الأولى مثل أن ~~يقال كل نقص ينزه عنه مخلوق من المخلوقات فالخالق تعالى أولى بتنزيهه عنه ~~وكل كمال مطلق ثبت لموجود من الموجودات فالخالق تعالى أولى بثبوت الكمال ~~المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه لأنه سبحانه واجب الوجود فوجوده ~~أكمل من الوجود الممكن من كل وجه ولأنه مبدع الممكنات وخالقها فكل كمال لها ~~فهو منه وهو معطيه والذي خلق الكمال وأبدعه وأعطاه أحق بأن يكون له الكمال ~~كما يقولون كل كمال في المعلول فهو من العلة # وكان المشركون يقولون إن الملائكة بنات الله كما حكى الله ms1457 ذلك عنهم بقوله ~~{ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } سورة الزخرف 19 وهم مع هذا ~~يجعلون البنات نقصا وعيبا ويرون الذكر كمالا فقال لهم كيف تصفون ربكم بأنقص ~~الوصفين وأنتم مع هذا لا ترضون هذا لأنفسكم فهذا احتجاج عليهم بطريق PageV07P362 ~~الأولى في بطلان قولهم إن له البنات ولهم البنين لم يحتج بذلك على نفي ~~الولد مطلقا كما يقول من يفتري على القرآن # قال تعالى { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما ~~كنتم تفترون } سورة النحل 56 { ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ~~وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما ~~بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا ~~يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم } إلى قوله ~~تعالى { ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن ~~لهم النار وأنهم مفرطون } سورة النحل 57 62 # فبين سبحانه وتعالى أنهم يفضلون أنفسهم على ربهم ويجعلون له ما يكرهون ~~ويقولون بوصفهم الكذب أن لهم الحسنى وأنهم يجعلون لأنفسهم ما يشتهون وأن ما ~~جعلوا لله نظيره إذا بشر به أحدهم ظل وجهه مسودا يتوارى من القوم من سوء ما ~~بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون فبين سبحانه أن ~~هذا الحكم حكم سيىء # كما قال تعالى في الآية الأخرى { ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ~~ضيزى } سورة النجم 21 22 أي قسمة جائرة وقال في PageV07P363 ~~الآية الأخرى { وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين أم اتخذ مما ~~يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون } ~~سورة الزخرف 15 19 فقال تعالى مقيما للحجة مخاطبا باستفهام الإنكار المبين ~~لبطلان ms1458 ما أنكره وامتناعه وأن ذلك مستقر في الفطر { أم اتخذ مما يخلق بنات ~~وأصفاكم بالبنين } سورة الزخرف 16 فإنه لو قدر على سبيل الفرض أن يتخذ ~~أولادا أكان يتخذ مما يخلق بنات ويصفيكم بالبنين أي يجعل البنين صافين لكم ~~لا يشرككم في اتخاذ البنين بل تكونون أنتم مخصوصون بخير الصنفين وهو سبحانه ~~مخصوص بالصنف المنقوص # ثم ذكر عنهم ما يبين فرط نقص البنات عندهم فقال { وإذا بشر أحدهم بما ضرب ~~للرحمن مثلا } سورة الزخرف 17 وهن الإناث كما ذكر ذلك في سورة النحل أي ~~بالذي جعله مثلا للرحمن وهن البنات اللاتي جعل للرحمن مثلهن فضربه للرحمن ~~مثلا أي جعله له مثلا حيث مثل به الملائكة الذين جعلهم بنات الله فجعلهن ~~يماثلن البنات اللاتي جعل الرحمن مثلهن فضرب للرحمن أي PageV07P364 ~~جعل له مثلا يماثل البنات اللاتي إذا بشر أحدهم بها ظل وجهه مسودا وهو كظيم # ثم بين نقص النساء فقال { أو من ينشأ في الحلية } سورة الزخرف 18 وهن ~~النساء تربين في الحلية { وهو في الخصام غير مبين } سورة الزخرف 18 وهي ~~المرأة لا تكاد تتكلم بحجة لها إلا كانت عليها فبين أنهن من نقصهن يكملن ~~بالحلية التي تزينهن في أعين الرجال وهي لا تبين في الخصام # وعدم البيان صفة نقص فإن الله ميز الإنسان بالنطق والبيان الذي فضله به ~~على سائر الحيوان كما قال تعالى { الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه ~~البيان } سورة الرحمن 1 4 وقال { اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم ~~الإنسان ما لم يعلم } سورة العلق 3 5 # وأهل المنطق يقولون الإنسان هو الحيوان الناطق ولما كان هذا أظهر صفاته ~~قال تعالى { فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون } سورة ~~الذاريات 23 وقد قال تعالى { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } ~~سورة النجم 19 20 وهذه هي الأصنام الكبرى التي كانت بمدائن الحجاز فإنه كانت PageV07P365 ~~اللات لأهل المدينة والعزى لأهل مكة ومناة الثالثة الأخرى لأهل الطائف # وهذه كلها مؤنثة كما قال في الآية الأخرى ms1459 { إن يدعون من دونه إلا إناثا ~~وإن يدعون إلا شيطانا مريدا } سورة النساء 117 # وهذه جعلوها شركاء له تعبد من دونه وسموها بأسمائه مع التأنيث كما قيل إن ~~اللات من الإله والعزى من العزيز ومناة من منى يمنى إذا قدر وكانوا يسمونها ~~الربة وهم سموها بهذه الأسماء التي فيها وصفها لها بالإلهية والعزة ~~والتقدير والربوبية وهي أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان ~~أي من كتاب وحجة فإن الله تعالى لم يأمر أحدا بأن يعبد أحدا غيره ولم يجعل ~~لغيره شركاء في إلهيته # كما قال تعالى { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون } سورة الزخرف 45 PageV07P366 # وهو سبحانه دائما ينزه نفسه في كتابه العزيز عن الشريك والولد كما ذكره ~~في سورة النحل حيث قال { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم } سورة ~~النحل 56 الآية وما بعدها # وقال { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم ~~يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا } سورة الإسراء 111 # وقال تعالى { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي ~~له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك } سورة ~~الفرقان 1 2 # وقال تعالى { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا ~~أحد } سورة الاخلاص # وقال { وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~سبحانه وتعالى عما يصفون } سورة الأنعام 100 # وقالت الجن { وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } سورة الجن 3 # وإذا أراد أن يحتج سبحانه على نفي الولد مطلقا لم يذكر هذه الحجة التي لم ~~يفهم وجهها من لم يعرف ما في القرآن من الحجاج وظن هو PageV07P367 ~~وأمثاله من أهل الضلال أن حجاجهم أكمل من حجاج القرآن وأنهم حققوا أصول ~~الدين أعظم من تحقيق الصحابة والتابعين # بل يذكر سبحانه الحجة المناسبة للمطلوب كقوله تعالى { وقالوا اتخذ الله ~~ولدا ms1460 سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون بديع السماوات ~~والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } سورة البقرة 116 117 # وقال تعالى { وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن ~~له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم } سورة الأنعام 100 101 # والكلام على هذه الآيات وما فيها من الأسرار مذكور في غير هذا الموضع وقد ~~بين هناك أن هؤلاء الآيات تضمنت إبطال قول المبطلين من المشركين والصابئين ~~وأهل الكتاب وتضمنت إبطال ما كان يقوله مشركو العرب وما يقوله النصارى وما ~~يقوله مشركو الصابئة وفلاسفتهم الذين يقولون بتولد العقول أو العقول ~~والنفوس عنه # ومن أراد الجمع بين كلامهم وبين النبوات سماها ملائكة ويقول العقل كالذكر ~~والنفس كالأنثى فهؤلاء خرقوا له بنين وبنات بغير علم PageV07P368 # ثم بين سبحانه أنه مبدع للسماوات والأرض والإبداع خلق الشيء على غير مثال ~~بخلاف التولد الذي يقتضي تناسب الأصل والفرع وتجانسهما # والإبداع خلق الشيء بمشيئة الخالق وقدرته مع استقلال الخالق به وعدم شريك ~~له والتولد لا يكون إلا بجزء من المولد بدون مشيئته وقدرته ولا يكون إلا ~~بانضمام أصل آخر إليه # وقال تعالى { أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم } سورة الأنعام 101 فبين بطلان كون الولد له من غير صاحبة لقوله { ولم ~~تكن له صاحبة } سورة الأنعام 101 فإن التولد لا يكون إلا من أصلين وليس في ~~الموجودات ما يكون وحده مولدا لشيء بل قد خلق الله تعالى من كل شيء زوجين ~~وهو سبحانه الفرد الذي لا زوج له # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين فساد قول المتفلسفة الذين يقولون لا ~~يصدر عن الواحد إلا واحد حتى قالوا إن الواجب لم يصدر عنه أولا إلا عقل ثم ~~بتوسط العقل صدر عقل ونفس وفلك PageV07P369 # وهذا الكلام وإن كان فساده معلوما من وجوه كثيرة كما ms1461 قد بسط في موضعه ~~فالمقصود هنا أنه ليس في الموجودات الواحد البسيط الذي يصفونه وهو المجرد ~~عن جميع صفات الإثبات الذي لا يوصف إلا بالسلوب والإضافات بل هذا الواحد لا ~~حقيقة له # وأيضا فإنه لا يعرف في الموجود واحد صدر عنه بمجرده شيء وما يمثلون به من ~~أن النار لا يصدر عنها إلا الاحراق والتسخين والماء لا يصدر عنه إلا ~~التبريد والشمس يصدر عنها الشعاع ونحو ذلك كلها حجج عليهم فإن هذه الآثار ~~لم تصدر عن مجرد هذه الأجسام وطبائعها بل لا تكون السخونة والإحراق إلا عن ~~شيئين أحدهما النار أو الشعاع أو الحركة فإن هذه الثلاثة من أسباب السخونة ~~والثاني محل قابل لذلك كبدن الحيوان والنبات ونحو ذلك وإلا فالسمندل ~~والياقوت وغيرهما لما لم تكن فيه قوة القبول لم تحرقه النار # وكذلك الشعاع لا بد له من محل يقبل الانعكاس عليه وإلا فإذا لم يكن هناك ~~جسم قابل له لم يحدث الشعاع # وهؤلاء الملاحدة يقولون إن الأول الواجب الوجود الذي PageV07P370 ~~يسمونه العلة هو ذات بسيطة ليس له نعت من النعوت وأنه صدر عنه عقل هو واحد ~~بسيط أيضا لأنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد ثم صدر عنه عقل ونفس وفلك وليس ~~هذا نظير ما يمثلون به من الآحاد فإن آثارها كانت بمشاركة من القوابل ~~الموجودة وهنا كل ما سوى الأول فهو معلول له ليس هناك موجود غيره ليشترك هو ~~وذلك الموجود في ذلك كاشتراك الشمس والمطارح القابلة واشتراك النار ~~والموارد القابلة # فقوله تعالى { أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة } سورة الأنعام 101 بيان ~~أن التولد لا يكون إلا بين اثنين وهو سبحانه لا صاحبة له فكيف يكون له ولد # وهذا القدر لما كان مستقرا في فطر الناس كان عامة ما يسمونه تولدا ونتاجا ~~إنما يكون عن أصلين فالأمور التي تسمى متولدات كالشبع والري ونحو ذلك إنما ~~حدثت عن أصلين فعل العبد والأسباب الأخر المعاونة له # وكذلك النظار يقولون النتيجة لا تكون إلا عن مقدمتين ويشبهون حصول ms1462 ~~النتيجة عن المقدمتين بحصول النتاج عن الأصلين من PageV07P371 ~~الحيوان لأن هذين أصلان في التوليد وهذين أصلان في التولد # ثم قال تعالى { وخلق كل شيء } سورة الأنعام 101 وذلك بيان لأنه إذا كان ~~خالقا لجميع الأشياء فكيف يكون فيها ما هو متولد عنه والجمع بين الخلق ~~والتوليد ممتنع كما يمتنع الجمع بين التولد والتعبد # كما قال تعالى { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا } سورة مريم 88 94 # وقال تعالى { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون } سورة ~~الأنبياء 26 حتى أنه استدل بهذا طائفة من الفقهاء على أن ولد الإنسان يعتق ~~عليه إذا ملكه فلا يكون عبده من هذه الآية لأنه سبحانه بين تنافي التوليد ~~والتعبيد PageV07P372 # وهذا الحكم معلوم بأدلة أخرى كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال لعل صاحبها يلم بها قالوا أجل قال لقد ~~هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستعبده وهو ~~لا يحل له # فبين صلى الله عليه وسلم أنه إذا وطىء تلك الحبلى وسقى ماءه زرع غيره ~~فإنه بتلك الزيادة التي تحصل منه في الجنين يصير شريكا له في التولد وحينئذ ~~فلا يحل له أن يستعبده ولا أن يجعله موروثا عنه كما يورث ماله فإذا كان هذا ~~بمشاركته في التولد مع أن الولد قد انعقد من ماء غيره فكيف بالولد الذي ~~انعقد منه # وكذلك قوله تعالى { وهو بكل شيء عليم } سورة الأنعام 101 كما قال في ~~الآية الأخرى { لقد أحصاهم وعدهم عدا } سورة مريم 94 فإن إحاطة العلم والعد ~~بهم فيه بيان أنه لا يكون منهم إلا ما يعلمه لا ينفردون عنه بشيء كما ينفرد ~~الولد عن والده والشريك عن شريكه PageV07P373 # وقوله في الآية ms1463 الأخرى { بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون } سورة البقرة 117 بيان لكونه سبحانه يخلق الأشياء بكلمته ~~وأنها منقادة له فإذا قال لها كن كانت وهذا مناف للتوليد بل خلق المسيح ~~عليه السلام بكلمة كن # وقد علم في الشاهد أن من يدبر الأشياء بمجرد كلمته ليس كالذي يحتاج إلى ~~أن تولد منه الأشياء فكيف يوصف بالتولد وهو سبحانه في جميع ما يقضيه إنما ~~يقول له كن فيكون # وأما ما ذكره من قوله تعالى { أفعيينا بالخلق الأول } سورة ق 15 وقول ذلك ~~القائل من أنكر الخلق فلم ينكره لأجل كونه عيي بالخلق الأول فيقال له مثل ~~هذا الكلام إذا قاله ملحد طاعن في القرآن كان فيه من الدلالة على جهله ~~وضلاله ما لا يقدر على وصفه الإنسان # وذلك أن الله تعالى في كتابه ذكر من دلائل المعاد وبراهينه ما لا يقدر ~~أحد على أن يأتي بقريب منه وذكر فيه من أصناف الحجج ما ينتفع به عامة الخلق PageV07P374 # فإنه سبحانه دل على إمكان إحياء الموتى وقدرته على ذلك بطريق الوجود ~~والعيان وبطريق الاعتبار والبرهان والأول أعظم الطريقين فلا شيء أدل على ~~إمكان الشيء من وجوده فذكر في كتابه ما أحياه من الموتى في غير موضع # كما قال تعالى في سورة البقرة { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم ~~تشكرون } سورة البقرة 55 56 فهذه في قصة موت بني إسرائيل الذين سألوه الرؤية # وقال في قصة البقرة { فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم ~~آياته لعلكم تعقلون } سورة البقرة 73 # وقال في الذين خرجوا من ديارهم { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ~~ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس } ~~سورة البقرة 243 الآية وهي قصة معروفة # وقال تعالى { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي ~~هذه الله بعد موتها ms1464 فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت ~~يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ~~وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها ~~لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } PageV07P375 ~~سورة البقرة 259 فقص هذه القصة التي فيها موت البشر مائة عام وموت حماره ~~ومعه طعامه وشرابه ثم إحياء هذا الميت وإحياء حماره وبقاء طعامه وشرابه لم ~~يتغير ولم يفسد وهو في دار الكون والفساد التي لا يبقى فيها في العادة طعام ~~وشراب بدون التغير بعض هذه المدة وهذا يبين قدرته على إحياء الآدميين ~~والبهائم وإبقاء الأطعمة والأشربة لأهل الجنة في دار الحيوان بأعظم ~~الدلالات # وذكر بعد ذلك قول إبراهيم { رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل ~~جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم } سورة البقرة ~~260 فأمره بخلط الأطيار الأربعة مثلا مضروبا لاختلاط الأخلاط الأربعة ثم ~~أحيى الأطيار وميز بين هذا وهذا وجعلهن يأتين سعيا إجابة PageV07P376 ~~لدعوة الداعي فكان في ذلك من الدليل ما لا يخفى على ذي تحصيل # فهذه خمس قصص في إحياء الآدميين وقصة في إحياء البهائم وقصة في إبقاء ~~الطعام والشراب وقصة في إحياء الطير وذكر في غير موضع إحياء المسيح صلى ~~الله عليه وسلم للموتى وذكر قصة أصحاب الكهف وبقاءهم ثلاثمائة سنة وتسع ~~سنين نياما لا يأكلون ولا يشربون وهم أحياء لم يفسدوا # وقال في القصة { وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة ~~لا ريب فيها } سورة الكهف 21 # فهذه القصص فيها من الإخبار بالموجود ما هو من أعظم الدلائل على القدرة ~~والإمكان لإحياء الله الموتى وصدق هذه الأخبار يعلم بما به يعلم صدق الرسول ~~ويعلم بأخبار أخرى من غير طريق الرسول وإخباره بها من أعلام نبوته كما ms1465 قد ~~بسط في موضع آخر PageV07P377 # وأما الصنف الثاني وهو طريق إثبات الإمكان والقدرة بالاعتبار والقياس ~~بطريق الأولى فإنه سبحانه يستدل على ذلك تارة بخلق النبات ويبين أن قدرته ~~على إحياء الموتى كقدرته على إنبات النبات وتارة يستدل على ذلك بخلق ~~الحيوان نفسه وأن قدرته على الإعادة كقدرته على الابتداء وأولى # وتارة يبين ذلك بقدرته على خلق السماوات والأرض كما في قوله تعالى { يا ~~أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى ~~أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها ~~الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي ~~الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من ~~في القبور } سورة الحج آيه 75 # وفي هذا الكلام العزيز من أنواع الاعتبار ما لا يحتمله هذا المكان # وقال تعالى { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت ~~سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } سورة PageV07P378 ~~الأعراف 57 فبين أن إخراج النبات بالماء مما يتذكر به إخراج الموتى من قبورهم # وقال تعالى { ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ~~والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ~~} سورة ق 119 # وقال تعالى { والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ~~فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور } سورة فاطر 9 # وقال تعالى { أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا ~~بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ~~ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا ms1466 تذكرون } سورة الواقعة 58 62 # وقال تعالى { أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ~~بلى وهو الخلاق العليم } سورة يس 81 # وقال تعالى { أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي ~~بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير } الأحقاف 33 # وقال تعالى { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } سورة الروم 27 PageV07P379 # وقد بين سبحانه من حجج منكري المعاد والجواب عنها وتقريره ما يطول هذا ~~الموضع باستقصائه كما في قوله { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي ~~العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل ~~لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون } سورة يس 78 80 إلى آخر ~~الآيات وهذا باب واسع ليس هذا موضع بسطه # فأما الآية التي ذكرها القائل المتقدم وهي قوله { أفعيينا بالخلق الأول } ~~سورة ق 15 فإن العرب تقول عي وعيى بأمره إذا لم يهتد لوجهه ويقول الرجل ~~عييت بأمري إذا لم يهتد لوجهه وأعياني هو # وقال الشاعر # % عيوا بأمرهم كما % عييت ببيضتها الحمامة % # فالعيى بالأمر يكون عاجزا عنه مثل أن لايدري ما يفعل به # فقال سبحانه باستفهام الإنكار المتضمن نفي ما استفهم عنه وأن ذلك معلوم ~~عند المخاطب { أفعيينا بالخلق الأول } سورة ق 15 فلم نكن عالمين بما نصنع ~~فيه ولا قادرين عليه أم خلقناه بعلمنا وقدرتنا وأتينا فيه من الإحكام ~~والإتقان بما دل على ذلك كمال علمنا وحكمتنا وقدرتنا # وهذا نظير قوله { أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي ~~بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير } PageV07P380 ~~سورة الأحقاف 33 # ومن المستقر في بدائة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق ~~الآدميين فإذا كان فيها من الدلالة على علم خالقها وقدرته وحكمته ما بهر ~~العقل أفلا يكون ذلك دالا على أنه قادر على إحياء الموتى لا يعيى بذلك كما ~~لم يعى ms1467 بالأول بطريق الأولى والأخرى # ولعل هذا الجاهل لم يفهم هذه الآية فظن أن قوله { ولم يعي بخلقهن } ~~الأحقاق 33 هو من الإعياء الذي هو النصب واللغوب وأن المعنى إذا كنا ما ~~تعبنا في الخلق الأول فكيف نتعب في الثاني فإن كان هذا هو الذي فهمه من ~~الآية كما يفهم ذلك جهال العامة الذين لا يعرفون لغة العرب ولا تفسير ~~القرآن ولا يفرقون بين عيى وأعيا فقد أوتى من جهة جهله بالعقل والسمع # وهؤلاء المبتدعون يجهلون حقائق ما جاء به الرسول ويعرضون عنه ثم يحكمون ~~بموجب جهلهم أن ليس في ذلك من البراهين من PageV07P381 ~~جنس ما في كلامهم ولو أوتوا العقل والفهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لتبينوا أنه الجامع لكل خير # وأما فساد طرقهم المخالفة للنصوص فهو بين لكل ذكي فاضل منهم ومن غيرهم ~~ويكفيك أن عمدتهم في أصول الدين إما دليل الأعراض وقد علم ما فيه من ~~الاعتراض وإما دليل الوجوب المستلزم للواجب # وقد بينا في غير هذا الوضع أن تلك الطريقة لا تدل على وجود واجب فإن ذلك ~~إنما يدل إذا ثبت وجود الممكن الذي يستلزم الواجب والممكن عندهم هو متناول ~~القديم والحادث فجعلوا القديم الأزلي داخلا في مسمى الممكن وخالفوا بذلك ~~قول سائر العقلاء من سلفهم وغيرهم مع تناقضهم في ذلك # وبهذا التقدير لا يمكنهم أن يقيموا دليلا على أن الممكن بهذا الاعتبار ~~يحتاج إلى فاعل وقد أوردوا على هذه الطريقة من الاعتراضات ما أوردوه ولم ~~يمكنهم أن يجيبوا عنه بجواب صحيح كما قد بسط في موضعه ثم غايته إثبات وجود ~~واجب لايتميز عن المخلوقات ولهذا صار كثير منهم إلى أن الوجود الواجب لا ~~يتميز عن المخلوقات ولهذا صار كثير منهم إلى أن الوجود الواجب هو وجود ~~المخلوقات فكثير PageV07P382 ~~من نظارهم يطعن في دليل إثبات واجب الوجود وكثير من محققيهم وعارفيهم يقول ~~إن الوجود الواجب هو وجود المخلوقات # ومآل القولين واحد وهو قول فرعون الذي أنكر رب العالمين فإن فرعون وغيره ~~لم ينكروا وجود ms1468 هذا العالم المشهود فمن جعله هو الوجود الواجب أو كان قوله ~~لا يدل إلا على ذلك كان منكرا للصانع ثم إذا كان هذا هو الوجود الواجب كان ~~ما يلزمهم على ذلك من المحالات أضعاف ما فروا منه كما بينا ذلك في غير هذا الموضع # فمن جعله وجود كل موجود كان فيه الشهادة على نفس الوجود المحدث الكائن ~~بعد أن لم يكن بأنه واجب ومن جعله وجود الفلك كان فيه من افتقار واجب ~~الوجود إلى غيره ومن حدوث الحوادث بلا سبب فاعل ومن غير ذلك ما يناقض ~~أصولهم وأصول غيرهم المتفق على صحتها ويوقعهم في شر مما منه فروا # والمقصود هنا أنه سبحانه لما قال { أفعيينا بالخلق الأول } سورة ق 15 لم ~~يرد الإعياء الذي هو التعب وإنما أراد العى كما تقول العرب عيى بأمره إذا ~~لم يهتد لوجهه وحينئذ فيكون في الآية من الدلالة على علم الخالق وحكمته ما ~~يبين أنه خلقه بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه ومن كان خالقا لهذا العالم ~~بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه كان بأن يقدر على إحياء الموتى أولى وأحرى PageV07P383 # والملاحدة المنكرون للمعاد تعود شبههم كلها إلى ما ينفي علم الرب تعالى ~~أو قدرته أو مشيئته أو حكمته ونفي العي يثبت هذه الصفات فتنتفي أصول شبههم ~~فالفلاسفة الإلهيون الذين هم أشهر هذه الطوائف بالحكمة والنظر بالعلم رهط ~~الفارابي وابن سينا وأمثالهما عمدتهم في إنكار المعاد هو اعتقادهم قدم ~~العالم وأن الفاعل علة تامة موجبة بالذات لايختلف فعلها فلا يجوز أن يتغير ~~العالم لأجل ذلك # وهؤلاء في كلامهم من نفى قدرته وعلمه ومشيئته ما هو مبسوط في غير هذا ~~الموضع ومن أيسر ذلك أنهم في الحقيقة ينكرون أن يكون خالقا للمحدثات # وإذا كان قد عرف بضرورة العقل أن المحدثات وما فيها من التخصيص والإتقان ~~والحكمة دل على الخالق العليم القدير الحكيم علم فساد قول هؤلاء فإن قولهم ~~يستلزم أن تكون المحدثات كلها حدثت بلا محدث لأن العلة القديمة التامة التي ~~جعلوها الأول لا يتأخر عنها شيء من معلولاتها ms1469 فلا يكون شيء من الحوادث ~~معلولا لها فلا يكون مفعولا لها ولا يجوز أن تكون الحوادث معلولة لعلة أخرى ~~تامة موجبة بذاتها لأن القول في تلك PageV07P384 ~~العلة كالقول في هذه ولا يجوز أن يكون صدرت عن ممكن لا علة له لأن الممكن ~~لا يكون موجودا بنفسه بل لا بد له من موجد سمى علة أو لم يسم ولا يجوز أن ~~يكون صدرت عن ممكن بنفسه لأن كون ذلك الممكن محدثا لها أمر ممكن محدث فلا ~~بد له من محدث فإذا استحال على أصولهم صدور الحوادث عن العلة التامة ~~الواجبة بواسطة أو غير واسطة فقد تعذر صدورها عن ممكن لا موجب له وعن موجب ~~لا يستند فعله إلى الواجب بنفسه لزم على قولهم أن لا يكون لها فاعل # ووجه الحصر أن يقال محدث الحوادث إما أن يكون هو الواجب بنفسه بوسط أو ~~بغير وسط أو غير الواجب بنفسه وما ليس بواجب بنفسه فهو الممكن والممكن إما ~~أن يكون له موجد وإما أن لا يكون والثاني ممتنع والأول نفس إحداثه للمحدثات ~~أمر حادث ممكن فلا بد له من موجد # فتبين أن المحدثات لا بد لها من محدث يكون واجبا بنفسه ولا يكون علة تامة ~~مستلزمة لمعلولها وهذا يبطل أصل قولهم # وهذا قول حذاقهم كابن سينا وأمثاله الذين يقولون إنه صدر عن موجب بالذات ~~ويحكى هذا القول عن برقلس وأما أرسطو وأتباعه فعندهم الأول لا يوجب شيئا ~~ولا يفعل شيئا بل PageV07P385 ~~الفلك يتحرك للتشبه به وهذا أفسد من ذاك من طرق متعددة وليس هذا موضع بسط ذلك # وإنما المقصود هنا التنبيه على أن قوله تعالى { ولم يعي بخلقهن } سورة ~~الأحقاف 33 فيه تنبيه على ثبوت الأمور التي توجب وصف خالق السماوات والأرض ~~بصفات الكمال وبإحداث الأفعال وذلك هو الذي يستلزم قدرته على إحياء الموتى ~~وبسط ذلك يطول # ومما يبين خذلان الله لأهل البدع المخالفين للكتاب والسنة أن هذين ~~الأصلين أمر الولادة وأمر المعاد هما من أعظم أصول أهل الضلال كالدهرية من ~~الفلاسفة وغيرهم ms1470 الذين يقولون إن العقول تولدت عن الله وينكرون إحياء الله الموتى # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى شتمني ~~ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي ~~فقوله إني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي ~~كفوا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون ~~علي من إعادته وهذا في الصحيح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~حديث أبي هريرة وابن عباس PageV07P386 # وهؤلاء الملاحدة شتموه بما ذكروه من تولد الموجودات عنه وكذبوه بقولهم لن ~~يعيدنا كما بدأنا وضاهوا في ذلك أشباههم من ملاحدة العرب # قال تعالى { ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان ~~أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } إلى قوله { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال ~~لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا سنكتب ما يقول ~~ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } إلى قوله تعالى { ~~وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ~~إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا ~~وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } سورة مريم 66 95 # فذكر سبحانه في هذا الكلام الرد على من أنكر المعاد وعلى من قال إنه اتخذ ~~ولدا كما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في الحديث PageV07P387 # وهذا المبتدع ذكر في دلالة القرآن على هذا وعلى هذا ما تقدم التنبيه على ~~فرط ضلال قائله عن حقائق ما أنزل الله على رسوله # ولهذا لما كانت طريقة القرآن فيما يثبته للرب تعالى وينفيه عنه مبنية على ~~برهان الأولى لا على البرهان الذي تستوي أفراده أو يماثل فرعه أصله # قال تعالى { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ms1471 ولله المثل الأعلى } سورة ~~النحل 60 بعد قوله { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم } سورة ~~النحل 58 # وقال تعالى في الآية الأخرى { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن } سورة ~~الزخرف 17 أي بما ضربوه للرحمن مثلا والمثل الذي ضربوه له هو البنات وهو ~~عندهم مثل سوء مذموم معيب فقال تعالى { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ~~} سورة النحل 60 ومن قال إنه ولد الملائكة أو قال إنه ولد العقول أو النفوس ~~فإنه لا يؤمن بالآخرة فله مثل السوء # والله تعالى له المثل الأعلى فلا يضرب له المثل المساوي إذ لا كفو له ولا ~~ند فضلا عن أن يضرب له المثل الناقص ولا يكتفى في حقه بالمثل العالي بل له ~~المثل الأعلى إذ هو الأعلى سبحانه والعلم به أعلى العلوم وذكره أعلى ~~الأذكار وحبه أعلى الحب PageV07P388 # والذي يبتغي وجه ربه الأعلى هو أعلى إذ هو الأتقى الذي هو أكرم الخلق على ~~الله كما قال تعالى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } سورة الحجرات 13 وقال ~~تعالى { وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى ~~إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } سورة الليل 17 20 # ونظير ما ذكره سبحانه في الأولاد ما ذكره في الشركاء في قوله تعالى { ضرب ~~لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم ~~فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } سورة الروم 28 يقول تعالى إذا ~~كان الواحد منكم ليس له من مماليكه شريك في ما رزقه الله بحيث يخاف ذلك ~~المملوك كما يخاف السادة بعضهم بعضا فكيف تجعلون لي شريكا هو مملوكي ~~وتجعلونه شريكا فيما يختص بي من العبادة والمخافة والرجاء حتى تخافوه كما ~~تخافوني # ومن المعلوم أن ملك الناس بعضهم بعضا ملك ناقص فإن السيد لا يملك من عبده ~~إلا بعض منافعه لا يملك عينه وهو شبيه بملك الرجل بعض منافع امرأته وملك ~~المستأجر بعض منافع أجيره ولهذا PageV07P389 ~~يشبه النكاح بملك اليمين كما قال عمر ms1472 رضي الله عنه النكاح رق فلينظر أحدكم ~~عند من يرق كريمته # وقال زيد بن ثابت الزوج سيد في كتاب الله وقرأ قوله تعالى { وألفيا سيدها ~~لدى الباب } سورة يوسف 25 فإذا كان هذا الملك الناقص لا يكون المملوك فيه ~~شريكا للمالك فكيف بالملك الحق التام لكل شيء ملك المالك للأعيان والصفات ~~والمنافع والأفعال الذي لا يخرج عن ملكه شيء بوجه من الوجوه ولا لغيره ملك ~~مفرد ولا شريك في ملك ولا معاونة له بوجه من الوجوه كيف يسوغ في مثل هذا أن ~~يجعل مملوكه شريكه بوجه من الوجوه # والشرك نوعان أحدهما شرك في الربوبية والثاني شرك في الإلهية فأما الأول ~~فهو إثبات فاعل مستقل غير الله كمن يجعل الحيوان مستقلا بإحداث فعله ويجعل ~~الكواكب أو الأجسام الطبيعية أو العقول أو النفوس أو الملائكة أو غير ذلك ~~مستقلا بشيء من الأحداث فهؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الحوادث عن الفاعل فإن كل ~~ما يذكرونه من فعل هذه الفاعلات أمر حادث يفتقر إلى محدث يتم به إحداثه ~~وأمر ممكن لا بد له من واجب يتم به PageV07P390 ~~وجوده وكل ما سوى الخالق القديم الواجب الوجود بنفسه مفتقر إلى غيره فلا ~~يتم به حدوث حادث ولا وجود ممكن # وجمهور العرب لم يكن شركها من هذا الوجه بل كانت مقرة بأن الله خالق كل ~~شيء وربه ومليكه وإنما كان من النوع الثاني فإثبات التوحيد في النوع الثاني ~~يتضمن الأول من غير عكس # والثاني الشرك في الإلهية وضده هو التوحيد في الإلهية وهو عبادة الله ~~وحده لا شريك له فإن المشركين المقرين بأنه رب كل شيء كانوا يتخذون آلهة ~~يستجلبون بعبادتها المنافع ويستدفعون بها المضار ويتخذونها وسائل تقربهم ~~إليه وشفعاء يستشفعون بها إليه # وهؤلاء خلق من خلقه لا يملكون لأحد نفعا ولا ضرا إلا بإذنه فكل ما يطلب ~~منهم لا يكون إلا بإذنه وهو سبحانه لم يأمر بعبادة غيره ولم يجعل هؤلاء ~~شفعاء ووسائل # بل قد قال تعالى { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ms1473 ~~الرحمن آلهة يعبدون } سورة الزخرف 45 # وقال تعالى { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون } سورة الأنبياء 25 # وقال تعالى { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون } PageV07P391 ~~سورة يونس 18 # وهذا المعنى كثير في القرآن يبين سبحانه أنه لم يشرع عبادة غيره ولا أذن ~~في ذلك بل يبين أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فإنه كما يمتنع أن ~~يكون غيره ربا فاعلا يمتنع أن يكون إلها معبودا # وإذا كان جعل المملوك شريكا في الملك الناقص بحيث يرغب إليه كما يرغب إلى ~~المالك ويرهب منه كما يرهب من المالك ممتنعا يوجب الفساد فجعل المملوك ~~المخلوق شريكا لمالكه الخالق أولى بالامتناع ولزوم الفساد # وذلك أن الذي يخافه إنما يخاف أن يضره فإذا كان يعلم أنه لايضره إلا بإذن ~~الله سبحانه كان الله تعالى هو الذي يجب أن يخاف وكذلك الذي يرجوه إذا كان ~~إنما يرجو نفعه وهو لا ينفعه إلا بإذن الله كان الله هو الذي يجب أن يرجى ~~إذ لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله بخلاف مملوك البشر فإنه وإن كان لا يتصرف ~~في المال إلا بإذن سيده ولا يمنع من أذن له PageV07P392 ~~سيده فقد يمكنه معصية سيده وإذا كان في معصيته نوع من الفساد # والخالق تعالى لا يمكن أحدا أن يفعل شيئا إلا بمشيئته وقدرته فما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن وفي معصية أمره الفساد الذي لا صلاح معه فالمخلوق أعجز ~~عن أن ينفع أو يضر بدون إذنه من عجز المملوك عن النفع والضر بدون إذن سيده ~~ومعصية المخلوق لأمره الذي أرسل به رسله أعظم فسادا من معصية المملوك لأمر سيده # قال تعالى في قصة الخليل صلى الله عليه وسلم ومناظرته لقومه { وحاجه قومه ~~قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به ms1474 إلا أن يشاء ربي شيئا ~~وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم ~~أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم ~~تعلمون } سورة الأنعام 80 81 PageV07P393 # قال تعالى { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون } سورة الأنعام 82 # وقال تعالى { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل ~~له من بعده وهو العزيز الحكيم } سورة فاطر 2 # ولما كان الطريق إلى الحق هو السمع والعقل وهما متلازمان كان من سلك ~~الطريق العقلي دله على الطريق السمعي وهو صدق الرسول ومن سلك الطريق السمعي ~~بين له الأدلة العقلية كما بين ذلك القرآن وكان الشقي المعذب من لم يسلك لا ~~هذا ولا هذا # كما قال أهل النار { لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } سورة ~~تبارك 10 # وقال تعالى { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } سورة ~~الحج 46 # ولهذا نفى سبحانه عن الشرك الطريق السمعي والعقلي ونفى شرك الإلهية ~~والربوبية في مثل قوله { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا ~~من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم ~~إن كنتم صادقين } PageV07P394 ~~سورة الأحقاف 4 فطالبهم أولا بالطريق العقلي وثانيا بالطريق السمعي # ونظيره قوله { قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه ~~بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا } سورة فاطر 40 وهذا باب واسع قد ~~بسط الكلام فيه في غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه اللطيف على بعض ما في القرآن من تقرير المعاد ونفي ~~الولد والشريك إذ كان هذا فصلا معترضا في هذا المقام # فقد تبين أن جمهور النظار من جميع ms1475 الطوائف يجوزون أن تحصل المعرفة ~~بالصانع بطريق الضرورة كما هو قول الكلابية والأشعرية وهو مقتضى قول ~~الكرامية والضرارية والنجارية والجهمية وغيرهم وهو قول طوائف أهل السنة من ~~أهل الحديث والفقهاء وغيرهم كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة ومالك ~~والشافعي وأحمد وغيرهم # وإنما ينازع في ذلك من ينازع من القدرية كالمعتزلة ونحوهم مع أنهم ~~متنازعون في ذلك بل كثير من أهل الكلام بل PageV07P395 ~~وجمهور العلماء يقولون إن الإقرار بالصانع حاصل لعامة الخلق بطريق الضرورة # كما ذكر الشهرستاني في كتابه المعروف بنهاية الإقدام في قاعدة التعطيل ~~قال قد قيل إن التعطيل ينصرف إلى وجوه شتى منها تعطيل الصنع عن الصانع ~~ومنها تعطيل الصانع عن الصنع ومنها تعطيل الباري عن الصفات الأزلية الذاتية ~~ومنها تعطيل الباري عن الصفات الأزلية القائمة بذاته ومنها تعطيل الباري عن ~~الصفات والأسماء أزلا ومنها تعطيل ظواهر الكتاب والسنة عن المعاني التي دلت عليها # ثم قال أما تعطيل العالم عن الصانع العليم القادر الحكيم فلست أراها ~~مقالة ولا عرفت عليها صاحب مقالة إلا ما نقل من شرذمة قليلة من الدهرية ~~أنهم قالوا كان PageV07P396 ~~العالم في الأزل أجزاء مبثوثة تتحرك على غير استقامة فاصطكت اتفاقا فحصل ~~منها العالم بشكله الذي تراه عليه ودارت الأكوار وكرت الأدوار وحدثت ~~المركبات # قال ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع بل هو معترف بالصانع لكنه ~~يحيل سبب وجود العالم على البخت والاتفاق احترازا عن التعطيل فما عدت هذه ~~المسألة من النظريات التي يقام عليها برهان فإن الفطرة السليمة الإنسانية ~~شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على صانع حكيم قادر عليم { أفي الله شك } ~~سورة إبراهيم 10 { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } PageV07P397 ~~سورة الزخرف 87 { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم } سورة الزخرف 9 # قال وإن هم غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليها ~~في حال الضراء { دعوا الله مخلصين له الدين } سورة يونس 22 { وإذا مسكم ~~الضر في البحر ضل من ms1476 تدعون إلا إياه } سورة الإسراء 67 # ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفى ~~الشريك أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله { فاعلم أنه لا إله ~~إلا الله } سورة محمد 19 ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في ~~التوحيد ونفى الشريك { ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به ~~تؤمنوا } سورة غافر 12 { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون } سورة الزمر 45 { وإذا ~~ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا } PageV07P398 ~~سورة الإسراء 46 # قال وقد سلك المتكلمون طريقا في إثبات الصانع وهو الاستدلال بالحوادث على ~~محدث صانع وسلك الأوائل طريقا آخر وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على مرجح ~~لأحد طرفي الإمكان ويدعى كل واحد من جهة الاستدلال ضرورة وبديهة # قال وأنا أقول ما شهد به الحدوث أو دل عليه الإمكان بعد تقديم المقدمات ~~دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج ذاته إلى مدبر هو منتهى مطلب ~~الحاجات فيرغب إليه ولا يرغب عنه ويستغنى به ولا يستغنى عنه ويتوجه إليه ~~ولا يعرض عنه ويفزع إليه في الشدائد والمهمات فإن احتياج نفسه أوضح له من ~~احتياج الممكن الخارج إلى الواجب PageV07P399 ~~والحادث إلى المحدث وعن هذا المعنى كانت تعريفات الحق سبحانه في التنزيل ~~على هذا المنهاج # { أم من يجيب المضطر إذا دعاه } سورة النمل 62 { قل من ينجيكم من ظلمات ~~البر والبحر } سورة الأنعام 63 { ومن يرزقكم من السماء والأرض } سورة النمل ~~64 { أم من يبدأ الخلق ثم يعيده } سورة النمل 64 # قال وعن هذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم خلق الله العباد على معرفته ~~فاجتالتهم الشياطين عنها فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج وذلك الاجتيال من ~~الشيطان هو تسويله الاستغناء ونفي الحاجة والرسل مبعوثون لتذكير وضع الفطرة ~~وتطهيرها من تسويلات الشياطين PageV07P400 ~~فإنهم الباقون على أصل الفطرة ولما كان له عليهم من سلطان { فذكر إن نفعت ~~الذكرى سيذكر ms1477 من يخشى } سورة الأعلى 9 10 { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر ~~أو يخشى } سورة طه 44 # ومن رحل إلى الله قربت مسافته حيث يرجع إلى نفسه أدنى رجوع فيعرف احتياجه ~~إليه في تكوينه وبقائه وتقلبه في أحواله وأنحائه ثم استبصر من آيات الآفاق ~~إلى آيات الأنفس ثم استشهد به على الملكوت لا بالملكوت عليه { أولم يكف ~~بربك أنه على كل شيء شهيد } سورة فصلت 53 عرفت الأشياء بربي وما عرفت ربي ~~بالأشياء ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط ومن تعالى إلى ذروة الحقيقة ~~لم يخف من حط فثبت بالدلائل والشواهد أن العالم لم يتعطل عن الصانع الحكيم ~~العالم القدير تعالى وتقدس # وقال أيضا في أول كتابه قد أشار إلي من إشارته PageV07P401 ~~غنم وطاعته حتم أن أجمع له مشكلات الأصول وأحل ما انعقد من غوامضها على ~~أرباب العقول لحسن ظنه بي أني وقفت على نهايات مسارح النظر وفزت بغايات ~~مطارح الفكر ولعله استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم # % لعمري لقد طفت المعاهد كلها % وسيرت طرفي بين تلك المعالم % % فلم أر ~~إلا واضعا كف حائر % على ذقن أو قارعا سن نادم % # فلكل عقل مسرى ومسرح هو سدرته المنتهى ولكل قدم محط ومجال هو غايته ~~القصوى إذا وصل إليها ووقف دونها فيظن الناظر أولا أن ليس وراء مرتبته مطاف ~~لطيف الخاطر ولا فوق درجته مطرح لشعاع الناظر ويتيقن آخرا أن مطارد الأفكار ~~إنما يتعلق بذوات المقدار وجناب العزة لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار PageV07P402 # إلى أن قال وإذا كان لا طريق إلى المطلوب من المعرفة إلا الاستشهاد ~~بالأفعال ولا شهادة للفعل إلا من حيث احتياج الفطرة واضطرار الخلقة فحيثما ~~كان الاضطرار والعجز أشد كان اليقين أوفر وآكد { وإذا مسكم الضر في البحر ~~ضل من تدعون إلا إياه } سورة الإسراء 67 لا جرم { أم من يجيب المضطر إذا ~~دعاه } سورة النمل 62 # والمعارف التي تحصل من تعريفات أحوال الاضطرار أشد رسوخا في القلب من ~~المعارف التي هي نتائج الأفكار ms1478 في حال الاختيار # قلت فهذا كله كلام الشهرستاني وهو من أئمة المتأخرين من النظار وأخبرهم ~~بالمقالات وقد صرح بأن معرفة الله ليست معدودة من النظريات التي يقام عليها ~~البرهان وأن الفطرة تشهد بضرورتها وبديهة فكرتها بالصانع الحكيم إلى آخر ما ~~ذكره وأن ما تنتهي إليه مقدمات الاستدلال بإمكان الممكنات أو حدوثها من ~~القضايا الضرورية دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج الإنسان في ~~ذاته إلى مدبر # وأما ما ذكره من أن إنكار الصانع ليس مقالة معروفة لصاحب مقالة فإنه وإن ~~لم يكن مذهبا مشهورا عليه أمة من PageV07P403 ~~الأمم المعروفة لكنه مما يعرض لكثير من الناس ويقوله بعض الناس إما ظاهرا ~~دون الباطن كحال فرعون ونحوه وإما باطنا وظاهرا كما ذكر الله مناظرة ~~إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه للذي حاجه في ربه ومحاجة موسى صلوات الله ~~عليه وسلامه لفرعون # لكن هذا لا يمنع أن تكون المعرفة به مستقرة في الفطرة ثابتة بالضرورة فإن ~~هذا نوع من السفسطة والسفسطة حال يعرض لكثير من الناس إما عمدا وإما خطأ ~~وكثير من الناس قد ينازع في كثير من القضايا البديهية والمعارف الفطرية في ~~الحسيات والحسابيات وكذلك في الإلهيات ومن تأمل ما يحكيه الناس من المقالات ~~عن الناس في العلوم الطبيعية والحسابية رأى عجائب وغرائب وبنو آدم لا ينضبط ~~ما يخطر لهم من الآراء والإرادات فإنهم جنس عظيم التفاوت ليس في المخلوقات ~~أعظم تفاضلا منه خيارهم خير المخلوقات عند طائفة أو من خيرها عند طائفة ~~وشرهم شر المخلوقات أو من شرها PageV07P404 # قال تعالى { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل أولئك هم الغافلون } سورة الأعراف 179 # وقال تعالى { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل سبيلا } سورة الفرقان 44 وقال تعالى { ويرسل الصواعق فيصيب بها من ~~يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال } # سورة الرعد 13 ms1479 وقال تعالى { أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم ~~الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص } سورة الشورى 34 35 # ونظير هذا كثير وكما تنازع النظار في المعرفة هل تحصل ضرورة أو نظرا أو ~~تحصل بهذا وهذا على ثلاثة أقوال فكذلك تنازعوا في مسألة وجوب النظر المفضي ~~إلى معرفة الله تعالى على ثلاثة أقوال فقالت طائفة من الناس إنه يجب على كل ~~أحد وقالت طائفة لا يجب على أحد وقال الجمهور إنه يجب على بعض الناس دون ~~بعض فمن حصلت له المعرفة أو الإيمان عند من يقول إنه يحصل بدون المعرفة ~~بغير النظر لم يجب عليه ومن لم تحصل له المعرفة ولاالإيمان إلا به وجب عليه PageV07P405 # وذكر غير واحد أن هذا قول جمهور المسلمين كما ذكر ذلك أبو محمد بن حزم في ~~كتابه المعروف بالفصل في الملل والنحل فقال في مسألة هل يكون مؤمنا من ~~اعتقد الإسلام دون استدلال أم لا يكون مؤمنا مسلما إلا من استدل # قال وذهب محمد بن جرير والأشعرية إلا أبا جعفر السمناني إلى أنه لا يكون ~~مسلما إلا من استدل وإلا فليس مسلما # قال وقال الطبري من بلغ الاحتلام أو الإشعار من الرجال أو النساء أو بلغ ~~المحيض من النساء ولم يعرف الله بجميع أسمائه وصفاته من طريق الاستدلال فهو ~~كافر حلال الدم والمال وقال إنه إذا بلغ الغلام أو الجارية سبع سنين وجب ~~تعليمهما وتدريبهما على الاستدلال على كل ذلك # قال وقالت الأشعرية لا يلزمهما الاستدلال على ذلك إلا PageV07P406 ~~بعد البلوغ قال وقال سائر أهل الإسلام كل من اعتقد بقلبه اعتقادا لا يشك ~~فيه وقال بلسانه أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن كل ما ~~جاء به حق وبريء من كل دين سوى دين محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مسلم مؤمن ~~ليس عليه غير ذلك # قلت القول الأول هو في الأصل معروف عمن قاله من القدرية والمعتزلة ونحوهم ~~من أهل الكلام وإنما قاله من قاله من الأشعرية ms1480 موافقة لهم ولهذا قال أبو ~~جعفر السمناني القول بإيجاب النظر بقية بقيت في المذهب من أقوال المعتزلة ~~وهؤلاء الموجبون للنظر يبنون ذلك على أنه لا يمكن حصول المعرفة الواجبة إلا ~~بالنظر لا سيما القدرية منهم فإنهم يمنعون أن يثاب العباد على ما يخلق فيهم ~~من العلوم الضرورية وليس إيجاب النظر على الناس هو قول الأشعرية كلهم بل هم ~~متنازعون في ذلك فقال الأشعري في بعض كتبه قال بعض أصحابنا أول الواجبات ~~الإقرار بالله تعالى وبرسله وكتبه ودين الإسلام وقال أيضا لو سأل سائل عمن ~~ورد من الصين ورأى الاختلاف ماذا يلزمه فقال عنه جوابان أحدهما أنه يلزمه PageV07P407 ~~النظر ليعرف الحق فيتبعه والثاني يلزمه اتباع الحق وقبول الإسلام ثم تصحيح ~~المعرفة بالنظر والاستدلال على أقل ما يجزئه # وقد تنازع أصحابه وغيرهم في النظر في قواعد الدين هل هو من فروض الأعيان ~~أو من فروض الكفايات والذين لا يجعلونه فرضا على الأعيان منهم من يقول ~~الواجب هو الاعتقاد الجازم ومنهم من يقول بل الواجب العلم وهو يحصل بدونه ~~كما ذكر ذلك غير واحد من النظار من أصحاب الأشعري وغيرهم كالرازي والآمدي ~~وغيرهما # والذين يجعلونه فرضا على الأعيان متنازعون هل يصح الإيمان بدونه وتاركه ~~آثم أم لا يصح على قولين والذين جعلوه شرطا في الإيمان أو أوجبوه ولم ~~يجعلوه شرطا اكتفوا بالنظر الجملي دون القدرة على العبارة والبيان ولم يوجب ~~العبارة والبيان إلا شذوذ من أهل الكلام # ولا ريب أن المؤمنين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~والتابعين لم يكونوا يؤمرون بالنظر الذي ذكره أهل الكلام المحدث كطريق ~~الأعراض والأجسام لكن هل يقال مجرد الاعتقاد الجازم كان كافيا لهم أم لا بد ~~من علم يحصل بنظر أم يحصل علم ضروري بغير الطريقة النظرية فهذا مما تنوزع فيه PageV07P408 # قال ابن حزم فاحتج من أوجب الاستدلال بالإجماع على أن التقليد مذموم وما ~~لم يعرف بالاستدلال فهو تقليد قالوا والديانات لا يعرف حقها من باطلها ~~بالحس لا يعلم إلا بالاستدلال ومن لم يحصل ms1481 له العلم فهو شاك واحتجوا بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما حكاه عن المسئول في قبره قال فأما المؤمن أو ~~الموقن فيقول هو عبد الله ورسوله وأما المنافق أو المرتاب فيقول لا أدري ~~سمعت الناس يقولون شيئا فقلته # وقال في الجواب التقليد أخذ المرء قول من هو دون الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ممن لم يأمرنا الله باتباعه وأخذ قوله بل حرم علينا ذلك وأما أخذ قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الذي PageV07P409 ~~فرض الله تصديقه وطاعته فليس تقليدا بل إيمان وتصديق واتباع للحق وطاعة ~~الله ورسوله # قال فموه هؤلاء الذين أطقوا على الحق الذي هو اتباع الحق اسم التقليد ~~الذي هو باطل والقرآن إنما ذم فيه تقليد الآباء والكبراء والسادة في خلاف ~~ما جاءت به الرسل وأما اتباع الرسل فهو الذي أوجبه لم يذم من اتبعهم أصلا # قال وأما احتجاجهم بأنه لا تعرف الأشياء إلا بالدلائل وبأن ما لم يصح به ~~دليل فهو دعوى ولا فرق بين الصادق والكاذب بنفس قولهما فإن هذا ينقسم قسمين ~~فمن كان من الناس تنازعه نفسه إلى تصديق ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم حتى يسمع الدلائل فهذا فرض عليه طلب الدليل إلا أنه إذا مات شاكا أو ~~جاحدا قبل أن يسمع من البرهان ما تثلج به نفسه فقد مات كافرا وهو مخلد في ~~النار بمنزلة من لم يؤمن ممن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى رأى ~~المعجزات فهذا أيضا لو مات قبل أن يرى المعجزات مات كافرا بلا خلاف من أحد ~~من أهل الإسلام وإنما أوجبنا على من هذه صفته طلب البرهان لأن فرضا عليه ~~طلب ما فيه نجاته من الكفر والقسم الثاني من استقرت نفسه إلى تصديق ما جاء ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV07P410 ~~وسكن قلبه إلى الإيمان ولم كنازعه نفسه إلى طلب دليل توفيقا من الله له ~~وتيسيرا له لما خلق له من الخير والحسنى فهؤلاء لا يحتاجون إلى برهان ولا ~~إلى تكليف استدلال وهؤلاء ms1482 هم جمهور الناس من العامة والنساء والتجار ~~والصناع والأكرة والعباد وأصحاب الحديث الأئمة الذين يذمون الكلام والجدل ~~والمراء في الدين # قال وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم { حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ~~ونعمة والله عليم حكيم } سورة الحجرات 7 8 # وقال تعالى { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء } سورة الأنعام 125 # قال فقد سمى الله راشدين القوم الذين زين الإيمان في قلوبهم وحببه إليهم ~~وكره إليهم المعاصي فضلا منه ونعمة وهذا هو خلق الله الإيمان في قلوبهم ~~ابتداء وعلى ألسنتهم PageV07P411 ~~ولم يذكر الله في ذلك استدلالا أصلا وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا ~~لكبرائهم لأن هؤلاء مقرون بألسنتهم محققون في قلوبهم أن آباءهم ورؤساءهم لو ~~كفروا لما كفروا هم بل كانوا يستحلون قتل آبائهم ورؤسائهم والبراءة منهم ~~ويحسون من أنفسهم النفار العظيم عن كل من سمعوا منه ما يخالف الشريعة ويرون ~~أن حرق الناس بالنار أخف عليهم من مخالفة الإسلام # قال وهذا أمر قد عرفناه من أنفسنا حسا وشاهدناه في ذواتنا يقينا فلقد ~~بقينا سنين كثيرة لا نعرف الاستدلال ولا وجوهه ونحن ولله الحمد في غاية ~~اليقين بدين الإسلام وكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وفي غاية سكون ~~النفس إليه وفي غاية النفار عن كل ما يعترض فيه بشك وكانت تخطر في قلوبنا ~~خطرات سوء في خلال ذلك ينبذها الشيطان فنكاد PageV07P412 ~~لشدة نفارنا عنها أن نسمع خفقان قلوبنا استبشاعا لها كما أخبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذ سئل عن ذلك فقيل له إن أحدنا ليجد في نفسه ما أن ~~يقدم فتضرب عنقه أحب إليه من أن يتكلم به فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأن ذلك محض الإيمان وأخبر أنه وسوسة الشيطان ثم تعلمنا طرق الاستدلال ~~وأحكمناها ولله الحمد والمنة فما زادنا يقينا على ما كنا بل عرفنا أننا ms1483 كنا ~~ميسرين للحق وصرنا كمن عرف وقد أيقن بكون الفيل سماعا ولم يره ثم رآه فلم ~~يزدد يقينا بصحة إنيته أصلا لكن أرانا صحيح الاستدلال رفض بعض الآراء ~~الفاسدة التي نشأنا عليها فقط # قال وإن المخالفين لنا ليعرفون من أنفسهم ما ذكرنا إلا أنهم يلزمهم أن ~~يشهدوا على أنفسهم بالكفر قبل استدلالهم ولا بد فصح بما قلنا أن كل من محض ~~اعتقاد الحق بقلبه وقاله PageV07P413 ~~بلسانه فهم مؤمنون محققون ليسوا مقلدين أصلا وإنما كانوا مكذبين مقلدين لو ~~أنهم قالوا واعتقدوا أننا إنما نتبع في الدين آباءنا وكبراءنا فقط ولو أن ~~آباءنا وكبراءنا تركوا دين محمد صلى الله عليه وسلم لتركناه فلو قالوا هذا ~~واعتقدوه لكانوا مقلدين كفارا غير مؤمنين لأنهم إنما اتبعوا آباءهم ~~وكبراءهم الذين نهوا عن اتباعهم لم يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم الذي ~~أمروا باتباعه # قال وإنما كلف الله الإتيان بالبرهان إن كانوا صادقين الكفار المخالفين ~~لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وهذا نص الآية ولم يكلف قط المسلمين ~~الإتيان بالبرهان ولا أسقط اتباعهم حتى يأتوا بالبرهان والفرق بين الأمرين ~~واضح وهو أن كل من خالف النبي صلى الله عليه وسلم فلا برهان له أصلا فكلف ~~المجيء بالبرهان تبكيتا وتعجيزا إن كانوا صادقين وليسوا PageV07P414 ~~صادقين فلا برهان لهم وأما من اتبع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقد اتبع الحق الذي قامت البراهين بصحته ودان بالصدق الذي قامت الحجة ~~البالغة بوجوبه فسواء علم هو بذلك أي البرهان أو لم يعلم حسبه أنه على الحق ~~الذي صح البرهان به ولا برهان على سواه فهو محق مصيب # قال وأما قولهم ما لم يكن علما فهو شك وظن والعلم هو اعتقاد الشيء على ما ~~هو به عن ضرورة أو استدلال قالوا والديانات لا تعرف صحتها بالحواس ولا ~~بضرورة العقل فصح أنه لا تعرف صحتها إلا بالاستدلال فإن لم يستدل المرء ~~فليس عالما وإذا لم يكن عالما فهو جاهل شاك أو ظان وإذا كان لا يعلم ms1484 الدين ~~فهو كافر قال فهذا ليس كما قالوا لأنهم قضوا قضية باطلة فاسدة بنوا عليها ~~هذا الاستدلال وهي إقحامهم في حد العلم قولهم عن ضرورة أو استدلال هذه ~~زيادة فاسدة لا نوافقهم عليها ولا جاء بتصحيحها قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا ~~لغة ولا طبيعة PageV07P415 ~~ولا قول صاحب وحد العلم على الحقيقة أنه اعتقاد الشيء على ما هو به فقط وكل ~~من اعتقد شيئا على ما هو به ولم يتخالجه شك فيه فهو عالم به وسواء كان عن ~~ضرورة حس أو عن بديهة عقل أو عن برهان استدلال أو عن تيسير الله عز وجل له ~~وخلقه لذلك المعتقد في قلبه ولا مزيد ولا يجوز البتة أن يكون محقق في ~~اعتقاد شيء كما هو ذلك الشيء وهو غير عالم به وهذا تناقض وفساد وتعارض # قال وقول النبي صلى الله عليه وسلم في مساءلة الملك حجة عليهم لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما قال فيه فأما المؤمن أو الموقن فيقول هو رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يقل فأما المستدل فحسبنا نور المؤمن الموقن كيف كان ~~إيمانه ويقينه وقال صلى الله عليه وسلم وأما المنافق أو المرتاب ولم يقل ~~غير المستدل فيقول سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فنعم هذا هو قولنا لأن PageV07P416 ~~المنافق والمرتاب ليسا موقنين ولا مؤمنين وهذا مقلد للناس لا محقق فالخبر ~~حجة عليهم كافية # وأما قولهم إن الله قد ذكر الاستدلال في غير موضع من كتابه وأمر به وأوجب ~~العلم به والعلم به لا يكون إلا عن استدلال فهذا أيضا زيادة أقحموها وهي ~~قولهم وأمر به فهذا لا يجدونه أبدا ولكن الله ذكر الاستدلال وحض عليه ونحن ~~لا ننكر الاستدلال بل هو فعل حسن مندوب إليه محضوض عليه كل من أطاقه لأنه ~~مزيد من الخير وهو فرض على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق وإنما ننكر كونه ~~فرضا على كل أحد لا يصح إسلام أحد دونه فهذا هو الباطل المحض # وأما قولهم إن الله أوجب العلم ms1485 به فنعم # وأما قولهم والعلم لا يكون إلا عن استدلال فهذا هو الدعوى الكاذبة التي ~~أبطلناها آنفا وأول بطلانها أنها دعوى بلا برهان # قال فسقط قولهم إذ تعرى من البرهان وكان دعوى منهم مفتراة لم يأت بها نص ~~قط ولا إجماع قال ونحن ذاكرون البراهين على بطلان قولهم يقال لمن قال لا ~~يكون مسلما إلا من PageV07P417 ~~استدل أخبرنا متى يجب عليه فرض الاستدلال أقبل البلوغ أو بعده فاما الطبري ~~فإنه أجاب بأن ذلك واجب قبل البلوغ قال ابن حزم وهذا خطأ لأن من لم يبلغ ~~ليس مكلفا ولا مخاطبا # قال وأما الأشعرية فإنهم أتوا بما يملأ الفم وتقشعر منها جلود أهل ~~الإسلام وتصطك منها المسامع ويقطع ما بين قائلها وبين الله وهو أنهم قالوا ~~لا يلزم طلب الأدلة إلابعد البلوغ ولم يقنعوا بهذه الجملة حتى كفونا ~~المؤونة وصرحوا بما كنا نريد أن نلزمهم فقالوا غير مساترين لا يصح إسلام ~~أحد إلا بأن يكون بعد بلوغه شاكا غير مصدق قال وما سمعنا قط في الكفر ~~والانسلاخ من الإسلام بأشنع من قول هؤلاء القوم إنه لا يكون أحد مسلما حتى ~~يشك في الله عز وجل وفي صحة النبوة وفي هل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صادق أو كاذب ولا سمع قط سامع في الهوس PageV07P418 ~~والمناقضة والاستخفاف بالحقائق بأقبح من قول هؤلاء إنه لا يصح الإيمان إلا ~~بالكفر ولا يصح التصديق إلا بالجحد ولا يوصل إلى رضا الله عز وجل إلا بالشك ~~فيه وأن من اعتقد موقنا بقلبه ولسانه أن الله ربه لا إله إلا هو وأن محمدا ~~رسول الله وأن دين الإسلام دين الله الذي لا دين غيره فإنه كافر مشرك نعوذ ~~بالله من الخذلان فوالله لولا خذلان الله الذي هو غالب على أمره ما انطلق ~~لسان ذي مسكة بهذه العظيمة # قلت هذا القول هو في الأصل من أقوال المعتزلة وقد أوجب أبو هاشم وطائفة ~~معه الشك وجعلوه أول الواجبات ومن لم يوجبه من الموافقين على أصل القول قال ~~إنه لا ms1486 بد من حصوله وإن لم يؤمر به # وهذا بناء على أصلين أحدهما أن أول الواجبات النظر المفضي إلى العلم ~~والثاني أن النظر يضاد العلم فإن الناظر طالب للعلم فلا يكون في حال النظر عالما # وكلا الأصلين باطل أما الأول فقد عرف الكلام فيه وأما الثاني فإن النظر ~~نوعان أحدهما النظر المتضمن طلب الدليل PageV07P419 ~~وهو كالنظر في المسئول عنه ليعلم ثبوته او انتفاؤه كالنظر في مدعي النبوة ~~هل هو صادق أو كاذب والنظر في رؤية الله تعالى هل هي ثابتة في الآخرة أو ~~منتفية والنظر في النبيذ المسكر أحلال هو أم حرام # فهذا الناظر طالب وهو في حال طلبه شاك وليس هذا النظر هو النظر المقتضي ~~للعلم فإن ذلك هو النظر فيما يتضمن النظر فيه للعلم وهو النظر في الدليل ~~كالنظر في الآية والحديث أو القياس الذي يستدل به فهذا النظر مقتض للعلم ~~مستلزم له وذلك النظر مضاد للعلم مناف له # ولما كان في لفظ النظر إجمال كثر اضطراب الناس في هذا المقام وتناقض من ~~تناقض منهم فيوجبون النظر لأنه يتضمن العلم ثم يقولون النظر يضاد العلم ~~فكيف يكون ما يتضمن العلم مضادا لا يجتمعان # فمن فرق بين النظر في الدليل وبين النظر الذي هو طلب الدليل تبين له ~~الفرق والنظر في الدليل لا يستلزم الشك في المدلول بل قد يكون القلب ذاهلا ~~عن الشيء ثم يعلم دليله فيعلم المدلول وإن لم PageV07P420 ~~يتقدم ذلك شك وطلب وقد يكون عالما به ومع هذا ينظر في دليل آخر لتعلقه بذلك ~~الدليل فتوارد الأدلة على المدلول الواحد كثير لكن هؤلاء لزمهم المحذور ~~لأنهم إنما أوجبوا النظر لكون المعرفة لا تحصل إلا به فلو كان الناظر عالما ~~بالمدلول لم يوجبوا عليه النظر فإذا أوجبوه لزم انتفاء العلم بالمدلول ~~فيكون الناظر طالبا للعلم فيلزم أن يكون شاكا فصاروا يوجبون على كل مسلم ~~أنه لا يتم إيمانه حتى يحصل له الشك في الله ورسوله بعد بلوغه سواء أوجبوه ~~أو قالوا هو من لوازم الواجب # ومن غلطهم أيضا ms1487 أنه لو قدر أن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر فليس من شرط ~~ذلك تأخر النظر إلى البلوغ بل النظر قبل ذلك ممكن بل واقع فتكون المعرفة قد ~~حصلت بذلك النظر وإن لم يكن واجبا كما لو تعلم الصبي أم الكتاب وصفة الصلاة ~~قبل البلوغ فإن هذا التعلم يحصل به مقصود الوجوب بعد البلوغ والنظر إنما هو ~~واجب وجوب الوسائل فحصوله قبل وقت وجوبه أبلغ في حصول المقصود # ونظير ذلك أن يتوضأ الصبي قبل البلوغ والبالغ قبل دخول وقت الصلاة فيحصل ~~بذلك مقصود الوجوب بعد البلوغ والوقت # والكلام في هذه المسألة له شعب كثيرة وقد تكلم عليها في غير هذا الموضع ~~والمقصود هنا بيان طرق كثير من أهل العلم في تصديق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وتحقيق هذه المسألة يتعلق بمسائل منها أن PageV07P421 ~~الاعتقاد الجازم بلا ضرورة ولا استدلال هل يمكن أم لا وإذا أمكن فهل يسمى ~~علما أم لا # ومنها أن لفظ الضرورة فيه إجمال فقد يراد به ما يضطر إليه الإنسان من ~~المعلومات الظاهرة المشتركة بين الناس وقد يراد به ما يحصل في نفسه بدون ~~كسبه وقد يراد به ما لا يقبل الشك وقد يراد به ما يلزم نفس الإنسان لزوما ~~لا يمكن الانفكاك عنه # ومنها أن حصول العلم في النفس قد يحصل لكثير من الناس حصولا ضروريا مع ~~توهمه أنه لم يحصل له كما يقع مثل ذلك في القصد والنية فإن الأمة متفقة على ~~أن الصلاة ونحوها من العبادات لا تصح إلا بالنية والنية من جنس القصد ~~والإرادة محلها القلب باتفاقهم فلو لفظ بلسانه غير ما قصد بقلبه أو بالعكس ~~كان الاعتبار بقصده الذي في قلبه # ثم إن كثيرا من الناس اشتبه عليهم أمر النية حتى صار أحدهم يطلب حصولها ~~وهي حاصلة عنده ويشك في حصولها في نفسه وهي حاصلة لاسيما إذا اعتقد أنه يجب ~~مقارنة النية للصلاة فيرى في أحدهم من الوسواس في حصولها ما يخرجه عن العقل ~~والدين حتى قيل الوسوسة لا تكون إلا عن خبل ms1488 في العقل أو جهل بالشرع # وأصل ذلك جهلهم بحقيقة النية وحصولها مع خروجهم عن الفطرة السليمة التي ~~فطر الله عليها عباده ومن المعلوم أن كل من علم PageV07P422 ~~ما يريد أن يفعله فلا بد أن ينويه ويقصده فيمتنع أن يفعل العبد فعلا ~~باختياره مع علمه به وهو لا يريده فالمصلي إذا خرج من بيته وهو يعلم أنه ~~يريد الصلاة امتنع أن لا يقصد الصلاة ولا ينويها وكذلك الصائم إذا علم أن ~~غدا من رمضان وهو ممن يصومه امتنع أن لا ينويه وكذلك المتطهر إذا أخذ الماء ~~وهو يعلم أن مراده الطهارة امتنع أن لا يريدها # وإنما يتصور عدم النية مع الجهل بالمفعول أو مع أنه ليس مقصوده المأمور ~~به مثل من يظن أن وقت الصلاة أو الصيام قد خرج فيصوم ويصلي ظانا أن ذلك ~~قضاء بعد الوقت فهذا نوى القضاء فإذا تبين له بعد ذلك أن الصوم والصلاة ~~إنما كانا في الوقت إذا فهذا يجزئه الصلاة والصيام بلا نزاع # وكذلك من اغتسل بالماء لقصد إزالة الوسخ أو لتعليم الغير فهذا لم يكن ~~مراده بما فعله الطهارة المأمور بها ولهذا تنازع الفقهاء في صحة الصلاة ~~بمثل هذه الطهارة وأمثال ذلك # ولهذا يجد المسلم في نفسه فرقا بين ليلة العيد الذي يعلم أنه لا يصومه ~~وبين ليالي رمضان الذي يعلم أنه يصومه ويجد الفرق بين ما إذا كان مقيما او ~~مسافرا يريد الصيام وبين ما إذا كان مسافرا لا يريد الصيام PageV07P423 # فكما أن الإرادة تكون موجودة في نفس الإنسان وقد يشك في وجودها أو لا ~~يحسن أن يعبر عن وجودها أو يطلب وجودها فهكذا العلم الضروري وغيره قد يكون ~~حاصلا في نفس الإنسان وهو يشك في وجوده أو يطلب وجوده أو لا يحسن أن يعبر ~~عنه لأن وجود الشيء في النفس شيء والعلم بوجوده في النفس شيء آخر فالتمييز ~~بينه وبين غيره والتعبير عن ذلك شيء آخر # فهكذا عامة المؤمنين إذا حصل أحدهم في سن التمييز يحصل له من الأسباب ~~التي توجب معرفته ms1489 بالله وبرسوله ما يحصل بها في نفسه علم ضروري ويقين قوي ~~كحصول الإرادة لمن علم ما يريد فعله ثم كثير من أهل الكلام يلبسون عليه ما ~~حصل له ويشككونه فيه كما أن كثيرا من الفقهاء يلبسون على المريد الناوي ما ~~حصل له ويشككونه فيه # والعلم الحاصل في النفس لا تنضبط أسبابه ومنه ما يحصل دفعه كالعلم بما ~~أحسه ومنه ما يحصل شيئا بعد شيء كالعلم بمخبر الأخبار المتواترة والعلم ~~بمدلول القرائن التي لا يمكن التعبير عنها # وكذلك حصول الإرادة فإن من الأشياء ما تحصل إرادته الجازمة في النفس ~~كإرادة الأشياء الضرورية التي لا بد له منها كإرادة دفع PageV07P424 ~~الأمور الضارة له وكإرادة الجائع الشديد الجوع والعطشان الشديد العطش ~~لتناول ما تيسر له من الطعام والشراب # ومنه ما يحصل شيئا بعد شيء كإرادة الإنسان لما هو أكمل له وأفضل فإن هذا ~~قد تحصل إرادته شيئا بعد شيء # وكذلك إرادته لما يشك في كونه محتاجا إليه أو كونه نافعا له فإن الإرادة ~~قد تقوى بقوة العلم وقد تضعف بضعفه وقد تقوى بقوة نفس محبة الشيء المطلوب ~~وضعف محبته # ومن عرف حقيقة الأمر تبين له أن النفوس فيها إرادات فطرية وعلوم فطرية ~~وأن كثيرا من أهل الكلام في العلم قد يظنون عدم حصولها فيسعون في حصولها ~~وتحصيل الحاصل ممتنع فيحتاجون أن يقدروا عدم الموجود ثم يسعون في وجوده ومن ~~هنا يغلط كثير من الخائضين في الكلام والفقه # وقد يكون العلم والإرادة حاصلين بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل مع ~~نوع من الذهول والغفلة فإذا حصل أدنى تذكر رجعت النفس إلى ما فيها من العلم ~~والإرادة أو توجهت نحو المطلوب فيحصل لها معرفته ومحبته PageV07P425 # والله تعالى فطر عباده على محبته ومعرفته وهذه هي الحنيفية التي خلق ~~عباده عليها كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول ~~الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت ~~لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا # وقد قال ms1490 تعالى { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } سورة الروم 30 # وقال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهية بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ~~والكلام في هذه الأمور مذكور في غير هذا الموضع # ومن المسائل المتعلقة بهذا الباب أن العلم والإيمان واجب على الناس بحسب ~~الإمكان فالجمل التي فرض الله تعالى على الخلق كلهم الإقرار بها مما يمكنهم ~~معرفتها وأما التفاصيل ففيها من الدقيق ما لا يمكن أن يعرفه إلا بعض الناس ~~فلو كلف بقية الناس معرفته كلفوا ما لا يطيقون ولهذا لم يجب على كل أحد أن ~~يسمع كل آية في القرآن ويفهم معناها وإن كان هذا فرضا على الكفاية PageV07P426 # ومن المعلوم أنه في تفاصيل آيات القرآن من العلم والإيمان ما يتفاضل ~~الناس فيه تفاضلا لا ينضبط لنا والقرآن الذي يقرأه الناس بالليل والنهار ~~يتفاضلون في فهمه تفاضلا عظيما وقد رفع الله بعض الناس على بعض درجات كما ~~قال تعالى { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } سورة ~~المجادلة 11 بل من الأخبار ما إذا سمعه بعض الناس ضرهم ذلك وآخرون عليهم أن ~~يصدقوا بمضمون ذلك ويعلموه قال علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون ~~ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وقال عبد الله ابن مسعود رضي ~~الله عنه ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم # فمثل هذه الأحاديث التي سمعت من الرسول صلى الله عليه وسلم أو ممن سمعها ~~منه وعلم أنه قالها يجب على من سمعها أن يصدق بمضمونها وإذا فهم المراد كان ~~عليه معرفته والإيمان به وآخرون لا يصلح لهم أن يسمعوها في كثير من الأحوال ~~وإن كانوا في حال أخرى يصلح لهم سماعها ومعرفتها # والقرآن مورد يرده الخلق كلهم وكل ينال منه على مقدار ما قسم الله له قال ~~تعالى { أنزل من السماء ms1491 ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ~~ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله ~~الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ~~كذلك يضرب الله الأمثال } PageV07P427 ~~سورة الرعد 17 # وهذا مثل ضربه الله سبحانه لما أنزله من العلم والإيمان والقلوب التي ~~تنال ذلك شبه الإيمان بالماء النازل والقلوب بالأودية فمنها كبار ومنها ~~صغار وبين أن الماء كما يختلط بما يكون في الأرض كذلك القلوب فيها شبهات ~~وشهوات تخالط الإنسان وأخبر أن ذلك الزبد يجفأ جفاء وما ينفع الناس يمكث في ~~الأرض كذلك الشبهات تجفوها القلوب وما ينفع يمكث فيها # وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مثل ما ~~بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت ~~الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس ~~وسقوا ورعوا وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك ~~مثل من فقه في PageV07P428 ~~دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم ومثل من لم يرفع بذلك ~~رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به # وما ذكره ابن حزم من أن العلم قد يحصل في القلب لا عن ضرورة ولا نظر ورده ~~على من يحصره في النوعين فمثل هذا قد يكون النزاع فيه لفظيا وذلك أن نافي ~~الحصر قد يريد بالضرورة ما كان عن ضرورة حس وأولئك يجعلون ما يحصل من العلم ~~الضروري بالحس أحد أنواع العلم الضروري وقد يريد بالضرورة ما يضطر إليه ~~الإنسان بدون نظر في تصوره وأولئك يريدون بالعلم الضروري والبديهي ما اضطر ~~إليه الإنسان إذا تصور طرفيه سواء كان ذلك التصور ضروريا أو لم يكن بل كثير ~~من الناس يقول إن جميع العلوم ضرورية باعتبار أسبابها فإن العلم الحاصل ~~بالنظر والكسب والاستدلال هو بعد حصول أسبابه ضروري يضطر إليه الإنسان وهذا ~~اختيار أبي المعالي وغيره # وللناس ms1492 في هذا الباب اصطلاحات متعددة من لم يعرفها يجعل بينهم نزاعا ~~معنويا وليس كذلك كما أن طائفة منهم يجعلون العلم البديهي هو الضروري ~~والكسبي هو النظري ومنهم من يفرق بينهما فيجعلون الضروري ما اضطر إليه ~~العبد من غير عمل وكسب منه لا في PageV07P429 ~~تصور المسألة ولا دليلها ويجعلون البديهي ما بدهه وإن كان عن نظر اضطر إليه ~~من غير كسب منه فإن العبد قد يضطر إلى أسباب العلم وقد يختار اكتساب أسبابه ~~وهذا في الحسيات وغيرها كمن يفجأه ما يراه ويسمعه من غير قصد إلى رؤيته ~~وسمعه ومن يسعى في رؤية الشيء واستماعه والأول لا يدخل تحت الأمر والنهي ~~والثاني يدخل تحت الأمر والنهي # وأيضا فمن الناس من يقول العلوم الضرورية والبديهية يشترك فيها عامة ~~العقلاء ويجعل ما يختص به بعضهم ليس من هذا القسم ومنهم من يسمي كل ما اضطر ~~إليه الإنسان وبدهه ضروريا وبديهيا وإن كان ذلك مختصا بنوع من الناس كما ~~يختص بالأنبياء والأولياء وأهل الفراسة والإلهام # وعلى هذا فالعلم الحاصل بتيسير الله تعالى وهدايته وإلهامه وجعله له في ~~قلب العبد بدون استدلال يسميه هؤلاء علما ضروريا وإن كان ابن حزم وأمثاله ~~لا يسمونه ضروريا فهذا نزال لفظي # ومن حد الضروري بأنه العلم الذي يلزم نفس العبد لزوما لا يمكنه الانفكاك ~~عنه جعل هذا كله ضروريا وكذلك يقول كثير من شيوخ أهل المعرفة لكثير من أهل ~~النظر إن علمنا ضروري كما في الحكاية المعروفة التي ذكرها أبو العباس أحمد ~~بن محمد بن خلف المقدسي PageV07P430 ~~ورأيتها بخطه عن الشيخ احمد الحيوقي المعروف بالكبرى قال دخل علي فخر الدين ~~الرازي ورجل آخر من المعتزلة كبير فيهم فقالا يا شيخ بلغنا أنك تعلم علم ~~اليقين فقلت نعم أنا أعلم علم اليقين فقالا لي كيف تعلم علم اليقين ونحن ~~نتناظر من وقت كذا إلى وقت كذا وكلما أقام حجة أبطلتها وكلما أقمت حجة ~~أبطلها فقلت ما أدري ما تقولان ولكن أنا أعلم علم اليقين فقالا فبين لنا ما ~~هذا اليقين فقلت ms1493 واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها فجعلا يرددان ~~هذا الكلام ويقولان واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردجها # وتعجبا من هذا الجواب لأنه رحمه الله بين أن ذلك من العلوم الضرورية التي ~~تلزم القلب لزوما لا يمكنه مع ذلك دفعها ثم قالا له كيف الطريق إلى هذه ~~الواردات فقال لهما بأن تسلكا طريقتنا التي نأمركم بها فاعتذر الرازي بما ~~له من الموانع وأما المعتزلي فقال أنا محتاج إلى هذه الواردات فإن الشبهات ~~قد أحرقت قلبي فأمره الشيخ بما يفعله من العبادة والذكر وما يتبع ذلك ففتح ~~الله عليه بهذه الواردات PageV07P431 # والمعتزلة ينفون العلو والصفات ويسمون من أثبت ذلك مجسما حشويا فلما فتح ~~الله تعالى عليه بذلك قال والله ما الحق إلا فيما عليه هؤلاء الحشوية ~~والمجسمة أو كما قال فإن عهدي بالحكاية من زمان وكان هذا الشيخ الكبرى إذا ~~قيل له من قال { الرحمن على العرش استوى } فهو مجسم يقول فخذ إني حينئذ ~~مجسم وكان من أجل شيوخ وقته في بلاده بلاد جرجان وخوارزم # قال أبو محمد بن حزم ومن البرهان الموضح لبطلان هذه المقالة الخبيثة أنه ~~لا يشك أحد ممن يدري شيئا من السير من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس ~~والمنانية والدهرية في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث لم يزل ~~يدعو الناس الجم الغفير إلى الإيمان بالله تعالى وبه وبما أتى به ويقاتل من ~~أهل الأرض من يقاتله ممن عند ويستحل سفك دمائهم وسبي نسائهم وأولادهم وأخذ ~~أموالهم متقربا إلى الله تعالى بذلك وأخذ الجزية PageV07P432 ~~وإصغاره ويقبل من آمن به ويحرم ماله ودمه وأهله وولده ويحكم له بحكم ~~الإسلام ومنهم المرأة البدوية والراعي والراعية والغلام الصحراوي والوحشي ~~والزنجي والمسبي والزنجية المجلوبة والرومي والرومية والأغثر الجاهل ~~والضعيف في فهمه فما منهم من أحد ولا من غيرهم قال عليه السلام إني لا أقبل ~~إسلامك ولا يصح لك دين إلا حتى تستدل على صحة ما أدعوك إليه قال ولسنا نقول ~~إنه لم يبلغنا أنه قال ذلك ms1494 لأحد بل نقطع نحن وجميع أهل الأرض قطعا كقطعنا ~~على ما شاهدناه أنه عليه السلام لم يقل هذا قط لأحد ولا رد إسلام أحد حتى ~~يستدل ثم جرى على هذه الطريقة جميع الصحابة أولهم عن آخرهم ولا يختلف أحد ~~في هذا الأمر ومن المحال PageV07P433 ~~الممتنع عند أهل الإسلام أن يكون عليه السلام يغفل أن يبين للناس ما لا يصح ~~لأحد الإسلام إلا به ثم يتفق على إغفال ذلك أو تعمد ترك ذكره جميع أهل ~~الإسلام ويبينه هؤلاء الأشقياء ومن ظن أنه وقع من الدين على ما لا يقع عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر بلا خلاف فصح أن هذه المقالة خرق ~~للإجماع وخلاف لله ولرسوله ولجميع أهل الإسلام قاطبة # قلت قبول الإسلام الظاهر يجرى على صاحبه أحكام الإسلام الظاهرة مثل عصمة ~~الدم والمال والمناكحة والموارثة ونحو ذلك وهذا يكفي فيه مجرد الإقرار ~~الظاهر وإن لم يعلم ما في باطن الإنسان # كما قال صلى الله عليه وسلم فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها وحسابهم على الله # وقال إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم PageV07P434 # ولهذا يقاتل الكافر حتى يسلم أو يعطى الجزية فيكون مكرها على أحد الأمرين ~~ومن قال لا تؤخذ الجزية من وثني قال إنه يقاتل حتى يسلم وأما الإيمان ~~الباطن الذي ينجي من عذاب الله في الآخرة فلا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر ~~بل قد يكون الرجل مع إسلامه الظاهر منافقا وقد كان على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم منافقون وقد ذكرهم الله تعالى في القرآن في غير موضع وميز ~~سبحانه بين المؤمنين والمنافقين في غير موضع # كما في قوله { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس ~~من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه ~~فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم ~~فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله ~~الغرور ms1495 فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي ~~مولاكم وبئس المصير } سورة الحديد 13 15 # وقال تعالى { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا ~~إن الله غفور رحيم إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } PageV07P435 ~~سورة الحجرات 14 15 # وهؤلاء قد قالت طائفة إنهم أسلموا ظاهرا مع كونهم منافقين وقال الأكثرون ~~بل كانوا مسلمين غير منافقين ولا واصلين إلى حقيقة الإيمان فإنه قد قال ~~فيهم { وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ~~} سورة الحجرات 14 # والمنافق عمله حابط لا يتقبله الله ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه ~~وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ~~ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وغير ذلك من الأحاديث التي تكلم عليها ~~في غير هذا الموضع فإن مسألة الإيمان والكفر والنفاق متعلقة بمسألة أول ~~الواجبات ووجوب النظر وبالفاسق الملي وتكفير أهل البدع وغير ذلك من المسائل ~~التي تكلم عليها الناس PageV07P436 # وبهذا أجابوا عن هذه الحجة فإنه لما قيل لهم أجمع المسلمون على أن الكافر ~~إذا أراد أن يسلم يكتفى منه بالإقرار بالشهادتين قالوا إنما نجتزىء منه ~~بذلك لإجراء أحكام الإسلام عليه فإن صاحب الشرع جعل ذلك أمارة لإجراء ~~الأحكام # ولو كان ذلك إيمانا حقيقيا لما قال في حق النسوة المهاجرات { يا أيها ~~الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن } ~~سورة الممتحنة 10 ثم يقول من تلك ملة من الملل وعاد إلى ملتنا فلا بد له من ~~حامل يحمله عليه فإن كان الذي يحمله عليه ما علمه من فساد ملته وعقيدته ~~وصحة دين الإسلام فهذا القدر كاف من النظر والاستدلال على الجملة وإن كان ~~الذي يحمله رهبة منا أو رغبة فيما أعطانا الله من المال وغيره ms1496 فهجرته إلى ~~ما هاجر إليه # قال أبو محمد فإن قالوا فما كانت حاجة الناس إلى الآيات والمعجزات وإلى ~~احتجاج الله عليهم بالقرآن وإعجازه وبدعاء اليهود إلى تمني الموت ودعاء ~~النصارى إلى المباهلة وشق القمر قلنا PageV07P437 ~~وبالله التوفيق قد قلنا إن الناس قسمان قسم لم تسكن نفوسهم إلى الإسلام ولا ~~دخلها التصديق فطلبوا منه عليه السلام البراهين فأراهم المعجزات فانقسموا ~~قسمين طائفة آمنت وطائفة عندت وجاهرت فكفرت وأهل هذه الصفة اليوم هم الذين ~~يلزمهم طلب الاستدلال فرضا ولا بد وقسم وفقهم الله تعالى لتصديقه عليه ~~السلام وخلق في نفوسهم الإيمان كما قال تعالى { بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان إن كنتم صادقين } سورة الحجرات 17 فهؤلاء آمنوا له عليه السلام بلا ~~تكليف آية وأهل هذه الصفة هم اليوم المعتقدون للإسلام حقا بلا معرفة ~~باستدلال قال أبو محمد ويلزم أهل هذه المقالة أن جميع أهل الأرض كفار إلا ~~الأقل وقد قال بعضهم إنهم مستدلون قال وهذه مجاهرة هو يدرى أنه فيها كاذب ~~وكل من سمعه يدري PageV07P438 ~~أنه فيها كاذب لأن أكثر العامة من حاضرة وبادية لا يدري ما معنى الاستدلال ~~فكيف يستعمله # قلت لفظ الاستدلال فيه إجمال فإن أريد العبارة عن نظم الأدلة والجواب عن ~~الممانعات والمعارضات فهذا قد يقال إنه لا يحسنه إلا من يحسن الجدل وأما ~~الاصطلاح المعين والترتيب المعين أو اللفظ المعين فهذا بمنزلة اللغات لا ~~يعرفه إلا من يعرف تلك اللغة وليس هذا واجبا بلا ريب # وإن أريد به نفس طلب العلم بالشيء بالدليل والنظر فيما يدل على الشيء ~~فهذا مركوز في فطرة جميع الناس فإنه ما منهم أحد إلا وعنده من نوع النظر ~~والاستدلال بل ومن نوع الجدال بحسب ما هداه الله إليه من ذلك # وقد قال تعالى { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } سورة الكهف 54 والإنسان ~~يجادل بالباطل ليدحض به الحق من غير معرفة بقوانين الجدل فكيف لا يجادل بالحق # والناس من النظر والمناظرة في صناعاتهم وأمور دنياهم ما يبين أن النظر ~~والمناظرة مركوز في ms1497 فطرهم فكيف في أمور الدين # والله سبحانه يقول { الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى } سورة الأعلى 2 3 ~~وقال تعالى { قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } سورة طه 50 PageV07P439 # وهذا الذي ذكره ابن حزم هو قول كثير من الأشعرية فإنهم متنازعون في النظر ~~هل هو فرض على الأعيان أو على الكفاية وفي الواجب هل هو المعرفة أو ~~الاعتقاد الجازم المصمم وهل يسمى ذلك علما أم لا # وكان أبو المعالي يقول لم يكلف الناس العلم فإن العلم في هذه المسائل ~~عزيز لا يتلقى إلا من النظر الصحيح التام فتكليف ذلك عامة الناس تكليف ما ~~لا يطاق وإنما كلفوا الاعتقاد السديد مع التصميم وانتفاء الشك والتردد ولو ~~سمى مسم مثل هذا الاعتقاد علما لم يمنع من إطلاقه # قال وقد كنا ننصر هذه الطريقة زمانا من الدهر وقلنا مثل هذا الاعتقاد علم ~~على الحقيقة فإنه اعتقاد يتعلق بالمعتقد على ما هو به مع التصميم ثم بدا ~~لنا أن العلم ما كان صدوره عن الضرورة أو الدليل القاطع # قال وهذا الاعتقاد الذي وصفناه لا يتميز في مبادىء النظر حتى يستقر ~~ويتميز عن اعتقاد الظان والمخمن # وقال أبو إسحاق الإسفراييني في آخر مصنفاته من اعتقد ما يجب PageV07P440 ~~اعتقاده هل يكتفى به اختلف الأصحاب فيه فمنهم من اكتفى به ومنهم من شرط ~~إقرار هذه العقائد بالأدلة # قلت والذين أوجبوا النظر من الطوائف العامة نوعان أحدهما من يقول إن أكثر ~~العامة تاركوه وهؤلاء على قولين فغلاتهم يقولون إن إيمانهم لا يصح وأكثرهم ~~يقولون يصح إيمانهم تقليدا مع كونهم عصاة بترك النظر وهذا قول جمهورهم # وقد ذكر هذا طوائف من الحنفية وغيرهم كما ذكر من ذكر من الحنفية في شرح ~~الفقه الأكبر فقالوا قال أبو حنيفة وسفيان ومالك والأوزاعي وعامة الفقهاء ~~وأهل الحديث بصحة إيمان المقلد ولكنه عاص بترك الاستدلال # وقال الشارح هذا يفيد فائدتين إحداهما أن الإيمان بالتقليد صحيح وإن لم ~~يهتد إلى الاستدلال خلافا للمعتزلة والأشعرية فإنهما لا يصححان إيمان ~~المقلد والإيمان بالتقليد ms1498 ويقولان بكفر العامة PageV07P441 # قال وهذا قبيح من أقبح القبائح لأنه يؤدي إلى تفويت حكمة الله تعالى في ~~الرسالة والنبوة لأن من أعطى الرسالة والنبوة أمر بعرض الإسلام أولا على ~~الكفرة فلو كان الاسلام لا يصح بالعرض والتقليد لفات الحكمة في الرسالة إلا ~~أن درجة الاستدلال أعلى من درجة التقليد ألف مرة وكل من كان في الاستدلال ~~والاستنباط أكثر كان إيمانه أنور وذكر كلاما آخر # قلت القول القبيح الباطل تكفير من حكم الشارع بإيمانه وهم المؤمنون من ~~العامة وغيرهم الذين لم يسلكوا الطرق المبتدعة كطريقة الأعراض ونحوها وأما ~~كون إيمان العامة تقليدا أو ليس تقليدا وهل هم عصاة أو ليسوا عصاة فهذا ~~كلام آخر # وأما المعتزلة والأشعرية فلهم في ذلك نزاع وتفصيل معروف # والنوع الثاني من موجبي النظر وهم جمهورهم يقولون إنه متيسر على العامة ~~كما يقوله القاضي أبو بكر والقاضي أبو يعلى وغيرهما ممن يقول ذلك قالوا فإن ~~قيل فتقولون بوجوب معرفة الله ومعرفة نبوة رسله في حق كل مكلف من أهل النظر ~~والعامة وجفاة PageV07P442 ~~الأعراب والأكراد وأهل القصبة والرستاق ومن يقصر فهمه عن معرفة الدقيق ~~وأدلة التفصيل قيل نعم لأنه ليس في جميع من ذكرت من يعرف فهمه ويقصر علمه ~~عن معرفة الحدث والمحدث عند مشاهدة تغير العالم وما يحدث ويتجدد في أجسامه ~~من الزيادة والنقصان والنماء وتغير الحالات وما تجد عليه النطفة من التصور ~~والانتقال من حال إلى حال وإن قصرت عبارته عن أن يقول إن هذه أمور متجددة ~~طارئة وإنه لا بد للصنعة من صانع وللكتابة من كاتب وقد علم أن انتقال ~~النطفة إلى أن تصير إنسانا أو بهيمة أعظم في الأعجوبة من تحول الفضة خاتما ~~والخشبة سريرا وبابا والغزل ثوبا منسوجا وإن لم يعبر عن ذلك بعبارات ~~المتكلمين وألفاظ الناظرين وكما يفرق بين خبر الواحد الذي لا يوجب العلم ~~وبين خبر التواتر الموجب للعلم وكما تجد في أنفسها الفرق بين الظن والتقليد ~~وبين المشاهدة وعلم اليقين وإن تعذر عليها الفصل بين ذلك أجمع من طريق ~~العبارة ms1499 وإذا كان كذلك وجب أن يكون لجميعهم سبيل إلى معرفة الحدوث والمحدث ~~هذه عبارة القاضي أبي يعلى وغيره من هؤلاء الذين وافقوا القاضي أبا بكر على طريقته # وكذلك قال ابن الزاغوني وهو من القائلين بوجوب النظر PageV07P443 ~~والاستدلال وحكى ذلك عن عامة العلماء كما ذكره القاضي أبو يعلى وابن عقيل ~~وأبو الخطاب وغيرهم # قال والذي فرضه الله على الأعيان على ضربين أحدهما ما لا يتم الإيمان إلا ~~به وهو معرفة الله وتوحيده وأنه صانع الأشياء وأن الكل عبيده وأمثال ذلك ~~فهذا يستوي في لزومه العالم والعامي ونعني بقولنا العالم الذي تبصر وتدرب ~~وعرف الحجة من الشبهة وتبحر في مواقف الاجتهاد للمعرفة وانتصب دافعا بالحق ~~شبه أهل الاعتراض على وجه يترجح به الثقة ويساعده بالفهم اليقين والمعرفة ~~ونعني بالعامي من فصل عن أرباب الاختصاص في إحراز العلم وكثرة التبحر وإنما ~~سمي عاميا من جهة قلة العدد في خواص العلماء بالإضافة إلى من بقي فخواص ~~العلماء في كل زمان آحاد يسير عددهم والناس غير أعم وجودا وأكثر عددا فلهذا ~~سمي من قل علمه عاميا ومن جملة العامة ولسنا نريد بالعامي من لا معرفة له ~~بشيء من العلم بحال فإذا ثبت هذا فسائر العامة مؤمنون عارفون بالله في ~~عقائدهم وديانتهم غير مقلدين في شيء قدمنا ذكره # قال وذهبت طوائف من المعتزلة والقدرية إلى أنه لا يعرف الله إلا العلماء ~~فأما العوام فلا يحكم بصحة إيمانهم ولا بمعرفتهم لله PageV07P444 ~~قال والدليل على إبطال قولهم هو أنا نقول حقيقة الإيمان العائد إلى المعتقد ~~هي طمأنينة النفس وسكون القلب إلى معرفة ما يعتقد بإسناد ذلك إلى دليل يصلح ~~له وهذا لا يعدم في حق أحد من العامة وبيان ذلك أنه لو قيل لأحد من العوام ~~بم عرفت ربك لقال بأنه انفرد ببناء هذه السماء ورفعها فلا يشاركه في هذا ~~موصوف بجسم ولا جوهر وهذا مأخوذ من قوله تعالى { وإلى السماء كيف رفعت } ~~سورة الغاشية 18 ومن سائر الآيات التي فيها ذكر السماء والاعتبار بها وهذه ~~الآيات هي ms1500 الأصل عند العلماء وإنما ينفردون عن العامة في هذا ببسيط البيان ~~المليح والتشقيق والغامض الدقيق وفي بيان حكم يدركها العامي فهما بجنانه ~~ويقصر عن شرحها بلسانه فهما في ذلك كرجلين اتفقا في العلم بمسألة وأحدهما ~~في الكشف أبسط باعا وأفصح شرحا وهذا يرجع إلى شيء وذلك أنه قد ثبت أن الله ~~تعالى كلف الكل معرفته وضمن فيما كلف أنه لا يزيد تكليفه على مقدار الوسع ~~بقوله { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } سورة البقرة 286 وقوله { لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما آتاها } سورة الطلاق 7 فحقيقة المعرفة بالشيء إنما هي ~~الوقوف عليه بالعلم على ما هو به ولا يوصل إلى ذلك في PageV07P445 ~~حق الله إلا باستناد المعتقد فيه إلى دليله فلو كان الدليل لا يدخل الوقوف ~~عليه في طوق العامي لأدى ذلك إلى تكليفه ما ليس في وسعه وهذا خلاف ما نص ~~الله عليه # دليل آخر وهو أنا إذا تأملنا أدلة التوحيد وما يجب على العامي ترك ~~التقليد فيه وجدناه سهلا في مأخذه قريبا في تناوله تشتاق النفوس إليه ~~بأنسها ويستند ذلك إلى شيئين أحدهما أن ذلك منوط بالعقل ولأجل هذا ادعى ~~خصومنا أن المعرفة وجبت بالعقل والعوام عقلاء # ويظهر ذلك شرعا وعقلا أما الشرع فلا يكلف الا عاقلا وهو تسليم أموالهم ~~اليهم لرشدهم ولا رشيد الا عاقل وأما طريق العقل فبما يظهر من ذلك في ~~تدبيرهم وتدقيق حيلهم وخفي مكرهم في تقاسيم أحوال الدنيا # وقد سطر الناس في ذلك كتبا وصنفوا فيها من فنون المكر والحيل وتدقيق ~~الآراء في أنواع التدبير ما فيه غنية لمن تأمله والثاني أن أدلة ذلك جلية ~~في أعلى مقامات الايضاح والكشف حتى تجد النفوس بها مستأنسة وذلك مثلما يستدل PageV07P446 ~~العامي على معرفة أن له خالقا فيعلم عند تأمل نفسه أنه جسم مجموع مفعول ~~مصنوع وهو عاجز في نفسه عن صنع ذاته وصفاته من وجوه # أيسرها أن الصانع من شرطه أن يتقدم على المصنوعات فإذا ثبت ذلك في نفسه ~~واستقر ذلك في أمثاله من ms1501 جنسه واستوى العالم كله عنده في أنه يشاركه في ~~صفات نفسه اقتضى ذلك إثبات صانع آخر يخالفهم في استحقاق الجمع لحقيقة ~~الوحدة ويتحقق فيه شرط السبق إلى غير غاية # وهذا وأمثاله معروف عند العامة لا يخفى عليهم وإن عجزوا في بعضه عن ~~الافصاح بشرحه والمأخوذ على المكلف فهمه ومعرفته على وجه يزول عنه الشك ~~ويبعد فيه الريب ويستضيء به العقل وتثق به النفس # وهذا سهل لا تقصر العامة عن معرفته فلهذا قضينا لهم بالإيمان والمعرفة ~~وهذا جلي واضح ولكونه حقا في نفسه صحيحا في معناه سوى الله في أحكامه بين ~~العالم والعامي في أحكام ذلك العامة وهي الخطاب بالأمر والنهي وإقرارهم على ~~حكم القبول في المعقود من الأنكحة والبيوع وأداء الفرائض PageV07P447 ~~واجتناب المحارم والغسل والتكفين والصلاة عليهم والدفن في مقابر المسلممين ~~إلى قبلتهم والتوارث منهم وذلك يوجب لهم القضاء بالإيمان والمعرفة # قال واحتج المخالف بأن حقيقة المعرفة هو العلم بالشيء أو العلم بالمعلوم ~~وإنما يكون ذلك إذا وصل صاحبه إلى اليقين فيه وإذا لم يكن قادرا على بصيرة ~~دليل يكشفه ولا على دفع شبهة يحلها لم يكن على يقين فيما علمه لأنه قد ~~يعترض عليه فيما عنده شك ما يوجب نقلته عما كان عليه أو يعرض له من الشكوك ~~ما يزيل الثقة بما عنده # ومن هو على هذه الصفة فهو ناقص المعرفة وتجويز النقصان في هذا يوجب أنه ~~لم يتعلق بما مثله يصلح أن يكون كافيا في مقصوده شافيا في مراده وإلا ~~فحقيقة المعرفة لا تدخلها التجزئة فيثبت منها بعض دون بعض فبان بهذا أن كل ~~من كان في عداد العامة فهو غير عارف على الحقيقة ومن ليس بعارف لم يثبت له ~~تسمية ما يستحقه أهل المعرفة من ذلك # قال والجواب أن ما أسلفناه في اول المسألة هو جواب عما PageV07P448 ~~ذكروه وهو أنه إذا أضاف ما علمه إلى دليل مثله لا يفسد وقد استحكمت ثقة ~~المعترف به في مدة حياته لا يعتريه فساد ولا يدخله نقص واتفق على ذلك من ms1502 ~~يساويه في معرفته ومن يزيد عليه في مقام العلم والاجتهاد فقد استحكمت ثقته ~~به من وجهين أحدهما علمه وتجربته والثاني اتفاق أهل الملة على صحته ومثل ~~هذا لا يعارضه شك يخرج المتمسك به عن الثقة فإنه قد ثبت عند العامة عموما ~~لا يختلف فيه أحد منهم أن كل جسم مبني مجموع محدث كان بعد أن لم يكن ويتوهم ~~نقضه كما يتحقق بناؤه وإن كان كل واحد منهم ليس بفاعل نفسه ولا فعله مثله ~~ويتحقق أن من شرط الفاعل أن يكون سابقا على المفعول فإذا تساوت الأجسام في ~~هذا دل على أن الفاعل لها غيرها وهو من لا يشاركها فيما أوجب لها العجز ~~وهذا جلي واضح لا يمكن دفعه ولا تقابله شبهة تؤثر فيما استقر عند العالم به ~~وهذا كاف لا يقصر عنه عامي ولا يقدر على الزيادة فيه عالم الا بتحسين ~~العبارة فيه أو حذف مواد الشبهة عنه وهذا أمر زائد على مقدار فهمه والثقة ~~بصحته ولهذا كان من فرائض الكفايات PageV07P449 # قلت ولقائل أن يقول ان جمهور العامة لا يعرف هذا الدليل بل ولا يعرف مسمى ~~الجسم في اصطلاح المستدلين به ولايعرف أن الهواء يسمى جسما بل أكثر ~~الناظرين في العلم من أهل الفلسفة والكلام والفقه والحديث والتصوف لم ~~يعرفوا صحة هذا الدليل بل قالوا إنه باطل والسلف والأئمة جعلوا هذا من ~~الكلام المبتدع الباطل ولم يدع أحد من الأنبياء وأتباعهم أحدا إلى ~~الاستدلال على معرفة الله بهذا الطريق وإنما ابتدعه في الإسلام من كان ~~مبتدعا في الإسلام من الجهمية والمعتزلة ونحوهم ولكن الذي يعرفه العامة ~~والخاصة أن كل واحد من الآدميين محدث كان بعد أن لم يكن وأنه ليس بفاعل ~~نفسه ولم يفعله مثله # ولهذا استدل سبحانه بذلك في قوله تعالى { أم خلقوا من غير شيء أم هم ~~الخالقون } سورة الطور 35 وكذلك يعلمون حدوث ما يشهدون حدوثه ويعلمون ~~أنواعا من الأدلة غير هذا # قال أبو الحسن ابن الزاغوني وأما قولهم إنه قد يعترض عليه من الشبهة ما ~~يوجب ms1503 تفلته ويرفع ثقته فليس كذلك من وجهين أحدهما أن خيالات الشبه لا تكافي ~~فيما ذكرنا فما يقصر من الشبه PageV07P450 ~~فتقصيره يظهر سريعا والثاني أنه إذا طرأ على العامي شبهة فإنه لا يزال يسأل ~~عنها ويبالغ في التفتيش والتنقير حتى يخبره العلماء الربانيون في ذلك بما ~~تقوى به ثقته # قال وأما قولهم إن المعرفة ناقصة في حقه فإن أردتم أنها ناقصة من حيث إنه ~~لا يصل إلى مطلوب المسألة فهذا محال لا فهذا مما لا يدخله نقص وذلك لأن ~~الإنسان إما عارف بالمسألة أو غير عارف ولا واسطة بينهما وإن أردتم بالنقص ~~من طريق العدد في المسائل أو في الدلائل فصحيح غير أنه يفصل به بين علم ~~الأعيان وعلم الكفاية وذلك غير قادح في ثبوت المسألة بدليلها الذي لا غنى ~~عنه ولا زيادة عليه # قلت هذا مبني على أن المعرفة بالله تعالى لا تتفاضل وأن الشيء لا يكون ~~معلوما من وجه مجهولا من وجه وهذا أحد القولين للناس في هذه المسألة وهو ~~قول طائفة من أهل الحديث والفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم وقول كثير من أصحاب ~~الأشعري أو أكثرهم وهو قول جهم بن صفوان وكثير من المرجئة # لكن جمهور الناس على خلاف هذا وقد ذكر القاضي أبو يعلى في ذلك عن أحمد ~~روايتين وهذا يشبه تنازع الناس في العقل هل PageV07P451 ~~يتفاضل فمذهب الجمهور أنه يتفاضل وهو قول أكثر أصحاب أحمد وغيرهم من ~~العلماء كالتميمي والقاضي وأبي الخطاب وغيرهم من العلماء # وقالت طائفة لا يتفاضل وهو قول أكثر أصحاب الأشعري وابن عقيل وغيرهم # وهو يشبه تنازعهم في أن بعض الواجبات هل تكون أوجب من بعض فابن عقيل ~~وغيره ينكرون التفاضل في هذا وجمهور الفقهاء يجوزون التفاضل في هذا والكلام ~~على هذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن الذين يقولون بوجوب النظر والاستدلال على الأعيان أو ~~يقولون إن الإيمان لا يصح إلا به لأن المعرفة واجبة والمعرفة لا تتم إلا به ~~فقول جمهورهم إن المراد بذلك هو العلم الذي يقوم بالقلب ms1504 لا العبارة عنه ~~ولايوجبون نظم الدليل بالعبارة ولا القدرة على جواب المعارض ويقولون إن ~~العلم بالدليل أمر متيسر على العامة وإن العامة المؤمنين قد حصل لهم في ~~قلوبهم النظر والاستدلال المفضي إلى العلم وإن لم يكونوا قادرين على نظم ~~الدليل وبيانه بالعبارة # وهذا موجود في عامة ما يقوم بالنفس من علم وحب وبغض PageV07P452 ~~ولذة وألم وغير ذلك يكون ذلك موجودا في النفس يعلم به الإنسان ولكن وصف ذلك ~~وبيانه والتعبير عنه شيء آخر # وليس كل من علم شيئا أمكنه أن يصفه ولهذا يسمى مثل هذا متكلما ومعلوم أن ~~العلم ليس هو الكلام ولهذا يقال العلم علمان علم في القلب وعلم في اللسان ~~فعلم القلب هو العلم النافع وعلم اللسان هو حجة الله على عباده وقد روي ذلك ~~عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وقد قيل إنه من كلام الحسن وهو أقرب # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل ~~خطباؤه كثير معطوه قليل سائلوه وسيأتي عليكم زمان كثير خطباؤه قليل فقهاؤه ~~قليل معطوه كثير سائلوه # فالفقيه الذي تفقه قلبه غير الخطيب الذي يخطب بلسانه وقد يحصل للقلب من ~~الفقه والعلم أمور عظيمة ولا يكون صاحبه مخاطبا PageV07P453 ~~بذلك لغيره وقد يخاطب غيره بأمور كثيرة من معارف القلوب وأحوالها وهو عار ~~عن ذلك فارغ منه # وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل ~~المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل ~~المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق ~~الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها # فبين صلى الله عليه وسلم أن الإنسان قد يقرأ القرآن فيتكلم بكلام الله ~~وهو منافق ليس في قلبه إيمان وآخر يكون مؤمنا قلبه فيه من معرفة الله تعالى ~~وتوحيده ومحبته وخشيته ما هو اعظم الأمور ms1505 وهو لا يتكلم بالقرآن الذي هو ~~كلام الله تعالى # ولهذا قال جندب بن عبد الله وابن عمر وغيرهما تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا ~~القرآن فازددنا إيمانا وأنتم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان PageV07P454 # وقد قال تعالى { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله ~~تصير الأمور } سورة الشورى 52 53 # وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن ~~الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من السنة # فأخبر أنه أنزل الإيمان في القلوب وقد تقدم قوله تعالى { أنزل من السماء ~~ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ~~ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال } ~~سورة الرعد 17 وهذا مثل ضربه الله لما أنزله في القلوب من الإيمان والقرآن ~~وشبه القلوب بالأودية وشبه ما يخالط القلوب من الشهوات والشبهات بالزبد الذي PageV07P455 ~~يذهب جفاء يجفوه القلب ويدفعه وشبه ما يبقى في الأرض من الماء النافع بما ~~يبقى في القلوب من الإيمان النافع # وتقدم أيضا حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مثل ما ~~بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت ~~الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس ~~وسقوا وزرعوا وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ~~فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم ومثل ~~من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به # فقسم صلى الله عليه وسلم الناس فيما بعث به من الهدى والعلم ms1506 الذي شبهه ~~بالغيث إلى ثلاثة أقسام فقسم قبلوه فانتفعوا به في نفوسهم علما وعملا وقسم ~~حفظوه وأدوه إلى غيرهم وقسم ثالث لا هذا ولا هذا # وقوله تعالى { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } سورة الشورى 52 نظير ~~قوله { قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي } سورة سبأ 50 PageV07P456 # ففي هاتين الآيتين بين سبحانه أن الإيمان والهدى حصل بالوحي النازل لا ~~بمجرد العقل الذي كان حاصلا قبل الوحي # والناس متنازعون في المعرفة هل حصلت بالشرع أو بالعقل وهل وجبت بهذا أو بهذا # والنزاع في هاتين المسألتين موجود بين عامة الطوائف من أصحاب أحمد وغيره # فإن الناس لهم في العقل هل يعلم به حسن الأشياء وقبحها والوجوب والتحريم ~~قولان مشهوران أحدهما أنه لا يعلم به ذلك وهو قول الأشعري وأصحابه وابن ~~حامد والقاضي أبي يعلى والقاضي يعقوب وابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم من ~~أصحاب أحمد وكثير من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما # والثاني أنه يعلم ذلك وهذا قول المعتزلة والكرامية وغيرهم وهو قول أبي ~~الحسن التميمي وأبي الخطاب وغيرهما من أصحاب أحمد وذكر أبو الخطاب أنه قول ~~جمهور العلماء وهو قول كثير من أئمة الحديث من أصحاب أحمد وغيرهم كأبي ~~القاسم سعد بن علي الزنجاني وأبي نصر السجزي وقول كثير من أصحاب مالك ~~والشافعي وهو الذي ذكره أصحاب أبي حنيفة وذكروه عن أبي حنيفة نفسه # وقد بسط الكلام على هذه المسألة وما فيها من التفصيل في غير هذا الموضع ~~وكذلك المعرفة هل تحصل بالعقل أو بالشرع فيها PageV07P457 ~~نزاع بين العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم من العلماء # وحقيقة المسألة أن المعرفة منها ما يحصل بالعقل ومنها ما لا يعرف إلا ~~بالشرع فالإقرار الفطري كالإقرار الذي أخبر الله به عن الكفار قد يحصل ~~بالعقل كقوله تعالى { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } ~~سورة لقمان 25 # وأما ما في القلوب من الإيمان المشار إليه في قوله تعالى { ما كنت تدري ~~ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ms1507 نهدي به من نشاء من عبادنا } سورة ~~الشورى 52 فلا يحصل إلا بالوحي كما في قوله { قل إن ضللت فإنما أضل على ~~نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي } سورة سبأ 50 # ومما يتعلق بهذه المسألة الكلام فيما يلهمه الله تعالى المؤمنين من ~~الإيمان كقوله تعالى { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي } سورة ~~المائدة 111 # وقوله { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } سورة الأنعام 125 ~~وقوله { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } سورة الزمر 22 # وقوله { الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح } إلى قوله ~~{ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } سورة النور 35 40 PageV07P458 # وقوله { حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم } سورة الحجرات 7 # وقوله { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } سورة المجادلة 22 ~~وقوله { والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } سورة ~~يونس 25 # وأمثال ذلك مما يبين أن ما يحصل في القلوب من الهدى والنور والإيمان هو ~~من الله تعالى بفضله ورحمته # وهذا يتعلق بمسألة القدر ولما كانت المعتزلة قدرية تنكر أن يكون الله ~~تعالى خالقا لأفعال العباد ويقولون إن ما يحصل للعبد من الإيمان لم يحصل من ~~الله تعالى بل قد أعطى الكافر من أسباب الإيمان مثل ما أعطى المؤمن وليس له ~~نعمة على المؤمن أعظم من نعمته على الكافر ولكن نفس القدرة التي بها آمن ~~هذا بها كفر هذا وكل منهما رجح أحد مقدوريه بلا سبب يوجب الترجيح لأن ~~القادر المختار يرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وأما من قال منهم ~~بقول أبي الحسين إن الفعل لا يحصل مع القدرة إلا بالداعي وإن الله يخلق ~~الداعي وأنه يجب وجود المقدور عند وجودهما فهذا موافق لأهل السنة في المعنى ~~وإن أظهر نزاعهم PageV07P459 # والمعتزلة كانوا هم أئمة الكلام في وجوب النظر والاستدلال بطريقة الأعراض ~~والأجسام وما يتبع ذلك وصاروا يقولون إن الإيمان لا يمكن أن يحصل ms1508 للعبد ~~بدون اكتسابه له لا يمكن عندهم أن يحصل بعلم ضروري يجعله الله في قلب العبد ~~ولا بإلهام وهداية منه يختص بها من يشاء من عباده # ولهذا خالفهم المثبتون للقدر كالأشعري وغيره وقالوا يمكن أن يعلم ~~بالاضطرار ما يعلم بالنظر فإن هذا عندهم ليس أمرا لازما لكنه بحسب العادة # والمعتزلة يقولون إن الإيمان إذا كان موهبة من الله تعالى للعبد وتفضلا ~~منه عليه لم يستحق العبد الثواب # وأهل السنة يقولون هو محسن إلى العبد متفضل عليه بأن أرسل اليه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأن جعل له السمع والبصر والفؤاد الذي يعقل به وأن هداه ~~للإيمان وأن أماته عليه فكل هذا إحسان منه إلى المؤمن وتفضل عليه وإن كان ~~هو قد كتب على نفسه الرحمة وكان حقا عليه نصر المؤمن وحق العباد عليه إذا ~~وحدوه ألا يعذبهم فذاك حق أوجبه بنفسه بكلماته التامات وبما تستحقه نفسه ~~المقدسة من حقائق الأسماء والصفات لا أن شيئا من المخلوقات أوجب عليه شيئا ~~أو حرم عليه شيئا PageV07P460 # والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر # فلما صار من أخذ ما أخذه من الكلام المحدث عنهم كالأشعري ومن سلك سبيله ~~من أصحاب أحمد ومالك والشافعي يسلكون مسالكهم في مسألة إيجاب النظر وأن ~~الايمان لا يحصل الا به قال ابو جعفر السمناني أحد أئمة الاشعرية هذه ~~المسألة بقية بقيت في المذهب من الاعتزال لمن اعتقدها وذلك لكون الأشعري ~~كان معتزليا تلميذا لأبي علي الجبائي ثم رجع عن هذا إلى مذهب ابن كلاب ~~وأمثاله من الصفاتية المثبتين للقدر والقائلين بأن أهل الكبائر لا يخلدون ~~ونحو ذلك من الأصول التي فارق بها المعتزلة للجماعة # وأصل الكلام المحدث المخالف للكتاب والسنة المذموم عند السلف والأئمة كان ~~أئمة الجهمية والمعتزلة وأمثالهم والمعتزلة قدرية جهمية وجهم وأتباعه جهمية ~~مجبرة ثم الأشعري كان منهم ولما فارقهم وكشف فضائحهم وبين تناقضهم وسلك ~~مسالك أبي محمد بن كلاب وأمثاله ناقضهم غاية المناقضة في مسائل القدر ~~والوعيد والأسماء والأحكام كما ناقضهم في ذلك الجهمية والضرارية والنجارية ms1509 ونحوهم PageV07P461 ~~وكان الأشعري أعظم مباينة لهم في ذلك من الضرارية حتى مال إلى قول جهم في ~~ذلك لكنه كان عنده من الانتساب إلى السنة والحديث وأئمة السنة كالإمام أحمد ~~وغيره ونصر ما ظهر من أقوال هؤلاء ما ليس عند أولئك الطوائف # ولهذا كان هو وأمثاله يعدون من متكلمة أهل الحديث وكانوا هم خير هذه ~~الطوائف وأقربها إلى الكتاب والسنة ولكن خبرته بالحديث والسنة كانت مجملة ~~وخبرته بالكلام كانت مفصلة فلهذا بقي عليه بقايا من أصول المعتزلة ودخل معه ~~في تلك البقايا وغيرها طوائف من المنتسبين إلى السنة والحديث من اتباع ~~الأئمة من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد # وعامة هؤلاء يقولون الأقوال المتناقضة ويقولون القول ولا يلتزمون لوازمه ~~ومن أسباب ذلك أنهم يقولون القول المأثور عن الصحابة والسلف الموافق للكتاب ~~والسنة ولصريح المعقول ويسلكون في الرد على بعض الكفار أو بعض أهل البدع ~~مسلكا سلكته المعتزلة ونحوهم وذلك المسلك لا يوافق أصول أهل السنة فيحتاجون ~~إلى التزام لوازم ذلك المسلك المعتزلي وإلى القول PageV07P462 ~~بموجب نصوص الكتاب والسنة والمعقول الموافق لذلك فيحصل التعارض والتناقض # وهكذا المعتزلة ردوا على كثير من الكفار ردا بطرق سلكوها متى التزموا ~~لوازمها عارضت حقا آخر معلوما بالشرع أو العقل ومن تدبر هذه الأبواب رأى ~~عجائب وما ثم ما يثبت على السبر والتقسيم ويسلم عن التناقض إلا ما جاء من ~~عند الله # كما قال تعالى { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا } سورة النساء 82 # وكثير من هذه الطوائف يتعصب على غيره ويرى القذاة في عين أخيه ولا يرى ~~الجذع المعترض في عينه ويذكر من تناقض أقوال غيره ومخالفتها للنصوص ~~والمعقول ما يكون له من الأقوال في ذلك الباب ما هو من جنس تلك الأقوال أو ~~أضعف منها أو أقوى منها # والله تعالى يأمر بالعلم والعدل ويذم الجهل والظلم كما قال تعالى { ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله ms1510 غفورا ~~رحيما } سورة الأحزاب 72 73 PageV07P463 # وقال تعالى { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } سورة الأنعام 115 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في ~~الجنة فرجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في ~~النار ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار رواه أهل السنن # ومعلوم أن الحكم بين الناس في عقائدهم وأقوالهم أعظم من الحكم بينهم في ~~مبايعهم وأموالهم # وقد قال تعالى { فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت ~~بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير } سورة الشورى 15 # تم بحمد الله الجزء السابع من # كتاب درء تعارض العقل والنقل # لابن تيمية PageV07P464 # وقد رأيت من كلام الناس في هذا الباب وغيره ألوانا لا يسعها هذا الموضع ~~وكثير من نزاع الناس يكون نزاعا لفظيا أو نزاع تنوع لا نزاع تناقص # فالأول مثل أن يكون معنى اللفظ الذي يقوله هذا هو معنى اللفظ يقوله هذا ~~وإن اختلف اللفظان فيتنازعان لكون معنى اللفظ في اصطلاح أحدهما غير معنى ~~اللفظ في اصطلاح الآخر وهذا كثير # فالثاني أن يكون هذا يقول نوعا من العلم والدليل صحيحا ويقول الآخر نوعا صحيحا # وكثير من نزاع الناس في هذا الموضع من هذا الباب وكثير منه نزاع في ~~المعنى والنزاع المعنوى إما أن يكون في ثبوت شىء وانتفائه وإما أن يكون في ~~وجوب شىء وسقوطه # فالنزاع في صحة دليل الأعراض ونحوه نزاع معنوى وكذلك النزاع في وجوب ~~الاستدلال بهذا الدليل على الإيمان أو توقف صحة الإيمان عليه ونحو ذلك # ولما كان الكلام في هذه الأبواب المبتدعة مأخوذا في الأصل عن المعتزلة ~~والجهمية ونحوهم وقد تكلم هؤلاء في أول الواجبات هل هو النظر أو القصد أو ~~الشك أو المعرفة صار كثير من المنتسبين إلى PageV08P003 ~~السنة المخالفين للمعتزلة في جمل أصولهم يوافقونهم على ذلك ثم الواحد من ~~هؤلاء ms1511 إذا انتسب إلى إمام من أئمة العلم كمالك وابي حنيفة والشافعي وأحمد ~~وصنف كتابا في هذا الباب يقول فيه قال اصحابنا وأختلف أصحابنا فإنما يعنى ~~بذلك أصحابه الخائضين في الكلام وليسوا من هذا الوجه من أصحاب ذلك الإمام ~~فإن أصحابه الذين شاركوه في مذهب ذلك الإمام إنما بينهم وبين أصحابه ~~المشاركين له في ذلك الكلام عموم وخصوص فقد يكون الرجل من هؤلاء دون هؤلاء ~~وبالعكس وقد تجتمع فيه الوصفان # وهذا موجود كثيرا في اتباع جميع الأئمة فتجد الواحد من أصحاب أبي حنيفة ~~ومالك والشافعي وأحمد يقول اختلف أصحابنا في أول الواجبات ونحو ذلك لا يصح ~~كلامه إلا على هذا الوجه # كما يقول أبو الفرج المقدسي الحنبلي في تبصرته فإنه قال PageV08P004 ### | AUTO فصل في أول ما أوجب الله على العبد المكلف وفي ذلك وجهان ~~لأصحابنا أحدهما أن أول ما أوجب الله على العبد معرفته والثاني أن أول ما ~~أوجب الله على العبد النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله تعالى # قال وقال قوم أول ما أوجب الله على العبد الطهارة والصلاة وغير ذلك # ثم قال دليلنا أن معرفة الله يجب أن تتقدم على عبادته لأنه لا يجوز ~~للمكلف أن يعبد ما لا يعرف وإذا ثبت هذا وجب تقدم المعرفة على العبادة # قال وإلى ذلك دعانا الباري بقوله تعالى { أو لم يتفكروا في أنفسهم } سورة ~~الروم 8 وقال { أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } سورة الأعراف 185 # قال ولم يندبنا إلى النظر والتفكر إلا لكي نستدل على معرفته # قال دليل ثان أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما أرسل به إلى الأمة ~~التوحيد ومعرفة الله تعالى بالوحدانية ونفي الإلهية عما سواه ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم # أمرت أن أقاتل الناس PageV08P005 ~~حتى يقولوا لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها ثم فرض عليهم بعد ذلك الفرائض فدل على ما قلناه # قلت فهذا الكلام وأمثاله يقوله كثير من أصحاب الأئمة الأربعة ومعلوم أن ~~الأئمة ms1512 الأربعة ما قالوا لا هذا القول ولا هذا القول وإنما قال ذلك من ~~أتباعهم من سلك السبل المتقدمة والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدع أحدا من ~~الخلق إلى النظر ابتداء ولا إلى مجرد إثبات الصانع بل أول ما دعاهم إليه ~~الشهادتان وبذلك أمر أصحابه # كما قال في الحديث المتفق على صحته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه ~~إلى اليمن # إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم ~~خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض ~~عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم PageV08P006 # وكذلك سائر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم موافقة لهذا كما في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عمر # أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا ~~فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله # وفي حديث ابن عمر # حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة # وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين وعلماء المسلمين فإنهم مجمعون على ما علم ~~بالاضطرار من دين الرسول أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين سواء كان ~~معطلا أو مشركا أو كتابيا وبذلك يصير الكافر مسلما ولا يصير مسلما بدون ذلك # كما قال أبو بكر بن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على الكافر ~~إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن كل ما جاء ~~به محمد حق وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام وهو بالغ صحيح يعقل ~~أنه مسلم فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتدا يجب عليه ما يجب على المرتد # لكن تنازعوا فيما إذا قال أشهد أن محمدا رسول الله هل يتضمن ذلك الشهادة ~~بالتوحيد أو لا يتضمن ms1513 أو يفرق بين من يكون PageV08P007 ~~مقرا بالتوحيد ومن لا يكون مقرا على ثلاثة أقوال معروفة في مذهب أحمد وغيره ~~من الفقهاء ولهذا قال غير واحد ممن تكلم في أول الواجبات كالشيخ عبد القادر ~~وغيره أول واجب على الداخل في ديننا هو الشهادتان # واتفق المسلمون على أن الصبي إذا بلغ مسلما لم يجب عليه عقب بلوغه تجديد ~~الشهادتين # والقرآن العزيز ليس فيه أن النظر أول الواجبات ولا فيه إيجاب النظر على ~~كل أحد وإنما فيه الأمر بالنظر لبعض الناس وهذا موافق لقول من يقول إنه ~~واجب على من لم يحصل له الإيمان إلا به بل هو واجب على كل من لا يؤدي واجبا ~~إلا به وهذا أصح الأقوال # فقوله تعالى { أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون } سورة ~~الروم 8 وهذا بعد قوله { ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون } سورة الروم 6 7 # ثم قال تعالى { أو لم يتفكروا في أنفسهم } سورة الروم 8 فالضمير عائد إلى ~~الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون PageV08P008 # وقوله تعالى { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين أولم ~~ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد ~~اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون } سورة الأعراف 184 185 # فهذا مذكور بعد قوله { والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~وأملي لهم إن كيدي متين } سورة الأعراف 182 183 # ثم قال { أولم يتفكروا ما بصاحبهم } فالضمير عائد إلى المكذبين فإنه قال ~~تعالى { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } ثم قال تعالى { أولم ينظروا في ~~ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ~~فبأي حديث بعده يؤمنون } فقول هؤلاء كأبي المعالي وغيره أول ما يجب على ~~العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ ms1514 أو الحلم شرعا القصد إلى النظر الصحيح ~~المفضي إلى العلم بحدث العالم هو في الأصل من PageV08P009 ~~كلام المعتزلة وهو كلام مخالف لما أجمع عليه أئمة الدين ولما تواتر عن سيد ~~المرسلين بل لما علم بالاضطرار من دينه # وإذا قدر أن أول الواجبات هو النظر أو المعرفة أو الشهادتان أو ما قيل ~~فهذا لا يجب على البالغ أن يفعله عقب البلوغ إلا إذا لم يكن قد فعله قبل ~~البلوغ فأما من فعل ذلك قبل البلوغ فإنه لا يجب عليه فعله مرة ثانية لا ~~سيما إذا كان النظر مستلزما للشك المنافي لما حصل له من المعرفة والإيمان ~~فيكون التقدير اكفر ثم آمن واجهل ثم اعرف وهذا كما أنه محرم في الشرع فهو ~~ممتنع في العقل فإن تكليف العالم الجهل من باب تكليف ما لا يقدر عليه فإن ~~الجاهل يمكن أن يصير عالما فإذا أمر بتحصيل العلم كان ممكنا أما العالم فلا ~~يقدر أن يصير جاهلا كما أن من رأى الشيء وسمعه لا يمكن أن يقال لا يعرفه ~~فمن كان الله قد أنعم عليه وشرح صدره للإسلام قبل بلوغه فحصل له الإيمان ~~المتضمن للمعرفة لم يمكن أن يؤمر بما يناقض المعرفة من نظر ينافي المعرفة ~~أو شك ونحو ذلك بل الأمر لمن حصل له علم ومعرفة أن يقدم ذلك ثم يحصله مثل ~~تكليف من حصل له قصد الصلاة ونيتها بأن يقدم ذلك ثم تحصل النية PageV08P010 ~~وهذا مع أنه من باب الجهل والسفه والضلال فهو من باب تكليف العباد ما ~~يعجزون عنه ولهذا يقال الوسوسة لا تكون إلا من خبل في العقل أو جهل بالشرع # وقد اتفق الفقهاء على أن الصبي إذا تطهر قبل البلوغ لم يجب عليه إعادة ~~الوضوء إذا بلغ وكذلك لو كان عليه ديون فقضاها أو قضاها وليه لم يجب عليه ~~إعادة القضاء بعد البلوغ بل لو صلى الفرض في أول الوقت ثم بلغ ففي إعادة ~~الصلاة عليه نزاع معروف بين العلماء ومذهب الشافعي لا تجب الإعادة وهو قول ~~في مذهب ms1515 أحمد ومن الناس من يضعف هذا القول ولعله أقوى من غيره فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا من الصبيان بإعادة الصلاة مع العلم بان ~~كثيرا منهم يحتلم بالليل وقد صلى العشاء مع بقاء وقتها # والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد ~~الشهادتان ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ # والشهادة تتضمن الإقرار بالصانع تعالى وبرسوله لكن مجرد المعرفة بالصانع ~~لا يصير به الرجل مؤمنا بل ولا يصير مؤمنا بأن يعلم أنه رب كل شيء حتى يشهد ~~أن لا إله إلا الله ولا يصير مؤمنا PageV08P011 ~~بذلك حتى يشهد أن محمدا رسول الله ثم كون ما يجب من المعرفة لا يحصل إلا ~~بالنظر أو يمكن حصوله بدونه وهل أصل المعرفة فطرية ضرورية أو نظرية أو يحصل ~~بهذا تارة وبهذا تارة والنظر المحصل لها هل يتعين في طريق معين أو لا يتعين ~~هذه مسائل أخر # ومما يتعلق بهذا تنازعهم في المعرفة الواجبة هل تحصل بالعقل أو بالشرع ~~وكثير من النزاع في ذلك لفظي وبعضه معنوي فمن ادعى أن المعرفة لا تحصل إلا ~~بطريقة الأعراض والتركيب ونحو ذلك من الطرق المبتدعة التي للمعتزلة ~~والمتفلسفة ومن وافقهم كان النزاع معه معنويا # ونحن نعلم بالاضطرار من دين الرسول وسلف الأمة بطلان قول هؤلاء وأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا بهذه الطرق ولا علق إيمانه ومعرفته ~~بالله بهذه الطرق بل القرآن وصف بالعلم والإيمان من لم يسلك هذه الطرق ولما ~~ابتدع بعض هذه الطرق من ابتدعها أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها ووسموا هؤلاء ~~بالبدعة والضلالة # ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر لا يمشي على PageV08P012 ~~قول من يقول لا واجب إلا بالشرع كما هو قول الأشعرية وكثير من أصحاب مالك ~~والشافعي وأحمد وغيرهم فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على ~~المشهور وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أو سبع لا ms1516 وجوب على من ~~لم يبلغ ذلك وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين وإن كان لم ~~يتكلم بهما وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة # وهذا هو المعنى الذي قصده من قال أول الواجبات الطهارة والصلاة فان هذا ~~أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا أو إذا ميزوا كما قال صلى اله عليه وسلم ~~مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في ~~المضاجع # ولهذا قال الأئمة كالشافعي واحمد وغيرهما يجب على كافل الصبي أن يأمره ~~بالطهارة والصلاة لسبع ولم يوجب أحد منهم على أوليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد ~~شهادتين ولا نظر ولا استدلال ونحو ذلك ولا يؤمر بذلك بعد البلوغ وان كان ~~الإقرار بالشهادتين واجبا باتفاق المسلمين ووجوب ذلك يسبق وجوب الصلاة لكن ~~هو قد أدى هذا الواجب قبل ذلك إما بلفظه واما بمعناه فان نفس الإسلام ~~والدخول فيه التزام لذلك PageV08P013 # وهنا مسائل تكلم الفقهاء فيها فمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين أو أتى بغير ~~ذلك من خصائص الإسلام ولم يتكلم بهما والصحيح انه يصير مسلما بكل ما هو من ~~خصائص الإسلام # فان قال هؤلاء يعني بكونه أول الواجبات انه أول ما يؤديه العبد من ~~الواجبات # قيل قد يؤدي قبل ذلك واجبات من قضاء الديون وأداء الأمانة وصلة الأرحام ~~والعدل وغير ذلك # فان قيل لكن هذا أول واجب يتعلق به الثواب في الآخرة بخلاف ما أدى بدونه ~~لا ثواب فيه في الآخرة # قيل مع قولنا بأنه لا وجوب ولا ثواب في الآخرة إلا بالشرع فلا يثاب لا ~~على هذا ولا على هذا قبل مجيء الشرع ولا يجب لا هذا ولا هذا إلا بالشرع ~~وإذا خاطب الشارع الناس فإنما يأمر العبد ابتداء بما لم يؤده من الواجبات ~~دون ما آداه فلم يخاطب المشركين ابتداء بالمعرفة إذا كانوا مقرين بالصانع ~~وانما أمرهم بالشهادتين ولو لم يكونوا مقرين بالصانع فانه لم يأمرهم بإقرار ~~مجرد عن الشهادتين بل آمرهم بالشهادتين ابتداء والشهادتان تتضمن المعرفة PageV08P014 ~~فلو اقروا بالصانع وعرفوه من غير إقرار بالشهادتين ms1517 لم يقبل ذلك منهم ولم ~~يخرجوا بذلك من الكفر ولم يرتب خطابهم بذلك شيئا بعد شيء بل خاطبهم بالجميع ابتداء # وهنا تكلم الناس في وجوب إمهال الكافر إذا طلب الإمهال للنظر فأوجبه من ~~أوجبه من المتكلمين من المعتزلة ومن تبعهم على هذه الطريقة كالقاضي أبي بكر ~~والقاضي أبي يعلي في المعتمد وغيرهما # واما الفقهاء أئمة الدين فلا يوجبون ذلك مطلقا إما في حال المقاتلة ~~فيقاتلون حتى يسلموا أو يقروا بالجزية إن كانوا من أهلها فإذا اسر الرحل ~~منهم فهذا لا يتعين قتله فإذا طلب مثل هذا الإمهال ورجى إسلامه أمهل واما ~~المرتد فلا يؤخر عند الجماهير اكثر من ثلاث وأما من له عهد فذلك لا يكره ~~على الإسلام فهو في مهلة النظر دائما # ولو طلب أهل دار ممتنعين من الإمام إن يمهلهم مدة ورجا بذلك إسلامهم ولم ~~يخف مفسده راجحة أمهلهم # والحربي إذا طلب الامان حتى يسمع القرآن وينظر في دلائل الإسلام أمناه ~~كما قال تعالى { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه } # واما من قال بالوجوب العقلي كما هو قول المعتزلة والكرامية ومن PageV08P015 # وافقهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد وغيرهم فهؤلاء هم الذين ~~قالوا ابتداء أول ما يجب المعرفة أو النظر المؤدي إليها لكن اخذ كلامهم من ~~أراد أن يبنيه على اصوله من الاشعرية ونحوهم فتناقض كلامه # ومن قال بالوجوب العقلي فهذا إذا قال أول الواجبات المعرفة كان ذلك اقرب ~~ثم له أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أوجب الشهادتين ابتداء فقد ضم ~~إلى الواجب العقلي ما يجب بالشرع وجعل أحدهما شرطا في الآخر فلا يقبل ~~أحدهما دون الآخر ومن أدى هذا الواجب أو بعضه لم يخاطبه إلا بفعل ما لم ~~يؤده وعلى هذا فيكون خطاب الشارع للناس بحسب أحوالهم # وأول الواجبات الشرعية يختلف باختلاف أحوال الناس فقد يجب على هذا ابتداء ~~ما لا يجب على هذا ابتداء فيخاطب الكافر عند بلوغه بالشهادتين وذلك أول ~~الواجبات الشرعية التي يؤمر ms1518 بها واما المسلم فيخاطب بالطهارة إذ لم يكن ~~متطهرا وبالصلاة وغير ذلك من الواجبات الشرعية التي لم يفعلها # وفي الجملة فينبغي أن يعلم أن ترتيب الواجبات في الشرع واحدا بعد واحد ~~ليس هو أمرا يستوي فيه جميع الناس بل هم متنوعون في ذلك فكما انه قد يجب ~~على هذا ما لا يجب على هذا فكذلك قد PageV08P016 # يؤمر هذا ابتداء بما لا يؤمر به هذا فكما إن الزكاة يؤمر بها بعض الناس ~~دون بعض وكلهم يؤمر بالصلاة فهم مختلفون فيما يؤمرون به ابتداء من واجبات ~~الصلاة فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة ونحو ذلك من واجباتها أمر بفعل ~~ذلك ومن لم يحسن ذلك أمر بتعلمه ابتداء ولا يكون أول ما يؤمر به هذا من ~~أمور الصلاة هو أول ما يؤمر به هذا # وهكذا الواجبات العقلية إذا قيل بالوجوب العقلي يتنوع الناس في ترتيبها ~~فهذا يؤمر بقضاء ما عليه من الديون وهذا يؤمر برد ما عنده من الودائع وهذا ~~يؤمر بالعدل في حكمه والصدق في شهادته وامثال ذلك وكما انهم متنوعون في ~~ترتيب الوجوب فهم متنوعون في ترتيب الحصول علما وعملا # وقد سلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة ومن وافقهم ترتيبا معينا في ~~العلم الواجب على كل مكلف وزعموا انه لا يمكن حصول المعرفة لأحد إلا على ~~ذلك الترتيب الخاص كما ذكرناه من كلام أبي الحسين البصري وامثاله حيث قالوا ~~ليس يثق أحد بصحة ما جاءت به الرسل إلا بعد المعرفة بصدقهم ولا تحصل ~~المعرفة بصدقهم إلا بالمعجزات التي تميزهم عن غيرهم وليس تدل المعجزات على ~~صدقهم إلا إذا صدرت ممن لا يفعل القبيح لكي يؤمن أن يصدق الكذابين وليس ~~يعلم انه لا يفعل القبيح إلا إذا عرف انه عالم بقبحه PageV08P017 ~~عالم باستغنائه عنه ولا يعرف غناه إلا بعد أن يعلم بأنه غير جسم ولا يعرف ~~انه غير جسم إلا إذا عرف انه قديم ولا يعلم انه قديم ولا يعلم انه عالم بكل ~~قبيح إلا إذا علم انه عالم بكل شيء ms1519 ولا يعلم ذلك إلا إذا علم لذاته ولا ~~يعلم انه يثبت ويعاقب إلا إذا علم انه قادر حي ولا نعرف موصوفا بهذه الصفات ~~إلا إذا عرفت ذاته وإنما تعرف ذاته إذا استدل عليها بأفعاله لأنها غير ~~مشاهدة ولا معروفة باضرار ولا طريق إليها إلا أفعاله # قال فيجب أن يتكلم في هذه الاشياء ليعلم صحة ما جاءت به الرسل # ثم انه تكلم في حدوث الأجسام وبني الأمر في ذلك على إن ما لم يسبق ~~الحوادث فهو محدث وبنى ذلك على انه إذا كان كل من الحوادث له أول استحال أن ~~لا يكون لها أول لأنها ليست سوى آحادها كما يستحيل أن يكون كل واحد من ~~الزنج اسود ولا يكونوا كلهم سودا # فقد جعل الدين كله مبنيا على هذا الترتيب المبني على هذه المقدمة التي ~~ينازعه فيها جمهور العقلاء من أهل الملل وغيرهم وهذه هي أصول الدين عندهم ~~وهذا مما يخالفهم فيه جماهير المسلمين بل جمهور عقلاء العالمين بل يعلم ~~بالاضطرار من دين الإسلام أن PageV08P018 # الرسول لم يوجب هذه الطريق ولا دعا إليها ولا كان إيمان السابقين الأولين ~~موقوفا عليها # وعامة ما ذكره من الترتيب ممنوع فقوله لا تحصل المعرفة بصدقهم إلا ~~بالمعجزات ينازعه فيه طوائف كثيرون بل اكثر الناس # وقوله لا تدل المعجزات على صدقهم إلا إذا صدرت ممن لم يفعل القبيح ينازعه ~~فيه أيضا طوائف كثيرون وقوله لا يعلم غناه إلا إذا علم انه ليس بجسم ينازعه ~~فيه أيضا طوائف كثيرون وكذلك ما ذكره من قوله ولا يعلم ذلك إلا إذا علم انه ~~عالم لذاته ومراده نفي الصفات والقول بأن القرآن مخلوق وان الله لا يرى في ~~الآخرة ونحو ذلك مما ينازعه فيه طوائف كثيرون # وقوله إنما يعرف إذ استدل عليها بأفعاله لأنها غير مشاهدة ولا معروفة ~~باضطرار ينازعه فيه طوائف آخرون # فهذا ترتيب المعتزلة للعلم بالله ورسله ولغيرهم من طوائف المتكلمين ترتيب ~~آخر وفيه من الممانعات والمعارضات من جنس ما في ترتيب هؤلاء PageV08P019 # ونظير هذه التراتيب التي أحدثها أهل ms1520 الكلام وادعوا أنه لا يحصل العلم إلا ~~بها تراتيب ذكرها طوائف من الصوفية المصنفين في أحوال القلوب وأعمالها لما ~~تكلموا في المقامات والمنازل وترتيبها فهذا يذكر عددا من المنازل والمقامات ~~وترتيبا وهذا يذكر عددا آخر وترتيبا ويقول هذا إن العبد لا ينتقل إلى مقام ~~كذا حتى يحصل له كذا وأنه ينتقل إلى كذا بعد كذا ويقول هذا عدد المنازل ~~مائة ويقول الآخر عددها أكثر وأقل ثم هذا يقسم المنازل أقساما يجعلها الآخر ~~كلها قسما ويذكر هذا أسماء وأحوالا لا يذكرها الآخر # وغاية الواحد من هؤلاء أن يكون ما ذكره وصف حاله وحال أمثاله وسلوكهم ~~وترتيب منازلهم فإذا كان ما قالوه حقا فغايته أن يكون وصف سلوك طائفة معينة ~~أما كون جميع أولياء الله تعالى لا يسلكون إلا على هذا الوجه المرتب وهذه ~~الانتقالات فهذا باطل # وكذلك أيضا نظير هذا ما يذكره من يذكره من المتفلسفة وأهل المنطق في ~~ترتيب العلم وأسباب حصوله وما يذكرونه من الحدود والأقيسة والانتقالات ~~الذهنية فغاية كلامهم إذا كان صحيحا أن يكون ذلك وصفا لما تسلكه طائفة ~~معينة أما كون جميع بني آدم لا يحصل لهم العلم بمطالبهم إلا بهذه الطرق ~~المعينة فهذا كلام PageV08P020 ~~باطل فحصر هؤلاء لمطلق العلم في ترتيب معين وحصر هؤلاء العلم بالله وبصدق ~~رسله في ترتيب معين وحصر هؤلاء للوصول إلى الله في ترتيب معين كل هذا مع ~~كونه في نفسه مشتملا على حق وباطل فالحق منه لا يوجب الحصر ولكن هو وصف قوم ~~معينين وطرق العلم والأحوال وأسباب ذلك وترتيبه أوسع من أن تحصر في بعض هذه ~~الطرائق # ولهذا كانت الرسل صلوات الله عليهم وسلامه يأمرون بالغايات المطلوبة من ~~الإيمان بالله ورسوله وتقواه ويذكرون من طرق ذلك وأسبابه ما هو أقوى وأنفع ~~وأما أهل البدع المخالفون لهم فبالعكس يأمرون بالبدايات والأوائل ويذكرون ~~من ذلك ما هو أضعف وأضر فمتبع الأنبياء لا يضل ولا يشقى ومتبع هؤلاء ضال ~~شقي إذ كانت قضايا هؤلاء فيها من الباطل الذي هو كذب وإفك وإن لم ms1521 يعلم ~~صاحبه أنه كذب وإفك بل يظنه صدقا ما لا يحصيه إلا الله # وإذا كان الناس يتنوعون في الوجوب وترتيب الواجبات ويتنوعون في الحصول ~~وترتيب الحاصلات لم يمكن أن يجعل ما يخص بعضهم شاملا لجميعهم وكثير من ~~الغلط في هذا الباب إنما دخل من هذا الوجه يصف أحدهم طريق طائفة ثم يجعله ~~عاما كليا ومن لم يسلكه كان ضالا عنده ثم ذلك الطريق إما أن يكون خطأ وإما أن PageV08P021 ~~يكون صوابا ولكن ثم طرق أخرى غير ذلك الطريق فيجىء من سلك غير ذلك الطريق ~~يبطله بالكلية ويرد ما فيه من الصواب # وقد تكلمنا على مسألة تحسين العقل وتقبيحه في غير هذا الموضع وفصلنا ~~القول فيها وبينا منشأ الغلط فإن الطائفتين اتفقوا على أن الحسن والقبح ~~باعتبار الملائمة والمنافرة قد يعلم بالعقل والملائمة تتضمن حصول المحبوب ~~المطلوب المفروح به والمنافرة تتضمن حصول المكروه المحذور المتأذى به # وهذا الذي اتفقوا عليه حق لكن توهموا بعد هذا أن الحسن والقبح الشرعي ~~خارج عن ذلك وليس الأمر كذلك بل هو في الحقيقة يعود إلى ذلك لكن الشارع عرف ~~بالموجود وأثبت المفقود فتحسينه إما كشف وبيان وإما إثبات لأمور في الأفعال ~~والأعيان # وعلى قول من يجعل الأحكام صفات ثابتة للأفعال وللأعيان فالتحسين الشرعي ~~يتضمن أن الحسن ما حصل به الحمد والثواب والقبح ما حصل به الذم والعقاب ~~ومعلوم أن الحمد والثواب والثواب ملائم للإنسان والذم والعقاب مناف للإنسان # وكذلك توهم من توهم من الطائفتين أن إثبات ذلك في حق الله تعالى ممتنع ~~لكون هؤلاء المتوهمين لم يفرقوا بين الإرادة والمحبة PageV08P022 # والرضا بل جعلوا كل مراد محبوبا مرضيا ثم قال هؤلاء الكفر والفسوق ~~والعصيان ليس محبوبا باتفاق المسلمين فلا يكون مرادا فيكون وقوع ذلك بدون ~~إرادته فيكون في ملكه ما لا يريده فيكون ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون # وقال هؤلاء بل هو مريد لكل حادث فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~والكفر والفسوق والعصيان مراد له فيكون محبوبا مرضيا فيكون محبا ms1522 راضيا ~~بالكفر والفسوق والعصيان فهؤلاء سووا بين المأمور والمحظور في أن الجميع ~~محبوب مرضي فلزمهم تعطيل الأمر والنهي والوعد والوعيد وإن لم يلتزموه # وأولئك قالوا يكون ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون فلزمهم أن يكون عاجزا ~~مغلوبا وإن كانوا لا يكرمون عجزه فهؤلاء لم يجعلوا لله الملك وأولئك لم ~~يجعلوا له الحمد والله تعالى له الملك وله الحمد هؤلاء أرادوا إثبات ألهيته ~~وأنه معبود محمود حكيم عادل فقصروا في ذلك ونقصوه موجب ربوبيته وقدرته ~~ومشيئته وهؤلاء أثبتوا موجب ربوبيته وقدرته ومشيئته لكنهم نقصوا موجب ~~ألهيته وحكمته ورحمته وحمده وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع PageV08P023 # والمقصود هنا التنبيه على منشأ النزاع في الوجوب كما نبهنا على النزاع في ~~ترتيب الوجوب وأما الحصول فكثير من الناس يقول المعرفة لا تحصل إلا بالعقل ~~وقد يسرف هؤلاء حتى لا يثبتوا أشياء من صفات الله تعالى لا نفيا ولا إثباتا ~~إلا بالعقل وصرح هؤلاء بأنه لا يستدل بنصوص الرسل على شيء من صفات الله ~~تعالى لا إثباتا ولا نفيا كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ومن اتبعهم من ~~متأخري الأشعرية ويجعلون أصول الدين هي العقليات المحضة التي لا تعلم ~~بالسمع ثم قد يعينون من الطرق العقلية ما هو باطل عقلا وشرعا كطريقة ~~الأعراض وطريقة التركيب وطريقة الاختصاص وإلى هذه الثلاث تعود جميع أصول ~~النفاة ويقابلهم آخرون فيقولون المعرفة لا تحصل إلا بالسمع ولا تحصل بالعقل ~~وربما قالوا إنه لا يمكن حصولها بالعقل وقد بينا في غير هذا الموضع أن ~~الأدلة العقلية والسمعية متلازمة كل منهما مستلزم صحة الآخر فالأدلة ~~العقلية تستلزم صدق الرسل فيما أخبروا به والأدلة السمعية فيها بيان الأداة ~~العقلية التي بها يعرف الله وتوحيده وصفاته وصدق أنبيائه # ولكن من الناس من ظن أن السمعيات ليس فيها عقلي والعقليات PageV08P024 ~~لا تتضمن السمعي ثم افترقوا فمنهم من رجح السمعيات وطعن في العقليات ومنهم من عكس # وكلا الطائفتين مقصر في المعرفة بحقائق الأدلة السمعية والعقلية ثم تجد ~~هؤلاء وهؤلاء في أتباع الأئمة ms1523 مالك والشافعي وأحمد وغيرهم # وكثير من النزاع في ذلك قد يكون لفظيا وقد رأيت من ذلك عجائب كطائفة من ~~أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد سلكوا الطريقة الأولى ونسبوا من ~~خالفهم في ذلك إلى الجهل والغباوة حتى أن بعض متأخري أصحاب أحمد وهو أبو ~~الفرج صدقة بن الحسين البغدادي صنف مصنفا سماه محجة الساري في معرفة الباري ~~سلك فيه مسلك ابن عقيل وأمثاله من المتكلمين المنتسبين إلى السنة مشوب من ~~كلام المعتزلة مع مخالفتهم لهم في شعار مذهبهم فذكر أنه سئل عن المعرفة بأي ~~طريق تحصل ومن أي طريق تجب وأن يبين اختلاف الناس في ذلك وذكر أن الناس ~~تنازعوا في أول واجب على الإنسان بعد سن البلوغ والعقل هل هو النظر أو ~~المعرفة وأنهم اتفقوا على وجوب المعرفة واختلفوا في طريقه # قال فذهب أهل الحق والسنة والجماعة إلى أن طريق الوجوب هو السمع والنقل ~~وقالت المعتزلة طريق الوجوب هو العقل PageV08P025 # ثم قال وهنا مزلة أقدام لبعض أصحابنا الحنابلة لأنهم إذا سئلوا مطلقا عن ~~معرفة الله وقيل لهم بم يعرف الله قالوا بالشرع من غير فصل بين الوجوب ~~والحصول # قال وقد نبهتهم على هذا غير مرة فما هبوا من رقدتهم ولا انتبهوا من سنتهم # ثم ذكر قول الإمامية والباطنية وأن المعرفة تحصل عندهم بقول الرسول ~~والإمام المعصوم دون نظر العقل وتكلم في مسألة نفي الوجوب العقلي بما ليس ~~هذا موضعه وتكلم في طرق المعلومات بالكلام المعروف لأهل هذه الطريقة وأن ~~منها ما لا يعلم إلا بالعقل ومنها ما لا يعلم إلا بالسمع ومنها ما يعلم ~~بهما فالذي لا يعلم إلا بالعقل علمنا بأنه لا بد من موجود قديم لأن الكل لو ~~كان حادثا لكان حادثا بلا سبب وهذه المعرفة تتقدم على ورود الرسول فلا حاجة ~~فيها إلى الرسول بل مثاله علمنا بدلالة معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على صدقه والذي يعلم بمجرد التعليم من النبي المعصوم مثل علمنا بمقادير ~~العبادات الواجبة وما يتعلق بالآخرة من الجنة والنار وعذاب ms1524 القبر والحساب ~~والميزان وغير ذلك # قال فالرسول صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليفصل الشرع PageV08P026 # وليشرح أمر الآخرة فأما معرفة افتقار هذا العالم إلى صانع قادر على إرسال ~~الرسل فهو متقدم على قول الرسول فكيف يكون مستفادا من قول الرسول فمعرفة ~~المرسل إذا تقدم على معرفة الرسول ومعرفة صدقه فكيف يعرف بقول الرسول قال ~~وأما مثال ما يدرك بالعقل والسمع جميعا فهو كرؤية الله تعالى وكونه خالقا ~~لأعمال العباد فهذا مما يعلم بمجرد السمع وبمجرد العقل # ثم قال وأما حجتنا في حصول المعرفة بمجرد العقل فقوله تعالى { أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى ~~الأرض كيف سطحت } سورة الغاشية 17 20 وقال في موضع آخر { وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون } سورة الذاريات 21 وقال تعالى { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } سورة فصلت 53 فهذا كله دعوة إلى الدلائل ~~العقلية وهو التأمل في الآيات الدالة على حدوث العالم وقدم الصانع من غير ~~شرط على ما نبينه من بعد # قال ولأنه بالعقل يستدل بالشاهد على الغائب وبالبناء على الباني ~~وبالكتابة على الكتاب من غير سماع خطاب PageV08P027 # قال وآثار صنع الباري عزت قدرته في الموجودات أكثر وأظهر من كل دليل وكل ~~من وقف على آثار صنعته بنور عقله يقع له العلم بوجود الصانع إذ لا يتصور ~~مصنوع بلا صانع ولا مخلوق بلا خالق # قال والدليل على أن النظر أول الواجبات هو أن سائر الواجبات من الصلاة ~~والصيام إنما يوجد بعد المعرفة لأنه إنما يصح أن يتقرب إلى الله من يعرفه ~~فصارت المعرفة متقدمة على سائر الواجبات والنظر متقدم على المعرفة لأنه ~~طريق إليها وطريق الشيء متقدم عليه فصح أن النظر متقدم على كل شيء واجب ~~وهنا التقدم في النظر إنما هو في وجوده لا في وجوبه وإلا فالواجب الأول هو ~~المعرفة يعني الواجب قصدا # قال والحاجة التي دعت إلى النظر هو أنه لا طريق إلى المعرفة إلا به ~~والدليل على ms1525 ذلك أن المعرفة إما أن تكون واقعة مبتدأة كمعرفة العاقل أن ~~العشرة أكثر من الخمسة وإما أن تكون واقعة عن طريق كمعرفتنا بالمدركات إذا ~~أدركناها بحواسنا الخمس وكمعرفتنا بما غاب عنا إذا أخبرنا به خلق عظيم ~~شاهدوه نحو معرفتنا PageV08P028 ~~بمكة من جهة الخبر واما أن تكون واقعة بالاستدلال كاستدلالنا بالبناء على الباني # قال ومعلوم أن معرفة الله تعالى لا تجري مجرى معرفتنا بان العشرة اكثر من ~~الخمسة لأنها لو جرت هذا المجرى لاستغنينا عن الاستدلال عليه كما نستغني عن ~~الاستدلال على أن العشرة اكثر من الخمسة ومعلوم أن نفوس العقلاء تتشوف إلى ~~الاستدلال على الله تعالى ولا يجوز أن تكون معرفتنا بالله تعالى لإدراك ~~الحواس لأنه لا يجوز أن يدرك بشيء منها في الدنيا ولا يجوز أن تكون معرفتنا ~~به واقعة بالخبر لان الخبر إنما يفضي إلى المعرفة إذا اخبر به خلق كثير عن ~~مشاهدة وليس أحد يخبرنا بالله عن مشاهدة ولا يجوز أن تكون معرفته بطريق ~~الإلهام كما زعمت طائفة من الصوفية وبعض الشيعة لأن الإلهام هو تخايل يقع ~~في القلب قد يكون ذلك من الله وقد يكون من وسوسة الشيطان وليس على أحدهما ~~دليل يدل عليه ولان من يدعي الإلهام يمكن خصمه أن يدعى خلافه فانه إذا قال ~~ألهمت بكذا فيقول خصمه وأنا ألهمت بكذا فكان العمل به عملا بلا دليل إلا ~~ترى أن صاحب الشرع امرنا بالاجتهاد عند PageV08P029 ~~فقد النصوص وهو عمل بدلالة النصوص كما روى في حديث معاذ # قال ولا يلزم على هذا التحرى في الأواني وغيرها في الشرع فانه عمل بشهادة ~~القلب لأنه هناك ليس ثم دليل سواه # وذلك ليس من قبل ما ذكرنا لان الإلهام لا يصلح لإلزام الحكم على الغير ~~وكذلك التحرى أيضا لا يصلح للإلزام على غيره وانما اعتبر لجواز العمل في حق ~~نفسه عند عدم سائر الأدلة إما المشروعات فلا يتصور أن تنفك عن نوع دليل إما ~~الكتاب أو السنة أو إجماع آو قياس فلا ضرورة في العمل بغير حجة ودليل ms1526 فإذا ~~بطلت هذه الأقسام كلها ثبت انه لا طريق إلى معرفة الله إلا بالنظر PageV08P030 # قال فان قيل بماذا تعلمون أن في العقول حجة ودليلا قيل بان تبين في كل ~~مسالة تبيينا عقليا يفضي النظر فيه إلى العلم فان قيل لم قلتم أن معرفة ~~الله لا تنال إلا بالنظر في حجة العقل قيل الدلالة على ذلك أن الكتاب إنما ~~يصح أن يستدل به إذا علم انه كلام الله الحكيم فيجب تقدم العلم بالله ~~وحكمته وبان هذا كلامه وانما لم يصح الاستدلال عليه بالسنة لأنه إنما يصح ~~الاستدلال بها إذا اثبت إنها كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكيم ~~فيجب تقدم العلم بالله وحكمته وان هذا الرسول رسوله وانما لم يصح الاستدلال ~~بالإجماع على الله لأنه إنما يصح الاستدلال بالإجماع بعد أن يعلم أن الله ~~ورسوله قد شهدا بأنه حجة فيجب تقدم العلم بالله فصح أن العلم بالله لا ~~يستفاد بغير حجة العقل # قال فإن قيل فما الدليل الذي يؤدي النظر فيه إلى معرفة الله تعالى قيل ~~نفسك وسائر ما تشاهده من الأجسام فوجه دلالة PageV08P031 ~~الإنسان من نفسه على الله تعالى انه قد كان نطفة ثم تقلبت به الأحوال إلى ~~أن انتهى إلى حال الكمال فلا بد لهذا التنقل والتغير من مغير ولم يكن ~~التغير في وقت أولى من وقت فلا يخلو ذلك المغير إما أن يكون قد اقتضى ~~تغيرها على سبيل الإيجاب من غير اختيار بالطبع أو القالب أو يكون اقتضى ~~تغيرها على سبيل الاختبار وهو الفاعل ولا يخلو ذلك الفاعل إما أن يكون هو ~~الإنسان أو غيره وإن كان غيره فلا يخلوا إما ان يكون من جنسه أو من غير ~~جنسه فان كان من جنسه فأما أن يكون أبويه أو غيرهما فان كان من غير جنسه ~~فهو قولنا وسنبطل سائر الأقسام ونثبت هذا الأخير إما انه لا يجوز أن يكون ~~الإنسان قد تشكل لأجل أن الرحم على شكل القالب فلأن الكلام فيمن شكل ذلك ~~القالب كالكلام فيمن شكل الإنسان ms1527 ولان القالب يقتضي تشكيل ظاهر ما يلقي فيه ~~فما الذي اقتضى تشكيل باطن الإنسان ووضع أجزاء الباطن مواضعها ولا يجوز أن ~~يكون المقتضى لتغيير الإنسان وتشكيله طبيعة غير عالمة ولا مختارة لأن ~~الإنسان أبلغ في الترتيب والحكمة من بناء دار وصناعة وتاج وكما لم يجز أن ~~يحصل ذلك ممن ليس بعالم فكذلك الإنسان إلا ترى أن أعضاء الإنسان مقسومة على ~~حسب المنفعة وموضوعة مواضعها ولا يجوز أن يكون الإنسان هو PageV08P032 ~~الذي غير نفسه من حال إلى حال لأنه لو قدر على ذلك في حال ضعفه لكان في حال ~~كماله اقدر وإذا عجز عن خلق مثله وخلق أعضائه في حال كماله فهو عن ذلك في ~~حال الضعف اعجز ولا يجوز أن يكون المغير له من حال إلى حال أبويه لأنه ليس ~~يجري على حسب إيثارهما إلا ترى انهما يريدانه فلا يكون ويكرهانه فيكون ~~ويريدانه ذكرا فيكون أنثى ويريدانه أنثى فيكون ذكرا فإذا لم يكن لأبويه في ~~ذلك تأثير فغيرهما مما لا تعلق له به اجدر فصح أن للإنسان فاعلا مخالفا له ~~وهو الله تعالى # قال فان قيل فكيف يدل غير على الله قيل أن الأجسام لا تخلو عن الحركة ~~والسكون والاجتماع والافتراق وهذه حوادث فيجب أن يكون للجسم محدثا إذ لم ~~يتقدم الحوادث والدليل على أن الأجسام محدثة هو أن الأجسام محدثة وكل محدث ~~يحتاج إلى محدث # قال وهذا الكلام يشتمل على اصلين أحدهما أن الأجسام محدثة والثاني أن كل ~~محدث يحتاج إلى محدث إما الأصل الأول فالغرض به أن يدل على أن الجواهر ~~والأجسام محدثة غير قديمة ولا PageV08P033 ~~يصح أن تثبت صفة لشيء وتنفي صفة عن شيء إلا وقد عرفنا ما تثبت له الصفة ~~والصفة التي تثبتها والصفة التي ننفيها فيجب أن نذكر ما الجوهر وأما الجسم ~~وما القديم وما المحدث ولما كان الوصلة إلى حدوث الجسم هو العرض الذي هو ~~الحركة والسكون والكون والاجتماع والافتراق ولم يصح أن يتوصل بما لا نعرفه ~~وجب أن نبين ما العرض وما الكون ms1528 وما الحركة وما السكون وما الاجتماع ~~والافتراق فالجوهر هو الذي يشغل الحيز في وجوده ويصح أن تحله الأعراض ومعنى ~~شغله الحيز أن يوجد في جهة ومكان فيحوزه ويمنع مثله من أن يوجد معه بحيث هو ~~والجسم هو المؤلف وعند قوم هو الطويل العريض العميق والقديم هو الموجود ~~الذي لم يزل والذي لا أول لوجوده والمحدث هو الذي لوجوده أول والعرض هو ما ~~يعرض في الوجود ولا يكون له لبث كلبث الجواهر والأجسام وذلك أن ما قل لبثه ~~بالإضافة إلى غيره سموه عارضا قال الله تعالى { هذا عارض ممطرنا } سورة ~~الأحقاف 24 وذلك نحو الحركة والسكون والحركة زوال الجسم من مكان إلى مكان ~~والسكون لبث الجوهر في المكان اكثر من وقت واحد والكون ما به كون الجوهر في ~~مكان دون مكان والاجتماع كونا جوهرين متماسين والافتراق كونا جوهرين غير ~~متماسين PageV08P034 # قال وإذ قد ذكرنا حدود هذه الاشياء فلندل على حدوث الأجسام فنقول أن ~~الأجسام لم تسبق الحركة والسكون المحدثين وكل ما لم يسبق المحدث فهو محدث # ثم انه ساق هذه الحجة إلى أخرها كما ساقها من قبله مثل ابن عقيل ونحوه ~~وقبلهم أبو الحسين البصري وامثاله الذين هم أئمة هذه الحجة وقد ذكرنا سياق ~~أبي الحسين لها فلا حاجة إلى تكريرها # وقال فان قيل فما تقولون فيمن حصلت له هذه المعرفة بمجرد التقليد أو غيره ~~أيكون عارفا بالله مؤمنا قيل نعم إلا انه يكون مأثوما بترك ما وجب عليه من النظر # قلت إما هذه الحجة حجة الاعراض فقد عرف اعتراض الناس عليها وذمهم لها ~~واما الحجة المتقدمة وهي الاستدلال بحدوث الانسان فإنها حجة صحيحة وهي من ~~الحجج التي دل عليها القران وارشد اليها # والمقصود هنا نا هذا وامثاله ممن يقولون ان المعرفة لا تحصل إلا بالعقل ~~ويشنعون على من يقول انها تحصل بالسمع من PageV08P035 ~~اصحابهم وغير اصحابهم إذا تدبر كثير من كلام اصحابهم الذين ينازعهم هؤلاء ~~تبين ان نزاعهم لهم ليس في نفس ما ثبت معرفته بمجرد العقل بل في امر ms1529 آخر # والمعنى الذي اراد اولئك انه يحصل بالسمع ليس هو المعنى الذي اتفقوا على ~~انه لا يحصل إلا بالعقل كما ذكر ذلك الشريف ابو علي بن أبي موسى وغيره ~~وسنذكر ان شاء الله تعالى بعض كلامهم فالنزاع بينهيم وبين كثير من أصحابهم ~~قد يكون لفظيا وقد يكون معنويا فان المقدمات التي حصروا بها المعرفة في ~~طريقهم ينازعهم الناس في كل واحدة منها وان تنوع المنازعون وهذا كله بناء ~~على ان دلالة السمع هي مجرد خبر المخبر الصادق كما هو اصطلاح هؤلاء # واما إذا عرف ان دلالة السمع تتناول الأخبار وتتناول الارشاد والتنبيه ~~والبيان للدلائل العقلية وان الناس كما يستفدون من كلام PageV08P036 ~~المصنفين والمعلمين الأدلة العقلية التي تبين لهم الحق فاستفادتهم ذلك من ~~كلام الله اكمل وافضل # فتلك الأدلة عقلية باعتبار ان العقل يعلم صحتها إذا نبه عليها وهي شرعية ~~باعتبار ان الشرع دل عليها وهدى اليها فعلى هذا التقدير تكون الدلائل حينئذ ~~شرعية عقلية # وعلى هذا فقد يقال الأدلة الشرعية نوعان عقلى وسمعى فالعقلى ما دل الشرع ~~عليه من المعقولات والسمعى ما دل بمجرد الأخبار وقد ذكرنا في غير هذا ~~الموضع ان ائمة النظار معترفون باشتمال القرآن على الدلائل العقلية واما ~~على اصطلاح اولئك فكثيرا ما يعنون بالدليل الشرعي الدليل السمعي الخبرى وهو ~~مجرد خبر الشارع الصادق فعلى اصطلاحهم ينازعهم الناس في تلك المقدمات ~~العقلية التي زعموا ان المعرفة لا تحصل إلا بها # فأما المقدمة الأولى وهي قولهم ان المعرفة لا تحصل مبتدأة في النفس بل لا ~~بد لها من طريق فهي من موارد النزاع فإذا قيل لهم انها قد تحصل في النفس ~~مبتدأة لم يكن لهم على نفي ذلك دليل إلا مجرد الاستقراء الذي هو إما فاسد ~~واما ناقص # وقولهم ان النفوس العقلاء تتشوف إلى الاستدلال يقول لهم المنازعون لا ~~نسلم ان جميع العقلاء كذلك بل جمهور العقلاء PageV08P037 ~~مطمئنون إلى الإقرار بالله تعالى وهم مفطورون على ذلك ولهذا إذا ذكر لاحدهم ~~اسمه تعالى وجد نفسه ذاكرة له مقبلة عليه ms1530 كما إذا ذكر له ما هو معروف عنده ~~من المخلوقات # والمتجاهل الذي يقول انه لا يعرفه هو عند الناس اعظم تجاهلا ممن يقول انه ~~لا يعرف ما تواتر خبره من الانبياء والملوك والمدائن والوقائع وذلك عندهم ~~اعظم سفسطة من غيره من انواع السفسطة # ولهذا من تتبع مقالات الناس المخالفة للحس والعقل وجد المسفسطين فيها ~~اعظم بكثير من المسفسطين المنكرين للصانع فعلم ان معرفته في الفطرة اثبت ~~واقوى إذ كان وجود العبد ملزوم وجوده وحاجاته معلقة به سبحانه وتعالى بل كل ~~ما يخطر بقلب العبد ويريده فهو ملزوم له وخواطر العباد وارادتهم لا نهاية ~~لها وانتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم لا ينحصر بل إقرار القلوب به قد ~~لا يحتاج إلى وسط وطريق بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها ~~مفطورة على الاقرار بغيره من الموجودات # واشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون وقد كان مستيقنا في ~~الباطن كما قال له موسى { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ~~بصائر } سورة الاسراء 102 PageV08P038 ~~وقال تعالى عنه وعن قومه { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } سورة ~~النمل 14 # ولهذا قال { وما رب العالمين } [ سورة الشعراء : 23 ] على وجه الانكار له ~~قال له موسى { رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ~~ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم ~~لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } سورة الشعراء 24 ~~28 وقد زعم طائفة من ان فرعون استفهم استفهام استعلام فسأله عن الماهية وان ~~المسئول عنه لم يكن له ماهية عجز موسى عن الجواب # وهذا غلط وعلى هذا التقدير يكون استفهم استفهام انكار وجحد كما دل سائر ~~آيات القران على ان فرعون كان جاحدا لله نافيا له لم يكن مثبتا له طالبا ~~للعلم بماهيته # فلهذا بين لهم موسى انه معروف وان اياته ودلائل ربوبيته اظهر واشهر من ان ~~يسال عنه بما هو فان هذا إنما هو سؤال ms1531 عما يجهل وهو سبحانه اعرف واظهر ~~وابين من ان يجهل بل معرفته مستقرة في الفطرة اعظم من معرفة كل معروف وهو ~~سبحانه له المثل الاعلى في السموات والأرض وهو في السماء اله وفي الأرض ~~فأهل السموات والأرض يعرفونه ويعبدونه وان كان اكثر اهل الأرض كما قال PageV08P039 # تعالى { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } سورة يوسف 106 # ولهذا قالت الأنبياء عليهم السلام لأممهم { أفي الله شك فاطر السماوات ~~والأرض } سورة إبراهيم 10 وهذا استفهام انكار يتضمن النفي ويبين انه ليس في ~~الله شك # وقول القائل ليس في هذا شك يراد به انه قد بلغ في الظهور والوضوح ولزوم ~~معرفته إلى حيث لا ينبغى أن يشك فيه والى حيث لا يشك فيه وعلى كلا ~~التقديرين يتبين ان الإقرار بالصانع بهذه المثابة # وأما الطريق الثاني وهو ادراك الحواس فلا ريب انهم لا يقولون انهم ~~يدركونه بالحس الظاهر بل يقولون ان الحس نوعان ظاهر وباطن والانسان يحس ~~بباطنه الامور الباطنة كالجوع والعطش والشبع والري والفرح والحزن واللذة ~~والالم ونحو ذلك من احوال النفس فهكذا يحسون ما في بواطنهم من محبته سبحانه ~~وتعظيمه والذل له والافتقار اليه مما اضطروا اليه وفطروا عليه ويحسون أيضا ~~ما يحصل في بواطنهم من المعرفة المتضمنة لمثله الاعلى في قلوبهم # والاحساس نوعان نوع بلا واسطة كالإحساس بنفس الشمس والقمر والكواكب ~~واحساس بواسطة كالإحساس PageV08P040 ~~بالشمس والقمر والكواكب في مرآه أو ماء أو نحو ذلك # والقلوب مفطورة على ان يتجلى لها من الحقائق ما هي مستعدة لتجليها فيها ~~فإذا تجلى فيها شيء احست به احساسا باطنا بواسطة تجليه فيها # وأيضا فنفس مشاهدة القلوب لنفسه تبارك وتعالى امر ممكن وان كان ذلك قد ~~يقال انه مختص ببعض الخلق كما قال ابو ذر وابن عباس وغيرهما من السلف ان ~~نبينا صلى الله عليه وسلم راه بفؤاده مرتين # فهذا النوع إذا كان ممكنا وقد قيل انه واقع لم يكن نفيه إلا بدليل واما ~~الرؤية بالعين في الدنيا وان كانت ممكنة عند السلف والائمة لكن ms1532 لم تثبت ~~لأحد ولم يدعها أحد من العلماء لأحد إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم على قول ~~بعضهم وقد ادعاها طائفة من الصوفية لغيره لكن هذا باطل لانه قد ثبت بدلالة ~~الكتاب والسنة ان أحدا لا يراه في الدنيا بعينه PageV08P041 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال # واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتي يموت # وقد بسطنا الكلام على مسالة الرؤية في غير هذا الموضع وبينا أن النصوص عن ~~الامام احمد وامثاله من الأئمة هو الثابت عن ابن عباس من انه يقال رآه ~~بقلبه أو رآه بفؤاده # واما تقييد الرؤية بالعين فلم يثبت لا عن ابن عباس ولا عن احمد # والذي في الصحيح عن أبي ذر انه سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك قال # نور اني أراه وقد روى احمد باسناده عن أبي ذر انه رآه بفؤاده واعتمد احمد ~~على قول أبي ذر لان ابا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المسالة ~~واجابه وهو اعلم بمعنى ما اجابه به النبي صلى الله عليه وسلم فلما اثبت انه ~~رآه بفؤاده دل ذلك على مراده PageV08P042 # واما قولهم لا يجوز أن تكون معرفتنا به واقعة بالخبر لان الخبر إنما يفضي ~~إلى المعرفة إذا اخبر به خلق كثير عن مشاهدة وليس أحد يخبر بالله عن مشاهدة # فهذا مما ينازعهم فيه المنازعون ويقولون ليس من شرط اهل التواتر أن ~~يخبروا عن مشاهدة بل إذا اخبروا عن علم ضروري حصل العلم بمخبر اخبارهم وان ~~لم يكن المخبر به مشاهدا # والمعرفة بالله قد تقع ضرورة واذا كان كذلك امكن المعرفة بتصديق إخبار ~~المخبرين عن المعرفة الحاصلة ضرورة إلا ترى أن ما يخبر به الناس عن أنفسهم ~~من لذة الجماع وكثير من المطاعم والمشارب بل ولذة العلم والعبادة والرئاسة ~~وحال السكر والعشق وغير ذلك من الأمور الباطنة تحصل المعرفة بوجودها ~~بالتواتر لمن لم يجدها من نفسه ولا عرفها بالضرورة في باطنه وليست امرا ~~مشاهدا بل اطباق الناس على ms1533 وصف رجل بالعلم أو العدل أو الشجاعة أو الكرم أو ~~المكر أو الدهاء أو غير ذلك من الأمور النفسانية التي لا تعلم بمجرد ~~المشاهدة يوجب العلم بذلك لمن تواترت هذه الأخبار عنده وان لم يكن المخبرون ~~اخبروا عن مشاهدة وكذلك الأخبار عن ظلم الظالمين PageV08P043 # ولهذا كانت العدالة والفسق تثبت بالاستفاضة ويشهد بها بذلك كما يشهد ~~المسلمون كلهم أن عمر بن عبد العزيز كان عادلا وان الحجاج كان ظالما والعدل ~~والظلم ليس امرا مشاهدا بالظاهر فان الانسان اكثر ما يشاهد الأفعال كما ~~يسمع الأقوال فإذا راى رجلا يعطي ويقتل شاهد الفعل إما كونه قتل بحق أو ~~بغير حق أو اعطى عدلا واحسانا أو غير عدل واحسان فهذا لا يعلم بمجرد ~~المشاهدة بل لا بد من دخول العقل في هذا العلم # وكذلك من لا يعرف الطب والنحو إذا رأى ما تواتر عند اهل الطب والنحاة من ~~علم ابقراط وجالينوس وامثالهما والخليل وسيبوية علم أن هؤلاء علماء بالطب ~~والنحو وان لم يعرف هو الطب والنحو وليست معرفة المخبرين بذلك عن المشاهدة # بل وكذلك إذا تواتر عنده كلام الناس بالاخبار عن علم مالك والشافعي واحمد ~~ويحي بن معين والبخاري ومسلم وامثالهم بالفقه والحديث علم علمهم بذلك وان ~~كان المخبرون لم يخبروا عن مشاهدة لكن من رأى كلام هؤلاء من اهل الخبرة ~~بالفقه والحديث علم بالضرورة انهم علماء بذلك ثم هؤلاء يخبرون بذلك غيرهم ~~فيتواتر ذلك عند هؤلاء PageV08P044 # وكذلك القضايا الحسابية كالعلم بالمضروبات والمنسوبات والمجموعات ونحو ~~ذلك هو ضروري لمن علمه فإذا اخبر اهل التواتر بذلك لواحد حصل له العلم بذلك ~~وان كانوا إنما اخبروا عن علم ضروري # وهكذا العلم بصدق الصادق وكذب الكاذب يعلمه من باشره وجربه ضرورة ويعلمه ~~من تواتر ذلك عنده بطريق الخبر ولهذا كان العلم بان محمدا صلى الله عليه ~~وسلم كان صادقا معروفا بالصدق لا يكذب متواترا عند من لم يباشره لان الذين ~~جربوه من اعدائه وغيرهم كانوا متفقين على انه صادق امين حتى أن هرقل لما ~~سأل ابا سفيان ms1534 وكان حين ساله من اشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فقال ابو سفيان لا فاخبر ~~انه هو وغيره من قريش لم يكونوا يتهمونه بالكذب فضلا عن أن يخبروا عنه ~~بالكذب وكانوا يسمونه الامين # ولما كان ابو سفيان مخبرا بهذا بين جماعة من قومه يقرونه على ذلك مع قيام ~~المقتضي للتكذيب لو كان قد كذب استفاد هرقل بهذا انه لا يكذب فقال قد علمت ~~انه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله # وهذا امثاله باب واسع فالعلم بمخبر الأخبار يحصل إذا كان المخبر عالما ~~بالضرورة سواء المخبر به مشاهدا أو لم يكن PageV08P045 # واما طريقة الإلهام فالألهام الذي يدعى في هذا الباب هو عند اهله علم ~~ضروري لا يمكنهم دفعه عن أنفسهم أو مستند إلى أدلة خفية لا تقبل النقض فلا ~~يمكن أن يكون باطلا # واما الاستدلال على الأحكام بالإلهام فتلك مسالة اخرى ليس هذا موضعها ~~والكلام في ذلك متصل بالكلام على الاستحسان والرأي وانواعهما وان ما يعنيه ~~هذا بالاستحسان قد يعنيه هذا بالإلهام وليس الكلام فيما علم فساده من ~~الإلهام لمخالفته دليل الحس والعقل والشرع فان هذا باطل بل الكلام فيما ~~يوافق هذه الأدلة لا يخالفها # وليس من الممتنع وجود العلم بثبوت الصانع وصدق رسوله الهاما فدعوى المدعى ~~امتناع ذلك يفتقر إلى دليل # فطرق المعارف متنوعة في نفسها والمعرفة بالله اعظم المعارف وطرقها اوسع ~~واعظم من غيرها فمن حصرها في طريق معين بغير دليل يوجب نفيا عاما لما سوى ~~تلك الطريق لم يقبل منه فإن النافي عليه الدليل كما أن المثبت عليه الدليل # نعم من نفي تلك بحسب علمه لم ينازع في ذلك فإذا قال لا اعلم طريقا اخر أو ~~لم يحصل لى ولمن عرفته طريق اخر كان نافيا لعلمه ولما علم وجوده لا نافيا ~~للأمور المحققة في نفس الأمر PageV08P046 # فهذا الكلام وامثاله يرد على النزاع المعنوي ولهذا كان كثير من الفضلاء ~~الذين يوجبون هذه ms1535 الطريقة ويصححونها قد رجعوا عن ذلك وتبين لهم ذم هذا ~~الكلام بل بطلانه كما يوجد مثل ذلك في كلام غير واحد منهم مثل أبي المعالي ~~وابن عقيل وأبي حامد والرازي وغيرهم من الذين يصححون هذه الطريق بل ~~يوجبونها تارة ثم انهم ذموها أو ابطلوها تارة # قال ابو المعالي في اخر عمره خليت اهل الإسلام وعلومهم وركبت البحر الخضم ~~وغصت في الذي نهوا عنه والان قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين ~~العجائز فإن لم يدركني الحق ببره فأموت على دين العجائز وألا فالويل لابن ~~الجوينى PageV08P047 # وسأل رجل ابن عقيل فقال له هل ترى لي أن أقرأ الكلام فإني أحسن من نفسي ~~بذكاء فقال له إن الدين النصيحة فأنت الآن على ما بك مسلم سليم وإن لم تنظر ~~في الجزء يعني الجوهر الفرد وتعرف الطفرة يعني طفرة النظام ولم تخطر ببالك ~~الأحوال ولا عرفت الخلاء والملاء والجوهر والعرض وهل يبقى العرض زمانين وهل ~~القدرة مع الفعل أو قبله وهل الصفات زوائد على الذات وهل الاسم المسمى أو ~~غيره وهل الروح جسم أو عرض فإني أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا ذلك ولا ~~تذاكروه فإن رضيت أن تكون مثلهم بإيمان ليس فيه معرفة هذا فكن وإن رأيت ~~طريقة المتكلمين اليوم أجود من طريقة أبي بكر وعمر والجماعة فبئس الاعتقاد والرأي # قال ثم هذا علم الكلام قد أفضى بأربابه إلى الشكوك وأخرج كثيرا منهم إلى ~~الإلحاد بشم روائح الإلحاد من فلتات PageV08P048 # كلامهم وأصل ذلك كله أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع وطلبوا الحقائق ~~وليس في قوة العقل درك لما عند الله من الحكمة التي انفرد بها ولا أخرج ~~الباري من علمه ما علمه هو من حقائق الأمور وقد درج الصدر الأول على ما درج ~~إليه الأنبياء من هذه الإقناعات ولما راموا ما وراءها ردوا إلى مقام غايته ~~التحكيم والتسليم وهو الذي يزرى به طائفة من المتكلمين على أهل النقل ~~والسنة وتسميهم الحشوية وإليه ينتهي المتكلمون أيضا لكنهم يتحسنون بما ليس ms1536 ~~لهم وبما لم يتحصل عندهم فهم بمثابة من يدعي الصحة بتجلده وهو سقيم ويتغانى ~~على الفقراء وهو عديم والعقل وإن كان للتعليل طالبا فإنه يذعن بأن فوقه ~~حكمة إلهية توجب الاستكانة والتحكيم لمن هو بعض خلقه # قال وإنما دخلت الشبه من ثلاث طرق ترجع إلى طريق واحد وذلك أن قوما نظروا ~~إلى أن العقل هو الأصل في النظر PageV08P049 ~~والاستدلال اللذين هما طريقة العلم فإذا قضى العقل بشيء عولوا عليه فلما ~~قضى بوجود صانع لهذا العالم المحكم القواعد أثبتوه ثم نظروا في أفعاله ~~فرأوا هدم الأبنية المحكمة وشاهدوا جزئيات لم تأت على نظام الكليات ومضار ~~تعقب منافع فجحدوا الأول بالآخر ففسد اعتقاهم في الكل بما عرض لهم من ~~اختلال الجزء وقالوا إن دل الإحكام على حكيم فقد دل الاختلال على الإهمال ~~فشكوا والقبيل الآخر أثبتوا صانعا للكليات وأضافوا الشرور إلى صانع آخر ~~فثنوا بعد أن وحدوا والقبيل الآخر عللوا بما انحزم بعلل لم تشف غليل العقل ~~فلما لم يستقم لهم التعليل جنحوا وقالوا خفى علينا وجه الحكمة فيما عرض في ~~العالم من الفساد فسلموا لمن استحق التسليم وهو الصانع وهذه طائفة أهل الحديث # قال وهذا الذي يقال له مذهب العجائز وإليه ينتهي كل عالم محق # قال وقد ظن قوم أن مذهب العجائز ليس بشيء وليس كذلك وإنما معناه أن ~~المدققين لما بالغوا في النظر فلم يشهدوا ما يشفي العقل من التعليلات وقفوا ~~مع هذه الجملة التي هي PageV08P050 ~~مراسم # قلت قول القائل إن الصحابة رضي الله عنهم ماتوا وما عرفوا ذلك فيه تفصيل ~~وذلك أن هذا الكلام فيه حق وباطل فأما الباطل فهو مثل إثبات الجوهر الفرد ~~وطفرة النظام وامتناع بقاء العرض زمانين ونحو ذلك فهذا قد لا يخطر ببال ~~الأنبياء والأولياء من الصحابة وغيرهم وإن خطر ببال أحدهم تبين له أنه كذب ~~فإن القول الباطل الكذب هو من باب ما لا ينقض الوضوء ليس له ضابط وإنما ~~المطلوب معرفة الحق والعمل به وإذا وقع الباطل عرف أنه باطل ودفع وصار هذا ms1537 ~~كالنهي عن المنكر وجهاد العدو فليس كل شيء من المنكر رآه كل من الصحابة ~~وأنكروه ومع هذا فلا يقطع على كل من الصحابة بأنهم لم يعرفوا أمثال هذه ~~الأقاويل ويعرفوا بطلانها فإنهم فتحوا أرض الشام ومصر والمغرب والعراق ~~وخراسان وكان بهذه البلاد من الكفار المشركين والصابئين وأهل الكتاب من كان ~~عنده من كتب أهل الضلال من الفلاسفة وغيرهم ما فيه هذه المعاني الباطلة ~~فربما خوطبوا بهذه المعاني بعبارة من العبارات وبينوا بطلانها لمن سألهم # والواحد منا قد يجتمع بأنواع من أهل الضلال ويسألونه عن PageV08P051 ~~أنواع من المسائل ويوردون عليه أنواعا من الأسولة والشبهات الباطلة فيجيبهم ~~عنها واكثر الناس لا يعلمون ذلك ولا ينقلونه # والشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة قد ناظروا أنواعا من الجهمية أهل ~~الكلام وجرى بينهم من المعاني ما لم ينقل ولكن من عرف طرق المناظرين لهم ~~والمسائل التي ناظروهم فيها علم ما كانوا يقولونه كالفقيه الذي يعرف أن ~~فقيهين تناظرا في مسألة من مسائل الفقه مثل مسألة قتل المسلم بالذمي أو ~~القتل بالمثقل ونحو ذلك فينقل المناظرة من لم يفهم ما قالاه فيعرف الفقيه ~~الفاضل مما نقل ما لم ينقل # وأما الخوض في مسألة الروح هل هي قائمة بنفسها أم هي عرض فكلام الصحابة ~~والتابعين وغيرهم من الأئمة في أن الروح عين قائمة بنفسها تخرج من البدن ~~وتصعد وتعرج وتنعم وتعذب وتتكلم وتسأل وتجيب وأمثال ذلك أكثر من أن يمكن ~~سطره هنا فكيف يقال إن الصحابة ماتوا وما عرفوا هل الروح عين قائمة بنفسها ~~أو صفة من الصفات وإن كانوا هم كانوا لا يتخاطبون بلفظ الجسم والعرض # وكذلك قول القائل إن الصحابة لم يعرفوا هل الصفات زوائد على PageV08P052 ~~الذات ليس بسديد فإن كلام الصحابة في إثبات الصفات لله تعالى أكثر وأعظم من ~~أن يمكن سطره هنا بل كلامهم في إثبات الصفات العينيه الخبرية التي تسميها ~~نفاة الصفات تجسيما أكثر من أن يمكن سطره هنا وكلامهم وكلام التابعين صريح ~~في أنهم لم يكونوا يثبتون ذاتا مجردة عن الصفات # وأما ms1538 هذا اللفظ هل الصفات زائدة على الذات أم لا فلفظ مجمل فإن أراد به ~~المريد أن هناك ذاتا قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها فهذا لا ~~يقوله أهل الإثبات ولا الصحابة وإن أراد به الصفات زائدة على الذات المجردة ~~التي يعترف بها النفاة فهذا حق ولكن ليس في الخارج ذات مجردة فالسلف ~~والأئمة لم يثبتوا ذاتا مجردة حتى يقولوا الصفات زائدة عليها بل الذات التي ~~أثبتوها هي الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها وهذا المعنى متواتر في ~~كلام الصحابة # ففي الجملة المعاني الصحيحة الثابتة كان الصحابة أعرف الناس بها وإن كان ~~التعبير عن تلك المعاني يختلف بحسب اختلاف الاصطلاحات والمعاني الباطلة قد ~~لا تخطر ببال أحدهم وقد تخطر بباله فيدفعها أو يسمعها من غيره فيردها فإن ~~ما يلقيه الشيطان PageV08P053 ~~من الوساوس والخطرات الباطلة ليس له حد محدود وهو يختلف بحسب أحوال الناس # وأما ما ذكره ابن عقيل من قوله ليس في قوة العقل درك لما عند الله من ~~الحكمة التي انفرد بها إلى آخر كلامه فهذا كله من العلل الغائية وحكمة ~~الأفعال وعواقبها ومسائل القدر والتعديل والتجوير فإن ابن عقيل كان لكثرة ~~نظره في كتب المعتزلة وما عارضها عنده في هذا الأصل أمر عظيم وهو من أعظم ~~الأصول التي تشعب فيها كلام الناس # وكان طوائف من المنتسبين إلى الحديث والسنة كالأشعري والقاضي أبي بكر ومن ~~وافقهم في أصل قولهم وإن كان قد يختلف كلامه كالقاضي أبي يعلى وابن ~~الزاغوني وطوائف لا يحصيهم إلا الله ينكرون التعليل جملة ولا يثبتون إلا ~~محض المشيئة ولا يجعلون في المخلوقات والمأمورات معاني لأجلها كان الخلق ~~والأمر إلى غير ذلك من لوازم قولهم # والمعتزلة يثبتون تعليلا متناقضا في أصله وفرعه فيثبتون للفاعل تعليلا لا ~~تعود إليه حكمة ثم يزعمون أن كل واحد من العباد قد PageV08P054 ~~أراد به الفاعل كل ما هو صالح له أو أصلح وفعل معه ما يقدر عليه من ذلك ~~ويتكلمون في الآلام والتعويضات والثواب والعقاب بكلام فيه من التناقض ~~والفضائح ما ms1539 لا يحصى # وفي ذلك الحكاية المشهورة لأبي الحسن الأشعري مع أبي علي الجبائي لما ~~سأله عن إخوة ثلاثة مات أحدهم قبل البلوغ والآخر بلغ فكفر والآخر بلغ فآمن ~~وأصلح فرفع الله درجات هذا في الجنة والصغير جعله دونه في الجنة والكافر ~~أدخله النار فقال له الصغير يا رب ارفعني إلى درجة أخي قال إنك لا تستحق ~~ذلك فإن أخاك عمل عملا صالحا استحق به ذلك فقال يا رب إنك أحييته حتى بلغ ~~وأنا أمتني فلو أبقيتني لعملت مثل ما عمل فقال له إنه كان في علمي أنك لو ~~بقيت لكفرت فاخترمتك إحسانا إليك قال فصرخ الكافر من النار يا رب فهلا ~~أمتني قبل البلوغ كما فعلت بهذا قالوا فلما سأله عن ذلك انقطع # ولهم على كلام أبي الحسن أجوبة لها موضع آخر # والمقصود هنا أن ابن عقيل نظر في تعليلات المعتزلة فرآها عليلة ورأى أنه ~~لا بد من إثبات الحكمة والتعليل في الجملة خلافا لما كان PageV08P055 ~~ينصره شيخه القاضي أبو يعلى فصار يثبت الحكمة والتعليل من حيث الجملة ويقر ~~بالعجز عن التفصيل # والقاضي أبو حازم بن القاضي أبي يعلى في كتابه المصنف في أصول الدين الذي ~~رتبه ترتيب محمد بن الهيصم في كتابه المسمى = بجمل المقالات يسلك مسلك من ~~أثبت الحكمة والمصلحة العامة التي تجب مراعاتها وإن أفضى ذلك إلى مفسدة ~~جزئية كما يشهد ذلك في المخلوقات والمأمورات وهذا مذهب الفقهاء في تعليل ~~الشرعيات وهو مذهب كثير من النظار أو أكثرهم في تعليل المخلوقات كما ذهب ~~إلى ذلك الكرامية والفلاسفة وغيرهم من الطوائف وقد بسط الكلام على هذا في ~~غير هذا الموضع # ولم يرد ابن عقيل بقوله وقد درج الصدر الأول على ما درج عليه الأنبياء من ~~هذه الإقناعيات والإقناعيات تكون في الأدلة الدالة على العلم بإثبات الصانع ~~وإثبات الصفات له والمعاد ونحو ذلك فإن تلك عند ابن عقيل وأمثاله برهانيات ~~يقينيات فكيف يجعلها عند PageV08P056 # الأنبياء والسلف إقناعيات ولكن أراد بذلك الإقناعيات في تعليل أفعاله ~~وسماها هو إقناعيات لأن هذا ms1540 مبلغ أمثاله من العلم ومنتهاهم من المعرفة في ~~ذلك وأما الأنبياء عليهم السلام والسلف رضوان الله عليهم فإن الله تعالى ~~أطلعهم من حكمته في خلقه وأمره على ما لم يطلع عليه هو وامثاله ولكن هؤلاء ~~ليس لهم بحقائق أحوال الأنبياء والصحابة من الخبرة ما يعرفون به منتهاهم في ~~هذه المطالب العالية كما أنه ليس لهم من الخبرة بهذه المسائل الكبار ما ~~انتهوا معه إلى غاياتها لكنهم يعلمون أن الأنبياء أفضل الخلق والصحابة ~~بعدهم أفضل الخلق فيعتقدون فيهم أنهم وصلوا إلى منتهى ما يصل إليه الخلق في ~~هذه المسائل # ثم إنهم لما نظروا مع فرط ذكائهم ولم يصلوا إلا إلى هذا ظنوا أنه لا غاية ~~وراءهم فقالوا ما قالوا وهكذا كل طائفة سلكت فانتهت إلى حيث رأت أنه منتهى ~~الخلق فإنها تقضي على كل من تعظمه بأن هذا منتهاه كما قد رأينا طائفة من ~~الفلاسفة لما رأوا أن قول الفلاسفة هو منتهى معارف العقلاء صاروا إذا رأوا ~~شخصا ظهر عنه ما يدل على كمال عقله وعظم علمه وفضله ومعرفته بأقوالهم على ~~الحقيقة يجعلون قوله هو قولهم في الباطن وإن تظاهر بتكفيرهم والرد عليهم ~~فإذا قيل لأحدهم نحن قد سمعنا منه ورأينا من كلامه ما ينقض قول الفلاسفة ~~يقول ذلك الفيلسوف الفاضل هذا والله قد عرف حقيقة قولنا ومن عرف حقيقة ~~قولنا لم يعدل عنه إلا أن يكون هناك شيء أعلى منه ثم PageV08P057 ~~يبقى حائرا هل فوق قولهم ما هو أكمل منه لما ظهر منه من كون العارف بحقيقة ~~قولهم مع حسن قصده وعدله قد عدل عنه إلى قول يناقضه أو ليس فوقه ما هو أكمل ~~منه لأن هذا الفيلسوف لا يعرف أن فوقه ما هو أكمل منه # وهكذا الاتحادية أهل الوحدة ينسبون كل من عرف علمه وعقله وكماله إلى أنه ~~منهم وإن كان مظهرا للإنكار عليهم وهكذا أهل الحيرة في الصفات الخبرية ~~يجعلون السلف والأئمة يمرون آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت مع عدم علمهم ~~بمعانيها # وإن كانوا من نفاتها قالوا إنهم ms1541 كانوا يعتقدون نفيها في الباطن ولا ~~يعلمون مدلول النصوص ولما كان هذا عندهم هو الغاية التي انتهوا إليها ~~والسلف عندهم أعظم الناس جعلوا هذا غاية السلف # وهؤلاء الطوائف وقع لهم الخطأ من جهتين إحداهما أنهم لم يعرفوا الحق في ~~نفسه على ما هو عليه لا بدليل عقلي ولا سمعي الثانية أنهم لم يعرفوا حقيقة ~~أقوال السلف وما كان عندهم من العلم والبيان فكان عندهم قصور في معرفة الحق ~~في نفسه وفي معرفة الأنبياء والسلف به وظنوا أن ما وصلوا إليه هو الغاية ~~الممكنة فجعلوا ذلك PageV08P058 ~~منتهى غيرهم فصاروا يحكون كلام المعظمين عندهم على هذا الوجه # وقد رأينا من ذلك أمورا حتى أن من قضاتهم وأكابرهم من يحكي أقوال الأئمة ~~الأربعة في مسألة من المسائل الكبار فإذا قيل له أهذا نقله أحد عن الشافعي ~~أو فلان أو فلان قال لا لكن هذا ما قاله العقلاء والشافعي لا يخالف العقلاء ~~أو نحو هذا الكلام # فالطوائف المقصرة الضالة تجد حكايتهم للمنقولات مثل نظرهم في المعقولات ~~فلا نقل صحيح ولا عقل صريح وكل من كان أبعد عن متابعة الأنبياء كان أبلغ في ~~هذين الأمرين حتى ينتهي الأمر إلى القرامطة الباطنية الذي مبني أمرهم على ~~السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات # ثم الشيعة أقرب منهم فكان عندهم من السفسطة والقرمطة بحسبهم والمعتزلة ~~خير منهم فهم أقل سفسطة وقرمطة ولكن دخل من ذلك عندهم بحسب ما فيهم من ~~مخالفة الكتاب والسنة أمور كثيرة # وابن عقيل لما أخبر كلام المعتزلة لم يرض طريقهم فلهذا ذكر أن PageV08P059 ~~الناس ثلاث طوائف طائفة شكت لما رأت وجود الشر والضرر في العالم وطائفة ~~قالت بالأصلين وهم الثنوية والطائفة الثالثة عللوا ما انخرم بعلل لم تشف ~~غليل العقل كما فعلت المعتزلة فلما لم يستقم لهم التعليل جنحوا وقالوا خفي ~~علينا وجه الحكمة فيما عرض في العالم من الفساد فسلموا لمن استحق التسليم ~~وهو الصانع # قال وهذه طائفة أهل الحديث وهذا بناء على إثبات الحكمة والغاية والتعليل ~~من حيث الجملة والاعتراف بجهله من ms1542 جهة التفصيل وذكر أن هذا منتهى كل عالم ~~محق وهذا مبلغ علم من انتهى إلى هنا # ولابن عقيل أنواع من الكلام فإنه كان من أذكياء العالم كثير الفكر والنظر ~~في كلام الناس فتارة يسلك مسلك نفاة الصفات الخبرية وينكر على من يسميها ~~صفات ويقول إنما هي إضافات موافقة للمعتزلة كما فعله في كتابه = ذم التشبيه ~~وإثبات التنزيه وغيره من كتبه واتبعه على ذلك أبو الفرج بن الجوزي في كتابه ~~= كف التشبيه بكف التنزيه وفي كتابه = منهاج الوصول وتارة يثبت PageV08P060 ~~الصفات الخبرية ويرد على النفاة والمعتزلة بأنواع من الأدلة الواضحات وتارة ~~يوجب التأويل كما فعله في الواضح وغيره وتارة يحرم التأويل ويذمه وينهى عنه ~~كما فعله في كتاب الانتصار لأصحاب الحديث فيوجد في كلامه من الكلام الحسن ~~البليغ ما هو معظم مشكور ومن الكلام المخالف للسنة والحق ما هو مذموم مدحور # وكذلك يوجد هذا وهذا في كلام كثير من المشهورين بالعلم مثل أبي محمد بن ~~حزم ومثل أبي حامد الغزالي ومثل أبي عبد الله الرازي وغيرهم # ولابن عقيل من الكلام في ذم من خرج عن الشريعة من أهل الكلام والتصوف ما ~~هو معروف كما قال في الفنون ومن خطه نقلت قال فصل المتكلمون وقفوا النظر في ~~الشرع بأدلة العقول PageV08P061 ~~فتفلسفوا واعتمد الصوفية المتوهمة على واقعهم فتكهنوا لأن الفلاسفة اعتمدوا ~~على كشف حقائق الأشياء بزعمهم والكهان اعتمدوا على ما يلقى إليهم من ~~الاطلاع وجميعا خوارج على الشرائع هذا يتجاسر إن يتكلم في المسائل التي ~~فيها صريح نقل بما يخالف ذلك المنقول بمقتضى ما يزعم أنه يجب في العقل وهذا ~~يقول قال لي قلبي عن ربي فلا على هؤلاء أصبحت ولا على هؤلاء أمسيت لا كان ~~مذهب جاء على غير طريق السفراء والرسل يريد تعلم بيان الشرائع وبطلان ~~المذاهب والتوهمات والطرايق المخترعات هل لعلم الصوفية عمل في إباحة دم أو ~~فرج أو تحريم معاملة أو فتوى معمول بها في عبادة أو معاقدة أو للمتكلمين ~~بحكم الكلام حاكم ينفذ حكمه في بلد أو رستاق ms1543 أو تصيب للمتوهمة فتاوى وأحكام ~~إنما أهل الدولة الإسلامية والشريعة المحمدية المحدثون والفقهاء هؤلاء ~~يروون أحاديث الشرع وينفون الكذب عن النقل ويحمون النقل عن الاختلاف وهؤلاء ~~المفتون ينفون عن الأخبار تحريف الغالين وانتحال المبطلين هم الذين سماهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم الحملة العدول فقال يحمل هذا العلم من كل خلف ~~عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين PageV08P062 ~~فالخارج وإن خفقت بنوده وكثرت جموعه وسمي بالملك يبعد أن يضرب له دينار أو ~~درهم أو يخطب له على منبر أو تكون أموره إلا على المغالطة والمخالسة بينا ~~هو على حاله يتضعضع لكتاب الملك ويتخشى من أن يقابله بقتال أو يصافه بحرب ~~لأن في نفس الخارجي بقية من انخساس الباطل وللملك وإن قل جمعه صولة الحق ~~وكذلك البرخشتي مع الطبيب المقيم هذا مختار يطلب من الأدوية ما يسكن الألم ~~في الحال ويضع على الأمراض الأدوية الجواد العاملة بسرعة فيأخذ العطية ~~والخلعة لسكون الألم وإزالة المرض ويصبح على أرض أخرى ومنزل PageV08P063 ~~بعيد وطبه مجازفة لأنه يأمن الموافقة والمعاينة والأطباء المقيمون يلامون ~~على تطويل العلاج وإنما سلكوا الملاطفة بالأدوية المتركبة دون الحادة لأن ~~الحادة من الأدوية وإن عجلت سكون الألم فإنها غير مأمونة الغوائل ولا سليمة ~~العواقب لأن ما تعطي الأدوية الحادة من السكون إنما هو لغلبة المرض وحيثما ~~غلبت الأمراض أوهت قوى المحل الذي حلته الأمراض فهو كما قيل الدواء للبدن ~~كالصابون للثوب ينقيه ويبليه كذلك كلما احتد الصابون وجاد أخلق الثوب فكذلك ~~الفقهاء والمحدثون يقصرون عن إزالة الشبه لأنهم عن النقل يتكلمون وللخوف ~~على قلوب العوام من الشكوك يقصرون القول ويقللون فهم حال الأجوبة ينظرون في ~~العاقبة والمبتدعة والمتوهمة يتهجمون كتهجم البرخشتي فعلومهم فرح ساعة ليس ~~لعلومهم ثبات فإن اشتبه على قوم ما دلسه الصوفية عليهم من قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن في أمتي محدثين ومكلمين وهو ما يلقى من الفراسات ~~والدرايات كما نطق به عمر قيل لهم لو نطق PageV08P064 ~~عمر برأيه ولم يصدقه الوحي على لسان السفير لما التفت ms1544 إلى واقعته ولا يبتنى ~~الشرع على فراسته ألا تراه لما مات السفير قال من هو أعلى طبقة منه أي سماء ~~تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي وقال في الكلالة ما قال ~~يقول الصديق هذا وأسلم اليوم لشيخ رباط يخلو بأمرد في سمعه ويسمع الغناء من ~~أمرد وحرة ويأكل من الحرام شبعة ويرقص كما تشمس الخيل لا يسأل الفقهاء ولا ~~يبني أمره على النقل يقول بواقعة ويقول اتباعه الشيخ يسلم اليه طريقته واي ~~طريقة مع الشرع وهل ابقت الشريعة لقائل قولا وهل جاءت إلا بهدم العوايد ~~ونقض الطرايق ما على الشريعة اضر من المتكلمين والمتصوفين هؤلاء يفسدون ~~العقول بتوهمات شبهات العقول وهؤلاء يفسدون الاعمال ويهدمون قوانين الاديان ~~يحبون البطالات والاجتماع على اللذات وسماع الاصوات المشوشات للمعايش ~~والطاعات وأولئك يجرئون الشباب والاحداثعلى البحث وكثرة السؤال والأعتراضات ~~وتتبع الشرع بالمناقضات وما عرفنا للسلف الصالح اعمال هؤلاء الصوفية بل ~~كانت أحوالهم الجد لا الهزل ولا احوال المتكلمين لا التكشف ولا البحث بل ~~كانوا عبيد تسليم وتحكيم في المعتقدات وجد تشهير في الاعمال والطاعات PageV08P065 ~~فنصيحتي لاخواني من المؤمنين الموحدين أن لا يقرع أبكار قلوبهم كلام ~~المتكلمين ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين بل الشغل بالمعايش أولى ~~من بطالة المتصوفة والوقوف مع الظواهر أولى من توغل المنتحلة للكلام وقد ~~خبرت طريقة الفريقين غاية هؤلاء الشك وغاية هؤلاء الشطح والمتكلمون عندي ~~خير من المتصوفة لأن المتكلمين مرادهم مع التحقيق مزيد الشكوك في بعض ~~الأشخاص ومؤدي المتصوفة إلى توهم الإشكال والتشبيه هو الغاية في الإبطال بل ~~هو حقيقة المحال مما يسقط المشايخ من عيني وإن نبلوا في أعين الناس أقدارا ~~وأنسابا وعلوما وأخطارا إلا قول القائل منهم إذا خوطب بمقتضى الشرع عادتي ~~كذا وكذا يشير إلى طريقة قد قننها لنفسه تخرج عن سمت الشرع فذاك مختلق ~~طريقة وكل مختلق مبتدع ولو كان في ترك النوافل لأن الاستمرار على ترك السنن ~~خذلان قال أحمد رضي الله عنه وقد سئل PageV08P066 ~~عن رجل استمر على ترك الوتر ms1545 هذا رجل سوء أنا أنصح بحكم العلم والتجارب إياك ~~أن تتبع شيخا يقتدي بنفسه ولا يكون له إمام يعزى إليه ما يدعوك إليه ويتصل ~~ذلك بشيخ إلى شيخ إلى السفير صلى الله عليه وسلم الله الله الثقة بالأشخاص ~~ضلال والركون إلى الآراء ابتداع اللين والانطباع في الطريقة مع السنة أحب ~~إلي من الخشونة والانقباض مع البدعة الله لا يتقرب إليه بالامتناع مما لم ~~يمنع منه كما لا يتقرب إليه بأعمال لم يأمر بها أصحاب الحديث رسل السفير ~~الفقهاء المترجمون لما أراد السفير من معاني كتابه ولا يتم اتباع إلا ~~بمنقول ولا يتم فهم المنقول إلا بترجمان وما عداهما تكلف لا يفيد وإلى هذين ~~القسمين انقسم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلة وفقهاء ولا نعرف ~~فيهم ثالثا أصحاب أسواق وصفقات وتجارات لا ربط ولا مناخ للبطالات يا أصحاب ~~المخالطات والمعاملات عليكم بالورع يا أصحاب الزوايا والانقطاعات عليكم ~~بحسم مواد الطمع يا طراق المبتدئين إياكم واستحسان طرائق أهل التوهم والخدع ~~ليس السني عندي المحب لمعاوية ويزيد ولا لأبي بكر وعمر ولا الشيعة عندي من ~~زار المشاهد وأنشد المراثي والقصايد PageV08P067 ~~السني عندي من تتبع آثار الرسول فعمل بها بحسب ما يفتيه الفقهاء واحتذى ~~الرسم واتبع الأمر وكف عن النهي وتنزه عن الشبه ووقف عند الشك وتفرغ من كل ~~علم خالف النقل وإن كانت له طلاوة في السمع وقبول في القلب ليس قلبك معيارا ~~على الشرع ما لله طائفة أجل من قوم حدثوا عنه وما أحدثوا وعولوا على ما ~~رووا ولا على ما رأوا الصبر على الرواية مقام الصديقين قال الخضر للسفير { ~~إنك لن تستطيع معي صبرا } سورة الكهف 67 لأن مستحسنا برأيه ومستقبحا برأيه ~~لا يتبع لأنه قد بان لك بنص القرآن أن استحسان عقل السفير الكليم واستقباحه ~~ما كان على القانون الصحيح حتى كشف له عن العذر فيما كان استقبحه # قلت ولابن عقيل من هذا الجنس في تعظيم الشرع وذم من يخالفه من أهل النظر ~~والكلام وأهل الإرادة والعبادة كلام ms1546 كثير من هذا الجنس كما قد تكلم في ذلك ~~طوائف من أهل العلم والدين لكن من غلب عليه طريق النظر والكلام كان ذمه ~~لمنحرفة العباد أكثر من ذمه لمنحرفة أهل الكلام وهذا كثير في أهل الكلام ~~والفقهاء لا سيما في المعتزلة وهؤلاء قد لا يعرفون ما في طريق أهل العبادة ~~والتصوف من الأمور المحمودة في الشرع ومن غلب عليه طريقة أهل PageV08P068 ~~الإرادة والعبادة كان ذمه لمنحرفة أهل الكلام والنظر أكثر من ذمه لمنحرفة ~~أهل التصوف وهذا يوجد كثيرا في كلام أهل الزهد والعبادة لا سيما المعظمين ~~لطريق الصوفية فمثل أبي عبد الرحمن السلمي وأبي طالب المكي وأبي إسماعيل ~~عبد الله بن محمد الأنصاري وأبي حامد الغزالي وإن كانوا يذمون من منحرفة ~~الصوفية ما يذمون فذمهم لجنس أهل الكلام والبحث والنظر أعظم # ومثل أبي بكر بن فورك وابن عقيل وأبي بكر الطرطوشي وأبي عبد الله المازري ~~وأبي الفرج بن الجوزي وإن كانوا يذمون من بدع أهل الكلام والفلسفة ما يذمون ~~فذمهم لما يذمونه من بدع أهل التصوف والتأله أعظم # وقد قال الله تعالى { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين } وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون رواه الترمذي وصححه # وكان طائفة من السلف يقولون من فسد من الفقهاء ففيه شبه من PageV08P069 ~~اليهود ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى فمن كان فيه بدعة من أهل ~~الكلام والنظر والفقه كالمعتزلة تجدهم يذمون النصارى أكثر مما يذمون اليهود ~~واليهود يقرأون كتبهم ويعظمونهم ومن كان فيه بدعة من أهل العبادة والتصوف ~~والزهد تجدهم يذمون اليهود اكثر مما يذمون النصارى وتجد النصارى يميلون ~~اليهم وقد يحصل من مبتدعة الطائفتين من موالاة اليهود والنصارى بحسب ما ~~فيهم من مشابهتهم وهذا موجود كثيرا كما دل عليه الكتاب والسنة # وهذه الطريقة الأولى التي يعتمد عليها من يعتمد مثل ابن عقيل وصدقه بن ~~الحسين وغيرهما هي التي ذكرها ابو الحسن الاشعري في رسالته إلى أهل الثغر ~~وهي ms1547 التي اعتمد عليها في كتابه المشهور المسمى = باللمع في الرد على أصحاب ~~البدع وهو أشهر مختصراته وقد شرحوه شروحا كثيرة من أجلها شرح القاضي أبي بكر له # وهذه السياقة المتقدمة هي سياقة أبي الحسن في = اللمع فإنه قال في أوله ~~إن سأل سائل ما الدليل على أن للخلق صانعا صنعه ومدبرا دبره قيل الدليل على ~~ذلك أن الانسان الذي PageV08P070 ~~هو في غاية الكمال والتمام كان نطفة ثم علقة ثم مضغه ثم لحما ودما وقد ~~علمنا انه لم ينقل نفسه من حال إلى حال لأنا نراه في حال كمال قوته وتمام ~~عقله لا يقدر أن يحدث لنفسه سمعا ولا بصرا ولا أن يخلق لنفسه جارحة فدل ذلك ~~على أنه قبل تكامله واجتماع قوته وعقله كان عن ذلك أعجز لأن ما عجز عنه في ~~حال الكمال فهو في حال النقصان عنه أعجز ورأيناه طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم ~~شيخا وقد علمنا انه لم ينقل نفسه من حال الشباب إلى حال الكبر والهرم لأن ~~الانسان لو جهد أن يزيل عن نفسه الكبر والهرم ويردها إلى حال الشباب لم ~~يمكنه ذلك فدل ما وصفناه على أنه ليس هو الذي نقل نفسه في هذه الاحوال وأن ~~له ناقلا نقله من حال إلى حال ودبره على ما هو عليه لأنه لا يجوز انتقاله ~~من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر # قال ومما يبين ذلك أيضا أن القطن لا يجوز أن يتحول PageV08P071 ~~غزلا مفتولا ولا ثوبا منسوجا بغير صانع ولا ناسج ومن اتخذ قطنا فانتظر أن ~~يصير غزلا مفتولا ثم ثوبا منسوجا بغير صانع ولا ناسج كان عن المعقول خارجا ~~وفي الجهل والجا وكذلك من قصد إلى برية لم يجد فيها قصرا مبنيا فانتظر أن ~~يتحول الطين إلى حال الاجر وينتضد بعضه إلى بعض بغير صانع ولا بان كان ~~جاهلا فإذا كان تحول النطفة علقة ثم مضغة لم لحما ثم عظما ودما أعظم في ~~الاعجوبة كان أولى أن يدل على صانع صنعها أغنى النطفة ونقلها ms1548 من حال إلى حال # قال وقد قال الله تعالى { أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون } سورة الواقعة 58 59 فما استطاعوا بحجة أن PageV08P072 ~~يقولوا انهم يخلقون ما يمنون مع تمنيهم الولد فلا يكون ومع كراهتهم له ~~فيكون وقال تنبيها لخلقه على وحدانيته { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } سورة ~~الذاريات 21 فبين لهم عجزهم وفقرهم إلى صانع صنعهم ومدبر دبرهم # قلت هذا الدليل مبني على مقدمتين على تحول الانسان من حال إلى حال وأن ~~ذلك لا بد له من صانع حوله من حال إلى حال وكلتا المقدمتين ضرورية والاولى ~~هي مسألة حدوث صفات الأجسام كما تقدم بيانه وأن من أهل الكلام من يقول أن ~~المشهود هو حدوث الصفات لا حدوث الاعيان وان اكثر الناس على خلاف ذلك # وهذا هو طريقة القرآن لكن حدوث الصفات هي أقرب الطرق إلى طريقة القرآن ~~وأما الثانية فهي ضرورية ولهذا لم يذكر ابو الحسن عليها دليلا لكن كثير من ~~أصحابه يقولون انها طريقة موافقة منهم لمن قال ذلك من المعتزلة # ولهذا اعترض من اعترض من المعتزلة على كلام أبي الحسن فأجابه PageV08P073 ~~القاضي أبو بكر على أصله بجواب ذكره قال القاضي أبو بكر اعلم انه إنما ضرب ~~المثل بما ذكره من القطن واللبن لظهوره في نفوس العامة والخاصة واعتقاد ~~جميعهم لجهل من جوز تنضد البنيان واجتماع الآجر والتراب وتصوير المصنوعات ~~بغير صانع ولا مدبر وأنت لو اعترضت كل من سلمت حاسته وصح عقله فسألته هل ~~يجوز وجود ما ذكره من ضروب المحكمات بغير صانع مع العلم بأنها لم تكن كذلك ~~من قبل لمنع ذلك ولاستجهل قائله لتقدم الأدلة وتقررها على فساده في نفوس ~~العامة والخاصة وان كانت العامة تقصر عبارتها عن عبارة الخاصة وألفاظ ~~المتكلمين وطريق المستنبطين في التعبير وقولهم لم نجد كتابة إلا من كاتب ~~ولا ضربا إلا من ضارب ولا بناء إلا من بان وان استحالة وجود ضرب من لا ضارب ~~وبناء من لا بان كاستحالة ضارب لا ضرب له وبان لا بناء له ms1549 وقد تقرر هذا ~~المعنى في نفوسهم وان قصروا عن تأديته وصار مقارنا للعلوم الضرورية وصار ~~المخالف فيه عند سائرهم كالمخالف فيما يدرك من جهة الحواس # قال وجملة القول في هذا الباب أنا لا ندعي ولا صاحب PageV08P074 ~~الكتاب أن العلم باستحالة وقوع الصنعة لا من صانع شيء يدرك من جهة ~~الضروريات وتعلم صحته من طريق درك الحواس ولكنه يدرك بالاستنباط فإذا حصل ~~في نفوس من يجوز أن يشك في هذه المسألة وفي صانع الاشياء التي غاب عنها ~~نظير لما يشك فيه ومثل لما ارتاب فيه رده اليه وجعله اصلا معه في تصحيح ما ~~ينبغي تصحيحه وكشف ما يرجى له كشفه # قال وقوله لو أن منتظرا انتظر اجتماع المصنوعات من غير صانع كان متجاهلا ~~كلام صحيح لأن الصنعة يستحيل وقوعها إلا من صانع كما يستحيل في العقول وجود ~~صانع لا صنعة له وكاتب لا كتابة له فتعلق الصنعة بالصانع كتعلق الصانع في ~~كونه صانعا بوجود صنعته واستحالة أحد الامرين في المعقول كاستحالة الآخر # قال وهذه النكتة المعتمدة في هذا الدليل وانما نذكر ضروبا من ضروب ~~الصنائع تقريبا بذكره وليس القصد بذكره تخصيص تعلقه بالصانع وانما يراد ~~بذلك وجوب تعلق سائر المصنوعات بصانع صنعها فاعرف ذلك # وذكر كلاما آخر إلى أن قال فإن قال قائل فما الدليل الآن PageV08P075 ~~على انه لا بد لسائر الأفعال الحاضرة والغائبة من فاعل فعلها ومدبر دبرها ~~وكيف وجه تعلق الانسان وغيره من المصنوعات بفاعل ومدبر صنعه وقصده متى لم ~~يكن هو الفاعل لنفسه قيل له قد تقدم من كلام صاحب الكتاب ما هو دلالة على ~~ذلك وقد مضى شرحنا له حيث قلنا أن تعلق الفعل بالفاعل كتعلق الفاعل في كونه ~~فاعلا بفعله # ثم نقول في الدليل على ذلك انه لا يسوغ أن يجيب عن هذه المسألة إلا من ~~سلم لنا أن هذه الأمور التي هي التأليفات والتصويرات والتركيبات معان ~~محدثات وان كان لا يقر بأنها افعال كلم في أصل هذه المسألة وقرر معه القول ~~بوجوب حدوثها فإذا كان ms1550 الأمر على ما وصفناه لم يكن لأحد أن يسأل عن هذه ~~المسألة # وقد يخالف في أن هذه الأمور التي ذكرناها أفعال لأنه إذا قال ما الدليل ~~على أن هذه الأفعال تتعلق بفاعل فقد أثبتها أفعالا فإذا أنكر أن تكون ~~أفعالا فقد أبطل بآخر كلامه ما أثبته بأوله ولكن قد يسوغ أن يقول ما الدليل ~~على أن التأليف يتعلق بمؤلف وان لم يسلم انه فعل لشبهة تدخل عليه PageV08P076 # فإذا كان الأمر على ما وصفنا رجعنا فقلنا الدليل على أنه لا بد للأفعال ~~من تعلق بفاعل أنا وجدناها يتقدم بعضها على بعض في الوجود ويتأخر بعضها عن ~~بعض وتوجد في زمان كان يصح عدمها فيه بدلا من الوجود وتعدم في زمان يصح ~~وجودها فيه بدلا من العدم # فإذا كان هذا وصفها قلنا لا يخلو ما تقدم منها أن يكون متقدما لنفسه أو ~~لمعنى يوجد به اولا لنفسه ولا لعلة أو لمقدم قدمه وكذلك حكم القول فيما ~~تأخر منها فنظرنا فإذا هو مستحيل أن يكون أن ما تقدم منها إنما تقدم لنفسه ~~لأنه قد يتقدم على ما هو من جنسه ويتأخر عنه ما ذاته مثل ذاته كالجواهر ~~وأجزاء السواد وغير ذلك من المتماثلات فلو كان ما تقدم منها متقدما لنفسه ~~لم يكن بالتقدم أولى مما هو مثل له ولا كان المتأخر منها بالتأخر اولى منه ~~بالتقدم إذ قد صح وثبت أن المتماثلين هما ما سد أحدهما مسد صاحبه وناب ~~منابه واقتضت ذاته من الأحكام ما اقتضته ذات ما كان مثلا له # وفي العلم بتقدم بعض المتماثلات على بعض وتأخر بعضها عن بعض فإن ما تقدم ~~منها فالتقدم اولى منه بالتأخر وما تأخر منها فالتأخر أولى منه بالتقدم ~~دليل على أنه لا يجوز أن يكون PageV08P077 ~~المتقدم منها متقدما لنفسه ولا المتأخر منها متأخرا لنفسه ويستحيل أن يكون ~~ما تقدم منها متقدما لعلة توجد به لأنه ليس بأن توجد له تلك العلة إذا لم ~~تكن تلك العلة منه معلقة بموجد بأولى من وجودها بغيره ووجود ms1551 سائر ما جانسها ~~بسائر ما يحتمله ذلك الجنس من العلل المقتضية للتقدم الذي هو الوجود في ~~الوقت المخصوص الذي يتكلم عليه حتى تتساوى في الوجود ولا يتأخر بعضها عن ~~بعض لاحتمالها ما يقتضي وجودها من المعاني وكونها متماثلة على أنه لو كان ~~المتقدم من الجواهر وأجزاء السواء متقدما لعلة والمتأخر عنها متأخرا لعلة ~~لكانت علة التقدم قبل علة التأخر إذ كانت موجودة مع المتقدم الذي هو قبل ~~المتأخر # ولو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون لعلة ايضا ما تقدمت احدى العلتين على ~~الاخرى لأن علة التقدم والتأخر يجب أن تكونا من جنس واحد لانهما حدوثان ~~ووجودان للحادث الموجود ولو ثبتا معنى من المعاني وقد أبنا فيما سلف أنه لا ~~يجوز تقدم أحد المثلين على صاحبه لنفسه وجنسه ووجود الشيئين في زمانين ~~متغايرين لا يخرج PageV08P078 ~~الوجود عن حقيقته فيجب لذلك أن تكون علة وجود الشيء في زمان كعلة وجود غيره ~~في غير ذلك الزمان ومن جنسها # واذا كان كذلك وجب أن يكون تقدم احدى العلتين للاخرى لعلة ثانية والقول ~~في الثانية وفي وجوب تعلقها بثالثة إذا كانت متقدمة لعلة كالقول في الأولى ~~وكذلك القول في علة التأخر وهذا يوجب مالا نهاية له من الحوادث وذلك محال # فإن اعترف المخالف أن الشيء الذي يتقدم وجوده وجود ما هو مثل له لعلة ~~فعلها فاعل اقر أن الفعل يتعلق بالفاعل وكان حكم المعلول حكم العلة ففي ذلك ~~ما أردناه # وان امتنع من تعلق العلة المتقضية لوجود ما يوجد به الفاعل دخل عليه ما ~~كلمناه به آنفا من أنه ليس احتمال بعض الجواهر لما يقتضي وجوده في زمان بعد ~~زمان بأولى من احتمال وجود ذلك فيما هو مثل له # قال وسنبين بعد هذا أن الجواهر المعدومات ليست بذوات ولا أعيان ولا جواهر ~~قبل وجود الاعراض وانها لم توجد إلا مع وجودها وانما لم نقدم هذا الباب في ~~هذه الدلالة لعدم حاجتنا PageV08P079 ~~اليه وذلك أنا نجعل مكان قولنا تقدمت الجواهر بعضها على بعض أن نقول أن ms1552 ~~بعضها ينتضد قبل بعض وبعضها يتفرق قبل بعض وبعضها يجتمع قبل بعض وانه لا ~~يجوز أن يكون ما ينتضد منها منتضدا لنفسه وما افترق منها مفترقا لنفسه ~~لقيام الدليل على تماثلها وان ما اقتضاه ذوات بعضها من الأحكام اقتضاه ذوات ~~سائرها وفي العلم بأن منها ما يكون مجتمعا منتضدا ومنها ما يكون متفرقا ~~متباينا دليل على أنه ليس الذي اقتضى لها ذلك ذواتها وان كانت تلك العلة ~~فعلها فاعل فصارت بوجودها على صفة ما ذكرناه من الاجتماع والافتراق فصح أن ~~الأفعال تتعلق بالفاعل وان تلك العلة إذا كانت متعلقة بالفاعل من حيث كانت ~~فعلا محدثا وجب أن يكون هذا سبيل الجسم إذ كان فعلا لمساواته لما تعلق ~~بالفاعل فيما لو كان متعلقا به وهذا إقرار بتعلق الأفعال بالفاعل # قال ويستحيل أن يكون ما تقدم منها متقدما لا لنفسه ولا لعلة لأنه كان يجب ~~أن لا يكون بالتقدم في وقت تقدمه اولى منه بالتأخر ولا بالتأخر اولى منه ~~بالتقدم ولا كان هو بأن يكون متقدما لا لنفسه ولا لعلة اولى من تقدم ما هو ~~مثل له في زمانه لا لنفسه ولا لعلة وفي العلم بكون المتقدم بالتقدم اولى ~~منه بالتأخر والمتأخر بالتأخر PageV08P080 ~~اولى منه بالتقدم وان وصفه بالتقدم والتأخر يفيد فوائد متغايرة لا تجري ~~مجرى الالقاب التي لا تفيد دليل على أنه لا يجوز أن يكون ما تقدم منها ~~متقدما لا لنفسه ولا لعلة # قال وفي فساد هذه الأقسام التي لا يخلو الأمر منها في التقدم والتأخر ~~دليل على أن مقدما قدم منها ما قدم وأخر منها ما أخر # قال وهذا أحد ما يعول عليه في وجوب تعلق الأفعال بفاعل # قلت مضمون هذا الكلام أن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث يستدل عليه ~~بأن ذلك يتضمن الاختصاص بزمان دون زمان والتخصيص لا بد له من مخصص لأنه ~~ترجيح لأحد المتماثلين على الآخر وترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح معلوم ~~الفساد بالضرورة ولم يحتج بعد هذا أن يستدل على أن الترجيح ms1553 لا بد له من ~~مرجح لان ذلك ترجيح لأحد طرفي الممكن على الآخر فلا بد له من مرجح وقد ~~ذكرنا فيما بعد أن هذا هو الطريق الذي سلكه ابو الحسين وابو المعالي وابن ~~عقيل وابن الزاغوني وغيرهم قرروا افتقار المحدث PageV08P081 # إلى المحدث بأن ذلك تخصيص بأحد الجائزين والتخصيص بأحد الجائزين لأنه لا ~~بد له من مخصص وهذا عندهم مختص بالمحدثات ولا يتصور عندهم ممكن قديم حتى ~~يستدلوا بافتقار الممكن المتساوي الطرفين إلى مرجح لأحدهما أو مرجح لوجوده # وذكر القاضي ابو بكر أن ما ذكر من ضرب المثل باللبن إذا صار بناء والغزل ~~إذا صار ثوبا إنما هو لأجل ظهور ذلك في نفوس العامة والخاصة لا لأن احدهما ~~مقيس على الآخر # وذلك أن كثيرا من المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم يقررون ذلك بالقياس على ~~أفعال العباد فيقولون كما أن الكتابة لا بد لها من كاتب والبناء لا بد له ~~من بان فكذلك الجسم المحدث لا بد له من فاعل للقدر المشترك لأن العلة ~~الموجبة افتقار الأصل المقيس عليه إلى الفاعل هي موجودة في الفرع المقيس ~~لان افتقار الأصل إلى الفاعل إنما كان لحدوثه وهذا موجود في الفرع إلى سائر ~~كلامهم المعروف في مثل هذا # فذكر القاضي ابو بكر انه لا حاجة إلى هذا بل افتقار أحدهما كافتقار الآخر ~~وقرر الجميع بالطريقة التي ذكرها وهو قوله لأن PageV08P082 ~~الصنعة يستحيل وقوعها إلى من صانع كما يستحيل في العقول وجود صانع لا صنعة ~~له وكاتب لا كتابة له فتعلق الصنعة بالصانع كتعلق الصانع في كونه صانعا ~~بوجود صنعته # قال وهذه النكتة المعتمدة في هذا الدليل # قلت بيان هذا انه إذا قيل صنعة أو فعل كان هذا اللفظ متضمنا صانعا فاعلا ~~كما إذا قيل فاعل صانع كان ذلك متضمنا فعلا وصنعة وذلك لأن المصدر يستلزم ~~الفاعل كما يستلزم الفاعل المصدر فكما أن العقل يعلم امتناع فاعل لا فعل له ~~فهو يعلم امتناع فعل لا فاعل له # والقاضي ابو بكر قرر هذا الوجه ايضا بناء على ms1554 أن العلم بافتقار المحدث ~~إلى المحدث ليس بضروري وزعم أن الاشعري يقول بذلك كما تقدم من قوله انا لا ~~ندعي ولا صاحب الكتاب أن العلم باستحالة وقوع الصنعة لا من صانع شيء يدرك ~~من جهة الضرورات # ومن المعلوم أن كلام الاشعري ليس فيه شيء من هذا ولم يذكر في كلامه أن ~~العلم بافتقار الصنعة إلى صانع يقرر بأن استلزام الصنعة للصانع كاستلزام ~~الصانع للصنعة لا بأن ذلك يتضمن تقديما وتأخيرا فيفتقر إلى مقدم ومؤخر PageV08P083 # ثم أن القاضي قرر ذلك بأن ذلك التقدم والتأخر لا يجوز أن يكون لعلة تقوم ~~بالمتقدم والمتأخر لأنه ليس وجود العلة به بأولى من وجودها بغيره إذا لم ~~يكن هناك موجد وكذلك وجود سائر العلل المجانسة لها لسائر ما يحتمله ذلك ~~الجنس الذي وجدت به العلة ولأن ذلك يتضمن تقدم علة على علة فتفتقر ايضا إلى ~~علة متقدمة وذلك يفضي إلى وجود حوادث لا نهاية لها وهو محال # وهذه المقدمة فيها نزاع مشهور لكنه احتج بها على من يسلمها من المعتزلة ~~ولأنه عند نفسه قد أقام الدليل عليها في موضع آخر # وأيضا فإنه بنى دليله على تماثل الجواهر وهذا فيه نزاع مشهور لكنه أحال ~~على تقريره لذلك في موضع آخر # وابطال هذا القسم يظهر بدون هذه الأدلة التي اعتمد عليها وذلك أن الكلام ~~في حدوث ما يحدث من الحوادث التي تقدمت وتأخرت وهذه لا تقوم بها العلل في ~~حال عدمها إنما تقوم بها في حال وجودها فيمتنع أن يكون حدوثها لمعنى قام ~~بها قبل حدوثها لأن المعدوم لا يحدث الموجود ولا يكون المعدوم علة للموجود # ولكن سلوك هؤلاء لهذه الطرق البعيدة التي فيها شبهة وطول دون PageV08P084 ~~الطرق القريبة التي هي أقرب وأقطع قد يكون لكون المناظر لهم لا يسلم صحة ~~الطرق القريبة الواضحة القطعية إما عنادا منه واما لشبهة عرضت له أفسدت ~~عقله وفطرته مثلما يعرض كثيرا لهؤلاء فيحتاج مع من يكون كذلك إلى أن يعدل ~~معه إلى طريق طويلة دقيقة يسلم مقدماتها مقدمة مقدمة إلى ms1555 أن تلزمه النتيجة ~~بغير اختياره وان كانت المقدمات التي مانعها ابين وأقطع من المقدمات التي ~~سلمها لكن هذا يحتاج اليه كثيرا في مخاطبة الخلق فكم من شخص لا يقبل شهادة ~~العدول الذين لا يشك في صدقهم ويقبل شهادة من هو دونهم إما لجهله واما ~~لظلمه وكذلك كم من الخلق من يرد اخبارا متواترة مستفيضة ويقبل خبر من يحسن ~~به الظن لاعتقاده انه لا يكذب وكم من الناس من يرد ما يعلم بالدلائل ~~السمعية والعقلية ويقبله إذا رأى مناما يدل على ثبوته أو قاله من يحسن به ~~الظن لثقة نفسه بهذا اكثر من هذا وكم ممن يرد نصوص الكتاب والسنة حتى يقول ~~ما يوافقها شيخه أو امامه فيقبلها حينئذ لكون نفسه اعتادت قبول ما يقوله ~~ذلك المعظم عنده لم يعتد تلقى العلم من الكتاب والسنة ومثل هذا كثير # فكذلك كثير من الناس قد يألف نوعا من النظر والاستدلال فإذا أتاه العلم ~~على ذلك الوجه قبله وإذا أتاه على غير ذلك الوجه لم PageV08P085 ~~يقبله وان كان الوجه الثاني أصح وأقرب كمن تعود أن يحج من طريق بعيدة معطشة ~~مخوفة وهناك طرق اقرب منها آمنة وفيها الماء لكن لما لم يعتدها نفرت نفسه ~~عن سلوكها # وكذلك الأدلة التي فيها دقة وغموض وخفاء قد ينتفع بها من تعودت نفسه ~~الفكرة في الأمور الدقيقة ومن يكون تلقيه للعلم عن الطرق الخفية التي لا ~~يفهمها اكثر الناس احب اليه من تلقيه له من الطرق الواضحة التي يشركه فيها ~~الجمهور ومثل هذا موجود في المطاعم والمشارب والملابس والعادات لما في ~~النفوس من حب الرياسة # فهذه الطرق الطويلة الغامضة التي تتضمن تقسيمات أو تلازمات أو إدراج ~~جزئيات تحت كليات قد ينتفع بها من هذا الوجه في حق طائفة من الناظرين ~~والمناظرين وان كان غير هؤلاء من أهل الفطر السليمة والاذهان المستقيمة لا ~~يحتاج اليها بل إذا ذكرت عنده مجها سمعه ونفر عنها عقله ورأى المطلوب أقرب ~~وأيسر من أن يحتاج إلى هذا فإن علم العقول بافتقار المحدث إلى ms1556 محدث أبين PageV08P086 ~~وأظهر من علم العقول بأن تخصيص أحد المثلين بشيء دون الآخر يحتاج إلى مخصص ~~ومن تصور هاتين القضيتين حق التصور لم يمكنه مع الشك في الأولى أن يجزم ~~بالثانية بل قد لا يتصور احداهما حق التصور # إلا ترى انه إذا قيل لمن صدق بالثانية لم قلت أن التقديم والتأخير لا بد ~~له من مقدم ومؤخر رجع إلى فطرته السليمة وحكم بذلك وغايته أن يقول الاشياء ~~المتساوية لا يترجح بعضها على بعض إلا بمرجح فلو قال قائل لم قلت ذلك ولم ~~لا يجوز أن يترجح هذا على هذا إلا بمرجح أصلا ويختص بما اختص به لا لمخصص ~~اصلا لكان انكاره لقوله هذا القائل دون انكاره لقول من قال لم قلت أن هذه ~~الحوادث لا تحدث إلا بمحدث # وهذه التأليفات والتركيبات الحادثة كانت بعد أن لم تكن لا بمؤلف ولا مركب ~~فإن ترجيح أحد المتساويين الحادثين على الآخر بلا مرجح هو نوع من حدوث ~~الحادث بلا محدث فإن سوغ العقل حدوث حادث بلا محدث سوغ أن يحدث أحد المثلين ~~دون الآخر بلا مخصص لحدوثه PageV08P087 # وهل تخصيص أحد الحادثين بوقت دون وقت أو شكل دون شكل أو وصف دون وصف إلا ~~نوع من حدوث حادث فإن الصفات والاشكال حوادث والتقدم والتأخر اضافة للحوادث ~~إلى وقتها فهو صفة في الحدوث كإضافة الحادث إلى مكانه وكل ذلك مما يعلم ~~بصريح العقل وفطرته السليمة انه لا بد له من محدث مخصص فاعل مؤلف سواه # ولهذا لم يحتج الاشعري إلى أن يقيم على ذلك دليلا كما فعله القاضي ابو ~~بكر وأتباعه إلا أن يكون في موضع آخر فعل كما فعلوا ولعله أن فعل ذلك فعله ~~لأجل عناد المناظرين أو جهلهم فسلك بهم الطريق البعيدة لما لم يسلكوا ~~الطريق القريبة لا لأنه عنده يحتاج إلى الطريق البعيدة # ولهذا لا توجد هذه الطريق البعيدة في كلام أحد من السلف والائمة ولا ذكرت ~~في القرآن فإنها من باب تضييع الزمان واتعاب الحيوان في غير فائدة والقرآن ~~لا يذكر ms1557 فيه مخاطبة كل مبطل بكل طريق ولا ذكر كل ما يخطر بالبال من الشبهات ~~وجوابها فإن هذا لا نهاية له ولا ينضبط وانما يذكر الحق والادلة الموصلة ~~اليه لذوي الفطر السليمة ثم إذا اتفق معاند أو جاهل كان من يخاطبه PageV08P088 ~~من المسلمين مخاطبا له بحسب ما تقتضيه المصلحة كما يحتاج إلى الترجمة ~~أحيانا وكما قد يستدل على أهل الكتاب بما يوجد عندهم من التوراة والانجيل # ففي الجملة الطرق التي تختص بطائفة طائفة مع طولها وثقلها على جمهور ~~الخلق لا تكون في مثل الكتاب العزيز الذي جعله الله شفاء ورحمة ودعا به ~~الخلق جميعهم ليخرج به من الظلمات إلى النور فإن مثل هذا الكتاب العزيز لا ~~يليق أن يذكر فيه من الطرق ما يثقل على جمهور الخلق ويستركونه ويعدونه لكنة ~~وعيا لا يحتاج اليه ويرونه من باب ايضاح الواضحات كما لو ذكر فيه الرد على ~~السوفسطائية ببيان أن الشمس موجودة والقمر موجود والبحار موجودة والجبال ~~موجودة والكواكب موجودة وان الانسان يعلم هذا بالمشاهدة ونحو ذلك لكان هذا ~~مما يستقبح ذكره ويستثقله ويستركه جمهور العقلاء لأن هذا عندهم امر معلوم ~~مستقر في عقولهم لا يحتاجون فيه إلى خطاب عالم من العلماء فضلا عن كتاب ~~منزل من السماء PageV08P089 # واذا قدر أن بعض الناس احتاج إلى ازالة ما عرض له من هذه الشبه ~~السوفسطائية كان هذا من الامراض النادرة التي لا تعرض لجمهور العقلاء وعلاج ~~هذا لا يحتاج إلى كتاب منزل من السماء يقصد به هدى الخلق وبيان ما يحتاجون ~~اليه في صلاح امورهم # ولو ذكر في القرآن مثل هذا لم يكن لما يذكر من ذلك غاية لأن الخواطر ~~الفاسدة لا نهاية ولا ضابط فكان يضيع زمان الناس في القراءة والسماع لما لا ~~ينتفع به جماهيرهم ويشتغلون بذلك عما لا بد لهم منه ولا يصلح أمرهم إلا به # ونحن لم يكن بنا حاجة في الإيمان بالله ورسوله إلى مثل هذه الطرق وانما ~~ذكرناها لما كان الذين سلكوها يعارضون كلام الله ورسوله بمقتضاها ويزعمون ~~انه ms1558 قد قامت عندهم أدلة عقلية تناقض ما جاءت به الرسل فكشفنا حقائق هذه ~~الطرق التي يعارضون بها لنبين أن ما عارض النصوص منها لا يكون إلا باطلا ~~وما لم يعارض النصوص فقد يكون حقا وقد يكون باطلا وما كان حقا ولم يعارض ~~النصوص فقد لا يحتاج اليه بل في الطرق العقلية التي دلت النصوص عليها وهدت ~~اليها ما يغني عن ذلك بل تلك الطرق PageV08P090 ~~اقوى وأقرب وأنفع فإن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # وقد قال تعالى { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } سورة الشورى 53 والصراط ~~المستقيم هو أقرب الطرق إلى المطلوب بخلاف الطرق المنحرفة الزائفة فإنها ~~إما أن لا توصل واما أن توصل بعد تعب عظيم وتضييع مصالح اخر فالطرق ~~المبتدعة أن عارضت كانت باطلا وان لم تعارض فقد تكون باطلا وقد تكون حقا لا ~~يحتاج اليه مع سلامة الفطرة # ولهذا كل من كان إلى طريق الرسالة والسلف اقرب كان إلى موافقة صريح ~~المعقول وصحيح المنقول اقرب فالقاضي ابو بكر وان كان اقرب إلى صريح المعقول ~~وصحيح المنقول في اصول الدين بخلاف اصول الفقه من أبي المعالي واتباعه ~~والاشعري اقرب إلى ذلك من القاضي أبي بكر وابو محمد بن كلاب اقرب إلى ذلك ~~من أبي الحسن والسلف والائمة اقرب إلى ذلك من ابن كلاب فكل من كان إلى ~~الرسول اقرب كان اولى بصريح المعقول وصحيح المنقول لأن كلام المعصوم هو ~~الحق الذي لا باطل فيه وهو المبلغ عن الله كلامه وخير الكلام كلام الله ~~وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة # ومما يبين ذلك أن ما ذكره القاضي ابو بكر من الطريقين البعيدين اقربهما ~~مبنى على أن دلالة الصنعة على الصانع كدلالة الصانع على الصنعة وهذا إنما ~~يدل من جهة الاشتقاق اللفظي كما تقدم PageV08P091 ~~ومن المعلوم أن من شاهد الحوادث قبل أن يعلم أن لها صانعا لا يعلم انها ~~صنعة ولا مفعولة لفاعل حتى يتضمن علمه بأحداهما علمه بالاخر فإن لم يعلم أن ~~الحادث لا بد ms1559 له من محدث لم يعلم انها مفعولة ولا مصنوعة فضلا عن أن يعلم ~~أن لها صانعا فاعلا واذا علم انها مصنوعة مفعولة امتنع مع ذلك أن لا يعلم ~~أن لها صانعا فاعلا # يوضح ذلك أن علم الناس بأن الصنعة مفتقرة إلى الصانع ليس بدون علمهم بأن ~~الصانع لا بد له من صنعة بل علمهم بالأول قد يكون اقوى من الثاني وذلك لأنه ~~اراد بكلامه أن الصانع لا يكون صانعا إلا بصنعة والفاعل لا يكون فاعلا إلا ~~بفعل وهذا صحيح ولكن ليس هذا بأبين من كون المصنوع لا يكون مصنوعا إلا ~~بصانع والمفعول لا يكون مفعولا إلا بفاعل والفعل لا يكون فعلا إلا بفاعل ~~والصنعة لا تكون صنعة إلا بصانع بل إذا رأوا الحادث علموا بعقولهم انه لا ~~بد له من فاعل احدثه وقد يرون ما يصلح أن يكون فاعلا ولا يعلمون هل فعل ~~شيئا أو لم يفعله فكان فيما ذكره بيان الابين الاظهر بالاخفى وهم يمنعون من ~~تحديد الاظهر بالاخفى وقد قلنا أن مثل هذا قد يستعمل مع جهل المخاطب أو ~~عناده ونحو ذلك PageV08P092 # واما الطريق الثانية التي جعلها القاضي ابو بكر معتمدة فهي مع طولها يمكن ~~تقريرها بمقدمات صحيحة لكنه ادخل في بعض مقدماتها تماثل الجواهر وتناهي ~~الحوادث ومعلوم لكل مؤمن عاقل أن الإقرار بالصانع لا يفتقر إلى هذا وهذا بل ~~وعلم الخلق بأن الحادث لا بد له من محدث لا يفتقر لا إلى هذا ولا إلى هذا ~~وهو ذكر هاتين المقدمتين مع غيرهما وفيما ذكره من غيرهما غنية عنهما فإن ~~تماثيل الاعراض كأجزاء السواد يغنيه عن تماثل الجواهر وما ذكره من الوجه ~~الأول في امتناع التقدم لعلة يغنيه عن الوجه الثاني المبني على تناهي ~~الحوادث # ثم مما ينبغي أن يعرف أن الذين سلكوا الطرق المبتدعة في إثبات الصانع ~~وتصديق رسله إذا اعتقدوا أن لا طريق إلا ذلك الطريق جعلوا من خالفهم في صحة ~~تلك الطريق ملحدا أو دهريا أو نحو ذلك وهذا يذكرونه في مواضع # منها انهم لما ms1560 اعتقدوا أن إثبات الصانع تعالى موقوف على إثبات PageV08P093 ~~الجوهر الفرد جعلوا إثبات ذلك من اقوال المسلمين ونفى ذلك من اقوال ~~الملحدين # وكذلك قد يقولون أن تماثل الجواهر والاجسام من اقوال المسلمين ونفي ذلك ~~من اقوال الملحدين وكذلك قد يقولون أن تناهي الحوادث من اقوال المسلمين ~~والقول بعدم تناهيها من اقوال الدهرية الملحدين ولهذا نظائر مع أن الذين ~~يضيفونه إلى المسلمين قد يكون إنما ابتدعه طائفة من أهل الكلام الذي ذمه ~~السلف والائمة والقول الآخر هو الذي عليه سلف الأمة وائمتها وجمهور الخلق # وكذلك قد يضيفون إلى السنة ما لا يوجد في كتاب ولا سنة ولا قول أحد من ~~السلف بل قد يكون المأثور ضد ذلك حتى يتناقض احدهم في النقل فيحكي إجماع ~~المسلمين أو إجماع اهل الملل على شيء ثم يحكي النزاع عنهم في موضع آخر # كما رأيته قد ذكره بعض فضلاء المتكلمين من أصحاب أبي المعالي اظنه ابا ~~الحسن الطبري المعروف بإلكيا أو بعض نظرائه ذكر في PageV08P094 ~~كتابه في الكلام لما استدل على حدوث العالم بدليل الاعراض المشهور عن ~~المعتزلة واتباعهم من الاشعرية والكرامية وغيرهم قال فأما الركن الرابع ~~وفيه المعركة والتشاجر عنده يحصل وهو إثبات استحالة حوادث لا أول لها وقد ~~اطبق المليون واتباع الأنبياء كلهم على استحالة حوادث لا أول لها وقال ~~ملحدة الفلاسفة باثبات حوادث لا أول لها # وقال في مسألة حلول الحوادث بعد أن ذكر قول الكرامية قال واعلم أن ~~المشبهة ايضا يقولون أن الحوادث تقوم به وان لم يصرحوا به فهم والكرامية في ~~إثبات الجهة وقيام الحوادث بذات القديم على حد سواء وذلك انهم يجوزون على ~~الله الجيئة والذهاب والنزول والصعود والانتقال فيقولون هذه الاشياء لم تكن ~~فكانت وهذا هو الحادث ثم اثبتوا له التحيز وذلك لا يقوم إلا بمتحيز # قال وقد أثبتوا حوادث لا أول لها # قال ولا تصول الملحدة إلا بهذا وقد دللنا على بطلانه وانه لا يتم القول ~~بحدوث العالم إلا بإبطاله # قلت وهذا القول الذي يحكيه هذا وامثاله من إجماع ms1561 المسلمين أو PageV08P095 # إجماع المليين في مواضع كثيرة يحكونه بحسب ما يعتقدونه من لوازم أقوالهم ~~وكثير من الإجماعات التي يحكيها أهل الكلام هي من هذا الباب فإن أحدهم قد ~~يرى أن صحة الإسلام لا تقوم إلا بذلك الدليل وهم يعلمون أن المسلمين متفقون ~~على صحة الإسلام فيحكون الإجماع على ما يظنونه من لوازم الإسلام كما يحكون ~~الاجماع على المقدمات التى يظنون أن صحة الإسلام مستلزمة لصحتها وأن صحتها ~~من لوازم صحة الإسلام أو يكونون لم يعرفوا من المسلمين إلا قولين أو ثلاثة ~~فيحكون الإجماع على نفي ما سواها وكثير مما يحكونه من هذه الإجماعات لا ~~يكون معهم فيها نقل لا عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا عن أحد من أئمة ~~المسلمين بل ولا عن العلماء المشهورين الذين لهم في الأمة لسان صدق ولا ~~فيها آية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مع ~~هذا يعتقدون أنها من أصول الدين التي لا يكون الرجل مؤمنا أو لا يتم دين ~~الإسلام إلا بها ونحو ذلك # ومثل هذا الرجل وأمثاله من أهل الكلام لما اعتقدوا أن العلم بإثبات ~~الصانع وصدق الرسول موقوف على هذا الدليل أخذ يحكيه عن جميع أهل الملل ~~وجميع أتباع الأنبياء وهو مع هذا لا يمكنه أن ينقله عن عالم واحد لا من ~~الصحابة ولا من التابعين ولا PageV08P096 ~~تابعيهم ولا معه فيه آية ولا حديث والمنصوص عن الأئمة المشهورين عند الأمة ~~يناقض ذلك ولهذا عاد فحكى عن أهل الحديث الذين سماهم مشبهة أنهم يقولون ~~بذلك وإن كان ذكره في معرض التشنيع عليهم ففي ذلك ما يبين أن أتباع ~~الأنبياء تنازعوا في ذلك # وما ذكره من أن حدوث العالم لا يتم إلا بإبطاله يقول منازعوه إن الأمر في ~~ذلك بالعكس وإن القول بما أخبرت به الرسل من أن الله تعالى خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام لا يتم مع هذا القول ولا يتم إلا بنقيضه لأن ~~إبطال هذا يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن ms1562 بلا مرجح وحدوث مجموع الحوادث بلا ~~سبب حادث ويصير الفاعل فاعلا بعد أن لم يكن بدون سبب جعله فاعلا بل حقيقة ~~هذا القول أنه صار قادرا بعد أن لم يكن بغير سبب وصار الفعل ممكنا بدون سبب ~~وهذا ممتنع في بدائه العقول # وبذلك صالت الدهرية على اهل الكلام الذين سلكوا هذه السبيل فإنهم لما ~~رأوا فساد هذا القول في صريح المعقول وظنوا أن هذا قول الرسل وأتباعهم ~~اعتقدوا أن الرسل صلوات الله عليهم أخبرت بما يخالف صريح المعقول ثم من ~~أحسن الظن بهم قال فعلوا ذلك لمصلحة الجمهور إذ لم يمكن مخاطبتهم بالحق ~~المحض فكذبوا لمصلحة الجمهور فساء ظن هؤلاء بما جاءت به الأنبياء وامتنع أن PageV08P097 ~~يستدلوا به على علم وأولئك المتكلمون بجهلهم قصدوا إقامة الدليل على تصديق ~~الأنبياء ونصر ما جاءوا به فلما نقص علمهم بالسمعيات والعقليات أدى ما ~~فعلوه إلى تكذيب الرسل والطعن فيما جاءوا به # فأما القول بما أخبرت به الرسل فلا يناقض هذا الأصل بل يبطل ما يدفع به ~~الملاحدة أقوال الرسل ثم إنه يحكي عن أهل الحديث هذا القول وأن معنى قولهم ~~هو أنه تحله الحوادث وتجد كثيرا من متكلمة أهل الحديث كأبي الحسن بن ~~الزاغوني وأبي بكر عربي يحكون الإجماع على امتناع قيام الحوادث به وأظن أن ~~أبا على بن أبي موسى ذكر ذلك وهذا من جملة الإجماعات التي يطلقها من يطلقها ~~بحسب ما ظنه وهذا لأن هذه أقوال مجملة قد يفهم منها ما هو باطل بالإجماع ~~والمطلقون لها أدرجوا فيها معاني كثيرة لا يفهمها إلا خواص الناس # وأول من أظهر هذه المقالات الجهمية والمعتزلة ونحوهم وصاروا يقولون إنه ~~منزه عن الأعراض والأبعاض والحوادث والمقدار والحد ونحو ذلك ويدخلون في نفي ~~الأعراض نفي الصفات وفي نفي الحوادث نفي الأفعال القائمة به وفي نفي ~~المقدار نفي علوه على خلقه ومباينته لهم وفي نفي الأبعاض نفي علوه ومباينته ~~ونفي الصفات الخبرية كالوجه واليدين ونحو ذلك PageV08P098 # مما يستلزم عندهم أن يكون له أبعاض ومن عجيب ذلك ما ms1563 ذكروه في هذه المسألة ~~مسألة افتقار الحادث إلى المحدث فإن أبا الحسن لما قال ما الدليل على أن ~~للخلق صانعا صنعه ومدبرا دبره واستدل بحدوث الإنسان كما تقدم فسر القاضي ~~أبو بكر قوله بوجهين # أحدهما أنه يريد بالخلق التقدير وكل جسم فله قدر فيكون المعنى ما الدليل ~~على أن لكل جسم قدرا من الأقدار قدره مقدر لكن هذا الوجه لم يرده الأشعري ~~ولا بنى كلامه على إرادته وإنه لم يذكر دليلا على ذلك # والوجه الثاني أن يكون الخلق بمعنى الإبداع والاختراع وجعل الشيء شيئا ~~عينا بعد أن لم يكن كذلك # وهذا هو الوجه الذي أراده لكن اعترض عليه بعض المعتزلة وأظنه القاضي عبد ~~الجبار بأن كل من أقر بالمحدث المخلوق أقر بالخالق وكل من اعترف بمفعول ~~اعترف بفاعل ولو سلم أن الجسم مخلوق لم يحتج إلى تعاطي الدليل على إثبات ~~الصانع الخالق وأراد PageV08P099 ~~عبد الجبار بيان فساد الطريقة التي سلكها الأشعري وتصحيح طريق شيوخه وهو ~~إثبات حدوث الأجسام أولا ثم إثبات المحدث بعد ذلك # وليس الأمر كما ذكره عبد الجبار بل الأشعري قصد العدول عن هذه الطريقة ~~التي سلكها المعتزلة عمدا مع علمه بها كما قد بين ذلك في رسالته إلى الثغر ~~وبين أنها بدعة محرمة في الشرائع لم يسلكها السلف والأئمة وعدل عنها إلى ~~الاستدلال بحدوث صفات الإنسان لأن ذلك أمر مشهود معلوم والقرآن العزيز قد ~~دل عليها وأرشد إليها # لكن الأشعري لما أراد تقرير حدوث النطفة سلك في الاستدلال على حدوثها ~~الطريقة المعروفة للمعتزلة في حدوث الأجسام فهو وإن كان قد وافقهم على صحة ~~هذه الطريقة فهو يقول إن فيها تطويلا وشبهات ومقدمات كثيرة فيها نزاع فلا ~~يحتاج إليها ابتداء ولا يقف العلم والإيمان بالله تعالى عليها بخلاف نفس ~~تحول النطفة من حال إلى حال فإن هذا أبين وأظهر من كون كل جسم لا بد له من ~~أعراض مغايرة له وأن الأعراض حادثة النوع # ثم من أراد إثبات حدوث الأجسام بأنها لا تخلو عن الحركة والسكون كما فعله ms1564 ~~من فعله من المعتزلة ومن وافقهم فالأمر عليه أيسر PageV08P100 ~~من إثبات من أثبت ذلك بأنها لا يخلو من كل جنس من أجناس الأعراض عن واحد ~~منها وأن جميع أنواع الأعراض لا تبقى زمانين كما سلك هذه الطريق كثير من ~~الأشعرية ومن وافقهم فإن هذه أبعد الطرق وأطولها وأضعفها مقدمات لو كان في ~~هذه الطرق شيء صحيح # فالجواب لعبد الجبار عن الأشعري أن يقال له هو استدل بحدوث الإنسان وهو ~~أمر معلوم مشهود لا ينازع فيه عاقل وكان في ذلك مندوحة له عن الاستدلال ~~بحدوث جميع الأجسام وحينئذ فإذا ثبت أن للإنسان صانعا ثبت سائر صفاته من ~~العلم والقدرة وغير ذلك ثم أمكن أن يعلم حدوث السماوات والأرض بالسمع فلا ~~يحتاج إلى ما يدل على حدوث جميع الأجسام مع أن تمام الطريقة التي ذكرها ~~الأشعري تدل على ذلك فيقال لعبد الجبار إن كانت طريقتكم صحيحة فقد سلكها ~~الأشعري في آخر استدلاله وإن كانت باطلة لم يكن عليه ملام في تركها بل ~~الذين ذموا ما ذموا منه من أتباع السلف والأئمة ذموا منه ما وافقكم فيه من ~~هذه الطريقة وأمثالها فالذي تطلبون منه من موافقتكم هو الذي ينكره عليه ~~أتباع السلف والأئمة كما ينكرون ذلك عليكم PageV08P101 # وفي الجملة فإن كان طريقكم مذموما فالذم الذي يلحقه به أقل مما يلحقكم به ~~وإن كان صحيحا فهو قد سلكه في آخر الدليل لكنه لم يجعل نفس إثبات الصانع ~~تعالى مفتقرا إلى إثبات حدوث الأجسام لعلمه بأن الأمر ليس كذلك وبأن هذا ~~مخالفة لدين المسلمين وسائر أهل الملل فكان في موافقتكم على سلوك هذه ~~الطريق ابتداء مخالفة للشرع والعقل # وأما كون من أقر بالشيء المحدث المخلوق أقر بالخالق ومن اعترف بالمفعول ~~اعترف بالفاعل كما ذكره هذا المعتزلي فالأمر كذلك ولهذا لم يتعرض الأشعري ~~للدليل على ذلك بل جعل كون المحدث دالا على المحدث أمرا مستقرا معلوما ~~بالفطرة إذ النزاع في ذلك أقبح من نزاع السوفسطائية # وأما القاضي أبو بكر فأراد أن يجيب عن الأشعري بوجه آخر ms1565 فزعم أن افتقار ~~المحدث الى المحدث أمر نظري لا ضروري وأن الأشعري أثبت ذلك وذكر أن إثباته ~~لذلك من جهة تضمن الفعل للفاعل كتضمن الفاعل للفعل # ومن المعلوم أن كلام الاشعري ليس فيه شيء من هذا ولا يحتاج كلامه إلى هذا ~~وإنما نشأ الغلط من ظن القاضي أبي بكر أن العلم PageV08P102 # بافتقار المحدث إلى الفاعل أمر نظري وليس الأمر كذلك بل هو ضروري عند ~~جماهير العقلاء وان كان نظريا عند طائفة من اهل الكلام من المعتزلة ومن وافقهم # والشيء قد يكون ضروريا مع إمكان اقامة الأدلة النظرية عليه فلا منافاة ~~بين كونه ضروريا مستقرا في الفطر وبين إمكان إقامة الدليل عليه # فقال القا ضي ابو بكر واما توجيه كلام أبي الحسن إلى أن الخلق بمعنى ~~الاختراع والابتداع فصحيح مع اكثر اهل الدهر لان كثيرا من الدهرية الفلاسفة ~~يزعمون أن العالم محدث من غير محدث وانه متشكل ومتصور بغير مصور ولا مدبر ~~مع اظهارهم الإقرار بحدوثه وانهم لذلك يعتقدون فإذا حصل هذا الإقرار من ~~الفريق الذين ذكرناهم بحدث الأجسام وتصويرها وتركيبها مع انكارهم الصانع ~~المصور كان الكلام معهم في تعلقها بمحدث احدثها وصورها بعد الأصل الذي قد ~~سلموه صحيحا # قال وقد زعم قوم من المسلمين أن شطر الحوادث أو قريبا من شطرها يقع من ~~غير محدث ولا فاعل أصلا وهو ثمامة بن PageV08P103 ~~اشرس النمري وشيعته لانه كان يزعم أن المتولدات كلها لا فاعل لها وهي مع ~~ذلك حوادث وافعال # قال وانما ذكرت لك هذه الفرقة من اهل المللة لتعلم أن الإقرار بحدث الشيء ~~وانكار محدثه مذهب قد شاع في اهل الملة وغيرهم وان تعجب من تعجب من هذا ~~وانكاره دليل على جهله وشدة غباوته وقلة عنايته بمعرفة مذاهب الامم السالفة ~~ومن بعدهم من شيخوخة المعتزلة مع أن الدعوة التي عول عليها صاحب الاعتراض ~~هو أن قال كل من اقر بالشيء المحدث المخلوق اقر بالخالق وكل من اعترف ~~بمفعول اعترف بالفاعل لو سلم أن الجسم مخلوق لم يحتج إلى تعاطى الدليل على ms1566 ~~إثبات الصانع الخالق # قال وقد أنبأنا بالذي سلف من الكلام على جهله في هذا وذهابه عن جهة ~~الصواب فيه ثم نقول فهب أن الأمر كما وصفته ما الذي فيه يوجب غلط واضع ~~الكتاب في تعاطيه اقامة الدليل على إثبات الخالق وقد اتفق الجميع من ~~العاقلين على أن الأفعال تتعلق بفاعل وان المخلوقات تتعلق بخالق ليس هو مما ~~يعلم بالاضطرار ولا يثبت بدرك الحواس وانما يتطرق اليه بالبحث والفحص إلا ~~شرذمة قليلة لا يعتد بقولها ادعت في هذا المذهب البديهة وان PageV08P104 ~~العلم يقع به عند كمال العقل وليس هذا من قولنا وقول هذا المعترض وقد يصح ~~أن يشك في وجوب هذا التعلق من العقلاء شاكون إذا عدلوا عن جهة الاستدلال ~~وطرق الاستشهاد المؤدي إلى معرفة وجوب تعلق الفعل بالفاعل واذا كان هكذا لم ~~يستنكر ما سلكه شيخنا رضي الله عنه من ذكر الدليل على أن الانسان ليس هو ~~المحدث لنفسه وان له محدثا سواه وان المخلوق لا بد له من أن يتعلق بخالق ~~فإذا كان هذا إنما يعلم بالاستدلال فكأنه إنما اراد أن يعرف المتعلم وجه ~~الدليل الذي أدى المجمعين إلى وجوب تعلق الفعل بالفاعل وما من اجله اجمعوا ~~على ذلك فما في هذا مما يعاب لولا فرط الجهل وسوء الظن بالشيوخ # وأيضا فان الذي عابه هذا المعترض غلط بين من قبل انه سام الرجل اقامة ~~الدليل على حدوث الجسم قبل اقامته على وجود محدثه وهذا الترتيب لعمري يجب ~~على من قصد إلى أن يدل على الامرين فأما من قصد أن يقيم الدلالة على أحدهما ~~وهو أن المحدث يتعلق بوجود محدث فلا يجب عليه ذلك فانه قصد إلى الكلام في ~~احدى المسالتين دون الاخرى # قال وقد يقضى القول في هذا الذي سامه هذا المقرض في إثبات الاعراض وحدوث ~~الأجسام في كتاب غير بما لا يخفي على من PageV08P105 ~~عرف من مذهبه القليل واطلع منه على اليسير # قلت ولقائل أن يقول ما ذكره القاضي ابو بكر ليس فيه جواب عن ألاشعري بلا ~~كلام ms1567 ألاشعري صحيح في نفسه لا يحتاج إلى ما ذكره # وبيان ذلك من وجهين # أحدهما أن كلام ألاشعري ليس فيه اقامة دليل على هذه المقدمة التي جعلها ~~القاضي نظرية وهو تعلق الفعل بالفاعل وان المخلوق لا بد له من خالق بل ~~الاشعري ذكر هذه المقدمة ذكرا مطلقا وجعلها مسلمة ولم ينازع فيها من يعبأ ~~به ولهذا لا يعرف في اهل المقالات المعروفة من نازع فيها # وقول القاضي أن كثيرا من الدهرية والفلاسفة يقولون انه محدث من غير محدث ~~فهذا القول إنما يحكي عن شرذمة لا يعرف من هم وقد تأول الشهرستاني وغيره ~~ذلك بأنهم ارادوا به أن سبب حدوثه كان بالاتفاق لا انهم انكروا الصانع ~~وحينئذ فيكونون قد اثبتوا فاعلا ولم يثبتوا سببا للحدوث PageV08P106 # وهذا قول اكثر المعتزلة والاشعرية وغيرهم يقرون بالصانع المحدث من غير ~~تجدد سبب حادث ولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع وقال لهم الناس هذا ~~ينقض الأصل الذي اثبتم به الصانع وهو أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على ~~الآخر إلا بمرجح فإذا كانت الاوقات متماثلة والفاعل على حال واحدة لم يتجدد ~~فيه شيء أزلا وأبدا ثم اختص أحد الاوقات بالحدوث فيه كان ذلك ترجيحا بلا ~~مرجح فقول اولئك الدهرية وقول محمد بن زكريا الرازي وامثاله في إحالة ~~الحدوث على تعلق النفس بالهيولي وامثال ذلك كل ذلك ينزع إلى اصل واحد وهو ~~إثبات حدوث حادث بلا سبب حادث # والفلاسفة القائلون بقدم العالم كأرسطو وابن سينا وامثالهما جعلوا هذا ~~حجة على القائلين بحدوث العالم لكن قولهم تضمن هذا وما هو اقبح منه فانهم ~~زعموا أن الحوادث كلها تحدث عن علة تامة قديمة مستلزمة لمعلولها لا يتأخر ~~عنها شيء من معلولها كما يقوله ابن سينا وامثاله أن الأول يحرك المتحركات ~~بمعنى انها تتحرك للتشبه به لا انه ابدع حركتها كما انها لم يدعها عندهم ~~فلزم من PageV08P107 ~~ذلك أن تكون الحوادث كلها حدثت بلا محدث وذلك اعظم من كونها حدثت بلا سبب ~~حادث وقد بسط هذا في موضعه # واما ما ms1568 حكاه القاضي عن ثمامة فهو من لوازم قوله كما أن المعتزلة ~~البصريين لما قالوا تحدث ارادة لا في محل بلا ارادة الزمهم الناس بحدوث ~~الحوادث كلها بلا إرادة وهو ينفي عنها الفاعل الارادي لا ينفي سببا اقتضى ~~حدوثها وهم مع هذا معترفون بأنه لا بد للحوادث من فاعل مختار ولكن لازم ~~المذهب ليس بمذهب وليس كل من قال قولا التزم لوازمه التي صرح بفسادها بل قد ~~يتفق العقلاء على مقدمة وان تناقض بعضهم في لوازمها ولهذا كانت الشبه ~~الواردة على قول القائل أن التخصيص الحادث لا بد له من محدث مخصص أو أن ~~الممكن لا بد له من مرجح اعظم مما يرد على أن المحدث لا بد له من محدث # والتناقض الذي يلزم أولئك اكثر ولهذا أورد ابو عبد الله الرازي في مسألة ~~إثبات الصانع على طريقة اسولة لم يجب عنها بجواب صحيح فإنه يبني جميع ما ~~يذكره من الطرق على أن الممكن PageV08P108 ~~لا بد له من سبب فاعترض على ذلك بأنه لم قلتم أن الممكن لا بد له من سبب # ثم هنا نظران أحدهما أن نقول انتم في هذا المقام بين امرين إما أن تدعوا ~~الضرورة فيه أو النظر # ودعوى الضرورة باطل لوجهين أحدهما انا إذا عرضنا على العقل أن الممكن لا ~~يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح وعرضنا أيضا قولنا أن الواحد نصف الاثنين لم نجد ~~القضية الأولى في قوة القضية الثانية # وثانيهما أن اكثر العقلاء جوزوا وقوع الممكن لا عن سبب ولو كان ذلك ~~ضروريا لاستحال من العقلاء دفعه # بيان أن العقلاء جوزوا ذلك صور ست أحدهما أن القائلين بحدوث العالم وهم ~~المسلمون يقولون أن الله فعل في PageV08P109 ~~الوقت المعين دون سائر الاوقات لا لامر يختص به ذلك الوقت ومن علل منهم ذلك ~~باختصاص ذلك الوقت بمصلحة خفية يحكم باختصاص ذلك الوقت بتلك المصلحة دون ~~سائر الاوقات المذكورة مع تساويها بأسرها فيكون ذلك وقوعا للممكن بلا سبب # وثانيها أن الذين يحيلون الدواعى والأعراض على الله تعالى وينكرون كون ms1569 ~~الحسن والقبح صفة عائدة إلى الفعل يقولون أن الله تعالى حكم في الواقعة ~~المعينة بحكم مخصوص من ايجاب أو ندب أو حظر أو اباحة مع كون سائر الوقائع ~~مساويا لها فلا يكون على مذهبهم لتخصيص تلك الواقعة بذلك الحكم سبب مخصوص # وثالثها أن اكثر المعتزلة زعموا أن القادر مع تساوي دواعيه إلى الشيء ~~وضده قد يفعل أحدهما دون الآخر لا لمرجح بل زعموا أن الهارب من السبع إذا ~~اعترضه طريقان متساويان من جميع الوجوه فانه لا بد وان يختار أحدهما دون ~~الآخر وزعموا أن العلم بذلك PageV08P110 ~~ضروري وان الجائع إذا خير بين اكل رغيفين متساويين من كل الوجوه فانه لا بد ~~وان يختار أحدهما بل يبتدئ بكسر أحد جوانب ذلك الرغيف من غير سبب يختص بهه ~~ذلك الجانب وكذلك النائم ينقلب من أحد جنبيه على الأخرر لا لمرجح وادعوا ~~الضرورة في هذه الصورة # روبعها أن أكثر المعتزلة زعموا أن الذوات متساوية في الذاتية ومختلفة في ~~الصفات الذاتية وأنه ليس لاختصاصها بتلك الصفة علة # وخامسها زعمت الفلاسفة أن حركات الفلك لأجل التشبه مع أنها لو وقعت إلى ~~الجهة المضادة لجهتها أو أسرع أو أبطأ مما وجدت لكان التشبه حاصلا لا عن مرجح PageV08P111 # وسادسها انهم يقولون الكوكب المعين يختص بموضع معين من الفلك مع كونه ذلك ~~الموضع مساويا لسائر المواضع في الحقيقة والماهية لكون الفلك عندهم بسيطا ~~فثبت أن العقلاء حكموا في هذه الصور بوقوع الممكن لا عن سبب ولو كان العلم ~~بذلك ضروريا لاستحال ذلك كما استحال أن يحكم بعضهم يكون الواحد اكثر من اثنين # فهذا البطلان قول من يدعي الضرورة في هذا المقام واما من يدعي الاستدلال ~~فلا بد له من دليل وانتم ما ذكرتم ذلك الدليل ثم لو ذكرتموه فانه ينتقض ~~بالصور التي عددناها # وذكر اسولة أخرى # ثم قال أبو عبد الله الرازي والجواب على منهجين الأول أجمالي وهو أن ~~دليلنا بناء على مقدمتين إحداهما PageV08P112 # أن المحدث لا بد وان يكون ممكنا لان الذي لا يقبل حقيقة العدم لا ms1570 يكون ~~معدوما فس شيء من الاوقات وثانيها أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر ~~إلا بمرجح وهاتان المقدمتان لا يشك فيهما عاقل وما ذكرتموه من الشكوك فهي ~~جارية مجرى شبه السوفسطائية القادحة في سائر العلوم الضرورية # وكما أن تلك الشبه مع قوتها لا تقدح في شيء من العلوم الضرورية وتلك لا ~~تزيل عنا الجزم والوثوق بالمشاهدات فكذلك ما ذكرتموه # قال وهذا جواب قاطع للمنصف # قال والمنهج الثاني أن نجيب عن الشكوك المذكورة على التفصيل # إلى أن قال قوله إذا ثبت كون المحدثات ممكنة وجب PageV08P113 # استنادها إلى مؤثر تدعون فيه الضرورة أو النظر قلنا بل ندعي فيه الضرورة ~~فأنا إذا فرضنا انسانا سليم العقل لم يمارس هذه المجادلات ثم يعرض على عقله ~~أن كفتي الميزان هل يمكن أن تترجح إحداهما على الاخرى لا لسبب أصلا فان ~~صريح العقل يشهد له بإنكاره ذلك # وكذلك إذا دخل برية لم يجد فيها عمارة أصلا ثم دخلها فوجد فيها عمارة ~~رفيعة وقصرا مشيدا فانه مضطر إلى العلم بوجود باني وصانع وكذلك إذا احس ~~بصوت أو حركة اضطر إلى العلم بوجود مصوت أو متحرك بل الصبيان يضطرون إلى ~~العلم بذلك لانهم إذا وجدوا في موضع شيئا لم يتوقعوا حصوله هناك حملتهم ~~طباعهم السليمة على طلب من وضع ذلك الشيء في ذلك الموضع فدلنا هذا على أن ~~ذلك من العلوم الضرورية قوله إذا عرضنا على العقل أن الواحد نصف الاثنين ~~وعرضنا أيضا أن الممكن PageV08P114 # لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا لمرجح وجدنا الأول اظهر قلنا هذا ممنوع ~~وبتقدير التسليم لا يلزم من كون الأول اجلى منه أن لا يكون هو جليا وذلك ~~لان العلوم الضرورية متفاوته في الجلاء كما أن العلوم النظرية متفاوته في ~~الخفاء وكما أن التفاوت في النظريات لا يخرجها عن كونها نظرية وكذلك ~~التفاوت في الضروريات لا يخرجها عن أن تكون ضرورية قوله أن جمعا من العلماء ~~التزموا وقوع الممكن لا عن سبب ولو كان فساد ذلك ضروريا لما قالوا به قلنا ms1571 ~~انهم لم يلتزموا ذلك بل غايته أن صار ذلك لازما على مذاهبهم وليس كل ما صار ~~لازما وجب أن يلتزمه صاحب ذلك المذهب والاشكال إنما يجيء من التزامه ما ~~يناقض هذه القضية لا من لزومه وكذلك فان أصحاب هذه المذهاب متى التزمتهم ~~وقوع الممكن لا عن سبب فانهم يحتالون PageV08P115 # في الجواب عن ذلك سواء كانت اجوبتهم عن ذلك قوية أو ضعيفة وذلك يدل على ~~أن العلم بذلك ضروري وأما العذر عن كل واحد من الصور التي أوردناها فنحن ~~بعد ذلك أن شاء الله تعالى في المواضع اللائقة بها نجيب عنها قال وبالجملة ~~فكل مذهب يؤدي إلى القول بوقوع الممكن لا عن سبب فإحالة البطلان على ذلك ~~المذهب أولى من احالته على هذا الأصل المعلوم بالضرورة # قلت فهو أن سلك مسلك هؤلاء في بيان أن افتقار المحدث إلى المحدث لأنه ~~ممكن والممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح فمسلكه اطول وأضعف بل هذا ~~المسلك الذي سلكه باطل كما قد بسط الكلام عليه في موضع آخر # وذلك أن كون تخصيص أحد الوقتين المتماثلين بالحدوث دون الآخر يفتقر إلى ~~مخصص أبين من كون الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح فإن المعلوم لكل أحد ~~أن الممكن الذي لا يوجد بنفسه لا بد له من غيره فلا يترجح وجوده إلا بمرجح PageV08P116 # إما كون عدمه لا يترجح على وجوده إلا بمرجح فهذا محل نزاع وأكثر العقلاء ~~على نقيض ذلك وعندهم أن العدم لا يعلل ولا يعلل به كما قال ذلك من قاله من ~~متكلمة أهل الاثبات وغيرهم كالقاضي أبي بكر وأتباعه كأبي المعالي القاضي ~~أبي يعلي وابن الزاغوني وغيرهم # فالجمهور يقولون عدم الممكن لا يفتقر إلى سبب بل ليس له من ذاته وجود ~~فإذا لم يكن ثم سبب يقتضي وجوده بقي معدوما واذا قال القائل عدم وجوده لعدم ~~علة وجوده كما أن وجوده لوجوده علة وجوده # قالوا له أتعني أن نفس عدم العلة هو الموجب لعدمه كما أن العلة المقتضية ~~لوجوده كالفاعل هو المقتضى لوجوده ms1572 أم تعني أن عدم العلة مستلزم لعدمه ودليل ~~على عدمه # الأول ممنوع والثاني مسلم وذلك لأن عدمه لا يفتقر إلى سبب منفصل أصلا وما ~~لا يفتقر إلى سبب منفصل لا يعلل بسبب منفصل وذاته ليست مستلزمة للعدم لتكون ~~ممتنعة بل ليست مقتضية للوجود فعدمه مستمر إذا لم يكن هناك سبب يقتضي وجوده ~~ولكن يستدل بعدم الموجب على عدم الموجب لأن وجوده بدون سبب محال # فإذا علمنا أن لا سبب يقتضي وجوده علمنا عدم وجوده فهذا PageV08P117 ~~من باب الاستدلال وقياس الدلالة لا من باب العلة التي هي المؤثرة في عدمه ~~في الخارج والله أعلم # وأيضا فالمعلوم بالبديهة هو أن ترجيح أحد المتماثلين من كل وجه على نظيره ~~لا يكون إلا بمرجح كما ذكره من أن كفتى الميزان لاتتراجح إحدهما على الأخرى ~~إلا بمرجح وأن هذا معلوم بصريح العقل # وإذا كان كذلك فطريقة المتكلمين من الذين قالوا إن الحادث لا يختص بوقت ~~دون الإ بخصص كما قاله القاضي أبو بكر والقاضى أبو يعلى وأبو الحسين البصري ~~وأبو المعالى وابن عقيل وابن الزاغواني وأمثال هؤلاء من نظار المسلمين خير ~~من طريقة الذين احتجوا بأن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح ~~كما فعل ذلك ابن سينا والسهروردى المقتول والرازي والآمدي وأمثال هؤلاء فإن ~~هؤلاء بنوا ذلك على أن الممكن لا يترجع أحد طرفي وجوده وعدمه على الآخر إلا بمرجح # ومن المعلوم أن العلم بكون أحد الأمرين لا يترجح على الآخر إلا بمرجح ~~يظهر في الأمرين المتماثلين من كل وجه كما ذكروه في كفتي الميزان فأما إذا ~~قدرناهما متساويتين لم يترجح إحداهما على الآخر إلا بمرجح PageV08P118 # وكذلك الاوقات المتماثلة إذا اختص وقت عن وقت بحدوث الحادث فيه كان ذلك ~~التخصيص تخصيصا أحد المثلين على الآخر والتخصيص ترجيح له عليه فلا بد له من ~~مخصص مرجح وأما الوجود والعدم فليسا متماثلين في أنفسهما وان كان الممكن ~~يقبل الوجود ويقبل العدم فليس وجوده مماثلا لعدمه كتماثل الكفتين والوقتين ~~ولكن هما بالنسبة اليه جائزان وهو ms1573 قابل لهما # فغاية ما يقال انه باعتبار نفسه ليس هو بأحدهما أولى منه بالاخر فهما ~~بالنسبة اليه متماثلان من هذا الوجه فيكون ترجيح أحدهما مفتقرا إلى مرجح ~~ولكن عند التحقيق يظهر انهما بالنسبة اليه ليس متماثلين وانه ليس هنا ~~حقيقتان ترجح إحداهما على الاخرى بل ليس له من نفسه وجود أصلا فهو باعتبار ~~ذاته لا يستحق إلا العدم لا يقال انه لا يستحق لا الوجود ولا العدم بل إذا ~~جردنا النظر إلى محض ذات الممكن الذي يقبل الوجود والعدم علمنا أن ذاته لا ~~تكون موجودة بذاته # لسنا نقول أن ذاته تستلزم العدم بحيث يكون عدمها واجبا ووجودها ممتنعا ~~فإن هذا حقيقة الممتنع لذاته لا حقيقة الممكن لذاته ولكن نقول أن ذاته هي ~~باعتبار النظر اليها فقط معدومة عدما ليس واجبا بل عدما يمكن أن يتبدل ~~بالوجود PageV08P119 # ومما يوضح ذلك أن كل محدث فهو ممكن فإنه كان معدوما ثم صار موجودا فهو ~~قابل للوجود والعدم ثم انه من المعلوم لكل أحد أن المحدث لا يقال أن عدمه ~~يفتقر إلى سبب مرجح كما يفتقر وجوده إلى سبب مرجح بل المحدث ليس له من نفسه ~~وجود أصلا ولا يستحق باعتبار ذاته إلا العدم أي لا يثبت له بذاته إلا العدم ~~لا انه يجب له بذاته العدم فالعدم ليس واجبا بذاته بل هو ثابت بذاته # وقولي ثابت بذاته ليس هو اخبارا عن شيء ثابت في الخارج وذات فان المعدوم ~~ليس له في الخارج ذات ثابتة بل حقيقة الأمر أنه ليس له في الخارج شيء موجود ~~من ذاته ولكن هو ممكن الوجود من غيره فهو مفتقر إلى غيره في كونه موجودا لا ~~في كونه معدوما وإذا قال قائل إن الممكن أو المحدث يفتقر في عدمه إلى عدم ~~السبب الموجب قيل له وعدم ذلك السبب الموجب إما أن كان ممكنا فإن كان واجبا ~~لزم أن يكون عدم كل ممكن واجبا فتكون جميع الممكنات ممتنعة لأن عدم كل ممكن ~~على هذا التقدير معلول بعدم واجب وإذا كان ms1574 معدوما لعدم علته وعدم علته ~~واجبا كان عدمه واجبا وهذا معلوم الفساد بالبديهة PageV08P120 # وان قيل أن عدم العلة ممكن فإن كان معدوما بنفسه أمكن أن يكون الممكن ~~معدوما بنفسه لا بعلة وهو المطلوب وإن كان معدوما بعلة كان القول في تلك ~~العلة كالقول في الاخرى ويلزم من هذا أن يكون عدم كل ممكن معللا بعدم ممكن آخر # وهذا باطل لوجوه منها أنه ليس تعليل عدم هذا بعدم هذا بأولى من العكس فإن ~~كل ممكن مفتقر إلى المرجح المؤثر سواء سمي فاعلا أو علة أو موجبا أو سببا ~~أو ما سمى به # فإذا قيل عدم هذا الممكن لعدم مؤثره وعدم ذلك المؤثر لعدم مؤثره كان كل ~~منهما مساويا للآخر في الافتقار إلى المؤثر فليس أن يكون عدم أحدهما لعدم ~~الآخر المفتقر عدما إلى المؤثر بأولى من أن يكون عدم ذاك لعدم هذا المفتقر ~~عدمه إلى المؤثر مع استوائهما في ذلك # ومنها إذا كان عدم هذا لعدم ذاك وعدم ذاك لعدم آخر فالعدم الثالث أن كان ~~هو الأول لزم الدور القبلي وان كان غيره لزم التسلسل في العلل والمعلولات ~~وكلاهما ممتنع # فهذا كله مما يبين أن عدم الممكن ليس مفتقرا إلى المؤثر كافتقار PageV08P121 ~~وجوده إلى المؤثر فليس ترجيح وجوده على عدمه كترجيح احدى كفتي الميزان ~~وترجيح أحد الزمانين بالحدوث على الآخر فإنه هناك رجح الشيء على مثله بلا ~~مرجح ونسبة الحادث إلى هذا الزمان كنسبته إلى هذا ونسبة الرجحان إلى هذه ~~الكفة كنسبته إلى هذه بخلاف الوجود والعدم بالنسبة إلى الممكن فإنه ليس ~~رجحان الوجود كرجحان العدم # ومما يبين هذا أن المرجح للوجود في الممكن ليس هو المرجح للعدم ولا مثله ~~ولا من جنسه فإن المرجح للوجود مؤثر موجود والمرجح للعدم عدم المؤثر وليس ~~الوجود هو العدم ولا مثله ولا من جنسه فليس المرجح أحد طرفي الممكن هو ~~المرجح للآخر ولا مثله ولا من جنسه ولا يمكن ذلك فيه بخلاف المرجح لأحدى ~~كفتي الميزان والمخصص لوقت دون وقت بالحدوث فإنه يمكن أن ms1575 يكون هو الآخر ~~لتغير صفته أو ما يكون من جنس الآخر # وأيضا فترجيح سائر صفات الحادث والممكن على الاخرى ليست كترجيح الوجود ~~على العدم بل هي اقرب إلى ترجيح الوقت على الوقت كتخصيصه بقدر دون قدر ووصف ~~دون وصف ومكان دون مكان ونحو ذلك فإن هذا إلى تخصيصه لوقت دون وقت أقرب منه ~~إلى تخصيصه بالوجود دون العدم PageV08P122 # فتبين بذلك أن طريقة أولئك النظار من متكلمة المسلمين مع كونهم سلكوا ~~فيها من التطويل والتبعيد مالا يحتاج اليه بل ربما كان فيه مضرة خيرا من ~~طريقه هؤلاء الذين استدلوا بترجيح أحد طرفي الممكن # ثم أن ابن سينا وأمثاله كانوا خيرا فيها من الرازي والآمدي وأمثالهما ~~والرازي فيها خير من الآمدي كما قد ذكر في غير هذا الموضع وهذا لو قدر أن ~~هذه الطريقة طريقة ابن سينا ومن اتبعه كالرازي ونحوه طريقة صحيحة فكيف إذا ~~كانت باطلة كما قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع وبينا أن هذه ~~الطريقة لا تدل على إثبات وجود واجب ثابت في الخارج مغاير للممكن اصلا ولو ~~دلت على ذلك لم تدل على أنه مغاير للأفلاك ونحوها # ولهذا كان من سلك هذه الطريقة لا يمكنه أن يثبت بها الصانع ولو اثبت بها ~~الصانع لم يمكنه أن يجعله شيئا غير الافلاك فضلا عما يدعونه من نفي التركيب ~~الذي جعلوه دليلا على نفي الصفات # وذلك أن هؤلاء بنوا هذه الطريقة على أن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وان ~~الممكن لا بد له من واجب فاحتاجوا إلى شيئين إلى حصر القسمة في الواجب ~~والممكن وان الممكن يستلزم الواجب # ولفظ الواجب فيه اجمال قد يراد به الموجود بنفسه الذي PageV08P123 ~~لا فاعل له فتدخل فيه إذا كان ذاتا موصوفة بالصفات ذاته وصفاته # ويراد به القائم بنفسه مع ذلك فتدخل فيه الذات دون الصفات # ويراد به المبدع للممكنات فلا تدخل فيه إلا الذات المتصفة بالصفات # ويراد به شيء منفرد ليس بصفة ولا موصوف فهذا يمتنع وجوده ولم يفهموا ~~دليلا على وجوده فضلا ms1576 عن أن يكون واجب الوجود # فإذا قالوا نعني بالواجب ما لا تقبل ذاته العدم وبالممكن ما تقبل ذاته العدم # قيل لهم اثبتوا وجود ممكن تقبل ذاته العدم لتحتاج إلى الواجب ولما قيل ~~لهم ذلك لم يثبتوه إلا بإثبات الحوادث التي تكون موجودة تارة ومعدومة أخرى # وهذا صحيح فإن الحوادث مشهودة وافتقارها إلى المحدث معلوم بالضرورة لكنهم ~~لم يسلكوا هذا المسلك فإن هذا إنما يثبت وجود قديم احدث الحوادث والممكن ~~عندهم يتناول ما يكون قديما ومحدثا فالقديم الازلي عندهم يكون ممكنا يقبل ~~الوجود والعدم # وهذا القول قاله ابن سينا واتبعه هؤلاء وخالفوا به جميع العقلاء حتى ~~أرسطوا وأصحابه وحتى خالفوا أنفسهم وتناقضوا فإن ابن سينا وأتباعه صرحوا في ~~غير موضع بأن الممكن الذي يقبل الوجود PageV08P124 ~~والعدم لا يكون إلا محدثا لا يكون قديما أزليا وان ما كان قديما أزليا لم ~~يكن إلا واجبا ضروريا يمتنع عدمه # فهذا القول باطل وان قدر صحته فلا يمكن اثباته إلا بكلفة ونظر دقيق ~~ومعلوم أن العلم بواجب الوجود الصانع للممكنات لا يتوقف على العلم بكون ~~القديم الازلي الذي يمتنع عدمه قد يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم فهم ~~يقولون إذا اثبتنا قديما نحتاج بعد ذلك إلى أن نثبت انه واجب الوجود لا ~~ممكن الوجود لأن القديم يحتمل الامرين # وهذه طريقة الرازي التي اعتمد عليها في عامة كتبه كالاربعين ونهاية ~~العقول والمطالب العالية وغيرها من كتبه # فهؤلاء إذا قيل لهم اثبتوا واجب الوجود الذي هو قسيم الممكن عندهم ~~والممكن عندهم يتناول القديم والحادث لم يمكنهم إثبات هذا الواجب إلا ~~بإثبات ممكن يقبل الوجود والعدم وهذا لا يمكنهم اثباته إلا بإثبات الحادث ~~الذي يكون موجودا تارة ومعدوما أخرى والحادث يستلزم ثبوت القديم والقديم ~~عندهم لا يجب أن يكون واجب الوجود بل قد يكون ممكن الوجود فهم لم يثبتوا لا ~~واجب الوجود ولا ممكن الوجود الذي به يثبت واجب الوجود الذي ادعوه # ثم إذا قدر أنهم اثبتوا وجود واجبا فهم لم يقروا أنه واحد وأنه PageV08P125 ~~مغاير للأفلاك إلا بدعوى ms1577 أن الواجب لا يكون مركبا لأن المركب يفتقر إلى ~~أجزائه وما افتقر إلى أجزائه لم يكن واجبا # ومعلوم أن هذا إنما ينفي وجوب واجب بمعنى انه منفرد ليس بصفة ولا موصوف ~~وأن مثل هذا يمتنع أن يكون موصوفا مع أن الغرض أنه ليس بموصوف ولكن هذا ~~الواجب لم يقم دليل على وجوده بل ولا على امكانه وانما يقوم الدليل على ~~امتناعه وألا فإذا قيل أن الموصوف مركب والمركب مفتقر إلى أجزائه فالافتقار ~~هنا لا يجوز أن يراد به افتقار المفعول إلى فاعله والمعلول إلى علته ~~الفاعله وانما يراد به انه يلزم من وجود المركب وجود أجزائه فيلزم من وجود ~~الذات لمتصفه بصفات وجود الذات والصفات # وهذا لا محذور فيه وحقيقته انه يلزم من كون الشيء موصوفا كونه موصوفا ومن ~~كونه مركبا كونه مركبا وهذا كلام صحيح وليس فيه ما يدل على امتناع ذلك وقد ~~بسط هذا في غير هذا الموضع # وقد تفطن الغزالي وغيره لبعض ما به يفسد كلامهم وقد تكلمنا على ذلك وعلى ~~أنواع أخر مما يتبين به بطلان كلامهم # والمقصود هنا بيان أن طريقة أولئك خير من طريقة هؤلاء وهذا كله ما يبين ~~أن كل من كان إلى الإسلام اقرب فإن عقلياته في الأمور الإلهية اصح من ~~عقليات من كان على الإسلام ابعد منه إلا حيث يكون قد ابتع في عقلياته من هو ~~عن الإسلام ابعد منه هذا كله بين PageV08P126 ~~لمن تدبره ومن تدبر كلام هؤلاء وكلام هؤلاء وجد كلام متكلمي المسلمين خيرا ~~من كلام متكلمي الفلسفة ومتبعيهم # وهذه الطريقة هي طريقة ابن سينا واتباعه لم يسلكها أرسطو وقدماء الفلاسفة # وقد قال ابن سينا في الاشارات ما حقه في نفسه الإمكان فليس يصير موجودا ~~من ذاته فإنه ليس وجوده من ذاته أولى من عدمه من حيث هو ممكن فإن صار ~~أحدهما اولى فلحضور شيء أو غيبته فوجود كل ممكن الوجود من غيره # فقوله ما حقه الإمكان فليس يصير موجودا من ذاته قضية صحيحة وهي بينة ~~بنفسها فإن الممكن ms1578 هو الذي يكون وجوده بنفسه فإذا قيل مالا يكون وجوده ~~بنفسه فوجوده من غيره كان هذا من القضايا البينة ولكن هذالا يعرف بل ولا ~~يثبت إلا في الأمور الحادثة التي تكون موجودة تارة ومعدومة أخرى كما اعترف ~~هو وسلفه وسائر العقلاء بأن ما يمكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثا وقد ~~ذكرنا ألفاظه وألفاظ غيره في غير هذا الموضع ولم يمكنهم اقامة دليل على ~~الافتقار إلى الفاعل إلا في المحدث # واما استدلاله على ذلك بقوله فليس وجوده في ذاته أولى من PageV08P127 ~~عدمه من حيث هو ممكن فهذا لا يحتاج اليه وهو متنازع فيه وهو لم يقم عليه ~~دليلا بل يقال هو العدم باعتبار ذاته اولى به من الوجود بل هو باعتبار مجرد ~~ذاته لا يستحق إلا العدم بل يقال هذا باطل فإن ما كان يفتقر إلى فاعل يفعله ~~يعلم بالضرورة انه لا يوجد إلا بالفاعل الذي فعله واما عدمه فلا يفتقر فيه ~~إلى شيء وكل ما كان يمكن وجوده وعدمه لا يكون وجوده إلا بموجد يوجده واما ~~عدمه فلا يحتاج فيه إلى شيء # وقوله فإن صار أحدهما فلحضور شيء أو غيبته هو ايضا مما لا يحتاج اليه ولا ~~بينه ولا هو مسلم بل هو باطل إذ كان الممكن إنما يفتقر إلى غيره إذا كان ~~موجودا فأما ما كان مستمرا على العدم فلا يحتاج دوام عدمه إلى شيء وحقيقة ~~كلامه انه أن صار الوجود فلحضور غيره وان صار العدم فلغيبة غيره فيكون إنما ~~عدم لغيبة سببه وهذا كما قد عرف كلام ليس ببين وهو متنازع فيه بل هو باطل ~~وعند التحقيق تبين أن عدم الغير مستلزم لعدمه ودليل على عدمه لا أنه الموجب لعدمه # وكلام القاضي أبي بكر وأبي الحسين البصري وامثالهما في هذا PageV08P128 ~~الباب هو أصرح في المعقول بل هو صواب وهذا خطأ وان كان أولئك مقصرين من وجه ~~آخر حيث استدلوا على الواضح بالخفي # واما ابن سينا وأتباعه كالرازي وغيره فدليلهم باطل ولم يثبتوا وجودا ~~واجبا بل تكلموا في ms1579 تقسيم الوجود إلى واجب وممكن بكلام ابتدعوه خالفوا به ~~سلفهم وسائر العقلاء ونقضوا به أصولهم التي قرروها بالعقل الصريح فإن ابا ~~الحسين يقول الدليل على أن للمحدث محدثا هو أنه لا يخلو إما أن يكون حدث ~~وكان يجوز أن لا يحدث أو كان يجب أن يحدث فلو حدث مع وجوب أن يحدث لم يكن ~~بأن يحدث في تلك الحال اولى من أن يحدث من قبل فلا يستقر حدوثه على حال إذ ~~كان حدوثه واجبا في نفسه # وان حدث مع جواز أن لا يحدث لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يحدث لولا شيء ~~اقتضى حدوثه # فقد بين أن الحادث أن كان واجب الحدوث بنفسه لم يختص بوقت دون وقت إذ ~~الواجب بنفسه لا يختص بوقت دون وقت واذا لم يختص يجب أن لا يحدث في بعض ~~الاوقات والتقدير انه حدث في بعض الاوقات # وأيضا فالتخصيص بوقت دون وقت لا بد له من مخصص وان كان ممكن الحدوث بحيث ~~يكون قد حدث وكان من الممكن أن لا PageV08P129 # يحدث لم يكن بالحدوث اولى منه بعدم الحدوث لولا شيء اقتضى حدوثه # فقول أبي الحسين لم يكن وجود الحدوث أولى من عدم الحدوث لولا مقتض اقتضى ~~الحدوث يبين أن رجحان وجود الحدوث على عدم الحدوث يفتقر إلى مقتض لترجيح ~~الحدوث على عدم الحدوث # فكانت هذه الطريقة مع طولها خيرا من طريقة ابن سينا والرازي وأمثالهما لو ~~كانت تلك صحيحة من وجهين أحدهما أن افتقار رجحان وجود المحدث على عدمه إلى ~~مقتض أبين في المعقول من افتقار كل ممكن فإن الممكن الذي يقدر أنه ليس ~~بمحدث قد نازع طوائف من الناس في ثبوته وفي إمكان كونه معلولا لغيره ونحو ~~ذلك بل عامة العقلاء على امتناعه والذين يثبتونه يعترفون بامتناعه والعقل ~~الصريح يدل على امتناعه ولم يقيموا دليلا على تحققه ولا على افتقاره إلى ~~واجب ولا على إثبات واجب يكون قسيما له PageV08P130 # وأما المحدث الذي كان بعد عدمه فلم ينازع هؤلاء ولا عامة العقلاء في أنه ms1580 ~~لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمقتض فكان الاستدلال بترجح وجود المحدث على ~~عدمه أولى من الاستدلال برجحان وجود كل ممكن لو قدر أن الممكن أعم من ~~المحدث فكيف إذا لم يكن الممكن إلا محدثا # الثاني انه قال لم يكن بالحدوث اولى منه بالعدم لولا شيء اقتضى حدوثه ~~فبين أن رجحان الوجود على العدم لا يكون إلا بقتض لم يقل أن رجحان أحد ~~الطرفين على الآخر لا يكون إلا بمرجح وهذا الذي قاله أبو الحسين متفق عليه ~~بين الطوائف وهو بين في العقل ضروري فيه بخلاف ما قاله أولئك فإن فيه نزاعا ~~واضطرابا وليس هو بينا في العقل بل الصواب يقتضيه # وكذلك أبو الحسين يقول دائما ما كان موجودا على طريق الجواز لم يكن ~~بالوجود اولى منه بالعدم لولا فاعل وهذا كلام صحيح ولكن ابن سينا إنما اخذ ~~هذه الطريق التي سلكها من كتب المعتزلة ونحوهم من متكلمي الإسلام وأراد ~~تقريبها إلى مذهب سلفه الفلاسفة الدهرية ليصير كلامه في الالهيات مقاربا ~~لجنس كلام متكلمي المسلمين ثم يأخذ المواضع التي خالف فيها المتكلمون للشرع PageV08P131 ~~والعقل فيستدل بها على ما نازعوه فيه مما وافقوا فيه دين المسلمين وهذا كما ~~فعلت اخوانه الباطنية مثل صاحب كتاب الاقاليد الملكوتية ونحوه فإنهم عمدوا ~~إلى كل طائفة من طوائف القبلة فأخذوا منها ما وافقوهم فيه من المقدمات ~~المسلمة التي غلط فيها أولئك فبنوا عليها لوازمها التي تخرج أولئك عن دين ~~المسلمين وناظروا بذلك المعتزلة وأمثالهم كما قالوا للمعتزلة أنتم سلمتم ~~لنا نفي التشبيه والتجسيم ونفيتم الصفات بناء على ذلك ثم أثبتم الاسماء ~~الحسنى لله تعالى والتشبيه يلزم في الاسماء كما يلزم في الصفات فإذا قلتم ~~انه حي عليم قدير لزم في ذلك من التجسيم والتشبيه نظير ما يلزم في إثبات ~~الحياة والعلم والقدرة وأردتم إثبات اسماء بلا صفات وهذا ممتنع واذا كنتم ~~قد وافقتم على نفي الصفات وهي لازمة للاسماء فنفي اللازم يقتضي نفي الملزوم ~~فيلزمكم نفي الاسماء ولهذا نظائر في كلامهم # فابن سينا وجد في ms1581 كتب متكلمي المسلمين من المعتزلة وأشباههم أن تخصيص أحد ~~المتماثلين على الآخر لا يكون إلا بمخصص كما في تخصيص الحدوث بوقت دون وقت ~~وهذا مما جعله هؤلاء اصلا لهم في إثبات العلم بالصانع PageV08P132 # فأخذ ابن سينا كلام هؤلاء ونقله إلى مادة الإمكان والوجوب وأن الممكن لا ~~يترجح إلا بمرجح لئلا يناقض قوله في قدم العالم ويقول إنه معلول علة قديمة ~~مستلزمة له ونسي ما قرره في المنطق هو وسلفه من أن الممكن الذي يمكن وجوده ~~وعدمه لا يكون إلا حادثا وأن الدائم الأزلي والأبدي لا يكون إلا ضروريا ~~واجبا لا يكون ممكن الوجود والعدم وهذا الذي ذكروه في المنطق متفق عليه بين ~~العقلاء # وأخذ قولهم الضعيف في أن القادر المختار يحدث الحوادث بلا سبب حادث جعله ~~له حجة على قدم العالم بناء على مطالبتهم بسبب الحدوث وكان ما يلزمه ويبين ~~فساد قوله أعظم مما يلزمهم ويبين فساد قولهم فإنه إذا كان العالم صادرا عن ~~علة مستلزمة له والعلة المستلزمة لا يتأخر عنها شيء من معلولها لزم أن لا ~~يحدث في العالم شيء من الحوادث أو أن تكون الحوادث حدثت بلا محدث وفي ذلك ~~من الترجيح بلا مرجح ما هو أعظم مما بنوا عليه وجود الواجب فيلزمهم على ~~قولهم بطلان ما أثبتوا به واجب الوجود وبطلان الاستدلال بالحدوث على المحدث ~~وبالممكن على الواجب وأن تكون الحوادث حدثت بلا محدث أصلا PageV08P133 # وذلك أعظم من قول أولئك حدثت عن قادر مختار بدون سبب حادث وهؤلاء أصل ~~قولهم إن العلة التامة يقارنها معلولها في الزمان كما جعلوا الفلك القديم ~~الأزلي عندهم مقارنا لعلته في الزمان وقابلوا بذلك قول المتكلمين الذين ~~قالوا بل المؤثر التام يتأخر عنه أثره # والصواب أن المؤثر التام يتعقبه أثره لا يقارنه ولا يتراخى عنه كما قال ~~تعالى { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } سورة يس 82 # ولهذا يقال كسرته فانكسر وقطعته فانقطع وطلقت المرأة فطلقت وعتقت العبد ~~فعتق وعلى هذا فيلزم حدوث كل ما سوى الرب ms1582 تعالى لأن ما كونه لا يكون إلا ~~بعد تكوينه لا مع التكوين # وهم إذا قالوا إن المكون مع التكوين لزمهم أن لا يحدث شيء من العالم وهو ~~خلاف المشاهدة فإن الأول إذا كان علة تامة والعلة التامة يقارنها معلولها ~~وكل ما ساواه معلوله كان الجميع قديما # ولزمهم أيضا أن كل ما حدث يحدث عند حدوثه تمام علل لا نهاية لها وذلك في ~~آن واحد وذلك ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء PageV08P134 # وقد ذكر ابن سينا أن هذه الطريقة التي سلكها في إثبات واجب الوجود ~~ولوازمه هي غير طريقة سلفه الفلاسفة بل هي طريقة محدثة وهذا مما يبين أنه ~~ركبها مما أخذه عن المعتزلة ونحوهم من متكلمة الإسلام ومن أصول سلفه ~~الفلاسفة والذي أخذه عن متكلمة الأسلام أقرب إلى الحق مما أخذه عن سلفه في ~~ذلك لأنه أخذ عنهم أن تخصيص أحد الشيئين المتماثلين المحدثين دون الآخر لا ~~بد له من مخصص وهذا حق # فأخذ من ذلك أن تخصيص الممكن بالوجود لا بد له من موجب وهذا حق لكن قد ~~ينازعونه في أن الممكن هل يمكن أن يكون قديما أم لا فإنهم وعامة العقلاء ~~يقولون الممكن لا يكون إلا محدثا وهو وسلفه يسلمون لهم ذلك # وأيضا فإن أبا الحسين وأمثاله يقولون الموجود على طريق الجواز ليس ~~بالوجود أولى منه بالعدم لولا الفاعل ويقولون إنه يستحيل أن يوجد القديم ~~بالفاعل لأن المعقول من الفاعل هو المحضل للشيء عن عدم وليس للقديم حال عدمية # ولهذا يقولون إن وجود القديم واجب وليس بأن يجب وجوده في حال أولى من حال ~~فصح أنه واجب الوجود في كل حال فاستحال عدمه PageV08P135 # وضم ابن سينا وأتباعه إلى ذلك أن الممكن لا يكون معدوما إلا بسبب وهذا ~~مما نازعه فيه الجمهور حتى إخوانه الفلاسفة نازعوه في ذلك # وهذا الذي ذكرته من أن ابن سينا أخذ هذه الطريق عن المتكلمين رأيته بعد ~~ذلك قد ذكره ابن رشد الحفيد ذكر في كتابه الذي سماه تهافت التهافت فإن أبا ~~حامد الغزالي ذكر ms1583 في كتابه المسمى بتهافت الفلاسفة مسألة في بيان عجز ~~الفلاسفة عن الاستدلال على وجود الصانع للعالم # قال فنقول الناس فرقتان فرقة أهل الحق وقد رأوا أن العالم حادث وعلموا ~~ضرورة أن الحادث لا يوجد بنفسه فافتقر إلى صانع فعقل مذهبهم في القول ~~بالصانع وفرقة أخرى هم الدهرية وقد رأوا العالم قديما ثم كما هو عليه ولم ~~يثبتوا صانعه ومعتقدهم مفهوم وإن كان الدليل يدل على بطلانه PageV08P136 # فأما الفلاسفة فقد رأوا العالم قديما ثم أثبتوا مع ذلك له صانعا # قال وهذا المذهب بوضعه متناقض لا يحتاج إلى إبطال # قال ابن رشد الحفيد بل مذهب الفلاسفة مفهوم في الشاهد أكثر من المذهبين ~~جميعا وذلك أن الفاعل قد يلفى صنفين صنف يصدر منه مفعول يتعلق به فعله في ~~حال كونه وهذا إذا تم كونه استغنى عن الفاعل كوجود البيت عن البناء والصنف ~~الثاني إنما يصدر عنه فعل فقط يتعلق بمفعول لا وجود لذلك المفعول إلا بتعلق ~~الفعل به وهذا الفاعل يخصه أن فعله مساوق لوجود ذلك المفعول أعني أنه إذا ~~عدم ذلك الفعل عدم المفعول وإذا وجد ذلك الفعل وجد المفعول أي هما معا وهذا ~~الفاعل أشرف PageV08P137 ~~وأدخل في باب الفاعلية من الأول لأنه يوجد مفعوله ويحفظه والفاعل الآخر ~~يوجد مفعوله ويحتاج إلى فاعل آخر يحفظه بعد الإيجاد وهذه حال المحرك مع ~~الحركة والأشياء التي وجودها إنما هو في الحركة والفلاسفة لما كانوا ~~يعتقدون أن الحركة فعل الفاعل وأن العالم لا يتم وجوده إلا بالحركة قالوا ~~إن الفاعل للحركة هو الفاعل للعالم وأنه لو كف فعله طرفة عين عن التحريك ~~لبطل العالم فعملوا قياسهم هكذا العالم فعل أو شيء وجوده تابع لفعل وكل فعل ~~لا بد له من فاعل موجود بوجوده فأنتجوا من ذلك أن العالم له فاعل موجود ~~بوجوده فمن لزم عنده أن يكون الفعل الصادر عن فاعل العالم حادثا قال العالم ~~حادث عن فاعل لم يزل قديما وفعله قديم أي لا أول له ولا آخر لا أنه موجود ~~قديم بذاته كما ms1584 تخيل لمن يصفه بالقدم # قلت ولقائل أن يقول هذا الذي ذكره ابن رشد عن الفلاسفة أراد به تقرير ~~طريقة أرسطو وأتباعه الذين استدلوا بالحركة على وجود المحرك الذي لا يزال ~~محركا غير متحرك ويسمونه الأول PageV08P138 # وهو الواجب الوجود عند ابن سينا وأتباعه # وأما من قبل ابن سينا من الفلاسفة فلا يخصونه بواجب الوجود إذ كل قديم ~~فهو عندهم واجب الوجود فلا يخصه بواجب الوجود إلا من يقول لا قديم إلا هو ~~وليس هذا قول أرسطو وأتباعه وإن كان هو مذهب جماهير العقلاء من أهل الملل وغيرهم # وكلام أرسطو وأتباعه باطل من وجوه أحدها أن هؤلاء لم يجعلوا الأول فاعلا ~~للحركة الفلكية إلا من حيث هو محبوب معشوق يتشبه به الفلك لا من حيث هو ~~مبدع محدث للحركة ومعلوم أن المحبوب المتحرك إليه غيره بالمحبة له والشوق ~~لا سيما إذا كان محبا للتشبه به لا لذاته كما يتشبه المأموم بإمامه لا يكون ~~هو المبدع المحدث للحركة بمجرد ذلك وإنما يكون علة غائية لا علة فاعلية فلم ~~يثبتوا الواجب الوجود بنفسه فاعلا لشيء من الحوادث كما قد بسط في موضعه # وأرسطو وأتباعه معترفون بأن الأول عندهم لا يفعل شيئا ولا يعلم شيئا ولا ~~يريد شيئا # الوجه الثاني أنه بتقدير أن يثبتوه محدثا مبدعا للحركة التي لا قوام PageV08P139 ~~للفلك والعالم إلا بها كما قد يدعي ذلك ابن رشد وأمثاله فإنما يكون فاعلا ~~لما هو شرط في وجود العالم لا يكون فاعلا لنفس جواهر العالم وسائر أعراضه ~~بل هو فاعل لعرض واحد من أعراضه وهي الحركة التي زعموا أنه لا قوام له ~~بدونها وهذا من أبعد الأشياء عن كونه مبدعا للعالم لا سيما إذا جعلوا فعله ~~للحركة من جهة كونه محبوبا فهو بمنزلة كون كل محبوب يبدع المحب الذي لا ~~يقوم بدون تلك المحبة بل بمنزلة كون الإمام المقتدى به مبدعا للمؤتم به من ~~جهة كونه يحتاج إلى الائتمام به # ومعلوم أن هذا لا يقوله عاقل بل هذا يتضمن أن واجب الوجود كالفلك عند ms1585 ~~أرسطو وأتباعه يفتقر إلى شيء بائن عنه وذلك يدل على فساد قولهم فما قاله ~~أرسطو وأتباعه من الحق يدل على فساد قول المتأخرين وما قاله المتأخرون من ~~الحق في الواجب يدل على فساد قول أرسطو وأتباعه # الوجه الثالث أن كون العالم لا يمكن وجوده بدون الحركة أمر لا دليل عليه ~~بل هو باطل وأقصى ما يمكن أن يقال يمكن وجوده لكن يكون ناقصا ومعلوم أن هذا ~~حال سائر المخلوقات التي لها صفات كمال إذا عدم بعض صفاتها إنما يلزم نقصها ~~لا يلزم عدمها PageV08P140 # الوجه الرابع أنه ادعى أن هذا الفاعل أشرف من الفاعل الذي فعل البناء ونحوه # فيقال إن ادعيت أن ما يفعل حركة في غيره أشرف مما يفعل التأليف القائم به ~~فهذا غير مسلم لا سيما إذا كان فعل ذلك بجهة كونه محبوبا أو مؤتما به وهذا ~~مبدع لنفس التأليف القائم بغيره ومعلوم أن حاجة المؤلف إلى التأليف القائم ~~به اعظم من حاجة المتحرك إلى الحركة القائمة به وان تغير ذات المؤلف إذا ~~انتقض تأليفه ابين من انتقاض ذلك المتحرك إذا زالت حركته فإذا جعلتم فاعل ~~الحركة فاعلا ففاعل التأليف اولى أن يكون فاعلا وهذا امر مشهود ليس من جمع ~~الأجزاء المتفرقه وجعلها شيئا واحدا كمن حرك الشيء الساكن لاسيما إذا كان ~~تحريكه كتحريك الخبز للجائع والماء للعطشان والمرأة للرجل والرجل للمرأة ~~فكيف إذا كان كتحريك الأمام للمؤتم به # وان قال أن ذلك الفاعل للحركة يفعلها دائما وفاعل التأليف لا يفعله إلا ~~حال إحداثه وهذا هو الوجه الذي قصده # فيقال له ليس في الشاهد امر يفعل الحركة التي لا قوام للمتحرك إلا بها ~~دائما فقولك أن مذهب الفلاسفة مفهوم في الشاهد اكثر من PageV08P141 ~~المذهبين وذلك أن الفاعل قد يصدر منه مفعول يتعلق به فعله في حال كونه وقد ~~يصدر عنه فعل يتعلق بمفعول لا وجود لذلك المفعول إلا بتعلق الفعل به وهذا ~~الفاعل يخصه أن فعله مساوق لوجود ذلك المفعول وهذه حال المحرك مع الحركة ~~والأشياء التي وجودها إنما ms1586 هو في الحركة # فيقال لك ليس فيما نشاهده شيء من هذا الصنف الثاني وانما الفاعل المشاهد ~~هو من النمط الأول # وان قلت أن النفس تحرك البدن بهذا الاعتبار # فيقال لك كون النفس وحدها هي المحركة للبدن دون أن يكون هناك سبب للحركة ~~امر لو كان حقا لم يكن من المشاهدات # وأيضا فالنفس لا يقول عاقل انها هي الفاعله للبدن # وأيضا فكل من النفس والبدن شرط في حركة الآخر # الوجه الخامس أن يقال نحن نسلم أن الفاعل الذي الذي يفتقر اليه المفعول ~~دائما اكمل ممن لا يفتقر اليه إلا حال حدوثه لكن إذا قيل أن المخلوقات ~~مفتقرة إلى الخالق دائما كان هذا قولا صحيحا وليس هذا نظير ما ذكرته من ~~الصنفين بل لو قيل أنه يفعل تأليف العالم دائما وان تأليفه لا يقوم إلا به ~~كان هذا خيرا من قول سلفك انه يفعل حركة العالم دائما لو كانوا قائلين بذلك ~~فكيف وحقيقة قولهم انه لا يفعل شيئا PageV08P142 # فأنت لو جعلته من الصنف الأول من الفاعلين الذين يفعلون تأليف المؤلفات ~~كان خيرا من أن تجعله فاعلا للحركات لكن الفاعل الدائم للفعل الذي يحتاج ~~إليه المفعول دائما أكمل ممن لا يفتقر إليه المفعول إلا في حال حدوثه فإذا ~~جعلته فاعلا للتأليف وهو محتاج إليه دائما كان خيرا من أن تجعله فاعلا ~~للحركة فكيف ولم تجعلوه فاعلا إلا من جهة كونه متشبها به فقط # السادس أن يقال العالم ليس فيه مخلوق يشهد انه فاعل لشيء منفصل عنه من كل ~~وجه لا عين ولا صفه فإن فاعل التأليف في غيره كالبناء والخياط والكاتب ~~ونحوهم غاية فعله تأليف تلك الأجسام مع أن كثيرا من متكلمة الاثبات ~~كالأشعري ومن وافقه يقولون ليس فعله إلا ما قام به في محل قدرته وما خرج ~~عنه ليس فعله # والقائلون بالتولد يقولون بل ذلك التأليف فعله والقول الوسط أن التأليف ~~حادث بسبب فعله القائم به وبسبب ما في الأجزاء المؤلفة من قبول التأليف ~~وحفظه ولهذا لم تكن الأجزاء محتاجة إلى الإنسان ms1587 المحدث لتأليفها بعد ~~التأليف لأنها تمسك التأليف بما فيها من اليبس PageV08P143 ~~والقوة التي جعلها الله فيها وتلك لا حاجة إليه فيها فالذي احتيج إليه إنما ~~هو مجرد فعله القائم به فقط # وأما مبدع العالم فهو المبدع لأعيانه وأعراضه وحركاته فليس له نظير إذ هو ~~سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله # وأما ما ذكره هو من إثبات مخلوق محدث لحركة تقوم بغيره لا يقوم إلا بها ~~والمخلوق يحدثها دائما فليس هذا بمشاهد في الفاعلين والمثل الذي ضربه لقوله ~~قولهم وإن لم يكن مطابقا وليس في المشاهدات ما يكون فعله كفعل الرب تعالى ~~ولا فعل كفعله فقولهم أقرب من قوله لأنه موجود في العالم وهو أقرب إلى ~~الفاعل المطلق # فقوله إن الفاعل الذي يوجد مفعوله ويحفظه أشرف وأدخل في باب الفاعلية من ~~الفاعل الذي يوجد مفعوله ويحتاج إلى فاعل آخر يحفظه بعد الإيجاد كلام صحيح ~~لكن ليس هو مطابقا لقول إخوانه الفلاسفة فإنهم لم يثبتوا أنه فاعل لجواهر ~~العالم ولأعراضه بل غاية ما جعلوه فاعلا للحركة ثم لم يجعلوه فاعلا لها إلا ~~من جهة كونه PageV08P144 ~~علة غائية لكون الفلك يقصد التشبه به وهذا القدر لا يوجب أن يكون هو الفاعل # وأما أولئك فأثبتوا أنه فاعل لجواهر العالم ثم من قال من المتكلمين ~~المعتزلة ونحوهم أن المحدثات لا تحتاج إلى الفاعل المحدث إلا في حال الحدوث ~~لا في حال البقاء فقوله مع فساده أرجح من قول الفلاسفة لكونهم أثبتوا فاعلا حقيقة # فأما قول أهل السنة وجماهير أهل الملة الذين يقولون أن المخلوقات محتاجة ~~إلى الخالق في حال الحدوث وحال البقاء فهذا أكمل من قولهم من كل وجه واذا ~~ضم إلى ذلك انه إلههم الذي يعبدونه يحبونه وأنه لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا تبين ذلك أن العالم محتاج اليه من جهة كونه ربا فاعلا ومن جهة كونه ~~إلها محبوبا معبودا # وفي هذا من التفاضل بينه وبين قول سلفه الفلاسفة ما لا يخفي على أضعف ~~الناس ms1588 نظرا PageV08P145 # قال الغزالي فإن قيل نحن إذا قلنا للعالم صانع لم نرد به فاعلا مختارا ~~يفعل بعد أن لم يكن يفعل كما يشاهد في أصناف الفاعلين من الخياط والنساج ~~والبناء بل نعني به علة العالم ونسميه المبدأ الأول على معنى أنه لا علة ~~لوجوده وهو علة لوجود غيره فإن سميناه صانعا فبهذا التأويل وثبوت موجود لا ~~علة لوجوده يقوم عليه البرهان القطعي على قرب فإنا نقول العالم موجود ~~والموجود إما أن يكون له علة واما أن يكون لا علة له فإن كان له علة فتلك ~~العلة لها علة ام لا علة لها # وهكذا القول في علة العلة فإما أن تتسلسل إلى غير نهاية وهو محال واما أن ~~تنتهي بالاخر إلى علة اولى لا علة لوجودها فنسميه المبدأ الأول PageV08P146 # وان كان العالم موجودا بنفسه لا علة له فقد ظهر المبدأ الأول فإنا نعن به ~~إلا موجودا لا علة له هو ثابت بالضرورة # نعم لا يجوز أن يكون المبدأ الأول هو السموات لأنها عدد ودليل التوحيد ~~يمنعه فيعرف بطلانه بنظر في صفة المبدأ ولا يجوز أن يقال انه سماء واحد أو ~~جسم واحد أو شمس أو غيره لانه جسم والجسم مركب من الهيولي والصورة والمبدأ ~~الأول لا يجوز أن يكون مركبا وذلك يعرف بنظر ثان # والمقصود أن موجودا لا علة لوجوده ثابت بالضرورة والاتفاق وانما الخلاف ~~في الصفات وهو الذي نعنيه بالمبدأ الأول # قال الغزالي والجواب من وجهين أحدهما انه يلزم على مساق مذهبكم أن تكون ~~اجسام العالم قديمة لذلك لا علة لها وقولكم أن بطلان ذلك يعلم بنظر ثان ~~فيبطل ذلك عليكم في PageV08P147 ~~مسألة التوحيد ونفي الصفات بعد هذه المسألة # الوجه الثاني وهو الخاص بهذه المسألة هو أن يقال نثبت تقديرا أن هذه ~~الموجودات لها علة ولكن لعلتها علة ولعلبه العلة علة كذلك وهكذا إلى غير نهاية # وقولكم انه يستحيل إثبات علل لا نهاية لها لا يستقيم منكم فإنا نقول ~~عرفتم ذلك ضرورة بغير واسطة أو عرفتموه بواسطة لا سبيل إلى ms1589 دعوى الضرورة ~~وكل مسلك ذكرتموه في النظر يبطل عليكم بتجويز حوادث لا أول لها واذا جاز أن ~~يدخل في الوجود مالا نهاية له فلم يبعد أن يكون بعضها علة لبعض وينتهي من ~~الطرف الآخر إلى معلول لا معلول له ولا ينتهي في الجانب الآخر إلى علة لا ~~علة لها كما أن الزمان PageV08P148 # السابق له آخر وهو الان ولا أول له # فإن زعمتم أن الحوادث الماضية ليست موجودة معا في الحال ولا في بعض ~~الاحوال والمعدوم لا يوصف بالتناهي وعدم التناهي فيلزمكم النفوس البشرية ~~المفارقة للأبدان فإنها لا تفنى عندكم والموجود المفارق للبدن من النفوس لا ~~نهاية لأعدادها إذ لم تزل نطفة من انسان وانسان من نطفة إلى غير نهاية ثم ~~كل انسان مات فقد بقى نفسه وهو بالعدد غير نفس من مات قبله ومعه وبعده وان ~~كان الكل بالنوع واحدا فعندكم في الوجود في كل حال نفوس لا نهاية لأعدادها # قال فإن قيل ليس لبعضها ارتباط ببعض ولا ترتيب لها لا بالطبع ولا بالوضع ~~وانما نحيل نحن موجودات لا نهاية لها إذا كان لها ترتيب بالطبع كالاجسام ~~فإنا مرتبة بعضها فوق PageV08P149 ~~بعض أو كان لها ترتيب بالطبع كالعلل والمعلولات وأما النفوس فليست كذلك # قلنا هذا تحكم في الوضع ليس طرده أولى من عكسه فلم احلتم أحد القسمين دون ~~الآخر وما البرهان المفرق # وبم تنكرون على من يقول أن هذه النفوس التي لا نهاية لها لا تخلو عن ~~ترتيب إذ وجود بعضها قبل البعض فإن الايام والليالي الماضية لا نهاية لها ~~فإذا قدرنا وجود نفس واحدة في كل يوم وليلة كان الحاصل في الوجود الان ~~خارجا عن النهاية واقعا على ترتيب في الوجود أي بعضها بعد البعض # والعلة غايتها أن يقال انها قبل المعلول بالطبع كما يقال انها فوق ~~المعلول بالذات لا بالمكان فإذا لم يستحل ذلك في القبل الحقيقي الزماني ~~فينبغي أن لا يستحيل في القبل الذاتي الطبيعي وما بالهم لم يجوزوا اجساما ~~بعضها فوق بعض بالمكان إلى غير نهاية ms1590 وجوزوا موجودات بعضها قبل البعض ~~بالزمان إلى غير النهاية وهل هذا إلا تحكم بارد لا أصل له PageV08P150 # قال فإن قيل البرهان القاطع على استحالة علل إلى غير النهاية أن يقال كل ~~واحدة من آحاد العلل ممكنة في نفسها أو واجبة فإن كانت واجبة لم تفتقر إلى ~~علة وان كانت ممكنة فالكل موصوف بالإمكان وكل ممكن فيفتقر إلى علة زائدة ~~على ذاته فيفتقر الكل إلى علة زائدة على ذاته فيفتقر الكل إلى علة خارجة عنها # قلنا لفظ الممكن والواجب لفظ مبهم إلا أن يراد بالواجب ما لا علة لوجوده ~~ويراد بالممكن ما لوجوده علة فإن كان المراد هذا فلنرجع إلى هذه اللفظة ~~ونقول كل واحد ممكن على معنى أن له علة زائدة على ذاته والكل ليس بممكن على ~~معنى انه ليس له علة زائدة على ذاته خارجة منه وان أريد بلفظ الممكن غير ما ~~أردناه فهو ليس بمفهوم PageV08P151 ~~قال فإن قيل فهذا يؤدي إلى أن يتقوم واجب الوجود بممكنات الوجود وهو محال # قلنا أن أردتم بالواجب والممكن ما ذكرناه فهو نفس المطلوب فلا نسلم انه ~~محال وهو كقول القائل يستحيل أن يتقوم القديم بالحوادث والزمان عندهم قديم ~~وآحاد الذوات حادثة وهي ذات أوائل والمجموع لا أول له فقد تقوم مالا أول له ~~بذوات أوائل وصدق ذوات أوائل على الآحاد ولم يصدق على المجموع # وكذلك يقال على كل واحد أن له علة ولا يقال للمجموع علة وليس كل ما صدق ~~على الآحاد يلزم أن يصدق على المجموع إذا يصدق على كل واحد انه واحد وأنه ~~بعض وأنه PageV08P152 ~~جزء ولا يصدق على المجموع وكل واحد حادث بعد أن لم يكن أي له أول والجموع ~~عندهم ما ليس له أول # فتبين أن من يجوز حوادث لا أول لها وهي صور العناصر الاربعة والمتغيرات ~~فلا يتمكن من انكار علل لا نهاية لها ويخرج من هذا انه لا سبيل لهم إلى ~~الوصول إلى إثبات المبدأ الأول لهذا الاشكال وخرج قولهم إلى التحكم المحض # فإن قيل الدورات ms1591 ليست موجودة في الحال ولا صور العناصر وانما الموجود ~~منها صورة واحدة بالفعل ومالا وجود له لا يوصل بالتناهي وعدم التناهي إلا ~~إذا قدر في الوهم وجودها ولا يتعذر ما يقدر في الوهم فإن كانت المقدرات ~~بعضها علل لبعض فالإنسان قد يفرض ذلك في وهمه وانما الكلام في الموجود في ~~الاعيان لا في الاذهان لا يبقى إلا نفوس الاموات وقد ذهب PageV08P153 ~~بعض الفلاسفة إلى انها كانت واحدة أزلية قبل التعلق بالابدان وعند مفارقة ~~الابدان تتحد فلا يكون فيه عدد فضلا عن أن يوصف بأنه لا نهاية لها وقال ~~آخرون النفس تابع للمزاج وانما معنى الموت عدمها ولا قوام لها بجوهرها دون ~~الجسم فإذن لا وجود في النفوس إلا في الاحياء والاحياء الموجودن محصورون ~~ولا تنتهي النهاية عنهم والمعدومون لا يوصفون اصلا بوجود النهاية ولا ~~بعدمها إلا في الوهم إذا فرضوا موجودين # قال والجواب أن هذا الاشكال في النفوس اوردناه على ابن سينا والفاربي ~~والمحققين منهم إذا حكموا بأن النفس جوهر قائم بنفسه وهو اختيار أرسطاليس ~~والمعتبرين من الاوائل ومن عدل PageV08P154 # عن هذا المسلك فيقول هل يتصور أن يحدث شيء يبقى ام لا فإن قالوا لا فهو ~~محال وان قالوا نعم قلنا إذا قدرنا كل يوم حدوث شيء وبقاءه اجتمع إلى الان ~~لا محالة موجودات لا نهاية لها فالدورة وان كانت منقضية فحصول موجود فيها ~~يبقى ولا ينقضى غير مستحيل وبهذا التقدير يتقرر الاشكال ولا غرض في أن يكون ~~ذلك الباقي نفس آدمي أو جني أو شيطان أو ملك أو ما شئت من الموجودات وهو ~~لازم على كل مذهب لهم إذا اثبتوا دورات لا نهاية لها # قلت أبو حامد جعل الطريقة الصحيحة في إثبات الصانع الاستدلال بالحدوث على ~~المحدث وقال آنا نعلم بالضرورة أن الحادث لا يوجد بنفسه فافتقر إلى صانع ~~وهذا موافق لما ذكره حذاق آهل النظر بخلاف ما ذهب أليه من ذهب من المعتزلة ~~ومن وافقهم كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي وغيرهما ممن جعل هذه المقدمة نظرية PageV08P155 # وأخذ أبو ms1592 حامد يطعن على طريقة ابن سينا وامثاله في إثبات واجب الوجود بوجهين # أحدهما أن غاية هذه الطريقة إثبات موجود واجب ولكن لا يمكن نفي كونه جسما ~~من الأجسام إلا بطريقهم في التوحيد الذي مضمونه نفي الصفات وتلك مبانها على ~~نفي التركيب وقد بين أبو حامد فساد كلامهم في هذا # وهذا الوجه الذي ذكره أبو حامد أحسن فيه وكنت قد كتبت على توحيد الفلاسفة ~~ونفيهم الصفات كلاما بينت فيه فساد كلامهم في طريقة التركيب قبل أن أقف على ~~كلام أبي حامد ثم رأيت أبا حامد قد تكلم بما يوافق ذلك الذي كتبته # ومن هنا يعلم أن ابن سينا لا يمكنه بهذه الطريقة افساد مذهب الفلاسفة ~~الطبيعيين الذين يقولون بأن الفلك واجب الوجود بنفسه وان كان يمكن افساد ~~قولهم بطرق أخرى # ولهذا ظن كثير من المتأخرين أن ابن سينا موافق للدهرية PageV08P156 # المحضة الذين يقولون أن العالم واجب الوجود بذاته وسيأتي ذكر ذلك أن شاء ~~الله تعالى # الوجه الثاني الذي أبطل به أبو حامد طريقهم انها مبنية على ابطال علل ~~ومعلولات لا نهاية لها وقد ألزمهم انهم لا يمكنهم ابطال ذلك مع قولهم بثبوت ~~حوادث لا تتناهى كما قد ذكره # وابن سينا والرازي والآمدي إنما اثبتوا واجب الوجود بناءا على هذه ~~المقدمة فكان ما ذكره أبو حامد ابطالا لطريق هؤلاء كلهم والآمدي وافق أبا ~~حامد على ضعف الحجة في نفي النهاية عن العلل فلا جرم لم يقرر في كلامه ~~إثبات واجب الوجود بل قرره في كتاب الافكار بطريق افسدها في كتاب رموز ~~الكنوز وقد بينا بطلان اعتراضه في غير هذا الموضع # وليس فيما ذكره أبو حامد والامدي ابطال لطريقة المعتزلة ومن وافقهم على ~~أن تخصيص الحدوث بأحد الزمانين لا بد له من مخصص فإن تلك لا تفتقر إلى ~~ابطال التسلسل في العلل والمعلولات # ومدار كلام أبي حامد على أنه لا فرق بين نفي النهاية في الحوادث ونفيها ~~في العلل وأنتم تجوزونها في الحوادث فجوزوها في العلل # والناس لهم في هذا المقام قولان أحدها ms1593 قول من يبطل عدم PageV08P157 ~~النهاية فيهما جميعا مثل كثير من أهل الكلام المعتزلة ومن وافقهم ثم من ~~هؤلاء من يبطل عدم النهاية في الأزل والابد كقول جهم العلاف وأكثرهم ~~يبطلونها في الأزل دون الابد لأن من دين المسلمين دوام نعيم الجنة لا إلى ~~نهاية ولهذا قال جهم بانقاطع نعيم الجنة وقال العلاف ببطلان حركاتهم # والثاني قول من يبطل عدم النهاية في الفاعلين والعلل دون الحوادث والاثار ~~كما هو قول جمهور الفلاسفة من القائلين بحدوث العالم والقائلين بقدمه وهو ~~قول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والاشعرية وهو قول جمهور أهل الحديث ~~وأئمة السنة # وما ذكره أبو حامد من الكلام على بطلان حجة من ينفي عدم النهاية وهو انه ~~لا يلزم أن ما صدق على الآحاد صدق على الجميع كما قاله هؤلاء في الحوادث ~~بخلاف ما قاله أبو الحسين البصري وغيره من أهل الكلام من أنه ما صدق على ~~الآحاد صدق على الجميع ثم سوى أبو حامد بين الامرين # وقد تكلمنا في غير هذا الموضع على الفرق بين الامرين وهو أن الوصف إذا ~~ثبت للجميع كثبوته للأفراد كان حكم الجميع حكم أفراده وان لم يكن ثبوته ~~للجميع كثبوته للأفراد لم يلزم أن يكون PageV08P158 ~~حكمها حكمه فالأول مثل وصفها بالوجود أو العدم أو الوجوب أو الإمكان أو ~~الامتناع فإذا قدر اشياء لا تتناهى كل منها موجود فالكل ايضا موجود # ثم أن قدر وجود كل منها مقارنا للاخر كان وجود الجميع مقارنا وان قدر ~~وجودها متعاقبة كان وجود الجملة متعاقبا واذا قدرت كل منها معدوما فالكل ~~ايضا معدوم واذا قدرت عدم كل منها مع عدم الآخر كانت معدومه معا واذا قدرت ~~عدم كل منها بعد الآخر كانت متعاقبة في العدم # فالحوادث المتعاقبة التي تعدم بعد وجودها كالحركات وجودها متعاقب وعدمها ~~متعاقب فالجملة ايضا موجودة على التعاقب معدومة على التعاقب واذا قدر اشياء ~~لا تتناهى ممتنعة فالجملة ممتنعة ولو قدر اشياء لا تتناهى واجبة فالجملة ~~ايضا واجبة فكذلك إذا قدر امور لا تتناهى ليس ms1594 لشيء منها وجود من نفسه بل كل ~~منها مفتقر إلى غيره فوصف الافتقار والحاجة والامكان يجب تناوله للجملة ~~كتناوله لكل من أفرادها كما يتناول وصف الوجود والعدم والوجوب والامتناع ~~للجملة بحسب تناوله للافراد فلا تكون الجملة إلا مفتقرة محتاجة ممكنة لا ~~تكون معدومة مع وجود كل منها PageV08P159 # ولا تكون واجبة بنفسها مع إمكان كل منها فإن اجتماعها عرض مفتقر إلى ~~الممكنات فهو أولى بالإمكان منها # ولو قال قائل فكيف تصفونها بالامتناع مع كون كل منها ممكنا أليس في هذا ~~وصف بالامتناع للجملة دون الأفراد # قيل له نحن لا نقدر وجود علل ومعلولات لا تتناهى في الخارج ثم نحكم عليها ~~بالامتناع فإن هذا جمع بين النقيضين فإن كونها موجودة في الخارج ينافي ~~امتناعها ولكن نقدر ذلك في الذهن ثم نحكم على هذا المقدر في الذهن بامتناعه ~~في الخارج كالجمع بين النقيضين وأمثاله من الممتنعات بخلاف ما إذا قدر ~~وجودها في الخارج وكل منها ممكن # وقيل أن الجملة واجبة بنفسها فهذا هو الممتنع كما أو وصفها مع ذلك ~~بالامتناع ممتنع وتقديرها في الذهن لا يكفي في وجود الممكنات لأن الممكن لا ~~يوجد إلا بما هو موجود في الخارج لا مقدر في الذهن وهذا بخلاف ما إذا قدر ~~أشياء لا تتناهى كل منها بعد الآخر لم يلزم أن تكون الجملة بعد غيرها ~~كالحوادث المستقبلة في الجنة فإن كلا منها بعد غيره وليست الجملة بعد غيرها ~~بل لا تزال PageV08P160 # إلى غير نهاية وهذا لأن تقديرها غير متناهية يستلزم أن لا يكون بعدها شيء # فحينئذ إذا قيل بعد كل واحد غيره كان التقدير أن الجملة ليس لها بعد ولكل ~~واحد من أجزائها بعد # ومعلوم أن مثل هذا حكم الجملة فيه ليس حكم الأفراد وكذلك إذا قدر انه لا ~~أول للجملة ولكل منها أول # وكذلك إذا قيل أن الجملة كل وجميع مجموع أو مستدير أو مربع أو مثلث أو ~~حيوان أو انسان لم يلزم أن يكون كل من أجزائها كلا ولا مدورا ولا حيوانا # ولكن الذي ms1595 يبين فساد مذهب هؤلاء الفلاسفة أن يقال قد علم بصريح العقل ~~واتفاق العقلاء امتناع التسلسل في العلل واما وجود حوادث لا تتناهى فلا ~~ننازعهم فيه مطلقا إذ كان أئمة السنة يقولون بذلك في أفعال الرب وأقواله # لكن تبين خطؤهم من وجوه # أحدها أن قولهم يتضمن وجود حوادث لا تتناهى في آن واحد وهذا محال ~~باتفاقهم مع جماهير العقلاء بل يتضمن وجود تمام علل PageV08P161 ~~ومعلولات لا تتناهى في آن واحد ووجود ممكنات لا تتناهى في آن واحد وهذا مما ~~يصرحون بامتناعه مع قيام الدليل على امتناعه ويتضمن امتناع وجود حادث ووجود ~~الحوادث بلا مؤثر تام وكل هذا ممتنع # وذلك أن أصلهم أن المعلول يجب مقارنته لعلته التامة في الزمان لا يتعقبها ~~ولا يتراخى عنها فيكون الاثر مع التأثير التام # وكثير من المتكلمين يقولون يجوز أن يتراخى والصحيح قول ثالث وهو أن ~~يتعقبه لا يكون معه ولا متراخيا عنه وذلك يستلزم حدوث كل ما سوى الله تعالى # وأما على قولهم فيلزم أن لا يحدث شيء في الوجود بل يكون كل ممكن قديما ~~أزليا لوجود علته التامة في الأزل ويلزم أن لا يحدث شيء لامتناع حدوث ~~الحادث بدون سبب حادث والاول يمتنع عندهم أن يحدث عنه شيء ويلزم انه كلما ~~حدث حادث حدثت حوادث لا نهاية لها فإنهم يقولون لا يحدث حادث حتى تحدث تمام علته # فيقال وذلك التمام حادث فيحتاج أن يحدث معه تمام علته وهلم جرا فيلزم ~~وجود تمام علل ومعلولات لا تتناهى في آن واحد وهذا ممتنع كامتناع علل ~~ومعلولات لا تتناهى في آن واحد إذ لا فرق بين امتناع التسلسل في ذات العلة ~~وفي تمامها إذ كانت لا تصير علة بالفعل إلا إذا كانت تامة PageV08P162 # ولهذا قالوا لا يحدث حادث إلا بسبب حادث فلو حدث عن القديم حادث لافتقر ~~إلى حادث والقول في الثاني كالقول في الأول فيلزم أن لا يحدث شيء # وهذا بعينه يلزمهم في كل حادث فإنه لا يحدث حتى يحدث حادث هو تمام مؤثره ~~وذلك الحادث ms1596 لا يحدث حتى يحدث حادث معه فيلزم أن لا يحدث شيء # فالمتكلمون قالوا القادر يفعل بدون سبب حادث فقالوا هذا محال وقالوا تحدث ~~الحوادث كلها بدون سبب حادث ولا فاعل محدث لها فكان قولهم أشد بطلانا # الوجه الثاني أن وجود حوادث لا أول لها إنما يمكن في القديم الواحد فإذل ~~قدر قديمان كل منهما تقوم به حوادث لا تتناهى كما يقولونه في الافلاك فهذا ~~ممتنع لأن كلا منهما لا بداية لحركاته ولا نهاية مع أن أحدهما أكثر من ~~الآخر وما كان أكثر من غيره كان ما دونه أقل منه فيلزم أن يكون مالا أول له ~~ولا آخر يقبل أن يزاد عليه ويكون شيء آخر أكثر منه وهذا ممتنع كما امتنع ~~مثل ذلك في الابعاد # الثالث أن قولهم يقتضي أن يكون فعل الفاعل مقارنا له أزلا وأبدا وأن يكون ~~القديم الازلي مفعولا ممكنا يقبل الوجود والعدم وهذا مما يعلم فساده بصريح ~~العقل واتفاق العقلاء # وقد أورد ابن رشد على أبي حامد في هذا كلاما بعضه من باب PageV08P163 ~~الاسولة اللفظية وبعضه من باب الاسولة المعنوية فقال عن الدليل الذي ذكره ~~لهم في إثبات العلة الأولى هذا كلام مقنع غير صحيح فإن اسم العلة يقال ~~باشتراك الاسم على العلل الاربع اعني الفاعل والصورة والهيولي والغاية ~~وكذلك لو كان هذا جواب الفلاسفة لكان جوابا مختلا فإنهم كانوا يسألون عن أي ~~علة ارادوا بقولهم أن العالم له علة اولى فإن قالوا أردنا بذلك السبب ~~الفاعل الذي فعله لم يزل ولا يزال ومفعوله هو فعله لكان جوابا صحيحا على ~~مذهبهم على ما قلناه غير معترض عليه ولو قالوا أردنا به السبب المادي لكان ~~قولهم معترضا # وكذلك لو قالوا أردنا به السبب الصوري لكان معترضا أن فرضوا صورة العالم ~~قائمة به # وان قالوا أردنا به صورة مقارنة للمادة جرى قولهم على مذهبهم PageV08P164 # وان قالوا صورة هيولانية لم يكن المبدأ عندهم شيئا غير جسم من الأجسام ~~وهذا لا يقولون به # وكذلك أن قالوا هو سبب على طريق الغاية ms1597 كان جاريا أيضا على أصولهم # واذا كان هذا الكلام فيه من الاحتمال ما ترى فكيف يصح أن يجعل جوابا ~~للفلاسفة # وبسط الكلام بسطا لا يرد على أبي حامد فإنه قد علم انه اراد بالعلة هنا ~~العلة الفاعلة لا الأقسام الثلاثة وهم يسمون المبدأ الأول العلة الأولى ~~ويقولون كل ما سواه صادر عنه فالذي ذكره تقرير مذهبهم كما يقولون على أحسن ~~وجه فلا حاجة إلى مؤاخذة لفظية وهو كون العلة لفظا مشتركا فإن هذا من باب ~~الاعنات في الخطاب والخروج عن المقصود # والاستفسار مع ظهور المقصود نوع من اللدد في الكلام وأبغض الرجال إلى ~~الله الالد الخصم # ثم اعترض ابن رشد على الوجهين اللذين ذكرهما أبو حامد فقال على الوجه ~~الأول وانه يلزمهم على مساق مذهبهم أن يكون المبدع جسما قديما لا علة له ~~وأنهم لم يبطلوا ذلك إلا بقولهم في التوحيد ونفي الصفات وقد أبطله أبو حامد PageV08P165 # قال ابن رشد يريد انهم إذا لم يقدروا على نفي الصفات كان ذلك الأول عندهم ~~ذاتا بصفات وما كان على هذه الصفة فهو جسم أو قوة في جسم ولزمهم أن يكون ~~الأول الذي لا علة له الاجرام السماوية # قال ابن رشد وهذا القول لازم لمن يقول بالقول الذي حكاه عن الفلاسفة يعني ~~طريقة ابن سينا والفلاسفة يعني الاوائل لا يحتجون على وجود الأول الذي لا ~~علة له بما نسه اليهم من الاحتجاج ولا يزعمون ايضا انهم يعجزون عن دليل ~~التوحيد ولا عن دليل نفي الجسمية عن المبدأ الأول وستأتي هذه المسألة فيما بعد # قلت ابن رشد لما رأى ضعف الطريقة المنسوبة إلى الفلاسفة في كتب ابن سينا ~~في نفي الصفات ونفي التجسيم وانها ليست طريقة PageV08P166 # اوليهم بني نفي الصفات ونفي التجسيم تارة على إثبات النفس وانها ليست ~~بجسم واستدل بأضعف من دليلهم وتارة يستدل بطريقة كلامية لفظية وهي أن ~~المركب لا بد له من مركب والمؤلف لا بد له من مؤلف وهذا إنما يكون إذا اطلق ~~هذا اللفظ على مسماه باعتبار أن هناك ms1598 مؤلفا فعل التأليف ومركبا فعل التركيب # ومن لا يطلق هذا اللفظ بحال أو اراد به ما فيه اجتماع وقال أن ذلك واجب ~~بنفسه لم يكن مثل هذا الكلام حجة عليه وهذا مبسوط في موضعه # والمقصود تبين ما أخذه ابن سينا عن أسلافه وما أخذه عن المتكلمين وكيف ~~خلط أحدهما بالاخر # قال ابن رشد قول أبي حامد ولكن لعلتها علة ولعلة العلة علة وهكذا إلى غير ~~نهاية إلى قوله وكل مسلك ذكرتموه في النظر يبطل عليكم بتجويز دورات لا أول ~~لها شك تقدم الجواب عنه حين قلنا أن الفلاسفة لا تجوز عللا ومعلولات لا نهاية PageV08P167 # لها لأنه يؤدي إلى معلول لا علة له ويوجبونها بالعرض من قبل علة قديمة ~~لكن لا إذا كانت مستقيمة ومعا وفي مواد لا نهاية لها بل إذا كانت دورا # قال وأما ما يحكيه عن ابن سينا انه يجوز نفوسا لا نهاية لها وان ذلك إنما ~~يمتنع فيما له وضع فكلام غير صحيح ولا يقول به أحد من الفلاسفة وامتناعه ~~يظهر من البرهان العام الذي ذكرناه عنهم فلا يلزم الفلاسفة شيء مما ألزمهم ~~من قبل هذا الوضع أعنى القول بوجود نفوس لا نهاية لها بالفعل ومن أجل هذا ~~قال بالتناسخ من قال أن النفوس متعددة بتعدد الاشخاص وأنها باقية # قال وأما قوله وما بالهم لم يجوزوا أجساما بعضها فوق بعض بالمكان إلى غير ~~نهاية وجوزوا موجودات بعضها قبل بعض بالزمان إلى غير نهاية وهل هذا إلا ~~تحكم بارد # فإن الفرق بينهما عند الفلاسفة ظاهر جدا وذلك أن وضع PageV08P168 ~~الأجسام لا نهاية لها معا يلزم عنه أن يوجد لما لا نهاية له كل وان يكون ~~بالفعل وذلك مستحيل والزمان ليس بذي وضع فليس يلزم من وجود اجسام بعضها فوق ~~بعض إلى غير نهاية وجود مالا نهاية له بالفعل وهو الذي امتنع عندهم # ثم لما ذكر ابن رشد البرهان الذي حكاه أبو حامد عن الفلاسفة على استحالة ~~علل لا نهاية لها قال ابن رشد وهذا البرهان الذي حكاه عن ms1599 الفلاسفة أول من ~~نقله إلى الفلسفة ابن سينا على انها طريق خير من طريق القدماء لأنه زعم أنه ~~من جوهر الموجود وأن طرق القوم من اعراض تابعة للمبدأ الأول وهو طريق اخذه ~~ابن سينا من المتكلمين وذلك أن المتكلمين ترى أن المعلوم بنفسه أن الموجود ~~ينقسم إلى ممكن وضروري ووضعوا أن الممكن يجب أن يكون له فاعل وان العالم ~~بأسره لما كان ممكنا وجب أن يكون الفاعل له واجب الوجود وهذا هو اعتقاد ~~المعتزلة قبل الاشعرية وهو قول جيد ليس فيه كذب إلا ما وضعوا فيه من أن ~~العالم بأسره ممكن فإن هذا ليس معروفا بنفسه فأراد ابن سينا أن يعمم هذه PageV08P169 ~~القضية ويجعل المفهوم من الممكن ما له علة كما ذكر أبو حامد واذا سومح في ~~هذه القضية لم تنته به القسمة إلى ما أراد لأن قسمة الموجود اولا إلى ماله ~~علة إلى مالا علة له ليس معروفا بنفسه ثم ماله علة ينقسم إلى مم والى ضروري ~~فإن فهمنا منه الممكن الحقيقي افضى إلى ممكن ضروري ولم يفض إلى ضروري لا ~~علة له وان فهمنا من الممكن ماله علة وهو ضروري لم يلزم عن ذلك إلا أن ماله ~~علة فله علة وامكن أن نضع أن تلك لها علة وأن يمر ذلك إلى غير نهاية فلا ~~ينتهى الامر إلى موجود لا علة له وهو الذي يعنونه بواجب الوجود إلا أن يفهم ~~من الممكن الذي وضعه بإزاء ما لا علة له الممكن الحقيقي فإن هذه الممكنات ~~هي التي يستحيل وجود العلل فيها إلى غير نهاية وأما أن عنى بالممكن ما له ~~علة من الاشياء الضرورية فلم يتبين بعد أن ذلك مستحيل بالوجه الذي تبين في ~~الموجودات الممكنة بالحقيقة ولا يتبين بعد أن ههنا ضروريا يحتاج إلى علة ~~فيجب عن وضع هذا أن ينتهي الأمر إلى PageV08P170 ~~ضروري بغير علة إلى أن يبين أن الأمر في الجملة الضرورية التي من علة ~~ومعلول كالامر في الجملة الممكنة # قلت فقد ذكر ابن رشد لما ذكر ms1600 البرهان الذي حكاه أبو حامد عن الفلاسفة على ~~استحالة علل لا نهاية لها أن هذا البرهان الذي حكاه عن الفلاسفة أول من ~~نقله إلى الفلسفة ابن سينا على انها طريق خير من طريق القدماء لانه زعم انه ~~من جوهر الوجود وان طرق القوم من أعراض تابعة للمبدأ الأول # قال وهو طريق اخذه ابن سينا من المتكلمين وذلك أن المتكلم يرى أن من ~~المعلوم بنفسه أن الموجود ينقسم إلى ممكن وضروري ووضعوا أن الممكن يجب أن ~~يكون له فاعل وان العالم بأسره لما كان ممكنا وجب أن يكون الفاعل له واجب ~~الوجود هذا هو اعتقاد المعتزلة قبل الاشعرية # قال وهو قول جيد ليس فيه كذب إلا ما وضعوا فيه من أن العالم بأسره ممكن ~~فإن هذا ليس معروفا بنفسه فأراد ابن PageV08P171 ~~سينا أن يعمم هذه القضية ويجعل المفهوم من الممكن ما له علة كما ذكره أبو حامد # قلت فقد بين أن كون الممكن يجب أن يكون له فاعل قول جيد إذ كان الممكن هو ~~المحدث عند عامة العقلاء من الفلاسفة وغيرهم والمحدث لا بد له من فاعل هذا ~~ايضا معلوم بين مسلم عند عامة العقلاء # واما قوله ليس فيه كذب إلا ما وضعوا فيه من أن العالم بأسره ممكن فإن هذا ~~ليس معروفا بنفسه فأراد ابن سينا أن يعمم هذه القضية ويجعل المفهوم من ~~الممكن ما له علة # فإنه يقول أولئك ارادوا بالممكن المحدث وليس من المعروف بنفسه أن العالم ~~كله محدث فاراد ابن سينا أن يجعل معنى الممكن هو ما له علة حتى يبني على ~~ذلك أن العالم كله ممكن وله علة قديمة أزلية وهذا القول الذي ذكره ابن سينا ~~يظن من أخذ الفلسفة من كلامه انه قول أرسطو واتباعه وليس كذلك وانما يذكر ~~هذا عن برقلس ولهذا قال الباري جواد وعلة جوده هو ذاته فيكون جوده دائما ~~وهذا يوافق قول ابن سينا لا يوافق قول أرسطوا فإن الأول عنده لا فعل له لا ~~جودا ولا غير جود ولا إرادة ms1601 بل ولا يعلم ما سواه # وقول ابن رشد أن كون العالم بأسره ممكن ليس معروفا بنفسه PageV08P172 # فيقال له أن سلم انه ليس معروفا بنفسه هو معروف بالأدلة الكثيرة الدالة ~~على أن كل ما سوى الله ممكن يقبل الوجود والعدم بل انه محدث وكل ما سواه ~~فقير اليه وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن وأنه ليس شيئا موجودا بنفسه غنيا ~~عما سواه قديما أزليا إلا واحد وأدلة ذلك مذكورة في مواضع وحينئذ فيحصل ~~بذلك المقصود # لكن المتكلمون من الجهمية والمعتزلة من وافقهم من الاشعرية والكرامية ~~ونحوهم سلكوا في ذلك الاستدلال بأن ذلك لا يخلو من الاعراض الحادثة وما لا ~~يخلو عن الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها فلزم بذلك أن الأول لم ~~يزل غير متكلم بمشيئته وقدرته ولا فاعل لشيء بل ولا كان يمكنه أن يكون ~~متكلما إذا شاء فعالا لما يشاء بل هذا ممتنع فلا يكون مقدورا فيلزم أنه صار ~~قادرا بعد أن لم يكن وفاعلا بل ومتكلما بمشيئته بعد أن لم يكن وان الفعل ~~صار ممكنا بعد أن كان ممتنعا من غير تجدد شيء اوجب انقلابه من الامتناع إلى ~~الإمكان إلى غير ذلك من اللوازم كما قد بسط في موضعه # والسلف والائمة كلهم ذموا الكلام المحدث واهله واخبروا انهم يتكلمون ~~بالجهل ويخالفون الكتاب والسنة واجماع السلف مع أن كلامهم جهل وضلال مخالف ~~للعقل كما هو مخالف للشرع كما قد بسط في موضعه PageV08P173 # والمقصود ذكر كلام ابن رشد على طريقة ابن سينا قال ابن رشد واذا سومح ابن ~~سينا في هذه القضية وهو أن الممكن ما له علة لم تنته به القسمة إلى ما أراد ~~لأن قسمة الوجود أولا إلى ما له علة والى مالا علة له ليس معروفا بنفسه ثم ~~ما له علة ينقسم إلى ممكن وضروري # قلت إما تقسيم الوجود إلى ما له علة والى مالا علة له فهذا تقسيم دائر ~~بين النفي والاثبات لا يمكن المنازعة فيه كما إذا قيل الموجود ينقسم إلى ما ~~يقوم ms1602 بنفسه والى مالا يقوم بنفسه والى ما هو موجود بنفسه وما ليس موجودا ~~بنفسه ونحو ذلك من التقسيمات الدائرة بين النفي والاثبات فهذا تقسيم حاصر ~~إذ لا واسطة بين النفي والاثبات وهما النقيضان والنقيضان كما انهما لا ~~يجتمعان فلا يرتفعان ايضا # لكن دعوى ابن سينا وأتباعه المقسمون هذا التقسيم ان ما له علة ينقسم إلى ~~ممكن حقيقي وهو الحادث والى ضروري هو الذي ليس بينا بنفسه ولم يقيموا عليه ~~دليلا ولا يمكنهم اقامة دليل عليه بل PageV08P174 ~~الدليل يدل على بطلانه ولهذا ظهر ما ذكره ابن رشد من فساد كلامهم # قال ابن رشد ثم إذا قسم ما له علة إلى ممكن وضروري فإن فهمنا منه الممكن ~~الحقيقي افضى إلى ممكن ضروري ولم يفض إلى ضروري لا علة له وان فهمنا من ~~الممكن ما له علة وهو ضروري لم يلزم من ذلك إلا أن ما له علة فله علة وأمكن ~~أن نضع أن تلك العلة لها علة وأن يمر ذلك إلى غير نهاية فلا ينتهى الأمر ~~إلى موجود لا علة له وهو الذي يعنونه بواجب الوجود إلا أن يفهم من الممكن ~~الذي وضعه بإزاء ما لا علة له الممكن الحقيقي فإن هذه الممكنات هي التي ~~يستحيل وجود العلل فيها إلى غير نهاية # فقد بين ابن رشد انه إذا قسم الوجود إلى ما له علة وما ليس له علة ثم قسم ~~ما له علة إلى ممكن وضروري فإن أراد بالممكن الممكن الحقيقي وهو الحادث وهو ~~قد جعل الممكن ما له علة افضى ذلك إلى ما له علة ينقسم إلى ممكن ضروري وهو ~~القديم والى ممكن حقيقي وهو الحادث ولم يكن في هذا إثبات ضروري لا علة له ~~وهو واجب الوجود لأن مجرد تقسيم الوجود إلى قسمين لا يستلزم ثبوت كل من ~~القسمين بل لا بد من دليل يدل على ثبوتهما PageV08P175 # وإلا فمجرد التقسيم دعوى مجردة كما لو قيل الوجود ينقسم إلى ما هو ثابت ~~وإلى ما ليس بثابت أو ينقسم إلى قديم وحادث ms1603 وما ليس بقديم ولا حادث أو ~~ينقسم إلى واجب وممكن وما ليس بواجب ولا ممكن # فهذا تقسيم دائر بين النفي والإثبات لكن لا يستلزم ثبوت كل من الأقسام # وإذا قيل ينقسم إلى معلول وغير معلول وقيل المعلول ينقسم إلى ممكن حقيقي ~~وهو الحادث وإلى ممكن باصطلاح ابن سينا وهو المعلول مع كونه ضروريا كان ~~غايته إذا أثبت انقسام المعلول إلى ضروري وحادث إثبات القسمين الضروري ~~والحادث أو إثبات ضروري معلول ليس فيه إثبات ضروري ليس بمعلول وهو واجب ~~الوجود بنفسه فلم يكن فيما ذكره إثبات واجب الوجود بنفسه فكيف وليس فيه ~~أيضا إثبات ضروري معلول وإنما فيه تقسيم المعلول إلى ضروري وغير ضروري # ومجرد التقسيم لا يدل على ثبوت كل من القسمين فلم يكن فيما ذكره لا إثبات ~~ضروري معلول ولا غير معلول إن لم يبين أن المحدث يدل على ذلك ولا استدل ~~بالحدوث البتة وهو الممكن الحقيقي وإنما استدل بالممكن الذي ابتدعه وجعله ~~يتناول القديم الضروري والمحدث ولو استدل بالمحدث لدل على إثبات قديم وثبوت ~~قديم لا يدل على واجب الوجود باصطلاحهم لأن القديم عندهم ينقسم إلى واجب وممكن PageV08P176 # فإن أرادوا أن يثبتوا الواجب بنفسه قالوا والقديم الذي سموه ممكنا يفتقر ~~إلى واجب بنفسه وهذا ليس بينا وعامة العقلاء ينازعونهم فيه ولا يمكنهم ~~إقامة دليل عليه # فهذا الذي سموه ممكنا هو قديم أزلي ضروري الوجود ومثل هذا لا يدل على ~~واجب بنفسه وهو أيضا ليس بثابت فلم يثبتوا هذا الممكن ولم يثبتوا الواجب ~~الذي يستدل عليه بهذا الممكن فلم يثبتوا ما ادعوه من الممكن ولا ما ادعوه ~~من الواجب # قال ابن رشد وإن فهمنا من الممكن ما له علة وهو ضروري لم يلزم من ذلك إلا ~~أن ما له علة فله علة # قلت وذلك لأنه إذا قسم الوجود إلى ما له علة وما لا علة له وسمى هذا ~~الأول ممكنا ثم قسم هذا الممكن إلى الممكن الحقيقي وهو الحادث وإلى الضروري ~~وهو القديم المعلول لم يلزم من ذلك إلا ms1604 إثبات قديم معلول وهو أن هذا ~~الضروري الذي له علة هو ضروري له علة # وهذا إذا قدر أنه أثبت هذا القسم وحينئذ فيكون قد أثبت ضروريا واجب ~~الوجود معلولا # قال وإذا أمكن أن يكون الضروري الواجب الوجود معلولا لعلة أمكن أيضا أن ~~تكون تلك العلة وإن كانت ضرورية واجبة PageV08P177 ~~الوجوب معلولة لعلة أخرى وهلم جرا ولم يكن على هذا التقدير معنا ما يدل على ~~امتناع هذا التسلسل لأن مضمونه إثبات أمور واجبة ضرورية كل منها له علة ~~والجملة كلها واجبة ضرورية مع كونها وكون كل منها معلولا وهو الممكن بهذا ~~الاصطلاح المتأخر إذ الممكن عندهم يكون ضروريا واجب الوجود ممتنع العدم مع ~~كونه معلولا لغيره فلا يمتنع على هذا التقدير وجود علل ومعلولات كل منها ~~واجب ضروري ويسمى ممكنا باعتبار أنه معلول وإن كان ضروريا واجب الوجود لا ~~باعتبار أنه محدث مفتقر إلى فاعل # وحقيقة الأمر أنهم قدروا أمورا متسلسلة كل منها واجب الوجود ضروري يمتنع ~~عدمه وكل منها معلول وسموه باعتبار ذلك ممكنا وقالوا إنه يقبل الوجود ~~والعدم وحينئذ فلا يمكنهم إثبات افتقار واحد منها إلى علة فضلا عن افتقارها ~~كلها لأن التقدير أنها جميعها ضرورية الوجود لا تقبل العدم ومثل هذا يعقل ~~افتقاره إلى فاعل ويعود الأمر إلى الممكن الذي أثبتوه وهو الضروري الواجب ~~الوجود القديم الأزلي هل يفتقر إلى فاعل ومرجح يرجح وجوده على عدمه # وقد عرف أنه ليس لهم على ذلك دليل بل جميع العقلاء يقولون إن هذا لا ~~يفتقر إلى فاعل ولهذا لما بنوا إثبات واجب الوجود على إثبات هذا الممكن كما ~~فعله ابن سينا والرازي والآمدي وغيرهم لم يمكنهم إقامة دليل على أن هذا ~~الممكن بهذا التفسير يفتقر إلى فاعل وورد على هذا الممكن من الأسولة ما لم ~~يمكنهم الجواب عنه كما قد ذكر بعض ذلك في غير هذا الموضع PageV08P178 # وقد ذكر بعض ذلك الرازي في الأربعين ونهاية العقول والمطالب العالية و= ~~المحصل وغير ذلك من كتبه # وهؤلاء قسموا الوجود إلى واجب وممكن وعنوا ms1605 بالممكن ما له علة وأدخلوا في ~~الممكن القديم الأزلي الضروري الواجب الذي يمتنع عدمه فلزمهم بيان أن هذا ~~الممكن لا بد له من واجب فلم يثبتوا ذلك إلا بأن المحدث يفتقر إلى فاعل # هذا حق لكنه يدل على إثبات قديم أزلي لا يدل على أن القديم الأزلي ينقسم ~~إلى واجب وممكن كما ادعوه ولما لم يثبتوا هذا الممكن والواجب لا يثبت إلا ~~بثبوته لم يثبتوا لا واجبا ولا ممكنا ولا عرف انقسام الوجود إلى واجب وممكن ~~على اصطلاحهم بل غايتهم ثبوت الواجب على التقديرين # وإن لم يثبت الممكن فإنه إن كان الممكن ثابتا فقد ثبت الواجب وإن لم يكن ~~ثابتا فقد بقي القسم الآخر وهو الواجب لأنه لا واسطة بين النفي والإثبات # ونحن قلنا الموجود إما أن يكون له علة وإما أن يكون لا علة له والمعلول ~~لا بد له من علة فلزم ثبوت ما لا علة له على التقديرين وهو المطلوب # قيل لهم هذا لا ينفعكم لوجهين # أحدهما أنكم لم تثبتوا وجودا لا علة له ومجرد التقسيم لا يدل عليه بل ~~جوزتم أن يكون موجود قديم أزلي معلول وعلى هذا التقدير PageV08P179 ~~فيجوز وجود علل ومعلولات لا تتناهى فلا ثبت لكم وجود لا علة له # الثاني أن يقال هذا غايته أن يدل على ثبوت وجود واجب فمن قال الوجود كله ~~واحد وهو واجب لا ينقسم إلى واجب وممكن ولا قديم ومحدث فقد وفى بموجب ~~دليلكم وهذا مما يبين به غاية كلام هؤلاء # ولما كان هذا منتهى كلامهم صار السالكون لطريقتهم نوعين نوعا يقول لم ~~يثبت واجب الوجود لإمكان علل ومعلولات لا تتناهى ويوردون على إبطال التسلسل ~~ما يقولون لا جواب عنه كالآمدي وغيره # ونوعا يقول الوجود كله واجب قديمه ومحدثه وليس في الوجود موجودان أحدهما ~~قديم والآخر محدث وأحدهما واجب والآخر ممكن بل عين وجود المحدث الممكن هو ~~عين وجود الواجب القديم كما يقوله ابن عربي وأتباعه كابن سبعين والقونوي # فليتدبر من هداه الله هذا التناقض العظيم الذي أفضى إليه ms1606 هذا الطريق ~~الفاسد الذي سلكه ابن سينا وأتباعه في إثبات واجب الوجود فنظارهم يعترفون ~~بأنه لم يقم دليل على إثبات وجود واجب بل ولا على ممكن بالمعنى الذي قدره # ومعلوم أن هذا في غاية السفسطة فإن انقسام الموجود إلى PageV08P180 ~~واجب هو قديم أزلي وإلى ممكن هو محدث وجد بعد أن لم يوجد معلوم بالضرورة ~~لجميع العقلاء وعوامهم # وصوفيتهم يقولون الوجود الواجب القديم الأزلي هو عين الوجود المحدث ليس ~~هنا وجودان أحدهما واجب قديم والآخر ممكن محدث فهؤلاء يجمعون بين النقيضين ~~حيث يجعلون الوجود الواحد قديما حادثا ممكنا معلولا مفعولا واجبا وغير ~~مفعول ولا معلول # وأولئك لم يثبت عندهم أحد النقيضين بل يشكون في رفع النقيضين فلم يثبت ~~عندهم وجود واجب بل ولا ممكن بالمعنى الذي قرره # ومعلوم أن الموجود مشهود وأنه إما ممكن وإما واجب فمن رفع النوعين أو شك ~~في ثبوتهما أو ثبوت أحدهما فهو في غاية السفسطة كما أن من لم يثبتهما بل ~~جعل الجميع واجبا بنفسه قديما أزليا وأنكر وجود الحوادث فهو في غاية ~~السفسطة والكلام على هؤلاء مبسوط في موضع آخر # وإنما المقصود هنا ذكر ما ذكره ابن رشد فإنه مع تعظيمه للفلاسفة وغلوه في ~~تعظيمهم وقوله إنهم وقفوا على أسرار العلوم الإلهية قد تفطن لفساد ما ذكره ~~أفضل متأخريهم وأتباعه وهو عند التحقيق خير مما ذكره أرسطو وأتباعه فإذا ~~كان هذا فاسدا فذاك بطريق الأولى PageV08P181 # وقد تبين ما ذكره ابن رشد حيث قال وإن فهمنا من الممكن ما له علة وهو ~~ضروري لم يلزم عن ذلك إلا أن ما له علة فله علة وأمكن أن نضع أن تلك لها ~~علة وأن نمر ذلك إلى غير نهاية فلا ينتهي الأمر إلى موجود لا علة له وهو ~~الذي يعنونه بواجب الوجود إلا أن يفهم من الممكن الذي وضعه بإزاء ما لا علة ~~له الممكن الحقيقي فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيها إلى ~~غير نهاية # قال ابن رشد إنه إذا أريد بالممكن ما يعقل العقلاء ms1607 أنه ممكن وهو المحدث ~~بعد أن لم يكن الذي يمكن أن يكون موجودا تارة ومعدوما أخرى فإن هذا هو ~~الممكن الحقيقي فإذا أريد بالممكن هذا وقيل الوجود ينقسم إلى ممكن وغير ~~ممكن والممكن ما له علة وهو الممكن الحقيقي وهو الحادث كان حقيقة الكلام ~~أنه ينقسم إلى قديم وحادث كما قاله المتكلمون # وحينئذ فهذه الممكنات التي هي المحدثات هي التي يستحيل فيها وجود علل لا ~~تتناهى فإن المحدث يعلم بالضرورة أنه لا بد له من محدث فإذا قدرنا وجود ما ~~لا يتناهى من المحدثات كان كل منها لا بد له من محدث وكان مجموع المحدثات ~~أعظم افتقارا إلى محدث فإنه كلما كثرت المحدثات كان افتقارها إلى محدث لها ~~أعظم من افتقار واحد PageV08P182 ~~منها وتسلسل المحدثات إذا قدر إلى ما لا يتناهى لا يخرجها عن كونها جميعها ~~محدثة وأن جميعها مفتقر إلى محدث خارج عنها والمحدث الخارج عن جميع ~~المحدثات لا يكون إلا قديما وعلى هذا التقدير فليس فيها معلول قديم أزلي ~~ولا معلول ضروري كما قدره أولئك حيث قدروا عللا ومعلولات لا تتناهى كل منها ~~محدث وكل منها ممكن مع أن الممكن قد يكون ضروريا ممتنع العدم واجب الوجود ~~فكانوا محتاجين إلى بيان أن الضروري الوجود القديم الأزلي يكون معلولا حتى ~~يكون المجموع من ذلك معلولا وهذا ممتنع عليهم حيث جمعوا بين النقيضين # قال ابن رشد وأما إن عنى بالممكن ما له علته من الأشياء الضرورية فلم ~~يتبين بعد أن ذلك مستحيل بالوجه الذي تبين من الموجودات الممكنة بالحقيقة ~~ولا تبين بعد أن ها هنا ضروريا يحتاج إلى علة فيجب عن وضع هذا أن ينتهي ~~الأمر إلى ضروري بغير علة إلى أن يتبين أن الأمر في الجملة الضرورية التي ~~من علة ومعلول كالأمر في الجملة الممكنة # قلت فابن رشد ذكر أولا أن الممكن إن فهمنا منه الممكن PageV08P183 ~~الحقيقي وهو المحدث فقد تبين فساد كلامهم على هذا التقدير وإن عني بالممكن ~~ما له علة من الأشياء الضرورية كما يقوله ابن سينا ms1608 وأتباعه إن الأفلاك ~~ضرورية واجبة الوجود يمتنع عدمها أزلا وأبدا ويقول مع ذلك إنها ممكنة بمعنى ~~أنها معلولة قال ابن رشد فلا يمكن إثبات واجب الوجود على هذا التقدير كما ~~لا يمكنهم إثباته بطريقتهم على التقدير الأول # وذلك أن مقدمة الدليل لا بد أن تكون معلومة قبل النتيجة فيستدل على ما لا ~~يعلم بما يعلم ويستدل بالبين على الخفي # وحينئذ فما ذكروه فاسد من وجهين أحدهما أنه لم يتبين بعد أنه يستحيل وجود ~~التسلسل في هذه الممكنات بالوجه الذي تبين في الممكنات الحقيقية وهي ~~المحدثات # ودليلهم في إثبات واجب الوجود موقوف على إبطال التسلسل وإبطال التسلسل ~~إنما يمكن في المحدثات لا في الأمور الضرورية التي لا تقبل العدم إذا قدر ~~تسلسلها # الوجه الثاني قال ولا تبين بعد أن ههنا ضروريا يحتاج إلى علة فيجب عن وضع ~~هذا أي عن تقدير هذا أن ينتهي الأمر إلى ضروري بغير علة إلى أن يتبين أن ~~الأمر في الجملة الضرورية التي من علة ومعلول كالأمر في الجملة الممكنة # ومعنى كلامه أن مقدمة الدليل يجب أن تكون معلومة قبل النتيجة فإذا كانوا ~~يثبتون واجب الوجود بما جعلوه ممكنا وإن كان PageV08P184 ~~ضروريا واجب الوجود لكنه واجب بغيره فيجب أولا أن يثبتوا أن ههنا ضروريا ~~يحتاج إلى علة وهو الواجب بغيره الذي قالوا إنه واجب أزلا وأبدا ضروري ~~الوجود لكنه واجب بغيره لا بنفسه فلهذا سموه ممكنا # قال ولم يبين بعد أن ههنا ضروريا يحتاج إلى علة حتى يلزم عن تقدير ذلك أن ~~يكون هنا ضروريا بغير علة وهو الواجب بنفسه ولو بين هذا أولا كان يحتاج بعد ~~ذلك أن يبين أن الأمر في الجملة الضرورية التي من علة ومعلول كالأمر في ~~الجملة الممكنة # يقول لو تبين أولا أنه يمكن أن يكون ضروري الوجود واجب الوجود أزلا وأبدا ~~وهو مع ذلك معلول لغيره # لقيل هذا يدل على ضروري آخر يكون واجب الوجود ويكون علة له وحينئذ فنحتاج ~~أن نقول إنه يمتنع وجود علل ومعلولات كل منها ضروري ms1609 واجب الوجود قديم يمتنع ~~عدمه أزلا وأبدا فيكون التسلسل فيها باطلا كما كان التسلسل باطلا في الممكن ~~الحقيقي وهو المحدث # فإنه قد علم بالعقل واتفاق العقلاء أنه يمتنع وجود محدثات متسلسلة كل ~~منها محدث الآخر ليس فيها قديم فلو ثبت إمكان معلول قديم أزلي لوجب بعد هذا ~~أن ينظر في امتناع التسلسل وقد تقدم أن التسلسل في ذلك على هذا التقدير لا ~~يمكن إقامة الدليل على امتناعه فكيف إذا لم يثبت الأصل الذي بنوا عليه كلامهم PageV08P185 # وهذا الأصل الذي بنوا عليه كلامهم وهو أن الممكن قد يكون قديما أزليا ~~ضروريا واجبا بغيره وأن الواجب الضروري القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه أزلا ~~وأبدا ينقسم إلى واجب بنفسه وإلى ممكن بنفسه واجب بغيره هو مما ابتدعه ابن ~~سينا وخالف فيه عامة العقلاء من سلفه ومن غير سلفه # وقد صرح أرسطو وسائر الفلاسفة أن الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه لا يكون ~~إلا محدثا وأن الدائم القديم الأزلي لا يكون إلا ضروريا لا يكون محدثا # وابن سينا واتباعه وافقوهم على ذلك كما ذكروا ذلك في المنطق في غير موضع ~~كما قد ذكرت ألفاظه وألفاظ غيره في غير هذا الموضع من كتابه المسمى بالشفاء وغيره # لكن ابن سينا وأتباعه تناقضوا بسبب أنهم لما وجدوا المتكلمين قد قسموا ~~الموجود إلى واجب وممكن والممكن عندهم هو الحادث سلكوا سبيلهم في هذا ~~التقسيم وأدخلوا في الممكن ما هو قديم أزلي ونسوا ما ذكروه في غير هذا ~~الموضع من أن الممكن لا يكون إلا محدثا # وكان ما ذكره هؤلاء وسائر العقلاء دليلا على أن ما سوى الله تعالى محدث ~~كائن بعد أن لم يكن لما ثبت أنه ليس واجب الوجود موجودا بنفسه إلا الله ~~وحده وأن ما سواه مفتقر إليه # وكان ما ذكره أرسطو وسائر العقلاء مبطلا لما ذكره ابن سينا وأتباعه في ~~الممكن وتناقضوا فيه وكان ما ذكره ابن سينا وأتباعه من العقلاء في الواجب ~~بنفسه مبطلا لما ذكره أرسطو وأتباعه وابن رشد أيضا من PageV08P186 ~~أن الفلك ضروري ms1610 الوجود واجب الوجود لا يقبل العدم فإنه محتاج إلى غيره وهم ~~يسلمون أنه محتاج إلى الأول لأنه لا قوام له إلا بحركته ولا قوام لحركته ~~إلا بالأول فكان لا وجود له إلا بالأول فامتنع أن يكون وجوده بنفسه بل كان ~~معلولا بغيره وما كان معلولا بغيره لم يكن موجودا بنفسه بل كان ذلك الأول ~~علة في وجوده وما كان له علة في وجوده ثابتة عنه علم بصريح العقل أنه ليس ~~موجودا بنفسه فلا يكون واجبا بنفسه وما لم يكن واجبا بنفسه كان ممكنا وكان ~~محدثا كما قد بسط في مواضع # إذ المقصود هنا ذكر كلام ابن رشد وابن رشد يقول إن لفظ الممكن في اصطلاح ~~الفلاسفة ليس هو لفظ الممكن في اصطلاح ابن سينا وأتباعه وما كان أزليا ~~واجبا بغيره دائما بحيث لا يقبل العدم لا يسمى ممكنا بل الممكن ما كان ~~معدوما يقبل الوجود وأما ما لم يزل واجبا بغيره فليس هو بممكن # وقد ذكر هذا في غير موضع من كتابه وذكر أن ما ذكره ابن سينا خروج عن ~~طريقة الفلاسفة القدماء وأن طريقه التي أثبت بها PageV08P187 ~~واجب الوجود بناء على هذا الأصل إنما هو إقناعي لا برهاني كقوله في الكلام ~~في مسألة الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وما وضع في هذا القول من أن كل معلول ~~فهو ممكن الوجود فإن هذا إنما هو صادق في المعلول المركب وليس يمكن أن يوجد ~~شيء مركب وهو أزلي فكل ممكن الوجود عند الفلاسفة فهو محدث # قال وهذا شيء قد صرح به أرسطاطاليس في غير ما موضع من كتبه # قال وأما هذا الذي يسميه ابن سينا ممكن الوجود فهذا والممكن الوجود مقول ~~باشتراك الاسم وكذلك ليس كونه محتاجا إلى الفاعل ظاهرا من الجهة التي منها ~~تظهر حاجة الممكن PageV08P188 # قلت وهذا الذي حكاه عنهم من أن الممكن عندهم لا يكون إلا محدثا مركبا قد ~~ذكره في غير موضع وذكر عنهم أن الأفلاك عندهم ليست مركبة من المادة والصورة ~~كالأجسام العنصرية والمولدات وأن ms1611 القول بان كل جسم مركب من المادة والصورة ~~إنما هو قول ابن سينا دون القدماء وكذلك ذكر عنهم أن القول بأن الأول صدر ~~عنه عقل ثم عن العقل عقل ونفس وفلك وهلم جرا إلى العقل الفعال ليس هو قول ~~القدماء بل هو قول ابن سينا وأمثاله # وكذلك ذكر فيما ذكره ابن سينا وأتباعه في الوحي والمنامات أن سببها كون ~~النفس الفلكية عالمة بحوادث العالم فإذا اتصلت بها نفوس البشر فاض عليها ~~العلم منها ذكر أنه ليس قول القدماء بل هو قول ابن سينا وأمثاله وهو مع هذا ~~فالذي يذكر عن القدماء وطرقهم هو أضعف من قول ابن سينا بكثير # وعامة ما يذكره في واجب الوجود أن يكون شرطا في وجود غيره وأما كونه علة ~~تامة لغيره وربا ومبدعا كما يقوله ابن سينا وأمثاله فهذا لا يوجد تقريره ~~فيما ذكره عن الأوائل فإذا كانت طريقة ابن سينا يلزمها أن تكون الحوادث ~~حدثت بغير محدث فطريقة أولئك تستلزم أن تكون PageV08P189 ~~الممكنات وجدت بغير واجب أو أن يكون كل من الواجبين بأنفسهما لا يتم وجوده ~~إلا بالآخر إلى غير ذلك مما في كلامهم من الفساد # والمقصود هنا أن نبين أن خيار ما يوجد في كلام ابن سينا فإنما تلقاه عن ~~مبتدعة متكلمة أهل الإسلام مع ما فيهم من البدعة والتقصير # ولما أورد عليهم الغزالي في قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد عدة أدلة ~~بين بها فساد قولهم قال ابن رشد إذا اعتقدت الفلاسفة أن في المعلول الأول ~~كثرة لزمهم ضرورة أن يقال لهم من أين كان في المعلول الأول كثرة وكما ~~يقولون إن الواحد لا يصدر عنه كثير كذلك يلزمهم أن الكثير لا يصدر عن ~~الواحد فقولهم إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد يناقض قولهم إن الذي صدر عن ~~الواحد الأول شيء فيه كثرة إلا أن يقولوا إن PageV08P190 ~~الكثرة في المعلول الأول كل واحد منها أول فيلزمهم أن تكون الأوائل كثيرة # قال والعجب كل العجب كيف خفى هذا على أبي نصر ms1612 وابن سينا لأنهما أول من ~~قال هذه الخرافات فقلدهما الناس ونسبوا هذا القول إلى الفلاسفة لأنهم إذا ~~قالوا إن الكثرة التي في المبدأ الثاني إنما هي مما يعقل من ذاته ومما يعقل ~~من غيره لزم عندهم أن تكون ذاته ذات طبيعتين أعني صورتين فليت شعري أيتهما ~~الصادرة عن المبدأ الأول وأيتهما التي ليست الصادرة # قال وكذلك إذا قالوا فيه إنه ممكن من ذاته واجب من غيره لأن الطبيعة ~~الممكنة يلزم ضرورة أن تكون غير الطبيعة الواجبة التي استفادها من واجب ~~الوجود فإن الطبيعة الممكنة ليس يمكن أن تعود PageV08P191 ~~واجبة إلا لو أمكن أن تنقلب طبيعة الممكن ضروريا وكذلك ليس في الطبائع ~~الضرورية إمكان أصلا كانت الضرورة بذاتها أو بغيرها # قال وهذه كلها خرافات وأقاويل أضعف من أقاويل المتكلمين وهي كلها أمور ~~دخيلة في الفلسفة ليست جارية على أصولهم وكلها أقاويل ليست تبلغ مرتبة ~~الإقناع الخطبي فضلا عن الجدلي ولذلك يحق ما يقول أبو حامد في غير موضع من ~~كتبه إن علومهم الإلهية ظنية # وقال أيضا لما أراد أن يقرر قول أرسطو إن كل حادث فهو مسبوق بإمكان العدم ~~والإمكان لا بد له من محل وقد رد ذلك أبو حامد بأن الإمكان الذي ذكروه يرجع ~~إلى قضاء العقل فكل PageV08P192 ~~ما قدر العقل وجوده فلم يمتنع تقديره سميناه ممكنا فإن امتنع سميناه ~~مستحيلا وإن لم يقدر على تقدير عدمه سميناه واجبا فهذه قضايا عقلية لا ~~تحتاج إلى موجود حتى نجعل وصفا له لأن الإمكان كالامتناع وليس للامتناع محل ~~في الخارج ولأن السواد والبياض يقضي العقل فيهما قبل وجودهما بكونهما ممكنين # فقال ابن رشد هذه مغلطة فإن الممكن يقال على القابل وعلى المقبول والذي ~~يقال على الموضوع القابل يقابله الممتنع والذي يقال على المقبول يقابله ~~الضروري والذي يتصف بالإمكان الذي يقابله الممتنع ليس هو الذي يخرج من ~~الإمكان إلى الفعل من جهة ما يخرج إلى الفعل لأنه إذا خرج ارتفع عنه ~~الإمكان وإنما يتصف بالإمكان من جهة ما هو بالقوة والحامل لهذا الإمكان ms1613 هو ~~الموضوع الذي ينتقل من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل وذلك بين من حد ~~الممكن فإن الممكن هو المعدوم الذي يتهيأ أن يوجد وأن لا يوجد PageV08P193 ~~وهذا المعدوم الممكن ليس هو ممكنا من جهة ما هو معلوم ولا من جهة ما هو ~~موجود بالفعل وإنما هو ممكن من جهة ما هو بالقوة # ولذلك قالت المعتزلة إن المعدوم ذات ما وذلك أن العدم يضاد الوجود وكل ~~واحد منهما يخلف صاحبه فإذا ارتفع عدم شيء ما خلفه وجوده وإذا ارتفع وجوده ~~خلفه عدمه # ولما كان نفس العدم ليس يمكن فيه أن ينقلب وجودا ولا نفس الوجود أن ينقلب ~~عدما وجب أن يكون القابل لهما شيئا ثالثا غيرهما وهو الذي يتصف بالإمكان ~~والتكون والانتقال من صفة العدم إلى صفة الوجود فإن العدم لا يتصف بالتكون ~~والتغير ولا الشيء الكائن بالفعل يتصف أيضا وبسط الكلام في هذا # وقال أيضا في دليلهم المشهور على قدم العالم وهو قولهم يستحيل صدور حادث ~~من قديم مطلق لأنا إذا فرضنا القديم ولم PageV08P194 ~~يصدر منه العالم مثلا فإنما لم يصدر لأنه لم يكن للوجود مرجح بل كان وجود ~~العالم ممكنا عنه إمكانا صرفا فإذا حدث لم يخل إما أن يتجدد مرجح أو لا ~~يتجدد فإن لم يتجدد مرجح بقي العالم على الإمكان الصرف كما كان قبل ذلك فإن ~~تجدد مرجح انتقل الكلام إلى ذلك المرجح لم رجح الآن ولم يرجح قبل فإما أن ~~يمر الأمر إلى غير نهاية أو ينتهي الأمر فيه إلى مرجح لم يزل مرجحا # قال ابن رشد هذا القول هو قول في أعلى مراتب الجدل وليس هو واصلا موصل ~~البراهين لأن مقدماته هي عامة والعامة قريبة من المشتركة ومقدمات البراهين ~~هي من الأمور الجوهرية المناسبة وذلك أن الممكن يقال باشتراك على الممكن ~~الأكثري والممكن الأقلي والذي على التساوي وليس ظهور الحاجة فيها إلى ~~المرجح على التساوي وذلك أن الممكن الأكثري قد يظن به أنه يترجح من ذاته لا ~~من مرجح خارج عنه بخلاف الممكن على التساوي ms1614 PageV08P195 # والإمكان أيضا منه ما هو من الفاعل وهو إمكان الفعل ومنه ما هو من ~~المنفعل وهو إمكان القبول وليس ظهور الحاجة فيهما إلى المرجح على السواء ~~وذلك أن الإمكان الذي في المنفعل مشهور حاجته إلى المرجح من خارج لأنه يدرك ~~حسا في الأمور الصناعية وكثير من الأمور الطبيعية وقد يلحق فيه شك في ~~الأمور الطبيعية لأن أكثر الأمور الطبيعية مبدأ تغيرها منها ولذلك يظن في ~~كثير منها أن المحرك هو المتحرك وأنه ليس معروفا بنفسه أن كل متحرك فله ~~محرك وأنه ليس ها هنا شيء يحرك ذاته فإن هذا كله يحتاج إلى بيان فلذلك فحص ~~عنه القدماء # وأما الإمكان الذي في الفاعل فقد يظن في كثير منه أنه لا يحتاج في خروجه ~~إلى الفعل إلى مرجح من خارج لأن انتقال الفاعل من أن لا يفعل إلى أن يفعل ~~قد يظن بكثير منه أنه ليس تغيرا يحتاج إلى مغير مثل انتقال المهندس من أن ~~لا يهندس إلى أن يهندس وانتقال المعلم من أن لا يعلم إلى أن يعلم PageV08P196 # قال والتغير أيضا الذي يقال إنه يحتاج إلى مغير منه ما هو في الجوهر ومنه ~~ما هو في الكيف ومنه ما هو في الكم ومنه ما هو في الأين والقديم أيضا يقال ~~على ما هو قديم بذاته وقديم بغيره عند كثير من الناس والتغيرات منها ما ~~يجوز عند قوم على القديم مثل جواز كون الإرادة الحادثة على القديم عند ~~الكرامية وجواز الكون والفساد على المادة الأولى عند القدماء وهي قديمة ~~وكذلك المعقولات على العقل الذي بالقوة وهو قديم عند أكثرهم ومنها ما لا ~~يجوز وبخاصة عند بعض القدماء دون بعض # قال وكذلك الفاعل أيضا منه ما يفعل بإرادة ومنه ما يفعل بطبيعة وليس ~~الأمر في كيفية صدور الفعل الممكن الصدور عنهما واحدا أعني في الحاجة إلى ~~المرجح وهل هذه القسمة في الفاعل حاصرة أو يؤدي البرهان إلى فاعل لا يشبه ~~الفاعلين بالطبيعة ولا الذي بالإرادة التي في الشاهد PageV08P197 # قال وهذه كلها مسائل كثيرة ms1615 عظيمة يحتاج كل واحد منها إلى أن يفرد بالفحص ~~عنها وعما قاله القدماء فيها وأخذ المسألة الواحدة بدل المسائل الكثيرة هو ~~موضع مشهور من مواضع السفسطائيين والغلط في واحد من هذه المبادئ هو سبب ~~لغلط عظيم آخر في الفحص عن الموجودات # قلت المقصود هنا أن نبين اختلاف اصطلاحهم في مسمى الممكن وأن الطريقة ~~المشهورة عند المتأخرين في الفلسفة هي الطريقة المضافة إلى أفضل متأخريهم ~~ابن سينا والفارابي قبله # وهذا ابن رشد مع عنايته التامة بكتب أرسطو والقدماء واختصاره لكلامهم ~~وعنايته بالانتصار لهم والذب عنهم يذكر أن كثيرا من ذلك إنما هو من قول ~~هؤلاء المتأخرين ليس هو من قول قدمائهم # ولما ذكر عن ابن سينا أنه استعمل لفظ الممكن في أعم مما هو عند الفلاسفة ~~قال إنه جعل المفهوم من لفظ الممكن ما له علة PageV08P198 # قال وحينئذ فقول القائل إن الموجود ينقسم إلى ما له علة وإلى ما لا علة ~~له يحتاج إلى دليل # قال ثم ما له علة ينقسم إلى ممكن وضروري فالضروري هو الذي لا يمكن عدمه ~~بل هو واجب دائما بعلته والممكن الحقيقي ما كان يمكن وجوده وعدمه وهو ما ~~كان معدوما وحينئذ فالممكن الحقيقي لا يكون إلا حادثا وذلك يستلزم وجود ~~واجب وهو الضروري ولكن لا يستلزم أنه لا علة له إلا بدليل منفصل # قال وإذا جعلنا الممكن ما له علة كان التقدير أن ما له علة فله علة ويمكن ~~حينئذ تقدير ممكنات لا تنتهي فلا ينتهي الأمر إلى موجود لا علة له وهو ~~المسمى عندهم بواجب الوجود إلا أن يفهم من الممكن الذي وضعه بإزاء ما لا ~~علة له الممكن الحقيقي فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيها ~~إلى غير نهاية وأما إن عني بالممكن ما له علة من الأشياء الضرورية فلم ~~يتبين بعد أن ذلك مستحيل بالوجه الذي تبين في الموجودات الممكنة بالحقيقة ~~ولا تبين بعد أن ههنا ضروريا يحتاج إلى علة حتى يقال إنه لا بد أن ينتهي PageV08P199 ~~الأمر إلى ضروري ms1616 بغير علة إلى أن يبين أن الأمر في الجملة الضرورية التي من ~~علة ومعلول كالأمر في الجملة الممكنة # قلت ولفظ الممكن إذا قيل فيه يمكن أن يوجد ويمكن أن يوجد ويمكن أن لا ~~يوجد فهذا لا يكون إلا إذا كان معدوما كما ذكر ابن رشد انه اصطلاح الفلاسفة ~~فأما كل ما يمتنع عدمه فليس بممكن بهذا الاعتبار أن يكون ممكن الوجود ~~والعدم بل هذا واجب الوجود سواء قيل انه واجب بنفسه أو واجب بغيره ما هو ~~واجب بغيره أزلا وأبدا فكونه ممكنا يفتقر إلى دليل فتقسيم الموجود إلى واجب ~~وممكن بهذا الاعتبار لا بد له من دليل كما ذكر ابن رشد بخلاف المعدوم الذي ~~يمكن وجوده فهذا يعلم انه ممكن ولهذا كان ابن سينا ومن سلك طريقته محتاجين ~~إلى إثبات كون الافلاك ممكنة بنفسها لا واجبة بنفسها # وهذا وان كان حقا لكن دليلهم عليه في غاية الضعف فانه مبنى على أن كل جسم ~~ممكن ودليلهم عليه ضعيف جدا كما قد بين في غير هذا الموضع وقد بين ضعفه أبو ~~حامد ووافقه ابن رشد مع عنايته بالرد عليه على ضعف هذه الطريق # والتحقيق أن هذا يسوغ تسميته ممكنا في اللغة باعتبار انه بنفسه لا PageV08P200 ~~يوجد لكن ما كان كذلك لا يكون إلا محدثا فيسمى ممكنا باعتبار ويسمى محدثا ~~باعتبار والامكان والحدوث متلازمان واما تسمية ما هو قديم ازلى يمتنع عدمه ~~ممكنا يمكن وجوده وعدمه فهذا لا يعرف في عقل ولا لغة وإن قدر أنه حق ~~فالنزاع هنا لفظى لكن إذا عرفت الاصطلاحات زالت اشكالات كثيرة تولدت من ~~الاجمال الذي في لفظ الممكن كما قد بسط في غير هذا الموضع # واختلاف الاصطلاح في لفظ الممكن هنا غير اختلاف الاصطلاح في الممكن العام ~~الذي هو قسيم الممتنع والممكن الخاص الذى هو قسيم الواجب والممتنع بل نفس ~~الممكن الخاص على هذا الاصطلاح المذكور عن القدماء إنما هو في المحدث الذي ~~يمكن وجوده وعدمه # واما ما يقدر واجبا بغيره دائما فذاك لا يسمى ممكنا بهذا ms1617 الاصطلاح # واما على اصطلاح ابن سينا واتباعه وهو كون الممكن ما له علة قال ابن رشد ~~فما له علة ينقسم إلى ممكن وضوري فالضروري هو الذي لا يمكن عدمه بل هو واجب ~~دائما بعلة وهذا مما يقوله الفلاسفة في الافلاك والممكن الحقيقي هو الحادث PageV08P201 # قال وذلك يستلزم وجود واجب وهو الضروري ولكن لا يستلزم انه لا علة له إلا ~~بدليل منفصل # وهذا الذي قاله ابن رشد بناء على أن افتقار المحدث إلى المحدث امر ضروري ~~كما هو قول الجمهور فإذا كان المراد بالممكن الحقيقي هو الحادث فلا بد به ~~له من فاعل ليس بحادث وهو الضروري في اصطلاح عامة العقلاء فان كل قديم هو ~~ضروري عند عامة العقلاء وكل ممكن الإمكان الخاص هو محدث عندهم ثم بعد هذا ~~كونه لا علة له # والعلم بامتناع التسلسل في مثل هذا بأن يكون للمحدث محدث إلى غير نهاية ~~ممتنع عند جميع العقلاء وقد بين ذلك في موضعه # واما كون الممكن الذي هو قديم ازلى ضروري الوجود هو معلول لغيره فهذا ليس ~~يبين أيضا امتناع التسلسل فيه على هذا التقدير كما تقدم وعلى هذا التقدير ~~فيمكن تقرير ما ذكره الغزالى من أن ما قالوه في امتناع التسلسل باطل على ~~اصلهم فان كل ممكن إذا قدر انه معلول مع كونه واجبا قديما أزليا فالقول في ~~علته كالقول فيه فإذا قدر علل ومعلولات كل منها واجب قديم ازلى لا نهاية ~~لها لم يظهر امتناع هذا على هذا التقدير ولم يظهر افتقار مجموعها إلى واجب ~~خارج عنها إذ كان كل منها واجب له علة فإذا قيل المجموع لا علة له لم يظهر ~~امتناع ذلك كما يظهر امتناعه في المحدثات ولكن كونه له PageV08P202 ~~علة أو لا علة له يفتقر إلى دليل آخر # وقد تكلم ابن رشد على القول المنسوب إلى الفلاسفة في كتب ابن سينا في ~~صدور العالم عن الله وانه صدر عنه عقل ثم عن العقل عقل ونفس وفلك إلى العقل ~~العاشر كما هو معروف من مذهبهم ms1618 وتقريره # قال ابن رشد لما حكاه أبو حامد عنهم وهذا كله تخرص على الفلاسفة من ابن ~~سينا وأبي نصر وغيرهما ومذهب القوم القديم هو أن هاهنا مبادئ هي الاجرام ~~السماوية ومبادئ الموجودات السماوية موجودات مفارقة للمواد هي المحركة ~~للأجرام السماوية والأجرام السماوية تتحرك اليها على جهة الطاعة لها ~~والمحبة فيها والامتثال لأمرها إياها بالحركة والفهم عنها وانها إنما خلقت ~~من اجل الحركة # وذلك انه لما صح أن المبادئ التي تحرك الأجسام السماوية هي PageV08P203 ~~مفارقة للمواد وانها ليست بأجسام لم يبق وجه به تحرك الأجسام ما هذا شانه ~~إلا من جهة أن المحرك امر بالحركة ولذلك لزم عندهم أن تكون الأجسام ~~السماوية حية ناطقة تعقل ذواتها وتعقل مباديها المحركة لها على جهة الأمر ~~لها ولما تقرر انه لا فرق بين العلم والمعلوم إلا أن المعلوم في مادة ~~والعلم ليس في مادة وذلك في كتاب النفس فإذا وجدت موجودات ليست في مادة وجب ~~أن يكون جوهرها علما أو عقلا أو كيف شئت أن تسميها وصح عندهم أن هذه ~~المبادئ مفارقة للمواد من قبل انها التي أفادت الاجرام السماوية الحركة ~~الدائمة التي لا يلحقها فيها كلال ولا تعب وان كل ما يفيد حركة دائمة بهذه ~~الصفة فإنه ليس جسما ولا قوة في جسم وان الجسم السماوي إنما استفاد البقاء ~~من قبل المفارقات وصح عندهم أن هذه المبادئ المفارقة وجودها PageV08P204 ~~مرتبط بمبدأ أول فيها ولولا ذلك لم يكن هنا نظام موجود وأقاويلهم مسطورة في ~~ذلك فينبغي لمن أراد معرفة الحق أن يقف عليها من عنده # وما يظهر أيضا من كون جميع الأفلاك تتحرك الحركة اليومية مع أنها تتحرك ~~بها الحركات التي تخصها مما صح عندهم أن الآمر بهذه الحركة هو المبدأ الأول ~~وهو الله سبحانه وتعالى وأنه أمر ساير المبادئ أن تأمر ساير الأفلاك بساير ~~الحركات وأن بهذا الأمر قامت السماوات والأرض كما أن بأمر الملك الأول في ~~المدينة قامت جميع الأوامر الصادرة ممن جعل الملك له ولاية أمر من الأمور ~~من المدينة إلى ms1619 جميع من فيها من أصناف الناس # كما قال سبحانه { وأوحى في كل سماء أمرها } سورة فصلت 12 وهذا التكليف ~~والطاعة هي الأصل في التكليف والطاعة التي وجبت على الإنسان لكونه حيوانا ناطقا # قال وأما ما حكاه ابن سينا من صدور هذه المبادئ بعضها PageV08P205 ~~عن بعض فهو شيء لا يعرفه القوم وإنما الذي عندهم أن لها من المبدأ الأول ~~مقامات معلومة لا يتم لها وجود إلا بذلك المقام منه كما قال تعالى { وما ~~منا إلا له مقام معلوم } سورة الصافات 164 وأن الارتباط الذي بينها هو الذي ~~يوجب كونها معلولة بعضها عن بعض وجميعها عن المبدأ الأول وأنه ليس يفهم من ~~الفاعل والمفعول والخالق والمخلوق في ذلك الوجود إلا هذا المعنى فقط وما ~~قلناه من ارتباط وجود كل موجود بالواحد وذلك خلاف ما يفهم هاهنا من الفاعل ~~والمفعول والصانع والمصنوع فلو تخيلت آمرا له مأمورون كثيرون وأولئك ~~المأمورون لهم مأمورون أخر ولا وجود للمأمورين إلا في قبول الأمر وطاعة ~~الآمر ولا وجود لمن دون المأمورين إلا بالمأمورين لوجب أن يكون الآمر الأول ~~هو الذي أعطى جميع الموجودات المعنى الذي به صارت موجودة وأنه إن كان شيء ~~وجوده في أنه مأمور فلا وجود له إلا من قبل الآمر الأول وهذا المعنى هو ~~الذي ترى الفلاسفة أنه عبرت عنه الشرائع بالخلق والاختراع والتكليف PageV08P206 # قال فهذا هو أقرب تعليم يمكن أن يفهم به مذهب هؤلاء القوم من غير أن يلحق ~~ذلك الشنعة التي تلحق من سمع مذاهب القوم على التفصيل الذي ذكره أبو حامد ~~ها هنا يعني ما ذكره ابن سينا # قال وهذا كله يزعمون أنه قد بين في كتبهم فمن أمكن أن ينظر في كتبهم على ~~الشروط التي ذكروها فهو الذي يقف على صحة ما يدعون أو ضده # قال وليس يفهم من مذهب أرسطاطاليس غير هذا ولا من مذهب أفلاطن وهو منتهى ~~ما وقفت عليه العقول الإنسانية وقد يمكن الإنسان أن يقف على هذه المعاني من ~~أقاويل عرض لها إن كانت مشهورة مع ms1620 أنها معقولة وذلك أن ما شأنه هذا الشأن ~~من التعليم فهو لذيذ محبوب عند الجميع # قال وأحد المقامات التي يظهر منها هذا المعنى هو أن PageV08P207 ~~الإنسان إذا تأمل ما ههنا ظهر له أن الأشياء التي تسمى حية عالمة هي ~~الأشياء المتحركة من ذاتها بحركات محدودة بجواهر وأفعال محدودة تتولد عنها ~~أفعال محدودة ولذلك قال المتكلمون إن كل فعل فإنما يصدر عن حي عالم فإذا ~~حصل له هذا الأصل وهو أن كل ما يتحرك حركات محدودة يلزم عنها أفعال محدودة ~~منتظمة فهو حيوان عالم وأضاف إلى ذلك ما هو مشاهد بالحس وهو أن السماوات ~~تتحرك من ذاتها حركات محدودة يلزم عند ذلك في الموجودات التي دونها أفعال ~~محدودة ونظام وترتيب به قوام ما دونها من الموجودات تولد أصل ثالث لا شك ~~فيه وهو أن السماوات أجسام حية مدركة فأما أن حركاتها يلزم عنها أفعال ~~محدودة بها قوام ما هاهنا وحفظه من الحيوان والنبات والجمادات فذلك معروف ~~بنفسه عند التأمل فإنه لولا قرب الشمس وبعدها في فلكها المائل لم يكن هاهنا ~~فصول أربعة ولو لم يكن ههنا فصول أربعة لما كان نبات ولا PageV08P208 ~~حيوان ولا جرى الكون على نظام في كون إلاستقصات بعضها من بعض على السواء ~~لينحفظ بها الموجود مثال ذلك أنه إذا بعدت الشمس إلى جهة الجنوب برد الهواء ~~في جهة الشمال فكانت الأمطار وكثر كون الاسطقس المائي وكثر في جهة الجنوب ~~تولد الاسطقس الهوائي وفي الصيف بالعكس أعني إذا صارت الشمس فوق سمت رؤوسنا ~~وهذه الأفعال التي تلفي للشمس من قبل القرب والبعد الذي لها دائما من موجود ~~موجود من المكان الواحد بعينه تلفي للقمر ولجميع الكواكب فإن لكلها أفلاكا ~~مائلة وهي تفعل فصولا أربعة في حركاتها الدورية وأعظم من هذه كلها في ضرورة ~~وجود المخلوقات وحفظها الحركة العظمى اليومية الفاعلة لليل والنهار # وقد نبه الكتاب العزيز على العناية بالإنسان لتسخير جميع السماوات له في ~~غير ما آية مثل قوله سبحانه { وسخر لكم الليل والنهار } PageV08P209 ~~سورة إبراهيم 33 الآية ms1621 # فإذا تأمل الإنسان هذه الأفعال والتدبيرات اللازمة المتقنة عن حركات ~~الكواكب ورأى الكواكب تتحرك هذه الحركات وهي ذوات أشكال محدودة ومن جهات ~~محدودة ونحو حركات محدودة وحركات متضادة علم أن هذه الأفعال المحدودة إنما ~~هي عن موجودات مدركة حية ذوات اختيار وإرادة ويزيده إقناعا في ذلك أن يرى ~~أن كثيرا من الأجسام الصغيرة الحقيرة الخسيسة المظلمة الأجساد التي هاهنا ~~لم تعدم الحياة بالجملة على صغر أجرامها وخساسة أقدارها وقصر أعمارها ~~وإظلام أجسادها وأن الجود الإلهي أفاض عليها الحياة والإدراك التي بها دبرت ~~ذاتها وحفظت وجودها علم على القطع أن الأجسام السماوية أحرى أن تكون حية ~~مدركة من هذه الأجسام لعظم أجرامها وشرف وجودها وكثرة أنوارها PageV08P210 # كما قال سبحانه { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس } الآية سورة ~~غافر 57 وبخاصة إذا اعتبر تدبيرها الأجسام الحية التي هاهنا علم على القطع ~~أنها حية فإن الحي لا يدبره إلا حي أكمل حياة منه فإذا تأمل الإنسان هذه ~~الأجسام العظيمة الحية الناطقة المختارة المحيطة بنا ونظر إلى أصل ثالث وهو ~~أن عنايتها بما هاهنا هي غير محتاجة إليها في وجودها علم أنها مأمورة بهذه ~~الحركات ومسخرة لما دونها من الحيوانات والنباتات والجمادات وأن الآمر لها ~~غيرها وهو غير جسم ضرورة لأنه لو كان جسما لكان واحدا منها وكل واحد منها ~~مسخر لما دونه ههنا من الموجودات وخادم لما ليس يحتاج إلى خدمته في وجود ~~ذاته وأنه لولا مكان هذا الآمر لها لما اعتنت بما ههنا على الدوام والاتصال ~~لأنها مدبرة ولا منفعة لها خاصة في هذا الفعل فإذن إنما تتحرك من قبل الأمر ~~والتكليف للجرم المتوجه PageV08P211 ~~إليها لحفظ ما هاهنا وإقامة وجوده والآمر هو الله تعالى وهذا كله معنى قوله ~~تعالى { أتينا طائعين } # قال ومثال هذا في الاستدلال لو أن إنسانا رأى جمعا عظيما من الناس ذوي ~~نطق وفضل مكبين على أفعال محدودة لا يخلون بها طرفة عين مع أن تلك الأفعال ~~غير ضرورية في وجودهم وهم غير محتاجين إليها لأيقن على القطع ms1622 أنهم مكلفون ~~ومأمورون بتلك الأفعال وأن لهم آمرا هو الذي أوجب لهم تلك الخدمة الدائمة ~~للعناية بغيرهم المستمرة هو أعلى قدرا منهم وأرفع مرتبة وأنهم كالعبيد ~~المسخرين له # وهذا المعنى هو الذي أشار إليه الكتاب العزيز في قوله سبحانه { وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } سورة الأنعام 75 # وإذا اعتبر الإنسان أمرا آخر أن كل واحد من الكواكب السبعة PageV08P212 ~~له حركات خادمة لحركته الكلية ذوات أجسام تخدم جسمه الكلي كأنها خدمة ~~يعتنون بخادم واحد علم أيضا على القطع أن لجماعة كل كوكب منها آمرا خاصا ~~بهم رقيبا عليهم من قبل الآمر الأول مثل ما يعرض عند تدبير الجيوش أن يكون ~~منها جماعة جماعة كل واحد منها تحت آمر واحد وأولئك الآمرون وهم المسمون ~~العرفاء يرجعون إلى أمير واحد وهو أمير الجيش # كذلك الأمر في حركات الأجرام السماوية التي أدرك القدماء من هذه الحركات ~~وهي نيف على الأربعين ترجع كلها إلى سبعة آمرين وترجع السبعة أو الثمانية ~~على اختلاف بين القدماء في عدد الحركات إلى الآمر الأول # وهذه المعرفة تحصل للإنسان بهذا الوجه سواء علم كيف مبدأ خلقة هذه ~~الأجسام أعني السماوية أو لم يعلم وكيف ارتباط وجود سائر PageV08P213 ~~الآمرين بالآمر الأول أو لم يعلم فإنه لا شك أنها لو كانت موجودة من ذاتها ~~أعني قديمة من غير علة ولا موجد لجاز عليها أن لا تأتمر لآمر واحد لها ~~بالتسخير وألا تطيعه وكذلك حال الآمرين مع الآمر الأول # وإذا لم يجز ذلك عليها فهنالك نسبة بينها وبينه اقتضت لها السمع والطاعة ~~وليس ذلك أكثر من أنها ملك له في عين وجودها لا في عرض من أعراضها كحال ~~السيد مع عبيده بل في نفس وجودها فإنه ليس هنالك عبودية زائدة على الذات بل ~~تلك الذوات تقومت بالعبودية # وهذا هو معنى قوله تعالى { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا } سورة مريم 93 وهذا الملك هو ملكوت السماوات والأرض الذي أطلع الله ~~إبراهيم عليه في قوله تعالى ms1623 { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين } PageV08P214 ~~وأنت تعلم أنه إذا كان الآمر هكذا فإنه يجب ألا تكون خلقة هذه الأجسام ~~ومبدأ كونها على نحو كون الأجسام التي ههنا وأن العقل الإنساني يقصر عن ~~إدراك كيفية ذلك الفعل وإن كان يعترف بالوجود فمن رام أن يشبه الوجودين ~~أحدهما بالفاعل وأن الفاعل لها فاعل بالنحو الذي توجد الفاعلات ههنا فهو ~~شديد الغفلة عظيم الزلة كثير الوهلة # قال فهذا هو أقصى ما تفهم به مذاهب القدماء في الأجرام السماوية وفي ~~إثبات الخالق لها وفي أنه ليس بجسم وإثبات ما دونه من الموجودات التي ليست ~~بأجسام واحدها هي النفس # قال وأما إثبات وجوده من كونها محدثة على نحو حدوث الأجسام التي نشاهدها ~~كما رام المتكلمون فعسير جدا والمقدمات المستعملة في ذلك غير مفضية بهم إلى ~~ما قصدوا بيانه PageV08P215 # قلت فهذا الكلام لا ريب أنه إلى الكلام الذي نقله الناس عن أرسطو وأصحابه ~~في إثبات واجب الوجود أقرب من كلام ابن سينا وأمثاله # بل هذا خير من الكلام المنقول عن أرسطو من وجوه متعددة فإن المنقول عن ~~أرسطو إنما فيه أنه جعل الأول محركا لها من حيث هو محبوب معشوق لها للتشبه ~~به يحركها تحريك المحبوب لمحبه بل تحريك المتشبه به للمتشبه كتحريك الإمام ~~للمؤتم فإن هذا أضعف من تحريك المحبوب لمحبه كتحريك الطعام للآكل والمرأة ~~للجماع وأما هذا فقد جعله آمرا لها بالحركة مسخرا لها بذلك مكلفا لها بذلك # لكن أرسطو أثبت قوله بأن الحركة الإرادية الشوقية لا بد فيها من عقل ~~يتشبه به الفلك كما يتشبه المؤتم بالإمام # قال والشيء المتشوق إليه علة لحركة المتحرك إليه بالشوق PageV08P216 ~~والشيء المشتاق إليه معلول له من جهة تلك العلة وفي تلك الحركة وحركة كل ~~واحد من الأجسام فتشتاق كلها وترتفع إلى محرك أول لا يتحرك # وهذا لم يذكر حجة على أن المبدأ الأول هو الآمر بالحركات فإن كان قصد أن ~~أمره لها بمعنى كونه متشبها به محبوبا لها كما ذكر أرسطو فقد ذكر ms1624 طريقة ~~أرسطو بعينها وقد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع وبينا ما فيها من النقض ~~والتقصير عن إثبات واجب الوجود وأنها تدل على أن هؤلاء القوم من أبعد الخلق ~~عن معرفة الله تعالى # وكذلك كلام هذا الرجل ليس فيه إثبات الصانع كما ليس ذلك في كلام أرسطو ~~وفيه باطل وتناقض من وجوه # أحدهما أنه جعل الحركة تارة لا قوام للسماوات إلا بها كما ذكر ذلك أرسطو ~~حيث قال إنه لا وجود لها إلا في قبول الأمر وطاعة PageV08P217 ~~الآمر يعني الحركة كما ذكر أرسطو وجعلها تارة مستغنية عنها ولكنها كلفت بها ~~لأجل السفليات وأن حالها حال المكبين على أفعال لا يخلون منها طرفة عين مع ~~أن تلك الأفعال غير ضرورة في وجودهم وهم غير محتاجين إليها # الثاني أن غاية ما في هذا أن يكون آمرا لها بالحركة وليس في مجرد الأمر ~~بالفعل ما يوجب أن يكون الفعل القائم بالفاعل من إبداع الآمر ومن خلقه ولا ~~أنه محتاج إلى الآمر في نفس إحداث الفعل كما ذكره في أمر الملك لنوابه وأمر ~~القائد لجيشه وأمر السيد لعبيده # الثالث أنه لم يذكر حجة على أنه لا قوام لها إلا بالحركة التي أمرت بها ~~فمن أين يعلم أن قوام ذاتها بتلك الحركة # الرابع أنه لو قدر أنه أبدع الحركة التي قامت بها وأنه لا قوام لها إلا ~~بالحركة فغاية ما في ذلك أن يكون ذلك شرطا في قوامها ويكون فاعلا لشرط من ~~شروط وجودها ليس في هذا ما يقتضي أنه أبدع سائر أعراضها ولا أبدع أعيانها # الخامس أن هذا مبني على إثبات عقول مفارقة وراء الأفلاك وأن فيها عقلا هو ~~فوقها في الرتبة والدليل الذي ذكره هذا وابن سينا وغيرهما من الفلاسفة في ~~إثبات العقول إنما يدل على إثبات عقول PageV08P218 ~~هي أعراض تفتقر إلى أعيان تقوم بها من جنس العقل الموجود في نفوسنا فأما ~~إثبات عقول هي جواهر قائمة بنفسها فلا دليل لهم على ذلك أصلا # ولولا أن هذا ليس موضع بسط ذلك لذكرت ألفاظهم ms1625 بأعيانها ليتبين لك ما ~~ذكرته ولكن هؤلاء القوم يجعلون الأعراض جواهر والجواهر أعراضا والصفة هي ~~الموصوف والموصوف هو الصفة وعلى هذا بنوا كلامهم كما صرحوا به في غير موضع ~~ومن هنا يظهر # الوجه السادس وهو أن هذا وأمثاله جعلوا نفس العلم هو العالم وجعلوا نفس ~~العلم هو جوهرا قائما بنفسه واجب الوجود وهذا من أعظم سفسطة في الوجود وهو ~~شر من كلام النصارى بكثير # وغاية ما ينتهي إليه ما يدعونه من المفارقات المجردات عن المادة وهي ~~العقول التي جعلوها مبادئ أنها علوم كلية كالعلوم الكلية التي لنا ومن ~~المعلوم أن العلوم الكلية لا تقوم إلا بعالم لكن هؤلاء غلطوا حيث أثبت ~~قدماؤهم كأصحاب أفلاطن كليات مجردة عن الأعيان وهي المثل الأفلاطونية ~~وجعلوها أزلية أبدية وإنما التغير والتحول في أعيانها فلما تبين لأرسطو ~~وأتباعه فساد هذا أبطلوه وقالوا الكليات لا يكون PageV08P219 # وجودها منفكة عن الأعيان وهؤلاء ظنوا أيضا أن الأعيان الموجودة تقارنها ~~كليات مغايرة للأعيان وهو أيضا غلط فإن كل هذه الأمور الكلية إنما ثبوتها ~~في الأذهان لا في الأعيان وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن العقول المفارقات التي أثبتوها هي من جنس هذه الكليات ~~ولهذا يصرحون بأن العلم هو العالم حتى في واجب الوجود قالوا إنه هو العلم ~~وإنه العالم وإن العلم هو القدرة فجعلوا نفس الذات الموصوفة هي الصفة ~~وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع # ثم إنهم أثبتوا واجب الوجود بطريق الحركة وأنه لا بد لها من محرك والمحرك ~~هو المحبوب عندهم الذي يحب التشبه به لا تحب ذاته لأن الحركة الإرادية لا ~~بد لها من ذلك وادعوا أنه لا بد من محرك لا يتحرك وقد بين فساد هذا في غير ~~هذا الموضع من هذا الكتاب PageV08P220 # وابن رشد قرر طريقتهم على غاية ما أمكنه من الحسن والبيان وهي كما ترى ~~غايتها أن تكون الأجسام المتحركة محتاجة إلى آمر يحركها والمراد بأمره ~~بالحركة كونه محبوبا لها أي ms1626 تحب أن تتشبه به لا إنها تحب ذاته كما ذكره ~~سلفه الفلاسفة الذين بين طريقهم وشبهه بالملك الآمر لمن دونه من نوابه في ~~مملكته بأوامر وكل واحد يأمر من دونه وكلها ترجع إلى الآمر الأول # ومعلوم أن الآمر لم يبدع شيئا من أعيان المأمورين لا صفاتهم ولا أفعالهم ~~بل الملك الآمر له شعور بأمره وطلب من المأمور وأما كون الشيء محبوبا ~~مشتاقا إليه أو للتشبه به فليس في هذا صدور أمر من آمره ولا شعور بالمحب ~~المشتاق ولا طلب لفعل منه # وابن رشد قرر بأن الآمر لها هو المبدع لها بانها لو كانت موجودة من ذاتها ~~أي قديمة من غير علة ولا موجد لجاز عليها أن لا تأتمر لآمر واحد لها ~~بالتسخير وألا تطيعه وكذلك حال الآمرين مع الآمر الأول وإذا لم يجز ذلك ~~عليها فهنالك نسبة بينها وبينه اقتضت لها السمع والطاعة وليس ذلك أكثر من ~~أنها ملك له في عين وجودها لا في عرض من أعراضها PageV08P221 # فيقال له أنت لم تقرر أنه آمر لها وسلفك إنما ذكروا أنه محبوب لها أي تحب ~~التشبه به وهب أنه آمر لها فأنت لم تذكر دليلا على انها إذا كانت مأمورة ~~كانت مملوكة إلا قولك إنه ليس هنالك عبودية زائدة على الذات بل تلك الذوات ~~تقومت بالعبودية وهذه دعوى مجردة # فلم لا يجوز أن يقال تلك العبودية زائدة على الذات # وقولك إنها تقومت بالعبودية إن أردت تقومت بتعبدها الذي هو طاعتها ~~وحركتها فهذه دعوى أرسطو وقد علم ما فيها وبتقدير صحتها فتقومها بذلك لا ~~يقتضي أن تكون حقيقتها هي تلك الحركة بل يقتضي أن تكون الحركة شرطا في وجودها # وإن أردت بتقومها بالعبودية تقومها بأن خلقها الله تعالى فهذا هو المطلوب ~~ولم تذكر عليه حجة # وأيضا فقولك علم أن الآمر لها غيرها وهو غير جسم لأنه لو كان جسما لكان ~~واحدا منها كلام لا حجة فيه لوجهين # أحدهما أنه مسخر للعقول ولم يلزم أن يكون من العقول المسخرة فلماذا يلزم ~~إذا كان ms1627 مسخرا للأجسام أن يكون من الأجسام PageV08P222 ~~المسخرة فهو عندهم عقل وليس من العقول المسخرة فلا يلزم أيضا إذا قيل هو ~~قائم بنفسه أو هو حي عليم قدير أو هو جوهر أو جسم أو ذات أو غير ذلك أن ~~يكون من جملة المسخرات من هذا الجنس # الثاني أنه لم لا يجوز أن يكون خارجا عن جملة المسخرات المأمورة كما أنه ~~قائم بنفسه وهو آمر لأعيان قائمة بنفسها وهو موصوف وهو آمر لموصوفات وأمثال ~~ذلك وإذا كانت الأعيان أو الأجسام أو الموصوفات مختلفة الحقائق لم يلزم أن ~~يكون الآمر لها مماثلا للمأمور # وأيضا فإنك قلت لو تخيلت آمرا له مأمورون كثيرون وأولئك المأمورون لهم ~~مأمورون أخر ولا وجود للمأمورين إلا في قبول الأمر وطاعة الآمر ولا وجود ~~لمن دون المأمورين إلا بالمأمورين لوجب أن يكون الآمر الأول هو الذي أعطى ~~جميع الموجودات المعنى الذي به صارت موجودة # وهذا الكلام فيه تفريق بين المأمور الذي لا وجود له إلا في قبول الأمر ~~كما يقولون لا توجد الأفلاك إلا بلحركة وهي قبول الأمر أو أن العقول لا ~~توجد إلا بما فيها من قبول الأمر وبين ما صدر عن الأفلاك أو العقول من ~~المولدات التي لا وجود لها إلا بالعقول أو الأفلاك PageV08P223 # ومن المعلوم أن احتياج العقول والافلاك إلى الواجب بذاته أعظم من حاجة ما ~~دونها اليها فكيف يقال في هذا لا يوجد إلا به ويقال في ذلك لا يوجد إلا ~~بقبول الأمر # ومن المعلوم أن ما يظهر من تأثير الافلاك في الأرض إنما هو في بعض ~~احوالها كما ذكره من تأثير قرب الشمس وبعدها والليل والنهار # ومن المعلوم بالحس أن هذا ليس وحده مستقلا بإبداع ما في الأرض وانما هو ~~من جملة الاسباب التي بها يتم كما يفتقر الحيوان والنبات إلى الريح ~~وافتقارها إلى ذلك اعظم من افتقارها إلى الشمس وكما تفتقر إلى الأرض ~~والتراب وغير ذلك من الاسباب # وبالجملة هذه الطريق التي سلكها هؤلاء مبنية على ثلاث مقدمات أن الافلاك ~~لا تقوم إلا ms1628 بالحركة وان الحركة لا تقوم إلا بآمر منفصل أو محبوب منفصل يحب ~~التشبه به فالافلاك لا تقوم إلا بذلك ثم إذا كانت لا تقوم إلا بذلك لزم أن ~~تكون جميع اعيانها وصفاتها صادرة عنه وهم لم يقرروا ذلك # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع لكن يمكن تقريره بأن يقال إذا كان قوامها ~~بحركتها وقوام حركتها به فقوامها به واذا كان قوامها PageV08P224 ~~به امتنع أن تكون واجبة الوجود بنفسها لأن ما كان اجب الوجود بنفسه لا يكون ~~قوامه بغيره # واذا كان الفلك متحركا بغيره امتنع أن يكون واجب الوجود فيكون ممكن ~~الوجود بنفسه وممكن الوجود بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه فيجب أن يكون ~~مفتقرا إلى مبدع فاعل كما كان مفتقرا إلى محبوب مشتاق اليه للتشبه به # فهذه الطريق يمكن أن يقرر بها إثبات واجب الوجود لكن هم لم يذكروا هذا ~~وهم في اصطلاحهم لا يسمون الواجب بغيره ممكنا # وانما سلك هذه الطريقة متأخروهم لكن متأخروهم لم يثبتوا كون الفلك ممكنا ~~لا واجبا بنفسه بهذه الطريق فظهر في كلام قدمائهم التقصير من وجه وفي كلام ~~متأخريهم التقصير من وجه آخر # ولهذا لما صاروا مقصرين في إثبات كون الفلك ممكنا مصنوعا صار الدهرية ~~منهم إلى انه واجب بنفسه # ولهذا لما ناظرهم أبو حامد الغزالي وبين عجزهم عن إثبات كون كل جسم ممكنا ~~كما اعترفوا بأنه ليس كل جسم محدثا قال فإن قيل أن الدليل على أن الجسم لا ~~يكون واجب الوجود انه أن كان واجب الوجود PageV08P225 ~~لم يكن له علة لا خارجة عنه ولا داخلة فيه فإن كانت له علة لكونه مركبا كان ~~باعتبار ذاته ممكنا وكل ممكن مفتقر إلى واجب الوجود # اجاب بأن البرهان لم يقم على إثبات واجب الوجود بالتفسير الذي ادعيتموه ~~وانما قام بمعنى انه ليس له علة فاعلة واما كونه ليس له علة مادية أو صورية ~~فلم يقم دليل على واجب الوجود بهذا الاعتبار # قال وكل تلبيساتهم في هاتين اللفظتين واجب الوجود ممكن الوجود فلنعد إلى ~~المفهوم ms1629 وهو نفي العلة يعني العلة الفاعلة واثباتها فكأنهم يقولون أن هذه ~~الأجسام لها علة ام لا علة لها فيقول الدهري لا علة لها فما المستنكر واذا ~~عنى بالإمكان والوجوب هذا فنقول انه واجب وليس ممكنا وقولهم PageV08P226 # الجسم لا يكون واجبا تحكم لا أصل له # قال ابن رشد قد تقدم من قولنا انه إذا فهم من واجب الوجود ما ليس له علة ~~وفهم من ممكن الوجود ما له علة لم تكن قسمة الموجود بهذين الفصلين معترفا ~~بها فإن للخصم أن يقول ليس كما ذكر بل كان موجود لا علة له لكن إذا فهم من ~~واجب الوجود الموجود الضروري ومن الممكن الممكن الحقيقي أفضى الأمر ولا بد ~~إلى موجود لا علة له وهو أن يقال كل موجود فإما أن يكون ممكنا أو ضروريا ~~فان كان ممكنا فله علة فإن كانت تلك العلة من طبيعة الممكن تسلسل الأمر ~~فيقطع التسلسل بعلة ضرورية ثم يسأل في تلك العلة الضرورية إذا جوز ايضا أن ~~يكون من الضروري ما له علة وما ليس له علة فإن وضعت العلة من طبيعة الضروري ~~الذي له علة لزم التسلسل وانتهى الأمر إلى علة ضرورية ليس لها علة # قال وانما اراد ابن سينا أن يطابق بهذه القسمة رأى الفلاسفة في الموجودات ~~وذلك أن الجرم السماوي عند الجميع من الفلاسفة هو PageV08P227 # ضروري بغيره وأما هل الضروري بغيره فيه إمكان بالاضافة إلى ذاته ففيه نظر ~~ولهذا كانت هذه الطريقة مختلة إذا سلك فيها هذا المسلك فأما مسلكه فهو مختل ~~ضرورة لأنه لم يقسم الموجود اولا إلى الممكن الحقيقي والضروري وهي القسمة ~~الموجودة بالطبع للموجودات # قال ثم قال أبو حامد مجيبا للفلاسفة في قولهم أن الجسم ليس بواجب الوجود ~~بذاته لكونه له أجزاء هي علته فإن قيل لا ينكر أن يكون الجسم له أجزاء وان ~~الجملة إنما تتقوم بالاجزاء وان الأجزاء تكون سابقة في الذات على الجملة ~~قلنا ليكن كذلك فإن الجملة تقومت بالاجزاء واجتماعها ولا علة للاجزاء ولا ~~اجتماعها بل هي قديمة ms1630 كذلك بلا علة فاعلية فلا يمكنهم رد هذا إلا بما ذكروه ~~من لزوم نفي الكثرة عن الموجود الأول وقد أبطلناه عليهم ولا سبيل لهم سواه # قال فبان أن من لا يعتقد حدوث الأجسام فلا يصل PageV08P228 ~~لاعتقاد في الصانع اصلا # قال ابن رشد هذا القول لازم لزوم لا شك فيه لمن سلك طريقة واجب الوجود في ~~إثبات موجود ليس بجسم وذلك أن هذه الطريقة لم يسلكها القدماء وانما أول من ~~سلكها فيما وصلنا ابن سينا وقد قال انها اشرف من طريقة القدماء وذلك أن ~~القدماء إنما صاروا إلى إثبات موجود ليس بجسم هو مبدأ للكل من امور متأخرة ~~وهي الحركة والزمان وهذه الطريقة تفضي اليه زعم اعني إلى إثبات مبدأ بالصفة ~~التي أثبتها القدماء من النظر في طبيعة الوجود بما هو موجود ولو أفضت لكان ~~ما قال صحيحا لكنها ليس تفضي وذلك أن واجب الوجود بذاته إذا وضع موجودا ~~فغاية ما ينتفي عنه أن يكون مركبا من مادة وصورة وبالجملة أن يكون له جزء ~~فإذا وضع موجودا مركبا من أجزاء قديمة من شأنها أن يتصل بعضها ببعض كالحال ~~في العالم وأجزائه صدق على العالم أو على اجزائه انه واجب الوجود PageV08P229 # قال هذا كله إذا سلمنا أن ها هنا موجودا هو واجب الوجود وقد قلنا نحن أن ~~الطريقة التي سلكها في إثبات موجود بهذه الصفة ليست برهانية ولا تفضى ~~بالطبع اليه إلا على النحو الذي قلنا واكثر ما يلزم هذا القول اعني ضعف هذه ~~الطريقة عند من يضع ها هنا جسما بسيطا غير مركب من مادة وصورة وهو مذهب ~~المشائين لأن من يضع مركبا قديما من أجزاء بالفعل فلا بد أن يكون واحدا ~~بالذات وكل وحدة في شيء مركب فهي من قبل واحد هو واحد بنفسه اعني بسيطا ومن ~~قبل هذا الواحد صار العالم واحدا وكذلك يقول الاسكندر انه لا بد أن تكون ها ~~هنا قوة روحانية سارية في جميع اجزاء العالم كما يوجد في جميع اجزاء ~~الحيوان الواحد قوة تربط اجزاءه ms1631 بعضها ببعض والفرق الذي بينهما أن الرباط ~~الذي في العالم قديم من قبل أن الرابط قديم والرباط الذي بين أجزاء PageV08P230 ~~الحيوان ها هنا كائن فاسد بالشخص غير كائن ولا فاسد بالنوع من قبل الرباط ~~القديم من قبل أنه لم يمكن فيه أن يكون غير كائن ولا فاسد بالشخص كالحال في ~~العالم فتدارك الخالق سبحانه هذا النقص الذي لحقه بهذا النوع من التمام ~~الذي لم يكن فيه غيره كما يقوله أرسطوا في كتاب الحيوان # قال وقد رأينا في هذا الوقت كثيرا من أصحاب ابن سينا لموضع هذا الشك ~~تأولوا على ابن سينا هذا الرأي وقالوا انه ليس يرى أن ها هنا مفارقا وقالوا ~~أن ذلك يظهر من قوله في واجب الوجود في مواضع وانه المعنى الذي أودعه في ~~فلسفته المشرقية قالوا وانما سماها فلسفة مشرقية لانها مذهب اهل المشرق ~~ويرون أن الالهة عندهم هي الاجرام السماوية على ما كان يذهب اليه وهم مع ~~هذا يضعفون طريق ارسطو في إثبات المبدأ الأول من طريق الحركة # قال ونحن قد تكلمنا على هذه الطريقة غير ما مرة PageV08P231 ~~وبينا الجهة التي منها يقع اليقين بها وحللنا جميع الشكوك الواردة عليها ~~وتكلمنا ايضا على طريقة الاسكندر في ذلك أعني الذي اختاره في كتابه الملقب ~~بالمبادئ وذلك انه يظن انه عدل عن طريقة ارسطو إلى طريقة أخرى لكنها مأخوذة ~~من المبادئ التي بينها ارسطو وكلا الطريقين صحيحة لكن الطبيعة اكثر ذلك هي ~~طريقة ارسطو # قال ولكن إذا حققت طريقة واجب الوجود عندي على ما أصف كانت حقا وان كان ~~فيها اجمال يحتاج إلى تفصيل وهو أن يتقدمها العلم بأصناف الممكنات الوجود ~~في الجوهر والعلم بأصناف الواجبة الوجود في الجوهر وهذه الطريقة هي أن نقول ~~أن الممكن الوجود في الجوهر الجسماني يجب أن يتقدمه واجب الوجود في الجوهر ~~الجسماني وواجب الوجود في الجوهر الجسماني يجب أن يتقدمه واجب الوجود ~~بإطلاق وهو الذي لا قوة فيه اصلا لا في الجوهر ولا في غير ذلك من انواع ~~الحركات وما هو ms1632 هكذا فليس بجسم مثال ذلك أن الجرم السماوي قد يظهر من أمره ~~انه واجب الوجود في الجوهر الجسماني وألا لزم أن يكون هنالك جسم اقدم منه ~~وظهر منه أنه PageV08P232 ~~ممكن الوجود في الحركة التي في المكان فوجب أن يكون المحرك له واجب الوجود ~~في الجوهر وألا يكون فيه قوة اصلا لا علة حركة ولا على غيرها فلا يوصف ~~بحركة ولا سكون ولا بغير ذلك من انواع التغيرات وما هو بهذه الصفة فليس ~~بجسم اصلا ولا قوة في جسم واجزاء العالم الأزلية إنما هي واجبة الوجود في ~~الجوهر إما في الكلية كالحال في الاسطقسات الاربع واما بالشخص كالحال في ~~الاجرام السماوية # قلت المقصود ذكر طرق هؤلاء ومنتهى نظرهم ومعرفتهم وان خيار ما في كلام ~~ابن سينا وامثاله وانما تلقاه من طرق المتكلمين كالمعتزلة ونحوهم مع ما ~~فيهم من البدعة واما ما ذكره هذا من طريقة الفقهاء فهي أضعف وأقل فائدة في ~~العلوم الإلهية من طريقة ابن سينا بكثير فإن ابن سينا أدخل في الفلسفة من ~~المعارف الإلهية التي ركبها من طرق المتكلمين وطرق الفلاسفة والصوفية ما ~~كسا به الفلسفة بهجة ورونقا حتى نفقت على كثير أهل الملل بخلاف فلسفة ~~القدماء فإن فيها من التقصير والجهل في العلوم الإلهية ما لا يخفي على أحد # وانما كلام القوم وعلمهم في العلوم الرياضية والطبيعية وكل فاضل يعلم أن ~~كلام ارسطو وامثاله في الالهيات قليل نزر جدا قليل PageV08P233 ~~الفائدة إذا كان صحيحا مع أنه لا يوصل اليه إلا بتعب كثير مع انه يقول هذا ~~غاية فلسفتنا ونهاية حكمتنا # وهو كما قيل لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقل # وهذا الذي ذكره ابن رشد في إثبات واجب الوجود مضمونة أن ممكن الوجود وهو ~~في اصطلاحه الذي ذكره عن القدماء المحدث بعد عدم يجب أن يتقدمه واجب الوجود ~~وهو القديم الذي لم يسبقه عدم # وهذا هو بعينه قول المتكلم أن المحدث مفتقر إلى قديم # ثم قال وواجب الوجود في الجوهر الجسماني ms1633 يجب أن يتقدمه واجب الوجود ~~بإطلاق وهو الذي لا قوة فيه اصلا وليس بجسم # وهذا لم يذكر عليه دليلا صحيحا # وقوله أن الفلك يظهر من أمره انه واجب الوجود أي قديم في جوهره وانه ممكن ~~الوجود في الحركة هو قول الفلاسفة الدهرية الذين يقولون أن الافلاك قديمة ~~وحركتها دائمة # وهذا لا دليل لهم عليه اصلا بل جميع ما يذكرونه من الأدلة في PageV08P234 ~~قدم العالم لا يدل شيء منها على قدم الافلاك بل غاية ما يدل على أن الله لم ~~يزل فاعلا وأنه لا بد قبل الافلاك من شيء آخر موجود ونحو ذلك مما لا يدل ~~على قدم الافلاك # ثم إذا قدر ثبوت ذلك فقوله يجب أن يكون المحرك للفلك واجب الوجود في ~~الجوهر وألا يكون فيه قوة أصلا لا على حركة ولا غيرها فلا يكون جسما أي لا ~~يقوم به فعل من الأفعال دعوى مجردة # ثم لو قدر انه لا يقوم به فعل فلم قال أن ما لا يقوم به فعل لا يكون جسما ~~ويقال غاية ما ذكره أن يكون ما قاله ممكنا فيقال كما انه يمكن ذلك فيمكن ~~نقيضه فإنه كما يجوز أن يكون المحرك له غير متحرك فالمحرك المتحرك اولى ~~بالجواز والامكان # ثم يقال بل ما ذكرته هو على نقيض قولكم أدل منه على قولكم وذلك لأن الفلك ~~إذا كان دائم الحركة وقد قررت أن المحرك له غيره فالمحرك له إما أن يكون ~~متحركا واما أن لا يكون فإن لم يكن متحركا كان محركا لغيره بدون حركة فيه # وهذا إما أن يكون ممكنا واما أن يكون ممتنعا فإن كان ممكنا بطل مذهبهم ~~وان أمكن فالفلك نفسه إما أن يكون واجبا بنفسه واما أن يكون ممكنا فإن كان ~~واجبا بنفسه وحركته ممكنة وهو محتاج في حركته PageV08P235 ~~إلى محرك منفصل كان واجب الوجود بنفسه جسما متحركا بحركة تقوم به يفتقر ~~فيها إلى غيره # وحينئذ فيمكن أن يقال المحرك للفلك هو ايضا جسم متحرك بحركة فيه سواء ~~احتاج فيها إلى غيره ms1634 أو لم يحتج واذا لم يحتج إلى غيره كان اولى وان قيل أن ~~الفلك ممكن الوجود فلا بد له من الواجب فيكون الواجب علة موجبة له فلا بد ~~أن يكون علة تامة في الأزل له لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن كذلك # والعلة التامة لا يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها فإن كان علة تامة ~~لحركة الفلك لزم وجودها في الأزل وهو ممتنع وإن لم يكن علة تامة له لم يكن ~~بد من أمر يتجدد يصير به علة تامة لحدوث ما يحدث من الحركة وذلك المتجدد إن ~~كان منه فقد بطل قولهم وإن كان من الممكن كان قولهم أبطل وأبطل فإن من ~~الممكن لابد أن يكون له من الواجب إذ لا شىء له من نفسه # وهذا يصلح أن يكون حجة في هذه المسألة وهو أن الحركة الدائمة في الفلك ~~إذا كانت صادرة عن موجب فالموجب لها إن كان علة تامة لها في الأزل لم يتأخر ~~عنها شىء من معلولها وان لم تكن تامة في الأزل صار موجبا بعد أن لم يكن # وذلك التمام أن كان له من نفسه كان متحركا وهو خلاف ما زعموه وان كان من ~~غيره كان واجب الوجود بنفسه مفتقرا في تمام فعله إلى غيره PageV08P236 # وهذا أعظم عليهم وهو أن يكون متحركا بحركة من غيره # واذا قيل نقول في صدور الفعل الدائم الذي في الفلك عن الواجب ما يقال لو ~~كان ذلك الفعل في الواجب # قيل الفعل إذا كان قائما في الواجب بنفسه لم يكن على هذا القول يمتنع أن ~~تقوم به الأفعال التي تتعلق بمشيئته وقدرته ولا يكون مفتقرا في شيء بن ذلك ~~إلى شيء من مخلوقاته بل كل ما سواه فقير اليه # واما على قولهم فهم يقولون انه يمتنع أن يقوم بالمبدأ الأول شيء من ~~الأفعال ويقولون أن الفعل الدائم القائم بالفلك صادر عنه شيئا بعد شيء # فيقال لهم الفلك أن كان واجبا بنفسه فقد قام بالواجب بنفسه حركات شيئا ~~بعد شيء فامتنع ms1635 أن يقولوا أن الواجب بنفسه لا تقوم به الأفعال وان كان ~~الفلك ليس واجبا بنفسه بل ممكن بنفسه فهو صادر عن الأول ذاته وصفاته ~~وأفعاله # فإذا قدر قديما لزم أن يكون المقتضي التام له قديما والفلك الممكن قابل ~~للحركة شيئا بعد شيء فلا بد له من واجب والحركة ممكنة لا واجبة بنفسها فلا ~~بد لها من فاعل يفعلها شيئا بعد شيء فإذا قدر الفاعل الفلك ففاعلية الفلك ~~ممكنة فإذا حدثت شيئا بعد شيء لم يكن PageV08P237 ~~لها بد من فاعل وحدوث الحوادث شيئا بعد شيء عن علة تامة في الأزل لا يتأخر ~~عنها شيء من موجبها ممتنع فوجب أن يكون الموجب لحدوث تلك الحوادث امرا ~~يتعلق بالواجب وذلك من لوازم الواجب لا يفتقر إلى غير الواجب وما منه بخلاف ~~ما يقوم بالممكن فإن الممكن نفسه مفتقر إلى غيره فما فيه اولى أن يفتقر إلى غيره # وهذا قد بسط في موضع آخر وبين انهم يلزمهم التناقض وفساد قولهم سواء قدر ~~الفلك واجبا بنفسه أو قدر ممكنا واجبا بغيره # والمقصود هنا إنما كان التنبيه على طريق الطوائف في إثبات الصانع وان ما ~~يذكره اهل البدع من المتكلمة والمتفلسفة فإما أن يكون طويلا لا يحتاج اليه ~~أو ناقصا لا يحصل المقصود وان الطرق التي جاءت بها الرسل هي أكمل الطرق ~~وأقربها وأنفعها وان ما في الفطرة المكملة بالشرعة المنزلة يغني عن هذه ~~الأمور المحدثة وان سالكيها يفوتهم من كمال المعرفة بصفات الله تعالى ~~وأفعاله ما ينقصون به عن أهل الإيمان نقصا عظيما إذا عذروا بالجهل وألا ~~كانوا من المستحقين للعذاب إذا خالفوا النص الذي قامت عليهم به الحجة فهم ~~بين محروم ومأثوم PageV08P238 # وهذه الطرق التي أخذها ابن سينا عن المتكلمين من المعتزلة ونحوهم وخلطها ~~بكلام سلفه الفلاسفة صار بسبب ما فيها من البدع المخالفة للكتاب والسنة ~~يستطيل بها على المسلمين ويجعل القول الذي قاله هؤلاء هو قول المسلمين وليس ~~الأمر كذلك وانما هو قول مبتدعتهم وهكذا عمل اخوانه القرامطة الباطنية ~~صاروا يلزمون كل طائفة ms1636 من طوائف المسلمين بالقدر الذي وافقوهم عليه مما هو ~~مخالف للنصوص ويلزمونهم بطرد ذلك القول حتى يخرجوهم عن الإسلام بالكلية # ولهذا كان لهؤلاء وأمثالهم نصيب من حال المرتدين الذين قال الله تعالى ~~فيهم { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم } سورة المائدة 54 ولهذا آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى ~~عبادة الاوثان والشرك بالرحمن مثل دعوة الكواكب والسجود لها أو التصنيف في ~~ذلك كما صنفه الرازي وغيره في ذلك # والذي أحدثه الفلاسفة كابن سينا وامثاله عن المعتزلة منه ما هو صحيح ومنه ~~ما هو باطل فالصحيح كقولهم أن تخصيص شيء دون PageV08P239 ~~شيء بالحدوث في وقت دون وقت لا بد له من مخصص والباطل نفى الصفات # وركب ابن سينا من الامرين ما دار به على المعتزلة ونحوهم من المتكلمين ~~ولم يقتصر على مجرد ما قالوه بل وسع القول فيه حتى وصله بكلام سلفه الدهرية # فالأول وهو أن تخصيص الحدوث بوقت لا بد له من مخصص ضم اليه أن كل ممكن ~~وان كان قديما لا يترجح إلا بمرجح وبنى على ذلك إثبات واجب الوجود # وهي الطريقة التي أحدثها في الفلسفة وهي مركبة من كلام الفلاسفة ~~والمعتزلة والمعتزلة لا تقتصر في أن التخصيص لا بد له من مخصص على تخصيص ~~الحدوث بل تقول ذلك فيما هو أعم من ذلك ولا تفرق بين الاختصاص الواجب ~~والاختصاص الممكن # وابن سينا وافقهم على ذلك فتناقضت عليه اصوله واما الأصل الفاسد الذي ~~اخذه عنهم فهو نفي الصفات ولما كانت المعتزلة تنفي الصفات وتسمي اثباتها ~~تجسيما والتجسيم تركيبا ويقولون أن المركب لا بد له من مركب فلا يكون مركبا ~~فلا يكون PageV08P240 ~~جسما لأن الجسم مركب فلا يقوم به صفة لان الصفة لا تقوم إلا بجسم ولا يكون ~~فوق العالم لانه لا يكون فوق العالم إلا جسم # ولا يرى في الآخرة لأن الرؤية إنما تقع على جسم ms1637 أو عرض في جسم # وكلامه مخلوق لانه لو قام به الكلام لكان جسما # اخذ ابن سينا وامثاله هذه الاصول وألزموهم ما هو ابلغ من ذلك فزاد في نفي ~~الصفات عليهم حتى كان أظهر تعطيلا منهم بل ابلغ تعطيلا من الجهم رأس نفاة ~~الصفات وخالف ابن سينا وامثاله المعتزلة في امور بعضها اصابوا في مخالفتهم ~~وبعضها اخطأوا في مخالفتهم لكن الذي اصابوا فيه منه ما صاروا يحتجون به على ~~باطلهم لضعف طريق المعتزلة الذي به يردون باطلهم # وهذا الذي ذكرته يجده من اعتبره في كتب ابن سينا كالاشارات وغيرها ويتبين ~~للفاضل انه إنما بنى الحاده في قدم العالم على نفي الصفات فإنهم لما نفوا ~~الصفات والافعال القائمة بذاته وسموا ذلك توحيدا ووافقهم ابن سينا على ~~تقرير هذا النفي الذي سموه توحيدا بين امتناع القول بحدوث العالم مع هذا ~~الأصل واظهر تناقضهم PageV08P241 # ولكن قوله في قدم العالم افسد من قولهم ويمكن اظهار تناقض قوله اكثر من ~~اظهار تناقض اقوالهم فلهذا تجده في مسألة قدم العالم يردد القول فيها ويحكي ~~كلام الطائفتين وحجتهم كأنه أجنبي ويحيل الترجيح بينهما إلى نظر الناظر مع ~~ظهور ترجيحه لقول القائلين بالقدم # وأما مسألة نفي الصفات فيجزم بها ويجعلها من المقطوع به الذي لا تردد فيه ~~فإنهم يوافقون عليها وهو بها تمكن من الاحتجاج عليهم في قدم العالم وبها ~~تمكن من انكار المعاد وتحريف الكلم عن مواضعه وقال نقول في النصوص الواردة ~~في المعاد كما قلتم في النصوص الواردة في الصفات وقال كما أن الكتب الإلهية ~~ليس فيها بيان ما هو الحق في نفس الأمر في التوحيد يعني التوحيد الذي ~~وافقته عليه المعتزلة وهو نفي الصفات بناء على نفي التجسيم والتركيب فكذلك ~~ليس فيها بيان ما هو الحق في نفس الأمر في امر المعاد وبنى ذلك على أن ~~الافصاح بحقيقة الأمر لا يمكن خطاب الجمهور به وانما PageV08P242 ~~يخاطبون بنوع من التخييل والتمثيل الذي ينتفعون به فيه كما تقدم كلامه # وهذا كلام الملاحدة الباطنية الذين الحدوا في اسماء الله ms1638 واياته وكان ~~منتهى أمرهم تعطيل الخالق وتكذيب رسله وابطال دنيه ودخل في ذلك باطنية ~~الصوفية اهل الحلول والاتحاد وسموه تحقيقا ومعرفة وتوحيدا ومنتهى أمرهم هو ~~الحاد باطنية الشيعة وهو انه ليس إلا الفلك وما حواه وما وراء ذلك شيء # وكلام ابن عربي صاحب فصوص الحكم وامثاله من الاتحادية القائلين بوحدة ~~الوجود يدور على ذلك لمن فهمه ولكن يسمون هذا العالم الله فمذهبهم في ~~الحقيقة مذهب المعطلة كفرعون وأمثاله ولكن هؤلاء يطلقون عليه هذا الاسم ~~بخلاف أولئك وايضا فقد يكون جهال هؤلاء وعوامهم يعتقدون انهم يثبتون خالقا ~~مباينا للمخلوق مع قولهم بالوحدة والاتحاد كما رأينا منهم طوائف مع ما دخلا ~~فيه من العلم والدين لا يعرفون حقيقة مذهب هؤلاء لما في ظاهره من الإقرار ~~بالصانع ورسله ودينه وإنما يعرف ذلك من كان ذكيا خبيرا بحقيقة مذهبهم ومن ~~كان كذلك فهو أحد رجلين إما مؤمن عليم أن هذا يناقض الحق وينافى دين ~~الإسلام فذمهم وعاداهم وإما ذنديق منافق علم حقيقة PageV08P243 ~~أمرهم وأظهر ما يظهرون وكان من أئمتهم فهذا وأمثاله من جنس آل فرعون الذين ~~جعلوا ائمة يدعون إلى النار # والاول من اتباع الرسل والانبياء كآل إبراهيم الذين جعلهم الله ائمة ~~يهدون بأمره # وهذا الذي ذكرته لك من حال هؤلاء يتبين لكل مؤمن ذكي رأى كتبهم وتبني له ~~مقصودهم فما ذكرته عن ابن سينا مذكور في كتابه الاشارات الذي هو زبدة ~~الفلسفة عندهم الذي قال في خاتمته ايها الاخ اني مخضت لك في هذه الاشارات ~~عن زبد الحق وألقمتك نقي الحكم في لطائف الكلم فصنه عن المبتذلين والجاهلين ~~ومن لم يرزق الفطنة الوقادة والروية والسعادة وكان صغاه مع الغاغة أو كان ~~من ملاحدة هؤلاء المتفلسفة ومن PageV08P244 ~~هجمهم فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته أو بتوقفه عما يفزع ~~اليه الوسواس وينظر إلى الحق بعين الرضا والصدق فآته ما يسألك منه مدرجا ~~مجزأ مفرقا تستفرس ما تسلفه لما تستأنفه وعاهده بالله وبالايمان التي لا ~~مخرج له منها أن يجري فيما تؤتيه مجراك متأسيا ms1639 بك فإن أذعت هذا العلم ~~وأضعته فالله بيني وبينك # وبهذه الوصية اوصى الرازي في شرحه له كما وصى بذلك في كلامه على حديث ~~المعراج لما شرحه بنظير شرح هؤلاء له وهذا من جنس وصايا القرامطة الملاحدة ~~في البلاغ الاكبر والناموس الاعظم # والمقصود هنا أن ابن سينا في هذا الكتاب الذي عظمه لما تكلم على افعال ~~الرب تعالى وصفاته سلك ما ذكرته لك عنه كما قد ذكرنا في PageV08P245 ~~غير هذا الموضع لما ذكر النزاع في مسألة الصنع والابداع وحدوث العالم # قال في آخره فهذه هي المذاهب واليك الاعتبار بعقلك دون هواك بعد أن تجعل ~~واجب الوجود واحدا # والرازي لم يعرف وجه وصيته فقال أن كان المقصود منه الأمر بالثبات على ~~التوحيد فإنه يكون كلاما أجنبيا عن مسألة الحدوث والقدم وان كان المقصود ~~منه إنما هي المقدمة التي يظهر منها الحق في مسألة القدم والحدوث فهو ضعيف ~~لأن القول بوحدة واجب الوجود لا تأثير له في ذلك أصلا لأن القائلين بالقدم ~~يقولون ثبت اسناد الممكنات بأسرها إلى واجب الوجود لذاته فسواء كان الواجب ~~وحدا أو أكثر من واحد لزم من كونه واجبا دوام آثاره وأفعاله وأما القائلون ~~بالحدوث فلا يتعلق شيء من أدلتهم بالتوحيد والتثنية فثبت انه لا تتعلق ~~مسألة القدم والحدوث بمسألة التوحيد # قلت ليس مراد ابن سينا بالتوحيد التوحيد الذي جاءت به الرسل وهو عبادة ~~الله وحده لا شريك له مع ما يتضمنه من أنه لا رب لشيء من الممكنات سواه فإن ~~اخوانه من الفلاسفة من أبعد الناس عن هذا PageV08P246 ~~التوحيد إذ فيهم من الاشراك بالله تعالى وعبادة ما سواه واضافة التأثيرات ~~إلى غيره بل ما هو معلوم لكل من عرف حالهم ولازم قولهم اخراج الحوادث كلها ~~عن فعله وانما مقصوده التوحيد الذي يذكره في كتبه وهو نفي الصفات وهو الذي ~~شارك فيه المعتزلة وسموه ايضا توحيدا # وهذا النفي الذي سموه توحيدا لم ينزل به كتاب ولا بعث به رسول ولا كان ~~عليه أحد من سلف الأمة وائمتها بل هو ms1640 مخالف لصريح المعقول مع مخالفته لصحيح ~~المنقول # والمقصود منه وجه ارتباطه بمسألة الحدوث والقدم وذلك أن الأصل الذي بنى ~~عليه حجته في مسألة القدم أنه كيف تحدث السموات بعد أن لم تكن محدثة من غير ~~حدوث أمر وهذا إنما يكون على قول نفاة الصفات والافعال القائمة به الذين ~~يقولون انه لا يقوم به فعل يتعلق بمشيته ومقدرته وألا فعلى قول اهل الاثبات ~~تبطل حجته # وأيضا فمقصوده تمهيد اصله في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وهذا إنما ~~يتم إذا اثبت موجودا مجردا لا صفة له ولا نعت وألا فإذا كان الخالق موصوفا ~~بصفات متنوعة كالعلم والقدرة والكلام والمشيئة PageV08P247 ~~والرحمة وبأفعال متنوعة كالخلق والاستواء ونحو ذلك لم يكن واحدا عندهم بل ~~كان مركبا وجسما # وحينئذ فيقال لهم هذا الذي تسمونه واحدا لا حقيقة له في الخارج وانما هو ~~أمر يقدر في الاذهان لا يوجد في الاعيان وهو نظير الواحد البسيط الذي ~~يجعلون منه تتركب الانواع فإن هذا الواحد الذي يثبتونه في الكليات ويقولون ~~انه منه تتركب الانواع الموجودة هو نظير الواحد الذي يثبتونه في الالهيات ~~ويقولون هو مبدأ الوجود وكلاهما لا حقيقة له في الخارج وانما هو يقدره ~~الذهن كما يقدر الكليات المجردة عن الأعيان وكما يقدر بعدا مجردا ودهرا ~~مجردا ومادة مجردة كما يقوله شيعة أفلاطن ومن وافقهم # بل هذه الأمور اقرب إلى وجودها في الخارج من ذلك الواحد الذي يقدرونه إما ~~الواحد الكلي البسيط الذي تتركب منه الانواع في حدودها وحقائقها واما ~~الواحد المعين الذي تصدر عنه الموجودات ومتى بطل واحدهم هذا بطل توحيدهم ~~فبطل نفيهم للصفات وبطل قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فبطل قولهم في ~~الأفعال فبطل ما قرروه في قدم العالم وبطل ما احتجوا به على ذلك من الحجة ~~حيث قالوا كيف يصدر عنه ما لم يكن صادرا من غير قيام امر متجدد PageV08P248 ~~به فكان ابطال ما الحدوا به في توحيد الله تعالى يهدم اصول ضلالهم # وايضا فالمقالات التي أبطلها ابن سينا في مسألة ms1641 حدوث العالم وقدمه بنى ~~ابطالها على هذا التوحيد الذي هو نفي الصفات فكان هذا عصمته التي لا بد له منها # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن ابن سينا ذكر مقالات الناس في مسألة ~~الحدوث والقدم ولم يذكر مقالة اساطين الفلاسفة المتقدمين كما لم يذكر مقالة ~~الأنبياء والمرسلين والمقالات التي حكاها من الباطل إنما احتج على ابطالها ~~بما لا حجة له فيه فقال اوهام وتنبيهات قال قوم أن هذا الشيء المحسوس موجود ~~لذاته واجب لنفسه لكنه إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا ~~المحسوس واجبا وتلوت قوله تعالى { لا أحب الآفلين } سورة الانعام 76 فإن ~~الهوي في حظيرة الإمكان أفول ما PageV08P249 # قلت وهذا القول هو قول القائلين بقدم العالم وأنه واجب بنفسه ليس له موجب ~~آخر هو الظاهر المشهور من مذاهب الدهرية واليه يعود كلام محققيهم ولهذا كان ~~أئمة الكلام القدماء من المعتزلة والاشعرية وغيرهم كأبي على الجبائي ~~وأمثاله وكالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلي وأمثالهما لا يذكرون عن الدهرية ~~إلا هذا القول # واما القول الذي ذكره ابن سينا وهو أنه معلول علة واجبة ابدعته فهذا قوله ~~وقول امثاله من الفلاسفة وقد حكى هذا القول عن برقلس وقد نازعه فيه اخوانه ~~الفلاسفة وهو لم يذكر له عليهم حجة مستقيمة وانما احتج عليهم بما ذكره في ~~توحيد واجب الوجود وانه لا يكون موصوفا بصفات فتكون فيه كثرة ولا يكون جسما ~~فتكون فيه كثرة ونفي الانواع الخمسة التي سماها تركيبا كتركيب الجسم من ~~اجزائه الحسية الجواهر المفردة ومن أجزائه العقلية وهي المادة والصورة ومن ~~الذات والصفات ومن العام والخاص ومن الوجود والماهية PageV08P250 # ولهذا بين أبو حامد الغزالي وغيره من المسلمين بل وابن رشد وامثاله من ~~الفلاسفة فساد ما ذكروه في هذا التوحيد وبطلان ما نفوه من هذه المعاني التي ~~سموها تركيبا وأنه لا حجة لهم على ذلك أصلا إلا ما توهموه من مدلول لفظ ~~واجب الوجود بالمعنى الذي تصوروه لا بالمعنى الذي قام عليه الدليل فكان ~~مبنى حجتهم ms1642 على ألفاظ مجملة إذا بينت ظهر فساد كلامهم # ولهذا احتاج ابن سينا في مسألة إثبات الصانع إلى توحيده فضلا عن إثبات ~~افعاله قال وقال آخرون بل هذا الوجود المحسوس معلول ثم افترقوا فمنهم من ~~زعم أن أصله وطينته غير معلولين لكن صنعته معلولة وهؤلاء قد جعلوا في ~~الوجود واجبين وأنت خبير باستحالة ذلك ومنهم من جعل وجوب الوجود لشيئين أو ~~لعدة اشياء وجعل غير ذلك من ذلك وهؤلاء في حكم الذين من قبلهم # فيقال له الذين جعلوا الوجود لشيئين أو عدة اشياء يدخل فيهم من جعل أصله ~~وطينته غير معلومين فإن ما لم يكن معلولا كان واجبا لنفسه فهؤلاء جنس واحد ~~حيث جعلوا واجب الوجود أكثر من PageV08P251 ~~واحد ومع هذا فحجتك على ابطال قولهم قد عرف ضعفها ولكن الفرق بين هؤلاء ~~وهؤلاء أن هؤلاء يجعلون الصانع اكثر من واحد فيقولون بالتعدد في الصانع ~~وأولئك إذا اثبتوا اصلا وطينة غير معلولة فلا يجعلونها فاعلة صانعة بل ~~قابلة للفاعل فهؤلاء يقولون أن الفاعل للعالم واجب بنفسه وهؤلاء يدخل فيهم ~~من قال بقولهم كابن زكريا المتطبب حيث قالوا القدماء خمسة وسبب حدوث العالم ~~عشق النفس للهيولي فإن هؤلاء يقولون بقدم مادة العالم ومكانه وزمانه والنفس # وكان ابن سينا ذكر هذا القول وذكر قول المجوس الذين يقولون بقدم النور ~~والظلمة فهذان القولان متشابهان من بعض الوجوه فإن هذا يقول سبب حدوث ~~العالم اختلاط النور والظلمة وهذا يقول سببه عشق النفس للهيولي ثم ذكر قول ~~المتكلمين وقول اصحابه فلم يذكر إلا هذه الأقوال الاربعة واما قول ائمة ~~الفلاسفة واساطينهم القدماء فلم يذكره كما لم يذكر قول الأنبياء وسلف الأمة # وحينئذ فيقال مذهب جمهور الفلاسفة أن اصل العالم معلول عن الواجب بنفسه ~~والعالم مع ذلك محدث الصورة فهؤلاء لا يقولون بتعدد الواجب ولا يقولون بقدم ~~العالم ولا يقولون بأن طينته غير PageV08P252 ~~معلولة وهذا القول لم يذكره في نقله للمقالات مع أنه من أشهر الأقوال عن ~~أساطين الفلسفة وهو أظهر اقوالهم في الحجة والدليل فإنه لا يرد ms1643 عليه ما يرد ~~على غيره ولا يمكنه أن يحتج على فساد قول هؤلاء بما احتج به على فساد قول ~~غيرهم بل حجته الصحيحة لا تدل إلا على قول هؤلاء فإنهم يمكنهم أن يثبتوا ~~للحوادث سببا حادثا ولا يجعلون الفاعل معطلا عن الفعل ولا يقولون بقدم ~~الافلاك وحدوث حوادثها من غير سبب حادث ولا يخالفون النصوص المشهورة عن ~~الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه فكان قولهم اقرب إلى العقل والنقل من ~~الأقوال التي ذكرها # قال ومنهم من وافق على أن واجب الوجود واحد ثم افترقوا فقال فريق منهم ~~انه لم يزل ولا وجود لشيء عنه ثم ابتدأ وأراد وجود شيء عنه ولولا هذا لكانت ~~احوال متجددة من أصناف شتى في الماضي لا نهاية لها موجودة بالفعل لأن كل ~~واحد منها وجد فالكل وجد فيكون لما لا نهاية له من امور متعاقبة كلية ~~منحصرة في الوجود قالوا وذلك محال وان لم تكن كلية حاصرة لاجزائها معا ~~فإنها في حكم ذلك وكيف يمكن أن تكون حال من هذه الاحوال PageV08P253 ~~توصف بأنها لا تكون إلا بعد مالا نهاية له فتكون موقوفة على مالا نهاية له ~~فيقطع اليها ما لا نهاية له ثم كل وقت يتجدد يزداد عدد تلك الاحوال وكيف ~~يزداد عدد مالا نهاية له ومن هؤلاء من قال أن العالم يوجد حين كان اصلح ~~لوجوده ومنهم من قال لم يمكن وجوده إلا حين وجد ومنهم من قال لا يتعلق ~~وجوده بحين وشيء آخر بل بالفاعل ولا يسأل عن لم فهؤلاء هؤلاء # قال وبإزاء هؤلاء قوم من القائلين بوحدانية الأول يقولون أن واجب الوجود ~~بذاته واجب الوجود في جميع صفاته وأحواله الأزلية وانه ليس يتميز في العدم ~~الصريح حال الأولى به فيها أن لا يوجد شيئا أو بالاشياء أن لا توجد عنه ~~أصلا وحال بخلافها ولا يجوز أن تسنح له إرادة متجددة إلا لداع وان PageV08P254 ~~تسنح جزافا وكذلك لا يجوز أن تسنح طبيعة أو غير ذلك بلا تجدد حال وكيف تسنح ~~إرادة لحال تجددت وحال ms1644 حال ما يتجدد كحال ما يمهد له التجدد فيتجدد واذا لم ~~يكن تجدد كانت حاله ما لم يتجدد شيء حالا واحدة مستمرة على نهج واحد وسواء ~~جعلت التجدد لأمر تيسر أو لأمر زال مثلا لحسن من الفعل وقتا ما أو تيسر أو ~~وقت معين أو غير ذلك مما عد أو لقبح كان بكون له قد زال أو عائق أو غير ذلك ~~كان فزال # قالوا فإن كان الداعي إلى تعطيل واجب الوجود عن افاضة الخير والجود هو ~~كون المعلول مسبوق العدم لا محالة فهذا الداعي PageV08P255 ~~ضعيف قد انكشف لذوي الأبصار ضعفه على أنه قائم في كل حال وليس في حال بأولى ~~بإيجاب السبق من حال وأما كون المعلول ممكن الوجود في نفسه واجب الوجود ~~بغيره فليس يناقض كونه دائم الوجود بغيره كما نبهت عليه # وأما كون غير المتناهي كلا موجودا ككون كل واحد وقتا ما موجودا فهو توهم ~~خطأ فليس إذا صح على كل واحد حكمه صح على كل محصل وألا لكان يصح أن يقال ~~الكل من غير المتناهي يمكن أن يدخل في الوجود لأن كل واحد يمكن أن يدخل في ~~الوجود فيحمل الإمكان على الكل كما حمل على كل واحد # قالوا ولم يزل غير المتناهي من الاحوال التي يذكرونها معدوما إلا شيئا ~~بعد شيء وغير المتناهي المعدوم قد يكون فيه اكثر وأقل ولا يثلم ذلك كونها ~~غير متناهية في العدم # وأما توقف الواحد منها على أن يوجد قبله مالا نهاية له أو احتياج شيء ~~منها إلى أن ينقطع اليه ما لا نهاية له فهو قول كاذب فإن معنى قولنا كذا ~~توقف على كذا هو أن الشيئين وصفا معا بالعدم PageV08P256 ~~والثاني لم يكن يصح وجوده إلا بعد وجود المعلول الأول وكذلك الاحتياج ثم لم ~~يكن البتة ولا في وقت من الاوقات يصح أن يقال أن الاخير كان متوقفا على ~~وجود ما لا نهاية له أو محتاجا إلى أن يقطع اليه ما لا نهاية له بل أي وقت ~~فرضت وجدت بينه وبني ms1645 كون الاخير اشياء متناهية ففي جميع الاوقات هذه صفته ~~لا سيما والجميع عندكم وكل واحد واحد فإن عنيتم بهذا التوقف أن هذا لم يوجد ~~إلا بعد وجود أشياء كل واحد منها في وقت آخر لا يمكن أن يحصى عددها وذلك ~~محال فهذا نفس المتنازع فيه انه ممكن أو غير ممكن فكيف يكون مقدمة في ابطال ~~نفسه أبأن يغير لفظها بتغيير لا يتغير به المعنى قالوا فيجب من اعتبار ما ~~نبهنا عليه أن يكون الصانع الواجب الوجود غير مختلف النسب إلى الاوقات ~~والأشياء الكائنة عنه كونا أوليا وما يلزم من ذلك الاعتبار لزوما ذاتيا إلا ~~ما يلزم من اختلافات يلزم عندها فيتبعها التغير PageV08P257 # قال فهذه هي المذاهب واليك الاعتبار بعقلك دون هواك # هذا جملة كلامه فهذا الكلام قد ذكر فيه قول المعتزلة ونحوهم من أهل ~~الكلام وقوله وقول امثاله من الفلاسفة وذكر حجة المعتزلة المعروفة عندهم ~~وهو دليل الاعراض المبني على ابطال حوادث لا تتناهى وذكر حجته في أن تخصيص ~~حال دون حال بالفعل لا بد له من مخصص فإذا كانت الاحوال متساوية لزم انتفاء ~~المخصص فينتفي التخصيص فينتفي ما ذكروه من الحدوث # وهذه الحجة مادتها من كلام المعتزلة الصحيح حيث أخذ عنهم أن التخصيص بوقت ~~دون وقت لا بد له من مخصص وهم بنوا على ذلك إثبات الصانع وهو على ذلك بنى ~~إثبات واجب الوجود لكن نقل ذلك إلى الممكن الذي ليس له من نفسه وجود ~~فتخصيصه بالوجود دون العدم وبالعدم دون الوجود كتخصيص الحدوث بوقت دون وقت # وقد عرف أن هذا الكلام مادته من كلام المعتزلة والفلاسفة PageV08P258 ~~جميعا وأن الصواب الذي فيه وهو امتناع تخصيص المحدث أو الممكن بلا مخصص هو ~~من كلام المعتزلة الذي وافقهم عليه والخطأ الذي فيه بعضه منهم وأكثره منه ~~فإنه ألزم المعتزلة بطرد هذا الأصل فلما لم يطردوه نقض قولهم # وحينئذ فيقال له بطلان قول المعتزلة لا يستلزم صحة قولك إلا لو لم يمكن ~~قول إلا قولك وقولهم فكيف وأقاويل ائمة الفلاسفة ليست من ms1646 القولين وكذلك ~~الأقوال التي عليها ائمة السنة والحديث ليست من القولين # والاقوال الموجودة في الكتب الإلهية التوراة والقرآن اللذين لم يأت من ~~عند الله تعالى كتاب أهدى منهما ليست واحدا من القولين فإذا قدر بطلان قول ~~معين لم يلزم صحة قولك فكيف إذا كان ما أفسدت به قول المعتزلة يبطل أيضا ~~قولك فقولك أفسد من قولهم إن كان قولهم فاسدا وكذلك أن كان صحيحا فهو فاسد ~~على كل تقدير # وذلك أن عمدتك على بطلان قولهم انه يمتنع أن يختص وقت دون وقت بالحدوث ~~بلا سبب مخصص حادث PageV08P259 # فيقال لك وأنت تقول أن الحوادث كلها تحدث بلا سبب حادث وعلى قولك فكل ~~حادث حادث في وقت من الاوقات فإن ذلك الوقت اختص بالحدوث بلا سبب مخصص حادث ~~فألزمهم اختصاص وقت من الاوقات بالحدوث دون سائر الاوقات بلا مخصص وأنت ~~يلزمك اختصاص كل وقت بما يحدث فيه من الحوادث بلا سبب مخصص واختصاص كل حادث ~~بصفته وقدره بلا سبب مخصص واختصاص كل حادث بوقته بلا سبب مخصص وحدوث جميع ~~الحوادث بلا سبب مقتض للحدوث فهم أن كان ما التزموه باطلا فقد التزمت ~~اضعافه فيكون قولك أفسد وان لم يكن باطلا بطلت حجتك على ابطال قولهم فتبين ~~أن ابطالك لقولهم مع اعتقادك لما تعتقده باطل على كل تقدير وعلم أن الاصول ~~الصحيحة التي وافقتهم عليها هي على بطلان قولك ادل منها على بطلان قولهم ~~والاصول الفاسدة التي وافقوك عليها إذا كانوا قد تناقضوا فيها ولم يطردوها ~~فأنت أعظم تناقضا في عدم طردك لأصولك مطلقا صحيحها وفاسدها # وبيان ذلك انه قد قال يجب أن يكون الصانع الواجب الوجود غير مختلف النسب ~~إلى الاوقات والأشياء الكائنة عنه كونا أزليا وما يلزم من ذلك لزوما ذاتيا ~~إلا ما يلزم من اختلافات يلزم عندها فيتبعها التغير يعني حركة الفلك وما ~~يتبعها من التغير PageV08P260 # فيقال له إذا لم يكن مختلف النسب إلى الاوقات والأشياء الكائنة عنه كونا ~~أزليا واللازمة من ذلك لزوما ذاتيا كما يقوله في لزوم الفلك ms1647 عنه وما يقدره ~~علة للفلك من العقول أو غيرها فاللازم لهذه اللوازم إما أن يكون لازما لها ~~لا ينفك عنها في وقت من الاوقات أو لازما لها في حال دون حال # فإن كان لازما لها في كل الاوقات وجب أن لا يحدث شيء وان لا يكون تغير اصلا # وان كان لازما لها في وقت دون وقت فقد اختلفت نسبة لوازمه إلى الاوقات ~~والامور الحادثة في الاوقات حيث حدث عن لوازمه في هذا الوقت ما لم يحدث في ~~هذا الوقت واذا اختلفت نسبة اللوازم إلى الاوقات والحوادث لزم أن تختلف ~~نسبته إلى الاوقات والحوادث لأن الأمور الكائنة عنه كونا أزليا وما يلزمها ~~لزوما ذاتيا نسبتها إلى جميع الاوقات والحوادث كنسبته لأنه لو كانت نسبتها ~~إلى الاوقات والحوادث تخالف نسبته لكانت حالها في بعض الاوقات والحوادث ~~مخالفا لحاله ولكانت مختصة في بعض الأوقات بمعنى منتف عنها في اوقات اخر # وذلك تخصيص لبعض الاوقات دون وقت آخر بحدوث حادث فيه PageV08P261 # فإن جاز تخصيص وقت دون وقت بحدوث من غير سبب حادث بطل أصل الكلام # وان لم يجز ذلك لزم أن يكون اختصاص لوازمه بحدوث حادث فيها أو منها بوقت ~~دون وقت إنما كان لاختصاصه هو بحدوث حادث فيه أو منه لوقت دون وقت وألا لم ~~تكن تلك اللوازم لوازم له # فلا بد من أحد أمرين # إما أن تكون تلك الأمور اللازمة له ليست لازمة فتكون الحوادث حدثت عنه ~~ابتداء بدون وسائط وهذا أشد ابطالا لقولهم # واما أن تكون تلك الأمور اللازمة له لا تختص في وقت دون وقت بحدوث حادث ~~فيها أو منها إلا لتخصيصه لها بذلك إذ لو اختصت بدون تخصيصه للزم الحدوث ~~بلا محدث وهو ممتنع # ومتى كان تخصيص اللوازم بحدوث حادث فيها أو منها إنما هو لتخصيصها لها ~~بذلك كانت نسبته إلى الاوقات والحوادث نسبة مختلفة كنسبة اللوازم # وهذا أمر لا محيد لهم عنه وهو يبين بطلان قولهم بيانا ضروريا لمن فهمه إذ ~~اصل قولهم حدوث التغير عما لا يتغير ms1648 وهذا يناقض ما قالوه # فهم بين امرين أن جوزوا حدوث متغير عن غير متغير لم يمكنهم PageV08P262 ~~إبطال قول المعتزلة ونحوهم الذين يقولون بحدوث جميع الحوادث من غير حدوث ~~سبب بل بمجرد القدرة أو القدرة والإرادة التي لم تزل ولا تزال على حال واحدة # وإن لم يجوزوا حدوث متغير عن غير متغير بطل قولهم كله فإن الفلك متغير ~~مختلف هو في نفسه مختلف القدر والصفات وهو متغير عندهم بما يحدث فيه من ~~الحركات وهذا التغير صادر عما لا يتغير عندهم سواء قالوا هو صادر عن العقل ~~الذي لا يتغير كما يقوله ابن سينا وأمثاله أو صادر عن الواجب بنفسه الذي لا ~~يتغير كما يقوله ابن رشد وأمثاله أو صادر عن الواجب بتوسط العقل كما يقوله ~~النصير الطوسي وأمثاله أو مهما قالوه من جنس هذه المقالات فلا بد على كل ~~تقدير أن يلزمهم حدوث متغير عن غير متغير # وحينئذ فبطلت حجتهم على المعتزلة وكانوا أكثر التزاما للباطل الذي قرروا ~~أنه باطل وأبطلوا به قول المعتزلة وذلك أنهم يجعلون جنس الحركات والحوادث ~~كلها حدثت بلا محدث أصلا لأن العلة القديمة الأزلية لا يتأخر عنها شيء من ~~معلولاتها ولوازمها فكل ما تأخر عنها فليس من موجبها لا بوسط ولا بغير وسط ~~وتلك الحوادث لم تحدث PageV08P263 ~~عن واجب آخر بالاتفاق والضرورة فيلزم أن لا يكون للحوادث كلها محدث وأن لا ~~يكون الرب تعالى محدثا لشيء من الحوادث # وفي هذا من تعطيل الصنع عن الصانع وتعطيل الصانع عن الصنع ما هو أعظم من ~~كل قول قاله غيرهم فإنهم يشنعون على المعتزلة ونحوهم بأنكم إذا قلتم بحدوث ~~العالم عطلتم الصانع في أزله عن الصنع # فيقال لهم أنتم عطلتم الصانع دائما عن صنع شيء من الحوادث على ما هو بين ~~ظاهر لكل من تدبر هذا فقد عطلتموه عن أن يحدث شيئا من الخير والإحسان أزلا وأبدا # وأما صنعة اللوازم وجوده فهذا أنتم منازعون فيه وقد بين غير واحد بطلان ~~قولكم فيه وحينئذ فتكونون قد عطلتموه عن كل فعل ms1649 وصنع وإفاضة وإيجاب واقتضاء ~~أزلا وأبدا # وأما تعطيل الصنعة عن الصانع فهذا ليس قولا معروفا لطائفة معروفة بل ~~الأمم المعروفون متفقون على أن الصنعة لا بد لها من صانع هذا ضروري في العقل # وعلى قولكم الحوادث دائما تحدث وليس لها صانع فإن العلة التامة في الأزل ~~لا يحدث عنها أصلا وأيضا فإن الحوادث مختلفة في PageV08P264 ~~صفاتها ومقاديرها كما أن الفلك مختلف في صفته وقدره # والواحد البسيط من كل جهة يمتنع أن يصدر عنه ما هو مختلف في صفاته ~~وأقداره وإن جاز ذلك بطل قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وإذا بطل هذا ~~القول بطل قولهم في صدور العالم عنه سواء كان صادرا عنه بوسائط لازمة له ~~بسيطة كالعقول أو بغير وسائط أو بوسائط مختلفة فكيف ما قدروه فلا بد لهم من ~~لزوم أجسام مختلفة في القدر والصفات عن واحد بسيط لا صفة له ولا فعل فيه # وأيضا فما من زمان من الأزمنة إلا وتحدث فيه حوادث مختلفة وقد يختص بعض ~~الأزمنة بحوادث ليست من جنس حوادث بقية الأزمنة كحادث الطوفان وأمثاله بل ~~إرسال موسى عليه السلام وما تبع رسالته من الحوادث وإرسال محمد صلى الله ~~عليه وسلم وما تبع رسالته من الحوادث وأمثال ذلك هي من الحوادث المختصة ~~بزمان دون زمان فإذا كان لا سبب للحوادث إلا ذات نسبتها إلى جميع الأزمنة ~~سواء ولوازمها التي نسبتها إلى جميع الأزمنة سواء وقد قالوا لأجل هذا يمتنع ~~تخصيص زمان دون زمان بحدوث العالم وقالوا العالم قديم لذلك ففي هذا القول ~~من تخصيص بعض الأزمنة بحادث دون حادث ما في ذلك القول وزيادات فإن المعتزلة ~~يقولون التخصيص إنما وقع PageV08P265 ~~وقت إحداث العالم فقط ثم التخصيص في سائر الأوقات كان عن أسباب حادثة في العالم # وهؤلاء يقولون لا تزال الأوقات تختص بالحوادث من غير سبب مع أن نسبته إلى ~~جميع الأوقات والحوادث واحدة والأشعرية ونحوهم وإن قالوا إنه لا يزال يخص ~~وقتا دون وقت بحدوث الحوادث من غير سبب يقتضي التخصيص سوى محض ms1650 الإرادة التي ~~نسبتها إلى جميع الأوقات والحوادث واحدة فهم أطرد لقولهم من قولكم إن نسبته ~~إلى الأوقات واحدة مع أنه لم يزل ولا يزال يخص كل وقت بحادث دون الآخر مع ~~استواء نسبته إلى الأوقات # فأنتم مع قولكم بدوام الفعل وأزليته في قولكم من مخالفة أصلكم أكثر مما ~~في قول المعتزلة وقول الأشعرية # وأيضا فمعلوم أن الحركات مختلفة والمتحركات مختلفة وليست الحركات كلها ~~صادرة عن حركة الفلك الأطلس بل لكل فلك أو لكواكب كل فلك حركة تخصه فإن ~~الناس يشاهدون بعيونهم حركات الخمسة على خلاف حركات الثوابت ويشهدون حركة ~~الشمس والقمر والكواكب من المشرق إلى المغرب على خلاف حركة الخمسة وحركة ~~الثوابت # والجمهور من أهل الهيئة يقولون المتحرك هو الأفلاك وإن PageV08P266 ~~الحركة المشرقية هي حركة المحيط بما فيه وسواء كان الأمر كذلك أو لم يكن ~~فليست حركة كل كوكب وفلك تابعة لحركة المحيط بل الحركات مختلفات وإذا كان ~~كذلك امتنع أن تصدر هذه الحركات المختلفة عن واحد بسيط لا يصدر عنه إلا ~~واحد سواء صدرت بواسطة أو بغير واسطة # وأما صدور المختلفات عن ما لا يصدر عنه إلا واحد بلا واسطة فهو جمع بين ~~النقيضين وقول متناقض # وأما الصدور بواسطة فتلك الواسطة يجب أن لا تكون إلا واحد عن واحد إذا ~~قدر أن الأول واحد بسيط لا يصدر عنه إلا واحد وإلا كان قولا متناقضا فإنه ~~إذا صدر عنه ما فيه كثرة فقد صدر عنه أكثر من واحد وإن لم يكن في الصادر ~~كثرة وجب أن لا يصدر عن الصادر الأول إلا واحد وهلم جرا وهذا خلاف المشهود # وما يلفقونه في هذا المقام من قولهم إن الأول يعقل مبدعه ويعقل نفسه وأنه ~~باعتبار عقله للأول صدر عنه عقل وباعتبار عقله لنفسه صدر عنه نفس أو فلك أو ~~باعتبار وجوبه بالأول صدر عنه عقل وباعتبار إمكانه صدر عنه نفس أو فلك أو ~~باعتبار عقله صدر كذا أو كذا وباعتبار وجوبه أو إمكانه صدر كذا أو كذا أو ~~مهما قالوه PageV08P267 ~~من الأقوال ms1651 التي يقدرها الذهن في هذا المقام فهي مع كونها أقوالا لا دليل ~~عليها وإنما هي تحكمات ورجم بالغيب بل والدليل يقوم على فسادها فلا يحصل ~~بها جواب عما يدل على فساد أصلهم فإن تلك الوجوه إما أن تكون أمورا وجودية ~~أو عدمية فإن كانت وجودية فقد صدرت عن الأول فقد صدر عنه أمور متعددة أكثر ~~من واحد بلا واسطة وإن كانت عدمية فلا يخرج الصادر الأول عن أن يكون واحدا ~~بسيطا وحينئذ فلا يصدر عنه إلا واحد # يبين ذلك أن كثرة السلوب العدمية إن أوجبت كثرة فالأول فيه كثرة لكثرة ما ~~يسلب عنه وإن لم توجب كثرة فلا كثرة في الصادر الأول بأمور عدمية فلا يصدر ~~عنه إلا واحد وهلم جرا # وأيضا فهذا الواحد الذي يقدرونه إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان ~~كالواحد الذي يجعلونه مبدأ المركبات العقلية كما بسط هذا في موضع آخر # وإذا كان كذلك فما يقولونه في هذا المقام من أن حركة الفلك واحدة أزلية ~~أبدية وهي فعل الرب الدائم فعله قول باطل لوجوه # أحدها أن الحركات ليست واحدة بل حركات مختلفات وليس بعضها صادرا عن بعض ~~فقول القائل إنها واحدة قول باطل # الثاني أن الحركة الدائمة سواء كانت واحدة أو متعددة وسواء PageV08P268 ~~كانت نوعا واحدا أو أنواعا مختلفة تحدث شيئا بعد شيء وإذا كان الأول علة ~~تامة أزلية كان مستلزما لمعلوله فلا يتأخر عنه شيء من معلوله بل يكون ~~معلوله كله أزليا أبديا دائما بدوامه إن أمكن مقارنة المعلول لعلته لا يحدث ~~منه شيء بعد شيء فإن الحادث في الزمن الثاني يمتنع أن تكون علته تامة أزلية ~~لأن العلة التامة مستلزمة لمعلولها وهو لا يكون بينه وبينها فصل فكيف ~~وأجزاء الحركة الحادثة شيئا بعد شيء كلها منفصلة عن الأزل فامتنع أن يكون ~~معلول علة تامة أزلية # الثالث أن يقال كون المفعول المعين يقارن فاعله في الزمان أمر لا يعقل ~~وجوده في الخارج وإنما يقدره الذهن كما يقدر الممتنعات وسواء سمي الفاعل ~~علة أو لم يسم ms1652 فإنه لا تعقل علة صدر عنها معلول هو مفعول لها وكان زمانهما ~~واحدا ولكن قد يكون الشيء مستلزما لغيره ومقارنا له في الزمان كاستلزام ~~الذات لصفاتها اللازمة واستلزام حركة أحد الجسمين المتلازمين لحركة الآخر ~~كحركة الخاتم واليد لكن لا يكون الملزوم فاعلا للازم فإنه لا يعقل مفعول ~~معين لازم لفاعله البتة # ولكن لفظ العلة فيه إجمال واشتباه واشتراك فقد يراد بها الملزوم الموجب ~~وقد يراد بها الفاعل والملزوم الموجب الذي ليس بفاعل يعقل أن يقارنه لازمه ~~وموجبه الذي ليس بمفعول له لكن موجبه الذي هو PageV08P269 ~~مفعول له لا يعقل مقارنته له لكن يعقل صدور الفعل عنه شيئا بعد شيء فتكون ~~المفعولات صادرة عنه شيئا بعد شيء # وهؤلاء أصلوا أصلا فاسدا ظهر به فساد قولهم وهو أن العلة التامة التي ~~تسمى المؤثر التام يجب أن يقارنه معلوله في الزمان بحيث لا يتأخر عنه ولا ~~يكون معلول إلا لعلة تامة وهذا ناقضوا به المتكلمين الجهمية والمعتزلة ومن ~~وافقهم في قولهم إن المؤثر التام يجوز بل قد يجب أن يتراخى عنه أثره فقالوا ~~الباري كان في الأزل مؤثرا تاما وتراخى عنه أثره فقال أولئك بل يجب أن ~~يقارنه أثره # والصواب قول ثالث وهو أن التأثير التام من المؤثر يستلزم الأثر فيكون ~~الأثر عقبه لا مقارنا له ولا متراخيا عنه كما يقال كسرت الإناء فانكسر ~~وقطعت الحبل فانقطع وطلقت المرأة فطلقت وأعتقت العبد فعتق # قال تعالى { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } سورة يس 82 ~~فإذا كون شيئا كان عقب تكوين الرب له لا يكون مع تكوينه ولا متراخيا عنه ~~وقد يقال يكون مع تكوينه بمعنى أنه يتعقبه لا يتراخى عنه وهو سبحانه ما شاء ~~كان ووجب بمشيئته وقدرته وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته له وعلى هذا فكل ما ~~سوى الله تعالى لا يكون إلا حادثا مسبوقا بالعدم فإنه إنما يكون عقب تكوينه له PageV08P270 ~~فهو مسبوق بغيره سبقا زمانيا وما كان كذلك لا يكون إلا محدثا والمؤثر التام ms1653 ~~يستلزم وجود أثره عقب كمال التأثير التام # وأما على قول هؤلاء فيلزمهم أمور باطلة تستلزم فساد قولهم # منها أنه لا يحدث في العالم شيء فإنه إذا كانت العلة تامة أزلية ومعلولها ~~معها في الزمان وكل ما سواه معلول له بوسط أو بغير وسط لزم أن يكون كل ما ~~سوى الله قديما أزليا # ومنها أنه يلزم أن لا يحدث شيء حتى تحدث حوادث لا تتناهى في آن واحد وهذا ~~متفق على استحالته عندهم وعند سائر العقلاء وهو تسلسل علل ومعلولات أو تمام ~~علل ومعلولات حادثة لا نهاية لها فإنه كلما حدث حادث فإنه لا يحدث حتى تحدث ~~علته التامة أو تمام علته التامة وتكون حادثة معه وتلك لا تحدث حتى يحدث ~~معها ما هو كذلك فلزم وجود علل ومعلولات لا تتناهى أو تمام علل ومعلولات لا ~~تتناهى في آن واحد # وإذا قالوا كل حادث مشروط بعدم ما قبله لم يصح على قولهم لأن عدم الحادث ~~الأول سابق للحادث الثاني وعندهم العلة التامة يجب مقارنتها للمعلول ولا ~~تتقدم عليه # ولكن هذا يصح على قول أهل السنة الذين يقولون المعلول يحصل عقب تمام ~~العلة التامة لا معها فيكون حدوث الثاني عقب عدم الأول PageV08P271 ~~وعلى هذا القول فيلزم حدوث كل ما سوى الله تعالى # وبهذا يظهر بطلان قولهم وصحة قول المسلمين فإنهم قد يشبهون قولهم بما ~~يحدث شيئا فشيئا عن الفاعل بالاختيار أو الطبع كالحجر الهابط وكالمسافر إلى ~~بلد فإنه يقطع المسافة شيئا فشيئا والمقتضي لقطعه المسافة وهو قصده تلك ~~المدينة قائم لكن قطعه للجزء الثاني منها مشروط بعدم الأول # فيقال لهم هذا يدل على فساد قولكم فإنه ليس هنا مؤثر تام قارنه أثره ولم ~~يوجد الأثر إلا عقب التأثير التام لا معه فليس هذا نظير قولكم بل هو نظير ~~قول من يقول لم يزل يحدث شيئا بعد شيء وإحداثه للثاني مشروط بعدم الأول # وهذا نظير قول من يقول لم يزل متكلما إذا شاء فعالا لما يشاء فوجود ~~الثاني كالإرادة الثانية والكلمة الثانية والفعل ms1654 الثاني مشروط بانقضاء ~~الأول وبانقضاء الأول الأول تم المؤثر التام المقتضي لوجود الثاني # وعلى هذا فكل ما سوى الرب حادث كائن بعد أن لم يكن وهو سبحانه المختص ~~بالقدم والأزلية فليس في مفعولاته قديم وإن قدر أنه لم يزل فاعلا وليس معه ~~شيء قديم بقدمه بل ليس في المفعولات قديم PageV08P272 ~~البتة بل لا قديم إلا هو سبحانه وهو وحده الخالق لكل ما سواه وكل ما سواه ~~مخلوق كما قال تعالى { الله خالق كل شيء } سورة الزمر 62 # وهؤلاء لما كانت مناظرتهم مع المتكلمين الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم على ~~أصلهم في الاستدلال على حدوث الأجسام أو حدوث العالم بامتناع حوادث لا أول ~~لها ورأى هؤلاء أن هذه قضية كاذبة ولهذا كان أئمة أهل الكلام كالرازي وغيره ~~يوافقونهم على فسادها فإن الرازي وإن قرر في كتبه الكلامية كالأربعين ~~ونهاية العقول وغيرهما امتناع حوادث لا أول لها كما تقدم تقريره واعتراض ~~إخوانه عليه فهو نفسه في كتب أخرى يقدح في هذه الأدلة ويقرر وجوب دوام ~~الفاعلية وامتناع حدوث الحوادث بلا سبب وامتناع حدوثها في غير زمان ويجيب ~~عن كل ما يحتج به في هذه الكتب كما فعل ذلك في كتاب المباحث المشرقية وغيره # ولعل الذين قدحوا في أدلته هذه كالآمدي والأبهري والأرموي صاحب لباب ~~الأربعين وغيرهم أخذوا ذلك أو بعضه من كلامه أو أخذوه هم من حيث أخذه هو # وهذا قد رأيته فإني كنت قد أرى اعتراض هؤلاء عليه أو بعض أجوبته ثم انظر ~~بعد ذلك في كلام آخر له فأجدهم قد أخذوا ذلك PageV08P273 ~~الاعتراض أو الجواب أخذوه من كلامه كما في الجواب الباهر الذي ذكره الأرموي ~~فإنه أخذه من المطالب العالية # والاعتراضات التي ذكرها هو وغيره على تقريره لامتناع حوادث لا أول لها قد ~~ذكرها الرازي في المباحث المشرقية وذكرها الآمدي أيضا ولهذا أرأيت من يغتر ~~بكلام هؤلاء من طلبة العلم حقيقة أمرهم وأن هذا التقرير الذي وافقوا فيه ~~شيوخهم المتكلمين من المعتزلة والأشعرية هم بعينهم قد قدحوا فيه في موضع ~~آخر ms1655 قدحا لم يجيبوا عنه # فلا يظن الظان أن ما ذكروه مما ينصر دين الإسلام بل هذا مما يقوي معرفة ~~المسلمين بذم الكلام الذي ذمه السلف والأئمة وأنه جهل لا علم # ولا يغتر المغتر بما يجده من كثرة ذكر المصنفين في الكلام لذلك واتباع ~~آخرين مقلدين لهم في ذلك فإن الناظر إما أن يكون ناظرا بنفسه حتى يتبين له ~~الحق أو يقلد المعصوم فهذان طريقان علميان وإما أن يكون محسنا للظن بشيوخ ~~تقدموا من شيوخ هذا الكلام المحدث فهؤلاء قد عارضهم من هو أعلم منهم فالسلف ~~والأئمة عارضوهم وأتباعهم الحذاق الذين تعقبوا كلامهم عارضوهم وناقضوهم ~~وأتباعهم الذين تعقبوا كلامهم عارضوهم وناقضوهم والفلاسفة أيضا عارضوهم ~~وناقضوهم PageV08P274 # وإذا قال القائل هذا الأصل قد قرره مثل أبي الهذيل العلاف وأبي إسحاق ~~النظام ومثل الجهم بن صفوان واتبعهم عليه مثل أبي علي وأبي هاشم وعبد ~~الجبار بن أحمد وأبي الحسين البصري وغيرهم ووافقهم على صحة هذه الطريقة وهو ~~امتناع حوادث لا أول لها مثل محمد بن كرام وابن الهيصم وغيرهما ومثل أبي ~~الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي المعالي والقاضي أبي يعلى وابن عقيل ~~وابن الزاغوني وأبي عبد الله المازري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم بل ~~ومثل الشريف المرتضى وأمثاله من شيوخ الشيعة فهؤلاء وأضعافهم يحتج بهذه ~~الطريقة وإن كان أصلها مأخوذا من الجهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف ~~وغيرهما # قيل لمن قال هذا القول الواحد من هؤلاء لم يعظمه من يعظمه من المسلمين ~~إلا لما قام به من دين الإسلام الذي كان فيه موافقا لما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم فإن الواحد من هؤلاء له مساع مشكورة في نصر ما نصره من ~~الإسلام والرد على طوائف من المخالفين لما جاء به الرسول فحمدهم والثناء ~~عليهم بما لهم من السعي الداخل في طاعة الله ورسوله وإظهار العلم الصحيح ~~الموافق لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والمظهر لباطل من خالف ~~الرسول وما من أحد من هؤلاء ومن هو أفضل منهم إلا ms1656 وله غلط في مواضع PageV08P275 # وإذا كان كذلك فانظر في هذا الأصل الذي اتبع فيه متأخروهم لمتقدميهم من ~~إثباتهم حدوث العالم والأجسام بهذه الطريق هل هي طريقة صحيحة في العقل أم ~~لا وهل هي موافقة للشرع أم لا فاعرضها على الكتاب والميزان فإن الله تعالى ~~يقول { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط } سورة الحديد 25 فاعرض عما يذكرونه بما ثبت من كتاب الله ~~وسنة رسوله وما ثبت عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وزنه ~~أيضا بالميزان الصحيحة العادلة العقلية واستعن على ذلك بما يذكره كل من ~~النظار في هذه الطريقة وأمثالها ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ولا ~~تتبع الظن فإنه لا يغني من الحق شيئا وسل الله أن يلهمك ويهديك # فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح الإلهي أن الله تعالى قال # يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم # وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام PageV08P276 ~~من الليل يصلي يقول # اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم # والله تعالى قد أخبر عن أهل النار أنهم قالوا { لو كنا نسمع أو نعقل ما ~~كنا في أصحاب السعير } سورة الملك 10 فالضلال وقع في السمع والعقل فإن ~~أقواما نصروا الإسلام أو السنة في ظنهم وصاروا يدخلون في الإسلام أو السنة ~~ما ليس منه ولم يكن لهم من الخبرة بالكتاب وتفسير السلف له والسنة وأقوال ~~سلف الأمة ما يعرفون به ما بعث الله به رسوله مما عرف بالنص والإجماع # ولهذا نجد جمهور أهل الكلام من أبعد الناس عن معرفة الحديث وأقوال ~~الصحابة ويذكرون أحاديث يظنونها صحيحة وتكون من الموضوعات المكذوبات ~~وأحاديث تكون صحيحة متلقاة بالقبول بل مجمع على تلقيها بالقبول وصحتها عند ~~علماء أهل الحديث وهم يكذبون بها أو يرتابون فيها وكذلك ms1657 نجدهم وغيرهم في ~~العقليات قد PageV08P277 ~~أحسنوا الظن بطريقة دون طريقة وفي كل من الطريقين ما يؤخذ ويترك وأهم ~~الأمور ما جاء به الرسول وفهم ذلك # فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وأول الفقه فهم خطاب الله ورسوله بعد ~~معرفة ثبوت ذلك عن الرسول ولو كان في نفس الأمر أن السمعيات لا يجب قبولها ~~حتى يقوم الدليل على صدق المبلغ وهو بعد في قطع هذه المسافة فينبغي له أن ~~لا ينظر في مسألة مما تكلم فيها الناس حتى يعرف ما قاله هذا الرسول وما ثبت ~~عنه فإنه لو قدر واحد من العلماء النظار لكان ينبغي أن يعرف ما قاله في ~~مسائل النزاع لينظر في قوله وقول غيره كما يفعل من نظر في أقوال النظار ~~فكيف إذا كان في نفس الأمر هو المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى # ومعلوم أن الرجل لو تكلم في مسألة طب تنازع فيها الناس وقد بلغه أن ~~لبقراط وجالينوس وأمثالهما فيها نصا لم ينبغ له أن يثبت القول فيها PageV08P278 ~~حتى يعرف ما قاله هؤلاء مع جواز غلطهم في نفس الأمر فكيف بنصوص الأنبياء في ~~الأمور الإلهية # وإذا وقع في قلبه شبهة الباطنية من الفلاسفة وغيرهم أنهم تكلموا بالتخييل ~~والتمثيل لا بإظهار الحقائق إذ لم يمكن إلا ذلك فليس لأحد أن يقبل هذا ~~القول منهم تقليدا لهم بل ينظر في أقواله وأحواله وسائر أموره وأحوال ~~أصحابه هل يطابق قول هؤلاء أم يورث علما ضروريا بأن هؤلاء كاذبون عليهم ~~عمدا أو خطأ إما عنادا وإما ضلالا وهذا مبسوط في موضعه # والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وباطل ~~وقابلوا الباطل بباطل وردوا البدعة ببدعة لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم في ~~مسألة حدوث العالم ونحوها استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك ~~الطريق التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل وقد اعترف حذاق النظار بفسادها ~~فظن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة أنهم إذا ms1658 أبطلوا قول هؤلاء بامتناع حوادث لا ~~أول لها وأقاموا الدليل على دوام الفعل لزم من ذلك قدم هذا العالم ومخالفة ~~نصوص الأنبياء # وهذا جهل عظيم فإنه ليس للفلاسفة ولا لغيرهم دليل واحد عقلي صحيح يخالف ~~شيئا من نصوص الأنبياء وهذه مسألة حدوث العالم وقدمه لا يقدر أحد من بني ~~آدم يقيم دليلا على قدم الأفلاك أصلا PageV08P279 ~~وجميع ما ذكروه ليس فيه ما يدل على قدم شيء بعينه من العالم أصلا وإنما ~~غايتهم أن يدلوا على قدم نوع الفعل وأن الفاعل لم يزل فاعلا وأن الحوادث لا ~~أول لها ونحو ذلك مما لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم وهذا لا يخالف ~~شيئا من نصوص الأنبياء بل يوافقها # وأما النصوص المتواترة عن الأنبياء بأن الله خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام وأن الله خالق كل شيء فكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم ~~يكن فلا يمكن أحدا أن يذكر دليلا عقليا يناقض هذا وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # وهذه مسألة حدوث العالم أعظم عمد الفلاسفة فيها التي عجز المتكلمون عن ~~حلها ليس فيها ما يدل على قدم شيء من العالم أصلا ولهذا كان ما أقامه الناس ~~من الأدلة على أن كل مفعول فهو محدث كائن بعد أن لم يكن وكل ما سوى الله ~~مفعول فيكون محدثا لا يناقض ذلك وإنما يناقض ذلك أصل الجهمية والمعتزلة حيث ~~قالوا إن الله كان ولا يتكلم بشيء ولا يفعل شيئا بل كان الكلام والفعل عليه ~~ممتنعا لا مقدورا له في الأزل ثم إنه صار ذلك ممكنا مقدورا بدون تجدد شيء ~~فحدث الكلام والفعل بدون سبب أوجب حدوث ذلك أصلا # ثم قال أئمة هذه الطريقة وهو الجهم وأبو الهذيل بأنه لا بد من فناء الفعل ~~وفناء الحركات كلها زاد الجهم وبفناء العالم كله الجنة PageV08P280 ~~والنار فيكون الرب مازال معطلا من الكلام والفعال ثم لا يزال معطلا من ~~الكلام والفعال وإنما حدث ما حدث من الكلام والفعال في مدة قليلة جدا ms1659 ~~بالنسبة إلى الأزل والأبد فبهذا القول وما يترتب عليه أقام على هؤلاء ~~الشناعة أئمة الشرع والعقل ورأى الناس أن في ذلك من مخالفة الشرع والعقل ما ~~لا يجوز السكوت عن رده لكن هؤلاء وإن كانوا ابتدعوا مخالفة للشرع والعقل ~~بحسب نظرهم واستدلالهم فالمتفلسفة المنازعون لهم أبعد عن العقل والشرع ~~وهؤلاء يردون صريح ما تواتر عن الرسل ويزعمون أنهم خيلوا ومثلوا وأما أولئك ~~فقد يتأولون النصوص أو يقولون لها معنى لا نفهمه ولا يقولون إن الرسل قصدت ~~أن تخبر بالأمور على خلاف ما هي عليه بطريق التخييل والتمثيل بل كثير مما ~~ينصرونه من بدعهم يظنون أن الرسل قالوه فخطؤهم تارة في تكذيب الناقل وتارة ~~في تأويل المنقول # وأولئك يعلمون صدق الناقل وصدق المنقول عنه ولكن يقولون كلاما مضمونه أنه ~~كذب للمصلحة ولهذا سماهم المسلمون ملحدين فإنهم يلحدون في آيات الله ولهذا ~~يفضي بهم تأويل PageV08P281 ~~النصوص إلى ما يعلم العامة والخاصة أنه افتراء على الرسول وإلحاد محض مثل ~~تأويلات الباطنية للعبادات وللقرآن وغير ذلك # وكان مما سلط هؤلاء على الإلحاد إدخال أولئك في الشريعة ما ليس منها وإن ~~كانوا متأولين في ذلك فلما جعلوا من دين الإسلام القول بأن الخالق لم يكن ~~يمكنه أن يتكلم ويفعل ثم أمكنه ذلك بلا سبب وأن ذلك يتضمن ترجيح الممكن بلا ~~مرجح وأن الممكن انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا سبب حادث ~~والفاعل أمكنه الفعل والكلام بعد أن لم يكن ممكنا بلا سبب أخذ ذلك ~~المتفلسفة وناقضوه واستدلوا بحجتهم المشهورة على قدم العالم بأن كل ما ~~يعتبر في كون الباري مؤثرا إما أن يكون موجودا في الأزل وإما أن لا يكون ~~فإن كان موجودا لزم القول بأنه لم يزل فاعلا لأن المؤثر التام لا يتخلف عنه ~~أثره وإن لم يكن موجودا امتنع وجوده بعد هذا لأن القول في ذلك الحادث ~~كالقول في غيره فإذا لم يحصل المرجح التام امتنع الفعل وإذا حصل وجب وجود الفعل # وهذه الحجة لما ذكروها صار أولئك يجيبون عنها بما ms1660 لا يفسدها بأن PageV08P282 ~~يقولوا المرجح هو علم الفاعل وإرادته أو قدرته أو إمكان الفعل وانتفاء ~~المانع وهو الأزل أو حصول المصلحة # وكل ما قالوه من هذا وغيره إذا نظر فيه بعينه لم يكن جوابا صحيحا فإن ~~العلم يتبع المعلوم على ما هو به والمعلوم يتبع الإرادة فإن لم يكن المرجح ~~ثابتا في نفس الأمر لم يكن العلم مرجحا وأما الإرادة فادعى كثير منهم أنها ~~بذاتها توجب تخصيص أحد المتماثلين وهذا القدر خلاف ما يعقل من الإرادة فإنه ~~لا تعرف الإرادة ترجح أحد المتماثلين من كل وجه بل لا بد من اختصاص أحدهما ~~بما يوجب الترجيح # وإثبات إرادة كما ذكروه لا يعرف بشرع ولا عقل بل هو مخالف للشرع والعقل ~~فإنه ليس في الكتاب والسنة وما يقتضي أن جميع الكائنات حصلت بإرادة واحدة ~~بالعين تسبق جميع المرادات بما لا نهاية له وكذلك سائر ما ذكروه # ثم إن هذه الأمور إن كانت قديمة فلم يحدث مرجح وإن حدث بعد أن لم يحدث ~~شيء منها أو تعلق بها فقد حدث الحادث بدون موجب لحدوثه وترجح أحد ~~المتماثلين بلا مرجح والمرجح قبل وجوده كما هو بعد وجوده لم يكن ناقصا فتم # والرازي تارة يجيب بأن الإرادة مرجحة كجواب أصحابه ثم يضعف هذا الجواب ~~وتارة يقول بل العقول والنفوس أزلية فحدث تصور من PageV08P283 ~~التصورات للنفس أوجب حدوث الأجسام وهو باطل في نفسه مخالف للعقل والنقل كما ~~تقدم وأجود أجوبته المعارضة والنقض وهو أنه يقول هذه الحجة تستلزم أن لا ~~يحدث شيء من العالم وهو خلاف المشاهدة # وهذه المعارضة جيدة إذا ادعى المدعي أن المرجح التام لكل ممكن ثابت في ~~الأزل فإن الحس والمشاهدة يناقض ذلك ودليلهم لا يدل على ذلك بل يدل على ~~حصوله مطلق الترجيح لا على حصول ترجيح لممكنات معينة ولا لكل ممكن # فهذا يبين أنه ليس في دليلهم حصول مطلوبهم فإن مطلوبهم حصول المؤثر التام ~~في الأزل لأثر معين كالعقول والنفوس والأفلاك ومعلوم أن دليلهم لا يدل على ~~ذلك بل إنما يدل ms1661 على أنه لم يزل يفعل شيئا فإذا قدر أن ذلك الفعل هو قائم ~~بنفسه لا مفعول له في الخارج كان ذلك وفاء بموجب دليلهم وإذا فدر أن ذلك ~~كونه لم يزل متكلما إذا شاء كان وفاء بموجب دليلهم # وإذا قيل إنه قامت به إرادات متعاقبة كما قاله الأبهري وأن بسبب بعض تلك ~~الإرادات حدثت الحوادث كان ذلك وفاء بموجب دليلهم إذ موجبه أنه يمتنع كونه ~~يصير فاعلا بعد أن لم يكن والمثبت لمطلق الفعل لا يثبت فعلا معينا ولا ~~مفعولا معينا فضلا عن أن يثبت عموم الفعل والمفعول PageV08P284 # بل الذي يدل على فساد قولهم أنا قد علمنا بالمشاهدة والإحساس تجدد ~~الحوادث في العالم وقد امتنع أن يكون في الأزل مؤثرا تاما فيها فلا بد من ~~حدوث تمام المؤثرية لكل واحد واحد منها والإحداث من غيره ممتنع بوسط أو ~~بغير وسط فلا يحدث حادث إلا منه سواء كان بوسط كالعقول أو بغير وسط فلو كان ~~المؤثر كما زعموه من أنه واحد بسيط لا تقوم به صفة ولا أمر اختياري لكان ~~حاله عند هذه الحوادث كحاله قبلها وبعدها # وهكذا الأمر في كل حال وهو قبل حدوث الحادث المعين لم يكن علة تامة فعنده ~~يجب أن لا يكون علة تامة فلا يجوز أن يحدث شيء على موجب أصولهم # وإذا قالوا حدث من الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية ما أعدت القوابل ~~لقبول فيضه # قيل لهم هذا إنما يصح إذا كانت القوابل والاستعدادات من غير الفاعل الممد ~~كما في الشمس وكما يقولونه في العقل الفعال فأما الباري تعالى فمنه الإعداد ~~والإمداد وكل ما سواه من القوابل والمقبولات والاستعدادات والإمدادات فمنه ~~لا من غيره سواء كان بوسط أو بغير وسط PageV08P285 # وإذا كان كذلك وكان حاله قبل إحداث كل حادث كحاله قبل ذلك الحادث امتنع ~~أن يحدث منه شيء أصلا لا قابل ولا مقبول ولا استعداد ولا إمداد فهم وإن ~~أثبتوا أنه لم يزل فاعلا فقولهم يوجب أنه لم يحدث شيئا قط بل ولا فعل شيئا ~~قط بل ms1662 حدثت الحوادث بلا محدث فعلم أنه باطل # وليس في قولهم ما يوجب قدم شيء من العالم فقولهم بقدمه باطل ولهذا لم ~~يحفظ القول بقدم الأفلاك عن أساطين الفلاسفة بل أول من حفظ ذلك عنه أرسطو ~~وأتباعه وأما أساطين القدماء فالمنقول عنهم حدوث الأفلاك فهم قائلون بحدوث ~~صورة العالم ولهم في المادة كلام فيه اضطراب فالنقل الثابت عن أعيانهم ~~بحدوث العالم موافق لما أخبرت به الرسل صلوات الله عليهم # ونقل أصحاب المقالات عن غير واحد من أئمتهم القول بإثبات الصفات لله ~~وبإثبات الأمور الاختيارية القائمة بذاته وهذا قول من يقرب إلى صريح ~~المعقول وصحيح المنقول من الأوائل والأواخر كأبي البركات وغيره # وهؤلاء لم يوافقوا أرسطو وأتباعه ولا ابن سينا وأمثاله على أن PageV08P286 ~~الرب وجود بسيط لا صفة له ولا فعل بل أثبتوا له الصفات القائمة بذاته وأنه ~~يفعل بإرادات تقوم بذاته إرادة بعد إرادة # وهؤلاء أبعدوا أن يمكنهم إقامة الدليل على قدم شيء من العالم فإن الفاعل ~~الذي يفعل بإرادات قائمة به بذاته شيئا بعد شيء لا يقوم لهم دليل على أن ~~شيئا من مفعولاته لم يزل مقارنا له إذ يمكن أنه فعل مفعولا بعد مفعول وأن ~~هذا العالم خلقه من مادة كانت قبله كما أخبرت بذلك الرسل فأخبر الله تعالى ~~في القرآن أنه { خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش } وأخبر أنه سبحانه { استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى ~~في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز ~~العليم } سورة فصلت 11 12 # وقال في الآية الأخرى { ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل ~~شيء عليم } سورة البقرة 29 # فأخبر أنه سواهن سبع سماوات في يومين وأن السماء كانت دخانا وهو بخار ~~الماء كما جاء تفسيره في عدة آثار أنه خلق السماء من PageV08P287 ~~بخار الماء والبخار دخان الماء كما أن دخان الأرض دخان # وإن أريد ms1663 بالدخان دخان التراب فقط أو دخان التراب والماء فكل ذلك فيه ~~إخبار الله أنه خلق السماوات السبع من مادة أخرى كما أخبر أنه خلق الإنسان ~~من مادة وأنه خلق الجان من مادة # وثبت في الصحيح صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال # خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم # وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وكان عرشه على الماء وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ~~وخلق السماوات والأرض وفي رواية صحيحة # ثم خلق PageV08P288 ~~السماوات والأرض فأخبر أنه كان بين تقديره وبين خلقه للسماوات والأرض خمسين ~~ألف سنة وهذه أزمنة مقدرة بحركات موجودة قبل وجود الأفلاك والشمس والقمر ~~وأخبر أنه كان عرش الرب إذ ذاك على الماء # وقد جاءت الآثار المشهورة بأن الماء كان على وجه الأرض وأنه خلق السماء ~~من دخان ذلك الماء # وكذلك في أول التوراة مثل هذا سواء أنه في أول الأمر خلق الله السماوات ~~والأرض وأنه كانت الأرض مغمورة بالماء وكانت الريح تهب على الماء وذكر ~~تفصيل خلق هذا العالم # ففي هذه الآثار المنقولة عن الأنبياء أنه كان موجودا قبل خلق هذا العالم ~~أرض وماء وهواء وتلك الأجسام خلقها الله من أجسام PageV08P289 ~~أخر فان العرش أيضا مخلوق كما أخبرت بذلك النصوص وأتفق على ذلك المسلمون ~~فأساطين الفلاسفة المتقدمون كانوا فيما نقل الناقلون عنهم قولهم يوافق هذا ~~لم يكونوا يقولون بقدم العالم فإن هذا قول ليس عليه دليل أصلا مع أنه في ~~غاية الفساد # وحقيقته أن الصانع لم يصنع شيئا وأن الحوادث تحدث بلا محدث بل حقيقته أن ~~هذا العالم واجب الوجود وأنه ليس ms1664 له مبدع # وأرسطو إنما أثبت له علة غائية يتشبه الفلك بها واستدل عليه بكون حركة ~~الفلك عنده اختيارية فلا بد لها من غاية وقال إن العلة الأولى تحرك الفلك ~~كما يحرك المعشوق عاشقه والمعشوق في الحقيقة ليس له قصد ولا علم ولا فعل في ~~تحريك العاشق بل ذاك لمحبته يتحرك إليه فكيف وحقيقة قولهم أنه يتحرك للتشبه ~~به كما يتحرك المأموم للتشبه بإمامه فهكذا يقولون إن الفلك يتحرك للتشبه ~~بالعلة الأولى # وقد بينا فساد قوله وحكينا ما ذكره أصحابه من أقواله وما فيها من الفساد ~~في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن يعلم العقلاء أنه مخالف لصريح العقل ليس من دين المسلمين ~~كما أنه من خالف كتاب الله وسنة رسوله أو إجماع السابقين ليس من دين ~~المسلمين فليس في دينهم الصحيح لا ما يخالف صحيح المنقول ولا ما يخالف صريح ~~المعقول ولا ما يناقض صحيح المنقول وصريح المعقول PageV08P290 ### | AUTO والمقصود هنا أن الممكن لا يترجخ إلا بمرجح وان هذا متفق عليه ~~بين العقلاء والله أعلم فصل # ثم أن الرازي مع سلوكه المسلك المتقدم ذكر أن هذه المقدمة أعني أن الممكن ~~لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح هي مقدمة ضرورية وان من لزمه ما ~~يناقضها فهو لم يلتزم ذلك فليس من العقلاء من يلتزم نقيضها والاقوال ~~المستلزمة نقيض هذه القضية باطلة قطعا # وهذا الذي قاله صحيح في الممكن المعلوم انه ممكن وهو المحدث فإن وجود ~~المحدث بلا محدث مما يعلم بضرورة العقل امتناعه واما الممكن بالمعنى الذي ~~قالوه وهو ما يتناول القديم فهو يبين انه باطل وانهم لم يثبتوا بهذه الطريق ~~لا إثبات ممكن ولا إثبات واجب ولكن قد ذكر ايضا أنه من المعلوم بضرورة ~~العقل أن المتساوي الطرفين لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح وهذا ~~صحيح يوافقه عليه عامة العقلاء PageV08P291 # وقد ذكر أن كثيرا من الطوائف يتناقضون فيقولون بما يناقض هذه القضية ونحن ~~ليس بنا حاجة أن نجيب عن أهل الباطل بل نقول أن قولهم بترجيح ms1665 أحد ~~المتماثلين على الآخر بلا مرجح له يدل على فساد قولهم كما يدل على فساد قول ~~المتفلسفة الدهرية وفساد قول الجهمية والقدرية # وحينئذ فليس في تلك اللوازم ما نحتاج أن نجيب عنه إلا ما ذكره عن ~~المسلمين من قولهم أن الله فعل العالم في الوقت المعين دون سائر الاوقات لا ~~لأمر يختص به ذلك الوقت فإن القول المحكي عن المسلمين لا بد أن يكون موجودا ~~في كتاب الله أو سنة رسوله أو هو ما انعقد عليه إجماع المسلمين ولو لم يكن ~~إلا إجماع الصحابة وحدهم فلو كان فيه نزاع بين المسلمين لما جاز أن يحكى ~~عنهم كلهم # فكيف وهذا القول ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قاله أحد من سلف ~~الأمة وائمتها ولا هو متفق عليه بين أهل الكلام منهم بل هو قول طوائف من ~~أهل الكلام المحدث الذي ذمه السلف والائمة # وطوائف منهم ينازعون في ذلك ويقولون أن الحادث إنما حدث لسبب اقتضى حدوثه ~~واختصاصه بذلك الوقت مع قولهم أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش كما ثبت ذلك بالنصوص المتواترة وقد علم النزاع ~~في تسلسل الاثار بل فيما PageV08P292 ~~يقوم بذات الله تعالى من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته مع عدم تناهيها ~~وثبوت تسلسلها # والمقصود هنا أن القول بترجيح الممكن الذي هو الحادث بلا مرجح ممتنع عند ~~عامة العقلاء فإن كان الممكن هو الحادث كان كلاهما دليلا على مدلول واحد # وان قدر عن الممكن أعم من المحدث فنقول إذا كان ذلك ممتنعا فالقول بحدوث ~~حادث بلا محدث ممتنع ايضا بل هو أعظم امتناعا لوجوه # أحدها انه يتضمن رجحان الممكن بلا مرجح لأن كل محدث فهو يمكن وجوده وعدمه ~~إذ لولا إمكان وجوده لما وجد ولولا إمكان عدمه لما كان معدوما قبل حدوثه ~~فوجوده يقتضي ترجيح وجوده على عدمه وذلك يفتقر إلى مرجح # الثاني أن ذلك يتضمن تخصيص حدوثه بوقت دون وقت وصفة دون صفة وتخصيص أحد ~~المثلين بما يختص به عن ms1666 الآخر لا بد له من مخصص # الثالث أن نفس العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين وأقوى وأظهر في ~~العقل من كون الممكن لا يترجح إلا بمرجح ولهذا يتصور هذا من العقلاء ~~ويعلمون بطلانه بالضرورة من لا يتصور الممكن ويعلم افتقاره إلى PageV08P293 ~~المرجح إلا بنوع من التكلف الذي لا يتصور به ذلك # وقد تبين أن الناس في هذا المقام على درجات وكل من كان إلى الفطرة ~~العقلية والشريعة النبوية اقرب كانت طريقته اقوم فالمستدل بان الموجود على ~~سبيل الجواز وهو الموجود الممكن لا يكون بالوجود اولى منه بالعدم إلا ~~بالفاعل وان ما حدث مع جواز أن لا يحدث لم يكن بالحدوث اولى من أن لا يحدث ~~لولا شيء اقتضى حدوثه كما سلك ذلك كثير من أهل الكلام من المعتزلة ~~والاشعرية ومن وافقهم من الفقهاء أصحاب الأئمة الاربعة وغيرهم خير من ~~المستدل بأن الموجود الممكن مطلقا لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح وهذا ~~المستدل بأن الممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح خير من المستدل بأنه ~~لا يترجح وجوده على عدمه ولا عدمه على وجوده إلا بمرجح كما سلك ذلك ابن ~~سينا وأتباعه كالسهروردي والرازي والآمدي وغيرهم مع تناقض هؤلاء حيث قالوا ~~في موضع آخر أن العدم المستمر لا يحتاج إلى سبب كما قاله نظار المسلمين من ~~جميع الطوائف # ثم الذين استدلوا وبذلك ولم يحتاجوا إلى قطع التسلسل كما فعل الجمهور ~~اقرب من الذين احتاجوا إلى قطع التسلسل كما فعل ابن سينا ونحوه PageV08P294 # ثم هؤلاء الذين لم يحتاجوا إلا إلى ابطال التسلسل دون ابطال الدور اقرب ~~من الذين احتاجوا إلى ابطال التسلسل والدور جميعا كما فعل الرازي ونحوه ~~وظنوا أن الدليل لا يتم إلا بذلك # ثم هؤلاء الذين ابطلوا التسلسل خير من الذين اقروا بعجزهم عن ذلك كما فعل الآمدي # ثم أن أبا الحسين مع أن طريقه اصح وأبين وأقرب من طرق هؤلاء فطريقة ~~القاضي أبي بكر بن الطيب والقاضي أبي يعلي وأبي المعالي الجويني وابن عقيل ms1667 ~~وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهم خير من طريقته # وذلك أنه قال فإذا ثبت أن العالم محدث فالدلالة على أن له محدثا هي انه ~~لا يخلو إما أن يكون حدث وكان يجوز أن لا يحدث أو كان يجب أن يحدث فلو حدث ~~مع وجوب أن يحدث لم يكن أن يحدث في تلك الحال اولى من أن يحدث من قبل فلا ~~يستقر حدوثه على حال إذ كان حدوثه واجبا في نفسه وان حدث مع جواز أن لا ~~يحدث لم يكن بالحدوث اولى من أن لا يحدث لولا شيء اقتضى حدوثه وسندل على ~~انه عالم قادر فصح قولنا # قال واستدل شيوخنا رحمهم الله على أن الأجسام تحتاج إلى محدث بأن تصرفنا ~~يحتاج إلى محدث لأجل أنه محدث فكان حدوث PageV08P295 ~~كل محدث يحوجه إلى محدث فإذا كانت الأجسام محدثة احتاجت إلى محدث # قال والدلالة على حاجة تصرفنا إلى محدث هو انه لو حدث بنفسه من غير محدث ~~لحدث وان كرهناه وكنا ممنوعين منه فلما وقع بحسب قصدنا وانتفى بحسب كراهتنا ~~علمنا انه يحتاج الينا # والدليل على انه يحتاج الينا لأجل حدوثه انه إما أن يحتاج الينا لأجل ~~حدوثه أو لبقائه أو لعدمه فلو احتاج الينا لأجل بقائه لوجب أن لا يبقى ~~البناء إذا مات الباني ولا يجوز أن يحتاج الينا لعدمه لان تصرفنا كان ~~معدوما قبل وجودنا وقبل كوننا قادرين فصح أنه احتاج الينا ليحدث ولأن حدوثه ~~هو المتجدد بحسب قصدنا وارادتنا وهو الذي لا يتجدد إذا كرهناه فعلمنا انه ~~إنما يحتاج الينا لأجل حدوثه # قلت فطريقة شيوخه الذين اشار اليهم من المعتزلة هي الاستدلال على افتقار ~~المحدث إلى المحدث بالقياس على تصرفاتنا وانها تحتاج إلى محدث لأجل كونها محدثة # وقد سلك هذه الطريقة غير المعتزلة من أصحاب ألاشعري وغيرهم حتى مثل أبي ~~القاسم القشيري وأبي الوفاء بن عقيل وبنوا ذلك على هذه # واما الطريقة التي ذكرها هو وبناها على التقسيم الذي ذكره وهو أن PageV08P296 ~~المحدث لا يخلو من أن يحدث مع وجوب حدوثه ms1668 أو مع جواز حدوثه وجواز أن لا يحدث # وأبطل الأول بأنه لو كان حدوثه واجبا لم يكن حدوثه في حال بأولى من حدوثه ~~قبل تلك الحال فلا يستقر حدوثه على حال إذ كان حدوثه واجبا في نفسه وقد قال ~~قبل هذا أن وجود القديم واجب وليس بأن يجب وجوده في حال اولى من حال فصح ~~انه واجب الوجود في كل حال واستحال عدمه # وهذا التقسيم لا يحتاج اليه ولا إلى ابطال هذا القسم بما ذكره # وذلك أن قول القائل إما أن يحدث مع وجوب حدوثه أو مع جواز حدوثه # إما أن يريد به وجوب حدوثه بنفسه أو وجوبه بغيره فإن أراد به الثاني فهذا ~~لا يمتنع بل يجوز أن يقال المحدث حدث مع وجوب حدوثه بالمقتضى لحدوثه لا ~~بنفسه أي وجد المقتضى التام لحدوثه الذي يمتنع معه أن لا يحدث وهذا إذا قيل ~~فإنه يدل على ثبوت الصانع المحدث أيضا لا ينفي ذلك فليس في إثبات هذا القسم ~~ما ينفي ثبوت الصانع # ولكن هؤلاء المعتزلة قد ينازعون في كون الممكن عند وجود المقتضى التام ~~يكون واجبا ويقولون لا يقع شيء من الممكنات والحوادث إلا على وجه الجواز أو ~~أن يكون بالوجود اولى منه بالعدم لا على وجه الوجوب PageV08P297 # ويقولون أن القادر المختار سواء كان قديما أو محدثا لا يفعل إلا مع جواز ~~أن لا يفعل وانه يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وهذا مما نازعهم فيه ~~جمهور العقلاء # وليس المقصود هنا بيان صحة قول الجمهور وفساد قولهم لكن المقصود أن قولهم ~~سواء كان صحيحا أو فاسدا فهم يستغنون عن جعله مقدمة في إثبات الصانع # واذا امكن إثبات العلم بالصانع على كل تقدير كان خيرا من اثباته على ~~تقدير قول تنازع فيه كثير من العقلاء وهم يمكنهم اثباته بأن المحدث لا بد ~~له من محدث سواء قيل انه يجب بمحدثه أو لم يقل ذلك فلا حاجة بهم في إثبات ~~إلى ذلك # واما أن اراد القائل بقوله إما أن يحدث مع ms1669 وجوب أن يحدث أو مع جواز أنه ~~يحدث مع وجوب أن يحدث بنفسه بدون مقتض لحدوثه فلا ريب أن هذا فاسد معلوم ~~فساده بضرورة العقل # والعلم بفساده أبين من العلم بكون حدوثه ليس في حال بأولى منه في حال ~~أخرى وذلك أن ما حدث يعلم أنه ليس واجبا بنسفه فإن الواجب بنفسه لا يقبل ~~العدم والمحدث كان معدوما فيمتنع أن يقال انه حادث وهو واجب بنفسه PageV08P298 # ومن المعلوم أن المحدث يمتنع أن يكون قديما فإن هذا نقيض هذا أذ المعنى ~~بكونه محدثا أنه ليس بقديم # ومن المعلوم أن واجب الوجود بنفسه يجب أن يكون قديما والعلم بأن واجب ~~الوجود بنفسه يجب أن يكون قديما أبين من العلم بكون القديم يجب أن يكون ~~واجب الوجود بنفسه # فإن الأول لم يتنازع فيه طائفة معروفة والثاني قد نازع فيه طائفة معروفة # وايضا فإن أبا الحسين استدل على أن القديم يجب أن يكون واجب الوجود بنفسه ~~بأنه ليس وجوده في حال بأولى من وجوده في حال فصح أنه واجب الوجود في كل ~~حال فامتنع عدمه # وأما كون واجب الوجود بنفسه يكون قديما فهو أبين من هذا # وحينئذ فالمحدث لا يمكن أن يقال إنه حدث وهو أنه حدث وهو واجب الوجود ~~بنفسه وايضا فالعلم بأن المحدث لا يكون واجبا بنفسه ابين من كونه ليس وجوده ~~في حال أولى منه في حال # وابو الحسين بني كلامه على نفي هذه الاولوية التي مضمونها أن الوقتين ~~متساويان فلا يجوز تخصيص أحد الوقتين عن الآخر بالحدوث إلا بمخصص وهذا ~~يكفيه في الاستدلال ابتداء فإن المحدث اختص حدوثه بوقت وتخصيص أحد الوقتين ~~لا بد له من مخصص PageV08P299 # وهذه هي الطريقة التي سلكها القاضي أبو بكر ومن وافقه وهي خير وأقرب وأصح ~~من طريقة أبي الحسين # إما كونها خيرا وأقرب فظاهر واما كونها اصح فلأن ابا الحسين جعل من ~~مقدمات حجته أنه إذا حدث مع وجوب أن يحدث لم يكن بأن يحدث في تلك الحال ~~اولى من أن يحدث من قبل ms1670 فلا يستقر حدوثه على حال # وهذا كما تقدم فيه اجمال يحتاج إلى استفصال يترتب عليه نزاع # فإذا قال له القائل بل حدث مع وجوب أن يحدث لمقتض اقتضى وجوب حدوثه في ~~تلك الحال لم يمكنه أن يقول ليس ايجاب المقتضى لحدوثه في تلك الحال بأولى ~~من اقتضائه لوجوب حدوثه في غير تلك الحال لأنه يقول له كما قلت أن المقتضى ~~لحدوثه مع جواز حدوثه يخصص الحدوث بحال دون حال كذلك يقول أن المقتضى لوجوب ~~حدوثه يخصص الحدوث بحال دون حال # فإن قال المقتضى الموجب لا يخص بحال دون حال بخلاف المقتضى مع عدم وجوب ~~الاقتضاء # كان الجواب من وجوه # أحدها المنع فإن هذه دعوى مجردة # الثاني أن يقال لا نسلم انه يمكن أن يكون شيء مقتضيا للحدوث إلا مع ~~الوجوب وانه ما دام اقتضاؤه جائزا فإنه يمتنع الاقتضاء وذلك PageV08P300 ~~لأنه إذا جاز أن يقتضى وجاز أن لا يقتضى كان كل من الامرين ممكنا جائزا ~~واذا كان كل منهما جائزا لم يكن ثبوت الاقتضاء اولى من انتفائه لولا امر ~~أخر اقتضى ذلك الاقتضاء ثم القول في اقتضاء ذلك الاقتضاء كالاول ويلزم منه ~~توقف حدوث الحوادث على اقتضاءات متسلسلة لا نهاية لها ولا وجود لشيء منها ~~وما توقف على ما لا وجود له فلا وجود له وهو يبطل التسلسل فيما هو دون هذا # وهذا المقام مقام معروف للمعتزلة في فعل الرب وفعل العبد يذكرونه في ~~مسألة حدوث العالم ومسألة القدر وهو مما استطالت عليهم به اهل السنة ~~والفلاسفة وغيرهم # لا سيما وابو الحسين يقول انه مع فعل القادر يتوقف على الداعي وانه عند ~~وجود الداعي التام يجب وجود المقدور فيكون اصل قوله موافق لقول من قال من ~~أهل السنة ومن الفلاسفة أن الحادث يحدث مع وجوب أن يحدث وهذا يناقض قوله ~~بأنه لا يحدث إلا مع جواز الحدوث لا مع وجوبه # الثالث أن يقال هب انا سلمنا إمكان ثبوت المقتضى وانه يقتضى مع جواز أن ~~لا يقتضى وانه يخص الحدوث بحال دون ms1671 حال فإذا أمكن الحدوث والتخصيص بما هو ~~مقتض مع جواز أن لا يقتضى فالحدوث والتخصيص بمقتض واجب الاقتضاء اولى واحرى # فإن قيل ما كان واجب الاقتضاء لم يتخلف عنه مقتضاه فيلزم قدم الحوادث ~~بخلاف ما كان جائز الاقتضاء PageV08P301 # قيل هذا إنما يصح لو كان اقتضاؤه لكل ما يقتضيه لازما له وكان مجرد ذاته ~~علة موجبة لمعلولاته كما يقوله من يقول ذلك من المتفلسفة كبرقلس وابن سينا ~~وابتاعهما # فإنهم يقولون أن الأول علة بمجرد ذاته لجميع المعلولات وما سواه معلول له ~~فيلزمهم أن لا يتخلف عنه شيء من الحوادث وهذا باطل قطعا # وأما إذا كان اقتضاؤه وفعله لما يفعله إنما هو أنه مقتض لوجود كل حادث في ~~الوقت الذي حدث فيه لا سيما إذا قيل مع ذلك بأنه مقتض لما يقتضيه كمشيئته ~~وقدرته كما هو قول المسلمين وجماهير العقلاء # فيقال إذا قدر انه قادر مختار وهو يحدث الحوادث مع جواز أن لا تكون ~~مشيئته وقدرته مستلزمة لحدوثها فلأن يحدثها مع كون مشيئته وقدرته مستلزمة ~~لها أولى وأحرى وحينئذ فيحدث مع وجوب حدوثها بقدرته ومشيئته # ولا يمكنهم أن يقولوا القدرة والمشيئة لا تخص وقتا دون وقت لأن هذا ينقض ~~قولهم فإنهم يقولون انه لمجرد قدرته يخص بعض الاحوال دون بعض PageV08P302 # ولو قال قائل ذلك من غيرهم لقيل له تخصيص القدرة والمشيئة للحوادث بحال ~~دون حال هو بحسب ما يعلمه من الاسباب المقتضية للتخصيص # وغاية ذلك أن يستلزم أن تقوم بذاته اسباب تقتضى التخصيص متعلقة بمشيئته ~~وقدرته أو يقال أن هذا يستلزم مالا نهاية له على سبيل التعاقب ونحو ذلك من ~~المقامات المعروفة التي يوردها أحد إلا وهو يلزمه بترك التزامها من التناقض ~~اعظم مما يلزم به منازعه وأما منازعه فيمكنه التزامها ولا يتناقض قوله لا ~~عقلا ولا شرعا # ولكن من حسن المناظرة والتعليم أن يبين لمن يرد قولا ما يلزمه هو على ~~تقدير رده ومن أراد تصحيح الحق بقول باطل يمكن استغناؤه عن ذلك القول وان ~~الحق يمكن تصحيحه بدونه وانه إذا ms1672 صححه بذلك الطريق كان ما يلزمه من اللوازم ~~التي تناقض قوله وتفسده اعظم مما يلزمه إذا اعرض عن ذلك # وبهذا وامثاله يتبين انه لم يسلك أحد طريقا مخالفة للسنة في اثبات شيء من ~~اصول الإيمان إلا والله قد اغنى عنها بما هو سليم من عيوبها وان تلك الطريق ~~وان غمض على اكثر الناس معرفة فسادها لدقته فلا يخفى عليهم إمكان الاستغناء عنها # ونحن كثيرا ما نقصد بيان أن الطرق التي خالف سالكها شيئا من النصوص غير ~~محتاج اليها بل مستغن عنها ليتبين أن العلم بصدق PageV08P303 ~~الرسول وصحة ما جاء به من الكتاب والسنة ليس موقوفا على شيء من الطرق التي ~~تناقض شيئا مما جاء به مع أنا نبين ايضا أن تلك الطرق فاسدة لكن بيان ~~الاستغناء عنها في مقام وبيان فسادها في مقام # وأهل البدع يدعون الحاجة اليها اولا ثم يعارضون بها النصوص ثانيا فنحن ~~نبين الغنى عنها ثم نبين فسادها ثانيا ثم نبين ثالثا أن الطرق العقلية ~~الصحيحة هي والادلة السمعية متلازمان فيلزم من صحة أحدهما صحة الآخر # وهذا قدر زائد على عدم تنافيهما وعدم تنافيهما وحده كاف في بطلان قول من ~~يزعم تنافيهما # وايضا فلو قدر أن فيها ما ينافي السمع فذلك المنافي ليس هو الأدلة ~~العقلية التي بها نعلم صحة السمع # وذلك كله مما تبين به بطلان قول من يقول أن تقديم الكتاب والسنة على ما ~~يعارض ذلك يستلزم قدح الشرع في اصله # وطريقة القاضي أبي بكر وأمثاله ليس فيها هذا التقسيم الذي ذكره أبو ~~الحسين بل ذكر اولا أن تخصيص المحدث بوقت دون وقت لا بد له من مخصص وان ما ~~قدم من الحوادث وأخر لا بد له من مقدم ومؤخر من غير أن يحتاج أن يقول أن ~~الحدوث إما أن يكون واجبا وأما أن يكون غير واجب وهذا اصح واقرب وأبين # ثم أن طريقة أبي الحسن ألاشعري التي في اللمع خير من PageV08P304 ~~طريقة القاضي فإنه بناها على أن المحدث لا بد له من محدث ولم ms1673 يحتج أن يستدل ~~على ذلك بأن الحدوث تخصيص بوقت دون وقت والتخصيص لا بد له من مخصص فإن هذا ~~وان كان صحيحا فالعلم بافتقار المحدث إلى المحدث ابين واقوى من هذا # وكل ما يذكر في تخصيص أحد الوقتين أو تخصيصه بصفة دون صفة هو موجود في ~~نفس الحدوث فإن تخصيص هذا الحادث بالحدوث دون غيره من الممكنات لا بد له من ~~مخصص ونفس الحدوث مستلزم للمحدث الفاعل ولو قدر انه لم يحدث غيره ولا يمكن ~~حدوث غيره وانه ليس هناك حال أخرى تصلح للحدوث فإن كون الحادث يحدث نفسه من ~~غير محدث يحدثه من أبين الأمور استحالة في فطر جميع الناس # والعلم بذلك مستقر في فطر جميع الناس حتى الصبيان حتى أن الصبي إذا رأى ~~ضربة حصلت على رأسه قال من ضربني من ضربني وبكى حتى يعلم من ضربه واذا قيل ~~له ما ضربك أحد أو هذه الضربة حصلت بنفسها من غير أن يفعلها أحد لم يقبل ~~عقله ذلك وهو لا يحتاج في هذا العلم الفطري الذي جبل عليه إلى أن يستدل ~~عليه بأن حدوثه هذه الضربة في هذه الحال دون ما قبلها وما بعدها لا بد له ~~من مخصص بل تصور هذا فيه عسر على كثير من العقلاء وبيان PageV08P305 ~~ذاك بهذا من باب بيان الاجلي بالاخفى # ثم الطرق التي جاء بها القرآن خير من طريقة ألاشعري وغيره فإن فيها إثبات ~~الصانع بنفس ما يشاهده الناس من حدوث الاعيان المحدث وحدوث الاعيان مشهود ~~معلوم لا يحتاج أن يستدل على حدوثها بحدوث صفاتها وان ما لا يخلو من ~~الحوادث فهو حادث بل سالكو هذه السبيل ظنوا أن الاعيان لا تحدث وانما تحدث ~~صفاتها وانهم لم يشهدوا حدوث جسم ولا جوهر قائم بنفسه وانما شهدوا حدوث ~~صفات الأجسام وان الأجسام متماثلة مركبة من جواهر متماثلة وهي تنقلب فيها ~~من وصف إلى وصف # قالوا فهذا هو الذي يشهد حدوثه ثم بهذا يعلم حدوث ما قامت به هذه الحوادث ~~فأنكروا ما يعلمه الناس بحسهم ms1674 ومعاينتهم من حدوث ما يشهدون حدوثه من ~~الأجسام ثم احتاجوا مع ذلك إلى أن يثبتوا حدوث هذه الاعيان بالاستدلال الذي ~~ذكروه من انها لا تخلو من الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث # وهذه الطريق يظهر لاستغناء عنها لكل أحد بما يشهده من حدوث الاعيان ~~واصحابها يسلمون الاستغناء عنها بما يشهدونه من حدوث الصفات كما ذكره ~~الرازي وغيره وعلى التقديرين فقد ثبت الاستغناء عنها PageV08P306 # فمن قال أن العلم باثبات الصانع وتصديق رسله موقوف عليها فقد ظهر خطؤه ~~عقلا لكل أحد كما علم مخالفته لدين الإسلام بالضرورة # فإنه من المعلوم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~والتابعين ما دعوا احدا من الناس إلى الإقرار بالخالق وبرسله بهذه الطريق ~~ولا استدلوا على أحد بهذه الحجة بل ولا سلكوا هم في معرفتهم هذه الطريق ولا ~~حصلوا العلم بهذا النوع من النظر والاستدلال المبتدع المحدث الذي قد اغنى ~~الله عنه وظهر الغنى عنه لكل عاقل # ثم معرفة فساد هذه الطريق عقلا هو ألطف من العلم بالغنى عنها ولهذا يظهر ~~الغنى عنها لخلق كثير قبل أن يظهر لهم فسادها # وقد ذكر من الكلام على مقدماتها وفسادها وطعن بعض اهلها في بعض وافسادهم ~~لمقدماتها وبيان فسادها بصريح العقل في غير هذا الموضع ما ينبه على المقصود # والمقصود هنا التنبيه على أن العلم بافتقار المحدث إلى المحدث والمفعول ~~إلى الفاعل هو من العلوم الضرورية البديهية وهو أظهر وأقوى مما استدل به ~~عليه القاضي وأمثاله من كون تخصيص الحدوث بوقت دون وقت لا بد له من مخصص PageV08P307 # وهذا الذي ذكره القاضي أبو بكر وأمثاله أظهر مما استدل به عليه أبو ~~الحسين وامثاله من أن الحدوث إما أن يكون على وجه الوجوب أو على وجه الجواز # وهذا الذي ذكره أبو الحسين واتباعه من أن الجائز الممكن ليس وجوده اولى ~~من عدمه لولا المقتضى لحدثه اظهر مما ذكره ابن سينا والرازي امثالهما من أن ~~الجائز الممكن ليس وجوده اولى من عدمه ولا عدمه اولى من وجوده إلا ms1675 لمرجح ~~منفصل عنه # وطريق هؤلاء بعضها اصح واقرب من طريق بعض # وقد ظهر بما ذكرنا فساد قول القاضي أبي بكر انه لم يخالف في أن افتقار ~~المحدث إلى محدث مما لا يعلم بالاضطرار وانما يتطرق اليه بالفحص والبحث إلا ~~شرذمة لا يعتد بقولها ادعت في هذا المذهب البديهة # ثم يقال له أن كان هذا حقا فالاشعري لم يذكر في اللمع دليلا على ذلك بل ~~جعل ذلك مسلما وانما اثبت حدوث الانسان وانه PageV08P308 ~~لم يحدث نفسه # ثم قال فدل ما وصفناه على انه ليس هو الذي نقل نفسه في هذه الاحوال وان ~~له ناقلا نقله من حال إلى حال ودبره على ما هو عليه لانه لا يجوز انتقاله ~~من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر # فذكر هذه المقدمة مجردة عن الاستدلال فإن كان العالم انتقاله من حال إلى ~~حال لا يعلم به أن له ناقلا مدبرا إلا بأدلة تذكر فهو لم يذكر تلك الأدلة ~~بل ادعى دعوى نظرية تقبل النزاع بلا دليل # وحينئذ فيكون طعن من طعن من المعتزلة في كلامه أوجه فإنه لم يقم دليلا لا ~~على حدوث الجسم ولا على أن المحدث لا بد له من محدث # ثم يقال من العجائب أن يكون القول بأن العالم حدث من غير محدث أحدثه وان ~~بعض الحوادث حدث من غير محدث إحدثه قول قاله كثير من الفلاسفة والدهرية أو ~~طوائف من نظار المسلمين # والقول بأن العلم بأن الأفعال تتعلق بفاعل وان المخلوقات تتعلق بفاعل وان ~~المخلوقات تتعلق بخالق علم ضروري إنما قاله شرذمة لا PageV08P309 ### | AUTO يعتد بقولها وان الجميع من العقلاء إنما يعلم هذا الفحص والبحث ~~مع انه لا يعلم أن أحدا من المشهورين بالعلم طلب على هذا دليلا ولم يذكر عن ~~أحد من الكفار مطالبة أحد من المؤمنين بدليل على هذا ولا في كتاب الله ولا ~~سنة رسوله ولا كلام أحد من السلف والائمة ذكر حاجة هذا إلى الاستدلال أو ~~الاستدلال عليه بما ذكرتموه من أن ذلك يتضمن التقدم والتأخير ms1676 فلا بد له من ~~مرجح فصل # ومن هنا يظهر الوجه الثاني الذي تبين به أن ما ذكره ألاشعري لا يحتاج إلى ~~ما ذكره القاضي # وذلك أن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث هو ابده للعقل وارسخ في القلب ~~وأظهر عند الخاصة والعامة مما قرره به وهو أن ذلك يتضمن تخصيص بعض الازمان ~~بالحدوث دون بعض والتخصيص لا بد له من مخصص # فالأول أن لم يكن اقوى منه واجلى فليس هو دونه وغاية هذا الثاني أن يكون ~~مثله أو داخلا في أفراده # لا سيما على اصل القاضي وموافقيه من المعتزلة والاشعرية فإنهم يجوزون ~~اختصاص بعض الازمنة بالحوادث دون بعض بدون سبب اقتضى ذلك التخصيص واذا ~~اضافوا التخصيص إلى المشيئة القديمة فنسبة المشيئة إلى جميع الحوادث ~~والازمنة سواء PageV08P310 # وإذا كانت النسبة مستوية فثبوت هذه النسبة مع أحد المتماثلين دون الآخر ~~تخصيص بلا مخصص # وإذا قالوا الإرادة لذاتها تخصص مثلا عن مثل بلا سبب مع تضمن ذلك ترجيح ~~أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح أصلا أمكن منازعهم أن يقول بتخصيص أحد ~~الزمانين المتماثلين بالحوادث دون الآخر بلا مخصص أصلا وقال من شأن الأوقات ~~التخصيص بلا مخصص # وإذا قالت المعتزلة القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ~~كان ما يلزمهم كما يلزم أولئك وأشد # فمن كانت هذه الأقوال أقواله وكان غاية ما يثبت به الصانع وافتقار المحدث ~~إلى محدث أن الحوادث مختصة بزمان دون زمان فلا بد للتخصيص من مخصص وأن ~~التخصيص بلا مخصص ممتنع ويجعل ذلك بديهيا ضروري # كيف يمكنه أن يقول إن وجود الحوادث بلا محدث والفعل بلا فاعل والصنعة بلا ~~صانع ليس امتناعه بديهيا ضروريا # فمن جعل العلوم البديهية الضرورية ليست بديهية ضرورية وجعل ما هو دونها ~~بديهيا ضروريا تناقضت أقواله وكان فيها من مخالفة العقل والسمع ما لا يحصيه ~~إلا الله # وهذا بخلاف الطرق المذكورة في القرآن فإنها في غاية السداد والاستقامة PageV08P311 # ومن أقرب ذلك أن إثبات الفاعل مبني على مقدمتين ضروريتين إحداهما أن ~~الإنسان محدث ms1677 والثانية أن المحدث لا بد له من محدث # فأبو الحسن مع جماهير العقلاء جعلوا المقدمة الثانية ضرورية بخلاف ما ~~ذكره القاضي ومن وافقه حيث أثبتوها بما هي أقوى منه وأجلى # وإن كانت هذه الطرق الخفية البعيدة وأمثالها ينتفع بها في حق من لم ينفذ ~~للطرق الجلية القريبة أو عرضت له فيها شبهة كما تقدم # وأما المقدمة الأولى وهو أن الإنسان والثمار والمطر والسحاب ونحو ذلك ~~محدث فهذه مقدمة معلومة بالمشاهدة والضرورة فإن حدوث الحوادث مشهود # ثم من قال من أهل الجوهر الفرد والهيولي إن الحادث إنما هو صفات الأجسام ~~لا أعيانها أو صورتها لا مادتها أمكنهم إثبات المحدث بناء على ذلك وهذه ~~الطريقة التي ذكرها الرازي وغيره وهي الاستدلال بحدوث صفات الأجسام # وأما من أنكر ذلك وهم جمهور العقلاء فإن الحادث عندهم هو نفس الأعيان ~~المحسوسة وأبو الحسن ممن يثبت الجوهر الفرد ولم يكتف بالاستدلال على حدوث ~~الصفات بل أراد إثبات حدوث نفس النطفة فاثبت ذلك بطريقة استلزامها للحوادث ~~وما لا ينفك عن الحوادث فهو PageV08P312 ~~حادث وهي الطريقة التي سلكتها المعتزلة في حدوث الأجسام ابتداء وعلى هذه ~~الطريقة فحدوث الإنسان نظري لا ضروري # وإذا ضم إلى ذلك أن العلم بافتقار المحدث إلى المحدث نظري كما قاله من ~~قاله من المعتزلة ومن وافقهم كالقاضي أبي بكر وأتباعه صار كل من المقدمتين ~~في إثبات الصانع نظريا # وهذا أضعف هذه الطرق وأطولها لكن مبناها على أن التخصيص الحادث لا بد له ~~من مخصص وهذا عند هؤلاء ضروري كافتقار الممكن إلى الواجب # ثم الذين سلكوا طريقة ابن سينا جعلوا هذا نظريا وأثبتوا منع التسلسل ~~بطريقة ابن سينا وهي أقرب مما بعده # فجاء من بعدهم كالرازي ضم إلى ذلك نفي الدور أيضا ثم هو والآمدي ونحوهما ~~أثبتوا بطلان التسلسل بطرق طويلة واستصعب ذلك على الآمدي حتى قال إنه عاجز ~~عن تمشيها وحل ما يرد عليها كما ذكرناه # ولا ريب أن تمشيها مع تفسيرهم الممكن بالتفسير الذي أحدثه ابن سينا ممتنع ~~وأما تمشيتها إذا جعل الممكن ms1678 هو الذي يوجد تارة ويعدم أخرى فهو سهل متيسر ~~معلوم ببدائه العقول # فانظر من عدل عن الطرق المستقيمة شرعا وعقلا كلما أمعن في العدول أمعن في ~~البعد عن الحق وتطويل الطريق وتصعيبها حتى آل الأمر PageV08P313 ~~بهم إلى الجهل العظيم وإلى العجز عن الاستدلال على ما هو أعظم الأشياء ~~ثبوتا ووجودا وأكثرها وأقواها أدلة وأولاها بالعلم من كل معلوم وأحقها بأن ~~يكون مستقرا في الفطرة دائم الحصول في القلوب حاصلا بأكمل الأسباب التي ~~يمكن بها حصول العلم # والمقصود هنا الكلام على الطريقة التي ذكرها أبو الحسن وأنها أقرب وأصح ~~من الطريقة التي سلكها من سلكها من المعتزلة ومن وافقهم كالقاضي أبي بكر ~~وأمثاله وأنها طريقة صحيحة لم ينازع فيها طائفة مشهورة إذا اكتفي فيها ~~بحدوث ما يعلم حدوثه كالإنسان والنبات وغيرهما من الحوادث وأما إذا احتيج ~~فيها إلى إثبات حدوث الأجسام كلها بطريقة الأعراض أو قيل إن حدوث الإنسان ~~ونحوه لا يثبت إلا بمثل تلك الطريق كان المنازع في صحة هذه الطريق جمهور ~~العقلاء من أهل الملل والفلاسفة وكان هذا من الكلام الذي ذمه السلف والأئمة # فالمخالفون للطرق الفطرية العقلية الشرعية القريبة الصحيحة كلما أبعدوا ~~عنها مدحوا من يوافقهم في البعد ولهذا عكس هؤلاء الكلام على المقدمتين ~~فأخذوا يوافقون أبا الحسن على المقدمة المبتدعة الباطلة ويذمونه أو يعتذرون ~~عنه على المقدمة البديهية الصحيحة الشرعية # قال أبو الحسن فإن قال قائل ما أتكرم من أن تكون النطفة PageV08P314 ~~قديمة لم تزل قيل له لو كان ذلك كما ادعيتم لم يجز أن يلحقها الاعتمال ~~والتأثر والانقلاب والتغير لأن القديم لا يجوز انقلابه وتغييره وأن يجرى ~~عليه سمات الحدث لأن ما جرى عليه ذلك ولزمته الصنعة لم ينفك عن سمات الحدث ~~وما لم يسبق المحدث كان محدثا مصنوعا فبطل لذلك قدم النطفة وغيرها من ~~الأجسام # قال القاضي أبو بكر اعلم أن هذا الذي ذكره هو المعول عليه في الاستدلال ~~على حدوث سائر الأجسام وذلك أن الذي عناه بقوله لو كانت قديمة لم يلحقها ~~الاعتمال والتأثير ms1679 والانقلاب والتغير وخروجها من صفة كانت عليها إلى صفة لم ~~تكن عليها كنحو خروجها عن السكون إلى الحركة وعن الحركة إلى السكون ~~وكاستصلابها بعد لينها وافتراقها بعد اجتماعها وما يلحقها من تعاقب الأكوان ~~وغير ذلك من التغيرات لأن القديم الحاصل على صفة من الصفات لا يجوز خروجه ~~عنها على ما ذكره أصلا وذلك أن القديم إذا لم يزل مجتمعا مثلا أو مفترقا أو ~~متحركا أو ساكنا أو على بعض هذه الصفات لم يجز خروجه عنه لأنه لا يخلو أن ~~يكون على ما هو عليه في أزله لنفسه أو لعلة أو لا لنفسه ولا PageV08P315 ~~لعلة أو لبطلان نفسه أو لبطلان معنى فيستحيل أن يكون على ما هو عليه لا ~~لنفسه ولا لمعنى لأن هذا يوجب خروج الإثبات عن تعلقه بمثبت والخبر عن تعلقه ~~بمخبر وغير ذلك من وجوه الفساد ليس بشيء يحصل على صفة من الصفات ولأنه ليس ~~عدم نفسه إن جاز عدمها بأن يكون تحصيله ساكنا أولى من تحصيله له متحركا ~~ويستحيل أن يكون ذلك لبطلان معنى كان موجودا به لأن القديم لا يجوز عدمه ~~ولأنه ليس بأن يكون متحركا لعدم سكونه أولى من غيره ممن يصح أن يكون متحركا # وهذا يوجب أن يكون الجسم إنما تحرك لعدم سكونه إلى محاذاة بعينها ولو كان ~~ذلك كذلك لم يكن تحركه لعدم ذلك السكون إلى تلك المحاذاة بعينها أولى من ~~تحركه إلى غيرها من الجهات وإلى ما هو أبعد منها # وفي تحركه إلى جهة مخصوصة ومحاذاة معينة دليل على أن ذلك إنما وجب له ~~لمعنى سوى عدم سكونه ولأنه ليس بأن يتحرك هو لأجل عدم السكون أولى من غيره ~~من الأجسام لأن عدم السكون ليس هو بأكثر من خلوه منه وأنه ليس فيه وغيره من ~~الأجسام حال من ذلك السكون ايضا فكيف صار خلوه منه يوجب له التحرك اولى من ~~كل من خلا من الأجسام وفي فساد ذلك دليل على أنه لا يجوز أن يكون المتحرك ~~تحرك لعدم معنى PageV08P316 # وجملة هذا أن ms1680 القديم لا يجوز عدمه ولا يجوز لمثل ذلك أن يكون القديم إنما ~~يتحرك فيما لم يزل لعدم نفسه ولا لعدم معنى قديم # فلم يبق إلا وجهان أحدهما أن يكون فيما لم يزل على ما هو عليه لنفسه أو ~~لمعنى قديم فإن كان لم يزل ساكنا لنفسه استحال تحركه بعد سكونه لوجود نفسه ~~في كلا الحالين ويستحيل خروج الشيء عن الوصف المستحق لنفسه مع وجود نفسه ~~التي بها كان كذلك # وان كان لم يزل ساكنا لأجل معنى قديم استحال أن يتحرك إلا عند عدم سكونه ~~القديم وألا وجب تحركه وسكونه معا فإذا استحال ذلك واستحال عدم سكونه إذا ~~كان قديما واستحال أن يخرج القديم عن الصفة التي هو فيها لم يزل عليها لم ~~يجز أن يلحقه لما وصفناه انقلاب ولا تغيير ولا اعتمال ولا تأثير فصح ما ~~قاله شيخنا أبو الحسن من هذا الوجه # قلت ولقائل أن يقول هذا الكلام مضمونه أن ما به يعلم حدوث النطفة به يعلم ~~حدوث سائر الأجسام وان المنكر لحدوث سائر الأجسام يمكنه انكار حدوث النطفة ~~وليس الأمر كذلك بل حدوث الحيوان والنبات والمعدن ونحو ذلك وحدوث اوائل ذلك ~~كالنطفة والبيضة وطاقة الزرع ونحو ذلك امر مشهود معلوم بالحس والضرورة PageV08P317 ~~واتفاق العقلاء وهذا بخلاف الفلك فإنه ليس شهود حدوثه كشهود حدوث الحيوان ~~والنبات والمعدن # وكذلك من ينازعهم في الواجب وفي تسميته جسما كالهشامية والكرامية وغيرهم ~~أو من لا يطلق الاسم ولكن يقولون له ما أثبته نسميه نحن جسما أو يجب أن ~~يكون جسما والجسم حادث فإنه على هذا التقدير لا يعلم حدوث ما جعلوه من ~~الغائب جسما كما يعلم حدوث هذه الحوادث المشهودة # فإن قال بهذا فالمفرق يقول حدوث النطفة مشهود معلوم مسلم وكذلك حدوث ما أشبهها # وأما حدوث كل ما سميته جسما فإنما اثبته بما ذكرته من الدليل وهو ضعيف ~~على ما سنذكره # فإن قال أعنى بالنزاع في حدوث النطفة النزاع في حدوث الجواهر المفردة ~~التي منها تركبت النطفة وتألفت أو في حدوث مادتها التي ms1681 لبستها صورة النطفة # قيل له الجواب من طريقين # أحدهما أن يقال هذا لا حاجة لك به # الثاني أن يقال ما ذكرته ليس بصحيح PageV08P318 # فأما الطريق الأول ففيه وجوه # أحدها أن العلم بحدوث ما يحدث والاستدلال به على ثبوت الصانع ليس مفتقرا ~~إلى أن يعلم هل في النطفة جواهر منفردة أو مادة وهل ذلك قديم أو حادث بل ~~مجرد حدوث ما شهد حدوثه يدل على أن له محدثا كما يدل حدوث سائر الحوادث على ~~أن لها محدثا # وان قال قصدي تعميم حدوث سائر الأجسام # قيل له فحينئذ لم يكن بك حاجة إلى ذكر حدوث الانسان وحده من النطفة بل ~~كان هذا تطويلا إذ كان ما به يثبت حدوث النطفة به يثبت حدوث الانسان ابتداء # وحينئذ فيكون كلام ألاشعري كلام من لا يعرف الاستدلال والنظر كما قاله من ~~اعترض عليه من المعتزلة فإنه إذا كان لا بد في الاستدلال بالاجسام المخصوصة ~~في آخر الأمر من دليل يتناول جميع الأجسام كان ذكر هذا ابتداء اولى من ~~التطويل لا سيما في مثل المختصر الذي يطلب فيه التقريب والتسهيل # وايضا فإن العلم بحدوث الحوادث المشهودة أظهر وأبين من العلم بحدوث جميع ~~الأجسام وذلك كاف في إثبات العلم بالصانع فلماذا تجعل موقوفة على مقدمات لو ~~كانت صحيحة كان فيها من التطويل والغموض ما يوجب هذا كثيرا إما عدم العلم ~~أو حصول ضده PageV08P319 ~~من اعتقاد الباطل فيكون ما جعل طريقا إلى العلم والايمان موجبا لضده من ~~الجهل والكفر # والوجه الثاني أن يقال فحينئذ يكون الشك في حدوث الحيوان والنبات ونحو ~~ذلك مبنيا على كونها مركبة من الجواهر المنفردة أو المادة والصورة وامكان ~~قدم الجواهر المنفردة أو المادة ومعلوم أن هذا لو كان صحيحا لكان من الدقيق ~~الذي يحتاج إلى بيان وهم لم يبينوا ذلك # ومن المعلوم أن هذا موضع اضطرب فيه أهل الكلام والفلسفة اضطرابا لا يتسع ~~هذا الموضع لاستقصائه # فقالت طائفة إن الأجسام مركبة من أجزاء لا تتجزأ وهي الجواهر المنفردة ~~وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية ms1682 # وقالت طائفة بل فيها اجزاء لا نهاية لها وهو المذكور عن النظام وعليه ~~انبنى القول بطفرة النظام ولهذا يقال ثلاثة لا يعلم لها حقيقة طفرة النظام ~~وأحوال أبي هاشم وكسب الاشعري # وقالت طائفة بل هي مركبة من المادة والصورة وهي تقبل الانقسام إلى غير ~~نهاية لكن ليس فيها اجزاء لا نهاية لها PageV08P320 # وقالت طائفة ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا بل تقبل التجزؤ إلى اجزاء ~~لا تتجزأ # وقالت طائفة ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا ولا تتجزأ إلى غير غاية بل ~~إذا صغرت الأجزاء انقلبت إلى اجسام اخر مع كونها في نفسها يتميز منها جانب ~~عن جانب # فهؤلاء لا يقولون بقبول الانقسام إلى غير نهاية ولا بوجود مالا يقبل ~~الانقسام بل كل ما وجد يقبل الانقسام لكنه يستحيل إلى جسم آخر في حال تميز ~~جانب منه عن جانب فلا يوجد فيه انقسام إلى غير نهاية وقد بسط الكلام على ~~هذه الأقوال في غير هذا الموضع # وأذكياء المتأخرين مثل أبي الحسين البصري وأبي المعالي الجويني وأبي عبد ~~الله الرازي كانوا متوقفين في آخر أمرهم في إثبات الجوهر الفرد فإذا كان ~~الأمر هكذا لم يمكن احدا أن يطالب بدليل على حدوث الحيوان باعتبار تركبه من ~~الجواهر أو المادة والصورة حتى يثبت ذلك اولا # ومن المعلوم لكل عاقل أن علم الناس بحدوث ما يشهدون حدوثه من PageV08P321 ~~الأجسام ليس موقوفا على العلم بأنها مركبة هذا التركيب الذي كلت فيه أذهان ~~هؤلاء الاذكياء # الوجه الثالث أن يقال حدوث ما يشهد حدوثه من الثمار والزروع والحيوان ~~وغير ذلك امر مشهود فإن الانسان إذا تأمل خشب الشجرة وما يخرجه الله منها ~~من الانوار والثمار وما يخرجه من الأرض من الزروع وما يخرجه من الحيوان من ~~النطفة والبيض أيقن بحدوث هذه الاعيان # فإذا قيل له هذا لم يحدث ولكن كانت اجزاؤه مفرقة فاجتمعت وجعل لها صفة ~~غير تلك الصفة # قال أما ما تغيرت صفاته كتغير الابيض إلى السواد والساكن إلى الحركة ~~والحامض إلى الحلاوة ms1683 والمفرق إلى الاجتماع وتغير الجسم من شكل إلى شكل ~~كتغير الشمعة والفضة نحو ذلك من صورة إلى صورة فهذا كله وما يشبهه يشهد فيه ~~أن العين باقية وانما تغيرت صفاتها التي هي الحركة والسكون والاجتماع ~~والافتراق والالوان والطعوم والاشكال بخلاف الثمرة التي تخرج من الشجرة ~~والجنين الذي يخرج نم بطن أمه والفروج الذي يخرج من البيضة فإن PageV08P322 ~~عاقلا لا يقول أن نفس الرطبة فيها جرم الخشب باقيا ولا اجزاء الجنين كعظمه ~~وبصره فيها اجزاء النطفة باقية ولا نفس الفروج فيه بياض البيض باقيا # ومن قال أن هذا باق في هذا كما أن الجسم الذي اسود بعد بياضه وحلا بعض ~~حموضته وصار مدورا بعد أن كان مسطحا باق فهو لا يتصور ما يقول أو هو معاند ~~مسفسط فالامر ينتهي إلى عدم التصور التام أو العناد المحض وهذا اصل كل ضلال ~~وهو الجهل أو العناد والعناد وصف المغضوب عليهم والجهل وصف الضالين # والفرق بين استحالة العين وبين تبدل الصفات معلوم للعامة والخاصة وقد ذكر ~~الفقهاء ذلك في غير موضع # ثم كلامهم في النجاسة إذا استحالت مثل أن تصير رمادا أو ملحا ونحو ذلك ~~ومثل كلامهم في باب الإيمان فيما إذا حلف على فعل في جسم معين فتغير ذلك ~~الجسم المعين فإن كان التغيير لم يزل الاسم فاليمين باقية بلا نزاع بينهم ~~كما لو حلف لا يكلم هذا الرجل فمرض أو صار شيخا أو لا يأكل هذا الخبز فصار ~~كسرا ونحو ذلك # وان كانت قد استحالت اجزاؤه وتغير اسمه مثل أن يحلف لا أكلت هذه البيضة ~~فصارت فروجا أولا أكلت هذه الحنطة فصارت زرعا PageV08P323 # قالوا فهنا لا يحنث لأنه زال اسمه وزالت اجزاؤه # وان تغيرت الصفة مع زوال الاسم كما إذا حلف لا كلمت هذا الصبي فصار شيخا ~~أو لا كلت لحم هذا الحمل فصار كبشا فإنه يحنث عند جمهورهم كأبي حنيفة ومالك ~~وأحمد في المشهور من مذهبه وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي وكذلك لو حلف ~~لا اكلت من هذا الرطب فصار ms1684 تمرا # وتنازعوا فيما إذا اكل مما يصنع من الرطب والعنب من الدبس والخل فمنهم من ~~قال يحنث وهو مذهب مالك وهو المشهور من مذهب احمد ومنهم من قال لا يحنث كما ~~هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وطائفة من أصحاب احمد قالوا لان اسم المحلوف ~~عليه وصورته زالت فلم يحنث كما في مسألة البيضة والفروج # فقال لهم الاولون عين المحلوف عليه باقية فصار كمسألة الحمل بخلاف البيضة ~~إذا صارت فرخا فإن اجزاءها استحالت فصارت عينا أخرى ولم يبق عينها # مع أن في هذه المسائل كلاما ليس هذا موضعه إذ كان منهم من يرى اليمين ~~باقية مع استحالة العين لأجل التغيير ومنهم من يرى انه بمجرد زوال الاسم ~~تزول اليمين PageV08P324 # ولكن المقصود هنا أنه من المستقر في عقول الناس الفرق بين استحالة ~~الاعيان وانقلابها وبين تغير صفاتها مع بقاء عينها وذاتها ولهذا اتفقوا ~~كلهم على أن العين الخبيثة لا تطهر بمجرد تغير الصفة فالدم والميتة ولحم ~~الخنزير والخمر إذا تغيرت صفاته مثل أن يجمد الدم والخمر أو يسيل شحم ~~الميتة والخنزير ونحو ذلك فإنه لا يزول التحريم باتفاقهم # واما إذا استحالت العين مثل أن يصير ذلك ملحا أو رمادا أو نحو ذلك ففيه ~~نزاع مشهور والجمهور على انه يطهر بالاستحالة كما هو مذهب اكثر اهل الرأي ~~وأهل الظاهر واحد القولين في مذهب مالك واحمد واتفقوا على أن الخمر ~~المنقلبة بفعل الله تعالى خلا انها تطهر # وأما الطريق الثاني وهو بيان أن ما ذكره ليس بدليل صحيح على حدوث الأجسام ~~فإن المعترض يقول قوله أن القديم إذا حصل على صفة من الصفات لم يجز خروجه ~~عنها كلام مجمل قد يراد به انه إذا حصل على صفة لازمة لذاته لم يجز خروجه ~~عنها وقد يريد به إذا حصل على حال عارضة له سواء كان نوعها لازما له اولم ~~يكن لازما لذاته مثل الفعل والعمل سواء سمى حركة أو لم يسم كالاتيان PageV08P325 ~~والمجيء والنزول والمناداة والمناجاة وأمثال ذلك مما تنازع فيه الناس هل ~~يقوم بالقديم ms1685 ام لا # فجمهور اهل السنة والحديث المتبعون للسف والائمة من السلف والخلف مع كثير ~~من طوائف الكلام وأكثر الفلاسفة يجوزون أن يقوم بالقديم ما يتعلق بمشيئته ~~وقدرته من الأفعال وغير الأفعال فيقول هؤلاء قول القائل أن القديم الحاصل ~~على صفة لا يجوز خروجه عنها أن اراد به مواقع الإجماع مثل صفات الكمال ~~اللازمة لذات الله أو نوع الصفات اللازم لذات الله تعالى فهذا لا نزاع فيه # وإن اراد به اعيان الحوادث فما الدليل على أن القديم إذا قام به حال من ~~غير هذه الاحوال المعينة لم يجز خروجه عنها # واما استدلال المستدل بقوله لا يخلو أن يكون على ما هو عليه في ازله ~~لنفسه أو لعلة إلى اخر الكلام # فيقال له ذلك الأمر الذي قام هو به هو معنى من المعاني فإن جعلت الموجب ~~لذلك المعنى أمرا آخر على قول مثبتي الاحوال القائلين بأن كونه عالما ~~ومتحركا معنى أوجبه العلم والحركة خوطبت على هذا الاصطلاح وقيل لك قام به ~~ذلك لمعنى # قوله واذا كان لمعنى استحال أن يزول إلا عند عدم ذلك المعنى والقديم ~~يستحيل عدمه # يقال له قول القائل القديم يستحيل عدمه لفظ مجمل أتريد PageV08P326 ~~به أن العين القديمة أو صفتها اللازمة لها يستحيل عدمه أو النوع الذي لا ~~يزال يستحيل عدمه فإن أراد شيئا من هذه المعاني لم يكن له فيه حجة وان اراد ~~أن النوع القديم يستحيل عدم فرد من أفراده المتعاقبة فهذا محل نزاع ولا ~~دليل له على امتناع عدمه ولم يعدم القديم هنا بل النوع القديم لم يزل ولكن ~~عدم فرد من أفراده بمعاقبة فرد آخر له كالافعال المتعاقبة شيئا بعد شيء # فإذا كان القائم بالقديم نوع لم يزل مع تعاقب أفراده لم يكن قد عدم النوع ~~بل كان الكلام في كونه ازليا كالكلام في كونه ابديا وكما انه لا يزال فلا ~~يعدم النوع وان عدم ما يعدم من أعيانه فكذلك القول في كونه لم يزل # وايضا فيقال له القديم إذا فعل بعد أن لم ms1686 يكن فاعلا فكونه فعل امر موجود ~~أو معدوم # فإن قال انه معدوم فهذا مكابرة للحس والعقل فإن الفعل إذا كان امرا عدميا ~~فلا فرق بين حال أن يفعل وحال إلا يفعل لأن العدم المحض لا يكون فعلا # واذا لم يكن فرق بين الحالين وهو في حال إلا يفعل لا فعل فيجب في الحال ~~التي زعم انه فعل إلا يكون له فعل لتساوي الحالين فيجب إلا يفعل مع كونه ~~فعل وهذا جمع بين النقيضين PageV08P327 # وان قال كونه فعل امر موجود فالقديم قبل أن يفعل كان على صفة فإما أن ~~يتجدد ما يوجب خروجه عن تلك الصفة أو لا يتجدد فإن لم يتجدد وجب إلا يفعل ~~وان تجدد شيء انتقض قوله انه إذا كان على صفة من الصفات لم يجز خروجه عنها # فإن قال إنما اعنى بالصفة المعنى القائم بذاته وذاك لم يزل # قيل هب انك عنيت هذا لكن دليلك يتناول هذا وغيره ويوجب أن الأمر الازلي ~~لا يجوز تحوله من حال إلى حال بوجه من الوجوه لأن ما كان قديما كان لمعنى ~~والقديم لا يزول # فالامر المتجدد المتحول الحادث سواء سميته صفة أو حالا أو حادثا أو فعلا ~~وسواء كان قائما به أو بغيره بموجب دليلك أنه لا يجوز بغير الأمور القديمة ~~الأزلية فإن كان هذا حقا وجب إلا يحدث شيء من الحوادث فإن جوز أن تحدث عن ~~قديم من غير حدوث أمر وجودي يكون شرطا في وجودها فقد جوز تغير الأمور ~~الأزلية بلا سبب وان قال لا بد من تجدد امر به يحصل حدوثها واذا تجدد امر ~~فقد حصل تغير لم يكن في الأزل فانتقضت حجته # وايضاح هذا أن يذكر نظير حجته فيقال له القديم الذي لم يزل غير فاعل لا ~~يجوز كونه فاعلا فإنه إذا كان غير فاعل فإما أن يكون ذلك لنفسه أو لعلة إلى ~~آخر الكلام PageV08P328 # وان قال فعله بعد أن لم يكن فاعلا ليس مجرد وجود المفعولات والفعل حدوث ~~نسبة واضافة بينهما وهي عدمية # فيقال له ms1687 فالمتجدد القائم به يقال فيه كذلك ليس هو إلا مجرد وجود ذلك ~~المتجدد وهو حدوث نسبة واضافة عدمية والفعل حدوث نسبة واضافة بينهما وهي عدمية # فان قال هذا يلزم منه قيام المتجددات والحوادث به وهذا لا يجوز # قيل له هذه مصادرة على المطلوب فإنك انت لم تقم دليلا على أن القديم لا ~~تقوم المتجددات والحوادث به بل ما ذكرته هوالدليل على ذلك فإن كان استدلالك ~~على هذا لا يتم إلا بأن تجعل المطلوب مقدمة في إثبات نفسه لم يكن لك عليه ~~دليل إلا مجرد الدعوى وصار هذا بمنزلة أن يقول القائل القديم لا تقوم به ~~الاحوال المتجددة لأن القديم لا تقوم به الاحوال المتجددة # واذا كان العلم بالصانع موقوفا على هذا الدليل لم يكن هناك علم بالصانع ~~بل صار حقيقة الكلام الدليل على ثبوت الصانع حدوث النطفة وغيرها من الأجسام ~~والدليل على حدوث ذلك انه تقوم به المتجددات والحوادث وما قام به المتجددات ~~والحوادث كان حادثا لأن ما قام به المتجددات والحوادث كان حادثا # فيكون منتهى الكلام مجرد الدعوى التي نوزع فيها والاستدلال عليها PageV08P329 ~~بنفسها مع ترك الدليل الواضع البين الذي يشهد به الحس ويعلمه الخلق ولا ~~ينازع فيه عاقل وهو حدوث المحدثات التي يشهد حدوثها ثم افتقار المحدثات إلى ~~فاعل ليس بمحدث بل قديم من الأمور المعلومة بالضرورة لعامة العقلاء لا ~~ينازع فيه إلا من هو من شر الناس سفسطة # فهذا وأمثاله مما يقوله جمهور الانام في مثل هذا المقام ويقولون انا نعلم ~~بالاضطرار أن ما ذكره الله تعالى في القرآن ليس فهي إثبات الصانع بهذه ~~الطريق بل ما في القرآن من الأخبار عن الله بما أخبر عنه من افعاله وأحواله ~~يناقض هذه الطريق ويقولون أن العقل الصريح مطابق لما في القرآن فإن حدوث ~~المحدثات مشاهد معلوم بالحس والعقل وكون المحدث لا بد له من محدث امر يعلم ~~بصريح العقل وايضا فحدوث الحادث بدون سبب حادث ممتنع في العقل # قال القاضي أبو بكر واما قول أبي الحسن أن الانقلاب ms1688 والتغير والاعتمال ~~والتأثير من سمات الحدث وما لم يسبق المحدثات كان محدثا مثلها ففيه وجهان ~~من الكلام # أحدهما أن نقول أن التغييرات من سمات الحدوث بدلالة أن التغير هو خروج ~~الشيء من صفة إلى صفة فلا يخلو إما أن يكون PageV08P330 ~~خروجا من صفة قدم إلى صفة قدم أو من صفة حدث إلى صفة حدث أو من صفة قدم إلى ~~صفة حدث أو من صفة حدث إلى صفة قدم # والاول باطل لوجهين # أحدهما أن المنتقل انتقل إلى امر مستأنف لم يكن عليه وذلك لا يكون قديما # الثاني أن ذلك يقتضي عدم القديم كما تقدم والقديم لا يجوز عدمه # قال ويستحيل أن يكون التغيير خروجا من حال حدث لأن ذلك لا يثبت إلا بأحد وجهين # إما بحدوث تغيير القديم أو ببطلان معنى منه قد ثبت قدمه ووجوب حدوث ما ~~اكتسبه وصفا بعد أن لم يكن مستحقا له وما قبل الحوادث لم يخل منها أو من ~~اضدادها وما لم يوجد قبل أول الحوادث ولم يعر منها كان محدثا مثلها # قال ولا خلاف بيننا وبينهم يعني المعتزلة في هذا القسم لنطنب فيه PageV08P331 # قال واما الوجه الآخر فهو أن نقول إنما اراد بقوله انها من سمات الحدث ~~ودلائله انها إذا ثبت حدوثها وان الجسم لم يخل منها ولم يوجد قبل اولها وجب ~~له من الحدث ما وجب لها إذ لا يخلو أن يكون وجد مع وجودها أو بعد وجودها إذ ~~قد فسد أن يكون موجودا قبلها # فإن كان وجد مع وجودها وجب له من الحدث ما وجب لها وان كان وجد بعد ~~وجودها كان اولى بالحدوث لان ما وجد بعد المحدث كان اولى أن يكون محدثا # قال القاضي أبو بكر واعلم أن هذا الدليل على حدوث النطفة وغيرها من ~~الأجسام إذا علق على هذه النكتة وسلك فيها هذا الضرب من الاستدلال فلا بد ~~فيه من مقدمات اربع # اولها الدلالة على إثبات الاعراض # والثانية الدلالة على حدوثها وأن لها اولا تنتهي اليه # والثالثة أن الجسم لا ms1689 يخلو منها ولا يوجد قبل اولها # والرابعة أن ما لم يسبق المحدثات فواجب أن يكون محدثا مثلها # ثم تكلم على إثبات هذه المقدمات بالكلام المعروف لهم في ذلك # ولما قيل له لم قلتم أن الجسم لا ينفك من هذه الحوادث ولا يوجد قبل اولها PageV08P332 # قال لأدلة منها انا نعلم بالاضطرار وببدائه العقول ومقدماتها أن الأجسام ~~إذا كانت موجودة فلا تخلو من الاجتماع والافتراق وذلك لأنها لا تعدو إذا ~~كانت موجودات من أن تكون متماسة متلاصفة كل شيء منها إلى جنب صاحبه أو تكون ~~متباينة متباعدة كل شيء منها لا إلى جنب صاحبه وليس بين هذين منزلة # فإن كانت متماسة فذلك معنى الاجتماع وان كانت متباينة فذلك هو معنى ~~الافتراق # قال ومما يبين ذلك ايضا انا لو جاز لنا وجود جسم خاليا من الحركة والسكون ~~والاجتماع والافتراق والحياة والموت والسواد والبياض وغيرهما من الالوان ~~ومن سائر الهيئات لم نجد إلى ذلك سبيلا ولكان ذلك ممتنعا لأنا وجدنا هذه ~~الاعراض متعاقبة على الأجسام وتفسير التعاقب أن الشيء منها يوجد بعقب غيره # قلت إما الاجتماع والافتراق فإذا قدر وجود جسمين فلا بد من أن يجتمعا أو ~~يفترقا واما الجسم الواحد الذي ليس معه غيره فلا يوصف بمجامعة غيره ولا ~~مفارقته وانما يصفه بالاجتماع والافتراق من يقول بأنه مركب من الأجزاء ~~المفردة فيقول تلك الأجزاء إما مجتمعة واما مفترقة وهذا ليس معلولا ~~بالبديهة ولا الحس ولا يسلمه جمهور الناس PageV08P333 # واما الحياة والموت فقد ينازعه من ينازعه من النظار في ذلك فإن نظار ~~المسلمين وغيرهم متنازعون في الموت هل هو وجودي أو عدمي ثم من قال انه عدمي ~~يقول كثير منهم أن هذين متقابلان تقابل العدم والملكة وما لا يقبل الحياة ~~والموت كالجماد لا يوصف بواحد منهما # لكن القاضي وجمهور الناس يردون على هؤلاء بأن هذا اصطلاح منكم لا يلزمنا ~~ويقولون انا نفسر الموت بما يكون النزاع معه لفظيا # ويقول القاضي واكثر الناس أن كل جسم فإنه يقبل الحياة # لكن الذي يقال له الجسم لا ms1690 يخلو من أن يكون حيا أو ميتا كما لا يخلو من ~~أن يكون متحركا أو ساكنا واتصافه بالحياة لا يستلزم إمكان اتصافه بالموت ~~فإن القديم سبحانه موصوف بالحياة والعلم والقدرة ولا يمكن اتصافه بضد ذلك # وحينئذ فلا يمكن أن يقال أن كل جسم يقبل الحياة والموت إلا بدليل يدل على ~~ذلك والحياة لا يجب أن تكون حادثة لا نوعا ولا شخصا كما قد يقال مثل ذلك في الحركة # ثم قال القاضي أبو بكر فإن قال قائل فما الدليل على أن ما لم يسبق ~~المحدثات محدث وانه واجب لا محالة القضاء على حدوث الجسم متى لم يوجد قبل ~~أول الحوادث ولم زعمتم ذلك PageV08P334 # قيل له الدليل على هذا قريب واضح وذلك انه لا حال للجسم مع الحوادث إلا ~~بثلاثة احوال # إما أن يكون موجودا قبل اولها أو يكون موجودا مع وجودها أو يكون موجودا بعدها # فإذا بطل أن يكون الجسم عاريا عن الحوادث ومنفكا من سائرها وجب انه ليس ~~له معها إلا حالان إما أن يكون موجودا مع وجودها أو بعدها # فإن كان موجودا مع وجودها ولوجودها أول فواجب أن يكون حكمه في الوجود عن ~~أول وحصوله عن عدم حكمها وذلك يوجب حدوثه من حيث شركها في علة الحدوث متى ~~لم يكن سابقا لها # وان كان موجودا بعدها كان اولى بالحدوث منها لوجوده بعدها # فهذا منتهى كلام القاضي وأبي الحسن في إثبات الصانع وكلام أبي الحسن اجود ~~فإنه بناه على التغير المحسوس في النطفة لم يحتج مع ذلك إلى إثبات جنس ~~الاعراض لكل جسم # وقول القاضي أن الدليل على حدوث النطفة وغيرها من الأجسام إذا علق على ~~هذه النكتة فلا بد فيه من إثبات الاعراض اولا وعلى حدوثها ثانيا فليس كما ~~قال بل ألاشعري عدل عن هذه الطريق PageV08P335 ~~قصدا كما ذكره في رسالة الثغر وذم هذه الطريق وعابها وذلك أن ما ذكره من ~~تحول النطفة وانقلابها امر مشهود محسوس لا ينازع فيه عاقل سليم سواء سمى ~~ذلك التحول عرضا أو لم ms1691 يسم وسواء قيل أن ذلك العرض مغاير للجسم أو قيل ليس ~~بمغاير له وتحولها مشهود حدوثه لا يحتاج مع ذلك إلى ابطال كمون الاعراض ولا ~~انتقالها # لكن منتهى الدليل إلى مقدمة واحدة وهو أن ما قامت به الحوادث فهو حادث ~~بناء على أن ما قامت به لم ينفك عنها وما لم يسبق الحوادث فهو حادث وهذه ~~المقدمات فيها نزاع مشهور # وجمهور الناس من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والصائبين والمشركين ~~يخالفون في ذلك حتى جمهور الفلاسفة المتقدمون والمتأخرون القائلون بقدم ~~العالم وحدوثه يخالفون في ذلك # والجمهور القائلون بأن الله خلق السموات والأرض بعد أن لم تكونا مخلوقتين ~~لا يتوقف إثبات ذلك عندهم على هذه المقدمة بل يقولون أن إثبات خلقهما لا ~~يثبت إلا مع نقيض هذه المقدمة بل وكذلك القول بأن الله خالق كل شيء وانه هو ~~القديم وحده وما سواه محدث مسبوق بالعدم كما هو مذهب اهل الملل # وجمهور العقلاء يقول ائمتهم انها لا تحتاج إلى هذه المقدمة بل لا تثبت ~~إلا مع نقيض هذه المقدمة ومع القول بإبطالها ويقولون أن PageV08P336 ~~موجب هذه المقدمة أن كل موجود محدث وانه ليس في الوجود قديم مع أن هذا ~~معلوم الفساد بالضرورة # واما الكلام في أن ما قبل الحوادث لم يخل منها ففيها نزاع مشهور بين اهل ~~الكلام وكذلك قوله ما لم يسبق الحوادث فهو حادث فيها من منازعة اهل الحديث ~~والكلام والفلسفة ما هو معروف # وقد يسلم هذه من ينازع في الأولى من الكرامية ونحوهم وقد ينازع في هذه من ~~لا ينازع في الأولى من اهل الحديث والفلسفة والكلام وغيرهم # وهذه المقدمة هي التي جعلها الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم عليها من ~~الاشعرية والكرامية واتباع الأئمة الاربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد ~~اصل الدين # ثم أن قدماءهم كانوا يأخذونها مسلمة ويظنونها ضرورية ولا يميزون بين ما ~~لا يسبق الحادث المعين والحوادث المحدودة التي لها مبدأ وما لا يسبق جنس ~~الحوادث فإن ما لا يسبق الحادث المعين أو الحوادث المحدودة التي لها مبدأ ~~فهو ms1692 محدث بالضرورة ولا ينازع في هذا عاقل # فإن ما كان عينه حادثا فما لم يكن قبله فإنه محدث مثله بالضرورة كما قرره ~~لأنه إما معه واما بعده وما كان مع الحادث أو بعده فهو PageV08P337 ~~حادث بالضرورة # وأما ما لا يسبق جنس الحوادث وهو ما قدر انه لم يزل يقارنه حادث بعد حادث ~~وهلم جرا كما انه يقارنه حادث بعد حادث وفان بعد فان في الابد فيقدر ليس ~~متقدما على جنس الحوادث ولا متأخرا عن جنس الحوادث والفانيات فهذا محل نزاع ~~نزاعهم فيه جمهور الناس من اهل الملل والفلاسفة القائلين بحدوث العالم وبقدمه # وقد رأيت في كتب كثير من المتكلمين من المعتزلة والاشعرية وغيرهم انهم ~~اخذوا هذه المقدمة مسلمة وجعلوها ضرورية واشتبه عليهم ما لم يسبق عين ~~الحادث بما لم يسبق نوع الحادث # والاول ظاهر معلوم لكل أحد # وما الثاني فليس كذلك فصاروا ينتهون في أصل اصول دينهم الذي زعموا انه ~~ثابت بصريح المعقول وانهم به عرفوا وجود الخالق وصدق رسله وانه به يردون ~~على من خالف الملة وبه خالفوا ما خالفوه من نصوص الكتاب والسنة واقوال ~~السلف والائمة واهل الحديث إلى هذه المقدمة وهي لفظ مجمل فيه عموم واطلاق ~~أحد نوعيه بين PageV08P338 # فإذا ذكروا ذلك النوع البين ظنوا أن المقدمة صارت معلومة ضرورية والمطلوب ~~لا يتم إلا ببيان النوع الآخر وهم لم يبينوه # وهذا مما يبين للفاضل المعتبر كيف تدخل الشبهات والبدع على كثير من الناس ~~وان كانوا من أعقل الناس واذكاهم وافضلهم وان كانوا لم يعتمدوا التلبيس على ~~أنفسهم ولا على من يعلمونه ويخاطبونه لكن اشتبه الأمر عليهم فوقعوا في ~~شبهات ظنوها بينات # وهذا مما يعتبر به المسلم فلا يعدل عن كلام الله وكلام رسوله المعصوم ~~الذي عرف انه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إلى كلام من يروج ~~عليهم مثل هذه الشبهات ويغرقون في مثل هذه المجملات ولا يتبين لهم ما فيها ~~من فصل الخطاب والتقسيم المميز للصحيح من السقيم # ويعرف بهذا حذق السلف والائمة ms1693 الذين ذموا مثل هذا الكلام وجعلوه من الجهل ~~الذي يستحق اهله العقوبة والانتقام # لكن هؤلاء ذكروا في موضع آخر الكلام مع من يدعي وجود ما لا يتناهى وبحثوا ~~معه وان كانوا لم يجعلوا ذلك من المقدمات التي لا بد منها في هذه المسألة # وقد ذكر ذلك القاضي أبو بكر بعد هذا فقال فصل فإن قال قائل من أهل الدهر ~~الذاهبين إلى انه لا حركة إلا وقبلها PageV08P339 ~~حركة ولا حادث إلا وقبله حادث لا إلى غاية فما أنكرتم من إلا تدل الحوادث ~~على حدوث الجسم اصلا إذ كان لا أول لوجودها ولا شيء منها إلا وقبله شيء لا ~~إلى غاية # يقال له انكرنا ذلك لامور اقربها أن هذا الذي قلته محال متناقض وذلك انه ~~لا يخلو ما مضى من الحوادث وانقضى أن يكون محدثا موجودا عن أول وان يكون ~~الفعل والفراغ قد اتيا عليه أو أن يكون منها ما هو غير موجود عن أول ولا ~~كائن عن حدوث فإن كان الماضي من الحوادث مستفتحا مبتدأ قد أتى عليه الفراغ ~~استحال قولكم انها لم تزل موجودات شيئا قبل شيء لان ما لم يزل موجودا فقديم ~~غير مستفتح # وقولنا انها حوادث وجب لها الاستفتاح والوجود عن أول والجمع بين ذلك ~~متناقض محال # وان كان فيما اوقعنا عليه هذه التسمية وهو قولنا حوادث ما هو موجود لا عن ~~أول وكائن لا عن عدم فالموجود لا بحدوث والكائن لا عن عدم واجب أن يكون ~~قديما لا محالة كما أن الفلك عندكم وعناصر الاشياء التي هي الماء والأرض ~~والنار والهواء قديمة عندكم إذ كان موجودة لا عند عدم وكانت لا بحدوث فواجب ~~أن يكون الفلك قديما لا أول لوجوده PageV08P340 # ولو امكن أن يكون فيما اوقعنا عليه قولنا حوادث ما هو كائن لا بحدوث ~~موجود لا عن عدم وهو مع ذلك محدث في الحقيقة لوجب أن يكون الفلك ايضا وهذه ~~الاعراض موجودة لا بحدوث كائنا لا عن عدم وهو مع ذلك محدث غير قديم # وكذلك القول في ms1694 سائر اجسام العالم المركبة من هذه الاصول ولو جاز ذلك جاز ~~في جميع اجسام العالم فإن لم يجز هذا ووجب قدم الفلك الكائن لا عن عدم ~~الموجود بغير حدوث وجب قدم ما كان من الحوادث لا عن عدم وما هو موجود فيها ~~بغير حدوث # وهذا يوجب أن من الحوادث ما هو قديم وذلك غاية التناقض والجهل لمن بلغه ~~لان هذين الوصفين متناقضان # واذا كان كذلك استحال ما قلتموه من أن الحوادث لم تزل شيئا قبل شيء لا ~~إلى أول # قال وتحرير ذلك أن هذا قول يوجب أن منها ما هو قديم لا محالة والقديم لا ~~يكون محدثا ولا مجموعا من الحوادث لان قولنا محدث جمع مبنى من لفظ واحد ومن ~~المحال أن يكون القديم من جملة الحوادث # فوجب أن للحوادث كلا وجميعا وان ما انقضى منها ومضى قد لقي الفراغ على ~~جميعه وان ما لم يسبقه ولم يكن قبله فوجب أن يكون محدثا مثله PageV08P341 # فدل ما ذكره أبو الحسن في حال النطفة وما يلحقها من التغييرات والانقلاب ~~والتأثيرات على انها محدثة هي وسائر الأجسام إذ سائر الأجسام هي كالنطفة ~~فيما استدل به على حدوثها من الاعتمال والتأثير والانقلاب والتغيير # قال وهذا الطريق من الكلام في حدوث الأجسام هو المعتمد في هذا الباب # قلت هذاالقاضي هو المقدم على ابناء جنسه وهذا منتهى كلامه في هذا الموضع ~~الذي هو عندهم اصل اصول الدين الذي جعلوه اصلا لرد ما خالفه من النصوص ~~النبوية ولما خالفه من مذاهب الدهرية # والمنازعون من ائمة السنة وائمة الفلسفة يقولون لهم ما ذكرتموه ليس فيه ~~إلا مجرد الدعوى المبنية على عدم تصور محل النزاع فإن قولكم لا يخلو ما مضى ~~من الحوادث أن يكون موجودا عن أول أو يكون فيها ما هو غير موجود عن أول ~~جوابه أن ما مضى من الحوادث يراد به كل فرد فرد بعينه ويراد به النوع ~~المتعاقب شيئا بعد شيء # فإن كان المراد كل واحد واحد من الحوادث فليس فيها شيء قديم بل ms1695 كل منها ~~كائن بعد أن لم يكن PageV08P342 # وان كان مرادك النوع المتعاقب شيئا بعد شيء فليس له أول وليس هو حادثا بل ~~النوع قديم مع أن كل فرد من أفراده حادث وانت لم تذكر دليلاص على امتناع ~~هذا البتة وانما ذكرت انه ليس فيها شيء قديم وهذا مسلم لا نزاع فيه # وقلت فإن كان الماضي من الحوادث مستفتحا مبتدأ قد أتى الفراغ علبه استحال ~~قولكم انها لم تزل موجودة شيئا قبل شيء لأن ما لم يزل فقديم غير مستفتح # فيقال لك كل واحد منها مستفتح مبتدأ ولكن لم قلت انه إذا كان كذلك استحال ~~قول القائل انها لم تزل موجودة شيئا قبل شيء لأن ما لم يزل فقديم غير مستفتح # فإن هذا القائل يقول أن الذي لم يزل إنما هو الجنس المتعاقب شيئا بعد شيء ~~واما كل واحد واحد من الحوادث فلا يقول عاقل إنه لم يزل # فقول القاتل فإن كان الماضى من الحوادث مستفتحا مبتدأ قدأتى الفراغ عليه ~~استحال قولكم انها لم تزل موجودة شيئا قبل شيء # يقال له هم لا يقولون أن جنس الماضي مستفتح مبتدأ فإن ما لم يزل موجودا ~~شيئا قبل شيء لا يكون إلا قديما لم يزل ولكن يقولون أن كل واحد من تلك ~~الحوادث مستفتح مبتدأ وهذا لا يقولون فيه انه لم يزل موجودا # فالذي يقولون انه لم يزل ليس هو الذي يقولون انه مستفتح PageV08P343 ~~مبتدأ وهذا كما يقولون في المستقبلات الفانية المنقضية المتصرمة كالحركات ~~أن كل واحد منها فان منقض والجنس ليس بفان منصرم بل هو دائم كما قال تعالى ~~{ أكلها دائم } سورة الرعد 35 وقال { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } سورة ص ~~54 فالجنس دائم لا نفاد له وكل واحد واحد من افراد الرزق المأكول ينفد لا يدوم # ولما تفطن كثير من اهل الكلام لما في هذه المقدمة من الاجمال والابهام ~~وانه لا بد من بيان هذه المقدمة في هذا الموضع ميزوا بين النوعين كما فعل ~~ذلك أبو الحسين البصري ms1696 وابو المعالي الجويني والشهرستاني والرازي وغيرهم ~~فعرفوا أن المراد انه ما لم يسبق جنس الحوادث لا عين الحوادث وان ذلك لا ~~يتم إلا ببيان أن الحوادث يجب أن يكون لها ابتداء وانه يمتنع وجود حوادث لا ~~يتناهى نوعها فأخذوا يحتجون على ذلك بما ذكرناه اعتراض الناس عليه في غير ~~هذا الموضع # ولهذا جعل أبو الحسين وابو المعالي ونحوهما هذا الدليل مبنيا على اربع ~~مقدمات إثبات الاعراض واثبات حدوثها واثبات استلزام الجسم لها واستحالة ~~حوادث لا أول لها # وجعلوا النتيجة أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث فإن ذلك حينئذ يكون ~~معلوما بالضرورة بخلاف ما فعله كثير من اهل الكلام من PageV08P344 ~~الجهمية والمعتزلة والاشعرية والشيعة وغيرهم حيث جعلوا المقدمات اربعا ~~إثبات الاعراض واثبات حدوثها واثبات استلزام الجسم لها والرابعة أن ما لم ~~يسبق الحوادث فهو محدث وهذه هي النتيجة وتصلح أن تكون مقدمة إذا تبين أن ما ~~لم يسبق جنس الحوادث فهو محدث لكن هم لم يثبتوا ذلك هنا واللفظ مجمع كما ترى # لكن قد بين هؤلاء كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلي وغيرهما الكلام على ~~هذا الأصل وهو امتناع وجود مالا يتناهى في موضع اخر فجعلوا الكلام في ابطال ~~مالا يتناهى من الحوادث والاجزاء التي هي الجواهر المفردة ونحو ذلك جنسا # ومنهم من يجعل ذلك دليلا ثابتا في المسألة كما فعله ابن عقيل والقشيري ~~وغيرهما # وقد ذكرنا أن الناس لهم في وجود مالا يتناهى في الماضي والمستقبل ثلاثة ~~اقوال قال بكل قول طائفة من نظار المسلمين وغيرهم # أحدها امتناع وجود مالا يتناهى في الماضي والمستقبل وهذا قول أبي الهذيل ~~والجهم بن صفوان وعن هذا الأصل قال الجهم بفناء الجنة والنار واشتد انكار ~~سلف الأمة عليه ذلك # وليس هذا قول من يقول بأنهما ليستا مخلوقتين ولو كانتا مخلوقتين لفنيتا ~~كما قال ذلك طائفة من الجهمية والمعتزلة فإن هؤلاء يقولون أن PageV08P345 ~~العالم كله لا بد أن يفنى جميعه ثم يعاد فلو كانت الجنة مخلوقة لفنيت فيما ~~يفنى ثم تعاد فلا تفنى والجهم ms1697 يقول تفنى فناء لا تعاد بعده وابو الهذيل ~~يقول تفنى حركات اهل الجنة والنار # والقول الثاني قول من يقول بامتناع مالا يتناهى في الماضي دون المستقبل ~~لان الماضي قد وجد والمستقبل لم يوجد بعد وهو قول اكثر المعتزلة والاشعرية ~~والكرامية ومن وافقهم # والثالث قول من يقول بإمكان وجود مالا يتناهى في الماضي والمستقبل كما هو ~~قول ائمة اهل الملل وائمة الفلاسفة # لكن ائمة اهل الملل وغيرهم ممن يقر بان الله خالق كل شيء وان كل ما سواه ~~محدث مسبوق بعدم يقولون لا يجوز وجود حوادث لا تتناهى إلا من قديم وحد واما ~~من يقول بوجود قديمين متحركين كمن يقول بقدم الافلاك فإن هؤلاء كأرسطوا ~~وأتباعه لا يجوزون أن يوجد بكل من القديمين بل والقدماء حوادث لا بداية لها ~~ولا نهاية مع أن إحداهما اكثر من الاخرى فيجوزن فيما لا أول له ولا آخر أن ~~يكون غيره أكثر منه وأن يكون قابلا للزيادة بخلاف الدين قبلهم فإنهم إنما ~~يجوزون ذلك في قديم واحد فإذا كان ما يفعله لا بداية له ولا نهاية لم يلزم ~~أن يكون قابلا للزيادة PageV08P346 # وعلى هذا فللناس في أن مالا يسبق جنس الحوادث هل هو حادث اقوال # أحدها انه يجب أن يكون حادثا مطلقا # والثاني لا يجب أن يكون حادثا # والثالث انه أن كان محتاجا إلى غيره وجب أن يكون حادثا وان كان غنيا عن ~~غيره لم يجب أن يكون حادثا # وايضا فإن ما لم يسبق حوادث نفسه لم يجب أن يكون حادثا وان لم يسبق حوادث ~~غيره كان حادثا وقد قرر هذا في موضع آخر # ومن فهم ما ذكرناه ونظر فيما صنفه الناس في هذا الباب من الاستدلال على ~~حدوث الأجسام بأنها لا تخلو من الحوادث وما لم يسبق الحوادث فهو حادث تبين ~~له تقصير كثير منهم في استيفاء مقدمات الدليل ثم الذين استوفوا مقدماته ~~يبقى الكلام معهم في صحة تلك المقدمة وقد عرف منازعة اكثر اهل الملل واكثر ~~الفلاسفة أو كثير من الطائفتين فيها وابطالهم ms1698 لها # ولما كان هؤلاء وامثالهم يدعون أن معرفة الله لا تحصل إلا بالمعقول ~~ويفسرون المعقول بمثل هذا الدليل الذي هو باطل وغايته إذا قيل انه صحيح انه ~~لا يصل به إلى المطلوب إلا قليل من الناس بعد كلفة شديدة ومخاطرة عظيمة ~~ويريدون أن يردوا بمثل هذا ما دل عليه الكتاب PageV08P347 ~~والسنة واتفق عليه سلف الأمة بل ما علم بفطرة الله تعالى التي فطر الناس ~~عليها ودلت عليه العقليات الصريحة قابلهم من قال أن المعرفة لا تحصل إلا ~~بالشرع وهؤلاء في الغالب لا يريدون بذلك المعرفة الحاصلة لعموم الخلق من ~~الكفار وغيرهم فإن هذه عندهم فطرية ضرورية أو مكتسبة بنوع من نظر العقل # وقد تقدم كلام الناس في أن اصل الإقرار بالصانع فطري ضروري أو قد يكون ~~ضروريا خلافا لمن قال انه لا يحصل إلا بالنظر # وكلام السلف والائمة في ذلك كثير ولهذا كان كثير من أتباعهم ممن يقول أن ~~أول الواجبات هو النظر وان المعرفة لا تحصل إلا به قد يقول خلاف ذلك في ~~موضع آخر # وقد تقدم أن القاضي ابا يعلي وغيره كانوا يقولون بوجوب النظر في هذه ~~الطريقة طريقة الاعراض ثم رجعوا عن ذلك ويقولون أن المعرفة نظرية وانها ~~حاصلة بالنظر في الأدلة المذكورة في القرآن # وكثير من الناس كانوا يقولون اولا بوجوب النظر المعين الذي توجبه الجهمية ~~والمعتزلة وهو النظر في حدوث الاعراض ولزومها للاجسام وان مالا يخلو عن ~~الحوادث فهوحادث وانه أول واجب على العباد ثم رجعوا عن ذلك لما تبين له ~~فساد القول بوجود ذلك # ومن هؤلاء القاضي أبو يعلي وابن عقيل وابو المعالي الجويني PageV08P348 ~~والغزالي والرازي وغيرهم فإن هؤلاء وأمثالهم سلكوا اولا الطريقة التي ~~وجدوها للمتكلمين الذين سلكوا مسلك الجهمية والمعتزلة # فقالوا وهذا لفظ القاضي أبي يعلي في المعتمد إذا ثبت صحة النظر ووجوبه ~~فإن أول ما أوجب الله على خلقه العقلاء النظر والاستدلال المؤديين إلى ~~معرفة الله تعالى # قال وقد قيل أن أول الوجبات إرادة النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة ~~الله تعالى # قلت ms1699 هذا الثاني قول أبي المعالي في ارشاده وذكر ذلك القاضي أبو بكر وغيره # واختار القاضي أبو يعلي هذا في موضع آخر فقال أول ما انعم الله على ~~المؤمنين بعد الحياة من النعم الدينية خلق القدرة على الارادة للنظر ~~والاستدلال المؤديين إلى إثبات المعاني وحدوثها وان الجواهر لم تخل منها ~~ولم تسبقها في الوجود الموصل له إلى معرفة الله تعالى # قال وقد قيل أول نعمة دينية خلق القدرة على الإيمان PageV08P349 # قال وجه الأول أول طاعة واجبة لله على الخلق اكتساب الارادة للنظر المؤدي ~~إلى إثبات المعاني وحدوثها وان الجواهر لم تسبقها واذا كان ذلك أول ~~الواجبات وجب أن يكون أول النعم عليه من النعم الدينية # قال واعظم نعمة الله على المؤمنين من النعم الدينية واجلها كتب الإيمان ~~في قلوب المؤمنين # قال وقد قيل اعظم النعم الدينية هي خلق القدرة على الإيمان والاول اشبه ~~فإن أعظم الطاعات هو الإيمان فإنه بوجوده والموافاة به يحصل الثواب الدائم ~~في الاخرة واذا لم يوجد لا يحصل ذلك ثم قالوا وهذا لفظ القاضي أبي يعلي ~~خلافا لمن قال أن أول الواجبات المعرفة بالله وخلافا لمن قال معرفة الله ~~غير واجبة وان الواجب الإقرار به والتصديق له # قال والدلالة عل ما ذكرنا انه قد ثبت أن من لا يعرف الله لا يمكنه أن ~~يتقرب اليه كما أن من لا يعرف زيدا لا يمكنه أن يتقرب اليه # لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا بالمتقرب اليه وليس بمشاهد لنا ولا ~~معلوم لنا ضرورة فوجب إلا نعلمه إلا بالنظر والاستدلال في الطريق الموصل ~~اليه فلما لم تتم المعرفة إلا به وجب أن يكون واجبا واذا وجب علم انه أول ~~الواجبات # ثم قال فصل واذا ثبت أن النظر أول الواجبات فإنما يجب النظر في الطريق ~~الموصل إلى معرفة الله وهو حدوث الاشياء من الجواهر PageV08P350 ~~والاجسام واذا كانت محدثة وجب أن يكون لها محدث لأن المحدث لو لم يتعلق ~~بمحدث لم تتعلق الكتابة بكاتب ولا الضرب بضارب لان ذلك كله يبعد ms1700 إذ استحالة ~~محدث لا محدث له كاستحالة كتابة لا كاتب لها فلو جاز محدث لا محدث له لجاز ~~محدث لا احداث له وذلك محال # وأيضا فإنا نرى الحوادث يتقدم بعضها على بعض ويتأخر بعضها عن بعض فلولا ~~أن مقدما قدم منها ما قدم واخر منها ما أخر لم يكن ما تقدم منها اولى من أن ~~يكون متأخرا وما تأخر منها اولى من أن يكون متقدما فدل ذلك على أن لها ~~مقدما محدثا لها قدم منها ما قدم وأخر منها ما أخر # وكان القاضي قد سمع رسالة الخطابي في الغنية عن الكلام وأهله على مسعود ~~السجزي عن علي بن سري السجستاني عن الخطابي وذكر أن بعض الناس اعترض عليها # فإن الخطابي ذكر الغنية عن الاستدلال بحدوث الجواهر والاجسام لكونها لا ~~تنفك عن الحوادث كما تقدم وقال فأما مثبتو النبوات فقد أغناهم الله تعالى عن ذلك PageV08P351 # وهذه طريقة السلف من ائمة المسلمين في الاستدلال على معرفة الصانع وحدوث ~~العالم لأنه إذا ثبتت نبوته بقيام المعجز وجب تصديقه على ما أنبأهم عنه من ~~الغيوب ودعاهم اليه من امر وحدانية الله تعالى وصفاته وكلامه وقد نبههم في ~~كتابه على الاستدلال به على ربوبيته فقال { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } سورة ~~الذاريات 21 وقال { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت ~~وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت } سوة الغاشية 17 20 وقوله { إن ~~في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات } سورة آل عمران 190 ~~وما أشبه ذلك مما يدل على إثبات الصانع إلى آخر كلامه PageV08P352 # قال القاضي وقد اعترض على هذا بعضهم فقال هذا رجوع منهم ومناف لما ذكره ~~لأنه حث على الاعتبار بانفسنا وبالسموات والأرض وليس ذلك بمعجزات الأنبياء ~~وانما هي الأجسام والأعراض # قال وانما احتج المتكلمون بالاعراض لان الجسم لا ينفك منها وهي محدثة في ~~أنفسها لعلمنا بان العرض يعدم في حال ويوجد في حال أخرى وهذا شاهد على ~~حدوثها وعلى حدوث مالا ينفك منها # قال ومعنى قوله ms1701 انقلابها فيها انقلاب الجواهر في الاعراض ومعناه تغيره من ~~سواد إلى بياض ومن حركة إلى سكون # قلت قد يراد بانقلابها فيها انقلاب الاعراض في الجواهر فإنها تنقلب من ~~عدم إلى وجود ومن وجود إلى عدم ومن نوع إلى نوع كالبياض والسواد والحركة ~~والسكون # وهذا المعترض على الخطابي أخطأ فإن الخطابي ذكر طريقين كما ذكرنا PageV08P353 # أحدهما المعجزات بناء على أن الإقرار بالصانع فطري أو على أن المعجزات ~~يستدل بها على الخالق وعلى صدق أنبيائه كما ذكرنا في عصا موسى # والطريق الثاني أن القرآن نبه على الأدلة العقلية الصحيحة كما اعترف أئمة ~~النظار بأن القرآن دل على الطريق دل على الطريق العقلية # فقال وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة ~~ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعا حكيما عالما خبيرا تام القدرة بالغ الحكمة # وقد نبههم الكتاب على ذلك ودعاهم إلى تدبره وتأمله والاستدلال به على ~~ثبوت ربوبيته فقال عز وجل { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } سورة الذاريات 21 ~~إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة ولطيف الحكمة الدالين على وجود الصانع الحكيم # ثم تكلم في خلق الإنسان بما تقدم ذكره قال وكقوله { أفلا ينظرون إلى ~~الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف ~~سطحت } سورة PageV08P354 ~~الغاشية 17 20 وبقوله تعالى { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب } سورة آل عمران 190 وما أشبه ذلك من خلال ~~الأدلة وظواهر الحجج التي يدركها كافة ذوي العقول وعامة من يلزمه حكم ~~الخطاب مما يطول تتبعه واستقراؤه # قال فبهذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه # فقد بين الخطابي بعض ما نبه عليه القرآن من الاستدلال بالآيات النفسية ~~والأفقية وهي أدلة عقليه # والخطابي ذم طريقة الاستدلال بالأعراض وأنها لازمة للأجسام # وهذه الطريقة لم ينبه القرآن عليها ولكن بعض الناس ذكروا أن هذه طريقة ~~إبراهيم الخليل صلوات الله عليه في قوله { لا أحب الآفلين } سورة الأنعام ~~76 قالوا لأن الأفول هو الحركة التي ms1702 لم يخل الجسم منها # وهذا باطل لوجوه # أحدها أن الأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير هو المغيب والاحتجاب PageV08P355 # والثاني أنه لو استدل بالحركة لكان من حين بزغت استدل بذلك لم يؤخر ~~الدلالة إلى حين الغروب # الثالث أن قصة إبراهيم هي على نقيض مطلوبهم أدل فإنه لم يجعل الحركة ~~منافية لما قصده بل المنافي هو الأفول # الرابع أن إبراهيم لم يكن معنيا بقوله { هذا ربي } سورة الأنعام 76 أنه ~~رب العالمين على أي وجه قاله ولا أعتقد ذلك قومه ولا غيرهم وإنما كان الذي ~~يقول ذلك يتخذه ربا يعبده لينال بذلك أغراضه كما كان عباد الكواكب والشمس ~~والقمر يفعلون ذلك وكان قومه من هؤلاء لم يكونوا جاحدين للصانع بل مشركين به # ولهذا قال لهم { أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو ~~لي إلا رب العالمين } سورة الشعراء 75 77 # وقال في آخر قوله { إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد ~~هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا ~~تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به ~~عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } سورة الأنعام 78 81 ~~وقد بسط هذا في موضع آخر PageV08P356 # والمقصود هنا أن القاضي كان أولا يقول بطريقة من يقول إن أول الواجبات هو ~~النظر في حدوث الأجسام ثم رجع القاضي عن ذلك ووافق الخطابي وغيره ممن سلك ~~مسلك السلف والأئمة وقالوا إن هذه الطريق ليست واجبة بل هي عند محققيهم ~~باطلة وإن كان النظر واجبا في غيرها من الطرق الصحيحة # وقد افتتح القاضي كتابه بقوله الحمد لله مبتدئ الأشياء ومخترعها من غير ~~شيء العالم بها قبل تكوينها والقادر عليها قبل إنشائها جاعل العلامات وناصب ~~الدلالات ومبين الآيات الآمر أولي الأبصار بالأفكار وأولي الألباب ~~بالاعتبار أرسل الرسل بالإنذار وأنزل الكتب بالأنوار وباعث النبيين ومنقذ ms1703 ~~العمين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~المصطفى وأمينه المرتضى أنزل عليه كتابه الهدى نورا لمن التمسه وضياء لمن ~~اقتبسه ودليلا لمن طلبه دلهم فيه على معاني حكمته ولطيف صنعته وبيان جلاله ~~أثبت الحجة به على أوليائه وأعدائه وهو كلامه الذي يعجز الخلق أن يأتوا ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا لا معقب لأمره ولا راد لفضله تعالى عما ~~يقول الجاحدون علوا كبيرا PageV08P357 # ثم قال وهذه خطبة شيخنا أبي بكر عبد العزيز بن جعفر أحمد ذكرها في أول ~~كتابه الشافي قصدت أن أفتتح كتابي بها تبركا به ولأنه قد صرح فيها بالقول ~~بالنظر والاستدلال بقوله الآمر أولي الأبصار بالأفكار وأولي الألباب ~~بالاعتبار # قال وفي هذا بيان لوجوب النظر وصحته وإزالة الإشكال عمن توهم غير هذا في المذهب # قلت وإيجاب النظر مطلقا غير إيجاب النظر في الطريق المعين طريقة كون ~~الأعراض حادثة وهي لازمة للأجسام فإن هذه لا يقول بوجوبها على المسلمين أحد ~~من أئمة المسلمين الذين يعرفون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويتبعونه إذ كان معلوما بالاضطرار لكل من عرف ذلك أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لم يوجب النظر في هذه الطريقة بل ولا دل على صحتها بل ما أخبرته يناقض ~~موجبها وهى وإن جعلها من جعلها من أهل الكلام المحدث أصلا في معرفة الصانع ~~وصفاته وصدق رسله فهي عند التحقيق تناقض معرفة الصانع ومعرفة صفاته وصدق ~~رسله كما قد بسط في مواضع والمقصود هنا أن القاضي أبا يعلى ونحوه ممن كان ~~يقول أولا إن المعرفة PageV08P358 ~~لا تحصل إلا بالنظر في هذه الطريقة وهو أول الواجبات لما ذكروا قوله صلى ~~الله عليه وسلم # كل مولود يولد على الفطرة قالوا واللفظ للقاضي في الفطرة ما الفطرة هنا ~~على روايتين عن أحمد # إحداهما الإقرار بمعرفة الله تعالى وهي العهد الذي أخذه عليهم في أصلاب ~~آبائهم حين مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر وأشهدهم ~~على أنفسهم ms1704 ألست بربكم قالوا بلى فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعا ومدبرا ~~وإن سماه بغير اسمه # قال تعالى { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } سورة الزخرف 87 فكل ~~مولود يولد على ذلك الإقرار الأول # قال وليس الفطرة ههنا الإسلام لأمرين # أحدهما أن معنى الفطرة ابتداء الخلقة ومنه قوله تعالى { فاطر السماوات ~~والأرض } سورة فاطر 1 أي مبتدئهما وإذا كانت الفطرة هي الابتداء وجب أن ~~تكون تلك هي التي وقعت لأول الخلق وجرت في فطرة المعقول وهو استخراجهم ذرية ~~لأن تلك حالة ابتدائهم ولأنها لو كانت الفطرة هنا الإسلام لوجب إذا ولد من ~~بين أبوين كافرين ألا يرثهما ولا يرثانه مادام طفلا لأنه مسلم واختلاف PageV08P359 ~~الدين يمنع الإرث ولوجب ألا يصح استرقاقه ولا يصح إسلامه بإسلام أبيه لأنه مسلم # قال وهذا تأويل ابن قتيبة ذكره في إصلاح الغلط على أبي عبيد وذكره أبو ~~عبد الله بن بطة في الإبانة # قال وليس كل من ثبتت له المعرفة حكم بإسلامه كالبالغين من الكفار فإن ~~المعرفة حاصلة لهم وليسوا بمسلمين # قال وقد أومأ أحمد إلى هذا التأويل في رواية الميموني فقال الفطرة الأولى ~~التي فطر الله عليها فقال له الميموني الفطرة الدين قال نعم # قال القاضي وأراد أحمد بالدين المعرفة التي ذكرناها # قال والرواية الثانية الفطرة هنا ابتداء خلقه في بطن أمه # قال لأن حمله على العهد الذي أخذه عليهم وهو الإقرار بمعرفة الله تعالى ~~حمل للفطرة على الإسلام لأن الإقرار بالمعرفة إقرار بالإيمان والمؤمن مسلم # قال ولو كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين ألا يرثهما ~~ولا يرثانه لأن ذلك يمنع أن يكون الكفر خلقا لله وقد ثبت من أصولنا أن ~~أفعال العباد خلق لله من طاعة ومعصية PageV08P360 # قال وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية علي بن سعيد وقد سأله عن كل مولود ~~يولد على الفطرة فقال على الشقاوة والسعادة # وكذلك نقل محمد بن يحيى الكحال أنه سأله عن كل مولود يولد على الفطرة قال ~~هي التي فطر الناس ms1705 عليها شقي أو سعيد # وكذلك نقل حنبل عنه قال الفطرة التي فطر الله العباد من الشقاء والسعادة # قال وهذا كله يدل من كلامه على أن المراد بالفطرة ههنا ابتداء خلقه في ~~بطن أمه # قلت أحمد لم يذكر العهد الأول وإنما قال الفطرة الأولى التي فطر الناس ~~عليها وهي الدين وقد قال في غير موضع إن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما ~~حكم بإسلامه واستدل بهذا الحديث # كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فدل على أنه ~~فسر الحديث بأنه يولد على فطرة الإسلام كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث ولو ~~لم يكن كذلك لما صح استدلاله بالحديث # وقوله في موضع آخر يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة لا ينافي ذلك ~~فإن الله تعالى قدر الشقاوة والسعادة وكتبها وقدر أنها تكون بالأسباب التي ~~تحصل بها كفعل الأبوين فتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما قدره ~~الله تعالى # والمولود ولد على الفطرة سليما وولد على أن هذه الفطرة السليمة PageV08P361 ~~يغيرها الأبوان كما قدر الله تعالى ذلك وكتبه كما مثل النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك بقوله # كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء فبين أن البهيمة ~~تولد سليمة ثم يجدعها الناس وذلك بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على ~~الفطرة سليما ثم يفسده أبواه وذلك أيضا بقضاء الله وقدره # وإنما قال الأئمة ولد على ما فطر عليه من شقاء وسعادة لأن القدرية كانوا ~~يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقدر الله بل مما فعله الناس ~~لأن كل مولود يولد خلقه الله على الفطرة وكفره بعد ذلك من الناس # ولهذا قالوا لمالك بن أنس إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث فقال ~~احتجوا عليهم بآخره وهو قوله الله أعلم بما كانوا عاملين # فبين الأئمة أنه لا حجة فيه للقدرية فإنهم لا يقولون إن نفس الأبوين خلقا ~~تهوده وتنصره بل هو تهود وتنصر باختياره لكن كانا سببا في ذلك بالتعليم ~~والتلقين فإذا أضيف إليهما بهذا الاعتبار ms1706 فلأن يضاف إلى الله الذي هو خالق ~~كل شيء بطريق الأولى لأن الله وإن خلقه مولودا على الفطرة سليما فقد قدر ~~عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره وعلم ذلك # كما في الحديث الصحيح # إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع PageV08P362 ~~كافرا ولو بلغ لرهق أبويه طغيانا وكفرا # فقوله طبع أي طبع في الكتاب أي قدر وقضي لا أنه كان كفره موجودا قبل أن ~~يولد فهو مولود على الفطرة السليمة وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر كما طبع ~~كتابه يوم طبع # ومن ظن أن المراد به الطبع على قلبه وهو الطبع المذكور على قلوب الكفار ~~فهو غالط فإن ذلك لا يقال فيه طبع يوم طبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد ~~بعد كفره # وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما يروي عن ربه تعالى أنه قال # خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم ~~أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية ~~وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك # وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه أحمد وغيره قال # بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية فقال لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما حملكم على قتل الذرية قالوا يا رسول الله ~~أليسوا أولاد المشركين قال أو ليس خياركم أولاد PageV08P363 ~~المشركين ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيب فقال ألا إن كل مولود يولد ~~على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه لهم عن قتل ~~أولاد المشركين وقوله لهم أو ليس خياركم أولاد المشركين يبين أنه أراد أنهم ~~ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك ولو كان أراد أن المولود حين يولد ~~يكون إما كافرا وإما مسلما على ما سبق له القدر لم يكن فيما ذكره حجة على ~~ما قصده صلى الله عليه وسلم من نهيه لهم عن ms1707 قتل أولاد المشركين # وقد ظن بعضهم أم معنى قوله # أو ليس خياركم أولاد المشركين معناه لعله أنه قد يكون سبق في علم الله ~~أنهم لو بقوا لآمنوا فيكون النهي راجعا إلى هذا المعنى من التجويز وليس هذا ~~معنى الحديث ولكن معناه إن خياركم هم السابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار وهؤلاء من أولاد المشركين فإن آباءهم كانوا كفارا ثم إن البنين ~~أسلموا بعد ذلك فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنا فإن ~~الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه وهو سبحانه يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي ويخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن PageV08P364 # وهذا الحديث قد روي بألفاظ يفسر بعضها بعضا ففي الصحيحين واللفظ للبخاري ~~عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ~~كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة ~~اقرأوا { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم } سورة الروم 30 قالوا يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا قال الله ~~أعلم بما كانوا عاملين # وفي الصحيح قال الزهري يصلي على كل مولود متوفى وإن كان لغية من أجل أنه ~~ولد على فطرة الإسلام إذا استهل صارخا ولا يصلى على من لم يستهل من أجل أنه ~~سقط وإن أبا هريرة كان يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ~~كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة { ~~فطرة الله التي فطر الناس عليها } سورة الروم 30 # وفي الصحيح من رواية الأعمش # ما من مولود يولد إلا وهو على PageV08P365 ~~الملة وفي رواية أبي معاوية عنه إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه فهذا ~~صريح في أنه يولد على ملة ms1708 الإسلام كما فسره ابن شهاب راوي الحديث واستشهاد ~~أبي هريرة بالآية يدل على ذلك # قال ابن عبد البر في التمهيد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من حديث أبي هريرة وغيره فممن رواه عن أبي هريرة سعيد بن المسيب وأبو سلمة ~~بن عبد الرحمن وحميد بن عبد الرحمن وأبو صالح السمان وعبد الرحمن الأعرج ~~وسعيد بن أبي سعيد ومحمد بن سيرين # قال ورواه ابن شهاب واختلف أصحابه في إسناده منهم من رواه عن سعيد عن أبي ~~هريرة ومنهم من رواه عن أبي سلمة عن PageV08P366 ~~أبي هريرة ومنهم من رواه عن حميد عن أبي هريرة قال محمد بن يحيى الذهلي كل ~~هذه صحاح عن ابن شهاب محفوظة # قال ابن عبد البر وقد سئل ابن شهاب عن رجل عليه رقبة مؤمنة أيجزئ الصبي ~~عنه أن يعتقه وهو رضيع قال نعم لأنه ولد على الفطرة # قال ابن عبد البر لما ذكر النزاع في تفسير هذا الحديث وقال آخرون الفطرة ~~ها هنا الإسلام قالوا وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل وقد أجمعوا ~~في تأويل قوله عز وجل { فطرة الله التي فطر الناس عليها } سورة الروم 30 ~~على أن قالوا فطرة الله دين الله الإسلام واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا ~~الحديث اقرأوا إن شئتم { فطرة الله التي فطر الناس عليها } # وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قول الله عز ~~وجل { فطرة الله التي فطر الناس عليها } قالوا فطرة PageV08P367 ~~الله دين الله الإسلام لا تبديل لخلق الله قالوا لدين اله # واحتجوا بحديث محمد بن اسحاق عن ثور ين يزيد عن يحي بن جابر عن عبد ~~الرحمن بن عائذ الازدى عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى اله عليه ~~وسلم قال للناس يوما # إلا احدثكم بما حدثني الله في الكتاب أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين ~~واعطاهم المال حلالا لا حرام فيه فجعلوا ما اعطاهم الله حلالا وحراما الحديث # قال وكذلك روى بكر بن مهاجر عن ms1709 ثور بن يزيد باسناده مثله في هذا الحديث ~~حنفاء مسلمين # قال أبو عمر روى هذا الحديث قتادة عن مطرف بن عبد الله عن عياض بن حمار ~~ولم يسمعه قتادة من مطرف ولكن PageV08P368 ~~قال حدثني ثلاثة عقبة بن عبد الغافر ويزيد بن عبد الله بن الشخير والعلاء ~~بن زياد كلهم يقول حدثني مطرف عن عياض عن النبي صلى اله عليه وسلم فقال فيه # واني خلقت عبادي حنفاء كلهم لم يقل مسلمين وكذلك رواه الجسن عن مطرف عن ~~عياض ورواه ابن اسحاق عمن لا يهتم عن قتادة باسناده وقال فيه # واني خلقت عبادي حنفاء كلهم ولم يقل مسلمين # قال فدل هذا على حفظ محمد بن اسحاق واتقانه وضبطه لانه ذكر مسلمين في ~~روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث واسقطه من رواية قتادة وكذلك رواه الناس ~~عن قتادة قصر فيه عن قوله مسلمين وزاد ثور باسناده والله اعلم # قال والحنيف في كلام العرب المستقيم المخلص ولا استقامة اكثر من الإسلام PageV08P369 # قال وقد روى عن الحسن قال الحنيفية حج البيت وهذا يدلك على انه اراد ~~الإسلام وكذلك روى عن الضحاك والسدى حنفاء قال حجاجا وعن مجاهد حنفاء قال متبعين # قال وهذا كله يدلك عن الحنيفية الإسلام # قال وقال اكثر العلماء الحنيف المخلص وقال الله عز وجل { ما كان إبراهيم ~~يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما } سورة آل عمران 67 وقال { ملة ~~أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل } سورة الحج 78 فلا وجه لانكار من ~~انكر رواية من روى حنفاء مسلمين قال الشاعر وهو الراعى PageV08P370 ### | AUTO % اخلفية الرحمن انا معشر % حنفاء نسجد بكرة واصيلا % % عرب ~~نرى لله في اموالنا % حق الزكاة منزلا تنزيلا % فهذا وصف الحنيفية ~~بالاسلام وهو امر واضح لاخفاء به # قال ومما احتج به من ذهب إلى أن الفطرة في هذا الحديث الإسلام قوله صلى ~~الله عليه وسلم # خمس من الفطرة ويروي # عشر من الفطرة يعني فطرة الإسلام # قلت الدلائل الدالة على انه اراد على فطرة الإسلام كثيرة كالفاظ الحديث ms1710 ~~التي في الصحيح مثل قوله على الملة # وعلى هذه الملة ومثل قوله في حديث عياض بن حمار # خلقت عبادي حنفاء كلهم وفي لفظ # حنفاء مسلمين ومثل تفسير أبي هريرة وغيره من رواة الحديث ذلك وهم اعلم ~~بما سمعوا # وأيضا فانه لو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام لما سألوا عقب ذلك ارايت من ~~يموت من اطفال المشركين وهو صغير لانه لو لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة ~~لما سألوا والعلم القديم وما يجري مجراه لا يتغير PageV08P371 # وكذلك قوله فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه بين فيه انهم يغيرون الفطرة ~~التي فطر الناس عليها # وأيضا فانه شبه ذلك بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيه ثم تجدع ~~بعد ذلك فعلم أن التغيير وارد على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها # وأيضا فان الحديث مطابق للقرآن لقوله تعالى { فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها } وهذا يعم جميع الناس فعلم أن الله فطر الناس كلهم على فطرته ~~المذكورة وفطرة الله اضافها اليه اضافة مدح لا اضافة ذم فعلم انها فطرة ~~محمودة لا مذمومة # يبين ذلك انه قال { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها } وهذا نصب على المصدر الذي دل عليه الفعل الأول عند سيبوبة واصحابة ~~فدل على أن اقامة الوجه للدين حنيفا هو فطرة الله التي فطر الناس عليها كما ~~في نظائره مثل قوله { كتاب الله عليكم } سورة النساء 24 وقوله { سنة الله ~~التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا } سورة الفتح 23 فهذا عندهم ~~مصدر منصوب بفعل مضمر لازم اضماره دل عليه الفعل المتقدم كأنه قال كتب الله ~~ذلك عليكم وسن الله ذلك وكذلك هنا فطر الله الناس على ذلك على اقامة الدين ~~لله حنيفا وكذلك فسره السلف كما تقدم النقل عنهم PageV08P372 # قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره المشهور يقول فسدد وجهك نحو ~~الوجه الذي وجهك الله يا محمد لطاعته وهي الدين حنيفا يقول مستقيما لدينه ~~وطاعته فطرة الله التي فطر الناس عليها ms1711 يقول صنعة الله التي خلق الناس ~~عليها ونصب فطرة على المصدر من معنى قوله { فأقم وجهك للدين حنيفا } وذلك ~~أن معنى ذلك فطر الله الناس على ذلك فطرة # قال وبنجو الذي قلنا في ذلك قال اهل التأويل وروى عن يونس بن عبد الأعلى ~~عن عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن ابن زيد بن اسلم في قوله { فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها } سورة الروم 30 الإسلام فمنذ خلقهم الله بني آدم من ~~ظهورهم ذرياتهم واشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا من آدم جميعا يقرون ~~بذلك وقرأ { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } ~~سورة الاعراف 172 فهذا قول الله كان الناس امة واحدة يومئذ فبعث الله ~~النبيين بعد PageV08P373 # وروى باسناده الصحيح عن ابن أبي نجيح عن مجاهد فطرة الله قال الدين ~~الإسلام وقال ثنا ابن حميد ثنا يحي بن واضح ثنا يونس بن أبي اسحق عن يزيد ~~بن أبي مريم قال مر عمر بمعاذ بن جبل فقال ما قوام هذه الأمة قال معاذ ثلاث ~~وهن المنجيات الاخلاص وهو الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها والصلاة ~~وهي الملة والطاعة وهي العصمة فقال عمر صدقت # وقال حدثني يعقوب يعني الدورقي ثنا ابن عليه ثنا ايوب عن أبي قلابة أن ~~عمر قال لمعاذ ما قوام هذه الأمة فذكر نحوه # قال وقوله لا تبديل لخلق الله يقول لا تغيير لدين الله أي لا يصلح ذلك ~~ولا ينبغي أن يفعل # ثم ذكر باسناده الصحيح عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال لا PageV08P374 ~~تبديل لخلق الله قال لدين الله # وروى عن عبد الله بن ادريس عن ليث قال ارسل مجاهد رجلا يقال له قاسم إلى ~~عكرمة يساله عن قول الله { لا تبديل لخلق الله } فقال عكرمة هو الخصاء فرجع ~~إلى مجاهد فقال اخطأ لا تبديل لخلق الله إنما هو الدين ثم قرأ { لا تبديل ~~لخلق ms1712 الله ذلك الدين القيم } # وروى عن وكيع عن نضر بن عربي عن عكرمة لا تبديل لخلق الله لدين الله # وروى أيضا عن حسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها قال الإسلام وكذلك روى عن وكيع عن سفيان الثورى عن ليث عن ~~مجاهد قال لدين الله وروى عن سعيد عن قتادة { لا تبديل لخلق الله } أي لدين الله PageV08P375 # وكذلك روى عن ابن عيينة عن حميد الاعرج قال قال سعيد ين جبير { لا تبديل ~~لخلق الله } قال لدين الله # وكذلك عن المحاربي عن جويبر عن الضحاك في قوله { لا تبديل لخلق الله } ~~قال دين الله # وكذلك عن وكيع عن سفيان الثورى ومسعر عن قيس بن مسلم عن إبراهيم النخعى { ~~لا تبديل لخلق الله } قال دين الله # وكذلك عن مغيرة عن إبراهيم قال لدين الله # وعن عمرو بن أبي سلمة سالت عبد الرحمن بن يزيد بن اسلم عن قوله تعالى { ~~لا تبديل لخلق الله } قال لدين الله # وروى أيضا عن ابن عباس انه سئل عن اخصاء البهائم فكرهه PageV08P376 ~~وقال لا تبديل لخلق الله وعن حميد الاعرج قال قال عكرمة الاخصاء وعن حفص بن ~~غياث عن ليث عن مجاهد قال الإحصاء # قلت مجاهد وعكرمة روى عنهما القولان إذ لا منافاة بينهما كما قال تعالى { ~~ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } سورة النساء ~~119 فتغيير ما خلق الله عليه عباده من الدين تغيير لخلقه والخصاء وقطع ~~الآذن أيضا تغيير لخلقه # ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم احدهما بالآخر في قوله # كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج ~~البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء # فأولئك يغيرون الدين وهؤلاء يغيرون الصورة بالجدع والخصاء هذا تغيير لما ~~خلقت عليه نفسه وهذا تغيير ما خلق عليه بدونه # واعلم أن هذا الحديث لما صارت القدرية يحتجون به على قولهم الفاسد صار ~~الناس يتأولونه تأويلات يخرحونه بها عن مقتضاه # فالقدرية من المعتزلة وغيرهم يقولون كل ms1713 مولد يولد على الإسلام والله لا ~~يضل أحدا ولكن ابواه يضلانه # والحديث حجة عليهم من وجهين PageV08P377 # احدهما انه عند المعتزلة ونحوهم من المتكلمين لم يولد أحد على الإسلام ~~أصلا ولا جعل الله أحدا مسلما ولا كافرا ولكن هذا احدث لنفسه الكفر وهذا ~~احدث لنفسه الإسلام والله لم يفعل واحدا منهما عندهم بلا نزاع بين القدرية ~~ولكن هو دعاهما إلى الإسلام وازح علتهما واعطاهما قدرة مماثلة فيهما تصلح ~~للايمان والكفر ولم يختص المؤمن بسبب يقتضي حصول الإيمان فان ذلك عندهم غير ~~مقدور ولو كان مقدورا لكان ظلما وهذا قول عامة المعتزلة وان كان بعض ~~متأخريهم كأبي الحسين يقول انه خص المؤمن بداعي الإيمان ويقول عند الداعى ~~والقدرة يجب وجود الإيمان فهذا في الحقيقة موافق لاهل السنة فهذا أحد ~~الوجهين # والثاني انهم يقولون أن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر المشروط بالعقل ~~فيستحيل أن تكون المعرفة عندهم ضرورية أو تكون من فعل الله تعالى # واما اخر الحديث فهو دليل على أن الله تعالى يعلم ما يصيرون اليه بعد ~~ولادتهم على الفطرة هل يبقون عليها فيكونون مؤمنين أو يغيرونها فيصيرون كفارا # وان احتجت القدرية بقوله فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه من جهة كونه ~~اضاف التغيير إلى الابوبن فيقال لهم انتم PageV08P378 ~~تقولون إنه لا يقدر لا الله ولا أحد من مخلوقاته على أن يجعلها يهوديين أو ~~نصرانيين أو مجوسيين بل هما فعلا بأنفسهما ذلك بلا قدرة من غيرهما ولا فعل ~~من غيرهما فحينئذ لا حجة لكم في قوله ? < فأبواه يهودنه > ? # وأهل السنة متفقون على أن غير الله لا يقدر على جعل الهدى أو الضلال في ~~قلب أحد فقد اتفقت الأمة على أن المراد بذلك دعوة الأبوين لهما إلى ذلك ~~لهما إلى ذلك وترغيبهما فيه وترتيبهما عليه ونحو ذلك مما يفعل المعلم ~~والمربي مع من يعلمه ويربيه وذكر الأبوين بناء على الغالب إذ لكل طفل ابوان ~~وإلا فقد يقع ذلك من أحد الأبوين وقد يقع من غير الأبوين حقيقة وحكما # وأما غير القدرية فقال أبو عمر ms1714 بن عبد البر اختلف العلماء في الفطرة ~~المذكورة في هذا الحديث اختلافا كثيرا وكذلك اختلفوا في الأطفال وحكمهم في ~~الدنيا والآخرة فذكر ما ذكره أبو عبيد القاسم سلام في غربيه المشهور قال ~~قال ابن المبارك يفسره آخر الحديث قوله صلى الله عليه الله اعلم بما كانوا عاملين # قال ابن عبد البر هكذا ذكر عن ابن المبارك لم يزد شيئا PageV08P379 # وذكر عن محمد بن الحسن انه سأله عن تاويل هذا الحديث فقال كان هذا القول ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد هذا ما ذكره أبو عبيد # قال ابن عبد البر إما ما ذكره عن ابن المبارك فقد روى عن مالك نحوه وليس ~~فيه مقنع من التأويل ولا شرح موعب في امر الاطفال ولكنها جملة تؤدي إلى ~~الوقوف عن القطع فيهم بكفر أو ايمان أو جنة أو نار مالم يبلغوا العمل # قال واما ما ذكره عن محمد بن الحسن فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه ~~إما لاشكاله عليه أو لجهله به أو لما شاءالله واما قوله أن ذلك كان من ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد فلا ادرى ما هذا فإن ~~كان اراد أن ذلك PageV08P380 ~~منسوخ فغير جائز عند العلماء دخول النسخ في إخبار الله تعالى واخبار رسوله ~~لان المخبر بشيء كان أو يكون إذا رجع عن ذلك لم يخل رجوعه عن تكذيبه لنفسه ~~أو غلطه فيما اخبر به أو نسيانه وقد جل الله وعصم رسوله في الشريعة ~~والرسالة منه وهذا لا يجهله ولا يخالف فيه أحد له ادنى فهم فقف عليه فأنه ~~أمر جسيم من اصول الدين # وقول محمد بن الحسن أن ذلك كان قبل أن يؤمر الناس بالجهاد ليس كما قال ~~لان في حديث الاسود بن سريع ما يبين أن ذلك كان منه بعد الأمر بالجهاد # وروى باسناده عن الحسن عن الاسود بن سريع قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # ما بال اقوام بلغوا في القتل حتى ms1715 قتلوا الولدان فقال رجل أو ليس إنما هم ~~اولاد المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليس خياركم اولاد ~~المشركين انه ليس من مولود يولد إلا على الفطرة حتى يبلغ فيعبر عنه لسانه ~~ويهوده ابواه أو ينصرانه PageV08P381 # قال وروى هذا الحديث عن الحسن جماعة منهم بكر المزنى والعلاء بن زياد ~~والسرى بن يحي وقد روى عن الاحنف عن الاسود ابن سريع قال وهو حديث بصرى ~~صحيح قال وروى عوف الاعرابي عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسبم قال # كل مولود يولد على الفطرة فناداه الناس يا رسول الله وأولاد المشركين قال ~~وأولاد المشركين # قلت إما ما ذكره عن ابن المبارك ومالك فيمكن أن يقال أن المقصود أن اخر ~~الحديث يبين أن الاولاد قد سبق في علم الله ما يعلمون إذا بلغوا وان منهم ~~من يؤمن فيدخل الجنة ومنهم من يكفر فيدخل النار فلا يحتج بقوله # كل مولود يولد على الفطرة على نفي القدر كما احتجت به القدرية ولا على أن ~~اطفال الكفار كلهم في الجنة لكونهم ولدوا على الفطرة فيكون مقصود الأئمة أن ~~يستقر الاطفال على ما في اخر الحديث # واما قول محمد فانه رأى الشريعة قد استقرت على أن ولد اليهودي والنصراني ~~يتبع ابويه في الدين في احكام الدنيا فيحكم له بحكم الكفر في PageV08P382 ~~انه لا يصلي عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه المسلمون ويجوز ~~استرقاقهم ونحو ذلك فلم يجز أحد أن يحتج بهذا الحديث على أن حكم الاطفال في ~~الدنيا حكم المؤمنين حتى تعرب عنهم ألسنتهم وهذا حق لكن ظن أن الحديث اقتضى ~~أن يحكم لهم في الدنيا بأحكام المؤمنين فقال هذا منسوخ كان قبل الجهاد لأنه ~~بالجهاد أبيح استرقاق النساء والأطفال والمؤمن لا يسترق ولكن كون الطفل ~~يتبع أباه في الدين في الأحكام الدنيوية أمر ما زال مشروعا ومازال الأطفال ~~تبعا لأبويهم في الأمور الدنيوية # والحديث لم يقصد بيان هذه الأحكام وإنما قصد ما ولد عليه من الفطرة وإذا ~~قيل ms1716 إنه ولد على فطرة الإسلام أو خلق حنيفا ونحو ذلك فليس المراد به أنه ~~حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده # فإن الله تعالى يقول { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } ~~سورة النحل 78 ولكن فطرته مقتضية موجبة لدين الإسلام لمعرفته ومحبته # فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له وموجبات ~~الفطرة ومقتضاها تحصل شيئا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت عن المعارض PageV08P383 # وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره كما أن كل مولود يولد ~~فإنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة فيشتهي اللبن الذي يناسبه # وهذا من قوله تعالى { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } سورة طه 50 ~~وقوله { الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى } سورة الأعلى 2 3 فهو سبحانه خلق ~~الحيوان مهتديا إلى طلب ما ينفعه ودفع ما يضره ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه ~~شيئا فشيئا بحسب حاجته ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما ولد عليه من ~~الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة # قال ابن عبد البر وأما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث ~~وما كان مثله فقالت فرقة الفطرة في هذا الموضع أريد بها الخلقة التي خلق ~~عليها المولود من المعرفة بربه فكأنه قال كل مولود يولد على خلقه يعرف بها ~~ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل ~~بخلقتها إلى معرفة ذلك PageV08P384 # قالوا لأن الفاطر هو الخالق # قال وأنكرت أن يكون المولود يفطر على إيمان أو كفر أو معرفة أو إنكار # قلت صاحب هذا القول إن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة والقدرة عليها ~~فهذا ضعيف فإن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفا ولا أن يكون على ~~الملة ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه لفطرته حتى يسأل عمن مات صغيرا ولأن ~~القدرة هي في الكبير أكمل منها في الصغير # وهو لما نهاهم عن قتل الصبيان فقالوا إنهم أولاد المشركين قال أليس ms1717 ~~خياركم أولاد المشركين ما من مولود إلا يولد على الفطرة # ولو أريد القدرة لكان البالغون كذلك مع كونهم مشركين مستوجبين للقتل # وإن أراد بالفطرة على المعرفة مع إرادتها فالقدرة الكاملة مع الإرادة ~~التامة تستلزم وجود المراد المقدور فدل على أنهم فطروا على القدرة على ~~المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان PageV08P385 # قال وقال آخرون معنى قوله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة ~~يعني البدأة التي ابتدأهم عليها يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه ~~من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء وإلى ما يصيرون إليه عند ~~البلوغ من قبولهم عن آبائهم اعتقادهم # قالوا والفطرة في كلام العرب البداءة والفاطر المبدئ والمبتدئ فكأنه قال ~~صلى الله عليه وسلم يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاء والسعادة وغير ~~ذلك مما يصير إليه وقد فطره عليه واحتجوا بقوله تعالى { كما بدأكم تعودون ~~فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة } سورة الأعراف 29 30 # وروى بإسناده إلى ابن عباس قال لم أدر ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى ~~أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما أنا PageV08P386 ~~فطرتها أى ابتدأتها وذكروا ما يروي عن علي رضي الله عنه في دعائه اللهم ~~جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها # قلت حقيقة هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم الله أنه ~~صائر إليه ومعلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة فجميع البهائم هي مولودة ~~على ما سبق في علم الله لها والأشجار مخلوقة على ما سبق في علم الله لها ~~وحينئذ فيكون كل مخلوق مخلوقا على الفطرة # وأيضا فإنه لو كان المراد ذلك لم يكن لقوله # فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه معنى فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ~~ولد عليها على هذا القول فلا فرق بين التهويد والتنصير حينئذ وبين تلقين ~~الإسلام وتعليمه وبين تعليم سائر الصنائع فإن ذلك كله داخل فيما سبق به العلم # وأيضا فتمثيله ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء ثم جدعت يبين أن أبويه غيرا ~~ما ولد عليه # وأيضا ms1718 فقوله على هذه الملة وقوله إني خلقت PageV08P387 ~~عبادي حنفاء يخالف هذا # وأيضا فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان فإنه من حين كان ~~جنينا إلى ما لا نهاية له من أحواله على ما سبق في علم الله فتخصيص الولادة ~~بكونها على مقتضى القدر تخصيص بغير مخصص # وقد ثبت في الصحيح أنه قبل نفخ الروح فيه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو ~~سعيد فلو قيل كل مولود ينفخ فيه الروح على الفطرة لكان أشبه بهذا المعنى مع ~~أن النفخ هو بعد الكتابة # قال ابن عبد البر قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي وهذا المذهب شبيه ~~بما حكاه أبو عبيد عن ابن المبارك أنه سئل عن هذا الحديث فقال يفسره الحديث ~~الآخر حين سئل عن أطفال المشركين الله أعلم بما كانوا عاملين PageV08P388 # قال المروزي وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه # قال ابن عبد البر ما رسمه مالك في موطأه وذكره في أبواب القدر فيه من ~~الآثار ما يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا # قلت أئمة السنة مقصودهم أن الخلق صائرون إلى ما سبق به علم الله منهم من ~~إيمان وكفر كما في الحديث الآخر # إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا والطبع الكتاب أي كتب كافرا ~~كما قال فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد وليس إذا كان الله قد كتبه ~~كافرا يقتضي أنه حين الولادة كافر بل يقتضي أنه لا بد أن يكفر وذلك الكفر ~~هو التغيير كما أن البهيمة التي ولدت جمعاء وقد سبق في علمه أنها تجدع كتب ~~أنها مجدوعة بجدع يحدث لها بعد الولادة لا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعة # وكلام أحمد في أجوبة أخرى له يدل على أن الفطرة عنده PageV08P389 ~~الإسلام كما ذكر محمد بن نصر عنه آخر أنه آخر قوليه فإنه كان يقول إن صبيان ~~أهل الحرب إذا سبوا بدون الأبوين كانوا مسلمين وإن كانوا معهما فهم على ~~دينهما وإن سبوا مع أحدهما ms1719 فعنه روايتان وكان يحتج بالحديث # قال أبو بكر الخلال في الجامع في كتاب أحكام أهل الملل أنبأ أبو بكر ~~المروزي أن أبا عبد الله قال في سبي أهل الحرب إنهم مسلمون إذا كانوا صغارا ~~وإن كانوا مع أحد الأبوين وكان يحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم # فأبواه يهودانه وينصرانه # قال وأما أهل الثغر فيقولون إذا كان مع أبويه إنهم يجبرونه على الإسلام # قال ونحن لا نذهب إلى هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم # فأبواه يهودانه PageV08P390 # قال الخلال أنبأ عبد الملك الميموني قال سألت أبا عبد الله قبل الحبس أي ~~قبل أن يحبس أحمد في محنة الجهمية عن الصغير يخرج من أرض الروم وليس معه ~~أبواه قال إذا مات صلى عليه المسلمون قلت يكره على الإسلام # قال إذا كانوا صغارا يصلون عليه أكره من يليه إلا هم وحكمه حكمهم # قلت فإن كان معه أبواه قال إذا كان معه أبواه أو أحدهما لم يكره ودينه ~~على دين أبويه # قلت إلى أي شيء يذهب إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد ~~على الفطرة حتى يكون أبواه قال نعم # قال وعمر بن عبد العزيز نادى به قال فرده إلى بلاد الروم إلا وحكمه حكمهم # قلت في الحديث كان معه أبواه قال لا وليس ينبغي إلا أن يكون معه أبواه PageV08P391 # قال الخلال ما رواه الميموني قول أول لأبي عبد الله ولذلك نقل إسحاق بن ~~منصور أن أبا عبد الله قال إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم قلت لا يجبرون ~~على الإسلام إذا كان معه أبواه أو أحدهما قال نعم # قال الخلال وقد روى هذه المسألة عن أبي عبد الله خلق كلهم قال إذا كان مع ~~أحد أبويه فهو مسلم وهؤلاء النفر سمعوا من أبي عبد الله بعد الحبس وبعضهم ~~قبل وبعد والذي أذهب إليه ما رواه الجماعة # وقال الخلال ثنا أبو بكر المروزي قال قلت لأبي عبد الله إني كنت بواسط ~~فسألوني عن الذي يموت هو وامرأته ويدعا ms1720 طفلين ولهما عم ما تقول فيهما فإنهم ~~قد كتبوا إلى البصرة فيها وقالوا PageV08P392 ~~إنهم قد كتبوا إليك فقال أكره أن أقول فيها برأي دع حتى أنظر لعل فيها عمن ~~تقدم فلما كان بعد شهر عاودته فقال قد نظرت فيها فإذا قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم # فأبواه يهودانه وينصرانه وهذا ليس له أبوان قلت يجبر على الإسلام قال نعم ~~هؤلاء مسلمون لقول النبي صلى الله عليه وسلم # وكذلك نقل يعقوب بن بختان قال أبو عبد الله الذمي إذا مات أبواه وهو صغير ~~جبر على الإسلام وذكر الحديث # فأبواه يهودانه وينصرانه # ونقل عن عبد الكريم بن الهيثم العاقولي في المجوسيين يولد لهما ولد ~~فيقولان هذا مسلم فيمكث خمس سنين ثم يتوفى قال ذاك يدفنه المسلمون قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم # فأبواه يهودانه وينصرانه # وقال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن قوم يزوجون بناتهم من PageV08P393 ~~قوم على أنه ما كان من ذكر فهو للرجل مسلم وما كان من أنثى فهي مشركة ~~يهودية أو نصرانية أو مجوسية فقال يجبر هؤلاء من أبى منهم على الإسلام لأن ~~آباءهم مسلمون حديث النبي صلى الله عليه وسلم # فأبواه يهودانه وينصرانه يردون كلهم إلى الإسلام # ومثل هذا كثير في أجوبته يحتج بالحديث على أن الطفل إنما يصير كافرا ~~بأبويه فإذا لم يكن مع أبوين كافرين فهو مسلم فلو لم تكن الفطرة الإسلام لم ~~يكن بعدم أبويه يصير مسلما فإن الحديث إنما دل على أنه يولد على الفطرة ~~ونقل عنه الميموني أن الفطرة هي الدين وهي الفطرة الأولى # قال الخلال أخبرني الميموني أنه قال لأبي عبد الله كل مولود يولد على ~~الفطرة يدخل عليه إذا كان أبواه معناه أن يكون حكمه حكم ما كانوا صغار فقال ~~لي نعم ولكن يدخل عليك في هذا فتناظرنا بما يدخل علي من هذا القول وبما ~~يكون بقوله قلت لأبي عبد الله فما تقول أنت فيها وإلى أي شيء تذهب قال إيش أقول PageV08P394 ~~أنا ما أدري أخبرك هي مسلمة كما ترى ms1721 ثم قال لي والذي يقول كل مولود يولد ~~على الفطرة ينظر أيضا إلى الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها قلت له فما ~~الفطرة الأولى هي الدين قال لي نعم # فمن الناس من يحتج بالفطرة الأولى مع قول النبي صلى الله عليه وسلم # كل مولود يولد على الفطرة قلت لأبي عبد الله فما تقول لأعرف قولك قال ~~أقول إنه على الفطرة الأولى # فجوابه أنه على الفطرة الأولى وقوله إنها الدين يوافق بأنه على دين ~~الإسلام # وأما جواب أحمد أنه على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة الذي ذكر محمد بن ~~نصر أنه كان يقول به ثم تركه فقال الخلال أخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه ~~قال لأبي عبد الله كل مولود يولد على الفطرة ما تفسيرها قال هي الفطرة التي ~~فطر الله الناس عليها شقي أو سعيد PageV08P395 # وكذلك نقل عنه الفضل بن زياد وحنبل وأبو الحارث أنهم سمعوا أبا عبد الله ~~في هذه المسألة قال الفطرة التي فطر الله العباد عليها من الشقاوة والسعادة # وكذلك نقل عن علي بن سعيد أنه سأل أبا عبد الله عن كل مولود يولد على ~~الفطرة قال على الشقاء والسعادة فإليه يرجع على ما خلق # وعن الحسن بن ثواب قال سألت أبا عبد الله عن أولاد المشركين قلت إن ابن ~~أبي شيبة أبا بكر قال هو على الفطرة حتى يهوده أبواه أو ينصراه فلم يعجبه ~~شيء من هذا القول وقال كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة يولد على ~~الفطرة التي خلقوا عليها من الشقاء والسعادة التي سبقت في أم الكتاب ارفع ~~ذلك إلى الأصل هذا معناه كل مولود يولد على الفطرة PageV08P396 # قلت وأما ثبوت حكم الكفر في الآخرة للأطفال فكان أحمد يقف فيه تارة يقف ~~عن الجواب وتارة يردهم إلى العلم كقوله الله أعلم بما كانوا عاملين وهذا ~~أحسن جوابيه كما نقل محمد بن الحكم عنه وسأله عن أولاد المشركين فقال أذهب ~~إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم # الله أعلم بما كانوا عاملين # ونقل ms1722 عنه أبو طالب أن أبا عبد الله سئل عن أطفال المشركين # فقال كان ابن عباس يقول فأبواه يهودانه وينصرانه حتى سمع الله أعلم بما ~~كانوا عاملين فترك قوله # قال أحمد وهي صحاح ومخرجها كلها صحاح وكان الزهري يقول من الحديث ما يحدث ~~بها على وجوهها # وأما توقف أحمد في الجواب فنقل عنه علي بن سعيد أنه سأله عن قوله فأبواه ~~يهودانه وينصرانه قال الشأن في هذا وقد اختلف الناس ولم نقف منها على شيء أعرفه # وقال الخلال رأيت في كتاب لهارون المستملي قال أبو عبد الله إذا سأل ~~الرجل عن أولاد المشركين مع آبائهم فإنه أصل كل PageV08P397 ~~خصومة ولا يسأل عنه إلا رجل الله أعلم به قال ونحن نمر هذه الأحاديث على ما ~~جاءت ونسكت لا نقول شيئا # وقال المروزي قال أبو عبد الله سأل بشر بن السري سفيان الثوري عن أطفال ~~المشركين فصاح به وقال يا صبي أنت تسأل عن هذا # وكذلك نقل خطاب بن بشر وحنبل أن أبا عبد الرحمن بن الشافعي سأل أحمد عن ~~هذا فنهاه ولم ينقل أحد قط عن أحمد أنه قال هم في النار ولكن طائفة من ~~أتباعه كالقاضي أبي يعلى وغيره لما سمعوا جوابه بأنه قال الله أعلم بما ~~كانوا عاملين ظنوا أن هذا من تمام حديث مروي عن خديجة رضي الله عنها أنها ~~سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أولادها من غيره فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # هم في النار فقالت بلا عمل فقال الله أعلم بما كانوا عاملين فظن هؤلاء أن ~~أحمد أجاب بحديث خديجة وهذا غلط على أحمد فإن حديث خديجة هذا حديث موضوع ~~كذب لا يحتج بمثله أقل من صحب أحمد فضلا عن الإمام أحمد PageV08P398 # وأحمد إنما اعتمد على الحديث الصحيح حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة وهو ~~في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج ~~البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون ms1723 فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة اقرأوا إن ~~شئتم { فطرة الله التي فطر الناس عليها } # وكذلك في الصحيح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ~~أطفال المشركين فقال # الله أعلم بما كانوا عاملين # وقد ذكر أحمد أن ابن عباس رجع إلى هذا بعد أن كان يقول هم مع آبائهم فدل ~~على أن هذا جواب من لا يقطع بأنهم مع آبائهم # وأبو هريرة نفسه الذي روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت ~~عنه ما رواه غير واحد منهم عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره وغيره من حديث ~~عبد الرازق أنبا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة قال # إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه والأصم والأبكم ~~والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام ثم أرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار ~~فيقولون كيف ولم يأتنا رسل قال وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا ~~وسلاما ثم يرسل PageV08P399 ~~إليهم رسولا فيطيعه من كان يريد أن يطيعه ثم قال أبو هريرة اقرأوا إن شئتم ~~{ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } سورة الإسراء 15 # وروى هذا الأثر عن أبي هريرة أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره من ~~رواية محمد بن عبد الأعلى عن محمد بن ثور عن معمر ومن رواية القاسم عن ~~الحسين عن أبي سفيان عن معمر وقال فيه # والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا فبين أبو هريرة أن الله لا يعذب ~~أحدا حتى يبعث إليه رسولا وأنه في الآخرة يمتحن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا # وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعن الأسود بن سريع أيضا قال أحمد في المسند حدثنا علي بن عبد ~~الله ثنا معاذ بن هشام ثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن ~~سريع أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال # أربعة يوم القيامة رجل أصم لا يسمع ms1724 شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في ~~فترة فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول ~~رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول رب لقد جاء ~~الإسلام وما PageV08P400 ~~أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول فيأخذ ~~مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار قال فوالذي نفس محمد بيده لو ~~دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما # وبالإسناد عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة بمثل هذا الحديث ~~غير أنه قال في آخره # فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها # وقد جاءت بذلك عدة آثار مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة ~~والتابعين بأنه في الآخرة يمتحن أطفال المشركين وغيرهم ممن لم تبلغه ~~الرسالة في الدنيا وهذا تفسير قوله الله أعلم بما كانوا عاملين # وهذا هو الذي ذكره الأشعري في المقالات عن أهل السنة والحديث وذكر أنه ~~يذهب إليه # وهذا التفصيل يذهب الخصومات التي كره الخوض فيه لأجلها من كرهه فإن من ~~قطع لهم بالنار كلهم جاءت نصوص تدفع قوله ومن قطع لهم بالجنة كلهم جاءت ~~نصوص تدفع قوله ثم إذا قيل هم مع آبائهم لزم تعذيب من لم يذنب وانفتح باب ~~الخوض في الأمر والنهي PageV08P401 ~~والوعد والوعيد والقدر والشرع والمحبة والحكمة والرحمة فلهذا كان أحمد يقول ~~هو أصل كل خصومة # فأما جواب النبي صلى الله عليه وسلم الذي اجاب به احمد اخرا وهو قوله # الله اعلم بما كانوا عاملين فانه فصل الخطاب في هذا الباب وهذا العلم ~~يظهر حكمه في الاخرة والله تعالى اعلم # واحمد رحمه الله كان متبعا في هذا الباب وغيره لمن قبله من ائمة السنة ~~كما روينا عن طريق اسحاق بن راهوية فيما ذكره ابن عبد البر وغيره # ثنا يحيى بن آدم ثنا جرير بن حازم عن أبي رجاء العطاردى سمعت ابن عباس ~~يقول لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو مقاربا أو كلمة تشبه ms1725 هاتين حتى ~~يتكلموا أو ينظروا في الاطفال والقدر # قال يحيى بن آدم فذكرته لابن المبارك فقال افيسكت الانسان على الجهل قلت ~~فتامر بالكلام فسكت # وذكر محمد بن نصر المروزي ثنا شيبان بن شيبة ثنا جرير PageV08P402 ~~ابن حازم باسناده وقال لا يزال أمر هذه الأمة مقاربا أو مواتيا ما لم ~~يتكلموا في الولدان والقدر # وذكر المروزى أيضا ثنا عمرو بن زرارة أنبا اسماعيل بن عليه عن ابن عون ~~قال كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فقال ماذا كان بين قتادة وبين حفص ~~بن عمر في اولاد المشركين قال وتكلم ربيعة الرأي في ذلك فقال القاسم إذا ~~الله انتهى عند شيء فانتهوا وقفوا عنده قال فكأنما كانت نارا فطفئت # قلت ابن عباس رضي الله عنه خطب بهذه الخطبة بالبصرة وكان عنده وعند غيره ~~من الصحابة من العلم بما يحدث في هذه الأمة والتحذير من اسباب الفتن ما قد ~~نقل الينا كما في الحديث الذي ذكره احمد في رسالته للمتوكل في قصة ابن عباس ~~مع عمر بن الخطاب لما كثر القراء وخوفهما من اختلاف الأمة وافتراقها ~~والمسائل المشكلة إذا خاض فيها اكثر الناس لم يفهموا حقيقتها واذا تنازعوا ~~فيها صار بينهم أصواء وظنون وافضى ذلك إلى الفرقة والفتنة PageV08P403 # ومن ذلك الحديث الذي رواه احمد وغيره عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرج على اصحابه وهم يتنازعون في القدر وقائل يقول # الم يقل الله كذا واخر يقول الم يقل الله كذا فقال # ابهذا امرتم ام إلى هذا دعيتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض انظروا ما ~~امرتم به فافعلوه وما نهيتم عنه فاتركوه # فهذا الحديث ونحوه ما ينهي فيه عن معارضة حق بحق فان ذلك يقتضي التكذيب ~~بأحد الحقين أو الاشتباه والحيرة والواجب التصديق بهذا الحق وهذا الحق فعلى ~~الانسان أن يصدق بالحق الذي يقوله غيره كما يصدق بالحق الذي يقوله هو ليس ~~له أن يؤمن بمعنى اية استدل بها ويرد معنى اية استدل ms1726 بها مناظره ولا أن ~~يقبل الحق من طائفة ويرده من طائفة أخرى # ولهذا قال تعالى { فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس ~~في جهنم مثوى للكافرين والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون } سورة ~~الزمر 32 33 فذم سبحانه من كذب أو كذب بحق ولم يمدح إلا من صدق وصدق بالحق ~~فلو صدق الانسان فيما يقوله ولم يصدق بالحق الذي يقوله غيره لم يكن ممدوحا ~~حتى يكون ممن يجئ بالصدق ويصدق به فاؤلئك هم المتقون PageV08P404 # ومسالة القدر يحتاج فيها إلى الإيمان بقدر الله والى الإيمان بشرع الله ~~فطائفة غلب عليهم التصديق بالأمر والنهي والوعد والوعيد فظنوا أن هذا لا ~~يتم إلا بالتكذيب بالقدر فاخطاوا في التكذيب به وطائفة ظنت أن الإيمان ~~بالقدر لا يتم إلا بان يقول أن الرب تعالى يخلق ويامر لا لحكمه ولا لرحمة ~~ولا يسوي بين المتماثلين بل بإرادة ترجح أحد المتماثلين لا لمرجح واشتركت ~~الطائفتان في أن القادر المختار يرجح أحد مقدورية على الآخر بلا مرجح # وهذا اصل مذهب القدرية النفاة ولهذا قالوا أن العبد لا يحتاج في ترجيح ~~أحد مقدوريه على الآخر إلى مرجح يفتقر فيه إلى الله تعالى وان الله لا يمتن ~~على المطيع بنعمة انعم بها عليه دون العاصى صار بها مطيعا وتوهموا أن هذا ~~من الظلم الذي يجب نفية وظن أولئك انه لا يمكن ابطال قولهم إلا بان يقال ~~الظلم ممتنع لذاته وانه مهما قدر من الممكنات فهو عدل حتى تعذيب الأنبياء ~~والصالحين وتنعيم الكفار والفاسقين إلى امثال هذه الأمور التي خاض فيها ~~الناس في القدر وكانت من اعظم اسباب الجهل والظلم # وكان اعظم ظهور ذلك من اهل البصرة الذين خطبهم ابن عباس وكذلك أمر اطفال ~~المشركين طائفة يقولون يعذبهم كلهم أو يمكن تعذيبهم كلهم بناء على المشيئة ~~المرجحة بلا سبب ولا حكمة ولا رحمة PageV08P405 ~~وطائفة تقول بل يدخلون الجنة مع من امن وعمل صالحا بناء على رحمة بلا حكمة ~~وتسوية بين وأولاد المؤمنين الكفار وبين من ms1727 امن وعمل صالحا ومن لم يؤمن ~~ويعمل صالحا من غير اعتبار التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين ~~فيقع الاختلاف والاشتباه والتفرق # وهذه المسائل وغيرها قد قال بين الله ورسوله امرها فان الله اكمل الدين ~~واتم النعمة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيع عنها بعدى إلا هالك # وفي الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه قال توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما # وقد انزل الله كتابه شفاء لما في الصدور وهدى ورحمه للمؤمنين # وقال تعالى { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } سورة طه 123 قال ابن عباس ~~تكفل الله لمن قرأ القران وعمل بما فيه أن لا يضل في الدينا ولا يشقي في الاخرة # وقد قال تعالى { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } سورة البقرة ~~213 فحكم الله بكتابه بين الناس فيما اختلفوا فيه PageV08P406 # وقال تعالى { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } سورة النساء 59 # فهذه النصوص وامثالها مما يبين أن ما بعث الله به رسله يبين للناس ما ~~يحتاجون اليه من أمر دينهم في هذه المسائل وغيرها لكن ليس كل واحد قد بلغته ~~النصوص كلها ولا كل أحد يفهم ما دلت عليه النصوص فان الله يختص من يشاء من ~~عباده من العلم والفهم بما يشاء فمن اشتبه عليه الأمور فتوقف لئلا يتكلم ~~بلا علم أو لئلا يتكلم بكلام يضر ولا ينفع فقد احسن ومن علم الحق فبينه لمن ~~يحتاج اليه وينتفع به فهو احسن واحسن # ولهذا لما روي يحيى بن آدم لابن المبارك هذا الاثر عن ابن عباس وهو قوله ~~انه لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو مقاربا شك الراوي حتى يتكلموا في ~~الولدان والقدر وكأن قائل هذا يطلب من الناس السكوت مطلقا قال ms1728 له ابن ~~المبارك أفيسكت الإنسان على الجهل وقد صدق ابن المبارك فقال له يحيى بن آدم ~~أفتأمر بالكلام فسكت ابن المبارك لان امره بالكلام مطلقا يتضمن يتضمن الإذن PageV08P407 ~~بالكلام الذي وقع من الناس وفيه من الجهل والكذب ما ينهي عنه # وتحقيق الأمر أن الكلام بالعلم الذي بينه الله ورسوله مأمور به وهو الذي ~~ينبغي للإنسان طلبه واما الكلام بلا علم فيذم ومن تكلم بما يخالف الكتاب ~~والسنة فقد تكلم بلا علم وقد تكلم بما يظنه علما إما برأى رآه واما بنقل ~~بلغه ويكون كلاما بلا علم وهذا قد يعذر صاحبه تارة وان لم يتبع وقد يذم ~~صاحبه إذا ظلم غيره ورد الحق الذي معه بغيا # كما ذم الله ذلك بقوله { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم } سورة آل عمران 19 فالبغي مذموم مطلقا سواء كان في ~~أن يلزم الانسان الناس بما لا يلزمهم ويذمهم على تركه أو بأن يذمهم على ما ~~هم معذورون فيه والله يغفر لهم خطأهم فيه فمن ذم الناس وعاقبهم على ما لم ~~يذمهم الله تعالى ويعاقبهم عليه فقد بغي عليهم لا سيما إذا كان ذلك أجل هواه # وقد قال تعالى { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } سورة ص 26 والله ~~تعالى قد قال { وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } سورة ~~الاحزاب 72 73 PageV08P408 # فالسعيد من تاب الله عليه من جهله وظلمه وألا فالانسان ظلوم جهول واذا ~~وقع الظلم والجهل في الأمور العامة الكبار اوجبت بين الناس العداوة ~~والبغضاء فعلى الانسان أن يتحرى العلم والعدل فيما يقوله في مقالات الناس ~~فإن الحكم بالعلم والعدل في ذلك اولى منه في الأمور الصغار # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل علم الحق وقضى به فهو في ~~الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو ms1729 ~~في النار فإذا كان هذا فيمن يقضي في درهم وثوب فكيف بمن يقضي في الاصول ~~المتضمنة للكلام في رب العالمين وخلقه وأمره ووعده ووعيده # ولهذا لما اشترك هؤلاء القدرية القائلون بأن القادر المختار يرجح أحد ~~المثلين على الآخر بلا مرجح في هذا الأصل وناظروا به الملاحدة القائلين ~~بقدم العالم من الدهرية الفلاسفة وغيرهم ورأى أولئك أن هذا ليس بعلم ولا ~~عدل طمعوا في هؤلاء القدرية # فإن الانسان إذا اتبع العدل نصر على خصمه واذا خرج عنه طمع PageV08P409 ~~فيه خصمه فصار بين الفلاسفة الدهرية والمتكلمين القدرية في هذا الباب من ~~النزاع ما استطار شرره وان كانت القدرية اقرب إلى العلم والعدل ومن الناس ~~من يحار ومنهم من يوافق هؤلاء تارة وهؤلاء تارة تناقضا منه في حالين أو ~~جمعا بين النقيضين في حال واحدة # ولو اتبعوا ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق لحصل لهم من العلم ~~والعدل ما يرفع النزاع ويدخلهم في اتباع النص والإجماع والكلام على هذه ~~المسألة له موضع آخر # والمقصود هنا تفسير قوله # كل مولود يولد على الفطرة وان من قال بإثبات القدر وان الله كتب الشقي ~~والسعيد لم يمنع ذلك أن يكون ولد على الإسلام ثم تغير بعد ذلك كما تولد ~~البهيمة جمعاء ثم تغير بعد ذلك فإن الله تعالى يعلم الاشياء على ما هي عليه ~~فيعلم انه يولد سليما ثم يتغير # والآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على هذا القول الذي رجحناه وهو ~~أنهم ولدوا على الفطرة ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله فيهم من سعادة ~~وشقاوة لا تدل على انه حين الولادة لم يكن على فطرة سليمة مقتضية للايمان ~~مستلزمة له لولا المعارض PageV08P410 # فروى ابن عبد البر في ضمن هذا المنقول بإسناده عن موسى بن عبيدة سمعت ~~محمد بن كعب القرظي في قوله { كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة } سورة الاعراف 29 30 قال من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى ~~الضلالة وان عمل بعمل اهل الهدى ms1730 ومن ابتدأ خلقه على الهدى صيره إلى الهدى ~~وان عمل بعمل اهل الضلالة ابتدأ خلق ابليس على الضلالة وعمل بعمل السعادة ~~مع الملائكة ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه من الضلالة قال وكان من ~~الكافرين وابتدأ خلق السحرة عل الهدى وعملوا بعمل الضلالة ثم هداهم الله ~~إلى الهدى والسعادة وتوفاهم عليها مسلمين # وبهذا الاسناد عن محمد بن كعب في قوله { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم } سورة الاعراف 172 يقول فاقروا له بالايمان والمعرفة ~~الارواح قبل أن تخلق اجسادها # فهذا المنقول عن محمد بن كعب يبين أن الذي ابتدأهم عليه وهو PageV08P411 ~~ما كتبه انهم صائرون اليه قد يعملون قبل ذلك غيره وان من ابتدأه على ~~الضلالة أي كتبه انه يموت ضالا فقد يكون قبل ذلك عاملا بعمل اهل الهدى ~~وحينئذ من ولد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى لا يمتنع أن يعرض لها ما ~~يغيرها فيصير إلى ما سبق به القدر لها # كما في الحديث الصحيح أن احدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يصير بينه ~~وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخل النار وان ~~احدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخل الجنة # ولهذا قال محمد بن كعب أن جميع الذرية اقروا له بالايمان والمعرفة فأثبت ~~هذا وهذا إذ لا منافاة بينهما # ثم روى ابن عبد البر بإسناده عن سعيد بن جبير في قوله { كما بدأكم تعودون ~~} سورة الاعراف 29 قال كما كتب عليكم تكونون # وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد { كما بدأكم تعودون } قال شقيا وسعيدا وقال ~~غيره عن مجاهد { كما بدأكم تعودون } قال يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا PageV08P412 # وقال الربيع بن انس عن أبي العالية { كما بدأكم تعودون } قال عادوا إلى ~~علمه فيهم فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة # قلت ما في هذه الأقوال من إثبات علم الله وقدره السابق وان الخلق يصيرون ~~إلى ذلك حق لا ms1731 محالة كما دل عليه الكتاب والسنة واجماع سلف الأمة واما كون ~~ذلك تفسير الاية فهذا مقام اخر ليس هذا موضعه # ولفظ بدأ الله الخلق يراد به ابتداء تكوينهم وهو ظاهر القرآن وقد يراد به ~~ابتداء اسباب خلقهم وعلامات ذلك كما في قول السائل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ما كان أول امرك قال # دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا امي رأت أنني حين ولدتني كأنه خرج ~~منها نور اضاءت له قصور الشام # قال وقال آخرون معنى قوله # كل مولود يولد على الفطرة أن الله فطرهم على الانكار والمعرفة وعلى الكفر ~~والايمان فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال ألست بربكم قالوا جميعا PageV08P413 ~~بلى فأما اهل السعادة فقالوا بلى على معرفة له طوعا من قلوبهم وأما أهل ~~الشقاء فقالوا بلى كرها غير طوع # قالوا ويصدق ذلك قوله { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها } ~~سورة آل عمران 83 قالوا وكذلك قوله { كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق ~~عليهم الضلالة } سورة الاعراف 29 30 قال محمد بن نصر المروزي وسمعت اسحاق ~~بن إبراهيم يعني ابن راهويه يذهب إلى هذا المعنى واحتج بقول أبي هريرة ~~اقرؤا أن شئتم { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } سورة ~~الروم 30 قال اسحاق يقول لا تبديل للخلقة التي جبل عليها ولد آدم كلهم يعني ~~من الكفر والايمان والمعرفة والانكار واحتج اسحاق بقول الله تعالى { وإذ ~~أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم } الاية سورة الاعراف 172 قال اسحاق ~~اجمع اهل العلم انها الارواح قبل الاجساد استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم الست ~~بربكم قالوا بلى فقال انظروا إلا تقولوا انا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا ~~إنما اشرك به اباؤنا من قبل # وذكر حديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر PageV08P414 ~~قال وكان الظاهر ما قال موسى اقتلت نفسا زاكية بغير نفس فعلم الله الخضر ما ~~كان الغلام عليه في الفطرة التي فطره عليها وانه لا تبديل لخلق الله ms1732 فأمر ~~بقتله لأنه كان قد طبع يوم طبع كافرا # وروى اسحاق حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرا وهذا الحديث رواه مسلم # وروى البخاري وغيره عن ابن عباس انه كان يقرأها واما الغلام فكان كافرا ~~وكان ابواه مؤمنين قال اسحاق فلو ترك النبي صلى الله عليه وسلم الناس ولم ~~يبين لهم حكم الاطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين لأنهم لا يدرون ~~ما جبل كل واحد منهم عليه حين اخرج من ظهر آدم فبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم حكم PageV08P415 ~~الطفل في الدنيا فقال # ابواه يهودانه ينصرانه ويمجسانه يقول انتم لا تعلمون ما طبع عليه في ~~الفطرة الأولى ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه فاعرفوا ذلك بالابوين ~~فمن كان صغيرا بين أبوين كافرين ألحق بحكم الكفار ومن كان صغيرا بين أبوين ~~مسلمين الحق بحكم الإسلام واما ايمان ذلك وكفره ومما يصير اليه فعلم ذلك ~~إلى الله ويعلم ذلك فضل الخضر موسى إذا اطلعه الله عليه في ذلك الغلام وخصه ~~بذلك العلم # قال ولقد سئل ابن عباس عن الولدان ولدان المسلمين والمشركين فقال ابن ~~عباس حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر قال اسحاق إلا ترى إلى قول عائشة حين ~~مات صبي من الانصار بين ابوين مسلمين PageV08P416 ~~فقالت عائشة طوبى له عصفور من عصافير الجنة فرد عليها النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك وقال # مه يا عائشة وما يدريك أن الله خلق الجنة وخلق لها اهلها وخلق النار وخلق ~~لها اهلها قال اسحاق فهذا الأصل الذي يعتمد عليه اهل العلم # وسئل حماد بن سلمة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم # كل مولود يولد على الفطرة فقال هذا عندنا حيث اخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم # قال ابن عبد البر وقال ابن قتيبة يريد حين مسح ظهر آدم فاستخرج منه ذريته ~~إلى يوم القيامة امثال الذر واشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى # قلت مقصود حماد واسحاق ومالك ms1733 وابن المبارك ومن اتبعهم كابن قتيبة وابن ~~بطة والقاضي أبي يعلي وغيرهم هو منه احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي ~~القدر وهذا مقصود صحيح ولكن سلكوا في حصوله طرقا بعضها صحيح وبعضها ضعيف PageV08P417 # كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ثبت عنه انه قال # احتج آدم وموسى فقال موسى ربنا أرنا أبانا آدم الذي أخرجنا من الجنة فقال ~~له انت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه واسجد لك ~~ملائكته لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة فقال له آدم انت موسى الذي كلمك الله ~~تكليما وخط لك التوارة بيده فبكم تجد علي مكتوبا قبل أن أخلق { وعصى آدم ~~ربه فغوى } سورة طه 121 قال بأربعين خريفا قال فحج آدم موسى فهذا الحديث في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة وهو مروى بإسناد جيد من حديث عمر # فلما توهم من توهم أن ظاهره أن المذنب يحتج بالقدر على من لامه على الذنب ~~اضطربوا فيه فكذب به طائفة من القدرية كالجبائي وتأوله طائفة من أهل السنة ~~تأويلات ضعيفة قصدا لتصحيح الحديث ومقصودهم صحيح لكن طريقهم في رد قول ~~القدرية وتفسير الحديث ضعيفة كقول بعضهم إنما حجة لكونه أباه وقول الآخر ~~لكونه كان قد تاب وقول الآخر لكون الذنب كان في شريعة والملام في أخرى وقول ~~الآخر حجة لأن الاحتجاج به كان في الاخرة PageV08P418 ~~دون الدنيا وقول الآخر الاحتجاج بالقدر ينفع الخاصة المشاهدين لجريان القدر ~~عليهم دون العامة فإن الحديث صريح بأن آدم احتج بالقدر وحج به موسى # وايضا فموسى اعلم من أن يلوم تائبا وموسى وآدم اعلم من أن يظنا أن القدر ~~حجة لأحد في ذنب فإن هذا لو كان حقا لكان حجة لإبليس وفرعون وكل كافر وفاسق # وكذلك قول من قال أن الاحتجاج بالقدر لا يجوز في الدنيا بل بعد الموت قول ~~باطل أو احتجاج الخاصة به سائغ فإنه قول باطل فإن الأنبياء جميعهم تابوا من ~~ذنوبهم ولم يحتج أحد منهم بالقدر ووقع العتب والملام بسبب الذنب كما ms1734 حقق ~~الله ذلك في القرآن ولكن موسى لام آدم لما حصل له وللذرية من الشقاء ~~بالخروج من الجنة كما في الحديث لماذا اخرجتنا ونفسك من الجنة فلامه لأجل ~~المصيبة التي لحقتهم بسببه لا من جهة كونه عصى الأمر أو لم يعصه فإن هذا ~~أمر قد تاب الله عليه منه واجتباه ربه وهداه فأخبره آدم بأن القدر قد سبق ~~بذلك فما أصاب العبد لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه # كما قال تعالى { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من ~~قبل أن نبرأها } PageV08P419 ~~سورة الحديد 22 وقال { ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه } سورة التغابن 11 # قال طائفة من السلف هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم انها من عند الله فيرضى ~~ويسلم فالعبد مأمور بالصبر عند المصائب نظرا إلى القدر وأما عند الذنوب ~~فمأمور بالاستغفار # فحج آدم موسى لأن ما أصابهم من المصيبة كانت مقدرة هي وسببها فلا بد أن ~~يصيبهم ذلك فلا فائدة في ملام لا يدفع المصيبة المقدرة بعد وقوعها وانما ~~الفائدة في الرجوع إلى الله # ومثل هذا قول أنس في الحديث الصحيح خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته لما فعلته ولا لشيء لم أفعله ألا فعلته ~~وكان بعض أهله إذا عتبني على شيء يقول دعوه فلو قضى شيء لكان # ومن هذا قوله في الحديث الصحيح # احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وان اصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت PageV08P420 ~~لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن اللو تفتح عمل الشيطان # والمقصود هنا انهم تشعبوا في حديث الفطرة كتشعبهم في حديث الحجة وأصل ~~مقصودهم من الإيمان بالقدر صحيح لكن لا يجب مع ذلك أن يفسر القرآن والحديث ~~إلا بما هو مراد الله ورسوله ويجب أن يتبع في ذلك ما دل عليه الدليل # وكثيرا ما يقع لمن هو من أهل الحق في أصل مقصوده ms1735 وقد أخطأ في بعض الأمور ~~هذا المجرى مثل أن يتكلموا في مسألة فإذا أرادوا أن يجيبوا عن حجج ~~المنازعين ردوها ردا غير مستقيم # وما ذكروه من أن الله فطرهم على الكفر والايمان والمعرفة والنكرة أن ~~ارادوا به أن الله سبق علمه وقدره بانهم سيؤمنون ويكفرون ويعرفون وينكرون ~~وان ذلك كان بمشيئة الله وقدرته وخلقه فهذا حق يرده القدرية فغلاتهم ينكرون ~~العلم وجمهورهم ينكرون عموم خلقه ومشيئته وقدرته وان ارادوا أن هذه المعرفة ~~والنكرة كانت موجودة حين اخذ الميثاق كما في ظاهر المنقول عن اسحاق فهذا ~~يتضمن شيئين أحدهما انهم حينئذ كانت المعرفة والايمان موجودا فيهم كما قال ذلك PageV08P421 ~~طوائف من السلف وهو الذي حكى اسحاق الإجماع عليه والاية في تفسيرها نزاع ~~ليس هذا موضعه وكذلك في وجود الارواح قبل الاجساد قولان معروفان # لكن المقصود هنا أن هذا أن كان حقا فهو توكيد لكونهم ولدوا على تلك ~~المعرفة والاقرار فهذا لا يخالف ما دلت عليه الاحاديث من انه يولد على ~~الملة وان الله خلق خلقه حنفاء بل هو مؤيد لذلك # وأما قول القائل انهم في ذلك الإقرار انقسموا إلى طائع وكاره فهذا لم ~~ينقل عن أحد من السلف فيما اعلم إلا عن السدى في تفسيره # قال السدي في قول الله تعالى { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم } سورة الاعراف 172 قالوا لما أخرج الله آدم من الجنة ~~قبل أن يهبطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل ~~اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي ومسح صفحة ظهره اليسرى ~~فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال ادخلوا النار ولا أبالي PageV08P422 ~~فذلك قوله وأصحاب اليمين واصحاب الشمال ثم اخذ منهم الميثاق فقال { ألست ~~بربكم قالوا بلى } سورة الاعراف 172 فأطاعه طائفة طائعين وطائفة كارهين على ~~وجه التقية فقال هو والملائكة { شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل } سورة الاعراف 172 173 فليس ms1736 ~~أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله انه ربه وذلك قوله عز وجل { وله أسلم من ~~في السماوات والأرض طوعا وكرها } سورة آل عمران 83 وذلك قوله { فلله الحجة ~~البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } سورة الأنعام 149 يعني يوم اخذ الميثاق # فهذا الاثر أن كان حقا ففيه أن كل ولد آدم يعرف الله فإذا كانوا ولدوا ~~على هذه الفطرة فقد ولدوا على المعرفة ولكن فيه أن بعضهم اقر كارها مع ~~المعرفة بمنزلة الذي يعرف الحق لغيره ولا يقر به إلا مكرها وهذا لا يقدح في ~~كون المعرفة فطرية مع أن هذا لم يبلغنا إلا في هذا الاثر ومثل هذا لا يوثق ~~به فإن هذا في مثل تفسير السدي وفيه اشياء قد عرف بطلان بعضها إذ كان السدي ~~وان كان ثقة في نفسه فهذه الاشياء احسن احوالها أن تكون كالمراسيل أن كانت ~~أخذت عن النبي صلى الله علهي وسلم فكيف إذا كان فيها ما هو مأخوذ عن أهل ~~الكتاب الذين يكذبون كثيرا وقد عرف أن فيها شيئا كثيرا مما يعلم انه باطل لا PageV08P423 ~~سيما ولو لم يكن في هذا إلا معارضته لسائر الاثار التي تسوى بين جميع الناس ~~في ذلك الإقرار # وقول الله تعالى { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها } سورة آل ~~عمران 83 إنما هو في الإسلام الموجود بعد خلقهم لم يقل انهم حين العهد ~~الأول اسلموا طوعا وكرها يدل على ذلك أن ذلك الإقرار الأول جعله الله حجة ~~عليهم عند من يثبته ولو كان فيهم كاره لقال لم أقل ذلك طوعا بل كرها فلا ~~تقوم عليه به حجة # واما احتجاج اسحاق رحمه الله بقول أبي هريرة اقرأوا أن شئتم { فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } سورة الروم 30 قال اسحاق نقول ~~لا تبديل للخلقة التي جبل عليها فهذه الاية فيها قولان # أحدهما أن معناها النهي كما تقدم عن ابن جرير انه فسرها بالنهي أي لا ~~تبدلوا دين الله الذي فطر عليه عباده ms1737 وهذا قول غير واحد من المفسرين الذين ~~لم يذكروا غيره كالثعلبي والزمخشري # والثاني ما قاله اسحاق وهو انها خبر على ظاهرها وان خلق الله PageV08P424 ~~لا يبدله أحد وظاهر اللفظ انه خبر فلا يجعل نهيا بغير حجة وهذا أصح # وحينئذ فيقال المراد ما خلقهم عليه من الفطرة لا تبدل فلا يخلقون على غير ~~الفطرة لا يقع هذا قط والمعنى أن الخلق لا يتبدل فيخلقون على غير الفطرة ~~ولم يرد بذلك أن الفطرة لا تتغير بعد الخلق بل نفس الحديث يبين انها تتغير ~~ولهذا شبهها بالبهيمة التي تولد جمعاء ثم تجدع ولا تولد بهيمة قط مخصية ولا مجدوعة # وقد قال تعالى عن الشيطان { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } سورة النساء 119 ~~فالله اقدر الخلق على أن يغيروا ما خلقهم عليه بقدرته ومشيته # واما تبديل الخلق بأن يخلقوا على غير تلك الفطرة فهذا لا يقدر عليه إلا ~~الله والله لا يفعله كماقال { لا تبديل لخلق الله } سورة الروم 30 ولم يقل ~~لا تغيير فإن تبديل الشيء يكون بذهابه وحصول بدله فلا يكون خلق بدل هذا ~~الخلق ولكن إذا غير بعد وجوده لم يكن الخلق الموجود عند الولادة قد حصل بدله # واما قول القائل لا تبديل للخلقة التي جبل عليها ولد آدم كلهم من كفر ~~وايمان فإن عنى بها أن ما سبق به القدر من الكفر والايمان لا يقع خلافه ~~فهذا حق ولكن ذلك لا يقتضى أن تبديل الكفر بالايمان وبالعكس ممتنع ولا انه ~~غير مقدور بل العبد قادر على ما أمره الله به PageV08P425 ~~من الإيمان وعلى ترك ما نهاه عنه من الكفر وعلى أن يبدل حسناته بالسيئات ~~بالتوبة كما قال تعالى { إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا ~~بعد سوء فإني غفور رحيم } سورة النمل 10 11 # و{ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } سورة الفرقان 70 # وهذا التبديل كله هو بقضاء الله وقدره وهذا بخلاف ما فطروا عليه حين ~~الولادة فإن ذاك خلق الله الذي لا يقدر على تبديله غيره ms1738 وهو سبحانه لا ~~يبدله قط بخلاف تبديل الكفر بالأيمان وبالعكس فإنه يبدله دائما والعبد قادر ~~على تبديله بإقدار الله له على ذلك # ومما يبين ذلك انه قال تعالى { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله } سورة الروم 30 فهذه فطرة محمودة أمر الله ~~بها نبيه فكيف يكون فيها كفر وايمان مع أمر الله تعالى بها وهل يأمر الله ~~تعالى قط بالكفر # وقد تقدم تفسير السلف لا تبديل لخلق الله تعالى بأنه دين الله أو تبديل ~~خلق الحيوان بالخصاء ونحوه ولم يقل أحد منهم أن المراد لا تبديل لاحوال ~~العباد من ايمان إلى كفر ولا من كفر إلى ايمان إذ تبديل ذلك موجود ومهما ~~وقع كان هو الذي سبق به القدر والله تعالى عالم بما PageV08P426 ~~سيكون لا يقع خلاف معلومه لكن إذا وقع التبديل كان هو الذي علمه وان لم يقع ~~كان عالما بأنه لا يقع # وأما قوله الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا فالمراد به كتب وختم ~~وهذا من طبع الكتاب وألا فاستنطاقهم بقوله { ألست بربكم قالوا بلى } سورة ~~الاعراف 172 ليس هو طبعا لهم فإنه ليس بتقدير ولا خلق # ولفظ الطبع لما كان يستعمله كثير من الناس في الطبيعة التي هي بمعنى ~~الجبلة والخليقة ظن الظان أن هذا مراد الحديث # وهذا الغلام الذي قتله الخضر قد يقال فيه انه ليس في القرآن ما يبين انه ~~كان غير مكلف بل ولا ما يبين انه كان غير بالغ ولكن قال في الحديث الصحيح # الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو ادرك لأرهق ابويه طغيانا ~~وكفرا وهذا دليل على كونه لم يدرك بعد فإن كان بالغا وقد كفر فقد صار كافرا ~~بلا نزاع وان كان مكلفا قبل الاحتلام في تلك الشريعة أو على قول من يقول أن ~~المميزين مكلفون بالايمان قبل الاحتلام كما قاله طوائف من أهل الكلام ~~والفقه من أصحاب أبي حنيفة واحمد وغيرهم امكن أن يكون PageV08P427 ~~مكلفا بالايمان قبل ms1739 البلوغ ولو لم يكن مكلفا فكفر الصبي المميز صحيح عند ~~أكثر العلماء فإذا ارتد الصبي المميز صار مرتدا وان كان ابواه مؤمنين ويؤدب ~~على ذلك باتفاق العلماء اعظم مما يؤدب على ترك الصلاة لكن لا يقتل في ~~شريعتنا حتى يبلغ # فالغلام الذي قتله الخضر إما أن يكون كافرا بالغا كفر بعد البلوغ فيجوز ~~قتله واما أن يكون كافرا قبل البلوغ وجاز قتله في تلك الشريعة وقتل لئلا ~~يفتن ابويه عن دينهما كما يقتل الصبي الكافر في ديننا إذا لم يندفع ضرره عن ~~المسلمين إلا بالقتل # بل الصبي الذي يقاتل المسلمين يقتل فقتل الصبي الكافر المميز يجوز لدفع ~~صياله الذي لا يندفع إلا بالقتل واما قتل صبي لم يكفر بعد بين ابوين مؤمنين ~~للعلم بأنه إذا بلغ كفر وفتن فقد يقال انه ليس في القرآن ما يدل عليه ولا ~~في السنة # وقد يقال بل في السنة ما يدل عليه ومنه قول ابن عباس لنجدة الحروري لما ~~سأله عن قتل الغلمان # أن علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتله وألا فلا رواه مسلم PageV08P428 # والمعلوم من الكتاب والسنة لا يعارض إلا بما يصلح أن يعارض به ومن قال ~~بالأول يقول أن الله تعالى لم يأمر أن يعاقب أحد بما يعلم انه يكون منه قبل ~~أن يكون منه ولا هو سبحانه يعاقب العباد بما يعلم انهم سيعملونه حتى يفعلوه # ويقول قائل هذا القائل انه ليس في قصة الخضر شيء من الاطلاع على الغيب ~~الذي لا يعلمه عموم الناس وانما فيها علمه باسباب لم يكن علم بها موسى مثل ~~علمه بأن السفينة لمساكين ووراءهم ملك ظالم وهذا أمر يعلمه غيره وكذلك كون ~~الجدار كان لغلامين يتيمين وان اباهما كان رجلا صالحا هذا مما قد يعلمه ~~كثير من الناس فكذلك كفر الصبي مما يمكن انه كان يعلمه كثير من الناس حتى ~~ابواه لكن لحبهما له لا ينكران عليه أو لا يقبل منهما الانكار عليه # فإن كان الأمر على ذلك فليس في الاية حجة اصلا ms1740 وان كان ذلك الغلام لم ~~يكفر بعد اصلا ولكن سبق في العلم انه إذا بلغ كفر فهذا ايضا يبين انه قتل ~~قبل أن يصير كافرا ومن قال هذا يقول انه قتل دفعا لشره # كما قال نوح { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } سورة نوح 26 27 PageV08P429 ~~فقد دعا نوح عليه السلام بهلاكهم لدفع شرهم في المستقبل وعلى هذا فلم يكن ~~قبل قيام الكفر به كافرا # وقول ابن عباس واما الغلام فكان كافرا وكان ابواه مؤمنين ظاهره انه كان ~~حينئذ كافرا وأما تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم # فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه انه اراد به مجرد الالحاق في احكام ~~الدنيا دون أن يكون اراد انهما يغيران الفطرة فهذا خلاف ما يدل عليه الحديث ~~فإنه شبه تكفير الاطفال بجدع البهائم تشبيها للتغيير بالتغيير # وأيضا فإنه ذكر هذا الحديث لما قتلوا اولاد المشركين ونهاهم عن قتلهم وقال # اليس خياركم اولاد المشركين كل مولود يولد على الفطرة فلو اراد انه تابع ~~لأبويه في الدنيا لكان هذا حجة لهم يقولون هم كفار كآبائهم فنقتلهم # وكون الصغير يتبع اباه في احكام الدنيا هو لضرورة حياته في الدنيا فإنه ~~لا بد له من مرب يربيه وانما يربيه ابواه فكان تابعا لهما ضرورة ولهذا متى ~~سبي منفردا عنهما صار تابعا لسابيه عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي ~~واحمد والاوزاعي وغيرهم لكونه هو الذي يربيه واذا سبى منفردا عن احدهما أو ~~معهما ففيه نزاع للعلماء PageV08P430 # واحتجاج الفقهاء كأحمد وغيره بهذا الحديث على أنه متى سبي منفردا عن ~~ابويه يصير مسلما لا يستلزم أن يكون المراد بتكفير الابوين مجرد لحاقه بهما ~~في الدين ولكن وجه الحجة انه إذا ولد على الملة فإنما ينقله عنها الابوان ~~اللذان يغيرانه عن الفطرة فمتى سباه المسلمون منفردا عنهما لم يكن هناك من ~~يغير دينه وهو مولود على الملة الحنيفية فيصير مسلما بالمقتضى السالم عن ~~المعارض ولو كان الابوان يجعلانه كافرا في ms1741 نفس الأمر بدون تعليم وتلقين ~~لكان الصبي المسبى بمنزلة البالغ الكافر # ومعلوم أن الكافر البالغ إذا سباه المسلمون لم يصر مسلما لأنه صار كافرا ~~حقيقة فلو كان الصبي التابع لأبويه كافرا حقيقة لم ينتقل عن الكفر بالسباء ~~فعلم انه كان يجرى عليه حكم الكفر في الدنيا تبعا لأبويه لا لأنه صار كافرا ~~في نفس الأمر # يبين ذلك انه لو سباه كفار لم يكن معه ابواه ولم يصر مسلما فهو هنا كافر ~~في حكم الدنيا وان لم يكن ابواه هوداه ونصراه ومجساه # فعلم أن المراد بالحديث أن الابوين يلقنانه الكفر ويعلمانه اياه وذكر صلى ~~الله عليه وسلم الابوين لانهما الأصل العام الغالب في تربية الاطفال فإن كل ~~طفل غير فلا بد له من ابوين وهما اللذان يربيانه مع بقائهما وقدرتهما بخلاف ~~ما إذا ماتا أو عجزا لسبي الولد عنهما أو غير ذلك PageV08P431 # ومما يبين ذلك قوله في الحديث الآخر # كل مولود يولد على الفطر حتى يعرب عنه لسانه فإما شاكرا وإما كفورا فجعله ~~على الفطرة إلى أن يعقل ويميز فحينئذ يثبت له أحد الامرين ولو كان كافرا في ~~الباطن بكفر الابوين لكان ذلك من حين يولد قبل أن يعرب عنه لسانه # وكذلك قوله في الحديث الآخر الصحيح حديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما يرويه عن ربه # اني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم ~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم انزل به سلطانا صريح في انهم خلقوا على ~~الحنيفية وان الشياطين اجتالتهم وحرمت عليهم الحلال وامرتهم بالشرك فلو كان ~~الطفل يصير كافرا في نفس الأمر من حين يولد لكونه يتبع ابويه في الدين قبل ~~أن يعلمه أحد الكفر ويلقنه اياه لم يكن الشياطين هم الذين غيروهم عن ~~الحنيفية وأمروهم بالشرك بل كانوا مشركين من حين ولدوا تبعا لآبائهم # ومنشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه احكام الكفر في الدنيا باحكام ~~الكفر في الاخرة فإن اولاد الكفار لما كانوا يجري عليهم احكام الكفر في ~~امور ms1742 الدنيا مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم وحضانة ابائهم لهم وتمكين ~~آبائهم من تعليمهم وتأديبهم والموارثة بينهم وبني آبائهم واسترقاقهم إذا ~~كان آباؤهم محاربين وغير ذلك صار يظن من يظن انهم كفار في نفس الأمر كالذي ~~تكلم بالكفر وعمل به PageV08P432 # ومن هنا قال من قال أن هذا الحديث وهو قوله # كل مولود يولد على الفطرة كان قبل أن تنزل الأحكام كما ذكره أبو عبيد عن ~~محمد بن الحسن فأما إذا عرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونا ~~تبعا لآبائهم في احكام الدنيا زالت الشبهة وقد يكون في بلاد الكفر من هو ~~مؤمن في الباطن يكتم ايمانه من لا يعلم المسلمون حاله إذا قاتلوا الكفار ~~فيقتلونه ولا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن مع المشركين وهو في الاخرة من ~~المؤمنين اهل الجنة كما أن المنافقين تجرى عليهم في الدنيا احكام المسلمين ~~وهم في الاخرة في الدرك الاسفل من النار فحكم الدار الاخرة غير حكم الدار الدنيا # وقوله # كل مولود يولد على الفطرة إنما اراد به الأخبار بالحقيقة التي خلقوا ~~عليها وعليها الثواب والعقاب في الاخرة إذا غمل بموجبها وسلمت عن المعارض ~~لم يرد به الأخبار باحكام الدنيا فإنه قد علم بالاضطرار من شرع الرسول أن ~~اولاد الكفار يكونون تبعا لآبائهم في احكام الدنيا وان اولادهم لا ينتزعون ~~منهم إذا كان للآباء ذمة وان كانوا محاربين استرقت اولادهم ولم يكونوا ~~كاولاد المسلمين # ولا نزاع بين المسلمين أو اولاد الكفار الاحياء مع آبائهم لكن تنازعوا في ~~الطفل إذا مات ابواه أو أحدهما هل يحكم بإسلامه فعن PageV08P433 ~~احمد رواية انه يحكم باسلامه لقوله # فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإذا مات ابواه بقي على الفطرة # والرواية الاخرى كقول الجمهور انه لا يحكم بإسلامه # وهذا القول هو الصواب بل هو إجماع قديم من السلف والخلف بل هو ثابت ~~بالسنة التي لا ريب فيها # فقد علم أن اهل الذمة كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ~~ووادي القرى وخيبر ونجران وارض اليمن وغير ذلك وكان ms1743 فيهم من يموت وله ولد ~~صغير ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام يتامى اهل الذمة وكذلك ~~خلفاؤه كان اهل الذمة في زمانهم طبق الأرض بالشام ومصر والعراق وخراسان ~~وفيهم من يتامى اهل الذمة عدد كثير ولم يحكموا بإسلام احد منهم فإن عقد ~~الذمة اقتضى أن يتولى بعضهم بعضا فهم يتولون حضانة يتاماهم كما كان الابوان ~~يتولون حضانة اولادهما # واحمد رضي الله عنه يقول أن الذمي إذا مات ورثه ابنه الطفل مع قوله في ~~احدى الراويتين انه يصير مسلما لأن أهل الذمة ما زال اولادهم يرثونهم ولأن ~~الإسلام حصل مع استحقاق الارث لم يحصل قبله والقول الآخر هو الصواب كما تقدم PageV08P434 # والمقصود هنا أن قوله # كل مولود يولد على الفطرة لم يرد به في احكام الدنيا بل في نفس الأمر وهو ~~ما ترتب عليه الثواب والعقاب ولهذا لما قال هذا سألوه فقالوا يا رسول الله ~~ارأيت من يموت من أطفال المشركين فقال # الله اعلم بما كانوا عاملين فإن من بلغ منهم فهو مسلم أو كافر بخلاف من مات # وقد تنازع الناس في اطفال المشركين على اقوال # فقال طائفة انهم كلهم في النار وقالت طائفة كلهم في الجنة وكل واحد من ~~القولين اختاره طائفة من أصحاب احمد الأول اختاره القاضي أبو يعلي وغيره ~~وحكوه عن احمد وهو غلط على احمد كما اشرنا اليه # والثاني اختاره أبو الفرج بن الجوزي وغيره ومن هؤلاء من يقول هم خدم اهل ~~الجنة ومنهم من قال هم من اهل الاعراف # والقول الثالث الوقف فيهم وهذا هو الصواب الذي دلت عليه الاحاديث الصحيحة ~~وهو منصوص احمد وغيره من الأئمة # وذكره ابن عبد البر عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد وابن المبارك واسحاق بن ~~راهويه قال وعلى ذلك اكثر أصحاب مالك وذكر ايضا في اطفال المسلمين نزاعا ~~ليس هذا موضعه PageV08P435 # لكن الوقف قد يفسر بثلاثة امور أحدها انه لا يعلم حكمهم فلا يتكلم فيهم ~~بشيء وهذا قول طائفة من المنتسبين إلى السنة وقد يقال أن كلام ms1744 احمد يدل عليه # والثاني انه يجوز أن يدخل جميعهم الجنة ويجوز أن يدخل جميعهم النار وهذا ~~قول طائفة من المنتسبين إلى السنة من أهل الكلام وغيرهم من أصحاب أبي الحسن ~~ألاشعري وغيرهم # والثالث التفصيل كما دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم # الله اعلم بما كانوا عاملين فمن علم الله منه انه إذا بلغ اطاع ادخله ~~الجنة ومن علم منه أنه يعصى ادخله النار # ثم من هؤلاء من يقول انه يجزيهم بمجرد علمه فيهم كما يحكى عن أبي العلاء ~~القشيري المالكي # والاكثرون يقولون لا يجزى على علمه بما سيكون حتى يكون فيمتحنهم يوم ~~القيامة ويمتحن سائر من لم تبلغه الدعوة في الدنيا فمن اطاع حينئذ دخل ~~الجنة ومن عصى دخل النار PageV08P436 # وهذا القول منقول عن غير واحد من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم # وقد روى به آثار متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم حسان يصدق بعضها ~~بعضا وهو الذي حكاه ألاشعري في المقالات عن أهل السنة والحديث وذكر انه ~~يذهب اليه وعلى هذا القول تدل الاصول المعلومة بالكتاب والسنة كما قد بسط ~~في غير هذا الموضع وبين أن الله لا يعذب احدا حتى يبعث اليه رسولا # والمقصود هنا الكلام على الأقوال المذكورة في تفسير هذا الحديث وقد تبين ~~ضعف قول من قال الفطرة الكفر والايمان وان الإقرار كان من هؤلاء طوعا ومن ~~هؤلاء كرها # ومما يضعف هذا القول قول طائفة أخرى بأن جميع أولئك كان اقرارهم جميعهم ~~له بالربوبية من غير تفصيل بطوع وكره # قال ابن عبد البر وقال آخرون معنى الفطرة المذكورة في المولودين ما أخذ ~~الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخرج ذرية آدم ~~من ظهره فخاطبهم # ألست بربكم قالوا بلى فأقروا جميعا له بالربوبية عن معرفة منهم به ثم ~~اخرجهم من اصلاب آبائهم مخلوقين مطبوعين على تلك المعرفة وذلك الإقرار PageV08P437 # قالوا وليست تلك المعرفة بايمان ولا ذلك الإقرار بإيمان ولكنه إقرار من ~~الطبيعة للرب فطرة الزمها قلوبهم ثم أرسل ms1745 اليهم الرسل يدعوهم إلى الاعتراب ~~له بالربوبية والخضوع تصديقاص بما جاءت به الرسل فمنهم من أنكر وجحد بعد ~~المعرفة وهو به عارف لأنه لم يكن الله يدعو خلقه إلى الإيمان به وهو لم ~~يعرفهم نفسه لأنه كان حينئذ يكون قد كلفهم الإيمان بما لا يعرفون # قالوا وتصديق ذلك قول الله عز وجل { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله } سورة لقمان 25 وذكروا ما ذكره السدي عن اصحابه كما تقدم # وروى بإسناده في التفسير المعروف عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن انس عن ~~أبي العالية عن أبي بن كعب في قول الله عز وجل { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم } إلى قوله { أفتهلكنا بما فعل المبطلون } سورة الاعراف 172 173 PageV08P438 # قال فجعلهم جميعا أرواحا ثم صورهم ثم استنطقهم فقال الست بربكم قالوا بلى ~~شهدنا أن يقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا قالوا نشهد انك ربنا والهنا لا ~~رب لنا غيرك ولا اله لنا غيرك # قال فإني أرسل اليكم رسلي وانزل عليكم كتبي فلا تكذبوا رسلي وصدقوا بوعدي ~~واني سأنتقم ممن اشرك بي ولم يؤمن بي # قال فأخذ عهدهم وميثاقهم ورفع اباهم آدم فرأى منهم الغني والفقير وحسن ~~الصورة وغير ذلك فقال يا رب لو سويت بين عبادك قال احببت أن اشكر # قال والانبياء يومئذ بينهم مثل السرج # قال وخصوا بميثاق اخر للرسالة أن يبلغوها # قال فهو قوله { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } سورة ~~الاحزاب 7 # قال وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها # قال وذلك قوله { وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } PageV08P439 ~~سورة الاعراف 102 # قال فكان في علم الله من يكذب به ومن يصدق قال وكان روح الله عيسى من تلك ~~الارواح التي اخذ عهدها وميثاقها في زمن آدم # فهذا القول يحقق القول الأول في أن كل مولود يولد على الفطرة التي هي ~~المعرفة بالله والاقرار به وفيه زيادة أن ذلك كان قد حصل لهم قبل الولادة ~~حين ms1746 استخرجوا من صلب آدم وقد فسر فطرة الله في الحديث بذلك # وأما قول صاحب هذا القول أن هذا الإقرار ليس هو بإيمان يستحق عليه الثواب ~~فهذا لا يضر فإنه قد بين فيه أن المعرفة بالله ضرورية وانه بذلك صح أن ~~يأمرهم فإن المأمور أن لم يعرف الأمر امتنع أن يعرف انه امره ولو لم تكن ~~المعرفة ثابتة في الفطرة لكان الرسول إذا قال لقومه ادعوكم إلى الله لقالوا ~~مثل ما قال فرعون وما رب العالمين انكارا له وجحدا كأن يكون قولهم متوجها # وفرعون لم يقل هذا لعدم معرفته في الباطن بالخالق لكن اظهر خلاف ما في ~~نفسه كما قال تعالى { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } سورة ~~النمل 14 وكما قال له موسى { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات ~~والأرض بصائر } PageV08P440 ~~سورة الاسراء 102 # ولهذا قال تعالى { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في ~~أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ~~قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى } سورة إبراهيم 9 10 فأخبر تعالى أن أولئك المكذبين ~~لما قالوا { وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب قالت رسلهم أفي الله شك } ~~الاية سورة إبراهيم 9 10 # وهذا استفهام انكار بمعنى النفي والانكار على من لم يقر بهذا النفي ~~والمعنى ما في الله شك وأنتم تعلمون انه ليس في الله شك ولكن تجحدون انتفاء ~~الشك جحودا تستحقون أن ينكر عليكم هذا الجحد فدل ذلك على انه ليس في الله ~~شك عند الخلق المخاطبين وهذا يبين انهم مفطورون على الإقرار وألا فالامر ~~النظري مستلزم للشك قبل العلم لا سيما إذا كانت طرقه خفية طويلة فكل من لم ~~يعرف تلك الطرق يشك فيه فإن كان لا طريق للمعرفة إلا طريقة الاعراض وطريقة ~~الوجود ونحو ذلك فالشك في الله ms1747 حاصل لمن لم يعرف هذه الطرق وهم PageV08P441 ~~جمهور الخلق بل ولأكثر من سلك هذه الطرق ايضا إذا عرف حقيقتها # قال ابن عبد البر وقال آخرون في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم # كل مولود يولد على الفطرة لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر ~~الفطرة ها هنا كفرا ولا ايمانا ولا معرفة ولا انكار وانما اراد أن كل مولود ~~يولد على السلامة خلقة وطبعا وبنية ليس معها كفر ولا ايمان ولا معرفة ولا ~~انكار ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا # واحتجوا بقوله في الحديث كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء يعني سالمة هل ~~تحسون فيها من جدعاء يعني مقطوعة الأذن فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها ~~تولد كاملة الخلق لا يتبين فيها نقصان ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها فيقال ~~هذه بحاير وهذه سوايب يقول فكذلك قلوب الاطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ~~حينئذ ولا ايمان ولا معرفة ولا انكار كالبهائم السالمة فلما بلغوا PageV08P442 ~~استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم وعصم الله اقلهم وعصم الله اقلهم قالوا ولو ~~كان الاطفال قد فطروا على شيء من الكفر والايمان في أولية أمرهم ما انتقلوا ~~عنه أبدا وقد تجدهم يؤمنون ثم يكفرون ثم يؤمنون قالوا ويستحيل في العقول أن ~~يكون الطفل في حال ولادته يعقل كفرا أو ايمانا لأن الله أخرجهم في حال لا ~~يفقهون فيها شيئا # قال تعالى { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } سورة النحل ~~78 فمن لم يعلم شيئا استحال منه كفر أو ايمان أو معرفة أو انكار # قال أبو عمر هذا القول اصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الولدان ~~عليها وذلك ان الفطرة السلامة والاستقامة بدليل قوله في حديث عياض بن حمار # اني خلقت عبادي حنفاء يعني على استقامة وسلامة فكأنه والله اعلم اراد ~~الذين خلصوا من الافات PageV08P443 ~~كلها والزيادات ومن المعاصي والطاعات فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم ~~يعملوا بواحدة منهما # ومن الحجة ايضا في هذا قول الله تعالى { إنما ms1748 تجزون ما كنتم تعملون } ~~سورة التحريم 7 و{ كل نفس بما كسبت رهينة } سورة المدثر 38 ومن لم يبلغ وقت ~~العمل لم يرتهن بشيء قال الله تعالى { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ~~سورة الاسراء 15 # قلت هذا القائل أن اراد بهذا القول انهم خلقوا خالين من المعرفة والانكار ~~من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدا منهما بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل ~~كتابة الإيمان وكتابة الكفر وليس هو لأحدهما اقبل منه للآخر وهذا هو الذي ~~يشعر به ظاهر الكلام فهذا قول فاسد لأنه حينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة ~~بين المعرفة والانكار والتهويد والتنصير والاسلام وانما ذلك بحسب الاسباب ~~فكان ينبغي أن يقال فأبواه يسلمانه ويهودانه وينصرانه ويمجسانه فلما ذكر أن ~~ابويه يكفرانه وذكر الملل الفاسدة دون الإسلام علم أن حكمه في حصول ذلك ~~بسبب منفصل غير حكم الكفر # وايضا فإنه على هذا التقدير لا يكون في القلب سلامة ولا عطب ولا استقامة ~~ولا زيغ إذ نسبته إلى كل منهما نسبة واحدة وليس هو بأحدهما PageV08P444 ~~اولى منه بالآخر كما أن الرق قبل الكتابة فيه لا يثبت له حكم مدح كالمصحف ~~ولا حكم ذم كقرآن مسيلمة والتراب قبل أن يبنى مسجدا أو كنيسة لا يثبت له ~~حكم واحد منهما # ففي الجملة كل ما كان قابلا للممدوح والمذموم على السواء لم يستحق مدحا ~~ولا ذما والله تعالى يقول { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله } سورة الروم 30 فأمره بلزوم فطرته التي ~~فطر الناس عليها فكيف لا يكون فيها مدح ولا ذم # وايضا فالنبي صلى الله عليه وسلم شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق وشبه ما ~~يطرأ عليها من الكفر بجدع الانف والاذن ومعلوم أن كمالها محمود ونقصها ~~مذموم فكيف تكون قبل النقص لا محمودة ولا مذمومة # وان كان المراد بهذا القول ما قاله طائفة من الناس من أن المراد انهم ~~ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على ~~الانكار والايمان على ms1749 الكفر ولكن بما عرض من الفساد خرجت عن هذه الفطرة ~~فهذا القول قد يقال انه لا يرد عليه ما يرد على ما قبله فإن صاحبه يقول في ~~الفطرة قوة يميل بها إلى المعرفة والايمان كما PageV08P445 ~~في البدن السليم قوة يحب بها الاغذية النافعة وبهذا كانت محمودة وذم من ~~افسدها لكن يقال فهذه الفطرة التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد ~~والصلاحية هل هي كافية في حصول المعرفة أو تقف المعرفة على أدلة يتعلمها من خارج # فإن كانت المعرفة تقف على أدلة يتعلمها من خارج امكن أن توجد تارة وتعدم ~~أخرى ثم ذلك السبب الخارج يمتنع أن يكون موجبا للمعرفة بنفسه بل غايته أن ~~يكون معرفا ومذكرا فعند ذلك أن وجب حصول المعرفة كانت المعرفة واجبة الحصول ~~عند وجود تلك الاسباب وألا فلا وحينئذ فلا يكون فيها إلا قبول المعرفة ~~والايمان إذا وجدت من يعلمها اسباب ذلك # ومعلوم أن فيها قبول الانكار والكفر إذا وجدت من يعلمها اسباب ذلك وهو ~~التهويد والتنصير والتمجيس وحينئذ فلا فرق فيها بين الإيمان والكفر ~~والمعرفة والانكار إنما فيها قوة قابلة لكل منهما واستعداد له لكن يتوقف ~~على المؤثر الفاعل من خارج # وهذا هوالقسم الأول الذي ابطلناه وبينا انه ليس في ذلك مدح للفطرة وان ~~كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها وان لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة لزم ~~حصول المعرفة فيها بدون ما نسمعه من أدلة المعرفة سواء قيل أن المعرفة ~~ضرورية فيها أو قيل انها تحصل بأسباب كالادلة التي تنتظم في النفس من غير ~~أن يسمع كلام مستدل فإن النفس PageV08P446 ~~بفطرتها قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما لا يحتاج معه إلى كلام أحد فإن ~~كان كل مولود يولد على هذه الفطرة لزم أن يكون المقتضى للمعرفة حاصلا لكل ~~مولود وهو المطلوب # والمقتضى التام يستلزم مقتضاه فتبين أن أحد الامرين لازم إما لكون الفطرة ~~مستلزمة للمعرفة وإلا استوى الكفر والإيمان بالنسبة اليها وذلك ينفي مدحها # وتلخيص النكتة أن يقال المعرفة والايمان بالنسبة اليها ممكن بلا ms1750 ريب فإما ~~أن تكون هي موجبة مستلزمة له واما أن يكون ممكنا بالنسبة اليها ليس بوجب ~~لازم لها فإن كان الثاني لم يكن فرق بني الكفر والايمان إذ كلاهما ممكن ~~بالنسبة اليها فتبين أن المعرفة لازمة واجبة لها إلا أن يعارضها معارض # فإن قيل ليست موجبة مستلزمة للمعرفة ولكنها اليها اميل مع قبولها للنكرة # قيل فحينئذ إذا لم تستلزم المعرفة وجبت تارة وعدمت أخرى وهي وحدها لا ~~تحصلها فلا تحصل إلا بشخص آخر كالابوين فيكون الإسلام كالتهويد والتنصير ~~والتمجيس # ومعلوم أن هذه الانواع بعضها ابعد عن الفطرة من بعض كالتمجيس PageV08P447 ~~ولكن مع ذلك لما لم تكن الفطرة مقتضية لشيء منها اضيفت إلى السبب فإن لم ~~تكن الفطرة مقتضية للاسلام صار نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى ~~التمجيس فوجب أن تذكر كما ذكر ذلك وهذا كما أن الفطرة لو لم تقتض الاكل عند ~~الجوع مع القدرة عليه لم يوجد الاكل إلا بسبب منفصل # والنبي صلى الله عليه وسلم شبه اللبن بالفطرة لما عرض عليه الخمر واللبن ~~واختار اللبن فقال له جبريل اصبت الفطرة ولو اخذت الخمر لغوت امتك # والطفل مفطور على انه يختار شرب اللبن بنفسه فإذا تمكن من الثدي لزم أن ~~يرتضع لا محالة فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض وهو مولود على أن يرتضع ~~فكذلك هو مولود على أن يعرف الله والمعرفة ضرورية له لا محال إذا لم يوجد معارض # وايضا فإن حب النفس وخضوعها لله واخلاص الدين له مع PageV08P448 ~~الكبر والشرك والنفور إما أن يكون نسبتها إلى الفطرة سواء أو الفطرة مقتضية ~~للأول دون الثاني فإن كانا سواء لزم انتفاء المدح كما تقدم لم يكن فرق بين ~~دعائها إلى الكفر ودعائها إلى الإيمان ويكون تمجيسها كتحنيفها وقد عرف ~~بطلان هذا # وان كان فيها مقتض لهذا فإما أن يكون المقتضي مستلزما لمقتضاه عند عدم ~~المعارض واما أن يكون متوقفا على شخص خارج عنها فإن كان الأول ثبت أن ذلك ~~من لوازمها وانها مفطورة عليه لا تفقد إلا إذا ms1751 فسدت الفطرة # وان قيل انه متوقف على شخص فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفية كما يجعلها ~~مجوسية وحينئذ فلا فرق بين هذا وهذا # واذا قيل هي إلى الحنيفية اميل كان كما يقال هي إلى النصرانية اميل # فتبين أن فيها قوة موجبة لحب الله والذل له واخلاص الدين له وانها موجبة ~~لمقتضاها إذا سلمت من المعارض كما فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فطرت على ~~محبته وطلبه # ومما يبين هذا أن كل حركة ارادية فإن الموجب لها قوة في المريد فإذا امكن ~~في الانسان أن يحب الله ويعبده ويخلص له الدين كان فيه قوة تقتضي ذلك إذ ~~الأفعال الارادية لا يكون سببها إلا من نفس الحي المريد الفاعل ولا يشترط ~~في ارادته إلا مجرد الشعور بالمراد فما في النفوس من PageV08P449 ~~قوة المحبة له إذا شعرت به يقتضي حبه إذا لم يحصل معارض # وهذا موجود في محبة الاطعمة والاشربة والنكاح ومحبة العلم وغير ذلك واذا ~~كان كذلك وقد ثبت أن في النفس قوة المحبة لله والذل له واخلاص الدين له وان ~~فيها قوة الشعور به لزم قطعا وجود المحبة فيها والذل بالفعل لوجود المقتضى ~~الموجب إذا سلم عن المعارض وعلم أن المعرفة والمحبة لا يشترط فيهما وجود ~~شخص منفصل يكلمها بكلام وان كان وجود هذا قد يذكر ويحرك كما لو خوطب الجائع ~~بوصف طعام أو خوطب المغتلم بوصف النساء فإن هذا مما يذكر ويحرك لكن لا يجب ~~ذلك في وجود الشهوة للطعام ووجود الاكل # فكذلك الاسباب الخارجة لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور ~~بالخالق والذل له ومحبته وان كان ذلك مذكرا ومحركا أو مزيلا للمعارض المانع ~~لكن المقصود انه لا يحتاج حصول ذلك في الفطرة اليه مطلقا # وايضا فالاقرار بالصانع بدون عبادته بالمحبة له والذل له واخلاص الدين له ~~لا يكون نافعا بل الإقرار مع البعض اعظم استحقاقا للعذاب فلا بد أن يكون في ~~الفطرة مقتض للعلم ومقتض للمحبة والمحبة مشروطة بالعلم فإن ما لا يشعر به ~~الانسان لا ms1752 يحبه والحب للمحبوبات لا يكون بسبب من خارج بل هو جبلي فطري ~~واذا كانت PageV08P450 ~~المحبة جبلية فطرية فشرطها وهو المعرفة أيضا جبلي فطري فلا بد أن يكون في ~~الفطرة محبة الخالق مع الإقرار به # وهذا أصل الحنيفية التي خلق الله خلقه عليها وهو فطرة الله التي أمر الله بها # وأيضا فإذا كانت المحبة فطرية وهي مشروطة بالشعور لزم أن يكون الشعور ~~أيضا فطريا والمحبة له أيضا فطرية لأنها لو لم تكن فطرية لكانت النفس قابلة ~~لها ولضدها على السواء وهذا ممتنع كما تقدم وإذا كانت في الفطرة أرجح لزم ~~وجودها في الفطرة وإلا كانت ممكنة الحصول وعدمه كما في المجوسية وغيرها من ~~الكفر فتبقى الحنيفية مع المجوسية كاليهودية مع المجوسية وهذا باطل كما تقدم # فعلم أن الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها والحب لله والخضوع له ~~والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية وذلك مستلزم للإقرار والمعرفة ولازم ~~اللازم لازم وملزوم الملزوم ملزوم فعلم أن الفطرة ملزومة لهذه الأحوال وهذه ~~الأحوال لازمة لها وهو المطلوب قال أبو عمر قد مضى في الفطرة ومعناها عند ~~العلماء ما بلغنا عنهم والحمد لله وأما أهل البدع فمنكرون لكل ما قاله ~~العلماء في تأويل PageV08P451 ~~قوله { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم } سورة الأعراف 172 الآية ~~قالوا ما أخذ الله من آدم ولا من ذريته ميثاقا قط قبل خلقه إياهم وما خلقهم ~~قط إلا في بطون أمهاتهم وما استخرج قط من ظهر آدم ذرية تخاطب ولو كان ذلك ~~لأحياهم ثلاث مرات # والقرآن قد نطق عن أهل النار { قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ~~} سورة غافر 11 من غير إنكار عليهم # وقال تعالى تصديقا لذلك { وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم } ~~سورة البقرة 28 قالوا وكيف يخاطب الله عز وجل من لا يعقل وكيف يجيب من لا ~~عقل له أم كيف يحتج عليهم بميثاق لا يذكرونه أم كيف يؤاخذون بما قد نسوه ~~ولم يذكروه ولا يذكر أحد أن ذلك عرض له أو كان منه ms1753 PageV08P452 # قالوا وإنما أراد الله بقوله { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~} الآية سورة الأعراف 172 إخراجه إياهم في الدنيا وخلقه لهم وإقامة الحجة ~~عليهم بأن فطرهم ونبأهم فطرة إذا بلغوا وعقلوا علموا أن الله ربهم ثم اختلف ~~القائلون بهذا كله في المعرفة هل تقع ضرورة أو اكتسابا على ما قد ذكرنا في ~~غير هذا المكان # قلت ليس المقصود هنا الكلام على هذه الآية وتفسيرها والكلام في معرفة ~~حاصلة قبل الولادة أو نفيها بل المقصود إثبات المعرفة الفطرية الحاصلة بعد ~~الولادة وإذا كان من نفاة الأول من يقول إن هذه ضرورية فكيف بمن أثبت ~~الثنتين وهذه الأقوال التي ذكرها منها اثنان من جنس وهو قول من يقول ولدوا ~~على ما سبق به القدر أو على ذلك وكانوا مفطورين عليه من حين الميثاق الأول ~~منهم مقر طوعا وكرها أو اثنان من جنس وهو قول من يقول ولدوا PageV08P453 ~~قادرين على المعرفة وقول من يقول ولدوا قابلين لها وللتهود والتنصر إما مع ~~التساوي وإما مع رجحان القبول للإسلام # وأما قول من يقول ولدوا على فطرة الإسلام أو على الإقرار بالصانع وإن لم ~~يكن ذلك وحده إيمانا أو على المعرفة الأولى يوم أخذ الميثاق عليهم فهذه ~~الثلاثة لا منافاة بينها بل يحصل بها المقصود # والكتاب والسنة دل على ما اتفقت عليه من كون الخلق مفطورين على دين الله ~~الذي هو معرفة الله والإقرار به بمعنى أن ذلك موجب فطرتهم وبمقتضاها يجب ~~حصوله فيها إذا لم يحصل ما يعوقها فحصوله فيها لا يقف على وجود شرط بل على ~~انتفاء مانع # ولهذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لموجب الفطرة شرطا بل ذكر ما ~~يمنع موجبها حيث قال # كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما قال ~~تعالى { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين ms1754 فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~كل حزب بما لديهم فرحون } سورة الروم 30 32 فأخبر أن المشركين مفترقون # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح # إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه لا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل ~~الله جميعا PageV08P454 ~~ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم # وقد قال تعالى { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه } سورة الشورى 13 وقال تعالى { كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين } سورة البقرة 13 # وقال تعالى { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا كل حزب بما لديهم فرحون } سورة المؤمنون 51 53 # وأصل الدين الذي فطر الله عليه عباده كما قال خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم ~~الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به ~~سلطانا فهو يجمع أصلين # أحدهما عبادة الله وحده لا شريك له وإنما يعبد بما أحبه وأمر به وهذا هو ~~المقصود الذي خلق الله له الخلق وضده الشرك والبدع # والثاني حل الطيبات التي يستعان بها على المقصود وهو الوسيلة # وضدها تحريم الحلال والأول كثير في النصارى والثاني وهو تحريم الطيبات ~~كثير في اليهود وهما جميعا في المشركين PageV08P455 # ولهذا ذم الله تعالى المشركين على هذين النوعين في غير موضع من كتابه ~~كسورة الأنعام والأعراف يذكر فيها ذممهم على ما حرموه من المطاعم والملابس ~~وغير ذلك وذممهم على ما ابتدعوه من العبادات التي لم يشرعها الله تعالى # وفي الحديث أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة فنعبده وحده بفعل ما أحبه ~~ونستعين على ذلك بما أحله # كما قال تعالى { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم } سورة المؤمنون 51 # وهذا هو الدين الذي فطر الله عليه خلقه فإنه ms1755 محبوب لكل أحد فإنه يتضمن ~~الأمر بالمعروف الذي تحبه القلوب والنهي عن المنكر الذي تبغضه وتحليل ~~الطيبات النافعة وتحريم الخبائث الضارة # وهذا الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن كل مولود يولد على ~~الفطرة مما تقوم الأدلة العقلية على صدقه كما أخبر الصادق المصدوق وتبين أن ~~من خالف مدلول هذا الحديث فإنه مخطئ في ذلك # وبيان ذلك من وجوه # أحدها أن يقال لا ريب أن الإنسان قد يحصل له تارة من PageV08P456 ~~الاعتقادات والارادات ما يكون حقا وتارة ما يكون باطلا فإن اعتقاداته قد ~~تكون مطابقة لمعتقدها وهو الحق وقد تكون غير مطابقة وهو الباطل والخبر عن ~~هذا صدق وعن هذا كذب والإرادات تنقسم إلى ما يوافق مصلحته وهو جلب المنفعة ~~له وإلى ما لا يوافق مصلحته بل يضره # فإن الإنسان حساس متحرك بالإرادة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم أصدق ~~الأسماء الحارث وهمام وأحبها إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأقبحها حرب ~~ومرة فإن الإنسان لابد له من حرث وهو العمل والحركة الإرادية ولا بد له من ~~أن يهم بالأمور منها ما يهم به ويفعله ومنها ما يهم به ولا يفعله فإن كان ~~المراد موافقا لمصلحته كانت الإرادة حسنة محمودة وإن كان مخالفا لمصلحته ~~كانت الإرادة سيئة مذمومة كمن يريد ما يضر عقله ونفسه وبدنه # وإذا كان الإنسان تارة تكون تصديقاته وإراداته حسنة محمودة وتارة تكون ~~سيئة فلا يخلو إما أن تكون نسبة نفسه إلى النوعين نسبة PageV08P457 ~~واحدة بحيث لا يترجح أحد الصنفين على الآخر بمرجح من نفسه أو لا بد أن تكون ~~نفسه مرجحة لأحد النوعين # فإن كان الأول لزم أن لا يوجد أحد الصنفين إلا بمرجح منفصل عنه ثم ذلك ~~المرجح المنفصل إذا قدر مرجحان أحدهما يرجح الصدق الذي ينفعه والآخر يرجح ~~الكذب الذي يضره فإما أن يتكافأ المرجحان أو يترجح أحدهما فإن تكافأ ~~المرجحان لزم أن لا يحصل واحد منهما وهو خلاف المعلوم بالضرورة فإنا نعلم ~~أنه إذا عرض على كل أحد أن يصدق ms1756 وأن ينتفع وأن يكذب ويتضرر مال بفطرته إلى ~~أن يصدق وينتفع وإذا كان لا بد من ترجيح لأحدهما فترجح الكذب الضار مع فرض ~~تساوي المرجحين أولى بالامتناع من تكافيهما فتعين أنه إذا تكافأ المرجحان ~~فلا بد أن يترجح عنده الصدق والنفع وهو المراد باعتقاد الحق وإرادة الخير # فعلم أن في فطرة الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة النافع وحينئذ ~~فالإقرار بوجود الصانع ومعرفته والإيمان به هو الحق أو نقيضه والثاني معلوم ~~الفساد قطعا فتعين الأول وحينئذ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة ~~الصانع والإيمان به # وأيضا فإنه مع الإقرار به إما أن تكون محبته أنفع للعبد أو عدم محبته ~~والثاني معلوم الفساد وإذا كان الأول أنفع له كان في فطرته محبة ما ينفعه PageV08P458 # وأيضا فإنه إما أن تكون عبادته وحده لا شريك له أكمل للناس علما وقصدا أو ~~الإشراك به والثاني معلوم الفساد فوجب أن يكون في فطرته مقتض يقتضي توحيده # وأيضا فإما أن يكون دين الإسلام مع غيره من الأديان متماثلين أو الإسلام ~~مرجوحا أو راجحا والأول والثاني باطلان باتفاق المسلمين وبأدلة كثيرة فوجب ~~أن يكون في الفطرة مقتض يقتضي خير الأمرين لها وامتنع أن تكون نسبة الإسلام ~~وسائر الملل إلى الفطرة واحدة سواء كانت نسبة قدرة أو نسبة قبول # وإذا لزم أن يكون في الفطرة مرجح للحنيفية التي أصلها معرفة الصانع ~~ومحبته وإخلاص الدين له فإما أن يكون مع ذلك لا يوجد مقتضاها إلا بسبب ~~منفصل مثل من يعلمه ويدعوه أو يمكن وجود ذلك بدون هذا السبب المنفصل # فإن كان الأول لزم أن يكون موجبها متوقفا على مخاطب منفصل دائما فلا يحصل ~~بدونه البتة ثم القول في حصول موجبها لذلك المخاطب المنفصل كالقول في الأول ~~وحينئذ فيلزم التسلسل في المخاطبين ووجود مخاطبين لا يتناهون وهم أيضا ~~مخاطبون وهذا تسلسل في الفاعلين وهو ممتنع # وإن كان في المخاطبين من حصل له بموجب الفطرة بلا مخاطب منفصل دل على ~~إمكان ذلك في الفطرة فبطل هذا التقدير وهو كون ms1757 PageV08P459 ~~موجب الفطرة لا يحصل قط إلا لمخاطب منفصل وإذا أمكن حصول موجب الفطرة بدون ~~مخاطب منفصل علم أن في الفطرة قوة تقتضي ذلك وأن ذلك ليس موقوفا على مخاطب ~~منفصل لكن قد يكون لذلك المقتضي معارض مانع وهذا هو الفطرة # وهذا الدليل يقتضي أنه لا بد في الفطر ما يكون مستغنيا عن مخاطب منفصل في ~~حصول موجب الفطرة لكن لا يقتضي أن كل واحد كذلك لكن إذا عرف أن ما جاز على ~~أحد الإنسانين يجوز على الآخر لتماثلهما في النوع أمكن ذلك في حق كل شخص ~~وهو المطلوب # الوجه الثاني أن يقال إذا ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته ومحبته حصل ~~المقصود بذلك وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك بل يحتاج كثير منهم ~~في حصول ذلك إلى سبب معين للفطرة كالتعليم والتخصيص فإن الله قد بعث الرسل ~~وأنزل الكتب ودعوا الناس إلى موجب الفطرة من معرفة الله وتوحيده فإذا لم ~~يحصل مانع يمنع الفطرة وإلا استجابت لله ورسله لما فيها من المقتضي لذلك # ومعلوم أن قول # كل مولود يولد على الفطرة ليس المراد به أنه حين ولدته أمه يكون عارفا ~~بالله موحدا له بحيث يعقل ذلك فإن PageV08P460 ~~الله يقول { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } سورة النحل 78 # ونحن نعلم بالاضطرار أن الطفل ليس عنده معرفة بهذا الأمر ولكن ولادته على ~~الفطرة تقتضي أن الفطرة تقتضى ذلك وتستوجبه بحسبها # فكلما حصل فيه قوة العلم والإرادة حصل من معرفتها بربها ومحبتها له ما ~~يناسب ذلك كما أنه ولد على أنه يحب جلب المنافع ودفع المضار بحسبه وحينئذ ~~فحصول موجب الفطرة سواء توقف على سبب وذلك السبب موجود من خارج أو لم يتوقف ~~على التقديرين يحصل المقصود # ولكن قد يتفق لبعضها فوات الشرط أو وجود مانع فلا يحصل مقصود الفطرة # الوجه الثالث أن يقال من المعلوم أن النفوس إذا حصل لها معلم ومخصص حصل ~~لها من العلم والإرادة بحسب ذلك ومن المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم ms1758 وإرادة ~~الحق ومعلوم أن مجرد التعليم والتخصيص لا يوجب العلم والإرادة لولا أن في ~~النفس قوة تقبل ذلك وإلا فلو علم البهائم والجمادات وحضضها لم يحصل لها ما ~~يحصل لبني آدم والسبب في الموضعين واحد فعلم أن ذلك لاختلاف القوابل # ولهذا يشترك الناس في سماع القرآن ويتفاوتون في آثاره فيهم من العلم ~~والحال وهكذا في سائر الكلام وإذا كان كذلك علم أن في النفوس قوة تقتضي ~~العلم والإرادة PageV08P461 # يبين ذلك أن ذلك المرجح إذا حصل من خارج فمعلوم أنه نفسه لا يوجب بنفسه ~~حصول العلم والإرادة في النفس إلا بقوة منها تقبل ذلك وتلك القوة لا تتوقف ~~على أخرى وإلا لزم التسلسل الذي لا يتناهى بين طرفين متناهين أو الدور ~~القبلي وكلاهما ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء # فهذا يدل على أن في النفس قوة ترجح الدين الحق على غيره وحينئذ فالمخاطب ~~إنما عنده تنبيهها على ما لا تعلمه لتعلمه أو تذكيرها بما كانت ناسية ~~لتذكره أو تحضيضها على ما لا تريده لتريده ونحو ذلك # وكل هذه الأمور يمكن أن تحصل بخواطر في النفس تقتضي تنبيهها وتذكيرها ~~وتخضيضها واعتبار الإنسان ذلك من نفسه يوجب علمه بذلك فإن ما يسمعه الإنسان ~~من كلام البشر يمكن أن يخطر له مثله في قلبه فعلم أن الفطرة يمكن حصول ~~إقرارها بالصانع والمحبة والإخلاص له بدون سبب منفصل وأنه يمكن أن تكون ~~الذات كافية في ذلك # ومن المعلوم أنه إذا كان المقتضي لذلك قائما في النفس وقدر عدم المعارض ~~فالمقتضي السالم عن المعارض المقاوم يوجب مقتضاه فعلم أن الفطرة السليمة ~~إذا لم يحصل لها من يفسدها كانت مقرة بالصانع عابدة له # فإن قيل هذه الخواطر التي تخطر للإنسان قد تحصل لبعض الناس دون بعض بحسب ~~ما يتفق من الأسباب كما أن بعض الناس يحصل له PageV08P462 ~~من يخاطبه دون بعض فليسوا مشتركين في أسباب الخواطر والخطاب # قيل إذا لم تكن الخواطر متوقفة على مخاطب من خارج كانت الفطرة الإنسانية ~~هي المقتضية لذلك وإن كان ذلك بأسباب يحدثها الله ms1759 من إلهام ملك أو غيره لكن ~~المقصود أنه لا يحصل لها ذلك بواسطة تعلم إنسان ودعائه وهذا هو المقصود ~~بيانه من كونها ولدت على الفطرة ليس المراد أنه يجب وجود الهدى لكل إنسان ~~فإن هذا خلاف الواقع والحديث قد بين أن المولود يعرض له من يغير فطرته # الوجه الرابع أن يقال هب انه لا بد من الداعى المعلم من خارج لكن في ~~النفس ما يوجب ترجيح الحق على الباطل في الاعتقادات والارادات وهذا كاف في ~~كونها ولدت على الفطرة # الوجه الخامس أن يقال المقصود انه إذا لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح ~~الخارج كانت الفطرة مقتضية للصلاح لأن المقتضي فيها للعلم والارادة النافعة ~~قائم والمانع زائل إذ ليس في الفطرة نفسها مانع من ذلك ومع وجود المقتضي ~~السالم عن المعارض المقاوم يجب وجود مقتضاه # والاول استدلال بوقوع الإقرار بدون سبب منفصل على وجود المقتضي التام في ~~الفطرة وهذا استدلال بوجود المقتضي التام على حصول مقتضاة # وليس المقصود هنا أن المقتضي التام يجب وجوده لكل أحد فان هذا PageV08P463 ~~ممتنع بل أن الفطرة تقتضي وجوده كما تقتضي فطرة الصبي شرب لبن امه فلو لم ~~يعرض له مانع للزم وجود الشرب لكن قد يعرض له مرض فيه أو في امه أو غير ذلك ~~يوجب نفوره عن شرب لبنها وحب العبد لربه هو مفطور فيه اعظم مما فطر فيه حبه ~~للبن امه # قال الله تعالى { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ~~ذكرا } سورة البقرة 200 فلو لم يكن المقتضي التام ممكن وجوده في الفطرة لم ~~يحصل موجبها إلا بمرجح من خارج وهو خلاف الواقع ولانها إذا خلت عن الاسباب ~~الخارجة لم يكن بد من وجود صلاحها أو فسادها والثاني ممتنع فتعين الأول # الوجه السادس أن السبب الذي في الفطرة إما أن يكون مستلزما للمعرفة ~~والمحبة واما أن يكون مقتضيا لها بدون استلزام وعلى التقديرين يحصل المقصود # الوجه السابع أن النفس لا تخلو عن الشعور والارادة بل هذا الخلو ممتنع ~~فيها فان ms1760 الشعور والارداة من لوازم حقيقتها ولا يتصور أن تكون النفس إلا ~~شاعرة مريدة ولا يجوز أن يقال انها قد تخلو في حق الخالق تعالى عن الشعور ~~بوجوده وعدمه وعن محبته وعدم محبته وحينئذ فلا يكون الإقرار به ومحبته من ~~لوازم وجودها ولولم يكن لها معارض بل هذا باطل PageV08P464 # وذلك أن النفس لها مطلوب مراد بضرورة فطرتها وكونها مريدة من لوزام ذاتها ~~لا يتصور أن تكون نفس الانسان غير مريدة # ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اصدق الاسماء الحارث وهمام وهي ~~حيوان وكل حيوان متحرك بالارادة فلابد لها من حركة ارادية واذا كان كذلك ~~فلا بد لكل مريد من مراد والمراد إما أن يكون مرادا لنفسه أو لغيره والمراد ~~لغيره لابد أن ينتهي إلى مراد لنفسه فيمتنع أن تكون جميع المرادات مرادات ~~لغيرها فان هذا تسلسل في العلل الغائية وهو ممتنع كامتناع التسلسل في العلل ~~الفاعلية بل اولى # واذا كان لابد للإنسان من مراد لنفسه فهذا هو الإله الذي يالهه القلب ~~فإذا لابد لكل عبد من اله فعلم أن العبد مفطور على أن يحب الهه # ومن الممتنع أن يكون مفطورا على أن يأله غير الله لوجوه # منها أن هذا خلاف الواقع # ومنها انه ليس هذا المخلوق بان يكون الها لكل الخلق باولى من هذا # ومنها أن المشركين لم يتفقوا على اله واحد بل عبد كل قوم ما استحسنوه # ومنها أن ذلك المخلوق أن كان ميتا فالحى اكمل من الميت فيمتنع أن يكون ~~الناس مفطورين على عبادة ميت وان كان حيا فهو أيضا مريد فله إله يألهه فلو ~~كان هذا يأله هذا وهذا يأله هذا لزم الدور الممتنع أو التسلسل الممتنع فلا ~~بد لهم كلهم من اله يألهونه PageV08P465 # فان قلت ما ذكرته يستلزم انه لا بد لكل حي من اله أو لكل انسان من اله ~~لكن لم لا يجوز أن يكون مطلوب النفس مطلق المالوه لا مالوها معينا وجنس ~~المراد لا مرادا معينا # قيل هذا ممتنع فان المراد إما أن ms1761 يراد لنوعه أو لعينه فالاول مثل كون ~~العطشان يريد ماء والسغبان يريد طعاما فارادته هنا لم تتعلق بشيء معين فإذا ~~حصل عين من النوع حصل مقصوده # والمراد لذاته لا يكون نوعا لان أحد المعنين ليس هو الآخر فلو كان هذا ~~مرادا لذاته للزم أن لا يكون الآخر مرادا لذاته وإذا كان المراد لذاته هو ~~القدر المشترك بينهما لزم أن يكون ما يختص به أحدهما ليس مرادا لذاته وإذا ~~لم يكن مرادا لذاته لزم أن يكون مايختص به كل منهما ليس مرادا لذاته # والكلى لا وجود في الاعيان إلا معينا فإذا لم يكن في المعينات ما هو مراد ~~لذاته لم يكن في الموجودات الخارجية ما هو لذاته فلا يكون فيها ما يجب أن ~~يالهه أحد فضلا عما يجب أن يالهه كل أحد # فتبين انه لا بد من اله معين هو المحبوب لذاته من كل حي ومن الممتنع أن ~~يكون هذا غير الله فلزم أن يكون هو الله وعلم انه لو كان فيهما إلا الله ~~لفسدتا وان كل مولود ولد على محبة هذا الإله ومحبته PageV08P466 ~~مستلزمة لمعرفته فعلم أن كل مولود ولد على محبته ومعرفته وهو المطلوب # وهذا الدليل يصلح أن يكون مستقلا وهذا بخلاف ما يراد جنسه كالطعام ~~والشراب فانه ليس في ذلك ما هو مراد لذاته بل المراد دفع الم الجوع والعطش ~~أو طلب لذة الاكل والشرب وهذا حاصل بنوع الطعام والشراب لا يتوقف على معين ~~بخلاف ما هو مراد ومحبوب لذاته فإنه لا يكون إلا معينا # الوجه الثامن أن يقال اليهود عندهم نوع من المعرفة بالحق لكن بلا عمل به ~~بل مع بغض له ونفور عنه واستكبار والنصارى معهم نوع من المحبة والطلب ~~والارادة لكن بلا علم بل مع ضلال وجهل ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم # اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون رواه الترمذي وصححه # وامرنا الله أن نقول في صلاتنا { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } سورة الفاتحة 6 7 امين ms1762 فان النعمة ~~المطلقة لا تحصل إلا بمعرفة الحق واتباعه واذا كان كذلك والانسان يحتاج إلى ~~هذا وهذا ففطرته السليمة إما أن تكون مقتضية لمعرفة الحق دون العمل به أو ~~للعمل به دون معرفته أو لهما أو لا لواحد منهما PageV08P467 # فإن كان الرابع فيلزم أن يستوي عندها الصدق والكذب والاعتقاد المطابق ~~والفاسد وارادة ما ينفعها وارادة ما يضرها وهذا خلاف ما يعلم بالحس الباطن ~~والظاهر وبالضرورة # وان كان الثالث فيلزم أن يستوي عندها مع العمل أن تعلم وان تجهل وان ~~تهتدي وان تضل وان لا يكون فيها مع استواء الدواعي الظاهرة ميل إلى أحدهما ~~وهو أيضا خلاف المعلوم بالحس والضرورة # وان كان الثاني فيلزم أن يستوي عندها إرادة الخير النافع والشر الضار ~~دائما إذا استوت الدواعي الخارجة وهو أيضا خلاف الحس الباطن والظاهر وخلاف ~~الضرورة فتبين انه لا يستوي عندها هذان بل يترجح عندها هذا وهذا جميعا ### | AUTO وحينئذ فلا تكون مفطورة لا على يهودية ولا على نصرانية فعلى ~~المجوسة اولى ويلزم أن تكون مفطورة على الحنيفية المتضمنة لمعرفة الحق ~~والعمل به وهو المطلوب فصل # قال الله تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } سورة الذريات 56 ~~وللناس في هذه العبادة التى خلقوا لها قولان أحدهما انها وقعت منهم ثم ~~هؤلاء منهم من يقول جميعهم خلقوا لها ومنهم من يقول إنما خلق لها بعضهم PageV08P468 # والقول الثاني انهم كلهم خلقوا لها ومع ذلك فلم تقع إلا من بعضهم وهؤلاء حزبان # حزب يقولون أن الله لم يشأ إلا العبادة لكنهم فعلوا ما لا يشاؤه بغير ~~قدرته ولا مشيئته وهم القدرية المنكرون لعموم قدرته ومشيئته وخلقه # والثاني يقولون بل كل ما وقع فهو بمشيئته وقدرته وخلقه لكن هو لا يحب إلا ~~العبادة التي خلقهم لها ولا يأمر إلا بذلك فمنهم من اعانه ففعل المأمور به ~~ومنهم من لم يفعله # واللام عند هؤلاء كاللام في قوله { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم ولعلكم تشكرون } سورة البقرة 185 وفي قوله { ولكل أمة جعلنا منسكا ~~ليذكروا ms1763 اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله ~~أسلموا وبشر المخبتين } سورة الحج 34 # وقوله تعالى { اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } ~~سورة البقرة 21 على قول الاكثرين الذين يجعلون لعل متعلقة بقوله خلقكم كما ~~قال { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } سورة الذريات 56 PageV08P469 # وقوله { كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين } سورة ~~الحج 37 # وقوله { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن ~~لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } سورة ~~الطلاق 12 # وقوله { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي ~~والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله ~~بكل شيء عليم } سورة المائدة 97 # وقوله { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } سورة النساء 64 # ومنه قوله { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم ~~نعمته عليكم لعلكم تشكرون } سورة المائدة 6 # وقوله { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ~~والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن ~~تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } سورة ~~النساء 26 28 ونحو ذلك مما فيه أن الله يفعل فعلا لغاية يحبها ويرضاها ~~ويأمر بها عباده وإذا حصلت لهم كان فيها نجاتهم وسعادتهم ثم منهم من يعينه ~~على فعلها ومنهم من لا يفعلها فإن هذا قد أشكل على طائفة من الناس وقالوا ~~كيف يفعل فعلا لغاية مع علمه أنها لا تحصل PageV08P470 # فيقال الغاية التي يراد الفعل لها هي غاية مرادة للفاعل ومراد الفاعل ~~نوعان فإنه تارة يفعل فعلا ليحصل بفعله مراده فهذا لا يفعله وهو يعلم أنه ~~لا يكون والله تعالى يفعل ما يريد فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولكن الله ~~يفعل ما يريد # وتارة يريد من غيره أن يفعل فعلا ms1764 باختياره لينتفع ذلك الفاعل بفعله ويكون ~~ذلك محبوبا للفاعل الأول كمن يبني مسجدا ليصلي فيه الناس ويعطيهم مالا ~~ليحجوا به ويجاهدوا به وسلاحا ليجاهدوا به ويأمرهم بالمعروف ليفعلوه ~~وينهاهم عن المنكر ليتركوه وهم إذا فعلوا ما أراده لهم ومنهم كان صلاحا لهم ~~وكان ذلك محبوبا له وإن لم يفعلوا ذلك لم يكن صلاحا لهم ولا حصل محبوبه ~~منهم ثم هذا قد لا يكون قادرا على فعل ما أمروا به اختيارا # ولهذا زعمت القدرية النافية أن الرب ليس قادرا على هدي العباد وهو خطأ ~~عند أهل السنة وقد يكون قادرا فإنه سبحانه لو شاء لآتى كل نفس هداها { ولو ~~شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا } سورة يونس 99 # لكن المخلوق قد يعين بعض من أمره لمصلحة له في إعانته ولا يعين آخر والرب ~~تعالى قد يعين المؤمنين فيفعلوا ما أمروا به وأحبه الله منهم ولا يعين ~~آخرين لما له في ذلك من الحكمة فإن الفعل لا يوجد إلا بلوازمه وانتفاء أضداده PageV08P471 # وقد يكون في وجود ذلك فوات حكمة له هي أحب إليه من طاعة أولئك أو وجود ~~شيء دفعه أحب إليه من حصول معصية أولئك # وحينئذ فإذا أمر العباد ونهاهم ليطيعوه ويعبدوه ويفعلوا ما أحبه وينالوا ~~كمالهم الذي هو غايتهم التي خلقوا لها جاز أن يقال { وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله } سورة النساء 64 # وأن يقال { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } سورة البقرة 185 # وأن يقال { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ~~} سورة النساء 26 # وأن يقال { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم ~~نعمته عليكم } سورة المائدة 6 ونحو ذلك # وإن كان هو لم يخلق ما أمر به وإذا خلقهم خلق لهم ما ينتفعون به ليعبدوه ~~ويطيعوه ويشكروه ويذكروه ويبلغوا الغاية المحمودة في حقهم التي يحبها ~~ويرضاها لهم صح أن يقال إنما خلقهم ليعبدوه وإن كان هو لم يخلق لكل منهم ما ~~به ms1765 يصير عابدا له كما جاز أن يقال إنما بنيت المسجد ليصلوا فيه وإنما ~~أعطيتهم المال ليحجوا ويجاهدوا ونحو ذلك فإنه ليس من شرط من فعل فعلا لغاية ~~يفعلها غيره أن يكون هو فاعلا لتلك الغاية # ثم إذا علم أن كثيرا من هؤلاء لا يصلي ولا يحج ولا يجاهد وأن من PageV08P472 ~~يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر لا يطيعه لم يمنع ذلك أن يفعل ما يفعل ~~ويأمر بما يأمر به لأن نفس ذلك الفعل وذلك الأمر مصلحة له وهذا موجود في ~~المخلوق والخالق فإن المخلوق كالرسول وغيره يأمر وينهى وإن كان يعلم أنه لا ~~يطاع لأن نفس أمره لهم له فيه مصلحة ومنفعة وثواب وفيه حكمة في حق المأمور ~~والمنهي # وكذلك يفعل ما يفعل لمصالح الناس وإن علم أنهم لا يفعلون ذلك إذا كان له ~~في ذلك أجر ومثوبة ومصالح أخرى فإنه إذا كان بعض الناس يصلي في المسجد ~~وبعضهم لا يصلي فيه قامت حجته على من لم يصل واستحق العقوبة وكان قد أزاح ~~عن نفسه العلة بأن يقال لم يبن لهم مسجدا يصلون فيه # والخالق تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب وأنذر العباد وأزاح عللهم وفعل بهم ~~من الأسباب التي بها يتمكنون من الطاعة أعظم مما يفعله كل آمر غيره ~~بالمأمورين فليس أحد أزاح علل المأمورين أعظم من الله فلا تقوم حجة آمر على ~~مأمور إلا وحجة الله على عباده أقوم ولا يستحق مأمور من آمره ذما ولا عقابا ~~لمعصيته إلا واستحقاق عصاة الله لأمره أعظم استحقاقا وذما ولا عقابا ~~لمعصيته إلا واستحقاق عصاة الله لأمره أعظم استحقاقا وذما ولا أحد أحب إليه ~~العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولا ييسر أمر على ~~مأموريه ويرفع عنهم ما لا يطيقونه إلا والله تعالى أعظم تيسيرا على مأموريه ~~وأعظم رفعا لما لا يطيقونه عنهم PageV08P473 # وكل من تدبر الشرائع لا سيما شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وجد هذا فيها ~~أظهر من الشمس ولهذا قال في آية الصيام { يريد الله بكم ms1766 اليسر ولا يريد بكم ~~العسر } سورة البقرة 185 # وقال في آية الطهارة { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته عليكم } سورة المائدة 6 # وقال { وما جعل عليكم في الدين من حرج } سورة الحج 78 # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين # وهو سبحانه يسقط الواجبات إذا خشي المريض زيادة في المرض أو تأخر البرء ~~فيسقط القيام في الصلاة والصيام في شهره والطهارة بالماء كذلك بل المسافر ~~مع تمكنه من الصيام أسقطه عنه في شهره وقال { ومن كان مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } سورة البقرة 185 PageV08P474 # والشريعة طافحة بهذا وأمثاله وهو سبحانه مع ذلك هو رب كل شيء ومليكه ~~وخالقه فلا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته وهو سبحانه محسن متفضل إلى من ~~أمرهم ونهاهم بقدر زائد لا يقدر عليه ولا يفعله غيره وهو أن جعلهم مؤمنين ~~مسلمين مطيعين وهذا لا يقدر عليه غيره من الآمرين الناهين وهو في ذلك محسن ~~إليهم منعم عليهم نعمة ثانية غير نعمته بالإرسال والبيان والإنذار فهذه ~~نعمة يختصون بها غير النعمة المشتركة # وأما الكفار فلم ينعم عليهم بمثل ما أنعم به على المؤمنين ومن لم ينعم ~~ويحسن بمثل ذلك لم يكن قد أساء وظلم مع الإقدار والتمكين وإزاحة العلل إذا ~~كان له في ترك ذلك حكمة بالغة لو فعل بهم مثلما فعل بالأولين بطلت تلك ~~الحكمة التي هي أعظم من طاعتهم وحصلت مفسدة أعظم من مفسدة معصيتهم فمن وجه ~~ليس ذلك بواجب عليه لهم ومن وجه له في ذلك حكمة بالغة لا تجتمع هي ~~ومساواتهم بأولئك فتقتضي الحكمة ترجيح خير الخيرين بتفويت أدناهما ودفع شر ~~الشرين بالتزام أدناهما # وقول القائل كيف يفعل فعلا لغاية مع علمه أنها لا تحصل # جوابه أن ذلك إنما يمتنع إذا كان ليس مراده إلا تلك الغاية فقط PageV08P475 ~~فإذا لم تحصل لم يحصل ما أراده ومن فعل ms1767 شيئا لأجل مراد يعلم أنه لا يحصل ~~كان ممتنعا # وبهذا يبطل قول القدرية الذين يقولون لم يرد إلا المأمور وما سواه واقع ~~بغير مراده وقد خلق الخلق لذلك المراد بعينه مع علمه انه لا يكون وهذا ~~تناقض ويقولون يشاء مالا يكون ويكون مالا يشاء # وأما أهل السنة الذين يقولون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا ~~يقع إلا ما شاءه وان وقع ما لم يحبه ويأمر به فلحكمة له في ذلك باعتبارها ~~خلقه ولولا الغاية التي يريدها به لم يخلقه فلا إشكال على قولهم # واذا علم أن الرب له مراد بما أمره وله مراد بما خلقه فإذا لم يحصل ما ~~أمر به فقد حصل ما خلقه فما حصل إلا مراده وهو لم يخلق ذلك المعين الذي أمر ~~به لئلا يستلزم عدم مراد احب اليه منه وهو ما خلقه وقد يكون ذلك المأمور ~~يستلزم تفويت مأمور آخر هو أحب اليه منه # مثاله أن فرعون لو اطاع لم يحصل ما حصل من الايات العظيمة التي حصل بها ~~من المأمور ما هو اعظم من ايمان فرعون وصناديد فريش لو اطاعوا لم يحصل ما ~~حصل من ظهور آيات الرسول ومعجزة القرآن PageV08P476 ~~وجهاد المؤمنين الذي حصل به من طاعة الله ومحبوبه ما هو أعظم عنده من ايمان ~~صناديد قريش # وعلى هذا فيجوز أن يقال أن الله إنما خلق الجن والانس ليعبدوه فإن هذا هو ~~الغاية التي أرادها منهم بأمره وبها يحصل محبوبه وبها تحصل سعادتهم ونجاتهم ~~وان كان منهم من لم يعبده ولم يجعله عابدا له إذ كان في ذلك الجعل تفويت ~~محبوبات اخر هي احب اليه من عبادة أولئك وحصول مفاسد اخر هي ابغض اليه من ~~معصية أولئك # ويجوز ايضا أن يقال { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } ~~سورة هود 119 فإنه اراد بخلقهم ما هم صائرون اليه من الرحمة والاختلاف ففي ~~تلك الاية ذكر الغاية التي امروا بها وهنا ذكر الغاية التي اليها يصيرون ~~وكلاهما مرادة ms1768 له تلك مرادة بأمره والموجود منها مراد بخلقه وامره وهذه ~~مرادة بخلقه والمأمور منها مراد بخلقه وأمره # وهذا معنى ما يروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله { إلا ~~ليعبدون } سورة الذايات 56 قال معناه إلا لآمرهم أن يعبدوني PageV08P477 ~~وأدعوهم إلى عبادتي واعتمد الزجاج هذا القول فرواه ابن أبي نجيح عن مجاهد { ~~وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } سورة الذاريات 56 قال لآمرهم وأنهاهم ~~وروى سليمان بن عامر عن الربيع بن أنس قال ما خلقتهما إلا للعبادة # وأما من قال المراد المؤمنون فروى ابن مصلح عن الضحاك في قوله { وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون } قال هي خاص للمؤمنين # وأما من قال كلهم وقعت منهم العبادة التي خلقوا لها فروى الوالبي عن ابن ~~عباس إلا ليعبدون إلا ليقروا لي بالعبودية طوعا وكرها # وقال السدي خلقهم للعبادة فمن العبادة عبادة تنفع ومن العبادة عبادة لا ~~تنفع { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } سورة لقمان 25 ~~هذا منهم عبادة وليس تنفعهم مع شركهم PageV08P478 # وروى ابن أبي زائدة عن ابن جريج في قوله { وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون } قال إلا ليعرفون # روى هذه الأقوال ابن أبي حاتم بأسانيده إلا قول علي # وذكر الثعلبي عن مجاهد إلا ليعرفون قال ولقد احسن في هذا القول لأنه لو ~~لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيه ودليل هذا التأويل قوله { ولئن سألتهم من ~~خلقهم } سورة الزخرف 87 الايات قال وروى حبان عن الكلبي إلا ليوحدون فأما ~~المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون ~~النعمة والرخاء بيانه قوله { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين } سورة العنكبوت 65 فعلى هذه الأقوال أن جميع الأنس والجن عبدوه ~~وعرفوه ووحدوه وأقروا له بالعبودية طوعا وكرها # والاولون لا ينكرون ما أثبته هؤلاء لكن يقولون ليست هذه هي العبادة التي ~~خلقوا لها وان كان قد وجد من جميعهم معرفة به واقرار به وعبودية له طوعا وكرها # وهذا يبين أن جميع ms1769 الأنس والجن مقرون بالخالق معترفون به مقرون بعبوديته ~~طوعا وكرها وذلك يقتضي أن هذه المعرفة من لوازم نشأتهم وأنه لم ينفك عنها ~~أحد منهم مع العلم بأن النظر المعين الذي بوجبه PageV08P479 ~~الجهمية والمعتزلة لا يعرفه أكثرهم فعلم بذلك ثبوت المعرفة والاقرار بدون ~~هذا النظر # وقد روى ابن جريج عن زيد بن أسلم إلا ليعبدون قال جبلهم على الشقاء ~~والسعادة # وكذلك عن وهب بن منبه { إلا ليعبدون } قال جبلهم على الطاعة وجبلهم على ~~المعصية ذكرهما ابن أبي حاتم # وعلى هذا فيكون المراد بالعبادة دخولهم تحت قضائه وقدره ونفود مشيئته ~~فيهم وقد فسر بهذا ما رواه الوالبي عن ابن عباس حيث قال إلا ليقروا ~~بالعبودية طوعا وكرها # قال الثعلبي فإن قيل كيف كفروا وقد خلقهم للاقرار بربوبيته والتذلل لأمره ~~ومشيئته قيل انهم قد تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم لأن قضاءه جار عليهم لا ~~يقدرون على الامتناع منه إذا نزل بهم وانما خالفه من كفر به في العمل بما ~~أمر به فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه # قلت وهذا المعنى وان كان في نفسه صحيحا وقد نازعت القدرية في بعضه فليس ~~هو المراد بالاية فإن جميع المخلوقات حتى البهائم والجمادات بهذه المنزلة PageV08P480 # وأيضا فالعبادة المذكورة في عامة المواضع في القرآن لا يراد بها هذا المعنى # وأيضا فإن قوله { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين } سورة الذاريات 56 58 دليل على انه خلقهم ليعبدوه ~~لا ليرزقوا ويطعموا بل هو المطعم الرازق واطعامه لهم ورزقه اياهم هو من ~~جملة تدبيرهم وتصريفهم الذي قد جعله اهل هذا القول عبادة له فتكون العبادة ~~التي خلقوا لها كونهم مرزوقين مدبرين وهذا باطل # وايضا فقوله { ليعبدون } يقتضي فعلا يفعلونه هم وكونه يربهم ويخلقهم ليس ~~فيه إلا فعله فقط ليس في ذلك فعل لهم # ويلي هذا القول في الضعف قول من يقول انهم كلهم عبدوه أو أن الاية خاصة ~~فإن هذه اقوال ضعيفة كما أن قول القدرية الذين يقولون ms1770 انه ما كان منهم كان ~~بغير مشيئته وقدرته وانه لم يشأ إلا العبادة فقط وما كان غير ذلك فإنه حاصل ~~بغير مشيئته وقدرته قول ضعيف # والناس لما خاضوا في القدر صارت الأقوال المتقابلة تكثر فيه وفي تفسير ~~القرآن بغير المراد وهو مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم حيث خرج ~~عليهم وهم يتنازعون في القدر هذا يقول الم يقل الله كذا وهذا يقول الم يقل ~~الله كذا فقال # أبهذا أمرتم أم إلى هذا دعيتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض PageV08P481 # والمقصود هنا انه من المعروف عند السلف والخلف أن جميع الجن والانس ~~معترفون بالخالق مقرون به مع أن جمهور الخلق لا يعرفون النظر الذي يذكره ~~هؤلاء فعلم أن اصل الإقرار بالصانع والاعتراف به مستقر في قلوب جميع الأنس ~~والجن وانه من لوازم خلقهم ضروري فيهم وان قدر انه حصل بسبب كما أن ~~اغتذاءهم بالطعام والشراب هو من لوازم خلقهم وذلك ضروري فيهم # وهذا هو الإقرار والشهادة المذكورة في قوله { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ~~ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون } سورة الاعراف 172 173 # فإن هذه الاية فيها قولان من الناس من يقول هذا الاشهاد كان لما استخرجوا ~~من صلب آدم كما نقل ذلك عن طائفة من السلف ورواه بعضهم مرفوعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقد ذكره الحاكم لكن رفعه ضعيف PageV08P482 # وانما المرفوع الذي في السنن كأبي داود والترمذي و= موطأ مالك من حديث ~~أبي هريرة ومن حديث عمر هو أنهم استخرجهم ليس في هذه الكتب انهم نطقوا ولا تكلموا PageV08P483 # ولكن في حديث أبي هريرة أنه أراهم آدم وفي حديث عمر وغيره أنه قال هؤلاء ~~للجنة وهؤلاء للنار ففيها إثبات القدر وأن الله علم ما سيكون قبل أن يكون ~~وعلم الشقي والسعيد من ذرية آدم وسواء كان ms1771 ما استخرجه فرآه آدم هي أمثالهم ~~أو أعيانهم # فأما نطقهم فليس في شيء من الاحاديث المرفوعة الثابتة ولا يدل عليه ~~القرآن فإن القرآن يقول فيه { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم } سورة الاعراف 172 فذكر الاخذ من ظهور بني آدم لا من ~~نفس آدم وذرياتهم يتناول كل من ولدوه وان كان كثيرا كما قال في تمام الاية ~~{ أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم } سورة الاعراف 173 # وقال تعالى { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين ذرية بعضها من بعض } سورة آل عمران 33 34 وقال { ذرية من حملنا مع ~~نوح } سورة الاسراء 3 وقال { ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى ~~وهارون } سورة الأنعام 84 إلى قوله { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس } سورة ~~الأنعام 85 فاسم الذرية يتناول الكبار PageV08P484 # وقوله { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } سورة الاعراف 172 ~~فشهادة المرء على نفسه في القرآن يراد بها اقراره فمن اقر بحق عليه فقد شهد ~~به على نفسه # قال تعالى { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين } سورة النساء 135 وهذا مما احتج به الفقهاء على قبول الإقرار # وفي حديث ماعز بن مالك فلما شهد على نفسه اربع مرات رجمه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أي اقر اربع مرات # ومنه قوله تعالى { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر } سورة التوبة 17 فإنهم كانوا مقرين بما هو كفر فكان ذلك ~~شهادتهم على أنفسهم # وقال تعالى { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } سورة الأنعام 130 فشهادتهم على ~~أنفسهم هو اقرارهم وهو اذا الشهادة على أنفسهم PageV08P485 # ولفظ شهد فلان وأشهدته يراد به تحمل الشهادة ويراد به اداؤها فالأول ~~كقوله { فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل ms1772 منكم } سورة ~~الطلاق 2 والثاني كقوله { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم } ~~سورة المائدة 8 # وقوله { وأشهدهم على أنفسهم } سورة الاعراف 172 من هذا الثاني ليس المراد ~~أنه جعلهم يتحملون شهادة على أنفسهم يؤدونها في وقت آخر فإنه سبحانه في مثل ~~ذلك إنما يشهد على الرجل غيره # كما في قصة آدم لما اشهد عليه الملائكة وكما في شهادة الملائكة وشهادة ~~الجوارح على اصحابها ولما ظن بعض المفسرين هذا قال المراد اشهد بعضهم على بعض # لكن هذا اللفظ حيث جاء في القرآن إنما يراد به شهادة الرجل على نفسه ~~بمعنى اداء الشهادة على نفسه وهو اقراره على نفسه فالشهادة هنا خبر # وقولهم { بلى شهدنا } هو اقرارهم بأنه ربهم ومن أخبر بأمر عن نفسه فقد ~~شهد به على نفسه ولهذا قال في الاية { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى } سورة الاعراف 172 فقولهم بلى معناه انت ربنا وهذا إقرار منهم ~~بربوبيته لهم وهذا الإقرار هو PageV08P486 ~~شهادة على أنفسهم أي انطاقهم بالاقرار بربوبيته وجعلهم شهداء على أنفسهم ~~بما اقروا به من ربوبيته # وقوله أشهدهم يقتضي انه هو الذي جعلهم شاهدين على أنفسهم بأنه ربهم وهذا ~~الاشهاد مقرون بأخذهم من ظهور آبائهم وهذا الاخذ المعلوم المشهود الذي لا ~~ريب فيه هو اخذ المني من اصلاب الاباء ونزوله في ارحام الامهات لكن لم يذكر ~~هنا الامهات لقوله فيما بعد { أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية ~~من بعدهم } سورة الاعراف 173 وهم كانوا متبعين لدين آبائهم لا لدين الامهات ~~كما قالوا { إنا وجدنا آباءنا على أمة } سورة الزخرف 220 # ولهذا قال { قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم } سورة الزخرف ~~24 فهو يقول اذكر حين اخذوا من اصلاب الاباء فخلقوا حين ولدوا على الفطرة ~~مقرين بالخالق شاهدين على أنفسهم بأن الله ربهم فهذا الإقرار حجة لله عليهم ~~يوم القيامة فهو يذكر اخذه لهم واشهاده اياهم على أنفسهم إذ كان سبحانه خلق ~~فسوى وقدر فهدى # فالاخذ يتضمن خلقهم والاشهاد يتضمن ms1773 هداه لهم إلى هذا الإقرار فإنه قال ~~اشهدهم أي جعلهم شاهدين وقد ذكرنا أن الاشهاد يراد به تحميل الشهادة كقوله ~~{ وأشهدوا ذوي عدل منكم } سورة الطلاق 2 أي احملوا هذه الشهادة على هؤلاء ~~المشهود عليهم PageV08P487 # وهنا لم يقل اشهدوا على أنفسهم بما انطقهم به فيكون هذا إقرار مشهودا به ~~غير الشهادة سواء كان شهادة بعضهم على بعض كما قاله بعضهم أو كان شهادتهم ~~على أنفسهم بما اقروا به بل شهادتهم على أنفسهم هو اقرارهم # فالشهادة هي الإقرار كما قال { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم } سورة النساء 135 وكما قيل لماعز شهد على نفسه اربعا فإشهادهم على ~~أنفسهم جعلهم شاهدين على أنفسهم أي مقرين له بربوبيته كما قال في تمام ~~الكلام { ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } سورة الاعراف 172 فقولهم بلى شهدنا ~~هو اقرارهم بربوبيته وهو شهادتهم على أنفسهم بأنه ربهم وهم مخلوقون له ~~فشهدوا على أنفسهم بأنهم عبيده # كما يقول المملوك هذا سيدي فيشهد على نفسه بأنه مملوك لسيده وذلك يقتضي ~~أن هذا الاشهاد من لوازم الانسان فكل انسان قد جعله الله مقرا بربوبيته ~~شاهدا على نفسه بأنه مخلوق والله خالقه # ولهذا جميع بني آدم مقرون بهذا شاهدون به على أنفسهم وهذا أمر ضروري لهم ~~لا ينفك عنه مخلوق وهو مما خلقوا عليه وجبوا عليه وجعل علما ضروريا لهم لا ~~يمكن احدا جحده PageV08P488 # ثم قال بعد ذلك { أن تقولوا } أي كراهة أن تقولوا ولئلا تقولوا انا كنا ~~عن هذا غافلين عن الإقرار لله بالربوبية وعلى نفوسنا بالعبودية فإنهم ما ~~كانوا غافلين عن هذا بل كان هذا من العلوم الضرورية اللازمة لهم التي لم ~~يخل منها بشر قط بخلاف كثير من العلوم التي قد تكون ضرورية ولكن قد يغفل ~~عنها كثير من بني آدم من علوم العدد والحساب وغير ذلك فإنها إذا تصورت كانت ~~علوما ضرورية لكن كثير من الناس غافل عنها # وأما الاعتراف بالخالق فإنه علم ضروري لازم للإنسان لا يغفل عنه أحد بحيث ~~لا يعرفه بل ms1774 لا بد أن يكون قد عرفه وان قدر انه نسيه ولهذا يسمى التعريف ~~بذلك تذكيرا فإنه تذكير بعلوم فطرية ضرورية قد ينساها العبد # كما قال تعالى { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم } سورة ~~الحشر 19 وفي الحديث الصحيح يقول الله للكافر فاليوم انساك كما نسيتني PageV08P489 # ثم قال { أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا ~~بما فعل المبطلون } سورة الاعراف 173 ذكر لهم حجتين يدفعهما هذا الاشهاد # إحداهما { أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } فبين أن هذا ~~علم فطري ضروري لا بد لكل بشر من معرفته وذلك يتضمن حجة الله في ابطال ~~التعطيل وان القول بإثبات الصانع علم فطري ضروري وهو حجة على نفي التعطيل # والثاني { أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم } فهذا ~~حجة لدفع الشرك كما أن الأول حجة لدفع التعطيل فالتعطيل مثل كفر فرعون ~~ونحوه والشرك مثل شرك المشركين من جميع الأمم # وقوله { أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا ~~بما فعل المبطلون } وهم آباؤنا المشركون وتعاقبنا بذنوب غيرنا وذلك لأنه لو ~~قدر أنهم لم يكونوا عارفين بأن الله ربهم ووجدوا آباءهم مشركين وهم ذرية من ~~بعدهم ومقتضى الطبيعة العادية أن يحتذى الرجل حذو ابيه حتى في الصناعات ~~والمساكن والملابس والمطاعم إذ كان هو الذي رباه ولهذا كان ابواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه ويشركانه فإذا كان هذا مقتضى العادة الطبيعية ولم يكن في ~~فطرتهم وعقولهم ما يناقض ذلك قالوا نحن معذورون وآباؤنا هم الذين PageV08P490 ~~اشركوا ونحن كنا ذرية لهم بعدهم اتبعناهم بموجب الطبيعة المعتادة ولم يكن ~~عندنا ما يبين خطأهم # فإذا كان في فطرتهم ما شهدوا به من أن الله وحده هو ربهم كان معهم ما ~~يبين بطلان هذا الشرك وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم فإذا احتجوا ~~بالعادة الطبيعة من اتباع الاباء كانت الحجة عليهم الفطرة الطبيعية العقلية ~~السابقة لهذه العادة الابوية # كما قال صلى الله عليه وسلم # كل ms1775 مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فكانت الفطرة ~~الموجبة للاسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها وهذا يقتضي أن نفس العقل ~~الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك لا يحتاج ذلك إلى رسول فانه جعل ~~ما تقدم حجة عليهم بدون هذا # وهذا لا يناقض قوله تعالى { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } سورة ~~الاسراء 15 فإن الرسول يدعو إلى التوحيد لكن أن لم يكن في الفطرة دليل عقلي ~~يعلم به إثبات الصانع لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم فهذه الشهادة على ~~أنفسهم التي تتضمن اقرارهم بأن الله ربهم ومعرفتهم بذلك وان هذه المعرفة ~~والشهادة أمر لازم لكل بني آدم به تقوم حجة الله تعالى في تصديق رسله فلا ~~يمكن أحدا أن يقول يوم القيامة اني كنت عن هذا غافلا ولا أن الذنب كان لابي ~~المشرك دونى لانه عارف بان الله ربه لا شريك له فلم يكن معذورا في التعطيل ~~ولا الاشراك بل قام به ما يستحق به العذاب PageV08P491 # ثم أن الله بكمال رحمته واحسانه لا يعذب أحدا بعد ارسال رسول اليهم وان ~~كانوا فاعلين لما يستحقون به الذم والعقاب كما كان مشركو العرب وغيرهم ممن ~~بعث اليهم رسول فاعلين للسيئات والقبائح التي هي سبب الذم والعقاب والرب ~~تعالى مع هذا لم يكن معذبا لهم حتى يبعث اليهم رسولا # والناس لهم في هذا المقام ثلاثة اقوال قال بكل قول طائفة من المنتسبين ~~إلى السنة من أصحاب الأئمة الاربعة أصحاب احمد وغيره # طائفة تقول أن الأفعال لا تتصف بصفات تكون بها حسنة ولا سيئة البته وكون ~~الفعل حسنا وسيئا إنما معناه انه منهى عنه أو غير منهى عنه وهذه صفة اضافية ~~لا تثبت إلا بالشرع وهذا قول ألاشعري ومن اتبعه من أصحاب مالك والشافعي ~~واحمد كالقاضي أبي يعلي واتباعه وهؤلاء يجوزون أن يعذب الله من لم يذنب قط ~~فيجوزون تعذيب الاطفال والمجانين # وطائفة تقول بل الأفعال متصفة بصفات حسنة وسيئة وان ذلك قد يعلم بالعقل ~~ويستحق العقاب بالعقل وان ms1776 لم يرد سمع كما يقول ذلك المعتزلة ومن وافقهم من ~~أصحاب أبي حنيفة وغيرهم كأبي الخطاب وغيره PageV08P492 # وطائفة تقول بل هي متصفة بصفات حسنة وسيئة تقتضي الحمد والذم ولكن لا ~~يعاقب احدا إلا بعد بلوغ الرسالة كما دل عليه القرآن في قوله تعالى { وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا } سورة الاسراء 15 وفي قوله { كلما ألقي فيها ~~فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير } سورة الملك 8 9 # وقال تعالى لإبليس { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } سورة ص 85 # وهذا اصح الأقوال وعليه يدل الكتاب والسنة فإن الله اخبر عن اعمال الكفار ~~بما يقتضي انها سيئة قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول اليهم واخبر انه لا ~~يعذبهم إلا بعد إرسال رسول اليهم # وقوله تعالى { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } حجة على الطائفتين وان ~~كان نفاة التحسين والتقبيح العقلي يحتجون بهذه الاية على منازعيهم فهي حجة ~~عليهم ايضا فإنهم يجوزون على الله أن يعذب من لا ذنب له ومن لم يأته رسول ~~ويجوزون تعذيب الاطفال والمجانين الذين لم يأتهم رسول بل يقولون أن عذابهم واقع # وهذه الاية حجة عليهم كما انها حجة على من جعلهم معذبين بمجرد العقول من ~~غير ارسال رسول # والقرآن دل على ثبوت حسن وقبح قد يعلم بالعقول ويعلم أن هذا PageV08P493 ~~الفعل محمود ومذموم ودل على انه لا يعذب احدا إلا بعد ارسال رسول والله ~~سبحانه أعلم # وقال الشيخ أبو محمد بن عبد البصري في كتابه في اصول السنة والتوحيد فصل ~~في الخلق على الفطرة قال وخلق الله الخلق على الفطرة وهو قوله سبحانه { ~~فطرة الله التي فطر الناس عليها } سورة الروم 30 وهي الإقرار له بالربوبية ~~مع معرفة الوحدانية وذلك انه سبحانه خلق الخلق على علم منه بهم مشاهد لما ~~يؤول أمرهم وعواقبهم اليه فخلقهم على ما علم منهم وشاء غير مؤمنين ولا ~~كافرين صبغة بل مقرين عارفين ms1777 لا موحدين ولا جاحدين وكذلك قد روى في الاثر ~~يقول الله تعالى خلقت خلقي حنفاء مقرين لا منكرين ولا موحدين وذلك إثبات ~~ونفي الجبر فثابت في نظره وعلمه عامة عواقبهم وله التحكم فيهم وهو اعدل من ~~أن يضطرهم إلى كفر وغيره فيبطل بذلك الكسب واذا بطل الكسب بطل التكليف ~~والامتحان إذ التكليف لا يكون جبلا ولا يقع اضطرارا وجبرا ولا يكون إلا ~~اختيارا إذ قد امروا بها وانزل الكتب وارسل الرسل وكل PageV08P494 ~~ما منه حق غير عابث عدل غير ظالم عالم لا يخفي عليه شيء شاء لم يزل يشاء أن ~~يثيبهم ويعاقبهم على افعال تكون كسبا لهم # وهو عادل في عباده { إن الله لا يظلم الناس شيئا } سورة يونس 44 وقال عز ~~من قائل { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم } سورة هود 101 مع ما انه لم يزل ~~مالكا لهم وقادرا عليهم ومتصرفا فيهم لا غناء لهم عنه ولا محيص لهم منه ~~فخلقهم عز وجل على الفطرة كما اخبر وخلق الاعمال كما ذكرنا ولم يضطر احدا ~~إلى شيء من ذلك ولو خلقهم كفارا صبغة لما قال لهم { كيف تكفرون بالله وكنتم ~~أمواتا فأحياكم } سورة البقرة 28 إذ لا يليق بالحكيم أن يخلق صبغة ويغير ~~نفس ما خلق من غير كسب # وقال سبحانه { أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ~~ذلك رب العالمين } سورة فصلت 9 ولو خلقه كافرا لما صح منه الإيمان وكان ~~معذورا مدليا بحجته والله تعالى يقول { لا تبديل لخلق الله } سورة الروم 30 ~~وكان ذلك تكليف ما لا يطاق كما أن يصرف الاسود فيقال له ابيض والابيض اسود ~~وذلك مستحيل من حكيم # واما قوله سبحانه { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن } PageV08P495 ~~سورة التغابن 2 يعني انه خلق الكل وقد اعترفوا له بذلك فمنهم من شكر خالقه ~~واعترف له بالنعم وبالاخراج من العدم إلى الوجود فحقق فعله وقبل من رسله ~~ووحد ربه ومنهم من كفر ولم يشكر خالقه واشرك به مالا يجوز له وكذب برسله ms1778 ~~فصار كافرا بفعله # وقد روى نحو من هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله # كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا اعرب عنه لسانة فإما ~~شاكرا وإما كفورا # وقد قال تعالى { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } سورة البقرة ~~152 فلما امتثل ذلك قوم وعدل عنه آخرون كانوا هم المرادين من قوله { فمنكم ~~كافر ومنكم مؤمن } سورة التغابن 2 # وقد قال سبحانه في حال المؤمنين { ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } سورة الحجرات 7 فأخبر عنه فعل ~~ذلك بهم بعد ما خلقهم ولم يقل خلقكم مؤمنين وكره اليكم الكفر فدل على انه ~~لم يفعل بالكافر ما فعل بالمؤمن وذلك ابلغ دليل على انهم لم يخلقوا صبغة ~~كافرين ولا مؤمنين PageV08P496 # إلى أن قال وقد رأينا من كان على الكفر برهة ثم آمن ومن كان مؤمنا ثم كفر ~~ولو كان ذلك صبغة لما انتقلوا ولما كان من الكسب صح عليه النقلة والتحويل ~~وقد قال تعالى { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم } سورة آل عمران 86 ~~فأضافه اليهم حقيقة # وقال { ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا } سورة المنافقون 3 { فلولا كانت قرية ~~آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا } سورة يونس 98 إلا ترى انهم ~~لما لم يخلقوا صبغة كفارا نفعهم ايمانهم # ولما قال فرعون آمنت لم ينفعه # وقد أشفى في الحديث بما فيه مقنع بقوله صلى الله عليه وسلم ما من مولود ~~إلا وهو يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه وهو إجماع ~~المسلمين أن الكافر لا يعاقب ويجلد على ما خلق إنما يعاقب ويجلد على نيته ~~وكسبه وهو موضع ايثارهم لما نهاهم عنه على ما أمرهم به من الإيمان فكان ~~تكذيبه لهم على كسب اكتسبوه وفعل فعلوه ونهى ارتكبوه وامر خالفوه وهو ما ~~أحدثوه لا شيء جبلوا عليه ولا اضطروا له ولا خلقوا مجبولين عليه إذ لو ~~خلقهم كفارا لكانوا إلى ذلك مضطرين ولم يقل بذلك أحد من المسلمين ms1779 إلا ترى ~~انه لما خلقهم على معرفة لم يصح لهم ولم يقع غير ذلك ولم يثابوا على ذلك ~~اعني معرفة الربوبية وهي الفطرة ووجدنا الكفر يصح النقل عنه إلى PageV08P497 ~~الإيمان ويقع الارتداد عن الإيمان إلى الكفر فكان كمعرفة التوحيد الذي يقع ~~اختيارا # وقال سبحانه { فمنهم من آمن ومنهم من كفر } سورة البقرة 253 ولم يقل منهم ~~من خلقت مؤمنا ومنهم من خلقت كافرا # وقال سبحانه { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } سورة الاعراف 96 ~~فأعلمنا أن كذبهم وكفرهم هو كسبهم الذي حرمهم البركات وعليه توعدهم ~~بالعقوبات وكون الكافر مخلوقا كافرا صراح بالجبر ومن قال ما سبق في العلم ~~والنظر ولا هو داخل في القضاء والقدر فهو قدري رديء وقد لعنت القدرية ~~والمرجئة وكذلك المجبرة والله لا يجبر احدا على فعل إذ لو جبر لكانوا عن ~~التكليف خارجين كما جبلت الملائكة على الطاعة # وقد قال سفيان واحمد وسهل والامام وأهل العلم أن الله لا يجبر على طاعة ~~ولا على معصية وهو الجبار الذي جبر القلوب على فطرتها # إلى أن قال قال سبحانه { وما ربك بظلام للعبيد } سورة فصلت 46 مع كونه ~~سبحانه فعالا لما يريد وليس معنى شاء معنى علم ولا معنى علم وشاء معنى خلق ~~فشاءهم وعلمهم PageV08P498 ~~وقدرهم وقضاهم مؤمنين وكافرين في حكم الكينونة وهي العواقب التي لم يزل بها ~~عالما وعليها قادرا ولها شائيا ولم يخلقهم في العبودية والدينونة والبنية ~~والتركيب كفارا ولا اقرارا للزوم المطالبة والعبودية ومحال أن يخلقهم لذلك ~~ويتعبدهم ويطالبهم كما زعم اهل الاجبار من ضرار واصحابه وسالكي البدعة ~~والمضاهي لهم بالعدوان والطغيان والمغترين المحيلين على الاقدار والمتمسكين ~~بمعاذير ليست لهم بأعذار لم يؤمنوا أن الاعمال محصاة والعواقب مشهودة ~~وأعمالهم في القبضتين داخلة والى المعبود صائرون وعلى اكتسابهم محاسبون ~~وبها مؤاخذون # قال اصدق القائلين { ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون } سورة ~~المؤمنون 63 وهل الكفر وغيره إلا عملان وكسبان فمن زعم انه ms1780 ما سبق في علمه ~~عواقبهم وما قضى عليهم بما وجد منهم ولا شاء ذلك في ملكه ولا خلق اعمالهم ~~ولا احصى سكونهم وحركاتهم ولا شهد في القدم إلى ما اليه صائرون فهو قدري ~~ومعتلي مكابر معتزلي مدعي الحول والقوة وان الأمر اليه # ومن زعم انه كلفهم صبغة وجبرهم على الأفعال وجعل كسبهم PageV08P499 # مجازا واعمالهم لا صنع لهم فيها فهو اخس القدرية واعتى المجبرة وهو ~~الغالي في دين الله المرجئ المحيل بمعاصيه على ربه وبفجوره على من تقدس عن ~~كسبه بل تنزه عما يقول الظالمون ولم يزل عليما شائيا حكيما عادلا متفضلا ~~منصفا محققا مجبرا خالقا آمرا ناهيا غير عابث ولا تارك لأمورهم سدى ولا لها ~~مهملا فخلق الكافر على الفطرة وخلق كفره وشاءه في ملكه ولم يجبره عليه ولا ~~اضطره اليه ولم يتوله بل تبرأ منه وتركه معه ونهاه عن اعتقاده والتلبس به ~~وبفعاله وجعل له قدرة واستطاعة على كسبه وتركه مع هواه فما دخل تحته ~~واعتقده في نفسه واتصل به اختاره واحبه كان كما ذكرنا في الجمع والتفرقة ~~والخلقة والكسب فصار بما اعتقد واكتسب كافرا وسمى فاجرا ولا هو لنفسه خالقا ~~ولا لكفره مخترعا بل له مكتسبا وبه اجتمع ففارق الإيمان والاحسان الذي أمر ~~بمواصلتهما فصار لذلك مجانبا وخالط الكفر فصار فيه والجا فتوجه نحوه ~~التهديد ولزمه الوعيد فألزمه ما اكتسب ورده إلى ما علم وادخله في وعيده ~~واستحق عقوبته وخلده بنيته { وما ربك بظلام للعبيد } سورة فصلت 46 # وقد قال صلى الله عليه وسلم # يقول الله عز وجل خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وهذا نص من صاحب ~~الشريعة جلي واضح لا شبهة فيه يسفر عن ايضاح ما اوردناه حنفاء عارفين على فطرته PageV08P500 ~~وهي معرفة ربوبيته والاقرار بوحدانيته لا يقع بذلك كفر ولا ايمان بل ذلك ~~عليهم طارئ بالحكم الجاري فخلق الكل على الفطرة وامر الكل بالايمان لصحة ~~الدعوة وعموم النصيحة واقدر الكل على ما أمر واراد # قلت فهذا الكلام يوافق قول من قال خلقهم على الفطرة التي هي ms1781 المعرفة ~~والاقرار بالصانع وان ذلك لا يصير به العبد مؤمنا ولا كافرا وقد ابطل قول ~~من يقول انهم خلقوا على الكفر والايمان وهو ظاهر القول الذي تقدم عن طائفة ~~من العلماء وصاحب هذا الكلام يقول الذي خلقوا عليه من المعرفة والاقرار لا ~~يمكن تغييره وهذا موافق لقول من قال لا تبديل لخلق الله انها بمعنى الخبر ~~لكن ذاك يقول انهم لا يخلقون إلا على الفطرة لا يبدل الخلق فيخلقون على غير ذلك # وصاحب هذا الكلام يقول لا يبدل الخلق بعد ذلك أي لا يمكن أن يصيروا غير ~~عارفين مقرين بالخالق بل هذه المعرفة والاقرار أمر لازم لهم وهو يقول كل ما ~~خلق عليه العبد فلا يمكن انتقاله عنه وهو يثبت القدر وان الله خالق افعال ~~العباد وينكر أن يكونوا جبلوا على ذلك واضطروا اليه أو جبروا عليه # فأما الكلام في الجبر فهو مبسوط في غير هذا الموضع وقد بينا أن مذهب ~~الأئمة كالاوزاعي والثوري واحمد بن حنبل وغيرهم انهم بنكرون إثبات الجبر ~~ونفيه معا ومذهب الزبيدي وطائفة نفي الجبر PageV08P501 ~~وانكار اثباته فقط وهو موافق لهذا الكلام # واما ما حكاه عن احمد ونحوه أن الله لا يجبر على طاعة ولا معصية فهو حكاه ~~بحسب ما بلغه واعتقده والمنصوص الصريح عنه الانكار على من قال جبر وعلى من ~~قال لم يجبر # وفي الجملة الكلام في هذا الباب له موضع آخر والمقصود هنا ما ذكره في ~~تفسير الفطرة وانه فسر ذلك بأن الخلق فطروا على المعرفة والاقرار # واما قوله أن ذلك ليس بايمان وان ذلك لا يمكن تحويله فقد قدمنا الكلام ~~على ذلك وبينا أن النصوص تدل على أن ما ولدوا عليه يتغير وان كان ذلك بقضاء ~~الله وقدره كما تغير الشاة المولودة سليمة بجدع الانف والاذن والمقصود هنا ~~كلامه في أن المعرفة بالصانع فطرية ضرورية وقد بسط ذلك بسطا مستوفيا في أول كتابه # وهذا الشيخ أبو محمد بن عبد البصري المالكي طريقته طريقة أبي الحسن بن ~~سالم وأبي طالب المكي وامثالهما من ms1782 المنتسبين إلى السنة والمعرفة والتصوف ~~واتباع السلف وائمة السنة والحديث كمالك وسفيان الثوري وحماد بن زيد وحماد ~~بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي واحمد ابن حنبل وأمثالهم وكذلك ~~ينتسبون إلى سهل بن عبد الله التستري وامثاله من الشيوخ PageV08P502 # قال أبو محمد في كتابه هذا الذي صنفه في اصول السنة والتوحيد قال وكان ~~إجماع السلف والخلف وائمة الدين وفقهاء المسلمين من شرق وغرب وسهل وجبل ~~وسائر اقاليم الإسلام من مغرب ومصر وشام وعراق وحجاز ويمن وبحر وخراسان ~~مجتمعين على أن عقيدة السنة اربع عشرة خصلة سبعة متعلقة بالشهادة وهي مما ~~يدان بها في الدنيا وسبعه متعلقة بالغيب وهي مما يؤمن بها من احكام الاخرة # فالتي في دار الدنيا القول مع الاعتقاد بأن الإيمان قول وعمل ونية ~~والايمان بالقدر خيره وشره وان القرآن غير مخلوق وتخيير الاربعة على ~~الترتيب واثبات الامامة وترك الخروج على أحد منهم والصلاة على من مات من ~~اهل القبلة وترك المراء والجدل # والمتعلقة بالاخرة الإيمان باحكام البرزخ والايات التي بين يدي الساعة ~~والبعث بعد الموت ورؤية الله تعالى والايمان بالحوض والشفاعة والصراط ~~والميزان وخلود الدارين فمن خالف شيئا من هذا فقد خالف اعتقاد السنة ~~والجماعة وهذا مما لا شبهة فيه بين أصحاب الحديث والفقهاء والعلماء من سائر ~~الاقاليم وسنتكلم على كل مسألة بذاتها ونقيم الدليل على ذلك من كتاب وسنة ~~ونظر وبه التوفيق والمعونة وهو حسبنا ونعم الوكيل لا غناء بنا عنه طرفة عين ~~ولا اقل من PageV08P503 ~~ذلك إذ قد ادبنا وعلمنا كيف نقول فقال { إياك نعبد وإياك نستعين } سورة ~~الفاتحة 5 اثباتا للمجاهدة وفقرا إلى المعونة منه سبحانه # فأول الكلام الواقع في الخلاف في المعارف فجمهور قول المعتزلة أن جميعها اضطرار # قلت كأنه بالعكس واظن الغلط في النسختين المعتزلة # وقال ابن كلاب وطائفة جميعها اكتساب وقول أصحاب الحديث أن منها اضطرار ~~ومنها اكتسابا وكان الأصل في ذلك أن المعرفة اسم لاضطرار ومكتسب وكان ~~الاضطرار راجح إلى معرفة الربوبية والوحدانية والمكتسب راجع إلى المريد ونحوه # فصل في ms1783 معرفة الوحدانية التي جبل الرحمن الرحيم الخلق عليها وبه نستعين ~~إما معرفة الوحدانية فهي معرفة الصانع القديم المخترع لاعيان الاشياء ~~والمتمم تصويره لها على غير مثال ولا بد لكل مخترع أن يعرف المنعم عليه ~~بالاخراج من العدم إلى الوجود وهي غير مكتسبة لانها تعم من يصح منه الكسب ~~ولا من يصح منه وهي ضرورة لا اختيار فيها كما لا كسب فيها ولا يتوصل اليها ~~بالاسباب PageV08P504 # دليل ذلك قوله سبحانه وتعالى { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } سورة الاسراء ~~44 يعني وما من شيء إلا يسبح قال ابن عباس حتى البنات الذى خلقه يسبح بحمده ~~وقال عكرمة لا يسبن أحدكم ثوبه ولا دابة فما من شىء إلا يسبح بحمده وروى أن ~~صرير الباب بالتسبيح # وقال سبحانه { يا جبال أوبي معه والطير } سورة سبأ : 10 وقد روى سبحى # وقال سبحانه { أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين ~~والشمائل سجدا لله وهم داخرون } سورة النحل 48 يعني صاغرون # وقال سبحانه { ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ~~والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب } الاية سورة الحج 18 # وقوله سبحانه { سبح لله ما في السماوات والأرض } سورة الحديد : 10 وسبح ~~إخبار عن ماض وات واعلام لنا أن كل شيء يسبح بحمده ويسجد لعظمته ويعترف ~~بألوهيته ووحدانيته ولا يجوزأن تسجد الاشياء وتسبح لمجهول وكذلك اعترافها ~~بفضائل رسله وما PageV08P505 ~~واستفاض من مخاطبات الجمادات له صلى الله عليه وسلم وسلامها عليه وحنينها ~~اليه ومخاطبة الأنعام والوحوش والطير والصغار قي المهود وغير ذلك # قال صلى الله عليه وسلم # أن البهائم ابهمت إلا عن ثلاث فذكر معرفة بارئها # وهذه الاشياء مما لا يصح فيها الاستدلال والنظر ولا عقول ولا اختيار ولا ~~كسب وقد عقل معرفتها لبارئها عز وجل وثبت بالكتاب والسنة وهذا ظاهر جلى ~~ينفي وجود هذه المعرفة بالوسائط لانها حق له عز وجل ينفي عن نفسه ما شمل ~~سائر البرية ms1784 من المعلوم والمجهول لانه سبحانه خلق الاشياء مجهولة ثم جلاها ~~بالاسماء فعرفت من بعد جهلها وذلك دليل الحدث فعز عن أن يكون كالحوادث التي ~~عرفت بغيرها # وقال بعض الحكماء كلمات لا سبيل الى نقضها وهو أن كل معروف بغير نفسه ~~مجهول وكل تام بغيره معلول ولقد احسن فيما قال واصاب إذ معرفته بغيره شهادة ~~قاطعة على وجود علة المجهول فيه الذي ارتفعت عنه بغيره الذي لولاه لم يعرف ~~فصارت معرفته بغيره صارخة بفقره إلى من ارتفعت عنه به علة المجهول والغير ~~علة والعلة لا تصحب إلا معلولا PageV08P506 # قلت وقد قرر كلامه صاحبنا الشيخ أبو العباس الواسطى فقال المعنى انه لولا ~~وجود زيد ما عرف عمرو وبوجود زيد زالت الجهالة عن عمرو فصار زيد مفتقرا إلى ~~وجود عمرو واسمه لزوال الجهالة عنه به وباسمه والمعنى أن المخلوق مفتقر إلى ~~علة يعرف بها بخلاف الواحد الذي لا نظير له ولا هو مفتقر الى علة يعرف بها ~~ويقوم بها بل العباد مفتقرون اليه والى معرفته # قال وهذا إشارة إلى المعرفة الفطرية فإنه سبحانه لم يعرف فيها بغيره بل ~~كان هو المعروف بها بنفسه إلى خلقه # قال الشيخ أبو محمد بن عبد فعز ربنا أن يقوم بالعلل فيصير دليلا بعد ما ~~كان مدلولا هكذا رأيته في الكتاب وانما اراد فيصير مدلولا بعد ما كان دليلا # قال وقد جاء في الاثر يقول الله تعالى في بعض الكتب السالفة انا الدال ~~على نفسي ولا دليل ادل علي مني وقد روى كنت كنزا لا اعرف فاحببت أن اعرف ~~فأظهرت خلقا وتعرفت اليهم بنفسي فعرفوني وهذا نص بإزالة العلل لأنه من ثبت ~~بغيره ونفي بغيره كان PageV08P507 ~~اثباته تخييرا وتلك علل الحوادث فهو الثابت بثباته المعروف بنفسه لم يعرف ~~من بعد جهل إذ ذاك تغيير عن الأزل فهو المعروف ازليا والعارفون محدثون كما ~~انه اله لم يزل والمألوهون المقرون له بالالهية محدثون ولا يجوز على ~~الإلهية تغيير ولا أن تقوم لها صفة بالحوادث وهذه المعرفة تعم سائر البرية ~~من ms1785 ساكن ومتحرك وهي جبل كجبل الملائكة على الخدمة فتلزم مكلفا وغير مكلف # قال والفصل الثاني معرفة الربوبية وهي خاصة للمكلفين من بني آدم وهي تعم ~~مؤمنهم وكافرهم وسائر فرقهم وهي ضرورية ايضا وهي عن رؤية وهي قوله سبحانه { ~~وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى } سورة الاعراف 172 وهذا في غير وقت الكسب والتكليف فتعرف اليهم ~~بنفسه بلا وسائط ولقنهم التاء وخاطبهم بحرف التعريف فأقر الكل له بتلك ~~المعرفة إذ عاينوه جبارا قهارا وهي معرفة لا يقع بها ايمان ولا توحيد لانها ~~إقرار للضرورة وليس للكافر فيها اختيار إذ لو كان له فيها اختيار لجحدها ~~كما جحد معرفة التوحيد ولو كانت كسبية لوقع له بها PageV08P508 ~~ايمان وثواب بلى هي ضرورية يرجع اليها في شدائده قال تعالى { ثم إذا مسكم ~~الضر فإليه تجأرون } سورة النحل 53 # وقد أخبر عن الكفار انهم يعرفونه مع ردهم على رسله قال تعالى { ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } سورة لقمان 25 وقال سبحانه { ~~ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } سورة الزخرف 87 مع آيات كثيرة وذلك ~~موجود منهم ضرورة وهم في الجاهلية يعرفونه ولا ينكرونه ويقولون الهنا ~~القديم والعتيق واله الالهة ورب الارباب وغير ذلك من كفرهم # فدل ذلك على أن تلك ضرورة الزموها وهو قوله تعالى { وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها } سورة آل عمران 83 وقوله { فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها } سورة الروم 30 يعني معرفة ربوبيته # وقد جاء في الاثر يقول الله تعالى خلقت خلقي حنفاء مقرين يعني عرفاء ~~عرفوه بوحدانيته واقروا له بمعرفة ربوبيته وانما جحدوا معرفة التوحيد الذي ~~تعبدهم بها على السنة السفراء وهو قوله تعالى { وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا } سورة الإسراء 15 # وقول صاحب الشرع # امرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا PageV08P509 ~~اله إلا الله لم يقل حتى يقولوا أن لهم ربا إذ هم عارفون بذلك وانما امرتهم ~~الرسل أن يصلوا معرفة التوحيد ms1786 بمعرفة الربوبية والوحدانية فأبوا وقبل ذلك ~~المومحدون فقال في حال المؤمنين { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } ~~سورة الرعد 21 وقال في حال الكفار { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } سورة ~~البقرة 27 # فالسفراء لهم مدخل في معرفة التوحيد دون معرفة الوحدانية والربوبية إذ ~~لكل معرفة مقام فليس للعقل والكسب والوسائط والنظر والاستدلال في هذه ~~المعرفة حكم لكونها عامة موجودة ممن يصح منه النظر والاستدلال وممن لا يصح ~~منه فلو كلفهم كلهم النظر والاستدلال لكان مكلفا لهم شططاص إذ لا يصح من ~~الكل النظر والاستدلال ويصح من الكل المعرفة بالاضطرار فحملهم من ذلك ما ~~رفع به عنهم الشطط # وحديث الجارية فمشهور وهي مما لا يصح منه النظر والاستدلال وكذلك الابله ~~والمجنون وغيرهم لو سألتهم عن الله سبحانه لأشاروا اليه بما عرفهم فتعرف ~~سبحانه قبل التكليف بنفسه وبعد التكليف بالسفراء لأنه لو خاطبهم وكاشفهم ~~قبل التكليف بلا سفير لبطل التكليف PageV08P510 # قال وقد قال له أبو ذر رضي الله عنه يا رسول الله بماذا اقول عرفت الله فقال # انك أن قلت بمن فقد اشركت وان حلت كفرت وان وسطت واسطة ضللت # وقد قيل لعلي رضي الله عنه بم عرفت ربك فقال بما عرفني نفسه لا يشبه صورة ~~ولا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس # وعن ابن عباس حين سأله نجده الحروري فقال يا ابن عباس بما عرفت ربك إذ ~~عرفته فاجاب بنحو من جواب امير المؤمنين # وقول الصديق الاكبر سبحان من لم يجعل للخلق طريقا إلى معرفته إلا بالعجز ~~عن معرفته # فهذه المعرفة ضرورة للعارف موجودة فيه كوجود ضرورة المقعد وقعوده موجود ~~فيه فهو سبحانه المعروف الذي لا ينكره شيء والمعلوم الذي لا يجهله شيء فمن ~~كانت معه معرفتان فهو كافر وبالمعرفة الثالثة يصح الإيمان وهو الفصل الثالث ~~وهي معرفة التوحيد التي دعت الرسل اليها وبعثوا بها وكلفنا قبولها وهي قوله ~~{ وإلهكم إله واحد } سورة البقرة 163 وهو قوله { لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل } PageV08P511 ~~سورة النساء 165 ms1787 واخبرنا انه ما كان معذبا قبل بعثتهم فكانوا يعرفون أن لهم ~~ربا والها ولكنهم ينكرون توحيد الإله وبعث رسله وشرائع دينه وبه وقع منهم الكفر # فوجود ذلك منهم يزيل عنهم معرفة التوحيد ولا يزيل ضرورتهم وهذه المعرفة ~~وجبت بالتوقيف وهي ما وقفتنا الرسل عليه ودلنا عليه سبحانه ووفقنا لذلك ~~وبها يجب الخلود في الجنة وبعدمها يجب الخلود في النار وهي مكتسبة ولم تجب ~~العقل كما زعمت المعتزلة لأن هذه مقالة تضاهي مقالة البراهمة حيث زعمت أن ~~في في قوة العقل كفاية عن بعث الرسل والحق لم يخبر انه ما كان يعذبهم حتى ~~يرزقهم عقولا وان كان العقل حجة فهو باطن والرسل حجة الله ظاهرة # وقد قيل لبعض العارفين بم عرفت الله قال بالله فقيل فأين العقل فقال ~~العقل عاجز يدل على عاجز # وقد جاء في الاثر أن الله سبحانه لما خلق العقل واقامه بين يديه وهو حجة ~~من قال عرف بالعقل فقال له اقبل فأقبل ثم قال له ادبر فأدبر فقال وعزتي ~~وجلالي ما خلقت خلقا هو اكرم علي منك بك آخذ وبك أعطي وبك أعرف فتعلق الخصم بهذه PageV08P512 ~~الكلمة وتمام الحديث فطفق لا ينطق فكحله بنور العزة فقال أنت الله الذي لا ~~إله إلا أنت فلم يعرف العقل الله إلا بالله # وإذا كان الله معروفا من طريق التوحيد بالعقل فما بال قريش مع كونها ذوي ~~عقول يقول الله عنهم إخبارا { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } ~~سورة ص 5 فإن كان لا عقل لها فلا حجة عليها وإن كانت ذوي عقول فما أغنت ~~عنهم عقولهم # وقال سبحانه { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا ~~أبصارهم } سورة الأحقاف 26 الآية وأخبر عنهم أنهم يقولون في النار { لو كنا ~~نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } سورة الملك 10 لا خلاف أنهم كانوا ~~ذوي أسماع لا يسمعون بها وكذلك عقول لا تغني عنهم ولا يستعملونها فلم تكن ~~مغنية لهم مع تكذيبهم الرسل فبوجود الرسل صح ms1788 التكليف وبالعقل تمثيل ذلك بعد ~~التوفيق وليس للعقل مدخل فيما تقدم من المعارف وإن كان له ها هنا مدخل ~~فالأصل الرسل والعقل اتبع ذلك # وأما العقل فله مدخل بالغ في معرفة المزيد وكذلك العلم فالعلم بيان الله ~~والعقل حجة الله والرسل هم الحجة الظاهرة المبلغة عن الله مراده والمخبرة ~~بأمره والداعية إلى سبيله ولما كان سبحانه لا سبيل إليه ولا عقول تشرف عليه ~~ولا لنا طاقة إلى استماع كلامه لم يكن بد من بعث الرسل لنعلم بها مراد ~~الربوبية منا PageV08P513 # وليس هذا للعقل وإنما للعقل الزوائد والتصرف في المراد المخبر عنه الرسل ~~فعم سبحانه بمعرفة وحدانيته سائر ما ابتدع وخص بمعرفة ربوبيته بني آدم كما ~~كرمهم وخص بمعرفة توحيده المؤمنين وخص بمعرفة المزيد خواص المؤمنين # وفي هذه المعرفة يتفاوت الناس فمن كان معه معرفتان كان كافرا ومن كان معه ~~ثلاث فهو مسلم فإذا كان أربع كان مؤمنا فإذا كانت معه خمس كان مؤمنا عالما ~~ثم يتفاوتون في معرفة المزيد على قدر أحوالهم وصدق الهمم واتباع العلم وقوة ~~اليقين وصفاء الإخلاص وصحة المعتقد ولزوم السنة # فالعقل والعلم والنظر والاستدلال والافتكار والاعتبار يكشف عن معرفة ~~المزيد التي يتفاوت فيها العبيد فمن جعل حكم معرفة في أخرى فقد غلط غاية ~~الغلط وأوبقة الجهل ورماه في بحر الحيرة ونقض الآثار إذ قد ورد في بعضها ~~أنه عرف بنفسه وفي بعضها بالعلم وفي بعضها بالعقل وغير ذلك # فدل على أن كل معرفة لها حكم ومصدر ومقام وحال فللكل معرفة الوحدانية ~~والبوبية وليس للكل معرفة التوحيد # وإذا عمت معرفة التوحيد المسلمين فليس لكل المسلمين معرفة PageV08P514 ~~المزيد وإذا زعم الخصم أن المعارف المتقدمة وجبت أي حصلت بالنظر والاستدلال ~~فذلك مكابر معاند # فإن احتج بقوله تعالى عن الخليل { فلما جن عليه الليل رأى كوكبا } سورة ~~الأنعام 76 إلى قوله { إني بريء مما تشركون } سورة الأنعام 78 فتلك حجة على ~~الخصم لا له لأنه لو عرف بالنظر والاستدلال لما صح له أن يقول إني بريء مما ~~تشركون ولم يحكم ms1789 النظر والاستدلال ولا يقول إني بريء مما تشركون وإني وجهت ~~وجهي إلا عارف بربه # وما كان ذلك من الخليل إلا بالرشد السابق الذي خبرت الربوبية عنه بقوله ~~تعالى { ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل } سورة الأنبياء 51 وإنما أراد ~~بذلك القول الإنكار على قومه والتوبيخ لهم إذ كانوا يعبدون الشمس والقمر ~~والنجم من دون الله فقال ما قال على طريق الإنكار ليعلمهم أن ما جاز عليه ~~الأفول والتغيير من حال إلى حال لم يكن بإله يعبد ولا رب يوحد وإنما الإله ~~الذي خلقكم ولمعرفته فطركم # هو الذي أخبر عنه بقوله { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض } سورة ~~الأنعام 79 وإن كان مخرج الآية مخرج الخبر فإنما المراد به الاستفهام PageV08P515 # قلت وذكر ابن عبد أشياء وإن كان في بعض ما ذكره آثار لا تثبت وكلام ~~مستدرك فالمقصود بيان ما ذكره من أن المعرفة فطرية # إلى أن قال وإنما كان الخليل بقوله منبها لقومه ومذكرا لهم الميثاق الأول ~~ردا لهم إلى ضرورتهم ليصلوا إلى ما انعجم عليهم بما هو ضرورتهم وكوشفوا به ~~وإن كان ذلك من الخليل في طفوليته كما حكي فأين محل النظر والاستدلال وإن ~~كان في حال رجوليته فمتى التبس هذا الحكم على بعض المؤمينن في زماننا وغيره ~~حتى يلتبس على الخليل الذي اصطفاه الله بالخلة من بين العالمين نعوذ بالله ~~من الحيرة في الدين # لا جرم وقال تعالى { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } سورة الأنعام ~~83 ولو أن الله عرف بالعقل لكان معقولا بعقل وهو الذي لا يدركه عقل ولا ~~يحيط به إحاطة وإنما أمرنا بالنظر والتفكير فيما عرف بالتقدير لا إلى من { ~~ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } سورة الشورى 11 فعرفنا أن لكل أثر مؤثرا ~~ولكل بناء بان ولكل كتابة كاتب من ضرورتنا إلى ذلك كما عرفنا اضطرارا أن ~~السماء فوقنا والأرض تحتنا ومعرفة وجودنا وغير ذلك إذ يستحيل أن يحدث الشيء ~~نفسه لعلمنا بأنه في وجوده وكماله يعجز فكيف في عدمه وعجزه PageV08P516 # قال والفصل ms1790 الرابع وهي معرفة المزيد بالعقل والعلم والاستدلال وخالص ~~الأعمال مدلول عليها وإن كان الأصل فضل الله المحض # قال الله تعالى { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون } سورة ~~التوبة 24 وقد روى معرفه { وزدناهم هدى } سورة الكهف 13 { ولدينا مزيد } ~~سورة ق 35 { لئن شكرتم لأزيدنكم } سورة إبراهيم 7 فوعد بالزيادات وأخبر ~~عنها فكلما نصحوا فيما عرفوا كوشفوا بما غاب عنهم في المقام الثاني من ~~المقام الأول # وفي الحديث # من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم وكان عمر بن عبد العزيز يقول ~~جهلنا بما علمنا تركنا العمل بما علمنا ولو عملنا بما علمنا لفتح الله على ~~قلوبنا غلق ما لا تهتدي إليه آمالنا # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # من أراد عزا بلا عشيرة وغنى بلا مال وعلما بلا تعلم فليخرج من ذل معصية ~~الله إلى عز طاعة الله فإنه واجد ذلك كله # وقد روي إذا زهد العبد في الدنيا وكل الله سبحانه بقلبه ملكا PageV08P517 ~~يغرس فيه آثار الحكمة كما يغرس أكار أحدكم الفسيل في بستانه # وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ويكتب بذلك إلى عماله احفظوا عن ~~المطيعين لله ما يقولون فإنه يتجلى لهم أمور صادقة فكلما استعمل العبد عقله ~~وعمل بعلمه وأخلص في عمله وصفا ضميره وجال بفهمه في بصيرة العقل وذكاء ~~النفس وفطنة الروح وذهن القلب وقوى يقينه ونفى شكه وضبط حواسه بالآداب ~~النبوية وقام على خواطره بالمراقبة وتحرى ترك الكذب في الأقوال والأفعال ~~وصار الصدق وطنه وذهب عنه الرياء والعجب وأظهر الفقر والفاقة إلى معبوده ~~وتبرأ من حوله وقوته ولزم الخدمة وقام بحرمة الأدب وحفظ الحدود والاتباع ~~وهرب من الابتداع زيد في معرفته وقويت بصيرته وكوشف بما غاب عن الأعيان ~~وصار من أهل الزيادة بحقيقة مادة الشكر الموجبة للمزيد وهذه المعرفة لا يجب ~~أن تكون ضرورة ولا أيضا معرفة التوحيد إذ لو كانت ضرورة لعمت وبطل الثواب ~~فلم يجبر سبحانه على معرفة توحيد ولا على معرفة المزيد إذ لو ms1791 كان كذلك ~~لأغنى عن بعث الرسل وإنزال الكتب PageV08P518 ~~وإقامة الحجج وإنما هو الجبار الذي جبر القلوب على فطرتها وأقامها مع ~~مقدرتها ولم يكلفها فوق الطاقة ولا شططا فجبر على معرفة ربوبيته ووحدانيته ~~ولم يجبر على ما سوى ذلك من المعارف كما زعمت المجبرة فمن أهل الكلام من ~~يزعم أن المعارف كلها اضطرار وذلك غلط وهو قول جمهور شيوخ الاعتزال ~~والمجبرة وبعض المتشيعة ومنهم من يزعم أن جميعها اكتساب وذلك أيضا غير صواب ~~وبه يقول القدرية وبقايا الاعتزال وغيرهم وأصحاب الحديث وأهل الظاهر ~~فيقولون بالاضطرار والاكتساب # والأمر هو ما ذكرنا والصواب ما شرحنا لأن كل مقالة خالفت ما رتبنا ~~فمنقوضة مضطربة نصرح بإبطالها ونومي إلى تناقض الأحاديث فمعارف الاضطرار لا ~~تفاوت فيها ومعارف الاكتساب يقع فيها التفاوت ويتفاضل الناس فيها على قدر ~~ما ذكرنا # فلما ثبت أنه القديم الأزلي وحده وما سواه محدث وكان القاهر لهم على ~~الاتحاد والفناء كانت المعرفة لهم من هذا الوجه اضطرارا وجبلا وكذلك لما ~~اضطرهم في الذر وخاطبهم كفاحا في غير زمان التكليف لم يجز أن يكون ذلك بكسب ~~فلما أرسل رسله وأنزل كتبه وتعرف على ألسنة السفراء لم يصح أن يكون ذلك ~~جبرا ولا ضرورة فيسقط PageV08P519 ~~التكليف ولا يكون ذلك موقع الحكمة ولا ثبوت حجة { وما ربك بظلام للعبيد } ~~سورة فصلت 46 وهو الفعال لما يريد ذو الحكمة البالغة والعدل الشامل والفضل ~~الذي يختص به فعرفناه من حيث وحدانيته وربوبيته من حيث يعرف ومن حيث توحيده ~~ومن حيث وصف ووقف ومن حيث المزيد من حيث استعمل ووفق واختص وتفضل فلكل ~~معرفة مقام ولكل مقام حكم فعم بالأول وأفرد بالثاني واختص بالثالث من ~~مقامات المعارف فمعارف البلغاء بالإصابة ومعرفة النظر والاستدلال لأهل ~~الرأي والمكايلة والكلام ومعرفة الفقه للعلماء والحديث للرواة والفراسة ~~للحكماء والمزيد للأنبياء والأولياء مع مشاركتهم للغير في المعارف لا ~~يشاركهم غيرهم فيما خصوا به وكوشفوا فلما استوى الكل في كونهم أحداثا ~~مربوبين استووا في تلك المعرفة ولما وقعت الميزة بالكسب والاختصاص تباينوا ~~وتفاوتوا في ms1792 المعارف وما يعقل ذلك إلا عارف ولا ينكره إلا جاهل فوصل الكل ~~إلى معرفة الربوبية ولم ينته أحد إلى معرفة المزيد وهو أن يعرف الله حق معرفته # قال تعالى { وما قدروا الله حق قدره } سورة الأنعام 91 وقد روي ما عرفوه ~~حق معرفته # وقال صلى الله عليه وسلم # لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحور ولزالت بدعائكم الجبال ولو ~~خفتم الله حق خوفة لعلمتم العلم PageV08P520 ~~الذي ليس بعده جهل وما وصل أحد إلى ذلك قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا ~~أنا الله أجل أن يبلغ أحد كنه أمره كله # هذا وهو أعرف الخلق بربه الذي تصير معارف ذوي المعارف عند معرفته نكرة # وقد كان يقول في مناجاته # اللهم عرفني نفسك حتى أزداد لك رغبة ومنك رهبة وهذا طلب الزيادة في ~~المعرفة كما أدبه { وقل رب زدني علما } سورة طه 114 # وقد كان الشبلي يقول ما عرف الله أحد حقيقة يعني لو عرفوه حقيقة ما ~~اشتغلوا بسواه # وكان الواسطي يقول كما به كانوا كذلك به عرفوا وقال أبو الحسن المروزي في ~~قصيدته % به عرفوه فاهتدوا لرشادهم % ولولا الهدى منه عموا وتحيروا % ### | AUTO وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كلامه % والله لولا الله ما ~~اهتدينا % ولا تصدقنا ولا صلينا % الحديث PageV08P521 # قال فليس شيء إلا وهو يعرف الله سبحانه ولو كان الحكم واحدا والمعرفة ~~واحدة لاستووا وعدم الاستواء ووجود التفاوت يشهد بصحة ما قلنا مع تصحيح ~~الآثار ومذاقات ألفاظ الرجال فهو أجل أن يجهل وأعز أن تنتهي فيه معارف ذوي ~~المعارف أو تبلغه بصائر ذوي البصائر { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ~~وهو اللطيف الخبير } سورة الأنعام 103 # ومعرفة الرب بربوبيته إذ ربوبيته ظاهرة لا يدعها جاحد ولا يقدر أن ينكرها ~~معاند إذ هو أجل أن يخفى وأعز أن يقاس وأعظم أن تشرف عليه العقول أو ~~يتناوله معقول ليس في حيز المجهولات فيستدل عليه ولا مضبوط بالحواس فتصل ~~الأفهام إليه فعرفناه بما تعرف ووصفناه بما وصف إذ به عرفت ms1793 المعارف ووجدت ~~الدلائل فعرفنا نفسه وعرفنا رسله بما أظهر على أيديها من المعجزات ~~والبراهين والآيات وتعرف إلينا على ألسنتهم كيف نوحده ونشكره ونعبده إذ لا ~~وصول لنا إلى مراده منا إلا بما أرسل وعلم لتكون المملكة معذوقة بمالكها ~~ونوحده بما وحد به نفسه ونثني عليه PageV08P522 ~~بثنائه ونشكره كما علمنا على آلائه إذ هو الغني عن كل شيء وكل شيء إليه ~~فقير قال الله { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني ~~الحميد } سورة فاطر 15 فلفقرنا لم نعرفه بنا ولغنائه عنا عرفناه به وجعل ~~لنا الزيادة في الكسب والتوصل بالأسباب ومنه البداية وإليه المنتهى فكل من ~~ألزمنا بسبب عكسنا عليه ذلك السبب وتسلسل الأمر وإلى الله ترجع الأمور { ~~وإليه يرجع الأمر كله } سورة هود 123 فلا مجهول فيستدل عليه ولا متوقع ~~فيرتقب فللرسل تأثير في العبادات وللاستدلال تأثير في المكونات وللعقول ~~تأثير في المدبرات وللرياضات تأثير في المكتسبات # وقد أخبر سبحانه في كتابه فقال { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ~~سورة الذاريات 56 وقد روي ليعرفون فلأجل ذلك وقعت المعرفة من الجميع ولم ~~تقع العبادة فأراد ليعرفوه ثم يعبدوه على بساط المعرفة فما جبرهم عليه من ~~معرفة ربوبيته وقع وما ردهم فيه إلى الاكتساب وقع من بعض دون بعض ألا ترى ~~أنه لم يقع من الكفار التعجب والإنكار من أنه سبحانه رب وإله وإنما تعجبت ~~وأنكرت التوحيد بالإلهية فقالوا { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ~~} سورة ص 5 فما أريد منهم أن يقع بهم علل وما ألزمهم من معرفة ربوبيته لم ~~يكن لهم سبيل إلى إنكاره وجحده كغيره من المعارف # قال فأصحاب المقالات وضعت كل معرفة غير موضعها PageV08P523 ~~وأجملت وجهلت الحكم فالتبس عليها الحكم واختلفوا بما يصاب بالعقول أو ~~الاستدلال أو بالإمام فقال بعضهم أصل المعرفة معرفة الإمام ومنهم من يقول ~~أهل البيت يعني معرفتهم والأئمة والعلماء والفقهاء أكثرهم يذهب إلى أن ~~المعرفة معرفة العلم والفقه من حلال وحرام وفرائض ومندوبات وأحكام وسنن # وقال بعضهم هي ms1794 أن تعرف الله على يقين حتى تستقر عرفته في قلبك واختلفوا ~~أي وقت تقع فمنهم من يزعم قبل البحث والنظر ومنهم من قال بعد البحث والنظر ~~وقوم يقولون بعد البلوغ ومنهم من يجعل حدها معرفة الأجسام والأعراض ~~والجواهر وكلام يكثر ذكره ويتبين لك في نفس الكلام إذا لزمت ما قررنا ~~وشرحنا أن أهل الكلام اعتقدوا ما يليق بالطبع فأثبتوه من طريق العبودية ~~فجعلوا معرفته بأسباب وأهل الحق اعتقدوا ما يليق بالربوبية فأثبتوه من حيث ~~الربوبية والربوبية لا تدنسها العلل ولا يقع عليها غوامض الفطر فقرر الله ~~الخلق ودعاهم إلى معرفته كفاحا لئلا يشركوا في العلم بمعرفته ولا تكون لهم حجة # قال سبحانه { أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا ~~إنما أشرك آباؤنا من قبل } سورة الأعراف 172 173 وذلك لموضع ما ألزمهم من ~~الضرورة ولو قررهم بمعرفته في حال العبودية كما PageV08P524 ~~زعم الجاهلون لخرجوا عن كونهم مكلفين لموضع النظر إليه لكن تعرف إليهم من ~~بعد ما ألزمهم من الضرورة بالوسائط والآيات فمن نصح معبوده وقام على مراعاة ~~ما شرعه له وتعرف به إليه واتكل في المعرفة عليه وأسند جميع أموره إليه ~~ذكره ما سلف من الحال وكشف له عن العواقب والمآل فزهد فيما يفنى وزادت ~~رغبته فيما يبقى وصار للإله موحدا خائفا ومصدقا راجيا ومن قصر في رعايته ~~وخلط في سعايته وسلك محجة التفريط ولم ينصح فيما أعطى من ضرورته وعقله جمت ~~عيوبه وكثرت ذنوبه فملكه هواه فأعماه وأرداه ولم يبلغ مناه فأنساه ذلك ما ~~كان في وقت التعريف فحصل في جملة من خان وعاند ولم يكن بخارج من كون ما كان ~~يجهله إذ قد ثبت العلم بذلك فلم يكن بخارج من النار ولم يكن بخارج من ضرورته # قال وقد ثبت أهل الكلام معارف ضرورية كمعرفة الإنسان بوجود نفسه ~~فالربوبية أولى بذلك وكذلك الأعراض والأجسام والجواهر لأهل الكلام والجمع ~~والتفرقة وما يعرف بالفكر ويشترط بالعلم ومعرفة الشرع للفقهاء والمعرفة ~~التي هي PageV08P525 ~~الحجة والبرهان والنور والبيان للعلماء ms1795 البلغاء الحكماء ومعرفة الصفات وهي ~~العلم به فهي للأولياء الذين يشاهدونه بالقلوب ويكاشفهم بالغيوب إذ يظهر ~~لهم ما لا يظهر لغيرهم وهم المكاشفون بنور اليقين وعلم اليقين وعين اليقين ~~وحق اليقين المخصوصون بالحقائق والمبتدأون بالمكنون من ذخائر كراماته لأهل ~~صفوته وولايته فلكل قوم مقام ولكل مقام علم ولكل علم حكم وكذلك المعارف على ~~أحكام ومقامات فلا يتعدى بمعرفة مقامها # قال وقد قيل لأبي الحسين النوري كيف لا تدركه العقول فقال كيف يدرك ذو ~~مدى من لا مدى له أم كيف يدرك ذو غاية من لا غاية له أم كيف يدرك مكيف من ~~كيف الكيف # وقال الواسطي كما قامت الأشياء به وبه فنيت كذلك به عرفوه وقال الشبلي ~~الحق لا يعرف بسواه وقال النباجي طوبى لأهل المعرفة عرفهم نفسه قبل أن عرفوه # قال صدق أئمة الدين وشيوخ المسلمين فالله سبحانه هو المعروف الأزلي وهو ~~الهادي إلى معرفته والمتعرف بنفسه إلى بريته إذ ضلت العقول والفهوم والعلوم ~~والأوهام في تيه التيه أن تتوهمه والأفكار والأضمار أن تدركه لأنه العظيم ~~الذي فاتت عظمته لكل PageV08P526 ~~حيث وتقدير وعجز عن توهمه كل فكر وضمير وردعت عظمته العقول فلم تجد مساغا ~~فرجعت كليلة ورجع الوهم خاسئا وهو حسير # إلى أن قال بل هو المعروف بما تعرف والموصوف كما وصف فتعرف الينا ~~بربوبيته ووصف لنا توحيده ووحدانيته وأقسم على ذلك بقوله تعالى { والصافات ~~صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد } سورة الصافات 1 4 وهو ~~الصادق في خبره وشهادته إذ هو الواحد في الحقيقة الذي لا شريك له في ~~الالوهية والابتداع وتعرف الينا بهذه المعرفة على ألسنة السفراء فأوقفتنا ~~السفراء على توحيده الذي تعرف الينا به في كلامه وخطابه فالاصل منه ثم من ~~السفراء { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } سورة آل ~~عمران 164 واسعدنا بالعقل الذي هو الحجة والعلم الذي هو الحجة وجعل لنا ~~السمع والابصار والافئدة وطالبنا بالاعتبار والافتكار والقبول ليكون اقوى ~~في البرهان وابلغ في البيان # قال سبحانه ms1796 { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون } سورة المؤمنون 91 فنزه ~~نفسه عما زعموا وابتدعوا وصدق الله في خبره وصدقت الرسل PageV08P527 # وتكلم على هذه الاية وعلى قوله { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ~~سورة الأنبياء 22 بما يناسب ذلك إلى أن قال قال سبحانه { ضرب لكم مثلا من ~~أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء } ~~سورة الروم 28 # وقال سبحانه { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل } ~~الاية سورة الزمر 29 # وقال { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا ~~حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا } سورة النحل 75 مثلا لمن عبد غيره إذا ضرب ~~العبد مثلا لمن عبد من دونه لأنه ذليل عاجز مفتقر مدبر مملوك لا يقدر على ~~شيء لا نفعا ولا ضرا ولا خلقا ولا أمرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ومن ~~رزقناه جعله مثلا يستدل به على توحيده وكمال ربوبيته لأنه الواسع الجواد ~~القادر الرازق للعباد سرا وجهرا فضرب الله سبحانه لهم الامثال ليوبخهم ~~ويريهم عجزهم فيما اضافوا اليه من الشركاء مع اقرارهم بمعرفة ربوبيته تعالى ~~الله عما يشركون فعز من لم يشارك في قدرته وجل من لم يرام في وحدانيته ~~وتعظم من تفرد بالربوبية فجل أن يكون له شريك في خلقه # إلى أن قال فخلقهم على الفطرة وبعث اليهم السفراء وعلمهم العلم وركب فيهم ~~العقل بالفكر فالبفطرة عرفوه وبالوسائل عبدوه فلولا الله سبحانه ما عرفناه ~~من طريق ربوبيته ولولا ارسال الرسول مع ما PageV08P528 ~~خاطبنا به ووقفنا عليه ووفقنا له ومن علينا به وكتب في قلوبنا واختصنا ما ~~عرفنا توحيده ولا كيف نطيعه # ولولا ما ظهرت من الايات والمعجزات التي أظهرها على ايدي الرسل بحقائق ~~معانيها التي يعجز الخلق عن الاتيان بمثلها لم نعرف رسله # ولولا زوائد الاعمال وتصحيح الاحوال والعلوم ms1797 والفهوم والمعارف وأسرار ~~مقامات القوم وحلاوة اذواقهم والروائح الواردة الينا منهم وعنهم ما عرفنا ~~ذوي المزيد # وكل ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن اكثر الناس لا يشكرون فلو شكر ~~الكافر ما اضطره اليه من معرفة باريه بربوبيته واعترف له بنعمه واخراجه من ~~العدم إلى الوجود ورأى الافضال والنعم التي قد عم بها وكمال صورته وادرار ~~رزقه عليه لأوصله شكره بمعرفة توحيده فصدق رسوله وحقق ما سلف من عهده ورجع ~~إلى ضرورته واعترف بوحدانيته فأبطل ما سواه ولم ير الها إلا اياه ولكن لما ~~جهل النعمة وزاغ عن العهد ونكث في إقراره وكذب السفراء حرمه اكبر المنن ~~وافضل النعم { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } سورة الصف 5 فتركه مع هواه ~~فكان هلاكه في مناه واذا شكر المؤمن معرفة التوحيد التي من بها عليه وشكرها ~~قبول ما جاء به الرسول قول وعمل واخلاص نية واصابة سنة ولزوم PageV08P529 ~~قدوة وحبس عن المخالفة اوصلة بمعرفة مزيدة فكلما نصح في مزيد رفع إلى مزيد # قال سبحانه { لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } سورة ~~إبراهيم 7 # قلت ويستدل على ما ذكره أبو محمد بن عبد وغيره من أن المعرفة الاولية ~~الفطرية تحصل بلا دليل أن ما يعلم بالدليل إنما يعلم إذا علم أن الدليل ~~مستلزم له ليكون دليلا عليه وهذه هي الاية والعلامة وكذلك الاسم إنما يدل ~~على المسمى إذا عرف انه اسم له وذلك مشروط بتصور المدلول عليه اللازم وبأن ~~هذا ملزوم له # ولهذا قيل أن المقصود بالكلام ليس هو تعريف المعاني المفردة لأن المعنى ~~المفرد لا يفهم من اللفظ حتى يعرف أن اللفظ دال عليه فلا بد أن يعرف أن هذا ~~اللفظ موضوع لهذا المعنى حتى تعرف دلالته عليه فتكون المعرفة بالمعنى سابقة ~~للمعرفة بدلالة اللفظ عليه بخلاف المعنى المركب فإنه إنما يحتاج إلى العلم ~~بجنس المركب لا بالتركيب المعين فنعرف انه إذا قيل قام فلان أنه فعل القيام ~~القائم به فإذا قيل زيد عرف أنه فعل القيام القائم به ms1798 بخلاف مسمى زيد وأنه ~~لا يعرف PageV08P530 ~~أن زيدا يدل على مسماه حتى يعرف اولا مسمى زيد فلو استفيد مسمى زيد من زيد ~~لزم الدور # وهذا موجود في كل ما دل على معنى مفرد فما دل على الباري إنما تعرف ~~دلالته عليه إذا عرف انه مستلزم له وذلك مشروط بمعرفة اللازم المدلول عليه ~~فلا يعرف أن هذا دليل على هذا المعين حتى يعرف المعنى والدليل وان الدليل ~~مستلزم للمعين المدلول عليه فلو استفيد معرفة المعين من الدليل لزم الدور ~~بل يكون ذلك المعين متصورا قبل هذا وتلك الأمور مستلزمة له وآيات عليه ~~فكلما تصورت تصور المدلول عليه فيكون كما قال تعالى { تبصرة وذكرى لكل عبد ~~منيب } سورة ق 8 تبصرة إذا قدر انه مس طيف من الشيطان فشككه فيما عرفه اولا ~~فإذا رأى آياته المستلزمة لوجوده كان ذلك تبصرة من ذلك الطيف # كما قال تعالى { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون } سورة الاعراف 201 وتكون تذكرة إذا حصل نسيان وغفلة تذكرة بالله ~~فهي تبصرة لما قد يعرض من الجهل وتذكرة لما قد يحصل من غفلة وان كان اصل ~~المعرفة فطريا حصل في النفس بلا واسطة ألبتة PageV08P531 # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن الأدلة نوعان اقيسة وآيات فأما الاقيسة ~~فلا تدل إلا على معنى كلي لا تدل على معنى معين # فإذا قيل هذا محدث وكل محدث فله محدث قديم أو كل ممكن فلا بد له من واجب ~~فإنما يدل على قديم واجب الوجود بنفسه لا يدل على عينه بل نفس تصور هذا لا ~~يمنع من وقوع الشركة فيه فإذا قدر انه عرف انه واحد لا يقبل الشركة فإنه لم ~~تعرف عينه فلا بد أن تعرف عينه بغير هذه الطريق والايات تدل على عينه لكن ~~كون الاية دليلا على عينه مشروطة بمعرفة عينه قبل إذ لو لم تعرف عينه لم ~~يعرف أن هذه الاية مستلزمة لها # فعلم انه في الفطرة معرفة بالخالق نفسه بحيث يميز بينه ms1799 وبين ما سواه كما ~~ذكره أبو محمد بن عبد وغيره ولهذا كل من تطلب معرفته بالدليل فلا بد أن ~~يكون مشعورا به قبل هذا حتى يطلب الدليل عليه أو على بعض احواله # واما ما لا تشعر به النفس بوجه فلا يكون مطلوبا لها واذا كان مطلوبا لها ~~فلا يمكن أن يستدل عليه بشيء حتى يعلم انه يلزم من تحقق PageV08P532 ~~الدليل تحققه وقد بسط هذا في موضع آخر وبين فيه أن التصور البسيط المفرد لا ~~يجوز أن يكون مطلوبا بالحد وانما يطلب بالحد ما يكون مشعورا به من بعض ~~الوجوه فيطلب الشعور به من وجه آخر # ولهذا لم يكن مجرد الحد معرفا بالمحدود أن لم يعرف أن الحد مطابق له وهو ~~لا يعرف ذلك أن لم يعرف المحدود وألا فمجرد الدعوى لا تفيد # وكذلك الدليل القياسي إذا قيل كل مسكر خمر وكل خمر حرام فإن لم يعرف ~~المقدمتين لم يعرف النتيجة واذا كان آية على شيء معين مثل كون الكوكب ~~الفلاني كالجدي مثلا علامة على جهة الكعبة فلا بد أن يكون قد عرف الجدي ~~وعرف أنه من جهة الشمال وعرف أن الجهة المعينة جهة الكعبة في الجنوب فإذا ~~رأى الجدي علم أن جهة الكعبة تقابله ولولا تقدم معرفته بالدليل وهو الجدي ~~والمدلول عليه وهو جهة الكعبة لم يمكنه الاستدلال لكنه عرف اولا الدليل ~~والمدلول عليه ثم خفي عليه المدلول وهو جهة الكعبة في بعض الاوقات والمواضع ~~فلما رأى الدليل عرف المدلول الذي كان قد جهله بعد علمه به كمن سمع مناديا ~~ينادي باسم من يطلبه كإبنه وأخيه وقد أضل مكانه فإذا سمع الاسم استدل به ~~على المسمى الذي كان يعرفه قبل هذا ولكنه قد حصل له به نوع من الجهل بعد ذلك # فالايات الدالة على الرب تعالى آياته القولية التي تكلم بها كالقرآن PageV08P533 ~~وآياته الفعلية التي خلقها في الانفس والآفاق تدل عليه تحصل بها التبصرة ~~الذكرى وان كان الرب تعالى قد عرفته الفطرة قبل هذا ثم حصل لها نوع من ~~الجهل ms1800 أو الشك أو النسيان ونحو ذلك # ومما ينبغي أن يعرف أن علم الانسان بالشيء وتصوره له شيء وعلمه بأنه عالم ~~به شيء وعلمه بأن علمه حصل بالطريق المعين شيء ثالث وكذلك ارادته وحبه شيء ~~وعلمه بأنه مريد محب له شيء وكون الارادة والمحبة حصلت بالطريق المعين شيء ثالث # فالمتوضئ والمصلى والصائم يحصل في قلبه نية ضرورية للفعل الاختياري لا ~~يمكنه دفع ذلك عن نفسه وان لم يتكلم بالنية ثم قد يظن أن النية إنما حصلت ~~بتكلمه بها وهو غالط في ذلك # وكذلك قد يحصل له علم ضروري بمخبر الأخبار المتواترة ثم ينظر في دلالة ~~الخبر فيظن أن العلم الحاصل له لم يحصل إلا بالنظر وهو قد كان قبل النظر ~~عالما وقد يقال أن النظر وكد ذلك العلم أو احضره في النفس بعد ذهول النفس ~~عنه وهذا مما يبين لك أن كثيرا من النظار يظنون انهم لم يعرفوا الله ~~بالطريق المعين من النظر الذي سلكوه وقد يكون صحيحا وقد يكون فاسدا فإن كان ~~فاسدا فهو لا يوجب العلم وهم يظنون أن العلم إنما حصل به وهم غالطون PageV08P534 # بل العلم قد حصل بدونه وان كان صحيحا فقد يكون مؤكدا للعلم ومحضرا له ~~ومبينا له وان كان العلم حاصلا بدونه # هذه الأمور من تصورها حق التصور تبين له حقيقة الأمر في اصول العلم وعلم ~~أن من ظن أن الأمر الذي يعرفه عامة الخلق وهو اجل المعارف عندهم من حصره في ~~طريق معين لا يعرفه إلا بعضهم كان جاهلا لو كان ذلك الطريق صحيحا فكيف إذا ~~كان فاسدا # ومما يوضح الكلام في هذا أن الذكر المشروع لله هوكلام تام كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم # افضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا ~~اله إلا الله والله اكبر ### | AUTO فأما مجرد ذكر الاسم المفرد وهو قول القائل الله الله فلم تأت ~~به الشريعة وليس هو كلاما مفيدا إذ الكلام المفيد أن يخبر عنه بإثبات شيء ~~أو نفيه واما ms1801 التصور المفرد فلا فائدة فيه وان كان ثابتا بأصل الفطرة وان ~~كان المعلوم بالفطرة ما تدخل فيه امور ثبوتية وسلبية درء تعارض العقل والنقل PageV08P535 # والقائلون بأن المعرفة تحصل بغير العقل يفسرون كلامهم بمعنى صحيح مثل ما ~~ذكره الشريف أبو علي بن أبي موسى في شرح الإرشاد في الفقه تصنيفه لما شرح ~~عقيدته المختصرة التي ذكرها في أول الإرشاد # قال لما ذكر التوحيد الكلام بعد ذلك المعرفة هل تدرك بالعقول أم بالسمع ~~قال فالذي نذهب إليه قول إمامنا إن معرفة الخالق أنه الله لا تدرك إلا ~~بالسمع قال وقد اختلف أصحابنا في ذلك على طريقين فقال الأقلون منهم إن ~~المعرفة تدرك بالعقول مع اتفاقهم معنا أنها لا تدرك بمجرد العقل قبل ورود ~~السمع بها # قال والدليل على أنها تدرك بالسمع وأنه لا مدخل للعقول فيها قبل ورود ~~السمع بها أن العقل مخلوق كالحواس الخمس من البصر والسمع والشم واللمس ~~والمذاق ثم المقسوم منه يتفاضل الخلق فيه يعلم ذلك كل أحد ضرورة فإذا كان ~~كذلك فاللمس لا يدرك به اللامس الأراييح والشم لا يدرك به الشام الأصوات # قال وجملة هذا أن الله لم يجعل اللمس سبيلا إلى إدراك الأراييح ولا الشم ~~سبيلا إلى إدراك المسموعات بل جعل كل واحد منهما سبيلا لإدراك ما خص به وإن ~~كنا نجوز أن يفعل ذلك ويجعل العلم في اليد والكلام في الرجل والنظر في ~~اللسان لأن الجواهر من جنس PageV09P003 ~~واحد وإذا جاز قيام الرؤية ببعضها جاز بجميعها ولكن ذلك لا يكون في الدنيا ~~إلا لنبي ليكون من معجزاته ودليل تصوره كلام الذراع للنبي صلى الله عليه وسلم # وفي الآخرة إذا أنطق الله عز وجل الجوارح بقوله { يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } سورة النور 24 { وقالوا لجلودهم لم ~~شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } سورة فصلت 21 وبقوله { ~~ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة } سورة القيامة 24 # قال فيجوز أن يجعل الله الظن يوم القيامة في الوجوه المعذبة ms1802 كذلك العقل ~~لم يجعل الله له سبيلا إلى إدراك السواد والبياض ولا إلى إدراك المشام ~~والطعوم بل جعل الله له سبيلا إلى التمييز بين الموجودات وإلى إدراك فهم ~~السمعيات والفرق بين الحسن منها والقبيح والباطل PageV09P004 ~~منها والصحيح فإذا نظر إلى المصنوعات التي لا سبيل للخلق إلى مثلها ويعجز ~~كل فاعل عنها وتحقق بصحة التمييز المركب فيه إذا أراد الله هدايته أن ~~المحدثات لا تصنع نفسها علم أنها مفتقرة إلى صانع غير أنه لا يعرف من هو ~~قبل ورود السمع فإذا ورد السمع بأن الصانع هو الله قبله العقل ووقع له فهم ~~في السمع وتحقق صحة الخبر وعرف الله من ناحية السمع لا من ناحية العقل لأن ~~العقل بمجرده لا يعلم من الصانع قط وأكثر ما في بابه أن يقع به التمييز ~~فيبقى أن يفعل الجماد نفسه ويقضي بالشاهد على الغائب فأما أن يعرف من ~~الصانع فمحال إلا من جهة السمع # قال والدليل على صحة اعتبارنا أن الله خاطب العقلاء بالاعتبار فقال { ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار } سورة الحشر 2 يعني البصائر وقال { إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب } سورة ق 37 أي عقل وقال { وليذكر أولوا الألباب } ~~سورة ص 29 فأمرهم باعتبار ما جعل لهم سبيلا إلى اعتباره دون غيره # ثم الدليل القاهر هو القاضي بصحة ما ذكرت أن الله عز وجل حجب عن الخلق من ~~الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين وسائر الخلق أجمعين معرفة ما هو ولم ~~يجعل لهم طريقا إلى علم مائيته ولا سبيل إلى إدراك كيفيته جل أن يدرك أو ~~يحاط به علما وتعالى علوا كبيرا { ولا يحيطون به علما } سورة طه 10 فمنع من ~~إحاطة العلم به فلا سبيل لأحد إليه PageV09P005 # وقال { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } سورة الشورى 11 فنفى عن نفسه ~~الأشباه والأمثال فمنع من الاستدلال عليه بالمثلية كما منع الدليل على ~~إدراك كيفيته أو علم ما هيته فهذا الذي لا سبيل للعقل إلى معرفته ولا طريق ~~له إلى علمه # ثم كلف جل ms1803 اسمه سائر بريته وافترض على جميع المكلفين من خليقته علم من هو ~~ليعرف الخلق معبودهم ويعلموا أمر إلههم وخالقهم فلما كلفهم ذلك نصب لهم ~~الدليل عليه سمعا ليتوصلوا به إلى أداء ما افترض عليهم من عبادته وعلم ما ~~كلفهم من معرفته علما منه جلت عظمته بأنه لا طريق للعقل إلى علم ذلك بحال ~~فقال تعالى { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } سورة طه 14 وقال { ~~ذلكم الله ربكم } سورة يونس 3 وقال { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ~~ثم يحييكم } سورة الروم 40 وقال { هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب ~~والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام ~~المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله ~~الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم } سورة الحشر 22 24 # قال ولو سألهم قبل أن يسمعوا باسمه عن تأويل من خلقهم ما كان لهم طريق ~~إلى علم ذلك لأن الأسماء لا تسمع من جهة العقل PageV09P006 # قال فثبت وتقرر بالدليل الذي لا يحتمل إلا ما ذكرناه ان الله العظيم لم ~~يعرف الا من جهة السمع لإحاطة العلم أنه لا طريق للعقل بمجرده إلى معرفة ~~هذه الأسماء ولا إلى معرفة المسمى لو لم يرد السمع بذلك ومدعى ذلك ومجوزه ~~من ناحية العقل يعلم بطلان دعواه ضرورة # وتكلم على قصة إبراهيم بكلام ليس هذا موضعه إلى أن قال والمعرفة عندنا ~~موهبة من الله وتقع استدلالا لا اضطرارا لأنها لو كانت تعلم بضرورة لاستوى ~~فيها العقلاء # إلى أن قال فثبت أن المعرفة لا تقع إلا من ناحية السمع على ما نقول إن ~~الله لا يخلى خلقه في وقت من الأوقات ولا في عصر من الأعصار ممن يعرفه ~~إليهم فتعرف إليهم على ألسنة رسله وأرسل الرسل بالدعاء إليه والدلالة عليه ~~لكيلا تسقط حجج الله # وكان كل نبي يعرف أمته معبودهم كقول نوح لقومه { يا قوم ms1804 إني لكم نذير ~~مبين أن اعبدوا الله } سورة نوح 3 وكقول شعيب { يا قوم اعبدوا الله } سورة ~~الأعراف 85 # وكذلك في قصص غيرهم من الرسل كل منهم يديم الدعوة لقومه فإذا قبض كان حكم ~~شريعته قائما في حال الفترة إلى أن ينسخها الله بإرسال نبي آخر فيقوم ~~الثاني لأمته في التعريف والدعوة قيام الماضي لأمته فما أخلى الله الخلق من ~~سمع يعرفونه به ويستدلون به على ربوبيته ومعرفة أسمائه PageV09P007 # قلت ففي هذا الكلام قد جعل العلم ثلاثة أنواع أحدها هو الذي يعرف بالعقل ~~والثاني المعرفة التي لا تحصل إلا بالسمع والثالث ما لا سبيل إلى معرفته لا ~~بعقل ولا بسمع # فالأول المعرفة المطلقة المجملة بأن هذه المحدثات التي يعجز عنها الخلق ~~لا بد لها من صانع ولكن هذه المعرفة لا تفيد معرفة عينه ولا أسمائه فإن ~~المحدثات إنما تدل على فاعل ما مطلق من حيث الجملة وكذلك سائر ما يذكر من ~~البراهين القياسية فإنما تدل على أمر مطلق كلي إذ كان البرهان المنطقي ~~العقلي لا بد فيه من قضية كلية والنتيجة موقوفة على جميع المقدمات فإذا كان ~~المدلول عليه لم تعرف عينه قبل الاستدلال لم يدل هذا الدليل الا على أمر ~~مطلق كلي # وإيضاح ذلك أنه إذا استدل بحدوث المحدثات على أن له محدثا وبإمكان ~~الممكنات على أن هناك واجبا فإنه لم يعرف إلا وجود محدث واجب بنفسه وهذا ~~معنى كلي مطلق لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه فلا يكون في ذلك ~~معرفة عينه ولو وصف هذا بصفات مطلقة لم يخرجه ذلك عن أن يكون مطلقا كليا # ثم إنه ضل من ضل من الجهمية نفاة الصفات من المتفلسفة والمعتزلة ~~والمتصوفة حيث أثبتوا وجودا واجبا قديما ثم وصفوه بصفات سلبية توجب امتناع ~~تعينه وأنه لا يكون إلا مطلقا وقد علم أن ما لا يكون إلا مطلقا كليا لا ~~يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان فيكون ما أثبتوه لا وجود له في الخارج # ومن المعلوم الفرق بين كون الدليل ms1805 لم يدل على عينه وبين نفي تعينه PageV09P008 ~~فإن من سلك النظر الصحيح علم أنه موجود معين متميز وإن كان دليله لم يدله ~~على عينه بخلاف من نفى تعينه وجعله مطلقا كليا أو قال ما يستلزم ذلك فإن ~~هذا معطل له في الحقيقة # ومثال هذا من علم بالدليل وجود نبي مرسل أرسله الله إلى خلقه ولم يعلم ~~عينه فهذا قد علمه علما مطلقا وأما من قال إن هذا النبي إنما يوجد مطلقا لا ~~معينا فهذا قد نفى وجوده في الخارج فإذا تبين أن القياس العقلي البرهاني لا ~~يفيد إلا معرفة مطلقة كلية فمعلوم أن أسماءه لا تعرف إلا بالسمع فبالسمع ~~عرفت أسماء الله وصفاته التي يوصف بها من الكلام # ولولا السمع لما سمي ولا ذكر ولا حمد ولا مدح ولا نعت ولا وصف فإن كان ~~هذا هو الذي أرادوه بمعرفة عينه ومن هو فلا ريب أنه لا يحصل إلا بالسمع وإن ~~أراد بذلك معرفة أخرى مثل المعرفة بسائر نعوته التي أخبرت بها الرسل فهذا ~~أيضا يعلم بالسمع ومنها ما لا يعلم بمجرد القياس العقلي ومنها ما قد تنازع ~~الناس هل يعلم بالعقل أم لا # وأما معرفة عين المسمى الموصوف الذي علم وجوده فهذا في المخلوقات يعرف ~~بالإحساس ظاهرا أو باطنا إما بالإحساس بعينه أو بالإحساس بخصائصه فمن علم ~~اسم شخص ونعوته أو اسم أرض وحدودها فإنه يعرف عينها بالرؤية إما بمخبر ~~يخبره أن هذا المعنى هو الموصوف المسمى وإما بأن يرى اختصاص ذلك المعين ~~بتلك الأسماء والصفات # قال تعالى { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } سورة ~~البقرة 126 فمن عرف نعوت النبي صلى الله عليه وسلم التي نعت PageV09P009 ~~بها في الكتب المتقدمة ثم رآه ورأى خصائصه علم أن هذا هو ذاك لعدم الاشتراك ~~في تلك الصفات # وهذه المعرفة قد تكون بمشاهدة عينه كالذين شاهدوه وقد لا تكون بمشاهدة ~~عينه بل بطرق أخرى يعلم بها أنه هو كما يعلم أن القرآن تلقى عنه وأنه هاجر ~~من مكة إلى المدينة ومات بها ms1806 وأنه هو المذكور في الأذان وهو الذي يسميه ~~المسملون محمدا رسول الله وهو صاحب هذه الشريعة التي عليها المسلمون فهذه ~~الأمور تعرف بها عينه من غير مشاهدة # وكذلك قد تعرف عين خلفائه وأصحابه وغيرهم من الناس وتعرف أقوالهم ~~وأفعالهم وغير ذلك من أحوالهم معرفة معينة لا اشتراك فيها مع عدم المعاينة # لكن قد شوهد آحاد الأناسي وعلم أن هؤلاء من هذا النوع ولكن لم يشهد ما ~~يشبه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه من كل وجه وإنما شوهد ما يشبههم من ~~بعض الوجوه # فهذا القدر المسمى يعلم بمشاهدة نظيره وأما القدر الفارق فلا بد أن يشارك ~~غيره في وصف آخر فيعلم ما بينهما من القدر المشترك أيضا # فالأمور الغائبة لا يمكن معرفتها ولا التعريف بها إلا بما بينها وبين ~~الأمور الشاهدة من المشابهة لكن إذا عرف أنه لا شركة في ذلك علم أنه واحد ~~معين من علم بعض صفاته وإن جوز فيه الشركة لم يعلم عين ذاك PageV09P010 # ففي الجملة معرفة عين من علم بعض صفاته قد يحصل بالسماع وقد يحصل بالعيان ~~وقد يحصل بإلاستدلال والعلم بالموصوف قد يعلم بطرق متعددة فمن علم نعت ~~الملك ثم رآه فقد يعلم عينه لما استقر عنده من معرفة صفاته وقد يعلم ذلك ~~بمن يخبره أن ذلك المسمى الموصوف هو هذا المعين # ولهذا إذا كان في كتاب الوقف ونحوه حدود عقار وصفاته فقد تعلم الحدود ~~بالمعاينة والاستدلال بأن لا يدل ما يطابق تلك النعوت إلا هي وقد يعلم ~~بالخبر والشهادة ما يشهد الشهود بأن الحد المسمى الموصوف هو هذا المعين ~~وإذا شهد الشهود على مسمى منسوب وكتب بذلك حاكم إلى حاكم آخر أو شهد شهود ~~فرع على شهود أصل فإنه يعلم عين المسمى المنسوب كمن شهد بنسبه ولا يوجد له ~~شريك فإن وجد له شريك لم تعلم عينه بالشهادة باسمه ونسبه وصار ذلك كالحلية ~~والنعت المشترك وهل يشهد بالتعيين بمجرد الحلية عند الحاجة فيه نزاع بين ~~الفقهاء # وكما أن معرفة عين الموصوف تحصل بطرق فنفس ms1807 العلم الأول بصفته المختصة ~~يحصل بطرق والعلم بالمعينة قد يكون بالمشاهدة الظاهرة وقد يكون بالمشاهدة ~~الباطنة وقد لا يكون إلا لمجرد الآثار # ومما يبين الفرق بين المعين والمطلق ما ذكره الفقهاء في باب الأعيان ~~المشاهدة والموصوفة فإن المبيع قد يكون معينا وقد لا يكون والمعين قد يكون ~~مشاهدا فهذا يصح بيعه بالإجماع وقد يكون غائبا وفيه ثلاثة أقوال مشهورة ~~للعلماء وهي ثلاث روايات عن أحمد أحدها أنه لا PageV09P011 ~~يصح بيعه كظاهر المذهب الشافعي والثاني يصح وصف أو لم يوصف كمذهب أبي حنيفة ~~والثالث وهو مذهب مالك والمشهور من مذهب أحمد أنه يصح بالصفة ولا يصح بدونها # ولو تلف هذا المبيع قبل التمكن من قبضه بآفة سماوية انفسخ البيع فيه ~~باتفاق العلماء ولم يكن للمشتري المطالبة ببدله لأن حقه تعين في عين معينة ~~وأما المبيع المطلق في الذمة فمثل دين السلم فإنه أسلم في شيء موصوف مطلق ~~ولم يعينه وهو بمنزلة الثمن المطلق الذي لم يعين وبمنزلة الديون التي ثبتت ~~مطلقة كالصداق وبدل القرض والأجرة ونحو ذلك # ومثله في الواجبات الشرعية وجوب عين رقبة مطلقة ونحو ذلك فهنا الواجب أمر ~~مطلق لم يتعين بل لمن هو عليه أن يأتي بأي عين من الأعيان إذا حصل به ~~المقصود ولو أتى بمعين فتلف قبل التمكن من قبضه كان للمستحق المطالبة بعين أخرى # وهكذا قال الفقهاء في الهدي المطلق كهدي التمتع والقران والهدي المعين ~~كما لو نذر هديا بعينه فإن المعين لو تلف بغير تفريط منه لم يكن عليه بدله ~~بخلاف ما وجب في الذمة فإنه لو عينه وتلف كان عليه إبداله # وكل موجود في الخارج فهو في نفسه معين لكن العلم به قد يكون مع العلم ~~بعينه وقد لا يكون مع العلم بعينه كالمبيع إذا كان مشاهدا فقد عرف المشتري ~~عينه وإذا كان غائبا فهو معين في نفسه والمشترى لا يعرف عينه وإنما يعرف ~~منه أمرا مطلقا سواء كان ذلك المطلق لا يحتمل سواه أو يحتمله ويحتمل غيره ~~فإنه قد يبيعه العبد أو ms1808 الأرض التي من PageV09P012 ~~صفتها كذا وكذا ويصفها بصفات تميزها لا تحتمل دخول غيرها فيها وهذا بخلاف ~~المسلم فيه فإنه لا يكون معينا ومتى كان معينا بطل السلم كما لو أسلم في ~~ثمن بستان بعينه أو زرع أرضا بعينها قبل بدو الصلاح كما جاء ذلك في حديث ~~مسند عن النبي صلى الله عليه وسلم # إذا تبين هذا فإذا عرف ثبوت محدث للحوادث واجب قديم وعلم انتفاء الشركة ~~فيه بأنه واحد لا شريك له في الخلق أو غير ذلك من خصائصه التي لا يوصف بها ~~اثنان مثل أنه رب العالمين وأنه على كل شيء قدير ونحو ذلك فقد تعرف عينه ~~بالعقل عرف أنه واحد معين في نفس الأمر لا شركة فيه فيطلب القلب حينئذ ~~معرفة عينه بخلاف ما يمكن الشركة فيه # وإذا كان كذلك فقد يعترض المعترض على قول من قال إن عينه لا تعرف إلا ~~بالسمع ويقول التعيين حينئذ بما جعل الله في القلوب من ضرورة المعرفة ~~والقصد والتوجه والإشارة إلى ما فوق السماوات فإنها مفطورة على أنه ليس فوق ~~العالم غيره # ولهذا كان منكرو علو الله ومباينته لمخلوقاته من الجهمية الحلولية أو ~~النفاة للحلول والمباينة ونحوهم إنما يثبتون وجودا مطلقا لا يعين ولا يشار PageV09P013 ~~إليه بل يقولون بلا إشارة ولا تعيين وهؤلاء يثبتون وجودا مطلقا كليا لا ~~يعينونه لا ببواطنهم ولا يظواهرهم ولهذا يبقون في حيرة واضطراب تارة يجعلون ~~حالا في المخلوقات لا يختص بشيء وتارة يسلبونه هذا وهذا ويقولون الحق لا ~~يقيد ولا يخصص ولا يقبل الإشارة والتعيين ونحو ذلك من العبارات التي ~~مضمونها في الحقيقة نفي ثبوته في الخارج فإن كل موجود في الخارج فإنه متعين ~~متميز عن غيره مختص بخصائصه التي لا يشركه فيها غيره # وهذا هو المقيد في اصطلاحهم وهم يظنون أن ما ذكروه ثابت في الخارج لكنهم ~~ضالون في ذلك وضلالهم كضلال في أمور كثيرة لا توجد إلا في الأذهان ظنونا ~~ثابتة في الأعيان ومن هنا ضل من ضل في مسألة المعدوم هل هو شيء ms1809 أم لا وفي ~~مسألة الأحوال وفي مسألة وجود الموجودات هل هو ما هيتها الثابتة في الخارج ~~أو غير ذلك والكلي الطبيعي هل هو ثابت في الخارج أم لا # وجماع أمرهم أنهم جعلوا الأمور العقلية التي لا تكون ثابتة إلا في العقل ~~كالمطلقات الكلية ونحوها أمورا موجودة ثابتة في الخارج وزعموا أن هذا هو ~~الغيب الذي أخبرت به الرسل وذلك ضلال # فإن الغيب الذي أخبرت به الرسل هو مما يمكن الإحساس به في الجملة ليس مما ~~لا يمكن الإحساس به لكن مشاهدته والإحساس به يكون بعد الموت وفي الدار ~~الآخرة وهناك الحياة وتوابعها من الإحساس والعمل أقوى وأكمل فإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان PageV09P014 # فالرسل لم تفرق بين الغيب والشهادة بأن أحدهما معقول والآخر محسوس كما ظن ~~ذلك من ظنه من المتفلسفة والجهمية ومن شركهم في بعض ذلك وإنما فرقت بأن ~~أحدهما مشهود الآن والآخر غائب عنا لا نشهده الآن ولهذا سماه الله تعالى غيبا # قال تعالى { الذين يؤمنون بالغيب } سورة البقرة 3 لم يسمه معقولا وقد بسط ~~الكلام على هذا في موضعه # والمقصود هنا أن ما عرف وصفه تعرف عينه بوجه من وجوه الإحساس إما بذاته ~~وإما ببعض خصائصه والله تعالى يختص بما فوق العالم فالعباد يشيرون إلى ذلك ~~ويعلمون أن خالق العالم هو الذي فوق العالم لا يشركه في ذلك أحد وهذا العلم ~~قد يحصل بالفطرة وقد يحصل بالاستدلال والقياس وقد يحصل بالسمع من الرسل كما ~~أخبرت بأن الله فوق العالم # ولهذا قال فرعون { يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا } سورة غافر 36 37 # ولهذا كان معراج نبينا صلى الله عليه وسلم إلى السماء وكذلك سائر ما ~~تعرفه القلوب من خصائصه # وقد يقال هو تعيين يمكن حصوله بدون السمع وذلك أن معرفة عينه بالمشاهدة ~~لا تحصل في الدنيا فلم يبق الا معرفة عينه بغير هذه الطريق كما يعرف عين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من لم يشاهده بمعرفة ما ms1810 يعرفه من خصائصه PageV09P015 # وأما القائل إن عينه لا تعرف إلا بالسمع فقد يقول إن ما حصل للقلوب من ~~معرفة عينه إنما حصل بالسمع # والناس متنازعون في كونه فوق العالم هل هو من الصفات التي تعلم بالعقل ~~كما هو قول أكثر السلف والأئمة وهو قول ابن كلاب وابن كرام وآخر قولي ~~القاضي أبي يعلى أو هو من الصفات السمعية التي لا تعلم إلا بالسمع كما هو ~~قول كثير من أصحاب الأشعري وهو أول قولي القاضي أبي يعلى وطائفة معه # فابن أبي موسى وأمثاله قد يقولون بهذا ويقولون لم نعلم ذلك إلا بالسمع ~~ويقولون لم نعلم أنه فوق السماء الا بالسمع لكن كلامه أعم من ذلك # وكلامهم يصح إذا فسر بأنواع من التعيين التي لم تعلم إلا بالسمع كالصفات ~~الخبرية أو فسر بأن السمع هو الذي أرشد العقول إلى ما به يعلم التعيين وأنه ~~لولا إرشاد السمع لم يعلم ذلك أو بأنه أراد بالتعيين معرفة الأسماء والصفات ~~القولية التي يوصف الله بها أو أراد بذلك أن كثيرا من الناس أو أكثرهم لا ~~تحصل لهم معرفة شيء من التعيين إلا بالسمع # وكثير ممن يقول بوجوب النظر وأنه أول الواجبات أو أول الواجبات المعرفة ~~يقولون مع ذلك إن المعرفة لا تحصل إلا بالشرع كما ذكر ذلك أبو الفرج ~~المقدسي وابنه عبد الوهاب وابن PageV09P016 ~~درباس وغيرهم كما قال من قال قبلهم إنها لا تحصل إلا بالشرع # وهؤلاء يريدون بالعقل الغريزة ولوازمها من العلوم التي تحصل لعامة ~~العقلاء وأن ذلك بمجرده لا يوجب المعرفة بل لا بد من أمر زائد على ذلك كما ~~قالوا في استدلالهم إن المعرفة لو كانت بالعقل لكان كل عاقل عارفا ولما وجد ~~جماعة من العقلاء كفارا دل على أن المعرفة لم تثبت بالعقل # ألا ترى أن ما يدرك بالضرورة لا يختلف أرباب النظر فيه وهذا إنما ينفي ~~المعرفة الإيمانية وإلا فعامة العقلاء يقرون بالصانع # وأيضا فهذا ينفي أن تكون المعرفة الإيمانية ضرورية وهو أيضا يوجب أن ~~الطرق العقلية النظرية لا تفصل ms1811 موارد النزاع ولا يحصل عليها الإجماع وهو ~~كما قالوا فإن الطرق القياسية العقلية النظرية وإن كان منها ما يفضي إلى ~~العلم فهي لا تفصل النزاع بين أهل الأرض تارة لدقتها وغموضها وتارة لأن ~~النفوس قد تنازع في المقدمات الضرورية كما ينازع أكثر النظار في كثير من ~~المقدمات الضرورية # ولهذا لم يأمر الله عند التنازع إلا بالرد إلى الكتب المنزلة # قال تعالى { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } PageV09P017 ~~سورة البقرة 213 فجعل الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه الكتاب المنزل من السماء # وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } سورة النساء 59 ~~فأمر عند التنازع بالرد إلى الله والرسول # ولهذا قال هؤلاء المقررون لكون المعرفة لا تحصل بمجرد العقل ما قاله عبد ~~الوهاب بن أبي الفرج وغيره إنا نقول إن المعرفة لو كانت بالعقل لوجب أن ~~يكون كل عاقل عارفا بالله تعالى مجمعا على رأي واحد في التوحيد ولما وجدنا ~~جماعة من العقلاء كفارا مع صحة عقولهم ودقة نظرهم دل على أن المعرفة لم ~~تحصل بالعقل لأن العقل حاسة من جملة الحواس فالحواس لا تختلف في محسوساتها ~~ألا ترى أن ما يدرك بالنظر من أسود وأحمر وأخضر وأصفر وحيوان وحجر لا يختلف ~~أرباب النظر فيه فدل على أن معرفة الله حصلت بمعنى غير العقل لوجود ~~الاختلاف في المعرفة والاتفاق فيما طريقه العقل والحواس # وتسمية هؤلاء للعقل حاسة من الحواس هو مما نازعهم فيه طوائف من أصحابهم ~~وغيرهم كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره والنزاع في ذلك عند التحقيق يرجع إلى ~~اللفظ ولذلك قالوا لو كان العقل علة في معرفة الباري لوجب أن تحصل المعرفة ~~بوجوده وتعدم بعدمه كالمنظورات تدرك بوجود البصر وتعدم معرفتها ونظرها بعدم ~~البصر وكذلك المسموعات وسائر المحسوسات PageV09P018 # ولما رأينا المسلم يرتد عن الإسلام مع وجود عقله الذي كان به قبل ~~الارتداد مؤمنا ms1812 علمنا أن المعرفة حصلت له بغير ذلك وكذلك نرى المؤمن بالله ~~يذهب عقله ويحكم بجنونه وهو باق على المعرفة مقر بالتوحيد عارف بالله ~~وعقلاء كثيرون يكفرون بالله ويشركون به فدل على أن المعرفة مستفادة بمعنى ~~غير العقل # وهذا الكلام يقتضي أن مجرد الغريزة ولوازمها لا تستلزم المعرفة الواجبة ~~على العباد وهذا مما لا ينازع فيه أحد فإن من يقول إن المعرفة تحصل بالعقل ~~يقول إن أصل الإقرار بالصانع يحصل بعلوم عقلية ولكن ليس ذلك هو جميع ~~المعرفة الواجبة ولا بمجرد ذلك يصير مؤمنا # وهذا العقل هو العقل الذي هو شرط في الأمر والنهي وقد يراد بالعقل ما ~~تحصل به النجاة كما قال تعالى عن أهل النار { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ~~ما كنا في أصحاب السعير } سورة الملك 10 # وقال تعالى { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل سبيلا } سورة الفرقان 44 # وقال تعالى { إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } سورة يوسف 2 # وقال { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } سورة ~~العنكبوت 43 وأمثال ذلك في القرآن # واحتجوا على أن المعرفة لا تحصل بمجرد العقل بقوله تعالى { وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ~~إذ كانوا يجحدون بآيات الله } PageV09P019 ~~سورة الأحقاف 26 # وهذه الآية وأمثالها تدل على أن السمع والأبصار والأفئدة لا تنفع صاحبها ~~مع جحده بآيات الله فتبين أن العقل الذي هو مناط التكليف لا يحصل بمجرده ~~الإيمان النافع والمعرفة المنجية من عذاب الله وهذا العقل شرط في العلم ~~والتكليف لا موجب له # احتجوا أيضا بما ذكروه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تعلموا العلم ~~فإن تعليمه لله خشية وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه ~~لمن لا يعلمه صدقة به يعرف الله ويعبد وبه يمجد الله ويوحد هو إمام العمل ~~والعمل تابعه يرفع الله بالعلم أقواما فيجعلهم للناس قادة وأئمة يقتدى بهم ~~وينتهى إلى رأيهم PageV09P020 # قالوا فوجه ms1813 الدليل قوله به يعرف الله ويعبد وهذا الكلام معروف عن معاذ بن ~~جبل رضي الله عنه رووه عنه بالأسانيد المعروفة وهو كلام حسن ولكن روايته ~~مرفوعا فيه نظر وفيه أن الله يعرف ويعبد بالعلم لا بمجرد الغريزة العقلية ~~وهذا صحيح لا ينازع فيه من يتصور ما يقول # ومن يقول إن المعرفة تحصل بالعقل يقول إنما تحصل بعلوم عقلية أي يمكن ~~معرفة صحتها بنظر العقل لا يقول إن نفس العقل الذي هو الغريزة ولوازمها ~~يوجب حصول المعرفة والعبادة # وقد تنازع كثير من الناس في مسمى العلم والعقل أيهما أشرف وأكثر ذلك ~~منازعات لفظية فإن العقل قد يراد به الغريزة وقد يراد به علم يحصل بالغريزة ~~وقد يراد به عمل بالعلم # فإذا أريد به علم كان أجدهما من جنس الآخر لكن قد يراد بالعلم الكلام ~~المأثور عن المعصوم فإنه قد ثبت أنه علم لقوله { فمن حاجك فيه من بعد ما ~~جاءك من العلم } سورة آل عمران 61 وأمثاله # ويراد بالعقل الغريزة فهنا يكون أحدهما عين الآخر ولا ريب أن مسمى العلم ~~بهذا الاعتبار أشرف من مسمى العقل فإن مسمى العلم هنا كلام الله تعالى ~~وكلام الله أشرف من الغريزة التي يشترك فيها المسلم والكافر # وأيضا فقد تسمى العلوم المسموعة عقلا كما قيل PageV09P021 # % رأيت العقل عقلين % فمطبوع ومسموع % # % فلا ينفع مسموع % إذا لم يك مطبوع % # كما لا تنفع العين % وضوء الشمس ممنوع % # وأما العمل بالعلم وهو جلب ما ينفع الإنسان ودفع ما يضره بالنظر في ~~العواقب فهذا هو الأغلب على مسمى العقل في كلام السلف والأئمة كالآثار ~~المروية في فضائل العقل # ومنه الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان مرسلا إن الله ~~يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات # وبهذا الاعتبار فالعقل يتضمن العلم والعلم جزء مسماه ومعلوم أن مجموع ~~العلم والعمل به أفضل من العلم الذي لا يعمل به # وهذا كما قال غير واحد من السلف في مسمى الحكمة كما قال مالك بن أنس ms1814 ~~الحكمة معرفة الدين والعمل به وكذلك قال الفضيل بن PageV09P022 ~~عياض وابن قتيبة وغير واحد من السلف قال الشاعر # % وكيف يصح أن تدعى حكيما % وأنت لكل ما تهوى ركوب % # وقال آخر # % ابدأ بنفسك فانهها عن غيها % فإذا انتهت عنه فأنت حكيم % # وهذا المعنى موجود في سائر الألسنة لكن لكل أمة حكمة بحسبها كما أن لكل ~~أمة دينا فاليونان لهم ما يسمونه حكمة وكذلك الهند وأما حكمة أهل الملل فهي ~~أجل من ذلك # ومما احتج به هؤلاء أنهم قالوا لا يدرك بالعقل إلا ما يكنفه العقل ويحيط ~~به علما والباري سبحانه وتعالى لا تدركه العقول ولا تحيط به لقوله تعالى { ~~ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } سورة البقرة 255 وقوله { ولا يحيطون ~~به علما } سورة طه 110 # قال ذو النون المصري العقل عاجز ولا يدل إلا على عاجز فأما الربوبية فلا ~~سبيل إلى كيفية إدراكها بالعقول ليس هو إلا الرضى والتسليم والإيمان ~~والتصديق لكن هذا الكلام وما يشبهه إنما يقتضي أن معرفة كنهه وحقيقته لا ~~تدركه العقول وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء وإنما نازع في ذلك ~~طوائف من متكلمي المعتزلة ومن وافقهم # ولهذا كان السلف والأئمة يذكرون أنهم لا يعرفون كيفية صفاته كقولهم ~~الاستواء معلوم والكيف مجهول وهذا الكيف المجهول هو PageV09P023 ~~التأويل الذي لا يعلمه إلا الله وهذا هو النوع الثالث من العلم الذي ذكر ~~ابن أبي موسى أن الله انفرد به # وقد قال ابن عباس التفسير أربعة أوجه تفسير تعرفة العرب من كلامها وتفسير ~~لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله من ~~ادعى علمه فهو كاذب وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين أن لفظ ~~التأويل لفظ مشترك بحسب الاصطلاحات بين صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى ~~المرجوح وبين تفسير اللفظ وبيان معناه وبين الحقيقة التي هي نفس ما هو عليه ~~في الخارج وأن التأويل بالمعنى الثاني كان السلف يعلمونه ويتكلمون به ~~وبالمعنى الثالث انفرد الله به وأما بالمعنى ms1815 الأول فهو كتحريفات الجهمية ~~التي أنكرها السلف وذموها # ومما احتج به هؤلاء القدر وأن العلم والإيمان يحصل للعبد بفضل الله ورحمته # قال عبد الوهاب وأيضا فإن الله قال في حق المؤمنين { أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان } سورة المجادلة 58 فاعلم أن الإيمان من تفضله وكتبه في القلوب فأي ~~عمل للعقل بعد ذلك وإنما العقل بمنزلة القارىء للمكتوب فإن كان في القلب ~~شيء مكتوب قرأه العقل كالمسطور يدركه النظر وإذا لم يكن في القلوب شيء ~~مكتوب لم يفد العقل فائدة قال ثم نقول هل نال الأنبياء النبوة بعقولهم أم ~~بإصطفاء الله لهم وإرساله إليهم الملائكة فإن قال بعقولهم فقد أكذبه الله ~~تعالى بقوله { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس } سورة PageV09P024 ~~الحج 75 وإذا ثبت أن العقل لم يفد الرسالة والنبوة وإنما ذلك اختصاص من ~~الله لهم كذلك معرفة الله والإيمان به ليس للعقل في ذلك شيء وإنما العقل ~~شرط في التكليف والخطاب بالشرع كالحياة والوجود # قال والده أبو الفرج قال بعض أصحابنا عرف بنور الهداية وقال غيره عرفنا ~~نفسه بتعرفه والجميع واحد # قال وقد روي ذلك عن جماعة من السلف الصالح فسئل بعضهم أعرفت الله بمحمد ~~أم عرفت الله به فقال عرفت الله به وعرفت محمدا بالله ولو عرفت الله بمحمد ~~لكانت المنة لمحمد دون الله # قلت هذه الطريقة تصلح أن تكون ردا على القدرية من المعتزلة ونحوهم الذين ~~يقولون إن ما يحصل باختيار العبد من علم وعمل فإنه هو الذي أحدثه بدون ~~معونة من الله له ولا هدى يسره له خصه به دون الكافر بل يجعلون المؤمن ~~والكافر سواء فيما فعل الله بهما من أسباب الهداية حيث أرسل الرسول إليهما ~~جميعا وخلق لكل منهم استطاعة يتمكن بها من الإيمان وأزاح علة كل منهما # بل يقولون إنه يجب عليه أن يفعل بكل منهما من اللطف الذي يؤمن به اختيارا ~~كل ما يقدر عليه فيفعل به الأصلح في دينه وأنه ليس في المقدور مما يؤمن به ~~اختيار شيء ولكن المؤمنون كأبي ms1816 بكر وعلي آمنا بأنفسهما والكفار كأبي لهب ~~وأبي جهل كفرا بأنفسهما من غير أن يختص الله المؤمن بأسباب تقتضي إيمانه ~~ولهذا قال لهم الناس إذا كان الأمر كذلك وهما مستويان في أسباب الإيمان فلم ~~اختص أحدهما PageV09P025 ~~بوجود الإيمان منه دون الآخر وإذا قالوا بمشيئته وقدرته قالوا لهم إن كان ~~للكافر مثل ذلك بطل الاختصاص وإن لم يكن له مثل ذلك كان المؤمن مخصوصا ~~بأسباب من الهداية لم يحصل مثلها للكافر # وأيضا فإن الله يسأل الهدى إلى الصراط المستقيم في كل صلاة والهدى ~~المشترك بين المؤمن والكافر قد فعله بل يجب عنده عليه فعله فما المطلوب ~~بالدعاء بعد ذلك # وأيضا فإن الله تعالى قال { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير ~~من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان } سورة الحجرات 7 الآية فبين أنه حبب الإيمان إلى ~~المؤمنين وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان # والقدرية من المعتزلة والشيعة تتأول ذلك بأنه حبب الإيمان إلى كل مكلف ~~وزينه بما أظهره من دلائل حسنه وكره الكفر بما أظهره من دلائل قبحه # فيقال لهم أول الآية وآخرها خطاب للمؤمنين بقوله { واعلموا أن فيكم رسول ~~الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } سورة الحجرات 7 وقال في آخرها { ~~أولئك هم الراشدون } فبين أن الذين حبب إليهم الإيمان وكره إليهم الكفر هم ~~الراشدون والكفار ليسوا براشدين ولو كان قد فعل بالكفار كما فعل بهم لم يصح ~~أن يمتن عليهم بما يشعر اختصاصهم به PageV09P026 # كما قال في أثناء السورة { يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم ~~بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين } سورة الحجرات 17 فلو ~~كان المراد بالهداية الهداية التي يشترك فيها المؤمن والكافر لم يقل إن ~~كنتم صادقين فإن تلك حاصلة سواء كانوا صادقين في قولهم أمناء أو لم يكونوا صادقين # وهذا كقوله { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه } ~~سورة البقرة ms1817 213 وأمثال ذلك مما يبين اختصاص المؤمنين بهدي ليس للكفار # كقوله { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا } سورة الأنعام 125 # وقوله { فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة } سورة الأعراف 30 # وقوله { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } سورة الشورى 52 ومثل ~~هذا في القرآن كثير وليس هذا موضع بسط هذه المسألة ولكن المقصود التنبيه ~~على المأخذ # فالمعتزلة يقولون إن ما يحصل بكسب العبد واختياره من المعرفة ليس مما ~~جعله الله في قلبه ويقولون إن المعرفة الواجبة لا تكون مما يقذفها الله في ~~قلب العبد لأن الواجب لا يكون إلا مقدورا للعبد ومقدورات العباد عندهم لا ~~يفعلها الله ولا يحدثها ولا له عليها قدرة وقد يقولون إنه لا يستحق الثواب ~~إلا على مقدوره PageV09P027 # ولهذا يقول من يقول منهم إنه يمتنع أن تكون ضرورية لأنه حينئذ لا يستحق ~~عليها الثواب لكن هنا هم متنازعون فيه لإمكان أن يكون الثواب على ما سوى ~~ذلك كما أن الحياة والقدرة على النظر والعلوم الضرورية هي من خلق الله ~~عندهم ولا ثواب فيها ولا أجر لها # ولهذا جوز أهل الإثبات أن تقع المعارف النظرية ضرورية وبالعكس ولأن ذلك ~~لا ينافي ما وعد الله به من الثواب عندهم بل يجوز عندهم أن يجعل الله في ~~قلب العبد من معرفته ومحبته ما يحصل بغير كسبه ويثيبه عليه أعظم الثواب # فالذين احتجوا من أهل السنة على أن المعرفة والإيمان تحصل للعبد بفضل ~~الله ورحمته وهدايته وتعريفه ونحو ذلك من العبارات يتضمن قولهم إبطال قول ~~هؤلاء القدرية # وهذا صحيح لكن ليس في ذلك ما يقتضي أن المعرفة لا يمكن أن تحصل بنظر ~~العقل كما أنه ليس في ذلك ما يقتضي أنها لا تحصل بتعليم الرسول والعلماء ~~والمؤمنين ودعائهم وبيانهم واستدلالهم بل من المعلوم أن العلم يحصل في قلب ~~العبد تارة بما يسمعه من الناس ms1818 من البيان والتعليم إما إرشادا إلى الدليل ~~العقلي وإما إخبارا بالحق الواقع # وتحصل تارة بما يقذفه في قلبه من النظر والاعتبار والاستدلال الذي ينعقد ~~في قلبه كما يحصل تارة بكسبه واستدلاله # ويحصل تارة بما يضطره الله إليه من العلم من غير اكتساب منه وإن PageV09P028 ~~كان العلم الذي حصل باكتسابه ونظره وهو مضطر إليه في آخر الأمر فلا يمكن ~~العالم العارف بعد حصول المعرفة في قلبه بدليل أو غير دليل أن يدفع ذلك عن ~~قلبه اللهم إلا بأن يسعى فيما يوجب نسيانه وغفلته عن ذلك العلم وقد لا ~~يمكنه تحصيل الغفلة والنسيان # وذلك أن ما كتبه الله في قلوب المؤمنين من الإيمان سواء حصل بسبب من ~~العبد كنظره واستدلاله أو بسبب من غيره أو بدون ذلك هو والأسباب التي بها ~~حصل بقضاء الله وقدره وهي من نعمة الله على عبده فإن الله هو الذي من ~~بالأسباب والمسببات فمن ظن أن المعرفة والإيمان يحصل بمجرد عقله ونظره ~~واستدلاله كما تقول القدرية كان ضالا وهذا هو الذي أبطله هؤلاء # وقولهم إن العقل شرط في التكليف والخطاب كالوجود والحياة كلام صحيح ~~والشرط له مدخل في حصول المشروط به كما للحياة مدخل في الأمور المشروطة بها # والعقل قد يراد به الغريزة وقد يراد به نوع من العلم ونوع من العمل وكل ~~هذه الأمور هي من الأمور المعينة على حصول الإيمان ولهذا يتفاضل الناس في ~~الإيمان بحسب تفاضلهم في ذلك # وأهل السنة لا ينكرون وجود ما خلقه الله من الأسباب ولا يجعلونها مستقلة ~~بالآثار بل يعلمون أنه ما من سبب مخلوق إلا وحكمه متوقف على سبب آخر وله ~~موانع تمنع حكمه كما أن الشمس سبب في الشعاع وذلك موقوف على حصول الجسم ~~القابل له وله مانع كالسحاب والسقف PageV09P029 # والله خالق الأسباب كلها ودافع الموانع ولهذا كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول في خطبته من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له # كما قال تعالى { من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن ms1819 تجد له وليا مرشدا ~~} سورة الكهف 17 وقال تعالى { من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم ~~الخاسرون } سورة الأعراف 178 وقال تعالى { ومن يهد الله فهو المهتد ومن ~~يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه } سورة الإسراء 97 # ولهذا كان مذهب أهل السنة أن ما يحصل بالقلب من العلم وإن كان بكسب العبد ~~ونظره واستدلاله واستماعه ونحو ذلك فإن الله تعالى هو الذي أثبت ذلك العلم ~~في قلبه وهو حاصل في قلبه بفضل الله وإحسانه وفعله # والقدرية لا يجعلونه من فعل الله بل يقولون هو متولد عن نظره كتولد الشبع ~~عن الأكل والري عن الشرب والجرح عن الجرح فيجعلون هذه الأمور المتولدات عن ~~الأسباب المباشرة من فعل العبد فقط كما يقولون في الأمور المباشرة PageV09P030 # وقد عارضهم من ناقضهم من متكلمة الإثبات فلم يجعل للعبد فعلا ولا أثرا في ~~هذه المتولدات بل جعلها من مخلوقات الله التي لا تدخل تحت مقدور العباد ولا ~~فعلهم ولم يجعل للعبد فعلا إلا ما كان في محل قدرته وهو ما قام ببدنه دون ~~ما خرج عن ذلك # والقول الوسط أن هذه الأمور التي يقال لها المتولدات حاصلة بسبب فعل ~~العبد وبالأسباب الأخرى التي يخلقها الله فالشبع يحصل بأكل العبد وابتلاعه ~~وبما جعله الله في الإنسان وفي الغذاء من القوى المعينة على حصول الشبع # وكذلك الزهوق حاصل بفعل العبد وبما جعله في المحل من قبول الانقطاع وهو ~~سبحانه خالق للأثر المتولد عن هذين السببين اللذين أحدهما فعل العبد وهو ~~خالق للسببين جميعا # ولهذا كان العبد مثابا على المتولدات والله تعالى يكتب له بها عملا وقد ~~ذكر الأفعال المباشرة والمتولدة في آيتين في القرآن # قال تعالى { ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا ~~يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح } ~~سورة التوبة 120 فهذه الأمور كلها هي مما يسمونه متولدا فإن العطش والتعب ~~والجوع هو من المتولدات وكذلك غير الكافر PageV09P031 # وكذلك ms1820 ما يحصل فيهم من هزيمة ونقص نفوس وأموال وغير ذلك ثم قال تعالى { ~~ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم } سورة ~~التوبة 121 فالإنفاق وقطع الوادي عمل مباشر فقال فيه { إلا كتب لهم } ولم ~~يقل به عمل صالح # وأما الجوع والعطش والنصب وغيظ الكفار وما ينال منهم فهو من المتولدات ~~فقال فيه { إلا كتب لهم به عمل صالح } سورة التوبة 120 فدل ذلك على أن ~~عملهم سبب في حصول ذلك وإلا فلا يكتب للإنسان عمل بدون سبب من عمله بل تكتب ~~الآثار لأنها من أثر عمله # قال تعالى { ونكتب ما قدموا وآثارهم } سورة يس 12 # وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إذا مات ابن آدم انقطع عمله ~~إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له # وقال في الحديث الصحيح من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه ~~من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن دعا إلى PageV09P032 ~~ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا # ولهذا كانت هذه التي يسمونها المتولدات يؤمر بها تارة وينهى عنها أخرى ~~كما قال تعالى { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ~~سورة التوبة 5 # وقال تعالى { إن تنصروا الله ينصركم } سورة محمد 7 # وقال { وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر } سورة الأنفال 72 وقال ~~تعالى { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم ~~مؤمنين } سورة التوبة 14 # فأخبر أنه هو المعذب بأيدي المؤمنين فهذا مبسوط في موضع آخر # والمقصود هنا أن القدرية لما كانت تزعم أن ما يحصل من الإيمان في القلب ~~القلب ليس من فعل الله بل هو من فعل العبد فقط وأنه خارج عن مقدور الله وعن ~~ما من الله به على العبد كان ما ذكر ردا عليهم # وأما من أقر بأن ذلك كله من فضل الله وإحسانه وجعل ما يحصل بالنظر ~~والاستدلال من ms1821 فضل الله وإحسانه فلا حجة عليه إذا قال إنه بنظر العقل ~~واستدلاله قد يهدي الله العبد ويجعل في قلبه علما نافعا # وقد تنازع أهل الإثبات في اقتضاء النظر الصحيح للعلم هل هو PageV09P033 ~~بطريق التضمن الذي يمتنع الفكاكة عنه عقلا أو بطريق إجراء الله العادة التي ~~يمكن نقضها وبكل حال فالعبد مفتقر إلى الله في أن يهديه ويلهمه رشده وإذا ~~حصل له علم بدليل عقلي فهو مفتقر إلى الله في أن يحدث في قلبه تصور مقدمات ~~ذلك الدليل ويجمعها في قلبه ثم يحدث العلم الذي حصل بها # وقد يكون الرجل من أذكياء الناس وأحدهم نظرا ويعميه عن أظهر الأشياء وقد ~~يكون من أبلد الناس وأضعفهم نظرا ويهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه فلا ~~حول ولا قوة إلا به # فمن اتكل على نظره واستدلاله أو عقله ومعرفته خذل ولهذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة كثيرا ما يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي ~~على دينك ويقول في يمينه لا ومقلب القلوب ويقول والذي نفسي بيده ويقول ما ~~من قلب من قلوب العباد إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه ~~أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه PageV09P034 # وكان إذا قام من الليل يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر ~~السماوات والأرض عالم الغيب أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ~~اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وكان ~~يقول هو وأصحابه في ارتجازهم # % اللهم لولا أنت ما اهتدينا % ولا تصدقنا ولا صلينا % # % فأنزلن سكينة علينا % وثبت الأقدام إن لاقينا % # وهذا في العلم كالإرادات في الأعمال فإن العبد مفتقر إلى الله في أن يحبب ~~إليه الإيمان ويبغض إليه الكفر وإلا فقد يعلم الحق وهو لا يحبه ولا يريده ~~فيكون من المعاندين الجاحدين # قال تعالى { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } سورة النمل 14 # وقال { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } سورة البقرة ~~146 فكما أن الإنسان فيما يكتسبه ms1822 من الأعمال مفتقر إلى الله محتاج إلى ~~معونته فإنه لا حول ولا قوة إلا به كذلك فيما يكتسبه من العلوم ومع هذا ~~فليس لأحد حجة على الله في أن يدع ما أمر به من الأسباب التي يحصل بها ~~العلم النافع والعمل الصالح ولكن الشأن في PageV09P035 ~~تعيين الأسباب فيذم من المعتزلة أنهم أحدثوا طرقا زعموا أن معرفة الله لا ~~تحصل إلا بها وزعموا أن المعرفة تجب بها بفعل العبد لا بفعل الله # ومن الناس من قد يوافقهم على إحدى البدعتين دون الأخرى وكثير من الناس قد ~~اختلف كلامه في هذا الأصل تارة يقول إن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر ويجعل ~~أول الواجبات النظر أو المعرفة الحاصلة به وقد يعين طريق النظر كما فعل ذلك ~~القاضي أبو يعلى في المعتمد موافقة للقاضي أبي بكر وأمثاله من الموافقين في ~~هذا الأصل للمعتزلة وكما فعل ابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم # ومن توابع ذلك أن النظر المفيد للعلم لا يكون إلا نظرا في دليل والنظر ~~الذي يوجبونه يكون نظرا فيما يعلم الناظر أنه دليل لأنه لو علم قبل النظر ~~أنه دليل لعلم ثبوت المدلول وإذا كان عالما به لم يحتج إلى الاستدلال عليه ~~فيوجبون سلوك طريق لا يعلم السالك أنها طريق # ثم إن القاضي أبا يعلى في كتابه المعروف بعيون المسائل الذي صنفه في ~~الخلاف مع المعتزلة والأشعرية ذكر ما يخالف ذلك فقال مسألة مثبتو النبوات ~~تحصل لهم المعرفة بالله بثبوت النبوة من غير نظر واستدلال في دلائل العقول ~~خلافا للأشعرية في قولهم لا تحصل حتى ننظر ونستدل بدلائل العقول دليلنا أن ~~النبوة إذا ثبتت بقيام المعجز علمنا أن هناك مرسلا أرسله إذ لا يكون هناك ~~نبي إلا وهناك مرسل وإذا ثبت أن هناك مرسل أغنى ذلك عن النظر والاستدلال في ~~دلائل العقول على إثباته ولأنه لما لم يقف وجود المعرفة على النظر في دلائل ~~العقول بل وجبت بالشرع كذلك طريقها جاز أن يحصل بالشرع دون دلائل PageV09P036 ~~العقول ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ms1823 أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم فحكم بصحة إيمانهم ~~بالدعاء إلى الشهادتين والإجابة إليها من غير أن يوجد منهم نظر واستدلال # قال واحتج المخالف بأن الله أمر بالنظر والاستدلال في دلائله فقال تعالى ~~{ وفي أنفسكم أفلا تبصرون } سورة الذاريات 21 وقال { أفلا ينظرون إلى الإبل ~~كيف خلقت } سورة الغاشية 17 وقال { أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } ~~سورة الأعراف 185 # وقال { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها } سورة ق 6 # وقال { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } سورة يونس 101 وإذا أمر بذلك ~~دل على أن النظر يثمر المعرفة # قال والجواب أنا لا نمنع حصول المعرفة به وإنما كلامنا هل تحصل بغيره أم ~~لا وقد دللنا على حصوله بغيرها من الوجه الذي ذكرنا # ولقائل أن يقول أما قوله إن المعرفة يجوز حصولها بالشرع فهذا مسلم لكن ~~حصولها بالشرع على وجوه # أحدهما أن الشرع ينبه على الطريق العقلية التي بها يعرف الصانع فتكون ~~عقلية شرعية PageV09P037 # الثاني أن المعرفة المنفصلة بأسماء الله وصفاته التي بها يحصل الإيمان ~~تحصل بالشرع كقوله تعالى { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } سورة الشورى 52 # وقوله { قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي } ~~سورة سبأ 50 # وقوله { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم } ~~سورة ابراهيم 1 وأمثال ذلك من النصوص التي تبين أن الله هدى العباد بكتابه ~~المنزل على نبيه # وأما كون مجرد الوجوب بالشرع فلا يدل على إمكان الحصول بمجرد الشرع ونظير ~~هذا استدلال طائفة كالشيخ أبي الفرج الشيرازي على أن وجوبها وحصولها بالشرع ~~فقالوا لا يخلو إما أن تكون معرفة الباري وجبت أو حصلت بالشرع دون العقل أو ~~بالعقل دون الشرع أو بهما جميعا لا يجوز أن يكون ذلك بالعقل دون الشرع لما ~~بينا ولا يجوز أن يكون بالشرع والعقل لأنه لا يخلو ms1824 إما أن يكون ما يعرف ~~بالعقل يوجد في الشرع أو لا يوجد ولا يجوز أن يقال لا يوجد في الشرع لأن ~~الله تعالى قال { ما فرطنا في الكتاب من شيء } سورة الأنعام 38 وإذا كان ~~موجودا في الشرع فلا حاجة بنا إلى ذكر العقل # فيقال هذه الطريقة تفيد أن ذلك موجود في الشرع ويستدل عل PageV09P038 ~~ذلك بقوله { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } سورة النحل 89 # وقوله { ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء } سورة يوسف 111 # وقوله { اليوم أكملت لكم دينكم } سورة المائدة 3 ونحو ذلك مما فيه ~~الاستدلال بذلك أجود من الاستدلال بقوله { ما فرطنا في الكتاب من شيء } لأن ~~الكتاب هنا في أشهر القولين هو اللوح المحفوظ كما يدل عليه السياق في قوله ~~{ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء } سورة الأنعام 38 # وإذا كان الشيء موجودا في الشرع فذلك يحصل بأن يكون في القرآن الدلالة ~~على الطرق العقلية والتنبيه عليها والبيان لها والإرشاد إليها والقرآن ملآن ~~من ذلك فتكون شرعية بمعنى أن الشرع هدى إليها عقلية بمعنى أنه يعرف صحتها ~~بالعقل فقد جمعت وصفي الكمال # وأيضا فإذا كان الشرع قد دل على شيء أو أوجبه وقدر أن في العقل ما يوافق ~~ذلك لم يضر ذلك وإن كان قد يستغنى عنه فلا يطعن في صحته للاستغناء عنه # وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يطالب الناس بالنظر والاستدلال ~~فهذا دليل قاطع على أن الواجب متأدى بدون الطرق التي أحدثها الناس وأبدعها PageV09P039 # وأما الوجه الأول وهو قوله إن النبوة إذا ثبتت بقيام المعجز علم أن هناك ~~مرسلا أرسله لكون ثبوت الرسالة يستلزم ثبوت المرسل فهذا لا بد فيه من تقدير ~~وهذا الكلام الذي قاله من أن العلم بالرسول يتضمن العلم بالمرسل كلام صحيح ~~فإن العلم بالإضافة يستلزم العلم بالمضاف والمضاف إليه لكن المعترض يقول له ~~المعجزة لا تدل على الرسالة إلا بعد العلم بإثبات الصانع ms1825 ثم يعلم بعد ذلك ~~صدق الرسول إما لكون يجرى مجرى التصديق والعلم بذلك ضرورى في العادة واما ~~لكون المعجز المعجز لو لم يدل على الصدق للزم عجز الرب عن طريق يصدق به ~~الرسول وإما لكون تصديق الكذاب قبيحا وهو منزه عن فعل القبيح ونحو ذلك من ~~الطرق التي سلكها من سلكها من أهل النظر القائلين بأن صدق الرسول لا يعرف ~~الا بالمعجزة # والطريقان الأولان هما طريقا الأشعري وأصحابه ومن وافقهم كالقاضي أبي ~~يعلى وأمثاله والثاني هو طريق المعتزلة ومن وافقهم كأبي الخطاب وأمثاله # وأما القائلون بأن صدق الرسول يعرف بطرق أخرى غير المعجزة فلا يحتاجون ~~إلى هذا وقد بسط الكلام على ذلك في موضعه # والمقصود هنا أن قول القائل إن مثبتي النبوات تحصل لهم معرفة بالله بثبوت ~~النبوة من غير نظر واستدلال في دلائل العقول وإنا لا نمنع صحة النظر ولا ~~نمنع حصول المعرفة به وإنما خلافنا هل يحصل بغيره يحتاج إلى بيان حصول ~~المعرفة لمثبتي النبوات # والقاضي في هذا قد سلك مسلك الخطابي كما قد كتبنا كلامه PageV09P040 ~~وقد قال إنما يثبت عندهم أمر التوحيد من وجوه أحدها ثبوت النبوات بالمعجزات ~~التي أوردها نبيهم إلى قوله فلما استقر ما شاهدوه من هذه الأمور في أنفسهم ~~وثبت ذلك في عقولهم صحت عندهم نبوته وظهرت عن غيره بينونته ووجب تصديقه على ~~ما أنبأهم عنه من الغيوب ودعاهم إليه من أمر وحدانية الله وإثبات صفاته ~~وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة ودلائل ~~الحكمة الشاهدة على أن لها صانعا حكيما عالما خبيرا تام القدرة بالغ الحكمة ~~وقد نبههم الكتاب عليه ودعاهم إلى تدبره وتأمله والاستدلال به على ثبوت ~~ربوبيته إلى آخر كلامه # وهذا الكلام يمكن تقريره بطرق # أحدها بأن يقال الإقرار بالصانع فطري ضروري لا يحتاج إلى نظر فإذا شوهدت ~~المعجزات أمكن أن يعلم بها صدق الرسول # الثاني أن يقال نفس المعجزات يعلم بها صدق الرسول المتضمن إثبات مرسله ~~لأنها دالة بنفسها على ثبوت الصانع المحدث لها وأنه ms1826 أحدثها لتصديق الرسول ~~وإن لم يكن قبل ذلك قد تقدم من العبد معرفة الإقرار بالصانع # وقد يقال إن قصة موسى من هذا الباب قا ل تعالى PageV09P041 ~~{ فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ~~أن أرسل معنا بني إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ~~وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ~~ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها ~~علي أن عبدت بني إسرائيل قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض ~~وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم ~~الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما ~~بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال ~~أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ~~ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملإ حوله إن هذا لساحر ~~عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث ~~في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل ~~للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين فلما جاء ~~السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا ~~لمن المقربين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم ~~وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما ~~يأفكون فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } PageV09P042 ~~سورة الشعراء 15 51 # وفي سورة طه { فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا ~~تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى } سورة طه 47 إلى ~~آخر القصة # ففرعون كان منكرا للصانع مستفهما عنه استفهام إنكار سواء كان في الباطن ~~مقرا به ms1827 أو لم يكن ثم طلب من موسى آية فأظهر آيته ودل بها على إثبات إلهية ~~ربه وإثبات نبوته جميعا # كما قال { لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء ~~مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع ~~يده فإذا هي بيضاء للناظرين } سورة الشعراء 29 33 # ولهذا قال السحرة لما عارضوا معجزته بسحرهم فبطل سحرهم وتبين أن تلك آية ~~لا يقدر عليها المخلوقين { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } سورة ~~الشعراء 47 48 فكان إيمانهم بالله لما شاهدوا معجزة موسى صلى الله عليه ~~وسلم فكانت المعجزة مبينة للعلم بالصانع وبصدق رسوله # وذلك أن الآيات التي يستدل بها على ثبوت الصانع تدل المعجزة PageV09P043 ~~كدلالتها وأعظم وإذا كانت دلالتها على صدق الرسول معلومة بالاضطرار كالمثل ~~الذي ضربوه في أن رجلا لو تصدى بحضرة ملك مطاع وقال إن كنت رسولك فانقض ~~عادتك وقم ثم اقعد ثم قم ثم اقعد فخرق الملك عادته وفعل ما طلبه المدعى على ~~وفق دعواه لعلم الحاضرون بالضرورة أنه فعل ذلك تصديقا له # فمن المعلوم أنه إذا تنازع رجلان هل داخل هذه الدار ناسخ يكتب خطا مليحا ~~فأخذ المدعى ورقا أبيض ومعه شعر قد صنعوه في تلك الحال في ورقة أخرى وقال ~~إن كان هناك ناسخ فلينسخ هذا الشعر في هذه الورقة البيضاء فأخرجت إليهم ~~الورقة البيضاء وقد كتب فيها ذلك الشعر تيقنوا أن هناك من ينسخ # فكذلك من نازع في إثبات صانع يقلب العادات ويغير العالم عن نظامه فأظهر ~~المدعى للرسالة المعجز الدال على ذلك علم بالضرورة ثبوت الصانع الذي يخرق ~~العادات ويغير العالم عن نظامه المعتاد # وبالجملة فانقلاب العصا حية أمر يدل نفسه على ثبوت صانع قدير عليم حكيم ~~أعظم من دلالة ما اعتيد من خلق الإنسان من نطفة فإذا كان ذلك يدل بنفسه على ~~إثبات الصانع فهذا أولى وليس هذا موضع بسط هذا # وإنما المقصود التنبيه على أن المعجزات قد يعلم بها ثبوت الصانع وصدق ms1828 ~~رسوله معا وما ذكرناه من كون الإقرار بالصانع فطري ضروري هو قول أكثر الناس ~~حتى عامة فرق أهل الكلام قال بذلك طوائف منهم من المعتزلة والشيعة وغيرهم PageV09P044 # وكون المعرفة يمكن حصولها بالضرورة لم ينازع فيه إلا شذوذ من أهل الكلام ~~ولكن نازع كثير منهم في الواقع وزعم أن الواقع أنها لا تحصل لأكثر الناس ~~إلا بالنظر وجمهور الناس نازعوه في هذا وقالوا بل هي حاصلة لأكثر الناس ~~فطرة وضرورة # وابن الزاغوني ممن يقول بوجوب النظر وأن المعرفة لا تحصل إلا به حتى قال ~~فصل إذا قال القائل أنا أعتقد حدوث العالم والتوحيد وصحة الدين وأقر ~~بالنبوة لا بطريق النظر والاستدلال ولا عن نظر في حجة أو دليل لكن بطريق ~~التقليد في ذلك أو مما سوى ذلك مما لا يسند إلى معرفة ثابتة عن نظر في حجة ~~أو دليل بحيث ينتهي الاستدلال إلى العلم الحق فهذا ليس هو بمؤمن ولا نحكم ~~بأنه مؤمن عند الله ولا يثاب على هذا الإيمان بل هو معاقب ملوم على ترك ما ~~أمر به من العلم بالله وصحة الدين والنبوة والنظر فيما يقتضي به النظر فيه ~~إلى معرفته بذلك بطريق اليقين # قال وقالت طائفة هو مؤمن عندنا وعند الله إذا صادف اعتقاده التوحيد ~~والنبوة وما يجب عليه اعتقاده من الحق في المعارف الدينية سواء كان ممن ~~يتهيأ له ذلك بطريق القطع فيه بأدلته أو ممن لا يتهيأ له ذلك # قال وقالت طائفة هو مؤمن في الظاهر عندنا ولا نعلم هل هو مؤمن عند الله ~~أم لا وقالت طائفة نحكم بأنهم مؤمنون ما لم يخطر ببالهم ما يخالف ذلك من ~~التشبيه والحيز وإبطال النبوات وأعراض PageV09P045 ~~الشبه في ذلك فإذا خطر لهم شيء من ذلك وجب عليهم النظر والاستدلال لدفعه ~~وأن لا يتمكثوا ولا يتثبطوا عن النظر حتى يصلوا إلى عين الحق الرافع للشبهة ~~فإن لم يصلوا إلى ذلك لم يؤدوا ما فرض عليهم من الإيمان على حقه وإن عجزوا ~~عن ذلك لم يكن عجزهم عذرا عن الوصول ms1829 إلى حقيقة الحق # قال وقالت طائفة لا يجب عليهم ذلك ويحل لهم البقاء على ما هم عليه وأن لا ~~يعتقدوا في ذلك شيئا مع القيام على السنة # قال والدلالة عليه أنا قد قدمنا الدليل على وجوب معرفة الله وسائر ~~المعارف الدينية من التوحيد وصحة النبوة والدين وبينا أن حقيقة المعرفة ~~إنما تكون بالعلم وأبطلنا أن يكون التقليد طريقا إلى العلم وإنما يصل إلى ~~العلم به واليقين فيه إذا خرج عن الشبهة العارضة الموجبة للشك الناقلة عن ~~الحق وإذا ثبت ذلك بالأدلة المتقدمة فمدعى المعرفة مع ترك النظر والاستدلال ~~المؤدي إلى الدليل القاطع المتوقف على حقيقة التوحيد والمعارف الدينية مبطل ~~وإذا كان مبطلا في معرفته لم نحكم بإيمانه لأن الإيمان ها هنا هو التصديق ~~وإنما يصدق بما يزول معه الشك ويبرأ من عهدة الاشتباه وبسط الكلام في ذلك ~~على العادة المعروفة # وقد قال في كتابه الكبير الذي سماه منهاج الهدى فصل في معرفة الله وسائر ~~معارف الدين كسبية وليست حاصة بطريق الاضطرار # قال وقال طوائف منهم الجاحظ وصالح قبة وفضل PageV09P046 ~~الرقاشي والصوفية وكثير من الشيعة معارف الدين كلها حاصلة بطريق الضرورة ثم ~~اختلفوا بعد ذلك فقال طائفة منهم صالح قبة إن الله جعل معارف دينه ضرورة ~~يبتديها ويخترعها في قلوب البالغين من غير سبب متقدم ولا بحث ولا نظر وهو ~~قول طائفة من الشيعة # وقالت طائفة من الشيعة إن الله يخترعها في قلوب البالغين لكن من المحال ~~أن يفعلها فيهم إلا بعد فكر ونظر يتقدمها ثم يهب الله المعرفة لمن أحب كما ~~يهب الولد عند الوطء وقد يجوز أن لا يهبها مع النظر كما لا يهب الولد مع الوطء # وقالت طائفة من الشيعة الخلق مضطرون إلى المعارف بالأسباب فإذا حصلت عن ~~الأسباب كانوا مختارين للمعرفة مضطرين اليها في حال واحدة فيكون مضطرا ~~للسبب مختارا للإرادة # وقال طائفة من المعتزلة القائلين بأن المعرفة ضرورة إن الله لا يخترع ~~شيئا من أمور الدين والدنيا وعلومهما اختراعا ولكنها تحدث من بعد الإرادة ~~وطباعا وأن ms1830 الله خلق العباد وهيأهم لاكتساب الإرادة وما يحدث بعدها من نظر ~~وغيره فهو واقع بالطبع وليس يضاف إلى الإنسان إلا على سبيل المجاز والاتساع # قال وقالت طائفة من المعتزلة منهم غيلان بن مروان إن PageV09P047 ~~معرفة الإنسان لنفسه ومعرفة صانعه وأنه غيره يضطر الإنسان إليها بالطبع ~~فأما باقي المعارف الدينية فكلها اكتساب # قال وقالت طائفة منهم أبو الهذيل العلاف معرفة العلم والدليل الذي يدعو ~~إلى معرفة الصانع اضطرار فأما ما يحدث بعدها من علم فعام بالقياس فذلك علم ~~اختيار واكتساب # قال وقالت طائفة منهم بشر بن المعتمر معرفة الإنسان نفسه ليست من فعله ~~ولا من كسبه ولا اضطرار إليها بل تخترع له وتخلق مخترعه في قلبه وما يدرك ~~بالحواس من علوم الديانات وغيرها اضطرار وما يعلم بالقياس اكتساب ويجوز ~~فيهما جميعا الاضطرار ويجوز فيهما جميعا أن يكون اكتسابا # قال وقالت طائفة من المعتزلة الناس مضطرون إلى ذلك على كل حال وليس لهم ~~في ذلك حيلة # قال وقالت طائفة من المعتزلة منهم الجاحظ معرفة الله تقع ضرورة في طباع ~~نامية عقب النظر والاستدلال PageV09P048 # قال وقالت الجبرية ومتقدمهم جهم بن صفوان معرفة الله تقع باختيار الله لا ~~باختيار العبد وبنوه على مذهبهم في الجبر ### | AUTO قال ابن الزاغوني وتفيد هذه المسألة فائدة حكمية وهو أن القائل ~~بمعرفة الله واجبة بطريق الكسب يقول إن الله يعاقب العبد على جهله بالله ~~وجهله بالدين واعتقاد الباطل وأما من قال إنها ضرورية فإنه يقول فائدة ذلك ~~أنه لا يجوز أن يعذب الله الجاهل على جهله وعلى أنه لم يكتسب المعرفة لأن ~~ذلك ليس من مقدوراته وإنما يعذبه على جحده وإنكاره لما عرفه إياه بطريق ~~اضطراره له إليه فصل # وما ذكرناه من أن الرسل صلوات الله عليهم بينوا للناس الطرق العقلية ~~ونبهوهم عليها وهدوهم إليها كما أنه معلوم لنا فهو مما ذكره طوائف من أئمة ~~الكلام والفلسفة وأعظم المتكلمين المعظمين للطرق العقلية هم المعتزلة فإنهم ~~يقولون كما أن المعرفة لا تحصل ابتداء إلا بالعقل فإنهم يقولون بأنها واجبة ms1831 ~~بالعقل بناء على القول بأن العقل يعرف به الإيجاب والتحريم والتحسين ~~والتقبيح # وهذا الأصل تنازع فيه المتأخرون من عامة الطوائف فلكل طائفة من أصحاب ~~مالك والشافعي وأحمد فيه قولان وأما الحنفية فالمعروف عنهم القول بتحسين ~~العقول وتقبيحه ونقلوا ذلك عن أبي حنيفة نفسه وإنه كان يوجب بالعقل معرفة ~~الله تعالى # ولأن ولأصحاب الحديث والصوفية وغيرهم في هذا الأصل نزاع ومن PageV09P049 ~~القائلين بتحسين العقل وتقبيحه من أهل الحديث أبو نصر السجزي وأبو القاسم ~~سعد بن علي الزنجاني وغيرهما وذكروا أن إنكار ذلك من بدع الأشعري ا لتي لم ~~يسبق إليها وممن قال ذلك من أصحاب أحمد أبو الحسن التميمي وأبو الخطاب ~~وغيرهما بل ذكروا أن هذا قول جمهور الناس وذكروا مع ذلك أن الرسل أرشدت إلى ~~الطرق العقلية كما أمرت بالواجبات العقلية فهم مع قولهم بتحسين العقل ~~وتقبيحه يقولون إن الرسل بينت ذلك ووكدته وهكذا مع قولهم بأن المعرفة تحصل ~~بالأدلة العقلية يقولون إن الرسل بينت ذلك ووكدته فما يعلم بالعقل من الدين ~~هو عندهم جزء من الشرع والكتاب والسنة يأتي على المعقولات الدينية عندهم # قال أبو الخطاب في تمهيده اختلف أصحابنا هل في قضاء العقل حظر وإباحة ~~وإيجاب وتحسين وتقبيح أم لا فقال أبو الحسن التميمي في قضايا العقل ذلك حتى ~~لا يجوز أن يرد الشرع بحظر ما كان في العقل واجبا كشكر المنعم والعدل ~~والإنصاف وأداء الأمانة ونحو ذلك ولا يجوز أن يرد بإباحة ما كان في العقل ~~محظورا نحو الظلم والكذب وكفر النعمة والخيانة وما أشبه ذلك PageV09P050 # قال وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين وعامة الفلاسفة # قال وقال شيخنا يعني القاضي أبا يعلى ليس في قضايا العقل ذلك وإنما يعلم ~~ذلك من جهة الشرع وتعلق بقول أحمد في رواية عبدوس بن مالك العطار ليس في ~~السنة قياس ولا يضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول وإنما هو الاتباع # قال أبو الخطاب وهذه الرواية إن صحت عنه فالمراد به الأحكام الشرعية التي ~~سنها رسول الله صلى الله ms1832 عليه وسلم وشرعها # قلت قول أحمد لا تدركها العقول أي أن عقول الناس لا تدرك كل ما سنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإنها لو أدركت ذلك لكان علم الناس كعلم الرسول ~~ولم يرد بذلك أن العقول لا تعرف شيئا أمر به ونهي عنه ففي هذا الكلام الرد ~~ابتداء على من جعل عقول الناس معيارا على السنة ليس فيه رد على من يجعل ~~العقول موافقة للسنة # قال أبو الخطاب وبهذا القول قالت الأشعرية وطائفة من المجبرة وهم الجهمية # قال وعلى هذا يخرج وجوب معرفة الله هل هي واجبة بالشرع حتى لو لم يرد ما ~~يلزم أحدا أن يؤمن بالله وأن يعترف بوحدانيته ويوجب شكره أم لا فمن قال يجب ~~بالشرع يقول لا يلزم شيء من ذلك لو لم يرد الشرع ومن قال بالأول قال يجب ~~على كل عاقل الإيمان بالله والشكر له PageV09P051 # ووجه ذلك أنه لو لم يكن في العقل إيجاب وحظر لم يتمكن المفكر أن يستدل ~~على أن الله سبحانه لا يكذب خبره ولا يؤيد الكذاب بالمعجزة إذ لا وجه في ~~العقل لاستقباحه وخروجه عن الحكمة قبل الخبر عندهم وإذا كان كذلك لم يأمن ~~العاقل كون كل خبر ورد عنه أنه كذب وكل معجزة رآها أن يكون قد أيد بها ~~الكذاب المتخرص وفي ذلك ما يمنع الأخذ بخبر السماء والانقياد لمعجزات ~~النبوة الدالة على صدقها ولما وجب اطراح هذا القول والاعتقاد بأن الله جلت ~~عظمته منزه عن الكذب متعال عن تأييد المتخرص بالمعجزة ثبت أن ذلك إنما قبح ~~وحظر في العقل وامتنع في الحكمة # قلت هذه طريقة معروفة للقائلين بالتحسين والتقبيح العقليين ويقولون إنهم ~~يعلمون بتلك أن الله منزه عن أن يفعل القبيح كالكذب وتصديق الكاذب المدعي ~~للنبوة بالمعجزة الدالة على صدقه وإن كان ذلك ممكنا مقدورا له لكن لا يفعله ~~لقبحه وخروجه عن الحكمة وهم يقولون إنه بهذه الطريقة يعلم صدق الأنبياء # والذين ينازعونهم كالأشعري وأصحابه وابن حامد والقاضي أبي يعلى وابن عقيل ~~وابن الزاغوني وغيرهم يسلكون ms1833 في المعرفة بتصديق الأنبياء غير هذه الطريق # إما طريقة القدرة كما سلكها الأشعري في أحد قوليه والقاضيان أبو بكر وأبو ~~يعلى وغيرهما وهو أنه لا طريق إلى تصديق النبي غير المعجزة فلو لم تكن دالة ~~على التصديق للزم عجز الباري عن تصديق الرسل PageV09P052 # وإما طريقة الضرورة كما سلكها الأشعري في قوله الآخر وأبو المعالي وطوائف ~~أخر وإما غير ذلك من الطرق التي بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع # وليس المقصود هنا بسط الكلام في هذه المسائل بل المقصود أن جميع الطوائف ~~حتى أئمة الكلام والفلسفة معترفون باشتمال ما جاءت به الرسل على الأدلة ~~الدالة على معرفة الله وتصديق رسله كما سيأتي ذكره في كلام القائلين ~~بالتحسين والتقبيح العقليين والفلاسفة وغيرهم # قال أبو الخطاب دليل آخر أنه غير ممتنع أن يخطر للعاقل أنه لم يخلق نفسه ~~ولا خلقه من هو مثله من أبيه وأمه إذ لو كانا قادرين على ذلك لكان هو أيضا ~~قادرا وكانا يقدران على خلق غيره وهو يعلم أنهما لايقدران فيعلم أن له ~~خالقا من غير جنسه خلقه وخلق أبويه ثم يرى إنعامه عليه بإكماله وتسخير ما ~~سخر له من المأكول والمشروب والأنعام وغير ذلك كإقداره عليهم ويخطر له أنه ~~إن لم يعترف له بذلك ويشكره أنه يعاقبه وإذا جوز ذلك وجب عليه في عقله دفع ~~الضرر والعقاب بالتزام الشكر # فإن قيل كما يجوز أن يخطر له ما ذكرتم يجوز أن يخطر له أن له خالقا أنعم ~~عليه وأنه غني عن شكره وجميع ما يتقرب به إليه ويخاف من تكلف له ذلك أن ~~يسخط عليه ويقول من أنت حتى تقابلني بالشكر وتعتقد أنه جزاء نعمتي وما أصنع ~~بشكر مثلك ونحو ذلك وفي هذا ما يمنعه من التزام شيء من جهة عقله PageV09P053 # قال والجواب أن العاقل مع اعترافه بحكمة خالقه لا يتوهم أنه يسخط على من ~~شكره وتذلل له وتضرع إليه وإن كان غنيا عن ذلك لأن الذي بعثه على الشكر ليس ~~هو اعتقاد حاجة خالقه إلى الشكر ms1834 ولا أن شكره يقومن بإزاء النعمة عليه ~~فيمتنع لعلمه بغناه عن ذلك وإنما الباعث له حسن الشكر والتذلل والتعظيم ~~للمنعم من بدائه العقول والحكيم لا يسخط ما هذا سبيله فإذا قد أمن عاقبة ~~الإقدام على الشكر ولم يأمن عاقبة العقاب على تركه فيجب في عقله توخي ذلك ~~وصار مثال ذلك أن يقال للعاقل في الطريق مفسدون يأخذون المال ويقتلون النفس ~~أو سباع تفترس الآدمي ويقال له أنت ما معك قليل نذر والمفسدون قد استغنوا ~~بما قد أخذوا فلعلهم لا يعرضون لك أنفة من قلة مالك والسباع قد افترست ~~جماعة فقد شبعوا فلعلهم لا يعرضون لك فإن في العقل يجب عليه التوقف عن سلوك ~~ذلك الطريق لا الإقدام عليه كذلك ها هنا # قلت مضمون ذلك أن العقل يوجب سلوك الأمن دون طريق الخوف # قال دليل ثالث أنه لو لم يكن في قضاء العقول إلزام وحظر لأمكن العاقل أن ~~لا يلزمه شيء أصلا لأنه متى قصد بالخطاب سد سمعه فلم يسمع الخطاب PageV09P054 # كما أخبر الله عن قوم نوح { وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في ~~آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا } سورة نوح 7 فلما علمنا ~~أنه يجوز بعقله أن يكون في الخبر الذي خوطب به نجاته وسلامته من الهلاك وفي ~~الإعراض عنه بسد أذنه هلاكه ودماره ثبت أن في عقله وجوب الإصغاء إلى الخبر ~~وحظر الإعراض عنه وذلك وصية العقل لا السمع # قال دليل رابع أن العقلاء أجمعوا على قبح الكذب والظلم والخيانة وكفران ~~النعمة وحسن العدل والإنصاف والصدق وشكر المنعم من أقر منهم بالنبوة ومن ~~جحدها ولهذا يرى الدهرية وأهل الطبائع في ذلك كأهل الأديان بل أكثر فدل على ~~أنهم استفادوا ذلك من العقل لا من الأنبياء وإذا ثبت أن فيها تحسينا ~~وتقبيحا ثبت أن فيها حظرا وإباحة وقد صرح عليه السلام بذلك لما عرض نفسه ~~على القبائل # دليل خامس أنا نجد الحمد على الجميل والذم على القبيح يلزمان مع وجود ~~العقل ويسقطان مع عدمه فلولا أنه مقتض للحسن ms1835 والقبح لم يكن لتخصيص العاقل ~~بالذم على القبيح والمدح على الحسن معنى وإذ قد وجدنا ذلك دل على أن في ~~العقل حظرا أو إلزاما # دليل سادس أن التكليف محال إلا مع العقل ولهذا لا يكلف الشرع شيئا إلا ~~بعد كمال عقولنا فدل على أن السمع يعلم بالعقول وإذا كان معلوما به والعقل ~~متقدم عليه ولا تقف معرفته على الشرع استحال أن يقال طريق معرفة الله السمع ~~وكيف يتصور ذلك ونحن لا نعلم وجوب النظر بقول الرسول حتى نعلم أنه رسول ولا ~~نعلم أنه رسول PageV09P055 ~~حتى نعلم أنه مؤيد بالمعجزة ولا نعلم أنه مؤيد بالمعجزة حتى نعلم أن ~~التأييد من الله سبحانه ولا نعرف التأييد من الله حتى نعرفه ونعلم أنه لا ~~يؤيد الكذاب المعجزة ولا نعرف ذلك إلا بفهم العقل الذي هو نوع من العلوم ~~الضرورية فدل على أن معرفته سبحانه بالعقل # دليل سابع لو لم تجب معرفته بالعقل لوجب أن يجوز على الله أن ينهى عن ~~معرفته وأن يأمر بكفره وعصيانه والجور والكذب كما يجوز أن ينسخ ما شاء من ~~السمعيات ويوجب ما كان قد نهى عنه فلما لم يكن ذلك دل على أن ذلك غير ثابت ~~بالسمع وإنما يثبت بالعقل الذي لا يتغير ولا يجوز نكثه ونسخه # دليل آخر أن الله وهب العقل وجعله كمالا للآدمي وإذا أغفل النظر وضيع ~~العقل إذا لم يقتبس منه خيرا وإذا كان لا يقبح شيئا ولا يحسنه فوجوده وعدمه ~~سيان وهذا لا يقوله عاقل # وأيضا يدل على ذلك عبارة ملخصه أن من وجد نفسه مؤثرا بآثار الصنعة ~~مستغرقا في أنواع النعمة لم يستبعد أن يكون له صانع صنعه وتولى تدبيره ~~وأنعم عليه وأنه إن لم ينظر في حقيقة ذلك ليتوصل إلى الاعتراف له والتزام ~~شكره عوقب على ما أغفل من النظر وضيع من الاعتراف والشكر فإن العقل سيلزمه ~~النظر لا محالة إذ لا شيء أقرب إلى الإنسان من النظر فدل على وجوبه بالعقل # قلت هذه الأدلة فيها للمنازعين كلام يحتاج معه إلى ms1836 فصل الخطاب كما ذكر في ~~موضعه وهذه الطريقة التي سلكها أبو الخطاب وغيره من أهل النظر من المعتزلة ~~وغيرهم بنوها على أن معرفة الله تحصل PageV09P056 ~~بالاستدلال بنفس الإنسان ولا يحتاج مع ذلك إلى إثبات حدوث الأجسام كما سلك ~~الأشعري أيضا هذه الطريقة # قال ابو الخطاب احتج الخصم بظواهر الآي كقوله تعالى { وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا } سورة الإسراء 15 ولم يقل حتى نجعل عقولا # وقوله تعالى { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل } سورة النساء 165 ولم يقل بعد العقل # وقوله { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } سورة طه 134 وغير ذلك من الآيات ~~فجعل الحجة والعذاب يتعلق بالرسل # فثبت أنه لا يثبت بالمعقول حجة ولا عذاب # وقال والجواب أن الله بعث الرسل يأمرون بالشرائع والأحكام وينذرونهم قرب ~~الساعة ووقوع الجزاء على الأعمال ويبشرونهم على الطاعة وشكر النعمة بدوام ~~ومزيدها في دار الخلود ويخوفونهم على المعصية بالعذاب الشديد ويكونوا شهودا ~~على أعمالهم # وقد قال تعالى { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } سورة الفتح 8 # وقال { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } سورة ~~النساء 41 # وهذا بعد أن يعرفوا الله بعقولهم ويردون الشبهات المؤدية إلى التعطيل PageV09P057 ~~والتشبيه بالحكمة التي جعل الله فيهم والنور العقلي المفرق بين الحق ~~والباطل وإلا فنحن نعلم أن المفكر إذا خطر بباله أن الكتاب لعله مخترع ~~مختلق من جهة مخلوق والرسول لعله متخرص متمخرق لم يخرج ذلك من قلبه الرجوع ~~إلى الآيات والسنة وهو يتوهم فيها ما ذكرنا وإنما يرجع إليه بعد ما ثبت ~~عنده حقيقة التوحيد وصدق الرسول وأن القرآن كلام الله الذي لا يجوز عليه ~~الكذب وعرف محكم الكتاب من متشابهه وعرف طرق الأخبار وما يجب فيها فإنه ~~يستغنى حينئذ عن النظر بعقله # قال فإن قيل هذا توهين لأمر الرسل وجعلهم لا يغنون في التوحيد شيئا وإنما ~~يفيد بعثهم في الفروع وأنه ms1837 لا فائدة في الآيات التي ذكر فيها التوحيد ~~والدعوة إليه # ثم قال والجواب أنا نقول بل لهم في الأصول أعظم فائدة لأنهم ينبهون ~~العقول الغافلة ويدلون على المواضع المحتاج إليها في النظر ليسهل سبيل ~~الوقوف عليها كما يسهل من يقرأ عليه الكتاب على المتعلم بأن يدله على ~~الرموز ويبين له مواضع الحجة والفائدة وإن كان ذلك لا يغنيه عن النظر في ~~الكتاب وقراءته # وأيضا فإنه بعثهم لتأكيد الحجة فيؤكدون الحجة على العباد كيلا يقولوا ~~خلقت لنا الشهوات وشغلتنا بالملاذ عن التفكر والتدبر فغفلنا فقطع الله ~~سبحانه حجتهم بالرسل PageV09P058 # ألا ترى أنه قال تعالى { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ~~} سورة فاطر 37 فجعل الحجة عليهم طول العمر للتفكر والتذكر ثم التدبر ~~للتنبيه # قلت فهؤلاء الذين يقولون بوجوب المعرفة بالعقل وأنها لا تحصل إلا بالعقل ~~ذكروا أن الرسل بينوا الأدلة العقلية التي يستدل بها الناظر كما نبهوا ~~الغافل ووكدوا الحجة إذ كانوا ليسوا بدون من يتعلم الحساب والطب والنجوم ~~والفقه من كتب المصنفين لا تقليدا لهم فيما ذكروه لكن لأنهم يذكرون من ~~الكلام ما يدله على الأدلة التي يستدل بها بعقله فهداية الله لعباده بما ~~أنزله من الكتب وإرشاده لهم إلى الأدلة المرشدة والطرق الموصلة التي يعمل ~~الناظر فيها بعقله ما يؤدي إليه من المعرفة أعظم من كلام كل متكلم فإن خير ~~الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم # وأبو الخطاب يختار ما يختاره كثير من الحنفية أو أكثرهم مع من يقول ذلك ~~من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم من أن الواجبات العقلية لا يشترط فيها ~~البلوغ بل تجب قبل البلوغ بخلاف الواجبات الشرعية # قال واحتج بأنه لو كان في العقل إلزام وحظر لوجب أن يكون لمعرفة الحسن ~~والقبح أصل في أوائل العقول يترتب عليه ما سواه ألا ترى أن للقدم والحدث ~~فيها أصلا ولو كان ذلك كذلك لكان من أنكر الحسن والقبح مكابرا لعقله مغالطا ~~لنفسه لأن جاحد ما يثبت في البدائة مكابر ms1838 PageV09P059 # قال والجواب أن للحسن والقبح أصلا في بدائة العقول وهو علمنا بحسن شكر ~~المنعم والإنصاف والعدل وقبح الكذب والجور والظلم ومنكر ذلك مكابر لكافة ~~العقلاء إلا أن من العقلاء من قال لا أعرف ذلك بضرورة العقل وإنما أعرفه ~~بالنظر والخبر فذلك مقر بالحسن والقبح ومدع غير طريق الجماعة فيه فنتكلم في ~~ذلك ونبين له أن الجاهلية وعبدة الأصنام ومن لم تبلغه الدعوة يعلم ذلك كما ~~يعلمه أهل الأديان فسقط أن يكون طريقه إلا العقل وعلى أن القدم والحدوث ~~لهما أصل في بدائة العقول ثم الخلف في ذلك واقع # ولا يقال إن مخالفنا مكابر عقله واحتج بأنه أجمع القائلون بأن في العقل ~~إلزاما وحظرا على أنه لا يلزم ولا يحظر إلا بتنبيه يرد عليه فإذا ثبت هذا ~~قلنا يجب أن يكون ذلك التنبيه بخبر الشرع لا الخواطر لأن الخواطر يجوز أن ~~تكون من الملك ومن الشيطان ومن ثوران المرة وما أشبه ذلك وإذا جاز ذلك فيها ~~لم نلتفت إلى تنبيهها والتفتنا إلى ما تؤثر به وهو خبر الشرع فإذا عدم خبر ~~الشرع ثبت أنه لا إلزام ولا حظر في ذلك # وقال والجواب أنه لا بد أن ينبه على معرفة حسن الشكر بخطور النعمة بباله ~~من منعم قصد الإحسان إليه فإنه إذا خطر له نعمه عليه على ما ذكرنا ألزمه ~~عقله الشكر لا محالة سواء نبه على ذلك وسوسة أو إلهام ولذلك مهما خطر بباله ~~كفران النعمة عرف قبحه ومهما خطر بباله أن القبيح لا يبعد أن يكون سببا ~~لهلاكه وعقابه وأن يكون ضده سببا PageV09P060 ~~لنجاته فإنه يلزمه النظر في ذلك سواء كانت الخطرة من الملك أو من الشيطان ~~فثبت أن التنبيه لا يقف على خبر السماء ثم يلزم أن الحدوث والقدم لا يكون ~~إلا بتنبيه ثم ذلك خاطر عقلي ولا يقال يقف على تنبيه الشرع # قال واحتج بأن الأمة أجمعت أن التكليف يقف على البلوغ وليس العقل موصوفا ~~بذلك من قبل أن الغلام إذا احتلم فليس يستحدث عقلا وإنما ذلك عقل ms1839 قبل بلوغه ~~فبان أن العقل لا يوجب شيئا ولا يحظره # وقال الجواب أن الموقوف من التكليف على البلوغ هو تكليف الشرعيات خاصة ~~فأما الأحكام المستفادة بالعقل فإنها تلزم الإنسان إذا استفاد من العقل ما ~~يمكنه أن يفعل به بين الحسن والقبيح فلا نسلم ما ذكروه # قلت هذا الذي قاله هو قول كثير من الحنفية وأهل الكلام المعتزلة وغيرهم ~~من القائلين بتحسين العقل وتقبيحه فإن هؤلاء لهم في الوجوب قبل البلوغ ~~قولان وكثير ممن يقول بتحسين العقل وتقبيحه هم ونفاة ذلك من الطوائف ~~الأربعة ينفون الوجوب قبل البلوغ # وقد ذكر طائفة من مصنفي الحنفية في كتبهم قالوا وجوب الإيمان بالعقل مروي ~~عن أبي حنيفة وقد ذكر الحاكم الشهيد في المنتقى PageV09P061 ~~عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا عذر لأحد بالجهل بخالقه لما يرى من خلق ~~السماوات والأرض وخلق نفسه وسائر خلق ربه # قالوا ويروى عنه أنه قال لو لم يبعث الله رسولا لوجب على الخلق معرفته ~~بعقولهم قالوا وعليه مشايخنا من أهل السنة والجماعة حتى قال أبو منصور ~~الماتريدي في صبي عاقل إنه يجب عليه معرفة الله وإن لم يبلغ الحنث قالوا ~~وهو قول كثير من مشايخ العراق ومنهم من قال لا يجب على الصبي شيء قبل ~~البلوغ كما لا تجب عليه العبادات البدنية بالاتفاق # قلت هذا الثاني قول أكثر العلماء وإن كان القول بالتحسين والتقبيح يقول ~~به طوائف كثيرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كما يقول به هؤلاء الحنفية ~~وتنازع هؤلاء الطوائف في مسألة الحظر والإباحة وأن الأعيان قبل ورود الشرع ~~هل هي على الحظر أو الإباحة لا يصح إلا على قول من يقول إنه بالعقل يعلم ~~الحظر والإباحة وأما من قال إن العقل لا يعلم به ذلك ثم قال بأن هذه ~~الأعيان قبل ورود الشرع على حظر أو إباحة فقد تناقض في ذلك وقد رام منهم من ~~تفطن لتناقضه أن يجمع بين قوليه فلم يتأت كقول طائفة إنه بعد الشرع علمنا ~~به أن الأعيان كانت محظورة أو مباحة ms1840 ونحو ذلك من الأقوال الضعيفة وليس هذا ~~موضع بسط ذلك # لكن المقصود هنا أن الأكثرين على انتفاء التكليف قبل البلوغ لقوله صلى ~~الله عليه وسلم رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وهو ~~معروف في السنن وغيرها متلقى عند الفقهاء بالقبول من PageV09P062 ~~حديث علي وعائشة وغيرهما # وأيضا فإن قتل الصبي من أهل الحرب لا يجوز باتفاق العلماء # وأيضا فالناس مع تنازعهم في أولاد الكفار هل يدخلون الجنة أو النار أو ~~يتوقف فيهم لم يفرق أحد علمناه بين المميز وغيره بل المنصوص عن أحمد وغيره ~~من أئمة السنة وهو المشهور عنهم الوقف فيهم # وذهب طائفة إلى أنهم في النار كما اختاره القاضي أبو يعلى وغيره وذكروا ~~أن أحمد نص على ذلك وهو غلط عن أحمد فإن المنصوص عنه أنه أجاب فيهم بجواب ~~النبي صلى الله عليه وسلم الله أعلم بما كانوا عاملين وهو في الصحيحين من ~~حديث أبي هريرة وفي الصحيح أيضا من حديث ابن عباس # لكن هذا الحديث روى أيضا في حديث يروى أن خديجة سألته عن أولادها من غيره ~~فقال هم في النار فقالت بلا عمل فقال الله أعلم بما كانوا عاملين فظن هؤلاء ~~أن أحمد أفتى بما في حديث PageV09P063 ~~خديجة كما ذكر ذلك القاضي في المعتمد وهذا غلط على أحمد فإن هذا الحديث ~~ضعيف بل موضوع وأحمد أجل من أن يعتمد على مثل هذا الحديث والحديث متناقض ~~ينقض آخره أوله # وذهبت طائفة إلى أنهم في الجنة كأبي الفرج بن الجوزي وغيره والذين قالوا ~~بالوقف فسره بعضهم بأنه يدخل فريق منهم الجنة وفريق النار بحسب تكليفهم يوم ~~القيامة كما جاء في ذلك عدة آثار وهذا هو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة ~~والحديث وقد بسطنا هذا فيما تقدم # والمقصود هنا أنا لم نعلم من السلف من قال إنه فرق فيمن لم يبلغ بن صنف ~~وصنف في القتل أو في عقاب الآخرة بل الفقهاء متفقون على أن العقوبات التي ~~فيها إتلاف كالقتل والقطع لا تكون إلا لبالغ ms1841 لكن قد يجمع بين هذا وهذا بأن ~~يقال الإثم الموجب لعقاب الآخرة مرفوع عمن لم يبلغ وكذلك العقوبات الدنيوية ~~التي فيها إتلاف فأما التعزير بالضرب ونحوه فلم يرفع عن المميز من الصبيان # بل قال النبي صلى الله عليه وسلم مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر ~~وفرقوا بينهم في المضاجع فأمر بضربهم على ترك الواجب الشرعي الذي هو الصلاة ~~فضربهم على الكذب والظلم أولى وهذا مما لا يعلم بين العلماء فيه نزاع أن ~~الصبي يؤذى على ما يفعله من القبائح وما يتركه من الأمور التي يحتاج إليها ~~في مصلحته PageV09P064 # وهذا النزاع من لزوم الواجبات العقلية للمميزين عند من يقول بالإيجاب ~~العقلي نظير النزاع في الواجبات الشرعية فإن أحد القولين في مذهب الإمام ~~أحمد وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز أن الصلاة تجب على ابن عشر وكذلك الصوم ~~يجب عليه إذا أطاقه # وحينئذ فإيجاب أبي الخطاب وموافقيه للتوحيد أولى من هذا بل يقال لو لم ~~يقل بالوجوب العقلي فإنه يجب أن يقال إن الصبي يجب عليه الإقرار بالشهادتين ~~قبل وجوب الصلاة عليه فإن وجوبهما متقدم على وجوب الصلاة بالاتفاق وأما ما ~~يجب في مال الصبي من النفقات وقضاء الديون وغيره والعشور والزكوات عند ~~الجمهور الذين يوجبون الزكاة في ماله فذلك لا يشترط فيه التمييز باتفاق ~~المسلمين بل يجب ذلك في مال المجنون أيضا وفي مال الطفل # وللفقهاء في إسلام الصبي وردته وإحرامه وغير ذلك من أقواله وأفعاله كلام ~~معروف ليس هذا موضع بسطه وفي ذلك من تناقض أقوال بعضهم ورجحان بعض الأقوال ~~على بعض ما ليس هذا موضعه وإنما المقصود هنا أن أعظم الناس تعظيما للعقل هم ~~القائلون بأنه يوجب ويحظر ويحسن ويقبح كالمعتزلة والكرامية والشيعة ~~القائلين بذلك ومن وافقهم من طوائف الفقهاء والعلماء # وأما الفلاسفة فالنقل عنهم مختلف لتناقض كلامهم فالمشهور عنهم أن العقل ~~يحسن ويقبح كما نقله أبو الخطاب عنهم # ولكن كلامهم في مبادىء المنطق وقولهم إن هذه القضايا من المشهورات لا من ~~البرهانيات لما رأى الناس أنه يناقض ذلك ms1842 صاروا PageV09P065 ### | AUTO يحكون عنهم أنهم لا يقولون بتحسين العقل وتقبيحه كما نقله ~~الرازي وغيره فإذا كان المتكلمون القائلون بتحسين العقل وتقبيحه وأنه لا ~~طريق إلى المعرفة إلا به وأنه يوجبها يعني على المميزين يقولون مع ذلك إن ~~الشرع بين هذه الطرق العقلية وأرشد إليها ودل الناس عليها ووكدها وقررها ~~حتى تمت الحجة به على الخلق فجعلوا ما جاء به الشرع متضمنا للمقصود بالعقل ~~من غير عكس حتى صارت العقليات النافعة جزء من الشرع فكيف غيرهم من طوائف ~~أهل النظر وكذلك الفلاسفة ذكروا ذلك كما ذكره أبو الوليد بن رشد الحفيد لما ~~قسم الناس إلى أربعة أصناف كما سيأتي فصل # قد ذكرنا ما تيسر من طرق الناس في المعرفة بالله ليعرف أن الأمر في ذلك ~~واسع وأن ما يحتاج الناس إلى معرفته مثل الإيمان بالله ورسوله فإن الله ~~يوسع طرقه وييسرها وإن كان الناس متفاضلين في ذلك تفاضلا عظيما وليس الأمر ~~كما يظنه كثير من أهل الكلام من أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بطريق ~~يعينونها وقد يكون الخطأ الحاصل بها يناقض حقيقة الإيمان كما أن كثيرا منهم ~~يذكر أقوالا متعددة والقول PageV09P066 ~~الذي جاءت به الرسل وكان عليه سلف الأمة لا يذكره ولا يعرفه # وهذا موجود في عامة الكتب المصنفة في المقالات والملل والنحل مثل كتاب ~~أبي عيسى الوراق والنوبختي وأبي الحسن الأشعري والشهرستاني تجدهم يذكرون من ~~أقوال اليهود والنصارى والفلاسفة وغيرهم من الكفار ومن أقوال الخوارج ~~والشيعة والمعتزلة والمرجئة والكلابية والكرامية والمجسمة والحشوية أنواعا ~~من المقالات # والقول الذي جاء به الرسول وكان عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين ~~لا يعرفونه ولا يذكرونه بل وكذلك في كتب الأدلة والحجج التي يحتج بها ~~المصنف للقول الذي يقول إنه الحق تجدهم يذكرون في الأصل العظيم قولين أو ~~ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك وينصرون أحدها ويكون كل ما ذكروه أقوالا ~~فاسدة مخالفة للشرع والعقل والقول الذي جاء به الرسول وهو الموافق لصحيح ~~المنقول وصريح العقول لا يعرفونه ولايذكرونه فيبقى الناظر في كتبهم ms1843 حائرا ~~ليس فيما ذكروه ما يهديه ويشفيه ولكن قد يستفيد من رد بعضهم على بعض علمه ~~ببطلان تلك المقالات كلها # وهذا موجود في عامة كتب أهل الكلام والفلسفة متقدميهم PageV09P067 ~~ومتأخريهم إلى كتب الرازي والآمدي ونحوها وليس فيها من أمهات الأصول الكلية ~~والإلهية القول الذي هو الحق بل تجد كل ما يذكرونه من المسائل وأقوال الناس ~~فيها إما أن يكون الكل خطأ وإما أن يذكروا القول الصواب من حيث الجملة مثل ~~إطلاق القول بإثبات الصانع وأنه لا إله إلا هو وأن محمدا رسول الله لكن لا ~~يعطون هذا القول حقه لا تصورا ولا تصديقا فلا يحققون المعنى الثابت في نفس ~~الأمر من ذلك ولا يذكرون الأدلة الدالة على الحق وربما بسطوا الكلام في بعض ~~المسائل الجزئية التي لا ينتفع بها وحدها بل قد لا يحتاج إليها # واما المطالب العالية والمقاصد السامية من معرفة الله تعالى والإيمان به ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فلا يعرفونه كما يجب وكما أخبر به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يذكرون من ذلك ما يطابق صحيح المنقول ولا ~~صريح المعقول # وابن رشد الحفيد واحد من هؤلاء ولهذا لما ذكر أصناف الأمة وجعلهم أربعة ~~أقسام باطنية وحشوية ومعتزلة وأشعرية جرى PageV09P068 ~~في ذلك على طريق أمثاله من أهل الكلام والفلسفة وهو قد نبه على كثير مما ~~جاء به القرآن كما سنذكره عنه # لكن المقصود أنه في تقسيم الأمة لم يذكر القسم الذي كان عليه السلف ~~والأئمة وعليه خيارها إلى يوم القيامة لكنه صدق في وصفه من ذكره بالتقصير ~~من مقصود الشرع فإنه كما قال قال وذلك أنه يظهر من غير ما آية من كتاب الله ~~تعالى أنه دعا الناس فيها إلى التصديق بوجود الباري تعالى بأدلة عقلية ~~منصوص عليها فيها مثل قوله تعالى { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم } الآيات سورة البقرة 21 ومثل قوله { أفي الله شك فاطر ~~السماوات والأرض } سورة إبراهيم 10 إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى # قال ms1844 وليس لقائل أن يقول إنه لو كان واجبا على كل من آمن بالله أن لا يصح ~~إيمانه إلا من قبل وقوفه على هذه الأدلة PageV09P069 ~~لكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدعو أحدا إلى الإسلام إلا عرض عليه هذه ~~الأدلة فإن العرب كلها كانت تعترف بوجود الباري سبحانه وتعالى # ولذلك قال تعالى { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } ~~سورة لقمان 25 ولا يمتنع أن يوجد من الناس من يبلغ به فدامة الطبع وبلادة ~~القريحة إلى أن لا يفهم شيئا من الأدلة الشرعية التي نصبها الشارع للجمهور ~~وهذا فهو أقلى الوجود فإذا وجد ففرضه الإيمان بالله من جهة السماع # قال فهذه حال الحشوية مع ظاهر الشرع # قال وأما الأشعرية فإنهم رأوا أن التصديق بوجود الباري تعالى لا يكون إلا ~~بالعقل لكن سلكوا في ذلك طرقا ليست هي الطرق الشرعية التي نبه الله عليها ~~ودعا الناس إلى الإيمان به من قبلها وذلك أن طريقتهم المشهورة انبنت على ~~بيان أن العالم محدث وانبنى عندهم PageV09P070 ~~حدوث العالم على القول بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ وأن الجزء الذي لا ~~يتجزأ محدث وأن الأجسام محدثة بحدوثه وطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث ~~الجزء الذي لا يتجزأ وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد وبالجملة حدوث الأجسام ~~طريقة معتاصة تذهب على كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل فضلا عن الجمهور ~~ومع ذلك فهي غير برهانية ولا مفضية بيقين إلى وجود الباري تعالى وذلك أنه ~~إذا فرضنا أن العالم محدث لزم كما يقولون أن يكون له ولا بد فاعل محدث ولكن ~~يعرض في وجود هذا المحدث شك ليس في قوة صناعة الجدل الانفصال عنه وذلك أن ~~هذا المحدث لسنا نقدر أن نجعله أزليا ولا محدثا أما كونه محدثا فلأنه يفتقر ~~إلى محدث وذلك المحدث إلى محدث ويمر الأمر إلى غير نهاية وذلك مستحيل # وأما كونه أزليا فإنه يجب أن يكون فعله المتعلق بالمفعولات أزليا فتكون ~~المفعولات أزلية والحادث يجب أن يكون وجوده متعلقا بفعل حادث اللهم ms1845 إلا لو ~~سلموا أنه يوجد فعل حادث عن فاعل قديم PageV09P071 ~~فإن المفعول لا بد أن يتعلق به فعل الفاعل وهم لا يسلمون ذلك فإن من أصولهم ~~أن المقارن للحادث حادث # قلت من أصولهم التي تلقوها عن المعتزلة أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث ~~وهذا متفق عليه بين العقلاء إذا أريد به الحادث بالشخص فإن ما لا يسبق ~~الحادث المعين يجب أن يكون حادثا وأما ما لا يسبق نوع الحادث فهو محل ~~النزاع بين الناس وعليه ينبني هذا الدليل # وكثير من الناس لا يميز في هذا المقام بين ما هو بعينه حادث وما تكون ~~آحاد نوعه حادثة والنوع لم يزل حتى أن كثيرا من أهل الكلام إذا رأوا أن ~~الحركات حادثة أو غيرها من الأعراض اعتقدوا أن ما لا يسبق ذلك فهو حادث ولم ~~يميزوا بين ما لا يسبق الحادث المعين وما لا يسبق النوع الدائم الذي آحاده ~~حادثة فهو لا يسبق النوع وإن سبق كل واحد واحد من آحاده # ولما تفطن كثير من أهل الكلام للفرق أرادوا أن يثبتوا امتناع حوادث لا ~~تتناهى بطريق التطبيق وما يشبهه كما قد ذكر ذلك في موضعه فهم لا يسلمون ~~وجود حوادث لا أول لها عن فاعل قديم ويسلمون وجود فعل حادث العين عن فاعل ~~قديم وهو يقول الحادث يجب أن يكون وجوده متعلقا بفعل حادث ثم ذلك الحادث ~~متعلق بفعل حادث فيكون فعل حادث الأفراد دائم النوع عن فاعل قديم فهو يقول ~~لا يمكن وجود PageV09P072 ~~حادث عن فاعل أزلي إلا بفعل حادث الأفراد دائم النوع وهم لا يسلمون ذلك # قال وأيضا إن كان الفاعل حينا يفعل وحينا لا يفعل وجب أن يكون هنالك علة ~~صيرته بإحدى الحالتين أولى منه بالأخرى فلنسأل أيضا في تلك العلة مثل هذا ~~السؤال وفي علة العلة فيمر الأمر إلى غير نهاية # قال وما يقوله المتكلمون في جواب هذا من أن الفعل الحادث كان بإرادة ~~قديمة ليس بمنج ولا مخلص من هذا الشك لأن الإرادة غير الفعل المتعلق ms1846 ~~بالمفعول وإذا كان المفعول حادثا فواجب أن يكون الفعل المتعلق بإيجاده ~~حادثا سواء فرضنا الإرادة قديمة أو حادثة متقدمة على الفعل أو معه فكيفما ~~كان فقد يلزمهم أن يجوزوا على القديم أحد ثلاثة أمور إما إرادة حادثة وفعل ~~حادث وإما فعل حادث وإرادة قديمة وإما فعل قديم وإرادة قديمة # والحادث ليس يمكن أن يكون عن فعل قديم بلا واسطة إن سلمنا PageV09P073 ~~لهم أنه يوجد عن إرادة قديمة ووضع الإرادة نفسها هي الفعل المتعلق بالمفعول ~~شيء لا يعقل وهو كفرض مفعول بلا فاعل فإن الفعل غير الفاعل وغير المفعول ~~وغير الإرادة والإرادة هي شرط الفعل لا الفعل # وأيضا فهذه الإرادة القديمة يجب أن تتعلق بعدم الحادث دهرا لا نهاية له ~~اذ كان الحادث معدوما دهرا لا نهاية له فهي لا تتعلق بالمراد في الوقت الذي ~~اقتضت إيجاده إلا بعد انقضاء دهر لا نهاية له وما لا نهاية له لا ينقضي ~~فيجب أن لا يخرج هذا المراد إلى الفعل أو ينقضي دهر لا نهاية له وذلك ممتنع # وهذا هو بعينه برهان المتكلمين الذي اعتمدوه في حدوث دورات الفلك وأيضا ~~فإن الإرادة التي تتقدم المراد وتتعلق به بوقت مخصوص دون وقت لابد أن يحدث ~~فيها في وقت إيجاد المراد عزم على الإيجاد لم يكن قبل ذلك الوقت لأنه إن لم ~~يكن في المريد في وقت الفعل قدر زائد على ما كانت عليه في الوقت الذي اقتضت ~~الإرادة عدم الفعل وإلا لم يكن وجود ذلك الفعل عنه في ذلك الوقت أولى من عدمه # وأيضا كيف يتعين وقت للحادث من غير أن يتقدمه زمان ماض محدود الطرف إلى ~~ما في هذا كله من التشغيب والشكوك العويصة التي PageV09P074 ~~لا يخلص منها العلماء المهرة بعلم الكلام والحكمة فضلا عن العامة ولو كلف ~~الجمهور العلم من هذه الطرق لكان من باب تكليف ما لا يطاق # وأيضا فإن الطرق التي سلك هؤلاء القوم في حدوث العالم قد جمعت هذين ~~الوصفين معا أعني أن الجمهور ليس في طباعهم قبولها ولا ms1847 هي مع هذا برهانية ~~فليست تصلح لا للعلماء ولا للجمهور ونحن ننبه ههنا على ذلك بعض التنبيه ~~فنقول إن الطرق التي سلكوا في ذلك طريقان # أحدهما وهو الأشهر الذي اعتمد عليها عامتهم ينبني على ثلاث مقدمات هي ~~بمنزلة الأصول لما يرومونه من إثبات حدوث العالم # إحداها أن الجواهر لا تنفك عن الأعراض أي لا تخلو منها # والثانية أن الأعراض حادثة PageV09P075 # والثالثة أن ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث أعني ما لا يخلو من الحوادث ~~فهو حادث # فأما المقدمة الأولى وهي القائلة إن الجوهر لا يعرى من الأعراض فإن عنوا ~~الأجسام المشار إليها القائمة بذاتها فهي مقدمة صحيحة وإن عنوا بالجوهر ~~الجزء الذي لا يتجزأ وهو الذي يريدونه بالجوهر الفرد ففيها شك ليس باليسير ~~وذلك أن وجود جوهر غير منقسم ليس معروفا بنفسه وفي وجوده أقاويل متضادة ~~شديدة التعاند وليس في قوة صناعة الكلام تلخيص الحق منها وإنما ذلك لصناعة ~~البرهان وأهل هذه الصناعة قليل جدا والدلائل التي يستعملها الأشعرية في ~~إثباته خطابية في الأكثر # وذلك أن استدلالهم المشهور في ذلك هو أنهم يقولون إن من المعلومات الأولى ~~أن الفيل مثلا إنما يقولون فيه إنه أعظم من النملة من قبل زيادة أجزائه على ~~أجزاء النملة وإذا كان ذلك كذلك PageV09P076 ~~فهو مؤلف من تلك الأجزاء وليس هو واحدا بسيطا فإذا فسد الجسم فإليها ينحل ~~وإذا تركب فمنها يتركب # وهذا الغلط إنما دخل عليهم من شبه الكمية المنفصلة بالمتصلة فظنوا أن ما ~~يلزم في المنفصلة يلزم في المتصلة وذلك إنما يصدق هذا في العدد أعني أن ~~نقول إن عددا أكثر من عدد من قبل كثرة الأجزاء الموجودة فيه أعني الوحدات # واما الكم المتصل فليس يصدق ذلك فيه ولذلك نقول في الكم المتصل إنه أعظم ~~وأكبر ولا نقول أكثر ونقول في العدد إنه أكثر ولا نقول إنه أكبر # وعلى هذا القول فتكون الأشياء كلها أعدادا ولا يكون هناك عظم متصل أصلا ~~فتكون صناعة الهندسة هي صناعة العدد بعينها # ومن المعروف بنفسه أن كل ms1848 عظم فإنه ينقسم بنصفين أعني الأعظام الثلاثة ~~التي هي الخط والسطح والجسم # وأيضا فإن الكم المتصل هو الذي يمكن أن يفرض عليه في وسطه نهاية يلتقي ~~عندها طرفا القسمين جميعا وليس يمكن ذلك في العدد ولكن يعارض هذا أيضا أن ~~الجسم وسائر أجزاء الكم المتصل يقبل PageV09P077 ~~الانقسام وكل منقسم فإما أن ينقسم إلى شيء منقسم أو إلى شيء غير منقسم فإن ~~انقسم إلى غير منقسم فقد وجدنا الجزء الذي لا ينقسم وإن انقسم إلى منقسم ~~عاد السؤال في ذلك المنقسم هل ينقسم إلى منقسم أو إلى غير منقسم فإن انقسم ~~إلى منقسم إلى غير النهاية كانت في الشيء المتناهي أجزاء لا نهاية لها ومن ~~المعلومات الأولى أن أجزاء المتناهي متناهية # قلت هذا الموضع هو الذي أوجب قول النظام ونحوه بالطفرة وقول طائفة من ~~المتفلسفة والمتكلمين بقبول انقسام إلى غير نهاية بالقوة لا بالفعل # وقد أجاب عن هذا طائفة من نفاة الجزء بأن كل ما يوجد فهو يقبل القسمة ~~بمعنى امتياز شيء منه عن شيء وهي القسمة العقلية المفروضة لكن لا يلزم وجود ~~ما لا يتناهى من الأجزاء لأن الموجود إن قيل إنه لا يقبل القسمة بالفعل لم ~~تكن فيه أجزاء لا تتناهى وإن قيل إنه يقبلها بالفعل فإذا صغرت أجزاؤه فإنها ~~تستحيل وتفسد وتفنى كما تستحيل أجزاء الماء الصغار هواء وإذا استحالت عند ~~تناهي صغرها لم يلزم أن تكون باقية قابلة لانقسامات لا تتناهى ولا يلزم ~~وجود أجزاء لا تتناهى PageV09P078 # قال ومن الشكوك المعتاصة التي تلزمهم أن يسألوا إذا حدث الجزء الذي لا ~~يتجزأ ما القابل لنفس الحدوث فإن الحدوث عرض من الأعراض وإذا وجد الحادث ~~فقد ارتفع الحدوث فإن من أصولهم أن الأعراض لا تفارق الجواهر فيضطرهم الأمر ~~إلى أن يضعوا الحدوث في موجود ما وبوجود ما # قلت من يقول إن الإحداث هو نفس المحدث والمخلوق هو نفس الخلق والمفعول هو ~~نفس الفعل كما هو قول الأشعرية لا يسلم أن الحدوث عرض ولا أن له محلا فضلا ~~عن أن ms1849 يكون وجوديا لكنه قد قدم إفساد هذا وأنه لا بد للمفعول من فعل # وحينئذ فيقال الإحداث قائم بالفاعل المحدث وحدوث الحادث ليس عرضا موجودا ~~قائما بشيء غير إحداث المحدث # ويقال أيضا إن هذا ينبني على أن المعدوم شيء وأن الماهيات في الخارج زائد ~~على وجودها وكلاهما باطل وبتقدير صحته فيكون الجواب أن القابل للحدوث هو ~~تلك الذوات والماهيات # لكن هذا الذي ذكره يتقرر بطريقة أصحابه المشهورة أن الحادث PageV09P079 ~~مسبوق بالإمكان والإمكان لا بد له من محل فلا بد للمحدث من محل # قال وأيضا فقد يسألون إن كان الموجود يكون عن عدم فبم يتعلق فعل الفاعل ~~فإنه ليس بين الوجود والعدم وسط عندهم وإذا كان كذلك وكان فعل الفاعل لا ~~يتعلق عندهم بالعدم ولا يتعلق بما وجد وفرغ من وجوده فقد ينبغي أن يتعلق ~~بذات متوسطة بين العدم والوجود وهذا الذي اضطر المعتزلة إلى أن قالت إن في ~~العدم ذاتا ما وهؤلاء أيضا يعني المعتزلة يلزمهم أن يوجد ما ليس بموجود ~~بالفعل موجودا بالفعل وكلتا الطائفتين يلزمهم أن يقولوا بوجود الخلاء # قلت هذا هو الشبهة المشهورة من أن فعل الفاعل وإحداث المحدث ونحو ذلك إن ~~قيل يتعلق بالشيء وقت عدمه لزم كونه موجودا معدوما وإن قيل يتعلق به وقت ~~وجوده لزم تحصيل الحاصل ووجوده مرتين PageV09P080 # وجوابه أنه يتعلق به حين وجوده بمعنى أنه هو الذي يجعله موجودا لا بمعنى ~~أنه كان موجودا بدونه فجعله هو أيضا موجودا # قال فهذه الشكوك كما ترى ليس في قوة صناعة الجدل حلها فإذا يجب أن لا ~~يجعل هذا مبدأ لمعرفة الله تعالى وخاصة الجمهور فإن طريقة معرفة الله تعالى ~~أصح من هذا وأوضح على ما سنبين بعد من قولنا # قال وأما المقدمة الثانية وهي القائلة إن جميع الأعراض محدثة فهي مقدمة ~~مشكوك فيها وخفاء هذا المعنى فيها كخفائه في الجسم وذلك أنا شاهدنا بعض ~~الأجسام محدثة وكذلك بعض الأعراض فلا فرق في النقلة من الشاهد في كليهما ~~إلى الغائب فإن كان واجبا في الأعراض أن ms1850 ينقل حكم الشاهد منها إلى الغائب ~~أعني أن PageV09P081 ~~نحكم بالحدوث على ما لم نشاهده منها قياسا على ما شاهدنا فقد يجب أن يفعل ~~مثل ذلك في الأجسام ونستغني عن الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام ~~وذلك أن الجسم السماوي وهو المشكوك في إلحاقه بالشاهد الشك في حدوث أعراضه ~~كالشك في حدوثه نفسه لأنه لم يحس حدوثه لا هو ولا أعراضه ولذلك ينبغي أن ~~نجعل الفحص عنه من أمر حركته وهي الطريق التي تفضي بالسالكين إلى معرفة ~~الله تبارك وتعالى بيقين # قال وهي طريق الخواص وهي التي خص بها إبراهيم الخليل عليه السلام في قوله ~~تعالى { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } ~~سورة الأنعام 75 لأن الشك كله إنما هو في الأجرام السماوية وأكثر النظار ~~إنما انتهوا اليها واعتقدوا أنها آلهة # قلت قول هذا وأمثاله إن إبراهيم استدل بطريق الحركة هو من جنس قول أهل ~~الكلام الذين يذمهم أصحابه وسلف الأمة إن إبراهيم استدل بطريق الحركة لكن ~~هو يزعم أن طريقة الخواص PageV09P082 ~~طريقة أرسطو وأصحابه حيث استدلوا بالحركة على أن حركة الفلك اختيارية وأنه ~~يتحرك للتشبه بجوهر غير متحرك وأولئك المتكلمون يقولون إن استدلال إبراهيم ~~بالحركة لكون المتحرك يكون محدثا لامتناع وجود حركات لا نهاية لها وكل من ~~الطائفتين تفسد طريقة الأخرى وتبين تناقضها بالأدلة العقلية # وحقيقة الأمر أن إبراهيم لم يسلك واحدة من الطريقين ولا احتج بالحركة بل ~~بالأفول الذي هو المغيب والاحتجاب كما قد بسط في موضع آخر # فالآفل لا يستحق أن يعبد ولهذا قال { إنني براء مما تعبدون إلا الذي ~~فطرني } سورة الزخرف 26 27 وقال { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا وما أنا من المشركين } سورة الأنعام 79 وقومه كانوا مقرين بالرب ~~تعالى لكن كانوا مشركين به فاستدل على ذم الشرك لا على إثبات الصانع # ولو كان المقصود إثبات الصانع لكانت قصة إبراهيم حجة عليهم لا لهم فإنه ~~من حين بزغ الكوكب والشمس والقمر إلى أن أفلت كانت PageV09P083 ~~متحركة ولم ينف عنها ms1851 المحبة ولا تبرأ منها كما تبرأ مما يشركون لما أفلت ~~فدل ذلك على أن حركتها لم تكن منافية لمقصود إبراهيم بل نافاه أفولها # قال ابن رشد وأيضا فإن الزمان من الأعراض ويعسر تصور حدوثه وذلك أن كل ~~حادث فيجب أن يتقدمه العدم بالزمان فإن تقدم عدم الشيء على الشيء لا يتصور ~~إلا من قبل الزمان وأيضا فالمكان الذي يكون فيه العالم إذا كان كل متكون ~~فالمكان سابق له يعسر تصور حدوثه لأنه إن كان خلاء على رأي من يرى أن ~~الخلاء هو المكان احتاج أن يتقدم حدوثه إن فرض حادثا خلاء آخر وإن كان ~~المكان نهاية الجسم المحيط بالمتمكن على الرأي الثاني لزم أن يكون ذلك ~~الجسم في مكان فيحتاج ذلك الجسم إلى الجسم ويمر الأمر إلى غير نهاية # وهذه كلها شكوك عويصة وأدلتهم التي يرومون بها بيان إبطال PageV09P084 ~~قدم الأعراض إنما هي لازمة لمن يقول بقدم ما يحسن منه حادثا أعني من يضع أن ~~جميع الأعراض غير حادثة وذلك أنهم يقولون إن الأعراض التي يظهر للحس أنها ~~حادثة إن لم تكن حادثة فإما أن تكون منتقلة من محل إلى محل وإما أن تكون ~~كامنة في المحل الذي ظهرت فيه من قبل أن تظهر ثم يبطلون هذين القسمين ~~فيظنون أنهم قد بينوا أن جميع الأعراض حادثة وإنما بان من قولهم أن ما يظهر ~~من الأعراض حادثا فهو حادث ولا ما لا يظهر حدوثه ولا ما يشك في أمره مثل ~~الأعراض الموجودة في الأجرام السماوية من حركاتها وأشكالها وغير ذلك فتؤول ~~أدلتهم على حدوث جميع الأعراض إلى قياس الشاهد على الغائب وهو دليل خطابي ~~إلا حيث النقلة معقولة بنفسها وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد ~~والغائب # وأما المقدمة الثالثة وهي القائلة إن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فهي ~~مقدمة مشتركة الاسم # وذلك أنها يمكن أن تفهم على معنيين أحدهما ما لا يخلو من PageV09P085 ~~جنس الحوادث ويخلو من آحادها والثاني ما لا يخلو من واحد منها مخصوص مشار إليه # كأنك ms1852 تقول ما لا يخلو من هذا السواد المشار إليه فهو مادي فأما هذا ~~المفهوم الثاني فهو صادق أعني ما لا يخلو من عرض ما يشار إليه # وذلك أن العرض الحادث يجب بالضرورة أن يكون الموضوع له حادثا لأنه إن كان ~~قديما فقد خلا من ذلك العرض وقد كنا فرضناه لا يخلو وهذا خلف لا يمكن # واما المفهوم الأول وهو الذي يريدونه فليس يلزم عنه حدوث المحل أعني الذي ~~لا يخلو من جنس الحوادث لأنه يمكن أن يتصور المحل الواحد أعني الجسم تتعاقب ~~عليه أعراض غير متناهية إما متضادة وإما غير متضادة كأنك قلت حركات لا ~~نهاية لها وحركات وسلوبات لا نهاية لها كما يرى كثير من القدماء في PageV09P086 ~~العالم أعني أنه يتكون واحدا بعد واحد # ولهذا لما شعر المتأخرون من المتكلمين بوهاء هذه المقدمة راموا شدها ~~وتقويتها بأن بينوا في زعمهم أنه لا يمكن أن تتعاقب على محل واحد أعراض لا ~~نهاية لها وذلك أنهم زعموا أنه يجب على هذا الوضع أن لايوجد في المحل منها ~~عرض ما مشار إليه إلا وقد وجدت قبله أعراض لا نهاية لها وذلك يؤدي إلى ~~امتناع الموجود منها أعني المشار إليه لأنه يلزم ألا يوجد إلا بعد انقضاء ~~ما لا نهاية له ولما كان ما لا نهاية له لا ينقضي وجب ألا يوجد المشار إليه ~~أعني المفروض موجودا مثال ذلك أن الحركة الموجودة اليوم للجرم السماوي إن ~~كان قد وجد قبلها حركات لا نهاية لها فقد كان يجب ألا يوجد ذلك ومثلوا ذلك ~~برجل قال لرجل لا أعطيك هذا الدينار حتى أعطيك قبله دنانير لا نهاية لها ~~قالوا فليس يمكن أن يعطيه ذلك الدينار المشار إليه أبدا # قال وهذا التمثيل ليس بصحيح لأن في هذا التمثيل وضع PageV09P087 ~~مبدأ ونهاية ووضع ما بينهما غير متناه لأن قوله وقع في زمان محدود وأعطاءه ~~إياه يقع في زمان محدود فاشترط هو أن يعطيه الدينار في زمان يكون بينه وبين ~~ذلك الزمان الذي تكلم فيه أزمنة لا نهاية ms1853 لها وهي التي يعطيه فيها دنانير ~~لا نهاية لها وذلك مستحيل فهذا التمثيل بين أمره لا يشبه المسألة الممثل بها # وأما قولهم إن ما يوجد بعد وجود أشياء لا نهاية لها لا يمكن وجوده فليس ~~بصادق من جميع الوجوه # وذلك أن الأشياء التي بعضها قبل بعض توجد على نحوين إما على جهة الدور ~~وإما على جهة الاستقامة فالتي توجد على جهة الدور الواجب فيها أن تكون غير ~~متناهية إلا أن يفرض فيها ما ينهيها # مثال ذلك أنه إن كان شروق فقد كان غروب وإن كان غروب فقد كان شروق فإن ~~كان شروق فقد كان شروق # وكذلك إن كان غيم فقد كان بخار صاعد من الأرض وإن كان بخار PageV09P088 ~~صاعد من الأرض فقد ابتلت الأرض وإن كان قد ابتلت الأرض فقد كان مطر وإن كان ~~مطر فقد كان غيم # وأما التي تكون على استقامة مثل كون الإنسان من الإنسان وذلك الإنسان من ~~إنسان آخر فإن هذا إن كان بالذات لم يصح أن يمر إلى غير نهاية لأنه إذا لم ~~يوجد الأول من الأسباب لم يوجد الآخر وإن كان ذلك بالعرض مثل أن يكون ~~الإنسان بالحقيقة عن فاعل آخر غير الإنسان الذي هو الإله وهو المصور له ~~ويكون الأب إنما منزلته منزلة الآلة من الصانع فليس يمتنع إن وجد ذلك ~~الفاعل يفعل فعلا لا نهاية له بالآت غير متناهية متبدلة أن يكون فعله ~~لأشخاص الناس على الدوام بأشخاص لا نهاية لها أعني أنه يفعل الأبناء ~~بالآباء وإليه الإشارة في قوله تعالى { أن اشكر لي ولوالديك } سورة لقمان 14 # قلت مضمون هذا الكلام أن التسلسل في العلل ممتنع لأن العلة يجب وجودها ~~عند وجود المعلول وأما في الشروط والآثار مثل كون PageV09P089 ~~الوالد شرطا في وجود الولد ومثل كون الغيم شرطا في وجود المطر فلا يمتنع ~~وهذا فيه نزاع معروف وقد ذكر في غير هذا الموضع # وليس في هذا ما ينفع الفلاسفة في قولهم بقدم الأفلاك وإنما غايته إبطال ~~ما يقوله من يقول بوجوب ms1854 تناهي الحوادث وقد تقدم غير مرة أن حجة الفلاسفة ~~باطلة على تقدير النقيضين فإنه إذا امتنع وجود ما لا يتناهى بطل قولهم وإن ~~جاز وجوده لم يمتنع أن يكون وجود الأفلاك متوقفا على حوادث قبله وكل حادث ~~مشروط بما قبله كما يقولون هم في الحوادث المشهودة من الأناسي والأمطار كما ~~ذكره بل هذا يستلزم امتناع حدوث الحوادث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها ~~ويقتضي أنه يلزم من قولهم أن لا يكون للحوادث فاعل إذا كان كل حادث مشروطا ~~بحادث قبله والعلة التامة المستلزمة لمعلولها يمتنع عندهم وعند غيرهم أن ~~يحدث عنها شيء بوسط أو غير وسط لأن ذلك يقتضي تأخر شيء من معلولاتها فلا ~~تكون تامة بل فيها إمكان ما بالقوة لم يخرج إلى الفعل وهو نقيض قولهم # قال ابن رشد وأيضا فإن قولهم إن الحركة المشار إليها لا تخرج إلا وقد ~~انقضت قبلها حركات لا نهاية لها قول لا يسلمه الخصوم فإن الخصوم يقولون إنه ~~لا ينقضي إلاما له ابتداء وما لا مبدأ له كما PageV09P090 ~~نضعه نحن فلا انقضاء له وبهذا ينكرون قولهم إن ما وقع في الماضي فقد دخل في ~~الوجود لأن معنى دخل في الوجود أنه تناهى وجوده وكمل ولا يتناهى إلا ما له ~~ابتداء فأما ما لم يبتدىء فلا يدخل في الوجود # قلت لفظ الانقضاء والقضاء قد يعنى به الكمال والتمام كما قال تعالى { ~~فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } سورة الجمعة 10 { فإذا قضيتم مناسككم ~~} سورة البقرة 200 ويقال قد انقضت هذه السنة وانقضى شهر رمضان ونحو ذلك ~~فعلى هذا لا يكون المنقضى الذي كمل وتم إلا ما له ابتداء إذ ما لا أول له ~~لا يعقل كماله وتمامه # وقد يعنى بلفظ الانقضاء الانتهاء والمضي والزوال فمعلوم أن الحوادث التي ~~كانت قبلها قد انقضت ومضت وانتهت بمعنى أنها لم يبق منها شيء # وعلى هذا فقول القائل كل حركة لا تكون حتى يكون قبلها حركات لا نهاية لها ~~معناه حتى توجد قبلها حركات لا ابتداء لها ليس ms1855 PageV09P091 ~~المراد لا آخر لها بل المراد ليس لها ابتداء وهذا صحيح وهو أول المسألة # والمنازع يقول إذا كانت الحركات لا أول لها فالمعنى أنه قد مضى في الماضي ~~ما لا ابتداء له كما يقال إنه سيوجد في المستقبل ما لا انتهاء له وهذا هو ~~قوله فما الدليل على بطلان هذا # فهنا اشتراك واشتباه في الألفاظ والمعاني إذا ميزت ظهر المعنى ولفظ ~~الدخول في الوجود قد يتناول ما كمل وجوده وما لم يكمل وجوده ويتناول ما وجد ~~معا وما وجد متعاقبا لكن قول القائل إن الماضي دخل في الوجود دون المستقبل ~~عند منازعة فرق لا تأثير له فإن أدلته النافية الإمكان دوام ما لا يتناهى ~~كالمطابقة والشفع والوتر وغير ذلك يتناول الأمرين وهي باطلة في أحدهما ~~فيلزم بطلانها في الآخر ومن اعتقد صحتها مطلقا كأبي الهذيل والجهم طردوها ~~في الماضي والمستقبل وهو خلاف دين المسلمين وغيرهم من أهل الملل # وهذا الذي يذكره هؤلاء المتفلسفة إنما يتوجه فيما مضى ولم يبق كالحركات ~~فأما النفوس الإنسانية المجتمعة إذا قالوا بأنه الآن في الوجود منها ما لا ~~يتناهى وهو مجتمع وأن ذلك لا يزال يزيد لم يكن ما ذكروه في الحركات متناولا لهذا # ولهذا فر ابن رشد من ذلك إلى أن جعل النفوس واحدة بالذات وشبهها بالضوء ~~مع الشمس والضوء عرض وفساد هذا القول معلوم وليس هذا موضع بسطه PageV09P092 ~~ولهذا قال ابن رشد هنا وهذا كله ليس بينا في هذا الموضع وإنما سقناه ليعرف ~~أن ما توهم القوم من هذه الأشياء أنه برهان فليس برهانا ولا هو من الأقاويل ~~التي تليق بالجمهور أعني البراهين البسيطة التي كلف الله تعالى بها الجميع ~~من عباده الإيمان به # قال فقد تبين لك من هذا أن هذه الطريقة ليست برهانية صناعية ولا شرعية # وأيضا فإن خصماءهم لا يضعون قبل الدورة المشار إليها دورات لا PageV09P093 ~~نهاية لها لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي يوجد ~~أبدا شيء خارج عنه أعني أنه يمكن أن يزاد ms1856 عليه دائما فهم إنما يضعون أن قبل ~~هذه الدورة المشار إليها دورة وقبل تلك الدورة دورة وذلك إلى غير نهاية على ~~التعاقب على محل واحد أي متى وجدت دورة وجدت قبلها في المحل دورة وبعدها ~~دورة وأن هذا المرور إلى غير نهاية كالحال في المستقبل فإنا نقول إن بعد ~~هذه الدورة دورة وبعدها دورة وذلك إلى غير نهاية ولا نقول إن بعد هذه ~~الدورة دورات لا نهاية لها فيلزم عن هذا أن يكون بعد الدورة التي كانت ~~اليوم بمدة عشرة الآف سنة دورات لا نهاية لها وبعد الدورة المشار إليها ~~الآن فيكون ما لا نهاية لها أعظم مما لا نهاية له وذلك محال وكذلك الحال في ~~الأدوار الماضية # وقولهم إن الفرق بين ما مضى وبين ما يأتي أن ما يأتي لم يدخل في PageV09P094 ~~الوجود بعد وأن ما مضى قد انصرم وانقضى وما انصرم وانقضى فواجب أن يدخل في ~~الوجود فهو متناه قول حق إلا أن الوضع الذي يضعه خصماؤهم في الدورات ليس ~~بهذه الصفة وذلك أنه إذا لم يكن هناك حركة واجب أن تكون أولى يستحيل أن ~~تكون قبلها حركة فليس يجب أن يكون ها هنا جملة هي أول جملة دخلت في الوجود ~~ولا جزء منها هو أول جزء دخل في الوجود والذي دخل منها في الوجود إنما هو ~~شخص واحد أو أشخاص متناهية إن كانت من الأشياء التي يوجد منها أكثر من شخص ~~واحد وذلك على جهة التعاقب على محل واحد # فمن أين يلزم ليت شعري إن كان الداخل منها في الوجود إنما هو واحد وقبله ~~واحد أن يكون ها هنا جملة غير متناهية دخلت في الوجود معا PageV09P095 # والأصل في هذا كله أن لا يدخل في الوجود إلا ما انقضى وجوده وما انقضى ~~وجوده ولا ينقضي إلا ما ابتدى وجوده وإنما كان يلزم أن يدخل في الوجود ما ~~لا نهاية له الماضي في الوجود لو كان دخوله معا أعني ما لا نهاية له وأما ~~الداخل فيه شخص فشخص على ms1857 محل واحد وكأنك قلت على الجسم الدوري وليس هناك ~~أول فليس يجب أن يكون ما دخل منها في الوجود منحصرا أو متناهيا لأن ~~المتناهي هو الذي يمكن أن يزاد عليه شيء وأي جملة فرضناها متناهية فإنه ~~يمكن أن يكون فيها جملة قبلها جملة أخرى وهذا هو حد ما لا نهاية له الجائز ~~الوجود أعني أن يكون أبدا يوجد شيء خارج عنه ويسألون كما أن تقدير وجود ~~الباري سبحانه وتعالى في الماضي غير متناه وكما أن تقدير وجوده في المستقبل ~~غير متناه وهذا معنى قولنا لم يزل ولا يزال هل تقدر أفعاله في الماضي ~~متناهية أو غير متناهية PageV09P096 # فإن قالوا غير متناهية كما هو في المستقبل فقد اعترفوا بوجود ما لا نهاية ~~له في الماضي على الشرط الذي يوجد عليه ما لا نهاية له أعني أن لا يوجد معا ~~وأن لا ينقطع الإمكان # وإن قالوا غير ذلك فقد أحالوا على الوجود الأزلي أن تكون أفعاله أزلية ~~ويلزمهم ذلك في علمه بالحادثات وإرادته لها فتكون معلوماته بالفعل متناهية ~~وكذا إرادته وبالقوة غير متناهية # أما في الماضي فمن قبل أنه لا يجوز عندهم أن تكون أفعال لا نهاية لها ~~وأما في المستقبل فمن قبل أن ما لا نهاية له إنما يوجد عندهم بالقوة وذلك ~~شيء لا يقولونه فإن قالوا إراداته ومعلوماته غير متناهية بالفعل فقد سلموا ~~دخول ما لا نهاية له بالفعل في الوجود # قال وهذا كله تشويش لعقائد المتشرعين وصد عن الغاية التي قصد بها تعريفهم ~~هذه الأشياء وهو أن يكونوا مصممين في هذه الأشياء أخيارا فإن من ليس بمصمم ~~العقيدة في هذه ليس بخير PageV09P097 # قلت قول القائل هذا متناه أو غير متناه لفظ مجمل يراد به ما لا يتناهى من ~~أوله ولا من آخره فلا يمكن أن يزاد عليه وهذا هو مراد ابن رشد بما لا ~~يتناهى من أوله فقط أو من آخره فقط كالحوادث الماضية إذا قيل لا تتناهى ~~فإنه لا نهاية له من جهة الابتداء بمعنى أنه لا ابتداء ms1858 لها ولكن إذا قدر ~~أنها انقضت اليوم فقد تناهت من هذا الطرف # قال ابن رشد فخصماء هؤلاء المتكلمين لا يقولون إن قبل هذه الدورة المعينة ~~دورات لا نهاية لها بالمعنى الأول أي ليس لها أول ولا آخر بل يعترفون أنه ~~حينئذ يكون للدورات آخر وهذا عندهم هو الذي لا يتناهى بالمعنى الآخر وهو ~~جائز عندهم # قال لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي يوجد أبدا ~~شيء خارج عنه أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائما # قال فهم إنما يضعون أن قبل هذه الدورة المشار إليها دورة PageV09P098 ~~وقبل تلك الدورة دورة إلى غير نهاية على التعاقب على محل واحد كالحال في ~~المستقبل فإنا نقول إن بعد هذه الدورة دورة وبعد هذه الدورة دورة إلى غير ~~نهاية ولا نقول إن بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها فيلزم أن يكون بعد ~~هذه الدورة بمدة عشرة آلاف سنة دورات لا نهاية لها وبعد هذه الدورة دورات ~~لا نهاية لها فيكون ما لا نهاية له أعظم مما لا نهاية له وذلك محال # فمعنى ما لا نهاية له الذي جعل مقتضاه محالا هو الذي لا يقبل أن يزاد ~~عليه وهو ما لا أول له ولا آخر وأما إذا قيل وجد قبل هذه الدورة دورة ~~وقبلها دورة إلى غير نهاية فهنا إنما نفيت النهاية عن الجانب الماضي دون ~~المستقبل فلا يطلق على الجملة أنها لا تتناهى لأنها تناهت من أحد الجانبين ~~وإن كانت غير متناهية من الجانب الآخر فهو يسلم امتناع القضاء وجود ما لا ~~يتناهى في الماضي إذا أريد به ما لا يتناهى من الجانبين # وما قدر متناهيا من أحدهما فلا يسلم امتناع انقضائه ولا يطلق عليه أنه لا ~~يتناهى بل هو عنده قد تناهى لأنه انقضى والتناهي PageV09P099 ~~والانقضاء واحد لكن يقال فيه إنه وجد شيئا قبل شيء إلى غير نهاية فتكون ~~النهاية مسلوبة عن ابتدائه لا عن الجانب الذي انتهى إليه # ويقال لا يتناهى مقيدا لا مطلقا كما قال ms1859 لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له ~~الجائز وجوده هو الذي يوجد أبدا شيء خارج عنه أي يمكن أن يزاد عليه دائما ~~فهذا يسميه ما لا نهاية له الجائز وجوده وهو أن يكون خارجا عنه شيء يمكن أن ~~يزاد عليه دائما هو إنما يقبل الزيادة من الجهة التي تناهى منها فهو متناه ~~من أحد الطرفين غير متناه من الطرف الآخر # فلهذا جاز أن يقال ليس هو مما لا يتناهى لتناهيه من جانب ويجوز أن يقال ~~هو لا يتناهى لعدم تناهيه من الجانب الآخر ولهذا نقول إنه لا يدخل في ~~الوجود إلا ما انقضى وجوده وما انقضى ولا ينقضي إلا ما ابتدأ وجوده لأنه ~~إذا قدر أن الحوادث دائمة لم تزل ولا تزال فلم تنقض وإنما يفرض الإنسان ~~انقضاء الماضي فرضا وإنما المنقضي ما لم يبق فيه شيء # والحوادث إذا كانت مستمرة فما انقضت ولا انتهت فما دخلت في PageV09P100 ~~الوجود والذي وجد في الماضي فهو متناه ليس هو مما لا يتناهى وإنما يكون قد ~~دخل ما لا يتناهى إذا كان ممتنعا في الوجود فيكون قد انقضى مع كونه غير ~~متناه وهذا ممتنع # فأما ما يوجد شيئا بعد شيء وهو لم يزل ولا يزال فهذا ليس يجب أن يكون ما ~~دخل منه في الوجود منحصرا أو متناهيا لأنه لم ينقض بل هو متواصل الوجود ~~والمنقضى عنده ما انقطع وجوده ولم يبق منه شيء وليست الحوادث المستمرة كذلك # فلفظ انقضى وانتهى وانصرم ونحو ذلك معناها متقارب فإذا قال المتكلم ~~الحوادث الماضية قد انقضت فلو لم تكن متناهية للزم انقضاء ما لا نهاية له ~~كان هذا تلبيسا فإنها إذا جعلت منقضية فإنما انقضت من جهتنا لا من البداية ~~ومن هذه الجهة هي متناهية وأما من جهة الابتداء فلا انتهاء لها ولا انقضاء ~~وما لا يتناهى هو ما لا ينقضي ولا ينصرم فإذا قيل انصرم وانقضى ما لا ~~يتناهى كان هذا تناقضا بينا # والحوادث الماضية ليس لها أول فإذا قدر أنها انقضت فقد انتهت ms1860 وانصرمت فلا ~~يطلق عليها أنها لا تتناهى مع تقدير أنها منقضية بل إذا قدر تناهيها فقد ~~انقضت وإن قدر استمرارها فلم تنقض # وما ذكره ابن رشد كما أنه مبطل لقول من يقول بامتناع وجود ما لا PageV09P101 ~~يتناهى في الماضي والمستقبل كما يقوله من يقوله من المتكلمين فهو مبطل أيضا ~~لقول إخوانه من الفلاسفة الذين يقولون بوجود ما لا يتناهى ولا له أول ولا ~~آخر في قديمين مختلفين كما يقولونه إن حركات كل واحد من الأفلاك لا تتناهى ~~ولا لها بداية ولا نهاية مع أن إحدى الحركات أكثر وأعظم من الأخرى # كما يقولون إن القمر يتحرك في كل شهر مرة والشمس في كل سنة مرة والفلك ~~المحيط في كل يوم مرة فهو أعظم مقدارا وأسرع حركة من فلك الشمس والقمر ~~وغيرهما فإنه محيط بالجميع فهو أعظم وهو يتحرك كل يوم الحركة الشرقية التي ~~تحرك بها جميع الأفلاك وليس في الأفلاك ما يتحرك كل يوم غيره فتكون حركته ~~أكبر وأكثر من حركة سائر الأفلاك فلك الشمس والقمر وغيرها فإن الأيام أكثر ~~عددا من الشهور والشهور أكثر عددا من الأعوام # ونفس المتحرك كل يوم حركته أعظم مقدارا مما يتحرك في الشهر والعام مع أن ~~كلا من هذه الحركات ليس لها أول ولا آخر عندهم فيلزم من ذلك أن يكون ما لا ~~يتناهى وليس له أول ولا آخر كحركة فلك القمر والشمس يقبل أن يزاد عليه ~~أضعافا مضاعفة بل وجد ما هو بقدره أضعافا مضاعفة وهو حركة الفلك المحيط ~~فيكون ما لا يتناهى من PageV09P102 ~~الجانبين وليس له أول ولا آخر أعظم مما لا يتناهى وليس له أول ولا آخر ~~وأكبر منه وهذا هو الذي بين ابن رشد وغيره من النظار أنه ممتنع # ولا يلزم هذا أئمة أهل الملل الذين قالوا إن الرب يفعل أفعالا أو يقول ~~كلمات لا نهاية لها ليس لها أول ولا آخر فإن هؤلاء يقولون لا قديم إلا الله ~~وحده وما سواه محدث مخلوق فلم يقم بغيره ولا يصدر عن غيره ms1861 ما لا يتناهى ~~وإنما ذلك له وحده فلم يكن لغيره ما لا يتناهى من الطرفين لا أقل مما له ~~ولا أكثر # وذلك أن ابن رشد عنده ما لا يتناهى هو ما لا أول له ولا آخر فما كان له ~~منتهى ينتهي إليه محدود فلا بد أن يكون له مبدأ محدود فلا يتناهى شيء في ~~النهاية إلا وله مبدأ محدود # ولهذا قال وأيضا فإن خصماءهم لا يضعون قبل الدورة المشار إليها دورات لا ~~نهاية لها لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي يوجد ~~أبدا شيء خارج عنه أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائما إلى قوله وقولهم إن ~~الفرق بين ما مضى وبين ما يأتي أن ما يأتي لم يدخل في الوجود بعد وأن ما ~~مضى قد انقضى وانصرم وما انقضى وانصرم فواجب أن يدخل في الوجود فهو متناه ~~فهو قول حق ومراده PageV09P103 ~~بذلك أن الذي ينقضي وينصرم هو ما له مبتدأ وأما ما لا ابتداء له فلا انتهاء ~~له ولاينقضي ولا ينصرم # ولهذا قال إلا أن الوضع الذي يضعه خصماؤهم في الدورات ليس بهذه الصفة ~~وذلك أنه إذا لم يكن هناك حركة واجب أن تكون أولى بحيث يستحيل أن تكون ~~قبلها حركة فليس يجب أن يكون ها هنا جملة هي أول جملة دخلت في الوجود ولا ~~جزء منها هو أول جزء دخل في الوجود والذي دخل منها في الوجود إنما هو شخص ~~واحد أو أشخاص متناهية إن كانت من الأشياء التي يوجد منها أكثر من شخص واحد # إلى قوله فمن أين يلزم ليت شعري إن كان الداخل منها في الوجود إنما هو ~~واحد وقبله واحد أن يكون ها هنا جملة غير متناهية دخلت في الوجود معا # قال والأصل في هذا كله ألا يدخل في الوجود إلا ما انقضى وجوده وما انقضى ~~ولا ينقضي إلا ما ابتدأ وجوده # إلى قوله لأن المتناهي هو الذي يمكن أن يزاد عليه شيء وأي جملة فرضناها ~~متناهية فإنه يمكن أن ms1862 يكون قبلها جملة أخرى وهذا هو حد ما لا يتناهى الجائز الوجود PageV09P104 # وقد قال قبل ذلك لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي ~~يوجد أبدا شيء خارج عنه أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائما إلى قوله ولا ~~نقول إن بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها فيلزم من هذا أن يكون بعد ~~الدورة التي كانت اليوم بمدة عشرة آلاف سنة دورات لا نهاية لها وبعد الدورة ~~المشار إليها دورات لا نهاية لها فمن تدبر كلامه تبين له ما قلناه # قلت فأما الكلام على إحاطة علم الله تعالى بالكليات والجزئيات وإرادته ~~فمذكور في غير هذا الموضع وهذا الرجل قد أورد على هؤلاء هذا السؤال المعروف ~~وهو الذي أوقع أبا المعالي في قوله بالاسترسال وأن العلم يحيط بأعيان ~~الجواهر وأنواع الأعراض ويسترسل على أعيان الأعراض وهذا ليس هو قول من يقول ~~بأنه يتعلق بالكليات فإن ذلك لا يفرق بين الجواهر وأنواع الأعراض وأعيانها ~~ومن علم أن الكليات لا تكون كلية إلا في الذهن وأن كل موجود فإنه معين ~~والأفلاك معينة والعقول والنفوس عندهم معينة ونفسه المقدسة معينة تبين له ~~أن قول من يقول يعلم الكليات وأنه إنما يعلم الجزئيات PageV09P105 ~~على وجه كلي مضمون كلامه أنه لا يعلم نفسه ولا شيئا من الموجودات # هذا وهم يقولون إنه مبدع لها وسبب في وجودها وأن العلم بالسبب يقتضي ~~العلم بالمسبب فقولهم هذا يوجب علمه بنفسه وبكل موجود وذلك يناقض هذا وهذا ~~مبسوط في موضعه # وهذا الرجل أعني ابن رشد أراد أن يجمع بين قولهم هذا وبين علمه بالجزئيات ~~فقال قولا فيه من الحيرة والتناقض ما هو مذكور في موضعه # والمقصود هنا ذكر ما ناقض به قول هؤلاء المتكلمين الذين يزعمون أن ~~عقلياتهم تعارض الكتاب والسنة وله أيضا من عقلياته التي يزعم أنها تناقض ~~ذلك في الباطن ما هو مردود عليه بالعقل الصريح أيضا # لكن من عرف كلام بعض هؤلاء مع بعض تبين له فساد كل ما يعارض به كل ms1863 طائفة ~~للنصوص النبوية وأنه ما من معقول يدعى معارضته لذلك إلا وقد نقضه أهل ~~المعقول بما يتبين فساده { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على ~~المرسلين والحمد لله رب العالمين } سورة الصافات 180 182 # قال ابن رشد والأولى أن يقال لمن وصل من الجمهور إلى هذا PageV09P106 ### | AUTO القدر من التشكك إن العالم ليس هو موجودا واحدا وإنما هو أفعال ~~لله متجددة ومتعاقبة فيمكن في العقل أن تكون هذه الأفعال أزلية ويمكن أن ~~تكون محدثة إلا أن الشرائع كلها قد وردت بأنها محدثة فيجب التصديق بأحد ~~الجائزين الذي ورد به الشرع وأن يقال في علمه وإرادته إنهما غير مكيفين ولا ~~حادثين ولا يلزم فيهما الشك المتقدم وإنما يلزم في العلم المكيف الحادث فصل # قال ابن رشد وأما الطريقة الثانية فهي الطريقة التي استنبطها أبو المعالي ~~في رسالته المعروفة بالنظامية ومبناها على مقدمتين إحداهما أن العالم بجميع ~~ما فيه جائز أن يكون على مقابل ما هو عليه حتى يكون من الجائز مثلا أن يكون ~~أصغر مما هو وأكبر مما هو عليه أو PageV09P107 ~~شكل آخر غير الشكل الذي هو عليه أو عدد أجسامه غير العدد الذي هو عليه أو ~~يكون حركة كل متحرك منها إلى جهة ضد الجهة التي يتحرك إليها حتى يمكن في ~~الحجر أن يتحرك إلى فوق وفي النار أن تتحرك إلى أسفل وفي الحركة الشرقية أن ~~تكون غربية وفي الغربية أن تكون شرقية # والمقدمة الثانية أن الجائز محدث وله محدث أي فاعل محدث صيره بأحد ~~الجائزين أولى منه بالجائز الآخر # قال فأما المقدمة الأولى فهي خطابية في بادي الرأي وهي في بعض أجزاء ~~العالم فظاهر كذبها بنفسها مثل كون الإنسان موجودا على خلقة غير هذه الخلقة ~~التي هو عليها وفي بعضه الأمر فيه مشكوك مثل كون الحركة الشرقية غربية ~~والغربية شرقية إذ كان ذلك ليس معروفا بنفسه إذ كان يمكن أن يكون ذلك لعلة ~~غير بينة الوجود بنفسها أو تكون من العلل الخفية على الإنسان PageV09P108 # ويشبه أن يكون ما ms1864 يعرض للإنسان في أول الأمر عند النظر في هذه الأشياء ~~شبيها بما يعرض لمن ينظر في أجزاء المصنوعات من غير أن يكون من أهل تلك ~~الصنايع وذلك أن هذا الذي شأنه قد يسبق إلى ظنه أن كل ما في تلك المصنوعات ~~أو جلها ممكن أن يكون على خلاف ما هي عليه ويوجد على ذلك المصنوع ذلك الفعل ~~بعينه الذي صنع من أجله أعني غايته فلا يكون في ذلك المصنوع عند هذا موضع حكمة # وأما الصانع الذي يشارك الصانع في شيء من علم ذلك فقد يرى أن الأمر بضد ~~ذلك وأنه ليس في المصنوع شيء إلا واجب ضروري أو ليكون به المصنوع أتم وأفضل ~~إن لم يكن ضروريا فيه وهذا هو معنى الصناعة # والظاهر أن المخلوقات شبيهة في هذا المعنى بالمصنوع فسبحان الخلاق العظيم ~~وهذه المقدمة من جهة أنها خطابية قد تصلح لإقناع الجميع ومن جهة أنها كاذبة ~~ومبطلة لحكمة الصانع فلا تصلح لهم وإنما صارت مبطلة للحكمة لأن الحكمة ليست ~~شيئا أكثر من معرفة PageV09P109 ~~أسباب الشيء وإذا لم يكن للشيء أسباب ضرورية تقتضي وجوده على الصفة التي هو ~~بها ذلك النوع موجودا فليس هنا معرفة يختص بها الحكيم الخالق دون غيره كما ~~أنه لو لم تكن أسباب ضرورية في وجود الأمور المصنوعة لم يكن هنالك صناعة ~~أصلا ولا حكمة تنسب إلى الصانع دون من ليس بصانع وأي حكمة كانت تكون في ~~الإنسان لو كانت جميع أفعاله وأعماله يمكن أن تتأتى بأي عضو اتفق أو بغير ~~عضو حتى يكون الإبصار مثلا يتأتى بالآذان كما يتأتى بالعين والشم بالعين ~~كما يتأتى بالأنف وهذا كله إبطال للحكمة وإبطال للمعنى الذي سمى به نفسه ~~حكيما تعالى وتقدست أسماؤه عن ذلك # قلت مضمون هذا الكلام إثبات ما في الموجودات من الحكمة والغاية المناسبة ~~لاختصاص كل منها بما خص به وأن ارتباط بعض الأمور ببعض قد يكون شرطا في ~~الوجود وقد يكون شرطا في الكمال وبإثبات هذا أخذ يطعن في حجة أبي المعالي ~~وأمثاله ممن لا ms1865 يثبت إلا مجرد المشيئة المحضة التي تخصص كلا من المخلوقات ~~بصفته وقدره # فإن هذا هو قول طائفة من أهل الكلام كالأشعرية والظاهرية وطائفة من ~~الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة وأما الجمهور من المسلمين PageV09P110 ~~وغيرهم فإنهم مع أنهم يثبتون مشيئة الله وإرادته يثبتون أيضا حكمته ورحمته # وهؤلاء المتفلسفة أنكروا على الأشعرية نفي الحكمة الغائية وهم يلزمهم من ~~التناقض ما هو أعظم من ذلك فإنهم إذا أثبتوا الحكمة الغائية كما هو قول ~~جمهور المسلمين فإنهم يلزمهم أن يثبتوا المشيئة بطريق الأولى والأحرى فإن ~~من فعل المفعول لغاية يريدها كان مريدا للمفعول بطريق الأولى والأحرى # فإذا كانوا مع هذا ينكرون الفاعل المختار ويقولون إنه علة موجبة للمعلول ~~بلا إرادة كان هذا في غاية التناقض ومن سلك طريقة أبي المعالي في هذا ~~الدليل لا يحتاج إلى أن ينفي الحكمة بل يمكنه إذا أثبت الحكمة المرادة أن ~~يثبت الإرادة بطريق الأولى # وحينئذ فالعالم بما فيه من تخصيصه ببعض الوجوه دون بعض دال على مشيئة ~~فاعله وعلى حكمته أيضا ورحمته المتضمنة لنفعه وإحسانه إلى خلقه # وإذا كان كذلك فقولنا إن ما سوى هذا الوجه جائز يراد به أنه جائز ممكن من ~~نفسه وأن الرب قادر على غير هذا الوجه كما هو قادر عليه وذلك لا ينافي أن ~~تكون المشيئة والحكمة خصصت بعض الممكنات المقدورات دون بعض PageV09P111 # فهذه المقدمة التي ذكرها أبو المعالي مقدمة صحيحة لا ريب فيها وإنما ~~الشأن في تقرير المقدمة الثانية وقد ذكر الكلام عليها في غير هذا الموضع ~~وهو أن التخصص للممكنات ببعض الوجوه دون بعض هل يستلزم حدوثها أم لا # قال ابن رشد وقد نجد ابن سينا يذعن إلى هذه المقدمة بوجه ما وذلك أنه يرى ~~أن كل موجود ما سوى الفاعل فهو إذا اعتبر بذاته ممكن وجائز وأن هذه ~~الجائزات صنفان صنف هو جائز باعتبار فاعله وصنف هو واجب باعتبار فاعله ممكن ~~باعتبار ذاته وأن الواجب بجميع الجهات هو الفاعل الأول # قال وهذا قول في غاية السقوط وذلك أن الممكن في ms1866 ذاته وفي جوهره ليس يمكن ~~أن يكون ضروريا من جهة فاعله وإلا انقلبت طبيعة الممكن إلى طبيعة الضروري ~~فإن قيل إنما نعني بكونه ممكنا باعتبار ذاته أنه متى توهم فاعله مرتفعا ~~ارتفع هو قلنا هذا الارتفاع مستحيل لازم عن مستحيل وهو ارتفاع السبب الفاعل ~~وليس هذا موضع الكلام في هذا الرجل ولكن PageV09P112 ~~للحرص على الكلام معه في الأشياء التي اخترعها هذا الرجل استجزنا القول هنا معه # قلت مراد ابن رشد أن المفعول لا يكون قديما أزليا فإن الضروري عنده وعند ~~عامة العقلاء حتى أرسطو وأتباعه وحتى ابن سينا وأتباعه وإن تناقضوا هو ~~القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه في الماضي والمستقبل وهذا يمتنع أن يكون ~~ممكنا يقبل الوجود والعدم بل هذا لا يكون إلا محدثا والمحدث يمتنع أن ينقلب ~~قديما فلهذا قال الممكن يمتنع أن يكون ضروريا # وأما كون الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه وهو المحدث يصير واجب الوجود ~~بغيره فهذا لا ريب فيه وما أظن ابن رشد ينازع في هذا # ولكن من المتكلمين من ينازع في هذا وهذا حق وإن قاله ابن سينا فليس كل ما ~~يقوله ابن سينا هو باطلا # بل مذهب أهل السنة أنه ما شاء الله كان فوجب وجوده وما لم يشأ لم يكن ~~فامتنع وجوده وهذا يوافق عليه جماهير الخلق فإن هؤلاء يقولون كل ما سوى ~~الله ليس له من نفسه وجود وهذا يعنون بكونه ممكنا لا يعنون بذلك أنه يمكن ~~أن لا يوجد وإنما يقولون هو باعتبار نفسه لايستحق أن يوجد ولكن باعتبار ~~فاعله يجب أن يوجد فهو واجب بغيره غير واجب بنفسه PageV09P113 # ولهم نزاع فيما أذا عدم هل يقولون عدم لعلم موجبه أو لا يعلل عدمه بل ليس ~~له من نفسه وجود وإنما وجوده بفاعله فإذا لم يفعله فاعل بقي على العدم ~~المستمر هذا فيه نزاع وهو نزاع لفظي اعتباري # وتحقيق الأمر أن عدم علته مستلزم لعدمه لا أن عدم علته فعل عدمه وأوجب ~~عدمه ولكن يلزم من عدم علته عدمه # فإن أريد بالعلة ms1867 في عدمه المؤثر في عدمه فعدمه المستمر لا يحتاج إلى مؤثر ~~وإن أريد به المستلزم لعدمه فلا ريب أن عدم علته مستلزم لعدمه # وهؤلاء لا يقولون إن الجائزات صنفان صنف هو جائز باعتبار فاعله وصنف هو ~~واجب باعتبار فاعله بل الجائزات الموجودة كلها واجبة باعتبار فاعلها وما لم ~~يوجد من الجائزات فهو جائز باعتبار نفسه وهو ممتنع لغيره # فكما أن ما وجد من الممكنات فهو واجب لغيره لا لنفسه فما لم يوجد منها ~~فهو ممتنع لغيره لا لنفسه فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فما شاء أن ~~يكون فلا بد أن يكون وليس هو واجبا بنفسه ولا له من نفسه وجوده بل الله مبدعه PageV09P114 # وما لم يشأ لم يكن فإنه يمتنع وجود شيء بدون مشيئة الله تعالى وإن كان ~~الله قادرا عليه وهو ممكن في نفسه أي يمكن أن يخلقه الله لو شاء الله خلقه # فهذا الباب كثير من النزاع فيه لفظي وهم لا يعنون بكونه ممكنا باعتبار ~~ذاته أنه متى توهم فاعله مرتفعا ارتفع هو ولكن ابن سينا وأتباعه الذين ~~يقولون إن الفلك قديم أزلي وهو مع هذا ممكن يعنون ذلك # وأما عامة العقلاء فيعنون بذلك أنه لا يوجد بنفسه وأنه باعتبار نفسه يمكن ~~أن يوجد ويمكن ألا يوجد وما كان كذلك فهو محدث # ولاريب أنه مع هذا واجب بغيره حين وجوده لا قبل وجوده يمتنع ارتفاعه حين ~~وجوده لامتناع ارتفاع فاعله ولا يمتنع ارتفاعه مطلقا إذ كان معدوما فوجد ~~فارتفاعه مستحيل حين وجوده لازم عن مستحيل # والذي ينكره جمهور العقلاء ابن رشد وغيره على ابن سينا ومن وافقه من ~~المتأخرين قولهم بأن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم قد يكون قديما أزليا ~~واجبا بغيره فهذا مما ينكره الجمهور # وقد ذكر ابن رشد أنه مخالف لقول أرسطو ومتقدمي الفلاسفة ولهذا PageV09P115 ~~لزم ابن سينا وموافقيه من التناقض ما ذكر بعضه الرازي وهم إذا حقق الكلام ~~عليهم في الممكن فروا إلى إثبات الإمكان الاستقبالي وهو أنه يمكن في هذا ms1868 ~~الموجود أن يعدم في المستقبل وفي المعدوم العين أن يوجد في المستقبل فيكون ~~الممكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثا وهذا قول جمهور العقلاء # وكلامهم في الإلهيات وفي هذا الممكن القديم الأزلي مضطرب غاية الاضطراب ~~كما ذكره ابن رشد وغيره وأما كلامهم فيه في المنطق وغيره فوافقوا فيه سلفهم ~~أرسطو وأتباعه وسائر العقلاء وصرحوا بأن الممكن الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه ~~لا يكون إلا محدثا مسبوقا بعدم نفسه وقسموا الممكن إلى أقسام كلها محدثة ~~وجعلوا قسيم الممكن العامي هو الضروري الواجب وجوده وهو القديم الأزلي ~~وصرحوا بأن ما كان قديما أزليا يمتنع أن يقال إنه ممكن يقبل الوجود والعدم # وممن صرح بذلك ابن سينا وأتباعه لما تكلموا في الإلهيات PageV09P116 ~~وأحدثوا مذهبا ركبوه من مذهب سلفهم أرسطو وأتباعه ومن مذهب أهل الكلام ~~المعتزلة ونحوهم وقسموا الوجود إلى واجب وممكن كما قسمه المتكلمون إلى قديم وحادث # وهذا التقسيم ابتدعوه لم يذهب إليه قدماء الفلاسفة بل قدماؤهم قسموه إلى ~~جوهر وتسعة أعراض كما هو معروف في كتاب قاطيغورياس وجعلوا العلة الأولى من ~~مقولة الجوهر # وهؤلاء جعلوا هذه القسمة للممكن وقالوا الموجود إما واجب وإما ممكن ~~والممكن لا بد له من واجب فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين # وظنوا أن هذه الطريقة التي ابتدعوها في إثبات رب العالمين طريقة عظيمة ~~وأنها غاية عقول العقلاء وهي من أفسد الطرق لا تدل على إثبات مبدع للعالم ~~ألبتة فإنهم يحتاجون إلى حصر الوجود في القسمين ثم إلى بيان أن الممكن الذي ~~جعلوه قسيم الواجب يستلزم ثبوت الواجب الذي ادعوه وهذا ممتنع على طريقهم # فإنهم اذا قالوا الموجود إما أن يقبل العدم وإما أن لا يقبله وما قبل ~~العدم فهو الممكن ولا بد له من واجب # قيل لهم إن عنيتم بما يقبل العدم المحدث كان مقتضى الحجة إثبات قديم محدث ~~للمحدثات وهذا حق ولكن القديم عندكم قد يكون PageV09P117 ~~واجبا وقد يكون ممكنا فليس في هذا ما يدل على إثبات واجب # وإن قلتم إن الممكن لا بد له من واجب ms1869 # قيل لكم فمعلوم أن المحدث لا بد له من فاعل وأما ما جعلتموه قديما أزليا ~~وسميتموه ممكنا فهذا لايعلم أنه يفتقر إلى فاعل بل عامة العقلاء يقولون إنه ~~يمتنع أن يكون لهذا فاعل ولو قدر أن له فاعلا لكان هذا مما يعلم بنظر دقيق ~~خفي فلا يمكن ان يكون إثبات واجب الوجود موقوفا على مثل هذه المقدمة # فإن قالوا نحن قد قررنا أنه ممكن ولا بد للممكن من واجب # قيل أنتم جعلتموه ممكنا قديما أزليا وهذا عند جمهور العقلاء جمع بين ~~النقيضين وهو ممتنع والممتنع قد يلزمه حكم ممتنع وإنما موجب دليلكم ثبوت ~~قديم أزلي وهذا حق # والقديم الأزلي عندكم يمكن أن يكون واجبا ويمكن أن يكون ممكنا وهذا ~~الممكن لم نعلم أنه يفتقر إلى واجب فلا يلزم ثبوت الواجب الذي ادعيتموه كما ~~لم يلزم ثبوت الممكن الذي ادعيتموه # وإن قلتم إذا قدر عدم هذا الممكن لزم ثبوت القسم الآخر وهو الواجب ~~لانحصار الموجود في الواجب والممكن كما بيناه # قيل لكم كما لم يلزم ثبوت هذا الممكن فلم يثبت نفيه بل الشك حاصل وإن قدر ~~انتفاؤه PageV09P118 # فإذا لم يثبت وجود ممكن بل واجب لم يكن في هذا ما يدل على أن في الوجود ~~ما هو ممكن وأمكن أن يقال الوجود كله واجب كما يقوله من يقول بوحدة الوجود ~~ويقول عين وجود ما يسمى ممكنا ومحدثا هو عين وجود الواجب فصار حقيقة قولكم ~~إن الوجود كله إما واجب وإما ممكن هو نوعان قديم ومحدث # وهذا الكلام لا فائدة فيه بل ليس فيه إلا ذكر التقسيم والشك في وجود ~~الواجب أو إثبات واجب يعم المحدث والقديم وهو باطل قطعا فليس فيه إلا الجزم ~~بالباطل أو الشك في الحق أو يقولوا إن الموجود يمكن أن يكون كله واجبا ~~ويمكن أن يكون ليس فيه واجب بل هو إما محدث وإما قديم ممكن # ومعلوم أن كلا القولين معلوم الفساد بالضرورة وأن الوجود فيه حوادث كانت ~~معدومة فوجدت وهذه ممكنات وأنه لا بد لها من قديم ms1870 أزلي والقديم الأزلي يجب ~~وجوده ويمتنع أن يكون ممكنا وهذا يبين أن كل ما سوى الواجب الوجود المبدع ~~فهو محدث كائن بعد أن لم يكن وهذا كله يناقض ما قالوه # ولهذا يوجد في بحوث من سلك طريقهم كالرازي والآمدي من البحوث المضطربة في ~~الواجب والممكن والعلة والمعلول ما ليس هذا موضع بسطه وقد تكلم عليه في غير ~~هذا الموضع PageV09P119 ### | AUTO فصل # فإن قالوا نحن إذا قلنا الوجود إما واجب ذاته لا تقبل العدم وإما ممكن ~~يقبل العدم وما كان قابلا للعدم فلا بد له من واجب لزم ثبوت الواجب على ~~التقديرين مع قطع النظر عن الممكن هل يكون قديما أم لا # بل نفس تصور هذه الحقيقة وهو كونه يقبل العدم فيلزم افتقاره إلى فاعل # قيل هذا صحيح ولكن هذا التقسيم لا يستلزم ثبوت القسمين في الخارج إن لم ~~يبين ثبوت الممكن ولكن يلزم ثبوت موجود لا يقبل العدم على التقديرين وهذا ~~لا يناقض قول القائل بأن الموجود واحد لا يقبل العدم وإنما يبطل قول هؤلاء ~~إذا بين أن في الوجود ما هو ممكن يقبل العدم # وليس في مجرد التقسيم ثبوت القسمين وإنما يثبت القسمان إذا ثبت أن في ~~الوجود ممكنا يقبل العدم وهذا الممكن لا بد له من واجب وحينئذ فيكون ~~استدلالا بوجود الممكن المعلوم إمكانه على القديم وهذا استدلال بالمحدثات ~~على القديم لا استدلال بالوجود من حيث هو وجود على وجود الواجب كما ظن ابن ~~سينا وأتباعه بأن الوجود من حيث هو PageV09P120 ~~وجود إذا دل على وجود واجب لم يناقض ذلك أن يكون الوجود كله واجبا # فإذا قال أنا أبين بعد ذلك أن فيه محدثا # قيل إذا بين ذلك ثبت أن فيه قديما ويكون الدليل على ثبوت القديم هو ~~الحوادث وهذه طريقة صحيحة وهي تدل على إثبات قديم لا على ثبوت واجب له ~~مفعول قديم لكن نفس الوجود يدل على ثبوت موجود قديم واجب الوجود على كل تقدير # ثم يقال وليس الوجود كله واجبا قديما فإنا نشهد حدوث المحدثات ms1871 والمحدث ~~ليس بقديم وليس بواجب الوجود يمتنع عدمه ولا بممتنع الوجود يجب عدمه فإن ~~كان موجودا تارة ومعدوما اخرى فعلم أنه يمكن وجوده وعدمه وما كان هكذا فلا ~~بد له من فاعل قديم أزلي يمتنع عدمه فثبت وجود الموجود القديم الأزلي من ~~نفس الوجود ومن وجود المحدثات وثبت من وجود المحدثات أنه ليس كل موجود ~~قديما ولا واجبا بل ثبت انقسام الوجود إلى قديم واجب وإلى محدث ممكن بهذه ~~الطريق وهي طريق الحدوث وطريق الإمكان الذي لا يناقض الحدوث بل يلازمه فأما ~~الإمكان الذي ابتدعوه فلا يثبت هو بنفسه ولايثبت به شيء # ثم الكلام في تعيين القديم الواجب وأن السماوات محدثة له طرق PageV09P121 ~~متعددة ضرورية ونظرية كما قد بسط في موضع آخر وبين أن معرفة الصانع فطرية ~~ضرورية معرفته بعينه وأن السماوات والأرض وما بينهما مخلوقة له حادثة بعد ~~أن لم تكن وأن كل مولود يولد على الفطرة وأن الله خلق عباده حنفاء ولكن ~~شياطين الإنس والجن أفسدوا فطرة بعض الناس فعرض لهم ما أزاحهم عن هذه الفطرة # ولهذا قالت الرسل { أفي الله شك فاطر السماوات والأرض } سورة إبراهيم 10 # ولما قال فرعون لموسى على سبيل الإنكار لما قال موسى إني رسول من رب ~~العالمين قال { وما رب العالمين } سورة الشعراء 23 قال له موسى { رب ~~السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ~~ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب ~~المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } سورة الشعراء 24 28 # ولما قال لموسى وهارون { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } سورة ~~الشعراء 16 # قال ابن رشد وأما المقدمة الثانية وهي القائلة إن الجائز PageV09P122 ~~محدث فهي مقدمة غير بينة بنفسها وقد اختلف فيها العلماء فأجاز أفلاطون أن ~~يكون شيئا جائزا أزليا ومنعه أرسطو طاليس وهو مطلب عويص ولم يتبين حقيقته ~~إلا لأهل صناعة البرهان وهم العلماء الذين خصهم الله بعلمه وقرن شهادتهم في ~~الكتاب العزيز بشهادته وشهادة ms1872 ملائكته # قلت أما دعواه أن العلماء المذكورين في القرآن هم إخوانه الفلاسفة أهل ~~المنطق وأتباع اليونان فدعوى كاذبة فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن ~~الذين أثنى الله عليهم بالتوحيد ليس هم من المشركين الذين يعبدون الكواكب ~~والأوثان ويقولون بالسحر ولا ممن يقول بقدم الأفلاك ولا ممن يقول قولا ~~يستلزم أن تكون الحوادث حدثت بأنفسها ليس لها فاعل ونعلم بالاضطرار أن ~~العلم بالتوحيد ليس موقوفا على ما انفردوا به في المنطق من الكلام في الحد ~~والقياس بما يخالفهم فيه أكثر الناس كتفريقهم بين الذاتيات والعرضية ~~اللازمة للماهية وتفريقهم بين حقيقة الأعيان الموجودة التي هي ماهيتها وبين ~~نفس الوجود الذي هو الأمر الموجود وأمثال ذلك # وهذا الذي ذكره من ينازع هذين فإنه ينصر قول PageV09P123 ~~أرسطو طاليس ويقول إن الجائز وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثا وينكر على ابن ~~سينا قوله بأن الجائز وجوده وعدمه يكون قديما أزليا وحكايته لهذا عن ~~أفلاطون قد يقال إنه لا يصح فيما يثبته قديما من الجواهر العقلية كالدهر ~~والمادة والخلاء فإنه يقول بأنها جواهر عقلية قديمة أزلية لكن القول مع ذلك ~~بأنها جائزة ممكنة ونقل ذلك عنه فيه نظر # وأما الأفلاك فالمنقول عن أفلاطون وغيره أنها محدثة فإن أرسطو طاليس يقول ~~بقدم الأفلاك والعقول والنفوس وهي على اصطلاح هؤلاء ممكنة جائزة وعلى أصله ~~يكون الجائز الممكن بنفسه أزليا وهم ينقلون إن أول من قال من هؤلاء بقدم ~~العالم هو أرسطو طاليس وهو صاحب التعاليم وأما القدماء كأفلاطون وغيره فلم ~~يكونوا يقولون بقدم ذلك وإن كانوا يقولون أو كثير منهم بقدم أمور أخرى قد ~~يخلق منها شيء آخر ويخلق من ذلك شيء آخر إلى أن ينتهي الخلق إلى هذا العالم ~~فهذا قول قدمائهم أو كثير منهم وهو خير من قول أرسطو وأتباعه # قال ابن رشد وأما أبو المعالي فإنه رام أن يبين هذه المقدمة PageV09P124 ~~بمقدمات إحداها أن الجائز لا بد له من مخصص يجعله بأحد الوصفين الجائزين ~~أولى من الثاني والثانية أن هذا المخصص لا يكون إلا ms1873 مريدا # والثالثة أن الموجود على الإرادة حادث ثم بين أن الجائز يكون عن الإرادة ~~أي عن فاعل مريد من قبل أن كل فعل فإما أن يكون عن الطبيعة وإما عن الإرادة ~~والطبيعة ليس يكون عنها أحد الجائزين المتماثلين دون مماثلة مثال ذلك أن ~~السقمونيا ليس تجذب الصفراء التي في الجانب الأيمن من البدن دون التي في ~~الأيسر وأما الإرادة فهي التي تخصص الشيء دون مماثلة ثم أضاف إلى هذه أن ~~العالم يماثل كونه في الموضع الذي خلق فيه من الجو الذي خلق فيه يريد ~~الخلاء لكونه في غير ذلك الموضع من ذلك الخلاء فانتج ذلك أن العالم خلق عن إرادة PageV09P125 # قال والمقدمة القائلة إن الإرادة هي التي تخص أحد المتماثلين صحيحة ~~والقائلة إن العالم في حد يحيط به كاذبة أو غير بينة بنفسها ويلزم أيضا عن ~~وضعه هذا الخلاء أمر شنيع عندهم وهو أن يكون قديما لأنه إن كان محدثا احتاج ~~إلى خلاء # قلت أما تسليمه أن الإرادة تخص أحد المتماثلين فيناقض ما قد ذكر أولا من ~~أنه لا بد في المفعول من حكمة اقتضت وجوده دون الآخر والإرادة تتعلق ~~بالمفعول لعلم المريد بما في المفعول من تلك الحكمة المطلوبة ومن كان هذا ~~قوله امتنع عنده تخصيص أحد المتماثلين بالإرادة بل لا بد أن يختص أحدهما ~~بأمر أوجب تعلق الإرادة به وإلا فمع التساوي يمتنع أن يراد أحدهما على هذا ~~القول ومتى سلم هذا أمكن أن يقال إن مجرد اختيار الفاعل وهي إرادته خصت ~~الوجود بدهر دون دهر مع التماثل وبقدر دون قدر وبوصف دون وصف # واما منازعته في أن العالم في حد يحيط به فهم لا يحتاجون أن يثبتوا أمرا ~~وجوديا يكون العالم فيه بل هم يقولون إنا نعلم إمكان تيامنه وتياسره ~~بالضرورة وإن كان ما وراءه عدم محض وتسمية ذلك موضعا كقول القائل العالم في ~~موضع ولفظ الموضع والمكان والحيز يراد به أمر موجود وأمر معدوم PageV09P126 # قال ابن رشد وأما المقدمة القائلة إن الإرادة لا يكون عنها إلا ms1874 مراد حادث ~~فلذلك شيء غير بين وذلك أن الإرادة التي هي بالفعل فهي مع فعل المراد نفسه ~~لأن الإرادة من المضاف وقد تبين أنه إذا وجد أحد المضافين بالفعل وجد الآخر ~~بالفعل مثل الأب والابن وإذا وجد أحدهما بالقوة وجد الآخر بالقوة فإن كانت ~~الإرادة التي بالفعل حادثة فالمراد لا بد حادث وإن كانت الإرادة التي ~~بالفعل قديمة فالمراد الذي بالفعل قديم وأما الإرادة التي تتقدم المراد فهي ~~الإرادة التي بالقوة أعني التي لم يخرج مرادها إلى الفعل إذا لم يقترن بتلك ~~الإرادة الفعل الموجب لحدوث المراد ولذلك هو بين أنها إذا خرج مرادها للفعل ~~أنها على نحو من الوجود لم تكن عليه قبل خروج مرادها إلى الفعل إذ كانت هي ~~السبب في حدوث المراد بتوسط الفعل فإذا لو وضع المتكلمون أن الإرادة حادثة ~~لوجب أن يكون المراد محدثا ولا بد # قال والظاهر من الشرع أنه لم يتعمق هذا التعمق مع الجمهور PageV09P127 ~~ولذلك لم يصرح لا بإرادة قديمة ولا حادثة بل صرح بما الأظهر منه أن الإرادة ~~موجدة موجودات حادثة وذلك قوله تعالى { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون } سورة النحل 40 وإنما كان ذلك كذلك لأن الجمهور لا يفهمون ~~موجودات حادثة عن إرادة قديمة بل الحق أن الشرع لم يصرح في الإرادة لا ~~بحدوث ولا قدم لكون هذا من المتشابهات في حق الأكثر وليس بأيدي المتكلمين ~~برهان قطعي على استحالة إرادة حادثة في موجود قديم لأن الأصل الذي يعولون ~~فيه على نفي قيام الإرادة الحادثة بمحل قديم هي المقدمة التي بينا وهنها ~~وهي أن ما لا يخلو عن الحوادث حادث وسنبين هذا المعنى بيانا أتم عند القول ~~في الإرادة # قلت الكلام في الإرادة وتعددها أو وحدة عينها أو نوعها أو عمومها أو ~~خصوصها وقدمها أو حدوثها أو حدوث نوعها أو عينها وتنازع الناس في ذلك ليس ~~هذا موضعه وهي من أعظم محارات النظار # والقول فيها يشبه القول في الكلام ونحوه لكن نفس تسليم PageV09P128 ~~الإرادة للمفعول ms1875 يستلزم حدوثه بل تسليم كون الشيء مفعولا يستلزم حدوثه فأما ~~مفعول مراد أزلي لم يزل ولا يزال مقارنا لفاعله المريد له الفاعل له بإرادة ~~قديمة وفعل قديم فهذا مما يعلم جمهور العقلاء فساده بضرورة العقل # وحينئذ فبتقدير أن يكون الباري لم يزل مريدا لأن يفعل شيئا بعد شيء يكون ~~كل ما سواه حادثا كائنا بعد أن لم يكن وتكون الإرادة قديمة بمعنى أن نوعها ~~قديم وإن كان كل من المحدثات مرادا بإرادة حادثة # قال فقد تبين لك من هذا كله أن الطرق المشهورة للأشعرية في السلوك إلى ~~معرفة الله تعالى ليست طرقا نظرية يقينية ولا طرقا شرعية يقينية وذلك ظاهر ~~لمن تأمل أجناس الأدلة المنبهة في الكتاب العزيز على هذا المعنى أعني معرفة ~~وجود الصانع تعالى وذلك أن الطرق الشرعية إذا تؤملت وجدت في الأكثر قد جمعت ~~وصفين أحدهما أن تكون يقينية والثاني أن تكون بسيطة غير PageV09P129 ~~مركبة أعني قليلة المقدمات فتكون نتائجها قريبة من المقدمات الأول # قال ابن رشد وأما الصوفية فطرقهم في النظر ليست طرقا نظرية أعني مركبة من ~~مقدمات وأقيسة وإنما يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شيء يلقى ~~في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية وإقبالها بالفكرة على المطلوب ~~ويحتجون لتصحيح هذا بظواهر من الشرع كثيرة # ونحن نقول إن هذه الطريقة وإن سلمنا وجودها فليست عامة للناس بما هم ناس ~~ولو كانت هذه الطريقة هي المقصودة بالناس لبطلت طريقة النظر ولكان وجودها ~~في الإنسان عبثا # مثل قوله تعالى { واتقوا الله ويعلمكم الله } سورة البقرة 282 ومثل قوله ~~تعالى { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } سورة العنكبوت 69 ومثل قوله { ~~يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا } سورة الأنفال 29 إلى ~~أشياء كثيرة يظن أنها عاضدة لهذا المعنى PageV09P130 # والقرآن كله دعاء إلى النظر والاعتبار وتنبيه على طرق النظر نعم لسنا ~~ننكر أن إماتة الشهوات قد تكون شرطا في صحة النظر مثلما تكون الصحة شرطا في ~~صحة النظر لا أن إماتة الشهوات هي التي تفيد ms1876 المعرفة بذاتها وإن كانت شرطا ~~فيها كما أن الصحة شرط في العلم وإن كانت ليست مفيدة له # ومن هذه الجهة دعا الشارع إلى هذه الطريقة وحث عليها في جملة ما حث أعني ~~على العمل لا أنها كافية بنفسها كما ظن القوم بل إن كانت نافعة في النظرية ~~فعلى الوجه الذي بينا وهذا بين عند من أنصف واعتبر الأمر بنفسه # قلت العمل الذي أصله حب الله تعالى أمر الشرع به لأنه مقصود في نفسه وهو ~~معين على حصول العلم النافع كما أنه معين على حصول عمل آخر صالح كما أن ~~الشرع أمر بالعلم بالله تعالى لأنه مقصود في نفسه وهو معين على العمل ~~الصالح وعلى علم آخر نافع PageV09P131 # قال ابن رشد واما المعتزلة فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم ~~شيء نقف منه على طرقهم التي سلكوها في هذا المعنى ويشبه أن تكون طرقهم شيئا ~~من جنس طرق الأشعرية # قلت طريق المعتزلة هي الطريق التي ذكرها عن الأشعرية وإنما أخذها من ~~أخذها من الأشعرية عنهم والمعتزلة هم الأصل في هذه الطريقة وعنهم انتشرت ~~وإليهم تضاف ولهذا لما كان الأشعري تارة يوافقهم وتارة يوافق السلف والأئمة ~~وأهل الحديث والسنة ذم هذه الطريقة كما تقدم ذكر كلامه في ذلك فذمها وعابها ~~موافقة للسلف والأئمة في ذلك # وابن رشد رأى ما رآه من كتب الأشعرية فرأى اعتمادهم عليها فلذلك تكلم عليها # وأفضل متأخري المعتزلة هو أبو الحسين البصري وعلى هذه الطريقة في كتبه ~~كلها يعتمد حتى في كتابه الذي سماه غرر الأدلة PageV09P132 # قال في أوله إنا ذاكرون الغرض بهذا الكتاب والمنفعة به لكن إذا عرف ~~الإنسان شرف المنفعة وشرف تلك الغرض صبرت نفسه على تحمل المشاق في طلبها ~~والاجتهاد في تحصيلها فنقول إن الغرض به هو التوصل بالأدلة إلى معرفة الله ~~تعالى ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال وصدق رسله ~~وصحة ما جاؤوا به # قال وظاهر أن المنفعة بذلك عظيمة شريفة من وجوه منها أن من عرف ms1877 هذه ~~الأشياء بالأدلة أمن من أن يستزله غيره عنها ومنها أنه يمكنه أن يرد غيره ~~عن الضلال إليها ومنها أن يكون على ثقة مما يقدم عليه في معاده غير خائف من ~~أن يكون على ضلال يوديه إلى الهلاك # قال وليس أحد يثق بصحة ما جاءت به الرسل إلا بعد المعرفة بصدقهم ولا تحصل ~~المعرفة بصدقهم إلا بالمعجزات التي تميزهم عن غيرهم وليس تدل المعجزات على ~~صدقهم إلا إذا صدرت ممن لا يفعل القبيح لكي يؤمن أن نصدق الكذابين وليس ~~يؤمن أنه لا يفعل القبيح إلا إذا عرف أنه عالم بقبحه عالم باستغنائه عنه ~~ولا يعرف PageV09P133 ~~غناءه إلا بعد أن يعلم أنه غير جسم ولا يعرف أنه غير جسم إلا إذا عرف أنه ~~قديم ولا يعلم أنه عالم بكل قبيح إلا إذا علم أنه عالم بكل شيء ولا يعلمه ~~كذلك إلا إذا علم أنه عالم لذاته ولا يعلمه كذلك إلا إذا علم أنه عالم ولا ~~يعلم أنه يثيب ويعاقب إلا إذا علم أنه قادر حي ولا يعرف موصوفا بهذه الصفات ~~إلا إذا عرفت ذاته وإنما تعرف ذاته إذا استدل عليها بأفعاله لأنها غير ~~مشاهدة ولا معروفة باضطرار ولا طريق إليها إلا أفعاله فيجب ان نتكلم في هذه ~~الأشياء لنعلم صحة ما جاءت به الرسل ونتمتثله فنكون آمنين في المعاد # ثم قال باب الدلالة على محدث الأجسام الدلالة على محدث الأجسام والجواهر ~~هي أن الأجسام والجواهر محدثة وكل محدث فله محدث فللأجسام إذا محدث # قال وهذا الكلام يشتمل على أصلين أحدهما قولنا إن الجسم لم يسبق الحركات ~~والسكنات المحدثة والآخر قولنا وكل ما لم يسبق المحدث فهو محدث فالأول ~~يشتمل على ثلاث دعاو إثبات الحركة والسكون وأن الجسم ما سبقهما وأنهما محدثان # والأصل الآخر لا يشتمل إلا على دعوى واحدة وهو أن ما لم يسبق المحدث محدث ~~فصارت الدعاوى أربعا ونحن نبينها ليصح حدوث الجسم PageV09P134 # قلت وهذه هي الدعاوى الأربع التي ذكرها أبو المعالي في أول الإرشاد لكن ~~جعل بدل الحركات والسكنات ms1878 الأعراض ولكنه لم يقرر حدوث الأعراض إلا بحدوث ~~الأكوان ولم يقرر ذلك إلا بالاجتماع والافتراق # وأما طريقة الحركة والسكون التي اعتمدتها المعتزلة فهي التي يعتمدها ~~الرازي وهي أقوى مما سلكه الآمدي وغيره حيث سلكوا طريقة الأعراض مطلقا بناء ~~على أن العرض لا يبقى زمانين فإن هذه أضعف الطرق وطريقة الحركة أقواها ~~وطريقة الاجتماع والافتراق بينهما وهي طريقة أبي الحسن الأشعري وطريقة ~~الكرامية وغيرهم ممن يقول إنه جسم # ثم إن أبا الحسين احتج لهذه الدعاوى الأربع بنظير ما تقدم # قال فإن قيل فما الدليل على أن الحركة غيره # قيل لو كان تحرك الجسم هو الجسم لكان إذا بطل تحرك الجسم بطل الجسم ولو ~~كان تحرك الجسم هو الجسم لكانت الدلالة على ما حدث التحرك دلالة على حدث ~~الجسم فلو كان تحرك الجسم هو الجسم لكان أسهل في الدلالة على حدث الجسم PageV09P135 # قلت هذا ينبني على أن ما ليس هو الشيء فهو غيره وهو قول المعتزلة وأما ~~الصفاتية فينازعونهم في هذا ويقولون الصفة لا يطلق عليها إنها هي هو ولا ~~إنها غيره وأئمتهم لا يقولون لا هي هو ولا هي غيره لأن لفظ الغير مجمل ~~وكثير منهم يقولون لا هي هو ولا هي غيره لكن الاستدلال يمشي بأن تكون ~~الحركة ليست هي الجسم وهي حادثة ويمشي بأن يقال الغيران ما جاز مفارقة ~~أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود والحركة تفارق الجسم بالوجود فإنه قد ~~يكون موجودا ولا حركة له لكن يقال لا نسلم أن كل جسم يجوز أن يفارقه نوع ~~الحركة بل قد تقارنه عين الحركة وهم لا يدعون أن الجسم مستلزم لعين الحركة ~~والسكون بل لنوعها # قال أبو الحسين والدلالة على استحالة سبق الجسم لجنس الحركة والسكون هي ~~أنه لو سبقه لكان لا وقفا ولا مارا ولا حاصلا في مكان مع أنه جرم متحيز ~~والعلم باستحالة ذلك ضروري # قال والدلالة على حدوث الحركة والسكون هي أن كل حركة وسكون يجوز عليهما ~~العدم والقديم لا يجوز عليه العدم وإنما قلنا يجوز ms1879 العدم على السكنات ~~والحركات لأنه ما من جسم متحرك إلا ويمكن أن يسكن أو يحول من حركة إلى حركة ~~كخروج الفلك من دورة إلى PageV09P136 ~~دورة وما من جسم ساكن إلا ويمكننا أن نحركه إما بجملته أو بأجزائه كالأجسام العظام # وإنما قلنا إن القديم لا يجوز عليه العدم لأن القديم واجب الوجود في كل ~~حال وما وجب وجوده في كل حال استحال عدمه # وإنما قلنا إنه واجب الوجود في كل حال لأنه موجود فيما لم يزل فإما أن ~~يكون وجوده على طريق الجواز أو على طريق الوجوب فلو كان موجودا على طريق ~~الجواز لم يكن بالوجود أولى منه بالعدم لولا فاعل ويستحيل أن يوجد القديم ~~بالفاعل لأن المعقول من الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم وليس للقديم حال عدم ~~فيخرجه فصح أن وجود القديم واجب وليس بأن يجب وجوده في حال أولى من حال فصح ~~أنه واجب الوجود في كل حال فاستحال عدمه # ثم قرر الأصل الثاني وهو المهم # قال وإنما قلنا إن ما لم يسبق المحدث محدث لأن ما لم يسبق المحدث إذا كان ~~موجودا فإنه لم يوجد قبله ووجد بعده أو معه فإذا لم يكن موجودا فصار موجودا ~~وهذه حقيقة المحدث فصح أن الجسم محدث # قال فإن قيل ما أنكرتم أن الحوادث الماضية لا أول لها ولا يلزم حدث الجسم ~~إذا لم يتقدمها قيل إذا كان كل واحد من الحوادث له أول استحال ألا يكون ~~لجميعها أول لأنها ليست سوى آحادها كما يستحيل أن يكون كل واحد من الزنج ~~أسود ولا يكونوا كلهم سودا PageV09P137 ~~ولأن كل واحد قد سبقه عدمه فلو كانت لا أول لها لكان ما مضى ما انفك من ~~وجودها ولا من عدمها ولا ينفصل السابق من المسبوق # قلت هذه المقدمة هي التي نازعهم فيها المنازعون كما تقدم ذكر بعض طعن ~~الطاعنين فيها في كلام الرازي وغيره وهؤلاء يقولون لا نسلم أنه إذا كان لكل ~~واحد منها أول أن يكون لجميعها أول كما أن كل واحد منها ms1880 له آخر وليس ~~لجميعها آخر # وكما أن كل واحد من العشرة عشر وليس المجموع عشرا وكل واحد من أعضاء ~~الإنسان عضو وليس المجموع عضوا وبالجملة فليس كل ما يتصف به كل فرد من ~~الأفراد يتصف به المجموع في جميع المواضع بل تارة يتصف المجموع بما يتصف به ~~الأفراد كما أنه إذا كان كل جزء من الجملة موجودا فالجميع موجود وإن كان كل ~~جزء من المجموع ممكنا فالمجموع ممكن وإذا كان كل جزء منها معدوما فالجميع ~~معدوم وتارة لا يكون كذلك كما تقدم # فلا بد من بيان أن مورد النزاع من أحد الصنفين وإلا فدعوى ذلك هو أول ~~المسألة فدعوى ذلك مصادرة وتمثيلهم بالزنج تمثيل بأمر جزئي لا يحصل به ~~المقصود إلا أن يعلم أن هذا مثل هذا PageV09P138 # ولهم عنه أجوبة المنع والمعارضة والفرق أما المانع فيقولون لا نسلم أن ~~هذا مثل الزنج وأما المعارضة فيعارضون ذلك بعلمنا بأن كل حركة لها آخر وكل ~~حادث له آخر وليس لكل الحركات والحوادث آخر وأن كل عدد له نهاية وليس ~~للأعداد نهاية وأن كل واحدة من الأخوات يباح التزوج بها وليس الجمع بين ~~الأخوات مباحا وكل واحد من أفراد العشرة واحد وهو ثلث الثلاثة وربع الأربعة ~~وليست العشرة ثلث الثلاثة ولا ربع الأربعة وأن كل واحد من أجزاء المركب هو ~~مفرد بشرط المركب ليس مفردا بسيطا وأن كل واحد من أجزاء الدائرة جزء دائرة ~~والدائرة ليست جزء دائرة وأن كل واحد من أجزاء المطر قطرة وليس المجموع ~~قطرة فإنه يفرق بين ما له مجموع يمكن أن يوصف بما وصفت به الأفراد وبين ما ~~ليس له مجموع يمكن وصفه بذلك # ولاريب أنا إذا عرضنا على عقولنا أن كل حركة مسبوقة بأخرى لزم أن يكون ~~لكل حركة أول ولا يلزم أن يكون لجنس الحركات أول كما إذا عرضنا على عقولنا ~~أن كل حركة ملحوقة بأخرى # وأما إذا عرضنا على عقولنا أن كل زنجي فهو أسود فإنا نعلم بالضرورة أن ~~مجموع الزنج سود وذلك لأن المجموع ms1881 غير كل واحد واحد من الأفراد فتارة يمكن ~~وصفه بصفات الأفراد كما نقول عن الحوادث المحدودة الطرفين إن مجموعها حادث ~~كما أن كل واحد منها حادث PageV09P139 ~~وتارة لا يمكن وصفه بذلك اللفظ بل بصيغة الجمع فإن مجموع السودان لا يقال ~~فيه بنفس اللفظ أسود ولا يقال غير أسود بل يقال سود وسود صيغة جمع فهي ~~بمعنى قولنا كل زنجي أسود # وإذا لم يكن الحكم على المجموع هو بلفظه الحكم على الأفراد كان نظير مثال ~~الزنج وأما إذا اتحد الحكم فقد يكون حكم المجموع فيه حكم الأفراد وقد لا ~~يكون فالأول إذا قلنا كل محدث فهو مخلوق أو فهو ممكن أو كل ممكن فهو مفتقر ~~إلى غير ممكن فإن ذلك يوجب أن يكون مجموع المحدث مخلوقا وممكنا ومجموع ~~الممكن مفتقرا إلى غير ممكن لأن هذا الحكم ثابت للجنس من حيث هو هو فيلزم ~~ثبوته حيث تحقق الجنس والجنس يتحقق في المجموع كتحققه في كل فرد فرد # فطبيعة المحدث تستلزم كونه مخلوقا ممكنا وطبيعة الممكن إذا وجد تستلزم ~~الافتقار إلى غير ممكن والطبيعة لازمة للمجموع فيستحيل وجود الطبيعة منفكة ~~عن لازمها فلا يكون مجموع الممكنات إلا مفتقرا إلى غيره كما لا يكون كل فرد ~~منها الا مفتقرا إلى غيره ولا يكون مجموع المخلوقات إلا حادثا وممكنا كما ~~لا يكون كل منها الا حادثا ممكنا كذلك في المعنى # لكن من المجموع ما يكون اللفظ يتناول جنسه كما يتناول الواحد PageV09P140 ~~منه كلفظ المخلوق والمحدث والممكن ومنه ما يكون لفظ الكثير فيه صيغة جمع لا ~~يستعمل في الواحد منه # والزنج ليس لهم مجموع يحكم عليه بأنه أسود أو ليس بأسود بل يقال مجموعهم ~~سود وذلك معنى قولك كل واحد منهم أسود ولكنه الأسود يتصف به المجموع من حيث ~~هو مجموع كما يتصف به كل واحد واحد بخلاف اتصاف المجموع بكونه محدثا وممكنا ~~ومفتقرا إلى غيره فإن هذا الوصف يمكن ثبوته للمجموع من حيث هو مجموع كما ~~يثبت لكل فرد من أفراده # والحوادث إذا حكم على ms1882 مجموعها بأن له أولا أو ليس له أول فهو حكم على ~~الجنس المجموع فإن علم أن جنس الحادث لا يكون دائما متصلا بل لا يكون إلا ~~بعد عدم كما علم أن كل فرد فرد من أفراده كذلك كان هذا نظير المحدث والممكن ~~لكن النزاع في هذا فإنا إذا عرضنا على العقل المحدث عن عدم من حيث هو مع ~~قطع النظر عن أفراده ومجموعه هل يكون مخلوقا ممكنا جزم العقل بأن ما كان ~~مخلوقا محدثا فإن كونه محدثا يستلزم كونه ممكنا إذ لو لم يكن كذلك لزم كونه ~~واجبا فلا يعدم أو ممتنعا فلا يوجد # والمحدث كان معدوما وصار موجودا فطبيعته تنافي الوجوب والامتناع لا فرق ~~في ذلك بين الواحد والجنس PageV09P141 # وإذا عرضنا على العقل الحادث مع قطع النظر عن أفراده وجنسه هل يستلزم أن ~~يكون منتهيا منقطعا له ابتداء أو لايستلزم ذلك بل يمكن دوامه لم تجد في ~~العقل ما يقضي بأن جنس الحادث يجب أن يكون منتهيا له ابتداء # وهذا الباب من تدبره تبين له الفرق بين تسلسل المؤثرات الفاعلات أنه ~~ممتنع وبين تسلسل الآثار أثرا بعد أثر كما هو مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود الفرق بين الزنجي وبين الحادث ومما يوضح ذلك أنا إذا قلنا كل ~~زنجي أسود لم يكن في الزنج ما ليس بأسود لأن هذا النفي يناقض ذلك الإثبات ~~وصدق أحد المتناقضين اللذين لا يرتفعان يوجب كذب الآخر فإنا إذا قلنا بعض ~~الزنج ليس بأسود كان مناقضا لقولنا كل زنجي أسود فإذا لم يكن في الزنج ما ~~ليس بأسود لزم أن يكون جميعهم سودا وأما إذا قلنا كل حادث فله أول فإنه ~~يلزم أن لا يكون في الحوادث ما ليس له أول وهكذا عكس نقيضه PageV09P142 ~~فيمتنع أن يكون حادث ليس له أول وهل يلزم من ذلك أن تكون جميع الحوادث لها ~~أول كما لزم أن يكون جميع الزنج سودا هذا محل نزاع # فيقال الفرق معلوم بين قولنا جميع الحوادث لها أول بمعنى أن كل واحد ms1883 منها ~~له أول وبين قولنا إن جنس الحوادث لها أول بمعنى أن الحوادث منقطعة غير ~~دائمة ولا مستمرة ولا متسلسلة فإن العقل يتصور أن كل واحد له أول وآخر وهي ~~مع ذلك دائمة مستمرة فيمكنه الحكم بأن كل حادث له أول كما أن كل زنجي أسود ~~وهو بعد ذلك لم يعلم هل هي دائمة أم هي منقطعة # بل العلم بكون الحادث له أول هو العلم بأنه مسبوق بعدم وليس العلم بأن كل ~~حادث هو مسبوق بعدم هو العلم بأنه كان العدم مستمرا دائما حتى حدث جنس ~~الحوادث بل يمكن العقل أن يتصور أنه ما من حادث إلا وقبله حادث كما يتصور ~~أنه ما من حادث إلا وبعده حادث وما من عدد إلا وبعده عدد وهو يعلم أن كل ~~حادث فله أول وكل منقض فله آخر وكل عدد فله حد ومنتهى وإن لم يكن لجنس ~~العدد حد ومنتهى # ومما يبين ذلك الفرق أن كون الشخص أسود وأبيض صفة قائمة به في حال وجوده ~~فلا يمكن انتفاؤها عن الجنس الموجود مع قولنا إن كلا منهم أسود وأما كون ~~الشيء حادثا أو مسبوقا بعدم أو موجودا PageV09P143 ~~بعد أن لم يكن أو له أول فهو بمنزلة كونه ماضيا وملحوقا بعدم ومعدوم بعد ما كان # وهذا يقتضي أن كلا من هذه الأمور ثابت لكل واحد من الحادث والمنقضي أما ~~كون جنس المنقضي انقطع فلا يكون بعده منقض أو كون جنس الحوادث منقطعا فلم ~~يكن قبل الحوادث المعينة شيء حادث فهذا نوع آخر # والحكم على كل فرد فرد غير الحكم على المجموع من حيث هو مجموع في النفي ~~والإثبات ففي النفي نفرق بين قوله لا تأكل هذا ولا هذا ولا تأكل السمك ~~وتشرب اللبن إذ الأول نهي عن عن كل منهما والثاني نهي عن جميعهما # وكذلك إذا قال ما ضربت لا هذا ولا هذا أو لم أضربهما وعنى نفي ضربهما جميعا # ولهذا تنازع الفقهاء فيمن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه كما لو حلف لا آكل ms1884 ~~الرغيف فأكل بعضه ولم يتنازعوا في أنه لو عنى أكل جميعه لم يحنث بأكل البعض # وهذا كما في قوله تعالى { وأن تجمعوا بين الأختين } سورة النساء 23 ونهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها فالجمع بينهما ~~منهي عنه فهذه وحدها مباحة وهذه وحدها مباحة واجتماعهما ليس مباحا PageV09P144 # وكذلك كل واحد من الضدين مقدور ممكن وليس الجمع بينهما مقدورا ممكنا ~~وكذلك الجائع إذا حضرته أطعمة يكفيه كل منها فكل منها مباح له أكله ولا ~~يباح له أكل المجموع حتى يبشم ويموت وكذلك من قال لغيره خذ عبدا من عبيدي ~~أو فرسا من خيلي كل منها مباح له وليس المجموع مباحا له فإذا قيل كل من هذه ~~مباح لم يستلزم أن يكون المجموع مباحا # والمقصود أن الأمور التي يتصف بها كل واحد من الأفراد ثلاثة أنواع # أحدها ما لا يمكن تصوره في المجموع فلا يقال هو ثابت ولا منتف # والثاني ما يمكن تصوره في المجموع وهذا قد يكون ثابتا كثبوت الافتقار إلى ~~الفاعل في مجموع الممكنات والحادثات وثبوت الحل في كل من الأجنبيات منفردة ~~وفي جمع أربع وقد لا يكون ثابتا كثبوت النهاية في أفراد الحوادث المنقضية ~~لا في مجموعها وثبوت الحل في كل من الأختين لا في مجموعهما # والفرق بين هذا وهذا أن الحكم الذي ثبت للأفراد إن كان للمعنى الذي يوجد ~~في المجموع ثبت له وإن لم يكن لذلك المعنى لم يلزم ثبوته له فكون المحدث ~~ممكنا أو مفتقرا إلى الفاعل ثبت لحقيقة الحدوث وهذا ثابت للأفراد والمجموع ~~وكذلك افتقار الممكن إلى ما ليس بممكن ثبت PageV09P145 ~~لحقيقة الإمكان فإن حقيقة الممكن هو الذي لا يوجد إلا بغيره لا بنفسه وهذه ~~الحقيقة لا تفرق بين الأفراد وبين المجموع # وأما كون الحادث له أول أو الماضي له انتهاء فهذا يعلم في كل حادث حادث ~~وماض ماض وأما كون هذا الجنس كذلك فالطبيعة تلزم كل واحد واحد وليس في ~~الخارج مجموع ثابت للحوادث والماضيات حتى يقال هل يحكم ms1885 لذلك المجموع بحكم ~~أفراده أم لا فإن أفراده موجودة على التعاقب وإذا قدر حوادث متعاقبة لم يكن ~~في العلم بهذا ما يوجب أن لا تكون دائمة # لكن إذا قدر اجتماع حوادث في آن واحد أو كانت محدودة قيل إن هذا المجموع ~~له ابتداء وإذا قدر اجتماع أمور منقضية أو محدودة الآخر قيل لها انتهاء # وأما ما لا يمكن اجتماعه لا من هذا ولا من هذا فليس وجوده مجتمعا في ~~الخارج وإنما يجتمع أفراده في الذهن لا في الخارج # يبين ذلك أن ما لا يوجد إلا متعاقبا متتاليا إذا قيل إن كل واحد من ~~أفراده يعقب فردا آخر لم يعلم من ذلك أنه كله يعقب شيئا آخر إذا لم يحكم ~~على جنسه بأنه يعقب غير جنسه وإنما حكمنا على أفراد الجنس بالتعاقب # وكذلك إذا قلنا كل واحد من أفراده سبقه عدم لم يحكم على الجنس بأنه سبقه ~~عدم كما حكمنا هناك على جنس المحدث بافتقاره إلى الفاعل وعلى جنس الممكن ~~بافتقاره إلى ما ليس بممكن أو إلى الفاعل أو الواجب ونحو ذلك والكلام على ~~هذا مبسوط في موضعه PageV09P146 # والمقصود التنبيه على ما ذكره المنازعون لأبي الحسين وغيره من القائلين ~~بأن جنس الحوادث ممتنع دوامها من أهل الإسلام والسنة والفلاسفة وغيرهم ~~وكذلك قوله كل واحد قد سبقه عدم فلو كانت لا أول لها لكان ما مضى ما انفك ~~من وجودها وعدمها ولا ينفصل السابق من المسبوق فإنهم يقولون كل واحد مسبوق ~~بعدم نفسه لا بعدم جنسه فإذا كان الجنس لا أول له لم يلزم أن يقارنه عدمه ~~بل يقارن كل فرد من أفراده عدم غيره # وهم يسلمون عدم كل واحد واحد كما يسلمون حدوثه فإن حدوثه مستلزم لعدمه ~~لكنهم ينازعون في عدم الجنس وانتهائه وامتناع دوامه في الأزل كما ينازعون ~~في انتهائه وامتناع دوامه في الأبد # وبالجملة هذا الموضع هو من أعظم الأصول التي ينبني عليها دليل المعتزلة ~~والجهمية ومن وافقهم على حدوث الأجسام وتنبني عليه مسألة كلام الله تعالى ~~وفعله وخلقه ms1886 للسماوات والأرض ثم استوائه على العرش وتكلمه بالقرآن وغيره من الكلام # وأئمة أهل الحديث والسنة وطوائف من أهل النظر والكلام مع أئمة الفلاسفة ~~تنازعهم في هذا # ثم إنهم والدهرية من الفلاسفة اشتركوا في أصل تفرعت عنه مقالاتهم وهو أن ~~تسلسل الحوادث ودوامها يستلزم قدم العالم بل قدم السماوات والأفلاك فقال ~~الفريقان إذا قدر حادث بعد حادث إلى غير نهاية كان العالم قديما فتكون ~~الأفلاك قديمة PageV09P147 # ثم إن الفلاسفة الدهرية كابن سينا وأمثاله قالوا تسلسل الحوادث ودوامها ~~واجب لأن حدوث الحادث بدون سبب حادث ممتنع فيمتنع أن يكون جنسها حادثا بلا ~~سبب حادث وإذا كان لكل حادث سبب حادث كان الجنس قديما فيكون العالم قديما # وأبو الحسين البصري وأمثاله من المعتزلة ونحوهم من أهل الكلام قالوا ~~تسلسل الحوادث ممتنع لأن كل حادث مسبوق بالعدم فيكون الجنس مسبوقا بالعدم ~~فيلزم حدوث كل ما لا يخلو عن الحوادث والأجسام لا تخلو من الحوادث فتكون حادثة # ونفس الأصل الذي اشترك فيه الفريقان باطل وهو أنه يلزم من إمكان تسلسل ~~الحوادث قدم الأفلاك أو قدم العالم أو قدم شيء من العالم # والفلاسفة الدهرية أعظم إقرارا ببطلانه من المعتزلة فإن تسلسل الحوادث ~~ودوامها لا يقتضي قدم أعيان شيء منها ولا قدم السماوات والأفلاك ولا شيء من ~~العالم والفلاسفة يسلمون أن تسلسل الحوادث لايقتضي قدم شيء من اعيانها وأن ~~تسلسلها ممكن بل واجب # فيقال لهم هب أن الحوادث لم تزل تحدث شيئا بعد شيء فمن أين لكم أن ~~الأفلاك قديمة وهلا جاز أن تكون حادثة بعد حوادث قبلها بل يقال هذا يبطل ~~قولكم فإنها إذا كانت متسلسلة امتنع أن تكون صادرة عن علة تامة موجبة فإن ~~العلة التامة لا يتأخر عنها شيء من معلولها والحوادث متأخرة فيمتنع صدورها ~~عن علة تامة بوسط أو بغير وسط PageV09P148 # وهكذا يقول للمعتزلة منازعوهم يقولون أنتم مواقون لسائر المسلمين وأهل ~~الملل على أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام وأنه خالق كل شيء وأنه ~~القديم وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم ms1887 ومقصودكم بالأدلة بيان ذلك فأي حاجة ~~لكم إلى أن تسلموا للدهرية ما يستظهرون به عليكم # وإذا جاز أن يكون الله خلقها وأحدثها بأفعال أحدثها قبل ذلك وكل حادث ~~مسبوق بحادث مع أن ما سوى الله مخلوق مصنوع مفطور حصل مقصودكم # وإذا كان الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء أو فاعلا لما يشاء لم يناقض ~~هذا كون العالم مخلوقا له فتكون السماوات والأرض مخلوقة في ستة أيام كما ~~أخبرت بذلك الرسل والله خالق كل شيء وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم # ويقول لهم منازعوهم أنتم أردتم إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع سبحانه ~~بما جعلتموه شرطا في حدوثه بل وشرطا في العلم بالصانع فكان ما ذكرتموه ~~مناقضا لحدوث العالم وللعلم بحدوثه وللعلم بإثبات الصانع # وذلك أنكم ظننتم أنه لا يتم حدوث السماوات إلا بامتناع حوادث لا أول لها ~~وأن إحداث الله تعالى لشيء من مخلوقاته لا يمكن إلا إذا بقي من الأزل إلى ~~حين أحدث المحدثات لم يفعل شيئا من الأفعال ولا الأقوال بل ولا كان يمكنه ~~عندكم الفعل الدائم ولا أن تكون كلماته دائمة لا نهاية PageV09P149 ~~لها في الأزل ثم حين أحدثها هو على ما كان عليه قبل ذلك فحدث من غير تجدد ~~شيء أصلا # فلزمكم القول بترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح وحدوث الحوادث بلا سبب ~~ولزمكم تعطيل الصانع سبحانه وجحده وسلبه القدرة التامة حيث سلبتم قدرته على ~~جنس الكلام والفعل في الأزل # وقلتم يجب أن يكون جنس كلامه حادثا بعد أن لم يكن بل أن يكون مخلوقا في ~~غيره لا قائما بذاته أو أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته # وقلتم لا يمكنه أن يحدث شيئا إن لم يمتنع دوام الفعل منه فلا يكون قادرا ~~فاعلا متكلما إلا بشرط أن لا يكون كان قادرا فاعلا متكلما # وقلتم لا يجوز وجود الحوادث إلا بشرط ألا يحدث لها سبب حادث ولا يترجح ~~أحد طرفي الممكن على الآخر إلا بشرط ألا يكون هناك سبب يقتضي الرجحان ~~فجعلتم شرط حدوث العالم وسائر أفعال الله ms1888 وكلامه ما يكون نقيضه هو الشرط ~~وبدلتم القضايا العقلية كما حرفتم الكتب الإلهية # ومن هنا طمعت الفلاسفة فيكم وزادوا القضايا العقلية تبديلا وإفسادا ~~وزادوا في الكتب الإلهية تحريفا وإلحادا وصار أصل الأصول عندكم الذي بنيتم ~~عليه إثباتكم للصانع ولصفاته ولرسله وبه كفرتم أو ضللتم من نازعكم من أهل ~~القبلة أتباع السلف والأئمة ومن غير أهل القبلة هو قولكم إذا كان كل واحد ~~من الحوادث له أول استحال ألا يكون لمجموعها أول لأنها ليست سوى آحادها PageV09P150 # والعقلاء يفرقون بصريح عقولهم بين الحكم والخبر والوصف لكل واحد واحد ~~وبين الحكم والخبر والوصف للمجموع في مواضع كثيرة وأنتم تقولون بإثبات ~~الجوهر الفرد فكل واحد من أجزاء الجسم جوهر فرد عندكم وليس الجسم جوهرا ~~فردا بل المجموع من أفراد وقد ثبت للمجموع من الأحكام ما لا يثبت للفرد # وبالعكس مجموع الإنسان إنسان وليس كل عضو منه إنسان وكذلك كل من الشمس ~~والقمر والشجر والثمر وغير ذلك من الأجسام المجتمعة لها حكم ووصف لا يثبت ~~لأجزائها # والإنسان حي سميع بصير متكلم وليس كل واحد من أبعاضه كذلك فلم يجب إذا ~~كان النوع والمجموع دائما باقيا أن يكون كل من أفراده دائما # والأمور المقدارية والعددية كالكرات والدوائر والخطوط والمثلثات ~~والمربعات والألوف والمئات كلها يثبت لأجزائها من الحكم ما لا يثبت ~~لمجموعها وبالعكس فإذا وصف الشيء بأنه دائم أو طويل أو ممتد لم يلزم أن ~~يكون كل واحد من أجزائه أو أفراده كذلك # قال تعالى في الجنة { أكلها دائم وظلها } سورة الرعد 35 ومعلوم أن كل جزء ~~من أجزاء الأكل والظل يفنى وينقضي والجنس دائم لا يفنى ولا ينقضي ولا توصف ~~الأجزاء بما وصف به الكل PageV09P151 # قال تعالى { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } سورة ص 54 فأخبر عن الجنس أنه ~~لا ينفد وأن كل واحد من أجزائه ينفد # ويقال للزمان والحركات في الأجسام إنها طويلة ممتدة ولا يقال للصغير من ~~أجزائها إنه طويل ممتد فيكون الرب لم يزل متكلما إذا شاء أو لم يزل فاعلا ms1889 ~~لما يشاء هو بمعنى كونه لم يزل متكلما فعالا وبمعنى دوام كلامه وفعاله لا ~~يستلزم أن كل واحد من الأفعال دائم لم يزل # فإن قلتم الحادث من حيث هو حادث يقتضي أنه مسبوق بغيره كما أن الممكن من ~~حيث هو ممكن يقتضي الافتقار إلى غيره والمحدث من حيث هو محدث يقتضي ~~الاحتياج إلى غيره فكما أن الممكنات مفردها ومجموعها يلزم أن تكون مفتقرة ~~إلى الفاعل وكذلك المحدثات فكذلك الحوادث مفردها ومجموعها يقتضي أن تكون ~~مسبوقة بالغير # وهذا من جنس قولهم الحركة من حيث هي تقتضي كونها مسبوقة بالغير لأن ~~أجزاءها متعاقبة لا مجتمعة # قال لكم منازعوكم هذا لفظ مجمل مشتبه وعامة حججكم وحجج غيركم الباطلة ~~مبناها على ألفاظ مجملة متشابهة مع إلغاء الفارق ويأخذون اللفظ المجمل ~~المشتبه من غير تمييز لأحد معنييه عن الآخر فبالاشتراك والاشتباه في ~~الألفاظ والمعاني ضل كثير من الناس PageV09P152 # وذلك أن قولكم الحادث من حيث هو يقتضي أنه مسبوق بغيره أو الحركة من حيث ~~هي تقتضي أن تكون مسبوقة بالغير # يقال لكم الحادث المطلق لا وجود له إلا في الذهن لا في الخارج وإنما في ~~الخارج موجودات متعاقبة ليست مجتمعة في وقت واحد كما تجتمع الممكنات ~~والمحدثات المحدودة والموجودات والمعدومات فليس في الخارج إلا حادث بعد ~~حادث فالحكم إما على كل فرد فرد وإما على جملة محصورة وإما على الجنس ~~الدائم المتعاقب # فيقال لكم أتريدون بذلك أن كل حادث فلا بد أن يكون مسبوقا بغيره أو أن ~~الحوادث المحدودة لا بد أن تكون مسبوقة أو أن الجنس لا بد أن يكون مسبوقا # أما الأول والثاني فلا نزاع فيهما وأما الثالث فيقال أتريدون به أن الجنس ~~مسبوق بعدمه أم مسبوق بفاعله بمعنى أنه لا بد له من محدث الثاني مسلم ~~والأول محل النزاع # وكذلك في الحركة إن قلتم إن الحركة المعينة مسبوقة بأخرى أو بعدم فهذا لا ~~نزاع فيه وإن قلتم إن نوعها مسبوق بالعدم فهذا محل النزاع # وذلك أن من أعظم ما اعتمدوا عليه قولهم الحركة ms1890 من حيث هي حركة تتضمن ~~المسبوقية بالغير فإن الحركة تحول من حال إلى حال فإحدى الحالتين سابقة ~~للحال الأخرى فلا تعقل حركة إلا مع سبق البعض على البعض وكل ما كان مسبوقا ~~بغيره لم يكن أزليا فالحركة PageV09P153 ~~يمتنع أن تكون أزلية فيقال لهم قولكم الحركة تستلزم المسبوقية بالغير ~~أتريدون بالغير سبق بعض أجزائها على بعض وهو المعنى الذي دللتم عليه أم ~~تريدون أنها مسبوقة بالعدم أم مسبوقة بالفاعل # أما الأول وهو الذي دللتم عليه فإنه يقتضي نقيض قولكم وهو يقتضي أن ~~الحركة لم يزل نوعها موجودا لأن كل ما هو حركة مسبوق بما هو حركة وكل حال ~~تحول إليه المتحرك فهو مسبوق بحال أخرى وتلك الحال مسبوقة بأخرى فكان ما ~~ذكرتموه دليلا على حدوث الحركة كما أنه يدل على حدوث أعيان الحركة وأجزائها ~~فهو يدل على دوام نوعها وهو نقيض قولكم # فكان ما ذكرتموه حجة في محل النزاع إنما يدل على مواقع الإجماع وهو في ~~محل النزاع حجة عليكم لا لكم وحينئذ فيقول المنازع نحن نقول بموجب دليلكم ~~وهو حجة عليكم وإن أردتم أن مسمى الحركة مسبوق بالعدم فلم تذكروا على هذا ~~دليلا أصلا وهو مورد النزاع # وإن أردتم أنه مسبوق بالفاعل فهذا أيضا يراد به أن كل جزء منها مسبوق ~~بالفاعل ويراد به أن جنسها سبقه الفاعل سبقا انفصاليا وإن لم يقيموا دليلا ~~على هذا فكان ما ذهبتم إليه لم تقيموا دليلا عليه وما أقمتم عليه دليلا لا ~~يدل على قولكم بل على نقيضه # ولذلك يقال لخصومهم الفلاسفة أنتم لم تقيموا دليلا على قدم شيء من العالم ~~بل عامة ما أقمتموه من الأدلة يستلزم دوام الفاعلية وهذا يدل على نقيض ~~قولكم فإنه يقتضي أنه لم يزل يفعل والمفعول لا يكون إلا ما حدث عن عدم PageV09P154 # وأما قدم شيء من العالم فلا دليل لكم عليه بل دليلكم يدل على نقيضه فإنه ~~لو كان المفعول مقارنا للفاعل لزم ألا يحدث في العالم شيء والطائفتان جميعا ~~أصل قولها الكلام في الحركة فهؤلاء ms1891 يقولون يمتنع أن تكون الحركة دائمة فلا ~~بد أن يكون جنس الحركة حادثا عن غير سبب حادث # وهؤلاء يقولون بل جنس الحركة يمتنع أن يكون حادثا فيمتنع أن تحدث الحركة ~~لا من حركة والزمان مقدار الحركة فيجب قدم نوعه ثم قالوا ولا حركة فوق حركة ~~الفلك ولا قبلها ولا زمان إلا مقدار هذه الحركة فتكون هذه الحركة وزمانها أزليين # فيقال لهم من أين لكم أنه لا حركة قبل حركة الفلك ولا فوقها وهل هذا إلا ~~قول بلا علم ونفي لما لم تعلموا نفيه وتكذيب لما لم تحيطوا بعلمه ولما ~~يأتكم تأويله # ثم قولكم بأنه لا حركة إلا هذه الحركات مع أنه لا أول لها ولا آخر وهذا ~~كذلك وهذا أكثر من ذلك بأضعاف مضاعفة # قالوا فالجسم يمتنع أن يتحرك حركة لا تتناهى كما ذكر ذلك أرسطو لأن الجسم ~~ينقسم فتكون حركة الجزء مثل حركة الكل لا تتناهى وهذا ممتنع يمتنع أن يكون ~~الجزء مثل الكل # قيل لهم بل هذا الذي ذكره أرسطو وتلقيتموه بالقبول يدل على نقيض مقصوده ~~ومقصودكم فإن الجسم إذا قامت به حركة فحركة مجموع الجسم أكبر من حركة بعضه ~~في المكان وهذا غير ممتنع عند أحد من العقلاء فليس حركة الجزء مثل حركة ~~الكل ولكن كلاهما لا يتناهى PageV09P155 ~~فيلزم أن يكون ما لا يتناهى بعضه أكثر من بعض في الزمان وما لا يتناهى لا ~~يكون شيء أكبر منه # فهذا يدل على فساد قولكم لأنكم تقولون إن حركة المحيط أعظم من الحركة ~~المختصة بفلك الشمس والقمر وغيرهما وكلاهما لا يتناهى فهذا الذي ذكرتموه في ~~حركة الجسم الواحد يستلزم بطلان قولكم في حركة الجسمين وأما الجسم الواحد ~~فإن قولكم فيه ينبني على أنه يتبعض وأن حركته متبعضة حتى يقال إن بعضه ~~يساوي كله في عدم النهاية وهذا ممتنع بل هي حركة واحدة لا أول لها ولا آخر ~~ولا امتناع في ذلك # ويقال للمتكلمين إن قلتم إنه مسبوق بالمحرك بمعنى أنه لا بد للحركة من ~~محرك فهذا أيضا مسلم لكن ms1892 قولكم إن المحرك لا يجوز أن يحرك شيئا حتى تكون ~~الحركة ممتنعة عليه أولا ثم تصير ممكنة من غير تجدد شيء فتنقلب من الامتناع ~~إلى الإمكان من غير حدوث سبب أصلا ولا يجوز أن يحدث شيئا حتى يحدثه بلا سبب ~~حادث أصلا # هذا هو الذي ينازعكم فيه جمهور المسلمين وغيرهم ويقولون لكم لم يزل الله ~~قادرا على الفعل والقدرة عليه مع امتناع المقدور جمع بين النقيضين فإن ~~القدرة على الشيء تستلزم إمكانه فكل ما هو مقدور للرب تعالى فلا بد أن يكون ~~ممكنا لا ممتنعا # ويقولون إذا قلتم لم يكن قادرا على الفعل ثم صار قادرا لأن الفعل لم يكن ~~ممكنا ثم صار ممكنا فما الموجب لهذا التجدد والتغير PageV09P156 # فإن قلتم حدث ذلك بلا سبب كان هذا أعجب من قولكم الأول إذ كان القادر ~~يصير قادرا بعد أن لم يكن من غير تجدد شيء أوجب قدرته # وإن قلتم ما ذكره أبو الحسين المعقول من الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم ~~فيمتنع وجوده في الأزل # قيل لكم إن الفاعل لا يكون فاعلا حتى يحصل الشيء عن عدمه فلا يكون الفعل ~~نفسه أو المفعول نفسه قديما لكن لم قلتم إنه يشترط في الفعل المعين عدم ~~غيره ولو قلتم إنه لا يكون فاعلا لهذه السماوات والأرض حتى لا يكون قبل ذلك ~~فاعلا أصلا ولا يكون فاعلا حتى يكون جنس الفعل منه معدوما بل ممتنعا فهذا ~~غير واجب في المعقول بل المعقول يعقل أنه حصل الشيء عن عدم # وإذا كان قبل تحصيله حصل غيره عن عدم وهم قد يقولون كان في الأزل قادرا ~~على الفعل فيما لم يزل وهذا كلام متناقض فإنه في حال كونه قادرا لم يكن ~~الفعل ممكنا له عندهم # فحقيقة قولهم كان قادرا حين لم يكن قادرا فإن القادر إنما يكون قادرا على ~~ما يمكنه دون ما لا يمكنه فإذا كان الفعل في الأزل وهو الفعل الدائم أي ~~الذي يدوم جنسه غير ممكن له لم يكن مقدورا له فلا يكون قادرا ms1893 عليه # وهذا مما أنكره المسلمون على هؤلاء المتكلمين وكان هذا من أسباب لعنة ~~بعضهم على المنابر PageV09P157 # ويقال لهم مقصودكم الأول نصر الإسلام والرد على مخالفيه وليس في كتاب ~~الله ولا سنة رسوله ولا عن أحد من السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان ~~هذا القول الذي أحدثتموه وجعلتموه أصل دين المسلمين ليس فيه أن الرب لم يزل ~~لا يفعل شيئا ولا يتكلم بشيء ولا يمكنه ذلك ثم إنه بعد تقدير أزمنة لا ~~نهاية لها فعل وتكلم وأنه صار متمكنا من الفعل والكلام بعد أن لم يكن ~~متمكنا بل القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين يناقض ما ذكرتموه فكان ما ~~ابتدعتموه من الكلام الذي ادعيتم أنه أصل الدين مخالفا للسمع والعقل ثم إنه ~~صار من تقلدكم ينقل عن المسلمين واليهود والنصارى أن هذا قولهم # ولا يعرف هذا القول عن أحد من الأنبياء ولا أصحابهم بل المعروف عنهم ~~يناقض ذلك ولكن الثابت عند الأنبياء أن كل ما سوى الله مخلوق حادث بعد أن ~~لم يكن خلاف قول الفلاسفة الذين يقولون إن الأفلاك أو العقول أو النفوس أو ~~شيئا غير ذلك مما سوى الله قديم أزلي لم يزل ولا يزال # ويقال قول القائل الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم أتريد به الفاعل للشيء ~~المشار إليه أنه لا يكون فاعلا له إلا إذا حصله عن عدم أم تريد به أنه لا ~~يكون الفاعل في نفسه فاعلا لشيء حتى تكون فاعليته ممتنعة ثم صارت ممكنة # أما الأول فمسلم والثاني ممنوع وسبب ذلك الفرق بين الفعل ونوعه فإذا لم ~~يعقل فاعل لمعنى إلا بعد عدمه لم يلزم ألا يعقل كون الفاعل فاعلا إلا بعد ~~أن لم يكن فاعلا بل العقل لا يعقل حدوث فاعلية بلا سبب PageV09P158 # قال أبو الحسين البصري فإذا ثبت حدوث العالم فالدلالة على أن له محدثا هي ~~أنه لا يخلو أن يكون حدث وكان يجوز أن لا يحدث أو كان يجب أن يحدث فلو حدث ~~مع وجوب أن يحدث لم يكن بأن يحدث في تلك الحال ms1894 أولى من أن يحدث من قبل فلا ~~يستقر حدوثه على حال إذ كان حدوثه واجبا في نفسه وإن حدث مع جواز ألا يحدث ~~لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يحدث لولا شيء اقتضى حدوثه ويستدل على أنه ~~عالم قادر فصح قولنا # قال واستدل شيوخنا على أن الأجسام تحتاج إلى محدث بأن تصرفنا يحتاج إلى ~~محدث لأجل أنه محدث فحدوث كل محدث يحوجه إلى محدث فإذا كانت الأجسام محدثة ~~احتاجت إلى محدث والدلالة على حاجة تصرفنا إلى محدث هو أنه لو حدث بنفسه من ~~غير محدث لحدث وإن كرهناه أو كنا ممنوعين منه فلما وقع بحسب قصدنا وانتفى ~~بحسب كراهتنا علمنا أنه محتاج إلينا # قال والدليل على أنه يحتاج إلينا لأجل حدوثه أنه إما أن يحتاج إلينا ~~لحدوثه أو لبقائه او لعدمه فلو احتاج إلينا لبقائه لوجب ألا يبقى البناء ~~إذا مات الباني ولا يجوز أن يحتاج إلينا لعدمه لأن تصرفنا كان معدوما قبل ~~وجودنا وقبل كوننا قادرين فصح أنه يحتاج إلينا ليحدث ولأن حدوثه هو المتجدد ~~بحسب قصدنا وإرادتنا وهو الذي لا يتجدد إذا كرهناه فعلمنا أنه يحتاج إلينا ~~لأجل حدوثه # قلت فهذا أصل أصول القوم الذي بنوا عليه دينهم الصحيح والفاسد فإن ~~الإقرار بوجود الصانع تعالى وأنه حي عالم قادر ونبوة PageV09P159 ~~نبيه صلى الله عليه وسلم حق لا ريب فيه # وأما نفيهم صفات الرب تعالى ودعواهم أنه لم يتكلم بكلام قائم به ولا يرى ~~لا في الدنيا ولا في الآخرة ونحو ذلك فهو من دينهم الفاسد # وهذه الطريقة هي التي سلكها ابن عقيل إذا مال إلى شيء من أقوال المعتزلة ~~فإنه كان قد أخذ عن أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان وكانا من ~~أصحاب أبي الحسين البصري ولهذا يوجد في كلامه نصر كلامهم تارة وإبطاله أخرى ~~فإنه كان ذكيا كثير الكلام والتصنيف فيوجد له من المقالات المتناقضة بحسب ~~اختلاف حاله كما يوجد لأبي حامد والرازي وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم # وابن الجوزي يقتدى به فيما يدخل ms1895 فيه من الكلام مثل كلامه في منهاج الأصول ~~وفي كف التشبيه ونحو ذلك # ولهذا يوجد في كلام هؤلاء من نفي الصفات الخبرية ومنعهم أن تسمى الآيات ~~والأحاديث آيات الصفات وأحاديث الصفات بل آيات الإضافات ونصوص الإضافات ~~ونحو ذلك من الكلام الموافق لأقوال المعتزلة ما يبين به أن الأشعري وأئمة ~~أصحابه من المثبتين للصفات الخبرية ونحو ذلك أقرب إلى السنة والسلف والأئمة ~~كأحمد بن حنبل وغيره من كلام هؤلاء الذين مالوا في هذا إلى طريقة المعتزلة # وهذه الطريقة التي سلكها أبو الحسين في إثبات أن المحدث لا بد له من محدث ~~هي طريقة أبي المعالي وابن عقيل في كثير من كلامهم وغيرهم PageV09P160 # والقاضي أبو بكر يذكر ما كان يشبهها في الأصلين من استدلاله على افتقار ~~المحدث إلى محدث بالتخصيص والاستدلال على ذلك بالقياس # والأشعري أحسن استدلالا منه مع أنهم كلهم سلكوا سبيل المعتزلة في هذا ~~الأصل وسلموا كلامهم وهي طريقة أثبتوا فيها الجلي بالخفي وأرادوا بها إيضاح ~~الواضح كمن يقرر القضايا البديهية بقضايا نظرية يسندها إلى قضايا أخرى ~~بديهية وذلك أن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين في العقل من العلم ~~بأن ما جاز حدوثه لم يكن بالحدوث أولى من ألا يحدث لولا شيء اقتضى حدوثه ~~وبأن ما وجب حدوثه وجب في كل حال # فإن هذه القضايا وإن كانت حقا وهي ضرورية فالعلم بأن المحدث لا بد له من ~~محدث أبين منها والعقل يضطر إلى التصديق بهذه أعظم مما يضطر إلى التصديق ~~بتلك وتصور طرفي هذه القضية أبده في العقل من تصور تلك ولا تعرض هذه القضية ~~وتلك على سليم الفطرة إلا صدق بهذه قبل تلك # وهذا كقول أبي المعالي ومن وافقه على طريقه إذ أثبت حدوث العالم فالحادث ~~جائز وجوده وكل وقت صادفه وقوعه كان من المجوزات تقدمه عليه بأوقات ومن ~~الممكنات استئخار وجوده عن وقته بساعات فإذا وقع الوجود الجائز بدلا عن ~~استمرار العدم المجوز قضت العقول ببداهتها بافتقاره إلى مخصص خصصه بالوقوع ~~وذلك أرشدك PageV09P161 ~~الله ms1896 مستبين على الضرورة لا حاجة فيه إلى سبر الغير والتمسك فيه بسبيل النظر # ثم إذا وضح اقتضاء الحادث مخصصا على الجملة فلا يخلو ذلك المخصص من أن ~~يكون موجبا وقوع الحدوث بمنزلة العلة الموجبة معلولها وإما أن تكون طبيعة ~~كما صار إليه الطبائعيون وباطلا أن يكون جاريا مجرى العلل فإن العلة توجب ~~معلولها على الاقتران فلو قدر المخصص علة لم يخل من أن تكون قديمة أو حادثة ~~فإن كانت قديمة فيجب أن يجب وجود العالم أزلا وذلك يفضي إلى القول بقدم ~~العالم وقد أقمنا الدلالة على حدثه وإن كانت حادثة افتقرت إلى مخصص ثم ~~يتسلسل القول في مقتضى المقتضى # ومن زعم أن المخصص طبيعة فقد أحال فيما قال فإن الطبيعة عند مثبتها توجب ~~أثرها إذا ارتفعت الموانع فإن كانت الطبيعة قديمة فلتقتض قدم العالم وإن ~~كانت حادثة فلتكن مفتقرة إلى مخصص # قال وإذا بطل أن يكون مخصص العالم علة أو طبيعة موجبة بنفسها لا على ~~اختيار فتعين بعد ذلك القطع بأن مخصص الحوادث فاعل لها على الاختيار مخصص ~~إيقاعها ببعض الصفات والأوقات # قلت فهذه الطريقة هي من جنس طريقة أبي الحسين كما ترى وهي من جنس طريقة ~~القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وغيرهم ومعلوم لكل ذي فطرة ~~سليمة أن العلم بأن الحادث لا بد له من محدث أبين من العلم بأن التخصيص لا ~~بد له من مخصص فإنه ليس التخصيص إلا نوعا من الحوادث فإنهم لا يريدون بذلك أن كل PageV09P162 ~~تخصيص سواء كان محدثا أو قديما لا بد له من مخصص فاعل له على الاختيار فإن ~~القديم يمتنع عندهم أن يكون له فاعل فلم يبق إلا التخصيص الحادث فيكون ~~المعنى أن كل تخصيص حادث لا بد له من مخصص فاعل مختار # والتخصيص الحادث إما أن يكون مساويا للحادث في العموم والخصوص أو يكون ~~أخص منه فإن كان مساويا له كان هذا بمنزلة أن يقال المفعول الحادث والمتجدد ~~الحادث وما أشبه ذلك وإن كان أخص منه كان استدلالا ms1897 على أن كل محدث لا بد له ~~من محدث لأن هذا النوع من الحادث لا بد له من محدث # ثم إن هذا النوع هو المطلوب إثباته بالدليل فيكون استدلالا على هذا النوع ~~بالجنس ثم استدلالا على الجنس بذلك النوع فيكون استدلالا بالشيء على نفسه # لكن يقال من جهتهم التخصيص وإن كان مساويا للحدوث في العموم والخصوص فجهة ~~كونه تخصيصا غير جهة كونه حدوثا وهم استدلوا بما فيه من التخصيص وإن كان ~~مشروطا بالحدوث على أنه لا بد له من مخصص # فيقال هذا صحيح لكن عليه سؤلان أحدهما أن جهة كونه حدوثا أدل على المحدث ~~من جهة دلالة كونه مخصصا على المخصص فإنه لو قال لهم قائل لا نسلم أن ~~التخصيص لا بد له من مخصص لم يكن لهم جواب إلا ما هو دون جوابهم لمن قال لا ~~نسلم أن المحدث لا بد له من محدث PageV09P163 # وإذا كان قد قال إن ما جاز تقدمه وتأخره فإذا وقع وجوده بدلا عن عدمه قضت ~~العقول ببدائهها بافتقاره إلى مخصص خصصه بالوقوع فلأن يقال ما حدث بعد أن ~~لم يكن فإن العقول تقضي ببدائهها بافتقاره إلى محدث أحدثه أولى وأحرى فإن ~~العلم بافتقار المحدث إلى محدث أبين من العلم بافتقار المخصص إلى المخصص ~~وافتقار ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر إلى مرجح # السؤال الثاني أن يقال لهؤلاء كلهم كأبي الحسين ومن وافقه هذه المقدمة ~~التي بنيتم عليها إثبات الصانع تعالى تناقضتم فيها فإن حاصلها أن الممكن لا ~~يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح أو لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح # فإن هؤلاء يقولون اذا حدث مع جواز ان يحدث وان لا يحدث لم يكن بالحدوث ~~اولى من ان لا يكون والآخرون يقولون إذا تخصص بوقت دون وقت مع تشابه ~~الأوقات أو بقدر دون دون قدر لم يكن تخصيصه بأحدهما أولى من الآخر إلا ~~بمخصص والأول ينبني على أنه قد استوى بالنسبة إلى ذاته الحدوث وعدمه فيفتقر ~~إلى مرجح للحدوث والثاني ينبني على ms1898 أن الأزمنة والمقادير والصفات مستوية ~~فلا بد من مخصص يخصص أحدهما بالوقوع فيه وكل هذا مبني على أن الأمرين ~~المتساويين في الإمكان لا يترجح أحدهما إلا بمرجح وهذا حق في نفسه لكنهم ~~نقضوه حيث قالوا إن هذه المحدثات والتخصيصات تقع بلا سبب يقتضي حدوثها ولا ~~اختصاصها PageV09P164 # فإنهم وإن أثبتوا فاعلا لكن يقولون إن نسبة قدرته وإرادته إلى جميع ~~الممكنات سواء وأنه حدثت الحوادث بلا سبب حادث أصلا بل حال الفاعل قبل ~~الفعل وحين الفعل سواء ومعلوم أن هذا تصريح برجحان الممكن بلا مرجح تام # وهؤلاء يقولون القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وهذا ~~هو أصل قول القدرية وهو أصل قول الجهمية الجبرية فالقدرية أخرجوا به أفعال ~~الحيوان أن تكون مخلوقة لله وقالوا إن العبد قادر مختار فترجح الفعل على ~~الترك بلا مرجح # وقالوا إن ما أنعم الله به على أهل الإيمان والطاعة مما يؤمنون به ~~ويطيعون هو مثل ما أنعم به على أهل الكفر والمعصية فإنه أرسل الرسل إلى ~~الصنفين وأقدر الصنفين وأزاح علل الصنفين وفعل كل ما يمكن من اللطف الذي ~~يؤمن عنده الصنفان بمنزلة من أعطى ابنيه مالا بالسوية ثم قالوا إن المؤمن ~~فعل الطاعة من غير نعمة خصه الله بها تعينه على الإيمان والكافر فعل الكفر ~~من غير سبب من الله # وهذا القول مخالف للشرع والعقل فإن الله بين ما خص به المؤمنين من نعمة ~~الإيمان في غير موضع كقوله تعالى { ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون } سورة ~~الحجرات 7 # والقدرية يقولون إن هذا خطاب لجميع الخلق وليس الأمر كذلك بل هو خطاب ~~للمؤمنين كما قال { أولئك هم الراشدون } PageV09P165 ~~وكما قيل قبل ذلك { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين واعلموا أن فيكم رسول الله ~~لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم } سورة الحجرات 6 ms1899 7 فهذا خطاب للمؤمنين لا لجميع الناس # وأيضا فإن العبد إذا كان قادرا على الطاعة والمعصية فلو لم يحدث سبب يوجب ~~وقوع أحدهما دون الآخر للزم الترجيح بلا مرجح وذلك السبب إن كان من العبد ~~فالقول فيه كالقول في الفعل فلا بد أن يكون السبب الحادث الموجب للترجيح من ~~غير العبد والسبب الذي به وقعت الطاعة نعمة من الله خص بها عبده المؤمن # ثم إن القدرية من المعتزلة وغيرهم بنوا على هذا أن الرب لم يكن يتكلم ولا ~~يفعل ثم خلق الكلام والمفعولات بغير سبب اقتضى الترجيح وأما المثبتون للقدر ~~من الجهمية ونحوهم فخالفوهم في فعل العبد وقالوا إنه لا يترجح أحد مقدوريه ~~على الآخر إلا بمرجح ووافقوهم في فعل الله # ولهذا يوجد كلام الرازي ونحوه من هؤلاء متناقضا في هذا الأصل فإذا ناظروا ~~القدرية استدلوا على أن القادر لا يرجح مقدورا إلا بمرجح وإذا أرادوا إثبات ~~حدوث العالم وردوا على الدهرية بنوا ذلك على أن القادر يرجح أحد مقدوريه ~~على الآخر بلا مرجح وقالوا إن ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بغير مرجح ~~يصح من القادر المختار ولا يصح من العلة الموجبة وادعوا الفرق بين الموجب ~~بالذات وبين الفاعل بالاختيار في هذا الترجيح PageV09P166 # وهذا حقيقة قول القدرية لكن جهم نفسه نفى كون العبد قادرا ونفى أن يكون ~~له قدرة على فعل وحينئذ إذا قال إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه بلا ~~مرجح لم ينتقض قوله بناء على أصله الفاسد # والأشعري وغيره ممن يقول إن العبد كاسب وله قدرة ويقولون ليس بفاعل حقيقة ~~ولا لقدرته تأثير في المقدور إن حصل فرق معنوي بين قولهم وقول جهم احتاجوا ~~إلى الفرق بين فعل الرب وفعل العبد وإلا كانوا مثل جهم # واما جمهور المثبتين للقدر الذين يقولون للعبد قدرة وفعل وهذا قول السلف ~~والأئمة فعندهم أن العبد فاعل قادر مختار وهو لا يرجح أحد مقدوريه على ~~الآخر إلا لمرجح # والرازي يميل إلى قول هؤلاء ويثبت للعبد قدرة وداعيا وأن مجموعهما يستلزم ~~وجود الفعل ms1900 # فهؤلاء الطوائف من الكلابية والكرامية والأشعرية ومن وافقهم من أهل ~~الحديث والفقه وغيرهم وإن خالفوا المعتزلة في القدر فهم يشاركونهم في الأصل ~~الذي بنى أولئك قولهم في القدر عليه وهم يناظرون الفلاسفة القائلين بالموجب ~~بالذات وأهل الطبع القائلين بأن فاعل العالم علة تامة أزلية تستلزم معلولها # وهذا القول أشد فسادا فإن حقيقة قول هؤلاء أنه ليس لحوادث العالم محدث ~~كما أن حقيقة قول القدرية أنه ليس لفعل الحيوان محدث فما قاله القدرية في ~~فعل الحيوان قاله هؤلاء في جميع حوادث العالم PageV09P167 ~~لأن العلة التامة المستلزمة لمعلولها لا يصدر عنها حادث لا بوسط ولا بغير وسط # فهؤلاء شبهوا فعله بفعل الجمادات مع تناقضهم وتقصيرهم فيما جعلوه فعل ~~الجمادات والقدرية شبهوا فعله بفعل الحيوانات مع تناقضهم وتقصيرهم فيما ~~جعلوه فعل الحيوانات ثم إن المثبتين للقدر من الكلابية وغيرهم يخالفون ~~المعتزلة في إثبات القدر وفي بعض مسائل الصفات ويجعلون المخصص هو الإرادة ~~القديمة التي نسبتها إلى جميع المرادات سواء وقالوا إن من شأن الإرادة أن ~~تخصص أحد المثلين عن الآخر بلا سبب ولهذا بنوا أصولهم على أن التخصيص بأحد ~~الوقتين لا بد له من مخصص # ثم كلام أبي الحسين وأمثاله أحذق من كلام هؤلاء من وجه وأنقص من وجه فإنه ~~من حيث جعل نفس وجود الحدوث بدلا عن العدم مع جواز أن لا يحدث دليلا على ~~المقتضى لحدوثه كلامه أرجح من كلام من جعل الدليل هو التخصيص بوقت دون وقت ~~فإن نفس الحدوث فيه من التخصيص ما يستغنى به عن نسبة الحادث إلى الأوقات # وأما كونه أنقص فإنه متناقض من وجه آخر وذلك أنه قال لو حدث مع وجوب أن ~~يحدث لم يكن بأن يحدث في تلك الحال أولى من أن يحدث من قبل فلا يستقر حدوثه ~~على حال إذ كان حدوثه واجبا فإنه بعد أن يتجاوز عن أن نفس الحدوث يستلزم ~~المحدث ولو قدر واجبا يقال له إذا قدرت الحدوث واجبا فلم لا يجوز أن يكون ~~حدوثه في حال أولى منه في ms1901 حال أخرى ويكون واجبا في تلك الحال دون غيرها PageV09P168 # فإن قال لأن الأحوال مستوية # قيل له الأحوال مستوية سواء قدر أن الحدوث واجب أو جائز فلا بد من مخصص ~~سواء قدر الحدوث واجبا أو جائزا # وإن قال إن الواجب لا يختص بحال دون حال بخلاف الجائز # قيل هذا حق فيما وجب بنفسه لكن ليس العلم به بأبين من العلم بكون الحادث ~~لا يحدث بنفسه بل يحتاج ذلك إلى مزيد بيان وإيضاح أكثر من هذا لأنه قد تقدم ~~تقريره بأن القديم واجب الوجود في كل حال فإنه موجود في الأزل فلا يجوز أن ~~يكون وجوده على طريق الجواز ولا بالفاعل فتعين أن يكون واجبا ولم يقرر أن ~~الواجب لا يختص بوقت دون وقت # فإن قيل هذا بين معروف بنفسه معلوم بالضرورة # قيل له إذا عرضنا على عقول العقلاء أن الواجب هل يكون واجبا في وقت دون ~~وقت وأن الحادث هل يحدث بنفسه كان ردهم لهذا الثاني أعظم من ردهم لذاك فلا ~~يقرر الأبين بالأخفى # وأيضا فهذا أرجح من ذاك من وجه آخر وذلك أن الفلاسفة الدهرية الإلهيين من ~~المتاخرين كابن سينا وغيره يقولون إن الواجب قد يكون قديما وهو واجب بغيره ~~فالواجب بغيره عندهم قد لا يكون محدثا مع كونه مفتقرا إلى مخصص موجب فإذا ~~عرف افتقاره إلى موجب لم يلزم على قولهم أن يكون له محدثا ولم يقل أحد من ~~هؤلاء إن المحدث يكون بغير محدث ومن قال هذا فإنه لا ينكر افتقار المخصص PageV09P169 ~~إلى مخصص فحينئذ فمن أقر بالمحدث أقر بالمخصص من غير عكس وما دل على المحدث ~~دل على المخصص بالاتفاق وفي العكس نزاع # وأيضا فلو نازعه منازع في أن ما وجب حدوثه يجوز أن يحدث في وقت دون وقت ~~وقال هذا كما تقول أنت إن القادر يخصه بوقت دون وقت لاحتاج إلى جواب # فإن قال القادر له أن يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح كالجائع والهارب # قال له المعترض فهذا الترجيح واجب أو جائز # فإن قال واجب # قال ms1902 فلم اختص بوقت دون وقت # وان قال جائز # قال فحدوثه مع جواز أن لا يحدث يفتقر إلى ترجيح آخر وإلا لم يكن بالحدوث أولى # وإن قال العلم بأن الواجب بنفسه لا يختص بزمان دون زمان ضروري # قال المعترض والعلم بأن الحادث لا بد له من محدث علم ضروري # فإن زعم أن هذا ليس بضروري بل نظري أمكن المعترض أن يقابله ويقول العلم ~~بأن الواجب لا يختص نظري لا ضروري # والمقصود هنا التنبيه على أصول هؤلاء التي هي عمدتهم وعليها بنوا PageV09P170 ~~دينهم الحق وما أدخلوه فيه من البدع وأن ذلك إما أن يكون باطلا وإما أن ~~يكون حقا طولوه بما لا ينفع بل قد يضر واستدلوا على الجلي بالخفي بمنزلة من ~~يحد الشيء بما هو أخفى منه # وإذا كانت الحدود والأدلة إنما يراد بها البيان والتعريف والدلالة ~~والإرشاد فإذا كان المعروف المعلوم في الفطرة ويجعل خفيا يستدل عليه بما هو ~~أخفى منه أو يدفع ويذكر ما هو نقيضه ومخالفه وكانت هذه طرق السلف والأئمة ~~التي دل عليها الكتاب والسنة وهي الطرق الفطرية العقلية اليقينية الموافقة ~~للنصوص الإلهية تبين أن من عارض تلك الطرق الشرعية معقولها ومنقولها بمثل ~~هذه الطرق البدعية بل عدل عنها إليها كان في ضلال مبين كما هو الواقع في ~~الوجود والله يقول الحق وهو يهدي السبيل { والله يدعو إلى دار السلام ويهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم } سورة يونس 25 # وأما طريق شيوخ المعتزلة التي ذكرها أبو الحسين وعدل عنها فهي أبعد وأطول ~~والأسولة عليها أكثر كما لا يخفى ذلك مع أن هذه الطرق لم تتضمن تتضمن كذبا ~~ولا باطلا من جهة أنها إخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه أو من جهة أنها ~~قضايا كاذبة بل من جهة الاستدلال على الشيء بما هو أخفى منه بخلاف كلامهم ~~في الترجيح بلا مرجح والحدوث بلا سبب وإبطال دوام الحوادث فإن منازعيهم ~~يقولون كلامهم في ذلك PageV09P171 ~~من نوع الكذب الباطل وإن لم يتعمدوا الكذب كسائر المقالات الباطلة # وهاتان الطريقتان اللتان ms1903 ذكرهما أبو الحسين عنه وعن شيوخه هما اللتان ~~اعتمد عليهما كثير من المثبتين للصفات الذين استدلوا بطريقة الأعراض ~~والحركات على حدوث الأجسام كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى في المعتمد ~~وغيرهما فإنهم سلكوا هذه الطريق فأثبتوا وجودها وأن الأجسام لا تخلو عنها ~~وأنها لا تبقى زمانين وأنها محدثة وأن ما لا يخلو منها فهو محدث لأن ~~الحوادث لها أول وأبطلوا وجود ما لا يتناهى مطلقا وذكروا النزاع في ذلك مع ~~معمر والنظام وابن الراوندي وغيرهم وأثبتوا ذلك بنظير ما تقدم من الحجج ~~وقالوا إن ما لا ينفك عن الحوادث فهو محدث وقالوا إذا ثبت أن ذلك محدث فلا ~~بد له من محدث أحدثه وصانع صنعه خلافا للملحدة في نفي الصانع # قالوا والدلالة عليه أن المحدث لو لم يتعلق بمحدث لم تتعلق الكتابة PageV09P172 ~~بكاتب ولا الضرب بضارب لأن ذلك كله يتعذر إذ استحالة محدث لا محدث له ~~كاستحالة كتابة لا كاتب لها فلو جاز وجود محدث لا محدث له لجاز محدث لا ~~إحداث له وذلك محال # وهؤلاء يقولون المحدث عين الإحداث فحقيقة قولهم وجود محدث لا إحداث له ~~وقد جعلوا هنا نفي هذا مقدمة معلومة يحتج بها # قالوا وأيضا فإنا نرى الحوادث يتقدم بعضها بعضها ويتأخر بعضها عن بعض ~~ولولا أن مقدما قدم منها ما قدم وأخر منها ما أخر لم يكن ما تقدم منها أولى ~~من أن يكون متأخرا وما تأخر أولى من أن يكون متقدما فدل ذلك على أن لها ~~مقدما محدثا لها قدم منها ما قدم وأخر منها ما أخر # ثم لا يخلو ذلك الأمر من أن يكون نفس الحادثات أو معنى فيه أو لا نفسه ~~ولا معنى فيه أو لجاعل جعله فيستحيل أن يكون ذلك لنفسه لأن نفسه هو وجوده ~~والشيء لا يجوز أن يفعل نفسه ولا يجوز أن يكون لذاك المعنى لأن ذاك المعنى ~~لا بد أن يكون موجودا إذ المعدوم ليس له تأثير في ذلك وإذا كان موجودا فلا ~~يخلو من أن يكون قديما أو ms1904 محدثا لا يجوز أن يكون قديما لأنه لو كان قديما ~~لوجب قدم الجسم المحدث وذلك باطل وإن كان محدثا فلا بد أن يكون متقدما أو ~~متأخرا فإن كان كذلك مع جواز أن لا يكون متقدما لقدم موجبه فلا يكون كذلك ~~إلا لمعنى آخر وذلك المعنى لمعنى آخر إلى غير نهاية PageV09P173 # ولا يجوز أن يكون كذلك لا لنفسه ولا لمعنى ولا لأمر لأن ذلك يؤدي إلى أن ~~لا يكون بالوجود في وقت أولى من عدمه وبقائه على عدمه ولما علم أن اختصاصه ~~بالوجود أولى من عدمه بطل أن يكون كذلك إلا لأمر وإذا بطلت هذه الأقسام علم ~~أن هذه الحوادث إنما اختصت في الوجود في أوقات معينة لجاعل جعله وأراد ~~تقديم أحدهما على الآخر وتأخر بعضها عن بعض فثبت ما قلناه # فهذا الذي ذكره القاضي أبو يعلى ومن سلك هذه الطريقة كأبي محمد ابن ~~اللبان وقبلهما القاضي أبو بكر وغيرهم هي من جنس ما تقدم # وهؤلاء غالبهم إذا ذكروا طريقتهم في حدوث الأجسام بأن ما لا يسبق الحوادث ~~فهو حادث ذكروا ذلك مسلما كأنه بين وإذا ذكروا مع ذلك أن الحوادث يجب ~~تناهيها جعلوا ذلك بمنزلة المسلم أو المقدمة الضرورية تسوية بين النوع ~~وأشخاصه فيقولون مثلا إذا أثبتوا حدوث الأعراض وأن الجسم مستلزم لها ~~الحوادث لها أول ابتدئت منه خلافا لابن الراوندي وغيره من الملحدة # والدلالة على ذلك علمنا بأن معنى المحدث أنه الموجود عن عدم ومعنى ~~الحوادث أنها موجودة عن عدم فلو كان فيها ما لا أول له لوجب أن يكون قديما ~~وذلك فاسد لما بينا من إقامة الدلالة على حدوثها PageV09P174 ~~والجمع بين قولنا حوادث وأنه لا أول لها مناقضة ظاهرة في اللفظ والمعنى ~~وذلك باطل # ثم يقولون وإذا ثبت ما ذكرنا من ثبوت الأعراض وحدوثها وأن الجواهر لم تخل ~~منها ولم تسبقها وجب أن تكون محدثة كهي لأن الجواهر لا تخلو من أن تكون ~~موجودة معها أو بعدها أو قبلها فإذا بطل أن تكون الجواهر موجودة قبل وجود ~~الأعراض ms1905 وبطل أن توجد بعدها وجب أن تكون موجودة معها وثبت حدوثها كحدوث ~~الأعراض فهذا الذي يقوله هؤلاء كالقاضيين ومن وافقهما على ذلك وهذا لفظ ~~القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى ونحوهما # والمعترض على ذلك يقول إن موضع المنع لم يقيموا عليه حجة وإنما قالوا ~~معنى الحوادث أنها موجودة عن عدم فلو كان فيها ما هو لا أول له لوجب أن ~~يكون قديما وهم لا يقولون فيها ما لا اول له بل كل حادث له اول عندهم وانما ~~يقولون إن جنسها لا أول له بمعنى أنه لم يزل كل حادث قبله حادث وبعده حادث # وحينئذ فيقولون إنه لا مناقضة بين قولنا حوادث وقولنا لا أول لها لأن ~~معنى قولنا حوادث أن كل واحد واحد منها حادث بعد أن لم يكن ليس معناه أن ~~جنسها حادث # والذي لا أول له هو الجنس عندهم لا كل واحد واحد فالذي أثبتوا له الحدوث ~~هو كل واحد واحد من الأعيان وتلك لم يثبتوا لشيء منها قدما ولا قالوا لا ~~أول لشيء منها والذي قالوا لا أول له بل هو قديم هو النوع المتعاقب وذلك لم ~~يقولوا إنه حادث PageV09P175 # ثم إن هؤلاء أيضا بعد ذلك يقررون ما يدعونه من امتناع حوادث لا أول لها ~~في ضمن دعواهم امتناع وجود ما لا يتناهى فيسلكون طريقين طريقة تخص الحوادث ~~المتعاقبة تعم كل ما لا يتناهى فيقعدون قاعدة فيقولون لا يجوز وجود موجودات ~~لا نهاية لعددها سواء كانت قديمة أو محدثة خلافا لمعمر والنظام وابن ~~الراوندي وغيرهم من الملحدة في قولهم يجوز وجود ذوات محدثة لا نهاية لها ~~وخلافا للفلاسفة في قولهم يجوز وجود جواهر قديمة لا غاية لها # ثم يقولون والدليل على ذلك أن كل جملة من الجمل لو ضممنا إليها خمسة ~~أجزاء لعلم ضرورة أنها زادت أو نقصت منها خمسة أجزاء لعلم ضرورة أنها قد نقصت # وإذا كان هذا كذلك وجب أن تكون متناهية لجواز قبول الزيادة والنقصان ~~عليها لأن كل ما تأتى فيه الزيادة والنقصان وجب ms1906 أن يكون متناهيا من جهة العدد # الدليل على هذا المعدودات لما لم تصح عليها الزيادة والنقصان استحال أن ~~تكون متناهية وإذا كان كذلك استحال وجود موجودات غير متناهية قديمة كانت أو محدثة # وليس لأحد أن يقول يلزمكم على هذا أن تقولوا إن معلومات الباري عز وجل ~~أكثر من مقدوراته لأن جميع مقدوراته معلومة وله معلومات لا يصح أن تكون ~~مقدورة وهي ذاته تعالى وسائر صفاته PageV09P176 ~~وسائر الباقيات والمحالات التي لا يصح وجودها لأن مقدورات الباري ومعلوماته ~~على ضربين موجودات ومعدومات فالموجودات من المقدورات والمعلومات كلها ~~متناهية والمعدومات منها غيرمتناهية ولا يصح فيها الزيادة والنقصان وإذا ~~كان الأمر على ما ذكرناه بطل ما قالوه فهذا الذي يذكره مثل هؤلاء كالقاضيين ~~وابن اللبان أو غيرهم # وهذه الطريق هي طريق التطبيق ومبناها على أن ما لا يتناهى لا يتفاضل ~~وعليها من الكلام والاعتراض ما قد ذكر في غير هذا الموضع إذ المقصود هنا ~~التنبيه على طرق الناس في الأصول التي يقول القائل إنها تستلزم ما يخالف النصوص # ومنهم من يسلك في دعوى امتناع دوام الحوادث مسلك الضرورة كما سلكه طوائف ~~منهم أبو المعالي في إرشاده الذي جعله إرشادا إلى قواطع الأدلة وجعل أصل ~~الأصول الذي بني عليه جميع ما يذكره من أصول الدين التي بها كفر أو بدع من ~~خالفه هو دليل الأعراض المذكور وسلك فيه مسلك من تقدمه من أهل الكلام ~~السالكين طريق المعتزلة في تقرير ذلك وهو مبني على أربعة أركان إثبات ~~الأعراض ثم إثبات حدوثها ثم إثبات لزومها للجسم # قال والأصل الرابع يشتمل على إيضاح استحالة حوادث لا أول لها PageV09P177 # قال والاعتناء بهذا الركن حتم فإن إثبات العرض منه يزعزع جملة مذاهب ~~الملحدة فأصل مقالتهم أن العالم لم يزل على ما هو عليه فلم تزل دورة الفلك ~~قبل دورة إلى غير أول ثم لم تزل الحوادث في عالم الكون والفساد تتعاقب كذلك ~~إلى غير مفتتح فكل ولد مسبوق بوالد وكل زرع مسبوق ببذر وكل بيضة مسبوقة ~~بدجاجة فنقول موجب أصلكم ms1907 يقضي بوجود حوادث لا نهاية لأعدادها ولا غاية ~~لآحادها على التعاقب في الوجود وذلك معلوم بطلانه بأوائل العقول فإنا نفرض ~~القول في الدورة التي نحن فيها ونقول من أصل الملحدة أنه انقضى قبل الدورة ~~التي نحن فيها دورات لا نهاية لها وما انتفت عنه النهاية يستحيل أن ينصرم ~~بالواحد على إثر الواحد فإذا تصرمت الدورات التي قبل هذه الدورة أذن ~~انقضاؤها بتناهيها وهذا القدر كاف في غرضنا # قلت وهذه الحجة هي التي تقدم ذكر اعتراض كثير من النظار PageV09P178 ~~عليها حتى أتباع أبي المعالي كالرازي والآمدي والأرموي وغيرهم وهم ينازعونه ~~في قوله إن بطلان ذلك معلوم بأوائل العقول ويقولون قد جوز ذلك طوائف متنوعة ~~من العقلاء الذين لم يتلقه بعضهم عن بعض من أهل الملل المسلمين واليهود ~~والنصارى ومن الفلاسفة الأولين والآخرين وغيرهم بل قد يقولون إن هذا قول ~~الأنبياء وأتباعهم وفضلاء الطوائف لا يريدون أن قدم العالم هو قول الأنبياء ~~بل يعلمون أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام كما أخبرت ~~به الأنبياء لكن يقولون ما زال الله تعالى متكلما تكلم بما شاء أو ما زال ~~فاعلا يفعل بنفسه ما شاء أو ما زال يفعل الحوادث شيئا بعد شيء أو نحو ذلك ~~من المقالات التي يقولون إنها موافقة لقول الأنبياء صلوات الله عليهم وأن ~~أقوال الأنبياء لا تتم إلا بها # وأما قدم الأفلاك ودوامها فهو قول طائفة قليلة كأرسطو وأتباعه وقد نقل ~~أرباب المقالات أنه أول من قال بقدم ذلك من الفلاسفة وأن الفلاسفة ~~المتقدمين كانوا على خلاف قوله في ذلك وقول أرسطو هذا وأتباعه هو من أقوال ~~الملاحدة المخالفين للرسل فإن الأقوال التي تخالف ما علم من نصوص الأنبياء ~~هي من أقوال الملاحدة ومن عارض نصوص الأنبياء بعقله كان من الملاحدة # وأما الأقوال التي قالها الرسل أو قالت ما يستلزمها ولم تقل نقيض ذلك ~~فهذه لا تضاف إلى الملاحدة بل من عارض نصوص الأنبياء بمعقوله وادعى تقديم ~~عقله على أقوال الأنبياء واستند في ذلك إلى أصل ms1908 اختلف فيه العقلاء ولم ~~يوافقه عليه الأنبياء كان أقرب إلى أقوال PageV09P179 ~~أهل الإلحاد ولكن قد تشتبه على كثير من النظار فينصرون ما يظنونه من أقوال ~~الأنبياء بما يظنونه دليلا عقليا ويكون الأمر في الحقيقة بالعكس لا القول ~~من أقوال الأنبياء بل قد يكون مناقضا لها ولا الدليل دليلا صحيحا في العقل ~~بل فاسدا فيخطئون في العقل والسمع ويخالفونهما ظانين أنهم موافقون للعقل ~~والسمع وآية ذلك مخالفتهم لصرائح نصوص الأنبياء وما فطر الله عليه العقلاء ~~فمن خالف هذين كان مخالفا للشرع والعقل كما هو الواقع في كثير من نفاة ~~الصفات والأفعال # والمقصود هنا أن المعترضين على ما ذكر في تناهي الحوادث يقولون لم يذكر ~~على وجوب تناهيها دليلا فإن عمدته قوله ما انتفت عنه النهاية يستحيل أن ~~ينصرم بالواحد على إثر الواحد فإذا تصرمت الحوادث أذن انقضاؤها بتناهيها # وهم يقولون لفظ الانتهاء لفظ مجمل أتريد به الانتهاء بمعنى أنه لا أول ~~لها أو الانتهاء بمعنى انقضاء ما مضى # أما الانتهاء بالمعنى الثاني فإنهم لا ينازعون فيه بل يسلمون أن ما انتهى ~~فقد انتهى لكن لا يسلمون أن الحوادث انتهت بل يقولون لم تزل ولا تزال فإن ~~الانتهاء انقطاعها وانصرامها ونفادها وهي لم تنفد ولم تنقطع # وإن قيل الماضي قد وجد بخلاف المستقبل PageV09P180 # قيل وجود ما وجد مع دوامها لا يوجب انتهاؤه # فإن قيل فنحن نقدر أنها انتهت وفرغت # قيل إذا قدر تناهيها لزم تناهيها على هذا التقدير وقيل إن أريد بتناهيها ~~أن ما مضى هو محدود بالحد الفاصل بين الماضي والمستقبل وهذا انتهاء # قيل هل أن هذا يسمى انتهاء لكن على هذا التقدير فهي منتهية من هذا الطرف ~~الذي انتهت إليه لا من الطرف الأول الذي لا ابتداء له # وعلى هذا فهؤلاء لا ينازعون في الانتهاء بهذا المعنى بل يقولون كل ما مضى ~~من الحوادث فقد انتهى وانقضى وانصرم وفرغ # وهذا هو الذي نفاه الله عن كلماته وعن نعيم أهل الجنة كما قال تعالى { إن ~~هذا لرزقنا ما له من نفاد ms1909 } سورة ص 54 # وقال { أكلها دائم وظلها } سورة الرعد 35 وقال { لا مقطوعة ولا ممنوعة } ~~سورة الواقعة 33 # وقال { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ~~ربي ولو جئنا بمثله مددا } سورة الكهف 109 # وأما عدم الانتهاء بمعنى أنه لا ابتداء لها فلم يذكر دليلا على امتناعه ~~فإن القائل إذا قال ما انتفت عنه النهاية بمعنى أنه لا ابتداء PageV09P181 ~~له يستحيل أن ينصرم بالواحد على إثر الواحد فإن الحوادث إذا انصرمت أذن ~~انقضاؤها بتناهيها # قيل له انقضاؤها يؤذن بتناهيها من آخرها فالانتهاء والانصرام هنا معناهما ~~واحد فكأن القائل قال إذا انتهيت فقد انتهيت وإذا انصرمت فقد انصرمت # واما كون الانقضاء والانتهاء من الآخر يؤذن بأن لها مبدأ كان بعد أن لم ~~يكن فليس في الانتهاء ما يؤذن بحدوث الابتداء بل هذا هو رأس المسألة وليس ~~الاطراد بالانتهاء هنا انقطاعها بالكلية حتى لا يوجد شيء منها بل المراد ~~انتهاء ما مضى منها فإن ما انقطع بالكلية فعدم جنسه يمكن أن يقال إن له ~~مبتدأ ولو كان قديم الجنس لم يعدم فإن ما وجب قدمه امتنع عدمه سواء كان ~~شخصا أو نوعا # وأما إذا أريد بالانتهاء انتهاء ما مضى مع دوام النوع في المستقبل فليس ~~في هذا الانتهاء ما يستلزم أن يكون أوله محدودا # ومن المعلوم أن العقل إذا قدر حوادث متوالية لم تزل ولا تزال كان يعلم أن ~~كل واحد منها قد انصرم وانصرم ما قبله مع أنه قد قدر دوام هذا النوع كما ~~يعلم أن كل واحد منها له أول ومع تقديره أنه لا أول لها فعلم أن هذا ~~التقدير لا ينافي انصرام ما انصرم ولا حدوث ما حدث وإذا لم يتناف هذا وهذا ~~لم يمكن ثبوت أحدهما دليلا على انتفاء الآخر فعلم أن ما ذكروه لا ينافي ~~جواز دوام الحدوث PageV09P182 # وقد عارضهم المعترضون بالحوادث المستقبلة وأوردوا سؤالهم # قالوا فإن قيل مقام أهل الجنان فيها مؤبد مسرمد فإذا لم يبعد إثبات حوادث ~~لا آخر ms1910 لها لم يبعد إثبات حوادث لا أول لها # قلنا المستحيل أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى آحادا على التوالي وليس في ~~توقع الوجود في الأستقبال والمآل قضاء بوجود ما لا يتناهى ويستحيل ان يدخل ~~في الوجود من مقدورات الباري تعالى ما لا يحصره عدد ولا يحصيه أمد والذي ~~يحقق ذلك أن حقيقة الحادث ما له أول وإثبات الحوادث مع نفي الأولية تناقض ~~وليس في حقيقة الحادث أن يكون له آخر # وقد أجاب المعترضون عن هذا الكلام بأن ما مضى دخل في الوجود ثم خرج فليس ~~هو الساعة داخلا في الوجود وما يستقبل سيدخل في الوجود ثم يخرج فكلاهما في ~~الحال ليس بداخل في الوجود وكلاهما لا بد من دخوله في الوجود وخروجه منه ~~فقد استوى هذا وهذا في الدخول والخروج وفي العدم الآن لكن دخول هذا وخروجه ~~ماض ودخول هذا وخروجه مستقبل وليس في هذا الفرق ما يمنع اشتراكهما فهما ~~اشتركا فيه لا سيما والمضي والاستقبال أمران إضافيان فما من PageV09P183 ~~حادث إلا ولا بد أن يوصف بالمضي والاستقبال فيوصف بالمضي باعتبار ما بعده ~~ويوصف بالاستقبال باعتبار ما قبله فإذا نظر إلى حادث معين فما قبله ماض وما ~~بعده مستقبل وهكذا كل حادث # وإذا كانت الحوادث الدائمة كل منها يوصف بالمضي والاستقبال لم يصح الفرق ~~بينهما بذلك فإن من شرط الفرق اختصاص أحد النوعين به وتأثيره في الحكم الذي ~~فرق بينهما فيه لأجله وكلا الأمرين منتف هنا والدليل الدال على انتفاء دوام ~~الحدوث يتناول هذا كتناول هذا فإما أن يصحا جميعا وإما أن يبطلا جميعا # ولهذا كان من طرد هذا الدليل وهما إماما أهل الكلام نفاة الصفات الجهم بن ~~صفوان إمام الجهمية وأبو الهذيل العلاف إمام المعتزلة كلاهما ينفي دوام ~~الحدوث في المستقبل كما نفاه في الماضي # وإذا قال القائل المستحيل أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى آحادا على ~~التعاقب # قيل له فالمستقبلات تدخل في الوجود وهي لا تتناهى أحادا على التعاقب لكن ~~لم تدخل بعد وذاك دخل ثم ms1911 خرج # وقوله يستحيل أن يدخل في الوجود من مقدورات الباري تعالى ما لا يحصره عدد ~~ولا يحصيه أمد هو محل النزاع إذا قصره على الماضي وإن كان اللفظ عاما فهو ~~خلاف ما سلمه بل هؤلاء يقولون يجب أن يدخل PageV09P184 ~~في الوجود من مقدورات الباري ما لا يتناهى وإلا لزم أن يكون الرب لم يكن ~~قادرا ثم صار قادرا او بالعكس من غير حدوث أمر أوجب انتقاله من القدرة إلى ~~العجز وبالعكس وهذا فيه سلب للرب صفة الكمال وإثبات التغير بلا سبب يقتضيه ~~وذلك مخالفة لصريح المعقول والمنقول # ولهذا كان ما أنكره المسلمون على هؤلاء قولهم إن الرب في الأزل لم يكن ~~قادرا ثم صار قادرا وهو مما استحل به المسلمون لعنة بعض من أضيف إليه ذلك ~~من أهل الكلام لا سيما من يسلم أن الرب تعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات ~~الكمال فإنه يجب أن يصفه بأنه لم يزل ولا يزال قادرا والقدرة لا تكون إلا ~~على ممكن فلزم إمكان فعله فيما لم يزل ولا يزال # وقول القائل من هؤلاء إنه كان قادرا في الأزل على ما لم يزل كلام متناقض ~~فإنه يقال لهم حين كان قادرا هل كان الفعل ممكنا فلا بد أن يقولوا لا فإنه قولهم # فيقال لهم كيف وصف بالقدرة مع امتناع شيء من المقدور فعلم أنه مع امتناع ~~الفعل يمتنع أن يقال إنه قادر على الفعل # وأما قوله إثبات الحوادث مع نفي الأولية تناقض فيقولون هو تناقض إذا نفى ~~الأولية عن نفس ما له أول وهو كل واحد واحد من الحوادث أما إذا نفى الأولية ~~عما لم تثبت له أولية وهو نوع الحوادث لم يتناقض كما تقدم PageV09P185 # ثم قالوا في الفرق بين الماضي والمستقبل ما قاله أبو المعالي قال وضرب ~~المحصلون لذلك مثالين في الوجهين قالوا مثال إثبات حوادث لا أول لها قبل كل ~~حادث قول القائل لمن يخاطبه لا أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله دينارا ولا ~~أعطيك دينار إلا وأعطيك قبله درهما فلا يتصور ms1912 أن يعطى على حكم شرطه دينارا ~~ولا درهما ومثال ما ألزمونا أن يقول القائل لا أعطيك دينارا إلا وأعطيك ~~بعده درهما ولا أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده دينارا فيتصور منه أن يجري على ~~حكم الشرط # فيقول المعترضون هذا التمثيل ليس مطابقا لمسألتنا فإن قوله لا أعطيك حتى ~~أعطيك نفي للمضارع المستقبل إذا وجد قبله ماض فحق القياس الصحيح والاعتبار ~~المستقيم أن يقال ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله دينارا ولا أعطيتك ~~دينارا إلا أعطيتك قبله درهما فهذا إخبار أن كل ماض من الدراهم كان قبله ~~دينار وكل دينار كان قبله درهم وهو نظير الحوادث الماضية التي قبل كل حادث ~~منها حادث # كما أن قوله لا أعطيك درهما إلا أعطيك بعده دينارا أو لا دينار إلا وبعده ~~درهم هو نظير الحوادث المستقبلة التي بعد كل حادث منها حادث فإن أمكن أن ~~يصدق في قوله في المستقبل أمكن أن يصدق في PageV09P186 ~~قوله في الماضي وإن امتنع صدقه في الماضي امتنع صدقه في المستقبل إذ العقل ~~لا يفرق بين هذا وهذا ولكنه يفرق بين قوله لا أعطيك حتى أعطيك وبين قوله ما ~~أعطيتك إلا وقد أعطيتك # فإذا كان منتهى النظار هو القياس العقلي والاعتبار وهم في القياس الذي ~~جعلوه أصل أصول الدين يقيسون الشيء بما يبين مفارقته إياه في عين الحكم ~~الذي سووا بينهما فيه علم أن ذلك قياس باطل # وهذا من أعظم أصولهم أو أعظم أصولهم الذي بنوا عليها نفيهم لما نفوه من ~~أفعال الرب وصفاته وعارضوا بذلك ما أرسل به رسله من أنبائه وآياته # وقوله لا أعطيك حتى أعطيك مثل قول ما أعطيتك حتى أعطيتك فهنا نفى الماضي ~~حتى يوجد الماضي وهناك نفي المستقبل حتى يوجد المستقبل وكلاهما ممتنع فإنه ~~نفي للشيء حتى يوجد الشيء وحقيقته الجمع بين النقيضين حتى يجعل الشيء ~~موجودا معدما كما لو قيل لا يوجد هذا حتى يوجد هو نفسه فيقتضي أن يكون ~~وجوده قبل وجوده بل في حال عدمه فيكون قد جعل موجودا حال كونه معدوما ms1913 وهذا ~~ممتنع بين الامتناع # بخلاف قوله ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك قبله ولا أعطيك إلا أعطيك بعده فإنه ~~إثبات بعد كل عطاء عطاء وقبل كل عطاء عطاء فهذا يتضمن إثبات بعد كل حادث ~~مستقبل حادث مستقبل وقبل كل حادث ماض حادث ماض فأين هذا من هذا PageV09P187 # وليتدبر العاقل القياس العقلي في هذا الباب فإنهم قد سلموا أنه يجوز أن ~~يكون بعد كل حادث مستقبل حادث مستقبل كما إذا قال لا أعطيك درهما إلا ~~وأعطيك بعده دينارا # واتفقوا على أنه لا يجوز أن نقول لا أعطيك درهما حتى أعطيك دينارا ~~وتنازعوا هل يجوز أن يكون قبل كل حادث ماض حادث ماض أم لا فمنهم من منع ذلك ~~وقال هذا مثل أن نقول لا أعطيك درهما حتى أعطيك دينارا ومنهم من جوز ذلك ~~وقال ليس هذا مثل هذا الممتنع ولكن هذا نظير ذلك الجائز وهو قوله لا أعطيك ~~درهما إلا أعطيتك بعده دينارا فإن هذا معناه أن يكون بعد كل حادث حادث وذاك ~~معناه أن يكون قبل كل حادث حادث # وهذا المعنى هو هذا المعنى لكن هذا قدم اللفظ بما بعد وهناك قدم التلفظ ~~بما قبل وأما من جهة المعنى فلا فرق بينهما # قالوا وأما الممتنع فنظيره أن نقول ما أعطيتك إلا حتى أعطيتك فهذا نظير ~~قوله لا أعطيك حتى أعطيك ليس نظيره ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك قبله فهنا أصل ~~متفق على جوازه وأصل متفق على امتناعه بل أصلان متفق على امتناعهما وأصل ~~متنازع فيه هل هو نظير هذا الجائز أو نظير الممتنعين # ولهذا كان الذين اتبعوا هؤلاء المتأخرين كالرازي والآمدي وغيرهما قد ~~يتبين لهم ضعف هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث الأجسام ويترجح عندهم حجة من ~~يقول بدوام فاعلية الباري تعالى وهم يعلمون أن دين المسلمين واليهود ~~والنصارى أن الله خلق السماوات PageV09P188 ~~والأرض في ستة أيام وأن الله خالق كل شيء لكن قد لا يجمعون بين ذلك وبين ~~دوام فاعلية الباري لكنهم لم يبنوا على ثبوت الأفعال القائمة به المقدورة ms1914 ~~المرادة له فيبقون دائرين بين مذهب الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم الأفلاك ~~معظمين لأرسطو وأتباعه كابن سينا وبين مذهب أهل الكلام القائلين بتناهي ~~الحدوث وربما رجحوا هذا تارة وهذا تارة حتى قد يصير الأمر عندهم كأن دين ~~المسلمين ودين الملاحدة عدلا جهل أو ربما مالوا أحيانا إلى دين الملاحدة ~~حتى قد يصنفون في الشرك والسحر كعبادة الكواكب والأصنام # وأصل ذلك نفيهم لما يجب إثباته من فعل الرب تعالى كما دل عليه المنقول ~~والمعقول فإن هؤلاء قد يثبتون أن الذين نفوا قيام الأمور الاختيارية بذات ~~الله تعالى وسموا ذلك نفي حلول الحوادث به ليس لهم على ذلك حجة صحيحة لا ~~عقلية ولا سمعية بل الذين نفوا ذلك من جميع الطوائف يلزمهم القول به # فإذا كان هذا الأصل في المعقول ولزومه للطوائف ودلالة الشرع عليه بهذه ~~القوة وبتقدير إبطاله يلزم ترجيح مذهب الملاحدة المبطلين شرعا وعقلا على ~~أقوال المرسلين الثابتة شرعا وعقلا أو تكافي المسلمين أهل الإيمان وأهل ~~الإلحاد تبين ما ترتب على إنكار ذلك من الضلال والفساد # ومصداق ذلك أن الرازي مثلا إذا قرر في مثل نهاية العقول PageV09P189 ~~وأمثالها من كتبه الكلامية تناهي الحوادث واستوعبت ما ذكره أهل الكلام في ~~ذلك من الحجج عارضه إخوانه المتكلمون فقدحوا فيها واحدة واحدة ثم هو نفسه ~~يقدح فيها في مواضع من كتبه مثل المباحث المشرقية والمطالب العالية وغير ~~ذلك ويبين أن دوام فاعلية الرب مما يجب القول به كما ذكره في المباحث ~~المشرقية فإنه قال في بيان دوام فاعلية الباري اعلم أنا بينا أن واجب ~~الوجود لذاته كما أنه واجب الوجود لذاته فهو واجب الوجود من جميع جهاته ~~وإذا كان كذلك وجب أن تدوم أفعاله بدوامه وبينا أيضا أن سبق العدم ليس بشرط ~~في احتياج الفعل إلى الفاعل وبينا في باب الزمان أن الزمان لا يمكن أن يكون ~~له مبدأ زماني وحللنا فيه الشكوك والشبه # قال وأيضا العالم غير ممتنع أن يكون دائم الوجود وما لا يمتنع أن يكون ~~دائم الوجود يجب أن يكون دائم ms1915 الوجود فالعالم يجب أن يكون دائم الوجود أما ~~الصغرى فقد مضى تقريرها وأما الكبرى فهي أن الذي لا يمتنع أن يكون موجودا ~~دائما لو كان جائز العدم لكان إما أن يكون عدمه ممكنا دائما أو لا يكون ~~دائما فإن لم يكن PageV09P190 ~~له إمكان العدم دائما كان ذلك الإمكان محدودا وإذا تعدى ذلك الحد وجب فيه ~~وجوده وامتنع عدمه مع أن الأحوال واحدة وهذا محال يبقى أنه إن كان عدمه ~~ممكنا فهو ممكن العدم دائما وكل ما كان ممكنا فإنه إذا فرض موجودا أمكن أن ~~يعرض منه كذب وأما المحال فلا يعرض ألبتة إذا فرض معدوما لكن فرض هذا العدم ~~يعرض منه محال وبيانه هو أنا نفرض أن أحد طرفي الممكن وهو الوجود الدائم ~~وجد وهو مع ذلك يقوى على عدم الصورة دائما فلا يمتنع أن يقع ذلك الممكن فإن ~~استحال وقوعه لم يكن ذلك ممكنا لكنه يستحيل مع فرض وجوده دائما عدمه دائما ~~وإلا لكان الشيء في زمان غير متناه معدوما وموجودا معا وهو محال نعم يمكن ~~فرض عدمه بعد وجوده ولكن ذلك العدم غير دائم بل هو عدم متجدد وإذا كان هذا ~~محالا بالوضع ليس بكذب غير محال بل هو محال فالحكم على ما يمكن وجوده دائما ~~بأنه جائز العدم محال فإذا وجوده واجب وهو المطلوب PageV09P191 # قلت فهذه الحجة مضمونها أن الفعل يمكن أن يكون واجب الوجود فيجب أن يكون ~~دائم الوجود لأنه لو لم يكن كذلك لكان ممكن الوجود والعدم # والمقصود هنا أنه يمكن دوام وجوده بغيره فيجب دوام وجوده بغيره لا بنفسه ~~إذ لو لم يجب بنفسه ولا بغيره بل أمكن عدمه لوجب أن يمكن عدمه دائما إذ ~~إمكان عدمه في حال دون حال مع تساوي الأحوال محال وإمكان عدمه دائما ينافي ~~وجوبه بنفسه أو بغيره في شيء من الأوقات فإنه لو وجب موجودا في حال بنفسه ~~أو بغيره لم يكن ممكن العدم في حال وجوبه وهو إذا كان موجودا كان بغيره ~~فيكون واجبا بالغير فإذا كان ms1916 موجودا امتنع في حال وجوده أن يمكن عدمه فإذا ~~قدر أنه ممكن العدم دائما بحيث لا يجب بنفسه ولا بغيره امتنع أن يكون ~~موجودا في شيء من الأحوال # والتقدير أنه ممكن الوجود بل ممكن دوام الوجود وإمكان الوجود ينافي ~~امتناع الوجود فما أمكن وجوده دائما امتنع عدمه # ونكتة الحجة أن ما أمكن وجوده دائما يكون مع وجوده واجبا بغيره فإن ~~الممكن إن اقترن به ما يوجب وجوده صار واجبا بغيره وإن لم يقترن به ما يوجب ~~وجوده صار ممتنعا لغيره إذ الممكن لا يحصل إلا عند المرجح التام الذي يوجب ~~وجوده إذ لو لم يجب معه لكان ممكنا وإذا كان ممكنا لم يترجح وجوده على عدمه ~~إلا بمرجح # وهذا الموضع قد نازع فيه طوائف من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام طائفة ~~يقولون إن القادر يرجح أحد المقدورين المتماثلين بلا PageV09P192 ~~مرجح أصلا كما يقول ذلك طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم من أصناف ~~المتكلمين # وهؤلاء يقولون عند وجود القدرة والداعي لا يجب الفعل بل يكون جائز الوجود والعدم # وطائفة من المعتزلة والكرامية يقولون بل عند وجود المرجح يكون الوجود ~~راجحا على العدم من غير وجوب وهذا قول محمود الخوارزمي وابن الهيصم الكرامي ~~وغيرهما # والقول الثالث هو قول طوائف من أهل السنة والمعتزلة كأبي الحسين أنه عند ~~وجودالقدرة التامة والداعي التام يجب وجود المقدور # والقول الذي اختاره محمود يقول أصحابه إنه عند وجود المرجح يكون الممكن ~~أولى بالوجود منه بالعدم وإن لم ينته الترجيح إلى حد الوجوب وجعلوا فعل ~~القادر المختار من هذا الوجه # وبهذا يناظرون الناس في مسألة القدر ويناظرون الفلاسفة في مسألة حدوث ~~العالم لكن الناس بينوا فساد قولهم وذلك أنه إذا حصل مرجح وكان مع وجوده ~~يمكن وجود الممكن ويمكن عدمه فلا بد من ترجيح لأحدهما على الآخر # فإذا قيل جانب الوجود أقوى أو أضعف # قيل قول القائل أقوى يريد به أنه مع هذه القوة يمكن وجوده وعدمه أو لا بد ~~من وجوده # فإن قال بالثاني ثبت وجوبه عند ms1917 المرجح PageV09P193 # وإن قال بالأول قيل له فإذا كان مع القوة يمكن وجوده وعدمه فلا بد من ~~ترجيح وإلا كان الممكن نوعين أو له حالان يحصل فيها بغير مرجح وحال لا يحصل ~~فيها إلا بمرجح # والممكن ليس له من نفسه وجود أصلا بل وجوده ممكن ولا يحصل إلا بغيره فكل ~~ما وصف بهذه الحقيقة يمتنع أن يوجد إلا بغيره فما دام ممكنا لا يوجد إلا ~~بغيره وذلك الغير إذا كان يمكن أن يفعل ويمكن أن لا يفعل كان فعله ممكنا ~~والممكن لا يحصل إلا بغيره # وإذا قيل الغير هو القادر أو القادر المريد أو نحو ذلك # قيل مجرد القادر المريد إذا كان معه وجود الفعل تارة وعدمه أخرى كان ~~ممكنا فلا بد له من مرجح وإلا فإذا قدر استواء الحال من كل وجه فلا يترجح ~~وإذا لم يكن ترجيح لزم حصول الممكن بلا ترجيح مرجح وهو ممتنع # وهذا الموضع هو الذي أنكره من أنكره من أئمة السنة والحديث ومن أئمة ~~الفلاسفة أيضا على من صار إليه من أهل الكلام المعتزلة والكلابية كالأشعرية ~~وطائفة من أصحاب أحمد وغيره من الأئمة وهو أصل قول ابن كلاب في مسألة ~~القرآن الذي أنكره عليه الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة وهو أصل شبهة ~~الفلاسفة في مناظرتهم لهؤلاء في قدم العالم وقد بسط في موضعه # وإذا كان الممكن نفسه إما واجبا بغيره وإما ممتنعا لغيره فما كان يمكن ~~دوام وجوده كان مع وجوده واجب الدوام بغيره فيمتنع أن PageV09P194 ~~يكون حينئذ ممكن العدم والحال هذه مع كونه واجب الدوام بغيره فكل ما أمكن ~~وجوده بغيره وأمكن دوامه امتنع مع وجوده عدمه وامتنع مع عدمه وجوده فإنه ~~إذا لم يدم وجوده لزم أن لا يكون هناك ما يقتضي وجوده أو ما يقتضي وجوده في ~~حال دون حال فإن ممكن الوجود إنما يعدم لعدم مقتضيه فالعدم الدائم عدم فيه ~~مقتضى الوجود على سبيل الدوام والعدم الحادث عدم فيه مقتضى الوجود في تلك الحال # والمراد أنه عدم كمال المقتضى لا ms1918 أنه عدم كل شرط من شروط الاقتضاء بل عدم ~~بعض الشروط كاف في عدمه وعدم المقتضى في حال دون حال مع تماثل الأحوال منتف ~~وعدمه دائما يوجب أنه يمتنع وجوده دائما والتقدير أنه فرض إمكان وجوده دائما # ومادة هذه الحجة مشاركة لمادة الحجة التي اعتمدوها في قدم العالم وهي أن ~~الحدوث بدون سبب الحدوث ممتنع ووجود المقتضى التام في الأزل يستلزم وجود ~~مقتضاه فإن الأصل في ذلك أنه لا يتجدد شيء بدون سبب يقتضي التجدد # فالمنازع لهم من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية ونحوهم إما أن يقول ~~الفعل في الأزل ممتنع كما قاله طوائف منهم وإما أن يقول هو ممكن لكن لم ~~يحصل ما به يوجد فكان عدمه لفوات شرط الاتحاد إذ التقسيم العقلي يوجب فيه ~~أن يقال الفعل في الأزل إما ممكن وإما PageV09P195 ~~ممتنع وإذا كان ممكنا فإما أن يحصل مجموع ما به يوجد وإما أن لا يحصل # فالتقدير الأول أنه ممتنع لاستلزام تسلسل الحوادث والثاني أنه وإن قدر ~~إمكانه لكن لم تتعلق به مشيئة الرب تعالى أو قدرته أو لم يحصل تعلق العلم ~~بوجوده قبل ذلك الزمن أو نحو ذلك مما لا يوجد الفعل إلا به # فمن قال إن دوام الفعل ممتنع فقد أبطلوا قوله كما ذكر ومن قال إنه ممكن ~~لكن لم يوجد تمام شرطه قالوا له فهو قبل ذلك كان ممتنعا ثم صار ممكنا بل ~~موجودا مع تساوي الحالين فيلزم الترجيح بلا مرجح # وإذا قال إنه ممكن وما به يحصل موجود قالوا فيلزم وجوده # ولما ذكر الرازي هذه الحجة قال عمدة المنكرين لهذا امتناع حوادث لا أول ~~لها وقد مضى القول فيه في باب الزمان فلا نطول بذكره تطويلاتهم الخارجة عن الأصول # والموضع الذي أحال فيه ذكر فيه الحجج التي احتج بها هو وغيره على حدوث ~~الزمان ولوازم ذلك من حدوث الحركة والجسم وأبطل ذلك كله فذكر ما احتج به ~~المعتزلة والأشعرية وما ذكره هو في الأربعين ونهاية العقول في مسألة حدوث ~~العالم وأبطل ذلك كله ms1919 فركب لهم PageV09P196 ~~سبع حجج أولها الحوادث الماضية تتطرق إليها الزيادة والنقصان وما كان كذلك ~~فله بداية فللحوادث الماضية بداية بيان الأولى بأربعة أوجه أحدها أن ~~الحوادث الماضية إلى زمن الطوفان أقل من الحوادث إلى زماننا بمقدار ما بين ~~الطوفان وزماننا الثانية أن الدورات الماضية إما أن تكون شفعا أو وترا ~~وكيفما كان فهو ناقص عن العدد الذي فوقه الثالث أن عودات القمر لا شك أنها ~~أقل من عودات زحل والمشتري الرابع أن الدورات الماضية لو كانت غير متناهية ~~لكانت الأبدان البشرية الماضية غير متناهية فكانت النفوس البشرية غير ~~متناهية لامتناع التناسخ فكانت النفوس البشرية الموجودة في زماننا غير ~~متناهية لوجوب بقاء الأنفس البشرية لكن عدد النفوس الموجودة في زماننا قابل ~~للزيادة PageV09P197 ~~والنقصان فهو متناه فالنفوس التي كانت موجودة في زمان الطوفان لا شك أنها ~~أقل عددا من عدد النفوس إلى زماننا وكل عدد يقبل الزيادة والنقصان فهو ~~متناه فالنفوس الموجودة البشرية متناهية ثم يستدل بتناهيها على تناهي ~~الأبدان وبتناهي الأبدان على تناهي الحركات والمتحركات وتناهي كل العالم # قال وأما بيان أن كل عدد يقبل الزيادة والنقصان فهو متناه فقد زعموا أن ~~العلم بذلك بديهي # قال والحجة الثانية لو كانت الحوادث الماضية غير متناهية لتوقف حدوث ~~الحادث اليومي على انقضاء ما لا نهاية له وما يتوقف على انقضاء ما لا نهاية ~~له استحال وجوده وكان يلزم أن لا يوجد الحادث اليومي فلما وجد علمنا أن ~~الحوادث الماضية متناهية # قلت وهذه هي التي ذكرها من ذكرها من شيوخ المعتزلة والشيعة وقد ذكرها أبو ~~المعالي وأمثاله من أئمة الكلام PageV09P198 # والثالثة أن كل واحد واحد من الحوادث إذا كان له أول وجب أن يكون للكل ~~أول كما أن كل واحد واحد من الزنج لما كان أسود وجب أن يكون الكل سودا # قلت وهذه حجة أبي الحسين البصري وأمثاله من المعتزلة # والرابعة أن الحوادث الماضية قد انتهت إلينا فلو كانت الحوادث الماضية ~~بلا نهاية لكان ما لا نهاية له متناهيا وذلك محال وهذا من جنس ms1920 الثاني # والخامسة أن الأزل إما أن يكون قد وجد فيه حادث أو لم يوجد والأول محال ~~لأن ذلك الحادث يكون مسبوقا بالعدم والأزل لا يكون مسبوقا بالعدم وإن لم ~~يوجد شيء من الحوادث في الأزل فقد أشرنا إلى حالة ما كان شيء من الحوادث ~~هناك موجودا فإذا كل من الحوادث مسبوق بالعدم # السادسة أن الأمور الماضية قد دخلت في الوجود وما دخل في الوجود فقد حصره ~~الوجود وما حصره الوجود كان متناهيا فالحوادث الماضية يجب أن تكون متناهية PageV09P199 # السابعة أن كل واحد من الحوادث مسبوق بعدم لا أول له فإذا فرضنا جسما ~~قديما وفرضنا حوادث لا أول لها لزم أن لا يكون ذلك الجسم متقدما لا على ~~وجود تلك الحوادث ولا على عدمها ومحال أن يكون الشيء لا يتقدم أمورا ولا ~~يتقدم ما هو سابق على كل واحد واحد من تلك الأمور فيصير حكم السابق ~~والمسبوق في السبق والتقدم حكما واحدا # ثم قال قالت الفلاسفة الجواب عما ذكروه أولا من وجوه ثلاثة # الأول المحكوم عليه بالزيادة والنقصان إما كل الحوادث وإما كل واحد واحد ~~منها والأول محال لأن الكل من حيث هو كل غير موجود لا في الخارج ولا في ~~الذهن على ما بيناه في باب اللانهاية وما لا يكون موجودا امتنع أن يكون ~~موصوفا بالأوصاف الثبوتية من الزيادة والنقصان وغيرهما لما بينا في باب ~~الوجود أن ما لا يكون ثابتا في نفسه لا يمكن أن يكون موصوفا بالأوصاف ~~الثبوتية PageV09P200 # قلت هذا كقولهم الحركة غير موجودة والصوت غير موجود والكلام غير موجود ~~وهذا لفظ مجمل فإن أريد بالموجود ما تقترن أجزاؤه في زمن واحد فهذا غير ~~موجود وأما إن أريد ما هو أعم من ذلك بحيث يدخل فيه ما يوجد شيئا بعد شيء ~~فهذا كله موجود وهو من حيث هو موجود شيئا بعد شيء لا موجود على سبيل ~~الاقتران # الثاني أنا بينا في باب تناهي الأجسام أن الشيء إذا كان متناهيا من جانب ~~وغير متناه من جانب آخر فإذا انضم ms1921 إلى الجانب المتناهي شيء حتى ازداد هذا ~~الجانب فالزيادة إنما حصلت في الجانب المتناهي لا في الجانب الآخر فلا يلزم ~~ان يصير الجانب الآخر متناهيا إلا أن يقال إنا نفرض في الذهن انطباق الجانب ~~المتناهي من الزائد على الجانب المتناهي من الناقص فلا بد وأن يظهر التفاوت ~~من الجانب الآخر # ولكن إذا سلمنا لهم صحة هذا التطبيق فإنه لا يصح تطبيق طرف الزائد على ~~طرف الناقص إلا بوقوع فضلة عددية من الزائد ومع ذلك فمن المحتمل أن يمتد ~~الزائد مع الناقص أبدا من غير أن ينقطع الناقص بل يبقى أبدا مع الزائد بتلك ~~الفضلة العددية # الثالث معارضة ذلك بأمور أربعة أولها صحة حدوث PageV09P201 ~~الحوادث من الأزل إلى الطوفان أقل من صحتها من الأزل إلى زماننا هذا مع أنه ~~لا يلزم تناهي الصحة # وثانيها صحة حدوث الحوادث من الطوفان إلى الأبد أكثر من صحة حدوثها من ~~الآن إلى الأبد مع أنه لا يلزم تناهي هذه الصحة في جانب الأبد # وثالثها تضعيف الألف مرارا غير متناهية أقل من تضعيف الألفين مرارا غير ~~متناهية # ورابعها معلومات الله أكثر من مقدوراته مع أن تلك غير متناهية # قال والجواب عما ذكروه ثانيا يعني الحجة الثانية أنه إما أن يعنى بالتوقف ~~المذكور أن يكون أمران معدومان في وقت وشرط وجود أحدهما في المستقبل أن ~~يوجد المعدوم الآخر قبله فإن كان الأمر على هذا فقد وجدنا أمرا معدوما ومن ~~شرط وجوده أن توجد أمور بغير نهاية في ترتيبها وكلها معدومة فيبتدي في ~~الوجود من وقت PageV09P202 ~~ما اعتبر هذا الاشتراط فالذي يكون كذلك كان ممتنع الحدوث في الوجود وأما أن ~~يعنى بهذا التوقف أنه لا يوجد هذا الحادث إلا وقد وجد قبله ما لا نهاية له ~~ثم ادعى أن التوقف بهذا المعنى محال فهذا هو نفس المطلوب فإن النزاع ما وقع ~~إلا فيه # والجواب عما ذكروه ثالثا أنه لا يلزم من ثبوت الأول لكل واحد ثبوت الأول ~~للكل لأن من الجائز أن يكون حكم الكل مخالفا لحكم الآحاد ms1922 لأن كل واحد من ~~آحاد العشرة ليس بعشرة والكل عشرة وكل واحد من الأجزاء ليس بكل مع أن كلها ~~كل وكل واحد من الحوادث اليومية غير مستغرق لكل اليوم مع أن مجموعها مستغرق ~~لكل اليوم بل نقول إن الكل من حيث هو كل يستحيل أن يكون مساويا لجزئه من ~~حيث هو جزء وإلا لم يكن أحدهما كلا والآخر جزءا وأما المثال الواحد فلا ~~يكفي لأنا لا ندعي أن حكم الكلية يجب أن يكون مخالفا لحكم الآحاد حتى يضرنا ~~المثال الواحد بل نقول إن ذلك التساوي قد يكون وقد لا يكون والأمر فيه ~~موقوف على البرهان # قال والجواب عما ذكروه رابعا أن انتهاء الحوادث إلينا يقتضي ثبوت النهاية ~~لها من الجانب الذي يلينا وثبوت النهاية من أحد PageV09P203 ~~الجانبين لا ينافي أن لا نهاية لها من الجانب الآخر والدليل عليه الصحة ~~فإنه لا بداية لها مع أنها قد تناهت إلينا وكذلك حركات أهل الجنة لا نهاية ~~لها مع أنها في جانب البداية لها نهاية # قال والجواب عما ذكروه خامسا وهو قولهم الأزل هل وجد فيه حادث أم لا ~~فنقول الأزل ليس حالة معينة بل هو عبارة عن نفي الأولية فالحادث بالزمان ~~الذي هو عبارة عن الشيء المسبوق بالعدم يمتنع وقوعه في الأزل فأما قولهم ~~لما لم يقع شيء من الحوادث في الأزل فقد أشرنا إلى حالة لم يكن شيء من ~~الحوادث هناك موجود فنقول قد بينا أن الأزل ليس وقتا مخصوصا حتى يقال بأن ~~ذلك الوقت قد خلا عن الحوادث بل الأزل عبارة عن نفي الأولية فقولنا الأزل ~~لم يوجد فيه شيء من الحوادث معناه أن نفي الأولية لم يوجد فيه شيء من ~~الحوادث أي كل واحد من الحوادث مسبوق بالعدم فلم قلتم إنه لما كان كل واحد ~~منها مسبوقا بالعدم وجب أن يكون الكل كذلك فإن النزاع ما وقع إلا فيه # والذي يحسم مادة هذا الوهم معارضته بالصحة فنقول صحة PageV09P204 ~~حدوث الحوادث هل كانت حاصلة في الأزل أم لا فإن كانت ms1923 حاصلة في الأزل أمكن ~~حدوث حادث أزلي وذلك محال وإن لم تكن فللصحة مبدأ أول وهو محال ولما لم يكن ~~هذا الكلام قادحا في أن الصحة لا بداية لها لم يكن قادحا في هذه المسألة # قال والجواب عما ذكروه سادسا وهو أن ما دخل في الوجود فقد حصره الوجود ~~فهو أن المراد بالحصر أن يكون للشيء طرف ونحن نسلم أن الحوادث محصورة من ~~الجانب الذي يلينا أما لم قلتم إنه يلزم من ذلك أن تكون محصورة من الطرف ~~الذي لا يلينا ثم نعارض ذلك بصحة حدوث الحوادث # والجواب عما ذكروه سابعا من أنه لا يلزم أن لا ينفك الجسم عن حدوث ~~الحوادث وعدمها فنقول إن عنيتم به أنه يكون موصوفا بوجود كل الحوادث ويكون ~~موصوفا بعدمها معا فذلك باطل لأن الحوادث ليس لكلها وجود حتى يكون الجسم ~~موصوفا به وإن عنيتم به أنه في كل واحد من الأزمان يكون موصوفا بواحد من تلك PageV09P205 ~~الحوادث فهو في ذلك الوقت لايكون موصوفا بعدم ذلك الحادث حتى يلزم التناقض ~~بل يكون موصوفا بعدم سائر الحوادث والتناقض إنما يلزم إذا كان الشيء موصوفا ~~بالحادث المعين وبعدم ذلك الحادث معا فأما أن يكون في ذلك الوقت موصوفا ~~بوجوده وبعدم غيره فأي تناقض فيه # قال هذا جملة ما قيل في هذه المسألة # قلت فهذا كلام الرازي في هذا مع أنه من عادته في الكتاب المذكور الذي ~~صنفه في الفلسفة وهو أكبر كتبه في ذلك إذا تمكن من القدح فيما يورده ~~الفلاسفة قدح فيه كما قدح في قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد والشيء ~~الواحد لا يكون قابلا وفاعلا ونحو ذلك مما يتوجه له القدح فيه وكما تقرر ما ~~ذكره بزيادات وتكميلات لم يذكروها هم إذا توجه له تقرير ذلك فإنه بحسب ما ~~يتوجه له من البحث والنظر # ولهذا كان تارة يعارض ما ذكره الفلاسفة بما يناقضه من كلام المتكلمين كما ~~يعارض من الكتب الكلامية ما يذكره المتكلمون بما يذكره في مناقضة الفلاسفة ~~ويرجح ما يترجح ms1924 له في تلك الحال وهو مع هذا ذكر هذه الحجج التي هي عمد ~~القائلين بأن الحوادث لا تدوم وعليها PageV09P206 ~~بنوا حدوث الجسم وأبطلها كلها وذكر أدلة أولئك في دوام فاعلية الرب تعالى ~~ولم يبطلها # وقد ذكر أيضا حجج هؤلاء في دوام الزمان بكلام طويل ليس هذا موضع بسطه ~~والمقصود هنا أن من يريد هذا وأمثاله من كلام هؤلاء تبين له أن ما ذكره ~~أئمتهم الأشعرية وشيوخ أئمتهم المعتزلة في هذا الباب كان ممن تبين لهم ~~فساده ثم مع هذا لا يمكنهم القدح في أدلة الفلاسفة إن لم يقروا بما أنكروه ~~من مدلول الكتاب والسنة الموافق لصريح المعقول فحينئذ يمكنهم القول ~~بالمعقولات الصريحة ويتبين لهم أنها موافقة للمنقولات الصحيحة وليس مما أمر ~~الله به ورسوله ولا مما يرتضيه عاقل أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة ~~والجحد بل قول الصدق والتزام العدل لازم عند جميع العقلاء وأهل الإسلام ~~والملل أحق بذلك من غيرهم إذ هم ولله الحمد أكمل الناس عقلا وأتمهم إدراكا ~~وأصحهم دينا وأشرفهم كتابا وأفضلهم نبيا وأحسنهم شريعة # ومن المعلوم في دين الإسلام أن اليهود والنصارى خير من الفلاسفة الخارجين ~~عن الملل وأصح عقلا ودينا ولهذا كان خيار الصابئة من انتسب إلى ملة من ~~الملل وقد اتفق أئمة الدين على إقرار اليهودي والنصارى بالجزية وعلى حل ~~ذبائحهم ونسائهم وإن خالف في ذلك أهل البدع # وأما الفلاسفة فإما أن يكونوا من المشركين وإما أن يكونوا من المجوس وإما ~~أن يكونوا من الصابئين وإما أن يكونوا منتسبين إلى أهل الملل الثلاث فمن ~~كان من المشركين كما يذكر عن الفلاسفة اليونان ونحوهم أو من المجوس كفلاسفة ~~الفرس ونحوهم فاليهود والنصارى PageV09P207 ~~خير منه ولذلك هم خير من فلاسفة الصابئين والصابئون للعلماء فيهم طريقتان ~~إحداهما أنهم هل يقرون بالجزية أم لا على قولين والثانية إنه يفصل الأمر ~~فيهم فمن تدين بدين أهل الكتاب ألحق بهم وإلا فلا وهاتان الطريقتان في مذهب ~~الشافعي وأحمد وغيرهما # والنزاع في إقرارهم بالجزية هو على قول من لا يقبل الجزية إلا ms1925 من المجوس ~~وأهل الكتاب كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وأما من يقر مشركي العجم ~~بالجزية كأبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى فهؤلاء يتنازعون في حل ~~ذبائحهم ونسائهم ولذلك يتنازع في ذلك من يفرق بين الكتابي الذي دخل سلفه ~~قبل النسخ والتبديل وبين الذين دخلوا بعد النسخ والتبديل كما هو قول ~~الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد بناء على أن أهل الكتاب الاعتبار فيهم ~~بنسبتهم وهم من كان سلفهم مستمسكين به قبل النسخ والتبديل لكن جمهور ~~العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد في المنصوص عنه على أن الاعتبار بنفس الرجل ~~لا بنسبه كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة # والمقصود هنا أنه من رجح بعض أقوال الفلاسفة التي يخالفون فيها أقوال أهل ~~الملل كان شرا ممن رجح بعض أقوال اليهود والنصارى على أقوال المسلمين # وإذا كانت الطريق التي سلكها أهل طريقة الأعراض والتركيب PageV09P208 ~~والاختصاص من أهل الكلام يوجب أن يصلوا إلى حد يرجحون فيه طريقة الفلاسفة ~~على طريقة سلفهم من أهل الكلام علم بذلك أنهم جعلوا دين سلفهم المتكلمين ~~أنقص من دين اليهود والنصارى بدرجتين إن كانوا مسلمين وإن لم يكونوا مسلمين ~~جعلوا قول الفلاسفة الملحدين خيرا من قول الأنبياء والمرسلين فإنهم إذا ~~رجحوا كلام الفلاسفة على كلام سلفهم المتكلمين مع اعتقادهم أن أقوال ~~الفلاسفة المناقضة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم باطلة وأن اليهود ~~والنصارى خير من الفلاسفة لزم الأول # وإن اعتقدوا أن قول الفلاسفة خير من قول سلفهم وقول سلفهم هو قول ~~الأنبياء لزمهم أن يجعلوا قول الفلاسفة خير من قول الأنبياء فإن طردوا ~~قولهم لزمهم ترجيح اليهود والنصارى على سلفهم أو ترجيح الفلاسفة على ~~الأنبياء # ومن كان أقل علما وإيمانا منهم مال إلى القول الثاني ومن كان أعظم علما ~~وإيمانا كان ميله إلى الأول أهون عليه فإن الثاني كفر لا حيلة فيه اللهم ~~إلا أن يسلكوا مسلك القرامطة الباطنية فيدعون أن ما أظهرته الأنبياء من ~~الأقوال والأفعال إنما هو للجهال والعامة دون الخاصة وأن لهذه الأقوال ~~والأعمال ms1926 بواطن تخالف ما أظهروه # وحينئذ فهؤلاء شر الطوائف هم شر من اليهود والنصارى ومن الفلاسفة ~~المشركين القدماء الذين لم تقم عليهم حجة بكتاب منزل ونبي مرسل فإن أولئك ~~وإن كانوا ضالين فهؤلاء شركوهم في الضلال ولكن هؤلاء حصل من حجة الله عليهم ~~بكتابه ورسوله ومن كفرهم PageV09P209 ~~الذين يستحقون العقوبة عليه ما لم نعلمه من حال أولئك # وإن كان أولئك قد بلغهم نبوة بعض الأنبياء وأرسل إليهم رسول فليس هو مثل ~~محمد صلى الله عليه وسلم بل نعلم قطعا أنهم لم يأتهم كتاب مثل القرآن ولا ~~رسول مثل محمد صلى الله عليه وسلم ولا شريعة كشريعته # وكل من علم حاله يعلم بالاضطرار من دينه أنه أخبر أن الله خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام وأنه خالق كل شيء وأن هذه الأفلاك ليست قديمة أزلية ~~فالقائل بذلك مناقض لأخباره وأخبار موسى وغيرهما من المرسلين مناقضة لا ~~يتمارى فيها من له معرفة بذلك وأي هذين الوجهين اختاره السالك فما فيه مختار # وأصل هذا الضلال جهلهم بحقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ونصرهم لما يظنونه جاء به بما يظنونه من المعقول ومعارضتهم لما يعلم أنه ~~جاء به بما يظنونه من المعقول وتوهمهم تعارض صحيح المنقول وصريح المعقول ~~وهذا هو الكلام الذي عابه السلف والأئمة # وأما أهل المعرفة العالمون بالمعقول والمنقول فلا يقولون في سلفهم ما هو ~~من لوازم قولهم كما أنهم لا يقولون في الأنبياء ذلك بل يعلمون قطعا أن كلام ~~الأنبياء هو الحق وكل ما ناقضه من قول متفلسف أو متكلم أو غيرهما فباطل ~~وأنه لا يجوز أن يكون في العقل ما يناقض قول الأنبياء ولا يجوز تعارض ~~الأدلة العلمية والسمعية والعقلية أبدا ويعلمون أن جنس PageV09P210 ~~المتكلمين أقرب إلى المعقول والمنقول من جنس كلام الفلاسفة وإن كان ~~الفلاسفة قد يصيبون أحيانا كما أن جنس المسلمين خير من جنس أهل الكتابين ~~وإن كان قد يوجد في أهل الكتاب من له عقل وصدق وأمانة لا توجد في كثير من ~~المنتسبين إلى الإسلام ms1927 # كما قال تعالى { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من ~~إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما } سورة آل عمران 75 ### | AUTO وهم يعلمون مع هذا أن كل من كان مؤمنا بنبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم باطنا وظاهرا على الوجه الذي يرضاه الله فهو خير من كل كتابي لكن ~~من المظهرين للإسلام من المنافقين من يكون في الآخرة أشد عذابا من بعض ~~اليهود والنصارى فإن المنافقين في الدرك الأسفل من النار والإسلام الظاهر ~~يتناول المؤمن والمنافق والسعداء في الآخرة هم المؤمنون دون المنافقين ~~والمنافقون وإن أجريت عليهم في الدنيا أحكام الإسلام فما لهم في الآخرة من ~~خلاف فصل # ونحن نبين هنا ما ننصر به أهل الكلام الذين هم أقرب إلى الإسلام والسنة ~~من هؤلاء الفلاسفة وإن كانوا ضالين فيما خالفوا به السنة # وذلك من وجوه # أحدها أن يقولوا لهؤلاء المتفلسفة أنتم ادعيتم قدم العالم بناء على ما ~~ذكرتموه من قدم الزمان ووجوب دوام فاعلية الله تعالى ونحو ذلك PageV09P211 ~~مما غايتكم فيه إثبات دوام الحوادث إذ ليس في حججكم هذه وأمثالها ما يدل ~~على قدم شيء من العالم لا السماوات التي أخبر الله أنه خلقها والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ولا غير ذلك # فيقولون لهم الحوادث إما أن تكون لها بداية كما قلنا وإما أنه لا يجب ذلك ~~كما قلتم فإن كان الأول بطل قولكم ولزم أن يكون للحوادث ابتداء فبطل قولكم ~~بأن حركات الأفلاك أزلية وهو المطلوب # وإن كان الثاني أمكن أن يكون حدوث الفلك حركاته موقوفا على حوادث قبل ذلك ~~كالحوادث اليومية وتلك الحوادث على حوادث أخرى وهذا مطابق لما أخبرت به ~~الرسل من أن الله سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان ~~عرشه على الماء ومطابق للأخبار المتضمنة أنه خلقها من الدخان والبخار الذي ~~حصل من الماء وذلك كله أسباب حادثة ومطابق لما أخبر به الله من أنه خالق كل ~~شيء وليس في حججكم ما ms1928 يناقض هذا # الوجه الثاني أن يقال دوام فاعلية الرب تعالى ودوام الحوادث يمكن معه أن ~~تدوم الأفعال التي تقوم بالرب بمشيئته وقدرته وتحدث شيئا بعد شيء وأن تحدث ~~حوادث منفصلة شيئا بعد شيء وعلى كل من التقديرين فلا يكون شيء من العالم ~~قديما فلم قلتم إن الأمر ليس كذلك إن كان ما ذكرتموه صحيحا وإن كان باطلا ~~فهو أبعد وأبعد # فإن اعتذروا بأن واجب الوجود لا تقوم به الصفات والأفعال كان الجواب من وجوه PageV09P212 # أحدها أن قولكم في هذا أفسد من قولكم بدوام الحوادث وحجتكم على ذلك في ~~غاية الفساد # فإن قلتم هؤلاء المتنازعون لنا من المعتزلة والأشعرية وغيرهم يسلمون لنا هذا # قيل لهم هؤلاء إنما سلموا لكم امتناع قيام الأفعال المرادة المقدورة ~~بذاته بناء على امتناع قيام الحوادث به وإنما منعوا ذلك لأن ذلك يفضي إلى ~~تعاقبها عليه وإنما منعوا تعاقب الحوادث على القديم لاعتقادهم امتناع حوادث ~~لا أول لها فإن كان هذا القول فاسدا لم يكن لهم دليل على نفي ذلك # فيقولون لكم هذا الدليل إن كان صحيحا بطل قولكم ولزم أن الحوادث لها ~~ابتداء وإن كان باطلا بطل قولنا الذي بنينا عليه نفي الأفعال وليس لكم على ~~هذا التقدير أن تلزمونا بأن القديم لا تقوم به الحوادث بأنا إنما بنيناه ~~على أصل يعتقدون فساده # غاية ما في هذا الباب أنكم تلزمونا التناقص وتقولون يلزمكم إما القول ~~بدوام الحوادث وإما القول بجواز قيامها بالقديم # فنقول إن كان القول بدوامها هو الحق قبلناه وتركنا ذلك وكان في ذلك لنا ~~مصلحتان إحداهما موافقة الأدلة العقلية التي ذكرتموها على ذلك والثانية ~~موافقة النصوص الإلهية التي بدعنا بمخالفتها إخواننا المؤمنين PageV09P213 ~~والقول الذي يجمع لنا موافقة العقل والنقل خير من أن نوافقكم على قدم ~~الأفلاك ونفي صفات الله تعالى فإن في هذا من الكفر المخالف للشرع والفساد ~~المخالف للعقل ما يتبين لمن نظر فيه لا سيما والفلاسفة لا يمنعون قيام ~~الحوادث والصفات بالقديم الأزلي ولا كون الجسم قديما أزليا بل يوجبون ذلك ~~كله ms1929 ولا دليل لهم على قدم جسم معين كالأفلاك ونحوها # الوجه الثالث أن يقال للفلاسفة ما ذكرتموه من الأدلة العقلية الموجبة ~~لدوام فاعلية الرب ودوام الحدوث يدل على نقيض قولكم لا على وفقه فإن هذا ~~يقتضي أن واجب الوجود لم يزل يفعل ويحدث الحوادث وأنتم على قولكم يلزم ألا ~~يكون أحدث شيئا من الحوادث وذلك لأن الموجب لهذه الحوادث المتعاقبة إما أن ~~يكون ثابتا في الأزل أو لا فإن كان الأول لزم وجود كل من هذه الحوادث في ~~الأزل وهو محال لأن الموجب التام لا يتخلف عنه موجبه ومقتضاه وهم يقولون إن ~~واجب الوجود علة تامة لا يتخلف عنه شيء من معلوله فإذا كانت هذه الحوادث ~~المتعاقبة معلولة بوسط أو بغير وسط لزم مقارنتها له لأن العلة التامة ~~يقارنها معلولها لا يتخلف عنها وإذا امتنع أن يتخلف عنها معلولها فما تأخر ~~عنها فليس معلولا لها فيلزم أنه لم يحدث شيئا من الحوادث لا بوسط ولا بغير وسط # وقولهم بتسلسل الحوادث لاينفعهم والحال هذه إذا جعلوه علة تامة مستلزمة ~~لمعلولها لأن التقدير على قولهم أنه ليس له فعل قائم بذاته متجدد أصلا لا ~~خلق ولا استواء ولا غير ذلك PageV09P214 # ومعلوم أن الحوادث الحادثة هي مختلفة الأجناس متعاقبة في الوجود فالأجناس ~~الحادثة المختلفة إذا قدر أن حال الفاعل لها لم يزل على حال واحدة لا يقوم ~~به فعل ولا وصف بل هو واحد بسيط امتنع أن يختلف حاله في الإحداث وأن يحدث ~~شيئا بعد أن لم يكن أحدثه كما يقولون هم ذلك ويجعلونه عمدتهم في قدم العالم ~~وامتناع أن تحدث عنه الأنواع المختلفة بواسطة أو غير واسطة مع بساطته أيضا ~~كذلك فكيف إذا حدثت الأنواع المختلفة الحادثة شيئا بعد شيء وهو في نفسه لم ~~يتجدد له حال ولا فعل ولا حكم ولا وصف ولا شيء من الأشياء # وهم أنكروا على المتكلمين نفاة الفعل الاختياري القائم به أن يحدث عنه ~~شيء بلا سبب حادث وقالوا إن هذا مخالف لصريح العقل # فيقال لهم الباطل بعض ms1930 قولكم وإذا كان حدوث بعض الحوادث عن هذا ممتنعا ~~فحدوث الحوادث المختلفة دائما عن علة تامة لم يحدث فيها ولا منها شيء أعظم ~~امتناعا من قول هؤلاء # وأيضا فالحادث لا يحدث حتى يحصل الفعل التام المحدث له والممكن لا يحصل ~~حتى يحصل الموجب التام المرجح له والموجب التام يستلزم موجبه ومقتضاه فكل ~~من الحوادث الممكنات ما حدث ووجد حتى حصل له الموجب التام وذلك الموجب ~~التام لا بد له من موجب تام وهلم جرا فيلزم أن يحصل لكل من الحوادث موجبات ~~تامة لا نهاية لها في آن واحد وذلك تسلسل في العلل والمؤثرات وهو باطل ~~باتفاق العقلاء PageV09P215 # وإنما لزم ذلك لأن الحوادث يمتنع حدوثها عن العلة التامة القديمة فإن ~~العلة التامة القديمة لا يتخلف عنها معلولها والمحدث يجب أن تكون علته تامة ~~عند حدوثه # وهم يقولون بكلا القولين فلزم من هذين القولين أن واجب الوجود لم يحدث ~~شيئا من الحوادث وأن الحوادث لا محدث لها ويلزم أيضا وجود علل ومعلولات لا ~~نهاية لها وفاعلين لا نهاية لهم وكل ذلك مما يعلمون هم وسائر العقلاء فساده ~~ولا مخلص لهم عن هذا إلا بأن يقولوا بان واجب الوجود تقوم به الأفعال ~~الاختيارية المقدورة له وتقوم به الصفات وإذا قالوا ذلك بطل قولهم بنفي ~~الصفات ووجوب قدم الأفلاك # فعلم أن ما ذكروه من الحجج الصحيحة الدالة على دوام فاعلية الرب ودوام ~~الحدوث يدل على نقيض قولهم في أفعال الرب تعالى وصفاته وعلى ضد قولهم في ~~قدوم العالم وتوحيد واجب الوجود وهذا هو المطلوب وقد بسط ما يتعلق بهذا ~~الكلام في موضع آخر # والمقصود هنا التنبيه على أن كل ما تقيمه كل طائفة من الناس من الحجج ~~العقلية التي لا مطعن فيها فإنها إنما تدل على موافقة الكتاب والسنة وإبطال ~~ما خالف ذلك من أقوال أهل البدع متكلمهم ومتفلسفهم والله سبحانه أعلم # ومما يوضح هذا أن عمدة الحجة المتقدمة في دوام فاعليته من جنس الحجة ~~المتقدمة لمن منع حدوث الأفعال القائمة به حيث قالوا ms1931 إن كل صفة تفرض لواجب ~~الوجود فإن ذاته كافية في حصولها أو لا حصولها PageV09P216 ~~وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل وذلك يقتضي إمكانه فيلزم من دوام حقيقته ~~دوام تلك الصفة وهكذا قال القائلون بقدم الفعل قالوا ذاته إما أن تكون ~~كافية فيه وأما أن تكون متوقفة على غيره فإن كانت كافية فيه لزم قدم الفعل ~~لوجود موجبة التام في الأزل وإن لم تكن كافية فيه لزم افتقاره إلى سبب ~~منفصل وذلك يقتضي إمكانه وهذا هو الذي يعتمدون عليه # والجواب عن هذا من وجوه # أحدها أن يقال هذا يبطل قولكم ويرد عليكم في جميع الحوادث فإن ذاته إن ~~كانت كافية في حدوث الحوادث لزم قدمها وهو ممتنع وإن لم تكن كافية لزم توقف ~~الحوادث على غير ذاته ثم ذلك الشرط في حدوث الحوادث إن كانت ذاته كافية فيه ~~لزم قدمه وإلا فالقول فيه كالقول في الحادث المشروط # ومهما قدر من الممكنات أمكن أن يقال حدوثه موقوف على حادث قبله كما علم ~~حدوثه من المحدثات # وإذا قالوا مبدأ الحدوث هو حركة الفلك والحركة لذاتها تتجدد شيئا بعد شيء ~~وسبب ذلك تجدد التصورات والإرادات # قيل هذا بعينه يبطل حجتكم فإن هذا الذي هو كذاته يتجدد شيئا بعد شيء لو ~~كان ذات واجب الوجود وحده كافية في وجوده لزم مقارنته له في الأزل وهو ~~ممتنع فعلم أن ذاته لا تكفي في وجود شيء منه بل كل منه مشروط بما قبله ~~وذاته لا توجب شيئا من الشروط PageV09P217 # وإذا قيل الذات أوجبت وجوده متعاقبا دائما لزم أن يكون الواحد البسيط ~~القديم الذي لا صفة له ولا فعل يوجب لذاته أمورا منفصلة عنه متعاقبة مختلفة ~~سواء كان بواسطة لازمة له أو بغير واسطة وهذا مع أنه باطل في ضرورة العقل ~~فإنه ينقض أصولهم في تناسب الموجب والموجب ولزوم المعلول للعلة التامة وأن ~~الواجب علة تامة # ومن المعلوم بصريح العقل أن المعلول الموجب إذا كان حادثا شيئا فشيئا فلا ~~بد من حدوث أمر في علته الموجبة اقتضت ذلك ms1932 وإلا فالعلة الموجبة إذا كانت ~~عند الحادث الثاني كما كانت عند الحادث الأول كان تخصيصها للأول بالتقدم ~~تخصيصا بلا مخصص وكان ترجيح الأول ترجيحا بلا مرجح # وأيضا فيمتنع أن تكون الحركات الحادثة شيئا بعد شيء معلول علة تامة قديمة ~~أزلية يقارنها معلولها فإن العلة الأزلية التامة يقارنها معلولها والحركات ~~الحادثة شيئا فشيئا ليس شيء منها مقارنا للعلة فامتنع أن يكون معلولا لها # وهذا بخلاف ما إذا كان الفاعل يحدث أفعاله القائمة به شيئا بعد شيء فإن ~~ذاته واجبة الوجود بنفسها فلا يمتنع أن تكون مستلزمة لدوام الفعل وأما ~~المفعولات فكلها ممكنة ليس فيها واجب بنفسه فامتنع أن يكون فيها ما يوجب ~~الفعل الدائم بل ذلك مستند إلى الواجب بنفسه # الثاني أن يقال هذا إنما يصح فيما كان لازما لنفسه في النفي والإثبات أما ~~ما كان موقوفا على مشيئتته وقدرته كأفعاله فإنه يكون إذا شاءه الله ولا ~~يكون إذا لم يشأه وهم لا يمكنهم إقامة الدليل على أنه لا PageV09P218 ~~يتعلق بمشيئته وقدرته إلا ببيان أنه لازم لذاته ولا يمكنهم بيان أنه لازم ~~لذاته إلا بنفي مشيئته وقدرته فلا تصح حجتهم # فإن قالوا فتلك الأمور التي يقف عليها الفعل إن كانت قديمة لزم قدمه وإلا ~~فلا بد لحدوثها من سبب # قيل هذا غايته أنه يحب التسلسل في الشروط والآثار وذلك جائز عندكم ثم ~~نقول إن كان التسلسل في الشروط جائزا بطل هذا السؤال لجواز تسلسل الشروط ~~وإن كان ممتنعا بطل أيضا لوجوب كون جنس الحوادث مسبوقا بالعدم # والثالث أن يقال أتعني بقولك ذاته كافية أنها مستلزمة لوجود اللازم في ~~الأزل أم هي كافية فيه وإن تأخر وجوده فإن عنيت الأول انتقض عليك ~~بالمفعولات الحادثة فإنه يلزمك إما قدمها وإما افتقاره إلى سبب منفصل إذا ~~كان ما لا تكفي فيه الذات مفتقرا إلى سبب منفصل # وإن عنيت الثاني كان حجة عليك إذا كان ما تكفي فيه الذات يمكن تأخره # الرابع أن يقال قولك يفتقر إلى سبب منفصل أتعني به سببا يكون من فعل ms1933 الله ~~أو سببا لا يكون من فعله # أما الأول فلا يلزم افتقاره إلى غيره فإنه إذا كان هو فاعل الأسباب ~~وفاعلها يحدث بها فهو فاعل الجميع وليس مفتقرا في فعل إلى غيره إلا أن يعنى ~~به أنه لا يحصل أحد فعليه إلا بشرط فعله الآخر وهذا ليس فيه PageV09P219 ~~افتقاره إلى غيره ومن سمى هذا افتقارا إلى غيره فهو بمنزلة من قال إنه ~~يفتقر إلى صفته # وقد ذكر غير مرة أن هذا بمنزلة قول القائل إنه مفتقر إلى نفسه وهذا إذا ~~أطلق لا ينافي ما وجب له من الغنى بل هذا الغنى الذي لا يتصور غيره # وإن عنيت بالسبب ما لا يكون من فعله لزمك أن كل ما لا تكفي الذات فيه ولا ~~هو لازم لها في الأزل لا يوجد إلا بشريك مع الله ليس من مفعولاته وهذا مع ~~أنه باطل بالإجماع الذي توافقون عليه أهل الملل فبطلانه معلوم بصريح العقل ~~كما تقدم بيان بطلانه # الخامس أن يقال ما تعني بقولك ذاته كافية في ذلك أتعني به بالذات المجردة ~~عن فعل يقوم بها أم تعني به الذات الموصوفة بقيام الفعل بها وأيهما عنيت ~~بطل قولك # فإن عنيت الأول لزم أن تكون الذات المجردة عن الفعل القائم بها تفعل ~~أمورا مختلفة متعاقبة مع أن حالها مع فعل الشيء هو حالها مع فعل خلافه ومع ~~أن حالها بالنسبة إلى وجود المفعول وعدمه سواء وهذا باطل # ثم يقال إن جاز أن يكون هذا صحيحا جاز أن يكون حالها قبل الفعل وحين ~~الفعل سواء فيمكن قول القائل بأن الحوادث لها أول وإن PageV09P220 ~~لم يجز أن يكون صحيحا بطل قولهم بأن الحوادث تصدر بواسطة أو بغير واسطة عن ~~ذات لم يقم بها فعل # وإن عنيت الثاني فالذات الموصوفة بقيام الفعل بها إذا قيل هي كافية في ~~المفعولات لم يلزم قدم المفعولات لأنها مشروطة بالفعل ولا يلزم من ذلك ~~افتقارها إلى غيرها لأن فعلها الذي هو شرط في المفعولات من لوازم ذاتها كا ~~أن صفاتها من لوازم ms1934 ذاتها لكن قد يكون اللازم نوعا كالفعل المتعاقب وقد ~~يكون عينا كالحياة التي لم تزل ولا تزال # وهذه الحجة هي التي يعتمد عليها أولوهم وآخروهم لكن يصرفون ألفاظها ~~ومعانيها # وذلك كقول السهروردي المقتول في تلويحاته فإنه قال واجب الوجود لا يصدر ~~عنه شيء بعد أن لم يكن فإنه إن كان المرجح هو نفسه أو على ما أخذ من صفاته ~~وهو دائم فيجب دوام الترجيح ودوام وجود المعلول وإن لم يفعل ثم فعل فلا بد ~~من حدوث ما ينبغي في فعله أو عدم ما لا ينبغي ويعود الكلام إليه ولا يقف ~~فواجب الوجود لا تسنح له إرادة وحال كل ما يتجدد حال ما لأجله التجدد في ~~استدعاء مرجح حادث وليس قبل جميع الوجود PageV09P221 ~~وقت يتوقف عليه الفعل ولا يمتاز في العدم البحث حال يكون الأولى به أن يصدر ~~عنه شيء أو بالشيء أن يحصل عنه فلو حصل فيه شيء بعد أن لم يكن لتغيرت ذاته ~~ولتسلسل الحوادث فيها إلى غير النهاية وهو محال ففعله دائم # وجواب هذا من وجوه # أحدها أن يقال له ما تعني بقولك لا يصدر عنه بعد أن لم يكن # إن عنيت به أنه لا يصدر عنه شيء من أعيان الحوادث بعد أن لم يكن ذلك ~~المحدث فهذا باطل لوجهين # أحدهما أن هذا خلاف قولكم وقول أهل الملل فإن الحوادث متجددة شيئا بعد ~~شيء سواء صدرت عنه بواسطة أو بغير واسطة وإذا قلتم الحركة هي السبب فيها ~~فكل جزء من أجزاء الحركة صادر عنه بعد أن لم يكن # الثاني أن ما ذكرته من الحجة لا ينفي ذلك فإن كون ذاته تقتضي دوام ~~الترجيح لا يوجب أن تقتضي دوام ترجيح كل ممكن ولا كل مفعول بل يكفي أن توجب ~~دوام ترجيح أمر ما كما تقولون أنتم إن الذي رجحه هو الأفلاك والعناصر دون ~~أعيان الحوادث PageV09P222 # وإن عنيت أنه لا يصدر عنه شيء بعد أن لم يكن شيء من الأشياء صادرا عنه ~~وهذا هو مراده # فيقال غاية ما في هذا ms1935 دوام فعله وحينئذ فهذا لا يستلزم دوام المفعول ~~المعين لا الفلك ولا غيره بل يجوز تعاقب الأفعال القائمة به وتعاقب ~~المفعولات المحدثة شيئا بعد شيء على قولك وتعاقبها جميعا # وعلى التقديرات الثلاثة فحدوث الأفلاك ممكن فيبطل استدلالك على قدمها # الثاني أن يقال حدوث الحوادث المنفصلة عنه شيئا بعد شيء من غير فعل يقوم ~~به إما أن يكون ممكنا وإما ألا يكون فإن لم يكن ممكنا بطل قولكم بأن سبب ~~الحوادث هو حركات الفلك وإن كان ممكنا أمكن حدوث حوادث متعاقبة الفلك واحد ~~منها كما أخبرت بذلك الأنبياء وهو قول قدماء الفلاسفة وأساطينهم # الثالث أن يقال دوام حدوث الحوادث إما أن يكون ممتنعا أو ممكنا كما ذكرت ~~فإن كان ممتنعا لزم حدوث الأجسام وحركاتها ودخل في ذلك الفلك وغيره وإن كان ~~ممكنا لم يجب أن يكون الفلك دائما بل يجوز أن يكون حادثا بعد حوادث قبله ~~كما تقدم # الوجه الرابع أن يقال قولكم إما أن يكون المرجح نفسه أو على ما أخذ من ~~صفاته وهو دائم فيجب دوام الترجيح ودوام وجود المعلول وإن لم يفعل ثم فعلا ~~فلا بد من حدوث ما ينبغي # لأهل الملل هنا جوابان PageV09P223 # أحدهما قول من يقول إنه لم يزل يقوم به الفعل والكلام بقدرته ومشيئته ~~وعلى هذا فيمكن دوام الترجيح ولا يجب قدم شيء من المفعولات فضلا عن قدم ~~الأفلاك # والجواب الثاني قول من يقول يمتنع وجود المفعول في الأزل # وعلى هذا فإن قلت لهؤلاء إذا قلتم لم يفعل ثم فعل فلا بد من حدوث ما ~~ينبغي فعله أو عدم ما لا ينبغي ويعود الكلام إليه ولا يقف # قالوا فعل واجب الوجود لما فعله من المفعولات المختلفة الحادثة إما أن ~~يجوز صدوره عنه من غير فعل قائم به وإما ألا يجوز فإن لم يجز ذلك بطل قولك ~~وإن جاز ذلك فحالة حين حدوث الطوفان كحاله حين إرسال محمد صلى الله عليه ~~وسلم وقد وجد منه في أحد الزمانين من المفعولات ما لا يوجد في الزمان الآخر ms1936 ~~مع تماثل حاله بالنسبة إلى الزمانين # وإذا قيل إن ذلك لأجل الحوادث المختلفة كالحركات الفلكية والاتصالات ~~الكوكبية # قيل الكلام في الحوادث التي أوجبت حدوث الطوفان كالقول في الحوادث حين ~~المبعث وغيره من الحوادث المختلفة # فإذا كان الفاعل حاله مماثلة في جميع الأزمنة واللوازم عنه كذلك كان ~~اختصاص أحد الزمانين بما يخالف الزمان الآخر ترجيحا بلا مرجح فإن كان ذلك ~~جائزا جاز أن تحدث عنه الحوادث بعد أن لم تكن PageV09P224 # وإذا نسبت الحوادث إلى الحركة الفلكية قيل إن كانت الحركة الدائمة ~~متماثلة لزم تماثل الحوادث وإن كانت مختلفة كان قد اختص أحد الزمانين بما ~~لم يوجد في الزمان الآخر بل قد يقال الفاعل إن قيل إنه يلزمه مفعولات ~~مختلفة دائمة متعاقبة من غير فعل يقوم به ولا صفة له كان ذلك ابعد في العقل ~~من أن يقال إنه فعل مفعولات مختلفة في وقت دون وقت فإن هذا بعض ذاك فكان ~~المحذور الذي في هذا هو في ذاك وزيادة # الوجه الخامس أن يقال قولك وإن لم يفعل ثم فعل فلا بد من حدوث ما ينبغي ~~فعله أو عدم ما لا ينبغي ويعود الكلام إليه ولا يقف غايته أنه يستلزم ~~امتناع كونه صار فاعلا بعد أن لم يكن وهذا لازم لك # لكن نقول لم قلت إنه لم يزل يفعل شيئا بعد شيء # فإن قلت هذا يستلزم تسلسل الحوادث وتسلسل الحوادث شيئا بعد شيء جائز ~~عندكم فبتقدير أنه لا يزال يفعل شيئا بعد شيء كان كل ما سواه حادثا مع ~~التسلسل الجائز وذلك جائز عندك وهو موجب دليلك # فإن كان باطلا بطل مذهبك وإن كان حقا فيقال ما المانع أن يفعل ما لم يكن ~~فاعلا لحدوث حادث وذلك موقوف على حادث آخر لا إلى نهاية وتكون تلك الحوادث ~~صادرة عنه # ثم يقال إما أن يكون كل ما حدث يجوز حدوثه بلا فعل يقوم به أو لا بد من ~~فعل يقوم به وعلى التقديرين لا يلزم صحة قولك PageV09P225 # فإن قلت مقصودي أنه لم يزل فاعلا ms1937 وقد حصل قيل لا يلزم أن يكون فاعلا ~~لمفعول معين بل ولا يلزم أن يكون هو الفاعل على قولك فإنك تجوز حدوث جميع ~~الحوادث من غير أمر يحدث فيه ومنه وعندك يحدث الحادث المخالف لما قبله ~~كالطوفان وغيره من غير أن يحدث منه ما لم يكن حدث قبل ذلك فأنت تجوز حدوث ~~جميع الحوادث من غير أن يحدث منه شيء يخص حادثا من الحوادث # الوجه السادس أن يقال قولك لو حصل منه شيء بعد أن لم يكن لتغيرت ذاته ~~وتسلسل الحوادث فيها إلى غير نهاية وهو محال ففعله دائم # جوابه أن يقال حصول الحوادث المنفصلة عنه إما أن يقف على حدوث شيء في ~~ذاته وإما أن لا يقف فإن لم يقف بطل قولك لو حصل شيء بعد أن لم يحصل شيء ~~لتغيرت ذاته وتسلسلت فيها الحوادث فإنك تجوز أن تحدث عنه جميع الحوادث من ~~غير حدوث شيء في ذاته فلا يكون حدوث الحوادث مستلزما لحدوث شيء في ذاته # وإن كان حدوث الحوادث المنفصلة متوقفا على حدوث شيء في ذاته لم يكن في ~~ذلك بمحذور فإن حدوث الحوادث مشهودة وأنت لم تذكر حجة على امتناع هذا ~~المعنى ولكن أحدث امتناعه مسلما # وتسميتك لذلك تغيرا ليس بحجة عقلية فإن لفظ التغير مشترك وهنا لا يراد به ~~الاستحالة بل يراد به نفس الفعل أو التحول أو ما يشبه ذلك وأنت لا دليل لك ~~على انتفاء ذلك بل أنت تجوز على القديم أن يكون متغيرا بهذا الاعتبار وتجوز ~~على القديم أن يكون محلا للحوادث PageV09P226 # وتحقيق الكلام في هذا الموضع أن التسلسل هنا يراد به شيئان # أحدهما التسلسل في الفعل مطلقا # والثاني التسلسل في فعل شيء معين # فالأول أن يراد به أنه لا يحدث شيئا من الأشياء أصلا حتى يحدث شيئا فتكون ~~حقيقة الكلام أنه لا يخلق حتى يخلق ولا يفعل حتى يفعل ولا يحدث حتى يحدث ~~وهذا ممتنع بالضرورة وهذا في الحقيقة دور وليس بتسلسل فإن معناه أنه لا ~~يكون الشيء حتى يكون الشيء ms1938 فيلزم الجميع بين النقيضين فإنه إذا لم يوجد حتى ~~يوجد لزم أن يكون معدوما موجودا # وأما إذا قيل لا يفعل شيئا إلا بشرط يقارنه ولا يفعل ذلك الشرط إلا بشرط ~~يقارنه فهذا التسلسل في تمام التأثير وليس بتسلسل أمور متعاقبة وهذا هو ~~التسلسل في تمام التأثير والأول تسلسل في أصل التأثير وكلاهما ممتنع # والأول هو الذي ينبغي أن يراد بقول القائل إذا لم يفعل ثم فعل فلا بد من ~~حدوث شيء إما قدرة وإما إرادة وإما علم وإما أمر من الأمور ثم القول في ~~حدوث ذلك كالقول في حدوث الأول فإن هذا الثاني أيضا لا يحدث إلا بحدوث شيء ~~يكون حادثا معه فإن ما كان من تمام التأثير فلا بد أن يكون موجودا حين ~~التأثير لا يكفي وجوده قبله # وحينئذ فيمكن تصوير هذه الحجة على وجهين # أحدهما أن يقال لا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا ولا يفعل شيئا PageV09P227 ~~حتى يفعل شيئا فإن حدوث الحادث بلا سبب حادث ممتنع # والثاني أن يقال لا يحدث مفعولا إلا بحدوث قدرة أو إرادة أو علم أو نحو ~~ذلك ولا يحدث ذلك إلا بحدوث ما يوجب حدوثه فيلزم أن لا يحدث شيئا فإن هذا ~~تسلسل في تمام التأثير والتسلسل في تمام التأثير كالتسلسل في المؤثرين فكما ~~أنه يمتنع أن لا يكون مؤثرا إلا عن مؤثر ولا يؤثر إلا عن مؤثر وأنه يمتنع ~~وجود علل ومعلولات لا نهاية لها فلذلك يمتنع أن لا يتم كون الشيء علة أو ~~فاعلا إلا بوجود أمر ولا يتم وجود ذلك التمام إلا بوجود تمام آخر إلى غير ~~نهاية فهذا أيضا ممتنع باتفاق العقلاء # وأما إذا قيل لا يوجد الشيء حتى يوجد قبله شيء آخر ولا يوجد ذلك الثاني ~~حتى يوجد قبله شيء آخر فهذا فيه النزاع المشهور وهو تسلسل الآثار المعينة ~~لا تسلسل في أصل التأثير فيجب تصور الفرق بين الأمرين # وقد صور السهروردي هذه الحجة في كتابه المسمى بحكمة الإشراق وهو الذي ذكر ~~فيه خلاصة ما عنده ولم يقلد ms1939 فيه المشائين بل بين فيه خطأهم في مواضع وذكر ~~فيه طريقة فلاسفة الفرس المجوس والهند # كما أن ابن سينا في كتابه المسمى بالحكمة المشرقية ذكر فيه بيان ما تبرهن ~~عنده وكذلك الرازي في المباحث المشرقيه # فقال السهروردي نور الأنوار والأنوار القاهرة يعني واجب PageV09P228 ~~الوجود والعقول لا يحصل منهم شيء بعد أن لم يحصل إلا على ما سنذكره فإن كل ~~ما لا يتوقف على غير شيء إذا وجد ذلك الشيء وجب أن يوجد وإلا هو مما لا ~~يتصور وجوده أو توقف على غيره فما كان هو الذي يتوقف عليه وقد فرض أن ~~التوقف عليه وهو محال وكل ما سوى نور الأنوار لما كان منه فلا يتوقف على ~~غيره كما يتوقف شيء من أفعالنا على وقت أو زوال مانع أو وجود شرط فإن لهذه ~~مدخلا في أفعالنا ولا وقت مع نور الأنوار متقدم على جميع ما عدا نور ~~الأنوار فإن نفس الوقت أيضا من الأشياء التي هي غير نور الأنوار فلما كان ~~نور الأنوار وجميع ما يفرضه الصفاتية صفة دائمة فيدوم بدوامه ما فيه لعدم ~~توقفه على أمر منتظر ولا يمكن في العدم البحث قرض تجدد مع أن كل ما تجدد ~~يعود الكلام إليه # فنور الأنوار والأنوار القاهرة ظلالها وأضواؤها المجردة دائمة وقد علمت ~~أن الشعاع المحسوس هو من النير لا النير من الشعاع وكلما يدوم النير الأعظم ~~يدوم الشعاع مع أنه منه PageV09P229 # ثم قال كل هيئة أي عرض لا يتصور ثباتها هى الحركة وكل ما لم يكن زمانا ثم ~~حصل فهو حادث وكل حادث إذا حدث شيء مما يتوقف عليه هو حادث إذ لا يقتضي ~~الحادث وجود نفسه إذ لا بد من مرجح في جميع الممكنات ثم مرجحه إن دام مع ~~جميع ما له مدخل في الترجيح لدام الشيء فلم يكن حادثا ولما كان حادثا فشيء ~~مما يتوقف عليه هذا الحادث حادث # ويعود الكلام إلى ذلك الشيء فلا بد من التسلسل والسلسلة الغير المتناهية ~~مجتمعة وجودها محال فلا بد من سلسلة ms1940 غير متناهية لا تجمع آحادها ولا تنقطع ~~وإلا يعود الكلام إلى أول حادث بعد الانقطاع فينبغي أن يكون في الوجود حادث ~~متجدد لا ينقطع وما يجب فيه لماهيته التجدد إنما هو الحركة # وذكر تمام الكلام في وجوب استمرار حركة دائمة وأنها حركة الأفلاك # فيقال له عن هذا أجوبة PageV09P230 # أحدها أن يقال كل ما لا يتوقف على غير شيء إذا وجد ذلك الشيء وجب أن يوجد ~~إلى قوله وما كان من نور الأنوار فلا يتوقف على غيره إلى آخره # ما تعني بقولك ما كان من نور الأنوار تعني الله فلا يتوقف على غيره أتعني ~~به أنه لا يتوقف على شيء منفصل عن الله أم تعني به لا يتوقف على فعل قائم ~~بذات الرب يفعله بمشيئته وقدرته # أما الأول فلا ينفعك لأنه لا يلزم من كونه لا يتوقف على شيء منفصل عن ~~الله أن لا يتوقف على فعله الواقع بمشيئته وقدرته وحينئذ فلا يلزم قدمه بل ~~إذا كان الفعل المراد المقدور حادثا فالمعلق به أولى أن يكون حادثا فإنه لا ~~يكون قبله وما لا يسبق الحوادث يجب أن يكون حادثا # وإن قلت إنه لا يتوقف على فعل الرب القائم بنفسه فهذا محل النزاع وأنت لم ~~تذكر دليلا على أن وجود الممكنات لا يتوقف على فعل الرب القائم بنفسه بل ~~الدليل يوجب توقف المعقولات على فعل الفاعل وتوقف المعلول على اقتضاء العلة ~~والعلة شيء واقتضاؤها المعلول شيء وإذا كانت العلة مشروطة بما يقوم بها ~~بالمشيئة والقدرة لم يحصل المشروط قبل الشرط وأنت لم تقم دليلا على ثبوت ~~علة مجردة خالية عن شرط بل الدليل ينفي ذلك لأنه يلزم من قدم هذه العلة قدم ~~معلولها ومعلول معلولها فإن العلة التامة لا يتأخر عنها شيء من معلولها ~~وحينئذ فلا يكون للحوادث فاعل أصلا وهذا من أبين الأمور المعلوم فسادها ~~بالضرورة PageV09P231 # الوجه الثاني أن يقال ما سوى الله هل يتوقف شيء منه على غيره أم لا # فإن قلت بالثاني لزم قدم جميع الممكنات الموجودة حتى الحوادث ms1941 وهو مكابرة ~~وإن توقف منه شيء على غيره بطل قولك ما سوى نور الأنوار لا يتوقف على غيره ~~وإيضاح ذلك # بالوجه الثالث وهو أن يقال إذا قدر الغير الذي هو شرط هو من الله أيضا ~~وتوقف أحد الفعلين على الآخر لم يكن في ذلك محذور فإن الله جعل بعض الأشياء ~~شرطا في وجود بعض غاية ما في هذا أن يقال هذا يقتضي التسلسل فيقال وهذا ~~عندك جائز فلا يتعين قدم شيء من الأفلاك ولا غيرها # الرابع أن يقال إن كان التسلسل باطلا بطل مذهبك وإن كان جائزا بطلت حجتك # الخامس أن يقال أنت قد أوجبت التسلسل في الحوادث بإيجاب حركة دائمة لا ~~تنقطع وقلت أيضا فلما كان نور الأنوار وجميع ما يفرضه الصفاتية صفة دائمة ~~فيدوم بدوامه ما منه لعدم توقفه على أمر منتظر # وإذا كان قولك وقول إخوانك يتضمن هذا وهذا فيقال لكم الحركة الدائمة إما ~~أن تكون منه بواسطة أو بغير واسطة وإما أن لا تكون منه فإن لم تكن منه لزم ~~حدوث الحوادث بدون واجب الوجود وهذا هو القول بحدوث الحوادث بلا محدث وإن ~~كانت الحركة منه بواسطة أو بغير واسطة وهو قولهم PageV09P232 # فيقال فحينئذ قد كان منه ما لا يدوم بدوامه فإن كل جزء من أجزاء الحركة ~~حادث وعندكم أنه حدث عن تصور حادث وشوق حادث فهذه أمور من واجب الوجود ~~وليست دائمة بدوامه فهذا ينقض قولكم إن كان ما منه يدوم بدوامه # ثم أيضا من المعلوم أن كل واحد من الحوادث منه بواسطة أو غير واسطة وهو ~~كان بعد أن لم يكن ويعدم بعد أن كان فهو منه وليس مقارنا له ولا دائما ~~بدوامه فعلم بذلك أنه لا يجب في كل ما كان منه أن يدوم بدوامه فلا يجب في ~~الفلك وغيره من الأعيان المشهودة أن تدوم بدوامه وهو المطلوب # وإذا قال الذي يدوم بدوامه هو جنس الأفعال والمفعولات أو جنس الحوادث لا ~~شيء بعينه # قيل فهذا يبطل حجتك على قدم شيء بعينه ويناقض أيضا ms1942 مذهبك في قدم شيء بعينه # وقال ابن سينا في إشاراته في ذكر هذه الحجة تنبيه وجود المعلول يتعلق ~~بالعلة من حيث هي على الحال التي بها تكون علة من طبيعة أو إرادة أو غير ~~ذلك أيضا من أمور يحتاج أن تكون من الخارج ولها مدخل في تتميم كون العلة ~~علة بالفعل مثل الآلة PageV09P233 # كحاجة النجار إلى القدوم أو المادة كحاجة النجار إلى الخشب أو المعاون ~~كحاجة النشار إلى نشار آخر أو وقت كحاجة الأدمي إلى الصيف أو الداعي كحاجة ~~الآكل إلى الجوع أو زوال مانع كحاجة الغسال إلى زوال الدجن # وعدم المعلول يتعلق بعدم كون العلة على الحالة التي هي بها علة بالفعل ~~سواء كان ذاتها موجودا على غير تلك الحالة أو لم يكن موجودا أصلا فإذا لم ~~يكن شيء معوق من خارج وكان الفاعل بذاته موجودا ولكن ليس لذاته علة توقف ~~وجود المعلول على وجود الحالة المذكورة التي إذا وجدت كانت طبيعة أو إرادة ~~جازمة أو غير ذلك وجب وجود المعلول وإن لم توجد وجب PageV09P234 ~~عدمه وأيهما فرض أبدا كان ما بإزائه أبدا أو وقتا ما كان وقتا ما وإذا جاز ~~أن يكون شيء متشابه الحال في كل شيء وله معلول لم يبعد أن يجب عنه سرورا ~~فإن لم يسم هذا مفعولا بسبب أن لم يتقدمه عدم فلا مضايقة في الأسماء بعد ~~ظهور المعنى # فيقال له هذا كلام مقدر على شيء مضمونه أن العلة التامة التي لا يقف ~~اقتضاؤها على أمر منفصل عنها يلزم من وجودها وجود معلولها بجلاء بخلاف ما ~~يتوقف اقتضاؤها على أمور منفصلة كالآلة والمادة والداعي وغير ذلك وأنه إذا ~~فرض شيء متشابه الحال في كل شيء وله معلول لم يبعد أن يجب عنه سرمدا # لكن الشأن في تحقيق هذا المقدر فإنه يقال لك هذا غايته أن يكون إبطالا ~~لقول من يجعل الرب خالقا للعالم من غير حدوث سبب أصلا وهذا قول طائفة من ~~أهل الكلام المنتسبين إلى الملل وليس هذا قول أئمة أهل الملل وجمهورهم ms1943 ~~القائلين بأن الله خالق كل شيء وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام # وإذا كان كذلك فهؤلاء يلزمونك ويقولون هذه العلة الموصوفة هل يجوز أن ~~يصدر عنها بوسط أو بغير وسط أمور مختلفة حادثة أو لا يجوز # فإن لم تجوز ذلك بطل قولك ولزم أن لا يكون للحوادث فاعل وهو معلوم الفساد ~~بالضرورة # وإن جوزت ذلك قيل لك فإذا كان الفاعل واحدا بسيطا PageV09P235 ~~موجودا لا يتوقف فعله على شيء خارج عنه فلم وجدت عنه المختلفات ولم تأخرت ~~عنه الحوادث فما كان جوابك عن هذا كان جوابا لهم عن الحوادث وأولى وأما من ~~قال إن الواجب بنفسه تقوم به الأفعال المتعلقة بقدرته ومشيئته فيقولون حدوث ~~ما حدث يتوقف على تلك الأفعال وإن كانت تلك الأفعال موقوفة على ما قبلها ~~فإن التسلسل جائز عندك # ثم يقال إما أن يكون التسلسل جائزا وإما أن لا يكون فإن كان جائزا أمكن ~~أن تتسلسل الأفعال التي يقف عليها وجود تلك المفعولات وإن لم يكن جائزا لزم ~~حدوث جنس المحدثات ويبطل القول بحوادث لا أول لها وهو نقيض قولكم # وأيضا قوله إذا جاز أن يكون شيء متشابه الحال في كل شيء وله معلول لم ~~يبعد أن يجب عنه سرمدا فيقال له المتشابه الحال لا يخلو إما أن يجوز أن ~~تصدر عنه الأمور المختلفة الحادثة بوسط أو بغير وسط وإما أن لا يجوز فإن لم ~~يجز ذلك لزم أن لا تكون هذه الحوادث صادرة عن علة بسيطة لا بوسط ولا بغير ~~وسط وهذا يبطل قولهم # وحينئذ فإما أن يقال إن هذه الحوادث لا محدث لها وهو معلوم الفساد ~~بالضرورة وإما أن يقال ليس المحدث مجردا عن الصفات والأفعال بل له صفات ~~وأفعال كما يقوله المسلمون وهو الحق # وإن جاز أن تصدر المختلفات والمحدثات عن بسيط أمكن أن يحدث عنه ما لم يكن ~~حادثا عنه وحينئذ فلا يلزم أن يكون معلولا له لازما له # قال الرازي في شرح هذا الكلام واعلم أن الغرض من هذا PageV09P236 ~~الفصل التنبيه على ms1944 الحجة التي لا يزال القائلون بالقدم يتمسكون بها ويعولون ~~عليها وهي أن الأمور التي تتم بها مؤثرية الباري تعالى في العالم إما أن ~~تكون بأسرها أزلية وإما أن لا تكون والثاني باطل إذ لو كان شيء منها حادثا ~~لافتقر حدوثه إلى المؤثر والكلام في كونه مؤثرا في ذلك الآخر كالكلام في ~~الأول فيلزم التسلسل وهو محال فإذا كل الأمور المعتبرة في مؤثرية الله ~~تعالى في العالم أزلية # وأيضا فمن الظاهر أن المؤثر متى حصل مستجمعا جميع الأمور المعتبرة في ~~المؤثرية وجب أن يترتب الأثر عليه لأنه إن جاز تخلف الأثر عنه كان صدور ~~الأثر عن العلة المستجمعة لجميع تلك الأمور المعتبرة في المؤثرية ولا صدور ~~عنها على السواء ولو كان كذلك لما ترجح الصدور على أن لا صدور إلا بمرجح ~~آخر فلم تكن جميع الأمور المعتبرة في المؤثرية حاصلا قبل حصول هذا الزائد ~~وكنا قد فرضنا أن الأمر كذلك هذا خلف # قال وإذا ثبتت المقدمتان لزم من قدم الباري قدم أفعاله هذا تحرير هذه الحجة PageV09P237 # قال ولقائل أن يقول هذا الكلام إنما يلزم في الموجب بالذات أما الفاعل ~~المختار فلا لاحتمال أنه يقال إنه كان في الأزل مريدا لإحداث العالم في وقت ~~دون وقت فإذا قالوا فلم أراد إحداثه في ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده كان ~~الكلام فيه طويلا وهو مذكور في سائر كتبنا على الاستقصاء # قلت هذا الجواب الذي أجاب به هو جواب كثير من أهل الكلام من المعتزلة ~~والكرامية والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء اتباع الأئمة الأربعة وغيرهم ~~وقد عرف الطعن في هذا الجواب وأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح وأن ما ذكر في ~~القسم الأول هو حصول المؤثرية التامة في الأزل مع تأخر الأثر وأن مضمونه ~~تخلف الشيء عن موجبه التام كما قد بسط في موضعه ويجاب عن هذه الحجة بوجوه # أحدها قوله يلزم التسلسل وهو محال ليس كذلك فإن التسلسل جائز عند من يقول ~~بموجب هذه الحجة فإن ذلك تسلسل في الآثار لا في المؤثرات ms1945 ولا يصح القول ~~بموجبها إلا بذلك فقولهم التسلسل محال باطل على أصلهم وهذا الموضع مما ~~يشتبه على كثير من الناس فإن التسلسل في الآثار تارة يعنى به التسلسل في ~~أعيان الآثار مثل كونه فاعلا لهذا بعد هذا ولهذا بعد هذا وأنه لا يفعل هذا ~~إلا بعد هذا ولا هذا إلا بعد هذا وهلم جرا فهذا التسلسل جائز عند الفلاسفة ~~وعند أئمة أهل الملل أهل السنة والحديث PageV09P238 # وعلى هذا التقدير فقول القائل الأمور التي تتم بها مؤثرية الباري في ~~العالم إما أن تكون بأسرها أزلية وإما أن لا تكون أتريد به التي يتم بها ~~مؤثريته في كل واحد واحد من آحاد العالم أو في جملة العالم # إن أردت الأول لم تكن بأسرها أزلية وكان حدوث كل واحد منها مفتقرا إلى ~~حادث قبله وهذا التسلسل جائز عندهم # وإذا أردت الثاني قيل لك ليس جملة العالم متوقفا على أمور معينة حتى يرد ~~عليها هذا التقسيم بل بعض العالم يتوقف على أمور وبعض آخر يتوقف على أمور ~~أخرى وكل بعض يتوقف على أمور حادثة وتلك الأمور تتوقف على أمور أخرى ويلزم ~~من ذلك التسلسل في نوع الحوادث وهو جائز عندكم # وأما إن أريد بالتسلسل في الآثار التسلسل في جنس التأثير وهو أن يكون جنس ~~التأثير متوقفا على جنس التأثير بحيث لا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا فهذا باطل ~~لا ريب فيه وهو تسلسل في تمام كون المؤثر مؤثرا وهو من جنس التسلسل في المؤثر # لكن بطلان هذا يستلزم أنه لم يفعل بعد أن لم يكن فاعلا لشيء فيلزم دوام ~~نوع الفاعلية لا دوام مفعول معين وحينئذ فلا يدل على قدم شيء من العالم ~~وهذا بين لمن تدبره # ويراد بالتسلسل معنى ثالث وهو أن فاعليته للحادث المعين لا تحصل حتى يحصل ~~تمام المؤثر لهذا الحادث المعين فيلزم تسلسل الحوادث في الواحد وهذا ممتنع ~~أيضا باتفاق العقلاء PageV09P239 # فهذا تسلسل في تمام تأثير المعنى وذاك تسلسل في أصل التأثير وكلاهما ~~ممتنع باتفاق العقلاء # فتبين أن حججهم الهائلة ms1946 التي أرعبت قلوب النظار ليس فيها ما يدل على قدم ~~شيء من العالم ألبتة فقولهم بقدم شيء من العالم الأفلاك أو غيرها قول بلا ~~حجة أصلا بل هو قول باطل كما بين في موضع آخر # نعم هذه الحجج إنما أرعبت قلوب أهل الكلام المبتدع المحدث في الإسلام ~~الذي هو كلام الجهمية والقدرية ومن سلك سبيلهم من الأشعرية والكرامية ومن ~~تبعهم أو قلدهم من المتفقهة وغيرهم فما ذكره الفلاسفة إنما يبطل قول هؤلاء ~~الذين زعموا أن الرب لم يزل معطلا عن أن يفعل بمشيئته أو يتكلم بمشيئته ثم ~~يفعل أو يتكلم بمشيئته من غير حدوث شيء # وهذا القول مما اتفق سلف الأمة وأئمتها على بطلانه فإذا ليس معهم حجة ~~عقلية تناقض نصوص الكتاب والسنة بل ولا مذهب السلف والأئمة وهو المطلوب # وبما ذكرناه من الفرق بين التسلسل في أصل التأثير وتمامه وبين التسلسل في ~~الآثار يظهر صحة الدليل الذي احتج به غير واحد من أئمة السنة على أن كلام ~~الله غير مخلوق مثل سفيان بن عيينة # وبيان ذلك أنه إذا دل على أن الله لم يخلق شيئا إلا بكن فلو كانت كن ~~مخلوقة لزم أن يخلق بكن أخرى وتلك الثانية بثالثة PageV09P240 ~~وذلك هو التسلسل الممتنع باتفاق العقلاء فإنه تسلسل في أصل التأثير فإنه لا ~~يخلق شيئا إلا بكن فإذا لم يخلق كن لم يخلق شيئا ولو خلق كن لكان قد خلق ~~بعض المخلوقات بغير كن فيلزم الدور الممتنع وهو المستلزم للجمع بين ~~النقيضين وهو أن تكون موجودة معدومة # وأيضا فإذا قدر أنه خلق الأولى بالثانية والثانية بالثالثة وهلم جرا فلا ~~بد من وجود جميعها في آن واحد فإن كل واحد منها شرط في الثانية وهي من ~~الأمور الوجودية المشروطة في التأثير فلابد أن تكون موجودة عند وجود الأثر ~~كالاستطاعة والقدرة وحياة الفاعل وعلمه وسائر شروط الفعل فإنها كلها لا بد ~~من وجودها عند وجود الفعل # ولهذا اتفق أهل السنة المثبتون للقدر على أن الاستطاعة لا بد أن تكون مع ~~الفعل وتنازعوا ms1947 في جواز وجودها قبلة ودوام وجودها إلى حين الفعل في حق ~~المخلوق على قولين وأما في حق الخالق فاتفقوا على بقائها ودوامها إلى حين الفعل # والصحيح الذي عليه السلف وأئمة الفقهاء أنها تكون موجودة قبل الفعل وتبقى ~~إلى حين الفعل ولهذا يجوز عندهم وجود الاستطاعة بدون الفعل كما في حق ~~العصاة ولولا هذا لم يكن أحد ممن كفر وعصى الله إلا غير مستطيع لطاعة الله ~~وهو خلاف الكتاب والسنة # قال تعالى { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } سورة آل ~~عمران 97 وقال { فاتقوا الله ما استطعتم } سورة PageV09P241 ~~التغابن 16 وقال { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } سورة النساء 92 # ومعلوم أنه ليس المنفي هنا استطاعة لا تكون إلا مع الفعل فإنه قد يكون ~~حينئذ معنى الكلام فمن لم يفعل فعليه صيام شهرين متتابعين وكذلك يكون الأمر ~~بالتقوى لمن اتقى لا لمن لم يتق وإيجاب الحج على من حج دون من لم يحج وهذا باطل # فعلم أن المراد استطاعة توجد بدون الفعل وما كانت موجودة بدون الفعل أمكن ~~وجودها قبله بطريق الأولى # وقد بين في غير هذا الموضع أن تسلسل العلل والمعلولات ممتنع بصريح العقل ~~واتفاق العقلاء وكذلك تسلسل الفعل والفاعلين والخلق والخالقين فيمتنع أن ~~يكون للخالق خالق وللخالق خالق إلى غير نهاية # ولهذا بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من وسوسة الشيطان فقال في ~~الحديث الصحيح يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من ~~خلق الله فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته وفي رواية أخرى لا يزال ~~الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله فإذا وجد ذلك ~~أحدكم فليتعوذ بالله ولينته # وكذلك إذا قيل لا يخلق شيئا إن لم يخلق كذا ولا يخلق كذا إن لم PageV09P242 ~~يخلق كذا كان هذا ممتنعا لأنه منع وجود الخالق بالكلية حتى يوجد تمام كونه ~~مؤثرا وتمام كونه مؤثرا موقوف على تمام آخر فيلزم ألا يوجد تمام كونه خالقا ~~فيلزم ms1948 ألا يخلق شيئا قط فإذا علم أنه لا يخلق شيئا إلا بكن فلو كان كن ~~مخلوقا بكن أخرى وهلم جرا كان كل واحدة من ذلك بها يصير خالقا ولم يوجد شيء ~~من ذلك فيمتنع أن يصير خالقا # وهذا بخلاف ما إذا قيل يخلق هذا بكن وهذا قبله أو بعده بكن وهلم جرا فإن ~~هذا يقتضي أنه لا يوجد الثاني إلا بعد وجود الأول والتوقف ها هنا على الشرط ~~هو فعله لهذا المعين لا أصل الفعل فلهذا كان في هذا نزاع مشهور بخلاف الأول # ومعلوم أن الأدلة العقلية لا تدل قط على قدم شيء من العالم وإنما غايتها ~~أن تدل على دوام الفاعلية وامتناع كونه فاعلا بعد أن لم يكن # فإذا قالوا التسلسل باطل فإن عنوا به تسلسل الآثار ووجود شيء بعد شيء ~~فهذا خلاف قولهم ولم يقيموا دليلا على بطلانه # وإن أرادوا به التسلسل الخاص وهو التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلا فهذا ~~مسلم أنه ممتنع لكن امتناعه لا يدل على فعله لشيء معين بل على أصل الفعل ~~وهذا لا ينفعهم بل يضرهم # الوجه الثاني أن يقال أما التسلسل في أصل الفاعلية فلا ينفعهم وإنما فيه ~~إبطال قول الجهمية والقدرية وأما التسلسل في الأفعال المعينة فإن كان جائزا ~~لم يصح احتجاجهم به بل تبطل الحجة وإن كان ممتنعا PageV09P243 ~~لزم أن يكون للحوادث أول فيبطل قول القائلين بقدم العالم وإذا بطل هذا ~~القول بطلت حجته بالضرورة فيلزم بطلان هذه الحجة على التقديرين وذلك يقتضي ~~أنها فاسدة في نفس الآمر # الثالث أن يقال كل حادث من الحوادث المشهودة إما أن تكون مؤثريته حاصلة ~~في الأزل وإما ألا تكون فإن كان الأول لزم حصول الحوادث عن المؤثر القديم ~~من غير تجدد شيء وبطلت الحجة # وإن كان الثاني فحصول كمال المؤثرية فيه بعد أن لم تكن أمر حادث فيقف ~~كمال مؤثريته في هذا الكمال # وحينئذ فحال الفاعل إما أن يكون عند كمال التأثير في الحادث الثاني كحاله ~~عند كمال التأثير في الأول وإما ألا ms1949 يكون فإن قدر الأول لزم أن يحدث هذا ~~الحادث الثاني والذي بعده والذي بعده من غير حدوث سبب أوجب هذا الحدوث لأن ~~الذات الفاعلة حالها عند الأول كحالها عند الثاني والثالث وحينئذ فإذا كانت ~~عند الأول لا تفعل الثاني فعند الثاني لا تفعل الثالث لأنه لم يتجدد ما ~~يوجب حدوثه # وأيضا فتخصيص أحد الحادثين بالحدوث دون الآخر تخصيص بلا مخصص وترجيح بلا ~~مرجح بل نفس الحدوث في كل وقت ترجيح بلا مرجح وإحداث بلا محدث # وأيضا فالذات نفسها ليست موجبا تاما في الأزل لشيء من الحوادث وهي لم تزل ~~على ما كانت عليه فيلزم ألا تكون موجبة لشيء من الحوادث في الأبد وإلا لزم ~~الإحداث بلا سبب حادث PageV09P244 # وهؤلاء فروا من حدوث الحوادث بعد أن لم تكن بلا سبب وادعوا دوام حدوثها ~~بلا سبب فكان الذي فروا إليه شرا من الذي فروا منه كالمستجير من الرمضاء بالنار # وأما إن قيل إن الفاعل نفسه تقوم به إرادات وأفعال توجب تخصيص كل وقت بما ~~أحدثه فيه كان هذا مبطلا لحجتهم إذ يمكن والحال هذه أن يحدث شيئا بعد شيء ~~مع دوام فاعليته بل هذا مبطل لمذهبهم # فإن من تصور هذا الفاعل علم يقينا امتناع مقارنة شيء من أفعاله ومفعولاته ~~له وعلم أن كل واحد من أفعاله ومفعولاته لا يكون إلا حادثا لا مساوقا له ~~أزلا وأبدا وإن كان هذا معلوما في كل ما يقدر أنه فاعل فهو فيما يقدر أنه ~~فاعل بمشيئته وقدرته وأفعاله تقوم به أظهر وأظهر # ثم يقال إما أن يكون تسلسل كمال المؤثرات ممكنا وإما أن يكون ممتنعا فإن ~~كان ممتنعا لزم حدوث كل ما سوى الله وأنه لم يكن فاعلا ثم صار فاعلا وهو ~~مبطل لقولهم وإن كان ممكنا لم يلزم إلا دوام كونه مؤثرا في شيء بعد شيء ~~وهذا لا حجة لهم فيه بل هو مبطل لحجتهم ومذهبهم كما تقدم والقول في الثاني ~~كالقول في الأول فيلزم التسلسل في الآثار وإذا كان ذلك لازما كان جائزا ~~بطريق ms1950 الأولى وإن كان جائزا بطل القول بأنه محال فبطلت الحجة PageV09P245 # الوجه الرابع أن يقال حدوث الحوادث من المؤثر القديم من غير تجدد شيء إما ~~أن يكون جائزا وإما أن يكون ممتنعا فإن كان جائزا بطلت المقدمة الثانية من ~~الحجة وإن كان ممتنعا لزم حدوث ما به يتم التأثير في هذه الحوادث إذ لو لم ~~يحدث ما به يتم التأثير لكانت قد حدثت عن المؤثر القديم من غير تجدد شيء ~~والتقدير أنه ممتنع # ثم القول في حدوث ذلك التمام كالقول في حدوث أثره ويلزم التسلسل في ~~الآثار وذلك يبطل القول بامتناع التسلسل مطلقا # فإن كان هذا هو المراد في المقدمة كما يريده طائفة ممن يصوغ هذه الحجة ~~فهو ممتنع وإن كان المراد به ما ينبغي أن يراد وهو التسلسل في تمام أصل ~~التأثير فهذا إذا امتنع إنما يستلزم دوام كونه فاعلا لا فاعلا لشيء معين ~~وذلك لا ينفعهم بل يضرهم فيلزم فساد إحدى المقدمتين على تقدير أحد النقيضين ~~وفساد الأخرى على تقدير النقيض الآخر ولا بد من ثبوت أحد النقيضين فيلزم ~~فساد إحدى المقدمتين قطعا فتفسد الحجة # الوجه الخامس أن تقول قوله وإذا ثبتت المقدمتان لزم من قدم الباري تعالى ~~قدم أفعاله أتعني به جميع أفعاله أو فعلا ما من أفعاله أم قدم نوع أفعاله # أما الأول فباطل قطعا لأنه خلاف المشاهدة # وأما الثاني فلا دليل في الحجة عليه فإنها لا تدل على قدم شيء معين لا ~~فعل ولا مفعول PageV09P246 # وأما الثالث فلا يفيد قدم السماوات لجواز أن يكون هناك فعل قائم بالذات ~~بعده فعل أو مفعول بعده مفعول أو كلاهما # وهذه الحجة قد ذكرها الآمدي والأبهري وغيرهما وأجابوا عنها بالمعارضة ~~بالحوادث اليومية # فقال الآمدي في دقائق الحقائق في الاحتجاج لهم لو كان ما وجد عن الواجب ~~بذاته محدثا موجودا بعد العدم فهو لذاته إما أن يكون واجبا أو ممتنعا أو ممكنا # القول بالوجوب ممتنع وإلا لما كان معدوما والقول بالامتناع ممتنع وإلا ~~لما وجد فلم يبق إلا أن يكون ممكنا ms1951 لذاته # وعند ذلك فحدوثه إن كان لا لمحدث ومرجح فقد ترجح أحد طرفي الممكن لا ~~لمرجح وهو محال # وإن كان لمحدث ومرجح فالمرجح إما قديم أو حادث فإن كان حادثا فالكلام فيه ~~كالكلام في الأول والتسلسل والدور محال فلم يبق إلا أن يكون المرجح قديما ~~أو منتهيا إلى مرجح قديم والمرجح القديم إما أن يكون قد تحقق معه في القدم ~~كل ما لا بد منه في الإيجاد أو بقي شيء منتظر فإن بقي شيء منتظر فالكلام في ~~حدوثه كالكلام في الأول ويلزم منه التسلسل أو الدور وهو ممتنع وإن كان ~~القسم الأول فيلزم من قدم العلة قدم المعلول وكذلك الحكم فيما وجب عن ~~الواجب بالواجب لذاته # وقال الآمدي في الجواب إنه يلزم منها وجود شيء من الحوادث إذ PageV09P247 ~~الكلام في كل حادث يفرض بالنسبة إلى علته كالكلام في معلول واجب الوجود وهو ~~خلاف المعقول والمحسوس وما هو الجواب فيما اعترف به من الحوادث فهو الجواب ~~فيما نحن فيه ولا بد من التفاتهم في ذلك إلى الإرادة النفسانية وبيان ~~انتفائها عن واجب الوجود وقد عرف ما فيه # قلت قد يظنون أنهم يجيبون عن هذه المعارضة بأن الحوادث اليومية مشروطة ~~بحادث بعد حادث وهذا يقتضي التسلسل في الآثار والتسلسل في الآثار عندهم ليس بمحال # وحقيقة قولهم إن المرجح القديم هو دائم الترجيح والحوادث المنفصلة عنه ~~تحدث شيئا بعد شيء ثم قد يعينون ذلك بحركة الفلك فيقولون هي الحادثة شيئا ~~بعد شيء ومن حذق منهم كابن سينا علم أن هذا جواب باطل وأن حدوث حادث بعد ~~حادث عن القديم من غير تجدد شيء ممتنع فادعى ما هو أفسد من ذلك فقال إن ~~الحركة لا توجد شيئا بعد شيء وإنما هي شيء موجود دائما وأن ما يوجد شيئا ~~بعد شيء لا وجود له في الخارج بل في الذهن وهذه مكابرة بينة قد بسط الكلام ~~عليها في شرح الأصبهانية # وقد اعترف حذاقهم بأن حدوث الحوادث شيئا بعد شيء عن ذات لا يقوم بها حادث ~~مما ms1952 تنكره العقول # وأما من اعترف منهم بقيام الأمور الاختيارية بذاته فيقال لهم هذا أدل على ~~حدوث المفعولات ويقال للطائفتين إذا جوزتم ذلك لم يكن لكم دليل على قدم شيء ~~من العالم فظهر بطلان حجتكم PageV09P248 # لكن هذا الجواب الذي عارض به هؤلاء لأولئك لا يمكن أن يقال في أول ~~الحوادث لأنه ليس قبل أول الحوادث حادث يشترط في الحوادث المستقبلة # فهذا فرق هؤلاء الفلاسفة بين ما يثبتونه من الحوادث اليومية التي تشاهد ~~وما ينفونه من أن للحوادث أولا ابتدأت منه وبهذا يتبين بطلان قول الطائفتين ~~هؤلاء وهؤلاء وأن كل طائفة أقامت برهانا على بطلان قول الأخرى لا على صحة ~~قولها إذ لا يلزم من بطلان أحد القولين صحة الآخر إلا إذا انحصر الحق فيهما ~~وليس الأمر كذلك # وذكرها الآمدي أيضا في كتابه أبكار الأفكار قال وجوابها أنها باطلة من ~~جهة أن الحس والعيان والبرهان شاهد بوجود حوادث كائنة بعد ما لم تكن وما ~~ذكروه من الشبهة يلزم منه امتناع وجود الحوادث والقول بامتناع وجود الحوادث ~~ممتنع وكل دليل لزم عنه الممتنع فهو باطل في نفسه وبيان الملازمة هو أن ما ~~ذكروه من التردد والتقسيم في حدوث العالم بعينه لازم في حدوث كل حادث وكل ~~ما هو جواب لهم في حدوث الحوادث بعينه يكون جوابا في القول بحدوث العالم بجملته PageV09P249 # وهذا الذي ذكره يجيبون عنه بما تقدم وهو أن هذه الحجة إنما كانت حجة على ~~من يقول ببطلان التسلسل في الآثار من أهل الكلام وأما نحن فنجوز التسلسل في ~~الآثار فتكون الحوادث موقوفة على حوادث قبلها لا إلى أول # وهذا الجواب منتف في جملة العالم لأنه ليس قبله حادث نقف عليه عند ~~الطائفتين # وحقيقة جوابهم أن التسلسل الذي نفوه في هذه الحجة ليس هو التسلسل في ~~الحوادث التي تحدث شيئا بعد شيء فإنها لا تدل على بطلان هذا وهم لا يقولون ~~ببطلانه وإنما دلت على بطلان التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلا # ومن قال بكونه فاعلا لا يقول بتوقف فاعليته على غيره ms1953 لا حادث ولا غير ~~حادث فلا يلزمهم هذا # ونحن قد ذكرنا الأجوبة القاطعة لهذه الحجة في غير موضع من وجوه # أحدها أن يقال إن كان التسلسل في الآثار ممتنعا لزم القول بأن للحوادث ~~أولا وبطل المذهب فبطلت حجته وإن كان ممكنا بطلت الحجة لإمكان دوام كونه ~~فاعلا ليس بعد شيء مع أن كل ما سواه مخلوق حادث هذا إذا أريد بالتسلسل ~~الممتنع تسلسل أصل الفاعلية وأما إذا أريد تسلسل الآثار فإنه يظهر بطلانها # الثاني أن يقال غاية الحجة أنه لا بد لكل حادث أن يكون قبله حادث وحينئذ ~~فقد أخبرت الرسل أن الله خلق السماوات والأرض وما PageV09P250 ~~بينهما في ستة أيام وكان عرشه على الماء وجمهور المسلمين وغيرهم على أن ~~المخلوق ليس هو الخلق بل الخلق قائم بذات الله فتكون السماوات والأرض وما ~~بينهما محدثة بحوادث قبلها والحوادث محدثة بما يقوم بذات الله من مقدوراته ~~ومراداته سبحانه وتعالى # الثالث أن يقال إما أن تقولوا بأن كل ما صدر عن الواجب بذاته لازم لذاته ~~أو لازم للازم بذاته أو منه ما ليس بلازم بذاته # فإن قلتم بالأول كان مكابرة للحس ولم يقل بذلك أحد من الناس وهو الذي ~~أنكره المعارضون لهم وجعلوه لازم حجتهم # وإن قالوا إن منه ما ليس بلازم لواجب الوجود ولا لازم للازمه بل هو متأخر عنه # فيقال فالسماوات والأرض وما بينهما الذي أخبرت به الرسل عن الله أنه خلق ~~ذلك في ستة أيام لم لا يجوز أن تكون من الحوادث المتأخرة كغير ذلك من ~~الحوادث # والجواب الرابع أن يقال إذا كان العالم صادرا عن علة مستلزمة له لا يتأخر ~~عنها موجبها لزم ألا يكون لشيء من الحوادث فاعل لأن العلة التامة لا يتأخر ~~عنها شيء من معلولها فلا يكون شيء من الحوادث معلولا لها ولا لشيء من ~~معلولاتها فلزم أن تكون الحوادث لا فاعل لها أو يكون فاعلها ليس هو بل يكون ~~فاعل كل محدث محدثا وهلم جرا ويلزم تسلسل الفاعلين وهذا مع اتفاق العقلاء ~~على فساده ms1954 ففساده معلوم بالضرورة من وجوه كثيرة كما بين في غير هذا الموضع PageV09P251 ### | AUTO فصل # ومنشأ ضلال هاتين الطائفتين هو نفي صفات الله وأفعاله القائمة بنفسه ~~فإنهم لما نفوا ذلك ثم أرادوا إثبات صدور الممكنات عنه مع ما يشاهدون من ~~حدوثها لم يبق هناك ما يصلح أن يكون هو المرجح لوجود الممكنات إلا لما شوهد ~~حدوثه منها ولا لغير ذلك # وصارت المتفلسفة تحتج على هؤلاء المتكلمة بالحجج التي توجب تناقض قولهم ~~فيجيبوهم بما يتضمن الترجيح بلا مرجح مثل إسنادهم الترجيح إلى القدرة أو ~~الإرادة القديمة التي لا اختصاص لها بوقت دون وقت # فيقول لهم أولئك إسناد التخصيص والترجيح إلى مرجح لا فرق بالنسبة إليه ~~بين وقت دون وقت وبين مفعول ومفعول كإسناد التخصيص والترجيح إلى ترجح الذات ~~المجردة عن الصفات # لكن كل ما تحتج به المتفلسفة يلزمهم نظيره وما هو أشد فسادا منه فإن ~~قولهم أعظم تناقضا من قول هؤلاء المتكلمين وما من محذور يلزم أولئك إلا ~~ويلزم المتفلسفة ما هو مثله أو أعظم منه فإنهم يسندون وجود الممكنات ~~المختلفات كالأفلاك والعناصر وما يسمونه العقول والنفوس مع ما يتعاقب على ~~ذلك من الحوادث المختلفات أيضا إلى ذات مجردة بسيطة لا صفة لها ولا فعل ~~ويقولون انها لم تزل ولا تزل مجردة عن الصفات والأفعال وهي مع ذلك لا تزال ~~تصدر عنها الأمور المختلفة والمحدثات المختلفة المتعاقبة PageV09P252 ~~وهذا مما يظهر فيه من الفساد والتناقض أعظم مما يظهر في قول أولئك وإذا ~~دفعوا ذلك بما يجعلونه صادرا عن الأول من اللازم لذاته كالعقل الأول ~~ولوازمه لم يكن هذا دافعا لما يلزم قولهم من الفساد فإن ما كان لازما لذاته ~~مع وحدته يقال فيه ما يقال فيه من امتناع صدور الأمور المختلفة والحوادث ~~الدائمة عنه ولهذا ينتهون إلى إثبات العقل الفعال ويقولون إنه صدر عنه فلك ~~القمر ونفسه والعناصر التي تحته مع اختلاف أنواعها وصفاتها وأقدارها وهو في ~~نفسه بسيط ثم يقولون إنه بسبب حركات الأفلاك حصلت استعدادات مختلفة لما ~~يفيض منه # والكلام في ms1955 تلك الحركات المختلفة كالكلام في غيرها فلا بد لهم من إسناد ~~الأمور المختلفة الأنواع والأقدار والصفات والحوادث المختلفة الأنواع ~~والأقدار والصفات إلى ذات بسيطة مجردة عن كل صفة وفعل يقوم بها مستلزمة لكل ~~ما يصدر عنها وهذا فيه من التناقض والفساد أضعاف ما في قول أولئك # ومن سلم من الفلاسفة أن الرب تقوم به الصفات والأفعال الاختيارية فهؤلاء ~~حدوث كل ما سوى الله على قولهم أظهر وقدم شيء من العالم على قولهم أبعد # ولهذا كان القائلون بهذا الأصل من الأساطين لا يعرف عنهم القول بقدم صورة ~~الأفلاك إذ أول من عرف عنه القول بقدم صورة الأفلاك هو PageV09P253 ~~أرسطو لكن يحكى عن بعضهم القول بقدم المادة وقد يريدون قدم جنسها لا قدم ~~شيء معين ومنهم من يقول بقدم شيء معين # وأما أبو البركات فإنه من المثبتين للصفات والأفعال القائمة بذاته وهو لم ~~يقم حجة على قدم شيء من العالم وإنما أبطل قول من قال بأنه فعل بعد أن لم يفعل # والذي تقتضيه حججه العقلية الصحيحة وحجج سائر العقلاء إنما هو موافق لما ~~أخبرت به الرسل لا مخالف لها وكأن القول الوسط لم يعرفه كما لم يعرفه ~~الرازي وأمثاله ولو عرفوه لكان هو المتصور عندهم دون غيره وإنما استطال ابن ~~سينا وأمثاله من الفلاسفة الدهرية على أولئك بما وافقوهم عليه من نفي ~~الصفات ولهذا تجد ابن سينا يذكر قول إخوانه وقول أولئك المتكلمين فقط # ومعلوم أن فساد أحد القولين لا يستلزم صحة القول الآخر إلا أن تنحصر ~~القسمة فيهما فأما إذا أمكن أن يكون هناك قول ثالث هو الحق لم يلزم من فساد ~~أحد القولين صحة القول الآخر وهذا مضمون ما ذكره في كتبه وكلها وما ذكره ~~سائر هؤلاء المتفلسفة # وملخص ذلك ما ذكره في الإشارات التي هي مصحف هؤلاء الفلاسفة قال أوهام ~~وتنبيهات قال قوم إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه لكن إذا ~~تذكرت ما قيل في PageV09P254 ~~شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبا وتلوت قوله تعالى { لا ms1956 أحب ~~الآفلين } سورة الأنعام 76 فإن الهوى في حظيرة الإمكان أفول ما # قلت هذا القول هو قول الدهرية المحضة من الفلاسفة وغيرهم الذين ينكرون ~~صدور العالم عن فاعل أو علة مستلزمة له وهو الذي أظهره فرعون وغيره وإليه ~~يرجع عند التحقيق قول القائلين بوحدة الوجود من قدماء الفلاسفة ومن هؤلاء ~~الفلاسفة الذين يدعون التحقيق والتوحيد والمعرفة كابن عربي وابن سبعين ~~ونحوهما فإن هؤلاء لا يثبتون موجودين متباينين أحدهما أبدع الآخر بل كل ~~وجود في الوجود فهو الوجود الواجب عندهم ثم لما رأوا أن الموجودات فيها ~~اختلاف وتفرق وفيها ما حدث بعد وجوده احتاجوا إلى أن يجمعوا بين كون الوجود ~~واحدا بالعين وبين ما يوجد فيه من التفرق والاختلاف فتارة يقولون الأعيان ~~ثابتة في العدم ووجود الحق فاض عليها فيجمعون بين كون المعدوم شيئا ثابتا ~~في العدم غنيا عن الله تعالى كما قال ذلك من قاله من المعتزلة والشيعة ~~ويضمون إلى ذلك أن وجوده وجود الخالق تعالى وهذا لم يقله أحد من أهل الملل ~~بل ولا من الفلاسفة الإلهيين وهذا حقيقة قول ابن عربي # وتارة يجعلون الواجب هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق والأعيان هي الممكنات ~~كما يقوله صاحبه القونوي # وابن سينا وأتباعه يقولون الوجود الواجب هو المطلق بشرط الإطلاق عن كل ~~أمر ثبوتي وهذا أفسد من ذاك فإن المطلق بشرط إطلاقه لا PageV09P255 ~~وجود له في الخارج وبتقدير وجوده فهو يعم ما تحته عموم الجنس والعرض العام ~~والعالم بشرط سلبه عن كل أمر ثبوتي هو وجود مقيد بالعدم وسلب الوجود وهذا ~~أبعد عن الوجود من المقيد بسلب الوجود والعدم فإن ما قيد بانتفاء الوجود ~~وبالعدم أقرب إلى العدم والامتناع مما قيد بسلب الوجود والعدم # ومع هذا فهذا المطلق لايوجد إلا بوجود الأعيان لا يتصور أن يكون مبدعا ~~لها ولا علة لها بل غايته أن يكون صفة لها أو جزءا منها فيكون الوجود ~~الواجب صفة للممكنات أو جزءا منها وما كان جزءا من الممكن أو صفة له أولى ~~أن يكون ممكنا فإما أن ms1957 ينفوه أو يجعلوه محتاجا إلى المخلوقات والمخلوقات ~~مستغنية عنه # وتارة يجعلونه مع الممكنات كالمادة في الصورة أو الصورة في المادة ونحو ~~ذلك مما يقوله ابن سبعين ونحوه # وتارة لا يثبتون شيئا آخر بل هو عين الموجودات وهي أجزاء له وأبعاض كما ~~قد يقوله التلمساني وأمثاله وهذا محض قول الدهرية المحضة الذين يجعلون هذا ~~المحسوس واجبا بنفسه # لكن طريقة ابن سينا وأتباعه في الرد عليهم مبنية على أصله في توحيد واجب ~~الوجود ونفي صفاته وهي طريقة ضعيفة كما قد بين فسادها في غير هذا الموضع # فلا يمكن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالفلاسفة الإلهية الرد على PageV09P256 ~~أولئك الدهرية الطبيعية بمثل هذه الطريق بل بيان كون المشاهدات ليست واجبة ~~بنفسها بل مفتقرة إلى غيرها يمكن بوجوه كثيرة كما قد بسط في موضعه إذ ~~المقصود هنا ذكر كلامه في أفعال الرب تعالى وما ذكره في قدم العالم # قال وقال آخرون بل هذا الوجود المحسوس معلول ثم افترقوا فمنهم من زعم أن ~~أصله وطينته غير معلولين لكن صنعته معلولة وهؤلاء فقد جعلوا في الوجود ~~واجبين وأنت خبير باستحالة ذلك ومنهم من جعل واجب الوجود لضدين أو لعدة ~~أشياء وجعل غير ذلك من ذلك وهؤلاء في حكم الذين قبلهم # قلت هؤلاء كالمجوس القائلين بأن العالم له أصلان النور والظلمة وهما ~~قديمان فإن هذا أحد قوليهم والآخر أن الظلمة محدثة والقائلون بالقدماء ~~الخمسة كديمقراطيس ومن اتبعه كابن زكريا الطبيب الملحد يقولون بقدم الباري ~~والنفس والمادة والدهر والخلاء # فهؤلاء يجعلون الواجب أكثر من واحد وهم مع هذا يقولون بأن أصله غير معلول ~~وطينته معلولة # وأما من جعل المبدع أكثر من اثنين فهذا لا يعرف # فقوله منهم من زعم أن أصله وطينته معلولة يتناول هذا القول PageV09P257 ~~كما يتناوله قول من جعل وجود الوجود لعدة أشياء وجعل غير ذلك من ذلك وقد ~~يحكى عن طائفة من القدماء أنهم قالوا كانت أجزاء العالم مبثوثة ثم إن ~~الباري ألفها لكن هؤلاء قد يقولون إنها معلولة عن الواجب بنفسه فإن هذا ~~القول الذي ms1958 قاله أئمة الفلاسفة وقدماؤهم وأساطينهم وهو ان مادة العالم ~~قديمة وصنعته محدثة لم يذكره بن سينا فإن هؤلاء لا يقولون إن المادة غير ~~معلولة بل يقولون هي مبدعة مفعولة للباري # وهذا القول الذي هو قول أئمة الفلاسفة وأساطينهم لم يتعرض لحكايته ولا ~~لرده وإبطاله وليس في كلامه ما يبطله وقد قالوا إن أول من قال بقدم صنعة ~~العالم من هؤلاء الفلاسفة هو أرسطو فهذا كلامه في حكاية مذاهبهم وأما رده ~~الأقوال التي حكاها بامتناع وجود واجبين فهو بناء على نفي الصفات وهو ~~توحيده الذي قد علم فساده وبين ذلك في غير هذا الموضع # ثم أخذ بعد ذلك في ذكر مقالة من قال بحدوث العالم من نفاة الأفعال ~~القائمة به ومن قال بقدمه فلم يذكر إلا هذين القولين مع تلك الأقوال ~~الثلاثة فكان مجموع ما ذكره خمسة أقوال # قال الرازي في شرح ذلك المسألة العاشرة في مذاهب أهل العلم في إمكان ~~العالم وحدوثه ثم ذكر كلام ابن سينا وقال في شرحه أقول أهل العالم فريقان ~~منهم من أثبت أكثر من واجب PageV09P258 ~~وجود واحد ومنهم من لم يقل إلا بالواجب الواحد أما الفريق الأول فقد تحزبوا ~~إلى ثلاث فرق أحدها الذين زعموا أن هذا العالم المحسوس واجب لذاته على ما ~~هو عليه من الشكل والمقدار والهيئة قال الشيخ لكنك إذا تذكرت ما قيل في شرط ~~واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبا ثم استدل الرازي بما يدل على أن ~~الأجسام ممكنة وقد ذكرت هذه الأدلة وضعفها في غير هذا الموضع # ولهذا قال الرازي لما ذكرها هذا مجموع ما يدل على أن الأجسام ممكنة وقد ~~عرفت ما في كل واحد منها المقالة الثانية أن العالم له ذات وصفات فأما ~~الذات فهي للأجسام وهي واجبة لذواتها ومنهم من قال الذات هي الهيولى التي ~~هى محل الجسمية وهي واجبة لذاتها فأما الصفات وهي الشكل والمقدار والتحيز ~~والحركة والسكون فكل ذلك من الممكنات # قال وهذه المقالة أيضا باطلة بالأدلة المذكورة على فساد المقدمة الأولى ~~قال والمقالة ms1959 الثالثة أن هذا العالم ممكن الوجود بذاته وصفاته لكن واجب ~~الوجود مع ذلك أكثر من واحد ثم هؤلاء أيضا فرق منهم من أثبت إلهين واجبين ~~لذاتيهما أحدهما خير والآخر PageV09P259 ~~شرير ومنهم من قال خمسة أشياء واجبة لذواتها الباري والنفس والهيولى والدهر ~~والخلاء قال وفساد هذه الأقاويل وأشباهها إنما يظهر بالأدلة المذكورة على ~~أن واجب الوجود يستحيل أن يكون أكثر من واحد # قلت فقد تداخلت المقالتان في كلامه كما تداخل في كلام الآخر وذلك أن من ~~قال الأجسام أو الهيولى التي هل محل الجسميه واجبة لذاتها وصفاتها ممكنة ~~فهو من جنس من قال بخمسة أشياء واجبة إذ كلاهما يقول إن الباري أحدث ~~التأليف والصنعة بخلاف من قال بإلهين الخير والشر فإنه يقول كلاهما فاعل ~~وليس في هذه الأقوال قول من يجعل وجوب الوجود لعدة أشياء وجعل ما سواها ~~مفعولا لها كما يقوله القائلون بالأصلين النور والظلمة من المجوس # لكن القائلون بقدم النفس يقولون إنها أحبت الهيولى ولم يمكن تخليصها منها ~~إلا بإحداث العالم والقائلون بقدم المادة فقط لا يقولون بذلك # والقائلون بقدم الهيولى أو بعض الأجسام أو نحو ذلك لا يلزمهم أن يقولوا ~~إنها واجبة الوجود بنفسها بل قد يقولون إنها مبدعة مفعولة للواجب بنفسه ~~وهذا المشهور عن قدماء الفلاسفة # والرازي قد ذكر في شرح الإشارات من كتبه أن هؤلاء يقولون إن الباري هو ~~الواجب بذاته وأن النفس وغيرها معلولة له وذكر هنا PageV09P260 ~~عنهم أنهم يصفون الجميع بوجوب الوجود وهذا تناقض في نقل أقوالهم ثم إبطال ~~هذه الأقوال بناء على توحيدهم الذي مضمونه نفي الصفات لكان الواجب لا يكون ~~إلا واحدا قد عرف فساده # قال الرازي فأما القائلون بأن واجب الوجود واحد فقد اختلفوا على قولين ~~منهم من قال إنه تعالى لم يكن في الأزل فاعلا ثم صار فيما لا يزال فاعلا ~~وهم المليون بأسرهم ومنهم من قال إنه كان في الأزل فاعلا وهم أكثر الفلاسفة # قلت القول الذي حكاه عن المليين بأسرهم هو قول طوائف من أهل الكلام ~~المحدث منهم ms1960 الذين ذمهم السلف والأئمة ولا يعرف هذا القول عن نبي مرسل ولا ~~أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين لم يقل أحد من هؤلاء إن الله لم ~~يكن فاعلا ثم صار فاعلا وإنما المعروف عنهم ما جاء به الكتاب والسنة من أن ~~الله رب كل شيء ومليكه وخالقه فكل ما سواه مخلوق حادث بعد أن لم يكن وهذا ~~هو الذي نطق به الكتاب والسنة واتفق عليه أهل الملل وكذلك نقله عن جمهور ~~الفلاسفة إن الله لم يزل فاعلا كلام مجمل فجماهير الفلاسفة لا يقولون بقدم ~~العالم وأول من ظهر عنه منهم القول بقدمه هم أرسطو ولا يلزم من قال إنه لم ~~يزل فاعلا أن يقول بقدم شيء من العالم إذ يمكنه مع ذلك أن يقول لم يزل ~~فاعلا لشيء بعد شيء فكل ما سواه مخلوق محدث وهو لم يزل فاعلا PageV09P261 # وقد أخبرت الرسل أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش وأن الله كان ولم يكن قبله شيء وكان حينئذ عرشه على الماء ~~ثم كتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض # وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من السلف هذا القول الذي ~~حكاه عن أهل الملل كلهم بل صرح أئمة الإسلام بأن الله لم يزل متكلما إذا ~~شاء قادرا على ما يشاء فاعلا يقوم به الفعل الذي يشاؤه بل وصرحوا أنه لم ~~يزل فاعلا وأن الحي لا يكون إلا فعالا يقوم به الفعل # ولفظ بعضهم أن الحي لا يكون إلا متحركا وعبارة بعضهم كان محسنا فيما لم ~~يزل عالما بما لم يزل إلى ما لم يزل وعبارة بعضهم كان غفورا رحيما عزيزا ~~حكيما ولم يزل كذلك # فنقل الرازي لمقالة أهل الملل كنقل ابن سينا لمقالات الفلاسفة فكلا ~~الرجلين لم يذكر في هذا المقام أقوال أئمة الفلاسفة المتقدمين الأساطين ولا ~~أقوال الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم من الصحابة والتابعين كأئمة المسلمين ~~وعلماء الدين بل هذه الخمسة الأقوال التي ذكرها هذان وأتباعهما ms1961 ليست قول ~~هؤلاء ولا قول هؤلاء ولهذا كان جميع ما ذكروه من الأقوال التي ينصرونها ~~ويزيفونها أقوالا يظهر فسادها وتناقضها PageV09P262 # قال ابن سينا ومنهم من وافق على أن واجب الوجود واحد ثم افترقوا فقال ~~فريق منهم إنه لم يزل ولا وجود لشيء عنه ثم ابتدأ وأراد وجود شيء عنه ولولا ~~هذا لكانت أحوال متجددة من أصناف شتى في الماضي لا نهاية لها موجودة بالفعل ~~لأن كل واحد منهما وجد فالكل وجد فيكون لما لا نهاية له من أمور متعاقبة ~~كلية منحصرة في الوجود قالوا وذلك محال وإن لم تكن كلية حاصرة لأجزائها معا ~~فإنها في حكم ذلك وكيف يمكن أن تكون حال من هذه الأحوال توصف بأنها لا تكون ~~إلا بعد ما لا نهاية لها فيكون موقوفا على ما لا نهاية له فيقطع إليها ما ~~لا نهاية له ثم كل وقت يتجدد يزداد عدد تلك الأحوال وكيف يزداد عدد ما لا ~~نهاية له # ومن هؤلاء من قال إن العالم وجد حين كان أصلح لوجوده ومنهم من قال لم ~~يمكن وجوده إلا حين وجد ومنهم من قال لا يتعلق وجوده بحين وشيء آخر بل ~~بالفاعل ولا يسأل عن لم فهؤلاء هؤلاء وبإزاء هؤلاء قوم من القائلين ~~بوحدانية الأول يقولون PageV09P263 ~~إن واجب الوجود بذاته واجب الوجود في جميع صفاته وأحواله الأولية وإنه لن ~~يتميز في العدم الصريح حال أولى به فيها ألا يوجد شيئا أو بالأشياء ألا ~~توجد عنه أصلا وحال بخلافها ولا يجوز أن تسنح له إرادة متجددة إلا لداع ولا ~~أن تسنح جزافا وكذلك لا يجوز أن تسنح طبيعة أو غير ذلك بلا تجدد حال وكيف ~~تسنح إرادة لحال تجددت وحال ما تجدد كحال ما تمهد له التجدد فيتجدد وإذا لم ~~يكن تجدد كانت حال ما لم يتجدد شيء حالا واحدة مستمرة على نهج واحد وسواء ~~جعلت التجدد لأمر تيسر أو لأمر زال مثلا كحسن من الفعل وقتا ما تيسر أو وقت ~~معين أو غير ذلك مما عد أو لقبح ms1962 كان يكون له أو كان قد زال أو عائق أو غير ~~ذلك كان فزال # قالوا فإن كان الداعي إلى تعطيل واجب الوجود عن إفاضة الخير والوجود ~~والوجود هو كون المعلول مسبوق العدم لا محالة فهذا الداعي PageV09P264 ~~ضعيف قد انكشف لذى الإنصاف ضعفه على أنه قائم في كل حال وليس في حال أولى ~~بإيجاب السبق من حال # وأما كون المعلول ممكن الوجود في نفسه واجب الوجود لغيره فليس يناقض كونه ~~دائم الوجود بغيره كما نبهت عليه # وأما كون غير المتناهي كلا موجودا ككون كل واحد وقتا ما موجودا فهو توهم ~~خطأ فليس إذا صح على كل واحد حكمه صح على كل محصل وإلا لكان يصح أن يقال ~~الكل من غير المتناهي يمكن أن يدخل في الوجود لأن كل واحد يمكن أن يدخل في ~~الوجود فيحتمل الإمكان على الكل كما يحمل على كل واحد # قالوا ولم يزل غير المتناهي من الأحوال التي يذكرونها معدوما إلا شيئا ~~بعد شيء وغير المتناهي المعدوم قد يكون فيه أقل وأكثر ولا يثلم ذلك كونها ~~غير متناهية في العدم # وأما توقف الواحد منها على أن يوجد قبله ما لا نهاية له PageV09P265 ~~واحتياج شيء منها إلى أن يقطع إليه ما لا نهاية له فهو قول كاذب فإن معنى ~~قولنا توقف على كذا هو أن الشيئين وصفا معا بالعدم والثاني لم يكن يصح ~~وجوده إلا بعد وجود المعلول الأول وكذلك الاحتياج ثم لم يمكن البتة ولا في ~~وقت من الأوقات يصح أن يقال إن الأخير كان متوقفا على وجود ما لا نهاية له ~~أو محتاجا إلى أن يقطع إليه ما لا نهاية له بل أي وقت فرضت وجدت بينه وبين ~~كون الأخير أشياء متناهية ففي جميع الأوقات هذه صفته ولا سيما والجميع ~~عندكم وكل واحد واحد فإن عنيتم بهذا التوقف أن هذا لم يوجد إلا بعد وجود ~~أشياء كل واحد منها في وقت آخر لا يمكن أن يحصى عددها وذلك محال فهذا نفس ~~المتنازع فيه أنه ممكن أو غير ms1963 ممكن فكيف يكون مقدمة في إبطال نفسه أبأن ~~يغير لفظها بتغير لا يتغير به المعنى قالوا فيجب من اعتبار ما نبهنا عليه ~~أن يكون الصانع الواجب الوجود غير مختلف النسب إلى الأوقات والأشياء ~~الكائنة عنه كونا أوليا PageV09P266 ~~وما يلزم من ذلك الاعتبار لزوما ذاتيا إلا ما يلزم من اختلافات تلزم عندها ~~فيتبعها التغير فهذه هي المذاهب وإليك الاعتبار بعقلك دون هواك بعد أن تجعل ~~واجب الوجود واحدا # قلت والرازي قد شرح هذا الكلام إلى أن وصل إلى آخره وهو قوله وإليك ~~الاختيار بعقلك دون هواك بعد أن تجعل واجب الوجود واحدا وقال فاعلم أن ~~الغرض منه الوصية بالتصلب في مسألة التوحيد ولكنه يكون كلاما أجنبيا عن ~~مسألة القدم والحدوث وإن كان الغرض منه إنما هي المقدمة التي منها ما يظهر ~~الحق في مسألة القدم والحدوث فهو ضعيف لأن القول بوحدة واجب الوجود لا ~~تأثير له في ذلك أصلا لأن القائلين بالقدم يقولون ثبت إسناد الممكنات ~~بأسرها إلى الواجب بذاته فسواء كان الواجب واحدا أو أكثر من واحد لزم من ~~كونه واجبا دوام آثاره وأفعاله وأما القائلون بالحدوث فلا يتعلق شيء من ~~أدلتهم بالتوحيد والتثنية فثبت أنه لا تعلق لمسألة القدم والحدوث بمسألة ~~التوحيد PageV09P267 # قلت لقائل أن يقول بل ابن سينا عرف أن قوله لا يتم إلا بما ادعاه من ~~التوحيد الذي مضمونه نفي صفات الرب وأفعاله القائمة بنفسه كما وافقه على ~~ذلك من وافقه من المعتزلة وبموافقتهم له على ذلك استطال عليهم وظهر تناقض ~~أقوالهم وإن كان قوله أشد تناقضا من وجه آخر لكنه صار يحتج على بطلان قولهم ~~بما اشتركوا هم وهو فيه من نفي صفات الله الذي هو أصل الجهمية وهكذا هو ~~الأمر فإن حجة القائلين بقدم العالم التي اعتمدها أرسطو طاليس وأتباعه ~~كالفارابي وابن سينا وأمثالهما لا تتم إلا بنفي أفعال الرب القائمة بنفسه ~~بل وتبقى صفاته وإلا فإذا نوزعوا في هذا الأصل بطلت حجتهم وإذا سلم لهم هذا ~~الأصل صار لهم حجة على من سلمه لهم ms1964 كما أن عليهم حجة من جهة أخرى # ولهذا كان مآل القائلين بنفي أفعال الرب الاختيارية القائمة به في مسألة ~~قدم العالم إما إلى الحيرة والتوقف وإما إلى المعاندة والسفسطة فيكونون إما ~~في الشك وإما في الإفك ولهذا كان الرازي يظهر منه التوقف في هذه المسألة في ~~منتهى بحثه ونظره كما يظهر في المطالب العالية أو يرجح هذا القول تارة كما ~~رجح القدم في المباحث الشرقية وهذا تارة كما يرجح الحدوث في الكتب الكلامية # وابن سينا وصى بالأصل المتضمن نفي صفات الرب وأفعاله القائمة به ثم ذكر ~~القولين في قدم العالم وحدوثه مع ترجيحه القدم مفوضا إلى الناظر الاختيار ~~بعد إن يسلم الأصل الذي به يحتج على القائلين بالحدوث PageV09P268 # ونحن نبين إن شاء الله أن قوله مع تسليم نفي الصفات والأفعال القائمة ~~بالله أشد فسادا وتناقضا من قول القائلين بالحدوث فإن كان في قول هؤلاء ما ~~يناقض صريح العقل ففي قول أصحابه من مناقضة المعقول الصريح ما هو أشد من ~~ذلك وذلك أنه إذا كانت الذات بسيطة ليس لها فعل يقوم بها أصلا بل كان ~~امتناع صدور الأمور المختلفة والحادثة عنها بوسط أو بغير وسط دائما أشد ~~امتناعا من صدور ذلك بعد أن لم يصدر فإنه إن أمكن أن يحدث عنها حادث بلا ~~سبب محدث منها أمكن حدوث الحوادث عنها بعد أن لم تحدث وإن لم يمكن كان حدوث ~~الحوادث المختلفة عنها بوسط أو غير وسط دائما من غير فعل منها هو أبعد في ~~الامتناع من صدور المختلفات عنها بعد أن لم تصدر # ولهذا كان أرسطو طاليس مقدم هؤلاء لم يذكر علة فاعلة لحدوث الحركة وإنما ~~ذكر أن سبب الحوادث الحركة الفلكية وما يحدث عنها وذكر لذلك علة غائية فذكر ~~أن كل متحرك فلا بد له من محرك يحركه وجعل الأول يحرك الفلك كما يحرك ~~الإمام المقتدى به المشبه به للمأموم المقتدى المتشبه وقد يشبه ذلك كما ~~يحرك المعشوق لعاشقه # ومعلوم أن هذا التحريك ليس هو بفعل من المحرك ولا قصد ms1965 وتلك الحركة حادثة ~~بعد أن لم تكن فنسأل عن الفاعل لتلك الأجسام الممكنة فإن الممكن وإن كان ~~قديما لا بد له من فاعل فما الفاعل لها ونسأل عن العلة الفاعلة لتلك ~~الحوادث فإن المتحرك ممكن فالمحرك إذا كان أمورا تحدث في ذاته كما يقولونه ~~في تصورات النفس الفلكية وشوقها قيل لهم فما المحدث لتلك التصورات ~~والإرادات شيئا بعد PageV09P269 ~~شيء وهي أمور ممكنة كانت بعد أن لم تكن وهي قائمة بممكن هو مفتقر إلى غيره ~~ليس بواجب بنفسه معلوم أن الحركة لا يكفي في حدوثها العلة الغائية بل لا بد ~~من العلة الفاعلية ومعلوم أن افتقار الفعل إلى الفاعل إن لم يكن مثل ~~افتقاره إلى الغاية لم يكن دونها بل العقل يعلم افتقار الفعل الحادث إلى ~~الفاعل قبل علمه بافتقاره إلى الغاية # وأرسطو وأتباعه إنما زعموا افتقاره إلى الغاية المنفصلة عنه ولم يذكروا ~~احتياجه إلى الفاعل المنفصل عنه # ومعلوم أن الموجب لحدوث الحركة يحدثها شيئا بعد شيء فلا بد له من محدث ~~منفصل كما أنه لا بد له من غاية منفصلة بطريق الأولى فإن جوز المجوز أن ~~يكون هو المحدث لفعله من غير افتقار إلى شيء منفصل مع كونه ممكنا فلنجوز أن ~~يكون هو غاية لنفسه من غير افتقار إلى شيء منفصل مع كونه ممكنا وذلك ممتنع عندهم # وأيضا فمن المعلوم أن الممكن الذي ليس له شيء من نفسه بل ذاته نفسها من ~~غيره يمتنع أن يكون شيء من أفعاله من نفسه بدون افتقاره في ذلك إلى غيره ~~كما يمتنع أن تكون صفاته وأبعاضه من نفسه من غير افتقار في ذلك إلى غيره # فإن ما به يعلم أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون بنفسه موجودا ~~يعلم أن سائر ما يحصل له من الصفات والأفعال لا تكون بنفسه فإن ما لا يوجد ~~بنفسه بل بغيره كيف يكون موجدا لغيره بنفسه بدون غيره PageV09P270 # والكلام في هذه المسألة من جنس الكلام في مسألة خلق أفعال العباد فكلما ~~نعلم أن الله خالق أفعال ms1966 العباد نعلم أنه خالق حركات الفلك إذا قدر أنها ~~اختيارية وإن قدر أنها غير اختيارية كان الأمر أولى وأولى فإن القدرية ~~تنازع في الأول لا تنازع في الثاني # وليس لقائل أن يقول إن هؤلاء الفلاسفة كأرسطو وأتباعه قد يسلكون في حركات ~~الأفلاك الاختيارية مسلك القدرية الذين لا يقولون إن الله خالق أفعال العباد # لأنه يقال أولا ليس هذا مذهبهم بل عندهم أن أفعال الحيوان وغير ذلك من ~~الممكنات صادرة عن واجب الوجود وهذا هو الموجود في كتب الذين نقلوا مذهبهم ~~كابن سينا وأمثاله # وأيضا فيقال لهم إما أن تجوزوا على الحي أن يحدث الأفعال من غير سبب من ~~خارج يقتضي حدوث تلك الأفعال لست أعني من غير مقصود يحدث بل من غير مقتض ~~للفعل وإما ألا تجوزوه # فإن لم تجوزوا على الحي ذلك لزمكم أن الفلك الحي عندكم لا تحدث حركته إلا ~~بسبب منفصل يكون مقتضيا لفعل الحدوث لا يكفي أن يكون ذلك متشبها به ثم ~~القول في حدوث اقتضاء ذلك المقتضى كالقول في حدوث حركة الفلك فيلزم أن يكون ~~فوق الفلك سبب فاعل للحوادث وذلك يبطل قولهم فإنه ليس عندهم فوق الفلك حركة ~~ولا فعل بوجه من الوجوه # وإن جوزوا على الحي أن يحدث الأفعال بغير سبب حادث من غيره PageV09P271 ~~لم يمتنع حينئذ حدوث العالم من الحي بدون سبب حادث من غيره # فذكر أرسطو طاليس في كتاب ما بعد الطبيعة وهو العلم الإلهي الذي هو أصل ~~حكمتهم ونهاية فلسفتهم فيما حكاه عنه ثابت بن قرة فإنه قال في كتاب تلخيص ~~ما أتى به أرسطو طاليس فيما بعد الطبيعة إن أرسطو طاليس يأتي في كتابه هذا ~~بأقاويل فيها إغماض يرمي فيها إلى غرض واحد إذا وفى حقه من الشرح والبيان ~~قبل على هذه الجهة مما جرى الأمر فيه على صناعة البرهان سوى ما جرء من ذلك ~~مجرى الاقناع # وقال إنما عنون أرسطو كتابه هذا بما بعد الطبيعة لأن قصده فيه البحث عن ~~جوهر غير متحرك وغير قابل للشوق إلى شيء ms1967 خارج عن ذاته # وقال إن الجوهر الجسماني كله الوجود مبتدأ لمتكون إنما قوامه بطبيعته ~~الخاصة به وطبيعته الخاصة به إنما قوامها بصورته الخاصة به وصورته الخاصة ~~به المقومة لذاته إنما قوامها بحركته الخاصة به وكل متحرك بحركة خاصة به ~~فإنما يتحرك إلى تمام وتمام كل واحد من الأشياء ملائم لطبيعته وموافق لها ~~وكل متحرك إلى ما لاءمه ووافق PageV09P272 ~~طبيعته فبالشوق والمحبة والتوق منه إليه يتحرك والشيء المتشوق إليه علة ~~لحركة المتحرك إليه بالشوق والشيء المشتاق معلول له من جهة تلك العلة وفي ~~تلك الحركة وحركة كل واحد من الأجسام فتنساق كلها وترتفع إلى محرك أول لا ~~يتحرك كما بين أرسطو ذلك في كتابه المعروف بالسماع الطبيعي # لأنه وإن وجد بعضها يحرك بعضا فالمتحرك الأقصى متحرك عن محرك غيرمتحرك ~~والمحرك الأول علة الصورة المقومة لجوهر كل واحد من الأشياء المتحركة حركة ~~خاصية فقوام جوهر كل واحد من الأشياء المتحركة ليس له في ذاته لكنه من ~~الشيء الذي هو السبب الأول في حركته # فيقال لهم هب أن الحركة الإرادية لا تتصور إلا بمحبوب منفصل عنها لكن إذا ~~كان المتحرك ليس واجبا بنفسه لا هو ولا حركته فما الموجب له ولحركته وأنتم ~~لم تجعلوا المحرك الأول محركا إلا من جهة كونه محبوبا معشوقا لا من جهة أنه ~~فعل شيئا أصلا # قال ثابت وكذلك ما يقول أرسطو طاليس إن كل ما يتحرك فحركته بالشوق إلى ~~شيء والصورة الأولى فيما هو في الكون وفيما هو موجود الحركة الخاصة به ~~فالمحرك الأول إذن هو المبدأ والعلة في وجود صورة الجواهر الجسمانية كلها ~~وبقائها إذ كنا متى توهمنا ارتفاع وجود الحركة الطبيعية وإن شئت أن تقول ~~القوى من كل واحد من الأجسام التي له فسد جوهره لا محالة PageV09P273 # ثم ذكر سؤالا وجوابا مضمونه إن الجوهر الجسماني لا قوام له إلا بطبيعته ~~التي قوامها بحركته الخاصة به # قال فإن ظن أحد أن هذا الجوهر إذا قدرت صورته الطبيعية باطلة منه انحل ~~إلى شيء آخر أبسط منه ليس في ms1968 طبيعته حركة خاصة به فيكون حينئذ في ذاته لا ~~معلول لكن المركب فيه معلول # فأرسطو طاليس يقول إن هذا الظن باطل محال لأن ذلك البسيط إنما يوجد حينئذ ~~في الوهم الفكري فقط فأما في خاصة نفسه مفردا فلا وجود له بالحقيقة ولا ~~قوام لذاته وليس بهذا المعنى فقط يترك هذا الظن لكنه يرى أنه يوجد في ذلك ~~البسيط الذي ينحل إليه الجوهر الجسماني في الوهم إذا توهمنا فساد صورته تلك ~~قبول صورة أخرى فهو معلول في ذلك القبول من المحرك الأول # فإن ظن ظان أنه معلول من جهة ذلك القبول فقط قلنا فإن أنزلنا إزالة ذلك ~~القبول نفسه منه أنه قد بطل وجب أن تبطل ذاته يعني فتفسد وتنحل طبيعته التي ~~بها هو حينئذ ما هو إذ كانت ذاته تلك حينئذ إنما هي التي في طبيعتها القبول ~~فإن قيل أيضا إنها تنحل إلى شيء آخر كان الجواب فيه كما أجبنا في الانحلال ~~الأول وليس يمكن أن ينحل هذا دائما إلى ما لا نهاية له # قال فقد تبين من هذا أن كل جوهر جسماني معلول في جوهره ووجوده وبقائه ~~للعلة التي هي المبدأ الأول بحركة الجميع # قلت فهذا هو تقريرهم لوجود العلة الأولى التي هي المبدأ الذي PageV09P274 ~~يسميه المتأخرون واجب الوجود بذاته وهي طريقة المتقدمين من المشائين وأما ~~الطريقة المشهورة عند المتأخرين وهي الاستدلال بمطلق الوجود على الواجب ~~فهذه هي التي سلكها ابن سينا ومتبعوه ثم هذه طريقة أرسطو وأتباعه المشائين ~~مضمونها أن كل جسم لا يتقوم إلا بطبيعته ولا تتقوم طبيعته إلا بحركة إرادية ~~ولا تتقوم تلك إلا بمحبوب معشوق لا يتحرك ثم إن أرسطو أورد على نفسه سؤالا ~~بأنه يمكن تقدير بطلان طبيعة الجسم الخاصة وبطلان حركته بانحلاله إلى شيء ~~أبسط منه فلا يكون المحرك علة لذاته بل علة للتركيب فقط # وأجاب بأن البسيط إنما يوجد في الذهن لا في الخارج وأجاب أتباعه بجواب ~~ثان وهو أنه يكون فيما انحل إليه قبول والقبول حركة # وهذا الجواب ساقط فإنه إذا ms1969 قدر أن فيه قبولا لم يجب أن يكون ذلك حركة ~~إرادية شوقية وإذا لم تكن الحركة إرادية شوقية لم يستلزم وجود محبوب بل ~~يستلزم وجود فاعل مبدع وهم لم يثبتوا ذلك # وكذلك تقدير أرسطو تقدير فاسد فإنه إذا قدر أن الحركة لا تتم إلا بطبيعة ~~تستلزم الحركة الإرادية مع أن في تقدير هذا كلاما ليس هذا موضع بسطه لكن ~~بتقدير أن هذا سلم له فغاية ما في هذا أن يكون الجسم المتحرك بالإرادة ~~مفتقرا إلى المعشوق الذي هو غايته وأنه لا يتم وجوده إلا به فيكون وجوده ~~شرطا في وجوده بأن يقال لا قوام للجسم إلا بطبيعته ولا قوام لطبيعته إلا ~~بحركته ولا قوام لحركته إلا PageV09P275 ~~بالمحرك المنفصل الذي هو محبوب معشوق فغاية ما في هذا أنه لا بد من وجود ~~محبوب معشوق ولا يمكن وجود الجسم المتحرك إلا به لكن مجرد المحبوب المنفصل ~~لا يكفي في وجود الجسم الممكن الذي ليس بواجب بذاته ولا في وجود طبيعته ولا ~~في وجود حركته الخاصة به بل لا بد من أمر مبدع له ولحركته ولطبيعته وهم لم ~~يذكروا احتياجه إلى المبدع لذلك ولا دليلا على وجود المبدع لذلك كله بل ~~اكتفوا بوجود المعشوق المنفصل # وهذا مقام يتبين فيه جهل هؤلاء القوم وضلالهم لكل من تدبر نصوص كلامهم ~~الموجود في كتبهم الذي نقله أصحابه عنهم فإنا نحن لا نعرف لغة اليونان ولم ~~ينقل ذلك عنهم بإسناد يعرف رجاله ولكن هذا نقل أئمة أصحابهم الذين يعظمونهم ~~ويذبون عنهم بكل طريق وقد نقلوا ذلك إلينا وترجموه باللسان العربي وذكروا ~~أنهم بينوه وأوضحوه وقدروه وقربوه إلى أن تقبله العقول ولا ترده فكيف إذا ~~أخذ كلام أولئك على وجهه فإنه يتبين فيه من الجهل بالله أعظم مما يتبين من ~~كلام المحسنين له # ولا ريب أن الفلاسفة أتباع أرسطو يقل جهلهم ويعظم علمهم بحسب ما اتفق لهم ~~من الأسباب التي تصحح عقولهم وأنظارهم فكل من كان بالنبوات أعلم وإليها ~~أقرب كان عقله ونظره أصح # ولهذا يوجد لابن سينا ms1970 من الكلام ما هو خير من كلام ثابت بن قرة ويوجد أبي ~~البركات صاحب المعتبر من الكلام ما هو خير من كلام ابن سينا وكلام أرسطو ~~نفسه دون كلام هؤلاء كلهم في الإلهيات PageV09P276 # ثم إنهم مع أنهم لم يذكروا المبدع للأجسام الممكنة المتحركة اللهم إلا أن ~~يكون هؤلاء قائلين بأن الأجسام الفلكية المتحركة واجبة الوجود بنفسها وأنها ~~مع ذلك مفتقرة إلى المحرك الأول وهذا حقيقة قول أرسطو فهذا أعظم في التناقض ~~فإنه إذا قدر أن الأجسام الفلكية واجبة الوجود بنفسها وهي متحركة حركة ~~تفتقر فيها إلى غيرها كان واجب الوجود متحركا مفتقرا في حركته إلى غيره # وحينئذ فكونه متحركا لا يفتقر في حركته إلى غيره أولى فإنهم حينئذ يكونون ~~قد أثبتوا واجبا بنفسه لا يتحرك أصلا وواجبا بنفسه يفتقر في الحركة إلى ~~محبوب غيره لا قوام له إلا به # وحينئذ فإثبات واجب يتحرك لا يفقتر في الحركة إلى غيره أولى بالإمكان من ~~هذا فإن كلاهما متحرك لكن هذا يفتقر إلى غيره وهذا مستغن عنه # وهم قد جعلوا على هذا التقدير واجب الوجود بنفسه اثنين واجبا لا يفتقر ~~إلى غيره وواجبا يفتقر إلى غيره فإذا قدر واجبا يتحرك بنفسه لنفسه من غير ~~افتقار إلى غيره كان أولى بالجواز ولم يكن في ذاك محذور إلا لزمهم فيما ~~أثبتوه ما هو أشد منه وسيأتي تمام كلامهم في ذلك وقولهم إن الجسم لا يجوز ~~أن يتحرك بنفسه حركة لا نهاية لها # فهذا فصل وهنا فصل ثان وهو أنهم مع إثباتهم لكون الفعل معلولا إنما ~~أثبتوه بكونه محتاجا إلى معشوق يكون هو مبدأ الحركة الإرادية من جهة كونه ~~غاية لا فاعلا وليس في هذا ما يدل على أن الفلك له علة مبدعة فاعلة له كما ~~لا يخفى على عاقل PageV09P277 # ثم ادعوا أن ذلك المعشوق الذي هو العلة الغائية لا يجوز أن يكون متحركا ~~ولا له حركة أصلا ومن هنا قالوا بقدم العالم إذ كان حدوث المحدثات يقتضي ~~حركة يحدث بها فمنعوا حدوث الحوادث عن المعشوق ms1971 الذي سموه المحرك الأول لئلا ~~يكون فيه تغير وحدوث الحوادث عن علة لا تغير فيها ممتنع بصريح العقل ~~وكلامهم في ذلك في غاية التناقض وهذا منتهى نظر القوم وعلمهم وحكمهم # فلما قال فقد تبين من هذا أن كل جوهر جسماني معلول في جوهره ووجوده ~~وبقائه للعلة التي هي المبدأ لحركة الجميع فهذا كلامهم # قلت وقد عرف أنه لم يبين إن سلم له ما ذكره من المقدمات إلا أنه لا بد ~~للحركة من محرك ولم يبين بعد أن المحرك لايتحرك ولا أن المحرك للأجسام أمر ~~منفصل عنها # فقال في بيان ذلك ولأنه ليس يلزم أن يكون كل عدم أقدم بالزمان من الوجود ~~فيما علة وجوده شيء غيره ولا كل الأنظام أقدم من النظام ولا كل بسيط أقدم ~~من المركب لأنه ليس كل ما كان تقدمه لغيره فإن قوام غيره به وبسببه أو وجود ~~غيره عنه وجب أن يكون متقدمه في الزمان وكذلك ما يقول أرسطو طاليس إن ~~الأفضل في المبدأ الأول ما يوجد الأمر عليه من أنه علة وجود كل موجود وسبب ~~بقاء كل باق منذ الأبد من غير أن يكون إنما صار كذلك في زمان وبعد أن لم ~~يكن كذلك إذ ليس موجود ولا شيء له بقاء إلا به PageV09P278 # وقال وذلك أنه لم يزل ولا وجود ولا قوام للفلك ولسائر الأجسام الطبيعية ~~إلا بالمبدأ الأول يعني المحرك الأول إذ صورة كل واحد منها حركته الخاصة به ~~وحركته الخاصة به هي المقومة لجوهره التي بارتفاعها يرتفع وجوده فإذن ~~المحرك الأول علة وجود هذه الحركة # قال فهذا هو الأفضل من أن تكون العلة الأولى علة وجود العالم في زمان # فيقال له أنت لم تذكر إلا أنه لا وجود للجسم المتحرك إلا بحركته وهذا إذا ~~سلم لك لم يدل على أنه مبدع وفاعل له أصلا بل ولا يثبت أن له غاية منفصلة ~~عنه بل ادعيت ذلك دعوى نعم إذا ثبت أن الحركة إرادية فلا بد لها من مراد ~~أما أن كون المراد منفصلا ms1972 عن المتحرك أو غير منفصل فهذا يحتاج إلى دليل ثان ~~ولم تبينه ثم إذا بينته يلزم افتقار المتحركات إليه وكونه شرطا في وجودها ~~لا يقتضي كونه مبدعا لها وفاعلا لها إذ مجرد العلة الغائية من هذه الجهة لا ~~تكون هي الفاعلة المبدعة بالضرورة واتفاق العقلاء وهم لم يدعوا ذلك # لكن لو قال قائل غيرهم بجواز أن يكون الأول غاية وفاعلا قلنا نعم لكن هذا ~~ينقض ما بنوه من حيث يكون فاعلا للحوادث مبدعا لها وهم يأبون ذلك حيث يكون ~~فيه جهتان جهة كونه مرادا محبوبا وجهة كونه فاعلا مبدعا وهذا إذا قيل إنه ~~حق أفسد أصولهم ومذهبهم # والمسلمون لا ينكرون أن يكون الله رب كل شيء وإلهه فهو من PageV09P279 ~~جهة كونه ربا هو الخالق المبدع الفاعل ومن جهة كونه إلها هو المعبود ~~المألوه المحبوب # لكن هذا القول الذي يقوله المسلمون ينقض قولهم ويبطله فثبت بطلان قولهم ~~على ما ذكروه وعلى ما يقوله المسلمون # فتبين أن قوله إن الأفضل في الأول ما يوجد الأمر عليه من أنه علة وجود كل ~~موجود كلام مبني على محض الدعوى والكذب # أما الدعوى فإنه ادعى أن المتحرك لا بد له من معشوق منفصل # وأما الكذب فقوله إن ذلك هو العلة وجود المتحرك وإنما هو مجرد شرط وغايته ~~أن يكون جزءا من أجزاء العلة في وجوده فهذا إذا سلمت المقدمات كلها وهو أن ~~الفلك يتحرك بالإرادة وأن المتحرك بالإرادة لا وجود له إلا بحركته وأن ~~حركته لا بد لها من معشوق منفصل لم يثبت إلا مجرد كون ذلك شرطا في وجوده لا ~~علة تامة لوجوده فكيف إذا قيل إن المقدمات الثلاث باطلة كما هو مذكور في موضعه # ثم قال فهذا هو الأفضل من أن تكون العلة الأولى علة وجود هذا العالم في زمان # قال وكان يجب من هذا أن الأشياء الموجودة لم يكن لها بتة وجود ثم أخرجت ~~إلى الوجود فيلزم من ذلك أن يكون لوجود العالم علة أخرى مشاركة للعلة ~~الأولى فيه أو فوق العلة ms1973 الأولى لأنه إن لم يكن للعلة الأولى في إخراج ~~العالم إلى الوجود أمر من الأمور ولا ها هنا علة تعين أو تدعو العلة الأولى ~~إلى إخراج العالم إلى الوجود غير ذاتها ولا علة ترتبها PageV09P280 ~~وتعوقها فليس لتأخر وجود العالم عن وجود ذات العلة الأولى سبب يوجبه فكيف ~~يمكن أن يتأخر وجود زمانا بلا نهاية ثم يخرج إلى الوجود كحال من كان نائما فانتبه # فيقال لهؤلاء الذين مثلهم كما قال عبد الله بن عمر لما سأله بعض الناس عن ~~المحرم يقتل البعوض انظروا إلى هؤلاء يسألون عن دم البعوض وقد قتلوا ابن ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم # وكما يقال عن بعض الناس إنه كان يزني بامرأة وهو صائم فقال لها غطي وجهك ~~فقد كره العلماء القبلة للصائم # وكما يقال عن بعض النصارى إذ قال لبعض المسلمين أنتم تقولون إن راعيا هو ~~رسول الله فيقال له أنتم تقولون إن جنينا في بطن أمه هو الله # ونظائر هذه الأمثال كثيرة التي ينكر فيها الرجل شيئا وقد التزم ما هو ~~أولى بالإنكار منه # فإن هؤلاء قالوا إذا كان العالم محدثا بعد أن لم يكن لزم افتقار العالم ~~إلى شيء غير العلة الأولى وهم لم يذكروا أن العلة الأولى أبدعت العالم أصلا ~~بل قولهم مضمونه إن العالم أبدعه غيرها أو هو واجب آخر بنفسه ليس هو مبدع ~~ولكن هو محتاج اليها احتياج المحب إلى محبوبه وهم لم يثبتوا هذا الاحتياج ~~إلا بمقدمات إذا حقق الأمر عليهم فيها ظهر جهلهم وتناقضهم فغاية ما أثبتوه ~~ليس فيه أن العالم إبدا الأول أصلا مع أنهم ينكرون على من جعله محدثا ~~للعالم لكون الحادث يفتقر إلى سبب حادث فهل يكون أعظم تناقضا من مثل هذا القول PageV09P281 # ثم يقال الأجسام المتحركة إما أن تكون أو شيء منها واجب الوجود بذاته ~~وإما ألا تكون ولا شيء منها واجب الوجود بذاته # فإن كان منها شيء واجب الوجود بذاته بطل ما أثبتوه من أن الواجب بنفسه ~~وهو العلة الأولى لا يمكن ms1974 أن يتحرك إذ كان على هذا التقدير قد قيل إن شيئا ~~واجبا بنفسه وهو متحرك # وعلى هذا التقدير فلا يبقى لهم طريق إلى إثبات محرك لا يتحرك إذا أمكن أن ~~يكون الواجب بنفسه متحركا # وإن لم يكن في الأجسام المتحركة ما هو واجب بنفسه فقد ثبت أن الأفلاك ~~المتحركة كلها ممكنة مفتقرة إلى واجب يكون فاعلا مبدعا لها سواء قيل إنها ~~قديمة أو حادثة فإن الممكن لا بد له من فاعل سواء قيل بقدمه أو حدوثه إذ ~~كان لا يكون بنفسه # ولو قيل إنه لا فاعل له ولا مبدع كان واجبا بنفسه فالشيء إما أن يكون ~~وجوده بنفسه وإما أن يكون وجوده بغيره فالأول هو الممكن بنفسه والثاني هو ~~الواجب بنفسه # وقد نازعهم من نازعهم في أن الممكن لا يجوز أن يقارن وجود الواجب بل لا ~~بد من تأخره عنه # لكن ليس مقصودنا في هذا المقام منازعتهم في ذلك بل نتكلم على تقدير ما ~~يدعونه من أن الممكن يقارن وجوده وجود الواجب مع كونه معلولا موجبا له ~~صادرا عنه وهم يسمون الواجب علة ومبدعا وفاعلا وقد يسمونه محدثا لكن هذه ~~تسمية بعض من أظهر الإسلام منهم لئلا PageV09P282 ~~يخالف المسلمين في الظاهر كما فعل ذلك ابن سينا وغيره # لكن بكل حال لا بد للممكن الذي لا يوجد بنفسه من موجب يوجبه بل يوجب ~~صفاته وحركاته لا يكفي في وجوده مجرد وجود محبوبه بل لا بد من موجب لذاته ~~وصفاته بل وموجب لنفس حبه # ثم إذا قيل إنه محب لشيء منفصل عنه لزم احتياجه إلى المحبوب وأما كون ~~مجرد المحبوب هو المبدع له الموجب لذاته وصفاته وأفعاله من غير اقتضاء ولا ~~إيجاب ولا إبداع من المحبوب بل لمحض كونه محبوبا فهذا مما يعرف ببديهة ~~العقل فساده # وهم وكل عاقل يفرق بين العلة الغائية والعلة الفاعلة فالمحبوب يقتضي ثبوت ~~العلة الغائية ولا بد من علة فاعلية فإن جعلوا المحبوب هو العلة الفاعلية ~~لزم كونه مبدعا له وهو المطلوب وحينئذ يخاطبون على هذا التقدير ms1975 بما يبين ~~فساد قولهم # وإن لم يجعلوه مبدعا له لم يكن لهم دليل على إثبات علة فاعله لوجود ~~العالم وقيل لهم افتقار الممكن إلى مبدع له ولصفته ولحركته أبين من افتقاره ~~إلى محبوب له # قال ثابت بن قرة وأرسطو طاليس ليس ينكر هذا الرأي المجدد والظن الذي يظنه ~~كثير من الناس من أنه يلزم من رأى أرسطو أن العالم أبدي أن يكون غير معلول ~~في جوهره لعلة خارجة عنه ظن كاذب # فيقال له الذين يظنون هذا يقولون إن هذا لازم لأرسطو لأنه لم يثبت أن ~~العالم معلول بعلة فاعلة مبدعة له وإن كان مقارنا لها بل إنما PageV09P283 ~~أثبت بما ادعاه من المقدمات أنه لا بد من محبوب يتحرك لأجله وليس مجرد كون ~~الشيء محبوبا يوجب أن يكون علة فاعلة مبدعة لمحبه فلهذا ألزموه ذلك # ثم هذا اللازم له إن اعتقده وإن لم يعتقده يقتضي بطلان قوله لأنه إذا كان ~~العالم واجبا بنفسه ليس له مبدع مع كونه مفتقرا إلى محبوب له كما يقول ~~أرسطو لزم كون الواجب بنفسه مفتقرا إلى شيء منفصل عنه في بعض صفاته # وحينئذ فإذا قيل بأن الواجب المبدع للعالم مفتقر إلى شيء بعينه على إبداع ~~العالم لم يكن باطلا على هذا القول الذي يلزم أرسطو # وأيضا فعلى هذا التقدير إذا كان الواجب بنفسه متحركا لغيره فلأن يكون ~~متحركا لنفسه أول وأحرى وأرسطو أبطل كون الأولى متحركا بحجج تنقض مذهبه # قال ثابت وأرسطو طاليس يقول فإن كان الأمر كما يظن من رأى أن للعالم ~~ابتداء زمانيا فما العلة التي أوجبت أو دعت إلى إخراج العالم إلى الوجود ~~بعد أن لم يكن موجودا زمانا بلا نهاية وما هذه العلة الباعثة للعلة الأولى ~~على ذلك وما كانت العلة المرتبة # فيقال له هذا كله يبين فساد قولك فإنه يقال إما أن يكون العالم واجب ~~الوجود بنفسه وإما أن يكون ممكنا فإن كان واجبا بنفسه فما العلة التي أوجبت ~~أو دعت إلى إحداث ما فيه من الحوادث وحركته المتحددة وتحريكه لما ms1976 يحركه وما ~~هذه العلة الباعثة للواجب بنفسه على PageV09P284 ~~ذلك وما كانت العلة المرتبة له عن إحداث الحوادث المتأخرة فإنه لا يزال ~~تحدث فيه أمور بعد أمور فما الموجب لتأخر هذه الحوادث بعد أن لم تكن حادثة # فأي شيء أجاب به عن ذلك كان جوابا له # فإن قال ليستكمل الشروط التي بها تتم الحوادث فقد جوز أن يكون فعل الواجب ~~الوجود لا يتم إلا بشروط تحدث وحينئذ فيجوز أن يقال إن الموجب لتأخر فعله ~~للعالم لتتم شروط إحداثه للعالم إذ كان فعل الواجب بنفسه على هذا التقدير ~~قد يتوقف على الشروط التي بها يحدث # وإن قال إن العالم ممكن # قيل له فلا بد له من واجب فعله وحينئذ فقد فعله على الوجه الذي هو عليه ~~من تأخر الحوادث فما الذى اوجب للفاعل ان يؤخر ما حدث من الحوادث وما الذي ~~دعاه إلى إخراج الحوادث إلى الوجود بعد أن لم تكن وما العلة الباعثة للفاعل ~~إلى ذلك # وأيضا فيقال لهم إن كان ممكنا صادرا عن الواجب فما الذي أوجب الأول أن ~~يفعله وما الذي دعاه إلى ذلك # فإن قالوا مجرد ذاته المجردة أوجبت ذلك # قيل فإذا كانت موجبة لما يصدر عنها لا يقف شيء من فعلها على غير الذات ~~المجردة وجب اقتران كل ما صدر عنها بها ووجب اقتران الصادر عن الصادر به ~~فحينئذ لا يتأخر شيء عن العالم بل يكون كله PageV09P285 ~~بجميع أجزائه قديما ملازما للذات المجردة وهو خلاف الحس والمشاهدة # وأيضا فيقال له فعل الأول إما أن يقف على داع وإما أن لا يقف على داع فإن ~~وقف على داع قيل لك ما الداعي الموجب لإبداعه للعالم على ما هو عليه من ~~الأمور المختلفة والحادثة وإن لم يقف على داع جاز أن يحدث ما حدث بلا داع ~~ولم يجب أن يكون لفعله علة # قال ثابت ويلزم أهل هذا الرأي أن يكون في المبدأ الأقصى الذي عنده يتناهى ~~الأبد في ابتداء كل فعل ما هو بالقوة وما بالقوة ليس يخرجه ما ms1977 هو له بالقوة ~~بغير علة داخلة عليه من خارج يصير معلولا لها في تلك الجهة لأنه إن كان ليس ~~لإخراج ما هو له بالقوة إلى الفعل سبب غير ذاته فيجب أن يكون وجوب ذلك ~~الأمر بالفعل مع وجود تلك الذات المخرجة له وذلك الشيء غير متأخر عن وجودها ~~وإن كان له سبب غير ذاته فإذن تكون العلة الأولى والمبدأ الأول ليس بمبدأ ~~أول على الحقيقة لأنه يحتاج حينئذ إن كانت تلك حاله إلى مبدأ آخر وأيضا ~~فيلزم جوهر العلة الأولى وإن كان لها ما هو بالقوة حينا لم يخرج إلى الفعل ~~حينا تغير وهذا أمر قد أضرب عنه سائر القدماء فينبغي أن يسلم لأرسطو طاليس ~~أن العلة الأولى على غاية ما يمكن من التمام والكمال وكما أنه ليس يمكن منه ~~في مادة من المواد أن تؤخرها الطبيعة لحظة من غير أن يعمل منها أجود ما ~~ينعمل من مثلها ما لم يعتور ذلك شيء من خارج كذلك يرى أرسطو طاليس أن الأمر ~~واجب في جملة أمر العالم أي في وجود جملته إذ كان بإمكانه لم يزل والإمكان ~~له بمنزلة المادة # فيقال له جواب هذا من وجوه PageV09P286 # أحدها أن يقال خروج ما بالقوة إلى الفعل إما أن يفتقر إلى علة من خارج ~~وإما أن لا يفتقر فإن لم يفتقر بطل هذا الكلام وإن افتقر فإما أن يفتقر إلى ~~علة خارجة فاعلة أو علة غائية أو كلاهما والافتقار إلى علة غائية وحدها غير ~~كاف لأن ما بالقوة إذا لم يخرج إلى الفعل إلا بعلة من خارج فلا بد أن يكون ~~علة لوجود كونه فاعلا وإلا مجرد المحبوب بدون ما به يفعل المحب مطلوبه لا ~~يوجب وجود الفعل # ولهذا إذا كان المحب غير قادر على الفعل لم يتحرك إلى المحبوب وتحركه إلى ~~المحبوب هو ممكن ليس بممتنع ولا واجب بنفسه والممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا ~~بمرجح تام يستلزم وجود الممكن فلا بد لفاعلية الممكن من مرجح تام الفاعلية ~~وذلك هو الفعل إذ مجرد ms1978 الغاية ليس مرجحا # تاما وإن افتقر خروج ما بالقوة إلى الفعل إلى علة من خارج علة فاعله أو ~~علة فاعلة وغائية # قيل له فحركة الجوهر الجسماني حينئذ تفتقر إلى فاعل خارج عنها وحينئذ ~~فذاك الفاعل لم يكن فاعلا لتلك الفاعلية في الأزل إذ لو كان كذلك للزم وجود ~~جميع الحركات والحوادث في الأزل لوجود فاعلها التام فتعين أنه صار فاعلا ~~لتلك الحوادث بعد أن لم يكن فاعلا # فيلزم حينئذ إذ جعل الممكن مفتقرا إلى علة خارجة أن تكون العلة صارت علة ~~لفاعليته بعد أن لم تكن علة وهذا قد يستدل به على العلية مطلقا سواء جعلت ~~فاعلية أو غائية # فإنه يقال كل ما حدث من الحوادث فإنه يمتنع وجود علته التامة في PageV09P287 ~~الأزل فإذن قد حدثت عليته علية الفاعل والغاية بعد أن لم تكن فيجب أن يكون ~~الأول قد صار علة فاعلية وغائية بعد أن لم يكن لكل ما يحدث على قولكم وهذا ~~يبطل ما ذكرتموه فيه # ثم يقال إذا كان هذا جائزا فيه جاز أن يكون حدوث الأفلاك لحدوث علية ~~حدوثها وأن تكون قبلها حوادث قائمة به أو منفصلة عنه متعاقبة ليس فيها ما ~~هو قديم بعينه # الوجه الثاني أن يقال لم قلت إن ما هو بالقوة لا يخرجه فاعله بغير علة ~~منفصلة قوله لأنه إن لم يكن لإخراجه سبب غير ذاته فيجب أن يكون مقارنا ~~للذات وإن كان له سبب غير ذاته لم تكن العلة الأولى مبدأ أولا على الحقيقة # فيقال له وأنت لم تجعل الأول مبدأ لوجود ما سواه بمعنى أنه فاعل له مبدع ~~وإنما جعلته مبدأ بمعنى أنه محبوب معشوق ومجرد كونه محبوبا معشوقا لا يوجب ~~وجود المحب وذاته وصفاته وأفعاله فليس الأول على ما ذكروه وحده مبدأ بل ما ~~ذكرته أبعد عن كونه مبدأ لأن كونه فاعلا يتوقف فعله على شيء من غيره أقرب ~~إلى كونه مبدأ من كونه ليس إلا مجرد كونه محبوبا # الثالث أن يقال ما تعني بقولك إن كان ليس لإخراجه سبب ms1979 غير ذاته أتعني به ~~ذاتا مجردة عن فعل يقوم بها أم ذاتا موصوفة بفعل يقوم بها PageV09P288 # فإن عنيت الأول كان اللازم أن الذات المجردة عن الفعل ليست مبدأ أول ولا ~~علة أولى وهم يلتزمون هذا فإن الذات المجردة من الفعل لا حقيقة لها عندهم ~~وهم يمنعون إن يكون الأول كذلك # وإن عنيت الثاني لم يلزم أن يكون المبدأ الأول ليس بمبدأ أول لأنه إذا ~~كان مبدأ بما هو عليه من صفاته وأفعاله التي لا يحتاج فيها إلى غيره كان هو ~~المبدأ الأول من غير احتياج إلى غيره # الوجه الرابع أن يقال العالم إن كان واجب الوجود بنفسه مع كونه مفتقرا ~~إلى محبوب كان واجب الوجود معلولا من بعض الجهات فجاز حينئذ أن يكون ~~المحبوب الأول مع وجوب وجوده بنفسه من خارج ما يصير به فاعلا فإن العالم ~~حينئذ واجب الوجود وله من خارج ما به يصير فاعلا وإن كان ممكن الوجود بنفسه ~~لم يوجد إلا بمبدع فاعل يبدعه فالإبداع فعل من المبدع وصنع وأنت لم تجعل ~~الأول إلا محبوبا فقط # وأيضا فإذا كان الأول فاعلا مبدعا للعالم بما فيه من الأمور المختلفة ~~المحدثة امتنع أن يكون صانعا بالفعل لها في الأزل لأن ذلك يستلزم وجود كل ~~من المحدثات في الأزل وهو مكابرة للحس # فيلزم أنه كان صانعا بالقوة ثم صار صانعا بالفعل من غير سبب خارج عنه إذ ~~الخارج عنه كله على هذا التقدير ممكن مفعول له ففعله له لو توقف على تأثير ~~فيه لزم الدور PageV09P289 # ومن تدبر هذه الوجوه وما يناسبها تبين له فساد قول هؤلاء في رب العالمين ~~وأن الحق ليس إلا ما جاء عن المرسلين بالعقل الصريح المبين # وأما قوله وأيضا فيلزم جوهر العلة الأولى تغير وهذا أضرب عنه القدماء ~~فجوابه من وجوه # أحدها أن صدور التغير عن غير المتغير إما أن يكون ممكنا وإما أن يكون ~~ممتنعا فإن كان ممكنا بطلت هذه الحجة ثم يجوز أن يقال كان بحيث لا يصدر عنه ~~شيء ثم صدر عنه ms1980 شيء من غير تغير كما يقول ذلك كثير من أهل النظر # وإن كان ممتنعا قيل له فالعالم المتغير إما أن يكون صادرا عنه وإما أن لا ~~يكون فإن كان صادرا عنه لزم أن يكون متغيرا وإن لم يكن صادرا عنه فهو إما ~~واجب بنفسه وإما ممكن # فإن كان واجبا بنفسه وهو مع ذلك متغير فقد لزم أن يكون الواجب بنفسه ~~متغيرا وإن كان ممكنا بنفسه لزم أن يكون الممكن قد وجد بلا موجب وهذا مع ~~اتفاق العقلاء على فساده فهو معلوم الفساد بالضرورة # ثم من جوز أن يوجد الممكن بلا فاعل فلأن يجوز تغير الواجب أولى وأحرى لأن ~~هذا فيه مصير ما ليس بشيء شيئا من غير فاعل فلأن يصير شيئا بفاعل متغير ~~أولى وأحرى # الوجه الثاني قولك هذا أمر أضرب عنه سائر القدماء لو كان PageV09P290 ~~هذا النقل حقا لم ينفعك لأنه لا حجة في إضراب من ليس بمعصوم وأنت لو احتج ~~عليك محتج بنصوص الأنبياء وهو ممن يعتقد عصمتهم وقد قام الدليل عنده على ~~ذلك لم تقبل حجته فلأن لا يقبل منك قول قوم توافقه أنت على عدم عصمتهم أولى ~~وأحرى فكيف وهذا النقل ليس صحيحا # بل كثير من القدماء ومن المتأخرين جوزوا أن تقوم بالأول أمور يشاؤها ~~ويقدر عليها بل صرحوا بأنه متحرك وأنه تقوم به إرادات حادثة وعلوم حادثة ~~وغير ذلك كما تقدم فإن لم يبطل قولهم بحجة عقلية لم يكن ما ذكرته حجة # الثالث أن يقال ما تعني بالتغير أتعني به استحالته كاستحالة الجسم من ~~صورة إلى صورة أو تعني به كونه يفعل ما لم يكن فاعلا له # فإن عنيت الأول منعت المقدمة الثانية فإن المتحركات التي يخرج منها ما ~~بالقوة إلى الفعل كالأفلاك لا تستحيل صورتها بذلك # وإن عنيت الثاني قيل لك هذا لا يسمى تغيرا أو لا نسميه تغيرا وإذا سميته ~~تغيرا لم يكن في مجرد تسميتك له ولا تسميتنا له إذا وافقناك على التسمية ما ~~يمنع جوازه # فإن مجرد الألفاظ لا تثبت بها ms1981 المعاني العقلية فلم قلت إن هذا المعنى ممتنع # بل هذا هو نفس المتنازع فيه لكن بدلت العبارة عنه أفبأن بدلت PageV09P291 ~~العبارة عنه صادرت عليه وجعلته مقدمة في إثبات نفسه ونحن لا نعني بالتغير ~~إلا كونه يفعل ما لم يكن فاعلا # الوجه الرابع أن يقال لك نحن نشاهد حدوث الحوادث وأنت تسمي ذلك إخراج ما ~~بالقوة إلى الفعل فلا بد حينئذ في حدوث الحوادث من إخراج ما بالقوة إلى ~~الفعل فمحدثها أخرج ما بالقوة إلى الفعل والمحدث لإحداثه الذي جعله يخرج ما ~~بالقوة إلى الفعل كذلك وهلم جرا فإن قدرت مع هذا محدثا لفاعليته غير مخرج ~~ما بالقوة الى الفعل بطلت حجتك # وإن جعلت الأول أخرج ما بالقوة إلى الفعل بطل أيضا دليلك # وإن ادعيت أن بعض الفاعلين يخرج ما بالقوة إلى ما بالفعل دون الآخر بطل ~~دليلك فهو باطل على كل تقدير # وذلك أنه يلزمه أحد أمرين كلاهما يبطل قوله فإنه إن أثبت فاعلا يخرج ما ~~بالقوة إلى الفعل من غير سبب من خارج أمكن أن يكون الأول كذلك فبطل قوله # وإن لم يجوز أن يكون فاعلا يخرج ما بالقوة إلى الفعل إلا بسبب من خارج ~~لزمه أن يكون كل فاعل للحوادث لم يحدث فاعليته إلا بسبب أخرج ما بالقوة إلى ~~الفعل فإن كان الأول كذلك لزم التسلسل الممتنع وإن لم يكن كذلك كان الأول ~~مخرجا لما بالقوة إلى الفعل من غير سبب من خارج وذلك يبطل قوله PageV09P292 # قال فينبغي أن يسلم لأرسطو طاليس أن العلة الأولى على غاية ما يمكن من ~~التمام والكمال # فيقال له أولا أرسطو لم يثبت علة أولى مبدعة للعالم ولا فاعلة له وإنما ~~أثبت علة غائية له ولم يقم على ذلك دليلا فهو مع أنه لم يذكر إلا جزء علة ~~لم يقم عليه دليلا فأي تمام وكمال أثبته للعلة الأولى # واما أهل الإثبات فيقولون نحن نثبت للأول غاية ما يمكن من التمام والكمال ~~بما نثبته له من صفات الكمال وأفعاله سبحانه وتعالى فنحن أحق بوصفه ms1982 بالكمال ~~من وجوه لا تحصر # وإذا قال القائل فلم تأخر ما تأخر من مفعولاته # قلنا هو لازم على القولين فلا يختص بجوابه # ثم يقال الموجب لذلك ما تقول أنت في نظيره في تأخر الحوادث مثل استجماع ~~الشروط التي بها يصلح كون الحادث مفعولا أو بها يمكن كونه مفعولا فإن عدمه ~~قبل ذلك قد يكون لعدم الإمكان وقد يكون لعدم الحكمة الموجبة تأخره إذ لا بد ~~في الفعل من القدرة التامة والإرادة التامة المستلزمة للحكمة # وأما قوله كما أنه ليس يمكن أن تؤخر الطبيعة فعلها في المادة القابلة إلا ~~لعائق فكذلك الأمر في العالم إذا كان بإمكانه لم يزل والإمكان له بمنزلة المادة PageV09P293 ~~فيقال أولا أنت لم تثبت له فعلا ولا إبداعا بل الطبيعة عندك تفعل والأول لم ~~يثبت إلا كونه محبوبا للتشبه به وأثبت ذلك بلا دليل # ويقال لك ثانيا إن كان مجرد الإمكان موجبا لكون الممكن مقارنا للواجب لزم ~~أن يكون كل ما يمكن وجوده أزليا وهذه مكابرة للحس والعقل # فإن قلت إن بعض الممكنات توقف على شروط أو يكون له مانع # قيل لك فحينئذ ما المانع أن يكون إبداع الأول للعلل متوقفا على شروط أو ~~له مانع مع كونه الأول لم يزل يفعل أفعالا قائمة بنفسه أو مفعولات منفصلة ~~عنه كما يقوله أساطين أصحابك من الفلاسفة المتقدمين على أرسطو أو غيرهم # ويقال لك ثالثا إن كان العالم واجبا لنفسه فقد تأخر كثير من أفعاله فيلزم ~~أن يتأخر ما يتأخر من فعل الواجب بنفسه وإن كان ممكنا بنفسه ففاعله قد أخر ~~كثيرا مما فيه من الأفعال # وعلى كل تقدير فقد تأخر عن الواجب بنفسه ما تأخر من مفعولاته فعلم أنه لا ~~يلزم مقارنة مفعولاته كلها له وإذا جاز تأخر ما يتأخر من مفعولاته فلم لا ~~يجوز أن تكون الأفلاك من ذلك المتأخر # قال إلا أن قوما يرون أنه يجب مع هذا أعني من وجوب وجود العالم مع العلة ~~الأولى أن لا يكون صنع إرادي للعلة الأولى في وجود PageV09P294 ~~العالم ms1983 كما لا صنع لها في وجود جوهرها إذ كان وجود العالم غير ممكن تأخره ~~عن وجود جوهر العلة الأولى فيكون وجوده لازما اتباعه لوجود العلة الأولى ~~فتكون العلة الأولى علة طبيعية للعالم ومتممة له فيكون القياس في ذلك ~~كالقياس فيما يفعله الفلك ويؤثره بطبيعته إذ وجود ذلك مع وجود جوهر الفلك ~~لا سيما وأرسطو طاليس يقول إن المحرك الأول هو علة حركة كل ما في الكون ~~بالتشوق # فالأولى على ظاهر الأمر أن يكون الشيء المتشوق إليه تشوق بجهة طبيعته لا ~~بإرادته لأنه قد يمكن أن يكون المعشوق المتشوق إليه نائما أو غير ذي إرادة ~~وهو يحرك المشتاق إليه والعاشق له إلا أنه ينبغي أن يترك أمر العلة الأولى ~~في جوهرها وسائر أمورها على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه # فإذن ليس يؤثر جوهر هذه العلة أثرا ولايفعل فعلا منقلبا عن قصدها ~~وإرادتها ولا دون إرادتها إذ ليس في هذه الذات نقص يحتاج فيه إلى تمام من ~~خارج ولا فوق جوهرها أمر تقتبس منه ازديادا في شيء من حاله ولا يعرض لها ~~أمر تحتاج إلى استدفاعه فجوهرها إذن ليس فيه شوق إلى شيء ولا منافرة لشيء ~~ولا قبول لتغيير ولا لحدوث شأن متجدد له # فليس يوجد إذن أمر يحدث هذه الذات بالطبع وبغير إرادة وليس يوجد إذن أمر ~~يدعو هذه الذات إلى حال أو شأن ليس هي المبدأ الأول له والعلة فيه # وبالجملة فكل ما كان له ما هو بالطبع على الجهة الطبيعية التي PageV09P295 ~~بنحوها فإنه يلزم أن يوجد في جوهره شوق بالطبع إلى حال لا تملكها إرادته ~~والمشتاق معلول من جهة شوقه للشيء المشوق له والشيء المشوق له مبدأ له في ~~ذلك الشوق ومن جهة أنه هو له علة تمامية من جهة من الجهات # وليس يليق هذا الأمر ألبتة بالمبدأ الأول ولكنه مبدأ لكل طبيعة ولكل شوق ~~ولكل حركة # هذا كلامه ولقائل أن يقول هذا الكلام قد كشف فيه قوله ومذهبه وقد تبين في ~~ذلك من التناقض والفساد ms1984 ما يطول ذكره بالوصف والتعداد وذلك من وجوه # أحدها قول أرسطو إن المحرك الأول هو علة كل ما في الكون بالتشوق والمتشوق ~~إليه إنما تشوق بجهة طبيعته لا إرادته ولأنه قد يكون المعشوق المتشوق إليه ~~نائما أو غير ذي إرادة وهو يحرك المشتاق إليه والعاشق له إلا أنه ينبغي أن ~~يترك أمر العلة الأولى في جوهرها وسائر أمورها على أفضل ما يمكن أن يوجد ~~شيء عليه فإذن ليس يؤثر أثرا ولا يفعل فعلا لا عن إرادتها ولا بدون إرادتها ~~إلى آخر كلامه # فيقال له قد صرحتم في كلامكم بأن الأول ليس له فعل بإرادة ولا بدون إرادة ~~ولا تأثير في العالم أصلا إلا من جهة كونه معشوقا متشوقا إليه والمعشوق ~~المتشوق إليه لا يجب أن يكون شاعرا بالعاشق ولا مريدا له ولا قادرا على فعل ~~يفعله به بل الجمادات تحب ويشتاق إليها كما PageV09P296 ~~يشتاق الجائع إلى الطعام والعطشان إلى الشراب والبردان إلى الثياب والضاحي ~~في الشمس إلى الظلال # ثم إنكم مع هذا لم تذكروا على ذلك دليلا صحيحا ولكن نحن نخاطبكم بما ~~أقررتم به # فيقال إذا كان بهذه المثابة لم يكن علة للعالم ولا مبدأ له ولا فاعلا له ~~ولا مؤثرا فيه أثرا فبطل قولكم إنه علة العلل وإنه المبدأ الأول # قولكم إنه علة طبيعية للعالم ومتممة له غاية ما في الباب أن العالم يكون ~~محتاجا إليه من كونه مشتاقا إليه والشيء المشتاق إليه لا يجب أن يكون هو ~~المبدع المشتاق ولا الفاعل له ولا يكون مؤثرا فيه كما اعترفتم به وكما هو ~~معلوم لكل عاقل # فإن كون الشيء علة غائية لا يستلزم أن يكون علة فاعلية لا سيما وإنما هو ~~علية من جهة أن الفلك يجب التشبه به فهذا مع ما فيه من جحد وجود واجب ~~الوجوب المبدع للعالم فيه من تناقض قولكم ما قد تبين # وسنبين إن شاء الله فرقهم بين العلة الأولى وبين العالم القديم بأنه جسم ~~وأن الجسم لا تكون فيه قوة غير متناهية وما ذكروه ms1985 في ذلك # الوجه الثاني أن يقال هذا القول الذي قلتموه يبطل حجتكم على قدم العالم ~~أيضا فإنه إذا لم يكن مؤثرا في العالم وعلة له ومبدأ ومحركا له إلا من جهة ~~كونه محبوبا شائقا معشوقا أمكن تأخر وجود العالم عن وجوده فإن الشيء ~~المشتاق إليه قد يتأخر عنه ما يشتاقه والشيء PageV09P297 ~~المشتاق إليه هو مستلزم لوجود المشتاق بل الأمر بالعكس فالمشتاق إليه غني ~~عن المشتاق والمشتاق محتاج إلى المشتاق إليه # وحينئذ فيمكن وجود الأول للمشتاق إليه بدون وجود العالم المشتاق ثم بعد ~~هذا يوجد العالم المشتاق ولا يقدح ذلك في كمال المشتاق إليه # فإن قلتم فما الموجب لوجود العالم بعد هذا # قيل لكم هو الموجب لوجوده قبل هذا على أصلكم فإنكم لم تثبتوا للعالم ~~مبدعا فاعلا وحينئذ فلا فرق بين تقدم وجوده وبين تأخره إلا أن تقولوا إنه ~~واجب الوجود بنفسه # وإذا قلتم إن العالم مع احتياجه إلى المعشوق الغني عنه واجب الوجود بنفسه ~~كان قولكم أعظم تناقضا # ونحن نبين ذلك بالوجه الثالث فنقول إذا أثبتم للعالم وعلته المعشوقة له ~~التي يجب التشبه بها وتتحرك لاستخراج ما فيه من الأيون والأوضاع لأن ذلك ~~غاية التشبه بها فإما أن تقولوا هذا واجب الوجود بنفسه أو تقولوا إن أحدهما ~~ممكن بنفسه لا يوجد إلا بالواجب بنفسه # فإن قلتم بالأول ثبت أن العالم المحتاج إلى محبوبه واجب الوجود بنفسه مع ~~كونه معلولا من هذه الجهة وكونه ذي إرادة وشوق وكونه يؤثر آثارا ويفعل ~~أفعالا بالإرادة PageV09P298 # وقد قلتم إن هذا لو كان في الأول لكان نقصا يحتاج فيه إلى تمام من خارج ~~فقد أثبتم في الواجب بنفسه نقصا يحتاج فيه إلى تمام من خارج فإن كان هذا ~~جائزا في الواجب بنفسه لم يمتنع هذا في الأول المعشوق بل جاز مع وجوبه ~~بنفسه أن يكون أيضا عاشقا مريدا مؤثرا فاعلا فيه على أصلكم نقص يحتاج فيه ~~إلى تمام من خارج # وإذا كان هذا غير ممتنع في الواجب بنفسه بطل ما ذكرتموه من امتناع ذلك عليه ms1986 # وأيضا فإذا جاز ذلك عليه لم يكن أحدهما بكونه عاشقا والآخر معشوقا أولى ~~من العكس بل يمكن أن يكون كلاهما محبا للآخر مشتاقا إليه # وبتقدير أن يكون هو المحب للعالم المريد له يكون هو المحدث لما فيه من ~~الحركات # ثم على هذا التقدير لا يجب أن تكون الأفلاك هي الواجبة بنفسها بل يمكن أن ~~يقال هناك واجب بنفسه غيرها ثم إن أحد الواجبين أحدث الأفلاك لما حدث له من ~~الشوق كما تقولون فيما يحدث بحركة الفلك # وفي الجملة إذا قالوا إن العالم واجب الوجود بنفسه نقضوا كل ما ذكره في ~~المبدأ الأول ولم يكن لهم حجة على الطبيعية الذين ينكرون الأول # والطبيعية الذين يقولون العالم واجب بنفسه قولهم أفسد من قول هؤلاء ~~الإلهيين منهم كلهم كما قد بين فساد قولهم في غير هذا الموضع PageV09P299 # لكن فساد أقوالهم يظهر من وجه آخر من غير التزام صحة قول الإلهيين بل قول ~~كلا الطائفتين باطل متناقض يعلم بطلانه وتناقضه بصريح العقل # وإن قال هؤلاء الإلهيون إن العالم ممكن الوجود بنفسه فلا بد أن يكون هناك ~~واجب هو علة فاعلة له لا يكفي في وجوده ما هو مشتاق إليه فإن ما لا وجود له ~~من نفسه ليس له من نفسه لا صفة ولا شوق ولا حركة ولا شيء من الأشياء فلا بد ~~لكم من إثبات مبدع للممكن قبل إثبات شوقه إلى غيره ثم يبقى النظر بعد ذلك ~~في قدمه وحدوثه نظرا ثانيا # الوجه الرابع أن يقال قولهم أولا إن قوما يرون أنه يجب من هذا أي من وجوب ~~وجود العالم مع العلة الأولى ألا يكون صنع إرادي للعلة الأولى في وجود ~~العالم كما لا صنع لها في وجود جوهرها إذا كان وجود العالم غير ممكن تأخره ~~عن وجود جوهر العلة الأولى إلى آخره # فيقال لكم إرادة العلة الأولى إما أن يستلزم تأخر فعلها للعالم أو يجوز ~~مع ذلك تقدم فعلها للعالم فإن كانت الإرادة تستلزم تأخر المراد لزم تأخر ~~العالم المشتاق صاحب الإرادة والشوق ms1987 فإن العالم عندكم قديم له إرادة وشوق ~~قديم فإن كان القديم لا يكون له شوق وإرادة بطل قولكم بقدم العالم مع القول بشوقه PageV09P300 # وإن كان القديم يمكن أن يكون له إرادة وشوق أمكن أم يكون الأول له إرادة ~~وشوق مع قدمه وأن يكون صانعا للعالم صنعا إراديا وهذا أيضا يبطل قولكم # الوجه الخامس أن يقال القديم إما أن يجوز أن يكون له إرادة وإما ألا يجوز ~~فإن لم يجز امتنع كون العالم قديما مريدا وحينئذ فلا يبقى لكم حجة على ~~إثبات المبدأ الأول فإنكم إنما أثبتموه بأنه معشوق للعالم المتحرك بالإرادة ~~مع قدم العالم فإذا امتنع كون القديم مريدا لم يلزم أن يكون هناك معشوق ~~قديم فلا يبقى دليل على ثبوته وإن جاز أن يكون القديم مريدا جاز كون الأول ~~مريدا وبطل قولكم إنه لا صنع إرادي للعلة الأولى # فأنتم بين أمرين إما سلب الإرادة عن العالم القديم وإما إثباتها للأول ~~القديم وأيهما قلتم بطل قولكم ببطل قولكم وسنتكلم إن شاء الله على فرقهم # بل يقال في الوجه السادس إنكم لو أثبتم الإرادة للأول القديم وسلبتموها ~~عن الفلك كما يقول ذلك من يقوله من أهل الملل كان أقرب إلى المعقول من ~~إثباتها للفلك ونفيها عن العلة الأولى فإن صريح العقل يعلم أن العلة ~~والمبدأ الأول أولى أن يكون مريدا من المعلول الثاني فإن الفعل إن لم ~~يستلزم إرادة لم تستلزم حركة الفلك إرادة وإن استلزم إرادة فالعلة الفاعلة ~~أولى بالإرادة من المعلول المفعول # ألا ترى أن المعلولات قد تكون جامدة كالعناصر والنباتات التي لا إرادة لها PageV09P301 # يبين ذلك أن الحركات ثلاثة الطبيعية والقسرية والإرادية فالقسرية تابعة ~~للقاسر والطبيعية لا تكون إلا إذا خرج الجسم عن مركزه فيميل بطبعه إلى ~~مركزه فكلاهما عارضة وإنما الحركة الأصلية هي الإرادية # وإذا كان كذلك فالمعلول المفعول يحتاج إلى إرادة فاعلة أعظم من حاجته إلى ~~كونه هو مريدا فإنه إذا كانت جميع الحركات مستندة إلى الإرادة فمن المعلوم ~~أن احتياجها إلى إرادة الفاعل أعظم من ms1988 احتياجها إلى إرادة المفعول # فإن قالوا الفلك عندنا ليس بمعلول عن واجب مبدع بل هو قديم واجب بنفسه ~~كان ما يلزمهم على هذا التقدير مثل جعل الواجب بنفسه جسما متحيزا تحله ~~الحوادث مفتقرا إلى علة يتشبه بها وسائر اللوازم أعظم مما فروا منه # الوجه السابع أن يقال الممكن لا يوجد إلا بفاعل ويمكن وجوده بدون كونه ~~مشتاقا فوجوده مشروط بالفاعل له ليس مشروطا بكونه مشتاقا فكيف يجوز إثبات ~~ما لا يحتاج الممكن في وجوده إليه وإلغاء ما لا يكون موجودا إلا بوجوده # الوجه الثامن أن يقال قولكم فتكون العلة الأولى علة طبيعية للعالم ومتممة ~~له ويكون القياس في ذلك كالقياس فيما يفعله الفلك ويؤثره بطبيعته أو وجوده ~~ذلك مع وجود جوهر الفلك لا سيما PageV09P302 ~~وأرسطو يقول إن المتحرك الأول إنما يحرك كل ما في الكون بالشوق وهو شوق ~~المتحرك إليه إلى آخره # فيقال هذا كلام متهافت متناقض وذلك أن ما يفعله الفلك ويؤثره بطبيعته هو ~~عندكم مريد له مع أن وجوده مع وجود الفلك وقد شبهتم فعل الأول بفعل الفلك ~~ثم قلتم إن الأول ليس له إرادة ولا تأثير فهذا التمثيل يناقض هذا التفريق # الوجه التاسع أن يقال الفلك إما أن يكون فاعلا بالإرادة وإما ألا يكون ~~فإن كان الأول وهو قولكم ووجود فعله مع وجوده لزم أن يكون الفعل الإرادي ~~يجوز مساوقته للفاعل وألا يتأخر عنه وهذا يبطل قولكم إنه يجب من وجوب وجود ~~الفلك مع العلة الأولى أن يكون لا صنع إرادي للعلة الأولى في وجود العالم ~~فإنكم حينئذ أثبتم فاعلا فعلا إراديا مع كون فعله موجودا معه # واما قولكم كما لا صنع لها في وجود جوهرها فهذا تمثيل ساقط إلى غاية فإن ~~الواجب بنفسه لا يكون فاعلا لنفسه وأما معلوله فلا بد أن يكون فاعلا له ~~فكيف يقال لا يفعل معلوله كما لا يفعل نفسه # وإن لم يكن الفلك فاعلا بالإرادة بطل كونه مشتاقا عاشقا وبطل ثبوت المبدأ ~~الأول وحينئذ فيبطل ما بنيتم عليه ثبوت الأول وقدم ms1989 العالم # الوجه العاشر قولكم ينبغي أن ينزل أمر العلة الأولى في جوهرها PageV09P303 ~~وسائر أمورها على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه كلام حق لكن أنتم من ~~أبعد الناس عنه فإنكم جعلتم أمر العلة الأولى من أنقص ما يمكن أن يكون وجود ~~شيء عليه بل جعلتموه أنقص من كل موجود شبيها بالمعدوم فإن الموجودات أقسام ~~أعلاها الذي يفعل غيره ولا ينفعل عن غيره وهذا هو الذي يجب أن يكون عليه ~~المبدأ الأول # والقسم الثاني الذي يفعل وينفعل كالإنسان # وثالثها الذي ينفعل ولا يفعل كالجماد # وأما ما لا يفعل ولا ينفعل فهذا لا يكون إلا معدوما وأنتم جعلتم الأول لا ~~يفعل شيئا ولا ينفعل فإنكم قد قلتم إنه لا يؤثر أثرا ولا يفعل فعلا لا عن ~~إرادة ولا دون الإرادة وقلتم أيضا إنه لا ينفعل عن غيره وهذا حال المعدوم # ووصفهم له بأنه معشوق لا يفيد فإن المحبوب المعشوق من الموجودات لا بد أن ~~يكون فاعلا أو منفعلا وأما ما لا يفعل ولا ينفعل فلا يحب ولا يحب ولا حقيقة ~~له فوصفتم الواجب الوجود المبدع لكل ما سواه بما هو أنقص من صفات سائر ~~الموجودات ولا يتصف به إلا المعدومات # الوجه الحادي عشر أنكم قلتم إن المحرك إنما يحرك الفلك لكون الفلك مشتاقا ~~إليه أي إلى التشبه به وقلتم إن المشتاق إليه إنما تحرك بجهة طبعية لا ~~إرادية لأنه قد يمكن أن يكون المعشوق المتشوق إليه نائما أو غير ذي إرادة ~~وهو يحرك المشتاق إليه PageV09P304 ~~والعاشق له إلا أنه ينبغي أن يترك أمر العلة الأولى في جوهرها وسائر أمورها ~~على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه # وأردتم تنزيهه أن يشبه بالنائم ونحوه وأنتم وصفتموه بدون صفة النائم فإن ~~المحبوب الذي لم يشعر بمحبه لنومه يمكن أن يتنبه فيشعر به ويمكن أن يحب محبه # ومن المعلوم أن المحبوب الذي يمكن أن يعلم بمحبه وأن يحبه أكمل من النائم ~~الذي لا يعلم به ولا يحبه وأنتم قد قلتم إنه لا ms1990 يمكن أن يكون منه محبة ~~لمحبه ولا أثر ولا فعل من الأفعال # وقال أرسطو وأكثركم إنه لا شعور له بمحبه بل قد يقولون إنه لا شعور له ~~بنفسه أيضا فهل هذا إلا وصف له بدون صفة النائم ونحوه من الناقصين # الوجه الثاني عشر أن يقال إذا نزل أمر الأول على أفضل ما يمكن أن يكون ~~وجود شيء عليه فمن المعلوم أن الموجود إذا انقسم إلى حي وميت فالحي أكمل من ~~الميت وإذا قسم إلى ما يقبل الاتصاف بالحياة والموت وما لايقبل فالذي يمكن ~~اتصافه بذلك كالحيوان أكمل ممن لا يمكن اتصافه بذلك كالجماد # وإذا قسم إلى عالم وجاهل وما لا يقبل لا هذا ولا هذا وقادر وعاجز وما لا ~~يقبل لا هذا ولا هذا كان ما يقبل واحدا منهما أكمل مما لا يقبل وما كان ~~عالما قادرا أكمل مما كان جاهلا عاجزا PageV09P305 # وإذا قسم إلى ما يكون فاعلا بالإرادة وما يفعل بغير إرادة وما لا يفعل لا ~~بهذا ولا بهذا كان ما يفعل بالإرادة أكمل مما يفعل بدون إرادة وما يفعل ~~بدون إرادة أكمل ممن لا فعل له وأنتم جعلتموه لا يفعل لا بإرادة ولا بدون إرادة # الوجه الثالث عشر قولكم فإذن لا يؤثر جوهر هذه العلة أثرا ولا يفعل فعلا ~~منقلبا عن إرادتها وقصدها ولا دون إرادتها إذ ليس في هذه الذات نقص يحتاج ~~فيه إلى تمام من خارج ولا فوق جوهرها أمر يقتبس منه ازديادا في شيء من حاله ~~إلى آخره # فيقال لكم إذا قدر ذات لها فعل وتأثير بالإرادة وذات ليس لها فعل ولا ~~تأثير لا بإرادة ولا بدونها شهد صريح العقل بأن الأول أكمل ولهذا كان ~~الحيوان أكمل من الجماد # وقلتم أنتم إن حركة الفلك إرادية وإن ذلك أكمل من أن تكون حركته غير ~~إرادية وإذا قدر مع هذا أن المتحرك بالإرادة محتاج إلى تمام من خارج وهو ~~متحرك لطلب ذلك التمام فهو أكمل من الذي لا يقبل التمام كالجماد فإذا كان ~~الأول عندكم لا شعور ms1991 له ولا إرادة ولا فعل بالإرادة ولا يمكن أن يكون له ~~شيء من ذلك كان المتحرك بالإرادة لطلب تمامه أكمل من هذا الناقص المسلوب ~~صفات الكمال الذي لا يمكن اتصافه به فالعميان والعرجان والصم والبكم العمي ~~أكمل من هذا الأول الذي فرضتموه والفلك أكمل منه بكثير وفيما ذكرتموه من ~~التناقض وغاية الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد # الوجه الرابع عشر أن يقال العالم إما أن يكون واجبا بنفسه PageV09P306 ~~وإما أن يكون ممكنا فإن كان ممكنا لم يوجد إلا بواجب يبدعه ويفعله فيلزم إن ~~يكون للأول فعل وتأثير وذلك مناقض ما ذكرتموه ثم إذا قدر من يفعل بإرادة ~~ومن يفعل بلا إرادة فالفاعل بالإرادة أكمل فيلزم أن يكون فاعلا له بالإرادة ~~حيث سلمتم أنه يجب أن ينزل أمره في جوهره وسائر أموره على أفضل ما يمكن أن ~~يكون وجود شيء عليه وإن كان العالم واجب الوجود بنفسه مع كونه عندكم مفتقرا ~~إلى الأول افتقار الشيء إلى من يتشبه به ويحركه بالإرادة حركة يحصل بها ~~تمامه أمكن أن يكون واجب الوجود يتحرك حركة إرادية يحتاج فيها إلى تمام من ~~خارج فثبت أنه على تقدير إمكان العالم بنفسه ووجوبه بنفسه يلزم أن يكون ~~الواجب بنفسه له فعل وتأثير وذلك ينقض ما ذكرتموه وإن وصفه بذلك أولى من ~~وصفه بكونه لا فعل له ولا إرادة ولا تأثير ولا يمكن اتصافه بشيء من صفات الكمال # الوجه الخامس عشر أن يقال أنتم فررتم من إثبات نوع من النقص له فأثبتم له ~~من النقائص ما يكون أنقص به من جميع الموجودات فإنكم فررتم من كونه يفعل ~~بإرادة وبغير إرادة لأن ذلك بزعمكم يستلزم نقصا يحتاج فيه إلى تمام من خارج # فيقال إذا قدر أنه لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة ولا فعل لا ~~بإرادة ولا غير إرادة ولا يؤثر شيئا أصلا ولا يتأثر عن شيء كان ما في ~~الموجود أكمل منه فهذا منتهى كل نقص ومن كان فيه نقص يمكنه إتمامه من خارج ms1992 ~~كان خيرا من العدم ومن لا يمكنه إتمام نقصه PageV09P307 # الوجه السادس عشر أن يقال ما هو النقص الذي نزهتموه عنه فإن النقص لا ~~يعقل إلا عدم كمال أو وجود مناف لكمال فعدم العلم والحياة والقدرة يسمى ~~نقصا ووجود الصمم والبكم والخرس المنافي لهذه الصفات يسمى نقصا ثم ما كان ~~قابلا للاتصاف بصفات الكمال أكمل ممن لا يقبلها فإذا كان عندكم لا متصفا ~~بها ولا قابلا للاتصاف بها كان هذا غاية ما يعقل من النقص فما النقص الذي ~~نزهتموه عنه # فإن قالوا نزهناه عن طلب تمامه من خارج فإن كون تمامه لا يحصل بسبب من ~~خارج النقص # فيقال لهم هذا باطل من وجوه # أحدها أن هذا إن كان نقصا فما وصفتموه به من النقائص أعظم من هذا وأكثر # الثاني أن يقال فكون تمامه ممكنا وهو طالب له أكمل من كونه لا يقبل ~~التمام ولا يطلبه # الثالث ولم قلتم إن هذا نقص فإن النقص إنما يكون نقصا إذا عدم ما ينبغي ~~وجوده أو ما يمكن وجوده فإذا قدر أمر لا يمكن وجوده في الأزل أو لا يصلح ~~وجوده في الأزل فلم قلتم إن عدم هذا نقص # الرابع أن يقال ظنكم أن تمامه يحتاج إلى سبب منفصل غلط كما قد بسط في ~~موضع آخر فليس هو محتاجا في شيء من أفعاله فضلا عن صفاته وذاته إلى سبب ~~خارج عنه # الوجه السابع عشر أن يقال لم قلتم إن الأول إذا كان فاعلا مؤثرا PageV09P308 ~~بالإرادة لزم أن يكون فيه نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج فإن هذا إنما ~~يلزم لو كان المحرك له شيئا منفصلا عنه أما إذا لم يكن مبدأ فعله إلا منه ~~لم يلزم أن يكون محتاجا إلى تمام من خارج وأنتم لم تقيموا دليلا على أن كل ~~فاعل بالإرادة لا يكون مبدأ فعله إلا بسبب من خارج بل ادعيتم هذا دعوى ~~مجردة ومن هنا يتبين فساد أصل كلامهم فنقول فيه # الوجه الثامن عشر أنتم لما ذكرتم أن حركة الأفلاك إرادية قلتم ms1993 إن المتحرك ~~بالإرادة لا يكون الا بحبوب منفصل عنه ثم انكم قلتم الأول لا يتحرك ~~بالإرادة لئلا يكون له محبوب منفصل فنحتاج إليه ولم تذكروا دليلا على أن كل ~~متحرك بالإرادة يجب أن يكون مفتقرا إلى محبوب منفصل بل ذكرتم هذا دعوى ~~مجردة بنيتم عليها إثبات الأول وبنيتم عليها امتناع كون الأول مؤثر ويفعل ~~بإرادة أو غير إرادة وإذا لم يفعل بإرادة ولا غير إرادة امتنع وجود ~~الممكنات فامتنعت حركتها بالإرادة فامتنع احتياجها إلى معشوق فبطل دليلكم ~~على إثبات الأول فكان نفس دعواكم التى بنيتم عليها اثبات الأول وسلب أفعاله ~~ولم تقيموا عليها دليلا هي بعينها تستلزم عدم دليلكم على ثبوت الأول فتبين ~~أنه ليس في كلامكم لا إثبات للأول ولا نفي لشي عنه # الوجه التاسع عشر أن يقال لم قلتم إن كل فاعل بالإرادة أو كل متحرك ~~بالإرادة يجب أن يكون محتاجا إلى مراد منفصل عنه غني عنه ولم PageV09P309 ~~تذكروا على هذا دليلا ويقال لكم لم لا يجوز أن يكون هو المراد المحبوب ~~فيكون محبا لنفسه فهو المحب وهو المحبوب أو يكون مريدا محتاجا لما هو مفعول ~~له فيكون هو الفاعل لما هو مراده فلا يكون في ذلك احتياجه إلى غيره # وأنتم تقولون ما هو موجود في كتبكم إن الأول عاشق ومعشوق وعشق ولذيذ ~~وملتذ ومبتهج ومبتهج به فإذا جاز عندكم أن يكون محبا محبوبا مريدا مرادا ~~فلم لا يجوز أن يكون إذا فعل بالمحبة والإرادة هو المحبوب المراد # وعلى اصطلاحكم هو العاشق المعشوق وعلى هذا التقدير يبطل أصلا كلامكم ~~ويمكن وصفه بصفات الكمال وبالأفعال الكاملة الإرادية التي لا يفتقر فيها ~~إلى غيره ولا يكون فيه نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج # الوجه الموفي عشرين أنكم تقولون إن العالي لا يفعل لأجل السافل وإن حركة ~~الفلك الإرادية لا يجوز أن تكون لأجل السفليات لكن لزم حصول ما حصل عن ~~حركته الإرادية بالقصد الثاني وإنما مقصوده بحركته الإرادية التشبه بمحبوبه ~~الأعلى وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يجوز أن ms1994 يكون الأول هو المريد والمراد ~~والمحبوب والمحب وهو لا يريد شيئا لأجل شيء سواه ولكن محبته لنفسه وإرادته ~~لها استلزم وجود المفعولات كما قلتموه فيما صدر عن الأفلاك # وإذا قيل هو فاعل باختياره وإرادته فعلا يستلزم وجود المعلولات كان كما ~~قلتم مثل ذلك في حركة الفلك فهذا القول جاز على PageV09P310 ~~أصولكم وهو أحق بالجواز إن كانت أصولكم صحيحة مما قلتموه فيه من وصفه بغاية ~~النقص فإذا وصفتموه بهذا كنتم قد وصفتموه بصفات الكمال مع رعاية أصولكم ~~التي اعتقدتم صحتها ولم يكن في هذا محذور إلا كان في نفيه من المحذور ما هو ~~أعظم منه # الوجه الواحد والعشرون أن يقال قولكم فجوهرها ليس فيه شوق إلى شيء ولا ~~منافرة لشيء مضمونه أنها لا تحب شيئا ولا تبغضه فلم قلتم ذلك # فإن قلتم إن المحب المبغض لا يحب إلا ما يحتاج إليه غيره ولا يبغض إلا ما ~~يحتاج إلى دفعه عن نفسه # قيل لكم ولم قلتم ذلك والفلك عندكم يحب بل يعشق وإذا كان يحب شيئا فإنه ~~يبغض زواله ومع هذا فهو عندكم لا يخاف من شيء منفصل ولا يحتاج إلى دفع ضرر ~~عن نفسه بل ولا يجوز عليه الفساد والانحلال وهو مع هذا عاشق محب طالب مشتاق ~~فلا يلزم من كونه مشتاقا أن يكون من يعرض له أمر يحتاج إلى استدفاعه وأما ~~كون الحب يوجب أن يكون فوقه جوهر آخر يقتبس منه فهذا إنما يلزم إذا لم يكن ~~قادرا على حصول محبوبه فأما إذا قدر أنه ليس في ذلك حاجة إلى ما هو غني عنه ~~لم يكن في ذلك محذور # الوجه الثاني والعشرون أن يقال قولكم فجوهرها إذن ليس فيه شوق إلى شيء ~~ولا منافرة لشيء ولا قبول لتغيير ولا لحدوث PageV09P311 ~~شأن متجددة أمر لم يذكروا عليه حجة عقلية إلا ما ذكرتموه من أن هذه الذات ~~ليس فيها نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج ولا فوقها ما تزداد منه ولا يعرض ~~لها ما يحتاج دفعه # فيقال لكم الجوهر المتحرك أهو ms1995 محتاج إلى شيء من خارج وفوقه ما يزداد منه ~~ويعرض له ما يحتاج إليه في دفعه أم ليس كذلك # فإن قلتم إنه بهذه الصفة وهو متحرك لم يكن في ثبوت هذه الصفات ما يمنع ~~كون الموصوف متحركا فيجوز حينئذ على الأول أن يكون متحركا قابلا لقيام ~~الأمور الاختيارية به كما يقبله الجوهر المتحرك إذ كان كلاهما مشتركا في ~~هذه الصفات # وإن قلتم ليس كذلك وإن الجوهر المتحرك يعرض له ما يدفعه عن نفسه # قيل لكم ليس هذا قولكم وبتقدير أن يعرض له فليس فوقه ما يدفع هذا عنه إذ ~~عندكم ليس فوقه فاعل إنما فوقه محبوب ليس بفاعل ولا مؤثر لا بإرادة ولا ~~بدون إرادة # وكذلك إن قلتم إنه يحتاج إلى تمام من خارج أو فوقه جوهر يقتبس منه زيادة # قيل لكم فمن الذي يفيده الزيادة ويزيل عنه الحاجة غيره # فإن قلتم الأول فالأول عندكم ليس يؤثر أثرا ولا يفعل فعلا لا عن إرادة ~~ولا عن غير إرادة وكونه محبوبا لا يقتضي أنه يفعل بالمحب فعلا PageV09P312 ~~يزداد به إذا كان الفاعل للحب في المحبوب المحرك له إلى المحبوب ليس نفس ~~المحبوب إذ كل عاقل يعلم أن الخبز إذا أحبه الجائع لم يفعل حركته ولا قصده ~~وكذلك المعشوق الذي لا يشعر بعاشقه ليس منه فعل ولا حركة يزيد بها المحب ~~شيئا وإنما يضاف الفعل إليه كما يضاف إلى الجماد # كما يقال أهلك الناس الدرهم والدينار ويقال قتلني حب المال ويقال للذهب ~~قاتول ويقال للدنيا غرارة خداعة مكارة ونحو ذلك مما يضاف إلى ما تحبه ~~النفوس وتهواه من غير فعل منه ولا قصد فإنما يضاف الفعل إليه لأنه كان ~~بسببه لا أنه هو المحدث لذلك الفعل ولا الفاعل له ولا المبدع له وهذا متفق ~~عليه بين العقلاء # وإذا كان كذلك فليس في الجوهر الجسماني الفلكي إلا من جنس ما جعلتموه في ~~الأول وهو غني كغنى الأول ومع هذا فقد جاز عليه الحركة وقيام الحوادث به ~~فكذلك في الأول # وإذا جاز أن يقال ms1996 إن الفلك يتحرك بنفسه فلم لا يجوز أن يقال إنه يشتاق ~~إلى نفسه # وإذا قيل إن الأول هو محبوب مشتاق إليه فلم لا يجوز أن يكون محبا لنفسه ~~وحركته من المحبة لنفسه # وإذا قلتم إلى أي شيء يتحرك # قيل لكم والفلك إلى أي شيء يتحرك # فإذا قلتم لإخراج ما لا يمكن وجوده دفعة عن الأيون والأوضاع # قيل لكم ولم لا يجوز على هذا أن تقولوا إن الأول يتحرك لإخراج PageV09P313 ~~ما لا يمكن وجوده دفعة من أحواله وشئونه ثم الحوادث المنفصلة تابعة لذلك ~~كما قلتم مثل ذلك في الفلك # الوجه الثالث والعشرون أن يقال قولكم ليس فيه شوق إلى شيء ولا منافرة ~~لشيء أتريدون به أنه ليس فيه حب لشيء أصلا لا لنفسه ولا لغيره ولا بغض لشيء ~~من الأشياء وسميتم الحب الباعث على الفعل شوقا أم تريدون به ليس فيه شوق ~~إلى شيء مستغن عنه كما قلتموه في الفلك # فإن كان مرادكم الثاني لم يضر هذا مع أنكم لم تقيموا على هذا دليلا # ولو قيل لكم بل يجوز أن يكون مشتاقا إلى غيره وغيره مشتاق إليه لم يمكنكم ~~الجواب لأنكم إن قلتم إن الفلك ممكن بنفسه لزم أن يكون الأول فاعلا له ولزم ~~أن يكون كالفلك وهو عندكم لا يفعل ولا يؤثر وإن كان الفلك واجبا كان الواجب ~~موصوفا بالشوق إلى غيره # وأيضا فأنتم لم تذكروا دليلا على ثبوته فضلا عن غناه إذ دليلكم في ثبوته ~~مبني على أن المتحرك بالإرادة لا تكون حركته إلا عن حب لغيره وهذا لم ~~تقيموا عليه دليلا وهو لا يتم حتى يمتنع كون الأول فاعلا بالإرادة فإذا لا ~~يمكنكم ثبوته حتى يمتنع كونه فاعلا بالإرادة ولا يمتنع كونه فاعلا بالإرادة ~~حتى يعلم ثبوته فإذا لا يثبت لا هذا ولا هذا # وإن كان مرادكم الأول فيقال لكم من أين علمتم أنه لا يكون محبا لنفسه ولا لغيره PageV09P314 # فإن قلتم إن المحب لغيره ناقص يحتاج إلى الغير كان جوابكم من أربعة أوجه # أحدها أن يقال لم ms1997 لا يجوز أن يكون محبا لنفسه ثم محبته لغيره تبعا كما ~~تقولون في حب الفلك وإرادته بالقصد الأول والقصد الثاني # الثاني أن يقال فلم لا يجوز أن يكون محبا لغيره الذي هو مفعول مصنوع له ~~وإذا كان مريدا كما هو مفعول مصنوع له وهو ممكن لم يكن في ذلك إرادته ~~ومحبته إلا لمفعولاته ومبتدعاته التي هي فقيرة إليه من كل وجه فليس في هذا ~~افتقار إلى شيء هو مستغن عنه بوجه من الوجوه ومعلوم أن هذا خير من قولكم إن ~~الفلك لا يحتاج إليه إلا من جهة كونه محبوبا فإن ذلك في إثبات فقر الفلك ~~إليه من كل وجه وهذا أبلغ في الكمال # الثالث أن يقال ولو فرض محبا لغيره مريدا لغيره وذلك الغير أيضا محتاج ~~إليه لكونه لا يقوم إلا به كان غاية ما في هذا أن يكون قوام كل منهما ~~بالآخر ومعلوم أن هذا وإن كان المسلمون ينزهون الله عنه فهو خير من قولكم ~~المتضمن أن الفلك ليس له مبدع فاعل مع كونه محتاجا إلى محبوبه لأن هذا ~~يتضمن شيئين كل منهما فاعل له وأحدهما محب للآخر أقرب إلى العدل والإمكان ~~إن كان ذلك ممكنا وإلا فهو أقرب إلى الامتناع لأن كلا القولين يتضمن إثبات ~~شيئين لا فاعل لهما وأحدهما يتضمن أن المحب أحدهما والآخر محبوب والقول ~~الثاني يتضمن أن كلاهما محب ومحبوب PageV09P315 # الوجه الرابع أن يقال المحب المريد لأمور منفصلة عنه إذا كان قادرا عليها ~~وهو يفعلها بحسب محبته وإرادته من غير مانع فلم قلتم إن هذا نقص أو ليس ~~الموصوف بهذا أكمل من الذي لا يحب شيئا ولا يريده ولا يقدر عليه وإذا شبه ~~الأول بالحيوان كان الثاني مشبها بالجماد والجماد أنقص # الوجه الرابع والعشرون أن يقال إذا قدر موجودان أحدهما محب مريد يفعل ما ~~يريده وهو قادر على ذلك والثاني لا يحب شيئا ولا يريده ولا يقدر على شيء ~~محبوب مراد لكن غيره يحبه كان إجماع العقلاء أن الأول أكمل من الثاني فإن ~~الثاني شبيه ms1998 بالخبز والماء واللباس والمساكن التي يحبها الناس ويريدونها ~~والأول شبه بالناس الذين يحبون ذلك # ومعلوم أن الثاني أنقص من الأول والأول أقرب إلى الكمال فهؤلاء فروا ~~بزعمهم مما توهموه نقصا فوقعوا فيما هو أعظم نقصا بلا ريب # وإيضاح هذا أن يقال إذا قسمنا الموجودات إلى قسمين حي وميت وعالم وجاهل ~~وقادر وعاجز وقادر على الفعل وغير قادر عليه بل قادر على الفعل والحركة ~~بإرادته ومحبته ومن لا إرادة له ولا قدرة له أو لا فعل له ولا حركة إلى ما ~~يريده ونحو ذلك كان الأول هو الموصوف بصفات الكمال دون الثاني # وأما مجرد كون الشيء مرادا محبوبا فليس بصفة كمال له إلا أن يكون محبوبا ~~لنفسه مرادا لذاته وهؤلاء سلبوا الرب جميع صفات الكمال ووصفوه بالنقائص ولم ~~يثبتوا له شيئا من الكمال إلا مجرد كونه PageV09P316 ~~محبوبا ولم يقيموا حجة على ذلك ولا على أنه محبوب لنفسه فكان ما وصفوه به ~~غاية النقص بل العدم # قال ثابت فليس يوجد إذن أمر يجتذب هذه الذات بالطبع وبغير إرادة وليس ~~يوجد إذن أمر يدعو هذه الذات إلى حال أو شأن ليس هي المبدأ الأول له والعلة فيه # فيقال لهم أولا لم تقيموا دليلا على شيء من ذلك فإنكم لم تجعلوها فاعلا ~~لشيء ولا مؤثرا فيه أصلا فليست مبدأ لشيء من الأشياء ولا علة له إلا من ~~كونها محبوبة فقط وليس في هذه الجهة أنها تحدث شيئا ولا أنها تبدع شيئا # وإذا كان كذلك فما المانع أن يكون غيرها جاذبا لها وداعيا لها إلى شيء ~~وما المانع أن تكون هي محبة لغيرها وأنتم لم تذكروا على امتناع ذلك حجة أصلا # والمسلمون وغيرهم من أهل الملل إذا نزهوا الله عن الحاجة إلى غيره فهم ~~يثبتون أنه رب غيره ومليكه وخالقه وأنتم لم تثبتوا أنه رب كل ما سواه ~~ومليكه وخالقه # وحينئذ فلا دليل لكم على انتفاء الحاجة عنه لا سيما مع أنه يلزمكم أن ~~تجعلوا العالم واجب الوجود بنفسه مع فقره إليه فيكون الواجب بنفسه ms1999 فقيرا ~~إلى غيره أو تجعلوه ممكنا لا بد له من فاعل فيكون الأول مبدعا فاعلا لغيره ~~والفاعل كما ذكروه يستلزم أن يكون له فعل وإرادة وهذا نقيض قولهم PageV09P317 # ويقال لهم ثانيا لم لا يجوز أن يكون مفعولها المحتاج إليها هو الداعي ~~الجاذب وليس في هذا افتقار إلى ما هو مستغن عنها وأنتم لم تقيموا دليلا على ~~انتفاء ذلك # ويقال لهم ثالثا لم لا يجوز أن يكون هو المبدأ لما يفعله والداعي منه لا ~~من غيره وهو المحب لنفسه وقد ذكر أئمتكم في كتبهم أنه عاشق ومعشوق وعشق ~~ولذيذ وملتذ به # قال وبالجملة فكل ما كان له هو بالطبع على الجهة الطبيعية التي يمحوها ~~فإنه يلزم أن يوجد في جوهره شوق بالطبع إلى حال لا تملكها إرادته والمشتاق ~~معلول من جهة شوقه للشيء المشوق إليه والشيء المشوق إليه مبدأ له في ذلك ~~الشوق ومن جهة أي هو له علة تمامية من جهة من الجهات وليس يليق هذا الأمر ~~ألبتة بالمبدأ الأول ولكنه مبدأ لكل طبيعة ولكل شوق ولكل حركة # فيقال له الكلام على هذا من وجوه # الأول قولكم إن الأول مبدأ لكل طبيعة وكل شوق وكل حركة كلام مناقض لما ~~ذكرتموه فإنكم لم تجعلوه إلا محبوبا فقط لا فاعلا مبدعا ولا علة فاعلة ~~ومجرد كون الشيء محبوبا لا يوجب أن يفعل شيئا في غيره وقد علم الفرق بين ~~العلة الفاعلة والغائية # والثاني قولكم إن المشتاق إليه علة للمشتاق فيقال لكم ولم يمتنع أن يكون ~~محبا لنفسه فهو المحب المحبوب PageV09P318 ~~الثالث أن يقال ما المانع أن يكون محبا مريدا لما هو مفعول مصنوع له وليس ~~في هذا كونه معلولا لغيره لأن ذلك الغير هو معلوله من كل وجه مفعول له بكل ~~طريق محتاج إليه بكل سبب # وليس في حب الشيء وإرادته لمثل ذلك نقص بل هذا من الكمال فإن من أراد ما ~~هو مفعول له معلول له وهو قادر على ذلك المراد المحبوب كان هذا غاية الكمال ~~بخلاف من لا يفعل شيئا ms2000 منفصلا عنه ولا يريده ولا يقدر عليه بل ولا يفعل ~~فعلا قائما بنفسه بل هو كالجماد الذي ليس له صفة كمال بل كالمعدوم # الرابع قولكم وليس يليق هذا البتة بالمبدأ الأول كلام بلا برهان وأنتم ~~تدعون البرهان والحجة وقد ذكر هذا غيركم لم ترضوا أن تجعلوا هذا خطابة بل ~~جعلتموه دون الخطابة وأنتم تجعلونه عمدة في مثل هذا الأمر العظيم بلا حجة ~~أصلا مع أنكم لم تثبتوا إن الأول مبدأ ولا فاعل أصلا إلا بجهة كونه محبوبا ~~مع أنكم لم تقيموا على ذلك دليلا # الخامس قوله كل ما كان ما هو له الطبع عن الجهة التي ينحوها فإنه يلزم أن ~~يوجد في جوهره شوق بالطبع إلى حال لا تملكها إرادته # فيقال لهم هذه قضية كلية لم يذكروا عليها دليلا وغاية ما يستدلون به أن ~~يقولوا وجدنا المتحركات بالإرادة كذلك كالحيوان # فيقال لهم وكذلك وجدتم ذلك ممكنا مفعولا مصنوعا مفتقرا إلى PageV09P319 ~~فاعل مبدع فقولوا إن الأول ممكن مفعول مصنوع مفتقر إلى فاعل مبدع فإن كان ~~الدليل قد أثبت موجودا واجبا بنفسه لا يفتقر إلى غيره فإما أن يكون ذلك هو ~~الفلك أو أمرا فوق الفلك فإن كان هو الفلك وهو مشتاق إلى حال لا تملكها ~~إرادته بطل نفيكم لهذا عن الواجب بنفسه # وإن كان الواجب بنفسه امرا فوق الفلك كان هو الفاعل للفلك المبدع له ~~وحينئذ فالفلك وما فيه محتاج إليه من كل وجه فليس في الوجود ما هو خارج عن ~~ملكه حتى يقال إنه مشتاق إلى ما تملكه إرادته # السادس أن هذا الكلام إنما يصح أن لو كان في الوجود ما لا تملكه إرادة ~~الأول فأما إذا كان كل ما سواه كائنا بإرادته ومشيئته فليس في الوجود شيء ~~لا تملكه إرادته وأنتم لم تقيموا دليلا على امتناع إرادته وإذا كانت إرادته ~~ممكنة على هذا الوجه كما يقول المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ~~لم يمنع أن يكون مريدا على هذا الوجه # السابع أن يقال كونه يفعل ms2001 بالطبع أو نحو ذلك ليست من عبارة المسلمين فإذا ~~كانوا يسمون كل ما يفعل فعلا قائما بنفسه متحركا بالطبع لم ننازعهم في المعنى # لكن نقول لم قلتم إن من كان فاعلا يقوم به بإرادته مشتاق إلى حال لا يملكها PageV09P320 ### | AUTO فإذا سميتم كل ما كان كذلك فاعلا بالطبع فلم قلتم إن كل ما كان ~~كذلك مشتاق إلى حال لا يملكها فصل # ثم قال ابن رشد فإن قيل فإذ قد تبين أن هذه الطرق كلها ليست واحدة منها ~~هي الطريقة الشرعية التي دعا الشرع منها جميع الناس على اختلاف فطرهم إلى ~~الإقرار بوجود الباري فما هي الطريق الشرعية التي نبه الكتاب عليها وكان ~~يعتمدها الصحابة # قلنا الطرق الشرعية التي نبه الكتاب عليها ودعا الكل من بابها إذا ~~استقرىء الكتاب وجدت تنحصر في جنسين أحدهما طرق الوقوف على العناية ~~بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجله وتسمى هذه دليل العناية PageV09P321 # والطريق الثانية ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات مثل اختراع ~~الحياة في الجماد والإدراكات الخمسة والعقل ولنسم هذا دليل الاختراع # اما الطريقة الأولى فتنبني على أصلين أحدهما أن جميع الموجودات التي ها ~~هنا موافقة لوجود الإنسان # والأصل الثاني أن هذه الموافقة هي ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك مريد إذ ~~ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق فأما كونها موافقة لوجود الإنسان ~~فيحصل اليقين بذلك بدليل موافقة الليل والنهار والشمس والقمر لوجود الإنسان ~~وكذلك موافقة الأزمنة الأربعة له والمكان الذي هو فيه أيضا وهو الأرض # وكذلك أيضا يظهر موافقة كثير من الحيوان له والنباتات والجمادات وجزئيات ~~كثيرة مثل الأمطار والأنهار والبحار وما تحمله PageV09P322 ~~الأرض والماء والهواء والنار # وكذلك أيضا تظهر العناية في أعضاء الإنسان وأعضاء الحيوان أعني كونها ~~موافقة لحياته ووجوده # وبالجملة فمعرفة منافع الموجودات داخلة في هذا الجنس ولذلك وجب على من ~~أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن صانع جميع الموجودات # قال وأما دلالة الاختراع فيدخل فيها وجود الحيوان كله ووجود النبات ووجود ~~السماوات وهذه الطريقة تنبني ms2002 على أصلين موجودين بالقوة في فطر جميع الناس ~~أحدهما أن هذه الموجودات مخترعة وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات # كما قال تعالى { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا ~~له } الآية سورة الحج 73 فإنا نرى أجساما جمادية ثم تحدث فيها الحياة فنعلم ~~قطعا أن ها هنا موجدا للحياة ومنعما بها وهو الله تبارك وتعالى وأما ~~السماوات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفترق أنها مأمورة PageV09P323 ~~بالعناية بما هو ها هنا ومسخرة لنا والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة # قلت هذا يبين بأن حركات الأفلاك ليست من قبل أنفسها بل من محرك منفصل ~~عنها حتى يكون ذلك المحرك لها هو الآمر المسخر # وهذا يتبين بوجوه مبسوطة في غير هذا الموضع مثل أن يبين المحرك من جهة ~~الفاعل والسبب ومن جهة المقصود والغاية أي أنها لا بد أن تقصد بحركاتها ~~شيئا منفصلا عنها مثل ما يقول المسلمون وغيرهم من أهل الملل إنها عابدة لله ~~تعالى ويقول المتفلسفة كأرسطو وأتباعه إنها تقصد التشبه بالإله على قدر الطاقة # وعلى القولين فتكون حركتها من جنس حركة المحب إلى محبوبه والطالب إلى ~~مطلوبه وما كان له مراد منفصل عنه مستغن عنه فهو محتاج إلى ما هو مستغن عنه ~~ومن احتاج إلى ما هو مستغن عنه لم يكن غنيا بنفسه بل يكون مفتقرا إلى ما هو ~~منفصل عنه وهذا لا يكون واجب الوجود بنفسه بل يكون ممكنا عبدا فقيرا محتاجا ~~فتكون السماوات مفتقرة ممكنة ليست بواجبة # والوجه الثاني أن كل فلك فإنه يحركه غيره من الأفلاك المنفصلة عنه فتكون ~~حركته من غيره والفلك المحيط بها المحرك لها لا يحرك ولا يؤثر في غيره إلا ~~بمعاونة غيره من الأمور المنفصلة عنه فليس هو وحده المحرك PageV09P324 ~~لسائر أنواع حركاتها بل يجب أن يكون المحرك غيره والمتحركات المنفصلة ليست ~~منه وحده بل منه ومن غيره فليس فيها ما هو مستقل بالتحريك وما كان مفتقرا ~~إلى غيره لم يكن واجبا بنفسه فلا بد من محرك ms2003 منفصل عنها # ومثل أن يقال ليس شي منها مستقلا بمصالح السفليات والآثار الحادثة فيها ~~بل إنما يحصل ذلك بأسباب منها اشتراكها ومنها أمور موجودة في السفليات ليست ~~من واحدة منها فكل واحد منها لا بد له من شريك معاون له مانع يعوقه عن ~~مقتضاه فلا يتم أمره إلا بمشارك غنى عنه وانتفاء مانع معارض له فيمتنع أن ~~يكون مبدعا لشريكه الغني عنه ولمانعه المضاد له وأن يكون ما يحصل من ~~المصالح التي في العالم السفلي بمجرد قصده وفعله فوجب أن يكون هناك ما يوجب ~~فعله وحركته من غيره وذلك هو الأمر والتسخير # لأن الحركة إن كانت قسرية فلها قاسر وإن كانت طبيعية فالطبعية لا تكون ~~إلا إذا خرجت بالعين عن محلها فهي مقسورة على الخروج # وإن كانت إرادية فالمريد لآثار لا يستقل بها ولا يحصل إلا بمشاركة غيره ~~ويمتنع بمعارضة غيره له فيها هو مفتقر في مقصوده إلى غيره # ويمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه لأن الواجب بنفسه لا يكون مفتقرا إلى ~~غيره المستغنى عنه بوجه من الوجوه إذ لو افتقر إلى غيره بوجه من الوجوه لم ~~يكن من ذلك الوجه غنيا عن الغير بل مفتقرا إليه PageV09P325 # ولا يتم ذلك الوجه إلا بذلك الغير المستغنى عنه # والمريد لأمر إذا لم يكن قادرا على تحصيل مراده كان عاجزا وكان فقيرا إلى ~~ما به يحصل مراده والمفتقر إلى ما يعجز عنه لا يكون واجبا بنفسه ولا يكون ~~كماله حاصلا به بل بما هو مستغن عنه فهذه الأمور وغيرها مما يستدل به على ~~هذا المطلوب # قال وأما الأصل الثاني فهو أن كل مخترع فله مخترع فيصح من هذين الأصلين ~~أن للوجود فاعلا مخترعا له وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات ~~ولذلك كان واجبا على من أراد معرفة الله حق معرفته أن يعرف جواهر الأشياء ~~ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات لأن من لم يعرف حقيقة الشيء ~~لم يعرف حقيقة الاختراع # وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى { أولم ينظروا في ملكوت السماوات ms2004 والأرض ~~وما خلق الله من شيء } سورة الأعراف 185 # وكذلك أيضا من تتبع معنى الحكمة في موجود أعني معرفة السبب الذي من أجله ~~خلق والغاية المقصودة به كان وقوفه على دليل العناية أتم فهذان الدليلان ~~هما دليلا الشرع # وأما أن الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع PageV09P326 ~~سبحانه في الكتاب العزيز هي منحصرة في هذين الجنسين من الأدلة فذلك بين لمن ~~تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى # وذلك أن الآيات التي في الكتاب العزيز في هذا المعنى إذا تصفحت وجدت على ~~ثلاثة أنواع # إما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية وإما آيات تتضمن التنبيه على ~~دلالة الاختراع وإما آيات تجمع الأمرين من الدلالة جميعا # فأما الآيات التي تتضمن دلالة العناية فقط فمثل قوله تعالى { ألم نجعل ~~الأرض مهادا والجبال أوتادا } سورة النبأ 6 7 إلى قوله { وجنات ألفافا } ~~سورة النبأ 16 # ومثل قوله تعالى { تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا ~~منيرا } سورة الفرقان 61 إلى قوله { أو أراد شكورا } سورة الفرقان 62 PageV09P327 ~~ومثل قوله { فلينظر الإنسان إلى طعامه } الآيات سورة عبس 24 ومثل هذا كثير ~~في القرآن # واما الآيات التي تضمنت دلالة الاختراع فقط فمثل قوله تعالى { فلينظر ~~الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق } سورة الطارق 6 # ومثل قوله { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } سورة الغاشية 17 الآية # ومثل قوله تعالى { يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من ~~دون الله لن يخلقوا ذبابا } سورة الحج 73 # ومن هذا قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم عليه السلام { إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السماوات والأرض حنيفا } سورة الأنعام 79 إلى غير ذلك من الآيات ~~التي لا تحصى # وأما الآيات التي تجمع الدلالتين فهي كثيرة أيضا بل هي الأكثر مثل قوله ~~تعالى { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } PageV09P328 ~~سورة البقرة 21 إلى قوله تعالى { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } ~~سورة البقرة 22 # وذلك أن ms2005 قوله { الذي خلقكم والذين من قبلكم } سورة البقرة 21 تنبيه على ~~دلالة الاختراع وقوله { الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء } سورة ~~البقرة 22 تنبيه على دلالة العناية # ومثل قوله { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه ~~يأكلون } سورة يس 33 # وقوله { ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ~~فقنا عذاب النار } سورة آل عمران 191 # وأكثر الآيات الواردة في هذا المعنى يوجد فيها النوعان من الأدلة # قال فهذه الطريق هي الصراط المستقيم التي دعا الله الناس منه إلى معرفة ~~وجوده ونبههم على ذلك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى PageV09P329 # وإلى هذه الفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر الإشارة بقوله تعالى { ~~وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم } إلى قوله { قالوا بلى ~~شهدنا } سورة الأعراف 172 # ولهذا يجب على كل من كان وكده طاعة الله تعالى في الإيمان به وامتثال ما ~~جاءت به رسله أن يسلك هذه الطريقة حتى يكون من العلماء الذين يشهدون لله ~~بربوبيته مع شهادته لنفسه وشهادة ملائكته له # كما قال تعالى { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } سورة آل عمران 18 # قال ودلالة الموجودات من هاتين الجهتين عليه هو التسبيح المشار إليه ~~بقوله تعالى { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } سورة ~~الإسراء 44 # قلت في هذه الآية وآية أخذ الميثاق من الكلام ما ليس هذا موضعه وكذلك ~~دعواه انحصار الطريق في هذين النوعين PageV09P330 # وقوله إن في الآيات ما يدل على العناية دون الاختراع وغير ذلك كلام ليس ~~هذا موضعه بل كل ما دل على العناية دل على الاختراع ولكن المقصود هنا حكاية ~~ما ذكره # قال فقد بان من هذه الأدلة أن الدلالة على وجود الصانع منحصرة في هذين ~~الجنسين دلالة العناية ودلالة الاختراع # قال وبين أن هاتين الطريقتين هما بأعيانهما طريقة الخواص ويعني بالخواص ~~العلماء وطريقة الجمهور وإنما الاختلاف ms2006 بين المعرفتين في التفضيل أعني أن ~~الجمهور يقتصرون من معرفة العناية والاختراع على ما هو مدرك بالمعرفة ~~الأولى المبنية على علم الحس وأما العلماء فيزيدون إلى ما يدركون من هذه ~~الأشياء بالحس ما يدرك بالبرهان أعني من العناية والاختراع حتى لقد قال بعض ~~العلماء إن الذي أدرك العلماء من معرفة منافع أعضاء الإنسان والحيوان هو ~~قريب من عشرة آلاف منفعة PageV09P331 # قال وإذا كان هذا هكذا فهذه الطريقة هي الطريقة الشرعية والفلسفية ~~الحكمية وهي التي جاءت بها الرسل ونزلت بها الكتب والعلماء ليسوا يفضلون ~~الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط بل من قبل التعمق في معرفة ~~الشيء الواجب بنفسه فإن مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات مثالهم في ~~النظر إلى المصنوعات التي ليس عندهم علم بصنعها فإنهم إنما يعرفون من أمرها ~~أنها مصنوعات فقط وأن لها صانعا موجودا # ومثال العلماء في ذلك مثال من نظر إلى المصنوعات التي عنده علم ببعض ~~صنعها وبوجه الحكمة فيها ولا شك أن من حاله من العلم بالمصنوعات هذه الحال ~~فهو أعلم بالصانع من جهة ما هو صانع من الذي لا يعرف من تلك المصنوعات إلا ~~أنها مصنوعة فقط # وأما مثال الدهرية في هذا الذين جحدوا الصانع سبحانه وتعالى فمثال من أحس ~~مصنوعات فلم يعرف أنها مصنوعات بل ينسب ما PageV09P332 ~~رأى فيها من الصنعة إلى الاتفاق والأمر الذي يحدث من ذاته # قلت فهذا الرجل مع أنه من أعيان الفلاسفة المعظمين لطريقتهم المعتنين ~~بطريقة الفلاسفة المشائين كأرسطو وأتباعه يبين أن الأدلة العقلية الدالة ~~على إثبات الصانع مستغنية عما أحدثه المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية ~~وغيرهم من طريقة الأعراض ونحوها وأن الطرق الشرعية التي جاء بها القرآن هي ~~طرق برهانية تفيد العلم للعامة وللخاصة والخاصة عنده يدخل فيهم الفلاسفة ~~والطرق التي لأولئك هي مع طولها وصعوبتها لاتفيد العلم لا للعامة ولاللخاصة # هذا مع أنه لم يقدر القرآن قدره ولم يستوعب أنواع الطرق التي في القرآن ~~فإن القرآن قد اشتمل على بيان المطالب الإلهية بأنواع من الطرق ms2007 وأكمل الطرق ~~كما قد بسط في موضعه # والذي قاله من أن هذه الطرق المعتزلية كطريقة الأعراض المبنية على امتناع ~~حوادث لا أول لها لم يبعث الرسول بدعوة الخلق إليها ولا كان سلف الأمة ~~يتوسلون بها إلى معرفة الله هو أمر معلوم بالاضطرار لكل من كان عالما ~~بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف ولكل من تدبر القرآن ~~والحديث # وكل متكلم فاضل كالأشعري وغيره يعلم ذلك كما تقدم كلام الأشعري # وأما كون هذه الطرق المعتزلية كطريقة الأعراض والتركيب والاختصاص هي ~~برهانية أو ليست برهانية وهي تفيد العلم أو لا PageV09P333 ~~تفيده فهذا ممايعلم بنظر العقل الصريح فمن كان ذكيا طالبا للحق عرف الحق في ذلك # ولنا مقصودان أحدهما أن ما به يعلم ثبوت الصانع وصدق رسوله لا يتوقف على ~~هذه الطرق المعتزلية الجهمية وهذه الطرق هي التي يقال إنها عارضت الأدلة ~~الشرعية ويقال إن القدح فيها قدح في أصل الشرع فإذا تبين أنها ليست أصلا ~~للعلم بالشرع كما أنها ليست أصلا لثبوته في نفسه بالاتفاق بطل قول من يزعم ~~أن القدح في هذه العقليات قدح في أصل الشرع وهو المطلوب # والمقصود الثاني أن هذه العقليات المعارضات للشرع باطلة في نفسها وإن لم ~~نقل إنها أصل للعلم به وقد ذكرنا من قدح فضلاء أهل الكلام والفلسفة فيها ~~بالأدلة العقلية ما يحصل هذا المقصود # فمن كان له نظر ثاقب في هذه الأمور عرف حقيقة الأمر ومن كان لا يفهم بعض ~~الدقيق من كلامهم كفاه أن يعلم أن هؤلاء النظار يقدح بعضهم في أدلة بعض ~~وأنهم لم يتفقوا على مقدمتين عقليتين ولا مقدمات ولا مقدمة واحدة يمكن أن ~~يستنتج منها دليل عقلي يصلح لمعارضة أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بل إن ~~اتفقوا على مطلوب كاتفاق طائفة من أهل الكلام وطائفة من أهل الفلسفة على ~~نفي العلو مثلا فهؤلاء يثبتون ذلك وينفون التجسيم بدليل الأعراض والآخرون ~~يطعنون في هذا الدليل ويثبتون فساده في العقل وهؤلاء يثبتون ذلك بدليل نفي ~~التركيب العقلي وأولئك يثبتون فساد ms2008 هؤلاء فصار هذا بمنزلة من ادعى حقا ~~واقام عليه بينتين وكل بينة تقدح في الأخرى وتقول PageV09P334 ~~إنها كاذبة فيما شهدت به وتبدي ما يفسد شهادتها وأنها غير صادقة فلا يمكن ~~ثبوت الحق بذلك لأنا إن صدقنا كلا منهما فيما شهدت به من الحق وفي فسق ~~أولئك الشهود لزم أن لا تقبل شهادة أولئك الشهود فلا تقبل شهادة لا هؤلاء ~~ولا هؤلاء فلا فيثبت الحق وإن عينا إحدى البينتين بالقبول أو قبلنا ~~شهادتهما في الحق دون جرح الأخرى كان تحكما # مع أنه ما من مطلوب من المطالب إلا وقد تنازع فيه أهل الكلام والفلسفة ~~جميعا فأهل الفلسفة متنازعون في الجهة وحلول الحوادث وأهل الكلام متنازعون ~~أيضا في ذلك والمثبتون من هؤلاء وهؤلاء يقدحون في أدلة النفاة بالقوادح ~~العقلية # وأهل السنة وإن كانوا يعرفون بعقولهم من المعاني الصحيحة نقيض ما يقوله ~~النفاة فلا يعبرون عن صفات الله بعبارات مجملة مبتدعة ولا يطلقون القول بأن ~~الله جسم وأنه تحلة الحوادث وأنه مركب ولا نحو ذلك ولا يطلقون من نفى ذلك ~~ما يتناول نفي ما أثبته الرسول ودلت العقول عليه بل يفسرون المجملات ~~ويوضحون المشكلات ويبينون المحتملات ويتبعون الآيات البينات ويعلمون موافقة ~~العقل الصريح للنقل الصحيح # وهؤلاء المتفلسفة مثل هذا الرجل وأمثاله وإن وافقوا النفاة في الباطن في ~~بعض ما نفوه فهم معترفون بأن الشرع لم يرد بذلك ومبطلون PageV09P335 ~~لأدلة إخوانهم النفاة ثم يذكرون من أدلة النفي ما هو أضعف وأفسد مما ضعفوه ~~وأفسدوه # ونحن نذكر كلامه في ذلك وذلك أنه لما تكلم على الطريق العقلية الشرعية في ~~إثبات الصانع تكلم أيضا على إثبات التوحيد والصفات الثبوتية والسلبية ~~والأفعال # فقال القول في الوحدانية فإن قيل إذا كانت هذه الطريقة هي الطريقة ~~الشرعية في معرفة وجود الصانع سبحانه فما طريقة معرفة وحدانيته الشرعية ~~أيضا وهو معرفة أنه لا إله الا هو فإن هذا النفي هو معنى زائد على الإيجاب ~~الذي تضمنته هذه الكلمة والإيجاب قد ثبت من القول المتقدم فبماذا يصح النفي # قلنا أما نفي ms2009 الألوهية عما سواه فإن طريق الشرع في ذلك هي الطريق التي نص ~~الله عليها في كتابه PageV09P336 # وذلك في ثلاث آيات إحداها قوله تعالى { لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا } سورة الأنبياء 22 # والثانية قوله { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون } سورة المؤمنون 91 # والثالثة قوله { قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا } سورة الإسراء 42 # فأما الآية الأولى فدلالتها مغروزة في الفطر بالطبع وذلك أنه من المعلوم ~~بنفسه أنه إذا كان ملكان كل واحد منهما فعله فعل صاحبه أنه ليس يمكن أن ~~يكون عن تدبيرهما مدينة واحدة لأنه ليس يكون عن فاعلين من نوع واحد فعل ~~واحد فيجب ضرورة إن فعلا معا أن تفسد المدينة الواحدة إلا أن يكون أحدهما ~~يفعل ويبقى الآخر عطلا وذلك منتف في صفة الإلهية فإنه متى اجتمع فعلان من ~~نوع واحد على محل واحد فسد المحل ضرورة أو تمانع الفعل فإن الفعل الواحد لا ~~يصدر إلا عن واحد فهذا معنى قوله سبحانه { لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا } سورة الأنبياء 22 PageV09P337 ~~قلت المعلوم بنفسه أنه لا يكون المفعول الواحد بعينه فعلا لفاعلين على سبيل ~~الاستقلال ولا التعاون ولا يكون المعلول الواحد بالعين معلولا لعلتين ~~مستقلتين ولا متشاركتين وهذا مما لا ينازع فيه أحد من العقلاء بعد تصوره ~~فإنه إذا كان أحدهما مستقلا به لزم أن يحصل جميع المفعول المعلول به وحده ~~فلو قدر أن الآخر كذلك للزم أن يكون كل منهما فعله كله وحده وفعله له وحده ~~ينفي أن يكون له شريك فيه فضلا عن آخر مستقل فيلزم الجمع بين النقيضين ~~إثبات استقلال أحدهما ونفى استقلاله وإثبات تفرده به ونفى تفرده به وهذا ~~جمع بين النقيضين # ومن المعلوم بنفسه أن عين المفعول الذي يفعله فاعل لا يشركه فيه غيره كما ~~لا يستقل به فإنه لو شرك فيه غيره لم ms2010 يك مفعوله بل كان بعضه مفعوله وكان ~~مفعولا له ولغيره فيمتنع وقوع الاشتراك فيما هو مفعول لواحد # ولهذا كان المعقول من الاشتراك هو التعاون بأن يفعل كل منهما غير ما ~~يفعله الآخر كالمتعاونين على البناء هذا ينقل اللبن وهذا يضعه أو على حمل ~~الخشبة هذا يحمل جانبا وهذا يحمل جانبا # والمخلوقات جميعها يعاون بعضها بعضا في الأفعال فليس في المخلوقات ما ~~يستقل بمفعول ينفرد به بل لا بد له من مشارك معاون مستغن عنه ثم مع احتياجه ~~إلى المشارك له من يعارضه ويعوقه عن الفعل فلا بد له من مانع يمنع التعارض المعوق PageV09P338 # وهذا في كل ما يقال إنه مؤثر بالطبع أو بالاختيار أو شيء آخر إن قدر # ولهذا لم يكن في المخلوقات واحد يصدر عنه وحده شيء أصلا فلا واحد يفعل ~~وحده إلا الله سبحانه # وهذا مما يبين ضلال هؤلاء المتفلسفة القائلين بأن الواحد لا يصدر عنه إلا ~~واحد وجعلوا هذه قضية كلية ليدرجوا فيها واجب الوجود ويقولوا لم يصدر عنه ~~إلا واحد بسيط وهو ما يسمونه العقل # فإن هذا القول وإن كان فساده معلوما من وجوه كثيرة لكن المقصود هنا أن ~~هذه القضية الكلية لا تصدق في موضع واحد غير محل النزاع ومحل النزاع علم ~~فيه أن الفاعل واحد لكن لم يعلم فيه أنه لايفعل إلا واحدا # وأيضا فالوحدانية التي يستحق الرب أن يوصف بها ليست هي الوحدة التي ~~يدعونها فإن تلك الوحدة التي يدعونها لاتصدق إلا على الممتنع الذي لا يمكن ~~وجوده إلا في الذهن لا في الخارج إذ يثبتون وجودا مطلقا أو مشروطا بسلب ~~الأمور الثبوتية أو الثبوتية والعدمية وهذا لا يكون إلا في الأذهان كما قد ~~قرروا ذلك في منطقهم وهو معلوم بصريح العقل وقد بين هذا في موضعه # والمقصود هنا أنهم لايعلمون واحدا يصدر عنه شيء غير الله تعالى فإذا ~~قالوا الشمس يصدر عنها الشعاع فالشعاع لا يحصل إلا مع وجود جسم قابل له ~~ينعكس عليه الشعاع فصار لوجوده سببان الشمس PageV09P339 ~~والجسم المقابل لها ms2011 ثم له مانع وهو الحجب التي تحول بين الشمس وبين ما يقبل الشعاع # وهكذا النور الخارج من السراج ونحوه من النيران لا يحصل إلا بالنار وبجسم ~~يقبل انعكاس الشعاع عليه وارتفاع الحجب الحائلة بينهما # وكذلك تسخين النار وتبريد الماء وما يحصل بالخبز والماء من شبع وري وسائر ~~الآثار الحاصلة بالأغذية والأدوية وغير ذلك فإنه لا بد من النار ومن جسم ~~يقبل أثرها وإلا فالياقوت والسمندل ونحو ذلك لا تحرقه النار وكذلك الغذاء ~~لا ينفع إلا بقوة قابلة لأثره في الجسم وأمثال ذلك كثيرة # وكذلك الفاعل المختار كالإنسان فإن حركته الحاصلة باختياره لا تحصل إلا ~~بقوة من أعضائه يحتاج إليها وليس هو الفاعل لأعضائه ولا لقواها فهو محتاج ~~في فعله إلى أسباب خارجة عن قدرته وقد يحصل في بدنه من العوائق ما يعوقه عن ~~الحركة هذا فعله في نفسه فاما الأمور المنفصلة عنه التي يقال إنها متولدة ~~عن فعله فمن الناس من يقول ليست مفعولة له بحال بل هي مفعولة لله تعالى كما ~~يقول ذلك كثير من متكلمي المثبتين للقدر # ومنهم من يقول بل هو مفعول له على طريق التولد كما يقوله من يقوله من ~~المعتزلة ويحكى عن بعضهم أنه قال لا فاعل لها بحال # وحقيقة الأمر أن تلك قد اشترك فيها الإنسان والسبب المنفصل PageV09P340 ~~عنه فإنه إذا ضرب بحجر فقد فعل الحذف ووصول الحجر إلى منتهاه حصل بهذا ~~السبب وبسبب آخر من الحجر والهواء # وكذلك الشبع والري حصل بسبب أكله وشربه الذي هو فعله وبسبب ما في الطعام ~~والشراب من قوة التغذية وما في بدنه من قوة القبول لذلك والله خالق هذا كله # وهذا مما يبين أنه ليس في المخلوقات ما يستقل بمفعول أصلا فالقلب الذي هو ~~ملك البدن وإن كان منه تصدر الإرادات المحركة للأعضاء فلا يستقل بتحريك إلا ~~بمشاركة الأعضاء وقواها كما تقدم # وولاة الأمور المدبرون للمدائن والجيوش لا يستقل أحدهم بمفعول إن لم يكن ~~له من يعينه عليه وإلا فقوله وعمله أعراض قائمة به لا تجاوزه وكل ms2012 ما يصدر ~~خارجا عنه فمتوقف عن أسباب أخرى خارجة عن محل قدرته وفعله # وهذا كله مما يبين عجز كل مخلوق عن الاستقلال بمفعول ما فلا يكون شيء من ~~المخلوقات ربا لشيء من المخلوقات ربوبية مطلقة أصلا إذ رب الشيء من يربه ~~مطلقا من جميع جهاته وليس هذا إلا لله رب العالمين # ولهذا منع في شريعتنا من إضافة الرب إلى المكلفين كما قال صلى الله عليه ~~وسلم لا يقل أحدكم اسق ربك أطعم ربك PageV09P341 # بخلاف إضافته إلى غير المكلفين كقول النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن ~~عوف الجشمي أرب إبل أنت أم رب شاء وقولهم رب الثوب والدار # فإنه ليس في هذه الإضافة ما يقتضي عبادة هذه الأمور لغير الله فإن هذا لا ~~يمكن فيها فإن الله فطرها على أمر لا يتغير بخلاف المكلفين فإنهم يمكن أن ~~يعبدوا غير الله كما عبد المشركون به من الجن والإنس غيره فمنع من الإضافة ~~في حقهم تحقيقا للتوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ولهذا لم يكن ~~شيء يستلزم وجود المفعولات إلا مشيئة الله وحده فما شاء الله كان وإن لم ~~يشأ ذلك غيره وما لم يشا لا يكون ولو شاءه جميع الخلق # وإذا عرف أنه ليس في المخلوقات ما هو مستقل بمفعول ولا معلول فليس في ~~المخلوقات ما هو رب لغيره أصلا بل فعل كل مخلوق له فيه شريك وقد يكون له ~~مانع وهذا مما يدل على إثبات الصانع تعالى ووحدانيته كما نبه عليه في غير ~~هذا الموضع # والمقصود هنا أنه من المعلوم بنفسه أنه لا يكون اثنان مستقلين بفعل ولا ~~يكون مفعول واحد قد فعله كل من الاثنين ولا يكون نفس PageV09P342 ~~مفعول الفاعل الواحد قد شاركه فيه غيره فحيث حصلت المشاركة لم يكن هناك ~~مفعول واحد لفاعل واحد فإن الوحدة تناقض الشركة ومفعولات المخلوقات لا بد ~~فيها من الاشتراك لكن لا يفعل أحد الشريكين نفس فعل الآخر فلا تفعل اليد ما ~~تفعله العين ولايفعل الدماغ ما يفعله القلب وإن ms2013 كان كل منها مفتقرا إلى ~~غيره في فعله # فكذلك السفينة إذا كان فيها ربانان أو كان للقرية رئيسان أو للمدينة ~~ملكان لم يمكن أن يكون فعل هذا هو نفس فعل هذا بل يفعل هذا شيئا وهذا شيئا ~~وما يفعله كل منهما لا يفعله الآخر # فلهذا قال هذا الرجل إنه ليس يكون عن فاعلين من نوع واحد فعل واحد وقوله ~~من نوع واحد إن كان زيادة إيضاح وإلا فلا حاجة إليه فإنه لا يمكن أن يكون ~~عن فاعلين فعل واحد سواء كان فعلهما نوعا واحدا أو نوعين مختلفين بل ~~الامتناع هنا أظهر # وقوله متى اجتمع فعلان من نوع واحد على محل واحد فسد المحل ضرورة أو ~~تمانع الفاعل فإن الفعل الواحد لا يصدر إلا عن فاعل واحد فحقيقته أن يقال ~~بل يمتنع الفعل والحال هذه فلا يمكن وقوعه حتى يقال إن المحل يفسد أو لا يفسد # ولكن هو ظن كما ظن من ظن من المتكلمين أن الإله هو بمعنى الرب وأن دلالة ~~الآية على انتقاء إلهين إنما دلت به على انتفاء ربين فقط وذلك يظهر بتقدير ~~امتناع الفعل من ربين PageV09P343 # وسنبين إن شاء الله أن الآية دلت على ما هو أكمل وأعظم من هذا وأن إثبات ~~ربين للعالم لم يذهب إليه أحد من بني آدم ولا أثبت أحد إلهين متماثلين ولا ~~متساويين في الصفات ولا في الأفعال ولا أثبت أحد قديمين متماثلين ولا واجبي ~~الوجود متماثلين # ولكن الإشراك الذي وقع في العالم إنما وقع بجعل بعض المخلوقات مخلوقة ~~لغير الله في الإلهية بعبادة غير الله تعالى واتخاذ الوسائط ودعائها ~~والتقرب إليها كما فعل عباد الشمس والقمر والكواكب والأوثان وعباد الأنبياء ~~والملائكة أو تماثيلهم ونحو ذلك # فأما إثبات خالقين للعالم متماثلين فلم يذهب إليه أحد من الآدميين # وقد قال تعالى { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } سورة ~~لقمان 25 # وقال تعالى { قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا ~~تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب ms2014 العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون } سورة المؤمنون 84 89 # وقال { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } سورة يوسف 106 # والرسل دعوا الخلق إلى توحيد الإلهية وذلك متضمن لتوحيد الربوبية كما قال ~~كل منهم لقومه { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } سورة الأعراف 59 PageV09P344 # وقال { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون } سورة الزخرف 45 # وقال { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون } سورة الأنبياء 25 # وقال { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } ~~سورة النحل 36 # وإلا فمجرد توحيد الربوبية قد كان المشركون يقرون به وذلك وحده لا ينفع ~~وهؤلاء الذين يريدون تقرير الربوبية من أهل الكلام والفلسفة يظنون أن هذا ~~هو غاية التوحيد كما يظن ذلك من يظنه من الصوفية الذين يظنون أن الغاية هو ~~الفناء في توحيد الربوبية # وهذا من أعظم ما وقع فيه هؤلاء وهؤلاء من الجهل بالتوحيد الذي بعث الله ~~به الرسل وأنزل به الكتب # فإن هذا التوحيد الذي هو عندهم الغاية قد كان مشركو العرب يقرون به كما ~~أخبر الله عنهم ولكن كثير من الطوائف قصر فيه مع إثباته لأصله كالقدرية ~~الذين يخرجون أفعال الحيوان عن قدرة الله ومشيئته وخلقه ولازم قولهم حدوث ~~محدثات كثيرة بلا محدث # وأما الفلاسفة القائلون بقدم العالم فلازم قولهم أن الحوادث جميعها ليس ~~لها فاعل ثم هم يجعلون بعض مبدعات الرب هي الفاعلة لما سواه كما يزعمون مثل ~~ذلك في العقل PageV09P345 # ومشركو العرب كانوا خيرا في التوحيد من هؤلاء فإن هؤلاء غايتهم أن يثبتوا ~~أسبابا لبعض الموجودات لكن الأسباب لا تستقل بل تفتقر إلى مشارك وانتفاء ~~معارض وقد يثبتون أسبابا وعللا لا حقيقة لها كالعقول التي يزعمون أنها ~~أبدعت ما سواها # وأما المجوس الثنوية فهم أشهر الناس قولا بإلهين ms2015 لكن القوم متفقون على أن ~~الإله الخير المحمود هو النور الفاعل للخيرات وأما الظلمة التي هي فاعل ~~الشرور فلهم فيها قولان أحدهما أنه محدث حدث عن فكرة رديئة من النور وعلى ~~هذا فتكون الظلمة مفعولا للنور لكنهم جهال أرادوا تنزيه الرب عن فعل شر ~~معين فجعلوه فاعلا لأصل الشر ووصفوه بالفكرة الرديئة التي هي من أعظم ~~النقائص وجعلوها سببا لحدوث أصل الشر # والقول الآخر قولهم إن الظلمة قديمة كالنور # فهؤلاء أثبتوا قديمين لكن لم يجعلوهما متماثلين ولا مشتركين في الفعل بل ~~يمدحون أحدهما ويذمون الآخر # ولذلك من قال من الملاحدة كمحمد بن زكريا الرازي الطبيب PageV09P346 ~~وأمثاله الذين اتبعوا قول طائفة من الملاحدة الفلاسفة القائلين بالقدماء ~~الخمسة التي هي واجب الوجود والنفس والهيولى والدهر والخلاء وأن سبب حدوث ~~العالم أن النفس تعلقت بالهيولى فلم يمكن واجب الوجود أن يخلصها منها حتى ~~تمتزج بالعالم فتذوق ما فيه من الشرور # وسبب قوله هذا القول أنه كان يقول بحدوث العالم وطولب بسبب حدوثه فأثبت ~~نوعا من الحركات سماها الحركة الفلتية وشبهها بالريح والصوت الذي يخرج من ~~الإنسان بغير اختياره وجعل عشق ا لنفس للهيولى من هذا الباب وظهر للناس ~~جهله في إلحاده فإن هذه الحركة على أي وجه كانت حادثة بعد أن لم تكن فيسأل ~~عن سبب حدوثها كما يسأل عن سبب حدوث حركة أخرى فلم يتخلص بهذا الجهل من السؤال # والمقصود أن كثيرا من أهل الشرك والضلال قد يضيف وجود بعض الممكنات أو ~~حدوث بعض الحوادث إلى غير الله وكل من قال هذا لزمه حدوث الحادث بلا سبب ~~وهم مع شركهم وما يلزمهم من نوع تعطيل في الربوبية لا يثبتون مع الله شريكا ~~مساويا له في أفعاله ولا في صفاته PageV09P347 # وأما إثبات الأسباب التي لا تستقل بالأثر بل تفتقر إلى مشارك معاون ~~وانتفاء معارض مانع وجعلها مخلوقة لله فهذا هو الواقع الذي أخبر به القرآن ~~ودل عليه العيان والبرهان وهو من دلائل التوحيد وآياته ليس من الشرك بسبيل ~~فإن ذلك مما يبين أنه ms2016 ليس في المخلوقات ما يستقل بمفعول من المفعولات # والمقصود هنا أن هؤلاء اعتقدوا أن قوله { لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا } سورة الأنبياء 22 إنما يدل على نفي الشركة في الربوبية وهو أنه ~~ليس للعالم خالقان ثم صار كل منهم يذكر طريقا في ذلك # فهذا الفيلسوف ابن رشد قرر هذا التوحيد كما تقدم # قال وأما قوله تعالى { إذا لذهب كل إله بما خلق } سورة المؤمنون 91 فهذا ~~رد منه على من يضع آلهة كثيرة مختلفة الأفعال وذلك أنه يعقل في الآلهة ~~المختلفة الأفعال التي لا يكون بعضها مطيعا لبعض أن لا يكون عنها موجود ~~واحد بل موجودات كثيرة فكان يكون العالم أكثر من واحد وهو معنى قوله { إذا ~~لذهب كل إله بما خلق } سورة المؤمنون 91 ولما كان العالم واحدا وجب أن لا ~~يكون موجودا عن آلهة كثيرة متفننة الأفعال # قلت لما قرر أولا امتناع ربين فعلهما واحد قرر امتناع أرباب تختلف PageV09P348 ~~أفعالهم فإن اختلاف الأفعال يمنع أن يكون المفعول واحدا والعالم واحدا # وكلامه في تفسير هذه الآية بهذا من جنس كلامه في تفسير تلك الآية بذاك # قال وأما قوله تعالى { لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا } سورة الإسراء 42 فهي كالآية الأولى أعني أنه برهان على ~~امتناع إلهين فعلهما واحد ومعنى هذه الآية أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~قادرة على إيجاد العالم وخلقه غير الإله الموجود حتى تكون نسبته من هذا ~~العالم نسبة الخالق له لوجب أن يكون على العرش معه فكان يوجد موجودان ~~متماثلان ينتسبان إلى محل واحد نسبة واحدة فإن المثلين لا ينتسبان إلى محل ~~واحد نسبة واحدة لأنه إذا اتحدت نسبته اتحد المنسوب أعني لا يجتمعان في ~~النسبة إلى محل واحد كما لا يحلان في محل واحد إذا كانا مما شأنهما أن ~~يكونا بالمحل وإن كان الأمر في نسبة الإله إلى العرش ضد هذه PageV09P349 ~~النسبة أعني أن العرش يقوم به لا أنه يقوم بالعرش ولذلك قال { وسع ms2017 كرسيه ~~السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم } سورة البقرة 255 # قلت قد سلك في هذه الآية هذا المسلك الذي ذكره والآية فيها قولان معروفان ~~للمفسرين أحدهما أن قوله { لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } سورة الإسراء 42 ~~أي بالتقرب إليه والعبادة والسؤال له # والثاني بالممانعة والمغالبة والأول هو الصحيح فإنه قال { لو كان معه ~~آلهة كما يقولون } سورة الإسراء 42 وهم لم يكونوا يقولون إن آلهتهم تمانعه ~~وتغالبه بخلاف قوله { وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا ~~بعضهم على بعض } سورة المؤمنون 91 فهذه في الآلهة المنفية ليس فيه أنها ~~تعلو على الله وأن المشركين يقولون ذلك # وأيضا فقوله { لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } سورة الإسراء 42 يدل على ذلك ~~فإنه قال تعالى { إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } سورة المزمل ~~19 والمراد به اتخاذ السبيل إلى عبادته وطاعته بخلاف العكس فإنه قال { فإن ~~أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } سورة النساء 34 ولم يقل إليهن سبيلا # وأيضا فاتخاذ السبيل إليه مأمور به كقوله { وابتغوا إليه الوسيلة } سورة ~~المائدة 35 وقوله { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه } PageV09P350 ~~سورة الإسراء 56 57 # فبين أن الذين يدعون من دون الله يطلبون إليه الوسيلة فهذا مناسب لقوله { ~~لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } سورة الإسراء 42 # وليس المقصود هنا بسط الكلام على ذلك إذ المقصود بيان ما ذكره في طرق ~~المعتزلة ومن سلك سبيلهم من الأشعرية # قال فهذا هو الدليل الذي بالطبع والشرع في معرفة الوحدانية وإنما الفرق ~~بين الجمهور وبين العلماء في هذا الدليل أن العلماء يعلمون من اتحاد العالم ~~وكون أجزائه بعضها من أجل بعض بمنزلة الجسد الواحد أكثر مما يعلمه الجمهور من ذلك # ولهذا المعنى الإشارة بقوله تعالى في آخر الآية { سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا ms2018 كبيرا تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا } سورة الإسراء 43 44 # قال وأما ما يتكلفه الأشعرية يعني والمعتزلة من PageV09P351 ~~الدليل الذي يستنبطونه من هذه الآية وهو الذي يسمونه دليل التمانع فشيء ليس ~~يجري مجرى الأدلة الطبيعية ولا الشرعية أما كونه ليس يجري مجرى الطبع فلأن ~~ما يقولون في ذلك ليس برهانا وأما كونه ليس شرعيا لا يجري مجرى الشرع فإن ~~الجمهور لا يقدرون على فهم ما يقولون من ذلك فضلا عن أن يقع لهم به إقناع ~~وذلك أنهم قالوا لو كانا اثنين فأكثر لجاز أن يختلفا وإذا اختلفا لم يخل ~~ذلك من ثلاثة أقسام لا رابع لها إما أن يتم مرادهما جميعا وإما أن لا يتم ~~مراد أحدهما ويتم مراد الآخر وإما أن لا يتم مراد واحد منهما # قالوا ويستحيل أن لا يتم مراد واحد منهما لأنه لو كان الأمر كذلك لكان ~~العالم لا موجودا ولا معدوما # ويستحيل أن يتم مرادهما جميعا لأنه كان يكون العالم موجودا معدوما معا # فلم يبق إلا أن يتم مراد أحدهما ويبطل مراد الآخر والذي بطلت إرادته عاجز ~~والعاجز ليس بإله PageV09P352 # قال ووجه الضعف في هذا الدليل أنه كما يجوز في العقل أن يختلفا قياسا على ~~المريدين في الشاهد كذلك يجوز أن يتفقا وهو الأليق بالإلهية من الاختلاف ~~وإذا اتفقا على صناعة العالم كانا مثل الصانعين اتفقا على صنع مصنوع ما # وإذا كان هذا هكذا فلا بد أن يقال إن أفعالهم ولو اتفقا كانت تتعاوق ~~لورودهما على محل واحد إلا أن يقول قائل ولعل هذا يفعل بعضا والآخر بعضا أو ~~لعلهما يفعلان على المداولة إلا أن هذا التشكيك لا يليق بالجمهور # والجواب في هذا لمن يشكك من الجدليين في هذا المعنى أن الذي يقدر على ~~اختراع البعض يقدر على اختراع الكل فيعود الأمر إلى قدرتهما على كل شيء ~~فإما أن يتفقا وإما أن يختلفا وكيفما كان يتعاوق الكل PageV09P353 # وأما التداول ms2019 فهو نقص في حق كل واحد منهما والأشبه أن لو كانا اثنين أن ~~يكون العالم اثنين فإذا العالم واحد فالفاعل واحد فإن الفعل الواحد إنما ~~يوجد عن واحد فإذن ليس ينبغي أن يفهم من قوله { ولعلا بعضهم على بعض } سورة ~~المؤمنون 91 من جهة اختلاف الأفعال فقط بل من جهة اتفاقهما فإن الأفعال ~~المتفقة تتعاوق في ورودها على المحل الواحد كما تتعاوق الأفعال المختلفة # قال وهذا هو الفرق بين ما فهمناه نحن من الآية وما فهمه المتكلمون وإن ~~كان قد يوجد في كلام أبي المعالي إشارة إلى هذا الذي قلناه # قلت بل الذي ذكره النظار عن المتكلمين الذي سموه دليل التمانع برهان تام ~~على مقصودهم وهو امتناع صدور العالم عن اثنين وإن كان هذا هو توحيد ~~الربوبية # والقرآن يبين توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية لكن المقصود هنا أن اعتراض ~~هذا على دليل نظار المتكلمين هو اعتراض مشهور قد ذكره غيره وظنوا أنه ~~اعتراض قادح في الدلالة كما ذكر ذلك الآمدي وغيره وحتى ظن بعض الناس أن ~~التوحيد إنما يعرف بالسمع # وليس الأمر كما ظنه هؤلاء بل هو برهان صحيح عقلي كما قدره PageV09P354 ~~فحول النظار وكما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع وأفردت مصنفا ~~للتوحيد # وذلك أن هؤلاء النظار قالوا إذا قدر ربان متماثلان فإنه يجوز اختلافهما ~~فيريد أحدهما أن يفعل ضد مراد الآخر وحينئذ إما أن يحصل مراد أحدهما أو ~~كلاهما أو لا يحصل مراد واحد منهما # والأقسام الثلاثة باطلة فيلزم انتفاء الملزوم # أما الأول فلأنه لو وجد مرادهما للزم اجتماع الضدين وأن يكون الشيء ~~الواحد حيا ميتا متحركا ساكنا قادرا عاجزا إذا أراد أحدهما أحد الضدين ~~وأراد الآخر الضد الآخر # وأما الثاني فلأنه إذا لم يحصل مراد واحد منهما لزم عجز كل منهما وذلك ~~يناقض الربوبية # وأيضا فإذا كان المحل لا يخلو من أحدهما لزم ارتفاع القسمين المتقابلين ~~كالحركة والسكون والحياة والموت فيما لا يخلو عن أحدهما # وإن نفذ مراد أحدهما دون الآخر كان النافذ مراده هو الرب ms2020 القادر والآخر ~~عاجزا ليس برب فلا يكونان متماثلين PageV09P355 # فلما قيل لهم هذا إنما يلزم إذا اختلفت إرادتهما فيجوز اتفاق إرادتهما # أجابوا بأنه إذا اتفقا في الآخرة امتنع أن يكون نفس ما فعله أحدهما نفس ~~مفعول الآخر فإن استقلال أحدهما بالفعل والمفعول يمنع استقلال الآخر به بل ~~لا بد أن يكون مفعول هذا متميزا عن مفعول هذا وهذا معنى قوله تعالى { إذا ~~لذهب كل إله بما خلق } سورة المؤمنون 91 # وهذا ممتنع فإن العالم مرتبط بعضه ببعض ارتباطا يوجب أن فاعل هذا ليس هو ~~مستغنيا عن فاعل الآخر لاحتياج بعض أجزاء العالم إلى بعض # وأيضا فلا بد أن يعلو بعضهم على بعض فإن ما ذكرناه من جواز تمانعهما إنما ~~هو مبني على جواز اختلاف إرادتهما وذلك أمر لازم من لوازم كون كل منهما ~~قادرا فإنهما إذا كانا قادرين لزم جواز اختلاف الإرادة # وإن قدر أنه لا يجوز اختلاف الإرادة بل يجب اتفاق الإرادة كان ذلك أبلغ ~~في دلالته على نفي قدرة كل واحد منهما فإنه إذا لم يجز أن يريد أحدهما ~~ويفعل إلا ما يريده الآخر ويفعله لزم أن لا يكون واحد منهما قادرا إلا إذا ~~جعله الآخر قادرا ولزم أن لا يقدر أحدهما إلا إذا لم يقدر الآخر PageV09P356 # وعلى التقديرين يلزم أن لا يكون واحد منهما قادرا فإنه إذا لم يمكنه أن ~~يريد ويفعل إلا ما يريده الآخر ويفعله والآخر كذلك وليس فوقهما أحد يجعلهما ~~قادرين مريدين لم يكن هذا قادرا مريدا حتى يكون الآخر قادرا مريدا # وحينئذ فإن كان كل منهما جعل الآخر قادرا مريدا كان هذا دورا قبليا وهو ~~دور في الفاعلين والعلل # كما لو قيل لا يوجد هذا حتى يوجد هذا ولا يوجد هذا حتى يوجد الآخر فإن ~~هذا محال ممتنع في صريح العقل ولم ينازع العقلاء في امتناع ذلك وهذا يسمى ~~الدور القبلي # بخلاف ما إذا قيل لا يكون هذا إلا مع هذا ولا هذا إلا مع هذا كالأمور ~~المتلازمة فإن هذا يسمى الدور المعي الاقتراني ms2021 # وذلك جائز كما إذا قيل ذات الرب لا تكون إلا مع صفاته اللازمة لها وصفاته ~~اللازمة لها لا تكون إلا مع ذاته وقيل لا تكون حياته إلا مع علمه ولا علمه ~~وحياته إلا مع قدرته ونحو ذلك # فتبين أنه يمتنع أن تكون قدرة كل منهما مستفادة من قدرة الآخر # وإن قيل بل كل منهما قادر مريد من غير أن يستفيد أحدهما ذلك من الآخر وهو ~~دور معي لا قبلي كان هذا أيضا باطلا # فإنه حينئذ يجب أن تكون قدرة كل منهما من لوازم ذاته فلزم أن صانع العالم ~~لا بد أن يكون قادرا قدرة لا يحتاج فيها إلى غيره بل تكون من لوازم ذاته ~~وهذا حق PageV09P357 # وحينئذ فإذا قدر ربان لزم أن يكون كل منهما قادرا قدرة لازمة لذاته لا ~~يحتاج فيها إلى غيره فيكون الفعل بتلك القدرة ممكنا فيلزم أن يكون الرب ~~قادرا متمكنا من الفعل بمجرد قدرته لا يحتاج في ذلك إلى غيره # وحينئذ فيمتنع وجود ربين كل منهما كذلك لأنه إذا كان كل منهما قادرا ~~بنفسه على الفعل أمكنه أن يفعل دون الآخر وأمكن الآخر أن يفعل دونه وهذا ~~ممتنع فإنه إذا فعل أحدهما شيئا امتنع أن يكون الآخر فاعلا له أو شريكا فيه ~~مع استقلال الأول بفعله فيلزم عجز كل منهما عما يفعله الآخر ويلزم أنه لا ~~يمكنه الفعل إن لم يمكنه الآخر منه فلا يفعله هو فيلزم أن يكون كل منهما ~~عاجزا غير قادر على الفعل # وقد تبين أنه لا بد أن يكون كل منهما قادرا على الفعل فيلزم الجمع بين ~~النقيضين ويلزم أيضا أنه لا يكون هذا قادرا إلا إذا كان الآخر غير قادر ~~فيلزم أن يكون كل منهما قادرا غير قادر وهذا جمع ثان بين النقيضين # فتبين أن الخالق لا بد أن يكون قادرا بنفسه على الاستقلال بالفعل وهذا ~~وحده برهان كاف # وحينئذ فلا بد أن يكون أحدهما أقدر من الآخر فيلزم علو بعضهم على بعض PageV09P358 # ولهذا بين الله تعالى في كتابه أن ms2022 كل واحد من ذهاب كل إله بما خلق ومن ~~علو بعضهم على بعض برهان قاض بأنه ليس مع الله إله # كما قال تعالى { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض } سورة المؤمنون 91 # فجعل هنا لازمين كل منهما يدل على انتفاء الملزوم أحدهما قوله { إذا لذهب ~~كل إله بما خلق } فإن الإله لا بد أن يكون قادرا مستقلا بالقدرة على الفعل ~~لا يحتاج في كونه قادرا إلى غيره كما تقدم من أنه لو كانت قدرة أحدهما ~~يحتاج فيها إلى من يجعله قادرا كان ذلك ممتنعا # فإن الذي يجعله قادرا إن كان مخلوقا له فهو الذي جعل المخلوق قادرا فلو ~~كان المخلوق هو الذي جعله قادرا كان هذا دورا ممتنعا كما يمتنع أن يكون ~~المخلوق خالقا للخالق # وإن كان قديما واجبا بنفسه مثله كان القول في قدرته كالقول في قدرة الآخر ~~فإن كانت قدرته من لوازم ذاته لا يحتاج فيها إلى غيره ثبت المدعى # وإن كان يحتاج فيها إلى غيره لم يكن قادرا حتى يجعله ذلك الآخر قادرا ~~وهذا دور ممتنع كما يمتنع أن لا يكون أحدهما موجودا أو عالما حتى يجعله ~~الآخر موجودا وعالما فإنه حينئذ يكون كونه موجودا وقادرا وعالما مستفاد من ~~الآخر ومفعولا له فلا يكون هذا حتى يكونه هذا ولا يكون هذا حتى يكونه هذا ~~فلا يكون هذا ولا هذا PageV09P359 # وهذا أعظم امتناعا من أن يقال لا يكون الشيء حتى يكون نفسه فإن ذلك يقتضي ~~كون نفسه فاعلة لنفسه ومتقدمة عليها # وهذا وإن كان ممتنعا في صريح العقل فكونه فاعلا لفاعل نفسه ومتقدما على ~~المتقدم على نفسه أبلغ في الامتناع # فإذا كان يمتنع أن لا يكون الواحد قادرا حتى جعل نفسه قادرا فكون كل ~~منهما لا يكون قادرا حتى يجعله الآخر قادرا أولى بالإمتناع # وذلك أنه لا يجعل نفسه قادرا حتى يكون هو قادرا فيلزم أن يكون حينئذ قادر ~~غير قادر # وكذلك يلزم إذا ms2023 لم يكن أحدهما قادرا ألا يجعل الآخر أن يكون كل منهما ~~قادر غير قادر مرتين حين جعله مجعوله قادرا وحين جعله مجعوله قادرا # ولما كان هذا من المعالم البديهية الضرورية لمن تصوره لم يحتج إلى تقرير ~~وإذا كان ذلك الإله لابد أن يكون قادرا على الاستقلال بالفعل فاستقلاله ~~بالفعل يمنع أن يكون غيره فاعلا له ومشاركا له فيه فيلزم أن ينفرد كل إله ~~بما خلق لا يحتاج فيه إلى غيره # وحينئذ يلزم أن لا يحتاج مخلوق هذا إلى مخلوق هذا لأن ذلك يوجب حاجة كل ~~منهما إلى الآخر وأنه لا يقدر أن يفعل إلا مع فعل الآخر ويكون فعل كل منهما ~~مستلزما لفعل الآخر ملزوما له والملزوم لا يوجد PageV09P360 ~~بدون لازمه فيلزم العجز عن الانفراد بالفعل وذلك ينفي القدرة التي هي من ~~لوازم الربوبية # وأما البرهان الثاني وهو لزوم علو بعضهم على بعض وذلك يمنع إلهية المغلوب ~~فإنه يمتنع أن يقدر أحدهما على عين مقدور الآخر لأن ذلك يستلزم أن يكون ما ~~فعله أحدهما يقدر الآخر أن يفعله مع كونه فعل الأول # ويمتنع أن يكون كل منهما لا يقدر إلا إذا مكنه الآخر وأقدره فإن ذلك ~~يستلزم أن لا يكون أحدهما قادرا فيمتنع أن يكون كل منهما قادرا على ~~الاستقلال ويمتنع أن يكونا قادرين على مفعول واحد فيلزم حينئذ أن لا يوجد ~~مفعول واحد لا بطريق استقلال أحدهما ولا بطريق اشتراكهما فيه وذلك يمنع أن ~~يكون أحدهما قادرا # وكذلك يمتنع أن يكونا متماثلين في القدرة فإنه إن أمكن كل منهما منع ~~الآخر من الفعل لزم امتناع الفعل وانتفاء القدرة عن كل منهما # وإن لم يمكنه ذلك لزم أن لا يكون قادرا على ما يقدر عليه الآخر إذ لو كان ~~قادرا عليه لأمكنه فعله وذلك ممتنع # وإذا لم يكن قادرا على ما يقدر عليه الآخر لم تكن قدرته مثل قدرته فإن ~~المثلين هما اللذان يسد أحدهما مسد الآخر ويقوم مقامه # وإذا امتنع تماثل القدرتين وجب كون احدهما أقدر من الآخر وحينئذ ms2024 فالأقدر ~~الأقوى يغلب الأضعف # وهذا معنى قوله { ولعلا بعضهم على بعض } سورة المؤمنون 91 PageV09P361 # فإن قيل قد أوردوا هنا سؤالا معروفا أورده الآمدي وغيره وذكروا أنه لا ~~جواب عنه # وهو أنه يجوز أن يكون كل منهما قادرا بشرط أن لا يفعل الآخر معه ولا يقدح ~~ذلك في القدرة كما يكون هو قادرا على أحد الضدين بشرط عدم الآخر فإن اجتماع ~~الضدين محال فالقدرة على فعل أحدهما ينافي القدرة على فعل الآخر معه ولا ~~ينافي القدرة على فعل الآخر حال عدمه بل كل من الضدين مقدور بشرط عدم الآخر ~~وهو مقدور على سبيل البدل لا على سبيل الجمع فكذلك يقال في القادرين كل ~~منهما قادر على الفعل المعين حال عدم قدرة الآخر عليه # قيل هذا تشبيه باطل وذلك أن القادر على الضدين يفعل كل منهما بمشيئته ~~وإذا فعل أحدهما لم يكن عاجزا عن فعل الآخر لكنه قادر عليه إن اختاره ~~والجمع بينهما ممتنع لذاته ليس بشيء # وذلك لا يناف القدرة بوجه من الوجوه فإن الفاعل لأحد الضدين يختار هذا ~~دون ذاك فلم يكن عدمه إلا لكونه لم يرده لا لأن غيره منعه منه ولا أن قدرته ~~عاجزة عنه إذا أراد أن يفعله بخلاف القادر إذا قيل إنه لا يمكنه الفعل إلا ~~إذا أمكنه غيره ولم يرد أن يفعل معه ولو أراد الآخر أن يفعل ما فعله لم ~~يقدر أن يفعله هو فإنه حينئذ لا يكون قادرا بنفسه بل يكون غير قادر حتى ~~يمكنه الآخر ويمتنع من أن يفعل ما يفعله # ومما يوضح هذا أن الخالق لا بد أن يكون قادرا وأن يكون قادرا بنفسه لا ~~بقدرة استفادها من غيره ويمتنع أن يكون معه آخر قادر PageV09P362 ~~بنفسه فإن القادر لا بد أن يقدر أن يفعل وحده مفعولا لا يشركه فيه غيره ~~فإنه إذا كان لا يقدر إن لم يعاونه غيره لم يكن قادرا بنفسه بل كان تمام ~~قدرته من ذلك المعنى له ويمتنع أن يكون كل منهما لا يكون قادرا إلا بإعانة ms2025 ~~الآخر فإن هذا بدون إعانة الآخر ليس بقادر وهذا بدون إعانة الآخر ليس بقادر ~~فليس واحد منهما قادر بنفسه ومن لم يكن قادرا بنفسه امتنع أن يجعل غيره ~~قادرا فإنه إذا لم يكن القادر قادرا بنفسه امتنع أن يجعل غيره قادرا بطريق ~~الأولى فلو لم يكن في الوجود من هو قادر بنفسه بمعنى أنه قادر على أن يستقل ~~بالفعل فيفعل وحده من غير شريك ومعين لم يكن في الوجود حادث لامتناع وجود ~~الحوادث بدون القادر بنفسه # والحوادث مشهودة دلت على وجود القادر بنفسه ويمتنع أن يكون في الوجود ~~قادران على الاستقلال بالفعل بحيث يكون كل منهما مستقلا بالفعل وحده فإنه ~~إذا قدر ذلك فحال ما يفعل أحدهما الفعل يمتنع أن يكون الآخر قادرا على ذلك ~~الفعل بعينه فاعلا له وحده فإنه إذا فعله أحدهما وحده لم يكن له شريك فضلا ~~عن أن يفعله غيره مستقلا فتبين أنه حال ما يكون الشيء مقدورا لقادر مستقل ~~أو مفولا لفاعل مستقل لا يكون مقدورا ولا مفعولا لآخر مستقل # فتبين أن ما يقدر عليه ويفعله القادر المستقل يمتنع أن يقدر عليه غيره ~~ويفعله غيره بل يكون هذا عاجزا عما يفعله هذا ولا يكون هذا قادرا PageV09P363 ~~إلا إذا مكنه الآخر وخلاه يفعله فلا يكون واحد منهما قادرا حتى يجعله الآخر ~~قادرا فلا يكون واحد منهما قادرا # فتبين امتناع وجود قادرين مستقلين وتبين امتناع وجود الفعل بدون قادر ~~مستقل وأنه لا يكفي وجود قادر غير مستقل ولا يجوز وجود قادرين مستقلين فعلم ~~أن القادر على الخلق واحد لا يجوز أن يكون اثنان قادرين على الخلق سواء ~~اتفقا أو اختلفا وهو المطلوب # وهذا أمر مستقر في فطر بني آدم وعقولهم وإن تنوعت العبارات عنه وإن كان ~~قد يحتاج إذا تغيرت فطرة أحدهم باشتباه الألفاظ والمعاني إلى بسط وإيضاح ~~فإنهم يعلمون أنه لا يجتمع ملكان متساويان في القدرة والملك إن لم يكن ملك ~~هذا منفصلا عن ملك هذا وإلا فإذا كان أحدهما يتصرف فيما يتصرف فيه الآخر ~~امتنع ms2026 أن يكون كل منهما قادرا مالكا لما يقدر عليه الآخر ويملكه لأنه يجب ~~حينئذ أن يكون كل منهما قادرا على ما يقدر عليه الآخر بل فاعلا مدبرا لما ~~يفعله الآخر ويدبره وذلك ممتنع فإن قدرة أحدهما على الشيء وفعله له يمنع أن ~~يكون الآخر قادرا عليه وفاعلا له إلا في حال عدم قدرة الآخر وفعله فيمكن أن ~~يفعله هذا إذا لم يفعله هذا ويقدر أحدهما على فعله إذا لم يفعله الآخر # فأما حال فعل الآخر له فيمتنع أن يكون الآخر فاعلا له إذا أراد فعله وإذا ~~امتنع كون أحدهما فاعلا له إذا أراده امتنع كونه قادرا عليه فإن كونه قادرا ~~عليه مع امتناع فعله له إذا أراده جمع بين النقيضين فإن القادر هو الذي ~~يقدر على الشيء إذا أراد فعله فإذا كان PageV09P364 ~~لا يقدر عليه إذا أراده لم يكن قادرا عليه فامتنع أن يكون الشيء قادرا على ~~فعل ما يفعله غيره حال كون الآخر فاعلا له ومفعول أحدهما مقدور له # وإذا كان حينئذ يمتنع كون الآخر فاعلا له وذلك يمنع كونه قادرا عليه ~~امتنع أن يكونا قادرين على مقدور واحد في حال واحدة وفاعلين لمفعول واحد في ~~حال واحد بل لا يقدر أحدهما على الفعل إلا إذا تركه الآخر يفعله وسكت عن ~~فعله استقلالا ومشاركة ولو أراد الآخر أن يفعله كان الآخر غير قادر على ~~فعله فصار المانع لأحدهما من القدرة على الفعل والاستقلال به كون الآخر ~~قادرا عليه فاعلا له # وذلك يوجب بطلان الربين من وجوه # منها أن الممنوع الذي منعه غيره لا يكون قادرا بخلاف من لم يفعل الفعل ~~لكونه هو لم يرده فإن هذا لا يمنع قدرته على الآخر # فإذا كان الرجل قادرا على القيام والقعود فاختار أحدهما بدلا عن الآخر لم ~~يكن عدم الآخر لعجزه عنه بل لأنه لم يرده وهو لا يريد اجتماعهما في حال ~~واحدة لأن ذلك ممتنع لنفسه لا لكونه غير قادر أو لكونه عاجزا عنه فإن ~~الممتنع بذاته ليس بشيء يتصور وقوعه ms2027 ولهذا اتفق النظار على انه ليس بشىء ~~فلا يدخل في قوله { إن الله على كل شيء قدير } سورة البقرة 20 بخلاف من كان ~~لا يقدر أن يفعل فعلا لأن غيره فعله فإنه حينئذ يكون غير قادر على أن يفعل ~~مفعول ذلك ولو أراده PageV09P365 # ولهذا كان أحد الملكين غير قادر على أن يكون ملكا مع ملك غيره بل إنما ~~يكون ملكا مع انتفاء ملك غيره # وأيضا فإنه إذا كان أحدهما قادرا ولم يمنعه أن يكون قادرا فاعلا للفعل ~~إلا كون الآخر قادرا عليه فاعلا له لزم أن يكون كل منهما ممنوعا حال ما هو ~~مانع وقادرا حال ما هو غير قادر فإن أحدهما حينئذ لا يمنعه من الفعل المعين ~~إلا كون الآخر قادرا عليه فاعلا له وذلك لا يكون قادرا فاعلا إلا إذا لم ~~يكن ممنوعا ولا يكون ممنوعا إلا إذا كان المانع قادرا فيلزم ألا يكون هذا ~~قادرا إلا إذا كان غير قادر ولا ممنوعا إلا إذا كان غير ممنوع ولا فاعلا ~~إلا إذا كان غير فاعل وذلك جمع بين النقيضين # وهذا كله بين في فطر الناس فإنهم يعلمون أن من كان أميرا أو متوليا على ~~فعل أو إماما لقوم أو قاعدا في مكان لم يقدر غيره أن يكون أميرا أو متوليا ~~أو إماما أو فاعلا حال كون الآخر أميرا أو متوليا أو إماما أو قاعدا # فتبين أن القادر على الفعل لا يقدر حال فعل الآخر له ولا حال قدرة الآخر ~~عليه أما قدرته حال فعل الآخر فظاهر الامتناع وأما حال قدرة الآخر فلا يمكن ~~أن يفعله إلا إذا سكت الآخر عن فعله وتركه وحده يفعل وأما حال فعل الآخر ~~فلا يكون قادرا # فتبين أن اجتماع قادرين بأنفسهما ممتنع لذاته في فطر جميع الناس PageV09P366 ~~وحينئذ فالقادر بنفسه هو واحد فيجب أن يكون الإله العالي الغالب وما سواه ~~مقهور مغلوب # وحينئذ فلا يكون الواحد قادرا إلا إذا كان الآخر غير قادر فإن كلا منهما ~~قادر حال عدم قدرة الآخر فلا يكون ms2028 أحدهما قادرا إلا مع كون الآخر غير قادر ~~وكل منهما قدرته من لوازم ذاته إن كان قادرا فيلزم من ذلك أن يكون كل منهما ~~لا يزال قادرا غير قادر فيلزم الجمع بين النقيضين # وكذلك إذا قيل لا يكون أحدهما قادرا إلا إذا جعله الآخر قادرا أو مكنه ~~الآخر وامتنع من منعه فإنه يلزم ألا يكون واحد منهما ادرا للدور الممتنع ~~وهو قد جعل فاعلا فيلزم اجتماع النقيضين فيلزم ألا يكون كل واحد منهما ~~قادرا مع وجوب كون الخالق قادرا ويلزم أن يكون كلا منهما غير قادر مع كونه قادرا # وهذا كله من الممتنع بصريح العقل وهو لازم من إثبات ربين قديمين واجبين ~~بأنفسهما فدل على امتناع ذلك وسواء قدر اتفاقهما على الفعل أو اختلافهما ~~فيه فنفس كونهما قديمين واجبين قادرين ممتنع ونفس كونهما غير قادرين ممتنع ~~ونفس اجتماع القدرة وعدمها ممتنع ونفس اتفاقهما على مفعول واحد يستقل به كل ~~منهما ممتنع ونفس الاشتراك بأن يفعل هذا بعضه وهذا بعضه ممتنع # وحينئذ فلا بد إن يكون أحدهما هو القادر أو الأقدر فيعلو بعضهم PageV09P367 ~~على بعض ولا بد إذا كانا قادرين من أن يذهب كل إله بما خلق فإن العالي هو ~~الإله المعبود فلا يكون معه إله بل يكون ما يقال إنه إله مملوكه وعابده # وهم مقرون بذلك لكن بين لهم فساد عبادة المخلوق والعابد لغيره كما قال { ~~قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } سورة ~~الإسراء 42 # وقال { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } سورة الإسراء 56 57 # فإنه سبحانه ينهى عن الشرك الواقع وهو اتخاذ ما سواه إلها وإن كان ~~المشركون مقرين بأنه إله مخلوق عابد للإله الأعظم ولهذا يقول { لو كان معه ~~آلهة كما يقولون } سورة الإسراء 42 # وبين أيضا امتناع أن يكون معه إله غني عنه بقوله ms2029 { ولعلا بعضهم على بعض } ~~سورة المؤمنون 91 وبقوله { لذهب كل إله بما خلق } سورة المؤمنون 91 وهذه ~~الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع وقد ذكرها العلماء في كتبهم # وكذلك ما ذكره هذا الفيلسوف ذكره غير واحد من النظار وذكروا أنه بتقدير ~~الاتفاق يمتنع أن يكون مفعول أحدهما هو مفعول الآخر والمفعول الواحد لا ~~يكون مفعولا لفاعلين باتفاق العقلاء لكن التقدير PageV09P368 ~~الذي يحتاج إلى نفيه تقدير التعاون كما ذكر من فعل هذا البعض وهذا البعض ~~وما ذكره من أن التداول نقص هو موجود في التبعيض فإن الشريكين قد يتهابان ~~بالمكان وقد يتهابان بالزمان # وهذا التقدير قد أبطلوه بوجوه # منها أن هذا نقص في حق كل واحد منهما ينافي الإلهية # ومنها أن كلا منهما إن لم يكن قادرا على الاستقلال كان عاجزا وإن كان ~~قادرا عليه وهو لا يمكنه مع معاونة الآخر كان ممنوعا من مقدوره وهو مثل ~~العجز وأشد وكذلك إن لم يكن قادرا على خلاف مراد الآخر كان عاجزا وإن كان ~~قادرا ولم يفعل إلا ما يوافق الآخر فإن كان الفعل الآخر ممكنا لا مانع له ~~من غيره أمكن تقديره ويعود دليل التمانع وإن لم يكن ممكنا لزم تعجيزه ومنعه بغيره # وبالجملة فالدلائل العقلية على هذا متعددة وإن كان من الناس من يزعم أن ~~دليل ذلك هو السمع لكن هذا المطلوب الذي أثبتوه هو متفق عليه بين العقلاء # ومقصود القرآن توحيد الإلهية وهو مستلزم لما ذكروه من غير عكس # ولهذا قال تعالى { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } سورة الأنبياء 22 ~~فلم يقل لو كان فيهما آلهان بل المقدر آلهة غير الإله PageV09P369 ~~المعلوم أنه إله فإنه لم ينازع أحد في أن الله إله حق وإنما نازعوا هل يتخذ ~~غيره إلها مع كونه مملوكا له # ولهذا قال { ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء ~~في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } سورة الروم 28 # وقال تعالى { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما ms2030 نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى } سورة الزمر 3 # وقال { أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون وإذا ~~ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه ~~إذا هم يستبشرون } سورة الزمر 43 45 وقد بسط الكلام على هذا في موضعه # والمقصود هنا ما ذكره هذا # قال ويدلك على أن الدليل الذي فهمه المتكلمون من الآية ليس هو الدليل ~~الذي تضمنته الآية أن المحال الذي أفضى إليه دليلهم غير المحال الذى افضى ~~اليه الدليل المذكور في الآية وذلك أن المحال الذي أفضى إليه الدليل الذي ~~زعموا أنه دليل الآية هو أكثر من محال واحد إذ قسموا الأمر إلى ثلاثة أقسام ~~وليس في الآية تقسيم فدليلهم الذي PageV09P370 ~~استعملوه هو الذي يعرفه أهل المنطق بالشرطي المنفصل ويعرفونه هم في صناعتهم ~~بدليل السبر والتقسيم والدليل الذي في الآية هو الذي يعرف في صناعة المنطق ~~بالشرطي المتصل وهو غير المنفصل ومن نظر فيه أدنى نظر في تلك الصناعة تبين ~~له الفرق بين الدليلين # وأيضا فإن المحالات التي أفضى إليها دليلهم غير المحال الذي أفضى إليه ~~دليل الكتاب وذلك أن المحال الذي أفضى إليه دليلهم هو أن يكون العالم إما ~~لا موجودا ولا معدوما وإما أن يكون موجودا ومعدوما وإما أن يكون الإله ~~عاجزا مغلوبا وهذه مستحيلات دائمة الاستحالة أكثر من واحد والمحال الذي ~~أفضى إليه دليل الكتاب ليس مستحيلا على الدوام وإنما علقت الاستحالة فيه في ~~وقت مخصوص وهو أن يوجد العالم فاسدا في وقت الوجود فكأنه قال لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لوجد العالم فاسدا في الآن ثم استثنى أنه غير فاسد فوجب ألا ~~يكون هناك إله إلا واحد # قلت الفساد المذكور في الآية لم يوقت بوقت مخصوص والفساد ليس هو امتناع ~~الوجود الذي يقدر عند تمانع الفاعلين إذا أراد أحدهما شيئا وأراد الآخر ~~نقيضه ولا هو أيضا امتناع ms2031 الفعل الذي يقدر عن كون المفعول الواحد لفاعلين ~~فإن هذا كله يقتضي عدم الوجود PageV09P371 # وأما الفساد فهو ضد الصلاح كما قال تعالى { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في ~~الأرض قالوا إنما نحن مصلحون } سورة البقرة 11 # وقال تعالى { وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين } سورة الأعراف 142 # وقال { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } سورة الأعراف 56 # وقال { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا ~~يحب الفساد } سورة البقرة 205 # وقال { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو ~~فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا } سورة المائدة 32 # وقالت الملائكة { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } سورة البقرة 30 # وقال تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~} سورة المائدة 33 # وقال { ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم ~~بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون } سورة المؤمنون 71 # وجماع الصلاح للآدميين هو طاعة الله ورسوله وهو فعل ما ينفعهم وترك ما ~~يضرهم والفساد بالعكس فصلاح الشيء هو حصول كماله الذي به تحصل سعادته ~~وفساده بالعكس والخلق صلاحهم وسعادتهم PageV09P372 ~~في أن يكون الله هو معبودهم الذي تنتهي إليه محبتهم وإرادتهم ويكون ذلك ~~غاية الغايات ونهاية النهايات # ولهذا كان كل عمل يعمل لغير الله لا ينفع صاحبه بل قد يضره وكانت أعمال ~~الذين كفروا { كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على ~~شيء } سورة إبراهيم 18 # قال تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } سورة الذاريات 56 # فعبادته هي الغاية التي فيها صلاحهم فإن الإنسان حارث همام كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أصدق الأسماء الحارث وهمام والحارث هو الكاسب والهمام ~~هو الذي يكثر الهم الذي هو أول الإرادة فالإنسان متحرك بالإرادة وكل مريد ~~لا بد له من مراد والذي يجب أن يكون هو المراد المقصود بالحركات هو الله ~~فصلاح النفوس وسعادتها ms2032 وكمالها في ذلك وهكذا العالم العلوي أيضا # والحركات ثلاثة طبيعية وقسرية وإرادية لأن الحركة إما أن يكون مبدأها من ~~المتحرك وإما من غيره فما كان مبدؤها من غيره فهي القسرية الكرهية وما كان ~~مبدؤها من المتحرك فإن كان على شعور منه فهي الإرادية وإلا فهي الطبيعية # والطبيعية لا تعرف إلا إذا خرج المطبوع عن مركزه كصعود الحجر PageV09P373 ~~والماء إلى فوق ففي طبعه الهوى والنزول فهي تابعة للقسرية فكل من الطبيعية ~~والقسرية تابعة لغيرها # فمبدأ الحركات كلها هي الإرادية وكل إرادة لا يكون الله هو المراد ~~المقصود بالقصد الأول بها كانت ضارة لصاحبها مفسدة له غير نافعة ولا مصلحة له # وليس ما يستحق أن يكون هو المحبوب لذاته المراد لذاته المطلوب لذاته ~~المعبود لذاته إلا الله كما أنه ليس ما هو بنفسه مبدع خالق إلا الله فكما ~~أنه لا رب غيره فلا إله إلا هو فليس في المخلوقات ما يستقل بإبداع شيء حتى ~~يكون ربا له ولكن ثم أسباب متعاونة ولها فاعل هو سببها # وكذلك ليس في المخلوقات ما هو مستحق لأن يكون المستقل بأن يكون هو ~~المعبود المقصود المراد بجميع الأعمال بل إذا استحق أن يحب ويراد فإنما ~~يراد لغيره وله ما شاركه في أن يحب معه وكلاهما يحب أن يحب لله لا يحب واحد ~~منهما لذاته إذ ليست ذاته هي التي يحصل بها كمال النفوس وصلاحها وانتفاعها ~~إذا كانت هي الغاية المطلوبة # والله فطر عباده على ذلك وهو أعظم من كونه فطرهم على حب الأغذية التي ~~تصلحهم فإذا تناولوا غيرها أفسدتهم فإن ذلك وإن كان كذلك ففي الممكن أن ~~يجعل في غير ذلك ما يغذيهم وأما كون الفطرة يمكن أن تصلح على عبادة غير ~~الله فهذا ممتنع لذاته كما يمتنع لذاته PageV09P374 ~~أن يكون للعالم مبدع غير الله قال تعالى { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } سورة الروم 30 الآية # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ms2033 عليه وسلم أنه قال كل مولود ~~يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة ~~جمعا هل تحسون فيها من جدعاء # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول ~~الله إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم ~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا # والفطر تعرف هذا أعظم مما تعرف ما يلائمها من الطعام والشراب لكن قد يحصل ~~للفطرة نوع فساد فيفسد إدراكها كما يفسد إدراكها إذا وجدت الحلو مرا وهذا ~~هو أعرف المعروف الذي أمر الله الرسل أن تأمر به والشرك أنكر المنكر الذي ~~أمرهم بالنهي عنه والشرك لا يغفره الله فإنه فساد لا يقبل الصلاح # ولهذا وجب التفريق بين الحب مع الله والحب لله فالأول شرك والثاني إيمان # قال تعالى { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله } سورة البقرة 165 فليس لأحد أن يحب شيئا مع الله PageV09P375 # وأما الحب لله فقال تعالى { أحب إليكم من الله ورسوله } سورة التوبة 24 # وقال صلى الله عليه وسلم في الصحيح ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من ~~كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ~~ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار # وفي الحديث أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ومن أحب لله ~~وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان # وهذا حقيقة قوله تعالى { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ~~} سورة الأنفال 39 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله أنا أغنى الشركاء عن ~~الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك # فمكان الفعل الواحد ممتنع أن يكون من فاعلين مستقلين فيمتنع أن يكون ~~المرادين مستقلين بالإرادة فإن كون هذا ms2034 مستقلا بكونه هو المراد المحبوب ~~يناقض كون الآخر كذلك ومتى لم يكن المراد مستقلا PageV09P376 ~~بالإرادة لم يكن هو المراد بل بعض المراد وما كان بعض المراد لم يحصل به ~~صلاح النفوس وهو المراد الذي لا يصلح المتحرك بالإرادة إلا به فمن أراد غير ~~الله بعمله امتنع أن يكون الله مراده بعمله ومن لم يكن الله هو مراده لم ~~يحصل صلاحه بل كان الحاصل فساده بالشرك لا يغفر بخلاف ما دونه # وأفضل الكلام قول لا إله إلا الله والإله هو الذي يستحق أن تألهه القلوب ~~بالحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء فهو بمعنى المألوه وهو ~~المعبود الذي يستحق أن يكون كذلك # ولكن أهل الكلام الذين ظنوا أن التوحيد هو مجرد توحيد الربوبية وهو ~~التصديق بأن الله وحده خالق الأشياء اعتقدوا أن الإله بمعنى الآله اسم فاعل ~~وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع كما يقوله الأشعري وغيره ممن يجعلون ~~أخص وصف الإله القدرة على الاختراع # ومن قال إن أخص وصف الإله هو القدم كما يقوله من يقوله من المعتزلة قال ~~ما يناسب ذلك في الإلهية وهكذا غيرهم وقد بسط الكلام على هذا في موضعه # والمقصود هنا التنبيه على هذه الأمور وأن هؤلاء غلطوا في معرفة حقيقة ~~التوحيد وفي الطرق التي بينها القرآن فظنوا أنه مجرد اعتقاد أن العالم له ~~صانع واحد ومنهم من ضم إلى ذلك نفي الصفات أو بعضها فجعل نفي ذلك داخلا في ~~مسمى التوحيد وإدخال هذا في مسمى التوحيد ضلال عظيم PageV09P377 # وأما الأول فلا ريب أنه من التوحيد الواجب وهو الإقرار بأن خالق العالم ~~واحد لكنه هو بعض الواجب وليس هو الواجب الذي به يخرج الإنسان من الإشراك ~~إلى التوحيد بل المشركون الذين سماهم الله ورسوله مشركين وأخبرت الرسل أن ~~الله لا يغفر لهم كانوا مقرين بأن الله خالق كل شيء # فهذا أصل عظيم يجب على كل أحد أن يعرفه فإنه به يعرف التوحيد الذي هو رأس ~~الدين وأصله # وهؤلاء قصروا في معرفة التوحيد ثم أخذوا يثبتون ذلك بأدلة ms2035 وهي وإن كانت ~~صحيحة فلم تنازع في هذا التوحيد أمة من الأمم وليست الطرق المذكورة في ~~القرآن هي طرقهم كما أنه ليس مقصود القرآن هو مجرد ما عرفوه من التوحيد # قال ابن رشد فقد تبين من هذا القول الطرق التي دعا الشرع من قبلها الناس ~~إلى الإقرار بوجود الباري تعالى ونفي الإلهية عما سواه وهما المعنيان ~~اللذان تضمنتهما كلمة التوحيد أعني لا إله إلا الله فمن نطق بهذه الكلمة ~~وصدق بهذين المعنيين اللذين تضمنتهما بهذه الطرق التي وصفنا فهو المسلم ~~الحقيقي الذي عقيدته العقيدة PageV09P378 ~~الإسلامية ومن لم تكن عقيدته مبنية على هذه الأدلة وإن صدق بهذه والكلمة ~~فهو مسلم مع المسلم الحقيقي باشتراك الاسم # ثم تكلم على الصفات الثبوتية فقال الفصل الثالث في الصفات أما الأوصاف ~~التي صرح الكتاب العزيز بوصف الصانع لوجود العالم بها فهي أوصاف الكمال ~~الموجودة للإنسان وهي سبعة العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر ~~والكلام # أما العلم فقد نبه الكتاب على وجه الدلالة عليه في قوله تعالى { ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير } سورة الملك 14 # ووجه الدلالة أن المصنوع يدل من جهة الترتيب الذي في أجزائه أعني كون صنع ~~بعضها من أجل بعض ومن جهة موافقة جميعها للمنفعة المقصودة لذلك المصنوع أنه ~~لم يحدث عن صانع هو طبيعة وإنما وجدت عن صانع رتب ما قبل الغاية لأجل ~~الغاية فوجب أن يكون عالما به # مثال ذلك أن الإنسان إذا نظر إلى البيت فأدرك أن الأساس إنما PageV09P379 ~~صنع من أجل الحائط وأن الحائط من أجل السقف تبين أن البيت إنما وجد عن فاعل ~~عالم بصناعة البناء وهذه الصفة هي صفة قديمة إذ كان لا يجوز عليه أن يتصف ~~بها وقتا ما # لكن ليس ينبغي أن نتعمق في هذا فنقول ما يقوله المتكلمون إنه يعلم المحدث ~~في وقت حدوثه بعلم قديم فإنه يلزم على هذا أن يكون العلم بالمحدث في وقت ~~وجوده وعدمه علما واحدا # وهذا أمر غير معقول إذا كان العلم واجبا أن يكون تابعا للموجود ms2036 ولما كان ~~الموجود تارة يوجد فعلا وتارة يوجد قوة وجب أن يكون العلم بالوجودين مختلفا ~~إذ كان في وقت وجوده بالقوة غير وقت وجوده بالفعل وهذا يعني قول المتكلمين ~~شيء لم يصرح الشرع به بل الذي صرح به خلافه وهو أنه يعلم المحدثات حين حدوثها # كما قال تعالى { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا ~~رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } سورة الأنعام 59 PageV09P380 # فينبغي أن يوضع في الشرع أنه عالم بالشيء قبل أن يكون على أنه سيكون ~~وعالم بالشيء إذا كان على أنه قد كان وعالم بما تلف أنه تلف في وقت تلافه ~~وهذا هو الذي تقتضيه أصول الشرع # وإنما كان هكذا لأن الجمهور لا يفهمون من العالم في الشاهد غير هذا ~~المعنى وليس عند المتكلمين برهان يوجب أن يكون بغير هذه الصفة إلا أنهم ~~يقولون إن العلم المتغير بتغير المعلومات الموجودات هو محدث والباري تعالى ~~لا يقوم به حادث لأن ما لا ينفك عن الحوادث زعموا أنه حادث # قال وقد بينا نحن كذب هذه المقدمة فإذا الواجب أن تقرر هذه القاعدة على ~~ما وردت ولا يقال إنه يعلم حدوث الحادثات وفساد الفاسدات لا بعلم محدث ولا ~~بعلم قديم فإن هذه بدعة في الإسلام { وما كان ربك نسيا } سورة مريم 64 # قال والذي يقال للخواص إن العلم القديم لا يشبه علم PageV09P381 ~~الإنسان المحدث فالذي يدركه الإنسان من تغاير العلم المحدث بالماضي ~~والمستقبل والحاضر هو شيء يخص العلم المحدث وأما العلم القديم فيجب فيه ~~اتحاد هذه العلوم لأن انتفاء العلم عنه بما يحدثه من هذه الموجودات الثلاثة ~~محال فقد وقع اليقين بعلمه سبحانه بها وانتفى التكييف إذ التكييف يوجب ~~تشبيه العلم القديم بالمحدث # قلت هذا الكلام من جنس ما حكاه عن المتكلمين فإنه إذا اتحد في العلم ~~القديم العلم بالماضي والحاضر والمستقبل ولم يكن هذا مغايرا لهذا كان العلم ~~بالموجود حال وجوده وحال عدمه واحدا وهذا مناقض لما تقدمه من قوله يجب أن ~~يكون ms2037 العلم بالموجودين مختلفا # غاية ما في هذا الباب أن هذا الرجل يقول إن عدم التغاير هو ثابت في العلم ~~القديم دون المحدث ولا ريب أن أولئك المتكلمين يقولون هذا ولكن يقولون لو ~~فرض بقاء العلم الحادث لكان حكمه حكم القديم ويقولون إن هذا من باب حدوث ~~النسب والإضافات التي لا توجب حدوث المنسوب المضاف كالتيامن والتياسر # وهكذا هذا يقول إنما تتجدد النسب والإضافات وقد ذكر ذلك في مقالة له في ~~العلم لكن المتكلمون خير منه لأنهم يقولون بعلمها PageV09P382 ~~بعد وجودها إما بعلم زائد عند بعضهم وإما بذلك الأول عند بعضهم # واما هذا فلا يثبت إلا العلم الذي هو سبب وجودها كما سيأتي كلامه وهذا ~~عندهم حكم يعم الواجب والقديم وهذا يقول بل ذلك حكم يخص المحدث وهو لم يأت ~~على الفرق بحجة إلا مجرد الدعوى # وقد بين ذلك في كلام أفرده في مسألة العلم وأراد أن ينتصر بذلك للفلاسفة ~~الذين قيل عنهم إنهم يقولون إنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات إلا على ~~وجه كلي فذكر أنهم يقولون إنه يعلم الجزئيات لكن على هذا الوجه # فقال لمن راسله لما فقتم بجودة ذهنكم وكرم طبعكم كثير ممن يتعاطى هذه ~~العلوم وانتهى نظركم السديد إلى أن وقفتم على الشك العارض في العلم القديم ~~مع كونه متعلقا بالأشياء المحدثة وجب علينا لمكان الحق ولمكان إزالة الشك ~~والشبهة عنكم أن تحل هذا الشك بعد أن نقول في تقريره فإن لم يعرف الربط لم ~~يقدر على PageV09P383 ~~الحل والشك يلزم هكذا إن كانت الأشياء كلها في علم الله تعالى قبل أن تكون ~~فهل هي في علمه في حال كونها كما كانت عليه قبل أن توجد # فإن قلنا إنها في علم الله تعالى في حال وجودها على غير ما كانت عليه في ~~علمه قبل أن توجد لزم أن يكون العلم القديم متغيرا وأن تكون تكون إذا خرجت ~~من العدم إلى الوجود فقد حدث هناك علم زائد وذلك مستحيل على العلم القديم # وإن قلنا إن العلم القديم فيها واحد ms2038 في الحالين # قيل فهل هي في نفسها أعني الموجودات الحادثة قبل أن توجد كما هي حين وجدت ~~فيجب أن يقال ليست في نفسها قبل أن توجد كما هي حين وجدت وإلا كان المعدوم ~~والموجود واحدا # فإذا سلم الخصم هذا قيل له أفليس العلم الحقيقي هو معرفة الوجود على ما ~~هو عليه PageV09P384 # فإذا قال نعم # قيل فيجب على هذا إذا اختلف الشيء في نفسه أن يكون العلم به يختلف وإلا ~~فقد علم على غير ما هو عليه فإذا يجب أحد الأمرين إما أن يختلف العلم ~~القديم في نفسه أو تكون الحوادث غير معلومة وكلا الأمرين مستحيل عليه سبحانه # ويؤكد هذا الشك ما يظهر من حال الإنسان أعني من تعلق علمه بالأشياء ~~المعدومة على تقدير الوجود وتعلق علمه بها إذا وجدت فإنه من البين بنفسه أن ~~العلمين يتغايران وإلا كان جاهلا بوجودها في الوقت الذي وجدت فيه وليس ينجى ~~من هذا ما جرت به عادة المتكلمين في الجواب عن هذا بأنه سبحانه يعلم ~~الأشياء قبل كونها على ما تكون عليه في كونها من زمان ومكان وغير ذلك من ~~الصفة المختصة به بوجود موجود # فإنه يقال لهم إذا وجدت فهل حدث هناك تغير أو لم يحدث وهو خروج الشيء من ~~العدم إلى الوجود PageV09P385 # فإن قالوا لم يحدث فقد كابروا # وإن قالوا حدث هنالك تغير # قيل لهم فهل حدوث هذا التغير معلوم للقديم أم لا فيلزم الشك المتقدم # وبالجملة فيعسر أن يتصور أن العلم بالشيء قبل أن يوجد وأن العلم به بعد ~~أن وجد علم واحد بعينه فهذا هو تقرير هذا الشك # قال وقد رام الإمام أبو حامد الغزالي حل هذا الشك في كتابه الموسوم ~~بتهافت الفلاسفة بشيء ليس فيه منتفع وذلك أنه قال قولا معناه هذا وهو أنه ~~زعم أن العلم والمعلوم من المضاف وكما أنه قد يتغير أحد المتضايفين ولا ~~يتغير هذا الآخر في نفسه كذلك يشبه أن يعرض للأشياء في علم الله سبحانه ~~وتعالى أعني أن تتغير في أنفسها ولا يتغير ms2039 علمه سبحانه وتعالى بها PageV09P386 # ومثال ذلك في المضاف أنه قد تكون الإسطوانة الواحدة يمنة زيد ثم تعود ~~يسرته وزيد بعد لم يتغير في نفسه # قال وليس هذا بصادق فإن الإضافة قد تغيرت في نفسها وذلك أن الإضافة التي ~~كانت يمنة قد عادت يسرة وإنما الذي لم يتغير موضع الإضافة أعني الحامل لها ~~الذي هو زيد # وإذا كان كذلك وكان العلم هو نفس إضافة فقد يجب أن يتغير عند تغير ~~المعلوم كما تتغير الإضافة إضافه الاسطوانة إلى زيد عند تغيرها في نفسها ~~وذلك إذا عادت يسرة بعد أن كانت يمنة # قال والذي ينحل به هذا الشك عندنا هو أن يعرف أن الحال في العلم القديم ~~مع الموجود بخلاف الحال في العلم المحدث مع PageV09P387 ~~الموجود وذلك أن وجود الموجود هو علة وسبب لعلمنا والعلم القديم هو علة ~~وسبب للموجود فلو كان إذا وجد الموجود بعد أن لم يوجد فقد حدث في العلم ~~القديم علم زائد كما يحدث ذلك في العلم المحدث للزم أن يكون العلم القديم ~~معلولا للموجود لا علة له فإذا وجب أن لا يحدث هنالك تغير كما يحدث في ~~العلم المحدث # وإنما أتى هذا الغلط من قياس العلم القديم على العلم المحدث وهو قياس ~~الغائب على الشاهد وقد عرف فساد هذا القياس # وكما لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعول له أعني تغيرا لم يكن قبل ~~ذلك كذلك لا يحدث في العلم القديم تغير عند حدوث مفعوله عنه # فإذا قد انحل هذا الشك ولم يلزمنا أنه إذا لم يحدث هنالك تغير أعني في ~~العلم القديم فليس يعلم الموجود في حين حدوثه على ما هو عليه وإنما لزم أنه ~~لا يعلمه بعلم محدث بل لا يعلمه إلا بعلم قديم كما ظن أنه لازم من ذلك ~~القول لأن حدوث التغير في PageV09P388 ~~العلم عندنا بتغير الموجود إنما هو شرط في العلم المعلول عن الموجود وهو ~~العلم المحدث # فإذا العلم القديم إنما يتعلق بالموجود على صفة غير الصفة التي يتعلق بها ~~العلم المحدث ms2040 لا أنه غير متعلق أصلا كما حكى عن الفلاسفة أنهم لموضع هذا ~~الشك قالوا إنه لا يعلم الجزئيات # وليس الأمر كما توهم عليهم بل يرون أنه لا يعلم الجزئيات بالعلم المحدث ~~الذي من شرطه الحدوث بحدوثها ويعلمها بالعلم القديم الذي ليس من شرطه ~~الحدوث بحدوثها إذ كان علة لها لا معلولا عنها كالحال في العلم المحدث # وهذا هو غاية التنزيه الذي يجب أن يعترف به فإنه إذا قد اضطر البرهان إلى ~~أنه عالم بالأشياء من جهة أن صدورها عنه إنما هو من جهة أنه عالم لا من جهة ~~أنه موجود فقط أو موجود بصفة كذا بل من جهة أنه عالم كما قال تعالى { ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } سورة الملك 14 # وقد اضطر البرهان إلى أنه غير عالم بها بعلم هو على صفة العلم PageV09P389 ~~بالمحدث فواجب أن يكون هناك بالموجودات علم آخر لا يكفيف وهو العلم القديم # قال وكيف يمكن أن يتصور أن المشائين من الحكماء يرون أن العلم القديم لا ~~يحيط بالجزئيات وهم يرون أنه سبب الإنذار في المنامات والوحي وغير ذلك من ~~أنواع الإلهامات # قال فهذا ما ظهر لنا في وجه هذا الشك وهو أمر لا مرية فيه ولا شك # قلت لقائل أن يقول ليس فيما ذكره جواب وذلك أن تفريغه بين العلم القديم ~~والعلم المحدث بأن ذلك سبب للموجود وهذا سبب عنه هو قول تقوله طائفة من ~~الفلاسفة وقد عارضهم طائفة من المتكلمين فزعموا أن ليس في العلم ما هو سبب ~~لوجود الموجود بل العلم يطابق المعلوم على ما هو عليه فلا يكسبه صفة ولا ~~يكتسب عنه صفة # وأولئك يقولون علمه فعل وهؤلاء يمنعون ذلك # والتحقيق أن كلا من العلمين علم الخالق وعلم المخلوق ينقسم إلى ما يكون ~~له تأثير في وجود معلومه وإلى ما لا يكون كذلك فما لا يكون كذلك علم الله ~~بنفسه سبحانه فإن هذا العلم ليس سببا لهذا الموجود فلا يجوز إطلاق القول ~~بأن ذلك العلم سبب للوجود مطلقا PageV09P390 # وكذلك علمنا ms2041 بمخلوقات الله التي لا أثر لنا فيها كالسماوات # وأما الثاني فعلم الله بمخلوقاته فإن خلق المخلوقات مشروط بالعلم بها كما ~~قال { ألا يعلم من خلق } سورة الملك 14 فالعلم بها شرط في وجودها لكن ليس ~~هو وحده العلة في وجودها بل لا بد من القدرة والمشيئة # ومن هنا ضل هؤلاء المتفلسفة فجعلوا مجرد العلم بنظام المخلوقات موجبا ~~لوجودها ولم يجعلوا للقدرة والمشيئة أثرا مع أن تأثير القدرة والمشيئة في ~~ذلك أظهر من تأثير العلم مع أنهم متناقضون في ذلك فإنهم قد يثبتون العناية ~~والمشيئة تارة وينفونها تارة # وعلم العبد بما يريد فعله من أفعاله هو أيضا شرط في وجود المعلوم فهذا ~~العلم بهذا المحدث شرط في حصوله والمعلوم تابع للعلم المحدث هنا فليس وجود ~~كل معلوم لنا هو علة وسببا لعلمنا مطلقا بل يفرق في ذلك بين العلم النظري ~~والعلم العملي فبطل هذا الفرق # ثم يقال أيضا لا ريب أن الفاعل إذا أراد أن يفعل أمرا فعلم ما يريد أن ~~يفعل لم يكن هذا هو العلم بأنه سيكون فإنه ليس كل من تصور ما يريد أن يفعل ~~يعلم أنه سيكون ما يريده بل الواحد منا يتصور أشياء يريدها ولا يعلم أنها ~~تكون بل لا تكون ثم إذا علم العالم أن الشيء سيكون ثم كان علم أنه قد كان # فهنا في حقنا ثلاثة علوم وهو إنما ذكر في حق الله العلم المشروط في الفعل ~~وهو الذي لا يكون المريد مريدا حتى يحصل ذلك العلم فإن الإرادة مشروطة ~~بتصور المراد PageV09P391 ~~أما العلم بأن سيكون المراد فهذا لا يثبت بمجرد ما ذكره فإن هذا علم خبري ~~وذاك علم طلبي ثم إذا ثبت هذا العلم جاء الشك وهو أنه هل يكون هذا العلم هو ~~نفس العلم بوقوعه إذا وقع أم لا # والمتكلمون تكلموا في هذين العلمين وأرادوا جعل أحدهما هو الآخر فكانوا ~~أقرب إلى الصواب ممن جعل العلم بما يريده هو العلم بأن سيكون المراد وذلك ~~هو العلم بأن قد كان # فتبين أن طريقة ms2042 المتكلمين أقل إشكالا وأقرب إلى الصواب # وأيضا فيقال له العالم بما يريد أن يفعل إذا فعله علم أنه سيكون ثم علم ~~أن قد كان لم يخرج بذلك عن أن يكون العلم القديم شرطا في وجود المعلوم وهو ~~من تمام علة وجوده وإذا كانت نفسه مستلزمة لعلمه بالموجود بشرط فعله لها ~~كما في سمعه وبصره لم يكن شيء من أحواله معلولا لغيره # فقوله يلزم أن يكون العلم القديم معلولا للوجود لا علة له ليس بلازم # وأما ما ذكره من نفي التغير فهو قد طعن في دليل المتكلمين على نفيه ولم ~~يذكر هو دليلا على نفيه فبقي نفيه له بلا حجة أصلا إلا قوله يلزم أن يكون ~~العلم القديم معلولا للوجود لا علة له وليس هذا بصحيح فإنه بتقدير تجدد علم ~~ثان لا يخرج العلم الذي به كان الفاعل فاعلا عن أن يكون علة # وأيضا فعلم الله لازم لذاته وهو الذي فعل الموجودات فإذا قيل PageV09P392 ~~إن ذاته أوجبت له هذا العلم بشرط فعله ما فعل لم يكن ذلك موجبا لافتقاره في ~~العلم إلى غيره # وقوله إنما أتى هذا من قياس الغائب على الشاهد # فيقال جميع ما تذكره أنت وأصحابك والمتكلمون في هذا الباب لا بد فيه من ~~مقدمة كلية تتناول الغائب والشاهد ولولا ما يوجد في الشاهد من ذلك لما تصور ~~من الغائب شيء أصلا فضلا عن معرفة حكمه فإن أبطلت هذا بطل جميع كلامكم # وأما قوله كما لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعول له كذلك في العلم ~~عند حدوث مفعوله # فيقال له أنت قد أبطلت دليل المتكلمين على هذا الأصل الذي قاسوا عليه ولم ~~تذكر لك عليه دليلا فإن أولئك بنوه على أن ما لا يسبق الحوادث حادث وهذا ~~ثبت بطلانه فيجوز عندك أن تقوم الحوادث بالقديم وإذا كان كذلك لم يمتنع ~~عندك أن يتجدد للفاعل القديم عند فعله حال من الأحوال بل أنت قد بينت في ~~غير موضع أنه لا يعقل صدور الحوادث عن المحدث بدون هذا # وأما ms2043 قوله لا يلزمنا إذا لم يحدث هناك تغير أن لا يعلم الموجود في حين ~~حدوثه على ما هو عليه # فيقال هذا لك ألزم منه للمتكلمين لأنك ألزمتهم أن العلم بأن ما سيكون قد ~~كان ومعلوم أن العلم بما نريد أن نفعل ليس هو العلم بأن سيكون ولا بأن قد كان PageV09P393 ~~فإن نفيت علمه بأن ستكون الموجودات قبل وجودها وعلمه بأن قد كانت بعد ~~وجودها كان هذا أعظم عليك وإن جعلت ذلك هو نفس علمه بما يريد فعله كان ~~جعلهم العلم بالشيء قبل كونه واحدا أقرب إلى العقل # وأما قوله حدوث التغير في العلم عندما يتغير الموجود هو شرط في العلم ~~المعلول عن الموجود وهو المحدث # فيقال له هذا ضعيف لوجهين # أحدهما أن ما ذكرته من الدليل لا يفرق # الثاني أنه يلزم علم العبد بما يريد أن يفعله فإنه متقدم على المعلوم به ~~الموجود وهو متغير فليس هو معلولا عن الموجود فتبين أن كونه سببا في الوجود ~~أو تابعا له لا يمنع ما ذكر من التغير # وعلم الرب تبارك وتعالى لا يجوز أن يكون مستفادا من شيء من الموجودات فإن ~~علمه من لوازم ذاته فعلم العبد يفتقر إلى سبب يحدثه وإلى المعلوم الذي هو ~~الرب تعالى أو بعض مخلوقاته وعلم الرب لازم له من جهة أن نفسه مستلزمة ~~للعلم والمعلوم إما نفسه المقدسة وإما معلوماته التي علمها قبل خلقها # وهذه المسألة مسألة تعلق صفاته بالمخلوقات بعد وجودها تعلق العلم والسمع ~~والبصر ونحو ذلك هي مسألة كبيرة # والناس متفقون على تجدد نسب وإضافات لا تقوم بذات الرب PageV09P394 ~~وتنازعوا فيما يقوم بذات الرب وهذا كما تنازعوا في الاستواء ونحوه هل هو ~~مفعول للرب يحدثه في المخلوقات من غير قيام أمر به أم يقوم به أمر على ~~القولين # فالكلابية والمعتزلة ينفون أن يقوم بالرب شيء من ذلك وأكثر أهل الحديث ~~وكثير من أهل الكلام يجوزون ذلك وأما النسب والإضافات فتتجدد باتفاقهم وابن ~~عقيل يسمي هذه النسب والإضافات الأحوال ولعله سماها بذلك كما يسمي غيره ms2044 ~~كونه عالما وقادرا حالا معللة بالعلم والقدرة كما هي طريقة القاضي أبي بكر ~~ومن وافقه كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وغيرهما # وهؤلاء يقولون تبعا لأبي هاشم إن الحال لا موجودة ولا معدومة وكذلك هذه ~~النسب والإضافات على قولهم أو أن يكون ابن عقيل شبه ذلك بالأحوال التي ~~يثبتها أبو هاشم وجعلها لا موجودة ولا معدومة كذلك هذه النسب والإضافات # ولأهل الحديث والتفسير والكلام وغيرهم من الكلام في هذه المسألة ما هو ~~معروف ولهذا صار طائفة من أهل الكلام كهشام بن الحكم والجهم وأبي الحسين ~~البصري والرازي وغيرهم إلى إثبات أمور متجددة # والكلام على هذا متعلق بما ذكره الله في القرآن في غير موضع كقوله { وما ~~جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ~~} سورة البقرة 143 PageV09P395 # وقوله تعالى { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم ويعلم الصابرين } سورة آل عمران 142 # وقوله { وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ ~~منكم شهداء } سورة آل عمران 140 # وقوله { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند ~~أنفسكم } سورة آل عمران 165 إلى قوله { فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم ~~الذين نافقوا } سورة آل عمران 165 166 الآية # وقوله { ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } سورة الكهف 12 # وقوله { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين } إلى قوله { وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين } سورة ~~العنكبوت 3 11 # وغير ذلك في كتاب الله هذا مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها على أن الله عالم ~~بما سيكون قبل أن يكون # وقد نص الأئمة عل أن من أنكر العلم القديم فهو كافر ومن هؤلاء غلاة ~~القدرية الذين ينكرون علمه بأفعال العباد قبل أن يعملوها والقائلون بالبداء ~~من الرافضة ونحوهم PageV09P396 # وإنما المسألة الدقيقة أنه عند وجود المسموع والمرئي والمعلوم إذا سمعه ~~ورآه وعلمه موجودا فهل هذا عين ما كان موجودا قبل وجود ms2045 ذلك أو هناك معنى زائد # وأما قول من قال من الفلاسفة إنه لا يعلم إلا الكليات فهذا من أخبث ~~الأقوال وشرها ولهذا لم يقل به أحد من طوائف الملة وهؤلاء شر من المنكرين ~~للعلم القديم من القدرية وغيرهم # وأما ما ذكره من أن الفلاسفة لا يقولون إنه لا يعلم الجزئيات بل يرون أنه ~~لا يعلمها بالعلم المحدث وإنكاره أن يكون المشاؤون من الفلاسفة ينكرون علمه ~~بجزئيات العالم فهذا يدل على فرط تعصبه لهؤلاء الفلاسفة بالباطل وعدم ~~معرفته بتحقيق مذهبهم فإنه دائما يتعصب لأرسطو صاحب التعاليم المنطقية ~~والإلهية وكلامه في مسألة العلم معروف مذكور في كتابه ما بعد الطبيعة وقد ~~ذكره بألفاظ أبو البركات صاحب المعتبر وغيره ورد عليه أبو البركات مع ~~تعظيمه له PageV09P397 # وأرسطو ينكر علم الرب بشيء من الحوادث مطلقا وكلامه في ذلك وحججه من أفسد ~~الكلام كما سنذكره إن شاء الله # ولكن ابن سينا وأمثاله زعموا أنه إنما يعلم الكليات والجزئيات يعلمها على ~~وجه كلي وهؤلاء فروا من وقوع التغير في علمه # وأما من قبل أرسطو من المشائين فلا ريب أن في كلامهم ما هو خير وأقرب إلى ~~الأنبياء من كلام أرسطو ولهذا نقل عنهم أنهم كانوا يقولون بحدوث الأفلاك ~~وأن أرسطو أول من قال بقدمها من المشائين # وأما احتجاجه على إثبات علم الرب بالجزئيات بالإنذارات والمنامات ~~فاستدلال ضعيف فإن ابن سينا وأمثاله يدعون أن ما يحصل للنفوس البشرية من ~~العلم والإنذارات والمنامات إنما هو من فيض العقل الفعال والنفس الفلكية ~~وإذا أرادوا أن يجمعوا بين الشريعة والفلسفة قالوا إن النفس الفلكية هي ~~اللوح المحفوظ كما يوجد مثل ذلك في كلام أبي حامد في كتاب الإحياء والمضنون ~~وغير ذلك من كتبه وكما يوجد في كلام من سلك سبيله من الشيوخ المتفلسفة ~~المتصوفة يذكرون اللوح المحفوظ ومرادهم به النفس الفلكية ويدعون أن العارف ~~قد يقرأ ما في اللوح المحفوظ ويعلم ما فيه # ومن علم دين الإسلام الذي بعث الله به رسله علم أن هذا من أبعد الأمور عن ~~دين ms2046 الإسلام كما قد بسط في موضع آخر إذ تنزيهه هنا للفلاسفة المشائين عن أن ~~يكون هذا كلامهم هو تعصب جسيم منه لهم PageV09P398 ~~وهذا نظر سيء في نقل أقوال الناس وليس تحقيق هذا من غرضنا هنا # والفلاسفة طوائف متفرقون لا يجمعهم قول ولا مذهب بل هم مختلفون أكثر من ~~اختلاف فرق اليهود والنصارى والمجوس وكلام المشائين أن الإلهيات كلام قليل ~~الفائدة وكثير منه بلا حجة # والنقل المذكور موجود في كتب المتبعين لهم كابن سينا وأضرابه وقد نظرت ~~فيما نقل عنهم من الأقوال في العلم فوجدتها عدة مقالات لكن من الناس من ~~يحكي عنهم قولين أو ثلاثة ومن الناس من لا يحكي إلا قولا واحدا وقد وجدت ~~أربعة مقالات منقولة عنهم صريحا في كتب متعددة # فنقل طائفة عنهم كالشهرستاني وغيره في العلم ثلاث مقالات # قالوا ذهب قدماء الفلاسفة إلى أنه عالم بذاته فقط ثم من ضرورة علمه بذاته ~~يلزم منه الموجودات وهي غير معلومة عنده أي لا صورة لها عنده على التفصيل ~~والإجمال # وذهب قوم منهم إلى أنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات # وذهب قوم إلى أنه يعلم الكلي والجزئي جميعا على وجه لايتطرق إلى علمه نقص وقصور PageV09P399 # فهذا القول الثالث هو شبيه بالقول الذي اختاره ابن رشد وأما القول الثاني ~~والأول فهما اللذان حكاهما الغزالي عن الفلاسفة # قال منهم من قال لا يعلم إلا ذاته ومنهم من يسلم أنه يعلم غير ذاته # قال وهو الذي اختاره ابن سينا فإنه زعم أنه يعلم الأشياء كلها بنوع كلي ~~لا يدخل تحت الزمان ولا يعلم الجزئيات التي يوجب تجدد الإحاطة بها تغيرا في ~~ذات العالم وذكر الغزالي أنهم اتفقوا على أنه لا يعلم الجزئيات المنقسمة ~~بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان ويكون # قال فمن ذهب منهم إلى أنه لايعلم إلا نفسه لا يخفى فساد هذا من مذهبه ومن ~~ذهب منهم إلى أنه يعلم غيره كما اختاره ابن سينا فقد زعم أنه يعلم الأشياء ~~علما كليا لا يدخل تحت الزمان ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن ms2047 ومع ذلك ~~زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض إلا أنه يعلم ~~الجزئيات بنوع كلي # قلت ولأبي البركات صاحب المعتبر مقالة في العلم رد فيها على أرسطو ونصر ~~فيها أنه يعلم الكليات والجزئيات PageV09P400 # وما ذكره ابن رشد عنهم من أنهم يرون أن العلم سبب الإنذار بالجزئيات # فيقال أما الفلسفة الموجودة في كتب ابن سينا وأمثاله ففيها أن ذلك من ~~العقل الفعال والنفس الفلكية وعندهم ذلك هو المنذر بذلك ويسمون ذلك اللوح ~~المحفوظ ومن ذلك ينزل عندهم الوحي على الأنبياء ومن ذلك كلم موسى وكثير من ~~المتصوفة الذين سلكوا مسلكهم قد دخل ذلك في كلامهم # فإن كان فريق غير هؤلاء المتفلسفة يجعل ذلك من علم الله فلا ريب أن من ~~جعل الله منذرا لعباده بالجزئيات لزم أن يكون عالما بها فإن الإعلان بالشيء ~~فرع على العلم به وهذا ما يثبت القول الثالث المحكي عنهم # وذكر أبو البركات في معتبره الأقوال الثلاثة قول من قال لا يعلم إلا ذاته ~~وذكره عن أرسطو وذكر ألفاظه وابن رشد هو يعظم أرسطوا إلى الغاية وهو من ~~أعظم الفلاسفة عنده فكيف ينفي هذا القول عنهم # وذكر أبو البركات قول ابن سينا وذكر عنهم القول الثالث وهو أنه يعرف ذاته ~~وسائر مخلوقاته في سائر الأوقات على اختلاف الحالات مما هو كائن وما هو آت # وهذا القول ينزع إلى قولين أحدهما القول الذي اختاره ابن رشد الذي قربه ~~من التغير ولم يجب عنه والثاني التزام هذا اللازم وبيان أنه ليس بمحذور ~~وهذا قد اختاره أبو البركات كما يختاره طوائف من PageV09P401 ~~المتكلمين كأبي الحسين والرازي وغيرهما وكما هو معنى ما دل عليه الكتاب ~~والسنة وذكره أئمة السنة # فصارت الأقوال للفلاسفة في علم الله أربعة أقوال بل خمسة بل ستة بل سبعة ~~وأكثر من ذلك القول الذي ذكره ابن سينا والقول الذي اختاره ابن رشد والقول ~~الذي اختاره أبو البركات وهذان القولان هما القولان اللذان يقولهما نظار ~~المسلمين # وقول أرسطو وابن سينا فلا يمكن ms2048 أن يقولهما مسلم ولهذا كان ذلك مما كفرهم ~~به الغزالي وغيره فضلا عن أئمة المسلمين كمالك والشافعي وأحمد فإنهم كفروا ~~غلاة القدرية الذين أنكروا علمه بالأفعال الجزئية قبل وجودها فكيف من أنكر ~~علمه بالجزئيات كلها قبل وجودها وبعد وجودها # وللسهروردي المقتول قول آخر سنحكيه بعد إن شاء الله وكذلك للطوسي قول ~~قريب منه مضمونه أن العلم ليس صفة له بل هو نفس المعلومات # قال أبو البركات فأما معرفته وعلمه فقد اختلف فيه كثير من العلماء من ~~المحدثين والقدماء يعني علماء النظار من الفلاسفة لا يعنى به أتباع ~~الأنبياء # قال فقال قوم منهم إنه لا يعرف ولا يعلم سوى ذاته وصفاته التي له بذاته ~~وقال آخرون بل يعرف ذاته وسائر مخلوقاته في PageV09P402 ~~سائر الأوقات على اختلاف الحالات فيما هو كائن وفيما هو آت وقال آخرون بل ~~يعرف ذاته بذاته والصفات الكلية من مخلوقاته والذات الدائمة الوجود من ~~معلولاته ولا يعرف الجزئيات ولا يعلم الكليات الفاسدات المتغيرات ~~المستحيلات ولا شيئا من الحوادث من الأفعال والذات # قال واشتهر القول بين المتفلسفة من القدماء بالمذهب الأول أعني تنزيه ~~الذات فقط وبين المحدثين القول الثالث وهو معرفة الكليات وضعفت بينهم حجج ~~القائلين بمعرفة الجزئيات لتدقيق النظر وتقرير أصول لم تتحرر وافقهم عليها ~~السامعون فألزمهم بتصديقهم من حيث لايشعرون # قال ونحن الآن نقتص مذاهب الذين يقولون بأنه تعالى لا يعرف الجزئيات ~~وحججهم ثم نشرع في اعتبارها والنظر فيها وفي مذهب القائلين بخلافها ونجري ~~على العادة في توفية كل مذهب حجته PageV09P403 ~~مما قيل ومما لم يقل حتى ينتهي النظر إلى الحجة التي لا مرد لها ولا حجة ~~تبطلها فنعرف الحق فيها # ثم قال الفصل الرابع عشر في شرح كلام من قال إن الله لا يحيط علما ~~بالموجودات # قال أرسطو طاليس ما هذه حكايته فيما بعد الطبيعة فأما على أي جهة هو ~~المبدأ الأول ففيه صعوبة فإنه إن كان عقلا وهو لا يعقل كالعالم النائم فهذا ~~محال وإن عقل افترى عقله في الحقيقة لشيء غيره وليس جوهره معقوله ms2049 لكن فيه ~~قوة على ذلك وبحسب هذا لا يكون جوهرا فإن كان هذا الجوهر بهذه الصفة أعني ~~أنه عقل فليس يخلو أن يكون عاقلا لذاته أو لشيء آخر # فإن كان عاقلا لشيء آخر فلا يخلو أن يكون عقله دائما لشيء واحد أو لأشياء كثيرة # فإن كان معقوله لأشياء كثيرة فمعقوله على هذا منفصل عنه فيكون كماله إذن ~~لا في أن يعقل ذاته لكن في عقل شيء آخر أي شيء كان # إلا أنه من المحال أن يكون كماله بعقل غيره إذ كان جوهرا في PageV09P404 ~~الغاية من الإلهية والكرامة والعقل فلا يتغير والتغير فيه انتقال إلى ~~الأنقص وهذا هو حركة ما فيكون هذا العقل ليس عقلا بالفعل لكن بالقوة # وإذا كان هكذا فلا محالة أنه يلزمه الكلال والتعب في إيصال العقل ~~للمعقولات ومن بعد فإنه يصير فاضلا بغيره كالعقل في المعقولات فيكون ذلك ~~العقل في نفسه ناقصا ويكمل بمعقولاته # وإذا كان هذا هكذا فيجب أن يهرب من هذا الاعتقاد وأن لا يبصر بعض الأشياء ~~أفضل من أن يبصرها فكمال ذلك العقل إذ كان أفضل الكمالات يجب أن يكون بذاته ~~لها فإنها أفضل الموجودات وأكملها وأشرف المعقولات # وهذا يوجد هكذا دائما دون تعرف أو حس أو رأي أو فكر فهذا ظاهر جدا فإنه ~~إن كان معقول هذا العقل غيره فإما أن يكون شيئا واحدا دائما أو يكون علمه ~~بما يعلمه واحدا بعد آخر # وهذه الأمور بالهيولى غير الصورة فأما في الأمور العقلية فطبيعة الأمر ~~وكونه معقولا شيء واحد فليس العقل فيها شيئا غير المعقول PageV09P405 # وبالجملة فجميع الأشياء العرية عن الهيولى فمعنى العقل والمعقول فيها واحد # قلت وقد صنف أبو البركات مقالة في العلم ذكر فيها نحو ما ذكره في المعتبر ~~وقال وهذا القول هو الذي نقل عن أرسطو طاليس في مقالة اللام من كتابه ~~المعروف بما بعد الطبيعة وقد تداولته العقلاء وتصرفت فيه العقول وأكثر فيه ~~المفسرون والغرض منه ظاهر وهو إجلال المبدأ الأول عن أن يكون له كمال بغيره ~~فيكون بذاته ناقصا ms2050 بالقياس إلى ذلك الكمال وتكون له غيرية بإدراك الأبصار ~~وتغير بإدراك المتغيرات وتعب باتصال إدراكها وازدحامها وخروجه من القوة إلى ~~الفعل فيفعلها # قال وإذا كان هذا مفهوم الكلام قد لاح عن كثب فلا حاجة إلى التطويل وهذا ~~قول إذا تتبع بطريقة النظر المحض لم يثبت له قدم فيه وساق كلامه عليه # قال أبو البركات في المعتبر وقد كان أرسطو قال قبل هذا ما قصد به أن ينفى ~~عنه أن تتجدد له الأحوال ويمنع به تغيره من حال إلى حال حتى يحكم بذلك في ~~العلوم والمعارف # قال وليس يمكن في العلة الأولى أن تنفعل وجميع هذه هي PageV09P406 ~~حركات توجد بآخره بعد الحركة المكانية وجميع هذه هي بينة على هيئة على هذه الصفة # ثم ذكر عبارة ابن سينا في هذه المسألة كما سنذكره # وكلام أرسطو فيه أربعة أمور # أحدها أن العلم بالغير يوجب كونه كاملا بغيره فأن لا يبصر بعض الأشياء ~~أولى من أن يبصرها # الثاني أن علمه بالمتغيرات يوجب تعبه وكلاله # الثالث أن هذا نوع من الحركة يستلزم تقدم الحركة المكانية # الرابع أن علمه الأشياء نوع حركة يوجب كثرة العلوم فيكون هو لها كالهيولى للصورة # ومدار الحجج على أن العلم يوجب الكثرة والتغير والاستكمال بالمعلوم # قال أبو البركات الفصل الخامس عشر في اعتبار الحجج المنقولة عن أرسطو ~~طاليس أما قول أرسطو بأن تعقله للغير كمال يوجب له نقصا باعتبار لا كونه ~~فيرد بأن يقال فيه على طريق الجدال الذي يلزمه الإذعان له وهو أن يقال إنك ~~تعرفه مبدأ أولا وخالق PageV09P407 ~~الكل فنقول في خلقه مثلما قلت في تعقله # فإن قلت الخلق لزم عن ذاته # قلنا والتعقل لزم عن ذاته # وإن قلت إن ذلك يمنعه عنه حتى لا يجعل له به كمالا أعني كونه يعقل ~~الأشياء # قلنا فامنع هذا أيضا أعني كونه يخلق الأشياء حتى لا يكون له به كمال فبما ~~لا يخلق لا يكون خالق المخلوقات ومبدأ أول لها كما أنه بما لا يعقل لا يكون ~~عاقل المعقولات ولو بما لا ms2051 يعقل واحدا منها مثلما لا يخلق واحدا منها فإن ~~الذي لزم في علم المعلوم يلزم مثله في خلق المخلوقات أو إبداع المبدع فإنه ~~بقياس لا وجوده عنه ليس بخالق ولا مبدع فإن لم يوجب هذا نقصا لم يوجب ذاك ~~وإن أوجب ذاك فقد أوجب هذا وأجلاله عن ذلك كإجلاله عن هذا وقدرته عن هذا ~~كقدرته على ذاك فلم نزهته عن ذاك ولم تنزهه عن هذا ولم خشيت عليه التعب في ~~أن يعقل ولم تخشه عليه في أن يفعل PageV09P408 # قال فهذا جواب كاف في رده على مذهب المجادلة # قلت قوله على مذهب المجادلة يعني المعارضة والنقض التي تبطل حجة المستدل ~~وتبين أنها فاسدة وإن لم يعلم حلها وذلك أن ما ذكره في العلم يلزم مثله ~~بطريق الأولى في الفعل فإنه من المعلوم بصريح العقل أن كون الشيء مفعولا ~~دون كونه معلوما فإن المفعولات دون الفاعل وليس كل معلوم دون العالم ~~فالإنسان يعلم ما هو أكمل منه ولايفعل ما هو أكمل منه فالمفعول يجب أن يكون ~~دون الفاعل ويجب أن يكون الفاعل أكمل من المفعول ولا يجب مثل ذلك في العالم ~~والمعلوم بل يجوز أن يعلم العالم ما هو أكمل منه وما لا يفتقر إليه بوجه من ~~الوجوه وأما مفعوله فهو مفتقر إليه # فإذا لم يكن كون الأشياء مفعولة له مما يوجب نقصا له وكمالا بها فأن لا ~~يوجب كونها معلومة له نقصا له وكمالا بها بطريق الأولى إذ كونها مفعولة ~~أنقص لها من كونها معلومة له فإذا كانت فاعليته لا تتم إلا بها ولم يكن ذلك ~~نقصا فأن لا تكون عالميته التي لا يتم إلا بها نقصا بطريق الأولى # وذلك من وجوه # أحدها أن كونها مفعولة أنقص لها من كونها معلومة # الثاني أن لزوم الفعل له أولى بأن يجعل نقصا من لزوم العلم له # الثالث إن استلزام الفاعلية المفعول أولى من استلزام العالمية لوجود PageV09P409 ~~المعلوم فإن العالم قد يعلم المعلوم معدوما ويعلمه ممتنعا ويعلمه قبل وجوده ~~وأما الفعل فلا يكون إلا ms2052 لما يوجد بالفعل لا لما يكون معدوما مع وجود الفعل ~~وحينئذ فتوقف كونه فاعلا على وجودها أولى من توقف كونه عالما على وجودها # الرابع أنه إذا قيل فعله لها لا يوجب احتياجه إليها بل هي المحتاجة إليه ~~من كل وجه وكماله بفعله الذي هو من ذاته لا منها قيل وعلمه بها لا يوجب ~~حاجته إليها بوجه بل العالم أغنى عن المعلوم من الفاعل إلى المفعول إذ لا ~~يعقل في الشاهد فاعل إلا وهو محتاج إلى فعله بل ومفعوله ويوجد عالم لا ~~يفتقر إلى معلوماته بل ولا إلى علمه بكثير من المعلومات وإن كان علمه بها ~~صفة كمال وجوده أكمل منه # وإذا قدر أن بعض الأفعال لايحتاج إليه بل هو صفة كمال # قيل الفعل الاختياري لا يكون إلا بإرادة وحاجة الإنسان إلى وجود كل مراد ~~مطلقا أعظم من حاجته إلى العلم بما يعلمه مطلقا وتعلق النفوس بمراداتها ~~أعظم من تعلقها بمعلوماتها # ولهذا يقول بعض الناس ويحكونه عن علي قيمة كل امرىء ما يحسن ولا يصح هذا ~~عن علي ويقول أهل المعرفة قيمة كل امرىء ما يطلب # فكمال النفوس ونقصها بمرادها أعظم من كمالها ونقصها بمعلومها بل نفس ~~العلم بأي معلوم كان لا يوجب لها نقصا وأما إرادة بعض PageV09P410 ~~الأشياء فيوجب لها نقصا فإذا كان فعله لكل ما في الوجود لا يوجب له نقصا ~~فكيف يعلمه بذلك وإذا كان فعله لها لا يوجب كونه محتاجا إليها مستكملا بها ~~فكيف يوجب ذلك علمه بها # ونحن نعلم أن كون الفاعل لا يفعل بعض الأشياء أكمل من فعلها وأما كونه لا ~~يعلمها فلا يعقل كونه نقصا إلا إذا اقترن بالعلم ما يذم لا أن نفس العلم ~~يذم فإذا كان فعله لبعض الموجودات ليس أكمل من فعله لها كلها ولم يكن أن لا ~~يفعلها أكمل من أن يفعلها فكيف يكون أن لا يبصرها أفضل من أن يبصرها # وإذا قيل هو فاعل لبعضها بتوسط بعض # قيل كيفما قدرت وجود الفعل ونفي كونه نقصا كان تقدير وجود العلم ms2053 ونفي ~~كونه نقصا أولى وأحرى # فإن قلت فعله للمفعول الأول لازم لذاته وهلم جرا ولا يكون نقصا # قيل إن قدر أن هناك معلولا أول يلزمه فإن علمه بنفسه إذا كان يستلزم علمه ~~بالمعلول الأول ولوازمه لم يكن نقصا بطريق الأولى # وإذا قيل إن في التعقلات تعبا # قيل من لم يتعب بالفعل فأن لايتعب بالعلم بطريق الأولى فكيف يعقل فاعل ~~يفعل دائما ولا يتعب بالفعل فأن لا يتعب بالعلم بطريق الأولى فكيف يعقل ~~فاعل يفعل دائما ولايتعب بالفعل ولكن يتعب PageV09P411 ~~بعلمه بالمفعول مع كونه عقلا والعقل الذي هو العلم أولى به من الفعل # وهم يعلمون وكل عاقل أن نفس الإنسان لا يتعب بالعلم كما يتعب بالفعل ~~وكذلك بدنه إذا قدر فعل لا يكون استحالة وتغيرا فلأن يقدر علم به لا يكون ~~استحالة وتغيرا بطريق الأولى وإذا قدر فعل لا يوجب حركة مكانية فالعلم به ~~أن لا يوجب ذلك أولى وأحرى # ففي الجملة كل ما توهم المتوهم أنه نقص في العلم مثل كونه استكمالا ~~بالغير أو كونه تغيرا أو كونه متعبا يلزمه مثله في فعل ذلك لغير المعلوم ~~بطريق الأولى وإذا كان الفعل لا نقص فيه بل هو كمال فكذلك للعلم وللغير ~~المذكور هو مفعوله ومخلوقه الذي هو أبدعه # فإذا قيل إن كماله به فليس كماله إلا بنفسه إذ هو المبدع له فلم تفتقر ~~نفسه إلى غير نفسه ونحن نعقل أن ما هو غنى عنا علمنا به أكمل من أن لا ~~نعلمه وإن كان غنيا عنا فلو قدر أن في الوجود ما ليس مفعولا له كان أن ~~يعلمه أكمل من أن لا يعلمه فكيف إذا كان هو مفعوله # وهل يقال إن من علم الأشياء بعلوم متجددة بل علمها بعد وجودها أنقص ممن ~~لا يعلمها بحال فكيف يكون من لا يعلمها قبل وجودها وبعد وجودها # ولو سمى مسم العلم بالمتغيرات تغيرا وحركة واستكمالات بالغير ومهما سماه ~~من ذلك فإذا قيس من يعلم الأشياء إلى من لا يعلمها كان الأول أكمل بكل حال PageV09P412 # ولهذا ms2054 كان الإنسان القابل للعلم أكمل من الجماد وإن كان في علمه من ~~التغير والحركة ما ليس في الجماد وأيضا فمن يكن حيا حساسا يقدر على الحركة ~~أكمل ممن لا يكون كذلك وكلما كانت صفات الكمال أكمل كان الموصوف أكمل فإن ~~الإنسان أكمل من الحيوان البهيم والحيوان أكمل من الجمال وإن قدر أن علمه ~~وفعله مستلزم للحركة بل للحركة المكانية فهو أكمل ممن لا علم له ولا يتحرك ~~بإرادته فالمتحرك بإرادته أكمل ممن لا يمكنه الحركة البتة هذا هو المعقول ~~في الموجودات # وكلما تدبر الإنسان ونظر في الأدلة المعقولة تبين له أن ما ذكره عن أرسطو ~~من الحجج لنفي العلم من أفسد الحجج بل هي الغاية في الفساد وهي مبنية على ~~مقدمتين # إحجاهما أن العلم يستلزم أمورا # والثانية أنه يجب نفي تلك الأمور لكونها نقصا # وهذا باطل من وجوه # منها المعارضة بما تقدم # ومنها إن نفي العلم أعظم نقصا من تلك اللوازم فلو قدر أنها تتضمن ما ~~يسمونه نقصا لكان ما يتضمنه نفي العلم من النقص أعظم فلا يجوز التزام أعظم ~~النقصين حذرا من أدناهما إذا قدر أن كلاهما قد جعله هؤلاء نقصا PageV09P413 # ومنها أن ما ذكره من المقدمة الأولى اللزومية مما ينازعهم فيه كثير من الناس # ومنها أن كون تلك اللوازم نقصا مما ينازع فيه كثير من الناس # ومنها أنه يستفصل عن الحدود المذكورة في المقدمتين فإنها ألفاظ مجملة ~~وحينئذ فلا بد من منع الملزوم أو انتفاء اللازم فإما أن لا يسلم ما ذكروه ~~عن الملزوم وإما أن لا يسلم ما ذكروه من انتفاء اللازم # ومنها بيان أن لوازم العلم كلها كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه # ومنها أن ما ذكره مبني على وجوب ثبوت الكمال للرب تعالى وتنزيهه عن النقص ~~وهذا حق كما قررناه في غير موضع وبينا أن الكمال الممكن وجوده الذي لا نقص ~~فيه بوجه يجب إثباته لله تعالى وأن العلم من أعظم الكمالات الذي لا نقص فيه ~~بوجه وقد وجد العلم في الوجود فثبوته له ms2055 أولى من ثبوته لغيره وأن العلم من ~~حيث هو علم لا يستلزم نقصا أصلا ولكن النفوس الظالمة إذا علمت بعض الأشياء ~~فقد تستعين بالعلم على الظلم والنفوس الجاهلة به إذا عرفت بعض الحقائق فقد ~~يضرها معرفة تلك الحقائق فيحصل الضرر لما في النفوس من الشر # أما المقدس المنزه عن كل عيب فعلمه من تمام كماله وهو مما يحمد به ويثنى ~~به عليه لا يستلزم الذم والنقص بوجه من الوجوه فكيف إذا علم وجود العالم ~~وامتناع وجوده بدون العلم وامتناع كونه فاعلا لشيء إلا مع علمه به إلى غير ~~ذلك من الدلائل البرهانية المثبتة لوجوب كونه تعالى عليما بكل شيء PageV09P414 # لكن نحن في هذا المقام في إبطال شبه النفاة لا في بيان حجج المثبتين وما ~~ذكره أبو البركات في المعارضة بالفعل في غاية الحسن فإن من لا يلزمه تعب ~~ولا نقص في خلق المخلوقات فإن لا يلزمه ذلك في علمه بها أولى وأحرى # وهذا مما يبين أن قول اليهود الذين وصفوه بالتعب لما خلق السماوات والأرض ~~في ستة أيام وأنه استراح بعد ذلك أقرب إلى المعقول من قول أرسطو وأتباعه ~~الذين يقولون لو كان عالما بهذا لتعب لكن هذه المعارضة مبنية على أنه علة ~~فاعلة للعالم سواء قيل إنه فاعل له بالإرادة أو موجب له بذاته بلا إرادة # وكونه مبدأ للعالم هو مما اتفق عليه الأمم من الأولين والآخرين ووافقهم ~~على ذلك أئمة أتباع المشائين كابن سينا وأمثاله وأما أرسطو فليس في كلامه ~~إلا أنه علة غائية بمعنى أن الفلك يتحرك للتشبه به ليس فيه أنه مبدع العالم # وهذا وإن كان في غاية الجهل والكفر فكلامه في علمه مبني على هذا وإبطال ~~كلامه في العلم ممكن مع تقدير هذا الأصل الفاسد أيضا من وجوه فإن حقيقة قول ~~أرسطو وأتباعه إن الرب ليس بخالق ولا عالم # وأول ما أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم { اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ms2056 علم الإنسان ~~ما لم يعلم } سورة العلق 51 PageV09P415 # وكذلك قوله { سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى } سورة ~~الأعلى 31 # وقول موسى لفرعون { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } سورة طه 50 ~~وأمثال ذلك # وهؤلاء عندهم لم يخلق شيئا ولم يعلم احدا بل هو في نفسه ليس بعالم فكيف ~~يعلم غيره ويهديه # قال أبو البركات فأما الجواب النظري البرهاني فهو أن نقول ليس كماله ~~بفعله بل فعله بكماله وعن كماله ومن فعله عقله فعقله عن كماله الذاتي الذي ~~لا وجه لتصور النقص فيه ولا القول به فإن النقص في ذات المبدأ الأول غير ~~متصور لأنه واحد والنقص إنما يتصور في موضع الزيادة والنقصان والزيادة ~~والنقصان معا إنما هي من صفات الكثرة والغيرية حيث تتصور في الكثرة قلة وفي ~~الزيادة نقصان كل واحد بقياس الآخر فاما حيث لا كثرة ولا غيرية بل وحدة ~~محضة فلا يتصور نقص وكيف والنقص من الصفات الإضافية حيث يقال نقص كذا كما ~~يقال زاد كذا # فالنقص المتصور في الذات الأحدية أي نقص يكون ونقص ماذا PageV09P416 ~~يكون وكيف يتصور لا أقول كيف يقال فإن القائل قد يقول ما لا يتصوره لكن ~~العالم لا يعلم ما لا يتصوره إثباتا ولا نفيا # فإن قيل إن النقص ها هنا متصور بقياس ذاته وهو أن لا يعقل كذا لولا كذا ~~المعقول أي لا يعقل لولا المعقول قلنا إن الكمال الذي له ليس هو بأن يعقل ~~كل موجود بل كونه بحيث يعقل كل موجود فإن كان المعقول موجودا عقله وإن فرض ~~غير موجود لزمه فرض أن لا يعقله لا لأنه لا يعقله أي لا يقدر على عقله بل ~~النقص من جانب العدم المفروض فكماله وقدرته له بذاته ويلزم عنهما ما له ~~بالقياس إلى موجوداته فما كمل بإيجاد مخلوقاته بل وجدت مخلوقاته عن كماله # وليس هذا القول في المبدأ الأول فقط بل وفينا أيضا فإنا لسنا نكمل بكل ~~معقول بل إنما كمالنا بقدرتنا على أن نعقله وإنما نكمل ms2057 بما نعقله بالفعل ~~حيث نعقل بالفعل معقولات أشرف منا وذلك نوع آخر من الكمال فإن العقل له ~~بذاته الكمال الذي هو قدرته على أن يعقل وله به أن يعقل وذلك أمر له من ~~ذاته عقل بالفعل أم لم يعقل وله كمال عرضي إضافي اكتسابي بما يعقل معقولات ~~هي أشرف PageV09P417 ~~منه وذلك ليس للأول إذ ليس أشرف منه في الموجودات حتى يشرف ويكمل بعقله له ~~وليس إذا ارتفع هذا عنه ارتفع ذاك فإن ذاك هو الأول والذى بالذات أعني كونه ~~بحيث يعقل وقدرته على أن يعقل فهو كماله الذاتي الذي به شرف وجل وعلا عما ~~لا يعقل والآخر هو الثاني والذي بالعرض أعني كماله بمعقولاته وشرفه بها فإن ~~كوننا بحيث نعقل ما نعقله شرف لنا وكمال بالقياس إلى ما ليس له ذلك # وكثير من المعقولات التي نعقلها لا نشرف بها وليس الشرف الحاصل من الفعل ~~هو الشرف الذي بالقدرة فإن الذي بالقدرة قبل الفعل ومعه وبعده والذي بالفعل ~~يحصل مع الفعل وبه وبعده ولا يكون قبله فما شرف الله بمخلوقاته بل خلق ~~بشرفه أعني ما خلق فشرف بل شرف فخلق وكذلك ما علم فكمل بل كمل فعلم # قلت ملخص هذا أن الكمال هو الذي يجب له أزلا وأبدا وهو لازم لا يتجدد منه ~~شيء وهو كونه بحيث يفعل ويعقل لا نفس وجود الفعل المعين والعلم المعين وهذا ~~هو القدرة على الفعل والعقل وهذا له بذاته لا يتوقف على شيء من الموجودات # ولهذا قال إن النقص غير متصور في الذات الواحدة فإن النقص يستلزم التعدد ~~ولا تعدد هناك # لكن قد يقال على هذا إنه وإن كان الذات واحدة فإذا كانت الصفات متعددة ~~كالقدرة والعلم أمكن تقدير أحدهما دون الآخر فالكمال هو بوجود الجميع ~~والنقص معقول بعدم بعض ذلك PageV09P418 # لكن ما قاله لازم لمن ينفي الصفات من الجهمية والفلاسفة ويقدر ذاتا لا ~~صفة لها أو وجودا مطلقا لا يختص بامر فهذا لايعقل فيه كمال ولا نقص # وأرسطو من نفاة الصفات وقد قدر أنه ms2058 يكمل تارة ولا يكمل أخرى وجعل أحد ~~الأمرين أكمل له من الآخر وأصحاب أرسطو يقولون هذا إنما يمكن تقديره في ~~الأمور الإضافية والسلبية # فيقال لهم أما الإضافات فإنها تتجدد عندكم فإن قلتم إنها كمال لزم أن ~~يتجدد له الكمال وهو خلاف أصلكم # وإن قلتم ليست بكمال بطل تقدير الكمال لامتناع تقدير النقصان # ولكن قد يقال تقدير النقصان في الواحد المسلوب الصفات غير متصور كما قال ~~أبو البركات لكن يمكن تقدير كمال منتظر ونفيه وهو الذي نفاه أرسطو # وأبو البركات جعل الكمال في نفس القدرة اللازمة له لا فيما ينتظر لكن أبو ~~البركات من مثبتة الصفات فما ذكره وهو أن عدم إمكان النقص في الواحد من كل ~~وجه تقريرا لامتناع النقص عنه وامتناعه بوجه كماله فيكون فعله عن كماله # ويقال يمكن الجواب عن شبهة أرسطو من وجوه أخر غير ما ذكره أبو البركات # أحدها أن يقال العلم لازم لذاته أزلا وأبدا ليس شيئا متجددا فلا يحتاج أن ~~يقال كماله في أن يقدر على العقل كما قال أبو البركات PageV09P419 # بل نفس العقل الذي هو العلم في لغة المسلمين أمر لازم لذاته كما قال أبو ~~البركات في القدرة # وحينئذ فليس كماله بغيره بل بعلمه الذي هو من لوازم ذاته الذي لم يزل ولا ~~يزال كما أن كماله بقدرته كذلك # وكون العلم متعلقا بغيره مثل كون القدرة متعلقة بغيره وكما أن القدرة صفة ~~كمال لا يقدح فيها أنه لابد لها من مقدور فالعلم كذلك وأولى لأنه يتعلق ~~بنفسه ويتعلق بغيره والقدرة لا تكون قدرة إلا على غيره # الوجه الثاني أن ما ذكرناه من أن الأعيان الذين يتعلق بهم العلم والقدرة ~~هم مخلوقاته الذين لم يشركه أحد في خلقهم وهم كلهم محتاجون إليه لا إلى ~~غيره فما في الوجود إلا نفسه ومخلوقاته التي لا وجود لها إلا بنفسه فلم يكن ~~تعلق صفاته بمخلوقاته بأعظم من تعلق ذاته بهم وكما أن تعلق ذاته بهم هو من ~~كماله لا من نقصه فتعلق علمه وقدرته بهم كذلك ومعلوم ms2059 أن وجود ذاته دون ~~لوازم ذاته ممتنع باتفاق العقلاء فيمتنع عند المسلمين وجوده بدون علمه وقدرته # وجماهير المسلمين يقولون إن إرادته من لوازم ذاته سواء قالوا إنها واحدة ~~بالعين أو متعددة وإذا كانت إرادته من لوازم ذاته فيمتنع وجوده بدون وجود ~~مراداته التي هي مخلوقاته فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن # والمتفلسفة يقولون إن وجوده بدون وجود معلولاته ممتنع ومع هذا PageV09P420 ~~فلم يكن كونه ملزوما لغيره نقصا فكيف يكون كون علمه ملزوما للمعلوم نقصا مع ~~أنه هو خالق المعلومات # الوجه الثالث جواب من يقول إنه يعلم الأشياء كلها بعلم قديم أزلي وأنه لا ~~يتجدد عند تجدد المعلومات إلا تعلق العلم بها كما يقول ذلك كثير من أهل ~~الكلام ومن اتبعهم من الفقهاء فهؤلاء يقولون إن العلم لا يقف على شيء أصلا ~~بل هو حاصل أزلا وأبدا على وجه واحد # الوجه الرابع جواب من يقول إنه يعلم الشيء موجودا بعد أن علمه معدوما وأن ~~هذا الثاني فيه زيادة على الأول فهؤلاء يقولون لم يحصل المعلوم والعلم ~~الثاني إلا بقدرته ومشيئته فما استفاد شيئا من غيره ولا كمل بغير نفسه ~~ويقولون إن ما لا يكون إلا بمشيئته وقدرته يمتنع وجوده في الأزل ووجوده ~~بقدرته ومشيئته أكمل من عدم وجوده فوجوده على هذه الحال هو غاية الكمال ~~وعدم هذا الكمال هو النقص الذي يجب تنزيهه عنه فإنه كمال ممكن الوجود لا ~~نقص فيه وكل ما كان كذلك كان واجبا له إذ لو لم يكن واجبا له لكان إما ~~ممتنعا وهو خلاف الفرض أو ممكنا وحينئذ فالمقتضى له هو ذاته بلوازمها وقد ~~وجد ذلك فيجب وجوده وإلا فيكون ممتنعا وهو خلاف الفرض # وبهذين الجوابين يزول ما يقدح به في كلام أبي البركات حيث جعل العقل ~~بالفعل ليس كمالا وإنما الكمال في القدرة عليه ولم يجعل الكمال إلا في عقل ~~الأفضل لا الأدنى فإن هذا مما نازع فيه # ويقال ما كان كمالا إذا كان بالقوة فهو إذا صار بالفعل أكمل PageV09P421 ~~وأكمل ms2060 فكيف تكون القدرة على الفعل والعقل للأشياء الخسيسة كمالا ولا يكون ~~خروج القوة إلى الفعل ونفس فعلها وعقلها كمالا # ولكن يقال ما كان يمتنع وجوده أزليا ولا يمكن أن يوجد إلا حادثا ليس ~~الكمال إلا في إحداثه لا في فعله في الأزل وإذا قدر أن علمه موجود لا يمكن ~~تحققه إلا بعد وجوده كان أن يعلم موجودا بعد وجوده أكمل من أن لا يعلم ~~موجودا وإن علم أنه سيوجد # وأما قول أبي البركات ما كمل بفعله وعقله بل فعل وعقل بكماله فهو صحيح ~~إذا أريد بالكمال ما هو أزلي للذات لا يمكن تجدد شيء من أفراده كما لا يتجد نوعه # وأما إذا أريد بالكمال ما يتضمن جميع ما يمكن وجوده من الكمال على الوجه ~~الذي يمكن # فيقال كماله بنفسه وذاته ونفسه تتضمن ما يقوم به من صفاته وأفعاله فلم ~~يكمل بشيء مباين له وما كان داخلا في مسمى اسمه فليس هو مباينا له ولا يطلق ~~القول عليه بأنه مغاير له # وحينئذ فكماله بذلك مثل كماله بذاته وصفاته اللازمة وما كان حدوثه حيث ~~تقتضي الحكمة حدوثه على الوجه الممكن فهو كمال في ذلك الوقت لا كمال في ~~غيره وذلك إنما حصل بنفسه ولها لم يحصل بغيره ولا لغيره # وعلى هذا فإذا قيل لو عقل لكمل به PageV09P422 # يقال إن أردت بقولك كمل به أن ذلك بغير أعطاه الكمال فذلك باطل وإن أردت ~~أنه لولا ذلك الغير لما وجد العلم به فيقال نعم # وهذا لايضر لوجوه # أحدها أنه هو الذي أوجد ذلك الغير وبقدرته ومشيئته وجد هو ولوازمه فلم ~~يكن ما حصل له حاصلا إلا به وحده # الثاني أنه لو قدر موجودا بغيره لكان أن يعلمه أكمل من أن لا يعلمه # الثالث إذا كان العلم بالغير مشروطا بالغير ولولا الغير لما حصل والغير ~~حاصل على التقديرين علم أو لم يعلم فوجود الغير مع فوت الكمال الذي يمكن ~~معه هو النقص إذ النقص هو فوت ما يمكن وجوده لا ما لا يمكن والعلم صفة ms2061 كمال ~~والعلم بكل شيء ممكن فوجود هذا كمال وعدمه نقص # قال أبو البركات فأما القول بإيجاب الغيرية فيه بإدراك الأغيار والكثرة ~~بكثرة المدركات فجوابه المحقق أنه لا يتكثر بذلك تكثرا في ذاته بل في ~~إضافاته ومناسباته وتلك مما لا تعيد الكثرة على هويته وذاته ولا الوحدة ~~التي أوجبت له وجوب وجوده بذاته ومبدئيته الأولى التي بها عرفناه وبحسبها ~~أوجبنا له ما اوجبنا وسلبنا عنه PageV09P423 ~~ما سلبنا هي وحدة مدركاته ونسبته وإضافاته بل إنما هي وحدة حقيقته وذاته ~~وهويته ولا تعتقدن أن الوحدة المقولة في صفات واجب الوجود بذاته قيلت على ~~طريق التنزيه بل لزمت بالبرهان على مبدئيته الأولى ووجوب وجوده بذاته والذي ~~لزم عن ذلك لم يلزم إلا في حقيقته وذاته لا في مدركاته ومضافاته فأما أن ~~يتغير بإدراك المتغيرات فذلك أمر إضافي لا معنى في نفس الذات وذلك مما لم ~~تبطله الحجة ولم يمنعه برهان ونفيه من طريق التنزيه والإجلال لا وجه له بل ~~التنزيه من هذا التنزيه والإجلال من هذا الإجلال أولى # قلت أرسطو إنما اعتمد على نفي التغير إذا علم شيئا بعد شيء فأما كثرة ~~المعلومات مع قدم العلم فلم يتعرض له وكأنه عنده غير ممكن # قال أبو البركات فأما الذي قيل في منع التغير مطلقا حتى يمنع التغير في ~~المعارف والعلوم فهو غير لازم في التغير مطلقا بل هو غير لازم ألبتة وإن ~~لزم كان لزومه في بعض تغيرات الأجسام مثل الحرارة والبرودة في بعض الأوقات ~~لا في كل حال ووقت ولا يلزم مثل ذلك في النفوس التي تخصها المعرفة والعلم ~~دون الأجسام فإنه يقول إن PageV09P424 ~~كل تغير وانفعال فإنه يلزم أن يتحرك قبل ذلك المتغير حركة مكانية # قال أبو البركات وهذا محال فإن النفوس تتجدد لها المعارف والعلوم من غير ~~أن تتحرك في المكان على رأيه فإنه لا يعتقد فيها أنها تكون في مكان ألبتة ~~فكيف أن تتحرك فيه وإنما ذلك للأجسام في بعض الذوات والأحوال كالتسخن ~~والتبرد ولا يلزم فيها أبدا فإن الحجر الكبير ms2062 يسخن ولا يصعد ويبرد ولا يهبط ~~بل ولا يتحرك من مكانه وإنما ذلك مما يصعد بالبخار من الماء ويدخن من الأرض ~~من الأجزاء التي هي كالهباء دون غيرها من الأحجار الكبار الصلبة التي تحمى ~~حتى تصير بحيث تحرق وهي في مكانها لا تتحرك # والماء يسخن سخونة كثيرة وهو في مكانه لا يتبخر وإنما تتبخر منه بعض ~~الأجزاء ثم تكون الحركة المكانية بعد الاستحالة لا قبلها كما قال إن جميع ~~هذه هي حركات توجد بأخرة بعد الحركة المكانية PageV09P425 ~~وفيما عدا ذلك فقد يسود الجسم ويبيض وهو في مكانه لم يتحرك ولا يتحرك قبل ~~الاستحالة ولا بعدها فما لزم هذا في كل جسم بل في بعض الأجسام ولا في كل ~~حال ووقت بل في بعض الأحوال والأوقات ولا كان ذلك على طريق التقدم كما قال ~~بل على طريق التبع # ولو لزم في التغيرات الجسمانية لما لزم في التغيرات النفسانية ولو لزم في ~~التغيرات النفسانية أيضا لما لزم انتقال الحكم فيه إلى التغيرات في المعارف ~~والعلوم والعزائم والإرادات # فالحكم الجزئي لا يلزم كليا ولا يتعدى من البعض إلى البعض وإلا لكانت ~~الأشياء كلها على حال واحدة # وهو قدم هذا على كلامه في العلم حتى يجري عليه الحكم في المعرفة والعلم ~~فاعتبر بهذا فإن استقصى لهذا القول البحث أمكن أن يرجع إلى أصل ويصحح على ~~وجه لكنه مع ذلك لا ينتصر به القول الذي أبطلوا به معرفة الله وعلمه ~~بالحوادث # فأما الأصل الذي يرجع إليه باستقصاء النظر في التأويل له فهو أن يقال إن ~~الشيء إذا تسخن بعد برده أو تبرد بعد سخونة وتبيض PageV09P426 ~~بعد سواد وتسود بعد بياض بسبب يقرب منه بعد بعد يؤثر فيه ذلك إما بحركته ~~إلى السبب وإما بحركة السبب إليه فإن الماء يسخن بعدما كان باردا بحرارة ~~النار مثلا التي يقرب منها إما بحركة النار إليه أو بحركته هو إليها # كذلك المبيض بعد اسوداده يتحرك إلى المسود أو يتحرك المسود إليه فتتقدم ~~الحركة المكانية بهذا البيان سائر الحركات وتتقدم ms2063 الدورية المستمرة الدائمة ~~على المستقيمة المنقطعة ذات البداية والنهاية المحدودتين فهكذا يصح أن يقال ~~تتقدم الحركة الدورية على سائر الحركات والتغيرات فيصح ذلك في الأجسام ~~الداخلة تحت الكون والفساد بالتغيرات المحدودة في التكيفيات المبصرة ~~والملموسة والاشكال والمقادير وما يتبعها ويتعلق بها فأما في النفوس ~~والعقول وفي الله تعالى فلا يلزم شيء من ذلك بهذا البيان # قال واعجب من هذا قوله بأنه يتعب حيث قال وإذا كان هذا هكذا لا محالة إنه ~~يلزمه الكلال والتعب من اتصال المعقولات وهو القائل في [ كتاب ] السماء ~~انها لا تتعب بدوام حركتها PageV09P427 ~~المتصلة لأن طبعها لا يخالف إرادتها فجعل علة التعب هناك مخالفة الطبيعة ~~للإرادة وها هنا كثرة الأفعال واتصالها وكثرة الخروج من القوة الى الفعل # والقوة قوتان إستعداد وقدرة والاستعداد إذا كمل بالخروج الى الفعل صار ~~قدرة ثم عن القدرة تصدر الأفعال والتي بمعنى الاستعداد نقص يفتقر الى كمال ~~والأخرى كمال تصدر عنه الأفعال فهذه القوة من قبيل القدرة الدائمة القارة ~~على حد لا ينقص ولا يزيد وليست بمعنى الاستعداد الذي يخرج الى كمال # ولو كانت من هذا القبيل لما جاز ان يحكم عليها بالتعب والكلال بل باللذة ~~والكمال فإن ما بالقوة يشتاق الى كماله الذي بالعفل ومن قبله تكون اللذة ~~والسعادة # والكلال والتعب إنما يعرضان لنا لا من جهة اتصال أفعالنا ولا من جهة ~~ازدحامها بل من جهة تحريك أعضائنا وأرواحنا بتقلبنا وتفكرنا حركة تخالف ~~مقتضى الطبيعة التي في جواهرنا كما نفاه عن السماء # وليس ذلك من جهة الخلاف فإن القوى المتقاومة قد تتقاوم مدة PageV09P428 ~~فلا يعرض لها تعب كما لو فرضت مغناطيس علق حديدا زمانا [ فإنه ] لا يتعب ~~ولا تضعف تلك القوة الجاذبة ولا يبطل ذلك التعلق ما لم يتجدد أمر من خارج ~~بل لأن الحركة تحل جوهر الروح منا أعنى من أعضائنا لتركيبها من لطيف وكثيف # واللطيف عرضة للإنحلال والحركة تسبب ذلك له فإذا انحلت الروح التي بها ~~تعلق القوة المحركة ضعفت القوة المحركة فينا وعجزت فيها تعبا وكلالا # وذلك إنما ms2064 ارتفع عن السماء لارتفاع التركيب والانحلال لا لأن الطبيعة لا ~~تضاد الإرادة فيها أو تضادها فإن ذلك هو سبب بعيد للتعب والكلال والقريب هو ~~ما ذكرناه فإذا ارتفع عن السماء لذلك فلم بالحرى ان يرتفع عن سماء السماء ~~وبسيط البسائط الوحداني الذات # قال فأما قوله فان لا يبصر بعض الاشياء افضل من ان يبصرها فهو اشبه ما ~~قاله من الحجج وأقربها الى التروج والقبول قبل التأمل وإنما ذلك يكون ~~بالقياس إلينا على ضيق وسعنا وزماننا فيصح ان [ يقال إن ] اشتغالنا بإبصار ~~الافضل أولى منه بالأخس فأما إذا PageV09P429 ~~كان الوسع بحيث لا يشغل فيه إدراك الاخس ولا يعوق عن ادراك الافضل فلا # ثم هذا الخسيس إنما هو خسيس بالقياس إلينا أيضا وفي أشياء مباينة لطباعنا ~~منافرة لحواسنا لا على الاطلاق # وبالقياس الى كل خساس فإن طعم العذرة في فم الخنزير كطعم العسل في فم ~~الانسان وإذا نظرت الى الكل لم تجد فيه خسيسا تعر معرفته أو يضر علمه أو ~~يكون لا إدراكه أولى من إدراكه لا في الروحانيات ولا في الحسمانيات لا في ~~السماويات ولا في الارضيات كيف وما في الارض وتحت السماء ليس غير الاستقصات ~~الكائنة وما يتولد عنها بامتزاجها وليس في المتزج منها سواها إلا قوى ~~سماوية وما منها ما يضر إدراكه أو تعر معرفته اللهم الا لشخص ينافيه ويضاده ~~لا على الاطلاق ومن علا عن المضادة والمباينة فلا يكون ذلك بالقياس إليه مكروها # فالله تعالى وملائكته أجل من ان ينالهم الاذى بضد أو مباين من PageV09P430 ~~لون أو طعم أو رائحة فكيف وما في الوجود الا ما صدر عنه تعالى ومما عنه وهو ~~عنه بالحقيقة فما لا يأنف منه ان يخلقه ويوجده لا يأنف منه ان يدركه وما لم ~~يعره في ان فعله لا يعره في ان علمه ولا له كيفية تناسبه من لون او طعم او ~~رائحة فيؤثرها وأخرى تباينه فيكرها فلم نتفع الآن بالقضية المشنعة أعنى ~~القائلة فأن لا يبصر بعض الاشياء أفضل من أن يبصرها # ثم ms2065 الابصار ان كان عن عجز وضيق وسع فليس بأفضل من الابصار وان كان من نوع ~~الالتفات والتقزز فذلك من المنافي والمؤذى وقد قلنا فيه # قال وأما قوله فكمال ذلك العقل اذ كان افضل الكمالات يجب ان يكون بذاته ~~فإنها افضل الموجودات واكملها واشرف المعقولات فقول صادق صحيح على الوجه ~~الذى قلناه لا على الوجه PageV09P431 ~~الذى يقصده من ان كماله بفعله الذى هو بعقل ذاته اذ قد سلم ان ذاته في غاية ~~الكمال والشرف والجلال فليس كمالها بفعل من الافعال لا بعقل ذاتها ولا بعقل ~~غيرها بل تعلقها لذاتها فعل شريف كامل صدر عن شرف الذات وكمالها فكان كمال ~~الفعل لكمال الذات لا كمال الذات لكمال الفعل وقد سبق هذا # قال واما قوله وهذا يوجد هكذا دائما من دون تعرف او حس او راى او تفكر ~~فهذا ظاهر جدا فإن الإدراك والتعقل التام للأمر القديم الدائم من العاقل ~~التام القديم الدائم تام قديم دائم لا محالة وقوله فإنه ان كان معقول هذا ~~العقل غيره فإما ان يكون شيئا واحد ( دائما ) واما ان يكون علمه بما يعلمه ~~واحد بعد آخر فجوابه ( انه ) يعقل ذاته ويعقل غيره فيعقل الدائمات دائما ~~ويعقل المتجددات عقلا قديما دائما من حيث قدمها النوعى والمادى والذى من ~~جهة العلل الفاعلية والغائية فتعلقها في تغيرها على وفق تغيرها # ولا يكون ذلك التغير فيه بل فيها وهو يعلقها كلها على ما هى عليه كما ~~نعقل نحن بعضها فنعلم عينها وانها ستكون ومساوقتها وانها PageV09P432 ~~كائنة ومعدومها بعد كونه وانه كان لا يضيق وسعه عن ذلك ولا يتغير به ولا ~~ينتقص ولا يكمل بل هوى له كما يشاء وعلى وفق قدرته وإرادته في خلقه لا ~~يمتنع ذلك بحجة لا من جهة التعجيز لأنه مردود بدليل الخلق # فقدرته على الخلق دليل قدرته على العلم إذ هو خالق الكل والخلق أكبر في ~~القدرة من العلم # وإذا لم يصح التعجيز في الخلق فهو بأن لا يصح في العلم أولى وأحرى وكيف ~~وأكثرهم يقولون ان علم ms2066 الله هو قدرته وقدرته وسعت كل شيء خلقا فلا عجب ان ~~يسع كل شيء علما ولا بدليل التنزيه فإنه لا تعره ولا تضره معرفته بشيء من ~~خلقه ولا ضد له فيه ولا مباين وليس به كماله بل هو بكماله على كل ما قيل # هذا مع أن في الجواب مساعدة ما والا فلو فرضنا أن له به كمالا على ما قيل ~~لم يكن له في ذلك نقص لأن الكل منه وعنه وكماله بما منه وعنه فهو كماله ~~بذاته في الحقيقة # والقول بأنه لولا أشياء غيره لم يكن بحال كذا من الكمال إنما كان يكون له ~~وجه لو كانت تلك الامور ليست منه وعنه فأما وهي منه فلا يضر لأنه كأنه قال ~~لولاه أعنى لولا ذاته لم يكن بحال كذا لأن PageV09P433 ~~الرفع في الفرض إنما يقع من جهة العلة الاولى التي لا يرتفع المعلول الا ~~بارتفاعها ### | AUTO قلت فهذا من كلام أبي البركات على قول ارسطو وهو أقرب الى ~~تحرير النقل وجودة البحث في هذا الباب من ابن رشد وابن رشد أقرب الى جودة ~~القول في ذلك من ابن سينا مع غلوه في تعظيم ارسطو وشيعته درء تعارض العقل ~~والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصحيح المعقول لأبن تيمة الجزء العاشر PageV09P434 ### | AUTO فصل # قال أبو البركات بعد أن فرغ من حكاية حجة أرسطو # فأما قول التابعين في هذه المسألة والمشيدين لما قيل فيها والمستفيدين ~~بحججها وبراهينها فأقصى ما وقفنا عليه منه وأجمعه لما تبدد في غيره هو ما ~~قاله الشيخ الرئيس وهذه عبارته # قال وليس يجوز أن يكون واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء وإلا فذاته ~~إما متقومة بما تعقل فيكون متقوما بالأشياء وإما عارض لها أن تعقل فلا تكون ~~واجبة الوجود من كل جهة وذلك محال إذ لا يكون لولا أمور من خارج لم يكن هو ~~بحال ويكون له PageV10P003 ~~حال لا تلزم عن ذاته بل عن غيره فيكون لغيره فيه تأثير والأصول السالفة ~~تبطل هذا ولأنه كما سنبين مبدأ كل موجود فيعقل ms2067 من ذاته ما هو مبدأ له وهو ~~مبدأ للموجودات التامة بأعيانها والكائنة الفاسدة بأنواعها أولا ويتوسط ذلك ~~بأشخاصها # قال ولا يجوز أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات مع تغيرها حتى يكون تارة يعقل ~~منها أنها موجودة غير معدومة وتارة أنها معدومة غير موجودة ولكل واحد من PageV10P004 ~~الأمرين صورة عقلية على حدة ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية فيكون ~~واجب الوجود متغير الذات # قال ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة وبما يتبعها مما لا يتشخص فلم ~~تعقل بما هي فاسدة وإن أدركت بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة لم تكن ~~معقولة بل محسوسة أو متخيلة # قال ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة محسوسة وكل صورة خيالية فإنما ~~ندركها بآلة متجزئة وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له ~~فكذلك إثبات كثير من التعلقات بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلي ~~ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض ~~وهذا من العجائب # قلت تقسيم ابن سينا صفاته إلى مقومة للذات وعرضية بناء PageV10P005 ~~على أصلهم الفاسد في المنطق من أن الصفات اللازمة للموصوف تنقسم إلى ما ~~تكون مقومة للذات داخلة فيها يقولون هي أجزاء للذات سابقة لها سبقا عقليا ~~وإلى ما تكون خارجة عن الذات عارضة لها بعد تحققها وإن كانت لازمة لها بوسط ~~أو بغير وسط # وهذا التقسيم قد بين فساده في غير هذا الموضع وبين أن الصفات اللازمة ~~للموصوف لا يجوز تقسيمها إلى هذين القسمين ولا يجوز جعل الذات مركبة من أحد ~~الصنفين دون الآخر بل لا يجوز جعل الذات مركبة أصلا منها إلا أن يعنى ~~بالتركيب اتصاف الذات بها وقيامها بالذات أو لزوم الذات لها ونحو ذلك مما ~~تشترك فيه جميع الصفات اللازمة للموصوف # فأما جعل بعضها داخلا في حقيقة الموصوف الثابتة في الخارج وبعضها خارج عن ~~حقيقته الثابتة في الخارج فكلام في غاية الفساد وغايتهم أن يجعلوا ذلك ~~تركبا مما يتصوره المتصور من صفات ms2068 الموصوف وهذا أمر يزيد وينقص ويدخل في ~~المتصور ويخرج منه بحسب تصور المتصور لا بحسب الحقيقة الثابتة في الخارج ~~وإن ادعوا أن الحقيقة من حيث هي هي مركبة من ذلك وأن تلك الحقيقة لا تحقق ~~لها إلا في الأذهان لا في PageV10P006 ~~الأعيان كما يقوله من يقوله منهم كان هذا من أدل الأشياء على فساد قولهم ~~وضلالهم في تصورهم # قال أبو البركات فهذا ما قاله الشيخ الرئيس # قال فقوله إنه إذا عقل الأشياء من الأشياء كان على أحد وجهين أحدهما أن ~~تتقوم ذاته بما تعقل أو يكون عارضا لها أن تعقل وأنه على كلا الوجهين لا ~~يكون واجب الوجود من جميع جهاته # جوابه أما في التقويم فالفرض فيه محال لأن العاقل لا يتقوم بما يعقله لأن ~~يعقل هو يفعل ويفعل إنما يكون بعد توجد بعدية بالذات فكيف يتقوم الوجود بما ~~هو بعد الوجود بالذات # وأما كونها عارضا لها أن تعقل وإلزامه منه أنه لا يكون واجب الوجود من ~~جميع جهاته فكأنه من مدح الشعراء أو من PageV10P007 ~~كلام محسني الألفاظ بالتخيلات من الخطب والمدائح وإلا فما معنى من جميع جهاته # فإن كونه مبدأ أولا بل كونه مبدأ مطلقا يلزم فيه ما لزم في هذا وهو أنه ~~إما أن يتقوم بكونه مبدأ أولا أو يكون ذلك عارضا له فلا يكون واجب الوجود ~~من جميع جهاته أي لا يكون واجب الوجود في كونه مبدأ أولا لزيد وعمرو ~~وغيرهما من الموجودات # والذي ألزمنا البرهان أنه واجب الوجود بذاته فأما من جميع جهاته إن كان ~~من جهات وجوده فذلك وأما في إضافاته ومناسباته فلا إذ بطل بما قيل # قلت وهذا الذي قاله أبو البركات ردا على ابن سينا قد صرح به ابن سينا في ~~موضع آخر يناقض ما قاله هنا فإنه قال في كتابه المسمى بالشفاء في مسألة ~~العلم ولا تبالي أن تكون ذاته مأخوذة مع إضافة ما ممكنة الوجود فإنها من ~~حيث هي علة لوجود زيد ليست بواجبة الوجود بل من حيث ذاتها وهذا يوافق ms2069 ما ~~قاله أبو البركات PageV10P008 # قال أبو البركات فإما أن لا يكون مبدأ أولا وإما أن لا يكون واجب الوجود ~~من جميع جهاته أعني من جهة إضافاته إلى ما وجوده بعد وجوده بالذات # وأما قوله لولا أمور من خارج لم يكن هو بحال كذا فكذلك لولا المخلوقات لم ~~يكن مبدأ أولا لكن ليس ذلك بمحال وقد رد على طريقي المساعدة والمخالفة # وأما قوله وتكون له حال لا تلزم عن ذاته بل عن غيره فقول باطل وذلك أن ~~العلم إضافة لزمت عن ذاته بالنسبة إلى مخلوقاته ومخلوقاته لزمت عن ذاته ~~ولازم لازم الذات لازم الذات فما لزمت عن غيره كما قيل ولو لزمت لما لزم ~~المحال وإلا فبأي حجة تلزم # وهم فلم يوردوا على ذلك حجة بل أوردوه كالبين بنفسه وليس ببين بل مردود ~~وباطل على ما قيل # وأما قوله فيكون لغيره فيه تأثير أما في وجوده ووجوب وجوده فلا وأما في ~~إضافته ونسبه فأي أصول أبطلته ما بطل ولا يبطل وإنما تمت المغالطة بلفظ ~~التأثير حيث يتوهمه السامع متأثرا مستحيلا وليس العلم استحالة على ما علمت PageV10P009 # وأما قوله ولأنه كما سنبين مبدأ كل موجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له ~~وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها والكائنة الفاسدة بأنواعها أولا وبتوسط ~~ذلك لأشخاصها فهو حق وغير مردود فإنه يعقل ويدرك على كل وجه من وجوه العقل ~~وجهة من جهات الإدراك فهو سميع بصير وبالجملة مدرك عالم حكيم مقدر مدبر يسع ~~كل شيء علما غيبا وشهادة قبل ومع وبعد # وأما قوله ولا يجوز أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات مع تغيرها حتى يكون ~~تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة وتارة أنها معدومة غير موجودة ولكل ~~واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية ~~فيكون واجب الوجود متغير الذات فقد أجبنا عنه في جواب كلام أرسطو طاليس ولم ~~يبعد فتحسن إعادته # وأما قوله ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة وبما يتبعها مما لا ~~يتشخص فلم تعقل بما ms2070 هي فاسدة وإن أدركت بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة ~~لم تكن معقولة بل محسوسة أو متخيلة ففيه الكلام وقد سلف في علم النفس وما رد PageV10P010 ~~عليه في قوله إن الصور الجسمانية والأشكال الوضعية لا تدركها إلا قوة ~~جسمانية وأعاد أبو البركات مناقضته في ذلك # قلت ما ذكره أبو البركات من أن العاقل لا يتقوم بما يعقله وأن فرض ذلك ~~محال لأن كونه يعقل تابع لذاته وهو بعده بعدية بالذات فكيف يتقوم الوجود ~~بما هو بعد الوجود بالذات فهذا كلام صحيح وهو مطرد في جميع الصفات اللازمة ~~للموصوف أن ذاته لا تتقوم بشيء منها ولا تكون صفة الموصوف جزءا مقوما ~~متقدما عليه بالذات إذا كانت الصفة تابعة للموصوف فهي إلى أن تكون بعده ~~بالذات أولى من أن تكون قبله بالذات # فإن قدر أن هنا ترتيبا عقليا تكون فيه الصفة الذاتية قبل الموصوف أو بعده ~~فإنها لا تكون إلا بعده # وإن قيل لا ترتيب هنا أصلا بل كلاهما ملازم للآخر مقترن به # لم يتقدم احدهما الآخر وليس بينهما ترتيب عقلي كما ليس بينهما ترتيب ~~زماني فليس أحدهما قبل الآخر بل الموصوف وصفته اللازمة له موجودان معا لم ~~يسبق أحدهما الآخر سواء PageV10P011 ~~قدر أن الموصوف قديم أزلي واجب بنفسه وصفته لازمة له أو قدر أنه محدث مخلوق ~~وصفته لازمة له # وقد تكلمنا على هذا لما تكلمنا على ما ذكروه في المنطق من الفرق بين ~~الصفة الذاتية المقومة الداخلة في الماهية والصفة اللازمة للماهية والصفة ~~التي يزعمون أنها لازمة لوجودها وكلاهما خارج عن الماهية # وذكرنا ما ذكروه من الفرق بين اللازم الداخل واللازم الخارج واعترافهم ~~بانتفاء ما ذكروه من الفرق واعتراض بعضهم على بعض في هذا المقام وبيان أن ~~ما ذكروه لا يعود إلى فرق حقيقي موجود في الخارج ولا معقول في الذهن إلا ~~إذا جعل الذاتي ما هو لازم للذات المفروضة في الذهن # فأما إذا تصورنا شيئا وعبرنا عنه فمن الصفات ما هو داخل في معلومنا ~~ومذكورنا بالذات ومنه ما هو داخل ms2071 بالعرض وهو اللازم الخارج # وهذا كما يقولونه في دلالة المطابقة والتضمن والالتزام فدلالة المطابقة ~~هي دلالة اللفظ على جميع المعنى الذي عناه المتكلم ودلالة التضمن دلالة ~~اللفظ على ما هو داخل في ذلك المعنى ودلالة الالتزام دلالة اللفظ على ما هو ~~لازم لذلك المعنى خارج عن مفهوم اللفظ # فدلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على جميع هذه الماهية التي عناها المتكلم ~~بلفظه وهو دلالة على تمام الماهية وذلك المدلول PageV10P012 ~~عليه بالمطابقة هو مقول في جواب ما هو إذا قيل ما هو بحسب الاسم وإذا سئل ~~عما هو المراد بهذا اللفظ ذكر مجموع ما دل عليه بالمطابقة فالمدلول عليه ~~بالتضمن هو جزء هذا المدلول وهو جزء ماهيته وهو داخل في ذاته وأما اللازم ~~لهذا المدلول فهو خارج عن حقيقته عرض لازم له فهذا تقسيم معقول ولكنه يعود ~~إلى قصد المتكلم ومراده باللفظ # وأما كون الموجود في الخارج تنقسم صفاته اللازمة له التي لا يكون موجودا ~~إلا بها إلى ما هو داخل في حقيقته مقوم لها متقدم عليها بالذات وإلى ما ~~تكون خارجة عن حقيقته عرضي لها فهذا باطل عند جماهير العقلاء من متكلمي أهل ~~الإسلام وغيرهم # وقد بينا فساد ذلك في مواضع وكذلك بين فساده غير واحد من أهل الكلام ~~والفلاسفة وتكلمنا على ما ذكره ابن سينا في الإشارات وغيرها وبينا تناقضه ~~وتناقض غيره في الفرق بين الذاتيات والعرضيات اللازمة إذا جعلا لازمين ~~للحقائق الموجودة في الخارج وما ذكره في مسألة العلم مبني على ذلك الأصل ~~الفاسد حيث قال لو كان واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء لكانت ذاته إما ~~متقومة بما تعقل فيكون متقوما بالأشياء وإما عارضا لها ان تعقل فلا تكون ~~واجبة الوجود من جميع الجهات # ثم نقول هذا الكلام باطل من وجوه PageV10P013 # أحدها ما ذكرناه من نفي تقوم شيء بصفته # والثاني أن يقال إذا قدر تقوم الموصوف بصفته فهو متقوم بنفس علمه ~~بالأشياء أو بنفس الأشياء المعلومة والثاني باطل وهو إنما ذكر الثاني حيث ~~قال فذاته متقومة بما يعقل ms2072 # وهذا باطل فإنا إذا قدرنا العالم متقوما بعلمه فليس المقوم له المعلوم ~~إنما المقوم له علمه بالمعلوم والمعلوم قد يكون منفصلا عنه فلا يكون قائما ~~به فضلا عن كونه لازما له لا ذاتيا ولا عرضيا فكيف يكون مقوما له # وإن قال قائل يعني بالتقوم أنه لولا المعلوم لما كان العلم # قيل له هذا ليس مراده ولو كان مراده لكان باطلا لأنه على هذا التقدير لا ~~يكون العلم إلا مقوما فلا يقال إما أن يكون مقوما وإما أن يكون عارضا وهو ~~قد جعل هذا أحد القسمين # وأيضا فإنه على هذا التقدير يكون هذا سؤال الاستكمال بالمعلوم الذي ذكره ~~أرسطو وقد عرف جوابه من عدة أوجه # أحدها أن ذلك الغير هو مفعوله فلم يحتج إلى غيره بوجه من الوجوه # الثاني أنه لو قدر وجود موجود مستغن عنه كان أن يعلمه أكمل من أن لا ~~يعلمه فإن العلم صفة كمال والملك والبشر إذا علموا ما هو مستغن عنهم كان ~~أكمل لهم من أن لا يعلموه PageV10P014 # الثالث أنه لو قدر موجود غيره واجب بنفسه أو موجود عن ذلك الواجب بنفسه ~~وذات العالم هي التي اقتضت العلم به لكان هذا كمالا له على هذا التقدير لم ~~يكن هذا مما ينفيه وجوب وجوده # الرابع أن هذا وإن قدر أنه استكمال بالغير فلا دليل لهم على نفيه لا من ~~جهة الوجوب ولا من جهة استحقاق الكمال ولا من غير ذلك بل الأدلة تقتضي ثبوته # الوجه الثالث عن شبهة ابن سينا أن يقال قوله ليس يجوز أن يعقل الأشياء من ~~الأشياء وإلا فذاته إما متقومة بما تعقل فيكون متقوما بالأشياء وإما عارضا ~~لها أن تعقل فلا تكون واجبة الوجود من كل وجه # يقال له قولك يعقل الأشياء من الأشياء أتريد به أن الأشياء تجعله عاقلا ~~فتعلمه العلم بها أم تريد أن علمه بالأشياء لا يكون إلا مع تحقق المعلوم أم ~~تعنى به أن علمه بالأشياء يكون بعد وجود المعلوم # اما الأول فلا يقوله مسلم بل المسلمون متفقون على ms2073 أن الله مستغن عما سواه ~~في علمه بالأشياء في غير ذلك بل هو المعلم لكل من علم سواه من علمه # وقد قال تعالى { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } سورة البقرة 255 PageV10P015 # وقال { علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } سورة العلق 4 5 # وقال { أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } سورة طه 50 # وقال { الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى } سورة الأعلى 2 3 # وقال { الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان } سورة الرحمن 1 4 # وقال { وعلمك ما لم تكن تعلم } سورة النساء 113 # وقال { وعلمناه من لدنا علما } سورة الكهف 65 # وقال { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب } سورة البقرة 282 # وقال { وعلم آدم الأسماء كلها } إلى قول الملائكة { سبحانك لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } سورة البقرة 31 32 # وقال { تعلمونهن مما علمكم الله } سورة المائدة 4 # وإن أراد بعقله الأشياء من الأشياء أنه لا يكون عالما إلا مع تحقق معلوم ~~بعلم فهذا حق لكن لا يمكن ثبوت علم إلا كذلك وإلا فإذا قدر علم لا يطابق ~~معلومه كان جهلا لا علما وحينئذ يعود الأمر إلى سؤال الاستكمال وقد تقدم PageV10P016 # وإن أراد بذلك انه يعلم الأشياء بعد وجودها فلا ريب أنه يعلم ما يكون قبل ~~أن يكون ثم إذا كان فهل يتجدد له علم آخر أم علمه به معدوما هو علمه به ~~موجودا هذا فيه نزاع بين النظار وأي القولين كان صحيحا حصل به الجواب # وإذا قال قائل القول الأول هو الذي يدل عليه صريح المعقول والثاني باطل ~~والإشكال يلزم على الأول # قيل له وإذا كان هو الذي يدل عليه صريح المعقول فهو الذي يدل عليه صحيح ~~المنقول وعليه دل القرآن في أكثر من عشرة مواضع وهو الذي جاءت به الآثار عن ~~السلف وما أورد عليه من الإشكال فهو باطل كما قد بين في موضعه # الوجه الرابع أن يقال قوله إما متقومة بما يعقل وإما عارض لها ms2074 أن يعقل # يقال له بعد أن ذكرنا أن هذا التقسيم باطل أي تقسيم الصفة اللازمة إلى ~~مقوم وعارض باطل وأن علمه لازم لذاته # هب أن الأمر كذلك فلم قلت إن العلم لا يكون ذاتيا على اصطلاحكم # فإذا قال يلزم من ذلك أن يكون مركبا من الصفات الذاتية والمركب مفتقر إلى جزئه PageV10P017 # قيل هذا أصل حجتكم على نفي الصفات وقد بين فساده من غير وجه وهذه الحجة ~~لا تختص العلم بل ينفون بها جميع الصفات وهي من أفسد الحجج كما قد بين غير ~~مرة وإن كانت قد أشكلت على طوائف من النظار وقادتهم إلى أقوال من أقوال أهل ~~النار وقد تبين فسادها من جهة أن هذا ليس بتركيب في الحقيقة بل هو اتصاف ~~ذات بصفات لازمة لها وأن لفظ الجزء ليس المراد به اجتماع بعد افتراق ولا ~~إمكان افتراق ولا انفصال شيء من شيء وإنما المراد به ثبوت معان متعددة وهذا ~~مورد النزاع ولا دليل على نفيه بل على ثبوته # ولفظ الافتقار يراد به التلازم وهو هنا حق لا محذور فيه ويراد به افتقار ~~المعلول إلى علة فاعلة وهو باطل وإذا أريد به افتقار الصفة إلى محلها ~~ويسمونه هم افتقار المعلول إلى علة قابلة فهذا لا محذور فيه # ولفظ الغيرين يراد به المتباينان وهو هنا ممتنع ويراد به ما يمكن العلم ~~بأحدهما مع عدم العلم بالآخر وهو حق وثبوت هذا الغير لا بد منه # الوجه الخامس أن يقال هب أن هذه الصفة عرضية باصطلاحكم فيقال له إذا كان ~~العلم لازما لذاته أو لوجود لذاته إن قدر أن الوجود زائد على الذات لم يكن ~~ثبوت لوازمه مفتقرا إلى غيره فلم يكن هذا منافيا لوجوب الموجود من جميع PageV10P018 ~~جهاته فإن المحذور إنما يحصل لو كان حصول العلم ليس من لوازم ذاته بل حصل ~~بسبب غيره فيكون ثبوت الصفة مفتقرا إلى ذلك الغير # أما إذا كان علمه من لوازم ذاته كان واجبا بوجود ذاته وهم يقولون هو واجب ~~بذاته مع كونه مستلزما للمفعولات المنفصلة ms2075 ولم يقدح كونها لازمة له في وجوب ~~ذاته فأن لا يقدح لزوم علمه له بطريق الأولى والأحرى # السادس أن يقال لنظار المسلمين في علم الرب قولان أحدهما أن علمه واحد ~~بالعين يعلم به جميع المعلومات أزلا وأبدا وعلى هذا التقدير فهو واجب ~~الوجود بصفاته أزلا وأبدا فليس علمه متوقفا على وجود شيء من المعلومات بل ~~إذا وجدت تعلقت المعلومات به # لكن قد يقول أكثر العقلاء من الفلاسفة وغيرهم إن هذا لا يمكن بل علمه ~~بهذا غير علمه بهذا # فيقال القول الثاني إن علمه واحد بالنوع وإنه يتعدد بتعدد المعلومات وعلى ~~هذا القول فهل يكون علمه بأن قد كان الشيء هو نفسه علمه بأن سيكون على قولين # ومن النظار من قال العلم إضافة محضة وأن ذات الرب مقتضية لها بشرط المضاف ~~وسنبين إن شاء الله ما هو الصواب في هذا الباب PageV10P019 # وعلى كل تقدير فذاته هي الموجبة لكونه عالما لا أن شيئا من الموجودات ~~جعله عالما وإن كان العلم بأن قد كان مشروطا بوجود المعلوم كما أن رؤيته ~~وسمعه مشروط بوجود المرئي والمسموع فذاك لا يمنع وجوب وجوده بنفسه أزلا ~~وأبدا ولكن عروض هذا السمع والرؤية والعلم بأن قد كان نظير عروض الإضافات ~~له وقد ثبت بصريح العقل واتفاق العقلاء وجوب تجدد الإضافات له # وإذا قيل الإضافة ليست وجودية والعلم والسمع والبصر أمور وجودية # كان الجواب على هذا القول إلغاء هذا الفرق كما قد قرر في موضعه # ومعلوم أن كون الرب بكل شيء عليما هو أظهر في الأدلة الشرعية والعقلية من ~~كونه لا تقوم به الأمور المتجددة فلو قدر أن لهذا أدلة تعارض تلك وكان ثبوت ~~العلم مستلزما لثبوت الأمور المتجددة للزوم القول بثبوت العلم فإن ثبوت ~~العلم حق ولازم الحق حق فكيف إذا كان ما يمنع الأمور المتجددة إنما هو من ~~أضعف الأدلة # اما المتفلسفة فلا يمكنهم أن يقولوا قيام الحوادث به يستلزم حدوثه فإن ~~القديم عندهم تحله الحوادث وإنما ظن من ظن منهم أن قيام ذلك يمنع وجوب ~~وجوده ms2076 وهو غلط ظاهر فإنه لا PageV10P020 ~~يمنع وجوب وجوده المعلوم الذي قام عليه الدليل وإنما يمنع ما يختلف في وجوب ~~الوجود حيث ظنوا أن واجب الوجود لا يفعل شيئا باختياره ولا يقوم به شيء ~~باختياره وذلك خطأ محض # ويظهر هذا بالوجه السابع وهو أن يقال قول القائل إنه واجب الوجود من جميع ~~جهاته إذا أريد به أنه لا يقبل العدم بوجه من الوجوه فهذا حق فإنه لا يقبل ~~العدم بوجه من الوجوه # وإن أراد به أن كل ما ثبت له من الأحوال فهو واجب الوجود بمعنى أنه نفسه ~~مقتض لذلك لا يحتاج في ثبوته له إلى غيره فهذا أيضا حق # فإن كل ما ثبت للرب تعالى من الصفات والأفعال فلا يحتاج فيه إلى غيره بل ~~هو الموجب لذلك لكن ما كان لا يمكن وجوده إلا باختياره من الأفعال ولوازم ~~الأفعال فهذا يمتنع كونه بعينه أزليا بل يجب تأخره سواء قيل إنه عالم بذاته ~~أو قيل إنه منفصل عنه وهو الموجب له عند وجوده لا موجب له غيره # وإن قيل واجب الوجود من جميع جهاته بمعنى أنه لا يجوز أن يتأخر عنه شيء ~~مما يضاف إليه بل كل ذلك يجب أن يكون أزليا فهذا باطل لا دليل عليه بل ~~الدليل يدل على نقيضه فإنا نشاهد المحدثات دائما وهي حادثة عنه سواء قيل ~~إنها حدثت بواسطة أو بلا واسطة وحدوثها يستلزم حدوث ما به صارت محدثة وإلا ~~فإذا قدر حال الذات قبلها وبعدها سواء PageV10P021 # قيل حدوث الحوادث ترجيح بلا مرجح وإذا أمكن أن يحدث من غير تجدد أمر يقوم ~~بالفاعل بل نفس الخلق يكون نسبة وإضافة أمكن أن لا يتجدد إلا تعلق العلم ~~القديم بالمعلوم ولا يتجدد إلا نسبة وإضافة بقدر ذلك # الوجه الثامن وهو أن يقال لا ريب في تجدد المفعولات شيئا بعد شيء فليس ~~كونه محدثا للحادث المعين بالفعل أمرا لازما لذاته بل صار محدثا له بعد أن ~~لم يكن وهذا خروج لهذه الفاعلية عن القوة إلى الفعل فإما أن يكون ms2077 كونه ~~فاعلا إضافة محضة ولم يقم بذاته فعل يكون به فاعلا كما يقوله من يقول الخلق ~~هو المخلوق # وإما أن يقال بل كونه فاعلا أمر وجودي يقوم بنفسه والخلق غير المخلوق كما ~~هو قول الجمهور من أهل السنة وغيرهم # فإن قيل بالأول فمعلوم أنه إذا قيل إن كونه فاعلا أمر إضافي أمكن أن يقال ~~كونه عالما أمر إضافي # ثم للناس على هذا التقدير في الفاعلية قولان منهم من يقول المكونات حادثة ~~بتكوين قديم وأما عند وجود المكون فلا يحدث شيء # ومنهم من يقول ليست الفاعلية إلا إضافة محضة أزلا وأبدا فعلى هذا القول ~~يمكن أن يقال في العلم كذلك PageV10P022 # وعلى الآخر يمكن أن يقال بل العلم قديم العين ولكن تتجدد له الإضافات كما ~~يقوله ابن كلاب # وهؤلاء جعلوا العلم ثابتا في الأزل دون التكوين فإذا ثبت أن كونه فاعلا ~~لا يقتضي تكوينا قائما بذاته مع تجدد التكوينات الإضافية فهؤلاء إذا أثبتوا ~~علما قديما وقالوا بتجدد تعلقاته كانوا أبعد عن الامتناع # وأما من جعل الفاعلية أمرا قائما بالفاعل وقال إنه يتجدد عند تجدد ~~المفعولات فإنه إذا قال بتجدد عالمية بعد وجود المعلوم مع قوله إنه علم ما ~~سيكون قبل أن يكون كان اقتضاء ذاته لهذه العالمية كاقتضائها لتلك الفاعلية ~~وإذا كان واجب الوجود مع تلك الفاعلية فكذلك مع هذه العالمية # الوجه التاسع أنه إذا قدر واجب الوجود يقدر على الأفعال الحادثة شيئا ~~فشيئا وقدر آخر لا يمكنه إحداث شيء قضى صريح العقل أن من أمكنه الإحداث ~~شيئا بعد شيء هو أكمل ممن لا يمكنه إحداث شيء # وإذا قال القائل هذا كان فيه شيء بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلا شيئا ~~فشيئا وذاك كله بالفعل ليس فيه شيء بالقوة # قيل له كل ما لهذا بالفعل هو للآخر فإن ذاته وصفاته التي يمكن قدمها ~~لازمة له وأما الحوادث التي لا يمكن وجودها إلا شيئا فشيئا فهذه يمتنع أن ~~تكون بالفعل قديمة أزلية فلا تكون بالفعل PageV10P023 ~~في الأزل بل لا يمكن أن تكون إلا ms2078 بالقوة ثم تخرج إلى الفعل بحسب الإمكان ~~شيئا فشيئا وإذا لم يمتز من قدر عدم هذه له بوصف كمال بل المتصف بها أكمل ~~كان نفي هذه عن واجب الوجود نفي صفة كمال لا إثبات كمال له # وهؤلاء النفاة المعطلة من الجهمية والمتفلسفة والباطنية يظنون أن ما نفوه ~~عن الرب هو كمال له وهو تعظيم له وذلك من جهلهم بل إثبات ما نفوه هو الكمال ~~الذي يكون مثبته معظما للرب # ولكن هم في ذلك نظير إخوانهم من معطلة النبوات الذين قالوا ما أنزل الله ~~على بشر من شيء وقالوا الله أعظم من أن يرسل رسولا من البشر # قال تعالى { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس } ~~سورة يونس 2 # أو لم يعلموا أن إرسال رسول من البشر يبلغهم رسالات ربهم ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم أبلغ في قدرة الرب ورحمته بعباده وإحسانه إليهم وأعظم إثباتا ~~للكمال من كون ذلك عنه ممكن له ومن امتناعه عن فعله # وكذلك كونه يخلق الأشياء شيئا بعد شيء أبلغ من كونه لا يمكنه إحداث شيء ~~بل عند كثير من الناس أو أكثرهم كونه يخلق أكمل من كونه لا يخلق كما قال ~~تعالى { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } سورة النحل 7 PageV10P024 # وحينئذ فإذا قيل جنس الفعل لازم وإنما الحادث أعيانه # كان أن يقال جنس العلم لازم بطريق الأولى والأحرى # بل إذا قيل جنس الخلق حادث # أمكن أن يقال نفس العلم لازم سواء قيل بحدوث شيء معين عند وجود المعلومات ~~أم لا فذاك أبعد عن منافاة وجوب الوجود من كونه فاعلا لما لم يكن فاعلا له # الوجه العاشر قوله إذا لم يكون لولا أمور من خارج لم يكن هو بحال يقال له ~~الضمير في هو إن كان عائدا إلى الله كان معنى الكلام لولا تلك الأمور ~~الخارجة لم يكن هو بحال وهذا إذا كانت تلك الأمور مفعولة وقدر أنها لازمة ~~لإرادته اللازمة لذاته كان تقدير ارتفاع اللازم يوجب ارتفاع الملزوم لكن ~~ارتفاع اللازم ms2079 محال وهم يقولون لو ارتفع المعلول لارتفعت العلة فليس في هذا محذور # وإن كان الضمير عائدا إلى العلم أي لولا المعلوم لم يكن العلم فهذا أولى ~~أن لا يكون ممتنعا # وإنما حصلت الشبهة أن قول القائل لولا أمور من خارج لم يكن هو يحتمل شيئين # أحدهما أن تلك الأمور فاعلة له أو جزء من الفاعل أو PageV10P025 ~~هو محتاج إليها بوجه من الوجوه وهذا باطل # والثاني ان تكون تلك الأمور لازمة لإرادته اللازمة له أو لغير ذلك من ~~لوازم اللوازم وعلى هذا فهي المخلوقة المحتاجة إليه من كل وجه # فإذا قيل لولا تلك الأمور لم يكن # كان معناه أنه إذا قدر ارتفاعها لزم ارتفاع ملزومها وهذا فرض محال # الوجه الحادي عشر قوله ويكون له حال لا يلزم عن ذاته بل عن غيره فيكون ~~لغيره فيه تأثير والأمور السالفة تبطل هذا # فيقال ذلك الحال إذا قدر تجدده بعد الحادث فإنه لا يلزم عن نفسه فإن ~~العلم أو غيره مما يقوم بنفسه إنما هو لازم عن ذاته لا عن غيره لكن لزومه ~~عن نفسه قد يقال إنه يكون عند إحداثه لتلك المحدثات على قول من يقول بذلك ~~وأي محذور في هذا فإن هذا لا ينافي وجوب وجوده بنفسه # هذا لو كان ذلك الغير مخلوقا لغيره فكيف وهو مخلوق له فكلاهما لازم عنه ~~ما قام به وما انفصل عنه وليس لغيره فيه تأثير إذ كانت نفسه هي الموجبة للجميع # ولا ريب أن العباد يدعون الله فيجيبهم ويطيعونه فيرضى عنهم ويعصونه فيغضب ~~عليهم ويفرح بتوبة التائب كما دلت على ذلك النصوص PageV10P026 # وهو سبحانه الخالق لكل ما سواه فليس في الوجود ما يؤثر فيه سبحانه وهذا ~~على مذهب أهل السنة المثبتين للقدر القائلين بأنه خالق كل شيء # وأما على قول القدرية الذين يقولون بحدوث حوادث بدون خلقه وإرادته فإنهم ~~وإن كانوا ضالين فهؤلاء الفلاسفة النفاة لعلمه أضل منهم # وهم على قولين منهم من يقول بتجدد أحوال له ومنهم من ينفي ذلك فمن أثبت ~~ذلك قال لهؤلاء ms2080 كما قال لهم أبو البركات فما الدليل على أنه لا يحصل به حال ~~من الأحوال بسبب هؤلاء ولم قلتم إن ذلك ينافي وجوب وجوده # وهؤلاء يقولون أفعال العباد توجب له داعيا إلى الثواب والعقاب # الوجه الثاني عشر قوله وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص ~~له فكذلك إثبات كثير من التعلقات # فيقال له إن أردت بالأفاعيل ما وجد فليس في إثبات فعله للموجودات نقص له ~~كيف وهو فاعل لها بالاتفاق سواء كان فاعلا لبعضها بوسط أو بغير وسط وإذا ~~كان فاعلا لها على وجه التفصيل فيجب أن يكون عالما بها على وجه التفصيل # ومعلوم أنه إذا لم يلحقه بفعلها نقص فأن لا يلحقه بعلمها نقص بطريق ~~الأولى فإن علم العالم بما لا يفعله لا نقص فيه وإن PageV10P027 ~~كان المعلوم خسيسا فكيف علمه بما فعله وإذا كانت لا توجد إلا مفصلة معينة ~~فيجب أن يعلم كذلك وإلا لم يعلم على ما هي عليه # وإن عنى بقوله إن كثيرا من الأفاعيل لواجب الوجود نقص ما لم يفعله فقياس ~~هذا أن يقول علمه بما لم يفعله نقص وليس الكلام فيه # الوجه الثالث عشر أن يقال أهل الأرض من المسلمين وغيرهم لهم في تنزيه ~~الرب عن بعض الأفعال قولان مشهوران # فطائفة تقول ليس في فعله لشيء من الممكنات نقص والظلم لا حقيقة له إلا ما ~~هو ممتنع بل كل ممكن ففعله جائز عليه وإن لم يفعله فلعدم مشيئته له لا ~~لكونه نقصا # وهذا قول الجهمية والأشعرية وطوائف من الفقهاء أصحاب المذاهب الأربعة ~~وأهل الحديث والصوفية وغيرهم وعلى هذا لا يسلم هؤلاء أن إثبات شيء من ~~الأفعال لواجب الوجود نقص وإذا منعوا هذا في الفعل ففي العلم أولى وأحرى # والقول الثاني قول من يقول بل هو منزه عن بعض الأفعال المقدورة وهذا قول ~~أكثر الناس من المثبتين للقدر كالكرامية وغيرهم من المعتزلة وغيرهم نفاة ~~القدر وهو قول كثير من أهل المذاهب الأربعة وأهل الحديث والصوفية والعامة وغيرهم # وعلى هذا القول فلا نسلم أن ms2081 ما ينزه عن أن يفعله يجب أن يتنزه PageV10P028 ~~عن علمه به فإن العلم يتعلق بالواجب والممكن والممتنع والموجود والمعدوم ~~وأما الفعل فلا يتعلق إلا بما يراد ولا يراد إلا ما هو ممكن في نفسه وما ~~تكون إرادته حكمة على قول هؤلاء # ومعلوم أن الواحد من الناس يحمد بأن لا يفعل القبيح ولا يحمد بأن لا ~~يعلمه ويعلم حسن فعله ويعلم قبحه ولم يقل أحد قط إن علمنا بقصص المكذبين ~~للرسل وما فعلوه من السيئات نقص كما أن تلك الأفعال نقص بل المعرفة بالخير ~~والشر من صفات الكمال # وإن قيل مراده أن العلم يلزم منه التغير أو التكثر # فيقال له معلوم أن هذا اللازم لفعله المتكثرات والمتغيرات ألزم فإن فعله ~~للمتكثرات والمتغيرات يلزم منه قيام معان في ذاته فليس ذلك نقصا ولا يكون ~~في علمه بها مع هذه اللوازم نقص # وإن قيل بل فعله للمتغيرات والمتكثرات لا يلزم منه قيام معان متكثرة ~~متغيرة في ذاته # فيقال إن كان هذا حقا فعلمه بها أولى أن لا يلزم منه قيام معان متكثرة ~~متغيرة فإنه من المعلوم بصريح العقل أن اقتضاء الأفعال المتكثرة والمتغيرة ~~للتعدد والتجدد في الذات الفاعلة أولى من اقتضاء المعلومات المتكثرة ~~والمتغيرة للتعدد والتجدد في الذات PageV10P029 ~~العالمة فإن كل عاقل لفعل محكم عالم به وليس كل عالم به فاعلا له # وهؤلاء وإن كانوا قد قالوا في فعله أقوالا باطلة لظنهم أنه لا يصدر عنه ~~ابتداء إلا واحد بشرط فقد لزمهم أن يجعلوا كل شيء مفعول له بوسط أو بغير ~~وسط فكان الواجب أن يقولوا إنه عالم بكل شيء جرى كما هو فاعل لكل شيء جرى ~~إذ الكليات لا توجد في الأعيان إلا جزئية معينة # الوجه الرابع عشر قوله بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلي ومع ~~ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض وهذا ~~من العجائب # فيقال إن عنيت أنه لا يعزب عنه من حيث هو كلي فهل في هذا ما ms2082 يقتضي أنه ~~يعلم شيئا من الجزئيات فإن العلم بالكلي من حيث هو كلي لا يوجب علما بشيء ~~من المعينات الموجودة فمن علم أن كل إنسان حيوان لم يوجب ذلك أن يعلم ~~إنسانا بعينه ولا شيئا من تعيناته ولا عدد الأناسي بل ولا يعلم حيوانا بعينه # وإن عنيت أنه لا يعزب عنه شيء من المعينات فهذا مع قولك إنما يعقلها على ~~وجه كلي باطل PageV10P030 # وقد قال قبل هذا إن الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة وبما يتبعها مما ~~لا يتشخص فلم تعقل بما هي فاسدة وإن أدركت بما هي مقارنة للمادة وعوارض ~~المادة لم تكون معقولة بل محسوسة أو متخيلة # فقد ذكر أنها إذا عقلت بالماهية المجردة وما يتبعها فلم تعقل عينها ~~المعينة وإن عقلت معينة فهي محسوسة لا معقولة فالمعينات عنده لا تكون إلا ~~محسوسة لا معقولة وعنده لا توصف بالحس فكيف لقول إنه لا يعزب شيء شخصي مع ~~قوله إنه لا يعلم شيئا عن المشخصات المتغيرة # الوجه الخامس عشر أنه قال فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له وهو مبدأ ~~للموجودات التامة بأعيانها والكائنة الفاسدة بأنواعها أولا ويتوسط ذلك في ~~أشخاصها # فقد أثبت هنا أنه يعلم الموجودات التامة بأعيانها وذلك كالأفلاك والكواكب ~~مع ما يثبتونه من العقول والنفوس # ثم قال وإن عقلت الفاسدات بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة لم تكن ~~معقولة بل محسوسة أو متخيلة # ومعلوم أن الأفلاك والكواكب عندهم أجسام مقارنة للمادة فيجب أن لا تكون ~~على هذا القول معقولة بل محسوسة أو متخيلة PageV10P031 ~~وقد قال إنه يعقلها بأعيانها فسمى العلم بالأجسام المعينة تارة عقلا وتارة ~~قال هو حس أو تخيل ليس بعقل وأثبت أنه يعلمها تارة ونفى ذلك أخرى لكونه حسا ~~لا عقلا # وليس الكلام هنا في إدراكها متغيرة أو غير متغيرة بل في إدراك الأجسام ~~المعينة هل يعلمها معينة أم لا وهل ذلك عقل أو حس فقد أثبت أنه يعقلها وعلل ~~غيرها بعلة تقتضي أنه لا يعقلها وهذا تناقض بين # ولا ريب أن كلامه هنا إنما ms2083 ينفي كونه يعلمها متغيرة لئلا يكون متغير ~~الذات ثم يعلل ذلك بأنه لا يعلم الحسيات # لكنه في موضع آخر قال إن كل صورة محسوسة وكل صورة خيالية فإنما يدركها ~~المدرك بآلة متجزئة وإن مدرك الجزئيات لا يكون عقلا بل قوة جسمانية # وهنا قد ذكر أن واجب الوجود يدرك الجسمانيات التامة بأعيانها فيلزم أحد ~~الأمرين إما أنه جسم يدركها بقوة جسمانية وإما أنه لا يدركها كما قاله ~~أرسطو وإما أن تكون الأجسام تدرك بقوة غير جسمانية كما قاله أبو البركات ~~وقد ناقضه أبو البركات في هذا الفصل وسنذكر إن شاء الله كلامهما # فكلام ابن سينا في العلم متناقض فإنه يثبت أنه يعلم الموجودات التامة ~~بأعيانها وهذا يناقض جميع ما ذكره في نفي PageV10P032 ~~العلم أو حصول التغير ولم يذكر على نفي كونه عالما بالجزئيات إلا حصول ~~التغير وأما التعدد فقد التزمه # فيقال الوجه السادس عشر أن يقال ابن سينا يثبت علمه بأعيان الباقيات مع ~~كثرتها كما سنذكر لفظه إن شاء الله وما ذكره من الحجة على نفي علمه ~~بالمتغيرات مثل كونه إما متقوم وإما عارض لها أن تعقل فلا تكون واجبة ~~الوجود من كل جهة وقوله تكون له حال لا يلزم عن ذاته بل عن غيره ونحو ذلك ~~يلزم من العلم بأعيان الباقيات وأنواع المتغيرات كما يلزم في المتغيرات ~~وإنما يختص المتغيرات بحدوث شيء آخر وذاك ليس عنده ما ينفيه بخصوصه فإنه ~~يجوز في القديم أن تحله الحوادث وإنما منع حلول الحوادث به لكونه يمنع قيام ~~الصفات أو أن يقول بما ذكر عن أرسطو من أن ذلك يوجب تعبه وكلاله وكل ذلك ~~فضيحة من الفضائح ما يظن بأضعف الناس عقلا أن يقول بمثل ذلك # ولولا أن هذا نقل أصحابهم عنهم في كتبهم المتواترة عنهم عندهم لاستبعد ~~الإنسان أن يقول معروف بالعقل مثل هذا الهذيان # وهذه ألفاظ ابن سينا في الاشارات بعد أن قرر بطلان قول من يقول باتحاد ~~العاقل والمعقول فيظهر لك من هذا أن كل PageV10P033 ~~ما يعقل بأنه ذات موجودة تتقرر ms2084 فيها القضايا العقلية تقرير شيء في شيء آخر ~~قال تنبيه الصورة العقلية قد يجوز بوجه ما أن تستفاد من الصور الخارجية ~~مثلا كما تستفيد صورة السماء من السماء وقد يجوز أن تسبق الصورة الأولى إلى ~~القوة العاقلة ثم يصير لها وجود من خارج مثلما تعقل شكلا ثم تجعله موجودا ~~ويجب أن يكون بما يعقل واجب الوجود من الكل على الوجه الثاني # ثم قال تنبيه كل واحد من الوجهين قد يجوز أن يحصل من سبب عقلي متصور ~~لوجود الصورة في الأعيان أو غير موجودها بعد في جوهر قابل للصور المعقولة ~~ويجوز أن يكون للجوهر العقلي من ذاته لا من غيره ولولا ذلك لذهبت العقول ~~المفارقة إلى غير النهاية وواجب الوجود يجب أن يكون له ذلك من ذاته PageV10P034 # قلت فقد بين أن علم الرب هو من نفسه لا من غيره وأن علمه بالمعقولات ليس ~~مستفادا بها بل علمه بها سبب لوجودها وحينئذ فلا يكون علمه مفتقرا إلى ~~معلومه بل معلومه مفتقرا إلى علمه سواء كان المعلوم متغيرا أو غير متغير # ثم قال إشارة واجب الوجود يجب أن يعقل ذاته بذاته على ما حقق ويعقل ما ~~بعده من حيث هو علة لما بعده ومنه وجوده ويعقل سائر الأشياء من حيث حدثها ~~في سلسلة الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا # ثم قال إشارة إدراك الأول للأشياء من ذاته في ذاته هو أفضل أنحاء كون ~~الشيء مدركا ومدركا ويتلوه إدراك الجواهر العقلية اللازمة للأول بإشراق ~~الأول ولما بعده منه من ذاته وبعدهما الإدراكات النفسانيه التي هي نقش ورسم ~~عن طابع عقلي متبدد المبادىء والمناسب # ثم قال وهم وتنبيه ولعلك تقول إن كانت المعقولات لا تتحد بالعاقل ولا ~~بعضها مع بعض لما ذكرت ثم سلمت أن PageV10P035 ~~الواجب الوجود يعقل كل شيء فليس واحدا حقا بل هناك كثرة فنقول إنه لما كان ~~تعقل ذاته بذاته لم يلزم قيوميته عقلا بذاته لذاته أن يعقل الكثرة جاءت ~~الكثرة لازمة متأخرة لا داخلة في الذات مقومة بها وجاءت أيضا على ms2085 ترتيب ~~وكثرة اللوازم من الذات مباينة أو غير مباينة لا تثلم الوحدة والأول تعرض ~~له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية وكثرة سلوب وبسبب ذلك كثرة أسماء لكن لا ~~تأثير لذلك في وحدانية ذاته # قلت فقال هذا الكلام صريح في ثبوت صفات الله قائمة به ليست إضافية ولا ~~سلوب كما قال تعرض له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية وكثرة سلوب # وهذا مما اعترف به الشارحون لكلامه المنتصرون له وغير المنتصرين # قال الرازي في شرحه أقول هذا سؤال جيد وتقديره أنك إذا قلت الله يعلم ~~جميع الماهيات والعلم عبارة عن حصول صورة المعلوم عند العالم فقد حصل في ~~ذاته صور المعلومات بأسرها ثم زعمت أن العالم لا يتحد بالعلم فلزم أن تكون ذات PageV10P036 ~~الله محلا لتلك الصورة الكثيرة الغير المتناهية # قال وحاصل جوابه أنه التزم ذلك وبين أنه لا يلزم منه محذور لأن الدلالة ~~إنما دلت على تنزيه ذات الله عن الكثرة فأما أنه لا يكون في لوازمه كثرة ~~فذلك مما لم يثبت بالدلالة أصلا وقد بينا أن علمه بالأشياء من لوازم عمله ~~بذاته فتكون الكثرة الحاصلة بسبب علمه بالأشياء كثرة في لوازم ذاته وكثرة ~~اللوازم لا توجب الكثرة في الملزوم فإن الوحدة التي هي أبعد الأشياء عن ~~طبائع الكثرة يلزمها لوازم غير متناهية من كونها نصفا للاثنين وثلثا ~~للثلاثة وربعا للأربعة وهلم جرا إلى ما لا نهاية له # ثم قال بعد ذلك فالأول تعرض له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية وكثرة سلوب ~~وبسبب ذلك كثرة أسماء لكن لا تأثير لذلك في وحدانية ذاته # قال الرازي وأقول إن هذا الكلام يدل على رجوع الشيخ عن مذهب الفلاسفة في ~~مسألتين من أمهات المسائل إحداهما أن المشهور من قولهم إن البسيط لا يكون ~~قابلا وفاعلا وهنا اعترف PageV10P037 ~~بأن المؤثر في تلك الصور العقلية ذاته والقابل لها أيضا ذاته فالبسيط هناك ~~فاعل وقابل # وثانيتهما أن المشهور من مذهبهم أنه ليس لله من الصفات إلا السلوب ~~والإضافات وهاهنا اعترف بأن لله كثرة لوازم إضافية وغير إضافية ms2086 وكثرة سلوب ~~فأثبت لله صفات ثبوتية غير إضافية وكيف يمكنه أن لا يعرف بذلك وعنده أن ~~الله عالم بالماهيات والعلم بالأشياء عنده عبارة عن حصول صورة في العالم ~~وتلك الصورة ليست مجرد إضافات لأن مذهبه أن الصورة الحاصلة عند العقل ~~مساوية لماهية المعقول والمساوي للجواهر والكميات والكيفيات في تمام ~~ماهيتها كيف يكون مجرد إضافات # فظهر أن الفلاسفة لا يمكنهم ادعاء تنزه الله عن الصفات الحقيقية # وكذلك الآمدي قال واعلم أن من أثبت لواجب الوجود من الفلاسفة علما وفسر ~~العلم بانطباع صورة المعلوم في النفس فقد أثبت لواجب الوجود صفة وجودية ~~زائدة على ذاته وناقض أصله في نفي الصفات الوجودية الزائدة لذات واجب الوجود PageV10P038 ~~ضرورة لأن انطباع صورة المعلوم في النفس أمر وجودي زائد على الذات # ثم إن الطوسي في شرحه قرر ما ذكره الرازي وزاد عليه هذا مع كثرة مناقضته ~~للرازي وحرصه على ذلك وعلى نصر ابن سينا ومع هذا فلما شرح هذا الفصل قال ~~تقرير الوهم أن يقال إنك ذكرت أن المعقولات لا تتحد بالعاقل ولا بعضها ببعض ~~بل هي صور متباينة منفردة في جوهر العاقل وذكرت أن الأول الواجب يعقل كل ~~شيء فإذن معقولاته صور متباينة متقررة في ذاته ويلزمك على ذلك أن لا تكون ~~ذات الأول الواجب واحدا حقا بل تكون مشتملة على كثرة # قال وتقرير التنبيه أن يقال إن الأول لما عقل ذاته بذاته وكانت ذاته علة ~~للكثرة لزمه تعقل الكثرة بسبب تعقله لذاته بذاته فتعقله للكثرة لازم معلوم ~~له فصور الكثرة التي هي معقولاته هي معلوالاته ولوازمه مترتبة ترتب ~~المعلولات فهي متأخرة عن حقيقة ذاته تأخر المعلول عن العلة وذاته ليست ~~بمتقومة بها ولا بغيرها بل هي واحدة وتكثر اللوازم والمعلولات لا ينافي ~~وحدة علمها PageV10P039 ~~الملزومة إياها سواء كانت تلك اللوازم متقررة في ذات العلة أو مباينة لها ~~فإذن تقرر الكثرة المعلولة في ذات الواحد القائم بذاته المتقدم عليها ~~بالعلية والوجود لا يقتضي تكثره والحاصل أن الواجب واحد ووحدته لا تزول ~~بكثرة الصور المعقولة المقررة ms2087 فيه # قال فهذا تقرير التنبيه وباقي الفصل ظاهر # قال ولا شك في أن القول بتقرر لوازم الأول في ذاته قول بكون الشيء الواحد ~~فاعلا وقابلا معا وقول بكون الأول موصوفا بصفات غير إضافية ولا سلبية على ~~ما ذكره الفاضل الشارح يعني الرازي # وقول بكونه محلا لمعلولاته الممكنة المتكثرة تعالى عن ذلك علوا كبيرا ~~وقول بأن معلوله الأول غير مباين لذاته وبأنه تعالى لا يوجد شيئا مما ~~يباينه بذاته بل بتوسط الأمور الحالة PageV10P040 ~~فيه إلى غير ذلك مما يخالف الظاهر من مذاهب الحكماء والقدماء القائلين بنفي ~~العلم عنه تعالى وأفلاطن القائم بقيام الصور المعقولة بذاتها والمشاؤون ~~القائلون باتحاد العاقل بالمعقول إنما ارتكبوا تلك المحالات حذرا من التزام ~~هذه المعاني # قال ولولا أني اشترطت على نفسي في صدر هذه المقالات أني لا أتعرض لذكر ما ~~أعتمده فيما أجده مخالفا لما أعتقده لبينت وجه التقصي عن هذه المضايق ~~وغيرها بيانا شافيا لكن الشرط أملك ومع ذلك فلا أجد في نفسي رخصة أن لا ~~أشير في هذا الموضع إلى شيء من ذلك أصلا فأشرت إليه إشارة خفيفة يلوح الحق ~~منها لمن هو ميسر لذلك # قال فأقول العاقل كما لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته ~~التي بها هو هو فلا يحتاج أيضا في إدراك ما يصدر عن ذاته لذاته إلى صورة ~~غير صورة ذلك الصادر التي بها هو هو واعتبر من نفسك أنك تعقل شيئا بصورة ~~تتصورها أو تستحضرها فهي صادرة عنك لا بانفرادك مطلقا بل بمشاركة PageV10P041 ~~ما من عيرك ومع ذلك فأنت لا تعقل تلك الصورة بغيرها بل كما تعقل ذلك الشيء ~~بها كذلك تعقلها أيضا بنفسها من غير أن تتضاعف الصور فيك بل ربما تتضاعف ~~اعتباراتك المتعلقة بذاتك وبتلك الصورة فقط على سبيل التركب وإذا كان حالك ~~مع ما يصدر عنك بمشاركة غيرك لك هذه الحال فما ظنك بحال العاقل مع ما يصدر ~~عنه لذاته من غير مداخلة غيره فيه # قال ولا تظنن أن كونك محلا لتلك الصورة شرط ms2088 في تعقلك إياها فإنك تعقل ~~ذاتك مع كونك لست بمحل لها بل إنما كان كونك محلا لتلك الصورة شرطا في حصول ~~تلك الصورة الذي هو شرط في تعقلك إياها فإن حصلت تلك الصورة لك بوجه آخر ~~غير الحلول فيك حصل التعقل من غير حلول فيك # ومعلوم أن حصول الشيء لفاعله في كونه حصولا لغيره ليس دون حصول الشيء ~~لقابله فإذن المعلولات الذاتية PageV10P042 ~~للعاقل الفاعل لذاته حاصلة من غير أن تحل فيه فهو عاقل إياها من غير أن ~~تكون هي حالة فيه # وإذ تقدم هذا فأقول قد علمت أن الأول عاقل لذاته من غير تغاير بين ذاته ~~وبين عقله لذاته في الوجود إلا في اعتبار المعتبرين على ما مر وحكمت بأن ~~عقله لذاته علة لعقله لمعلوله الأول فإذا حكمت بكون العلتين أعني ذاته ~~وعقله لذاته شيئا واحدا في الوجود من غير تغاير فاحكم بكون المعلولين أيضا ~~أعني المعلول الأول وعقل الأول له شيئا واحدا في الوجود من غير تغاير يقتضي ~~كون أحدهما مباينا للأول والثاني متقررا فيه وكما حكمت بكون التغاير في ~~العلتين اعتبارا محضا فاحكم بكونه في المعلولين كذلك فإذن وجود المعلول ~~الأول هو نفس تعقل الأول إياه من غير احتياج إلى صورة مستأنفة تحل ذات ~~الأول تعالى عن ذلك # ثم لما كانت الجواهر العقلية تعقل ما ليس بمعلولات لها بحصول صور فيها ~~وهي تعقل الأول الواجب ولا موجود إلا وهو معلول للأول الواجب كانت جميع صور ~~الموجودات الكلية والجزئية على ما هي عليه في الوجود حاصلة فيها PageV10P043 ~~والأول الواجب يعقل تلك الجواهر مع تلك الصور لا بصور غيرها بل بأعيان تلك ~~الجواهر والصور وكذلك الوجود على ما هو عليه فإذن لا يعزب عنه مثقال ذرة من ~~غير لزوم محال من المحالات المذكورة # قال فهذا أصل إن حققته وبسطته انكشفت لك كيفية إحاطته تعالى بجميع ~~الأشياء الكلية والجزئية إن شاء الله تعالى و{ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~} سورة المائدة 54 ولولا أن تلخيص هذا البحث على هذا الوجه ms2089 الشافي يستدعي ~~كلاما بسيطا لا يليق أن نورد أمثاله على سبيل الحشو لذكرت ما فيه كفاية لكن ~~الاقتصار هنا على هذا الإيماء أولى # قلت فليتدبر العاقل الذي هداه الله تعالى وفهمه ما جاءت به الرسل وما ~~قاله غيرهم كلام هذا الذي هو رئيس طائفته في وقته وما قرر به كلام سلفه ~~الملحدين في علم الله تعالى لما كان ابن سينا وهو أفضل متأخريهم قد قال في ~~ذلك بعض الحق الذي يقتضيه العقل الصريح مع موافقته للنقل الصحيح فأراد هذا ~~الطوسي أن يرد ما قاله ابن سينا من الحق انتصارا لطائفته الملاحدة فقال في ~~الكلام الذي عظم قدره وتبجح به ما يظهر PageV10P044 ~~لمن فهمه أنه من أفسد أقوال الآدميين وأشبه الأشياء بأقوال المجانين # ولا ريب أن هذه عقول كادها باريها لما ألحدت في صفات الله تعالى وأرادت ~~نصر التعطيل وقعت في هذا الجهل الطويل فجعل نفس الحقائق المعلومة الموجودة ~~المباينة للعالم هي نفس علم العالم بها ولا ريب أن هذا أفسد من قول من جعل ~~العلم نفس العالم كما يقوله طائفة من النفاة كابن رشد ونحوه وقول أبي ~~الهذيل خير منه # ولا ريب أن من جعل نفس المخلوقات نفس علم الخالق بها فقد أتى من السفسطة ~~بما هو من أعظم الأشياء فرية على الخالق تعالى وعلى مخلوقاته وما هو من ~~أظهر الأقوال فسادا عند كل من تدبره # والحمد لله الذي جعل أقوال الملحدين يظهر فسادها لكل ذي عقل كما علم ~~إلحادهم كل ذي دين هذا مع تعظيم أتباعهم لهم ونسبتهم لهذا ونحوه إلى ~~التحقيق في المعارف الحكمية والعلوم الإلهية # ثم إن هذه اللوازم الظاهرة لفساد بناها على مقدمة استسلفها ممن سلمها له ~~من أشباهه وأقرب الأشياء شبها بهذا القول قول أهل الوحدة الذين يقولون وجود ~~المخلوق عين وجود الخالق PageV10P045 ~~فإن أولئك جعلوا الوجودين وجودا واحدا وهذا جعل نفس علم الخالق ووجود ~~المخلوق شيئا واحدا فتلك وحدة في وجوده وهذه وحدة في علمه مع وجود ~~المخلوقات # ولا ريب أن قول النصارى بالاتحاد ms2090 والحلول أقرب إلى المعقول من قول هؤلاء ~~فإن أولئك يجعلون الكلمة التي هي عندهم جوهر قد تجدد له اتحاد بالمسيح ~~وهؤلاء جعلوا نفس علمه اللازم له الذي لم يزل ولا يزال هو نفس المخلوقات كلها # ونحن نبين فساد مقدماته التي استسلفها وفساد نتائجه التي استنتجها # أما قوله العاقل كما لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته التي ~~بها هو هو فلا يحتاج أيضا في إدراك ما يصدر عن ذاته بذاته إلى صورة غير ~~صورة ذلك الصادر التي بها هو هو # فيقال كلا المقدمتين ممنوع فلا نسلم أنه لايحتاج في إدراك ذاته إلى صورة ~~غير صورة ذاته ولا نسلم أنه إذا كان كذلك لا يحتاج في إدراك ما يصدر عنه ~~إلى صورة غير صورة الصادرة عنه # والمقدمة الأولى له فيها سلف وعليها بنى طائفة من الفلاسفة المتقدمين ~~والمتأخرين كالسهروردي المقتول كلامهم في مسألة PageV10P046 ~~العلم وإن كان جماهير العقلاء من بني آدم يقولون إن فساد هذا معلوم ~~بالضرورة # حتى قال الرازي وأعلم أنه لولا ولوع الناس بكل كلام هائل لا اليخلصون ~~حقيقته لما احتيج إلى الكلام على قولهم إن الشيء الأحدى الذات عقل وعاقل ~~ومعقول من غير تعدد صفاته وأما هذه الثانية فما علمت له فيها سلفا # فنقول في الأولى التي ذهب إليها بعض سلفه لم قلت إن العالم إذا علم نفسه ~~لم يكن علمه بنفسه إلا مجرد نفسه وما الدليل على ذلك وهل هذه إلا مجرد الدعوى # ثم إنها دعوى معلومة الفساد بالضرورة وبالأدلة فإن الإنسان حاله قبل أن ~~يعرف نفسه خلاف حاله إذا عرفها يعلم أنه حصل له علم لم يكن مع أن نفسه لم ~~تزل ويعلم أنه إذا قال علمت نفسي كان في هذا قدر زائد على قوله كانت نفسي # وإذا قال علمي بنفسي موجود علم أن هذا زائد على قوله نفسي موجودة وقوله ~~علمت نفسي كقوله أحببت نفسي وظلمت نفسي ورأيت نفسي فهل يكون حبه لها وظلمه ~~لها ورؤيته لها هو ذاتها # ومن الأقوال المشهورة ms2091 عند الناس من عرف نفسه عرف ربه فلو كانت معرفته ~~بنفسه هو نفسه لكان كل أحد عارفا بنفسه وبربه PageV10P047 # ثم إن العاقل يتبين له كل وقت من أحوال نفسه ما لم يكن متبينا له قبل ذلك ~~فيزداد عقلا ومعرفة وتبينا لنفسه ويجد ذلك فيه وجودا ضروريا كما يجد علومه ~~الضرورية فكيف يكون علمه بنفسه ليس فيه زيادة على مجرد نفسه التي كانت قبل ~~العلم بها # وقول القائل العاقل لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته التي بها هو # يقال له من المعلوم بالضرورة أن إدراك ذاته ليس هو عين ذاته بل إذا قدر ~~ذاته بدون إدراكها وقدر ذاته مع إدراكها كان إدراكها قدرا زائدا على ذاته ~~بدون إدراكها وهذا الإدراك غير الذات الخلية عن إدراك فهذا معلوم بالحس ~~والضرورة # ثم إن كان القائل ممن يقول الإدراك هو انطباع صورة المعقول في العاقل أو ~~يقول الإدراك هو نفس تلك الصورة أو هو إدراك تلك الصورة أو يقول ليس هناك ~~صورة بل الإدراك علم بالمدرك بلا صورة أو يقول هو نسبة بين المدرك والمدرك ~~بلا صورة فأي قول في هذه الأقوال قاله فلا بد له أن يجعل الإدراك ليس هو ~~المدرك فليس العلم هو نفس المعلوم كما أنه PageV10P048 ~~ليس هو العالم بل يعقل بالضرورة الفرق بين العالم والمعلوم والعلم كما يعقل ~~الفرق بين المريد والمراد والإرادة والمرئي والرائي والرؤية والمسموع ~~والسامع والسمع والمحبوب والمحب والمحبة # لكن إن كان الواحد هو العالم والمعلوم والمحب والمحبوب بحيث يقال إنه ~~يعرف نفسه ويحب نفسه فهنا مع كونها العالم والمعلوم والمحب والمحبوب فليس ~~علمها بنفسها وحبها نفسها هو ذات نفسها بل يمكن تقديرها غير عالمة بنفسها ~~ولا محبة لنفسها ويمكن تقديرها مع علمها وحبها # ويعلم أنه مع تقديرها الوجود هناك أمر موجود زائد على تقدير العدم هذا مع ~~أن جهة كونه عالما غير جهة كونه معلوما وإن كانت الذات واحدة وأما نفس ~~العلم فليس هو لا ذات العالم ولا ذات المعلوم # وقول القائل ms2092 الشيء لايضاف إلى نفسه كلام مجمل فإن عنى به أنه لا يضاف في ~~اللفظ فهذا ليس بحثا عقليا مع أنه ممنوع فإنه قال نفسه وذاته وليس الكلام في هذه # وإن أراد بذلك ما نحن فيه وهو أن ذاته لا تتعلق بها الصفات الثبوتية ~~الإضافية كالعلم والحب والظلم فلا يكون عالما بنفسه ولا محبا لها ولا ظالما ~~لها فهذا مكابرة # ثم لو قدر أن إدراكه لذاته ليس فيه صورة عقلية غير صورة ذاته التي بها هو ~~فلم قلت إنه يلزم مثل ذلك في إدراك كل PageV10P049 ~~شيء والذين فرقوا قالوا ذاته لا تضاف إلى ذاته وهذا الفرق منتف فيما سواهما # قالوا ليس بينه وبين ذاته واسطة أقرب من ذاته إلى ذاته وهذا منتف فيما ~~سوى ذاته # وقالوا العلم هو العالم وليس هو المعلوم فعلمه بذاته هو نفس ذاته بخلاف ~~علمه بغيره # وبالجملة فهم قد ذكروا فروقا إن كانت صحيحة بطل الجمع وإن كانت باطلة منع ~~الحكم في الأصل # أما كون الحكم في الأصل يوجد مسلما مع قياس العلم بما سواه على العلم ~~بنفسه في أن كل عالم بمعلوم هو نفس المعلوم وليس هناك علم زائد على المعلوم ~~فهذا مردود بصريح العقل ومجرد تصوره التام كاف في العلم بفساده # الوجه الثالث أن يقال قوله فلا يحتاج في إدراك ما يصدر عن ذاته بذاته إلى ~~صورة غير صورة ذلك الصادر التي بها هو هو قضية معلومة الفساد بالضرورة فإن ~~الإنسان يجد من نفسه أنه إذا أراد أن تصدر عنه صورة خارجية من قول أو فعل ~~فإنه يتصور في ذهنه ما يريد أن يظهره قبل أن يظهره ويميز بين الصورة التي ~~في ذهنه وبين ما يظهره بقوله وفعله PageV10P050 # والفلاسفة مع سائر العقلاء متفقون على هذا ويقولون أول الفعلة آخر العمل ~~وأول البغية آخر الدرك ويقولون العلة الغائية هي أول في التصور آخر في ~~الوجود وجمهور العقلاء يقولون السابق هو تصور العلة الغائية وإرادتها # وأما ابن سينا ونحوه من الفلاسفة فيقولون بل نفس العلة هي السابقة ms2093 في ~~الذهن ويقولون العلة الغائية علة فاعلية للعلة الفاعلية # وجمهور العقلاء لا يجعلونها علة فاعلية بل يقولون تصور الفاعل لها ~~وإرادته لها به صار فاعلا فلولا تصور الغاية والإرادة لها لما كان فاعلا ~~فتصورها وإرادتها شرط في كون الفاعل فاعلا وهي مقدمة في التصور والإرادة ~~وإن تأخرت في الوجود # ففي الجملة العاقل الفاعل فعلا باختياره يتصور ما يريد أن يفعله في نفسه ~~ثم يوجده في الخارج فتلك الصورة الموجودة في الخارج بفعله ليست هي الصورة ~~المعقولة في ذهنه كمن أراد أن يصنع شكلا مثلثا أو مربعا أو يصنف خطبة أو ~~يبني دارا أو يغرس شجرا أو يسافر إلى مدينة فإنه يتصور ما يريده ابتداء ~~فتكون له صورة عقلية في نفسه قبل صورته التي توجد في الخارج وهو معنى قولهم ~~أول البغية آخر الدرك أي أول ما تبغيه فتريده وتطلبه هو آخر ما تدركه وتناله PageV10P051 # وهذا العلم هو العلم الفعلي المشروط في الفعل وعلم الرب عندهم فعلي فكيف ~~يكون نفس علمه به هو نفس المعلوم الذي أبدعه في الخارج وهل يقول هذا من ~~يتصور ما يقول # الوجه الرابع قوله واعتبر من نفسك أنك تعقل شيئا بصورة تتصورها أو ~~تستحضرها فهي صادرة عنك لا بانفرادك مطلقا بل بمشاركة ما من غيرك ومع ذلك ~~فأنت لا تعقل تلك الصورة بغيرها بل كما تعقل ذلك الشيء بها كذلك تعقلها ~~بنفسها من غير أن تتضاعف الصور فيك إلى قوله وإذا كان حالك مع ما يصدر عنك ~~بمشاركة غيرك هذه الحال فما ظنك بحال العاقل مع ما يصدر عنه لذاته من غير ~~مداخلة غيره فيه # فيقال له هذا تلبيس لا يروج إلا على جاهل أو متجاهل فإن هنا أمرين أحدهما ~~الشيء الموجود في الخارج وهذا هو الذي يقال إن تعقله ارتسام صورته في ~~العالم والثاني نفس الصورة العلمية التي في العاقل المطابقة لهذا المعلوم ~~فهذه الصورة لم يقل أحد إنها تفتقر إلى صورة أخرى فإن هذه هي العلم # وهم قالوا إن العلم صورة مطابقة للمعلوم والعلم ms2094 من حيث هو علم لا يجب أن ~~تكون له صورة غير نفسه في العقل تطابقه PageV10P052 ~~اللهم إلا إذا قيل إن ذلك العلم صار معلوما فتكون له صورة من حيث هو معلوم ~~لا من حيث هو علم # وقوله إنك تعقل شيئا بصورة تتصورها وتستحضرها فهي صادرة عنك وأنت لا تعقل ~~تلك الصورة بغيرها بل كما تعقل ذلك الشيء بها كذلك تعقلها أيضا بنفسها # فيقال قوله صادرة عنك إنما تعرف فيما يفعله الإنسان أما حصول الصورة ~~العلمية في نفسه فهذا قد يكون ضروريا حصل بغير فعل منه وإن كان نظريا فهو ~~ضروري بعد وجود سببه # ولهذا من يقول المتولدات ليست مكتسبة يجعل جمهورهم العلوم كلها ضرورية ~~كما قال أبو المعالي والمختار عندنا أن العلوم كلها ضرورية وحينئذ فلا تكون ~~تلك الصورة العقلية صادرة عنه بل هي حاصلة في ذاته بغير اختياره # وعلم الرب القديم اللازم لذاته كعلمه بنفسه لا يقال إنه صادر عنه ولا ~~مفعول له بل هو كحياته ولكن ما يتجدد من سمع وبصر وعلم بالكائن كائنا فهذا ~~من أثبته فإنه يمكن أن يجعله صادرا عنه # وأما علمه بالأشياء التي يريد أن يفعلها قبل فعلها فهذا للناس فيه كلام ~~بحسب تنازعهم في هذا الأصل # وعلى كل قول وبكل تقدير ليست صورة المعلوم التي خلقها PageV10P053 ~~وأبدعها هي نفس علمه به وإذا سمى العلم صورة عقلية فليس هذا هو ذاك # وإذا قيل إن عقل العاقل للصورة الموجودة لا يكون إلا بصورة عقلية لم نقل ~~إن الصورة العقلية لها صورة أخرى # ولكن للناس هنا نزاع وهو أن العلم بالعلم هل يحصل بالعلم أم لابد من علم ~~ثان وكذلك العلم الثاني هل يفتقر إلى ثالث فمن أثبت ذاك بطلت الحجة على ~~قوله ومن نفى ذاك قال العلم يعلم به غيره فلأن يعلم هو بنفسه بطريق الأولى ~~كالنور الذي يرى به غيره ويرى هو بنفسه فلا يلزم إذا احتاج ما ليس بعلم إلى ~~صورة عقلية أن يحتاج نفس العلم إلى صورة عقلية غير العلم بل من ms2095 علم شيئا ~~علما تاما علم أنه عالم ومن نصر القول الأول يقول قد يعلم المعلوم ويذهل عن ~~كونه عالما به # فإن قيل هذا لايتصور في حق الله تعالى فإنه يعلم المخلوقات ويعلم أنه ~~عالم بها فإذا كان العلم بكونه عالما ليس هو العلم بالمعلوم المنفصل لزم ~~وجود علوم لا تتناهى # وهذا هو الذي احتج به الطوسي فيقال علمه بنفسه يوجب كونه عالما بصفاتها ~~ومن صفاتها كونه عالما بهذا وهذا فعلمه بنفسه يتضمن العلم بكونه عالما ~~بالمعلومات وهذا العلم ليس هو العلم بالمعلومات المخلوقات لكن هو مستلزم له ~~فعلمه تعالى بنفسه مستلزم للعلم بجميع صفاته يمتنع وجود أحدهما دون الآخر PageV10P054 ~~فليس هناك علمان متباينان بخلاف علمه ومخلوقه المعلوم فإن هذا مباين لهذا # والعلم محله نفسه المقدسة والمخلوق ليس بمباين له فكيف يكون هو إياه وهو ~~سبحانه يعلم الشيء قبل وجوده فيكون العلم به موجودا والمعلوم لم يوجد بعد # وهذا بخلاف علمه وعلمه بعلمه فإنه يمتنع وجود أحدهما دون الآخر فيمكن أن ~~يقال علمه بنفسه يتضمن العلم بعلمه فلا يوجد بدونه كما يوجد علمه ~~بالمخلوقات قبل وجود المخلوق # الوجه الخامس قوله بل ربما تتضاعف اعتباراتك المتعلقة بذاتك وبتلك الصورة ~~فقط على سبيل التركب # فيقال تضاعف هذا الاعتبار هو الذي يريده من يقول بتضاعف الصور فإن ~~مقصودهم أن العلم بالعلم بالشيء ليس هو العلم بالشيء ثم كون العلم صورة ~~المعلوم في العالم أو إدراك الصورة أو إدراكه بلا صورة أو نسبة أو غير ذلك ~~نزاع في حقيقة العلم # والمقصود هنا أن علم العالم بالمعلوم ليس هو المعلوم وهو يريد أن يقرر أن ~~العلم بالمعلوم عين المعلوم كما أن العلم بالعلم بالمعلوم هو نفس العلم ~~المعلوم وجوابه إما بالمنع وإما بالفرق PageV10P055 # فإن كان العلم بالعلم زائدا على العلم منع الحكم في الأصل وإن لم يكن ~~زائدا فالفرق حاصل وهو يريد التسوية بين العلم بالعلم وبين العلم بالمعلوم # ونقول إذا كان ذاك المعلوم هو نفس العلم فكل معلوم نفس العلم وكلا ~~المقدمتين ممنوعة ولقد قدر ms2096 أنه لم تنحل هذه الشبهة فنحن نعلم علما ضروريا ~~أن هذا سفسطة وأن من جعل نفس المعلوم الموجود المخلوق هو نفس علم العالم به ~~فهو مكابر جاحد للخالق # الوجه السادس قوله ولا تظنن أن كونك محلا لتلك الصورة شرط في تعقلك إياها ~~فإنك تعقل ذاتك مع أنك لست بمحل لها بل إنما كان كونك محلا لتلك الصورة ~~شرطا في حصول تلك الصورة لك الذي هو شرط في تعقلك إياها فإن حصلت تلك بوجه ~~آخر غير الحلول فيك حصل التعقل من غير حلول # فيقال هنا صورتان الصورة الموجودة في الخارج والصورة المعقولة المطابقة ~~لتلك المسماة بالعلم # فإن أريد أن كونه محلا للصورة العقلية ليس شرطا في تعقل PageV10P056 ~~الصورة العقلية فهذا باطل فإن تعقلها لا يكون إلا بحصولها له والصورة ~~العقلية لا تحصل له إلا إذا قامت به بل الصورة العقلية لا تكون إلا حالة في ~~الإنسان لا تكون حاصلة له بدون الحلول أبدا # وكذلك كل عالم لا بد ان يكون العلم قائما به وحصول العلم للعالم بدون ~~قيامه به ممتنع فإن العلم لا يقوم بنفسه ولو قدر قيامه بنفسه لم تختص به ~~ذات دون ذات فلا تكون الذات عالمة علما إن لم يكن ذلك العلم قائما بها # وهذا مما رد به على جهم حيث قال إن الرب عالم بعلم لا يقوم به لامتناع ~~قيام الصفات به # كما رد به على البصريين من المعتزلة قولهم مريد بإرادة لا تقوم به # وقول هذا الطوسي شر من قول جهم فإن جهما وإن قال إنه عالم بعلم لا يقوم ~~به فالعلم عنده ليس هو المعلوم # وهذا يجعله عالما بعلم منفصل عنه ويجعل العلم هو المعلوم # فإن حقيقة قول النفاة للصفات من الفلاسفة من جنس قول النفاة لها من ~~الجهمية فيشتركان في التعطيل ويفترقان في مسائل الحدوث والقدم # ولهذا وصى ابن سينا بملازمة قول النفاة للصفات فإن القول بالحدوث ممتنع ~~على أصلهم فالنفي حجة له عليهم بخلاف مثبتة PageV10P057 ~~الصفات فإن فساد قول الدهرية على قولهم ظاهر ms2097 # وإن أراد أن تعقل الموجود في الخارج ليس مشروطا بحصول الصورة العقلية فقد ~~اعترف هو بثبوت الصورة العقلية وادعى أنها صورة المفعول # ثم نقول مقصودنا لا يتوقف إلا على إثبات علم قائم بالعالم سواء سمي صورة ~~عقلية أو لم يسم فعقل الوجود في الخارج لا يكون إلا إذا قام بالعاقل عقل له ~~وذلك العقل ليس هو العقل الموجود في الخارج المباين للعاقل وإذا سمي ذلك ~~العقل صورة عقلية وقيل إن التعقل ليس مشروطا بها كان معناه أن وجود العلم ~~ليس مشروطا بوجود العلم # ومعلوم أن الشيء لا يثبت بدون لازمه فكيف يثبت الشيء مع انتفائه وهل هذا ~~إلا جمع بين النقيضين وجوده وعدمه # وحينئذ فكون العالم محلا للعلم شرط في حصول العلم فإن حصول العلم للعالم ~~بدون اتصافه به وقيامه به ممتنع فلا يكون العقل الذي هو العلم حاصلا للعاقل ~~إلا إذا كان العاقل الذي هو العالم محلا لذلك العقل الذي هو العلم كما أن ~~المحب لا يكون محبا إلا إذا كانت المحبة قائمة به وكذلك في الإرادة والكلام ~~وسائر الصفات # وهذا أصل مطرد لأهل السنة أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك ~~المحل ولم يتصف بتلك الصفة غير ذلك المحل PageV10P058 # ولهذا قالوا لو كان كلام الله مخلوقا لكان المتكلم به هو المحل الذي خلق ~~فيه وطرد أئمتهم وجمهورهم هذا في الصفات الفعلية وآخرون كالأشعري ونحوه ~~فرقوا بينهما فرقا كانوا به متناقضين عند جمهور الناس من المثبتة والنفاة # وأما من يقول عالم لا بعلم يقوم به ومريد لا بإرادة تقوم به ومتكلم لا ~~بكلام يقوم به فهذا كلام الجهمية النفاة ومن وافقهم من المعتزلة # وهذا الطوسي وأمثاله هم الجهمية النفاة المتفلسفة الملاحدة وهو في ~~التعطيل شر من المعتزلة وغيرهم # وكذلك ابن سينا وأمثاله هم من أتباع الملاحدة النفاة وكان هذا الطوسي من ~~أعوان الملاحدة الذين بالألموت ثم صار من أعوان المشركين الترك لما استولوا ~~على البلاد # وكذلك ابن سينا وقد ذكر سيرته فيما ذكره عنه أصحابه فذكر أن ms2098 أباه كان ~~بلخيا وأنه تزوج بقرية من قرى بخارى في أيام نوح بن منصور بامرأة منها فولد ~~بها وأنهم انتقلوا إلى بخارى PageV10P059 # قال وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين ومقدمهم وقد سمع منهم ذكر النفس ~~والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم وكذلك أخي وكانا ربما تذاكروا ~~ذلك بينهم وأنا أسمعهم وأدرك ما يقولونه وابتدأوا يدعونني إليه ويجرون على ~~ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهند ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله ~~الناتلي وكان يدعي الفلسفة وأنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه # ثم ذكر قراءته عليه المنطق وإقليدس والمجسطي # ومعلوم عند كل من عرف دين الإسلام أن المصريين بنى عبيد الباطنية كالحاكم ~~وأمثاله الذين هم سادة أهل بيته من أعظم الناس نفاقا وإلحادا في الإسلام ~~وأبعد الناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم نسبا ودينا بل وأبعد الناس عن ~~تصريح المعقول وصحيح المنقول فليس لهم سمع ولا عقل PageV10P060 # وقولهم في الصفات صريح قول جهم بل وشرا منه وزادوا عليه من التكذيب بالحق ~~والبعث والشرائع ما لم يقله الجهم تلقيا عن سلفهم الدهرية وأخذوا ما نطق به ~~الرسول في الإيمان بالله واليوم الآخر والشرائع فجعلوا لها بواطن يعلم ~~علماء المسلمين بالاضطرار أنها مخالفة لدين الرسول صلى الله عليه وسلم # فأصحاب الإشارات هم من جنس هؤلاء لكن يتفاوتون في التكذيب والإلحاد # وأما قوله فإنك تعقل ذاتك ولست بمحل لها # فيقال ليس من شرط الموجود المعلوم أن يكون هو نفسه حالا في العالم بل أن ~~يكون العلم به حالا في العالم ومن عرف نفسه فلا بد أن يقوم في نفسه علم ~~بنفسه فيكون العلم بنفسه حالا في نفسه لا أن تكون نفسه حالة في نفسه ولكن ~~هو يريد أن يسوي بين العلم والمعلوم فيجعل ما لا يشترط في المعلوم لا يشترط ~~في العلم ويجعل العلم نفس المعلوم وهذا باطل كما تقدم # الوجه السابع قوله بل إنما كان كونك محلا لتلك الصورة شرطا في حصول تلك ~~الصورة لك الذي هو شرط في تعقلك إياها ms2099 فإن حصلت تلك الصورة لك بوجه آخر غير ~~الحلول فيك حصل التعقل من غير حلول فيك # هذا كلام متناقض فإن كونه محلا لتلك الصورة إذا كان PageV10P061 ~~شرطا في حصول تلك الصورة امتنع وجود المشروط بدون شرطه فلا تحصل الصورة له ~~إلا بحلولها فيه لأن الحلول شرط فيها فدعواه بعد هذا أنه يمكن حصولها له ~~بدون الحلول جمع بين النقيضين # وكان ينبغي أن يقول إنما كان كونك محلا للصورة سببا في حصولها لك والحصول ~~يحصل بهذا السبب تارة وبغيره أخرى ومع هذا فلو قال ذلك كان باطلا أيضا لكن ~~هو يعلم أن هذا الحلول شرط في تعقل العبد وإنما يدعي أنه ليس بشرط في علم الرب # الوجه الثامن أن يقال حصول العلم للعالم بدون قيامه به ممتنع فإذا كانت ~~الصورة العقلية هي العلم أو كان العلم مستلزما لها لا يوجد إلا بوجودها ~~لكونها شرطا فيه امتنع حصول العلم وحصول الصورة العقلية التي هي العلم أو ~~شرطه أو لازمه للعالم بدون حلولها فيه كما يمتنع مثل ذلك في سائر صفات الحي ~~فيمتنع أن يحصل له علم أو قدرة أو حب أو بغض أو رضى أو سخط أو فرح أو ألم ~~أو لذة أو غير ذلك من صفات الحي بدون حلول ذلك في الحي ولا يحصل ذلك له إلا ~~بحلوله فيه لا مع وجوده مباينا له # الوجه التاسع أن يقال مراده بالصورة الحاصلة بلا حلول إن كان هو مجرد ~~الصورة الموجودة وهو لم يرد ذلك كان PageV10P062 ~~حقيقته أن العلم يحصل بمجرد وجود المعلوم فلا يكون هنا علم قائم بالعالم ~~ولا صورة عقلية وهذا مع ظهور فساده فهو يسلم بطلانه في العبد ويقول إن كونه ~~محلا لتلك الصورة شرط في حصول تلك الصورة الذي هو شرط في تعقله إياها فيجعل ~~الحلول شرطا في الحصول الذي هو شرط في التعقل ويثبت الصورة العقلية القائمة ~~بقلب الإنسان فيمتنع أن يريد بالصورة الحاصلة بلا حلول الصورة العقلية ~~الحاصلة للإنسان # وإن أراد بذلك الصورة الموجودة فلا ريب أنها ms2100 تحصل من غير حلول بل الحلول ~~فيها ممتنع لكن يقال ليس في مجرد حصولها للإنسان ما يوجب أن يكون الإنسان ~~عاقلا لها إذا لم يكن في نفسه علم بها بل الحصول الخالي عما يقوم بالعالم ~~من العلم ليس معه علم ضرورة فإن ادعى حصول الصورة العقلية بلا حلول فيمتنع ~~وإن ادعى حصول الصورة الموجودة بلا حلول فهو ممكن لكن وجود العلم بمجرد ذلك ~~من غير شعور يقوم بالشاعر بها ممتنع # وهذا أمر معلوم بالضرورة واتفاق العقلاء لكن هؤلاء القوم يدعون أن علم ~~الله بالأشياء بلا علم يقوم به ويسمونه عاقلا ويفرقون بين عقل وعقل مع جعل ~~العقل جنسا واحدا وهو تناقض بين وقول بلا علم بل مما يعلم بطلانه PageV10P063 # الوجه العاشر أن يقال قوله فإذا حصلت تلك الصورة بوجه آخر غير الحلول فيك ~~حصل التعقل من غير حلول فيك ومعلوم أن حصول الشيء لفاعله في كونه حصولا ~~لغيره ليس دون حصول الشيء لقابله # فيقال حصول الشيء لغيره بدون حلول فيه لفظ مجمل قد يراد به حصوله في ملكه ~~وقد يراد به حصوله عنده وفي يده وقد يراد به حصوله لينتفع به بوجه معاونا ~~له ومشاركا # فإنه يقال لك هذا المال وهذه الدار وهذا المملوك ويقال حصل لك هذا ~~لتستعيره أو تستأجره وقد يقال حصلت لك هذه المرأة لتتزوجها وهذا الرفيق أو ~~الشريك لترافقه وتشاركه وحصل لك هذا المعلم لتتعلم منه وحصل لك هذا العدو ~~في يديك وقبضتك وأمثال ذلك # ومعلوم أنه ليس في هذه الأنواع من الحصول ما يوجب أن يكون هذا الحصول ~~موجبا للعلم بدون شعور يقوم بالعالم بل إن لم يقم بالحي شعور قائم بنفسه ~~بما حصل له وإلا لم يكن شاعرا بها والشعور أول درجات العلم والعقل فمن لم ~~يكن شاعرا بالشيء كيف يكون عالما به وعاقلا له PageV10P064 # فقوله إذا حصلت تلك الصورة بوجه غير الحلول فيك حصل التعقل من غير حلول ~~فيك كلام لا دليل عليه وهو باطل ويكفيه المنع المجرد وهو أن يقال لا نسلم ms2101 ~~أن الحصول الخالي عن حلول يكون تعقلا من غير حلول أو يوجب التعقل من غير ~~حلول ونعني بالحلول ما بيناه من حلول نفس الشعور بالشاعر سواء كان هناك ~~صورة عقلية أو لم يكن فكيف وقد رأينا الحصول من غير شعور لا يكون علما في ~~عامة أنواع الحصول # الوجه الحادي عشر قوله ومعلوم أن حصول الشيء لفاعله في كونه حصولا لغيره ~~ليس دون حصول الشيء لقابله فإذن المعلولات الذاتية للعاقل الفاعل لذاته ~~حاصله من غير أن تحل فيه فهو عاقل إياها من غير أن تكون هي حالة فيه # يقال له لا ريب أن كونها مفعولة مخلوقة فيه مغاير لكونها قائمة به لكن ~~يجب أن نعرف أنه لم يقل عاقل إن العلم بالمخلوقات يقتضي حلول المخلوقات ~~بذات الخالق كما أن خلقه لها نفس إبداع ذواتها فلم يقل عاقل إن الذي هو ~~مخلوق مفعول هو نفس الذي هو حال مقبول حتى نفرق بينهما بأن أحدهما PageV10P065 ~~حصول للفاعل والآخر حصول للقابل بل الحاصل للفاعل هو نفس الأشياء المخلوقة ~~كالسماوات والأرض وما بينهما وأما القبول القائم بالقابل فهو العلم بها ~~الذي يسمونه صورة عقلية لا نفسها الموجودة # ولا يقول عاقل يتصور ما يقول إن العلم حصول نفس الموجودات في العالم فإن ~~كل عاقل يعلم أنه إذا علم النار والشمس والقمر لم تكن هذه الحقائق في نفسه ~~وإن قدر أن أحدا قال ذلك أو قال إن الحاصل في نفسه مثل حقائقها الموجودة في ~~الخارج في الحد والحقيقة حتى يقول إن من علم الشمس صار في نفسه شمسا مساوية ~~في الحد والحقيقة للشمس التي في السماء ومن علم النار حصل في نفسه نار ~~مساوية في الحقيقة للنار التي تحرق فهذا القول ظاهر الفساد # وإنما الذي قد يقال إنه تحصل صورة عقلية تطابق تلك الحقيقة مطابقة ما في ~~النفس لما في الخارج ولهذا يمثلون ذلك بمطابقة الوجه لما في المرآة # فنقول حصول الصورة العلمية في العالم كحصول الصورة المرئية في المرآة أو ~~في الماء ونحو ذلك ومعلوم أنه ms2102 لم تحل في المرآة والماء نفس الشمس والوجه ~~ولا ما يساويهما في الحد والحقيقة ولكن صورة تحكيهما وليست هذه الصورة ~~كالصورة التي تحصل في الشمع والطين من طبع الخاتم والرسم فإن تلك عرض منقوش ~~حل في جسم يشبه الآخر بخلاف ما في المرآة فإنه PageV10P066 ~~عرض والشمس والوجه جسم وكذلك العلم الذي في القلب والمعلوم القائم بنفسه ~~كالسماء والأرض جواهر فليس هذا مثل هذا # وبالجملة فنحن ليس غرضنا في هذا المقام إلا إثبات قيام العلم بالعالم ~~فإنه أمر معلوم بالضرورة إذ كل أحد يميز بين شعوره بالشيء وعدم شعوره به # اما كون ذلك بانطباع صورة عقلية مطابقة أو مشابهة أو غير ذلك فليس هذا ~~موضع الكلام فيه إذ المقصود هنا أن ذلك العلم هو المسمى بالصورة العقلية ~~وهو حال في العالم # وليس هذا هو الصورة الموجودة في الخارج ولا فاعل هذا فاعل ذاك ولا قابل ~~هذا هو قابل ذاك فإن العلم بقلبه قلب العالم فهو صفة قائمة بالعالم وفاعله ~~هو ما أحدثه فيه # وعلم الله القديم اللازم لذاته قائم به وليس له فاعل وإن كان له موصوف به ~~يسمى محلا ويسمى قابلا # وأما الصورة الموجودة في الخارج فالله سبحانه خالقها والإنسان قد يكون له ~~فعل في بعض الصور ومحلها إن كانت عرضا الجسم الذي قامت به كما أن محل ~~الصياغة هو الذهب والفضة ومحل النجارة هو الخشب ومحل صورة الدرهم والدينار ~~والخاتم هو الذهب والفضة ومحل الخياطة الثوب ومحل النساجة الغزل وأمثال ذلك PageV10P067 # فقول القائل حصول الشيء لفاعله غير حصوله لقابله يقتضي أن الشيء الحاصل ~~للفاعل هو الشيء الحاصل للقابل وإنما اختلف الحصولان # وليس كذلك فإن حصول الشيء لفاعله هو حصول نفسه المخلوقة الموجودة كحصول ~~العالمين لرب العالمين فإن كل المخلوقات حاصلة له حصول المفعول لفاعله بل ~~حصولا لا يماثله فيه أحد فإن أحدا لا يخلق كخلقه # وأما حصول المقبول لقابله فإنما المراد به هنا حصول العلم بهذه المخلوقات ~~للعالم بها فإن العلم يحصل له حصول المقبول لقابله لا يراد به ms2103 أنها نفسها ~~حصلت له حصول المقبول لقابله بحيث حلت فيه وكان محلا لها فهذا هذا # الوجه الثاني عشر أن يقال وإذا كان هذا الحصول غير هذا الحصول فأي مقصود ~~يحصل لك بذلك وأي دليل في ذلك على أن المعلولات التي هي المخلوقات إذا كانت ~~حاصلة للخالق الذي خلقها من غير أن يقوم به شعور بها أصلا بل ذاته مع عدم ~~العلم بها كذاته مع وجود العلم بها فيكون عالما بها من غير حلول الشيء فيه # وقوله فهو عاقل إياها من غير أن تكون حالة فيه # يقال له لم يشترط أحد حلول ذواتها فيه فإن كان هذا الشخص رد قول من أدخل ~~فيه ما يماثلها في الحد والحقيقة فنحن نساعده على ذلك ولا حاجة إلى ما ذكره PageV10P068 # ولم يقل أحد من المسلمين إن الله لا يعلم المخلوقات حتى تحل في ذاته أو ~~يحل في ذاته ما هو مماثل في الحقيقة لهذه المخلوقات فإن كان في سلفة ~~الملاحدة من قال نحو هذا فدونه وإياه واما سلفنا المسلمون فلم يقل أحد منهم ~~شيئا من هذا # وإن أراد بقوله من غير أن تكون حالة فيه من غير أن يقوم به علم بها بل ~~يكون حال ذاته مع العلم بها كحالها إذا قدر عدم العلم بها فهذا باطل معلوم ~~الفساد بالضرورة وإذا أثبت علما بجميع المخلوقات يتصف به الرب غير ~~المخلوقات المعلومة حصل المقصود في هذا المقام ويبقى المقام في تفصيل ذلك ~~له مقام آخر # الوجه الثالث عشر قوله وإذا تقدم هذا فأقول قد علمت أن الأول عاقل لذاته ~~من غير تغاير بين ذاته وبين عقله لذاته في الوجود لا في اعتبار المعتبرين ~~على ما مر وحكمت بأن عقله لذاته علة لعقله لمعلوله الأول فإذا حكمت بكون ~~العلتين أعني ذاته وعقله لذاته شيئا واحدا في الوجود من غير تغاير فاحكم ~~بكون المعلولين أيضا أعني المعلول الأول وعقل الأول له شيئا واحدا في ~~الوجود من غير تغاير يقتضي كون أحدهما مباينا للأول والثاني متقررا فيه ~~وكما ms2104 حكمت بكون التغاير في العلتين اعتبارا محضا فاحكم بكونه في المعلولين كذلك PageV10P069 # فيقال كلا المقدمتين ممنوعة باطلة التلازمية والاستثنائية المشبه والمشبه ~~به الأصل والفرع # أما قوله حكمت بكون ذاته وعقله لذاته شيئا واحدا في الوجود فهذا لم يحكم ~~به أحد من مثبتة الصفات الذين هم سلف الأمة وأئمتها وجماهيرها على تنوع ~~أصنافهم فلم يقل منهم أحد إن علمه بنفسه هو عين نفسه وإنما يحكي ما يشبه ~~هذا عن المعطلة الجهمية من أهل الكلام والفلسفة كابن رشد ونحوه بل علمه ~~بنفسه في كونه ليس هو نفسه كعلمه بسائر المعلومات فليس العلم نفس العالم ~~عند أحد من أهل الإثبات للصفات # ولكن هل يقال إنه غيره هذا فيه نزاع لفظي # منهم من يقول إن علمه غيره # ومنهم من يقول لا هو هو ولا هو غيره # ومنهم من يقول لا نقول لا هو هو ولا هو غيره فأنفيهما جميعا بل أقول ليس ~~هو إياه منفردا وأقول ليس هو غيره مفردا ولا أجمع بينهما فأقول لا هو هو ~~ولا هو غيره # وأما السلف والأئمة كأحمد بن حنبل وغيره فلم يقولوا شيئا من ذلك بل ~~امتنعوا من إطلاق القول بأنه غيره كما لم يطلقوا أنه هو ولم يقولوا إنه لا ~~هو هو ولا غيره فينفوهما جميعا لا مجتمعين ولا منفردين بل منعوا من إطلاق ~~لفظ الغير لأن لفظ الغير مجمل يراد به المباين ويراد به ما ليس هو إياه PageV10P070 # والجهمي إذا سأل أحدهم عن القرآن أهو الله أو غيره فإن قال هو غيره قال ~~كل ما هو غير الله مخلوق # ولهذا لما سألوا الإمام أحمد في المحنة عن القرآن أهو الله أو غيره وإذا ~~كان غيره كان مخلوقا عارضهم بالعلم فسكتوا وقد تكلم على لفظ الغير في الرد ~~على الجهمية # والقول الذي قبله قول الأشعري وطائفة والذي قبلهما قول القاضي أبي بكر ~~والقاضي أبي يعلى وطائفة والأول قول الكرامية وطائفة # ومما يدل على قول الأئمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف بغير ~~الله ms2105 فقد أشرك # وثبت عنه الحلف بعزة الله والحلف بقوله لعمر الله فلو كان الحلف بصفاته ~~حلفا بغير الله لم يجز فعلم أن الحالف بهما لم يحلف بغير الله ولكن هو حالف ~~بالله بطريق اللزوم لأن الحلف بالصفة اللازمة حلف بالموصوف سبحانه وتعالى PageV10P071 # وقول القائل الصفات زائدة على الذات ليس كقوله صفات الله زائدة على الله ~~لأن مسمى اسم الله يدخل في صفاته فإذا قال الله دخل فيه صفاته فإذا قال هي ~~غيره أوهم مباينة لله لم تدخل في اسمه # وأما لفظ الذات فقد يراد بها الذات التي يقدر أنها مجردة عن الصفات ~~والصفات زائدة على لفظ الذات # ولفظ الغيرين يراد بهما ما جاز مفارقة أحدهما الآخر وعلى هذا فالصفة ليست ~~مغايرة للموصوف ويراد بهما ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر وعلى ~~هذا فالصفة غير الموصوف والعلم غير العالم وهذا هو لغة هؤلاء فنخاطبهم بلغتهم # فإذا قال الأول عاقل لذاته من غير تغاير بين ذاته وبين عقله لذاته في الوجود # قيل هذا ممنوع بل عقله لذاته ليس هو ذاته بل هو مفهوم مغاير لمفهوم الذات ~~وإن كانا متلازمين واعتبار المعتبرين إن كان مطابقا للحقيقة وإلا كان خطأ # وكون الشيء لا يتميز عن الشيء من وجه لا يقتضي أنه لا يتميز عنه من وجه ~~آخر فالطعم لا يتميز عن اللون باللمس ولكن يتميز أحدهما عن الآخر بالرؤية ~~والذوق فلو قدرنا عدم القوة المميزة لم يمتنع الامتياز في نفس الأمر # وكذلك إذا قدرنا صفة لازمة لموصوفها لم نشعر بأحدهما PageV10P072 ~~منفكا عن الآخر لم يدل ذلك على أنهما شيء واحد في نفس الأمر # وكذلك الصفات العامة والخاصة في الموصوف الواحد مثل كون الإنسان حيوانا ~~وناطقا وكون الجسم جسما ونباتا وكون اللون سوادا وبياضا وإن لم يتميز هذا ~~من هذا ببعض أنواع الإدراك فإنه يتميز بنوع آخر # الرابع عشر قوله وحكمت بأن عقله لذاته علة لعقله لمعلوله الأول فإن حكمت ~~بكون العلتين أعني ذاته وعقله لذاته شيئا واحدا في الوجود من غير تغاير ms2106 ~~فاحكم بكون المعلولين شيئا واحدا # فيقال أما كون ذاته علة فمعناه أنها مبدعة فاعلة لمفعولها وأما كون عقله ~~لذاته علة لعقله فليس معناه أن عقل ذاته أبدع عقل مفعوله بل معناه أن عقله ~~لذاته مستلزم لعقله لمفعوله فإن كونه فاعلا له من لوازم ذاته والعلم التام ~~بالملزوم يقتضي العلم بلوازمه فكونه هنا علة بمعنى كونه ملزوما وهناك بمعنى ~~كونه فاعلا # ولفظ العلة فيه اشتراك كثير بحسب اصطلاحات الناس ينبغي لمن خاطب به أن ~~يعرف مقصود المخاطب به فقد رأيت من PageV10P073 ~~غلط الناس بسبب اشتراك هذا اللفظ لتعدد الاصطلاحات فيه ما لا يمكن إحصاؤه ها هنا # وإذا كان كذلك لم يلزم من كون ذاته الفاعلة وعلمه بنفسه شيئا واحدا إذا ~~قدر أن الأمر كذلك أن يكون مخلوقه المباين له وعلمه بهذا المخلوق شيئا ~~واحدا لأن المخلوق مباين له وعلم الخالق صفة للخالق قائمة به فلم يكن العلم ~~قائما بالمخلوق كما كان عقله لذاته قائما بذاته # وهناك إنما جعل من جعل عقله عين ذاته لكون العالم هو العالم عندهم لا ~~لكون العلم هو المعلوم عندهم لكن هناك كان ذات العالم والمعلوم واحدة ولم ~~يبق إلا العلم وعندهم العلم ليس بزائد على الذات فقالوا ذاته وعقله لذاته ~~شيء واحد # وأما هنا فالعالم مباين للمعلوم والعلم صفة للعالم قائمة به ليس صفة ~~للمعلوم قائمة به فلم يكن جعل المخلوق الذي يسمونه المعلول الأول وعلم ~~الخالق به شيئا واحدا # الوجه الخامس عشر أن يقال بأن العلم بالمخلوق ليس هو المخلوق علم ضروري ~~لا يمكن دفعه بالشبهات بل القدح فيه سفسطة فإن كان من لوازم هذا كون علمه ~~بنفسه ليس هو نفسه فلازم الحق حق والتزام هذا هو من التزام كون المخلوق هو ~~نفس علم الخالق وإن لم يكن من لوازم هذا كون علمه بنفسه هو نفسه فقد بطلت الحجة PageV10P074 # وهذا بين جدا إذا تصور الإنسان نتيجة مقدماته وهو قوله فإذن وجود المعلول ~~الأول هو نفس تعقل الأول إياه فهل يقول هذا من يتصور ما يقول ms2107 ويقول مع ذلك ~~إن الله أبدع شيئا من الأشياء فيقول إن نفس مبدعه المفعول المصنوع المخلوق ~~المباين له هو نفس علمه # وطرد هذا أن تكون السماوات والأرض هي نفس علمه بالسماوات والأرض والإنسان ~~هو علم الله بالإنسان # والإنسان مولود كان في بطن أمه فيكون علم الله مولودا كان في بطن أمه فهل ~~قالت النصارى مثل هذا القول الباطل # الوجه السادس عشر قوله فإذن وجود المعلول الأول هو نفس تعقل الأول إياه ~~من غير احتياج إلى صورة مستأنفة تحل ذات الأول تعالى عن ذلك # فيقال له ليس كل أحد يقول إنه يحتاج إلى صورة مستأنفة بل من يقول إنه ~~يعلم الأشياء قبل وقوعها وأن علمه بها بعد الوجود هو ذلك الأول لا يقول إنه ~~تكون هناك صورة مستأنفة فهؤلاء لا يلزمهم ما ذكرت # فإن قلت قول هؤلاء ضعيف لأن العلم بأن الشيء سيكون ليس هو العلم بأن قد كان PageV10P075 # قلت لك معلوم أن قولك إن نفس علم الخالق هو نفس المخلوق أشد امتناعا في ~~العقل من هذا فجعل العلم بأن سيكون هو العلم بأن قد كان إن كان باطلا فهو ~~أقرب إلى العقل من جعل العلم نفس المخلوق وإذا كان أقرب إلى العقل كان ~~التزامه إن كان تجدد العلم محذورا أولى من التزام ذاك وإن لم يكن محذورا ~~التزم ذاك # الوجه السابع عشر أن يقال لم قلت إن استئناف علم يحل ذات الأول بعد وجود ~~المخلوق محال # وقولك إنه يتعالى عن ذلك فلا ريب أنه يتعالى عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا ومنازعك يقول إنك أنت الظالم المفترى على الله الذي سلبته صفات ~~الكمال ووصفته بصفة الجهل وقلت فيه المحال وألحدت في أسمائه وآياته إلحاد ~~طائفتك الضلال # وأما أهل الإثبات فوصفوه بصفات الكمال ووافقوا صريح المنقول عن الأنبياء ~~والمرسلين وما فطر الله عليه عباده أجمعين وما دلت عليه صرائح عقول ~~الآدميين ووصفوا ربهم بأنه يسمع كلامهم ويرى أعيانهم ويسمع سرهم ونجواهم # وأنت وصفت رب العالمين بنقيض ذلك ولم تجعل له علما سوى ms2108 المخلوقات ~~والمخلوقات ليست علما باتفاق أهل الفطر السليمات فتعالى الملك الحق عن قولك ~~وقول أمثالك المفترين الملحدين أعداء الأنبياء شياطين الإنس الذين يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا PageV10P076 # وأنت فليس لك دليل أصلا ينفي ذلك فإن قيام ما يتعلق بمشيئته وقدرته بذاته ~~لا دليل لك على نفيه إلا ما تنفى به الصفات كما نفيت العلم # ومعلوم أن هذا من أفسد أقوال الآدميين وغاية ما تقوله أنت وأصحابك إن ذلك ~~يستلزم التكثر والتغير وهما لفظان مجملان فذاك لا يستلزم تكثر الآلهة بل ~~الرب إله واحد وإنما يستلزم تكثر علمه وكلماته وهذا حق وهو من أعظم كمالاته # وأما التغير فليس المراد به استحالته وإنما المراد أنه يتكلم بمشيئته ~~وقدرته ويحدث الحوادث بقدرته ومشيئته # ومعلوم أن من كان قادرا على أن يفعل بمشيئته وقدرته ما شاء كان أكمل ممن ~~لايقدر على فعل يختاره يفعل به المخلوقات ولا كلام يتكلم به بمشيئته ولا ~~يرضى على من أطاعه ولا يغضب على من عصاه وهم يعلمون أن الفعل الاختياري ~~القائم بالفاعل صفة كمال بل الحركة عندهم صفة كمال فبأي دليل ينفون ذلك مع ~~تجويزهم حوادث لا أول لها بل إيجابهم لذلك # الوجه الثامن عشر قوله ثم لما كانت الجواهر العقلية تعقل ما ليس بمعلولات ~~لها بحصول صور فيها وهي تعقل الأول PageV10P077 ~~الواجب ولا موجود إلا وهو معلول للأول الواجب كانت جميع صور الموجودات ~~الكلية والجزئية على ما هي عليه في الوجود حاصلة فيها # فيقال له مضمون هذا الكلام أن الجواهر العقلية لما عقلت الأول لزم أن ~~تعقل كل شيء لأن ما سواه معلول له وأن تكون جميع صور الوجود حاصلة فيها # وفي هذا الكلام من الباطل أنواع # منها أن يقال ومن أين لكم أن مخلوق الرب يعلمه علما تاما بحيث لا يخفى ~~عليه من احوال الرب شيء بل يعلم الرب كما يعلم نفسه حتى يكون علمه بالرب ~~متضمنا للعلم بكل موجود وما الدليل على هذا والكتب الإلهية والدلائل ~~العقلية تناقض ذلك # قال تعالى { من ذا ms2109 الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } سورة البقرة 255 # وقال عن الملائكة { لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } ~~سورة البقرة 32 PageV10P078 # وقال تعالى { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى وهم من خشيته مشفقون } سورة الأنبياء 26 28 # وقال { يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها ~~لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض } سورة الأعراف 187 أي خفي علمها ~~على أهل السماوات والأرض # وقال تعالى { إن الساعة آتية أكاد أخفيها } سورة طه 15 أي أخفيها من نفسي ~~فكيف أطلعكم عليها # وقال { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } سورة النمل 65 # وقال عن الملائكة { وما نتنزل إلا بأمر ربك } سورة مريم 64 # وقال { إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما } سورة طه 98 ~~إلى قوله { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة ~~إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يحيطون به علما } سورة طه 108 110 PageV10P079 # ومنها أن الأول الواجب لم يثبتوا له علما محققا بجزئيات المخلوقات بل ولا ~~بكلياتها فكيف يستفاد من العلم بنفسه العلم بتفاصيلها وهو عندهم لا يعلم ~~تفاصيلها فإذا لم يستفد العلم بتفاصيلها إلامن العلم به لكونه مبدأ امتنع ذلك # ومنها أن يقال حصول جميع صور الموجودات الجزئية والكلية على ما هي عليه ~~إن كان صفة كمال فالرب أحق بها من مخلوقاته وإن كان صفة نقص فلا موجب لوصف ~~العقول بها # فإن قلتم أثبتناها للعقول لتعلم جميع الأشياء # قيل إن كان العلم بجميع الأشياء يمكن بدون حصول صورها في العالم أمكن ذلك ~~في العقل كما أمكن في الأول وإن لم يمكن ذلك وجب إثباتها للأول وكان ms2110 أحق ~~بذلك من مفعوله فإن الأول إذا كان علمه بالمخلوق نفس المخلوق كان علم العقل ~~به يفيده العلم بالمخلوق من غير قيام صورة المخلوق عنده بل يكفيه ارتسام ~~صورة المخلوق # ومنها أن يقال إذا كان العقل المعلول إنما يستفيد علمه بالموجودات من ~~علمه بالأول وهي ليست متصورة في ذات الأول فكيف يتصور في ذات العقل ما لم ~~يتصور في ذات معلومة وكيف يكون الفرع أكمل من أصله # فإن قيل علمه بالأول ومعلولاته يوجب الارتسام فاستفاد ذلك من علمه بوجوده ~~لا من علمه بعلمه PageV10P080 # قيل إذا كان هذا صفة كمال فالأول أحق به وإن كان نقصا وجب تنزيه العقل عنه # الوجه التاسع عشر قوله والأول الواجب يعقل تلك الجواهر مع تلك الصور لا ~~بصور غيرها بل بأعيان تلك الجواهر والصور وكذلك الوجود على ما هو عليه فإذن ~~لا يعزب عنه مثقال ذرة من غير لزوم محال من المحالات المذكورة # فيقال له ما هي الصورة التي يعقلها مع الجواهر أهي صورة عقلية قائمة به ~~فهذا عندك باطل وليس عندك إلا الموجودات # أم صور أخرى منفصلة عنه مقارنة للموجودات فيكون علمه بها خارجا عن ذاته ~~مقارنا لها وهذا أيضا باطل كما تقدم # أم تعنى بالصور الماهيات التي تدعي أنت وسلفك أنها ماهيات غير مجعولة ~~مقارنة للموجودات فتلك لم تذكرها وكيف نعلمها وهي عندك غير مجعولة له حتى ~~يكون جعله لها يوجب العلم بها كما ذكرت ولم يرد شيئا من ذلك وإنما أراد ~~بالصور الصور العقلية القائمة بالجواهر أي تعقل الجواهر وتعقل عقلها ~~للموجودات ومن جملة عقلها للموجودات عقلها له فهو يعلم علمها له ولكل شيء ~~وهو نفسه ليس له علم عنده إلا وجود المخلوقات فهل هذا القول إلا من أعظم ~~الأقوال فسادا في العقل والدين PageV10P081 # ثم قوله يعقل تلك الجواهر بأعيان تلك الجواهر من العجب فإنه ليس عنده ~~موجود إلا تلك الجواهر فما العقل الذي يكون به أهو عقل يتصف به فعنده لا ~~يتصف بعقل يقوم به بل عقله نفس مخلوقاته # فحقيقة قوله ms2111 إنه يعقل تلك الجواهر التي هي عقله وهي معقوله ليس له عقل ~~يقوم به # الوجه العشرون أن يقال حقيقة قول هذا الرجل هو قول غلاة النفاة للعلم من ~~سلفه وهو أن الخالق تعالى لا يعلم شيئا لا نفسه ولا غيره فإن العلم لا يكون ~~إلا بقيام صفة به وإذا كان قيام الصفات به ممتنعا عندهم امتنع كونه عالما ~~بنفسه وبغيره فهذا حقيقة ما قاله # واما كون المخلوقات هي العلم فكلام لا حقيقة له وإن كان يظن من يجهل ~~معناه أن فيه إثباتا لعلم الله فمن تصوره حق التصور علم أنه ليس فيه إثبات ~~لعلم الله وعلم بذلك أن ابن سينا وابن رشد وأبا البركات ونحوهم من الفلاسفة ~~أقرب إلى صحيح المنقول وصريح المعقول من النفاة الملحدين الذين قالوا في ~~علم الله مثل هذا الافتراء # ومعلوم أنه إنما دعاهم إلى ذلك القول بنفي الصفات والأحوال الاختيارية ~~التي تقوم بذات الله وظنهم أن ذلك مستلزم لكثرة التي يجب نفيها ومستلزم ~~لتغير الأحوال الذي يجب نفيه PageV10P082 # ونفي هذين هو الذي أوقع نفاة العلم في نفيه فإنهم رأوا إثبات العلم لا ~~يمكن إلا مع إثبات الصفات اللازمة والأحوال العارضة وظنوا وجوب نفي هذين # وإذا كان العلم مستلزما لهذين فلازم الحق حق لا سيما ومهما قدر من توهم ~~تنزيه وتعظيم في نفي لوازم العلم لأن ثبوت العلم مستلزم ما يظن نقصا من ~~تجسيم وحلول حوادث وغير ذلك فنفى العلم فيه من النقص والعيب ما هو أحق ~~بتنزيهه عنه من لوازم العلم ونفي ما يناقض العلم هو أولى بالنفي من نفي ~~لوازم العلم # والأدلة العقلية الصريحة مع النقلية الصحيحة إنما تدل على إثبات العلم ~~ولوازمه لا يدل شيء منها على نقيض ذلك بل كل ما يظن من لوازم العلم أنه ~~منفي بدليل العقل فدليل العقل يوجب ثبوته لا نفيه ولكن هم استسلفوا مقدمات ~~باطلة ظنوها عقلية واحتاجوا إلى القول بلوازمها فألجأهم ذلك إلى الأقوال ~~الباطلة المخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول مع أنها من أعظم الفرية على ms2112 ~~رب العالمين وأعظم الجهل بما هو عليه سبحانه من نعوت الكمال دع ما في ذلك ~~من تكذيب رسله والإلحاد في أسمائه وآياته # والمقدمات الفاسدة التي بنوا عليها أقوالهم هي نفيهم صفاته سبحانه وظنهم ~~أنه لا تقوم به المعاني وإن كانت قديمة النوع أو العين ولهذا كان من تكلم ~~منهم مع التزام هذا الأصل فكلامه ظاهر البطلان مع ما فيه من التناقض PageV10P083 # وقد تكلم في ذلك السهروردي المقتول صاحب التلويحات وحكمة الإشراق وغيرهما ~~مع تألهه على طريقتهم ومع أنه في حكمة الإشراق سلك طريقا لم يقلد فيها ~~المشائين بل بين فساد أقوالهم فيها في مواضع وكان كلامه في مواضع متعددة ~~خيرا من كلامهم وإن كانت سمة الإلحاد تتناولهم كلهم # فالمقصود بيان الحق وإذا كان بعضهم ينازع بعضا ويرد عليه وكان أحدهما ~~أقرب إلى الحق في ذلك الموضع من الآخر كان بيان رد بعضهم على بعض بما قاله ~~من الباطل مما يؤيد الله به الحق # فرد عليهم دعواهم أن العقول عشرة وهؤلاء المتأخرون يقولون إنها الملائكة ~~بلسان أهل الملل ويسميها صاحب حكمة الإشراق الأنوار ويقول إن قدماء ~~الفلاسفة وفلاسفة الفرس والهند يقولون هي كثيرة أكثر مما أثبته المشاؤون مع ~~أنا قد بينا في غير هذا الموضع أن ما أثبته المشاؤون من العقول لا حقيقة له ~~في الخارج البتة وإنما الحق ما أثبته الله ورسوله من الملائكة التي أخبرت ~~بها الأنبياء ودلت عليها الدلائل العقلية # والمقصود هنا مسألة العلم # قال السهروردي فصل لما تبين أن الإبصار PageV10P084 ~~ليس من شرطه انطباع شبح أو خروج شيء بل كفى عدم الحجاب بين الباصر والمبصر ~~فنور الأنوار ظاهر لذاته فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ~~لا يحجبه شيء عن شيء فعلمه وبصره واحد ونوره قدرته إذ النور مباين لذاته # قال والمشاؤون وأتباعهم قالوا علم واجب الوجود ليس بزائد عليه بل هو عدم ~~غيبته من ذاته المجردة عن المادة وقالوا وجود الأشياء عن علمه بها # قال فيقال لهم إن علم لزم من العلم شيء ms2113 فيقدم العلم على الأشياء وعلى عدم ~~الغيبة فإن عدم الغيبة عن الأشياء يكون بعد تحققها فكما أن معلوله غير ذاته ~~فالعلم بمعلوله غير العلم بذاته PageV10P085 # قال وأما ما يقال إن علمه بلازمه منطو في علمه بذاته فكلام لا طائل تحته ~~فإن علمه سلبى عنده فكيف يندرج العلم بالأشياء في السلب والتجرد عن المادة ~~سلبي وعدم الغيبة أيضا سلبي فإن عدم الغيبة لا يجوز أن يعنى به الحضور إذ ~~الشيء لا يحضر عند ذاته فإن الذي حضر غير من يكون عنده الحضور فلا يقال إلا ~~في شيئين بل أعم فكيف يندرج العلم بالغير في السلب ثم الضاحكية غير ~~الإنسانية فالعلم بها غير العلم بالإنسانية والضاحكية علمها عندنا ما انطوى ~~في الإنسانية فإنها ما دلت مطابقة او تضمنا عليها بل دلالة خارجية فإذا ~~الضاحكية التي احتجنا في العلم بها إلى صورة أخرى ودون تلك الصورة إنما هي ~~معلومة لنا بالقوة # قال وما ضربوه من المثال في الفرق بين العلم التفصيلي PageV10P086 ~~بمسائل وبين العلم بالقوة بها كمسائل ذكرت فوجد الإنسان من نفسه ملكة وقدرة ~~على الجواب لهذه المسائل المذكورة فهذه القوة أقرب مما كانت قبل السؤال فإن ~~القوة مراتب ولا يكون عالما بجواب كل واحدة على الخصوص ما لم يكن عنده صورة ~~كل واحد وواجب الوجود منزه عن هذه الأشياء ثم إذا كان ج غير باء فسلب باء ~~كيف يكون علما بهما وعناية بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام وإن كان ~~علمه بالأشياء هو العلم المتقدم # قال فإذا الحق في العلم هو قاعدة الإشراق وهو أن علمه بذاته هو كونه نورا ~~لذاته وظاهرا لذاته وعلمه بالأشياء كونها ظاهرة له إما أنفسها أو متعلقاتها ~~التي هي مواضع الشعور PageV10P087 ~~المستمر للمدبرات العلوية وذلك إضافة وعدم الحجاب سلبي قال والذي يدل على ~~أن هذا القدر كاف هو أن الإبصار إنما كان بمجرد إضافة ظهور الشيء للمبصر مع ~~عدم الحجاب فإضافته إلى كل ظاهر له إبصار إدراك له وتعدد الإضافات العقلية ~~لا يوجب تكثرا في ms2114 ذاته # قال وأما العناية فلا حاصل لها # فيقال قد بين هو بطلان قولهم وما اختاره هو أيضا باطل فإن قوله علمه ~~بذاته كونه نورا لذاته وظاهرا لذاته وعلمه بالأشياء كونها ظاهرة له وذلك ~~إضافة وعدم الحجاب أمر سلبي # يقال له هذا الذي أبنته من الظهور والإضافة ورفع الحجاب هو عدم محض أو ~~يتضمن أمرا ثبوتيا فإن كان عدما محضا لم يكن هناك علم أصلا فإنا نعلم بصريح ~~العقل أن علم العالم بالمعلومات ليس عدما محضا بل نعلم أن قولنا لا يعلم هو ~~العدم فنعلم أن نفي العلم عدم وإثباته وجود PageV10P088 # ومما يبين ذلك أن ثبوت العلم ونفيه يتناقضان فإن كان ثبوته عدما فنفيه ~~ثبوت فيلزم إذا قيل لا يعلم أن نكون أثبتنا شيئا وإذا قلنا يعلم لم نكن قد ~~أثبتنا شيئا ومعلوم أن هذا قلب للحقائق # وأما قوله والذي يدل على أن هذا القدر كاف هو أن الإبصار إنما كان بمجرد ~~إضافة ظهور الشيء للمبصر مع عدم الحجاب # فيقال إن ادعيت أن الإبصار الذي هو ظهور المبصر للبصر إضافة هي عدم محض ~~كان القول في هذه المقدمة كالقول في الدعوى فإن الإنسان يحس من نفسه عند ~~الرؤية أمرا وجوديا مخالفا لحالة عدم الرؤية كما يجد من نفسه ذلك في العلم # فدعوى كون الرؤية أمرا عدميا مثل دعوى كون العلم أمرا عدميا ومضمون ~~الأمرين أن الحس والعقل أمر عدمي وأن مشاهدة المحسوسات والعلم بالمعقولات ~~أمر عدمي # ومعلوم أن من لم يشهد شيئا ولم يعلمه فقد عدم الرؤية والعلم فإن كان بعد ~~الرؤية والعلم لم يحصل له إلا عدم فلا فرق بين أن يرى ويعلم وبين أن لا يرى ~~ولا يعلم وهذا تسوية بين الأعمى والبصير والعالم والجاهل PageV10P089 # وأصدق الكلام كلام الله الذي قال { وما يستوي الأعمى والبصير } سورة فاطر ~~19 وقال { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } سورة الزمر 9 ~~ومعلوم بصرائح المعقول أن البصير أكمل من الأعمى والعالم أكمل من الجاهل # ومعلم هؤلاء أرسطو زعم أنه سبحانه أن ms2115 لا يعلم ولا يبصر أفضل في حقه من أن ~~يعلم ويبصر وهؤلاء الذين خالفوا معلمهم واستقبحوا له هذا القول وأثبتوا له ~~علما بذاته جعلوا حالة من يعلم ومن لا يعلم ومن يبصر ومن لا يبصر سواء لم ~~يثبتوا له أمرا حال الرؤية والعلم يمتاز به عن حاله إذا لم ير ولم يعلم ~~فذاك فضل الجاهل الأعمى على العالم المبصر وهؤلاء يلزمهم التسوية بينهما # وأيضا فيقال له قولك علمه بذاته كونه نورا لذاته وظاهرا لذاته وعلمه ~~بالأشياء كونها ظاهرة له إن أردت بقولك كونه نورا لذاته وظاهرا لذاته أي ~~كونه مرئيا لذاته ومعلوما لذاته كان حقيقة الكلام علمه بذاته كونه معلوما ~~لذاته وهذا أمر معلوم ليس فيه قدر زائد على ما دل عليه قولنا هو عالم بذاته # وإن أردت بذلك أن علمه بذاته كونه في نفسه بحيث يظهر لذاته نورا يتجلى ~~لذاته كان المعنى أن علمه بذاته معناه أن PageV10P090 ~~ذاته متصفة بما يجب لأجله أن يظهر لذاته فهي متصفة بما يوجب أن تكون معلومة ~~له ظاهرة # وكذلك إن أردت أنها متصفة بما يوجب أن تكون عالمة ظاهرا لها غيرها وكذلك ~~إن فسر بما يوجب كونها عالمة معلومة فسواء فسر ذلك بنفس كونه عالما أو ~~معلوما أو مجموعهما أو رائيا أو مرئيا أو مجموعهما إنما يوجب أحد هذه ~~الأمور الستة # فهذا كله لا يمنع كون العلم صفة ثبوتية ولا يقتضي أن العلم مجرد نسبة ~~عدمية بل إذا فسره بمجرد أمر عدمي كان هذا بمنزلة القول الذي رده وهو قولهم ~~إنه ليس بزائد عليه بل هو عدم غيبته عن ذاته المجردة عن المادة فإذا كان ~~يجعل الظهور الذي أثبته أمرا عدميا فهو بمعنى عدم الغيبة الذي أثبتوه وأكثر ~~ما يقال إنهم جعلوا العلم نفس عدم الغيبة وأنا أجعله نسبة تستلزم عدم ~~الغيبة فهم فسروه بعدم الغيبة وأنا أفسره بالنسبة # فيقال له هذه النسبة إن لم تكن موجودة فهي من جنس عدم الغيبة # ويقال للجميع عدم الغيبة يكون معه علم بنفسه أو مجرد عدم ms2116 الغيبة عن نفسه ~~هو العلم # فإذا قالوا بالأول أصابوا وهو قول الرسل وإن قالوا بل نفس عدم الغيبة هو ~~نفس العلم كان هذا معلوم البطلان فإنه ما PageV10P091 ~~من موجود من الموجودات إلا وليس هو غائبا عن نفسه مع كون كثير منها ليس ~~عالما بنفسه فعلم أن حقيقة العلم أمر مغاير لحقيقة عدم الغيبة # وإن قالوا إنما قلنا هو عدم غيبته عن ذاته المجردة # قيل الجواب من وجوه # أحدها أن حقيقة العلم إن كان هو عدم الغيبة لم يختلف ذلك بمعلوم ومعلوم ~~فإن العلم يتعلق بكل معلوم وكل شيء يمكن أن يكون معلوما وهو غير غائب عن ~~ذاته فيجب أن يكون كل شيء معلوما لنفسه ويكون علمه بنفسه أولى من علم غيره ~~به لكون عدم غيبته عن نفسه أولى من عدم غيبته عن غيره # الثاني أن الشيء كما لا يغيب عن نفسه قد لا يغيب عن غيره فإن كان العلم ~~عدم الغيبة فكل ما كان حاضرا لشيء يجب ان يكون عالما به # الثالث أن يقال عدم غيبته عن ذاته المجردة ما تعنون بقولكم المجردة إن ~~أردتم ذاته المعقولة أو المعلومة أو التي يمكن أن تكون معلومة أو التي يمكن ~~أن تعقل أو تعلم ونحو ذلك من العبارات الدالة على كونه عالما أو معلوما أو ~~يمكن كونه عالما أو معلوما كان معنى الكلام أنه عدم الغيبة عن ذاته التي هي ~~عالمة أو معلومة أو يمكن أن تكون كذلك # ومعلوم أن هذا أيضا عام فكل ما كانت ذاته عالمة ومعلومة PageV10P092 ~~إذا لم تغب ذاته عن ذاته كان عالما بها وأما إن أمكن أحدهما دون الآخر لم ~~يجب ذلك وإن أمكنا معا فعدم الغيبة يستلزم العلم وعدم الغيبة مستلزم للعلم ~~لا أنه نفس العلم # وإن قال أعني بالمجردة أنها ليست جسما ولا مدبرة لجسم # فيقال أولا هذا بناء على ثبوت مجردات بهذا الوصف وجمهور العقلاء ينكرون ~~هذا حتى من يعظم هؤلاء الفلاسفة المشائين أرسطو وأتباعه لما تأملوا كلامهم ~~في العقول والنفوس وجدوه باطلا إما ms2117 أن يقولوا ليس قائما بنفسه إلا الجسم ~~كما يقوله ابن حزم وغيره # وإما أن يقولوا الفرق بين النفس والعقل ليس إلا فرقا عارضا كنفس الإنسان ~~التي هي حال مقارنتها للبدن نفس وحال مفارقتها عقل كما يقوله أبو البركات وغيره # وإما أن يقولوا هذه العقول التي يثبتها هؤلاء المتفلسفه لا تزيد على ~~العقل الذي هو عرض قائم بعاقل وإثبات عقل هو قائم بنفسه ليس جسما هو باطل ~~وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر # والمقصود أن لفظ التجريد فيه إجمال وإذا فسروه فقد يفسرونه بما يعلم ~~بطلانه أو بما لا دليل على صحته # الوجه الرابع أن يقال هب أنه ثبت التجريد بالمعنى الذي PageV10P093 ~~يدعونه لكن شعور الشيء بنفسه ليس مشروطا بكونه مجردا ولا مجرد كونه مجردا ~~موجب للعلم بنفسه فإنه إن قدر أن المجرد ليس بحي لم يكن شاعرا فضلا عن أن ~~يعلم أنه عالم # وإذا قيل كل مجرد حي # قيل فلا بد أن يقال هذا بالدليل فإن هذا ليس معلوما بنفسه وأيضا فكل حي ~~شاعر سواء قيل إنه مجرد أو قيل إنه ليس بمجرد فبدن الإنسان يشعر بأمور ~~كثيرة مع كونه جسما غير مجرد عن المادة على اصطلاحهم # وأما ما اعترض به على قولهم إن وجوده بالأشياء عن علمه بها وأن هذا يوجب ~~كون الأشياء معلومة له قبل وجودها فتكون ثابتة في علمه وهي أشياء في علمه ~~فيلزم كون علمه أمرا ثبوتيا ويلزم التعدد في علمه فاعتراض متوجه # وكذلك إذا فسروا العلم بعدم الغيبة عنها فعدم الغيبة لا يكون إلا بعد ~~تحققها فيلزم أن يكون عالما بها بعد تحققها وأن ذلك مغاير لعلمه بها قبل ~~وجودها فإن ذلك العلم سبب وجودها بخلاف الثاني # وكذلك قوله كما أن معلوله غير ذاته فالعلم به غير العلم بذاته هذا لازم ~~لأنهم إنما نفوا كون العلم ثبوتيا لما يستلزم من تكثر العلوم وتغيرها إذ ~~كان العلم بهذا غير العلم بهذا PageV10P094 # وإذا قالوا إنه يعلم معلوله ويعلم نفسه لزم أن يكون هذا العلم ليس هذا العلم ms2118 # وأما قولهم إن علمه بالمعلول يندرج في علمه بالعلة فقد رده بامور # أحدها أن العلم عندهم سلبي وكذلك التجرد عن المادة وكذلك عدم الغيبة ~~والسلب لا يتضمن العلم بالأشياء وهذا الذي قاله صحيح مع ما تقدم من أن ذلك ~~السلب ليس هو علما فلا هو علم ولا متضمن لعلم # وإذا قدر أن ذلك السلب علم كان تقديرا باطلا وحينئذ فهل يقال إنه يتضمن ~~غيره من السلوب هذا مما قد ينازعونه فيه ولكن له أن يقول إن السلب إنما ~~يتضمن غيره إذا كان أعم منه وليس هنا سلب عام ليتضمن سلبا خاصا بل السلب ~~عندهم نفي معنى زائد على نفسه أو نفي المادة عنه أو نفي الغيبة عنه وكل هذا ~~سلب خاص لا يتضمن سلبا عاما # الأمر الثاني أنه قد بين لهم أن المندرج في غيره هو ما يدل عليه بالتضمن ~~لا بالالتزام فالدال على غيره بالالتزام لا بالتضمن لا يكون مشتملا عليه ~~ولا يكون الثاني مندرجا فيه ومثل ذلك اللوازم الخارجة عن الماهية على أصلهم ~~كالضاحكية فإن الإنسانية ما انطوت على الضاحكية ولا انطوى علم الضاحكية في ~~علم الإنسانية فإنها ما دلت عليها مطابقة ولا تضمنا بل دلالة PageV10P095 ~~خارجية فإن هذه اللوازم التي احتجنا في العلم بها إلى صورة أخرى إنما هي ~~معلومة لنا بالقوة لا بالفعل # فإذا جعلوا علمه بمفعولاته كذلك لزم أن يكون عالما بها بالقوة لا بالفعل ~~وهم قد يضربون لقولهم مثالا وهو العلم بالأشياء جملة مع العلم بها تفصيلا ~~فإن العلم بالمفصل يندرج في العلم بالمجمل وإن كان العلم بالمجمل متضمن تلك ~~التفاصيل وشبهوا ذلك بمن سئل عن مسائل فقد يستحضر العلم بجوابها مفصلا وقد ~~يجد من نفسه علما بجوابها مجملا لم يستحضر تفصيله فيما بعد فأجاب بأن هذا ~~علم بالقوة والقوة مراتب فهو بعد السؤال حصل له من القوة على الجواب أعظم ~~مما كان حاصلا قبله وأما العلم بجواب كل مسألة بخصوصها فلا يحصل إن لم يكن ~~عنده صورة بجواب كل واحدة # ثم ادعى الأصل ms2119 الذي شاركهم فيه وهو قوله وواجب الوجود منزه عن ذلك بناء ~~على أنه عندهم لا تقوم به المعاني والصفات المتعددة ومن هذا الأصل منشأ ضلالهم # قال وإذا كان أحد الشيئين غير الآخر فكيف يكون سلب أحدهما علما بهما ~~وعناية بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام وذلك أنهم يقولون هو وجود ~~مجرد عن المادة والمجردات غير الماديات فكيف يكون سلب المادة علما بالمجرد PageV10P096 ~~والمادة وعناية بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام كيف وهم يقولون إنه ~~وجود مشروط بسلب كلام ثبوتي فهو وجود بسلب كل ما يعرف من الحقائق وتلك ~~الحقائق مغايرة له فكيف يكون سلبها عنه علما به وبها وعناية بكيفية ما يجب ~~أن تكون الحقائق معه عليه # فحقيقة قولهم إنهم جعلوا العلم به والعلم بكل واحد واحد من المخلوقات ~~وعنايته بالمخلوقات المتضمنة لإرادته وحكمته التي باعتبارها انتظمت ~~المخلوقات جعلوا هذا كله أمرا سلبيا وهو التجرد أو عدم الغيبة أو العقل ~~الذي ليس بمعنى زائد على ذاته وهو عندهم وجود مقيد بسلب جميع الحقائق عنه ~~وهذا مما يعلم بصريح العقل بطلانه في الخارج # فإن الموجودين لا يكون المميز بينهما عدما محضا ولو قدر ثبوت هذا لكان كل ~~موجود خيرا منه لأنه امتاز بوصف ثبوتي ومن قال من متأخريهم له وجود خاص غير ~~هذا الوجود فلم يعرف حقيقة قولهم فإن الوجود الخاص إن امتاز بأمر وجودي ~~فليس هو قولهم وإن لم يميز إلا بالسلب فيكون هذا هو الموجود قد شارك ~~الموجودات في مسمى الوجود وامتاز عنها بالسلب فتكون سائر الموجودات خيرا ~~منه لو كان له وجود # وبيان بطلان أقوالهم النافية للصفات يطول وإنما القصد هنا إبطال بعضهم ~~لقول بعض فإن هذا يؤنس نفوسا كثيرة قد تتوهم أنه ليس الأمر كذلك PageV10P097 ### | AUTO فصل # قال ابن سينا في تمام مسألة العلم ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة ~~لمحسوس وكل صورة خيالية فإنما ندركها بآلة متجزئة # فيقال له هذا إن كان حقا فهو منتقض على أصلك بعلمه بالأفلاك ms2120 والكواكب ~~فإنها محسوسة وعندك أنه يعلمها بأعيانها # وقد قال في بيان أن كل صورة لمحسوس وكل صورة خيالية فإنما ندركها بآلة ~~متجزئة وأن مدرك الجزئيات لا يكون عقلا بل قوة جسمانية أما المدرك من الصور ~~الجزئية كما تدركه الحواس الظاهرة على هيئة غير تامة التجريد والتعرية PageV10P098 ~~عن المادة ولا نجرده أصلا عن علائق المادة فالأمر فيه واضح سهل وذلك لأن ~~هذه الصور إنما تدرك ما دامت المواد موجودة حاضرة والجسم الحاضر الموجود ~~إنما يكون موجودا حاضرا عند جسم وليس يكون حاضرا عند ما ليس بجسم فإنه لا ~~نسبة له إلى قوة تفرده من جهة الحضور والغيبة فإن الشيء الذي ليس في مكان ~~لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده والغيبة عنه بل الحضور لا ~~يقع إلا مع وضع وقرب أو بعد للحاضر عند المحضور وهذا لا يمكن إذا كان ~~الحاضر جسما إلا أن يكون المحضور جسما أو في جسم # قال وأما المدرك للصور الجزئية على تجريد تام من المادة وعدم تجريد ألبتة ~~من العلائق كالخيال فهو لا يتخيل إلا أن ترتسم الصورة الخيالية فيه في جسم ~~ارتساما مشتركا بينه وبين الجسم # قال ولتفرض الصورة المرتسمة في الخيال صورة PageV10P099 ~~زيد على شكله وتخطيطه ووضع أعضائه بعضها عند بعض فنقول إن تلك الأجزاء ~~والجهات من أعضائه يجب أن ترتسم في جسم وتختلف جهات تلك الصورة في جهات ذلك ~~الجسم وأجزاؤها في أجزائه # قال ولننقل صورة زيد إلى صورة مربع ثم فرض مربعين متساويين من كل جهة ~~وقرر أنه لا يمتاز أحدهما عن الآخر إلا بمحله # وقد اعترض عليه أبو البركات بما مضمونه أن الأجسام المرئية والمتخيلة ~~كثيرة ومحل ذلك في الجسم لا يكون أكثر من مجموع جسم الإنسان وجسم الإنسان ~~لا يسع مقادير هذه الأجسام # قال أبو البركات أول المعارضة أن نناقض فنقول وندعي نقيض المسألة المصدر ~~بها وهو أن مدرك الجزئيات فينا من المبصرات والمسموعات وسائر المحسوسات ليس بقوة PageV10P100 ~~جسمانية وإذا ثبت في هذه التي هي الأظهر صار بطلانه ms2121 في النقيض الأخفى ~~والأضعيف يقينا # قال وذلك أن القوة الجسمانية فينا لا يكون محلها أكبر من جسم الإنسان ~~الواحد بجملته وقد قالوا إنه جزء صغير من أجزائه حيث جعلوا محل القوة ~~الخيالية جزءا من جوهر الدماغ الذي في البطن المقدم من الرأس أو جزءا من ~~الروح الدماغي وهو الذي يختص بهذا الجزء منه ونحن فندرك من المتخيلات ~~ونتصور من الموجودات الجزئية أشياء كثيرة محفوظة في أذهاننا وملحوظة بها ~~يكون الواحد منها أضعافا كثيرة لجسمنا بأسره فكيف للجزء المذكور من بعض أجزائه # قال وهو فقد طلب في احتجاجه الأخير جسما يتخيل به السواد والبياض ليثبت ~~كلا منهما في جزء منه غير الجزء الذي أثبت فيه الآخر فكيف أعرض عن المقدار ~~ونحن إنما ندرك الألوان في الأجسام مع مقاديرها حتى إذا رأيناها مرة أخرى PageV10P101 ~~على قدر مخالف عرفنا أنها زادت أو نقصت فلو لم نكن أدركنا المقدار الأول ~~لما حفظناه ولو لم نحفظه لم نعرف الزيادة والنقصان هذا في شخص واحد في ~~تمثله وتخيله فكيف في أشخاص كثيرة جدا نحفظها بأشكالها وصورها ومقاديرها ~~وأوضاعها لا تسعها خزانة من خزائن تسع عدة من أشخاص الناس بل ولا بلدة من ~~أكبر البلدان فإن من جملة ما نحفظه في ذلك صورة بلدة مع مقدارها الكبير ~~وأوضاع أجزائها حتى لو صغرت أو كبرت عن ذلك شعرنا بموضع الزيادة والنقصان ~~مقيسا إلى ما استثبتناه وحفظناه # قال ففي هذا كفاية لمن تأمله بذهن سليم ونظر ثابت # قال وأما ما قاله من أن المدرك بالحواس الظاهرة فالأمر فيه سهل واضح لأن ~~هذه الصورة إنما تدرك ما دامت المواد حاضرة موجودة والجسم الحاضر الموجود ~~إنما يكون حاضرا موجودا عند جسم وليس يكون حاضرا عند ما ليس بجسم فإنه لا ~~نسبة للجسم إلى قوة مفردة من جهة الحضور والغيبة فإنه الشيء الذي ليس في ~~مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده والغيبة عنده PageV10P102 # قال وأعجب ما في هذا القول استسهاله إذ قال إن الأمر فيه واضح سهل ولو ms2122 ~~كان هذا القول حقا على ما قيل لبطلت علائق النفوس الناطقة بالأبدان فإنها ~~ينسب إليها بفي ومع وعند ومقارنة ومفارقة وغيبة وحضور كما ينسب المدرك إلى ~~مدركه ثم لو كان هذا حقا لما أدركنا بعقولنا معنى شيء مما ندركه بحواسنا ~~البتة فإن رأيه هو أن البصر يرفع صورة المبصر إلى الخيال وهو جسماني فالعقل ~~إن أدركها في الخيال فقد أدركها جسمانية أيضا وإن أدركها قوة جسمانية في ~~الخيال نقلها إلى قوة أخرى فأدركها العقل فيها كان القول كذلك أيضا ولو ~~كانت الوسائط ما كانت إذ كان أول ما يلقاها إما أن يلقاها في قوة جسمانية ~~فيكون حكمها حكم الأولى وإما أن يلقاها في قوة مجردة فحكمها حكم العقل # فإن قيل إن العقل لا يدركها في القوة الجسمانية بل يرفعها إليه وينتزعها ~~منه أو يجردها فكل تلك العبارات PageV10P103 ~~المقوله تقتضي لقاء من الرافع للمرفوع إليه وحضورا من المرفوع عند الرافع ~~وكذلك من المنتزع عند المنتزع منه والمجرد عند المجرد عنه فلولا نسبة لقاء ~~وحضور وما شئت سمه للنفس إلى البدن لما كان آلة لها وإلى المدركات لما ~~أدركها ولو لم يدركها لما عقلها كلية ولا جزئية وكيف والشيء المدرك واحد في ~~معناه والكلية تعرض له بعد كونه مدركا باعتبار ونسبة وإضافة بالمشابهة ~~والمماثلة إلى كثيرين وهو هو بعينه وإذا اعتبر من حيث هو لم يكن كليا ولا ~~جزئيا وإنما يدرك من حيث هو موجود لا من حيث هو كلي ولا جزئي وتعرض له ~~الكلية والجزئية في الذهن بعد إدراكه فمدرك الكلي هو مدرك الجزئي لا محالة ~~لأن الكلي هو الجزئي في ذاته ومعناه لا في نسبه وإضافاته التي صار بها كليا وجزئيا # فيقال ما ذكره أبو البركات يدل على تناقض ابن سينا حيث زعم أنه ما ليس في ~~مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده والغيبة عنه وذكر أن ~~الأمر في ذلك واضح سهل فإن هذا مناقض لقوله إن النفس ليست جسما مع أن الجسم ~~حاضر عندها لكن ms2123 هذا التناقض يدل على بطلان أحد قوليه إما قوله إن النفس ~~ليست جسما وإما قوله PageV10P104 ~~ما ليس في مكان لا يكون للمكان إليه نسبة في الحضور عنده والغيبة عنه ولا ~~يلزم من ذلك أن تكون هذه القضية هي الكاذبة بل قد تكون الكاذبة قوله إن ~~النفس ليست إلا جسما # ونظير هذا التناقض قوله إن واجب الوجود يعقل من ذاته ما هو مبدأ له وهو ~~مبدأ للموجودات التامة بأعيانها فيعقل الموجودات التامة بأعيانها والكائنة ~~الفاسدة بأنواعها ويتوسط ذلك أشخاصها فإنه إذا كان واجب الوجود يعقل ~~الأفلاك بأعيانها وهي أجسام وقد قال إن الجسم لا يرتسم إلا في جسم لزم أن ~~يكون جسما # ومع قوله ما ليس في مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده ~~والغيبة عنده # ومع قوله الجسم الحاضر الموجود إنما يكون حاضرا موجودا عند جسم وليس يكون ~~حاضرا عند ما ليس بجسم # فهذه الأقوال إذا ضم بعضها إلى بعض لزم أن يكون واجب الوجود على قوله ~~جسما وأن تكون النفس على أقواله أيضا جسما # وما ذكره أبو البركات إنما هو إلزام لابن سينا بطريق المناقضة وليس فيه ~~ما يدل على بطلان ما ذكره من الإدراك وإنما احتج أبو البركات على بطلان ذلك ~~بأن المدركات كبار والمدرك إذا كان جسما أو قوة في جسم فهو صغير لا يسعها PageV10P105 # وهذه حجة ضعيفة فإن القائلين بارتسام المدرك في المدرك لا يقولون إن ~~المرتسم فيه مساو في المقدار للموجود في الخارج كما أنهم لا يقولون إن ~~المرتسم حقيقته مساوية لحقيقة الموجود في الخارج # وإنما هذا من جنس اعتراض الرازي عليهم بأنه لو كان ذلك صحيحا لكان من ~~أدرك النار وجب أن يسخن ومن أدرك الثلج وجب أن يبرد ومن أدرك الرحى وجب أن ~~يدور ونحو ذلك مما لا يقوله عاقل # ولهذا صاروا يتعجبون بل يسخرون ممن يورد عليهم مثل هذا وهم يشبهون تمثل ~~المدركات في المدرك يتمثل المرئيات في المرآة ومعلوم أن ما في المرآة ليس ~~مماثلا في الحقيقة والمقدار ms2124 للموجود في الخارج # أما حقيقته فلأن غايته أن يكون عرضا في المرآة والمرئي الخارج يكون جسما ~~موجودا كالسماء والشمس والإنسان وغير ذلك مما يرى في المرآة # وكذلك الإدراك فإنه عرض قائم بالمدرك والمدرك نفسه يكون عينا قائمة ~~بنفسها سواء كان مرئيا أو معلوما بالقلب # وأما قدره فلأن مقدار المرئي يختلف باختلاف المرآة فإذا PageV10P106 ~~كانت كبيرة رئي كبيرا وإذا كانت صغيرة رئي صغيرا وهو على التقديرين يشبه ~~الصورة الموجودة في الخارج # فكذلك إذا قيل إن المدرك يتمثل في المدرك لم يلزم أن يكون قدره في المدرك ~~مثل قدره في نفسه # ولهذا يقال للشيء وجود في الأعيان وفي الأذهان وفي اللسان وفي البنان ~~ووجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي # ومعلوم أن مطابقة العلمي للعيني هي مطابقة العلم للمعلوم ليست كمطابقة ~~الموجود في الخارج لمماثله الموجود في الخارج فإن هذا لا يقوله عاقل بل ~~العاقل يجد تفرقة ضرورية بين ما تمثله في نفسه وبين الحقائق الموجودة في الخارج # ومن أظهر ذلك الخيال فإنه يتخيل ما رآه بعد مغيبه عنه وفي حال تغميض ~~عينيه ونومه ويعلم قطعا أنه خياله ومثاله وأنه مشابه له ويعلم قطعا أن ذلك ~~المثال في الباطن لا في الخارج سواء قيل إنه منطبع في النفس أو في جزء من ~~البدن أو فيهما وسواء قيل إن النفس تدركه أو قيل إن المدرك له هو البدن # فعلى كل تقدير يعلم الناس فرقا ضروريا بين حقيقة ذلك المثال وبين حقيقة ~~الموجود في الخارج وأنه لا يماثله لا في ذاته ولا PageV10P107 ~~صفاته ولا مقداره ولكن يشابهه ويحكيه نوع مشابهة وحكاية والمشابهة من وجه ~~لا تقتضي المماثلة في الذات والصفات والمقدار # وهذا المثال الإدراكي لا يمتنع فيه اجتماع ما هما ضدان في الخارج بل ~~يجتمع فيه مثال السواد والبياض ويجتمع فيه المثلان كالسوادين ويجتمع فيه ~~مثال وجود الشيء وعدمه فيجتمع فيه تقدير الوجود والعدم لا يمتنع فيه اجتماع ~~مثالي النقيضين كما امتنع اجتماع النقيضين في الخارج ويتمثل فيه الموجود ~~والمعدوم والممتنع وما له وجود في الخارج ms2125 وما ليس له وجود في الخارج فهو ~~أوسع بهذا الاعتبار من الوجود الخارجي # لكن تلك الأمور مثل خيالية ليست حقائق موجودة في أنفسها وقد يشتبه على ~~بعض الناس ما يتخيله فيه فيظنه موجودا في الخارج وطائفة من فلاسفة الصوفية ~~كابن عربي يسمي هذا أرض الحقيقة ويذكر فيه من العوالم وأنواعها وأقدارها ما ~~يطول وصفه # وذلك أن الخيال لا حد له بل تخيلات النفوس لما ليس له وجود في الخارج ~~أعظم من أن تحصر # فهؤلاء الضالون قالوا هذا أرض الحقيقة وهذا عالم الخيال وقد يشتبه على ~~بعضهم فيظنه في الخارج ويتخيل لهم فيه مدائن ورجال وعوالم كما يتخيل للنائم ~~ويتخيل لأحدهم أنه صار الها ونبيا أو أنه المهدي أو خاتم الأنبياء إلى غير ~~ذلك مما يطول PageV10P108 ~~وصفه ويعرض للممرورين وغيرهم من التخيلات الباطلة ما يطول وصفه # ومن قال من المتفلسفة إن النفس ليست جسما وأنكر معاد البدن فمنهم من يقول ~~إن من النفوس من يتعلق بجزء من الفلك فيتخيل فيه ما يتنعم فيه تنعما خياليا ~~وأن ذلك يقوم مقام اللذة الحسية وقد يقال إنه أعظم منها كما ذكر ذلك ابن ~~سينا فقول هؤلاء من جنس حقيقة أولئك الذين جعلوا عالم الخيال هو أرض ~~الحقيقة # ونحن لا ننكر وجود الخيالات فإن هذا لا ينكره عاقل لكن ننكر تعظيمها ~~وتسويتها بالذات الحقيقية أو أن ما وعد الله به عباده المؤمنين من هذا الجنس # والمقصود هنا أن الصور الخيالية لا ينكرها أحد ولا يقول أحد إنها مماثلة ~~في الحقيقة والصفات والمقدار للموجودات في الأعيان سواء كانت تلك الخيالات ~~هو خيال تلك الموجودات أو غيرها # فقد تبين أن ما ذكره ابن سينا وغيره من الفلاسفة وقرروه بالأدلة العقلية ~~ليس منافيا لعلم الله بالجزئيات بل فيه ما هو دليل على ذلك # ولكن غاية ما فيه تناقضهم حيث يثبتون الشيء دون لوازمه كما أثبت ابن سينا ~~علمه بأعيان الموجودات التامة وبأنواع المتغيرات دون التغير في العلم PageV10P109 # وأدلته الصحيحة توجب علمه بالمتغيرات وأنه يعلم الكليات والجزئيات كما ~~سنذكر ms2126 ألفاظه # وكذلك أبو البركات أثبت علمه بالكليات والجزئيات والمتغيرات لكنه قال في ~~القدر وفي علمه بما لا يتناهى قولا منكرا سنذكره إن شاء الله # وكل من قال في مسألة العلم قولا يخالف النصوص النبوية من أهل الكلام ~~والفلسفة فلا بد أن يكون قوله مناقضا لأصوله الصحيحة مخالفا لصريح المعقول ~~ولهذا كثر اضطراب هؤلاء في مسألة العلم ### | AUTO فصل # قد تقدم ما ذكرناه من أقوال ابن سينا في تقرير أنه سبحانه عالم بمفعولاته ~~حيث قال واجب الوجود يجب أن يعقل ذاته بذاته على ما حقق ويعقل ما بعده من ~~حيث هو علة لما بعده ومنه وجوده ويعقل سائر الأشياء من حيث وجوبها في سلسلة ~~الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا # فقد ذكر هنا أن علمه بنفسه يستلزم علمه بمفعولاته وأما تقرير كونه عالما ~~بنفسه فسيجيء إن شاء الله تعالى PageV10P110 # قال الطوسي في شرح هذا الفصل لما تقرر أن علم الأول تعالى فعلي ذاتي أشار ~~إلى إحاطته بجميع الموجودات فذكر أنه يعقل ذاته بذاته لكونه عاقلا لذاته ~~معقولا لذاته على ما تحقق قبل ذلك ويعقل ما بعده يعني المعلول الأول من حيث ~~هو علة لما بعده والعلم التام بالعلة التامة يقتضي العلم بالمعلول فإن ~~العلم بالعلة التامة لا يتم من غير العلم بكونها مستلزمة لجميع ما يلزمها ~~لذاتها وهذا العلم يتضمن العلم بلوازمها التي منها معلولاتها الواجبة ~~بوجوبها ويعقل سائر الأشياء التي بعد المعلول الأول من حيث وقوعها في سلسلة ~~المعلولية النازلة من عنده إما طولا كسلسلة المعلولات المترتبة المنتهية ~~إليه في ذلك الترتيب أو عرضا كسلسلة الحوادث التي لا تنتهي في ذلك الترتيب ~~إليه لكنها تنتهي إليه من جهة كون الجميع ممكنة محتاجة إليه وهو احتياج ~~عرضي تتساوى جميع آحاد السلسلة فيه بالنسبة إليه تعالى # قلت أما قوله لما تقرر أن علم الأول تعالى فعلي إشارة إلى إحاطته بجميع ~~الموجودات فذكر أنه يعقل ذاته بذاته ويعقل ما بعده PageV10P111 # فيقال علمه بذاته لا يمكن أن يكون فعليا وإنما يكون فعليا علمه بخلقه ms2127 فإن ~~علمه له تأثير في فعل خلقه وليس له تأثير في وجود نفسه وهذا مما لا ينازع ~~فيه عاقل فهمه ولعله ما أراد إلا هذا # فإن القدرية من أهل الكلام يقولون العلم تابع للمعلوم مطابق له لا يكسبه ~~صفة ولا يكتسب عنه صفة وكثير من المتفلسفة يقولون علم الرب فعلي وقد يجعلون ~~نفسه علمه إبداعه # وقد بسطنا الكلام على هذا في موضع آخر وبينا أن العلم نوعان علم العالم ~~بما يريد أن يفعله فهذا علم فعلي هو شرط في وجود المعلوم إذ وجود المعلوم ~~بدونه ممتنع # ومذهب أهل السنة أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها فعلمه فعلي ~~لجميع المخلوقات بهذا الاعتبار لا باعتبار أن مجرد العلم هو الإبداع من غير ~~قدرة وإرادة كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة فإن هذا باطل كما قد بين ~~في موضعه # والقدرية عندهم أن الله يخلق أفعال العباد فعلمه بها علم بأمر أجنبي منه ~~فلهذا لا يجعلون علمه بالمخلوقات فعليا لكن علمه بمخلوقاته لا ينازعون فيه ~~وأما علم العالم بما ليس علمه به شرطا في وجوده كعلمنا بالله وملائكته ~~وأنبيائه وسمواته وأرضه فهذا علم تابع للمعلوم مطابق له ليس فعليا بوجه من الوجوه # وعلم الرب بنفسه من هذا الباب لكن إذا سمي علميا انفعاليا فلا بأس فإنه ~~علم حادث وأما علم الرب تعالى فإنه من لوازم نفسه المقدسة PageV10P112 ~~لم يحدث فليس انفعاليا بهذا الاعتبار لكنه مطابق للمعلوم موافق له فعلمه ~~تابع لنفسه ومخلوقاته تابعة لعلمه # والمقصود هنا أنه إذا كان عالما بنفسه لزم أن يكون عالما بخلقه وهذه قضية ~~صحيحة ويمكن تقريرها بطرق # أحدها أنه لا يكون عالما بنفسه علما تاما إلا إذا كان عالما بلوازمها ~~والخلق من لوازم مشيئته التي هي من لوازم نفسه فإنه ما شاء كان وما لم يشأ ~~لم يكن ومشيئته من لوازم نفسه # والفلاسفة يعبرون عن أصلهم بقولهم إنه علة تامة والعلم بالعلة التامة ~~يقتضي العلم بالمعلول # ومن سلم منهم أنه يفعل باختياره وسماه مع ذلك ms2128 علة فالنزاع معه لفظي ~~والمعنى صحيح فإنه حينئذ مع قدرته على الشيء إذا شاءه وجب وجوده فما شاء ~~كان فهو بمشيئته وقدرته موجب لوجود ما شاءه والعلم بالموجب التام يوجب ~~العلم بموجبه # وأما من لم يسلم أنه يفعل باختياره فهذا القول باطل من جهة نفيه لاختياره ~~لا من جهة أن كونه فاعلا يوجب العلم بالمفعول فإنه قدر أنه فاعل على هذا ~~الوجه كان علمه بنفسه يوجب علمه بمفعولاته لأن العلم بالموجب التام يوجب ~~العلم بالموجب # ففي الجملة لا يكون عالما بنفسه إن لم يكن عالما بلوازمها وقدرته وإرادته ~~من لوازمها ومراده من لوازم الإرادة فالمفعولات لازمة PageV10P113 ~~للإرادة اللازمة لذاته ولازم اللازم لازم ومجرد النظر إلى كونه مستلزما ~~لمفعوله يوجب العلم مع قطع النظر عن توسط الإرادة لكن هي ثابتة في نفس ~~الأمر وإن لم يستحضر المستدل ثبوتها # وهذا الدليل يستقيم على أصول أهل السنة الذين يقولون إرادته من صفاته ~~التي هي من لوازم ذاته # وأما القدرية الذين ينكرون قيام إرادة به فينفونها أو يقولون أحدث إرادة ~~لا في محل فهؤلاء يقولون القادر المختار يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح وهؤلاء ~~لا يسلكون هذه الطريق # وهذا الدليل مأخوذ من معنى قوله { ألا يعلم من خلق } سورة الملك 14 ~~ودلالة الآية تقرر بطريق ثان وهو أن يقال خلق الخالق مشروط بتصور للمخلوق ~~قبل أن يخلقه فإن الخلق إنما يخلق بالإرادة والإرادة مشروطة بالعلم فإرادة ~~ما لا يشعر به محال وإذا كان إنما يخلق بإرادته وإنما يريد ما يصوره لزم من ~~ذلك أن يعلم كل ما خلقه # وهذه الطريقة هي طريقة مشهورة لنظار المسلمين والقرآن قد دل عليها والعقل ~~الصريح يدرك صحتها وطرد هذه الدلالة على أصول أهل السنة أن من سوى الله لا ~~يخلق شيئا لأنه لا يحيط علما بجزئيات أفعاله فلا يكون خالقا لها وإن كان ~~شاعرا بها من بعض الوجوه ومريدا لها من بعض الوجوه فهو فاعل لها من ذلك الوجه # وهذه الطريقة هي الطريقة التي سلكها الأشعري في كون العبد ms2129 ليس خالقا لفعل نفسه PageV10P114 # قال لو كان خالقا لها لكان محيطا بتفاصيلها واللازم منتف لكن الأشعري ~~وطائفة فرضوا الكلام في العاقل الذي يفعل مع الغفلة # وطائفة أخرى قالوا لا يحتاج إلى فرض في العاقل بل كل فاعل من الآدميين لا ~~يحيط علما بتفاصيل أفعاله لكنه يشعر بها من حيث الجملة ولهذا كان العبد لا ~~يريد شيئا إلا بعد شعوره به فهو يتصور المراد تصورا مجملا وإن لم يكن مفصلا ~~وهذا مما علم به الناس أن الفاعل المريد لا بد أن يتصور المراد وإن لم تكن ~~إرادتهم مثل إرادة الرب ولا علمهم كعلمه كما أنهم يعلمون أن العبد فاعل ~~لأفعاله وإن لم يكن خالقا لها # وهذا القول الوسط وهو إثبات كون الرب خالقا لكل شيء مع كون أفعال العباد ~~مخلوقة له ومع كونها أفعالا للعباد أيضا وأن قدرة العباد لها تأثير فيها ~~كتأثير الأسباب في مسبباتها وأن الله خالق كل شيء بما خلقه من الأسباب وليس ~~شيء من الأسباب مستقلا بالفعل بل هو محتاج إلى أسباب أخر تعاونه وإلى دفع ~~موانع تعارضه ولا تستقل إلا مشيئة الله تعالى فإنه ما شاء كان وما لم يشأ ~~لم يكن فما شاء الله كان وإن لم يشأ العباد وما لم يشأ لم يكن ولو شاء العباد # وهذا الذي عليه سلف الأمة وأئمتها وجمهورها وليس المقصود هنا الكلام في ~~مسائل القدر وإنما المقصود الكلام في تحقيق علم الله # الطريق الثالث الذي به نعلم أن علمه بنفسه يوجب علمه بمخلوقاته أن يقال ~~كل ما كان من صفات الرب وأفعاله فليس هو PageV10P115 ~~موقوفا على شيء سواه فلا شريك له بوجه من الوجوه فهو نفسه موجب تام لجميع ~~صفاته وهو بصفاته موجب لجميع مفعولاته فإذا كان عالما بنفسه لم يمكن أن ~~يكون عالما بذاته دون صفاته فإن ذلك ليس علما بنفسه فإن الذات المجردة عن ~~الصفات ليست ذاته ولا وجود لها وإذا علم صفاته لزم من ذلك علمه بأفعاله ~~وإلا لم يكن عالما بصفاته لأنه إذا علم أنه ms2130 خالق للعالم لم يعلم كونه خالقه ~~إن لم يعلم العالم وإلا فالعلم بكونه خالقا للعالم مع عدم العلم بالعالم ~~بمنزلة كونه خالقا للعالم بدون وجود العالم وهذا ممتنع فذاك ممتنع # ولو قدر نفي الصفات فالعلم بكونه خالقا للعالم يوجب العلم بالعالم وهم ~~يعبرون عن ذلك بكونه علة ومبدأ ونحو ذلك من العبارات التي يشترك فيها هم ~~والمسلمون # وكونه مبدعا وفاعلا فالعلم بنفسه يوجب العلم بكونه فاعلا وإلا لم يكن ~~عالما بنفسه والعلم بكونه فاعلا يوجب العلم بالمفعول كما أن يحقق ذاته تحقق ~~كونه فاعلا لأن وجود ذاته الفاعلة للعالم بدون كونها فاعلة ممتنع ووجود ~~فعلها بدون العالم ممتنع وكون الفعل قديم العين أو النوع أو حادثهما مسألة ~~أخرى وكون العلم قديما أو حادثا واحدا أو متعددا فالمقصود هنا إثبات أنه ~~عالم بكل موجود إذ كل موجود مفعوله وهذا يتناول علمه بكل موجود وكل موجود ~~جزئي فهو يقتضي علمه بكل جزئي PageV10P116 # قال تعالى { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من ~~خلق وهو اللطيف الخبير } سورة الملك 13 14 وقد استدل طوائف من أهل السنة ~~بهذه الآية على أنه خالق أقوال العباد وما في صدورهم # وهذه الآية تدل على كونه عالما بالجزئيات من طرق # أحدها من جهة كون الخلق يستلزم العلم بالمخلوق # والثاني من جهة كونه في نفسه لطيفا خبيرا وذلك يوجب علمه بدقيق الأشياء وحفيها # ثم يقال اللطيف الخبير علمه بنفسه أولى من علمه بغيره وعلمه بنفسه مستلزم ~~لعلمه بلوازم ذاته كما تقدم فقد تضمنت الآية هذه الطرق الثلاثة # وقد اعترض الرازي على ما قرره ابن سينا من كون علمه بذاته يستلزم علمه ~~بمفعولاته فقال في شرحه كنا قد بينا في الأبواب السالفة أنه عالم بذاته ~~وبسائر المعلومات والآن نريد أن نبحث عن كيفية حصول تلك العالمية له فنقول # قد بينا قبل هذا الفصل أن علمه بالأشياء لا بد وأن يكون PageV10P117 ~~حاصلا له لذاته فنقول إنه يجب أن يعلم ذاته بذاته ثم إذا علم ذاته فذاته ms2131 ~~علة لما بعده يجب أن يعلم من ذاته كونه علة لما بعده فإذا علم ذاته علم لا ~~محالة معلوله ثم يلزم من علمه بمعلوله علمه بسائر المعلولات النازلة من ~~عنده طولا وعرضا أما طولا فكالعقول التي كل واحد منها علة للعقل الذي تحته ~~وأما عرضا فكما إذا صدر شيئان أو أكثر عن علة واحدة كما يقال إنه يصدر عن ~~كل عقل عقل ونفس وفلك معا # قال ولقائل أن يقول لم قلتم إن علمه بذاته يقتضي علمه بمعلوله بيانه أنكم ~~إما أن تقولوا إن علمه بذاته من حيث إنها تلك الذات المخصوصة علة لعلمه ~~بمعلوله أو تقولوا إن علمه بذاته من حيث إنها علة لذلك المعلول يقتضي وجوده ~~بذلك المعلول والأول ممنوع فلم قلتم إن علمه بذاته المخصوصة التي من جملة ~~لواحقها واعتباراتها كونها علة لذلك المعلول PageV10P118 ~~يقتضي العلم بذلك المعلول # وظاهر أن هذه المقدمة ليست بدهية بل لا بد فيها من الدلالة وأنتم ما ~~ذكرتم الدلالة عليها # واما الثاني فباطل لأن علمه بأن ذاته علة للشيء الفلاني علم بإضافة ~~مخصوصة بين ذاته وبين ذلك الشيء والعلم بإضافة أمر إلى أمر مسبوق بالعلم ~~بكل واحد من المضافين فلو كان العلم بذلك المعلول مستفادا من العلم بتلك ~~الإضافة لزم الدور وأنه محال # قلت فيقال في الجواب عما ذكره الرازي قوله إن قلتم إن علمه بذاته من حيث ~~إنها تلك الذات المخصوصة علة لعلمه بمعلوله فهو ممنوع وهذه المقدمة ليست ~~بدهية فلا بد لها من الدليل # فيقال هي بعد التصور التام بديهية وبدون التصور التام تفتقر إلى بيان ~~وذلك لأن العلم بذاته المخصوصة لا يكون علما بها إلا مع العلم بلوازمها ~~التي تلزم الذات بنفسها ولا تفتقر في لزومها لها إلى سبب منفصل فإن هذه ~~اللوازم هي عند نظار المسلمين كلها صفات ذاتية فإنهم لا يفرقون في الصفات ~~اللازمة للموصوف بين الذاتي المقوم والعرضي الخارج بل الجميع عندهم ذاتي ~~بمعنى أنه لازم لذات الموصوف لا تتحقق الذات إلا بتحققه PageV10P119 # وأما كون بعض الصفات ms2132 داخلة في الذات وبعضها خارجا فإن أريد بذلك أن بعضها ~~داخل فيما يتصور الذهن وينطق به اللسان فهذا حق ولكن يعود الدخول والخروج ~~إلى ما يدخل في علمه وكلامه وما يخرج عن ذلك # وإن أريد بذلك أن نفس الموجود في الخارج بعض صفاته اللازمة داخل في ~~حقيقته وبعضها خارج عنها فهذا باطل كما قد بسط # وأما على طريقة المنطقيين فالصفات اللازمة إما ذاتية يتعذر معرفة الموصوف ~~بدونها وإما لازمة لماهيته أو لازمة لوجوده وهذه اللوازم لا بد لها من لازم ~~بغير وسط لئلا يلزم التسلسل كما قرر ذلك ابن سينا في الاشارات واللازم بوسط ~~هو اللازم بتوسط دليل لا بتوسط علة مبينة له فجميع اللوازم لازمة للذات ~~بغير توسط شيء في الخارج # هذا مراده وإن أريد بذلك أن من اللوازم شيئا يلزم توسط في الخارج فذلك ~~الوسط لازم لآخر بنفسه فلا بد على كل تقدير من لازم بنفسه وللازم لازم وهلم جرا # وحينئذ فإذا عرف نفسه التي لها لوازم لا توجد إلا بها فيلزم من معرفته ~~بها معرفته بلوازمها كما يلزم من وجودها وجود لوازمها وإلا لم تكن المعرفة ~~معرفة بها فكما أن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع PageV10P120 ~~فالمعرفة به بدون معرفة لازمة ممتنعة وإنما تقع الشبهة في هذا الموضع لظن ~~الظان أن التصور الناقص معرفة به وليس كذلك فإن الشعور مراتب وقد يشعر ~~الإنسان بالشيء ولا يشعر بغالب لوازمه ثم قد يشعر ببعض اللوازم دون بعض # ونحن لا نعرف شيئا من الأشياء على الوجه التام بل لو علمنا شيئا على ~~الوجه التام لعلمنا لوازمه ولوازم لوازمه فلا يكون علمنا بشيء من الأشياء ~~مماثلا لعلم الرب # ولهذا لما تكلم الناس في دلالة المطابقة والتضمن والالتزام فاعتبر بعضهم ~~اللزوم مطلقا واعتبر بعضهم اللزوم الذهني قالوا لأن اللزوم الخارجي لا ~~نهاية له لأن للازم لازما وللازم لازما فلفظ البيت إذا دل على الحيطان ~~والأرض والسقف بالمطابقة وعلى بعض ذلك بالتضمن فهو مستلزم للأساس ولأساس ~~الأساس وللصانع ولأب الصانع ولأب أبيه ولصانع الآلات ms2133 وأمور أخر فيجب اعتبار ~~اللزوم الذهني # فيقال لهم اللزوم الذهني ليس له ضابط فإنه قد يخطر لهذا من اللوازم ما لا ~~يخطر لهذا # فإن قلتم كل ما خطر للمستمع لزومه فقد دل اللفظ عليه باللزوم وإلا فلا # قيل لهم فحينئذ يخطر له لزوم هذا ثم لزوم هذا ويلزم ما ذكرتم من التسلسل ~~فلا فرق PageV10P121 # وحينئذ فالتحقيق أن كلا اللزومين معتبر فاللزوم الخارجي ثابت في نفس ~~الأمر وأما معرفة المستمع به فموقوف على شعوره باللزوم فمهما شعر به من ~~اللوازم استدل عليه باللزوم وليس لذلك حد بل كل ملزوم فهو دليل على لازمه ~~لمن شعر بالتلازم # وهذا هو الدليل فالدليل أبدا مستلزم للمدلول من غير عكس وليس المراد ~~بدلالة الالتزام أن المتكلم قصد أن يدل المستمع بها فإن هذا لا ضابط له بل ~~المراد أن المستمع يستدل هو بثبوت معنى اللفظ على ثبوت لوازمه وهي دلالة ~~عقلية تابعه للدلالة الإرادية وجعلت من دلالة اللفظ لأنه دل على اللازم ~~بتوسط دلالته على الملزوم # وفي الجملة فكل دليل في الوجود هو ملزوم للمدلول عليه ولا يكون الدليل ~~إلا ملزوما ولا يكون ملزوم إلا دليلا فكون الشيء دليلا وملزوما أمران ~~متلازمان وسواء سمى ذلك برهانا أو حجة أو أمارة أو غير ذلك # وأما كونه علة فأخص من كونه دليلا فكل علة فهي دليل على المعلول وليس كل ~~دليل علة # ولهذا كان قياس الدلالة أعم من قياس العلة وإن كان قياس العلة أشرف لأنه ~~يفيد السبب العلمي والعيني وقياس الدلالة إنما يفيد السبب العلمي # ولهذا يعظمون برهان اللمية على برهان الإنية ويقولون برهان لم أشرف من ~~برهان إن PageV10P122 # فمن كان علمه أكمل العلوم وقد علم علة كل موجود كيف لا يكون عالما بأكمل ~~دليل يدل على كل موجود # ولو قدر أن الواحد منا يعلم الرب على ما هو عليه لكان عليما بكل شيء لكن ~~قوانا تعجز عن ذلك وأما هو سبحانه فهو يعلم نفسه وهي ملزومة لكل موجود ~~وخالقة لكل شيء وموجبة بمشيئتها وقدرتها لكل ms2134 شيء وبلغتهم هي علة لكل شيء # وهو سبحانه الدليل والبرهان على كل شيء من هذه الجهة ومن جهة أنه يدل ~~عباده بإعلامه وهدايته وكلامه فإذا كان هو سبحانه عالما بنفسه المستلزمة ~~لكل شيء التي هي دليل على كل شيء وموجبة لكل شيء وباصطلاحهم علة لكل شيء ~~وجب أن يكون عالما بكل شيء وإلا لم يكن عالما بنفسه بل كان عالما ببعض ~~أحوال نفسه والتقدير أنه عالم بنفسه # ثم يقال الموجب لعلمه بنفسه يوجب علمه بجميع أحوال نفسه كما سيأتي تقريره ~~ويمتنع أن يخص علمه ببعض أحوال نفسه إذ لا موجب للتخصيص بل الموجب للتعميم ~~قائم وإذا كان عالما بجميع أحوال نفسه وجب ضرورة أن يعلم لوازمها # واعلم أن المقصود هنا أن علمه بنفسه يستلزم علمه بخلقه ويمتنع وجوده ~~بدونه كما يستلزم العلم بالدليل على الوجه التام العلم بالمدلول عليه ~~ويمتنع وجوده دونه # وأما كون العلم بنفسه أوجب ذلك وكان علة في وجوده فهذا PageV10P123 ~~وإن كان المتفلسف قد يقوله فلا حاجة بنا إليه بل لا يجوز أن يقال ذلك كما ~~لا يجوز أن يقال علمه بالدليل سبب لعلمه بالمدلول عليه فإن علمه سبحانه ليس ~~باستدلالي بحيث يستفيد العلم بهذا من العلم بهذا سواء كان الدليل علة أو لم يكن # بل هذا مما يطعن به في كلام بعض هؤلاء المتفلسفة الذين جعلوا علمه من هذا ~~الباب فإن علمه سبحانه من لوازم نفسه ونفسه المقدسة مستوجبة للعلم بكل شيء # كما دل عليه قوله تعالى { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } سورة ~~الملك 14 فإنه في نفسه لطيف خبير يمتنع أن يخفى عليه شيء # لكن المقصود هنا أن علمه بنفسه مستلزم لعلمه بخلقه فيمتنع أن يكون عالما ~~بنفسه علما تاما بدون علمه بخلقه # وحينئذ فنحن نستدل بعلمه بنفسه على أنه عالم بخلقه كما نستدل بكل ملزوم ~~على لازمه وإن كان هو سبحانه لا يحتاج إلى شيء من الاستدلالات # ولهذا كان من القضايا الصادقة قول القائل العلم بالسبب يوجب العلم ~~بالمسبب أي العلم بالسبب ms2135 التام وهو العلة التامة فإذا علمنا أن الخشبة وقع ~~فيها نار لا تطفأ علمنا أنها تحترق # وهو سبحانه رب كل شيء ومليكه وهو بمشيئته وقدرته موجب لكل موجود فعلمه ~~بنفسه يستلزم علمه بمخلوقاته أعظم من استلزام PageV10P124 ~~علم كل عالم بكل علة لكل معلول فإنه ما من علة تفرض لمعلول وموجب مقدر ~~لموجب إلا وهو سبحانه في فعله وإيجابه أكمل من ذلك في إيجابه واقتضائه # وما من عالم يفرض علمه بعلة إلا وعلم الرب بنفسه أكمل من علم كل عالم ~~بتلك العلة فإن علم كل حي بنفسه أكمل من علمه بغيره فكيف بعلم رب العالمين بنفسه # وحينئذ فالعلم بهذا الدليل يستلزم العلم بمدلوله أعظم من استلزام كل علم ~~بكل دليل لكل مدلول وعلمه بنفسه بكون هذا الموجب أو العلة او المبدأ أو ~~السبب يوجب العلم بموجبه ومعلوله أكمل من علم كل عالم بكل موجب وعلة # وكلما تدبر العاقل هذه المعاني ولوازمها تبين له أن كون علمه بنفسه ~~يستلزم علمه بمخلوقه عند التصور التام هي من أعظم البديهيات وعند النظر ~~والاستدلال هي من أعظم القضايا التي تقوم عليها الأدلة النظرية # ومما يبين ذلك أنه إذا كان عالما بنفسه فإن قيل هو يفعل المخلوقات ولا ~~يشعر بأنه يفعل فهذا يمتنع أن يكون شاعرا بنفسه فإنه ما من عالم بنفسه يقدر ~~أنه يفعل شيئا إلا ولا بد أن يعلم أنه يفعله بل لا بد أن يتصور مفعوله مع ~~غفلته عن نفسه فكيف مع علمه بنفسه # فهو يجب أن يعلم مفعوله من جهة علمه بنفسه ومن جهة أنه يفعله بإرادته كما ~~تقدم التنبيه على الطريقين بل العالم بنفسه لو حصل لنفسه حال من غيره لعلم ~~به وإلا لم يكن عالما بها فكيف إذا كانت فاعلة PageV10P125 # وأما قول الرازي على التقدير الثاني إن قلتم إن علمه بذاته من حيث إنها ~~علة لذلك المعلول يقتضي علمه بذلك المعلول لأن علمه بأن ذاته علة للشيء ~~الفلاني علم بإضافة مخصوصة بين ذاته وبين ذلك الشيء والعلم بالإضافة مسبوق ~~بالعلم ms2136 بالمضافين فلو كان العلم المعلول مستفادا من العلم بتلك الإضافة لزم الدور # فيقال له العلم بالإضافة مشروط بالعلم بالمضافين ولا يجب أن يكون العلم ~~بالمضافين متقدما عليه تقدما زمانيا بل لا يكون عالما بالإضافة إلا مع تصور ~~المضاف والمضاف إليه ثم إذا كان المضاف هو العلة للمضاف إليه أمكن أن يكون ~~العلم بها من جهة إنها علة لذلك المعلول مستلزما للعلم بذلك المعلول # والعلم بأنها علة للمعلول يتضمن ثلاثة أشياء العلم بها وهي المضاف الذي ~~هو علة والعلم بالمعلول وهو المضاف الذي هو معلول والعلم بالعلية وهي ~~الإضافة # والثلاثة متلازمة لا يجب أن يتقدم بعضها على بعض بالزمان ولا نقول إن ~~العلم ببعضها يستفاد من العلم ببعض كما ذكره فإن الرب لا يحتاج أن يستدل ~~بشيء من معلوماته عن بعض وإنما يحتاج إلى ذلك من لا يكون عالما بالمدلول ~~حتى يدله عليه الدليل وأما هو فعلمه لكل معلول من لوازم نفسه المقدسة PageV10P126 # ولكن المقصود أن علمه بنفسه وبمخلوقاته متلازمان يمتنع ثبوت العلم بنفسه ~~دون العلم بخلقه كما يمتنع ثبوت العلم بخلقه بدون العلم بنفسه # والرازي لعله رد ما قد يضاف إلى ابن سينا وحزبه من أن علمه بنفسه هو الذي ~~أوجب علمه بخلقه وكان ذلك العلم علة لهذا العلم كعلمنا نحن بالدليل الذي ~~يوجب حكمنا بالمدلول عليه # وما ذكره يدل على فساد قول هؤلاء فإنه إذا قيل إن علمه بكونه علة للمعلول ~~هو الموجب لعلمه بالمعلول لزم الدور كما ذكر فإنه لا يعلم كونه علة للمعلول ~~حتى يعلم المعلول كما ذكره من أن العلم بالإضافة مشروط بالعلم بالمضافين ~~فلا تعلم أن هذا علة لذاك حتى تعلم هذا وذاك فلو كان علمك بذاك مستفادا من ~~علمك بهذه الإضافة لزم الدور # ونحن قد بينا فساد هذا وقلنا المراد إن علمه بهذا يستلزم علمه بهذا أي ~~يمتنع تحقق هذا العلم بدون هذا العلم وإن لم يكن أحدهما هو العلة للآخر كما ~~يمتنع تحقق إرادته دون علمه وعلمه دون قدرته وسائر صفاته المتلازمة ويمتنع ms2137 ~~تحقق ذاته دون صفاته وصفاته دون ذاته فكل منها يستلزم الآخر فيستدل بثبوت ~~واحد منها على ثبوت سائرها إذا عرف بلازمها وإن لم يجعل هذا هو العلة في ~~وجود هذا # ونحن مقصودنا بيان ما دل على أن الله بكل شيء عليم وبيان ما ذكره ابن ~~سينا وغيره من الفلاسفة والمتكلمين مما يدل على ذلك PageV10P127 ~~وإن كان قد يكون فيما يقوله الواحد من هؤلاء باطل وقد يكون قصر في بيان ~~الحق وقد يجتمع الأمران # فنحن نستدل بعلمه لذاته على أنه لا بد أن يعلم مخلوقاته لما بينهما من ~~التلازم الدال على أن ثبوت أحدهما يستلزم ثبوت الآخر لا نحتاج أن نجعل علمه ~~بهذا هو الموجب لهذا # فإن قيل فبتقدير أن لا يكون موجبا فليس معكم ما يدل على أن علمه بذاته ~~يستلزم علمه بمخلوقاته كما أنا إذا قدرنا أن علم أحدنا بالملزوم ليس موجبا ~~لعلمه باللازم لم يكن معنا ما يدل على أنه عالم باللازم # قيل بل كون أحد العلمين مستلزما للآخر ثابت وإن لم يكن أحدهما موجبا ~~للآخر فإن الملزوم أعم من أن يكون علة أو غير علة وإذا قدر أنه ليس علة لم ~~يمتنع أن يكون ملزوما # وإذا كان في بعض الناس ملزوما وعلة لم يجب أن يكون في كل عالم ملزوما ~~وعلة إلا إذا لم يكن للعالم طريق إلى العلم باللازم سوى علمه بعلته # وهذا باطل في حق الله ولا يمكن دعواه فلا يمكن أحدا أن يدعي أن الله لا ~~يمكن أن يعلم شيئا من الموجودات إلا لعلمه بعلته إذ لا دليل على هذا النفي ~~وإذا قدر أن ذاته مستلزمة لنفسها أن تعلم كل شيء لا يخفى عليها شيء أوجب ~~ذلك أن يعلم كل شيء PageV10P128 # وإن قدر أنه غير مفعول له كما يعلم المعدومات والممتنعات التي ليست ~~مفعولة وكما يعلم المقدرات # كقوله { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } سورة الأنعام 28 وقوله { لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } سورة الأنبياء 22 # وإن كان وجود إله غيره ممتنعا ms2138 فعلمه سبحانه بما يعلمه ليس من شرطه كونه ~~مفعولا له بل كونه مفعولا له دليل على أنه يعلمه والدليل لا ينعكس # وكذلك علمه بنفسه مستلزم لعلمه بمخلوقاته وإن لم يكن علمه بنفسه علة ~~لعلمه بمخلوقاته # فينبغي تدبر هذه المعاني الشريفة فإنه يبين كثرة الطرق البرهانية الدالة ~~على علمه سبحانه بخلاف من يقول لا يمكننا إثبات علمه إلا بطريق الإرادة ~~ونحو ذلك # وهكذا كلما كان الناس أحوج إلى معرفة الشيء فإن الله يوسع عليهم دلائل ~~معرفته كدلائل معرفة نفسه ودلائل نبوة رسوله ودلائل ثبوت قدرته وعلمه وغير ~~ذلك فإنها دلائل كثيرة قطعية وإن كان من الناس من قد يضيق عليه ما وسعه ~~الله على من هداه كما أن من الناس من يعرض له شك وسفسطة في بعض الحسيات ~~والعقليات التي لا يشك فيها جماهير الناس # والمقصود هنا أنا نحن أخرجنا الله من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا فنفتقر ~~في حصول العلم لنا إلى أسباب غير أنفسنا ومن الأشياء ما نعلمها PageV10P129 ~~بمشاعرنا بلا دليل ومنها ما نفتقر في العلم به إلى دليل فلا نكون عالمين به ~~حتى نعلم الدليل الذي يستلزم في علمنا به بالمدلول عليه # والرب تعالى علمه من لوازم نفسه المقدسة وكذلك قدرته لم يستفد شيئا من ~~صفاته المقدسة من غيره ولم يحتج إلى سواه بوجه من الوجوه بل هو الغني عن كل ~~ما سواه # وإذا قدر أن علمه بالملزوم شرط في علمه باللازم كما أن وجود الملزوم شرط ~~في وجود اللازم وإبداعه للملزوم شرط في إبداعه للازم كما أن خلقه للأب من ~~حيث هو أب شرط في خلق الابن فالابن لا يكون ابنا إن لم يكن له أب فلا بد في ~~خلق الابن من خلق الأب قبله # فهو سبحانه خالق الملزوم واللازم وعالم بالملزوم واللازم وكل ما سواه هو ~~مما خلقه بمشيئته وقدرته فليس مفتقرا في شيء من الأمور إلى شيء سواه # وقول القائل علمه بهذا شرط في علمه بهذا معناه أنه لا يوجد علمه بهذا إلا ~~مع وجود ms2139 علمه بهذا ليس المراد به أنه يكون العلم بأحدهما متقدما موجودا مع ~~عدم العلم الآخر فإن الشرط لا يجب أن يتقدم المشروط بل لا بد من وجوده معه ~~بخلاف العلة # فإذا قيل ليس علمه بهذا علة لهذا وإنه لم يستفد علمه بهذا من علمه بهذا ~~ولا استدل على هذا بهذا لم يكن في هذا نفي كون أحد PageV10P130 ~~العلمين شرطا في الآخر أي ملزوما له بل ولا نفي كون كل منهما شرطا في الآخر ~~وملازما له كما أن العلم والقدرة أو الإرادة كل منهما لا يوجد إلا مع الآخر ~~وهو ملازم له فوجوده شرط في وجوده بهذا الاعتبار وإن لم يكن أحدهما علة ~~لوجود الآخر # وكذلك علمه بنفسه المقدسة هو مستلزم لعلمه بمخلوقاته وشرط في علمه بها ~~فلا يكون عالما بمخلوقاته إلا وهو عالم بنفسه وإن لم يكن علمه بنفسه هو ~~العلة لعلمه بمخلوقاته وإن ولم يكن محتاجا أن يستدل بعلمه بنفسه على علمه ~~بمخلوقاته بل نفس ذاته المقدسة اقتضت العلم بهذا وبهذا # وإن كان أحد الأمرين شرطا في الآخر فكونه شرطا في الآخر غير كونه علة فإن ~~الشرط لا يجب أن يتقدم على المشروط والعلة يجب تقدمها على المعلول والشرط ~~لا يوجب المشروط والعلة توجب المعلول # فما علمه من مخلوقاته فعلمه به مشروط بعلمه بنفسه ويلزم من علمه بنفسه ~~علمه به ويلزم من علمه به علمه لنفسه وإن لم يكن أحد العلمين يجب أن يتقدم ~~على الآخر ولا يكون هو العلة في وجود الآخر ولا يحتاج أن يستدل بأحد ~~المعلومين على الآخر # فلهذا كان علمه بأنه خالق يستلزم العلم بالمخلوقات من وجهين PageV10P131 # من جهة أن علمه بأنه خالق لا يكون إلا مع علمه بالمخلوقات لأن العلم ~~بالإضافة يتضمن العلم بالمتضايفين # ومن جهة أنه عالم بنفسه علما تاما # وكونه خالقا من صفات نفسه فلا يكون عالما بنفسه علما تاما إلا مع علمه ~~بأنه خالق ولا يكون عالما بأنه خالق إلا مع علمه بالمخلوقات # ومما ينبغي أن يعرف أن كلا من المتلازمين ms2140 يلزم من وجوده وجود الآخر فكل ~~منهما يصلح في حقنا أن نستدل به على الآخر فنستدل على هذا بذاك تارة ونستدل ~~بذاك على هذا تارة # إما أن نستدل على المجهول منهما بالمعلوم أو نستدل بالمعلوم على المعلوم ~~لبيان أنه دليل عليه أيضا ولتقوية العلم ولحصوله في النفس تارة بهذا الدليل ~~وتارة بهذا إذا عزب عنها علمه بالآخر فإن النفس قد تعلم الشيء ثم يعزب عنها ~~فإذا كثرت الأدلة كان كل منها يقتضي العلم به إذا قدر عزوب غيره من الأدلة # ولهذا جاز تعدد الأدلة الكثيرة على المدلول الواحد وكل ما يصلح أن يستدل ~~به على غيره فإن علم الرب به يستلزم علمه بالمدلول عليه لامتناع العلم ~~التام بالملزوم بدون العلم باللازم وإن كان هو سبحانه لا يحتاج أن يستدل ~~بالعلم بأحدهما على العلم بالآخر فهذا هذا # ومرادنا بيان ما يذكره الناس من الدلالة على الحق فإن قصروا في بيان ~~الدليل تممناه وإن قالوا بخلاف موجبه من وجه آخر أبطلناه PageV10P132 # وهذه حال ابن سينا وأمثاله في تقرير علم الله تعالى فإن كلامه في العلم ~~فيه تقصير عظيم من وجهين من جهة تقصيره في بيان ما ذكره من الحق ومن جهة ما ~~ذكره من الباطل فإنه ذكر حقا وذكر ما يستدل به عليه لكنه لم يعرف البيان ~~حقه من جهة انه لم يعط الدليل حقه في التزام ما يلزمه ومن جهة أن بعض ~~المقدمات قد تقصر في بيانها وإلا فالمادة التي سلكها في الدلالة مادة جيدة ~~مستقيمة إذا أعطيت حقها كانت مما تبين أن الله بكل شيء عليم من الجزئيات ~~والكليات # ولهذا كان الذين قدحوا في دلالة ابن سينا كالغزالي والشهرستاني والرازي ~~إنما يقدحون بكونه لم يقرر مقدماته أو بكونه لم يقل بموجبها ولم يلتزم ~~لوازمها بل تناقض فيوردون عليه سؤال الممانعة والمعارضة المنع لكونه لم ~~يقرره والمعارضة لكونه قد ناقض موجبها # وهذان السؤالان إذا توجها فإنما يدلان على قصور ابن سينا لا على قصور ~~مادة الدليل الذي استدل به بل هو ms2141 من أحسن المواد وهو مما يعلم به أن الله ~~بكل شيء عليم بالكليات والجزئيات # ونحن نذكر من كلامهم ما يبين ما ذكرناه # قال الغزالي مسألة في تعجيز من يرى منهم أن الأول يعلم غيره ويعلم ~~الأجناس والأنواع بنوع كلي PageV10P133 # فنقول أما المسلمون يعني المتكلمين الذين هم يذبون عنده عن المسلمين لما ~~انحصر عندهم الموجود في حادث وقديم ولم يكن عندهم قديم إلا الله وصفاته ~~وكان ما عداه حادثا من جهته بإرادته حصلت عندهم مقدمة ضرورية في علمه فإن ~~المراد بالضرورة لا بد أن يكون معلوما للمريد فبنوا عليه أن الكل معلوم له ~~لأن الكل مراد له وحادث بإرادته ولا كائن إلا وهو حادث بإرادته ولم يبق إلا ~~ذاته ومهما ثبت أنه مريد عالم بما أراده فهو حي بالضرورة وكل حي يعرف غيره ~~فهو بان يعرف ذاته أولى فصار الكل عندهم معلوما لله وعرفوه بهذه الطريق بعد ~~أن بان لهم أنه مريد لإحداث العالم # فأما أنتم إذا زعمتم أن العالم قديم لم يحدث بإرادته فمن أين عرفتم أنه ~~يعرف غير ذاته فلا بد من الدليل عليه # قال وحاصل ما ذكره ابن سينا في تحقيق ذلك في إدراج كلامه يرجع إلى فنين PageV10P134 # قلت ما ذكره الغزالي من الاستدلال بالإحداث على العلم طريق صحيح يوصل إلى ~~تقرير أنه بكل شيء عليم لكن الطرق إلى ذلك كثيرة متعددة لم تنحصر في هذه ~~الطريق لا سيما إذا أريد تقرير حدوث العالم بحدوث الأجسام وامتناع حوادث لا ~~أول لها كما سلكه # فإن هذه الطريق مبتدعة في الإسلام باتفاق علماء الإسلام وهي باطلة عند ~~أئمة الإسلام وجمهور العقلاء والعلم بكون الرب مريدا لا يقف على هذه الطريق ~~بل ولا على العلم بحدوث الأجسام بل يكفي في ذلك مجرد العلم بأنه فاعل حتى ~~أن كثيرا من الفلاسفة القائلين بقدم العالم يقول إنه مريد وإنه عالم ~~بالجزئيات كما ذهب إلى ذلك من ذهب إليه من الفلاسفة وهو الذي نصره أبو ~~البركات فهؤلاء يثبتون العلم بطريق الإرادة # وأما المسلمون الذين ms2142 يقولون إن كل ما سوى الله مخلوق فأئمتهم وجمهورهم لا ~~يثبتون ذلك بامتناع حوادث لا أول لها كما سلكه الجهمية والمعتزلة ومن ~~اتبعهم بل هذا من الكلام المذموم عند السلف والأئمة # وأيضا فالرب إذا عرف أنه عالم بمخلوقاته لأنه خلقهم بإرادته علم أنه إذا ~~كان عالما بكل ما سواه فعلمه بنفسه أولى فإن هذه المقدمة لا تحتاج إلى ~~توسيط كونه حيا وإن كان ذلك طريقا صحيحا وإن كانت الحياة شرطا في كونه ~~عالما لكن ليس كل ما كان شرطا في الوجود كان العلم به شرطا في الاستدلال ~~فإنه من علم أن الله يعلم كل ما سواه ثم نظر هل يعلم نفسه أم لا علم أن ~~علمه بنفسه أولى من PageV10P135 ~~علمه بكل ما سواه قبل أن يستشعر أنه حي وأن كل حي يعرف غيره فهو بأن يعرف ~~نفسه أولى # بل إذا كانت هذه القضية بينة وهو ان كل حي عرف غيره فهو بأن يعرف ذاته ~~أولى قضية بينه بنفسها فهي بينة وإن لم يذكر فيها كونه حيا إذا علم الإنسان ~~بهذه الأولوية غير مشروط بهذا وإن كانت الحياة شرطا في كل علم # كما أنا إذا علمنا أنه مريد علمنا أنه عالم بما أراده وإن لم يخطر ~~بقلوبنا أنه حي وإن كانت الحياة شرطا في العلم والإرادة فالعلم باستلزام ~~علمه بغيره لعلمه بنفسه لا يقف على العلم بهذه المقدمة وإن كانت هذه ~~المقدمة تفيد هذا المطلوب أيضا # وأيضا فعلم المسلمين بأن الله بكل شيء عليم له طرق غير الاستدلال ~~بالإرادة كما هو مذكور في موضعه # والمقصود كلامه على ما ذكره ابن سينا # قال وحاصل ما ذكره يرجع إلى فنين الأول أنه عقل محض وكل ما هو عقل محض ~~فجميع المعقولات مكشوفة له # إلى أن قال وإن عنيت بأنه عقل أنه يعقل نفسه فربما PageV10P136 ~~يسلم لك إخوانك من الفلاسفة ذلك ولكن يرجع حاصله إلى أن ما يعقل نفسه يعقل غيره # فيقال ولم ادعيت هذا وليس ذلك بضروري وقد انفرد به ابن سينا عن ms2143 سائر ~~الفلاسفة فكيف تدعيه ضروريا وإن كان نظريا فما البرهان عليه # إلى أن قال الفن الثاني قوله إنا وإن لم نقل إن الأول مريد للإحداث ولا ~~إن الكل حادث حدوثا زمانيا فإنا نقول إنه فعله وقد وجد منه إلا أنه لم يزل ~~بصفة الفاعلية فلم يزل فاعلا فلا نفارق غيرنا إلا في هذا المقدار وأما في ~~أصل الفعل فلا وإذا وجب كون الفاعل عالما بالاتفاق بفعله فالكل عندنا من فعله # قال أبو حامد والجواب من وجهين # أحدهما أن الفعل قسمان إرادي كفعل الحيوان والإنسان وطبيعي كفعل الشمس في ~~الإضاءة والنار في التسخين والماء في التبريد # وإنما يلزم العلم بالفعل في الفعل الإرادي كما في الصناعات PageV10P137 ~~البشرية فأما في الفعل الطبيعي فلا # وعندكم أن الله فعل العالم بطريق اللزوم عن ذاته بالطبع والاضطرار لا ~~بطريق الإرادة والاختيار بل لزم الكل ذاته كما يلزم النور الشمس وكما لا ~~قدرة للشمس على كف النور ولا النار على كف التسخين فلا قدرة للأول على الكف ~~عن أفعاله تعالى عن قولهم علوا كبيرا # قال وهذا النمط وإن تجوز بتسميته فعلا فلا يقتضي علما للفاعل أصلا # فإن قيل بين الأمرين فرق وهو أن صدور الكل عن ذاته بسبب علمه بالكل فتمثل ~~النظام الكلي هو سبب فيضان الكل ولا مبدأ له سوى العلم بالكل والعلم بالكل ~~عين ذاته فلو لم يكن له علم بالكل لما وجد منه الكل بخلاف النور من الشمس # قلنا وفي هذا خالفك إخوانك فإنهم قالوا ذاته ذات يلزم منها وجود الكل على ~~ترتيبه بالطبع والاضطرار لا من حيث هو عالم PageV10P138 ~~بها فما المحيل لهذا المذهب مهما وافقتهم على نفي الإرادة # وكما لم يشترط علم الشمس بالنور للزوم النور بل يتبعها النور ضرورة ~~فليقدر ذلك في الأول ولا مانع منه # الوجه الثاني هو أنه إن سلم أن صدور الشيء من الفاعل يقتضي العلم أيضا ~~بالصادر فعندهم فعل الله واحد وهو المعلول الأول الذي هو عقل بسيط فينبغي ~~أن لا يكون عالما إلا به والمعلول ms2144 الأول يكون أيضا عالما بما صدر منه فقط ~~فإن الكل لم يوجد من الله دفعة بل بالوسط والتولد واللزوم فالذي يصدر مما ~~يصدر منه لم ينبغ أن يكون معلوما له ولم يصدر منه إلا شيء واحد بل هذا لا ~~يلزم في الفعل الإرادي فكيف في الطبيعي فإن حركة الحجر من فوق جبل قد تكون ~~بتحريك إرادي يوجب العلم بأصل الحركة ولا يوجب العلم بما يتولد منه بوساطته ~~من مصادمته وكسر غيره فهذا أيضا لا جواب له عنه PageV10P139 # قال فإن قيل فلو قضينا بأنه لا يعرف إلا نفسه لكان ذلك في غاية الشناعة ~~فإن غيره يعرف نفسه ويعرفه ويعرف غيره فكيف يكون في الشرف فوقه وكيف يكون ~~المعلول أشرف من العلة # قلنا فهذه الشناعة لازمة من مقال الفلاسفة في نفي الإرادة ونفي حدوث ~~العالم فيجب ارتكابها كما ارتكبت سائر الفلاسفة له ولا بد من ترك الفلسفة ~~والاعتراف بأن العالم حادث بالإرادة ثم يقال بم تنكرون إلى آخره # قلت ما ذكره أبو حامد من منازعة إخوانه الفلاسفة في أن العلم بنفسه ~~يستلزم العلم بمفعولاته تقدم بيانه له وكون ابن سينا خالفهم في هذا هو من ~~محاسنه وفضائله التي علم فيها ببعض الحق والحجة معه عليهم كما أن أبا ~~البركات كان أكثر إحسانا منه في هذا الباب # فكل من أعطى الأدلة حقها وعرف من الحق ما لم يعرفه غيره كان ذلك مما يفضل ~~به ويمدح وهو لم يقل إن عقله لنفسه مستلزم لغيره بل قال يستلزم عقله ~~لمفعولاته كما تقدم PageV10P140 # والأصول العقلية التي يوافقونه على صحتها توجب موافقتهم له في هذا الموضع ~~كما تقدم # هذا لو كان الفلاسفة كلهم ينفون الإرادة وليس كذلك بل بينهم من يصرح ~~بثبوتها وهو القول الذي نصره أبو البركات منهم # ومنهم من يحكي إثبات الإرادة عنهم مطلقا كما اختاره ابن رشد عنهم فإنه ~~قال في تهافت التهافت استفتح أبو حامد هذا الفصل بأن حكى عن الفلاسفة شيئا ~~شنيعا وهو أن الباري ليس له إرادة لا في الحادث ولا ms2145 في الكل لكون فعله ~~صادرا عن ذاته ضرورة كصدور الضوء من الشمس ثم يحكى عنهم أنهم قالوا من كونه ~~فاعلا يلزم أن يكون عالما # قال والفلاسفة ليس ينفون الإرادة عن الباري تعالى ولا يثبتون له الإرادة ~~البشرية لأن البشرية إنما هي لوجود نقص في المريد وانفعال عن المراد فإذا ~~وجد المراد له تم النقص وارتفع ذلك الانفعال المسمى إرادة وإنما يثبتون له ~~من معنى الإرادة أن PageV10P141 ~~الأفعال الصادرة عنه هي صادرة عن علم وكل ما صدر عن علم وحكمة فهو صادر ~~بإرادة الفاعل لا ضروريا طبيعيا إذ ليس عن طبيعة العلم صدور الفعل عنه كما ~~حكى هو عن الفلاسفة لأنا إذا قلنا يعلم الضدين لزم أن يصدر عنه الضدان معا ~~وذلك محال فصدور أحد الضدين عنه يدل على صفة زائدة على العلم وهي الإرادة # هكذا ينبغي أن يفهم ثبوت الإرادة في الأول عند الفلاسفة فهو عندهم عالم ~~مريد عن علمه ضرورة # وقال ابن رشد أيضا وأما قول أبي حامد إن الفعل قسمان إما طبيعي وإما ~~إرادي فباطل بل فعله عند الفلاسفة لا طبيعي بوجه من الوجوه ولا إرادي ~~بإطلاق بل إرادي منزه عن النقص الموجود في إرادة الإنسان وكذلك اسم الإرادة ~~مقول عليهما باشتراك الاسم كما أن اسم العلم كذلك على العلمين القديم ~~والحادث فإن الإرادة في الحيوان والإنسان انفعال لا حق له عن المراد فهي ~~معلولة عنه PageV10P142 # هذا هو المفهوم من إرادة الإنسان والباري سبحانه منزه عن أن يكون فيه صفة ~~معلولة فلا يفهم من معنى الإرادة إلا صدور الفعل مقترنا بالعلم وأن العلم ~~كما قلناه يتعلق بالضدين ففي العلم الأول بوجه ما علم بالضدين ففعله أحد ~~الضدين دليل على أن هنا صفة أخرى وهي التي تسمى إرادة # قلت ابن رشد يتعصب للفلاسفة فحكايته عنهم أنهم يقولون إنه مريد كحكايته ~~عنهم إنهم يقولون إنه عالم بالمخلوقات ولا ريب أن كلاهما قول طائفة منهم ~~وأما نقل ذلك عن جملتهم أو المشائين جملة فغلط ظاهر ولكن الذي انتصر لثبوت ~~هذا وهذا ms2146 انتصارا ظاهرا أبو البركات ونحوه وابن رشد هو في إثبات ذلك دونه ~~وابن سينا دونهما # ولا ريب أن كلام أرسطو في الإلهيات كلام قليل وفيه خطأ كثير بخلاف كلامه ~~في الطبيعيات فإنه كثير وصوابه فيه كثير # وهؤلاء المتأخرون وسعوا القول في الإلهيات وكان صوابهم فيها أكثر من صواب ~~أوليهم لما اتصل إليهم من كلام أهل الملل وأتباع الرسل وعقول هؤلاء ~~وأنظارهم في الإلهيات فإن بين كلام هؤلاء في الإلهيات وكلام أرسطو وأمثاله ~~تفاوتا كثيرا PageV10P143 # والمقصود أن ما ذكره أبو حامد من أنه إنما يلزم العلم بالفعل في الفعل ~~الإرادي فكلام صحيح وهذا يدل على أن الفعل إذا كان إراديا لزم كون الفاعل ~~عالما بفعله فنستدل بكونه مريدا على كونه عالما وهو استدلال صحيح ويقتضي ~~أنه إذا قدر نفي اللازم وهو العلم انتفت الإرادة وهو أيضا صحيح # وكذلك ما ذكره من أن العلم لا يلزم إلا في الفعل الإرادي لا في الفعل ~~الطبيعي الذي ليس بإرادي فإذا قدر فعل ليس بإرادي لم يلزم كون الفاعل عالما ~~هو كلام صحيح # وعلى هذا فإذا قدر أن الفاعل عالم لزم ان يكون الفعل إراديا لأن الفعل ~~الإرادي مستلزم للعلم وغير الإرادي مستلزم لنفيه وإذا انتفى اللازم انتفى ~~الملزوم وإذا ثبت الملزوم ثبت اللازم # فالإرادة ملزومة للعلم والعلم لازم لها ونفي الإرادة ملزوم لنفي العلم ~~ونفي العلم ملزوم لنفي الإرادة # فإذا قدر ثبوت العلم لزم انتفاء نقيضه وهو نفي العلم ولازم نقيضه وهو ~~انتفاء الإرادة وإذا انتفى هذا الانتفاء ثبت نقيضه وهو الإرادة # وإيضاحه أن العلم لازم للإرادة كما ذكروا أن كل مريد فهو عالم فما ليس ~~بعالم ليس بمريد وهذا الذي يسمونه عكس النقيض فإن العلم لازم للإرادة فإذا ~~انتفى اللازم وهو العلم انتفى الملزوم وهو الإرادة PageV10P144 # وذكروا أن الفعل الذي ليس بإرادي مستلزم لنفي العلم فإذا انتفت الإرادة ~~في الفعل لزم نفي العلم فإذا انتفى هذا اللازم وهو نفي العلم انتفى ملزومه ~~وهو انتفاء الإرادة فحصلت الإرادة فصار يلزم من ثبوت العلم في ms2147 الفعل ثبوت ~~الإرادة ومن نفيه نفيها ومن ثبوتها ثبوته ومن انتفائها انتفاؤه # وهذا بين إذ كان كل فعل بالإرادة فمعه العلم وكل فعل ليس بإرادة فلا علم ~~معه فينعكس كل منهما عكس النقيض # فيقال كل ما ليس معه علم فليس معه إرادة وكل ما معه علم فمعه إرادة فهذا ~~يفيد أنه يلزم في الفعل من ثبوت كل واحد من العلم والإرادة ثبوت الآخر ومن ~~انتفائه انتفاؤه وهذا حق وهو يدل على فساد قول من أثبت العلم ونفى الإرادة ~~وهم بعض الفلاسفة وبعض المعتزلة # ولكن ليس في هذا ما يدل على فساد الطريق التي سلكها ابن سينا في إثبات ~~العلم فإنه إذا استدل على كونه عالما بمخلوقاته بأن الفاعل يجب أن يكون ~~عالما بفعله وبأن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها كان دليلا ~~صحيحا كما تقدم تقريره وإن لم يذكر في الدليل كونه فاعلا بالإرادة فإن هذا ~~شرط في كونه فاعلا كما أن كونه حيا شرط في كونه فاعلا وكما أن كونه عالما ~~شرط في كونه مريدا # والدليل قد يدل على ثبوت المشروط قبل أن يعلم شرطه ثم بعد ذلك قد يعلم ~~بشرطه وقد لا يعلم كما يدل الدليل على كونه فاعلا بالاختيار وشرط الفاعل ~~بالاختيار أن يكون عالما ثم إذا علم أنه فاعل PageV10P145 ~~بالإرادة علم بعد ذلك أنه عالم وقد يعلم العالم أنه مريد ولا يخطر بقلبه ~~أنه عالم فليس كل من علم من البشر شيئا علم لوازمه لقصور علم البشر بخلاف ~~علم الخالق الذي علمه تام فلا يعلم الملزوم إلا ويعلم لازمه كما تقدم # وإذا كان كذلك فالصواب في هذا الباب أن يقرر ما ذكره ابن سينا من الطريق ~~الدال على كونه عالما بالمخلوقات فإنها طريق صحيحة لا تتوقف على ما ذكروه # ولكن يقال له هذه الطريق تستلزم كونه مريدا فإثباتك لفاعل عالم بمفعولاته ~~بدون الإرادة تناقض وموجب الدليل شيء وفساد الدليل شيء آخر فمطالبته بموجب ~~دليله الصحيح هو الصواب دون القدح في دليله الصحيح # وأما ما ذكره عن ms2148 إخوانه المنازعين له في العلم حيث قالوا ذاته ذات يلزم ~~منها وجود الكل بالطبع والاضطرار لا من حيث إنه عالم بها # وقوله فما المحيل لهذا المذهب مهما وافقهم على نفي الإرادة # فيقال له المحيل لهذا المذهب ما تقدم من أن علمه بنفسه يوجب علمه ~~بمخلوقاته والكلام في هذا المقام بعد تقرير أنه عالم بنفسه فمن قال إنه ~~عالم بنفسه دون مخلوقاته كان قوله باطلا وأما تقرير كونه عالما بنفسه فهذا ~~مذكور في موضعه PageV10P146 # وبهذا يظهر الجواب عن الفاعل بالطبع كالنار والماء فإن ذاك إنما قيل ليس ~~بعالم بفعله لكونه ليس عالما بنفسه ولم يقل عاقل إن ذلك الفاعل عالم بنفسه ~~دون فعله كما لم يقل عاقل إنه عالم بفعله دون نفسه إذ كان العلم بكل منهما ~~يستلزم العلم بالآخر # واما تمثيل ذلك بنور الشمس فعنه جوابان # أحدهما أن الشمس ليست علة تامة فاعلة للنور بل هي شرط في فيضانه وفيضانه ~~مشروط بوجود جسم ينعكس عليه شعاعها والأول سبحانه هو وحده مبدع لكل ما سواه # الثاني أن الشمس إن قيل إنها عالمة بنفسها وقيل مع ذلك إنها مبدعة للشعاع ~~لم نسلم أنها لا تعلم الشعاع لكن الشأن في تينك المقدمتين # وأما قوله مهما وافقهم لازم له # فيقال بل الصواب أن يقال إثباتك العلم مع نفي الإرادة تناقض يلزم منه ~~خطؤك إما في إثبات العلم وإما في نفي الإرادة # وحينئذ فيقال هؤلاء نفوا العلم والإرادة وأنت أثبت العلم دون الإرادة ~~وهما متلازمان فيلزم خطؤك إما في إثبات العلم وإما في نفي الإرادة # وحينئذ فيقول أدلتي المذكورة على ثبوت العلم صحيحة توجب PageV10P147 ~~ثبوت العلم وإذا كان ذلك مستلزما للإرادة كان خطئي في نفي الإرادة فهذا هو ~~الصواب دون أن يقال كما وافقتهم على الخطأ في نفي الإرادة فوافقهم على ~~الخطأ في نفي العلم # وأما قوله في الوجه الثاني إن فعل الله واحد وهو المعلول الأول فينبغي أن ~~لا يكون عالما إلا به # فيقال إذا ثبت أن علمه بنفسه يستلزم علمه بمفعولاته وجميع الممكنات ms2149 ~~مفعولة لزم أن يعلمها كلها # وأما قولهم إنه أول ما أبدع العقل الأول فكلامهم في هذا خطأ في بيان فعله ~~لا خطأ في إثبات وجوب كونه عالما بمفعولاته ولا ريب أن قولهم في صدور ~~الأفعال منه خطأ لكن لا يلزم من الخطأ في ذلك الخطأ فيما به قررت كونه ~~عالما بمفعولاته # ثم يقال ولا يلزم أيضا على أصلهم أنه لايعلم إلا العقل الأول بل يلزم ~~علمه بكل شيء وذلك لأنهم تارة يقولون صدر عنه عقل وبتوسطه عقل ونفس وفلك ~~وتارة يجعلون الثاني صادرا عن الأول وتارة يجعلون الأول شرطا وتارة يجعلونه ~~مبدعا للثاني ومنهم من يقول بلزوم جملة الفلك له # وعلى كل تقدير فلا ريب أن علمه بالملزوم علما تاما يستلزم علمه باللازم ~~وكذلك العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول كما تقدم PageV10P148 # فأقصى ما يقدر أن الأول كان علة للثاني فإذا كان عالما بالأول علما تاما ~~لزم أن يعلم لوازمه التي منها علمه بفعله للثاني كما تقدم # فعل كل تقدير لا يكون قول من سلبه العلم خيرا من قوله من أثبته # وبهذا أجابه ابن رشد فقال الجواب عن هذا ان الفاعل الذي هو في غاية العلم ~~يعلم ما صدر عما صدر منه وما صدر من ذلك الصادر إلى آخر ما صدر فإن كان ~~الأول في غاية العلم فيجب أن يكون عالما بكل ما صدر عنه بوساطة أو بغير ~~وساطة وليس يلزم منه أن يكون علمه من جنس علمنا لأن علمنا ناقص ومتأخر عن ~~المعلوم ومن فر من شناعة القول بأنه لا يعلم إلا نفسه فهو معذور في هذا الفرار # وقوله إن هذه الشناعة لازمة في مقال الفلاسفة في نفي الإرادة ونفي حدث ~~العالم فيجب ارتكابهما كما ارتكب سائر PageV10P149 ~~الفلاسفة ولا بد من ترك الفلسفة والاعتراف بأن العالم حادث بالإرادة # فيقال إذا كان هذا لازما لمن نفى الإرادة والحدوث فيجب إثبات الإرادة ~~والحدوث فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل لا يجب إذا ترك بعض ~~الحق أن يترك سائره ms2150 بل يجب الاعتراف به كله وإلا فالاعتراف ببعضه خير من ~~جحده كله # وقد تقدم تحقيق الأمر في تلازم العلم والإرادة # قال أبو حامد ثم يقال بم تنكر على من قال من الفلاسفة إن ذلك يعني العلم ~~ليس بزيادة شرف فإن العلم إنما احتاج إليه غيره ليستفيد كمالا فإنه في ذاته ~~قاصر فشرف بالمعقولات إما ليطلع على مصالحه في العواقب في الدنيا والآخرة ~~وإما لتكمل ذاته المظلمة الناقصة وكذلك سائر المخلوقات المخلوقات وأما ذات ~~الله فمستغنية عن التكميل بل لو قدر له علم يكمل به PageV10P150 ~~لكانت ذاته من حيث ذاته ناقصة وهذا كما قلت في السمع والبصر وفي العلم ~~بالجزئيات الداخلة تحت الزمان فإنك وافقت سائر الفلاسفة على أن الله منزه ~~عنه وأن المتغيرات الداخلة في الزمان المنقسمة إلى ما كان ويكون لايعرفها ~~الأول لأن ذلك يوجب تغيرا في ذاته وتأثيرا # ولم يكن في سلب ذلك عنه نقصان بل هو كمال وإنما النقصان من الحواس ~~والحاجة إليها ولولا نقصان الآدمي لما احتاج إلى حواس لتحرسه عما يتعرض ~~للتغير به # وكذلك العلم بالحوادث الجزئية زعمتم أنه نقصان فإذا كنا نعرف الحوادث ~~كلها وندرك المحسوسات كلها والأول لايعرف شيئا من الجزئيات ولا يدرك شيئا ~~من المحسوسات ولا يكون ذلك نقصانا فالعلم بالكليات العقلية أيضا يجوز أن ~~يثبت لغيره ولا يثبت له ولا يكون فيه نقصان وهذا لا مخرج عنه PageV10P151 # فيقال هذا الكلام متوجه على سبيل الإلزام والمعارضة يظهر به تناقض من ~~أثبت له علما بمعلوم دون آخر كابن سينا وأمثاله فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ~~ما فر منه فيما نفاه فإن كان ذلك حقا فيلزم أن لا يعلم شيئا ولا نفسه وإن ~~لم يكن حقا فيلزم أن يعلم كل شيء # ولا ريب أن هذا هو الصواب فهو يقول لهم إن العلم إن كان صفة كمال وشرف ~~فمعلوم أن علمه بكل شيء أكمل من علمه ببعض الأشياء وإن لم يكن صفة كمال فلا ~~يثبت شيء منه # واستشهد على ذلك بأنكم نفيتم عنه السمع والبصر ms2151 والعلم بالمتغيرات فإن كان ~~نفى ذلك نقصا فقد وصفتموه بالنقص وإن لم يكن نقصا لم يكن نفي غيره نقصا # وابن سينا يفرق بين علمه بالثابتات وبين علمه بالمتغيرات لئلا يلزم تغيره ~~بتغير العلم # وقد بين أبو حامد بعد هذا أنه لا محذور في علمه بالمتغيرات بل يلزمه ~~إثبات العلم بذلك فإثبات العلم مطلقا هو الواجب دون نفيه وكل ما لزم من ~~إثبات العلم فلا محذور فيه أصلا بل غايته ترجع إلى مسألة نفي الصفات ~~والأفعال والاختيارات فليس لهم في نفي العلم إلا ما ينشأ عن هذين السلبين # وقد بين فساد قول النفاة للصفاة والأمور القائمة بذاته الاختياريات وإذا ~~كان علمه سبحانه بكل شيء مستلزما لثبوت هذين الأصلين كان ذلك مما يدل على ~~صحتهما كما دل على ذلك PageV10P152 ~~سائر الأدلة الشرعية والعقلية فإن ثبوت العلم بكل شيء مما هو معلوم ~~بالاضطرار من دين المرسلين ومما هو ثابت بقواطع البراهين # فإذا كان مستلزما لإبطال هذين الأصلين اللذين هما من البدع التي أحدثها ~~الجهمية كان هذا من الأدلة الدالة على اتفاق الحق وتناسبه وتصديق ما جاء به ~~الرسول وموافقته لصريح العقل وأنه لا اختلاف فيما جاء من عند الله بخلاف ~~الأقوال المخالفة لذلك فإنها كلها متناقضة # وتدبر حجج النفاة فإنها كلها من أسقط الحجج كالقول الذي يقوله بعض ~~الفلاسفة إن العلم ليس بزيادة شرف فلا يكون من يعلم أشرف ممن لا يعلم ويقول ~~إنه إذا كان عالما فقد جعل ناقصا بذاته مستكملا بغيره # أما الأول فمن القضايا البديهية المستقرة في الفطر أن الذي يعلم أكمل من ~~الذي لا يعلم كما أن الذي يقدر أكمل من الذي لا يقدر # ولهذا يذكر سبحانه هذه القضية بخطاب استفهام الإنكار الذي يبين أنها ~~مستقرة في الفطر وأن النافي لها قال قولا منكرا في الفطرة # كقوله تعالى { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } سورة الزمر 9 ~~فإنه يدل على أنه لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم ويدل على أن التسوية ~~منكرة في الفطر تنكر على من ms2152 سوى بينهما # كقوله تعالى { قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين } سورة الأنعام 143 PageV10P153 # وقوله { قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون } سورة يونس 59 # وقوله { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } سورة ~~الأعراف 32 # وقوله { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا } سورة الأنعام 148 # وكذلك قوله { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ~~وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما ~~يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم } سورة ~~النحل 7675 # وقوله { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } سورة النحل 17 # وقوله { أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى } ~~سورة يونس 35 # وكما أنه سبحانه في القرآن يبين أن العالم القادر الذي يخلق ويأمر بالعدل ~~أكمل من غيره وأن هذا التفضيل مستقر في الفطر والتسوية من منكرات العقول ~~التي تنكرها القلوب بفطرتها وهي من المقدمات البديهية المستقرة فيها فكذلك ~~يبين أن العادم لصفات الكمال ناقص PageV10P154 ~~لا يمكن أن يكون ربا ولا معبودا ويبين أن العلم بذلك فطري مستقر في القلوب # كقوله تعالى عن الخليل { يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا } سورة مريم 42 # وقوله تعالى { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين } سورة الأعراف 148 # وقوله { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } سورة طه 89 # وقوله { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير ~~أحياء وما يشعرون أيان يبعثون } سورة النحل 20 21 # وقوله { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ms2153 ~~شفعاؤنا عند الله } سورة يونس 18 # وقوله عن الخليل { أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون } سورة ~~الصافات 95 96 # وقوله أيضا { هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون } سورة الشعراء 72 73 # وقوله { أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما ~~تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } سورة الأنبياء 66 67 وأمثال ذلك كثير PageV10P155 # والمقصود هنا أن كون العلم صفة كمال وكون العالم أكمل من الذي لا يعلم ~~وكون عدم العلم نقصا هو من أبين القضايا البديهية المستقرة في فطر بني آدم # وأما قول القائل إن العلم إنما احتاج إليه غير الله ليستفيد كمالا إما ~~ليطلع على مصالحه وإما لتكميل ذاته المظلمة # فيقال له هذا بعينه دليل على أن الذوات لا تكمل إلا بالعلم من جهة أنها ~~لا تقدر أن تفعل ما تصلح إلا به ومن جهة أنها بدونه مظلمة # والرب فاعل لكل شيء وفاعل لكل فاعل فهو أحق بأن يكون عالما من كل فاعل ~~وذاته أكمل الذوات فهي أحق بأن يكون لها غاية الكمال وأن تكون برية من كل نقص # وقول القائل ذات الله مستغنية عن التكميل كلمة حق فإنها مستغنية عن أن ~~يكملها أحد سواها لكن ما هي ذات الله المستغنية عن التكميل أهي ذات مسلوبة ~~العلم وغيره من صفات الكمال فلا تعلم ولا تسمع ولا تبصر أم هي الذات ~~المتصفة بهذه الصفات # أما الأول فلا حقيقة لتلك الذات ولا وجود لها فضلا عن أن يقال ذات الله ~~فإن ذاتا لا تتصف بشيء من الصفات إنما تعقل في الأذهان لا في الأعيان وذاتا ~~لا تتصف بصفات الكمال PageV10P156 ~~ليست خالق المخلوقات ولا وجود لها ولو قدر وجودها فهي من أنقص الذوات بل كل ~~حيوان أكمل منها فإنا نعلم بصريح المعقول أن الحي أكمل مما ليس بحي والعالم ~~أكمل مما ليس بعالم والقادر أكمل مما ليس بقادر # وقول القائل لو قدر له ما يكمل به لكانت ذاته من حيث ذاته ناقصة قول باطل ms2154 ~~من وجوه # أحدها أن ذاته المجردة عن الصفات لا حقيقة لها أو نقول لا نعلم ثبوتها أو ~~نعلم أن الذات المجردة عن الكمال معدومة # ولفظ ذات لفظ مولد وهو تأنيث ذو ومعنى ذات أي ذات علم وذات قدرة وذات حياة # فتقدير ذات بلا صفات تقدير المضاف المستلزم للإضافة بدون الإضافة # ولهذا أنكر طائفة من أهل العربية كابن برهان والجواليقي النطق بهذا اللفظ ~~وقالوا هذا مؤنث والرب لا يجري عليه اسم مؤنث ولكن الذين أطلقوه عنوا به ~~نفسا ذات علم أو حقيقة ذات علم # وفي الجملة فتقدير الذات ذاتا مجردة عن الصفات هو الذي أوقعه في هذه ~~الخيالات الفاسدة PageV10P157 # وقوله الذات من حيث ذاته إن أراد به أن الذات من حيث هي لا صفة لها فهذه ~~لا وجود لها فضلا عن أن تكون كاملة # وإن أراد من حيث حقيقتها الموجودة فهي من تلك الجهة لا تكون إلا متصفة ~~بصفات الكمال # قوله وهذا كما قلت في السمع والبصر والعلم بالجزئيات الداخلة تحت الزمان ~~فإنك وافقت سائر الفلاسفة على أن الله منزه عنه إلى قوله وهذا لا مخرج منه # فيقال لا ريب أنه مخرج لابن سينا من هذا الإلزام فإنه إذا لم يكن عنده ~~عدم العلم بالجزئيات نقصا كذلك عدم العلم بالكليات وإن قال عدم علمه بها ~~كمال أمكن منازعوه ان يقولوا نفى علمه بالثابتات كمال # وإذ قال أنا نفيت عنه لأن إثباته يفضي إلى التغير # قالوا له ونحن نفينا ذاك لأنه يفضي إلى التكثر # فإذا قال ذاك التكثر ليس بممتنع # قيل له وهذا التغير ليس بممتنع وذاك أنه جعل التكثر في الإضافات فإن كان ~~هذا حقا أمكن أن يقال بالتغير في نفس الإضافات PageV10P158 # وذلك أنه إن قال إن نفس العلم إضافة فالتكثر والتجدد في العلم إضافة # وإن قال بل هو صفة مضافة والتكثر في المعلوم لا في العلم بل يعلم بعلم ~~واحد جميع المعلومات كما يقوله ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما # قيل له والتغير في المعلوم لا في العلم لأن العلم واحد ms2155 لا يتعدد فضلا عن ~~أن يتغير # وإن قال هذا باطل فإن العلم بأن سيكون الشيء ليس هو العلم بأن قد كان # قيل له وكذلك العلم بالسماء ليس هو العلم بالأرض وأنت تقول أبلغ من ذلك ~~تقول ليس العلم إلا العالم بل تقول العلم والعالم شيء واحد # ومعلوم أن هذا القول أبعد عن المعقول من قول من قال العلم بالمعلومات شيء ~~واحد فإن هذا يقول إن العلم ليس هو العالم ولا هو المعلوم بل هو صفة للعالم # ولا ريب أن ابن سينا يتناقض في هذه المواضع فتارة يجعل العلم زائدا على ~~الذات العالمة وتارة لا يقول بذلك # فإنه قال لما رد على من قال باتحاد العاقل بالمعقول فيظهر PageV10P159 ~~لك من هذا أن كل ما يعقل فإنه ذات موجود تتقرر فيها الجلايا العقلية تقرير ~~شيء في شيء آخر # فصرح بأنه يتقرر في ذات العاقل الجلايا العقلية تقرير شيء في شيء اخر ~~وهذا خلاف قول العاقل والمعقول والعقل شيء واحد # والمقصود قبول ما يقوله من الحق وهو ما أثبته من كون الرب عالما بالأعيان ~~الثابتة وبيان صحة حجته على ذلك # وأما ما نفاه من علمه بالجزئيات فحجته على نفيه ضعيفة # وقد بين أبو حامد وأبو البركات وغيرهما أنه يلزمهم القول بعلمه بالجزئيات ~~وبينوا فساد ما نفوا به ذلك # قال ابن سينا إشارة الأشياء الجزئية قد تعقل كما تعقل الكليات من حيث تجب ~~بأسبابها منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه يتخصص به كالكسوف الجزئي فإنه قد ~~يعقل وقوعه بسبب توافق أسبابه الجزئية وإحاطة العقل بها ويعقلها كما يعقل ~~الجزئيات وذلك غير الإدراك الجزئي الزماني لها الذي يحكم أنه PageV10P160 ~~وقع الآن أو قبله أو يقع بعده بل مثله أن نعقل أن كسوفا جزئيا يعرض عند ~~حصول القمر وهو جزئي ما وقت كذا وهو جزئي ما في مقابلة كذا ثم ربما وقع ذلك ~~الكسوف ولم يكن عند العاقل الأول إحاطة بأنه وقع أو لم يقع وإن كان معقولا ~~له على النحو الأول لأن هذا إدراك آخر ms2156 جزئي يحدث مع حدوث المدرك ويزول مع زواله # وذلك الأول يكون ثابتا الدهر كله وإن كان علما بجزئي وهو أن العاقل يعقل ~~أن بين كون القمر في موضع كذا وبين كونه في موضع كذا يكون كسوف معين في وقت ~~من زمان أول الحالين محدود عقله ذلك أمر ثابت قبل الكسوف ومعه وبعده هذا لفظه # قلت وهذا الذي ذكره إنما يتأتى في الأمور الدائمة عنده كالشمس والقمر ~~والكواكب والأفلاك فإنه يعلمها بأعيانها فإنها دائمة # وأما الأمور المتجددة مثل حركاتها ومثل الكسوف والخسوف والإهلال والإبدار ~~ومثل أشخاص الناس والحيوان فهذه لا يتصور أن يعقلها إلا على وجه كلي مثل أن ~~يعلم أنه في كل شهر يحصل إهلال وإبدار وفي كل سنة يحصل مصيف وشتاء فأما ~~العلم بإهلال معين PageV10P161 ~~وإبدار معين وكسوف معين فهذا جزئي حادث كائن بعد أن لم يكن زائل بعدما كان ~~فإن علمه بعينه لزم ما حذروه من التغير في علمه فإنه إذا علمه قبل وجوده ~~علمه معدوما سيوجد ثم إذا وجد علمه موجودا ثم إذا زال علمه معدوما قد كان ~~وهذا الذي فروا منه # ولو علم الجزئيات بأعيانها بعلم ثابت لزم وجود ما لا نهاية له من ~~المعقولات دائما في ذاته # وأما قوله مثل أن يعقل أن كسوفا جزئيا يعرض عند حصول القمر وهو جزئي وقت ~~كذا وهو جزئي في مقابلة كذا ثم ربما وقع ذاك الكسوف ولم يكن عند العاقل ~~الأول إحاطة بأنه وقع أو لم يقع وإن كان معقولا له على النحو الأول لأن هذا ~~إدراك آخر جزئي يحدث مع حدوث المدرك ويزول مع زواله وذلك الأول يكون ثابتا ~~الدهر كله وإن كان عالما بجزئي # فيقال هذا الكسوف المعلوم أهو كسوف واحد بالعين أم بالنوع # فالأول أن يعلم أن الشمس تكسف في برج الحمل في السنة الفلانية سنة ~~الطوفان # والثاني أن يعقل أنها كلها إن حصلت في برج كذا على وجه كذا كسفت # فإن قيل إنه كسوف معين فهذا إذا كان عقله ثابتا أبدا يكون PageV10P162 ~~قد عقل ms2157 قبل وجوده وحينئذ يكون معدوما لا موجودا والعلم بأنه موجود جهل ~~والعلم بأنه سيوجد هو الذي فروا منه # وإن قالوا نعلم أنه إذا حصل الشيء المعين الجزئي حصل الكسوف وإن لم نعلم ~~متى يحصل ذاك # قيل فمثل هذا لا يكون إلا إذا كان المعلوم كليا وهو أن نعلم أنه إذا حصل ~~ذلك الأمر المعين على وجه المعين حصل الكسوف وهذا العلم كلي لا جزئي # ففي الجملة الجزئي لا يكون جزئيا إلا إذا انحصر شخصه ومنع تصوره من وقوع ~~الشركة فيه وهذا إذا لم يكن أمرا ثابتا بل أمرا حادثا فلا يعلم على وجهه إن ~~لم يعلم وقته المعين # وحينئذ فيكون العلم به قبل وقته وإلا فإذا علم أنه متى حصل كذا على وجه ~~كذا حصل الكسوف فهذا كلي وإن علم أنه لا بد أن يحصل فإنه كلي من حيث الزمان ~~فإن تصوره لا يمنع اشتراك الأزمنة فيه فلم يعلم إلا على وجه كلي لا يمنع ~~تصوره من وقوع الشركة فيه # وقولهم مع هذا إنه لايعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض مغالطة ~~بل لم يعلم شيئا من الأمور المعينة الحادثة البتة بل هو عازب عنه لا يدرى ~~أكان أم لم يكن فإن نفس تصور الكلى من PageV10P163 ~~حيث هو كلي لا يفيد تصور المعينات والوجود ليس فيه إلا المعينات فلا يكون ~~تصور شيئا من المعينات الحادثة # وقد بين ذلك شارحو كلامه فقال الطوسي يريد التفرقة بين إدراك الجزئيات ~~على وجه كلي لا يمكن أن يتغير وبين إدراكها على وجه جزئي يتغير بتغيرها ~~ليبين أن الأول تعالى بل كل عاقل فهو إنما يدرك الجزئيات من حيث هو عاقل ~~على الوجه الأول دون الثاني وإدراكها على الوجه الثاني لا يحصل إلا ~~بالإحساس أو التخيل أو ما يجري مجراهما من الآلات الجسمانية # قال وقبل تقرير ذلك نقول كلية الإدراك وجزئيته تتعلقان بكلية التصورات ~~الواقعة فيه وجزئيتها فلا تدخل التصديقات في ذلك يعني بذلك أن التصديق إنما ~~يكون كليا وجزئيا باعتبار ما فيه من ms2158 التصور هل هو جزئي أو كلي # قال فإن قولنا هذا الإنسان يقول هذا القول في هذا الوقت جزئي وقولنا ~~الإنسان يقول القول في وقت كلي ولم يتغير فيهما إلا حال الإنسان والقول ~~والوقت والجزئية بالكلية PageV10P164 # ولقائل أن يقول بل نفس النسبة لا تكون جزئية وكلية فإنه إذا قيل هذا ~~الإنسان يقول هذا القول في هذا الوقت كان الجميع جزئيا وإذا قيل يقول ~~أقوالا حسنة أو يقول هذا القول دائما كان الثاني كليا فإن تصوره لا يمنع من ~~وقوع الشركة فيه # فإن قلت المحمول الذي هو خبر المبتدأ عن أحدهما قول معين وفي الآخر قول ~~مطلق فالجزئية والكلية إنما وقعا في التصورين # قيل إن أريد ذلك لم يكن لنا تصديق غير التصورات فلا حاجة إلى نفي الكلية عنه # ولكن المعروف أن هذا القول هو الخبر المحمول على المبتدأ المخبر به عنه ~~وهو قول معين جزئي ونسبته إليه هو التصديق المغاير للتصورين فإن التصديق ~~يراد به الجملة كلها فيكون التصور بعضه بعينه ويراد به النسبة الحكمية ~~فيكون التصور شرطا فيه وإذا أريد به هذا فنسبة القول المعين إلى المعين ~~تصديق فإن عنيت النسبة من جميع الوجوه بحيث يمنع تصورها من وقوع الشركة ~~فيها فهي جزئية وإن لم يمنع ذلك فهي كلية # مثل كونه يقوله دائما أو الإخبار عنه بأنه يقوله في وقت ما فإن هذا لا ~~يمنع كونه يقوله في هذا الوقت وفي غيره بل لا يمنع أن يقوله بالعربية ~~وبالعجمية فهو كلي بالنسبة إلى العربية والعجمية # وبالجملة فما لم يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه فهو كلي سواء كان احتمال ~~الشركة لدخوله أشخاصا أو أزمنة أو أمكنة أو لغايات أو غير PageV10P165 ~~ذلك من الأمور وهذا مما يبين أنه من لم يقل إن الرب يعلم الجزئيات فإنه ~~يلزمه أن لا يعلم شيئا من الموجودات فإنه ما من موجود إلا وهو متميز عن ~~غيره بحيث يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه # ولهذا لم يمنع ابن سينا كونه يعلم الجزئيات الثابتة الدائمة على أصله ms2159 ~~كالسماوات والنجوم وإنما منع علمه بالمتغيرات فرارا من قيام الحوادث به مع ~~أن أساطين من أساطين الفلاسفة ومن وافقهم من المتأخرين يقولون إنه تقوم به ~~الحوادث ولا حجة له على نفي ذلك أصلا إلا ما ينفي به قيام الصفات وإثباته ~~للعلم يستلزم إثبات الصفات كما تقدم بيانه فعلم أن إثباته للعلم بالكليات ~~دون الجزئيات في غاية التناقض # قال الطوسي وكل جزئي يتعلق به حكم فله طبيعة توجد في شخصه وما تصير تلك ~~الطبيعة جزئية لا يدركها العقل ولا يتناولها البرهان والحد بسبب انضياف ~~معنى الإشارة الحسية إليها وما يجري مجراها من المخصصات التي لا سبيل إلى ~~إدراكها إلا بالحس وما يجري مجراه فإن أخذت تلك الطبيعة مجردة عن تلك ~~المخصصات صارت كلية يدركها العقل ويتناولها البرهان والحد PageV10P166 ~~وكان الحكم المتعلق بها حين كونها جزئية باقيا بحاله اللهم إلا أن يكون ~~الحكم متعلقا بالأمور المخصصة من حيث هي مخصصة # قال وإذا ثبت هذا فنقول كل من أدرك علل الكائنات من حيث إنها طبائع يعني ~~طبائع كلية وأدرك أحوالها الجزئية وأحكامها كتلاقيها وتباينها وتماسها ~~وتباعدها وتركبها وتحللها من حيث هي متعلقة بتلك الطبائع وأدرك الأمور التي ~~تحدث معها وبعدها وقبلها من حيث يكون الجميع واقعا في أوقات يتحدد بعضها ~~ببعض على وجه لا يفوقه شيء أصلا فقد حصل عنده صورة العالم منطبقة على جميع ~~كلياته وجزئياته الثابتة والمتجددة المنصرفة الخاصة بوقت دون وقت كما عليه ~~الوجود غير مغادر إياها بشيء وتكون تلك الصورة بعينها منطبقة على عوالم أخر ~~لو حصلت في الوجود مثل هذا العالم بعينه فتكون صورة كلية منطبقة على ~~الجزئيات الحادثة في أزمنتها غير متغيرة بتغيرها # هكذا يكون إدراك الجزئيات على الوجه الكلي # فيقال فعلى هذا التقدير لا يكون الرب عالما بشيء من هذه الأمور PageV10P167 ~~الموجودة ولا فاعلا لها إذا كان علمه بها هو إبداعه لها فإن العلم ~~بالجزئيات على هذا الوجه الكلي لا يتضمن العلم بشيء من المعينات ولا يكفي ~~هذا العلم في وجودها فضلا عن أن يكون هو ms2160 إيجادها # فإنا إذا علمنا أن بني آدم لا بد أن تحصل لهم شهوة الأكل فيأكلون وإذا ~~أكلوا فلا بد أن تحصل لهم فضلة فيتغوطون ولا بد أن تحصل لهم شهوة النكاح ~~فيجامعون ولا بد أن يحصل إنزال وحبل فتحبل النساء ويلدن ولا بد أن يموتوا ~~كان هذا علما كليا يتضمن أنه لا بد من وجود أكل وتخل ونكاح وإنزال وحبل ~~وولادة وموت بحيث لو قيل إن في الآدميين من لا يموت أو من لا يأكل ويشرب ~~وينام ونحو ذلك كان ذلك العلم الكلي مناقضا لهذا القول # ولو قيل إنه لم يبق من ينكح ويحبل ويلد ويموت كان ذلك العلم الكلي دافعا ~~لهذا القول كما إذا علمنا أن نبيا لا يخبر إلا بالصدق وعلمنا أنه أخبر ~~بأخبار لا نعرف أعيانها علمنا أنها كلها صادقة ولم يكن في مجرد هذا العلم ~~الكلي علم شيء منها # وإذا علمنا أن كل دليل شرعي دل على الإيجاب أو التحريم وجب إثبات موجبه ~~من الإيجاب أو التحريم كان هذا علما كليا ولم يكن فيه علم بشيء من أعيان ~~الأدلة الشرعية ولا بالأحكام المعينة الشرعية PageV10P168 # وإذا علمنا أن الإهلال لا يكون إلا في أول الشهر والإبدار لا يكون إلا في ~~وسطه وأن كسوف الشمس لا يكون إلا عند الاجتماع قبل الإهلال وخسوف القمر لا ~~يكون إلا في الليالي البيض في الإبدار لم يكن في مجرد هذا العلم ما يوجب أن ~~يعلم هل الهلال طالع في هذا الوقت أم لا وهل هو مبدر أم لا وهل هو خسوف أم ~~كسوف أم لا # وكذلك إذا علمنا أن الشمس تدور ما بين رأس السرطان والجدي لايصعد هذا ~~غاية صعودها وهذا غاية هبوطها وفي صعودها يكون الصيف وفي هبوطها يكون ~~الشتاء ونحن لا نعلم هل هذا الوقت صيف أو شتاء وهل هي صاعدة أو هابطة لم ~~يكن في هذا العلم الكلي ما يفيد معرفة ما وجد في الخارج من أحوالها لكن فيه ~~أنها لا تخرج عن هذا القانون الكلي وهكذا سائر ms2161 العلوم الكلية # لكن العلم بجميع حوادث الوجود على الوجه الكلي أعم من العلم ببعض حوادثه ~~ومع ذلك فليس في ذلك علم بشيء من الموجودات الحادثة # وأيضا فمجرد هذا العلم الكلي لا يكفي في وجود المعينات فالمعين لا يوجد ~~إلا بتصور معين وإرادة معينة وإلا فمن أراد أن يكرم الأبرار ويعاقب الفجار ~~ويقبل شهادة العدول ويرد شهادة أهل الزور وهو لا يعرف أعيان هؤلاء وهؤلاء ~~لم يمكنه فعل شيء من ذلك الأمر الكلي الذي عزم PageV10P169 # ومن أراد أن يأكل طعاما ويلبس ثوبا وليس له قصد في طعام بعينه وثوب بعينه ~~إن لم يحصل له طعام معين وثوب معين بحيث تكون له إرادة معينة وتصور معين ~~امتنع أن يأكل ويلبس لكن قد يكون قصده للمعين هو لكونه هو الميسور المقدور ~~عليه ولو حصل غيره لقام مقامه ليس له إرادة في أحدهما دون الآخر إلا لكونه ~~هو الذي تيسر وقدر عليه فهنا يكون سبب تعين الإرادة هي القدرة # وكذلك من قصده أن يعطي الزكاة للأنواع الكلية التي ذكرها الله في كتابه ~~وليس له غرض في شخص بعينه فهو يعطي من علم أنه منهم ومن أمكنه أعطاه ومن ~~أراد شخصا معينا فلا يتعين حتى يحصل له تصور معين وإرادة معينة لكن التعين ~~يكون لأجل علمه المعين وقدرته المعينة لا لكون إرادته الأولى دعته إلى أداء ~~الزكاة وصرفها في الأنواع المذكورة في القرآن فكانت إرادته إرادة لمعين # وكذلك من قصد أن يتطهر كما أمره الله فهو يقصد الطهارة بماء أي ماء كان ~~وهذه إرادة كلية ثم لا يمكنه أن يتطهر إلا بماء معين يتصور تصورا معينا ~~ويريد التطهر به إرادة معينة # وكذلك من قصده أن يعتق رقبة وجبت عليه في كفارة وكذلك من غرضه أن يزوج ~~وليته من كفو ومن قصده أن يشتري طعاما من PageV10P170 ~~شخص وكذلك من غرضه أن يستفتي من يفتيه بحكم الله ومن غرضه أن يحاكم خصمه ~~إلى من يحكم بينهما بالحق وأمثال ذلك # فهؤلاء قصدهم ابتدأ أمرا مطلقا كليا ليس غرضهم ms2162 شخصا بعينه لكن لا يحصل ~~مقصودهم إلا إذا قصدو شيئا معينا وإلا فما دامت ليس معهم إلا الإرادة ~~المطلقة لا يفعلون شيئا إذ المطلق لا وجود له في الأعيان فلا يمكن وجود كلي ~~في الخارج مع كونه كليا قط فمن لم يعلم إلا الكليات لم يمكنه أن يفعل شيئا ~~قط ولا يكون عالما بشيء من الموجودات فإن الموجودات في الخارج ليس فيها كلي # فعلى قول هؤلاء لم يعلم الله شيئا من الموجودات بل ولا فعل شيئا من ~~الموجودات وهذا أمر قطعي لا حيلة فيه كلما تدبره العاقل تبين له فساد هذا القول # وما استثناه ابن سينا من كونه يعلم الموجودات الثابتة بأعيانها لا يصح ~~استثناؤها فإن تلك أيضا حادثة على القول الحق ويلحقها التغير كما يلحق ~~غيرها فيجب إذا لم يعلم إلا الكليات أن لا يعلمها وعلى قول أولهم إنها ~~أزلية أبدية فهي مستلزمة للتغيرات أما الأجسام فإنها لا تزال متحركة وأما ~~العقول فلا حقيقة لها وبتقدير ثبوتها فإنها علل الأجسام المتغيرة عندهم # وقد تقدم أصله أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فالعلم بالعلل إنما ~~يوجب العلم بمعلولها والعلة أوجبت معلولات جزئية متغيرة PageV10P171 ~~فيجب أن يعلم عليتها على هذا الوجه وحينئذ فيلزم أن يعلم المتغيرات متغيرة ~~لا يكون علمها على وجه كلي كما ذكروه # ومما يوضح هذا أن الشرائع جاءت بالأحكام الكلية مثل إيجاب الزكوات وتحريم ~~البنات والأخوات ولا يمكن أمر أحد بما أمره الله به ونهيه عما نهاه الله ~~عنه إن لم يعلم دخوله في تلك الأنواع الكلية وإلا فمجرد العلم بها لا يمكن ~~معه فعل مأمور ولا ترك محظور إلا بعلم معين بأن هذا المأمور داخل فيما أمر ~~الله به وهذا المحظور داخل فيما نهى الله عنه وهذا الذي يسمى تحقيق المناط # إذا تبين هذا فقول القائل كل من أدرك علل الكائنات من حيث إنها طبائع إلى آخره # يقال له أتريد أنه أدركها كلية مثل أن يدرك أن في العالم حارا وباردا ~~وأنهما يلتقيان على وجه كذا أو ms2163 تريد أنها إدراك الطبائع الموجوده المعينة # فإن أردت الأول لم يكن في العلم بذلك علم بشيء من الموجودات # وإن أردت الثاني فإنه يلزم من العلم بها العلم بلوازمها كما تقدم من أن ~~العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها فيلزم من ذلك أن يعلم جميع ~~معلولاتها ولوازمها وليس في المعينات إلا ما هو معلولها PageV10P172 ~~ولوازمها فيلزم العلم بكل شيء جزئي على سبيل التعيين ويلزم العلم بطوله ~~وعرضه وعمقه وقدره سواء كان من الكم المتصل أو المنفصل # ولهذا كان قول المرسلين إن الله أحصى كل شيء عددا فهو يعلم أوزان الجبال ~~ودورات الزمان وأمواج البحر وقطرات المطر وأنفاس بني آدم { وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ~~} سورة الأنعام 59 # يبين هذا أنه قد تقدم أن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها وهي ~~الموجب والرب سبحانه هو موجب بمشيئته وقدرته لكل ما يشاؤه # وهم يسمونه علة وهو إنما يوجد شيئا معينا لا يوجد شيئا كليا إذ الخارج ~~ليس فيه شيء كلي فيجب أن يكون عالما بكل شيء جزئي كما أنه خالق لكل شيء ~~جزئي وإن كان له علم عام كلي بالأمور الكلية فلا منافاة بين هذا وهذا بل ~~مخلوقه له علم بالكلي والجزئيات فالخالق أولى بذلك # وقولهم إن إدراكها على هذا الوجه إنما يحصل بالإحساس أو التخيل # فيقال لهم لا ريب أن الله سميع بصير يسمع ويرى سبحانه وتعالى # وقد روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى { إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول } سورة البقرة 143 ونحو ذلك قال إلا PageV10P173 ~~لنرى ففسر العلم المقرون بالوجود بالرؤية فإن المعدوم لا يرى بخلاف الموجود ~~وإن كانت الرؤية تتضمن علما آخر # وقال الطوسي في شرح كلام ابن سينا قوله الأشياء الجزئية قد تعقل كما تعقل ~~الكليات إشارة إلى إدراكها من حيث هي طبائع مجردة عن المخصصات المذكورة ~~وقيدها بقوله من حيث تجب بأسبابها ليكون الإدراك لتلك الأشياء مع كونه كليا ~~يقينيا ms2164 غير ظني # ثم قال منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه أي منسوبة إلى مبدأ طبيعته النوعية ~~موجودة في شخصه ذلك لا أنها غير موجودة في غير ذلك الشخص بل مع تجويز أنها ~~موجودة في غيره والمراد أن تلك الأشياء إنما تجب بأسبابها من حيث هي طبائع أيضا # ثم قال تتخصص به أي تتخصص تلك الجزئيات بطبيعة ذلك المبدأ وإنما نسبها ~~إلى مبدأ كذلك لأن الجزئي من حيث هو PageV10P174 ~~جزئي لا يكون معلولا لطبيعة غير جزئية ولا الطبيعة علة له من حيث هو كذلك # قال وقوله إن العاقل لأن بين كون القمر في موضع كذا إلى آخره معناه أن من ~~يعقل أن بين كون القمر في أول الحمل مثلا وبين كونه في أول الثور يكون كسوف ~~معين في وقت محدود من زمان كونه في أول الحمل كالوقت الذي سار فيه القمر من ~~أول الحمل عشر درجات فإنما يكون تعقل ذلك العاقل لهذه الأمور أمرا ثابتا ~~قبل وقت الكسوف ومعه وبعده # فيقال له هذا الذي تصور هذا الكسوف تصور أنه يكون في عام معين أو تصوره ~~مطلقا كتصوره أنه إذا كان في عشر درجات من الحمل مع أمور أخرى يكون كسوف ~~فإن كان الأول فذاك كسوف جزئي معين وتصوره يكون قبله ومعه وبعده وإن كان ~~الثاني فهذا يكون محققا تارة ومقدرا أخرى أما المقدور فأن يعلم أنه كلما ~~حصل القمر في موضع كذا والشمس في موضع كذا حال القمر بين نور الشمس وبين ~~الناس فانكسفت ولكن هذا ليس فيه علم بوقوعه لا مطلقا ولا معينا PageV10P175 # والثاني أن يعلم أنه لابد أن تقع هذه المحاذاة بين الأرض والقمر والشمس ~~وإنما تقع إذا كان كذا فهذا علم كلي لا يعلم به شيء من الكسوف الموجود # ثم يقال والعلم بهذا ممتنع إن لم يعلم الكسوفات الجزئية وذلك أن أسباب ~~الكسوفات حركات أجسام معينة في أوقات محدودة والعلم بمجموع ذلك يوجب العلم ~~بكل كسوف جزئي والعلم به قبل وقوعه ومع وقوعه وبعد وقوعه فلا يتصور مع ms2165 ~~العلم بأسباب الحوادث أن يعلم علم كلي إلا وتعلم الجزئيات الواقعة وإلا فلا ~~يكون العلم بجميع الأسباب حاصلا # ولهذا لما كنا لا نعلم عامة الأسباب لم نعلم ما يكون وإذا علمنا أسباب ~~شيء علمنا وقوعه قبل وقوعه ومعه وبعده كمن علم أنه سيبعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأنه يبعث إذا كانت أمور فإذا علم أنها لم تكن علم أنه لم يبعث ~~وإن علم أنها كانت علم أنه بعث # وكثير مما يتكلم فيه الناس من مقدمة المعرفة يكونون قد علموا جزء السبب ~~ولم يعلموا تمام السبب ولا علموا مانعه فيصيبون أحيانا ويكون خطؤهم أكثر من ~~صوابهم لأن ما فاتهم من العلم بتمام السبب والموانع أكثر مما علموه # وقد تقدم قول ابن سينا قد تعقل الكليات من حيث تجب بأسبابها منسوبة إلى ~~مبدأ نوعه من يخصه يتخصص به # وقد قال في شرحه أي تتخصص تلك الجزئيات بطبيعة ذلك PageV10P176 ~~المبدأ وإنما نسبها إلى مبدأ كذلك لأن الجزئي من حيث هو جزئي لا يكون ~~معلولا لطبيعة غير جزئية # فيقال هذا الكلام بين في أنها لا تعقل على هذا الوجه إلا جزئية لا كلية ~~لأنها إذا عقلت من حيث يجب بسببها المعين الجزئي لزم أن تعقل جزئية وأما ~~إذا عقلت من حيث تجب بسبب كلي عقلت كلية لكن رب العالمين هو واحد معين ليس ~~أمرا مطلقا كليا فهو يعلم نفسه علما معينا يمنع من وقوع الشركة فيه لا ~~يعلمها علما كليا لا يمنع من وقوع الشركة فيه وحينئذ فيعلم كل ما صدر عنه ~~على هذا الوجه وقوله انحصر نوعه في شخصه دليل على ذلك # وقول الطوسي قوله منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه أي منسوبة إلى مبدأ ~~طبيعته النوعية موجودة في شخصه ذلك لأنها غير موجودة في ذلك الشخص بل مع ~~تجويز أنها موجودة في غيره إنما تستقيم في طبائع المخلوقات وأما الخالق ~~تعالى فلا يجوز أن تكون صفته ثابتة لغيره # والكلام إنما هو في أن علمه بنفسه يوجب العلم بالمخلوقات وبه تجب ~~الممكنات ms2166 وليس في الأسباب ما يوجب شيئا من الممكنات إلا وهو سبحانه وتعالى ~~وكل ما سواه فإنما يوجب بشركة من غيره وهو سبحانه لا شريك له ثم كيف يتخصص ~~بالمبدأ إن لم يكن مختصا كما تقدم # ففي الجملة كل حجة يذكرونها هم أو غيرهم على علمه بشيء من الأشياء يدل ~~على علمه بالجزئيات PageV10P177 # وقول القائل إنه يعلم الكليات دون الجزئيات كلام متناقض يستلزم أنه لم ~~يخلق شيئا ولا يعلم شيئا من الموجودات # وقوله مع ذلك إنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~تلبيس منه كقولهم العالم محدث يريدون به أنه معلول مع قدمه وإلا فكل ذرة من ~~ذرات المحدثات عازبة عنه عندهم وكونها تجب وصف كلي باق أزلا وأبدا لا يوجب ~~العلم بها كما ذكروه # ومضمون كلامه أنه يعلم ولا يعلم فهو كلام متناقض ثم الأدلة الدالة على ~~علمه تستلزم علمه بالجزئيات وليس لابن سينا ما يبطل ذلك إلا كون ذلك يفضي ~~إلى تغير العلم لكونه يعلم أن سيكون الشيء ثم يعلم أنه قد كان وهذا إن ~~أبطله من جهة أنه نقص في العلم فهو باطل فإن هذا هو علم للشيء على ما هو ~~عليه فإنه علمه معدوما لما كان موجودا وعلم أنه سيوجد ثم لما وجد علمه ~~موجودا ثم إذا عدم بعد ذلك علم أن قد كان ثم عدم # فهذا هو العلم المطابق للمعلوم وما سوى ذلك فهو جهل لا علم وإن أنكره من ~~جهة أنه يحدث تحول العلم بتحول المعلوم وأن ذلك تغير فقد عرف قول المانعين ~~من هذا الأصل وأنه في غاية الضعف والفساد مخالف لصريح المعقول وصحيح ~~المنقول لا سيما ومن منع ذلك من الجهمية ومن اتبعهم إنما منعوه لاعتقادهم ~~أن ذلك ينافي القدم # وابن سينا وإخوانه يجوزون قيام الحوادث بالقديم فلا حجة لابن سينا ~~وأتباعه في منعه إلا حجتهم في نفي الصفات وإثبات العلم PageV10P178 ~~بالمعلومات المفصلة الثابتة بأعيانها مستلزم لثبوت الصفات كما تقدم بيانه ~~وإقرار أصحابه بذلك وحينئذ فلا حجة لهم ms2167 في نفي ذلك أصلا # والله تعالى قد أخبر في كتابه بعلمه بما سيكون كالأمور التي أخبر بها قبل ~~كونها فعلم أنه يعلم الأشياء قبل وجودها وأخبر أنه إذا وجدت علمها أيضا # كقوله { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ~~ينقلب على عقبيه } سورة البقرة 143 # وفي القرآن من هذا بضعة عشر موضعا وقد روي عن ابن عباس وغيره إلا لنرى ~~وقال طائفة من المفسرين إلا لنعلمه موجودا # ونحن نذكر كلام أبي حامد عليهم قال مسألة في إبطال قولهم إن الله تعالى ~~عن قولهم لا يعلم الجزئيات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان ~~ويكون قال وقد اتفقوا على ذلك # قلت يعني اتفاق من عرف قوله منهم وهم الذين ذكرهم ابن سينا وإلا فأبو ~~البركات قد حكى عنهم قولين واختار هو أنه يعلم الجزئيات # قال أبو حامد فإن من ذهب منهم إلى أنه لايعلم إلا نفسه PageV10P179 ~~فلا يخفى هذا من مذهبه ومن ذهب منهم إلى أنه يعلم غيره وهو الذي اختاره ابن ~~سينا فقد زعم أنه يعلم الأشياء علما كليا لا يدخل تحت الزمان ولا يختلف ~~بالماضي والمستقبل والآن ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي # فلا بد أولا من فهم مذهبهم ثم الاشتغال بالاعتراض ونبين هذا بمثال وهو أن ~~الشمس مثلا تنكسف بعد أن لم تكن منكسفة ثم تنجلي فتحصل له ثلاثة أحوال أعني ~~للكسوف حال هو فيها معدوم منتظر الوجود أي سيكون وحال هو فيها موجود أي هو ~~كائن وحال ثالثة هو فيها معدوم ولكنه كان من قبل # ولنا بإزاء هذه الأحوال ثلاثة علوم مختلفة فإنا نعلم أولا أن الكسوف ~~معدوم وسيكون وثانيا أنه كائن وثالثا أنه كان وليس كائنا الآن # وهذه العلوم الثلاثة متعددة ومختلفة وتعاقبها على المحل يوجب تغير الذات ~~العالمة فإنه لو علم بعد الانجلاء أن الكسوف موجود الآن كما PageV10P180 ~~كان قبل كان جهلا لا علما ولو ms2168 علم عند وجوده أنه معدوم كان جاهلا فبعض هذه ~~لا يقوم مقام بعض # فزعموا أن الله تعالى لا يختلف حاله في هذه الأحوال الثلاثة فإنه يؤدي ~~إلى التغير وما لم يختلف حاله لم يتصور أن يعلم هذه الأمور الثلاثة فإن ~~العلم يتبع المعلوم فإذا تغير المعلوم تغير العلم وإذا تغير العلم فقد تغير ~~العالم لا محالة والتغير على الله محال # ومع هذا زعم أنه يعلم الكسوف وجميع صفاته وعوارضه ولكن علما يتصف به في ~~الأزل والأبد لا يختلف مثل أن يعلم مثلا أن الشمس موجودة وأن القمر موجود ~~وأنهما حصلا منه بوساطة الملائكة التي سموها باصطلاحهم عقولا مجردة ويعلم ~~أنها تتحرك حركات دورية ويعلم أن بين فلكيهما تقاطعا على نقطتين هما الرأس ~~والذنب وأنهما يجتمعان في بعض الأحوال في العقدتين فتنكسف الشمس إذ يحول ~~جرم القمر بينها وبين أعين الناظرين وتستتر الشمس عن الأعين وأنه إذا جاوز ~~العقدة مثلا PageV10P181 ~~بمقدار كذا وهو سنة مثلا فإنه تنكسف مثلا وأن ذلك الانكساف يكون في جميعها ~~أو ثلثها أو نصفها وإنه يمكث ساعة أو ساعتين وهكذا إلى جميع أحوال الكسوف ~~وعوارضه فلا يعزب عن علمه شيء # ولكن علمه بهذا قبل الكسوف وحال الكسوف وبعد الانجلاء على وتيرة واحدة لا ~~يختلف ولا يوجب تغيرا في ذاته وكذا علمه بجميع الحوادث فإنها إنما تحدث ~~بأسباب وتلك الأسباب لها أسباب أخرى إلى أن تنتهي إلى الحركة الدورية ~~السماوية وسبب الحركة الدورية نفس السماوات # وسبب تحريك النفس الشوق إلى التشبه بالله والملائكة المقربين والكل معلوم ~~له أي ينكشف له انكشافا واحدا متناسبا لا يؤثر فيه الزمان ومع هذا فحال ~~الكسوف لايقال إنه يعلم أن الكسوف موجود الآن ولا يعلم بعده أنه انجلى الآن ~~وكل ما يجب في PageV10P182 ~~معرفته الإضافة إلى الزمان فلا يتصور أن يعلمه لأنه يوجب التغير # هذا فيما ينقسم بالزمان وكذا مذهبهم فيما ينقسم بالمادة والمكان كأشخاص ~~الناس والحيوانات فإنهم يقولون لا يعلم عوارض زيد وعمرو وخالد وإنما يعلم ~~الإنسان المطلق بعلم كلي ويعلم عوارضه ms2169 وخواصه وأنه ينبغي أن يكون بدنه ~~مركبا من أعضاء بعضها للبطش وبعضها للمشي وبعضها للإدراك وبعضها زوج وبعضها ~~فرد وأن قواه ينبغي أن تكون مبثوثة في أجزائه وهلم جرا إلى كل صفة في داخل ~~الآدمي وباطنه وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه حتى لا يعزب عن علمه شيء ~~ويعلمه كليا # فأما شخص زيد فإنما يتميز عن شخص عمرو للحس لا للعقل فإن عماد التمييز ~~الإشارة إلى جهة معينة والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية والمكان الكلي # فاما قولنا هذا وهذا فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى الحاس ~~بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة وذلك يستحيل في حقه PageV10P183 # قال الغزالي وهذه قاعدة اعتقدوها واستأصلوا بها الشرائع بالكلية إذ ~~مضمونها أن زيدا مثلا لو أطاع الله أو عصاه لم يكن الله عالما بما يتجدد من ~~أحواله لأنه لا يعرف زيدا بعينه فإنه شخص وأفعاله حادثة بعد أن لم تكن وإذا ~~لم يعرف الشخص لم يعرف أحواله وأفعاله بل لا يعلم كفر زيد ولا إسلامه وإنما ~~يعلم كفر الإنسان وإسلامه مطلقا كليا لا مخصوصا بالأشخاص بل يلزم أن يقال ~~تحدى محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة وهو لم يعرف في تلك الحال أنه تحدى ~~بها وكذلك الحال مع كل نبي معين وإنه إنما يعلم أن من الناس من يتحدى ~~النبوة وأن صفة أولئك كذا وكذا فأما النبي المعين بشخصه فلا يعرفه فإن ذلك ~~يعرف بالحس والأحوال الصادرة منه لا يعرفها لأنها أحوال تنقسم بانقسام ~~الزمان من شخص معين ويوجب إدراكها على اختلافها تغيرا # قال فهذا ما أردنا أن نذكر من نقل مذهبهم أولا ومن PageV10P184 ~~تفهمه ثانيا ثم نبين ما فيه من القبائح اللازمة عليه ثالثا # قلت قبائح مذهبهم أعظم وأكثر مما ذكره أبو حامد من وجوه كثيرة ومضمون ~~حجتهم أن علم الرب بأحوال عباده يستلزم تنوع علمه بهم لتنوع المعلوم وأن ~~ذلك تغير يمتنع على الله ولم يقيموا على امتناع مثل هذا المعنى حجة صحيحة ~~لا شرعية ولا ms2170 عقلية # ولفظ التغير فيه إجمال كما ذكرناه في غير هذا الموضع والتغير الممتنع ما ~~يكون فيه استحالة تتضمن نقصا # وأما ما ذكره من كون العلم يطابق المعلوم فيتنوع بتنوع حاله فهو صفة كمال ~~وإلا كان العلم جهلا # وأما إذا سموا هذا تغيرا وادعوا أن ما دخل في هذا الاسم وجب نفيه فهو ~~كتسميتهم إثبات الصفات تركيبا ودعواهم أن ما يدخل في ذلك يجب نفيه # والحجج العقلية إنما تعتبر فيها المعاني لا الألفاظ والحجج السمعية يعتبر ~~فيها كلام المعصوم وليس في كلام الله ورسوله ولا الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان ما ينفي هذا المعنى الذي سموه تركيبا وتغيرا بل النصوص المتواترة ~~التي جاءت بها الأنبياء عن الله كلها تدل على إثبات ما نفوه من هذه المعاني ~~ولو لم يكن إلا إثبات علمه بكل شيء علما مفصلا PageV10P185 # وهذا القرآن فيه من إخبار الله بالأمور المفصلة عن الشخص المعين وكلامه ~~المعين وفعله المعين وثوابه وعقابه المعين مثل قصة آدم ونوح وهود وصالح ~~وموسى وغيرهم ما يبين أنهم من أعظم الناس تكذيبا لرسل الله تعالى # وكذلك أخباره عن أحوال محمد صلى الله عليه وسلم وما جرى ببدر وأحد ~~والأحزاب والخندق والحديبية وغير ذلك من الأمور الجزئية أقوالا وأفعالا # وأخباره أنه يعلم السر وأخفى وأنه عليم بذات الصدور وأنه يعلم ما تنقص ~~الأرض من الموتى وعنده كتاب حفيظ وأنه يعلم ما في السماوات والأرض وأن ذلك ~~في كتاب # وأنه ما { تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين } سورة الأنعام 59 # وأنه يعلم ما { تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب ~~والشهادة } سورة الرعد 8 9 # وأنه { عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام } سورة لقمان 34 # وأنه { قضى أجلا وأجل مسمى عنده } سورة الأنعام 2 # وأنه { يعلم ما يسرون وما يعلنون } سورة النحل 23 # وأنه { أعلم بما يقولون } سورة طه 104 # إلى أمثال ذلك مما يطول ذكره في كتاب الله ms2171 تعالى PageV10P186 # ثم من أعظم الضلال والجهل أن ينفي النافي علم رب العالمين بمخلوقه لكون ~~ذلك يستلزم ما يسمونه تغيرا وحلول حوادث # ثم نفى هذا المعنى لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة ولا أئمتها وإنما ~~يوافقهم عليه الجهمية # ومن تلقاه عن الجهمية من الكلابية ونحوهم فلا يقر بنفي ذلك إلا من هو من ~~أهل الكلام المبتدع المذموم المحدث في الإسلام ومن تلقاه عنهم جهلا بحقيقته ~~ولوازمه # وإذا كان علم الرب مستلزما لهذا كان هذا من أعظم البراهين على ثبوته وخطأ ~~من نفاه شرعا وعقلا فإنه قد علم بالاضطرار من دين الرسول إثبات العلم بكل ~~شيء من الأعيان # فإذا تبين بصريح العقل أن ذلك يستلزم قيام هذه المعاني بالرب لزم القول ~~بذلك كيف والقرآن قد دل على أنه يعلم الشيء بعد كونه مع علمه بأن سيكون في ~~بضع عشرة آية وقد ثبت بالدلائل اليقينية أنه يعلم كل ما فعله وأنه بكل شيء ~~عليم وهو مقتضى حجتهم # وأما زعمهم مع هذا أنه يعلم الكسوف وجميع صفاته وعوارضه # فيقال لهم إن كان لا يعلم إلا كسوفا كليا لا يمنع تصوره من وقوع الشركة ~~فيه فهو لم يعلم شيئا من الكسوفات الموجودة وإن علم الكسوف الموجود فكل ~~منها جزئي فلا يتصور أن يعلم الكسوف إلا مع علمه بالكسوفات الجزئية # وهذا الذي قاله باطل من وجوه من جهة دعواه أنه مع علمه بالعلة التامة ~~لوجود كل موجود لا يعلم شيئا من المعلولات الحادثة PageV10P187 ~~وإنما يعلم أمرا كليا لم يحدث ولا علة لوجوده فإن الكليات لا يوجد شيء منها ~~إلا معينا فالعلة الموجبة له لا توجب إلا معينا جزئيا فمن لم يعلمه معينا ~~جزئيا لم يعلم معلول العلة التامة # الثاني من جهة دعواه أنه إذا علم الكسوف على الوجه الكلي علم جميع صفاته ~~وعوارضه وعلى هذا فيعلم وجود الإنسان علما كليا مع علمه بجميع صفاته ~~وعوارضه وهذا باطل فإن الصفات والعوارض التي يتصف بها الإنسان وتعرض له لا ~~يشترك فيها الإنسان بل ما من إنسان إلا ms2172 وله صفات وعوارض لا يشركه فيها غيره ~~كالسحنة والنغمة فلا يشترك اثنان في سحنة ولا نغمة # وهذا من دلائل ربوبيته وأنه بكل شيء عليم فيمتنع أن يعلم جميع ما يتصف به ~~الإنسان ويعرض له علما كليا وكثير من ذلك بل أكثره علم يختص بالواحد من ~~الناس جزئي لا يشركه فيه غيره وإن كان الناس يشتركون في أن لهذا رأسا ولهذا ~~رأسا ولهذا قلبا وكبدا ولهذا قلبا وكبدا ولهذا وجها ولهذا وجها فما من ~~شيئين من ذلك يستويان من كل وجه بل لكل من ذلك صفة تخصه فكيف يتصور أن يعلم ~~تلك الخصائص من لا يعلم إلا الكليات المشتركة التي لا اختصاص فيها # الثالث أن هذه الجهات الحادثة من لوازم العلل التي يعلمها علما تاما فكيف ~~يتصور مع علمه بالعلة التامة علما تاما أن لا يعلم لوازمها وكل حادث بعينه ~~هو من لوازمها فأحد الأمرين لازم PageV10P188 ~~إما أن العلم بالعلة التامة لا يستلزم العلم بالمعلول وإلا فلا يكون عالما ~~علما تاما بالعلة التامة # وكلا المقدمتين يسلمون صحتها فكيف يجوز أن يسلم هاتين المقدمتين اللتين ~~يقوم عليهما البرهان اليقيني من ينازع في نتيجتهما اللازمة عنهما بالضرورة ~~وهل هذا إلا جهل بموجب البرهان القياسي في ذلك الذي هم دائما يقررونه مادة وصورة # الوجه الرابع أنهم يقولون إن جميع الحوادث مستندة إلى حركة النفس الفلكية ~~ويقولون إن النفس الفلكية تعلم جزئيات حركات الفلك بل ادعى ابن سينا ومن ~~اتبعه أنها تعلم جميع الحوادث لعلمها بأسبابها لأن سببها هو الحركة الفلكية ~~والنفس الفلكية تعلم ذلك فتعلم المعلولات المسببة عنها وزعموا أن هذه النفس ~~هي اللوح المحفوظ التي أخبرت به الأنبياء وأن المكاشفات التي تحصل في النوم ~~واليقظة للأنبياء وغيرهم هي لاتصال نفوسهم بهذه النفس الفلكية # وأبو حامد ذكر هذا المعنى موافقة لهم في طائفة من كتبه واتبعه على ذلك ~~طائفة من المتصوفة وصاروا يدعون الأخذ من اللوح المحفوظ ومنهم من يعرف ~~مرادهم باللوح المحفوظ ومنهم من لا يعرف ذلك كما وقع ذلك في كلام غير ms2173 واحد ~~من متأخري الصوفية أتباع أبي حامد والمتفلسفة # هذا مع أن حركة الفلك ليست هي العلة التامة في حدوث الحوادث بل يفيض من ~~العقل الفعال ما يفيض من الصور عند استعداد القوابل بحسب الحركة الفلكية ~~فهل ما يقوله هؤلاء في علم الرب وعلم النفس الفلكية التي ادعوا أنها اللوح ~~المحفوظ إلا من أعظم الأقوال PageV10P189 ~~تناقضا حيث جعلوا ما هو بزعمهم جزءا لسبب للحوادث فادعوا أن العلم به يوجب ~~العلم بجميع الحوادث الجزئية ثم العلة التامة عندهم لكل شيء من حادث وغيره ~~قالوا إن العلم التام به لا يوجب العلم بكل حادث وهم في النفس الفلكية ~~محتاجون بعد إثباتها إلى كون حركة الفلك سببا لحدوث شيء # وهذا إذا سلم أو قامت عليه حجة لا يمكن أن يدعى أنه علة تامة باتفاقهم مع ~~اتفاق أهل الملل فكيف يجعلون العلم بما ليس بعلة تامة للحوادث موجبا للعلم ~~بجزئياتها ويقولون العلم التام بما هو علة لها لا يوجب العلم بها # ثم إذا كانت حركة الفلك صادرة عن الرب بوسط أو بغير وسط وهو يعلم نفسه ~~ويعلم مفعولاته ولوازمها ولوازم لوازمها وذلك كله من مفعولاته بوسط أو بغير ~~وسط فإما أن يعلمها مفصلة معينة أو لا يعلمها مفصلة فإن علمها مفصلة علم ~~لوازمها فعلم جميع الحوادث مفصلة معينة وإن لم يعلمها مفصلة فلا ريب أن ~~علمه بحركات أولى من علم النفس الفلكية بكل ما يحدث في الأرض فإن هذه أكثر ~~اختلافا من حركات الفلك فالعلم بتلك أقرب إلى العلم الكلي وهو سبحانه أكمل ~~في خلقه لها ولو بواسطة من إحداث النفس الفلكية لحوادث الأرض # ثم علم النفس الفلكية بالحركات إما كمال وإما نقص فإن كان نقصا فينبغي ~~تنزيه العالم العلوي منه وإن كان كمالا فخالقها أحق بذلك منها ثم تلك ~~الحركات وتصورات النفس وإرادتها جميعها مفعولة PageV10P190 ~~للرب ومعلولة له على اصطلاحهم وهو الخالق لها والعلم بالعلة التامة يوجب ~~العلم بالمعلول فيجب علمه بها وإذا علمها وهي سبب الحوادث وجب علمه ~~بالحوادث # ودعواهم مع عدم علمه ms2174 بالجزئيات أنه يعلم كل صفة في داخل الآدمي وباطنه ~~وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه حتى لا يعزب عن علمه شيء ويعلمه كليا ~~دعوى كاذبة كما تقدم التنبيه عليه فإن كل ما في باطن كل إنسان وظاهره أمر ~~يخصه لا يشترك اثنان في أمر موجود في الخارج بل ولا يتماثل شيئان من كل وجه ~~وإن كانا يتشابهان من بعض الوجوه # فالعلم بما يتشابه فيه الناس علم ببعض صفاتهم الكلية ليس ذلك علما بجميع ~~صفات كل واحد منهم ولا صفة كل واحد وعوارضه تماثل الآخر من كل وجه حتى يكون ~~العلم بالقدر المشترك علما كليا يتناولهما بل لكل واحد خصائص لا يشاركه ~~فيها غيره والعلم بالقدر المشترك لا يتناول شيئا من تلك الخصائص # والإنسان الموجود إنما كان هو الإنسان الموجود بخصائصه لا بالقدر المشترك ~~بينه وبين غيره بل ذلك القدر المشترك إنما يكون في العلم لا يكون في الوجود ~~فمن لم يعلم إلا الكلي وهو القدر المشترك لم يعلم شيئا من الموجودات البتة ~~وإنما ننتفع نحن بالعلم الكلي في الأمور PageV10P191 ~~الموجودة إذا أدرجنا الموجودات في الأمر الكلي كما في علم الشرع والطب وغير ~~ذلك فعلم الطبيب بأن السقمونيا تستخرج الصفراء وأن الدم يستخرج بالفصد ~~والحجامة لا يوجب علما بما ينتفع به الناس إن لم يعلم أن هذا به صفراء وهذا ~~قد زاد به الدم فإذا علم المعينات مع الكليات انتفع بعلمه وأمكن أن يكون له ~~تأثير في الوجود ويصير علما فعليا أي هو شرط في الفعل # فأما العلم الكلي بدون العلم بالجزئيات التي يفعلها الفاعل فلا يكون علما ~~فعليا ولا يؤثر في وجود شيء ولا في فعله # وبهذا يتبين أن قولهم إن علم الرب تعالى فعلي مع إخراج الجزئيات الموجودة ~~عنه تناقض يعرفه من تصور القولين # وعامة أقوال القوم متناقضة لكن ضلالهم في مسألة العلم عظيم جدا وهو من ~~أقبح الكفر وأعظمه منافاة لصريح المعقول وما فطر الله عليه عباده # وقولهم إن شخص زيد إنما يتميز عن شخص عمرو للحس ms2175 لا للعقل فإن عماد ~~التمييز الإشارة إلى جهة معينة والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية والمكان ~~الكلي فأما قولنا هذا وهذا فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى ~~الحاس بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة PageV10P192 # فيقال لهم من الذي فرق في حق الخالق تعالى بين الحس والعقل حتى وصفه ~~بالعقل دون الحس فإن كنتم تحتجون بالمعقولات التي تعرفونها فهي تبطل هذا ~~الفرق وإن كنتم تعتصمون بالشرع فهو لم يطلق عليه اسم العقل ولا الحس لكن ~~قال لفظ العلم والسمع والبصر وبين أنه بكل شيء عليم وأنه سميع بصير والسمع ~~والبصر هو مما يريدونه بلفظ الحس # فإن قلتم إن علمه بالجزئيات المشخصة لا يمكن إلا مع رؤيته لها فلا محذور ~~في إثبات رؤيته لكل مخلوق # وإذا قلتم هذه المحسوسات في جهة والإحساس بها يقتضي كونها بجهة من الحاس ~~على قرب أو بعد فهذا يناسب قولكم إن ما ليس في مكان ليس له نسبة إلى المكان # وحينئذ فيقال أنتم تعلمون أن النفس لها تعلق للشعور والتدبير بالبدن ~~الجزئي فإن ذلك يستلزم أن يكون الذي يحس البدن جسما فالنفس جسم وتدبير رب ~~العالمين لمخلوقاته أعظم من تدبير النفس للبدن فإن النفس ليست مستقلة ~~بتدبيره بل لها شركاء في قوى طبيعية وأسباب خارجية # وأما رب العالمين فلا شريك له في تدبير مخلوقاته فيكون علمه بهم ورؤيته ~~لهم أعظم من علم النفس ببدنها وإدراكها له سواء سمي هذا وهذا حسا أو لم يسم # وما شاركتم فيه الجهمية من النفي لاينفعكم وإنما تنفعكم الأدلة PageV10P193 ~~الصحيحة العقلية أو الشرعية وقد قدمنا غير مرة أنه ليس لكم دليل ينفي ما ~~سميتموه تركيبا عن واجب الوجود ولا ما ينفي الصفات حتى أن الغزالي مع نفيه ~~لكون الرب جسما بين أنه لا دليل لكم على ذلك وأنتم تقولون لا دليل لنفاة ~~المتكلمين على نفي ذلك كما قد حكى ذلك عن الفريقين في موضعه وبين ما ذكر في ~~حجج الفريقين من الفساد العقلي والابتداع الشرعي # وأيضا فإذا كان ms2176 لا يعلم إلا الأمور الكلية الأزلية الأبدية التي لا تقبل ~~التغير فيجب أن لا يعلم أحدا من الأنبياء والرسل ولا شيئا مما أمروا به ~~الناس فإنه ليس شيء من ذلك أزليا أبديا بل يجب أن لا يعرف وجود بني آدم ولا ~~غيرهم من الحيوانات إلا إذا ثبت أن وجود ذلك لازم لوجود الأفلاك # ومعلوم أنهم ليس لهم دليل على قدم نوع من المركبات لا الإنسان ولا غيره ~~من الحيوانات وإن اعتقدوا قدم الأفلاك فإن حدوث الحوادث السفلية هو عن ~~حركات الأفلاك والحركات متنوعة وتحدث فيها أشكال غريبة فيجوز أن يكون حدوث ~~ما حدث من الأنواع بسبب بعض الأشكال التي حدثت ولهذا يجوز عندهم تحول ~~المعمور من الربع الشمالي إلى الجنوبي وغير ذلك من التغيرات العظيمة ويجب ~~أن لا يكون له علم بالطوفانات العامة كطوفان نوح وغيره لأنه من هذا الباب ~~بل يجب أن لا يكون عالما بشيء من أحوال الأفلاك وغيرها ما لم يثبت أن ذلك ~~بعينه قديم أزلي # وهم لا دليل لهم على قدم شيء من العالم وإنما حججهم تدل PageV10P194 ~~على قدم نوع فعله لا على قدم شيء بعينه من المفعولات وقد قامت الأدلة على ~~أن كل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن وإن قيل إنه لم يزل متكلما فاعلا # وعلى هذا التقدير فلا يكون عالما بشيء من مخلوقاته إذ كلها حادثة وهم لا ~~يعلمون شيئا من المحدثات ويجب أن لا يكون عالما بما يتكلم به وما يفعله مع ~~قيام الدليل على أنه يتكلم بمشيئته وقدرته بل ولازم هذا القول أنه لم يفعل ~~شيئا فإنه لا يفعل إلا بمشيئته ولا يشاء إلا مع علمه بما يشاؤه فإذا قدر ~~أنه لم يعلم الفعل المعين والمفعول المعين لزم أنه لم يفعل شيئا ولزم أن كل ~~من فعل بقدرته ومشيئته كان أكمل منه لأنه فعل بعلم وقدرة ومشيئة وهذا في ~~صريح العقل أكمل ممن لا يفعل شيئا أو ممن يفعل بلا قدرة ولا مشيئة ولا علم # وأيضا فإنما يجوز أن ms2177 يعلم المفعولات على وجه كلي أزلي أبدي لا يتغير أن ~~لو كانت المخلوقات مخلوقة على هذا الوجه ولو كان كذلك لزم أن لا يكون في ~~العالم شيء من الحوادث لأن حدوث الحادث بعد أن لم يكن إنما يكون عن حدوث ~~تمام علته وحدوث تمام العلة لا بد له من سبب حادث وهو تمام علته التامة حتى ~~ينتهي الأمر إليه تعالى فلا بد أن يحدث ما يكون تمام العلة التامة لحدوث ~~الحوادث فإن قدر أنه لم يعلم إلا الأمر القديم الأزلي الأبدي امتنع أن يحدث شيئا PageV10P195 ~~لوجهين أحدهما أن الحادث لا يحدث عن قديم أزلي أبدي بدون سبب حادث وهذا ~~أصلهم الذي يقولون به # ثم نقول إن جاز حدوث الحادث عن القديم جاز أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلا ~~ولزم حينئذ علمه بالمحدثات وإن لم يجز ذلك امتنع أن يحدث عن العلة القديمة ~~التامة شيء من الحوادث فلا يحدث في العالم شيء وإذا بطل كون العالم مخلوقا ~~عن علة أزلية لم يحدث عنها لزم أن الحوادث حدثت عند كمال الموجب لحدوثها ~~وذلك بحدوث تمام الموجب لحدوثه وذلك يرجع إلى أمور قائمة به متعلقة بمشيئته ~~وقدرته وحينئذ فيجب علمه بها لأنها من لوازم نفسه ولامتناع وجودها بدون ~~العلم بها # وأيضا فلأن الحوادث إنما هي صادرة عنه سواء صدرت بوسط أو بغير وسط فإن لم ~~يكن عالما بها على الوجه الذي حدثت عليه لم يكن عالما بعلتها التامة ~~المستلزمة لحدوثها لأن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول فإذا قدر ~~عدم العلم بالمعلول لزم عدم العلم بالعلة التامة وإذا امتنع العلم بالعلة ~~التامة لزم أن ينتفي العلم بعلة العلة حتى يلزم عدم علمه التام بنفسه # وإذا قدر عالما بنفسه لزم علمه بكل حادث على الوجه الذي حدث عليه ولزم ~~علمه بكل جزئي لأنه هو الفاعل له على هذا الوجه وإن كان بطريق اللزوم فإن ~~علمه بالملزوم كفعله للملزوم والعلم التام بالملزوم يوجب العلم بلوازمه كما ~~تقدم بيانه PageV10P196 ### | AUTO فصل # قال ابن رشد واما ms2178 صفة الإرادة فظاهر اتصافه بها إذ كان من شرط صدور الشيء ~~عن الفاعل العالم أن يكون مريدا له وكذلك من شرطه أن يكون قادرا فأما أن ~~يقال إنه مريد للأمور المحدثة بإرادة قديمة فبدعة وشيء لا يعقله العلماء ~~ولا يقنع الجمهور الذين بلغوا رتبة الجدل بل ينبغي أن يقال إنه مريد لكون ~~الشيء في وقت كونه وغير مريد لكونه في غير وقت كونه كما قال تعالى { إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } سورة النحل 40 فإنه ليس عند ~~الجمهور شيء يضطرهم إلى أن يقولوا إنه مريد للمحدثات بإرادة قديمة إلا من ~~توهمه المتكلمون من أن الذي تقوم به الحوادث حادث # وقد تبين من قولنا إن الحوادث التي توجب الحدوث للمحل PageV10P197 ~~الذي تقوم به هي الحوادث التي تغير جوهر الشيء وأما تحقيق إرادة الإله فمن ~~علم الخواص الخاص بهم فهؤلاء أرادوا أن يفهموا الناس من الإرادة معنى غير ~~المفهوم من معنى الإرادة المعروفة المفهومة التي صرح بها الشرع وهو معنى لا ~~يفهمه الجمهور ولا تكيفه العقول وجعلوا ذلك أصلا من أصول الشريعة وكفروا من ~~لم يقل به وإنما طور العلماء في هذا المقام أن يقوم البرهان عندهم أن هناك ~~إرادة غير مكيفة لايقال عنها إنها إرادة قديمة يلزم عنها حادث ولا إرادة ~~حادثة مثل التي في الشاهد بل هي إرادة العقول الإنسانية مقصرة عن تكييفها ~~كما هي مقصرة عن تكييف سائر الصفات التي وصف بها نفسه لأنها متى كيفت أشبهت ~~الصفات المكيفة المحدثة فوجب أن يصدق بجميعها بالدلائل البرهانية بلا كيف # قلت أما كونها إرادة ليست مثل إرادة الخلق فهذا لا بد منه فيها وفي سائر ~~الصفات هذا لا يختص بالإرادة كما أن الرب نفسه ليس كمثله شيء فصفاته كذاته # لكن مجرد نفي هذا لا ينازعه فيه أحد ومضمون كلامه الوقف عن الكلام في ~~قدمها وحدوثها لا بيان حل الشبهة كما فعل في مسألة العلم PageV10P198 # والفلاسفة الدهرية حائرون في هذا الموضع ومن يتكلم فيها تناقض كلامه ~~لفساد ms2179 الأصل الذي يبنون عليه وهو صدور الحوادث عن علة موجبة لمعلولها بوسط ~~أو بغير وسط فإن هذا ممتنع بل هو جمع بين النقيضين لأن العلة التامة لا ~~يتخلف عنها شيء من موجبها ولا موجب موجبها والحوادث متأخرة فلا يكون من ~~موجبها ولا موجب موجبها فجعلها من موجبها أو موجب موجبها تناقض فإذا كانوا ~~حائرين في أصل صدور الحوادث عنه فكيف في إرادته لها وعلمه بها # وما ذكره من أن نفاة المتكلمين لا دليل عندهم إلا ما ذكر من أن الذي تقوم ~~به الحوادث حادث وما ذكره من إبطال دليلهم على ذلك هو له ألزم فإن الفلاسفة ~~لم يقيموا على ذلك دليلا بحال إلا ما ينفي الصفات مطلقا # وقولهم في ذلك باطل متناقض إلى الغاية كما قد بين في موضعه وكلامه يتضمن ~~إثبات الصفات فإذا كان من أصلهم أن القديم قد يقوم به الحادث مع أنه تقوم ~~الصفات بالواجب القديم كان ما ألزمه لنفاة المتكلمين له ألزم # قال فإن قيل فصفة الكلام من أين تثبت له # قلنا تثبت له من قيام صفة العلم به وصفة القدرة على الاختراع فإن الكلام ~~ليس شيئا أكثر من أن يفعل المتكلم فعلا يدل PageV10P199 ~~عند المخاطب على العلم الذي في نفسه ويصير المخاطب بحيث ينكشف له ذلك العلم ~~الذي في نفسه وذلك فعل من جملة أفعال الفاعل # قلت الكلام ليس هو نفس التكليم فليس كل متكلم مخاطبا لغيره والنظر أولا ~~في إثبات كونه متكلما ثم في إثبات كونه مكلما لغيره وما ذكره إنما هو في ~~إثبات كونه مكلما لغيره ثم إنه لم يذكر إلا مجرد الإعلام والإفهام والدلالة ~~بأي طريق كان وما يسمى إعلاما وإفهاما ويسمى تكليما مع الإطلاق أو التقييد درجات # كما قال تعالى { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو ~~يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء } سورة الشورى 51 فالتكلم من وراء حجاب كما ~~كلم موسى وبإرسال ملك كما أرسل جبريل بالقرآن أعظم من مجرد الإيحاء # كما قال ms2180 { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه } سورة القصص 7 وقال { وإذ ~~أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي } سورة المائدة 111 # ولا ريب أن الدلالة على مراتب أحدها أن يدل الدليل بغير شعور منه ولا قصد ~~فهذا الذي يسمى لسان الحال وكل ما يسمى دليلا فيسمى بهذا الاعتبار شاهدا ~~ومعرفا وقائلا كما قال PageV10P200 # % امتلأ الحوض وقال قطني % # % قطني رويدا قد ملأت بطني % # وقال انساع بطنه # وقال الحائط للوتد لم تشقني # لا يجوز أن يجعل تكليم الله من هذا الباب عند المسلمين وقد يجعل تكليمه ~~من هذا الباب من يقول إنه لا يعلم الجزئيات # والدرجة الثانية أن يكون الدال عالما بالمدلول عليه لكنه لم يقصد إفهام ~~مخاطب ولكن حاله دل المستدل على ما علمه كالأصوات التي تدل بالطبع مثل ~~البكاء والضحك ونحوهما فإنها تدل على ما يعلمه المرء من نفسه مثل الحزن ~~والفرح وكذلك صفرة الوجل وحمرة الخجل تدل على ما يعلمه المرء من فزعه ~~وحيائه وإن لم يقصد الإعلام بذلك # ومن هذا الباب قول الشاعر # % تحدثني العينان ما القلب كاتم % ولا خير في الشحناء والنظر الشزر % # وقول الآخر # % والعين تعلم من عيني محدثها % إن كان من حزبها أو من أعاديها % # ومن هذا الباب قوله تعالى { ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول } سورة محمد 30 فهو يعلم من السيماء PageV10P201 ~~ومن لحن القول ما لم يقصدوا الإعلام به # وتكليم الله عند المسلمين لا يجوز أن يكون من هذا الباب اللهم إلا عند ~~القدرية الذين يقولون إن ما يحدث من علم العبد قد يحدث بدون إرادة الله # والدرجة الثالثة الدلالة التي يقصدها الدال فمنها الإعلام بغير خطاب ~~مسموع كمن يعلم لغير علامات تدله على ما يريد وكإشارة الأخرس ونحو ذلك ~~فالله تعالى قد يعلم عباده بأنواع كثيرة من الدلائل والإعلام # وهذا هو الذي أثبته المذكور ولكن لازم هذا أن يكون كل من علم علما فقد ~~كلمه الله فإنه قد نصب دليلا يعرفه بذلك والله عالم به وهو مريد لما وقع ms2181 # ولهذا قال وقد يكون من تكليم الله ما يلقيه إلى العلماء بواسطة البراهين ~~لكن من الناس من يستشعر أن الله هداه إلى ذلك وعلمه إياه بما نصبه من ~~الأدلة ومن الناس من قد يعرض عن ذلك ولا ينظر إلا إلى ما دله وقد يقع بنفس ~~الإنسان من ذلك ما لا يعرف عليه دليلا معينا # ومعلوم أن جعل كلام الله ليس إلا من هذا النوع خطأ بل هذا النوع ليس هو ~~الإيحاء المذكور في القرآن فإن ذاك إيحاء بما يؤمر به PageV10P202 # كما قال تعالى { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي } سورة ~~المائدة 111 # وقالت { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه } سورة القصص 7 # بل إيحاء النحل ليس مقتصرا على هذا فإن ذاك أيضا إيحاء بما يريد أن يفعل ~~وهذا ليس فيه إلا مجرد الإعلام # والتكليم للغير قد يكون مجرد إخبار له وإعلام وقد يكون طلبا منه لفعل أو ~~لترك إما لمصلحته وإما لمجرد إرادة الأمر وهذا النوع من التكلم مستلزم ~~للأول والأول لا يستلزم هذا فليس كل من أعلم بشيء أمر بشيء وكل من أمر بشيء ~~فقد أعلم المأمور به وهو لم يذكر إلا مجرد الإعلام فاقتصر على أدنى نوعي ~~التعليم في آخر درجات التكليم # وهذا الذي ذكره غاية ما يثبته القائلون بقدم العالم من المتفلسفة ~~والصابئة ونحوهم والذين يقولون إن الله يتكلم بكلام مخلوق يخلقه في غيره ~~خير من هؤلاء وهذه الدرجة أرفع من درجة مجرد الإعلام مع قصده العلم لأن هذا ~~إعلام بكلام منظوم مسموع وهذا أبلغ من إعلام بمجرد ما يقع في النفس فإذا ~~كان من لم يثبت لله كلاما إلا كلاما مخلوقا في غيره مع أنه حروف منظومة من ~~أضل الناس عند سلف الأمة وأئمتها فكيف من لم يثبت إلا مجرد الإعلام # وأهل السنة لا ينازعون في أن مثل هذا الإعلام واقع من جهة الله PageV10P203 ~~تعالى ولكن يقولون ليس كلامه وتكليمه هو هذا فقط بل هذا يحصل لعموم الخلق # وأما تكليمه من وراء حجاب أو ms2182 بإرسال رسول فهذا مخصوص بالأنبياء وهؤلاء ~~المتفلسفة يجعلون النبوة من جنس ما يحصل لعلماء الفلاسفة الكاملين عندهم # ومن هذا صار كثير من متصوفة الفلاسفة يطمعون في النبوة أو فيما هو أعلى ~~منها عندهم كما حدثونا عن السهروردي المقتول أنه كان يقول لا أموت حتى يقال ~~لي قم فأنذر # وكذلك ابن سبعين كان يقول لقد زرب ابن آمنة حيث قال لا نبي بعدي # وابن عربي صاحب الفتوحات المكية كان يتكلم في خاتم الأولياء ويقول إنه ~~أعلم بالله من خاتم الأنبياء وإن الأنبياء جميعهم يستفيدون العلم بالله من ~~جهة هذا المسمى بخاتم الأولياء والعلم بالله عندهم هو القول بوحدة الوجود ~~كما قد عرف من قول هؤلاء ويقول # % مقام النبوة في برزخ % فويق الرسول ودون الولي % PageV10P204 # ويقول إن خاتم الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به ~~إلى الرسول وهذا على أصل هؤلاء الفلاسفة الملاحدة الذين يجعلون الملائكة ما ~~يتمثل في نفس النبي من الصور الخيالية النورانية وكلام الله ما يحصل في ~~نفسه من ذلك فالنبي عندهم يأخذ عن هذه الأمثلة الخيالية في نفسه الدالة على ~~العلم العقلي والولي يأخذ العلم العقلي المجرد ولهذا يجعلون تكليم الله ~~لأحدهم أفضل من تكليمه لموسى بن عمران لأن موسى كلم عندهم بحجاب الحرف ~~والصوت أي بخطاب كان في نفسه ليس خارجا عن نفسه ويقول بعضهم كلم من سماء ~~عقله وأحدهم يكلم بدون هذا الحجاب وهو إلهامه المعاني المجردة في نفسه # وصاحب خلع النعلين وأمثاله يسلكون هذا المسلك # وهؤلاء أخذوا من مشكاة الأنوار التي بناها واضعها على قانون الفلاسفة ~~وجعل تكليم الله لموسى من جنس ما يلهمه النفوس من العلوم PageV10P205 # ولما كان ابن رشد هذا يعتقد في الباطن ما يعتقده من مقالات المتفلسفة ~~كانت غايته فيما أثبته من كلام الله هو من جنس الإعلام العام الذي يشترك ~~فيه نوع الإنسان # ولهذا كانت اليهود والنصارى أعظم إيمانا بالله وأنبيائه ودينه وبالآخرة ~~من الفلاسفة لكن في اليهود والنصارى من يسلك مسلك هؤلاء المتفلسفه فيجتمع ~~فيه الضلالان ms2183 # واليهود والنصارى آمنوا ببعض ما أنزل الله وكفروا ببعض كما قال تعالى { ~~إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون ~~حقا } سورة النساء 150 151 # لكن أولئك آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض وهؤلاء المتفلسفة قد ~~يقرون بجميع الأنبياء والكتب لكن هم في إيمانهم بجنس الأنبياء والكتب ~~يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض فخيارهم يؤمنون بدرجة من درجات إعلام الله ~~وإيحائه إلى عباده كما ذكر ابن سينا وابن رشد وأمثالهما ولا يؤمنون بما فوق ذلك # وكذلك فيما أخبرت به الرسل من الغيب يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض وكذلك فيما ~~أمروا به فهم يؤمنون ببعض نوع الرسالة ويكفرون ببعض # ولهذا قد يكون اليهود والنصارى خيرا منهم وقد يكون خيارهم أقرب إلى ~~الإسلام من اليهود والنصارى من بعض الوجوه ويكونون PageV10P206 ~~من هذا الوجه خيرا من اليهود والنصارى # ومعلوم أن المنافقين الداخلين في الإسلام فيهم من هو شر من اليهود ~~والنصارى وفيهم من يكون نفاقه أخف من كفر اليهود والنصارى # قال ابن رشد وإذا كان المخلوق الذي ليس بفاعل حقيقي أعني الإنسان يقدر ~~على هذا الفعل من جهة ما هو عالم قادر فإنه بالحرى أن يكون ذلك واجبا في ~~الفاعل الحقيقي # قال ولهذا الفعل شرط آخر في الشاهد وهو أن يكون بواسطة وهو اللفظ وإذا ~~كان هذا هكذا وجب أن يكون الفعل من الله تعالى في نفس من اصطفى من عباده ~~بواسطة ما إلا أنه ليس يجب أن يكون لفظا ولا بد مخلوقا له بل قد يكون ~~بواسطة ملك وقد يكون وحيا أي بغير لفظ يخلقه بل يفعل فعلا في السامع ينكشف ~~له به ذلك المعنى وقد يكون بواسطة لفظ يخلقه الله في سمع المستمع المختص ~~بكلامه وإلى هذه الأطوار الثلاثة الإشارة بقوله تعالى { وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء } PageV10P207 ~~سورة الشورى 51 # فالوحي هو وقوع ms2184 ذلك المعنى في نفس الموحى إليه بغير واسطة لفظ يخلقه بل ~~بانكشاف ذلك المعنى له بفعل يفعله في نفس المخاطب كما قال تعالى { فكان قاب ~~قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى } سورة النجم 109 # وقوله { من وراء حجاب } هو الكلام الذي يكون بواسطة ألفاظ يخلقها في سمع ~~الذي اصطفاه بكلامه وهذا هو كلام حقيقي وهو الذي خص الله به موسى ولذلك قال ~~{ وكلم الله موسى تكليما } سورة النساء 164 وأما قوله { أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه } سورى الشورى 51 فهذا هو القسم الثالث وهو الذي يكون بواسطة الملك # قال وقد يكون من كلام الله ما يلقيه إلى العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ~~بواسطة البراهين PageV10P208 # قلت هذا كله على أصله إخوانه الفلاسفة كما تقدم وهؤلاء في الحقيقة لم ~~يثبتوا لله كلاما ولا تكليما هو أمر ونهي وإنما أثبتوا مجرد العلم والإعلام # وقوله ولهذا الفعل شرط في الشاهد وهو اللفظ فيجب أن يكون من الله بواسطة ~~وهو الملك أو جعل العبد عالما بذلك أو لفظ يخلقه في سمع المستمع فهذا شر من ~~قول المعتزلة الذين يقولون كلام الله مخلوق # وهو متضمن لعدة وجوه من الخطأ منها أن الملك إذا كان واسطة رسول إلى من ~~أرسل إليه كما أن البشر أيضا رسول ومثل هذه الواسطة قد تكون من العبد أيضا ~~فإنه قد يرسل رسولا كما يكتب كتابا والرسول مبلغ لكلام المرسل فلا بد من ~~إثبات كلام يبلغه الرسول والرسول قد يبلغ لفظ المرسل وقد يبلغ معناه بعبارة ~~أخرى وقد يفهم مراده بطريق آخر فيبلغه عنه فهذا كله يقع في البشر كما يقع ~~تكليم بعضهم لبعض باللفظ فلا يجعل هذا من الله نوعا من الأنواع القائمة ~~مقام اللفظ من البشر فإن البشر تجمع بين النوعين بين اللفظ وبين هذا فكان ~~الواجب أن يجعل هذا من الله قائما مقام الإرسال من البشر لا مقام اللفظ # وأيضا فإن الأقسام الثلاثة التي ذكرها لا تقوم مقام اللفظ من البشر أما ~~إحداث الفهم في العبد فهذا ms2185 مفعول من مفعولات الله PageV10P209 ~~كسائر مفعولاته فيجعل العبد يعلم بمنزلة جعله يسمع ويبصر ويقدر ويعمل # ومعلوم أن هذا لا يقدر عليه غير الله وهو مع هذا متناول لجميع الحيوان ~~قال تعالى { سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى } سورة ~~الأعلى 1 3 وقال موسى { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } سورة طه 50 # فهل يكون كل من جعله الله يعلم ما لم يكن يعلم يكون قد كلمه الله # وأيضا فهذا ليس نظير خطاب الإنسان بلفظه ولا هذا واسطة في هذا التكليم بل ~~هذا هو نفس الواسطة وهو يثبت أمرين أحدهما فعل من الله هو التكليم والثاني ~~واسطة أخرى غير الفعل # وذلك لا يصلح لأمرين أحدهما أن الفعل غير المفعول كما أقر بذلك غير مرة ~~وهنا لا يثبت لله فعلا غير ما حدث في نفس الملهم الثاني أنه ليس هناك واسطة ~~غير هذا الحادث فنفس كون العبد يعلم هو التكليم عنده وهو مفعول الحق وهو ~~مفعول الحق وإذا قدر قبل هذا العلم خلق استعداد في العبد وإثبات شروط ~~وإزالة موانع فتلك هي شروط العلم كالنظر والاستدلال فيما يحصل بذلك وأما ~~قوله بواسطة لفظ يخلقه الله في سمع المستمع المختص بكلامه # فيقال له هذا اللفظ إن كان موجودا في شيء خارج عن المستمع فهو قول ~~المعتزلة الذين يقولون إن الله كلم موسى بكلام مخلوق في غيره PageV10P210 # وهو لم يرد هذا بل قوله وقول أصحابه شر من هذا وإن أراد ما هو مدلول لفظه ~~وقول أصحابه وهو أنه خلق لفظا في نفس موسى سمعه موسى من غير أن يكون له ~~وجود في الخارج فهذا من جنس ما يسمعه النائم في نفسه من الأصوات وما يقع ~~لأرباب الرياضات من الأصوات التي يسمعونها في أنفسهم # ولا ريب أن إحداث المعاني العقليه المجردة في نفس الإنسان أكمل من إحداث ~~هذه في نفسه فيكون تكليمه لموسى أنقص من إيحائه إلى سائر النبيين والله قد ~~فضل موسى بالتكليم وعلم ذلك بالضرورة من دين ms2186 المسلمين واليهود والنصارى # قال تعالى { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ~~وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما } سورة النساء 163 164 # وقال تعالى { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله } سورة ~~البقرة 253 # وقال { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن ~~تراني } إلى قوله { قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } ~~سورة الأعراف 143 144 # وقال { وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا } سورة مريم 52 PageV10P211 # وقال { فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين } سورة القصص 30 # وقال { هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى } سورة ~~النازعات 15 16 # وما ذكروه من حدوث أصوات في نفس الإنسان يسمعها إما يقظة وإما مناما يحصل ~~لآحاد الناس في كثير من الأوقات وسمع الإنسان للهواتف في نفسه أكثر من أن ~~يحصى فإن كان تكليم موسى من هذا الجنس فآحاد الناس شركاؤه في هذا فكيف ~~بالأنبياء فكيف بالمرسلين # ومعلوم أن الله خص موسى بالتكليم تخصيصا لم يشركه فيه لا نوح ولا إبراهيم ~~ولا عيسى ولا نحوهم من النبيين # وقوله إن ذلك الكلام الذي يكون بواسطة ألفاظ يخلقها في سمع الذي اصطفاه ~~بكلامه وهذا هو كلام حقيقي وهو الذي خص به موسى كلام باطل فإن هذا ليس ~~بالتكليم الحقيقي الذي خص به موسى بل ليس هو التكليم الحقيقي عند أحد من الأمم # ولا يعقل أحد في التكليم هذا وإنما هذا من جنس المنامات وغايته أن يكون ~~من جنس الإيحاء والإنسان قد يرى في منامه أن الله خاطبه بكلام كثير يسمعه ~~فإن كان هذا كلام حقيقي لله فما أكثر PageV10P212 ~~الكلام الحقيقي لله وما أكثر تكليمه بكلام حقيقي لآحاد الناس كما كلم موسى ms2187 ~~بن عمران النجي المقرب المخصوص بالتكليم # وأيضا قوله تعالى { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ~~} سورة الشورى 51 يقتضي أن التكليم من وراء حجاب نوع غير الوحي وأن المكلم ~~بذلك محجوب أن يرى الله لأن التكليم المسموع قد يكون مع رؤية المستمع ~~للمتكلم وقد يكون مع كونه محجوبا عنه بخلاف الوحي فإنه يقع في قلبه فلا ~~يحتاج أن يجعل نوعين # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ما منكم من أحد إلا ~~سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فلو كان الكلام المسموع هو شيئا ~~قائما بالمستمع لا وجود له في الخارج لكان من جنس الوحي الذي لا يحسن أن ~~يقال معه من وراء حجاب فإن صاحب هذا لم يسمع شيئا منفصلا عنه يمكن مشاهدة ~~المتكلم به تارة وحجب المستمع عنه أخرى والكلام على هذا مبسوط في موضعه # والمقصود هنا التنبيه على ما تعرف به الأقوال الموافقة للقرآن والمخالفة ~~له فإن هذا الباب خاض فيه طوائف من الناس وأكثر الناس يسمعون كلام هذا وهذا ~~ولا يعرفون حقائق الأقوال ومراتبها في القرب من الحق والبعد منه PageV10P213 # قال ابن رشد وقد يكون من كلام الله ما يلقيه إلى العلماء الذين هم ورثة ~~الأنبياء بواسطة البراهين وبهذه الجهة صح عند العلماء أن القرآن كلام الله # أعني أن القرآن تضمن براهين عجزت العقول البشرية عنها فوجب أن يكون ~~فاعلها هو الله وفاعل البرهان عند الناظر فيه مقطوع عنده أن فاعل ذلك متكلم # قلت هذا بناه على ما تقدم من أن التكليم ليس إلا مجرد الإعلام فما علمه ~~العالم بالدليل هو من هذا النمط وهذا مما يبين ضلاله فإنه من المعلوم ~~بالاضطرار أن تكليم الله لأنبيائه بالوحي الذي يخصهم أمر لا يحصل للعلماء ~~وما ذكره في القرآن مضمونه أن القرآن فيه من البراهين ما تعجز عنه العقول ~~فوجب أن يكون مفعولا لله على زعمه # وهو والمعتزلة يقولون إنه مفعول أحدثه في شيء منفصل عن الرسول ms2188 وعن جبريل ~~وهؤلاء عندهم لا يكون إحداثه إلا في نفس الرسول أو جبريل عند من يسلم أن ~~جبريل ملك منفصل عن النبي قائم بنفسه وهذا لا يقوله إلا من قرب إلى الإسلام ~~منهم وأئمتهم لا يقولون ذلك ولا يعرفون جبريل إلا ما في نفس النبي من ~~الخيال أو PageV10P214 ~~العقل الفعال فقول المعتزلة خير من قول هؤلاء بكثير # ويقال له القرآن إذا تضمن براهين عجزت العقول عنها فمن أين وجب أن يكون ~~مفعولا لله وما المانع من أن يكون كلاما يتكلم الله به هذا لا مانع منه إلا ~~ما يقوله نفاة الصفات وأنتم قولكم في إثباتها ونفيها متناقض تثبتونها تارة ~~وتنفونها أخرى ولا دليل لكم على النفي إلا ما قد عرف فساده والأدلة ~~اليقينية توجب إثباتها أو ما يقوله من ينفي أفعاله وما يقوم به من الأمور ~~التي يختارها ويقدر عليها كالتكليم مثلا وأنتم قد بينتم فساد هذه الحجة ~~التي استدل بها نفاة ذلك # قال فقد تبين لك أن القرآن الذي هو كلام الله قديم وأن اللفظ الدال عليه ~~مخلوق له سبحانه وتعالى لا للبشر # فيقال له ليس فيما ذكرته ما يقتضي أن القرآن الذي هو كلام الله قديم فإن ~~غاية ما ذكرته أن يكون القديم هو العلم والقرآن ليس هو مجرد العلم لا حروفه ~~ولا معانيه # أما حروفه فظاهر وأما معانيه فإن معاني الكلام نوعان إنشاء وإخبار فأما ~~الإنشاء ففيه الأمر والنهي المتضمن للطلب أو للإرادة التي بمعنى المحبة ~~ونحو ذلك وأما الخبر فهل معناه من جنس العلم أو حقيقة أخرى غير العلم فيه ~~قولان معروفان # فإن لم يكن في كلامك ما يمكن أن يكون قديما غير العلم لم يكن PageV10P215 ~~معنى القرآن عندك قديما ولكن بعض معناه ثم الكلام في تعدد هذه المعاني ~~واتحادها وتعدد العلم والارادة واتحاد ذلك لم يتكلم هو فيه وقد ذكر في غير ~~هذا الموضع # وكذلك يقال له ليس فيما ذكرته أن اللفظ الدال عليه مخلوق له سبحانه لا ~~لبشر فإنك لم تذكر إلا مجرد دعوى ms2189 أنه يسمع ألفاظا في نفسه ولم تقم دليلا ~~على ذلك ولو قدر أن مثال ذلك يسمى كلام الله كان قول القائل إن القرآن من ~~هذا الباب دعوى تفتقر إلى دليل وهو لم يذكر دليلا على ذلك ولا دليل له إلا ~~ما قد اعترف هو بضعفه كدليل ابن سينا على نفي الصفات ودليل المعتزلة ~~والأشعرية على أن ما لم يسبق الحوادث فهو حادث أو دليل المعتزلة على نفي ~~الصفات وهو أضعف من ذلك # فهذا مجموع ما ذكره هو وأمثاله في كتبهم وهي ترجع إلى دليل الحوادث ~~والتعدد والاختصاص ليس لهم رابع # ثم يقال له بتقدير تسليم ما قدمته قولك في القرآن باطل وذلك لأنه لا ~~يمكنك أن تقول فيه ما قلته في تكليم موسى فإن موسى كلمه الله تكليما فزعمت ~~أنت وأمثالك من الملاحدة أن معنى ذلك خلق كلام مسموع في مسامع موسى كما زعم ~~المعتزلة الذين هم خير منكم أن ذلك كلام مسموع خلقه في جسم من الأجسام فسمعه PageV10P216 ~~موسى وأما القرآن فنزل به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لم يكلم الله ~~به محمدا بلا واسطة # وإذا كان جبريل نزل به من الله وأنتم تقولون ليس هنا جبريل منفصل عن ~~النبي وإنما جبريل ما يتخيل في نفسه من الصور النورانية التي تخاطبه وحينئذ ~~فيكون من خلق في نفسه هذه الأصوات ابتداء قد كلمه الله تكليما ومن خلقت فيه ~~بواسطة هذه الصورة نزل عليه جبريل بها فيكون ما يحصل لآحاد الناس من ~~الأصوات التي يسمعها في نفسه أعظم من القرآن وهي بأن تكون كلام الله أحق من ~~القرآن وتكون التوراة أعظم من القرآن # وقد علم بالاضطرار من دين المسلمين أن جبريل ملك حي متكلم كان ينزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي ليس هو مجرد ما يتخيل في نفسه # قال تعالى { إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين } ~~إلى قوله { ولقد رآه بالأفق المبين } سورة التكوير 19 23 فأخبر أنه رسول ~~كريم ms2190 ذو قوة عند ذي العرش وأنه مطاع هناك أمين # ومن المعلوم أن ما في نفوس البشر من الصور لا يوصف بهذا # وقال تعالى { علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا ~~فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى ~~أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة ~~المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى } PageV10P217 ~~سورة النجم 5 18 فأخبر أن معلمه معلم شديد القوى وأنه ذو مرة والناس قد ~~تنازعوا في المرئي مرتين فقال ابن مسعود وعائشة وغيرهما هو جبريل رآه على ~~صورته التي خلق عليها مرتين كما ثبت ذلك في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم # وقال ابن عباس وغيره رأى ربه بفؤاده مرتين # ومن المعلوم أنه إذا كان المرئي جبريل وأنه الذي رآه عند سدرة المنتهى ~~عندها جنة المأوى وأنه استوى وهو بالأفق الأعلى امتنع أن يكون جبريل ما في ~~نفسه وإذا كان المرئي هو الله فهو أعظم # ومن هؤلاء من يقول جبريل هو العقل الفعال ويقول ليس بضنين أي ببخيل لأنه ~~فياض وهذا جهل لأن قراءة الأكثرين بظنين أي بمتهم وهو المناسب أي ما هو ~~بمتهم على ما غاب عنا بل هوأمين في إخباره بالغيب وإذا قيل ضنين بمعنى بخيل ~~كان ذلك وصفا له بأنه لا يبخل بعلم الغيب بل يبين الحق ولهذا قال على الغيب بظنين PageV10P218 # وما يزعمونه من العقل الفعال هو عندهم تفيض منه جميع الأمور المشاهدة ~~فليس هنا غيب وشهادة ثم من المعلوم بالاضطرار من دين المسلمين أن جبريل لم ~~يبدع الأرض والجبال والهواء والسحاب والحيوان والمعدن والنبات وهم يزعمون ~~أن هذا العقل الفعال أبدع كل ما تحت فلك القمر وقد بسط الكلام على هذا وبين ~~أن الملائكة التي وصفها الله في كتابه لا يصح أن تكون هي ما يذكرونه من ~~العقول والنفوس بوجوه كثيرة # قال وبهذا باين ms2191 لفظ القرآن الألفاظ التي ينطق بها في غير القرآن أعني أن ~~هذه الألفاظ هي فعل لنا بإذن الله وألفاظ القرآن هي خلق الله ومن لم يفهم ~~هذا على هذا الوجه لم يفهم هذه الصورة ولا فهم كيف يقال في القرآن إنه كلام الله # فيقال له كل ما يحدثه الله تعالى في نفوس الآدميين من الحروف والأصوات ~~التي يتخيلونها في المنام واليقظة هي على قولكم بمنزلة القرآن في أنها خلق ~~الله ومن المعلوم أن الألفاظ التي يؤلفها الفضلاء خير من أكثر الألفاظ التي ~~يتخيلها أكثر الناس في المنام واليقظة فأي فضيلة للقرآن بهذا الاعتبار # قال ومن نظر إلى اللفظ دون المعنى قال إن القرآن PageV10P219 ~~مخلوق ومن نظر إلى المعنى الذي يدل عليه اللفظ قال إنه غير مخلوق والحق هو ~~الجمع بينهما # قال والأشعرية قد نفوا أن يكون المتكلم فعل الكلام لأنهم تخيلوا أنهم إذا ~~سلموا هذا الأصل وجب أن يعترفوا أن الله فاعل لكلامه ولما اعتقدوا أن ~~المتكلم هو الذي يقوم الكلام بذاته ظنوا أنه يلزمهم عن هذين الأصلين أن ~~يكون الله فاعلا للكلام في ذاته فتكون ذاته محلا للحوادث فقالوا المتكلم ~~ليس فاعلا للكلام وإنما هي صفة قديمة لذاته كالعلم وغير ذلك وهذا يصدق على ~~كلام النفس ويكذب على الكلام الذي يدل على ما في النفس وهو اللفظ # والمعتزلة لما ظنوا أن الكلام هو ما فعله المتكلم قالوا إن الكلام هو ~~اللفظ فقط ولهذا قال هؤلاء إن اللفظ مخلوق واللفظ عند هؤلاء من حيث هو فعل ~~فليس من شرطه أن يقوم بفاعله والأشعرية تتمسك بأن من شرطه أن يقوم بالمتكلم ~~وهذا صحيح في الشاهد في الكلامين معا أعني كلام النفس واللفظ الدال عليه ~~وأما في الخالق فكلام النفس هو الذي قام به فاما الدال عليه فلم يقم به سبحانه PageV10P220 # والأشعرية لما شرطت بإطلاق أن يكون الكلام قائما بالمتكلم أنكرت أن يكون ~~المتكلم فاعلا للكلام على الإطلاق والمعتزلة لما شرطت أن يكون المتكلم ~~فاعلا للكلام بإطلاق أنكروا كلام النفس وفي قول ms2192 كل واحدة من الطائفتين جزء ~~من الحق وجزء من الباطل على ما لاح لك من قولنا # فيقال له ليس فيما ذكرته قول الأشعرية ولا قول المعتزلة ولا جمعا بينهما ~~بل هو قول المتفلسفة والصابئة الذين هم شر من اليهود والنصارى # وذلك أن المعتزلة وإن قالت إن الكلام مفعول للرب فإنها لا تجعله محدثا في ~~نفس المتكلم بل يقولون إنه مفعول في جسم منفصل عن المستمع وهو آية من آيات ~~الله التي يخلقها ومن قال بقولك كفرته المعتزلة # وأما الأشعرية فهم وإن قالوا إنه معنى قائم بنفس المتكلم فلا يجعلونه ~~مجرد العلم بل الكلام عندهم صفة ليست هي العلم ولا الإرادة والكلام يكون ~~خبرا ويكون أمرا # والناس وإن خالفوهم في هذا المعنى وقالوا لا يعقل إلا العلم PageV10P221 ~~والإراده وضايقوهم في جعل المعنى الواحد يكون أمرا وخبرا حتى احتاج بعضهم ~~إلى أن جعل الكلام كله بمعنى الخبر والخبر مع المخبر كالعلم مع المعلوم وقد ~~يضطرون إلى أن يفسروا معنى الخبر بالعلم لعدم الفرق فهذه لوازم المذهب الذي ~~قد يستدل بها إن كانت لازمة على فساده وليس كل من قال قولا يلتزم لوازمه # والناس لهم في الكلام ثلاثة أقوال هل هو اسم اللفظ والمعنى جميعا كما هو ~~قول الأكثرين أم للفظ فقط بشرط دلالته على المعنى كقول المعتزلة وكثير من ~~غيرهم أو للمعنى المدلول عليه باللفظ كقول الكلابية ومن متأخريهم من جعله ~~مشتركا بينهما اشتراكا لفظيا # وأما المتكلم ففيه أيضا ثلاثة أقوال أحدها أنه من فعل الكلام ولو في غيره ~~كما يقوله المعتزلة والثاني من قام به الكلام وإن لم يفعله ولم يكن مقدورا ~~مرادا له كما يقوله الكلابية والثالث من جمع الوصفين فقام به الكلام وكان ~~قادرا عليه # ولا ريب أن جمهور الأمم يقولون لا يكون متكلما إلا من قام به الكلام كما ~~لا يكون متحركا إلا من قامت به الحركة ولا عالما إلا من قام به العلم ونحو ~~ذلك لكن الكلابية اعتقدوا أنه لا تقوم به الحوادث فامتنع لهذا عندهم أن ms2193 ~~يكون الكلام مقدورا له مرادا # قالوا لأن المقدور المراد حادث لا يكون صفة لازمة له # وأنت قد بينت فساد هذا الأصل فكان يلزمك على أصلك أن تجوز قيام ذلك به ~~فإنه لا دليل لك على نفيه إلا ما تنفي به سائر PageV10P222 ~~الصفات وأنت تعترف بأن حدوث الحوادث بدون ذلك مما يتعرى ويتعذر بعقله # وكذلك ما ذكرته عن المعتزلة من أن اللفظ عندهم فعل وليس من شرطه أن يقوم ~~بفاعله وأنت مقر بالفرق بين الفعل والمفعول وأنه لا يعقل مفعول بدون فعل ~~وهذا مما أوردته على أبي حامد في تهافت التهافت وقلت إن حدوث العالم بدون ~~إحداث يكون هو فعل والحادث هو المفعول محال وقد أبطلت أصل المعتزلة في أن ~~ما تقوم به الحوادث فهو حادث فكان يلزمك أن تثبت فعلا قائما بالفاعل إما ~~قديما وإما حادثا ويكون الكلام قائما بالمتكلم وهو فعل له فكيف وأنت ~~وأصحابك لم تثبتوا كلاما لله إلا ما كان في نفوس البشر فالمعتزلة خير منكم # وإذا قلت نحن نثبت المعنى أنه قديم بخلاف المعتزلة # قيل لك المعتزلة أيضا تقر بأن الله عليم بكل شيء أعظم مما تقرون أنتم به ~~والمعتزلة لا تنكر هذا المعنى وهم وإن كانوا متناقضين في إثبات الصفات ~~ونفيها فلا ريب أن قولهم أقرب إلى إثبات الصفات من قول أصحابك فما جعلته ~~أنت قديما يمكنهم جعله قديما # وأعظم ما شنع الناس به في الصفات على المعتزلة قول رئيسهم أبي الهذيل ~~قوله إن الله عالم بعلم هو ذاته وليست ذاته علما # وأنت تقول إن العلم هو العالم بل تقولون إن العلم والعالم PageV10P223 ~~والمعلوم والعشق والعاشق والمعشوق والعقل والعاقل والمعقول شيء واحد فقولكم ~~أشد نفيا وتناقضا من قولهم وهم إلى إطلاق القول بأن معنى القرآن قديم ولفظه ~~مخلوق أقرب منكم فما في قولهم من باطل إلا وفي قولكم أفسد منه ولا في قولكم ~~حق إلا وفي قولهم أكمل منه # قال ابن رشد واما صفة السمع والبصر فإنما أثبتهما الشرع لله تبارك وتعالى ~~من قبل أن ms2194 السمع والبصر يختصان بمعان مدركة في الموجودات ليس يدركها العقل ~~ولما كان الصانع من شرطه أن يكون مدركا لكل ما في المصنوع وجب أن يكون له ~~هذان الإدراكان فواجب أن يكون عالما بمدركات البصر وعالما بمدركات السمع إذ ~~هي مصنوعات له وهذه كلها منبهة على وجودها للخالق سبحانه في الشرع من جهة ~~تنبيهه على وجوب العلم له # وبالجملة فما يدل عليه اسم الإله واسم المعبود يقتضي أن يكون مدركا لجميع ~~الإدراكات لأنه من العبث أن يعبد الإنسان ما لا يدرك أنه عابد له PageV10P224 # كما قال تعالى { يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } ~~سورة مريم 42 وقال { أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم } ~~سورة الأنبياء 66 # فهذا القدر مما يوصف الله به ويسمى به هو القدر الذي قصد الشرع أن يعلمه ~~الجمهور لا غير ذلك # قلت السمع والبصر ليسا مجرد علم بالمسموع والمرئي وإن استلزما ذلك على ما ~~هو المعروف من قول أئمة السنة والقصد الذي عرفه الشرع أكثر من هذه الصفات ~~ولكن لما أراد صاحب هذا الكلام أن يبين الطرق الشرعية لإثبات ما أثبته ~~المتكلمون من الصفات تبعهم في هذا # قال ومن البدع التي حدثت في هذا الباب سؤال في الصفات هل هي الذات أو ~~زائدة على الذات ثم هل هي صفة نفسية أو صفة معنوية # ويعني بالنفسية التي توصف بها الذات لنفسها لا لقيام معنى PageV10P225 ~~فيها زائد على الذات مثل قولنا واحد قديم # والمعنوية التي توصف بها الذات لقيام معنى فيها فإن الأشعرية يقولون إن ~~هذه الصفات هي صفات معنوية وإنها زائدة على الذات فيقولون إنه عالم بعلم ~~زائد على ذاته وحي بحياة زائدة على ذاته كالحال في الشاهد # ويلزمهم على هذا أن يكون الخالق جسما لأنه يكون هناك صفة وموصوف وحامل ~~ومحمول وهذه هي حال الجسم # وذلك أن الذات لا بد أن يقولوا إنها قائمة بذاتها والصفات قائمة بها أو ~~يقولوا إن كل واحد منها قائم بنفسه ms2195 أو يقولوا إن الذات تقوم بالصفات فإن ~~قالوا إن كل واحد منهما قائم بنفسه فالآلهة كثيرة # وهذا قول النصارى الذين زعموا أن الأقانيم ثلاثة أقنوم الوجود والحياة والعلم # وقد قال تعالى في هؤلاء { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } سورة ~~المائدة 72 وإن قالوا أحدهما قائم بنفسه والآخر قائم PageV10P226 ~~به فقد أوجبوا أن يكون جوهرا وعرضا لأن الجوهر هو القائم بذاته والعرض هو ~~القائم بغيره والمؤلف من جوهر وعرض جسم ضرورة # وكذلك قول المعتزلة في هذا الجواب إن الذات والصفات شيء واحد هو أمر بعيد ~~من المعارف الأول بل يظن أنه مضاد لها وذلك أنه يظن أن من المعارف الأول أن ~~العلم يجب أن يكون غير العالم وأنه ليس يجوز أن يكون العلم هو العالم إلا ~~لو جاز أن يكون أحد المتضايفين مثل أن يكون الأب والابن معا واحدا بعينه ~~فهذا تعليم بعيد عن أفهام الجمهور والتصريح به بدعة وهو أن يضلل الجمهور ~~أحرى منه أن يرشدهم # وليس عند المعتزلة برهان على وجوب هذا في الأول سبحانه إذ ليس عندهم ~~برهان ولا عند المتكلمين على الجسمية أو نفي الجسمية عنه برهان فإن نفي ~~الجسمية عنه انبنى على وجوب الحدوث للجسم بما هو جسم PageV10P227 ~~قال وقد بينا في صدر هذا الكتاب أنه ليس عندهم برهان على ذلك وأن الذين ~~عندهم برهان على ذلك هم العلماء ومن هذا الموضع زل النصارى وذلك أنهم ~~اعتقدوا كثرة الأوصاف واعتقدوا أنها جواهر لا قائمة بغيرها بل قائمة بنفسها ~~كالذات واعتقدوا أن الصفات التي بهذه الحال هما صفتان العلم والحياة # قالوا فالإله واحد من جهة ثلاثة من جهة يريدون أنه ثلاثة من جهة أنه ~~موجود وحي وعالم وواحد من جهة أن مجموعها شيء واحد # فهنا ثلاثة مذاهب مذهب من رأى أنها نفس الذات ولا كثرة هنالك ومذهب من ~~رأى الكثرة وهؤلاء قسمان منهم من جعل الكثرة كثرة قائمة بذاتها ومنهم من ~~جعلها كثرة قائمة بغيرها وهذا كله بعيد عن مقصد الشرع # وإذا كان هذا ms2196 هكذا فالذي ينبغي أن يعلم الجمهور من أمر هذه الصفات هو ما ~~صرح به الشرع فقط وهو الاعتراف بوجودها دون PageV10P228 ~~تفصيل الأمر فيها فإنه ليس يمكن عند الجمهور أن يحصل في هذا يقين أصلا # وأعني هنا بالجمهور كل من لم يعن بالصنائع البرهانية وسواء كان قد حصلت ~~له صناعة الكلام أو لم تحصل له فإنه ليس في قوة صناعة الكلام الوقوف على ~~هذا القدر من المعرفة إذ أعلى مراتب صناعة الكلام أن يكون حكمة جدلية لا ~~برهانية وليس في قوة صناعة الجدل الوقوف على الحق في هذا # فقد تبين من هذا القول القدر الذي صرح به للجمهور من المعرفة في هذا ~~والطرق التي سلكت بهم في ذلك وأن الطرق التي سلكوا بالناس في هذه الأشياء ~~وزعموا أنها من أصل الشرع ليست من أصل الشرع بل هي مسكوت عنها في الشرع # قلت مقصوده بهذا الكلام يبين أن طرق إخوانه الفلاسفة في نفي الصفات هي ~~البرهانية دون طرق غيرهم وليس الأمر كما زعمه بل ما سلكه إخوانه في نفي ~~الصفات أضعف بكثير مما سلكه المعتزلة مع أن PageV10P229 ~~كليهما فاسد كما قد بين في موضعه # وقول القائل إن الشرع لم يصرح بإثبات الصفات من أبين الخطأ فإن الله ~~تعالى قال { ولا يحيطون بشيء من علمه } سورة البقرة 255 # وقال { أنزله بعلمه } سورة النساء 166 # وقال { فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } سورة هود 14 # وقال { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } سورة فاطر 11 سورة فصلت 47 ~~في موضعين # وقال { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } سورة الذاريات 58 # وقال { أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } سورة فصلت 15 # وقال { والسماء بنيناها بأيد } سورة الذاريات 47 # وفي الحديث الصحيح اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك # وقال تعالى عن الملائكة { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } PageV10P230 ~~سورة غافر 7 وقال { ورحمتي وسعت كل شيء } سورة الأعراف 156 # وقال { وسع كل شيء علما } سورة طه ms2197 98 وقال { ولتصنع على عيني } سورة طه ~~39 وأمثال ذلك في الكتاب والسنة كثير # ومن المعلوم بالضرورة أن العلم ليس هو نفس العالم والمضاف هنا ليس هو ~~المضاف إليه وأن أسماء الله الحسنى مثل العليم والحي والقدير والرحيم ونحو ~~ذلك هي وإن كانت أسماء لله تدل على نفسه المقدسة فليس ما دل عليه الحي من ~~الحيوة هو ما دل عليه عليم من العلم وما دل عليه قدير من القدرة وما دل ~~عليه رحيم من الرحمة # فمن قال إن هذه الأسماء الحسنى لا تدل على هذه المعاني فهو مكابر للغة ~~التي نزل بها القرآن فإن الأسماء التي تسميها النحاة اسم الفاعل واسم ~~المفعول والصفة المعدولة عنها كفعيل وغيره هي أسماء مشتقة تتضمن المصادر ~~بخلاف رجل وفرس # ومن جعل العالم لا يدل على علم والقادر لا يدل على قدرة فهو بمنزلة من ~~قال المصلى لا يدل على الصلاة والقائم لا يدل على القيام والصائم لا يدل ~~على الصيام وأمثال ذلك # وأما سؤال السائل إن هذه الصفات هل هي الذات أو غيرها وهل هي الذات أو ~~زائدة عليها PageV10P231 # فالجواب المرضي عند الأئمة أن لا يطلق القول بأنها هي الذات ولا بأنها ~~غيرها ولا بأنها الذات ولا بأنها زائدة عليها ولا ينفي الأمران فيقال لا هي ~~الذات ولا غيرها حتى يكون قسما ثالثا ليست هي الذات ولا هي غيرها # فإن هذا يقوله طائفة من متكلمة الصفاتية من أصحاب أحمد وغيره كما يقوله ~~من يقوله من أصحاب الأشعري والصواب المنصوص عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة ~~أنه لا يطلق لا هذا ولا هذا لأن لفظ الغير فيه إجمال واشتراك # فقد يراد بالغيرين ما جاز مفارقة أحدهما الآخر أو مباينته له فلا تكون ~~الصفة اللازمة للموصوف غيرا له # وقد يراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر فيكون غيرا له # وكذلك لفظ الزيادة على الذات فإن الذات يراد بها الذات المجردة عن الصفات ~~فالصفات زائدة على هذه الذات لكن هذه الذات عند أهل الإثبات لا حقيقة ms2198 لها ~~في الخارج وإنما تقدر في الذهن تقديرا وإنما يعتقد ثبوتها في الخارج نفاة الصفات # فالمثبتون إذا قالوا الصفات زائدة على الذات لم يقولوا إن في الخارج ذاتا ~~مجردة تزاد عليها الصفات بل أثبتوا الصفات زائدة على ما أثبته النفاة ~~فزادوا عليهم في الإثبات PageV10P232 # وقد يراد بالذات نفس الله سبحانه وصفاته داخلة في مسمى أسمائه ليست زائدة ~~على مسمى أسمائه الحسنى ولا يمكن وجود ذات غير مجردة عن الصفات حتى يقال إن ~~صفاته زائدة عليها فضلا عن وجوده سبحانه مجردا عن صفات الكمال كلها # وصفاته اللازمة له كلها نفسية بمعنى أنها داخلة في مسمى أسمائه لا يفتقر ~~إلى أمور مباينة له وهي لازمة لنفسه لا يوجد بدونها ولا يمكن وجوده منفكا عنها # وإذا قيل هو عالم بعلم قادر بقدرة فليس هناك حقيقة قائمة بنفسها يمكن ~~وجودها بدون العلم والقدرة بل لا يمكن أن تكون إلا عالمة قادرة وإن كنا نحن ~~قد نعلم وجودها قبل أن نعلم أنها عالمة # وما ذكره من التمثيل بالواحد والقديم فيه نزاع فإن الصفاتية متنازعون في ~~القديم والباقي هل هو قديم باق ببقاء كما يقوله ابن كلاب أو قديم بنفسه باق ~~ببقاء كما يقوله الأشعري ومن وافقه كأبي علي بن أبي موسى أو قديم بنفسه باق ~~بنفسه كما يقوله القاضي أبو بكر ومن وافقه كالقاضي أبي يعلى # وأما أن الأشعرية يقولون في العلم ونحوه إن هذه الصفات هي صفات معنوية ~~وإنها زائدة على الذات # فيقال مقصودهم في الأصل إثبات هذه الصفات وإبطال قول من قال عالم بلا علم ~~وقادر بلا قدرة أو قال إن ذاته علم وقدرة PageV10P233 # والأشعرية هم في إثبات هذه الصفات مع سائر أهل السنة والجماعة لم ينازعهم ~~في إثبات الصفات إلا من هو عند السلف والأئمة من أعظم الناس ضلالا كالجهمية ~~والمعتزلة وإذا قالوا هو عالم بالعلم وقادر بالقدرة لم يريدوا بذلك أن هنا ~~ذاتا منفصلة عنه صار بها عالما قادرا كما يظنه بعض الغالطين عليهم فإن هذا ~~لم يقله أحد من عقلاء ms2199 بني آدم فيما نعلم ولكن بعضهم وهم مثبتة الحال ~~كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وغيرهما يقولون إن له صفة هي العلم أوجبت ~~كونه عالما وكونه عالما حال معللة بالعلم # وأما جمهورهم وهم نفاة الحال فيقولون علمه هو كونه عالما وقدرته هو كونه ~~قادرا ليس هناك أمران ولا علة ولا معلول وهذا قول الأكثرين الأشعري وغيره # والمنازع لهم من المعتزلة والفلاسفة يقر بما يوجب موافقتهم فإنهم يقرون ~~بأن كونه عالما ليس هو كونه قادرا وهذا معنى العلم والقدرة عند أولئك كما ~~قد بسط في موضعه # فالنفاة للصفات من المعتزلة وغيرهم يقولون إنه عالم وإنه قادر ومنهم من ~~يثبت العالمية والقادرية ويسمى ذلك حالا وهذا يستلزم عند التحقيق قول مثبتة الصفات # وكذلك الفلاسفة قولهم يستلزم قول مثبتة الصفات وإن نفوها تناقضوا وأما ~~إطلاق المطلق لفظ الزيادة على الذات فقد تقدم أن هذا الإطلاق كإطلاق المطلق ~~أن الصفات لا هي الذات ولا هي غيرها وهذا يطلقه هؤلاء وغيرهم PageV10P234 # وأئمة السلف وابن كلاب وأمثاله من أئمة الأشعرية لا يطلقون لا هذا ولا ~~هذا وكانوا إذا قالوا للسلف القرآن هو الله أو غير الله لم يطلق الأئمة لا ~~هذا ولا هذا لما في إطلاق كل منهما من إيهام معنى فاسد وليس ذلك إثباتا ~~لقسم ثالث ليس هو الموصوف ولا غيره بل يفصل اللفظ المجمل كما فعل السلف ~~نظير ذلك في لفظ الحيز وأمثاله # واما قولهم يلزم الأشعرية على هذا أن يكون الخالق جسما لأنه يكون هناك ~~صفة وموصوف وحامل ومحمول # فيقال له وهكذا يلزم من قال إنه عالم قادر ومن قال إنه يعلم ويقدر فمن ~~أثبت لله الأسماء الحسنى وأحكامها لزمه ما يلزم من أثبت الصفات فالاسم ~~المشتق يدل على المصدر وعلى الفعل وخبر المخبر بذلك وحكمه يقتضي ثبوت ذلك ~~في نفس الأمر # ويقال له كل ما تلزم به الأشعرية وأمثالهم في إثبات الصفات يلزمونك إياه ~~في كل ما نفيته فإذا قلت الموصوف بالصفة لا يكون إلا جسما قالوا والمسمى ~~بالحي العالم القادر لا ms2200 يكون إلا جسما والمخبر عنه بأنه يعلم ويقدر لا يكون ~~إلا جسما والموصوف بقول القائل هو عالم قادر لا يكون إلا جسما فإن أمكنك أن ~~تثبت هذا لغير جسم أمكنهم ذلك وإن لم يمكنهم لم يمكنك فهذا السؤال لازم ~~لجميع الناس كما يلزم الأشعرية وغيرهم PageV10P235 # وأيضا فهذا إلزام جدلي لا علمي وذلك أن نفاة الجسم من أهل الكلام ~~كالمعتزلة والأشعرية يقولون إنما نفيناه للدليل الدال على حدوث الجسم وأنت ~~قد بينت أنه دليل باطل ونحن أثبتنا الصفات مع ذلك # فإذا قلت الجمع بينهما خطأ فإن إثبات الصفات يستلزم التجسيم قالوا لك ليس ~~خطؤنا في إثبات الصفات بأولى من خطأنا في نفي التجسيم # بل أنت تقول إنا مخطئون في نفي التجسيم ولم تقم دليلا على خطأنا في نفي ~~الصفات فإن كنا مخطئين في نفي التجسيم عينا لزم إثبات الصفات بلا محذور وإن ~~قدر الخطأ في أحدهما بغير تعيين لم يتعين الخطأ في نفي الصفات إلا بدليل # وأيضا فأنت تقول إن الشرع لم يصرح بنفي التجسيم وإن التصريح به بدعة ~~والشرع قد صرح بإثبات الصفات فكيف تعيبنا بإثبات ما أثبته الشرع لكونه ~~مستلزما لإثبات ما لم ينفه الشرع # ومن المعلوم أن الشرع إذا أثبت شيئا له لوازم لم يكن إثبات ذلك بدعة وتلك ~~اللوازم إن كانت ثابتة في نفس الأمر فلازم الحق حق وإن لم تكن لازمة فلا محذور # فإن قلت أنا أقيم دليلا عقليا على نفي الجسم غير دليلكم # كان لهم عن ذلك أجوبة أحدها أن يقولوا فأنت قد أثبت أنه عالم قادر فإن ~~أمكنك مع ذلك أن تقول إنه ليس بجسم أمكنا أن PageV10P236 ~~نقول عالم بعلم قادر بقدرة وليس بجسم وإن لم يمكنك هذا استوينا نحن وأنت ~~ففي الجملة ورود هذا السؤال علينا ورود واحد # الثاني أن يقولوا دليلنا على نفي الجسم أقوى من دليلك كما بين ذلك ~~الغزالي وغيره وبينوا أن الفلاسفة عاجزون على إقامة الدليل على أنه ليس بجسم # الثالث أن يقولوا أدلة إثبات الصفات أقوى من أدلة ms2201 نفي الجسم فإن أمكن ~~الجمع بينهما وإلا لم يجز نفي ما هو معلوم ثابت خوفا من لزوم ما ليس دليل ~~انتفائه كدليل ثبوت ذلك فكيف إذا كانت أدلة النفي باطلة وأدلة الإثبات ~~للصفات ولوازمها حق لا محيد عنه # وأما التقسيم الذي ذكرته فلا ريب أن أهل الإثبات لا يقولون إن الصفات ~~قائمة بنفسها بل هي قائمة بالموصوف # وأما ما ذكره عن النصارى فليس هذا موضع بسطه فإن قول النصارى مضطرب ~~متناقض فإنهم لا يثبتون ثلاثة جواهر قائمة بأنفسها ولا يجعلون الأقانيم ~~كالصفة من كل وجه فإنهم يقولون المتحد بالمسيح هو أقنوم الكلمة فإن جعلوا ~~الكلمة هي الذات الموصوفة لزم أن يكون المسيح هو الأب وهم ينكرون ذلك وإن ~~جعلوه صفة الذات لزمهم أن لا يكون المسيح إلها خالقا رازقا لأن الصفة ليست ~~إلها خالقا رازقا # وأيضا فالصفة لا تفارق الموصوف وهم يقولون المسيح إله حق من إله حق من ~~جوهر أبيه PageV10P237 # وأما استدلاله بقوله { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } سورة ~~المائدة 72 فهذا يسلكه طائفة من الناس ويقولون قوله تعالى { لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } سورة المائدة 17 إشارة إلى أحد أقوالهم ~~الثلاثة وهو قول اليعاقبة القائلين بأن اللاهوت والناسوت صار جوهرا واحدا ~~كالماء واللبن وقوله { وقالت النصارى المسيح ابن الله } سورة التوبة 30 ~~إشارة إلى قول الملكية وقوله { ثالث ثلاثة } إشارة إلى قول النسطورية الذين ~~يقولون بالحلول وهو قولهم بالأقانيم الثلاثة # وليس الأمر كما قال هؤلاء بل ما ذكره الله تعالى هو قول النصارى جملة ~~فإنهم يقولون إنه الله باعتبار وإنه ابن الله باعتبار آخر وقولهم { إن الله ~~ثالث ثلاثة } بدليل المراد به قوله { يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } سورة المائدة 116 فعبدوا معه المسيح وأمه ~~فصار ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار # وأما قوله عن الأشعرية إذا قالوا الموصوف قائم بنفسه والصفة قائمة به فقد ~~أوجبوا جوهرا وعرضا فهذا من جنس إلزامه لهم أن ms2202 يكون جسما # فيقولون له هذا يلزمك إذا قلت هو حي عالم قادر فإن الحي العالم القدر ~~قائم بذاته فإن كان كل قائم بذاته جوهرا فهو جوهر وإلا بطل إلزامك PageV10P238 ~~وأيضا فلو لم يوصف بذلك لكان في نفس الأمر إما قائما بنفسه وإما قائما ~~بغيره إذ فرض موجود ليس قائما بنفسه ولا بغيره ممتنع فإن كان كل قائم بنفسه ~~ولا بغيره ممتنع فإن كان كل قائم بنفسه هو جوهر لزمك أن يكون جوهرا # ثم يقال من المعلوم أن للناس في مسمى الجوهر والعرض اصطلاحات منهم من ~~يسمى كل قائم بنفسه جوهرا كما يقول ذلك طوائف من المسلمين والنصارى ~~والفلاسفة وهؤلاء يسمونه جوهرا ومنهم من لا يطلق الجوهر إلا على المتحيز ~~ويقول إنه ليس بمتحيز فلا يكون جوهرا كما يقول ذلك من يقوله من متكلمي ~~المسلمين واليهود والفلاسفة # ومن الفلاسفة من يقول بإثبات جواهر غير متحيزة لكن يقول الجوهر هو ما إذا ~~وجد وجد لا في موضوع وهذا لا يصلح إلا لما يجوز وجوده لا لما يجب وجوده # وبالجملة فالنزاع في هذا الباب لفظي ليس هو معنى عقليا والشريعة لم تتعرض ~~لهذا الاسم وأمثاله لا بنفي ولا بإثبات فليس له في الشريعة ذكر حتى يحتاج ~~أن ينظر في معناه # والنظر العقلي إنما يكون في المعاني لا في مجرد الاصطلاحات فلم يبق فيه ~~بحث علمي لا شرعي ولا عقلي وهذا لم يذكر دليلا عقليا على نفي الجوهر فصار ~~قد ألزمهم لوازم ولم يذكر دليلا على بطلانها فيجيبونه بالجواب المركب وهو ~~أن هذا إما أن يكون لازما لإثبات PageV10P239 ~~الصفات أو ليس بلازم فإن لم يكن لازما بطلت المقدمة الأولى وإن كان لازما ~~منعت المقدمة الثانية فإن لازم الحق حق # وليس التزام مسمى هذا الاسم أبعد في الشرع والعقل من نفي الصفات بل نفي ~~الصفات أبعد في الشرع والعقل من إثبات مسمى هذا الاسم فلا يجوز التزام نفي ~~الصفات الذي فيه مناقضة الأدلة الشرعية والعقلية حذرا من التزام مسمى هذا ~~الاسم الذي لا يقوم على ms2203 نفيه من الدليل شيء من أدلة إثبات الصفات مع أنه لم ~~يذكر على ذلك دليلا أصلا وهو قد بين فساد أدلة النفاة لذلك من أهل الكلام # وأما قول القائل الذات والصفات شيء واحد فإن أراد به أن الصفات ليست ~~مباينة للموصوف فصحيح وإن أراد أن نفس الذات هي نفس الصفات فهذه مكابرة ~~وهذا القائل وإخوانه يقولون بذلك وقد صرح هو بأن العلم نفس العالم وهذا ~~غاية المناقضة لصريح المعقول # وقوله إنه بعيد من المعارف الأول أنه ليس يجوز أن يكون العلم هو العالم ~~فهذا قاله بناء على ما يراه أن هذا حق في نفس الأمر PageV10P240 ~~والصواب أن هذا ممتنع في صريح العقل معلوم علما يقينيا أن العلم ليس هو نفس ~~العالم ومن قال هذا فقد أتى بغاية السفسطة وجحد العلم الضروري # وأما قوله ليس عند المعتزلة برهان على وجوب هذا في الأول وهو أن تكون ~~الذات والصفات شيئا واحدا ولا عند المتكلمين برهان على نفي الجسمية وإنما ~~برهان ذلك عند العلماء الذين هم الفلاسفة عنده # فيقال لا ريب عند كل من له عقل أن ما يذكره الفلاسفة في نفي ذلك أفسد في ~~العقل الصريح مما يذكره المتكلمون وأنت قد أفسدت طريقة ابن سينا ولم تعتمد ~~في ذلك إلا على إثبات النفس وهو أنها ليست بجسم فيلزم أن يكون الباري كذلك # ومن المعلوم أن الأدلة النافية لهذا عن النفس إن كانت صحيحة فهي على نفي ~~ذلك عن الرب أولى وإن لم تكن صحيحة بطل قولك # ومن المعلوم أن أدلة نفي الجسم عن النفس أضعف بكثير من نفي ذلك عن واجب ~~الوجود فكيف يكون الأضعف حجة على الأقوى # وقد تكلم على فساد ما ذكروه في النفس في غير هذا الموضع واما ما ذكره من ~~أنه لا يمكن أن يكون بهذا النفي يقين إلا عند من عني بالصناعة البرهانية ~~يعني طريقته الفلسفية وقوله إن صناعة الكلام جدلية لا برهانية PageV10P241 # فهذا كما يقال في المثل السائر رمتني بدائها وانسلت ولا يستريب عاقل نظر ~~في ms2204 كلام الفلاسفة في الإلهيات ونظر في كلام أي صنف قدر من أصناف اليهود ~~والنصارى فضلا عن أصناف المتكلمين من المسلمين أن ما يقوله هؤلاء في ~~الإلهيات أكمل وأصح في العقل مما يقوله المتفلسفة وأن ما يقولونه في ~~الإلهيات قليل جدا وهو مع قلته فأدلة المتكلمين خير من أدلتهم بكثير # وهذه طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود وصفاته لا تفيده إلا ما لا ~~نزاع فيه وهو وجود واجب الوجود وأما كونه مغايرا للأفلاك فإنما بناه على ~~نفي الصفات وهو مع فساده فدليلهم على نفيه أضعف من دليل المعتزلة فهم مع ~~مشاركتهم للمعتزلة في النفي لا يستدلون إلا بما هو أضعف من دليلهم # وأما هذا الرجل فإنه تارة يأخذ طريقة متلقاة من الشرع وتارة طريقة متلقاة ~~عن المتكلمين وتارة يقول ما يظن أنه قول الفلاسفة لم يحك عن الفلاسفة في ~~الإلهيات طريقة إقناعية فضلا عن طريقة برهانية # وإذا قدر أنه عنى بالبرهان القياس العقلي المنطقي فمن المعلوم أن صورة ~~القياس لا تفيد العلم بمواده والبرهان إنما يكون برهانه بمواده اليقينية ~~وإلا فصورته أمر سهل يقدر عليه عامة الناس # وأهل الكلام لا ينازعون في الصورة الصحيحة وهب أن الإنسان عنده ميزان ~~فإذا لم يكن معه ما يزن به كان من معه مال لم يزنه PageV10P242 ~~أعني من هذا هذا بتقدير أن يكون ما ذكروه في المنطق صحيحا فكيف وفيه من ~~الفساد والتناقض ما هو مذكور في موضعه # قال الفصل الرابع في معرفة التنزيه # قال وإذا قد تقرر من هذه المناهج التي سلكها الشرع في تعليم الناس أولا ~~وجود الباري سبحانه والطرق التي سلكها في نفي الشريك عنه ثانيا والتي سلكها ~~ثالثا في معرفة صفاته والقدر الذي صرح به من ذلك في جنس جنس من هذه الأجناس ~~وهو القدر الذي إذا زيد فيه أو نقص أو حرف أو أول لم تحصل به السعادة ~~المشتركة للجميع فقد بقي علينا أن نعرف أية الطرق التي سلكها بالناس في ~~تنزيه الخالق سبحانه عن النقائص ومقدار ما صرح ms2205 به من ذلك والسبب الذي من ~~قبله اقتصر بهم على ذلك المقدار ثم نذكر بعد ذلك الطرق التي سلك بالناس في معرفة PageV10P243 ~~أفعاله والقدر الذي سلك بهم من ذلك فإذا تم لنا ذلك فقد استوفينا غرضنا ~~الذي قصدناه # قال فنقول أما معرفة هذا الجنس الذي هو التنزيه والتقديس فقد صرح به أيضا ~~في غير ما آية من الكتاب العزيز فأبينها في ذلك وأتمها قوله تعالى { ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير } سورة الشورى 11 وقوله { أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق } سورة النحل 17 والآية الأولى هي نتيجة هذه والثانية برهان أعني أن ~~قوله تعالى { أفمن يخلق كمن لا يخلق } سورة النحل 17 هو برهان قوله { ليس ~~كمثله شيء } وذلك أنه من المغروز في فطر الجميع أن الخالق يجب أن يكون إما ~~على غير صفة الذي لايخلق شيئا أو على صفة غير شبيهة بصفة الذي لا يخلق شيئا ~~وإلا كان من يخلق ليس PageV10P244 ~~بخالق فإذا أضيف إلى هذا الأصل أن المخلوق ليس بخالق يلزم من ذلك أن تكون ~~صفات المخلوق إما منتفية على الخالق أو موجودة فيه على غير الجهة التي هي ~~عليها في المخلوق # قلت صفات النقص يجب تنزيهه عنها مطلقا وصفات الكمال تثبت له على وجه ~~لايماثله فيها مخلوق # قال وإنما قلنا على غير الجهة لأن من الصفات التي في الخالق صفات ~~استدللنا على وجودها بالصفات التي هي لأشرف المخلوقات هنا وهو الإنسان مثل ~~إثبات العلم له والحياة والقدرة والإرادة والكلام وغير ذلك # قال وهذا معنى قوله عليه السلام إن الله خلق آدم على صورته # قال وإذا تقرر أن الشرع قد صرح بنفي المماثلة بين الخالق والمخلوق وصرح ~~بالبرهان الموجب لذلك وكان نفي المماثلة يفهم منه PageV10P245 ~~شيئان أحدهما أن يعدم الخالق كثيرا من صفات المخلوق والثاني أن توجد فيه ~~صفات المخلوق على وجه أتم وأفضل بما لا يتناهى في العقل فلينظر ما صرح به ~~الشرع من هذين الصنفين وما سكت عنه وما السبب الحكمي في سكوته # قلت ونفي المماثلة ms2206 قد يتضمن إثبات صفات الكمال للخالق لا يثبت للمخلوق ~~منها شيء فكما أن في صفات المخلوق ما لا يثبت للخالق فكذلك في صفات الخالق ~~ما لا يثبت للمخلوق # لكن هذا الضرب لا يمكن الناس معرفته في الدنيا فلهذا لم يذكر # قال فنقول أما ما صرح به الشرع من نفي صفات المخلوق عنه فما كان ظاهرا من ~~أمره أنه من صفات النقائص فمنها الموت كما قال تعالى { وتوكل على الحي الذي ~~لا يموت } سورة الفرقان 58 # ومنها النوم وما دونه مما يقتضي الغفلة والسهو عن الإدراكات والحفظ ~~للموجودات وذلك مصرح به في قوله تعالى { لا تأخذه سنة ولا نوم } سورة ~~البقرة 255 # ومنها النسيان والخطأ كما قال تعالى { لا يضل ربي ولا ينسى } سورة طه 52 PageV10P246 # والوقوف على انتقاء هذه النقائص هو قريب من العلم الضروري # وذلك أن ما كان قريبا من هذه من العلم الضروري فهو الذي صرح الشرع بنفيه ~~عنه سبحانه وتعالى وأما ما كان بعيدا من المعارف الأولى الضرورية فإنما نبه ~~عليه بأن عرف أنه من علم الأقل من الناس كما قال في غير ما آية من الكتاب ~~العزيز { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } سورة الروم 30 مثل قوله { لخلق ~~السماوات والأرض أكبر من خلق الناس } سورة غافر 57 # ومثل قوله { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } سورة الروم 30 # قال فإن قيل فما الدليل على انتفاء هذه النقائص عنه أعني الدليل الشرعي ~~قلنا الدليل عليه ما يظهر من أن PageV10P247 ~~الموجودات محفوظة لا يتخللها اختلال ولا فساد ولو كان الخالق يدركه خطأ أو ~~غفلة أو سهو أو نسيان لاختلت الموجودات وقد نبه سبحانه على هذا المعنى في ~~غير ما آية من كتابه فقال تعالى { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ~~ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده } سورة فاطر 41 قال تعالى { ولا ~~يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم } سورة البقرة 255 # قال فإن قيل ms2207 فما تقولون في صفته الجسمية هل هي من الصفات التي صرح الشرع ~~بنفيها عن الخالق تعالى أم هي من المسكوت عنها أو أنه لم يصرح بنفيها ولا ~~إثباتها ولكن صرح بأمور تلزم يعني الجسمية في بادى الرأي منها فنقول إنه من ~~البين من أمر هذه الصفة أنها من الصفات المسكوت عنها وهي إلى التصريح ~~بإثباتها في الشرع أقرب منها إلى نفيها وذلك أن الشرع PageV10P248 ~~قد صرح بالوجه واليدين في غير آية من كتابه وهذه الآيات قد توهم أن الجسمية ~~هي له من الصفات التي فضل فيها الخالق المخلوق كما فضله في صفة القدرة ~~والإرادة وغير ذلك من الصفات التي هي مشتركة بين الخالق والمخلوق إلا أنها ~~في الخالق أتم وجودا ولهذا صار كثير من أهل الإسلام إلى أن يعتقد في الخالق ~~أنه جسم لا يشبه الأجسام وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن تبعهم # وهؤلاء أيضا قد ضلوا إذ صرحوا بما ليس حقا في نفسه وما يوهم أيضا التشابه ~~بين الخالق والمخلوق وإنما صرح الشرع بأشياء توهمها لايضر فتوهمها من كان ~~من الناس لا يقدر أن يتصور موجودا ليس بجسم ولا أيضا إذا سمع تلك الأشياء ~~خيف عليه أن يتطرق ذهنه إلى القول بالجسمية # وهذه هي حال جمهور الناس لأنه الذين يتطرق لهم من ذلك إثبات الجسمية هم ~~قليل من الناس وهؤلاء ففرضهم الوقوف على الدلائل التي توجب نفي الجسمية PageV10P249 # قلت ولقائل أن يقول أما قوله صار كثير من أهل الإسلام يقولون إنه جسم لا ~~يشبه الأجسام فهذا صحيح # وأما قوله وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن اتبعهم # فيقال له ليس في الحنابلة من أطلق لفظ الجسم لكن نفاة الصفات يسمون كل من ~~أثبتها مجسما بطريق اللزوم إذا كانوا يقولون إن الصفة لا تقوم إلا بجسم ~~وذلك لأنهم اصطلحوا في معنى الجسم على غير المعنى المعروف في اللغة فإن ~~الجسم في اللغة هو البدن وهؤلاء يسمون كل ما يشار إليه جسما فلزم على قولهم ~~أن يكون ما جاء به الكتاب والسنة وما فطر ms2208 الله عليه عباده وما اتفق عليه ~~سلف الأمة وأئمتها تجسيما وهذا لا يختص طائفة لا الحنابلة ولا غيرهم بل ~~يطلقون لفظ المجسمة والمشبهة على أتباع السلف كلهم حتى يقولوا في كتبهم ~~ومنهم طائفة يقال لهم المالكية ينتسبون إلى مالك بن أنس ومنهم طائفة يقال ~~لهم الشافعية ينتسبون إلى الشافعي # لكن لما جرت محنة الجهمية نفاة الصفات وسموا من أثبتها مجسما في عهد ~~الإمام أحمد وقالوا إن القرآن مخلوق وحقيقة ذلك أن الله لم يتكلم بشيء ~~وقالوا إنه لا يرى ونحو ذلك قام أحمد بن حنبل من إظهار السنة والصفات ~~وإثبات ما جاء في الكتاب والسنة من هذا الباب بما لم يحتج إليه غيره من ~~الأئمة وظهر ذلك في جميع أهل السنة PageV10P250 ~~والحديث من جميع الطوائف وصاروا متفقين على تعظيم أحمد وجعله إماما للسنة ~~فصار يظهر في أصحابه من الإثبات ما لا يظهر في غيرهم بسبب كثرة نصوصهم في ~~هذا الباب # والنفاة يسمون المثبتة مجسمة ومشبهة وصاحب هذا الكتاب يجعل مثبتة الصفات ~~من الأشعرية ونحوهم مشبهة وأنه يلزمهم التركيب والتركيب أصل التجسيم # مثل قوله في كتابه الذي سماه تهافت التهافت فإنه قال وأيضا فالذي يلزم ~~الأشعرية للتجسيم من المحال أكثر من الذي يلزم مقدماتهم التي منها صاروا ~~إلى التجسيم وذلك أنه إن كان مبدأ الموجودات ذاتا ذات حياة وعلم وقدرة ~~وإرادة وكانت هذه الصفات زائدة على الذات وتلك الذات غير جسمانية فليس بين ~~النفس وهذا الموجود فرق إلا أن النفس هي في جسم وهذا الموجود هو نفس ليس في ~~جسم وما كان بهذه الصفة فهو ضرورة مركب من ذات وصفات وكل مركب فهو محتاج ~~ضرورة إلى مركب إذ ليس يمكن أن يوجد شيء مركب من ذاته كما أنه ليس يمكن أن ~~يوجد متكون من ذاته لأن التكوين الذي هو فعل المكون ليس هو شيئا غير تركيب ~~المتكون والمكون ليس شيئا غير المركب PageV10P251 # وبالجملة فكما أن لكل مفعول فاعلا كذلك لكل مركب مركبا فاعلا لأن التركيب ~~شرط في وجود المركب ولا يمكن ms2209 أن يكون الشيء هو علة في شرط وجوده أنه كان ~~يلزم أن يكون الشيء علة نفسه ولذلك كانت المعتزلة في وضعهم هذه الصفات في ~~المبدأ الأول راجعة إلى الذات لا زائدة عليها على نحو ما يوجد عليه كثير من ~~الصفات الذاتية لكثير من الموجودات مثل كون الشيء موجودا وواحدا وأليا وغير ~~ذلك أقرب إلى الحق من الأشعرية # قال ومذهب الفلاسفة في المبدأ الأول هو قريب من مذهب المعتزلة # فيقال لك قولك ليس بين النفس وبين هذا الموجود فرق إلا من جهة أنها في ~~جسم خطأ محض وذلك أن اتفاق الشيئين في بعض الصفات لا يوجب تماثلهما في ~~الحقيقة إذ لو كان كذلك لكانت المختلفات متماثلات فإن السواد مخالف للبياض ~~وهو يشاركه في كون كل منهما لونا وعرضا وقائما بغيره # وأيضا فمحققو الفلاسفة توافق على أن الأجسام ليست متماثلة مع اشتراكها في ~~التحيز وقبول الأعراض وغير ذلك من الأحكام والحيوان الصغير الحي مثل البعوض ~~والبق والذباب ليس مثلا للإنسان ولا للملك ولا للجني وإن كان كل منهما حيا ~~قادرا شاعرا متحركا بالإرادة PageV10P252 # والفلك عندهم حي ناطق وليس مثل بدن الإنسان الذي هو حي ناطق # وقوله هذا على الضرورة مركب من ذات وصفات # إن أراد به أنه ذات موصوفة بصفات لازمة لها فهذا حق وهم لا يسمون هذا ~~تركيبا فإذا سماه تركيبا لم تكن هذه التسمية حجة له على ما نفاه لأن الذي ~~نفاه بالدليل هو ما كان مركبا وهو الذي جعله غيره مركبا أو ما كان متركبا ~~بنفسه أي كانت أجزاؤه متفرقة فتركبت بحيث يصير مركبا بعد ان لم يكن # ومعلوم أن ما تركب بعد افتراقه لم يكن تركبه بنفسه كما ذكره في المتكون ~~فإن ما تكون بعد أن لم يكن متكونا لم يكن تكونه بنفسه # وكما قال كما أن لكل مفعول فعلا فإن لكل مركب مركبا فهذا إنما يعقل فيما ~~ركبه غيره أو ما كان مفرقا فركب كما أن المفعول لا يعقل أن له فاعلا إلا ~~إذا فعله غيره أو ms2210 كان حادثا فلا بد للحادث من محدث # أما ما كان واجبا بنفسه قديما أزليا مستلزما لصفات لازمة له فهذا لم ~~يركبه أحد ولا كان مفترقا فتركب فمن أين يجب أن يحتاج هذا إلى مركب وكيف ~~يصح تمثيل هذا بالمتكون والمفعول اللذين كل منهما محتاج إلى غيره بل هو ~~حادث يفتقر إلى محدث # وليس المعنى الذي سماه مركبا إلا موصوفا بصفة لازمة له فلو قال كل متصف ~~فلا بد له من واصف أي ممن يجعل الصفة قائمة PageV10P253 ~~بمحلها ما كان مبطلا فإن المتصف بالصفة إذا كان قديما أزليا واجبا بنفسه ~~كيف يجب هذا فيه # ثم هؤلاء الفلاسفة يقولون إن الأفلاك قديمة أزلية وهذا الرجل لا يسميها ~~مركبة ويبطل قول من يقول هي مركبة من الهيولي والصورة وقول من يقول هي ~~ممكنة ومع هذا فهي جسم قائم به صفات وحركات فإذا كانت هذه لم تحتج عنده إلى ~~ما يحتاج إليه المتكون فكيف يحتاج إلى ذلك ما هو واجب بنفسه # وقوله لأن التركيب شرط في وجود المركب معناه أن لزوم الصفة للموصوف أو أن ~~التلازم الذي بين الأمور المتعددة في الواجب شرط في وجودها وهذا صحيح لكن ~~الشرط لا يجب أن يتقدم المشروط بل تجوز مقارنته له وإذا كان الواجب الوجود ~~واجبا بنفسه المتضمنة لصفاته وكل من صفاته لا يوجد إلا مع الأخرى ولا توجد ~~الذات إلا بالصفات ولا الصفات إلا بالذات كان هذا هو حقيقة الاشتراط ولم ~~يلزم من ذلك أن يكون المتصف بهذه الصفات هو علة فاعلة لما هو من لوازم ~~وجوده ولما لا يوجد إلا معه وهو الشرط في وجوده # وإن عني بالعلة أعم من ذلك حتى جعل الشرط علة كان حقيقة قوله لا يكون ~~الشيء شرطا في شرط وجوده وهذا ليس بصحيح بل يجوز أن يكون كل من الشيئين ~~شرطا في وجود الآخر PageV10P254 ~~وإن لم يكن علة فاعلة للآخر وهذا هو الدور المعي الاقتراني وهو جائز بخلاف ~~الدور المعي القبلي فإنه ممتنع # وهذا موجود في عامة الأمور فالأمور المتلازمة ms2211 كل منها شرط في الآخر فكل ~~من الشرطين شرط في وجوده # وغاية ذلك أن يكون الشيء شرطا في وجود نفسه أي لا توجد نفسه إلا إذا وجدت نفسه # وهذا كلام صحيح بخلاف ما إذا كانت نفسه فاعلة لنفسه فإن هذا ممتنع فكل ~~واحد من الأبوة والبنوة شرط في وجود الآخر وكل واحد من العلو والسفل شرط في ~~وجود الآخر وكل واحد من التحيز والمتحيز شرط في الآخر وكل واحد من الماء ~~والنار وطبيعته الخاصة به شرط في الآخر ونظائر هذا كثيرة # فكون إحدى الصفتين مشروطة بالأخرى والذات مشروطة بصفاتها اللازمة والصفات ~~مشروطة بالذات بحيث يمتنع تحقق شيء من ذلك إلا مع تحقق الآخر وبحيث يلزم من ~~ثبوت كل من ذلك ثبوت الآخر هو معنى كون كل من ذلك شرطا في الآخر وهو شرط في ~~شرط نفسه ووجوده # وهؤلاء من أصول ضلالهم ما في لفظ العلة من الإجمال فإن لفظ العلة كثيرا ~~ما يريدون به ما لا يكون الشيء إلا به فتدخل في ذلك العلة الفاعلة والقابلة ~~والمادة والصورة # وكثيرا ما يريدون بذلك الفاعل فقط وهو المفهوم من لفظ PageV10P255 ~~العلة # وبحوثهم في مسألة واجب الوجود عامتها مبنية على هذا التلبيس فإن الممكن ~~الذي لا يوجد إلا بموجد يوجده لا بد له من واجب يكون موجودا بنفسه لا بموجد ~~أوجده فهذا هو معنى واجب الوجود الذي دلت عليه الممكنات وهم يريدون أن ~~يجعلوه وجودا مطلقا ليس له نعت ولا صفة ولا حقيقة غير الوجود المطلق لأن ~~الوجود الواجب يكون معلولا لتلك الحقيقة فلا يكون واجبا # ولفظ المعلول مجمل فإنهم يوهمون أنه يكون مفعولا لها وهي عدة فاعلة له ~~ومعلوم أن هذا ممتنع في الوجود الواجب لكن الحقيقة الواجبة إذا قدر أن لها ~~وجودا يقوم بها لم يلزم في ذلك الوجود إلا أن يكون له محل وهو الحقيقة التي ~~يقوم بها الوجود وذلك الذي يسمونه العلة القابلة # ومعلوم أن الدليل إنما أثبت موجودا ليس له موجد لم يثبت دليلهم موجودا لا ~~يكون وجوده ms2212 قائما بحقيقة إن كان من الوجود ما هو قائم بحقيقة وهذا على قول ~~من يقول وجود كل شيء زائد على حقيقته كما يقول ذلك طائفة من متكلمي ~~المعتزلة وغيرهم وإلا فالصواب عند أهل السنة والجماعة أن وجود كل شيء وهو ~~الوجود الذي في الخارج هو عين حقيقته الموجودة في الخارج فكل موجود فله ~~حقيقة مختصة به في الخارج عن الذهن والوجود الذي يشار إليه في الخارج هو ~~تلك الحقيقة نفسها لا وجود آخر قائم بها PageV10P256 # فإذا قال أهل السنة إن وجود الخالق غير حقيقته أرادوا به إبطال قول أبي ~~هاشم ومن وافقه من المعتزلة ولم يريدوا بذلك قول ابن سينا وإخوانه من ~~الفلاسفة إن الواجب وجود مطلق بشرط الإطلاق أو مطلق لا بشرط فإن هذا القول ~~أعظم فسادا من قول أبي هاشم بكثير # بل هذا القول يعلم من تصوره بصريح العقل أن ما ذكروه يكون في الأذهان لا ~~في الأعيان والمطلق بشرط الإطلاق قد سلموا في منطقهم أنه لا يكون إلا في ~~الأذهان والمطلق لا بشرط يسلمون أنه لا يوجد في الخارج مجردا عن الأعيان # وقد تقدم ما ذكره هو من أنه ألزم الأشعرية أن يكونوا مجسمة والحنابلة ~~فيهم ما في بقية الطوائف منهم من هو على طريقة الإمام أحمد وأمثاله من ~~الأئمة لا يطلقون هذا اللفظ على الله لا نفيا ولا إثباتا بل يقولون إن ~~إثباته بدعة كما أن نفيه بدعة # ومما أنكر أحمد وغيره على الجهمية نفي هذا اللفظ وامتنع من الموافقة على ~~نفيه كما هو ممتنع عن إطلاق إثباته # كذلك جرى في مناظرته لأبي عيسى برغوث وغيره من نفاة الصفات في مسألة ~~القرآن في محنته المشهورة لما ألزمه بأن القول بأن PageV10P257 ~~القرآن غير مخلوق مستلزم أن يكون الله جسما فأجابه أحمد بأنه لا يدري ما ~~يريد القائل بهذا القول فلا يوافقه عليه بل يعلم أنه أحد صمد لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد # وذلك أن أهل الكلام الذين تنازعوا في إثبات الجسم ونفيه كالهشامية ms2213 ~~والكرامية ونحوهم ممن أثبته وكالجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن نفاه قد يدخل ~~كل منهم في ذلك ما يخالف النصوص فمن المثبتة من يدخل في ذلك ما يجب تنزيه ~~الله عنه من صفات النقص ومن مماثلته بالمخلوقات والنفاة يدخلون في ذلك ما ~~أثبته الله لنفسه من صفات الكمال # ومن الحنابلة من يصرح بنفيه كأبي الحسن التميمي وأهل بيته والقاضي أبي ~~يعلى وأتباعه وغيرهم ممن سلك مسلك ابن كلاب والأشعري في ذلك ومنهم من يسلك ~~مسلك المعتزلة كابن عقيل وصدقة بن الحسين وابن الجوزي وغيرهم # والذين لا يثبتونه أو ينفونه يصرح كثير منهم بتكفير المجسمة فمنهم من ~~يقول من قال هو جسم فقد كفر ومن قال ليس بجسم فقد ابتدع ومنهم من يصوب من ~~قال ليس بجسم ويكفر من يقول بالتجسيم # وقد حكى الأشعري في المقالات النفي عن أهل السنة والحديث كما حكى عنهم ~~أشياء بموجب ما اعتقده هو من مذهبهم والسلف والأئمة وأهل الحديث والسنة ~~المحضة من جميع الطوائف لا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به ~~رسوله والألفاظ PageV10P258 ~~المجملة المبتدعة لا يثبتونها ولا ينفونها إلا بتبيان معانيها فما كان من ~~معانيها موافقا للكتاب والسنة أثبتوه وما كان مخالفا لذلك نفوه فلا يطلقون ~~هو جسم ولا جوهر ولا يقولون ليس بجسم ولا جوهر كما لا يطلقون إثبات لفظ ~~الحيز ولا ينفونه # وأما قول هذا القائل فتوهمها من كان من الناس لا يقدر أن يتصور موجودا ~~ليس بجسم ولا أيضا خيف عليه أن يتطرق ذهنه إلى القول بالجسمية وهذه هي حال ~~جمهور الناس # فهذا كلام متناقض فإنه إذا كان أكثر الناس لا يقدرون أن يتصوروا موجودا ~~ليس بجسم فإنهم قطعا تتطرق أذهانهم عند سماع هذه الأمور إلى إثبات الجسمية # فقوله بعد ذلك إن الذين يتطرق إلى أذهانهم من ذلك إثبات الجسمية قليل من ~~الناس يناقض ما تقدم # قال وقد كان الواجب عندي في هذه الصفة قبل أن تصرح الفرق الضالة بإثباتها ~~أن يجرى فيها على منهاج الشرع ولا يصرح فيها ms2214 بنفي ولا إثبات ويجاب من سأل ~~عن ذلك من الجمهور بقوله تعالى { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } سورة PageV10P259 ~~الشورى 11 وينهى عن هذا السؤال وذلك لثلاثة معان أحدها أن إدراك هذا المعنى ~~أعني أنه ليس بجسم الذي هو الحق ليس قريبا من المعروف بنفسه برتبة واحدة ~~ولا رتبتين ولا ثلاث # وأنت تتبين ذلك من الطرق التي سلكها المتكلمون في ذلك فإنهم قالوا إن ~~الدليل على أنه ليس بجسم أنه قد تبين أن كل جسم محدث وإذا سئلوا عن الطريق ~~التي يوقف منها على أن كل جسم محدث سلكوا في ذلك الطريق التي ذكرنا من حدوث ~~الأعراض وأن ما لايعرى عن الحوادث حادث وقد تبين لك من قولنا ان هذه ~~الطريقة ليست برهانية ولو كانت برهانية لما كان في طباع الغالب من الجمهور ~~أن يصلوا إليها فإن ما يضعه هؤلاء القوم من أنه سبحانه ذات وصفات زائدة على ~~الذات يوجبون بذلك أنه جسم أكثر مما ينفون عنه الجسمية بدليل انتفاء الحدوث ~~عنه فهذا PageV10P260 ~~هو السبب الأول في أن لم يصرح الشرع بأنه ليس بجسم بين # قال فلذلك أضرب الإمام المهدي عن هذا الدليل إذ كان لا يرضى الخواص ولا ~~يقنع الجمهور وسلك طريقا عجيبا مشتركا للصنفين جميعا وهذا من خواصه في ~~العلم لا يعلم أحد ممن سلكه قبل ذلك وهو طريق إثبات المثلية بين الأجسام ~~التي هي المساواة في جميع الخواص فخاصة في تماثل قوتها في التناهي أعني كل ~~جسم قوته متناهية وفي تماثلها في التركيب وذلك أن من هاتين الجهتين افتقرت ~~الأجسام إلى الفاعل أما افتقارها من جهة التركيب فلأن كل مركب جائز وكل ~~جائز مفتقر إلى الفاعل وأما افتقارها إلى الفاعل من جهة تناهي قوتها فلأن ~~كل متناهي القوة إن لم يقدر الفاعل الموت له تناهت قوته وفسد ولم يمكن فيه ~~أن يبقى طرفة عين وهو معنى قوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } سورة طه ~~5 فأنى بهذا الترياق الأعظم لهذا الداء العضال # قلت ولقائل أن يقول إن ms2215 كان هذا المعلوم حقا فيمتنع أنه لم يعلمه أحد قبل ~~ابن التومرت ممن هو أعلم بالله وأفضل منه وإذا كانت تلك الطريق باطلة وهذا ~~هو الطريق ولم يسلكه غيره فلا يعلمه أحد قبله وهكذا كل من سلك طريقا في ~~النفي زعم أنه لم يسلكه غيره فإنه يوجب أن ذلك لم يعلم قبله فلا يكون من ~~تقدم من خيار هذه الأمة PageV10P261 ~~معتقدين لهذا النفي ولو كان حقا لاعتقدوه فما ذكره من المدح يعود بنقيض مقصوده # وأيضا فيقال القول بتماثل الأجسام والاستدلال بذلك طريق معروفة سلكها ~~المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم والأشعري في كتاب الإبانة يقتضي ~~كلامه أنه خالفهم فيها فليست طريقا غريبة # وأيضا فإنه لم يذكر دليلا على تماثلها أصلا وأما ما ذكره من التركيب ~~وتناهي القوة فإن صح كان دليلا بنفسه فإنه سبحانه غني عن كل ما سواه فلا ~~يجوز أن يفتقر إلى فاعل بالضرورة باتفاق العقلاء # وأيضا فإنه لم يذكر دليلا على تركيب الجسم وتناهي قوته والمنازع ينفي كلا ~~من الأمرين كما قد ذكر في موضعه وأعجب من ذلك تفسير قوله { الرحمن على ~~العرش استوى } سورة طه 5 بهذا المعنى فإن فساد هذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان # قال وأما السبب الثاني فهو أن الجمهور يرون أن الموجود هو المتخيل ~~والمحسوس وأن ما ليس بمتخيل ولا محسوس فهو عدم فإذا قيل لهم إن ها هنا ~~موجودا ليس بجسم ارتفع عنهم التخيل فصار عندهم من قبيل المعدوم ولا سيما ~~إذا قيل إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا أسفل ولهذا اعتقدت ~~الطائفة التي PageV10P262 ~~أثبتت الجسمية في الطائفة التي نفتها عنه سبحانه أنها ملشية واعتقدت التي ~~نفتها في المثبتة أنها مكثرة # قال واما السبب الثالث فهو أنه إذا صرح بنفي الجسمية عرضت من الشرع شكوك ~~كثيرة مما يقال في المعاد وغير ذلك فمنها ما يعرض من ذلك في الرؤية التي ~~جاءت بها السنة الثابتة وذلك أن الذين صرحوا بنفيها أعني الجسمية فرقتان ~~المعتزلة والأشعرية فأما المعتزلة فدعاهم ms2216 هذا الاعتقاد إلى نفي الرؤية وأما ~~الأشعرية فأرادوا أن يجمعوا بين الأمرين فعسر ذلك عليهم ولجأوا في الجمع ~~إلى أقاويل سوفسطائية سنرشد إلى الوهن الذي فيها عند الكلام في الرؤية # ومنها أنه يوجب انتفاء الجهة في بادى الرأي عن الخالق سبحانه أنه ليس ~~بجسم فترجع الشريعة متشابهة وذلك أن بعث الأنبياء انبنى على PageV10P263 ~~أن الوحي نازل عليهم من السماء وعلى ذلك انبنت شريعتنا هذه أعني أن الكتاب ~~العزيز نزل من السماء # كما قال تعالى { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } سورة الدخان 3 وانبنى نزول ~~الوحي من السماء على أن الله في السماء # وكذلك كون الملائكة تنزل من السماء وتصعد إليها كما قال تعالى { إليه ~~يصعد الكلم الطيب } سورة فاطر 10 وقال تعالى { تعرج الملائكة والروح إليه } ~~سورة المعارج 4 # وبالجملة جميع الأشياء التي تلزم القائلين بنفي الجهة على ما سنذكره بعد ~~عند التكلم في الجهة # ومنها أنه إذا صرح بنفي الجسمية وجب التصريح بنفي الحركة وإذا صرح بنفي ~~هذا عسر تصور ما جاء في صفة الحشر من أن الباري سبحانه يطلع إلى أهل الحشر ~~وأنه الذي يلي حسابهم كما قال تبارك وتعالى { وجاء ربك والملك صفا صفا } ~~سورة الفجر 22 PageV10P264 # وكذلك يصعب تأويل حديث النزول المشهور وإن كان التأويل أقرب إليه منه إلى ~~أمر الحشر مع أن ما جاء في الحشر متواتر في الشرع فيجب أن لا يصرح للجمهور ~~بما يؤول عندهم إلى إبطال هذه الظواهر فإن تأثيرها في نفوس الجمهور إنما هو ~~إذا حملت على ظاهرها وأما إذا أولت فإنه يعود الأمر فيها إلى أحد أمرين إما ~~أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه في الشريعة فتموت الشريعة كلها وتبطل ~~الحكمة المقصودة منها # وإما أن يقال في هذه كلها إنها من المتشابهات فيعود الشرع كله من ~~المتشابه مع أنك إذا اعتبرت الدلائل التي احتج بها المؤولون لهذه الأشياء ~~كلها تجدها غير برهانية بل الظواهر الشرعية أقنع منها أعني أن التصديق بها ~~أكثر وأنت تتبين ذلك من قولنا في البرهان ms2217 الذي بنوا عليه نفي الجسمية وكذلك ~~تتبين ذلك في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجهة على ما سنقوله بعد PageV10P265 # قال وقد يدلك على أن الشرع لم يقصد التصريح بنفي هذه الصفة للجمهور أنه ~~لمكان انتفاء هذه الصفة عن النفس أعني الجسمية لم يصرح الشرع للجمهور بما ~~هي النفس فقال في الكتاب العزيز { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ~~وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } سورة الإسراء 85 وذلك أنه يعسر قيام ~~البرهان عند الجمهور على وجود موجود قائم بذاته ليس بجسم ولو كان انتفاء ~~هذه الصفة مما يقف عليه الجمهور لاكتفى بذلك الخليل في محاجة الكافر حين ~~قال له { ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت } سورة البقرة 258 الآية ~~لأنه كان يكتفي بأن يقول له أنت جسم والله تعالى ليس بجسم لأن كل جسم محدث ~~كما يقوله الأشعرية # وكذلك كان يكتفى بذلك موسى عليه السلام عند محاجة فرعون في دعوى الإلهية ~~وكذلك كان يكتفى المصطفى صلى الله عليه وسلم في أمر الدجال في إرشاد ~~المؤمنين إلى كذب ما يدعيه من الربوبية من PageV10P266 ~~أنه جسم والله تعالى ليس بجسم بل قال عليه السلام إن ربكم ليس بأعور واكتفى ~~بالدلالة على كذبه بوجود هذه الصفة الناقصة التي ينتفي عند كل أحد وجودها ~~ببديهة العقل في الباري سبحانه # وكذلك كان يكتفي بنفي الجسمية في عجل بني إسرائيل # فهذه كلها كما تراه بدع حادثة في الإسلام هي السبب فيما عرض فيه من الفرق ~~التي أنبأ المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه ستفترق أمته إليها # فإن قال قائل فإذا لم يصرح الشرع للجمهور بأنه جسم ولا بأنه غير جسم فما ~~عسى أن يجابوا في جواب ما هو فإن هذا السؤال طبيعي للإنسان وليس يقدر أن ~~ينفك عنه ولذلك ليس يقنع الجمهور أن يقال لهم في موجود وقع الاعتراف به لا ~~ماهية له لأن ما لا ماهية له لا ذات له # قلنا الواجب في ذلك أن يجابوا بجواب الشرع فيقال لهم PageV10P267 ~~إنه ms2218 نور فإنه الوصف الذي وصف الله به نفسه في كتابه على جهة ما يوصف الشيء ~~بالصفة التي هي ذاته فقال تعالى { الله نور السماوات والأرض مثل نوره } ~~الآية سورة النور 35 وبهذا الوصف وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الثابت عنه فإنه جاء أنه قيل له عليه السلام هل رأيت ربك فقال نور أنى أراه # وفي حديث الإسراء أنه لما قرب صلى الله عليه وسلم من سدرة المنتهى غشي ~~السدرة من النور ما حجب بصره من النظر إليها أو إليه PageV10P268 # وفي كتاب مسلم إن لله حجابا من نور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى ~~إليه بصره # قال وفي بعض روايات الحديث سبعين حجابا من نور # فينبغي أن يعلم أن هذا المثال هو شديد المناسبة للخالق سبحانه لأنه يجتمع ~~فيه أنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه وكذلك الأفهام مع أنه ليس بجسم ~~والموجود عند الجمهور إنما هو المحسوس والمعدوم عندهم هو غير المحسوس ~~والنور لما كان هو أشرف المحسوسات وجب أن يمثل لهم به أشرف الموجودات PageV10P269 # فيقال هذا الرجل يرى رأى ابن سينا ونحوه من المتفلسفة والباطنية الذين ~~يقولون إن الرسل أظهرت للناس في الإيمان بالله واليوم الآخر خلاف ما هو ~~الأمر عليه في نفسه لينتفع الجمهور بذلك إذ كانت الحقيقة لو أظهرت لهم لما ~~فهم منها إلا التعطيل فخيلوا ومثلوا لهم ما يناسب الحقيقة نوع مناسبة على ~~وجه ينتفعون به وأبو حامد في مواضع يرى هذا الرأي ونهيه عن التأويل في ~~الجام العوام والتفرقة بين الإيمان والزندقة مبني على هذا الأصل وهؤلاء ~~يرون إقرار النصوص على ظواهرها هو المصلحة التي يجب حمل الناس عليها مع ~~اعتقادهم أن الأنبياء لم يبينوا الحق ولم يورثوا علما ينبغي للعلماء معرفته ~~وإنما المورث عندهم للعلم الحقيقي هو الجهمية والدهرية ونحوهم من حزب ~~التعطيل والجحود # وما ذكره هذا في النور اخذه من مشكاة أبي حامد وقد دخل معهم في هذا طوائف ~~ممن راج عليهم هذا الإلحاد في أسماء الله وآياته من أعيان ms2219 الفقهاء والعباد # وكل من اعتقد نفي ما أثبته الرسول حصل في نوع من الإلحاد بحسب ذلك وهؤلاء ~~كثيرون في المتأخرين قليلون في السلف ومن تدبر كلام كثير من مفسري القرآن ~~وشارحي الحديث ومصنفي العقائد النافية والكلام وجد فيه من هذا ما يتبين له ~~به حقيقة الأمر # وقوله في النور إنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه وكذلك PageV10P270 ~~الأفهام مع أنه ليس بجسم تناقض من وجهين أحدهما أن المحسوس الذي يحسه الناس ~~ليس إلا جسما أو عرضا في جسم والثاني أن النور الذي يعرفونه ليس إلا جسما ~~أو عرضا في جسم وذلك كنور المصابيح ونحوها # فإنه إما أن يراد به نفس النور الخارج من ذبالة المصباح فذلك نار والنار ~~جسم وإما أن يراد به ما يصير على ما يلاقيه من الأرض والجدران والهواء من ~~الضوء فذلك عرض قائم بغيره # وكذلك الشمس والقمر إن أريد بالنور نفس ذات واحدة منهما كقوله { جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا } سورة يونس 5 فالقمر جسم وإن أريد بالنور ما على ~~الأرض والهواء من ضوء ذلك فذلك عرض فلا يعرف الناس نورا إلا هذا وهذا # وأيضا فإذا كان السؤال بما هو طبيعي للإنسان لا يقدر أن ينفك عنه ولا ~~يقنع الإقناع في جواب هذا السؤال بعد الاعتراف بوجود المسؤول عنه بأن يقال ~~لا ماهية له لأن ما لا ماهية له لا ذات له فلا يقع الإقناع بجواب ليس ~~مطابقا للحقيقة # وبتقدير أن لا يكون هو في نفسه نورا يكون الجواب غير مطابق للحقيقة ~~وحينئذ فالجواب المطابق للحق مع الإعراض عن ذكر الحقيقة أحسن من هذا كما ~~تقوله طائفة من الناس في جواب موسى لفرعون لما سأله بقوله { وما رب ~~العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين } PageV10P271 ~~سورة الشعراء 23 24 قالوا لما سأله عن الماهية والمسؤول عنه لا ماهية له ~~عدل إلى ما يصلح الجواب به # فقول هؤلاء مع أنه خطأ أقرب من أن يجاب عن الماهية بما ليس مطابقا للحق ~~وإنما كان قول هؤلاء ms2220 خطأ لأن فرعون لم يسأل موسى سؤال مستفهم طالب للعلم ~~بماهية المسؤول عنه حتى يجاب جواب المستفهم السائل كما ذكره الناس في جواب ~~السؤال بما هو ولكن هذا استفهام إنكار ونفي وجحود للمسؤول عنه فإن فرعون ~~كان مظهرا لجحد الصانع # ولهذا قال { ما علمت لكم من إله غيري } سورة القصص 38 وقال { أنا ربكم ~~الأعلى } سورة النازعات 24 وقال { يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ~~أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا } سورة غافر 36 37 ~~فلما قال له موسى { إني رسول من رب العالمين } سورة الأعراف 104 تكلم بما ~~هو جحد ونفي وإنكار لمسمى رب العالمين فقال { وما رب العالمين } سورة ~~الشعراء 23 كما لو ادعى على أحد مدع أن هذا ولدك أو شريكك في المال أو ~~أعطاك هذا المال ونحو ذلك فقال من هو ولدي ومن هو شريكي ومن هو الذي أعطاني ~~فإنه يقول ذلك على سبيل الإنكار والجحد لا على سبيل الاستعلام والاستفهام ~~فإذا كان منكرا للحق أجيب بما يقيم الحجة عليه فيقال له هذا الذي ولدته ~~امرأتك فلانة أو الذي اشتريت أنت وهو المال الفلاني أو هو PageV10P272 ~~الذي أقررت له بذلك وأشهدت به عليك فلانا وفلانا ونحو ذلك # ولهذا أجابه موسى بما فيه تقرير لما أنكره وتثبيت له فقال { رب السماوات ~~والأرض وما بينهما } سورة الشعراء 24 وقال { ربكم ورب آبائكم الأولين } ~~سورة الشعراء 26 وذلك لأن العلم بثبوت هذا الرب أمر مستقر في الفطر مغروز ~~في القلب # يبين هذا أن السؤال عن ماهية الشيء الثابتة في الخارج يكون بعد الاعتراف ~~بوجوده أما ما يكون مجحودا منتفيا في نفس الأمر فلا ماهية له في الخارج حتى ~~يسأل عنها ولكن قد يسأل المسؤول عن تصوير ما يقوله وإن لم تكن له حقيقته في الخارج # أما إذا ادعى شيئا في الخارج والمدعى ينكر وجوده فإنه لا يطلب منه أن ~~يعرفه ماهية ما لا حقيقة له بل يسأله على طريق إنكار ذلك لا على طريق ms2221 ~~الاستعلام عن ذلك # وإذا كان المسئول عنه مما لا وجود له طولب بتمييزه وتعريفه حتى يبين له ~~أنه لا وجود له وأنك تدعي ثبوت ما ليس بثابت كما يقال لمن يدعي أن هنا جبلا ~~من ياقوت أو بحرا من زئبق أين هو وكيف هو وكما يقال لمن يدعي وجود المنتظر ~~المعصوم الداخل إلى سرداب سامرا بماذا يعرف وكم كان عمره حين دخل وماذا ~~الذي يمنعه من الظهور ونحو ذلك من المسائل التي يبين بها عدم المسئول عنه ~~أو عدم ما أثبته المسئول له PageV10P273 # وهذا في القرآن كثير كقوله تعالى { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد ~~يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها } سورة الأعراف 195 # وقوله تعالى { قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض } ~~سورة يونس 18 # وقوله { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله ~~الأنثى } سورة النجم 19 21 # ومنه قولهم { أهذا الذي بعث الله رسولا } سورة الفرقان 41 # وقول الكفار { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا ~~الأولون } سورة الصافات 16 17 # وإذا كان المسئول عنه موجودا كان الجواب بما يدل على وجوده فلهذا أجاب ~~موسى للمنكرين بما يدل على إثبات الصانع سبحانه فإن افتقار السماوات والأرض ~~وما بينهما والمشرق والمغرب والموجودين وآثارهم إلى الصانع واستقرار ذلك في ~~فطرهم أمر لا يمكن إنكاره إلا عنادا كما قال تعالى { وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا } سورة النمل 14 # وذكر موسى عليه السلام السماوات والأرض والليل والنهار والأولين والآخرين ~~فذكر الأعلى والأسفل والمتيامن والمتياسر والمتقدم والمتأخر وهذه هي الجهات ~~الست للإنسان وذكر التقدم PageV10P274 ~~والتأخر بالزمان بعد أن ذكر التقدم والتأخر بالمكان فإن المكان دخل في ~~السماوات والأرض والمشرق والمغرب وذكر موسى خلق الإنسان بعد أن ذكر الخلق العام # كما في قوله { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق } سورة العلق 1 ~~2 وكما في قوله تعالى { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين ms2222 لهم ~~أنه الحق } سورة فصلت 53 # فإذا كان المسئول عنه بما هو لا بد أن تكون له ذات هي ماهيته كان الجواب ~~عنها بما يمكن من التعريف فإن أمكن أن يعرف بعينه قيل هذا هو أو هو فلان بن ~~فلان ونحو ذلك مما يميزه عند السائل ويوجب معرفته بعينه بالإحساس لكن معرفة ~~عينه لم تحصل هنا بمجرد كلام المتكلم بل بالإحساس به وإن لم يمكن معرفته ~~بعينه عرف بنظيره ولا يكون له نظير من كل وجه فإنه لو كان له نظير من كل ~~وجه لم يكن المجهول إلا عينه وإذا كان المطلوب معرفة عينه لم يحصل الجواب ~~بالنظير وإنما يعرف بالنظير نوعه فلا يجاب بالنظير إلا إذا كان السؤال عن ~~معرفة نوعه وحينئذ فتحصل المعرفة به بحسب مماثلة ذلك النظير له لأجل القدر ~~المشترك المشترك الذي بين المتماثلين # كمن سئل عن الخمر فقال شراب مسكر فلا بد أن يكون السائل يعرف الشرب ويعرف ~~السكر ولكن لم يعرف نوع سكر الخمر بل عرف مثلا سكر الغضب والعشق والحزن ~~وعرف زوال العقل PageV10P275 ~~بالجنون والبنج فلو سأل عن السكر قيل له لذة مع زوال الحزن فقولنا لذة يخرج ~~سكر الغضب والحزن فإنه ألم بخلاف سكر العشق ولكن ليس هذا مثل هذا فلا يمكن ~~تعريفه ذلك إلا بالقدر المشترك بين هذه اللذة وسائر اللذات وبالقدر المشترك ~~بين زوال العقل بهذا السبب وغيره من الأسباب ثم إذا انضم إلى ذلك أنه شراب ~~يميز المسئول عنه عن غيره # ولهذا كان حقيقة الأمر أن الحدود المقولة في جواب ما هو إنما يحصل بها ~~التمييز بين المحدود وغيره وأما نفس تصور حقيقته فذاك لا يحصل بالقول ~~والكلام لا على وجه التحديد ولا غيره بل بإدراك النفس المحدودة # فالسائل إذا سأل عن الرب ما هو أمكن أن يجاب بأجوبة تميزه عما سواه ~~سبحانه بحيث لا يشركه غيره في الجواب ويمكن أن يذكر من الأمور المشتركة ~~بحسب إدراك السائل ما يحصل به من المعرفة ما يشاء الله # وأما معرفة كنه ms2223 الذات فذاك لايمكن بمجرد الكلام ليس لأنه لا كنه لها لكن ~~لأن تعريف كنه الأمور لا يمكن بمجرد العبارات # فإذا قيل هو نور لم يمنع هذا أن تكون حقيقته نورا كما إذا قيل هو وحي أو ~~عالم أو قادر أو موجود لكن ليس هو مثل شيء من الأنوار المخلوقة كما أنه ليس ~~مثل شيء من الأحياء العالمين المخلوقين ولا شيء من الموجودات المخلوقة PageV10P276 # ولكن لولا القدر المشترك لما كان في الكلام فائدة ثم القدر المميز يحصل ~~بالإضافة فيعلم أنه نور ليس كالأنوار موجود ليس كالموجودين حي لا كالأحياء # وهذا الجواب هو جواب أهل التحقيق من المثبتين الذين ينفون علم العباد ~~بماهيته وكيفيته ويقولون لا تجرى ما هيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال ~~ويقولون الاستواء معلوم والكيف مجهول ويقولون حجب الخلق عن معرفة ماهيته ~~ونحو ذلك # وأما من نفى ثبوت هذه الأمور في نفس الأمر فقال لا ماهية له فتجري في ~~مقال ولا كيفية له فتخطر ببال كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ومن ~~اتبعهم من الأشعرية وغيرهم من أصحاب الفقهاء الأربعة فهؤلاء هم الذين خرجوا ~~عن الجواب الطبيعي وأرادوا تغيير الفطرة الإنسانية كما غيروا النصوص ~~الشرعية وإنما الكمال بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة والرسل صلوات الله ~~عليهم بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها لا بتغيير الفطرة وتحويلها # ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يجاب عن سؤال السائل بما هو بما يجاب إذا سئل ~~عن الأنواع فإن الله لا مثل له سبحانه وإذا كان المخلوق الذي انحصر نوعه في ~~شخصه كالشمس مثلا لا يمكن ذلك فيها فالخالق سبحانه أولى بذلك # وإذا كان تعريف عين الشيء لا يمكن إلا بمعرفته أو معرفة نظيره PageV10P277 ~~والله لا نظير له امتنع أن يعرف إلا بما تعرف به الأعيان من المعارف الخاصة ~~بالمعروف باطنا وظاهرا كما يهدى إليه به عباده المؤمنين من الإيمان به في ~~الدنيا وكما يتجلى لهم في الدار الآخرة # وهذه المعرفة تطابق ما سمعوه مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيتطابق ~~الإيمان والقرآن ms2224 ويتوافق البرهان والعيان # والله سبحانه فطر عباده على الإقرار به فطرة تختص به ليست كلية مشتركة ~~بينه وبين غيره كما جعل في الإبصار قوة ترى بها الشمس بخصوصها لا تعرف ~~الشمس معرفة مشتركة # كما يقال في حدها كوكب يطلع نهارا بل معرفة الناس للشمس أعظم من معرفتهم ~~لغيرها من أعيان الكواكب ولنوع الكواكب لو كانت الشمس من نوع الكواكب فكيف ~~إذا لم تكن من نوعها # ولهذا كانت الدلائل على الخالق آيات له والآية تختص بما هي آية عليه ليست ~~قياسا كليا يدل على معنى مشترك عام بل تدل على معين موجود متميز عن غيره # والأدلة القياسية الكلية التي يخصها باسم البرهان أهل المنطق ونحوهم لا ~~تدل إلا على أمر كلي كقولنا الإنسان محدث وكل محدث فله محدث ينتظم قضيتين ~~كليتين فقول القائل الإنسان محدث يعم كل إنسان وعلمه بحدوث الإنسان المعين ~~كعلمه بحدوث الإنسان الآخر ليس علمه بهذه القضية الكلية أكمل من علمه ~~بالواحد المعين إلا أنه قد يجهل الإنسان حكم المعين فيستدل عليه بنظيره PageV10P278 # وكذلك قول القائل كل محدث فله محدث فما من محدث يعلم حدوثه إلا وهو يعلم ~~أن له محدثا كما أنه يعلم أن المحدث الآخر محدثا ثم إذا علم أن للمحدث ~~محدثا فهذا علم مطلق كلي ليس فيه معرفة بمعين وليس هذا معرفة بالله تعالى # وأما الآية فهي مختصة به لا يشركه فيها غيره فالإنسان وغيره من الآيات ~~تدل على عينه نفسه لا تدل على نوع مطلق إذ الدليل مستلزم للمدلول وهذه ~~الأدلة مستلزمة لعينه لافتقارها إليه ليست مستلزمة لأمر مطلق كلي إذا ~~المطلق الكلي لا وجود له في الخارج # لكن المستدل قد لايعلم ابتداء استلزامها لنفسه بل يعرف المشترك أولا ثم ~~المختص ثانيا كمن يرى شخصا من بعيد فيعلم أنه جسم ثم يراه متحركا إليه ~~فيعلم أنه حيوان ثم يراه منتصبا فيعلم أنه إنسان ثم يراه فيعلم أنه زيد ~~مثلا فكان علمه بعينه بحسب أدلته # والرب تعالى متميز عن غيره بجميع خصائصه والناس تكلموا في ms2225 أخص وصفه فقال ~~من قال من المعتزلة هو القدم وقال الأشعري وغيره هو القدرة على الاختراع ~~وقال من قال من الفلاسفة هو وجود الوجود # والتحقيق أن كل وصف من هذه الأوصاف فهو من خواصه ومن خواصه أنه بكل شيء ~~عليم وأنه على كل شيء قدير وأنه الله الذي لا إله إلا هو وأنه الرحمن الرحيم # وكل اسم لا يسمى به غيره كالله والقديم الأزلي ورب العالمين ومالك يوم ~~الدين ونحو ذلك فمعناه من خصائصه PageV10P279 # والاسم الذي يسمى به غيره وهو عند الإطلاق ينصرف إليه كالملك والعزيز ~~والحليم يختص بكماله وإطلاقه فلا يشركه في ذلك غيره # والاسم الذي يسمى به غيره ولا ينصرف إطلاقه إليه كالموجود والمتكلم ~~والمريد يختص أيضا بكماله وإن لم يختص بإطلاقه # ومن المعلوم أن الأسماء التي يختص بها بكل حال أو عند الإطلاق أو تنصرف ~~إليه بالنية يجب أن يعلم المتكلم بها اختصاصه بها وإلا لم يخصه بها وتخصيصه ~~بها مستلزم لمعرفة ما يختص به ويمتاز به غيره فلا بد أن يكون في القلوب من ~~المعرفة ما يختص به ويمتاز به عن غيره # وهذه المعرفة لا تكون بقياس كلي مدلوله معنى كلي إذ الكلي لا تخصيص فيه ~~بل قد يحصل عن قياسين مثل أن يعلم أن كل محدث له محدث وأن المحدث للمحدثات ~~ليس هو شيئا من هذا العالم ولا يكون اثنين فيعلم أنه واحد خارج عن العالم ~~ومع هذا فإشارة القلوب إلى عينه خارجة عن موجب قياس الكلي # وهكذا سائر المعلومات لا يمكن أن تعلم بمجرد القياس الكلي غير معينة في ~~الخارج وقد بسط الكلام على هذا في موضعه # ولهذا إذا ذكر الله توجهت القلوب إليه سبحانه لما في الفطرة من معرفته ~~أبلغ مما توجه إلى معين غيره إذا ذكر فإذا قيل الشمس أو PageV10P280 ~~الهلال توجهت القلوب إلى ما عرفته من ذلك وتوجهها إلى ما عرفته من الخالق أكمل # وهذا أمر مغروز فيها قد فطرت عليه وآياته دوال وشواهد وهي كما قال تعالى ~~{ تبصرة وذكرى لكل ms2226 عبد منيب } سورة ق 8 فهي تبصر الجاهل وتذكر الغافل # قال ابن رشد وههنا سبب آخر وجب أن يسمى به نورا وذلك أن حال وجوده من ~~عقول العلماء الراسخين في العلم عند النظر إليه بالعقل هي حال الإبصار عند ~~النظر إلى الشمس بل حال عيون الخفافيش فكان هذا الصنف لائقا عند الصنفين من الناس # قلت ولقائل أن يقول هذا الكلام يناسب حال أهل الحيرة والضلال الذين حارت ~~عقولهم فيه فلم تعرفه كما يحار البصر في الشمس فلا يراها فقد مثله بالنور ~~عند الجمهور لكونه هو الذي يرى وعند العلماء لكونه لا يرى فاقتضى هذا أن ~~الجمهور لهم به معرفة وأن العلماء لا يعرفونه # وهذا حقيقة كلام هؤلاء فإنهم يجعلون ما أظهره الله من أسمائه وصفاته ~~لتعريف الجمهور إذ لا يمكن إلا ذلك وهو عندهم في PageV10P281 ~~الباطن ليس كذلك بل موصوف بالسلوب التي لا يحصل منها إلا الجهل والحيرة ~~والضلالة ومنتهاهم أن يثبتوا وجودا مطلقا لا حقيقة له إلا في الذهن لا في الخارج # وهذا منتهى هؤلاء المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من المتصوفة أهل الوحدة ~~والحلول والاتحاد ومن ضاهاهم من أصناف أهل الإلحاد # وأصل ضلال هؤلاء أنهم لم يثبتوا وجودا للرب مباينا للمخلوقات متميزا عنها ~~بل اعتقدوا أن هذا منتف لكونه يقتضي ما هو منتف عندهم من التحيز والجهة # قال وأيضا فإن الله تبارك وتعالى لما كان سبب الموجودات وسبب إدراكنا لها ~~وكان النور مع الألوان هذه صفته أعني أنه سبب وجود الألوان بالفعل وسبب ~~رؤيتنا لها فبالحق ما سمى الله نفسه نورا وإذا قيل إنه نور لم يعرض شك في ~~الرؤية التي جاءت في المعاد # قلت هذا الرجل سلك مسلك صاحب مشكاة الأنوار فإن ذلك الكتاب موضوع على ~~قواعد هؤلاء المتفلسفة وابن رشد هذا يمدح PageV10P282 ~~كلامه في مشكاة الأنوار وما كان مثله مما وافق فيه الفلاسفة # والمسلمون يقدحون في كلامه الذي وافق فيه الفلاسفة ويمدحون من كلامه ما ~~وافق فيه المسلمين وناقض به الفلاسفة فما يمدحه به أهل العلم والإيمان ms2227 يذمه ~~به هذا وأمثاله وينشد # % يوما يمان إذا ما جئت ذا يمن % وإن لقيت معديا فعدنان % # وما يمدحه به أهل العلم والإيمان يذمه به هؤلاء وقد ذكر في مشكاة الأنوار ~~ما يناسب ما ذكره هذا في النور ومن هنا دخل الملحدون من الاتحادية الذين ~~قالوا بوحدة الوجود وقالوا إن الخلق مجال ومظاهر لأن وجود الحق ظهر فيها ~~وتجلى فجعلوا نفس وجوده هو نفس ظهوره وتجليه # ومن المعلوم أن الشيء يكون موجودا في نفسه ثم يظهر ويتجلى تارة ويحتجب ~~أخرى سواء كان تجليه لوجود سبب الرؤية في الرائي كالأعمى إذا صار بصيرا أو ~~لزوال المانع في الظاهر كالحجب المانعة أو لهما جميعا # وهؤلاء جعلوا وجود الحق في المخلوقات هو نفس ظهوره وتجليه فيها وسموها ~~مجالي ومظاهر وذلك لأن حقيقة قولهم إنه ليس موجودا في الخارج ولكنهم يظنون ~~أنهم يعتقدونه موجودا في الخارج PageV10P283 ~~فإذا شاهدوا الوجود الساري في الكائنات ظهر لهم هذا الوجود وهم يظنونه الله ~~فسموها مظاهر ومجالي لأنها أظهرت لهم ما ظنوا أنه الله # ولو أنهم جعلوها آيات أظهرت لهم وبينت ما دلت عليه من وجوده وعلمه وقدرته ~~ورحمته وحكمته مع علمهم بأن وجوده مباين لوجودها لكانوا مهتدين # وما ذكره هذا الرجل موافقا فيه لصاحب المشكاة أن النور سبب وجود الألوان ~~وسبب إدراكنا لها كما أن الله سبب وجود الموجودات وسبب معرفتنا بها ليس ~~بمستقيم فإن الألوان موجودة في نفسها سواء ادركناها أو لم ندركها وهي في ~~نفسها مستغنية عن النور ولكن النور شرط في إدراكنا لها لا في وجودها # وليس المخلوق مع الخالق كذلك بل الخالق هو المبدع لأعيان الموجودات وليس ~~هو معها كالشرط مع المشروط ونحو ذلك مما يقتضيه كلام هذا الرجل في تهافت ~~التهافت وكلام أمثاله من هؤلاء المتفلسفة الاتحادية وغيرهم الذين يجعلونه ~~مع الموجودات كالمادة مع الصورة وكالصورة مع المادة كالكلي مع الجزئي ~~كالجنس مع النوع أو النوع مع الشخص ونحو ذلك من التمثلات التي يقتضي أنه ~~مفتقر إليها وهي مفتقرة إليه وكل منهما مع الآخر ms2228 كالشرط مع المشروط كما قد ~~صرح بذلك صاحب الفصوص وغيره # بل هو سبحانه الغني بنفسه عن كل ما سواه من كل وجه وكل ما PageV10P284 ~~سواه مفتقر إليه من كل وجه وليس شيء أفقر إلى شيء من المخلوق إلى الخالق ~~ولا شيء أغنى عن شيء من الخالق عن المخلوق ولا يشبه فقر الخلق إليه وغناه ~~عنهم شيء من أنواع الفقر والغنى # وإذا قلنا كالمفعول مع الفاعل والمصنوع مع الصانع والمبدع مع المبدع أو ~~كالمعلول مع العلة والموجب مع الموجب ونحو ذلك فكل ذلك تقريب فيه قصور ~~وتقصير منا إذ ليس في الموجودات ما هو غيره كالمخلوق مع الخالق ولا في ~~الوجود مفعول له فاعل واحد له يستغنى به ولا معلول له علة واحدة تستغنى به ~~في الوجود # بل كل ما في الوجود مما يظن أنه مفعول أو معلول لشيء من المخلوقات فإن ~~غايته إذا كان فاعلا وعلة أن يكون محتاجا إليه من وجه دون وجه وهو محتاج ~~إلى غيره من وجه آخر وهو فاعل وعلة له من وجه دون وجه وأما أن يكون في ~~الموجودات ما هو مفتقر إلى فاعل أو علة كافتقار المخلوقات إلى الخالق فلا # وهذا من أسباب ضلال هؤلاء فإنهم ضلوا في قياسهم الخالق الذي ليس كمثله ~~شيء على المخلوقات فيجعلون حال المخلوقات معه كحال مفعولات العباد معهم لا ~~سيما وفيهم من يكون قوله شرا من ذلك # ومن هذا الباب قول من جعل المعدوم شيئا ثابتا في الخارج PageV10P285 ~~مستغنيا عن الخالق ومن جعل الماهيات غير الأعيان الموجودة فإذا ضم إلى أحد ~~هذين القولين أن يجعل الوجود واحدا والوجود الواجب هو الممكن لزم أن يكون ~~كل من وجود الأعيان وثبوتها مفتقرا إلى الآخر وأن يكون الوجود الواجب ~~مفتقرا إلى الذوات المستغنية عنه كما يقوله صاحب الفصوص # أو أن يكون وجود الأعيان الذي هو الوجود الواجب عند هؤلاء مفتقرا إلى ~~الماهيات المستغنية عنه كما يقوله آخرون منهم ويقول ابن سبعين وأمثاله هو ~~في كل شيء بصوره ذلك الشيء فهو في ms2229 الماء ماء وفي النار نور وفي الحلو حلو ~~وفي المر مر وقد وقع نوع من الحلول والاتحاد في كلام غير واحد من شيوخ ~~الصوفية # ولهذا كان الأئمة منهم كالجنيد وأمثاله يتكلمون بالمباينة كقول الجنيد ~~التوحيد إفراد الحدوث عن القدم وفي كلام الشاذلي والحرالي بل وابن برجان بل ~~وأبي طالب وغيرهم من PageV10P286 ~~ذلك ما يعرفه من فهم حقيقة الحق وفهم مقاصد الخلق # ولهذا كان الناس يصفون السالمية بالحلول فإن أبا طالب من أصحاب أبي الحسن ~~بن سالم صاحب سهل بن عبد الله التستري # والناس في هذه المسألة على أربعة أقوال # منهم من يقول بالحلول والاتحاد فقط كقول صاحب الفصوص وأمثاله # ومنهم من يثبت العلو ونوعا من الحلول وهو الذي يضاف إلى السالمية أو ~~بعضهم وفي كلام أبي طالب وغيره ما قد يقال إنه يدل على ذلك # ومنهم من لا يثبت لا مباينة ولا حلولا ولا اتحادا كقول المعتزلة ومن ~~وافقهم من الأشعرية وغيرهم # والقول الرابع إثبات مباينة الخلق للمخلوق بلا حلول وهذا قول سلف الأمة ~~وأئمتها # وكل من وقع بنوع من الحلول لزم افتقار الخالق إلى غيره واستغناء غيره عنه ~~فإن الحال في غيره إن لم يكن محتاجا إليه بوجه من الوجوه امتنع الحلول سواء ~~قيل إن الحال قائم بنفسه أو بغيره # فإن قال الحلولي أنا أثبت حلولا لا كحلول الأجسام ولا الأعراض وحينئذ فلا ~~يلزم افتقاره فيه إلى غيره PageV10P287 # قيل هذا لا حقيقة له وهو كقول من قال أثبت قيامه بغيره من غير احتياج إلى ~~ذلك المحل الذي من شأنه أن يقوم ما قام فيه لأن قيامه بالغير ليس كقيام ~~الأجسام والأعراض وأثبته في غيره لا مماسا له ولا مباينا له # لكن هذا الجواب يصح من أهل السنة الذين ينكرون وجود موجود لا مباين ~~للعالم ولا داخل فيه وأما من أثبت هذا فإنه لا يمكنه إبطال قول الحلولية ~~فإنهم يقولون كما أثبت موجودا لا داخل العالم ولا خارجه فأثبته حالا في ~~الموجودات من غير أن يكون مفتقرا إليها # فإذا قال ms2230 هذا لا يعقل # قيل وذاك لا يعقل بل تصديق العقل بوجود موجود في العالم غير مفتقر إليه ~~أقرب من تصديقه بوجود موجود لا داخل العالم ولا مباين له # ولهذا كان انقياد القلوب إلى قول الحلولية أقرب من انقيادهم إلى قول نفاة ~~الأمرين وجمهور الجهمية وعبادهم وصوفيتهم إنما يتكلمون بالحلول وإلا فالنفي ~~العام لا تقبله غالب العقول وإنما يقوله من يقوله من متكلمتهم # وهؤلاء يخضعون لأرباب الأحوال والعبادات والمعارف من الجهمية الحلولية ~~ولا يمكنهم الإنكار عليهم بحجة ظاهرة ويد مبسوطة بل إما أن يكونوا مقصرين ~~معهم في الحجة وإما أن يكونوا مقهورين معهم بالحال والعبادة والمعرفة لأن ~~أولئك في قلوبهم تأله ووجد PageV10P288 ~~وذوق وهؤلاء بطالون قساة القلوب لأن القلب لا يتوجه بالقصد والعبادة إلى ~~العدم والنفي وإنما يتوجه إلى أمر موجود # ولهذا كانت الجهمية النفاة داخلين في نوع من الشرك إذ كل معطل مشرك وليس ~~كل مشرك معطلا والجهمية قولهم مستلزم للتعطيل ففيهم شرك وقد يكون الشرك ~~فيمن ليس منهم إذ إخلاص الدين لله مستلزم لإثباته وليس إثباته مستلزما ~~للإخلاص فمن أثبت شيئا من الحقائق مستغنيا عن الله كاستغناء الألوان في ~~أنفسها عن النور أمكنه أن يقول هو بالنسبة إلى تلك الأمور كالنور بالنسبة ~~إلى اللون إذ قد تظهر به تلك الأمور كما ظهر اللون لنا بالنور # قال ابن رشد فقد تبين لك من هذا القول الاعتقاد الأول الذي في هذه ~~الشريعة في هذه الصفة يعني الجسمية وما حدث في ذلك من البدعة # قال وإنما سكت الشرع عن هذه الصفة لأنه لا يعترف بموجود في الغائب أنه ~~ليس بجسم إلا من أدرك برهانا أن في الشاهد موجودا بهذه الصفة وهي النفس ~~ولما كان الوقوف على معرفة هذا PageV10P289 ~~المعنى من النفس مما لا يمكن الجمهور لم يمكن فيهم أن يعقلوا وجود موجود ~~ليس بجسم فلما حجبوا عن معرفة النفس علمنا أنهم حجبوا عن معرفة هذا المعنى ~~من الباري تعالى # قلت ولقائل أن يقول هو قد بين فساد طرق نفاة الجسم من المتكلمين ms2231 وكذلك ~~بين فساد طريقة ابن سينا وغيره من الفلاسفة وذكر أنه لا يمكن الاعتراف ~~بوجود موجود في الغائب ليس بجسم إلا من علم البرهان أن النفس ليست بجسم # وحينئذ فيقال له هذا أضعف من كلام المتكلمين ومن كلام الفلاسفة من وجهين ~~أحدهما أن الأدلة الدالة على كون النفس ليست الجسم الاصطلاحي وهو ما يمكن ~~الإشارة إليه وكونها لا توصف بحركة ولا سكون ولا تقرب من شيء ولا تبعد عنه ~~ولا تصعد ولا تعرج ولا تهبط ونحو ذلك مما يقوله فيها هؤلاء الفلاسفة أضعف ~~من أدلة نفي ذلك عن الباري فإذا كانت تلك فاسدة فهذه أولى # الثاني أن يقال هب أنه يثبت أن النفس لا يمكن الإشارة إليها أو أن في ~~المخلوقات ما لا يمكن الإشارة إليه فمن أين يجب أن يكون الخالق كذلك غاية ~~ما يثبت به أن العقل لا يحيل ذلك لكن عدم استحالته في العقل لا يقتضي ثبوته ~~في نفس الأمر بل ولا إمكانه في نفس الأمر PageV10P290 ~~فإذا لم يكن ثم دليل عقلي ينفي الجسمية عن الباري كما قد بينته لم يكن في ~~نفي ذلك عن النفس دليل على أن الباري كذلك اللهم إلا أن يثبت أن هذا الجنس ~~أشرف من غيره # فيقال الباري أحق بصفة الكمال من النفس لكن كون الشيء لا يشار إليه أمر ~~سلبي والسلب المحض ليس صفة مدح ولا كمال إلا أن يتضمن أمرا وجوديا وليس في ~~كون الشيء لا يشار إليه ما يستلزم أمرا وجوديا كما أنه ليس في كونه لا يرى ~~ما يستلزم أمرا وجوديا كما أن نفي الرؤية عن بعض المخلوقات لا يستلزم نفيها ~~عن الباري تعالى # وأيضا فيقال من المعلوم أن اتصاف الموصوف بكونه حيا عليما قديرا أكمل من ~~اتصافه بكونه لا يشار إليه ثم أنتم تفرون من إثبات صفات الكمال للرب في نفس ~~الأمر لما في ذلك من التشبيه فإذا شبهتموه بالمخلوق فيما دون صفات الكمال ~~من الصفات السلبية كان هذا أقرب إلى التشبيه الباطل ووصفه بالنقائص ولكن ~~هذه ms2232 سنة معلومة للجهمية يسلبون عن ربهم صفات الكمال فرارا من التشبيه ~~بالكامل من الموجودات ويصفون بالسلوب المتضمنة صفات النقص التي يشبهونه ~~فيها بالجمادات والمعدومات والممتنعات فإن العدم علم لا يشار إليه كما أنه ~~لا يرى وكل ما يوصف به العدم المحض لم يكن كمالا بل هو إلى النقص أقرب # وأما ما ذكره من سكوت الشريعة عن النفس PageV10P291 # فيقال له الكتاب والسنة مملوء بإثبات صفات النفس الدالة على أنه يشار ~~إليها وأنها بحكم اصطلاحهم جسم فإنه أخبر بقبضها ورجوعها وصعودها ودخولها ~~في عباده ودخولها جنته ودخول البدن وخروجها منه وعروجها إلى السماء وأنها ~~في حواصل طير خضر وأمثال ذلك من الصفات التي تقولون أنتم إنها لا تكون إلا لجسم # وأما لفظ الجسم فهو في اللغة بمعنى البدن أو بمعنى غلظه وكثافته كما قال ~~{ وزاده بسطة في العلم والجسم } سورة البقرة 247 وقال { وإذا رأيتهم تعجبك ~~أجسامهم } سورة المنافقون 4 ويقال لهذا الثوب جسم أي غلظ وكثافة # وهذه المعاني منتفية عن الروح فلم يصلح أن يعبر عنها في لغة العرب بلفظ ~~الجسم بل الناس يقولون الجسم والروح فيجعلون مسمى الأجسام غير مسمى الأرواح ~~وإذا كان من الأعيان القائمة بنفسها الموصوفة بالصعود والعروج والدخول ~~والخروج ونحو ذلك مما لا يسمى في اللغة جسما لم يجب أن يسمى كل ما قام ~~بنفسه جسما في لغتهم # وأما في اصطلاحكم فالجسم عندكم هو ما أمكن الإشارة إليه وما وصف بصعود أو ~~هبوط فهو عندكم جسم وما قامت به الصفات فهو عندكم جسم فعلى اصطلاحكم يجب أن ~~تكون الروح جسما وليس في عدم إخبار الشارع بذلك حجة لكم PageV10P292 # والناس قد تنازعوا في قوله تعالى { ويسألونك عن الروح } سورة الإسراء 85 ~~هل المراد به روح ابن آدم أو ملك من الملائكة أو غير ذلك على قولين مشهورين ~~وبتقدير أن يكون المراد روح الإنسان فالنص لم يخبر بكيفيتها لأن الإخبار ~~بالكيفية إنما يكون فيما له نظير يماثله وليست الروح من جنس ما نشهده من ~~الأعيان فلا يمكن تعريفنا بكيفيتها ms2233 وإن كانت لها كيفية في نفسها # ثم يقال لهذا الذي أحال على ما قالوه في النفس من المعلوم أن أعظم برهان ~~لهم في أن النفس ليست جسما قولهم إن العلم يحل فيها فلو كانت جسما لانقسم ~~الحال فيها بانقسامها فإن الجسم منقسم والعلم لا ينقسم ولا بعض له وقد ~~يفرضون ذلك في العلم بما لا ينقسم كالعلم بالكليات والمجردات وواجب الوجود # والعلم بالمعلوم الواحد لا ينقسم إذ العلم يتبع المعلوم فإذا لم يكن ~~المعلوم منقسما لم يكن العلم منقسما فلم يكن محل العلم منقسما فلا يكون ~~جسما وهذا أعظم ما عندهم من البراهين # وقد اضطرب الناس في جوابه كما قد بسط في غير هذا الموضع لكن نقول هنا ~~جوابه من وجوه # أحدها أن يقال قيام العلم بالنفس كقيام الحياة والقدرة والإرادة والحب ~~والبغض وسائر الأعراض المشروطة بالحياة وهم يسلمون أن هذه الصفات تقوم ~~بالجسم فما كان جوابا عن قيام هذه الصفات بالنفس كان جوابا عن قيام العلم PageV10P293 # الثاني ما عارضهم به صاحب التهافت وغيره قالوا هذا باطل عليكم بالقوة ~~الوهمية التي تدرك في المحسوس ما ليس بمحسوس كإدراك القوة التي في الشاة ~~عداوة الذئب فإنها في حكم شيء واحد لا يتصور تقسيمه إذ ليس للعداوة بعض حتى ~~يقدر إدراك بعضه وزوال بعضه وقد حصل إدراكها في قوة جسمانية عندكم فإن نفس ~~البهائم منطبعة في الأجسام لا تبقى بعد الموت وقد اتفقوا عليه فإن أمكنهم ~~أن يتكلفوا تقدير الانقسام في المدركات بالحواس الخمس وبالحس المشترك ~~وبالقوة الحافظة للصور فلا يمكنهم تقدير الانقسام في هذه المعاني التي ليس ~~من شرطها أن تكون في مادة # وأورد على نفسه سؤالا فقال هذه مناقضة في العقليات إذ العقليات لا تنتقض ~~فإنه مهما لم يقدروا على الشك في المقدمتين وهو أن العلم الواحد لا ينقسم ~~وأن ما لا ينقسم لا يقوم بجسم منقسم لم يمكنهم الشك في النتيجة وأجاب بأن ~~المقصود بيان تهافتهم وتناقضهم وقد حصل إذ انتقض أحد الأمرين إما ما ذكروه ~~في النفس الناطقة ms2234 أو ما ذكروه في القوة الوهمية # والجواب الثالث أن يقال ما تعنون بقولكم العلم لا ينقسم ومحله إذا كان ~~جسما ينقسم إن عنيتم بالانقسام إمكان تفريقه فلم قلتم إن كل جسم يمكن ~~تفريقه وبتقدير أن يكون ممكنا في نفسه فلم قلتم إنه إذا قسم لا تبقى في ~~النفس نفسا ولا روحا وإن بقيت أجزؤها متفرقة # وكذلك يقال في العلم والقدرة والحياة وسائر الأعراض القائمة PageV10P294 ~~بالنفس هي لا تبقى بعد تفرق النفس فقيامها بالنفس مشروط ببقاء النفس فإذا ~~قدر أنها فرقت لم تكن باقية فلا تقوم بها الأعراض وهذا كقيام الأعراض ~~بالبدن فإن قيام الحياة والحس والحركة ببعض البدن قد يكون مشروطا بقيامه ~~بالبعض الآخر فإذا قطعت بعض الأوصال فارقت الحياة والقدرة والحس لمحل آخر ~~فما المانع من أن يكون قيام العلم وغيره من الأعراض مشروطا بأن لا تفرق ولا ~~تفسد إن كانت قابلة للتفريق # الجواب الرابع قولكم العلم الواحد بالمعلوم الواحد الذي لا ينقسم ما ~~تعنون بالمعلوم الواحد الذي لا ينقسم إن عنيتم به العقول المجردة فتلك ~~إثباتها فرع على إثبات النفس وكذلك واجب الوجود قد قلتم إنه لا يمكن نفي ~~ذلك عنه إلا بعد نفي ذلك عن الجسم فلو نفي ذلك عن النفس بناء على نفيه عنه ~~لزم الدور # وهب أن منكم من لا يقول ذلك فالمنازع لا يسلم ثبوت شيء من الموجودات على ~~الوجه الذي تدعونه من أنه لا يشار إليه ولا إلى محله # وأما الكليات فتلك ليس لها في الخارج معلوم ثابت لا ينقسم وإنما هذا على ~~زعم من يظن أن الكليات موجودة كلية في الخارج وهو معلوم الفساد بالضرورة ~~وهو من أصول ضلالهم في المنطق والإلهيات وإنما هي في الذهن # والكلي هو العام واللفظ العام والمعنى العام يقوم بالجسم كما يقوم اللفظ ~~العام باللسان وكما يقوم الشكل المطلق والجسم المطلق واللون PageV10P295 ~~المطلق في الخيال وهذه كليات وأفرادها موجودة في الخارج وهي تقوم بالجسم عندهم # الجواب الخامس أن يقال سريان العرض في محله بحسب محله ومن المحال ms2235 ما يقبل ~~التفريق وتتفرق أعراضه مع بقائها كما أن السواد والبياض القائم بالجسم ~~يتفرق بتفرق محله كالنور إذا قطع ومن المحال ما إذا فرق زالت أعراضه ~~كالأشكال القائمة بالمشكل فإذا فرق زال ذلك الشكل فالاستدارة والتثليث ~~والتربيع القائم بالجسم لا يبقى إذا فرق فأخرج عن ذلك الشكل إلى غيره وقد ~~تكون الحياة والحس والحركة الإرادية والعلم والقدرة وغير ذلك مشروطا بالشكل ~~الخاص أو غير ذلك من الأعراض # ومن المحال ما لا يعقل تفريقه ومن قال إن النفس جسم لا يلتزم إمكان ~~تفريقها وأنها مركبة من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة إلا إذا كان ~~من القائلين بذلك وقد عرف أن جمهور الناس لا يقولون لا بهذا ولا بهذا بل ~~كثير من طوائف النظار أو أكثرهم كالهشامية والنجارية والضرارية والكلابية ~~وطائفة من الكرامية # وإنما ادعى أنها مركبة من الجواهر المفردة من ادعاه من المعتزلة ~~والأشعرية ومن وافقهم من الكرامية وغيرهم # وأما القول بتركبه من المادة والصورة فقول بعض الفلاسفة # فهؤلاء إذا قالوا إن النفس ليست جسما فقد أصابوا من وجه PageV10P296 ~~وأخطأوا من وجه أصابوا من حيث نفوا عنها هذا التركب والتبعيض والانقسام ~~وأخطأوا من حيث ادعوا ثبوت ذلك في كل ما يشارإليه وكل ما يمكن الإحساس به ~~ورؤيته فإنهم لما زعموا أن كل ما يمكن الإشارة الحسية إليه فهو جسم وكل جسم ~~فهو مركب بهذا الاعتبار لزمهم أن تكون النفس بحيث لا يشار إليها إشارة حسية # ومن المعلوم أن بدنها جسم معين محسوس وأنها هي التي ترى المعينات وتشمها ~~وتذوقها وتسمعها بتوسط البدن فإذا كانت يشار إلى المعينات المحسوسة إشارة ~~حسية تميز بها بين محسوس ومحسوس وتتعلق ببدن معين مخصوص لم تكن نسبتها إلى ~~جميع الأبدان والأجسام واحدة # وإذا قيل هي تتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصريف # قيل المدبر المصرف لغيره إن كان تدبيره بعينه فلا بد من إحساسه وإما إن ~~كان يدبره تدبيرا مطلقا كليا مثلما يأمر الإنسان أتباعه أو أجناده بأمر عام ~~من غير قصد شخص معين منهم فهذا لا ms2236 يفتقر إلى الإحساس بآحادهم أما إذا أمر ~~واحدا بعينه فلا بد من امتيازه عن غيره # وتمييز الأعيان بعضها عن بعض إنما هو بالحس الباطن أو الظاهر ليس بمجرد ~~العقل الكلي فإذا كانت تشير إلى المعينات من الأجسام المحسوسة أشارت إليها ~~الأجسام المعينة فإن الإشارة الحسية مشتركة فما أشير إليه إشارة حسية أمكن ~~أن يشير إشارة حسية وما لا فلا PageV10P297 # يبين هذا أن البدن والنفس يؤثر كل منهما في الآخر والنفس إذا أحبت ورضيت ~~وفرحت وحزنت أثر ذلك في البدن والبدن إذا سخن أو برد أو جاع أو شبع أثر ذلك ~~في النفس فالتأثير مشترك # وإذا كان البدن جسما معينا يؤثر فيها دون غيرها من الأنفس فلا بد أن يشير ~~إليها ويعينها دون غيرها من الأنفس وإشارة البدن لا تكون إلا إشارة حسية ~~والكلام على هذا مبسوط في موضعه # قال ابن رشد وأما ما حصله الإمام المهدي يعني محمد بن التومرت الذي ادعى ~~أنه المهدي المبشر به وأقام الملك المعروف بملك الموحدين وكان كثير من ~~مصنفي العلم في مملكة أتباعه يراعون ذكره وأقواله حتى يذكروا اسمه بعد اسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه دعا الناس إلى أقواله بالسيف واستحل دماء من ~~خالفه فيما ذكره من التوحيد وإمامته وغير ذلك وكأصول التوحيد الذي هو توحيد ~~الجهمية نفاة الصفات وكان يقول بالوجود المطلق وعلى منواله نسج ابن سبعين ~~وأمثاله في التوحيد # قال ابن رشد وأما ما حصله الإمام المهدي من PageV10P298 ~~التصريح بنفي الجسمية فهو الواجب بحسب زمانه وذلك أن الناس لما اجترأوا على ~~الشرع وسألوا عما لم يسأل عنه الصحابة وهل هو جسم أم ليس بجسم إذ هذا ~~السؤال موجود في فطر الناس بالطبع واشتهر هذا السؤال وفشا في الناس وكان ~~السبب فيه سؤال من دعي إلى الدخول في الإسلام من سائر الأمم الذين اعتادوا ~~النظر لم يكن بد لأهل الإسلام من الجواب في ذلك فأجاب بعضهم في ذلك بجواب ~~خطأ وهو أنه جسم وأجاب بعضهم بأنه ليس بجسم وهو الجواب الصواب ms2237 وكثر ~~الاختلاف بينهم ووقع الشك والحيرة وكفر بعضهم بعضا # قال ولما كانت خاصة الإمام المهدي رفع الاختلاف بين الناس أتى مقررا لنفي ~~الجسمية عنه سبحانه وكفر المثبت PageV10P299 ~~للجسمية وهو شيء جرى من فعله في الشرع في وقته وبحسب الناس الذين وجد فيهم ~~مجرى التتميم والتبيين والله يختص بفضله من يشاء # قلت ولقائل أن يقول في هذا الكلام من المداهنة والمصانعة لأتباع ابن ~~التومرت ما لا يخفى والمقصود العلمي أن يقال هذا باطل من وجوه # أحدها أنه قد أسلم على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأمم ودعي إلى ~~الإسلام من أصناف الأمم من لا يوجد بعدهم مثلهم في الحذق والنظر فإن ~~الصحابة دعوا أكمل الأمم العرب والعبرانيين والروم والفرس ومن دخل في هؤلاء ~~من القبط والنبط وفتحوا أوسط الأرض وكل من دعي أو أسلم بعد هؤلاء كالترك ~~والديلم والبربر والحبشة وغيرهم فإنهم دون هؤلاء في الفضائل # ومن المعلوم أن فلسفة اليونان والهند ونحوهم كانت موجودة إذ ذاك كوجودها ~~اليوم وأكثر إذ كانت اليونان موجودين قبل مبعث المسيح وكان أرسطو وملكه ~~الإسكندر بن فليبس قبل المسيح بنحو PageV10P300 ~~ثلاثمائة سنة وآخر ملوكهم بطليموس الذي دخل النصارى عليهم # ثم من نظر في أخبار الأمم الذين لم يكن لهم كتاب كالروم واليونان ونحوهم ~~علم أن النصارى أكمل منهم في الإلهيات وأفضل وأعلم منهم وأعقل وإنما كان ~~يكون حذق تلك الأمم في غير العلوم الإلهية كالطب والحساب والهيئة ونحو ذلك # وأعظم اشتغالهم بالهيئة إنما كان لأجل الشرك والسحر ودعوة الكواكب ~~والأوثان من دون الله فإنهم يقولون إنهم يستخرجون قوى الأفلاك ويمزجون بين ~~القوة الفعالة السماوية والقوى المنفعلة الأرضية # ولهذا يوجد في بلادهم من الطلاسم ونحوها ما هو معروف بأرض مصر والشام ~~والجزيرة وغيرها # فدعوى المدعي أن الناس احتاجوا فيمن يدعونه إلى الإسلام إلى تغيير الأصول ~~الشرعية التي لم يحتج الصحابة إلى تغييرها دعوى باطلة # الوجه الثاني أن يقال القرآن فيه بيان الجواب عن هذا السؤال وسائر ما ~~يسأل عنه لكن يريد الذي يجيب بما في القرآن ms2238 والسنة أن يعرف معاني القرآن ~~والسنة ويعرف معاني كلام السائل فإن الناس لهم عبارات يعبرون بها عن ~~معانيهم غير العبارات التي في الكتاب والسنة كما لأمة لسان غير لسان العرب # فالمجيب بما جاء به الرسول يحتاج إلى أن يعرف معنى العبارتين العبارة ~~التي خاطب بها الرسول والعبارة التي وقع بها السؤال PageV10P301 # ثم هذه العبارات قد تكون غريبة غير معناها وقد لا يكون معناها مغيرا وقد ~~لا تكون غريبة فلفظ الهيولي ونحوها من كلام الفلاسفة ليس غريبا في لغتهم ~~معناه مثل معنى المحل والموضع ونحو ذلك # ولفظ العقل والمادة ونحوهما في كلامهم غير معناه عن معناه في لغة العرب ~~فإنهم يعنون بالعقل جوهرا قائما بنفسه والعقل في لغة العرب عرض هو علم أو ~~عمل بالعلم وغريزة تقتضي ذلك # والمادة من جنس الهيولي عندهم # وكذلك لفظ الجسم والجوهر والعرض والتحيز والانقسام والتركيب معانيها في ~~اصطلاح النظار غير معانيها في لغة العرب لكن هذه الألفاظ لم تستعمل في ~~القرآن في الأمور الإلهية # وكذلك غير طائفة من أهل الكلام والفلسفة لفظ التوحيد والإيمان والسنة ~~والشريعة ونحو ذلك من الألفاظ المستعملة في الأمور الإلهية # والمقصود هنا أن السائل إذا سأل عن الأمور الدينية بألفاظ ليست مأثورة عن ~~الرسول في ذلك مثل سؤاله بلفظ الجهة والحيز والجسم والجوهر والمركب ~~والمنقسم ونحو ذلك نظرنا إلى معنى لفظه فأثبتنا المعنى الذي أثبته الله ~~ونفينا المعنى الذي نفاه الله # ثم إن كان التعبير عن ذلك بعبارته سائغا في الشرع وإلا عبر بعبارة تسوغ ~~في الشرع وإذا كانت عبارته تحتمل حقا وباطلا منع من إطلاقها نفيا وإثباتا PageV10P302 # ولفظ الجسم والجوهر ونحوهما من هذا الباب فإذا قال السائل هل الله جسم أم ~~ليس بجسم لم نقل إن جواب هذا السؤال ليس في الكتاب والسنة مع قول القائل إن ~~هذا السؤال موجود في فطر الناس بالطبع # والله تعالى يقول { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا } سورة المائدة 3 # وقال { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ms2239 حتى يبين لهم ما يتقون } ~~سورة التورة 115 # وقال { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } ~~سورة النحل 89 # وقال { ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون } سورة يوسف 111 # وقال { فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ~~ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد ~~كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } سورة طه 123 126 # وقال { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء } سورة ~~الأعراف 3 PageV10P303 # وقال { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله } سورة الأنعام 153 # وقال { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل ~~السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم } سورة ~~المائدة 15 16 # وقال { الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد } سورة إبراهيم 1 # وقال { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة ~~وذكرى لقوم يؤمنون } سورة العنكبوت 51 # وقال { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك ~~هم المفلحون } سورة الأعراف 157 # ومثل هذا في القرآن كثير مما يبين الله فيه أن كتابه مبين للدين كله موضح ~~لسبيل الهدى كاف لمن اتبعه لا يحتاج معه إلى غيره يجب اتباعه دون اتباع ~~غيره من السبل # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته إن أصدق الكلام كلام ~~الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة # وكان يقول عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من PageV10P304 ~~بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ~~ضلالة وفي لفظ وكل محدثة بدعة # وكان يقول تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا ms2240 هالك # وكان يقول ما أمركم الله بشيء إلا أمرتكم به ولا نهاكم الله عن شيء إلا ~~نهيتكم عنه # وقال أبو ذر لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه ~~في السماء إلا ذكر لنا منه علما ومثل هذا كثير # فكيف يكون هذا مع هذا البيان والهدى ليس فيما جاء به جواب عن هذه المسألة ~~ولا بيان الحق فيها من الباطل والهدى من الضلال بل كيف يمكن أن يسكت عن ~~بيان الأمر ولو لم يسأله الناس PageV10P305 ~~واعتقاد الحق واجب فيها إما على العامة والخاصة وإما على الخاصة دون الأمة ~~لا سيما مع كثرة النصوص المشعرة بأحد قسمي السؤال وإنما يقول إن جواب هذا ~~السؤال وأمثاله ليس في الكتاب والسنة الذين يعرضون عن طلب الهدى من الكتاب ~~والسنة ثم يتكلم كل منهم برأيه ما يخالف الكتاب والسنة ثم يتأول آيات ~~الكتاب على مقتضى رأيه فيجعل أحدهم ما وضعه برأيه هو أصول الدين الذي يجب ~~اتباعه ويتأول القرآن والسنة على وفق ذلك فيتفرقون ويختلفون # كما قال فيهم الإمام أحمد هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون ~~على مخالفة الكتاب # ولو اعتصموا بالكتاب والسنة لاتفقوا كما اتفق أهل السنة والحديث فإن أئمة ~~السنة والحديث لم يختلفوا في شيء من أصول دينهم ولهذا لم يقل أحد منهم إن ~~الله جسم ولا قال إن الله ليس بجسم بل أنكروا النفي لما ابتدعته الجهمية من ~~المعتزلة وغيرهم وأنكروا ما نفته الجهمية من الصفات مع إنكارهم على من شبه ~~صفاته بصفات خلقه مع أن إنكارهم كان على الجهمية المعطلة أعظم منه على ~~المشبهة لأن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه # كما قيل المعطل يعبد عدما والمشبه يعبد صنما # ومن يعبد إلها موجودا موصوفا بما يعتقده هو من صفات الكمال وإن كان مخطئا ~~في ذلك خير ممن لا يعبد شيئا أو يعبد من لا يوصف إلا بالسلوب والإضافات PageV10P306 # ونفاة الصفات وإن كانوا لا يعتقدون أن ذلك متضمن لنفي الذات لكنه لازم ~~لهم لا محالة لكنهم ms2241 متناقضون ولهذا لايوجد فيهم إلا من فيه نوع من الشرك ~~ولا بد من ذلك لنقص توحيدهم الذي به يتخلصون من الشرك # والمقصود أن يقال جواب هذا السؤال في الشريعة وذلك أن يقال إن الله قد ~~بين ما هو ثابت له من الصفات وما هو منزه عنه وأثبت لنفسه صفات الكمال ونفى ~~عنه صفات النقص # فيقال لمن سأل بلفظ الجسم ما تعني بقولك أتعني بذلك أنه من جنس شيء من ~~المخلوقات فإن عنيت ذلك فالله تعالى قد بين في كتابه أنه لا مثل له ولا كفو ~~له ولا ند له وقال { أفمن يخلق كمن لا يخلق } سورة النحل 17 # فالقرآن يدل على أن الله لا يماثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في ~~أفعاله فإن كنت تريد بلفظ الجسم ما يتضمن مماثلة الله لشيء من المخلوقات ~~فالله منزه عن ذلك وجوابك في القرآن والسنة # وإذا كان الله ليس من جنس الماء والهواء ولا الروح المنفوخة فينا ولا من ~~جنس الملائكة ولا الأفلاك فلأن لا يكون من جنس بدن الإنسان ولحمه وعصبه ~~وعظامه ويده ورجله ووجهه وغير ذلك من أعضائه وأبعاضه أولى وأحرى # فهذا الضرب ونحوه مما قد يسمى تشبيها وتجسيما كله PageV10P307 ~~منتف في كتاب الله وليس في كتاب الله آية واحدة تدل لا نصا ولا ظاهرا على ~~إثبات شيء من ذلك لله فإن الله إنما أثبت له صفات مضافة إليه # كقوله { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } سورة البقرة 255 و{ إن ~~الله هو الرزاق ذو القوة } سورة الذاريات 58 # و{ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } سورة ص 75 و{ ويبقى وجه ربك } سورة ~~الرحمن 27 و{ والسماوات مطويات بيمينه } سورة الزمر 67 كما قال { تعلم ما ~~في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } سورة المائدة 116 # ومعلوم أن نفس الله التي هي ذاته المقدسة الموصوفة بصفات الكمال ليست مثل ~~نفس أحد من المخلوقين # وقد ذهب طائفة من المنتسبين إلى السنة من أهل الحديث وغيرهم ms2242 وفيهم طائفة ~~من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما إلى أن النفس صفة من الصفات والصواب أنها ~~ليست صفة بل نفس الله هي ذاته سبحانه الموصوفة بصفاته سبحانه وذلك لأنه ~~بإضافته إليه قطع المشاركة فكذلك لما أضاف إليه علمه وقوته ووجهه ويديه ~~وغير ذلك قطع بإضافته إليه المشاركة فامتنع أن شيئا من ذلك من جنس صفات ~~المخلوقين كما امتنع أن تكون ذاته من جنس ذوات المخلوقين PageV10P308 # ولهذا اتفق السلف والأئمة على الإنكار على المشبهة الذين يقولون بصر ~~كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي # وإن عنيت بلفظ الجسم الموصوف بالصفات القائم بنفسه المباين لغيره الذي ~~يمكن أن يشار إليه وترفع إليه الأيدي فلا ريب أن القرآن قد أخبر أن الله له ~~العلم والقوة والرحمة والوجه واليدان وغير ذلك وأخبر أنه إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه وأنه { خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش } سورة الفرقان 59 وأنه { تعرج الملائكة والروح ~~إليه } سورة المعارج 4 # فالقرآن مملوء من بيان علوه على خلقه والصعود إليه والنزول منه ومن عنده ~~وإثبات علمه ورحمته وغير ذلك من صفاته # وإذا سميت ما هو كذلك جسما وسئلت هل هو جسم كان الجواب أن المعنى الذي ~~سئلت عنه وأردته بهذا اللفظ قد بينه الله وأثبته في كتابه # وأما إطلاق لفظ الجسم على الله فهو كإطلاق الفلاسفة لفظ PageV10P309 ~~العقل ونحو ذلك وهذه العبارات في لغة العرب تتضمن معاني ناقصة ينزه الله ~~عنها فالعقل هو المصدر الذي هو عرض والله سبحانه منزه عن ما هو فوق ذلك بل ~~نفس تسميته عاقلا ليس معروفا في شرع المسلمين # فقد تبين أن ما يعني بلفظ الجسم من تمثيل الله بخلقه ووصفه بالنقائص فقد ~~بين الله في كتابه أنه منزه عنه وما يعنى به من إثبات أنه قائم بنفسه مباين ~~لخلقه عال عليهم يرفعون إليه أيديهم عند الدعاء ويعرج إليه بنبيه ليلة ~~الإسراء موصوف بصفات الكمال منزه عما يستلزم العدة والإبطال فقد بين الله ~~في كتابه إثباته لنفسه فلا يقال ms2243 إنه ليس في القرآن جواب هذا السؤال # فإذا قال القائل بعد هذا الجسم هو المؤلف أو المركب فلا يكون جسما ونحو ذلك # قيل له لا ريب أن الله سبحانه غني عن كل ما سواه لا يجوز أن يقال إنه ~~مفتقر إلى غيره في شيء فضلا عن أن يقال ركبه مركب أو ألفه مؤلف والله قد ~~أخبر في القرآن بمعناه # وكذلك لا يجوز أن نظن أنه كان متفرقا فاجتمع أو أنه يتفرق أو نحو ذلك مما ~~ينافي صمديته وكماله في وقت من الأوقات # وإذا قال قائل الجسم هو القائم بنفسه أو المشار إليه فيكون جسما # قيل له لا ريب أن الله قائم بنفسه وأنه ترفع الأيدي إليه PageV10P310 ~~ويشار إليه كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم عشية عرفة بإصبعه إليه وجعل ~~يقول اللهم اشهد اللهم اشهد # وقال إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا # وقال إشارة الرجل بإصبعه في الصلاة مقمعة للشيطان وهو إشارة إلى التوحيد # ويقال لذلك # أنت تقول الجسم هو المركب وهذا يقول هو القائم بنفسه وأنتما متفقان على ~~أن الله تعالى لا يتفرق ولا يركبه أحد وعلى أنه قائم بنفسه فإن تنازعتما في ~~كونه فوق العرش وأن القرآن نزل منه والملائكة تعرج إليه فالصواب مع المثبت ~~وإن تنازعتما في كون استوائه على العرش مثل استواء المخلوق أو في كونه ~~مفتقرا إلى العرش ونحو ذلك مما يتضمن وصفه بالنقص أو تمثيله بالخلق فالصواب ~~مع النافي # وكذلك إن تنازعتم في إثبات علمه ورحمته وقوته فالصواب مع المثبت وإن ~~تنازعتم في أنه هل صفاته ذوات قائمة بنفسها كما قد يحكى عن النصارى فالصواب ~~مع النافي # فإن قال القائل الأجسام متماثلة فإذا قلنا هو جسم لزم أن PageV10P311 ~~يكون مثلا لغيره بخلاف ما إذا قيل حي وحي وعليم وعليم وقدير وقدير فإن هذا ~~اتفاق في الصفات لا يقتضي التماثل في الذوات فمن قال هو جسم لا كالأجسام ~~كان مشبها بخلاف من قال حي لا كالأحياء # وهذا ms2244 السؤال يقوله من يقوله من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحاب مالك ~~والشافعي وأحمد فيقال إذا كان المخاطب لك ينفي أن يكون مماثلا لغيره وينفي ~~التشبيه كما ننفيه وأنت وهو قد تنازعتم في مسمى اسم من الأسماء هل هو مماثل ~~لغيره أو لا كان ذلك نزاعا لفظيا ونزاعا عقليا ليس ذلك نزاعا في أمر ديني ~~ولو تركوا الكلام في هذا لم يضر ذلك الدين شيئا ويمكن كلا منهما أن يعبر ~~مقصوده الديني بما لا نزاع فيه فيبقى هذا التمثيل بألفاظ ومعان لا نزاع ~~فيها ويثبت هذا قيام الرب بنفسه ومباينته لخلقه وعلوه على عرشه بألفاظ ~~ومعان لا نزاع فيها من غير احتياج واحد منهما إلى التكلم بلفظ الجسم نفيا ~~ولا إثباتا # فإن قلتم نزاعنا في شيء آخر وهو أن يسمى جسما هل هو مركب من الجواهر ~~المفردة أو من المادة والصورة أم هو واحد لا تركيب فيه فمن قال بالأول لم ~~يجز ان يسميه جسما ومن قال بالثاني سماه جسما # قيل هذا نزاع لا يتعلق بالدين فإن اللفظ إنما يكون البحث عن PageV10P312 ~~معناه من الدين الواجب إذا جاء في الكتاب والسنة وكلام أهل الإجماع فإن ~~معرفة مراد الله ومراد رسوله ومراد أهل الإجماع واجب لأن قول الله ورسوله ~~وقول أهل الإجماع قول معصوم عن الخطأ يجب اتباعه فاللفظ الوارد في ذلك إن ~~لم يعرف معناه لم يعرف ما أرادوا ولهذا كان الواجب أن كل لفظ جاء في كلام ~~المعصوم وجب علينا التصديق به وإن لم يعرف معناه وما جاء في كلام غير ~~المعصوم لم يجب علينا إثباته ولا نفيه حتى يعرف معناه فإن كان مما أثبته ~~المعصوم أثبتناه وإن كان مما نفاه نفيناه # ولفظ الجسم في حق الله وفي الأدلة الدالة عليه لم يرد في كتاب الله ولا ~~سنة رسوله ولا كلام أحد من السلف والأئمة فما منهم أحد قال إن الله جسم أو ~~جوهر أو ليس بجسم ولا جوهر ولا قال إنه لا يعرف إلا بطريقة الأجسام ~~والأعراض بل ms2245 ولا استدل أحد منهم على معرفة الله بشيء من هذه الطرق لا طريقة ~~التركيب ولا طريقة الأعراض والحوادث ولا طريقة الاختصاص # وإذا كان كذلك فالمتنازعون في مسمى الجسم متنازعون في أمر ليس من الدين ~~لا من أحكامه ولا دلائله وهكذا نزاعهم في مسمى العرض وأمثال ذلك # بخلاف نزاعهم في إثبات المعنى المراد بلفظ الجسم ونفيه فإن هذا يتعلق ~~بالدين فما كان من الدين فقد بينه الله في كتابه وسنة رسوله بخلاف ما لم ~~يكن كذلك # فإن قيل فلا بد من فصل النزاع بين كل اثنين في الدين PageV10P313 # قيل فصل النزاع قد يكون بوجهين أحدهما نهي كل منهما عن منازعة الآخر بهذا ~~إذ هو نزاع فيما لا فائدة فيه كما لو تنازع اثنان في لون كلب أصحاب الكهف ~~ومقدار السفينة والبعض من البقرة الذي أمر الله بالضرب به إن قدر أنه كان ~~معينا مع أن ظاهر القرآن يدل على أنه مطلق لا معين وفي أمثال ذلك من الأمور ~~التي لا فائدة فيها وقد لا يكون إلى معرفتها سبيل فمثل هذا ينهى كل منهم عن ~~منازعة الآخر فيه بل ينهى عن أن يقول ما لا يعلم # والثااني أن يفصل النزاع ببيان الخطأ من الصواب وحينئذ فإذا فصل النزاع ~~بين المتنازعين في الجسم قيل النزاع على وجهين لفظي ومعنوي # فإن كنتم تتنازعون في مسمى الجسم في اللغة فليس مسماه ما قلته أنت من أن ~~كل قائم بنفسه أو مشار إليه يسمى جسما ولا ما قلته أنت من أن الجسم في ~~اللغة هو المركب من أجزاء فإن الهواء أو نحوه عنده مركب والعرب لا تسميه ~~جسما وهو مشار إليه قائم بنفسه والعرب لا تسميه جسما # فقول كل واحد منكما غير موافق للغة العرب وغايته أن يكون اصطلاحا منكم ~~على معنى كسائر الألفاظ الاصطلاحية فيكون نزاعهم كتنازع الفقهاء في لفظ ~~الفرض هل هو مرادف للواجب PageV10P314 ~~أو أوكد منه ولفظ السنة هل يدخل فيه الواجب أو لا يدخل ومثل هذه المنازعات ~~اللفظية كثيرة # وهذه بمنزلة اللغات ms2246 والعادات في العبادات قد تحمد أو تذم بحسب الشرع تارة ~~وبحسب اللغة أخرى وقد لا تحمد ولا تذم # وإن كان نزاعكم في معنى عقلي وهو أن العين التي اتفقتم على تسميتها جسما ~~بحسب اصطلاحكم وهي ما يشار إليه بقول أحدكما إنها مركبة من أجزاء مفردة أو ~~المادة والصورة والآخر ينكر ذلك فهذا يمكن فصل النزاع بينكم وإذا كان ~~النزاع معنويا بالأدلة العقلية تارة وبغيرها أخرى # ولكن مثل هذه المسائل لا يحتاج إليها الدين كما لا يحتاج إلى مسائل ~~الهيئة والتشريح وإن كان العلم بها مما ينتفع به في الدين كما ينتفع ~~بالحساب والطب وكما ينتفع بمسائل النحو واللغة ونحو ذلك # ومن هذا الباب ما ذكره من تماثل الأجسام وتناهي قواها وأنها مركبة مفتقرة ~~إلى مركب فإن هذه المسائل مما تنازع فيها العقلاء مع اتفاق المسلمين على أن ~~الله ليس له مثل ولا تنتهي قوته وأنه غير مفتقر إلى غيره # فالمعنى الذي يرده النافي بلفظ الجسم يوافقه المثبت عليه وإذا تنازعوا ~~بعد هذا لم يكن نزاعهم إلا لفظيا وليس لإطلاق لفظ واحد منهما أصل في الشرع ~~لا هذا ولا هذا فالشرع لم يسكت عن المعنى الذي يجب نفيه الذي ينفيه النافي ~~بلفظ الجسم بل نفاه الشرع PageV10P315 ~~فلا يقال إن الشرع سكت عما يحتاج إلى معرفته من معنى الجسم نفيا وإثباتا # ثم إذا كان المعنى الذي يريده النافي يمكنه نفيه بالشرع وبالعقل بدون ~~إطلاق لفظ متنازع في أحكام معناه كان نفي ذلك المعنى بما ينفيه من الأدلة ~~الشرعية والعقلية التي لا يمكن النزاع فيها هو المشروع دون بقية معان ~~متنازع فيها هي طويلة متعبة بلا نزاع وقد تكون مع ذلك باطلة # ومن المعلوم أن من ترك سلك الطريق المستقيم الذي يوصله إلى مكة وسلك ~~طريقا بعيدة لغير مصلحة راجحة كان تاركا لما يؤمر به فاعلا لما لا فائدة ~~فيه أو ما ينهى عنه إذا كانت تلك الطريق موصلة إلى المقصود فأما مع ~~الاسترابة في كونها موصلة أو مهلكة فإنه لا يجوز سلوكها ms2247 # وهذه الطرق التي يسلكها نفاة الجسم وأمثالهم احسن أحوالها أن تكون عوجا ~~طويلة قد تهلك وقد توصل إذ لو كانت مستقيمة موصلة لم يعدل عنها السلف فكيف ~~إذا تيقن أنها مهلكة # ولا ريب أن الذين يعارضون الكتاب والسنة إنما يعارضونها بطرق هؤلاء فهم ~~يعرضون عن كتاب الله في أول سلوكهم ويعارضونه في منتهى سلوكهم # وقد قال تعالى { فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ~~ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } PageV10P316 ~~سورة طه 123 124 # فقد بين أن حذاق الفلاسفة أيضا يثبتون أن التصديق بما جاء به الشارع لا ~~يتوقف على شيء من الطرق الكلامية المحدثة ولا شيء من طرقهم الفلسفية وإنما ~~غايتهم أن يقولوا إن الطرق الفلسفية تفيد علما لبعض الناس ليس مما يجب ولا ~~يستحب لجمهور الناس وأن ذلك العلم الخاص يخالف بعض الظاهر المعروف عند ~~الجمهور # ونحن نقبل من كلامهم ما أقاموا عليه الحجة الصحيحة سواء كانت شرعية أو ~~عقلية فأما إذا قالوا ما نعلم بطلانه رددناه # وقد نبهنا على أن قولهم فيما يدعون الاختصاص به من علم الباطن أضعف بكثير ~~من قول من بينوا فساد قوله من المعتزلة والأشعرية # وقد تبين لك أن الطوائف التي في كلامها ما يعارضون به كلام الشارع من ~~العقليات سواء عارضوا به في الظاهر والباطن كل منهم يقول جمهور العقلاء إن ~~عقلياته تلك باطلة ويبينون فساد عقلياته بالعقليات الصحيحة الصريحة التي لا ~~يمكن ردها # وهذا مما ينصر الله به رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا فإن الله ~~تعالى إذا أقام لكل طائفة تعارض الرسول من جنسها من يبين فساد قولها ~~المعارض له ويكشف جهلها وتناقضها كان بمنزلة أن يقيم لكل طائفة تزيد ~~محاربته من جنسها من يحاربها بالسلاح ثم المؤمن المجاهد يمكنه جهاد هؤلاء ~~كما يمكنه جهاد هؤلاء ويمكنه أن يستعين بما فعلته PageV10P317 ~~كل طائفة بالأخرى فإذا أغارت طائفة على أخرى وهزمتها أتاها من الناحية ~~الأخرى ففتح بلادها وإن كان هو لم ms2248 يستعن بأولئك ابتداء لكن الله يسر بما ~~فيه الهدى والنصر لعباده المؤمنين وكفى بربك هاديا ونصيرا # وهذا آخر الكتاب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم ~~تسليما كثيرا # فرغ من نسخه العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير يوسف بن عبد الله بن محمد ~~بن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور المقدسي يوم السبت أذان ~~العصر ثامن عشر المحرم سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة ببستان الأعز رحم الله ~~كاتبه ولمن قرأ فيه ودعا له بالمغفرة ولجميع المسلمين وصلى الله على النبي ~~محمد وآله # بلغ مقابلة بحسب الإمكان على نسخة قوبلت على أصل المصنف رضي الله عنه وهي ~~المنقول منها وتكملت مقابلة جميع الكتاب بحمد الله وعونه بعد أذان العصر ~~يوم السبت ثامن عشر المحرم سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة أحسن الله خاتمتها في ~~خير وعافية بمنه وكرمه وكان ذلك بالمكان الذي فرغ من نسخه فيه PageV10P318 ~~أنهى جميع هذا الكتاب نظرا من أوله إلى آخره في مجالس عديدة وأزمان مديدة ~~مطالعة تحقيق وبحث وتدقيق كان آخرها في أواخر شعبان المبارك من شهور سنة ~~خمسين وسبعمائة قال وكتبه عبد العزيز بن يحيى بن عبد المنعم بن محمد بن روح ~~المضوي المدني نفعه الله بالعلم وزينه بالتقى والحلم PageV10P319 ~~ ms2249