######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007263 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الحسبة في الإسلام، أو وظيفة الحكومة الإسلامية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007263 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7263 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7263 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة # قال شيخ الإسلام أبو العباس، أحمد ابن الشيخ الإمام العالم شهاب الدين ~~عبد الحليم، ابن الشيخ الإمام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية ~~رحمة الله عليه1: # الحمد لله نستعينه، ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. ~~ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، ~~فهدى به من الضلالة, وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعينا ~~عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، حيث بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح ~~الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه، صلى ~~الله PageV01P005 # عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته. # أما بعد: # فهذه: "قاعدة في الحسبة". أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام ~~مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله ~~سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرسل، وعليه ~~جاهد الرسول والمؤمنون. # قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] . # وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] . # وقال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ~~[النحل: 36] . # وقد أخبر عن جميع المرسلين أن كلا منهم يقول لقومه: # {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 59] . # وعبادته تكون بطاعته وطاعة رسوله، وذلك هو الخير والبر والتقوى والحسنات، ~~والقربات والباقيات الصالحات والعمل الصالح، وإن كانت هذه الأسماء بينها ~~فروق لطيفة ليس هذا موضعها. # وهذا الذي يقاتل عليه الخلق، كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين كله لله} [البقرة: 193] # وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: سئل النبي -صلى ms01 ~~الله عليه وسلم- عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك ~~في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ~~1. PageV01P006 # وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع ~~والتعاون والتناصر، فالتعاون على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا ~~يقال: الإنسان مدني بالطبع، فإذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها ~~يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين ~~للآمر بتلك المقاصد، والناهي عن تلك المفاسد، فجميع بني آدم لا بد لهم من ~~طاعة آمر وناه. فمن لم يكن من أهل الكتب الإلهية ولا من أهل دين فإنهم ~~يطيعون ملوكهم فيما يرون أنه يعود بمصالح دنياهم، مصيبين تارة ومخطئين ~~أخرى. # وأهل الأديان الفاسدة من المشركين وأهل الكتاب المستمسكين به بعد التبديل ~~أو بعد النسخ والتبديل1، مطيعون فيما يرون أنه يعود عليهم بمصالح دينهم ~~ودنياهم. وغير أهل الكتاب منهم من يؤمن بالجزاء بعد الموت، ومنهم من لا ~~يؤمن به، وأما أهل الكتاب فمتفقون على الجزاء بعد الموت، ولكن الجزاء في ~~الدنيا متفق عليه أهل الأرض، فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم ~~وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: "الله ينصر الدولة العادلة وإن ~~كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة". # وإذا كان لا بد من طاعة آمر وناه فمعلوم أن دخول المرء في طاعة الله ~~ورسوله خير له، وهو الرسول النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل الذي ~~يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ~~وذلك هو الواجب عل جميع الخلق، قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ~~ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر ~~لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: ~~64] . وقال: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين ms02 والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} [النساء: 69] . ~~وقال: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار PageV01P007 # خالدين فيها وذلك الفوز العظيم، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} [النساء: 13] . # وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في خطبته للجمعة: "إن خير الكلام ~~كلام الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها" 1. وكان يقول في خطبة ~~الحاجة: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ~~ولن يضر الله شيئا" 2. # وقد بعث الله رسوله محمدا -صلى الله عليه وسلم- بأفضل المناهج والشرائع، ~~وأنزل عليه أفضل الكتب، فأرسله إلى خير أمة أخرجت للناس، وأكمل له ولأمته ~~الدين، وأتم عليهم النعمة، وحرم الجنة إلا على من آمن به وبما جاء به، ولم ~~يقبل من أحد إلا الإسلام الذي جاء به، فمن ابتغى غيره دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين. وأخبر في كتابه أنه أنزل الكتاب والحديد ليقوم ~~الناس بالقسط؛ فقال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~وليعلم الله من ينصره PageV01P008 # ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} [الحديد: 25] . # ولهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بتولية ولاة أمور عليهم، وأمر ~~ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا ~~بالعدل، وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله تعالى، ففي سنن أبي داود عن ~~أبي سعيد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا خرج ثلاثة في سفر ~~فليؤمر أحدهم"، وفي سننه أيضا عن أبي هريرة مثله1. # وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: " لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا أحدهم" 2. # فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم: كان ~~هذا تنبيها على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك، ولهذا كانت الولاية لمن ~~يتخذها دينا يتقرب به إلى الله ms03 ويفعل فيها الواجب بحسب الإمكان، من أفضل ~~الأعمال الصالحة، حتى قد روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أنه قال: " إن أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله ~~إمام جائر" 3. PageV01P009 ### | فصل: [الولايات الإسلامية] ، [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] # وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله ~~به رسوله هو الأمر بالمعروف والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر، وهذا ~~نعت النبي والمؤمنين، كما قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [التوبة: 71] . # وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض على الكفاية ويصير فرض عين على ~~القادر الذي لم يقم به غيره، والقدرة هي السلطان والولاية، فذوو السلطان ~~أقدر من غيرهم، وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو ~~القدرة؛ فيجب على كل إنسان بحسب قدرته، قال تعالى: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} [التغابن: 16] . # وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى، مثل نيابة السلطنة، والصغرى مثل ولاية ~~الشرطة، وولاية الحكم، أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين المالية وولاية ~~الحسبة. # لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن، والمطلوب منه الصدق، مثل ~~الشهود عند الحاكم، ومثل صاحب الديوان الذي وظيفته أن يكتب المستخرج ~~والمصروف، والنقيب والعريف الذي وظيفته إخبار ذي الأمر بالأحوال. # ومنهم من يكون بمنزلة الأمين المطاع والمطلوب منه العدل، مثل الأمير ~~والحاكم # PageV01P011 # والمحتسب، وبالصدق في كل الأخبار، والعدل في الإنشاء من الأقوال، وتصلح ~~جميع الأحوال، وهما قرينان كما قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} ~~[الأنعام: 115] . # وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ذكر الظلمة: "من صدقهم بكذبهم ~~وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم ~~بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض" 1. # وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "عليكم بالصدق، فإن ~~الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي ms04 إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى ~~الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب! فإن الكذب يهدي إلى الفجور، ~~وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند ~~الله كذابا" 2. # ولهذا قال سبحانه وتعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل ~~أفاك أثيم} [الشعراء: 221] . # وقال تعالى: {لنسفعن بالناصية، ناصية كاذبة خاطئة} [العلق: 15] . # فلهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل، وإذا تعذر ذلك ~~استعان بالأمثل فالأمثل وإن كان فيه كذب وظلم , فإن الله يؤيد هذا الدين ~~بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم، والواجب إنما هو فعل المقدور، وقد قال ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- أو "عمر بن الخطاب": "من قلد رجلا على عصابة هو ~~يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله، وخان ~~المؤمنين" 3. PageV01P012 # فالواجب إنما هو الأرضى من الموجود، والغالب أنه لا يوجد كامل، فيفعل خير ~~الخيرين ويدفع شر الشرين، ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: "أشكو إليك جلد ~~الفاجر وعجز الثقة". وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يفرحون ~~بانتصار الروم والنصارى على المجوس، وكلاهما كافر؛ لأن أحد الصنفين أقرب ~~إلى الإسلام، وأنزل الله في ذلك: "سورة الروم" لما اقتتلت الروم وفارس، ~~والقصة مشهورة وكذلك يوسف كان نائبا لفرعون مصر وهو وقومه مشركون، وفعل من ~~العدل والخير ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان. # PageV01P013 ### | فصل: [مسئولية المحتسب] # عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ ~~والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في الشرع1، فقد يدخل في ولاية القضاة في بعض ~~الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية الحرب في مكان وزمان آخر، وبالعكس، ~~وكذلك الحسبة وولاية المال. # وجميع هذه الولايات هي في الأصل ولاية شرعية ومناصب دينية، فأي من عدل في ~~ولاية من هذه الولايات فساسها بعلم وعدل وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان ~~فهو من الأبرار الصالحين، وأي من ظلم وعمل فيها بجهل فهو من الفجار ~~الظالمين، إنما الضابط قوله تعالى: ms05 {إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي ~~جحيم} [الانفطار: 13، 14] . # وإذا كان كذلك، فولاية الحرب في عرف هذا الزمان في هذه البلاد الشامية ~~والمصرية تختص بإقامة الحدود التي فيها إتلاف، مثل قطع يد السارق وعقوبة ~~المحارب ونحو ذلك، وقد يدخل فيها من العقوبات ما ليس فيه إتلاف، كجلد ~~السارق، ويدخل فيها الحكم في المخاصمات والمضاربات، ودواعي التهم التي ليس ~~فيها كتاب وشهود، كما تختص ولاية القضاء بما فيه كتاب وشهود، وكما تختص ~~بإثبات PageV01P015 # الحقوق والحكم في مثل ذلك، والنظر في حال نظار الوقوف وأوصياء اليتامى، ~~وغير ذلك مما هو معروف. # وفي بلاد أخرى كبلاد المغرب: ليس لوالي الحرب حكم في شيء، وإنما هو منفذ ~~لما يأمر به متولي القضاء، وهذا اتبع للسنة القديمة ولهذا أسباب من المذاهب ~~والعادات مذكورة في غير هذا الموضع. # وأما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من خصائص ~~الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم، وكثير من الأمور الدينية هو مشترك بين ~~ولاة الأمور، فمن أدى فيه الواجب وجبت طاعته فيه، فعلى المحتسب أن يأمر ~~العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها ويعاقب من لم يصل بالضرب والحبس، وأما ~~القتل فإلى غيره، ويتعهد الأئمة والمؤذنين، فمن فرط منهم فيما يجب من حقوق ~~الإمامة أو خرج عن الأذان المشروع ألزمه بذلك، واستعان فيما يعجز عنه بوالي ~~الحرب والحكم، وكل مطاع يعين على ذلك. وذلك أن "الصلاة" هي أعرف المعروف من ~~الأعمال، وهي عمود الإسلام وأعظم شرائعه، وهي قرينة الشهادتين، وإنما فرضها ~~الله ليلة المعراج وخاطب بها الرسول بلا واسطة، لم يبعث بها رسولا من ~~الملائكة، وهي آخر ما وصى به النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته، وهي ~~المخصوصة بالذكر في كتاب الله تخصيصا بعد تعميم، كقوله تعالى: {والذين ~~يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة} [الأعراف: 170] وقوله: {اتل ما أوحي إليك ~~من الكتاب وأقم الصلاة} [العنكبوت: 45] . # وهي المقرونة بالصبر، وبالزكاة، وبالنسك وبالجهاد في مواضع من كتاب الله ~~كقوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45] . # وقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] . # وقوله: {إن صلاتي ونسكي} ms06 [الأنعام: 62] . # وقوله: {أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا} [الفتح: 29] . # وقوله: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك # PageV01P016 # وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم ~~يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} [النساء: 102] . # إلى قوله: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا} [النساء: 103] . # وأمرها أعظم من أن يحاط به، فاعتناء ولاة الأمر بها يجب أن يكون فوق ~~اعتنائهم بجميع الأعمال، لهذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله ~~عنه- يكتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ ~~دينه، ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة. رواه مالك وغيره1. # ويأمر المحتسب بالجمعة والجماعات، وبصدق الحديث وأداء الأمانات. # وينهى عن المنكرات: من الكذب والخيانة، وما يدخل في ذلك من تطفيف المكيال ~~والميزان والغش في الصناعات، والبياعات، والديانات، ونحو ذلك قال الله ~~تعالى: {ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون} [المطففين: 1،3] . # وقال في قصة شعيب: {أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [الشعراء: ~~181] . # وقال تعالى: {إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما} [النساء: 107] . # وقال: {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} [يوسف: 52] . # وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ~~"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن ~~كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" 2. PageV01P017 # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر على ~~صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: "ما هذا يا صاحب ~~الطعام؟ " فقال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: " أفلا جعلته فوق الطعام ~~كي يراه الناس! من غشنا فليس مني" 1. # وفي رواية: "من غشني فليس مني". فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ~~الغاش ليس بداخل في مطلق اسم أهل الدين والإيمان، كما قال: "لا يزني الزاني ~~حين يزني ms07 وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين ~~يشربها وهو مؤمن" 2. # فسلبه حقيقة الإيمان التي بها يستحق حصول الثواب والنجاة من العقاب، وإن ~~كان معه أصل الإيمان الذي يفارق به الكفار ويخرج به من النار. # والغش يدخل في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع، مثل أن يكون ظاهر ~~المبيع خيرا من باطنه، كالذي مر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنكر ~~عليه. ويدخل في الصناعات مثل الذين يصنعون المطعومات من الخبز والطبخ ~~والعدس والشواء وغير ذلك، أو يصنعون الملبوسات كالنساجين والخياطين ونحوهم، ~~أو يصنعون غير ذلك من الصناعات، فيجب نهيهم عن الغش والخيانة والكتمان. # ومن هؤلاء "الكيماوية" الذين يغشون النقود والجواهر والعطر وغير ذلك، ~~فيصنعون ذهبا أو فضة أو عنبرا أو مسكا أو جواهر أو زعفرانا أو ماء ورد أو ~~غير ذلك، يضاهون به خلق الله، ولم يخلق الله شيئا فيقدر العباد أن يخلقوا ~~كخلقه، بل قال الله -عز وجل- فيما حكى عنه رسوله: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق ~~كخلقي؟ PageV01P018 # فليخلقوا ذرة! فليخلقوا بعوضة" 1. # ولهذا كانت المصنوعات -مثل الأطبخة والملابس والمساكن- غير مخلوقة إلا ~~بتوسط الناس، قال تعالى: # {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون، وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون} [يس: 41] # وقال تعالى: {أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 95، ~~96] . # وكانت المخلوقات من المعادن والنبات والدواب غير مقدورة لبني آدم أن ~~يصنعوها، لكنهم يشبهون على سبيل الغش، وهذا حقيقة الكيمياء، فإنه المشبه، ~~وهذا باب واسع قد صنف فيه أهل الخبرة ما لا يحتمل ذكره في هذا الموضع. # ويدخل في المنكرات ما نهى الله عنه ورسوله من العقود المحرمة، مثل عقود ~~الربا والميسر، ومثل بيع الغرر2، وكحبل الحبلة3، والملامسة والمنابذة4، ~~وربا النسيئة وربا الفضل5، وكذلك النجش6، وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد ~~شراءها وتصرية الدابة7 اللبون وسائر أنواع التدليس. # وكذلك المعاملات الربوية سواء كانت ثنائية أو ثلاثية إذا كان المقصود بها ~~PageV01P019 # جميعها أخذ دراهم بدرهم أكثر منها إلى أجل. فالثنائية ما يكون بين اثنين: ~~مثل ms08 أن يجمع إلى القرض بيعا أو إجارة أو مساقاة أو مزارعة، وقد ثبت عن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ~~ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك". قال الترمذي: حديث صحيح1. # ومثل أن يبيعه سلعة إلى أجل ثم يعيدها إليه، ففي سنن أبي داود عن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- قال: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا" ~~2. # والثلاثية: مثل أن يدخلا بينهما محللا للربا يشتري السلعة منه آكل الربا ~~ثم يبيعها المعطي للربا إلى أجل ثم يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستفيدها ~~المحلل. # وهذه المعاملات منها ما هو حرام بإجماع المسلمين مثل التي يجري فيها شرط ~~لذلك، أو التي يباع فيها المبيع قبل القبض الشرعي أو بغير الشروط الشرعية، ~~أو يقلب فيها الدين على المعسر، فإن المعسر يجب إنظاره ولا يجوز الزيادة ~~عليه بمعاملة ولا غيرها بإجماع المسلمين، ومنها ما قد تنازع فيه بعض ~~العلماء، لكن الثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين ~~تحريم ذلك كله. # ومن المنكرات تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق، فإن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- نهى عن ذلك لما فيه من تغرير البائع3، فإنه لا يعرف السعر ~~فيشتري منه المشتري بدون القيمة، ولذلك أثبت النبي -صلى الله عليه وسلم- له ~~الخيار إذا هبط إلى السوق، وثبوت الخيار له مع الغبن لا ريب فيه، وأما ~~ثبوته بلا غبن ففيه نزاع بين العلماء، وفيه عن أحمد روايتان، PageV01P020 # إحداهما: يثبت، وهو قول الشافعي، والثانية: لا يثبت لعدم الغبن. وثبوت ~~الخيار بالغبن للمسترسل -وهو الذي لا يماكس- هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما1، ~~فليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس2 بسعر ويبيعوا المسترسل3 الذي لا يماكس ~~أو من هو جاهل بالسعر بأكثر من ذلك السعر هذا مما ينكر على الباعة. # وجاء في الحديث: "غبن المسترسل ربا"4، وهو بمنزلة تلقي السلع، فإن القادم ~~جاهل بالسعر، ولذلك "نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبيع حاضر لباد، ~~وقال: "دعوا الناس يرزق الله ms09 بعضهم من بعض" 5. وقيل لابن عباس ما قوله: "لا ~~يبيع حاضر لباد"؟ قال: لا يكون له سمسار، وهذا نهي عنه لما فيه من ضرر ~~المشترين، فإن المقيم إذا توكل للقادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها ~~والقادم لا يعرف السعر ضر ذلك المشتري، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: ~~"دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". # ومثل ذلك "الاحتكار" لما يحتاج الناس إليه، روى مسلم في صحيحه عن معمر بن ~~عبد الله أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يحتكر إلا خاطئ" 6. فإن ~~المحتكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم ~~ويريد إغلاءه عليهم، وهو ظالم للخلق المشترين، ولهذا كان لولي الأمر أن ~~يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من ~~عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصة، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة ~~المثل، ولهذا قال الفقهاء: من اضطر إلى طعام لغير أخذه منه بغير اختياره ~~بقيمة PageV01P021 # مثله، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره1. ومن هنا ~~يتبين أن السعر منه ما هو ظلم لا يجوز، ومنه ما هو عدل جائز فإذا تضمن ظلم ~~الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباحه الله ~~لهم: فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من ~~المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل: ~~فهو جائز، بل واجب. # فأما الأول فمثل ما روى أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله! لو سعرت؟ فقال: "إن الله هو القابض ~~الباسط الرازق المسعر، وأني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ~~ظلمتها إياه في دم ولا مال". رواه أبو داود والترمذي وصححه2. # فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ~~ارتفع السعر إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق، ms10 فهذا إلى الله. فإلزام ~~الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق. # وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها ~~إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا ~~معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله ~~به. وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا أن لا يبيع الطعام أو غيره إلا ~~أناس معروفون، لاتباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلوا باع غيرهم ~~ذلك منع، إما ظلما لوظيفة تؤخذ من البائع، أو غير ظلم، لما في ذلك من ~~الفساد، فهنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا ~~يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء؛ ~~لأنه إذا كان قد منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن ~~يبيعوا بما اختاروا أو اشتروا بما اختاروا كان PageV01P022 # ذلك ظلما للخلق من وجهين: ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال، ~~وظلما للمشترين منهم، والواجب إذا لم يمكن دفع جميع الظلم أن يدفع الممكن ~~منه، فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته: إلزامهم ألا يبيعوا أو ~~لا يشتروا إلا بثمن المثل. # وهذا واجب في مواضع كثيرة من الشريعة، فإنه كما أن الإكراه على البيع لا ~~يجوز إلا بحق: يجوز الإكراه على البيع بحق في مواضع مثل بيع المال لقضاء ~~الدين الواجب والنفقة الواجبة، والإكراه على ألا يبيع إلا بثمن المثل لا ~~يجوز إلا بحق، ويجوز في مواضع، مثل المضطر إلى طعام الغير، ومثل الغراس ~~والبناء الذي في ملك الغير، فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل لا بأكثر. ~~ونظائره كثيرة. وكذلك السراية في العتق كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم: ~~"من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة ~~العدل، لا وكس ولا شطط" 1. # فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق، ms11 وكذلك من ~~وجب عليه شراء شيء للعبادات كآلة الحج ورقبة العتق وماء الطهارة، فعليه أن ~~يشتريه بقيمة المثل، ليس له أن يمتنع عن الشراء إلا بما يختار. وكذلك فيما ~~يجب عليه من طعام أو كسوة لمن عليه نفقته إذا وجد الطعام أو اللباس الذي ~~يصلح له في العرف بثمن المثل: لم يكن له أن ينتقل إلى ما هو دونه، حتى يبذل ~~له ذلك بثمن يختاره، ونظائره كثيرة. # ولهذا منع غير واحد من العلماء كأبي حنيفة وأصحابه القسام الذين يقسمون ~~العقار وغيره بالأجر أن يشتركوا والناس محتاجون PageV01P023 # إليهم أغلوا عليهم الأجر، فمنع البائعين الذين تواطئوا على ألا يبيعوا ~~إلا بثمن قدروه أولى، وكذلك منع المشترين إذا تواطئوا على أن يشتركوا، ~~فإنهم إذا اشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولى أيضا، فإذا ~~كانت الطائفة التي تشتري نوعا من السلع أو تبيعها قد تواطأت على أن يهضموا ~~ما يشترونه بدون ثمن المثل المعروف، ويزيدون ما يبيعونه بأكثر من الثمن ~~المعروف، وينموا ما يشترونه، كان هذا أعظم عدوانا من تلقي السلع، ومن بيع ~~الحاضر للبادي، ومن النجش ويكونون قد اتفقوا على ظلم الناس حتى يضطروا إلى ~~بيع سلعهم وشرائها بأكثر من ثمن المثل، والناس يحتاجون إلى ذلك وشرائه. # وما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس فإنه يجب ألا يباع إلا بثمن المثل، ~~إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة. ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ~~ناس، مثل حاجة الناس إلى الفلاحة والنساجة والبناية، فإن الناس لا بد لهم ~~من طعام يأكلونه وثياب يلبسونها ومساكن يسكنونها، فإذا لم يجلب لهم من ~~الثياب ما يكفيهم كما كان يجلب إلى الحجاز على عهد رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- كانت الثياب تجلب إليهم من اليمن ومصر والشام وأهلها كفار ~~وكانوا يلبسون ما نسجه الكفار ولا يغسلونه، فإذا لم يجلب إلى ناس البلد ما ~~يكفيهم احتاجوا إلى من ينسج لهم الثياب، ولا بد لهم من طعام إما مجلوب من ~~غير بلدهم وإما من زرع بلدهم، وهذا ms12 هو الغالب. وكذلك لا بد لهم من مساكن ~~يسكنونها، فيحتاجون إلى البناء، فلهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب ~~الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم: كأبي حامد الغزالي، وأبي الفرج بن الجوزي ~~وغيرهم: # إن هذه الصناعات فرض على الكفاية1، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها، كما ~~أن الجهاد فرض على الكفاية، إلا أن يتعين فيكون فرضا على الأعيان، مثل أن ~~يقصد العدو بلدا، أو مثل أن يستنفر الإمام أحدا، وطلب العلم الشرعي فرض على ~~الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله به وما نهاه ~~PageV01P024 # عنه، فإن فرض على الأعيان كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- أنه قال: # "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" 1. # وكل من أراد الله به خيرا، لا بد أن يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في ~~الدين لم يرد الله به خيرا. والدين: ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على ~~المرء التصديق به والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمدا -صلى الله عليه ~~وسلم- فيما أخبر به، ويطيعه فيما أمر تصديقا عاما وطاعة عامة، ثم إذا ثبت ~~عنه خبر كان عليه أن يصدق به مفصلا، وإذا كان مأمورا من جهة بأمر معين كان ~~عليه أن يطيعه طاعة مفصلة. # وكذلك غسل الموتى، وتكفينهم والصلاة عليهم، ودفنهم: فرض على الكفاية. ~~وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية. # والولايات كلها: الدينية مثل إمرة المؤمنين، وما دونها: من ملك، ووزارة، ~~وديوانية، سواء كانت كتابة خطاب، أو كتابة حساب لمستخرج أو مصروف في أرزاق ~~المقاتلة أو غيرهم، ومثل إمارة حرب، وقضاء وحسبة، وفروع هذه الولايات إنما ~~شرعت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور، ويولي في ~~الأماكن البعيدة عنه، كما ولى على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن ~~أبي العاص، وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد بن العاص، وبعث عليا ومعاذا وأبا ms13 ~~موسى إلى اليمن، وكذلك كان يؤمر على السرايا ويبعث على الأموال الزكوية ~~السعاة، فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله في ~~القرآن، فيرجع الساعي إلى المدينة وليس معه إلا السوط، لا يأتي إلى النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- بشيء إذا وجد لها موضعا يضعها فيه. # وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستوفي الحساب على العمال، يحاسبهم على ~~المستخرج والمصروف، كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي أن النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- PageV01P025 # استعمل رجلا من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقات، فلما رجع حسابه ~~فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلي! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "ما بال ~~الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي؟ ~~أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا ~~نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه شيئا إلا جاء يوم القيامة ~~يحمله على رقبته: إن كان بعيرا له رغاء، وإن كانت بقرة لها خوار، وإن كانت ~~شاة تعير 1، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بغلت؟ " ~~قالها مرتين أو ثلاثا2. # والمقصود هنا: أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها ~~غير الإنسان صارت فرض عين عليه، لا سيما إن كان غيره عاجزا عنها، فإذا كان ~~الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبا ~~يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل، ولا يمكنهم من مطالبة ~~الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم، ~~كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعته ~~الفلاحة بأن يصنعها لهم، فإن الجند يلزمون بألا يظلموا الفلاح كما ألزم ~~الفلاح أن يفلح للجند. والمزارعة جائزة في أصح قولي العلماء، وهي عمل ~~المسلمين على عهد نبيهم وعهد خلفائه الراشدين، وعليها عمل آل أبي بكر وآل ~~عمر وآل عثمان وآل علي وغيرهم من بيوت ms14 المهاجرين، وهي قول أكابر الصحابة ~~كابن مسعود، وهي مذهب فقهاء الحديث، كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ~~وداود بن علي، والبخاري، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي بكر بن المنذر ~~وغيرهم من فقهاء المسلمين3. # وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ~~ثمر وزرع حتى مات، ولم تزل تلك المعاملة حتى # أجلاهم عمر عن خيبر، وكان قد شارطهم أن PageV01P026 # يعمروها من أموالهم، وكان البذر منهم لا من النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أن البذر إلا من العامل1. # والذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- من المخابرة وكراء الأرض قد ~~جاء مفسرا بأنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة، ومثل هذا الشرط ~~باطل بالنص وإجماع العلماء2، وهو كما لو شرط في المضاربة لرب المال دراهم ~~معينة، فإن هذا لا يجوز بالاتفاق لأن المعاملة مبناها على العدل، وهذه ~~المعاملات من جنس المشاركات. والمشاركة إنما تكون إذا كان لكل من الشريكين ~~جزء شائع كالثلث والنصف، فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر لم يكن ذلك عدلا بل كان ~~ظلما. # وقد ظن طائفة من العلماء أن هذه المشاركات من باب الإجارات بعض مجهول، ~~فقالوا: القياس يقتضي تحريمها، ثم منهم من حرم المساقاة والزراعة وأباح ~~المضاربة استحبابا للحاجة؛ لأن الدراهم لا يمكن إجارتها كما يقول أبو ~~حنيفة، ومنهم من أباح المساقاة إما مطلقا كقول مالك والقديم للشافعي، أو ~~على النخل والعنب كالجديد للشافعي؛ لأن الشجر لا يمكن إجارتها بخلاف الأرض، ~~وأباحوا ما يحتاج إليه من المزارعة تبعا للمساقاة، فأباحوا المزارعة تبعا ~~للمساقاة كقول الشافعي إذا كانت الأرض أغلب، أو قدروا ذلك بالثلث كقول ~~مالك، وأما جمهور السلف وفقهاء الأمصار فقالوا: هذا من باب المشاركة لا من ~~باب الإجارة التي يقصد فيها العمل، فإن مقصود كل منها ما يحصل من الثمر ~~والزرع، وهما متشاركان: هذا ببدنه وهذا بماله كالمضاربة. ولهذا كان الصحيح ~~من قولي العلماء: أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب نصيب المثل لا أجرة ~~المثل3، ms15 فيجب من الربح أو النماء إما ثلثه وإما نصفه، كما جرت العادة في ~~PageV01P027 # مثل ذلك، ولا يجب أجرة مقدرة، فإن ذلك قد يستغرق المال وأضعافه، وإنما ~~يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح، والواجب في الصحيح ليس هو ~~أجرة مسماة، بل جزء شائع من الربح مسمى فيجب في الفاسدة نظير ذلك. # والمزارعة أصل من المؤاجرة وأقرب إلى العدل والأصول، فإنهما يشتركان في ~~المغنم والمغرم، بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة والمستأجر ~~قد يحصل له زرع وقد لا يحصل، والعلماء مختلفون في جواز هذا وجواز هذا، ~~والصحيح جوازهما. وسواء كانت الأرض مقطعة أو لم تكن مقطعة، وما علمت أحدا ~~من علماء المسلمين -لا أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم- قال: إن إجارة ~~الإقطاع لا تجوز1، وما زال المسلمون يؤجرون الأرض المقطعة من زمن الصحابة ~~إلى زمننا هذا، لكن بعض أهل زماننا ابتدعوا هذا القول، قالوا: لأن المقطع ~~لا يملك المنفعة، فيصير كالمستعير إذا أكرى الأرض المعارة، وهذا القياس خطأ ~~لوجهين: # أحدهما: أن المستعير لم تكن المنفعة حقا له، وإنما تبرع له المعير بها، ~~وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين، وولي الأمر قاسم يقسم بينهم ~~حقوقهم ليس متبرعا لهم كالمعير، والمقطع يستوفي المنفعة بحكم الاستحقاق كما ~~يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف وأولى، وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر ~~الوقف وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على أصح قولي العلماء: فلأن ~~يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أو غير ذلك بطريق ~~الأولى والأحرى. # الثاني: إن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة: مثل الإجارة في ~~الإقطاع، وولي الأمر يأذن للمقطعين في الإجارة، وإنما أقطعهم لينتفعوا بها: ~~إما بالمزارعة وإما بالإجارة، ومن حرم الانتفاع بها بالمؤاجرة والمزارعة ~~فقد أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم، فإن المساكن كالحوانيت والدور ونحو ~~ذلك لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة، وأما المزارع والبساتين فينتفع بها ~~بالإجارة وبالمزارعة والمساقاة في الأمر العام. PageV01P028 # والمرابعة نوع من المزارعة، ولا تخرج عن ذلك إلا إذا استكرى ms16 بإجارة مقدرة ~~من يعمل له فيها، وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس، لا إنه قد يخسر ~~ماله ولا يحصل له شيء بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم، ~~فهو أقرب إلى العدل، فلهذا تختاره الفطر السليمة، وهذه المسائل لبسطها موضع ~~آخر. # والمقصود هنا: أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات على ما تحتاج إليه ~~الناس من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه يقدر أجرة المثل، فلا ~~يمكن المستعمل من نقص أجرة الصانع عن ذلك، ولا يمكن الصانع من المطالبة ~~بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل، وهذا من التسعير الواجب، وكذلك إذا ~~احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب وغير ذلك ~~فيستعمل بأجرة المثل، لا يمكن المستعملون من ظلمهم ولا العمال من مطالبتهم ~~بزيادة على حقهم مع الحاجة إليهم. فهذا تسعير في الأعمال. # وأما في الأموال فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد فعلى أهل السلاح أن ~~يبيعوه بعض المثل، ولا يمكنون من أن يحبسوا السلاح حتى يتسلط العدو أو يبذل ~~لهم من الأموال ما يختارون، والإمام لو عين أهل الجهاد للجهاد تعين عليهم، ~~كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "وإذا استنفرتم فانفروا". أخرجاه في ~~الصحيحين1. # وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال: # "على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه وأثرة ~~عليه" 2. # فإذا وجب عليه أن يجاهد بنفسه وماله: فكيف لا يجب عليه أن يبيع ما يحتاج ~~عليه الجهاد بعوض المثل؟ PageV01P029 # والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء، وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد، فإن الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع ~~من القرآن، وقد قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] . # وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم". أخرجاه في الصحيحين1. فمن عجز عن الجهاد بالبدن لم يسقط عنه ~~الجهاد بالمال، كما أن من عجز عن الجهاد بالمال لم يسقط عنه الجهاد بالبدن، ~~ومن أوجب على المعضوب أن يخرج ms17 من ماله ما يحج به الغير عنه وأوجب الحج على ~~المستطيع بماله فقوله ظاهر التناقض. # ومن ذلك إذا كان الناس محتاجين إلى من يطحن لهم ومن يخبز لهم لعجزهم عن ~~الطحن والخبز في البيوت، كما كان أهل المدينة على عهد رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينا، ولا ~~خبزا، بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم، فلم يكونوا ~~يحتاجون إلى التسعير، وكان من قدم بالحب باعه فيشتريه الناس من الجالبين، ~~ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون" 2. # وقال: "لا يحتكر إلا خاطئ". رواه مسلم في صحيحه3. # وما يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن قفيز الطحان". فحديث ~~ضعيف، بل باطل، فإن المدينة لم يكن فيها طحان ولا خباز، لعدم حاجتهم إلى ~~ذلك، كما أن المسلمين لما فتحوا البلاد كان الفلاحون كلهم كفارا؛ لأن ~~المسلمين كانوا مشتغلين بالجهاد. # ولهذا لما فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- خيبر أعطاها لليهود يعملونها ~~فلاحة، لعجز الصحابة عن فلاحتها؛ لأن ذلك يحتاج إلى سكناها، وكان الذين ~~فتحوها أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة، وكانوا نحو ألف ~~وأربعمائة، وانضم إليهم أهل سفينة جعفر، فهؤلاء هم الذين قسم النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- بينهم أرض خيبر، فلو PageV01P030 # أقام طائفة من هؤلاء فيها لفلاحتها تعطلت مصالح الدين التي لا يقوم بها ~~غيرهم، فلما كان في زمن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وفتحت البلاد وكثر ~~المسلمون استغنوا عن اليهود فأجلوهم وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ~~قال: "نقركم فيها ما شئنا"، وفي رواية "ما أقركم الله" 1. # وأمر بإجلائهم منه عند موته -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أخرجوا اليهود ~~والنصارى من جزيرة العرب" 2 ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير ~~الطبري- إلى أن الكفار لا يقرون في بلاد المسلمين بالجزية إلا إذا كان ~~المسلمون محتاجين إليهم، فإذا استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر، وفي هذه ~~المسألة نزاع ليس هذا موضعه. # والمقصود هنا أن الناس ms18 إذا احتاجوا إلى الطحانين والخبازين فهذا على ~~وجهين: أحدهما: أن يحتاجون إلى صناعتهم، كالذين يطحنون ويخبزون لأهل ~~البيوت، فهؤلاء يستحقون الأجرة، وليس لهم عند الحاجة إليهم أن يطالبوا إلا ~~بأجرة المثل كغيرهم من الصناع. الثاني: أن يحتاجوا إلى الصنعة والبيع، ~~فيحتاجوا إلى من يشتري الحنطة ويطحنها، وإلى من يخبزها ويبيعها خبزا، لحاجة ~~الناس إلى شراء الخبز من الأسواق، فهؤلاء لو مكنوا أن يشتروا حنطة الناس ~~المجلوبة ويبيعوا الدقيق والخبز بما شاءوا مع حاجة الناس إلى تلك الحنطة ~~لكان ذلك ضررا عظيما، فإن هؤلاء تجار تجب عليهم زكاة التجارة عند الأئمة ~~الأربعة وجمهور علماء المسلمين3. PageV01P031 # كما يجب على كل من اشترى شيئا يقصد أن يبيعه بربح، سواء عمل فيه عملا أو ~~لم يعمل، وسواء اشترى طعاما أو ثيابا أو حيوانا، وسواء كان مسافرا ينقل ذلك ~~من بلد إلى بلد، أو كان متربصا به يحبسه إلى وقت النفاق، أو كان مديرا يبيع ~~دائما ويشتري كأهل الحوانيت، فهؤلاء كلهم تجب عليهم زكاة التجار، وإذا وجب ~~عليهم أن يصنعوا الدقيق والخبز لحاجة الناس إلى ذلك ألزموا كما تقدم، أو ~~دخلوا طوعا فيما يحتاج إليه الناس من غير إلزام لواحد منهم بعينه، فعلى ~~التقديرين يسعر عليهم الدقيق والحنطة، فلا يبيعوا الحنطة والدقيق إلا بثمن ~~المثل بحيث يربحون الربح بالمعروف من غير إضرار بهم ولا بالناس. # وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين1: # إحداهما: إذا كان للناس سعر غال فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه ~~يمنع منه في السوق في مذهب مالك، وهل يمنع النقصان؟ على قولين لهم. وأما ~~الشافعي وأصحاب أحمد: كأبي حفص العكبري، والقاضي أبي يعلى، والشريف أبي ~~جعفر، وأبي الخطاب، وابن عقيل وغيرهم: فمنعوا من ذلك. واحتج مالك بما رواه ~~في موطأه عن يونس بن سيف، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن ~~أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا له بالسوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر ~~وإما أن ترفع من سوقنا. # وأجاب الشافعي وموافقوه بما ms19 رواه فقال: حدثنا الدراوردي، عن داود بن صالح ~~التمار عن القاسم بن محمد عن عمر: أنه مر بحاطب بسوق المصلى وبين يديه ~~غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما؟ فسعر له مدين لكل درهم، فقال له عمر: ~~قد حدثت بعير مقبلة من الطائف بحمل زبيبا وهم يعتبرون سعرك، فأما أن ترفع ~~السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر حاسب نفسه، ~~ثم أتى حاطبا في داره فقال: إن الذي قلت لك ليس بمعرفة مني ولا قضاء إنما ~~هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع، قال الشافعي ~~وهذا الحديث مقتضاه ليس بخلاف ما رواه مالك، ولكنه PageV01P032 # روى بعض الحديث أو رواه عنه من رواه، وهذا أتى بأول الحديث وآخره، وبه ~~أقول؛ لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير ~~طيب أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم وهذا ليس منها1. # قلت: وعلى قول مالك قال أبو الوليد الباجي: الذي يؤمر من حط عنه أن يلحق ~~به هو السعر الذي عليه جمهور الناس، فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير ~~بحط السعر أمروا باللحاق بسعر الجمهور؛ لأن المراعى حال الجمهور، وبه تقوم ~~المبيعات2. # وروى ابن القاسم عن مالك، لا يقام الناس لخمسة. قال: وعندي أنه يجب أن ~~ينظر في ذلك إلى قدر الأسواق، وهل يقام من زاد في السوق أي: في قدر المبيع، ~~بالدرهم مثلا كما يقام من نقص منه؟ قال أبو الحسن ابن القصار المالكي: ~~اختلف أصحابنا في قول مالك، ولكن من حط سعرا فقال البغداديون: أراد من باع ~~خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية، وقال قوم من المصريين، أراد من باع ~~ثمانية والناس يبيعون خمسة. قال: وعندي أن الأمرين جميعا ممنوعان؛ لأن من ~~باع ثمانية والناس يبيعون خمسة أفسد على أهل السوق بيعهم، فربما أدى إلى ~~الشغب والخصومة، ففي منع الجميع مصلحة. قال أبو الوليد، ولا خلاف أن ذلك ~~حكم أهل السوق. # وأما الجالب ففي كتاب محمد: لا يمنع ms20 الجالب أن يبيع في السوق دون الناس. ~~وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير إلا بسعر الناس وإلا رفعوا، قال: وأما ~~جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء، إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق، إن ~~أرخص بعضهم تركوا، وإن كثر المرخص قيل لمن بقي: إما أن تبيعوا كبيعهم وإما ~~أن ترفعوا، قال ابن حبيب: وهذا في المكيل والموزون: مأكولا أو غير مأكول، ~~دون ما لا PageV01P033 # يكال ولا يوزن؛ لأن غيره لا يمكن تسعيره، لعدم التماثل فيه. قال أبو ~~الوليد: يريد إذا كان المكيل والموزون متساويا، فإذا اختلف لم يؤمر بائع ~~الجيد أن يبيعه بسعر الدون. # قلت والمسألة الثانية التي تنازع فيها العلماء في التسعير: ألا يحد لأهل ~~السوق حد لا يتجاوزونه مع قيام الناس بالواجب، فهذا منع منه جمهور العلماء ~~حتى مالك نفسه في المشهور عنه، ونقل المنع أيضا عن ابن عمر وسالم والقاسم ~~بن محمد، وذكر أبو الوليد عن سعيد بن المسيب وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعن ~~يحيى بن سعيد أنهم أرخصوا فيه، ولم يذكر ألفاظهم. وروى أشهب عن مالك، وصاحب ~~السوق يسعر على الجزارين: لحم الضأن ثلث رطل: ولحم الإبل نصف رطل، وإلا ~~خرجوا من السوق. قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به، ولكن ~~أخاف أن يقوموا من السوق. واحتج أصحاب هذا القول بأن هذا مصلحة للناس ~~بالمنع من إغلاء السعر عليهم، ولا فساد عليهم، قالوا: ولا يجبر الناس على ~~البيع، إنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر على حسب ما ~~يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري، ولا يمنع البائع ربحا ولا يسوغ له منه ~~ما يضر بالناس. وأما الجمهور فاحتجوا بما تقدم من حديث النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- وقد رواه أيضا أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن ~~أبيه، عن أبي هريرة أنه قال: "جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال ~~له: يا رسول الله! سعر لنا، فقال: "بل ادعوا الله". ثم جاء ms21 رجل فقال: يا ~~رسول الله سعر لنا! فقال: "بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله ~~وليست لأحد عندي مظلمة" 1. # قالوا: ولأن إجبار الناس على بيع لا يجب أو منعهم مما يباح شرعا ظلم لهم ~~والظلم حرام. # وأما صفة ذلك عند من جوزه، فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل ~~سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم، فيسألهم، PageV01P034 # كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى ~~يرضوا، ولا يجبرون على التسعير، ولكن عن رضا. قال: وعلى هذا أجازه من ~~أجازه. قال أبو الوليد: ووجه ذلك أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة ~~والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف ~~بالناس، وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد ~~الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف الناس1. قلت: فهذا الذي تنازع فيه العلماء. # وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب ~~ويعاقبون على تركه، وكذلك من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع أن يبيع ~~إلا بأكثر منه: فهنا يؤمر بما يجب عليه ويعاقب على تركه بلا ريب. ومن منع ~~التسعير مطلقا محتجا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو المسعر ~~القابض الباسط، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في ~~دم ولا مال" 2. # فقد غلط فإن هذه قضية معينة ليست لفظا عاما، وليس فيها أن أحدا امتنع من ~~بيع يجب عليه أو عمل يجب عليه، أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل. ومعلوم أن ~~الشيء إذا رغب الناس في المزايدة فيه، فإذا كان صاحبه قد بذله كما جرت به ~~العادة ولكن الناس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر عليهم، والمدينة كما ذكرنا ~~إنما كان الطعام الذي يباع فيها غالبا من الجلب، وقد يباع فيها شيء يزرع ~~فيها، وإنما كان يزرع فيها الشعير، فلم يكن البائعون ولا المشترون ناسا ~~معينين، ولم يكن ms22 هناك أحد يحتاج الناس إلى عينه أو إلى ماله، ليجبر على عمل ~~أو على بيع، بل المسلمون كلهم من جنس واحد، كلهم يجاهد في سبيل الله، ولم ~~يكن من المسلمين البالغين القادرين على الجهاد إلا من يخرج في الغزو، وكل ~~منهم يغزو بنفسه وماله، أو بما يعطاه من الصدقات أو الفيء، أو ما يجهزه ~~PageV01P035 # به غيره، وكان إكراه البائعين على ألا يبيعوا سلعهم إلا بثمن معين إكراها ~~بغير حق، وإذا لم يكن يجوز إكراههم على أصل البيع فإكراههم على تقدير الثمن ~~كذلك لا يجوز، وأما من تعين عليه أن يبيع فكالذي كان النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- قدر له الثمن الذي يبيع به ويسعر عليه، كما في الصحيحين عن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- أنه قال: # "من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه ~~قيمة عدل لا وكس ولا شطط، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد" 1. # فهذا وجب عليه أن يملك شريكه عتق نصيبه الذي لم يعتقه ليكمل الحرية في ~~العبد قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل لا وكس ولا شطط، ويعطى قسطه ~~من القسمة، فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند جماهير ~~العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد، ولهذا قال هؤلاء، كل ما لا يمكن قسمه ~~فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك، ويجبر الممتنع على البيع، ~~وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا؛ لأن حق الشريك في نصف القيمة كما دل عليه ~~هذا الحديث الصحيح، ولا يمكن إعطاؤه ذلك إلا ببيع الجميع. # فإذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه يعوض المثل لحاجة الشريك ~~إلى إعتاق ذلك، وليس للمالك المطالبة بالزيادة على نصف القيمة فكيف بمن ~~كانت حاجته أعظم من الحاجة إلى إعتاق ذلك النصيب؟ مثل حاجة المضطر إلى ~~الطعام واللباس وغير ذلك. وهذا الذي أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- من ~~تقويم الجميع بقيمة المثل هو حقيقة التسعير. # وكذلك يجوز للشريك أن ينزع النصف لمشفوع ms23 من يد المشتري بمثل الثمن الذي ~~اشتراه به، لا بزيادة، للتخلص من ضرر المشاركة والمقاسمة، وهذا ثابت بالسنة ~~المستفيضة وإجماع العلماء، وهذا إلزام له بأن يعطيه ذلك الثمن لا بزيادة، ~~لأجل تحصيل مصلحة التكميل لواحد، فكيف بما هو أعظم من ذلك ولم يكن له أن ~~يبيعه للشريك بما شاء؟ بل ليس له أن يطلب من الشريك زيادة على الثمن الذي ~~حصل له به، وهذا في الحقيقة من نوع التولية. PageV01P036 # فإن التولية: أن يعطي المشتري السلعة لغيرة بمثل الثمن الذي اشتراها به، ~~وهذا أبلغ من البيع بثمن المثل، ومع هذا فلا يجبر المشتري على أن يبيعه ~~لأجنبي غير الشريك إلا بما شاء، إذ لا حاجة بذاك إلى شرائه كحاجة الشريك. # فأما إذا قدر أن قوما اضطروا إلى سكنى في بيت إنسان إذا لم يجدوا مكانا ~~يأوون إليه إلا ذلك البيت فعليه أن يسكنهم وكذلك لو احتاجوا إلى أن يعيرهم ~~ثيابا يستدفئون بها من البرد، أو إلى آلات يطبخون بها، أو يبنون أو يسقون، ~~يبذل هذا مجانا، وإذا احتاجوا إلى أن يعيرهم دلوا يستقون به أو قدرا يطبخون ~~فيه، أو فأسا يحفرون به، فهل عليه بذله بأجرة المثل لا بزيادة؟ فيه قولان ~~للعلماء في مذهب أحمد وغيره1. # والصحيح وجوب بذل ذلك مجانا إذا كان صاحبها مستغنيا عن تلك المنفعة ~~وعوضها، كما دل عليه الكتاب والسنة، قال الله تعالى: # {فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون، ويمنعون ~~الماعون} [الماعون: 4- 7] . # وفي السنن عن ابن مسعود قال: كنا نعد "الماعون" عارية الدلو القدر ~~والفأس. وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لما ذكر الخيل ~~قال: "هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي هي له أجر فرجل ~~ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها" 2. # وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: # "من حق الإبل إعارة دلوها وإضراب فحلها" 3. # وثبت عنه -صلى الله عليه وسلم أنه: PageV01P037 # نهى عن عسب الفحل"1. # وفي الصحيحين عنه أنه ms24 قال: # " لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره" 2. # وإيجاب بذل هذه المنفعة مذهب أحمد وغيره، ولو احتاج إلى إجراء ماء في أرض ~~غيره من غير ضرر بصاحب الأرض، فهل يجبر؟ على قولين للعلماء: هما روايتان عن ~~أحمد3، والأخبار بذلك مأثورة عن عمر بن الخطاب قال للمنع: والله لنجرينها ~~ولو على بطنك، مذهب غير واحد من الصحابة والتابعين: أن زكاة الحلي عاريته، ~~وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره4. # والمنافع التي يجب بذلها نوعان: منها ما هو حق المال، كما ذكره في الخيل ~~والإبل وعارية الحلي، ومنها ما يجب لحاجة الناس. وأيضا فإن بذل منافع البدن ~~يجب عند الحاجة كما يجب تعليم العلم، وإفتاء الناس، وأداء الشهادة، والحكم ~~بينهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وغير ذلك من منافع ~~الأبدان، فلا يمنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج، وقد قال تعالى: {ولا ~~يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] . # وقال: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} [البقرة: 282] . # وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال5، هي أربعة أوجه في مذهب ~~أحمد وغيره. # أحدها: أنه لا يجوز مطلقا. # والثاني: لا يجوز إلا عند الحاجة. # والثالث: يجوز إلا أن يتعين عليه. PageV01P038 # والرابع: يجوز. فإن أخذ أجرا عند العمل لم يأخذ عند الأداء. # وهذه المسائل لبسطها مواضع أخرى. والمقصود هنا: أنه إذا كانت السنة قد ~~مضت في مواضع بأن على المالك أن يبيع ماله بثمن مقدر، إما بثمن المثل، وإما ~~بالثمن الذي اشتراه به: لم يجرم مطلقا تقدير الثمن ثم إن ما قدر به النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- في شراء نصيب شريك المعتق هو لأجل تكميل الحرية، وذلك ~~حق الله، وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله، ولهذا يجعل ~~العلماء هذه حقوقا لله تعالى، وحدودا لله، بخلاف حقوق الآدميين وحدودهم، ~~وذلك مثل حقوق المساجد ومال الفيء، والصدقات والوقف على أهل الحاجات ~~والمنافع العامة ونحو ذلك، ومثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر، ~~فإن الذي يقتل شخصا لأجل المال يقتل حتما ms25 باتفاق العلماء1، وليس لورثة ~~المقتول العفو عنه، بخلاف من يقتل شخصا لغرض خاص، مثل خصومه بينهما، فإن ~~هذا حق لأولياء المقتول، إن أحبوا قتلوا، وأن أحبوا عفو باتفاق المسلمين. # وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة: ليس الحق ~~فيها لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع ~~أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق، ~~فلو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر ما شاء. وهنا عموم الناس ~~عليهم شراء الطعام والثياب لأنفسهم، فلو مكن من يحتاج إلى سلعته ألا يبيع ~~إلا بما شاء لكان ضرر الناس أعظم. # ولهذا قال الفقهاء: إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير كان عليه بذله له ~~بثمن المثل، فيجب الفرق بين من عليه أن يبيع وبين من ليس عليه أن يبيع، ~~وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي، ومع هذا فإنه يوجب ~~على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل. وتنازع أصحابه في جواز ~~التسعير للناس حاجة، ولهم فيه وجهان، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا ينبغي ~~للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا PageV01P039 # تعلق به حق ضرر العامة. فإذا رفع إلى القاضي أمر المحتكر ببيع ما فضل عن ~~قوته وقوت أهله على اعتبار السعر في ذلك فنهاه عن الاحتكار، فإن رفع التاجر ~~فيه إليه ثانيا حبسه وعزره على مقتضى رأيه، زجرا له أو دفعا للضرر عن ~~الناس. فإن كان أرباب الطعام يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشا وعجز ~~القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي ~~والبصيرة، وإذا تعدى أحد بعد ما فعل ذلك أجبره القاضي، وهذا على قول أبي ~~حنيفة ظاهر، حيث لا يرى الحجر على الحر، وكذا عندهما، أي عند أبي يوسف ~~ومحمد، إلا أن يكون الحجر على قوم معينين. ومن باع منهم بما قدره الإمام ~~صح؛ لأنه غير مكره عليه. وهل يبيع # القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه؟ قيل: هو [على] الاختلاف المعروف ms26 ~~في مال المديون. وقيل: يبيع ههنا بالاتفاق؛ لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع ~~الضرر العام. # والسعر لما غلا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وطلبوا منه التسعير ~~فامتنع لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه، بل عامة من كانوا ~~يبيعون الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق، لكن: "نهى النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- أن يبيع حاضر لباد"1، نهاه أن يكون له سمسارا وقال: # "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" 2. # وهذا ثابت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير وجه، فنهى ~~الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة؛ لأنه إذا توكل له مع ~~خبرته بحاجة الناس إليه أغلى الثمن على المشتري، فنهاه عن التوكل له -مع أن ~~جنس الوكالة مباح- لما في ذلك من زيادة السعر على الناس. # ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تلقي الجلب3، وهذا أيضا ثابت في ~~الصحيح من غير وجه، وجعل للبائع إذا هبط إلى السوق الخيار، ولهذا كان أكثر ~~الفقهاء على أنه PageV01P040 # نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع بدون ثمن المثل وغبنه، فأثبت النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- الخيار لهذا البائع، وهل هذا الخيار فيه ثابت مطلقا ~~أو إذا غبن؟ قولان من للعلماء، هما روايتان عن أحمد، أظهرهما أنه إنما يثبت ~~له الخيار إذا غبن، والثاني يثبت له الخير مطلقا، وهو ظاهر مذهب الشافعي. ~~وقال طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشتري إذا تلقاه المتلقي ~~فاشتراه ثم باعه. # وفي الجملة فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن البيع والشراء الذي ~~جنسه حلال حتى يعلم البائع بالسعر وهو ثمن المثل، ويعلم المشتري بالسلعة ~~وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشتري أن يشتري حيث شاء وقد اشترى من البائع، ~~كما يقول: وللبادي أن يوكل الحاضر. ولكن الشارع رأى المصلحة العامة، فإن ~~الجلب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل فيكون المشتري غارا له، ~~ولهذا ألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل، والمسترسل، الذي لا يماكس والجاهل ~~بقيمة المبيع، ms27 فإنه بمنزلة الجالبين الجاهلين بالسعر، فتبين أنه يجب على ~~الإنسان ألا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف، وهو ثمن المثل، وإن لم يكن ~~هؤلاء محتاجين إلى الابتياع من ذلك البائع، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو ~~مسلمين إلى البائع غير مماكسين له، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا يتبع ~~العلم، ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى وقد لا يرضى، فإذا علم أنه غبن ورضى ~~فلا بأس بذلك، وإذا لم يرض بثمن المثل لم يلتفت إلى سخطه. # ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن لم يعلم بالعيب أو التدليس، فإن الأصل في ~~البيع الصحة، وأن يكون الباطن كالظاهر، فإذا اشترى على ذلك فيم عرف رضاه ~~إلا بذلك، فإذا تبين أن في السلعة غشا أو عيبا فهو كما لو وصفه بصفة وتبينت ~~بخلافها، فقد يرضى وقد لا يرضى، فإن رضي وإلا فسخ البيع، وفي الصحيحين عن ~~حكيم بن حزام عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "البيعان # PageV01P041 # بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا ~~وكتما محقت بركة بيعهما" 1. # وفي السنن: # "أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب ~~الشجرة، فشكا ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأمره أن يقبل منه بدله ~~أو يتبرع له بها فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض في قلعها، وقال لصاحب الشجرة: ~~"إنما أنت مضار" 2. # فهنا أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها، فدل على وجوب البيع عند حاجة ~~المشتري، وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام؟. # ونظير هؤلاء الذين يتجرون في الطعام بالطحن، والخبز، ونظير هؤلاء صاحب ~~الخان والقيسارية والحمام إذا احتاج الناس إلى الانتفاع بذلك، وهو إنما ~~ضمنها ليتجر فيها، فلو امتنع من إدخال الناس إلا بما شاء وهم يحتاجون لم ~~يمكن من ذلك، وألزم ببذل ذلك بأجرة المثل، كم يلزم الذي يشتري الحنطة ~~ويطحنها ليتجر فيها، والذي يشتري الدقيق ويخبزه ليتجر فيه مع حاجة الناس ~~إلى ما عنده، بل إلزامه ببيع ذلك بثمن المثل ms28 أولى وأحرى، بل إذا امتنع من ~~صنعة الخبز والطحن حتى يتضرر الناس بذلك ألزم بصنعتها كما تقدم، وإذا كانت ~~حاجة الناس تندفع إذا عملوا ما يكفي الناس بحيث يشتري إذ ذاك بالثمن ~~المعروف لم يحتج إلى تسعير، وأما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا ~~بالتسعير العادل سعر عليهم تسعير عدل، لا وكس، ولا شطط3. PageV01P042 ### | فصل: الغش والتدليس في الديات # ... # فصل: [الغش والتدليس في الديانات] # فأما الغش والتدليس في الديانات فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة ~~وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال، مثل إظهار المكاء1 والتصدية2 في ~~مساجد المسلمين، ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين، أو سب أئمة ~~المسلمين، ومشايخهم، وولاة أمورهم، المشهورين عند عموم الأمة بالخير. # ومثل التكذيب بأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- التي تلقاه أهل العلم ~~بالقبول. # ومثل رواية الأحاديث الموضوعة المفتراة على رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم. # ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله. # ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي -صلى الله عليه وسلم. # ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه، والتكذيب ~~بقدر الله، ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره. # ومثل إظهار الخزعبلات السحرية والشعبذة الطبيعية وغيرها التي يضاهى بها ~~ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات، ليصد بها عن سبيل الله، أو ~~يظن بها الخير فيمن ليس من أهله، وهذا باب واسع يطول وصفه. # فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك، وعقوبته عليها، إذ لم ~~يتب حتى قدر عليه، بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل، أو جلد أو غير ذلك. ~~PageV01P043 # وأما المحتسب فعليه أن يعزر من أظهر ذلك قولا أو فعلا، ويمنع من الاجتماع ~~في مظان التهم، فالعقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت، وأما المنع والاحتراز1 ~~فيكون مع التهمة، كما منع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن يجتمع الصبيان ~~بمن كان يتهم بالفاحشة، وهذا مثل الاحتراز عن قبول شهادة المتهم بالكذب ~~وائتمان المتهم بالخيانة، ومعاملة المتهم بالمطل2. PageV01P044 ### | فصل: [العقوبات الشرعية] # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم ms29 إلا بالعقوبات الشرعية، فإن الله ~~ينزع بالسلطان ما لا يزع1 بالقرآن. # وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبة على ترك ~~الواجبات وفعل المحرمات فمنها عقوبات مقدرة، مثل جلد المفتري ثمانين، وقطع ~~يد السارق، ومنها عقوبات غير مقدرة قد تسمى التعزير2. وتختلف مقاديرها ~~وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب، وبحسب حال الذنب في ~~قلته وكثرته. و"التعزير" أجناس: فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ~~ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن. ومنه ما يكون بالضرب3، ~~فإن كان ذلك لترك واجب مثل الضرب على ترك الصلاة أو ترك أداء الحقوق ~~الواجبة، مثل ترك وفاء الدين مع القدرة عليه، أو على ترك رد المغصوب، أو ~~أداء الأمانة إلى أهلها، فإنه يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الواجب، ويفرق ~~الضرب عليه يوما بعد يوم. PageV01P045 # وإن كان الضرب على ذنب ماض جزاء بما كسب ونكالا من الله له ولغيره: فهذا ~~يفعل منه بقدر الحاجة فقط، وليس لأقله حد. # وأما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. أحدها: عشر ~~جلدات. والثاني: دون أقل الحدود، إما تسعة وثلاثون سوطا، وإما تسعة وسبعون ~~سوطا وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. والثالث: أنه لا ~~يتقدر بذلك. وهو قول أصحاب مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو إحدى ~~الروايتين عنه، لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر ~~مثل التعزير: على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع، والتعزير على المضمضة ~~بالخمر لا يبلغ به حد الشرب، والتعزير على القذف بغير الزنا لا يبلغ به ~~الحد. وهذا القول أعدل الأقوال، عليه دلت سنة رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- وسنة خلفائه الراشدين، فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بضرب الذي ~~أحلت له امرأته جاريتها مائة ودرأ عنه الحد بالشبهة، وأمر أبو بكر وعمر ~~بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مائة مائة، وأمر بضرب الذي نقش على ~~خاتمه وأخذ من بيت المال مائة، ثم ضربه في ms30 اليوم الثاني مائة ثم ضربه في ~~اليوم الثالث مائة، وضرب صبيغ بن عسل -لما رأى من بدعته- ضربا كثيرا لم ~~يعده. # ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل، مثل المفرق لجماعة ~~المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين، قال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على ~~بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا} [المائدة: 32] . # وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: # "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" 1. PageV01P046 # وقال: " من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه ~~بالسيف كائنا من كان" 1. # وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتل رجل تعمد عليه الكذب، "وسأله ابن ~~الديلمي عمن لم ينته عن شرب الخمر؟ فقال: # "من لم ينته عنها فاقتلوه" 2. # فلهذا ذهب مالك وطائفة من أصحاب أحمد إلى جواز قتل الجاسوس، وذهب مالك ~~ومن وافقه من أصحاب الشافعي إلى قتل الداعية إلى البدع، وليست هذه القاعدة ~~المختصرة موضع ذلك، فإن المحتسب ليس له القتل والقطع. # ومن أنواع التعزير، النفي والتغريب، كما كان عمر بن الخطاب يعزر بالنفي ~~في شرب الخمر إلى خيبر، وكما نفى صبيغ بن عسل إلى البصرة، وأخرج نصر بن ~~حجاج إلى البصرة لما افتتن به النساء. PageV01P047 ### | فصل: [التعزير المالي] # و"التعزير بالعقوبات المالية" مشروع أيضا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك ~~في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع فيها نزاع ~~عنه، والشافعي في قول، وإن تنازعوا في تفصيل ذلك كما دلت عليه سنة رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في حرم المدينة ~~لما وجده، ومثل أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه، ومثل أمره عبد الله بن عمر ~~بحرق الثوبين المعصفرين، وقال له: أغسلهما؟ قال: " لا بل احرقهما". # وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر. ثم لما استأذنوه ~~في الإراقة أذن، فإنه "لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها وإراقة ~~ما فيها، فقالوا: أفلا نريقها ونغسلها؟ ms31 فقال: "افعلوا". فدل ذلك على جواز ~~الأمرين؛ لأن عقوبة ذلك لم تكن واجبة. # ومثل هدمه لمسجد الضرار ومثل تحريق موسى للعجل المتخذ إلها، ومثل تضعيفه ~~-صلى الله عليه وسلم- الغرم على من سرق من غير حرز، ومثل ما روى من إحراق ~~متاع الغال، ومن حرمان القاتل سلبه لما اعتدى على الأمير. ومثل أمر عمر بن ~~الخطاب وعلي بن أبي طالب بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر، ومثل أخذ شطر ~~مال مانع الزكاة، ومثل تحريق عثمان بن عفان المصاحف المخالفة للإمام، ~~وتحريق عمر بن # PageV01P049 # الخطاب لكتب الأوائل، وأمره بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص الذي بناه لما ~~أراد أن يحتجب عن الناس، فأرسل محمد بن مسلمة، وأمره أن يحرقه عليه، فذهب ~~فحرقه عليه. # وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العمل بذلك ونظائرها متعددة. ومن ~~قال: إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلط ~~على مذهبهما، ومن قاله مطلقا من أي مذهب كان: فقد قال قولا بلا دليل، ولم ~~يجئ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء قط يقتضي أنه حرم جميع العقوبات ~~المالية، بل أخذ الخلفاء الراشدين وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ~~ذلك محكم غير منسوخ. # وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه، وبعضها قول عند الشافعي ~~باعتبار ما بلغه من الحديث. ومذهب مالك وأحمد وغيرهما: أن العقوبات المالية ~~كالبدنية، تنقسم إلى ما يوافق الشرع وإلى ما يخالفه، وليست العقوبة المالية ~~منسوخة عندهما. والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ، لا من كتاب ولا سنة، ~~وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة، إلا مجرد ~~دعوى النسخ، وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة لبعض النصوص وتوهمه ترك ~~العمل، إلا أن مذهب طائفته ترك العمل بها إجماعا، والإجماع دليل على النسخ، ~~ولا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان ذلك دليلا على أنه منسوخ؛ فإن الأمة لا ~~تجتمع على ضلالة، ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عرف النص الناسخ ~~له، ms32 ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذ حقق الأمر ~~عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحا، بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاعا، ثم ~~من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول أصحابه، ولكن هو نفسه لم يعرف ~~أقوال العلماء. # PageV01P050 # وأيضا فإن واجبات الشريعة التي هي حق لله ثلاثة أقسام: عبادات كالصلاة ~~والزكاة والصيام، وعقوبات إما مقدرة وإما مفوضة، وكفارات وكل واحد من أقسام ~~الواجبات ينقسم إلى: بدني، وإلى مالي، وإلى مركب منهما. فالعبادات البدنية: ~~كالصلاة والصيام، والمالية: كالزكاة، والمركبة: كالحج، والكفارات المالية: ~~كالإطعام، والبدنية: كالصيام، والمركبة: كالهدي بذبح. العقوبات البدنية: ~~كالقتل والقطع، والمالية: كإتلاف أوعية الخمر. والمركبة: كجلد السارق من ~~غير حرز وتضعيف الغرم عليه، وكقتل الكفار وأخذ أموالهم. وكما أن العقوبات ~~البدنية تارة تكون جزاء على ما مضى كقطع السارق، وتارة تكون دفعا عن ~~المستقبل كقتل القاتل: فكذلك المالية، فإن منها ما هو من باب إزالة المنكر، ~~وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف، وإلى تغيير، وإلى تمليك الغير. # فالأول: المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعا لها، مثل ~~الأصنام المعبودة من دون الله، لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها، ~~فإذا كانت حجرا أو خشبا ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها. وكذلك آلات الملاهي ~~مثل الطنبور يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء، وهو مذهب مالك، وأشهر ~~الروايتين عن أحمد، ومثل ذلك أوعية الخمر، يجوز تكسيرها وتخريقها، والحانوت ~~الذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه، وقد نص أحمد على ذلك هو وغيره من ~~المالكية وغيرهم، واتبعوا ما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتحريق حانوت ~~كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي، وقال: إنما أنت فويسق لا رويشد، وكذلك ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أمر بتحريق قرية كان يباع فيها الخمر، رواه ~~أبو عبيدة وغيره؛ وذلك لأن مكان البيع مثل الأوعية، وهذا أيضا على المشهور ~~في مذهب أحمد ومالك وغيرهما. # ومما يشبه ذلك ما فعله عمر بن الخطاب، حيث رأى رجلا قد شاب اللبن ms33 # PageV01P051 # بالماء المبيع فأراقه عليه، وهذا ثابت عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه، ~~وبذلك أفتى طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل، وذلك لما روي عن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- أنه: "نهى أن يشاب اللبن بالماء للبيع" 1. # وذلك بخلاف شوبه للشرب؛ لأنه إذا خلط لم يعرف المشتري مقدار اللبن من ~~الماء، فأتلفه عمر. # ونظيره ما أفتى به طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل في جواز إتلاف ~~المغشوشات في الصناعات، مثل الثياب التي نسجت نسجا رديئا أنه يجوز تمزيقها ~~وتخريقها، ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب على ابن الزبير ثوبا من حرير مزقه ~~عليه، فقال الزبير: أفزعت الصبي، فقال: لا تكسوهم الحرير، وكذلك تحريق عبد ~~الله بن عمر لثوبه المعصفر بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم. # وهذا كما يتلف من البدن المحل الذي قامت به المعصية، فتقطع يد السارق، ~~وتقطع رجل المحارب ويده. وكذلك الذي قام به المنكر في إتلافه نهي عن العود ~~إلى ذلك المنكر، وليس إتلاف ذلك واجبا على الإطلاق، بل إذا لم يكن في المحل ~~مفسدة جاز إبقاؤه أيضا، إما لله وإما أن يتصدق به، كما أفتى طائفة من ~~العلماء على هذا الأصل: أن الطعام المغشوش من الخبز والطبيخ والشواء، ~~كالخبز والطعام الذي لم ينضج وكالطعام المغشوش، وهو: الذي خلط بالرديء ~~وأظهر المشتري أنه جيد ونحو ذلك: يتصدق به على الفقراء، فإن ذلك من إتلافه، ~~وإذا كان عمر بن الخطاب قد أتلف اللبن الذي شيب للبيع؛ فلأن يجوز التصدق ~~بذلك بطريق الأولى، فإنه يحصل به عقوبة الغاش وزجره عن العود، ويكون انتفاع ~~الفقراء بذلك أنفع من إتلافه، وعمر أتلفه؛ لأنه كان يغني الناس بالعطاء، ~~فكان الفقراء عنده في المدينة إما قليلا وإما معدومين. # ولهذا جوز طائفة من العلماء التصدق به وكرهوا إتلافه. PageV01P052 # ففي المدونة عن مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في ~~الأرض أدبا لصاحبه، وكره ذلك مالك في رواية ابن القاسم، ورأى أن يتصدق به، ~~وهل يتصدق باليسير؟ فيه قولان للعلماء. # وقد روى ms34 أشهب عن مالك منع العقوبات المالية قال1: لا يحل ذنب من الذنوب ~~مال إنسان وإن قتل نفسا، لكن الأول أشهر عنه، وقد استحسن أن يتصدق باللبن ~~المغشوش، وفي ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه ونفع المساكين بإعطائهم إياه ~~ولا يهراق. # قيل لمالك: فالزعفران والمسك أتراه مثله؟ # قال: ما أشبهه بذلك إذا كان هو غشه فهو كاللبن. # قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف منه، فإما إذا كثر منه فلا أرى ذلك، ~~وعلى صاحبه العقوبة؛ لأنه يذهب في ذلك أموال عظام. يريد في الصدقة بكثيره. # قال بعض الشيوخ: وسواء على مذهب مالك كان ذلك يسيرا أو كثيرا؛ لأنه ساوى ~~في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره. # وخالفه ابن القاسم، فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا، وذلك إذا ~~كان هو الذي غشه، وأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو، وإنما ~~اشتراه أو وهب له أو ورثه فلا خلاف في أنه لا يتصدق بشيء من ذلك. # وممن أفتى بجواز إتلاف المغشوش من الثياب ابن القطان، قال في الملاحف ~~الرديئة النسج: تحرق بالنار، وأفتى ابن عتاب فيها بالتصدق، وقال: تقطع خرقا ~~وتعطى للمساكين إذا تقدم إلى مستعمليها فلم ينتهوا وكذلك أفتى بإعطاء الخبز ~~المغشوش للمساكين، فأنكر عليه ابن القطان وقال: لا يحل هذا في مال امرئ ~~مسلم إلا بإذنه. PageV01P053 # قال القاضي أبو الأصبغ: وهذا اضطراب في جوابه وتناقض في قوله؛ لأن جوابه ~~في الملاحف بإحراقها بالنار أشد من إعطاء هذا الخبز للمساكين، وابن عتاب ~~أضبط في أصله في ذلك وأتبع لقوله. # وإذا لم ير ولي الأمر عقوبة الغاش بالصدقة أو الإتلاف فلا بد أن يمنع ~~وصول الضرر إلى الناس بذلك الغش، إما بإزالة الغش، وأما ببيع المغشوش ممن ~~يعلم أنه مغشوش ولا يغشه على غيره. قال عبد الملك بن حبيب: قلت لمطرف وابن ~~الماجشون لما نهينا عن التصدق بالمغشوش لرواية أشهب: فما وجه الصواب عندكما ~~فيمن غش أو نقص من الوزن؟ قالا: يعاقب بالضرب والحبس والإخراج ms35 من السوق، ~~وما كثر من الخبز واللبن أو غش من المسك والزعفران فلا يفرق ولا ينهب، قال ~~عبد الملك بن حبيب: ولا يرده الإمام إليه وليؤمر ببيعه عليه من يأمن أن يغش ~~به، وبكسر الخبز إذا كثر ويسلمه لصاحبه، ويباع العسل والسمن واللبن الذي ~~يغشه ممن يأكله ويبين له غشه، هكذا العمل فيما غش من التجارات. قال: وهو ~~إيضاح من استوضحته ذلك من أصحاب مالك وغيرهم1. PageV01P054 # فصل: # وأما التغيير فمثل ما روى أبو داود، عن عبد الله بن عمر، عن النبي -صلى ~~الله عليه وسلم: # "أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس"1، فإذا كانت ~~الدراهم أو الدنانير الجائزة فيها بأس كسرت. ومثل تغيير الصورة المجسمة إذا ~~لم تكن موطوءة مثل ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم: # "أتاني جبريل فقال: إني أتيتك الليلة، فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت إلا ~~أنه كان في البيت تمثال رجل"، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في ~~البيت كلب، فأمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، وأمر ~~بالستر يقطع فيجعل في وسادتين منتبذتين يوطآن، وأمر بالكلب يخرج ففعل رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- وإذا الكلب جرو كان للحسن والحسين تحت نضيد ~~لهم". رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه2. PageV01P055 # وكل ما كان من العين أو التأليف المحرم فإزالته وتغييره متفق عليها بين ~~المسلمين، مثل إراقة خمر المسلم، وتفكيك آلات الملاهي، وتغيير الصور ~~المصورة، وإنما تنازعوا في جواز إتلاف محلها تبعا للحال، والصواب جوازه كما ~~دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد وغيرهما. ~~والصواب أن كل مسكر من الطعام والشراب فهو حرام ويدخل في ذلك التبغ والمزر1 ~~والحشيشة القنبية وغير ذلك. # وأما التغريم: فمثل ما روى أبو داود وغيره من أهل السنن "عن النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- فيمن سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤويه إلى الجرين: أن ~~عليه جلدات نكال، وغرمه مرتين. وفيمن سرق من الماشية ms36 قبل أن تؤوى إلى ~~المراح: أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين". # وكذلك قضى عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة أنه يضعف غرمها، وبذلك كله ~~قال طائفة من العلماء مثل أحمد وغيره، وأضعف عمر وغيره الغرم في ناقة ~~أعرابي أخذها مماليك جياع، فأضعف الغرم على سيدهم ودرأ عنهم القطع، وأضعف ~~عثمان بن عفان في المسلم إذا قتل الذمي عمدا أنه يضعف عليه الدية؛ لأن دية ~~الذمي نصف دية المسلم، وأخذ بذلك أحمد بن حنبل. PageV01P056 ### | فصل: [الثواب والعقاب] # الثواب والعقاب يكونان من جنس العمل في قدر الله وفي شرعه، فإن هذا من ~~العدل الذي تقوم به السماء والأرض، كما قال الله تعالى: # {إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا} ~~[النساء: 149] . وقال: {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} ~~[النور: 22] . # وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: # "من لا يرحم لا يرحم" 1. # وقال: "إن الله وتر يحب الوتر" 2. # وقال: "إن الله جميل يحب الجمال" 3. PageV01P057 # وقال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" 1. # وقال: " إن الله نظيف يحب النظافة" 2. # ولهذا قطع يد السارق، وشرع قطع يد المحارب ورجله، وشرع القصاص في الدماء ~~والأموال والأبشار، فإذا أمكن أن تكون العقوبة من جنس المعصية كان ذلك هو ~~المشروع بحسب الإمكان. # مثل ما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في شاهد الزور أنه أمر ~~بإركابه دابة مقلوبا وتسويد وجهه، فإنه لما قلب الحديث قلب وجهه، ولما سود ~~وجهه بالكذب سود وجهه. # وهذا قد ذكره في تعزير شاهد الزور طائفة من العلماء من أصحاب أحمد ~~وغيرهم. ولهذا قال الله تعالى: # {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} [الإسراء: 72] . # وقال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة ~~أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ~~وكذلك اليوم تنسى} [طه: 124، 126] . # وفي الحديث: # "الجبارون والمتكبرون على صور الذر يطؤهم الناس بأرجلهم" 3. # فإنهم لما أذلوا عباد الله أذلهم الله ms37 لعباده، كما أن من تواضع لله رفعه، ~~PageV01P058 # فجعل العباد متواضعين له. # والله تعالى يصلحنا وسائر إخواننا المؤمنين، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من ~~القول والعمل وسائر إخواننا المؤمنين. # الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # تم الكتاب الحسبة في الإسلام # تأليف: شيخ الإسلام "تقي الدين أحمد بن تيمية". # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # PageV01P059 ### | فهرس الموضوعات # الموضوع الصفحة # مقدمة الكتاب 5 # المقصود من الولايات في الإسلام 5 # حتمية وجود مطاع يطيعه الإنسان 7 # طاعة الله ورسوله صلى اللهعليه وسلم هي الخير 7 # الدين عند الله الإسلام 8 # وجوب الولاية في الإسلام 9 # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب وحقيقة ذلك 11 # القدرة على الأمر والنهي هي السلطان والولاية 11 # مستويان لتحقيق الأمر والنهي 11 # الفوضى الاجتماعية مفسدة كبرى 11 # الاستعانة بالأمثل فالأمثل في الولاية 12 # مسئولية المحتسب 15 # ولاية القضاء، ولاية الحرب، ولاية المال، الحسبة 15 # الفرق بين المحتسب والمتطوع 16 # موقف الحسبة والمحتسب من إقام الصلاة 16 # الغش في المعاملات 17 # PageV01P061 # الغش بالكيمياء 18 # منكرات الربا والميسر والغرر وغير ذلك 19 # المعاملات الربوية الثنائية والثلاثية 20 # تلقي السلع والجلب 21 # ثبوت الخيار مع الغبن 21 # المماكس والمسترسل 21 # المحتكر وتحريم الاحتكار 21 # التسلط على السلع والتسعير 22 # الإكراه على البيع 23 # المهمات الدنيوية من فروض الكفاية 24 # فضل التفقه في الدين 25 # تحريم الغلول 25 # جواز المزارعة على الأصح والأدلة على ذلك 28 # شركة المضاربة وجوازها 28 # المعير لو أذن في الإجازة جازت 28 # المرابعة نوع من المزارعة 29 # وجوب السمع والطاعة بالمعروف وتلبية الجهاد 30 # الجهاد بالمال والبدن 30 # إجلاء المشركين وأهل الكتاب من بلاد المسلمين 31 # التجارة وزكاة التجارة 31 # أحكام تتعلق بالتسعير 32 # الفرق بين الثمن والقيمة 35 # أحكام تتعلق بالعارية 37 # النهي عن عسب الفحل 38 # حكم زكاة الحلي ومذاهب العلماء 38 # الجعل على الشهادة 38 # PageV01P062 # حق أولياء يتعلق بسبب القتل 39 # الاضطرار إلى طعام ms38 الغير وحكم الشرع 39 # هل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه؟ 40 # مذاهب العلماء في الخيار في البيع 41 # تحريم الضرر عامة 42 # الحالة التي تقتضي التسعير 42 # الغش والتدليس في الديانات 43 # المكاء والتصدية 43 # سب جمهور الصحابة 0رضي الله عنهم- جميعا 43 # رد الأحاديث بالعقل 43 # الأحاديث الموضوعة 43 # الغلو في الدين 43 # لا يجوز الخروج عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم 43 # الإلحاد في أسماء الله وآياته وتحريف الكلم عن مواضعه 43 # القدرية 43 # الخزعبلات والمعجزات والكرامات 43 # وجوب منع كل ما سبق والعقوبة عليه 44 # العقوبات الشرعية أصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 45 # وجوب إقامة الحدود على ولاة الامور 45 # التعزيز والكلام عليه 45 # من لم يندفع إلا بالقتل قتل 46 # جواز قتل الجاسوس 47 # ليس للمحتسب القتل والقطع 47 # التعزيز المالي مشروع، ومذاهب العلماء 49 # الفرق بين العقوبة المالية والتعزيز بأخذ المال 50 # تقسييم واجبات الشريعة التي هي حق لله تعالى 51 # PageV01P063 # العقوبة المالية: إتلاف وتغيير وتمليك 51 # إتلاف المغشوش وأقوال أهل العلم 52 # التصدق بالمغشوش 52 # إزالة المنكر وتغييره متفق عليه والخلاف في المحل 55 # معنى التمليك وتوضيحه 56 # الثواب والعقاب من جنس العمل 57 # خاتمة 59 # فهرس الموضوعات 61 PageV01P064 ms39