######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007609 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الحسنة والسيئة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007609 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7609 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7609 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: - #META# 041.EdNUMBER :: - #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الحسنة والسيئة ### | المؤلف: شيخ الإسلام ابن تيمية # قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ~~بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني تغمده الله تعالى برحمته: # الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى ~~له. # وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم. # فصل # فى قوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ~~[النساء: 79] وبعض ما تضمنته من الحكم العظيمة. # هذه الآية ذكرها الله في سياق الأمر بالجهاد، وذم الناكثين عنه، قال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} ~~[النساء: 71] الآيات إلى أن ذكر صلاة الخوف، وقد ذكر قبلها طاعة الله وطاعة ~~الرسول، والتحاكم إلى الله وإلى الرسول، ورد ما تنازع فيه الناس إلى الله ~~وإلى الرسول، وذم الذين يتحاكمون ويردون ما تنازعوا فيه إلى غير الله ~~والرسول. # فكانت تلك الآيات تبيينا للإيمان بالله وبالرسول؛ ولهذا قال فيها: {فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] . # وهذا جهاد عما جاء به الرسول، وقد قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} ~~[الحجرات: 15] . # وقال # PageV01P017 # تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} ~~[التوبة: 24] ، وقال: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي ~~القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ~~وجنات} ms001 [التوبة: 19-21] . وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على ~~تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم ~~وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا ~~الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} [الصف: 10-14] . # وذكر بعد آيات الجهاد إنزال الكتاب على رسول الله ليحكم بين الناس بما ~~أراه الله، ونهيه عن ضد ذلك، وذكره فضل الله عليه ورحمته في حفظه، وعصمته ~~من إضلال الناس له، وتعليمه ما لم يكن يعلم، وذم من شاق الرسول واتبع غير ~~سبيل المؤمنين، وتعظيم أمر الشرك، وشديد خطره وأن الله لا يغفره ولكن يغفر ~~ما دونه لمن يشاء إلى أن بين أن أحسن الأديان دين من يعبد الله وحده، لا ~~يشرك به شيئا، بشرط أن تكون عبادته بفعل # PageV01P018 # الحسنات التي شرعها، لا بالبدع والأهواء، وهم أهل ملة إبراهيم، الذين ~~اتبعوا ملة إبراهيم حنيفا {واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125] . # فكان في الأمر بطاعة الرسول والجهاد عليها اتباع التوحيد، وملة إبراهيم. ~~وهو إخلاص الدين لله، وأن يعبد الله بما أمر به على ألسن رسله من الحسنات. # وقد ذكر تعالى في ضمن آيات الجهاد ذم من يخاف العدو، ويطلب الحياة، وبين ~~أن ترك الجهاد لا يدفع عنهم الموت، بل أينما كانوا أدركهم الموت، ولو كانوا ~~في بروج مشيدة. فلا ينالون بترك الجهاد منفعة، بل لا ينالون إلا خسارة ~~الدنيا والآخرة، فقال تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون ~~الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا ~~أخرتنا إلى ms002 أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون ~~فتيلا} [النساء: 77] . # وهذا الفريق قد قيل: إنهم منافقون، وقيل: نافقوا لما كتب عليهم القتال. ~~وقيل: بل حصل منهم جبن وفشل، فكان في قلوبهم مرض، كما قال تعالى: {فإذا ~~أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك ~~نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف} [محمد: 20، 21] وقال ~~تعالى: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا} [الأحزاب: 12] . # والمعنى متناول لهؤلاء ولهؤلاء ولكل من كان بهذه الحال. # ثم قال: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم ~~حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من ~~عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} [النساء: 78] . # PageV01P019 # فالضمير في قوله: {وإن تصبهم} يعود إلى من ذكر، وهم " الذين يخشون الناس ~~" أو يعود إلى معلوم، وإن لم يذكر، كما في مواضع كثيرة. # وقد قيل: إن هؤلاء كانوا كفارا من اليهود. وقيل: كانوا منافقين. وقيل: بل ~~كانوا من هؤلاء وهؤلاء. والمعنى يعم كل من كان كذلك، ولكن تناوله لمن أظهر ~~الإسلام وأمر بالجهاد أولى. # ثم إذا تناول الذم هؤلاء، فهو للكفار الذين لا يظهرون الإسلام أولى ~~وأحرى. # والذى عليه عامة المفسرين: أن " الحسنة " و " السيئة " يراد بهما النعم ~~والمصائب، ليس المراد مجرد ما يفعله الإنسان باختياره، باعتباره من الحسنات ~~أو السيئات. # فصل # ولفظ " الحسنات " و " السيئات " في كتاب الله يتناول هذا وهذا، قال الله ~~تعالى عن المنافقين: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن ~~تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} [آل عمران: 120] ، وقال تعالى: {إن ~~تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم ~~فرحون} [التوبة: 50] ، وقال تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون} [الأعراف: 168] وقال تعالى: {إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها ~~وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور} [الشورى: ms003 48] ، وقال ~~تعالى في حق الكفار المتطيرين بموسى ومن معه: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا ~~لنا هذه # PageV01P020 # إن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} ذكر هذا بعد قوله: {ولقد أخذنا آل ~~فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون} [الأعراف: 130، 131] . # وأما الأعمال المأمور بها والمنهي عنها ففى مثل قوله تعالى: {من جاء ~~بالحسنة فله خير منها} [القصص: 84] {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} ~~[الأنعام: 160] ، وقوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين} [هود: 114] ، وقوله تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان ~~الله غفورا رحيما} [الفرقان: 70] . # وهنا قال: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ~~[النساء: 79] ولم يقل: وما فعلت، وما كسبت، كما قال: {وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] وقال تعالى: {فاعلم أنما يريد الله أن ~~يصيبهم ببعض ذنوبهم} [المائدة: 49] ، وقال تعالى: {قل هل تربصون بنا إلا ~~إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا} ~~[التوبة: 52] ، وقال تعالى: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ~~أو تحل قريبا من دارهم} [الرعد: 31] ، وقال تعالى: {فأصابتكم مصيبة الموت} ~~[المائدة: 106] وقال تعالى: {وبشر الصابرين # PageV01P021 # الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 155، ~~156] . # فلهذا كان قوله: {ما أصابك من حسنة} و {من سيئة} متناول لما يصيب ~~الإنسان، ويأتيه من النعم التي تسره، ومن المصائب التي تسوءه. # فالآية متناولة لهذا قطعا، وكذلك قال عامة المفسرين. # قال أبو العالية: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله} قال: هذه في ~~السراء {وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} قال: وهذه في الضراء. # وقال السدى: {وإن تصبهم حسنة} : قالوا: والحسنة؛ الخصب؛ ينتج خيولهم ~~وأنعامهم ومواشيهم، ويحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان قالوا: {هذه من عند ~~الله وإن تصبهم سيئة} قالوا والسيئة: الضرر في أموالهم، تشائما بمحمد ~~قالوا: {هذه من عندك} يقولون: بتركنا ديننا، واتباعنا محمدا أصابنا هذا ~~البلاء، فأنزل الله: {قل كل من عند الله} الحسنة والسيئة {فما لهؤلاء القوم ~~لا يكادون يفقهون ms004 حديثا} قال القرآن. # وقال الوالبي عن ابن عباس: {ما أصابك من حسنة فمن الله} قال: ما فتح الله ~~عليك يوم بدر، وكذلك قال الضحاك. # وقال الوالبي أيضا عن ابن عباس: {من حسنة} قال: ما أصاب من الغنيمة ~~والفتح فمن الله، قال: " والسيئة " ما أصابه يوم أحد؛ إذ شج في وجهه، # PageV01P022 # وكسرت رباعيته. # وقال: أما " الحسنة " فأنعم الله بها عليك، وأما " السيئة " فابتلاك الله ~~بها. # وروى أيضا عن حجاج عن عطية عن ابن عباس: {ما أصابك من حسنة فمن الله} ~~قال: هذا يوم بدر {أصابك من سيئة فمن نفسك} قال: هذا يوم أحد. يقول: ما كان ~~من نكبة فمن ذنبك، وأنا قدرت ذلك عليك. # وكذلك روى ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن أبى صالح: {فمن نفسك} ~~قال: فبذنبك، وأنا قدرتها عليك. روى هذه الآثار ابن أبى حاتم وغيره. # وروى أيضا عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: ما تريدون من القدر؟ أما ~~تكفيكم هذه الآية التي في سورة النساء: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند ~~الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} ؟ [النساء: 78] أي: من نفسك، ~~والله ما وكلوا إلى القدر، وقد أمروا به، وإليه يصيرون. # وكذلك في تفسير أبى صالح عن ابن عباس: {إن تصبهم حسنة} : الخصب والمطر ~~{وإن تصبهم سيئة} : الجدب والبلاء. # وقال ابن قتيبة: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ~~قال: الحسنة النعمة، والسيئة: البلية. # وقد ذكر أبو الفرج في قوله: {ما أصابك من حسنة} و {من سيئة} ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الحسنة: ما فتح الله عليهم يوم بدر، والسيئة: ما أصابهم يوم ~~أحد. قال: رواه ابن أبى طلحة وهو الوالبي عن ابن عباس. # قال: والثاني: الحسنة: الطاعة، والسيئة: المعصية. قاله أبو العالية. # PageV01P023 # والثالث: الحسنة: النعمة، والسيئة: البلية. قاله ابن منبه. قال: وعن أبى ~~العالية نحوه. وهو أصح. # قلت: هذا هو القول المعروف بالإسناد عن أبي العالية، كما تقدم من تفسيره ~~المعروف الذي يروى عنه هو وغيره، ms005 من طريق أبى جعفر الدارى عن الربيع بن أنس ~~عنه وأمثاله. # وأما الثاني فهو لم يذكر إسناده، ولكن ينقل من كتب المفسرين الذين يذكرون ~~أقوال السلف بلا إسناد، وكثير منها ضعيف، بل كذب لا يثبت عمن نقل عنه. ~~وعامة المفسرين المتأخرين أيضا يفسرونه على مثل أقوال السلف، وطائفة منهم ~~تحملها على الطاعة والمعصية. # فأما الصنف الأول، فهي تتناوله قطعا. كما يدل عليه لفظها وسياقها ومعناها ~~وأقوال السلف. # وأما المعنى الثاني، فليس مرادا دون الأول قطعا، ولكن قد يقال: إنه مراد ~~مع الأول؛ باعتبار أن ما يهديه الله إليه من الطاعة هو نعمة في حقه من الله ~~أصابته، وما يقع منه من المعصية هو سيئة أصابته، ونفسه التي عملت السيئة. ~~وإذا كان الجزاء من نفسه، فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن يكون من نفسه. # فلا منافاة أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه، مع أن الجميع مقدر ~~كما تقدم. وقد روى عن مجاهد عن ابن عباس؛ أنه كان يقرأ: " فمن نفسك وأنا ~~قدرتها عليك ". # PageV01P024 # فصل # والمعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى، فتكون من سيئات الجزاء مع أنها ~~من سيئات العمل. # قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته عن ابن مسعود ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالصدق؛ إن الصدق يهدى ~~إلى البر، والبر يهدى إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق، حتى ~~يكتب عند الله صديقا. وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور ~~يهدى إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله ~~كذابا ". # وقد ذكر في غير موضع من القرآن ما يبين أن الحسنة الثانية قد تكون من ~~ثواب الأولى، وكذلك السيئة الثانية قد تكون من عقوبة الأولى، قال تعالى: ~~{ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من ~~لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما} [النساء: 66 68] ، وقال تعالى: ~~{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] . وقال تعالى: {والذين ~~قتلوا في سبيل ms006 الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة ~~عرفها لهم} [محمد: 4- 6] ، وقال تعالى: {ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى} ~~[الروم: 10] ، وقال تعالى: {وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل ~~السلام} [المائدة: 15، 16] ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين # PageV01P025 # من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم} [الحديد: 28] ، وقال تعالى: ~~{وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} [الأعراف: 154] ، وقال ~~تعالى: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} [آل عمران: 138] ، وقال ~~تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو ~~عليهم عمى} [فصلت: 44] ، وقال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} ~~[الأعراف: 201، 202] ، وقال تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من ~~عبادنا المخلصين} [يوسف: 24] ، وقال تعالى: {ولما بلغ أشده آتيناه حكما ~~وعلما وكذلك نجزي المحسنين} [يوسف: 22] ، وقال تعالى: {ولما بلغ أشده ~~واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين} [القصص: 14] ، وقال تعالى: ~~{الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ~~ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ~~كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} [محمد: 1-3] ، وقال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم} ~~[الأحزاب: 70، 71] ، وقال تعالى: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا ~~فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين} [النور: 54] . # قال أبو عثمان النيسابورى: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق ~~بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة؛ لأن الله تعالى ~~يقول: {وإن تطيعوه تهتدوا} . # PageV01P026 # قلت: وقد قال في آخر السورة: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] . # وقال تعالى: {وما يشعركم أنها إذا ms007 جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ~~كما لم يؤمنوا به أول مرة} [الأنعام: 109، 110] ، وقال تعالى: {إن الذين ~~تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا ~~الله عنهم} [آل عمران: 155] ، وقال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم ~~تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله ~~لا يهدي القوم الفاسقين} إلى قوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو ~~يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين} : [الصف: 5 7] ، وقال ~~تعالى: {قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88] ، ~~وقال تعالى أيضا: {وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون ~~إلا قليلا} [النساء: 155] وقال تعالى: {فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم ~~الظالمين} [البقرة: 258] ، وقال تعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم ~~تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا} ~~[التوبة: 25،26] ، وقال تعالى في النوعين: {إذ يوحي ربك إلى الملآئكة أني ~~معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق ~~الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله} [الأنفال: ~~12،13] ، وقال تعالى: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين} [آل عمران: 151] ، ~~وقال تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ~~ما ظننتم أن يخرجوا # PageV01P027 # وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف ~~في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة ~~عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد ~~العقاب} [الحشر: 2 4] ، وقال تعالى: {لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم ~~يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ms008 ما ثقفوا إلا بحبل من ~~الله وحبل من الناس وبآؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون} [آل عمران: 111، 112] ، وقال تعالى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين ~~كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو ~~كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا ~~منهم فاسقون} [المائدة: 80، 81] ، وقال تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة ~~للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} [المائدة: ~~82] ، وقال تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا تدبرون القرآن ~~أم على قلوب أقفالها إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ~~الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله ~~سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم} [محمد: 22 26] ، وقال تعالى: ~~{ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما ~~آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم # PageV01P028 # يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 75 77] ، ~~وقال تعالى: {فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا ~~معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع ~~الخالفين} [التوبة: 83] ، وقال تعالى في ضد هذا: {وعدكم الله مغانم كثيرة ~~تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم ~~صراطا مستقيما} إلى قوله: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا ~~يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا} [الفتح: 20- 23] . # وتوليتهم الأدبار ليس مما نهوا عنه، ولكن هو من جزاء أعمالهم، وهذا باب ~~واسع. # فصل # وإذا كانت السيئات التي يعملها الإنسان قد تكون من ms009 جزاء سيئات تقدمت وهى ~~مضرة جاز أن يقال: هي مما أصابه من السيئات وهى بذنوب تقدمت. # وعلى كل تقدير، فالذنوب التي يعملها هي من نفسه، وإن كانت مقدرة عليه؛ ~~فإنه إذا كان الجزاء الذي هو مسبب عنها من نفسه، فعمله الذي هو ذلك الجزاء ~~من نفسه بطريق الأولى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: " ~~نعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ". # PageV01P029 # وقال له أبو بكر رضي الله عنه: علمني دعاء. فقال: " قل اللهم فاطر ~~السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه؛ أشهد أن لا إله ~~إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا، ~~أو أجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك ". # فقد بين أن قوله: {فمن نفسك} [النساء: 79] يتناول العقوبات على الأعمال، ~~ويتناول الأعمال، مع أن الكل بقدر الله. # فصل # وليس للقدرية أن يحتجوا بالآية لوجوه: # منها: أنهم يقولون: فعل العبد حسنة كان أو سيئة هو منه، لا من الله، بل ~~الله قد أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات والسيئات، لكن هذا ~~عندهم أحدث إرادة فعل بها الحسنات، وهذا أحدث إرادة فعل بها السيئات، وليس ~~واحد منها من إحداث الرب عندهم. # والقرآن قد فرق بين الحسنات والسيئات، وهم لا يفرقون في الأعمال بين ~~الحسنات والسيئات إلا من جهة الأمر، لا من جهة كون الله خلق الحسنات دون ~~السيئات، بل هو عندهم لم يخلق لا هذا ولا هذا. # لكن منهم من يقول: بأنه يحدث من الأعمال الحسنة والسيئة ما يكون جزاء، ~~كما يقوله أهل السنة. # لكن على هذا، فليست عندهم كل الحسنات من الله، ولا كل السيئات، بل بعض ~~هذا، وبعض هذا. # الثاني: أنه قال: {كل من عند الله} [النساء: 78] فجعل الحسنات من عند ~~الله كما جعل # PageV01P030 # السيئات من عند الله، وهم لا يقولون بذلك في الأعمال، بل في الجزاء. ~~وقوله بعد هذا: {ما أصابك من حسنة} و {من سيئة} [النساء: ms010 79] مثل قوله: ~~{وإن تصبهم حسنة} وقوله: {وإن تصبهم سيئة} [النساء: 78] . # الثالث: أن الآية أريد بها: النعم والمصائب كما تقدم وليس للقدرية ~~المجبرة أن تحتج بهذه الآية على نفى أعمالهم التي استحقوا بها العقاب؛ فإن ~~قوله: {كل من عند الله} هو النعم والمصائب؛ ولأن قوله: {ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] ، حجة عليهم، وبيان أن ~~الإنسان هو فاعل السيئات، وأنه يستحق عليها العقاب. والله ينعم عليه ~~بالحسنات عملها وجزائها فإنه إذا كان ما أصابهم من حسنة فهو من الله؛ ~~فالنعم من الله، سواء كانت ابتداء أو كانت جزاء. وإذا كانت جزاء وهى من ~~الله فالعمل الصالح الذي كان سببها هو أيضا من الله، أنعم بهما الله على ~~العبد. # وإلا فلو كان هو من نفسه كما كانت السيئات من نفسه لكان كل ذلك من نفسه، ~~والله تعالى قد فرق بين نوعين في الكتاب والسنة، كما في الحديث الصحيح ~~الإلهي عن الله: " يا عبادى، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، ~~فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه "، وقال ~~تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم إني هذا قل هو من عند ~~أنفسكم} [آل عمران: 165] ، وقال تعالى: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~إذا هم يقنطون} [الروم: 36] ، وقال تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما ~~كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41] ، وقال ~~تعالى: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} [هود: 101] ، وقال تعالى: {وما ~~ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف: 76] ، وقال تعالى: {لأملأن جهنم ~~منك وممن تبعك منهم أجمعين} [ص: 85] ، # PageV01P031 # وقال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} [الحجرات: 7] ، وقد أمروا أن ~~يقولوا في الصلاة: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 6، 7] . # فصل # وقد ظن طائفة أن في الآية إشكالا، أو تناقضا في الظاهر، حيث قال: {كل من ~~عند بله} ms011 ثم فرق بين الحسنات والسيئات، فقال: {ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] . # وهذا من قلة فهمهم، وعدم تدبرهم الآية، وليس في الآية تناقض، لا في ~~ظاهرها، ولا في باطنها، لا في لفظها ولا معناها؛ فإنه ذكر عن المنافقين، ~~والذين في قلوبهم مرض، الناكصين عن الجهاد، ما ذكره بقوله: {أينما تكونوا ~~يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند ~~الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} [النساء: 78] ، هذا يقولونه لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، أي: بسبب ما أمرتنا به من دينك، والرجوع عما كنا ~~عليه، أصابتنا هذه السيئات؛ لأنك أمرتنا بما أوجبها. فالسيئات هي المصائب، ~~والأعمال التي ظنوا أنها سبب المصائب هو أمرهم بها. # وقولهم: {من عندك} تتناول مصائب الجهاد التي توجب الهزيمة؛ لأنه أمرهم ~~بالجهاد، وتتناول أيضا مصائب الرزق على جهة التشاؤم، والتطير، أي: هذا ~~عقوبة لنا بسبب دينك، كما كان قوم فرعون يتطيرون بموسى وبمن معه، # PageV01P032 # وكما قال أهل القرية للمرسلين: {إنا تطيرنا بكم} [يس: 18] ، وكما قال ~~الكفار من ثمود لصالح ولقومه: {اطيرنا بك وبمن معك} [النمل: 74] ، فكانوا ~~يقولون عما يصيبهم من الحرب، والزلزال والجراح والقتل، وغير ذلك مما يحصل ~~من العدو: هو منك؛ لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة لذلك. ويقولون عن هذا، وعن ~~المصائب السمائية: إنها منك، أي: بسبب طاعتنا لك واتباعنا لدينك، أصابتنا ~~هذه المصائب، كما قال تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة} [الحج: ~~11] . # فهذا يتناول كل من جعل طاعة الرسول، وفعل ما بعث به مسببا لشر أصابه، إما ~~من السماء وإما من آدمي، وهؤلاء كثيرون. # لم يقولوا: {هذه من عندك} بمعنى: أنك أنت الذي أحدثتها؛ فإنهم يعلمون أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدث شيئا من ذلك، ولم يكن قولهم: {من عندك} ~~خطابا من بعضهم لبعض، بل هو خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم. # ومن ms012 فهم هذا تبين له أن قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك} لا يناقض قوله: {كل من عند الله} بل هو محقق له؛ لأنهم هم ~~ومن أشبههم إلى يوم القيامة يجعلون ما جاء به الرسول، والعمل به سببا لما ~~قد يصيبهم من مصائب، وكذلك من أطاعه إلى يوم القيامة. # وكانوا تارة يقدحون فيما جاء به، ويقولون: ليس هذا مما أمر الله به، ولو ~~كان مما أمر الله به لما جرى على أهله هذا البلاء. # PageV01P033 # وتارة لا يقدحون في الأصل، لكن يقدحون في القضية المعينة، فيقولون: هذا ~~بسوء تدبير الرسول، كما قال عبد الله بن أبي بن سلول يوم أحد إذ كان رأيه ~~مع رأى النبي صلى الله عليه وسلم ألا يخرجوا من المدينة فسأله صلى الله ~~عليه وسلم ناس ممن كان لهم رغبة في الجهاد أن يخرج، فوافقهم، ودخل بيته ~~ولبس لأمته فلما لبس لأمته ندموا، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت ~~أعلم، فإن شئت ألا نخرج، فلا نخرج فقال:" ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ~~ينزعها، حتى يحكم الله بينه وبين عدوه " [واللأمة: الدرع، وقيل: السلاح. ~~ولأمة الحرب: أداته] يعنى: أن الجهاد يلزم بالشروع، كما يلزم الحج، لا يجوز ~~ترك ما شرع فيه منه إلا عند العجز بالإحصار في الحج. # فصل # والمفسرون ذكروا في قوله: {وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} [النساء: ~~78] هذا وهذا. # فعن ابن عباس، والسدي، وغيرهما: أنهم يقولون هذا تشاؤما بدينه. # وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: بسوء تدبيرك يعنى كما قاله عبد الله ~~بن أبى وغيره يوم أحد وهم كالذين {قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما ~~قتلوا} [آل عمران: 168] . # فبكل حال قولهم: {من عندك} هو طعن فيما أمر الله به ورسوله من الإيمان ~~والجهاد، وجعل ذلك هو الموجب للمصائب التي تصيب المؤمنين المطيعين، كما ~~أصابتهم يوم أحد. وتارة تصيب عدوهم، فيقول الكافرون: هذا بشؤم هؤلاء، كما ~~قال أصحاب القرية للمرسلين: {إنا تطيرنا بكم} [يس: ms013 18] ، وكما قال تعالى عن ~~آل فرعون: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم # PageV01P034 # سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون} [الأعراف: 131] ، وقال تعالى عن قوم صالح: {قالوا اطيرنا بك وبمن ~~معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون} [النمل: 47] . # ولما قال أهل القرية: {إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم ~~منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون} [يس: 18، ~~19] . # قال الضحاك في قوله: {ألا إنما طائرهم عند الله} يقول: الأمر من قبل ~~الله، ما أصابكم من أمر فمن الله، بما كسبت أيديكم. # وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: معايبكم. وقال قتادة: عملكم عند الله. # وفى رواية غير على: عملكم عند الله ولكنكم {قوم تفتنون} ، أي: تبتلون ~~بطاعة الله ومعصيته. رواهما ابن أبى حاتم وغيره. # وعن ابن إسحاق قال: قالت الرسل: {طائركم معكم} أي: أعمالكم. # فقد فسروا " الطائر " بالأعمال وجزائها؛ لأنهم كانوا يقولون: إنما أصابنا ~~ما أصابنا من المصائب بذنوب الرسل وأتباعهم. # فبين الله سبحانه أن طائرهم وهو الأعمال وجزاؤها هو عند الله وهو معهم. ~~فهو معهم لأن أعمالهم وما قدر من جزائها معهم، كما قال تعالى: {وكل إنسان ~~ألزمناه طآئره في عنقه} [الإسراء: 13] ، وهو من الله؛ لأن الله تعالى قدر ~~تلك المصائب بأعمالهم. فمن عنده تتنزل عليهم المصائب، جزاء على أعمالهم لا ~~بسبب الرسل وأتباعهم. # وفى هذا يقال: إنهم يجزون بأعمالهم، لا بأعمال غيرهم؛ ولذلك قال # PageV01P035 # في هذه الآية لما كان المنافقون والكفار ومن في قلبه مرض يقول: هذا الذي ~~أصابنا هو بسبب ما جاء به محمد، عقوبة دينية وصل إلينا بين سبحانه أن ما ~~أصابهم من المصائب إنما هو بذنوبهم. # ففى هذا رد على من أعرض عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا تصيبه ~~تلك المصائب، وعلى من انتسب إلى الإيمان بالرسول، ونسبها إلى فعل ما جاء به ~~الرسول، وعلى من أصابته مع كفره بالرسول ونسبها إلى ما جاء به الرسول. # فصل # والمقصود ms014 أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس سببا لشيء من ~~المصائب، ولا تكون طاعة الله ورسوله قط سببا لمصيبة، بل طاعة الله والرسول ~~لا تقتضى إلا جزاء أصحابها بخيرى الدنيا والآخرة، ولكن قد تصيب المؤمنين ~~بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم، لا بما أطاعوا فيه الله والرسول، كما ~~لحقهم يوم أحد بسبب ذنوبهم، لا بسبب طاعتهم الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم. # وكذلك ما ابتلوا به في السراء والضراء والزلزال، ليس هو بسبب نفس إيمانهم ~~وطاعتهم، لكن امتحنوا به، ليتخلصوا مما فيهم من الشر وفتنوا به كما يفتن ~~الذهب بالنار؛ ليتميز طيبه من خبيثه، والنفوس فيها شر، والامتحان يمحص ~~المؤمن من ذلك الشر الذي في نفسه، قال تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ~~وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} [آل عمران: 140، 141] ، وقال # PageV01P036 # تعالى: {وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم} [آل عمران: 154] ~~، ولهذا قال صالح عليه السلام لقومه: {طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون} ~~[النمل: 47] . # ولهذا كانت المصائب تكفر سيئات المؤمنين وبالصبر عليها ترتفع درجاتهم، ~~وما أصابهم في الجهاد من مصائب بأيدى العدو، فإنه يعظم أجرهم بالصبر عليها. # وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من غازية يغزون في ~~سبيل الله، فيسلمون ويغنمون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم، وإن أصيبوا وأخفقوا تم ~~لهم أجرهم ". # وأما ما يلحقهم من الجوع والعطش والتعب، فذاك يكتب لهم به عمل صالح، كما ~~قال تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا ~~يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ~~إن الله لا يضيع أجر المحسنين} [التوبة: 120] . # وشواهد هذا كثيرة. # فصل # والمقصود أن قوله: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم ~~سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله} [النساء: 78] فإنهم جعلوا ما ~~يصيبهم من المصائب بسبب ما جاءهم ms015 به الرسول، وكانوا يقولون: النعمة التي ~~تصيبنا هي من عند الله، والمصيبة من عند محمد، أي: بسبب دينه وما أمر به. # PageV01P037 # فقال تعالى: قل هذا وهذا من عند الله، لا من عند محمد، محمد لا يأتي لا ~~بنعمة ولا بمصيبة؛ ولهذا قال بعد هذا: {فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا} [النساء: 78] قال السدي وغيره: هو القرآن؛ فإن القرآن إذا هم فقهوا ~~ما فيه تبين لهم أنه إنما أمرهم بالخير، والعدل والصدق، والتوحيد. لم ~~يأمرهم بما يكون سببا للمصائب؛ فإنهم إذا فهموا ما في القرآن علموا أنه لا ~~يكون سببا للشر مطلقا. # وهذا مما يبين أن ما أمر الله به يعلم بالأمر به حسنه ونفعه، وأنه مصلحة ~~للعباد، وليس كما يقول من يقول: قد يأمر الله العباد بما لا مصلحة لهم فيه ~~إذا فعلوه، بل فيه مضرة لهم. # فإنه لو كان كذلك لكان قد يصدقه المتطيرون بالرسل وأتباعهم. # ومما يوضح ذلك: أنه لما قال: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك} قال بعدها: {وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} ~~[النساء: 79] ، فإنه قد شهد له بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات ~~والمعجزات، وإذا شهد الله له كفى به شهيدا، ولم يضره جحد هؤلاء لرسالته، ~~بما ذكروه من الشبه التي هي عليهم لا لهم، بما أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم ~~وعقوباتهم حجة على إبطال رسالته، والله تعالى قد شهد له أنه أرسله للناس ~~رسولا، فكان ختم الكلام بهذا إبطالا لقولهم: إن المصائب من عند الرسول؛ ~~ولهذا قال بعد هذا: {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك ~~عليهم حفيظا} [النساء: 80] . # PageV01P038 # فصل # وكان فيما ذكره إبطال لقول الجهمية المجبرة ونحوهم، ممن يقول: إن الله قد ~~يعذب العباد بلا ذنب، وأنه قد يأمر العباد بما لا ينفعهم، بل بما يضرهم، ~~فإن فعلوا ما أمرهم به حصل لهم الضرر، وإن لم يفعلوه عاقبهم. # يقولون هذا ومثله، ويزعمون أن هذا لأنه يفعل ما يشاء. # والقرآن يرد على هؤلاء من ms016 وجوه كثيرة، كما يرد على المكذبين بالقدر. # فالآية ترد على هؤلاء وهؤلاء كما تقدم مع احتجاج الفريقين بها، وهي حجة ~~على الفريقين. # فإن قال نفاة القدر: إنما قال في الحسنة: هي من الله، وفى السيئة: هي من ~~نفسك، لأنه يأمر بهذا، وينهى عن هذا، باتفاق المسلمين. # قالوا: ونحن نقول: المشيئة ملازمة للأمر، فما أمر به فقد شاءه، وما لم ~~يأمر به لم يشأه. فكانت مشيئته وأمره حاضة على الطاعة دون المعصية؛ فلهذا ~~كانت هذه منه دون هذه. # قيل: أما الآية، فقد تبين أن الذين قالوا: الحسنة من عند الله والسيئة من ~~عندك، أرادوا: من عندك يا محمد، أي: بسبب دينك. فجعلوا رسالة الرسول هي سبب ~~المصائب، وهذا غير مسألة القدر. # وإذا كان قد أريد: أن الطاعة والمعصية مما قد قيل كان قوله: {كل من عند ~~الله} [النساء: 78] حجة عليكم كما تقدم. # وقوله بعد هذا: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ~~[النساء: 79] لا ينافى ذلك، بل " الحسنة " أنعم الله بها وبثوابها، و " ~~السيئة " هي # PageV01P039 # من نفس الإنسان ناشئة، وإن كانت بقضائه وقدره، كما قال تعالى: {من شر ما ~~خلق} [الفلق: 2] ، فمن المخلوقات ماله شر، وإن كان بقضائه وقدره. # وأنتم تقولون: الطاعة والمعصية هما من إحداث الإنسان، بدون أن يجعل الله ~~هذا فاعلا وهذا فاعلا، وبدون أن يخص الله المؤمن بنعمة ورحمة أطاعه بها؟ ~~وهذا مخالف للقرآن. # فصل # فإن قيل: إذا كانت الطاعات والمعاصي مقدرة، والنعم والمصائب مقدرة، فلم ~~فرق بين الحسنات التي هي النعم، والسيئات التي هي المصائب؟ فجعل هذه من ~~الله، وهذه من نفس الإنسان؟ # قيل: لفروق بينهما: # الفرق الأول: أن نعم الله وإحسانه إلى عباده يقع ابتداء بلا سبب منهم ~~أصلا، فهو ينعم بالعافية والرزق والنصر، وغير ذلك على من لم يعمل خيرا قط، ~~وينشئ للجنة خلقا يسكنهم فضول الجنة، وقد خلقهم في الآخرة لم يعملوا خيرا، ~~ويدخل أطفال المؤمنين ومجانينهم الجنة برحمته بلا عمل. وأما العقاب، فلا ~~يعاقب أحدا إلا بعمله. # الفرق ms017 الثاني: أن الذي يعمل الحسنات، إذا عملها، فنفس عمله الحسنات هو من ~~إحسان الله، وبفضله عليه بالهداية والإيمان، كما قال أهل الجنة: {الحمد لله ~~الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} [الأعراف: 43] . # وفى الحديث الصحيح: " يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم # PageV01P040 # ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن ~~إلا نفسه ". # فنفس خلق الله لهم أحياء، وجعله لهم السمع والأبصار والأفئدة، هو من ~~نعمته. ونفس إرسال الرسول إليهم، وتبليغه البلاغ المبين الذي اهتدوا به، هو ~~من نعمته. # وإلهامهم الإيمان، وهدايتهم إليه، وتخصيصهم بمزيد نعمة حصل لهم بها ~~الإيمان دون الكافرين؛ هو من نعمته، كما قال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم ~~الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون فضلا من الله ونعمة} [الحجرات: 7، 8] . # فجميع ما يتقلب فيه العالم من خيري الدنيا والآخرة، هو نعمة محضة منه، ~~بلا سبب سابق يوجب لهم حقا، ولا حول ولا قوة لهم من أنفسهم إلا به، وهو ~~خالق نفوسهم، وخالق أعمالها الصالحة وخالق الجزاء. # فقوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله} [النساء: 79] حق من كل وجه، ظاهرا ~~وباطنا على مذهب أهل السنة. # وأما السيئة: فلا تكون إلا بذنب العبد، وذنبه من نفسه. وهو لم يقل: إني ~~لم أقدر ذلك ولم أخلقه، بل ذكر للناس ما ينفعهم. # فصل # فإذا تدبر العبد علم أن ما هو فيه من الحسنات من فضل الله، فشكر الله، ~~فزاده الله من فضله عملا صالحا، ونعما يفيضها عليه. # وإذا علم أن الشر لا يحصل له إلا من نفسه بذنوبه استغفر وتاب، فزال عنه ~~سبب الشر. # PageV01P041 # فيكون العبد دائما شاكرا مستغفرا، فلا يزال الخير يتضاعف له، والشر يندفع ~~عنه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: " الحمد لله " فيشكر ~~الله، ثم يقول: " نستعينه ونستغفره " نستعينه على الطاعة، ونستغفره من ~~المعصية، ثم يقول: " ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا " ~~فيستعيذ به من الشر الذي في ms018 النفس، ومن عقوبة عمله، فليس الشر إلا من نفسه ~~ومن عمل نفسه، فيستعيذ الله من شر النفس؛ أن يعمل بسبب سيئاته الخطايا، ثم ~~إذا عمل استعاذ بالله من سيئات عمله ومن عقوبات عمله، فاستعانه على الطاعة ~~وأسبابها، واستعاذ به من المعصية وعقابها. # فعلم العبد بأن ما أصابه من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه ~~يوجب له هذا وهذا، فهو سبحانه فرق بينهما هنا، بعد أن جمع بينهما في قوله: ~~{كل من عند الله} [النساء: 78] . # فبين أن الحسنات والسيئات: النعم والمصائب، والطاعات والمعاصي، على قول ~~من أدخلها في: {من عند الله} . # ثم بين الفرق الذي ينتفعون به، وهو أن هذا الخير من نعمة الله، فاشكروه ~~يزدكم، وهذا الشر من ذنوبكم، فاستغفروه، يدفعه عنكم. # قال الله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] ،وقال تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ~~من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي ~~فضل فضله} [هود: 1 3] . # والمذنب إذا استغفر ربه من ذنبه، فقد تأسى بالسعداء من الأنبياء # PageV01P042 # والمؤمنين، كآدم وغيره. وإذا أصر، واحتج بالقدر، فقد تأسى بالأشقياء، ~~كإبليس ومن اتبعه من الغاوين. # فكان من ذكره: أن السيئة من نفس الإنسان بذنوبه، بعد أن ذكر: أن الجميع ~~من عند الله تنبيها على الاستغفار والتوبة، والاستعاذة بالله من شر نفسه ~~وسيئات عمله، والدعاء بذلك في الصباح والمساء، وعند المنام، كما أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بذلك أبا بكر الصديق، أفضل الأمة، حيث علمه أن ~~يقول: " اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أعوذ بك من شر ~~نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم ". ~~فيستغفر مما مضى، ويستعيذ مما يستقبل، فيكون من حزب السعداء. # وإذا علم أن الحسنة من الله الجزاء والعمل سأله أن يعينه على فعل ~~الحسنات، بقوله: {إياك ms019 نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ، وبقوله: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] ، وقوله: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ~~هديتنا} [آل عمران: 8] ونحو ذلك. # وأما إذا أخبر أن الجميع من عند الله فقط، ولم يذكر الفرق، فإنه يحصل من ~~هذا التسوية، فأعرض العاصي والمذنب عن ذم نفسه وعن التوبة من ذنوبها، ~~والاستعاذة من شرها، بل وقام في نفسه أن يحتج على الله بالقدر. وتلك حجة ~~داحضة لا تنفعه، بل تزيده عذابا وشقاء، كما زادت إبليس لما قال: {فبما ~~أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} [الأعراف: 16] ، وقال: {رب بما أغويتني ~~لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين} [الحجر: 39] . # وكالذين يقولون يوم القيامة: {لو أن الله هداني لكنت من المتقين} [الزمر: ~~57] ، وكالذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} ~~[الأنعام: 148] . # PageV01P043 # فمن احتج بالقدر على ما فعله من ذنوبه، وأعرض عما أمر الله به، من التوبة ~~والاستغفار، والاستعانة بالله، والاستعاذة به، واستهدائه كان من أخسر الناس ~~في الدنيا والآخرة. فهذا من فوائد ذكر الفرق بين الجمع. # فصل # الفرق الثالث: أن الحسنة يضاعفها الله وينميها، ويثيب على الهم بها، ~~والسيئة لا يضاعفها، ولا يؤاخذ على الهم بها. فيعطى صاحب الحسنة من الحسنات ~~فوق ما عمل، وصاحب السيئة لا يجزيه إلا بقدر عمله، قال تعالى: {من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا ~~يظلمون} [الأنعام: 160] . # الفرق الرابع: أن الحسنة مضافة إليه؛ لأنه أحسن بها من كل وجه كما تقدم ~~فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضى الإضافة إليه. # وأما السيئة فهو إنما يخلقها بحكمة، وهى باعتبار تلك الحكمة من إحسانه، ~~فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وحسنات، وفعله كله خير. # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح: " والخير ~~بيديك، والشر ليس إليك "، فإنه لا يخلق شرا محضا، بل كل ما يخلقه ففيه ~~حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس وهو شر جزئي ~~إضافي، فأما شر ms020 كلى، أو شر مطلق، فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس ~~إليه. # وأما الشر الجزئي الإضافي، فهو خير باعتبار حكمته؛ ولهذا لا يضاف # PageV01P044 # الشر إليه مفردا قط، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله: {وخلق كل ~~شيء} [الأنعام: 101] وإما أن يضاف إلى السبب كقوله تعالى: {من شر ما خلق} ~~[الفلق: 2] وإما أن يحذف فاعله، كقول الجن: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في ~~الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} [الجن: 10] . # وهذا الموضع ضل فيه فريقان من الناس الخائضين في القدر بالباطل: فرقة ~~كذبت بهذا، وقالت: إنه لا يخلق أفعال العباد، ولا يشاء كل ما يكون؛ لأن ~~الذنوب قبيحة، وهو لا يفعل القبيح، وإرادتها قبيحة، وهو لا يريد القبيح. # وفرقة لما رأت أنه خالق هذا كله ولم تؤمن أنه خلق هذا لحكمة، بل قالت: ~~إذا كان يخلق هذا فيجوز أن يخلق كل شر، ولا يخلق شيئا لحكمة، وما ثم فعل ~~تنزه عنه بل كل ما كان ممكنا جاز أن يفعله. # وجوزوا أن يأمر بكل كفر ومعصية، وينهى عن كل إيمان وطاعة، وصدق وعدل، وأن ~~يعذب الأنبياء، وينعم الفراعنة والمشركين وغير ذلك ولم يفرقوا بين مفعول ~~ومفعول. # وهذا منكر من القول وزور، كالأول، قال تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون} [الجاثية: 21] ، وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم ~~كيف تحكمون} [القلم: 35، 36] ، وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28] ونحو ذلك ~~مما يوجب # PageV01P045 # أنه يفرق بين الحسنات والسيئات، وبين المحسن والمسيء، وأن من جوز عليه ~~التسوية بينهما، فقد أتى بقول منكر، وزور ينكر عليه. # وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل فيه من ~~الحكمة والرحمة ما يخفى على بعضهم، مما لا يقدر قدره إلا الله. # وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة يكون شرا كليا عاما، ~~بل الأمور العامة الكلية لا ms021 تكون إلا خيرا ومصلحة للعباد، كالمطر العام، ~~وكإرسال رسول عام. # وهذا مما يقتضى أنه لا يجوز أن يؤيد الله كذابا عليه بالمعجزات التي أيد ~~بها أنبياءه الصادقين؛ فإن هذا شر عام للناس، يضلهم ويفسد عليهم دينهم ~~ودنياهم وآخرتهم. # وليس هذا كالملك الظالم، والعدو؛ فإن الملك الظالم لابد أن يدفع الله به ~~من الشر أكثر من ظلمه. # وقد قيل: ستون سنة بإمام ظالم، خير من ليلة واحدة بلا إمام. # وإذا قدر كثرة ظلمه، فذاك ضرر في الدين، كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم ~~ويثابون عليها، ويرجعون فيها إلى الله، ويستغفرونه ويتوبون إليه، وكذلك ما ~~يسلط عليهم من العدو. # وأما من يكذب على الله، ويقول أي يدعى: إنه نبي، فلو أيده الله تأييد ~~الصادق، للزم أن يسوى بينه وبين الصادق. # فيستوي الهدى والضلال، والخير والشر، وطريق الجنة وطريق النار، ويرتفع ~~التمييز بين هذا وهذا، وهذا مما يوجب الفساد العام للناس في دينهم ودنياهم ~~وآخرتهم. # ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال من يقاتل على الدين الفاسد من # PageV01P046 # أهل البدع، كالخوارج، وأمر بالصبر على جور الأئمة، ونهى عن قتالهم ~~والخروج عليهم؛ ولهذا قد يمكن الله كثيرا من الملوك الظالمين مدة. # وأما المتنبئون الكذابون، فلا يطيل تمكينهم، بل لابد أن يهلكهم؛ لأن ~~فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة، قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين} [الحاقة: 44 46] ، وقال ~~تعالى: {أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك} ~~[الشورى: 24] ، فأخبر أنه بتقدير الافتراء لابد أن يعاقب من افترى عليه. # فصل # وهذا الموضع مما اضطرب فيه الناس، فاستدلت القدرية النفاة والمجبرة على ~~أنه إذا جاز أن يضل شخصا، جاز أن يضل كل الناس. وإذا جاز أن يعذب حيوانا ~~بلا ذنب ولا عوض، جاز أن يعذب كل حي بلا ذنب ولا عوض، وإذا جاز عليه ألا ~~يعين واحدا ممن أمره على طاعة أمره، جاز ألا يعين كل الخلق. فلم يفرق ~~الطائفتان بين الشر الخاص والعام، وبين الشر ms022 الإضافي، والشر المطلق، ولم ~~يجعلوا في الشر الإضافي حكمة يصير بها من قسم الخير. # ثم قال النفاة: وقد علم أنه منزه عن تلك الأفعال، فإنا لو جوزنا عليه هذا ~~لجوزنا عليه تأييد الكذاب بالمعجزات، وتعذيب الأنبياء وإكرام الكفار، وغير ~~ذلك، مما يستعظم العقلاء إضافته إلى الله تعالى. # فقالت المثبتة من الجهمية المجبرة: بل كل الأفعال جائزة عليه، كما جاز ~~ذلك الخاص، وإنما يعلم أنه لا يفعل بما لا يفعل، أو يفعل ما يفعل بالخبر، ~~خبر الأنبياء عنه. وإلا فمهما قدر جاز أن يفعله، وجاز ألا يفعله، ليس في ~~نفس # PageV01P047 # الأمر سبب ولا حكمة، ولا صفة تقتضي التخصيص ببعض الأفعال دون بعض، بل ليس ~~إلا مشيئة، نسبتها إلى جميع الحوادث سواء، ترجح أحد المتماثلين بلا مرجح. # فقيل لهم: فيجوز تأييد الكذاب بالمعجز، فلا يبقى المعجز دليلا على صدق ~~الأنبياء. فلا يبقى خبر نبي يعلم به الفرق، فيلزم مع الكفر بالأنبياء ألا ~~يعلم الفرق، لا بسمع ولا بعقل. # فاحتالوا للفرق بين المعجزات وغيرها، بأن تجويز إتيان الكذاب بالمعجزات ~~يستلزم تعجيز الباري تعالى عما به يفرق بين الصادق والكاذب، أو لأن دلالتها ~~على الصدق معلوم بالاضطرار، كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، ~~وبين خطأ الطائفتين، وأن هؤلاء الذين اتبعوا جهما في الجبر ونفوا حكمة الله ~~ورحمته، والأسباب التي بها يفعل، وما خلقه من القوى وغيرها هم مبتدعة ~~مخالفون للكتاب والسنة وإجماع السلف، مع مخالفتهم لصريح المعقول. # كما أن القدرية النفاة مخالفون للكتاب والسنة وإجماع السلف، مع مخالفتهم ~~لصريح المعقول. # فصل # والمقصود هنا الكلام على قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] ، وأن هذا يقتضي أن العبد لا يزال شاكرا ~~مستغفرا. # وقد ذكر أن الشر لا يضاف إلى الله إلا على أحد الوجوه الثلاثة. وقد تضمنت ~~الفاتحة للأقسام الثلاثة، هو سبحانه: الرحمن الذي وسعت # PageV01P048 # رحمته كل شيء، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أرحم بعباده ~~من الوالدة بولدها، وقد سبقت ms023 وغلبت رحمته غضبه، وهو الغفور الودود، الحليم ~~الرحيم. # فإرادته أصل كل خير ونعمة، وكل خير ونعمة فمنه: {وما بكم من نعمة فمن ~~الله} [النحل: 53] . # وقد قال سبحانه: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} ثم قال: {وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم} [الحجر: 49، 50] ، وقال تعالى: {اعلموا أن الله شديد ~~العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة: 98] فالمغفرة والرحمة من صفاته ~~المذكورة بأسمائه. فهي من موجب نفسه المقدسة، ومقتضاها ولوازمها. # وأما العذاب، فمن مخلوقاته، الذي خلقه بحكمة، هو باعتبارها حكمة ورحمة. ~~فالإنسان لا يأتيه الخير إلا من ربه وإحسانه وجوده، ولا يأتيه الشر إلا من ~~نفسه، فما أصابه من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه. # وقوله: {ما أصابك} إما أن تكون كاف الخطاب له صلى الله عليه وسلم كما قال ~~ابن عباس وغيره وهو الأظهر؛ لقوله بعد ذلك: {وأرسلناك للناس رسولا} ~~[النساء: 79] . # وإما أن تكون لكل واحد واحد من الآدميين، كقوله: {يا أيها الإنسان ما غرك ~~بربك الكريم} [الانفطار: 6] . # لكن هذا ضعيف، فإنه لم يتقدم هنا ذكر الإنسان ولا مكانه، وإنما تقدم ذكر ~~طائفة قالوا ما قالوه. فلو أريد ذكرهم لقيل: " ما أصابهم من حسنة فمن الله ~~وما أصابهم من سيئة ". # PageV01P049 # لكن خوطب الرسول بهذا؛ لأنه سيد ولد آدم. وإذا كان هذا حكمه، كان هذا حكم ~~غيره بطريق الأولى والأحرى، كما في مثل قوله: {اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين} [الأحزاب: 1] ، وقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: ~~65] ، وقوله: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من ~~قبلك} [يونس: 94] . # ثم هذا الخطاب نوعان: نوع يختص لفظه به لكن يتناول غيره بطريق الأولى، ~~كقوله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك} ثم قال: ~~{قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 1، 2] . # ونوع قد يكون خطابه خطابا به لجميع الناس، كما يقول كثير من المفسرين: ~~الخطاب له والمراد غيره. # وليس المعنى: أنه لم يخاطب بذلك، بل هو المقدم. فالخطاب له خطاب لجميع ~~الجنس البشري. وإن ms024 كان هو لا يقع منه ما نهى عنه، ولا يترك ما أمر به، بل ~~هذا يقع من غيره، كما يقول ولي الأمر للأمير: سافر غدا إلى المكان الفلاني، ~~أي أنت ومن معك من العسكر. وكما ينهى أعز من عنده عن شيء، فيكون نهيا لمن ~~دونه، وهذا معروف من الخطاب. # فقوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} الخطاب ~~له صلى الله عليه وسلم، وجميع الخلق داخلون في هذا الخطاب بالعموم، وبطريق ~~الأولى، بخلاف قوله: {وأرسلناك للناس رسولا} [النساء: 79] ، فإن هذا له ~~خاصة. ولكن من يبلغ عنه يدخل في معنى الخطاب، كما قال صلى الله عليه وسلم: ~~" بلغوا عني ولو آية "، وقال: " نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من ~~لم يسمعه "، وقال: " ليبلغ الشاهد الغائب "، وقال: " إن العلماء ورثة ~~الأنبياء "، وقد قال تعالى # PageV01P050 # في القرآن: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] . # والمقصود هنا أن الحسنة مضافة إليه سبحانه من كل وجه، والسيئة مضافة إليه ~~لأنه خلقها، كما خلق الحسنة فلهذا قال: {كل من عند الله} . ثم إنه إنما ~~خلقها لحكمة، ولا تضاف إليه من جهة أنها سيئة، بل تضاف إلى النفس التي تفعل ~~الشر بها لا لحكمة، فتستحق أن يضاف الشر والسيئة إليها، فإنها لا تقصد بما ~~تفعله من الذنوب خيرا يكون فعله لأجله أرجح، بل ما كان هكذا فهو من باب ~~الحسنات؛ ولهذا كان فعل الله حسنا، لا يفعل قبيحا ولا سيئا قط. # وقد دخل في هذا سيئات الجزاء والعمل؛ لأن المراد بقوله: {ما أصابك من ~~حسنة} و {من سيئة} النعم والمصائب كما تقدم لكن إذا كانت المصيبة من نفسه ~~لأنه أذنب فالذنب من نفسه بطريق الأولى، فالسيئات من نفسه بلا ريب، وإنما ~~جعلها منه مع الحسنة بقوله: {كل من عند الله} كما تقدم؛ لأنها لا تضاف إلى ~~الله مفردة، بل إما في العموم، كقوله: {كل من عند الله} . # وكذلك الأسماء التي فيها ذكر الشر، لا تذكر إلا مقرونة، كقولنا: ms025 " الضار ~~النافع، المعطى المانع، المعز المذل " أو مقيدة، كقوله: {إنا من المجرمين ~~منتقمون} [السجدة: 22] . # وكل ما خلقه مما فيه شر جزئي إضافي ففيه من الخير العام والحكمة والرحمة ~~أضعاف ذلك، مثل إرسال موسى إلى فرعون، فإنه حصل به التكذيب والهلاك لفرعون ~~وقومه، وذلك شر بالإضافة إليهم، لكن حصل به من النفع العام للخلق إلى # PageV01P051 # يوم القيامة، والاعتبار بقصة فرعون ما هو خير عام، فانتفع بذلك أضعاف ~~أضعاف من استضر به، كما قال تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم ~~أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين} [الزخرف: 55] وقال تعالى بعد ذكر ~~قصته: {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} [النازعات: 26] . # وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم، شقي برسالته طائفة من مشركي العرب وكفار ~~أهل الكتاب، وهم الذين كذبوه، وأهلكهم الله تعالى بسببه، ولكن سعد بها ~~أضعاف أضعاف هؤلاء. # ولذلك من شقي به من أهل الكتاب كانوا مبدلين محرفين قبل أن يبعث الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فأهلك الله بالجهاد طائفة، واهتدى به من أهل ~~الكتاب أضعاف أضعاف أولئك. # والذين أذلهم الله من أهل الكتاب بالقهر والصغار [أى: الذل والهوان] ، أو ~~من المشركين الذين أحدث فيهم الصغار، فهؤلاء كان قهرهم رحمة لهم؛ لئلا يعظم ~~كفرهم، ويكثر شرهم. # ثم بعدهم حصل من الهدى والرحمة لغيرهم ما لا يحصيهم إلا الله، وهم دائما ~~يهتدي منهم ناس من بعد ناس ببركة ظهور دينه بالحجة واليد. # فالمصلحة بإرساله وإعزازه، وإظهار دينه، فيها من الرحمة التي حصلت بذلك ~~ما لا نسبة لها إلى ما حصل بذلك لبعض الناس من شر جزئي إضافي، لما في ذلك ~~من الخير والحكمة أيضا؛ إذ ليس فيما خلقه الله سبحانه شر محض أصلا، بل هو ~~شر بالإضافة. # PageV01P052 # فصل # الفرق الخامس: أن ما يحصل للإنسان من الحسنات التي يعملها كلها أمور ~~وجودية، أنعم الله بها عليه، وحصلت بمشيئة الله ورحمته وحكمته وقدرته ~~وخلقه، ليس في الحسنات أمر عدمي غير مضاف إلى الله، بل كلها أمر وجودي، وكل ~~موجود وحادث فالله هو الذي يحدثه. # وذلك أن ms026 الحسنات إما فعل مأمور به، أو ترك منهي عنه، والترك أمر وجودي. ~~فترك الإنسان لما نهى عنه، ومعرفته بأنه ذنب قبيح، وبأنه سبب للعذاب، وبغضه ~~وكراهته له، ومنع نفسه منه إذا هويته، واشتهته، وطلبته كل هذه أمور وجودية، ~~كما أن معرفته بأن الحسنات - كالعدل والصدق حسنة، وفعله لها أمور وجودية. # ولهذا إنما يثاب الإنسان على فعل الحسنات إذا فعلها محبا لها بنية وقصد ~~فعلها ابتغاء وجه ربه، وطاعة لله ولرسوله، ويثاب على ترك السيئات إذا تركها ~~بالكراهة لها، والامتناع منها، قال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} ~~[الحجرات: 7] ، وقال تعالى: {من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن ~~الجنة هي المأوى} [النازعات: 40،41] ، وقال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] . # وفى الصحيحين عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثلاث من كن ~~فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان ~~يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر، بعد إذ أنقذه ~~الله منه، كما يكره أن يلقى في النار ". # PageV01P053 # وفى السنن عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أوثق عرى ~~الإيمان الحب في الله، والبغض في الله ". # وفيها عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من أحب لله، وأبغض ~~لله، وأعطى لله، ومنع الله، فقد استكمل الإيمان ". # وفى الصحيح عن أبى سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من ~~رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ~~وذلك أضعف الإيمان ". # وفى الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه لما ذكر الخلوف قال: " من ~~جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو ~~مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل "، وقد قال تعالى: {قد كانت لكم ~~أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم ms027 إنا براء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ~~تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله ~~من شيء} [الممتحنة: 4] . # وقال على لسان الخليل: {إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه ~~سيهدين} [الزخرف: 26، 27] ،وقال: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [الشعراء: 75 77] ، وقال: {فلما ~~أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 78،79] . # فهذا البغض والعداوة والبراءة - مما يعبد من دون الله ومن عابديه - هي ~~أمور موجودة في القلب، وعلى اللسان والجوارح، كما أن حب الله وموالاته # PageV01P054 # وموالاة أوليائه أمور موجودة في القلب، وعلى اللسان والجوارح، وهي تحقيق ~~قول " لا إله إلا الله "، وهو إثبات تأليه القلب لله حبا خالصا وذلا صادقا، ~~ومنع تأليهه لغير الله، وبغض ذلك وكراهته، فلا يعبد إلا الله، ويحب أن ~~يعبده، ويبغض عبادة غيره ويحب التوكل عليه وخشيته ودعاءه، ويبغض التوكل على ~~غيره وخشيته ودعاءه. # فهذه كلها أمور موجودة في القلب، وهي الحسنات التي يثيب الله عليها. # وأما مجرد عدم السيئات، من غير أن يعرف أنها سيئة، ولا يكرهها، بل لا ~~يفعلها لكونها لم تخطر بباله، أو تخطر كما تخطر الجمادات التي لا يحبها ولا ~~يبغضها، فهذا لا يثاب على عدم ما يفعله من السيئات، ولكن لا يعاقب أيضا على ~~فعلها، فكأنه لم يفعلها، فهذا تكون السيئات في حقه بمنزلتها في حق الطفل ~~والمجنون والبهيمة، لا ثواب ولا عقاب. # ولكن إذا قامت عليه الحجة بعلمه تحريمها؛ فإن لم يعتقد تحريمها ويكرهها ~~وإلا عوقب على ترك الإيمان بتحريمها. # فصل # وقد تنازع الناس في الترك: هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ والأكثرون على أنه ~~وجودي. # وقالت طائفة كأبي هاشم بن الجبائي: إنه عدمي، وأن المأمور يعاقب على مجرد ~~عدم الفعل، لا على ترك يقوم بنفسه، ويسمون " المذمية "؛ لأنهم رتبوا الذم ~~على ms028 العدم المحض. # والأكثرون يقولون: الترك أمر وجودي، فلا يثاب من ترك المحظور إلا على ترك ~~يقوم بنفسه. وتارك المأمور إنما يعاقب على ترك يقوم بنفسه، وهو أن يأمره ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالفعل فيمتنع، فهذا الامتناع أمر وجودي؛ # PageV01P055 # ولذلك فهو يشتغل عما أمر به بفعل ضده، كما يشتغل عن عبادة الله وحده ~~بعبادة غيره، فيعاقب على ذلك. # ولهذا كان كل من لم يعبد الله وحده، فلابد أن يكون عابدا لغيره، يعبد ~~غيره فيكون مشركا. وليس في بني آدم قسم ثالث، بل إما موحد، أو مشرك، أو من ~~خلط هذا بهذا كالمبدلين من أهل الملل؛ النصارى ومن أشبههم من الضلال، ~~المنتسبين إلى الإسلام، قال الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} [النحل: 98 100] ، وقد قال ~~تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42] ~~لما قال إبليس: {لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين} قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين} [الحجر: 39،42] . # فإبليس لا يغوى المخلصين، ولا سلطان له عليهم، إنما سلطانه على الغاوين، ~~وهم الذين يتولونه، وهم الذين به مشركون. # وقوله: {الذين يتولونه والذين هم به مشركون} صفتان لموصوف واحد. فكل من ~~تولاه فهو به مشرك، وكل من أشرك به فقد تولاه. # قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} [يس: 60، 61] . # وكل من عبد غير الله فإنما يعبد الشيطان، وإن كان يظن أنه يعبد الملائكة ~~والأنبياء، وقال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء # PageV01P056 # إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن أكثرهم بهم مؤمنون} [سبأ: 40، 41] . # ولهذا تتمثل الشياطين لمن يعبد الملائكة والأنبياء والصالحين ويخاطبونهم، ~~فيظنون أن الذي خاطبهم ملك أو نبي، أو ولي ms029 وإنما هو شيطان، جعل نفسه ملكا ~~من الملائكة، كما يصيب عباد الكواكب وأصحاب العزائم والطلسمات، يسمون ~~أسماء، يقولون: هي أسماء الملائكة، مثل منططرون وغيره، وإنما هي أسماء ~~الجن. # وكذلك الذين يدعون المخلوقين من الأنبياء والأولياء والملائكة، قد يتمثل ~~لأحدهم من يخاطبه، فيظنه النبي، أو الصالح الذي دعاه، وإنما هو شيطان تصور ~~في صورته، أو قال: أنا هو، لمن لم يعرف صورة ذلك المدعو. # وهذا كثير يجري لمن يدعو المخلوقين، من النصارى ومن المنتسبين إلى ~~الإسلام، يدعونهم عند قبورهم، أو مغيبهم، ويستغيثون بهم، فيأتيهم من يقول: ~~إنه ذلك المستغاث به، في صورة آدمي، إما راكبا، وإما غير راكب. فيعتقد ~~المستغيث أنه ذلك النبي، والصالح، أو أنه سره، أو روحانيته، أو رقيقته أو ~~المعنى تشكل، أو يقول: إنه ملك جاء على صورته، وإنما هو شيطان يغويه؛ لكونه ~~أشرك بالله ودعا غيره؛ الميت فمن دونه. فصار للشيطان عليه سلطان بذلك ~~الشرك، فظن أنه يدعو النبي، أو الصالح، أو الملك، وأنه هو الذي شفع له، أو ~~هو الذي أجاب دعوته، وإنما هو الشيطان؛ ليزيده غلوا في كفره وضلاله. # فكل من لم يعبد الله مخلصا له الدين، فلابد أن يكون مشركا عابدا لغير ~~الله، وهو في الحقيقة عابد للشيطان. # PageV01P057 # فكل واحد من بنى آدم إما عابد للرحمن، وإما عابد للشيطان، قال تعالى: ~~{ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن ~~السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} ~~[الزخرف: 36 39] ، وقال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله ~~على كل شيء شهيد} [الحج: 17] . # فبنو آدم منحصرون في الأصناف الستة، وبسط هذا له موضع آخر. # فصل # والمقصود هنا أن الثواب والعقاب إنما يكون على عمل وجودي بفعل الحسنات، ~~كعبادة الله وحده، وترك السيئات، كترك الشرك أمر وجودي، وفعل السيئات، مثل ~~ترك ms030 التوحيد، وعبادة غير الله أمر وجودي، قال تعالى: {من جاء بالحسنة فله ~~خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا ~~يعملون} [القصص: 84] ، وقال تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها} [الإسراء: 7] ، وقال تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} ~~[فصلت: 46] ، وقال تعالى: {لللذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم ~~قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء ~~سيئة بمثلها وترهقهم ذلة} إلى قوله تعالى: {أولئك أصحاب بنار هم فيها ~~خالدون} [يونس: 26،27] وقال تعالى: {ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن ~~كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون} [الروم: 10] . # PageV01P058 # فأما عدم الحسنات والسيئات فجزاؤه عدم الثواب والعقاب. # وإذا فرض رجل آمن بالرسول مجملا، وبقي مدة لا يفعل كثيرا من المحرمات، ~~ولا سمع أنها محرمة، فلم يعتقد تحريمها، مثل من آمن ولم يعلم أن الله حرم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير، ولا علم أنه حرم نكاح الأقارب سوى أربعة أصناف، ~~ولا حرم بالمصاهرة أربعة أصناف حرم على كل من الزوجين أصول الآخر وفروعه ~~فإذا آمن ولم يفعل هذه المحرمات، ولا اعتقد تحريمها؛ لأنه لم يسمع ذلك، ~~فهذا لا يثاب ولا يعاقب. # ولكن إذا علم التحريم فاعتقده، أثيب على اعتقاده، وإذا ترك ذلك مع دعاء ~~النفس إليه أثيب ثوابا آخر، كالذي تدعوه نفسه إلى الشهوات فينهاها، كالصائم ~~الذي تشتهي نفسه الأكل والجماع فينهاها، والذي تشتهي نفسه شرب الخمر ~~والفواحش فينهاها. فهذا يثاب ثوابا آخر، بحسب نهيه لنفسه، وصبره على ~~المحرمات، واشتغاله بالطاعات التي هي ضدها، فإذا فعل تلك الطاعات، كانت ~~مانعة له عن المحرمات. # وإذا تبين هذا، فالحسنات التي يثاب عليها كلها وجودية، نعمة من الله ~~تعالى وما أحبته النفس من ذلك، وكرهته من السيئات، فهو الذي حبب الإيمان ~~إلى المؤمنين، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان. # فصل # وأما السيئات، فمنشؤها الجهل والظلم، فإن أحدا لا يفعل سيئة قبيحة إلا ~~لعدم علمه بكونها سيئة قبيحة، أو لهواه وميل نفسه إليها. ms031 # ولا يترك حسنة واجبة إلا لعدم علمه بوجوبها، أو لبغض نفسه لها. # PageV01P059 # وفى الحقيقة، فالسيئات كلها ترجع للجهل، وإلا فلو كان عالما علما نافعا ~~بأن فعل هذا يضره ضررا راجحا ولم يفعله؛ فإن هذا خاصية العاقل؛ ولهذا إذا ~~كان من الحسنات ما يعلم أنه يضره ضرارا راجحا، كالسقوط من مكان عال، أو في ~~نهر يغرقه، أو المرور بجنب حائط مائل، أو دخول نار متأججة، أو رمي ماله في ~~البحر ونحو ذلك، لم يفعله، لعلمه بأن هذا ضرر لا منفعة فيه. ومن لم يعلم أن ~~هذا يضره كالصبي، والمجنون، والساهي، والغافل فقد يفعل ذلك. # ومن أقدم على ما يضره مع علمه بما فيه من الضرر عليه فلظنه أن منفعته ~~راجحة. # فإما أن يجزم بضرر مرجوح، أو يظن أن الخير راجح، فلابد من رجحان الخير، ~~إما في الظن وإما في المظنون، كالذي يركب البحر ويسافر الأسفار البعيدة ~~للربح، فإنه لو جزم بأنه يغرق أو يخسر لما سافر، لكنه يترجح عنده السلامة ~~والربح، وإن كان مخطئا في هذا الظن. # وكذلك الذنوب، إذا جزم السارق بأنه يؤخذ ويقطع، لم يسرق. وكذلك الزاني، ~~إذا جزم بأنه يرجم، لم يزن. والشارب يختلف حاله، فقد يقدم على جلد أربعين ~~وثمانين، ويديم الشرب مع ذلك؛ ولهذا كان الصحيح: أن عقوبة الشارب غير ~~محدودة، بل يجوز أن تنتهي إلى القتل، إذا لم ينته إلا بذلك، كما جاءت بذلك ~~الأحاديث، كما هو مذكور في غير هذا الموضع. # وكذلك العقوبات، متى جزم طالب الذنب بأنه يحصل له به الضرر الراجح لم ~~يفعله، بل إما ألا يكون جازما بتحريمه، أو يكون غير جازم بعقوبته، بل يرجو ~~العفو بحسنات، أو توبة، أو بعفو الله، أو يغفل عن هذا كله، ولا يستحضر ~~تحريما، ولا وعيدا فيبقى غافلا غير مستحضر للتحريم، والغفلة من أضداد ~~العلم. # PageV01P060 # فصل # فالغفلة والشهوة أصل الشر، قال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28] ، والهوى وحده لا يستقل بفعل ~~السيئات إلا مع الجهل، وإلا ms032 فصاحب الهوى إذا علم قطعا أن ذلك يضره ضررا ~~راجحا، انصرفت نفسه عنه بالطبع؛ فإن الله تعالى جعل في النفس حبا لما ~~ينفعها، وبغضا لما يضرها، فلا تفعل ما تجزم بأنه يضرها ضررا راجحا، بل متى ~~فعلته كان لضعف العقل. # ولهذا يوصف هذا بأنه عاقل، وذو نهى، وذو حجى. # ولهذا كان البلاء العظيم من الشيطان، لا من مجرد النفس؛ فإن الشيطان يزين ~~لها السيئات، ويأمرها بها، ويذكر لها ما فيها من المحاسن التي هي منافع لا ~~مضار، كما فعل إبليس بآدم وحواء، فقال: {يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ~~وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما} [طه: 120، 121] ، وقال: {وقال ~~ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} ~~[الأعراف: 20] . # ولهذا قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ~~وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} [الزخرف: 36، 37] ، وقال ~~تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} [فاطر: 8] ، وقال تعالى: {ولا ~~تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل ~~أمة # PageV01P061 # عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون} [الأنعام: 108] . # وقوله: {زينا لكل أمة عملهم} هو بتوسيط تزيين الملائكة والأنبياء ~~والمؤمنين للخير، وتزيين شياطين الجن والإنس للشر، قال تعالى: {وكذلك زين ~~لكثير من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم} ~~[الأنعام: 137] . # فأصل ما يوقع الناس في السيئات الجهل، وعدم العلم بكونها تضرهم ضررا ~~راجحا، أو ظن أنها تنفعهم نفعا راجحا؛ ولهذا قال الصحابة رضي الله عنهم: كل ~~من عصى الله فهو جاهل، وفسروا بذلك قوله تعالى: {إنما التوبة على الله ~~للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} [النساء: 17] ، كقوله: {وإذا ~~جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من ~~عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} [الأنعام: 54] ~~، ولهذا يسمى حال فعل السيئات: الجاهلية؛ فإنه يصاحبها حال من حال جاهلية. # قال أبو العالية: ms033 سألت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: ~~{إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} ~~[النساء: 17] فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل. ومن تاب قبيل الموت، فقد ~~تاب من قريب. # وعن قتادة قال: أجمع أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ~~من عصى ربه فهو في جهالة، عمدا كان أو لم يكن، وكل من عصى الله فهو جاهل. ~~وكذلك قال التابعون ومن بعدهم. # قال مجاهد: من عمل ذنبا من شيخ أو شاب فهو بجهالة. وقال: من عصى ربه فهو ~~جاهل، حتى ينزع عن معصيته. وقال أيضا: هو إعطاء الجهالة العمد. # PageV01P062 # وقال مجاهد أيضا: من عمل سوءا خطأ، أو إثما عمدا، فهو جاهل، حتى ينزع ~~منه. رواهن ابن أبي حاتم. ثم قال: وروى عن قتادة، وعمرو بن مرة، والثوري، ~~ونحو ذلك: خطأ، أو عمدا. # وروى عن مجاهد والضحاك قالا: ليس من جهالته ألا يعلم حلالا ولا حراما، ~~ولكن من جهالته: حين دخل فيه. وقال عكرمة: الدنيا كلها جهالة. # وعن الحسن البصري: أنه سئل عنها، فقال: هم قوم لم يعلموا ما لهم مما ~~عليهم. قيل له: أرأيت لو كانوا قد علموا؟ قال: فليخرجوا منها، فإنها جهالة. # قلت: ومما يبين ذلك قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ~~[فاطر: 28] ، وكل من خشيه، وأطاعه، وترك معصيته، فهو عالم، كما قال تعالى: ~~{أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] . # وقال رجل للشعبى: أيها العالم. فقال: إنما العالم من يخشى الله. # وقوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} يقتضي أن كل من خشى الله ~~فهو عالم؛ فإنه لا يخشاه إلا عالم. # ويقتضي أيضا أن العالم من يخشى الله كما قال السلف. # قال ابن مسعود: كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار جهلا. # PageV01P063 # ومثل هذا الحصر يكون من الطرفين، حصر الأول في الثاني، وهو مطرد، وحصر ~~الثاني في الأول نحو ms034 قوله: {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} ~~[يس: 11] ، وقوله: {إنما أنت منذر من يخشاها} [النازعات: 45] ، وقوله: ~~{إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 15، 16] . # وذلك أنه أثبت الخشية للعلماء، ونفاها عن غيرهم، وهذا كالاستثناء؛ فإنه ~~من النفي إثبات، عند جمهور العلماء، كقولنا: " لا إله إلا الله "، وقوله ~~تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 82] ، وقوله: {ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] ، وقوله: {ولا يأتونك بمثل إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} [الفرقان: 33] . # وقد ذهب طائفة إلى أن المستثنى مسكوت عنه، لم يثبت له ما ذكر، ولم ينف ~~عنه. # وهؤلاء يقولون ذلك في صيغة الحصر بطريق الأولى، فيقولون: نفي الخشية عن ~~غير العلماء، ولم يثبتها لهم. # والصواب: قول الجمهور، أن هذا كقوله: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق} [الأعراف: 33] فإنه ينفي التحريم عن ~~غير هذه الأصناف ويثبتها لها، لكن أثبتها للجنس، أو لكل واحد واحد من ~~العلماء، كما يقال: إنما يحج المسلمون، ولا يحج إلا مسلم، وذلك أن المستثنى ~~هل هو مقتض أو شرط؟ # ففي هذه الآية وأمثالها هو مقتض، فهو عام؛ فإن العلم بما أنذرت به # PageV01P064 # الرسل يوجب الخوف. فإذا كان العلم يوجب الخشية الحاملة على فعل الحسنات، ~~وترك السيئات، وكل عاص فهو جاهل، ليس بتام العلم. يبين ما ذكرنا من أن أصل ~~السيئات الجهل، وعدم العلم. وإذا كان كذلك، فعدم العلم ليس شيئا موجودا، بل ~~هو مثل عدم القدرة، وعدم السمع والبصر، وسائر الأعدام. # والعدم لا فاعل له، وليس هو شيئا، وإنما الشيء الموجود. والله تعالى خالق ~~كل شيء، فلا يجوز أن يضاف العدم المحض إلى الله، لكن قد يقترن به ما هو ~~موجود. # فإذا لم يكن عالما بالله، لا يدعوه إلى الحسنات، وترك السيئات. # والنفس بطبعها متحولة، فإنها حية، والإرادة والحركة الإرادية من لوازم ~~الحياة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ms035 الصحيح: " أصدق ~~الأسماء حارث وهمام "، فكل آدمي حارث وهمام، أي عامل كاسب، وهو همام، أي: ~~يهم ويريد، فهو متحرك بالإرادة. # وقد جاء في الحديث: " مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة " [فلاة: أي لا ~~ماء فيها. انظر: القاموس مادة: فلو] ، " وللقلب أشد تقلبا من القدر إذا ~~استجمعت غليانا ". # فلما كانت الإرادة والعمل من لوازم ذاتها، فإذا هداها الله، علمها ما ~~ينفعها وما يضرها، فأرادت ما ينفعها، وتركت ما يضرها. # فصل # والله سبحانه قد تفضل على بنى آدم بأمرين، هما أصل السعادة: # أحدهما: أن كل مولود يولد على الفطرة، كما في الصحيحين عن # PageV01P065 # النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه ~~يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون ~~فيها من جدعاء؟ " ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها} ، قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} [الروم: 30] . # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقول ~~الله تعالى: خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت ~~لهم، وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا ". # فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت مقرة لله بالإلهية، محبة له، تعبده لا تشرك ~~به شيئا، ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الإنس والجن بما يوحى بعضهم إلى ~~بعض من الباطل، قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون} [الأعراف: 172، 173] . # وتفسير هذه الآية مبسوط في غير هذا الموضع. # الثاني: أن الله تعالى قد هدى الناس هداية عامة بما جعل فيهم بالفطرة من ~~المعرفة وأسباب العلم، وبما أنزل إليهم من الكتب، وأرسل إليهم من الرسل، ~~قال تعالى: {اقرأ ms036 باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم ~~الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق: 1 5] ، وقال تعالى: # PageV01P066 # {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان} [الرحمن: 1 4] وقال تعالى: ~~{سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى} [الأعلى: 1 3] ، وقال ~~تعالى: {وهديناه النجدين} [البلد: 10] . # ففي كل أحد ما يقتضى معرفته بالحق ومحبته له، وقد هداه ربه إلى أنواع من ~~العلم يمكنه أن يتوصل بها إلى سعادة الأولى والآخرة. وجعل في فطرته محبة ~~لذلك، لكن قد يعرض الإنسان بجاهليته وغفلته عن طلب علم ما ينفعه. # وكونه لا يطلب ذلك، ولا يريده، أمر عدمي، لا يضاف إلى الله تعالى فلا ~~يضاف إلى الله لا عدم علمه بالحق، ولا عدم إرادته للخير. # لكن النفس كما تقدم الإرادة والحركة من لوازمها، فإنها حية حياة طبيعية، ~~لكن سعادتها ونجاتها إنما تتحقق بأن تحيا الحياة النافعة الكاملة، وكان ما ~~لها من الحياة الطبيعية موجبا لعذابها، فلا هي حية متنعمة بالحياة، ولا هي ~~ميتة مستريحة من العذاب، قال تعالى: {فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ~~ويتجنبها الأشقي الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى} ~~[الأعلى: 9-13] ، فالجزاء من جنس العمل، لما كان في الدنيا ليس بحي الحياة ~~النافعة التي خلق لأجلها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتا ~~عديم الإحساس، كان في الآخرة كذلك، فإن مقصود الحياة هو حصول ما ينتفع به ~~الحي ويستلذ به، والحي لابد له من لذة أو ألم، فإذا لم تحصل له اللذة لم ~~يحصل له مقصود الحياة؛ فإن الألم ليس مقصودا. # كمن هو حي في الدنيا، وبه أمراض عظيمة لا تدعه يتنعم بشيء مما يتنعم به ~~الأحياء، فهذا يبقى طول حياته يختار الموت، ولا يحصل له. # PageV01P067 # فلما كان من طبع النفس الملازم لها وجود الإرادة والعمل، إذ هو حارث ~~همام، فإن عرفت الحق وأرادته، وأحبته وعبدته، فذلك من تمام إنعام الله ~~عليها. وإلا فهي بطبعها لابد لها من ms037 مراد معبود غير الله، ومرادات سيئة ~~تضرها، فهذا الشر قد تركب من كونها لم تعرف الله ولم تعبده، وهذا عدم لا ~~يضاف إلى فاعل، ومن كونها بطبعها لابد لها من مراد معبود، فعبدت غيره. وهذا ~~هو الشر الذي تعذب عليه، وهو من مقتضى طبعها مع عدم هداها. # والقدرية يعترفون بهذا جميعه، وبأن الله خلق الإنسان مريدا، لكن يجعلون ~~المخلوق كونه مريدا بالقوة والقبول، أي قابلا لأن يريد هذا وهذا. # وأما كونه مريدا لهذا المعين، وهذا المعين، فهذا عندهم ليس مخلوقا لله ~~وغلطوا في ذلك غلطا فاحشا؛ فإن الله خالق هذا كله. # وإرادة النفس لما يريده من الذنوب وفعلها، هو من جملة مخلوقات الله ~~تعالى؛ فإن الله خالق كل شيء، وهو الذي ألهم النفس التي سواها فجورها ~~وتقواها. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: " اللهم آت نفسي تقواها، ~~وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها ". # وهو سبحانه جعل إبراهيم وآله أئمة يهدون بأمره، وجعل فرعون وآله أئمة ~~يدعون إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون. # لكن هذا لا يضاف مفردا إلى الله تعالى لوجهين: من جهة علته الغائية، ومن ~~جهة سببه وعلته الفاعلية. # أما الغائية، فإن الله إنما خلقه لحكمة هو باعتبارها خير لا شر، وإن كان # PageV01P068 # شرا إضافيا، فإذا أضيف مفردا توهم المتوهم مذهب جهم: أن الله يخلق الشر ~~المحض الذي لا خير فيه لأحد لا لحكمة ولا رحمة، والأخبار والسنة والاعتبار ~~تبطل هذا المذهب. # كما أنه إذا قيل: محمد وأمته يسفكون الدماء، ويفسدون في الأرض، كان هذا ~~ذما لهم، وكان باطلا. وإذا قيل: يجاهدون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي ~~العليا، ويكون الدين كله لله، ويقتلون من منعهم من ذلك، كان هذا مدحا لهم، ~~وكان حقا. # فإذا قيل: إن الرب تبارك وتعالى حكيم رحيم، أحسن كل شيء خلقه، وأتقن ما ~~صنع، وهو أرحم الراحمين، أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والخير كله بيديه، ~~والشر ليس إليه، بل لا يفعل إلا خيرا، وما خلقه من ألم لبعض ms038 الحيوانات أو ~~من أعمالهم المذمومة، فله فيها حكمة عظيمة، ونعمة جسيمة كان هذا حقا، وهو ~~مدح للرب وثناء عليه. # وأما إذا قيل: إنه يخلق الشر الذي لا خير فيه ولا منفعة لأحد، ولا له ~~فيها حكمة ولا رحمة، ويعذب الناس بلا ذنب لم يكن هذا مدحا للرب، ولا ثناء ~~عليه، بل كان بالعكس. # ومن هؤلاء من يقول: إن الله تعالى أضر على خلقه من إبليس. # وبسط القول في بيان فساد قول هؤلاء له موضع آخر. # وقد بينا بعض ما في خلق جهنم وإبليس والسيئات من الحكمة والرحمة، وما لم ~~نعلم أعظم مما علمناه. # فتبارك الله أحسن الخالقين، وأرحم الراحمين، وخير الغافرين، ومالك يوم ~~الدين، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، الذي لا ~~يحصى العباد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، الذي له الحمد في الأولى # PageV01P069 # والآخر، وله الحكم وإليه ترجعون، الذي يستحق الحمد والحب والرضا لذاته، ~~ولإحسانه إلى عباده سبحانه وتعالى يستحق أن يحمد لما له في نفسه من المحامد ~~والإحسان إلى عباده. هذا حمد شكر، وذاك حمد مطلقا. # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما قيل: من أن كل ما خلقه الله فهو نعمة على ~~عباده المؤمنين، يستحق أن يحمدوه ويشكروه عليه، وهو من آلائه؛ ولهذا قال في ~~آخر سورة النجم: {فبأي آلاء ربك تتمارى} [النجم: 55] ، وفى سورة الرحمن ~~يذكر: {كل من عليها فان} [الرحمن: 26] ونحو ذلك، ثم يقول عقب ذلك: {فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن: 28] . # وقال آخرون منهم الزجاج، وأبو الفرج ابن الجوزي: {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان} أي: من هذه الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها ينعم بها عليكم في ~~دلالتها إياكم على وحدانيته، وفي رزقه إياكم ما به قوامكم. # وهذا قالوه في سورة الرحمن. # وقالوا في قوله: {فبأي آلاء ربك تتمارى} [النجم: 55] ؟ : فبأي نعم ربك ~~التي تدل على وحدانيته تتشكك؟ وقيل: تشك وتجادل؟ قال ابن عباس: تكذب؟ # قلت: قد ضمن {تتمارى} معنى تكذب؛ ولهذا عداه بالتاء؛ فإن التماري تفاعل ~~من المراء. ms039 يقال: تمارينا في الهلال. والمراء في القرآن كفر، وهو يكون ~~تكذيب وتشكيك. # وقد يقال: لما كان الخطاب لهم، قال: {تتمارى} أي يتمارون، ولم يقل: ~~تميرا؛ فإن التفاعل يكون بين اثنين تماريا. قالوا: والخطاب للإنسان. قيل: # PageV01P070 # للوليد بن المغيرة؛ فإنه قال: {أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي ~~وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى} [النجم 36-38] ، ثم التفت إليه فقال: {فبأي ~~آلاء ربك تتمارى} تكذب، كما قال: {خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان ~~من مارج من نار فبأي آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن: 14-16] . # ففي كل ما خلقه الله إحسان إلى عباده، يحمد عليه حمد شكر، وله فيه حكمة ~~تعود إليه، يستحق لأجلها أن يحمد عليه حمدا يستحقه لذاته. # فجميع المخلوقات فيها إنعام على العباد، كالثقلين المخاطبين بقوله: {فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان} من جهة أنها آيات للرب، يحصل بها هدايتهم وإيمانهم الذي ~~يسعدون به في الدنيا والآخرة، فيدلهم عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه ~~وحكمته ورحمته. # والآيات التي بعث بها الأنبياء وأيدهم بها ونصرهم، وإهلاك عدوهم كما ذكره ~~في سورة النجم: {وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل ~~إنهم كانوا هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى} [النجم: 50 54] ، ~~تدلهم على صدق الأنبياء فيما أخبروا به من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ~~ما بشروا به وأنذروا به. # ولهذا قال عقيب ذلك: {هذا نذير من النذر الأولى} [النجم: 56] ، قيل: هو ~~محمد. وقيل: هو القرآن؛ فإن الله سمى كلا منهما بشيرا ونذيرا، فقال في رسول ~~الله: {إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} [الأعراف: 188] ، وقال تعالى: ~~{إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} [الأحزاب: 45] ، وقال تعالى في القرآن: ~~{كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا} [فصلت: 3، 4] ، ~~وهما متلازمان. # PageV01P071 # وكل من هذين المعنيين مراد، يقال: هذا نذير أنذر بما أنذرت به الرسل ~~والكتب الأولى. # وقوله: {من النذر} أي:من جنسها، أي رسول من الرسل المرسلين. # ففي المخلوقات نعم من جهة حصول الهدى والإيمان، والاعتبار والموعظة بها. ~~وهذه أفضل النعم. # فأفضل ms040 النعم نعمة الإيمان وكل مخلوق من المخلوقات فهو الآيات التي يحصل ~~بها ما يحصل من هذه النعمة، قال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألباب} [يوسف: 111] ، وقال تعالى: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} [ق: 8] . # وما يصيب الإنسان، إن كان يسره فهو نعمة بينة، وإن كان يسؤوه فهو نعمة من ~~جهة أنه يكفر خطاياه، ويثاب بالصبر عليه. ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا ~~يعلمها {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216] # وقد قال في الحديث: " والله، لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، ~~إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له ". ~~وإذا كان هذا وهذا، فكلاهما من نعم الله عليه. # وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى الصبر. # أما نعمة الضراء، فاحتياجها إلى الصبر ظاهر، وأما نعمة السراء، فتحتاج # PageV01P072 # إلى الصبر على الطاعة فيها؛ فإن فتنة السراء أعظم من فتنة الضراء، كما ~~قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر. # وفى الحديث: " أعوذ بك من فتنة الفقر، وشر فتنة الغنى ". # والفقر يصلح عليه خلق كثير، والغنى لا يصلح عليه إلا أقل منهم. # ولهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين؛ لأن فتنة الفقر أهون وكلاهما ~~يحتاج إلى الصبر والشكر، لكن لما كان في السراء اللذة، وفى الضراء الألم، ~~اشتهر ذكر الشكر في السراء، والصبر في الضراء، قال تعالى: {ولئن أذقنا ~~الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ~~ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} [هود: 9 11] ، ولأن صاحب السراء أحوج ~~إلى الشكر، وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر؛ فإن صبر هذا وشكر هذا واجب، إذا ~~تركه استحق العقاب. # وأما صبر صاحب السراء، فقد يكون مستحبا إذا كان عن فضول الشهوات، وقد ~~يكون واجبا، ولكن لإتيانه بالشكر الذي هو حسنات يغفر له ms041 ما يغفر من سيئاته. # وكذلك صاحب الضراء، لا يكون الشكر في حقه مستحبا إذا كان شكرا يصير به من ~~السابقين المقربين. وقد يكون تقصيره في الشكر مما يغفر له، لما يأتي به من ~~الصبر؛ فإن اجتماع الشكر والصبر جميعا يكون مع تألم النفس وتلذذها، يصبر ~~على الألم، ويشكر على النعم. وهذا حال يعسر على كثير من الناس، وبسط هذا له ~~موضع آخر. # PageV01P073 # والمقصود هنا أن الله تعالى منعم بهذا كله، وإن كان لا يظهر الإنعام به ~~في الابتداء لأكثر الناس، فإن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، فكل ما يفعله ~~الله فهو نعمة منه. # وأما ذنوب الإنسان، فهي من نفسه، ومع هذا فهي مع حسن العاقبة نعمة، وهي ~~نعمة على غيره بما يحصل له بها من الاعتبار والهدى والإيمان؛ ولهذا كان من ~~أحسن الدعاء قوله: " اللهم لا تجعلني عبرة لغيري، ولا تجعل أحدا أسعد بما ~~علمتني منى ". # وفي دعاء القرآن: {ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} [يونس: 85] ، و ~~{لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} [الممتحنة: 5] ، كما فيه: {واجعلنا للمتقين ~~إماما} [الفرقان: 74] أي: فاجعلنا أئمة لمن يقتدي بنا ويأتم، ولا تجعلنا ~~فتنة لمن يضل بنا ويشقي. # و" الآلاء " في اللغة: هي النعم، وهي تتضمن القدرة. # قال ابن قتيبة: لما عدد الله في هذه السورة سورة الرحمن نعماءه، وذكر ~~عباده آلاءه ونبههم على قدرته، جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين نعمتين، ليفهم ~~النعم ويقررهم بها. # وقد روى الحاكم في صحيحه والترمذي، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمن حتى ختمها، ثم قال: " ~~مالي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية من ~~مرة {فبأي آلاء ربكما تكذبان} إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك ~~الحمد ". # والله تعالى يذكر في القرآن بآياته الدالة على قدرته وربوبيته، # PageV01P074 # ويذكر بآياته التي فيها نعمه وإحسانه إلى عباده، ويذكر بآياته المبينة ~~لحكمته تعالى، وهي كلها متلازمة. # فكل ما خلق فهو نعمة، ms042 ودليل على قدرته وعلى حكمته. # لكن نعمة الرزق، والانتفاع بالمآكل والمشارب والمساكن والملابس ظاهرة لكل ~~أحد؛ فلهذا يستدل بها كما في سورة النحل وتسمى سورة النعم، كما قاله قتادة ~~وغيره. # وعلى هذا، فكثير من الناس يقول: الحمد أعم من الشكر، من جهة أسبابه، فإنه ~~يكون على نعمة وعلى غير نعمة، والشكر أعم من جهة أنواعه؛ فإنه يكون بالقلب ~~واللسان واليد. # فإذا كان كل مخلوق فيه نعمة، لم يكن الحمد إلا على نعمة، والحمد لله على ~~كل حال؛ لأنه ما من حال يقضيها إلا وهي نعمة على عباده. # لكن هذا فهم من عرف ما في المخلوقات من النعم. والجهمية والجبرية بمعزل ~~عن هذا. # وكذلك كل ما يخلقه، ففيه له حكمة، فهو محمود عليه باعتبار تلك الحكمة ~~والجهمية أيضا بمعزل عن هذا. # وكذلك القدرية الذين يقولون: لا تعود الحكمة إليه، بل ما ثم إلا نفع ~~الخلق فما عندهم إلا شكر، كما ليس عند الجهمية إلا قدرة. # والقدرة المجردة عن نعمة وحكمة لا يظهر فيها وصف حمد، كالقادر الذي يفعل ~~ما لا ينتفع به، ولا ينفع به أحدا، فهذا لا يحمد. # فحقيقة قول الجهمية أتباع جهم أنه لا يستحق الحمد، فله عندهم ملك بلا ~~حمد، مع تقصيرهم في معرفة ملكه. # PageV01P075 # كما أن المعتزلة له عندهم من الحمد بلا ملك تام؛ إذ كان عندهم يشاء ما لا ~~يكون، ويكون ما لا يشاء، وتحدث حوادث بلا قدرته. # وعلى مذهب السلف، له الملك وله الحمد تامين، وهو محمود على حكمته، كما هو ~~محمود على قدرته ورحمته. # وقد قال: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} [آل عمران: 18] ، فله الوحدانية في ~~إلهيته، وله العدل، وله العزة والحكمة. # وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم، فمن قصر عن معرفة السنة، فقد ~~نقص الرب بعض حقه. # والجهمي الجبري لا يثبت عدلا ولا حكمة، ولا توحيد إلهية، بل توحيد ~~ربوبيته. # والمعتزلي أيضا لا يثبت في الحقيقة توحيد إلهية ولا عدلا ms043 في الحسنات ~~والسيئات، ولا عزة ولا حكمة في الحقيقة، وإن قال: إنه يثبت الحكمة بما ~~معناها يعود إلى غيره. وتلك لا يصلح أن تكون حكمة، من فعل لا لأمر يرجع ~~إليه، بل لغيره هو عند العقلاء قاطبة بها ليس بحكيم، بل سفيه. # وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة، فقد ثبت أنه رأس الشكر، فهو أول ~~الشكر. # والحمد وإن كان على نعمته وعلى حكمته، فالشكر بالأعمال هو على نعمته، وهو ~~عبادة له لإلهيته التي تتضمن حكمته، فقد صار مجموع الأمور داخلا في الشكر. # ولهذا عظم القرآن أمر الشكر، ولم يعظم أمر الحمد مجردا؛ إذ كان نوعا من ~~الشكر. # PageV01P076 # وشرع الحمد الذي هو الشكر المقول أمام كل خطاب مع التوحيد. # ففي الفاتحة الشكر والتوحيد، والخطب الشرعية لابد فيها من الشكر ~~والتوحيد. والباقيات الصالحات نوعان؛ فسبحان الله وبحمده فيها الشكر ~~والتنزيه والتعظيم، ولا إله إلا الله، والله أكبر فيها التوحيد والتكبير. # وقد قال تعالى: {فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} [غافر: ~~65] . # وهل الحمد على كل ما يحمد به الممدوح، وإن لم يكن باختياره، أو لا يكون ~~الحمد إلا على الأمور الاختيارية، كما قيل في الذم؟ فيه نظر ليس هذا موضعه. # وفى الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع ~~يقول: " ربنا ولك الحمد، ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، ~~أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا ~~معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ". هذا لفظ الحديث. " أحق ": ~~أفعل التفضيل. # وقد غلط فيه طائفة من المصنفين، فقالوا: " حق ما قال العبد "، وهذا ليس ~~لفظ الرسول. وليس هو بقول سديد؛ فإن العبد يقول الحق والباطل، بل حق ما ~~يقوله الرب، كما قال تعالى: {فالحق والحق أقول} [ص: 84] . # ولكن لفظه: " أحق ما قال العبد " خبر مبتدأ محذوف، أي الحمد أحق ما قال ~~العبد، أو هذا وهو الحمد أحق ما قال العبد. # PageV01P077 # ففيه بيان: ms044 أن الحمد لله أحق ما قاله العباد؛ ولهذا أوجب قوله في كل ~~صلاة، وأن تفتتح به الفاتحة، وأوجب قوله في كل خطبة، وفى كل أمر ذي بال. # والحمد ضد الذم، والحمد يكون على محاسن المحمود، مع المحبة له، كما أن ~~الذم يكون على مساويه، مع البغض له. # فإذا قيل: إنه سبحانه يفعل الخير والحسنات، وهو حكيم رحيم بعباده، أرحم ~~بعباده من الوالدة بولدها أوجب ذلك أن يحبه عباده ويحمدوه. # وأما إذا قيل: بل يخلق ما هو شر محض، لا نفع فيه، ولا رحمة، ولا حكمة ~~لأحد، وإنما يتصف بإرادة ترجح مثلا على مثل، لا فرق عنده بين أن يرحم أو ~~يعذب، وليست نفسه ولا إرادته مرجحة للإحسان إلى الخلق، بل تعذيبهم وتنعيمهم ~~سواء عنده، وهو مع هذا يخلق ما يخلق لمجرد العذاب والشر، ويفعل ما يفعل لا ~~لحكمة ونحو ذلك، مما يقوله الجهمية لم يكن هذا موجبا لأن يحبه العباد ~~ويحمدوه، بل هو موجب للعكس. # ولهذا فإن كثيرا من هؤلاء ينطقون بالذم والشتم والطعن، ويذكرون ذلك نظما ~~ونثرا. # وكثير من شيوخ هؤلاء وعلمائهم من يذكر في كلامه ما يقتضي هذا، ومن لم ~~يقله بلسانه فقلبه ممتلئ به، لكن يرى أن ليس في ذكره منفعة، أو يخاف من ~~عموم المسلمين. # وفي شعر طائفة من الشيوخ ذكر نحو هذا. # وهؤلاء يقيمون حجج إبليس وأتباعه على الله، ويجعلون الرب ظالما لهم. # وهو خلاف ما وصف الله به نفسه، في قوله تعالى: {وما ظلمناهم ولكن # PageV01P078 # كانوا هم الظالمين} [الزخرف: 76] ،وقوله: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا ~~أنفسهم} [هود: 101] ، وقوله: {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] . # كيف يكون ظالما وهم فيما بينهم لو أساء بعضهم إلى بعض، أو قصر في حقه ~~لكان يؤاخذه، ويعاقبه وينتقم منه، ويكون ذلك عدلا إذا لم يعتد عليه؟ ! # ولو قال: إن الذي فعلته قدر علي فلا ذنب لي فيه، لم يكن هذا عذرا له ~~عندهم باتفاق العقلاء. # فإذا كان العقلاء متفقين على أن حق المخلوق لا يجوز إسقاطه احتجاجا ~~بالقدر، فكيف يجوز إسقاط ms045 حق الخالق احتجاجا بالقدر وهو سبحانه الحكم العدل، ~~الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجرا عظيما؟ ~~وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # فقوله: " أحق ما قال العبد ": يقتضي أن حمد الله أحق ما قاله العبد، فله ~~الحمد على كل حال؛ لأنه لا يفعل إلا الخير والإحسان، الذي يستحق الحمد عليه ~~سبحانه وتعالى وإن كان العباد لا يعلمون. # وهو سبحانه خلق الإنسان، وخلق نفسه متحركة بالطبع حركة لابد فيها من الشر ~~لحكمة بالغة، ورحمة سابغة. # فإذا قيل: فلم لم يخلقها على غير هذا الوجه؟ # قيل: كان يكون ذلك خلقا غير الإنسان، وكانت الحكمة التي خلقها بخلق # PageV01P079 # الإنسان لا تحصل، وهذا سؤال الملائكة حيث قالوا: {أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء} [البقرة: 30] ، وما لم تعلمه الملائكة، فكيف يعلمه آحاد ~~الناس. # ونفس الإنسان خلقت كما قال الله تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه ~~الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا} [المعارج: 1921] ، وقال تعالى: {خلق ~~الإنسان من عجل} [الأنبياء: 37] . # فقد خلقت خلقة تستلزم وجود ما وجد منها لحكمة عظيمة، ورحمة عميمة، فكان ~~ذلك خيرا ورحمة، وإن كان فيه شر إضافي كما تقدم فهذا من جهة الغاية، مع أنه ~~لا يضاف الشر إلى الله. # وأما الوجه الثاني من جهة السبب: فإن هذا الشر إنما وجد لعدم العلم ~~والإرادة التي تصلح النفس، فإنها خلقت بفطرتها تقتضي معرفة الله ومحبته. ~~وقد هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك، وهذا كله من فضل الله وإحسانه، ~~لكن النفس المذنبة لما لم يحصل لها من يكملها، بل حصل لها من زين لها ~~السيئات من شياطين الإنس والجن مالت إلى ذلك، وفعلت السيئات، فكان فعلها ~~للسيئات مركبا من عدم ما ينفع وهو الأفضل، ووجود هؤلاء الذين حيروها، ~~والعدم لا يضاف إلى الله. وهؤلاء القول فيهم كالقول فيها؛ خلقهم لحكمة. # فلما كان عدم ما تعمل به وتصلح هو أحد السببين، وكان الشر المحض الذي لا ~~خير فيه هو العدم المحض، والعدم لا يضاف إلى الله؛ ms046 فإنه ليس شيئا، والله ~~خالق كل شيء كانت السيئات منها بأعتبار [أن] ذاتها في نفسها مستلزمة للحركة ~~الإرادية التي تحصل منها مع عدم ما يصلحها تلك السيئات. # PageV01P080 # والعبد إذا اعترف وأقر بأن الله خالق أفعاله كلها، فهو على وجهين: إن ~~اعترف به إقرارا بخلق الله كل شيء، بقدرته ونفوذ مشيئته، وإقرارا بكلماته ~~التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، واعترافا بفقره وحاجته إلى الله، ~~وأنه إن لم يهده فهو ضال، وإن لم يتب عليه فهو مصر، وإن لم يغفر له فهو ~~هالك خضع لعزته وحكمته فهذا حال المؤمنين الذين يرحمهم الله، ويهديهم ~~ويوفقهم لطاعته. # وإن قال ذلك احتجاجا على الرب، ودفعا للأمر والنهي عنه، وإقامة لعذر نفسه ~~- فهذا ذنب أعظم من الأول. وهذا من أتباع الشيطان، ولا يزيده ذلك إلا شرا، ~~وقد ذكرنا أن الرب سبحانه محمود لنفسه ولإحسانه إلى خلقه؛ ولذلك هو يستحق ~~المحبة لنفسه ولإحسانه إلى عباده، ويستحق أن يرضى العبد بقضائه؛ لأن حكمه ~~عدل لا يفعل إلا خيرا وعدلا، ولأنه لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له " ~~إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ". # فالمؤمن يرضى بقضائه لما يستحقه الرب لنفسه من الحمد والثناء ولأنه محسن ~~إلى المؤمن. # وما تسأله طائفة من الناس، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقضي ~~الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له ". وقد قضى عليه بالسيئات الموجبة ~~للعقاب، فكيف يكون ذلك خيرا؟ # وعنه جوابان: # أحدهما: أن أعمال العباد لم تدخل في الحديث، وإنما دخل فيه ما يصيب # PageV01P081 # الإنسان من النعم والمصائب، كما في قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] ؛ ولهذا قال: " إن أصابته سراء شكر ~~فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له "، فجعل القضاء ما يصيبه ~~من سراء وضراء. هذا ظاهر لفظ الحديث، فلا إشكال عليه. # الوجه الثاني: أنه إذا قدر أن الأعمال دخلت في هذا، فقد قال النبي صلى ~~الله ms047 عليه وسلم: " من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ". # فإذا قضى له بأن يحسن، فهذا مما يسره، فيشكر الله عليه. # وإذا قضى عليه بسيئة، فهي إنما تكون سيئة يستحق العقوبة عليها إذا لم يتب ~~منها، فإن تاب أبدلت بحسنة، فيشكر الله عليها، وإن لم يتب ابتلى بمصائب ~~تكفرها فصبر عليها، فيكون ذلك خيرا له. والرسول صلى الله عليه وسلم قال: " ~~لا يقضي الله للمؤمن "، والمؤمن هو الذي لا يصر على ذنب، بل يتوب منه، ~~فيكون حسنة، كما قد جاء في عدة آيات: أن العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة ~~بعمله، لا يزال يتوب منه حتى يدخل بتوبته منه الجنة. # والذنب يوجب ذل العبد وخضوعه، ودعاء الله واستغفاره إياه، وشهوده بفقره ~~وحاجته إليه، وأنه لا يغفر الذنوب إلا هو. # فيحصل للمؤمن بسبب الذنب من الحسنات ما لم يكن يحصل بدون ذلك، فيكون هذا ~~القضاء خيرا له. # فهو في ذنوبه بين أمرين: إما أن يتوب فيتوب الله عليه، فيكون من التوابين ~~الذين يحبهم الله. # PageV01P082 # وإما أن يكفر عنه بمصائب؛ تصيبه ضراء فيصبر عليها، فيكفر عنه السيئات ~~بتلك المصائب، وبالصبر عليها ترتفع درجاته. # وقد جاء في بعض الأحاديث: يقول الله تعالى: " أهل ذكرى أهل مجالستيي، ~~وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أؤيسهم من ~~رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم أي محبهم؛ فإن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأكفر عنهم المعائب ~~". # وفى قوله تعالى: " من نفسك " من الفوائد: أن العبد لا يركن إلى نفسه، ولا ~~يسكن إليها؛ فإن الشر لا يجيء إلا منها، ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم ~~إذا أساؤوا إليه؛ فإن ذلك من السيئات التي أصابته، وهي إنما أصابته بذنوبه، ~~فيرجع إلى الذنوب فيستغفر منها، ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله، ~~ويسأل الله أن يعينه على طاعته، فبذلك يحصل له كل خير، ويندفع عنه كل شر. # ولهذا كان أنفع الدعاء، وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: {اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت ms048 عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: ~~6، 7] ، فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه ~~شر، لا في الدنيا ولا في الآخرة. # لكن الذنوب هي من لوازم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى في كل لحظة، ~~وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الأكل والشرب. # ليس كما يقوله طائفة من المفسرين: إنه قد هداه، فلماذا يسأل الهدى؟ # وأن المراد بسؤال الهدى: الثبات، أو مزيد الهداية. # PageV01P083 # بل العبد محتاج إلى أن يعلمه ربه ما يفعله من تفاصيل أحواله. وإلى ما ~~يتولد من تفاصيل الأمور في كل يوم، وإلى أن يلهم أن يعمل ذلك. # فإنه لا يكفى مجرد علمه إن لم يجعله الله مريدا للعمل بعلمه، وإلا كان ~~العلم حجة عليه، ولم يكن مهتديا، والعبد محتاج إلى أن يجعله الله قادرا على ~~العمل بتلك الإرادة الصالحة. # فإنه لا يكون مهتديا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلا بهذه العلوم والإرادات، والقدرة ~~على ذلك. # ويدخل في ذلك من أنواع الحاجات ما لا يمكن إحصاؤه. # ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة؛ لفرط حاجتهم إليه، ~~فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء. # وإنما يعرف بعض قدر هذا الدعاء من اعتبر أحوال نفسه ونفوس الإنس والجن، ~~والمأمورين بهذا الدعاء، ورأى ما في النفوس من الجهل والظلم الذي يقتضي ~~شقاءها في الدنيا والآخرة، فيعلم أن الله بفضله ورحمته جعل هذا الدعاء من ~~أعظم الأسباب المقتضية للخير، المانعة من الشر. # ومما يبين ذلك أن الله تعالى لم يقص علينا في القرآن قصة أحد إلا لنعتبر ~~بها، لما في الاعتبار بها من حاجتنا إليه ومصلحتنا. # وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثاني بالأول، وكانا مشتركين في المقتضى ~~للحكم. # فلولا أن في نفوس الناس من جنس ما كان في نفوس المكذبين للرسل فرعون ومن ~~قبله لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا نشبهه قط، ولكن الأمر # PageV01P084 # كما قال تعالى: {ما يقال لك إلا ما قد قيل ms049 للرسل من قبلك} [فصلت: 43] ، ~~وكما قال تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون} [الذاريات: 52] ، وقال تعالى: {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ~~تشابهت قلوبهم} [البقرة: 118] ، وقال تعالى: {يضاهؤون قول الذين كفروا من ~~قبل} [التوبة: 30] . # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو ~~القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ". قالوا: اليهود والنصارى؟ ~~قال: " فمن؟ ". # وقال: " لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها، شبرا بشبر، وذراعا بذراع ". قيل: ~~يا رسول الله، فارس والروم؟ قال: " فمن؟ " وكلا الحديثين في الصحيحين. # ولما كان في غزوة حنين كان للمشركين شجرة، يقال لها: ذات أنواط، يعلقون ~~عليها أسلحتهم، وينوطونها بها، ويستظلون بها متبركين فقال بعض الناس: يا ~~رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: " الله أكبر، قلتم ~~كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها السنن، لتركبن ~~سنن من كان قبلكم ". # وقد بين القرآن أن السيئات من النفس، وإن كانت بقدر الله. # فأعظم السيئات جحود الخالق، والشرك به، وطلب النفس # PageV01P085 # أن تكون شريكة وندا له، أو أن تكون إلها من دونه، وكلا هذين وقع؛ فإن ~~فرعون طلب أن يكون إلها معبودا دون الله تعالى، وقال: {ما علمت لكم من إله ~~غيري} [القصص: 38] ، وقال: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] ، وقال لموسى: ~~{لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} [الشعراء: 29] ، و {استخف قومه ~~فأطاعوه} [الزخرف: 54] . # وإبليس يطلب أن يعبد ويطاع من دون الله، فيريد أن يعبد ويطاع هو، ولا ~~يعبد الله ولا يطاع. وهذا الذي في فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل. # وفى نفوس سائر الإنس والجن شعبة من هذا وهذا، إن لم يعن الله العبد ~~ويهديه، وإلا وقع في بعض ما وقع فيه إبليس وفرعون بحسب الإمكان. # قال بعض العارفين: ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون، غير أن فرعون ~~قدر فأظهر، وغيره عجز فأضمر. # وذلك أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس، وسمع أخبارهم، ms050 رأى الواحد ~~منهم يريد لنفسه أن تطاع وتعلو بحسب قدرته. # فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة، بحسب إمكانها، فتجد أحدهم يوالى من ~~يوافقه على هواه، ويعادى من يخالفه في هواه، وإنما معبوده ما يهواه ويريده، ~~قال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون # PageV01P086 # عليه وكيلا} [الفرقان: 43] ؟ والناس عنده في هذا الباب كما هم عند ملوك ~~الكفار من المشركين من الترك وغيرهم، يقولون: " يا رباعي" أي: صديق وعدو. ~~فمن وافق هواهم كان وليا، وإن كان كافرا مشركا، ومن لم يوافق هواهم كان ~~عدوا، وإن كان من أولياء الله المتقين، وهذه هي حال فرعون. # والواحد من هؤلاء يريد أن يطاع أمره بحسب إمكانه، لكنه لا يتمكن مما تمكن ~~منه فرعون من دعوى الإلهية، وجحود الصانع. # وهؤلاء - وإن كانوا يقرون بالصانع لكنهم إذا جاءهم من يدعوهم إلى عبادته ~~وطاعته المتضمنة ترك طاعتهم، فقد يعادونه، كما عادى فرعون موسى. # وكثير من الناس ممن عنده بعض عقل وإيمان، لا يطلب هذا الحد، بل يطلب ~~لنفسه ما هو عنده، فإن كان مطاعا مسلما طلب أن يطاع في أغراضه، وإن كان ~~فيها ما هو ذنب ومعصية الله، ويكون من أطاعه في هواه أحب إليه وأعز عنده ~~ممن أطاع الله وخالف هواه، وهذه شعبة من حال فرعون، وسائر المكذبين للرسل. # وإن كان عالما أو شيخا، أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره، حتى لو كانا ~~يقرآن كتابا واحدا كالقرآن، أو يعبدان عبادة واحدة متماثلان فيها، كالصلوات ~~الخمس؛ فإنه يحب من يعظمه بقبول قوله والاقتداء به أكثر من غيره، وربما ~~أبغض نظيره وأتباعه حسدا وبغيا، كما فعلت اليهود لما بعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم يدعو إلى مثل ما دعا إليه موسى، قال تعالى: {وإذا قيل لهم ~~آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه # PageV01P087 # وهو الحق مصدقا لما معهم} [البقرة: 91] ، وقال تعالى: {وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} [البينة: 4] ، وقال تعالى: {وما ~~تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم ms051 العلم بغيا بينهم} [الشورى: 14] . # ولهذا أخبر الله تعالى عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون، وسلط عليهم من ~~انتقم به منهم، فقال تعالى عن فرعون: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها ~~شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} ~~[القصص: 4] ،وقال تعالى عنهم: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في ~~الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا} [الإسراء: 4] ؛ ولهذا قال تعالى: {تلك ~~الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا} [القصص: 83] ~~. # والله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لعبادته، ليذكروه ويشكروه ويعبدوه، ~~وأرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبدوا الله وحده، وليكون الدين كله لله، ولتكون ~~كلمة الله هي العليا، كما أرسل كل رسول بمثل ذلك، قال تعالى: {وما أرسلنا ~~من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] ~~، وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] . # وقد أمر الله الرسل كلهم بهذا، وألا يتفرقوا فيه، فقال: {إن هذه أمتكم ~~أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} [الأنبياء: 92] ، وقال تعالى: {وإن هذه # PageV01P088 # أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما ~~لديهم فرحون} [المؤمنون: 51 53] . # قال قتادة: أي دينكم دين واحد، وربكم رب واحد، والشريعة مختلفة. وكذلك ~~قال الضحاك عن ابن عباس: {إن هذه أمتكم أمة واحدة} أي: دينكم دين واحد. قال ~~ابن أبي حاتم: وروى عن سعيد بن جبير، وقتادة وعبد الرحمن بن زيد نحو ذلك. ~~وقال الحسن: بين لهم ما يتقون وما يأتون، ثم قال: إن هذه سنتكم سنة واحدة. # وهكذا قال جمهور المفسرين. # والأمة: الملة والطريقة، كما قال تعالى: {قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مهتدون} [الزخرف: 22] ، {مقتدون} [الزخرف: 23] ، كما يسمى ~~الطريق: إماما؛ لأن السالك فيه يأتم به، فكذلك السالك يؤمه ويقصده. # والأمة أيضا: معلم الخير، الذي يأتم به الناس، كما أن الإمام: هو الذي ~~يأتم به الناس. وإبراهيم عليه السلام جعله الله إماما، وأخبر ms052 أنه {كان أمة} ~~[النحل: 120] . # وأمر الله الرسل أن تكون ملتهم ودينهم واحدا، لا يتفرقون فيه، كما في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنا معشر الأنبياء ديننا # PageV01P089 # واحد "، وقد قال الله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه} [الشورى: 13] ؛ ولهذا كان جميع رسل الله وأنبيائه يصدق بعضهم بعضا، لا ~~يختلفون، مع تنوع شرائعهم. # فمن كان من المطاعين من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك متبعا للرسل: ~~أمر بما أمروا به، ودعا إلى ما دعوا إليه، وأحب من دعا إلى مثل ما دعا ~~إليه، فإن الله يحب ذلك، فيحب ما يحبه الله تعالى، وهذا قصده في نفس الأمر ~~أن تكون العبادة لله تعالى وحده، وأن يكون الدين كله لله. # وأما من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك، فهذا يطلب أن يكون هو ~~المطاع المعبود، فله نصيب من حال فرعون وأشباهه. # فمن طلب أن يطاع دون الله، فهذا حال فرعون، ومن طلب أن يطاع مع الله، ~~فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله. والله ~~سبحانه وتعالى أمر ألا يعبد إلا إياه، وألا يكون الدين إلا له، وأن تكون ~~الموالاة فيه، والمعاداة فيه، وألا يتوكل إلا عليه، ولا يستعان إلا به. # فالمؤمن المتبع للرسل يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل، ليكون الدين كله ~~لله، لا له، وإذا أمر أحد غيره بمثل ذلك أحبه وأعانه، وسر بوجود مطلوبه. # وإذا أحسن إلى الناس، فإنما يحسن إليهم ابتغاء وجه ربه الأعلى، ويعلم أن ~~الله قد من عليه بأن جعله محسنا، ولم يجعله مسيئا، فيرى أن عمله لله، وأنه ~~بالله. # وهذا مذكور في فاتحة الكتاب، التي ذكرنا أن جميع الخلق محتاجون إليها ~~أعظم من حاجتهم إلى أي شيء. # PageV01P090 # ولهذا فرضت عليهم قراءتها في كل صلاة دون غيرها من السور ولم ينزل في ~~التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا ms053 في القرآن مثلها، فإن فيها: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] # فالمؤمن يرى أن عمله لله؛ لأنه إياه يعبد، وأنه بالله؛ لأنه إياه يستعين، ~~فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكورا؛ لأنه إنما عمل له ما عمل لله، كما ~~قال الأبرار: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} ~~[الإنسان: 9] ، ولا يمن عليه بذلك ولا يؤذيه؛ فإنه قد علم أن الله هو المان ~~عليه، إذ استعمله في الإحسان، وأن المنة لله عليه، وعلى ذلك الشخص، فعليه ~~هو أن يشكر الله، إذ يسره لليسرى، وعلى ذلك أن يشكر الله، إذ يسر له من ~~يقدم له ما ينفعه من رزق أو علم أو نصر، أو غير ذلك. # ومن الناس من يحسن إلى غيره ليمن عليه، أو يرد الإحسان له بطاعته إليه ~~وتعظيمه، أو نفع آخر، وقد يمن عليه، فيقول: أنا فعلت بك كذا، فهذا لم يعبد ~~الله ولم يستعنه، ولا عمل لله، ولا عمل بالله، فهو المرائي. # وقد أبطل الله صدقة المنان، وصدقة المرائي، قال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا ~~يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ومثل الذين ينفقون ~~أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل ~~فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير} [البقرة: ~~264، 265] . # PageV01P091 # قال قتادة: {تثبيتا من أنفسهم} : احتسابا من أنفسهم. وقال الشعبي: يقينا، ~~وتصديقا من أنفسهم. وكذلك قال الكلبي. قيل: يخرجون الصدقة طيبة بها أنفسهم، ~~على يقين بالثواب، وتصديق بوعد الله، يعلمون أن ما أخرجوه خير لهم مما ~~تركوه. # قلت: إذا كان المعطى محتسبا للأجر عند الله، مصدقا بوعد الله له، طالبا ~~من الله، لا من الذي أعطاه، فلا يمن عليه. كما لو قال رجل لآخر: أعط ~~مماليكك هذا الطعام، وأنا أعطيك ثمنه، لم يمن على المماليك، لاسيما إذا ms054 كان ~~يعلم أن الله قد أنعم عليه بالإعطاء. # فصل # الفرق السادس: أن يقال: إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية وإن ~~كانت خلقا لله فهو عقوبة له على عدم فعله ما خلقه الله له، وفطره عليه؛ فإن ~~الله إنما خلقه لعبادته وحده لا شريك له، ودله على الفطرة، كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " كل مولود يولد على الفطرة "، وقال تعالى: {فأقم وجهك ~~للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 30] . # فهو لما لم يفعل ما خلق له، وما فطر عليه، وما أمر به من معرفة الله وحده ~~وعبادته وحده عوقب على ذلك، بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك ~~والمعاصي. # قال تعالى للشيطان: {اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا} ~~إلى قوله: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الإسراء: 63 65] ، وقال تعالى: ~~{إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على ~~الذين # PageV01P092 # يتولونه والذين هم به مشركون} [النحل: 99، 100] ،وقال تعالى: {إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في ~~الغي ثم لا يقصرون} [الأعراف: 201، 202] . # فقد تبين أن إخلاص الدين لله يمنع من تسلط الشيطان، ومن ولاية الشيطان ~~التي توجب العذاب، كما قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من ~~عبادنا المخلصين} [يوسف: 24] . # فإذا أخلص العبد لربه الدين كان هذا مانعا له من فعل ضد ذلك، ومن إيقاع ~~الشيطان له في ضد ذلك، وإذا لم يخلص لربه الدين، ولم يفعل ما خلق له، وفطر ~~عليه، عوقب على ذلك، وكان من عقابه تسلط الشيطان عليه، حتى يزين له فعل ~~السيئات، وكان إلهامه لفجوره عقوبة له على كونه لم يتق الله. # وعدم فعله للحسنات ليس أمرا وجوديا، حتى يقال: إن الله خلقه، بل هو أمر ~~عدمي، لكن يعاقب عليه لكونه عدم ما خلق له، وما أمر به، وهذا يتضمن العقوبة ~~على أمر عدمي، ms055 لكن بفعل السيئات لا بالعقوبات التي يستحقها بعد إقامة الحجة ~~عليه بالنار ونحوها. # وقد تقدم أن مجرد عدم المأمور: هل يعاقب عليه؟ فيه قولان: # والأكثرون يقولون: لا يعاقب عليه؛ لأنه عدم محض. ويقولون: إنما يعاقب على ~~الترك، وهذا أمر وجودي. # وطائفة منهم: أبو هاشم قالوا: بل يعاقب على هذا العدم، بمعنى أنه يعاقب ~~عليه كما يعاقب على فعل الذنوب بالنار ونحوها. # PageV01P093 # وما ذكر في هذا الوجه هو أمر وسط، وهو أن يعاقبه على هذا العدم بفعل ~~السيئات لا بالعقوبة عليها، ولا يعاقبه عليها حتى يرسل إليه رسوله، فإذا ~~عصى الرسول استحق حينئذ العقوبة التامة، وهو أولا إنما عوقب بما يمكن أن ~~ينجو من شره، بأن يتوب منه، أو بألا تقوم عليه الحجة، وهو كالصبي الذي لا ~~يشتغل بما ينفعه، بل بما هو سبب لضرره، ولكن لا يكتب عليه قلم الإثم حتى ~~يبلغ، فإذا بلغ عوقب. # ثم ما تعوده من فعل السيئات، قد يكون سببا لمعصيته بعد البلوغ، وهو لم ~~يعاقب إلا على ذنبه، ولكن العقوبة المعروفة إنما يستحقها بعد قيام الحجة ~~عليه. وأما اشتغاله بالسيئات فهو عقوبة عدم عمله للحسنات. # وعلى هذا، فالشر ليس إلى الله بوجه من الوجوه؛ فإنه وإن كان الله خالق ~~أفعال العباد فخلقه للطاعات نعمة ورحمة، وخلقه للسيئات له فيه حكمة ورحمة، ~~وهو مع هذا عدل منه، فما ظلم الناس شيئا، ولكن الناس ظلموا أنفسهم. # وظلمهم لأنفسهم نوعان: عدم عملهم بالحسنات، فهذا ليس مضافا إليه، وعملهم ~~للسيئات خلقه عقوبة لهم على ترك فعل الحسنات التي خلقهم لها، وأمرهم بها، ~~فكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل. # ومن تدبر القرآن تبين له أن عامة ما يذكره الله في خلق الكفر والمعاصي ~~يجعله جزاء لذلك العمل، كقوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك ~~يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} [الأنعام: 125] ، وقال تعالى: {فلما ~~زاغوا # PageV01P094 # أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ، وقال تعالى: ms056 {وأما من بخل واستغنى وكذب ~~بالحسنى فسنيسره للعسرى} [الليل: 8 10] . # وهذا وأمثاله بذلوا فيه أعمالا، عاقبهم بها على فعل محظور، وترك مأمور. # وتلك الأمور إنما كانت منهم وخلقت فيهم؛ لكونهم لم يفعلوا ما خلقوا له، ~~ولابد لهم من حركة وإرادة، فلما لم يتحركوا بالحسنات حركوا بالسيئات، عدلا ~~من الله، حيث وضع ذلك موضعه في محله القابل له وهو القلب الذي لا يكون إلا ~~عاملا فإذا لم يعمل الحسنة استعمل في عمل السيئة، كما قيل: نفسك إن لم ~~تشغلها شغلتك. # وهذا الوجه إذا حقق يقطع مادة كلام القدرية المكذبة، والمجبرة الذين ~~يقولون: إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، ويجعلون خلقها والتعذيب عليها ~~ظلما، والذين يقولون: إنه خلق كفر الكافرين ومعصيتهم، وعاقبهم على ذلك لا ~~لسبب ولا لحكمة. # فإذا قيل لأولئك: إنه إنما أوقعهم في تلك الذنوب، وطبع على قلوبهم عقوبة ~~لهم على عدم فعلهم ما أمرهم به، فما ظلمهم، ولكن هم ظلموا أنفسهم. # يقال: ظلمته: إذا نقصته حقه، قال تعالى: {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم ~~تظلم منه شيئا} [الكهف: 33] . # وكثير من أولئك يسلمون أن الله خلق للعبد من الأعمال ما يكون جزاء له على ~~عمل منه متقدم، ويقولون: إنه خلق طاعة المطيع. # فلا ينازعون في نفس خلق أفعال العباد، لكن يقولون: ما خلق شيئا من الذنوب ~~ابتداء، بل إنما خلقها جزاء لئلا يكون ظالما # PageV01P095 # فنقول: أول ما يفعله العبد من الذنوب هو أحدثه، لم يحدثه الله، ثم ما ~~يكون جزاء على ذلك فالله محدثه، وهم لا ينازعون في مسألة خلق الأفعال إلا ~~من هذه الجهة. # وهذا الذي ذكرناه يوافقون عليه، لكن يقولون: أول الذنوب لم يحدثه الله، ~~بل يحدثه العبد لئلا يكون الجزاء عليه ظلما. # وما ذكرناه يوجب أن الله خالق كل شيء، فما حدث شيء إلا بمشيئته وقدرته، ~~لكن أول الذنوب الوجودية هو المخلوق، وذاك عقوبة على عدم فعل العبد لما خلق ~~له، ولما كان ينبغي له أن يفعله. # وهذا العدم لا يجوز إضافته إلى الله، وليس بشيء حتى يدخل ms057 في قولنا: " ~~الله خالق كل شيء "، وما أحدثه من الذنوب الوجودية، فأولها عقوبة للعبد على ~~هذا العدم، وسائرها قد يكون عقوبة للعبد على ما وجد، وقد يكون عقوبة له على ~~استمراره على العدم. # فما دام لا يخلص لله العمل، فلا يزال مشركا، ولا يزال الشيطان مسلطا ~~عليه. # ثم تخصيصه سبحانه لمن هداه بأن استعمله ابتداء فيما خلق له، وهذا لم ~~يستعمله هو تخصيص منه بفضله ورحمته؛ ولهذا يقول الله: {والله يختص برحمته ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [البقرة: 105] ، ولذلك حكمة ورحمة هو أعلم ~~بها، كما خص بعض الأبدان بقوى لا توجد في غيرها، وبسبب عدم القوة قد تحصل ~~له أمراض وجودية، وغير ذلك، من حكمته. # وبتحقيق هذا يدفع شبهات هذا الباب، والله أعلم بالصواب. # PageV01P096 # فصل # ومما ذكر فيه العقوبة على عدم الإيمان قوله تعالى: {ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: ~~110] ، وهذا من تمام قوله: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم} الآية [الأنعام: 109،110] ، فذكر أن هذا التقليب إنما ~~حصل لقلوبهم لما لم يؤمنوا به أول مرة، وهذا عدم الإيمان. # لكن يقال: إنما كان هذا بعد دعوة الرسول لهم، وهم قد تركوا الإيمان، ~~وكذبوا الرسول، وهذه أمور وجودية، لكن الموجب للعذاب هو عدم الإيمان، وما ~~ذكر شرط في التعذيب، بمنزلة إرسال الرسول؛ فإنه قد يشتغل عن الإيمان بما ~~جنسه مباح من أكل وشرب، وبيع وسفر، وغير ذلك وهذا الجنس لا يستحق عليه ~~العقوبة إلا لأنه شغله عن الإيمان الواجب عليه. # ومن الناس من يقول: ضد الإيمان هو تركه، وهو أمر وجودي، لا ضد له إلا ~~ذلك. # فصل # الفرق السابع: من الحسنات والسيئات التي تتناول الأعمال والجزاء في كون ~~هذه تضاف إلى النفس، وتلك تضاف إلى الله: أن السيئات التي تصيب الإنسان وهي ~~مصائب الدنيا والآخرة ليس لها سبب إلا ذنبه الذي هو من نفسه، فانحصرت في ~~نفسه. # PageV01P097 # وأما ما يصيبه من الخير والنعم فإنه لا تنحصر أسبابه؛ لأن ms058 ذلك من فضل ~~الله وإحسانه، يحصل بعمله وبغير عمله، وعمله نفسه من إنعام الله عليه. وهو ~~سبحانه لا يجزي بقدر العمل، بل يضاعفه له، ولا يقدر العبد على ضبط أسبابها، ~~لكن يعلم أنها من فضل الله وإنعامه، فيرجع فيها إلى الله، فلا يرجو إلا ~~الله، ولا يتوكل إلا عليه، ويعلم أن النعم كلها من الله، وأن كل ما خلقه ~~فهو نعمة كما تقدم فهو يستحق الشكر المطلق العام التام، الذي لا يستحقه ~~غيره. # ومن الشكر: ما يكون جزاء على ما يسره على يديه من الخير، كشكر الوالدين ~~وشكر من أحسن إليك من غيرهما؛ فإنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله، لكن لا ~~يبلغ من حق أحد وإنعامه أن يشكر بمعصية الله، أو أن يطاع بمعصية الله؛ فإن ~~الله هو المنعم بالنعم العظيمة، التي لا يقدر عليها مخلوق. ونعمة المخلوق ~~إنما هي منه أيضا، قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53] ، ~~وقال تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} [الجاثية: ~~13] ، وجزاؤه سبحانه على الطاعة والمعصية والكفر لا يقدر أحد على مثله. # فلهذا لم يجز أن يطاع مخلوق في معصية الخالق، كما قال تعالى: {ووصينا ~~الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} ~~[العنكبوت: 8] ، وقال في الآية الأخرى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس ~~لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي} ~~[لقمان: 15] . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " على المرء المسلم # PageV01P098 # السمع والطاعة في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا ~~أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ". وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " إنما الطاعة في المعروف "، وقال: " من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه ~~"، وقال: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". # وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أنه إذا عرف أن النعم كلها من الله، وأنه لا يقدر أن يأتي ms059 ~~بها إلا الله، فلا يأتى بالحسنات إلا هو، ولا يذهب السيئات إلا هو، وأنه ~~{ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} ~~[فاطر: 2] صار توكله ورجاؤه ودعاؤه للخالق وحده. # وكذلك إذا علم ما يستحقه الله من الشكر الذي لا يستحقه غيره صار علمه بأن ~~الحسنات من الله يوجب له الصدق في شكر الله، والتوكل عليه. # ولو قيل: إنها من نفسه لكان غلطا؛ لأن منها ما ليس لعمله فيه مدخل، وما ~~كان لعمله فيه مدخل فإن الله هو المنعم به، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ~~ولا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه. # وعلم أن الشر قد انحصر سببه في النفس، فضبط ذلك وعلم من أين يؤتى، ~~فاستغفر ربه مما فعل وتاب، واستعان الله واستعاذ به مما لم يعمل بعد، كما ~~قال من قال من السلف: لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن عبد إلا ذنبه. # وهذا يخالف قول الجهمية ومن اتبعهم، الذين يقولون: إن الله يعذب بلا ذنب، ~~ويعذب أطفال الكفار وغيرهم عذابا دائما أبدا بلا ذنب. # فإن هؤلاء يقولون: يخاف الله خوفا مطلقا، سواء كان له ذنب أو لم يكن له # PageV01P099 # ذنب، ويشبهون خوفه بالخوف من الأسد، ومن الملك القاهر الذي لا ينضبط فعله ~~ولا سطوته، بل قد يقهر ويعذب من لا ذنب له من رعيته. # فإذا صدق العبد بقوله تعالى: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] ~~، علم بطلان هذا القول، وأن الله لا يعذبه ويعاقبه إلا بذنوبه، حتى المصائب ~~التي تصيب العبد كلها بذنوبه. # وقد تقدم قول السلف ابن عباس وغيره أن ما أصابهم يوم أحد من الغم والفشل ~~إنما كان بذنوبهم، لم يستثن من ذلك أحد. # وهذا من فوائد تخصيص الخطاب؛ لئلا يظن أنه عام مخصوص. # وفى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما يصيب المؤمن من ~~وصب ولا نصب، ولا هم ولا حزن ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها ~~من ms060 خطاياه ". # فصل # الفرق الثامن: أن السيئة إذا كانت من النفس، والسيئة خبيثة مذمومة، وصفها ~~بالخبث في مثل قوله: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات} [النور: 26] . # قال جمهور السلف: الكلمات الخبيثة للخبيثين. ومن كلام بعضهم: الأقوال ~~والأفعال الخبيثة للخبيثين. # وقد قال تعالى: {ضرب الله مثلا كلمة طيبة} [إبراهيم: 24] ، {ومثل كلمة ~~خبيثة} [إبراهيم: 26] ، وقال الله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه} [فاطر: 10] ، والأقوال والأفعال صفات القائل الفاعل. # PageV01P100 # فإذا كانت النفس متصفة بالسوء والخبث لم يكن محلها ينفعه إلا ما يناسبها. # فمن أراد أن يجعل الحيات والعقارب يعاشرون الناس كالسنانير لم يصلح. # ومن أراد أن يجعل الذي يكذب شاهدا على الناس، لم يصلح. # وكذلك من أراد أن يجعل الجاهل معلما للناس، مفتيا لهم، أو يجعل العاجز ~~الجبان مقاتلا عن الناس، أو يجعل الأحمق الذي لا يعرف شيئا سائسا للناس، أو ~~للدواب، فمثل هذا يوجب الفساد في العالم، وقد يكون غير ممكن، مثل من أراد ~~أن يجعل الحجارة تسبح على وجه الماء كالسفن، أو تصعد إلى السماء كالريح، ~~ونحو ذلك. # فالنفوس الخبيثة لا تصلح أن تكون في الجنة الطيبة التي ليس فيها من الخبث ~~شيء، فإن ذلك موجب للفساد، أو غير ممكن. # بل إذا كان في النفس خبث طهرت وهذبت، حتى تصلح لسكنى الجنة. # كما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " إن المؤمنين إذا نجوا من النار أي عبروا الصراط وقفوا على ~~قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، ~~فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ". # وهذا مما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، ~~فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن ~~لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة ~~منه بمنزله كان في الدنيا ". # والتهذيب: التخليص، كما ms061 يهذب الذهب، فيخلص من الغش. # PageV01P101 # فتبين أن الجنة إنما يدخلها المؤمنون بعد التهذيب والتنقية من بقايا ~~الذنوب، فكيف بمن لم يكن له حسنات يعبر بها الصراط؟ # وأيضا فإذا كان سببها ثابتا فالجزاء كذلك، بخلاف الحسنة، فإنها من إنعام ~~الحي القيوم الباقي، الأول الآخر، فسببها دائم، فيدوم بدوامه. # وإذا علم الإنسان أن السيئة من نفسه، لم يطمع في السعادة التامة، مع ما ~~فيه من الشر، بل علم تحقيق قوله تعالى: {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: ~~123] ، وقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} ~~[الزلزلة: 7، 8] . # وعلم أن الرب عليم حليم، رحيم عدل، وأن أفعاله جارية على قانون العدل ~~والإحسان، وكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل. # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يمين الله ملأى، لا ~~يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ ~~فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى يخفض ويرفع ". # وعلم فساد قول الجهمية، الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ولا عدل، ~~ولا وضع للأشياء مواضعها، فيصفون الرب بما يوجب الظلم والسفه، وهو سبحانه ~~قد شهد {أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا ~~هو العزيز الحكيم} [آل عمران: 18] . # ولهذا يقولون: لا ندري ما يفعل بمن فعل السيئات، بل يجوز عندهم أن يعفو ~~عن الجميع، ويجوز عندهم أن يعذب الجميع، ويجوز أن يعذب ويغفر بلا موازنة، ~~بل يعفو عن شر الناس، ويعذب خير الناس على سيئة صغيرة، ولا يغفرها له. # PageV01P102 # وهم يقولون: السيئة لا تمحى، لا بتوبة ولا حسنات ماحية ولا غير ذلك، وقد ~~لا يفرقون بين الصغائر والكبائر. # قالوا: لأن هذا كله إنما يعلم بالسمع والخبر، خبر الله ورسوله. # قالوا: وليس في الكتاب والسنة ما يبين ما يفعل الله بمن كسب السيئات، إلا ~~الكفر، وتأولوا قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم} [النساء: 31] ، بأن المراد بالكبائر: قد يكون هو الكفر وحده، كما ms062 ~~قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 116] . # وقد ذكر هذه الأمور القاضي أبو بكر بن الباقلاني وغيره، ممن يقول بمثل ~~هذه الأقوال ممن سلك مسلك جهم بن صفوان في القدر وفى الوعيد، وهؤلاء قصدوا ~~مناقضة المعتزلة في القدر والوعيد. # فأولئك لما قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وأنه يشاء ما لا يكون، ~~ويكون ما لا يشاء، وسلكوا مسلك نفاة القدر في هذا، وقالوا في الوعيد بنحو ~~قول الخوارج، قالوا: إن من دخل النار لا يخرج منها، لا بشفاعة ولا غيرها، ~~بل يكون عذابه مؤبدا، فصاحب الكبيرة، أو من رجحت سيئاته عندهم لا يرحمه ~~الله أبدا، بل يخلده في النار. فخالفوا السنة المتواترة وإجماع الصحابة ~~فيما قالوه في القدر، وناقضهم جهم في هذا وهذا. # وسلك هؤلاء مسلك جهم، مع انتسابهم إلى أهل السنة والحديث واتباع السلف، ~~وكذلك سلكوا في الإيمان والوعيد مسلك المرجئة الغلاة كجهم وأتباعه. # وجهم اشتهر عنه نوعان من البدعة: نوع في الأسماء والصفات، # PageV01P103 # فغلا في نفي الأسماء والصفات، ووافقه على ذلك ملاحدة الباطنية والفلاسفة ~~ونحوهم، ووافقه المعتزلة في نفي الصفات دون الأسماء. # والكلابية - ومن وافقهم من السالمية، ومن سلك مسلكهم من الفقهاء وأهل ~~الحديث والصوفية - وافقوه على نفي الصفات الاختيارية دون نفي أصل الصفات. # والكرامية ونحوهم: وافقوه على أصل ذلك، وهو امتناع دوام ما لا يتناهى، ~~وأنه يمتنع أن يكون الله لم يزل متكلما إذا شاء، وفعالا لما يشاء إذا شاء؛ ~~لامتناع حوادث لا أول لها، وهو عن هذا الأصل الذي هو نفى وجود ما لا يتناهى ~~في المستقبل قال بفناء الجنة والنار. # وقد وافقه أبو الهذيل [هو أبو الهذبل محمد بن الهذبل ين عبد الله ين ~~مكحول العبدي، مولى عبد القيس، شيخ المعتزلة، إشتهر بعلم الكلام وكان خبيث ~~القول فارق إجماع المسلمين، له كتب كثبرة منها كتاب سماه [ميلاس] على إسم ~~مجوسى أسلم على يده، ولد في البصرة سنة 135ه، وتوفى بسامرا سنة 235ه] إمام ~~المعتزلة على هذا، لكن قال بتناهى الحركات. # فالمعتزلة ms063 في الصفات مخانيث الجهمية. # وأما الكلابية: فيثبتون الصفات في الجملة، وكذلك الأشعريون، ولكنهم كما ~~قال الشيخ أبو إسماعيل الأنصارى: الجهمية الإناث، وهم مخانيث المعتزلة. # ومن الناس من يقول: المعتزلة مخانيث الفلاسفة. # وقد ذكر الأشعري وغيره هذا؛ لأن قائله لم يعلم أن جهما سبق هؤلاء إلى هذا ~~الأصل، أو لأنها مخانيثهم من بعض الوجوه، وإلا فإن مخالفتهم للفلاسفة كبيرة ~~جدا. # والشهرستانى يذكر عن شيوخهم: أنهم أخذوا ما أخذوا عن الفلاسفة؛ لأن ~~الشهرستانى إنما يرى مناظرة أصحابه الأشعرية في الصفات ونحوها مع المعتزلة، ~~بخلاف أئمة السنة والحديث؛ فإن مناظرتهم إنما كانت مع الجهمية، وهم ~~المشهورون عند السلف والأمة بنفى الصفات. # PageV01P104 # وأهل النفي للصفات والتعطيل لها، هم عند السلف يقال لهم: الجهمية، وبهذا ~~تميزوا عند السلف عن سائر الطوائف. # وأما المعتزلة: فامتازوا بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، لما أحدث ذلك ~~عمرو بن عبيد وكان هو وأصحابه يجلسون معتزلين للجماعة، فيقول قتادة وغيره: ~~أولئك المعتزلة، وكان ذلك بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية، ~~وبعدهم حدثت الجهمية. # وكان القدر قد حدث أهله قبل ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير، بعد موت ~~معاوية؛ ولهذا تكلم فيهم ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهما. # وابن عباس مات قبل ابن الزبير، وابن عمر مات عقب موته، وعقب ذلك تولى ~~الحجاج العراق سنة بضع وسبعين. # فبقي الناس يخوضون في القدر بالحجاز والشام والعراق، وأكثره كان بالشام ~~والعراق بالبصرة، وأقله كان بالحجاز. # ثم لما حدثت المعتزلة - بعد موت الحسن، وتكلم في المنزلة بين المنزلتين، ~~وقالوا بإنفاذ الوعيد، وخلود أهل التوحيد في النار، وأن النار لا يخرج منها ~~من دخلها، وهذا تغليظ على أهل الذنوب - ضموا إلى ذلك القدر؛ فإن به يتم ~~التغليظ على أهل الذنوب، ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئا من نفي ~~الصفات. # إلى أن ظهر الجعد بن درهم، وهو أولهم، فضحى به خالد # PageV01P105 # بن عبد الله القسري، وقال: أيها الناس ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح ~~بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله ms064 لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى ~~تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه. وهذا كان ~~بالعراق. # ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق من ترمذ، ومنها ظهر رأي جهم. # ولهذا كان علماء السنة والحديث بالمشرق، أكثر كلاما في رد مذهب جهم من ~~أهل الحجاز والشام والعراق، مثل إبراهيم بن طهمان [هو أبو سعيد إبراهيم بن ~~طهمان بن شعيب الهروى الخراسانى، حافظ، ولد في هراة وأقام في نيسابور ~~وبغداد، وتوفى سنة 861ه] وخارجة بن مصعب، ومثل عبد الله ابن المبارك، ~~وأمثالهم وقد تكلم في ذمهم وابن الماجشون وغيرهما وكذلك الأوزاعي وحماد بن ~~زيد وغيرهم. # وإنما اشتهرت مقالتهم من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء ~~السنة، فإنهم في إمارة المأمون قووا وكثروا؛ فإنه كان قد أقام بخراسان مدة، ~~واجتمع بهم، ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثماني عشرة ومائتين، وفيها مات. ~~وردوا أحمد بن حنبل إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين، وفيها كانت محنته مع ~~المعتصم ومناظرته لهم في الكلام، فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه، وبين أن ~~لا حجة لهم في شيء من ذلك، وأن طلبهم من الناس أن يوافقوهم، وامتحانهم ~~إياهم جهل وظلم، وأراد المعتصم إطلاقه، فأشار عليه من أشار بأن المصلحة ~~ضربه، حتى لا تنكسر حرمة الخلافة مرة بعد مرة، فلما ضربوه قامت الشناعة ~~عليهم في العامة، وخافوا الفتنة، فأطلقوه. # وكان أحمد بن أبي دؤاد قد جمع له نفاة الصفات القائلين بخلق # PageV01P106 # القرآن من جميع الطوائف؛ فجمع له مثل أبى عيسى محمد بن عيسى برغوث، ومن ~~أكابر النجارية أصحاب حسين النجار. # وأئمة السنة - كابن المبارك، وأحمد بن إسحاق، والبخاري وغيرهم - يسمون ~~جميع هؤلاء: جهمية. # وصار كثير من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرهم يظنون أن خصومه كانوا ~~المعتزلة. ويظنون أن بشر بن غياث المريسي وإن كان قد مات قبل محنة أحمد، ~~وابن أبى دؤاد ونحوهما كانوا معتزلة وليس كذلك. # بل المعتزلة كانوا نوعا من جملة من يقول: القرآن مخلوق، وكانت ms065 الجهمية ~~أتباع جهم، والنجارية أتباع حسين النجار، والضرارية أتباع ضرار بن عمرو، ~~والمعتزلة هؤلاء، يقولون: القرآن مخلوق، وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا أن جهما اشتهر عنه نوعان من البدعة: # أحدهما: نفي الصفات. # والثاني: الغلو في القدر والإرجاء. فجعل الإيمان مجرد معرفة القلب، وجعل ~~العباد لا فعل لهم ولا قدرة. # وهذان مما غلت المعتزلة في خلافه فيهما. # وأما الأشعري، فوافقه على أصل قوله، ولكن قد ينازعه منازعات لفظية. # وجهم لم يثبت شيئا من الصفات لا الإرادة ولا غيرها فهو إذا قال: إن الله ~~يحب الطاعات، ويبغض المعاصي، فمعنى ذلك عنده: الثواب والعقاب. # وأما الأشعري، فهو يثبت الصفات كالإرادة فاحتاج حينئذ أن يتكلم # PageV01P107 # في الإرادة: هل هي المحبة أم لا؟ وأن المعاصي: هل يحبها الله أم لا؟ ~~فقال: إن المعاصي يحبها الله ويرضاها، كما يريدها. # وذكر أبو المعالي الجويني: أنه أول من قال ذلك، وأن أهل السنة قبله كانوا ~~يقولون: إن الله لا يحب المعاصي. # وذكر الأشعري في الموجز: أنه قد قال ذلك قبله طائفة سماهم، أشك في بعضهم. # وشاع هذا القول في كثير من الصوفية ومشايخ المعرفة والحقيقة، فصاروا ~~يوافقون جهما في مسائل الأفعال والقدر، وإن كانوا مكفرين له في مسائل ~~الصفات، كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي، صاحب كتاب " ذم الكلام "، فإنه من ~~المبالغين في ذم الجهمية لنفيهم الصفات. وله كتاب " تكفير الجهمية " ويبالغ ~~في ذم الأشعرية، مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث، وربما كان ~~يلعنهم. # وقد قال له بعض الناس بحضرة نظام الملك: أتلعن الأشعرية؟ فقال: ألعن من ~~يقول: ليس في السموات إله، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، وقام من ~~عنده مغضبا. # ومع هذا، فهو في مسألة إرادة الكائنات، وخلق الأفعال، أبلغ من الأشعرية. ~~لا يثبت سببا ولا حكمة، بل يقول: إن مشاهدة العارف الحكم لا تبقى له ~~استحسان حسنة، ولا استقباح سيئة. # والحكم عنده هي المشيئة؛ لأن العارف المحقق عنده هو من يصل إلى مقام ~~الفناء، فيفنى عن جميع مراداته بمراد الحق، ms066 وجميع الكائنات مرادة له، وهذا ~~هو الحكم عنده. والحسنة والسيئة يفترقان في حظ العبد؛ # PageV01P108 # لكونه ينعم بهذه، ويعذب بهذه. والالتفات إلى هذا هو من حظوظ النفس، ومقام ~~الفناء ليس فيه إلا مشاهدة مراد الحق. # وهذه المسألة وقعت في زمن الجنيد، كما ذكر ذلك في غير موضع. # وبين لهم الجنيد الفرق الثاني، وهو أنهم مع مشاهدة المشيئة العامة لابد ~~لهم من مشاهدة الفرق بين ما يأمر الله به وما ينهى عنه وهو الفرق بين ما ~~يحبه وما يبغضه. وبين لهم الجنيد، كما قال في التوحيد: هو إفراد الحدوث عن ~~القدم. # فمن سلك مسلك الجنيد، من أهل التصوف والمعرفة، كان قد اهتدى ونجا وسعد. # ومن لم يسلك في القدر مسلكه، بل سوى بين الجميع، لزمه ألا يفرق بين ~~الحسنات والسيئات، وبين الأنبياء والفساق، فلا يقول: إن الله يحب هؤلاء ~~وهذه الأعمال. ولا يبغض هؤلاء وهذه الأعمال، بل جميع الحوادث هو يحبها كما ~~يريدها، كما قاله الأشعري. وإنما الفرق: أن هؤلاء ينعمون، وهؤلاء يعذبون. # والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا وهذا بالنسبة إلى المخلوق كان أعقل ~~منهم. # فإن هؤلاء يدعون أن العارف الواصل إلى مقام الفناء لا يفرق بين هذا وهذا. # وهم غلطوا في حق العبد وحق الرب. # أما في حق العبد، فيلزمهم أن تستوى عنده جميع الحوادث، وهذا محال قطعا. ~~وهم قد تمر عليهم أحوال يفنون فيها عن أكثر الأشياء، # PageV01P109 # أما الفناء عن جميعها فممتنع؛ فإنه لابد أن يفرق كل حي بين ما يؤلمه وبين ~~ما يلذه، فيفرق بين الخبز والتراب، والماء والشراب. # فهؤلاء عزلوا الفرق الشرعي الإيمانى الرحمانى، الذي به فرق الله بين ~~أوليائه وأعدائه، وظنوا أنهم مع الجمع القدري. # وعلى هذا، فإن تسوية العبد بين جميع الحوادث ممتنع لذاته، بل لابد للعبد ~~من أن يفرق؛ فإن لم يفرق بالفرق الشرعي فيفرق بين محبوب الحق ومكروهه وبين ~~ما يرضاه وما يسخطه وإلا فرق بالفرق الطبعي بهواه وشيطانه، فيحب ما تهواه ~~نفسه، وما يأمر به الشيطان. # ومن هنا وقع منهم خلق كثير ms067 في المعاصي، وآخرون في الفسوق، وآخرون في ~~الكفر، حتى جوزوا عبادة الأصنام. # ثم كثير منهم من ينتقل إلى وحدة الوجود، وهم الذين خالفوا الجنيد وأئمة ~~الدين في التوحيد، فلم يفرقوا بين القديم والمحدث. # وهؤلاء صرحوا بعبادة كل موجود كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع ~~وهو قول أهل الوحدة، كابن عربي الحاتمي، وابن سبعين، والقونوي، والتلمسانى، ~~والبليانى، وابن الفارض، وأمثالهم. # والمقصود هنا: الكلام على من نفى الحكم والعدل والأسباب في القدر من أهل ~~الكلام والمتصوفة، الذين وافقوا جهما في هذا الأصل. وهو بدعته الثانية التي ~~اشتهرت عنه، بخلاف الإرجاء؛ فإنه منسوب إلى طوائف غيره. # فهؤلاء يقولون: إن الرب يجوز أن يفعل كل ما يقدر عليه # PageV01P110 # ويمكن فعله، من غير مراعاة حكمة، ولا رحمة ولا عدل، ويقولون: إن مشيئته ~~هي محبته. # ولهذا تجد من اتبعهم غير معظم للأمر والنهي، والوعد والوعيد بل هو منحل ~~عن الأمر الشرعي كله، أو عن بعضه، أو متكلف لما يعتقده أو يعلمه؛ فإنهم ~~أرادوا أن الجميع بالنسبة إلى الرب سواء، وأن كل ما شاءه فقد أحبه، وأنه ~~يحدث ما يحدثه بدون أسباب يخلقه بها، ولا حكمة يسوقه إليها، بل غايته أنه ~~يسوق المقادير إلى المواقيت. # لم يبق عندهم فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور، بل وافقوا جهما، ~~ومن قال بقوله كالأشعري في أنه في نفس الأمر لا حسن ولا سيئ، وإنما الحسن ~~والقبح مجرد كونه مأمورا به ومحظورا، وذلك فرق يعود إلى حظ العبد، هؤلاء ~~يدعون الفناء عن الحظوظ. # فتارة يقولون في امتثال الأمر والنهي: إنه من مقام التلبيس، أو ما يشبه ~~هذا، كما يوجد في كلام أبي إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين. # وتارة يقولون: يفعل هذا لأهل المارستان أي العامة كما يقوله الشيخ ~~المغربى، إلى أنواع، ليس هذا موضع بسطها. # ومن يسلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر والنهي أن يقول كما نقل عن الشاذلي: ~~يكون الجمع في قلبك مشهودا، والفرق على لسانك موجودا. # PageV01P111 # ولهذا يوجد في كلامه وكلام غيره أقوال وأدعية وأحزاب ms068 تستلزم تعطيل الأمر ~~والنهي، مثل أن يدعو أن يعطيه الله إذا عصاه أعظم مما يعطيه إذا أطاعه، ~~ونحو هذا مما يوجب أنه يجوز عنده أن يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات، بل أفضل منهم، ويدعون بأدعية فيها اعتداء، كما يوجد ~~في جواب الشاذلي، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. # وآخرون من عوام هؤلاء يجوزون أن يكرم الله بكرامات أكابر الأولياء من ~~يكون فاجرا، بل كافرا، ويقولون: هذه موهبة وعطية، يعطيها الله من يشاء، ما ~~هي متعلقة لا بصلاة، ولا بصيام، ويظنون أن تلك من كرامات الأولياء، وتكون ~~كراماتهم من الأحوال الشيطانية، التي يكون مثلها للسحرة والكهان، قال الله ~~تعالى: {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ~~السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة 101، 102] . # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة ~~بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ". # والمسلمون الذين جاءهم كتاب الله: القرآن عدل كثير منهم ممن أضله # PageV01P112 # الشيطان من المنتسبين إلى الإسلام إلى أن نبذ كتاب الله وراء ظهره، واتبع ~~ما تتلوه الشياطين، فلا يعظم أمر القرآن ولا نهيه، ولا يوالى من أمر القرآن ~~بموالاته، ولا يعادي من أمر القرآن بمعاداته، بل يعظم من رآه يأتي ببعض ~~خوارقهم، التي يأتي بمثلها السحرة والكهان بإعانة الشياطين، وهي تحصل بما ~~تتلوه الشياطين. # ثم منهم من يعرف أن هذا من الشيطان، ولكن يعظم ذلك لهواه، ويفضله على ~~طريق القرآن ليصل به إلى تقديس العامة، وهؤلاء كفار، كالذين قال الله تعالى ~~فيهم: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ~~ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم ~~الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} [النساء: 51،52] . # وهؤلاء ضاهوا الكفار، الذين ms069 قال الله تعالى فيهم: {ولما جاءهم رسول من ~~عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ~~ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر ~~سليمان ولكن الشياطين كفروا} الآية [البقرة: 101، 102] . # ومنهم من لا يعرف أن هذا من الشياطين. # وقد يقع في مثل هذا طوائف من أهل الكلام، والعلم، وأهل العبادة، والتصوف، ~~حتى جوزوا عبادة الكواكب والأصنام، لما رأوه # PageV01P113 # فيها من الأحوال العجيبة، التي تعينهم عليها الشياطين، لما يحصل لهم بها ~~من بعض أغراضهم، من الظلم والفواحش، فلا يبالون بشركهم بالله، ولا كفرهم به ~~وبكتابه إذا نالوا ذلك، ولم يبالوا بتعليم ذلك للناس، وتعظيمهم لهم، لرياسة ~~ينالونها، أو مال ينالونه. وإن كانوا قد علموا أنه الكفر والشرك عملوه، ~~ودعوا إليه، بل حصل عندهم ريب وشك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~أو اعتقاد أن الرسول خاطب الجمهور بما لا حقيقة له في الباطن؛ لأجل مصلحة ~~الجمهور، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة والملاحدة والباطنية. # وقد دخل في رأي هؤلاء طائفة من هؤلاء وهؤلاء، وهذا مما ضاهوا به فارس ~~والروم وغيرهم؛ فإن فارس كانت تعظم الأنوار، وتسجد للشمس وللنار. والروم ~~كانوا - قبل النصرانية - مشركين يعبدون الكواكب والأصنام، فهؤلاء الذين ~~أشبهوا فارس والروم شر من الذين أشبهوا اليهود والنصارى، فإن أولئك ضاهوا ~~أهل الكتاب فيما بدل أو نسخ، وهؤلاء ضاهوا من لا كتاب له من المجوس ~~والمشركين، فارس والروم، ومن دخل في ذلك من الهند واليونان. # ومذهب الملاحدة الباطنية: مأخوذ من قول المجوس بالأصلين، ومن قول فلاسفة ~~اليونان بالعقول والنفوس. # وأصل قول المجوس: يرجع إلى أن تكون الظلمة المضاهية للنور هي إبليس، وقول ~~الفلاسفة بالنفس. # فأصل الشر عبادة النفس والشيطان، وجعلهما شريكين للرب # PageV01P114 # وأن يعدلا به، ونفس الإنسان تفعل الشر بأمر الشيطان. وقد علم النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أن يقول إذا أصبح وإذا أمسى، وإذا أخذ ~~مضجعه: " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر ms070 السموات والأرض، عالم ~~الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما ~~اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ". # وهذا من تمام تحقيق قوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] ، مع قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42] وقوله: {لأملأن جهنم منك وممن ~~تبعك منهم أجمعين} [ص: 85] # وقد ظهرت دعوى النفس الإلهية في فرعون ونحوه، ممن ادعى أنه إله مع الله ~~أو من دونه، وظهرت فيمن ادعى إلهية بشر مع الله كالمسيح وغيره. # وأصل الشرك في بنى آدم كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظمين؛ فإنهم لما ~~ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم. # فهذا أول شرك كان في بني آدم، وكان في قوم نوح، فإنه أول رسول بعث إلى ~~أهل الأرض يدعوهم إلى التوحيد، وينهاهم عن الشرك، كما قال تعالى: {وقالوا ~~لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا ~~كثيرا} [نوح: 23،24] وهذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم # PageV01P115 # نوح، فلما ماتوا جعلوا الأصنام على صورهم، ثم ذهبت هذه الأصنام لما أغرق ~~الله أهل الأرض، ثم صارت إلى العرب، كما ذكر ذلك ابن عباس وغيره، إن لم تكن ~~أعيانها، وإلا فهي نظائرها. # وأما الشرك بالشيطان فهذا كثير. # فمتى لم يؤمن الخلق بأنه " لا إله إلا الله " بمعنى: أنه المعبود المستحق ~~للعبادة دون ما سواه، وأنه يحب أن يعبد، وأنه أمر أن يعبد وأنه لا يعبد إلا ~~بما أحبه مما شرع، من واجب ومستحب - فلابد أن يقعوا في الشرك وغيره. # فالذين جعلوا الأقوال والأفعال كلها بالنسبة إلى الله سواء، لا يحب شيئا ~~دون شيء، فلا فرق عنده بين من يعبده وحده لا يشرك به شيئا، وبين من يعبد ~~معه آلهة أخرى، وجعلوا الأمر معلقا بمشيئة، ليس معها حكمة ولا رحمة ولا ~~عدل، ولا فرق فيها بين الحسنات والسيئات، طمعت النفس ms071 في نيل ما تريده بدون ~~طاعة الله ورسوله. # ثم إذا جوزوا الكرامات لكل من زعم الصلاح، ولم يقيدوا الصلاح بالعلم ~~الصحيح والإيمان الصادق والتقوى، بل جعلوا علامة الصلاح هذه الخوارق، ~~وجوزوا الخوارق مطلقا، وحكوا في ذلك مكاشفات، وقالوا أقوالا منكرة. # فقال بعضهم: إن الولي يعطى قول: " كن "، وقال بعضهم: إنه لا يمتنع على ~~الولي فعل ممكن، كما لا يمتنع على الله تعالى فعل محال. # وهذا قاله ابن عربي والذين اتبعوه، قالوا: إن الممتنع لذاته مقدور عليه، ~~ليس عندهم ما يقال: إنه غير مقدور عليه للولي، حتى ولا الجمع بين الضدين، # PageV01P116 # ولا غير ذلك. وزاد ابن عربي: إن الولي لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات، ~~والذي لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات هو الله وحده. # فهذا تصريح منهم بأن الولي مثل الله، إن لم يكن هو الله. # وصرح بعضهم بأنه يعلم كل ما يعلمه الله، ويقدر على كل ما يقدر الله عليه. # وادعوا أن هذا كان للنبي، ثم انتقل إلى الحسن بن علي، ثم من الحسن إلى ~~ذريته واحدا بعد واحد، حتى انتهى ذلك إلى أبي الحسن الشاذلي، ثم إلى ابنه. # خاطبني بذلك من هو من أكابر أصحابهم. # وحدثني الثقة من أعيانهم، أنهم يقولون: إن محمدا هو الله. # وحدثني بعض الشيوخ، الذين لهم سلوك وخبرة: أنه كان هو وابن هود في مكة، ~~فدخلا الكعبة، فقال له ابن هود وأشار إلى وسط الكعبة: هذا مهبط النور ~~الأول، وقال له: لو قال لك صاحب هذا البيت: أريد أن أجعلك إلها ماذا كنت ~~تقول له؟ قال: فقف شعري [أي: قمت فزعا. انظر: القاموس، مادة: قفف] من هذا ~~الكلام وانخنست [أي: انقبضت. انظر: القاموس، مادة: خنس] أو كما قال. # ومن الناس من يحكي عن سهل بن عبد الله: أنه لما دخل الزنج البصرة، قيل له ~~في ذلك، فقال: هاه إن ببلدكم هذا من لو سألوا الله أن يزيل الجبال عن ~~أماكنها لأزالها، ولو سألوه ألا يقيم القيامة لما أقامها، لكنهم يعلمون ~~مواضع رضاه، ms072 فلا يسألونه إلا ما يحب. # وهذه الحكاية، إما كذب على سهل وهو الذي نختار أن يكون حقا أو تكون غلطا ~~منه، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وذلك أن ما أخبر الله # PageV01P117 # أن يكون فلابد أن يكون، ولو سأله أهل السموات والأرض ألا يكون لم يجبهم، ~~مثل إقامة القيامة، وألا يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، وغير ذلك، بل ~~كل ما علم الله أنه يكون فلا يقبل الله دعاء أحد في ألا يكون. # لكن الدعاء سبب يقضى الله به ما علم الله أنه سيكون بهذا السبب، كما يقضى ~~بسائر الأسباب ما علم أنه سيكون بها. # وقد سأل الله تعالى من هو أفضل من كل من في البصرة بكثير، ما هو دون هذا ~~فلم يجابوا؛ لما سبق الحكم بخلاف ذلك، كما سأله إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام - أن يغفر لأبيه، وكما سأله نوح عليه السلام سأله نجاة ابنه، فقيل ~~له: {يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم} ~~[هود: 46] . # وأفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، قيل له في شأن عمه أبى طالب: {ما ~~كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} ~~[التوبة: 113] ، وقيل له في المنافقين: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} [المنافقون: 6] وقد قال تعالى عموما: {من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] ، وقال: {ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] ، فمن هذا الذي لو سأل الله ما يشاؤه هو أعطاه ~~إياه؟ ! # وسيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، أخبر أنه: يسجد تحت ~~العرش، ويحمد ربه، ويثنى عليه، فيقال له: " أي محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، ~~وسل تعط، واشفع تشفع ". قال: " فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة "، وقد قال ~~تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55] . # PageV01P118 # وأي اعتداء أعظم وأشنع من أن يسأل العبد ربه ألا يفعل ما قد أخبر أنه ~~لابد أن يفعله، أو ms073 أن يفعل ما قد أخبر أنه لا يفعله؟ وهو سبحانه كما أخبر ~~عن نفسه: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} ~~[البقرة: 186] ، وقال: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] . # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من داع يدعو ~~الله بدعوة، ليس فيها ظلم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ~~ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف ~~عنه من الشر مثلها ". # فالدعوة التي ليس فيها اعتداء، يحصل بها المطلوب أو مثله. وهذا غاية ~~الإجابة؛ فإن المطلوب بعينه قد يكون ممتنعا، أو مفسدا للداعي أو لغيره، ~~والداعي جاهل، لا يعلم ما فيه المفسدة عليه، والرب قريب مجيب، وهو أرحم ~~بعباده من الوالدة بولدها، والكريم الرحيم إذا سئل شيئا بعينه، وعلم أنه لا ~~يصلح للعبد إعطاؤه أعطاه نظيره، كما يصنع الوالد بولده إذا طلب منه ما ليس ~~له، فإنه يعطيه من ماله نظيره، ولله المثل الأعلى. # وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما طلبت منه طائفة من بني عمه أن ~~يوليهم ولاية لا تصلح لهم، فأعطاهم من الخمس ما أغناهم عن ذلك وزوجهم، كما ~~فعل بالفضل بن عباس، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. # وقد روي في الحديث: " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء "، وهذا حق. # PageV01P119 # فصل # ولما كان الأمر كما أخبر الله به في قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] ، أوجب هذا ألا يطلب العبد ~~الحسنات والحسنات تدخل فيها كل نعمة إلا من الله، وأن يعلم أنها من الله ~~وحده، فيستحق الله عليها الشكر الذي لا يستحقه غيره، ويعلم أنه لا إله إلا ~~هو، كما قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53] . # فهذا يوجب على العبد شكره وعبادته وحده، ثم قال: {ثم إذا مسكم الضر فإليه ~~تجأرون} [النحل: 53] ، وهذا إخبار عن ms074 حالهم، والجؤار: يتضمن رفع الصوت. # والإنسان إنما يجأر إذا أصابه الضر، وأما في حال النعمة فهو ساكن، إما ~~شاكرا وإما كفورا: {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم ~~إذا فريق منكم بربهم يشركون} [النحل: 53، 54] . # وهذا المعنى قد ذكره الله في غير موضع، يذم من يشرك به بعد كشف البلاء ~~عنه، وإسباغ النعماء عليه، فيضيف العبد بعد ذلك الإنعام إلى غيره، ويعبد ~~غيره تعالى، ويجعل المشكور غيره على النعم، كما قال تعالى: {وإذا مس الناس ~~ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم ~~يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون} [الروم: 33، 43] ، وقال ~~تعالى: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا ~~من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون} ~~[الأنعام: 63، 64] ، وقال تعالى: {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه # PageV01P120 # منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله ~~أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار} [الزمر: 8] ~~. # وقوله: {نسي ما كان يدعو إليه} أي: نسى الضر الذي كان يدعو الله لدفعه ~~عنه، كما قال: فى سورة الأنعام: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم ~~الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه ~~إن شاء وتنسون ما تشركون} [الآيتان: 40،41] . # فذم الله سبحانه حزبين: حزبا لا يدعونه في الضراء، ولا يتوبون إليه، ~~وحزبا يدعونه ويتضرعون إليه ويتوبون إليه. فإذا كشف الضر عنهم أعرضوا عنه، ~~وأشركوا به ما اتخذوهم من الأنداد من دونه. # فهذا الحزب نوعان كالمعطلة، والمشركة حزب إذا نزل بهم الضر لم يدعو الله ~~ولم يتضرعوا إليه، ولم يتوبوا إليه، كما قال: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ~~فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن ~~قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} [الأنعام: 42، 43] ،وقال ~~تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب ms075 فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} [المؤمنون: ~~76] ، وقال تعالى: {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا ~~يتوبون ولا هم يذكرون} [التوبة: 126] ، وقال تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب ~~الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} [السجدة: 21] . وحزب يتضرعون إليه ~~في حال الضراء، ويتوبون إليه، فإذا كشفها عنهم أعرضوا عنه، كما قال تعالى: ~~{وإذا # PageV01P121 # مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر ~~كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} [يونس: 12] ، ~~وقال تعالى: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو ~~دعاء عريض} [فصلت: 51] ، وقال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون ~~إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} [الإسراء: 67] ، ~~وقال في المشركين ما تقدم: {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر ~~عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} [النحل: 53، 54] . # والممدوح هو القسم الثالث، وهم الذين يدعونه، ويتوبون إليه ويثبتون على ~~عبادته، والتوبة إليه في حال السراء، فيعبدونه ويطيعونه في السراء والضراء، ~~وهم أهل الصبر والشكر، كما ذكر ذلك عن أنبيائه عليهم السلام فقال تعالى: ~~{وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ~~ننجي المؤمنين} [الأنبياء: 87، 88] ، وقال تعالى: {ولقد فتنا سليمان ~~وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعدي إنك أنت الوهاب} [ص: 34،35] ،وقال تعالى: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ ~~تسوروا المحراب إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا ~~على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له ~~تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ~~ظلمك # PageV01P122 # بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا ~~الذين آمنوا ms076 وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه ~~وخر راكعا وأناب فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} [ص: 21 25] ، ~~وقال تعالى عن آدم وحواء: {فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما ~~سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن ~~تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطآن لكما عدو مبين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا ~~وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 22،23] وقال: ~~{فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} [البقرة: 37] . # وقال تعالى عن المؤمنين الذين قتل نبيهم: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون ~~كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب ~~الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في ~~أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا ~~وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} [آل عمران: 146 148] . # وقوله {قتل} أي: النبي قتل. وهذا أصح القولين. وقوله: {معه ربيون كثير} ~~جملة في موضع الخبر، صفة للنبي صفة بعد صفة أي كم من نبي معه ربيون كثير ~~قتل، ولم يقتلوا معه، فإنه كان يكون المعنى: أنه قتل وهم معه، والمقصود: ~~أنه كان معه ربيون كثير، وقتل في الجملة، وأولئك الربيون {ما وهنوا لما ~~أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا} # PageV01P123 # والربيون: الجموع الكثيرة، وهم الألوف الكثيرة. # وهذا المعنى هو الذي يناسب سبب النزول، وهو ما أصابهم يوم أحد، لما قيل: ~~" إن محمدا قد قتل "، وقد قال قبل ذلك: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ~~الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144] وهى التي تلاها أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: من كان يعبد ~~محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. # فإنه عند ms077 قتل النبي وموته، تحصل فتنة عظيمة للناس المؤمنين والكافرين ~~وتحصل ردة ونفاق؛ لضعف قلوب أتباعه لموته، ولما يلقيه الشيطان في قلوب ~~الكافرين: إن هذا قد انقضى أمره، وما بقى يقوم دينه، وإنه لو كان نبيا لما ~~قتل وغلب، ونحو ذلك. فأخبر الله تعالى؛ أنه كم من نبي قتل. # فإن بنى إسرائيل قتلوا كثيرا من الأنبياء، والنبي معه ربيون كثير أتباع ~~له، وقد يكون قتله في غير حرب ولا قتال، بل يقتل وقد اتبعه ربيون كثير، فما ~~وهن المؤمنون لما أصابهم بقتله، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب ~~الصابرين، ولكن استغفروا لذنوبهم التي بها تحصل المصائب فما أصابهم من سيئة ~~فمن أنفسهم وسألوا الله أن يغفر لهم، وأن يثبت أقدامهم، فيثبتهم على ~~الإيمان والجهاد لئلا يرتابوا، ولا ينكلوا عن الجهاد، قال تعالى: {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15] ، وسألوه أن ينصرهم على ~~القوم الكافرين. # PageV01P124 # سألوا ربهم ما يفعل لهم في أنفسهم من التثبيت، وما يعطيهم من عنده من ~~النصر؛ فإنه هو الناصر وحده، وما النصر إلا من عند الله. وكذا أنزل ~~الملائكة عونا لهم، قال تعالى لما أنزل الملائكة: {وما جعله الله إلا بشرى ~~ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} [الأنفال: ~~10] وقال تعالى: {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب ~~المحسنين} [آل عمران: 148] ، وهذا مبسوط في موضع آخر. # والمقصود هنا أنه لما كانت الحسنة من إحسانه تعالى والمصائب من نفس ~~الإنسان وإن كانت بقضاء الله وقدره وجب على العبد أن يشكر ربه سبحانه وأن ~~يستغفره من ذنوبه، وألا يتوكل إلا عليه وحده، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ~~فأوجب ذلك للعبد توحيده، والتوكل عليه وحده، والشكر له وحده والاستغفار من ~~الذنوب. # وهذه الأمور كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمعها في الصلاة، كما ثبت عنه ~~في الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع، يقول: " ~~ربنا ms078 ولك الحمد، ملء السماء وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من ~~شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد ". فهذا حمد، ~~وهو شكر لله تعالى وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد، ثم يقول بعد ذلك: " ~~اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ". # وهذا تحقيق لوحدانيته، لتوحيد الربوبية خلقا وقدرا وبداية وهداية # PageV01P125 # هو المعطى المانع، لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع، ولتوحيد الإلهية ~~شرعا وأمرا ونهيا وهو أن العباد، وإن كانوا يعطون ملكا وعظمة، وبختا ورياسة ~~في الظاهر أو في الباطن، كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة، فلا ينفع ذا ~~الجد منك الجد، أي: لا ينجيه ولا يخلصه من سؤلك وحسابك حظه وعظمته وغناه. # ولهذا قال: " لا ينفعه منك " ولم يقل: " لا ينفعه عندك "، فإنه لو قيل ~~ذلك أوهم أنه لا يتقرب به إليك، لكن قد لا يضره. فيقول صاحب الجد: إذا سلمت ~~من العذاب في الآخرة فما أبالى، كالذين أوتوا النبوة والملك، لهم ملك في ~~الدنيا وهم من السعداء، فقد يظن ذو الجد الذي لم يعمل بطاعة الله من بعده ~~أنه كان كذلك، فقال: " ولا ينفع ذا الجد منك "، ضمن " ينفع " معنى " ينجى ~~ويخلص "، فبين أن جده لا ينجيه من العذاب، بل يستحق بذنوبه ما يستحقه ~~أمثاله ولا ينفعه جده منك، فلا ينجيه ولا يخلصه. # فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد، وتحقيق قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~[الفاتحة: 5] ، وقوله: {فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123] وقوله: {عليه توكلت ~~وإليه أنيب} [هود: 88] وقوله: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق ~~والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 8، 9] . # فقوله: " لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ": توحيد الربوبية الذي ~~يقتضى أنه سبحانه هو الذي يسأل ويدعى، ويتوكل عليه. # وهو سبب لتوحيد الإلهية، ودليل عليه، كما يحتج به في القرآن على ~~المشركين؛ # PageV01P126 # فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد توحيد الربوبية ومع هذا يشركون ~~بالله، فيجعلون له أندادا، يحبونهم ms079 كحب الله، ويقولون: إنهم شفعاؤنا عنده، ~~وإنهم يتقربون بهم إليه. فيتخذونهم شفعاء وقربانا، كما قال تعالى: {ويعبدون ~~من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} ~~[يونس: 18] ، وقال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] ، وقال تعالى: {ولقد أهلكنا ما حولكم ~~من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} [الأحقاف: 27، 28] ~~. # وهذا التوحيد هو عبادة الله وحده لا شريك له، وألا نعبده إلا بما أحبه ~~وما رضيه، وهو ما أمر به وشرعه على ألسن رسله صلوات الله عليهم فهو متضمن ~~لطاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وأن يكون الله ~~ورسوله أحب إلى العبد من كل ما سواهما. # وهو يتضمن أن يحب الله حبا لا يماثله ولا يساويه فيه غيره، بل يقتضى أن ~~يكون رسوله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه. # فإذا كان الرسول لأجل أنه رسول الله يجب أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه، ~~فكيف بربه سبحانه وتعالى؟ # وفى صحيح البخاري أن عمر قال: يا رسول الله، والله إنك لأحب إلي من كل ~~شيء، إلا من نفسي. فقال: " لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك ". قال: ~~فو الذى بعثك بالحق، إنك لأحب إلي من نفسي. قال: " الآن يا عمر ". # PageV01P127 # وقد قال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب: 6] ،وقال ~~تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} ~~[التوبة: 24] . # فإن لم يكن الله ورسوله، والجهاد في سبيله، أحب إلى العبد من الأهل ~~والمال على اختلاف أنواعه فإنه داخل تحت هذا الوعيد. # فهذا التوحيد توحيد الإلهية يتضمن فعل المأمور وترك المحظور. # ومن ذلك: الصبر على المقدور، كما أن الأول يتضمن الإقرار بأنه لا خالق ~~ولا ms080 رازق، ولا معطى ولا مانع، إلا الله وحده، فيقتضى ألا يسأل العبد غيره، ~~ولا يتوكل إلا عليه، ولا يستعين إلا به، كما قال تعالى في النوعين: {إياك ~~نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ، وقال: {فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123] . # وهذا التوحيد هو الفارق بين الموحدين والمشركين، وعليه يقع الجزاء ~~والثواب في الأولى والآخرة، فمن لم يأت به كان من المشركين الخالدين، فإن ~~الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. # أما توحيد الربوبية، فقد أقر به المشركون، وكانوا يعبدون مع # PageV01P128 # الله غيره، ويحبونهم كما يحبونه، فكان ذلك التوحيد الذي هو توحيد ~~الربوبية حجة عليهم. فإذا كان الله هو رب كل شيء ومليكه، ولا خالق ولا رازق ~~إلا هو، فلماذا يعبدون غيره معه، وليس له عليهم خلق ولا رزق، ولا بيده لهم ~~منع ولا عطاء، بل هو عبد مثلهم لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا ~~حياة ولا نشورا؟ ! # فإن قالوا: ليشفع فقد قال الله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ~~[البقرة: 255] فلا يشفع من له شفاعة من الملائكة والنبيين إلا بإذنه. وأما ~~قبورهم وما نصب عليها من قباب وأنصاب أو تماثيلهم التي مثلت على صورهم، ~~مجسدة أو مرقومة فجعل الاستشفاع بها استشفاعا بهم، فهذا باطل عقلا وشرعا؛ ~~فإنها لا شفاعة لها بحال، ولا لسائر الأصنام التي عملت للكواكب والجن ~~والصالحين، وغيرهم. # وإذا كان الله لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى فما ~~بقى الشفعاء شركاء، كشفاعة المخلوق عند المخلوق؛ فإن المخلوق يشفع عنده ~~نظيره أو من هو أعلى منه، أو دونه بدون إذن المشفوع إليه، ويقبل المشفوع ~~إليه ولا بد شفاعته إما لرغبته إليه، أو فيما عنده من قوة أو سبب ينفعه به ~~أو يدفع عنه ما يخشاه، وإما لرهبته منه، وإما لمحبته إياه، وإما للمعاوضة ~~بينهما والمعاونة، وإما لغير ذلك من الأسباب. # وتكون شفاعة الشفيع هي التي حركت إرادة المشفوع إليه، وجعلته # PageV01P129 # مريدا للشفاعة، بعد أن لم يكن مريدا لها، كأمر ms081 الآمر الذي يؤثر في ~~المأمور، فيفعل ما أمره به بعد أن لم يكن مريدا لفعله. # وكذلك سؤال المخلوق للمخلوق، فإنه قد يكون محركا له إلى فعل ما سأله. # فالشفيع كما أنه شافع للطالب شفاعته في الطلب، فهو أيضا قد شفع المشفوع ~~إليه، فبشفاعته صار المشفوع إليه فاعلا للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب. # والله تعالى وتر، لا يشفعه أحد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله ~~إليه وحده، فلا شريك له بوجه، ولهذا ذكر سبحانه نفى ذلك في آية الكرسي، ~~التي فيها تقرير التوحيد، فقال: {له ما في السماوات وما في الأرض من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] . # وسيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، إذا سجد وحمد ربه، يقال ~~له: " ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيحد له حدا، فيدخلهم ~~الجنة ". فالأمر كله لله، كما قال: {قل إن الأمر كله لله} [آل عمران: 154] ~~،وقال لرسوله: {ليس لك من الأمر شيء} [آل عمران: 128] ، وقال: {ألا له ~~الخلق والأمر} [الأعراف: 54] . # فإذا كان لا يشفع عند الله أحد إلا بإذنه، فهو يأذن لمن يشاء، ولكن يكرم ~~الشفيع بقبول الشفاعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ~~" اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء ". # وإذا دعاه الداعي، وشفع عنده الشفيع، فسمع الدعاء، وقبل الشفاعة لم يكن ~~هذا مؤثرا فيه، كما يؤثر المخلوق في المخلوق؛ فإنه سبحانه هو الذي جعل # PageV01P130 # هذا يدعو وهذا يشفع، وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد ~~للتوبة ثم قبلها وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه عليه، وهو الذي وفقه للدعاء ~~ثم أجابه، فما يؤثر فيه شيء من المخلوقات، بل هو سبحانه الذي جعل ما يفعله ~~سببا لما يفعله. # وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأن الله خالق كل شيء ~~وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون شيء إلا بمشيئته، وهو خالق ~~أفعال العباد، كما هو خالق سائر المخلوقات. قال يحيى بن سعيد ms082 القطان: ما ~~زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن الله خالق أفعال العباد. # ولكن هذا يناقض قول القدرية، فإنهم إذا جعلوا العبد هو الذي يحدث، ويخلق ~~أفعاله بدون مشيئة الله وخلقه، لزمهم أن يكون العبد قد جعل ربه فاعلا لما ~~لم يكن فاعلا له، فبدعائه جعله مجيبا له وبتوبته جعله قابلا للتوبة، ~~وبشفاعته جعله قابلا للشفاعة. # وهذا يشبه قول من جعل المخلوق يشفع عند الله بغير إذنه. # فإن " الإذن " نوعان: إذن بمعنى المشيئة والخلق، وإذن بمعنى الإباحة ~~والإجازة. # فمن الأول: قوله في السحر: {وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله} ~~[البقرة: 102] فإن ذلك بمشيئة الله تعالى وقدرته، وإلا فهو لم يبح السحر. # والقدرية تنكر هذا " الإذن ". وحقيقة قولهم: إن السحر يضر بدون إذن الله. # وكذلك قوله: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} [آل عمران: 166] ~~،فإن الذي # PageV01P131 # أصابهم من القتل والجراح والتمثيل والهزيمة، إذا كان بإذنه فهو خالق ~~لأفعال الكفار ولأفعال المؤمنين. # والنوع الثاني: قوله: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله ~~بإذنه} [الأحزاب: 45، 46] ،وقوله: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فبإذن الله} [الحشر: 5] ، فإن هذا يتضمن إباحته لذلك، وإجازته له، ~~ورفع الجناح والحرج عن فاعله، مع كونه بمشيئته وقضائه. # فقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] ، هو هذا الإذن ~~الكائن بقدره وشرعه، ولم يرد بمجرد المشيئة والقدر؛ فإن السحر وانتصار ~~الكفار على المؤمنين كان بذلك الإذن. # فمن جعل العباد يفعلون أفعالهم بدون أن يكون الله خالقا لها، وقادرا ~~عليها، ومشيئا لها، فعنده كل شافع وداع قد فعل ما فعل بدون خلق الله ~~وقدرته، وإن كان قد أباح الشفاعة. # وأما الكفر، والسحر، وقتال الكفار، فهو عندهم بغير إذنه، لا هذا الإذن ~~ولا هذا الإذن؛ فإنه لم يبح ذلك باتفاق المسلمين. وعندهم: أنه لم يشأه ولم ~~يخلقه، بل كان بدون مشيئته وخلقه. # والمشركون المقرون بالقدر يقولون: إن الشفعاء يشفعون بالإذن القدري، وإن ~~لم يإذن لهم إباحة وجوازا. # ومن كان مكذبا بالقدر مثل كثير من النصارى ms083 يقولون: إن شفاعة الشفعاء بغير ~~إذن، لا قدري ولا شرعي. # والقدرية من المسلمين يقولون: يشفعون بغير إذن قدري. # PageV01P132 # ومن سأل الله بغير إذنه الشرعي، فقد شفع عنده بغير إذن قدري ولا شرعي. # فالداعي المأذون له في الدعاء مؤثر في الله عندهم، لكن بإباحته. # والداعي غير المأذون له، إذا أجاب دعاءه، فقد أثر فيه عندهم لا بهذا ~~الإذن ولا بهذا الإذن، كدعاء بلعام بن باعوراء وغيره، والله تعالى يقول: ~~{من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] . # فإن قيل: فمن الشفعاء من يشفع بدون إذن الله الشرعي، وإن كان خالقا لفعله ~~كشفاعة نوح لابنه، وشفاعة إبراهيم لأبيه، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعبد الله بن أبى بن سلول، حين صلى عليه بعد موته. وقوله: {من ذا الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه} قد قلتم: إنه يعم النوعين، فإنه لو أراد الإذن القدري لكان ~~كل شفاعة داخلة في ذلك كما يدخل في ذلك كل كفر وسحر. ولم يكن فرق بين ما ~~يكون بإذنه، وما لا يكون بإذنه، ولو أراد الإذن الشرعي فقط، لزم قول ~~القدرية، وهؤلاء قد شفعوا بغير إذن شرعي؟ # قيل: المنفى من الشفاعة بلا إذن هي الشفاعة التامة، وهى المقبولة، كما في ~~قول المصلى: " سمع الله لمن حمده " أي: استجاب له، وكما في قوله تعالى: ~~{هدى للمتقين} [البقرة: 2] ، وقوله {إنما أنت منذر من يخشاها} [النازعات: ~~45] ، وقوله: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} [ق: 45] ، ونحو ذلك. # فإن الهدى، والإنذار، والتذكير، والتعليم، لابد فيه من قبول المتعلم، ~~فإذا تعلم حصل له التعليم المقصود، وإلا قيل: علمته فلم يتعلم، كما قيل: ~~{وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17] ، فكذلك ~~الشفاعة. # PageV01P133 # فالشفاعة مقصودها قبول المشفوع إليه، وهى الشفاعة التامة، فهذه هي التي ~~لا تكون إلا بإذنه، وأما إذا شفع شفيع فلم تقبل شفاعته كانت كعدمها، وكان ~~على صاحبها التوبة والاستغفار منها، كما قال نوح: {رب إني أعوذ بك أن أسألك ~~ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: 47] ، وكما ms084 ~~نهى الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين، وقال ~~له: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ~~ورسوله وماتوا وهم فاسقون} [التوبة: 84] ، وقال له: {سواء عليهم أستغفرت ~~لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} [المنافقون: 6] ، ولهذا قال على ~~لسان المشركين: {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} [الشعراء: 100، 101] . # فالشفاعة المطلوبة هي شفاعة المطاع الذي تقبل شفاعته، وهذه ليست لأحد عند ~~الله تعالى إلا بإذنه قدرا وشرعا، فلابد أن يأذن فيها، ولابد أن يجعل العبد ~~شافعا، فهو الخالق لفعله، والمبيح له، كما في الداعي هو الذي أمره بالدعاء، ~~وهو الذي يجعل الداعي داعيا، فالأمر كله لله، خلقا وأمرا، كما قال: {ألا له ~~الخلق والأمر} [الأعراف: 54] . # وقد روى في حديث ذكره ابن أبى حاتم وغيره أنه قال: " فمن يثق به، فليدعه ~~" أي: فلم يبق لغيره لا خلق ولا أمر. # ولما كان المراد الشفاعة المثبتة هي الشفاعة المطلقة، وهى المقصود ~~بالشفاعة وهى المقبولة، بخلاف المردودة، فإن أحدا لا يريدها، لا الشافع ولا ~~المشفوع له، ولا المشفوع إليه، ولو علم الشافع والمشفوع له أنها ترد لم ~~يفعلوها. والشفاعة المقبولة هي النافعة، بين ذلك في مثل قوله: {ولا تنفع ~~الشفاعة عنده # PageV01P134 # إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] وقوله: {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن ورضي له قولا} [طه: 109] ، فنفى الشفاعة المطلقة وبين أن الشفاعة لا ~~تنفع عنده إلا لمن أذن له، وهو الإذن الشرعي، بمعنى: أباح له ذلك وأجازه، ~~كما قال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] ، وقوله: {لا ~~تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} [الأحزاب: 53] ، وقوله: {ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم} [النور: 58] ، ونحو ذلك. # وقوله: {إلا لمن أذن له} هو إذن للمشفوع له فلا يأذن في شفاعة مطلقة ~~لأحد، بل إنما يأذن في أن يشفعوا لمن أذن لهم في الشفاعة فيه، قال تعالى: ~~{يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ~~يومئذ لا ms085 تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} [طه: 108، 109] ~~، وفيه قولان: # قيل: إلا شفاعة من أذن له الرحمن. # وقيل: لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن، فهو الذي تنفعه الشفاعة. # وهذا هو الذي يذكره طائفة من المفسرين، لا يذكرون غيره؛ لأنه لم يقل: " ~~لا تنفع إلا من أذن له " ولا قال: " لا تنفع الشفاعة إلا فيمن أذن له "، بل ~~قال: {لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له} فهي لا تنفع ولا ينتفع بها، ولا تكون ~~نافعة إلا للمأذون لهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {ولا تنفع الشفاعة ~~عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] . # ولا يقال: لا تنفع إلا لشفيع مأذون له، بل لو أريد هذا، لقيل: لا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا من أذن له، وإنما قال: {لمن أذن له} وهو المشفوع له، الذي ~~تنفعه الشفاعة. # وقوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} لم يعد إلى " الشفعاء " بل عاد إلى ~~المذكورين في قوله: {وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} ثم قال: ~~{ولا تنفع الشفاعة عنده} ثم بين أن هذا منتف {حتى إذا فزع عن قلوبهم # PageV01P135 # قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق} [سبأ: 22، 23] ، فلا يعلمون ماذا قال، ~~حتى يفزع عن قلوبهم فكيف يشفعون بلا إذنه؟ # وهو سبحانه إذا أذن للمشفوع له فقد أذن للشافع. # فهذا الإذن هو الإذن المطلق، بخلاف ما إذا أذن للشافع فقط؛ فإنه لا يلزم ~~أن يكون قد أذن للمشفوع له، إذ قد يأذن له إذنا خاصا. # وهكذا قال غير واحد من المفسرين. قالوا: وهذا يدل على أن الشفاعة لا تنفع ~~إلا المؤمنين، وكذلك قال السلف في هذه الآية. # قال قتادة في قوله: {إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} [طه: 109] قال: ~~كان أهل العلم يقولون: إن المقام المحمود الذي قال الله تعالى: {عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] ، هو شفاعته يوم القيامة، وقوله: ~~{إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} إن الله تعالى يشفع المؤمنين بعضهم في ~~بعض. ms086 # قال البغوي: {إلا من أذن له الرحمن} أذن الله له أن يشفع له، {ورضي له ~~قولا} أي: ورضي قوله. قال ابن عباس: يعنى قال: " لا إله إلا الله ". قال ~~البغوي: فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن. # وقد ذكروا القولين في قوله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له} وقدم طائفة هناك: أن المستثنى هو الشافع، دون المشفوع له، بخلاف ما ~~قدموه هنا. # منهم البغوي، فإنه لم يذكر هنا في الاستثناء إلا المشفوع له، وقال هناك: ~~{ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] ، في الشفاعة، قاله ~~تكذيبا لهم، حيث قالوا: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] ، قال: ويجوز ~~أن يكون المعنى: إلا لمن أذن له أن يشفع له. # PageV01P136 # وكذلك ذكروا القولين في قوله: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا ~~من شهد بالحق} [الزخرف: 86] ، وسنتكلم على هذه الآية إن شاء الله تعالى، ~~ونبين أن الاستثناء فيها يعم الطائفتين، وأنه منقطع. # ومعنى هاتين الآيتين مثل معنى تلك الآية، وهو يعم النوعين. وذلك أنه ~~سبحانه قال: {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} ~~[طه: 109] ،والشفاعة: مصدر شفع شفاعة. والمصدر يضاف إلى الفاعل تارة، وإلى ~~محل الفعل تارة، ويماثله الذي يسمى لفظه " المفعول به " تارة، كما يقال: ~~أعجبني دق الثوب ودق القصار وذلك مثل لفظ " العلم "، يضاف تارة إلى العلم، ~~وتارة إلى المعلوم، فالأول كقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه} [البقرة: 255] ~~، وقوله: {أنزله بعلمه} [النساء: 166] ، وقوله: {أنما أنزل بعلم الله} ~~[هود: 14] ،ونحو ذلك. # والثاني كقوله: {إن الله عنده علم الساعة} [لقمان: 34] ، فالساعة هنا: ~~معلومة، لا عالمة، وقوله حين قال فرعون: {فما بال القرون الأولى} . قال ~~موسى: {علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى} [طه: 51، 52] ، ومثل ~~هذا كثير. # فالشفاعة مصدر، لابد لها من شافع ومشفوع له. # والشفاعة: تعم شفاعة كل شافع، وكل شفاعة لمشفوع له. # فإذا قال: {يومئذ لا تنفع الشفاعة} نفى النوعين؛ شفاعة الشفعاء والشفاعة ~~للمذنبين. فقوله: {إلا من أذن ms087 له الرحمن} يتناول النوعين؛ من أذن له الرحمن # PageV01P137 # ورضي له قولا من الشفعاء، ومن أذن له الرحمن ورضي له قولا من المشفوع له، ~~وهى تنفع المشفوع له، فتخلصه من العذاب، وتنفع الشافع، فتقبل منه، ويكرم ~~بقبولها، ويثاب عليه. # والشفاعة يومئذ لا تنفع لا شافعا ولا مشفوعا له {إلا من أذن له الرحمن ~~وقال صوابا} [النبأ: 38] ، فهذا الصنف المأذون لهم، المرضي قولهم، هم الذين ~~يحصل لهم نفع الشفاعة، وهذا موافق لسائر الآيات. # فإنه تارة يشترط في الشفاعة إذنه، كقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه} [البقرة: 255] . # وتارة يشترط فيها الشهادة بالحق، كقوله: {ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة} ثم قال: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] # وهنا اشترط الأمرين: أن يأذن له الرحمن، وأن يقول صوابا، والمستثنى ~~يتناول مصدر الفاعل والمفعول، كما تقول: لا ينفع الزرع إلا في وقته، فهو ~~يتناول زرع الحارث، وزرع الأرض، لكن هنا قال: {إلا من أذن له الرحمن} ~~والاستثناء مفرغ فإنه لم يتقدم قبل هذا من يستثنى منه هذا، وإنما قال: {لا ~~تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن} ، فإذا لم يكن في الكلام حذف، كان ~~المعنى: لا تنفع الشفاعة إلا هذا النوع؛ فإنهم تنفعهم الشفاعة، ويكون ~~المعنى: أنها تنفع الشافع والمشفوع له. # وإن جعل فيه حذف تقديره: لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن كان ~~المصدر مضافا إلى النوعين، كل واحد بحسبه، يضاف إلى بعضهم، لكونه شافعا، ~~وإلى بعضهم لكونه مشفوعا له، ويكون هذا كقوله: # PageV01P138 # {ولكن البر من آمن بالله} [البقرة: 177] ، أي من يؤمن، و {ومثل الذين ~~كفروا كمثل الذي ينعق} [البقرة: 171] ، أي مثل داعي الذين كفروا كمثل ~~الناعق، أو مثل الذين كفروا كمثل منعوق به، أي الذي ينعق به، والمعنى في ~~ذلك كله ظاهر معلوم. # فلهذا كان من أفصح الكلام إيجازه، دون الإطناب فيه. وقوله: {يومئذ لا ~~تنفع الشفاعة} [طه: 109] ، إذا كان من هذا الباب، لم يحتج أن الشافع تنفعه ~~الشفاعة، وإن لم يكرمه، كان الشافع ممن تنفعه الشفاعة. ms088 # وفى الآية الأخرى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] ، ~~من هؤلاء، وهؤلاء. # لكن قد يقال: التقدير: لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له أن يشفع فيه ~~فيؤذن لغيره أن يشفع فيه، فيكون الإذن للطائفتين. والنفع للمشفوع له، كأحد ~~الوجهين، أو: ولا تنفع إلا لمن أذن له من هؤلاء وهؤلاء، فكما أن الإذن ~~للطائفتين، فالنفع أيضا للطائفتين. فالشافع ينتفع بالشفاعة، وقد يكون ~~انتفاعه بها أعظم من انتفاع المشفوع له، ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح: " اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله تعالى على لسان نبيه ~~ما شاء ". # ولهذا كان من أعظم ما يكرم به الله عبده محمدا صلى الله عليه وسلم: هو ~~الشفاعة التي يختص بها، وهى المقام المحمود، الذي يحمده به الأولون ~~والآخرون. # وعلى هذا، لا تحتاج الآية إلى حذف، بل يكون معناها: يومئذ لا تنفع ~~الشفاعة لا شافعا ولا مشفوعا {إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ: ~~38] . # ولذلك جاء في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا بني عبد ~~مناف، لا أملك لكم من الله من شيء، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، لا أملك # PageV01P139 # لك من الله من شيء، يا عباس عم رسول الله، لا أملك لك من الله من شيء ". # وفى الصحيح أيضا: " لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له ~~رغاء أو شاة لها يعار أو رقاع تخفق، فيقول: أغثني، أغثني، فأقول: قد ~~أبلغتك، لا أملك لك من الله تعالى من شيء ". # فيعلم من هذا: أن قوله: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} [الزخرف: ~~86] ، و {لا يملكون # منه خطابا} [النبأ: 37] ، على مقتضاه، وأن قوله في الآية: {لا يملكون ~~منه} كقوله صلى الله عليه وسلم: " لا أملك لكم من الله من شيء " وهو كقول ~~إبراهيم لأبيه: {وما أملك لك من الله من شيء} [الممتحنة: 4] . # وهذه الآية تشبه قوله تعالى: {رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا ~~يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح ms089 والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له ~~الرحمن وقال صوابا} [النبأ: 37، 38] ، فإن هذا مثل قوله: {يومئذ لا تنفع ~~الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} [طه: 109] ، ففي الموضعين ~~اشترط إذنه. فهناك ذكر " القول الصواب " وهنا ذكر " أن يرضي قوله ". ومن ~~قال: الصواب رضي الله قوله، فإن الله إنما يرضي بالصواب. # وقد ذكروا في تلك الآية قولين: # أحدهما: أنه الشفاعة أيضا كما قال ابن السائب: لا يملكون شفاعة إلا ~~بإذنه. # والثاني: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه. قال مقاتل: كذلك ~~قال مجاهد: {لا يملكون منه خطابا} قال: كلاما. هذا من تفسيره الثابت عنه، ~~وهو من أعلم أو أعلم التابعين بالتفسير. # PageV01P140 # قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد، فحسبك به. وقال: عرضت المصحف على ~~ابن عباس: أقفه عند كل آية وأسأله عنها. وعليه اعتمد الشافعي وأحمد ~~والبخاري في صحيحه. # وهذا يتناول الشفاعة أيضا. # وفى قوله: {لا يملكون منه خطابا} لم يذكر استثناء؛ فإن أحدا لا يملك من ~~الله خطابا مطلقا؛ إذ المخلوق لا يملك شيئا يشارك فيه الخالق، كما قد ~~ذكرناه في قوله: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} [الزخرف: 86] ، أن ~~هذا عام مطلق، فإن أحدا ممن يدعى من دونه لا يملك الشفاعة بحال، ولكن الله ~~إذا أذن لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوكا لهم، وكذلك قوله: {لا يملكون ~~منه خطابا} هذا قول السلف وجمهور المفسرين. # وقال بعضهم: هؤلاء هم الكفار، لا يملكون مخاطبة الله في ذلك اليوم، قال ~~ابن عطية: قوله: {لا يملكون} الضمير للكفار، أي: لا يملكون من إفضاله ~~وإكماله أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها. # وهذا مبتدع، وهو خطأ محض. # والصحيح: قول الجمهور والسلف أن هذا عام، كما قال في آية أخرى: {وخشعت ~~الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} [طه: 108] ، وفي حديث التجلي الذي في ~~الصحيح لما ذكر مرورهم على الصراط قال صلى الله عليه وسلم: " ولا يتكلم أحد ~~إلا الرسل، ودعوى الرسل: اللهم سلم سلم "، فهذا في وقت المرور على ms090 الصراط، ~~وهو بعد الحساب والميزان، فكيف بما قبل ذلك؟ # وقد طلبت الشفاعة من أكابر الرسل، وأولى العزم، وكل يقول: " إن # PageV01P141 # ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني فعلت ~~كذا وكذا، نفسي، نفسي، نفسي ". فإذا كان هؤلاء لا يتقدمون إلى مخاطبة الله ~~تعالى تعالى بالشفاعة، فكيف بغيرهم؟ # وأيضا، فإن هذه الآية مذكورة بعد ذكر المتقين وأهل الجنة، وبعد أن ذكر ~~الكافرين، فقال: {إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا ~~دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا جزاء من ربك عطاء حسابا رب السماوات ~~والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح والملائكة ~~صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ: 31 38] ،فقد أخبر ~~أن الروح والملائكة يقومون صفا، لا يتكلمون. وهذا هو تحقيق قوله: {لا ~~يملكون منه خطابا} والعرب تقول: ما أملك من أمر فلان، أو من فلان شيئا، أي: ~~لا أقدر من أمره على شيء، وغاية ما يقدر عليه الإنسان من أمر غيره خطابة، ~~ولو بالسؤال. # فهم في ذلك الموطن لا يملكون من الله تعالى شيئا، ولا الخطاب؛ فإنه لا ~~يتكلم أحد إلا بإذنه، ولا يتكلم إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، قال ~~تعالى: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء} ~~[الممتحنة: 4] ، فقد أخبر الخليل أنه لا يملك لأبيه من الله من شيء، فكيف ~~غيره؟ # وقال مجاهد أيضا: {إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} قال: حقا في الدنيا، ~~وعملا به. رواه والذي قبله عبد بن حميد. وروى عن عكرمة: {وقال صوابا} قال: ~~الصواب قول لا إله إلا الله. # PageV01P142 # فعلى قول مجاهد: يكون المستثنى من أتى بالكلم الطيب والعمل الصالح. # وقوله في سوره طه: {لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} ~~[الآية: 109] ، فإذا جعلت هذا مثل تلك، فتكون الشفاعة هي الشفاعة المطلقة، ~~وهي الشفاعة في الحسنات وفى دخول الجنة، كما في الصحيحين: " أن الناس ~~يهتمون ms091 يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يرحنا من مقامنا ~~هذا؟ "، فهذا طلب الشفاعة للفصل بينهم. # وفى حديث الشفاعة: " أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن " ~~فهذه شفاعة في أهل الجنة؛ ولهذا قيل: إن هاتين الشفاعتين مختصتان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، ويشفع غيره في العصاة. # فقوله: {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} [طه: ~~109] ، يدخل فيها الشفاعة في أهل الموقف عموما، وفى أهل الجنة، وفي ~~المستحقين للعذاب. وهو سبحانه في هذه وتلك لم يذكر العمل، إنما قال: {وقال ~~صوابا} وقال: {ورضي له قولا} ، ولكن قد دل الدليل على أن القول الصواب ~~المرضي لا يكون صاحبه محمودا إلا مع العمل الصالح، لكن نفس القول مرضي، فقد ~~قال الله: {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10] . # وقد ذكر البغوي وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهما في قوله: {ولا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] قولين: # أحدهما: أن المستثنى هو الشافع، ومحل [من] الرفع. # والثاني: هو المشفوع له. # قال أبو الفرج: في معنى الآية قولان: # أحدهما: أنه أراد ب {الذين يدعون # PageV01P143 # من دونه} آلهتهم، ثم استثنى عيسى وعزيزا والملائكة، فقال: {إلا من شهد ~~بالحق} وهو شهادة أن لا إله إلا الله {وهم يعلمون} بقلوبهم ما شهدوا به ~~بألسنتهم. قال: وهذا مذهب الأكثرين، منهم قتادة. # والثاني: أن المراد ب {الذين يدعون} عيسى وعزيرا والملائكة، الذين عبدهم ~~المشركون، لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد {إلا من شهد بالحق} وهي كلمة الإخلاص ~~{وهم يعلمون} أن الله تعالى خلق عيسى وعزيرا والملائكة. وهذا مذهب قوم، ~~منهم مجاهد. # وقال البغوي: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق} ~~[الزخرف: 86] ، هم عيسى وعزير والملائكة؛ فإنهم عبدوا من دون الله تعالى، ~~ولهم الشفاعة. وعلى هذا تكون " من " في محل رفع. # وقيل: " من " في محل خفض، وأراد ب {الذين يدعون} : عيسى وعزيرا ~~والملائكة، يعنى: أنهم لا يملكون الشفاعة إلا لمن شهد بالحق. قال: والأول ~~أصح. ms092 # قلت: قد ذكر جماعة قول مجاهد وقتادة، منهم ابن أبى حاتم. روى بإسناده ~~المعروف على شرط الصحيح عن مجاهد قوله: {ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة} عيسى وعزير والملائكة، يقول: لا يشفع عيسى وعزير والملائكة {إلا ~~من شهد بالحق} يعلم الحق. هذا لفظه. جعل " شفع " متعديا بنفسه وكذلك لفظ. . ~~. [بياض بالأصل] . # وعلى هذا، فيكون منصوبا، لا يكون مخفوضا، كما قاله البغوي؛ فإن الحرف ~~الخافض إذا حذف انتصب الاسم، ويكون على هذا يقال: شفعته، وشفعت له، كما ~~يقال: نصحته، ونصحت له. و " شفع " أي صار شفيعا للطالب، أي لا يشفعون طالبا ~~ولا يعينون طالبا {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} أن الله ربهم. # PageV01P144 # وروى بإسناده عن قتادة {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} . الملائكة وعيسى ~~وعزير، أي أنهم قد عبدوا من دون الله، ولهم شفاعة عند الله ومنزلة. # قلت: كلا القولين معناه صحيح، لكن التحقيق في تفسير الآية: أن الاستثناء ~~منقطع، ولا يملك أحد من دون الله الشفاعة مطلقا، لا يستثنى من ذلك أحد عند ~~الله؛ فإنه لم يقل: ولا يشفع أحد، ولا قال: لا يشفع لأحد، بل قال: {ولا ~~يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} وكل من دعى من دون الله لا يملك الشفاعة ~~البتة. # والشفاعة بإذن ليست مختصة بمن عبد من دون الله. # وسيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم لم يعبد كما عبد المسيح، وهو مع هذا له ~~شفاعة، ليست لغيره، فلا يحسن أن تثبت الشفاعة لمن دعى من دون الله دون من ~~لم يدع. # فمن جعل الاستثناء متصلا، فإن معنى كلامه: أن من دعى من دون الله تعالى ~~لا يملك الشفاعة، إلا أن يشهد بالحق وهو يعلم، أو لا يشفع إلا لمن شهد ~~بالحق وهو يعلم، ويبقى الذين لم يدعوا من دون الله، لم تذكر شفاعتهم لأحد، ~~وهذا المعنى لا يليق بالقرآن ولا يناسبه، وسبب نزول الآية يبطله أيضا. # وأيضا، فقوله: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} يتناول كل معبود ~~من دونه، ويدخل في ذلك الأصنام؛ ms093 فإنهم كانوا يقولون: هم يشفعون لنا. # قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم # PageV01P145 # ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ~~ولا في الأرض} [يونس: 18] . # فإذا قيل: إنه استثنى الملائكة والأنبياء، كان في هذا إطماع لمن عندهم أن ~~معبوديهم من دون الله تعالى يشفعون لهم، وهذا مما يبين فساد القول المذكور ~~عن قتادة. # فإنه إذا كان المعنى: أن المعبودين لا يشفعون إلا إذا كانوا ملائكة أو ~~أنبياء، كان في هذا إثبات شفاعة المعبودين لمن عبدوهم، إذا كانوا صالحين، ~~والقرآن كله يبطل هذا المعنى؛ ولهذا قال تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا ~~تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26] ، ~~وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى وهم من خشيته مشفقون} [الأنبياء: 26 28] ، فبين أنهم لا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى الرب، فعلم أنه لابد أن يؤذن لهم في من يشفعون فيه، وأنهم لا ~~يؤذن لهم إذن مطلق. # وأيضا، فإن في القرآن: إذا نفى الشفاعة من دونه نفاها مطلقا؛ فإن قوله: ~~{من دونه} إما أن يكون متصلا بقوله: {يملكون} أو بقوله: {يدعون} أو بهما. ~~فالتقدير: لا يملك الذين يدعونهم الشفاعة من دونه، أو لا يملك الذين ~~يدعونهم من دونه أن يشفعوا. وهذا أظهر؛ لأنه قال: {ولا يملك الذين يدعون من ~~دونه الشفاعة} فأخر {الشفاعة} وقدم {من دونه} . # ومثل هذا كثير في القرآن: " يدعون من دون الله " و " يعبدون من دون # PageV01P146 # الله "، كقوله: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم} [يونس: 18] ~~، وقوله: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك} [يونس: 106] . # بخلاف ما إذا قيل: لا يملك الذين يدعون الشفاعة من دونه؛ فإن هذا لا نظير ~~له في القرآن، واللفظ المستعمل في مثل هذا أن يقال: لا يملك الذين يدعون ~~الشفاعة إلا بإذنه، أو ms094 لمن ارتضى، ونحو ذلك. لا يقال في هذا المعنى: " من ~~دونه "؛ فإن الشفاعة هي من عنده، فكيف تكون من دونه؟ لكن قد تكون بإذنه، ~~وقد تكون بغير إذنه. # وأيضا، فإذا قيل: {الذين يدعون} مطلقا، دخل فيه الرب تعالى؛ فإنهم كانوا ~~يدعون الله، ويدعون معه غيره؛ ولهذا قال: {والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر} [الفرقان: 68] . # والتقدير الثالث: لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة من دونه، وهذا ~~أجود من الذي قبله، لكن يرد عليه ما يرد على الأول. # ومما يضعفهما أن الشفاعة لم تذكر بعدها صلة لها، بل قال: {ولا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة} فنفى ملكهم الشفاعة مطلقا. وهذا هو الصواب. وإن كل ~~من دعى من دون الله لا يملك الشفاعة؛ فإن المالك للشيء هو الذي يتصرف فيه ~~بمشيئته وقدرته، والرب تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، فلا يملك أحد من ~~المخلوقين الشفاعة بحال، ولا يقال في هذا: {إلا بإذنه} إنما يقال ذلك في ~~الفعل، فيقال: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] . # PageV01P147 # وأما في الملك، فلا يمكن أن يكون غيره مالكا لها، فلا يملك مخلوق الشفاعة ~~بحال، ولا يتصور أن يكون نبي فمن دونه مالكا لها، بل هذا ممتنع، كما يمتنع ~~أن يكون خالقا وربا، وهذا كما قال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير} فنفى الملك مطلقا، ثم قال: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ~~أذن له} [سبأ: 22، 23] ، فنفى نفع الشفاعة إلا لمن استثناه، لم يثبت أن ~~مخلوقا يملك الشفاعة، بل هو سبحانه له الملك وله الحمد، لا شريك له في ~~الملك، قال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ~~الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق ~~كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 1، 2] . # ولهذا لما نفى الشفعاء من دونه نفاهم نفيا مطلقا بغير استثناء، وإنما ms095 يقع ~~الاستثناء إذا لم يقيدهم بأنهم من دونه، كما قال تعالى: {وأنذر به الذين ~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} [الأنعام: 51] ، ~~وكما قال تعالى: {وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ~~ولا شفيع} [الأنعام: 70] ، وكما قال تعالى: {ما لكم من دونه من ولي ولا ~~شفيع} [السجدة: 4] ، فلما قال: {من دونه} نفى الشفاعة مطلقا، وإذا ذكر ~~{بإذنه} لم يقل: " من دونه " كقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ~~[البقرة: 255] ، وقوله: {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} [يونس: 3] . # فمن تدبر القرآن تبين له أنه كما قال تعالى: {الله نزل أحسن # PageV01P148 # الحديث كتابا متشابها مثاني} [الزمر: 23] ، يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه ~~بعضا، ليس بمختلف ولا بمتناقض {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا} [النساء: 82] . # وهو " مثاني " يثنى الله تعالى فيه الأقسام، ويستوفيها. # والحقائق إما متماثلة، وهي " المتشابه " وإما مماثلة، وهي: الأصناف ~~والأقسام والأنواع. وهي " المثاني ". # و" التثنية " يراد بها: جنس التعديد، من غير اقتصار على اثنين فقط، كما ~~في قوله تعالى: {ارجع البصر كرتين} [الملك: 4] ، يراد به: مطلق العدد، كما ~~تقول: قلت له مرة بعد مرة، تريد: جنس العدد. وتقول: هو يقول كذا، ويقول ~~كذا، وإن كان قد قال مرات، كقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: أنه جعل يقول بين السجدتين: " رب اغفر لي، رب اغفر لي ~~" لم يرد: أن هذا قاله مرتين فقط، كما يظنه بعض الناس الغالطين، بل يريد: ~~أنه جعل يثنى هذا القول، ويردده، ويكرره، كما كان يثنى لفظ التسبيح. # وقد قال حذيفة رضي الله عنه في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم إنه ركع ~~نحوا من قيامه، يقول في ركوعه: " سبحان ربى العظيم، سبحان ربي العظيم ". ~~وذكر أنه سجد نحوا من قيامه، يقول في سجوده: " رب اغفر لي، رب اغفر لي ". # وقد صرح في الحديث الصحيح أنه أطال الركوع والسجود بقدر البقرة والنساء ~~وآل عمران فإنه ms096 قام بهذه السور كلها، وذكر أنه كان يقول: " سبحان # PageV01P149 # ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى ". # فعلم أنه أراد بتثنية اللفظ: جنس التعداد والتكرار، لا الاقتصار على ~~مرتين، فإن [الاثنين] أول العدد الكثير. فذكر أول الأعداد يعنى أنه عدد هذا ~~اللفظ، لم يقتصر على مرة واحدة، فالتثنية التعديد، والتعديد يكون للأقسام ~~المختلفة. # وليس في القرآن تكرار محض، بل لابد من فوائد في كل خطاب. # ف[المتشابه] في النظائر المتماثلة، و [المثاني] في الأنواع. وتكون ~~التثنية في المتشابه، أي هذا المعنى قد ثنى في القرآن لفوائد أخر. # ف[المثاني] تعم هذا وهذا. وفاتحة الكتاب: هي [السبع المثاني] لتضمنها هذا ~~وهذا، وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا أن قوله: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} قد تم ~~الكلام هنا، فلا يملك أحد من المعبودين من دون الله الشفاعة البتة، ثم ~~استثنى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] ، فهذا استثناء منقطع. ~~والمنقطع يكون في المعنى المشترك بين المذكورين. فلما نفى ملكهم الشفاعة، ~~بقيت الشفاعة بلا مالك لها. # كأنه قد قيل: فإذا لم يملكوها، هل يشفعون في أحد؟ فقال: نعم {من شهد ~~بالحق وهم يعلمون} # وهذا يتناول الشافع والمشفوع له، فلا يشفع إلا من شهد بالحق وهم يعلمون، ~~فالملائكة والأنبياء والصالحون وإن كانوا لا يملكون الشفاعة لكن إذا أذن ~~الرب لهم شفعوا، وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين، الذين يشهدون أن ~~لا إله إلا الله، فيشهدون بالحق وهم يعلمون، لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة ~~تقليدا للآباء والشيوخ، كما جاء الحديث الصحيح: " إن الرجل يسأل في قبره: # PageV01P150 # ما تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن، فيقول: هو عبد الله ورسوله، جاءنا ~~بالبينات والهدى. وأما المرتاب، فيقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس ~~يقولون شيئا فقلته " فلهذا قال: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} . # وقد تقدم قول ابن عباس؛ يعني من قال: " لا إله إلا الله تعالى " يعنى: ~~خالصا من قلبه. # والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة، كلها تبين أن ms097 الشفاعة إنما تكون ~~في أهل " لا إله إلا الله ". # وقد ثبت في صحيح البخاري: أن أبا هريرة قال لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: " يا أبا هريرة، لقد ظننت ~~ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد ~~الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله تعالى، خالصا من قبل ~~نفسه ". # فبين أن المخلص لها من قبل نفسه، هو أسعد بشفاعته صلى الله عليه وسلم من ~~غيره ممن يقولها بلسانه، وتكذبها أقواله وأعماله. # فهؤلاء هم الذين شهدوا بالحق، شهدوا " أن لا إله إلا الله تعالى "، كما ~~شهد الله تعالى لنفسه بذلك وملائكته وأولو العلم {شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} [آل ~~عمران: 18] . # فإذا شهدوا وهم يعلمون كانوا من أهل الشفاعة، شافعين، ومشفوعا لهم. # فإن المؤمنين أهل التوحيد يشفع بعضهم في بعض، كما ثبت ذلك في الأحاديث ~~الصحيحة، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الطويل، حديث التجلي والشفاعة: " ~~حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فو الذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد ~~مناشدة لله تعالى في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم ~~الذين # PageV01P151 # في النار، يقولون: ربنا، كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون. فيقال لهم: ~~أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار " وذكر تمام الحديث. # وسبب نزول الآية على ما ذكروه مؤيد لما ذكره. # قال أبو الفرج ابن الجوزى: سبب نزولها: أن النضر بن الحارث ونفرا معه ~~قالوا: إن كان ما يقول محمد حقا، فنحن نتولى الملائكة، فهم أحق بالشفاعة من ~~محمد، فنزلت هذه الآية. قاله مقاتل. # وعلى هذا، فيقصد أن الملائكة وغيرهم لا يملكون الشفاعة، فليس توليكم ~~إياهم، واستشفاعكم بهم بالذي يوجب أن يشفعوا لكم؛ فإن أحدا ممن يدعى من دون ~~الله لا يملك الشفاعة، ولكن ms098 {من شهد بالحق وهم يعلمون} فإن الله يشفع فيه. # فالذي تنال به الشفاعة هي الشهادة بالحق، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، ~~لا تنال بتولى غير الله؛ لا الملائكة، ولا الأنبياء ولا الصالحين. # فمن والى أحدا من هؤلاء ودعاه، وحج إلى قبره، أو موضعه، ونذر له، وحلف ~~به، وقرب له القرابين ليشفع له، لم يغن ذلك عنه من الله شيئا، وكان من أبعد ~~الناس عن شفاعته وشفاعة غيره؛ فإن الشفاعة إنما تكون لأهل توحيد الله، ~~وإخلاص القلب والدين له، ومن تولى أحدا من دون الله فهو مشرك. # فهذا القول والعبادة الذي يقصد به المشركون الشفاعة يحرم عليهم الشفاعة، ~~فالذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين، ليشفعوا لهم، كانت ~~عبادتهم إياهم وإشراكهم بربهم، الذي به طلبوا شفاعتهم، به حرموا شفاعتهم، ~~وعوقبوا بنقيض قصدهم؛ لأنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. # PageV01P152 # وكثير من أهل الضلال يظن أن الشفاعة تنال بهذه الأمور التي فيها شرك، أو ~~هي شرك خالص، كما ظن ذلك المشركون الأولون، وكما يظنه النصارى، ومن ضل من ~~المنتسبين إلى الإسلام، الذين يدعون غير الله، ويحجون إلى قبره أو مكانه، ~~وينذرون له، ويحلفون به، ويظنون أنه بهذا يصير شفيعا لهم، قال تعالى: {قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ~~إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: 56،57] . # قال طائفة من السلف: كان أقوام يعبدون المسيح والعزير والملائكة، فبين ~~الله أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله، كما بين أنهم لا يملكون ~~الشفاعة، وهذا لا استثناء فيه، وإن كان الله يجيب دعاءهم، ثم قال: {أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ~~إن عذاب ربك كان محذورا} ، فبين أن هؤلاء المزعومين، الذين يدعونهم من دون ~~الله كانوا يرجون رحمة الله تعالى ويخافون عذابه، ويتقربون إليه بالأعمال ~~الصالحة، كسائر عباده المؤمنين وقد قال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا ms099 ~~الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} [آل عمران: ~~80] . # وللناس في الشفاعة أنواع من الضلال، قد بسطت في غير هذا الموضع. # فكثير منهم يظن أن الشفاعة هي بسبب اتصال روح الشافع بروح المشفوع له، ~~كما ذكر ذلك أبو حامد الغزالي وغيره، ويقولون: من كان أكثر صلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، كان أحق بالشفاعة من غيره، وكذلك من كان أحسن ظنا ~~بشخص، وأكثر تعظيما له، كان أحق بشفاعته. # PageV01P153 # وهذا غلط، بل هذا هو قول المشركين الذين قالوا: نتولى الملائكة ليشفعوا ~~لنا، يظنون أن من أحب أحدا، من الملائكة والأنبياء والصالحين وتولاه، كان ~~ذلك سببا لشفاعته له. وليس الأمر كذلك بل الشفاعة سببها توحيد الله وإخلاص ~~الدين والعبادة بجميع أنواعها له، فكل من كان أعظم إخلاصا كان أحق ~~بالشفاعة، كما أنه أحق بسائر أنواع الرحمة؛ فإن الشفاعة من الله مبدؤها، ~~وعلى الله تعالى تمامها، فلا يشفع أحد إلا بإذنه، وهو الذي يأذن للشافع، ~~وهو الذي يقبل شفاعته في المشفوع له. # وإنما الشفاعة سبب من الأسباب التي بها يرحم الله من يرحم من عباده، وأحق ~~الناس برحمته هم أهل التوحيد والإخلاص له، فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص ~~" لا إله إلا الله " علما وعقيدة، وعملا وبراءة، وموالاة ومعاداة، كان أحق ~~بالرحمة. # والمذنبون الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم فخفت موازينهم فاستحقوا النار ~~من كان منهم من أهل " لا إله إلا الله " فإن النار تصيبه بذنوبه، ويميته ~~الله في النار إماتة، فتحرقه النار إلا موضع السجود، ثم يخرجه الله من ~~النار بالشفاعة، ويدخله الجنة، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. # فبين أن مدار الأمر كله على تحقيق كلمة الإخلاص، وهى " لا إله إلا الله " ~~لا على الشرك بالتعلق بالموتى وعبادتهم، كما ظنه الجاهليون، وهذا مبسوط في ~~غير هذا الموضع. # والمقصود هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين " الحمد " الذي ~~هو رأس الشكر، وبين " التوحيد والاستغفار " إذا رفع رأسه من الركوع فيقول: ~~" ربنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض ms100 وملء ما بينهما، وملء ما شئت من ~~شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما ~~أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد " ثم يقول: " اللهم ~~طهرني بالثلج والبرد، والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ~~ينقى الثوب الأبيض من الدنس " كما رواه مسلم في الصحيح عن أبى سعيد الخدري ~~رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من ~~الركوع قال: " اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت ~~من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع ~~لما # PageV01P154 # أعطيت، ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ". # وروى مسلم أيضا عن عبد الله بن أبى أوفى رضي الله عنه قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: " سمع الله لمن حمده، ~~اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، ~~اللهم طهرنى بالثلج والبرد، والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا ~~كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ ". # وقد روى مسلم في صحيحه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " ~~اللهم لك الحمد "، وقال: " وملء الأرض، وملء ما بينهما "، ولم يذكر في بعض ~~الروايات؛ لأن " السموات والأرض ". قد يراد بهما العلو والسفل مطلقا، فيدخل ~~في ذلك الهواء وغيره؛ فإنه عال بالنسبة إلى ما تحته، وسافل بالنسبة إلى ما ~~فوقه، فقد يجعل من السماء، كما يجعل السحاب سماء، والسقف سماء، وكذا قال في ~~القرآن: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} ~~[الحديد: 4] ،ولم يقل: " وما بينهما " كما يقول: {الله الذي خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ~~ولا شفيع} [السجدة: 4] . # PageV01P155 # فتارة يذكر قوله: " وما بينهما " فيما خلقه في ستة أيام، وتارة لا ms101 يذكره، ~~وهو مراد؛ فإن ذكره كان إيضاحا وبيانا، وإن لم يذكره دخل في لفظ " السموات ~~والأرض ". ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم تارة يقول: " ملء السموات ~~وملء الأرض " ولا يقول: " وما بينهما "، وتارة يقول: " وما بينهما " وفيها ~~كلها: " وملء ما شئت من شيء بعد "، وفى رواية أبى سعيد: " أحق ما قال العبد ~~" إلى آخره، وفى رواية ابن أبى أوفى: " الدعاء بالطهارة من الذنوب ". # ففي هذا، الحمد رأس الشكر والاستغفار، فإن ربنا غفور وشكور، فالحمد بإزاء ~~النعمة، والاستغفار بإزاء الذنوب. # وذلك تصديق قوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك} [النساء: 79] . # ففي سيد الاستغفار: " أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي "، وفى حديث أبي ~~سعيد: " الحمد رأس الشكر والتوحيد "، كما جمع بينهما في أم القرآن؛ فأولها ~~تحميد، وأوسطها توحيد، وآخرها دعاء، وكما في قوله: {هو الحي لا إله إلا هو ~~فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} [غافر: 65] . # وفى حديث الموطأ: " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ~~تعالى، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير من قالها ~~كتب الله تعالى له ألف حسنة، وحط عنه ألف سيئة وكانت له حرزا من الشيطان ~~يومه ذلك، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجل قال مثلها، أو زاد عليه، ~~ومن قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده، حطت خطاياه، ولو كانت مثل زبد ~~البحر ". # PageV01P156 # وفضائل هذه الكلمات في أحاديث كثيرة، وفيها: التوحيد والتحميد. # فقوله: " لا إله إلا الله، وحده لا شريك له " توحيد، وقوله: " له الملك ~~وله الحمد " تحميد، وفيها معان أخرى شريفة. # وقد جاء الجمع بين التوحيد، والتحميد، والاستغفار، في مواضع؛ مثل حديث ~~كفارة المجلس: " سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك ~~وأتوب إليك " فيه: التسبيح، والتحميد، والتوحيد، والاستغفار. من قالها في ~~مجلس؛ إن كان مجلس لغط كانت كفارة له، وإن كان مجلس ذكر كانت كالطابع له، ~~وفى حديث ms102 أيضا: " إن هذا يقال عقب الوضوء ". # ففى الحديث الصحيح في مسلم وغيره من حديث عقبة عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد يتوضأ ~~فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء ~~". وفى حديث آخر أنه يقول: " سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، ~~أستغفرك وأتوب إليك ". # وقد روى عن طائفة من السلف، في الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، ونحو هذه ~~الكلمات. # روى ابن جرير عن مجاهد أنه قال: " اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، ~~رب إني ظلمت نفسي،فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، ~~سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني، فأنت خير الراحمين، لا إله إلا ~~أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي، فتب على، إنك أنت التواب الرحيم ". # PageV01P157 # فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء، وخاتمة الوضوء فيها التسبيح، ~~والتحميد، والتوحيد، والاستغفار. # فالتسبيح، والتحميد، والتوحيد لله تعالى؛ فإنه لا يأتي بالحسنات إلا هو. # والاستغفار من ذنوب النفس، التي منها تأتى السيئات. # وقد قرن الله في كتابه بين التوحيد، والاستغفار في غير موضع، كقوله: ~~{فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: 19] ~~، وفى قوله: {ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه} [هود: 2، 3] وفى قوله: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى ~~إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه} [فصلت: 6] . # وفى حديث رواه ابن أبى عاصم وغيره: " يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب، ~~وأهلكوني بالاستغفار، وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، ~~فهم يذنبون ولا يستغفرون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ". # و" لا إله إلا الله " تقتضى الإخلاص والتوكل والإخلاص [يقتضى] الشكر، فهي ~~أفضل الكلام، وهى أعلى شعب الإيمان، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله ms103 ~~عليه وسلم، أنه قال: " الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول ~~لا إلا إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ~~". # ف " لا إله إلا الله " هي قطب رحى الإيمان، وإليها يرجع الأمر كله. # والكتب المنزلة مجموعة في قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~[الفاتحة: 5] ، وهي # PageV01P158 # معنى " لا إله إلا الله " و " لا حول ولا قوة إلا بالله " هي من معنى " ~~لا إله إلا الله " و " الحمد لله " في معناها، و " سبحان الله والله أكبر " ~~من معناها، لكن فيها تفصيل بعد إجمال. # فصل # وقد ظن بعض المتأخرين: أن معنى قوله: {فمن نفسك} أي فمن نفسك؟ وأنه ~~استفهام على سبيل الإنكار. ومعنى كلامه: إن الحسنات والسيئات، كلها من الله ~~لا من نفسك. # وهذا القول يباين معنى الآية، فإن الآية بينة أن السيئات من نفس ~~الإنسان.أي بدونه، وهؤلاء يقولون: ليست السيئات من نفسه. # وممن ذكر ذلك: أبو بكر بن فورك. فإنه قال: معناه: أفمن نفسك؟ يدل عليه ~~قول الشاعر: # ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا ... عدد الرمل والحصى والتراب # قلت: وإضمار الاستفهام - إذا دل عليه الكلام - لا يقتضي جواز إضماره في ~~الخبر المخصوص من غير دلالة، فإن هذا يناقض المقصود. ويستلزم أن كل من أراد ~~أن ينفي ما أخبر الله به يقدر أن ينقيه، بأن يقدر في خبره استفهاما.ويجعله ~~استفهام إنكار. # وهذا من جهة العربية نظير ما زعمه بعضهم في قول إبراهيم عليه السلام: ~~{هذا ربي} أهذا ربي؟ # PageV01P159 # قال الإنباري: هذا قول شاذ، لأن حرف الاستفهام لا يضمر إذا كان فارقا بين ~~الإخبار والاستخبار. # وهؤلاء استشهدوا بقوله: {أفإن مت فهم الخالدون} . # وهذا لا حاجة فيه، لأنه قد تقدم الاستفهام في ألأول الجملة، الشرطية {وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد} فلم إلى ذكره ثانية. بل ذكره يفسد الكلام. ومثله ~~قوله: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} وقوله: {أفكلما جاءكم رسول ~~بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم} وقوله: {أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم} ~~وهذا من فصيح الكلام وبليغه واستشهدوا ms104 بقوله: # لعمرك لا أدري، وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان؟ # وقوله: # كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... # غلس الظلام من الرباب خيالا؟ # تقديره: أكذبتك عينك؟ # وهذا لا حجة فيه.لأن قوله فيما بعد "أم بثمان" و "أم رأيت" يدل عل الألف ~~المحذوفة في البيت الأول.وأما الثاني: فإن كانت "أم" هي المتصلة فكذلك. وإن ~~كانت المنفصلة فالخبر على بابه. # وهؤلاء مقصودهم: أن النفس لا تأثير لها في وجود السيئات وليست سببا فيها. ~~بل قد يقولون: إن المعاصي علامة محضة على العقوبة لاقترانها بها. لا أنها ~~سبب لها.وهذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف، وللعقل. # PageV01P160 # والقرآن يبين في غير موضع: أن الله لم يهلك أحدا ولم يعذبه إلا بذنب، ~~فقال هناك: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} وقال لهم في شأن أحد: {أولما ~~أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} وقوله ~~تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} وقال تعالى ~~في سورة الشورى أيضا: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الأنسان كفور} ~~وقال تعالى: {قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه ~~المجرمون} وقال تعالى: {وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون. ذكرى وما كنا ~~ظالمين} وقال تعالى: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو ~~عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} وقال تعالى: {ظهر ~~الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم ~~يرجعون} وقال تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم ~~يرجعون} وقال تعالى: {أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير} وقال تعالى في ~~سورة القلم عن أهل الجنة الذين ضرب بهم المثل لما أهلكها بذلك العذاب: ~~{كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} وقال تعالى: {مثل ما ~~ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ~~فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} وقال تعالى عن أهل سبأ: ms105 ~~{فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم - إلى قوله - ذلك جزيناهم # PageV01P161 # بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور} وقال تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ ~~القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} وقال تاعلى: {وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا} . # وفي الحديث الصحيح الإلهي: " يا عبادي إنما هي أعمالك أحصيها عليكم ثم ~~أوفيكم إياها فمن وجد خيرا: فليحمد الله ومن وجد غير ذلك: فلا يلومن إلا ~~نفسه ". # وفي سيد الاستغفار: " أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي " وقال تعالى: ~~{وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون} . # والحمد لله وحده، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم. ورضي ~~الله عن الصحابة أجمعين وعن التابعين وتابعي التابعين لهم بإحسان إلى يوم ~~الدين. PageV01P162 ms106