######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0036551 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728 هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الحسبة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السياسة الشرعية والقضاء #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0036551 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-36551 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/36551 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: علي بن نايف الشحود #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، في 17جمادى الأولى 1425 هـ - الموافق 5/ 7/2004 م، وعدل تعديلا جذريا بتاريخ 19 جمادى الآخرة /1428هـ -الموافق لـ 4/ 7 /2007 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [الحسبة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله] # حققه وعلق عليه # الباحث في القرآن والسنة # علي بن نايف الشحود # قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر وأولئك هم المفلحون} (104) سورة آل عمران # حقوق الطبع لكل مسلم # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة هامة # الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه ~~أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين # أما بعد: # فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور التي فرضها الله تعالى ~~على هذه الأمة قال تعالى: # (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون) (آل عمران: 104) بل اعتبر أن عنصر الخيرية في هذه ~~الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: # (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) ~~(آل عمران: 110) وغير ذلك من آيات كثيرة # وقد ظن قوم أن المسلم لا علاقة له بغيره من الناس إذا كانوا صالحين ~~استنادا لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون) (المائدة: ~~105) وقد أبعدوا النجعة في فهم هذه الآية الكريمة فعن أبى بكر الصديق أنه ~~قال أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ~~لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) وإنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله ~~بعقاب منه» (1). # وسنبحث في هذه المقدمة النقاط التالية: ### | أولا- تعريف عام بالحسبة في الإسلام # ثانيا- أهم الكتب المؤلفة في هذا الموضوع # ثالثا- الكلام عن نسخ كتاب الحسبة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله # رابعا- طريقة العمل في تحقيق هذا الكتاب PageV01P001 ### | أولا- تعريف عام بالحسبة في الإسلام # مفهوم الحسبة في الإسلام # ولاية دينية يقوم ولي الأمر - الحاكم - بمقتضاها بتعيين من يتولى مهمة ~~الأمر بالمعروف إذا أظهر الناس تركه، ms001 والنهي عن المنكر إذا أظهر الناس ~~فعله، صيانة للمجتمع من الانحراف، وحماية للدين من الضياع، وتحقيقا لمصالح ~~الناس الدينية والدنيوية وفقا لشرع الله تعالى. # العلاقة بين الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: # لقد أوجب الله تعالى على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حسب ~~قدرته وعلمه، قال الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (104) سورة آل عمران، وقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم ~~يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (1). # وقد علمنا أن الحسبة ولاية دينية، أي أنها وظيفة رسمية من وظائف الدولة ~~المسلمة تختص بأداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبهذا يتضح لنا ~~أن الحسبة هي وسيلة رسمية للقيام بهذا الواجب. # مجالات الحسبة # يقوم نظام الحسبة في جوهره على حماية محارم الله تعالى أن تنتهك، وصيانة ~~أعراض الناس، والمحافظة على المرافق العامة والأمن العام للمجتمع، إضافة ~~إلى الإشراف العام على الأسواق وأصحاب الحرف والصناعات وإلزامهم بضوابط ~~الشرع في أعمالهم، ومتابعة مدى التزامهم بمقاييس الجودة في إنتاجهم، وكل ~~ذلك يتم بالتنسيق مع الجهات ذات الاختصاص من وزارات ومؤسسات وغيرها. # أهمية الحسبة في النظام الإسلامي # يهدف الإسلام إلى خلق مجتمع آمن مستقر تسوده المحبة ويجتمع أفراده في ~~التعاون على البر والتقوى لقوله تعالى: { .. وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} (2) سورة ~~المائدة، حتى يتمكن الجميع من القيام بواجب الخلافة في الأرض (2) وتحقيق ~~الغاية الأساسية من خلق الإنسان وهي عبادة الله تعالى، كما قال تعالى: {وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (56) سورة الذاريات، ولأن الناس محتاجون ~~دائما إلى نظام يسيرون على هديه، وسلطة تحرص على تحقيق هذا النظام في حياة ~~الناس، لزم أن يكون هناك من يذكر الناس بذلك ويتابع التزامهم به، ومن هنا ~~جاءت أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. PageV01P002 # غايات الحسبة # لقد جاءت الشريعة الإسلامية بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل ms002 المفاسد ~~وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين، وتدفع شر الشرين، وتحصل أعظم المصلحتين ~~بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدين باحتمال أدناهما. وقد أمر الله تعالى ~~عباده بأن يبذلوا غاية وسعهم في التزام الأصلح فالأصلح - واجتناب الأفسد ~~فالأفسد، وهذا هو الأساس الأكبر في التشريع الإسلامي: فإن مدار الشريعة على ~~قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا .. } (16) سورة ~~التغابن، المفسر لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ~~ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (102) سورة آل عمران، وعلى قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: « .. إذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم ~~عن شىء فدعوه» (1). # وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا ~~تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدين مع ~~احتمال أدناهما هو المشروع. ثم إن مقصد الولايات الشرعية من خلافة وقضاء ~~وحسبة وغيرها: أن يكون الدين كله لله (2)، وأن تكون كلمة الله هي العليا ~~(3)، فولاية الحسبة إنما جعلت لإصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا ~~خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، ولإصلاح ما لا يقوم الدين ~~إلا به من أمر دينهم. # والشريعة إنما جاءت بأحكام تحفظ على الناس الكليات الخمس أو المصالح ~~العليا الخمس وهى: الدين والنفس والعقل والنسل والمال. # فكل الأحكام الشرعية في هذا الخصوص إنما هي أوامر ونواهي للحفاظ على هذه ~~الكليات، والحسبة إنما تسعى للتحقق من تطبيق هذه الأوامر والالتزام ~~بالنواهي. # ويمكن أن نفصل هذه الناحية للحسبة في أهداف أساسية فيما يلي: ### | 1 - # حماية دين الله تعالى بضمان تطبيقه في حياة الناس الخاصة والعامة وصيانته ~~من التعطيل أو التبديل أو التحريف. # فقد وكل إلى المحتسب حث الناس على الالتزام بأداء عبادتهم بكيفياتها ~~الشرعية ومنعهم من التبديل والتحريف فيها، كما أنه يمنع البدع في الدين ~~ويحاربها ويوقع العقاب على مرتكبيها. فالمحتسب يهتم بكل ما يتعلق بالدين ~~ويسعى لإحيائه وتمكينه. ### | 2 - # تهيئة المجتمع الصالح بتدعيم الفضائل وأنمائها، ومحاربة الرذائل ~~وإخمادها. PageV01P003 # فالمحتسب يمنع المنكرات الظاهرة ويعاقب مرتكبيها إن كان مما يوكل ms003 إليه ~~العقاب فيه، أو يرفعه إلى القضاء إن كان مما يختص القاضي بالفصل فيه. # كما أنه يتتبع مواطن الريب والشبهة فيمنع وقوع المنكرات فيها مثل مواطن ~~اختلاط الرجال بالنساء، والأماكن التي يرتادها أهل الشك والريب. ### | 3 - # إعداد المؤمن الصالح المهتم بقضايا مجتمعه، وحماية مصالحه. # ذلك أن الإسلام جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا على كل مسلم، ~~حتى لا يرى منكرا قد ارتكب فيسكت عنه، أو يرى معروفا ترك فيتواطأ على ~~الترك. # فإذا قام بذلك كان أدعى إلى أن يأتي هو ذاته المعروف الذي أمر به وينتهي ~~عن المنكر الذي نهى عنه غيره، لذا قال الله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} (44) سورة البقرة، ومن جانب ~~آخر فإن الحسبة- وهي الحد الرسمي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ~~تؤمن لأفراد المجتمع المتابعة الدائمة لأنشطتهم بتدعيم الصالح منهما ~~وتعزيزه، ومحاربة الفاسد منها والزجر منه. ### | 4 - # بناء الضمير الاجتماعي - الوازع الجماعي - الذي يحول دون هتك مبادئ ~~المجتمع المسلم وقواعده وآدابه العامة وأعرافه: # ذلك أن للبيئة الاجتماعية أهمية قصوى في سلوك أفراد المجتمع، فإذا كان ~~للمجتمع قواعد مرعية وآداب محفوظة ومبادئ محمية من سلطاته صعب على العصاة ~~الخروج عليها، وتربي في أنفسهم الحياء من مخالفة المجتمع والخروج عليه. # أما إن كانت هذه المبادئ والقواعد منتهكة من غالب أفراد المجتمع، ولم تكن ~~هناك سلطة تسعى للحفاظ عليها، بحجة أن تلك الأمور من الشئون الخاصة، سهل ~~على الأفراد الخوض في المنكرات، بل إن العصاة يغرون الصالحين بسلوك نهجهم، ~~لأن الناس يحبون التشبه ببعضهم بعضا، لذا قال الله تعالى: {إن الذين يحبون ~~أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون} (19) سورة النور، وأمر الله تعالى أن تكون العقوبات ~~الشرعية علنية حتى يتعظ الناس بعذاب غيرهم، فقال بعد أن ذكر عقاب الزناة: ~~{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد ms004 عذابهما طائفة من ~~المؤمنين} (2) سورة النور، كما أمر النساء بالحجاب وعدم إبداء الزينة لغير ~~المحارم (1)، بل PageV01P004 # وأمرهن بعدم التلين في الكلام بما يثير الرجال (1)،ثم بعد ذلك كله أمر ~~كلا من الرجال والنساء بغض البصر منعا للفتنة المثيرة للشهوة (2) ### | 5 - # استقامة الموازين الاجتماعية واتزان المفاهيم واستقرارها حتى لا ينقلب ~~المنكر معروفا والمعروف منكرا. # لذا نجد أن من أشد الأمور خطورة انتشار المنكرات ثم تواطؤ المجتمع على ~~السكوت عنها ثم قبولها أخيرا! # فإذا بلغت المنكرات درجة القبول عند الناس، وذلك بأن يروها أمورا معتادة ~~لا حاجة لاستنكارها فضلا عن الإنكار على مرتكبيها، إذا بلغ الحال إلى هذا ~~الحد، فإن المجتمع يفقد موازينه المستقيمة وتذوب مفاهيمه الصحيحة لكل القيم ~~الفضيلة، وعندئذ يعجز كل قانون عن التأثير في الناس ولا سيما القوانين ~~الوضعية التي تقوم على مبدأ عدم التدخل في الحريات الشخصية. فلو نظرنا إلى ~~كثير من المجتمعات الإباحية نجد أن الأمور قد انفلتت من يد السلطات إذ أصبح ~~المجتمع لا يستنكر سلوك الانحراف والشذوذ، والسلطة لا تقدر على محاربة ~~الرذائل والمخدرات والجرائم التي يعتدى فيها على حرمات الناس. # بينما نجد المجتمعات الإسلامية -على وجه العموم- لا تزال تحتفظ بأصولها ~~ومبادئها، مما يجعل السلوك الانحرافي والشذوذ والخروج على قيم المجتمع ~~أمورا مستقبحة ومستنكرة من عامة الناس. ### | 6 - # دفع العقاب العام من الله تعالى، ومنع حالات الفساد الجماعي. # ذلك أن فشو المنكرات وظهور الفساد يستحق العقاب من وجهين: # الأول: أن ارتكاب تلك المنكرات موجب للعقاب. # الثاني: أن السكوت عن هذه المنكرات من غير أصحابها موجب أخر للعقاب، لذا ~~قال الله تعالى محذرا هذه الأمة أن تسكت عن المنكر: {واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خآصة واعلموا أن الله شديد العقاب} (25) سورة الأنفال، ~~وذلك حتى لا يقع لهم مثل ما وقع لمن قبلهم، الذين حكى الله تعالى حالهم في ~~قوله: ((لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ms005 كانوا ~~يفعلون (79) PageV01P005 # [المائدة/78، 79]))، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من قوم ~~يعمل فيهم بالمعاصى ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن ~~يعمهم الله منه بعقاب» (1). ### | 7 - # تحقيق وصف الخيرية للأمة، كما قال الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله .. } (110) سورة آل عمران، ~~وذلك لأن صلاح المعاش والمعاد إنما يكون بطاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وذلك لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت ~~هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس. وما تمت هذه الخيرية إلا بعد تحقيق الصفات ~~المذكورة في الآية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، ~~فمن اتصف بهذه الصفات من هذه الأمة دخل في هذا المدح، فعن قتادة، قال: ذكر ~~لنا أن عمر بن الخطاب قال في حجة حجها ورأى من الناس رعة سيئة، فقرأ هذه: ~~كنتم خير أمة أخرجت للناس الآية، ثم قال:" يا أيها الناس من سره أن يكون من ~~تلك الأمة، فليؤد شرط الله منها " (2). PageV01P006 ### | ثانيا- أهم الكتب المؤلفة في هذا الموضوع # لقد ألفت كتب كثيرة في هذا الموضوع الهام، قديما وحديثا، بل لا يوجد كتاب ~~فقهي إلا وتعرض لذلك ضمن أبواب كثيرة، ومن أهمها: # الطرق الحكمية لابن القيم # تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام # تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك # تهذيب الرياسة وترتيب السياسة # مطالع التمام ونصائح الأنام # معالم القربة في طلب الحسبة # معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام # نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة # الحسبة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله # PageV01P007 ### | ثالثا- خصائص كتاب الحسبة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله # اشتمل كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (الحسبة) على الأمور ~~التالية: # مقدمة ... هامة حول موضوع الحسبة # وقد اشتمل على عدة فصول أهمها: # الفصل الأول ... -جماع الدين الأمر والنهي # الفصل الثاني ... - اختصاصات الولايات الإسلامية # وذكر فيه للنقاط التالية: # - بعض واجبات المحتسب # - الاحتساب في المعاملات المحرمة ومثل ذلك " الاحتكار " لما ms006 يحتاج الناس ~~إليه # - لماذا شرعت الولايات؟ # - جواز المزارعة # - وسواء كانت الأرض مقطعة أو لم تكن مقطعة # - وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب ~~ويعاقبون على تركه # - ولو احتاج إلى إجراء ماء في أرض غيره من غير ضرر بصاحب الأرض: فهل ~~يجبر؟ # الفصل الثالث ... - الغش في الديانات - الاحتساب في الجوانب العقدية ~~والفكرية # الفصل الرابع ... -العقوبات الشرعية من متممات الاحتساب # الفصل الخامس- التعزير بالعقوبات المالية # وتعرض فيه لذكر التعزير في منكرات الأعيان والصفات # الفصل السادس- تغيير المنكر باليد # الفصل السابع ... -الثواب والعقاب من جنس العمل # وهذه الموضوعات التي تكلم عنها شيخ الإسلام رحمه الله، قد أشبعها بحثا ~~واستدلالا، وفيها كثير من الاجتهادات النادرة، والتي نحن بأمس الحاجة إليها ~~اليوم، خاصة حول التسعير الجبري، والتعزير، والاحتكار مما ستراه في هذه ~~الرسالة النادرة إن شاء الله تعالى. # ولكن هناك صعوبة بالغة في بيان ذكر النصوص أو الأقوال التي أشار إليها ~~شيخ الإسلام، لأنه قد ذكرها بالمعنى وليس باللفظ، فتحتاج لوقت طويل للحصول ~~عليها # PageV01P008 ### | رابعا- الكلام عن نسخ كتاب الحسبة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله # يوجد نسخة مطبوعة بعنوان قاعدة في الحسبة، وهي لا تتجاوز الثلاثين صفحة ~~من القطع المتوسط، وهي خالية من التحقيق، ومن تشكيل الآيات والأحاديث أو ~~تخريجها، ولا تخلوا من بعض الأخطاء المطبعية # وهناك نسخة في الشاملة 2 عدد الصفحات 50 صفحة # مصدر الكتاب: موقع الإسلام # http: //www. al-islam. com # ولكنها كالنسخة الأولى خالية من التحقيق والتعليق والتخريج # وهناك نسخة عدد صفحاتها (35) وهي كالأولى تماما # mahawer. al-islam. com/dawaBooks/015. doc # http: //www. du3at. com/books/3. htm # وهناك نسخة نشر شبكة نور الإسلام وعدد صفحاتها أربعون صفحة الآيات مميزة ~~ومشكلة، والأحاديث مميزنة ولكنها غير مخرجة # وهناك شرح لابن جبرين حفظه الله، وهو مفرغ من محاضرات صوتية، وهو شرح قيم ~~وهو غير مخرج الأحاديث ولا الآيات القرآنية وهو موجود في ستة محاضرات صوتية ~~على موقع الشيخ وغيره # http: //www. sona3el7yah. com/book. ~~php?cat=7&book;=222&toc;=8659 # والكتاب موجود ضمن فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ms007 # وهو في الحسبة 28/ 60 - 120 - المحقق: أنور الباز - عامر الجزار = ~~الناشر: دار الوفاء # الطبعة: الثالثة، 1426 ه / 2005 م # عدد الأجزاء: 37 (35 + 2 فهارس) # وهي أهم طبعة للفتاوى وهي مشكلة، ولكنها خالية من التخريج والعزو ~~والتعليقات نادرة جدا # PageV01P009 ### | خامسا- طريقة العمل في تحقيق هذا الكتاب # أما طريقة عملي في هذا الكتاب فهي كما يلي: # 1. مقدمة هامة حول هذا الموضوع # 2. ### | الباب الأول- الخلاصة أحكام الحسبة # من أهم المصادر، حتى يكمل موضوع الكتاب، مع ذكر المصادر والمراجع بذيل كل ~~فقرة # 3. الباب الثاني - نص رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قمت ~~بتدقيق النص أولا، ثم تخريج الايات القرآنية، ثم تحريج الأحاديث والحكم ~~عليها إذا لم تكن في الصحيحين أو أحدهما، وتخريج كافة الأقوال التي استشهد ~~بها، وكذلك شرح ما يحتاج لشرح من كلامه، ذكر الأدلة الكافية على الموضوعات ~~التي أشار إليها ولم يذكر دليلها صراحة، وشرح كثير من هذه الأدلة، لتعم ~~الفائدة، مع الإشارة لبعض التطبيقات المعاصرة، وذكر المصادر في آخر الكتاب، ~~وكذلك الفهرسة الشاملة للكتاب عن طريق الورد، والتي تغني عن الكتاب ~~الإلكتروني # هذا وأسال الله تعالى أن ينفع به كاتبه وقارئه وناشره والدال عليه في ~~الدارين. # قال تعالى: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم ~~عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} (164) سورة الأعراف # حققه وعلق عليه # الباحث في القرآن والسنة # علي بن نايف الشحود # في 17جمادى الأولى 1425 ه -الموافق 5/ 7/2004 م # وعدل تعديلا جذريا بتاريخ 19 ... جمادى الآخرة ... /1428ه -الموافق ل ... ~~4/ 7 /2007 م # PageV01P010 ### | الباب الأول # الخلاصة أحكام الحسبة # تعريف الحسبة (1): ### | 1 - # الحسبة لغة: اسم من الاحتساب , ومن معانيها الأجر وحسن التدبير والنظر , ~~ومنه قولهم: فلان حسن الحسبة في الأمر إذا كان حسن التدبير له. ومن معاني ~~الاحتساب البدار إلى طلب الأجر وتحصيله , وفي حديث عمر: أيها الناس احتسبوا ~~أعمالكم فإن من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته (2). واسم الفاعل ~~المحتسب أي طالب الأجر. ومن معانيها الإنكار يقال: احتسب عليه الأمر ms008 إذا ~~أنكره عليه. والاختبار يقال: احتسبت فلانا أي اختبرت ما عنده (3). # والحسبة اصطلاحا: عرفها جمهور الفقهاء بأنها الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه ~~, والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله (4). # (الألفاظ ذات الصلة): # أولا: القضاء (5): ### | 2 - # القضاء هو الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام (6) , وهو باب من أبواب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (7)، كما أن الحسبة كذلك قاعدتها وأصلها ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (8). # وقد فرق العلماء بين الولايتين فرقا يتحدد به معالم كل ولاية قال ~~الماوردي (9): "فأما ما بينها وبين القضاء فهي موافقة لأحكام القضاء من ~~وجهين , ومقصورة عنه من وجهين , وزائدة عليه من وجهين: PageV01P011 # فأما الوجهان في موافقتها لأحكام القضاء: # فأحدهما: جواز الاستعداء إليه وسماعه دعوى المستعدي على المستعدى عليه من ~~حقوق الآدميين , وليس في عموم الدعاوى. # والوجه الثاني: أن له إلزام المدعى عليه للخروج من الحق الذي عليه وليس ~~على العموم في كل الحقوق , وإنما هو خاص في الحقوق التي جاز له سماع الدعوى ~~فيها إذا وجبت باعتراف وإقرار مع الإمكان واليسار , فيلزم المقر الموسر ~~الخروج منها ودفعها إلى مستحقها , لأن في تأخيره لها منكرا هو منصوب ~~لإزالته. # وأما الوجهان في قصورها عن أحكام القضاء: # فأحدهما قصورها عن سماع عموم الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات من ~~الدعاوى في العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات. # والوجه الثاني: أنها مقصورة على الحقوق المعترف بها , فأما ما تداخله جحد ~~وإنكار فلا يجوز له النظر فيها. # وأما الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء: # فأحدهما: أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض بتصفح ما يأمر به من المعروف ~~وينهى عنه من المنكر وإن لم يحضره خصم مستعد , وليس للقاضي أن يتعرض لذلك ~~إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه. # والثاني: أن الحسبة موضوعة للرهبة فلا يكون خروج المحتسب إليها بالغلظة ~~تجوزا فيها. والقضاء موضوع للمناصفة فهو بالأناة والوقار أخص (1). # ثانيا: المظالم (2) ### | 3 - # ولاية المظالم قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة , وزجر المتنازعين عن ~~التجاحد بالهيبة. وقد بين الماوردي الصلة بين الحسبة وبين المظالم فقال ~~(3): بينهما ms009 شبه مؤتلف وفرق مختلف , فأما الشبه الجامع بينهما فمن وجهين: ~~فأحدهما: أن موضوعهما على الرهبة المختصة بقوة السلطنة. PageV01P012 # والثاني: جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح , والتطلع إلى إنكار العدوان ~~الظاهر. # وأما الفرق بينهما فمن وجهين: # أحدهما: أن النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة , والنظر في ~~الحسبة موضوع لما رفه عنه القضاة , ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى ورتبة ~~الحسبة أخفض , وجاز لوالي المظالم أن يوقع إلى القضاة والمحتسب , ولم يجز ~~للقاضي أن يوقع إلى والي المظالم , وجاز له أن يوقع إلى المحتسب , ولم يجز ~~للمحتسب أن يوقع إلى واحد منهما. # والثاني: أنه يجوز لوالي المظالم أن يحكم , ولا يجوز ذلك للمحتسب. # ثالثا: الإفتاء (1): ### | 4 - # الإفتاء تبليغ عن الله ورسوله , والمفتي هو المتمكن من درك أحكام الوقائع ~~على يسر من غير معاناة تعلم , ويتعين على المفتي فتوى من استفتاه إن لم يكن ~~بالموضع الذي هو فيه مفت سواه (2) لقوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا ~~من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ~~ويلعنهم اللاعنون} [سورة البقرة، الآية:159]،وقال قتادة في قوله تعالى: ~~{وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ~~وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون} [سورة آل عمران، ~~الآية:187]،هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم , فمن علم علما فليعلمه , ~~وإياكم وكتمان العلم فإنها هلكة , ولا يتكلفن الرجل ما لا يعلم فيخرج من ~~دين الله ويكون من المتكلفين (3). ولما روي عن أبى هريرة قال قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم ~~القيامة» (4). # وعلى هذا يكون بين الإفتاء وبين الحسبة معنى جامع هو التبليغ عن الله ~~ورسوله , والكشف عن الحق , وإرشاد المستعلم الجاهل , فالإفتاء باب من أبواب ~~الحسبة ودونها في وسائل الكشف والإبانة لأنه لا يتعدى التعريف بالحكم ~~والاحتساب يكون التعريف أولى مراتبه. # رابعا: الشهادة (5): PageV01P013 ### | 5 - # الشهادة في الاصطلاح هي إخبار الشاهد الحاكم إخبارا ناشئا عن علم لا عن ~~ظن ms010 أو شك , وعرفها بعضهم بأنها إخبار بما حصل فيه الترافع وقصد به القضاء ~~وبت الحكم (1). # وهي مشروعة بقوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [سورة البقرة، ~~الآية:282]، ولها حالتان حالة تحمل وحالة أداء , وحكم تحملها الوجوب على ~~جهة الوجوب الكفائي إن وجد غيره , وإلا تعين لقوله تعالى: {وأقيموا الشهادة ~~لله .. } [سورة الطلاق، الآية:2]. # وأما الأداء ففرض عين لقوله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [سورة ~~البقرة، الآية:282]. # ويجب المبادرة إلى أدائها في حقوق الله التي يستدام فيها التحريم حسبة. ~~أما ما لا يستدام فيه التحريم كالحدود والسرقة وشرب الخمر والقذف فهو مخير ~~بين أن يشهد حسبة لله تعالى وبين أن يستر , لأن كل واحد منهما أمر مندوب ~~إليه (2) عن أبى هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « .. ومن ~~ستر مسلما ستره الله فى الدنيا والآخرة .. » (3). # وقد ندبه الشارع إلى كل واحد منهما إن شاء اختار جهة الحسبة فأقامها لله ~~تعالى , وإن شاء اختار جهة الستر فيستر على أخيه المسلم. فتكون الشهادة ~~مرتبة من مراتب الحسبة , ووسيلة من وسائل تغيير المنكر. # مشروعية الحسبة (4): ### | 6 - # شرعت الحسبة طريقا للإرشاد والهداية والتوجيه إلى ما فيه الخير ومنع ~~الضرر. وقد حبب الله إلى عباده الخير وأمرهم بأن يدعوا إليه , وكره إليهم ~~المنكر والفسوق والعصيان ونهاهم عنه (5) , كما أمرهم بمنع غيرهم من اقترافه ~~, وأمرهم بالتعاون على البر والتقوى , فقال تعالى: {.وتعاونوا على البر ~~والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} ~~[سورة المائدة، الآية:2]، وقال جل شأنه: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} {ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف PageV01P014 # وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (104) سورة آل عمران، ووصف ~~المؤمنين والمؤمنات بها , وقرنها بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله , ~~مع تقديمها في الذكر في قوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون ~~الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} ms011 (71) سورة التوبة، ووصف ~~المنافقين بكونهم عاملين على خلاف ذلك في قوله تعالى: {المنافقون ~~والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم ~~نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون} (67) سورة التوبة، وذم من ~~تركها وجعل تركها سببا للعنة في قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني ~~إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) ~~كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} (79) سورة المائدة، ~~وجعل تركها من خطوات الشيطان وشيعته في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء ~~والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله ~~يزكي من يشاء والله سميع عليم} (21) سورة النور، وفضل من يقوم بها من الأمم ~~على غيرهم في قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله .. } (110) سورة آل عمران، وامتدح من يقوم ~~بها من الأمم على غيرهم في قوله تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة ~~قآئمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من ~~الصالحين (114)} [سورة آل عمران، الآية:113 - 114]،وجعل القيام بها سببا ~~للنجاة في قوله تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء ~~وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} (165) سورة الأعراف، وإلى ~~ذلك كله جاء في القرآن أنها شرعة فرضت على غيرنا من الأمم وذلك في قوله ~~تعالى: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما ~~أصابك إن ذلك من عزم الأمور} (17) سورة لقمان، وقوله تعالى: {إن الذين ~~يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من ~~الناس فبشرهم بعذاب أليم} (21) سورة آل عمران، ذلك بعض ما يدل على شرعها من ~~الكتاب الحكيم. # ولقد سلكت السنة في دلالتها على ذلك مسلك الكتاب من الأمر بها , والتشديد ~~على التهاون ms012 فيها , روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ~~فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (1). PageV01P015 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P016 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P017 # وجاء في التحذير من تركها ما روي عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - «إن أول ما دخل النقص على بنى إسرائيل كان الرجل ~~يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من ~~الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله ~~قلوب بعضهم ببعض». ثم قال (لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود ~~وعيسى ابن مريم) إلى قوله (فاسقون) ثم قال «كلا والله لتأمرن بالمعروف ~~ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدى الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه ~~على الحق قصرا» (1). # و عن حذيفة بن اليمان عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال «والذى نفسى ~~بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم ~~عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» (2). # و عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لتأمرن ~~بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم ~~فلا يستجاب لكم" (3). # الحكم التكليفي (4): ### | 7 - # الحسبة واجبة في الجملة من حيث هي لا بالنظر إلى متعلقها، إذ إنها قد ~~تتعلق بواجب يؤمر به , أو مندوب يطلب عمله , أو حرام ينهى عنه , فإذا تعلقت ~~بواجب أو حرام فوجوبها حينئذ على القادر عليها ظاهر , وإذا تعلقت بمندوب أو ~~بمكروه فلا تكون حينئذ واجبة , بل تكون أمرا مستحبا مندوبا إليه تبعا ~~لمتعلقها , إذ الغرض منها الطاعة والامتثال , والامتثال في ذلك ليس واجبا ~~بل أمرا مستحبا , فتكون الوسيلة إليه كذلك أمرا مستحبا. وقد يترتب عليها من ~~المفسدة ما يجعل الإقدام عليها داخلا في المحظور المنهي عنه فتكون حراما. ~~وقد استدل العلماء على وجوب الحسبة في الجملة من حيث هي بالأدلة التي ms013 وردت ~~جملة وتفصيلا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , قال ابن القيم (5): ~~والمقصود أن الحكم بين الناس في النوع الذي لا يتوقف على الدعوى هو المعروف ~~بولاية الحسبة. وقاعدته وأصله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بعث ~~الله به رسله وأنزل به كتبه. ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثبت ~~بالكتاب والسنة والإجماع ". # وقال الجصاص (6): "وقد ذكر الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر في مواضع من كتابه , وبينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~أخبار متواترة , وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه ". PageV01P018 # وقال النووي (1): وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة , وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين. # وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الحسبة فرض على الكفاية (2) , وقد تكون فرض , ~~عين في الحالات الآتية , وفي حق طائفة مخصوصة كما يلي: # الأولى (3): الأئمة والولاة ومن ينتدبهم أو يستنيبهم ولي الأمر عنه , لأن ~~هؤلاء متمكنون بالولاية ووجوب الطاعة. قال الله تعالى: {الذين إن مكناهم في ~~الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله ~~عاقبة الأمور} (41) سورة الحج، فإن من أنواع القيام بذلك ما يدعو إلى ~~الاستيلاء , وإقامة الحدود والعقوبات مما لا يفعله إلا الولاة والحكام , ~~فلا عذر لمن قصر منهم عند الله تعالى , لأنه إذا أهمل الولاة والحكام ~~القيام بذلك فجدير ألا يقدر عليه من هو دونهم من رعيتهم , فيوشك أن تضيع ~~حرمات الدين ويستباح حمى الشرع والمسلمين (4). # الثانية: من يكون في موضع لا يعلم بالمعروف والمنكر إلا هو , أو لا يتمكن ~~من إزالته غيره كالزوج والأب , وكذلك كل من علم أنه يقبل منه ويؤتمر بأمره ~~, أو عرف من نفسه صلاحية النظر والاستقلال بالجدال , أو عرف ذلك منه , فإنه ~~يتعين عليه الأمر والنهي (5). # الثالثة: أن الحسبة قد تجب على غير المنصوب لها بحسب عقد آخر , وعلى ~~المنصوب لهل تجب ابتداء , كما إذا رأى المودع سارقا يسرق الوديعة فلم يمنعه ~~وهو يقدر على منعه , وكذلك إذا صال فحل على مسلم فإنه ms014 يلزمه أن يدفعه عنه ~~وإن أدى إلى قتله , سواء كان القاتل هو أو الذي صال عليه الفحل , أو معينا ~~له من الخلق ولا ضمان , لأن دفعه فرض يلزم جميع المسلمين فناب PageV01P019 # عنهم فيه (1). الحالة الرابعة: الإنكار بالقلب فرض عين على كل مكلف ولا ~~يسقط أصلا , إذ هو كراهة المعصية وهو واجب على كل مكلف. # وقال الإمام أحمد: إن ترك الإنكار بالقلب كفر لحديث « .. وذلك أضعف ~~الإيمان» (2). # الذي يدل على وجوب إنكار المنكر بحسب الإمكان والقدرة عليه , فالإنكار ~~بالقلب لا بد منه فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه. ~~وقد استدل الجمهور على أنها فرض كفاية لقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون ~~إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (104) ~~سورة آل عمران. ووجه الاستدلال أن الخطاب موجه إلى الكل مع إسناد الدعوة ~~إلى البعض بما يحقق معنى فرضيتها على الكفاية , وأنها واجبة على الكل , لكن ~~بحيث إن أقامها البعض سقطت عن الباقين , ولو أخل بها الكل أثموا جميعا. ~~ولأنها من عظائم الأمور وعزائمها التي لا يتولاها إلا العلماء العالمون ~~بأحكام الشريعة , ومراتب الاحتساب (3) , فإن من لا يعلمها يوشك أن يأمر ~~بمنكر وينهى عن معروف , ويغلظ في مقام اللين , ويلين في مقام الغلظة , ~~وينكر على من لا يزيده الإنكار إلا التمادي والإصرار (4). # ويكون الاحتساب حراما في حالتين: # الأولى: في حق الجاهل بالمعروف والمنكر الذي لا يميز موضوع أحدهما من ~~الآخر فهذا يحرم في حقه , لأنه قد يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف. # والثانية: أن يؤدي إنكار المنكر إلى منكر أعظم منه، مثل أن ينهى عن شرب ~~الخمر فيؤدي نهيه عن ذلك إلى قتل النفس فهذا يحرم في حقه (5). # ويكون الاحتساب مكروها إذا أدى إلى الوقوع في المكروه (6). # ويكون الاحتساب مندوبا في حالتين: # الأولى: إذا ترك المندوب أو فعل المكروه فإن الاحتساب فيهما مستحب أو ~~مندوب إليه واستثني من هذه الحالة وجوب الأمر بصلاة العيد وإن كانت سنة , ~~لأنها من الشعار الظاهر فيلزم المحتسب PageV01P020 # الأمر بها وإن ms015 لم تكن واجبة. وحملوا كون الأمر في المستحب مستحبا على غير ~~المحتسب , وقالوا: إن الإمام إذا أمر بنحو صلاة الاستسقاء أو صومه صار ~~واجبا , ولو أمر به بعض الآحاد لم يصر واجبا. # والثانية: إذا سقط وجوب الاحتساب , كما إذا خاف على نفسه ويئس من السلامة ~~وأدى الإنكار إلى تلفها. ويكون حكم الاحتساب التوقف إذا تساوت المصلحة ~~والمفسدة , لأن تحقيق المصلحة ودرء المفسدة أمر مطلوب في الأمر والنهي , ~~فإذا اجتمعت المصالح والمفاسد , فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعل ~~ذلك امتثالا لأمر الله تعالى لقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم .. } (16) ~~سورة التغابن، وإن تعذر الدرء درئت المفسدة ولو فاتت المصلحة قال تعالى: ~~{يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من ~~نفعهما .. } (219) سورة البقرة، حرم الخمر والميسر لأن مفسدتهما أكبر من ~~نفعهما (1).وإذا اجتمعت المفاسد المحضة , فإن أمكن درؤها درئت , وإن تعذر ~~درء الجميع درئ الأفسد فالأفسد , والأرذل فالأرذل , وإن تساوت فقد يتوقف , ~~وقد يتخير , وقد يختلف التساوي والتفاوت (2). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ~~وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد , ~~والحسنات والسيئات , أو تزاحمت , فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ~~ازدحمت المصالح والمفاسد , فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ~~ودفع مفسدة , فينظر في المعارض له , فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل ~~من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به , بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من ~~مصلحته , لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر ~~لإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها , وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه ~~والنظائر , وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث ~~لا يفرقون بينهما , بل إما أن يفعلوهما جميعا , أو يتركوهما جميعا لم يجز ~~أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر , بل ينظر , فإن كان المعروف أكثر ~~أمر به , وإن استلزم ما هو دونه من المنكر ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت ~~معروف أعظم منه , بل ms016 يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في ~~زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات , وإن كان المنكر أغلب نهي عنه ~~وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف , ويكون الأمر بذلك المعروف ~~المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله. وإن ~~تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما. فتارة يصلح ~~الأمر , وتارة يصلح النهي , وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي. وإذا اشتبه ~~الأمر استبان PageV01P021 # المؤمن حتى يتبين له الحق , فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية , وإذا ~~تركها كان عاصيا , فترك الأمر الواجب معصية , وفعل ما نهي عنه من الأمر ~~معصية وهذا باب واسع (1). # حكمة مشروعية الحسبة (2): ### | 8 - # ما برح الناس - في مختلف العصور - في حاجة إلى من يعلمهم إذا جهلوا , ~~ويذكرهم إذا نسوا , ويجادلهم إذا ضلوا , ويكف بأسهم إذا أضلوا , وإذا سهل ~~تعليم الجاهل , وتذكير الناسي , فإن جدال الضال وكف بأس المضل لا يستطيعهما ~~إلا ذو بصيرة وحكمة وبيان. ولمنع هذا شرعت الديانات , وقامت النبوات وظهرت ~~الرسالات آمرة بالمعروف , وناهية عن المنكر , ليكون الأمن والسلام , ~~والاستقرار والنظام , وصلاح العباد والنجاة من العذاب. قال تعالى: {فلما ~~نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب ~~بئيس بما كانوا يفسقون} (165) سورة الأعراف (3). ومن هذا كان الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل النبيين والمرسلين , وطريق المرشدين. ~~الصادقين , ومنهاج الهادين الصالحين , وكان أمرا متبعا وشريعة ضرورية ~~ومذهبا واجبا , سواء في ذلك أسميت باسم " الحسبة " أو باسم آخر كالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر , وقد صارت بسببها هذه الأمة خير أمة أخرجت ~~للناس قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون ~~وأكثرهم الفاسقون} (110) سورة آل عمران (4). وروي عن قيس قال قال أبو بكر ~~بعد أن حمد PageV01P022 # الله وأثنى عليه يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير ~~مواضعها (عليكم أنفسكم لا يضركم من ms017 ضل إذا اهتديتم) وإنا سمعنا النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك ~~أن يعمهم الله بعقاب». وفي رواية وإنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصى ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا ~~يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب» (1). PageV01P023 # وفي سنن أبي داود عن العرس بن عميرة الكندى عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - قال «إذا عملت الخطيئة فى الأرض كان من شهدها فكرهها». وقال مرة ~~«أنكرها». «كمن غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» (1). # لأجل ذلك عهد الشارع الحكيم إلى الأمة أن تقوم طائفة منها على الدعوة إلى ~~الخير وإسداء النصح للأفراد والجماعات , ولا تخلص من عهدتها حتى تؤديها ~~طائفة على النحو الذي هو أبلغ أثرا في استجابة الدعوة وامتثال الأوامر ~~واجتناب النواهي. والحسبة ولاية شرعية , ووظيفة دينية تلي في المرتبة وظيفة ~~القضاء , إذ إن ولايات رفع المظالم عن الناس على العموم على ثلاث مراتب: # أسماها وأقواها ولاية المظالم , وتليها ولاية القضاء , وتليها ولاية ~~الحسبة (2). والحسبة من الخطط الدينية الشرعية كالصلاة والفتيا والقضاء ~~والجهاد , وقد جمع بعض العلماء الولايات الشرعية في عشرين ولاية , أعلاها ~~الخلافة العامة , والبقية كلها مندرجة تحتها , وهي الأصل الجامع لها , ~~وكلها متفرعة عنها , وداخلة فيها , لعموم نظر الإمام في سائر أحوال الأمة ~~الدينية والدنيوية , وتنفيذ أحكام الشرع فيها على العموم , وقد عني الأئمة ~~بولاية الحسبة عناية كبيرة , ووضعوا فيها المؤلفات مفصلين أحكامها ومراتبها ~~, وأركانها , وشرائطها , وتأصيل مسائلها , ووضع القواعد في مهماتها (3). # أنواع الحسبة (4): ### | 9 - # ولاية الحسبة نوعان: ولاية أصلية مستحدثة من الشارع , وهي الولاية التي ~~اقتضاها التكليف بها لتثبت لكل من طلبت منه. وولاية مستمدة وهي الولاية ~~التي يستمدها من عهد إليه في ذلك من الخليفة أو الأمير وهو المحتسب , وعلى ~~ذلك فإنه يجمع بين الولايتين , لأنه مكلف بها شخصيا من جهة الشارع ومكلف ~~بها كذلك من قبل من له الأمر. # أما غيره من الناس ms018 فليس له من ذلك إلا الولاية التي أضفاها الشارع عليه ~~وهي الولاية الأصلية , وهذه الولاية كما تتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر على وجه الطلب مباشرة تتضمن كذلك القيام بما يؤدي إلى اجتناب المنكر ~~, لا على وجه الطلب بل على وجه الدعاء والاستعداء , وذلك يكون بالتقدم إلى ~~القاضي بالدعوى بالشهادة لديه , أو باستعداء المحتسب , وتسمى الدعوى لدى ~~القاضي بطلب الحكم بإزالة المنكر دعوى حسبة , ولا تكون إلا فيما هو حق لله ~~, PageV01P024 # وعندئذ يكون مدعيا بالحق وشاهدا به في وقت واحد. ويطلق الفقهاء على من ~~يقوم بالاحتساب دون انتداب لها من الإمام أو نائبه المتطوع , أما من انتدبه ~~الإمام وعهد إليه النظر في أحوال الرعية والكشف عن أمورهم ومصالحهم فهو ~~المحتسب. والفرق بينهما من عدة أوجه كما بينه الماوردي وغيره وهي (1): ~~الأول: أن قيام المحتسب بالولاية صار من الحقوق التي لا يسوغ أن يشتغل عنها ~~بغيرها وقيام المتطوع بها من نوافل عمله يجوز أن يشتغل عنها بغيرها. # الثاني: أنه منصوب للاستعداء فيما يجب إنكاره , وليس المتطوع منصوبا ~~للاستعداء. # الثالث: أن على المحتسب بالولاية إجابة من استعداه وليس على المتطوع ~~إجابته. # الرابع: أن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها ويفحص عما ~~ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته , وليس على غيره من المتطوعة بحث ولا ~~فحص. # الخامس: أن له أن يتخذ على الإنكار أعوانا , لأنه عمل هو له منصوب وإليه ~~مندوب ليكون عليه أقدر , وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعوانا. # السادس: أن له أن يعزر في المنكرات الظاهرة ولا يتجاوز إلى الحدود , وليس ~~للمتطوع أن يعزر على منكر. # السابع: أن له أن يرتزق على حسبته من بيت المال , ولا يجوز للمتطوع أن ~~يرتزق على إنكار منكر # الثامن: أن له اجتهاد رأيه فيما تعلق بالعرف دون الشرع كالمقاعد في ~~الأسواق , وإخراج الأجنحة فيقر وينكر من ذلك ما أداه إليه اجتهاده , وليس ~~هذا للمتطوع (2). # أركان الحسبة (3): ### | 10 - # ذكر الإمام الغزالي أنها أربعة (4): المحتسب , والمحتسب عليه , والمحتسب ~~فيه , ونفس الاحتساب. ولكل ركن من ms019 هذه الأركان حدود وأحكام وشروط تخصه: # الركن الأول: المحتسب (5): # وهو من نصبه الإمام أو نائبه للنظر في أحوال الرعية والكشف عن أمورهم ~~ومصالحهم , وتصفح أحوال السوق في معاملاتهم , واعتبار موازينهم وغشهم , ~~ومراعاة ما يسري عليه أمورهم , واستتابة المخالفين , وتحذيرهم بالعقوبة , ~~وتعزيرهم على حسب ما يليق من التعزير على قدر الجناية (6). PageV01P025 # شروط المحتسب (1): ### | 11 - # اشترط الفقهاء في صاحب هذه الولاية شروطا حتى يتحقق المقصود منها , وهذه ~~الشروط هي: # أولا: الإسلام: # الإسلام شرط لصحة الاحتساب لما فيه من السلطنة وعز التحكيم , فخرج الكافر ~~لأنه ذليل لا يستحق عز التحكيم على المسلمين قال تعالى: { .. ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا} (141) سورة النساء، ولأن في الأمر والنهي ~~نصرة للدين فلا يكون من أهلها من هو جاحد لأصل الدين (2). # الشرط الثاني: التكليف (البلوغ والعقل): ### | 12 - # التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة وشرطه القدرة على فهم الخطاب , وصلاحية ~~المكلف لصدور الفعل منه على الوجه المطلوب شرعا , ودعامته العقل الذي هو ~~أداة الفهم , وقد جعله الله تعالى أصلا للدين وللدنيا فأوجب التكليف ~~بكماله. فالتكليف شرط لوجوب الاحتساب وتولي ولايتها , أما مجرد الأمر ~~والنهي فإن الصبي غير مخاطب ولا يلزمه فعل ذلك , أما إمكان الفعل وجوازه في ~~حقه فلا يستدعي إلا العقل فإذا عقل القربة وعرف المناكر وطريق التغيير ~~فتبرع به كان منه صحيحا سائغا , فله إنكار المنكر , وله أن يريق الخمر , ~~وكسر الملاهي , وإذا فعل ذلك نال به ثوابا , ولم يكن لأحد منعه من حيث إنه ~~ليس بمكلف، فإن هذه قربة وهو من أهلها كالصلاة والإمامة وسائر القربات , ~~وليس حكمه حكم الولايات حتى يشترط فيه التكليف , ولذلك جاز لآحاد الناس ~~فعله وهو من جملتهم , وإن كان فيه نوع ولاية وسلطنة , ولكنها تستفاد بمجرد ~~الإيمان كقتل المحارب , وإبطال أسبابه , وسلب أسلحته فإنه للصبي أن يفعل ~~ذلك حيث لا يستضر به , فالمنع من الفسق كالمنع من الكفر (3). # الشرط الثالث: العلم ### | 13 - # العلم الذي يشترط تحققه في المحتسب على ضربين: # الضرب الأول: أن يكون عارفا بأحكام الشريعة ليعلم ما ms020 يأمر به وينهى عنه , ~~فإن الجاهل بها ربما استحسن ما قبحه الشرع وارتكب المحذور وهو غير ملم ~~بالعلم به، ولكن لا يشترط فيه بلوغ مرتبة PageV01P026 # الاجتهاد الشرعي على رأي جمهور الفقهاء بل يكتفى فيه أن يكون من أهل ~~الاجتهاد العرفي (1). والفرق بينهما أن الاجتهاد العرفي ما ثبت حكمه بالعرف ~~لقوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} (199) سورة ~~الأعراف، والاجتهاد الشرعي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه الشرعي (2). # وذهب أبو سعيد الإصطخري من الشافعية إلى اشتراط الاجتهاد الشرعي في ~~المحتسب ليجتهد برأيه فيما اختلف فيه. ويظهر أثر الخلاف في أن من اشترط فيه ~~بلوغه مرتبة الاجتهاد في المسائل المختلف فيها , أما من لم يشترط ذلك فقد ~~ذهب إلى عدم جواز حمل الناس على رأيه (3). # ولا ينكر المحتسب إلا مجمعا على إنكاره أو ما يرى الفاعل تحريمه , أما ما ~~عدا ذلك فإنكاره يكون على سبيل الندب على وجه النصيحة والخروج من الخلاف إن ~~لم يقع في خلاف آخر وترك سنة ثابتة لاتفاق العلماء على استحباب الخروج من ~~الخلاف (4). # ولا يأمر ولا ينهى في دقائق الأمور إلا العلماء , وكذلك ما اختص علمه بهم ~~دون العامة لجهلهم بها. فالعامي ينبغي له أن لا يحتسب إلا في الجليات ~~المعلومة كالصوم والصلاة والزنى وشرب الخمر ونحوه , أما ما يعلم كونه معصية ~~بالإضافة إلى ما يطيف به من الأنفال ويفتقر إلى اجتهاد , فالعاصي إن خاض ~~فيه كان ما يفسده أكثر مما يصلحه. # الضرب الثاني: أن يعلم صفة التغيير بأن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره ~~المنكر مزيل له وأن أمره بالمعروف مؤثر فيه ونافع (5). # الشرط الرابع: العدالة (6): ### | 14 - # العدالة هيئة راسخة في النفس تمنع من اقتراف كبيرة أو صغيرة دالة على ~~الخسة , أو مباح يخل بالمروءة (7). PageV01P027 # وقال الجصاص (1): أصلها الإيمان بالله واجتناب الكبائر ومراعاة حقوق الله ~~عز وجل في الواجبات والمسنونات وصدق اللهجة والأمانة. والعدل من يكون ~~مجتنبا عن الكبائر ولا يكون مصرا على الصغائر , ويكون صلاحه أكثر من فساده ~~, وصوابه أكثر من خطئه ms021 , ويستعمل الصدق ديانة ومروءة ويجتنب الكذب ديانة ~~ومروءة. ولم يشترط جمهور الفقهاء تحقق العدالة في المحتسب إذا كان متطوعا ~~غير صاحب ولاية , واشترطوها في صاحب الولاية إلا عند الضرورة لما سيأتي. # أما وجه عدم اشتراطها في الأول , فلأن الأدلة تشمل البر والفاجر , وإن ~~ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضا غيرها , فمن ترك الصلاة لا يسقط ~~عنه فرض الصوم وسائر العبادات , فكذلك من لم يفعل سائر المعروف ولم ينته عن ~~سائر المنكر , فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه , وأن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - أجرى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~مجرى سائر الفروض في لزوم القيام به مع التقصير في بعض الواجبات (2). في ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: {مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به , وانهوا عن ~~المنكر وإن لم تجتنبوه كله} (3). # قال أبو عبد الله العقباني التلمساني المالكي: اختلف في العدالة هل هي ~~شرط في صفة المغير (المحتسب) أو لا. فاعتبر قوم شرطيتها , ورأوا أن الفاسق ~~لا يغير , وأبى من اعتبارها آخرون , وذلك الصحيح المشهور عند أهل العلم , ~~لأن ذلك من الشروط الواجبة على الشخص في رقبته كالصلاة فلا يسقطه الفسق , ~~كما لا يسقط وجوب الصلاة بتعلق التكليف بأمر الشرع. قال عليه الصلاة ~~والسلام: {من رأى منكم منكرا فليغيره} (4) وليس كونه فاسقا أو ممن يفعل ذلك ~~المنكر بعينه يخرجه عن خطاب التغيير لأن طريق الفرضية متغاير. # وقال ابن العربي المالكي (5): وليس من شرطه أن يكون عدلا عند أهل السنة , ~~لأن العدالة محصورة في قليل من الخلق , والنهي عن المنكر عام في جميع ~~الناس. وقال الإمام الغزالي (6): الحق أن للفاسق أن يحتسب , وبرهانه أن ~~تقول: هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصوما عن المعاصي كلها؟ فإن ~~شرط ذلك فهو خرق للإجماع , ثم حسم لباب الاحتساب , إذ لا عصمة PageV01P028 # للصحابة فضلا عمن دونهم , وأن جنود المسلمين لم تزل مشتملة على البر ~~والفاجر , وشارب الخمر , وظالم الأيتام , ولم يمنعوا من الغزو لا في عصر ~~رسول الله ms022 - صلى الله عليه وسلم - ولا بعده , وأن الحسبة تكون بالقول ~~والفعل نحو إراقة الخمر , وكسر الملاهي وغيرها , فإذا منع الفاسق من الحسبة ~~بالقول لما فيه من مخالفة قوله عمله فإنه لا يمنع من الحسبة بالفعل , لأن ~~المراد منه القهر , وتمام القهر أن يكون بالفعل والحجة جميعا وإن كان ~~فاسقا. فإن قهر بالفعل فقد قهر بالحجة , وأن الحسبة القهرية لا يشترط فيها ~~ذلك , فلا حرج على الفاسق في إراقة الخمر وكسر الملاهي إذا قدر. وكما إذا ~~أخبر ولي الدم الفاسق بالعفو عن القصاص فله أن يدفع من أراد القصاص من ~~الجاني ولو بالقتل إذا لم يصدقه بعفو ولي الدم دفعا لمفسدة القتل بغير حق. # أما من اشترطها في حالة التطوع والاحتساب , فقد استدل بالنكير الوارد على ~~من يأمر بما لا يفعله , مثل قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون ~~أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} (44) سورة البقرة، وقوله تعالى: ~~{كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} (3) سورة الصف، وقوله تعالى: ~~فيما أخبر به عن نبيه شعيب عليه السلام لما نهى قومه عن بخس الموازين ونقص ~~المكاييل: {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا ~~وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما ~~توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} (88) سورة هود، وبما روي عن أنس ~~بن مالك قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «مررت ليلة أسرى بى على ~~قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار قال قلت من هؤلاء قالوا خطباء من أهل ~~الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا ~~يعقلون» (1). # أما وجه الاشتراط في صاحب الولاية , فلأنه كما قال صاحب تحفة الناظر: إن ~~ولاية الحسبة من أشرف الولايات في الإسلام قدرا , وأعظمها في هذه الملة ~~مكانة وفخرا , فلا بد أن يكون متوليها متوفرة فيه شروط الولاية , فلا يصح ~~أن يليها إلا من طالت يده في الكمالات وبرز في الخير وأحرز أوصافه ms023 المرضية ~~, ولا تنعقد لمن لم تتوفر فيه الشروط , لأن من شرف منزلة من تولاها أن ~~يحتسب على أئمة المساجد وعلى قضاة المسلمين (2). # ولأن سبيل عقد الولاية الشرعية أنه لا يصح لمن قام بها وصف فسق وفقد ~~عدالة , إذ العدالة مشترطة في سائر الولايات الشرعية , كالإمامة الكبرى فما ~~دونها , لأن من انعقدت له الولاية في القيام بحق من الحقوق المهمة في الدين ~~صار مفوضا له فيما قدم إليه النيابة عن المسلمين , فلا بد أن يكون أمينا أي ~~أمين , ولا أمانة مع من لم يقم به وصف العدالة (3). PageV01P029 # ولهذا اشترطها في والي الحسبة جمهور الفقهاء (1) وأغفل اشتراطها الشيرازي ~~وابن بسام (2) وأدار المحققون من العلماء حكمها كابن عبد السلام , وابن ~~تيمية على رعاية المصلحة ودفع المفسدة , ورفع المشقة , وأورد ابن عبد ~~السلام قاعدة عامة في تعذر العدالة في الولايات سواء أكانت عامة أم خاصة ~~بتولية أقلهم فسوقا (3). # ولابن تيمية كلام طويل في هذا الشأن خلاصته: أنه يستعمل الأصلح الموجود ~~وقد لا يكون في موجوده من هو صالح لتلك الولاية فيختار الأمثل فالأمثل في ~~كل منصب بحسبه (4) ... . # الشرط الخامس: القدرة: ### | 15 - # قال ابن العربي (5): وأما القدرة فهي أصل وتكون منه في النفس , وتكون في ~~البدن إن احتاج إلى النهي عنه بيده , فإن خاف على نفسه الضرب , أو القتل من ~~تغييره , فإن رجا زواله جاز عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر , وإن ~~لم يرج فأي فائدة فيه. ثم قال: إن النية إذا خلصت فليقتحم كيفما كان ولا ~~يبالي. وعنده أن تخليص الآدمي أوجب من تخليص حق الله تعالى. وللإمام ~~الغزالي تفصيل فيما تسقط به الحسبة وجوبا غير العجز الحسي , وهو أن يلحقه ~~من الاحتساب مكروه , أو يعلم أن احتسابه لا يفيد , وعنده أن المكروه هو ضد ~~المطلوب , ومطالب الإنسان ترجع إلى أربعة أمور: هي العلم والصحة , والثروة ~~, والجاه , وكل واحدة من هذه الأربعة يطلبها الإنسان لنفسه ولأقاربه ~~المختصين به , والمكروه من هذه الأربعة أمران أحدهما: زوال ما هو حاصل ~~موجودا. والآخر امتناع ما هو ms024 منتظر مفقود , ثم يستطرد في بيان ما يعد مؤثرا ~~في إسقاط الحسبة وما لا يعد منها على ما سنذكره بعد (6)، والحق أن ~~الاستطاعة شرط في الاحتساب , كما أنها شرط في جميع التكاليف الشرعية , وهي ~~متحققة بأصحاب الولايات من الأئمة , والولاة , والقضاة , وسائر الحكام , ~~فإنهم متمكنون بعلو اليد وامتثال الأمر , ووجوب الطاعة , وانبساط الولاية ~~يدل عليه قوله سبحانه وتعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} (41) ~~سورة الحج. PageV01P030 # فإن من أنواع القيام بذلك ما يدعو إلى إقامة الحدود والعقوبات مما لا ~~يفعله إلا الولاة والحاكم فلا عذر لمن قصر منهم عند الله تعالى , لأنه إذا ~~أهمل هؤلاء القيام بذلك فجدير ألا يقدر عليه من هو دونهم من رعيتهم , فيوشك ~~أن تضيع حرمات الدين ويستباح حمى الشرع والمسلمين. ولما كانت ولاية الحسبة ~~من الولايات الشرعية وهي من وظائف الإمام وتفويضه إلى غيره من قبيل ~~الاستنابة , ويقوم بها نيابة عنه وطبيعتها تقوم على الرهبة , واستطالة ~~الحماة , وسلاطة السلطنة , واتخاذ الأعوان , كان القيام بالحسبة في حقه من ~~فرائض الأعيان التي لا تسقط عنه بحال , بخلاف الآحاد فإنه لا تلزمهم الحسبة ~~إلا مع القدرة والسلامة , فمن علم أو غلب على ظنه أنه يصله مكروه في بدنه ~~بالضرب , أو في ماله بالاستهلاك , أو في جاهه بالاستخفاف به بوجه يقدح في ~~مروءته أو علم أن حسبته لا تفيد سقط عنه الوجوب , أما إذا غلب على ظنه أنه ~~لا يصاب بأذى فيما ذكر فلا يسقط عنه الوجوب وكذلك إذا احتمل الأمران. وإذا ~~سقط الوجوب هل يحسن الإنكار ويكون أفضل من تركه , أم إن الترك أفضل؟ من ~~الفقهاء من قال بالأول لقوله تعالى: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه ~~عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} (17) سورة لقمان، ~~ومنهم من قال الترك أفضل لقوله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} (195) سورة البقرة، لكن ~~ذهب ابن ms025 رشد إلى وجوب الترك مع تيقن الأذى لا سقوط الوجوب وبقاء الاستحباب ~~فتلك طريقة عز الدين بن عبد السلام وعين ما قاله الغزالي (1). # الشرط السادس: الإذن من الإمام (2): ### | 16 - # اشترط فريق من العلماء في المحتسب أن يكون مأذونا من جهة الإمام أو ~~الوالي , وقالوا: ليس للآحاد من الرعية الحسبة , والجمهور على خلافه إلا ~~فيما كان محتاجا فيه إلى الاستعانة وجمع الأعوان , وما كان خاصا بالأئمة أو ~~نوابهم , كإقامة الحدود , وحفظ البيضة , وسد الثغور وتسيير الجيوش , أما ما ~~ليس كذلك فإن لآحاد الناس القيام به , لأن الأدلة التي وردت في الأمر ~~والنهي والردع عامة , والتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له , ~~وأن احتساب السلف على ولاتهم قاطع بإجماعهم على الاستفتاء عن التفويض (3). ~~وشرح الإمام الغزالي ذلك فقال (4): إن الحسبة لها خمس مراتب: PageV01P031 # أولها التعريف , والثاني الوعظ بالكلام اللطيف , والثالث السب والتعنيف , ~~والرابع المنع بالقهر بطريق المباشرة , ككسر الملاهي ونحوه , والخامس ~~التخويف والتهديد بالضرب , ثم قال: # أما التعريف والوعظ فلا يحتاج إلى إذن الإمام , وأما التجهيل , والتحميق ~~, والنسبة إلى الفسق , وقلة الخوف من الله وما يجري مجراه فهو كلام صدق , ~~والصدق مستحق لحديث: {أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر} (1) فإذا جاز ~~الحكم على الإمام على مراغمته فكيف يحتاج إلى إذنه؟!. # وكذلك كسر الملاهي , وإراقة الخمور , فإن تعاطي ما يعرف كونه حقا من غير ~~اجتهاد فلم يفتقر إلى إذن الإمام , وأما جمع الأعوان , وشهر الأسلحة فذلك ~~قد يجر إلى فتنة عامة ففيه نظر (2). # وقد ذهب إلى اشتراط الإذن في هذه الحالة جمهرة العلماء , لأنه يؤدي إلى ~~الفتن وهيجان الفساد وخراب البلاد (3). # وكذلك ما كان مختصا بالأئمة والولاة فلا يستقل بها الآحاد كالقصاص , فإنه ~~لا يستوفى إلا بحضرة الإمام , لأن الانفراد باستيفائه محرك للفتن , ومثله ~~حد القذف لا ينفرد مستحقه باستيفائه , لأنه غير مضبوط في شدة وقعه وإيلامه. ~~وكذلك التعزير لا يفوض إلى مستحقه إلا أن يضبطه الإمام بالحبس في مكان ~~معلوم في مدة معلومة , فيجوز له أن يتولاه المستحق (4). PageV01P032 # أما ms026 لو فوض الإمام قطع السرقة إلى السارق أو وكل المجني عليه الجاني في ~~قطع العضو فوجهان: أحدهما يجوز لحصول المقصود باستيفائه , والثاني لا يجوز ~~, لأن الاستيفاء لغيره أزجر له (1). # وقد بين إمام الحرمين ما يتعلق بالأئمة من أصل الدين وفروعه , وما يتعلق ~~بهم من أحكام الدنيا , وما يلزمهم في حفظ أهل الإسلام عن النوائب , ~~والتغالب , والتقاطع , والتدابر , والتواصل , وأن الحدود بجملتها منوطة إلى ~~الأئمة والذين يتولون الأمور من جهتهم (2). # الشرط السابع: الذكورة (3). ### | 17 - # اشترطت طائفة فيمن يتولى الحسبة أن يكون ذكرا , وأيده ابن العربي , وتبعه ~~القرطبي وقال (4): إن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجالس , ولا أن ~~تخالط الرجال , ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير , لأنها إن كانت فتاة حرم ~~النظر إليها وكلامها , وإن كانت متجالة برزة لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم ~~فيه معهم , وتكون منظرة لهم , ولن يفلح قط من تصور هذا ولا من اعتقده. ~~واستدل على منعها من الولاية بحديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (5)، ~~وقال: فيما روي من أن عمر رضي الله عنه قدم امرأة على حسبة السوق إنه لم ~~يصح وهو من دسائس المبتدعة (6). # وأجاز توليتها آخرون لما روي عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم قال: رأيت ~~سمراء بنت نهيك، وكانت قد أدركت أدركت النبي - صلى الله عليه وسلم -:عليها ~~درع غليظ، وخمار غليظ، بيدها سوط تؤدب الناس، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن ~~المنكر (7). PageV01P033 # ويستدل على جواز ولايتها وعدمه بالخلاف الوارد في جواز توليتها الإمارة ~~والقضاء. قال ابن حجر بعد أن نقل كلام الخطابي: إن المرأة لا تلي الإمارة ~~ولا القضاء , وأنها لا تزوج نفسها ولا تلي العقد على غيرها , والمنع من أن ~~تلي الإمارة والقضاء قول الجمهور، وأجازه الطبري , وهي رواية عن مالك , وعن ~~أبي حنيفة تلي الحكم فيما تجوز فيه شهادة النساء (1). # ارتزاق المحتسب (2): ### | 18 - # الرزق ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين فإن كان ~~يخرجه كل شهر سمي رزقا , وإن كان يخرجه كل عام سمي عطاء (3). # ومما جاء في ms027 رد الإمام أبي يوسف على الخليفة هارون الرشيد في كتاب الخراج ~~قوله (4): فاجعل - أعز الله أمير المؤمنين بطاعته - ما يجري على القضاة ~~والولاة من بيت مال المسلمين , من جباية الأرض أو من خراج الأرض والجزية , ~~لأنهم في عمل المسلمين فيجري عليهم من بيت مالهم , يجري على كل والي مدينة ~~وقاضيها بقدر ما يحتمل , وكل رجل تصيره في عمل المسلمين , فأجر عليه من بيت ~~مالهم (5). # ويعطى المحتسب المنصوب كفايته في بيت المال من الجزية والخراج , لأنه ~~عامل للمسلمين محبوس لهم , فتكون كفايته في مالهم كالولاة , والقضاة , ~~والغزاة , والمفتين , والمعلمين (6). # وكذلك سبيل أرزاق أعوانه سبيل أرزاق الأعوان الذين يوجههم الحاكم في ~~مصالح الناس، تكون لهم من بيت المال كأرزاق سائر العمال والولاة , لأن ~~اشتغالهم بذلك يضيع عليهم الزمان في شأنه عن القيام بمعايشهم وطلب أقواتهم ~~(7). PageV01P034 # ولا يجوز للمحتسب ولا لأحد من أعوانه أخذ المال من الناس لأجل الاحتساب , ~~لأنه من قبيل الرشوة , وهي حرام شرعا , لأن ما أخذه المحتسب ينظر فيه , إن ~~أخذه ليسامح في منكر , أو يداهن فيه , أو يقصر في معروف , فهو أحد أنواع ~~الرشوة وأنها حرام (1). # وإذا جعل لمن ولي في السوق شيء من أهل السوق فيما يشترونه سامحهم في ~~الفساد بما له معهم فيه من النصيب (2) , أما إذا لم يكن لهم رزق من بيت ~~المال أو كان لا يكفيهم فإنه ربما يرخص لهم بقدر ما يكفيهم , لأنهم يعملون ~~لهم , فيأخذون كفايتهم (3) , أما الزيادة على الكفاية فلا تجوز , لأنه مال ~~مأخوذ من المسلم قهرا وغلبة بغير رضاه , لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم .. } (29) ~~سورة النساء، وقد شدد العلماء النكير على أخذ المال من الناس بدون وجه حق. ~~والأرزاق ليست بمعاوضة ألبتة لجوازها في أضيق المواضع المانعة من المعاوضة ~~, وهو القضاء والحكم بين الناس , فلا ورع حينئذ في ترك تناول الرزق ~~والأرزاق على الإمامة من هذا الوجه , وإنما يقع الورع من جهة قيامه ~~بالوظيفة خاصة , فإن الأرزاق لا ms028 يجوز تناولها إلا لمن قام بذلك على الوجه ~~الذي صرح به الإمام في إطلاقه لتلك الأرزاق (4). # آداب المحتسب (5): ### | 19 - # المقصود من الآداب الأخذ بما يحمد قولا وفعلا , والتحلي بمكارم الأخلاق , ~~فينبغي للمحتسب أخذ نفسه بها حتى يكون عمله مقبولا , وقوله مسموعا , وتحقق ~~ولايته الهدف منها , وذلك بأن يكون عفيفا عن قبول الهدايا من أرباب ~~الصناعات والمهرة , فإن ذلك أسلم لعرضه وأقوم لهيبته , وأن يلازم الأسواق , ~~ويدور على الباعة , ويكشف الدكاكين والطرقات , ويتفقد الموازين والأطعمة , ~~ويقف على وسائل الغش في أوقات مختلفة , وعلى غفلة من أهلها , ويستعين في ~~عمله بالأمناء العارفين الثقات , ليعتمد على أقوالهم ويبالغ في الكشف فيها ~~, ويباشر ذلك بنفسه , فقد ذكر أن علي بن عيسى الوزير وقع إلى محتسب كان في ~~وقت وزارته يكثر الجلوس في داره ببغداد " الحسبة لا تحتمل الحجبة فطف ~~الأسواق تحل لك الأرزاق , والله إن لزمت دارك نهارا لأضرمنها عليك نارا ~~والسلام " (6). PageV01P035 # وأن يتخذ أعوانا يستعين بهم على قدر الحاجة , ويشترط فيهم العفة والصيانة ~~, ويؤدبهم ويهذبهم , ويعرفهم كيف يتصرفون بين يديه , وكيف يخرجون في طلب ~~الغرماء , ولا ينفرد أحد منهم بعمل إلا بعد مشورته. وأن يكون أمره ونهيه في ~~السر إن استطاع , ليكون أبلغ في الموعظة والنصيحة , فإن لم تنفعه الموعظة ~~في السر أمره بالعلانية , وقد أوصى بعض الوزراء الصالحين بعض من يأمر ~~بالمعروف (1): " اجتهد أن تستر العصاة فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام ~~". # وأن يقصد من حسبته وجه الله تعالى وإعزاز دينه , وينبغي أن يكون المحتسب ~~عالما بما يأمر به وينهى عنه , وأن يتحلى بالرفق واللين والشفقة , ولا يقصد ~~إلا الإصلاح ولا يخشى في الله لومة لائم , وتكون عقوبته مناسبة مع جرم كل ~~إنسان وحاله , وما يليق به , ويكون متأنيا غير مبادر إلى العقوبة , ولا ~~يؤاخذ أحدا بأول ذنب يصدر منه , ولا يعاقب بأول زلة تبدو , وإذا عثر على من ~~نقص المكيال أو بخس الميزان أو غش بضاعة أو صناعة استتابه عن معصيته , ~~ووعظه وخوفه وأنذره العقوبة والتعزير , فإن عاد إلى فعله ms029 عزره على حسب ما ~~يليق به من التعزير بقدر الجناية (2). # ومن آكد وألزم ما ينبغي أن يكون عليه المحتسب أن يكون متحليا بالعلم ~~والرفق والصبر , العلم قبل الأمر والنهي , والرفق معه , والصبر بعده فإذا ~~جمع إلى ذلك كله بعد النظر مع الفطنة والصدق في القول والعمل والصرامة في ~~الحق وأحكم أموره وتحرى الإصابة فيها فإنه حري أن تثمر هذه الولاية أطيب ~~الثمار , وتحقق الغاية المرجوة منها (3). # عزل المحتسب (4): ### | 20 - # أجمل الماوردي أسباب العزل من الولاية في عدة أمور: # أحدها الخيانة , والثاني أن يكون سببه العجز والقصور , والثالث والرابع ~~أن يكون السبب اختلال العمل من عسف وجور , أو ضعف وقلة هيبة , والخامس أن ~~يكون سببه وجود من هو أكفأ منه. # وذكر صاحب معالم القربة (5) أنه إذا بلغ المحتسب أمر وتركه أثم , وإن ~~تكرر شكوى ذلك منه ولم يأخذ له بحقه سقطت ولايته شرعا , أو خرج عن أهلية ~~الحسبة وسقطت مروءته وعدالته , ولا يبقى محتسبا شرعا , وإن عجز عن ذلك ~~يرفعه إلى ولي الأمر وهو الإمام أو نائبه , والذي يجب على السلطان إدرار ~~رزقه الذي يكفيه وتعجيله , وبسط يده , وترك معارضته , ورد الشفاعة عنده من ~~الخاصة والعامة. PageV01P036 # الركن الثاني المحتسب فيه (1): ### | 21 - # تجري الحسبة في كل معروف إذا ظهر تركه , وفي كل منكر إذا ظهر فعله , ~~ويجمعها لفظ (الخير) في قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (104) سورة آل ~~عمران، فالخير يشمل كل شيء يرغب فيه من الأفعال الحسنة وكل ما فيه صلاح ~~ديني ودنيوي وهو جنس يندرج تحته نوعان: # أحدهما: الترغيب في فعل ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف. # والثاني: الترغيب في ترك ما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر. فذكر الحق جل ~~وعلا الجنس أولا وهو الخير , ثم أتبعه بنوعيه مبالغة في البيان. # معنى المعروف والمراد منه (2): ### | 22 - # ذكر العلماء جملة معان للمعروف بينها عموم وخصوص. فمنهم من قصره على ~~الإيمان بالله ومنهم من قيده بواجبات الشرع ومنهم من جعله شاملا لما ms030 طلبه ~~الشارع على سبيل الوجوب كالصلوات الخمس , وبر الوالدين , وصلة الرحم , أو ~~على سبيل الندب كالنوافل وصدقات التطوع، ومنهم من جعله أشمل وأعم من ذلك ~~فقال (3): هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه , والإحسان ~~إلى الناس بكل ما ندب إليه الشرع , ونهى عنه من المحسنات والمقبحات , وهو ~~من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه , والمعروف ~~النصف (العدل) وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس (4)، وقال ابن الجوزي ~~في التفسير (5): المعروف هو ما يعرف كل عاقل صوابه , وقيل المعروف هاهنا ~~طاعة الله. # أقسام المعروف (6): # ينقسم المعروف إلى ثلاثة أقسام: ### | 23 - # أحدهما: ما يتعلق بحقوق الله تعالى. # والثاني: ما يتعلق بحقوق الآدميين. PageV01P037 # والثالث: ما يكون مشتركا بينهما. ومعنى حق الله أمره ونهيه , وحق العبد ~~مصالحه. لأن التكاليف على ثلاثة أقسام: قسم فيه حق الله تعالى فقط كالإيمان ~~وتحريم الكفر , وقسم فيه حق العبد فقط كالديون والأثمان , وقسم اختلف فيه ~~هل يغلب فيه حق الله أو حق العبد كحد القذف , والفرق بين ما كان حقا محضا ~~للعبد وبين حق الله أن حق العبد المحض لو أسقطه لسقط , وإلا فما من حق ~~للعبد إلا وفيه حق لله تعالى , وهو أمره بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه فيوجد ~~حق الله تعالى دون حق العبد , ولا يوجد حق العبد إلا وفيه حق الله تعالى , ~~وإنما يعرف ذلك بصحة الإسقاط , فكل ما للعبد إسقاطه فهو الذي يقصد به حق ~~العبد , وكل ما ليس له إسقاطه فهو الذي يقصد بأنه حق الله تعالى. وأن الناس ~~كلهم خصوم في إثبات حقوق الله تعالى نيابة عنه تعالى لكونهم عبيده , أما حق ~~العبد فلا ينتصب أحد خصما عن أحد لعدم ما يوجب انتصابه خصما (1) # القسم الأول: المتعلق بحقوق الله تعالى وهو ضربان (2): ### | 24 - # أحدهما: ما يلزم الأمر به في الجماعة دون الانفراد وله أمثلة: # المثال الأول: صلاة الجمعة وتلزم في وطن مسكون , فإن كانوا عددا قد اتفق ~~على انعقاد الجمعة بهم كالأربعين فما ms031 زاد , فواجب أن يأخذهم المحتسب ~~بإقامتها , ويأمرهم بفعلها ويؤدب على الإخلال بها , وإن كانوا عددا قد ~~اختلف في انعقاد الجمعة بهم، فله فيهم أربعة أحوال (3): # إحداها: أن يتفق رأي المحتسب ورأي القوم على انعقاد الجمعة بذلك العدد , ~~فواجب عليه أن يأمرهم بإقامتها , وعليهم أن يسارعوا إلى أمره بها , ويكون ~~في تأديبهم على تركها ألين منه في تأديبهم على ترك ما انعقد الإجماع عليه. # الحالة الثانية: أن يتفق رأيه ورأي القوم على أن الجمعة لا تنعقد بهم , ~~فلا يجوز أن يأمرهم بإقامتها وهو بالنهي عنها لو أقيمت أحق. # الحالة الثالثة: أن يرى القوم انعقاد الجمعة بهم ولا يراه المحتسب , فلا ~~يجوز له أن يعارضهم فيها , ولا يأمر بإقامتها , لأنه لا يراه , ولا يجوز أن ~~ينهاهم عنها ويمنعهم مما يرونه فرضا عليهم. # الحالة الرابعة: أن يرى المحتسب انعقاد الجمعة بهم ولا يراه القوم , فهذا ~~مما في استمرار تركه تعطيل الجمعة مع تطاول الزمان وبعده وكثرة العدد ~~وزيادته , فهل للمحتسب أن يأمرهم بإقامتها اعتبارا بهذا المعنى أم لا؟ ~~PageV01P038 # اختلف الفقهاء في ذلك على وجهين (1): # أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري أنه يجوز له أن يأمرهم بإقامتها ~~اعتبارا بالمصلحة لئلا ينشأ الصغير على تركها , فيظن أنها تسقط مع زيادة ~~العدد كما تسقط بنقصانه. # الوجه الثاني: أنه لا يتعرض لأمرهم بها , لأنه ليس له حمل الناس على ~~اعتقاده , ولا يقودهم إلى مذهبه , ولا أن يأخذهم في الدين برأيه مع تسويغ ~~الاجتهاد فيه , وأنهم يعتقدون أن نقصان العدد يمنع من إجزاء الجمعة. # المثال الثاني: صلاة العيد وهل يكون الأمر بها من الحقوق اللازمة , أو من ~~الحقوق الجائزة؟ على وجهين: من قال إنها مسنونة قال: يندب الأمر بها , ومن ~~قال إنها من فروض الكفاية قال: الأمر بها يكون حتما (2). # المثال الثالث: صلاة الجماعة (3): صلاة الجماعة في المساجد وإقامة الأذان ~~فيها للصلوات من شعائر الإسلام , وعلامات متعبداته التي فرق بها رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بين دار الإسلام ودار الشرك , فإذا اجتمع أهل محلة ~~أو بلد على ms032 تعطيل الجماعات في مساجدهم , وترك الأذان في أوقات صلواتهم , ~~كان المحتسب مندوبا إلى أمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات , وهل ذلك واجب ~~عليه يأثم بتركه , أو مستحب له يثاب على فعله , على وجهين من اختلاف ~~الفقهاء في اتفاق أهل بلد على ترك الأذان والجماعة , وهل يلزم السلطان ~~محاربتهم عليه أم لا؟ (4). # فأما من ترك صلاة الجماعة من آحاد الناس أو ترك الأذان والإقامة لصلاته , ~~فلا اعتراض للمحتسب عليه إذا لم يجعله عادة وإلفا , لأنها من الندب الذي ~~يسقط بالأعذار , إلا أن يقترن به استرابة , أو يجعله إلفا وعادة ويخاف تعدي ~~ذلك إلى غيره في الاقتداء به , فيراعي حكم المصلحة به في زجره عما استهان ~~به من سنن عبادته , ويكون وعيده على ترك الجماعة معتبرا بشواهد حاله , ~~كالذي روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لقد هممت أن آمر ~~فتيانى أن يستعدوا لى بحزم من حطب ثم آمر رجلا يصلى بالناس ثم تحرق بيوت ~~على من فيها» (5). PageV01P039 # الضرب الثاني (1):ما يأمر به آحاد الناس وأفرادهم كتأخير الصلاة حتى يخرج ~~وقتها , فيذكر بها ويأمر بفعلها , ويراعي جوابه عنها , فإن قال: تركتها ~~لنسيان , حثه على فعلها بعد ذكره ولم يؤدبه , وإن تركها لتوان أدبه زجرا ~~وأخذه بفعلها جبرا , ولا اعتراض على من أخرها والوقت باق لاختلاف الفقهاء ~~في فضل التأخير بالنسبة لبعض الصلوات , ولكن لو اتفق أهل بلد أو محلة على ~~تأخير صلاة الجماعات إلى آخر وقتها , والمحتسب يرى فضل تعجيلها فهل له أن ~~يأمرهم بالتعجيل أو لا؟. # من رأى أنه يأمرهم بذلك راعى أن اعتياد تأخيرها وإطباق جميع الناس عليه ~~مفض إلى أن الصغير ينشأ وهو يعتقد أن هذا هو الوقت دون ما قبله , ولو عجلها ~~بعضهم ترك المحتسب من أخرها منهم وما يراه من التأخير. # فأما الأذان والقنوت في الصلوات إذا خالف فيه رأي المحتسب , فلا اعتراض ~~له فيه بأمر ولا نهي , وإن كان يرى خلافه , إذا كان ما يفعل مسوغا في ~~الاجتهاد , وكذلك الطهارة إذا فعلها على وجه سائغ ms033 يخالف فيه رأي المحتسب من ~~إزالة النجاسة بالمائعات , والوضوء بماء تغير بالمذرورات الطاهرات , أو ~~الاقتصار على مسح أقل الرأس , والعفو عن قدر الدرهم من النجاسة , فلا ~~اعتراض له في شيء من ذلك بأمر ولا نهي (2). # القسم الثاني ما تعلق بحقوق الآدميين (3): ### | 25 - # المعروف المتعلق بحقوق الآدميين ضربان: # عام وخاص. فأما العام فكالبلد إذا تعطل شربه , أو استهدم سوره , أو كان ~~يطرقه بنو السبيل من ذوي الحاجات فكفوا عن معونتهم , نظر المحتسب ذلك كله ~~على حسب ما يجب , لأن هذا حق مصروف إلى سهم المصالح وهو في بيت المال , فإن ~~كان في بيت المال مال لم يتوجه عليهم فيه PageV01P040 # ضرر أمر بإصلاح شربهم , وبناء سورهم وبمعونة بني السبيل في الاجتياز بهم ~~, لأنها حقوق تلزم بيت المال دونهم , وكذلك لو استهدمت مساجدهم وجوامعهم , ~~فأما إذا أعوز بيت المال كان الأمر ببناء سورهم , وإصلاح شربهم , وعمارة ~~مساجدهم وجوامعهم , ومراعاة بني السبيل فيهم متوجها إلى كافة ذوي المكنة ~~منهم , ولا يتعين أحدهم في الأمر به , فإن شرع ذوو المكنة في عملهم وفي ~~مراعاة بني السبيل , وباشروا القيام به , سقط عن المحتسب حق الأمر به , ولا ~~يلزمهم الاستئذان في مراعاة بني السبيل , ولا في بناء ما كان مهدوما , ولكن ~~لو أرادوا هدم ما يريدون بناءه من المسترم والمستهدم لم يكن لهم الإقدام ~~على هدمه إلا باستئذان ولي الأمر دون المحتسب , ليأذن لهم في هدمه بعد ~~تضمينهم القيام بعمارته , هذا في السور والجوامع , وأما المساجد المختصرة ~~فلا يستأذنون فيها (1). # وعلى المحتسب أن يأخذهم ببناء ما هدموه وليس له أن يأخذهم بإتمام ما ~~استأنفوه. فأما إذا كف ذوو المكنة عن بناء ما استهدم وعمارة ما استرم , فإن ~~كان المقام في البلد ممكنا وكان الشرب , وإن فسد أو قل مقنعا تركهم وإياه , ~~وإن تعذر المقام فيه لتعطل شربه واندحاض سوره نظر , فإن كان البلد ثغرا يضر ~~بدار الإسلام تعطيله لم يجز لولي الأمر أن يفسح في الانتقال عنه , وكان ~~حكمه حكم النوازل إذا حدثت في قيام كافة ذوي ms034 المكنة به , وكان تأثير ~~المحتسب في مثل هذا إعلام السلطان وترغيب أهل المكنة في عمله , وإن لم يكن ~~البلد ثغرا مضرا بدار الإسلام كان أمره أيسر وحكمه أخف , ولم يكن للمحتسب ~~أن يأخذ أهله جبرا بعمارته , لأن السلطان أحق أن يقوم بعمارته , وإن أعوزه ~~المال فيقول لهم المحتسب ما دام عجز السلطان عنه: أنتم مخيرون بين الانتقال ~~عنه أو التزام ما يصرف في مصالحه التي يمكن معها دوام استيطانه. فإن أجابوا ~~إلى التزام ذلك كلف جماعتهم ما تسمح به نفوسهم من غير إجبار ويقول: ليخرج ~~كل واحد منكم ما يسهل عليه وتطيب به نفسه , ومن أعوزه المال أعان بالعمل ~~حتى إذا اجتمعت كفاية المصلحة أو تعين اجتماعها بضمان كل واحد من أهل ~~المكنة قدرا طاب به نفسا , شرع المحتسب حينئذ في عمل المصلحة , وأخذ كل ~~واحد من الجماعة بما التزم به , وإن عمت هذه المصلحة لم يكن للمحتسب أن ~~يتقدم بالقيام بها حتى يستأذن السلطان فيها , لئلا يصير بالتفرد مفتاتا ~~عليه , إذ ليست هذه المصلحة من معهود حسبته , وإن قلت وشق استئذان السلطان ~~فيها أو خيف زيادة الضرر لبعد استئذانه جاز شروعه فيها من غير استئذان (2). ~~PageV01P041 # وأما الخاص (1) فكالحقوق إذا مطلت , والديون إذا أخرت , فللمحتسب أن يأمر ~~بالخروج منها مع المكنة إذا استعداه أصحاب الحقوق , وليس له أن يحبس عليها ~~, لأن الحبس حكم وله أن يلازم عليها , لأن لصاحب الحق أن يلازم وليس له ~~الأخذ بنفقات الأقارب لافتقار ذلك إلى اجتهاد شرعي فيمن يجب له وعليه , إلا ~~أن يكون الحاكم قد فرضها فيجوز أن يأخذ بأدائها , وكذلك كفالة من تجب ~~كفالته من الصغار لا اعتراض له فيها حتى يحكم بها الحاكم , ويجوز حينئذ ~~للمحتسب أن يأمر بالقيام بها على الشروط المستحقة فيها. # فأما قبول الوصايا والودائع فليس له أن يأمر بها أعيان الناس وآحادهم , ~~ويجوز أن يأمر بها على العموم حثا على التعاون بالبر والتقوى , ثم على هذا ~~المثال تكون أوامره بالمعروف في حقوق الآدميين (2). ### | 26 - # القسم الثالث: ما كان ms035 مشتركا بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين (3): # كأخذ الأولياء بإنكاح الأيامى من أكفائهن إذا طلبن (4) , وإلزام النساء ~~أحكام العدد إذا فورقن (5) , وله تأديب من خالف في العدة من النساء , وليس ~~له تأديب من امتنع من الأولياء , ومن نفى ولدا قد ثبت فراش أمه ولحوق نسبه ~~أخذه بأحكام الآباء أو عزره على النفي أدبا (6) , ويأخذ أرباب البهائم ~~PageV01P042 # بعلفها إذا قصروا فيها (1) , وألا يستعملوها فيما لا تطيق (2) , ومن أخذ ~~لقيطا (3) فقصر في كفالته أمره أن يقوم بحقوق التقاطه من التزام كفالته أو ~~تسليمه إلى من يلتزمها ويقوم بها (4) , وكذلك واجد الضوال إذا قصر فيها ~~أخذه بمثل ذلك من القيام بها أو تسليمها إلى من يقوم بها (5) , ويكون ضامنا ~~للضالة بالتقصير ولا يكون به ضامنا للقيط , وإذا سلم الضالة إلى غيره ضمنها ~~ولا يضمن اللقيط بالتسليم إلى غيره , ثم على نظائر هذا المثال يكون أمره ~~بالمعروف في الحقوق المشتركة (6). # معنى المنكر والمراد منه (7): ### | 27 - # المنكر ضد المعروف (8)،وقد اختلفت عبارات العلماء في تحديد معناه عموما ~~وخصوصا , فمنهم من قصره على الكفر (9) ومنهم من جعله شاملا لمحرمات الشرع ~~(10) ومنهم من استعمله في كل ما نهى عنه الشرع (11). PageV01P043 # واستعمله آخرون في كل ما عرف بالعقل والشرع قبحه (1). # وقال غيرهم هو أشمل من كل ما تقدم , هو ما تنكره النفوس السليمة وتتأذى ~~به مما حرمه الشرع ونافره الطبع وتعاظم استكباره وقبح غاية القبح استظهاره ~~في محل الملأ (2) فعن النواس بن سمعان الأنصارى قال سألت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن البر والإثم فقال «البر حسن الخلق والإثم ما حاك فى ~~صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس» (3). # والمنكر منه ما هو مكروه , ومنه ما هو محظور وهو المسمى عند الحنفية ~~بكراهة التحريم وهو المراد من المكروه عند إطلاقهم , وعند غيرهم يساوي ~~المحرم , ويسمى أيضا معصية وذنبا (4) والفرق بين المكروه والمحظور , أن ~~المنع من المنكر المكروه مستحب , والسكوت عليه مكروه , وليس بحرام , وإذا ~~لم يعلم الفاعل أنه مكروه وجب ذكره له , فإن للكراهة حكما في الشرع يجب ms036 ~~تبليغه إلى من لا يعرفه. أما المحظور فالنهي عنه واجب والسكوت عليه محظور ~~إذا تحقق شرطه , وبهذا اشترط صاحب الفواكه الدواني أن يكون المنكر مجمعا ~~على تحريمه , أو يكون مدرك عدم التحريم فيه ضعيفا (5). PageV01P044 # (شروط المنكر) (1): ### | 28 - # يشترط في المنكر المطلوب تغييره ما يلي: # الشرط الأول: أن يكون منكرا بمعنى أن يكون محظورا في الشرع. # وقال الغزالي (2): المنكر أعم من المعصية , إذ من رأى صبيا أو مجنونا ~~يشرب الخمر فعليه أن يريق خمره ويمنعه , وكذا إن رأى مجنونا يزني بمجنونة ~~أو بهيمة فعليه أن يمنعه منه , وهذا لا يسمى معصية في حق المجنون , إذ ~~معصية لا عاصي بها محال , ولهذا قال صاحبا الفروق والقواعد (3): لا يشترط ~~في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون المأمور والمنهي عاصيين , بل ~~يشترط فيه أن يكون أحدهما ملابسا لمفسدة واجبة الدفع والآخر تاركا لمصلحة ~~واجبة التحصيل , وساقا جملة أمثلة للمنكر الذي يجب تغييره ممن يملك ذلك. ~~أحدها (4): أمر الجاهل بمعروف لا يعرف وجوبه , ونهيه عن منكر لا يعرف ~~تحريمه كنهي الأنبياء عليهم السلام أممهم أول بعثهم (5). # الثاني: قتال البغاة مع أنه لا إثم عليهم في بغيهم لتأولهم (6). # الثالث: ضرب الصبيان على ملابسة الفواحش وترك الصلاة (7) والصيام وغير ~~ذلك من المصالح (8). # الرابع: قتل الصبيان والمجانين إذا صالوا على الدماء والأبضاع ولم يمكن ~~دفعهم إلا بقتلهم (9). PageV01P045 # الخامس: إذا وكل وكيلا في القصاص ثم عفا ولم يعلم الوكيل أو أخبره فاسق ~~بالعفو فلم يصدقه وأراد الاقتصاص , فللفاسق أن يدفعه بالقتل إذا لم يمكن ~~دفعه إلا به دفعا لمفسدة القتل من غير حق (1). # السادس: ضرب البهائم في التعليم والرياضة دفعا لمفسدة الشراس والجماح , ~~وكذلك ضربها حملا على الإسراع لمس الحاجة إليه على الكر والفر والقتال (2). # ولا يقتصر الإنكار على الكبيرة , بل يجب النهي عن الصغائر أيضا (3). # (الشرط الثاني):أن يكون المنكر موجودا في الحال (4). ### | 29 - # أن يكون المنكر موجودا في الحال بأن يكون الفاعل مستمرا على فعل المنكر , ~~فإن علم من حاله ترك الاستمرار على الفعل لم يجز إنكار ms037 ما وقع على الفعل , ~~وهو احتراز عن الحسبة على من فرغ من شرب الخمر , واحتراز عما سيوجد , كمن ~~يعلم بقرينة الحال أنه عازم على الشرب في ليلة فلا حسبة عليه إلا بالوعظ , ~~وإن أنكر عزمه عليه لم يجز وعظه أيضا , فإن فيه إساءة ظن بالمسلم , وربما ~~صدق في قوله , وربما لا يقدم على ما عزم عليه لعائق , واستثني من ذلك ~~حالتان (5): # الحالة الأولى: الإصرار على فعل الحرام من غير إحداث توبة فهذا يجب ~~الإنكار عليه وفي رفعه إلى ولي الأمر خلاف مبني على وجوب الستر واستحبابه ~~وعلى سقوط الذنب بالتوبة وعدمه , أما عن وجوب الستر واستحبابه فإن للعلماء ~~أقاويل نوجزها في الآتي: # ذهب الأحناف إلى أن الشاهد في حقوق الله (أسباب الحدود) مخير بين حسبتين: ~~بين أن يشهد حسبة لله تعالى وبين أن يستر لأن كل واحد منهما أمر مندوب إليه ~~(6). قال الله تبارك وتعالى: { .. وأقيموا الشهادة لله .. } (2) سورة ~~الطلاق، فعن أبي هريرة، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:" من ستر ~~على مسلم ستر الله عليه في الآخرة " (7). PageV01P046 # وقد ندبه الشرع إلى كل واحد منهما، إن شاء اختار جهة الحسبة فأقامها لله ~~تعالى , وإن شاء اختار جهة الستر فيستر على أخيه المسلم , والستر أولى (1). # وأما في حقوق الله تعالى من غير أسباب الحدود نحو طلاق وإعتاق وظهار ~~وإيلاء ونحوها من أسباب الحرمات تلزمه إقامة الشهادة حسبة لله تبارك وتعالى ~~عند الحاجة إلى إقامتها من غير طلب من أحد من العباد (2). # وقال المالكية (3): تجب المبادرة لأداء الشهادة في حق الله إن استدام فيه ~~التحريم كالعتق والطلاق والرضاع والوقف , وإن كان التحريم ينقضي بالفراغ من ~~متعلقه كالزنى وشرب الخمر كان مخيرا في الرفع وعدمه , والترك أولى لما فيه ~~من معنى الستر المطلوب في غير المجاهر بالفسق. # وفي المواق أن ستر الإنسان على نفسه وعلى غيره واجب حينئذ فيكون ترك ~~الرفع واجبا (4). # وذكر العز بن عبد السلام تفصيلا خلاصته أن الزواجر نوعان: أحدهما: ما هو ~~زاجر عن الإصرار على ذنب حاضر , أو ms038 مفسدة ملابسة لا إثم على فاعلها وهو ما ~~قصد به دفع المفسدة الموجودة ويسقط باندفاعها (5). ### | 30 - # النوع الثاني: ما يقع زاجرا عن مثل ذنب ماض منصرم أو عن مثل مفسدة ماضية ~~منصرمة ولا يسقط إلا بالاستيفاء وهو ضربان: # أحدهما: ما يجب إعلام مستحقه ليبرأ منه أو يستوفيه , وذلك كالقصاص في ~~النفوس والأطراف وكحد القذف , فإنه يلزم من وجب عليه أن يعرف مستحقه ~~ليستوفيه أو يعفو عنه. # الضرب الثاني: ما الأولى بالمتسبب إليه ستره كحد الزنى والخمر والسرقة. ~~ثم قال (6): وأما الشهود على هذه الجرائم , فإن تعلق بها حقوق العباد لزمهم ~~أن يشهدوا بها وأن يعرفوا بها أربابها وإن كانت زواجرها حقا محضا لله فإن ~~كانت المصلحة في إقامة الشهادة بها , فيشهدوا بها مثل أن يطلعوا من إنسان ~~على تكرر الزنى والسرقة والإدمان على شرب الخمور وإتيان الذكور فالأولى أن ~~يشهدوا عليه دفعا لهذه المفاسد , وإن كانت المصلحة في الستر عليه مثل زلة ~~من هذه الزلات تقع ندرة من ذوي الهيئات ثم يقلع عنها ويتوب منها فالأولى أن ~~لا يشهدوا لحديث سعيد بن المسيب أنه قال بلغنى أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لرجل من أسلم يقال له هزال: «يا هزال لو سترته PageV01P047 # بردائك لكان خيرا لك» (1). وحديث «أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم إلا ~~الحدود» (2). وحديث «لا يستر عبد عبدا فى الدنيا إلا ستره الله يوم ~~القيامة» (3). # وقال ابن مفلح من الحنابلة: عدم الإنكار والتبليغ على الذنب الماضي مبني ~~على سقوط الذنب بالتوبة , فإن اعتقد الشاهد سقوطه لم يرفعه وإلا رفعه. وأما ~~إذا كان مصرا على المحرم لم يتب , فهذا يجب إنكار فعله الماضي وإنكار ~~إصراره (4). ### | 31 - # الحالة الثانية المستثناة من اشتراط وجود المنكر في الحال: # الإنكار على أرباب المذاهب الفاسدة والبدع المضلة. قال إمام الحرمين في ~~تفصيل ما إلى الأئمة والولاة: فأما نظره في الدين فينقسم إلى: النظر في أصل ~~الدين , وإلى النظر في فروعه , فأما القول في أصل الدين فينقسم إلى حفظ ~~الدين بأقصى الوسع على المؤمنين ودفع ms039 شبهات الزائفين , وإلى دعاء الجاحدين ~~والكافرين إلى التزام الحق المبين (5). # قال الشاطبي: من أظهر بدعته ودعا إليها فحكمه حكم سائر من تظاهر بمعصية ~~صغيرة أو كبيرة أو دعا إليها , يؤدب , أويزجر , أو يقتل , إن امتنع من فعل ~~واجب أو ترك محرم (6). # ويرى الإمام الغزالي أن البدع كلها ينبغي أن تحسم أبوابها وتنكر على ~~المبتدعين بدعهم وإن اعتقدوا أنها الحق (7). # ويرى ابن القيم وجوب إتلاف الكتب المشتملة على البدعة , وأنها أولى بذلك ~~من إتلاف آنية الخمر وآلات اللهو والمعازف , ولأن الحسبة على أهل الأهواء ~~والبدع أهم من الحسبة على كل المنكرات (8). # الشرط الثالث أن يكون المنكر ظاهرا للمحتسب بغير تجسس (9): ### | 32 - # التجسس معناه طلب الأمارات المعرفة، فالأمارة المعرفة إن حصلت وأورثت ~~المعرفة جاز العمل بمقتضاها , أما طلبها فلا رخصة فيه , والحكمة من وراء ~~ذلك أننا أمرنا أن نجري أحكام الناس على الظواهر من غير استكشاف عن الأمور ~~الباطنة، فعن الزهرى قال حدثنى حميد بن عبد PageV01P048 # الرحمن بن عوف أن عبد الله بن عتبة قال سمعت عمر بن الخطاب - رضى الله ~~عنه - يقول إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحى فى عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -،وإن الوحى قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن ~~أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شىء، الله يحاسبه فى ~~سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة ~~(1). # وقال القرطبي في قوله تعالى (2): {ولا تجسسوا} خذوا ما ظهر , ولا تتبعوا ~~عورات المسلمين , أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره ~~الله فليس للمحتسب أن يتجسس ولا أن يبحث أو يقتحم على الناس دورهم بظن أن ~~فيها منكرا , لأن ذلك من قبيل التجسس المنهي عنه (3) وفي حكمه من ابتعد عن ~~الأنظار (4) واستتر في موضع لا يعلم به غالبا غير من حضره ويكتمه ولا يحدث ~~به (5). # والناس ضربان: # أحدهما: مستور لا يعرف بشيء من المعاصي , فإذا وقعت منه هفوة أو زلة ms040 فإنه ~~لا يجوز كشفها وهتكها ولا التحدث بها , لأن ذلك غيبة , وفي ذلك قال الله ~~تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في ~~الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (19) سورة النور، والمراد ~~إشاعة الفاحشة على المؤمن المستتر فيما وقع منه أو اتهم به وهو بريء منه. # والثاني (6): من كان مشتهرا بالمعاصي معلنا بها ولا يبالي بما ارتكب منها ~~ولا بما قيل له , فهذا هو الفاجر المعلن وليس له غيبة , ومثل هذا فلا بأس ~~بالبحث عن أمره لتقام عليه الحدود. # أما تسور الجدران على من علم اجتماعهم على منكر فقد أنكره الأئمة وهو ~~داخل في التجسس المنهي عنه (7)،ويتحقق الإظهار في حالة ما إذا أتى معصية ~~بحيث يراه الناس في ذهابهم وإيابهم , PageV01P049 # أو يعلم بها عن طريق الحواس الظاهرة بحيث لا تخفى على من كان خارج الدار ~~, وما ظهرت دلالته فهو غير مستور بل هو مكشوف (1). # قال الماوردي (2): ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات , فإن ~~غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارة وآثار ظهرت فذلك ضربان: # أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها , مثل أن يخبره من ~~يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله , أو بامرأة ليزني بها , فيجوز له في ~~مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك ~~, وكذا لو عرف ذلك غير المحتسب من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف ~~والإنكار. # والضرب الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف ~~الأستار عنه , فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة من دار كان له أن ينكر ذلك من ~~خارج الدار وليس له أن يدخلها؛ لأن المنكر ظاهر وليس عليه أن يكشف عن ~~الباطن (3). # الإنكار بغلبة الظن (4): # الظن نوعان (5): ### | 33 - # نوع مذموم نهى الشارع عن اتباعه وأن يبنى عليه ما لا يجوز بناؤه عليه , ~~مثل أن يظن بإنسان أنه زنى أو سرق أو قطع الطريق أو قتل نفسا أو أخذ ms041 مالا ~~أو ثلب عرضا , فأراد أن يؤاخذه بذلك من غير حجة شرعية يستند إليها ظنه , ~~وأراد أن يشهد عليه بذلك بناء على هذا الظن فهذا هو الإثم لقوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا ~~يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن ~~الله تواب رحيم} (12) سورة الحجرات، ولحديث الأعرج قال: قال أبو هريرة يأثر ~~عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: « PageV01P050 # إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا ~~تباغضوا، وكونوا إخوانا» (1) # ونوع محمود أجمع المسلمون على وجوب اتباعه؛ لأن معظم المصالح مبنية على ~~الظنون المضبوطة بالضوابط الشرعية، وإن ترك العمل بهذا النوع يؤدي إلى ~~تعطيل مصالح كثيرة غالبة خوفا من وقوع مفاسد قليلة نادرة (2) وذلك على خلاف ~~حكمة الإله الذي شرع الشرائع لأجلها (3) ومن هذا القبيل إنكار المنكر في ~~مثل الحالات الآتية (4): # الأولى: لو رأى إنسانا يسلب ثياب إنسان لوجب عليه الإنكار عليه بناء على ~~الظن المستفاد من ظاهر يد المسلوب. # الثانية: لو رأى رجلا يجر امرأة إلى منزله يزعم أنها زوجته وهي تنكر ذلك ~~, فإنه يجب الإنكار عليه لأن الأصل عدم ما ادعاه. # الثالثة: لو رأى إنسانا يقتل إنسانا يزعم أنه كافر حربي دخل إلى دار ~~الإسلام بغير أمان وهو يكذبه في ذلك , لوجب عليه الإنكار , لأن الله خلق ~~عباده حنفاء , والدار دالة على إسلام أهلها لغلبة المسلمين عليها. # ففي هذه الحالات وأمثالها يعمل بالظنون، فإن أصاب من قام بها فقد أدى ما ~~أوجب الله عليه إذا قصد بذلك وجه الله تعالى , وإن لم يصب كان معذورا ولا ~~إثم عليه في فعله. # وللمحتسب أن يطوف في السوق وأن يتفحص أحوال أهله من غير أن يخبره أحد ~~بخيانتهم، ولا يكون هذا من قبيل التجسس المنهي عنه؛ بل هو من صميم عمله ~~الذي ينبغي أن لا يشغله عنه شاغل كما سبق في بحث آداب المحتسب (5). # الشرط الرابع: أن يكون المنكر معلوما ms042 بغير اجتهاد (6) , PageV01P051 # فكل ما هو محل للاجتهاد فلا حسبة فيه (1)،وعبر صاحب الفواكه الدواني عن ~~هذا الشرط بقوله (2): أن يكون المنكر مجمعا على تحريمه , أو يكون مدرك عدم ~~التحريم فيه ضعيفا، وبيان ذلك: أن الأحكام الشرعية على ضربين: # أحدهما: ما كان من الواجبات الظاهرة كالصلاة والصيام والزكاة والحج , أو ~~من. المحرمات المشهورة كالزنى , والقتل , والسرقة , وشرب الخمر , وقطع ~~الطريق , والغصب , والربا , وما أشبه ذلك، فكل مسلم يعلم بها ولا يختص ~~الاحتساب بفريق دون فريق. # والثاني: ما كان في دقائق الأفعال والأقوال مما لا يقف على العلم به سوى ~~العلماء , مثل فروع العبادات والمعاملات والمناكحات وغير ذلك من الأحكام , ~~وهذا الضرب على نوعين: # أحدهما: ما أجمع عليه أهل العلم، وهذا لا خلاف في تعلق الحسبة فيه لأهل ~~العلم ولم يكن للعوام مدخل فيه. # والثاني: ما اختلف فيه أهل العلم مما يتعلق بالاجتهاد , فكل ما هو محل ~~الاجتهاد فلا حسبة فيه (3). # ولكن هذا القول ليس على إطلاقه (4)؛بل المراد به الخلاف الذي له دليل , ~~أما ما لا دليل له فلا يعتد به، ويقرر هذا الإمام ابن القيم بأن الإنكار ~~إما أن يتوجه إلى القول والفتوى , أو العمل. PageV01P052 # أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعا شائعا وجب إنكاره اتفاقا , ~~وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله , وأما العمل ~~فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار , وكيف يقول ~~فقيه لا إنكار في المسائل المختلف فيها , والفقهاء من سائر الطوائف قد ~~صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابا أو سنة , وإن كان قد وافق فيه بعض ~~العلماء (1). # وأما إذا لم يكن في المسألة سنة أو إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر ~~على من عمل بها مجتهدا أو مقلدا، وقال الإمام النووي (2): ولا ينكر محتسب ~~ولا غيره على غيره , وكذلك قالوا: ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من ~~خالفه إذا لم يخالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا. PageV01P053 # وهذا الحكم متفق عليه عند الأئمة ms043 الأربعة , فإن الحكم ينقض إذا خالف ~~الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس (1). # أقسام المنكر (2): ### | 34 - # المنكر على ثلاثة أقسام: # أحدها: ما كان من حقوق الله تعالى. # والثاني: ما كان من حقوق الآدميين. # والثالث: ما كان مشتركا بين الحقين. # فأما النهي عنها في حقوق الله تعالى فعلى أقسام (3): # أحدها: ما تعلق بالعقائد. # والثاني: ما تعلق بالعبادات. # والثالث: ما تعلق بالمحظورات. # والرابع: ما تعلق بالمعاملات. # فأما المتعلق بالعقائد فإن الحق فيها هو جملة ما عليه أهل الحديث وأهل ~~السنة والجماعة (4). # ومن أخص خصائصهم أنهم يتبعون أم الكتاب ويتركون المتشابه (5) , وأم ~~الكتاب يعم ما هو من الأصول الاعتقادية والعملية (6). # وأما المتعلق بالعبادات فكالقاصد مخالفة هيئتها المشروعة والمتعمد تغيير ~~أوصافها المسنونة , مثل أن يقصد الجهر في صلاة الإسرار , والإسرار في صلاة ~~الجهر , أو يزيد في الصلاة أو في الأذان أذكارا غير مسنونة , فللمحتسب ~~إنكارها , وتأديب المعاند فيها , إذا لم يقل بما ارتكبه إمام متبوع # وأما ما تعلق بالمحظورات فهو أن يمنع الناس من مواقف الريب ومظان التهمة ~~(7) , فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ~~فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة» (8). PageV01P054 # فيقدم الإنكار ولا يعجل بالتأديب قبل الإنكار (1). # وأما ما تعلق بالمعاملات المنكرة كالربا والبيوع الفاسدة , وما منع الشرع ~~منه مع تراضي المتعاقدين به إذا كان متفقا على حظره , فعلى والي الحسبة ~~إنكاره والمنع منه والزجر عليه (2). # وأما ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته فلا مدخل له في إنكاره إلا أن ~~يكون بما ضعف الخلاف فيه وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه , كربا النقد , ~~فالخلاف فيه ضعيف , وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه (3). # ومما هو عمدة نظره المنع من التطفيف والبخس في المكاييل والموازين ~~والصنجات (4) , وله الأدب عليه والمعاقبة فيه (5). PageV01P055 # ويجوز له إذا استراب بموازين أهل السوق ومكاييلهم أن يختبرها ويعايرها , ~~ولو كان على ما عايره منها طابع معروف بين العامة لا يتعاملون إلا به كان ~~أحوط وأسلم. فإن فعل ذلك وتعامل قوم بغير ما ms044 طبع عليه طابعه توجه الإنكار ~~عليهم - إن كان مبخوسا - من وجهين: # أحدهما: لمخالفته في العدول عن مطبوعه وإنكاره من الحقوق السلطانية (1). ~~والثاني: للبخس والتطفيف وإنكاره من الحقوق الشرعية , فإن كان ما تعاملوا ~~به من غير المطبوع سليما من بخس ونقص توجه الإنكار عليهم بحق السلطنة وحدها ~~لأجل المخالفة. وإن زور قوم على طابعه كان الزور فيه كالمبهرج على طابع ~~الدراهم والدنانير , فإن قرن التزوير بغش كان الإنكار عليه والتأديب مستحقا ~~من وجهين: # أحدهما: في حق السلطنة من جهة التزوير. # والثاني: من جهة الشرع في الغش وهو أغلظ النكرين , وإن سلم التزوير من غش ~~تفرد بالإنكار لحق السلطنة خاصة (2). # وأما الحسبة في حقوق الآدميين المحضة (3): # فمنها ما يتعلق بالجيران مثل أن يتعدى رجل في حد لجاره , أو في حريم ~~لداره , أو في وضع أجذاع على جداره , فلا اعتراض للمحتسب فيه ما لم يستعده ~~الجار , لأنه حق يخصه يصح منه العفو عنه والمطالبة به , فإن خاصمه إلى ~~المحتسب نظر فيه ما لم يكن بينهما تنازع وتناكر , وأخذ المتعدي بإزالة ~~تعديه , وكان تأديبه عليه بحسب شواهد الحال (4). # ومنها ما يتعلق بأرباب المهن والصناعات وهم ثلاثة أصناف: منهم من يراعى ~~عمله في الوفور والتقصير. ومنهم من يراعى حاله في الأمانة والخيانة. ومنهم ~~من يراعى عمله في الجودة والرداءة # فأما من يراعى عمله في الوفور والتقصير فكالطبيب والمعلمين , لأن للطبيب ~~إقداما على النفوس يفضي التقصير فيه إلى تلف أو سقم , وللمعلمين من الطرائق ~~التي ينشأ الصغار عليها ما يكون نقلهم عنه بعد الكبر عسيرا , فيقر منهم من ~~توفر علمه وحسنت طريقته , ويمنع من قصر وأساء (5). PageV01P056 # وأما من يراعى حاله في الأمانة والخيانة، فمثل الصاغة والحاكة والقصارين ~~والصباغين , لأنهم ربما هربوا بأموال الناس , فيراعي أهل الثقة والأمانة ~~منهم فيقرهم , ويبعد من ظهرت خيانته (1). # وأما من يراعى عمله في الجودة والرداءة مما يتعلق بفساد العمل ورداءته ~~وإن لم يكن فيه مستعديا , وإما في عمل مخصوص اعتاد الصانع فيه الفساد ~~والتدليس , فإذا استعداه الخصم قابل عليه بالإنكار والزجر ms045 , فإن تعلق بذلك ~~غرم روعي حال الغرم , فإن افتقر إلى تقدير أو تقويم لم يكن للمحتسب أن ينظر ~~فيه لافتقاره إلى اجتهاد حكمي , وكان القاضي بالنظر فيه أحق , وإن لم يفتقر ~~إلى تقدير ولا تقويم واستحق فيه المثل الذي لا اجتهاد فيه ولا تنازع , ~~فللمحتسب أن ينظر فيه بإلزام الغرم والتأديب على فعله , لأنه أخذ بالتناصف ~~وزجر عن التعدي (2). # وأما الحسبة في الحقوق المشتركة بين حقوق الله وحقوق الآدميين (3): # فكالمنع من الإشراف على منازل الناس , ولا يلزم من علا بناؤه أن يستر ~~سطحه وإنما يلزم أن لا يشرف على غيره (4). # وإذا كان في أئمة المساجد السابلة والجوامع الحافلة من يطيل الصلاة حتى ~~يعجز الضعفاء وينقطع بها ذوو الحاجات أنكر ذلك (5) , وإذا كان في القضاة من ~~يحجب الخصوم إذا قصدوه بمنع النظر بينهم إذا تحاكموا إليه حتى تقف الأحكام ~~ويتضرر الخصوم فللمحتسب الإنكار عليه مع ارتفاع الأعذار , ولا يمنع علو ~~رتبته من إنكار ما قصر فيه (6). # وإن كان في أرباب المواشي من يستعملها فيما لا تطيق الدوام عليه أنكره ~~المحتسب عليهم ومنعهم منه (7). # وللمحتسب أن يمنع أرباب السفن من حمل ما لا تسعه ويخاف منه غرقها (8) , ~~وكذلك يمنعهم من المسير عند اشتداد الريح , وإذا حمل فيها الرجال والنساء ~~حجز بينهم بحائل, وإذا اتسعت السفن نصب للنساء مخارج للبراز لئلا يتبرجن ~~عند الحاجة (9). PageV01P057 # وإذا كان في أهل الأسواق من يختص بمعاملة النساء راعى المحتسب سيرته ~~وأمانته فإذا تحقق منه أقره على معاملتهن، وإن ظهرت منه الريبة وبان عليه ~~الفجور منعه من معاملتهن وأدبه على التعرض لهن (1). # وإن بنى قوم في طريق سابلا منع منه , وإن اتسع له الطريق , ويأخذهم بهدم ~~ما بنوه. ولو كان المبني مسجدا , لأن مرافق الطريق للسلوك لا للأبنية. ~~ويجتهد المحتسب (2). # وإذا وضع الناس الأمتعة وآلات الأبنية في مسالك الشوارع والأسواق ارتفاقا ~~لينقلوه حالا بعد حال مكنوا منه، وإن لم يستضر به المارة؛ ومنعوا منه إن ~~استضروا به. # وهكذا القول في إخراج الأجنحة والأسبطة ومجاري المياه وآبار الحشوش يقر ms046 ~~ما لا يضر ويمنع ما ضر ويجتهد المحتسب رأيه فيما ضر، وما لم يضر؛ لأنه من ~~الاجتهاد العرفي دون الشرعي. # والفرق بين الاجتهادين أن الاجتهاد الشرعي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه ~~بالشرع، والاجتهاد العرفي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالعرف، ويوضح الفرق ~~بينهما بتمييز ما يسوغ فيه اجتهاد المحتسب، مما هو ممنوع الاجتهاد فيه (3). # . ولوالي الحسبة أن يمنع من نقل الموتى من قبورهم إذا دفنوا في ملك أو ~~مباح إلا من أرض مغصوبة فيكون لمالكها أن يأخذ من دفنه فيها بنقله منها. ~~واختلف في جواز نقلهم من أرض قد لحقها سيل أو ندى فجوزه الزبيري وأباه غيره ~~(4). # ويمنع من خصاء الآدميين والبهائم ويؤدب عليه وإن استحق فيه قود أو دية ~~استوفاه لمستحقه ما لم يكن فيه تنازع وتناكر (5). # ويمنع من خضاب الشيب بالسواد إلا للمجاهدة في سبيل الله، ويؤدب من يصبغ ~~به للنساء ولا يمتنع من الخضاب بالحناء والكتم، فيمنع من التكسب بالكهانة ~~واللهو ويؤدب عليه الآخذ والمعطي (6). # الركن الثالث: المحتسب عليه (7): PageV01P058 ### | 35 - # المحتسب عليه هو المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر، وشرطه أن يكون ~~ملابسا لمفسدة واجبة الدفع , أو تاركا لمصلحة واجبة الحصول (1). # وقال الغزالي (2): وشرطه أن يكون بصفة مصير الفعل الممنوع في حقه منكرا , ~~ولا يشترط كونه مكلفا , ولا يشترط في المأمور والمنهي أن يكونا عاصيين (3). ~~وأقل ما يكفي في ذلك أن يكون إنسانا، ولا يشترط كونه مكلفا، إذ بينا أن ~~الصبي لو شرب الخمر منع منه واحتسب عليه، وإن كان قبل البلوغ، ولا يشترط ~~كونه مميزا إذ بينا أن المجنون لو كان يزني بمجنونة أو يأتي بهيمة منعه ~~منه. نعم من الأفعال ما لا يكون منكرا في حق المجنون كترك الصلاة والصوم ~~وغيره. ولكنا لسنا نلتفت إلى اختلاف التفاصيل، فإن ذلك أيضا مما يختلف فيه ~~المقيم والمسافر والمريض والصحيح. وغرضنا الإشارة إلى الصفة التي بها يتهيأ ~~توجه أصل الإنكار عليه لا ما بها يتهيأ للتفاصيل (4). # أولا - الاحتساب على الصبيان (5): ### | 36 - # صرح ابن حجر الهيتمي بالوجوب , ونقل ms047 عن الأئمة أنه يجب إنكار الصغيرة ~~والكبيرة , بل لو لم يكن الفعل معصية لخصوص الفاعل , كمنع الصغير والمجنون ~~عن شرب الخمر والزنى (6). # ورجح ابن مفلح والسفاريني الوجوب عند ابن الجوزي , ورجح الحجاوي ~~الاستحباب، وقال: يستحب الإنكار على الأولاد الذين دون البلوغ سواء أكانوا ~~ذكورا أم إناثا تأديبا لهم وتعليما (7). # ثانيا - الاحتساب على الوالدين (8): ### | 37 - # أجمع الفقهاء على أن للولد الاحتساب عليهما , لأن النصوص الواردة في ~~الأمر والنهي مطلقة تشمل الوالدين وغيرهما , ولأن الأمر والنهي لمنفعة ~~المأمور والمنهي , والأب والأم أحق أن يوصل الولد إليهما المنفعة (9)، ولكن ~~لا يتجاوز مرتبتي التعرف والتعريف , وقد اختلف الفقهاء PageV01P059 # فيما يجاوز ذلك بحيث يؤدي إلى سخطهما بأن يكسر مثلا عودا , أو يريق خمرا ~~, أو يحل الخيوط عن ثيابه المنسوجة من الحرير , أو يرد ما يجده في بيتهما ~~من المال الحرام. # وذهب الغزالي إلى أن للولد فعل ذلك، لأن هذه الأفعال لا تتعلق بذات الأب. ~~فسخط الأب في هذه الحالة منشؤه حبه للباطل وللحرام (1). # وذهب آخرون إلى عدم جواز ذلك، وهو مذهب الحنفية ونقله القرافي عن مالك ~~وهو أيضا مذهب أحمد. قال صاحب نصاب الاحتساب (2): السنة في أمر الوالدين ~~بالمعروف أن يأمرهما به مرة فإن قبلا فبها , وإن كرها سكت عنهما , واشتغل ~~بالدعاء والاستغفار لهما , فإنه تعالى يكفيه ما يهمه من أمرهما. وقال في ~~موضع آخر (3):يجوز للولد أن يخبر المحتسب بمعصية والديه إذا علم الولد أن ~~أبويه لا يمتنعان بموعظته. # ونقل القرافي عن مالك أن الوالدين يؤمران بالمعروف وينهيان عن المنكر ~~ويخفض لهما في ذلك جناح الذل من الرحمة (4). # وروي عن أحمد مثل ذلك , وفي رواية حنبل إذا رأى أباه على أمر يكرهه يكلمه ~~بغير عنف ولا إساءة , ولا يغلظ له في الكلام , وليس الأب كالأجنبي, وفي ~~رواية يعقوب بن يوسف إذا كان أبواه يبيعان الخمر لم يأكل من طعامهما , وخرج ~~عنهما (5). # أما الاحتساب بالتعنيف والضرب والإرهاق إلى ترك الباطل , فإن الغزالي ~~يتفق مع غيره في المنع منه حيث قال: إن الأمر بالمعروف والنهي عن ms048 المنكر ~~ورد عاما , وأما النهي عن إيذاء الأبوين فقد ورد خاصا في حقهما مما يوجب ~~استثناءهما من ذلك العموم , إذ لا خلاف في أن الجلاد ليس له أن يقتل أباه ~~في الزنى حدا , ولا له أن يباشر إقامة الحد عليه , بل لا يباشر قتل أبيه ~~الكافر , بل لو قطع يده لم يلزم قصاص , ولم يكن له أن يؤذيه في مقابلته , ~~فإذا لم يجز له إيذاؤه بعقوبة هي حق على جناية سابقة , فلا يجوز له إيذاؤه ~~بعقوبة هي منع عن جناية مستقبلة متوقعة بل أولى (6)، وترخص ابن حجر في حالة ~~الاضطرار مجاوزة الرفق إلى الشدة (7). # ثالثا - احتساب التلميذ على الشيخ , والزوجة على زوجها , والتابع على ~~المتبوع (8): PageV01P060 ### | 38 - # عقد النووي في الأذكار بابا في وعظ الإنسان من هو أجل منه وقال (1): اعلم ~~أن هذا الباب مما تتأكد العناية به , فيجب على الإنسان النصيحة , والوعظ , ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكل صغير وكبير , إذا لم يغلب على ظنه ~~ترتب مفسدة على وعظه. # وألحق الإمام الغزالي الزوجة بالنسبة لزوجها بالولد بالنسبة لأبيه. وقال ~~في باب ما يقوله التابع للمتبوع إذا فعل ذلك أو نحوه (2): # اعلم أنه يستحب للتابع إذا رأى شيخه وغيره ممن يقتدي به شيئا في ظاهره ~~مخالفة المعروف أن يسأله عنه بنية الاسترشاد , فإن كان فعله ناسيا تداركه , ~~وإن فعله عامدا وهو صحيح في نفس الأمر بينه له , وأورد جملة آثار في ذلك. ~~وللإمام الغزالي تفصيل , فبعد أن قرر كأصل عام أن المحترم هو الأستاذ ~~المفيد للعلم من حيث الدين , ولا حرمة لعالم لا يعمل بعلمه ويعامله بموجب ~~علمه الذي تعلمه منه (3). قال بسقوط الحسبة على المتعلم إذا لم يجد إلا ~~معلما واحدا ولا قدرة له على الرحلة إلى غيره , وعلم أن المحتسب عليه قادر ~~على أن يسد عليه طريق الوصول إليه , ككون العالم مطيعا له أو مستمعا لقوله ~~, فالصبر على الجهل محذور , والسكوت على المنكر محذور , ولا يبعد أن يرجح ~~أحدهما ويختلف ذلك بتفاحش المنكر وشدة الحاجة إلى العلم لتعلقه بمهمات ms049 ~~الدين (4). # وناط الاحتساب وتركه باجتهاد المحتسب حتى يستفتي فيها قلبه , ويزن أحد ~~المحذورين بالآخر ويرجح بنظر الدين لا بموجب الهوى والطبع (5). # رابعا - احتساب الرعية على الأئمة والولاة (6): ### | 39 - # أجمع الفقهاء على وجوب طاعة الأئمة والولاة في غير معصية (7) , وعلى ~~تحريمها في المعصية (8)، ويرى الغزالي أن الجائز في الحسبة من الرعية على ~~الأئمة والولاة رتبتان: التعريف PageV01P061 # والوعظ , أما ما تجاوز ذلك فإنه يحرك الفتنة ويهيج الشر , ويكون ما يتولد ~~منه من المحذور أكثر (1). # وزاد ابن الجوزي: وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عند جمهور الفقهاء ~~(2). # وقال الجصاص (3): # إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين فهذا مقام شريف مدح الله به ~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا ~~عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ~~ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} (111) سورة التوبة، وقال: ~~{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} ~~(169) سورة آل عمران، وقال: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ~~والله رؤوف بالعباد} (207) سورة البقرة، في نظائر ذلك من الآي التي مدح ~~الله فيها من بذل نفسه لله. # وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا ~~نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله ~~تعالى: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما ~~أصابك إن ذلك من عزم الأمور} (17) سورة لقمان. # وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~{أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر ~~فقتله} (4). # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {أفضل ~~الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر} (5). PageV01P062 # وعن عبد العزيز بن مروان قال: سمعت أبا ms050 هريرة يقول: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: {شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع} (1). وذم الجبن ~~يوجب مدح الإقدام والشجاعة فيما يعود نفعه على الدين وإن أيقن فيه بالتلف؛ ~~والله تعالى أعلم بالصواب. # خامسا - الاحتساب على أهل الذمة (2): ### | 40 - # أهل الذمة (3) عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله , إذ ~~هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف أهل الهدنة ~~فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم , ولا تجري عليهم أحكام ~~الإسلام , وبخلاف المستأمنين فإن إقامتهم في بلاد المسلمين من غير استيطان ~~لها , ولذلك كان لأهل الذمة أحكام تخصهم دون هؤلاء (4). # ومن هذه الأحكام أنهم إن أقاموا مع المسلمين في مصر واحد فإنه يحتسب ~~عليهم في كل ما يحتسب فيه على المسلمين , ولكن لا يتعرض لهم فيما لا ~~يظهرونه في كل ما اعتقدوا حله في دينهم مما لا أذى للمسلمين فيه من الكفر ~~وشرب الخمر واتخاذه , ونكاح ذوات المحارم , فلا تعرض لهم فيما التزمنا تركه ~~, وما أظهروه من ذلك تعين إنكاره عليهم , ويمنعون من إظهار ما يحرم على ~~المسلمين (5). وإذا انفردوا في مصرهم فلا يمنعون من إظهار ذلك , وكذلك في ~~القرى , ولو كان من بين سكانها مسلمون , لأنها ليست بموضع إعلام الدين من ~~إقامة الجمعة والأعياد وإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام. # وإذا أظهروا شيئا من الفسق في قراهم مما لم يصالحوا عليه مثل الزنى ~~وإتيان الفواحش منعوا منه , لأن هذا ليس بديانة منهم , ولكنه فسق في ~~الديانة فإنهم يعتقدون حرمة ذلك كما يعتقده المسلمون (6). PageV01P063 # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (1): # ويمنع أهل الذمة من إظهار الأكل في نهار رمضان فإن هذا من المنكر في دين ~~الإسلام ويمنعون من تعلية البنيان على جيرانهم المسلمين. # وقال (2): " ويمنع أهل الذمة من دخول بيت الخلاء إن حصل منهم تضييق، أو ~~فساد ماء، أو تنجيس وإن لم يكن بهم ضرر، ولهم ما يستغنون به فليس لهم ~~مزاحمتهم ". # وفي تبصرة الحكام (3): ويمنع أهل الذمة من الزنا ويؤدبون ms051 عليه، ويمنعون ~~من زواج الأمهات والبنات إن استحلوه من المتيطية. # وقال الماوردي (4): ويمنع أهل الذمة من تعلية أبنيتهم على أبنية ~~المسلمين، فإن ملكوا أبنية عالية أقروا عليها ومنعوا من الإشراف منها على ~~المسلمين، وأهل الذمة بما شرط عليهم في ذمتهم من لبس الغيار والمخالفة في ~~الهيئة وترك المجاهرة بقولهم في العزير والمسيح ويمنع عنهم من تعرض لهم من ~~المسلمين بسب أو أذى، ويؤدب عليه من خالف فيه. # الركن الرابع: في الاحتساب ومراتبه (5): ### | 41 - # القيام بالحسبة - وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - من أعظم ~~الواجبات وأهم المحتسبات ذكره الله في كتابه مرات كثيرة وامتدحه فيه ~~بأساليب عديدة , وكان حظه مع ذلك من السنة أوفر وذكره فيها أكثر , وذلك ~~لعظم ما يترتب عليه من مصالح , وما يدرأ به من مفاسد , وذلك أساس كل ما أمر ~~به الدين , وحكمة كل ما نهى عنه. # والمعتبر في ذلك هو رجحان أحد النوعين على الآخر إذ لا يخلو كل أمر ونهي ~~من مصلحة يحققها ومفسدة يترتب عليه , فإذا رجحت المصلحة أمر به , وإذا رجحت ~~المفسدة نهى عنه. كان كل من الأمر والنهي في هذه الحال مشروعا وطاعة مطلوبة ~~, وكان تركها , أو وضع أحدهما موضع الآخر عصيانا وأمرا محرما مطلوبا تركه , ~~لأن مغبة ذلك الفساد والله لا يحب الفساد (6). # مراتب الاحتساب (7): # ذكر بعض العلماء في مراتب التغيير ما يمكن إيجازه فيما يلي: ### | 42 - # النوع الأول: التنبيه والتذكير (8): PageV01P064 # وذلك فيمن يعلم أنه يزيل فساد ما وقع لصدور ذلك على غرة وجهالة , كما يقع ~~من الجاهل بدقائق الفساد في البيوع , ومسالك الربا التي يعلم خفاؤها عنه , ~~وكذلك ما يصدر من عدم القيام بأركان الصلاة وشروط العبادات فينبهون بطريق ~~التلطف والرفق والاستمالة (1). ### | 43 - # النوع الثاني: الوعظ والتخويف من الله (2): # ويكون ذلك لمن عرف أنه قد اقترف المنكر وهو عالم به من أنواع المعاصي ~~التي لا تخفى على المسلم المكلف فيتعاهده المحتسب بالعظة والإخافة من ربه. ### | 44 - # النوع الثالث: الزجر والتأنيب والإغلاظ بالقول والتقريع باللسان والشدة ~~في التهديد والإنكار (3): # وذلك فيمن ms052 لا ينفع فيه وعظ , ولا ينجح في شأنه تحذير برفق , بل يظهر عليه ~~مبادئ الإصرار على المنكر والاستهزاء بالعظة , ويكون ذلك بما لا يعد فحشا ~~في القول ولا إسرافا فيه خاليا من الكذب , ومن أن ينسب إلى من نصحه ما ليس ~~فيه مقتصرا على قدر الحاجة حتى لا يكون من نتيجته إصرار واستكبار. ### | 45 - # النوع الرابع: التغيير باليد بإزالة ذلك المنكر (4): # وذلك فيمن كان حاملا الخمر , أو ماسكا لمال مغصوب , وعينه قائمة بيده , ~~وربه متظلم من بقاء ذلك بيده , طالب رفع المنكر في بقائه تحت حوزه وتصرفه , ~~فأمثال هذا لا بد فيه من الزجر والإغلاظ من المباشرة للإزالة باليد , أو ما ~~يقوم مقام اليد كأمر الأعوان الممتثلين أمر المغير في إزالة المنكر. ### | 46 - # النوع الخامس: إيقاع العقوبة بالنكال والضرب (5). # وذلك فيمن تجاهر بالمنكر وتلبس بإظهاره ولم يقدر على دفعه إلا بذلك. ### | 47 - # النوع السادس: الاستعداء ورفع الأمر إلى الحاكم والإمام (6): PageV01P065 # لما له من عموم النظر ونفوذ الكلمة , ما لم تدع الضرورة لترك النصرة به ~~لما يخشى من فوات التغيير , فيجب قيام المحتسب بما تدعو إليه الحاجة في ~~الحال (1). ### | 48 - # وقد ذهب الفقهاء إلى أن للمحتسب أن يتخذ ما يلزمه من أمور الحسبة بما يرى ~~فيه صلاح الرعية , وزجر المفسدين: # وله في سبيل ذلك - بوجه خاص - التعزير في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة ~~, مما لا يدخل في اختصاص القاضي , ويكون التعزير بالضرب , أو الحبس , أو ~~الإتلاف , أو القتل أو النفي (2). # خطأ المحتسب وما يترتب عليه من الضمان " ضمان الولاة " (3): ### | 49 - # المحتسب مأمور بإزالة المنكر , فله أن يحتسب على كل من اقترف شيئا من ~~المعاصي وأن يعاقبه عليها بما يراه مناسبا , وقد يحدث أثناء ذلك تجاوز في ~~العقوبة , فيتسبب عنه تلف في المال أو في البدن فهل يضمن شيئا من ذلك؟ # اختلف الفقهاء في حكم التجاوز في إتلاف المال على الوجه الآتي: # ذهب الحنفية وأحمد في إحدى الروايات عنه إلى عدم الضمان مطلقا (4) وقال ~~الحنابلة ... (5): لا ضمان في إتلاف خمر ms053 وخنزير , وكذا لو كسر صليبا أو ~~مزمارا أو طنبورا أو صنما. للنهي عن بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. # أمامة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن الله بعثنى رحمة ~~للعالمين وهدى للعالمين وأمرنى ربى عز وجل بمحق المعازف والمزامير والأوثان ~~والصلب وأمر الجاهلية .. » (6). PageV01P066 # وقال صاحب المغني: وفي كسر آنية الخمر روايتان. # وذهب المالكية والشافعية وهي الرواية الأخرى عند الحنابلة إلى الضمان إذا ~~تجاوز المحتسب القدر المحتاج إليه. قال صاحب تحفة الناظر من المالكية: إذا ~~لم يقع التمكن من إراقة الخمر إلا بكسر أنابيبها وتحريق وعائها , فلا ضمان ~~على من فعل ذلك على الوجه المتقدم في هذا النوع , وإن أمكن زوال عينها مع ~~بقاء الوعاء سليما ولم يخف الفاعل مضايقة في الزمان ولا في المكان بتغلب ~~فاعله مع انتفاء هذه الموانع ضمن قيمته , إن كان لأمثاله قيمة وهو ينتفع في ~~غير الخمر (1). # وقال الغزالي (2): وفي إراقة الخمور يتوقى كسر الأواني إن وجد إليه سبيلا ~~وحيث كانت الإراقة متيسرة بلا كسر , فكسرها لزمه الضمان. وقال أيضا (3): ~~الوالي له أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة فيه , وله أن يأمر بكسر الظروف التي ~~فيها الخمر زجرا , وقد فعل ذلك في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~تأكيدا للزجر , ولم يثبت نسخه (4) , ولكن كانت الحاجة إلى الزجر والفطام ~~شديدة , فإذا رأى الوالي باجتهاده مثل الحاجة جاز له مثل ذلك , وإذا كان ~~هذا منوطا بنوع اجتهاد دقيق لم يكن ذلك لآحاد الرعية (5). # الضمان في تلف النفوس (6): ### | 50 - # أما الشق الآخر وهو الضمان في تلف النفوس بسبب ما يقوم به المحتسب , فإن ~~للفقهاء أقوالا في ذلك: # ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن من مات من التعزير لم يجب ضمانه , لأنها ~~عقوبة مشروعة للردع والزجر , فلم يضمن من تلف بها كالحد , ولأنه فعل ما فعل ~~بأمر الشرع , وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة , ولأنه استوفى حق الله ~~تعالى بأمره , فصار كأن الله أماته من غير واسطة فلا يجب الضمان (7). ~~PageV01P067 # أما المالكية فقد قال صاحب التبصرة (1): فإن ms054 عزر الحاكم أحدا فمات أو سرى ~~ذلك إلى النفس فعلى العاقلة , وكذلك تحمل العاقلة الثلث فأكثر , وفي عيون ~~المجالس للقاضي عبد الوهاب إذا عزر الإمام إنسانا فمات في التعزير لم يضمن ~~الإمام شيئا لا دية ولا كفارة (2). # وذهب المحققون من فقهائهم (3) إلى أن عدم الضمان مبني على ظن السلامة , ~~فإن شك فيها ضمن ما سرى على نفس أو عضو , وإن ظن عدم السلامة فالقصاص. # والشافعي يرى التضمين في التعزير إذا حصل به هلاك , لأنه مشروط بسلامة ~~العاقبة ولا يعفى من التعزير إلا أن يكون الهلاك بنحو توبيخ بكلام وصفع فلا ~~شيء فيه ولا ضمان على من عزر غيره بإذنه (4) , ولا على من عزره ممتنعا من ~~أداء حق عليه , وإن أدى إلى قتله (5)، قال الرملي: للحاكم تعزير الممتنع من ~~أداء دين عليه بعد طلب مستحقه بحبس أو ضرب وإن زاد على التعزير بل وإن أدى ~~إلى موته لأنه بحق ولا ضمان عليه فيه (6). # ولا يكون التعزير بما يقتل غالبا , فإن ضربه ضربا يقتل غالبا أو بما يقتل ~~غالبا أو قصد قتله وجب القصاص أو دية مغلظة في ماله ... (7). # مقدار الضمان وعلى من يجب (8): ### | 51 - # وحيث قيل بوجوب الضمان ففي قدره قولان: # الأول: لزوم كامل الدية لأنه قتل حصل من جهة الله وعدوان الضارب , فكان ~~الضمان على العادي , كما لو ضرب مريضا سوطا فمات به , ولأنه تلف بعدوان ~~وغيره فأشبه ما لو ألقى على سفينة موقرة حجرا فغرقها , وهو قول المالكية ~~والحنابلة (9). # والثاني: عليه نصف الضمان لأنه تلف بفعل مضمون وغير مضمون , فكان الواجب ~~نصف الدية كما لو جرح نفسه وجرحه غيره فمات وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ~~في أحد قوليه (10). PageV01P068 # والقول الآخر: يجب من الدية بقدر ما تعدى به (1). # على من يجب الضمان (2): ### | 52 - # في غير حالات التعمد والتعدي إذا قلنا يضمن الإمام فهل يلزم عاقلته أو ~~بيت المال؟ # اختلف العلماء على قولين: # أحدهما: هو في بيت المال لأن خطأه يكثر فلو وجب ضمانه على عاقلته أجحف ~~بهم وهو قول الحنفية ms055 ورواية عند الحنابلة (3). # والثانية: على عاقلته لأنها وجبت بخطئه فكانت على عاقلته , كما لو رمى ~~صيدا فقتل آدميا. وهو قول المالكية والشافعية والرواية الثانية عند ~~الحنابلة (4). PageV01P069 ### | وقفات مع الحسبة # (1) # الوقفة الأولى: أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس ومن أسباب خيريتها ~~الحسبة. # قال تعالى: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتؤمنون بالله)) آل عمران110. # الوقفة الثانية: الحسبة من أحب الأعمال إلى الله: # فعن رجل من خثعم قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في نفر من ~~أصحابه قال: قلت: أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ قال:" نعم ".قال: قلت: يا ~~رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال:" إيمان بالله ".قال: قلت: يا ~~رسول الله، ثم مه؟ قال:" ثم صلة الرحم ".قال: قلت: يا رسول الله، أي ~~الأعمال أبغض إلى الله؟ قال:" الإشراك بالله ".قال: قلت: يا رسول الله، ثم ~~مه؟ قال:" ثم قطيعة الرحم ".قال: قلت: يا رسول الله، ثم مه؟ قال:" ثم الأمر ~~بالمنكر والنهي عن المعروف " (2). # الوقفة الثالثة: الحسبة تعدل ثمني الإسلام: # عن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -،قال:" الإسلام ~~ثمانية أسهم الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، وحج البيت سهم، ~~والصيام سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل ~~الله سهم، وقد خاب من لا سهم له " (3). # الوقفة الرابعة: الحسبة من الواجبات الشرعية: # قال تعالى: ((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر وأولئك هم المفلحون)) آل عمران104 # وقال تعالى: ((يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ~~ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور)) لقمان17. # و عن أبى سعيد الخدرى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال «إن الله ~~تبارك وتعالى ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول ما منعك إذ رأيت المنكر ~~تنكره فإذا لقن الله عبدا حجته قال يا رب وثقت بك وفرقت من الناس» رواه ~~أحمد (4). # الوقفة الخامسة: الحسبة من هدي نبينا - صلى الله ms056 عليه وسلم -: ~~PageV01P070 # قال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} ~~(157) سورة الأعراف، وهو قدوة قال تعالى: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)) الأحزاب21. # الوقفة السادسة: من فضائل الحسبة: # أ- أن الحسبة صدقة تنفع صاحبها فعن أبى ذر قال قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «تبسمك فى وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر ~~صدقة وإرشادك الرجل فى أرض الضلال لك صدقة وبصرك للرجل الردىء البصر لك ~~صدقة وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك فى ~~دلو أخيك لك صدقة». رواه الترمذي (1). # ب- أن المحتسب إذا قتل في حسبته فهو شهيد، فعن علي رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ~~شهيد)) رواه ابن عساكر (2). # ج- أن الحسبة تكفر الخطايا فعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «فتنة الرجل فى أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة ~~والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» رواه البخاري (3). # الوقفة السابعة: آثار الحسبة على المحتسب والمجتمع: # أ- الحسبة من أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ((ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون)) آل عمران104 # ب- الحسبة من أسباب الرحمة، قال تعالى: ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم)) التوبة71. # ج- الحسبة من أسباب الصلاح، قال تعالى: ((ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة ~~قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من ~~الصالحين (114) [آل عمران/113 - 115])). PageV01P071 # د- الحسبة من ms057 أسباب البشرة، قال تعالى: ((التائبون العابدون الحامدون ~~السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون ~~لحدود الله وبشر المؤمنين)) التوبة112. # ه- الحسبة من أسباب النصر، قال تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن الله ~~لقوي عزيز (40) الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41)} [الحج/40 - 42]. # و- الحسبة من أسباب سلامة المجتمع من الهلاك، فعن النعمان بن بشير - رضى ~~الله عنهما - عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال «مثل القائم على حدود ~~الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم ~~أسفلها، فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ~~فقالوا لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم وما ~~أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا» رواه البخاري ~~(1). # الوقفة الثامنة: آثار ترك الحسبة على الفرد والمجتمع: # أ- ترك الحسبة من أسباب الطرد والبعد عن رحمة الله، قال تعالى: ((لعن ~~الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ~~(79) [المائدة/78، 79])) # ب- ترك الحسبة من أسباب عموم العقاب على المجتمع، قال تعالى: ((وما كان ~~ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)) هود117. # و عن قيس قال قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس ~~إنكم تقرءون هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم) وإنا سمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إن الناس ~~إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه» رواه أحمد (2). # و عن جرير قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «ما من رجل ~~يكون فى قوم يعمل فيهم بالمعاصى يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلا ~~أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا» رواه أبو داود (3). # ج- ترك الحسبة من أسباب عدم استجابة الدعاء، فعن عائشة قالت دخل ms058 على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فعرفت فى وجهه أن قد حفزه شىء فتوضأ ثم خرج ~~فلم يكلم أحدا فدنوت من الحجرات فسمعته PageV01P072 # يقول «يا أيها الناس إن الله عز وجل يقول مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ~~من قبل أن تدعونى فلا أجيبكم وتسألونى فلا أعطيكم وتستنصرونى فلا أنصركم». ~~رواه أحمد (1). # و عن حذيفة بن اليمان عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال «والذى نفسى ~~بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم ~~عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» رواه الترمذي (2). # د- ترك الحسبة من أسباب الخسف والمسخ والقذف، فعن عائشة قالت قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «يكون فى آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف». قالت ~~قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال «نعم إذا ظهر الخبث» رواه ~~الترمذي (3). # ه- ترك الحسبة من أسباب انتكاسة القلوب، فعن حذيفة قال كنا عند عمر فقال ~~أيكم سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الفتن فقال قوم نحن ~~سمعناه. فقال لعلكم تعنون فتنة الرجل فى أهله وجاره قالوا أجل. قال تلك ~~تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ولكن أيكم سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~يذكر الفتن التى تموج موج البحر قال حذيفة فأسكت القوم فقلت أنا. قال أنت ~~لله أبوك. قال حذيفة سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «تعرض ~~الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأى قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأى ~~قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا ~~تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف ~~معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه» رواه مسلم (4). # و- ترك الحسبة والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من صفات المنافقين، قال ~~تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن ~~المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون} (67) ~~سورة التوبة. # الوقفة التاسعة: استدراكات: ### | 1 - # لابد من التفريق بين المنكر ms059 وفاعله، فعن أبي سعيد الخدري سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم. (5) ~~PageV01P073 # فالضمير في قوله (فليغيره) يعود على المنكر لأن الضمير يعود على آخر اسم ~~وأما الفاعل فمقامه النصيحة. ### | 2 - # احذر أيها المحتسب أن يخالف فعلك قولك في الحسبة، فعن أبى وائل، قال قيل ~~لأسامة لو أتيت فلانا فكلمته. قال إنكم لترون أنى لا أكلمه إلا أسمعكم، إنى ~~أكلمه فى السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه، ولا أقول لرجل أن كان ~~على أميرا إنه خير الناس بعد شىء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-.قالوا وما سمعته يقول قال سمعته يقول «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى فى ~~النار، فتندلق أقتابه فى النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل ~~النار عليه، فيقولون أى فلان، ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهى عن ~~المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» أخرجه ~~البخاري (1). ### | 3 - # شبهة يقولها البعض - بقصد أو بدون قصد- أن صلاح النفس يكفي ولا يضرنا ~~فساد الآخرين، وهذا تقرير يفارق الصواب، فعن قيس بن أبى حازم قال قام أبو ~~بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية (يا ~~أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) وإنا سمعنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إن الناس إذا رأوا المنكر لا ~~يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه» رواه ابن ماجه (2). PageV01P074 ### | الحسبة في الإسلام نظام فعال # إن نظام ### | الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # في الشريعة الإسلامية يعد وظيفة أساسية للرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~ولجميع أفراد أمته من بعده، ذلك لما له من أهمية قصوى في الحفاظ على الكيان ~~الاجتماعي للمسلمين، فهو الوسيلة الأولى لتحقيق خلافة الإنسان على الأرض ~~وإصلاحها للبشرية جمعاء، لذا فقد وضع له الإسلام أسسا تضمن فعاليته في ~~المجتمع، ويمكن ms060 أجمال تلك الأسس فيما يلي: ### | 1 - # إن الله تعالى جعل ذلك واجبا دينيا على كل فرد من أفراد المجتمع بحسب ~~موقعه وقدرته. قال الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (104) سورة آل عمران، وقال ~~- صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (1). ### | 2 - # إضافة إلى كونه واجبا على الأفراد، فقد جعله الله تعالى واجبا دينيا ~~ومهمة أساسية للدولة المسلمة، تتوقف صلاحيتها للاستمرار في قيادة الأمة على ~~القيام بهذا الواجب، قال الله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} ~~(41) سورة الحج ### | 3 - # لكي تتحد مسؤولية الدولة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد وضع له ~~نظاما محددا وولاية خاصة هي ولاية الحسبة، يقوم عليها أشخاص يختارون لها ~~اختيارا دقيقا وفق شروط واضحة، حتى يتم الإشراف عليهم من قبل الدولة. ### | 4 - # حتى تزداد فعالية هذا الواجب -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -فقد ربط ~~الشرع بين مهمته ورعاية مصالح الناس، حيث جعل الغاية منه تحقيق ما يصلح ~~للناس معاشهم ومعادهم بالحفاظ على المنافع وتنميتها ومحاربة المضار ~~وإخمادها. لذا قال الله تعالى: { .. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} (251) سورة البقرة. ### | 5 - # ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الأفراد، وحتى يمتثل ~~الأفراد لهذا الواجب، فقد ربطه الله تعالى بالوعد والوعيد، فوعد من قام به ~~بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة، كما أوعد من تخلف عن القيام به بالعذاب ~~الشديد في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى في صفات المؤمنين: {والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز ~~حكيم} (71) سورة التوبة، وقال الله تعالى في صفات المنافقين: {المنافقون ~~والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم ~~نسوا ms061 الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون} (67) سورة التوبة، وقال ~~PageV01P075 # حذيفة: لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتحاضن على الخير أو ~~ليسحتنكم الله جميعا بعذاب أو ليؤمرن عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا ~~يستجاب لكم. (1) ### | 6 - # إن الله تعالى جعل اهتمام المرء بنفسه وتزكيتها قبل أن يلتفت إلى الآخرين ~~محورا للإصلاح، حتى لا يكون الطعن في سلوكه سبيلا وحجة للآخرين يتعذر بها ~~عن عدم الانصياع للأمر أو النهي، لذا قال الله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} (44) سورة البقرة، وقال ~~الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) [الصف/2، 3])) ### | 7 - # وحتى لا يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مدعاة للارتكان إلى الغير ~~والاعتذار بذلك فقد وزع الشرع المسؤوليات على كل فئات المجتمع مراعيا في ~~ذلك التدرج ليشمل الأفراد والأسرة والوالي الأعلى للدولة، قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول ~~عن رعيته، والرجل راع فى أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية فى بيت ~~زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع فى مال سيده ومسئول عن رعيته، والرجل ~~راع فى مال أبيه ومسئول عن رعيته وكلكم راع ومسئول عن رعيته» (2).وقال ~~تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم ~~الله إن الله عزيز حكيم} (71) سورة التوبة ### | 8 - # لأن الأسرة هي الخلية الأولى لبناء المجتمع الصالح، فقد اهتم بها الإسلام ~~اهتماما كبيرا، لذا كان أول من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإبلاغه ~~الدعوة هم أقرب الناس إليه، قال الله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} (214) ~~سورة الشعراء، وقال تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا ~~نحن نرزقك والعاقبة للتقوى} (132) سورة طه. ### | 9 - # وحتى لا يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعظيا دون أن تكون للقائم ~~به سلطة أو نفوذ، فقد خول الإسلام للمحتسب بعض صلاحيات التنفيذ ms062 فيما يدخل ~~في مكانته وقدرته، إلا أنه ميزه عن القاضي بأنه لا ينتظر أن يرفع إليه ~~الأمر ليفصل فيه بل يقتحم الموضع الذي يظهر فيه المنكر أو يهجر فيه المعروف ~~فيقوم بواجب الأمر والنهي تغييرا أو تعميرا. قال الله تعالى: {لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن ~~الله قوي عزيز} (25) سورة الحديد، فبين الله تعالى أنه أنزل الكتاب وأنزل ~~معه الحديد الذي هو القوة ليحمي الكتاب ودعاته ويعين على تطبيق أحكامه ~~PageV01P076 ### | 10 - # وأخيرا فإن الشارع الحكيم وضع ضمانات وضوابط عديدة لمن يقوم بمهمة الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى تصونه عن الانحراف وتحد من الآثار السالبة ~~التي يمكن أن تقع من المحتسب، وأهم هذه الضوابط ما يلي: # أ-تقديم الأهم على المهم. وهذا يعنى أن المحتسب عليه أن يدرك الأمور التي ~~يريد الاحتساب فيها ثم يرتبها بحسب أهميتها، فيبدأ بأولاها بالاهتمام ثم ~~الذي يليه، لذا لما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذا إلى اليمن ~~قال له: «إنك تأتى قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى ~~رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات فى كل ~~يوم وليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة فى أموالهم ~~تؤخذ من أغنيائهم وترد فى فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم ~~واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» (1). # ب- اتباع الوسائل المشروعة لمعرفة المنكر المرتكب أو المعروف المتروك. ~~فالمحتسب ملزم بقواعد الشرع في ذلك، فلا يجوز له أن يتجسس بحجة الوصول إلى ~~المنكر، كما لا يجوز له الغش والخداع في سبيل ذلك، وإنما واجبه وعمله متعلق ~~بالمنكرات الظاهرة فقط دون المستورة، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ~~أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ms063 فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} ~~(12) سورة الحجرات، فعن معاوية قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم». فقال أبو ~~الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفعه الله ~~تعالى بها (2). # ج- إن ميزان الحكم على الشيء بأنه معروف أو منكر إنما هو بالشرع، فما ثبت ~~الشرع بأنه معروف أمر به المحتسب، وما ثبت شرعا بأنه منكر نهى عنه، أما ما ~~سوى ذلك فلا يتدخل فيه. # د- قيام شروط الإنكار في الفعل وهي: ### | 1 - # أن يثبت أن الفعل منكر شرعا. ### | 2 - # أن يكون المنكر موجودا في الحال. ### | 3 - # أن يكون ظاهرا بغير تجسس. ### | 4 - # أن يكون المنكر معلوما بغير اجتهاد. # ه- التدرج في الإنكار: يجب على المحتسب أن يتدرج في إنكار المنكر مبتدئا ~~بالدرجة الأخف، فيعرف صاحب المنكر بأن هذا الفعل منكر شرعا وأنه لا يجوز ~~اقترافه، ثم ينهاه عنه بالوعظ والتخويف من الله تعالى، فإن أبى فيغلظ في ~~القول ثم بالتهديد والتخويف، فإن لم ينته -وكان الناهي PageV01P077 # محتسبا أو ذا سلطة -سعى إلى التغير باليد، وذلك بناء على قول الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (1). والمراد بتغيير اليد ~~هنا إزالة المنكر فقط دون تجاوز ولا تعد على فاعله، فإن كان المنكر خمرا ~~أزيلت، أو صنما كسر، ونحو ذلك. # و- التثبت: على المحتسب أن يتبين الأمر حتى يتضح له قبل أن يحكم عليه ~~بالإنكار رعاية لحقوق الغير وصونا لحرمات الناس، فمتى ثبت له داعي الإنكار ~~أقدم فأنكر، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} (6) سورة ~~الحجرات. # صفات المحتسب # يشترط فيمن يختار الإمام لمنصب الحسبة أن تتوفر فيه صفات أساسية حتى يضمن ~~حسن قيامه بواجبه وتؤتي مهمته ثمارها في الحفاظ على المجتمع وصيانته من ~~المنكرات وفشوها، وأهم تلك الصفات ms064 هي: # أولا: الإخلاص والتجرد: فالمحتسب يقوم بواجبه امتثالا لأمر الشارع له، ~~فيجب أن لا تكون له مصلحة شخصية فيما يأمر أو ينهي عنه وإنما تكون غايته ~~الإصلاح، كما قال الله تعالى على لسان شعيب عليه السلام: {قال يا قوم ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم ~~إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ~~عليه توكلت وإليه أنيب} (88) سورة هود. # ثانيا: العلم والحكمة: ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب شرعي ~~لذا يجب على من يقوم به أن يكون عالما بمواضع الأمر والإنكار، وحكيما في ~~ذلك حتى لا يكون فعله للفساد أقرب منه للصلاح. قال الله تعالى آمرا رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} (108) سورة يوسف، وقال تعالى: ~~{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (125) سورة النحل. # ثالثا: الرفق والحلم: فالمحتسب ليس منتقما لنفسه، ولا قاصدا إيذاء فاعل ~~المنكر، وإنما غايته حمله على ترك المنكر، لذا وجب عليه أن يأخذه بالرفق ~~والحلم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرفق لا يكون فى شىء ~~إلا زانه ولا ينزع من شىء إلا شانه» (2). # وقال تعالى واصفا الرسول - صلى الله عليه وسلم -: {لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (128) سورة ~~التوبة، وقال تعالى آمرا موسى وهارون لما بعثهما إلى PageV01P078 # الطاغية فرعون: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} (44) سورة طه، ~~فإذا كان الله تعالى قد أمر اللين مع فرعون - وهو قد ادعى الألوهية- فبغيره ~~أولى وأحرى. # PageV01P079 ### | الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # (1) # أولا: بيان معنى كل من المعروف والمنكر # المعروف في اللغة: ضد المنكر. قال الزجاج: "هو ما يستحسن من الأفعال، وهو ~~اسم جامع لكل ما عرف من طاعة ms065 الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس (2). ~~والمنكر ضد ذلك جمعيه، وقد سمي معروفا، لأنه مألوف مقبول مرضي عنه، وأريد ~~به ما يقبل عند أهل العقول، وفي الشرائع، وهو الحق والصلاح" (3)."والمنكر ~~من الأمر خلاف المعروف (4)، وأريد به الباطل والفساد" (5)، وهو اسم جامع ~~لكل ما عرف بالشرع والعقل قبحه، من معصية الله تعالى، وظلم عباده. # فالأمر بالمعروف: أمر بما يوافق الكتاب والسنة، والنهي عن المنكر نهي عما ~~تميل إليه النفس والشهوة. وقيل: الأمر بالمعروف الإشارة إلى ما يرضي الله ~~تعالى من أقوال العبد وأفعاله، والنهي عن المنكر تقبيح ما تنفر عنه الشريعة ~~والعفة، وهو ما لا يجوز في شرع الله تعالى (6). # والناظر في هذه التعريفات يدرك بداهة أن المقياس في تحديد المعروف ~~والمنكر هو الشرع وليس العقل، إذ التحسين والتقبيح شرعيان لا عقليان (7)، ~~وكذلك ليس المقياس العرف، إذ من العرف ما هو صحيح معتبر، ومنه ما هو فاسد ~~لا قيمة له (8). ولعل العرف الفاسد قد جعل كثيرا من المنكرات معروفا، وصير ~~كثيرا من المعروف منكرا، والمتأمل في حياة الناس لا يعدم كثيرا من الأمثلة ~~التي يستبين منها حقيقة الأمر ومن ذلك: # 1 ما يظنه بعض الناس أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخل في خصوصيات ~~الناس وتعد على حرياتهم، وبالمقابل جعلوا السكوت على المنكر وإقراره حكمة ~~ووقارا وسكينة ورزانة، حتى شاعت بين المسلمين مقولات تدل على مدى ما أصابهم ~~من جهل وانحطاط، كقولهم: دع الخلق للخالق، وأترك الملك للمالك، أقام العباد ~~فيما أراد، وقولهم للآمر والناهي: أنت تريد أن تصلح الكون؟!!! PageV01P080 # 2 ما استقر عند كثيرين من أن التعدي على الأموال العامة وسرقتها تارة ~~بالغصب وتارة بتسخيرها في مصالح خاصة إنما هو نوع من الذكاء وحسن التصرف؛ ~~كما أن المحافظة عليها والورع في استخدامها بلاهة وعدم تبصر بعواقب ~~الأمور!!! # 3 التعفف والتزام الحياء في التعامل بين الجنسين عند بعض الناس نوع من ~~التعقيد وعدم مجاراة روح العصر، كما أن الانفتاح بغير الضوابط الشرعية هو ~~قمة الحضارة ودليل الرقي عندهم!!! # 4 الأمر ms066 بالمعروف والنهي عن المنكر في القضايا العامة وتناول الشأن العام ~~للمسلمين، وتنبيههم على مكايد أعدائهم عند بعض الناس خروج على السلطان، ~~وإشاعة للفوضى، وتعريض لمصالح البلاد للخطر، وافتئات على حق من ولاه الله ~~الأمر، وبالمقابل جعلوا السكوت على المنكر وإقراره حكمة ووقارا وسكينة ~~ورزانة!!! # 5 معاصي البيع والشراء من النجش والغش وبيع المعدوم والمجهول والتعامل ~~بالربا (1) عادت عند كثير من الناس أمورا مشروعة ينكرون على من ينكرها ~~متذرعين بأنهم لو اتبعوا ما يقول لبارت تجارتهم وكسدت أسواقهم!!! # يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: إن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله به النبيين ~~أجمعين، ولو طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، ~~وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، ~~وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد، وقد كان ~~الذي خفنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون (2). # وإذا كان المسلمون الجهلة ينعون على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ~~اشتغالهم بغيرهم، واهتمامهم بأمر الناس من حولهم، فإننا نجد أئمتنا الأعلام ~~يشددون النكير على من يؤذون أمثال هؤلاء الدعاة إلى الخير، ولو كان أذى ~~باللسان حتى قالوا: "إن القائل لمن يأمر بالمعروف: أنت فضولي يخشى عليه ~~الكفر" (3). أما من يؤذونهم بأكثر من ذلك فهم شر الناس. عن أبي عبيدة بن ~~الجراح، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال:" ~~رجل قتل نبيا، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف ".ثم قرأ رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -:إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ~~ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس إلى أن انتهى إلى: وما لهم من ~~ناصرين، سورة آل عمران:21،ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" يا ~~أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة ~~واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم ~~بالمعروف PageV01P081 # ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا ms067 من آخر النهار في ذلك اليوم، وهم الذين ~~ذكر الله عز وجل " فتأويل الآية إذا: إن الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون ~~النبيين بغير حق، ويقتلون آمريهم بالعدل في أمر الله ونهيه، الذين ينهونهم ~~عن قتل أنبياء الله وركوب معاصيه (1). # فائدة في الفرق بين الفحشاء والمنكر # جمع الله جل حلاله بين اللفظين في قوله جل حلاله: {إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم ~~تذكرون} (90) سورة النحل، وقد اختلفت عبارات المفسرين رحمهم الله في ~~التفريق بينهما، فقال الزمخشري: "الفحشاء ما جاوز حدود الله، والمنكر ما ~~تنكره العقول" (2)، وقيل: "الفحشاء الإفراط في متابعة القوة الشهوانية، ~~والمنكر الإفراط في إظهار القوة الغضبية" (3)، ومن المفسرين من ذهب إلى ~~القول بأن بين اللفظين عموما وخصوصا، كابن عطية رحمه الله حيث قال: "كأنهم ~~خصصوها بمعاني الفروج، والمنكر أعم منه؛ لأنه يعم جميع المعاصي والرذائل ~~والإدانات على الاختلاف أنواعها" (4)، وقال سيد قطب رحمه الله: "الفحشاء كل ~~أمر يفحش، أي يتجاوز الحد، والمنكر كل فعل تنكره الفطرة، ومن ثم تنكره ~~الشريعة" (5). # ثانيا: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # لا يخلو مجتمع من منكر، هذا أمر بدهي لا ينكره أحد، ولو كان مجتمع يسلم ~~من المنكرات جميعها صغيرها وكبيرها، لكان مجتمع الصحابة رضي الله عنه؛ ~~لكننا نقرأ في السنة أن معاصي قد حصلت من بعض الصحابة الكرام كما في قصة ~~ماعز بن مالك الأسلمي رضي الله عنه (6)، وقصة الغامدية PageV01P082 # (1)، وكلاهما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يشهد على نفسه ~~بالزنا، وقصة الرجل الذي كان يؤتى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ~~شرب خمرا (2)؛ وذلك الذي وقع منه الغش في بيع الطعام (3)، فوجود المعاصي ~~القليلة المستخفية في مجتمع ما هو من ضرورة البشرية، ولا يقدح ذلك في سلامة ~~المجتمع. لكن المصيبة العظمى والطامة الكبرى حين يصير المنكر مستعلنا به ~~يمارسه أهله جهارا نهارا ولا يجدون من ينكر عليهم أو يغير منكرهم، وأشنع من ~~ذلك حين يصير المنكر معروفا والمعروف منكرا ms068 حين تنتكس الفطر وتنطمس البصائر ~~(4). # ومن هنا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورة بشرية؛ لما جبل عليه ~~الإنسان من الجهل والظلم، قال تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات ~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما ~~جهولا} (72) سورة الأحزاب، وحب الجدل {ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من ~~كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} (54) سورة الكهف، والقدرة على الخصومة ~~بالباطل: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} (77) ~~سورة PageV01P083 # يس، مع صفات نقص أخرى من التفريط والنسيان والكفر بنعمة الله وغير ذلك ~~مما هو جبلة وطبيعة فيه؛ فجاءت الشريعة آمرة أتباعها بأن يتواصوا بالحق ~~والصبر (1)، وأن يأمر بعضهم بعضا بالمعروف وينهى بعضهم بعضا عن المنكر (2)؛ ~~ليحصل تدارك النقص وتلافي الخلل. # يقول الله جل حلاله: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (104) سورة آل عمران، يقول سيد قطب ~~رحمه الله تعالى "فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن ~~المنكر، وهو تكليف ليس بالهين ولا اليسير، إذا نظرنا إلى طبيعته، وإلى ~~اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم، ومصالح بعضهم ومنافعهم، وغرور بعضهم ~~وكبريائهم، وفيهم الجبار الغاشم، وفيهم الحاكم المتسلط، وفيهم المنحل الذي ~~يكره الجد، وفيهم الظالم الذي يكره العدل، وفيهم المنحرف الذي يكره ~~الاستقامة، وفيهم من ينكرون المعروف ويعرفون المنكر. ولا تفلح الأمة، ولا ~~تفلح البشرية، إلا أن يسود الخير، وإلا أن يكون المعروف معروفا والمنكر ~~منكرا" (3). # وفي موضع آخر من السورة نفسها يمدح الله جل حلاله أمة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - مبينا مسوغات هذا المدح بقوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان ~~خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} (110) سورة آل عمران. قال ~~القرطبي رحمه الله "مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به؛ فإذا تركوا ~~التغيير وتواطئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم، وكان ~~ذلك سببا لهلاكهم" (4). و ms069 عن قتادة، قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في ~~حجة حجها ورأى من الناس رعة سيئة، فقرأ هذه: كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~الآية، ثم قال:" يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط ~~الله منها " (5). # والنظرة العجلى في كتاب الله الكريم يتبين المرء منها أن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وظيفة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فهذا ~~خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ينهى عن المنكر بيده حيث أعملها في ~~الأصنام تكسيرا فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) قال ~~PageV01P084 # أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96) [الصافات/93 - 97] ~~(1)،وينهي عنه بلسانه حين يقول لقومه منكرا وموبخا {قال أفتعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله ~~أفلا تعقلون (67) [الأنبياء/66، 67] وقال تعالى {إذ قال لأبيه وقومه ماذا ~~تعبدون (85) أئفكا آلهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب العالمين (87) ~~[الصافات/85 - 87]}، ويأمر أباه بالمعروف وينهاه عن المنكر كما حكى ربنا ~~سبحانه في سورة مريم : {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) ~~إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) ~~يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا ~~أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن ~~يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) [مريم/41 - 46] # وهذا كليم الله موسى عليه السلام ينهي عن المنكر بيده، حين رجع فوجد قومه ~~يعكفون على عجل جسد له خوار؛ فخاطب الدجال الذي أضلهم وهو السامري بقوله: ~~{قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر ~~إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا} (97) سورة ~~طه. ويقول لقومه: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني ~~رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين} (5) سورة ms070 الصف # وكذلك نبي الله عيسى عليه السلام يأمر بالمعروف حين يقول للحواريين: {إذ ~~قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من ~~السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} (112) سورة المائدة # أما نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد كانت حياته كلها أمرا ~~بالمعروف ونهيا عن المنكر، منذ أن شرفه الله بالرسالة، وحتى لقي ربه الكريم ~~الحليم، حتى إن القرآن لينص على أن وظيفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الأساسية ومهمته الأولى هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الله ~~سبحانه: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} ~~(157) سورة الأعراف. ويبين PageV01P085 # ربنا تبارك وتعالى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوصاف المؤمنين ~~اللازمة، فيقول سبحانه: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ~~ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} (71) سورة التوبة، في مقابل ~~ذلك وصف من كانوا ضدهم وعلى النقيض منهم: {المنافقون والمنافقات بعضهم من ~~بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن ~~المنافقين هم الفاسقون} (67) سورة التوبة. # ولو أن المسلمين عرفوا هذه الآيات حق المعرفة، وعملوا بها على الوجه ~~الأتم الأكمل والسبيل الأرشد الأقوم لما استطاع أهل الشر والفساد من عتاة ~~البشر أن يفعلوا بالأمة الأفاعيل، وينشروا بين بنيها الترهات والأباطيل، ~~ولو أن الداعية الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وجد من ورائه أمة من ~~الناس يوالونه ويناصرونه لما استطاع شرير أن ينال مصلحا بأذى. لكن حقيقة ~~الأمر أن الناس مسلموه وخاذلوه (1)، فينفرد أهل الشر والفساد بالمصلحين ~~واحدا بعد الآخر يسومونهم سوء العذاب وأشد النكال؛ تارة بتنفير الناس منهم ~~وتارة بإطلاق نعوت السوء عليهم كقولهم: هؤلاء رجعيون، ظلاميون، متخلفون، ~~متطرفون، متشددون، متنطعون .. إلى آخر ms071 تلك الألقاب السيئة: {أتواصوا به بل ~~هم قوم طاغون} (53) سورة الذاريات. # وفي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - نقرأ أحاديث نتبين من خلالها أن ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سنة ماضية وفريضة محكمة ليست راجعة إلى ~~اختيار الناس، بل هي من ضرورات الدين لا قيام لحياة الناس إلا بها، فليست ~~هي حقا مكتسبا كما يطالب بذلك دعاة الديمقراطية، بل هي فريضة دينية وهداية ~~ربانية لهذه الأمة المحمدية. عن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة فى المنشط والمكره، وأن لا ننازع ~~الأمر أهله، وأن نقوم - أو نقول - بالحق حيثما كنا لا نخاف فى الله لومة ~~لائم» (2). # وقد نطق بهذا الحديث عبادة رضي الله عنه لما أنكر عليه بعض الناس أمره ~~بالمعروف ونهيه عن المنكر، فقال له: ما كنت معنا ليلة العقبة حين بايعنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -} وذكر الحديث (3)، ويأمرنا عليه الصلاة ~~والسلام أن نغير المنكر بما نستطيع «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم ~~يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (4). PageV01P086 # ويجعل - صلى الله عليه وسلم - التغيير بالقلب فرضا متعينا على كل مسلم ~~بقوله {وذلك أضعف الإيمان} وكأن الذي يرى المنكر ولا يغير حتى بقلبه قد ~~جانب وصف الإيمان، وما استحق أن ينعت به، لأنه ما امتعض ولا غضب حتى بقلبه ~~لله، ولا تمعر فيه وجهه. ويقول عليه الصلاة والسلام «مروا بالمعروف وانهوا ~~عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم» (1). # وإذا كان تغيير المنكر واجبا بعمومه، وصاحبه مأجورا في الدرجات العلى، ~~فإنه أعظم أجرا إذا وقع في مواجهة الظالم الجائر والمستبد الغاشم. عن طارق ~~بن شهاب أن رجلا سأل النبى - صلى الله عليه وسلم - وقد وضع رجله فى الغرز ~~أى الجهاد أفضل قال «كلمة حق عند سلطان جائر» (2). # وفي حديث آخر يسوي - صلى الله عليه وسلم - بين الآمر بالمعروف والناهي عن ~~المنكر بين يدي السلطان الجائر وبين سيد الشهداء حمزة، يقول عليه الصلاة ~~والسلام " سيد الشهداء ms072 حمزة بن عبد المطلب، ورجل قال إلى إمام جائر فأمره ~~ونهاه فقتله " (3) ولا تحريض على القيام بهذه الفريضة أعظم من ذلك وأكبر. # وينهانا نبينا عليه الصلاة والسلام عن التقاعس عن القيام بهذه المهمة ~~العظيمة استصغارا للنفس أو تعظيما للظلمة أو خشية من الفسقة. فعن أبى سعيد ~~الخدرى قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يحقرن أحدكم نفسه أن ~~يرى أمر الله عليه فيه مقالا ثم لا يقوله فيقول الله ما منعك أن تقول فيه ~~فيقول رب خشيت الناس. فيقول وأنا أحق أن تخشى» (4). # ويجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - التخاذل أمام هؤلاء الظلمة وترك ~~أمرهم ونهيهم مهابة منهم قرينا لضياع هذه الأمة وذهاب شوكتها واندثار ~~هيبتها «إذا رأيت أمتى تهاب الظالم أن تقول له أنت ظالم فقد تودع منهم» ~~(5). # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل بقاء خيرية هذه الأمة، وجدارتها ~~بقيادة الأمم، وأنها حقا الأمة الوارثة لهداية النبيين. عن درة بنت أبى لهب ~~(6) قالت قام رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر فقال يا ~~رسول الله أى الناس خير فقال - صلى الله عليه وسلم - «خير الناس أقرؤهم (7) ~~وأتقاهم وآمرهم بالمعروف (8) وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم» (9). ~~PageV01P087 # "وقد جرت سنة الأنبياء والمرسلين والسلف الصالحين على الدعوة إلى الخير، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان محفوفا بالمكاره، وكم قتل في ~~سبيل ذلك من نبي وصديق فكانوا أفضل الشهداء" (1). # وقد أجمع المسلمون كما ذكر أبو عمر بن عبد البر أن المنكر واجب تغييره ~~على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى ~~إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم ~~يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم ~~يستطيع سوى ذلك. قال الحسن: إنما يكلم مؤمن يرجى أو جاهل يعلم، فأما من وضع ~~سيفه أو سوطه فقال: اتقني اتقني فما لك وله (2). وأئمة المالكية رحمهم الله ms073 ~~يصرحون كذلك بالوجوب. قال ابن رشد (3): "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~واجب على كل مسلم بثلاثة شروط، أحدها: أن يكون عالما بالمعروف والمنكر، ~~لأنه إن لم يكن عارفا بهما لم يصح له أمر ولا نهي؛ إذ لا يأمن أن ينهى عن ~~معروف أو يأمر بمنكر، الثاني: أن يأمن أن يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكثر ~~منه، مثل أن ينهى عن شرب خمر، فيؤول نهيه عن ذلك إلى قتل نفسه وما أشبه ~~ذلك؛ لأنه إذا لم يأمن لم يجز له أمر ولا نهي، الثالث: أن يعلم أو يغلب على ~~ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له، وأن أمره بالمعروف مؤثر فيه ونافع؛ لأنه إذا ~~لم يعلم ذلك ولا غلب على ظنه لم يجب عليه أمر ولا نهي، فالشرطان الأول ~~والثاني مشترطان في الجواز، والشرط الثالث مشترط في الوجوب" (4). وينقل ~~الإمام ابن حزم (5) رحمه الله كذلك القول بالوجوب فيقول: "والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فرض على كل مسلم إن قدر بيده فبيده، وإن لم يقدر بيده ~~فبلسانه، وإن لم يقدر بلسانه فبقلبه ولا بد، وذلك أضعف الإيمان، فإن لم ~~يفعل فلا إيمان له" (6). # ثالثا: الآثار المترتبة على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # 1 كثرة الخبث؛ فإن المنكر إذا أعلن في مجتمع ولم يجد من ينكره، ويأخذ على ~~يد فاعليه؛ فإنه عما قليل يمتد سلطانه ويشتد عوده؛ حتى يألفه الناس فيصبح ~~والعياذ بالله معروفا، وما تزال PageV01P088 # المنكرات تفشو بين الناس حتى يكثر الخبث، وفي الصحيحين من حديث زينب ابنة ~~جحش - رضى الله عنهن أن النبى - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها فزعا يقول ~~«لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج ~~مثل هذه».وحلق بإصبعه الإبهام والتى تليها. قالت زينب ابنة جحش فقلت يا ~~رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال «نعم، إذا كثر الخبث» (1). # 2 حلول العذاب الإلهي العام؛ لقول ربنا جل حلاله {واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خآصة واعلموا أن الله شديد العقاب} ms074 (25) سورة الأنفال، و ~~عن جرير قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «ما من رجل يكون ~~فى قوم يعمل فيهم بالمعاصى يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلا ~~أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا» (2). # وفي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن ~~يعمهم الله بعقاب» (3). # 3 حصول الاختلاف والتناحر؛ فإذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~تحول المجتمع إلى فئات متناحرة تتنازعها الأهواء؛ حين يستعلن أهل الشر ~~بفسادهم فيعمد الصالحون إلى إزالة المنكر بالقوة فيحدث شغب وإخلال بالأمن ~~وتناكر للقلوب؛ مع ما في ذلك من أضرار في العاجل والآجل، و عن عبد الله بن ~~مسعود قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أول ما دخل النقص على ~~بنى إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه ~~لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ~~فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض». ثم قال (لعن الذين كفروا من بنى ~~إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم) إلى قوله (فاسقون) ثم قال «كلا ~~والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدى الظالم ولتأطرنه ~~على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا» (4). # 4 تسليط الأعداء: وقد مني المسلمون بشيء من ذلك في تاريخهم، وأوضح مثال ~~لذلك ما كان في الأندلس حين شاعت المنكرات بين الناس بلا نكير فسلط عليهم ~~النصارى يسومونهم سوء العذاب؛ حتى صار ملوكهم وسادتهم ينادى عليهم في أسواق ~~الرقيق، وفي واقعنا المعاصر ما يعانيه المسلمون من تسلط أعدائهم إنما هو ~~جزء من عقوبة إلهية حلت بهم. PageV01P089 # 5 عدم إجابة الدعاء (1)؛ فالمسلمون التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر لا يستجاب دعاؤهم بل توصد دونهم أبواب الإجابة جزاء وفاقا على ~~تضييعهم أمر الله تعالى، وفي حديث حذيفة بن اليمان عن النبى - صلى ms075 الله ~~عليه وسلم - قال «والذى نفسى بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ~~ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» (2). # رابعا: مسائل تتعلق بموضوع البحث # إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذا أثر عظيم في تخليص الأمة من ~~المنكرات والفساد، وعصمة الناس من مضلات الفتن، كما قيل: "كل بلدة يكون ~~فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء: إمام عادل لا يظلم، وعالم على سبيل ~~الهدى، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحرضون على طلب العلم ~~والقرآن، ونساؤهم مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى" (3). # إلا أن القيام بهذه الفريضة يستلزم معرفة بعض الأحكام، والتقيد بجملة من ~~الآداب؛ حتى تكون ثماره حلوة، ويؤتي أكله كل حين بإذن ربه، ولئلا يكون في ~~ذاته سببا في أن يرسخ أهل المنكر أقدامهم ويوطد أركانهم مستغلين جهل بعض ~~الناس وطيش آخرين وخفة الحمقى والمغفلين: # أولاها: الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد له من أن يستصحب الإخلاص ~~في أمره كله بداية ونهاية؛ لأن في إخلاص ساعة نجاة الأبد، وقد كتب عمر رضي ~~الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فقال: " من يصلح سريرته فيما ~~بينه وبين ربه أصلح الله ما بينه وبين الناس " (4)، والمخلص تؤتي نصيحته ~~أكلها، وقد قال علماؤنا: "النصيحة لأئمة المسلمين تكون بحب صلاحهم ورشدهم ~~وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق الأمة عليهم، والتدين ~~بطاعتهم في طاعة الله جل حلاله " (5). ومن فقد الإخلاص فإن نصيحته تكون ~~وبالا عليه في الدنيا إذ لا صبر له على البلاء، لأنه مراء، ولا صبر له كذلك ~~عما يعرض عليه من شهوات الدنيا في مناصب أو أموال أو رتب، لأنه أراد ~~بنصيحته الحياة الدنيا وزينتها، ولم يرد وجه الله والدار الآخرة، فليحذر ~~امرؤ غاية الحذر من أن يقوم مقاما يأمر فيه حاكما أو واليا بمعروف أو ينهاه ~~عن منكر، وهو يريد بذلك سمعة أو شهرة؛ PageV01P090 # ليقول الناس: ما أشجعه، ما أجرأه. ونحو ذلك، إذ أن مقامه ذلك لا يزيده من ~~الله ms076 إلا بعدا وعند السلطان إلا مقتا، ولو قتل على تلك الحال فما له عند ~~الله شيء من ثواب؛ إذ الرياء محبط للعمل، مذهب للأجر، وليتذكر أن إخلاصه ~~لله في تلك النصيحة قد ينتج عنه صلاح البلاد والعباد واستقامة الأمر في ~~الحال والمآل، وقد قال العبد الصالح الفضيل بن عياض: "لو أن لي دعوة ~~مستجابة ما جعلتها إلا في إمام، فصلاح الإمام صلاح البلاد والعباد" (1). # ثانيها: واجب على كل من الآمر والمأمور اتباع الحق المأمور به؛ لدلالة ~~القرآن على أن المأمور المعرض عن التذكرة حمار؛ وذلك في قوله تعالى {فما ~~لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة (51) ~~[المدثر/49 - 52] ودلالة السنة على أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن ~~المنكر ويفعله أنه حمار من حمر جهنم وذلك فيما رواه البخاري عن أبى وائل، ~~قال قيل لأسامة لو أتيت فلانا فكلمته. قال إنكم لترون أنى لا أكلمه إلا ~~أسمعكم، إنى أكلمه فى السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه، ولا أقول ~~لرجل أن كان على أميرا إنه خير الناس بعد شىء سمعته من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -.قالوا وما سمعته يقول قال سمعته يقول «يجاء بالرجل يوم ~~القيامة فيلقى فى النار، فتندلق أقتابه فى النار، فيدور كما يدور الحمار ~~برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون أى فلان، ما شأنك أليس كنت تأمرنا ~~بالمعروف وتنهى عن المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن ~~المنكر وآتيه» (2). # وقد قيل: # وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو مريض (3) # ثالثها: يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به أن ما يأمر به ~~معروف وأن ما ينهى عنه منكر؛ لأنه إذا كان جاهلا بذلك فقد يأمر بمنكر وينهى ~~عن معروف؛ قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} (108) سورة يوسف، وينبغي أن تكون ~~دعوته بلطف؛ قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ms077 الحسنة وجادلهم ~~بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (125) ~~سورة النحل، ويصبر على أذى الناس كما قال لقمان لابنه وهو يعظه: {يا بني ~~أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور} (17) سورة لقمان. # رابعها: يشترط في جواز الأمر بالمعروف ألا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك ~~المنكر؛ لإجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين، ويشترط في وجوبه مظنة ~~النفع به؛ فإن جزم بعدم الفائدة فيه PageV01P091 # لم يجب عليه؛ لقوله تعالى: {فذكر إن نفعت الذكرى} (9) سورة الأعلى، وعن ~~عتبة بن أبى حكيم قال حدثنى عمرو بن جارية اللخمى حدثنى أبو أمية الشعبانى ~~قال سألت أبا ثعلبة الخشنى فقلت يا أبا ثعلبة كيف تقول فى هذه الآية (عليكم ~~أنفسكم) قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا ~~مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك - يعنى بنفسك - ~~ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام الصبر الصبر فيه مثل قبض على الجمر ~~للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله» (1). # خامسها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ثلاث حكم: # إقامة حجة الله على خلقه؛ كما قال تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما} (165) سورة النساء. # وخروج الآمر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف؛ كما قال سبحانه {وإذ قالت ~~أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ~~ربكم ولعلهم يتقون} (164) سورة الأعراف، وقال: {فتول عنهم فما أنت بملوم} ~~(54) سورة الذاريات. # ورجاء النفع للمأمور؛ كما قال سبحانه {ولعلهم يتقون} (164) سورة الأعراف، ~~وقال: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} (55) سورة الذاريات # سادسها: من أعظم أنواع الأمر بالمعروف كلمة حق عند سلطان جائر؛ كما في ~~حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم ms078 - قال: ~~{إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»} رواه أبو داود والترمذي (2). # قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: واعلم أن الحديث الصحيح قد بين أن ~~أحوال الرعية مع ارتكاب السلطان ما لا ينبغي ثلاث: # الأولى: أن يقدر على نصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر من غير أن يحصل ~~منه ضرر أكبر من الأول، فآمره في هذه الحالة مجاهد سالم من الإثم، ولو لم ~~ينفع نصحه، ويجب أن يكون نصحه له بالموعظة الحسنة مع اللطف؛ لأن ذلك هو ~~مظنة الفائدة (3). # الثانية: ألا يقدر على نصحه لبطشه بمن يأمره وتأدية نصحه لمنكر أعظم، وفي ~~هذه الحالة يكون الإنكار عليه بالقلوب، وكراهة منكره والسخط عليه، وهذه ~~الحالة هي أضعف الإيمان. PageV01P092 # الثالثة: أن يكون راضيا بالمنكر الذي يعمله السلطان متابعا له عليه، فهذا ~~شريكه في الإثم؛ فعن أم سلمة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن ~~كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضى وتابع». قالوا يا رسول الله ألا ~~نقاتلهم قال «لا ما صلوا». أى من كره بقلبه وأنكر بقلبه (1). # سابعها: الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بين يدي المستبد الظالم، لا بد ~~له من أن يزن عمله بميزان الشرع مع تنحيته الهوى جانبا، فإذا تعارضت ~~المصالح والمفاسد فلا بد من علم غزير، وبصيرة نافذة، وإحاطة بواقع الأمر ~~كله، حتى لا يكون نهيه عن المنكر في ذاته منكرا، ولا يكون أمره بالمعروف في ~~مقابل تضييع معروف أعظم، وتفويت منفعة أكبر. يقول الإمام أبو عبد الله بن ~~القيم رحمه الله: " ... النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع لأمته إيجاب ~~إنكار المنكر؛ ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان ~~إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ ~~إنكاره .. # فإنكار المنكر أربع درجات، الأولى: أن يزول ويخلفه ضده، الثانية: أن يقل ~~وإن لم يزل بجملته، الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة: ms079 أن يخلفه ما هو ~~شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة ~~محرمة" (2). # ثامنها: لا يعني إنكار المنكر الدعوة إلى الخروج على أمراء الجور والحكام ~~الظالمين، خاصة في زماننا هذا الذي صارت مفسدة الخروج فيه عظيمة، من تقتيل ~~الدعاة وسفك دماء الأبرياء والتضييق على الدعوة، ولربما أدى الأمر إلى أن ~~تدك البلاد دكا دكا .. إذ الظالمون أحرص الناس على ملك وجاه، فما إن يسمع ~~أحدهم ببادرة خروج أو عصيان حتى يطيش لبه، ويذهب حلمه، ويغلب عليه شيطانه؛ ~~فلا يبالي بما يفعل، وأعظم من هذا كله أن يسد منافذ تبليغ الدعوة ونشر ~~العلم الشرعي الصحيح، ويفتح الأبواب بدلا من ذلك لأهل البدع والخرافات ~~والأباطيل والترهات، ليضلوا الناس عن سواء السبيل، وتنشأ أجيال من المسلمين ~~لا تعرف من دين الله إلا صورة شائهة، وعبادات ميتة لا روح فيها ولا حياة ~~(3). PageV01P093 # "ولهذا لو تأمل المنصف في تاريخ الإسلام، وما جره الخروج على أئمة الجور ~~من البلاء والعناء وسفك الدماء، لأدرك لم نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الخروج عليهم ومناهضتهم، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «خيار ~~أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم ~~الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم». قيل يا رسول الله أفلا ~~ننابذهم بالسيف فقال «لا ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا ~~تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة» (1). PageV01P094 # ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة ~~(1)، وترك القتال في الفتنة" (2)، "ولأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من ~~المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ~~ومضاعفة الأجور" (3). # يقول الإمام النووي رحمه الله في حكم الخروج على الإمام الظالم والحاكم ~~الجائر: " وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا ~~فسقة ظالمين." (4). # وهذا الإجماع الذي ينقله الإمام النووي رحمه الله يشكل عليه خروج جماعة ~~من أهل العلم والدين على الحكام الظالمين كما فعل الحسين وابن الزبير رضي ~~الله عنه في دولة بني ms080 أمية، وخروج ابن الأشعث على الحجاج، وقد أجاب بعض ~~العلماء على هذا الإشكال بأن الخلاف كان أولا، ثم استقر الأمر على ترك ذلك ~~لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، وحصل الإجماع على منع الخروج عليهم (5). # وهذه الأحكام جدير بشباب الصحوة أن يدرسوها، مستصحبين وقائع التاريخ ~~وشواهد الواقع المعاصر، حتى يعلموا أن مفسدة الخروج عظيمة إذا ما قيست إلى ~~مفسدة بقاء الظالم، كما يقول القرطبي رحمه الله: "ففيه أي الخروج استبدال ~~الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على ~~المسلمين، والفساد في الأرض" (6). # وهاهنا أنقل كلاما نفسيا لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو من هو في ~~جهاده للظالمين وقمعه لأهل المنكر والمبتدعين، يقول رحمه الله: " إن الملك ~~الظالم: لا بد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه. وقد قيل: ستون سنة ~~بإمام ظالم: خير من ليلة واحدة بلا إمام. وإذا قدر كثرة ظلمه: فذاك ضرر في ~~الدين، كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم ويثابون عليها، ويرجعون فيها إلى الله، ~~ويستغفرونه ويتوبون إليه. وكذلك ما يسلط عليهم من العدو. وأما من يكذب على ~~الله، ويقول - أي يدعي - أنه نبي: فلو أيده الله تأييد الصادق: للزم أن ~~يسوي بينه وبين الصادق. فيستوي الهدى والضلال، والخير والشر، وطريق الجنة ~~وطريق النار. ويرتفع التمييز بين هذا وهذا. وهذا مما يوجب الفساد العام ~~للناس في دينهم ودنياهم وآخرتهم. ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بقتال من يقاتل على الدين الفاسد من أهل البدع، كالخوارج. وأمر بالصبر على ~~جور الأئمة. ونهى عن قتالهم والخروج عليهم." (7) أ. ه. PageV01P095 ### | الحسبة والشرطة والعسس في الدولة الإسلامية # (1) # عرف ابن خلدون الحسبة بأنها: وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، الذي هو فرض على القائم بأمر المسلمين. # وجاء في اصطلاح الماوردي أنها: أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن ~~المنكر إذا ظهر فعله (2). # وقال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر وأولئك هم المفلحون} (104) سورة آل عمران # الفرق بين المتطوع ms081 والمحتسب: # وجد الماوردي أن بين المتطوع والمحتسب تسعة أوجه (3): # 1 أن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية، وفرضه على غيره داخل في فروض ~~الكفاية. # 2 أن قيام المحتسب به من حقوق تصرفه الذي يجوز أن يتشاغل عنه، وقيام ~~المتطوع به من نوافل عمله الذي يجب أن يتشاغل عنه بغيره. # 3 أنه منصوب للاستعداء إليه فيما يجب إنكاره، وليس المتطوع منصوبا ~~للاستعداء. # 4 أن على المحتسب إجابة من استعداه وليس على المتطوع إجابته. # 5 أن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها، ويفحص عما ترك ~~من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته، وليس على غيره من المتطوعة بحث ولا فحص. # 6 أن له أن يتخذ على إنكاره أعوانا، لأنه عمل هو له منصوب، وإليه مندوب، ~~ليكون له أقهر وعليه أقدر، وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعوانا. # 7 أن له أن يعزر في المنكرات الظاهرة لا يتجاوز إلى الحدود، وليس للمتطوع ~~أن يعزر على منكر. # 8 أن له أن يرتزق على حسبته من بيت المال، ولا يجوز للمتطوع أن يرتزق على ~~إنكار منكر. # 9 أن له اجتهاد رأيه فيما تعلق بالعرف دون الشرع، فيقر وينكر من ذلك ما ~~أداه اجتهاده إليه، وليس هذا للمتطوع، فيكون الفرق بين والي الحسبة وإن كان ~~يأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين غيره من المتطوعين، وإن جاز أن يأمر ~~بالمعروف وينهي عن المنكر من هذه الوجوه التسعة. # علم آداب الحسبة: PageV01P096 # هي من جملة الواجبات ولا بد وأن يكون المحتسب عالما بمواقع الحسبة وأن ~~يكون ورعا حسن الخلق إذ العلم والورع لا يكفي في اللطف والرفق ما لم يكن ~~لصاحبه حسن الخلق، ومن آدابها تقليل العلائق حتى لا يكثر خوفه ويقطع الطمع ~~حتى تزول عنه المداهنة، وهذا العلم من العلوم المتعلقة بالعادات ذكره في ~~مدينة العلوم وقد تقدم الكلام عليه أيضا في علم الاحتساب (1). # شروط المحتسب: # وأجمل الفقهاء المسلمون وفي مقدمتهم الشيزري صاحب كتاب (نهاية الرتبة في ~~طلب الحسبة) الشروط الواجب توفرها في المحتسب ومنها (2): # أن يكون فقيها ms082 عارفا بأحكام الشريعة، وأن يعمل بما يعلم بحيث لا يكون ~~فعله مخالفا لقوله، وأن يقصد في قوله وفعله وجه الله تعالى، وطلب مرضاته، ~~مخلصا النية، لا يشوبه في طوية رياء ولا مراء، وأن يكون مواظبا على سنن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مع القيام على الفرائض والواجبات، وأن ~~يكون من شيمته الرفق، ولين القول، وطلاقة الوجه، وسهولة الأخلاق عند أمره ~~للناس ونهيهم، وأن يكون عفيفا عن أموال الناس، متورعا عن قبول الهدية من ~~المتعيشين وأرباب الصناعات لأنها رشوة، وعليه أن يلزم أعوانه وغلمانه بما ~~التزمه بهذه الشروط. # بالغا، عاقلا، ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة، ~~وان يكون عالما من أهل الاجتهاد، عفيفا منزها عن قبول الرشوة. # مهمة المحتسب: # إذا كانت الحسبة وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~فلا ينبغي أن يقصر أمرها ونهيها على حقوق الله، وما حده من حدود، بل يشملان ~~في الحسبة حقوق البشر، والحقوق المشتركة بين الله وعباده. # وقد أجمل الدكتور القوصي مهام المحتسب في التالي: مراقبة التجار وأرباب ~~الحرف، كإجبار الطبيب على دفع دية المريض الذي يموت بسبب سوء علاجه، ووضع ~~الشروط على الحرف التي تتطلب النظافة، وتتصل بالطعام والشراب، كالعجانين ~~والسقائين والجزارين والحلوانيين وغيرهم، ومراقبة الأسعار والموازين، ومنع ~~التلاعب في الأسعار، أو الغش في الكيل والميزان، ومنع الاحتكار، ومراقبة ~~أبنية السوق وطرقاته، وأن يجعل لكل صنعة سوقا، وأن يجعل على أهل كل صنعة ~~عريفا من صالح أهلها، خبيرا بصيرا بغشوشهم وتدليسهم، ومراقبة الأخلاق ~~العامة، كمنع شرب الخمر، ومنع تعرض الرجال للنساء في السوق، وعدم طرح ~~الأقذار على جوانب الطريق، وإرسال الماء من المزاريب إلى الطريق، ومراقبة ~~العبادات إذ يأخذ المسلمين لصلاة الجمعة والجماعات والأعياد، ويمنعهم من ~~الإفطار PageV01P097 # في رمضان، وعنايته بنظافة الجوامع، وإظهار هيبة الإسلام، كما يراقب ~~المحتسب حسن معاملة العبيد والإماء والرفق بالحيوان، وعدم تسخيره فيما لا ~~يطيق، ويرعى الأطفال اللقطاء، ويمنع معلمي الصبيان من ضرب صبيانهم ضربا ~~مبرحا، ويمنع الحمالين وأهل السفن من زيادة التحميل خوفا ms083 من غرق السفينة ~~(1). # وكان المحتسب يأخذ على الأطباء، وأصحاب المهن الطبية عهد (أبقراط): ألا ~~يعطوا أحدا دواء مضرا، ولا يركبوا له سما، ولا يصفوا التمائم عند أحد من ~~العامة، ولا يذكروا للنساء الدواء الذي يسقط الأجنة، ولا للرجال الدواء ~~الذي يقطع النسل، وليغضوا أبصارهم عن المحارم عند دخولهم على المرضى، ولا ~~يفشوا الأسرار، ولا يهتكوا الأستار. # ويحيل على رئيس الأطباء من يريد مزاولة الطب من الكحالين، والمجبرين، ~~والجرائحيين وغيرهم للامتحان بل إعطائهم إجازة العمل. # وذكر محمد ابن الأخوة، صاحب (معالم القربة في مسائل الحسبة) أن المحتسب ~~كان يمتحن الكحالين بكتاب حنين بن إسحق (العشر مقالات في العين) قبل أن ~~يأذن لهم بالتصدي لمداواة أعين الناس؛ أما الجرائحيون فيجب عليهم معرفة ~~كتاب جالينوس في الجراحات والمراهم، وأن يعرفوا التشريح وأعضاء الإنسان. # يقول الفقيه ابن عبدون الأندلسي: يجب ألا يترك أحد يتسور في شيء لا ~~يحسنه، لا سيما صناعة الطب الذي فيه إتلاف المهج (2). # وذكر القفطي، وابن أبي أصيبعة، أن الخلفاء كانوا يباشرون مهمة المحتسب ~~بأنفسهم في بعض الأحيان، ويقومون بتطهير هذه المهنة العلمية من الجهلة ~~والمتطفلين عليها، وتحدثوا عن رواية امتحان المأمون لصيادلة بغداد، وعن ~~امتحان المعتصم بالله العباسي للصيادلة في معسكره. # ورأى الماوردي في أحكامه، أن من واجبات المحتسب مراقبة المتسولين، ومنع ~~الأغنياء من طلب الصدقة، وتأديبهم إذا لم يمتنعوا، وإعلامهم بأنها محرمة ~~على المستغني عنها، وإذا ما رأى السائل ذا جلد وقوة على العمل زجره وأمره ~~أن يحترف عملا ما، فإذا أقام على التسول عزره وأدبه حتى يقلع عنه، وعليه ~~منع التكسب بالكهانة واللهو والتأديب على ذلك، وأخذ أهل الذمة بما شرط ~~عليهم، وعليه أن يمنع عنهم من يتعرض لهم بأذى، ويؤدب من خالف ذلك، ويمنع ~~المحتسب كشف حرمات المنازل، والاستطالة عليها، حتى أن محتسب الكوفة لم يسمح ~~للمؤذن بصعود المئذنة إلا إذا كان كفيفا. # المحتسب يستنفر الناس للجهاد: PageV01P098 # ذكر كمال الدين بن أبي جرادة كيفية النفير بطرسوس، وكيف كان يجري أمره، ~~قرأت بخط أبي عمرو القاضي في كتابه ms084 قال: يركب المتولي لعمل الحسبة أي وقت ~~وقع النفير من ليل أو نهار ورجالته بين يديه ينادون بأعلى أصواتهم أجمع ~~صوتا واحدا يقولون النفير يا أصحاب الخيل والرجالة، النفير حملكم الله إلى ~~باب الجهاد، وإن أراد إلى باب قلميه أو إلى باب الصاف أو إلى أي باب اتفق ~~وتغلق سائر أبواب المدينة وتحصل مفاتيحها عند صاحب الشرطة فلا تزال مغلقة ~~حتى يعود السلطان من النفير ويستقر في داره، ثم تفتح الأبواب المغلقة كلها، ~~ويطوف المحتسب ورجالته الشوارع الجداد كلها، فإن كان ذلك نهارا إنصاف إلى ~~رجالته عدد كثير من الصبيان وساعدوهم على النداء بالنفير وربما احتاجوا إلى ~~حشد الناس لشدة الأمر وصعوبة الحال فأمر أهل الأسواق بالنفير، وحضهم على ~~المسير في أثر الأمير أين أخذ وكيف سار، ويكون مركز صاحب الشرطة إذا وقع ~~النفير مع رجالته الموسومين به عند الباب الأول الذي يلي المدينة الذي يخرج ~~منه الناس إلى النفير، وكذلك المحتسب إلا أن المحتسب يتردد في الأسواق إذا ~~طال أمر النفير وتأخر خبره ويبعث على اللحوق بمن سار مع الأمير وبمن توجه ~~إلى النفير، فلا يزال الأمر على هذا حتى يعود السلطان إلى دار الإمارة، ~~ويخرج إلى النفير قواد الرجالة معروفون متى عقد السلطان لقائد من الفرسان ~~فبعثه للقاء من ورد من ذلك الوجه أضاف إليه قائدا من قواد الرجالة وأتبعه ~~(1). # وظيفة المحتسب وظيفة القضاء: # وعندما تولى منصب الاحتساب بمصر مصطفى كاشف كرد، طلب قوائم مشتريات ~~التجار، ونظر في مكايلهم فضاق خناق أكثر الناس من ذلك لكونهم لم يعتادوه من ~~محتسب قبله، وكأنه وصله خبر ولاة الحسبة وأحكامهم في الدول المصرية، فإن ~~وظيفة أمين الاحتساب وظيفة قضاء، وله التحكم والعدالة والتكلم على جميع ~~الأشياء وكان لا يتولاها إلا المتضلع من جميع المعارف والعلوم والقوانين ~~ونظام العدالة حتى على من يتصدر لتقرير العلوم فيحضر مجلسه ويباحثه، فإن ~~وجد فيه أهلية للإلقاء أذن له بالتصدر أو منعه حتى يستكمل، وكذلك الأطباء ~~والجراحية حتى البياطرية والبزدرية ومعلمو الأطفال في المكاتب ومعلمو ~~السباحة ms085 في الماء والنظر في وسق المراكب في الأسفار وأحمال الدواب في نقل ~~الأشياء ومقادير روايا الماء مما يطول شرحه، وفي ذلك مؤلف للشيخ بن الرفعة ~~وقد يسهل بعض ذلك مع العدالة وعدم الاحتكار وطمع المتولي وتطلعه لما في ~~أيدي الناس وأرزاقهم (2). # الشرطة: # وظيفة هامة في الدولة الإسلامية، ترتبط بالقضاة وتساعدهم في تنفيذ ~~الأحكام الشرعية وإقامة الحدود، وكان يطلق على صاحب الشرطة: صاحب الليل، ~~وصاحب المدينة، لأنه يقوم بحفظ النظام، PageV01P099 # ويساعد الوالي على استتباب الأمن في المدينة، ويقبض على الجناة وأصحاب ~~الفساد والشر لتقديمهم إلى القضاء، وكانت توكل إلى كبار القواد والموالي ~~المخلصين لهم (1). # وسمي الشرط لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها الواحد شرطة و شرطي ~~بسكون الراء فيهما، وقال أبو عبيد: سموا شرطا لأنهم أعدوا من قولهم أشرط من ~~إبله وغنمه أي أعد منها شيئا للبيع (2). # قال ابن خلدون في مقدمته: وكان أصل وضعها في الدولة العباسية لمن يقيم ~~أحكام الجرائم في حال استبدادها أولا ثم الحدود بعد استيفائها، فإن التهم ~~التي تعرض في الجرائم لا نظير للشرع إلا في استيفاء حدودها وللسياسة النظر ~~في استيفاء موجباتها بإقرار يكرهه عليه الحاكم إذا احتفت به القرائن لما ~~توجبه المصلحة العامة في ذلك، فكان الذي يقوم بهذا الاستبداد وباستيفاء ~~الحدود إذا تنزه عنه القاضي يسمى صاحب الشرطة، وربما جعلوا إليه النظر في ~~الحدود والدماء بإطلاق، وأفردوها من نظر القاضي. # ونزهوا هذه المرتبة وقلدوها كبار القواد، وعظماء الخاصة من مواليهم، ولم ~~تكن عامة التنفيذ في طبقات الناس إنما حكمهم على الدهماء وأهل الريب، ~~والضرب على أيدي الرعاع والفجرة، ثم عظمت نباهتها في دولة بني أمية ~~بالأندلس ونوعت إلى شرطة كبرى، وشرطة صغرى (3). # وجرت عادة العباسيين على اختيار صاحب الشرطة من علية القوم، ومن أهل ~~العصبية والقوة، وكانت مهمة الشرطة الكبرى الضرب على أيدي الزعماء وعلى ~~أيدي أقاربهم في الظلامات، والصغرى تحكم في الرعاع وعامة الناس. # واجبات الشرطة: # أجمل الأستاذ أنور الرفاعي، في كتابه القيم (الإنسان العربي والحضارة) ~~واجبات الشرطة بما يلي: حفظ النظام، ms086 وحفظ الأمن، مراقبة أماكن اللهو واللعب ~~ومنع ما يقع فيها من مخالفات، وتنفيذ أوامر السلطان، وتنفيذ أوامر القضاة، ~~وإدارة السجون (4). # كما أوكل إليها حراسة بيت المال، والنظر في الجرائم، ومراقبة الأماكن ~~العامة، ومساعدة عمال الخراج، ومراقبة أبواب المدن، والنظر في الحدود، وكان ~~صاحب الشرطة ينوب عن الأمير إذا غاب، وعلى العموم فقد كان أصل وضعها لمن ~~كان يقيم أحكام الجرائم في حالة استبرائها أولا، ثم الحدود بعد استيفائها. # شروط صاحب الشرطة: PageV01P100 # ذكر ابن أبي الربيع صاحب كتاب (سلوك المالك في تدبير الممالك) ما ينبغي ~~أن يكون عليه صاحب الشرطة من خصال فقال: أما صاحب الشرطة فينبغي أن يكون ~~حليما مهيبا، دائم الصمت، طويل الفكر، بعيد الغور. # وأضاف قائلا: وأن يكون غليظا على أهل الريب في تصاريف الحيل، شديد ~~الفطنة؛ وأن يكون ظاهر النزاهة غير عجول، وأن يكون نظره شزرا، قليل التبسم، ~~غير ملتفت إلى الشفاعات؛ وأن يأمر أصحابه بملازمة المحابس، وتفتيش الأطعمة ~~وما يدخل السجون؛ ويجب عليه عمارة سور المدينة وأبوابها، ولم شعثها، ومعرفة ~~من يدخلها. # العسس أو حراس الليل: # نظام أمني في الدولة الإسلامية، مهمته الطواف بالليل، لتتبع اللصوص، وطلب ~~أهل الفساد. # وفي لسان العرب: عس يعس عسسا، وعسا أي طاف بالليل ومنه حديث عمر رضي الله ~~عنه أنه كان يعس بالمدينة أي يطوف بالليل يحرس الناس ويكشف أهل الريبة ~~والعسس اسم منه كالطلب وقد يكون جمعا لعاس كحارس وحرس و العس نفض الليل عن ~~أهل الريبة (1). # وأول من استن نظام العسس الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان ~~يعس بالمدينة يحرس الناس، وينفض الليل عن أهل الريبة ويكشفهم (2). # ويروي ابن سعيد المغربي أنه كان للأندلس دروب تغلق ليلا، وتحرس بواسطة ~~رجال الشرطة المسمون (بالدرابين) وأن كل واحد كان معه سلاح وكلب وسراج. # وأجاز فقهاء الأندلس في عهد المرابطين فرض ضريبة أطلق عليها (التعتيب) ~~كان الغرض منها تأمين الأموال الكافية لترميم الحصون والقلاع والأسوار حول ~~المدن الرئيسية، ومن حصيلتها كانت تقوم PageV01P101 # بالإنفاق على أرزاق الجند والموظفين، وإنشاء ms087 المشروعات العامة، ونفقات ~~الحملات العسكرية، وشراء الأسلحة والمعدات الحربية، وترتيب العسس والدرابين ~~لحراسة الأسواق والطرقات والدروب وغير ذلك (1). # سبق في ميدان التنظيم المدني: # حدث بمراكش أيام الموحدين سنة 571 ه طاعون شديد، فكان الرجل لا يخرج من ~~منزله حتى يكتب اسمه ونسبه وموضعه في بطاقة يضعها في جيبه، فإن مات حمل إلى ~~أهله بالموضع المذكور في البطاقة. # وتستخدم الجيوش في زمن الحرب الآن بطاقة معدنية، يعلقها الجنود في سلسلة ~~معدنية خفيفة بصدورهم، مع إضافة الرقم العسكري، والزمرة الدموية، والدين، ~~لتسهيل إسعاف الجرحى، وإجراء المراسم الدينية لمن يقتل منهم. # ويعلق الأستاذ محمد المنوني في كتابه (حضارة الموحدين) على هذه البطاقة ~~فيقول: هذا النوع من (الكارني) الذي سبق الموحدون إلى استعماله، كاف في ~~الإعراب عن عظمته، ناطق بعبقرية الموحدين في ميداني الابتكار والنظام (2). ~~PageV01P102 ### | من هم رجال الحسبة؟ # (1) # رجال الحسبة هم أناس متفرغون لإنكار المنكرات الظاهرة سواء تبرع أو ~~بمرتبات من بيت مال المسلمين، ومن وظائفهم الاحتساب في إنكار المنكرات في ~~الأسواق وغيرها مثل: ### | 1 - # الاختلاط والتبرج المحرمين شرعا. ### | 2 - # تشبه أحد الجنسين بالآخر. ### | 3 - # تعرض الرجال للنساء بالقول أو بالفعل. ### | 4 - # الجهر بالألفاظ المخلة بالحياء، أو المنافية للآداب. ### | 5 - # تشغيل المذياع، أو التلفزيون، أو المسجلات وما ماثل ذلك بالقرب من ~~المساجد أو على أي نحو يشوش على المصلين. ### | 6 - # إظهار غير المسلمين لمعتقداتهم، أو شعائر مللهم، أو إظهارهم عدم الاحترام ~~لشعائر الإسلام وأحكامه. ### | 7 - # عرض، أو بيع الصور، والكتب، أو التسجيلات المرئية، أو الصوتية، المنافية ~~للآداب الشرعية، أو المخالفة للعقيدة الإسلامية اشتراكا مع الجهات المعنية. ### | 8 - # عرض الصور المجسمة، أو الخليعة، أو شعارات الملل غير الإسلامية كالصليب، ~~أو نجمة داوود، أو صور بوذا، أو ما ماثل ذلك. ### | 9 - # صنع المسكرات أو ترويجها، أو تعاطيها اشتراكا مع الجهات المعنية. ### | 10 - # منع دواعي ارتكاب الفواحش "مثل الزنا واللواط والقمار" أو إدارة البيوت، ~~أو الأماكن لارتكاب المنكرات، والفواحش. ### | 11 - # البدع الظاهرة كتعظيم بعض الأوقات، أو الأماكن غير المنصوص عليها شرعا، ~~أو الاحتفال بالأعياد، والمناسبات البدعية ms088 غير الإسلامية. ### | 12 - # أعمال السحر والشعوذة، والدجل، لأكل أموال الناس بالباطل. ### | 13 - # تطفيف الموازين والمكاييل. # كما يدخل في عملهم كذلك: ### | 1 - # مراقبة المسالخ، للتحقق من الصفة الشرعية للذبح. ### | 2 - # مراقبة المعارض، ومحلات حياكة ملابس النساء. PageV01P103 # ولا يغني عنهم وجود شرطة الآداب لأن شرطة الآداب الموجودة في بعض البلدان ~~لا يقومون بإنكار كل هذه المنكرات والقضاء عليها، بل يطبقون قانونا هو على ~~أحسن الأحوال يشتمل على حق وباطل، بينما رجال الحسبة يأمرون بكل ما أمر ~~الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم -،ويلزمون الناس بالواجب، وينهون عما ~~نهى الله عنه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ويتدخلون لمنع المحرمات # PageV01P104 ### | ضوابط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # (1) # إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظيمة في الإسلام، بل هي ~~الشعيرة المميزة للأمة المسلمة، كما قال الله تعالى: " {كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (110) سورة آل ~~عمران، وهي الشعيرة الفارقة بين المؤمنين والمنافقين {المنافقون والمنافقات ~~بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله ~~فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون} (67) سورة التوبة، وقال {والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز ~~حكيم} (71) سورة التوبة، وهي شعيرة معدودة في أسباب النجاة من العذاب {فلما ~~نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب ~~بئيس بما كانوا يفسقون} (165) سورة الأعراف، وقد أخبر - صلى الله عليه وسلم ~~- بالأثر الخطير لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «إن أول ما دخل ~~النقص على بنى إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما ~~تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه ~~وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض». ثم قال (لعن الذين كفروا ~~من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم) إلى قوله (فاسقون) ثم قال ~~«كلا والله ms089 لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدى الظالم ~~ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا» (2). # ومع هذه الأهمية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثره في الأمة فلابد ~~من معرفة جملة من الأمور المهمة. # شروط إنكار المنكر: # وضع الفقهاء عدة شروط لإنكار المنكر متى تم استيفاؤها لزم الإنكار أو ~~التغيير، وأهم هذه الشروط خمسة: # (1) وجود منكر. # (2) أن يكون المنكر موجودا في الحال. # (3) أن يكون المنكر ظاهرا دون تجسس PageV01P105 # (4) أن يكون المنكر معلوما بغير اجتهاد. # (5) أن يدفع المنكر بأيسر ما يندفع به. # الشرط الأول: وجود منكر: # ونعني به كل معصية حرمتها أو كرهتها الشريعة: # الشرط الثاني: أن يكون المنكر موجودا في الحال: # والمعنى أن يكون مقارف المنكر مباشرا له في الحال أي وقت النهي أو ~~التغيير، فليس هناك نهي على من باشر المنكر وانتهى منه، فذلك أمره إلى ~~السلطات العامة لتوقيع العقاب عليه، وأيضا ليس هناك نهي على المنكرات ~~المستقبلية، كأن يعرف الناهي بقرينة الحال أن الشخص قد عزم على الشراب في ~~ليلة فليس له إلا وعظه، وإن أنكر عزمه على ذلك لم يجز وعظه؛ لأن في ذلك ~~إساءة ظن بالمسلم. # الشرط الثالث: أن يكون المنكر ظاهرا دون تجسس: # أن يكون المنكر ظاهرا بغير تجسس أو تفتيش، فإذا توقف إظهار المنكر على ~~إيهام لم يجز الإنكار لتحريم التجسس كتابا وسنة، فالله يقول: {يا أيها ~~الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب ~~بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله ~~تواب رحيم} (12) سورة الحجرات، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~لمعاوية: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم». فقال أبو ~~الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفعه الله ~~تعالى بها. أخرجه أبو داود (1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «يا معشر من ~~آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ~~فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ms090 ومن يتبع الله عورته يفضحه فى بيته» ~~أخرجه أبو داود (2). ... ولكن ذلك مقيد بعدم ظهور آثار لذلك المنكر. # الشرط الرابع: أن يكون المنكر معلوما بغير اجتهاد: # فكل أمر محل اجتهاد لا نهي فيه، وليس للمجتهد أن يتعرض بالردع والزجر على ~~مجتهد آخر في موضع الخلاف. # الشرط الخامس: أن يدفع المنكر بأيسر ما يندفع به: # ويشترط في دفع المنكر أن يدفع بما دفعه وبأيسر ما يدفعه، فلا يجوز أن ~~يدفع المنكر بأقل مما يدفعه ما دام الدافع قادرا على دفعه بالأكثر، ولا ~~يجوز أن يدفع بأكثر مما يدفعه لأن ما زاد على الحاجة يعتبر جريمة، ولكن ~~يجوز دفع المنكر بأقل مما يدفعه في حال عدم القدرة كالدفع بالقلب لمن لا ~~يستطيع PageV01P106 # الإنكار باليد أو اللسان ... ، وإذا كان المقصود بالأمر بالمعروف إيقاع ~~المعروف والنهي عن المنكر فإذا ارتفع الغرض بالأمر السهل لم يجز العدول عنه ~~إلى الأمر الصعب، وهذا مما يعلم عقلا وشرعا. # شروط القائم بالأمر والنهي: # الشرط الأول: الإسلام # وليس على غير المسلم التزام بمثل هذا الواجب؛ لأن معنى إلزامه به هو ~~إلزام بالدعوة إلى غير ما يعتقده ويؤمن به، وذلك يدخل في باب الإكراه ~~المنهي عنه في الإسلام في قوله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من ~~الغي .. } (256) سورة البقرة، فضلا عن أن ذلك معارض من وجهين: الأول أن ~~الاحتساب واجب ديني، وثانيهما أنه سلطة وولاية، وليس لغير المسلم ولاية على ~~المسلم. # الشرط الثاني: التكليف: # ويشترط في من يمارس الرقابة أن يكون مكلفا أي بالغا عاقلا لا يحول دون ~~تكليفه حائل، وهذا الشرط شرط للوجوب وليس شرطا للأداء، أي أن الرقابة ~~باعتبارها واجبا لا يثبت إلا في حق المكلف فقط ويسأل عن تركها، بعكس غير ~~المكلف الذي لا يلزم بأدائها ولا يسأل عن تركها. # الشرط الثالث: العلم: # ولا يكون العمل صالحا إن لم يكن بعلم وفقه، كما قال عمر بن عبد العزيز: ~~من تعبد بغير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح، (1)." ولابد أن يكون الآمر ~~بالمعروف والناهي ms091 عن المنكر عالما بحكم الشرع فيما يأمر به وينهى عنه .. ~~فإن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه. # الشرط الرابع: القدرة: # ولها أربع أحوال: # الحالة الأولى: أن يعلم أنه لا ينفع كلامه ويضر به إذا تكلم، فلا تجب ~~عليه الحسبة، بل ربما تحرم في بعض المواضع، ولكن يلزمه عدم حضور مواضع ~~المنكر والاعتزال في بيته، وعدم الخروج إلا لحاجة ملحة أو واجب، وعليه ~~الهجرة إذا أرهق على الفساد وكان قادرا عليها. # الحالة الثانية: يعلم بأن المنكر يزول بقوله وفعله ولا يسبب له مكروها، ~~فيجب الإنكار وهذه هي القدرة المطلقة. # الحالة الثالثة: أن يعلم أنه لا يفيد إنكاره لكنه لا يخاف مكروها، فلا ~~تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها، ولكن تستحب، لإظهار شعائر الإسلام وتذكير ~~الناس بأمر الدين. PageV01P107 # الحالة الرابعة: وهو أنه يعلم أنه سيصاب بمكروه ولكن يبطل المنكر بفعله، ~~كأن يريق الخمر من يد الفاسق ولكن يعلم أنه يرجع إليه فيضرب رأسه، فهذا ليس ~~بواجب وليس بحرام بل هو مستحب. # وقد قال الحسن البصري رحمه الله: (إنما يكلم مؤمن يرجى أو جاهل يعلم فأما ~~من وضع سيفه أو سوطه فقال: اتقني اتقني فما لك وله؟) (1) و عن حذيفة قال ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا ينبغى للمؤمن أن يذل نفسه». # قالوا وكيف يذل نفسه. قال «يتعرض من البلاء لما لا يطيق» أخرجه الترمذي ~~(2). # قال الحافظ ابن حجر (3): وقال بعضهم: يجب إنكار المنكر، لكن شرطه أن لا ~~يلحق المنكر بلاء لا قبل له به من قتل ونحوه. # وقال آخرون: ينكر بقلبه لحديث أم سلمة مرفوعا " يستعمل عليكم أمراء بعدي، ~~فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع " الحديث (4) قال: ~~والصواب اعتبار الشرط المذكور ويدل عليه حديث " لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ~~(5) " ثم فسره بأن يتعرض من البلاء لما لا يطيق انتهى ملخصا. # وقال غيره (غير الطبري): يجب الأمر بالمعروف لمن قدر عليه ولم يخف على ~~نفسه منه ضررا ولو كان الآمر متلبسا بالمعصية، لأنه في ms092 الجملة يؤجر على ~~الأمر بالمعروف ولا سيما إن كان مطاعا، وأما إثمه الخاص به فقد يغفره الله ~~له وقد يؤاخذه به. # معيار الموازنة عند كل من ابن قيم الجوزية وابن تيمية: # أ. عند ابن قيم الجوزية: يرى أن الموازنة بين إنكار المنكر ونتيجته تتمثل ~~في أربع حالات. # 1. أن يزول المنكر ويخلفه ضده. # 2. أن يقل المنكر وإن لم يزل بجملته. # 3. أن يخلف المنكر ما هو مثله. # 4. أن يخلف المنكر ما هو شر منه. # فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة. # حدود القدرة والاستطاعة: PageV01P108 # إن أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أوضحت لنا - بلا أدنى شك - ~~حدود الاستطاعة البشرية في الإنكار ... والعبرة هو حديث مسلم الذي رواه عن ~~أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ~~وذلك أضعف الإيمان» (1). ويكتمل المعنى في هذا الحديث بحديثين آخرين يوضحان ~~حد القدرة التي يقف عندها كل مسلم في إنكاره ... وأولهما قول الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما ~~استطعتم .. » (2). # وثانيهما: هو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ليس للمؤمن أن يذل ~~نفسه، قالوا: يا رسول الله، وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا ~~يطيق (3). # مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: # أ. الإنكار القلبي (المقاومة السلمية): # قال تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون ~~الله من أولياء ثم لا تنصرون} (113) سورة هود. # ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - «سيكون أمراء تعرفون وتنكرون فمن ~~أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رغب وتابع». قالوا يا رسول الله ألا ~~نقاتلهم قال «لا ما صلوا الصلاة» (4). # و عن جابر بن عبد الله، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -،قال لكعب بن ~~عجرة: أعاذك الله يا كعب بن عجرة من إمارة السفهاء، قال: وما إمارة ~~السفهاء؟ قال: أمراء يكونون من بعدي لا يهتدون ms093 بهديي ولا يستنون بسنتي، فمن ~~صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون علي ~~حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم ~~وسيردون علي حوضي (5). # ب. الإنكار القولي: # وللإنكار القولي درجات ومراحل منها: # 1. التعريف: فقد يقدم المكلف على اقتراف المنكر جهلا منه بكونه منكرا، ~~حتى إذا وجد من يرده إلى طريق الحق اهتدى، فيلزم التعريف أولا بأسلوب هادئ ~~رقيق، وينبه الإمام الغزالي إلى آفة خطيرة، PageV01P109 # وهي أن يدل العالم على مقترف المنكر بعلمه، فيكون هدفه إثبات تفوقه عليه، ~~فإن كان الباعث هذا فهذا منكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه. # 2. النهي بالوعظ، والنصح والتخويف بالله تعالى، ويكون فيمن يقدم على ~~الأمر وهو عالم بكونه منكرا، أو فيمن أصر عليه بعد أن عرف كونه منكرا، ~~ويباشر المحتسب النصح في هذا المقام من غير عنف ولا غضب. # 3. السب والتعنيف بالقول الخشن: ويكون ذلك عند العجز عن منعه باللطف، ~~وظهور مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح، وليس المقصود بالسب أن ~~يرميه بهجر القول والفاحشة، بل يقتصر على السب الخفيف الذي يصدق على واقع ~~الحال، كأن يقول له: يا من لا يتقي الله، يا فاسق يا جاهل ... إلخ، وهنا ~~ينبغي مراعاة ما يلي: # أ. أن لا يقدم على التعنيف إلا عند الضرورة والعجز بالطريقة الأولى. # ب. أن لا ينطق إلا بصدق، ولا يسرف في الكلام، بل يقتصر على قدر الحاجة. # 4. التهديد والتخويف: وشرط ذلك أن لا يهدده بوعيد لا يجوز له تحقيقه، ~~كقوله: لأنهبن دارك، أو لأسبين زوجتك، وما يجري مجراه فهذا حرام إن قصد ~~فعله، وكذب إن لم يقصد إليه. # ج. الإنكار الفعلي: وهو نوعان: # (أ) الإنكار باليد فيما دون استخدام السلاح # (ب) الإنكار باليد بالخروج والسلاح عند الضرورة. # إن الأمر والنهي دين وشرع وليس مشاعر خاصة ولا حماسة طارئة ولا رد فعل ~~عارض، فلابد من الانضباط الشرعي، ومراعاة المصالح والمفاسد على أساس شرعي، ~~مع اليقين التام والتسليم الكامل بأن ما في الشرع ms094 هو المحقق للمصالح ~~الدنيوية والأخروية، وهو الأجدى، والأنفع للفرد والمجتمع، ومن هنا نقول: # أ. الإنكار القلبي إنكار تغييري بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال:"فليغيره" ثم ذكر وسائل التغيير "بقلبه" وفيه فوائد: # * إبقاء جذوة الإيمان متقدة. # * التفريق بين المؤمن والمنافق فكلاهما لم يغير باليد، لكن الأول كاره ~~والثاني راض. # *المحاصرة النفسية والعملية لفاعل المنكر؛ حتى لا يجد من يعينه أو يهون ~~عليه المنكر، بل يرى نفسه مهجورا مذموما. # ب. الإنكار القولي: وهو جهاد الدعوة ومداه واسع وأثره كبير وفوائده عديدة ~~ووسائله متنوعة والتقصير فيه كبير، ويمكن أن يكون تأثيره كبيرا في تغيير ~~كثير من المنكرات. # PageV01P110 # ج. الإنكار باليد يمكن ممارسته في دائرة الولاية داخل الأسرة أو داخل ~~العمل الذي يملكه الإنسان ويتصرف فيه، ولكن لابد من مراعاة المراتب والتدرج ~~وكذلك الأسلوب. # أما الإنكار العام فإن كان يؤدي إلى منكرات أكبر أو اضطراب في الأحوال ~~وخلل في الأوضاع وحتى ضرر مؤكد أو غالب على الإنسان فتركه صحيح، وأما ~~الخروج فضرره أكبر وخطره أعظم في الجملة، والبعد عنه والتحذير منه مهم لدفع ~~مفاسده، والله أعلم. # PageV01P111 ### | ضرب المتهم عند التحقيق # ! (1) # إن قيام المسئول بضرب الجاني أو المعتدي المنتهك لحق من حقوق الله أو ~~حقوق العباد أو كان الضرب لانتزاع الاعتراف من شخص اشتهر بالفساد أو له ~~سوابق من ذلك - فالضرب لهؤلاء وأمثالهم جائز شرعا. وثبت في السنن أن النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - حبس رجلا فى تهمة (2). # وفي غزوة بدر ظفر المسلمون برجلين على الماء فجأوا بهما إلى الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو يصلي -ورجوا أن يكونا من جيش أبي سفيان وهما يقولان: ~~فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهما، ورجوا ~~أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما. فلما أذلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان ~~فتركوهما. وركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسجد سجدتيه ثم سلم وقال ~~إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما " (3). # وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - إقرار على الضرب التهمة وإنما أنكر على ~~أصحابه استمرار الضرب ms095 بسبب بعد اعتراف المتهم. # وعلى هذا فإن الضرب في هذه الأحوال: ### | 1 - # إذا كان الضرب لانتزاع الاعتراف من شخص مشهور بالفساد مع وجود قرائن ~~عديدة على ارتكابه لذلك الجرم إذا كان في إنكاره ضياع للحق العام أو الحقوق ~~الخاصة. ### | 2 - # الضرب للتأديب كتأديب عاق الوالدين أو من يقومون بأذية الناس والجيران في ~~حالة انتهاء القضية دون وصولها للشرع. # ونحوها فيما لا يتوقف الحكم فيها على الدعوى (الخصومة) وإنما على الحسبة ~~فقط وعامة الجزاءات المعمول بها عند الشرط هي في الأصل من باب الاحتساب ~~وعلى الضابط وهو يقوم بضرب المتهم المشهور بالفساد أو من له سوابق فيه أن ~~يتذكر أنه يقوم مقام المحتسب فلا يظلم ولا يحابي قريبا أو صديقا. ~~PageV01P112 ### | وجوب تمييز غير المسلمين في المجتمع الإسلامي باللباس # (1) # لقد نقل الإمام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (2) إجماع العلماء على وجوب ~~أن يلبس أهل الذمة لباسا أو علامة تميزهم عن المسلمين، وقد اشترط عمر رضي ~~الله عنه على نصارى الشام أن لا يتشبهوا بالمسلمين، وكان ذلك بمحضر من ~~الصحابة، فلم ينكروه، فكان ذلك إجماعا، وعلى ذلك مضى عمل الخلفاء من بعده، ~~والحكمة في ذلك ظاهرة بينه - والحمد لله - وهي أن أهل الذمة الذين يعيشون ~~مع المسلمين، ويختلطون بهم في نواديهم وأسواقهم لا يختلفون في أحكامهم ~~وحقوقهم العامة عن المسلمين، لكن المسلمين مخاطبون بأحكام الشريعة، ~~ومؤاخذون بها في القانون الإسلامي، في العبادات والمعاملات، مما هو من ~~خصائص أهل الإسلام دون غيرهم، فوجب تميزهم لأمور منها: # 1/ حماية جناب الشريعة، وتحقيق مقاصدها، بظهور خصائص الإسلام وتعاليمه ~~على أشخاص المسلمين وفي واقع حياتهم، ومنع أسباب التمازج المفضي إلى وجود ~~الذريعة للفسقة والمنافقين للتملص من قيود الشرع وتكاليفه. # 2/ الحفاظ على خصوصية المجتمع المسلم، ومنها مطالبته بالتزام الزي ~~الموافق لهدي الإسلام، ومنعه من تقليد غير المسلمين، مما يكون سببا في ~~ذوبان الشخصية، ولهذا لو تنازل المسلمون عن لباس الحشمة، وتشبهوا بلباس غير ~~المسلمين، لم يطالب أولئك بالتميز عنهم. # 3/ التفريق في الأحكام أثناء تطبيق قوانين الشريعة، خاصة في الأحكام ms096 التي ~~تندرج تحت عمل الحسبة، وفي أعمال البيع والتجارة، فيؤخذ المسلمون بما هو من ~~دين الإسلام، ولا يطالب غيرهم بما تكفلت الشريعة بإسقاطه، أو عدم مؤاخذتهم ~~به، كالجهاد والصلاة والصيام، وكدخول الكنائس والعمل فيها، وكأكل الربا ~~والخنزير، وشرب الخمر، لو عثر عليهم متلبسين بشيء من ذلك. ثم إننا نرى أن ~~غير المسلمين في بلادهم لا يحترمون مشاعر المسلمين وخصوصياتهم الدينية، ألا ~~ترى العالم قد فضل عطلة اليهود والنصارى السبت والأحد على عطلة المسلمين ~~الجمعة، ولم يرفع رأسا بأعيادهم، ولا تأريخهم الهجري، ولم يمتنع من ~~المجاهرة بشرب الخمر، والزنا، والربا، والتعري .. وكلها محرمة في دين ~~المسلمين، ولم يقل أحد بأن ذلك غير لائق في العصر الحاضر، وهذه الأمور التي ~~يفعلها غير المسلمين لأشد ضررا على المسلمين من دعوة غير المسلمين إلى ~~الامتياز بزي معين، روعيت فيه مصالح الطرفين، وكان القصد الأول منه الحفاظ ~~على هوية المجتمع المسلم، وليس انتقاص غيرهم، أو الإساءة إليهم. ~~PageV01P113 # الحسبة ... أركانها وآدابها ومراتبها (1) # الحسبة لغة: مشتقة من الاحتساب وهو طلب الأجر كما في الحديث: من صام ~~رمضان إيمانا واحتسابا (2). أي طلب الأجر من الله تعالى. # أما في الاصطلاح فهي "أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر ~~فعله" (3). # والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعم من الحسبة، فيؤمر بالمعروف وإن لم ~~يترك، وينهى عن المنكر وإن لم يرتكب، كما يفعل الخطباء والعلماء من الحث ~~على فعل الخيرات وترك المنكرات، فتكون الحسبة أخص من حيث إنها تتعلق ~~بالمعروف الذي ترك، والمنكر الذي فعل. # وأركان الحسبة هم:1) محتسب 2) محتسب عليه 3) محتسب فيه 4) احتساب. # فالمحتسب هو من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يشترط فيه ~~إذن من ولي الأمر"السلطان" فكل مسلم مأمور بتغيير المنكر لحديث «من رأى ~~منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك ~~أضعف الإيمان» (4). # ونقل القرطبي الإجماع على أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، ثم ~~إن من الحسبة، الحسبة على السلاطين، فكيف يطلب منهم الإذن للاحتساب عليهم؟! ms097 # ولكون المحتسب يرجى له الحصول على أجر الاحتساب شروط نذكر منها ما لا بد ~~منه: وهو الإسلام وإخلاص النية والمتابعة .. أي متابعة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في الاحتساب. ومنها: العلم بما يأمر به وينهى عنه، وبأحوال ~~المأمور والمنهي والملابسات وظروف المنكر. ومنها: القدرة على التغيير من ~~اليد إلى اللسان إلى القلب الذي لا يعفى منه أحد. # وهناك آداب للمحتسب من أهمها: # الرفق في الاحتساب ووضعه في موضعه، ومن الآداب: البدء بالنفس، والبدء ~~بالأهم، ومراعاة سنة التدرج، والموازنة بين المصالح والمفاسد، والصبر ~~واحتمال الأذى، والسعي لإيجاد البدائل الإسلامية للمنكرات المراد إزالتها. # المحتسب عليه: PageV01P114 # هو من يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن شروطه، أن يكون بصفة يصير ~~الفعل الممنوع منه في حقه منكرا؛ وإن لم يكن معصية يحاسب عليها ديانة، فكل ~~من الصبي والمجنون والناسي والجاهل يمنع من المنكر، وإن لم يكن مؤاخذا به ~~شرعا عند الله. والمحتسب عليهم يختلفون باختلاف حالهم في القرابة والبعد ~~والقوة والشوكة ودخولهم في الإسلام وغير ذلك. ولكل واحد منهم أحكام ومباحث ~~لا يتسع المجال لتفصيلها. # المحتسب فيه: # هو المنكر الموجود الظاهر للمحتسب بغير تجسس، ويكون مما يعلم أنه منكر ~~بغير اجتهاد، ومن شروطه: أن يكون موجودا في الحال هو أو مقدماته، أما ما ~~فات فليس فيه إلا النصح، وأن يكون ظاهرا يراه المحتسب أو يسمعه أو ينقل له ~~نقلا موثوقا، كل ذلك بدون تجسس، ومن شروطه: أن لا يكون مما اختلف فيه من ~~مسائل الاجتهاد اختلافا معتبرا، فلا إنكار في مسائل الاجتهاد. # الاحتساب: # وهو القيام بالحسبة: وهو مراتب ولكل مرتبة شروط. # الأولى: التغيير باليد وهي أقوى مراتب الحسبة، ومن أهم شروطها: القدرة ~~وعدم ترتب مفسدة أكبر من الاحتساب. # المرتبة الثانية: التغيير باللسان، وإنما ينتقل إليها إذا عجز عن اليد. # المرتبة الثالثة: الإنكار بالقلب، وهذا لا رخصة لأحد في تركه، بل يجب أن ~~يكون بعض المنكر وكراهيته في قلب كل مسلم، فآخر حدود الإيمان هو الإنكار ~~بالقلب. # وحقيقة الإنكار بالقلب، عدم الرضا بالمنكر ومفارقته والنفور منه. ms098 # PageV01P115 ### | التسعير .. أحكامه وأحواله # (1) # لا يخلو التسعير من حالتين: أن يكون في الأحوال العادية التي لا غلاء ~~فيها، أو أن يكون في حالة الغلاء. وفي كلا الحالتين اختلف أهل العلم رحمهم ~~الله في جوازه وبيان اختلافهم كالتالي: # الحالة الأولى: التسعير في الأحوال العادية التي لا غلاء فيها: # اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: # القول الأول: عدم جواز التسعير في الأحوال العادية التي لا يظهر فيها ظلم ~~التجار ولا غلاء في الأسعار، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية ~~والمالكية والشافعية والحنابلة وهو قول ابن عمر وسالم بن عبد الله والقاسم ~~بن محمد، واستدلوا بقول الله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} ~~[النساء:29]. # ووجه الدلاله في الآية الكريمة أن الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر ~~عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة رخص الثمن ~~أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين ~~الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به ~~مناف لقول الله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29]. # واستدلوا أيضا بما روي عن أنس قال قال الناس يا رسول الله غلا السعر فسعر ~~لنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن الله هو المسعر القابض ~~الباسط الرازق وإنى لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبنى بمظلمة فى دم ~~ولا مال» (2). # وبما رواه أبو داود عن أبى هريرة أن رجلا جاء فقال يا رسول الله سعر. ~~فقال «بل أدعو». ثم جاءه رجل فقال يا رسول الله سعر فقال «بل الله يخفض ~~ويرفع وإنى لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندى مظلمة» (3). # ووجه الدلاله من هذين الحديثين أنه عليه الصلاة والسلام لم يسعر وقد ~~سألوه ذلك ولو جاز لأجابهم إليه، وإذا كان عليه الصلاة والسلام لم يسعر وقد ~~طلب منه التسعير رغم غلاء السعر كما ورد في الحديث، فمن باب أولى أن لا ~~يكون تسعير في الأحوال التي تكون فيها الأسعار عادية. ms099 # قال ابن قدامة في المغني (4): قال بعض أصحابنا: التسعير سبب الغلاء، لأن ~~الجالبين إذا بلغهم ذلك، لم يقدموا بسلعهم بلدا يكرهون على بيعها فيه بغير ~~ما يريدون، ومن عنده البضاعة يمتنع من PageV01P116 # بيعها، ويكتمها، ويطلبها أهل الحاجة إليها، فلا يجدونها إلا قليلا، ~~فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها، فتغلوا الأسعار، ويحصل الإضرار بالجانبين، ~~جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى ~~غرضه، فيكون حراما. # القول الثاني: جواز التسعير في الأحوال العادية التي لا يظهر فيها ظلم ~~التجار ولا غلاء الأسعار. وهذا القول نقل عن سعيد بن المسيب وربيعة بن عبد ~~الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري، فالتسعير عندهم جائز مطلقا، وعللوا بأن فيه ~~مصلحة للناس، وفيه منع من إغلاء السعر. # والذي ذهب إليه الجمهور هو الأولى بالأخذ والاعتبار، ونظرا لقوة الأدلة ~~التي استدلوا بها، ولأن الأصل في الشريعة هو حرية التعامل بين الناس ~~ماداموا واقفين عند حدود الله فلا ظلم ولا غش ولا احتكار ولا تلاعب في ~~الأسعار، ولا شك أن هذه الحرية تعد عاملا قويا في زيادة الفعالية ~~الاقتصادية وتوفير أنواع المتاع، والتسعير دون الحاجة إليه عمل يخالف الأصل ~~الذي بني عليه التعامل، ويقيد الحرية ويؤدي إلى اختفاء السلع .. الأمر الذي ~~لا يعود على الأمة إلا بالغلاء، ويؤدي إلى انتشار السوق السوداء على نطاق ~~واسع. # الحالة الثانية: التسعير في حالة الغلاء: وقد اختلف العلماء في هذه ~~المسألة على رأيين: # الرأي الأول: رأي المانعين للتسعير، وقد ذهب إلى ذلك كثير من الشافعية ~~والحنابلة والمالكية، واستدل هؤلاء بما أخرجه الطبراني عن أبي هريرة، أن ~~رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، سعر ~~لنا، فقال:"بل أدعو الله"، ثم جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، سعر لنا، ~~فقال:"بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة" ~~(1). # ووجه الدلالة من هذا الحديث هو أن التسعير يعد إجبارا للناس على بيع ما ~~عندهم بغير طيب من أنفسهم، وهذا ظلم لهم. # واستدلوا ms100 بما أخرجه البيهقي في سننه من طريق الشافعي عن عمر رضى الله ~~عنه: أنه مر بحاطب بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن ~~سعرهما فسعر له مدين لكل درهم. فقال له عمر رضى الله عنه قد حدثت بعير ~~مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم يعتبرون بسعرك فإما أن ترفع فى السعر وإما ~~أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت. فلما رجع عمر حاسب نفسه ثم أتى حاطبا ~~فى داره فقال له: إن الذى قلت ليس بعزمة منى ولا قضاء إنما هو شىء أردت به ~~الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع (2). PageV01P117 # قال الشافعي رحمه الله في سياق هذا الحديث: وبه أقول لأن الناس مسلطون ~~على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها ولا شيئا منها بغير طيب أنفسهم إلا في ~~المواضع التي تلتزمهم، وهذا ليس منها. (1) انتهى # الرأي الثاني: رأي المجيزين للتسعير، وهو ما ذهب إليه الحنفية وبعض ~~المالكية وابن تيمية وابن القيم، يقول صاحب الفتاوى الهندية: ولا يسعر ~~بالإجماع (2) إلا إذا كان أرباب الطعام يتحملون ويتعدون عن القيمة وعجز ~~القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير فلا بأس به إلا بمشورة أهل ~~الرأي والبصر هو المختار وبه يفتى (3). # ويقول ابن العربي المالكي في عارضة الأحوذي بعد ذكره حديث أنس: والتسعير ~~على الناس إذا خيف على أهل السوق أن يفسدوا أموال المسلمين ### | ..... # وما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - حق، وما فعله حكم؛ لكن على قوم صح ~~ثباتهم واستسلموا إلى ربهم. وأما قوم قصدوا أكل أموال الناس والتضييق عليهم ~~فباب الله أوسع وحكمه أمضى (4). # ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (5): فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ~~ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها ~~بقيمة المثل ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل فيجب أن يلتزموا بما ~~ألزمهم الله به. # وما ذهب إليه الفريق الثاني من جواز التسعير في حالة الغلاء هو الأولى ~~بالأخذ لأنه يوافق روح الشريعة التي تقوم أصلا على مراعاة ms101 الصالح العام، ~~وإذا كانت المصلحة الفردية قد روعيت في كثير من الأحاديث والوقائع فإن ~~مراعاة المصلحة العامة تكون من باب أولى. # ويمكن حمل الأحاديث المانعة من التسعير رغم غلاء السعر على أن يكون في ~~الأحوال العادية التي يخضع فيها السعر لما يعرف بقانون العرض والطلب والتي ~~لا دخل فيها لإرادة الإنسان، ولا تكون بسبب الرغبة في زيادة الثمن من قبل ~~أرباب السلع. وأما حينما تستبين الرغبة في الظلم الناتج عن تعمد زيادة ~~الثمن ووضع المشتري تحت الأمر الواقع فهذا مغاير لمفهوم الشريعة وليس هو ~~مفهوم النصوص، ولأن الغلاء بلاء: وهو يؤدي بالإنسان إلى أحد أمرين كلاهما ~~مر: # -أن لا يشتري السلعة رغم حاجته إليها فيقع في الحرج. PageV01P118 # -أو أن يضطر إلى شرائها رغم عدم قدرته المادية فيضطر إلى إرهاق نفسه ~~بالدين الذي هو سبب من أسباب الفقر (1). PageV01P119 ### | حكم اطلاع الأب على الرسائل الخاصة بأبنائه # (1) # الأصل أنه لا يجوز للمسلم أن يطلع أو يتطلع على خصوصيات الآخرين أو يتجسس ~~عليهم أو يظن بهم السوء، وذلك داخل في قول الله تبارك وتعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا} ~~[الحجرات:12]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر من آمن بلسانه ولم ~~يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع ~~عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه فى بيته» (2). # وروى أبو داود وابن حبان عن معاوبة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى ~~لله عليه وسلم يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم». ~~فقال أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نفعه الله تعالى بها" (3). هذا من حيث العموم. # أما إذا علم أن لأبنائه علاقات محرمة أو ما أشبه ذلك فله بحكم الولاية ~~عليهم التحقيق في ذلك وفي حدود المصلحة بما يردعهم عن المنكر، فلا يقل حال ~~الأب هنا عن حال المحتسب الذي جوز له العلماء البحث والكشف على مرتكب ms102 ~~المعصية؛ فقد جاء في الموسوعة الفقهية (4): وللمحتسب أن يكشف على مرتكبي ~~المعاصي لأن قاعدة ولاية الحسبة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ~~PageV01P120 ### | التصرف الواجب تجاه من يلصق التهم بالأبرياء # (1) # سئل -شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه -:عمن شتم رجلا وسبه؟ # فأجاب: # إذا اعتدى عليه بالشتم والسب فله أن يعتدي عليه بمثل ما اعتدى عليه؛ ~~فيشتمه إذا لم يكن ذلك محرما لعينه: كالكذب. وأما إن كان محرما لعينه ~~كالقذف بغير الزنا فإنه يعزر على ذلك تعزيرا بليغا يردعه وأمثاله من ~~السفهاء ولو عزر على النوع الأول من الشتم جاز؛ وهو الذي يشرع إذا تكرر ~~سفهه أو عدوانه على من هو أفضل منه. والله أعلم. # وسئل - رحمه الله تعالى -:عمن شتم رجلا فقال له: أنت ملعون ولد زنا؟ # فأجاب: # يجب تعزيره على هذا الكلام ويجب عليه حد القذف إن لم يقصد بهذه الكلمة ما ~~يقصده كثير من الناس من قصدهم بهذه الكلمة أن المشتوم فعله خبيث كفعل ولد ~~الزنا (2). # وقال صاحب معالم القربة في معالم الحسبة وهو شافعي: من أتى معصية لا حد ~~فيها، ولا كفارة كالمباشرة المحرمة فيما دون الفرج والسرقة فيما دون النصاب ~~والقذف بغير الزنا والخيانة بما لا يوجب القصاص والشهادة بالزور وما أشبه ~~ذلك من المعاصي عزر (3). # وقال الز يلعي في نصب الراية: ومن قذف عبدا أو أمة أو أم ولد أو كافرا ~~بالزنا عزر) لأنه جناية قذف، وقد امتنع وجوب الحد لعقد الإحصان فوجب ~~التعزير (وكذا إذا قذف مسلما بغير الزنا فقال: يا فاسق أو يا كافر أو يا ~~خبيث أو يا سارق) لأنه آذاه وألحق الشين به ولا مدخل للقياس في الحدود فوجب ~~التعزير إلا أنه يبلغ بالتعزير غايته في الجناية الأولى؛ لأنه من جنس ما ~~يجب به الحد، وفي الثانية الرأي إلى الإمام. (ولو قال يا حمار أو يا خنزير ~~لم يعزر) لأنه ما ألحق الشين به للتيقن بنفيه، وقيل: في عرفنا يعزر لأنه ~~يعد شينا، وقيل إن كان المسبوب من الأشراف كالفقهاء والعلوية يعزر ms103 لأنه ~~يلحقهم الوحشة بذلك، وإن كان من العامة لا يعزر وهذا أحسن (4). PageV01P121 ### | الحسبة على الحاكم ووسائلها في الشريعة الإسلامية # (1) # تمهيد -في بيان أن تحكيم الشريعة الإسلامية في جميع شؤون الحياة من أصل ~~الدين وأساس عقيدة التوحيد: # في أواخر عهد الخلافة العثمانية صدر قانون التجارة عام 1850 م، نقلا عن ~~القانون الفرنسي، فكانت أول نقطة تراجع للشريعة الإسلامية في عقر دار ~~الإسلام، ثم أعقب ذلك - وثم للتراخي - مرحلة نشاط الخديوي إسماعيل على إثر ~~أولى محاولات تغريب مصر على يد محمد علي وأبنائه، نشاط الخديوي في إحلال ~~القوانين الوضعية محل التشريعات الإسلامية، ثم تتابعت بعد ذلك مؤامرات ~~تنحية الشريعة الإسلامية شيئا فشيئا تزحف على بلاد الإسلام. # وفي أواخر القرن الثالث عشر الهجري وأوائل القرن الرابع عشر الهجري، ثم ~~ما بعده انفرط العقد فتناثرت حباته، ونقضت عروة الحكم في بلاد الإسلام، وهي ~~أول عرى الإسلام تنقض، فعن أبى أمامة الباهلى عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال «لينقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس ~~بالتى تليها وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة» (2). # ومنذ ذلك الحين والأصوات الصادقة لا تكف عن المطالبة بضرورة العودة إلى ~~تحكيم الشريعة الإسلامية، وأنها ضرورة لا تحتمل التأخير ولا التهاون و ~~التأجيل. # انطلقت هذه الصيحات من إيمانها بأن الحكم بما أنزل الله تعالى من مقتضى ~~الشهادتين اللتين هما عنوان هذا الدين، ومن أصل التوحيد الذي يقوم عليه كل ~~دين الإسلام، ولهذا جعل الله تعالى التحاكم إلى غيره عبادة للطاغوت، كما ~~قال الحق سبحانه: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} (60) سورة النساء، وجعل الإشراك به في حكمه ~~من الشرك بالله تعالى، قال تعالى: { .. ولا يشرك في حكمه أحدا} (26) سورة ~~الكهف، وقرئ (ولا تشرك في حكمه أحدا)،وجعل الصدود عن حكم الله من أخص صفات ~~المنافقين كما قال: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ms104 الله وإلى الرسول ~~رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} (61) سورة النساء، ونفى الإيمان عمن لا ~~يحكم بما جاء به الرسول في كل شيء كما قال: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} (65) ~~سورة النساء، PageV01P122 # وسمى الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى كافرا وظالما وفاسقا، قال تعالى: { ~~.. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (44) سورة المائدة، ~~وإنما نزلت في اليهود الذين وضعوا تشريعا واحدا بدل حكم الله تعالى (1)، ~~وهم يعلمون أنهم وضعوه من عند أنفسهم لا من عند الله، فكيف بمن وضع تشريعا ~~عاما وهو يقر أنه اتبع فيه الكفرة الملاحدة أعداء الرسل دون ما أنزل الله ~~تعالى، وإذا كان الله تعالى قد جعل تغيير حكمه في الأشهر الحرم زيادة في ~~الكفر كما قال تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا ~~يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ~~زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين} (37) سورة التوبة، وقد ~~كان في إرجاء أهل الجاهلية الشهر الحرام وإبداله بالحل ليقاتلوا عدوهم فيه، ~~إذ كانوا يحرمون القتال في الأشهر الحرم تعظيما لها، فسمى الله فعلهم هذا ~~في تغيير وإرجاء حكم الله تعالى في الشهر الحرام، زيادة في الكفر، فكيف بمن ~~أرجأ الشريعة كلها أو جلها، وأحل محلها قوانين الكفرة الملاحدة أعداء الرسل ~~والدين، فإلى أي مدى تبلغ زيادة كفره إذن؟. # غير أن هذه الأصوات لم تصل إلا إلى شيء واحد فحسب، هو أن تبقى على ذلك ~~النص التقليدي الذي تصدر بعض دساتير الدول العربية (دين الدولة الإسلام، ~~والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع)،وهو كما قال عبد الحميد متولي ~~متهكما: (إن هذا النص لا يترتب عليه أي التزام بتحكيم الشريعة وإنما هو ~~بمثابة تحية كريمة للعقيدة الدينية التي تدين بها الأغلبية أو كفارة تقدمها ~~الدولة لعدم التزام أحكام الشريعة في تشريعاتها). # ولا ريب أن هذا النص ما هو إلا أحد الأمثلة على ms105 ضروب التناقض التي تعيشها ~~الأمة الإسلامية التي ضلت طريق الهدى بعد نبذ كتاب الله تعالى وأحكامه، ~~ويعكس مدى الحيرة والتيه الذي صارت إليه. # ذلك أن معنى الدين هو الخضوع بالطاعة والانقياد، ومعنى الإسلام الاستسلام ~~لله تعالى ورأس ذلك التسليم لأحكامه كلها بلا استثناء، قال تعالى: {إذ قال ~~له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} (131) سورة البقرة، وقال تعالى: {ثم ~~أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم PageV01P123 # تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم ~~إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا ~~خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل ~~عما تعملون} (85) سورة البقرة. # وكما قال تعالى: {قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3)} ~~[الناس/1 - 3] ، فالرب هو الذي يخلق وينعم، والملك هو الذي يأمر وينهى ~~ويحكم، والإله هو المعبود، فمن أكمل هذه المقامات الثلاثة أتم دين الإسلام ~~كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وهذه المقامات الثلاث هي أركان ~~التوحيد: أن لا يتخذ سواه ربا، ولا إلها، ولا غيره حكما) (1). # فالإيمان بالله تعالى والإقرار بدين الإسلام يقتضي ضرورة التحاكم إليه ~~وحده دون سواه، ومع هذا كله، فقد صار هذا النص منقوضا بنفس الدساتير التي ~~تصدره فإنا لله وإنا إليه راجعون. # العودة إلى الشريعة الإسلامية تقوم على أمرين: # ولا بد إذا أردنا عودة صادقة للشريعة الإسلامية أن نقيم هذا المشروع على ~~أمرين: # الأمر الأول: تقريب الفقه الإسلامي، بحيث يحتوي المسائل العصرية ويستوعب ~~أحكامها، بصورة واضحة التفاصيل، حتى لا يكون القانون الوضعي الذي يتميز ~~بالتفصيل والوضوح أدنى إلى المهتمين بهذا المجال من أحكام الشريعة ~~الإسلامية من جهة الفهم والدراسة النظرية والتطبيق العملي. # والسبب في كون أحكام الشريعة لم توضع في مثل صورة القانون الوضعي، أعني ~~من جهة وضوح التفاصيل المناسبة للمستجدات العصرية وبلغتها، هو تعطيلها بل ~~محاربتها، فتباطأت عملية تطوير وسائل تيسير تداولها نظريا وعمليا، ولهذا ~~تجدها في كثير من النواحي، قد بقيت في صنعتها وصيغها ms106 ومصطلحاتها الخاصة، ~~وقد تتطلب جهدا لفهمها. # ومن هنا فقد أخطأ خطأ عظيما من رجال القانون من وصف بعض النواحي في الفقه ~~الإسلامي، مثل القانون العام في الشريعة الإسلامية أنه في (عهد الطفولة) ~~كما قال عبد الرزاق السنهوري (2)، PageV01P124 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P125 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P126 # ويتردد هذا القول الخاطئ المبني على عدم فهم لطبيعة الفقه الإسلامي، ~~يتردد بين كثير من المفكرين المتأثرين بالقانون الوضعي. # وهؤلاء يفقدون الموضوعية في منهجية البحث، عندما يزيحون عامل إبعاد ~~الشريعة الإسلامية عن التطبيق الواقعي مما أبقى خطاباتها العامة ولغتها ~~بعيدة عن فهمهم هم لقصور فيهم، لا لقصور في الفقه الإسلامي، ومما أبقى ~~كثيرا من تفاصيل الحياة العصرية المعقدة مدلولا عليها بالقواعد الكلية ~~للشريعة، أو بعموم نصوص أو قياس على أشباه ونظائر غير متداولة في هذا ~~العصر، وهم أمر لا يفهمه إلا الخواص من العلماء. # ولم يمكن - بسبب تعطيلها ومحاربتها - من تيسير ذكرها مفصلة فروعها بوضوح ~~وفي متناول الدارسين، ولو كان الفقه الإسلامي يطبق في واقع الحياة وسمح له ~~بأن يتطور من جهة وسائله وإلحاق تفاصيله بكلياته، ويعتني به شرحا وإيضاحا ~~وتسهيلا وتقريبا في جوانبه المدنية والجزائية والقانون العام ونحوها، لصار ~~بحيث من العار أن يقارن به قانون آخر أصلا، وهو أيضا في أصله لا يقارن به ~~قانون وضعي، لأنه من عند الله تعالى العليم الخبير، هذا مع أنه قد نشطت في ~~الآونة الأخيرة لجان كثيرة عالمية ومحلية للعناية بهذا الأمر، ونشير هنا ~~إلى جهود مشكورة في هذا المجال المهم للجنة استكمال تطبيق أحكام الشريعة في ~~الكويت. # الأمر الثاني: الذي يقوم عليه مشروع إعادة تحكيم الشريعة - هو: إيمان ~~الحكام بضرورة الشريعة الإسلامية، وأنها ضرورة عظمى، وأنها هي رمز الاعتزاز ~~بهوية الأمة وتميزها، وأن تركها ليس معه فلاح لهذه الأمة أبدا، بل ستبقى في ~~التخلف وراء الأمم كما قال تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ~~ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} (18) سورة الجاثية. # الحسبة بمعناها العام تجسيد لمبدأ رقابة الأمة على الحكام: # الحسبة هي الاسم الشرعي لإشراك الأمة في مبدأ الرقابة والمحاسبة، ومن ms107 ~~المعلوم أن هذا المبدأ هو أحد ركائز ما يسمى في هذا العصر بالنظام ~~الديمقراطي، الذي يقوم في الأصل على مبدأ إشراك الأمة، غير أن هذا النظام ~~باصطلاحه الأصلي يتجاوز بالأمة أيضا حدودا لا يجوز تجاوزها عندما يعطيها حق ~~التشريع المطلق ولو حكم الله تعالى. # أما الفقه الإسلامي قد سبق ما يسمى بالنظام الديمقراطي في محاسنه، وسلم ~~من مساوئه، فقد احتوى الفقه الإسلامي على إشراك الأمة في القرار وهو نظام ~~الشورى الذي ورد في القرآن، وعلى تكليفها بالرقابة على الدولة، ومتابعة ~~التزامها ب (الدستور) الذي هو الشريعة الإسلامية، وتقويمها إذا انحرفت عنه، ~~كما احتوى على تحميل الأمة مهمة النهوض بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر في المجتمع PageV01P127 # لحمايته من انتشار عوامل ضعفه أو تفككه أو فقدانه هويته بذوبانه في هوية ~~ثقافات أجنبية أخرى، وقيد كل هذه المهام بأن تكون وفق هداية الله تعالى ~~والتزام شريعته. # منزلة الحسبة في نظام الحكم الإسلامي: # يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وجميع الولايات الإسلامية إنما ~~مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى: ~~مثل نيابة السلطنة والصغرى مثل ولاية الشرطة: وولاية الحكم؛ أو ولاية المال ~~وهي ولاية الدواوين المالية؛ وولاية الحسبة " (1). # وهذه العبارة تصف بدقة منزلة الحسبة في الإسلام، فجميع الولايات ~~الإسلامية وجدت لهدف تحقيق الحسبة بمعناها العام، وهي الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، لا بمعناها الخاص وهو الولاية الخاصة التي تسمى ولاية ~~الحسبة، وهي التي تختص بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نطاق ضيق محدد. # والدليل على أهمية مكانة الحسبة بمعناها العام، قوله تعالى: {الذين إن ~~مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الأمور} (41) سورة الحج. # ومعلوم أن الصلاة والزكاة من المعروف الذي يأمر به، فقد جعل الله تعالى ~~في هذه الآية الغاية النهائية من التمكين في الأرض الذي أمر الله به ~~المؤمنين، وأمر باتخاذ وسائله من الجهاد ونصب الإمام وإقامة الولاية، هو ~~تحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # ولهذا فإن المقصود بالإمامة ms108 في الشريعة إقامة الدين، والدين هو فعل ~~المعروف والأمر به، وترك المنكر والنهي عنه، كما قال شيخ الإسلام أيضا: ~~(يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ~~ولا للدنيا إلا بها) (2). # ومعلوم أن الدولة في الإسلام أصل وجودها لتحقيق الحسبة بمعناها العام، ~~وهي أيضا أعني الحسبة أمانة في عنق الأمة، كما قال تعالى: {كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله .. } (110) ~~سورة آل عمران. # والدولة إذا عطلت هذا الأمر - وهو الأمر الذي نسب إليه نظام الدولة في ~~الإسلام في النصوص التي جاءت بلفظ (أولي الأمر) - فقدت أصل مشروعيتها، بل ~~سبب وجودها الشرعي، ولهذا جاء في الحديث: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة ~~وذروة سنامه الجهاد» (3)،ف (الأمر) هو الذي PageV01P128 # جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - المدلول عليه بآية (الذين إن مكناهم ~~في الأرض ... ) الآية، ووليه هو القائم عليه الذي يرعاه ويقيمه، فإن لم ~~يرعه ولم يقمه لم يصلح أن يكون وليا له. # والعجب ممن يجعل كل متول على المسلمين بأي شريعة يحكمهم ولي أمر شرعي، ~~فليت شعري أفلا يتدبر هذا القائل - إن لم يؤت الفقه في الدين - اللفظ ~~الظاهر على أقل تقدير، فأي (أمر) تولاه الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى، ~~حتى يستحق هذا الاسم، أهو أمر (دين الإسلام) أمر الله ورسوله، أم أمر ~~المناهج الوضعية والنظم الطاغوتية، ويا للعجب فبأي شريعة يصح أن يكون متول ~~إقامة الطاغوت حاكما بين العباد من دون الله تعالى، ولي أمر المسلمين، وأي ~~أمر للمسلمين غير دينهم الذي قال الله تعالى عنه ممتنا عليهم: { .. اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا .. } (3) سورة ~~المائدة، وقال تعالى: {وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو ~~السميع العليم} (115) سورة الأنعام، أي تمت كلمته الشرعية التي تضمنها ~~كتابه المفصل الحاكم بين العباد، صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام. # أنواع الحسبة بمفهومها العام: # وبناء على المفهوم الشرعي للحسبة والذي ذكرناه سابقا، يمكن تقسيمها ms109 إلى ~~ثلاثة أنواع: # النوع الأول: حسبة الدولة على الرعية: # ومقتضاها أن يكون ضمن مؤسسات الدولة ما يكون اختصاصه حفظ واجب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة، ومراقبة حالة المجتمع ومدى تمثل مبادئ ~~الإسلام فيه، وقد قدمنا آنفا، أن نظام الدولة في حد ذاته في الشريعة ~~الإسلامية، وسيلة لتحقيق هذا الأمر بمعناه العام. # النوع الثاني: حسبة الرعية على الدولة: # ولم نقل هنا حسبة الدولة على الدولة، لأن الحسبة الذاتية لا يمكن ~~الاعتماد عليها في مثل هذه الحالة التي يتعلق بها مصير الأمة والمجتمع، ~~فلهذا أقامت الشريعة الإسلامية هنا مبدأ الحسبة على الدولة منطلقا من ~~الأمة، وحملتها مسؤولية تقييد السلطة بقيد هو احترام الدستور (الشريعة ~~الإسلامية) وتقويم الدولة إذا انحرفت عنه. # تقييد السلطة ضرورة اجتماعية وفريضة شرعية: # وتقييد السلطة في الإسلام ضرورة اجتماعية، وذلك انطلاقا من حقيقتين ~~اثنتين: # PageV01P129 # الأولى: أن تولي السلطة واحتكار أدوات القوة والقدرة على استعمال العنف ~~مدعاة إلى الاستبداد ضرورة انقياد الطبيعة البشرية لحب التسلط المركوز ~~فيها، وهذه الطبيعة وإن كانت يمكن معارضتها بالوازع الذاتي، غير أنه محجوب ~~في طي القلوب، ولا يمكن ضمانه أو ضمان استمراره، فضلا عن أن باب ارتكاب ~~المحظورات بالتأويل مفتاحه الاستبداد بالرأي، وهو ملاصق للسلطة المطلقة من ~~القيود، وهذا الباب قد دخل منه من ظن فيه الاستقامة والمثالية وقوة الوازع ~~الذاتي الذي يفترض أن يمنع من سوء استعمال السلطة إلى ارتكاب عظائم من ~~التعسف في استعمال السلطة باسم الدين، فإذن تقييد السلطة والحسبة بمعنى ~~الرقابة والمحاسبة الشعبية للسلطة ضرورة اجتماعية. # الثانية: أن تضخم أجهزة الدولة في العصر الحديث وتشعبها إلى مختلف أنشطة ~~الحياة وتملكها إلى جانب استعمال أدوات العنف (الشرطة، الأمن، الجيش، أجهزة ~~الاستخبارات .. إلخ)، أدوات تمكنها من تشكيل العقول وصياغتها وخداعها ~~(الإعلام، التعليم .. إلخ) وأدوات التحكم في الإنتاج والاقتصاد ومستوى حياة ~~الأفراد المعيشية وقدرتها على زيادة هامش التحكم في المجتمع وزيادة توسيع ~~صلاحياته المركزة وإخضاعه من فوقه بشتى أنواع الإخضاع، كل هذا يقتضي ~~بالضرورة العقلية والواقعية عدم ترك السلطة التي هذا شأنها ms110 بلا قيود، لأن ~~سوء استعمال السلطة والحالة هذه يؤدي إلى كوارث شاملة ماحقة قد تصل إلى ~~تقويض المجتمع وزواله، أو تغيير جذري في تاريخه، وكم من أمم ودول زالت ~~وصارت تاريخا، بسبب الاستبداد وترك السلطة بلا قيود. # ومن يستقرأ تاريخ الأمم يلحظ بوضوح تلك النقطة البارزة التي كانت وراء ~~الدمار الهائل الذي أصابها في كثير من الأحيان، وهي نقطة استبداد الدولة، ~~ومن الأمثلة القريبة النظام الفاشستي الذي تولى كبره موسوليني، وعرفه ~~بقوله: (إن المفهوم الفاشستي للدولة مفهوم شامل، وخارج نطاقه لا وجود لقيم ~~إنسانية أو روحية، ولا لأي قيمة أخرى، كثر ذلك أو قل، وبالنسبة للفاشستية ~~الدولة مطلقة، والأفراد والمجموعات لا يقبل بهم إلا بقدر ما يتصرفون وفق ما ~~تريده الدولة)،وقد اعتبر هذا التفسير الرسمي للفاشستية بمثابة ميثاق عام ~~للشيوعية، ولا يخفى أن الإنسان لم يكن له أي اعتبار، ولا لأي قيم روحية ~~أخرى في الأنظمة الاستبدادية التي عملت بهذا المفهوم سواء في بلادنا ~~العربية وغيرها، وإهدار قيمة الإنسان وحقوقه يعد في حد ذاته، كارثة لا ~~تدانيها أية كارثة. # ومن الأمثلة على ذلك أيضا ما لقيته الشعوب الروسية من فرض التجربة ~~الماركسية فرضا باستبداد الدولة حتى قال: (يلتسن) رئيس روسيا السابق، واصفا ~~ما لقيه شعبه: (إن بلادنا ليست محظوظة، فقد فرض علينا تنفيذ التجربة ~~الماركسية والقدر هو الذي دفع بنا في هذا الاتجاه، وبدلا من أن تتم هذه ~~التجربة على دولة ما في أفريقيا مثلا فقد بدؤوا بنا، وفي النهاية استطعنا ~~إثبات أنه لا مكان لهذه الفكرة، ولكن بعد أن دفعت بنا بعيدا عن مسار الدول ~~المتحضرة في العالم، وينعكس علينا هذه اليوم حيث أن 40 / من الشعب يعيش تحت ~~خط الفقر، فضلا عن الإهانة المستمرة التي # PageV01P130 # تلحق به وهو يستخدم البطاقات للحصول على احتياجاته، إنها إهانة مستمرة ~~تذكر المواطن في كل وقت بأنه مجرد عبد في هذه الدولة). # ومعلوم أن الإسلام قد جاء بتحصيل المنافع والمصالح، منافع ومصالح الناس ~~في دينهم ودنياهم بحسب الاستطاعة، وإلغاء وتفويت المضار والمفاسد في ms111 الدين ~~والدنيا بحسب الاستطاعة، فلا يمكن أن يكون هناك شأن من الشئون، الناس معه ~~أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، في حال تفردهم واجتماعهم، إلا ويأتي في ~~الإسلام الأمر به والحث عليه، ولهذا فقد سبق الفقه الإسلامي جميع النظم ~~الوضعية في تقرير هذا المبدأ، مبدأ تقييد السلطة، ورقابة الشعب للدولة، هو ~~حسبة الرعية على الدولة. # وفي هذا الإطار، نجد جميع الآلات والوسائل التي تستخدمها النظم الحديثة ~~لتحقيق هذا الأمر المهم، وضمان عدم انحراف الدولة عن مقصودها الأساسي - وهو ~~إدارة وتنظيم أحوال الرعية بحيث تتحقق مصالحهم بحسب نظام الشريعة الإسلامية ~~المطهرة - نجدها منصوص عليها أو مدلول عليها بالأدلة العامة أو القواعد ~~الكلية أو القياس المطرد الصحيح في الشريعة الإسلامية، وقد مارسها علماء ~~الإسلام قبل النظم الوضعية بقرون. # غير أن الفقه الإسلامي في نصوصه العامة ومصادره الأصلية - في عامة ~~القضايا المتعلقة بتنظيم الحياة المتغيرة والمتطورة -يوجه نحو المعاني ~~والحقائق العامة، ويحرك عوامل التفكر والتدبر، ويدع للإنسان التفريع على ~~القواعد، حتى يتسنى استيعاب المتغير، وذلك بخلاف القضايا الثابتة المتعلقة ~~بالعبادات مثلا، وهو أيضا في تلك القضايا الحياتية يربط القانون الإسلامي - ~~وأعني به القواعد الشرعية والأصول العامة - يربطه بأسماء خاصة لها دلالة ~~واضحة على البعد الإيماني بالآخرة، على سبيل المثال اسم الحسبة واسم الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك، لأن الفقه الإسلامي يضع عند وضع ~~القوانين الحياة الآخرة نصب عينيه، وتوجيهها نحو حفظ المبدأ العام في ~~الإسلام وهو أن تكون قضية الإيمان بالله والآخر أعظم قضية أمام الإنسان، ~~ومن هنا فإن الذين يتجاوزون هذه النقطة عند المقارنة بين القوانين ~~الإسلامية والوضعية يفقدون نقطة في غاية الأهمية في منهجية بحث المقارنة ~~نفسه. # وسائل تقييد السلطة في الفقه الإسلامي على أساس مبدأ الحسبة: # وسوف نستعرض بعض الأدلة والنماذج من التاريخ للتأكيد على أن الفقه ~~الإسلامي، وضع أصول ووسائل تقييد السلطة والحسبة عليها قبل أن تعرفها النظم ~~الوضعية بقرون. # وسأذكر على سبيل المثال أربع وسائل: # الوسيلة الأولى: وسيلة محاسبة أهل العقد والحل للحاكم: # PageV01P131 # ومن ذلك ما ms112 ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين (1): (أن عمر رضي الله عنه ~~وقف في الناس وعليه ثوبان فقال: أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمان ~~الفارسي: لا نسمع، فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟،قال: إنك قسمت علينا ~~ثوبا ثوبا وعليك ثوبان، فقال لا تعجل، يا عبد الله، يا عبد الله، فلم يجبه ~~أحد، فقال يا عبد الله بن عمر، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين , فقال: نشدتك ~~الله الثوب ائتزرت به أهو ثوبك، قال: نعم، اللهم نعم، فقال سلمان: أما الآن ~~فقل نسمع). # ويبدو لي - بغض النظر عن مدى صحة إسناد هذه القصة حيث لا أعلم درجته من ~~حيث الرواية - لكن استئناسا بنقل العلماء لهذه القصة مقرين لها مستدلين بها ~~على مبدأ محاسبة الحاكم مما يدل على سلامة المبدأ من حيث الجملة علما بأن ~~الأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر أصلا، يبدو لي أنه ليس مقصود (سلمان) رضي ~~الله عنه إباحة التمرد على السلطة، وشق وحدة الأمة بسبب أدنى مخالفة، بل ~~مقصوده - والله أعلم - الإيماء إلى حقيقة أن الإخلال بالمبادئ من قبل ~~الحاكم سيؤدي إلى إخلال الرعية بالطاعة، وهذه قاعدة لا تتخلف قدرا أيضا، ~~وذلك من الميزان الذي وضعه الله تعالى وأنزل به الكتاب، وهذا من عظيم الفقه ~~الذي تميز به سلف هذه الأمة حيث كانوا يعبرون عن المعاني والمفاهيم الكبيرة ~~العظيمة بأوجز الألفاظ أو بالمواقف أحيانا، وكما قال ذلك الصحابي الجليل ~~لعمر رضي الله عنه لما تعجب من تبليغ المسلمين الأموال العظيمة القدر من ~~الغنائم غير منقوصة بريئة من الخيانة، فقال له تقريرا للقاعدة السالفة: ~~(عففت يا أمير المؤمنين فعفت الرعية) (2). # كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (3): ومعلوم أنه إذا ~~استقام " ولاة الأمور " الذين يحكمون في النفوس والأموال استقام عامة الناس ~~كما قال أبو بكر الصديق فيما رواه البخاري في صحيحه للمرأة الأحمسية لما ~~سألته فقالت: قالت ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذى جاء الله به بعد ~~الجاهلية قال بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم (4). " وفي ms113 الأثر {صنفان ~~إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء} (5) أهل الكتاب وأهل الحديد كما دل ~~عليه قوله: {لقد أرسلنا رسلنا PageV01P132 # بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن ~~الله قوي عزيز} (25) سورة الحديد. وهم " أولو الأمر " في قوله: {يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} (59) سورة النساء. وكذلك من جهتهم يقع الفساد كما جاء في ~~الحديث مرفوعا وعن جماعة من الصحابة {إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم وجدال ~~منافق بالقرآن وأئمة مضلون} (1) انتهى. # وإنما تعني المرأة ب (الأمر) استقامة الحال وصلاح الأحوال واجتماع الشمل ~~وانتشار العدل خلاف ما كانوا عليه في الجاهلية، فبين لها أن ذلك مرهون ~~باستقامة ولاة الأمر، ولهذا قال من قال من العلماء: لو كان لي دعوة مستجابة ~~لجعلتها للسلطان، لأن في صلاحه صلاح الناس، كما قيل (الناس على دين ~~ملوكها)،وهو أمر معلوم بضرورة العقل وشهادة الواقع والحس، ومن الخطأ الشائع ~~الظن أن فساد السلطة نتيجة لفساد الرعية، والعكس أولى بالصواب، غير أن ~~الرعية تعاقب على سكوتها عن ظلم السلطان (2)، ورضاها به، باستدامة ذلك ~~الظلم عليهم جزاء وفاقا، ولا يظلم ربك أحدا. # ذلك أن السكوت على ظلم الظالم من أعظم أسباب عقوبة الله تعالى، وقد ورد ~~فيه حديث حذيفة رضي الله عنه مرفوعا «والذى نفسى بيده لتأمرن بالمعروف ~~ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا ~~يستجاب لكم» رواه الترمذي (3). # وعن قيس قال قال أبو بكر بعد أن حمد الله وأثنى عليه يا أيها الناس إنكم ~~تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم) قال عن خالد وإنا سمعنا النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول ~~«إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله ms114 بعقاب». ~~وقال عمرو عن هشيم وإنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «ما من ~~قوم يعمل فيهم بالمعاصى ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن ~~يعمهم الله منه بعقاب» رواه أبو داود (4). PageV01P133 # ولهذا ورد في السنة كما في صحيح مسلم أن من الخلال الحسنة في الروم كونهم ~~أمنع الناس لظلم الملوك (1)، ولما كانت هذه الخلة الجميلة فيهم، لا يكاد ~~يسلط عليهم ظالم من أنفسهم يستبيحهم كما يحدث عند غيرهم. # كما أن مقصود (سلمان) رضي الله عنه أيضا - والله أعلم - الإشارة إلى أن ~~من حق أهل الحل والعقد محاسبة الحاكم ومراقبته على نفقاته ودخله، وهو ما ~~يسمى هذه الأيام (الوضع المالي للدولة الذي يشرف عليه ديوان المحاسبة)،ولم ~~يعرف التاريخ في ذلك الوقت، ولا بعده بقرون مديدة، مثل هذا الوعي السياسي ~~إلا في الفقه الإسلامي، فليقرأ الذين أعماهم الإعجاب بثقافة الغرب في ~~الناحية السياسية ما في هذا الدين العظيم من تأسيس مبادئ الإصلاح السياسي ~~للمجتمع قبل أن يعرفه العالم بأسره بقرون متطاولة، بل نجزم بأن ما لدى غير ~~المسلمين من مبادئ السياسة الصحيحة في إصلاح الراعي والرعية، إنما أخذ من ~~المسلمين بعد احتكاك أوروبا بالثقافة الإسلامية. # ولا ريب أن في التاريخ نماذج كثيرة غير أننا نكتفي بهذا المثال، ولا ريب ~~أن جميع الوسائل العصرية - حتى لو كانت مقتبسة في الأصل من غير المسلمين - ~~إذا لم تكن محرمة لذاتها وصارت وسيلة لتحقيق مبدأ محاسبة أهل الحل والعقد ~~للحاكم، لضمان عدم انحراف السلطة، إنها مشروعة ومطلوبة في الفقه الإسلامي ~~السياسي. # ولعل الشريعة قد أومأت إلى هذا المبدأ النافع العظيم، في فقه الصلاة ~~نفسها، والتي هي عمود هذا الدين، ومعلوم أن الصلاة نموذج يشير إلى علاقة ~~السلطة بالرعية، وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذه العلاقة عندما قالوا عن ~~الصديق (اختاره النبي - صلى الله عليه وسلم - لديننا أفلا نختاره لدنيانا) ~~(2) وقد ذكر غير واحد من العلماء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى ~~تولية الصديق الخلافة، بتأكيد على ms115 توليته إمامة الصلاة، وذلك من باب القياس ~~والاعتبار. PageV01P134 # ثم انك إذا اعتبرت ذلك فقها، علمت ما أوتيه صحابة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من الفقه العميق، والنظر الدقيق، وبيانه أننا وجدنا الإمام في ~~الصلاة، يليه أولو الأحلام والنهى كما قد صح في الحديث (1)،وهم بإزاء أهل ~~الحل والعقد في النظام السياسي. # وعلى المأمومون أن يختاروا لإمامتهم أقومهم بأمر الصلاة كما صح في ~~الأحاديث، وكذلك الأمة تختار للإمامة العظمى أقومها بها بصيرة في الدين ~~وقوة في سياسة الدنيا به، كما قال تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45) [ص/45]). # ثم الإمام مقيد بأداء الصلاة كما في الشرع، ليس له أن يتجاوز ذلك، وكذلك ~~الإمام في النظام السياسي مقيد بممارسة مهامه وفق الشريعة ليس له أن يتجاوز ~~ذلك، فإذا بدر من الإمام خطأ في الصلاة نبه على ذلك - علنا لا سرا - ممن ~~يليه وهو مقصود اختيارهم لهذا الموضع، وذلك لأن الخطأ هنا يتعدى لغيره وليس ~~قاصرا على نفسه حتى يسر إليه بالنصيحة، وكذلك في النظام السياسي، يوضع أهل ~~الحل والعقد وراء الإمام لينبهوه إذا أخطأ، فإن فعل ما يقتضي بطلان الصلاة ~~عامدا فارقه المصلون إذ قد بطلت صلاته، وكذلك في النظام السياسي إن أبطل ~~الشريعة (دستور الدولة الإسلامية). # فهذا بإزاء هذا، وذاك بإزاء ذلك {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (82) سورة النساء، فتدير عظمة هذا الدين ~~والله الموفق. # الوسيلة الثانية: حرية الكلمة والتعبير عن الرأي: # ومن صورها العصرية حرية الصحافة، وكالحصانة التي يعطيها المجلس النيابي ~~لأشخاص ينتخبهم الشعب، ولهم الحق في النقد العلني والمحاسبة والانتقاد لكبح ~~جماح السلطة. # وأصل ذلك في الفقه الإسلامي ضمان بذل النصيحة وبقاؤها حقا عاما للرعية لا ~~يجوز مصادرته من قبل السلطة ما دام في دائرة الكلمة الحرة، كما صح في ~~الحديث عن تميم الداري رضي الله عنه مرفوعا: «الدين النصيحة» قلنا لمن قال ~~«لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه مسلم (2). # ولهذا وجدنا في الأحاديث أعلى درجات الحض ms116 على العمل بهذا المبدأ، وذلك أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل أفضل المسلمين عملا من ينتقد السلطة إذا ~~جارت كما روى النسائي عن طارق بن شهاب أن رجلا سأل النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد وضع رجله فى الغرز أى الجهاد أفضل قال «كلمة حق عند سلطان جائر» ~~(3). PageV01P135 # وعن جابر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (سيد الشهداء حمزة، ورجل ~~قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) رواه الحاكم (1). # ومعلوم أن الجهاد أفضل متطوع به، وفي هذا الحديث أن أفضله هو كلمة الحق ~~الناقدة لجور الحاكم. # وليس في هذا ما يقتضي إسرارا لكلمة النقد، بل هو إلى الحض على إعلانها ~~أقرب، لأن ما جعلت أفضل الجهاد إلا من أجل أن في الإعلان التعرض لبطش ~~الظالم وفي ذلك أعظم البذل للجهد وارتكاب المشقة في سبيل الله تعالى، وإما ~~الإسرار فليس فيه في الغالب بذل النفس لأنه ليس مظنة القتل غالبا، ولأن في ~~ذلك تخويف الحاكم الجائر من تشجيع المجاهر بالإنكار لغيره على الإنكار أيضا ~~مما يؤدي إلى ارتداعه عن الظلم، فهي في الحقيقة وسيلة مؤثرة لكبح جماح ~~السلطة وتقييدها. # أمثلة من النقد العلني للحاكم: # ومن الأمثلة التي ذكرت في التاريخ لقيام العلماء بهذا الواجب المهم ما ~~يلي: # عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج يوم ~~الأضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس ~~وهم جلوس فى مصلاهم فإن كان له حاجة ببعث ذكره للناس أو كانت له حاجة بغير ~~ذلك أمرهم بها وكان يقول «تصدقوا تصدقوا تصدقوا». وكان أكثر من يتصدق ~~النساء ثم ينصرف فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم فخرجت مخاصرا مروان ~~حتى أتينا المصلى فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبرا من طين ولبن فإذا مروان ~~ينازعنى يده كأنه يجرنى نحو المنبر وأنا أجره نحو الصلاة فلما رأيت ذلك منه ~~قلت أين الابتداء بالصلاة فقال لا يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم. قلت ms117 كلا ~~والذى نفسى بيده لا تأتون بخير مما أعلم. ثلاث مرار ثم انصرف. رواه مسلم ~~(2)، وعن طارق بن شهاب قال أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان ~~فقام إليه رجل فقال الصلاة قبل الخطبة. فقال قد ترك ما هنالك. فقال أبو ~~سعيد أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ~~«من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ~~وذلك أضعف الإيمان» أخرجه مسلم (3). # وفي هذين الحديثين أن أبا سعيد أنكر على الوالي وكذلك أنكر ذلك الرجل ~~علنا، قال النووي:"أو أنه خاف وخاطر بنفسه وذلك جائز بل متسحب، ويحتمل أن ~~أبا سعيد هم بالإنكار فبادره الرجل فعضده أبو سعيد " وقال:" وأما قوله فقد ~~قضى ما عليه ففيه تصريح بالإنكار أيضا من أبي سعيد " (4). PageV01P136 # وقال الإمام عبدالرحمن بن أبي بكر الحنبلي في كتابه الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر (1): (والمقصود أنه كان من عادة السلف الإنكار على ~~الأمراء والسلاطين والصدع بالحق وقلة المبالاة بسطوتهم إيثارا لإقامة حق ~~الله سبحانه على بقائهم واختيارهم لإعزاز الشرع على حفظ مهجهم واستسلاما ~~للشهادة إن حصلت لهم) وقال الغزلي: (وإذا جار أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز ~~أيضا له ذلك في الحسبة، ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار ~~كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز فذلك حرام وداخل تحت عموم آية ~~التهلكة. وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه يقاتل إلى أن يقتل أو علم أنه ~~يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جراءته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة ~~المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله فتنكسر بذلك شوكتهم؛ فكذلك يجوز ~~للمحتسب واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل ~~الله فتنكسر بذلك شوكتهم؛ فكذلك يجوز للمحتسب بل يستحب له أن يعرض نفسه ~~للضرب وللقتل إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر أو في كسر جاه الفاسق أو ~~في تقوية قلوب أهل الدين، وأما إن رأى فاسقا متغلبا وعنده سيف وبيده قدح، ~~وعلم ms118 أنه لو أنكر عليه لشرب القدح وضرب رقبته فهذا مما لا أرى للحسبة فيه ~~وجها وهو عين الهلاك. فإن المطلوب أن يؤثر في الدين أثرا ويفديه بنفسه، ~~فأما تعريض النفس للهلاك من غير أثر فلا وجه له بل ينبغي أن يكون حراما. ~~وإنما يستحب له الإنكار إذا قدر على إبطال المنكر أو ظهر لفعله فائدة، وذلك ~~بشرط أن يقتصر المكروه عليه. فإن علم أنه يضرب معه غيره من أصحابه أو ~~أقاربه أو رفقائه فلا تجوز له الحسبة بل تحرم لأنه عجز عن دفع المنكر إلا ~~بأن يفضى ذلك إلى منكر آخر) (2). # ومما ذكر في التاريخ أيضا في هذا الباب ما ذكره ابن عبدالهادي في العقود ~~الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية من جملة أشياء تدل على استعماله هذا ~~المبدأ في الحسبة على الدولة، من ذلك موقفه مع السلطان محمد بن الناصر ~~قلاوون في أول مجلس له بعد رجوع الحكم إليه في محضر أعيان العلماء والكبراء ~~والشيوخ والقضاة والأمراء، وعرض على السلطان طلب من النصارى بدفع مال زيادة ~~على ما كانوا يدفعون ليؤذن لهم بالعودة إلى ما كانوا يلبسون مثل المسلمين، ~~فسكت الحاضرون، فجثا الشيخ على ركبتيه وقال للسلطان: (لا تفعل وإني أعيذك ~~أن يكون أول مراسيمك - في أول مجلس لك بعد أن عاد الله إليك الملك ونصرك ~~على عدوك - أن تنصر فيه الكفار وتعزهم من أجل الدنيا الفانية) (3). # ومن ذلك ما ذكره الذهبي في ترجمة أبي بكر النابلسي (4): PageV01P137 # " قال أبو ذر الحافظ: سجنه بنو عبيد، وصلبوه على السنة، سمعت الدارقطني ~~يذكره، ويبكي، ويقول: كان يقول وهو يسلخ: { .. كان ذلك في الكتاب مسطورا} ~~(58) سورة الإسراء # قال أبو الفرج بن الجوزي: أقام جوهر القائد لأبي تميم صاحب مصر أبا بكر ~~النابلسي، وكان ينزل الأكواخ، فقال له: بلغنا أنك قلت: الجزء السادس عشر ~~إذا كان مع الرجل عشرة أسهم، وجب أن يرمي في الروم سهما، وفينا تسعة، قال: ~~ما قلت هذا، بل قلت: إذا كان معه عشرة أسهم، وجب أن يرميكم بتسعة، ms119 وأن يرمي ~~العاشر فيكم أيضا، فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم نور ~~الإلهية، فشهره ثم ضربه، ثم أمر يهوديا فسلخه. # قال ابن الأكفاني: توفي العبد الصالح الزاهد أبو بكر بن النابلسي، كان ~~يرى قتال المغاربة، هرب من الرملة إلى دمشق، فأخذه متوليها أبو محمود ~~الكتامي، وجعله في قفص خشب، وأرسله إلى مصر، فلما وصل قالوا: أنت القائل، ~~لو أن معي عشرة أسهم ... وذكر القصة، فسلخ وحشي تبنا، وصلب. # قال معمر بن أحمد بن زياد الصوفي: أخبرني الثقة، أن أبا بكر سلخ من مفرق ~~رأسه حتى بلغ الوجه، فكان يذكر الله ويصبر حتى بلغ الصدر فرحمه السلاخ، ~~فوكزه بالسكين موضع قلبه فقضى عليه. وأخبرني الثقة أنه كان إماما في الحديث ~~والفقه، صائم الدهر، كبير الصولة عند العامة والخاصة، ولما سلخ كان يسمع من ~~جسده قراءة القرآن، فغلب المغربي بالشام، وأظهر المذهب الرديء، وأبطل ~~التراويح والضحى، وأمر بالقنوت في الظهر، وقتل النابلسي سنة ثلاث. وكان ~~نبيلا رئيس الرملة، فهرب، فأخذ من دمشق". # ومن ذلك أيضا ما رواه ابن الجوزي في المنتظم عن الإمام أحمد بن بديل ~~الكوفي وكان قاضيا قال (1): (بعث إلي المعتز رسولا بعد رسول فلبست عمتي ~~ولبست نعلا طاقا، فأتيت بابه فقال الحاجب: يا شيخ، نعليك! فلم ألتفت إليه ~~ودخلت الباب الثاني فقال الحاجب نعليك! فلم ألتفت إليه فدخلت الباب الثالث، ~~فقال الحاجب: يا شيخ نعليك! فلم ألتفت إليه ثم قلت: أبالوادي المقدس أنا ~~فأخلع نعلي؟ فدخلت بنعلي، فرفع المجلس وجلست على مصلاه، فقال أتعبناك أبا ~~جعفر؟ فقلت: أتعبتني وذعرتني، فقال: ما أردنا إلا الخير، أردنا أن نسمع ~~العلم، قلت: ألا جئتني؟ فإن العلم يؤتى ولا يأتي، قال نعتب أبا جعفر، فقلت: ~~خلبتني بحسن أدبك أكتب ما شئت، فأخذ الكتاب والدواة والقرطاس، فقلت: أتكتب ~~حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قرطاس بمداد؟ قال: فيم أكتب؟ ~~قلت: في رق بحبر، فأخذ الكتاب يريد أن يكتب، فأمليت عليه حديثين، قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -:من استرعى رعية فلم ms120 يحطها بالنصيحة حرم الله ~~عليه الجنة، والثاني: ما من أمير يأمر عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة ~~مغلولا). PageV01P138 # وبالجملة فالأمثلة كثيرة، وهى وإن كان بعضها لم تجتمع فيه شروط الصحة من ~~جهة الإسناد، غير أنه مما لم يعلم كذبه فتجوز روايته تحت أصل صحيح، ومعلوم ~~أن قيام العلماء بواجب الإنكار العلني على السلطة مع أمن وقوع مفسدة أكبر ~~مستفيض استفاضة تغني عن التفتيش عن إسناد كل خبر على حدة، والنماذج من ~~تاريخنا كثيرة جدا، ولهذا قال الإمام عبدالرحمن بن أبي بكر الحنبلي في ~~كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1): (والمقصود أنه كان من عادة ~~السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين والصدع بالحق وقلة المبالاة بسطوتهم ~~إيثارا لإعزاز الشرع على حفظ مهجهم واستسلاما للشهادة إن حصلت لهم). # وأما ما يقرره بعض الباحثين من أن نقد الحاكم الجائر لا يجوز أن يكون إلا ~~سرا في جميع الأحوال، فليس عليه دليل يقتضي الحصر، حتى لو سلم صحة حديث ~~عياض بن غنم الذي يدل على بذل النصيحة للسلطان سرا (2) - مع أنه متكلم في ~~إسناده - فإن سبيل الجمع بينه وبين الأحاديث التي تعارضه أن يحمل ما ورد في ~~شأن الإسرار على ما كان من النصيحة في مخالفات الحاكم القاصرة عليه، وما ~~ورد في الإعلان على المنكر المتعدي كالظلم وإشاعة الفساد ونحو ذلك، ولم يزل ~~العلماء يوفقون بين النصوص التي يظن بينها تعارض على هذا النحو، كما قيل في ~~التوفيق بين أحاديث استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة، ونقض الوضوء ~~بلمس الذكر، وصلاة المأمومين إذا صلى الإمام جالسا، وأحاديث نفي العدوى مع ~~الأمر بالفرار من المجذوم، وما ورد في المخابرة في باب المزارعة، ونحوها ~~كثير، وأما إلغاء النصوص التي عضدها عمل الفقهاء وعادة العلماء وتعطيل ~~دلالاتها، والتمسك بنص واحد دون سواه رضوخا لضغط الواقع، ثم تأويل الشرع ~~ليوافقه، فليس من صنيع أهل الفقه والتحقيق. # الوسيلة الثالثة: الاستفادة من أثر الرأي العام للرقابة على السلطة: # ومن الأمثلة في التاريخ ما رواه ابن الجوزي بإسناده أن المأمون قال: ~~(لولا ms121 يزيد بن هارون لأظهرت أن القرآن مخلوق فقال بعض جلسائه: يا أمير ~~المؤمنين، ومن يزيد حتى يتقى؟،قال ويحك، إني أخاف أن يرد علي، فيختلف الناس ~~وتكون فتنة، وأنا أكره الفتنة، فقال له الرجل: فأنا أخبر لك ذلك منه، فقال ~~له: نعم، قال: فخرج إلى واسط، فجاء إلى يزيد بن هارون، فدخل عليه المسجد، ~~وجلس إليه فقال له: يا أبا PageV01P139 # خالد إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك إني أريد أن أظهر أن القرآن ~~مخلوق فقال: كذبت على أمير المؤمنين، أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما ~~لا يعرفون، فإن كنت صادقا فعد غدا إلى المجلس، فإذا اجتمع الناس فقل، قال: ~~فلما كان الغد اجتمع الناس فقام، فقال: يا أبا خالد، رضي الله عنك، إن أمير ~~المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: (إني أريد أن أظهر أن القرآن مخلوق، فما ~~عندك في ذلك؟ قال: كذبت في ذلك على أمير المؤمنين، أمير المؤمنين لا يحمل ~~الناس على ما لا يعرفونه وما لم يقل به أحد، قال: فقدم فقال: يا أمير ~~المؤمنين، كنت أنت أعلم، قال: وكان من القصة كيت وكيت، فقال له: ويحك، لعب ~~بك) (1). # وقوله: (أنا أخبر لك ذلك منه) يقصد به أرى إن كان الإمام يزيد بن هارون ~~سيستعمل قدرته على التأثير على الرأي العام ضد السلطة فيما لو أظهرت هذا ~~القول، أم سوف يكون إنكاره لها رأيا شخصيا بيننا وبينه فقط أو سوف يؤثر ~~السكوت، أو نحو ذلك مما سيكون تأثيره محدودا. # وفي هذه القصة أن الإمام يزيد بن هارون أراد أن يبلغ السلطة أنه سوف ~~يستفيد من تأثيره على الرأي العام لتحجيمها ومنعها من استغلال موقعها لفرض ~~آرائها الفكرية الخاطئة، ولهذا دعا رسول الخليفة أمام الناس ليشهدهم على ~~موقفه، ويكون في ذلك إشارة واضحة للسلطة لتكف عما تخطط له، ولم يكتف رحمه ~~الله بذكر ذلك فيما بينه وبين مندوب السلطة خاصة، وهو يدل على قيام العلماء ~~في ذلك الزمان برسالتهم ووعيهم الوسائل الكفيلة بتحقيق أهدافها. # وقد روى لنا التاريخ ms122 أيضا هذه القصة الطريفة: جاء في حسن المحاضرة: (أنه ~~كان بمصر مغنية تدعى عجيبة، أولع بها الملك الكامل، فكانت تحضر إليه ليلا، ~~وتغنيه في مجلس ابن شيخ الشيوخ وغيره، فاتفقت قضية شهد فيها الملك الكامل ~~عنده، وهو في دست ملكه، فقال القاضي عبد الله بن الصفراوي الملقب بعين ~~الدولة، هذا السلطان يأمر، ولا يشهد، فأعاد عليه القول، فلما زاد الأمر، ~~وفهم السلطان أنه لا يقبل شهادته، قال: أنا أشهد، تقبلني أم لا؟ فقال ~~القاضي: لا، ما أقبلك وعجيبة تطلع إليك كل ليلة، وتنزل ثاني يوم بكره، وهي ~~تتمايل سكرى على أيدي الجواري، وينزل ابن الشيخ من عندك، فقال له السلطان: ~~يا كبواج! وهي كلمة شتم بالفارسية، فقال القاضي: ما في الشرع يا كبواج! ~~اشهدوا علي أني قد عزلت نفسي، ونهض، فقام ابن الشيخ إلى الملك الكامل، فقال ~~له: المصلحة إعادته، لئلا يقال لأي شيء عزل القاضي نفسه، وتطير الأخبار إلى ~~بغداد، ويشيع أمر عجيبة، فنهض الكامل إلى القاضي وترضاه) (2). PageV01P140 # ويستفاد من القصة أن القاضي استعمل أثر الرأي العام لتحجيم السلطة ومنعها ~~من التدخل في القضاء والتعسف في استعمال موقعها لإضاعة حقوق العباد، ويمكن ~~أن يستفاد من هذه القصة استعمال وسيلة الإضراب عن العمل للضغط على السلطة ~~بغية إلزامها بالحق وعدم التدخل للتأثير على القضاء ضد الشريعة (1). # وفي الجملة فالأمثلة كثيرة، وعلماء الإسلام لم يغفلوا عن أي وسيلة تمكنهم ~~من منع السلطة من التعسف في استعمال أدواتها للالتفاف على الشريعة ~~الإسلامية التي تمثل ثوابت الأمة التي لا تقبل الالتفاف عليها بوجه من ~~الوجوه، لأن كيان الأمة أصلا مبني على إقامة الشريعة الإسلامية وبدونها ~~تضيع هويتها وتسلب مكانتها وتتهاوى هيبتها. # الوسيلة الرابعة: وسيلة استعمال جماعات الضغط في المجتمع: # والمقصود بهذه الوسيلة أن تستغل جماعات الضغط (وهي التكتلات التي تخشى ~~السلطة من ردة فعلها إذا تعدت السلطة صلاحياتها أو قصرت في واجبها، ويكون ~~لهذه التكتلات التي توجد في كل مجتمع قدرة على التأثير في السلطة، وربما ~~كانت هذه التكتلات أحزابا فكرية أو جبهة ms123 من العلماء الذين لهم ما يسمى هذه ~~الأيام (سلطة روحية) على الشعب وقد تكون منافسة لسلطة الدولة، وربما كانت ~~أقوى من سلطة الدولة في بعض الأحيان، أو طوائف مهنية أو مذهبية .. الخ) ~~تستغل جماعات الضغط موقعها للرقابة وتقييد السلطة، وقد ورد في التاريخ ~~الإسلامي كثير من النماذج التي تدل على وعي العلماء بأهمية هذه الوسيلة ~~للرقابة على الحكام والقيام بواجب الحسبة عليهم: # فمن ذلك: ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم قال في حوادث سنة 464ه، قال: (2) ~~(وفي جمادى الآخرة لقي أبو سعد بن أبي عمامة مغنية قد خرجت من عند تركي ~~بنهر طابق فقبض على عودها وقطع أوتاره، فعادت إلى التركي فأخبرته، فبعث ~~التركي إليه من كبس داره وأفلت، وعبر إلى الحريم إلى ابن أبي موسى الهاشمي ~~شاكيا ما لقي، واجتمع الحنابلة في جامع القصر من الغد فأقاموا فيه ~~مستغيثين، وأدخلوا معهم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي وأصحابه، وطلبوا قلع ~~المواخير وتتبع المفسدات ومن يبيع النبيذ وضرب دراهم المعاملة بها عوض ~~القراضة، فتقدم أمير المؤمنين بذلك، فهرب المفسدات، وكبست الدور، وارتفعت ~~الأنبذة، ووعد بقلع المواخير ومكاتبة عضد الدولة برفعها، والتقدم بضرب ~~دراهم يتعامل بها، فلم يقتنع أقوام منهم بالوعد، وأظهر أبو إسحاق الخروج من ~~البلد فروسل برسالة سكتته). PageV01P141 # ويستفاد من هذه الحادثة عناية العلماء برسالة الإصلاح في المجتمع، سواء ~~كانت إصلاح الأخلاق أو الاقتصاد كما يدل على ذلك تقدمهم بإصلاح نظام النقد، ~~كما يستفاد منها تعاون العلماء والمصلحين فيما يتفقون عليه - بالرغم من ~~الخلاف المشهور بين الحنابلة والشافعية - لتحقيق المصلحة العامة للإسلام، ~~واستعمالهم وسيلة الاعتصام إذا أمنت الفتنة والمفسدة الراجحة، وحققت مصلحة ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # هذا وقد منع بعض المعاصرين استعمال هذه الوسائل العصرية التي تسمى وسائل ~~الاحتجاج السلمي كالإضراب والاعتصام والمسيرة السلمية مطلقا، وقبل أن ننقد ~~هذا الرأي الذي نراه مجانبا للصواب من جهة إطلاقه، نذكر قاعدة اتفق عليها ~~العلماء، وحاصلها أنه لا يصح في مناهج أهل التحقيق الخوض في الأحكام ~~الشرعية، قبل تفصيل القول في الألقاب والأسماء ms124 التي تتعلق بها هذه الأحكام، ~~وتبيين ما كان منها من مجمل يحتمل عدة معان حتى لا تشتبه الأحكام المختلفة، ~~لاشتباه معاني متعلقاتها. # فعلى سبيل المثال لفظ المظاهرات، قد حدث فيه اشتباه بسبب الإجمال، فهو ~~ربما أطلق وأريد به إثارة الشغب والفوضى والفساد، وغالب ما يتبادر إلى ذهن ~~العامة هذا المعنى، ويطلق ويراد به أي صورة من صور التجمهر ولو لم يكن فيه ~~غير الاعتصام في موضع معين، ويطلق ويراد به اجتماع الناس لسماع الخطب وما ~~يسمى هذه الأيام المهرجان الخطابي، ويطلق ويراد به ما يسمى المسيرة السلمية ~~وهي أن يخرج الناس يسيرون بأعداد كبيرة للاحتجاج على أمر ما أو المطالبة ~~بأمر ما، وقد تكون على صورة اتباع جنازة يتعمد متبعوها أن يسار بها علنا ~~لمسافة طويلة ويحشد لاتباعها عدد كبير من المشيعين في رسالة احتجاج تتعلق ~~بحدث اقترن بهذه الجنازة، وكل هذه الصور قد تحدث بإذن السلطات أو بغير ذلك، ~~بل قد تكون بأمر السلطات، وقد تحدث في بلاد الإسلام تحت إمامة شرعية، وقد ~~لا تكون كذلك، بل تكون في أرض العدو الذي لا يمكن قتاله بالسلاح كما في ~~فلسطين، أو في بلاد الكفار الذين اعتادوا على ذلك وسمحوا به مثل بلاد ~~الغرب. # وقد تصاحبها المنكرات كاختلاط الرجال والنساء لأنها مما لا يمكن السيطرة ~~عليها، وقد يترتب عليها مفسدة راجحة، وقد يحدث الضد، فيترتب عليها مصالح ~~عظيمة للدعوة. # وبعضها يقصد به إثارة الشغب والفوضى ويستعمل فيها العنف - كما أشرنا- ~~لإسقاط النظام أو إسقاط الثقة به ليؤدي إلى الثورة ضده. # وغالبها يقصد بها استحثاث وسائل الإعلام، لاستدعاء الرأي العام العالمي ~~أو المحلي لقضية يرى أصحابها أنها لا تحظى بالاهتمام المطلوب الذي يتوقع أن ~~يؤدي إلى حلها، وغالبا ما يحدث هذا النوع في الأنظمة التي تسمح بوسائل ~~الاحتجاج السلمية مثل الكويت، فقد نصت المادة 44 من دستورها على ذلك صراحة. # PageV01P142 # والمقصود أن هذه صور مختلفة جدا ولا يجوز البتة في النظر الفقهي الصحيح ~~أن يطلق حكم واحد على جميع ما يحتمله اللفظ العام ms125 من الصور والمعاني مع ~~اختلاف أحوالها، إذا كان مناط التحريم أو الإباحة يختلف باختلاف تلك الصور. # ولا أريد أن أتعرض هنا لمظاهرات العنف فإن تحريمها ما لم تكن ضد عدو في ~~أرض حرب مثل الأرض المحتلة في فلسطين وما يشبهها، وما في حكمها مثل الخروج ~~على الحاكم الكافر، وتحريمها واضح لا يحتاج إلى بيان، وإنما المقصود مناقشة ~~من يحرمها مطلقا وان كانت سلمية مقصدها إعلامي يهدف إلى ممارسة الضغط ~~المعنوي فحسب. # هذا وقد سلك المحرمون لهذه الوسائل وإن كانت سلمية يسمح بها النظام ثلاث ~~طرق: # الأولى: دخولها في عموم النصوص المحرمة للتشبه بالكفار. # الثانية: دخولها في عموم النصوص المحرمة للإحداث في الدين لأنها لم توجد ~~في العصر الأول. # الثالثة: الاحتجاج بقاعدة سد الذرائع، إذ هذه الوسائل ذريعة لوقوع منكر ~~أكبر مما يراد إزالته بها غالبا، ومعلوم أن الحكم إنما يعلق على غالب ~~الأحوال لأنه مثار غالب الظن الذي تنبني عليه أحكام الفروع. # أما الطريق الأولى: فالاحتجاج بها ضرب من الغفلة عند أهل التحقيق ذلك أن ~~الوسائل والصناعات والعادات المحضة ونحوها، إذا عمت في الناس يفعلها ~~المسلمون والكفار، ولم تختص بالكفار بحيث تصير شعارا لهم خاصة دون غيرهم، ~~فإنها لا تدخل في تحريم التشبه بالكفار إذ لا يتحقق فيها هذا المعنى، ولا ~~يصدق عليها اللفظ والمبنى. # فالوسائل - ما لم تكن محرمة بعينها أو صارت شعارا للكفار دون سواهم - فلا ~~بأس من الاستفادة منها في مقاصد الشريعة، كما أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية ~~رحمه الله تعالى في النفع الذي يفعله المسلم والكافر كالبناء والخياطة ~~والنسيج والصناعة ونحو ذلك أنه يجوز أخذه من غير المسلم (1) ,وذكر أنه لهذا ~~أجاز المسلمون استعمال القوس الفارسية بعد فتح فارس في عهد عمر رضي الله ~~عنه لأنهم وجدوها أفضل من العربية، وكذلك كان الصحابة ومن بعدهم من ~~المسلمين يلبسون الملابس التي وردت من بلاد الكفار، وقد استفادوا بعد الفتح ~~بعض التنظيمات الإدارية من الكفار (2). # ومعلوم أن الصناعات والتنظيمات الإدارية - على سبيل المثال - التي أنشأها ~~غير المسلمين، قد ms126 تصير وسائل لإنكار المنكر والدعوة إلى الله تعالى، وفي ~~هذا العصر تداخلت الوسائل الإدارية والمادية التي تنظم شؤون الناس بصورة لم ~~يسبق لها مثيل، ولا يكاد شيء منها يختص بجنس من البشر حتى يقال أنه من عمل ~~الكفار دون المسلمين، ولهذا تجد المانعين لمثل هذه الوسائل (المظاهرات ~~السلمية ونحوها) PageV01P143 # محتجين بأنها تشبه بالكفار لابد أن يتناقضوا تناقضا بينا، فهم يستعملون ~~من الوسائل الحادثة ما لا يعد كثرة حتى ما ورد في أصله التحريم مثل التصوير ~~ونحو ذلك ويجيزونه في بعض وسائل الدعوة، بل ما يسمى فن الصحافة إنما نشأ في ~~بلاد الكفار ثم عم في الناس، وسائر وسائل الإعلام وفنونه التي أضحت اليوم ~~من أهم وسائل الدعوة، يستعملون هذه الوسائل الحادثة التي اخترعها غير ~~المسلمين وانتشرت فيهم قبل أن تصل إلى بلاد الإسلام، ثم يحرمون وسائل ~~الاحتجاج في العمل النقابي لأنها من بلاد الكفار فتأمل هذا التناقص العجيب. # فضلا عن استعمال بعض هؤلاء المتناقضين الذين يحرمون الشيء، ويبيحون ~~لأنفسهم نظيره، النظم الإدارية التي أحدثها غير المسلمين، حتى تنظيماتهم ~~الدعوية وما تستدعي من نظم داخلية، وبعض هؤلاء المتناقضين يستبيح لنفسه طلب ~~علوم الشرع في بلاد الكفرة وفي جامعات النصارى ليزكوه في علم شريعة ~~الإسلام!! # وبعضهم لا يرى غضاضة في دراسة الشريعة بنظام الماجستير والدكتوراه وهو في ~~الأصل نظام أحدثه غير المسلمين، وغيرهم يرى وجوب دخول البرلمانات التي هي ~~أوروبية المنشأ، وغير ذلك من الصور ما لا يحصى، والصواب أن هذا كله داخل ~~فيما يباح بالبراءة الأصلية، فإن صار وسيلة لخير أو شر دخل في قاعدة ~~الوسائل لها حكم المقاصد، وإنما لم تدخل هذه الوسائل في عموم النهي عن ~~التشبه بالكفار لأنها ليست شعارا لهم ولا مختصة بهم، بل عامة في الناس ~~يفعلها المسلم والكافر في جميع بقاع الأرض وقد صارت من جنس الصناعات، وما ~~كان مختصا بهم قد يجوز للضرورة أو لارتكاب أخف الضررين أيضا # هذا مع أنه لا يسلم البتة - كما سيأتي بيانه بالأدلة والوقائع التاريخية ~~- أن هذه الوسائل الاحتجاجية ms127 السلمية لم يعرفها المسلمون في تاريخهم، بل هو ~~خطأ محض لا يقوله من يعرف التاريخ الإسلامي، ولا من تأمل في سنن الحياة، إذ ~~لا معنى لاختصاص الكفار بأمر يتولد من النظام الاجتماعي نفسه , وتستدعيه ~~نفس طبائع بني آدم في اجتماعهم. # الطريقة الثانية: التي اعتمد عليها من حرم المظاهرات وغيرها من الوسائل ~~السلمية في الاحتجاج أو التعبير عن الرأي هي دخولها في عموم النصوص الناهية ~~عن الإحداث في الدين لأنها لم تكن في العصر الأول، ولنا مسلكان في إبطال ~~هذه الطرق: # الأول: إبطال الحجة من رأسها ببيان أن الوسائل العصرية التي يتوصل بها ~~إلى الدعوة وإنكار المنكرات لا تدخل في الإحداث في الدين. # الثاني: بيان أن هذه الوسائل كانت في العصور الأولى بل نص عليها بعض ~~الأئمة، واشتهرت ولم تنكر، فدل على أنها ليست محدثة أصلا. # أما المسلك الأول: فحاصله إن الإحداث في الدين يقصد به عند العلماء ~~التقرب إلى الله تعالى بعبادة لم يشرعها، وهي البدع التي عظم نكير السلف ~~على فاعلها والتحذير منها، حتى عدوها أشد خطرا من # PageV01P144 # الكبائر، وهي نوعان: أصلية وهي إحداث عبادة ليست مشروعة أصلا مثل إقامة ~~المناحات في ذكرى موت الصالحين والمولد ونحو ذلك، وإضافية مثل تخصيص فضل ~~لمكان أو زمان أو هيئة في عبادة مشروعة في الأصل، لكن بلا دليل على التخصيص ~~مثل تعيين فضل للدعاء عند قبور الصالحين أو الذكر الجماعي على هيئة معينة ~~وإن كان الدعاء والذكر مشروعين بالأصل. # أما الوسائل التي يتوصل بها لأداء الواجب المطلق - وهو الذي لم يأت الشرع ~~بتحديد كيفية أدائه على صورة مخصوصة مثل الجهاد وقيام الإمامة بإصلاح شؤون ~~الرعية، والدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~والإحسان إلى الناس وبر الوالدين ونحو ذلك - أو التي تتعلق بالعبادة تعلق ~~الوسائل فحسب، فلا تدخل في الإحداث في الدين، لأنها لا يقصد بها التقرب بها ~~بخصوصها وإنما تستعمل لأداء الواجب أو غيره من باب الوسائل، فلو تغير ~~الزمان أو المكان تغيرت، فهي غير مقصوده لذاتها. # وفي هذا ms128 الباب أمثلة كثيرة، ففي أحكام الأذان مثلا: استعمال مكبرات الصوت ~~ورفعها على المآذن لإسماع الناس بعد أن علت الدور وتباعدت واحتيج إلى تبليغ ~~الصوت، وفي الصلاة: مثل استعمال البوصلة الحديثة لمعرفة القبلة، وكما وضعت ~~خطوط قوسية مؤخرا في المسجد الحرام يستدل بها الذي لا يرى الكعبة على اتجاه ~~القبلة لأنه يجب عليه استقبال عينها في المسجد الحرام، وفي الزكاة: حسابها ~~بالوسائل العصرية وإخراجها بها مثل الخصم الحسابي بالأقساط قبل الحول شهريا ~~تيسيرا على مخرجها، لأنه يجوز تعجيل إخراجها على الصحيح، وفي الحج: مثل ~~إنشاء الطابق الثاني في المسجد الحرام للطواف والسعي ورمي الجمرات، وفي ~~الجهاد: مثل وسائل الجهاد العصرية التي لم تكن على عهد الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - كوسائل الاستخبارات العسكرية المتطورة والسلاح، ونظم إدارة ~~الجيوش ومراتب الجند ونحوها للقيام بالجهاد في أكمل صوره. # وفي باب الدعوة إلى الله تعالى: مثل استعمال الإعلام والصحافة واضطرار ~~الدعاة أحيانا إلى استعمال الصور لإيضاح أحوال المسلمين واستحثاث الناس ~~لإعانتهم، وفي طلب العلم الشرعي: مثل مسابقات تحفيظ القرآن وغيرها مما يقصد ~~به حث الناس على العلم الشرعي، ومثل جعل طلب العلوم الشرعية على نظام ~~الكليات الحديثة والطرق العصرية التي لم تعرف في العصر الأول، وفي إنكار ~~المنكرات: قد أفتى أجلة العلماء بجواز دخول الدعاة المجالس النيابية في ~~البلاد التي تجعل للشعب سلطة الرقابة على النظام ومحاسبته وتشرك الشعب في ~~اتخاذ القرارات، وإنما يتحقق ذلك بالتصويت والانتخابات العصرية، وكذلك دخول ~~نقابات العمال واتحادات الطلبة ونحوها، وكلها وسائل حادثة يقصد بها تحقيق ~~مقاصد الدعوة الإسلامية، وكذلك الوسائل العصرية في مكافحة الجريمة، وتتبع ~~المجرمين وكشفهم وهو من باب إنكار المنكر المأمور به شرعا ويدخل في هذه ~~البصمات اليدوية والوراثية وأحماض الدم # PageV01P145 # وحتى الكلاب البوليسية، وغيرها من الوسائل الحديثة في مكافحة الجريمة، ~~ومعلوم أن مكافحة الجريمة من إنكار المنكر، بل ولاية الدولة كلها إنما ~~المقصود بها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما بينا. # والأمثلة لا تحصى في هذا الباب، وكل هذه الوسائل لم تكن في العصر الأول، ms129 ~~وكل ذلك لا يدخل في الإحداث في الدين، ولا يفتي بذلك من يعرف مقاصد الشريعة ~~ولا من يعلم قواعد الفقه وأصوله التي تنبني عليها الأحكام، ولهذا يفرق ~~العلماء بين ابتداع ذكر على هيئة مخصوصة لم تشرع وبأذكار مخترعة لم ترد عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو السماع الصوفي، ويجعلون كل ذلك بدعة، ~~وبين استعمال وسيلة السبحة لعد الأذكار المشروعة والواردة في السنة، ولشيخ ~~الإسلام فتوى مشهورة بإباحة السبحة لأنها من باب الوسائل، وإن كان في ذلك ~~خلاف مشهور لكن المقصود أنه لا ينكر على فاعله، كما يفرقون بين الزيادة على ~~ألفاظ الأذان لأنها بدعة، وبين استعمال المآذن العالية وسيلة لتبليغ الصوت ~~كما في الحرمين فهو مشروع، ويفرقون بين الزيادة على خطبتي الجمعة خطبة ~~ثالثة أو صلاة الظهر بعدها فهما بدعتان، وبين جعل المنبر أكثر من ثلاث ~~درجات إن احتيج إلى ذلك لكثرة الناس فهو مشروع وكذا أن تكون الخطبة بلغة ~~المصلين إذا لم يكونوا من العرب فهو مشروع مع أنه لم يفعل على عهد الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وحتى في باب الإمامة العظمى ينبغي التفريق بين بدعة توريثها على سبيل ~~المثال، وبين استعمال وسائل أكثر فاعلية لانتخاب وبيعة الإمام وتنظيم سلطات ~~الدولة، لضمان سلامة أداءها لواجباتها، فهذه وسائل تتبع حكم مقاصدها، وتلك ~~- توريث الإمامة العظمى - بدعة لا تجوز إلا لدفع ضرر أكبر كخشية وقوع نزاع ~~يفضي إلى فتنة بين المسلمين وضرب وحدة الأمة. # والمقصود أن الأمثلة لا تحصى والتفريق بين الأمرين: (البدعة المحرمة ~~والوسائل التي لها حكم مقاصدها) لا بد منه شرعا وعقلا، بل لو حرمت كل وسيلة ~~عصرية يتوصل بها إلى أداء ما أمر الله تعالى به أو ندب إليه، لكان ذلك من ~~الضلال المبين والجناية على الدين، بل تحريم هذه الوسائل في حد ذاته بدعة ~~شنيعة. # والقاعدة في هذا الباب أن الوسائل التي يتوصل بها إلى امتثال الشرع لا ~~تمنع لمجرد كونها لم تكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عصر ~~السلف، لأنها ms130 قد لا توجد لعدم المقتضى حينئذ لفعلها في عهده - صلى الله ~~عليه وسلم -،إما لأنها لم في ذلك الزمان أصلا، أو لعدم الحاجة إليها في ذلك ~~العصر , أو لوجود مانع من ذلك , كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ~~تعالى (1): PageV01P146 # "وهذا باب واسع قد بسطناه في غير هذا الموضع وميزنا بين السنة والبدعة ~~وبينا أن السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله سواء ~~فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو فعل على زمانه أو لم يفعله ولم ~~يفعل على زمانه لعدم المقتضي حينئذ لفعله أو وجود المانع منه ". # وانطلاقا من هذا الفهم الدقيق استعمل الصحابة وعلى رأسهم عمر رضي الله ~~عنه وسائل لم تكن على زمن التنزيل إن لم يرد فيها نص مانع، كما أنشأ عمر ~~الدواوين وكما جعل دية قتل الخطأ على أهل الديوان وجعلهم العاقلة بدل ~~العصبة، وكان فقهه رضي الله عنه قائم على هذا الفهم السديد للشريعة، كما ~~قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فإن جند الشام كتبوا إلى عمر ~~بن الخطاب: إنا إذا لقينا العدو ورأيناهم قد كفروا - أي: غطوا أسلحتهم ~~بالحرير - وجدنا لذلك رعبا في قلوبنا. فكتب إليهم عمر: وأنتم فكفروا ~~أسلحتكم كما يكفرون أسلحتهم) (1). # ولم يقل عمر إنه تشبه بالكفار ولا قال لم يكن ذلك على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -،مع أن لبس الحرير قد ورد فيه النهي، غير أن الفقهاء ~~أجازوه للضرورة في القتال ولهم قولان في لبسه لإرهاب العدو، وإنما لم يقل ~~عمر رضي الله ذلك لأنه من باب الوسائل وما كان كذلك لا يكون من الإحداث في ~~الدين , كما أنه يباح للمصلحة الراجحة، كرؤية المخطوبة ونحو ذلك مما عرف ~~مواضعه في الفقه، وكما جمع الصحابة المصحف، وكما أمر عثمان بتحريق المصاحف ~~إلا واحدا درء للفتنة. # وكل من جرب القضاء والفتيا العامة، وفي النوازل تيقن ما ذكرناه هنا، ~~ولهذا لا يسلم من يحرم الوسائل العصرية للاحتجاج الجماعي بحجة أنها محدثة ~~من ms131 تناقض أيضا، فتجده يجيز ما لا يحصى من وسائل الدعوة وتحصيل العلم ~~والجهاد وغيرها مما لم يكن في العصر الأول فإذا جاء إلى هذه الوسيلة حرمها ~~لأنها لم تكن في العصر الأول فيا للعجب. # وأما المسلك الثاني: فالتاريخ الإسلامي حافل منذ العصور الأولى بشواهد ~~القيام الجماعي لإنكار المنكر، والعجب كل العجب ممن ينكر هذا مع استفاضته، ~~ويدعى أن السلف لم يفعلوا شيئا منه، ومن ذلك: # ما جاء عن إياس بن عبد الله بن أبى ذباب قال قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا تضربوا إماء الله». فجاء عمر إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال ذئرن النساء على أزواجهن. فرخص فى ضربهن فأطاف بآل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نساء كثير يشكون أزواجهن فقال النبى - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك ~~بخياركم» أخرجه أبو داود (2). PageV01P147 # فهذا الحديث الصحيح نص في محل النزاع، فقد تظاهرت النساء حول بيت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - احتجاجا على ضربهن المبرح، فلم ينكر عليهن، بل سمع ~~قولهن وأنكر على من أساء إليهن بغير حق. # كما أن الإمام أحمد رحمه الله كان يفتي بأن يجتمع الناس لإنكار المنكر ~~للتهويل والتشهير بالمنكر وأهله، فقد روى الخلال في الأمر بالمعروف والنهي ~~أخبرني محمد بن علي الوراق، أن محمد بن أبي حرب، حدثهم قال: سألت أبا عبد ~~الله عن الرجل، يسمع المنكر في دار بعض جيرانه؟ قال: يأمره، قلت: فإن لم ~~يقبل؟ قال:" تجمع عليه الجيران، وتهول عليه " (1). # وفيه أخبرني منصور بن الوليد، أن جعفر بن محمد النسائي، حدثهم قال: سمعت ~~أبا عبد الله، سئل عن الرجل، يمر بالقوم يغنون؟ قال: إذا ظهر له، هم داخل، ~~قلت: لكن الصوت يسمع في الطريق؟ قال: هذا قد ظهر، عليه أن ينهاهم، ورأى أن ~~ينكر الطبل، يعني إذا سمع حسه. قيل له: مررنا بقوم وقد أشرفوا من علية لهم، ~~وهم يغنون، فجئنا إلى صاحب الخبر فأخبرناه؟ فقال: لم تكلموا في الموضع ms132 الذي ~~سمعتم؟ فقيل: لا، قال:" كان يعجبني أن تكلموا، لعل الناس كانوا يجتمعون ~~وكانوا يشهرون ") (2) # وفيه أخبرنا محمد بن عبد الصمد المقريء المصيصي، قال: سمعت إبراهيم بن ~~عبد المجيد، يقول: مر محمد بن مصعب العابد بدار، فسمع صوت عود يضرب به، ~~فقرع الباب، فنزلت جارية، فقال لها: يا جارية، قولي لمولاتك تحدر العود حتى ~~أكسره، قال: فصعدت، فقالت لمولاتها: شيخ بالباب قال كذا وكذا، قالت: هذا ~~شيخ أحمق، فضربت بعودين، فجلس على الباب وقرأ، فاجتمع الخلق، وارتفعت ~~الأصوات بالبكاء، فسمعت المرأة الضجة، فقالت: يا مولاتي، تعالي، انزلي ~~واسمعي، فلما سمعت قالت:" احدري العودين حتى يكسرهما " (3) # وفيه أخبرني أحمد بن عبد الحميد الكوفي، قال: كان محمد بن مصعب إذا سمع ~~صوت، عود أو طنبور من دار، أرسل إليهم أن أرسلوا إلي ذلك الخبيث، فإن ~~أرسلوا به إليه كسره، وإلا قعد إلى الباب فقرأ، فيجتمع الناس، فيقولون: ~~محمد بن مصعب، فلا يدع حتى يخرج إليه فيكسره " (4). # ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم قال: (واجتمع في يوم الخميس رابع ~~عشر المحرم خلق كثير من الحربية، والنصرية، وشارع دار الرقيق، وباب البصرة، ~~والقلائين، ونهر طابق، بعد أن أغلقوا دكاكينهم، وقصدوا دار الخلافة وبين ~~أيديهم الدعاة والقراء وهم يلعنون أهل الكرخ - أي منكرين لبدعة إظهار شتم ~~الصحابة التي وقعت من أهل الكرخ - واجتمعوا وازدحموا على باب PageV01P148 # الغربة، وتكلموا من غير تحفظ في القول فراسلهم الخليفة ببعض الخدم أننا ~~قد أنكرنا ما أنكرتم، وتقدمنا بأن لا يقع معاودة , فانصرفوا) (1). # وأما ما وقع من شيخ الإسلام ابن تيمية فكثير جدا، فمن ذلك: # ما ذكره خادم الشيخ إبراهيم الغياني قال: (فبلغ الشيخ أن جميع ما ذكر من ~~البدع يتعمدها الناس عند العمود المخلق الذي داخل (الباب الصغير) الذي عند ~~(درب النافدانيين) فشد عليه وقام واستخار الله في الخروج إلى كسره، فحدثني ~~أخوه الشيخ الإمام القدوة شرف الدين عبدالله بن تيمية قال: فخرجنا لكسره , ~~فسمع الناس أن الشيخ يخرج لكسر العمود المخلق، فاجتمع معنا خلق كثير) (2). # وشواهد ms133 التاريخ لا تحصى كثرة، والعاقل يعلم أن مثل هذه الوسائل السلمية ~~للاحتجاج الجماعي إنما تتولد من النظام الاجتماعي نفسه، ومن كون الإنسان ~~اجتماعيا بطبعه، يجتمع مع بني جنسه فيما يتفقون عليه فهو أمر لا يخلو منه ~~عصر، ولا يحتاج إلى فكر، وإنما تدفع إليه الحاجة، والناس إذا توافقوا ~~تعاونوا، فالعجب ممن يظن أن هذه الوسائل حادثة، ومن طرائف الأخبار أن شابا ~~ممن اعتاد على إلغاء عقله بتقليد حزبه، ذكر له أن جماعة من الدعاة أقاموا ~~تجمهرا حشد له الناس في خيمة كبيرة بهدف إظهار النكير لإضعاف المنكر، وسئل ~~هل يجيز هذا الأمر حزبه الذي يحرم التجمهر لأنه في زعمهم تشبه بالكفار ولم ~~يفعله السلف، قال هذا يجوز لأنه تحت الخيمة، فقيل له أرأيت لو أزلنا الخيمة ~~وكان ذلك كله في العراء، قال لا يجوز حينئذ لأنه مظاهرة، وعش تر ما لم ~~تر!!! # الطريقة الثالثة التي سلكها المانعون لوسائل الاحتجاج السلمي هي: # وهي قاعدة سد الذرائع، وقالوا: إن هذه الوسائل غالبا ما تفضي إلى مفاسد ~~أرجح من المصالح التي تبتغي بها، وقد علم من دلائل الشريعة الكثيرة حظر ما ~~يفضي إلى المفسدة، ويكتفى في اعتبار ذلك بغالب الأحوال إذ هي مثار غالب ~~الظن الذي تنبني عليه الأحكام. # وهذا الطريق أسلم حجة استدل بها على المنع، غير أن المعلوم أن الذرائع ~~تقدر بقدرها لا أكثر من قدرها، ويجب عند العمل بهذه القاعدة، أن يتوفر ~~أمران: # الأول: العلم بأن الوسيلة هي حقا ذريعة إلى مفسدة تربو على المصلحة، لا ~~أن يكون ذلك بناء على الوهم أو ضرب من الوسوسة أو بدافع الخوف النفساني ~~المجرد أو بناء على أحوال يختلف فيها القياس والتمثيل. # الثاني: أن لا يتجاوز بالذريعة قدرها فيؤدي إلى تحريم المباح أو تفويت ~~مصالح شرعية محققة، فمثلا إذا كان الاعتصام بغير إذن السلطة يفضي إلى مفسدة ~~راجحة، فلا يحرم ما كان حقا مكفولا بحكم القانون إلا إذا أفضى إلى مثل ذلك، ~~وقس على ذلك. PageV01P149 # وعليه، وبناء على ما سبق، فإن حكم ما ms134 يسمى وسائل الاحتجاج الجماعي من ~~مظاهرات واعتصامات وإضرابات ومهرجانات خطابية ومسيرات ### | ..... # الخ، # أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: # القسم الأول: محرمة، وذلك فيما لو كانت بقصد العنف المحرم - يستثنى ما ~~يقع في أرض عدو محارب كفلسطين وغيرها ما لم يكن الضرر أعظم كما هو الحال في ~~حكم الجهاد - أو كانت سلمية لكن يخشى إفضاؤها إلى عنف لعدم القدرة على ~~السيطرة عليها، أو كانت سلمية أيضا لكنها متضمنة لما يمنع شرعا كاختلاط ~~محرم بين الرجال والنساء، أو أدت إلى وقوع منكر أكبر، أو ضرر يصيب المسلمين ~~أو شعائر دينهم كما يفعل الملحدون الروافض في الحرم، أو ضرر يلحق بالدعوة ~~الإسلامية يربو على ما يتحقق بهذه الوسيلة من مصالح، وغالبا ما تكون كذلك ~~في الأنظمة التي لا تنص قوانينها على حق المواطنين في التعبير عن الاحتجاج ~~بهذه الوسائل العصرية، وهي في بلادنا الشرقية والعربية خاصة أكثر من غيرها. # القسم الثاني: مباحة، وهي فيما إذا كانت السلطة تسمح بهذه الوسائل ~~وتنظيمها للاتحادات والنقابات ونحوها فتستعمل للوصول إلى غرض مباح، مثل ~~زيادة الأجور أو تخفيف ساعات العمل أو الحصول على الحقوق المادية ونحو ذلك، ~~أو تأمر بها الدولة لاستحثاث وسائل الإعلام لحماية مصالح مواطنيها في دولة ~~أخرى أو إثارة قضية تخصها مثل الأسرى ونحو ذلك، فهذه كلها مباحة ما لم تؤد ~~إلى الوقوع في محظور كما في القسم الأول فتمنع. # القسم الثاني: مستحبة - أو واجبة بحسب الحال وما يراد تحقيقه بها - وذلك ~~فيما إذا كان مقصدها مستحبا أو واجبا، ومن أمثلة هذا النوع أن تكون في أرض ~~العدو للضغط عليه للوصول إلى مصلحة شرعية للمسلمين، كما كان فيما سمي ~~(مظاهرات الحجارة) التي قصد بها الشعب الفلسطيني إثارة الرأي العالمي ضد ~~جرائم اليهود بالمسلمين، بغية تحريك القضية وفضح مكائد اليهود، ولم يبلغنا ~~أن أحدا من علماء المسلمين حرم تلك المظاهرات، أو تكون للضغط على المحتل ~~الكافر لإخراجه من البلاد كما كان يفعل المسلمون إبان الاستعمار الذي عم ~~البلاد الإسلامية، أو كانت وسيلة للخروج على حاكم يجب ms135 الخروج عليه مع ~~القدرة لظهور الكفر البواح، وهذه فيما يخص مظاهرات العنف، ويجب أن يراعى ~~فيها أن لا تتعدى إلى الاعتداء على المسلمين أو تؤدي إلى ضرر عليهم راجح ~~على مصالحها. # وأما السلمية فتدخل في هذا القسم إذا كانت في أنظمة تسمح بها وتجعلها حقا ~~للأفراد عبر منظمات لهم تسمى نقابات أو اتحادات، فيسمح لهم القانون أن ~~ينظموا إضرابا أو اعتصاما أو مسيرة سلمية للحصول على مطالبهم فإذا كانت تلك ~~المطالب شرعية دعوية، كان لهذه الوسيلة حكم مقصدها، وهذا - أعني السماح ~~بهذه الوسائل - قد يكون عرفا سائدا لا قانونا منصوصا عليه، فهذه كلها إذا ~~خلت من محاذير أخرى فهي مستحبة - أو واجبة إذا لم يتم الواجب إلا بها وبحسب # PageV01P150 # مقصدها -،ولا مانع شرعا البتة أن تستعمل لتحيق بعض أهداف الدعوة أو إنكار ~~المنكر، وكل ذلك ما لم تفض إلى الوقوع في منكر أكبر. # وفي هذا الباب يحصل المسلمون في بلاد الغرب - حيث تنص غالب الدساتير على ~~حقوق الشعوب باستعمال هذه الوسائل - على كثير من حقوقهم ويخففون الأذى ~~عليهم من أعداءهم، مستغلين هذه الوسائل المسوح بها وإذاعة وسائل الإعلام ~~لها لإيصال صوتهم إلى العالم، وكل ذلك مشروع ما لم يفض إلى محرم أشد ضررا. # هذا، وتحقيق هذه الفتوى على الواقع، يجتهد فيه أهل كل بلد ممن له أهلية ~~ذلك لأنهم أعرف بأحوالهم، ولا عجب أن يفتي بتحريم هذه الوسائل مطلقا من ~~ينكر وجود سلطة في العالم تسمح لمواطنيها بالاحتجاج العلني عليها، ويقول ~~حتى لو وجدت فلا تلبث أن تبطش بهم، غير أنه لم يعد خافيا أن وجود مثل هذه ~~القوانين التي تعطي الشعب حق الاعتراض والنقد العلني كحرية الصحافة وتنظيم ~~وسائل الاحتجاج الجماعية ونحوها، إنما يتحقق في الأنظمة التي تقوم على فصل ~~السلطات، وفيها تكون السلطة التنفيذية ما هي إلا سلطة واحدة من الدولة ~~والشعب يشارك فيها بقوة القانون أيضا، وتشاركهم في اتخاذ القرارات - بل هي ~~المخولة أصلا ولها حق مراقبة الحكومة وتفرض عليها الخضوع للقوانين التي ~~منها حقوق الرعية بالتعبير ms136 عن رأيهم، فحتى لو كرهت السلطة التنفيذية ~~الإنكار عليها فإنها لا تستطيع أن تمنع ذلك وتتجاوز صلاحياتها، حتى ربما ~~استطاع الشعب عبر ممثليه أن يغير السلطة التنفيذية، ويأتي بغيرها، وكل ذلك ~~يكثر وجوده في حكومات العالم الغربي حيث يعيش المسلمون هناك وربما احتاجوا ~~إلى تلك الوسائل لحماية أنفسهم ودينهم، وتوجد في بعض البلاد الإسلامية ~~كذلك، هذا والواجب أن يتعرف المفتي على هذا الواقع حتى يعلم تحقق قاعدة سد ~~الذرائع في البلاد التي أفتى لأهلها بالمنع المطلق أم لا. # هذا، وإنه لمن المقرر في أحكام الفتوى وآدابها أن لا يقصر المفتي نظره ~~على البلاد التي يعيش فيها فحسب، ويرى العالم كله من خلالها، ويبني الفتوى ~~على ما يراه حوله فقط، فإن هذا من شأنه أن يجعل الفتوى تأتي بضد مقصودها. # كما ننبه هنا أنه لا يجوز أن نغفل سد ذرائع المنكر، عندما ننظر إلى سد ~~ذرائع الأضرار التي تترتب على إنكار المنكر، فقد يكون المنكر منكرا إلى ~~درجة يهون معها وقوع الأذى الجزئي في إعلان النكير على فاعليه حتى لو كانت ~~السلطة، فلا شيء يبيد النعم كظلم السلطة، وقد ورد في الحديث (أخوف ما أخاف ~~عليكم حيف الأئمة) (1) وفيه (أخاف على أمتى الأئمة المضلين) (2) ولهذا صار ~~أعظم الجهاد الإنكار على جور السلطان، لأن في استمراره على جوره وقوع ~~الفساد العام، وإنما تحل العقوبة PageV01P151 # الإلهية عند السكوت عنه كما صح في الحديث، كما أن في ترك إظهار الإنكار ~~بالكلية خشية حصول مفاسد جزئية، اختلاط الحق بالباطل، وانقلاب المعروف ~~منكرا، والمنكر معروفا، وخفاء الدين على الناس، واندراس معالمه، ولعمري، إن ~~هذه المفاسد لا تضاهيها مفسدة، فينبغي أن ينظر في سد هذه الذريعة أيضا عند ~~الترجيح، وقد وجدنا بعض المفتين لا يعير لهذا الجانب، اهتماما وإنما يتوجه ~~نظره فحسب إلى منع الدعاة من إعلان النكير على شيء خوفا عليهم، حتى عمت ~~المنكرات وطمت، وصار ما كان يحذر منه، قد وقع في أعظم منه، فهذا باب مهم ~~جدا. # PageV01P152 ### | جواز تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية # الفصل ms137 الأول - الأدلة على جواز التغيير باليد لآحاد الرعية # أولا: من القرآن الكريم: # يقول الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران:104) # فهذه الآية الكريمة نص قاطع في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ~~قال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي: ((في هذه الآية وفي التي بعدها وهي ~~قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر فرض كفاية، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصرة الدين بإقامة ~~الحجة على المخالفين، وقد يكون فرض عين إذا عرف المرء من نفسه صلاحية النظر ~~والاستقلال بالجدال، أو عرف ذلك منه. # المسألة الثالثة: في مطلق قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة} دليل على أن ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض يقوم به المسلم، وإن لم يكن عدلا، ~~خلافا للمبتدعة الذين يشترطون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~العدالة.)) (1). # وقال الجصاص: ((قد حوت هذه الآية معنيين: # أحدهما: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # والآخر: أنه فرض على الكفاية ليس بفرض على كل أحد في نفسه إذا قام به ~~غيره # لقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة} وحقيقته تقتضي البعض دون البعض، فدل على ~~أنه فرض الكفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين.)) (2). # وقال الحافظ ابن كثير: ((والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه ~~الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، ~~كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري (3) قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ~~فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»)) (4). PageV01P153 # قلت: قول ابن كثير -رحمه الله-: ((وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة ~~بحسبه)) معناه بحسب قدرته، ويدل على ذلك استشهاده بحديث أبي سعيد الذي جعل ~~مناط الأمر بالتغيير هو الاستطاعة. # وفي معنى هذه الآية آيات أخر منها قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف ms138 وتنهون عن المنكر ... } (آل عمران:110) وقوله تعالى في نعت ~~المؤمنين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله تعالى: {التائبون العابدون ~~الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} (التوبة:112) # قال الجصاص بعد أن ذكر طائفة من هذه الآيات الكريمة: ((فهذه الآي ~~ونظائرها مقتضية لإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي على منازل: ~~أولها تغييره باليد إذا أمكن، فإن لم يمكن وكان في نفيه خائفا على نفسه إذا ~~أنكره بيده فعليه إنكاره بلسانه، فإن تعذر ذلك لما وصفنا فعليه إنكاره ~~بقلبه.)) (1) أ. ه. # والمقصود من ذلك أنه قد ثبت بهذه الآيات وغيرها وجوب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وأنه فرض على الكفاية، وهذا الحكم شامل لكل مراتب ~~التغيير، ولا نعلم دليلا واحدا يخص الحكام بمرتبة من هذه المراتب، فمن ادعى ~~شيئا من ذلك فعليه الدليل. # ثانيا: من السنة النبوية الشريفة # الحديث الأول: عن طارق بن شهاب قال أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل ~~الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال الصلاة قبل الخطبة. فقال قد ترك ما هنالك. ~~فقال أبو سعيد أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (2). # وقد دل هذا الحديث على أن لآحاد الرعية تغيير المنكر بأيديهم من وجوه: # الوجه الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -[من] وهي من صيغ العموم، وذلك ~~يعني أن الخطاب موجه إلى كل فرد من الأمة وليس إلى طائفة معينة منهم، وعلى ~~من ادعى تخصيص طائفة معينة بشيء مما ورد في هذا الحديث أن يأتينا بالمخصص ~~وأنى له ذلك؟ # الوجه الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -[منكم] والقائل هو النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو الحاكم، والمخاطبون بذلك هم الرعية فلو كان الذي يغير ~~بيده هو الحاكم وحده فكيف خوطب الرعية بذلك؟! PageV01P154 # الوجه الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم -[فإن لم يستطع] وذلك يقتضي أن ~~المخاطب ms139 بالأمر الأول هو عينه المخاطب بالأمر الثاني وهو عينه المخاطب ~~بالأمر الثالث؛ فهو شخص واحد إن لم يستطع أن يغير بيده فله أن ينتقل إلى ~~البدل وهو التغيير باللسان فإن لم يستطع فله الانتقال إلى البدل وهو ~~التغيير بالقلب. # وشبيه بهذا المعنى ما جاء في حديث الرجل الذي واقع امرأته في نهار رمضان ~~حيث قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: [«فهل تستطيع أن تصوم شهرين ~~متتابعين».قال لا. فقال «فهل تجد إطعام ستين مسكينا».قال لا.] (1) الحديث. # فالشخص شخص واحد، ولما وجده الرسول - صلى الله عليه وسلم - غير مستطيع ~~للأمر الأول وهو العتق انتقل به إلى الأمر الثاني وهو الصيام، فلما وجده ~~غير مستطيع لهذا أيضا انتقل به إلى الأمر الثالث وهو الإطعام. وهكذا نقول ~~هنا والله أعلم # الوجه الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم -[فإن لم يستطع] أيضا فلو كان ~~التغيير باليد قاصرا على الحاكم لما كان لقوله [فإن لم يستطع] معنى لأن ~~الأصل في الحاكم أنه مستطيع التغيير باليد على كل حال. # الحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال «ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إلا كان له من ~~أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم ~~خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ~~ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من ~~الإيمان حبة خردل» (2). # وفي هذا الحديث أيضا العموم في قوله [فمن جاهدهم] فهذا خطاب عام لا مخصص ~~له، بل إنه نص في أن للرعية أن يغيروا منكرات الأمراء بأيديهم؛ فقد قال ابن ~~رجب الحنبلي بعد أن ذكر الحديث السابق: ... ((جهاد الأمراء باليد أن يزيل ~~بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات الملاهي التي ~~لهم، ونحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ~~ذلك،)) (3). # الحديث ms140 الثالث: عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ~~«ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضى ~~وتابع». قالوا أفلا نقاتلهم قال «لا ما صلوا».،وفي رواية « PageV01P155 # إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد ~~سلم ولكن من رضى وتابع». قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال «لا ما صلوا». ~~أى من كره بقلبه وأنكر بقلبه.] (1). # فهذا الحديث يوضح أنه في حالة وجود أمراء تقع منهم المخالفات لشرع الله ~~فإن سلامة المسلم في دينه تتحقق بالإنكار عليهم، والإنكار هنا عام يدخل فيه ~~التغيير باليد واللسان والقلب. وإليك ما قاله الإمام النووي في شرح هذا ~~الحديث، قال -رحمه الله-: ((من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، ~~وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده لا لسانه فليكرهه بقلبه، وليبرأ. # وأما من روى (فمن عرف فقد برئ) فمعناه - والله أعلم - فمن عرف المنكر ولم ~~يشتبه عليه؛ فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيره بيديه ~~أو بلسانه، فإن عجز فليكرهه بقلبه.)) (2). # فيتبين من ذلك أن الرجل المسلم له أن يغير منكرات الأمراء بيده أو لسانه ~~فإن عجز فبقلبه وإن كان المنكر عليه هو الأمير فهل يسوغ مع ذلك أن يقال: ~~إنه لا تغيير باليد إلا للأمراء والحكام؟! # الحديث الرابع: عن عكرمة قال حدثنا ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وتقع فيه فينهاها فلا تنتهى ويزجرها فلا ~~تنزجر - قال - فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع فى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- وتشتمه فأخذ المغول فوضعه فى بطنها واتكأ عليها فقتلها فوقع بين رجليها ~~طفل فلطخت ما هناك بالدم فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فجمع الناس فقال «أنشد الله رجلا فعل ما فعل لى عليه حق إلا قام». ~~فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدى النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال ms141 يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا ~~تنتهى وأزجرها فلا تنزجر ولى منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بى رفيقة فلما ~~كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته فى بطنها واتكأت ~~عليها حتى قتلتها. فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - «ألا اشهدوا أن دمها ~~هدر» (3). # فهذا الحديث يدل على أن هذا الرجل وجد منكرا وحاول أن يغيره باللسان ~~والوعظ والنصح فلم تنته صاحبته، فما كان منه إلا أن غير بيده وكان التغيير ~~باليد هنا هو استعمال السيف؛ لأن منكر هذه المرأة لا يزول بأقل من هذا ~~فقتلها دون إذن من الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلما علم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أقره على ذلك. PageV01P156 # الحديث الخامس: عن الشعبى عن على رضى الله عنه أن يهودية كانت تشتم النبى ~~- صلى الله عليه وسلم - وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - دمها (1). # قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا الحديث نص في جواز قتلها، لأجل شتم النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ... (2). # قلت: فهذا الرجل قتل المرأة دون إذن من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأقره النبي على ذلك ونحن نرى أن هذا من باب تغيير المنكر باليد كما ذكرنا ~~في القصة السابقة. # الحديث السادس: عن على قال انطلقت أنا والنبى - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~أتينا الكعبة فقال لى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «اجلس». وصعد على ~~منكبى فذهبت لأنهض به فرأى منى ضعفا فنزل وجلس لى نبى الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقال «اصعد على منكبى». قال فصعدت على منكبيه. قال فنهض بى. قال ~~فإنه يخيل إلى أنى لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال ~~صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه حتى إذا ~~استمكنت منه قال لى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «اقذف به». فقذفت به ~~فتكسر كما تتكسر القوارير ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله - صلى ms142 الله عليه ~~وسلم - نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس (3) ... . # قلت: هذا الحديث نص في تغييره - صلى الله عليه وسلم - المنكر بيده قبل ~~الهجرة، ومعلوم أنه لم يكن يومئذ حاكما ولا كانت قد قامت دولة الإسلام بعد. ~~PageV01P157 # وقال الإمام الطبري تعليقا على هذا الحديث: ((والذي فيه من ذلك الدلالة ~~على صحة قول من قال: لا بأس على الرجل المسلم إذا رأى بعض ما يتخذه أهل ~~الكفر وأهل الفسوق والفجور من الأشياء التي يعصى الله بها، مما لا يصلح ~~لغير معصية الله به، وهو بهيئته، وذلك مثل الطنابير والعيدان والمزامير ~~والبرابط والصنوج التي لا معنى فيها، وهي بهيئتها، إلا التلهي بها عن ذكر ~~الله، والشغل بها عما يحبه الله إلى ما يسخطه، أن يغيره عن هيئته المكروهة ~~التي يعصى الله به وهو بها، إلى خلافها من الهيئات التي يزول عنه معها ~~المعنى المكروه، والأمر الذي يصلح معه لأهل معاصي الله العصيان به. وذلك أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عليا بكسر الصنم الذي كانت قريش وضعته ~~فوق الكعبة، ومعلوم أن الصنم لا معنى فيه، إذ كان تمثالا من صفر، أو نحاس ~~أو غير ذلك، إلا كفر من يكفر بالله بعبادته إياه، وتعظيمه له، والسجود له ~~من دون الله تعالى ذكره، من غير أن يكون للصنم في ذلك من فعله إرادة، ولا ~~دعاء إليه، ولا علم بما يفعل به، إذ كان جمادا لا يعقل، ولا يفقه ولا يسمع ~~ولا يبصر، ولا شيء فيه إلا الهيئة التي هيئت، والصورة التي صورت لمعصية ~~الله بها، والكفر بالله من أجلها. والجوهر الذي ذلك فيه، لا شك أنه يصلح، ~~إذا غير عنه ما هو به من الهيئة المكروهة، لكثير من منافع بني آدم الحلال ~~غير الحرام. فإذا كان أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا بكسره وتغييره ~~عن هيئته المكروهة التي يعصى الله به من أجلها، إنما كان لما وصفت، مع ~~الأسباب التي ذكرت، فمعلوم أن ما ذكرت من الطنابير والعيدان والمزامير، ms143 وما ~~أشبه ذلك من الأشياء التي يعصى الله باللهو بها، أولى وألزم للمرء المسلم ~~تغييرها عن هيئتها المكروهة التي يعصى الله بها، إذ كان فيها الأسباب التي ~~توجب للاهي بها سخط الله وغضبه، من تغيير التماثيل التي هي أصنام لا شيء ~~فيها إلا ما يحدثه أهل الكفر في أنفسهم من الكفر بالله بسجودهم لها، ~~وتعظيمهم إياها، عن هيئتها بكسرها، إذا أمن على نفسه من أن تنال بما لا قبل ~~لها به. وبنحو الذي قلنا في ذلك وردت الآثار عن السلف الماضين من علماء ~~الأمة، وعمل به التابعون لهم بإحسان)) (1). # ثالثا: الإجماع ### | 1 - # قال الإمام النووي - في شرح مسلم - ((قال العلماء: ولا يختص الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات بل ذلك جائز لآحاد المسلمين. ~~قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين؛ فإن غير الولاة في الصدر ~~الأول، والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف، وينهونهم عن ~~المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية. والله أعلم.)) (2). # وهذا كلام عام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل درجاته لم يخصص ~~إمام الحرمين نوعا منها. PageV01P158 ### | 2 - # قال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير حق ... } (آل عمران:21): # ((أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبدالبر أن المنكر واجب تغييره على كل من ~~قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى ~~فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره؛ فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر ~~فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم ~~يستطع سوى ذلك)) (1). # فهذا الإجماع الصحيح يدل على وجوب تغيير المنكر على كل من قدر عليه سواء ~~كان حاكما أو محكوما. # رابعا: فعل الصحابة رضي الله عنهم # ?1 - عن أبى سعيد الخدرى قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج ~~يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شىء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف، ms144 فيقوم ~~مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان ~~يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشىء أمر به، ثم ينصرف. قال أبو سعيد فلم ~~يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة فى أضحى أو فطر، ~~فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه ~~قبل أن يصلى، فجبذت بثوبه فجبذنى فارتفع، فخطب قبل الصلاة، فقلت له غيرتم ~~والله. فقال أبا سعيد، قد ذهب ما تعلم. فقلت ما أعلم والله خير مما لا ~~أعلم. فقال إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة ~~(2). # فها هو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قد باشر التغيير بيده فجبذ بثوب ~~مروان، وهو الأمير يومئذ. # قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: ((وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وإن كان المنكر عليه واليا وفيه أن الإنكار عليه يكون باليد لمن ~~أمكنه، ولا يجزي عن اليد اللسان مع إمكان اليد.)) (3).أ. ه. ### | 2 - # و عن سويد بن غفلة قال: كنا مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو أمير ~~المؤمنين بالشام فأتاه نبطى مضروب مشجج مستعدى فغضب غضبا شديدا فقال لصهيب: ~~انظر من صاحب هذا فانطلق صهيب فإذا هو عوف بن مالك الأشجعى فقال له: إن ~~أمير المؤمنين قد غضب غضبا شديدا PageV01P159 # فلو أتيت معاذ بن جبل فمشى معك إلى أمير المؤمنين فإنى أخاف عليك بادرته ~~فجاء معه معاذ رضى الله عنه فلما انصرف عمر من الصلاة قال: أين صهيب؟ فقال: ~~أنا هذا يا أمير المؤمنين قال: أجئت بالرجل الذى ضربه قال: نعم فقام إليه ~~معاذ بن جبل فقال له: يا أمير المؤمنين إنه عوف بن مالك فاسمع منه ولا تعجل ~~عليه فقال له عمر: ما لك ولهذا. قال: يا أمير المؤمنين رأيته يسوق بامرأة ~~مسلمة فنخس الحمار ليصرعها فلم تصرع ثم دفعها فخرت عن الحمار فغشيها ففعلت ~~ما ترى قال: ائتنى بالمرأة لتصدقك فأتى عوف المرأة فذكر الذى قال ms145 له عمر ~~رضى الله عنه قال أبوها وزوجها: ما أردت بصاحبتنا فضحتها فقالت المرأة: ~~والله لأذهبن معه إلى أمير المؤمنين فلما أجمعت على ذلك قال أبوها وزوجها: ~~نحن نبلغ عنك أمير المؤمنين فأتيا فصدقا عوف بن مالك بما قال، قال فقال عمر ~~رضى الله عنه لليهودى: والله ما على هذا عاهدناكم فأمر به فصلب ثم قال: يا ~~أيها الناس فوا بذمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فمن فعل منهم هذا فلا ذمة ~~له. قال سويد بن غفلة فإنه لأول مصلوب رأيته ... (1). # فهذا عوف بن مالك - وهو صحابي جليل - رأى منكرا فغيره بيده، ولم يكن ~~المنكر ليندفع إلا بالضرب، فضرب عوف بن مالك صاحب المنكر، فشج رأسه فلما ~~بلغ ذلك عمر رضي الله عنه وعرف حقيقة الأمر، ما عنفه بل أقام حكم الله في ~~هذا الذمي وهو أن يقتل. ### | 3 - # ورأى ابن عمر - رضى الله عنهما - فسطاطا على قبر عبد الرحمن فقال انزعه ~~يا غلام، فإنما يظله عمله (2) ... . # وهذا تغيير باليد وقع من غير حاكم كما ترى. # خامسا: فعل التابعين ### | 1 - # عن إبراهيم قال: [كان أصحاب عبد الله يستقبلون الجواري معهن الدفوف في ~~الطرق فيخرقونها] (3). ### | 2 - # عن أبى حصين: أن رجلا كسر طنبورا لرجل فرفعه إلى شريح فلم يضمنه (4) ... ~~. # وعدم تضمين القاضي شريح لهذا الرجل يدل على أنه يجوز له كسر هذا الطنبور. # سادسا: أقوال العلماء في هذه المسألة PageV01P160 # (1) من أقوال الحنفية: # قال الإمام أبو بكر الجصاص: ((وفي هذه الأخبار دلالة على أن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر لهما حالان: حال يمكن فيها تغيير المنكر ~~وإزالته، ففرض على من أمكنه إزالة ذلك بيده أن يزيله؛ وإزالته باليد تكون ~~على وجوه: منها أن لا يمكنه إزالته إلا بالسيف، وأن يأتي على نفس فاعل ~~المنكر فعليه أن يفعل ذلك. # كمن رأى رجلا قصده أو قصد غيره بقتله أو بأخذ مال أو قصد الزنا بامرأة أو ~~نحو ذلك، وعلم أنه لا ينتهي إن أنكره بالقول أو قاتله بما دون السلاح فعليه ~~أن يقتله؛ لقوله ms146 - صلى الله عليه وسلم -: {من رأى منكرا فليغيره بيده}،فإذا ~~لم يمكنه تغييره بيده إلا بقتل المقيم على هذا المنكر فعليه أن يقتله فرضا ~~عليه. # وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بيده ودفعه عنه بغير سلاح انتهى عنه لم يجز ~~له الإقدام على قتله، وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بالدفع بيده أو بالقول ~~امتنع عليه، ولم يمكنه بعد ذلك دفعه عنه، ولم يمكنه إزالة هذا المنكر إلا ~~بأن يقدم عليه بالقتل من غير إنذار منه له فعليه أن يقتله)) (1) أ. ه. # (2) من أقوال المالكية: ### | 1 - # قال الإمام أبو بكر بن العربي عند تفسير قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} (آل عمران:104): # ((المسألة الرابعة: في ترتيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ثبت عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، ~~فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان}. # وفي هذا الحديث من غريب الفقه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ في ~~البيان بالأخير في الفعل، وهو تغيير المنكر باليد، وإنما يبدأ باللسان ~~والبيان، فإن لم يكن فباليد. # يعني أن يحول بين المنكر وبين متعاطيه بنزعه وبجذبه منه، فإن لم يقدر إلا ~~بمقاتلة وسلاح فليتركه، وذلك إنما هو إلى السلطان؛ لأن شهر السلاح بين ~~الناس قد يكون مخرجا إلى الفتنة، وآيلا إلى فساد أكثر من الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، إلا أن يقوى المنكر؛ مثل أن يرى عدوا يقتل عدوا فينزعه ~~عنه ولا يستطيع ألا يدفعه، ويتحقق أنه لو تركه قتله، وهو قادر على نزعه ولا ~~يسلمه بحال، وليخرج السلاح.)) (2). # ويلاحظ هنا قول الإمام أبو بكر بن العربي: ((فإن لم يقدر إلا بمقاتلة ~~وسلاح فليتركه وذلك إنما هو إلى السلطان)) ومعنى ذلك أن ما قبل ذلك من ~~تغيير باليد من غير سلاح ليس محتاجا إلى السلطان، ومع ذلك فقد استثنى الشيخ ~~حالة يجوز فيها للآحاد استعمال السلاح وهي أن يقوى المنكر كأن يرى ms147 رجلا ~~يقتل آخر ويتحقق أنه لو تركه قتله، فهنا يجوز له إشهار السلاح في تغيير هذا ~~المنكر. PageV01P161 ### | 2 - # نقل النووي في شرح حديث: [من رأى منكم منكرا] قولا للقاضي عياض يقول فيه: ~~((هذا الحديث أصل في صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله ~~به قولا كان أو فعلا؛ فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر بنفسه، أو يأمر من ~~يفعله، وينزع الغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه، أو بأمره إذا أمكنه ويرفق ~~في التغيير جهده بالجاهل وبذي العزة الظالم المخوف شره؛ إذ ذلك أدعى إلى ~~قبول قوله.)) (1) ?. # وكلام القاضي عياض هنا يبين صفة التغيير أيا كان المغير حاكما أو محكوما ~~فله أن يكسر آلات الباطل أو يريق المسكر أو ينزع المغصوب ويرده إلى أصحابه، ~~فلم يفرق في ذلك بين الوالي والرعية. ### | 3 - # وقال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: {إن الذين يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون النبيين بغير حق ### | .... # } (آل عمران:21): ((ولو رأى زيد عمرا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن ~~يدفعه، إذا لم يكن صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به)) (2). # فانظر كيف عبر بقوله (زيد) وذلك يفيد أنه أي فرد ولا يشترط أن يكون ~~الحاكم، هذا وقد مر بنا من قبل عند ذكر الإجماع ما نقله القرطبي - رحمه ~~الله - من ذكر الإجماع على أن تغيير المنكر واجب على كل من قدر عليه باليد ~~فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه. ### | 4 - # قال الإمام أبو بكر الطرطوشي: ((فانظروا يرحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو ~~شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ~~وينوطون بها المسامير والخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها)) (3). # وهذا من الإمام الطرطوشي خطاب للمسلمين جميعا، ومن ادعى التخصيص فعليه ~~الدليل. # (3) من أقوال الشافعية: ### | 1 - # قال الإمام النووي: ((قال إمام الحرمين رحمه الله: ويسوغ لآحاد الرعية أن ~~يصد مرتكب الكبيرة وإن لم يندفع عنها بقوله ما لم ينته الأمر إلى نصب قتال ~~وشهر سلاح. فإن انتهى الأمر إلى ذلك ربط الأمر بالسلطان)) (4). ### | 2 - # وقال ms148 إمام الحرمين - الجويني- أيضا في غياث الأمم عند الحديث عن خلو # الزمان عن الإمام أو الخليفة: ((أما ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم ~~لكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر ومراجعة مرموق العصر كعقد الجمع وجر ~~العساكر إلى الجهاد واستيفاء القصاص PageV01P162 # في النفس والطرف فيتولاه الناس عند خلو الدهر، ولو سعى عند شغور الزمان ~~طوائف من ذوي النجدة والبأس في نفض الطرق عن السعاة في الأرض بالفساد فهم ~~من أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (1). # ومن هذا النص يتبين لنا أن الجويني -رحمه الله- يرى أن ما يسوغ لآحاد ~~الرعية أن يقوموا به من غير إذن السلطان-وإن كان الأدب يقتضي مراجعته في ~~ذلك-،فإن الناس يقومون به إذا خلا الزمان عن إمام. وذكر من أمثلة ذلك عقد ~~الجمع وجر العساكر إلى الجهاد واستيفاء القصاص في النفس والطرف. # وأنه لو سعى طوائف من ذوي النجدة في حال غياب الإمام بنفض الطرق عن ~~السعاة في الأرض بالفساد فإن ذلك من أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. ويدل هذا الجزء الأخير من كلام الجويني على أن القيام بتغيير ~~المنكر وتطهير الأرض من الساعين فيها بالفساد جائز لآحاد الرعية سواء في ~~حال وجود الإمام أو حال غيابه -والله أعلم- ### | 3 - # قال الإمام الغزالي في الإحياء بعد كلام له في عدم وجوب استئذان الإمام ~~في التغيير: (( ... وكذلك كسر الملاهي وإراقة الخمور فإنه تعاطي ما يعرف ~~كونه حقا من غير اجتهاد فلم يفتقر إلى الإمام، وأما جمع الأعوان وشهر ~~الأسلحة فذلك قد يجر إلى فتنة عامة ففيه نظر سيأتي ... )) (2). # وقال عند ذكره لدرجات الحسبة: الدرجة السابعة: ((مباشرة الضرب باليد ~~والرجل وغير ذلك مما ليس فيه شهر سلاح وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة ~~والاقتصار على قدر الحاجة في الدفع، فإذا اندفع المنكر فينبغي أن يكف)) ~~(34). # وقال: ((الدرجة الثامنة: أن لا يقدر عليه بنفسه ويحتاج فيه إلى أعوان ~~يشهرون السلاح وربما يستمد الفاسق أيضا بأعوانه، ويؤدي ذلك إلى أن يتقابل ~~الصفان، ويتقاتلا فهذا قد ظهر الاختلاف في احتياجه إلى إذن ms149 الإمام، فقال ~~قائلون: لا يستقل آحاد الرعية بذلك لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن وهيجان ~~الفساد وخراب البلاد، وقال آخرون: لا يحتاج إلى الإذن - وهو الأقيس - لأنه ~~إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف وأوائل درجاته تجر إلى ثوان والثواني إلى ~~ثوالث وقد ينتهي لا محالة إلى التضارب، والتضارب يدعو إلى التعاون فلا ~~ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف ومنتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ~~ودفع معاصيه، ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من ~~فرق الكفار قمعا لأهل الكفر فكذلك قمع أهل الفساد جائز؛ لأن الكافر لا بأس ~~بقتله، والمسلم إن قتل فهو PageV01P163 # شهيد، فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله، والمحتسب المحق إن قتل ~~مظلوما فهو شهيد وعلى الجملة فانتهاء الأمر إلى هذا من النوادر في الحسبة ~~فلا يغير به قانون القياس)) (1) أ. ه. # ويتضح من هذا العرض لكلام الغزالي .. أن تغيير المنكر باليد له درجات: # الأولى: إزالة المنكر من غير تعرض لفاعله، وهي الدرجة الخامسة في ترتيب ~~الغزالي لدرجات الحسبة، فهذه كما رأينا في كلامه جائزة للآحاد ولا تفتقر ~~إلى إذن الإمام. # الثانية: وهي مباشرة الضرب باليد والرجل؛ أي ضرب فاعل المنكر ما لم يصل ~~الأمر إلى شهر السلاح، وهي الدرجة السابعة في ترتيب الغزالي، فهذه أيضا ~~جائزة بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة # الثالثة: وهي شهر السلاح وجمع الأعوان وهي الدرجة الثامنة في ترتيب ~~الغزالي، وهذه الدرجة هي التي وقع فيها الخلاف بين العلماء فمنهم من أجازها ~~لآحاد الرعية ومنهم من قصرها على الحكام وقد رجح الغزالي جوازها لآحاد ~~الرعية كما رأينا. # قال الشيخ محمد أحمد الراشد في كتاب المنطلق تعقيبا على كلام الغزالي ~~السابق: # ((وهذا نص يكتب بماء الذهب وعلى الدعاة أن يحفظوه عن ظهر قلب)) (2). ### | 4 - # وقد تكلم ابن القيم في الطرق الحكمية عن تكسير آلات اللهو والصور، وهل ~~يضمن من يكسر شيئا من ذلك؟ فقال: ((وقال أصحاب الشافعي: يضمن ما بينه وبين ~~الحد المبطل للصورة، وما دون ذلك: فغير مضمون، لأنه مستحق ms150 الإزالة،)) (3). # وذلك يعني أن الرجل إذا أتلف الجزء المحرم فلا شيء عليه، فإن تعدى ذلك ~~إلى إتلاف ما ليس بمحرم فإنه يضمن بقيمة ذلك. ### | 5 - # قال الإمام النووي -في شرح حديث أبي سعيد الذي في باب صلاة العيدين-: ~~((وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان المنكر عليه واليا وفيه أن ~~الإنكار عليه يكون باليد لمن أمكنه، ولا يجزي عن اليد اللسان مع إمكان ~~اليد.)) (4). # وقال في رياض الصالحين عند ذكره لحديث أم سلمة: [إنه يستعمل عليكم # أمراء ... إلخ] قال: ((معناه: من كره بقلبه ولم يستطع إنكارا بيد ولا ~~لسان فقد برىء من الإثم، وأدى وظيفته، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه ~~المعصية ومن رضي بفعلهم وتابعهم فهو العاصي)) (5) ... . PageV01P164 # وقال في كتاب الأربعين النووية: ((وأعلى ثمرة الإيمان في باب النهي عن ~~المنكر؛ أن ينهي بيده وإن قتل شهيدا، قال الله تعالى: {يا بني أقم الصلاة ~~وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} لقمان:17)) (1). ### | 6 - # قال ابن دقيق العيد: ((قالوا ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~بأصحاب الولاية، بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين)) (2).أ. ه. # ويلاحظ في ذلك أنه أثبت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لآحاد المسلمين ~~ولم يستثن من درجاته شيئا فدل ذلك على أن جميع الدرجات ثابتة لآحاد ~~المسلمين بما فيها اليد، والله أعلم. # (4) من أقوال الحنابلة: ### | 1 - # قال العلامة ابن القيم: ((وقال إسحاق بن إبراهيم: سئل أحمد عن الرجل يرى ~~الطنبور أو طبلا مغطى: أيكسره؟ قال إذا تبين أنه طنبور أو طبل كسره. # وقال أيضا: سألت أبا عبد الله عن الرجل يكسر الطنبور، أو الطبل: عليه في ~~ذلك شيء؟ قال: يكسر هذا كله، وليس يلزمه شيء. # وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن كسر الطنبور الصغير يكون مع الصبي؟ ~~قال: يكسر أيضا، قلت: أمر في السوق، فأرى الطنبور يباع: أأكسره؟ قال: ما ~~أراك تقوى، إن قويت - أي فافعل - قلت: أدعى لغسل الميت، فأسمع صوت الطبل؟ ~~قال: إن قدرت على كسره، وإلا فاخرج. # وقال: ms151 في رواية إسحاق بن منصور - في الرجل يرى الطنبور والطبل والقنينة - ~~قال: فإذا كان طنبور أو طبل، وفي القنينة مسكر: اكسره. # وفي " مسائل صالح " قال أبي: يقتل الخنزير، ويفسد الخمر، ويكسر الصليب. # وهذا قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأهل الظاهر، ~~وطائفة من أهل الحديث، وجماعة من السلف، وهو قول قضاة العدل.)) (3). # وقال ابن القيم أيضا في نفس الكتاب: ((وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: ~~دفع إلي إبريق فضة لأبيعه، أترى أن أكسره، أو أبيعه كما هو؟ قال: اكسره. ~~PageV01P165 # وقال: قيل لأبي عبد الله: إن رجلا دعا قوما، فجيء بطست فضة، وإبريق فضة، ~~فكسره، فأعجب أبا عبد الله كسره. # وقال: بعثني أبو عبد الله إلى رجل بشيء، فدخلت عليه، فأتي بمكحلة رأسها ~~مفضض، فقطعتها، فأعجبه ذلك، وتبسم. # ووجه ذلك: أن الصياغة محرمة، فلا قيمة لها ولا حرمة. # وأيضا: فتعطيل هذه الهيئة مطلوب، فهو بذلك محسن، وما على المحسنين من ~~سبيل.)) (1). ### | 2 - # قال الإمام ابن قدامة -رحمه الله- عند حديثه عن الوليمة وما يفعله من دعي ~~إليها فوجد فيها معصية: (((5672) فصل: فإن رأى نقوشا، وصور شجر، ونحوها، ~~فلا بأس بذلك؛ لأن تلك نقوش، فهي كالعلم في الثوب. # وإن كانت فيه صور حيوان، في موضع يوطأ أو يتكأ عليها، كالتي في البسط، ~~والوسائد، جاز أيضا. # وإن كانت على الستور والحيطان، وما لا يوطأ، وأمكنه حطها، أو قطع رءوسها، ~~فعل وجلس، وإن لم يمكن ذلك، انصرف ولم يجلس؛ وعلى هذا أكثر أهل العلم، قال ~~ابن عبد البر: هذا أعدل المذاهب.)) (2). ### | 3 - # وقال ابن القيم عند حديثه عن الأنصاب: ((وقد كان بدمشق كثير من هذه ~~الأنصاب فيسر الله تعالى كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحدين)) ~~(3). ### | 4 - # قال الإمام ابن كثير: ((وفي بكرة يوم الجمعة المذكور دار الشيخ تقي الدين ~~بن تيمية رحمه الله وأصحابه على الخمارات والحانات، فكسروا آنية الخمور ~~وشققوا الظروف وأراقوا الخمور، وعزروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه ~~الفواحش، ففرح الناس بذلك.)) (4). ### | 5 - # وقال ابن القيم عند ms152 حديثه عن طائفة يغنون في المساجد: ((ومن أعظم ~~المنكرات: تمكينهم من إقامة هذا الشعار الملعون هو وأهله فى المسجد الأقصى، ~~عشية عرفة. ويقيمونه أيضا فى، مسجد الخيف أيام منى. وقد أخرجناهم منه ~~بالضرب والنفى مرارا، ورأيتهم يقيمون بالمسجد الحرام نفسه والناس فى ~~الطواف، فاستدعيت حزب الله وفرقنا شملهم. ورأيتهم يقيمون بعرفات، والناس فى ~~الدعاء، والتضرع، والابتهال والضجيج إلى الله، وهم فى هذا السماع الملعون ~~باليراع والدف والغناء.)) (5). PageV01P166 # فمن هذا يتبين أن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه كانوا يباشرون التغيير ~~بأيديهم؛ لعلمهم أنه ليس هناك من دليل على اختصاص ذلك بالولاة. ### | 6 - # قال ابن رجب الحنبلي: ((التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح، وحينئذ فجهاد ~~الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل أن يريق خمورهم أو ~~يكسر آلات الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم ~~إن كان له قدرة على ذلك، وكل هذا جائز،)) (1). # (5) من أقوال الظاهرية وغير المتمذهبين من العلماء: ### | 1 - # قال الإمام ابن حزم في المحلى في (أحكام الإمامة) ((- مسألة: والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على كل مسلم إن قدر بيده فبيده وإن لم يقدر ~~بيده فبلسانه وإن لم يقدر بلسانه فبقلبه ولا بد، وذلك أضعف الإيمان، فإن لم ~~يفعل فلا إيمان له. # ومن خاف القتل أو الضرب، أو ذهاب المال، فهو عذر يبيح له أن يغير بقلبه ~~فقط ويسكت عن الأمر بالمعروف وعن النهي عن المنكر فقط. # ولا يبيح له ذلك: العون بلسان، أو بيد على تصويب المنكر أصلا)) (2). ### | 2 - # قال الإمام الشوكاني في السيل الجرار: ((كل مسلم يجب عليه إذا رأى منكرا ~~أن يغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، كما صح ذلك عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،وظهور كون الشيء منكرا يحصل بكونه مخالفا ~~لكتاب الله سبحانه أو لسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو لإجماع ~~المسلمين، ثم إذا كان قادرا على تغييره بيده كان ذلك فرضا عليه ولو ~~بالمقاتلة، وهو إن قتل ms153 فهو شهيد، وإن قتل فاعل المنكر فبالحق والشرع قتله، ~~ولكنه يقدم الموعظة بالقول اللين، فإن لم يؤثر ذلك جاء بالقول الخشن، فإن ~~لم يؤثر ذلك انتقل إلى التغيير باليد ثم المقاتلة إن لم يمكن التغيير إلا ~~بها، فإذا كان غير قادر على الإنكار باليد أنكر باللسان فقط وذلك فرض، فإن ~~لم يستطع الإنكار باللسان أنكر بالقلب وهذا يقدر عليه كل أحد وهو أضعف ~~الإيمان كما أخبر الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -)) (3). # فهذه أقوال العلماء من فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم، تبين بوضوح وجلاء ~~جواز تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية، وإنما وقع الخلاف فيما لو وصل ~~التغيير باليد إلى جمع الأعوان وشهر السلاح، ففيهم من أجاز التغيير عند ذلك ~~أيضا كالغزالي -رحمه الله - ومنهم من منع التغيير حينئذ كالإمام الجويني. ~~PageV01P167 # وفي مثل هذا الخلاف يمكننا - والله أعلم - أن نجمع بين الرأيين؛ وذلك ~~بالنظر إلى جسامة المنكر وخطورته، فإذا كان المنكر من الجسامة بحيث يترتب ~~على بقائه مفسدة أكبر من تلك التي تتوقع من تغييره عن طريق شهر السلاح وجمع ~~الأعوان، فلا بأس حينئذ من اللجوء إلى هذه الوسيلة في التغيير، أما إن كان ~~المنكر أهون من ذلك، فلا يلجأ حينئذ إلى تلك الوسيلة، وهذا يدخل في باب ~~قياس المصالح والمفاسد. # PageV01P168 # الفصل الثاني -ضوابط التغيير باليد # بعد أن تحدثنا عن جواز التغيير باليد لآحاد الرعية، لابد أن نعلم أن هناك ~~شروطا لذلك، وقد استنبط العلماء هذه الشروط من نظراتهم في النصوص الشرعية ~~وفي المقاصد العامة للشريعة، ونحن نبين في هذا الفصل أهم هذه الشروط وهي: # أولا: أن يكون المنكر موجودا في الحال: # فلا تغيير باليد لمنكر لم يقع بعد ولا لمنكر قد وقع وانتهى، وفي ذلك يقول ~~أبو حامد الغزالي: ((المعصية لها ثلاثة أحوال: # إحداها: أن تكون متصرمة فالعقوبة على ما تصرم منها حد، أو تعزير وهو إلى ~~الولاة لا إلى الآحاد # والثانية: أن تكون المعصية راهنة وصاحبها مباشر لها؛ كلبسه الحرير ~~وإمساكه العود والخمر، فإبطال هذه المعصية واجب بكل ما يمكن ms154 ما لم تؤد إلى ~~معصية أفحش منها أو مثلها، وذلك يثبت لآحاد الرعية. # الثالثة: أن يكون المنكر متوقعا كالذي يستعد بكنس المجلس وتزيينه وجمع ~~الرياحين لشرب الخمر وبعد لم يحضر الخمر، فهذا مشكوك فيه، إذ ربما يعوق عنه ~~عائق فلا يثبت للآحاد سلطنة على العازم على الشرب إلا بطريق الوعظ والنصح، ~~فأما التعنيف والضرب فلا يجوز للآحاد ولا للسلطان إلا إذا كانت تلك المعصية ~~علمت منه بالعادة المستمرة)) (1). # ثانيا: أن يكون المنكر ظاهرا من غير تجسس: # وذلك لعموم النصوص الناهية عن التجسس كقوله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا ~~اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ... } (الحجرات:12) # و عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «إياكم والظن ~~فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا ~~تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا» (2). # و عن زيد بن وهب قال أتى ابن مسعود فقيل هذا فلان تقطر لحيته خمرا فقال ~~عبد الله إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شىء نأخذ به (3)،إلى غير ~~ذلك من الأدلة القاضية بحرمة التجسس على المسلمين ولا يستثنى من ذلك إلا ~~حالة الضرورة؛ كأن يتعين البحث والتجسس طريقا لإنقاذ نفس من الهلاك، قال ~~النووي في شرح مسلم: ((وقال أقضى القضاة الماوردي: ليس للمحتسب أن ~~PageV01P169 # يبحث عما لم يظهر من المحرمات. فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارة ~~وآثار ظهرت، فذلك ضربان. # أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق ~~بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها فيجوز له في مثل هذا ~~الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك. وكذا ~~لو عرف ذلك غير المحتسب من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار. # الضرب الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف ~~الأستار عنه. فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة من دار أنكرها خارج الدار ms155 لم ~~يهجم عليها بالدخول لأن المنكر ظاهر وليس عليه أن يكشف عن الباطن)) (1). # ثالثا: أن يلتزم الدرجات الشرعية التي ذكرها العلماء في التغيير: # فقد ذكر الغزالي -في الإحياء-: ((أن درجات التغيير تبدأ بالتعريف؛ أي ~~تعريف الفاعل للمنكر أن هذا منكر، ثم الوعظ اللين ثم السب والتعنيف بالقول ~~ثم التغيير باليد؛ ككسر الملاهي وإراقة الخمر ثم التهديد والتخويف ثم ~~مباشرة الضرب باليد والرجل ثم جمع الأعوان وشهر السلاح)) (2). # وهذه الدرجات يمكن تقسيمها إلى نوعين: أحدهما الإصلاح بالوعظ، والآخر ~~الإصلاح بالقوة على هذا الترتيب (3)، والأصل في ذلك ما ورد في أمر الجهاد ~~من البدء بالدعوة قبل القتال وكذا قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي ### | .... # } (الحجرات:9)،فأمر بالإصلاح قبل القتال. # قال القرطبي: ((فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله، وإن لم ~~يمكنه إلا بالعقوبة أو القتل فليفعل، فإن زال المنكر بدون القتل لم يجز ~~القتل، وهذا تلقي من قوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله})) (4). # وقال ابن العربي: ((وإنما يبدأ باللسان والبيان، فإن لم يكن فباليد.)) ~~(5). # وقال الشوكاني: ((ولكنه يقدم الموعظة بالقول اللين، فإن لم يؤثر ذلك جاء ~~بالقول الخشن، فإن لم يؤثر ذلك انتقل إلى التغيير باليد، ثم المقاتلة إن لم ~~يمكن التغيير إلا بها)) (6). PageV01P170 # لكن إن علم أنه لا ينتهي عن منكره بمجرد القول، جاز له البدء بالدرجة ~~الأعلى، وقد قال الجصاص: ((كمن رأى رجلا قصده أو قصد غيره بقتله أو بأخذ ~~مال أو قصد الزنا بامرأة أو نحو ذلك، وعلم أنه لا ينتهي إن أنكره بالقول أو ~~قاتله بما دون السلاح فعليه أن يقتله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: {من ~~رأى منكرا فليغيره بيده}،فإذا لم يمكنه تغييره بيده إلا بقتل المقيم على ~~هذا المنكر فعليه أن يقتله فرضا عليه. # وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بيده ودفعه عنه بغير سلاح انتهى عنه لم يجز ~~له الإقدام على قتله، وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بالدفع ms156 بيده أو بالقول ~~امتنع عليه، ولم يمكنه بعد ذلك دفعه عنه، ولم يمكنه إزالة هذا المنكر إلا ~~بأن يقدم عليه بالقتل من غير إنذار منه له فعليه أن يقتله. # وقد ذكر ابن رستم عن محمد في رجل غصب متاع رجل:" وسعك قتله حتى تستنقذ ~~المتاع وترده إلى صاحبه " وكذلك قال أبو حنيفة في السارق إذا أخذ المتاع:" ~~وسعك أن تتبعه حتى تقتله إن لم يرد المتاع ". # قال محمد: وقال أبو حنيفة في اللص الذي ينقب البيوت:" يسعك قتله " وقال ~~في رجل يريد قلع سنك، قال فلك أن تقتله إذا كنت في موضع لا يعينك الناس ~~عليه " وهذا الذي ذكرناه يدل عليه قوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء ~~إلى أمر الله} فأمر بقتالهم. # ولم يرفعه عنهم إلا بعد الفيء إلى أمر الله تعالى وترك ما هم عليه من ~~البغي والمنكر. # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده} ~~يوجب ذلك أيضا؛ لأنه قد أمر بتغييره بيده على أي وجه أمكن ذلك، فإذا لم ~~يمكنه تغييره إلا بالقتل فعليه قتله حتى يزيله. # وكذلك قلنا في أصحاب الضرائب والمكوس التي يأخذونها من أمتعة الناس: إن ~~دماءهم مباحة وواجب على المسلمين قتلهم. # ولكل واحد من الناس أن يقتل من قدر عليه منهم من غير إنذار منه له، ولا ~~التقدم إليهم بالقول؛ لأنه معلوم من حالهم أنهم غير قابلين إذا كانوا ~~مقدمين على ذلك مع العلم بحظره، ومتى أنذرهم من يريد الإنكار عليهم امتنعوا ~~منه حتى لا يمكن تغيير ما هم عليه من المنكر، فجائز قتل من كان منهم مقيما ~~على ذلك، وجائز مع ذلك تركهم لمن خاف إن أقدم عليهم بالقتل أن يقتل؛ إلا أن ~~عليه اجتنابهم والغلظة عليهم بما أمكن وهجرانهم. # وكذلك حكم سائر من كان مقيما على شيء من المعاصي الموبقات مصرا عليها ~~مجاهرا بها فحكمه حكم من ذكرنا في وجوب النكير عليهم بما أمكن وتغيير ما هم ~~عليه بيده، وإن لم يستطع فلينكره بلسانه، وذلك إذا ms157 رجا أنه إن أنكر عليهم ~~بالقول أن يزولوا عنه ويتركوه، فإن لم يرج # PageV01P171 # ذلك، وقد غلب في ظنه أنهم غير قابلين منه مع علمهم بأنه منكر عليهم وسعه ~~السكوت عنهم بعد أن يجانبهم ويظهر هجرانهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: {فليغيره بلسانه فإن لم يستطع فليغيره بقلبه. # } وقوله - صلى الله عليه وسلم -: {فإن لم يستطع} قد فهم منه أنهم إذا لم ~~يزولوا عن المنكر فعليه إنكاره بقلبه سواء كان في تقية أو لم يكن؛ لأن ~~قوله:" إن لم يستطع " معناه أنه لا يمكنه إزالته بالقول فأباح له السكوت في ~~هذه الحال.)) (1). # رابعا: أن يقتصر على القدر المحتاج إليه: # فإذا أمكن أن يغير المنكر بيده دون التعرض لفاعله، فليس له أن يباشر ~~الضرب على فاعل المنكر، وإن احتاج إلى ضربه: فإن كان المنكر يندفع بضربه ~~بيده فليس له رفع العصا في وجهه، وقد قال الغزالي -رحمه الله- ((وهو ألا ~~يأخذ بلحيته في الإخراج ولا برجله إذا قدر على جره بيده، فإن زيادة الأذى ~~فيه مستغنى عنه، وأن لا يمزق ثوب الحرير بل يحل دروزه فقط)) (2). # وقد مر بنا ما نقله ابن القيم في الطرق الحكمية عن الشافعية في أن المغير ~~إذا أتلف ما زاد عن الحد المبطل للصورة، فإنه يضمن بقيمة ذلك، وإنما كان ~~الأمر كذلك لأنه مأمور بإزالة المنكر فقط، ومتى قدر على إزالة المنكر بغير ~~إيذاء فاعله لم يكن له إيذاؤه، ومتى أمكن إزالة المنكر بأذى قليل، لم يجز ~~الأذى الكثير - والله أعلم- # خامسا: أن لا يؤدي تغيير المنكر إلى منكر أكبر منه: # وقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية هذه القضية فقال: # ((إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فإنه يجب ~~ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح ~~والمفاسد. فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر ~~في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم ~~يكن مأمورا به؛ بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر ms158 من مصلحته؛ لكن اعتبار ~~مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع ~~النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر وقل إن تعوز ~~النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام. وعلى هذا إذا كان الشخص ~~أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما؛ بل إما أن ~~يفعلوهما جميعا؛ أو يتركوها جميعا: لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا ~~من منكر؛ ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به؛ وإن استلزم ما هو دونه من ~~المنكر. ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه؛ بل يكون النهي حينئذ ~~من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل ~~الحسنات وإن كان المنكر أغلب نهى عنه؛ وإن PageV01P172 # استلزم فوات ما هو دونه من المعروف. ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم ~~للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله. وإن تكافأ ~~المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما. فتارة يصلح الأمر؛ ~~وتارة يصلح النهي؛ وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر ~~متلازمين؛ وذلك في الأمور المعينة الواقعة. # وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا وينهى عن المنكر مطلقا. وفي ~~الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها ويحمد ~~محمودها ويذم مذمومها؛ بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه أو حصول ~~منكر فوقه ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح ~~منه. وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق؛ فلا يقدم على ~~الطاعة إلا بعلم ونية؛ وإذا تركها كان عاصيا فترك الأمر الواجب معصية؛ وفعل ~~ما نهي عنه من الأمر معصية. وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن ~~هذا الباب إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن أبي وأمثاله من ~~أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة ~~إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم؛ ms159 وبنفور الناس إذا سمعوا أن ~~محمدا يقتل أصحابه؛)) (1). # ويقول الإمام ابن القيم - رحمه الله -: ((إنكار المنكر أربع درجات)) ~~فإنكار المنكر أربع درجات: # الأولى: أن يزول ويخلفه ضده، # الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته، # الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، # الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه؛ فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة ~~موضع اجتهاد، والرابعة محرمة؛ فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون ~~بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ~~ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت ~~الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى ~~طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرغهم لما هو ~~أعظم من ذلك فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلا ~~بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال ~~والسحر فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع؛ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس ~~الله روحه ونور ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم ~~يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم ~~الله الخمر PageV01P173 # لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس ~~وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم.)) (1). # هذا ونحب أن نؤكد على قضية مهمة وهي أن قياس المصالح والمفاسد يجب أن ~~يكون بمقياس الشرع، لا بمقياس العقول والأهواء، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ~~ابن تيمية: ((لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى ~~قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة ~~الأشباه والنظائر)) (2). # سادسا: أن لا ينكر العامي إلا في الأمور الجلية الظاهرة التي لا تحتاج ~~إلى اجتهاد: # وفي ذلك يقول النووي -رحمه الله-: ((إنما يأمر وينهى من كان عالما بما ~~يأمر به وينهى عنه؛ وذلك يختلف باختلاف الشيء؛ فإن كان من الواجبات ~~الظاهرة، والمحرمات المشهورة كالصلاة ms160 والصيام والزنا والخمر ونحوها، فكل ~~المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق ~~بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء. ثم ~~العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه أما المختلف فيه فلا إنكار فيه لأن على ~~أحد المذهبين كل مجتهد مصيب. وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو ~~أكثرهم. وعلى المذهب الآخر المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا، والإثم ~~مرفوع عنه، لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن ~~محبوب مندوب إلى فعله برفق؛ فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من ~~الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة أو وقوع في خلاف آخر.)) (3). # وإنما اشترط ذلك لأن الجاهل قد يوقعه جهله في الأمر بالمنكر والنهي عن ~~المعروف وهو لا يدري، كما أنا قد قدمنا أنه يلزمه تقديم الدعوة والبيان، ~~وأنى له أن يدعو وأن يبين وهو جاهل، والله تعالى يقول: {قل هذه سبيلي أدعوا ~~إلى الله على بصيرة} (يوسف:108) # فمن أين له بالبصيرة في دقائق العلم وهو عامي جاهل. PageV01P174 ### | الباب الثاني # نص رسالة الحسبة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ### | مقدمة # قاعدة الحسبة # وقال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام ~~العالم شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام مجد الدين أبي البركات عبد ~~السلام ابن تيمية رحمة الله عليه: # الحمد لله نستعينه ونستهديه؛ ونستغفره ونتوب إليه؛ ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا هادي له. ~~ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~(1)؛ أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا (2)، فهدى به من الضلالة. وبصر به من العمى وأرشد به من الغي. وفتح ~~به أعينا عميا؛ وآذانا صما؛ وقلوبا غلفا (3)، حيث بلغ الرسالة، وأدى ~~الأمانة؛ ونصح الأمة؛ وجاهد في الله حق جهاده (4)؛ وعبد الله حتى أتاه ~~اليقين من ربه (5)؛ صلى الله ms161 عليه وعلى آله وسلم تسليما؛ وجزاه عنا أفضل ما ~~جزى نبيا عن أمته. # أما بعد: # فهذه: ((قاعدة في الحسبة)).أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام ~~مقصودها أن يكون الدين كله لله؛ وأن تكون كلمة الله هي العليا (6)؛ فإن ~~الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب وبه أرسل الرسل ~~وعليه جاهد الرسول والمؤمنون: قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} (56) سورة الذاريات، وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} (25) سورة الأنبياء، وقال: {ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا PageV01P175 # الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ~~فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} (36) سورة النحل. # وقد أخبر عن جميع المرسلين أن كلا منهم يقول لقومه: {لقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم} (59) سورة الأعراف، وعباداته تكون بطاعته وطاعة رسوله (- صلى الله ~~عليه وسلم -) وذلك هو الخير والبر؛ والتقوى والحسنات؛ والقربات والباقيات ~~والصالحات والعمل الصالح؛ وإن كانت هذه الأسماء بينها فروق لطيفة ليس هذا ~~موضعها. # وهذا الذي يقاتل عليه الخلق كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير} (1) (39) سورة ~~الأنفال. وفي الصحيحين عن أبى موسى - PageV01P176 # رضى الله عنه - قال جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال الرجل ~~يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن فى سبيل ~~الله قال «من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله» (1). # وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع ~~والتعاون والتناصر (2)،فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم؛ والتناصر لدفع ~~مضارهم (3)؛ ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع (4). فإذا اجتمعوا فلا بد لهم ~~من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة. وأمور يجتنبونها لما PageV01P177 # فيها من المفسدة؛ ويكونون مطيعين للآمر ms162 بتلك المقاصد والناهي عن تلك ~~المفاسد، فجميع بني آدم لا بد لهم من طاعة آمر وناه. فمن لم يكن من أهل ~~الكتب الإلهية ولا من أهل دين فإنهم يطيعون ملوكهم فيما يرون أنه يعود ~~بمصالح دنياهم؛ مصيبين تارة ومخطئين أخرى (1)، وأهل الأديان الفاسدة من ~~المشركين وأهل الكتاب المستمسكين به بعد التبديل أو بعد النسخ والتبديل: ~~مطيعون فيما يرون أنه يعود عليهم بمصالح دينهم ودنياهم. # وغير أهل الكتاب منهم من يؤمن بالجزاء بعد الموت. ومنهم من لا يؤمن به، ~~وأما أهل الكتاب فمتفقون على الجزاء بعد الموت؛ ولكن الجزاء في الدنيا متفق ~~عليه أهل الأرض (2).فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة ~~العدل كريمة (3) ولهذا يروى:" {الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ~~ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة} (4) ". PageV01P178 # وإذا كان لا بد من طاعة آمر وناه فمعلوم أن دخول المرء في طاعة الله ~~ورسوله خير له وهو الرسول النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل الذي ~~يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ~~(1)،وذلك هو الواجب على جميع الخلق قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64) فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا PageV01P179 # يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) [النساء/64، 65]} ~~(1).وقال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} (69) سورة النساء. ~~وقال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا ~~خالدا فيها وله عذاب مهين (14) [النساء/13 - 15]} # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبته للجمعة: «أما بعد فإن ~~خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ~~ضلالة» (2). # وكان يقول في خطبة الحاجة: «من يطع الله ms163 ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه ~~لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا» ... (3). # وقد بعث الله رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بأفضل المناهج والشرائع ~~وأنزل عليه أفضل الكتب فأرسله إلى خير أمة أخرجت للناس (4) وأكمل له ولأمته ~~الدين وأتم عليهم النعمة (5) وحرم الجنة إلا على من آمن به وبما جاء به ~~(6)،ولم يقبل من أحد إلا الإسلام الذي جاء به (7) فمن ابتغى غيره دينا فلن ~~يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (8). PageV01P180 # وأخبر في كتابه أنه أنزل الكتاب والحديد ليقوم الناس بالقسط؛ فقال تعالى: ~~{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} (25) سورة الحديد (1). ولهذا أمر ~~PageV01P181 # النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته بتولية ولاة أمور عليهم (1) وأمر ولاة ~~الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها؛ وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا ~~بالعدل (2)، وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله تعالى (3)؛ ففي سنن أبي ~~داود عن أبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا خرج ثلاثة ~~فى سفر فليؤمروا أحدهم» (4). وفي سننه أيضا عن أبي هريرة مثله (5). وفي ~~مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم» (6). # فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم: كان ~~هذا تنبيها على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك؛ ولهذا كانت الولاية - لمن ~~يتخذها دينا يتقرب به إلى الله ويفعل فيها الواجب بحسب الإمكان - من أفضل ~~الأعمال الصالحة، حتى قد روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه ~~مجلسا إمام عادل وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام ~~جائر» (7). PageV01P182 ### | الفصل الأول # جماع الدين الأمر والنهي # وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات ms164 هو أمر ونهي؛ فالأمر الذي بعث الله ~~به رسوله هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر وهذا ~~نعت النبي والمؤمنين؛ كما قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} (71) سورة ~~التوبة. وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض على الكفاية، ويصير فرض عين ~~على القادر الذي لم يقم به غيره، والقدرة هو السلطان والولاية فذوو السلطان ~~أقدر من غيرهم؛ وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم. فإن مناط الوجوب هو ~~القدرة؛ فيجب على كل إنسان بحسب قدرته قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم ~~واسمعوا وأطيعوا} [سورة التغابن، الآية:16] (1). # وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى: مثل نيابة السلطنة والصغرى مثل ولاية ~~الشرطة: وولاية الحكم؛ أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين المالية؛ وولاية ~~الحسبة. لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن؛ والمطلوب منه ~~الصدق؛ مثل الشهود عند الحاكم؛ ومثل صاحب الديوان الذي وظيفته أن يكتب ~~المستخرج والمصروف؛ والنقيب والعريف الذي وظيفته إخبار ذي الأمر بالأحوال. ~~ومنهم من يكون بمنزلة الأمين المطاع؛ والمطلوب منه العدل مثل الأمير ~~والحاكم والمحتسب، وبالصدق في كل الأخبار والعدل في الإنشاء من الأقوال ~~والأعمال: تصلح جميع الأحوال وهما قرينان كما قال تعالى: وتمت كلمة ربك ~~صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) [الأنعام/115، ~~116].وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر الظلمة:" «إنه ستكون بعدى ~~أمراء من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس منى ولست منه وليس بوارد على ~~الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو منى وأنا منه وهو وارد ~~على الحوض» (2). PageV01P183 # وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عليكم بالصدق ~~فإن الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ~~ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب ms165 يهدى إلى ~~الفجور وإن الفجور يهدى إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى ~~يكتب عند الله كذابا» (1). # ولهذا قال سبحانه وتعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل ~~على كل أفاك أثيم (222)} [الشعراء/221، 222]،وقال تعالى: " كلا لئن لم ينته ~~لنسفعن بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة (16) [العلق/15 - 17]}. # فلهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل وإذا تعذر ذلك ~~استعان بالأمثل فالأمثل (2) وإن كان فيه كذب وظلم؛ فإن الله يؤيد هذا الدين ~~بالرجل الفاجر (3) وبأقوام لا خلاق لهم (4)،والواجب إنما هو فعل المقدور ~~(5). PageV01P184 # وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~استعمل عاملا من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله ~~وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين» (1). # فالواجب إنما هو الأرضى من الموجود والغالب أنه لا يوجد كامل فيفعل خير ~~الخيرين ويدفع شر الشرين (2)؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول (3): أشكو إليك ~~جلد الفاجر وعجز الثقة (4). وقد PageV01P185 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P186 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P187 # كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يفرحون بانتصار الروم والنصارى ~~على المجوس وكلاهما كافر؛ لأن أحد الصنفين أقرب إلى الإسلام؛ وأنزل الله في ~~ذلك " سورة الروم " لما اقتتلت الروم وفارس؛ والقصة مشهورة (1). # وكذلك يوسف عليه السلام كان نائبا لفرعون مصر وهو وقومه مشركون وفعل من ~~العدل والخير ما قدر عليه ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان (2). ~~PageV01P188 ### | الفصل الثاني # اختصاصات الولايات الإسلامية # فعموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ ~~والأحوال والعرف وليس لذلك حد في الشرع. # فقد يدخل في ولاية القضاة في بعض الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية ~~الحرب في مكان وزمان آخر؛ وبالعكس. وكذلك الحسبة وولاية المال. وجميع هذه ~~الولايات هي في الأصل ولاية شرعية ومناصب دينية، فأي من عدل في ولاية من ~~هذه الولايات فساسها بعلم وعدل وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان فهو من ~~الأبرار الصالحين، وأي من ظلم وعمل فيها بجهل فهو من الفجار الظالمين. إنما ~~الضابط قوله تعالى {إن الأبرار لفي نعيم ms166 (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) ~~[الإنفطار/13 - 15]}. # وإذا كان كذلك: فولاية الحرب في عرف هذا الزمان في هذه البلاد الشامية ~~والمصرية تختص بإقامة الحدود التي فيها إتلاف مثل قطع يد السارق وعقوبة ~~المحارب ونحو ذلك. وقد يدخل فيها من العقوبات ما ليس فيه إتلاف؛ كجلد ~~السارق. ويدخل فيها الحكم في المخاصمات والمضاربات؛ ودواعي التهم التي ليس ~~فيها كتاب وشهود. كما تختص ولاية القضاء بما فيه كتاب وشهود وكما تختص ~~بإثبات الحقوق والحكم في مثل ذلك؛ والنظر في حال نظار الوقوف وأوصياء ~~اليتامى وغير ذلك مما هو معروف. وفي بلاد أخرى كبلاد المغرب: ليس لوالي ~~الحرب حكم في شيء وإنما هو منفذ لما يأمر به متولي القضاء؛ وهذا اتبع السنة ~~القديمة؛ ولهذا أسباب من المذاهب والعادات مذكورة في غير هذا الموضع (1). # [بعض واجبات المحتسب] # وأما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من خصائص ~~الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم وكثير من الأمور الدينية هو مشترك بين ~~ولاة الأمور. # فمن أدى فيه الواجب وجبت طاعته فيه. # على المحتسب أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها ويعاقب من لم يصل ~~بالضرب والحبس؛ وأما القتل فإلى غيره ويتعهد الأئمة والمؤذنين؛ فمن فرط ~~منهم فيما يجب من حقوق الإمامة أو خرج عن الأذان المشروع ألزمه بذلك ~~واستعان فيما يعجز عنه بوالي الحرب والحكم وكل مطاع يعين على ذلك (2). ~~PageV01P189 # وذلك أن " الصلاة " (1) هي أعرف المعروف من الأعمال (2) وهي عمود الإسلام ~~(3) وأعظم شرائعه، وهي قرينة الشهادتين (4) وإنما فرضها الله ليلة المعراج ~~وخاطب بها الرسول بلا واسطة لم يبعث بها رسولا من الملائكة (5)، وهي آخر ما ~~وصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته (6)، وهي المخصوصة بالذكر في ~~كتاب الله تخصيصا بعد تعميم كقوله تعالى: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا ~~الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين} (170) سورة الأعراف، وقوله: {اتل ما أوحي ~~إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله ~~أكبر والله يعلم ما تصنعون} (45) سورة العنكبوت. # وهي المقرونة بالصبر وبالزكاة وبالنسك وبالجهاد في ms167 مواضع من كتاب الله ~~كقوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} ~~(45) سورة البقرة، وقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع ~~الراكعين} (43) سورة البقرة، وقوله: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ~~رب العالمين} (162) سورة الأنعام، وقوله: {محمد رسول الله والذين معه أشداء ~~على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ~~كزرع أخرج شطأه PageV01P190 # فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} (29) سورة الفتح، ~~وقوله: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا ~~أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا ~~معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) ~~فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103) ~~[النساء/102، 103]}.وأمرها أعظم من أن يحاط به (1)،فاعتناء PageV01P191 # ولاة الأمر بها يجب أن يكون فوق اعتنائهم بجميع الأعمال؛ ولهذا كان أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله: أن أهم أمركم عندي ~~الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة. ~~رواه مالك وغيره (1). ويأمر المحتسب بالجمعة والجماعات وبصدق الحديث وأداء ~~الأمانات. ### | [الاحتساب في المعاملات المحرمة] # وينهى عن المنكرات: من الكذب والخيانة (2): وما يدخل في ذلك من تطفيف ~~المكيال والميزان والغش في الصناعات (3)؛ والبياعات والديانات ونحو ذلك قال ~~الله تعالى: {ويل للمطففين (1) PageV01P192 # الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ~~(3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين (6) [المطففين/1 - 6]}،وقال في قصة شعيب عليه السلام: {أوفوا ~~الكيل ms168 ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) [الشعراء/181 - ~~183]}.وقال تعالى: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من ~~كان خوانا أثيما} (107) سورة النساء، وقال: { .. وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين} (52) سورة يوسف. وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا ~~وبينا بورك لهما فى بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» (1). ~~PageV01P193 # وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على ~~صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال «ما هذا يا صاحب الطعام». ~~قال أصابته السماء يا رسول الله. قال «أفلا جعلته فوق الطعام كى يراه الناس ~~من غش فليس منى» (1). وفي رواية: «من غشني فليس مني» (2)،فقد أخبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أن الغاش ليس بداخل في مطلق اسم أهل الدين والإيمان ~~كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا ~~يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ~~يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» (3). # فسلبه حقيقة الإيمان التي بها يستحق حصول الثواب والنجاة من العقاب؛ وإن ~~كان معه أصل الإيمان الذي يفارق به الكفار ويخرج به من النار. PageV01P194 # والغش يدخل في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع؛ مثل أن يكون ظاهر ~~المبيع خيرا من باطنه؛ كالذي مر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنكر ~~عليه. ويدخل في الصناعات مثل الذين يصنعون المطعومات من الخبز والطبخ ~~والعدس والشواء وغير ذلك، أو يصنعون الملبوسات كالنساجين والخياطين ونحوهم ~~أو يصنعون غير ذلك من الصناعات فيجب نهيهم عن الغش والخيانة والكتمان. ومن ~~هؤلاء " الكيماوية " (1) الذين يغشون النقود والجواهر والعطر وغير ذلك ~~فيصنعون ذهبا أو فضة أو عنبرا أو مسكا أو جواهر أو زعفرانا أو ماء ورد أو ~~غير ذلك؛ يضاهون به خلق الله (2): ولم يخلق ms169 الله شيئا PageV01P195 # فيقدر العباد أن يخلقوا كخلقه بل قال الله عز وجل فيما حكى عنه رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم -:ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقى، فليخلقوا حبة، وليخلقوا ~~ذرة» (1). # ولهذا كانت المصنوعات مثل الأطبخة والملابس والمساكن غير مخلوقة إلا ~~بتوسط الناس قال تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) ~~وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42)} [يس/41، 42].وقال تعالى: {قال أتعبدون ~~ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96) [الصافات/95، 96]}. # وكانت المخلوقات من المعادن والنبات والدواب غير مقدورة لبني آدم أن ~~يصنعوها؛ لكنهم يشبهون على سبيل الغش. وهذا حقيقة الكيمياء؛ فإنه المشبه؛ ~~وهذا باب واسع قد صنف فيه أهل الخبرة ما لا يحتمل ذكره في هذا الموضع (2). # ويدخل في المنكرات ما نهى الله عنه ورسوله من العقود المحرمة (3): ~~PageV01P196 # . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P197 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P198 # مثل عقود الربا والميسر (1)؛ PageV01P199 # ومثل بيع الغرر (1) وكحبل الحبلة (2)؛ والملامسة والمنابذة (3)؛ ~~PageV01P200 # وربا النسيئة (1) PageV01P201 # وربا (1) الفضل PageV01P202 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P203 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P204 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P205 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P206 # وكذلك النجش (1) وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها وتصرية الدابة ~~اللبون (2) وسائر أنواع التدليس. PageV01P207 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P208 # وكذلك المعاملات الربوية (1) سواء كانت ثنائية أو ثلاثية إذا كان المقصود ~~بها جميعها أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل (2). فالثنائية ما يكون بين ~~اثنين (3): مثل أن يجمع إلى القرض بيعا أو PageV01P209 # إجارة أو مساقاة أو مزارعة، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال:" «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان فى بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ~~ليس عندك». قال أبو عيسى الترمذي وهذا حديث حسن صحيح (1). PageV01P210 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P211 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P212 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P213 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P214 # ومثل أن يبيعه سلعة إلى أجل ثم يعيدها إليه، ففي سنن أبي داود عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «من باع بيعتين فى بيعة فله أوكسهما أو الربا» ~~(1). PageV01P215 # والثلاثية مثل أن يدخل بينهما محللا للربا يشتري السلعة منه آكل الربا ثم ~~يبيعها المعطي للربا إلى أجل ثم يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستفيدها ~~المحلل (1)،وهذه المعاملات منها ما هو حرام PageV01P216 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P217 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P218 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P219 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P220 # بإجماع المسلمين، مثل التي يجري فيها شرط لذلك؛ أو التي يباع فيها المبيع ~~قبل القبض الشرعي ms170 (1)، PageV01P221 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P222 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P223 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P224 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P225 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P226 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P227 # أو بغير الشروط الشرعية (1)؛ أو يقلب فيها الدين على المعسر (2)، فإن ~~المعسر يجب إنظاره (3) ولا يجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها بإجماع ~~المسلمين. PageV01P228 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P229 # ومنها ما قد تنازع فيه بعض العلماء؛ لكن الثابت عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والصحابة والتابعين تحريم ذلك كله (1). # ومن المنكرات تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق (2)؛ فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن ذلك لما فيه من تغرير البائع؛ فإنه لا يعرف السعر ~~فيشتري منه المشتري بدون القيمة؛ ولذلك أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~له الخيار إذا هبط إلى السوق. PageV01P230 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P231 # وثبوت الخيار له مع الغبن لا ريب فيه، وأما ثبوته بلا غبن ففيه نزاع بين ~~العلماء وفيه عن أحمد روايتان: إحداهما يثبت وهو قول الشافعي. والثانية لا ~~يثبت لعدم الغبن. وثبوت الخيار بالغبن للمسترسل (1) - وهو الذي لا يماكس - ~~PageV01P232 # هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما (1)، فليس لأهل السوق PageV01P233 # أن يبيعوا المماكس بسعر؛ ويبيعوا المسترسل الذي لا يماكس (1) أو من هو ~~جاهل بالسعر بأكثر من ذلك السعر هذا مما ينكر على الباعة (2). وجاء في ~~الحديث:" {غبن المسترسل ربا} (3) " وهو بمنزلة تلقي السلع؛ فإن القادم جاهل ~~بالسعر؛ ولذلك نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد (4)، ~~وعن جابر قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يبع حاضر لباد دعوا ~~الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (5). PageV01P234 # وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- «لا تلقوا الركبان ولا يبيع حاضر لباد».قال فقلت لابن عباس ما قوله لا ~~يبيع حاضر لباد قال لا يكون له سمسارا (1). # وهذا نهي عنه لما فيه من ضرر المشترين، فإن المقيم إذا توكل للقادم في ~~بيع سلعة يحتاج الناس إليها والقادم لا يعرف السعر ضر ذلك المشتري؛ فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله ~~بعضهم من بعض» (2). ### | ومثل ذلك " الاحتكار " لما يحتاج الناس إليه # (3) PageV01P235 # روى مسلم في صحيحه عن معمر بن عبد الله عن رسول الله ms171 - صلى الله عليه ~~وسلم - قال «لا يحتكر إلا خاطئ» (1). # فإن المحتكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه ~~عنهم ويريد إغلاءه عليهم وهو ظالم للخلق المشترين (2). PageV01P236 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P237 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P238 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P239 # ولهذا كان لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ~~ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصة. فإنه ~~يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل (1)، ولهذا قال PageV01P240 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P241 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P242 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P243 # الفقهاء: من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله، ولو ~~امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره (1). ومن هنا يتبين أن ~~السعر منه ما هو ظلم لا يجوز ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس ~~وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه؛ أو منعهم مما أباحه الله لهم: ~~فهو حرام. وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من ~~المعاوضة PageV01P244 # بثمن المثل؛ ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل: فهو جائز ~~(1)؛ بل واجب (2). PageV01P245 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P246 # فأما الأول فمثل ما روي عن أنس قال غلا السعر على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالوا يا رسول الله سعر لنا. # فقال: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإنى لأرجو أن ألقى ربى ~~وليس أحد منكم يطلبنى بمظلمة فى دم ولا مال» رواه أبو داود والترمذي وصححه ~~(1). PageV01P247 # فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ~~ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق: فهذا إلى الله. فإلزام الخلق ~~أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق. # وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها ~~إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ولا ~~معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به ~~(1). # وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا ألا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس ~~معروفون لا تباع تلك السلع إلا لهم؛ ms172 ثم يبيعونها هم؛ فلو باع غيرهم ذلك منع ~~إما ظلما لوظيفة تؤخذ من البائع؛ أو غير ظلم؛ لما في ذلك من الفساد، فههنا ~~يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل ولا يشترون أموال الناس ~~إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء؛ لأنه إذا كان قد منع ~~غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه: فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا أو ~~اشتروا بما اختاروا كان PageV01P248 # ذلك ظلما للخلق من وجهين: ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال؛ ~~وظلما للمشترين منهم (1). # والواجب إذا لم يمكن دفع جميع الظلم أن يدفع الممكن منه، فالتسعير في مثل ~~هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته: إلزامهم ألا يبيعوا أو لا يشتروا إلا بثمن ~~المثل. وهذا واجب في مواضع كثيرة من الشريعة؛ فإنه كما أن الإكراه على ~~البيع لا يجوز إلا بحق: يجوز الإكراه على البيع بحق في مواضع؛ مثل بيع ~~المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة (2)، والإكراه على ألا يبيع إلا ~~بثمن المثل لا يجوز إلا بحق ويجوز في مواضع؛ مثل المضطر إلى طعام الغير ~~ومثل الغراس والبناء الذي في ملك الغير؛ فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة ~~المثل لا بأكثر. ونظائره كثيرة (3). وكذلك السراية في العتق (4) كما ~~PageV01P249 # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أعتق شركا له فى عبد، فكان له مال ~~يبلغ ثمن العبد قوم العبد قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه، وإلا ~~فقد عتق منه ما عتق» (1). PageV01P250 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P251 # وكذلك من وجب عليه شراء شيء للعبادات، كآلة الحج ورقبة العتق وماء ~~الطهارة؛ فعليه أن يشتريه بقيمة المثل؛ ليس له أن يمتنع عن الشراء إلا بما ~~يختار. # وكذلك فيما يجب عليه من طعام أو كسوة لمن عليه نفقته إذا وجد الطعام أو ~~اللباس الذي يصلح له في العرف بثمن المثل: لم يكن له أن ينتقل إلى ما هو ~~دونه؛ حتى يبذل له ذلك بثمن يختاره. ونظائره كثيرة. ولهذا منع غير واحد من ~~العلماء كأبي حنيفة وأصحابه القسام الذين يقسمون ms173 # PageV01P252 # العقار وغيره بالأجر أن يشتركوا والناس محتاجون إليهم ويغلو عليهم الأجر ~~(1)؛ فمنع البائعين الذين تواطئوا على ألا يبيعوا إلا بثمن قدروه أولى (2). ~~PageV01P253 # وكذلك منع المشترين إذا تواطئوا على أن يشتركوا، فإنهم إذا اشتركوا فيما ~~يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولى أيضا، فإذا كانت الطائفة التي ~~تشتري نوعا من السلع أو تبيعها قد تواطأت على أن يهضموا ما يشترونه ~~فيشترونه بدون ثمن المثل المعروف؛ ويزيدون ما يبيعونه بأكثر من الثمن ~~المعروف؛ وينموا ما يشترونه: كان هذا أعظم عدوانا من تلقي السلع ومن بيع ~~الحاضر للبادي ومن النجش، ويكونون قد اتفقوا على ظلم الناس حتى يضطروا إلى ~~بيع سلعهم وشرائها بأكثر من ثمن المثل، والناس يحتاجون إلى ذلك وشرائه وما ~~احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس فإنه يجب أن لا يباع إلا بثمن المثل: إذا ~~كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة (1). # ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس؛ مثل حاجة الناس إلى الفلاحة ~~والنساجة والبناية: فإن الناس لا بد لهم من طعام يأكلونه وثياب يلبسونها ~~ومساكن يسكنونها فإذا لم يجلب لهم من الثياب ما يكفيهم كما كان يجلب إلى ~~الحجاز على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت الثياب تجلب إليهم ~~من اليمن ومصر والشام وأهلها كفار وكانوا يلبسون ما نسجه الكفار ولا ~~يغسلونه فإذا لم يجلب إلى ناس البلد ما يكفيهم احتاجوا إلى من ينسج لهم ~~الثياب. ولا بد لهم من طعام إما مجلوب من غير بلدهم وإما من زرع بلدهم وهذا ~~هو الغالب (2). PageV01P254 # وكذلك لا بد لهم من مساكن يسكنونها؛ فيحتاجون إلى البناء؛ فلهذا قال غير ~~واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم: كأبي حامد ~~الغزالي؛ وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم: أن هذه الصناعات فرض على الكفاية؛ ~~فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها (1).؛ كما أن PageV01P255 # الجهاد فرض على الكفاية؛ إلا أن يتعين فيكون فرضا على الأعيان؛ مثل أن ~~يقصد العدو بلدا؛ أو مثل أن يستنفر الإمام أحدا (1). # وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية ms174 إلا فيما يتعين (2)؛ مثل طلب كل واحد ~~علم ما أمره الله به وما نهاه عنه؛ فإن هذا فرض على الأعيان كما أخرجاه في ~~الصحيحين عن ابن شهاب قال قال حميد بن عبد الرحمن سمعت معاوية خطيبا يقول ~~سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول «من يرد الله به PageV01P256 # خيرا يفقهه فى الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطى، ولن تزال هذه الأمة ~~قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى أمر الله» (1). # وكل من أراد الله به خيرا لا بد أن يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في ~~الدين لم يرد الله به خيرا والدين: ما بعث الله به رسوله؛ وهو ما يجب على ~~المرء التصديق به والعمل به وعلى كل أحد أن يصدق محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - فيما أخبر به ويطيعه فيما أمر تصديقا عاما وطاعة عامة، ثم إذا ثبت ~~عنه خبر كان عليه أن يصدق به مفصلا، وإذا كان مأمورا من جهة بأمر معين كان ~~عليه أن يطيعه طاعة مفصلة. # وكذلك غسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم: فرض على الكفاية. وكذلك ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية (2). PageV01P257 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P258 ### | [لماذا شرعت الولايات؟] # والولايات كلها: الدينية - مثل إمرة المؤمنين وما دونها: من ملك ووزارة ~~وديوانية سواء كانت كتابة خطاب أو كتابة حساب لمستخرج أو مصروف في أرزاق ~~المقاتلة أو غيرهم ومثل إمارة حرب وقضاء وحسبة وفروع هذه الولايات - إنما ~~شرعت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مدينته النبوية يتولى جميع ما ~~يتعلق بولاة الأمور، ويولي في الأماكن البعيدة عنه كما ولى على مكة عتاب بن ~~أسيد وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد بن العاص ~~(1) وبعث عليا (2) ومعاذا وأبا موسى إلى اليمن (3). # وكذلك كان يؤمر على السرايا (4) ويبعث على الأموال الزكوية السعاة ~~فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها (5) الذين سماهم الله في ~~القرآن (6) فيرجع الساعي إلى المدينة وليس معه إلا السوط لا يأتي إلى ms175 النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بشيء إذا وجد لها موضعا يضعها فيه. PageV01P259 # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستوفي الحساب على العمال؛ يحاسبهم ~~على المستخرج والمصروف؛ كما في الصحيحين عن الزهرى أنه سمع عروة أخبرنا أبو ~~حميد الساعدى قال استعمل النبى - صلى الله عليه وسلم - رجلا من بنى أسد ~~يقال له ابن الأتبية على صدقة فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدى لى. فقام ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - على المنبر - قال سفيان أيضا فصعد المنبر - ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال «ما بال العامل نبعثه، فيأتى يقول هذا لك وهذا ~~لى. فهلا جلس فى بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا، والذى نفسى بيده لا ~~يأتى بشىء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، ~~أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر».ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتى إبطيه «ألا هل ~~بلغت» ثلاثا (1). PageV01P260 # والمقصود هنا: أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها ~~غير الإنسان صارت فرض عين عليه لا سيما إن كان غيره عاجزا عنها، فإذا كان ~~الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبا ~~يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل ولا يمكنهم من مطالبة ~~الناس بزيادة عن عوض المثل (1)، ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون ~~حقهم كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعته ~~الفلاحة بأن يصنعها لهم: فإن الجند يلزمون بأن لا يظلموا الفلاح كما ألزم ~~الفلاح أن يفلح للجند (2). ### | جواز المزارعة # (3) # والمزارعة جائزة في أصح قولي العلماء (4)، وهي عمل المسلمين على عهد ~~نبيهم وعهد خلفائه الراشدين وعليها عمل آل أبي بكر وآل عمر وآل عثمان وآل ~~علي وغيرهم من بيوت المهاجرين، وهي قول أكابر الصحابة كابن مسعود وهي مذهب ~~فقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل؛ وإسحاق بن راهويه؛ وداود بن علي؛ والبخاري؛ ~~ومحمد بن إسحاق بن خزيمة؛ وأبي بكر بن المنذر وغيرهم ومذهب ms176 الليث بن سعد؛ ~~وابن أبي ليلى؛ وأبي يوسف؛ ومحمد بن الحسن وغيرهم من فقهاء المسلمين (5). ~~PageV01P261 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P262 # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عال أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ~~ثمر وزرع حتى مات (1)،ولم تزل تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر (2) ~~وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم، وكان البذر PageV01P263 # منهم لا من النبي - صلى الله عليه وسلم -،ولهذا كان الصحيح من قولي ~~العلماء أن البذر يجوز أن يكون من العامل (1)؛ بل طائفة من الصحابة قالوا: ~~لا يكون البذر إلا من العامل (2). # والذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من المخابرة (3) وكراء الأرض ~~(4) قد جاء مفسرا بأنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة، ومثل هذا ~~الشرط باطل بالنص وإجماع العلماء، وهو كما لو شرط في PageV01P264 # المضاربة لرب المال دراهم معينة، فإن هذا لا يجوز بالاتفاق (1)؛ لأن ~~المعاملة مبناها على العدل وهذه المعاملات من جنس المشاركات؛ والمشاركة ~~إنما تكون إذا كان لكل من الشريكين جزء شائع كالثلث والنصف فإذا جعل ~~لأحدهما شيء مقدر لم يكن ذلك عدلا؛ بل كان ظلما (2). PageV01P265 # وقد ظن طائفة من العلماء أن هذه المشاركات من باب الإجارات بعوض مجهول؛ ~~فقالوا: القياس يقتضي تحريمها. ثم منهم من حرم المساقاة والزراعة وأباح ~~المضاربة استحبابا للحاجة؛ لأن الدراهم لا يمكن إجارتها كما يقول أبو ~~حنيفة. ومنهم من أباح المساقاة إما مطلقا كقول مالك والقديم للشافعي. أو ~~على النخل والعنب كالجديد للشافعي؛ لأن الشجر لا يمكن إجارتها بخلاف الأرض ~~وأباحوا ما يحتاج إليه من المزارعة تبعا للمساقاة؛ فأباحوا المزارعة تبعا ~~للمساقاة كقول الشافعي إذا كانت الأرض أغلب. أو قدروا ذلك بالثلث كقول ~~مالك. # وأما جمهور السلف وفقهاء الأمصار فقالوا: هذا من باب المشاركة لا من باب ~~الإجارة التي يقصد فيها العمل؛ فإن مقصود كل منهما ما يحصل من الثمر ~~والزرع؛ وهما متشاركان: هذا ببدنه وهذا بماله كالمضاربة. ولهذا كان الصحيح ~~من قولي العلماء: أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب نصيب المثل لا أجرة المثل ~~فيجب من الربح ms177 أو النماء إما ثلثه وإما نصفه؛ كما جرت العادة في مثل ذلك؛ ~~ولا يجب أجرة مقدرة؛ فإن ذلك قد يستغرق المال وأضعافه، وإنما يجب في الفاسد ~~من العقود نظير ما يجب في الصحيح، والواجب في الصحيح ليس هو أجرة مسماة؛ بل ~~جزء شائع من الربح مسمى فيجب في الفاسدة نظير ذلك والمزارعة أصل من ~~المؤاجرة وأقرب إلى العدل والأصول؛ فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم؛ ~~بخلاف المؤاجرة (1) فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة PageV01P266 # والمستأجر قد يحصل له زرع وقد لا يحصل، والعلماء مختلفون في جواز هذا؛ ~~وجواز هذا. والصحيح جوازهما. ### | وسواء كانت الأرض مقطعة أو لم تكن مقطعة # وما علمت أحدا من علماء المسلمين - لا أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم - ~~قال: إن إجارة الإقطاع لا تجوز وما زال المسلمون يؤجرون الأرض المقطعة من ~~زمن الصحابة إلى زمننا هذا؛ لكن بعض أهل زماننا ابتدعوا هذا القول؛ قالوا: ~~لأن المقطع لا يملك المنفعة؛ فيصير كالمستعير إذا أكرى الأرض المعارة وهذا ~~القياس خطأ لوجهين: # أحدهما: أن المستعير لم تكن المنفعة حقا له؛ وإنما تبرع له المعير بها ~~وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين؛ وولي الأمر قاسم يقسم بينهم ~~حقوقهم ليس متبرعا لهم كالمعير والمقطع يستوفي المنفعة بحكم الاستحقاق كما ~~يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف وأولى، وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر ~~الوقف وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على أصح قولي العلماء: فلأن ~~يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أو غير ذلك بطريق ~~الأولى والأحرى. # الثاني: أن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة: مثل الإجارة في ~~الإقطاع وولي الأمر يأذن للمقطعين في الإجارة وإنما أقطعهم لينتفعوا بها: ~~إما بالمزارعة وإما بالإجارة ومن حرم الانتفاع بها بالمؤاجرة والمزارعة فقد ~~أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم؛ فإن المساكن كالحوانيت والدور ونحو ذلك ~~لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة (1). PageV01P267 # وأما المزارع والبساتين فينتفع بها بالإجارة وبالمزارعة والمساقاة في ~~الأمر العام والمرابعة نوع من المزارعة ولا تخرج عن ذلك إلا إذا استكرى ~~بإجارة مقدرة ms178 من يعمل له فيها وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس. # لأنه قد يخسر ماله ولا يحصل له شيء؛ بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان في ~~المغنم والمغرم؛ فهو أقرب إلى العدل (1). فلهذا تختاره الفطر السليمة (2). ~~وهذه المسائل لبسطها موضع آخر. PageV01P268 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P269 # والمقصود هنا أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات على ما تحتاج إليه الناس ~~من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه يقدر أجرة المثل؛ فلا يمكن ~~المستعمل من نقص أجرة الصانع عن ذلك ولا يمكن الصانع من المطالبة بأكثر من ~~ذلك حيث تعين عليه العمل؛ وهذا من التسعير الواجب. # وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب ~~وغير ذلك فيستعمل بأجرة المثل لا يمكن المستعملون من ظلمهم ولا العمال من ~~مطالبتهم بزيادة على حقهم مع الحاجة إليهم فهذا تسعير في الأعمال (1). ~~PageV01P270 # وأما في الأموال فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد فعلى أهل السلاح أن ~~يبيعوه بعوض المثل ولا يمكنون من أن يحبسوا السلاح حتى يتسلط العدو أو يبذل ~~لهم من الأموال ما يختارون، والإمام لو عين أهل الجهاد للجهاد تعين عليهم؛ ~~كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، ~~وإذا استنفرتم فانفروا» أخرجاه في الصحيحين (1). PageV01P271 # وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب ~~وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (1). # فإذا وجب عليه أن يجاهد بنفسه وماله: فكيف لا يجب عليه أن يبيع ما يحتاج ~~إليه في الجهاد بعوض المثل؟! # والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد؛ فإن الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع ~~من القرآن وقد قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ~~وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} (16) سورة ~~التغابن، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ~~ما استطعتم أخرجاه في الصحيحين (2). PageV01P272 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P273 # فمن عجز عن ms179 الجهاد بالبدن لم يسقط عنه الجهاد بالمال كما أن من عجز عن ~~الجهاد بالمال لم يسقط عنه الجهاد بالبدن. # ومن أوجب على المعضوب أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه وأوجب الحج ~~على المستطيع بماله فقوله ظاهر التناقض (1). PageV01P274 # ومن ذلك إذا كان الناس محتاجين إلى من يطحن لهم ومن يخبز لهم لعجزهم عن ~~الطحن والخبز في البيوت؛ كما كان أهل المدينة على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينا ولا ~~خبزا؛ بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم؛ فلم يكونوا ~~يحتاجون إلى التسعير وكان من قدم بالحب باعه فيشتريه الناس من الجالبين؛ ~~ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون» ~~(1). # وقال: «لا يحتكر إلا خاطئ» رواه مسلم في صحيحه (2). PageV01P275 # وما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " {أنه نهى عن قفيز الطحان} " ~~فحديث ضعيف بل باطل (1)، فإن المدينة لم يكن فيها طحان ولا خباز؛ لعدم ~~حاجتهم إلى ذلك كما أن المسلمين لما فتحوا البلاد كان الفلاحون كلهم كفارا؛ ~~لأن المسلمين كانوا مشتغلين بالجهاد. PageV01P276 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P277 # ولهذا لما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر أعطاها لليهود يعملونها ~~فلاحة؛ لعجز الصحابة عن فلاحتها؛ لأن ذلك يحتاج إلى سكناها وكان الذين ~~فتحوها أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا نحو ألف وأربعمائة ~~(1) وانضم إليهم أهل سفينة جعفر (2) فهؤلاء هم الذين قسم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بينهم أرض خيبر، فلو أقام طائفة من هؤلاء فيها لفلاحتها تعطلت ~~مصالح الدين التي لا يقوم بها غيرهم، فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه وفتحت البلاد وكثر المسلمون استغنوا عن اليهود فأجلوهم، وكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال: «نقركم فيها ما شئنا» (3)،وفي رواية: ~~«نقركم ما أقركم الله» (4). # وأمر بإجلائهم منها عند موته - صلى الله عليه وسلم - فقال:" {أخرجوا ~~اليهود والنصارى من جزيرة العرب} (5) ". PageV01P278 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P279 # ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبري ms180 - إلى أن الكفار لا ~~يقرون في بلاد المسلمين بالجزية إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم، فإذا ~~استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر. # وفي هذه المسألة نزاع ليس هذا موضعه. والمقصود هنا أن الناس إذا احتاجوا ~~إلى الطحانين والخبازين فهذا على وجهين: # أحدهما: أن يحتاجوا إلى صناعتهم؛ كالذين يطحنون ويخبزون لأهل البيوت ~~فهؤلاء يستحقون الأجرة وليس لهم عند الحاجة إليهم أن يطالبوا إلا بأجرة ~~المثل كغيرهم من الصناع. # والثاني: أن يحتاجوا إلى الصنعة والبيع؛ فيحتاجوا إلى من يشتري الحنطة ~~ويطحنها؛ وإلى من يخبزها ويبيعها خبزا. لحاجة الناس إلى شراء الخبز من ~~الأسواق، فهؤلاء لو مكنوا أن يشتروا حنطة الناس المجلوبة ويبيعوا الدقيق ~~والخبز بما شاءوا مع حاجة الناس إلى تلك الحنطة لكان ذلك ضررا عظيما؛ فإن ~~هؤلاء تجار تجب عليهم زكاة التجارة عند الأئمة الأربعة وجمهور علماء ~~المسلمين # PageV01P280 # كما يجب على كل من اشترى شيئا يقصد أن يبيعه بربح سواء عمل فيه عملا أو ~~لم يعمل وسواء اشترى طعاما أو ثيابا أو حيوانا وسواء كان مسافرا ينقل ذلك ~~من بلد إلى بلد؛ أو كان متربصا به يحبسه إلى وقت النفاق؛ أو كان مديرا يبيع ~~دائما ويشتري كأهل الحوانيت، فهؤلاء كلهم تجب عليهم زكاة التجار، وإذا وجب ~~عليهم أن يصنعوا الدقيق والخبز لحاجة الناس إلى ذلك ألزموا كما تقدم؛ أو ~~دخلوا طوعا فيما يحتاج إليه الناس من غير إلزام لواحد منهم بعينه؛ فعلى ~~التقديرين يسعر عليهم الدقيق والحنطة؛ فلا يبيعوا الحنطة والدقيق إلا بثمن ~~المثل بحيث يربحون الربح بالمعروف من غير إضرار بهم ولا بالناس (1). ~~PageV01P281 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P282 # وقد تنازع العلماء في التسعير (1) في مسألتين: # إحداهما: إذا كان للناس سعر غال فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه ~~يمنع منه في السوق في مذهب مالك. وهل يمنع النقصان؟ على قولين لهم (2). ~~PageV01P283 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P284 # وأما الشافعي وأصحاب أحمد: كأبي حفص العكبري. والقاضي أبي يعلى؛ والشريف ~~أبي جعفر؛ وأبي الخطاب؛ وابن عقيل وغيرهم: فمنعوا من ذلك. واحتج مالك بما ~~رواه في موطئه عن يونس بن يوسف عن سعيد بن ms181 المسيب أن عمر بن الخطاب مر ~~بحاطب بن أبى بلتعة وهو يبيع زبيبا له بالسوق فقال له عمر بن الخطاب إما أن ~~تزيد فى السعر وإما أن ترفع من سوقنا (1). PageV01P285 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P286 # وأجاب الشافعي وموافقوه بما رواه فقال: عن داود بن صالح التمار عن القاسم ~~بن محمد عن عمر رضى الله عنه: أنه مر بحاطب بسوق المصلى وبين يديه غرارتان ~~فيهما زبيب فسأله عن سعرهما فسعر له مدين لكل درهم. فقال له عمر رضى الله ~~عنه قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم يعتبرون بسعرك فإما أن ~~ترفع فى السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت. فلما رجع عمر حاسب ~~نفسه ثم أتى حاطبا فى داره فقال له: إن الذى قلت ليس بعزمة منى ولا قضاء ~~إنما هو شىء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع (1). ~~PageV01P287 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P288 # قال الشافعي: وهذا الحديث مقتضاه ليس بخلاف ما رواه مالك ولكنه روى بعض ~~الحديث أو رواه عنه من رواه؛ وهذا أتى بأول الحديث وآخره؛ وبه أقول؛ لأن ~~الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم ~~إلا في المواضع التي تلزمهم وهذا ليس منها. # قلت: وعلى قول مالك قال أبو الوليد الباجي: الذي يؤمر من حط عنه أن يلحق ~~به هو السعر الذي عليه جمهور الناس؛ فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير ~~بحط السعر أمروا باللحاق بسعر الجمهور؛ لأن المراعي حال الجمهور وبه تقوم ~~المبيعات. وروى ابن القاسم عن مالك: لا يقام الناس # PageV01P289 # لخمسة. قال: وعندي أنه يجب أن ينظر في ذلك إلى قدر الأسواق؛ وهل يقام من ~~زاد في السوق - أي: في قدر المبيع - بالدرهم مثلا كما يقام من نقص منه؟ قال ~~أبو الحسن ابن القصار المالكي: اختلف أصحابنا في قول مالك: ولكن من حط ~~سعرا. فقال البغداديون: أراد من باع خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية. وقال ~~قوم من المصريين: أراد من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة. قال: وعندي أن ~~الأمرين جميعا ms182 ممنوعان؛ لأن من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة أفسد على أهل ~~السوق بيعهم؛ فربما أدى إلى الشغب والخصومة؛ ففي منع الجميع مصلحة. قال أبو ~~الوليد: ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق. وأما الجالب ففي كتاب محمد: لا ~~يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون الناس. وقال ابن حبيب: ما عدا القمح ~~والشعير إلا بسعر الناس وإلا رفعوا قال: وأما جالب القمح والشعير فيبيع كيف ~~شاء؛ إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق؛ إن أرخص بعضهم تركوا وإن كثر ~~المرخص قيل لمن بقي: إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن ترفعوا. قال ابن حبيب: ~~وهذا في المكيل والموزون: مأكولا أو غير مأكول؛ دون ما لا يكال ولا يوزن؛ ~~لأن غيره لا يمكن تسعيره؛ لعدم التماثل فيه. قال أبو الوليد: يريد إذا كان ~~المكيل والموزون متساويا فإذا اختلف لم يؤمر بائع الجيد أن يبيعه بسعر ~~الدون (1). PageV01P290 # قلت: والمسألة الثانية التي تنازع فيها العلماء في التسعير: أن لا يحد ~~لأهل السوق حد لا يتجاوزونه مع قيام الناس بالواجب فهذا منع منه جمهور ~~العلماء حتى مالك نفسه في المشهور عنه. ونقل المنع # PageV01P291 # أيضا عن ابن عمر وسالم والقاسم بن محمد وذكر أبو الوليد عن سعيد بن ~~المسيب وربيعة بن أبي عبد الرحمن. وعن يحيى بن سعيد أنهم أرخصوا فيه؛ ولم ~~يذكر ألفاظهم. وروى أشهب عن مالك؛ وصاحب السوق يسعر على الجزارين (1): لحم ~~الضأن ثلث رطل؛ ولحم الإبل نصف رطل؛ وإلا خرجوا من السوق. قال: إذا سعر ~~عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به ولكن أخاف أن يقوموا من السوق. ~~واحتج أصحاب هذا القول بأن هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء السعر عليهم ~~ولا فساد عليهم. قالوا: ولا يجبر الناس على البيع إنما يمنعون من البيع ~~بغير السعر الذي يحده ولي الأمر؛ على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع ~~والمشتري؛ ولا يمنع البائع ربحا ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس. # وأما الجمهور فاحتجوا بما تقدم من حديث النبي - صلى الله ms183 عليه وسلم - وقد ~~رواه أيضا أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى ~~هريرة أن رجلا جاء فقال يا رسول الله سعر. فقال «بل أدعو». ثم جاءه رجل ~~فقال يا رسول الله سعر فقال «بل الله يخفض ويرفع وإنى لأرجو أن ألقى الله ~~وليس لأحد عندى مظلمة» (2). # قالوا: ولأن إجبار الناس على بيع لا يجب أو منعهم مما يباح شرعا: ظلم لهم ~~والظلم حرام. # وأما صفة ذلك عند من جوزه: فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل ~~سوق ذلك الشيء؛ ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم؛ فيسألهم: كيف يشترون؟ وكيف ~~يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا ولا يجبرون على ~~التسعير؛ ولكن عن رضا. قال: وعلى هذا أجازه من أجازه (3). # قال أبو الوليد: ووجه ذلك أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة ~~والمشترين ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم؛ ولا يكون فيه إجحاف ~~بالناس وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد ~~الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس. قلت: فهذا الذي تنازع فيه ~~العلماء. PageV01P292 # وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب ~~ويعاقبون على تركه. # وكذلك من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع أن يبيع إلا بأكثر منه: ~~فهنا يؤمر بما يجب عليه؛ ويعاقب على تركه بلا ريب. ومن منع التسعير مطلقا ~~محتجا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " «إن الله هو المسعر القابض ~~الباسط الرازق وإنى لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبنى بمظلمة فى دم ~~ولا مال» (1). فقد غلط؛ فإن هذه قضية معينة ليست لفظا عاما، وليس فيها أن ~~أحدا امتنع من بيع يجب عليه أو عمل يجب عليه؛ أو طلب في ذلك أكثر من عوض ~~المثل. ومعلوم أن الشيء إذا رغب الناس في المزايدة فيه: فإذا كان صاحبه قد ~~بذله كما جرت به العادة ولكن الناس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر ms184 عليهم ~~والمدينة كما ذكرنا إنما كان الطعام الذي يباع فيها غالبا من الجلب؛ وقد ~~يباع فيها شيء يزرع فيها؛ وإنما كان يزرع فيها الشعير؛ فلم يكن البائعون ~~ولا المشترون ناسا معينين؛ ولم يكن PageV01P293 # هناك أحد يحتاج الناس إلى عينه أو إلى ماله؛ ليجبر على عمل أو على بيع بل ~~المسلمون كلهم من جنس واحد كلهم يجاهد في سبيل الله، ولم يكن من المسلمين ~~البالغين القادرين على الجهاد إلا من يخرج في الغزو وكل منهم يغزو بنفسه ~~وماله (1): أو بما يعطاه من الصدقات أو الفيء؛ أو ما يجهزه به غيره (2)، ~~وكان إكراه البائعين على أن لا يبيعوا سلعهم إلا بثمن معين إكراها بغير حق ~~وإذا لم يكن يجوز إكراههم على أصل البيع فإكراههم على تقدير الثمن كذلك لا ~~يجوز (3). PageV01P294 # وأما من تعين عليه أن يبيع فكالذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قدر ~~له الثمن الذي يبيع به ويسعر عليه كما في الصحيحين عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «من أعتق عبدا بينه وبين آخر قوم عليه فى ماله قيمة ~~عدل لا وكس ولا شطط ثم عتق عليه فى ماله إن كان موسرا» (1). PageV01P295 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P296 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P297 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P298 # فهذا لما وجب عليه أن يملك شريكه عتق نصيبه الذي لم يعتقه ليكمل الحرية ~~في العبد قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل لا وكس ولا شطط؛ ويعطي ~~قسطه من القسمة؛ فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند جماهير ~~العلماء: كمالك وأبي حنيفة وأحمد؛ ولهذا قال هؤلاء: كل ما لا يمكن قسمه ~~فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك؛ ويجبر الممتنع على البيع ~~وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا؛ لأن حق الشريك في نصف القيمة كما دل عليه ~~هذا الحديث الصحيح، ولا يمكن إعطاؤه ذلك إلا ببيع الجميع فإذا كان الشارع ~~يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل لحاجة الشريك إلى إعتاق ذلك؛ ~~وليس للمالك المطالبة بالزيادة على نصف القيمة: فكيف بمن كانت حاجته أعظم ~~من الحاجة إلى إعتاق ms185 ذلك النصيب؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام واللباس وغير ~~ذلك. وهذا الذي أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من تقويم الجميع بقيمة ~~المثل هو حقيقة التسعير. # وكذلك يجوز للشريك أن ينزع النصف المشفوع من يد المشتري بمثل الثمن الذي ~~اشتراه به؛ لا بزيادة؛ للتخلص من ضرر المشاركة والمقاسمة وهذا ثابت بالسنة ~~المستفيضة وإجماع العلماء وهذا إلزام له بأن يعطيه ذلك الثمن لا بزيادة؛ ~~لأجل تحصيل مصلحة التكميل لواحد: فكيف بما هو أعظم من ذلك ولم يكن له أن ~~يبيعه للشريك بما شاء؟ بل ليس له أن يطلب من الشريك زيادة على الثمن الذي ~~حصل له به وهذا في الحقيقة من نوع التولية؛ فإن التولية: أن يعطي المشتري ~~السلعة لغيره بمثل الثمن الذي اشتراها به وهذا أبلغ من البيع بثمن المثل ~~(1)؛ ومع هذا فلا يجبر المشتري على أن يبيعه لأجنبي غير الشريك إلا بما ~~شاء؛ إذ لا حاجة بذاك إلى شرائه كحاجة الشريك. PageV01P299 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P300 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P301 # فأما إذا قدر أن قوما اضطروا إلى سكنى في بيت إنسان إذا لم يجدوا مكانا ~~يأوون إليه إلا ذلك البيت فعليه أن يسكنهم. # وكذلك لو احتاجوا إلى أن يعيرهم ثيابا يستدفئون بها من البرد؛ أو إلى ~~آلات يطبخون بها؛ أو يبنون أو يسقون: يبذل هذا مجانا. # وإذا احتاجوا إلى أن يعيرهم دلوا يستقون به؛ أو قدرا يطبخون فيها؛ أو ~~فأسا يحفرون به: فهل عليه بذله بأجرة المثل لا بزيادة؟. # فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره. والصحيح وجوب بذل ذلك مجانا إذا ~~كان صاحبها مستغنيا عن تلك المنفعة وعوضها (1)؛ كما دل عليه الكتاب والسنة ~~قال الله تعالى: {فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم ~~يراءون (6) ويمنعون الماعون (7)} (2)، وفي السنن عن ابن مسعود قال: {كنا ~~أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، نتحدث أن الماعون: الدلو، والقدر، ~~والفأس لا يستغنى عنه"} (3). PageV01P302 # وفى الصحيحين عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال «الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذى ms186 له ~~أجر فرجل ربطها فى سبيل الله، فأطال بها فى مرج أو روضة، فما أصابت فى ~~طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنه انقطع طيلها فاستنت ~~شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ~~ولم يرد أن يسقى كان ذلك حسنات له، فهى لذلك أجر، ورجل ربطها تغنيا وتعففا ~~ثم لم ينس حق الله فى رقابها ولا ظهورها، فهى لذلك ستر، ورجل ربطها فخرا ~~ورياء ونواء لأهل الإسلام، فهى على ذلك وزر» (1). # وفي البخاري عن أبي سعيد قال جاء أعرابى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- فسأله عن الهجرة، فقال «ويحك إن الهجرة شأنها شديد فهل لك من إبل» قال ~~نعم. قال «فتعطى صدقتها». قال نعم. قال «فهل تمنح منها شيئا». قال نعم. قال ~~«فتحلبها يوم وردها». قال نعم. قال «فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن ~~يترك من عملك شيئا» (2). PageV01P303 # وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - {أنه نهى عن عسب الفحل} (1)، وفي ~~الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه فى جداره». ثم يقول أبو هريرة ما لى ~~أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم (2). ### | وإيجاب بذل هذه المنفعة مذهب أحمد وغيره. # ولو احتاج إلى إجراء ماء في أرض غيره من غير ضرر بصاحب الأرض: فهل يجبر؟ # على قولين للعلماء هما روايتان عن أحمد والأخبار بذلك مأثورة عن عمر بن ~~الخطاب قال للمانع: والله لنجرينها ولو على بطنك (3). ومذهب غير واحد من ~~الصحابة والتابعين: أن زكاة الحلي PageV01P304 # عاريته. وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره. والمنافع التي يجب بذلها ~~نوعان: منها ما هو حق المال؛ كما ذكره في الخيل والإبل وعارية الحلي. ومنها ~~ما يجب لحاجة الناس (1). PageV01P305 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P306 # وأيضا فإن بذل منافع البدن يجب عند الحاجة كما يجب تعليم العلم؛ وإفتاء ~~الناس؛ وأداء الشهادة؛ والحكم بينهم؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ~~والجهاد؛ وغير ذلك من ms187 منافع الأبدان؛ # PageV01P307 # فلا يمنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج وقد قال تعالى: {ولا يأب ~~الشهداء إذا ما دعوا} (282) سورة البقرة، وقال: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما ~~علمه الله} (282) سورة البقرة،. # وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال (1)؛ هي أربعة أوجه في ~~مذهب أحمد وغيره: # (أحدها: أنه لا يجوز مطلقا. # و (الثاني لا يجوز إلا عند الحاجة. # و (الثالث يجوز إلا أن يتعين عليه. # و (الرابع يجوز. فإن أخذ أجرا عند العمل لم يأخذ عند الأداء. # وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر. # والمقصود هنا: أنه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن على المالك أن ~~يبيع ماله بثمن مقدر: إما بثمن المثل وإما بالثمن الذي اشتراه به: لم يحرم ~~مطلقا تقدير الثمن. ثم إن ما قدر به النبي - صلى الله عليه وسلم - في شراء ~~نصيب شريك المعتق هو لأجل تكميل الحرية؛ وذلك حق الله، وما احتاج إليه ~~الناس حاجة عامة فالحق فيه لله؛ ولهذا يجعل العلماء هذه حقوقا لله تعالى ~~وحدودا لله؛ بخلاف حقوق الآدميين وحدودهم وذلك مثل حقوق المساجد ومال ~~الفيء؛ والصدقات والوقف على أهل الحاجات والمنافع العامة ونحو ذلك (2) ومثل ~~حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر؛ فإن الذي يقتل شخصا لأجل المال ~~يقتل حتما باتفاق العلماء؛ وليس لورثة المقتول العفو عنه؛ بخلاف من يقتل ~~شخصا لغرض خاص؛ مثل خصومة بينهما؛ فإن هذا حق لأولياء المقتول؛ إن أحبوا ~~قتلوا وإن أحبوا عفوا باتفاق المسلمين (3). # وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة: ليس الحق ~~فيها لواحد بعينه؛ فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع ~~أولى من تقديره لتكميل الحرية؛ لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق؛ ~~فلو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر ما شاء، وهنا عموم الناس ~~عليهم شراء الطعام والثياب لأنفسهم؛ فلو مكن من يحتاج إلى سلعته أن لا يبيع ~~إلا بما شاء لكان ضرر الناس أعظم. ولهذا قال الفقهاء (4): إذا اضطر الإنسان ~~إلى طعام الغير كان عليه بذله ms188 له بثمن المثل فيجب الفرق بين من عليه أن ~~يبيع وبين من ليس عليه أن يبيع، وأبعد PageV01P308 # الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي؛ ومع هذا فإنه يوجب على من ~~اضطر الإنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل. وتنازع أصحابه في جواز ~~التسعير للناس إذا كان بالناس حاجة ولهم فيه وجهان. وقال أصحاب أبي حنيفة ~~(1): لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة ~~فإذا رفع إلى القاضي أمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله على اعتبار ~~السعر في ذلك فنهاه عن الاحتكار فإن رفع التاجر فيه إليه ثانيا حبسه وعزره ~~على مقتضى رأيه زجرا له أو دفعا للضرر عن الناس، فإن كان أرباب الطعام ~~يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين ~~إلا بالتسعير: سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة. وإذا تعدى أحد بعد ما ~~فعل ذلك أجبره القاضي. وهذا على قول أبي حنيفة ظاهر حيث لا يرى الحجر على ~~الحر وكذا عندهما أي عند أبي يوسف ومحمد؛ إلا أن يكون الحجر على قوم ~~معينين. ومن باع منهم بما قدره الإمام صح؛ لأنه غير مكره عليه. وهل يبيع ~~القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه؟ قيل: هو [على] الاختلاف المعروف في ~~مال المديون. وقيل: يبيع هاهنا بالاتفاق؛ لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع ~~الضرر العام. والسعر لما غلا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلبوا ~~منه التسعير فامتنع لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه؛ بل ~~عامة من كانوا يبيعون الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق؛ لكن ~~نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد: نهاه أن يكون له ~~سمسار (2)، وقال: «لا يبع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» ~~(3). وهذا ثابت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه، ~~فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة؛ لأنه إذا توكل ~~له مع خبرته ms189 بحاجة الناس إليه أغلى الثمن على المشتري؛ فنهاه عن التوكل له ~~- مع أن جنس الوكالة مباح - لما في ذلك من زيادة السعر على الناس. ونهى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تلقي الجلب وهذا أيضا ثابت PageV01P309 # في الصحيح من غير وجه (1)، وجعل للبائع إذا هبط إلى السوق الخيار؛ ولهذا ~~كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع بدون ثمن المثل ~~وغبنه فأثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيار لهذا البائع. وهل هذا ~~الخيار فيه ثابت مطلقا أو إذا غبن؟ قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد. ~~أظهرهما أنه إنما يثبت له الخيار إذا غبن. # والثاني يثبت له الخيار مطلقا وهو ظاهر مذهب الشافعي. # وقال طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشتري إذا تلقاه المتلقي ~~فاشتراه ثم باعه. وفي الجملة فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~البيع والشراء الذي جنسه حلال حتى يعلم البائع بالسعر وهو ثمن المثل ويعلم ~~المشتري بالسلعة. وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشتري أن يشتري حيث شاء وقد ~~اشترى من البائع كما يقول: وللبادي أن يوكل الحاضر. ولكن الشارع رأى ~~المصلحة العامة؛ فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل فيكون ~~المشتري غارا له؛ ولهذا ألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل. والمسترسل: الذي ~~لا يماكس والجاهل بقيمة المبيع؛ فإنه بمنزلة الجالبين الجاهلين بالسعر ~~فتبين أنه يجب على الإنسان أن لا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف وهو ~~ثمن المثل؛ وإن لم يكن هؤلاء محتاجين إلى الابتياع من ذلك البائع؛ لكن ~~لكونهم جاهلين بالقيمة أو مسلمين إلى البائع غير مماكسين له والبيع يعتبر ~~فيه الرضا، والرضا يتبع العلم ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى وقد لا يرضى، ~~فإذا علم أنه غبن ورضي فلا بأس بذلك وإذا لم يرض بثمن المثل لم يلتفت إلى ~~سخطه. ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن لم يعلم بالعيب أو التدليس (2)؛ فإن ~~الأصل في البيع الصحة وأن يكون الباطن كالظاهر. فإذا اشترى على ذلك ms190 فما عرف ~~رضاه إلا بذلك فإذا تبين أن PageV01P310 # في السلعة غشا أو عيبا فهو كما لو وصفها بصفة وتبينت بخلافها فقد يرضى ~~وقد لا يرضى فإن رضي وإلا فسخ البيع. # وفى الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~" «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما فى بيعهما، وإن ~~كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» (1). # وفي السنن عن سمرة بن جندب أنه كانت له عضد من نخل فى حائط رجل من ~~الأنصار قال ومع الرجل أهله قال فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق ~~عليه فطلب إليه أن يبيعه فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى فأتى النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - فذكر ذلك له فطلب إليه النبى - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يبيعه فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى. قال «فهبه له ولك كذا وكذا». أمرا ~~رغبه فيه فأبى فقال «أنت مضار». فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~للأنصارى «اذهب فاقلع نخله» (2). # فهنا أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها؛ فدل على وجوب البيع عند حاجة ~~المشتري وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام؟ ونظير هؤلاء الذين ~~يتجرون في الطعام بالطحن والخبز. ونظير هؤلاء صاحب الخان والقيسارية ~~والحمام إذا احتاج الناس إلى الانتفاع بذلك وهو إنما ضمنها ليتجر فيها فلو ~~امتنع من إدخال الناس إلا بما شاء وهم يحتاجون لم يمكن من ذلك وألزم ببذل ~~ذلك بأجرة المثل؛ كما يلزم الذي يشتري الحنطة ويطحنها ليتجر فيها والذي ~~يشتري الدقيق ويخبزه ليتجر فيه مع حاجة الناس إلى ما عنده؛ بل إلزامه ببيع ~~ذلك بثمن المثل أولى وأحرى، بل إذا امتنع من صنعة الخبز والطحن حتى يتضرر ~~الناس بذلك ألزم بصنعتها كما تقدم، وإذا كانت حاجة الناس تندفع إذا عملوا ~~ما يكفي الناس بحيث يشتري إذ ذاك بالثمن المعروف لم يحتج إلى تسعير. ~~PageV01P311 # وأما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير العادل سعر عليهم تسعير ~~عدل؛ لا وكس ولا ms191 شطط. # PageV01P312 ### | الفصل الثالث # [الغش في الديانات - الاحتساب في الجوانب العقدية والفكرية] # فأما الغش والتدليس في " الديانات " (فتمنع) فمثل البدع (1) المخالفة ~~للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال (2): مثل إظهار المكاء ~~والتصدية في مساجد المسلمين (3). PageV01P313 # ومثل سب جمهور الصحابة (1) وجمهور المسلمين (2) أو سب أئمة المسلمين ~~ومشايخهم وولاة أمورهم: المشهورين عند عموم الأمة بالخير (3). ومثل التكذيب ~~بأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - التي تلقاها أهل العلم بالقبول (4). ~~ومثل رواية الأحاديث الموضوعة المفتراة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. (5) PageV01P314 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P315 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P316 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P317 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P318 # ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله (1). ومثل تجويز الخروج ~~عن شريعة النبي - صلى الله عليه وسلم - (2). PageV01P319 # ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته (1) وتحريف الكلم عن مواضعه (2). ~~PageV01P320 # والتكذيب بقدر الله ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره (1). # ومثل إظهار الخزعبلات السحرية والشعبذية الطبيعية وغيرها؛ التي يضاهى بها ~~ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات؛ ليصد بها عن سبيل الله؛ أو ~~يظن بها الخير فيمن ليس من أهله. وهذا باب واسع يطول وصفه (2). فمن ظهر منه ~~شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك وعقوبته PageV01P321 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P322 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P323 # عليها - إذا لم يتب حتى قدر عليه - بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل أو ~~جلد أو غير ذلك. وأما المحتسب فعليه أن يعزر من أظهر ذلك قولا أو فعلا ~~ويمنع من الاجتماع في مظان التهم فالعقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت. # وأما المنع والاحتراز فيكون مع التهمة كما منع عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أن يجتمع الصبيان بمن كان يتهم بالفاحشة. وهذا مثل الاحتراز عن قبول ~~شهادة المتهم بالكذب (1) وائتمان المتهم بالخيانة (2) ومعاملة المتهم ~~بالمطل. PageV01P324 ### | الفصل الرابع # العقوبات الشرعية من متممات الاحتساب # (1) # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية (2)؛ ~~PageV01P325 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P326 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P327 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P328 # فإن الله يزع بالسلطان. ما لا يزع بالقرآن (1). وإقامة الحدود واجبة على ~~ولاة الأمور؛ PageV01P329 # وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات (1). PageV01P330 # فمنها عقوبات مقدرة (1)؛ مثل جلد المفتري ثمانين (2) وقطع السارق (3). ~~PageV01P331 # ومنها عقوبات غير مقدرة (1) قد تسمى " التعزير " (2). وتختلف مقاديرها ~~وصفاتها بحسب كبر الذنوب ms192 وصغرها؛ وبحسب حال المذنب؛ وبحسب حال الذنب في ~~قلته وكثرته. PageV01P332 # " والتعزير " أجناس. فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام (1). ومنه ما ~~يكون بالحبس (2). PageV01P333 # ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن (1). PageV01P334 # ومنه ما يكون بالضرب (1). فإن كان ذلك لترك واجب مثل الضرب PageV01P335 # على ترك الصلاة (1) أو ترك أداء الحقوق الواجبة: مثل ترك وفاء الدين مع ~~القدرة عليه؛ أو على ترك رد المغصوب؛ أو أداء الأمانة إلى أهلها: فإنه يضرب ~~مرة بعد مرة حتى يؤدي الواجب ويفرق الضرب عليه يوما بعد يوم. # وإن كان الضرب على ذنب ماض جزاء بما كسب ونكالا من الله له ولغيره: فهذا ~~يفعل منه بقدر الحاجة فقط وليس لأقله حد (2). PageV01P336 # وأما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره (1): PageV01P337 # أحدها: عشر جلدات. # والثاني: دون أقل الحدود؛ إما تسعة وثلاثون سوطا؛ وإما تسعة وسبعون سوطا. ~~وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. # والثالث. أنه لا يتقدر بذلك. وهو قول أصحاب مالك وطائفة من أصحاب الشافعي ~~وأحمد وهو إحدى الروايتين عنه؛ لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ ~~به ذلك المقدر مثل التعزير: على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع والتعزير ~~على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب والتعزير على القذف بغير الزنا لا ~~يبلغ به الحد. وهذا القول أعدل الأقوال؛ عليه دلت سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وسنة خلفائه الراشدين؛ فقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مائة ودرأ عنه الحد بالشبهة ... (1). ~~PageV01P338 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P339 # وأمر أبو بكر وعمر بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مائة مائة (1). # وأمر بضرب الذي نقش على خاتمه وأخذ من بيت المال مائة. ثم ضربه في اليوم ~~الثاني مائة ثم ضربه في اليوم الثالث مائة (2). PageV01P340 # وضرب صبيغ بن عسل - لما رأى من بدعته - ضربا كثيرا لم يعده (1). # ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل (2) مثل المفرق لجماعة ~~المسلمين والداعي إلى البدع في الدين قال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على ms193 بني ~~إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ~~ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاء تهم رسلنا بالبينات ثم إن ~~كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} (32) سورة المائدة، وفي الصحيح عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر ~~منهما» (3). وقال: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ~~أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» (4). # وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل رجل تعمد عليه الكذب (5)، ~~PageV01P341 # وسأله ابن الديلمي عمن لم ينته عن شرب الخمر؟ فقال: من لم ينته عنها ~~فاقتلوه (1). فلهذا ذهب مالك وطائفة من أصحاب أحمد إلى جواز قتل الجاسوس ~~(2). PageV01P342 # وذهب مالك ومن وافقه من أصحاب الشافعي إلى قتل الداعية إلى البدع (1). ~~وليست هذه القاعدة المختصرة موضع ذلك. فإن المحتسب ليس له القتل والقطع. ~~PageV01P343 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P344 # ومن أنواع التعزير: النفي والتغريب (1)؛ كما كان عمر بن الخطاب يعزر ~~بالنفيفي شرب الخمر إلى خيبر (2)؛ وكما نفى صبيغ بن عسل إلى البصرة (3) ~~وأخرج نصر بن حجاج إلى البصرة لما افتتن به النساء (4). PageV01P345 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P346 ### | الفصل الخامس # [التعزير بالعقوبات المالية # (1)] PageV01P347 # " التعزير بالعقوبات المالية " مشروع أيضا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك ~~في المشهور عنه؛ ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه؛ وفي مواضع فيها نزاع ~~عنه. والشافعي في قول، (1) وإن PageV01P348 # تنازعوا في تفصيل ذلك كما دلت عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده (1). # ومثل أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه (2). PageV01P349 # ومثل أمره عبد الله بن عمرو بحرق الثوبين المعصفرين فعن عبد الله بن عمرو ~~قال رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - على ثوبين معصفرين فقال «أأمك أمرتك ~~بهذا». قلت أغسلهما. قال «بل أحرقهما» (1). # وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر. ثم لما استأذنوه ~~في الإراقة أذن؛ فإنه لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها وإراقة ما ~~فيها؛ فقالوا: أفلا نريقها ونغسلها؟ فقال: افعلوا (2)، فدل ذلك ms194 على جواز ~~الأمرين؛ لأن العقوبة بذلك لم يكن واجبة (3). PageV01P350 # ومثل هدمه لمسجد الضرار (1). PageV01P351 # ومثل تحريق موسى للعجل المتخذ إلها (1). # ومثل تضعيفه - صلى الله عليه وسلم - الغرم على من سرق من غير حرز (2). ~~PageV01P352 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P353 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P354 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P355 # ومثل ما روي من إحراق متاع الغال (1). # ومن حرمان القاتل سلبه لما اعتدى على الأمير (2). PageV01P356 # ومثل أمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب بتحريق المكان الذي يباع فيه ~~الخمر (1). PageV01P357 # ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة (1)، ومثل تحريق عثمان بن عفان المصاحف ~~المخالفة للإمام (2)؛ وتحريق عمر بن الخطاب لكتب الأوائل (3) وأمره بتحريق ~~قصر سعد بن أبي وقاص الذي بناه PageV01P358 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P359 # لما أراد أن يحتجب عن الناس؛ فأرسل محمد بن مسلمة وأمره أن يحرقه عليه؛ ~~فذهب فحرقه عليه (1). # وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العلم بذلك ونظائرها متعددة. ومن ~~قال: إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلط ~~على مذهبهما. ومن قاله مطلقا من أي مذهب كان: فقد قال قولا بلا دليل. # ولم يجئ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء قط يقتضي أنه حرم جميع ~~العقوبات المالية؛ بل أخذ الخلفاء الراشدين وأكابر أصحابه بذلك بعد موته ~~دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ (2). # وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه وبعضها قول عند الشافعي ~~باعتبار ما بلغه من الحديث. ومذهب مالك وأحمد وغيرهما: إن العقوبات المالية ~~كالبدنية: تنقسم إلى ما يوافق الشرع؛ وإلى ما يخالفه. وليست العقوبة ~~المالية منسوخة عندهما. # والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ؛ لا من كتاب ولا سنة. وهذا شأن كثير ~~ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة. إلا مجرد دعوى النسخ؛ ~~وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة لبعض النصوص توهمه ترك العمل؛ إلا أن ~~مذهب طائفته ترك العمل بها إجماع؛ والإجماع دليل على النسخ ولا ريب أنه إذا ~~ثبت الإجماع كان ذلك دليلا على أنه منسوخ؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة ~~(3) ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عرف النص الناسخ له PageV01P360 # ولهذا كان ms195 أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذا حقق الأمر ~~عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحا؛ بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاعا ثم ~~من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول أصحابه ولكن هو نفسه لم يعرف ~~أقوال العلماء (1). # وأيضا فإن واجبات الشريعة التي هي حق لله ثلاثة أقسام (2): PageV01P361 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P362 # عبادات كالصلاة والزكاة والصيام. وعقوبات إما مقدرة وإما مفوضة وكفارات ~~كل واحد من أقسام الواجبات ينقسم إلى: # بدني. وإلى مالي. وإلى مركب منهما. فالعبادات البدنية: كالصلاة والصيام. ~~والمالية: كالزكاة. والمركبة: كالحج. والكفارات المالية: كالإطعام (1). ~~والبدنية: كالصيام. والمركبة: كالهدي بذبح (2). # والعقوبات البدنية: كالقتل (3) والقطع (4). PageV01P363 # والمالية: كإتلاف أوعية الخمر (1). والمركبة: كجلد السارق من غير حرز ~~وتضعيف الغرم عليه (2) وكقتل الكفار (3) وأخذ أموالهم (4). PageV01P364 # وكما أن العقوبات البدنية تارة تكون جزاء على ما مضى كقطع السارق؛ وتارة ~~تكون دفعا عن المستقبل كقتل القاتل: فكذلك المالية؛ فإن منها ما هو من باب ~~إزالة المنكر؛ وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف (1)؛ وإلى تغيير (2)؛ وإلى ~~تمليك الغير (3). PageV01P365 ### | [التعزير في منكرات الأعيان والصفات] # (1) PageV01P366 # فالأول المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعا لها؛ مثل ~~الأصنام المعبودة من دون الله؛ لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها؛ ~~فإذا كانت حجرا أو خشبا ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها (1). PageV01P367 # وكذلك آلات الملاهي مثل الطنبور يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء وهو مذهب ~~مالك؛ وأشهر الروايتين عن أحمد (1). ومثل ذلك أوعية الخمر؛ يجوز تكسيرها ~~وتخريقها؛ والحانوت الذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه. وقد نص أحمد على ذلك ~~هو وغيره من المالكية وغيرهم واتبعوا ما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أمر ~~بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي؛ وقال: إنما أنت فويسق لا ~~رويشد. وكذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أمر بتحريق قرية كان يباع فيها ~~الخمر رواه أبو عبيدة وغيره؛ وذلك لأن مكان البيع مثل الأوعية. وهذا أيضا ~~على المشهور في مذهب أحمد ومالك وغيرهما. PageV01P368 # ومما يشبه ذلك ما فعله عمر بن الخطاب؛ حيث رأى رجلا ms196 قد شاب اللبن بالماء ~~للبيع فأراقه عليه وهذا ثابت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (1) وبذلك أفتى ~~طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل (2)؛ وذلك لما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه {نهى أن يشاب اللبن بالماء للبيع} (3) وذلك بخلاف ~~شوبه للشرب؛ لأنه إذا خلط لم يعرف المشتري مقدار اللبن من الماء؛ فأتلفه ~~عمر. # ونظيره ما أفتى به طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل في جواز إتلاف ~~المغشوشات في الصناعات: مثل الثياب التي نسجت نسجا رديئا إنه يجوز تمزيقها ~~وتحريقها (4)؛ ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب على ابن الزبير ثوبا من حرير ~~مزقه عليه فقال الزبير: أفزعت الصبي فقال: لا تكسوهم الحرير (5). # كذلك تحريق عبد الله بن عمرو لثوبه المعصفر بأمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - (6). PageV01P369 # وهذا كما يتلف من البدن المحل الذي قامت به المعصية؛ فتقطع يد السارق ~~وتقطع رجل المحارب ويده (1). # وكذلك الذي قام به المنكر في إتلافه نهي عن العود إلى ذلك المنكر؛ وليس ~~إتلاف ذلك واجبا على الإطلاق؛ بل إذا لم يكن في المحل مفسدة جاز إبقاؤه ~~أيضا؛ إما لله وإما أن يتصدق به كما أفتى طائفة من العلماء على هذا الأصل: ~~أن الطعام المغشوش من الخبز والطبيخ والشواء كالخبز والطعام الذي لم ينضج ~~وكالطعام المغشوش وهو: الذي خلط بالرديء وأظهر المشتري أنه جيد ونحو ذلك: ~~يتصدق به على الفقراء؛ فإن ذلك من إتلافه (2). # وإذا كان عمر بن الخطاب قد أتلف اللبن الذي شيب للبيع: فلأن يجوز التصدق ~~بذلك بطريق الأولى؛ فإنه يحصل به عقوبة الغاش وزجره عن العود ويكون انتفاع ~~الفقراء بذلك أنفع من إتلافه (3) وعمر أتلفه لأنه كان يغني الناس بالعطاء؛ ~~فكان الفقراء عنده في المدينة إما قليلا وإما معدومين # ولهذا جوز طائفة من العلماء التصدق به وكرهوا إتلافه. ففي المدونة عن ~~مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض أدبا لصاحبه ~~(4) وكره ذلك مالك في رواية ابن PageV01P370 # القاسم؛ ورأى أن يتصدق به. وهل يتصدق باليسير؟ فيه ms197 قولان للعلماء. وقد ~~روى أشهب عن مالك منع العقوبات المالية وقال: لا يحل ذنب من الذنوب مال ~~إنسان وإن قتل نفسا (1)؛ لكن الأول أشهر عنه، وقد استحسن أن يتصدق باللبن ~~المغشوش؛ وفي ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه ونفع المساكين بإعطائهم إياه ~~ولا يهراق. قيل لمالك: فالزعفران والمسك أتراه مثله؟ قال: ما أشبهه بذلك ~~إذا كان هو غشه فهو كاللبن. قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف منه فأما ~~إذا كثر منه فلا أرى ذلك؛ وعلى صاحبه العقوبة؛ لأنه يذهب في ذلك أموال ~~عظام. يريد في الصدقة بكثيره (2). # قال بعض الشيوخ: وسواء على مذهب مالك كان ذلك يسيرا أو كثيرا؛ لأنه ساوى ~~في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره؛ وخالفه ابن القاسم؛ فلم ~~ير أن يتصدق من ذلك إلا بما PageV01P371 # كان يسيرا (1)؛ وذلك إذا كان هو الذي غشه وأما من وجد عنده من ذلك شيء ~~مغشوش لم يغشه هو؛ وإنما اشتراه أو وهب له أو ورثه: فلا خلاف في أنه لا ~~يتصدق بشيء من ذلك. # وممن أفتى بجواز إتلاف المغشوش (2) من الثياب ابن القطان قال في الملاحف ~~الرديئة النسج: تحرق بالنار. وأفتى ابن عتاب فيها بالتصدق؛ وقال: تقطع خرقا ~~وتعطى للمساكين إذا تقدم إلى مستعمليها فلم ينتهوا. وكذلك أفتى بإعطاء ~~الخبز المغشوش للمساكين؛ فأنكر عليه ابن القطان وقال: لا يحل هذا في مال ~~امرئ مسلم إلا بإذنه (3). قال القاضي أبو الأصبع: وهذا اضطراب في جوابه ~~وتناقض في قوله؛ لأن جوابه في الملاحف بإحراقها بالنار أشد من إعطاء هذا ~~الخبز للمساكين وابن عتاب أضبط في أصله في ذلك وأتبع لقوله (4). # وإذا لم ير ولي الأمر عقوبة الغاش بالصدقة أو الإتلاف فلا بد أن يمنع ~~وصول الضرر إلى الناس بذلك الغش إما بإزالة الغش؛ وإما ببيع المغشوش ممن ~~يعلم أنه مغشوش ولا يغشه على غيره (5). PageV01P372 # قال عبد الملك بن حبيب: قلت لمطرف وابن الماجشون لما نهينا عن التصدق ~~بالمغشوش لرواية أشهب: فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن؟ ~~قالا: ms198 يعاقب بالضرب والحبس والإخراج من السوق؛ وما كثر من الخبز واللبن أو ~~غش من المسك والزعفران فلا يفرق ولا ينهب. # قال عبد الملك بن حبيب: ولا يرده الإمام إليه وليؤمر ببيعه عليه من يأمن ~~أن يغش به وبكسر الخبز إذا كثر ويسلمه لصاحبه ويباع عليه العسل والسمن ~~واللبن الذي يغشه ممن يأكله ويبين له غشه هكذا العمل فيما غش من التجارات. ~~قال: وهو إيضاح من استوضحته ذلك من أصحاب مالك وغيرهم (1). PageV01P373 ### | الفصل السادس # [تغيير المنكر باليد] # (1) # وأما التغيير (باليد فجائز) فمثل ما روى أبو داود عن علقمة بن عبد الله ~~عن أبيه قال نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تكسر سكة المسلمين ~~الجائزة بينهم إلا من بأس. (2) PageV01P374 # فإذا كانت الدراهم أو الدنانير الجائزة فيها بأس كسرت، ومثل تغيير الصورة ~~المجسمة وغير المجسمة إذا لم تكن موطوءة؛ مثل ما روى أبو هريرة قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أتانى جبريل فقال إنى كنت أتيتك البارحة ~~فلم يمنعنى أن أكون دخلت عليك البيت الذى كنت فيه إلا أنه كان فى باب البيت ~~تمثال الرجال وكان فى البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان فى البيت كلب فمر ~~برأس التمثال الذى بالباب فليقطع فيصير كهيئة الشجرة ومر بالستر فليقطع ~~ويجعل منه وسادتين منتبذتين يوطآن ومر بالكلب فيخرج». ففعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وكان ذلك الكلب جروا للحسن أو الحسين تحت نضد له فأمر به ~~فأخرج. رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه (1). كل ما PageV01P375 # كان من العين أو التأليف المحرم فإزالته وتغييره متفق عليها بين المسلمين ~~مثل إراقة خمر المسلم؛ وتفكيك آلات الملاهي؛ وتغيير الصور المصورة؛ وإنما ~~تنازعوا في جواز إتلاف محلها تبعا للحال، والصواب جوازه كما دل عليه الكتاب ~~والسنة وإجماع السلف وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد وغيرهما. # والصواب أن كل مسكر من الطعام والشراب فهو حرام (1)، ويدخل في ذلك البتع ~~والمزر (2) والحشيشة القنبية (3) وغير ذلك (4). PageV01P376 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P377 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P378 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P379 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P380 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P381 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P382 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P383 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P384 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P385 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P386 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P387 # وأما التغريم: فمثل ما روى أبو داود وغيره من أهل السنن ms199 عن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه سئل عن الثمر المعلق فقال «من أصاب بفيه من ذى حاجة غير متخذ ~~خبنة فلا شىء عليه ومن خرج بشىء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق ~~منه شيئا بعد أن يئويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع» (1). ~~PageV01P388 # وفيمن سرق من الماشية قبل أن تؤوى إلى المراح: أن عليه جلدات نكال وغرمه ~~مرتين ... (1). PageV01P389 # وكذلك قضى عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة أنه يضعف غرمها (1) وبذلك ~~كله قال طائفة من العلماء؛ مثل أحمد وغيره، وأضعف عمر وغيره الغرم في ناقة ~~أعرابي أخذها مماليك جياع فأضعف الغرم على سيدهم ودرأ عنهم القطع (2). ~~PageV01P390 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P391 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P392 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P393 # وأضعف عثمان بن عفان في المسلم إذا قتل الذمي عمدا إنه يضعف عليه الدية؛ ~~لأن دية الذمي نصف دية المسلم وأخذ بذلك أحمد بن حنبل (1). PageV01P394 ### | الفصل السابع # الثواب والعقاب من جنس العمل # (1) # فالثواب والعقاب يكونان من جنس العمل في قدر الله وفي شرعه: فإن هذا من ~~العدل الذي تقوم به السماء والأرض؛ كما قال الله تعالى: {إن تبدوا خيرا أو ~~تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا} (149) سورة النساء، وقال ~~تعالى: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~والله غفور رحيم} (22) سورة النور. PageV01P395 # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من لا يرحم لا يرحم». (1) # وقال: «إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن» (2). # وقال: «إن الله جميل يحب الجمال .. » (3). PageV01P396 # وقال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا .. » (1). PageV01P397 # وقال: {إن الله نظيف يحب النظافة} (1). # ولهذا قطع يد السارق وشرع قطع يد المحارب ورجله؛ وشرع القصاص في الدماء ~~والأموال والأبشار، فإذا أمكن أن تكون العقوبة من جنس المعصية كان ذلك هو ~~المشروع بحسب الإمكان مثل ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شاهد ~~الزور إنه أمر بإركابه ms200 دابة مقلوبا وتسويد وجهه (2)؛ فإنه لما قلب الحديث ~~قلب وجهه ولما سود وجهه بالكذب سود وجهه. وهذا قد ذكره في تعزير شاهد الزور ~~طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم. # ولهذا قال الله تعالى: {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل ~~سبيلا} (72) سورة الإسراء. # وقال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة ~~أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) [طه/124 - 126]}. وفي الحديث: «يحشر ~~المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر فى صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان ~~فيساقون إلى سجن فى جهنم يسمى بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل ~~النار طينة الخبال» (3). PageV01P398 # فإنهم لما أذلوا عباد الله أذلهم الله لعباده، كما أن من تواضع لله رفعه ~~الله (1)؛ فجعل العباد متواضعين له. # والله تعالى يصلحنا وسائر إخواننا المؤمنين ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من ~~القول والعمل وسائر إخواننا المؤمنين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. PageV01P399 ### | المصادر والمراجع # 1. القرآن الكريم # 2. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي # 3. برنامج قالون # 4. تفسير ابن أبي حاتم # 5. تفسير ابن كثير # 6. تفسير الطبري # 7. في ظلال القرآن # 8. أحكام القرآن لابن العربي # 9. أحكام القرآن للجصاص # 10. أحكام القرآن للشافعي # 11. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم # 12. الدرر السنية كاملة # 13. أخبار مكة للأزرقي # 14. الأحاديث المختارة للضياء # 15. السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي # 16. المستدرك على الصحيحين للحاكم # 17. المعجم الأوسط للطبراني # 18. المعجم الكبير للطبراني # 19. المنتقى من السنن المسندة لابن الجارود # 20. بلوغ المرام من أدلة الأحكام # 21. بيان مشكل الآثار الطحاوى # 22. تفسير ابن أبي حاتم # 23. تهذيب الآثار للطبري # 24. جامع الأحاديث # 25. دلائل النبوة للبيهقي # 26. سنن أبى داود # 27. سنن ابن ماجه # PageV01P400 # 28. سنن الترمذى # 29. سنن الدارقطنى # 30. سنن الدارمى # 31. سنن النسائى # 32. شرح معاني الآثار # 33. شعب الإيمان للبيهقي # 34. صحيح ابن حبان # 35. صحيح البخارى # 36. صحيح مسلم # 37. مجمع الزوائد # 38. مسند أبي عوانة مشكلا # 39. مسند أبي يعلى الموصلي # 40. مسند أحمد # 41. مسند البزار 1 - 10 # 42. مسند الشاميين للطبراني # 43. مصنف ابن أبي شيبة مرقم ms201 ومشكل # 44. مصنف عبد الرزاق مشكل # 45. موسوعة السنة النبوية # 46. موطأ مالك # 47. الأربعين العشارية # 48. البدع لابن وضاح # 49. الدعاء للطبراني # 50. السنة لأبي بكر بن الخلال # 51. الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي # 52. الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي # 53. المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي # 54. المطالب العالية للحافظ ابن حجر العسقلاني # 55. تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي # 56. فضائل الخلفاء الراشدين لأبي نعيم الأصبهاني # PageV01P401 # 57. فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل # 58. فضائل الصحابة للدارقطني # 59. فضيلة العادلين لأبي نعيم الأصبهاني # 60. مكارم الأخلاق للخرائطي # 61. إحياء علوم الدين ومعه تخريج الحافظ العراقي # 62. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل # 63. التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير # 64. المقاصد الحسنة للسخاوي # 65. كشف الخفاء # 66. كنز العمال # 67. نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية # 68. آداب الزفاف # 69. إرواء الغليل # 70. السلسلة الصحيحة # 71. السلسلة الضعيفة # 72. صحيح أبي داود # 73. صحيح ابن ماجة # 74. صحيح الترغيب والترهيب # 75. صحيح الترمذي # 76. صحيح وضعيف الجامع الصغير # 77. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام # 78. التحفة الربانية شرح الأربعين النووية # 79. التمهيد لابن عبد البر # 80. المنتقى - شرح الموطأ # 81. بلوغ المرام من أدلة الأحكام # 82. تيسير العلام شرح عمدة الحكام- للبسام # 83. جامع العلوم والحكم # 84. حاشية ابن القيم على سنن أبي داود # 85. حاشية السندي على ابن ماجه # PageV01P402 # 86. حاشية السندي على النسائي # 87. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين # 88. شرح ابن بطال # 89. شرح الأربعين النووية # 90. شرح الزرقاني على موطأ مالك # 91. شرح النووي على مسلم # 92. شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم # 93. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين # 94. شرح سنن ابن ماجه # 95. شرح سنن النسائي # 96. شرح سنن النسائي # 97. عمدة القاري شرح صحيح البخاري # 98. عون المعبود # 99. فتح الباري لابن حجر # 100. فيض القدير # 101. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح # 102. موطأ محمد بشرح اللكنوي # 103. الحاوي للفتاوي للسيوطي # 104. الدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية # 105. الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي # 106. الفتاوى الفقهية الكبرى # 107. الفتاوى الهندية # 108. الفقه الإسلامي وأدلته # 109. الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة # 110. فتاوى إسلامية # 111. فتاوى الأزهر # 112. فتاوى الإسلام سؤال وجواب # 113. فتاوى الرملي # 114. فتاوى الزحيلي # PageV01P403 # 115. فتاوى السبكي # 116. فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة # 117. فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء # 118. فتاوى من موقع الإسلام اليوم # 119. فتاوى نور على الدرب # 120. فتاوى واستشارات ms202 الإسلام اليوم # 121. فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ # 122. فتاوى يسألونك # 123. لقاءات الباب المفتوح # 124. مجموع فتاوى ابن باز # 125. مجموع فتاوى ابن تيمية # 126. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام # 127. التشريع الجنائي في الإسلام # 128. الحوافز التجارية التسويقية وأحكامها في الفقه الإسلامي # 129. الروضة الندية # 130. السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار - الرقمية # 131. الفقه على المذاهب الأربعة # 132. المحلى [مشكول وبالحواشي] # 133. سبل السلام # 134. شرح النيل وشفاء العليل - إباضية # 135. طرح التثريب # 136. فتاوى السبكي # 137. فقه السنة # 138. مجلة المنار # 139. موسوعة الأسرة المسلمة معدلة # 140. موسوعة الفقه الإسلامي # 141. نيل الأوطار # 142. يسألونك فتاوى # 143. الأشباه والنظائر - حنفي # PageV01P404 # 144. البحر الرائق شرح كنز الدقائق # 145. المبسوط # 146. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع # 147. تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق # 148. حاشية رد المحتار # 149. درر الحكام شرح غرر الأحكام # 150. فتح القدير # 151. التاج والإكليل لمختصر خليل # 152. الذخيرة في الفقه المالكي للقرافي # 153. الشرح الكبير للشيخ الدردير # 154. الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني # 155. المدونة # 156. بداية المجتهد ونهاية المقتصد # 157. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير # 158. حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني # 159. رسالة القيرواني # 160. منح الجليل شرح مختصر خليل # 161. مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل # 162. أسنى المطالب # 163. الأم للشافعي مشكل # 164. الحاوي في فقه الشافعي - الماوردي # 165. المجموع شرح المهذب # 166. تحفة المحتاج في شرح المنهاج # 167. حاشية البجيرمي على الخطيب # 168. حاشية البجيرمي على المنهج # 169. روضة الطالبين وعمدة المفتين # 170. شرح البهجة الوردية # 171. مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج # 172. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج # PageV01P405 # 173. الإقناع # 174. الروض المربع # 175. الشرح الكبير لابن قدامة # 176. الشرح الممتع على زاد المستقنع # 177. الفروع لابن مفلح # 178. المغني لابن قدامة # 179. شرح زاد المستقنع # 180. شرح منتهى الإرادات # 181. كشاف القناع عن متن الإقناع # 182. مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى # 183. منار السبيل شرح الدليل # 184. (08) الضوابط الشرعية 0 الوشلي # 185. أصول السرخسي # 186. أنوار البروق في أنواع الفروق # 187. إرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول # 188. إعلام الموقعين عن رب العالمين # 189. الأحكام لابن حزم # 190. الأشباه والنظائر # 191. الإحكام في أصول الأحكام # 192. الإحكام في أصول الأحكام للآمدي # 193. البحر المحيط # 194. البرهان في أصول الفقه - الرقمية # 195. التقرير والتحبير # 196. الفروق # 197. الفصول في الأصول # 198. المدخل إلى مذهب الإمام ms203 أحمد - الرقمية # 199. المستصفى # 200. الموافقات في أصول الشريعة # 201. تهذيب الفروق والقواعد السنية فى الأسرار الفقهية # PageV01P406 # 202. حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع # 203. حجة الله البالغة # 204. شرح الكوكب المنير # 205. قواعد الأحكام في مصالح الأنام # 206. كتاب الاعتصام # 207. كتب وليد بن راشد السعيدان # 208. من أصول الفقه على منهج أهل الحديث - الرقمية # 209. آفات على الطريق كامل # 210. أدب الدنيا والدين # 211. إحياء علوم الدين # 212. الآداب الشرعية # 213. الأذكار للنووي # 214. الزواجر عن اقتراف الكبائر # 215. الكبائر # 216. بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية # 217. حلية الأولياء # 218. رياض الصالحين # 219. مدارج السالكين # 220. موسوعة خطب المنبر # 221. الأحكام السلطانية # 222. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة # 223. الاقتصاد الإسلامي # 224. الحسبة لابن تيمية # 225. الخراج لأبي يوسف # 226. السياسة الشرعية # 227. الطرق الحكمية # 228. بدائع السلك في طبائع الملك # 229. تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام # 230. تهذيب الرياسة وترتيب السياسة # PageV01P407 # 231. درر الحكام في شرح مجلة الأحكام # 232. شرح السير الكبير # 233. شرح كتاب الحسبة لشيخ الإسلام ابن تيمية # 234. غياث الأمم في التياث الظلم # 235. مطالع التمام ونصائح الأنام # 236. معالم القربة في طلب الحسبة # 237. معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام # 238. نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة # 239. أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره # 240. سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد # 241. سيرة ابن هشام # 242. الإصابة في معرفة الصحابة # 243. الطبقات الكبرى لابن سعد # 244. الكامل لابن عدي # 245. تاريخ دمشق # 246. تعجيل المنفعة # 247. تقريب التهذيب # 248. تهذيب التهذيب # 249. تهذيب الكمال للمزي # 250. ثقات ابن حبان # 251. سير أعلام النبلاء # 252. ضعفاء العقيلي # 253. كنى البخاري # 254. لسان الميزان # 255. معرفة الثقات # 256. ميزان الاعتدال # 257. البداية والنهاية لابن كثير مدقق # 258. المنتظم # 259. تاريخ الإسلام للذهبي # PageV01P408 # 260. تاريخ الرسل والملوك # 261. تاريخ المدينة # 262. تاريخ بغداد # 263. مقدمة ابن خلدون # 264. المعجم الوسيط # 265. النهاية في غريب الأثر # 266. تاج العروس # 267. لسان العرب # 268. أدب الاختلاف في الاسلام # 269. موسوعة كتب ابن القيم PageV01P409 ms204