######OpenITI# #META# bkid: 20587 #META# bk: الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: شرح حديث جبريل - عليه السلام - في الإسلام والإيمان والإحسان المعروف باسم كتاب «الإيمان الأوسط» #META# المؤلف: أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية #META# دراسة وتحقيق: الدكتور علي بن بخيت الزهراني #META# أصل الكتاب: أطروحة دكتوراه - قسم الدراسات العليا الشرعية فرع العقيدة بجامعة أم القرى #META# الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية #META# عام النشر: 1423 ه #META# عدد الصفحات: 670 #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: ابن تيمية #META# authinf: ابن تيمية (661 - 728 ه = 1263 - 1328 م). أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن عبد الله بن أبي القاسم الخضر النميري الحراني الدمشقي الحنبلي، أبو العباس، تقي الدين ابن تيمية. • الإمام، شيخ الإسلام. ولد في حران وتحول به أبوه إلى دمشق فنبغ واشتهر. • وطلب إلى مصر من أجل فتوى أفتى بها، فقصدها، فتعصب عليه جماعة من أهلها فسجن مدة، ونقل إلى الإسكندرية. • ثم أطلق فسافر إلى دمشق سنة 712 ه واعتقل بها سنة 720 وأطلق. • ثم أعيد، ومات معتقلا بقلعة دمشق، فخرجت دمشق كلها في جنازته. • كان كثير البحث في فنون الحكمة، داعية إصلاح في الدين. آية في التفسير والأصول، فصيح اللسان، قلمه ولسانه متقاربان. • وفي الدرر الكامنة أنه ناظر العلماء واستدل وبرع في العلم والتفسير وأفتى ودرس وهو دون العشرين. أما تصانيفه ففي الدرر أنها ربما تزيد على أربعة آلاف كراسة، وفي فوات الوفيات أنها تبلغ ثلاث مئة مجلد، منها. • (الجوامع - ط) في السياسة الإلهية والآيات النبوية، ويسمى (السياسة الشرعية). • (الفتاوى - ط) خمس مجلدات. • (الإيمان - ط). • (الجمع بين النقل والعقل - خ) الجزء الرابع منه، والثالث في 267 ورقة كتب سنة 737 في شستربتي (3510). • (منهاج السنة - ط). • (الفرقان بين أولياء الله وأولياء الشيطان - ط). • (الواسطة بين الحق والخلق - ط). • (الصارم المسلول على شاتم الرسول - ط). • (مجموع رسائل - ط) فيه 29 رسالة. • (نظرية العقد - ط) كما سماه ناشره، واسمه في الأصل (قاعدة) في العقود. • (تلخيص كتاب الاستغاثة - ط) يعرف بالرد على البكري. • (الرد على الأخنائي - ط). • (رفع الملام عن الأئمة الأعلام - ط) رسالة. • (شرح العقيدة الأصفهانية - خ) رأيته في المكتبة السعودية بالرياض [طبع]. • (القواعد النورانية الفقهية - ط). • (مجموعة الرسائل والمسائل - ط) خمسة أجزاء. • (التوسل والوسيلة - ط). • (نقض المنطق - ط). • (الفتاوي - خ). • (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية - خ) [طبع]. • (مجموعة - ط) أخرى اشتملت على أربع رسائل:. الأولى رأس الحسين (حقق فيها أن رأس الحسين حمل إلى المدينة ودفن في البقيع). والثانية الرد علي ابن عربي والصوفية. والثالثة العقود المحرمة. والرابعة قتال الكفار. ولابن قدامة كتاب في سيرته سماه (العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - ط). وللشيخ مرعي الحنبلي، كتاب (الكواكب الدرية - ط) في مناقبه، ومثله لسراج الدين عمر بن علي ابن موسى البزار، وللشهاب أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري (1). __________. (1) فوات الوفيات 1: 35 - 45 والمنهج الأحمد - خ - والدرر الكامنة 1: 144 والبداية والنهاية 14: 135 وابن الوردي 2: 284 وآداب اللغة 3: 243 والنجوم الزاهرة 9: 271 ودائرة المعارف الإسلامية 1: 109 والتبيان - خ. وتعليق على مخطوطة من (شرح العقيدة الأصفهانية) بخط محمود شكري الآلوسي. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [مع إضافات بين معقوفين] #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 20587 #META# over: 1 #META# seal: F4E31971 #META# oauth: 54 #META# bver: 1 #META# pdf: None #META# oauthver: 7 #META# vername: None #META# cat: العقيدة #META# lng: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي #META# higrid: 728 #META# ad: 728 #META# aseal: BB12A600 #META# blnk: None #META# pdfcs: None #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/20587 #META#Header#End# ### | AUTO [مقدمة الكتاب] # بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله وعليه توكلت. # الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستعيذه ونستهديه ونسترشده، ونعوذ بالله من ~~شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي ~~له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، ~~ففتح به أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا، فبصر به من العمى، وأرشد به ~~من الغي، وأنقذ به من الضلالة، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا ~~(¬1) [قال الشيخ العالم العامل الورع الناسك شيخ الإسلام بقية السلف الكرام ~~أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الشامي -رحمه الله-] (¬2). PageV01P289 ### | AUTO فصل # يتضمن الحديث (¬1) سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام ~~والإيمان والإحسان وجوابه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وقوله في آخر ~~الحديث: "هذا جبريل جاءكم (¬2) يعلمكم دينكم" (¬3). # فجعل هذا كله من الدين، وللناس في الإسلام والإيمان من الكلام الكثير ~~-مختلفين تارة ومتفقين أخرى- (¬4) ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ~~ذلك (¬5). # وهذا يكون بأن نبين الأصول المعلومة المتفق عليها ثم بذلك يتوصل إلى ~~معرفة الحقيقة المتنازع فيها فنقول: PageV01P290 ### | AUTO [أصناف الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -] # ما علم بالكتاب (¬1) والسنة والإجماع، وهو المنقول نقلا متواترا عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، بل هو من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام دين ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الناس كانوا على عهده بالمدينة ثلاثة أصناف: # مؤمن. # وكافر مظهر للكفر. # ومنافق ظاهره الإسلام وهو في الباطن كافر (¬2). # ولهذا التقسيم أنزل الله تعالى في أول سورة البقرة ذكر الأصناف الثلاثة، ~~فأنزل أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية ~~في صفة المنافقين. # فقوله تعالى: {هدى للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون (3) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة ~~هم يوقنون (4) أولئك على هدى ms001 من ربهم وأولئك هم المفلحون (5)} [البقرة: 2 - ~~5] في صفة المؤمنين. # وقوله تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون (6)} [البقرة: 6، 7] الآيتين في صفة الكافرين (¬3) الذين يموتون كفارا. # وقوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين (8). .} [البقرة: 8 - 16] الآيات في صفة المنافقين إلى أن ضرب ~~[الله] (¬4) لهم مثلين أحدهما بالنار والآخر بالماء (¬5) كما ضرب المثل PageV01P291 # بهذين للمؤمنين في قوله: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها. .} ~~[الرعد: 17] الآية. # وأما قبل الهجرة فلم يكن الناس إلا مؤمن أو كافر، فلم يكن هناك منافق، ~~فإن المسلمين كانوا مستضعفين، فكان من آمن آمن باطنا وظاهرا، ومن لم يؤمن ~~فهو كافر. # فلما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وصار للمؤمنين بها ~~عز وأنصار، ودخل جمهور أهلها في الإسلام طوعا واختيارا، كان بينهم من ~~أقاربهم ومن غير أقاربهم، من أظهر الإسلام موافقة رهبة أو رغبة، وهو في ~~الباطن كافر، وكان على (¬1) رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وقد نزل ~~فيه وفي أمثاله من المنافقين آيات. # والقرآن يذكر المؤمنين والمنافقين في غير موضع، كما ذكرهم في سورة ~~البقرة، وآل عمران، والنساء، وسورة العنكبوت، والأحزاب. ### | AUTO [ما أنزل الله -عز وجل- في المنافقين] # وكان هؤلاء في أهل المدينة والبادية كما قال تعالى: {وممن حولكم من ~~الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} ~~[التوبة: 101] وكان في المنافقين من هو في الأصل من المشركين، وفيهم من هو ~~في الأصل من أهل الكتاب، وسورة الفتح، والقتال، والحديث، والمجادلة، ~~والحشر، والمنافقين، بل عامة السور المدنية يذكر (¬2) فيها المنافقين. # قال تعالى في سورة آل عمران: {ياأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ~~وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا ~~وما قتلوا} إلى قوله: {وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل ~~الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم ~~للإيمان PageV01P292 # يقولون بأفواههم ما ms002 ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167)} [آل ~~عمران: 156 - 167] الآيات. # وقال تعالى فيها أيضا: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا ودوا ماعنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ~~قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (118) هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ~~وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل ~~من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور (119) إن تمسسكم حسنة ~~تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن ~~الله بما يعملون محيط} [آل عمران: 118 - 120]. # وقال تعالى في سورة النساء: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن ~~يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا ~~إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61)} إلى ~~قوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65)} [النساء: 60 - 65]. # وقال تعالى: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون ~~أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) ودوا لو تكفرون ~~كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ~~فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ~~(89) إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 88 - 90] ~~الآيات. # وقال تعالى: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138) الذين يتخذون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا ~~(139)} إلى قوله: {الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم ~~نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من ~~المؤمنين فالله يحكم بينكم} إلى قوله: {إن المنافقين يخادعون الله وهو ~~خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون ms003 الله ~~إلا قليلا (142) مذبذبين بين ذلك PageV01P293 # لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (143)} إلى ~~قوله: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين ~~وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146)} [النساء: 138 - 146]. # وقال تعالى في سورة المائدة: {ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا ~~سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} [المائدة: 41]. # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) ~~فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى ~~الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ~~(52) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ~~حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53)} [المائدة: 51 - 53]. # وقال تعالى: {وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ~~والله أعلم بما كانوا يكتمون (61) وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم ~~والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون (62)} [المائدة: 61، 62]. # وقال تعالى: {قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} إلى قوله: ~~{ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل ~~إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81)} [المائدة: 77 - 81]. # وأما سورة براءة فأكثرها في وصف المنافقين وذمهم، ولهذا سميت الفاضحة ~~(¬1) PageV01P294 # والمبعثرة (¬1). وهي نزلت عام تبوك (¬2) وكانت تبوك سنة تسع من الهجرة ~~(¬3)، وكانت غزوة تبوك آخر مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - التي غزاها ~~بنفسه (¬4)، وتميز فيها من المنافقين من تميز، فذكر الله تعالى من صفاتهم ~~ما ذكره في هذه السورة. PageV01P295 # وقد ms004 قال تعالى في سورة النور: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم ~~يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (47)} إلى قوله تعالى: ~~{إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51)} [النور: 47 - 51] الآيات. # وقال تعالى في سورة العنكبوت: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي ~~في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا ~~معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين (10) وليعلمن الله الذين آمنوا ~~وليعلمن المنافقين (11)} [العنكبوت: 10، 11]. # وقال تعالى في سورة الأحزاب: {ياأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين إن الله كان عليما حكيما} [الأحزاب: 1]، وذكر فيها (¬1) شأنهم ~~في الأحزاب، وذكر من أقوال المنافقين وجبنهم وهلعهم كما قال تعالى: {وإذ ~~يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (12)} ~~إلى قوله: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا ~~يأتون البأس إلا قليلا (18) أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ~~تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ~~أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله ~~يسيرا (19) يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون ~~في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20)} ~~[الأحزاب: 12 - 20]. # وقال تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ملعونين أينما ~~ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (61)} إلى قوله: {ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} ~~[الأحزاب: 60 - 73]. # وقال تعالى في سورة القتال: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن PageV01P296 # يخرج الله أضغانهم (29) ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم ~~في لحن القول} [محمد: 29، 30] إلى ما في السورة من نحو ذلك. # وقال تعالى في سورة الفتح: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ms005 ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما ~~حكيما (4) ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) ويعذب المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء ~~وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6)} [الفتح: 4 - 6]. # وقال تعالى في سورة الحديد: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك ~~هو الفوز العظيم (12) يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا ~~نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب ~~باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب (13) ينادونهم ألم نكن معكم قالوا ~~بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ~~وغركم بالله الغرور (14) فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا} ~~[الحديد: 12 - 15]. # وقال تعالى في سورة المجادلة: {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم ~~يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاءوك ~~حيوك بما لم يحيك به الله} إلى قوله: {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب ~~الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعد ~~الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون (15) اتخذوا أيمانهم جنة ~~فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (16)} [المجادلة: 14 - 16] إلى آخر ~~السورة وقوله: {ما هم منكم ولا منهم} كقوله: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ~~ولا إلى هؤلاء} [النساء: 143]. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة ~~(¬1) بين الغنمين تعير PageV01P297 # إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" (¬1). # وقال تعالى في سورة الحشر (¬2): {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون ~~لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم ~~أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون (11) لئن أخرجوا لا ~~يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ~~ينصرون (12) لأنتم أشد رهبة ms006 في صدورهم من الله} [الحشر: 11 - 13]. # وقد ذكر في سورة المنافقين قوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد ~~إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ~~(1)} [المنافقون: 1] إلى آخر السورة. # والمقصود بيان كثرة ما في القرآن من ذكر المنافقين وأوصافهم. # والمنافقون هم في الظاهر مسلمون. # وقد كان المنافقون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلتزمون ~~أحكام الإسلام الظاهرة، لا سيما في آخر الأمر [ما] (¬3) لم يلتزمه كثير من ~~المنافقين الذين من بعدهم لعز الإسلام وظهوره إذ ذاك بالحجة والسيف تحقيقا ~~لقوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} ~~[التوبة: 33، الصف: 9]. # ولهذا قال حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -، وكان من أعلم [الصحابة] ~~(¬4) بصفات المنافقين وأعيانهم، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أسر ~~إليه عام تبوك أسماء جماعة من المنافقين بأعيانهم (¬5)، فلهذا كان يقال هو ~~صاحب السر الذي لا PageV01P298 # يعلمه غيره (1). # ويروى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم يكن يصلي على أحد حتى يصلي ~~عليه حذيفة لئلا يكون من المنافقين الذين نهى [الله] (¬2) عن الصلاة عليهم ~~(¬3). PageV01P299 # قال حذيفة - رضي الله عنه -: "النفاق اليوم أكثر منه على عهد رسول الله" ~~وفي روية: "كانوا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يسرونه، واليوم ~~يظهرونه" (¬1). # وذكر البخاري في صحيحه عن ابن أبي مليكة (¬2) قال: "أدركت ثلاثين من ~~أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كل منهم يخاف النفاق على نفسه" (¬3). PageV01P300 # وقد أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يصلون ويزكون، وأنه لا يقبل ذلك ~~منهم فقال (¬1) تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا ~~إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142)} ~~[النساء: 142]. # وقال تعالى: {قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما ~~فاسقين (53) وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ~~ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54)} [التوبة: ~~53، 54]. # فقد (¬2) كانوا يشهدون مع النبي - صلى الله عليه ms007 وسلم - مغازيه، كما شهد ~~عبد الله بن أبي بن سلول وغيره من المنافقين الغزوة التى قال فيها ابن أبي: ~~{لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] وأخبر ~~بذلك زيد بن أرقم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذبه قوم حتى أنزل الله ~~القرآن بتصديقه (¬3). PageV01P301 # والمقصود أن الناس ينقسمون في الحقيقة إلى مؤمن، ومنافق كافر في الباطن ~~مع كونه مسلما في الظاهر، وإلى كافر باطنا وظاهرا. # ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ الزنديق (¬1)، وشاعت في لسان ~~الفقهاء، وتكلم الناس في الزنديق هل تقل توبته في الظاهر، إذا عرف بالزندقة ~~ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته؟ . # فمذهب مالك، وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو ~~أحد القولين في مذهب أبي حنيفة أن توبته لا تقبل. # والمشهور من مذهب الشافعي قبولها، كالرواية الأخرى عن أحمد، وهو القول ~~الآخر في مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فضل (¬2). PageV01P302 # والمقصود هنا أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء هو المنافق الذي كان على ~~عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1) وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره ~~سواء أبطن دينا من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم أو كان معطلا ~~جاحدا للصانع والمعاد والأعمال الصالحة. ### | AUTO [المراد بالزنديق عند الفقهاء] # ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمى الزنديق في ~~اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة ونقلة مقالات الناس. # ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول، لأن مقصودهم هو ~~التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك [أو] ~~(¬2) أسره، وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين وإن تفاوتت ~~درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر، كما أخبر بزيادة ~~الإيمان بقوله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] أو (¬3) ~~تارك الصلاة وغيرها من الأركان أو مرتكبي PageV01P303 # الكبائر كما أخبر بزيادة عذاب [بعض] (¬1) الكفار على بعض في الآخرة بقوله ~~تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب} [النحل: 88]. # فهذا أصل ينبغي معرفته فإنه مهم ms008 في هذا الباب، فإن كثيرا ممن تكلم في ~~مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا ~~بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص ~~المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام (¬2)، ~~ومن تدبر هذا علم أن كثيرا من أهل الأهواء والبدع، قد يكون مؤمنا مخطئا ~~جاهلا ضالا عن بعض ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد يكون ~~منافقا زنديقا يظهر خلاف ما يبطن. # و[هنا] (¬3) أصل آخر، وهو أنه جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام ~~دون الإيمان فقال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من ~~أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (14)} [الحجرات: 14]. # وقال تعالى في قصة لوط: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين} [الذاريات: 35، 36]. # وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية تقتضي أن مسمى الإسلام والإيمان (¬4) ~~واحد، وعارضوا بين الآيتين، وليس كذلك، بل هذه الآية توافق الآية الأولى، ~~لأن الله تعالى أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمنا وأنه لم يجد إلا أهل بيت ~~من المسلمين، وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، ولم تكن من ~~المخرجين الذين نجوا، بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب. PageV01P304 ### | AUTO [خيانة امرأة لوط عليه السلام في الدين لا في الفراش] # وكانت في الظاهر مع زوجها على دينه، وفي الباطن مع قومها على دينهم خائنة ~~لزوجها، تدل قومها على أضيافه كما قال تعالى فيها: {ضرب الله مثلا للذين ~~كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما} ~~[التحريم: 10]. # وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش، فإنه ما بغت امرأة نبي قط، ~~إذ نكاح الكافرة قد يجوز في بعض الشرائع، ويجوز في شريعتنا نكاح بعض ~~الأنواع، وهن الكتابيات (¬1). # وأما نكاح البغي فهو دياثة، وقد صان الله النبي عن أن يكون ديوثا، ولهذا ~~كان ms009 الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغي حتى تتوب (¬2). # والمقصود أن امرأة لوط لم تكن مؤمنة، ولم تكن من الناجين المخرجين، فلم ~~تدخل في قوله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35)} وكانت من أهل ~~البيت المسلمين، وممن وجد فيه، ولهذا قال تعالى: {فما وجدنا فيها غير بيت ~~من المسلمين (36)}. PageV01P305 # وبهذا تظهر حكمة القرآن حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج، وذكر الإسلام ~~لما أخبر بالوجود. # وأيضا فقد قال تعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} ~~[الأحزاب: 35]. وفرق (¬1) بين هذا وهذا، فهذه [ثلاثة] (¬2) مواضع في القرآن (¬3). # وأيضا فقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: (أعطى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجالا ولم يعط رجلا (¬4)، فقلت: يا رسول ~~الله، أعطيت فلانا وتركت فلانا وهو مؤمن، فقال: أو مسلم، قال: ثم غلبني ما ~~أجد فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا وتركت فلانا وهو مؤمن، PageV01P306 # فقال: أو مسلم، مرتين أو ثلاثا. وذكر في تمام الحديث أنه يعطي رجالا ويدع ~~من هو أحب إليه [منهم] (¬1) خشية أن يكبهم الله في النار على مناخرهم) (¬2) ~~قال الزهري: "فكانوا يرون أن الإسلام الكلمة والإيمان العلم" (¬3). # فأجاب سعدا بجوابين: # أحدهما: أن هذا الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلما لا مؤمنا (¬4). # الثاني: إن كان مؤمنا وهو أفضل من أولئك، فأنا قد أعطي من هو أضعف إيمانا ~~لئلا بحمله الحرمان على الردة، فيكبه الله في النار على وجهه، وهذا من ~~إعطاء المؤلفة قلوبهم (¬5). # وحينئذ فهؤلاء الذين أثبت لهم القرآن والسنة الإسلام دون الإيمان، PageV01P307 # هل هم المنافقون الكفار في الباطن؟ أم يدخل فيهم قوم فيهم بعض الإيمان؟ . # فقالت طائفة من أهل الحديث (¬1) والكلام وغيرهم: بل هم المنافقون الذين ~~استسلموا وانقادوا في الظاهر، ولم يدخل إلى قلوبهم شيء من الإيمان، وأصحاب ~~هذا القول قد يقولون: الإسلام المقبول هو الإيمان، ولكن هؤلاء أسلموا ظاهرا ~~لا باطنا، فلم يكونوا مسلمين في الباطن، فلا يكونوا مؤمنين (¬2)، وقالوا إن ~~الله يقول: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ms010 منه} [آل عمران: 85]، ~~بيانه كل مسلم مؤمن، فما ليس من الإسلام فليس [مقبولا] (¬3) يوجب أن يكون ~~الإيمان منه، وهؤلاء يقولون كل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن إذا كان مسلما في ~~الباطن. # وأما الكافر المنافق في الباطن، فإنه خارج عن المؤمنين المستحقين للثواب ~~باتفاق المسلمين. # ولا يسمون بمؤمنين عند أحد من سلف الأمة وأئمتها، ولا عند أحد من طوائف ~~المسلمين، إلا عند طائفة من المرجئة وهم الكرامية (¬4)، الذين PageV01P308 # قالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق في الظاهر، فإذا فعل ذلك كان مؤمنا، ~~وإن كان مكذبا في الباطن، وسلموا أنه معذب مخلد في الآخرة، فنازعوا في اسمه ~~لا في حكمه (¬1). # ومن الناس من يحكي عنهم أنهم جعلوهم من أهل الجنة، وهو غلط عليهم (¬2)، ~~ومع هذا فتسميتهم له مؤمنا بدعة ابتدعوها مخالفة [للكتاب] (¬3) والسنة ~~وإجماع سلف الأمة. # وهذه البدعة الشنعاء هي التي انفردت (¬4) بها الكرامية دون سائر ~~مقالاتهم. PageV01P309 # و (¬1) قال الجمهور من السلف والخلف (¬2): بل هؤلاء الذين وصفوا بالإسلام ~~دون الإيمان، قد لا يكونون كفارا في الباطن، بل معهم بعض الإسلام المقبول، ~~وهؤلاء يقولون: الإسلام أوسع من الإيمان، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم ~~مؤمنا، ويقولون في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين ~~يشربها وهو مؤمن" (¬3) أنه يخرج من الإيمان إلى PageV01P310 # الإسلام، ودوروا [للإسلام] (¬1) دارة، ودوروا [للإيمان] (¬2) دارة أصغر ~~منها في جوفها، وقالوا: إذا زنا خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من ~~الإسلام إلى الكفر، ودليل ذلك أن الله تعالى قال: {قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ~~ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (14) إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون (15) قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16) يمنون عليك أن ms011 أسلموا قل لا ~~تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ~~(17)} [الحجرات: 14 - 17] فقد قال تعالى: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ~~ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}. # وهذا [الحرف] (¬3) [أي لما] (¬4) ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده (¬5) ~~ولم يوجد بعد، فنقول (¬6) لمن ينتظر غائبا، وتقول (¬7) قد جاء، لما يجيء ~~بعد، فلما قالوا: آمنا قيل: لم تؤمنوا بعد، بل الإيمان مرجو منتظر منهم، ثم ~~قال تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم}: أي لا ينقصكم من PageV01P311 # أعمالكم المثبتة شيئا، أي في هذه الحال، فإنه لو أراد (¬1) طاعة الله ~~ورسوله بعد دخول الإيمان في قلوبهم، لم يكن في ذلك فائدة لهم ولا لغيرهم، ~~إذ كان من المعلوم أن المؤمنين يثابون على طاعة الله ورسوله، وهم كانوا ~~مقرين به فإذا قيل لهم: المطيع (¬2) يثاب والمراد به المؤمن الذين يعرف أنه ~~مؤمن لم تكن (¬3) فيه فائدة جديدة. # وأيضا فالخطاب لهؤلاء المخاطبين قد أخبر عنهم لما يدخل الإيمان (¬4) في ~~قلوبهم، وقيل لهم: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا} فلو ~~لم يكونوا في هذه الحال [مثابين] (¬5) على طاعة الله ورسوله، لكان خلاف ~~مدلول الخطاب، وبين (¬6) ذلك أنه وصف المؤمنين الذين أخرج هؤلاء منهم فقال: ~~{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15)} وهذا نعت المحقق للإيمان ~~(¬7)، لا نعت من معه مثقال ذرة من إيمان، كما في قوله تعالى: {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~(3)} [الأنفال: 2 - 3]. # وقوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه ~~على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين ~~يؤمنون بالله ورسوله} [النور: 62]. # ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. . ~~" وأمثال ذلك. # فدل البيان (¬8) على أن الإيمان المنفي عن هؤلاء الأعراب هو هذا PageV01P312 # الإيمان ms012 الذي نفي عن فساق أهل القبلة الذين لا يخلدون في النار، بل قد ~~يكون مع أحدهم مثقال ذرة من إيمان، ونفي هذا الإيمان لا يقتضي ثبوت الكفر ~~الذي يخلد صاحبه في النار (¬1). ### | AUTO [تحقيق المقام في الوصف بالإسلام] # و ### | AUTO [أول خلاف ظهر في الإسلام] # وبتحقيق (¬2) هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ونعلم (¬3) أن في ~~المسلمين قسما ليس هو منافقا محضا في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من ~~المؤمنين الذين قيل فيهم: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15)} ~~ولا من الذين قيل فيهم: {أولئك هم المؤمنون حقا} فلا هم منافقون، ولا هم من ~~هؤلاء الصادقين المؤمنين حقا، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل له ~~طاعات ومعاص، وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا [يخلد] (¬4) معه في ~~النار، وله من الكبائر ما يستوجب وروده (¬5) دخول النار، وهذا القسم قد ~~(¬6) يسميه بعض الناس الفاسق الملي، وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحكمه، ~~والخلاف فيه أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين (¬7). PageV01P313 # فنقول: فصل (¬1) ### | AUTO [ظهور الخوارج] # لما قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وصار (¬2) علي بن أبي طالب إلى ~~العراق، وحصل بين الأمة من الفتنة والفرقة يوم الجمل (¬3)، ثم يوم PageV01P314 # صفين (¬1) ما هو مشهور، خرجت الخوارج (¬2) المارقون على الطائفتين جميعا، ~~وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر بهم، وذكر حكمهم. # قال الإمام أحمد: "صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه" (¬3). # وهذه العشرة أخرجها مسلم في صحيحه موافقة لأحمد (¬4). PageV01P315 # وروى البخاري منها عدة أوجه (¬1). # وروى أحاديثهم أهل السنن والمسانيد من وجوه [أخرى] (¬2). # ومن أصح حديثهم حديث علي [بن أبي طالب] (¬3) وأبي سعيد [الخدري] (¬4). # ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: إذا حدثكم عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا فوالله لئن أخر من السماء إلى ~~الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن ms013 الحرب ~~خدعة، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "سيخرج في آخر ~~الزمان [أحداث] (¬5) الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا ~~يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما ~~لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة" ~~(¬6). PageV01P316 # وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: "بعث علي بن أبي طالب إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من اليمن [بذهيبة] (¬1) في أدم مقروض (¬2) لم تحصل من ~~ترابها (¬3) فقال: فقسمها بين أربعة نفر، فقال رجل من أصحابه: كنا أحق بهذا ~~من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ألا تأمنوني ~~وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء" قال: فقام رجل غائر ~~العينين (¬4)، مشرف الوجنتين (¬5)، ناشز الجبهة (¬6)، كث اللحية، محلوق ~~الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله! ! ! فقال: "ويلك أولست ~~أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ " قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا ~~رسول الله ألا أضرب عنقه، فقال: (لا لعله أن يكون يصلي) قال خالد: وكم من ~~مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" قال: ثم نظر وهو مقف ~~فقال: "إنه يخرج من ضئضيء (¬7) هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا، لا يجاوز ~~حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" قال أظنه قال: PageV01P317 # لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" اللفظ لمسلم (¬1). # ولمسلم في بعض الطرق عن أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ذكر ~~قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، ثم قال: شر ~~الخلق أو من شر الخلق تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق" قال أبو سعيد: (أنتم ~~قتلتوهم يا أهل العراق) وفي لفظ [له] (¬2): (تقتلهم أقرب الطائفتين إلى ~~الحق) (¬3). # وهذا الحديث مع ما ثبت في الصحيح عن أبي بكرة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال للحسن بن ms014 علي - رضي الله عنهما-: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله ~~به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين" (¬4). PageV01P318 # فبين أن كلا الطائفتين كانت مؤمنة، وأن اصطلاح الطائفتين كما فعله الحسن، ~~كان أحب إلى الله ورسوله من اقتتالهما، وأن اقتتالهما وإن لم يكن مأمورا به ~~فعلي بن أبي طالب وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن قتل (¬1) ~~الخوارج مما أمر به النبي (¬2) - صلى الله عليه وسلم - ولذلك اتفق على ~~قتالهم الصحابة والأئمة (¬3). # وهؤلاء الخوارج لهم أسماء (¬4) يقال لهم الحرورية، لأنهم خرجوا بمكان ~~يقال له حروراء (¬5)، ويقال لهم أهل النهروان (¬6) لأن عليا قاتلهم PageV01P319 # هناك، ومن أصنافهم الإباضية أتباع عبد الله بن إباض (¬1) والأزارقة أتباع ~~نافع بن الأزرق (¬2)، والنجدات أصحاب نجدة الحروري (¬3). PageV01P320 ### | AUTO [مذهب الخوارج والرد عليهم] # وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب، واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك ~~فكانوا كما نعتهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يقتلون أهل الإسلام، ~~ويدعون أهل الأوثان" (¬1) وكفروا علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان ومن ~~والاهما (¬2)، وقتلوا علي بن أبي طالب مستحلين لقتله، قتله عبد الرحمن بن ~~ملجم المرادي (¬3) منهم، وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة، لكن PageV01P321 # كانوا جهالا فارقوا السنة والجماعة، فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن ~~وكافر، والمؤمن من فعل جميع الواجبات، وترك جميع المحرمات، فمن لم يكن كذلك ~~فهو كافر مخلد في النار (¬1)، ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك، فقالوا: # إن عثمان وعليا ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلموا فصاروا كفارا (¬2). # ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة، فإن الله سبحانه أمر ~~بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافرا مرتدا لوجب قتله، لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "من بدل دينه فاقتلوه" (¬3). # وقال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد ~~إحصان، أو قتل نفس يقتل بها" (¬4). PageV01P322 # وأمر سبحانه أن يجلد الزاني والزانية مائة جلدة (¬1)، ولو كانا كافرين ~~لأمر بقتلهما، وأمر سبحانه أن (¬2) يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة (¬3)، ~~ولو كان كافرا لأمر ms015 بقتله. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجلد شارب الخمر (¬4) ولم يقتله، بل ~~قد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - PageV01P323 # في صحيح البخاري وغيره (¬1) أن رجلا كان يشرب الخمر، وكان اسمه عبد الله ~~حمارا، وكان يضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان كلما أتي به إليه ~~جلده فأتي به إليه مرة فلعنه رجل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" (¬2) فنهى عن لعنته (¬3) بعينه، وشهد له بحب ~~الله ورسوله، مع أنه قد لعن شارب الخمر عموما، وهذا من أجود ما يحتج به على ~~أن الأمر بقتل الشارب (¬4) في PageV01P324 # الثالثة أو (¬1) الرابعة منسوخ، لأن هذا أتي به ثلاث مرات، وقد أعيا ~~الأئمة الكبار جواب هذا الحديث، ولكن نسخ الوجوب لا يمنع [الجواز] (¬2) ~~فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، فإن ما بين ~~الأربعين إلى الثمانين ليس حدا مقررا في أصح قولي العلماء، كما هو مذهب ~~الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين (¬3)، بل الزيادة على الأربعين إلى ~~الثمانين يرجع (¬4) إلى اجتهاد الإمام، فيفعلها عند المصلحة كغيرها في (¬5) ~~أنواع التعزير (¬6)، وكذلك صفة الضرب، فإنه يجوز جلد الشارب بالجريد ~~والنعال وأطراف الثياب، بخلاف الزاني والقاذف، فيجوز أن يقال: قتله في ~~الرابعة من هذا الباب. # وأيضا فإن الله تعالى قال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) ~~إنما المؤمنون إخوة PageV01P325 # فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 9، 10] فقد وصفهم بالإيمان والأخوة، ~~وأمرنا بالإصلاح بينهم (¬1). # فلما شاع في الأمة أمر الخوارج، و (¬2) تكلمت الصحابة فيهم، ورووا عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الأحاديث فيهم، وبينوا ما في القرآن من الرد ~~عليهم، ظهرت (¬3) بدعتهم في العامة. # فجاء (¬4) بعدهم المعتزلة (¬5) الذين اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن ~~البصري وهم: PageV01P326 # عمرو بن عبيد (¬1) وواصل بن عطاء الغزال (¬2) وأتباعهما فقالوا: أهل ~~الكبائر يخلدون (¬3) في النار كما قالت الخوارج (¬4)، ولا نسميهم لا مؤمنين ~~ولا ms016 كفارا، بل فساق ننزلهم منزلة بين منزلتين (¬5)، وأنكروا شفاعة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - PageV01P327 # لأهل الكبائر من أمته (¬1). # وأن يخرج أحد (¬2) من النار بعد أن دخلها (¬3). # وقالوا: ما الناس إلا رجلان: سعيد لا يعذب، أو شقي لا ينعم، والشقي ~~نوعان: كافر وفاسق، ولم يوافقوا الخوارج على تسميتهم كفارا (¬4). PageV01P328 # وهؤلاء يرد عليهم بمثل ما ردوا به على الخوارج، فيقال لهم: كما أنهم ~~قسموا الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وكافر لا حسنة له، قسمتم الناس إلى مؤمن ~~لا ذنب له، وإلى كافر وفاسق لا حسنة له، فلو كانت حسنات هذا كلها حابطة ~~(¬1) وهو مخلد في النار [لاستحق] (¬2) المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق، ~~كما يستحقها المرتد، فإن هذا قد أظهر دينه بخلاف المنافق. # وقد قال الله في كتابه: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء} [النساء: 116] فجعل ما دون الشرك (¬3) معلقا بمشيئة. # ولا يجوز أن يحمل هذا على التائب فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره. # كما قال تعالى في الآية الأخرى: {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 53] فهنا عم (¬4) ~~وأطلق لأن المراد به التائب، وهناك خص وعلق. # وقال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) جنات ~~عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) ~~وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) الذي أحلنا ~~دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (35)} [فاطر: ~~32 - 35]. # فقد قسم [الله] (¬5) سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب، واصطفاها ثلاثة PageV01P329 # أصناف: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق للخيرات (¬1). # وهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات الثلاث (¬2) المذكورة في حديث جبريل ~~-عليه السلام-: الإسلام والإيمان والإحسان كما سنذكره إن شاء الله تعالى. # ومعلوم أن الظالم لنفسه (¬3) إن أريد به من اجتنب الكبائر، أو (¬4) ~~التائب من جميع الذنوب، فذلك ms017 مقتصد أو سابق، فإنه ليس أحد من بني آدم يخلو ~~عن ذنب، لكن من تاب كان مقتصدا [أو] (¬5) سابقا. # و(¬6) كذلك (¬7) من اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات، كما قال تعالى: {إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31]. # فلا بد أن يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة، ولو بعد عذاب يطهر من ~~الخطايا. # فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أن ما يصيب المؤمن في الدنيا من ~~المصائب هو (¬8) مما يجزى به ويكفر به من (¬9) خطاياه، كما في الصحيحين عنه ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب (¬10)، ~~ولا هم، ولا حزن، ولا غم، ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من ~~خطاياه" (¬11). # وفي المسند وغيره أنه لما نزلت هذه الآية: {من يعمل سوءا يجز به} PageV01P330 # [النساء: 123] قال أبو بكر: (يا رسول الله! جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم ~~يعمل سوءا؟ ) فقال: (يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء ~~(¬1)؟ فذلك مما تجزون به) (¬2). ### | AUTO [ثبوت الشفاعة بالتواتر في الآخرة] # وأيضا فقد تواترت (¬3) الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من (¬4) ~~أنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يشفع في أقوام دخلوا النار (¬5). PageV01P331 # وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين الوعيدية (¬1) الذين يقولون: من دخلها ~~من أهل التوحيد لم يخرج مها، وعلى المرجئة الواقفة الذين يقولون: "لا ندري ~~هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد، أم لا؟ " كما يقول ذلك طوائف من الشيعة ~~(¬2) والأشعرية (¬3) كالقاضي PageV01P332 # أبي بكر (¬1)، وغيره (¬2). # وأما ما يذكر عن غلاة المرجئة أنهم قالوا: (لا (¬3) يدخل النار من PageV01P333 # أهل التوحيد أحد) [فلا] (¬1) نعرف قائلا مشهورا من المنسوبين إلى العلم ~~يذكر عنه هذا القول (¬2). # وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شهد لشارب الخمر المجلود مرات ~~بأنه يحب الله ورسوله، ونهى عن لعنته (¬3). # ومعلوم أن من أحب الله ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ذلك. # وأيضا فإن الذي قذفوا عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها-، ms018 كان فيهم مسطح ~~بن أثاثة (¬4)، وكان من أهل بدر، وقد أنزل الله فيه لما حلف أبو بكر أن لا ~~يصله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين PageV01P334 # في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} [النور: 22] (¬1). # وإن قيل إن مسطحا وأمثاله تابوا لكن الله تعالى لم يشترط (¬2) في الأمر ~~بالعفو عنهم والصفح والإحسان إليهم التوبة. # وكذلك حاطب بن أبي بلتعة كاتب المشركين بأخبار النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فلما أراد عمر قتله قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنه قد شهد ~~بدرا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد ~~غفرت لكم" (¬3). # وكذلك ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أنه قال: "لا يدخل النار ~~أحد بايع تحت الشجرة" (¬4). # وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، ولم يشترط مع ذلك ~~توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل ~~(¬5). PageV01P335 # وإذا قيل: إن هذا لأن أحدا من أولئك لم يكن له إلا صغائر، لم يكن ذلك من ~~خصائصه أيضا، و [على] (¬1) هذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم. # وأيضا قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو ~~عشرة أسباب: # أحدها: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، قال تعالى: {قل ياعبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~إنه هو الغفور الرحيم (53)} [الزمر: 53]. # وقال تعالى: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ~~وأن الله هو التواب الرحيم (104)} [التوبة: 104]. # وقال تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات} [الشورى: ~~25] (¬2) وأمثال ذلك. # الثاني: الاستغفار، كما في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "إذا أذنب عبد ذنبا فقال: أي رب! أذنبت ذنبا فاغفره لي، فقال ربه: علم ~~عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنبا آخر ~~فقال: أي رب! ms019 أذنبت ذنبا فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر ~~الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء، قال ذلك: في الثالثة أو ~~الرابعة" (¬3). # وفي صحيح مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لو لم تذنبوا لذهب ~~الله بكم، PageV01P336 # ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون فيغفر لهم" (¬1). # وقد يقال على [هذا] (¬2) الوجه: الاستغفار هو مع التوبة كما جاء في حديث: ~~(ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم مائة مرة) (¬3). # وقد يقال: بل الاستغفار بدون التوبة ممكن واقع، وبسط هذا له موضع آخر، ~~فإن هذا الاستغفار إذا كان مع التوبة [فما] (¬4) يحكم به عام في كل تائب، ~~وإن لم يكن مع التوبة فيكون في حق بعض المستغفرين، الذين قد يحصل لهم عند ~~الاستغفار من الخشية والإنابة ما يمحو الذنب (¬5) كما في حديث البطاقة بأن ~~قول: لا إله إلا الله ثقلت بتلك السيئات، لما قالها بنوع من الصدق والإخلاص ~~الذي يمحو السيئات (¬6). # وكما غفر للبغي بسقي الكلب، لما حصل في قلبها إذ ذلك من الإيمان (¬7)، ~~وأمثال ذلك كثير. PageV01P337 # السبب الثالث: الحسنات الماحية كما قال تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار ~~وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114]. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ~~ورمضان، [مكفرات] (¬1) لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (¬2). # وقال: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه" (¬3). # وقال: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه" (¬4). # وقال: "من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه ولدته أمه" ~~(¬5). PageV01P338 # وقال: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده، تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (¬1). # وقال: "من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار ~~حتى فرجه بفرجه" (¬2)، وهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح. # وقال: "الصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات، ~~كما تأكل النار الحطب" (¬3). ### | AUTO [الحسنات تكفر الكبائر على القول الراجح] # وسؤالهم على هذا الوجه أن ms020 يقولوا: الحسنات إنما تكفر الصغائر فقط، فأما ~~الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة، كما قد جاء في بعض الأحاديث؛ (ما اجتنبت ~~الكبائر) فيجاب عن هذا بوجوه: ### | AUTO [اجتناب الكبائر سبب لتكفير الصغائر] # أحدها: أن هذا الشرط جاء في الفرائض، كالصلوات الخمس، والجمعة، وصيام شهر ~~رمضان، وذلك أن الله تعالى يقول: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم} [النساء: 31] فأداء (¬4) الفرائض مع ترك الكبائر مقتض (¬5) لتكفير ~~السيئات، وأما الأعمال الزائدة من التطوعات، فلا بد أن يكون لها ثواب آخر، ~~فإن الله تعالى يقول: {فمن PageV01P339 # {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8)} ~~[الزلزلة: 7، 8]. ### | AUTO [المغفرة قد تكون مع الكبائر] # الثاني: أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث، بأن (¬1) المغفرة قد ~~تكون من الكبائر كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "غفر له وإن كان قد ~~فر من الزحف" (¬2). # وفي السنن: "أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صاحب لنا قد ~~أوجب، فقال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو مه عضوا من النار" (¬3). # وفي الصحيحين في حديث أبي ذر: (وإن زنا، وإن سرق) (¬4). PageV01P340 # [الثالث: ] (¬1): أن قوله لأهل بدر ونحوهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت ~~لكم) إن حمل على الصغائر، أو على المغفرة مع التوبة، لم يكن فرق بينهم وبين ~~غيرهم، فكما (¬2) لا يجوز حمل الحديث على الكفر، لما قد علم أن الكفر لا ~~يغفر إلا بالتوبة، لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر. ### | AUTO [الصلاة أول الأعمال التي يحاسب عليها المرء] # الرابع: أنه قد جاء في غير حديث: (أنه أول ما يحاسب عليه العبد من عمله ~~يوم القيامة الصلاة، فإن أكملها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان ~~له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع بسائر عمله كذلك) (¬3). # ومعلوم أن ذلك النقص المكمل لا يكون [لترك] (¬4) مستحب، فإن ترك المستحب ~~لا يحتاج إلى جبران، ولأنه حينئذ لا فرق بين ذلك المستحب المتروك والمفعول، ~~فعلم أنه يكمل نقص الفرائض من التطوعات، وهذا ms021 لا ينافي ما ورد (¬5) من (أن ~~الله لا يقبل النافلة، حتى تؤدى الفريضة) (¬6) مع أن هذا لو كان معارضا ~~للأول لوجب تقديم الأول، لأنه أثبت وأشهر، وهذا غريب رفعه، وإنما المعروف ~~أنه في وصية أبي PageV01P341 # بكر لعمر - رضي الله عنهما -، وقد ذكره أحمد في رسالته في الصلاة (¬1)، ~~وذلك لأن قبول النافلة يراد به الثواب، ومعلوم أنه لا يثاب على النافلة حتى ~~تؤدى الفريضة، فإنه إذا فعل النافلة مع نقص الفريضة كانت جبرا له (¬2) ~~وإكمالا لها، فلم يكن فيها ثواب نافلة. ### | AUTO [النافلة خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -] # ولهذا قال بعض السلف: "النافلة لا تكون إلا لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - (¬3)، لأن الله قد كفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره يحتاج ~~إلى المغفرة، وتأول على هذا قوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} ~~[الإسراء: 79]، وليس إذا فعل نافلة، وضيع فريضة، تقوم النافلة مقام الفريضة PageV01P342 # مطلقا، بل قد تكون عقوبته على ترك الفريضة أعظم من ثواب النافلة. # فإن قيل: العبد إذا نام عن صلاة أو نسيها، كان عليه أن يصليها إذا ذكرها ~~بالنص (¬1) والإجماع، فلو كان لها بدل من التطوعات لم يجب القضاء، قيل: هذا خطأ. # فإن قيل هذا يقال في جميع مسقطات العقاب فيقال: إذا كان العبد يمكنه رفع ~~العقوبة بالتوبة لم ينه عن الفعل، ومعلوم أن العبد عليه أن يفعل المأمور ~~ويترك المحظور، لأن الإخلال بذلك سبب للزوم العقاب (¬2)، وإن جاز مع إخلاله ~~أن يرتفع العقاب بهذه الأسباب، كما عليه أن يحتمي من السموم القتالة (¬3)، ~~وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية، والله عليم حكيم ~~رحيم، أمرهم بما يصلحهم، ونهاهم عما يفسدهم، ثم إذا وقعوا في أسباب الهلاك ~~لم يؤيسهم من رحمته، بل جعل لهم أسبابا يتوصلون بها إلى رفع الضرر عنهم (¬4). # ولهذا قيل: إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله، PageV01P343 # ولا يجرئهم على معاصي الله، ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب، قال ~~بعضهم لشيخه: إني ms022 أذنبت، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: ثم أعود، ~~قال: تب، قال: إلى متى، قال: إلى أن تحزن الشيطان. وفي المسند عن علي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن الله يحب العبد المفتن التواب) ~~(¬1)، وأيضا كان (¬2) من نام عن صلاة، أو نسيها فصلاته إذا استيقظ أو ذكرها ~~كفارة لها تبرأ بها الذمة من المطالبة، ويرتفع عنه الذم والعقاب، ويستوجب ~~بذلك المدح والثواب، وأما ما يفعله من التطوعات فلا يعلم القدر الذي يقوم ~~ثوابه مقام ذلك، ولو علم فقد لا يمكن فعله مع سائر الواجبات، ثم إذا قدر ~~أنه أمر بما يقوم مقام ذلك صار واجبا فلا يكون تطوعا، والتطوعات شرعت لمزيد ~~التقرب إلى الله تعالى كما قال تعالى في الحديث الصحيح: (ما تقرب إلي عبدي ~~بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) ~~(¬3) الحديث. # فإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر، لم يحصل له مقصود النوافل ولا ~~يظلمه الله، فإنه تعالى (¬4) لا يظلم مثقال ذرة، بل يقيمها مقام نظيرها من ~~الفرائض، كمن عليه ديون لأناس يريد أن يتطوع لهم بأشياء، فإن وفاهم وتطوع ~~لهم كان عادلا محسنا، وإن وفا (¬5) ولم يتطوع كان عادلا، وإن أعطاهم ما ~~يقوم مقام دينهم، وجعل ذلك تطوعا كان غالطا في جعله تطوعا (¬6)، بل يكون من ~~الواجب الذي يستحقونه. PageV01P344 ### | AUTO [التوحيد والعدل عند المعتزلة] # ومن العجب أن المعتزلة يفتخرون بأنهم أهل التوحيد والعدل (¬1)، وهم في ~~توحيدهم (¬2) نفوا الصفات نفيا يستلزم التعطيل والإشراك، وأما العدل الذي ~~وصف الله به (¬3) فهو أن لا يظلم مثقال ذرة، وأنه من يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، وهم يجعلون جميع حسنات العبد وإيمانه ~~حابطا بذنب واحد من الكبائر، وهذا من الظلم الذي نزه الله نفسه عنه، وكان ~~وصف الرب تعالى بالعدل الذي وصف به نفسه أولى من جعل العدل هو التكذيب بقدر ~~الله تعالى. ### | AUTO [الكفر محبط لجميع الحسنات والتوبة محبطة لجميع السيئات] # الخامس ms023 (¬4): أن الله لم يجعل شيئا يحبط [جميع] (¬5) الحسنات إلا الكفر، ~~كما أنه لم يجعل شيئا يحبط جميع السيئات إلا التوبة، والمعتزلة مع الخوارج ~~يجعلون الكبائر محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان قال [الله] (¬6) تعالى: ~~{ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 217]، فعلق الحبوط ~~بالموت على الكفر، وقد ثبت أن هذا ليس بكافر، والمعلق شرط يعدم عند عدمه (¬7). # وقال تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} [المائدة: 5]. PageV01P345 # وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم ~~وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو ~~أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون (88)} [الأنعام: 87، 88]. # وقال تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 65] ~~مطابق لقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 116] فإن الشرك ~~(¬1) إذا لم يغفر، وأنه موجب للخلود في النار لزم من ذلك حبوط حسنات صاحبه ~~(¬2)، ولما ذكر سائر الذنوب غير الكفر لم يعلق بها حبوط جميع الأعمال. # وقوله تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط ~~أعمالهم} [محمد: 28]، لأن ذلك كفر، وقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2)} [الحجرات: 2]، لأن ذلك يتضمن الكفر ~~فيقتضي الحبوط، وصاحبه لا يدري، والمعنى (¬3) كراهية أن يحبط أو (¬4) خشية ~~أن يحبط، فنهاهم عن ذلك لأنه يفضي إلى الكفر المقتضي للحبوط، ولا ريب أن ~~المعصية قد تكون سببا للكفر، كما قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، فينهى ~~عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط، كما قال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون ~~عن أمره أن تصيبهم فتنة [وهى الكفر] (¬5) أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] ~~وإبليس خالف أمر الله فصار كافرا، وغيره أصابه عذاب أليم. ### | AUTO [احتجاج الخوارج والمعتزلة على مذهبهم] # وقد احتجت الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} ~~(¬6) [المائدة: 27] قالوا: فصاحب الكبيرة ليس من ms024 المتقين، فلا PageV01P346 # يتقبل الله منه عملا، فلا تكون (¬1) له حسنة، وأعظم الحسنات الإيمان، فلا ~~يكون معه إيمان فيستحق (¬2) الخلود [في النار] (¬3). # وقد أجابتهم المرجئة بأن المراد بالمتقين: من يتقي الكفر، فقالوا: اسم ~~المتقين في القرآن يتناول المستحقين للثواب كقوله تعالى: {إن المتقين في ~~جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55)} [القمر: 54، 55]. # وأيضا فابنا آدم حين قربا قربانا، لم يكن المقرب المردود قربانه حينئذ ~~كافرا، وإنما كفر بعد ذلك، إذ لو كان كافرا لم يتقرب. # وأيضا فما زال السلف يخافون من هذه الآية، ولو أريد بها من يتقي الكفر لم ~~يخافوا، وأيضا فإطلاق لفظ المتقين والمراد به من ليس بكافر، لا أصل له في ~~خطاب الشارع، فلا يجوز حمله عليه. # والجواب الصحيح: أن المراد من اتقى الله في ذلك العمل، كما قال الفضيل بن ~~عياض (¬4) في قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن PageV01P347 # عملا} (¬1) [الملك: 2] قال: "أخلصه وأصوبه، قيل يا أبا علي: ما أخلصه ~~وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان ~~صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا" والخالص: أن يكون لله ~~والصواب: أن يكون على السنة، فمن عمل لغير الله كأهل الرياء لم يقل منه ~~ذلك، كما في الحديث الصحيح: (يقول الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، ~~من عمل عملا أشرك فيه غيري، فأنا بريء منه وهو كله للذي أشركه) (¬2). # وقال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "لا يقبل الله صلاة بغير ~~طهور، ولا صدقة من غلول" (¬3). # وقال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (¬4). PageV01P348 # وقال في الحديث الصحيح: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (¬1) أي: ~~فهو مردود غير مقبول. # فمن اتقى الكفر وعمل عملا ليس عليه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقبل منه، وإذا (¬2) صلى بغير وضوء لم يقبل منه لأنه ليس متقيا في ذلك ~~العمل، وإن كان متقيا للشرك وقد (¬3) قال تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا ~~وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60)} [المؤمنون: ms025 60]، وفي حديث عائشة - ~~رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: يا رسول الله ~~أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعذب؟ فقال: "لا يا بنت (¬4) ~~الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف أن لا يقبل منه" (¬5). ### | AUTO [مأخذ أكثر السلف في الاستثناء] # وخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه، لخوفه أن لا يكون أتى بالعمل على ~~الوجه (¬6) المأمور، وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى منهم في ~~الإيمان، وفي أعمال الإيمان، كقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن ~~شاء الله (¬7)، لخوف أن لا يكون أتى بالواجب على PageV01P349 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P350 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P351 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P352 # الوجه المأمور به، لا على جهة الشك فيما بقلبه من التصديق، لا يجوز أن ~~يراد بالآية أن الله لا يقبل (¬1) العمل إلا ممن اتقى (¬2) الذنوب كلها، ~~لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقيا، فإن كان قبول العمل مشروطا ~~يكون الفاعل حين فعله (¬3) لا ذنب له، امتنع قبول التوبة، بخلاف ما إذا ~~اشترط التقوى في العمل، فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة، وهو حين ~~شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير، لم يخلص من الذنب، بل هو متق في ~~حال الخلصة (¬4) منه. # وأيضا فلو أتى الإنسان بأعمال البر وهو مصر على كبيرة، ثم تاب لوجب أن ~~تسقط سيئاته بالتوبة، وتقبل منه تلك الحسنات، وهو حين أتى بها كان فاسقا. # وأيضا فالكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل وغصب وقذف، وكذلك الذمي ~~إذا أسلم قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه (¬5)، PageV01P353 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P354 # فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه، لم يصح إسلام الذمي حتى ~~يتوب من الفواحش والمظالم، بل يكون مع إسلامه مخلدا. # وقد كان الناس يسلمون (¬1) على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولهم ذنوب معروفة، وعليهم تبعات، فيقبل إسلامهم، ويبرؤون إلى الله من ~~التبعات، كما ثبت في الصحيح: "أن المغيرة بن شعبة لما أسلم , وكان قد رافق ~~قوما في الجاهلية فغدر بهم، وأخذ أموالهم، وجاء فأسلم، ms026 فلما جاء عروة بن ~~مسعود عام الحديبية، والمغيرة قائم على رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالسيف , دفعه المغيرة بالسيف، فقال: من هذا؟ فقالوا: ابن أختك المغيرة ~~فقال: يا غدر [ألست] (¬2) أسعى في غدرتك! ! فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أما الإسلام فأقبله، وأما المال فلست منه في شيء" (¬3). # وقال تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما ~~عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من ~~الظالمين (52)} [الأنعام: 52]. # وقال لنوح -عليه السلام-: {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) قال وما ~~علمي بما كانوا يعملون (112) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (113)} ~~[الشعراء: 111]. PageV01P355 # ولا يعرف (¬1) أحد من المسلمين جاءه ذمي يسلم فقال له: لا يصح إسلامك حتى ~~لا يكون عليك ذنب، وكذلك سائر أعمال البر من الصلاة والزكاة والصيام (¬2). # السبب الرابع: الدافع للعقاب دعاء المؤمنين للمؤمن، مثل صلاتهم على ~~[جنازته] (¬3) فعن عائشة وأنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له ~~(¬4) إلا شفعوا فيه " (¬5). # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا، لا ~~يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه" (¬6) رواهما مسلم. # وهذا دعاء له بعد الموت، فلا يجوز أن تحمل المغفرة على المؤمن التقي الذي ~~اجتنب الكبائر، وكفرت عنه الصغائر وحده، فإن ذلك مغفور له عند المنازعين ~~(¬7)، فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت. # السبب الخامس: ما يعمل عنه (¬8) من أعمال البر كالصدقة ونحوها، فإن هذا ~~(¬9) ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة واتفاق الأئمة، وكذلك العتق ~~والحج. PageV01P356 # بل قد ثبت في الصحيحين أنه قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) (¬1). # وثبت مثل ذلك في الصحيح في صوم النذر من وجوه أخرى (¬2). # ولا يجوز أن يعارض هذا بقوله: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39)} [النجم: ~~39] لوجهين: # أحدهما: أنه قد ms027 ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة، أن المؤمن ينتفع ~~بما ليس من سعيه، كدعاء الملائكة واستغفارهم له كما في قوله تعالى: {الذين ~~يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ~~ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب ~~الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد ~~رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9)} [غافر: 7 - 9] (¬3). # ودعاء النبيين والمؤمنين واستغفارهم كما في قوله تعالى: {وصل عليهم إن ~~صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103]. # وقوله سبحانه: {ومن الأعراب من [يؤمن بالله واليوم الآخر و] (¬4) يتخذ ما ~~ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول} [التوبة: 99]. # وقوله -عز وجل-: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: 19] وكدعاء ~~المصلين للميت ولمن زار قبره من المؤمنين. PageV01P357 # الثاني: أن الآية ليس (¬1) في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه، وهذا حق ~~فإنه لا يملك و (¬2) يستحق إلا سعي نفسه، وأما سعي غيره فلا يملكه، لا ~~يستحقه لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به، كما أنه دائما يرحم عباده ~~بأسباب خارجة عن مقدورهم، وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب ~~[تفعلها] (¬3) العباد ليثيب أولئك على تلك الأسباب، فيرحم الجميع كما في ~~الحديث الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من رجل يدعو لأخيه ~~بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به: آمين ولك ~~بمثل" (¬4). # وذلك (¬5) كما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أنه قال: "من ~~صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان أصغرهما مثل أحد" ~~(¬6). فهو قد يرحم المصلي على الميت بدعائه [له] (¬7)، ويرحم الميت أيضا ~~بدعاء هذا الحي له. # السبب السادس: شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره في أهل الذنوب ~~يوم القيامة، كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة، مثل قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - في الحديث الصحيح: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) (¬8). PageV01P358 # وقوله ms028 - صلى الله عليه وسلم -: "خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة، وبين ~~الشفاعة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى (¬1) أترونها للمتقين؟ لا، ولكنها ~~للمذنبين المتلوثين الخطائين" (¬2). # السبب السابع: المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا كما في ~~الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا ~~نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من ~~خطاياه" (¬3). # السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما ~~تكفر (¬4) به الخطايا. # السبب التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها. # السبب العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد. # فإذا ثبت أن الذم والعقاب قد يدفع عن أهل الذنوب بهذه الأسباب العشرة كان ~~دعواهم أن عقوبات الكبائر لا تندفع إلا بالتوبة مخالف لذلك (¬5). PageV01P359 ### | AUTO فصل # [مذهب الناس في الوعد والوعيد] # فهذان القولان (¬1) قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب، ويخلدون في ~~النار، وقول من يخلدهم في النار، ويجزم بأن الله لا يغفر لهم إلا بالتوبة، ~~ويقول: ليس معهم من الإيمان شيء، لم يذهب إليهما أحد من أئمة الدين أهل ~~الفقه والحديث بل هما من الأقوال المشهورة عن أهل البدع. # وكذلك قول من وقف في أهل الكبائر من غلاة المرجئة، وقال: لا أعلم أن أحدا ~~منهم يدخل النار (¬2)، هو أيضا من الأقوال المبتدعة، بل PageV01P360 # السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص، من أنه لا بد أن يدخل ~~النار قوم من أهل القبلة [ثم يخرجون منها. # وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة] (¬1) فهذا لا أعرفه ~~(¬2) قولا لأحد. # وبعده قول من يقول: ما ثم عذاب أصلا، وإنما هو (¬3) تخويف بما (¬4) لا ~~حقيقة له، وهذا من أقوال الملاحدة الكفار، وربما احتج بعضهم بقوله: {ذلك ~~يخوف الله به عباده} [الزمر: 16] فيقال لهذا: التخويف إنما يكون تخويفا، ~~إذا كان هناك مخوف يمكن وقوعه بالمخوف، فإن لم يكن هناك ما يمكن وقوعه ~~امتنع التخويف، لكن يكون حاصله إيهام الخائفين ms029 بما لا حقيقة له كما يوهم ~~(¬5) الصبي الصغير، ومعلوم أن مثل هذا لا (¬6) يحصل به تخويف للعقلاء ~~المميزين، لأنهم إذا علموا أنه ليس هناك شيء مخوف زال الخوف. # وهذا شبيه بما تقول (¬7) ملاحدة المتفلسفة (¬8) والقرامطة (¬9) ونحوهم: PageV01P361 ### | AUTO [قول الفلاسفة في الوعد والعيد] # من أن الرسل خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في ~~الباطن وإنما هي أمثال مضروبة لتفهيم (¬1) حال النفس بعد المفارقة، وما ~~أظهروه لهم من الوعد والوعيد وإن كان لا حقيقة له (¬2) فإنما تعلق (¬3) ~~لمصلحتهم في الدنيا إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريق (¬4). # وهذا القول مع أنه معلوم الفساد بالضرورة من دين الرسل، فلو كان الأمر ~~كذلك لكان خواص الرسل الأذكياء يعلمون ذلك، وإذا علموا زالت محافظتهم على ~~الأمر والنهي، كما يصيب خواص ملاحدة المتفلسفة والقرامطة من الإسماعيلية ~~(¬5)، والنصيرية (¬6) ونحوهم، فإن البارع منهم في PageV01P362 # العلم والمعرفة يزول عنه عندهم الأمر والنهي، وتباح له المحظورات، وتسقط ~~عنه الواجبات، فتظهر أضغانهم، وتنكشف أسرارهم، ويعرف عموم الناس حقيقة ~~دينهم الباطل، حتى سموهم باطنية لإبطانهم خلاف ما يظهرون، فلو كان والعياذ ~~بالله دين الرسل كذلك، لكان خواصه قد عرفوه، ولظهر (¬1) باطنه، وكان عند ~~أهل المعرفة والتحقيق من جنس دين الباطنية (¬2)، ومن المعلوم بالاضطرار أن ~~الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا أعلم الناس بباطن الرسول وظاهره، ~~وأخبر الناس بمقاصده ومراداته كانوا أعظم الأمة لزوما لطاعة أمره سرا ~~وعلانية ومحافظة على ذلك إلى الموت، وكل من كان منهم إليه أقرب (¬3) وبه ~~أخص وبباطنه أعلم كأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - كان أعظمهم (¬4) لزوما ~~لطاعته سرا وعلانية، ومحافظة على أداء الواجب، واجتناب المحرم باطنا ~~وظاهرا، وقد أشبه هؤلاء في بعض الأمور ملاحدة المتصوفة، الذين يجعلون فعل ~~المأمور وترك المحظور PageV01P363 # واجبا على السالك، حتى يصير عارفا محققا في زعمهم وحينئذ يسقط عنه ~~التكليف، ويتأولون على ذلك قوله تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99)} ~~(¬1) [الحجر: 99] زاعمين أن اليقين هو ما يدعونه من المعرفة، PageV01P364 # واليقين هنا الموت (¬1) وما بعده كما قال تعالى عن ms030 أهل النار: {وكنا نخوض ~~مع الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين (47)} (¬2) ~~[المدثر: 45 - 47] قال الحسن البصري: (إن الله لم يجعل لعباده المؤمنين ~~أجلا دون الموت) وتلا هذه الآية. # ومنه قول النبي (¬3) - صلى الله عليه وسلم - لما توفي عثمان بن مظعون: ~~(أما عثمان بن مظعون فقد أتاه اليقين من ربه) (¬4). # وهؤلاء قد يشهدون القدر أولا، وهي الحقيقة الكونية، ويظنون أن غاية ~~العارف أن يشهد القدر ويفنى عن هذا الشهود، وذلك المشهد لا تميز (¬5) فيه ~~بين المأمور والمحظور، وموجبات الله ومكروهاته، وأوليائه وأعدائه وقد يقول ~~أحدهم: العارف شهد أولا الطاعة والمعصية، ثم شهد طاعة بلا معصية، يريد بذلك ~~طاعة القدر، كقول بعض شيوخهم: أنا كافر برب يعصى! ! # وقيل له عن بعض الظالمين: هذا ماله حرام، فقال: إن كان عصى الأمر فقد ~~أطاع الإرادة، ثم ينتقلون إلى المشهد الثالث، لا طاعة ولا معصية، وهو مشهد ~~أهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود، وهذا غاية إلحاد المبتدعة جهمية ~~الصوفية، كما أن القرمطة آخر إلحاد الشيعة، وكلا الإلحادين يتقاربان، ~~وفيهما من الكفر ما ليس في دين اليهود والنصارى ومشركى العرب والله أعلم. PageV01P365 ### | AUTO فصل # [النزاع في مسائل الإيمان] # ثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعا كثيرا منه لفظي، ~~وكثير منه معنوي، فإن أئمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ذكرناه من ~~الأحكام، وإن كان بعضهم أعلم بالدين وأقوم به من بعض، ولكن تنازعهم في ~~الأسماء كتنازعهم في الإيمان: هل يزيد وينقص؟ وهل يستثنى فيه أم لا؟ وهل ~~الأعمال من الإيمان أم لا؟ وهل الفاسق الملي مؤمن كامل الإيمان أم لا؟ ### | AUTO [مذهب أهل السنة في مسائل الإيمان] # والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، ~~وهو منسوب إلى أهل السنة أن الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، ~~وينقص بالمعصية، وأنه يجوز الاستثناء فيه كما قال عمير بن [حبيب] (¬1) ~~الخطمي (¬2) وغيره من الصحابة: (الإيمان يزيد وينقص، فقيل له: وما زيادته ~~وما نقصانه؟ فقال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك ms031 زيادته، وإذا غفلنا ~~ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه) (¬3)، فهذه الألفاظ المأثورة عن جمهورهم. PageV01P366 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P367 ### | AUTO [اختلاف عبارة السلف في الإيمان، والمعنى واحد] # وربما قال بعضهم وكثير من المتأخرين: قول وعمل ونية، وربما قال آخر: قول ~~وعمل ونية واتباع للسنة، وربما قال: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل ~~بالأركان، أي بالجوارح، وروى بعضهم هذا مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - (¬1)، PageV01P368 # في النسخة المنسوبة إلى أبي الصلت الهروي (¬1) عن علي بن الرضا (¬2)، ~~وذلك من الموضوعات على النبي - صلى الله عليه وسلم - باتفاق أهل العلم PageV01P369 # بحديثه (¬1)، وليس بين هذه العبارات اختلاف معنوى، ولكن القول المطلق ~~والعمل المطلق في كلام السلف، يتناول قول القلب واللسان، وعمل القلب ~~والجوارح. ### | AUTO [معنى عبارات السلف في الإيمان] # وقول اللسان بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين، وهذا لا يسمى قولا إلا ~~[بالتقييد] (¬2) كقوله تعالى: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} [الفتح: ~~11] وكذلك عمل الجوارح بدون أعمال القلوب، هي من أعمال المنافقين التي لا ~~يتقبلها (¬3) الله، فقول السلف يتضمن القول والعمل الباطن PageV01P370 # والظاهر، لكن لما كان بعض الناس قد لا يفهم دخول النية في ذلك، قال ~~بعضهم: ونية، ثم بين آخرون أن مطلق القول والعمل والنية لا يكون مقبولا إلا ~~بموافقة السنة، وهذا حق أيضا فإن أولئك قالوا: قول وعمل [ليبينوا] (¬1) ~~اشتماله على الجنس، ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال، وكذلك قول ~~من قال: اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، جعل القول والعمل اسما ~~لما يظهر، فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب، ولا بد أن يدخل في قوله: ~~اعتقاد القلب أعمال القلب المقارنة لتصديقه، مثل حب الله، وخشية الله، ~~والتوكل على الله، ونحو ذلك، فإن دخول أعمال القلوب (¬2) في الإيمان أولى ~~من دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائف كلها. # وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه ~~لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القرآن، ولم يجدوا ذكر النقص، وهذا أحد (¬3) ~~الروايتين عن مالك، والرواية الأخرى عنه (¬4)، وهو المشهور عند أصحابه كقول ~~سائرهم أنه يزيد وينقص، وبعضهم عدل ms032 عن لفظ الزيادة والنقصان إلى لفظ ~~التفاضل، فقال: أقول: الإيمان يتفاضل ويتفاوت، ويروى هذا عن ابن المبارك ~~(¬5)، وكان مقصوده الإعراض عن لفظ وقع فيه PageV01P371 # النزاع إلى معنى لا ريب في ثبوته (¬1). ### | AUTO [مذهب مرجئة الفقهاء] # وأنكر حماد بن أبي سليمان (¬2) ومن اتبعه تفاضل الإيمان، ودخول الأعمال ~~فيه والاستثناء فيه، وهؤلاء هم (¬3) مرجئة الفقهاء. # وأما إبراهيم النخعي (¬4) إمام أهل الكوفة شيخ حماد بن أبي سليمان PageV01P372 # وأمثاله، ومن قبله من أصحاب ابن مسعود كعلقمة (¬1) والأسود (¬2)، فكانوا ~~من أشد الناس مخالفة للمرجئة، وكانوا يستثنون في الإيمان، لكن حماد بن أبي ~~سليمان خالف سلفه، واتبعه من اتبعه، ودخل في هذا طوائف من أهل الكوفة ومن بعدهم. # ثم إن السلف والأئمة اشتد إنكارهم على هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول فيهم ~~ولم أعلم أحدا منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متفقون على أنه (¬3) لا يكفرون في ذلك. ### | AUTO [إنكار السلف على المرجئة، مع عدم تكفيرهم] # وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة (¬4)، ومن نقل ~~عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيرا لهؤلاء، أو جعل هؤلاء من PageV01P373 # أهل البدع المتنازع في تكفيرهم، فقد غلط غلطا عظيما، والمحفوظ عن أحمد ~~وأمثاله من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية المشبهة (¬1) وأمثال هؤلاء، ولم ~~يكفر أحمد الخوارج ولا القدرية إذا أقروا بالعلم، وأنكروا خلق الأفعال، ~~وعموم المشيئة (¬2)، لكن حكي عن أحمد (¬3) في تكفيرهم [روايتان] (¬4). ### | AUTO [تكفير الجهمية لا يقتضي تكفير أعيانهم] # وأما المرجئة فلا يختلف قوله في عدم تكفيرهم، مع أن أحمد لم PageV01P374 # يكفر أعيان الجهمية (¬1)، ولا كل من قال: إنه جهمي كفره، ولا كل من وافق ~~الجهمية في بعض بدعهم كفره، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم ~~وامتحنوا الناس، وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد ~~وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى لهم (¬2) ~~الائتمام بهم في الصلاة خلفهم، والحج، والغزو معهم، والمنع من الخروج ~~عليهم، ما يراه لأمثالهم من الأئمة، وينكر ما أحدثوه (¬3) من القول الباطل، ~~الذي هو كفر عظيم، وإن ms033 لم يعلموا هم أنه كفر، كان (¬4) ينكره، ويجاهدهم على ~~رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين، ~~وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة، ~~وإن كانوا جهالا مبتدعين، وظلمة فاسقين. ### | AUTO [مذهب أبي حنيفة وابن كلاب في الإيمان] # وهؤلاء المعروفون من الفقهاء (¬5) مثل حماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة ~~(¬6) وغيرهما من فقهاء الكوفة، كانوا يجعلون قول اللسان، واعتقاد PageV01P375 ### | AUTO [مذهب الجهمية في الإيمان وتكفير من قال به] # القلب من الإيمان، وهو قول أبي محمد بن كلاب (¬1) وأمثاله (¬2)، ولم ~~يختلف قولهم في ذلك، ولا نقل عنهم أنهم قالوا: الإيمان مجرد تصديق القلب، ~~لكن هذا القول حكوه عن الجهم بن صفوان (¬3) ذكروا أنه قال: PageV01P376 ### | AUTO [لوازم مذهب الجهمية في الإيمان] # الإيمان مجرد معرفة القلب، وإن لم يقر بلسانه، واشتد [نكيرهم] (¬1) لذلك ~~(¬2)، [حين] (¬3) أطلق وكيع بن الجراح (¬4)، وأحمد بن حنبل وغيرهما كفر من ~~قال ذلك، فإنه من أقوال الجهمية (¬5)، وقالوا: إن فرعون وإبليس PageV01P377 # وأبا (¬1) طالب واليهود وأمثالهم، عرفوا بقلوبهم، وجحدوا بألسنتهم فهل ~~(¬2) كانوا مؤمنين؟ # وذكروا قول الله تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} ~~[النمل: 14]. # وقوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} ~~[البقرة: 146]. # وقوله تعالى: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} ~~[الأنعام: 33]. وقالوا: إبليس لم يكذب خبرا، ولم يجحد، فإن الله أمره بلا ~~رسول، ولكن عصى واستكبر، فكان (¬3) كافرا من غير تكذيب في الباطن، وتحقيق ~~هذا مبسوط في غير هذا الموضع (¬4). ### | AUTO [مذهب الكرامية في الإيمان] # وحدث بعد هذا قول الكرامية (¬5): إن الإيمان قول اللسان، دون تصديق القلب ~~مع قولهم: إن مثل هذا يعذب في الآخرة، ويخلد في النار. ### | AUTO [مذهب الصالحي والأشعري في المشهور عنه] # وقال أبو عبد الله الصالحي (¬6): إن الإيمان هو مجرد تصديق القلب PageV01P378 # ومعرفته، لكن له لوازم، فإذا ذهبت دل ذلك على عدم تصديق القلب، وإن كل ~~قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه كفر، كان ذلك، لأنه دلل على عدم تصديق ~~القلب ومعرفته، وليس الكفر ms034 إلا تلك الخصلة الواحدة، وليس الإيمان إلا مجرد ~~التصديق الذي في القلب والمعرفة. ### | AUTO [الأشاعرة من المرجئة] # وهذا أشهر قولي (¬1) أبى الحسن الأشعري (¬2)، وعليه أصحابه PageV01P379 # كالقاضي أبي بكر، وأبي المعالي (¬1)، وأمثالهما، ولهذا عدهم أهل المقالات ~~من المرجئة. ### | AUTO [القول الثاني للأشعري الذي وافق فيه السلف] # والقول الآخر عنه كقول السلف وأهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل وهو ~~اختيار طائفة من أصحابه (¬2)، ومع هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل ~~الحديث في الاستثناء في الإيمان (¬3). PageV01P380 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P381 ### | AUTO [مأخذ الاستثناء عند الأشعري] # والإيمان المطلق عنده ما تحصل به الموافاة، والاستثناء عنده يعود إلى ~~ذلك، [لا] (¬1) إلى الكمال والنقصان والحال، وقد منع أن [يطلق] (¬2) القول ~~بأن الإيمان مخلوق، أو غير مخلوق (¬3)، وصنف في ذلك مصنفا معروفا ذلك (¬4) ~~عند أهل السنة في كتاب "المقالات"، وقال إنه يقول بقولهم. ### | AUTO [مذهب الماتريدي في الإيمان] # وقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة، كأبي منصور الماتريدي (¬5) ~~وأمثاله إلى نظير هذا القول في الأصل، وقالوا: إن الإيمان هو ما في القلب، ~~وأن القول الظاهر شرط لثبوت أحكام الدنيا، لكن هؤلاء يقولون بالاستثناء ~~ونحو ذلك، كما عرف من أصلهم (¬6). PageV01P382 # وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان، من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، ~~والجهمية، وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا، إذا زال بعضه زال جميعه، ~~وإذا ثبت بعضه ثبت جميعا (¬1)، فلم يقولوا بذهاب بعضه، وبقاء بعضه كما قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من ~~إيمان (¬2) " (¬3). ### | AUTO [احتجاج الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية بهذا الأصل الفاسد] # ثم قال الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها، ذهب ~~بعض الإيمان، فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة، ليس معه شيء من ~~الإيمان. # وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئا واحدا لا يتبعض، إما مجرد ~~تصديق القلب، كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة. # قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءا منه، فإذا ذهبت PageV01P383 # ذهب بعضه فيلزم إخراج [ذي] (¬1) الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة ~~والخوارج، ms035 لكن قد يكون له لوازم ودلائل، فيستدل بعدمه على عدمه. # وصار (¬2) كل من الطائفتين بعد السلف والجماعة وأهل الحديث متناقضين، حيث ~~قالوا: الإيمان قول وعمل، وقالوا: مع ذلك لا يزول بزوال بعض الأعمال, حتى ~~أن ابن الخطيب (¬3) وأمثاله، جعلوا الشافعي متناقضا في ذلك، فإن الشافعي ~~كان من أئمة السنة، وله في الرد على المرجئة كلام مشهور، وقد ذكر في كتاب ~~الطهارة من الأم إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم على قول أهل السنة (¬4) ~~فلما (¬5) صنف ابن الخطيب تصنيفا فيه (¬6)، وهو يقول في الإيمان بقول جهم ~~والصالحي واستشكل قول PageV01P384 # الشافعي ورآه متناقضا (¬1). ### | AUTO [إبطال شبهة هذه الفروق في الإيمان] # وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها، كالعشرة ~~فإنه إذا زال بعضها، لم تبق (¬2) عشرة، وكذلك الأجسام المركبة كالسكنجبين ~~(¬3) إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبينا. # قالوا: فإذا كان الإيمان مركبا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة، لزم زواله، ~~بزوال بعضها، وهذا قول الخوارج والمعتزلة. # قالوا: ولأنه يلزم أن يكون الرجل مؤمنا بما فيه من الإيمان، كافرا بما ~~فيه من الكفر، فيقوم به كفر وإيمان، وادعوا أن هذا خلاف الإجماع. # ولهذه الشبهة -والله أعلم- امتنع من امتنع من أئمة الفقهاء أن يقول: ينقص ~~(¬4) كأنه ظن إذا قال ذلك يلزم ذهابه كله بخلاف ما إذا زاد. # ثم إن هذه الشبهة هي شبهة من منع أن يكون في الرجل الواحد طاعة ومعصية، ~~لأن الطاعة جزء من الإيمان، والمعصية جزء من الكفر، فلا يجتمع فيه كفر ~~وإيمان وقالوا: ما ثم إلا مؤمن محض، أو كافر محض، أو مؤمن وكافر وفاسق (¬5). # ثم نقلوا حكم الواحد من الأشخاص إلى الواحد من الأعمال، فقالوا: لا يكون ~~العمل الواحد محبوبا من وجه مكروها من وجه. PageV01P385 # وغلا فيه أبو هاشم (¬1) فنقله إلى الواحد بالنوع فقال: لا يجوز أن يكون ~~جنس السجود أو الركوع أو غير ذلك من الأعمال بعض أنواعه طاعة، وبعضها ~~معصية، لأن الحقيقة الواحدة لا توصف بوصفين مختلفين، بل الطاعة والمعصية ~~تتعلق بأعمال القلوب، وهو قصد الساجد ms036 دون عمله الظاهر، واشتد نكير الناس ~~عليه في هذا القول، وذكروا من مخالفته للإجماع وجحده للضروريات شرعا وعقلا ~~ما يتبين به فساده (¬2). PageV01P386 # وهؤلاء منتهى نظرهم أن يروا حقيقة مطلقة مجردة تقوم في أنفسهم فيقولون: ~~الإيمان من حيث هو [هو] (¬1)، والسجود من حيث هو هو، لا يجوز أن يتفاضل، ~~ولا يجوز أن يختلف، وأمثال ذلك. # ولو اهتدوا لعلموا أن الأمور الموجودة في الخارج عن الذهن متميزة ~~بخصائصها، وأن الحقيقة المجردة المطلقة لا تكون إلا في الذهن (¬2)، وأن ~~الناس إذا تكلموا في التفاضل والاختلاف فإنما تكلموا في تفاضل الأمور ~~الموجودة واختلافها لأن تفاضل أمر مطلق مجرد في الذهن لا وجود له في ~~الخارج. # ومعلوم أن السواد مختلف، فبعضه أشد من بعض، وكذلك البياض، وغيره من ~~الألوان، وأما إذا قدرنا السواد المجرد المطلق الذي يتصوره الذهن فهذا لا ~~يقبل الاختلاف والتفاضل، لكن هذا هو في الأذهان لا في الأعيان. # ومثل هذا الغلط وقع فيه كثير من الخائضين في الأصول والفقه (¬3)، حيث ~~أنكروا تفاضل العقل، أو الإيجاب و (¬4) التحريم. # وإنكار التفاضل في ذلك قول القاضي أبي بكر وابن عقيل (¬5) PageV01P387 # وأمثالهما، لكن الجمهور على خلاف ذلك، وهو قول أبي الحسن التميمي (¬1)، ~~وأبي محمد البربهارى (¬2)، والقاضي أبي يعلى (¬3)، وأبي PageV01P388 # الخطاب (¬1)، وغيرهم (¬2). PageV01P389 # ولذلك (¬1) وقع نظير هذا لأهل المنطق والفلسفة ولمن تابعهم من أهل الكلام ~~والإلحاد (¬2) في توحيد واجب الوجود ووحدته حتى أخرجهم الأمر إلى ما يستلزم ~~التعطيل المحض كما بيناه في غير هذا الموضع (¬3). # وأهل المنطق اليونان مضطربون في هذا المقام، يقول أحدهم القول، PageV01P390 # ويقول نقيضه كما هو مذكور في موضعه، ونحن نذكر ما يتعلق بهذا الموضع ~~فنقول: -ولا حول ولا قوة إلا بالله- الكلام في طرفين: # (أحدهما): أن شعب الإيمان هل هي متلازمة في الانتفاء؟ # والثاني: هل هي متلازمة في الثبوت؟ ### | AUTO [هل شعب الإيمان متلازمة في الانتفاء والثبوت] # أما الأول: فإن الحقيقة الجامعة لأمور- سواء كانت في الأعيان أو الأعراض- ~~إذا زال بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول، ولا يلزم من زوال بعض ~~الأمور المجتمعة ms037 زوال سائرها، وسواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك، لا ~~يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها، وما مثلوا به من العشرة والسكنجبين ~~مطابق لذلك. # فإن الواحد من عشرة (¬1) إذا زال لم يلزم زوال التسعة، [بل قد تبقى ~~التسعة] (¬2) وإذا زال (¬3) أحد جزئي المركب لم (¬4) يلزم زوال الجزء ~~الآخر، لكن أكبر (¬5) ما يقولون زالت [الصورة] (¬6) المجتمعة, وزالت الهيئة ~~الاجتماعية، وزال ذلك الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب، ~~كما يزول اسم العشرة والسكنجبين. # فيقال لهم: أما كون ذلك المجتمع المركب ما بقي على تركيبه فهذا لا ينازع ~~فيه عاقل، ولا يدعي عاقل أن الإيمان أو الصلاة أو الحج أو غير ذلك من ~~العبادات المتناولة لأمور إذا زال بعضها [بقي] (¬7) ذلك المجتمع المركب كما ~~كان قبل [زوال بعضه] (¬8). # ولا يقول أحد: إن الشجرة أو الدار إذا زال بعضها بقيت مجتمعة PageV01P391 # كما كانت، ولا أن الإنسان أو غيره من الحيوان إذا زال بعض أعضائه بقي ~~مجموعا. # كما قال النبى - صلى الله عليه وسلم -: "كل مولود يولد على الفطرة، ~~فأبواه يهودانه، و (¬1) ينصرانه، ويمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء (¬2)، ~~هل تحسون فيها من جدعاء؟ (¬3) " (¬4). # فالمجتمعة الخلق بعد الجدع لا تبقى مجتمعة، ولكن لا يلزم زوال بقية ~~الأجزاء. وأما زوال الاسم فيقال لهم: هذا أولا بحث لفظي، إذا قدر أن ~~الإيمان له أبعاض وشعب كما قال رسول الله في الحديث المتفق عليه: "الإيمان ~~بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن ~~الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (¬5). # كما أن الصلاة والحج له أجزاء وشعب، ولا يلزم من زوال شعبة من شعبه زوال ~~سائر الأجزاء والشعب، كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء PageV01P392 # الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء (¬1)، فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب ~~زال البعض الآخر ليس بصواب، ونحن نسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه لا كله، وأن ~~الهيئة الاجتماعية ما بقيت كما كانت. # يبقى النزاع هل يلزم زوال الاسم بزوال بعض الأجزاء؟ فيقال لهم: المركبات ~~في ذلك على ms038 وجهين، منها: ما يكون التركيب شرطا في إطلاق الإسم، ومنها: ما ~~لا يكون كذلك، فالأول: كاسم العشرة، وكذلك السكنجبين، ومنها: ما يبقى الاسم ~~بعد زوال بعض الأجزاء، وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، ~~وكذلك من المختلفة الأجزاء، فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة وهي بعد ~~النقص تسمى حنطة، وكذلك التراب والماء ونحو ذلك. # وكذلك لفظ العبادة، والطاعة، والخير، والحسنة، والإحسان، والصدقة، ~~والعلم، ونحو ذلك مما تدخل (¬2) فيه أمور كثيرة يطلق الاسم عليها قليلها ~~وكثيرها، وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعض، وكذلك لفظ القرآن فيقال على ~~جميعه وعلى بعضه، ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمي قرآنا، وقد تسمى الكتب ~~القديمة قرآنا كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خفف على داود ~~القرآن" (¬3). # وكذلك لفظ القول والكلام والنطق (¬4) ونحو ذلك تقع (¬5) على القليل من ~~ذلك وعلى الكثير. وكذلك لفظ الذكر والدعاء يقال على كل القليل والكثير ~~(¬6)، وكذلك لفظ الجبل يقال على الجبل، وإن ذهب منه أجزاء كثيرة، ولفظ ~~البحر والنهر يقال عليه وإن نقصت أجزاؤه. وكذلك المدينة PageV01P393 # والدار والقرية والمسجد ونحو ذلك يقال على الجملة المجتمعة، ثم ينقص كثير ~~من أجزائها والاسم باق، وكذلك أسماء بعض الحيوان والنبات كلفظ الشجرة يقال ~~على جملتها، فتدخل (¬1) فيه الأغصان وغيرها، ثم يقطع منها ما يقطع والاسم ~~باق، وكذلك لفظ الإنسان والفرس والحمار يقال على الحيوان المجتمع الخلق، ثم ~~يذهب كثير من أعضائه والاسم باق، وكذلك أسماء بعض الأعلام، كزيد وعمرو ~~يتناول الجملة المجتمعة، ثم يزول بعض أجزائها والاسم باق. # وإذا كانت المركبات على نوعين بل غالبها من هذا النوع، لم يصح قولهم: إنه ~~إذا زال جزؤه لزم أن يزول الاسم، إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء ~~الباقي. ### | AUTO [الإيمان له شعب، ويتبعض] # ومعلوم أن اسم الإيمان من هذا الباب، فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة ~~الأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ثم من المعلوم أنه (¬2) إذا زال ~~(¬3) الإماطة ms039 ونحوها لم يزل اسم الإيمان. # وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ~~حبة من إيمان" (¬4). فأخبر أنه يتبعض ويبقى بعضه، وأن ذاك من الإيمان، فعلم ~~أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه، وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة، ويبين أن اسم ~~الإيمان مثل اسم القرآن والصلاة والحج ونحو ذلك، أما الحج ونحوه ففيه أجزاء ~~ينقص الحج بزوالها عن كماله الواجب ولا يبطل، كرمي الجمار، والمبيت بمنى، ~~ونحو ذلك (¬5)، وفيه أجزاء PageV01P394 # ينقص بزوالها عن كماله المستحب، كرفع الصوت بالإهلال، والرمل والاضطباع ~~في الطواف الأول (¬1). # وكذلك الصلاة فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال الاستحباب، وفيها أجزاء ~~واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة في مذهب أبي حنيفة وأحمد ~~ومالك (¬2)، وفيها [ماله] (¬3) أجزاء إذا زالت جبر نقصها بسجود السهو (¬4)، ~~وأمور ليست كذلك (¬5)، فقد رأيت أجزاء الشئ تختلف أحكامها شرعا وطبعا، فإذا ~~قال المعترض: هذا الجزء داخل في الحقيقة، وهذا خارج عن (¬6) الحقيقة، قيل ~~له: ماذا تريد بالحقيقة؟ فإن قال: أريد بذلك ما إذا زال PageV01P395 ### | AUTO [اختلاف حقيقة الإيمان بالنسبة للمكلفين] # صار صاحبه كافرا، قيل له: ليس للإيمان حقيقة واحدة، مثل حقيقة [مسمى ~~مسلم] (¬1) في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار، مثل حقيقة ~~السواد والبياض، بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف، وبلوغ التكليف ~~له، ونزول (¬2) الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك. # وكذلك الإيمان الواجب على غيره مطلقا (¬3) و (¬4) لا مثل الإيمان الواجب ~~عليه في كل وقت، فإن الله تعالى [لما] (¬5) بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم ~~- رسولا إلى الخلق، كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما ~~أمر، ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت، ~~ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل [فمن] ~~(¬6) صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن، وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ~~ذلك، كان ذلك الشخص حينئذ مؤمنا تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل ~~ذلك الإيمان لو أتى ms040 به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافرا. # قال الإمام أحمد: "كان بدء الإيمان ناقصا فجعل يزيد حتى كمل" (¬7). # ولهذا قال تعالى عام حجة الوداع: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي} [المائدة: 3]. PageV01P396 # وأيضا فبعد نزول القرآن كله (¬1) وإكمال الدين إذا بلغ الرجل بعض الدين ~~دون بعض، كان عليه أن يصدق ما جاء به الرسول جملة وما بلغه عنه مفصلا، وأما ~~ما لم يبلغه ولم يمكنه معرفته، فذاك إنما عليه أن يعرفه مفصلا إذا بلغه (¬2). # وأيضا فالرجل إذا آمن بالرسول إيمانا جازما، ومات قبل دخول وقت الصلاة، ~~أو وجوب شيء من الأعمال، مات كامل الإيمان الذي وجب عليه، فإذا دخل وقت ~~الصلاة فعليه أن يصلي، وصار يجب عليه ما لم يجب [عليه] (¬3) قبل ذلك. # وكذلك القادر على الحج والجهاد، يجب عليه ما لم يجب على غيره من التصديق ~~المفصل، والعمل بذلك، فصار ما يجب من الإيمان يختلف باختلاف حال نزول الوحي ~~من السماء، وبحال المكلف في البلاغ وعدمه، وهذا مما يتنوع به نفى التصديق، ~~ويختلف حاله باختلاف القدرة والعجز، وغير ذلك من أسباب الوجوب، وهذه يختلف ~~بها العمل أيضا. # ومعلوم أن الواجب على كل من هؤلاء لا يماثل الواجب على الآخر، فإذا كان ~~نفس ما وجب من الإيمان في الشريعة الواحدة يختلف ويتفاضل، وإن كان بين ~~[جميع] (¬4) هذه الأنواع قدر مشترك موجود في الجميع، كالإقرار بالخالق ~~وإخلاص الدين له، والإقرار برسله، واليوم الآخر، على وجه الإجمال، فمن ~~المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما PageV01P397 # يجب عليه دون بعض، كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان كبعض سائر ~~الواجبات. # يبقى أن يقال: فالبعض الآخر قد يكون شرطا في ذلك البعض, وقد لا يكون ~~[شرطا فيه] (¬1)، [فالشرط] (¬2) كمن آمن ببعض القرآن (¬3)، وكفر ببعضه، أو ~~آمن ببعض الرسل، وكفر ببعضهم. # كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) ~~أولئك هم الكافرون ms041 حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151)} [النساء: 150] ~~وقد يكون البعض المتروك ليس شرطا في وجود الآخر ولا قبوله، وحينئذ فقد ~~يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان، وشعبة من شعب الكفر. ### | AUTO [قد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وإيمان وشعبة من شعب الكفر] # كما في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أربع من كن ~~فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن [كانت] (¬4) فيه خصلة من ~~النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم ~~فجر" (¬5) وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من مات ولم يغز ~~ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة نفاق" (¬6). PageV01P398 # وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبي ذر: ~~"إنك امرؤ فيك جاهلية" (¬1). # وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "أربع في أمتي من أمر ~~الجاهلية لن يدعوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، ~~والاستسقاء بالنجوم" (¬2). # وفي الصحيحين عنه أنه قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (¬3). # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - "اثنتان في الناس [هما بهم كفر] (¬4): الطعن في الأنساب، ~~والنياحة على الميت" (¬5). # وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم" ~~(¬6). PageV01P399 # وهذا من القرآن الذي نسخت تلاوته: (لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفرا بكم أن ~~ترغبوا عن آبائكم) (¬1). # وفي الصحيحين عن أبي ذر سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ليس ~~من رجل ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس ~~منا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن رمى رجلا بالكفر، أو قال: عدو (¬2) الله، ~~وليس كذلك إلا رجع (¬3) عليه " (¬4)، وفي لفظ البخاري: "ليس من رجل ادعى ~~لغير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر بالله، ومن ادعى قوما ليس منهم، فليتبوأ ~~مقعده من ms042 النار" (¬5). # وفي الصحيحين من حديث جرير، وابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال في حجة الوداع: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" (¬6)، ~~ورواه البخاري من حديث ابن عباس. PageV01P400 # وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا ~~قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما" (¬1). # وفي الصحيحين عن زيد بن خالد قال: (صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -[صلاة الصبح بالحديبية] (¬2) في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف ~~أقبل على الناس فقال: "أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؛ قالوا: الله ورسوله ~~أعلم! قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل ~~الله ورحمته، فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا ~~وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب") (¬3). # وفي صحيح مسلم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألم تروا إلى ~~ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة، إلا أصبح فريق منهم بها PageV01P401 # كافرين يقولون: بالكوكب با لكوكب" (¬1). ونظائر هذا موجودة في الأحاديث. # وقال ابن عباس وغير واحد من السلف، في قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]، {فأولئك هم الظالمون} [المائدة: ~~45] {فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47]، كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق ~~دون فسق (¬2). وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري وغيرهما (¬3). # الأصل الثاني: ### | AUTO [قد تتلازم شعب الإيمان عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف] # أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف، فإذا قوي ما ~~في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله، ~~كما قال تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه} [المائدة: ~~81]. PageV01P402 # وقال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} [المجادلة: 22]، وقد يحصل من الرجال نوع ~~من موادتهم (¬1) لرحم ms043 أو حاجة، فيكون (¬2) ذنبا ينقص به إيمانه، ولا يكون ~~به كافرا، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل الله فيه: {ياأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من ~~الحق} الآية (¬3) [الممتحنة: 1]. # وكما حصل من (¬4) سعد بن عبادة لما انتصر لابن أبو نوبة (¬5) الإفك، فقال ~~لسعد بن معاذ: (كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله). قالت عائشة: ~~(وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية) (¬6). # ولهذه الشبهة سمى عمر حاطبا منافقا، فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق ~~هذا المنافق، فقال له: (إنه قد شهد بدرا)، فكان عمر متأولا في تسميته ~~منافقا للشعبة (¬7) التي فعلها، وكذلك قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: ~~كذبت لعمر الله لنقتلنه، إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين، هو من هذا الباب. # وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدخشن (¬8) منافق، PageV01P403 # إن (¬1) كان قال ذلك لما رأي فيه من نوع معاشرة، ومودة للمنافقين. # ولهذا لم يكن المتهومون (¬2) بالنفاق نوعا واحدا، بل فيهم المنافق المحض، ~~وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب، وفيه شعبة من النفاق، ~~وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان، ولما قوي الإيمان. وظهور (¬3) الإيمان ~~وقوته عام تبوك، صاروا يتعاقبون (¬4) من النفاق على ما لم يكونوا يتعاقبون ~~(¬5) عليه قبل ذلك. ### | AUTO [تسمية الحسن البصري للفاسق منافقا] # ومن هذا الباب ما يروى عن الحسن البصري، ونحوه من السلف، أنهم يسمون (¬6) ~~الفساق منافقين، فجعل أهل المقالات هذا القول مخالفا لأقوال (¬7) الجمهور، ~~إذ حكوا تنازع الفسق الملي، هل (¬8) هو كافر؟ أو فاسق ليس معه إيمان؟ أو ~~مؤمن كامل الإيمان؟ أو مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما معه من الفسق؟ أو ~~منافق؟ (¬9) والحسن رحمة الله PageV01P404 # عليه لم يقل ما خرج به عن الجماعة، لكن سماه منافقا على الوجه الذي ~~ذكرناه، والنفاق كالكفر، نفاق دون نفاق. ### | AUTO [أنواع الشرك والكفر، وما ينقل عن الملة ms044 وما لا ينقل] # ولهذا كثيرا ما يقال: كفر ينقل عن الملة، وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر، ~~ونفاق أصغر كما يقال: الشرك شركان: شرك أكبر وأصغر (¬1). # وفي صحيح أبي حاتم وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الشرك في ~~هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، فقال أبو بكر: يا رسول الله كيف ننجو منه، ~~وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال: ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله، ~~قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" (¬2). # وفي الترمذي وغيره (¬3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من ~~حلف بغير الله فقد أشرك" (¬4) قال الترمذي: "حديث حسن". PageV01P405 ### | AUTO [تفي اسم الإيمان بسبب انتفاء كماله الواجب] # وبهذا تبين (¬1) أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص، لانتفاء كماله ~~الواجب، وإن كان معه بعض أجزائه، كما قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو ~~مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو ~~مؤمن" (¬2). # ومنه قوله: "من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا" (¬3) فإن ~~صيغة "أنا" و"نحن" ونحو ذلك من ضمير المتكلم في مثل ذلك، يتناول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، والمؤمنين معه الإيمان المطلق، الذي يستحقون به ~~الثواب بلا عقاب، ومن هنا قيل: إن الفاسق الملي يجوز أن يقال: هو مؤمن ~~باعتبار، ويجوز أن يقال: ليس بمؤمن (¬4) باعتبار. # وبهذا يتبين (¬5) أن الرجل قد يكون مسلما، لا مؤمنا، ولا منافقا مطلقا، ~~بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة، ولهذا أنكر أحمد وغيره من ~~الأئمة على من فسر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس منا"، أي (¬6) ليس ~~منا، أو ليس من خيارنا، وقال: "هذا تفسير المرجئة" (¬7)، وقالوا: لو لم ~~يفعل PageV01P406 # هذه الكبيرة، كان يكون مثل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك تفسير ~~الخوارج والمعتزلة، بأنه يخرج من الإيمان بالكلية [و] (¬1) يستحق به الخلود ~~في النار، تأويل منكر كما تقدم، فلا هذا، ولا هذا. # ومما [يبين] (¬2) ذلك أنه من المعلوم ms045 أن معرفة الشيء المحبوب، [تقتضي] ~~(¬3) حبه، ومعرفة المعظم تقتضي تعظيمه، ومعرفة المخوف تقتضي خوفه، فنفس ~~العلم، والتصديق بالله، وما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، توجب ~~(¬4) محبة القلب له، وتعظيمه وخشيته، وذلك يوجب إرادة طاعته، وكراهة (¬5) ~~معصيته. # والإرادة الجازمة مع القدرة، تستلزم وجود المراد، ووجود المقدور عليه ~~منه، فالعبد إذا كان مريدا للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها صلى، فإذا لم ~~يصل مع القدرة دل ذلك على ضعف الإرادة. ### | AUTO [هل يعاقب على الإرادة بغير عمل؟ ] # وبهذا يزول الاشتباه في هذا المقام، فإن الناس تنازعوا في الإرادة بلا ~~عمل، هل يحصل بها عقاب؟ وكثر النزاع في ذلك، فمن قال: لا يعاقب احتج بقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي في الصحيحين: "إن الله تجاوز لأمتي عما ~~حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به" (¬6). PageV01P407 # وبما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وابن عباس - رضي الله عنهما -، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -[قال] (¬1): "إذا هم العبد بسيئة، لم تكتب ~~عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا هم بحسنة، كتبت له حسنة كاملة، ~~فإن عملها كتبت له عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف" (¬2). # وفي رواية: "فإن تركها فاكتبوها (¬3) له حسنة، فإنها تركها من جراي" (¬4). # ومن قال: يعاقب، احتج بما في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا ~~رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه" (¬5). # وبالحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي كبشة الأنصاري (¬6) PageV01P408 # عن النبي -صلى الله عليه وسلم -: في الرجلين اللذين أوتي أحدهما علما ~~ومالا، فهو ينفقه في طاعة الله، ورجل أوتي علما ولم يؤت مالا، فقال: لو أن ~~لي مثل مال فلان، لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، قال: فهما في الأجر سواء، ~~ورجل آتاه الله مالا، ولم يؤته علما، فهو ينفقه في معصية الله، ورجل لم ~~يؤته الله علما ولا مالا، فقال: لو أن لي مثل ما ms046 لفلان لعملت مثلما يعمل ~~فلان، فهما في الوزر سواء" (¬1). ### | AUTO [الفرق بين الهم والإرادة] # والفصل في ذلك أن يقال: فرق بين الهم والإرادة، فالهم قد لا يقترن به شيء ~~من الأعمال الظاهرة، فهذا لا عقوبة فيه بحال، بل إن تركه لله كما ترك يوسف ~~همه، أثيب على ذلك، كما أثيب يوسف - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال أحمد: ~~(الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار). # ولهذا كان الذي دل عليه القرآن، أن يوسف لم يكن له في هذه القصة (¬2) ذنب ~~أصلا، بل صرف الله عنه السوء والفحشاء، إنه من عباده المخلصين، مع ما حصل ~~من المراودة، والكذب، والاستعانة عليه بالنسوة، وحبسه، وغير ذلك من الأسباب ~~التي لا يكاد بشر يصبر معها عن الفاحشة، ولكن يوسف اتقى الله وصبر، فأصابه ~~(¬3) الله برحمته في الدنيا، {ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ~~(57)} [يوسف: 57] ### | AUTO [حقيقة الإرادة الجازمة] # وأما الإرادة الجازمة، فلا بد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور، ولو ~~بنظرة، أو حركة رأس، أو لفظة، أو خطرة، أو تحريك بدن، وبهذا يظهر معنى قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول ~~في النار" (¬4)، فإن المقتول أراد قتل صاحبه، فعمل ما يقدر عليه من القتال، ~~وعجز عن حصول المراد، وكذلك الذي قال: لو أن لي مثلما لفلان، لعملت فيه مثل PageV01P409 # ما يعمل فلان، فإنه أراد [فعمل] (¬1) ما يقدر عليه، وهو الكلام، ولم يقدر ~~علي غير (¬2) ذلك (¬3). # ولهذا كان من دعا إلى ضلالة، كان عليه مثل أوزار من اتبعه، من غير أن ~~ينقص من أوزارهم شيئا (¬4)، لأنه أراد ضلالهم [ففعل] (¬5) ما يقدر عليه من ~~دعائهم، إذ لا يقدر إلا على ذلك (¬6). # وإذا تبين هذا في الإرادة والعمل، فالتصديق الذي في القلب وعلمه يقتضي ~~عمل القلب، كما يقتضي الحس الحركة الإرادية، لأن النفس فيها قوتان: قوة ~~[الشعور بالملائم] (¬7) والمنافي، والإحساس بذلك، والعمل. PageV01P410 # والتصديق به، وقوة الحب [للملائم والبغض للمنافي] (¬1) والحركة عن الحس، ~~بالخوف والرجاء والموالاة والمعاداة، وإدراك الملائم، يوجب اللذة والفرح ~~والسرور، ms047 وإدراك المنافي يوجب الألم والغم. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كل مولود يولد على الفطرة، ~~فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، ويمجسانه كما تنتج البهيمة [بهيمة] (¬2) ~~جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " (¬3). # فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقا به، ودينا له، لكن يعرض لها ما ~~يفسدها، ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه، لما في الفطرة ~~من حب الحق، وبغض الباطل، لكن قد يعرض لها ما يفسدها إما من الشبهات التي ~~تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه، ولهذا ~~أمرنا الله أن نقول في الصلاة: {اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7)} [الفاتحة: 6، 7]. ### | AUTO [اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون، وسبب ذلك] # [و] (¬4) قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اليهود مغضوب عليهم، ~~والنصارى ضالون" (¬5). لأن اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولا ~~يتبعونه لما PageV01P411 # فيهم من الكبر والحسد، الذي يوجب بغض الحق ومعاداته، والنصارى لهم عبادة، ~~وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، لكن بلا علم، فهم ضلال، هؤلاء ~~لهم معرفة بلا قصد صحيح، وهؤلاء لهم قصد في الخير بلا معرفة به، وينضم إلي ~~ذلك، الظن واتباع الهوى، فلا يبقى في الحقيقة لهم (¬1) معرفة نافعة، ولا ~~قضد نافع، بل يكونون (¬2) كما قال تعالى عن مشركي أهل الكتاب (¬3): {وقالوا ~~لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10)} [الملك: 10]. # وقال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل أولئك هم الغافلون (179)} [الأعراف: 179]. ### | AUTO [أصل الإيمان هو قول القلب وعمل القلب] # فالإيمان الذي (¬4) في القلب، لا يكون إيمانا بمجرد ظن (¬5) تصديق ليس ~~معه عمل القلب [و] (¬6) موجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك، كما PageV01P412 # أنه لا يكون إيمانا بمجرد ظن وهوى، بل لا بد في أصل الإيمان من قول ~~القلب، وعمل القلب. ### | AUTO [لفظ النصارى ليس مرادفا للفظ الإيمان في اللغة] # وليس لفظ ms048 الإيمان مرادفا للفظ التصديق كما تظنه (¬1) طائفة من الناس، فإن ~~التصديق يستعمل في كل خبر، فيقال لمن أخبر بالأمور المشهودة (¬2) مثل قوله ~~(¬3): الواحد نصف الاثنين، والسماء فوق الأرض مجيبا: صدقت، وصدقنا بذلك، ~~ولا يقال: آمنا لك، ولا آمنا بهذا، حتى يكون المخبر به من الأمور الغائبة، ~~فيقال للمخبر: آمنا له، وللمخبر به آمنا به، كما قال إخوة يوسف: {وما أنت ~~بمؤمن لنا} [يوسف: 17] أي بمقر لنا، ومصدق لنا، لأنهم أخبروه عن غائب. # ومن قوله تعالى: {قالوا (¬4) أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} [الشعراء: 111]. # وقوله تعالى: {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61]. # وقوله تعالى: {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} [المؤمنون: 47]. # وقوله تعالى: {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21)} [الدخان: 21]. # {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه} [يونس: 83] أي: أقر له. # وذلك أن لفظ الإيمان [يفارق التصديق] (¬5) لفظا ومعنى، فإنه أيضا يقال: ~~صدقته، فيتعدى بنفسه إلى المصدق، ولا يقال: آمنته، إلا من الأمان الذي هو ~~ضد الإخافة، بل يقال (¬6): آمنت له، وإذا ساغ أن يقال: ما أنت بمصدق لفلان، ~~كما يقال: هل أنت مصدق له؛ لأن الفعل المتعدي بنفسه، إذا قدم مفعوله عليه، ~~أو كان العامل اسم فاعل ونحوه، مما يضعف عن الفعل، فقد يعدونه باللام تقوية ~~له كما يقال: عرفت هذا، وأنا به عارف، وضربت هذا، وأنا له ضارب، وسمعت هذا، ~~ورأيته وأنا له سامع PageV01P413 # وراء، كذلك يقال: صدقته، وأنا له مصدق، ولا يقال: صدقت له به، وهذا خلاف ~~آمن، فإنه [لا] (¬1) يقال إذا أردت التصديق آمنته، كما يقال: أقررت له، ~~ومنه قوله: آمنت له كما يقال: أقررت له، فهذا فرق في اللفظ. # والفرق الثاني: ما تقدم من أن الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار (¬2)، ~~بل فى الإخبار عن الأمور الغائبة ونحوها، مما يدخلها الريب، فإذا أقر بها ~~المستمع، قيل: آمن، بخلاف لفظ التصديق، فإنه عام متناول لجميع الأخبار ~~(¬3)، وأما المعنى فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة، كما أن ~~لفظ الإقرار مأخوذ من قر يقر، وهو قريب من آمن يأمن، لكن الصادق ms049 يطمئن إلى ~~خبره، والكاذب بخلاف ذلك، كما يقال للصدق (¬4) طمأنينة، والكذب ريبة، ~~فالمؤمن داخل (¬5) في الأمن، كما أن المقر دخل في القرار (¬6)، ولفظ ~~الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين: # (أحدهما): الإخبار وهو من هذا الوجه، كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما، ~~وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار. # و(الثاني): إنشاء الالتزام كما في قوله تعالى: {قال (¬7) أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} [وليس هو ~~هنا بمعنى الخبر المجرد فإنه سبحانه قال: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ~~أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري}] (¬8) [آل عمران: 81] فهذا التزام (¬9) ~~للإيمان، والنصر للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك لفظ الإيمان، فيه ~~إخبار PageV01P414 # وإنشاء والتزام، بخلاف لفظ التصديق المجرد، فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن ~~طمأنينة إلى المخبر، لا يقال فيه: آمن له، بخلاف الخبر الذي يتضمن طمأنينة ~~إلى المخبر، والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له، وقد لا يتضمن إلا مجرد ~~الطمأنينة [إلى صدقه] (¬1) فإذا تضمن طاعة المستمع، لم يكن مؤمنا للمخبر ~~إلا بالتزام طاعته مع تصديقه، بل قد استعمل لفظ الكفر المقابل للإيمان في ~~نفس الامتناع عن الطاعة والانقياد، فقياس ذلك أن يستعمل لفظ الإيمان، كما ~~استعمل لفظ الإقرار في نفس التزام الطاعة والانقياد، فإن الله أمر إبليس ~~بالسجود لآدم فأبى واستكبر، وكان من الكافرين. # وأيضا فلفظ التصديق إنما يستعمل في جنس الأخبار (¬2)، وأن (¬3) التصديق ~~إخبار بصدق المخبر، والتكذيب إخبار بكذب المخبر، فقد يصدق الرجل الكاذب ~~تارة، والصادق أخرى (¬4)، فالتصديق والتكذيب نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر. # فالحقائق الثابتة في نفسها، التي قد تعلم بدون خبر، لا يكاد يستعمل فيها ~~لفظ التصديق والتكذيب إن لم يقدر مخبر عنها بخلاف الإيمان والإقرار ~~والإنكار والجحود ونحو ذلك، فإنه يتناول الحقائق والإخبار عن الحقائق أيضا. # وأيضا [فالذوات] (¬5) التي تحب تارة، وتبغض تارة، وتوالي تارة، وتعادي ~~أخرى (¬6)، وتطاع (¬7) تارة، وتعصى أخرى، ويذل لها ms050 تارة، ويستكبر عنها ~~أخرى، تختص هذه المعاني فيها بلفظ الإيمان والكفر ونحو ذلك. # وأما لفظ التصديق والصدق ونحو ذلك، فيتعلق بمتعلقها، كالحب PageV01P415 # والبغض، فيقال: حب صادق، وبغض صادق، فكما أن الصدق والكذب في إثبات ~~الحقائق ونفيها، متعلق بالخبر المنافي (¬1) والمثبت دون الحقيقة ابتداء، ~~فكذلك في الحب والبغض ونحو ذلك، يتعلق بالحب والبغض دون الحقيقة ابتداء، ~~بخلاف لفظ الإيمان والكفر، فإنه يتناول الذوات بلا واسطة [إقرارا] (¬2)، أو ~~[إنكارا] (¬3)، أو حبا، أو بغضا، أو طمأنينة، أو نفورا (¬4). # ويشهد [لهذا] (¬5) الدعاء المأثور المشهور عند استلام الحجر: (اللهم ~~إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -) (¬6). # فقال: إيمانا بك ولم يقل تصديقا بك كما قال: تصديقا بكتابك. # وقال تعالى عن مريم: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه} [التحريم: 12] فجعل ~~التصديق بالكلمات والكتب. # ومنه الحديث الذي في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تكفل الله ~~لمن خرج في سبيل الله (¬7)، لا يخرجه إلا إيمان بي، وتصديق كلماتي (¬8) " ~~ويروي: PageV01P416 # "إيمان بي وتصديق برسلي" ويروي: "لا يخرجه إلا جهاد في سبيل الله، وتصديق ~~كلماته" (¬1). # ففي جميع الألفاظ جعل لفظ التصديق بالكلمات والرسل، وكذلك قوله في الحديث ~~الذي في الصحيح، ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - منازل عالية في الجنة، ~~فقيل له: يا رسول الله، تلك منازل لا يبلغها إلا الأنبياء، فقال: "بلى ~~والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" (¬2). # وما [يحصى] (¬3) الآن [الاستعمال المعروف] (¬4) في كلام السلف، صدقت ~~بالله، أو فلان يصدق بالله، أو صدق بالله، ونحو ذلك، كما جاء فلان يؤمن ~~بالله، وآمن بالله إيمانا (¬5) بالله، ونؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ~~ورسله، ونؤمن بالله وحده، ونحو ذلك، فإن القرآن والحديث، وكلام الخاصة ~~والعامة، مملوء من لفظ الإيمان بالله، وآمن بالله، ويؤمن بالله، فآمنوا ~~بالله (¬6)، ويا أيها الذين آمنوا، وما أعلم قيل التصديق بالله، [أو] (¬7) ~~أن (¬8) صدقوا بالله و (¬9) يا أيها النبي صدق بالله (¬10)، ونحو ذلك، ~~اللهم إلا PageV01P417 # أن [يكون] (¬1) في ذلك [شيء] (¬2) لا يحضرني الساعة وما أظنه (¬3). # ولفظ الإيمان يستعمل في ms051 الخبر أيضا كما يقال: {كل آمن بالله} أي: أقر له، ~~والرسول يؤمن له من جهة أنه مخبر، ويؤمن به من جهة أن رسالته مما أخبر بها، ~~كما يؤمن بالله وملائكته وكتبه. # فالإيمان متضمن للإقرار للرسول والإقرار (¬4) بما أخبر به، والكفر تارة ~~يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والإيمان به، وهو من هذا الباب يشترك فيه ~~كل ما أخبر به، وتارة بالنظر إلى عدم الإقرار بما أخبر به، والأصل في ذلك ~~هو الإخبار بالله وبأسمائه، ولهذا كان جحد ما يتعلق بهذا الباب أعظم من جحد ~~غيره، وإن كان الرسول أخبر [بكليهما] (¬5)، ثم مجرد تصديقه في الخبر والعلم ~~بثبوت ما أخبر به، إذا لم يكن معه طاعة لأمره، لا باطنا، ولا ظاهرا، ولا ~~محبة لله، ولا تعظيم له، لم يكن ذلك إيمانا. # وكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم، لم يكن أصله من جهة عدم التصديق ~~والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى ~~واستكبر وكان من الكافرين، فكفره بالإباء والاستكبار وما يتبع ذلك، لا لأجل ~~تكذيب. PageV01P418 # وكذلك فرعون وقومه جحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا، وقال له ~~موسى: {قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض} [الإسراء: ~~102]، فالذي يقال هنا أحد أمرين: # إما أن يقال: الاستكبار والإباء والحسد ونحو ذلك، مما كفر (¬1) به مستلزم ~~لعدم العلم والتصديق الذي هو الإيمان، وإلا فمن كان علمه وتصديقه تاما، ~~أوجب استسلامه وطاعته مع القدرة، كما أن الإرادة الجازمة تستلزم وجود ~~المراد مع القدرة، فعلم أن المراد إذا لم يوجد مع القدرة، دل على أن (¬2) ~~ما في القلب همة ولا إرادة، فكذلك إذا لم يوجد موجب التصديق والعلم، من حب ~~القلب وانقياده، دل على أن الحاصل في القلب ليس بتصديق ولا علم، بل هناك ~~(¬3) شبهة وريب، كما يقول ذلك طوائف من الناس، وهو أصل قول جهم والصالحي ~~والأشعري في المشهور عنه وأكثر أصحابه كالقاضي أبي بكر ومن اتبعه، ممن يجعل ~~الأعمال الباطنة والظاهرة [من] (¬4) موجبات الإيمان، لا من نفسه، ويجعل ms052 ما ~~ينتفي الإيمان بانتفائه من لوازم التصديق، لا يتصور عنده تصديق باطن مع كفر قط. # أو أن يقال (¬5): قد يحصل في القلب علم بالحق وتصديق به، ولكن مما (¬6) ~~في القلب من الحسد والكبر ونحو ذلك، مانع من استسلام القلب وانقياده ~~ومحبته، وليس هذا كالإرادة مع العمل، لأن الإرادة مع القدرة مستلزمة ~~للمراد، وليس العلم بالحق والتصديق به مع القدرة على العمل بموجب ذلك ~~العمل، بل لا بد مع ذلك من إرادة الحق والحب له. # فإذا قال القائل: القدرة التامة [بدون] (¬7) الإرادة الجازمة مستلزمة PageV01P419 # لوجود المراد المقدور، [موجبة] (¬1) لحصول المقدور، لم يكن مصيبا، بل لا ~~بد من الإرادة، وبهذا [يتبين] (¬2) خطأ من قال: إن مجرد علم الله - عز وجل- ~~قد بالمخلوقات موجب لوجودها، كما يقول ذلك من يقوله من أهل الفلسلفة، كما ~~يغلط الناس من يقول: إن مجرد إرادة الممكنات بدون القدرة موجب وجودها، وكما ~~خطأوا من قال: إن مجرد القدرة كافية، بل لا بد من العلم والقدرة والإرادة ~~في وجود المقدور والمراد، والإرادة مستلزمة لتصور المراد والعلم به، والعلم ~~والإرادة (¬3) والقدرة ونحو ذلك، وإن كان قد يقال: إنها متلازمة في الحي، ~~أو أن الحياة مستلزمة لهذه الصفات، أو أن بعض الصفات مشروط بالبعض، فلا ريب ~~أنه ليس كل معلوم مرادا محبوبا ولا مقدورا، ولا كل مقدور مرادا محبوبا، ~~وإذا كان كذلك لم يلزم من كون الشيء معلوما مصدقا به، أن يكون محبوبا ~~معبودا، بل لا بد من العلم وأمر آخر به يكون هذا محبا وهذا محبوبا. # فقول من جعل مجرد العلم والتصديق في العبد هو الإيمان، وأنه موجب لأعمال ~~القلب، فإذا انتفت دل على انتفاء العلم، بمنزلة من يقول: مجرد علم الله ~~بنظام العالم موجب لوجوده، بدون وجود إرادة منه، وهو [شبيه] (¬4) بقول ~~المتفلسفة: إن سعادة النفس في [مجرد] (¬5) أن تعلم الحقائق، ولم يقرنوا ذلك ~~بحب الله تعالى وعبادته التي لا تتم السعادة إلا به (¬6)، وهو نظير من ~~يقول: كمال الجسم أو النفس في الحس (¬7) من غير PageV01P420 # اقتران الحركة الإرادية به ms053 (¬1)، يقول: اللذة في مجرد الإدراك والشعور، ~~وهذا غلط باتفاق العقلاء، بل لا بد من إدراك الملائم، والملائمة لا تكون ~~إلا بمحبة بين المدرك والمدرك، وتلك المحبة والموافقة والملائمة ليست نفس ~~إدراكه والشعور به. # وقد قال كثير من الناس من الفلاسفة والأطباء ومن اتبعهم: إن اللذة إدراك ~~الملائم، وهذا تقصير منهم، بل اللذة حال يعقب إدراك الملائم، كالإنسان الذي ~~يحب الحلو ويشتهيه، فيدركه بالذوق والأكل، فليست اللذة مجرد ذوقه، بل أمر ~~يجد من نفسه يحصل مع الذوق، فلا بد أولا من أمرين، وآخرا من أمرين، لا بد ~~أولا من شعور بالمحبوب ومحبة له، فما لا شعور به لا يتصور أن يشتهي، وما ~~يشعر به وليس في النفس محبة له لا يشتهى، ثم إذا حصل إدراكه بالمحبوب نفسه، ~~حصل عقيب ذلك اللذة والفرح مع ذلك. # ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدعاء المأثور: "اللهم إني ~~أسالك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرة، ولا فتنة ~~مضلة" (¬2). # وفي الحديث الصحيح: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى مناد: يا أهل الجنة! ~~إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ~~ويئقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، ~~فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه" (¬3) رواه مسلم ~~وغيره. PageV01P421 # فاللذة مقرونة بالنظر إليه، ولا أحب إليهم من النظر إليه لما يقترن بذلك ~~من اللذة، لا أن نفس النظر هو اللذة. # وفي الجملة فلا بد في الإيمان الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله، وحب ~~لله (¬1) ورسوله، والا فمجرد التصديق مع البغض لله ورسوله، ومعاداة الله ~~ورسوله، ليس إيمانا باتفاق المسلمين، وليس مجرد التصديق والعلم يستلزم ~~الحب، إلا إذا كان القلب سليما من المعارض، كالحد والكبر، لأن النفس مفطورة ~~على حب الحق، وهو الذي يلائمها، ولا شيء أحب إلى القلوب السليمة من الله، ~~وهذا هو الحنيفية ملة إبراهيم -عليه السلام- الذي اتخذه الله خليلا. # وقد قال تعالى: {يوم لا ينفع مال ms054 ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب ~~سليم (89)} [الشعراء: 88، 89]، فليس مجرد العلم [موجبا لحب] (¬2) المعلوم، ~~إن لم يكن في النفس قوة أخرى تلائم المعلوم، وهذه القوة موجودة في النفس، ~~وكل من القوتين تقوى بالأخرى، فالعلم يقوى بالعمل، والعمل يقوى بالعلم، فمن ~~عرف الله وقلبه سليم أحبه، وكلما ازداد له معرفة ازداد حبه له، وكلما ازداد ~~حبه له ازداد ذكره له، ومعرفته بأسمائه وصفاته، فإن قوة الحب توجب كثرة ذكر ~~المحبوب، كما أن البغض يوجب الإعراض عن ذكر المبغض، فمن عادى الله ورسله ~~(¬3)، وحاد الله ورسوله، كان ذلك مقتضيا [لإعراضه] (¬4) عن ذكر الله ورسوله ~~بالخير، وعن ذكر ما يوجب المحبة [فيضعف] (¬5) علمه به حتى قد ينساه، كما ~~قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} [الحشر: 19] PageV01P422 # وقال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره ~~فرطا} [الكهف: 57]، وقد يحصل مع ذلك تصديق وعلم، مع بغض ومعاداة، لكن تصديق ~~ضعيف، وعلم ضعيف، ولكن لولا البغض والمعاداة، لأوجب ذلك من محبة الله ~~ورسوله ما يصيرب مؤمنا. ### | AUTO [العلم التام بالله عز وجل ليس شرطا في الإيمان به، والعذر بالجهل] # فما من شرط الإيمان بالله تعالى وجود العلم التام (¬1)، ولهذا كان الصواب ~~أن الجهل يعض أسماء الله وصفاته، لا يكون صاحبه كافرا، إذا كان مقرا بما ~~جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله ~~على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه، لحديث الذي أمر أهله بتحريقه ثم تذريته (¬2). # بل العلماء يتفاضلون في العلم به، ولهذا يوصف من لم يعمل بعلمه بالجهل ~~وعدم العلم. # قال تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون ~~من قريب} [النساء: 17]، قال أبو العالية (¬3): (سألت أصحاب محمد عن هذه ~~الآية، فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل) (¬4)، وكل من PageV01P423 # تاب قبل الموت، فقد تاب من قريب، ومنه قول ابن مسعود: (كفى بخشية الله ~~علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا) (¬1)، وقيل للشعبي (¬2) أيها العالم ~~فقال: العالم من ms055 يخشى الله (¬3). # وقال (¬4): قد قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]. # وقال أبو حيان [التيمي] (¬5): (العلماء ثلاثة: عالم بالله، وعالم (¬6) ~~بأمر الله، وعالم بالله ليس عالما بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالما ~~بالله، فالعالم بالله الذي يخشاه والعالم بأمر الله الذي يعلم حدوده ~~وفرائضه) (¬7). PageV01P424 # وقد قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]، وهذا يدل ~~على أن كل من خشي الله فهو عالم، وهو حق، ولا يدل على أن كل عالم يخشاه، ~~لكن لما كان العلم به موجبا للخشية عند عدم المعارضة، كان عدمه دليلا على ~~ضعف الأصل، إذ لو قوي لدفع المعارض. ### | AUTO [معنى العقل] # وهكذا لفظ العقل، يراد به الغريزة التي بها يعلم، ويراد بها أنواع من ~~العلم، ويراد به العمل بموجب ذلك العلم (¬1)، كما قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إذا كان أحدكم صائما، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه، أو ~~قاتله، فليقل إني امرؤ صائم" (¬2). ### | AUTO [معنى الجاهلية] # والجهل هنا هو الكلام الباطل، بمنزلة الجهل المركب، ومنه قول الشاعر: # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (¬3) # ومن هذا سميت الجاهلية جاهلية، وهي متضمنة لعدم العلم، أو لعدم PageV01P425 # العمل به (¬1)، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: "إنك ~~امرؤ فيك جاهلية" (¬2)، لما ساب الرجل وعيره بأمه. # إذ (¬3) قال تعالى: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية} ~~[الفتح: 26]، فإن الغضب والحمية يحمل المرء على فعل ما يضره، وترك ما ~~ينفعه، وهذا من الجهل الذي هو عمل بخلاف العلم، حتى يقدم المرء على فعل ما ~~يعلم أنه يضره، وترك ما يعلم أنه ينفعه، لما في نفسه من البغض والمعاداة ~~لأشخاص وأفعال، وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية، لكنه ~~لما في نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك لموجب العلم، فدل على ضعف العلم لعدم ~~موجبه ومقتضاه، ولكن ذلك الموجب والنتيجة لا يوجد (¬4) عنه وحده، بل عنه ~~وعما في النفس من حب ما ينفعها، وبغض ما ms056 يضرها، فإذا حصل لها مرض ففسدت به ~~أحبت ما يضرها، وأبغضت ما ينفعها، فتصير النفس كالمريض الذي تناول ما يضره ~~لشهوة نفسه له، مع علمه أنه يضره. # قلت: هذا معنى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يحب ~~البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات" رواه ~~البيهقي مرسلا (¬5). PageV01P426 # وقد قال تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي ~~والأبصار (45)} [ص: 45]، فوصفهم بالقوة [في] (¬1) العمل، والبصيرة في ~~العلم، وأصل القوة قوة القلب الموجبة لمحبة الخير وبغض الشر، فإن المؤمن ~~قوته في قلبه، وضعفه في جسمه، والمنافق قوته في جسمه، وضعفه في قلبه، ~~فالإيمان لا بد نيه من هذين الأصلين: التصديق بالحق والمحبة له، وهذا (¬2) ~~أصل القول، وهذا أصل العمل، ثم الحب التام مع القدرة، يستلزم حركة البدن ~~بالقول الظاهر والعمل الظاهر ضرورة كما تقدم، فمن جعل مجرد العلم والتصديق ~~موجبا لجميع ما يدخل في مسمى الإيمان، وكل ما يسمى (¬3) إيمانا فقد غلط، بل ~~لا بد من العلم والحب، والعلم شرط في محبة المحبوب، كما أن الحياة شرط في ~~العلم، لكن لا يلزم من العلم بالشيء والتصديق بثبوته محبته، إن لم يكن بين ~~العلم والمعلوم معنى في المحب أحب لأجله، ومعنى في المحبوب كان محبوبا ~~لأجله (¬4). ### | AUTO [الأعمال والأقوال الظاهرة هي موجب ما في القلب] # ولهذا كان الإنسان يصدق بثبوت أشياء كثيرة ويحلمها وهو يبغضها، كما يصدق ~~بوجود الشياطين والكفار ويبغضهم، فنفس (¬5) التصديق بوجود الشيء لا يقتضي ~~محبته، لكن الله سبحانه يستحق لذاته أن يحب ويعبد، وأن يحب لأجله رسوله، ~~والقلوب فيها معنى يقتضي حبه وطاعته، كما فيها معنى يقتضي العلم والتصديق ~~به، فمن صدق به وبرسوله، ولم يكن محبا له ولرسوله، لم يكن مؤمنا حتى يكون ~~فيه مع ذلك الحب له ولرسوله، وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له، لزم ~~ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة، فما ~~(¬6) يظهر على البدن من PageV01P427 ### | AUTO [القلب هو الأصل والبدن هو الفرع] # الأقوال ms057 والأعمال هو موجب ما في القلوب (¬1) ولازمه، ودليله ومعلوله، كما ~~أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضا تأثير فيما في القلب، فكل ~~منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له، والفرع يستمد من ~~أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه، كما في الشجرة التي يضرب المثل لكلمة ~~الإيمان بها (¬2). # قال تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} (¬3) [إبراهم: 24، ~~25]، وهو (¬4) كلمة التوحيد، فالشجرة كلما قوي أصلها وعروقها (¬5) وروي، ~~قويت فروعها، وفروعها أيضا إذا اغتذت بالمطر والريح أثر ذلك في أصلها. # وكذا (¬6) الإيمان في القلب، والإسلام علانية، ولما كانت الأقوال ~~والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطة، كان يستدل بها ~~عليها، كما في قوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ~~أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} [المجادلة: 22]، فأخبر أن من ~~كان مؤمنا بالله واليوم الآخر لا يوجدون موادين لأعداء الله ورسوله؛ بل نفس ~~الإيماد ينافي موادتهم (¬7)، فإذا حصلت الموادة دل ذلك على خلل الإيمان. PageV01P428 # وكذلك قوله تعالى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم ~~أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) ولو كانوا يؤمنون ~~بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} [المائدة: 80، 81]. # وكذلك قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15)} ~~[الحجرات: 15]، فأخبر تعالى أن هؤلاء هم الصادقون في قولهم: آمنا، ودل ذلك ~~على أن الناس في تولهم آمنا: صادق وكاذب، والكاذب قيه نفاق بحسب كذبه. # قال تعالى في المنافقين: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ~~وما هم بمؤمنين (8) يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون (9) في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون (10)} [البقرة: 8 - 10] و (¬1) يكذبون هما ms058 (¬2) قراءتان مثسهورتان (¬3). # وفي الحديث: "أساس النفاق الذي بني عليه الكذب" (¬4). PageV01P429 ### || CHECK [الجهمية] # وقال تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم ~~إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1)} [المنافقون: 1]. # وقال تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم ~~نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا ~~يكذبون (77} [التوبة: 75 - 77]. ### | AUTO [جماهير المرجئة على أن عمل القلب من الإيمان] # وقال تعالى: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} [التوبة: 58] الآية (¬1) ومل ~~هذا كثير. وبالجملة فلا يستريب من تدبر ما نقول في أن الرجل لا يكون مؤمنا ~~بمجرد تصديق في القلب مع بغض (¬2) لله ورسوله، واستكبار عن عبادته، ومعاداة ~~(¬3) له ولرسله (¬4). # ولهذا كان جماهير المرجئة على أن عمل القلب داخل في الإيمان، كما نقله ~~أهل المقالات عنهم، منهم الأشعري فإنه قال في كتابه في المقالات: ### | AUTO [فرق المرجئة] # اختلفت (¬5) المرجئة في الإيمان ما هو؟ وهم [اثنتا عشرة] (¬6) فرقة: # 1 - فالفرقة الأولى منهم: يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله ~~وبرسوله (¬7) وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من ~~الإقرار باللسان والخضوع بالقلب، والمحبة لله ولرسوله، والتعظيم (¬8)، PageV01P430 # والخوف فيهما (¬1)، والعمل بالجوارح فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله ~~هو الجهل به، وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان (¬2). # قال: "وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة، ثم جحد بلسانه أنه لا ~~بكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر ~~لا يكونان إلا في القلب دون الجوارح". # قال: 2 - "والفرقة الثانية من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة ~~بالله فقط، والكفر به هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلا المعرفة به، ~~ولا كفر بالله إلا الجهل به، وأن قول القاتل: {إن الله ثالث ثلاثة} ليس ~~بكفر، ولكنه لا يظهر إلا من كافر، وذلك أن الله كفر من قال ذلك، وأجمع ~~المسلمون أنه لا يقوله ms059 إلا كافر، وزعموا أن معرفة الله [هي] (¬3) المحبة ~~له، وهي الخضوع لله -عز وجل- (¬4). # وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول، ويقولون: ~~إنه لا يؤمن بالله إذا جاء الرسول (¬5) إلا من آمن بالرسول، ليس ذلك لأن ~~ذلك مستحيل (¬6)، ولكن الرسول قال: "من لم يؤمن بي فليس PageV01P431 # بمؤمن بالله" (¬1). ### || AUTO [الصالحين] # وزعموا أيضا أن الصلاة ليست بعبادة لله، وأنه لا عبادة إلا الإيمان PageV01P432 # به، وهو معرفته، والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وهو خصلة واحدة، وكذلك ~~الكفر، والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي (¬1) ". # وقد ذكر الأشعري في كتابه الموجز قول الصالحي هذا وغيره ثم قال: "والذي ~~اختاره في الأسماء قول الصالحي، وفي الخصوص والعموم أي (¬2) لا أقطع بظاهر ~~الخبر على العموم، ولا على الخصوص إذ (¬3) كان يحتمل في اللغة أن يكون ~~خاصا، ويحتمل أن يكون عاما، وأقف في ذلك فلا (¬4) أقطع على عموم ولا خصوص ~~إلا [بتوقيف] (¬5) أو إجماع" (¬6). # ثم قال في المقالات: ### || AUTO [السمرية] # 3 - والفرقة الثالثة من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله، ~~والخضوع له، وهو ترك الاستكبار عليه، والمحبة لله، فمن اجتمعت فيه هذه ~~الخصال فهو مؤمن، وزعموا أن إبليس كان عارفا بالله، غير أنه كفر باستكباره ~~على الله، وهذا قول قوم من أصحاب يونس [المري] (¬7). ### || AUTO [أصحاب شمر ويونس] # 4 - والفرقة الرابعة وهم أصحاب أبي شمر (¬8) ويونس يزعمون أن الإيمان ~~المعرفة بالله، والمحبة له، والخضوع له بالقلب، والإقرار به أنه واحد ليس ~~كمثله شيء، ما لم تقم عليه حجة الأنبياء، وإن كانت قامت عليه حجة الأنبياء ~~(¬9)، فالإيمان بهم والتصديق لهم والمعرفة لما جاء من عند الله عنهم داخل ~~في الإيمان ولا يسمون كل خصلة من هذه الخصال إيمانا ولا بعض إيمان حتى ~~تجتمع هذه الخصال، فإذا اجتمعت سموها PageV01P433 # إيمانا لاجتماعها، وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لا يسمى بلقا إلا ~~مع السواد وجعلوا ترك كل خصلة من هذه الخصال كفرا، ولم يجعلوا الإيمان ~~متبعضا ولا محتملا للزيادة والنقصان (¬1). وذكر عن: ### || AUTO [أصحاب أبي ms060 ثوبان] # 5 - الخامسة: أصحاب أبي ثوبان أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله، وما ~~لا يجوز في [العقل] (¬2) إلا أن يفعله. # وذكر عن: ### || AUTO [النجارية] # 6 - الفرقة السادسة: أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وفرائضه المجتمع ~~عليها (¬3) والخضوع له [بجميع] (¬4) ذلك، والإقرار باللسان، وزعموا أن خصال ~~الإيمان كل منه طاعة، وأن كل واحدة إذا فعلت دون الأخرى، لم تكن طاعة، ~~كالمعرفة بلا إقرار، وأن ترك كل خصلة من ذلك معصية، وأن الإنسان لا يكفر ~~بترك خصلة واحدة، وأن الناس يتفاضلون في إيمانهم، ويكون بعضهم أعلم وأكثر ~~تصديقا من بعض، وأن الإيمان يزيد ولا ينقص، وهذا قول الحسين بن محمد النجار ~~(¬5) وأصحابه. PageV01P434 ### || AUTO [الغيلانية] # و7 - الفرقة السابعة: الغيلانية أصحاب غيلان (¬1) يزعمون أن الإيمان ~~المعرفة بالله [الثانية] (¬2) والمحبة، والخضوع، والإقرار بما جاه به ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبما جاء من عند الله سبحانه، وذلك أن ~~المعرفة الأولى عنده اضطرار، فلذلك لم يجعلها من الإيمان. # وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم من الشمرية، والجهمية، والغيلانية، ~~والنجارية، ينكرون أن يكون في الكفار إيمان، وأن يقال فيهم بعض إيمان، إذ ~~كان الإيمان لا يتبعض عندهم. ### || AUTO [أصحاب محمد بن شبيب] # قال: 8 - والفرقة الثامنة من المرجئة: أصحاب محمد بن شبيب، يزعمون: أن ~~الإيمان الإقرار بالله، والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء، والإقرار ~~والمعرفة بأنبياء الله وبرسله، وبجميع ما جاءت به من عند الله، مما نص عليه ~~المسلمون، ونقلوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة والصيام ونحو ~~ذلك، مما (¬3) لا نزاع بينهم فيه، والخضوع لله، وهو ترك الاستكبار عليه، ~~وزعموا أن إبليس قد عرف الله وأقر به، وإنما كان كافرا لأنه استكبر، ولولا ~~الاستكبار (¬4) ما كان كافرا، وأن الإيمان يتبعض، ويتفاضل أهله، وأن الخصلة ~~من الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان، ويكون صاحبها PageV01P435 # كافرا بترك بعض إيمان (¬1)، ولا يكون مؤمنا إلا بإصابة الكل، وكل رجل ~~يعلم أن الله تعالى واحد ليس كمثله شيء، ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده ~~الأنبياء، وفيه خصلة من الإيمان، وهي معرفته ms061 بالله - عز وجل -. ### || AUTO [أبو حنيفة وأصحابه (مرجئة الفقهاء)] # 9 - الفرقة التاسعة من المرجئة: المنتسبين إلى أبي حنيفة وأصحابه، يزعمون ~~أن الإيمان المعرفة بالله، والإقرار بالله، والمعرفة بالرسول (¬2)، ~~والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير (¬3). PageV01P436 ### || AUTO [التومنية] # 10 - الفرقة العاشرة من المرجئة: أصحاب أبي معاذ التومني (¬1) يزعمون: أن ~~الإيمان ترك ما عظم من الكبائر، وهو اسم لخصال إذا تركها التارك، أو ترك ~~خصلة منها كان كافرا، فتلك الخصلة التي يكفر بتركها إيمان، وكل طاعة إذا ~~تركها التارك لم يجمع المسلمون على كفره (¬2)، فتلك الطاعة شريعة من شرائع ~~الإيمان، تاركها إن كانت فريضة يوصف بالفسق، فيقال له: إنه يفسق، ولا يسمى ~~بالفسق، ولا يقال فاسق، وليس (¬3) تخرج الكبائر من الإيمان إذا لم تكن ~~كفرا، وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحود بها، والرد لها، ~~والاستخفاف بها، [كافر] (¬4) بالله، وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود، ~~وإن تركها غير مستحل لتركها مشاغلا مسوفا، يقول: الساعة أصلي، وإذا فرغت من ~~لهوي وعملي، فليس بكافر، وإن كان يصلي يوما ووقتا من الأوقات، ولكن نفسقه. # وكان أبو معاذ يقول: من قتل نبيا أو لطمه كفر، وليس من أجل اللطمة كفر، ~~ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له. ### || AUTO [المريسية أصحاب بشر المريسي] # و11 - الفرقة الحادية عشرة (¬5) من المرجئة: أصحاب بشر المريسي (¬6) PageV01P437 # [مذهب ابن الراوندي] # يقولون: إن الإيمان هو التصديق لأن الإيمان في اللغة هو التصديق، وما ليس ~~بتصديق (¬1) فليس بإيمان، ويزعمون (¬2) أن التصديق يكون بالقلب وباللسان ~~جميعا، وإلى هذا القول كان يذهب ابن الراوندي (¬3). # وكان ابن الرواندي يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار والستر و [التغطية] ~~(¬4)، وليس يجوز أن يكون كفرا (¬5) إلا ما كان في اللغة كفرا، ولا يجوز أن ~~يكون (¬6) إيمانا إلا ما كان في اللغة إيمانا، وكان يزعم أن PageV01P438 # ترك السجود ليس بكفر، ولا السجود لغير الله كفر ولكنه علم على الكفر لأن ~~الله تعالى بين أنه لا يسجد للشمس إلا كافر (¬1). ### || AUTO [الكرامية] # قال: 12 - والفرتة الثانية عشرة (¬2) من المرجئة: ms062 الكرامية أصحاب محمد بن ~~كرام (¬3) يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب، ~~وأنكروا أن تكون معرفة القلب أو شيء غير الصديق باللسان إيمانا. ### | AUTO [الجهمية والصالحية لا تدخلان عمل القلب في الإيمان] # فهذه الأقوال التي ذكرها الأشعري عن المرجئة، يتضمن أكثرها أنه لا بد في ~~الإيمان من بعض أعمال القلوب عندهم، وإنما نازع في ذلك فرقة يسيرة كجهم ~~والصالحي. # وقد ذكر أيضا في المقالات جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة قال: ### | AUTO [حكاية الأشعري مقالة أهل السنة] # جملة ما عليه أصحاب الحديث [و] (¬4) أهل السنة، الإقرار بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولا يردون من ذلك شيئا، وأن الله سبحانه إله واحد فرد ~~صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم ~~-، وأن الجنة حق، وأن (¬5) النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن ~~الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال: {الرحمن على العرش ~~استوى (5)} [طه: 5]، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: {خلقت بيدي} [ص: 75]، ~~وكما قال: {بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64]، وإن له عينين كما قال: {تجري ~~بأعيننا} [القمر: 14]، وأن له وجها كما قال: {ويبقى وجه PageV01P439 # ربك ذو الجلال والإكرام (27)} [الرحمن: 27]، وأن أسماء الله لا يقال إنها ~~غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج إلى أن قال: # ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ بدعة، من ~~قال بالوقف أو اللفظ فهو مبتدع عندهم، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا ~~يقال غير مخلوق، إلى أن قال: ولا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، ~~كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك، من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان ~~مؤمنون، وإن ارتكبوا الكبائر. # والإيمان عندهم هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره ~~حلوه ومره، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطأهم. ~~والإسلام هو أن تشهد (¬1) أن لا إله ms063 إلا الله على ما جاء في الحديث، ~~والإسلام عنده غير الإيمان إلى أن قال: # ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق ولا غير ~~مخلوق، وذكر كلاما طويلا ثم قال في آخره: # وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول إليه نذهب (¬2). # فهذا قوله في هذا الكتاب، وافق فيه أهل السنة وأصحاب الحديث، بخلاف القول ~~الذي نصره في الموجز. # والمقصود هنا أن عامة فرق الأمة تدخل ما هو من أعمال القلوب (¬3)، حتى ~~عامة فرق المرجئة تقول بذلك (¬4). # وأما المعتزلة والخوارج وأهل السنة وأصحاب الحديث فقولهم في ذلك معروف ~~(¬5)، وإنما نازع في ذلك من اتبع جهم بن صفوان من المرجئة. PageV01P440 # وهذا القول شاذ كما أن قول الكرامية الذين يقولون [هو] (¬1) مجرد قول ~~اللسان شاذ أيضا. # وهذا (¬2) مما ينبغي الاعتناء به، فإن كثيرا ممن تكلم في مسألة الإيمان ~~هل تدخل فيه) (¬3) الأعمال؟ وهل هو قول وعمل؟ يظن (¬4) أن النزاع إنما هو ~~في أعمال الجوارح، وأن المراد بالقول قول اللسان، وهذا غلط، بل القول ~~المجرد عن اعتقاد الإيمان ليس إيمانا باتفاق المسلمين، إلا من شذ من اتباع ~~ابن كرام، وكذلك تصديق القلب الذي ليس معه حب لله ولا تعظيم، بل فيه بغض ~~وعداوة لله ولرسله، ليس إيمانا باتفاق المسلمين، فليس مجرد التصديق بالباطن ~~هو الإيمان عبد عامة المسلمين، إلا من شذ من أتباع جهم والصالحي (¬5)، وفي ~~قولهما (¬6) من السفسطة العقلية والمخالفة في الأحكام الدينية أعظم مما في ~~قول ابن كرام، وقول ابن كرام فيه مخالفة في الاسم دون الحكم، فإنه وإن سمى ~~المنافقين مؤمنين يقول إنهم مخلدون في النار، فيخالف الجماعة في الاسم دون ~~الحكم (¬7) وأتباع جهم يخالفون في الاسم والحكم جميعا. PageV01P441 # فصل # إذا عرف أن أصل الإيمان في القلب، فاسم الإيمان تارة يطلق على ما في ~~القلب من الأقوال القلبية، والأعمال القلبية، من الصديق والمحبة والتعظيم ~~ونحو ذلك، وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة لوازمه وموجباته ~~ودلائله، وتارة على ما في القلب والبدن، جعلا لموجب الإيمان ومقتضاه داخلا ~~في مسماه. ### | AUTO [اختلاف دلالات ms064 الألفاظ بالإفراد والاقتران] # وبهذا يتبين أن الأعمال الظاهرة تسمى إسلاما، فإنها (¬1) تدخل في مسمى ~~الإيمان تارة، ولا تدخل فيه تارة. # وذلك أن الاسم الواحد تختلف دلالته بالأفراد والاقتران، فقد يكون عند ~~الأفراد فيه عموم لمعنيين، وعند الاقتران لا يدل إلا على أحدهما، كلفظ ~~الفقير والمسكين، إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كان لكل ~~واحد مسمى يخصه، وكذلك لفظ المعروف والمنكر إذا أطلقا كما في قوله تعالى: ~~{يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} [الأعراف: 157]، دخل فيه الفحشاء ~~والبغي، وإذا قرن بالمنكر أحدهما كما في قوله تعالى: {وأقم الصلاة إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] أو كلاهما كما في قوله ~~تعالى: {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} [النحل: 90]، كان اسم المنكر ~~مختصا بما خرج عن (¬2) ذلك على قول، أو متناولا للجميع على قول بناء على أن ~~الخاص المعطوف على العام هل يمنع شمول العام له، أو يكون قد ذكر مرتين؟ فيه ~~نزاع! والأقوال والأعمال الظاهرة موجب (¬3) [الأعمال] (¬4) الباطنة ~~ولازمها، وإذا أفرد اسم الإيمان فقد يتناول هذا وهذا، كما في قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا ~~الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (¬5). PageV01P442 # وحينئذ فيكون الإسلام داخلا في مسمى الإيمان وجزءا منه، فيقال حينئذ: إن ~~الإيمان اسم لجميع الطاعات الباطة والظاهرة. # ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان ~~بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا (¬1) خمس ~~المغنم" (¬2) أخرجاه في الصحيحين. # ففسر الإيمان هنا بما فسر به الإسلام؛ لأنه أراد بالشهادتين هنا أن يشهد ~~[بهما] (¬3) باطنا وظاهرا، وكان الخطاب لوفد عبد القيس، وكانوا من خيار ~~الناس، وهم أول من صلى الجمعة ببلدهم بعد جمعة أهل المدينة؛ كما قال ابن ~~عباس: "أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة بجواثا (¬4)، قرية ~~من قرى البحرين، (¬5) وقالوا: يا رسول الله: PageV01P443 # إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار ms065 مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، ~~فمرنا بأمر فصل نعمل به، وندعو إليه من وراءنا، وأرادوا بذلك أهل نجد من ~~تميم وأسد وغطفان وغيرهم كانوا كفارا، فهؤلاء كانوا صادقين راغبين في طلب ~~الدين فإذا أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأقوال وأعمال ظاهرة فعلوها ~~باطنا وظاهرا فكانوا بها مؤمنين. وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام فإن ~~الإيمان في القلب والإسلام ظاهر كما في المسند عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "الإسلام علانية والإيمان في القلب" (¬1). ### | AUTO [اقتضاء الإيمان القلبي الاستسلام لله عز وجل] # والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، وتؤمن ~~بالقدر خيره وشره، ومتى حصل له هذا الإيمان، وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام، ~~الذي هو الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج، لأن إيمانه بالله ~~وملائكته ورسله يقضي الاستسلام لله والانقياد له، وإلا فمن الممتنع أن يكون ~~قد حصل له الإقرار والحب والانقياد باطنا، ولا يحصل ذلك في الظاهر مع ~~القدرة عليه، كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد. # وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانا جازما، امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين ~~مع القدرة، فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم لانتفاء (¬2) الإيمان PageV01P444 # القلبي التام، وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه (¬1) في زعمهم أن مجرد إيمان ~~القلب) (¬2) بدون الإيمان الظاهر ينفع لي الآخرة، فإن هذا ممتنع، إذ لا ~~يحصل الإيمان التام في القلب إلا ويحصل في الظاهر موجبه بحسب القدرة، فإن ~~من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حبا جازما، وهو قادر على مواصلته، ولا يحصل ~~منه حركة ظاهرة إلى ذلك. # وأبو طالب إنما كانت محبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - لقرابته منه لا ~~لله، وإنما نصره وذب عنه لحمية النسب والقرابة، ولهذا لم يتقبل الله ذلك ~~منه، وإلا فلو كان ذلك عن إيمان في القلب، لتكلم بالشهادتين ضرورة، والسبب ~~الذي أوجب نصره للنبي - صلى الله عليه وسلم -وهو الحمية- هو الذي أوجب ~~امتناعه من الشهادتين، بخلاف أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وأرضاه ms066 ونحوه. # قال تعالى: {وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد ~~عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى (21)} ~~[الليل: 17 - 21] (¬3). # ومنشأ الغلط في هذه المواضع من وجوه: ### | AUTO [أسباب انحراف الجهمية المرجئة في الإيمان] # (أحدهما): أن العلم والتصديق مستلزم لجميع موجات الإيمان. # (الثاني): ظن الظان أن ما في القلب (¬4) لا يتفاضل الناس فيه. # (الثالث): ظن الظان أن ما في القلب من الإيمان المقبول، يمكن تخلف القول ~~الظاهر والعمل الظاهر عنه. # (الرابع): ظن الظان أن ليس في القلب إلا التصديق، وأن ليس الظاهر إلا عمل ~~الجوارح، والصواب أن القلب له عمل مع التصديق، والظاهر قول ظاهر، وعمل ~~ظاهر، وكلاهما مستلزم لباطن. PageV01P445 ### | AUTO [التلازم بين الظاهر والباطن] # والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال ~~القلوب أيضا، وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين، ومن قصد إخراج العمل الظاهر ~~قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل ~~انتفاء الباطن، فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان ~~يدل عليه بالتضمن؟ أو هو لازم لمسمى الإيمان؟ # والتحقيق أنه تارة يدخل في الاسم، وتارة يكون (¬1) لازما للمسمى بحسب ~~إفراد الاسم واقترانه، فإذا قرن الإيمان بالإسلام كان مسمى الإسلام خارجا ~~عنه، كما في حديث جبريل - عليه السلام -، وإن كان لازما له، وكذلك إذا قرن ~~الإيمان بالعمل كما في قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} (¬2) ~~فقد يقال: اسم الإيمان لم يدخل فيه العمل، وإن كان لازما له، وقد يقال: بل ~~دخل فيه، وعطف عليه عطف الخاص على (¬3) العام، وبكل حال فالعمل تحقيق لمسمى ~~الإيمان وتصديق له، ولهذا قال طائفة من العلماء كالشيخ أبي إسماعيل ~~الأنصاري (¬4) وغيره: "الإيمان PageV01P446 # تصديق كله"، فالقلب يصدق ما جاءت به الرسل، واللسان مصدق (¬1) ما في ~~القلب، والعمل يصدق القول، كما يقال: صدق قوله عمله (¬2). # ومن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "العينان تزنيان، وزناهما النظر، ~~والأذنان تزنيان، وزناهما السمع، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، والرجلان ~~تزنيان، وزناهما ms067 المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (¬3). # والتصديق يستعمل في الخبر وفي الإرادة، يقال: فلان صادق العزم، وصادق ~~المحبة، وحملوا حملة صادقة. # والسلف اشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل من الإيمان، وقالوا: إن ~~الإيمان يتماثل الناس فيه، ولا ريب أن قولهم: يتساوى (¬4) إيمان الناس من ~~أفحش الخطأ، بل لا يتساوى الناس لا (¬5) في التصديق، ولا في الحب، ولا في ~~الخشية، ولا في العلم، بل يتفاضلون من وجوه كثيرة. PageV01P447 # وأيضا فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضا، وهذا باطل ~~قطعا، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه، فهو كافر قطعا ~~بالضرورة، وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضا، لامتناع قيام ~~الإيمان بالقلب من غير حركة بدن (¬1). ### | AUTO [امتناع قيام الإيمان بالقلب من غير عمل ظاهر] # وليس المقصود هنا ذكر عمل معين، بل من كان مؤمنا بالله ورسوله بقلبه، هل ~~يتصور إذا رأى الرسول وأعداؤه يقاتلونه، وهو قادر على أن ينظر إليهم، ويحضر ~~على نصر الرسول بما لا يضره، هل يمكن مثل هذا في العادة أن لا يكون منه ~~حركة ما إلى نصر الرسول؟ فمن المعلوم أن هذا ممتنع! فلهذا كان الجهاد ~~المتعين بحسب الإمكان من الإيمان، وكان عدمه دليلا على انتفاء حقيقة ~~الإيمان، بل قد ثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم -: "من مات ولم ~~يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق" (¬2)، وفي الحديث دلالة على ~~أنه يكون فيه بعض [شعب] (¬3) النفاق مع ما معه من الإيمان. # ومنه قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15)} [الحجرات: 15]. # وأيضا فقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من ~~رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ~~وذلك أضعف الإيمان" (¬4)، وفي رواية (¬5): "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة PageV01P448 # خردل" (¬1)، فهذا يبين أن القلب إذا لم يكن فيه بغض ما يكرهه الله من ~~المنكرات ms068 كان عادما للإيمان، والبغض والحب من أعمال القلوب. # ومن المعلوم أن إبليس ونحوه يعلمون أن الله -عز وجل- حرم هذه الأمور ولا ~~يبغونها، بل يدعون إلى ما حرمه الله ورسوله. # وأيضا فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، ~~والتكلم بالتثليث، وكل كلمة من كلمات (¬2) الكفر، ليس هو كفر في الباطن، ~~ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون السباب (¬3) الشاتم ~~في الباطن عارفا بالله موحدا له مؤمنا به، فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو ~~إجماع أن هذا كافر باطنا وظاهرا، قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب ~~الباطن، وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك، فيقال لهم: معنا أمران معلومان: # (أحدهما): بالاضطرار من الدين، و (الثاني): معلوم بالاضطرار من أنفسنا ~~عند التأمل. ### | AUTO [سب الله ورسوله طوعا كفر باطنا وظاهرا] # أما (الأول): فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعا بغير كره، بل من تكلم ~~بكلمات الكفر طائعا غير مكره، ومن استهزأ بالله أو آياته، (¬4) ورسوله فهو ~~كافر باطنا وظاهرا، وأن من قال: إن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنا بالله، ~~وإنما هو كافر في الظاهر، فإنه قال قولا معلوم الفساد بالضرورة من الدين. # وقد ذكر الله تعالى كلمات الكفار في القرآن، وحكم بكفرهم PageV01P449 # واستحقاقهم الوعيد، ولو كانت أقوالهم الكفرية بمنزلة شهادة الشهود عليهم، ~~أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقر، لم يجعلهم الله - عز وجل - من أهل ~~الوعيد بالشهادة التي قد تكون صدقا، وقد تكون كذبا، بل كان ينبغي أن لا ~~يعذبهم إلا بشرط صدق الشهادة. # وهذا كقوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: ~~73] {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} [المائدة: 17، 72] ~~وأمثال ذلك. # وأما (الثاني): فالقلب إذا كان معتقدا صدق الرسول، وأنه رسول الله، وكان ~~محبا للرسول معظما له، امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه، بل (¬1) لا يتصور ذلك ~~منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته، فعلم بذلك أن مجرد اعتقاده أنه ~~صادق لا يكون ms069 إيمانا إلا مع محبته وتعظيه بالقلب. # وأيضا فإن الله تعالى قال: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت} [النساء: 51]. # وقال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} ~~[البقرة: 256]، فتبين أن الطاغوت يؤمن به، ويكفر به، ومعلوم أن مجرد ~~التصديق [بوجوده] (¬2) وما هو عليه من الصفات، يشترك فيه المؤمن والكافر، ~~فإن الأصنام والشيطان والسحر يشترك في العلم بحاله (¬3) المؤمن والكافر. # وقد قال الله تعالى في السحر: {حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ~~فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا ~~بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في ~~الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102)} [البقرة: ~~102]، فهؤلاء الذين اتبعوا ما تتلو الشياطين PageV01P450 # على ملك سليمان، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، يعلمون ~~أنه لا خلاق لهم في الآخرة ومع هذا يكفرون. # وكذلك المؤمن بالجبت والطاغوت (¬1) إذا كان عالما بما يحصل PageV01P451 # بالسحر من التفريق بين المرء وزوجه، ونحو ذلك من الجبت، وكان عالما ~~بأحوال الشيطان والأصنام وما يحصل بها من الفتنة، لم يكن مؤمنا بها مع ~~العلم بأحوالها، ومعلوم أنه لم يعتقد أحد فيها أنها تخلق الأعيان، وأنها ~~تفعل ما تشاء، ونحو ذلك من خصائص الربوبية، ولكن كانوا يعتقدون أنه يحصل ~~بعبادتها لهم نوع من المطالب، كما كانت الشياطين تخاطبهم من الأصنام، ~~وتخبرهم بأمور، وكما يوجد مثل ذلك في هذه الأزمان في الأصنام التي يعبدها ~~أهل الهند والصين والترك وغيرهم، وكان كفرهم بها الخضوع لها والدعاء ~~والعبادة واتخاذها وسيلة ونحو ذلك، لا مجرد التصديق بما يكون عند ذلك من ~~الآثار، فإن هذا يعلمه العالم من المؤمنين ويصدق بوجوده، لكنه يعلم ما ~~يترتب على ذلك من الضرر في الدنيا والآخرة فيبغضه، والكافر قد يعلم وجود ~~ذلك الضرر لكنه يحمله حب العاجلة على الكفر. # يبين ذلك قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ms070 وقلبه ~~مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ~~(106) ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين (107) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم ~~الغافلون (108) لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109)} [النحل: 106 - ~~109]، فقد ذكر تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه وذكر وعيده في الآخرة ثم ~~قال: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة}، وبين تعالى أن الوعيد ~~استحقوه بهذا. # ومعلوم أن باب التصديق والتكذيب والعلم والجهل ليس هو من باب PageV01P452 # الحب والبغض وهؤلاء (¬1) يقولون: إنما استحقوا الوعيد لزوال التصديق ~~والإيمان من قلوبهم، وإن كان ذلك قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة، والله ~~تعالى جعل استحباب الدنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخسران (¬2)، ~~واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر في ~~الآخرة، وبأنه ما له في الآخرة من خلاق (¬3). # وأيضا فإنه سبحانه وتعالى استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا ~~يكون إلا بتكذيب القلب وجهله لم يستثن منه المكره، لأن الإكراه على ذلك ~~ممتنع، فعلم أن التكلم بالكفر كفر إلا (¬4) في حال الإكراه. # وقوله تعالى: {ولكن من شرح بالكفر صدرا} أي: لاستحبابه الدنيا على الآخرة ~~ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يصبح [الرجل] (¬5) مؤمنا ويمسي كافرا، ~~ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا" (¬6). # والآية نزلت في عمار بن ياسر وبلال بن رباح، وأمثالهما من المؤمنين ~~المستضعفين، لما أكرههم المشركون على سب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ونحو ذلك من كلمات الكفر، فمنهم من أجاب بلسانه كعمار، ومنهم من صبر PageV01P453 # على المحنة كبلال (¬1)، ولم يكره واحد (¬2) منهم على خلاف ما في قلبه، بل ~~أكرهوا على التكلم به (¬3) فمن تكلم به (¬4) بدون الإكراه، لم يتكلم به ~~(¬5) إلا وصدره منشرح به. # وأيضا فقد جاء نفر من اليهود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ~~إنشهد إنك رسول الله) (¬6) ولم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على ~~سبيل الإخبار ms071 عما في أنفسهم، أي: نعلم ونجزم أنك رسول الله، قال: "فلم لا ~~تتبعوني؟ "، قالوا: (نخاف من يهود) (¬7). PageV01P454 # فعلم أن مجرد العلم والإخبار عنه ليس بإيمان حتى [يتكلم] (¬1) بالإيمان ~~على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد، مع تضمن ذلك للإخبار (¬2) عما ~~في أنفسهم، فالمناففون قالوا مخبرين كاذبين، فكانوا كفارا في الباطن، ~~وهؤلاء قالوها غير ملتزمين ولا منقادين، فكانوا كفارا في الظاهر والباطن. PageV01P455 ### | AUTO [امتناع أبي طالب عن التوحيد] # وكذلك أبو طالب (¬1) قد استفاض عه أنه كان يعلم نبوة (¬2) محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وأنشد عنه: # ولقد علمت بأن دين محمد. . . من خير أديان البرية دينا (¬3) # لكن امتنع من الإقرار بالتوحيد والنبوة حبا لدين سلفه، وكراهة أن (¬4) ~~يعيره قومه، فلما لم يقترن بعلمه الباطن الحب والانقياد الذي يمنع ما يضاد ~~ذلك من حب الباطل وكراهة الحق لم يكن مؤمنا (¬5). PageV01P456 ### | AUTO [كفر إبليس وفرعون واليهود مع علمهم] # وأما إبليس وفرعون واليهود ونحوهم، فما قام بأنفسهم من الكفر وإرادة ~~العلو والحسد منع من حب الله، وعبادة القلب له الذي لا يتم الإيمان إلا به، ~~وصار في القلب من كراهة (¬1) رضوان الله واتباع ما أسخطه ما كان كفرا لا ~~ينفع معه العلم. PageV01P457 ### | AUTO فصل [وجوه التفاضل في الإيمان] # والتفاضل في الإيمان بدخول زيادة الإيمان والنقص فيه يكون من وجوه ~~متعددة: (أحدها): الأعمال الظاهرة، فإن الناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص ~~(¬1)، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في ~~دخول ذلك في مسمى الإيمان، فالنفاة يقولون: هو من ثمرات الإيمان ومقتضاه، ~~فأدخل يه مجازا بهذا الاعتبار، وهذا معنى زيادة الإيمان عندهم ونقصه، أي ~~زيادة ثمراته ونقصانها، فيقال: قد تقدم أن هذا من لوازم الإيمان وموجباته، ~~فإنه يمتنع أن يكون إيمان تام في القلب بلا قول ولا عمل ظاهر، وأما كونه ~~لازما له أو جزءا منه فهذا يختلف بحسب حال استعمال لفظ الإيمان مفردا [أو] ~~(¬2) مقرونا بلفظ الإسلام والعمل كما تقدم. # وأما قولهم: الزيادة في العمل الظاهر لا في موجبه ومقتضيه فهذا غلط، فإن ~~تفاضل ms072 (¬3) معلول الأشياء ومقتضاها يقتضي تفاضلها في أنفسها، وإلا فإذا ~~تماثلت الأسباب الموجبة لزم تماثل موجها ومقضاها، فتفاضل الناس في الأعمال ~~الظاهرة يقتضي تفاضلهم في موجب ذلك ومقتضيه، ومن هذا يبين (¬4): # (الوجه الثاني): في زيادة الإيمان ونقصه: وهو زيادة أعمال القلوب ونقصها، ~~فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن، أن الناس يتفاضلون في حب الله ~~ورسوله، وخشية الله (¬5)، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والإخلاص له، وفي ~~سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق، والنصح ~~لهم، ونحو ذلك من الأخلاق الإيمانية. PageV01P458 # وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد ~~حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء ~~لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما ~~يكره أن يلقى في النار" (¬1). # وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} [التوبة: 24]. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "والله إني لأخاشكم لله وأعلمكم بحدوده" (¬2). # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ~~ووالده والناس أجمعين" (¬3). # وقال له عمر - رضي الله عنه -: (يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا ~~من نفسي)، قال: "لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك"، قال: PageV01P459 # فلأنت أحب إلي من نفسي، قال: "الآن يا عمر" (¬1). # وهذه الأحاديث ونحوها في الصحاح، وفيها بيان تفاضل الحب والخشية. # وقد قال تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165]، وهذا أمر يجده ~~الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ~~ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة، ولهذا كان أهل المعرفة من أعظم الناس ~~قولا بدخول الزيادة والنقصان فيه، لما يجدون من ذلك في أنفسهم. # ومن هذا قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد ms073 جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173)} [آل عمران: 173]، ~~وإنما زادهم طمأنينة وسكونا. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" (¬2). # (الوجه الثالث): أن نفس التصديق والعلم الذي (¬3) في القلب يتفاضل ~~باعتبار الإجمال والتفصيل، فليس تصديق من صدق الرسول مجملا من غير معرفة ~~منه بتفاصيل أخباره، كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته والجنة ~~والنار والأمم وصدقه في ذلك كله، وليس من التزم طاعته مجملا ومات قبل أن ~~يعرف تفصيل ما أمره به كمن عاش حتى عرف ذلك مفصلا وأطاعه فيه. # (الوجه الرابع): أن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت، كما يتفاضل سائر ~~صفات الحي من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، PageV01P460 # بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك، فإذا كانت القدرة ~~على الشيء تتفاوت (¬1) وكذلك (¬2) الإخبار عنه يتفاوت، وإذا قال القائل: ~~العلم بالشيء الواحد لا يتفاضل، كان بمنزلة قوله: القدرة على المقدور ~~الواحد لا [تتفاضل] (¬3)، وقوله: ورؤية الشيء الواحد لا [تتفاضل] (¬4)، ومن ~~المعلوم أن الهلال المرئي يتفاضل الناس في رؤيته، وكذلك سمع الصوت الواحد ~~يتفاضلون في إدراكه، وكذلك الكلمة الواحدة يتكلم بها الشخصان ويتفاضلون في ~~النطق بها، وكذلك شم الشيء الواحد وذوقه يتفاضل الشخصان فيه. # فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته، بل وصفات غير الحي ~~(¬5) إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر، حتى يقال: ليس ~~أحد من المخلوقين يعلم شيئا من الأشياء مثلما يعلمه الله من كل وجه، بل علم ~~الله تعالى بالشيء أكمل من علم غيره به كيف ما قدر الأمر، وليس تفاضل ~~العلمين من جهة الحدوث والقدم فقط، بل من وجوه أخرى. # والإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه يتفاضل حاله فيه، كما يتفاضل حاله ~~في سمعه لمسموعه، ورؤيته لمرئيه، وقدرته على مقدوره، وحبه لمحبوبه، وبغضه ~~لبغيضه، ورضاه لمرضيه (¬6)، وسخطه بمسخوطه (¬7)، وإرادته لمراده، وكراهته ~~(¬8) لمكروهه، ومن أنكر التفاضل في هذه الحقائق كان مسفسطا (¬9). PageV01P461 # (الوجه الخامس): أن التفاضل يحصل من هذه الأمور من جهة الأسباب ms074 المقتضية ~~لها، فمن كان مستند تصديقه ومحبته أدلة توجب اليقين، و [تبين] (¬1) فساد ~~الشبهة العارضة، لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك، بل من حصل ~~(¬2) له علوم ضرورية لا يمكن دفعها عن نفسه لم يكن بمنزلة من تعارضه الشبهة ~~(¬3)، ويريد إزالتها بالنظر والبحث. # ولا يستريب عاقل أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها، وبفساد الشبهة (¬4) ~~المعارضة لذلك، وبيان بطلان حجة المحتج عليها، ليس كالعلم الذي هو الحاصل ~~عن دليل واحد من غير أن يعلم الشبهة (¬5) العارضة (¬6) له، فإن الشيء كلما ~~قويت أسبابه وتعددت، وانقطعت موانعه واضمحلت، كان أوجب لكماله وقوته ~~وتمامه. # (الوجه السادس): أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ذلك وثباته ~~وذكره واستحضاره، كما يحصل البغض من جهة الغفلة عنه، PageV01P462 # والإعراض والعلم والتصديق والحب والتعظيم وغير ذلك [فما] (¬1) في القلب، ~~هي صفات وأعراض وأحوال تدوم وتحصل بدوام أسبابها وحصول أسبابها، والعلم وإن ~~كان في القلب [فالغفلة] (¬2) تنافي تحقيقه (¬3)، والعالم بالشيء في حال ~~غفلته عنه حاله فيه (¬4) دون حال (¬5) العالم بالشيء في ذكره له. # قال عمير بن حبيب الخطمي من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~(الإيمان يزيد وينقص قالوا وما زيادته ونقصه؟ قال: إذا حمدنا الله وذكرناه ~~وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه) (¬6). # (الوجه السابع): أن يقال ليس فيما يقوم بالإنسان من جميع الأمور أعظم ~~تفاضلا وتفاوتا من الإيمان، فكلما [تقرر إثباته] (¬7) من الصفات والأفعال ~~مع تفاضله فالإيمان أعظم تفاضلا من ذلك. # مثال ذلك: أن الإنسان يعلم من نفسه تفاضل الحب الذي يقوم بقلبه، سواء كان ~~حبا لولده أو لامرأته أو لرياسته أو وطنه أو صديقه أو صورة من الصور أو ~~خيله أو بستانه أو ذهبه أو فضته وغير ذلك من أمواله. # فكما أن الحب أوله علاقة (¬8) لتعلق القلب بالمحبوب. # ثم صبابة (¬9) لانصباب القلب نحوه. PageV01P463 # ثم غرام (¬1) للزومه القلب كما يلزم الغريم غريمه. # ثم يصير عشقا (¬2). # إلى أن يصير تتيما، والتتيم التعبد، وتيم الله عبد الله (¬3)، فيصير ~~القلب [عبد]، (¬4) للمحبوب مطيعا له، لا يستطيع ms075 الخروج عن أمره. # وقد آل الأمر بكثير من عشاق الصور إلى ما هو معروف عند الناس، مثل من ~~حمله ذلك على قتل نفسه وقتل معشوقه، أو الكفر والردة عن الإسلام، أو أفضى ~~به إلى الجنون وزوال العقل، أو أوجب خروجه عن المحبوبات العظيمة من الأهل ~~والمال والرياسة، أو أمرض جسمه وأضناه (¬5). # فمن قال: الحب لا يزيد ولا ينقص، كان قوله من أظهر الأقوال فسادا، ومعلوم ~~أن الناس يتفاضلون في حب الله أعظم من تفاضلهم في حب كل محبوب، فهو سبحانه ~~اتخذ إبراهيم خليلا، واتخذ محمدا - صلى الله عليه وسلم - أيضا خليلا. # كما استفاض عنه أنه قال: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا PageV01P464 # لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله" (¬1)، يعني نفسه - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقال: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا " (¬2)، والخلة (¬3) ~~أخص من مطلق المحبة، فإن الأنبياء عليهم السلام والمؤمنون يحبون الله، ~~ويحبهم الله، كما قال تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} الآية ~~[المائدة: 54]. # وقال تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165]. # وقد أخبر الله تعالى إن الله (¬4) يحب المتقين، ويحب المقسطين، ويحب ~~التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص. # وقد (¬5) كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبر بحبه لغير واحد، كما ثبت ~~عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أنه قال للحسن وأسامة: "اللهم إني ~~أحبهما فأحبهما، وأحب من يحبهما" (¬6). # وقال له عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"، PageV01P465 # قال: فمن الرجال؟ قال: "أبوها" (¬1). # وقال للأنصار (¬2): "والله إني لأحبكم" (¬3). ### | AUTO [تفاضل الناس في حب الله] # والناس في حب الله يتفاضلون (¬4) ما بين أفضل الخلق محمد وإبراهم صلى ~~الله عليهما وسلم إلى أدنى الناس درجة، مثل من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~إيمان، وما بين هذين الحدين من الدرجات لا يحصيه إلا الله (¬5) رب الأرض ~~والسماوات، فإنه ليس في أجناس المخلوقات ما يتفاضل بعضه على بعض كبني آدم، ~~فإن الفرس الواحدة ما تبلغ أن تساوي ms076 ألف ألف. # وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر - رضي الله عنه -: أنه كان جالسا عند ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ مر به رجل من أشراف الناس، فقال: "يا أبا ~~ذر أتعرف هذا؟ "، قلت: نعم يا رسول الله، هذا حري إن خطب أن ينكح، وإن قال ~~يستمع (¬6) لقوله، وإن غاب أن يسأل عنه، ثم مر رجل من ضعفاء المسلمين فقال: ~~"يا أبا ذر أتعرف هذا؟ "، قلت: نعم يا رسول الله، هذا رجل من ضعفاء الناس، ~~هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن قال أن لا يستمع (¬7) لقوله، وإن غاب لا ~~يسأل عنه، فقال: PageV01P466 # "يا أبا ذر هذا خير من ملء الأرض مثل هذا" (¬1). ### | AUTO [تفضيل صالحي البشر على الملائكة] # فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصادق الذي لا يجازف (¬2) فيما ~~يقول: أن الواحد من بني آدم يكون خيرا من ملء الأرض من الآدميين، وإذا كان ~~الواحد منهم أفضل من الملائكة (¬3)، والواحد منهم PageV01P467 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P468 # [شرا] (¬1) من البهائم، كان التفاضل [الذي] (¬2) فيهم أعظم من تفاضل ~~الملائكة، وأصل تفاضلهم إنما هو بمعرفة الله ومحبته، فعلم أن تفاضلهم في ~~هذا لا يضبطه إلا الله تعالى، وكل ما يعلم من تفاضلهم في حب شيء من ~~محبوباتهم، فتفاضلهم في حب الله أعظم. # وهكذا تفاضلهم في خوف ما يخافونه، وتفاضلهم في الخضوع والذل (¬3) لما ~~يذلون له ويخضعون، وكذلك تفاضلهم فيما يعرفونه من المعروفات، ويصدقون به، ~~ويقرون به، وإن كانوا يتفاضلون في معرفة الملائكة وصفاتهم، والتصديق بهم، ~~فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق به أعظم. # وكذلك إن كانوا يتفاضلون في معرفة روح الإنسان وصفاتها، والتصديق بها، أو ~~في معرفة الجن وصفاتهم، وفي التصديق بهم، أو في معرفة ما في الآخرة من ~~النعيم والعذاب -كما أخبروا به من المأكولات والمشروبات والملبوسات ~~والمنكوحات والمسكونات- فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق بذلك (¬4) ~~أعظم من تفاضلهم في معرفة الروح التي هي النفس الناطقة، ومعرفة ما في ~~الآخرة من النعيم والعذاب، بل إن كانوا متفاضلين في معرفة أبدانهم وصفاتها ~~وصحتها ومرضها ms077 وما يتبع ذلك، فتفاضلهم في معرفة الله تبارك وتعالى أعظم ~~وأعظم فإن كل ما يعلم ويقال يدخل في معرفة الله تعالى، إذ لا موجود إلا وهو ~~خلقه، وكل ما في المخلوقات من الصفات والأسماء والأقدار والأفعال فإنها ~~شواهد ودلائل على ما لله سبحانه وتعالى من الأسماء الحسنى والصفات العلى، ~~إذ كل كمال في المخلوقات فمن أثر كماله، وكل كمال ثبت لمخلوق فالخالق PageV01P469 # أحق به، وكل نقص تنزه (¬1) عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه منه (¬2)، وهذا ~~على طريق كل طائفة واصطلاحها، فهذا يقول كمال المعلول من كمال علته، وهذا ~~يقول: كمال المصنوع المخلوق من كمال صانعه وخالقه (¬3). # وفي الحديث الذي رواه أحمد في المسند، ورواه ابن حبان في صحيحه عن ابن ~~مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما أصاب عبدا هم ولا حزن ~~فقال: اللهم إني عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، ~~أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من ~~خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور ~~صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه ~~قرحا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلمهن؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن ~~يتعلمهن" (¬4). PageV01P470 # فقد أخبر في هذا الحديث أن لله تعالى أسماء استأثر بها في علم الغيب ~~عنده، وأسماء الله متضمنة لصفاته، [ليست] (¬1) أسماء أعلام محضة، بل أسماؤه ~~تعالى: كالعليم والقدير والسميع والبصير والرحيم والحكيم ونحو ذلك كل اسم ~~يدل على معاني صفاته على ما لم يدل عليه الاسم الآخر (¬2)، مع اشتراكها ~~كلها في الدلالة على ذاته سبحانه وتعالى (¬3). # وإذا كان من أسمائه ما اختص هو بمعرفته، ومن أسمائه ما خص به من شاء من ~~عباده، علم أن تفاضل الناس في معرفته أعظم من تفاضلهم في معرفة كل ما ~~يعرفونه. PageV01P471 # وبهذا يتبين (¬1) لك أن من زعم من أهل الكلام والنظر أنهم عرفوا الله ~~تعالى حق معرفته، بحيث لم ms078 يبق له صفة إلا عرفوها، وأن ما لم يعرفوه ولم يقم ~~لهم دليل على ثبوته كان معدوما منتفيا في نفس الأمر، قوم غالطون مخطئون ~~متدعون ضالون، وحجتهم في ذلك داحضة، فإن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول ~~عليه، وعدم العلم ليس علما بالعدم (¬2)، فليس (¬3) عدم العلم القطعي أو ~~الظني على الشيء دليلا على انتفائه، إلا أن يعلم أن ثبوته مستلزم لذلك ~~الدليل، مثل أن يكون الشيء لو وجد لتوفرت الهمم والدواعي على نقله، فيكون ~~هذا لازما لثبوته، فيستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، كما يعلم أنه ~~لو كان بين الشام والحجاز مدينة عظيمة مثل بغداد ومصر لكان الناس ينقلون ~~خبرها، فإذا نقل ذلك واحد واثنان وثلاثة علم كذبهم. # وكما يعلم أنه لو ادعى النبوة أحد على عهد (¬4) النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مثل مسيلمة الكذاب (¬5) PageV01P472 # والعنسي (¬1) وطليحة (¬2) وسجاح (¬3) لنقل الناس خبره كما نقلوا أخبار PageV01P473 # هؤلاء، ولو عارض القرآن معارض أي (¬1) بما يظن الناس أنه مثل القرآن لنقل ~~كما نقل قرآن مسيلمة الكذاب (¬2)، وكما نقلوا الفصول PageV01P474 # والغايات (¬1) PageV01P475 # لأبي العلاء المعري (¬1) PageV01P476 # وكما نقلوا غير ذلك من أقوال المعارضين له (¬1) بخرافات لا يظن عاقل أنها ~~مثله، فكان النقل لما يظهر (¬2) فيه المشابهة والمماثلة أقوى في العادة ~~والطباع في ذلك (¬3) أرغب سواء كانوا محبين أو مبغضين، هذا أمر جبل عليه ~~[بنو] (¬4) آدم كما يعلم أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لو طلب ~~الخلافة على عهد أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم وقاتل عليها لنقل ~~ذلك الناس كما نقلوا ما جرى بعد هؤلاء. PageV01P477 # و (¬1) كما يعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو أمره أن يصلي بالناس ~~صلاتهم لنقلوا ذلك، كما نقلوا أمره أبي بكر - رضي الله عنه - وصلاته بالناس ~~(¬2)، وكما يعلم أنه لو عهد له بالخلافة لنقلوا ذلك كما نقلوا ما هو (¬3) دونه. # بل كما يعلم أن لم يكن يجتمع هو وأصحابه على استماع دف أو كف ولا على رقص ~~وزفن (¬4). # بل كما أنه لم يكن بعد الصلوات يجتمع هو وهم ms079 على دعاء ورفع [أيد] (¬5) ~~ونحو ذلك، إذ لو فعل ذلك لنقلوه، بل كما يعلم أنه لم يصل في السفر الظهر ~~والعصر والعشاء أربعا، وأنه لو صلى في السفر أربعا بعض الأوقات لنقل الناس ~~ذلك، كما نقلوا جمعه بين الصلاتين بعض الأوقات. # بل كما يعلم أنه لم يكن يصلي المكتوبات وحده، بل إنما كان يصليهن في ~~الجماعة، بل كما يعلم أنه لم يكن هو وأصحابه يحملون التراب في السفر ~~للتيمم، ولا يصلون كل ليلة على من يموت من المسلمين، ولا ينوون الاعتكاف ~~كلما دخلوا مسجدا للصلاة، بل كما يعلم أنه لم يصل على غائب غير النجاشي ~~(¬6)، بل كما يعلم أنه لو كان دائما PageV01P478 # يقنت في الفجر و (¬1) غيرها بقنوت مسنون يجهر به لنقل الناس ذلك، كما ~~نقلوا قنوته العارض الذي دعا فيه لقوم وعلى قوم (¬2)، وكان نقلهم لذلك ~~أوكد، وكما يعلم أنه لما صلى بالناس بعرفة ومزدلفة قصرا وجمعا و (¬3) لو ~~أمر أحدا خلفه أن يتم صلاته، أو أن لا يجمع معه لنقل الناس ذلك، كما نقلوا ~~ما دون ذلك، وكما يعلم أنه لم يأمر الحيض في زمانه المبتدآت بالحيض أن ~~يغتسلن عند انقضاء يوم وليلة، وأنه لم يأمر أصحابه أن يغسلوا ما يصيب ~~أبدانهم وثيابهم من المني، وأنه لم يوقت للناس لفظا معينا لا في نكاح ولا ~~(¬4) بيع ولا إجارة ولا غير ذلك، ولما حج حجة الوداع لم يعتمر عقيب الحج، ~~وأنه لما أفاض من منى إلى مكة يوم النحر PageV01P479 # ما طاف وسعى أولا، ثم طاف ثانيا إلى غير ذلك مما يطول ذكره. # ومن تتبع كتب الصحيحين ونحوها من الكتب المعتمدة، ووقف على أقوال الصحابة ~~والتابعين، ومن قفا منهاجهم من الأئمة المرضيين -قديما وحديثا- علم صحة ما ~~أوردناه في هذا الباب. ### | AUTO [المدلول المستلزم للدليل] # والمقصود هنا أن المدلول إذا كان وجوده مستلزما لوجود دليله كان انتفاء ~~دليله دليلا على انتفائه، أما إذا أمكن وجوده وأمكن أن لا نعلم نحن دليل ~~ثبوته لم يكن عدم علمنا بدليل وجوده دليلا على عدمه. ms080 # فأسماء الله تبارك وتعالى وصفاته إذا لم يكن عندنا ما يدلنا عليها لم يكن ~~ذلك مستلزما لانتفائها، إذ ليس في الشرع ولا في العقل ما يدل على أنا لا بد ~~أن نعلم كل ما هو ثابت له تعالى من الأسماء والصفات. # بل قد قال أفضل الخلق وأعلمهم بالله عز وجل في الحديث الصحيح: (لا أحصي ~~ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (¬1). # وفي الحديث الصحيح حديث الشفاعة: "فأخر ساجدا فأحمد ربي بمحامد يفتحها ~~علي لا أحصيها الآن" (¬2). # فإذا كان أعلم (¬3) الخلق بالله تعالى (¬4) لا يحصي ثناء عليه، ولا يعرف ~~الآن محامده التي يحمده بها عند السجود للشفاعة، فكيف يكون غيره عارفا ~~بجميع محامد الله والثناء عليه، وكل ما له من الأسماء الحسنى فإنه PageV01P480 # داخل في محامده وفي ما يثنى عليه، وإذا كان كذلك فمن كان بما له من ~~الأسماء والصفات أعلم وأعرف [كان بالله أعلم وأعرف] (¬1)، بل من كان بأسماء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفاته أعلم كان بالنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أعلم، فليس من علم أنه نبي كمن علم أنه رسول، ولا من علم أنه رسول كمن ~~يعلم أنه خاتم الرسل، ولا من علم أنه خاتم الرسل كمن علم أنه سيد ولد آدم، ~~ولا من علم ذلك كمن علم ما خصه الله به من الشفاعة والحوض والمقام المحمود ~~والملة وغير ذلك من فضائله - صلى الله عليه وسلم -، وليس كل من جهل شيئا ~~[من خصائصه] (¬2) يكون كافرا، بل كثير من المؤمنين لم يسمع بكثير من فضائله ~~وخصائصه، فكذلك ليس كل من جهل بعض أسماء الله وصفاته يكون كافرا، إذ كثير ~~من المؤمنين لم يسمع كثيرا مما وصفه به رسوله وأخبر به عنه، فهذه الوجوه ~~(¬3) ونحوها مما تبين (¬4) تفاضل الإيمان الذي في القلب، وأما تفاضلهم في ~~الأقوال والأعمال الظاهرة فلا يشبه (¬5) على أحد والله أعلم. # فصل ### | AUTO [إيمان القلب مستلزم لأعمال الجوارح] # إذا تبين هذا وعلم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك ~~يستلزم الأمور الظاهرة من ms081 الأقوال الظاهرة والاعمال الظاهرة، كما أن القصد ~~التام مع القدرة يستلزم وجود المراد وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب في ~~القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه، زالت الشبهة (¬6) العلمية في هذه ~~المسألة، ولم يبق إلا نزاع لفظي في أن موجب الإيمان الباطن هل هو جزء منه ~~داخل في مسماه، فيكون لفظ الإيمان دالا عليه بالتضمن والعموم؟ أو هو لازم ~~للإيمان، ومعلول له، وثمرة له، فتكون دلالة الإيمان عليه بطريق [للزوم] ~~(¬7)؟ . PageV01P481 # وحقيقة الأمر أن اسم الإيمان يستعمل تارة هكذا وتارة هكذا كما قد تقدم، ~~فإذا قرن اسم الإيمان بالإسلام أو العمل كان دالا على الباطن فقط، وإن أفرد ~~اسم الإيمان فقد يتناول الباطن والظاهر، وبهذا تأتلف النصوص. ### | AUTO [يختلف لفظ الإيمان بحسب وروده مفردا أو مقترنا] # فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا ~~إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ~~(¬1) أفرد لفظ الإيمان فدخل فيه الباطن والظاهر. # وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث جبريل عليه السلام: "الإيمان أن ~~تؤمن بالله وملائكته وفي ورسله واليوم الآخر" ذكره مع قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة ~~وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت" (¬2). # فلما قرنه باسم الإسلام ذكر ما يخصه، فالاسم في ذلك الحديث مجرد عن ~~الاقتران (¬3)، وفي هذا الحديث مقرون باسم الإسلام. # وكذلك اسم الإسلام إذا جرد كما في قوله تعالى: {إن الدين عند الله ~~الإسلام} [آل عمران: 19] (¬4). # وقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] ~~دخل فيه الباطن، فلو أتى بالعمل الظاهر دون الباطن لم يكن ممن أتى بالدين ~~الذي هو عند الله الإسلام. # وأما إذا قرن الإسلام بالإيمان كما في قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل ~~لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14]. PageV01P482 # وقوله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها غير ~~بيت من المسلمين (36)} [الذاريات: 35، 36]. # وقوله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} ms082 [الأحزاب: 35] ~~فقد يراد بالإسلام الأعمال الظاهرة كما في حديث أنس الذي في المسند عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الإسلام علانية والإيمان في القلب" (¬1). # ومن علم أن دلالة اللفظ تختلف بالإفراد والاقتران، كما في اسم الفقير ~~والمسكين، والمعروف والمنكر والبغي، وغير ذلك من الأسماء، كما في لغات سائر ~~الأمم عربها وعجمها زاحت عنه الشبهة في هذا الباب والله أعلم بالصواب (¬2). # فإن قال قائل: اسم الإيمان إنما يتناول الأعمال مجازا قيل له (¬3): أولا ~~ليس هذا بأولى ممن قال: إنما تخرج عنه الأعمال مجازا، بل هذا أقوى لأن خروج ~~العمل عنه إنما هو إذا كان مقرونا باسم الإسلام والعمل، وأما دخول العمل ~~فيه فإذا أفرد كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان بضع وسبعون ~~شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء ~~شعبة من الإيمان" (¬4). # ومعلوم (¬5) إنما (¬6) يدل مع الاقتران أولى باسم المجاز مما يدل عند ~~التجريد والإطلاق (¬7). PageV01P483 # وقيل له ثانيا: لا نزاع في أن العمل الظاهر هو فرع [عن] (¬1) الباطن ~~وموجب له ومقتضاه، لكن هل هو داخل في مسمى الاسم وجزء منه؟ أو هو لازم ~~للمسمى كالشرط المفارق والموجب التابع؟ ### | AUTO [حقيقة الأسماء الشرعية] # ومن المعلوم أن الأسماء الشرعية والدينية، كاسم الصلاة والزكاة والحج ~~ونحو ذلك، هي باتفاق الفقهاء اسم لمجموع الصلاة الشرعية (¬2)، والزكاة ~~الشرعية، والحج الشرعي، ومن قال إن الاسم إنما يتناول ما يتناوله عند ~~الإطلاق في اللغة، وأن ما زاده الشارع إنما هو زيادة في الحكم وشرط فيه لا ~~داخل في الاسم، كما قال ذلك القاضي أبو بكر بن الطيب (¬3)، والقاضي أبو ~~يعلى (¬4)، ومن وافقهما على أن الشرع زاد أحكاما شرعية جعلها شروطا في ~~القصد و [الأعمال] (¬5) والدعاء، ليست داخلة في مسمى الحج والصيام والصلاة، ~~فقولهم مرجوح عند الفقهاء وجماهير المنسوبين إلى العلم، ولهذا كان الجمهور ~~من أصحاب الأئمة الأربعة على خلاف هذا القول (¬6). PageV01P484 # فإذا قال قائل: إن اسم الإيمان إنما يتناول مجرد (¬1) ما هو تصديق، PageV01P485 # وإما كونه تصديقا بالله تعالى ms083 وملائكته وكتبه ورسله، وكون ذلك مستلزما ~~لحب الله ورسوله ونحو ذلك هو شرط في الحكم لا داخل في الاسم، إن لم يكن ~~أضعف من ذلك القول فليس بدونه (¬1) في الضعف. # فكذلك من قال: الأعمال الظاهرة لوزام للباطن، لا تدخل في الاسم عند ~~الإطلاق، يشبه قوله قول هؤلاء. # والشارع إذا قرن بالإيمان العمل فكما يقرن بالحج ما هو من تمامه كما إذا ~~قال: من حج البيت وطاف وسعى [و] (¬2) وقف بعرفة ورمى الجمار، ومن صلى فقرأ ~~وركع وسجد، كما قال: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا. . . " (¬3)، ومعلوم ~~أنه لا يكون (¬4) صوما شرعيا إن لم يكن إيمانا واحتسابا. # [و] (¬5) قال: "من حج هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ~~ولدته أمه" (¬6)، ومعلوم أن الرفث (¬7) الذي هو الجماع يفسد الحج، والفسوق ~~ينقص ثوابه، وكما قال: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا" (¬8)، ~~فلا يكون مصليا إن لم يستقبل قبلتنا في الصلاة. PageV01P486 # وكما قال - صلى الله عليه وسلم -: "خمس صلوات كتبهن الله على العبد في ~~اليوم والليلة، من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم ~~يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له" (¬1)، ~~فذكر المحافظة (¬2) عليها، ومعلوم أنه لا يكون مصليا لها على الوجه المأمور ~~إلا بالمحافظة عليها، ولكن بين أن الوعيد مشروط بذلك، ولهذا لم (¬3) PageV01P487 # يلزم من عدم المحافظة عليها أنه (¬1) لا يصليها، بل قد يصليها (¬2) بعد ~~الوقت، فلا يكون محافظا عليها، إذ المحافظة تستلزم فعلها في الوقت (¬3). # كما قال تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] نزلت ~~لما أخرت العصر عام الخندق قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ملأ الله ~~أجوافهم وقبورهم نارا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" (¬4). # وبهذا يظهر أن الاحتجاج بذلك (¬5) على أن تارك الصلاة لا يكفر حجة ضعيفة، ~~لكنه يدل على أن تارك المحافظة عليها (¬6) لا يكفر، فإذا صلاها بعد الوقت ~~لم يكفر (¬7). # ولهذا جاءت في الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ms084 قيل له (¬8): يا ~~رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: (لا ما صلوا) (¬9). # وكذلك لما سئل ابن مسعود عن قوله تعالى: {أضاعوا الصلاة} [مريم: 59] PageV01P488 # قال: هو تأخيرها عن وقتها، فقيل له: كنا نظن ذلك تركها، فقال: لو تركوها ~~لكانوا كفارا (¬1). # والمقصود أنه يدخل في الاسم المطلق أمور كثيرة وإن كانت تخص بالذكر، وقيل ~~لمن قال دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز: نزاعك لفظي، فإنك إذا ~~سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم ~~موجبا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفت بهذا ~~كان النزاع لفظيا. # وإن قلت: ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه من أنه قد (¬2) يستقر الإيمان ~~التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر، وترك جميع الواجبات الظاهرة. # قيل لك: فهذا يناقض قولك إن الظاهر لازم له، وموجب له، بل (¬3) حقيقة ~~قولك: إن الظاهر يقارن الباطن تارة ويفارقه أخرى، فليس بلازم له ولا موجب ~~ومعلول له، ولكنه دليل إذا وجد دل على وجوب (¬4) الباطن، PageV01P489 # وإذا عدم لم يدل عدمه على العدم، وهذا حقيقة قولك، وهو أيضا خطأ عقلا، ~~كما هو خطأ شرعا، وذلك أن هذا ليس بدليل قاطع، إذ هذا يظهر من المنافق ~~[فإنه يبقى] (¬1) دليلا في بعض الأمور المتعلقة بدار الدنيا، كدلالة اللفظ ~~على المعنى، وهذا حقيقة قولك. # فيقال لك: فلا يكون ما يظهر من الأعمال لا (¬2) ثمرة للإيمان الباطن، ولا ~~موجبا له، ولا (¬3) من مقتضاه، وذلك أن المقتضي لهذا الظاهر إن كان هو نفس ~~الإيمان الباطن لم يتوقف وجوده على غيره، فإن ما كان [معلولا] (¬4) للشيء ~~وموجبا له لا يتوقف على غيره، بل يلزم من وجوده وجوده، فلو كان الظاهر موجب ~~الإيمان الباطن لوجب أن لا يتوقف على غيره، بل إذا وجد الموجب وجد الموجب. ### | AUTO [مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزما للإيمان النافع عند الله] # وأما إذا وجد معه تارة، وعدم أخرى، أمكن أن يكون من موجب ذلك الغير، ~~وأمكن أن يكون موقوفا عليهما جميعا، فإن ذلك ms085 الغير إما مستقل بالإيمان، أو ~~مشارك للإيمان، وأحسن أحواله أن يكون الظاهر موقوفا عليهما معا: على ذلك ~~الغير، وعلى الإيمان، بل قد علم أنه يوجد بدون الإيمان، كما في أعمال ~~المنافق، فحينئذ لا يكون العمل الظاهر مستلزما للإيمان، ولا لازما له، بل ~~يوجد معه تارة، ومع نقيضه تارة، ولا يكون الإيمان علة له، ولا موجبا، ولا ~~مقتضا، فيبطل حينئذ أن يكون دليلا عليه، لأن الدليل لا بد أن يستلزم ~~المدلول، وهذا هو الحق فإن مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزما للإيمان ~~النافع عند الله. ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد لما قال له: ~~هو مؤمن، قال: أو مسلم! (¬5). # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن PageV01P490 # الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} ~~[الممتحنة: 10] فدل ذلك على أن مجرد إظهار الإسلام لا يكون دليلا على ~~الإيمان في الباطن، إذ لو كان كذلك لم تحتج المهاجرات اللاتي جئن مسلمات ~~إلى الامتحان، ودل ذلك على أنه بالامتحان والاختبار يتبين باطن الإنسان، ~~فيعلم أهو مؤمن أم ليس بمؤمن. # كما في الحديث المرفوع: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له ~~بالإيمان". # فإن الله يقول: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله} [التوبة: 18] (¬1). # فإن قيل (¬2): الأعمال الظاهرة تكون من موجب الإيمان تارة، ومن موجب غيره ~~أخرى، كالتكلم بالشهادين: تارة يكون من موجب إيمان القلب، وتارة يكون ~~للتقية (¬3) كإيمان المنافقين. # قال تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم PageV01P491 # بمؤمنين} [البقرة: 8]، ونحن إذا قلنا هو (¬1) من ثمرة الإيمان إذا كانت ~~صادرة عن إيمان القلب لا عن نفاق، قيل: فإذا كانت صادرة عن إيمان، إما أن ~~يكون نفس الإيمان موجبا لها، واما أن يقف (¬2) على أمر آخر، فإن (¬3) كان ~~نفس [الإيمان] (¬4) موجبا لها ثبت أنها لازمة لإيمان القلب معلولة له (¬5) ~~لا تنفك عنه، وهذا المطلوب، وإن توقفت (¬6) على أمر آخر كان الإيمان جزءا ~~لسبب (¬7) جعلها ثمرة للجزء الآخر ms086 ومعلولة له، إذ حقيقة الأمر أنها معلولة ~~لهما وثمرة لهما. # فتبين أن الأعمال الظاهرة الصالحة لا تكون ثمرة للإيمان الباطن ومعلولة ~~له، إلا إذا كان [موجبا] (¬8) لها ومقتضيا لها، وحينئذ فالموجب لازم ~~لموجبه، والمعلول لازم لعلته، وإذا [نقصت] (¬9) الأعمال الظاهرة الواجبة ~~كان ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان، فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب ~~الذي في القلب أن تعدم الأعمال الواجبة الظاهرة (¬10)، بل يلزم من وجود هذا ~~كاملا، وجود هذا كاملا، كما يلزم من نقص هذا نقص هذا و (¬11) تقدير إيمان ~~تام في القلب بلا ظاهر من قول وعمل، كتقدير موجب تام بلا موجه، وعلة تامة ~~بلا محلولها، وهذا ممتنع (¬12). PageV01P492 ### | AUTO [امتناع وجود الإيمان التام في القلب بلا ظاهر] # [و] (¬1) بهذا وغيره تبين (¬2) فساد قول جهم والصالحي ومن اتبعهما في ~~الإيمان كالأشعري في أشهر قوليه وأكثر أصحابه وطائفة من متأخري أصحاب أبي ~~حنيفة كالماتريدي (¬3) ونحوه، حيت جعلوه مجرد تصديق في القلب تساوى (¬4) ~~فيه العباد، وأنه إما أن بعدم، وإما أن يوجد لا يتبعض، وأنه يمكن وجود ~~الإيمان تاما في القلب مع وجود التكلم بالكفر والسب لله ورسوله طوعا من غير ~~إكراه، وأن ما علم من الأقوال الظاهرة أن صاحبه كافر، فلأن ذلك مستلزم عدم ~~ذلك التصديق الذي في القلب (¬5)، وأن الأعمال الصالحة الظاهرة ليست لازمة ~~للإيمان الباطن (¬6) في القلب، بل يوجد إيمان القلب تاما بدونها، فإن هذا ~~القول فيه خطأ من وجوه: ### | AUTO [أخطاء الجهمية والمرجئة في الإيمان] # (أحدها): أنهم أخرجوا ما في القلب (¬7) من حب الله وخشيته ونحو ذلك أن ~~يكون من نفس الإيمان. # (وثانيها): جعلوا ما علم أن صاحبه كافر -مثل إبيس وفرعون واليهود وأبي ~~طالب و [غيرهم] (¬8) - أنه إنما كان كافرا لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في ~~الباطن، وهذا مكابرة للعقل والحس، ولذلك جعلوا من يبغض الرسول ويحسده ~~لكراهة دينه [مستلزما] (¬9) لعدم العلم بأنه صادق ونحو ذلك. PageV01P493 # (وثالثها): أنهم جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر من سب الله ورسوله ~~والتثليث وغير ذلك، قد يكون مجامعا لحقيقة ms087 الإيمان الذي في القلب، ويكون ~~صاحبه ذلك مؤمنا عند الله حقيقة، سعيدا في الدار الآخرة، وهذا مما (¬1) ~~يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام. # (ورابعها): أنهم جعلوا من لم (¬2) يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك، ~~ولا أطاع الله طاعة ظاهرة مع وجوب ذلك عليه وقدرته عليه (¬3) قد (¬4) يكون ~~مؤمنا بالله تام الإيمان، سعيدا في الدار الآخرة، وهذه الفضائح تختص (¬5) ~~بها الجهمية دون المرجئة من الفقهاء وغيرهم. ### | AUTO [قولهم بتساوي إيمان الأنبياء مع الفساق] # (وخامسها): وهو يلزمهم ويلزم المرجئة أنهم قالوا: إن العبد قد يكون مؤمنا ~~تام الإيمان، إيمانه مثل [إيمان] (¬6) الأنبياء والصديقين و [لو] (¬7) لم ~~يعمل خيرا [لا صلاة] (¬8) ولا صلة ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها، ~~فيكون الرجل عندهم، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وهو مصر ~~على دوام الكذب والخيانة ونقض العهود، لا سجد (¬9) لله سجدة، ولا يحسن إلى ~~أحد حسنة، ولا يؤدي أمانة، ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وفاحشة إلا ~~فعلها، وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء، وهذا يلزم ~~كل من لم يقل إن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان الباطن، فإذا قال: إنها ~~من لوازمه، وأن إيمان الباطن (¬10) يستلزم عملا صالحا ظاهرا، كان بعد ذلك ~~قوله: إن تلك الأعمال لازمة لمسمى الإيمان، أو جزءا مه نزاعا لفظيا كما تقدم. # (وسادسها): أنه يلزمهم أن من سجد للصليب والأوثان طوعا، وألقى PageV01P494 # المصحف في الحش عمدا، وقتل النفس بغير حق، وقتل كل (¬1) من رآه يصلي، ~~وسفك دم كل من رآه يحج البيت، وفعل ما فعلته القرامطة بالمسلمين (¬2)، يجوز ~~أن يكون مع ذلك مؤمنا وليا لله، إيمانه كإيمان النبيين والصديقين. # لأن الإيمان الباطن إما أن يكون منافيا لهذه الأمور، وإما أن لا يكون ~~منافيا. # فإن لم يكن منافيا لها (¬3) أمكن وجودها معه، فلا يكون وجودها دالا على ~~(¬4) عدم الإيمان الباطن. # وإن كان منافيا للإيمان الباطن كان ترك هذه من موجب الإيمان ومقتضاه ~~ولازمه، فلا يكون مؤمنا في الباطن الإيمان ms088 الواجب إلا من ترك هذه الأمور، ~~فمن لم يترك (¬5) دل ذلك على فساد إيمانه الباطن. # لماذا كانت الأعمال والتروك الظاهرة لازمة للإيمان الباطن كانت من موجبه ~~ومقتضاه، وكان من المعلوم أنها تقوى بقوته، وتضعف بضعفه (¬6)، وتزيد ~~بزيادته، وتنقص بنقصانه، فإن الشيء المعلول لا يزيد إلا بزيادة موجبه ~~ومقتضيه، ولا ينقص إلا بنقصان ذلك، فإذا جعل العمل الظاهر PageV01P495 # موجب الباطن ومقتضاه لزم أن يكون (¬1) زيادته لزيادة الباطن، فيكون دليلا ~~على زيادة الإيمان الباطن ونقصه (¬2)، ولنقص الباطن، فيكون نقصه دليلا على ~~نقص الباطن، وهو المطلوب. # وهذه الأمور كلها إذا تدبرها المؤمن بعقله، تبين له أن مذهب السلف هو ~~المذهب الحق الذي لا عدول عنه، وأن من خالفهم لزمه فساد معلوم بصريح ~~المعقول، وصحيح المنقول كسائر ما يلزم الأقوال المخالفة لأقوال السلف ~~والأئمة والله أعلم. ### | AUTO [فصل] [مشابهة الجهمية للفلاسفة معنى السعادة عند الفلاسفة] # وقول جهم ومن وافقه أن الإيمان مجرد العلم والتصديق، وهو بذلك وحده مستحق ~~(¬3) الثواب والسعادة، يشبه قول من قال من الفلاسفة المشائين وأتباعهم ~~(¬4): إن سعادة الإنسان في مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه (¬5)، كما ~~أن قول الجهمية وهؤلاء الفلاسفة في مسائل "الأسماء والصفات" و "مسائل الجبر ~~والقدر" متقاربان، وكذلك في مسائل الإيمان، وقد بسطنا الكلام على ذلك وبينا ~~بعض ما فيه من الفساد في غير هذا الموضع (¬6)، مثل أن العلم هو أحد قوتي ~~النفس، فإن النفس لها قوتان: PageV01P496 # قوة العلم والتصديق، وقوة الإرادة والعمل، كما أن الحيوان له قوتان: قوة ~~الحس وقوة الحركة بالإرادة (¬1). # وليس صلاح الإنسان ونفسه (¬2) في مجرد أن يعلم الحق دون أن لا يحبه ~~ويريده ويتبعه. # كما أنه ليست (¬3) سعادته في أن يكون عالما بالله مقرا بما يستحقه، دون ~~أن يكون محبا لله عابدا لله مطيعا لله، بل أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~عالم لم ينفعه الله بعلمه (¬4)، فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه كان ~~مستحقا من غضب الله وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك، كما أن من كان قاصدا ~~للحق طالبا له ms089 -وهو جاهل بالمطلوب وطريقه- كان فيه من الضلال، وكان متحقا ~~من اللعنة- التي هي البعد عن رحمة الله (¬5) - ما لا يستحقه من ليس مثله. PageV01P497 # ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول: {اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7)} [الفاتحة: 6، 7]، والمغضوب ~~عليهم علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه، والضالون قصدوا الحق لكن بجهل ~~وضلال به وبطريقه، فهذا بمنزلة العالم الفاجر، وهذا بمنزلة العابد الجاهل، ~~وهذا حال اليهود فإنهم (¬1) مغضوب عليهم، وهذا حال النصارى فإنهم ضالون (¬2). # كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم ~~والنصارى ضالون" (¬3). ### | AUTO [فساد قول المتفلسفة] # والمتفلسفة أسوأ حالا من اليهود والنصارى، فإنهم جمعوا بين جهل هؤلاء ~~وضلالهم، وبين فجور هؤلاء وظلمهم، فصار فيهم من الجهل والظلم ما ليس في ~~اليهود ولا النصارى، حيث جعلوا السعادة في مجرد أن يعلموا الحقائق، حتى ~~يصير الإنسان عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود (¬4). # ثم لم ينالوا من معرفة الله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وخلقه ~~وأمره إلا شيئا نزرا (¬5) قليلا، فكان جهلهم أعظم من علمهم، وضلالهم أكبر ~~من هداهم، وكانوا مترددين بين الجهل البسيط والجهل المركب (¬6)، فإن كلامهم ~~في الطبيعات والرياضات (¬7) لا يفيد كمال النفس وصلاحها وزكاها (¬8)، وإنما ~~يحصل ذلك بالعلم الإلهي، [وكلامهم] (¬9) فيه PageV01P498 # لحم جمل غث (¬1) على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل، فإن ~~كلامهم في "واجب الوجود" ما بين حق قليل، وباطل فاسد كثير. ### | AUTO [معنى الملائكة عند الفلاسفة] # وكذلك كلامهم (¬2) في "العقول" و"النفوس" (¬3) التي تزعم أتباعهم من أهل ~~الملل أنها الملائكة التي أخبرت بها الرسل (¬4)، وليس الأمر كذلك، بل زعمهم ~~أن هؤلاء هم الملائكة من جنس زعمهم أن "واجب الوجود" هو الوجود المطلق بشرط ~~الإطلاق، مع اعترافهم بأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان (¬5). # وكذلك كلامهم في "العقول" و "النفوس" يعود على (¬6) التحقيق إلى أمور ~~مقدرة في الأذهان، لا حقيقة لها في الأعيان، ثم فيه من الشرك بالله، وإثبات ~~رب مبدع لجميع العالم سواه -لكنه معلول له- وإثبات ms090 رب مبدع لكل ما تحت فلك ~~القمر هو معلول لرب (¬7) فوقه، و (¬8) ذلك الرب معلول لرب فوقه ما هو أقبح ~~من كلام النصارى في قولهم: إن المسيح ابن (¬9) الله PageV01P499 # بكثير كثير، كما بسط في غير هذا الموضع (¬1). # وليس لمقدميهم كلام في "النبوات" البتة، ومتأخروهم حائرون فيها، فمنهم من ~~يكذب بها، كما فعل ابن زكريا الرازي (¬2) وأمثاله مع قولهم PageV01P500 # بحدوث العالم، لكن (¬1) أثبتوا القدماء [الخمسة] (¬2) (¬3)، وأخذوا من ~~المذاهب ما هو شرها وأفسدها، ومتهم من يصدق بها مع قوله بقدم العالم، كابن ~~سينا (¬4) وأمثاله، لكنهم يجعلون النبي بمنزلة ملك عادل، PageV01P501 # ويجعلون (¬1) النبوة كلها من جنس ما يحصل لبعض الصالحين من الكشف ~~والتأثير والتخييل (¬2)، فيجعلون خاصة النبي ثلاثة أشياء: # قوة الحدس الصائب التي يسمونها القوة القدسية. # وقوة التأثير في العالم بنفسه (¬3). # وقوة الحس التي بها يسمع ويبصر المعقولات متخيلة في نفسه (¬4). ### | AUTO [طلب بعض غلاة الصوفية النبوة، واعتقادهم أنها بالاكتساب] # فكلام الله عندهم هو ما في نفسه من الأصوات، وملائكته هي ما في أنفسهم من ~~الصور والأنوار، وهذه الخصال تحصل لغالب أهل الرياضة والصفاء. فلهذا كانت ~~النبوة عندهم مكتسبة (¬5). PageV01P502 # وصار كل من سلك سبيلهم كالسهروردي المقتول (¬1)، وابن سبعين المغربي (¬2) ~~وأمثالهما يطلب النبوة، ويطمع أن يقال له: قم فأنذر، هذا يقول: لا أموت حتى ~~يقال لي: {قم فأنذر (2)} (¬3)، وهذا يجاور بمكة PageV01P503 # ويعمر (¬1) غار حراء، ويطلب أن ينزل عليه فيه الوحي كما نزل على المزمل ~~المدثر مثله (¬2)، وكل منهما ومن أمثالهما يسعى بأنواع من (¬3) السيمياء ~~(¬4) PageV01P504 # التي هي من السحر، ويتوهم أن معجزات الأنبياء كانت من جنس سحر السيماوي (¬1). ### | AUTO [ادعاء ابن عربي أن الولاية أعلى من النبوة] # ومن لم يمكنه طلب النبوة وادعاؤها لعلمه بقول الصادق المصدوق: (لا نبي ~~بعدي) (¬2)، أو غير ذلك كابن عربي (¬3) وأمثاله طلب ما هو أعلى من PageV01P505 ### | AUTO [خاتم الأولياء أعظم عند ابن عربي من خاتم الأنبياء] # النبوة في زعمه (¬1)، فادعى أن الولاية أعظم من النبوة (¬2)، وأن خاتم ~~الأولياء أعظم من خاتم الأنبياء، وأن الولي يأخذ (¬3) عن الله بلا واسطة، ~~والنبي ms091 يأخذ بواسطة الملك، وبنى ذلك على أصل متبوعيه الفلاسفة بأن الملائكة ~~عندهم: ما يتصور في نفس النبي، أو الولي من الأشكال النورانية الخيالية ~~(¬4)، فالملائكة عندهم ما يتخيله في نفسه، والنبي عندهم يتلقى (¬5) بواسطة ~~هذا التخيل، والولي يتلقى المعارف العقلية بدون هذا التخيل، ولا ريب أن من ~~تلقى المعارف بلا تخيل كان أكمل ممن يتلقاها بتخيل. # فلما اعتقدوا في النبوة (¬6) ما يعتقده هؤلاء المتفلسفة صاروا يقولون PageV01P506 # إن الولاية أعظم من النبوة، كما يقول كثير من الفلاسفة: إن الفيلسوف أعظم ~~من النبي، فإن هذا قول الفارابي (¬1) ومبشر بن [فاتك] (¬2) وغيرهما، ### | AUTO [قول بعض الفلاسفة: إن الفيلسوف أعظم من النبي] PageV01P507 # وهؤلاء يقولون: إن النبوة أفضل الأمور عند الجمهور، لا عند الخاصة، ~~ويقولون: خاصة النبي جودة [التخييل و] (¬1) التخيل. # فجاء هؤلاء (¬2) الذين أخرجوا الفلسفة في قالب الولاية، وعبروا عن ~~المتفلسف بالولي، وأخذوا معاني الفلاسفة وأبرزوها في صورة المكاشفة ~~والمخاطبة، قالوا (¬3): إن الولي أعظم من النبي، لأن المعاني المجردة ~~يأخذها عن الله بلا واسطة تخيل لشيء في نفسه، والنبي يأخذها عن الله بواسطة ~~ما يتخيل في نفسه من الصور والأصوات، ولم يكفهم هذا البهتان، حتى ادعوا أن ~~جميع الأنبياء والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء، الذي ~~هو من أجهل الخلق بالله، وأبعدهم عن دين الله، والعلم بالله هو عندهم العلم ~~(¬4) بأنه الوجود المطلق الساري في الكائنات، فوجود كل موجود هو عين وجود ~~واجب الوجود. # وحقيقة هذا القول هو (¬5) قول "الدهرية الطبيعية" (¬6) الذين ينكرون أن ~~يكون للعالم مبدع أبدعه، وهو واجب الوجود بنفسه، بل يقولون: العالم نفسه ~~واجب الوجود بنفسه، فحقيقة قول هؤلاء شر من قول "الدهرية الإلهيين" (¬7)، PageV01P508 # وهو يعود عند التحقيق (¬1) إلى قول الدهرية الطبيعيين. ### | AUTO [تنازع ابن عربي والسهروردي في التجلي] # وقد حدثونا أن ابن عربي تنازع هو والشيخ أبو حفص السهروردي (¬2) هل يمكن ~~كل (¬3) وقت تجلي الحق لعبد مخاطبته (¬4) له أم لا؟ . # فقال الشيخ أبو حفص السهروردي: نعم يمكن ذلك. # فقال ابن عربي: لا يمكن ذلك، وأظن الكلام كان في غيبة ms092 كل منهما عن صاحبه، ~~فقيل لابن عربي إن السهروردي يقول: كذا وكذا، فقال: مسكين! ! نحن تكلمنا في ~~مشاهدة الذات، وهو يتكلم في مشاهدة الصفات. # وكان كثير من أهل التصوف والسلوك والطالبين لطريق التحقيق والعرفان -مع ~~أنهم يظنون أنهم متابعون للرسول، وأنهم منفون (¬5) للبدع PageV01P509 # المخالفة له يقولون هذا الكلام ويعظمونه، ويعظمون ابن عربي لقوله مثل ~~هذا، ولا يعلمون أن هذا الكلام بناه على أصله الفاسد في الإلحاد، الذي يجمع ~~بين التعطيل والاتحاد. ### | AUTO [حقيقة مذهب ابن عربي] # فإن حقيقة الرب عنده وجود مجرد لا اسم له ولا صفة، ولا يمكن أن ترى ذاته ~~(¬1) لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا له كلام قام به (¬2)، ولا علم ولا ~~غير ذلك، ولكن يرى ظاهرا في المخلوقات متجليا في المصنوعات، وهو عنده عين ~~(¬3) وجود الموجودات، وشبهه (¬4) تارة بظهور الكلي في جزئياته، كظهور الجنس ~~في أنواعه، والنوع في الخاصية (¬5) كما تظهر الحيوانية في كل حيوان، ~~والإنسانية في كل إنسان (¬6). PageV01P510 # وهذا بناه على غلط أسلافه "المنطقيين اليونانيين" حيث ظنوا أن الموجودات ~~العينية تقارنها جواهر عقلية [بحسب] (¬1) ما يحمل عليها (¬2) من الكليات، ~~فيظنون أن في الإنسان المعين إنسانا عقليا، وحيوانا عقليا، وناطقا عقليا، و ~~[حساسا] (¬3) عقليا، وجسما عقليا، وذاك هو الماهية التي يعرض لها الوجود، ~~وتلك الماهية مشتركة بين جميع المعينات. # وهذا الكلام له روعة (¬4) عند من لم يفهمه ويتدبره، فإذا فهم [حقيقته] ~~(¬5) تبين له أنه بكلام المجانين أشبه منه بكلام العقلاء، وإنما ذلك مخالفة ~~(¬6) للحس والعقل، وإنما [أتي] (¬7) فيه هؤلاء من حيث إنهم تصوروا في ~~أنفسهم معاني كلية مطلقة، فظنوا أنها موجودة في الخارج، فضلالهم في هذا عكس ~~ضلالهم في أمر الأنبياء، فإن الأنبياء (¬8) [شاهدت] (¬9) أمورا خارجة عن ~~أنفسهم، فزعم هؤلاء الملاحدة أن تلك كانت في أنفسهم. # وهؤلاء الملاحدة شهدوا في أنفسهم أمورا كلية مطلقة فظنوا أنها في الخارج، ~~وليست إلا في أنفسهم، فجعلوا ما في أنفسهم في الخارج وليس فيه، وجعلوا ما ~~أخبرت به الأنبياء في أنفسهم، وإنما هو في الخارج، فلهذا كانوا مكذبين ~~بالغيب ms093 الذي أخبرت به الأنبياء # [مدعين] (¬10) أن ما يبصرونه في خيالهم هو ~~من جنس الغيب الذي أخبرت به الأنبياء # (¬11)، ثم جعلوا وجود الرب الخالق ~~للعالمين، البائن عن مخلوقاته أجمعين، هو من PageV01P511 # جنس وجود الإنسانية في الأناسي، والحيوانية في الحيوان، أو ما أشبه ذلك # ~~كوجود المائدة في الصورة، أو الصورة في المائدة # (¬1)، أو كوجود الوجود في ~~الثبوت -عند من يقول: المعدوم شيء- فإنهم أرادوا [أن يجعلوه] (¬2) شيئا ~~موجودا في المخلوقات مع مغايرته لها، فضربوا له مثلا تارة بالكليات، وتارة ~~بالمادة أو (¬3) الصورة وتارة بالوجود المغاير للثبوت، وإذا مثلوه ~~بالمحسوسات مثلوه بالشعاع في الزجاج، أو بالهواء في الصوفة، فضربوا لرب ~~العالمين الأمثال، فضلوا فلا يستطيعون سبيلا. # وهم في هذه الأمثال ضالون من وجوه: ### | AUTO [ضلال ملاحدة المتصوفة] # (أحدها): أن ما مثلوا به من المادة مع الصورة، والكليات مع الجزئيات، ~~والوجود مع الثبوت، كل ذلك يرجع عند التحقيق إلى شيء واحد لا شيئين، فجعلوا ~~الواحد اثنين، كما جعلوا الاثنين واحدا، في مثل صفات الله، يجعلون العلم هو ~~العالم، والعلم هو المعلوم، والعلم هو القدرة، والعلم هو الإرادة، وأنواع ~~هذه الأمور التي إذا تدبرها العاقل تبين له أن هؤلاء من أجهل الناس بأمور ~~الإلهية (¬4)، وأعظم الناس قولا للباطل، مع ما في نفوسهم ونفوس أتباعهم من ~~الدعاوي الهائلة الطويلة العريضة، كما يدعي إخوانهم القرامطة الباطنية أنهم ~~أئمة معصومون مثل الأنبياء، وهم من أجهل الناس وأضلهم وأكفرهم. # (الثاني): أنهم على كل تقدير من هذه التقديرات يجعلون وجوده مشروطا بوجود ~~غيره الذي ليس هو مبتدعا (¬5) له، فإن وجود الكليات في الخارج مشروط ~~بالجزئيات، ووجود المادة مشروط بالصورة، وكذلك بالعكس. # ووجود الأعيان مشروط بثبوتها المستقر في العدم، فيلزمهم على كل PageV01P512 # تقدير أن يكون واجب الوجود مشروطا بما ليس من مبتدعاته (¬1)، وما كان ~~وجوده موقوفا على غيره الذي هو ليس مصنوعا له (¬2) لم يكن واجب الوجود ~~بنفسه، وهذا بين. # (الثالث): أن هذا الكلام يعود عند التحقيق إلى أن يكون وجود الخالق عين ~~وجود المخلوقات، وهم يصرحون بذلك لكن يدعون المغايرة بين ms094 الوجود والثبوت، ~~أو بين الوجود والماهية أو (¬3) بين الكلي والجزئي، وهو المغايرة، و (¬4) ~~بين المطلق والمعين (¬5)، فلهذا كانوا يقولون بالحلول، تارة يجعلون الخالق ~~(¬6) حالا في المخلوقات، وتارة محلا لها، وإذا حقق الأمر عليهم بعدم ~~المغايرة كان (¬7) حقيقة قولهم أن الخالق هو نفس المخلوقات، فلا خالق ولا ~~مخلوق، وإنما العالم واجب الوجود بنفسه. # (الرابع): أنهم يقرون بما يزعمونه من "التوحيد" عند (¬8) التعدد في صفاته ~~الواجبة، وأسمائه، وقيام الحوادث به، وعن كونه جسما أو جوهرا، ثم هم عند ~~التحقيق يجعلونه عين الأجسام المتخيلة (¬9) الكائنة الفاسدة المتقذرة (¬10) ~~ويصفونه بكل نقص كما صرحوا بذلك. # و(¬11) قالوا ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات؟ وأخبر بذلك عن نفسه، ~~وبصفات النقص (¬12)، وبصفات الذم، وقالوا: العلي لذاته هو الذي يكون له ~~الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت ~~محمودة عرفا وعقلا وشرعا، أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا، PageV01P513 # وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، فهو متصف عندهم بكل صفة مذمومة، كما هو ~~متصف بكل صفة محمودة، وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع (¬1)، ~~فإن أمرهم أعظم من أن يبسط هنا، ولكن المقصود التنبيه على تشابه رؤوس ~~الضلال، حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم أعانه على فهم قول الآخر، واحترز ~~منهم، وبين ضلالهم لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات (¬2). # فابن عربي بزعمه: إنما تجلي الذات عنده هو شهود (¬3) وجود (¬4) مطلق، هو ~~وجود الموجودات مجردا مطلقا لا اسم له ولا نعت، ومعلوم أن من تصور هذا لا ~~يمكن أن يحصل له عنه خطاب، فلهذا زعم أن عند تجلي الذات لا يحصل خطاب، وأما ~~أبو حفص السهروردي فكان أعلم بالسنة، وأتبع للسنة من هذا، وخيرا منه، وقد ~~رأى أن ما جاءت به الأحاديث من أن الله يتجلى لعباده، ويخاطبهم حين تجليه ~~لهم (¬5)، فآمن بذلك (¬6) لكن ابن عربي في فلسفته أشهر من هذا في سنته. PageV01P514 # ولهذا كان أتباعهما (¬1) يعظمون ابن العربي (¬2) عليه، مع إقرارهم بأن ~~السهروردي أتبع للسنة، كما حدثني الشيخ الملقب بحسام الدين (¬3) القادم ~~علينا ms095 (¬4) السالك طريق ابن حمويه (¬5) الذي يلقبه أصحابه سلطان الأقطاب، ~~وكان عنده من التعظيم لابن عربي وابن حمويه والغلو فيهما أمر عظيم، فبينت ~~له كثيرا مما يشتمل عليه كلامهما من الفساد والإلحاد والأحاديث المكذوبة ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجرى في ذلك فصول، لما كان عنده من ~~التعظيم مع عدم فهم حقيقة أقوالهما، وما تضمنته من الضلالات، وكان مما ~~حدثني عن شيخه الطاووسي (¬6) الذي كان بهمدان عن سعد الدين ابن PageV01P515 # حمويه أنه قال: محي الدين ابن عربي بحر لا تكدره الدلاء! ! و (¬1) لكن ~~نور المتابعة النبوية التي (¬2) على وجه الشيخ شهاب الدين السهروردي شيء آخر. # فقلت له: هذا كما يقال: كان هولاكو (¬3) ملك الكفار ملكا عظيما (¬4)، لكن ~~نور الإسلام الذي على شهاب الدين غازي (¬5) صاحب ميافارقين شيء (¬6) آخر. PageV01P516 # فإنهم كانوا يعظمون ابن عربي، لأن الشيخ شهاب الدين لم يكن متمكنا من ~~معرفة السنة ومتابعتها، وتحقيق ما جاءت به الرسل كتمكن ابن عربي في طريقه ~~التي سلكها، وجمع فيها بين الفلسفة والتصوف، وهؤلاء إنما يقطع دابرهم ~~المباينة لله (¬1) بين الخالق والمخلوق، وإثبات تعينه منفصلا عن المخلوق، ~~ترفع إليه الأيدي بالدعاء، وإليه كان معراج الأنبياء. ### | AUTO [إبطال مذهب ابن عربي ومن تابعه بإثبات المباينة بين الخالق والمخلوق] # وفد ذكر السهروردي في عقيدته المشهورة قوله: "بلا إشارة ولا تعيين". # وهذه التي استطال بها عليه هؤلاء، فإنه متى نفيت الإشارة والتعيين لم يبق ~~إلا العدم المحض، والتعطيل (¬2) أو الإلحاد و [الوحدة] (¬3) والحلول. # وابن سبعين وأمثاله من هؤلاء الملاحدة يقول (¬4): هكذا لا إشارة ولا ~~تعيين، بل عين ما ترى ذات لا ترى، وذات لا ترى عين ما ترى، ويقولون في ~~أذكارهم: ليس إلا الله، بدل قول المسلمين، لا إله إلا الله، لأن معتقدهم ~~أنه وجود كل موجود، فلا موجود إلا هو. # والمسلمون يعلمون أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ليس هو ~~المخلوقات، ولا جزءا منها، ولا صفة لها، بل هو بائن عنها سبحانه وتعالى ~~ويقولون: إنه هو الإله الذي يستحق العبادة دون ما ms096 سواه من الموجودات، فلا ~~إله إلا هو كما قال تعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين ~~(213)} [الشعراء: 213]. # وكما قال تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64)} ~~[الزمر: 64]. # وقال تعالى: {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض} [الأنعام: ~~14]. PageV01P517 # وهؤلاء الملاحدة ما عندهم غير يمكن أن يعبد، ولا غير يمكن أن يتخذ وليا، ~~ولا إلها، بل هو العابد والمعبود، والمصلي والمصلى له، كما قال شاعرهم ابن ~~الفارض (¬1) في قصيدته نظم السلوك: ### | AUTO [شعر ابن الفارض في وحدة الوجود] # لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلتي # كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة # إلى قوله: # وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كل ركعة (¬2) # إلي رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي علي استدلتي (¬3) # وقوله: # وما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت (¬4) PageV01P518 # فهؤلاء "الجهمية" من المتكلمة والصوفية في قولهم: إن الإيمان هو مجرد ~~المعرفة والتصديق يقولون: المعروف هو الموجود الموصوف بالسلب والنفي، ~~كقولهم: لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث، ثم ~~يعودون فيجعلونه حالا في المخلوقات، أو محلا لها أو هو عينها، أو يعطلونه ~~بالكلية، فهم في هذا نظير المتفلسفة المشائين، الذين يجعلون كمال الإنسان ~~بالعلم، والعلم الأعلى عندهم والفلسفة الأولى عندهم [النظر] (¬1) في الوجود ~~ولواحقه، يجعلون واجب الوجود وجودا مطلقا بشرط الإطلاق، لكن أولئك [يغيرون ~~العبارات] (¬2) ويعبرون بالعبارات الإسلامية القرآنية عن الإلحادات ~~الفلسفية واليونانية، وهذا كله قد قرر، وبسط القول فيه في غير هذا الموضع. ### | AUTO فصل [الكلام على الأحاديث التي تبين حقيقة الإسلام والإيمان] # أول ما في الحديث سؤاله عن "الإسلام" فأجابه (¬3): بأن الإسلام: أن تشهد ~~أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ~~وتصوم رمضان، وتحج البيت (¬4). # وهذه الخمس هي المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه: (بني الإسلام على ~~خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام PageV01P519 # الصلاة، ms097 وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا) (¬1). # وهذا قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن فرض الله الحج، فلهذا ذكر ~~الخمس، وأكثر الأحاديث لا يوجد فيها ذكر الحج كما (¬2) في حديث وفد عبد ~~القيس (¬3): "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ PageV01P520 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P521 # شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء ~~الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس" (¬1). ### | AUTO [الكلام على حديث وفد عبد القيس] # وحديث وفد عبد القيس من أشهر الأحاديث وأصحها، وفي بعض طرق البخاري لم ~~يذكر الصيام لكن هو مذكور في كثير من طرقه، وفي مسلم، وهو أيضا مذكور في ~~حديث أبي سعيد الذي ذكر فيه قصة وفد عبد القيس، رواه مسلم في صحيحه عنه، ~~واتفقا على حديث ابن عباس (¬2)، وفيه: أنه أمرهم بإيتاء الخمس من المغنم، ~~والخمس إنما فرض في غزوة بدر (¬3)، وشهر PageV01P522 # رمضان فرض قبل ذلك (¬1). # ووفد عبد القيس من خير (¬2) الوفد الذين وفدوا على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وقدومهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قبل فرض الحج، وقد ~~قيل: إنهم (¬3) قدموا سنة الوفود سنة تسع (¬4). # والصواب أنهم قدموا قبل ذلك، فإنهم قالوا: بيننا (¬5) وبينك هذا الحي من ~~كفار مضر (¬6) -يعنون أهل نجد- وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام. PageV01P523 # وسنة تسع كانت العرب قد ذلت وتركت الحرب، وكانوا بين مسلم أو معاهد خائف، ~~لما فتح الله مكة (¬1)، ثم هزم هوازن يوم حنين (¬2)، وإنما كانوا ينتظرون ~~بإسلامهم فتح مكة (¬3). # وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر - رضي الله عنه - أميرا ~~على الحج سنة تسع، وأردفه بعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، لتنفيذ ~~العهود التي كانت بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين العرب، إلا أنه ~~أجلهم أربعة أشهر من حين حجة أبي بكر (¬4) وكانت PageV01P524 # في ذي القعدة (¬1) PageV01P525 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P526 # وقد قال تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} الآية [التوبة: 5]، وهذه الأربعة ~~التي ms098 أجلوها هي الأربعة الحرم. # ولهذا غزا النبي - صلى الله عليه وسلم - النصارى بأرض الروم عام تبوك سنة ~~تسع قبل إرسال أبي بكر - رضي الله عنه - أميرا على الموسم (¬1)، وإنما ~~أمكنه غزو النصارى لما اطمأن من جهة مشركي العرب، وعلم أنه لا خوف على ~~الإسلام منهم. # ولهذا لم يأذن لأحد ممن يصلح للقتال في التخلف، فلم يتخلف إلا منافق، أو ~~الثلاثة الذين تيب عليهم (¬2)، أو معذور. # ولهذا لما استخلف عليا على المدينة (¬3) عام تبوك طعن المنافقون فيه PageV01P527 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P528 # لضعف هذا الاستخلاف، وقالوا إنما خلفه لأنه يبغضه، فأتبعه علي وهو يبكي ~~فقال: (أتخلفني مع النساء والصبيان؟ ) فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة ~~هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" (¬1). # وكان قبل ذلك يستخلف على المدينة من يستخلفه، وفيها رجال من أهل القتال ~~وذاك لأنه لم يكن حينئذ بأرض العرب، لا بمكة، ولا بنجد ونحوهما، من يقاتل ~~أهل دار الإسلام -مكة والمدينة وغيرهما- ولا يخيفهم. # ثم لما رجع من تبوك أمر (¬2) أبا بكر على الموسم، يقيم الحج والصلاة، ~~ويأمر أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (¬3)، وأتبعه بعلي ~~لأجل نقض العهود، إذ كانت عادة العرب أنهم لا يقبلون (¬4) PageV01P529 # إلا من المطاع الكبير، أو من رجل من أهل بيته (¬1). # والمقصود أن بهذا يتبين (¬2) أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل ذلك. ### | AUTO [الكلام على حديث ضمام، الطريق الأولى] # وأما حديث ضمام (¬3) فرواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك: نهينا أن نسأل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من ~~أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا ~~محمد أتانا رسولك فزعم أن الله أرسلك، قال: "صدق". # قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله". # قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله". # قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله". # قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: "نعم". # قال: وزعم رسولك [أنك تزعم] (¬4) أن علينا ms099 خمس صلوات في يومنا وليلتنا، ~~قال: "صدق". PageV01P530 # قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". # قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: "صدق". # قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". # [قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: "صدق". # قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"] (¬1). # قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إله سبيلا، قال: "صدق". # ثم ولى الرجل، وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن. ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لئن صدق ليدخلن الجنة" (¬2). # وعن أنس قال: بينما نحن جلوس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، ~~إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - متكئ بين ظهرانيهم. # فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. # فقال الرجل: ابن عبد المطلب، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - "قد ~~أجبتك". فقال الرجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنني سائلك فمشدد عليك ~~في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، فقال: "سل عما بدا لك". # فقال: أسالك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ . # فقال: "اللهم نعم". # وذكر أنه سأله عن الصلاة والزكاة، ولم يذكر الصيام (¬3) والحج فقال PageV01P531 # الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة ~~أخو بني سعد بن بكر (¬1). # هذان الطريقان في الصحيحين، لكن البخاري لم يذكر في الأول الحج، بل ذكر ~~الصيام، والسياق الأول أتم، والناس جعلوا (¬2) الحديثين حديثا واحدا. # و[يشبه] (¬3) والله أعلم أن يكون البخاري رأى أن ذكر الحج فيه وهما، لأن ~~سعد بن بكر (¬4) هم من هوازن، وهم أظآر (¬5) رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهوازن كانت معهم وقعة حنين بعد فتح مكة، فأسلموا كلهم بعد الوقعة، ~~ودفع إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - النساء والصبيان بعد أن قسمها على ~~العسكر (¬6) PageV01P532 # واستطاب أنفسهم في ذلك (¬1). # فلا تكون هذه الزيادة (¬2) إلا قبل فتح ms100 مكة، والحج لم يكن فرض إذ ذاك. ### | AUTO [الطريق الثانية] # وحديث طلحة بن عبيد الله ليس فيه إلا الصلاة والزكاة والصيام، وقد قيل: ~~إنه حديث ضمام، وهو في الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل نجد، ثائر الرأس، يسمع (¬3) دوي صوته ~~(¬4)، ولا يفقه (¬5) ما يقول، حتى دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فإذا هو يسأل PageV01P533 # عن الإسلام فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خمس صلوات في اليوم ~~والليلة"، قال: هل علي غيرهن (¬1)؟ قال: "لا إلا أن تطوع". # قال: وذكر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة قال: هل علي ~~غيرها؟ قال: "لا إلا إن تطوع"، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد ~~على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفلح إن ~~صدق" (¬2). # وليس في شيء من طرقه ذكر الحج، بل فيه ذكر الصلاة والزكاة والصيام، كما ~~في حديث وفد عبد القيس. # وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة: أن أعرابيا جاء إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. # قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة ~~المفروضة، وتصوم رمضان". # قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا أبدا، ولا أنقص منه. # فلما ولى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من سره أن ينظر إلى رجل من ~~أهل الجنة فلينظر إلى هذا" (¬3). # وهذا يحتمل أن يكون هو ضماما (¬4). PageV01P534 ### | AUTO [الكلام على حديث الأعرابي] # وقد جاء في بعض الأحاديث ذكر الصلاة والزكاة فقط كما في الصحيحين عن أبي ~~أيوب الأنصاري: أن أعرابيا عرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في ~~سفر، فأخذ بخطام ناقته، أو بزمامها (¬1)، ثم قال: يا رسول الله! أو يا ~~محمد! أخبرني بما يقربني من الجنة، وما يباعدني من النار، قال: فكف رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ثم نظر إلى أصحابه ثم ms101 قال: "لقد وفق، أو لقد هدي". # ثم قال: "كيف قلت"؟ # فأعاد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تعبد الله لا تشرك به شيئا، ~~وتقيم الصلاة، وتؤتي (¬2) الزكاة، وتصل الرحم"، فلما أدبر قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "إن تمسك بما أمرته به دخل الجنة" (¬3)، هذه الألفاظ ~~في مسلم. ### | AUTO [الكلام على حديث النعمام بن قوقل] # وقد جاء ذكر الصلاة والصيام في حديث النعمان بن قوقل (¬4)، رواه مسلم عن ~~جابر بن عبد الله قال: سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أرأيت ~~إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم ~~أزد على ذلك شيئا، أأدخل الجنة؟ قال: "نعم". # قال: والله لا أزيد على ذلك شيئا. # وفي لفظ: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - النعمان بن قوقل (¬5). PageV01P535 ### | AUTO [الكلام على حديث ابن عمر] # وحديث النعمان [هذا] (¬1) قديم، فإن النعمان بن قوقل قتل قبل فتح مكة، ~~قتله بعض بني سعيد بن العاص كما ثبت ذلك في الصحيح (¬2). # فهذه الأحاديث خرجت جوابا لسؤال السائلين (¬3)، إلا (¬4) حديث ابن عمر ~~(¬5) فإنه مبتدأ. # وأحاديث الدعوة والقتال (¬6) فيها الصلاة والزكاة كما في الصحيحين عن عبد ~~الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا ~~الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا [ذلك] (¬7)، عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله " (¬8). PageV01P536 # وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة (¬1). PageV01P537 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P538 # [و] (¬1) رواه مسلم عن جابر قال #: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا ~~إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، ~~وحسابه على الله" (¬2). # وفي لفظ لمسلم: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت ~~به" (¬3). # وهذا اللفظ الذي كان قد سمعه عمر، وناظر فيه أبا بكر، لما أراد PageV01P539 # قتال مانعي الزكاة، فقال له: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - # (¬1): "أمرت أن ms102 أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا ~~الله، فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". # فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق ~~المال (¬2). # فكان من فقه أبي بكر - رضي الله عنه - أنه فهم من ذلك الحديث [المختصر] ~~(¬3) أن القتال على الزكاة [قتال] (¬4) على حق المال. # وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - مراده بذلك في اللفظ المبسوط الذي ~~رواه ابن عمر (¬5). # والقرآن صريح في موافقة حديث ابن عمر قال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5]. # وحديث معاذ (¬6) لما بعثه إلى اليمن لم يذكر فيه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا الصلاة والزكاة. # فلما كان في بعض الأحاديث ذكر بعض الأركان دون بعض، أشكل ذلك على بعض ~~الناس. PageV01P540 ### | AUTO [الجواب عن سبب اختلاف الروايات] # [فأجاب بعض الناس] (¬1) أن (¬2) سبب هذا أن الرواة اختصر بعضهم الحديث ~~الذي رواه، وليس الأمر كذلك، فإن هذا طعن في الرواة و [نسبة لهم] (¬3) إلى ~~الكذب (¬4)، إذ هذا الذي ذكره إنما يقع في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد ~~القيس، حيث ذكر بعضهم الصيام، وبعضهم لم يذكره، وحديث ضمام حيث ذكر بعضهم ~~الخمس، وبعضهم لم يذكره، وحديث النعمان بن قوقل حيث ذكر بعضهم فيه الصيام، ~~وبعضهم لم يذكره (¬5). # فهنا (¬6) يعلم أن أحد [الراويين] (¬7) اختص بالنقص (¬8) أو غلط في ~~الزيادة. # فأما الحديثان المنفصلان (¬9) فليس الأمر كذلك، لا سيما والأحاديث PageV01P541 # قد تواترت بكون الأجوبة كانت مختلفة، وفيها ما يبين (¬1) قطعا أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - تكلم بهذا تارة، وبهذا تارة. # والقرآن يصدق ذلك فإن الله سبحانه في بعض الآيات علق الأخوة الإيمانية ~~بالصلاة والزكاة فقط (¬2) كما في قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11]. # كما أنه (¬3) علق ترك القتال على ذلك في قوله: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5]. # وقد تقدم حديث ابن عمر الذي في الصحيحين موافقا لهذه الآية. # وأيضا فإن في حديث وفد عبد القيس ذكر ms103 خمس المغنم، لأنهم كانوا طائفة ~~ممتنعة يقاتلون، ومثل هذا لا يذكر جواب سؤال سائل بما يجب عليه في حق نفسه. # ولكن عن هذا (جوابان): # (أحدهما): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب بحسب نزول الفرائض، وأول ~~ما فرض الله الشهادتين، ثم الصلاة، فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي (¬4). # بل قد ثبت في الصحيح أنه أول ما نزل عليه: {اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) ~~خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم ~~الإنسان ما لم يعلم (5)} [العلق: 1 - 5] (¬5). # ثم أنزل عليه بعد ذلك: {ياأيها المدثر (1) قم فأنذر (2)} [المدثر: 1، 2] ~~(¬6)، فهذا الخطاب إرسال له إلى الناس، والإرسال بعد الإنباء، فإن PageV01P542 # الخطاب الأول ليس فيه إرسال وآخر سورة اقرأ: {واسجد واقترب} [العلق: 19]، ~~فأول السورة هو أمر [بالقراءة] (¬1)، وآخرها أمر بالسجود، والصلاة مؤلفة من ~~أقوال وأعمال، وأفصل أقوالها القراءة، وأفضل أعمالها السجود، والقراءة أول ~~أقوالها المقصودة، وما بعده تبع له. # وقد روي أن الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي ~~(¬2)، ثم فرضت الخمس ليلة المعراج (¬3)، وكانت ركعتين ركعتين، فلما هاجر ~~أقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (¬4). PageV01P543 # وكانت الصلاة تكمل [شيئا] (¬1) بعد شيء، فكانوا أولا يتكلمون في الصلاة، ~~ولم يكن فيها تشهد، ثم أمروا بالتشهد (¬2)، وحرم عليهم الكلام (¬3). PageV01P544 # وكذلك لم يكن بمكة لهم أذان، وإنما شرع الأذان بالمدينة بعد الهجرة (¬1)، ~~وكذلك صلاة الجمعة (¬2)، والعيد، والكسوف، والاستسقاء، PageV01P545 # وقيام رمضان، وغير ذلك إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة، وأمروا بالزكاة ~~والإحسان فى مكة أيضا، ولكن فرائض الزكاة ونصبها إنما شرعت بالمدينة (¬1)، ~~وأما صوم رمضان فهو إنما فرض في السنة الثانية من الهجرة (¬2)، وأدرك النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - تسع رمضانات. ### | AUTO [فصل] [الخلاف في زمن فرض الحج] # وأما الحج فقد تنازع الناس في وجوبه فقالت طائفة: فرض سنة ست من الهجرة # ~~وعمدتهم في ذلك أن قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196]، ~~نزلت سنة ست # (¬3) عام الحديبية باتفاق الناس قالوا: وهذه الآية تدل على ~~وجوب الحج، ووجوب العمرة أيضا، لأن الأمر بالإتمام ms104 PageV01P546 # يضمن الأمر بابتداء الفعل وإتمامه، وقال الأكثرون: إنما وجب الحج متأخرا، ~~قيل: سنة تسع، وقيل: سنة عشر، وهذا هو الصحيح (¬1). # فإن آية الإيجاب إنما هي قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل ~~عمران: 97] (¬2)، وهذه الآية في سورة (¬3) آل عمران في سياق مخاطبته لأهل ~~الكتاب، وصدر آل عمران، وما فيها من مخاطبة أهل الكتاب، نزل لما قدم على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وفد نجران النصارى، وناظروه في أمر المسيح، ~~وهم أول من أدى الجزية من أهل الكتاب (¬4). PageV01P547 # وكان ذلك بعد إنزال سورة براءة، التي شرع فيها الجزية، وأمر فيها بقتال ~~أهل الكتاب، وحتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون. # وغزا النبي - صلى الله عليه وسلم - غزوة تبوك، التي غزا فيها النصارى لما ~~أمر الله بذلك في قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29)} [التوبة: 29]. # ولهذا لم يذكر وجوب الحج في عامة الأحاديث، وإنما جاء في الأحاديث ~~المتأخرة، وقد قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وفد عبد القيس، وكان ~~قدومه قبل فتح مكة على الصحيح كما قدمناه (¬1)، وقالوا: يا رسول الله، إن ~~بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، يعنون بذلك أهل نجد من تميم وأسد ~~وغطفان، لأنهم بين البحرين وبين المدينة، وعبد القيس من ربيعة ليسوا من ~~مضر، ولما فتحت مكة زال هذا الخوف، ولما قدم عليه وفد عبد القيس أمرهم ~~بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وخمس المغنم، ولم يأمرهم بالحج. # وحديث ضمام قد تقدم أن البخاري لم يذكر فيه الحج، كما لم يذكر (¬2) في ~~حديث طلحة، وأبي هريرة، وغيرهما (¬3)، مع قولهم: إن هذه الأحاديث هي من قصة ~~ضمام، وهذا ممكن، مع أن تاريخ قدوم ضمام هذا ليس متيقنا. PageV01P548 # وأما قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196]، فليس في لفظ ~~(¬1) الآية إلا الأمر بإتمام ذلك، وذلك يوجب إتمام ذلك على من دخل فيه، ~~فنزل الأمر ms105 بذلك لما أحرموا بالعمرة عام الحديبية، ثم أحصروا فأمروا ~~بالإتمام، وبين لهم حكم الإحصار (¬2)، ولم يكن حينئذ قد وجب عليهم لا عمرة ~~ولا حج. # (الجواب الثاني): أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يذكر في مقام ما ~~يناسبه، فيذكر تارة الفرائض الظاهرة التي يقاتل (¬3) على فعلها (¬4) ~~الطائفة الممتنعة، كالصلاة والزكاة. # ويذكر تارة ما يجب على المسائل، فمن أجابه بالصلاة والصيام، لم يكن عليه ~~زكاة يؤديها، ومن أجابه بالصلاة والزكاة والصيام، فإما أن يكون قبل فرض ~~الحج، وهذا هو الواجب في مثل حديث عبد القيس ونحوه، وإما أن يكون المسائل ~~ممن لا حج عليه. # وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض، ولهذا ذكر الله تعالى ~~في كتابه القتال عليهما (¬5)، لأنهما عبادتان ظاهرتان (¬6) بخلاف الصوم، ~~فإنه أمر باطن وهو مما ائتمن الناس عليه، فهو من جنس الوضوء والاغتسال من ~~الجنابة ونحو ذلك، مما يؤتمن عليه العبد، فإن الإنسان يمكنه أن لا ينوي ~~الصوم، وأن يأكل سرا، كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته. # وأما الصلاة والزكاة فأمر ظاهر، لا يمكن الإنسان بين المؤمنين أن يمتنع ~~من ذلك وهو - صلى الله عليه وسلم - يذكر في الإسلام الأعمال الظاهرة، التي ~~يقاتل عليها الناس، ويصيرون مسلمين بفعلها، فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة PageV01P549 # دون الصيام، وإن كان الصوم واجبا، كما في آيتي براءة (¬1)، فإن براءة ~~نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس. ### | AUTO [الكلام على حديث معاذ] # وكذلك لما بعث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - إلى اليمن قال له: "إنك تأتي ~~قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله، وأني ~~رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في ~~اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك بذلك (¬2)، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة ~~تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك (¬3) فإياك ~~وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجاه ~~في الصحيحين (¬4). # ومعاذ أرسله إلى اليمن في آخر الأمر بعد فرض الصيام، ms106 بل بعد فتح مكة، بل ~~بعد تبوك، وبعد فرض الحج والجزية، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات ~~ومعاذ باليمن، وإنما قدم المدينة بعد موته (¬5)، ولم يذكر في هذا الحديث ~~الصيام PageV01P550 # لأنه تبع، وهو باطن، ولا ذكر الحج، لأن وجوبه خاص، وليس بعام، وهو لا يجب ~~في العمر إلا مرة (¬1). PageV01P551 # ولهذا تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئا من هذه الفرائض [الأربع] (¬1) ~~بعد الإقرار بوجوبها. ### | AUTO [كفر من ترك الشهادتين مع القدرة على التكلم بهما] # فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بها مع القدرة، فهو كافر باطنا وظاهرا عند ~~سلف الأمة، وأئمتها، وجماهير علمائها. # وذهبت طائفة من المرجئة، وهم جهمية المرجئة، كجهم والصالحي وأتباعهما، ~~إلى أنه إذا كان مصدقا بقلبه كان كافرا في الظاهر دون الباطن، وقد تقدم ~~التنبيه على أصل هذا القول، وهو قول مبتدع في الإسلام، لم يقله أحد من ~~الأئمة، وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم (¬2) الإقرار الظاهر، بل وغيره، ~~وأن وجود الإيمان الباطن تصديقا وحيا وانقيادا بدون الإقرار الظاهر ممتنع. ### | AUTO [كفر من جحد معلوما من الدين بالضرورة] # وأما الفرائض [الأربع] (¬3): فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو ~~كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها، ~~كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك. ### | AUTO [ثبوت الشروط وانتفاء الموانع في التكفير] # وأما من لم تقم عليه الحجة، مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ~~ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين ~~استتابهم عمر، وأمثال ذلك فإنهم يستتابون، وتقام عليهم الحجة، فإن أصروا ~~كفروا حينئذ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم PageV01P552 # يحكم الصحابة بكفر قدامة بن [مظعون] (¬1) وأصحابه لما غلطوا (¬2) فيه من ~~التأويل (¬3). PageV01P553 # وأما مع الإقرار بالوجوب، إذا ترك شيئا من هذه الأركان الأربعة، ففي ~~التكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد: # (أحدها): أنه يكفر بترك واحد من الأربعة حتى الحج، وإن كان في ms107 جواز ~~تأخيره نزاع بين العلماء، فمتى عزم على تركه بالكلية كفر، وهذا قول طائفة ~~من السلف (¬1)، وهي إحدى الروايات عن أحمد [اختارها] (¬2) أبو بكر (¬3). PageV01P554 # و (الثاني) (¬1): أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب، وهذا ~~هو المشهور عند كثير من الفقهاء، من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهو ~~إحدى الروايات عن أحمد [اختارها] (¬2) ابن بطة (¬3) وغيره. # و(الثالث): لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد، وقول ~~كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك والشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد (¬4). PageV01P555 # و (الرابع): يكفر بتركها وترك الزكاة فقط (¬1). # و(الخامس): بتركها وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها، دون ترك الصيام ~~والحج (¬2). # وهذه المسألة لها طرفان: # (أحدهما): في إثبات الكفر الظاهر. # و(الثاني): في إثبات الكفر الباطن. # [فأما] (¬3) الطرف الثاني، فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولا وعملا ~~كما تقدم. ### | AUTO [امتناع وجود الإيمان في القلب من غير عمل في الظاهر] # ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمن إيمانا ثابتا في قلبه، بأن الله PageV01P556 # فرض عليه الصلوات (¬1) والزكاة والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله ~~سجدة (¬2)، ولا يصوم يوما (¬3) من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى ~~بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح. ### | AUTO [الأدلة على كفر تارك الصلاة] # ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار، كقوله تعالى: {يوم ~~يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ~~وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (42)} [القلم: 42، 43]. # وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهما في ~~الحديث الطويل، حديث التجلي: "أنه إذا تجلى تعالى لعباده يوم القيامة سجد ~~له المؤمنون، وبقي من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة ظهره (¬4) مثل الطبق، ~~لا يستطيع السجود" (¬5)، فإذا كان هذا حال من PageV01P557 # سجد رياء، فكيف حال من لم يسجد قط. وثبت أيضا في الصحيح: "أن النار تأكل ~~من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود، فإن الله حرم ms108 على النار أن تأكله" ~~(¬1)، فعلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله. # وكذلك ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرف أمته يوم ~~القيامة (¬2) [بأنهم] (¬3) غر محجلون من آثار الوضوء (¬4)، فدل ذلك على أن ~~من لم يكن غرا محجلين (¬5) لم يعرفه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا ~~يكون من أمته. # وقوله تعالى: {كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46) ويل يومئذ للمكذبين ~~(47) وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) ويل يومئذ للمكذبين (49)} ~~[المرسلات: 46 - 49]. # وقوله تعالى: {فما لهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ~~(21) بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23)} [القيامة: 20 ~~- 23]، وكذلك قوله تعالى: {فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32)} ~~[القيامة: 31 - 32]. # وكذلك قوله تعالى: {ما سلككم في سقر (42) قالوا لم نك من المصلين (43) ~~ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين ~~(46) حتى أتانا اليقين (47)} [المدثر: 42 - 47]، فوصفه بترك الصلاة، كما ~~وصفه بترك التصديق، ووصفه بالتكذيب والتولي. PageV01P558 # والمتولي: هو العاصي الممتنع من الطاعة، كما قال تعالى: {قل للمخلفين من ~~الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا ~~يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ~~(16)} [الفتح: 16]. # وكذلك وصف أهل سقر بأنهم لم يكونوا من المصلين، المطيعين، كما وصفهم ~~بالخوض مع الخائضين، والتكذيب # (¬1). # وكذلك قرن التكذيب بالتولي في قوله تعالى: {أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا ~~صلى (10) أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرأيت إن كذب ~~وتولى (13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ~~(15) ناصية كاذبة خاطئة (16)} [العلق: 9 - 16]. # وأيضا في القرآن علق الأخوة في الدين على نفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ~~كما علق ذلك على التوبة من الكفر، فإذا انتفى ذلك انتفت الأخوة. # وأيضا فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "العهد الذي ~~بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (¬2). PageV01P559 # وفي المسند: "من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه الذمة" (¬1). PageV01P560 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P561 # وأيضا فإن ms109 شعار المسلمين الصلاة، ولهذا يعبر بها عنهم، فيقال: اختلف أهل ~~الصلاة، و [اختلف] (¬1) أهل القبلة والمصنفون لمقالات المسلمين يقولون: ~~"مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" (¬2). # وفي الصحيح: "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم ~~له ما لنا وعليه ما علينا" (¬3)، وأمثال هذه النصوص كثيرة في الكتاب ~~والسنة. ### | AUTO [الجواب على أدلة من لم ير كفر تارك الصلاة] # وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة ~~للجاحد كتناولها لتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابا لهم عن التارك، ~~مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي كما تقدم. # وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة كقوله: "من PageV01P562 # شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن عيسى عبد الله، وكلمته ~~ألقاها إلى مريم، وروح منه، أدخله الله الجنة" (¬1) ونحو ذلك من النصوص. # وأجود ما اعتمدوا عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خمس صلوات كتبهن ~~الله على العباد في اليوم والليلة، من (¬2) حافظ عليهن كان له عند الله عهد ~~أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، ~~وإن شاء أدخله الجنة" (¬3). # قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافر لا يكون تحت المشيئة، ~~ولا دلالة في هذا، فإن الوعد تعلق (¬4) بالمحافظة عليها، والمحافظ (¬5) ~~فعلها في أوقاتها كما أمر. # كما قال تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238]، وعدم ~~المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله [آية] (¬6) الأمر بالمحافظة عليها، وعلى ~~غيرها من الصلوات (¬7). # وقد قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف ~~يلقون غيا (59)} [مريم: 59]، فقيل لابن مسعود: ما كنا نظن ذلك إلا تركها، ~~فقال: لو تركوها لكانوا كفارا! ! (¬8) /. # وكذلك قوله تعالى: {فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم PageV01P563 # ساهون (5)} [الماعون: 4، 5] ذمهم مع أنهم يصلون، لأنهم سهوا عن حقوقها ~~الواجبة، من فعلها في الوقت، وإتمام أفعالها المفروضة. # كما ثبت في صحيح مسلم عن ms110 النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "تلك ~~صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس (¬1) يرقب الشمس، ~~حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر (¬2) أربعا، لا يذكر الله فيها إلا ~~قليلا" (¬3). # فجعل هذه صلاة المنافقين، لكونه أخرجها (¬4) عن الوقت ونقرها. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر الأمراء بعده ~~الذين يفعلون ما ينكر وقالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم! قال: "لا ما ~~صلوا" (¬5). # وثبت عنه أنه قال: "سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة ~~لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة" (¬6). # فنهى عن قتالهم إذا صلوا، وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم PageV01P564 # يصلوا قوتلوا، وبين أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة ~~عليها لا تركها. # وإذا عرف الفرق بين الأمرين، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أدخل ~~تحت المشيئة من لم يحافظ عليها لا من تركها (¬1)، ونفس ترك صفة (¬2) ~~المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ، فإنه ~~لو يتناول (¬3) ذلك قتلوا كفارا مرتدين بلا ريب (¬4). PageV01P565 ### | AUTO [ضعف قول من قال: إن تارك الصلاة يقتل حدا] # ولا يتصور في العادة أن رجلا يكون مؤمنا بقلبه، مقرا بأن الله أوجب عليه ~~الصلاة، و (¬1) [ملتزما] (¬2) بشريعة (¬3) النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة، فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنا ~~في الباطن قط، لا يكون إلا كافرا، ولو قال: أنا مقر بوجوبها غير أن (¬4) لا ~~أفعلها، كان هذا القول مع هذه الحال كذبا منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في ~~الحق، ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو لو (¬5) جعل يقتل نبيا من ~~الأنبياء، ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي ~~إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره ~~من القول. ### | AUTO [ارتباط الظاهر بالباطن] # فهذا الموضع ينبغي تدبره، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زاحت (¬6) عنه ~~الشبهة في هذا الباب، واعلم ms111 أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقر بالوجوب، ~~وامتنع عن الفعل، لا يقتل أو يقتل مع إسلامه (¬7)، فإنه PageV01P566 # دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل ~~الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل. ### | AUTO [جنس الأعمال من لوازم الإيمان] # ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة ~~الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم ~~إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، ~~سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزءا (¬1) من الإيمان كما تقدم بيانه. ### | AUTO [قد يجتمع في العبد إيمان ونفاق] # وحينئذ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات، ولترك بعضها، كان معه من ~~الإيمان بحسب ما فعله، والإيمان يزيد وينقص، وقد (¬2) يجتمع في العبد إيمان ونفاق. # كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن ~~كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا ~~ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (¬3). # وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثيرا من الناس، بل أكثرهم في كثير ~~من الأمصار، لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، ~~بل يصلون أحيانا، ويدعون أحيانا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليم ~~أحكام الإسلام الظاهرة كالمواريث (¬4) ونحوها من الأحكام، فإن هذه الأحكام ~~إذا جرت على المنافق المحض -كابن أبي وأمثاله من المنافقين- فلأن تجري على ~~هؤلاء أولى وأحرى. ### | AUTO [خطأ بعض الفقهاء في فهم ارتباط الظاهر بالباطن] # وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة، فإن كثيرا من الفقهاء يظنون (¬5) PageV01P567 # أن من قيل هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا ~~يرث ولا يورث، ولا يناكح (¬1)، حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه ~~بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا على ~~عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - # (¬2) ثلاثة ms112 أصناف: ### | AUTO [أحكام المنافقين] # مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر، وكان في ~~المنافقين من تعلمه (¬3) الناس بعلامات ودلالات، بل من لا يشكون في نفاقه، ~~ومن نزل القرآن ببيان نفاقه -كابن أبي وأمثاله- ومع هذا فلما مات هؤلاء ~~ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت أعطوا (¬4) ميراثه، وكانت ~~تعصم دماؤهم حتى تقوم البينة (¬5) الرعية على أحدهم بما توجب (¬6) عقوبته. ### | AUTO [قتال علي - رضي الله عنه - للخوارج] # ولما خرجت الحرورية على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فاعتزلوا (¬7) ~~جماعة المسلمين، قال لهم: # إن لكم علينا أن لا نمنعكم المساجد، ولا نمنعكم نصيبكم من الفيء (¬8)، ~~فلما استحلوا قتل المسلمين وأخذ أموالهم، قاتلهم بأمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حيث قال: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، ~~وقراءته مع قراءاتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون PageV01P568 # من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في ~~قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة" (¬1). ### | AUTO [فضل ما قام به الحسن بن علي من صلح بين المسلمين] # فكانت الحرورية قد ثبت قتالهم بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، واتفاق ~~أصحابه، ولم يكن قتالهم قتال فتنة، كالقتال الذي جرى بين فئتين عظيمتين في ~~المسلمين، بل قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح ~~الذي رواه البخاري أنه قال للحسن ابنه - رضي الله عنه -: "إن ابني هذا سيد، ~~وسيصلح الله به فئتين عظيمتين من المسلمين" (¬2). # وقال في الحديث الصحيح: "تمرق مارقة على فرقة من المسلمين، فيقتلهم أدنى ~~الطائفتين إلى الحق" (¬3). ### | AUTO [قتال الخوارج ليس كالقتال في الجمل وصفين] # فدل بهذا أن ما فعله الحسن - رضي الله عنه - من ترك القتال [لو كان] (¬4) ~~واجبا أو مستحبا، لم يمدحه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ترك واجب أو ~~مستحب (¬5)، ودل الحديث الآخر على أن الذين قاتلوا الخوارج، وهم علي ~~وأصحابه كان أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن قتال الخوارج أمر به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ليس ms113 قتالهم كالقتال في الجمل وصفين الذي ~~[ليس] (¬6) فيه أمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬7). PageV01P569 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P570 # والمقصود: أن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة، لم يحكموا بكفرهم، ولا ~~قاتلوهم حتى بدأوهم بالقتال (¬1). ### | AUTO [علي لم يكفر الخوارج] PageV01P571 ### | AUTO [تنازع الأئمة في تكفير أهل الأهواء وتخليدهم] # والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء وتخليدهم في النار، وما ~~من الأئمة إلا من حكي عنه في ذلك قولان، كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم (¬1). # وصار بعض أتباعهم يحكي هذا النزاع في جميع أهل البدع، وفي تخليدهم حتى ~~التزم تخليد (¬2) كل من يعتقد أنه مبتدع بعينه، وهذا فيه من الخطأ (¬3) ما ~~لا يحصى، وقابله بعضهم فصار يظن أنه لا يطلق بكفر (¬4) واحد من أهل ~~الأهواء، وإن كانوا قد أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل والاتحاد. ### | AUTO [القول الفصل في تكفير أهل الأهواء] # والتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفرا كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن ~~الله لا يتكلم، ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، ~~فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال: PageV01P572 # القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: أن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر (¬1). ### | AUTO [التكفير المطلق والتكفير المعين] # ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة، كما تقدم ممن (¬2) جحد وجوب ~~الصلاة والزكاة، واستحل الخمر والزنا [وتأول فإن] (¬3) ظهور تلك الأحكام ~~بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأول يخطئ (¬4) في تلك لا يحكم ~~بكفره إلا بعد البيان له واستتابته، كما فعل الصحابة في الطائفة الذين ~~استحلوا الخمر، ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح حديث ~~(¬5) الذي قال: "إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني (¬6) في اليم، ~~فوالله لئن قدر الله علي PageV01P573 # ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين" (¬1)، وقد غفر الله لهذا مع ~~(¬2) ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرقوه (¬3). # وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع (¬4). ### | AUTO [الأمر بجهاد الكفار والمنافقين] # فإن قيل: فالله ms114 تعالى قد أمر بجهاد الكفار والمنافقين في آيات من القرآن ~~(¬5)، فإذا كان المنافق تجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر، فكيف يمكن ~~مجاهدته؟ PageV01P574 # قيل: ما يستقر في القلب من إيمان ونفاق فلا (¬1) بد أن يظهر موجبه في ~~القول والعمل. ### | AUTO [كيفية جهاد المنافقين] # كما قال بعض السلف: "ما أسر أحد سريرة، إلا أبداها الله على صفحات وجهه ~~وفلتات لسانه" (¬2). # وقد قال الله تعالى في حق المنافقين: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم ~~بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول} [محمد: 30] # فأقسم أنه لا بد أن يعرفهم ~~في لحن القول# (¬3) فإذا أظهر المنافق من ترك الواجبات، وفعل المحرمات ما ~~يستحق عليه العقوبة، عوقب على الظاهر، ولا يعاقب على ما يعلم من باطنه بلا ~~حجة ظاهرة. ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم من المنافقين من ~~عرفه الله PageV01P575 # بهم، وكانوا يحلفون له وهم كاذبون، وكان يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى ~~الله تعالى. # وأساس النفاق الذي يبنى (¬1) عليه الكذب، والمنافق لا بد أن تختلف سريرته ~~وعلانيته، وظاهره وباطنه. # ولهذا يصفهم الله [في كتابه] (¬2) بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق. # قال الله تعالى: {ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} [البقرة: 10]. # #وقال تعالى: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ~~ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77)} [التوبة: 77] # (¬3). # وقال تعالى: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1]، ومثل ~~(¬4) هذا كثير. # وقال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15)} [الحجرات: 15]. # وقال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ~~آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177)} [البقرة: 177]. ~~وبالجملة: فأصل هذه المسائل، أن تعلم أن الكفر نوعان، كفر ظاهر، وكفر نفاق، ~~فإذا تكلم في أحكام الدار (¬5) الآخرة، كان حكم المنافق حكم الكفار، ms115 وأما ~~في أحكام الدنيا، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين. PageV01P576 # وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل ~~مؤمنا بالله ورسوله، بقلبه أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبا ظاهرا لا (¬1) ~~صلاة، ولا زكاة، ولا صياما، ولا عير ذلك من الواجبات # ولو قدر أنه يؤدي ~~الواجبات# (¬2) لا لأجل أن الله أوجبها، مثل من (¬3) يؤدي الأمانة، أو يصدق ~~الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك ~~من الكفر. # فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنا ~~بالله ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬4)، مع عدم شيء من الواجبات ~~التي يختص بإيجابها محمد - صلى الله عليه وسلم -. # ومن قال بحصول الإيمان الواجب، بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل ~~تلك الواجبات لازما للإيمان (¬5) أو جزءا منه، فهذا نزاع لفظي، كان مخطئا ~~خطأ بينا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، ~~وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف (¬6)، والصلاة فهي (¬7) ~~أعظمها وأعمها (¬8)، وأولها وأجلها (¬9). PageV01P577 ### | AUTO فصل ### || AUTO [تعريف الإحسان] # وأما الإحسان فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أن تعبد الله كأنك تراه، ~~فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (¬1). # قد قيل: إن الإحسان هو الإخلاص (¬2). # والتحقيق: أن الإحسان يتناول الإخلاص وغيره، والإحسان يجمع كمال الإخلاص ~~لله، ويجمع الإتيان بالفعل الحسن الذي يحبه الله تعالى. # قال الله تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون (112)} [البقرة: 112]. PageV01P578 # وقال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا} [النساء: 125]، فذكر إحسان الدين أولا، ثم ذكر الإحسان ~~ثانيا، فإحسان الدين هو والله أعلم الإحسان المسؤول عنه في حديث جبريل عليه ~~السلام، فإنه سأله عن الإسلام والإيمان ففي # (¬1) إحسان هذا PageV01P579 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P580 # الإسلام والدين الذي يكون صاحبه حسنا، وتابعا لما فيه رضوان الله في ~~الأقوال والأفعال، هو المقام الذي أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم ms116 - ~~حين قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". # ومراقبة الله هي السر المطلوب في جميع أحوال العبد (¬1). ### || AUTO [شروط قبول العمل] # قال الإمام أبو زكريا يحيى النووي (¬2) رحمه الله روينا عن أبي القاسم PageV01P581 # القشيري أنه قال: سئل الفضيل بن عياض عن قوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} ~~[الملك: 2] قال: أخلصه وأصوبه. # قيل: ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل لا يكون مقبولا حتى يكون خالصا ~~صوابا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على سنة رسول الله (¬1). ### || AUTO [تعريف الإخلاص] # وروي أن أبا القاسم القشيري (¬2) قال: الإخلاص إفراد الحق بالطاعة PageV01P582 # في القصد، وهو أن العبد يريد بطلبته وجه الله دون شيء آخر، من تصنع ~~لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح، أو معنى من المعاني، سوى ~~التقرب إلى الله عز وجل. # قلت: ويصح أن يقال: الإخلاص هو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين (¬1). # فينبغي لمن علم علما أن يستعمل في علمه العدل الذي هو ميزان الأعمال، ولا ~~ينسى حظه من الإحسان الذي به يستحق القرب والرضوان. ### || AUTO [مدح الإحسان وشموله لجميع الأعمال الظاهرة والباطنة] # قال تعالى: {إن رحمت الله قريب من المحسنين} [الأعراف: 56]. # وقال تعالى: {والله يحب المحسنين} [المائدة: 92]. # وقد مدح الله الإحسان، ورغب في استصحابه لجميع الأعمال القلبية والبدنية ~~والمالية، في غير موضع في كتابه (¬2). PageV01P583 # قال تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا ~~إن الله يحب المحسنين (195)} البقرة: 195]. ### || AUTO [كتب الله الإحسان على كل شيء] # فينبغي لمن علم هذه القواعد، أن يتيقن أن الله كتب الإحسان على كل شيء، ~~كما جاء في الحديث الصحيح (¬1)، ومن عمل صالحا، وأراد به عرضا من عرض ~~الدنيا، مع علمه بسرعة زوالها وهوانها عند العقلاء العالمين بالله لا يعد ~~محسنا، بل يكون متعرضا لسخط الله. # قال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (20)} [لشورى: 20]. PageV01P584 # وقد قال تعالى: {من كان ms117 يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} ~~الآية [الإسراء: 18]. ### || AUTO [الإخلاص في العلم تعلما وتعليما] # وقد روى أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، ~~ولم يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من عرض الدنيا، لم يجد عرف (¬1) الجنة يوم ~~القيامة"، رواه بأسانيد صحيحة (¬2). PageV01P585 # وكذلك روى الترمذي عن كعب بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من تعلم العلم ليماري (¬1) به السفهاء، أو يكاثر به العلماء، أو يصرف ~~به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار" (¬2). # وفي رواية غير الترمذي: "فليتبوأ مقعده من النار" (¬3). PageV01P586 ### || AUTO [إحسان الظن بالشيخ] # فمن الإحسان: أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، أو يسمع عليه ~~الحديث، لينال بذلك بركة العلم، فقد كان بعض المتقدمين إذا خرج إلى شيخه ~~تصدق في طريقه بشيء من المال، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب ~~بركة علمه مني (¬1). ### || AUTO [من حقوق العالم على المتعلم] # وروى النواوي (¬2) أن الإمام عليا - رضي الله عنه - قال: "من حق العالم ~~أن تسلم على الناس عامة، وتخصه وحده بالتحية" (¬3) رواه أبو داود. # واعلم رحمك الله أن من حقه أن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا ~~تغمزن بعينك، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تسارر (¬4) في مجلسه، ولا تلح عليه ~~إذا كسل، ولا تشبع من طول صحبته، ومن حقه أن ترد غيبته إن قدرت على ذلك (¬5). ### || AUTO [العمل بالعلم] # ومن حق العلم لمن استعمل الإحسان فيه أن يقف عند ما يسمع ويكتب، فإذا بلغ ~~فضيلة أخذ بحظه منها، فإن كانت نافلة عمل بها ولو مرة PageV01P587 # في عمره، فقد أوصى بذلك بشر بن الحارث (¬1) وأخبر أن ذلك كان سبب هدايته ~~في بدايته. # وإن كان أدبا من آداب السنة أخذ نفسه بذلك، فقد قال تعالى: {واتقوا الله ~~ويعلمكم الله} [البقرة: 282]. # ولهذا كان يقال: "من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لا يعلم" (¬2)، وأن ms118 ~~يحاسب نفسه، ويطالبها بالخشية لله والحذر والمراقبة. # قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]. # وقال عبد الله بن مسعود: "من ازداد علما ولم يزدد هدى، لم يزدد من الله ~~إلا بعدا، (¬3) وهذا باب واسع. PageV01P588 ### || AUTO [الإحسان في أعمال الجوارح] # وأما الإحسان في أعمال الجوارح بعد إحكام قاعدة العلم فعلى أنواع: منه ~~فرض عين، ومنه فرض كفاية، ومنه سنة مؤكدة، ومنه فضيلة لا يسع من له عقل ~~ومروءة أن يفوت نفسه حظها من ذلك، وذلك يختلف باختلاف الأحوال. # قال الله عز وجل: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى ~~عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم} [النحل: 90] الآيات. ### || AUTO فصل [العارية من الإحسان] # وعلى المسلم بذل دلو يستقى به، وقدر يطبخ فيها، وفاس يحفر [بها] (¬1) ~~ونحو ذلك، وهل يجب أن يبذل بأجرة المثل؟ قولان للعلماء: # فمذهب الصحابة، ومن بعدهم كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق ~~(¬2) والسفيانين الثوري (¬3). PageV01P589 # وابن عيينة (¬1) والليث بن سعد (¬2) والأوزاعي (¬3)، PageV01P590 # وحماد بن سلمة (¬1)، ومكحول (¬2)، أن بذله حق على المسلم يجب مجانا كما ~~دل عليه الكتاب والسنة. # قوله تعالى: {فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم ~~يراءون (6) ويمنعون الماعون (7)} [الماعون: 4 - 7] (¬3). PageV01P591 # وفي السنن عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: (كنا نعد ذلك على عهد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عارية، الدلو والقدر والفأس و [نحوهن (¬1)]) (¬2). # وفي الصحيح مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر الخيل قال: ~~(هي لرجل أجر، ولرجل ستر، فأما الذي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، ~~فشبعها وريها وبولها وروثها حسنات، وأما الذي هي له ستر، فرجل ربطها تعففا ~~وتغنيا، فهو يرى حق الله في بطونها وظهورها) (¬3). PageV01P592 # وفي الصحيح خرجه البخاري مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ومن ~~حق الإبل إعارة ذكرها، وإطراق فحلها (¬1) " (¬2). # فلا يمنع المعروف من الناس بطلب الأجرة على مثل هذه الأشياء، فإن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان. # ولو طلب أن يجري ماؤه في أرض غيره من غير ms119 إضرار بصاحب الأرض، هل يجبر على ~~ذلك؟ على قولين للعلماء. # والمختار في ذلك ما قد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذ قال ~~للممتنع: (والله لنجرينها ولو على بطنك) (¬3). # وقد نقل عن غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن زكاة ~~الحلي عاريته بغير أجرة (¬4). PageV01P593 # وبذل هذه الأشياء يستحب تارة، ويجب أخرى بحسب الحاجة إليها، وكذلك بذل ~~منافع البدن يجب تارة، فلا يحل منعها، كنصر المظلوم باللسان وباليد. ### || AUTO [من الإحسان بذل منافع البدن] # كما يجب بذل العلم، وإفتاء الناس، وتعليم الأمي ما وجب عليه، والحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، وغير ~~ذلك من منافع الأبدان. PageV01P594 # فإذا تقرر هذا، فلأن لا يمنع منافع الأقوال (المضرة بها) (¬1) غيره أولى. # وقد قال تعالى: {. . . ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب. . . ~~ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا. . .} [البقرة: 282] (¬2). ### || AUTO [الخلاف في أخذ الأجرة على الشهادة] # وللعلماء في أخذ الأجرة على النهاية أربعة أقوال: أشهرها أنها حلال عند ~~الحاجة، وقيل تؤخذ حلالا إن لم يتعين المحتاج، ولغير محتاج. # ووجه هذا أيضا أنها يجوز تعيينها، ولا يكره تناولها بحال، والمنصوص عليه ~~أنه من أخذ عند الإشهاد، لم يأخذ شيئا عند الأداء، وعلى الجملة فإنهم ~~يكرمون، لأن الله بهم حفظ الحقوق، وأقام الحدود، وصان بهم الفروج والأنساب ~~(¬3). PageV01P595 # ومن ذلك أن الناس يحتاجون إلى الصناعات، كالفلاحة، والبناية، والنساجة، ~~إذ لا تتم أمورهم إلا بأقوات ومساكن ولباس ونحو ذلك، فإذا لم يجب لهم من ~~المصالح ما لا بد لهم منه أضر بهم ذلك. ### || AUTO [الصناعات والتجارات والزراعات من فروض الكفاية] # فإن المسلمين لم يكن لهم بالمدينة إلا ما يجلب من الثياب، فكانوا يجلبون ~~من اليمن ومن الشام ومصر، وأهل تلك الأمصار كفار، فكانوا يلبسون ما جاءهم ~~من ذلك ولا يغسلونه، ويأكلون ما جاءهم من طعام ودهن ونحوه، ولا يتحرجون في ~~شيء من ذلك، فحاجة الناس إلى خبز يخبز، وطعام يصنع، أكثر من حاجتهم إلى ~~ثياب تلبس، ms120 وحاجتهم إلى بيوت يسكنونها، أعظم من القسمين الأولين. # فلذلك ذهب جماعة من الأئمة كمالك، والأوزاعي، وسفيان، والليث بن سعد، ~~وإسحاق بن راهويه، وبه قال أبو حامد الغزالي (¬1) وأبو الفرج بن الجوزي ~~(¬2)، PageV01P596 # أن هذه الصنائع فرض كفاية (¬1)، فإنه لا تتم المصالح بين الناس بدون ذلك، ~~كالجهاد، وطلب العلم الشرعي الذي يجب على كل أحد أن يتعلم ما يجب عليه من ~~ذلك، فإن هذا شيء مبني على الأعيان، وكل من وجبت عليه الصلاة كان عليه أن ~~يتعلم ما يتيقن به سقوط الفرض عنه، وكذلك في سافر العبادات المشروعة. # قال - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح عنه: "من يرد الله به خيرا يفقهه ~~في الدين" (¬2)، PageV01P597 # فكل من أراد الله به خيرا يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في الدين ليس كذلك. # والدين هو ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء تصديقه فيه، ~~والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به ~~تصديقا عاما، ويطيعه فيما أمر طاعة عامة، وإذا ثبت عنه خبر كان عليه أن ~~يصدقه به تصديقا مفصلا، فإن كان مأمورا فيه بأمر كان عليه أن يطيعه طاعة ~~مفصلة. وكذلك غسل الموتى، وتكفينهم، والصلاة عليهم، وهو من فروض الكفاية. ### || AUTO [فروض الكفاية] # وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وكذلك الولايات ~~الدينية مثل إمرة المؤمنين وما دونها، من وزارة وديونة (¬1)، سواء (¬2) ~~كانت كتابة خطاب، أو حساب، أو مقبوض، أو مصروف، من أرزاق المقاتلة، وغيرهم ~~من إمرة حرب، وقضاء، وحسبة، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يتولى الأحكام، ~~والفتاوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود. ### || AUTO [قيامه عليه الصلاة والسلام بالولايات الدينية] # وكان عليه السلام يقوم بكل ما يتعلق بالولايات الدينية، ويولي ما بعد ~~عنه، كما ولى مكة عتاب بن أسيد (¬3)، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص (¬4)، PageV01P598 # وبعث عليا ومعاذا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن (¬1). # وكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث على الصدقة السعاة يجبون الأموال ~~الزكواتية (¬2)، يأخذونها ممن هي عليه، ms121 ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم ~~الله في القرآن (¬3)، فيرجع الساعي إلى المدينة ليس معه إلا سوطه. # وكان عليه السلام يحاسب العمال ويستوثق، ويحاسبهم على المستخرج والمصروف (¬4). # كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~استعمل رجلا من الأسد (¬5) على الصدقة، فلما رجع حاسبه، فقال: هذا لكم، ~~وهذا أهدي إلي! ! . .) الحديث، وفيه: "من استعملناه على عمل، فكتمنا مخيطا ~~فما فوقه، كان غلولا يأتي به يوم القيامة -وفيه نشير بأصبعه نحو السماء- ~~اللهم هل بلغت مرتين" (¬6). PageV01P599 ### || AUTO [متى تصبح فروض الكفاية فروض أعيان؟ ] # والمقصود هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض كفاية متى وقعت الضرورات إلى ~~شيء منها تعينت، وصارت من الواجبات، لا سيما إن كان الذي تلجئ الضرورة إليه ~~غير عاجز عن القيام بالقدر المطلوب من ذلك. # فإذا كان الناس يحتاجون إلى نساجة قوم، أو فلاحتهم، صار ذلك العمل واجبا ~~عليهم، يجبرهم ولي الأمر عليه، فإذا قاموا بما وجب عليهم من الفلاحة، وجب ~~عليه منهم أن يظلموا، ولا يمكن الجند من انتقاصهم من حقهم، فإن الجند لا بد ~~لهم من الفلاحين، فيلزمون أن لا يمنعوا الفلاح حقه، كما أنهم يلزمون أن ~~يقوموا بالفلاحة. ### || AUTO [جواز المزارعة] # والمزارعة (¬1) صحيحة ماضية، وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم، وخلفائه ~~الراشدين، وعليها عمل آل أبي بكر، وآل عمر، وآل عثمان، وآل علي - رضي الله ~~عنهم -، وهو مذهب عامة المهاجرين والأنصار، وهو قول أكابر PageV01P600 # الصحابة، كابن مسعود وأمثاله، وهو مذهب علماء الحديث، كأحمد، وإسحاق، ~~وأبي بكر بن المنذر (¬1)، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى (¬2)، وأبي يوسف ~~(¬3)، ومحمد (¬4)، وغيرهم من فقهاء المسلمين، كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - PageV01P601 # عامل أهل خيبر (¬1) لشطر ما تخرج الأرض من ثمر وزرع (¬2)، حتى مات الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - والأمر كذلك، وما زالوا حتى أجلاهم عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - عن خيبر، وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم، وكان -عليه ~~السلام- قد قال: "نقركم فيها ما شئنا" (¬3). ### || AUTO [أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج اليهود والنصارى ms122 من جزيرة العرب] # وما سمع منه قل وفاته أنه قال: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" ~~(¬4). PageV01P602 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P603 # وقد كان أصحابه مشغولين بالجهاد، لأنهم فرض عليهم الجهاد بأموالهم ~~وأنفسهم حتى كانوا يتلذذون بقولهم: # نحن الذين بايعوا محمدا. . . على الجهاد ما بقينا أبدا (¬1) # فلأجل ذلك أقر اليهود على أن يعملوا ولهم شطر ما أخرجت الأرض، فإن الذين ~~شهدوا فتح خيبر كانوا أهل بيعة الرضوان، الذين بايعوا تحت الشجرة، نحو ألف ~~وأربع مائة، وانضم إليهم أهل سفينة جعفر (¬2)، فهؤلاء الذين قسم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فيهم خيبر، فلو أقام طائفة من هؤلاء، وهم أبطال ~~الموحدين، وحماة المسلمين، وشغلوا بفلاحتها لتعذرت مصالح الإسلام من قبل ~~قوم لا يقوم بها غيرهم. PageV01P604 # فلما كان في زمن عمر - رضي الله عنه - كثر أهل الإسلام، وأغنى الله عن ~~اليهود وغيرهم من الكفار فأجلوهم، وكان -عليه السلام- قد قال قبل موته ما ~~تقدم (¬1)، وعلى ما تقرر من هذه الأصول، فكما أن الجهاد واجب، فعمل آلاته ~~وبيعها إذا اضطر إليها عند قوم تعين وجوب العمل بأجرة المثل، وبذل الآلة ~~بثمن المثل، أو بالمشترى الأول، وما يقع عليه الرضا من الكسب، فإنه إن بذل ~~ذلك تبرعا كان مجاهدا، فإن المؤمن [عليه] (¬2) أن يجاهد بيده وبلسانه ~~وبقلبه، وعليه النفقة في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وأثرة عليه، فمن عجز ~~عن الجهاد ببدنه، لم يسقط عنه الجهاد بماله، وعكس ذلك، ومن لم يطق أن يجاهد ~~بيده، فليس بمعذور إن ترك الجهاد بلسانه وقلبه. # وإذا كان الناس وهم أهل العلم، وأهل الجهاد، وأهل التجارة، وأصناف البيوع ~~المباحة لا بد لهم ممن يطحن ويعجن ويخبز، كما كان أهل الإسلام بالمدينة على ~~عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز، وإنما ~~كانوا كالأعاريب في بواديهم، ولا من يبيع خبزا ولا دقيقا، وإنما كانوا ~~يشترون الحب ويطحنونه بأيديهم، ويخبزونه في بيوتهم، ولا يجدون من يتولى ذلك ~~بأجرة، حتى إن المنخل (¬3) لم يعرف بينهم على عهد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولا رأى النقي، وكانوا ms123 يجدون لذلك مشقة، مع شغلهم بالغزو والعلم ~~والعبادة. فلهذا لما غلا السعر قال له رجل: يا رسول الله سعر لنا! ، قال: ~~"بل أدعو الله لكم" (¬4)، فلما كثر ذلك منهم قال: "إن الله هو الخافض ~~الرافع المسعر القابض الباسط، وإني أحب أن ألقى الله وليس PageV01P605 # أحد منكم يطالبني بمظلمة" (¬1). # فلم يكونوا يحتاجون إذ ذاك إلى الشعير، وكان من قدم بالحب مؤمنا أو كافرا ~~أو يهوديا أو نصرانيا باعه، وتيسر به الناس، فكانوا يفرحون بالجالبين. # ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون" (¬2). # وقال: "لا يحتكر إلا خاطئ" رواه مسلم (¬3). # وأما ما جاء في قفيز الطحان من النهي فهذا لا أصل له (¬4)، لأنه لم PageV01P606 # يكن يومئذ بالمدينة طحان ولا خباز، لعدم حاجتهم إلى ذلك، كما أن المسلمين ~~لما فتحوا البلاد كان الفلاحون (¬1) كفارا، فاستعملوهم فيها حتى أغناهم ~~الله عنهم. # ولهذا ذهب طائفة من أهل العلم كمحمد بن جرير الطبري (¬2)، أن الكفار لا ~~يقرون في دار الإسلام بالجزية، إلا إذا كان أهل القبلة يحتاجون إليهم، فإذا ~~استغنوا عنهم أجلوهم (¬3)، كما أجلى النبي -صلى الله عليه وسلم - بني PageV01P607 # النضير (¬1)، وأجلى عمر - رضي الله عنه - أهل خيبر (¬2)، وهو موضع خلاف ~~بين أهل العلم، ليس هذا موضع بسطه. # والغرض هنا إذا كان الكافر الذي هو عدو الملة، يجاور ويعامل ويعطى أجرة ~~المثل عند الحاجة، ولا يحل ظلمه في شيء، فكيف المسلم إذا قام بما يجب عليه ~~من مصالح إخوانه، من طحن بر (¬3) وإصلاح خبز (¬4) وتسوية طعام، وإحكام ~~بناء، ونسج ثوب، وغير ذلك، مما هو فرض PageV01P608 # كفاية، فحقه أن من احتاج إلى أخيه في شيء من ذلك الإحسان إليه، يدفع ما ~~يتعين له من أجرة أو ثمن أو قرض أو عوض. # فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "خيركم أحسنكم قضاء" (¬1). # وهؤلاء الذين يبيعون سائر أصناف الحلال، فعليهم فيما يبيعون فيه ويشترون ~~الزكاة إذا بلغ النصاب، وحال عليه الحول. ### || AUTO [فضائل نية نفع الخلق، والنفقة على العيال] # ومن أحب أن يلحق بدرجة الأبرار، ويتشبه بالأخيار، فلينو ms124 في كل يوم تطلع ~~فيه الشمس نفع الخلق، فيما يسر الله من مصالحهم على يديه، وليطع الله في ~~أخذ ما حل، وترك ما حرم، وليتورع عن الشبهات ما استطاع، فإن طلب الحلال ~~والنفقة على العيال باب عظيم لا يعدله شيء من أعمال البر. ### || AUTO [أكل المرء من عمل يده] # وقد روينا عن الصديقة عائشة - رضي الله عنها - مرفوعا إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أحل ما أكل العبد من كسب يده، وإن ولده من كسبه" (¬2). # وللبخاري: (خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج، PageV01P609 # فيختم القرآن قبل أن يفرغ من شأنها، وكان يأكل من عمل يده) (¬1). # وقال ابن المبارك لأصحابه وهو في الغزو: هل تعلمون عملا أفضل من هذا؟ ~~قالوا: لا نعلمه، قال: بلى أنا أعلمه، رجل متعفف محترف أبو عيال، قام من ~~الليل، فوجد صبيانه مكشفين فغطاهم، وثار إلى صلاته (¬2). ### || AUTO [الإحسان في البيع اجتناب البيوع الفاسدة، والحلف] # ومن اجتنب البيوع الفاسدة، ونزه لسانه عن الحلف في البيع، روى البخاري ~~مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اجتنبوا الحلف في البيع، فإنه ~~ينفق، ثم يمحق" (¬3). # ومن حفظ معاملته عن المخادعة في البيع وخلف الوعد فقد وفق لأمر عظيم، ~~وأفضل ما يستعين به من له عناية بدينه القناعة، وحسن الظن بالله، والثقة ~~بما ضمن من الرزق، وخوف الحساب، ومراقبة الجليل، فإنه قال وقوله الحق: ~~{فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 152]. # [فصل] # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (¬4) ~~الحديث رواه ابن عمر، وحكيم بن حزام، وغيرهما - رضي الله عنهما -. PageV01P610 ### || AUTO [احتياج البيوع إلى الصدق] # فعامة البيوع المباحة تحتاج إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح، وتفسد ~~بالكذب، وكتمان العيب أو النقص، وهذا عين الخيانة، وأصل الغش. # والبيع تارة يكون مباحا، كرجل احتاج إلى ثمن شيء فباعه، لا يريد بذلك إلا ~~الثمن، لنفقة واجبة، أو مصلحة ظاهرة، وتارة يكون البيع واجبا، كطعام يجب ~~بذله لمحتاج إليه بثمن المثل، لا وكس (¬1) ولا شطط (¬2). ### || AUTO [النهي عن تلقي الركبان] ms125 # ولهذا: "نهي عن تلقي الركبان" الحديث (¬3)، وأثبت له الخيار إذا بلغ السوق. # ولهذا كان مذهب أكثر الفقهاء على أنه نهي عن ذلك من أجل ضرر PageV01P611 # البائع هنا، لأنه إذا لم يكن عرف قيمة المثل، ولا درى السعر بالحاضر، ~~وتلقيت منه السلعة، فاشتريت بمبلغ لعله دون القيمة، فأثبت له الخيار إذا ~~بلغ السوق. # وفي الخيار هنا أقوال: منها أنه يثبت له الخيار إذا غبن في البيع، واليه ~~ذهب أحمد، والثاني: أنه يثبت مطلقا، وبه قال الشافعي وأكثر أهل العلم، وهو ~~أظهر قوله (¬1). # وقال طائفة: إنما نهى من أجل ضرر المشتري، لأنه إذا اشتراه بثمن لا يبيعه ~~في السوق إلا بزيادة، فيغلو على المحتاج إليه (¬2)، فكأنه - عليه السلام - ~~أراد أن يشتريه من يحتاجه بغير واسطة، لئلا يتضاعف الربح فيغلو. # وفي الجملة فقد نهى فضلا للمصلحة، فإذا كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن البيع الذي هو حلال الجنس، حتى يعرف السعر البائع، ويتحقق PageV01P612 # المشتري السلعة، وصاحب القياس الفاسد يقول للمشتري: أن يشتري ما شاء أين ~~شاء! ! وقد اشترى يرضى البائع. # والشارع رعى المصلحة العامة، لأن الجالب إذا لم يعرف السعر، ولا أخبر ~~بثمن المثل، كان المشتري قد غره، وليس ذلك من الصدق والنصح في شيء، إنما هو ~~خيانة وغش، فإن أضاف إليها كذبا صريحا مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي ~~في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك، ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له بمطعمه ~~ومشربه، ومن جل قصده تثمير المال، والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في ~~البيوع، وكل ذلك محرم محذور. # ولذلك ألحق مالك وأحمد كل سليم الصدر في الفهم، لا يساوم، ولا يماكس (¬1) ~~بالجالب، فلا يؤخذ من هؤلاء إلا قيمة المثل، وأن يقنع في معاملتهم بأيسر ~~الربحين، لأنهم جاهلون (¬2) بالسعر، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا تبع ~~للعلم، وأما إذا لم يعلم المشتري بسعر المبيع، ولا الجيد من جنسه، فاستسلم ~~للبائع، فإنما رضاه باختياره له، وليس ذلك الرضا المشترط في صحة البيع. # وأما إذا علم أنه غبن في ms126 المشترى، ودلس عليه في جنسها ورضي، فهذا لا بأس ~~به، لأنه يجوز للعبد أن يترك بعض حقه، وهو يقدر على استيفائه، وإذا أخذ منه ~~ثمن المثل ولم يرض، لم يلتفت إلى سخطه. # ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن يعلم العيب والتدليس (¬3)، فإن الأصل في ~~السلعة الصحة، وأن يكون الظاهر كالباطن، فإذا اشترى على ذلك اعتبر رضاه، ~~فإذا اطلع على عيب أو غبن، فهو كالجالب الجاهل بقيمة المثل إن PageV01P613 # وجد عيبا، وكالمشتري من الجالب جاهل الصفة، فثبت له الخيار حفظا ~~للجانبين، فإن المشتري إذا علم عيبا في المبيع، أو غبن في الثمن، قد يرضى ~~وقد لا يرضى، فإن لا يرضى فله فسخ البيع. # ففي الصحيحين عن حكيم بن حزام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا ~~وبينا بورك لهما) الحديث (¬1). ### || AUTO [دفع الضرر] # وفي السنن: (أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر ~~بدخول صاحب الشجرة، فشكى ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمر صاحب ~~الجرة أن يتبرع إن شاء، أو يأخذ من ملك الرجل شجرة بدلها، فأبى إلا قطعها، ~~أو الدخول عليه من أجلها، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنت ~~مضار") (¬2). # وحاجة الناس إلى الطعام والشراب واللباس وآلات الحرب، مما يستعان به على ~~الجهاد، وما لا تتم المصالح إلا به، أكبر من حاجة هذا الرجل إلى حفظ أرضه. # فلهذا أمروا بالعدل في البيوع، والصدق في المعاملات، ليكون ذلك سبب سماح ~~نفس صاحب السلعة ببيعها، ورغبة المحتاج إلى شرائها، فهذا وجه الحكمة في ~~قوله: "بورك لهما في بيعهما". # فلو أن إنسانا غبن في سوق مرة على إثر أخرى، حمله ذلك على أن لا يحمل ~~إليه سلعة، ولا يعامل فيه مخلوقا، فجر ذلك ضررا وأثر فسادا. # ولهذا يعين على الإمام أنهم إذا كانوا لا يتبايعون الطعام بثمن معروف، ~~سعر لهم فيما يحفظ حرمة البائع والمشتري، وهو بيع الطعام بثمن المثل، وقيمة ~~العدل، لا شطط ولا وكس. PageV01P614 # فصل قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ms127 وأسيرا (8) إنما ~~نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9)} [الإنسان: 8، 9]. ### || AUTO [إطعام المحتاج فرض كفاية] # وإطعام الطعام للمحتاج فرض على الكفاية باتفاق أئمة المسلمين. # وفي البخاري أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "عودوا المريض، وأطعموا ~~الجائع، وفكوا المعاني" (¬1). # وفي المسند: (أيما رجل مات في قوم جوعا، فقد برئت منهم ذمة الله وذمة ~~رسوله) (¬2). PageV01P615 ### || AUTO [كسوة العرايا فرض كفاية] # ولو مات فيهم رجلا جوعا لزمته ديته، وكذلك كسوة العرايا فرض كفاية، وهذا ~~الفرض على من له فضل من ماله، ومتى رأى محتاجا وغلب على ظنه أن غيره لا ~~يقوم بحاجته، تعين عليه أن يطعمه. # وفي الأثر: (لو صدق المسائل، لا أفلح من رده) (¬1). # قال المروذي (¬2): قلت لأحمد بن حنبل: إذا علمت أن المسائل صادق أيجب ~~علي؟ قال: نعم. PageV01P616 ### || AUTO [الصدقة بفضول الأموال] # وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أصابتهم مرة حاجة، فأمرهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بأن يتصدقوا بفضول أموالهم، حتى يفضل من كل جنس من ~~منافعهم، حتى ظنوا أنه لا حق لأحد في شيء من فضل ماله (¬1). # ولو قام أحدهم فجمع فضول أموالهم لكان حسن، وعلى ولي الأمر أن يجبرهم على ~~مواساة من علموا احتياجه إليها. # فصل (¬2) PageV01P617 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P618 # المغارسة والمناصبة (¬1) تجوز في ظاهر مذهب أحمد، ذكرها العكبري (¬2) ~~والقاضي وجوزها، وقاسها على المزارعة، فإن المزارعة تقتضي المشاركة في ~~الثمرة. # وقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "نقركم ما شئنا" رواه مسلم (¬3). # ثم (¬4) إذا كان الغرس من صاحب الأرض، فهو كما لو كان البذر من العامل، ~~فيشتركان فيما يحدثه الله من الثمر والزرع. PageV01P619 # ومالك وأحمد وأبو حنيفة يصححون شركة الأبدان، والشافعي لا يجوز هذا (¬1). # وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعث عبد الله بن رواحة، ليقسم ~~الثمار المشتركة بين المسلمين وبين أهل خيبر، فإنه كان قد عاملهم بنصف ما ~~تخرج الأرض، فدل على جواز العقد لا وجوبه، على أن يعمروها من أموالهم، وكان ~~للمسلمين نصف الثمار والزرع، فكان يبعث ابن رواحة ليعرف حق الشركاء، ويعرف ~~مقدار الزكاة ms128 الواجبة، فكان إذا خرصها سلمها إلى اليهود. ### || AUTO [محاولة اليهود رشوة عبد الله بن رواحة] # ولقد قالوا له مرة: يا عبد الله لقد زدت علينا، ورشوه بشيء من حلي ~~نسائهم، فقال: يا معشر يهود كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد، قال: فإني ~~عاهدت محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن لا أكتم حقا، أو أواطئ على باطل، ~~فرد إليهم الحلي، فأيسوا مه، ولم يجدوا بدا من دفع الحق إلى المسلمين (¬2). PageV01P620 # وروي مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لعن الله الراشي ~~والمرتشي" (¬1). # ولقد مر علي - رضي الله عنه - يهودي، فنظر من ثلمة (¬2) في الحائط، فبصر ~~باليهودي يستقي ببكرة (¬3)، فقال: يا أخا العرب هل لك في كل دلو تمرة! قال: ~~نعم، فدخل علي - رضي الله عنه - فأخذ الدلو، قال: فجعلت كلما نزعت دلوا رمي ~~لي بتمرة، حتى جمعت ملئي كفي، تركت الدلو وذهبت، قال: ما بدا لك، قلت: ~~حسبي، فأخذت التمر فأكلته، ثم أتيت المسجد، فما أن غزونا خيبر، فأغنمها ~~الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقتل اليهودي، وقسمت PageV01P621 # أمواله ورباعه في أهل بيعة الرضوان وأصحاب السفينة (¬1). # ولا خلاف أن عمل فلاحي (¬2) المسلمين أنفع لأرضهم، واشتراكهم فيما يرزقهم ~~الله من ثمر وزرع أصلح في دينهم ودنياهم، من أن يفلحها الكفار، ويبقى فلاحو ~~(¬3) المسلمين فقراء محتاجين. # وإذا أراد صاحب الأرض أن يغرسها، فعامله إنسان على أن يكون له نصف الثمر ~~ويقوم بمصالحها، ونصف الثمر لصاحب الأرض جاز ذلك (¬4). PageV01P622 # ولو قال: اسق هذه الثمرة بعد ظهورها، على شيء معلوم من الثمر، وأن يخرصها ~~جاز ذلك (¬1). ### || AUTO [أصل مذهب أحمد في العقود الجواز] # وأصل مذهب أحمد في العقود الجواز، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ~~ورسوله، ومذهبه أوسع المذاهب في باب المزارعة والمناصبة والمساقاة، وكل ما ~~كان من المعاملات المباحة (¬2). # وعلى العامل الحرث وآلته، وبقره، وإصلاح طرق الماء، وقطع الشوك والشجر ~~اليابس، وزبار الكرم (¬3)، وتسوية الثمرة، والحفظ والتشميس، وإصلاح موضعه، ~~وقيل: ما يتكرر كل عام فهو على العامل، وما عداه فعلى رب ms129 الأرض (¬4). ### || AUTO فصل [رفع الجوائح من الإحسان] # وأما الجائحة (¬5) في بيع الثمار ففيها نزاع مشهور، فلو اشترى ثمرا قد PageV01P623 # بدا صلاحها، فأصابته جائحة، كان من ضمان البائع في مذهب مالك، والإمام ~~أحمد، وجماعة من علماء السلف. # وقد صح النقل وثبت الخبر في صحيح مسلم مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن بعت من أخيك ثمرة، فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من مال ~~أخيك شيئا! أيأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق! ! " (¬1). # وأما أبو حنيفة فلا يفرق بين ما بيع قبل بدو الصلاح أو بعده (¬2). # وأما ضمان البساتين عاما أو أعواما، ليستغلها الضامن بسقيه وعمله، ~~كالإجارة، وكذلك إذا بدا الصلاح في جنس من الثمر (¬3) إذا أكل منه، وبيع ~~جميع ثمر البستان فأظهر الأقوال جواز ذلك (¬4). # وكذلك لو أعطى ماء ليسقي به زرعه، ويكون له الربع منه، أو أقل أو أكثر ~~جاز، سواء كان الماء من صاحب البذر العامل فيها، أو من صاحب الأرض، أو من ~~غيرهما، كل هذا جائز، وهذا من جنس المشاركة، لا من جنس الإجارة، وهو بمنزلة ~~المساقاة والمزارعة. # والصحيح على مذهب أهل الحديث، أن المزارعة جائزة، سواء كان البذر من ~~المالك، أو من الفلاح، أو منهما، وسواء كان على أرض بيضاء، أو ذات شجر، ~~وكذلك تصبح المساقاة على جميع الأشجار، ويورث من كل منهم، وتقسم الشجرة أو ~~الزرع في ورثته قسمة شرعية، فإن هذا كله من فضل الله الذي يبتغى في الأرض. PageV01P624 # ومن قوله تعالى: {وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20)} ~~[الحجر: 20]. ومن قوله تعالى: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} [الملك: 15]. # ومن قوله تعالى: {أفرأيتم ما تحرثون (63). . .} [الواقعة: 63]. # وقد كان إبراهيم بن أدهم (¬1) وشقيق (¬2) بعد ما كانا فيه من سعة الرزق، ~~يقومان على الكروم، ويسترزقان الله من العمل في البساتين، ويتقوتان (¬3) من ~~الحصاد، وهو سنة ماضية من عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، وخلفائه ~~الراشدين، فمن بعدهم. PageV01P625 ### || AUTO [العلم النافع هو ما قام عليه دليل عن النبي عليه الصلاة والسلام] # واعلم رحمك ms130 الله أن كل ما قام عليه الدليل فهو علم، والنافع من ذلك ما ~~كان عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - (¬1)، لقوله - عليه السلام -: "من ~~سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة" الحديث (¬2). # وكان شيخنا يقول (¬3): الشريعة المحمدية، والآداب النبوية، نور الله في ~~أرضه وعدله بين خلقه. ### || AUTO [مكاتبة النبي عليه الصلاة والسلام العالم، ودعوتهم إلى الإسلام] # ولقد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرسل إلى ملوك الأرض (¬4)، ~~فبعث إلى PageV01P626 # كسرى (¬1)، وقيصر (¬2)، وملك الإسكندرية (¬3)، PageV01P627 # وإلى أكيدر دومة (¬1)، وغيرهم من ملوك الأطراف، وكب إليهم كتبا، وذلك ما ~~عرف ونقل واشتهر. # وإنما بعث إلى كل واحد منهم رجلا من أصحابه، ودعاهم إلى الله وإلى ~~التصديق برسالته لإقامة (¬2) الحجة وظهور الدعوة وقطع العذر لقوله PageV01P628 # تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. . ~~.} [النساء: 165] الآيات. فإن الأنبياء كانوا يبعث النبي إلى قومه، وبعث - ~~عليه السلام - إلى الناس كافة (¬1). ### || AUTO [دعوة النبي عليه الصلاة والسلام الناس، وإرساله الدعاة لذلك] # وإنما قصد ببعث هذه الرسل إلى الملوك، بث الدعوة في جميع الممالك، ودعا ~~الناس عامة إلى دينه، على حسب ما أمره الله. # وقد كان إذا أنزل الله وحيا، أو أحدث نسخا، فيه تأكيد بحجة أو رخصة تدل ~~على سعة الرحمة، بعث الأمناء الأمراء النجباء يعلمون من بعد عنه. # كما بعث عليا - رضي الله عنه - بسورة براءة، مناديا ألا يحجن بعد العام ~~مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، وكل من كان بينه وبين النبي عهد فمدته إلى ~~أربعة أشهر، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. # وبعث معاذا - رضي الله عنه - إلى اليمن (¬2). # وبعث إلى أهل خيبر من يقول: "إما أن تؤدوا القتيل، أو فأذنوا بحرب من ~~الله ورسوله" (¬3). PageV01P629 # وبعث إلى بني قريظة أبا لبابة - رضي الله عنه - يستنزلهم على حكمه (¬1). # وجاء أهل قباء واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم في مسجدهم ~~يصلون، فأخبرهم بصرف القبلة إلى المسجد الحرام، فاستداروا وهم في صلاتهم (¬2). # وبعث العلاء ms131 بن الحضرمي - رضي الله عنه - إلى أعمال البحرين (¬3). # وبعث عدي بن حاتم - رضي الله عنه - على صدقة طيء (¬4). ### || AUTO [اجتناب البيوع الفاسدة من الإحسان] # ومن الإحسان في البيوع، والتزام العقود الشرعية، والورع في المعاملات ~~المباحة، ما ذكره الإمام أبو الوفا بن عقيل البغدادي في كتاب التذكرة، في ~~باب ما يجتنب من البيوع الفاسدة، فقال: PageV01P630 # (يجتنب منها خمسة وعشرون شيئا، كلها كانوا في الجاهلية يجيزونه، فجاء ~~الإسلام برده وكان تحريمه، فمنها تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد (¬1)، ~~والنجش (¬2) هو من شرها موقعا، وأذرعها (¬3) للحق وفي القلوب (¬4)، وأن ~~يسوم الرجل على سوم أخيه المسلم (¬5)، ونهى عن بيع PageV01P631 # الملامسة، وعن بيع المنابذة (¬1)، ونهى عن المحاقلة، وهي مما يقع فيه ~~كثير من الجند، الذين يعاملون الفلاحين، ولا يعرفون شرطه، ونهى عن المزابنة ~~(¬2)، وعن بيع الحصاة (¬3)، وعن بيع الكلب (¬4)، وعن بيع نفع البئر PageV01P632 # يعني: مائه (¬1)، وعن بيع وسلف (¬2)، وعن بيع ما لم يقبض (¬3)، وعن بيع ~~ما ليس عندك (¬4) وعن بيع الحب حتى يفرك (¬5)، وعن بيع الثمرة حتى PageV01P633 # تزهي (¬1)، أي: يبدو صلاحها، وهو أن تحمر أو تصفر، وعن بيع الحنطة في ~~سنبلها (¬2)، وربح ما لم يضمن خسارته (¬3). # ونهى عن بيعين في بيعة (¬4)، وعن بيع المضامين، وحرم بيع PageV01P634 # الملاقيح (¬1)، ونهى عن بيع وشرط (¬2)، ونهى عن بيع الغرر (¬3)، وعن بيع PageV01P635 # حبل الحبلة (¬1)، وعن بيع اللحم، لحيوان (¬2). PageV01P636 # وعن عسب الفحل (¬1)، وعن بيع الرطب بالتمر (¬2)، ورخص في العرايا من أجل ~~الفقراء (¬3)، PageV01P637 # وعن بيع المجر (¬1)، وعن بيع الكالئ بالكالئ) (¬2). # فهذه بيوع كثيرة عرف تفصيلها، ووجه الاحتراز منها، من مشهور الأحاديث، ~~وجملة أحاديث النهي عن البيوع الفاسدة ثلاثة وخمسون حديثا. # وقد بوب العلماء على أكثرها، وأحسنوا التنبيه على ذلك، لئلا يكون PageV01P638 # للآكل حجة إذا أخذ الحرام، وسماه بغير اسمه، واحتج لغلبة هواه، ورغبته في ~~تثمير المال بقوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275]، ولا ~~يعلم أن من العلم جهلا، وهو: أن يتكلف العالم الكلام فيما لا يعلم تأويله، ~~ولا يعرف صحته، فينسب إلى الجهل مع علمه بفنون من العلم. # قيل لعفان ms132 بن مسلم (¬1)، وقد سئل في حضرة الخليفة مسألة فقال: لا أعلم. # فقيل له: أيصرف إليك من بيت المال في كل شهر ألف درهم، وأنت لا تعلم! ! ~~فقال: إنما آخذ على ما أعلم، وإلا فلو أخذت على ما لا أعلم لفني بيت المال، ~~قبل أن يفنى ما لا أعلم (¬2). # فمن العلم جهلا، ومن القول عيلا، وهو أن تقبل بحديثك على من لا يسمعه، ~~وتخص به من لا يفهمه (¬3). PageV01P639 # ومن البيوع فاسد، لا يحل ربحه، ولا يصح العقد فيه. # وللعلماء من التصانيف الجليلة في البيوع ما بين الحالي من العاطل (¬1)، ~~وأوضح الحق من الباطل، وليس هذا مما يستغني عنه العوام، بل هو مما لا يسعهم ~~جهله، ولا يعذر التجار في التساهل في حفظه. # فقد قال قتادة (¬2) في قوله تعالى: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله} [النور: 37] الآية قال: (ليس هو أنه لم يكن لهم معايش، وأسباب، ~~وتجارة وأعمال، بل كانت عامة أقواتهم من التجارة , والصناعة) (¬3). # وكان فيهم أعني: الأنصار، من يعيش من عمل النخيل، والتصدي لازدراع ونحوه. # وقد جاء في الصحيح: (ما من مسلم يزرع زرعا، أو يغرس غرسا، PageV01P640 # فيأكل منه طير، أو سبع، أو حيوان، إلا كان له صدقة) (¬1). ### || AUTO [اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بفقه الحلال والحرام] # ولا خلاف أن الصحابة كانت لهم أسباب ومعائش شتى، مع كثرة اشتغالهم ~~بالغزو، الذي هو من أشد الأعمال على النفوس، وكان تورعهم واجتهادهم وفقههم ~~الذي يتدارسونه بينهم معرفة الحلال والحرام، في المآكل، والمشارب، ~~والملابس، والمساكن، والمناكح، ونحو ذلك، وكانوا يرجعون في ذلك كله إلى ~~الكتاب والسنة، ويستفتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حال حياته، ~~ويسأل بعضهم بعضا عن سنته بعد وفاته، حتى حفظ عنهم في باب المعاملات ما قطع ~~حجة كل أفاك أثيم، وعرف من شعارهم ما لو تمسكنا به لم نعدل عن النهج ~~القويم، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم. # باع عثمان بن عفان - رضي الله عنه - طعاما، فجاء فاستفتى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم ms133 - في الرجل يبيع الطعام، أجرة الكيل على البائع، أم على ~~المشتري، فأفتاه أنها على البائع (¬2). PageV01P641 # وجاء رجل يوم خيبر، فقال: (يا رسول الله، ما ربح أحد من أهل الوادي ما ~~ربحت اليوم، ما زلت أبيع وأشتري حتى ربحت ثلاثمائة أوقية من الذهب، أو قال ~~من الفضة) رواه أبو داود (¬1). # وقد خرج البخاري في باب من لم يبال من أين يكسب المال، عن أبي سعيد ~~المقبري عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يأتي على ~~الناس زمان لا يبالي المرء من أين أخذ المال، من حرام، أم من حلال (¬2). # وفي باب التجارة في البز (¬3) وغيره قال قتادة: (كان القوم يتبايعون، ~~ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله، لم تلههم تجارة، ولا بيع PageV01P642 # عن ذكر الله، حتى يؤدونه إلى الله) (¬1). # وفيه عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: كنت أتجر في الصرف (¬2)، قال: ~~قالت زيد بن أرقم فقال: كنت أنا والبراء بن عازب تاجرين في الصرف على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألناه في الصرف فقال: "إن كان يدا بيد ~~فلا بأس، وإن كان إلى أجل لا يصلح" (¬3). PageV01P643 # وروى الشعبي عن النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما اشتبه عليه من ~~الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ [على] ما يشك فيه [من الإثم]، أوشك ~~أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه" (¬1). # وعن عقبة بن الحارث (¬2): (أن امرأة دخلت عليه، فأخبرته أنها أرضعت ~~امرأته، الحديث، وفيه: فكيف وقد قيل! ! ) (¬3). # وقد روي مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غبن المسترسل ربا" ~~(¬4)، PageV01P644 # والمسترسل: الذي لا يماكس، بل يقول: خذ أعطني (¬1)، فيرجع في بيعه إلى ~~قيمة المثل، أو يكسب عليه القدر المعارف من غير شطط، ولا جور. # وكيف يصح أن الدنيا ملعونة، وليس من رزق، ولا من نعمة، ينالها العبد إلا ~~على ظهرها. # وقد قال تعالى: {فامشوا ms134 في مناكبها وكلوا من رزقه} [الملك: 15]، وإنما ~~يذم منها حرام من غير وجهه، أو حلال على سبيل التكاثر والتفاخر، وما يقتنى ~~قصد المباهاة والمماراة، فذلك الذي هو ممقوت عند ذوي الألباب (¬2). PageV01P645 # وقد جاء رجل يوم خيبر فقال: (يا رسول الله ما ربح أحد من أهل هذا الوادي ~~ما ربحت اليوم، ما زلت أبيع وأشتري حتى ربحت ثلاثمائة أوقية) (¬1). # وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عروة براي أبي الجعد البارقي، ~~يشتري له شاة بدينار، فاشتري شاتين بدينار، ثم رجع التي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بشاة ودينار، وقال: (إني اشتريت شاتين بدينار، فبعت إحداهما ~~بدينار، وهذه شاة ودينار)، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أربح ~~الله بيعك" رواه البخاري. # وفيه: (وكان عروة البارقي لو اتجر في التراب لربح) (¬2). # وكان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - تاجرا (¬3). PageV01P646 # وقد روى أهل العلم بأحوال الصحابة وأيام الناس، أن الزبير - رضي الله عنه ~~- مات وعليه ثمانون ألف دينار، فقضيت من تركته، ثم كان الثمن من تركته بعد ~~ذلك ستين ألف دينار، وكان مما ترك من كراع وسلاح وأثاث ألف فرس (¬1). # وقد عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا وهو ممن شهد بدرا وفتح ~~خيبر فقال: يا رسول الله إنك زوجتني فلانة ولم أسم لها مهرا وإني قد جعلت ~~لها من ذلك سهمي الذي بخيبر فأجاز ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فباعته بمائة ألف، خرجته العلماء في كتب الأحكام"، واتسع الإسلام في زمن ~~عمر - رضي الله عنه -، وفشى PageV01P647 # المال حتى تحدث أن نخلة بيعت بألف واشترى علي فيه فرسا بمائة ناقة. # وقد قال حاتم الأصم (¬1): (من اكتفى بتحسين المقال دون التفقه والعمل به ~~تزندق، ومن عمل بغير علم وقع في البدع، ومن تفقه ولم ينشر العلم ولم ير ~~العمل به من شرطه فسق، ومن تفنن في الأبواب كلها تخلص) (¬2). # فما وجدناه من كتاب الله تعالى، وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~أو عن جميع أصحابه الطاهرين رضي الله عنهم أجمعين، ms135 أخذناه باليدين، وعضضنا ~~عليه بالناجذين (¬3)، وتمسكنا به حتى نلقى الله به معتصمين، وما لم نجده في ~~هذه الأنوار الساطعة، والطرق المأمونة، والسبيل المضمونة المقطوع على أنها ~~حق عند الله تعالى نفرنا منه ولم نجسر عليه ووليناه من تولاه وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه تسليما كثيرا إلى يوم الدين# (¬4). PageV01P648 ms136