######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007564 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإيمان #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007564 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7564 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7564 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد ناصر الدين الألباني #META# 041.EdNUMBER :: الخامسة، 1416هـ/1996م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتب الإسلامي، عمان، الأردن #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الإيمان # تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، ونشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تسليما. # اعلم أن [الإيمان] و [الإسلام] يجتمع فيهما الدين كله، وقد كثر كلام ~~الناس في [حقيقة الإيمان والإسلام] ، ونزاعهم، واضطرابهم. وقد صنفت في ذلك ~~مجلدات، والنزاع في ذلك من حين خرجت الخوارج بين عامة الطوائف. # ونحن نذكر ما يستفاد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، مع ما يستفاد من ~~كلام الله تعالى فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام الله ورسوله، فإن هذا هو ~~المقصود. فلا نذكر اختلاف الناس ابتداء، بل نذكر من ذلك في ضمن بيان ما ~~يستفاد من كلام الله ورسوله ما يبين أن رد موارد النزاع إلى الله وإلى ~~الرسول خير وأحسن تأويلا، وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة. # فنقول: قد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام بين ~~مسمى [الإسلام] ومسمى [الإيمان] ومسمى [الإحسان] . فقال: " الإسلام: أن ~~تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي ~~الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ". # وقال: " الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ~~وتؤمن بالقدر خيره وشره ". # PageV01P007 # والفرق مذكور في حديث عمر الذي انفرد به مسلم، وفي حديث أبي هريرة الذي ~~اتفق البخاري ومسلم عليه، وكلاهما فيه: أن جبرائيل جاءه في صورة إنسان ~~أعرابي فسأله. وفي حديث عمر: أنه جاءه في صورة أعرابي. # وكذلك فسر [الإسلام] في حديث ابن عمر المشهور، قال: " بني الإسلام على ~~خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ". # وحديث جبرائيل يبين أن الإسلام المبني على خمس هو الإسلام نفسه ليس ~~المبني ms001 غير المبني عليه، بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدين ثلاث درجات ~~أعلاها: الإحسان، وأوسطها: الإيمان، ويليه: الإسلام، فكل محسن مؤمن، وكل ~~مؤمن مسلم، وليس كل مؤمن محسنا، ولا كل مسلم مؤمنا، كما سيأتي بيانه إن شاء ~~الله في سائر الأحاديث، كالحديث الذي رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي ~~قلابة، عن رجل من أهل الشام، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ~~" أسلم تسلم ". قال: وما الإسلام؟ قال: " أن تسلم قلبك لله، وأن يسلم ~~المسلمون من لسانك ويدك ". قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: " الإيمان ". قال: ~~وما الإيمان؟ قال: " أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، وبالبعث بعد ~~الموت ". قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: " الهجرة ". قال: وما الهجرة؟ قال: " ~~أن تهجر السوء ". قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: " الجهاد ". قال: وما الجهاد؟ ~~قال: " أن تجاهد، أو تقاتل الكفار إذا لقيتهم، ولا تغلل، ولا تجبن ". ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عملان هما أفضل الأعمال، إلا من عمل ~~بمثلهما قالها ثلاثا حجة مبرورة، أو عمرة " رواه أحمد، ومحمد بن نصر ~~المروزي. # PageV01P008 # لهذا يذكر هذه " المراتب الأربعة " فيقول: " المسلم من سلم المسلمون من ~~لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر ~~السيئات، والمجاهد من جاهد نفسه لله ". وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حديث عبد الله بن عمرو، وفضالة بن عبيد وغيرهما بإسناد جيد، وهو في ~~السنن، وبعضه في الصحيحين. وقد ثبت عنه من غير وجه أنه قال: " المسلم من ~~سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم ". ~~ومعلوم أن من كان مأمونا على الدماء والأموال؛ كان المسلمون يسلمون من ~~لسانه ويده، ولولا سلامتهم منه لما ائتمنوه. وكذلك في حديث عبيد بن عمير، ~~عن عمرو بن عبسة. # وفي حديث عبد الله بن عبيد بن عمير أيضا عن أبيه، عن جده؛ أنه قيل لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ما الإسلام؟ قال: " إطعام الطعام، وطيب الكلام ". ~~قيل: ms002 فما الإيمان؟ قال: " السماحة والصبر ". قيل: فمن أفضل المسلمين ~~إسلاما؟ قال: " من سلم المسلمون من لسانه ويده ". قيل: فمن أفضل المؤمنين ~~إيمانا؟ قال: " أحسنهم خلقا ". قيل: فما أفضل الهجرة؟ قال: " من هجر ما حرم ~~الله عليه ". قال: أي الصلاة أفضل؟ قال: " طول القنوت ". قال: أي الصدقة ~~أفضل؟ قال: # PageV01P009 # " جهد مقل ". قال: أي الجهاد أفضل؟ قال: " أن تجاهد بمالك ونفسك، فيعقر ~~جوادك، ويراق دمك ". قال أي الساعات أفضل؟ قال: " جوف الليل الغابر ". # ومعلوم أن هذا كله مراتب، بعضها فوق بعض، وإلا فالمهاجر لابد أن يكون ~~مؤمنا، وكذلك المجاهد؛ ولهذا قال: " الإيمان: السماحة والصبر "، وقال في ~~الإسلام: " إطعام الطعام، وطيب الكلام ". والأول مستلزم للثاني؛ فإن من كان ~~خلقه السماحة، فعل هذا بخلاف الأول؛ فإن الإنسان قد يفعل ذلك تخلقا، ولا ~~يكون في خلقه سماحة وصبر. وكذلك قال: " أفضل المسلمين من سلم المسلمون من ~~لسانه ويده ". وقال: " أفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا "، ومعلوم أن هذا ~~يتضمن الأول؛ فمن كان حسن الخلق فعل ذلك. # قيل للحسن البصري: ما حسن الخلق؟ قال: بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة ~~الوجه. فكف الأذى جزء من حسن الخلق. # وستأتي الأحاديث الصحيحة بأنه جعل الأعمال الظاهرة من الإيمان كقوله: " ~~الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى ~~عن الطريق ". وقوله لوفد عبد القيس: " آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ~~ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإقام ~~الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم ". # ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله بدون إيمان القلب؛ ~~لما قد أخبر في غير موضع، أنه لابد من إيمان القلب، فعلم أن هذه مع إيمان ~~القلب # PageV01P010 # وهو الإيمان، وفي المسند عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~الإسلام علانية، والإيمان في القلب ". وقال صلى الله عليه وسلم: " إن في ~~الجسد مضغة، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ~~ألا وهي القلب ". فمن ms003 صلح قلبه صلح جسده قطعا، بخلاف العكس. # وقال سفيان بن عيينة: كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء ~~الكلمات: من أصلح سريرته، أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله، ~~أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته، كفاه الله أمر دنياه. رواه ~~ابن أبي الدنيا في كتاب [الإخلاص] . # فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان، صلح الجسد بالإسلام، وهو من الإيمان؛ ~~يدل على ذلك أنه قال في حديث جبرائيل: " هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم ". ~~فجعل الدين هو الإسلام، والإيمان، والإحسان. فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة، ~~لكن هو درجات ثلاث: مسلم ثم مؤمن ثم محسن، كما قال تعالى: {ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات بإذن الله} [فاطر: 32] ، والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا ~~عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه. وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب، ~~لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن، فإنه معرض للوعيد، كما سيأتي ~~بيانه إن شاء الله. # وأما [الإحسان] فهو أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإيمان. و ~~[الإيمان] أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإسلام. فالإحسان يدخل ~~فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين، ~~والمؤمنون أخص من المسلمين. وهذا كما يقال: في [الرسالة # PageV01P011 # والنبوة] ، فالنبوة داخلة في الرسالة، والرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص ~~من جهة أهلها؛ فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، فالأنبياء أعم، والنبوة ~~نفسها جزء من الرسالة، فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة؛ فإنها ~~لا تتناول الرسالة. # والنبي صلى الله عليه وسلم فسر [الإسلام والإيمان] بما أجاب به، كما يجاب ~~عن المحدود بالحد، إذا قيل: ما كذا؟ قيل: كذا، وكذا. كما في الحديث الصحيح، ~~لما قيل: ما الغيبة؟ قال: " ذكرك أخاك بما يكره ". وفي الحديث الآخر: " ~~الكبر بطر الحق، وغمط الناس ". وبطر الحق: جحده ودفعه. وغمط الناس: ~~احتقارهم وازدراؤهم. # وسنذكر إن شاء الله تعالى سبب تنوع أجوبته، وإنها ms004 كلها حق. # ولكن المقصود أن قوله: " بني الإسلام على خمس "، كقوله: " الإسلام هو ~~الخمس " كما ذكر في حديث جبرائيل؛ فإن الأمر مركب من أجزاء، تكون الهيئة ~~الاجتماعية فيه مبنية على تلك الأجزاء ومركبة منها؛ فالإسلام مبني على هذه ~~الأركان وسنبين إن شاء الله اختصاص هذه الخمس بكونها هي الإسلام، وعليها ~~بني الإسلام، ولم خصت بذلك دون غيرها من الواجبات؟ # وقد فسر [الإيمان] في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام هنا، لكنه ~~لم يذكر فيه الحج، وهو متفق عليه، فقال: " آمركم بالإيمان بالله وحده، هل ~~تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " شهادة أن ~~لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم ~~رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم أو خمسا من المغنم ". # PageV01P012 # وقد روى في بعض طرقه: " الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله ". # لكن الأول أشهر. وفي رواية أبي سعيد: " آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: ~~اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا "، وقد فسر في حديث شعب الإيمان الإيمان ~~بهذا وبغيره، فقال: " الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا ~~إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ". # وثبت عنه من وجوه متعددة أنه قال: " الحياء شعبة من الإيمان " من حديث ~~ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حصين، وقال أيضا: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون ~~أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين "، وقال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه "، وقال: " والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا ~~يؤمن ". قيل: من يا رسول الله؟ قال: " الذي لا يأمن جاره بوائقه "، وقال: " ~~من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع ~~فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". وقال: " ما بعث الله من نبي إلا كان في أمته ~~قوم يهتدون بهديه، ويستنون بسنته. ثم إنه يخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا ~~يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو ms005 مؤمن، ومن جاهدهم ~~بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة ~~خردل "، وهذا من أفراد مسلم. # وكذلك في أفراد مسلم قوله: " والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى ~~تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ # PageV01P013 # أفشوا السلام بينكم "، وقال في الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة، ~~ورواه البخاري من حديث ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم ~~وهو مؤمن ". # فيقال: اسم [الإيمان] تارة يذكر مفردا غير مقرون باسم الإسلام، ولا باسم ~~العمل الصالح، ولا غيرها، وتارة يذكر مقرونا، إما بالإسلام، كقوله في حديث ~~جبرائيل: " ما الإسلام وما الإيمان؟ "، وكقوله تعالى: {إن المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} [الأحزاب: 35] ، وقوله عز وجل: {قالت ~~الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14] ، وقوله ~~تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين} [الذاريات: 35، 36] . # وكذلك ذكر الإيمان مع العمل الصالح، وذلك في مواضع من القرآن، كقوله ~~تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البينة: 7] ، وإما مقرونا بالذين ~~أوتوا العلم، كقوله تعالى: {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان} [الروم: 56] ~~، وقوله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} ~~[المجادلة: 11] . وحيث ذكر الذين آمنوا فقد دخل فيهم الذين أوتوا العلم؛ ~~فإنهم خيارهم، قال تعالى: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ~~ربنا} [آل عمران: 7] ، وقال: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [النساء: 162] . # ويذكر أيضا لفظ المؤمنين مقرونا بالذين هادوا والنصارى والصابئين، ثم ~~يقول: {من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] ، فالمؤمنون في ابتداء الخطاب غير ~~الثلاثة، والإيمان الآخر عمهم؛ كما عمهم في قوله: {إن الذين آمنوا وعملوا # PageV01P014 # الصالحات أولئك ms006 هم خير البرية} وسنبسط هذا إن شاء الله تعالى. # فالمقصود هنا العموم والخصوص بالنسبة إلى ما في الباطن والظاهر من ~~الإيمان. وأما العموم بالنسبة إلى الملل، فتلك مسألة أخرى. فلما ذكر ~~الإيمان مع الإسلام، جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة: الشهادتان، والصلاة، ~~والزكاة، والصيام، والحج. وجعل الإيمان ما في القلب من الإيمان بالله، ~~وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد، عن ~~أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الإسلام علانية، والإيمان في ~~القلب ". # وإذا ذكر اسم الإيمان مجردا، دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة، كقوله في ~~حديث الشعب: " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: قول لا إله إلا الله، ~~وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق ". وكذلك سائر الأحاديث التي يجعل فيها ~~أعمال البر من الإيمان. # ثم إن نفي [الإيمان] عند عدمها، دل على أنها واجبة، وإن ذكر فضل إيمان ~~صاحبها ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبة؛ فإن الله ورسوله لا ينفي اسم ~~مسمى أمر أمر الله به، ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته، كقوله: " لا صلاة ~~إلا بأم القرآن "، وقوله: " لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد ~~له " ونحو ذلك. # فأما إذا كان الفعل مستحبا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، فإن هذا ~~لو جاز، لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة ~~والحج؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه. وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ~~ما فعلها # PageV01P015 # النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل ولا أبو بكر ولا عمر. فلو كان من لم يأت ~~بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من ~~الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل. # فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم ~~تاركه، ويتعرض للعقوبة، فقد صدق. وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب، فهذا لم ~~يقع قط في كلام الله ورسوله، ولا يجوز أن يقع؛ فإن من فعل الواجب كما وجب ~~عليه، ولم ينتقص من ms007 واجبه شيئا، لم يجز أن يقال: ما فعله لا حقيقة ولا ~~مجازا. فإذا قال للأعرابي المسيء في صلاته: " ارجع فصل، فإنك لم تصل "، ~~وقال لمن صلى خلف الصف وقد أمره بالإعادة: " لا صلاة لفذ خلف الصف " كان ~~لترك واجب، وكذلك قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم ~~لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} ~~[الحجرات: 15] ، يبين أن الجهاد واجب، وترك الارتياب واجب. # والجهاد وإن كان فرضا على الكفاية فجميع المؤمنين يخاطبون به ابتداء، ~~فعليهم كلهم اعتقاد وجوبه، والعزم على فعله إذا تعين؛ ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " من مات ولم يغزولم يحدث نفسه بغزو، مات على شعبة نفاق " ~~رواه مسلم. فأخبر أنه من لم يهم به، كان على شعبة نفاق. وأيضا، فالجهاد ~~جنس، تحته أنواع متعددة، ولابد أن يجب على المؤمن نوع من أنواعه. وكذلك ~~قوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم # PageV01P016 # ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا} [الأنفال: 2-4] . هذا كله واجب؛ فإن ~~التوكل على الله واجب من أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص لله واجب، وحب الله ~~ورسوله واجب. وقد أمر الله بالتوكل في غير آية أعظم مما أمر بالوضوء والغسل ~~من الجنابة، ونهى عن التوكل على غير الله، قال تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} ~~[هود: 123] ، وقال تعالى: {الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} ~~[التغابن: 13] ، وقال تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ~~ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 160] ، ~~وقال تعالى: {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين} [يونس: 84] . # وأما قوله: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا} فيقال: من أحوال القلب وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان ~~الثابتة فيه، بحيث إذا كان الإنسان مؤمنا، لزم ذلك بغير قصد منه ولا تعمد ~~له. وإذا لم ms008 يوجد، دل على أن الإيمان الواجب لم يحصل في القلب، وهذا كقوله ~~تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ~~ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه} [المجادلة: 22] ، فأخبر أنك لا تجد مؤمنا يواد ~~المحادين لله ورسوله، فإن نفس الإيمان ينافي موادته، كما ينفي أحد الضدين ~~الآخر. فإذا وجد الإيمان انتفى ضده، وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل ~~يوالي أعداء الله بقلبه، كان ذلك دليلا على أن قلبه ليس فيه الإيمان ~~الواجب. # ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ~~لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا ~~يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم ~~فاسقون} [المائدة: 80، 81] ، فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد ~~المشروط بحرف [لو] ، التي تقتضي مع الشرط انتقاء المشروط، فقال: {ولو كانوا ~~يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما # PageV01P017 # اتخذوهم أولياء} ، فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ~~ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من ~~اتخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل ~~إليه. # ومثله قوله تعالى: {لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] ، فإنه أخبر في تلك الآيات أن ~~متوليهم لا يكون مؤمنا، وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم، فالقرآن يصدق بعضه ~~بعضا، قال الله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم} الآية [الزمر: 23] ، وكذلك قوله: {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا ~~حتى يستأذنوه} [النور: 62] : دليل على أن الذهاب المذكور بدون استئذانه لا ~~يجوز، وأنه يجب ألا يذهب حتى يستأذن، فمن ذهب ولم يستأذن كان قد ترك بعض ما ~~يجب عليه من الإيمان؛ فلهذا نفى عنه الإيمان، فإن ms009 حرف [إنما] تدل على إثبات ~~المذكور ونفي غيره. # ومن الأصوليين من يقول: إن [إن] للإثبات، و [ما] للنفي، فإذا جمع بينهما ~~دلت على النفي والإثبات، وليس كذلك عند أهل العربية، ومن يتكلم في ذلك ~~بعلم، فإن [ما] هذه هي الكافة التي تدخل على [إن] وأخواتها فتكفها عن ~~العمل؛ لأنها إنما تعمل إذا اختصت بالجمل الإسمية، فلما كفت بطل عملها ~~واختصاصها، فصار يليها الجمل الفعلية والإسمية، فتغير معناها وعملها جميعا ~~بانضمام [ما] إليها، وكذلك كأنما وغيرها. # وكذلك قوله تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق ~~منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم ~~مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون ~~إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} [النور: 47: 51] # PageV01P018 # فإن قيل: إذا كان المؤمن حقا هو الفاعل للواجبات التارك للمحرمات، فقد ~~قال: {أولئك هم المؤمنون حقا} [الأنفال: 4] ، ولم يذكر إلا خمسة أشياء، ~~وكذلك قال في الآية الأخرى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} ~~[الحجرات: 15] ، وكذلك قوله: {إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ~~ورسوله} [النور: 62] . # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أن يكون ما ذكر مستلزما لما ترك؛ فإنه ذكر وجل قلوبهم إذا ذكر ~~الله، وزيادة إيمانهم إذا تليت عليهم آياته مع التوكل عليه، وإقام الصلاة ~~على الوجه المأمور به باطنا وظاهرا، وكذلك الإنفاق من المال والمنافع، فكان ~~هذا مستلزما للباقي؛ فإن وجل القلب عند ذكر الله يقتضي خشيته والخوف منه، ~~وقد فسروا [وجلت] ب [فرقت] . وفي قراءة ابن مسعود: [إذ ذكر الله فرقت ~~قلوبهم] . وهذا صحيح؛ فإن الوجل في اللغة: هو الخوف، يقال: حمرة الخجل، ~~وصفرة الوجل، ومنه قوله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم راجعون} [المؤمنون: ms010 60] ، قالت عائشة: يا رسول الله، هو الرجل ~~يزني ويسرق ويخاف أن يعاقب؟ قال: " لا يا ابنة الصديق! هو الرجل يصلي ويصوم ~~ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه ". # وقال السدي في قوله تعالى: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: ~~2] : هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فينزع عنه، وهذا كقوله تعالى: ~~{وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} ~~[النازعات: 40، 41] ، وقوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46] . قال ~~مجاهد وغيره من المفسرين: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر مقامه بين يدي ~~الله، فيتركها خوفا من الله. # وإذا كان وجل القلب من ذكره يتضمن خشيته ومخافته، فذلك يدعو صاحبه إلى ~~فعل المأمور، وترك المحظور. قال سهل بن عبد الله: ليس بين العبد وبين الله # PageV01P019 # حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق إليه أقرب من الافتقار، وأصل كل خير في ~~الدنيا والآخرة الخوف من الله. ويدل على ذلك قوله تعالى: {ولما سكت عن موسى ~~الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} [الأعراف: ~~154] ، فأخبر أن الهدى والرحمة للذين يرهبون الله. # قال مجاهد وإبراهيم: هو الرجل يريد أن يذنب الذنب، فيذكر مقام الله، فيدع ~~الذنب. رواه ابن أبي الدنيا، عن ابن الجعد، عن شعبة، عن منصور، عنهما، في ~~قوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} . وهؤلاء هم أهل الفلاح المذكورون ~~في قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 5] . ~~وهم [المؤمنون] ، وهم [المتقون] المذكورون في قوله تعالى: {الم ذلك الكتاب ~~لا ريب فيه هدى للمتقين} [البقرة: 1، 2] ، كما قال في آية البر: {أولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177] . وهؤلاء هم المتبعون ~~للكتاب، كما في قوله تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} [طه: 123] . ~~وإذا لم يضل فهو متبع مهتد، وإذا لم يشق فهو مرحوم. وهؤلاء هم أهل الصراط ~~المستقيم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ~~غير المغضوب عليهم، ولا الضالين. فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوبا عليهم، وأهل ~~الهدى ليسوا ضالين، ms011 فتبين أن أهل رهبة الله يكونون متقين لله، مستحقين ~~لجنته بلا عذاب. وهؤلاء هم الذين أتوا بالإيمان الواجب. # ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ~~[فاطر: 28] ، والمعنى: أنه لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر الله أن كل من خشى ~~الله فهو عالم، كما قال في الآية الأخرى: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا ~~وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب} [الزمر: 9] ، والخشية أبدا متضمنة ~~للرجاء، ولولا ذلك لكانت قنوطا؛ كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك ~~لكان أمنا؛ فأهل الخوف لله والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم الله. # PageV01P020 # وقد روى عن أبي حيان التيمي أنه قال: العلماء ثلاثة: فعالم بالله ليس ~~عالما بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالما بالله، وعالم بالله عالم بأمر ~~الله. فالعالم بالله هو الذي يخافه، والعالم بأمر الله هو الذي يعلم أمره ~~ونهيه. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " والله إني لأرجو ~~أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بحدوده ". # وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة، لم يكونوا ~~مستحقين للذم، وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات، ويدل عليه قوله تعالى: ~~{فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف ~~مقامي وخاف وعيد} [إبراهيم: 13، 14] ، وقوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} ~~[الرحمن: 46] ، فوعد بنصر الدنيا وبثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون ~~لأنهم أدوا الواجب، فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب؛ ولهذا يقال ~~للفاجر: لا يخاف الله. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: {إنما التوبة على ~~الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} [النساء: 17] . # قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا لي: كل من عصى ~~الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب. وكذلك قال سائر ~~المفسرين. قال مجاهد: كل عاص فهو جاهل حين معصيته. وقال الحسن وقتادة وعطاء ms012 ~~والسدي وغيرهم: إنما سموا جهالا لمعاصيهم، لا أنهم غير مميزين. وقال ~~الزجاج: ليس معنى الآية: أنهم يجهلون أنه سوء؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله ~~كان كمن لم يواقع سوءا، وإنما يحتمل أمرين: # أحدهما: أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه. # والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل ~~على الآجل، فسموا جهالا لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعافية ~~الدائمة. فقد جعل الزجاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد ~~الإرادة، وقد يقال: هما متلازمان، وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية. # PageV01P021 # والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع لله، ~~وإنما يكون جاهلا لنقص خوفه من الله؛ إذ لو تم خوفه من الله لم يعص. ومنه ~~قول ابن مسعود رضي الله عنه: كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله ~~جهلا، وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه، وتصور المحبوب يوجب طلبه، فإذا ~~لم يهرب من هذا، ولم يطلب هذا، دل على أنه لم يتصوره تصورا تاما، ولكن قد ~~يتصور الخبر عنه، وتصور الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غير تصور المخبر عنه، ~~وكذلك إذا لم يكن المتصور محبوبا له ولا مكروها، فإن الإنسان يصدق بما هو ~~مخوف على غيره ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هربا ولا طلبا. وكذلك إذا أخبر ~~بما هو محبوب له ومكروه، ولم يكذب المخبر بل عرف صدقه، لكن قلبه مشغول ~~بأمور أخرى عن تصور ما أخبر به، فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب. # وفي الكلام المعروف عن الحسن البصري ويروى مرسلا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " العلم علمان: فعلم في القلب، وعلم على اللسان. فعلم القلب هو العلم ~~النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده ". # وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، طعمها طيب وريحها طيب. ~~ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها. ومثل ~~المنافق الذي يقرأ ms013 القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر. ومثل المنافق ~~الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة، طعمها مر، ولا ريح لها ". وهذا المنافق ~~الذي يقرأ القرآن يحفظه ويتصور معانيه، وقد يصدق أنه كلام الله، وأن الرسول ~~حق، ولا يكون مؤمنا، كما أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وليسوا ~~مؤمنين، وكذلك إبليس وفرعون وغيرهما. لكن من كان كذلك، لم يكن حصل له العلم ~~التام # PageV01P022 # والمعرفة التامة. فإن ذلك يستلزم العمل بموجبه لا محالة؛ ولهذا صار يقال ~~لمن لم يعمل بعلمه: إنه جاهل، كما تقدم. # وكذلك لفظ [العقل] وإن كان هو في الأصل: مصدر عقل يعقل عقلا، وكثير من ~~النظار جعله من جنس العلوم فلابد أن يعتبر مع ذلك أنه علم يعمل بموجبه، فلا ~~يسمى عاقلا إلا من عرف الخير فطلبه، والشر فتركه؛ ولهذا قال أصحاب النار: ~~{لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] ، وقال عن ~~المنافقين: {تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} [الحشر: ~~14] ، ومن فعل ما يعلم أنه يضره؛ فمثل هذا ما له عقل، فكما أن الخوف من ~~الله يستلزم العلم به، فالعلم به يستلزم خشيته، وخشيته تستلزم طاعته، ~~فالخائف من الله ممتثل لأوامره مجتنب لنواهيه، وهذا هو الذي قصدنا بيانه ~~أولا. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: {فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ~~ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى} [الأعلى: 9: 12] # فأخبر أن من يخشاه يتذكر، والتذكر هنا مستلزم لعبادته، قال الله تعالى: ~~{هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب} ~~[غافر: 13] ، وقال: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} [ق: 8] ؛ ولهذا قالوا في ~~قوله: {سيذكر من يخشى} : سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، وفي قوله: {وما يتذكر ~~إلا من ينيب} : إنما يتعظ من يرجع إلى الطاعة. وهذا لأن التذكر التام ~~يستلزم التأثر بما تذكره، فإن تذكر محبوبا طلبه، وإن تذكر مرهوبا هرب منه، ~~ومنه قوله تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: ~~6] ، وقال سبحانه: {إنما تنذر من ms014 اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} [يس: 11] ~~، فنفى الإنذار عن غير هؤلاء مع قوله: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون} ، فأثبت لهم الإنذار من وجه، ونفاه عنهم من وجه؛ فإن الإنذار هو ~~الإعلام بالمخوف، فالإنذار مثل التعليم والتخويف، فمن علمته فتعلم فقد تم ~~تعليمه، وآخر يقول: علمته فلم يتعلم. وكذلك من خوفته # PageV01P023 # فخاف، فهذا هو الذي تم تخويفه. وأما من خوف فما خاف، فلم يتم تخويفه. ~~وكذلك من هديته فاهتدى، ثم هداه، ومنه قوله تعالى: {هدى للمتقين} [البقرة: ~~2] ، ومن هديته فلم يهتد كما قال: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى} [فصلت: 17] فلم يتم هداه، كما تقول: قطعته فانقطع، وقطعته فما ~~انقطع. # فالمؤثر التام يستلزم أثره، فمتى لم يحصل أثره لم يكن تاما، والفعل إذا ~~صادف محلا قابلا تم، وإلا لم يتم. والعلم بالمحبوب يورث طلبه، والعلم ~~بالمكروه يورث تركه؛ ولهذا يسمى هذا العلم: الداعي، ويقال: الداعي مع ~~القدرة يستلزم وجود المقدور، وهو العلم بالمطلوب المستلزم لإرادة المعلوم ~~المراد، وهذا كله إنما يحصل مع صحة الفطرة وسلامتها، وأما مع فسادها، فقد ~~يحس الإنسان باللذيذ فلا يجد له لذة بل يؤلمه، وكذلك يلتذ بالمؤلم لفساد ~~الفطرة، والفساد يتناول القوة العلمية والقوة العملية جميعا، كالممرور الذي ~~يجد العسل مرا، فإنه فسد نفس إحساسه حتى كان يحس به على خلاف ما هو عليه ~~للمرة التي مازجته، وكذلك من فسد باطنه، قال تعالى {وما يشعركم أنها إذا ~~جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 109، 110] . # وقال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ، وقال: {وقولهم ~~قلوبنا غلف بل طبع # PageV01P024 # الله عليها بكفرهم} [النساء: 155] ، وقال في الآية الأخرى: {وقالوا ~~قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم} [البقرة: 88] . و [الغلف] جمع أغلف، وهو ~~ذو الغلاف الذي في غلاف مثل الأقلف، كأنهم جعلوا المانع خلقة، أي خلقت ~~القلوب وعليها أغطية، فقال الله تعالى: {بل لعنهم الله بكفرهم} و {طبع الله ~~عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} ، وقال تعالى: ms015 {ومنهم من يستمع إليك ~~حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} [محمد: 16] . # وكذلك قالوا: {يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} [هود: 91] ، قال: {ولو ~~علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم} [الأنفال: 23] أي: لأفهمهم ما ~~سمعوه، ثم قال: ولو أفهمهم مع هذه الحال التي هم عليها، {لتولوا وهم ~~معرضون} [الأنفال: 23] ، فقد فسدت فطرتهم فلم يفهموا، ولو فهموا لم يعملوا، ~~فنفى عنهم صحة القوة العلمية، وصحة القوة العملية، وقال: {أم تحسب أن ~~أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} [الفرقان: ~~44] ، وقال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف: 179] ، وقال: {ومثل الذين كفروا كمثل ~~الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون} [البقرة: ~~171] ، وقال عن المنافقين: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] . # ومن الناس من يقول: لما لم ينتفعوا بالسمع والبصر والنطق، جعلوا صما بكما ~~عميا؛ أو لما أعرضوا عن السمع والبصر والنطق، صاروا كالصم العمي البكم، ~~وليس كذلك، بل نفس قلوبهم عميت وصمت وبكمت، كما قال الله تعالى: {فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] ، والقلب هو ~~الملك، والأعضاء جنوده، وإذا صلح صلح سائر الجسد، وإذا فسد فسد سائر الجسد، ~~فيبقى يسمع بالأذن الصوت كما تسمع البهائم، والمعنى: لا يفقهه، وإن فقه بعض ~~الفقه لم يفقه فقها تاما، فإن الفقه التام يستلزم تأثيره في القلب محبة ~~المحبوب، وبغض المكروه، فمتى لم يحصل هذا لم يكن التصور التام حاصلا فجاز ~~نفيه؛ لأن ما لم يتم ينفى، كقوله للذي أساء في صلاته: " صل فإنك لم تصل "، ~~فنفى الإيمان حيث نفى من هذا الباب. # PageV01P025 # وقد جمع الله بين وصفهم بوجل القلب إذا ذكر، وبزيادة الإيمان إذا سمعوا ~~آياته. قال الضحاك: زادتهم ms016 يقينا. وقال الربيع بن أنس: خشية. وعن ابن عباس: ~~تصديقا. وهكذا قد ذكر الله هذين الأصلين في مواضع، قال تعالى: {ألم يأن ~~للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين ~~أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} ~~[الحديد: 16] # والخشوع يتضمن معنيين: # أحدهما: التواضع والذل. # والثاني: السكون والطمأنينة، وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، ~~فخشوع القلب يتضمن عبوديته لله وطمأنينته أيضا؛ ولهذا كان الخشوع في الصلاة ~~يتضمن هذا، وهذا؛ التواضع والسكون. وعن ابن عباس في قوله: {الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2] قال: مخبتون أذلاء. وعن الحسن وقتادة: ~~خائفون. وعن مقاتل: متواضعون. وعن علي: الخشوع في القلب، وأن تلين للمرء ~~المسلم كنفك، ولا تلتفت يمينا ولا شمالا. وقال مجاهد: غض البصر وخفض ~~الجناح، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشد ~~بصره، أو أن يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا. # وعن عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون وحب حسن ~~الهيئة في الصلاة. وعن ابن سيرين وغيره: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، وينظرون يمينا وشمالا حتى ~~نزلت هذه: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} الآية [المؤمنون: ~~1، 2] ، فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر ~~إلا إلى # PageV01P026 # الأرض. وعن عطاء: هو ألا تعبث بشيء من جسدك وأنت في الصلاة. وأبصر النبي ~~صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: " لو خشع قلب هذا ~~لخشعت جوارحه ". ولفظ الخشوع إن شاء الله يبسط في موضع آخر. # وخشوع الجسد تبع لخشوع القلب، إذا لم يكن الرجل مرائيا يظهر ما ليس في ~~قلبه، كما روي: " تعوذوا بالله من خشوع النفاق "، وهو أن يرى الجسد خاشعا ~~والقلب خاليا لاهيا، فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله: {ألم يأن للذين ~~آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} [الحديد: 16] ، فدعاهم ~~إلى خشوع القلب لذكره ms017 وما نزل من كتابه، ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم ~~الأمد فقست قلوبهم، # PageV01P027 # وهؤلاء هم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا. # وكذلك قال في الآية الأخرى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} ~~[الزمر: 23] ، والذين يخشون ربهم، هم الذين إذا ذكر الله تعالى وجلت ~~قلوبهم. # فإن قيل: فخشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب. قيل: نعم، لكن ~~الناس فيه على قسمين: مقتصد وسابق، فالسابقون يختصون بالمستحبات، ~~والمقتصدون الأبرار: هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة، ومن لم يكن من ~~هؤلاء، ولا هؤلاء، فهو ظالم لنفسه، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " اللهم، إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا ~~تشبع، ودعاء لا يسمع ". # وقد ذم الله قسوة القلوب المنافية للخشوع في غير موضع، فقال تعالى: {ثم ~~قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} [البقرة: 74] . قال ~~الزجاج: قست في اللغة: غلظت ويبست وعسيت. فقسوة القلب، ذهاب اللين والرحمة ~~والخشوع منه. والقاسي والعاسي: الشديد الصلابة، وقال ابن قتيبة: قست وعست ~~وعتت، أي يبست. # وقوة القلب المحمودة غير قسوته المذمومة، فإنه ينبغي أن يكون قويا من غير ~~عنف، ولينا من غير ضعف. وفي الأثر: القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إلى ~~الله أصلبها وأرقها وأصفاها. وهذا كاليد فإنها قوية لينة، بخلاف ما يقسو من ~~العقب، فإنه يابس لا لين فيه، وإن كان فيه قوة، وهو _ سبحانه _ ذكر وجل ~~القلب من ذكره، ثم ذكر زيادة الإيمان عند تلاوة كتابه علما وعملا. # ثم لابد من التوكل على الله فيما لا يقدر عليه، ومن طاعته فيما يقدر ~~عليه، وأصل ذلك الصلاة والزكاة فمن قام بهذه الخمس كما أمر، لزم أن يأتي ~~بسائر الواجبات. # بل الصلاة نفسها إذا فعلها كما أمر، فهي تنهى عن الفحشاء # PageV01P028 # والمنكر، كما روي عن ابن مسعود، وابن عباس: أن في ms018 الصلاة منتهى ومزدجرا ~~عن معاصي الله، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بصلاته من ~~الله إلا بعدا. وقوله: لم يزدد إلابعدا، إذا كان ما ترك من الواجب منها ~~أعظم مما فعله، أبعده ترك الواجب الأكثر من الله أكثر مما قربه فعل الواجب ~~الأقل، وهذا كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تلك ~~صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا ~~كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا "، وقد ~~قال تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى يرآؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} [النساء: 142] . # وفي السنن عن عمار، عن النبي صلىالله عليه وسلم أنه قال: " إن العبد ~~لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها "، حتى قال: " إلا ~~عشرها "، وعن ابن عباس قال: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها. وهذا وإن لم ~~يؤمر بإعادة الصلاة عند أكثر العلماء، لكن يؤمر بأن يأتي من التطوعات بما ~~يجبر نقص فرضه. ومعلوم أن من حافظ على الصلوات بخشوعها الباطن، وأعمالها ~~الظاهرة، وكان يخشى الله الخشية التي أمره بها، فإنه يأتي بالواجبات، ولا ~~يأتي كبيرة، ومن أتى الكبائر _ مثل الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، وغير ~~ذلك _ فلابد أن يذهب ما في قلبه من تلك الخشية والخشوع والنور، وإن بقي أصل ~~التصديق في قلبه. وهذا من الإيمان الذي ينزع منه عند فعل الكبيرة، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن ". فإن المتقين كما وصفهم الله بقوله: {إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201] ، ~~فإذا طاف بقلوبهم طائف من الشيطان تذكروا، فيبصرون. # PageV01P029 # قال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة، فيذكر الله، فيكظم الغيظ. وقال ~~ليث عن مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب، فيذكر الله، فيدعه. ms019 والشهوة والغضب ~~مبدأ السيئات، فإذا أبصر رجع، ثم قال: {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا ~~يقصرون} [الأعراف: 202] أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي، ثم لا ~~يقصرون. قال ابن عباس: لا الإنس تقصر عن السيئات. ولا الشياطين تمسك عنهم، ~~فإذا لم يبصر بقي قلبه في غي، والشيطان يمده في غيه. وإن كان التصديق في ~~قلبه لم يكذب. فذلك النور والإبصار. وتلك الخشية والخوف، يخرج من قلبه. ~~وهذا: كما أن الإنسان يغمض عينيه فلا يرى شيئا، وإن لم يكن أعمى، فكذلك ~~القلب بما يغشاه من رين الذنوب لا يبصر الحق. وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر. # وهكذا جاء في الآثار: قال أحمد بن حنبل في كتاب [الإيمان] : حدثنا يحيي، ~~عن أشعث، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ينزع منه الإيمان، ~~فإن تاب أعيد إليه ". وقال: حدثنا يحيي، عن عوف، قال: قال الحسن: يجانبه ~~الإيمان ما دام كذلك، فإن راجع راجعه الإيمان. وقال أحمد: حدثنا معاوية عن ~~أبي إسحاق، عن الأوزاعي، قال: وقد قلت للزهري حين ذكر هذا الحديث: " لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ": فإنهم يقولون: فإن لم يكن مؤمنا فما هو؟ ~~قال: فأنكر ذلك. وكره مسألتي عنه. # وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن ~~مجاهد، عن ابن عباس؛ أنه قال لغلمانه: من أراد منكم الباءة زوجناه، لا يزني ~~منكم زان إلا نزع الله منه نور الإيمان، فإن شاء أن يرده رده، وإن شاء أن ~~يمنعه منعه. # وقال أبو داود السجستاني: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا بقية بن ~~الوليد، حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي؛ أنه أخبره عن ~~أبي هريرة: أنه كان يقول: إنما الإيمان كثوب أحدكم، يلبسه مرة ويقلعه أخرى، ~~وكذلك رواه # PageV01P030 # بإسناده عن عمر، وروى عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وفي ~~حديث عن أبي هريرة مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا زنى الزاني ~~خرج منه الإيمان فكان ms020 كالظلة، فإذا انقطع رجع إليه الإيمان ". وهذا _ إن ~~شاء الله _ يبسط في موضع آخر. # فصل: # وقد جاءت أحاديث تنازع الناس في صحتها، مثل قوله: " لا صلاة إلا بوضوء، ~~ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه "، فأما الأول: فهو كقوله: " لا صلاة ~~إلا بطهور " وهذا متفق عليه بين المسلمين؛ فإن الطهور واجب في الصلاة، ~~فإنما نفى الصلاة لانتفاء واجب فيها، وأما ذكر اسم الله _ تعالى _ على ~~الوضوء، ففي وجوبه نزاع معروف، وأكثر العلماء لا يوجبونه، وهو مذهب مالك، ~~وأبي حنيفة، والشافعي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها الخرقي وأبو ~~محمد وغيرهما. والثاني: يجب وهو قول طائفة من أهل العلم. وهو الرواية ~~الأخرى عن أحمد، اختارها أبو بكر عبد العزيز، والقاضي أبو يعلى وأصحابه. ~~وكذلك قوله: " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " رواه الدارقطني، فمن ~~الناس من يضعفه مرفوعا ويقول: هو من كلام علي _ رضي الله عنه _ ومنهم من ~~يثبته كعبد الحق. # وكذلك قوله: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " قد رواه أهل السنن. ~~وقيل: إن رفعه لم يصح، وإنما يصح موقوفا على ابن عمر أو حفصة، فليس لأحد أن ~~يثبت لفظا عن الرسول، مع أنه أريد به نفي الكمال المستحب، فإن صحت هذه ~~الألفاظ دلت قطعا على وجوب هذه الأمور، فإن لم # PageV01P031 # تصح فلا ينقض بها أصل مستقر من الكتاب والسنة، وليس لأحد أن يحمل كلام ~~الله ورسوله على وفق مذهبه، إن لم يتبين من كلام الله ورسوله ما يدل على ~~مراد الله ورسوله، وإلا فأقوال العلماء تابعة لقول الله تعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم ليس قول الله ورسوله تابعا لأقولهم. # فإذا كان فى وجوب شيء نزاع بين العلماء، ولفظ الشارع قد اطرد في معنى، لم ~~يجز أن ينقض الأصل المعروف من كلام الله ورسوله بقول فيه نزاع بين العلماء. ~~ولكن من الناس من لا يعرف مذاهب أهل العلم، وقد نشأ على قول لا يعرف غيره ~~فيظنه إجماعا، كمن يظن ms021 أنه إذا ترك الإنسان الجماعة وصلى وحده برئت ذمته ~~إجماعا، وليس الأمر كذلك، بل للعلماء قولان معروفان في إجزاء هذه الصلاة، ~~وفي مذهب أحمد فيها قولان؛ فطائفة من قدماء أصحابه _ حكاه عنهم القاضي أبو ~~يعلى في شرح المذهب، ومن متأخريهم كابن عقيل وغيره _ يقولون: من صلى ~~المكتوبة وحده من غير عذر يسوغ له ذلك، فهو كمن صلى الظهر يوم الجمعة، فإن ~~أمكنه أن يؤديها في جماعة بعد ذلك فعليه ذلك، وإلا باء بإثمه، كما يبوء ~~تارك الجمعة بإثمه، والتوبة معروضة. وهذا قول غير واحد من أهل العلم، وأكثر ~~الآثار المروية عن السلف من الصحابة والتابعين تدل على هذا. # وقد احتجوا بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " من سمع النداء ثم ~~لم يجب من غير عذر، فلا صلاة له "، وأجابوا عن حديث التفضيل بأنه في ~~المعذور الذي تباح له الصلاة وحده، كما ثبت عنه أنه قال: " صلاة الرجل ~~قاعدا على النصف من صلاة القائم، وصلاة المضطجع على النصف من صلاة القاعد ~~"، والمراد به # PageV01P032 # المعذور، كما في الحديث: أنه خرج وقد أصابهم وعك، وهم يصلون قعودا، فقال ~~ذلك. # ولم يجوز أحد من السلف صلاة التطوع مضطجعا من غير عذر، ولا يعرف أن أحدا ~~من السلف فعل ذلك، وجوازه وجه في مذهب الشافعي، وأحمد، ولا يعرف لصاحبه سلف ~~صدق، مع أن هذه المسألة مما تعم بها البلوى؛ فلو كان يجوز لكل مسلم أن يصلي ~~التطوع على جنبه، وهو صحيح لا مرض به، كما يجوز أن يصلي التطوع قاعدا وعلى ~~الراحلة، لكان هذا مما قد بينه الرسول صلىالله عليه وسلم لأمته، وكان ~~الصحابه تعلم ذلك، ثم مع قوة الداعي إلى الخير لابد أن يفعل ذلك بعضهم، ~~فلما لم يفعله أحد منهم، دل على أنه لم يكن مشروعا عندهم، وهذا مبسوط في ~~موضعه. # والمقصود هنا أنه ينبغي للمسلم أن يقدر قدر كلام الله ورسوله، بل ليس ~~لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلا على ما عرف أنه أراده، لا ms022 على ما ~~يحتمله ذلك اللفظ في كلام كل أحد، فإن كثيرا من الناس يتأول النصوص ~~المخالفة لقوله؛ يسلك مسلك من يجعل التأويل كأنه ذكر ما يحتمله اللفظ، ~~وقصده به دفع ذلك المحتج عليه بذلك النص وهذا خطأ، بل جميع ما قاله الله ~~ورسوله يجب الإيمان به، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس ~~الاعتناء بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس، فإذا كان النص ~~الذي وافقه يعتقد أنه اتبع فيه مراد الرسول، فكذلك النص الآخر الذي تأوله، ~~فيكون أصل مقصوده معرفة ما أراده الرسول بكلامه، وهذا هو المقصود بكل ما ~~يجوز من تفسير وتأويل عند من يكون اصطلاحه تغاير معناهما، وأما من يجعلهما ~~بمعنى واحد، كما هو الغالب على اصطلاح المفسرين، فالتأويل عندهم هو ~~التفسير. وأما التأويل في كلام الله ورسوله، فله معنى ثالث غير معناه في ~~اصطلاح المفسرين، وغير معناه في اصطلاح متأخري الفقهاء والأصوليين؛ كما بسط ~~في موضعه. # PageV01P033 # والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة، ~~كاسم الإيمان، والإسلام، والدين، والصلاة، والصيام، والطهارة، والحج، وغير ~~ذلك، فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى، ومن هذا قوله تعالى: {فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} [النساء: 65] ، فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية، دل ~~على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد، لم يكن قد ~~أتى بالإيمان الواجب الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب، فإن الله إنما ~~وعد بذلك من فعل ما أمر به، وأما من فعل بعض الواجبات وترك بعضها، فهو معرض ~~للوعيد. # ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب تحكيم الرسول في كل ما شجر بين الناس، في ~~أمر دينهم ودنياهم، في أصول دينهم وفروعه، وعليهم كلهم إذا حكم بشيء، ألا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما حكم، ويسلموا تسليما، قال تعالى: {ألم تر إلى ~~الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما ms023 أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا ~~بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين ~~يصدون عنك صدودا} [النساء: 60، 61] ، وقوله: {إلى ما أنزل الله} وقد أنزل ~~الله الكتاب والحكمة وهي السنة، قال تعالى: {واذكروا نعمت الله عليكم وما ~~أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} [البقرة: 231] ، وقال تعالى: ~~{وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ~~عظيما} [النساء: 113] . والدعاء إلى ما أنزل الله يستلزم الدعاء إلى ~~الرسول، والدعاء إلى الرسول يستلزم الدعاء إلى ما أنزله الله، وهذا مثل ~~طاعة الله والرسول، فإنهما متلازمان، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن ~~أطاع الله فقد أطاع الرسول. # PageV01P034 # وكذلك قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين} [النساء: 115] فإنهما متلازمان؛ فكل من شاق الرسول من بعد ~~ما تبين له الهدى، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، وكل من اتبع غير سبيل ~~المؤمنين فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، فإن كان يظن أنه متبع ~~سبيل المؤمنين وهو مخطئ، فهو بمنزلة من ظن أنه متبع للرسول وهو مخطئ. # وهذه الآية تدل على أن إجماع المؤمنين حجة؛ من جهة أن مخالفتهممستلزمة ~~لمخالفة الرسول، وأن كل ما أجمعوا عليه فلابد أن يكون فيه نص عن الرسول، ~~فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين، فإنها مما بين ~~الله فيه الهدى، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر، كما يكفر مخالف النص البين. ~~وأما إذا كان يظن الإجماع ولا يقطع به، فهنا قد لا يقطع _ أيضا _ بأنها مما ~~تبين فيه الهدى من جهة الرسول، ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر، بل قد ~~يكون ظن الإجماع خطأ، والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما ~~يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر. # والإجماع هل هو قطعي الدلالة أو ظني الدلالة؟ فإن من الناس ms024 من يطلق ~~الإثبات بهذا أو هذا، ومنهم من يطلق النفي لهذا ولهذا، والصواب التفصيل بين ~~ما يقطع به من الإجماع، ويعلم يقينا أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلا، ~~فهذا يجب القطع بأنه حق، وهذا لابد أن يكون مما بين فيه الرسول الهدى، كما ~~قد بسط هذا في موضع آخر. # ومن جهة أنه إذا وصف الواجب بصفات متلازمة، دل على أن كل صفة من تلك ~~الصفات متى ظهرت وجب اتباعها، وهذا مثل [الصراط المستقيم] الذي أمرنا الله ~~بسؤال هدايته، فإنه قد وصف بأنه الإسلام، ووصف بأنه اتباع القرآن، ووصف ~~بأنه طاعة الله ورسوله، ووصف بأنه طريق العبودية، ومعلوم # PageV01P035 # أن كل اسم من هذه الأسماء يجب اتباع مسماه، ومسماها كلها واحد وإن تنوعت ~~صفاته؛ فأي صفة ظهرت وجب اتباع مدلولها، فإنه مدلول الأخرى. وكذلك أسماء ~~الله _ تعالى _ وأسماء كتابه، وأسماء رسوله، هي مثل أسماء دينه. # وكذلك قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: ~~103] ، قيل: حبل الله هو دين الإسلام. وقيل: القرآن. وقيل: عهده. وقيل: ~~طاعته وأمره. وقيل: جماعة المسلمين، وكل هذا حق. # وكذلك إذا قلنا: الكتاب، والسنة، والإجماع، فمدلول الثلاثة واحد، فإن كل ~~ما في الكتاب فالرسول موافق له، والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة، فليس في ~~المؤمنين إلا من يوجب اتباع الكتاب، وكذلك كل ما سنه الرسول صلىالله عليه ~~وسلم فالقرآن يأمر باتباعه فيه، والمؤمنون مجمعون على ذلك، وكذلك كل ما ~~أجمع عليه المسلمون، فإنه لا يكون إلا حقا موافقا لما في الكتاب والسنة، ~~لكن المسلمون يتلقون دينهم كله عن الرسول، وأما الرسول فينزل عليه وحي ~~القرآن، ووحي آخر هو الحكمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " ألا إني أوتيت ~~الكتاب ومثله معه ". # وقال حسان بن عطية: كان جبريل ينزل على النبي صلىالله عليه وسلم بالسنة ~~فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن. فليس كل ما جاءت به السنة يجب أن يكون ~~مفسرا في القرآن، بخلاف ما يقوله أهل الإجماع، فإنه لابد أن يدل عليه ~~الكتاب والسنة، ms025 فإن الرسول هو الواسطة بينهم وبين الله في أمره ونهيه، ~~وتحليله وتحريمه، والمقصود ذكر الإيمان. # ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يبغض الأنصار رجل يؤمن ~~بالله واليوم # PageV01P036 # الآخر ". وقوله: " آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار ". ~~فإن من علم ما قامت به الأنصار من نصر الله ورسوله من أول الأمر. وكان محبا ~~لله ولرسوله، أحبهم قطعا، فيكون حبه لهم علامة الإيمان الذي في قلبه، ومن ~~أبغضهم لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه. # وكذلك من لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرمه ~~الله ورسوله من الكفر والفسوق والعصيان، لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه ~~الله عليه، فإن لم يكن مبغضا لشيء من المحرمات أصلا، لم يكن معه إيمان أصلا ~~_ كما سنبينه إن شاء الله تعالى _ وكذلك من لا يحب لأخيه المؤمن ما يحب ~~لنفسه، لم يكن معه ما أوجبه الله عليه من الإيمان، فحيث نفى الله الإيمان ~~عن شخص، فلا يكون إلا لنقص ما يجب عليه من الإيمان، ويكون من المعرضين ~~للوعيد، ليس من المستحقين للوعد المطلق. # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا ~~السلاح فليس منا "، كله من هذا الباب، لا يقوله إلا لمن ترك ما أوجب الله ~~عليه، أو فعل ما حرمه الله ورسوله، فيكون قد ترك من الإيمان المفروض عليه ~~ما ينفي عنه الاسم لأجله، فلا يكون من المؤمنين المستحقين للوعد، السالمين ~~من الوعيد. وكذلك قوله تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم ~~يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ~~ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي ~~قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم ~~الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} [النور: ms026 47: 51] . # فهذا حكم اسم الإيمان إذا أطلق في كلام الله # PageV01P037 # ورسوله، فإنه يتناول فعل الواجبات، وترك المحرمات، ومن نفى الله ورسوله ~~عنه الإيمان، فلابد أن يكون قد ترك واجبا أو فعل محرما، فلا يدخل في الاسم ~~الذي يستحق أهله الوعد دون الوعيد، بل يكون من أهل الوعيد. # وكذلك قوله تعالى: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} [الحجرات: 7] # قال محمد بن نصر المروزي: لما كانت المعاصي بعضها كفر، وبعضها ليس بكفر، ~~فرق بينها، فجعلها ثلاثة أنواع: نوع منها كفر، ونوع منها فسوق وليس بكفر، ~~ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق، وأخبر أنه كرهها كلها إلى المؤمنين، ولما ~~كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان، وليس فيها شيء خارج عنه، لم يفرق ~~بينها فيقول: حبب إليكم الإيمان والفرائض وسائر الطاعات؛ بل أجمل ذلك فقال: ~~{حبب إليكم الإيمان} . فدخل في ذلك جميع الطاعات؛ لأنه قد حبب إلى المؤمنين ~~الصلاة والزكاة، وسائر الطاعات حب تدين؛ لأن الله أخبر أنه حبب ذلك إليهم، ~~وزينه في قلوبهم؛ لقوله: {حبب إليكم الإيمان} ويكرهون جميع المعاصي؛ الكفر ~~منها والفسوق، وسائر المعاصي، كراهة تدين؛ لأن الله أخبر أنه كره ذلك ~~إليهم. ومن ذلك قول رسول الله صلىالله عليه وسلم: " من سرته حسنته، وساءته ~~سيئته، فهو مؤمن "؛لأن الله حبب إلى المؤمنين الحسنات، وكره إليهم السيئات. # قلت: وتكريهه جميع المعاصي إليهم، يستلزم حب جميع الطاعات؛ لأن ترك ~~الطاعات معصية؛ ولأنه لا يترك المعاصي كلها إن لم يتلبس بضدها، فيكون محبا ~~لضدها وهو الطاعة، إذ القلب لابد له من إرادة، فإذا كان يكره الشر كله، ~~فلابد أن يريد الخير. والمباح بالنية الحسنة يكون خيرا، وبالنية السيئة ~~يكون شرا، # PageV01P038 # ولا يكون فعل اختياري إلا بإرادة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح: " أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدق ~~الأسماء حارث وهمام، وأقبحها: حرب ومرة ". # وقوله: " أصدق الأسماء حارث وهمام "؛ لأن كل إنسان همام حارث، والحارث ~~الكاسب العامل، والهمام الكثير الهم ms027 _ وهو مبدأ الإرادة _ وهو حيوان، وكل ~~حيوان حساس متحرك بالإرادة، فإذا فعل شيئا من المباحات؛ فلابد له من غاية ~~ينتهي إليها قصده، وكل مقصود إما أن يقصد لنفسه، وإما أن يقصد لغيره، فإن ~~كان منتهى مقصوده ومراده عبادة الله وحده لا شريك له، وهو إلهه الذي يعبده ~~لا يعبد شيئا سواه، وهو أحب إليه من كل ما سواه، فإن إرادته تنتهي إلى ~~إرادته وجه الله، فيثاب على مباحاته التي يقصد الاستعانة بها على الطاعة، ~~كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نفقة الرجل على ~~أهله يحتسبها صدقة ". وفي الصحيحين عنه أنه قال لسعد بن أبي وقاص لما مرض ~~بمكة وعاده: " إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ~~ورفعة، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك ". وقال معاذ بن جبل لأبي موسى: ~~إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. وفي الأثر: نوم العالم تسبيح. # وإن كان أصل مقصوده عبادة غير الله، لم تكن الطيبات مباحة له؛ فإن الله ~~أباحها للمؤمنين من عباده، بل الكفار وأهل الجرائم والذنوب وأهل الشهوات، ~~يحاسبون يوم القيامة على النعم التي تنعموا بها، فلم يذكروه ولم يعبدوه ~~بها، ويقال لهم: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم ~~تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون} ~~[الأحقاف: 20] ، وقال تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر: 8] أي: ~~عن شكره، والكافر لم يشكر على النعيم الذي أنعم الله عليه به فيعاقبه على ~~ذلك، والله إنما أباحها # PageV01P039 # للمؤمنين، وأمرهم معها بالشكر، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا ~~من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله} [البقرة: 172] . وفي صحيح مسلم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده ~~عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها ". وفي سنن ابن ماجه وغيره: " الطاعم ~~الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ". # وكذلك قال للرسل: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} ~~[المؤمنون: 51] ، وقال تعالى: {أحلت لكم ms028 بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ~~غير محلي الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 1] ، وقال الخليل: {وارزق أهله من ~~الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} قال الله تعالى: {ومن كفر فأمتعه ~~قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} [البقرة: 126] . فالخليل إنما ~~دعا بالطيبات للمؤمنين خاصة، والله إنما أباح بهيمة الأنعام لمن حرم ما ~~حرمه الله من الصيد وهو محرم، والمؤمنون أمرهم أن يأكلوا من الطيبات ~~ويشكروه ولهذا ميز _ سبحانه وتعالى _ بين خطاب الناس مطلقا وخطاب المؤمنين ~~فقال: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ~~ما لا تعلمون وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} [البقرة: 168: ~~170] ، فإنما أذن للناس أن يأكلوا مما في الأرض بشرطين: أن يكون طيبا، وأن ~~يكون حلالا، ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وما أهل به لغير الله} [البقرة: 172، 173] . # فأذن للمؤمنين في الأكل من الطيبات ولم يشترط الحل، # PageV01P040 # وأخبر أنه لم يحرم عليهم إلا ما ذكره، فما سواه لم يكن محرما على ~~المؤمنين، ومع هذا فلم يكن أحله بخطابه، بل كان عفوا، كما في الحديث عن ~~سلمان موقوفا ومرفوعا: " الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرمه ~~الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه ". # وفي حديث أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله فرض فرائض فلا ~~تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء ~~رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ". # وكذلك قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا ~~أن يكون ميتة} [الأنعام: 145] . نفى التحريم عن غير المذكور، فيكون الباقي ~~مسكوتا عن تحريمه عفوا، والتحليل إنما ms029 يكون بخطاب؛ ولهذا قال في سورة ~~المائدة التي أنزلت بعد هذا: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما ~~علمتم من الجوارح مكلبين} إلى قوله: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} [المائدة: 4، 5] ، ففي ذلك اليوم أحل ~~لهم الطيبات، وقبل هذا لم يكن محرما عليهم إلا ما استثناه. # PageV01P041 # وقد حرم النبي صلىالله عليه وسلم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من ~~الطير، ولم يكن هذا نسخا للكتاب؛ لأن الكتاب لم يحل ذلك، ولكن سكت عن ~~تحريمه، فكان تحريمه ابتداء شرع. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث المروي من طرق من حديث أبي رافع، وأبي ثعلبة، وأبي هريرة، وغيرهم: " ~~لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته؛ يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به، أو ~~نهيت عنه، فيقول: بيننا وبينكم هذا القرآن، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، ~~وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ". وفي ~~لفظ: " ألا وإنه مثل القرآن أو أكثر، ألا وإني حرمت كل ذي ناب من السباع ". ~~فبين أنه أنزل عليه وحي آخر وهو الحكمة غير الكتاب، وأن الله حرم عليه في ~~هذا الوحي ما أخبر بتحريمه ولم يكن ذلك نسخا للكتاب؛ فإن الكتاب لم يحل هذه ~~قط، إنما أحل الطيبات، وهذه ليست من الطيبات، وقال: {يا أيها الذين آمنوا ~~كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172] . فلم تدخل هذه الآية في العموم؛ ~~لكنه لم يكن حرمها؛ فكانت معفوا عن تحريمها، لا مأذونا في أكلها. # وأما الكفار، فلم يأذن الله لهم في أكل شيء، ولا أحل لهم شيئا، ولا عفا ~~لهم عن شيء يأكلونه، بل قال: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} ~~[البقرة: 168] . فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالا، وهو المأذون فيه من جهة ~~الله ورسوله، والله لم يأذن في الأكل إلا للمؤمن به؛ فلم يأذن لهم في أكل ~~شيء إلا إذا آمنوا؛ ولهذا لم تكن أموالهم مملوكة لهم ملكا ms030 شرعيا؛ لأن الملك ~~الشرعي هو المقدرة على التصرف الذي أباحه الشارع صلىالله عليه وسلم، ~~والشارع لم يبح لهم تصرفا في الأموال، إلا بشرط الإيمان، فكانت أموالهم على ~~الإباحة، فإذا قهر طائفة منهم طائفة قهرا يستحلونه في دينهم، وأخذوها منهم، ~~صار هؤلاء فيها كما كان أولئك. # والمسلمون إذا استولوا عليها، فغنموها، ملكوها شرعا؛ لأن الله أباح لهم ~~الغنائم، ولم يبحها لغيرهم. ويجوز لهم أن يعاملوا الكفار فيما أخذه بعضهم ~~من بعض بالقهر الذي يستحلونه في دينهم، ويجوز أن يشتري من بعضهم ما سباه من ~~غيره؛ لأن هذا # PageV01P042 # بمنزلة استيلائه على المباحات، ولهذا سمى الله ما عاد من أموالهم إلى ~~المسلمين [فيئا] ؛ لأن الله أفاءه إلى مستحقه؛ أي: رده إلى المؤمنين به ~~الذين يعبدونه، ويستعينون برزقه على عبادته؛ فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه؛ ~~وإنما خلق الرزق لهم ليستعينوا به على عبادته. # ولفظ الفيء قد يتناول الغنيمة، كقول النبي صلىالله عليه وسلم في غنائم ~~حنين: " ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم "، لكنه ~~لما قال تعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ~~ركاب} [الحشر: 6] ، صار لفظ [الفيء] إذا أطلق في عرف الفقهاء، فهو: ما أخذ ~~من مال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، والإيجاف نوع من التحريك. # وأما إذا فعل المؤمن ما أبيح له قاصدا للعدول عن الحرام إلى الحلال ~~لحاجته إليه، فإنه يثاب على ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وفي ~~بضع أحدكم صدقة ". قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها ~~أجر؟ قال: " أرأيتم لو وضعها في الحرام كان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في ~~الحلال كان له أجر ". وهذا كقوله في حديث ابن عمر عن النبي صلىالله عليه ~~وسلم قال: " إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته ". رواه ~~أحمد، وابن خزيمة في صحيحه وغيرهما. # فأخبر أن الله يحب إتيان رخصه، كما يكره فعل معصيته. وبعض الفقهاء يرويه: ~~" كما يحب أن تؤتى عزائمه ms031 ". وليس هذا لفظ الحديث؛ وذلك لأن الرخص إنما ~~أباحها الله لحاجة العباد إليها، والمؤمنون يستعينون بها على عبادته؛ فهو ~~يحب الأخذ بها، لأن الكريم يحب قبول إحسانه # PageV01P043 # وفضله؛ كما قال في حديث القصر: " صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا ~~صدقته ". ولأنه بها تتم عبادته وطاعته، وما لا يحتاج إليه الإنسان من قول ~~وعمل، بل يفعله عبثا، فهذا عليه لا له، كما في الحديث: " كل كلام ابن ادم ~~عليه لا له، إلا أمرا بمعروف، أو نهيا عن منكر أو ذكر الله ". # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ". فأمر المؤمن بأحد أمرين: إما قول ~~الخير أو الصمات؛ ولهذا كان قول الخير خيرا من السكوت عنه، والسكوت عن الشر ~~خيرا من قوله؛ ولهذا قال الله تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} ~~[ق: 18] . # وقد اختلف أهل التفسير: هل يكتب جميع أقواله؟ فقال مجاهد وغيره: يكتبان ~~كل شيء حتى أنينه في مرضه، وقال عكرمة لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر. ~~والقرآن يدل على أنهما يكتبان الجميع؛ فإنه قال: {ما يلفظ من قول} نكرة في ~~الشرط مؤكدة بحرف [من] ؛ فهذا يعم كل قوله. وأيضا، فكونه يؤجر على قول معين ~~أو يؤزر، يحتاج إلى أن يعرف الكاتب ما أمر به وما نهى عنه، فلابد في إثبات ~~معرفة الكاتب به إلى نقل. وأيضا فهو مأمور، إما بقول الخير، وإما بالصمات. ~~فإذا عدل عما أمر به من الصمات إلى فضول القول الذي ليس بخير، كان هذا ~~عليه، فإنه يكون مكروها، والمكروه ينقصه؛ ولهذا قال النبي صلىالله عليه ~~وسلم: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ". # PageV01P044 # فإذا خاض فيما لا يعنيه، نقص من حسن إسلامه، فكان هذا عليه، إذ ليس من ~~شرط ما هو عليه، أن يكونه مستحقا لعذاب جهنم وغضب الله، بل نقص قدره ودرجته ~~عليه. # ولهذا قال تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] . فما ~~يعمل أحد ms032 إلا عليه أو له، فإن كان مما أمر به، كان له. وإلا كان عليه ولو ~~أنه ينقص قدره. والنفس طبعها الحركة لا تسكن قط، لكن قد عفا الله عما حدث ~~به المؤمنون أنفسهم ما لم يتكلموا به أو يعملوا به، فإذا عملوا به دخل في ~~الأمر والنهي. فإذا كان الله قد كره إلى المؤمنين جميع المعاصي، وهو قد حبب ~~إليهم الإيمان الذي يقتضي جميع الطاعات، إذا لم يعارضه ضد باتفاق الناس، ~~فإن المرجئة لا تنازع في أن الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل الطاعة ~~ويقتضي ذلك، والطاعة من ثمراته ونتائجه، لكنها تنازع، هل يستلزم الطاعة؟ ~~فإنه وإن كان يدعو إلى الطاعة، فله معارض من النفس والشيطان، فإذا كان قد ~~كره إلى المؤمنين المعارض، كان المقتضى للطاعة سالما عن هذا المعارض. # وأيضا، فإذا كرهوا جميع السيئات لم يبق إلا حسنات أو مباحات، والمباحات ~~لم تبح إلا لأهل الإيمان الذين يستعينون بها على الطاعات، وإلا فالله لم ~~يبح قط لأحد شيئا أن يستعين به على كفر، ولا فسوق، ولا عصيان؛ ولهذا لعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عاصر الخمر ومعتصرها، كما لعن شاربها. والعاصر ~~يعصر عنبا يصير عصيرا يمكن أن ينتفع به في المباح، لكن لما علم أن قصد ~~العاصر أن يجعلها خمرا، لم يكن له أن يعينه بما جنسه مباح على معصية الله، ~~بل لعنه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ لأن الله لم يبح إعانة العاصي ~~على معصيته، ولا أباح له ما يستعين به في المعصية. فلا تكون مباحات لهم إلا ~~إذا استعانوا بها على الطاعات. فيلزم من انتفاء السيئات أنهم لا يفعلون إلا ~~الحسنات؛ ولهذا كان من ترك المعاصي كلها، فلابد أن يشتغل بطاعة الله. وفي ~~الحديث الصحيح: " كل الناس يغدوا، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " فالمؤمن ~~لابد أن يحب الحسنات، ولابد أن يبغض # PageV01P045 # السيئات، ولابد أن يسره فعل الحسنة، ويسوؤه فعل السيئة، ومتى قدر أن في ~~بعض الأمور ليس كذلك كان ناقص الإيمان، # والمؤمن قد تصدر ms033 منه السيئة فيتوب منها، أو يأتي بحسنات تمحوها، أو يبتلى ~~ببلاء يكفرها عنه ولكن لابد أن يكون كارها لها؛ فإن الله أخبر أنه حبب إلى ~~المؤمنين الإيمان، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فمن لم يكره الثلاثة ~~لم يكن منهم. ولكن محمد ابن نصر يقول: الفاسق يكرهها تدينا، فيقال: إن أريد ~~بذلك أنه يعتقد أن دينه حرمها، وهو يحب دينه، وهذه من جملته، فهو يكرهها. ~~وإن كان يحب دينه مجملا، وليس في قلبه كراهة لها، كان قد عدم من الإيمان ~~بقدر ذلك، كما في الحديث الصحيح: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم ~~يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". # وفي الحديث الآخر الذي في الصحيح أيضا _ صحيح مسلم _: " فمن جاهدهم بيده ~~فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس ~~وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل ". # فعلم أن القلب إذا لم يكن فيه كراهة ما يكرهه الله، لم يكن فيه من ~~الإيمان الذي يستحق به الثواب. وقوله: [من الإيمان] أي: من هذا الإيمان، ~~وهو الإيمان المطلق، أي: ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الإيمان، ولا قدر ~~حبة خردل. والمعنى: هذا آخر حدود الإيمان، ما بقى بعد هذا من الإيمان شيء، # PageV01P046 # ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من الإيمان شيء، بل لفظ الحديث ~~إنما يدل على المعنى الأول. # فصل # ومن هذا الباب لفظ [الكفر] و [النفاق] ، فالكفر إذا ذكر مفردا في وعيد ~~الآخرة، دخل فيه المنافقون، كقوله: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في ~~الآخرة من الخاسرين} [المائدة: 5] ، وقوله: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} [النساء: 136] ، وقوله: {لا يصلاها ~~إلا الأشقى الذي كذب وتولى} [الليل: 15، 16] ، وقوله: {كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل ~~الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} [الملك: 8، 9] ، وقوله: {وسيق الذين ~~كفروا ms034 إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم ~~يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ~~ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس ~~مثوى المتكبرين} [الزمر: 71، 72] ، وقوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين} [العنكبوت: 68] ، ~~وقوله: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال ~~رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ~~تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} [طه: ~~124: 127] ، وقوله: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم ~~خالدين فيها أولئك هم شر البرية} [البينة: 6] ، وأمثال هذه النصوص كثير في ~~القرآن. # فهذه كلها يدخل فيها المنافقون الذين هم في الباطن كفار ليس معهم من ~~الإيمان شيء، كما يدخل فيها الكفار المظهرون للكفر، بل المنافقون في الدرك # PageV01P047 # الأسفل من النار، كما أخبر الله بذلك في كتابه. # ثم قد يقرن الكفر بالنفاق في مواضع، ففي أول البقرة ذكر أربع آيات في صفة ~~المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين، فقال ~~تعالى: {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} [النساء: 140] ، ~~وقال: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم ~~قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا} إلى قوله: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا ~~من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} [الحديد: 13: 15] ، ~~وقال: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} في سورتين ~~[التوبة: 73، التحريم: 9] ، وقال: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون ~~لإخوانهم الذين كفروا} الآية [الحشر: 11] . # وكذلك لفظ [المشركين] قد يقرن بأهل الكتاب فقط، وقد يقرن بالملل الخمس؛ ~~كما في قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء ~~شهيد} [الحج: 17] # والأول كقوله: {لم يكن الذين ms035 كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة} [البينة: 1] ، وقوله: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية} [البينة: 6] ، ~~وقوله تعالى: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد ~~اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} [آل عمران: 20] . وليس أحد بعد مبعث ~~محمد صلىالله عليه وسلم إلا من الذين أوتوا الكتاب أو الأميين، وكل أمة لم ~~تكن من الذين أوتوا الكتاب فهم من الأميين؛ كالأميين من العرب ومن الخزر ~~والصقالبة والهند والسودان وغيرهم من الأمم الذين لا كتاب لهم، فهؤلاء كلهم ~~أميون، والرسول مبعوث إليهم كما بعث إلى الأميين من العرب. # PageV01P048 # وقوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب} وهو إنما يخاطب الموجودين في زمانه بعد ~~النسخ والتبديل يدل على أن من دان بدين اليهود والنصارى، فهو من الذين ~~أوتوا الكتاب، لا يختص هذا اللفظ بمن كانوا متمسكين به قبل النسخ والتبديل، ~~ولا فرق بين أولادهم وأولاد غيرهم، فإن أولادهم إذا كانوا بعد النسخ ~~والتبديل ممن أوتوا الكتاب، فكذلك غيرهم إذا كانوا كلهم كفارا، وقد جعلهم ~~الذين أوتوا الكتاب بقوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب} [آل عمران: 20] ، وهو ~~لا يخاطب بذلك إلا من بلغته رسالته، لا من مات؛ فدل ذلك على أن قوله: ~~{وطعام الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: 5] يتناول هؤلاء كلهم، كما هو مذهب ~~الجمهور من السلف والخلف، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وهو المنصوص عن أحمد ~~في عامة أجوبته، لم يختلف كلامه إلا في نصارى بني تغلب، وآخر الروايتين ~~عنه: أنهم تباح نساؤهم وذبائحهم، كما هو قول جمهور الصحابة. # وقوله في الرواية الأخرى: لا تباح متابعة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~لم يكن لأجل النسب، بل لكونهم لم يدخلوا في دين أهل الكتاب إلا فيما ~~يشتهونه من شرب الخمر ونحوه، ولكن بعض التابعين ظن أن ذلك لأجل النسب، كما ~~نقل عن عطاء، وقال به الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد، وفرعوا على ذلك ~~فروعا، كمن كان أحد أبويه كتابيا والآخر ليس بكتابي ms036 ونحو ذلك، حتى لا يوجد ~~في طائفة من كتب أصحاب أحمد إلا هذا القول، وهو خطأ على مذهبه، مخالف ~~لنصوصه، لم يعلق الحكم بالنسب في مثل هذا البتة كما قد بسط في موضعه. # ولفظ [المشركين] يذكر مفردا في مثل قوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ~~[البقرة: 221] ، وهل يتناول أهل الكتاب؟ فيه قولان مشهوران للسلف والخلف. ~~والذين قالوا: بأنها تعم، منهم من قال: هي محكمة، كابن عمر والجمهور الذين ~~يبيحون نكاح الكتابيات؛ كما ذكره الله في آية المائدة، وهي متأخرة عن هذه. ~~ومنهم من يقول: نسخ منها تحريم نكاح الكتابيات. ومنهم من يقول: بل هو مخصوص ~~لم يرد باللفظ العام، وقد أنزل الله تعالى بعد صلح # PageV01P049 # الحديبية قوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] ، وهذا قد ~~يقال: إنما نهى عن التمسك بالعصمة من كان متزوجا كافرة، ولم يكونوا حينئذ ~~متزوجين إلا بمشركة وثنية، فلم يدخل في ذلك الكتابيات. # فصل: # وكذلك لفظ [الصالح] و [الشهيد] و [الصديق] ، يذكر مفردا؛ فيتناول ~~النبيين، قال تعالى في حق الخليل: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين} [العنكبوت: 27] ، وقال: {وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين} [النحل: 122] ، وقال الخليل: {رب هب لي حكما وألحقني ~~بالصالحين} [الشعراء: 83] ، وقال يوسف: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} ~~[يوسف: 101] ، وقال سليمان: {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} [النمل: ~~19] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق على صحته لما ~~كانوا يقولون في آخر صلاتهم: "السلام على الله قبل عباده، السلام على فلان ~~فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: " إن الله هو السلام، فإذا ~~قعد أحدكم في الصلاة، فليقل: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك ~~أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ~~فإذا قالها أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض " الحديث. وقد يذكر ~~[الصالح] مع غيره، كقوله تعالى: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69] . قال الزجاج وغيره: ~~الصالح: القائم بحقوق الله وحقوق عباده. ms037 ولفظ [الصالح] خلاف الفاسد؛ فإذا ~~أطلق فهو الذي أصلح جميع أمره، فلم يكن فيه شيء من الفساد، فاستوت سريرته ~~وعلانيته، وأقواله وأعماله على ما يرضى ربه، وهذا يتناول النبيين ومن ~~دونهم. ولفظ [الصديق] قد جعل هنا معطوفا على النبيين، وقد وصف به النبيين ~~في # PageV01P050 # مثل قوله: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا} [مريم: 41] ، ~~{واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا} [مريم: 56] . # وكذلك [الشهيد] ، قد جعل هنا قرين الصديق والصالح، وقد قال: {وجيء ~~بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون} [الزمر: 69] . ولما ~~قيدت الشهادة على الناس وصفت به الأمة كلها في قوله: {وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] ، ~~فهذه شهادة مقيدة بالشهادة على الناس، كالشهادة المذكورة في قوله: {لولا ~~جاؤوا عليه بأربعة شهداء} [النور: 13] ، وقوله: {واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم} [البقرة: 282] . وليست هذه الشهادة المطلقة في الآيتين، بل ذلك ~~كقوله: {ويتخذ منكم شهداء} [آل عمران: 140] . # فصل # وكذلك لفظ [المعصية] و [الفسوق] و [الكفر] ، فإذا أطلقت المعصية لله ~~ورسوله دخل فيها الكفر والفسوق، كقوله: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار ~~جهنم خالدين فيها أبدا} [الجن: 23] ، وقال تعالى: {وتلك عاد جحدوا بآيات ~~ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد} [هود: 59] ، فأطلق معصيتهم ~~للرسل بأنهم عصوا هودا معصية تكذيب لجنس الرسل، فكانت المعصية لجنس الرسل ~~كمعصية من قال: {فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء} [الملك: 9] ، ومعصية من ~~كذب وتولى، قال تعالى: {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} [الليل: 15، ~~16] ، أي: كذب بالخبر، وتولي عن طاعة الأمر، وإنما على الخلق أن يصدقوا ~~الرسل فيما أخبروا، ويطيعوهم فيما أمروا. وكذلك قال في فرعون: {فكذب وعصى} ~~[النازعات: 21] ، وقال عن جنس الكافر: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى} ~~[القيامة: 31، 32] . فالتكذيب للخبر، والتولي عن الأمر. وإنما الإيمان # PageV01P051 # تصديق الرسل فيما أخبروا، وطاعتهم فيما أمروا، ومنه قوله: {كما أرسلنا ~~إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول} [المزمل: 15، 16] . # ولفظ [التولي] بمعنى التولي عن الطاعة مذكور في مواضع من ms038 القرآن، كقوله: ~~{ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله ~~أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} [الفتح: 16] ، ~~وذمه في غير موضع من القرآن من تولى، دليل على وجوب طاعة الله ورسوله وأن ~~الأمر المطلق يقتضى وجوب الطاعة، وذم المتولى عن الطاعة؛ كما علق الذم ~~بمطلق المعصية في مثل قوله: {فعصى فرعون الرسول} . وقد قيل: إن [التأبيد] ~~لم يذكر في القرآن إلا في وعيد الكفار؛ ولهذا قال: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} ~~[النساء: 93] . وقال فيمن يجور في المواريث: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} [النساء: 14] . فهنا قيد ~~المعصية بتعدي حدوده، فلم يذكرها مطلقة، وقال: {وعصى آدم ربه فغوى} [طه: ~~121] ، فهي معصية خاصة، وقال تعالى: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ~~وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} [آل عمران: 152] ، فأخبر عن معصية واقعة ~~معينة، وهي معصية الرماة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أمرهم بلزوم ثغرهم، ~~وإن رأوا المسلمين قد انتصروا، فعصى من عصى منهم هذا الأمر، وجعل أميرهم ~~يأمرهم لما رأوا الكفار منهزمين، وأقبل من أقبل منهم على المغانم. وكذلك ~~قوله: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} [الحجرات: 7] ، جعل ذلك ثلاث ~~مراتب. وقد قال: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] ، فقيد المعصية؛ ~~ولهذا فسرت بالنياحة، قاله ابن عباس، وروي ذلك مرفوعا. وكذلك قال زيد بن ~~أسلم: لا يدعن ويلا، ولا يخدشن وجها، ولا ينشرن شعرا، ولا يشققن ثوبا، وقد ~~قال بعضهم: هو جميع ما يأمرهم به الرسول من شرائع الإسلام وأدلته كما قاله ~~أبو سليمان الدمشقي. ولفظ # PageV01P052 # الآية عام أنهن لا يعصينه في معروف. ومعصيته لا تكون إلا في معروف؛ فإنه ~~لا يأمر بمنكر، لكن هذا كما قيل: فيه دلالة على أن طاعة أولي الأمر إنما ~~تلزم في المعروف، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~" إنما الطاعة في ms039 المعروف "، ونظير هذا قوله: {استجيبوا لله وللرسول إذا ~~دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] ، وهو لا يدعو إلا إلى ذلك. والتقييد هنا ~~لا مفهوم له؛ فإنه لا يقع دعاء لغير ذلك، ولا أمر بغير معروف، وهذا كقوله ~~تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} [النور: 33] ، فإنهن ~~إذا لم يردن تحصنا، امتنع الإكراه. ولكن في هذا بيان الوصف المناسب للحكم، ~~ومنه قوله تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه ~~عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: 117] ، وقوله: {ويقتلون النبيين ~~بغير} [البقرة: 61] . # فالتقييد في جميع هذا للبيان والإيضاح، لا لإخراج في وصف آخر؛ ولهذا يقول ~~من يقول من النحاة: الصفات في المعارف للتوضيح لا للتخصيص، وفي النكرات ~~للتخصيص، يعني في المعارف التي لا تحتاج إلى تخصيص، كقوله: {سبح اسم ربك ~~الأعلى الذي خلق فسوى} [الأعلى: 1، 2] ، وقوله: {الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} [الأعراف: 157] ، ~~وقوله: {الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 2، 3] . والصفات ~~في النكرات إذا تميزت تكون للتوضيح أيضا، ومع هذا فقد عطف المعصية على ~~الكفر والفسوق في قوله: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} [الحجرات: 7] ~~، ومعلوم أن الفاسق عاص أيض # فصل: # ومن هذا الباب [ظلم النفس] فإنه إذا أطلق تناول جميع الذنوب، فإنها ظلم # PageV01P053 # العبد نفسه، قال تعالى: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قآئم وحصيد ~~وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غيرتتبيب} [هود: 100، 101] ، وقال ~~تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ~~فتوبوا إلى بارئكم} [البقرة: 54] ، وقال في قتل النفس: {رب إني ظلمت نفسي ~~فاغفر لي} [القصص: 16] ، وقالت بلقيس: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان ~~لله رب العالمين} [النمل: 44] ، وقال آدم عليه السلام: {ربنا ظلمنا أنفسنا ~~وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] . ثم قد يقرن ~~ببعض الذنوب، كقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ms040 ظلموا أنفسهم} [آل ~~عمران: 135] ، وقوله: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله ~~غفورا رحيما} [النساء: 110] . # وأما لفظ [الظلم] المطلق، فيدخل فيه الكفر وسائر الذنوب، قال تعالى: ~~{احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى ~~صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون} [الصافات: 22: 24] . قال عمر بن الخطاب: ~~ونظراؤهم. وهذا ثابت عن عمر، وروي ذلك عنه مرفوعا. وكذلك قال ابن عباس: ~~وأشباههم. وكذلك قال قتادة والكلبي: كل من عمل بمثل عملهم؛ فأهل الخمر مع ~~أهل الخمر، وأهل الزنا مع أهل الزنا. وعن الضحاك ومقاتل: قرناؤهم من ~~الشياطين؛ كل كافر معه شيطانه في سلسلة، وهذا كقوله: {وإذا النفوس زوجت} ~~[التكوير: 7] . قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الفاجر مع الفاجر، والصالح ~~مع الصالح. قال ابن عباس: وذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة. وقال الحسن ~~وقتادة: ألحق كل امرئ بشيعته؛ اليهودي مع اليهود، والنصراني مع النصارى. ~~وقال الربيع بن خثيم: يحشر المرء مع صاحب عمله، وهذا كما ثبت في الصحيح عن # PageV01P054 # النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، ~~قال: " المرء مع من أحب "، وقال: " الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ~~ائتلف، وما تناكر منها اختلف ". وقال: " المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم ~~من يخالل ". # وزوج الشيء نظيره، وسمى الصنف زوجا؛ لتشابه أفراده، كقوله: {أنبتنا فيها ~~من كل زوج كريم} [الشعراء: 7] ، وقال: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم ~~تذكرون} [الذاريات: 49] . قال غير واحد من المفسرين: صنفين ونوعين مختلفين: ~~السماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والسهل ~~والجبل، والشتاء والصيف، والجن والإنس، والكفر والإيمان، والسعادة ~~والشقاوة، والحق والباطل، والذكر والأنثى، والنور والظلمة، والحلو والمر، ~~وأشباه ذلك، {لعلكم تذكرون} فتعلمون أن خالق الأزواج واحد. وليس المراد أنه ~~يحشر معهم زوجاتهم مطلقا؛ فإن المرأة الصالحة قد يكون زوجها فاجرا، بل ~~كافرا، كامرأة فرعون. وكذلك الرجل الصالح، قد تكون امرأته فاجرة، بل كافرة، ~~كامرأة نوح ولوط، لكن إذا كانت المرأة على دين زوجها، دخلت في ms041 عموم ~~الأزواج؛ ولهذا قال الحسن البصري: وأزواجهم المشركات. # فلا ريب أن هذه الآية تناولت الكفار، كما دل عليه سياق الآية. وقد تقدم ~~كلام المفسرين: أنه يدخل فيها الزناة مع الزناة، وأهل الخمر مع أهل الخمر. ~~وكذلك الأثر المروي: إذا كان يوم القيامة قيل: أين الظلمة وأعوانهم؟ أو # PageV01P055 # قال: وأشباههم فيجمعون في توابيت من نار، ثم يقذف بهم في النار. وقد قال ~~غير واحد من السلف: أعوان الظلمة من أعانهم، ولو أنهم لاق لهم دواة، أو برى ~~لهم قلما، ومنهم من كان يقول: بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم. وأعوانهم: هم ~~من أزواجهم المذكورين في الآية؛ فإن المعين على البر والتقوى من أهل ذلك، ~~والمعين على الإثم والعدوان من أهل ذلك، قال تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة ~~يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} [النساء: 85] ، ~~والشافع الذي يعين غيره، فيصير معه شفعا بعد أن كان وترا؛ ولهذا فسرت ~~الشفاعة الحسنة بإعانة المؤمنين على الجهاد، والشفاعة السيئة بإعانة الكفار ~~على قتال المؤمنين كما ذكر ذلك ابن جرير، وأبو سليمان وفسرت الشفاعة الحسنة ~~بشفاعة الإنسان للإنسان ليجتلب له نفعا، أو يخلصه من بلاء كما قال الحسن ~~ومجاهد، وقتادة وابن زيد. فالشفاعة الحسنة إعانة على خير يحبه الله ورسوله، ~~من نفع من يستحق النفع، ودفع الضر عمن يستحق دفع الضرر عنه. والشفاعة ~~السيئة إعانته على ما يكرهه الله ورسوله، كالشفاعة التي فيها ظلم الإنسان، ~~أو منع الإحسان الذي يستحقه. وفسرت الشفاعة الحسنة بالدعاء للمؤمنين، ~~والسيئة بالدعاء عليهم، وفسرت الشفاعة الحسنة بالإصلاح بين اثنين، وكل هذا ~~صحيح، فالشافع زوج المشفوع له، إذ المشفوع عنده من الخلق إما أن يعينه على ~~بر وتقوى، وإما أن يعينه على إثم وعدوان. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا أتاه طالب حاجة، قال لأصحابه: " اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان ~~نبيه ماشاء ". # وتمام الكلام يبين أن الآية وإن تناولت الظالم الذي ظلم بكفره فهي أيضا ~~متناولة مادون ذلك، وإن قيل فيها: {وما كانوا يعبدون} ms042 [الصافات: 22] ، فقد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تعس عبد الدينار، ~~تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا ~~انتقش ". # PageV01P056 # وثبت عنه في الصحيح أنه قال: " ما من صاحب كنز إلا جعل له كنزه يوم ~~القيامة شجاعا أقرع، يأخذ بلهزمته: أنا مالك، أنا كنزك ". وفي لفظ: " إلا ~~مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع، يفر منه وهو يتبعه، حتى يطوقه في عنقه "، ~~وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {سيطوقون ما بخلوا به يوم ~~القيامة} [آل عمران: 180] ، وفي حديث آخر: " مثل له يوم القيامة شجاعا ~~أقرع، يتبع صاحبه حيثما ذهب، وهو يفر منه: هذا مالك الذي كنت تبخل به، فإذا ~~رأى أنه لابد له منه، أدخل يده في فيه، فيقضمها كما يقضم الفحل ". وفي ~~رواية: " فلا يزال يتبعه، فيلقمه يده فيقضمها، ثم يلقمه سائر جسده ". وقد ~~قال تعالى في الآية الأخرى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} [التوبة: 34، ~~35] . وقد ثبت في الصحيح وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما ~~من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمى عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح، فيكوى ~~بها جبينه وجنباه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ". وفي حديث أبي ~~ذر: " بشر الكانزين برضف يحمى عليها في نار جهنم، فتوضع على حلمة ثدي ~~أحدهم، حتى يخرج من نغض كتفيه، ويوضع على نغض كتفيه، حتى يخرج من حلمة ~~ثدييه، يتزلزل وتكوى الجباه والجنوب والظهور حتى يلتقي الحر في أجوافهم ". ~~وهذا كما في القرآن، ويدل على أنه بعد دخول النار، فيكون هذا لمن دخل النار ~~ممن فعل به ذلك أولا في الموقف. فهذا الظالم لما منع الزكاة يحشر مع ms043 ~~أشباهه، وماله الذي صار عبدا له من دون الله، فيعذب به، وإن لم يكن هذا من ~~أهل الشرك الأكبر الذين يخلدون في النار؛ # PageV01P057 # ولهذا قال في آخر الحديث: " ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار ~~". فهذا بعد تعذيبه خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يدخل الجنة. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب ~~النمل ". قال ابن عباس وأصحابه: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. ~~وكذلك قال أهل السنة كأحمد بن حنبل وغيره، كما سنذكره إن شاء الله وقد قال ~~الله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ~~وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} ~~[التوبة: 31] . وفي حديث عدي بن حاتم وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي ~~وغيرهما وكان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو نصراني فسمعه يقرأ ~~الآية، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: " أليس يحرمون ما أحل الله ~~فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ ! " قال: فقلت: بلى. قال: " فتلك ~~عبادتهم ". وكذلك قال أبو البختري: أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن ~~يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكن أمروهم، فجعلوا حلال الله حرامه، ~~وحرامه حلاله، فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية. # وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني ~~إسرائيل؟ قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا ~~عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء، فما أمرونا به ائتمرنا، وما نهونا عنه ~~انتهينا لقولهم. فاستنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، فقد بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام وتحريم ~~الحلال؛ لا أنهم صلوا لهم، وصاموا لهم، ودعوهم من دون الله، فهذه عبادة ~~للرجال، وتلك عبادة # PageV01P058 # للأموال، وقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الله أن ذلك شرك ~~بقوله: {لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} ، فهذا ms044 من الظلم الذي يدخل في ~~قوله: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله} ~~[الصافات: 22، 23] . فإن هؤلاء والذين أمروهم بهذا هم جميعا معذبون، وقال: ~~{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} [الأنبياء: 98] . ~~وإنما يخرج من هذا من عبد مع كراهته لأن يعبد ويطاع في معصية الله، فهم ~~الذين سبقت لهم الحسنى، كالمسيح والعزير وغيرهما، فأولئك {مبعدون} . # وأما من رضي بأن يعبد ويطاع في معصية الله، فهو مستحق للوعيد، ولو لم ~~يأمر بذلك، فكيف إذا أمر؟ ! وكذلك من أمر غيره بأن يعبد غير الله، وهذا من ~~أزواجهم؛ فإن أزواجهم قد يكونون رؤساء لهم، وقد يكونون أتباعا، وهم أزواج ~~وأشباه لتشابههم في الدين، وسياق الآية يدل على ذلك؛ فإنه سبحانه قال: ~~{احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى ~~صراط الجحيم} . قال ابن عباس: دلوهم. وقال الضحاك مثله. وقال ابن كيسان: ~~قدموهم. والمعنى: قودوهم كما يقود الهادي لمن يهديه؛ ولهذا تسمى الأعناق ~~الهوادي؛ لأنها تقود سائر البدن، وتسمى أوائل الوحش الهوادي. {وقفوهم إنهم ~~مسئولون ما لكم لا تناصرون} [الصافات: 24، 25] أي: كما كنتم تتناصرون في ~~الدنيا على الباطل {بل هم اليوم مستسلمون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ~~قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا ~~عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ~~فأغويناكم إنا كنا غاوين فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون إنا كذلك نفعل ~~بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا ~~لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} [الصافات: 26: 36] . # وقال تعالى: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ~~كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت # PageV01P059 # أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ~~ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكسبون} [الأعراف: 38، 39] ، وقال تعالى: ms045 {وإذ يتحاجون في ~~النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا ~~نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} ~~[غافر: 47، 48] ، وقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع ~~بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ ~~جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل ~~والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما ~~رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون} [سبأ: 31: 33] . # وقوله في سياق الآية: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} ~~[الصافات: 35] ، ولا ريب أنها تتناول الشركين: الأصغر والأكبر، وتتناول ~~أيضا من استكبر عما أمره الله به من طاعته، فإن ذلك من تحقيق قول: لا إله ~~إلا الله؛ فإن الإله هو المستحق للعبادة، فكل ما يعبد به الله فهو من تمام ~~تأله العباد له، فمن استكبر عن بعض عبادته سامعا مطيعا في ذلك لغيره، لم ~~يحقق قول: لا إله إلا الله، في هذا المقام. وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله ~~يكونون على وجهين: # أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون ~~تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، اتباعا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم ~~خالفوا دين # PageV01P060 # الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركا وإن لم يكونوا يصلون لهم ~~ويسجدون لهم فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، ~~واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله الله ورسوله مشركا مثل هؤلاء. # والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتا، ~~لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي ~~يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، ms046 كما ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنما الطاعة في المعروف "، وقال: " ~~على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، ما لم يؤمر بمعصية "، وقال: " ~~لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "، وقال: " من أمركم بمعصية الله فلا ~~تطيعوه ". # ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام، إن كان مجتهدا قصده اتباع الرسول، ~~لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع فهذا لا يؤاخذه ~~الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. ولكن من علم أن هذا ~~خطأ فيما جاء به الرسول، ثم اتبعه على خطئه، وعدل عن قول الرسول فهذا له ~~نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله، لاسيما إن اتبع في ذلك هواه، ونصره ~~باللسان واليد، مع علمه بأنه مخالف للرسول، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة ~~عليه. # ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه، ~~وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال، وإن كان عاجزا عن ~~إظهار الحق الذي يعلمه، فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين ~~النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق، لا يؤاخذ بما عجز عنه، وهؤلاء ~~كالنجاشي وغيره. وقد أنزل الله في هؤلاء آيات من كتابه، كقوله تعالى: {وإن ~~من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم} [آل عمران: ~~199] ، وقوله: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 159] ، ~~وقوله: {ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} ~~[المائدة: 83] . # PageV01P061 # وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزا عن معرفة الحق على التفصيل، وقد فعل ما ~~يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ، كما في ~~القبلة. وأما إن قلد شخصا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه، من غير ~~علم أن معه الحق فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبا، لم يكن عمله ~~صالحا. وإن كان متبوعه مخطئا، كان آثما، كمن قال ms047 في القرآن برأيه، فإن أصاب ~~فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار. وهؤلاء من جنس مانع الزكاة ~~الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإن ~~ذلك لما أحب المال حبا منعه عن عبادة الله وطاعته، صار عبدا له. وكذلك ~~هؤلاء، فيكون فيه شرك أصغر، ولهم من الوعيد بحسب ذلك. وفي الحديث: " إن ~~يسير الرياء شرك ". وهذا مبسوط عند النصوص التي فيها إطلاق الكفر والشرك ~~على كثير من الذنوب. # والمقصود هنا أن الظلم المطلق يتناول الكفر، ولا يختص بالكفر، بل يتناول ~~ما دونه أيضا، وكل بحسبه، كلفظ [الذنب] و [الخطيئة] و [المعصية] ، فإن هذا ~~يتناول الكفر والفسوق والعصيان، كما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: ~~قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك ". ~~قلت: ثم أي؟ قال: " ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ". قلت: ثم أي؟ قال: ~~" ثم أن تزاني بحليلة جارك "، فأنزل الله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ~~يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن ~~وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ومن ~~تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا} [الفرقان: 68: 71] . # فهذا الوعيد بتمامه على الثلاثة، ولكل عمل قسط منه؛ فلو أشرك ولم يقتل ~~ولم يزن، كان عذابه دون ذلك. ولو زنى وقتل ولم يشرك، كان له من هذا # PageV01P062 # العذاب نصيب، كما في قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا ~~فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} [النساء: 93] . ولم يذكر: ~~[أبدا] . وقد قيل: إن لفظ [التأبيد] لم يجئ إلا مع الكفر، وقال الله تعالى: ~~{ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ~~ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان ~~للإنسان ms048 خذولا} [الفرقان: 27: 29] . فلا ريب أن هذا يتناول الكافر الذي لم ~~يؤمن بالرسول. وسبب نزول الآية كان في ذلك، فإن الظلم المطلق يتناول ذلك، ~~ويتناول ما دونه بحسبه. فمن خال مخلوقا في خلاف أمر الله ورسوله، كان له من ~~هذا الوعيد نصيب، كما قال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين} [الزخرف: 67] ، وقال تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] . # قال الفضيل بن عياض: حدثنا الليث، عن مجاهد: هي المودات التي كانت بينهم ~~لغير الله. فإن المخالة تحاب وتواد؛ ولهذا قال: " المرء على دين خليله "، ~~فإن المتحابين يحب أحدهما ما يحب الآخر بحسب الحب، فإذا اتبع أحدهما صاحبه ~~على محبته ما يبغضه الله ورسوله، نقص من دينهما بحسب ذلك إلى أن ينتهي إلى ~~الشرك الأكبر، قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] . # والذين قدموا محبة المال الذي كنزوه، والمخلوق الذي اتبعوه، على محبة ~~الله ورسوله، كان فيهم من الظلم والشرك بحسب ذلك، فلهذا ألزمهم محبوبهم، ~~كما في الحديث: " يقول الله تعالى: أليس عدلا مني أن أولي كل رجل منكم ما ~~كان يتولاه في الدنيا ". وقد ثبت في الصحيح: يقول: " ليذهب كل قوم إلى ما ~~كانوا # PageV01P063 # يعبدون؛ فمن كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر، ومن كان ~~يعبد الطواغيت الطواغيت، ويمثل للنصارى المسيح، ولليهود عزير. فيتبع كل قوم ~~ما كانوا يعبدون، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها "، كما سيأتي هذا الحديث ~~إن شاء الله فهؤلاء أهل الشرك الأكبر. وأما عبيد المال الذين كنزوه، وعبيد ~~الرجال الذين أطاعوهم في معاصي الله، فأولئك يعذبون عذابا دون عذاب أولئك ~~المشركين، إما في عرصات القيامة، وإما في جهنم، ومن أحب شيئا دون الله عذب ~~به. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي ~~يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254] . ~~فالكفر المطلق هو الظلم المطلق؛ ms049 ولهذا لا شفيع لأهله يوم القيامة كما نفي ~~الشفاعة في هذه الآية، وفي قوله: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى ~~الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما ~~تخفي الصدور} [غافر: 18، 19] ، وقال: {فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود ~~إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم ~~برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون فما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو ~~أن لنا كرة فنكون من المؤمنين} [الشعراء: 94: 102] . # وقوله: {إذ نسويكم} لم يريدوا به أنهم جعلوهم مساوين لله من كل وجه، فإن ~~هذا لم يقله أحد من بني آدم، ولا نقل عن قوم قط من الكفار أنهم قالوا: إن ~~هذا العالم له خالقان متماثلان، حتى المجوس القائلين [بالأصلين: النور ~~والظلمة] متفقون على أن النور خير يستحق أن يعبد ويحمد، وأن الظلمة شريرة ~~تستحق أن تذم وتلعن، واختلفوا: هل الظلمة محدثة أو قديمة؟ على قولين، وبكل ~~حال لم يجعلوها مثل النور من كل وجه. # وكذلك مشركو العرب، كانوا متفقين على أن أربابهم لم تشارك الله في خلق ~~السموات والأرض، بل كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض وما ~~بينهما، كما أخبر الله عنهم بذلك في غير آية، كقوله تعالى: {ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم ولئن سألتهم من نزل ~~من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل ~~أكثرهم لا # PageV01P064 # يعقلون} [العنكبوت: 61: 63] ، وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها ~~سبلا لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك ~~تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ~~لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان ~~الذي سخر لنا هذا ms050 وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون} [الزخرف: 9: ~~14] . وهذه الصفات من كلام الله تعالى ليست من تمام جوابهم. # وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا ~~تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله} الآيات ~~[المؤمنون: 84: 87] ، وقال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم ~~الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه ~~إن شاء وتنسون ما تشركون} [الأنعام40، 41] ، وكذلك قوله: {آلله خير أما ~~يشركون أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ~~ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن ~~جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ~~أإله مع الله} [النمل: 59: 61] ؟ ! أي: أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام ~~إنكار، وهم مقرون بأنه لم يفعل هذا إله آخر مع الله. ومن قال من المفسرين: ~~إن المراد: هل مع الله إله آخر؟ فقد غلط؛ فإنهم كانوا يجعلون مع الله آلهة ~~أخرى، كما قال تعالى: {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد} ~~[الأنعام: 19] # وقال تعالى: {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء} [هود: ~~101] # وقال تعالى عنهم: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5] # وكانوا معترفين بأن آلهتهم لم تشارك الله في خلق السموات والأرض، ولا خلق ~~شيء، بل كانوا يتخذونهم شفعاء # PageV01P065 # ووسائط كما قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] . وقال عن صاحب يس: {وما لي لا ~~أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} [يس: 22] {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن ~~الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} [يس: 23] . وقال تعالى: ~~{وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} ~~[الأنعام: 51] . وقال تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ms051 ~~ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} ~~[السجدة: 4] . # وقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} [سبأ: ~~22] # {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] فنفي عما سواه كل ما ~~يتعلق به المشركون فنفي أن يكون لغيره ملك أو قسط من الملك أو يكون عونا ~~لله ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال ~~تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] . # وقال تعالى عن الملائكة: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28] . ~~وقال: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن ~~الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26] . # فهذه [الشفاعة] التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة كما نفاها ~~القرآن. وأما ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون. فأخبر: " أنه ~~يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا. فإذا سجد وحمد ربه بمحامد ~~يفتحها عليه، يقال له: أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع. ~~فيقول: أي رب أمتي فيحد له حدا فيدخلهم الجنة. وكذلك في الثانية وكذلك في ~~الثالثة وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من ~~قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه ". # فتلك [الشفاعة] هي لأهل الإخلاص بإذن الله # PageV01P066 # ليست لمن أشرك بالله ولا تكون إلا بإذن الله. وحقيقته أن الله هو الذي ~~يتفضل على أهل الإخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافع الذي أذن له ~~أن يشفع ليكرمه بذلك وينال به المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون ~~والآخرون صلى الله عليه وسلم كما كان في الدنيا يستسقي لهم ويدعو لهم، وتلك ~~شفاعة منه لهم فكان الله يجيب دعاءه وشفاعته. # وإذا كان كذلك [فالظلم ثلاثة أنواع] : فالظلم الذي هو شرك لا شفاعة فيه. ~~وظلم الناس بعضهم ms052 بعضا لا بد فيه من إعطاء المظلوم حقه، لا يسقط حق المظلوم ~~لا بشفاعة ولا غيرها ولكن قد يعطى المظلوم من الظالم كما قد يغفر لظالم ~~نفسه بالشفاعة. # فالظالم المطلق ما له من شفيع مطاع وأما الموحد فلم يكن ظالما مطلقا بل ~~هو موحد مع ظلمه لنفسه. وهذا إنما نفعه في الحقيقة إخلاصه لله فبه صار من ~~أهل الشفاعة. ومقصود القرآن ينفي الشفاعة نفي الشرك وهو: أن أحدا لا يعبد ~~إلا الله ولا يدعو غيره ولا يسأل غيره ولا يتوكل على غيره لا في شفاعة ولا ~~غيرها، فليس له أن يتوكل على أحد في أن يرزقه وإن كان الله يأتيه برزقه ~~بأسباب. # كذلك ليس له أن يتوكل على غير الله في أن يغفر له ويرحمه في الآخرة وإن ~~كان الله يغفر له ويرحمه بأسباب من شفاعة وغيرها فالشفاعة التي نفاها ~~القرآن مطلقا، ما كان فيها شرك وتلك منتفية مطلقا، ولهذا أثبت الشفاعة ~~بإذنه في مواضع وتلك قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا ~~لأهل التوحيد والإخلاص فهي من التوحيد , ومستحقها أهل التوحيد. # وأما الظلم المقيد فقد يختص بظلم الإنسان نفسه وظلم الناس بعضهم بعضا ~~كقول آدم عليه السلام وحواء: {ربنا ظلمنا أنفسنا} [الأعراف: 23] وقول موسى ~~{رب إني ظلمت نفسي} [القصصك 16] ، وقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135] . # لكن قول آدم وموسى إخبار عن واقع لا عموم فيه وذلك قد عرف ولله الحمد أنه ~~ليس كفرا # PageV01P067 # وأما قوله {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} [آل عمران: 135] . ~~فهو نكرة في سياق الشرط يعم كل ما فيه ظلم الإنسان نفسه وهو إذا أشرك ثم ~~تاب تاب الله عليه. # وقد تقدم أن ظلم الإنسان لنفسه يدخل فيه كل ذنب كبير أو صغير مع الإطلاق ~~وقال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] فهذا ظلم لنفسه مقرون بغيره ~~فلا يدخل فيه الشرك ms053 الأكبر وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه لما أنزلت هذه ~~الآية {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] . شق ذلك على ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح إن الشرك ~~لظلم عظيم ". # والذين شق ذلك عليهم ظنوا أن الظلم المشروط هو ظلم العبد نفسه وأنه لا ~~يكون الأمن والاهتداء إلا لمن يظلم نفسه فشق ذلك عليهم فبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم لهم ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله تعالى وحينئذ فلا ~~يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانه بهذا الظلم ومن لم يلبس ~~إيمانه به كان من أهل الأمن والاهتداء كما كان من أهل الاصطفاء في قوله ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا إلى قوله جنات عدن يدخلونها وهذا لا ~~ينفي أن يؤاخذ أحدهم بظلم نفسه إذا لم يتب كما قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة 7: 8] وقال تعالى: {من ~~يعمل سوءا يجز به} [النساء: 123] # وقد سأل أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال يا رسول الله ~~وأينا لم يعمل سوءا فقال: " يا أبا بكر ألست تنصب ألست تحزن ألست تصيبك ~~اللأواء # PageV01P068 # فذلك ما تجزون به ". فبين أن المؤمن الذي إذا تاب دخل الجنة قد يجزى ~~بسيئاته في الدنيا بالمصائب التي تصيبه كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تقومها ~~تارة وتميلها أخرى ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تزال ثابتة على أصلها ~~حتى يكون انجعافها مرة واحدة ". # وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما يصيب المؤمن من وصب ~~ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها ~~من خطاياه ". # وفي حديث سعد بن أبي وقاص: " قلت يا رسول الله: أي الناس ms054 أشد بلاء قال: ~~الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان ~~في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عنه ولا يزال البلاء ~~بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة ". رواه أحمد والترمذي غيرهما ~~وقال: "المرض حطة يحط الخطايا عن صاحبه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها". ~~والأحاديث في هذا الباب كثيرة # فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة كان له الأمن التام والاهتداء التام ومن ~~لم يسلم من ظلمه نفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقا بمعنى أنه لابد أن يدخل ~~الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى. # وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة ويحصل له ~~من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه وليس مراد النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنما هو الشرك" إن من لم # PageV01P069 # يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام لاهتداء التام؛ فإن أحاديثه ~~الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم ~~الأمن التام ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، من ~~غير عذاب يحصل لهم بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط ومعهم أصل نعمة ~~الله عليهم ولابد لهم من دخول الجنة. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما هو الشرك" إن أراد به الشرك الأكبر ~~فمقصوده إن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا ~~والآخرة وهو مهتد إلى ذلك وإن كان مراده جنس الشرك فيقال ظلم العبد نفسه ~~كبخله لحب المال ببعض الواجب هو شرك أصغر وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم ~~هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك فهذا صاحبه قد فاته من الأمن ~~والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا ~~الاعتبار. # فصل # من هذا الباب لفظ [الصلاح] و [الفساد] : فإذا أطلق الصلاح تناول جميع ms055 ~~الخير وكذلك الفساد يتناول جميع الشر كما تقدم في اسم الصالح وكذلك اسم ~~المصلح والمفسد قال تعالى في قصة موسى: {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين} ~~[القصص: 19] {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين} [الأعراف: 142] . # وقال تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} ~~[البقرة: 11] {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [البقرة: 12] . ~~والضمير عائد على المنافقين في قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] وهذا مطلق يتناول من كان على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن سيكون بعدهم، ولهذا قال سلمان الفارسي: ~~إنه عنى بهذه الآية قوما لم يكونوا خلقوا حين نزولها وكذا قال السدي عن ~~أشياخه: # PageV01P070 # الفساد الكفر والمعاصي. وعن مجاهد: ترك امتثال الأوامر واجتناب النواهي. ~~والقولان معناهما واحد. وعن ابن عباس: الكفر. وهذا معنى قول من قال: النفاق ~~الذي صافوا به الكفار وأطلعوهم على أسرار المؤمنين. وعن أبي العالية ~~ومقاتل: العمل بالمعاصي. # وهذا أيضا عام كالأولين. وقولهم: {إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11] فسر ~~بإنكار ما أقروا به أي: إنا إنما نفعل ما أمرنا به الرسول. وفسر: بأن الذي ~~نفعله صلاح ونقصد به الصلاح وكلا القولين يروى عن ابن عباس وكلاهما حق ~~فإنهم يقولون هذا وهذا , يقولون: الأول لمن لم يطلع على بواطنهم. ويقولون: ~~الثاني لأنفسهم ولمن اطلع على بواطنهم. لكن الثاني يتناول الأول، فإن من ~~جملة أفعالهم إسرار خلاف ما يظهرون وهم يرون هذا صلاحا قال مجاهد: أرادوا ~~أن مصافاة الكفار صلاح لا فساد. # وعن السدي: إن فعلنا هذا هو الصلاح وتصديق محمد فساد , وقيل: أرادوا أن ~~هذا صلاح في الدنيا فإن الدولة إن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد ~~أمنوا بمتابعته وإن كانت للكفار، فقد أمنوهم بمصافاتهم. ولأجل القولين قيل ~~في قوله: {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [البقرة: 12] أي لا يشعرون ~~أن ما ms056 فعلوه فساد لا صلاح. وقيل: لا يشعرون أن الله يطلع نبيه على فسادهم. ~~والقول الأول يتناول الثاني، فهو المراد كما يدل عليه لفظ الآية. وقال ~~تعالى: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196] ~~وقال: {قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل ~~المفسدين} [يونس: 81] وقول يوسف {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: ~~101] . # وقد يقرن أحدهما بما هو أخص منه كقوله: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد ~~فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205] قيل: بالكفر ~~وقيل: بالظلم، وكلاهما صحيح وقال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا} [القصص: 83] وقد تقدم قوله تعالى: {إن ~~فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح # PageV01P071 # أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} [القصص: 4] . # وقال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس ~~أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} [المائدة: 32] وقتل النفس الأول ~~من جملة الفساد لكن الحق في القتل لولي المقتول وفي الردة والمحاربة ~~والزنا، الحق فيها لعموم الناس، ولهذا يقال: هو حق لله ولهذا لا يعفي عن ~~هذا كما يعفي عن الأول لأن فساده عام قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف} [المائدة: 33] الآية. قيل: سبب نزول هذه الآية العرنيون ~~الذين ارتدوا وقتلوا وأخذوا المال. وقيل: سببه ناس معاهدون نقضوا العهد ~~وحاربوا. وقيل: المشركون، فقد قرن بالمرتدين المحاربين وناقضي العهد ~~المحاربين وبالمشركين المحاربين. # وجمهور السلف والخلف على أنها تتناول قطاع الطريق من المسلمين والآية ~~تتناول ذلك كله، ولهذا كان من تاب قبل القدرة عليه من جميع هؤلاء فإنه يسقط ~~عنه حق الله تعالى. # وكذلك قرن [الصلاح والإصلاح بالإيمان] في مواضع كثيرة كقوله تعالى: {إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الكهف: 107] . {وما نرسل المرسلين إلا ~~مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ms057 ولا هم يحزنون} [الأنعام: 48] ~~. # ومعلوم أن الإيمان أفضل الإصلاح وأفضل العمل الصالح كما جاء في الحديث ~~الصحيح أنه " قيل: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ". وقال ~~تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} [طه: 82] . وقال: ~~{إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا} [مريم: ~~60] . وقال: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات} [الفرقان: 70] . وقال في القذف: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} [النور: 5] . وقال في # PageV01P072 # السارق: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه} [المائدة: 39] . ~~وقال: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} ~~[النساء: 16] . # ولهذا شرط الفقهاء في أحد قوليهم في قبول شهادة القاذف أن يصلح وقدروا ~~ذلك بسنة كما فعل عمر بصبيغ بن عسل لما أجله سنة , وبذلك أخذ أحمد في توبة ~~الداعي إلى البدعة أنه يؤجل سنة كما أجل عمر صبيغ بن عسل. # فصل # فإن قيل: ما ذكر من تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد في كلام الله ~~ورسوله وكلام كل أحد، بين ظاهر لا يمكن دفعه، لكن نقول: دلالة لفظ الإيمان ~~على الأعمال مجاز، فقوله صلى الله عليه وسلم: " الإيمان بضع وستون أو بضع ~~وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " ~~[مجاز] . وقوله: " الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ". . . إلى ~~آخره، حقيقة. وهذا عمدة المرجئة والجهمية والكرامية وكل من لم يدخل الأعمال ~~في اسم الإيمان. ونحن نجيب بجوابين: # أحدهما: كلام عام في لفظ [الحقيقة والمجاز] . # والثاني: ما يختص بهذا الموضع. فبتقدير أن يكون أحدهما مجازا، ما هو ~~الحقيقة من ذلك من المجاز؟ هل الحقيقة هو المطلق أو المقيد أو كلاهما حقيقة ~~حتى يعرف أن لفظ الإيمان إذا أطلق على مإذا يحمل؟ . فيقال أولا: تقسيم ~~الألفاظ الدالة على معانيها إلى [حقيقة ومجاز] وتقسيم دلالتها أو المعاني ~~المدلول عليها إن استعمل لفظ الحقيقة والمجاز في المدلول أو في الدلالة، ms058 ~~فإن هذا كله قد يقع في كلام المتأخرين. ولكن المشهور أن الحقيقة والمجاز من ~~عوارض الألفاظ وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون ~~الثلاثة لم يتكلم به أحد من # PageV01P073 # الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم ~~كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي بل ولا تكلم به أئمة اللغة ~~والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم. وأول من عرف أنه تكلم ~~بلفظ [المجاز] أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه. ولكن لم يعن بالمجاز ما ~~هو قسيم الحقيقة. وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية، ولهذا قال من ~~قال من الأصوليين - كأبي الحسين البصري وأمثاله - إنما تعرف الحقيقة من ~~المجاز بطرق منها: نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا: هذا حقيقة وهذا مجاز , ~~فقد تكلم بلا علم , فإنه ظن أن أهل اللغة قالوا: هذا ولم يقل ذلك أحد من ~~أهل اللغة ولا من سلف الأمة وعلمائها. # وإنما هذا اصطلاح حادث والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من ~~المتكلمين فإنه لم يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير ~~والحديث ونحوهم من السلف. وهذا الشافعي هو أول من جرد الكلام في [أصول ~~الفقه] لم يقسم هذا التقسيم ولا تكلم بلفظ [الحقيقة والمجاز] . # وكذلك محمد بن الحسن له في المسائل المبنية على العربية كلام معروف في ~~[الجامع الكبير] وغيره، ولم يتكلم بلفظ الحقيقة والمجاز. وكذلك سائر الأئمة ~~لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام أحمد بن حنبل، فإنه قال ~~في كتاب الرد على الجهمية في قوله: [إنا , ونحن] ونحو ذلك في القرآن: هذا ~~من مجاز اللغة يقول الرجل: إنا سنعطيك. إنا سنفعل، فذكر أن هذا مجاز اللغة. # وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال: إن في [القرآن] مجازا كالقاضي ~~أبي يعلى وابن عقيل وأبي الخطاب وغيرهم. وآخرون من أصحابه منعوا أن يكون في ~~القرآن مجاز كأبي الحسن الخرزي. وأبي عبد الله بن حامد. وأبي ms059 الفضل التميمي ~~بن أبي الحسن التميمي وكذلك منع أن يكون في القرآن مجاز محمد بن خويز منداد ~~وغيره من المالكية ومنع منه داود بن علي وابنه أبو بكر ومنذر بن سعيد ~~البلوطي وصنف فيه مصنفا. وحكى بعض الناس عن أحمد في ذلك روايتين. وأما سائر ~~الأئمة فلم يقل أحد منهم ولا من قدماء أصحاب أحمد: إن في القرآن مجازا لا ~~مالك ولا # PageV01P074 # الشافعي، ولا أبو حنيفة فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز. # إنما اشتهر في المائة الرابعة وظهرت أوائله في المائة الثالثة وما علمته ~~موجودا في المائة الثانية اللهم إلا أن يكون في أواخرها والذين أنكروا أن ~~يكون أحمد وغيره نطقوا بهذا التقسيم. قالوا: إن معنى قول أحمد: من مجاز ~~اللغة. أي: مما يجوز في اللغة أن يقول الواحد العظيم الذي له أعوان: نحن ~~فعلنا كذا ونفعل كذا ونحو ذلك. قالوا: ولم يرد أحمد بذلك أن اللفظ استعمل ~~في غير ما وضع له. وقد أنكر طائفة أن يكون في اللغة مجاز لا في القرآن ولا ~~غيره كأبي إسحاق الإسفراييني. وقال المنازعون له: النزاع معه لفظي فإنه إذا ~~سلم أن في اللغة لفظا مستعملا في غير ما وضع له لا يدل على معناه إلا ~~بقرينة، فهذا هو المجاز وإن لم يسمه مجازا. فيقول من ينصره: إن الذين قسموا ~~اللفظ: حقيقة ومجازا قالوا: [الحقيقة] هو اللفظ المستعمل فيما وضع له. ~~[والمجاز] هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له كلفظ الأسد والحمار إذا أريد ~~بهما البهيمة أو أريد بهما الشجاع والبليد. # وهذا التقسيم والتحديد يستلزم أن يكون اللفظ قد وضع أولا لمعنى ثم بعد ~~ذلك قد يستعمل في موضوعه وقد يستعمل في غير موضوعه، ولهذا كان المشهور عند ~~أهل التقسيم أن كل مجاز فلا بد له من حقيقة وليس لكل حقيقة مجاز؟ فاعترض ~~عليهم بعض متأخريهم وقال: اللفظ الموضوع قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز ~~فإذا استعمل في غير موضوعه فهو مجاز لا حقيقة له. # وهذا كله إنما يصح لو علم أن ms060 الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان ثم بعد ذلك ~~استعملت فيها، فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال. وهذا إنما صح على قول من ~~يجعل اللغات اصطلاحية فيدعي أن قوما من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن ~~يسموا هذا بكذا وهذا بكذا ويجعل هذا عاما في جميع اللغات. وهذا القول لا ~~نعرف أحدا من المسلمين قاله قبل أبي هاشم بن الجبائي، فإنه وأبا الحسن ~~الأشعري كلاهما قرأ على أبي علي الجبائي لكن الأشعري رجع عن مذهب المعتزلة ~~وخالفهم في القدر والوعيد وفي الأسماء والأحكام وفي # PageV01P075 # صفات الله تعالى وبين من تناقضهم وفساد قولهم ما هو معروف عنه. فتنازع ~~الأشعري وأبو هاشم في مبدأ اللغات، فقال أبو هاشم: هي اصطلاحية وقال ~~الأشعري: هي توقيفية. ثم خاض الناس بعدهما في هذه المسألة، فقال آخرون: ~~بعضها توقيفي وبعضها اصطلاحي وقال فريق رابع بالوقف. المقصود هنا أنه لا ~~يمكن أحدا أن ينقل عن العرب بل ولا عن أمة من الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا ~~جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة ثم استعملوها بعد الوضع وإنما المعروف ~~المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني فإن ادعى ~~مدع أنه يعلم وضعا يتقدم ذلك فهو مبطل فإن هذا لم ينقله أحد من الناس. # ولا يقال: نحن نعلم ذلك بالدليل، فإنه إن لم يكن اصطلاح متقدم لم يمكن ~~الاستعمال. قيل: ليس الأمر كذلك، بل نحن نجد أن الله يلهم الحيوان من ~~الأصوات ما به يعرف بعضها مراد بعض وقد سمي ذلك منطقا وقولا في قول سليمان: ~~{علمنا منطق الطير} [النمل: 16] . وفي قوله: {قالت نملة يا أيها النمل ~~ادخلوا مساكنكم} [النمل: 18] وفي قوله: {يا جبال أوبي معه والطير} [سبأ: ~~10] . # وكذلك الآدميون، فالمولود إذا ظهر منه التمييز سمع أبويه أو من يربيه ~~ينطق باللفظ ويشير إلى المعنى فصار يفهم أن ذلك اللفظ يستعمل في ذلك المعنى ~~أي: أراد المتكلم به ذلك المعنى ثم هذا يسمع لفظا بعد لفظ حتى يعرف لغة ~~القوم الذين نشأ بينهم من غير أن يكونوا قد ms061 اصطلحوا معه على وضع متقدم، بل ~~ولا أوقفوه على معاني الأسماء وإن كان أحيانا قد يسأل عن مسمى بعض الأشياء ~~فيوقف عليها كما يترجم للرجل اللغة التي لا يعرفها فيوقف على معاني ألفاظها ~~وإن باشر أهلها مدة علم ذلك بدون توقيف من أحدهم. # نعم قد يضع الناس الاسم لما يحدث مما لم يكن من قبلهم يعرفه فيسميه كما ~~يولد لأحدهم ولد فيسميه اسما إما منقولا وإما مرتجلا وقد يكون المسمى # PageV01P076 # واحدا لم يصطلح مع غيره وقد يستوون فيما يسمونه. # وكذلك قد يحدث للرجل آلة من صناعة أو يصنف كتابا أو يبني مدينة ونحو ذلك ~~فيسمي ذلك باسم لأنه ليس من الأجناس المعروفة حتى يكون له اسم في اللغة ~~العامة. وقد قال الله: {الرحمن} [الرحمن: 1] {علم القرآن} [الرحمن: 2] {خلق ~~الإنسان} [الرحمن: 3] {علمه البيان} [الرحمن: 4] . و {قالوا أنطقنا الله ~~الذي أنطق كل شيء} [فصلت: 21] . وقال: {الذي خلق فسوى} [الأعلى: 2] {والذي ~~قدر فهدى} [الأعلى: 3] . فهو سبحانه يلهم الإنسان المنطق كما يلهم غيره. # وهو سبحانه إذا كان قد علم آدم الأسماء كلها وعرض المسميات على الملائكة ~~كما أخبر بذلك في كتابه فنحن نعلم أنه لم يعلم آدم جميع اللغات التي يتكلم ~~بها جميع الناس إلى يوم القيامة وأن تلك اللغات اتصلت إلى أولاده فلا ~~يتكلمون إلا بها فإن دعوى هذا كذب ظاهر فإن آدم عليه السلام إنما ينقل عنه ~~بنوه وقد أغرق الله عام الطوفان جميع ذريته إلا من في السفينة وأهل السفينة ~~انقطعت ذريتهم إلا أولاد نوح ولم يكونوا يتكلمون بجميع ما تكلمت به الأمم ~~بعدهم. # فإن [اللغة الواحدة] كالفارسية والعربية والرومية والتركية فيها من ~~الاختلاف والأنواع ما لا يحصيه إلا الله , والعرب أنفسهم لكل قوم لغات لا ~~يفهمها غيرهم فكيف يتصور أن ينقل هذا جميعه عن أولئك الذين كانوا في ~~السفينة وأولئك جميعهم لم يكن لهم نسل وإنما النسل لنوح وجميع الناس من ~~أولاده وهم ثلاثة: سام وحام ويافث كما قال الله تعالى: {وجعلنا ذريته هم ~~الباقين} . فلم يجعل باقيا إلا ذريته ms062 وكما روي ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: [أن أولاده ثلاثة] . رواه أحمد وغيره. # ومعلوم أن الثلاثة لا يمكن أن ينطقوا بهذا كله # PageV01P077 # ويمتنع نقل ذلك عنهم، فإن الذين يعرفون هذه اللغة لا يعرفون هذه , وإذا ~~كان الناقل ثلاثة، فهم قد علموا أولادهم , وأولادهم علموا أولادهم , ولو ~~كان كذلك لاتصلت. # ونحن نجد بني الأب الواحد يتكلم كل قبيلة منهم بلغة لا تعرفها الأخرى ~~والأب واحد , لا يقال: إنه علم أحد ابنيه لغة وابنه الآخر لغة، فإن الأب قد ~~لا يكون له إلا ابنان واللغات في أولاده أضعاف ذلك. # والذي أجرى الله عليه عادة بني آدم أنهم إنما يعلمون أولادهم لغتهم التي ~~يخاطبونهم بها، أو يخاطبهم بها غيرهم فأما لغات لم يخلق الله من يتكلم بها ~~فلا يعلمونها أولادهم. # وأيضا فإنه يوجد بنو آدم يتكلمون بألفاظ ما سمعوها قط من غيرهم. والعلماء ~~من المفسرين وغيرهم لهم في الأسماء التي علمها الله آدم قولان معروفان عن ~~السلف. # أحدهما: أنه إنما علمه أسماء من يعقل واحتجوا بقوله: {ثم عرضهم على ~~الملائكة} [البقرة: 31] . قالوا: وهذا الضمير لا يكون إلا لمن يعقل , وما ~~لا يعقل يقال فيها: عرضها. ولهذا قال أبو العالية: علمه أسماء الملائكة ~~لأنه لم يكن حينئذ من يعقل إلا الملائكة، ولا كان إبليس قد انفصل عن ~~الملائكة ولا كان له ذرية. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: علمه أسماء ذريته وهذا يناسب الحديث ~~الذي رواه الترمذي وصححه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن آدم سأل ربه أن ~~يريه صور الأنبياء من ذريته، فرآهم فرأى فيهم من يبص. فقال: يا رب من هذا؟ ~~قال: ابنك داود ". فيكون قد أراه صور ذريته أو بعضهم وأسماءهم وهذه أسماء ~~أعلام لا أجناس. # والثاني: أن الله علمه أسماء كل شيء وهذا هو قول الأكثرين كابن عباس ~~وأصحابه، قال ابن عباس: علمه حتى الفسوة والفسية والقصعة والقصيعة # PageV01P078 # أراد أسماء الأعراض والأعيان مكبرها ومصغرها. # والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ms063 وسلم أنه قال ~~في حديث الشفاعة: " إن الناس يقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ~~ونفخ فيك من روحه وعلمك أسماء كل شيء ". # وأيضا قوله: {الأسماء كلها} [البقرة: 31] لفظ عام مؤكد، فلا يجوز تخصيصه ~~بالدعوى. وقوله: {ثم عرضهم على الملائكة} [البقرة: 31] ، لأنه اجتمع من ~~يعقل ومن لا يعقل فغلب من يعقل. كما قال: {فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من ~~يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع} [النور: 45] . قال عكرمة: علمه ~~أسماء الأجناس دون أنواعها كقولك: إنسان وجن وملك وطائر. وقال مقاتل وابن ~~السائب وابن قتيبة: علمه أسماء ما خلق في الأرض من الدواب والهوام والطير. # ومما يدل على أن هذه اللغات ليست متلقاة عن آدم، أن أكثر اللغات ناقصة عن ~~اللغة العربية ليس عندهم أسماء خاصة للأولاد والبيوت والأصوات وغير ذلك مما ~~يضاف إلى الحيوان، بل إنما ستعملون في ذلك الإضافة. # فلو كان آدم عليه السلام علمها الجميع لعلمها متناسبة , وأيضا فكل أمة ~~ليس لها كتاب ليس في لغتها أيام الأسبوع , وإنما يوجد في لغتها اسم اليوم ~~والشهر والسنة؛ لأن ذلك عرف بالحس والعقل، فوضعت له الأمم الأسماء، لأن ~~التعبير يتبع التصور. # وأما الأسبوع فلم يعرف إلا بالسمع , لم يعرف أن الله خلق السموات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش إلا بأخبار الأنبياء الذين شرع ~~لهم أن يجتمعوا في الأسبوع يوما يعبدون الله فيه ويحفظون به الأسبوع الأول ~~الذي بدأ الله فيه خلق هذا العالم، ففي لغة العرب والعبرانيين , ومن تلقى ~~عنهم , أيام الأسبوع، بخلاف الترك ونحوهم، فإنه ليس في لغتهم أيام الأسبوع ~~لأنهم لم يعرفوا ذلك فلم يعبروا عنه. فعلم أن الله ألهم النوع الإنساني أن ~~يعبر عما يريده ويتصوره بلفظه وأن أول من علم ذلك أبوهم آدم # PageV01P079 # وهم علموا كما علم وإن اختلفت اللغات. قد أوحى الله إلى موسى بالعبرانية ~~وإلى محمد بالعربية، والجميع كلام الله , وقد بين الله بذلك ما أراد من ~~خلقه وأمره , وإن كانت هذه اللغة ليست ms064 الأخرى , مع أن العبرانية من أقرب ~~اللغات إلى العربية حتى إنها أقرب إليها من لغة بعض العجم إلى بعض. # فبالجملة نحن ليس غرضنا إقامة الدليل على عدم ذلك، بل يكفينا أن يقال: ~~هذا غير معلوم وجوده بل الإلهام كاف في النطق باللغات من غير مواضعة ~~متقدمة، وإذا سمى هذا توقيفا، فليسم توقيفا وحينئذ فمن ادعى وضعا متقدما ~~على استعمال جميع الأجناس، فقد قال ما لا علم له به. وإنما المعلوم بلا ريب ~~هو الاستعمال. # ثم هؤلاء يقولون تتميز الحقيقة من المجاز بالاكتفاء باللفظ فإذا دل اللفظ ~~بمجرده فهو حقيقة وإذا لم يدل إلا مع القرينة فهو مجاز وهذا أمر متعلق ~~باستعمال اللفظ في المعنى لا بوضع متقدم. # ثم يقال ثانيا: هذا التقسيم لا حقيقة له وليس لمن فرق بينهما حد صحيح ~~يميز به بين هذا وهذا فعلم أن هذا التقسيم باطل وهو تقسيم من لم يتصور ما ~~يقول بل يتكلم بلا علم فهم مبتدعة في الشرع مخالفون للعقل وذلك أنهم قالوا: ~~الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له والمجاز هو المستعمل في غير ما وضع له ~~احتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال وهذا يتعذر ثم يقسمون ~~الحقيقة إلى لغوية وعرفية وأكثرهم يقسمها إلى ثلاث لغوية وشرعية وعرفية. # فالحقيقة العرفية هي ما صار اللفظ دالا فيها على المعنى بالعرف لا ~~باللغة، وذلك المعنى يكون تارة أعم من اللغوي وتارة أخص وتارة يكون مباينا ~~له لكن بينهما علاقة استعمل لأجلها. # فالأول مثل لفظ الرقبة والرأس ونحوهما كان يستعمل في العضو المخصوص ثم ~~صار يستعمل في جميع البدن. # والثاني مثل لفظ الدابة ونحوها كان يستعمل في كل ما دب ثم صار يستعمل في ~~عرف بعض الناس في ذوات الأربع وفي عرف بعض الناس في الفرس وفي عرف بعضهم في ~~الحمار. # والثالث مثل لفظ الغائط والظعينة والراوية والمزادة # PageV01P080 # فان الغائط في اللغة هو المكان المنخفض من الأرض فلما كانوا ينتابونه ~~لقضاء حوائجهم سموا ما يخرج من الإنسان باسم محله والظعينة اسم الدابة ثم ~~سموا ms065 المرأة التي تركبها باسمها ونظائر ذلك والمقصود أن هذه الحقيقة ~~العرفية لم تصر حقيقة لجماعة تواطئوا على نقلها ولكن تكلم بها بعض الناس ~~وأراد بها ذلك المعنى العرفي ثم شاع الاستعمال فصارت حقيقة عرفية بهذا ~~الاستعمال؛ ولهذا زاد من زاد منهم في حد الحقيقة في اللغة التي بها التخاطب ~~ثم هم يعلمون ويقولون: إنه قد يغلب الاستعمال على بعض الألفاظ، فيصير ~~المعنى العرفي أشهر فيه ولا يدل عند الإطلاق إلا عليه، فتصير الحقيقة ~~العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية واللفظ مستعمل في هذا الاستعمال الحادث ~~للعرفي وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك تقدم وضع فعلم أن ~~تفسير الحقيقة بهذا لا يصح وإن قالوا نعني بما وضع له ما استعملت فيه أولا، ~~فيقال: من أين يعلم أن هذه الألفاظ التي كانت العرب تتخاطب بها عند نزول ~~القرآن وقبله لم تستعمل قبل ذلك في معنى شيء آخر وإذا لم يعلموا هذا النفي ~~فلا يعلم أنها حقيقة وهذا خلاف ما اتفقوا عليه وأيضا فيلزم من هذا أن لا ~~يقطع بشيء من الألفاظ أنه حقيقة وهذا لا يقوله عاقل. # ثم هؤلاء الذين يقولون هذا نجد أحدهم يأتي إلى ألفاظ لم يعلم أنها ~~استعملت إلا مقيدة فينطق بها مجردة عن جميع القيود ثم يدعي أن ذلك هو ~~حقيقتها من غير أن يعلم أنها نطق بها مجردة ولا وضعت مجردة مثل أن يقول: ~~حقيقة العين هو العضو المبصر ثم سميت به عين الشمس والعين النابعة وعين ~~الذهب للمشابهة لكن أكثرهم يقولون إن هذا من باب المشترك لا من باب الحقيقة ~~والمجاز فيمثل بغيره مثل لفظ الرأس يقولون: هو حقيقة في رأس الإنسان ثم ~~قالوا: رأس الدرب لاوله ورأس العين لمنبعها ورأس القوم لسيدهم ورأس الأمر ~~لأوله ورأس الشهر ورأس الحول وأمثال ذلك على طريق المجاز وهم لا يجدون قط ~~أن لفظ الرأس استعمل مجردا بل يجدون أنه استعمل بالقيود في رأس الإنسان ~~كقوله # PageV01P081 # تعالى: {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: 6] ونحوه. # وهذا القيد يمنع ms066 أن تدخل فيه تلك المعاني فإذا قيل رأس العين ورأس الدرب ~~ورأس الناس ورأس الأمر فهذا المقيد غير ذاك المقيد الدال ومجموع اللفظ ~~الدال هنا غير مجموع اللفظ الدال هناك لكن اشتركا في بعض اللفظ كاشتراك كل ~~الأسماء المعرفة في لام التعريف ولو قدر أن الناطق باللغة نطق بلفظ رأس ~~الإنسان. # أولا: لأن الإنسان يتصور رأسه قبل غيره والتعبير أولا هو عما يتصور أولا ~~فالنطق بهذا المضاف أولا لا يمنع أن ينطق به مضافا إلى غيره. # ثانيا: ولا يكون هذا من المجاز كما في سائر المضافات فإذا قيل: ابن آدم ~~أولا لم يكن قولنا ابن الفرس وابن الحمار مجازا وكذلك إذا قيل بنت الإنسان ~~لم يكن قولنا بنت الفرس مجازا وكذلك إذا قيل: رأس الإنسان أولا لم يكن ~~قولنا: رأس الفرس مجازا وكذلك في سائر المضافات إذا قيل: يده أو رجله فإذا ~~قيل هو حقيقة فيما أضيف إلى الحيوان قيل ليس جعل هذا هو الحقيقة بأولى من ~~أن يجعل ما أضيف إلى الإنسان رأس ثم قد يضاف إلى ما لا يتصوره أكثر الناس ~~من الحيوانات الصغار التي لم تخطر ببال عامة الناطقين باللغة فإذا قيل: إنه ~~حقيقة في هذا فلمإذا لا يكون حقيقة في رأس الجبل والطريق والعين وكذلك سائر ~~ما يضاف إلى الإنسان من أعضائه وأولاده ومساكنه يضاف مثله إلى غيره ويضاف ~~ذلك إلى الجمادات فيقال رأس الجبل ورأس العين وخطم الجبل أي أنفه وفم ~~الوادي وبطن الوادي وظهر الجبل وبطن الأرض وظهرها ويستعمل مع الألف وهو لفظ ~~الظاهر والباطن في أمور كثيرة والمعنى في الجميع أن الظاهر لما لما ظهر ~~فتبين والباطن لما بطن فخفي وسمى ظهر الإنسان ظهرا لظهوره وبطن الإنسان ~~بطنا لبطونه. # فإذا قيل: إن هذا حقيقة وذاك مجاز لم يكن هذا أولى من العكس وأيضا من ~~الأسماء ما تكلم به أهل اللغة مفردا كلفظ الإنسان ونحوه ثم قد يستعمل مقيدا ~~بالإضافة كقولهم إنسان العين وإبرة الذراع ونحو ذلك وبتقدير أن # PageV01P082 # يكون في اللغة حقيقة ومجاز ms067 فقد ادعى بعضهم أن هذا من المجاز؛ وهو غلط فان ~~المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا وهنا لم يستعمل اللفظ بل ~~ركب مع لفظ آخر فصار وضعا آخر بالإضافة. # فلو استعمل مضافا في معنى ثم استعمل بتلك الإضافة في غيره كان مجازا بل ~~إذا كان بعلبك وحضرموت، ونحوهما مما يركب تركيب مزج بعد أن كان الأصل فيه ~~الإضافة، لا يقال إنه مجاز فما لم ينطق به إلا مضافا أولى أن لا يكون مجازا ~~وأما من فرق بين الحقيقة والمجاز بأن الحقيقة ما يفيد المعنى مجردا عن ~~القرائن والمجاز ما لا يفيد ذلك المعنى إلا مع قرينه أو قال الحقيقة ما ~~يفيده اللفظ المطلق والمجاز ما لا يفيد إلا مع التقييد أو قال الحقيقة هي ~~المعنى الذي يسبق إلى الذهن، عند الإطلاق والمجاز ما لا يسبق إلى الذهن، أو ~~قال المجاز ما صح نفيه والحقيقة ما لا يصح نفيها، فإنه يقال: ما تعني ~~بالتجريد عن القرائن والاقتران بالقرائن إن عنى بذلك القرائن اللفظية مثل ~~كون الاسم يستعمل مقرونا بالإضافة أو لام التعريف ويقيد بكونه فاعلا ~~ومفعولا ومبتدأ وخبرا، فلا يوجد قسط في الكلام المؤلف اسم إلا مقيدا، وكذلك ~~الفعل إن عنى بتقييده أنه لابد له من فاعل وقد يقيد بالمفعول به وظرفي ~~الزمان والمكان والمفعول له ومعه والحال فالفعل لا يستعمل قط إلا مقيدا، ~~وأما الحرف فأبلغ فإن الحرف أتي به لمعنى في غيره ففي الجملة لا يوجد قط في ~~كلام تام اسم ولا فعل ولا حرف إلا مقيدا بقيود تزيل عنه الإطلاق فإن كانت ~~القرينة مما يمنع الإطلاق عن كل قيد فليس في الكلام الذي يتكلم به جميع ~~الناس لفظ مطلق عن كل قيد سواء كانت الجملة اسمية أو فعلية. ولهذا كان لفظ ~~[الكلام] و [الكلمة] في لغة العرب بل وفي لغة غيرهم لا تستعمل الا في ~~المقيد وهو الجملة التامة اسمية كانت أو فعلية، أو ندائية ان قيل انها قسم ~~ثالث. # فأما مجرد الاسم أو ms068 الفعل أو الحرف الذي جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فهذا ~~لا يسمى في كلام العرب قط كلمة وانما تسمية هذا كلمة اصطلاح نحوى # PageV01P083 # كما سموا بعض الألفاظ فعلا وقسموه إلى فعل ماض ومضارع وأمر والعرب لم تسم ~~قط اللفظ فعلا بل النحاة اصطلحوا على هذا فسموا اللفظ باسم مدلوله فاللفظ ~~الدال على حدوث فعل في زمن ماض سموه فعلا ماضيا وكذلك سائرها. # وكذلك حيث وجد في الكتاب والسنة بل وفي كلام العرب نظمه ونثره لفظ كلمة ~~فانما يراد به المفيد التى تسميها النحاة جملة تامة كقوله تعالى وينذر ~~الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج ~~من أفواههم ان يقولون الا كذبا وقوله تعالى: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ~~وكلمة الله هي العليا} [التوبة: 40] ، وقوله تعالى: {تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] ، وقوله: {وجعلها كلمة باقية في عقبه} ~~[الزخرف: 28] ، وقوله: {وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها} ~~[الفتح: 26] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أصدق كلمة قالها الشاعر ~~كلمة لبيد: # ألا كل شىء ما خلا الله باطل" # PageV01P084 # وقوله: " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى ~~الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم "، وقوله: " ان الرجل ليتكلم ~~بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه ~~إلى يوم القيامة وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ~~ما بلغت يكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة "، وقوله: " لقد قلت بعدك أربع ~~كلمات لو وزنت بما قلته منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله عدد خلقه سبحان الله ~~زنة عرشه سبحان الله رضا نفسه سبحان الله مداد كلماته "، وإذا كان كل اسم ~~أو فعل أو حرف يوجد في الكلام فإنه مقيد لا مطلق لم يجز أن يقال للفظ ~~الحقيقة ما دل مع الإطلاق والتجرد عن كل قرينة تقارنه. # فان قيل: أريد بعض القرائن دون بعض قيل له أذكر الفصل بين القرينة ms069 التى ~~يكون معها حقيقة والقرينة التى يكون معها مجاز ولن تجد إلى ذلك سبيلا تقدر ~~به على تقسيم صحيح معقول. ومما يدل على ذلك أن الناس اختلفوا في [العام] ~~إذا خص هل يكون استعماله فيما بقى حقيقة أو مجازا وكذلك لفظ [الأمر] إذا ~~أريد به الندب، هل يكون حقيقة أو مجازا وفي ذلك قولان لأكثر الطوائف: ~~لأصحاب أحمد قولان، ولأصحاب الشافعى قولان، ولأصحاب مالك قولان. # ومن الناس من ظن أن هذا الخلاف يطرد في التخصيص المتصل كالصفة، والشرط ~~والغاية والبدل، وجعل يحكى في ذلك أقوال من يفصل كما يوجد في كلام طائفة من ~~المصنفين في أصول الفقه وهذا مما يعرف أن أحدا قاله فجعل اللفظ العام ~~المقيد في الصفات والغايات والغايات والشروط مجازا؛ بل لما أطلق بعض ~~المصنفين أن اللفظ العام إذا خص يصير مجازا ظن هذا الناقل أنه عنى التخصيص ~~المتصل وأولئك لم يكن في اصطلاحهم عام مخصوص الا إذا خص # PageV01P086 # بمنفصل وأما المتصل فلا يسمون اللفظ عاما مخصوصا البتة فانه لم يدل الا ~~متصلا والاتصال منعه العموم وهذا اصطلاح كثير من الأصوليين وهو الصواب لا ~~يقال لما قيد بالشرط والصفة ونحوهما أنه داخل فيما خص من العموم ولا في ~~العام المخصوص # لكن يقيد فيقال: تخصيص متصل وهذا المقيد لا يدخل في التخصيص المطلق. # وبالجملة فيقال: إذا كان هذا مجازا فيكون تقييد الفعل المطلق بالمفعول به ~~وبظرف الزمان والمكان مجازا وكذلك بالحال وكذلك كل ما قيد بقيد فيلزم أن ~~يكون الكلام كله مجازا فأين الحقيقة؟ # فان قيل: يفرق بين القرائن المتصلة والمنفصلة فما كان مع القرينة المتصلة ~~فهو حقيقة، وما كان مع المنفصلة كان مجازا؛ قيل: تعنى بالمتصل ما كان في ~~اللفظ أو ما كان موجودا حين الخطاب فان عنيت الأول لزم أن يكون ما علم من ~~حال المتكلم أو المستمع أولا قرينة منفصلة فما استعمل بلام التعريف لما ~~يعرفانه كما يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند المسلمين رسول الله ~~أو قال الصديق، وهو عندهم أبو ms070 بكر وإذا قال الرجل لصاحبه: اذهب إلى الأمير ~~أو القاضى أو الوالى يريد ما يعرفانه أنه يكون مجازا وكذلك الضمير يعود إلى ~~معلوم غير مذكور كقوله: {إنا أنزلناه} [القدر: 1] ، وقوله: {حتى توارت ~~بالحجاب} [ص: 32] ، وأمثال ذلك، أن يكون هذا مجازا وهذا لا يقوله أحد. # و [أيضا] فإذا قال لشجاع: هذا الأسد فعل اليوم كذا، ولبليد: هذا الحمار ~~قال اليوم كذا، أو لعالم أو جواد: هذا البحر جرى منه اليوم كذا، أن يكون ~~حقيقة لأن قوله هذا قرينة لفظية، فلا يبقى قط مجازا. # وإن قال: المتصل أعم من ذلك وهو ما كان موجودا حين الخطاب قيل له فهذا ~~أشد عليك من الأول فان كل متكلم بالمجاز لابد أن يقترن به حال الخطاب ما ~~يبين مراده والا لم يجز التكلم به. # فان قيل: أنا أجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة # قيل: أكثر الناس لا يجوزون أن يتكلم بلفظ يدل على معنى وهو لا يريد ذلك ~~المعنى الا # PageV01P087 # إذا بين وانما يجوزون تأخير بيان ما لم يدل اللفظ عليه كالمجملات. ثم ~~نقول: إذا جوزت تأخير البيان فالبيان قد يحصل بجملة تامة وبأفعال من الرسول ~~وبغير ذلك ولا يكون البيان المتأخر الا مستقلا بنفسه لا يكون مما يجب ~~اقترانه بغيره فان جعلت هذا مجازا لزم أن يكون ما يحتاج في العمل إلى بيان ~~مجازا، كقوله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] . # ثم يقال: هب إن هذا جائز عقلا لكن ليس واقعا في الشريعة أصلا وجميع ما ~~يذكر من ذلك باطل كما قد بسط في موضعه فان الذين قالوا: الظاهر الذي لم يرد ~~به ما يدل عليه ظاهره قد يؤخر بيانه احتجوا بقوله: {إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] . وادعوا أنها كانت معينة وأخر بيان التعيين. ~~وهذا خلاف ما استفاض عن السلف من الصحابة والتابعين لهم باحسان من أنهم ~~أمروا ببقرة مطلقة فلو أخذوا بقرة من البقر فذبحوها، أجزأ # عنهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم. والآية نكرة في سياق ms071 الاثبات، فهي ~~مطلقة والقرآن يدل سياقه على أن الله ذمهم على السؤال بما هى ولو كان ~~المأمور به معينا لما كانوا ملومين ثم إن مثل هذا لم يقع قط في أمر الله ~~ورسوله أن يأمر عباده بشىء معين ويبهمه عليهم مرة بعد مرة ولا يذكره بصفات ~~تختص به ابتداء. # واحتجوا بأن الله أخر بيان لفظ الصلاة والزكاة والحج وان هذه الالفاظ لها ~~معان في اللغة بخلاف الشرع وهذا غلط فان الله انما أمرهم بالصلاة بعد أن ~~عرفوا المأمور به وكذلك الصيام، وكذلك الحج، ولم يؤخر الله قط بيان شىء من ~~هذه المأمورات ولبسط هذه المسألة موضع آخر. # وأما قول من يقول ان الحقيقة ما يسبق إلى الذهن عند الاطلاق فمن أفسد ~~الأقوال فانه يقال إذا كان اللفظ لم ينطق به الا مقيدا فانه يسبق إلى الذهن ~~في كل موضع منه ما دل عليه ذلك الموضع واما إذا اطلق فهو لا يستعمل في ~~الكلام مطلقا قط فلم يبق له حال اطلاق محض حتى يقال ان الذهن يسبق اليه أم ~~لا. # PageV01P088 # و [أيضا] فأى ذهن فإن العربى الذي يفهم كلام العرب يسبق إلى ذهنه من ~~اللفظ ما لا يسبق إلى ذهن النبطى الذي صار يستعمل الألفاظ في غير معانيها ~~ومن هنا غلط كثير من الناس فانهم قد تعودوا ما اعتادوه اما من خطاب عامتهم ~~واما من خطاب علمائهم باستعمال اللفظ في معنى فإذا سمعوه في القرآن والحديث ~~ظنوا أنه مستعمل في ذلك المعنى فيحملون كلام الله ورسوله على لغتهم النبطية ~~وعادتهم الحادثة وهذا مما دخل به الغلط على طوائف بل الواجب أن تعرف اللغة ~~والعادة والعرف الذي نزل في القرآن والسنة وما كان الصحابة يفهمون من ~~الرسول عند سماع تلك الألفاظ فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ~~ورسوله لا بما حدث بعد ذلك. وأيضا فقد بينا في غير هذا الموضع أن الله ~~ورسوله لم يدع شيئا من القرآن والحديث الا بين معناه للمخاطبين ولم يحوجهم ~~إلى شىء آخر كما قد بسطنا القول ms072 فيه في غير هذا الموضع فقد تبين أن ما ~~يدعيه هؤلاء من اللفظ المطلق من جميع القيود لا يوجد الا مقدرا في الأذهان ~~لا موجودا في الكلام المستعمل كما أن ما يدعيه المنطقيون من المعنى المطلق ~~من جميع القيود لا يوجد الا مقدرا في الذهن لا يوجد في الخارج شىء موجود ~~خارج عن كل قيد ولهذا كان ما يدعونه من تقسيم العلم إلى تصور وتصديق وان ~~التصور هو تصور المعنى الساذج الخإلى عن كل قيد لا يوجد وكذلك ما يدعونه من ~~البسائط التى تتركب منها الأنواع وأنها أمور مطلقة عن كل قيد لا توجد وما ~~يدعونه من أن واجب الوجود هو وجود مطلق عن كل أمر ثبوتى لا يوجد. # فهذه الصفات المطلقات عن جميع القيود ينبغى معرفتها لمن ينظر في هذه ~~العلوم فانه بسبب ظن وجودها ضل طوائف في العقليات والسمعيات بل إذا قال ~~العلماء مطلق ومقيد انما يعنون به مطلقا عن ذلك القيد ومقيد بذلك القيد كما ~~يقولون الرقبة مطلقة في آية كفارة اليمين ومقيدة في آية القتل أى مطلقة عن ~~قيد الإيمان، والا فقد قيل: {فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] ، فقيدت بأنها ~~رقبة واحدة وأنها موجودة وأنها تقبل التحرير والذين يقولون بالمطلق المحض ~~يقولون هو # PageV01P089 # الذي لا يتصف بوحدة ولا كثرة ولا وجود ولا عدم ولا غير ذلك بل هو الحقيقة ~~من حيث هى هى كما يذكره الرازى تلقيا له عن ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة ~~وقد بسطنا الكلام في هذا الاطلاق والتقيد والكليات والجزئيات في مواضع غير ~~هذا وبينا من غلط هؤلاء في ذلك ما ليس هذا موضعه. # وإنما المقصود هنا الاطلاق اللفظى وهو أن يتكلم باللفظ مطلقا عن كل قيد ~~وهذا لا وجود له وحينئذ فلا يتكلم أحد الا بكلام مؤلف مقيد مرتبط بعضه ببعض ~~فتكون تلك قيود ممتنعة الاطلاق فتبين أنه ليس لمن فرق بين الحقيقة والمجاز ~~فرق معقول يمكن به التمييز بين نوعين فعلم أن هذا التقسيم باطل وحينئذ فكل ~~لفظ موجود في كتاب الله ورسوله ms073 فانه مقيد بما يبين معناه فليس في شىء من ~~ذلك مجاز بل كله حقيقة ولهذا لما ادعى كثير من المتأخرين أن في القرآن ~~مجازا وذكروا ما يشهد لهم رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه. # فمن اشهر ما ذكروه قوله تعالى: {جدارا يريد أن ينقض} [الكهف: 77] . ~~قالوا: والجدار ليس بحيوان، والارادة انما تكون للحيوان فاستعمالها في ميل ~~الجدار مجاز فقيل لهم لفظ الارادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور ~~وهو ميل الحى وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد وهو من مشهور ~~اللغة يقال هذا السقف يريد أن يقع وهذه الأرض تريد أن تحرث وهذا الزرع يريد ~~أن يسقى وهذا الثمر يريد أن يقطف وهذا الثوب يريد أن يغسل وأمثال ذلك. # واللفظ إذا استعمل في معنيين فصاعدا فاما أن يجعل حقيقة في أحدهما مجازا ~~في الآخر أو حقيقة فيما يختص به كل منهما فيكون مشتركا اشتراكا لفظيا أو ~~حقيقة في القدر المشترك بينهما وهى الأسماء المتواطئة وهى الأسماء العامة ~~كلها وعلى الأول يلزم المجاز وعلى الثاني يلزم الاشتراك وكلاهما خلاف الأصل ~~فوجب أن يجعل من المتواطئة وبهذا يعرف عموم الأسماء العامة كلها والا فلو ~~قال قائل هو في ميل الجماد حقيقة وفي ميل # PageV01P090 # الحيوان مجاز لم يكن بين الدعويين فرق الا كثرة الاستعمال في ميل الحيوان ~~لكن يستعمل مقيدا بما يبين أنه أريد به ميل الحيوان وهنا استعمل مقيدا بما ~~يبين أنه أريد به ميل الجماد والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة ~~أمر كلى عام لا يوجد كليا عاما الا في الذهن وهو مورد التقسيم بين الأنواع ~~لكن ذلك المعنى العام الكلي كان أهل اللغة لا يحتاجون إلى التعبير عنه ~~لأنهم إنما يحتاجون إلى ما يوجد في الخارج وإلى ما يوجد في القلوب في ~~العادة وما لا يكون في الخارج إلا مضافا إلى غيره لا يوجد في الذهن مجردا ~~بخلاف لفظ الإنسان والفرس فانه لما كان يوجد في الخارج غير مضاف تعودت ~~الأذهان تصور مسمى الإنسان ومسمى ms074 الفرس بخلاف تصور مسمى الإرادة ومسمى ~~العلم ومسمى القدرة ومسمى الوجود المطلق العام فان هذا لا يوجد له في اللغة ~~لفظ مطلق يدل عليه بل لا يوجد لفظ الارادة الا مقيدا بالمريد ولا لفظ العلم ~~الا مقيدا بالعالم ولا لفظ القدرة الا مقيدا بالقادر بل وهكذا سائر الأعراض ~~لما لم توجد الا في محالها مقيدة بها لم يكن لها في اللغة لفظ الا كذلك. # فلا يوجد في اللغة لفظ السواد والبياض والطول والقصر إلا مقيدا بالأسود ~~والأبيض والطويل والقصير ونحو ذلك؛ لا مجردا عن كل قيد وإنما يوجد مجردا في ~~كلام المصنفين في اللغة، لأنهم فهموا من كلام أهل اللغة ما يريدون به من ~~القدر المشترك، ومنه قوله تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} [النحل: ~~112] ، فإن من الناس من يقول: الذوق حقيقة في # الذوق بالفم واللباس بما يلبس على البدن، وانما استعير هذا وهذا وليس ~~كذلك بل قال الخليل الذوق في لغة العرب هو وجود طعم الشىء والاستعمال يدل ~~على ذلك قال تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} ~~[السجدة: 21] ، وقال: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} [الدخان: 49] ، وقال: ~~{فذاقت وبال أمرها} [الطلاق: 9] ، وقال: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} ~~[آل عمران: 106] ، {فذوقوا # PageV01P091 # عذابي ونذر} [القمر: 39] ، {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} ~~[الدخان: 56] ، {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا} [النبأ: ~~24، 25] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ~~ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا " وفي بعض الأدعية " أذقنا برد عفوك ~~وحلاوة مغفرتك ". # فلفظ [الذوق] يستعمل في كل ما يحس به ويجد ألمه أو لذته فدعوى المدعى ~~اختصاص لفظ الذوق بما يكون بالفم تحكم منه، لكن ذاك مقيد فيقال: ذقت الطعام ~~وذقت هذا الشراب؛ فيكون معه من القيود ما يدل على أنه ذوق بالفم وإذا كان ~~الذوق مستعملا فيما يحسه الانسان بباطنه أو بظاهره حتى الماء الحميم يقال: ~~ذاقه فالشراب إذا كان باردا أو حارا يقال: ذقت حره وبرده. وأما لفظ ~~[اللباس] فهو مستعمل في ms075 كل ما يغشى الانسان ويلتبس به، قال تعالى: {وجعلنا ~~الليل لباسا} [النبأ: 11] . وقال: {ولباس التقوى ذلك خير} [الأعراف: 26] . ~~وقال: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} [البقرة: 187] . ومنه يقال لبس الحق ~~بالباطل إذا خلطه به حتى غشيه فلم يتميز فالجوع الذي يشمل ألمه جميع الجائع ~~نفسه وبدنه وكذلك الخوف الذي يلبس البدن فلو قيل: فأذاقها الله الجوع ~~والخوف. لم يدل ذلك على أنه شامل لجميع أجزاء الجائع بخلاف ما إذا قيل: ~~لباس الجوع والخوف ولو قال فألبسهم لم يكن فيه ما يدل على أنهم ذاقوا ما ~~يؤلمهم الا بالعقل من حيث أنه يعرف أن الجائع الخائف يألم بخلاف لفظ ذوق ~~الجوع والخوف فان هذا اللفظ يدل على الاحساس بالمؤلم وإذا أضيف إلى الملذ: ~~دل على الاحساس به، كقوله صلى الله عليه وسلم: " ذاق طعم الإيمان من رضي ~~بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ". # فان قيل: فلم لم يصف نعيم الجنة بالذوق قيل لأن الذوق يدل على جنس ~~الاحساس ويقال: ذاق الطعام لمن وجد طعمه وان لم يأكله وأهل الجنة # PageV01P092 # نعيمهم كامل تام لا يقتصر فيه على الذوق، بل استعمل لفظ الذوق في النفي ~~كما قال عن أهل النار: {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا} [النبأ: 24] ؛ أى ~~لا يحصل لهم من ذلك ولا ذوق. وقال عن أهل الجنة: {لا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الأولى} [الدخان: 56] . # وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن كلفظ المكر والاستهزاء والسخرية ~~المضاف إلى الله وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز وليس كذلك ~~بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلما له وأما ~~إذا فعلت بمن فعلها بالمجنى عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلا كما قال ~~تعالى كذلك كدنا ليوسف فكاد له كما كادت اخوته لما قال له أبوه لا تقصص ~~رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيدا وقال تعالى: {إنهم يكيدون كيدا وأكيد ~~كيدا} [الطارق: 15، 16] ، وقال تعالى: {ومكروا مكراومكرنا مكرا وهم لا ~~يشعرون فانظر كيف ms076 كان عاقبة مكرهم} [النمل: 50، 51] ، وقال تعالى: {الذين ~~يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون ~~منهم سخر الله منهم} [التوبة: 79] ، ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلا يستحق ~~هذا الاسم كما روى عن ابن عباس أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار ~~فيسرعون اليه فيغلق ثم يفتح لهم باب آخر فيسرعون اليه فيغلق فيضحك منهم ~~المؤمنون؛ قال تعالى: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ~~ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} [المطففين: 34: 36] . # وعن الحسن البصرى إذا كان يوم القيامة خمدت النار لهم كما تخمد الاهالة ~~من القدر فيمشون فيخسف بهم وعن مقاتل إذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له ~~باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب فيبقون في الظلمة فيقال لهم ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا وقال بعضهم استهزاؤه استدراجه لهم وقيل ايقاع ~~استهزائهم ورد خداعهم ومكرهم عليهم وقيل: # PageV01P093 # انه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة وقيل هو تجهيلهم وتخطئتهم ~~فيما فعلوه وهذا كله حق وهو استهزاء بهم حقيقة. # ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز في القرآن: {واسأل القرية} [يوسف: ~~82] ، قالوا المراد به أهلها فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه فقيل لهم ~~لفظ القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثال هذه الأمور التى فيها الحال ~~والمحال كلاهما داخل في الاسم ثم قد يعود الحكم على الحال وهو السكان وتارة ~~على المحل وهو المكان وكذلك في النهر يقال حفرت النهر وهو المحل وجرى النهر ~~وهو الماء ووضعت الميزاب وهو المحل وجرى الميزاب وهو الماء وكذلك القرية، ~~قال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة} [النحل: 112] ، وقوله: ~~{وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون فما كان دعواهم إذ ~~جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} [الأعراف: 4، 5] ، وقال في آية ~~أخرى: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نآئمون} [الأعراف: 97] . ~~فجعل القرى هم السكان. وقال: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي ~~أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم} [محمد: ms077 13] . وهم السكان. وكذلك قوله تعالى: ~~{وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا} [الكهف: 59] . وقال ~~تعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} [البقرة: 259] . فهذا ~~المكان لا السكان لكن لابد أن يلحظ أنه كان مسكونا فلا يسمى قرية إلا إذا ~~كان قد عمر للسكنى مأخوذ من القرى وهو الجمع ومنه قولهم: قريت الماء في ~~الحوض إذا جمعته فيه. # PageV01P094 # ونظير ذلك لفظ [الإنسان] يتناول الجسد والروح ثم الاحكام تتناول هذا تارة ~~وهذا تارة لتلازمهما؛ فكذلك القرية إذا عذب أهلها خربت وإذا خربت كان عذابا ~~لأهلها فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر كما ينال البدن والروح ما يصيب ~~أحدهما. فقوله: {واسأل القرية} [يوسف: 82] مثل قوله: {قرية كانت آمنة ~~مطمئنة} [النحل: 112] . فاللفظ هنا يراد به السكان من غير اضمار ولا حذف ~~فهذا بتقدير أن يكون في اللغة مجاز فلا مجاز في القرآن بل وتقسيم اللغة إلى ~~حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث لم ينطق به السلف والخلف فيه على قولين وليس ~~النزاع فيه لفظيا بل يقال نفس هذا التقسيم باطل لا يتميز هذا عن هذا ولهذا ~~كان كل ما يذكرونه من الفروق تبين أنها فروق باطلة وكلما ذكر بعضهم فرقا ~~أبطله الثاني كما يدعى المنطقيون أن الصفات القائمة بالموصوفات تنقسم ~~اللازمة لها إلى داخل في ماهيتها الثابتة في الخارج وإلى خارج عنها لازم ~~للماهية ولازم خارج للوجود وذكروا ثلاثة فروق كلها باطلة لأن هذا التقسيم ~~باطل لا حقيقة له بل ما يجعلونه داخلا يمكن جعله خارجا وبالعكس كما قد بسط ~~في موضعه. # وقولهم: اللفظ إن دل بلا قرينة فهو حقيقة وان لم يدل الا معها فهو مجاز ~~قد تبين بطلانه وأنه ليس في الالفاظ الدالة ما يدل مجردا عن جميع القرائن ~~ولا فيها ما يحتاج إلى جميع القرائن وأشهر أمثلة المجاز لفظ الأسد والحمار ~~والبحر ونحو ذلك مما يقولون أنه استعير للشجاع والبليد والجواد وهذه لا ~~تستعمل الا مؤلفة مركبة مقيدة بقيود لفظية كما تستعمل الحقيقة كقول أبي بكر ~~الصديق عن ms078 أبي قتادة لما طلب غيره سلب القتيل لاها الله إذا يعمد إلى أسد ~~من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله وصف له بالقوة للجهاد في سبيله وقد عينه # PageV01P095 # تعيينا أزال اللبس وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن خالدا سيف ~~من سيوف الله سله الله على المشركين " وأمثال ذلك. # وإن قال القائل: القرائن اللفظية موضوعة ودلالتها على المعنى حقيقة لكن ~~القرائن الحالية مجاز قيل اللفظ لا يستعمل قط الا مقيدا بقيود لفظية موضوعة ~~والحال حال المتكلم والمستمع لابد من اعتباره في جميع الكلام فانه إذا عرف ~~المتكلم فهم من معنى كلامه ما لا يفهم إذا لم يعرف لأنه بذلك يعرف عادته في ~~خطابه واللفظ انما يدل إذا عرف لغة المتكلم التى بها يتكلم وهى عادته وعرفه ~~التى يعتادها في خطابه ودلالة اللفظ على المعنى دلالة قصدية ارادية ~~اختيارية فالمتكلم يريد دلالة اللفظ على المعنى فإذا اعتاد أن يعبر باللفظ ~~عن المعنى كانت تلك لغته ولهذا كل من كان له عناية بألفاظ الرسول ومراده ~~بها: عرف عادته في خطابه، وتبين له من مراده ما لا يتبين لغيره. # ولهذا ينبغى أن يقصد إذا ذكر لفظ من القرآن والحديث ان يذكر نظائر ذلك ~~اللفظ مإذا عنى بها الله ورسوله فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ~~ورسوله التى يخاطب بها عباده وهى العادة المعروفة من كلامه ثم إذا كان لذلك ~~نظائر في كلام غيره وكانت النظائر كثيرة عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة ~~عامة لا يختص بها هو صلى الله عليه وسلم بل هى لغة قومه ولا يجوز أن يحمل ~~كلامه على عادات حدثت بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه ~~كما يفعله كثير من الناس وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه ولهذا كان ~~استعمال القياس في اللغة وان جاز في الاستعمال فانه لا يجوز في الاستدلال ~~فانه قد يجوز بلانسان أن يستعمل هو اللفظ في نظير المعنى الذي استعملوه فيه ~~مع بيان ذلك على ما فيه من ms079 النزاع لكن لا يجوز أن يعمد إلى ألفاظ قد عرف ~~استعمالها في معان فيحملها على غير تلك المعانى ويقول انهم # PageV01P096 # أرادوا تلك بالقياس على تلك بل هذا تبديل وتحريف فإذا قال: " الجار أحق ~~بسقبه " فالجار هو الجار ليس هو الشريك فان هذا لا يعرف في لغتهم لكن ليس ~~في اللفظ ما يقتضى انه يستحق الشفعة لكن يدل على ان البيع له اولى. # وأما الخمر فقد ثبت بالنصوص الكثيرة والنقول الصحيحة انها كانت اسما لكل ~~مسكر لم يسم النبيذ خمرا بالقياس وكذلك النباش كانوا يسمونه سارقا؛ كما ~~قالت عائشة سارق موتانا كسارق احيائنا واللائط عندهم كان أغلظ من الزانى ~~بالمرأة. # ولابد في تفسير القرآن والحديث من أن يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله ~~من الألفاظ، وكيف يفهم كلامة فمعرفة العربية التى خوطبنا بها مما يعين على ~~أن نفقة مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الالفاظ على المعانى؛ ~~فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب فإنهم صاروا يحملون كلام الله ~~ورسوله على ما يدعون أنه دال عليه ولا يكون الأمر كذلك ويجعلون هذة الدلالة ~~حقيقة، وهذه مجازا كما أخطأ المرجئة في اسم الإيمان جعلوا لفظ الإيمان ~~حقيقة في مجرد التصديق وتناولة للأعمال مجازا. # فيقال: إن لم يصح التقسيم إلى حقيقة ومجازا فلا حاجة إلى هذا وإن صح فهذا ~~لا ينفعكم بل هو عليكم لا لكم لأن الحقيقة هى اللفظ الذي يدل باطلاقه بلا ~~قرينة والمجاز انما يدل بقرينة وقد تبين ان لفظ الايمان حيث اطلق في الكتاب ~~والسنة دخلت فيه الأعمال، وإنما يدعى خروجها منه عند التقييد؛ وهذا يدل على ~~أن الحقيقة قوله: " الإيمان بضع وسبعون شعبة ". # وأما حديث جبريل فإن كان أراد بالإيمان ما ذكر مع الإسلام فهو كذلك وهذا ~~هو المعنى الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم قطعا. كما أنه لما ذكر ~~الإحسان أراد الإحسان مع الإيمان والإسلام لم يرد أن الإحسان مجرد عن إيمان ~~وإسلام. # ولو قدر أنه أريد بلفظ الإيمان مجرد التصديق فلم يقع ms080 ذلك إلا مع قرينة ~~فيلزم أن يكون مجازا وهذا معلوم بالضرورة لا يمكننا المنازعة فيه بعد تدبر # PageV01P097 # القرآن والحديث بخلاف كون لفظ الايمان في اللغة مرادفا للتصديق ودعوى أن ~~الشارع لم يغيره ولم ينقله بل أراد به ما كان يريده أهل اللغة بلا تخصيص ~~ولا تقييد فان هاتين المقدمتين لا يمكن الجزم بواحدة منهما فلا يعارض ~~اليقين كيف وقد عرف فساد كل واحدة من المقدمتين وأنها من أفسد الكلام. # وأيضا فليس لفظ الإيمان في دلالته على الأعمال المأمور بها بدون لفظ ~~الصلاة والصيام والزكاة والحج في دلالته على الصلاة الشرعية والصيام الشرعى ~~والحج الشرعى سواء قيل إن الشارع نقله أو أراد الحكم دون الاسم أو أراد ~~الاسم وتصرف فيه تصرف أهل العرف أو خاطب بالاسم مقيدا لا مطلقا. # فإن قيل: الصلاة والحج ونحوهما لو ترك بعضها بطلت بخلاف الإيمان فإنه لا ~~يبطل عند الصحابة وأهل السنة والجماعة بمجرد الذنب قيل أن إريد بالبطلان ~~أنه لا تبرأ الذمة منها كلها فكذلك الايمان الواجب إذا ترك منه شيئا لم ~~تبرأ الذمه منه كله وان أريد به وجوب الاعادة فهذا ليس على # الإطلاق فإن في الحج واجبات إذا تركها لم يعد، بل تجبر بدم وكذلك في ~~الصلاة عند أكثر العلماء إذا تركها سهوا أو مطلقا وجبت الإعادة فإنما تجب ~~إذا أمكنت الإعادة وإلا فما تعذرت إعادته يبقى مطالبا به كالجمعة ونحوها. # وإن أريد بذلك أنه لا يثاب على ما فعله فليس كذلك بل قد بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حديث المسىء في صلاته أنه إذا لم يتمها يثاب على ما فعل ~~ولا يكون بمنزلة من لم يصل وفي عدة أحاديث أن الفرائض تكمل يوم القيامة من ~~النوافل فإذا كانت الفرائض مجبورة بثواب النوافل دل على أنه يعتدله بما فعل ~~منها فكذلك الايمان إذا ترك منه شيئا كان عليه فعله ان كان محرما تاب منه ~~وان كان واجبا فعله فإذا لم يفعله لم تبرأ ذمته منه وأثيب على ما فعله ~~كسائر العبادات ms081 وقد دلت النصوص على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة ~~من الإيمان. # وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ~~والتابعين لهم باحسان واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة، # PageV01P098 # وهذه طريقة أهل البدع ولهذا كان الإمام أحمد يقول: أكثر ما يخطىء الناس ~~من جهة التأويل والقياس. # ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن ~~برأيهم ومعقولهم وما تأولوه من اللغة ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين فلا يعتمدون ~~لا على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم وإنما يعتمدون على العقل واللغة ~~وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف وإنما ~~يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التى وضعتها رؤوسهم وهذه طريقة الملاحدة ~~أيضا إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة وكتب الأدب واللغة؛ وأما كتب القرآن ~~والحديث والآثار فلا يلتقون اليها. هؤلاء يعرضون عن نصوص الأنبياء إذ هى ~~عندهم لا تفيد العلم وأولئك يتأولون القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد ذكرنا كلام أحمد وغيره في انكار هذا ~~وجعله طريقة أهل البدع. # وإذا تدبرت حججهم وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل والقاضى أبو بكر ~~الباقلاني نصر قول جهم في مسألة الإيمان متابعة لأبي الحسن الأشعرى وكذلك ~~أكثر أصحابه فأما أبو العباس القلانسى وأبو على الثقفي، وأبو عبد الله بن ~~مجاهد شيخ القاضى أبي بكر وصاحب أبي الحسن فإنهم نصروا مذهب السلف وابن ~~كلاب نفسه والحسين بن الفضل البجلي ونحوهما كانوا يقولون: هو التصديق ~~والقول جميعا موافقة لمن قاله من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي سليمان، ومن ~~اتبعه مثل أبي حنيفة وغيره. # فصل # وأبو الحسن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان مع أنه نصر المشهور عن أهل ~~السنة من أنه يستثني في الإيمان فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله ; لأنه نصر ~~مذهب أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة ولا ms082 يخلدون في النار # PageV01P099 # وتقبل فيهم الشفاعة ونحو ذلك، وهو دائما ينصر - في المسائل التي فيها ~~النزاع بين أهل الحديث وغيرهم - قول أهل الحديث لكنه لم يكن خبيرا بمآخذهم ~~فينصره على ما يراه هو من الأصول التي تلقاها عن غيرهم ; فيقع في ذلك من ~~التناقض ما ينكره هؤلاء وهؤلاء , كما فعل في مسألة الإيمان ونصر فيها قول ~~جهم مع نصره للاستثناء ; ولهذا خالفه كثير من أصحابه في الاستثناء كما ~~سنذكر مأخذه في ذلك واتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم في ذلك. ومن لم يقف ~~إلا على كتب الكلام ولم يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة في هذا الباب ; ~~فيظن أن ما ذكروه هو قول أهل السنة ; وهو قول لم يقله أحد من أئمة السنة بل ~~قد كفر أحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم في الإيمان الذي نصره ~~أبو الحسن. وهو عندهم شر من قول المرجئة ; ولهذا صار من يعظم الشافعي من ~~الزيدية والمعتزلة ونحوهم يطعن في كثير ممن ينتسب إليه يقولون: الشافعي لم ~~يكن فيلسوفا ولا مرجئا وهؤلاء فلاسفة أشعرية مرجئة وغرضهم ذم الإرجاء ونحن ~~نذكر عمدتهم لكونه مشهورا عند كثير من المتأخرين المنتسبين إلى السنة. # قال القاضي أبو بكر في [التمهيد] : فإن قالوا: فخبرونا ما الإيمان عندكم؟ ~~قيل: الإيمان هو التصديق بالله وهو العلم , والتصديق يوجد بالقلب فإن قال: ~~فما الدليل على ما قلتم؟ قيل: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل ~~نزول القرآن وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو التصديق لا يعرفون في اللغة ~~إيمانا غير ذلك ويدل على ذلك قوله تعالى: {وما أنت بمؤمن لنا} [يوسف: 17] ~~أي بمصدق لنا. ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة وفلان لا يؤمن بعذاب القبر ~~أي: لا يصدق بذلك. فوجب أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة ~~; لأن الله ما غير اللسان العربي ولا قلبه ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار ~~بفعله وتوفرت دواعي الأمة على نقله ولغلب إظهاره على كتمانه , وفي علمنا ~~بأنه لم يفعل ذلك ms083 بل إقرار أسماء الأشياء والتخاطب بأسره على ما كان دليل ~~على أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان اللغوي ومما يبين ذلك قوله تعالى: ~~{وما أرسلنا # PageV01P100 # من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] وقوله: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} ~~[الزخرف: 3] . فأخبر أنه أنزل القرآن بلغة العرب وسمى الأسماء بمسمياتهم ~~ولا وجه للعدول بهذه الآيات عن ظواهرها بغير حجة لا سيما مع القول بالعموم ~~وحصول التوقيف على أن القرآن نزل بلغتهم ; فدل على ما قلناه من أن الإيمان ~~ما وصفناه دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل والمفروضات , هذا لفظه. ~~وهذا عمدة من نصر قول الجهمية في مسألة الإيمان وللجمهور من أهل السنة ~~وغيرهم عن هذا أجوبة. # أحدها: قول من ينازعه في أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق ويقول هو ~~بمعنى الإقرار وغيره. # والثاني: قول من يقول: وإن كان في اللغة هو التصديق ; فالتصديق يكون ~~بالقلب واللسان وسائر الجوارح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " والفرج ~~يصدق ذلك أو يكذبه ". # والثالث: أن يقال: ليس هو مطلق التصديق بل هو تصديق خاص مقيد بقيود اتصل ~~اللفظ بها وليس هذا نقلا للفظ ولا تغييرا له فإن الله لم يأمرنا بإيمان ~~مطلق بل بإيمان خاص وصفه وبينه. # والرابع: أن يقال: وإن كان هو التصديق ; فالتصديق التام القائم بالقلب ~~مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح فإن هذه لوازم الإيمان التام , ~~وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم , ونقول: إن هذه اللوازم تدخل في ~~مسمى اللفظ تارة وتخرج عنه أخرى. # PageV01P101 # والخامس: قول من يقول: إن اللفظ باق على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد ~~فيه أحكاما. # والسادس: قول من يقول: إن الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة ~~شرعية، مجاز لغوي. # السابع: قول من يقول: إنه منقول. # فهذه سبعة أقوال: # الأول: قول من ينازع في أن معناه في اللغة التصديق، ويقول: ليس هو ~~التصديق، بل بمعنى الإقرار وغيره. # قوله: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق. ~~فيقال له: من نقل هذا الإجماع؟ ms084 ومن أين يعلم هذا الإجماع؟ وفي أي كتاب ذكر ~~هذا الإجماع؟ # الثاني: أن يقال: أتعني بأهل اللغة: نقلتها، كأبي عمرو، والأصمعي، ~~والخليل، ونحوهم، أو المتكلمين بها؟ فإن عنيت الأول؛ فهؤلاء لا ينقلون كل ~~ما كان قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، وما ~~سمعوه في دواوين الشعر وكلام العرب وغير ذلك بالإسناد. ولا نعلم فيما نقلوه ~~لفظ الإيمان، فضلا عن أن يكونوا أجمعوا عليه، وإن عنيت المتكلمين بهذا ~~اللفظ قبل الإسلام، فهؤلاء لم نشهدهم، ولا نقل لنا أحد عنهم ذلك. # الثالث: أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا: الإيمان في اللغة هو ~~التصديق، بل ولا عن بعضهم، وإن قدر أنه قاله واحد أو اثنان؛ فليس هذا ~~إجماعا. # الرابع: أن يقال: هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنهم قالوا: معنى هذا اللفظ ~~كذا وكذا، وإنما ينقلون الكلام المسموع من العرب، وأنه يفهم منه كذا وكذا، ~~وحينئذ فلو قدر أنهم نقلوا كلاما عن العرب يفهم منه أن الإيمان هو التصديق، ~~لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى ولم يرده؛ فظن هؤلاء ذلك ~~فيما ينقلونه عن العرب أولى. # PageV01P102 # الخامس: أنه لو قدر أنهم قالوا هذا، فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر، ~~والتواتر من شرطه استواء الطرفين والواسطة، وأين التواتر الموجود عن العرب ~~قاطبة قبل نزول القرآن؟ إنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق. # فإن قيل: هذا يقدح في العلم باللغة قبل نزول القرآن، قيل: فليكن، ونحن لا ~~حاجة بنا مع بيان الرسول لما بعثه الله به من القرآن أن نعرف اللغة قبل ~~نزول القرآن، والقرآن نزل بلغة قريش، والذين خوطبوا به كانوا عربا، وقد ~~فهموا ما أريد به وهم الصحابة، ثم الصحابة بلغوا لفظ القرآن ومعناه إلى ~~التابعين حتى انتهى إلينا، فلم يبق بنا حاجة إلى أن تتواتر عندنا تلك اللغة ~~من غير طريق تواتر القرآن، لكن لما تواتر ms085 القرآن لفظا ومعنى، وعرفنا أنه ~~نزل بلغتهم، عرفنا أنه كان في لغتهم لفظ السماء والأرض، والليل والنهار، ~~والشمس والقمر، ونحو ذلك على ما هو معناها في القرآن. وإلا فلو كلفنا نقلا ~~متواترا لآحاد هذه الألفاظ من غير القرآن، لتعذر علينا ذلك في جميع ~~الألفاظ، لا سيما إذا كان المطلوب أن جميع العرب كانت تريد باللفظ هذا ~~المعنى، فإن هذا يتعذر العلم به والعلم بمعاني القرآن ليس موقوفا على شيء ~~من ذلك، بل الصحابة بلغوا معاني القرآن، كما بلغوا لفظه. ولو قدرنا أن قوما ~~سمعوا كلاما أعجميا، وترجموه لنا بلغتهم، لم نحتج إلى معرفة اللغة التي ~~خوطبوا بها أولا. # السادس: أنه لم يذكر شاهدا من كلام العرب على ما ادعاه عليهم، وإنما ~~استدل من غير القرآن بقول الناس: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان يؤمن بالجنة ~~والنار، وفلان يؤمن بعذاب القبر. وفلان لا يؤمن بذلك، ومعلوم أن هذا ليس من ~~ألفاظ العرب قبل نزول القرآن، بل هو مما تكلم الناس به بعد عصر الصحابة، ~~لما صار من الناس أهل البدع يكذبون بالشفاعة وعذاب القبر ومرادهم بذلك هو ~~مرادهم بقوله: فلان يؤمن بالجنة والنار، وفلان لا يؤمن بذلك. والقائل لذلك ~~وإن كان تصديق القلب داخلا في مراده، فليس مراده ذلك وحده، بل مراده ~~التصديق بالقلب واللسان، فإن مجرد تصديق القلب بدون اللسان لا يعلم حتى ~~يخبر به عنه. # PageV01P103 # السابع: أن يقال: من قال ذلك، فليس مراده التصديق بما يرجى ويخاف بدون ~~خوف ولا رجاء، بل يصدق بعذاب القبر ويخافه، ويصدق بالشفاعة ويرجوها. وإلا ~~فلو صدق بأنه يعذب في قبره، ولم يكن في قلبه خوف من ذلك أصلا. لم يسموه ~~مؤمنا به، كما أنهم لا يسمون مؤمنا بالجنة والنار إلا من رجا الجنة وخاف ~~النار، دون المعرض عن ذلك بالكلية مع علمه بأنه حق. كما لا يسمون إبليس ~~مؤمنا بالله، وإن كان مصدقا بوجوده وربوبيته، ولا يسمون فرعون مؤمنا، وإن ~~كان عالما بأن الله بعث موسى، وأنه هو الذي أنزل الآيات، وقد استيقنت بها ~~أنفسهم ms086 مع جحدهم لها بألسنتهم. ولا يسمون اليهود مؤمنين بالقرآن والرسول، ~~وإن كانوا يعرفون أنه حق، كما يعرفون أبناءهم. فلا يوجد قط في كلام العرب ~~أن من علم وجود شيء مما يخاف ويرجى، ويجب حبه وتعظيمه، وهو مع ذلك لا يحبه ~~ولا يعظمه، ولا يخافه ولا يرجوه، بل يجحد به ويكذب به بلسانه، أنهم يقولون: ~~هو مؤمن، بل ولو عرفه بقلبه وكذب به بلسانه، لم يقولوا: هو مصدق به. ولو ~~صدق به مع العمل بخلاف مقتضاه، لم يقولوا: هو مؤمن به. فلا يوجد في كلام ~~العرب شاهد واحد يدل على ما ادعوه. # وقوله: {وما أنت بمؤمن لنا} [يوسف: 17] قد تكلمنا عليها في غير هذا ~~الموضع، فإن هذا استدلال بالقرآن، وليس في الآية ما يدل على أن المصدق ~~مرادف للمؤمن، فإن صحة هذا المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف ~~للآخر، كما بسطناه في موضعه. # الوجه الثامن: قوله: لا يعرفون في اللغة إيمانا غير ذلك. من أين له هذا ~~النفي الذي لا تمكن الإحاطه به؟ بل هو قول بلا علم. # التاسع: قول من يقول: أصل الإيمان مأخوذ من الأمن، كما ستأتي أقوالهم إن ~~شاء الله. وقد نقلوا في اللغة الإيمان بغير هذا المعنى. كما قاله الشيخ أبو ~~البيان في قول. # PageV01P104 # الوجه العاشر: أنه لو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق، فمعلوم أن ~~الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء، بل بشيء مخصوص، وهو ما أخبر به الرسول، ~~صلى الله عليه وسلم، وحينئذ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان ~~في اللغة، ومعلوم أن الخاص ينضم إليه قيود لا توجد في جميع العام كالحيوان ~~إذا أخذ بعض أنواعه وهو الإنسان كان فيه المعنى العام ومعنى اختص به، وذلك ~~المجموع ليس هو المعنى العام. فالتصديق الذي هو الإيمان، أدنى أحواله أن ~~يكون نوعا من التصديق العام، فلا يكون مطابقا له في العموم والخصوص من غير ~~تغيير اللسان ولا قلبه، بل يكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفا من العام ~~والخاص كالإنسان الموصوف بأنه حيوان ms087 وأنه ناطق. # الوجه الحادي عشر: أن القرآن ليس فيه ذكر إيمان مطلق غير مفسر، بل لفظ ~~الإيمان فيه إما مقيد، وإما مطلق مفسر. فالمقيد كقوله: {يؤمنون بالغيب} ~~[البقرة: 3] ، وقوله: {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه} [يونس: 83] ، ~~والمطلق المفسر كقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ~~الآية [الأنفال: 2] ، وقوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم ~~لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} ~~[الحجرات: 15] ونحو ذلك. وقوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] ~~وأمثال هذه الآيات. وكل إيمان مطلق في القرآن فقد يبين فيه أنه لا يكون ~~الرجل مؤمنا إلا بالعمل مع التصديق، فقد بين في القرآن أن الإيمان لابد فيه ~~من عمل مع التصديق، كما ذكر مثل ذلك في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج. # فإن قيل: تلك الأسماء باقية، ولكن ضم إلى المسمى إعمالا في الحكم لا في ~~الاسم، كما يقوله القاضي أبو يعلي وغيره، قيل: إن كان هذا صحيحا قيل مثله ~~في الإيمان. وقد أورد هذا السؤال لبعضهم، ثم لم يجب عنه بجواب صحيح، بل زعم ~~أن القرآن لم يذكر فيه ذلك. وليس كذلك، بل القرآن والسنة مملوآن # PageV01P105 # بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق. ~~وهذا في القرآن أكثر بكثير من معنى الصلاة والزكاة، فإن تلك إنما فسرتها ~~السنة، والإيمان بين معناه الكتاب والسنة، وإجماع السلف. # الثاني عشر: أنه إذا قيل: إن الشارع خاطب الناس بلغة العرب، فإنما خاطبهم ~~بلغتهم المعروفة، وقد جرى عرفهم أن الاسم يكون مطلقا وعاما، ثم يدخل فيه ~~قيد أخص من معناه، كما يقولون: ذهب إلى القاضي والوالي والأمير، ويريدون ~~شخصا معينا يعرفونه دلت عليه اللام مع معرفتهم به. وهذا الاسم في اللغة اسم ~~جنس لا يدل على خصوص شخص، وأمثال ذلك. فكذلك الإيمان والصلاة والزكاة، إنما ~~خاطبهم بهذه الأسماء بلام التعريف، وقد عرفهم قبل ذلك أن ms088 المراد الإيمان ~~الذي صفته كذا وكذا، والدعاء الذي صفته كذا وكذا. فبتقدير أن يكون في لغتهم ~~التصديق، فإنه قد يبين أني لا أكتفي بتصديق القلب واللسان، فضلا عن تصديق ~~القلب وحده، بل لابد أن يعمل بموجب ذلك التصديق، كما في قوله تعالى: {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} [الحجرات: 15] {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] وفي قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " لا تؤمنون حتى تكونوا كذا "، وفي قوله تعالى: {لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} [المجادلة: 22] ، ~~وفي قوله: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم ~~أولياء} [المائدة: 81] ، ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة، كقوله عليه ~~السلام: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ". وقوله: " لا يؤمن من لا ~~يأمن جاره بوائقه ". وأمثال ذلك. # فقد بين لهم أن التصديق الذي لا يكون الرجل مؤمنا إلا به، هو أن يكون ~~تصديقا على هذا الوجه، وهذا بين في القرآن والسنة من غير تغيير للغة ولا ~~نقل لها. # PageV01P106 # الثالث عشر: أن يقال: بل نقل وغير. قوله: لو فعل لتواتر. قيل: نعم. وقد ~~تواتر أنه أراد بالصلاة والزكاة والصيام والحج معانيها المعروفه، وأراد ~~بالإيمان ما بينه بكتابه وسنة رسوله من أن العبد لا يكون مؤمنا إلا به، ~~كقوله: {إنما المؤمنون} [الأنفال: 2] ، وهذا متواتر في القرآن والسنن ~~ومتواتر أيضا أنه لم يكن يحكم لأحد بحكم الإيمان إلا أن يؤدي الفرائض. ~~ومتواتر عنه أنه أخبر أنه: من مات مؤمنا دخل الجنة ولم يعذب، وأن الفساق لا ~~يستحقون ذلك، بل هم معرضون للعذاب. فقد تواتر عنه من معاني اسم الإيمان ~~وأحكامه ما لم يتواتر عنه في غيره، فأي تواتر أبلغ من هذا؟ ! وقد توفرت ~~الدواعي على نقل ذلك وإظهاره، ولله الحمد. ولا يقدر أحد أن ينقل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نقلا يناقض هذا. لكن أخبر أنه يخرج منها من كان معه شيء ~~من الإيمان. ولم يقل: إن المؤمن يدخلها، ولا قال: ms089 إن الفساق مؤمنون. لكن ~~أدخلهم في مسمى الإيمان في مواضع، كما أدخل المنافقين في اسم الإيمان في ~~مواضع مع القيود. وأما الاسم المطلق الذي وعد أهله بالجنة، فلم يدخل فيه لا ~~هؤلاء ولا هؤلاء. # الوجه الرابع عشر: قوله: ولا وجه للعدول بالآيات التي تدل على أنه عربي ~~عن ظاهرها، فيقال له: الآيات التي فسرت المؤمن، وسلبت الإيمان عمن لم يعمل؛ ~~أصرح وأبين وأكثر من هذه الآيات. ثم إذا دلت على أنه عربي، فما ذكر لا ~~يخرجه عن كونه عربيا؛ ولهذا لما خاطبهم بلفظ الصلاة والحج وغير ذلك، لم ~~يقولوا: هذا ليس بعربي. بل خاطبهم باسم المنافقين، وقد ذكر أهل اللغة أن ~~هذا الاسم لم يكن يعرف في الجاهلية، ولم يقولوا: إنه ليس بعربي، لأن ~~المنافق مشتق من نفق إذا خرج، فإذا كان اللفظ مشتقا من لغتهم وقد تصرف فيه ~~المتكلم به كما جرت عادتهم في لغتهم، لم يخرج ذلك عن كونه عربيا. # الوجه الخامس عشر: أنه لو فرض أن هذه الألفاظ ليست عربية، فليس تخصيص ~~عموم هذه الألفاظ بأعظم من إخراج لفظ الإيمان عما دل عليه الكتاب والسنة ~~وإجماع السلف، فإن النصوص التي تنفي الإيمان عمن لا يحب الله ورسوله، ولا ~~يخاف الله ولا يتقيه ولا يعمل شيئا من الواجب، ولا يترك شيئا من المحرم، # PageV01P107 # كثيرة صريحة، فإذا قدر أنها عارضها آية، كان تخصيص اللفظ القليل العام ~~أولي من رد النصوص الكثيرة الصريحة. # السادس عشر: أن هؤلاء واقفة في ألفاظ العموم لا يقولون بعمومها والسلف ~~يقولون: الرسول وقفنا على معاني الإيمان وبينه لنا. وعلمنا مراده منه ~~بالاضطرار، وعلمنا من مراده علما ضروريا أن من قيل: إنه صدق. ولم يتكلم ~~بلسانه بالإيمان مع قدرته على ذلك، ولا صلى ولا صام، ولا أحب الله ورسوله ~~ولا خاف الله، بل كان مبغضا للرسول، معاديا له يقاتله، أن هذا ليس بمؤمن. ~~كما قد علمنا أن الكفار من المشركين وأهل الكتاب الذين كانوا يعلمون أنه ~~رسول الله وفعلوا ذلك معه، كانوا عنده كفارا لا مؤمنين، ms090 فهذا معلوم عندنا ~~بالاضطرار أكثر من علمنا بأن القرآن كله ليس فيه لفظ غير عربي. فلو قدر ~~التعارض، لكان تقديم ذلك العلم الضروري أولى. # فإن قالوا: من علم أن الرسول كفره، علم انتفاء التصديق من قلبه. # قيل لهم: هذه مكابرة، إن أرادوا أنهم كانوا شاكين مرتابين. وأما إن عني ~~التصديق الذي لم يحصل معه عمل، فهو ناقص كالمعدوم، فهذا صحيح. ثم إنما ~~يثبت، إذا ثبت أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، وذاك إنما يثبت بعد ~~تسليم هذه المقدمات التي منها هذا، فلا تثبت الدعوى بالدعوي مع كفر صاحبها. ~~ثم يقال: قد علمنا بالاضطرار أن اليهود وغيرهم كانوا يعرفون أن محمدا رسول ~~الله، وكان يحكم بكفرهم. فقد علمنا من دينه ضرورة أنه يكفر الشخص مع ثبوت ~~التصديق بنبوته في القلب، إذا لم يعمل بهذا التصديق، بحيث يحبه ويعظمه، ~~ويسلم لما جاء به. # ومما يعارضون به أن يقال: هذا الذي ذكرتموه، إن كان صحيحا، فهو أدل على ~~قول المرجئة، بل على قول الكرامية منه على قولكم، وذلك أن الإيمان إذا # PageV01P108 # كان هو التصديق كما ذكرتم، فالتصديق نوع من أنواع الكلام، فاستعمال لفظ ~~الكلام والقول ونحو ذلك في المعنى واللفظ، بل في اللفظ الدال على المعنى ~~أكثر في اللغة من استعماله في المعنى المجرد عن اللفظ، بل لا يوجد قط إطلاق ~~اسم الكلام ولا أنواعه: كالخبر أو التصديق والتكذيب والأمر والنهي على مجرد ~~المعنى من غير شيء يقترن به من عبارة ولا إشارة ولا غيرهما، وإنما يستعمل ~~مقيدا. # وإذا كان الله إنما أنزل القرآن بلغة العرب، فهي لا تعرف التصديق ~~والتكذيب وغيرهما من الأقوال إلا ما كان معنى ولفظا، أو لفظا يدل على معنى؛ ~~ولهذا لم يجعل الله أحدا مصدقا للرسل بمجرد العلم والتصديق الذي في قلوبهم ~~حتى يصدقوهم بألسنتهم، ولا يوجد في كلام العرب أن يقال: فلان صدق فلانا أو ~~كذبه، إذا كان يعلم بقلبه أنه صادق أو كاذب ولم يتكلم بذلك، كما لا يقال: ~~أمره أو نهاه، إذا قام بقلبه طلب ms091 مجرد عما يقترن به من لفظ أو إشارة أو ~~نحوهما. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها ~~شيء من كلام الناس ". وقال: " إن الله يحدث من أمره ما شاء، وإن مما أحدث ~~ألا تكلموا في الصلاة " اتفق العلماء على أنه إذا تكلم في الصلاة عامدا ~~لغير مصلحتها، بطلت صلاته. واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق ~~بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك، فعلم اتفاق ~~المسلمين على أن هذا ليس بكلام. # وأيضا، ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله ~~تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به " فقد أخبر أن ~~الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم، ففرق بين حديث النفس وبين الكلام، ~~وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد حتى ينطق به اللسان باتفاق ~~العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة؛ لأن الشارع كما قرر إنما خاطبنا ~~بلغة العرب. # PageV01P109 # وأيضا، ففي السنن أن معاذا قال له: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما ~~نتكلم به؟ فقال: " وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم ~~إلا حصائد ألسنتهم " فبين أن الكلام إنما هو ما يكون باللسان. وفي الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ~~ألا كل شيء ما خلا الله باطل ". # وفي الصحيحين عنه أنه قال: " كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في ~~الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم " وقد ~~قال الله تعالى: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا ~~لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} [الكهف: 4، 5] ، ~~وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أفضل الكلام بعد القرآن ~~أربع كلمات، وهن في القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ~~والله أكبر ". رواه مسلم. وقال تعالى: {إليه يصعد الكلم ms092 الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه} [فاطر: 10] ومثل هذا كثير. # وفي الجملة، حيث ذكر الله في كتابه عن أحد من الخلق من الأنبياء، أو ~~أتباعهم أو مكذبيهم أنهم قالوا ويقولون، وذلك قولهم وأمثال ذلك، فإنما يعني ~~به المعنى مع اللفظ، فهذا اللفظ وما تصرف منه من فعل ماض ومضارع وأمر، ~~ومصدر واسم فاعل من لفظ القول والكلام ونحوهما، إنما يعرف في القرآن والسنة ~~وسائر كلام العرب إذا كان لفظا ومعنى، وكذلك أنواعه، كالتصديق والتكذيب ~~والأمر والنهي وغير ذلك، وهذا مما لا يمكن أحدا جحده، فإنه أكثر من أن ~~يحصى. # ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم، ~~لا من أهل السنة، ولا من أهل # PageV01P110 # البدعة، بل أول من عرف في الإسلام أنه جعل مسمى الكلام المعنى فقط، هو ~~عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهو متأخر في زمن محنة أحمد بن حنبل وقد أنكر ~~ذلك عليه علماء السنة، وعلماء البدعة، فيمتنع أن يكون الكلام الذي هو أظهر ~~صفات بني آدم كما قال تعالى: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم ~~تنطقون} [الذاريات: 23] . ولفظه لا تحصى وجوهه كثرة - لم يعرفه أحد من ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاء من قال فيه قولا لم يسبقه إليه أحد من ~~المسلمين، ولا غيرهم. # فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: {ويقولون في أنفسهم} [المجادلة: 8] ، ~~وقال: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} [الأعراف: 205] ونحو ذلك. # قيل: إن كان المراد أنهم قالوه بألسنتهم سرا، فلا حجة فيه، وهذا هو الذي ~~ذكره المفسرون. قالوا: كانوا يقولون: سلام عليك، فإذا خرجوا يقولون في ~~أنفسهم، أي يقول بعضهم لبعض: لو كان نبيا عذبنا بقولنا له ما نقول. وإن قدر ~~أنه أريد بذلك أنهم قالوه في قلوبهم، فهذا قول مقيد بالنفس، مثل قوله: " ~~عما حدثت به أنفسها "؛ ولهذا قالوا: لولا يعذبنا الله بما نقول فأطلقوا لفظ ~~القول هنا، والمراد به ما قالوه بألسنتهم؛ لأنه النجوى والتحية التي نهوا ~~عنها كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ms093 ثم يعودون لما نهوا ~~عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك ~~به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} [المجادلة: 8] ، مع ~~أن الأول هو الذي عليه أكثر المفسرين، وعليه تدل نظائره؛ فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " يقول الله: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ~~ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ". ليس المراد أنه لا يتكلم به بلسانه، ~~بل المراد أنه ذكر الله بلسانه. # وكذلك قوله: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول} ~~[الأعراف: 205] هو الذكر باللسان، والذي يقيد بالنفس لفظ الحديث يقال: حديث ~~النفس، ولم # PageV01P111 # يوجد عنهم أنهم قالوا: كلام النفس وقول النفس؛ كما قالوا: حديث النفس؛ ~~ولهذا يعبر بلفظ الحديث عن الأحلام التي ترى في المنام، كقول يعقوب عليه ~~السلام: {ويعلمك من تأويل الأحاديث} [يوسف: 6] ، وقول يوسف: {وعلمتني من ~~تأويل الأحاديث} [يوسف: 101] ، وتلك في النفس، لا تكون باللسان؛ فلفظ ~~الحديث قد يقيد بما في النفس، بخلاف لفظ الكلام فإنه لم يعرف أنه أريد به ~~ما في النفس فقط. # وأما قوله تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور} ~~[الملك: 13] ، فالمراد به القول الذي تارة يسر به فلا يسمعه الإنسان، وتارة ~~يجهر به فيسمعونه كما يقال: أسر القراءة وجهر بها، وصلاة السر وصلاة الجهر؛ ~~ولهذا لم يقل: قولوه بألسنتكم أو بقلوبكم، وما في النفس لا يتصور الجهر به، ~~وإنما يجهر بما في اللسان، وقوله: {إنه عليم بذات الصدور} من باب التنبيه. ~~يقول: إنه يعلم ما في الصدور فكيف لا يعلم القول، كما قال في الآية الأخرى: ~~{وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى} [طه: 7] فنبه بذلك على أنه يعلم ~~الجهر، ويدل على ذلك أنه قال: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور} فلو أراد بالقول ما في النفس لكونه ذكر علمه بذات الصدور، لم يكن ~~قد ذكر علمه بالنوع الآخر وهو الجهر. # وإن قيل: نبه، قيل: بل نبه على القسمين. ms094 وقوله تعالى: {آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] ، قد ذكر هذا في قوله: {ثلاث ~~ليال سويا} [مريم: 10] ، وهناك لم يستثن شيئا، والقصة واحدة، وهذا يدل على ~~أن الاستثناء منقطع، والمعنى، آيتك ألا تكلم الناس، لكن ترمز لهم رمزا، ~~كنظائره في القرآن، وقوله: {فأوحى إليهم} [مريم: 11] هو الرمز، ولو قدر أن ~~الرمز استثناء متصل لكان قد دخل في الكلام المقيد بالإستثناء، كما في قوله: ~~{وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي ~~بإذنه ما يشاء} [الشورى: 51] . # PageV01P112 # ولا يلزم من ذلك أن يدخل في لفظ الكلام المطلق، فليس في لغة القوم أصلا ~~ما يدل على أن ما في النفس يتناوله لفظ الكلام والقول المطلق، فضلا عن ~~التصديق والتكذيب، فعلم أن من لم يصدق بلسانه مع القدرة لا يسمى في لغة ~~القوم مؤمنا، كما اتفق على ذلك سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. # وقول عمر رضي الله عنه: زورت في نفسي مقالة أردت أن أقولها، حجة عليهم. ~~قال أبو عبيد: التزوير إصلاح الكلام وتهيئته، قال: وقال أبو زيد: المزور من ~~الكلام والمزوق واحد، وهو المصلح الحسن، وقال غيره: زورت في نفسي مقالة، ~~أي: هيأتها لأقولها. فلفظها يدل على أنه قدر في نفسه ما يريد أن يقوله ولم ~~يقله، فعلم أنه لا يكون قولا إلا إذا قيل باللسان، وقبل ذلك لم يكن قولا، ~~لكن كان مقدرا في النفس يراد أن يقال، كما يقدر الإنسان في نفسه أنه يحج ~~وأنه يصلي، وأنه يسافر، إلى غير ذلك، فيكون لما يريده من القول والعمل صورة ~~ذهنية مقدرة في النفس، ولكن لا يسمى قولا وعملا إلا إذا وجد في الخارج، كما ~~أنه لا يكون حاجا ومصليا إلا إذا وجدت هذه الأفعال في الخارج؛ ولهذا كان ما ~~يهم به المرء من الأقوال المحرمة والأفعال المحرمة لا تكتب عليه حتى يقوله، ~~ويفعله، وما هم به من القول الحسن، والعمل الحسن إنما يكتب له به حسنة ~~واحدة، فإذا ms095 صار قولا وفعلا كتب له به عشر حسنات إلى سبعمائة، وعوقب عليه ~~إذا قال أو فعل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله تجاوز لأمتي ~~عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل ". # وأما البيت الذي يحكى عن الأخطل أنه قال: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # فمن الناس من أنكر أن يكون هذا من شعره، وقالوا: إنهم فتشوا دواوينه فلم ~~يجدوه، وهذا يروى عن محمد بن الخشاب، وقال بعضهم: لفظه: إن البيان لفي ~~الفؤاد. # PageV01P113 # ولو احتج محتج في مسألة بحديث أخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لقالوا: هذا خبر واحد، ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه ~~بالقبول، وهذا البيت لم يثبت نقله عن قائله بإسناد صحيح لا واحد ولا أكثر ~~من واحد، ولا تلقاه أهل العربية بالقبول، فكيف يثبت به أدنى شيء من اللغة، ~~فضلا عن مسمى الكلام. ثم يقال: مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما ~~يحتاج فيه إلى قول شاعر، فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل ~~اللغة، وعرفوا معناه في لغتهم، كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل. # وأيضا، فالناطقون باللغة يحتج باستعمالهم للألفاظ في معانيها، لا بما ~~يذكرونه من الحدود، فإن أهل اللغة الناطقين لا يقول أحد منهم: إن الرأس ~~كذا، واليد كذا، والكلام كذا، واللون كذا، بل ينطقون بهذه الألفاظ دالة على ~~معانيها، فتعرف لغتهم من استعمالهم. # فعلم أن الأخطل لم يرد بهذا أن يذكر مسمى الكلام ولا أحد من الشعراء يقصد ~~ذلك البتة، وإنما أراد: إن كان قال ذلك ما فسره به المفسرون للشعر، أي: أصل ~~الكلام من الفؤاد، وهو المعنى، فإذا قال الإنسان بلسانه ما ليس في قلبه فلا ~~تثق به، وهذا كالأقوال التي ذكرها الله عن المنافقين، ذكر أنهم يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم؛ ولهذا قال: # لا يعجبنك من أثير لفظه ... حتى يكون مع الكلام أصيلا # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # نهاه ms096 أن يعجب بقوله الظاهر حتى يعلم ما في قلبه من الأصل؛ ولهذا قال: حتى ~~يكون مع الكلام أصيلا. وقوله: مع الكلام: دليل على أن اللفظ الظاهر قد سماه ~~كلاما، وإن لم يعلم قيام معناه بقلب صاحبه، وهذا حجة عليهم، فقد اشتمل شعره ~~على هذا وهذا، بل قوله: [مع الكلام] مطلق. وقوله: إن الكلام لفي الفؤاد. ~~أراد به أصله ومعناه المقصود به، واللسان دليل على ذلك. # PageV01P114 # وبالجملة، فمن احتاج إلى أن يعرف مسمى الكلام في لغة العرب، والفرس، ~~والروم، والترك، وسائر أجناس بني آدم بقول شاعر، فإنه من أبعد الناس عن ~~معرفة طرق العلم. ثم هو من المولدين، وليس من الشعراء القدماء، وهو نصراني ~~كافر مثلث، واسمه الأخطل، والخطل فساد في الكلام، وهو نصراني والنصارى قد ~~أخطؤوا في مسمى الكلام، فجعلوا المسيح القائم بنفسه هو نفس كلمة الله. # فتبين أنه إن كان الإيمان في اللغة هو التصديق، والقرآن إنما أراد به ~~مجرد التصديق الذي هو قول، ولم يسم العمل تصديقا، فليس الصواب إلا قول ~~المرجئة: إنه اللفظ والمعنى. أو قول الكرامية: إنه قول باللسان فقط، فإن ~~تسمية قول اللسان قولا أشهر في اللغة من تسمية معنى في القلب قولا، كقوله ~~تعالى: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} [الفتح: 11] ، وقوله: {ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] ~~وأمثال ذلك، بخلاف ما في النفس، فإنه إنما يسمى حديثا. والكرامية يقولون: ~~المنافق مؤمن وهو مخلد في النار؛ لأنه آمن ظاهرا لا باطنا، وإنما يدخل ~~الجنة من آمن ظاهرا وباطنا. # قالوا: والدليل على شمول الإيمان له أنه يدخل في الأحكام الدينية المعلقة ~~باسم الإيمان كقوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] ويخاطب في ~~الظاهر بالجمعة، والطهارة، وغير ذلك مما خوطب به الذين آمنوا. # وأما من صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه، فإنه لا يعلق به شيء من أحكام ~~الإيمان، لافي الدنيا ولا في الآخرة، ولا يدخل في خطاب الله لعباده بقوله: # PageV01P115 # {يا أيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] ، فعلم قول الكرامية في الإيمان وإن ms097 ~~كان باطلا مبتدعا لم يسبقهم إليه أحد، فقول الجهمية أبطل منه، وأولئك أقرب ~~إلى الاستدلال باللغة والقرآن والعقل من الجهمية. # والكرامية توافق المرجئة والجهمية في أن إيمان الناس كلهم سواء ولا ~~يستثنون في الإيمان، بل يقولون: هو مؤمن حقا لمن أظهر الإيمان، وإذا كان ~~منافقا فهو مخلد في النار عندهم، فإنه إنما يدخل الجنة من آمن باطنا ~~وظاهرا، ومن حكي عنهم أنهم يقولون: المنافق يدخل الجنة، فقد كذب عليهم، بل ~~يقولون: المنافق مؤمن لأن الإيمان هو القول الظاهر، كما يسميه غيرهم مسلما؛ ~~إذ الإسلام: هو الاستسلام الظاهر، ولا ريب أن قول الجهمية أفسد من قولهم من ~~وجوه متعددة، شرعا ولغة وعقلا. # وإذا قيل: قول الكرامية قول خارج عن إجماع المسلمين، قيل: وقول جهم في ~~الإيمان قول خارج عن إجماع المسلمين قبله، بل السلف كفروا من يقول بقول جهم ~~في الإيمان. وقد احتج الناس على فساد قول الكرامية بحجج صحيحة، والحجج من ~~جنسها على فساد قول الجهمية أكثر، مثل قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا ~~بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] ، قالوا: فقد نفى الله ~~الإيمان عن المنافقين. # فنقول: هذا حق، فإن المنافق ليس بمؤمن، وقد ضل من سماه مؤمنا، وكذلك من ~~قام بقلبه علم وتصديق وهو يجحد الرسول ويعاديه، كاليهود وغيرهم، سماهم الله ~~كفارا لم يسمهم مؤمنين قط ولا دخلوا في شيء من أحكام الإيمان، بخلاف ~~المنافق فإنه يدخل في أحكام الإيمان الظاهرة في الدنيا، بل قد نفى الله ~~الإيمان عمن قال بلسانه وقلبه إذا لم يعمل، كما قال تعالى: {قالت الأعراب ~~آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} إلى قوله: {إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 14، 15] ، فنفى الإيمان عمن سوى # PageV01P116 # هؤلاء. وقال تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق ~~منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} [النور: 47] ، والتولي هو: التولي عن ~~الطاعة كما قال تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى ms098 فريق ~~منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} [الفتح: 16] . وقال تعالى: {فلا صدق ~~ولا صلى ولكن كذب وتولى} [القيامة: 31، 32] ، وقد قال تعالى: {لا يصلاها ~~إلا الأشقى الذي كذب وتولى} [الليل: 15، 16] ، وكذلك قال موسى وهارون: {إنا ~~قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى} [طه: 48] . فعلم أن التولي ليس ~~هو التكذيب، بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول ~~فيما أخبر، ويطيعوه فيما أمر. وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة التولي؛ ~~فلهذا قال: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى} [القيامة 31: 32] ، وقد قال ~~تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك ~~وما أولئك بالمؤمنين} [النور: 47] ، فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل، وإن ~~كان قد أتى بالقول، وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} [النور: 62] ، وقال: ~~{إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] . # ففي القرآن والسنة من نفى الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع كثيرة، كما ~~نفى فيها الإيمان عن المنافق. وأما العالم بقلبه مع المعاداة والمخالفة ~~الظاهرة، فهذا لم يسم قط مؤمنا، وعند الجهمية إذا كان العلم في قلبه فهو ~~مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان النبيين، ولو قال وعمل ماذا عسى أن يقول ~~ويعمل؟ ولا يتصور عندهم أن ينتفى عنه الإيمان إلا إذا زال ذلك العلم من ~~قلبه. # ثم أكثر المتأخرين الذين نصروا قول جهم يقولون بالإستثناء في الإيمان، ~~ويقولون: الإيمان في الشرع هو ما يوافي به العبد ربه، وإن كان في اللغة أعم ~~من ذلك، فجعلوا في مسألة الإستثناء مسمى الإيمان ما ادعوا أنه مسماه في ~~الشرع، وعدلوا عن اللغة، فهلا فعلوا هذا في الأعمال. ودلالة الشرع على أن # PageV01P117 # الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا تحصى كثرة، بخلاف دلالته على أنه لا ~~يسمى إيمانا؛ إلا ما مات الرجل عليه فإنه ليس في الشرع ما يدل على هذا، وهو ~~قول محدث لم يقله أحد من السلف، لكن هؤلاء ظنوا أن ms099 الذين استثنوا في ~~الإيمان من السلف كان هذا مأخذهم؛ لأن هؤلاء وأمثالهم لم يكونوا خبيرين ~~بكلام السلف، بل ينصرون ما يظهر من أقوالهم بما تلقوه عن المتكلمين من ~~الجهمية ونحوهم من أهل البدع، فيبقى الظاهر قول السلف، والباطن قول الجهمية ~~الذين هم أفسد الناس مقالة في الإيمان. وسنذكر إن شاء الله أقوال السلف في ~~الاستثناء في الإيمان ولهذا لما صار يظهر لبعض أتباع أبي الحسن فساد قول ~~جهم في الإيمان، خالفه كثير منهم، فمنهم من اتبع السلف. # قال أبو القاسم الأنصاري شيخ الشهرستاني في [شرح الإرشاد] لأبي المعالي، ~~بعد أن ذكر قول أصحابه قال: وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات، ~~فرضها ونفلها، وعبروا عنه بأنه إتيان ما أمر الله به فرضا ونفلا، والانتهاء ~~عما نهى عنه تحريما وأدبا. قال: وبهذا كان يقول أبو علي الثقفي من متقدمي ~~أصحابنا، وأبو العباس القلانسي. # وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبد الله بن مجاهد قال: وهذا قول مالك بن أنس ~~إمام دار الهجرة، ومعظم أئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين. # وكانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. ~~ومنهم من يقول بقول المرجئة: إنه التصديق بالقلب واللسان. # ومنهم من قال: إذا ترك التصديق باللسان عنادا كان كافرا بالشرع، وإن كان ~~في قلبه التصديق والعلم. وكذلك قال أبو إسحاق الإسفرائيني. # قال الأنصاري: رأيت في تصانيفه أن المؤمن إنما يكون مؤمنا حقا إذا حقق ~~إيمانه بالأعمال الصالحة، كما أن العالم إنما يكون عالما حقا إذا عمل بما ~~علم، واستشهد بقول الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا # PageV01P118 # تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} إلى قوله: {أولئك هم المؤمنون حقا} ~~[الأنفال 2: 4] وقال أيضا أبو إسحاق: حقيقة الإيمان في اللغة: التصديق، ولا ~~يتحقق ذلك إلا بالمعرفة والائتمار، وتقوم الإشارة والإنقياد مقام العبارة. # وقال أيضا أبو إسحاق في كتاب [الأسماء والصفات] : اتفقوا على أن ما يستحق ~~به المكلف اسم الإيمان في الشريعة أوصاف كثيرة، وعقائد مختلفة، وإن اختلفوا ~~فيها على تفصيل ذكروه، ms100 واختلفوا في إضافة ما لا يدخل في جملة التصديق إليه ~~لصحة الاسم، فمنها ترك قتل الرسول، وترك إيذائه، وترك تعظيم الأصنام، فهذا ~~من التروك، ومن الأفعال نصرة الرسول والذب عنه، وقالوا: إن جميعه يضاف إلى ~~التصديق شرعا، وقال آخرون: إنه من الكبائر، لا يخرج المرء بالمخالفة فيه عن ~~الإيمان. # قلت: وهذان القولان ليسا قول جهم، لكن من قال ذلك فقد اعترف بأنه ليس ~~مجرد تصديق القلب، وليس هو شيئا واحدا، وقال: إن الشرع تصرف فيه، وهذا يهدم ~~أصلهم؛ ولهذا كان حذاق هؤلاء، كجهم، والصالحي، وأبي الحسن، والقاضي أبي ~~بكر، على أنه لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بزوال العلم من قلبه. # قال أبو المعالي: [باب في ذكر الأسماء والأحكام] : اعلم أن غرضنا في هذا ~~الباب يستدعى تقديم ذكر حقيقة الإيمان. قال: وهذا مما تباينت فيه مذاهب ~~الإسلاميين، ثم ذكر قول الخوارج، والمعتزلة، والكرامية، ثم قال: وأما مذاهب ~~أصحابنا، فصار أهل التحقيق من أصحاب الحديث والنظار منهم إلى أن الإيمان هو ~~التصديق، وبه قال شيخنا أبو الحسن رحمة الله عليه واختلف رأيه في معنى ~~التصديق؛ وقال مرة: المعرفة بوجوده وقدمه وإلهيته، وقال مرة: التصديق: قول ~~في النفس، غير أنه يتضمن المعرفة، ولا يصح أن يوجد دونها، وهذا مقتضاه، فإن ~~التصديق والتكذيب والصدق والكذب بالأقوال أجدر فالتصديق إذا قول في النفس ~~يعبر عنه باللسان، فتوصف العبادة بأنها تصديق؛ # PageV01P119 # لأنها عبارة عن التصديق. وقال بعض أصحابنا: التصديق لا يتحقق إلا بالقول ~~والمعرفة جميعا، فإذا اجتمعا كانا تصديقا واحدا. # ومنهم من اكتفى بترك العناد، فلم يجعل الإقرار أحد ركني الإيمان، فيقول: ~~الإيمان هو التصديق بالقلب، وأوجب ترك العناد بالشرع، وعلى هذا الأصل يجوز ~~أن يعرف الكافر الله، وإنما يكفر بالعناد لا لأنه ترك ما هو الأهم في ~~الإيمان. # وعلى هذا الأصل يقال: إن اليهود كانوا عالمين بالله ونبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، إلا أنهم كفروا عنادا وبغيا وحسدا، قال: وعلى قول شيخنا أبي ~~الحسن: كل من حكمنا بكفره فنقول: إنه لا يعرف الله ms101 أصلا ولا عرف رسوله ولا ~~دينه، قال أبو القاسم الأنصاري تلميذه: كأن المعنى: لا حكم لإيمانه ولا ~~لمعرفته شرعا. # قلت: وليس الأمر على هذا القول كما قاله الأنصاري هذا، ولكن على قولهم: ~~المعاند كافر شرعا، فيجعل الكفر تارة بانتفاء الإيمان الذي في القلب وتارة ~~بالعناد، ويجعل هذا كافرا في الشرع، وإن كان معه حقيقة الإيمان الذي هو ~~التصديق، ويلزمه أن يكون كافرا في الشرع، مع أن معه الإيمان الذي هو مثل ~~إيمان الأنبياء والملائكة. والحذاق في هذا المذهب، كأبي الحسن، والقاضي ومن ~~قبلهم من أتباع جهم، عرفوا أن هذا تناقض يفسد الأصل فقالوا: لا يكون أحد ~~كافرا إلا إذا ذهب ما في قلبه من التصديق والتزموا أن كل من حكم الشرع ~~بكفره، فإنه ليس في قلبه شيء من معرفة الله ولا معرفة رسوله؛ ولهذا أنكر ~~هذا عليهم جماهير العقلاء، وقالوا: هذا مكابرة وسفسطة. # وقد احتجوا على قولهم بقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم ~~أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} الآية [المجادلة: 22] قالوا: ~~ومفهوم هذا، إن من لم يعمل بمقتضاه لم يكتب في قلوبهم الإيمان. # PageV01P120 # قالوا: فإن قيل: معناه لا يؤمنون إيمانا مجزئا معتدا به، أو يكون المعنى: ~~لا يؤدون حقوق الإيمان، ولا يعملون بمقتضاه، قلنا: هذا عام لا يخصص إلا ~~بدليل. # فيقال لهم: هذه الآية فيها نفي الإيمان عمن يواد المحادين لله ورسوله، ~~وفيها أن من لا يواد المحادين لله ورسوله فإن الله كتب في قلوبهم الإيمان، ~~وأيدهم بروح منه، وهذا يدل على مذهب السلف أنه لابد في الإيمان من محبة ~~القلب لله ولرسوله، ومن بغض من يحاد الله ورسوله، ثم لم تدل الآية على أن ~~العلم الذي في قلوبهم بأن محمدا رسول الله يرتفع لا يبقى منه شيء، والإيمان ~~الذي كتب في القلب ليس هو مجرد العلم والتصديق، بل هو تصديق القلب وعمل ~~القلب؛ ولهذا قال: {وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من ms102 تحتها الأنهار ~~خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون} [المجادلة: 22] فقد وعدهم بالجنة. وقد اتفق الجميع على أن الوعد ~~بالجنة لا يكون إلا مع الإتيان بالمأمور به وترك المحظور، فعلم أن هؤلاء ~~الذين كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، قد أدوا الواجبات التي بها ~~يستحقون ما وعد الله به الأبرار المتقين، ودل هذا على أن الفساق لم يدخلوا ~~في هذا الوعد، ودلت هذه الآية على أنه لا يوجد مؤمن يواد الكفار، ومعلوم أن ~~خلقا كثيرا من الناس يعرف من نفسه أن التصديق في قلبه لم يكذب الرسول، وهو ~~مع هذا يواد بعض الكفار، فالسلف يقولون: ترك الواجبات الظاهرة دليل على ~~إنتفاء الإيمان الواجب من القلب، لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب الذي هو ~~حب الله ورسوله وخشية الله، ونحو ذلك لا يستلزم أن لا يكون في القلب من ~~التصديق شيء، وعند هؤلاء كل من نفى الشرع إيمانه دل على أنه ليس في قلبه ~~شيء من التصديق أصلا، وهذا سفسطة عند جماهير العقلاء. # وكذلك حكى ابن فورك عن أبي الحسن الأشعري قال: الإيمان هو اعتقاد صدق ~~المخبر فيما يخبر به اعتقادا هو علم، ومنه اعتقاد ليس بعلم، والإيمان بالله ~~وهو اعتقاد صدقه إنما يصح إذا كان عالما بصدقه في إخباره، وإنما يكون كذلك ~~إذا كان # PageV01P121 # عالما بأنه يتكلم والعلم بأنه متكلم بعد العلم بأنه حي، والعلم بأنه حي ~~بعد العلم بأنه فاعل، والعلم بأنه فاعل بعد العلم بالفعل، وهو كون العالم ~~فعلا له، وقال: وكذلك يتضمن العلم بكونه قادرا وله قدرة وعالما وله علم، ~~ومريدا وله إرادة، وسائر ما لا يصح العلم بالله إلا بعد العلم به من شرائط ~~الإيمان. # قلت: هذا مما اختلف فيه قول الأشعري، وهو أن الجهل ببعض الصفات، هل يكون ~~جهلا بالموصوف، أم لا؟ على قولين، والصحيح الذي عليه الجمهور وهو آخر ~~قوليه، أنه لا يستلزم الجهل بالموصوف، وجعل إثبات الصفات من الإيمان، مما ~~خالف فيه ms103 الأشعري جهما فإن جهما غال في نفي الصفات، بل وفي نفي الأسماء. # قال أبو الحسن: ثم السمع ورد بضم شرائط أخر إليه، وهو ألا يقترن به ما ~~يدل على كفر من يأتيه فعلا وتركا، وهو أن الشرع أمره بترك العبادة والسجود ~~للصنم، فلو أتى به دل على كفره، وكذلك من قتل نبيا واستخف به، دل على كفره، ~~وكذلك لو ترك تعظيم المصحف أو الكعبة دل على كفره، قال: وأحد ما استدللنا ~~به على كفره ما منع الشرع، أن يقرن بالإيمان أو أوجب ضمه إلى الإيمان لو ~~وجد دلنا ذلك على أن التصديق الذي هو الإيمان مفقود من قلبه، وكذلك كل ما ~~كفر به المخالف من طريق التأويل فإنما كفرناه به لدلالته على فقد ما هو ~~إيمان من قلبه؛ لاستحالة أن يقضي السمع بكفر من معه الإيمان والتصديق ~~بقلبه. # فيقال: لا ريب أن الشارع لا يقضي بكفر من معه الإيمان بقلبه، لكن دعواكم ~~أن الإيمان هو التصديق وإن تجرد عن جميع أعمال القلب غلط؛ ولهذا قالوا: ~~أعمال التصديق والمعرفة من قلبه، ألا ترى أن الشريعة حكمت بكفره، والشريعة ~~لا تحكم بكفر المؤمن المصدق؛ ولهذا نقول: إن كفر إبليس لعنه الله كان أشد ~~من كفر كل كافر، وأنه لم يعرف الله بصفاته قطعا، ولا آمن به إيمانا حقيقيا ~~باطنا وإن وجد منه القول والعبادة، وكذلك اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم ~~من الكفرة لم يوجد في قلوبهم حقيقة الإيمان المعتد به في حال حكمنا # PageV01P122 # لهم بالكفر. قال الله تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل ~~إليه ما اتخذوهم أولياء} [لمائدة: 18] ، وقوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم} الآية [النساء: 56] ، فجعل الله هذه الأمور شرطا في ~~ثبوت حكم الإيمان، فثبت أن الإيمان المعرفة بشرائط لا يكون معتدا به دونها. # فيقال: إن قلتم: إنه ضم إلى معرفة القلب شروطا في ثبوت الحكم أو الاسم، ~~لم يكن هذا قول جهم، بل يكون هذا قول من جعل الإيمان كالصلاة، والحج هو وإن ~~كان في ms104 اللغة بمعنى القصد والدعاء، لكن الشارع ضم إليه أمورا إما في الحكم ~~وإما في الحكم والاسم، وهذا القول قد سلم صاحبه أن حكم الإيمان المذكور في ~~الكتاب والسنة لا يثبت بمجرد تصديق القلب، بل لابد من تلك الشرائط، وعلى ~~هذا فلا يمكنه جعل الفاسق مؤمنا إلا بدليل يدل على ذلك، لا بمجرد قوله: إن ~~معه تصديق القلب، ومن جعل الإيمان هو تصديق القلب يقول: كل كافر في النار ~~ليس معهم من التصديق بالله شيء، لا مع إبليس ولا مع غيره، وقد قال الله ~~تعالى: {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم ~~تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن ~~الله قد حكم بين العباد} [غافر: 47، 48] وقال تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى ~~جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم ~~يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة ~~العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] ، فقد اعترفوا بأن الرسل أتتهم وتلت ~~عليهم آيات ربهم وأنذرتهم لقاء يومهم هذا، فقد عرفوا الله ورسوله واليوم ~~الآخر وهم في الآخرة كفار. # وقال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى ~~قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء} [الملك: 8، 9] ، فقد كذبوا ~~بوجوده وكذبوا بتنزيله، وأما في الآخرة فعرفوا الجميع، وقال تعالى: {ولو ~~ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون} [الأنعام: 30] ، # وقال تعالى: {وجاءت # PageV01P123 # سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد. ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد. ~~وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد. لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ~~فبصرك اليوم حديد} [ق: 19: 22] ، إلى آيات أخر كثيرة تدل على أن الكفار في ~~الآخرة يعرفون ربهم فإن كان مجرد المعرفة إيمانا كانوا مؤمنين في الآخرة. ~~فإن قالوا: الإيمان في الآخرة لا ينفع، وإنما الثواب على الإيمان ms105 في ~~الدنيا. # قيل: هذا صحيح، لكن إذا لم يكن الإيمان إلا مجرد العلم، فهذه الحقيقة لا ~~تختلف، فإن لم يكن العمل من الإيمان، فالعارف في الآخرة لم يفته شيء من ~~الإيمان، لكن أكثر ما يدعونه أنه حين مات لم يكن في قلبه من التصديق بالرب ~~شيء، ونصوص القرآن في غير موضع تدل على أن الكفار كانوا في الدنيا مصدقين ~~بالرب، حتى فرعون الذي أظهر التكذيب كان في باطنه مصدقا، قال تعالي: ~~{وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} [النمل: 14] ، وكما قال موسى ~~لفرعون: {قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصآئر} ~~[الإسراء: 102] ، ومع هذا لم يكن مؤمنا؛ بل قال موسى: {ربنا اطمس على ~~أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 88] ~~قال الله: {قد أجيبت دعوتكما} [يونس: 89] ، ولما قال فرعون: {آمنت أنه لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} [يونس: 90] . قال الله: {آلآن وقد عصيت ~~قبل وكنت من المفسدين} [يونس: 91] فوصفه بالمعصية، ولم يصفه بعدم العلم في ~~الباطن كما قال: {فعصى فرعون الرسول} [المزمل: 16] ، وكما قال عن إبليس: ~~{فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين} [ص: 73، ~~74] ، # فلم يصفه إلا بالإباء والاستكبار ومعارضته الأمر، لم يصفه بعدم العلم، ~~وقد أخبر الله عن الكفار في غير موضع أنهم كانوا معترفين بالصانع في مثل ~~قوله: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون} [الزخرف: 87] . # ثم يقال لهم: إذا قلتم هوالتصديق بالقلب، أو باللسان، أو بهما، فهل هو ~~التصديق المجمل؟ أو لابد فيه من التفصيل؟ فلو صدق أن محمدا رسول الله # PageV01P124 # ولم يعرف صفات الحق، هل يكون مؤمنا أم لا؟ فإن جعلوه مؤمنا، قيل: فإذا ~~بلغه ذلك فكذب به، لم يكن مؤمنا باتفاق المسلمين، فصار بعض الإيمان أكمل من ~~بعض، وإن قالوا: لا يكون مؤمنا، لزمهم أن لا يكون أحد مؤمنا حتى يعرف تفصيل ~~كل ما أخبر به الرسول، ومعلوم أن أكثر الأمة لا يعرفون ذلك وعندهم الإيمان ~~لا يتفاضل إلا بالدوام فقط. # قال أبو ms106 المعالي: فإن قال القائل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان المنهمك في ~~فسقه كإيمان النبي صلىالله عليه وسلم. # قلنا: الذي يفضل إيمانه على إيمان من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله ~~إياه من مخامرة الشكوك واختلاج الريب. والتصديق عرض من الأعراض لا يبقى وهو ~~متوال للنبي صلى الله عليه وسلم ثابت لغيره في بعض الأوقات، وزائل عنه في ~~أوقات الفترات، فيثبت للنبي صلى الله عليه وسلم أعداد من التصديق، ولا يثبت ~~لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه لذلك أكثر وأفضل، قال: ولو وصف الإيمان ~~بالزيادة والنقصان، وأريد به ذلك، كان مستقيما. # قلت: فهذا هو الذي يفضل به النبي غيره في الإيمان عندهم، ومعلوم أن هذا ~~في غاية الفساد من وجوه كثيرة، كما قد بسط في مواضع أخرى. # فصل # قال الذين نصروا مذهب جهم في الإيمان من المتأخرين كالقاضي أبي بكر وهذا ~~لفظه فإن قال قائل: وما الإسلام عندكم؟ قيل له: الإسلام: الإنقياد ~~والاستسلام، فكل طاعة انقاد العبد بها لربه واستسلم فيها لأمره فهي إسلام، ~~والإيمان: خصلة من خصال الإسلام، وكل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانا، # PageV01P125 # فإن قال: فلم قلتم: أن معنى الإسلام ما وصفتم؟ قيل: لأجل قوله تعالى: ~~{قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14] ، فنفى ~~عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام، وإنما أراد بما أثبته الإنقياد ~~والاستسلام، ومنه: {وألقوا إليكم السلم} [النساء: 90] ، وكل من استسلم لشيء ~~فقد أسلم، وإن كان أكثر ما يستعمل ذلك في المستسلم لله ولنبيه. # قلت: وهذا الذي ذكروه مع بطلانه ومخالفته للكتاب والسنة هو تناقض، فإنهم ~~جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام، فالطاعات كلها إسلام وليس فيها إيمان ~~إلا التصديق، والمرجئة وإن قالوا: إن الإيمان يتضمن الإسلام فهم يقولون: ~~الإيمان هو تصديق القلب واللسان، وأما الجهمية فيجعلونه تصديق القلب، فلا ~~تكون الشهادتان، ولا الصلاة، ولا الزكاة، ولا غيرهن من الإيمان، وقد تقدم ~~ما بينه الله ورسوله، من أن الإسلام داخل في الإيمان، فلا يكون الرجل مؤمنا ~~حتى يكون مسلما، كما أن الإيمان داخل في الإحسان، ms107 فلا يكون محسنا حتى يكون ~~مؤمنا. # وأما التناقض، فإنهم إذا قالوا: الإيمان خصلة من خصال الإسلام، كان من ~~أتى بالإيمان إنما أتى بخصلة من خصال الإسلام، لا بالإسلام الواجب جميعه، ~~فلا يكون مسلما حتى يأتي بالإسلام كله، كما لا يكون عندهم مؤمنا، حتى يأتي ~~بالإيمان كله، وإلا فمن أتى ببعض الإيمان عندهم لا يكون مؤمنا، ولا فيه شيء ~~من الإيمان، فكذلك يجب أن يقولوا في الإسلام، وقد قالوا: كل إيمان إسلام، ~~وليس كل إسلام إيمانا، وهذا إن أرادوا به أن كل إيمان هو الإسلام الذي أمر ~~الله به، ناقض قولهم: إن الإيمان خصلة من خصاله، فجعلوا الإيمان بعضه ولم ~~يجعلوه إياه، وإن قالوا: كل إيمان فهو إسلام، أي: هو طاعة لله، وهو جزء من ~~الإسلام الواجب، وهذا مرادهم. قيل لهم: فعلى هذا يكون الإسلام متعددا بتعدد ~~الطاعات، وتكون الشهادتان وحدهما إسلاما، والصلاة وحدها إسلاما، والزكاة ~~إسلاما، بل كل درهم تعطيه للفقير إسلاما، وكل سجدة إسلاما، وكل يوم تصومه ~~إسلاما، وكل تسبيحة تسبحها في الصلاة أو غيرها إسلاما. # PageV01P126 # ثم المسلم إن كان لا يكون مسلما إلا بفعل كل ما سميتموه إسلاما، لزم أن ~~يكون الفساق ليسوا مسلمين مع كونهم مؤمنين، فجعلتم المؤمنين الكاملي ~~الإيمان عندكم ليسوا مسلمين وهذا شر من قول الكرامية، ويلزم أن الفساق من ~~أهل القبلة ليسوا مسلمين، وهذا شر من قول الخوارج والمعتزلة وغيرهم، بل وأن ~~يكون من ترك التطوعات ليس مسلما، إذ كانت التطوعات طاعة لله، إن جعلتم كل ~~طاعة فرضا أو نفلا إسلاما. # ثم هذا خلاف ما احتججتم به من قوله للأعراب: {لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا} [الحجرات: 14] . فأثبت لهم الإسلام دون الإيمان، وأيضا فإخراجكم ~~الفساق من اسم الإسلام إن أخرجتموهم، أعظم شناعة من إخراجهم من اسم ~~الإيمان، فوقعتم في أعظم ما عبتموه على المعتزلة، فإن الكتاب والسنة تنفي ~~عنهم اسم الإيمان أعظم مما تنفي اسم الإسلام، واسم الإيمان في الكتاب ~~والسنة أعظم. # وإن قلتم: بل كل من فعل طاعة سمى مسلما، لزم أن يكون من ms108 فعل طاعة من ~~الطاعات ولم يتكلم بالشهادتين مسلما، ومن صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه أن ~~يكون مسلما عندكم، لأن الإيمان عندكم إسلام، فمن أتى به فقد أتى بالإسلام، ~~فيكون مسلما عندكم من تكلم بالشهادتين ولا أتى بشيء من الأعمال. # واحتجاجكم بقوله: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} ~~[الحجرات: 14] ، قلتم: نفي عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام. فيقال: هذه ~~الآية حجة عليكم؛ لأنه لما أثبت لهم الإسلام مع انتفاء الإيمان، دل ذلك على ~~أن الإيمان ليس بجزء من الإسلام، إذ لو كان بعضه لما كانوا مسلمين إن لم ~~يأتوا به، وإن قلتم: أردنا بقولنا: أثبت لهم الإسلام أي إسلاما ما، فإن كل ~~طاعة من الإسلام إسلام عندنا، لزمكم ما تقدم، من أن يكون صوم يوم إسلاما، ~~وصدقة درهم إسلاما، وأمثال ذلك. # PageV01P127 # وهم يقولون: كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، قالوا: هذا من حيث ~~الإطلاق، وإلا فالتفصيل ما ذكرناه من أن الإيمان خصلة من خصال الإسلام ~~والدين، وليس هو جميع الإسلام والدين، فإن الإسلام هو الاستسلام لله بفعل ~~كل طاعة وقعت موافقة للأمر. والإيمان أعظم خصلة من خصال الإسلام، واسم ~~الإسلام شامل لكل طاعة انقاد بها العبد لله، من إيمان، وتصديق، وفرض سواه، ~~ونفل، غير أنه لا يصلح التقرب بفعل ما عدا الإيمان من الطاعات دون تقديم ~~فعل الإيمان. قالوا: والدين مأخوذ من التدين، وهو قريب من الإسلام في ~~المعنى. # فيقال لهم: إذا كان هذا قولكم، فقولكم: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا، ~~يناقض هذا؛ فإن المسلم هو المطيع لله، ولا تصح الطاعة من أحد إلا مع ~~الإيمان، فيمتنع أن يكون أحد فعل شيئا من الإسلام إلا وهو مؤمن، ولو كان ~~ذلك أدنى الطاعات، فيجب أن يكون كل مسلم مؤمنا، سواء أريد بالإسلام فعل ~~جميع الطاعات، أو فعل واحدة منها، وذلك لا يصح كله إلا مع الإيمان، وحينئذ ~~فالآية حجة عليكم لا لكم. # ثم قولكم: كل مؤمن مسلم، إن كنتم تريدون بالإيمان تصديق القلب فقط، فيلزم ~~أن يكون ms109 الرجل مسلما ولو لم يتكلم بالشهادتين ولا أتى بشيء من الأعمال ~~المأمور بها، وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام، بل عامة ~~اليهود والنصارى يعلمون أن الرجل لا يكون مسلما حتى يأتي بالشهادتين أو ما ~~يقوم مقامهما، وقولكم: كل مؤمن مسلم، لا يريدون أنه أتى بالشهادتين ولا ~~بشيء من المباني الخمس، بل أتى بما هو طاعة وتلك طاعة باطنة، وليس هذا هو ~~المسلم المعروف في الكتاب والسنة، ولا عند الأئمة الأولين والآخرين، ثم ~~استدللتم بالآية، والأعراب إنما أتوا بإسلام ظاهر نطقوا فيه بالشهادتين، ~~سواء كانوا صادقين أو كاذبين، فأثبت الله لهم الإسلام دون الإيمان، فيظن من ~~لا يعرف حقيقة الأمر أن هذا هو قول السلف الذي دل عليه الكتاب والسنة من أن ~~كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا، وبينهما من التباين أعظم مما بين قول ~~السلف. # PageV01P128 # وقول المعتزلة في الإيمان والإسلام، فإن قول المعتزلة في الإيمان ~~والإسلام أقرب من قول الجهمية بكثير، ولكن قولهم في تخليد أهل القبلة أبعد ~~عن قول السلف من قول الجهمية. # فالمتأخرون الذين نصروا قول جهم في مسألة الإيمان يظهرون قول السلف في ~~هذا وفي الاستثناء، وفي انتفاء الإيمان الذي في القلب حيث نفاه القرآن ونحو ~~ذلك. وذلك كله موافق للسلف في مجرد اللفظ، وإلا فقولهم في غاية المباينة ~~لقول السلف، ليس في الأقوال أبعد عن السلف منه، وقول المعتزلة والخوارج ~~والكرامية في اسم الإيمان، والإسلام أقرب إلى قول السلف من قول الجهمية، ~~لكن المعتزلة والخوارج يقولون بتخليد العصاة، وهذا أبعد عن قول السلف من كل ~~قول، فهم أقرب في الاسم وأبعد في الحكم، والجهمية وإن كانوا في قولهم بأن ~~الفساق لا يخلدون أقرب في الحكم إلى السلف، فقولهم في مسمى الإسلام ~~والإيمان وحقيقتهما أبعد من كل قول عن الكتاب والسنة، وفيه من مناقضة العقل ~~والشرع واللغة ما لا يوجد مثله لغيرهم. # فصل # ومما يدل من القرآن على أن الإيمان المطلق مستلزم للأعمال قوله تعالى: ~~{إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا ms110 وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون} [السجدة: 15] ، فنفى الإيمان عن غير هؤلاء، فمن كان إذا ذكر ~~بالقرآن لا يفعل ما فرضه الله عليه من السجود لم يكن من المؤمنين، وسجود ~~الصلوات الخمس فرض باتفاق المسلمين، وأما سجود التلاوة ففيه نزاع، وقد يحتج ~~بهذه الآية من يوجبه، لكن ليس هذا موضع بسط هذه المسألة، فهذه الآية مثل ~~قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم} [الحجرات: 15] ، وقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] ، وقوله {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} [النور: 62] ، ~~ومن ذلك قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا ~~وتعلم الكاذبين لا # PageV01P129 # يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون} [التوبة: 43: 45] . # وهذه الآية مثل قوله {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من ~~حاد الله ورسوله} [المجادلة: 22] ، وقوله: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي ~~وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} [المائدة: 81] ، بين سبحانه أن الإيمان ~~له لوازم وله أضداد موجودة تستلزم ثبوت لوازمه وانتفاء أضداده ومن أضداده ~~موادة من حاد الله ورسوله، ومن أضداده استئذانه في ترك الجهاد، ثم صرح بأن ~~استئذانه إنما يصدر من الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ودل قوله: ~~{والله عليم بالمتقين} [التوبة: 44] على أن المتقين هم المؤمنون. # ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو ~~مؤمن " وقوله: " لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه " وقوله: " لا تؤمنوا حتى ~~تحابوا " وقوله: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس ~~أجمعين " وقوله: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه " ~~وقوله: " من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا ". # فصل # وأما إذا قيد الإيمان، فقرن بالإسلام أو بالعمل الصالح، فإنه ms111 قد يراد به ~~ما في القلب من الإيمان باتفاق الناس، وهل يراد به أيضا المعطوف عليه، ~~ويكون # PageV01P130 # من باب عطف الخاص على العام، أو لا يكون حين الاقتران داخلا في مسماه؟ بل ~~يكون لازما له، على مذهب أهل السنة، أو لا يكون بعضا ولا لازما، هذا فيه ~~ثلاثة أقوال للناس، كما سيأتي إن شاء الله، وهذا موجود في عامة الأسماء ~~يتنوع مسماها بالإطلاق والتقييد، مثال ذلك اسم المعروف والمنكر إذا أطلق ~~كما في قوله تعالى: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} [الأعراف: 157] ، ~~وقوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل ~~عمران: 110] ، وقوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر} [التوبة: 71] ، يدخل في المعروف كل خير، وفي ~~المنكر كل شر. # ثم قد يقرن بما هو أخص منه كقوله: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر ~~بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} [النساء: 114] ، فغاير بين المعروف ~~وبين الصدقة والإصلاح بين الناس كما غاير بين اسم الإيمان والعمل، واسم ~~الإيمان والإسلام وكذلك قوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء} ~~[العنكبوت: 45] ، غاير بينهما وقد دخلت الفحشاء في المنكر في قوله: {وينهون ~~عن المنكر} ثم ذكر مع المنكر اثنين في قوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} [النحل: 90] ، جعل ~~البغي هنا مغايرا لهما، وقد دخل في المنكر في ذينك الموضعين. # ومن هذا الباب لفظ [العبادة] فإذا أمر بعبادة الله مطلقا دخل في عبادته ~~كل ما أمر الله به، فالتوكل عليه مما أمر به والاستعانة به مما أمر به، ~~فيدخل ذلك في مثل قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] ~~، وفي قوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} [النساء: 36] ، وقوله: {يا ~~أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} [البقرة: 21] ، وقوله: {إنا أنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين} [الزمر: 2] ، {قل الله أعبد ~~مخلصا له ديني} [الزمر: 14] ، وقوله: {أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون} [الزمر: 64] # ثم قد يقرن بها ms112 اسم آخر، كما في قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} # PageV01P131 # [الفاتحة: 5] ، وقوله: {فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123] ، وقول نوح: ~~{اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} [نوح: 3] ، وكذلك إذا أفرد اسم [طاعة الله] ~~دخل في طاعته كل ما أمر به وكانت طاعة الرسول داخلة في طاعته، وكذا اسم ~~[التقوى] إذا أفرد دخل فيه فعل كل مأمور به وترك كل محظور، قال طلق بن ~~حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو رحمة الله، وأن ~~تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عذاب الله، وهذا كما في قوله: {إن ~~المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر} [القمر: 54، 55] . # وقد يقرن بها اسم آخر، كقوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 2، 3] ، وقوله: {إنه من ~~يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} [يوسف: 90] ، وقوله: {واتقوا ~~الله الذي تساءلون به والأرحام} [النساء: 1] ، وقوله: {اتقوا الله وقولوا ~~قولا سديدا} [الأحزاب: 70] ، وقوله: {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ~~[التوبة: 119] ، وقوله: {اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ~~[آل عمران: 102] ، وأمثال ذلك. # فقوله: {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70] ، مثل قوله: {آمنوا ~~بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد: 7] ، وقوله: {آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملآئكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} ~~[البقرة: 285] ، فعطف قولهم على الإيمان، كما عطف القول السديد على التقوى، ~~ومعلوم أن التقوى إذا أطلقت دخل فيها القول السديد، وكذلك الإيمان إذا أطلق ~~دخل فيه السمع والطاعة لله وللرسول، وكذلك قوله: {آمنوا بالله ورسوله} ، ~~وإذا أطلق الإيمان بالله في حق أمة محمد دخل فيه الإيمان بالرسول، وكذلك ~~قوله: {كل آمن بالله وملآئكته وكتبه ورسله} ، وإذا أطلق الإيمان بالله دخل ~~فيه الإيمان بهذه التوابع، وكذلك قوله: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك} [البقرة: 4] ، وقوله: {قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا وما ms113 ~~أنزل إلى إبراهيم} الآية [البقرة: 136] . # PageV01P132 # وإذا قيل: {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي} [الأعراف: 185] ، دخل في ~~الإيمان برسوله الإيمان بجميع الكتب والرسل والنبيين، وكذلك إذا قيل: ~~{وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] ، وإذا قيل: {آمنوا ~~بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد: 7] ، دخل في ~~الإيمان بالله ورسوله الإيمان بذلك كله، والإنفاق يدخل في قوله في الآية ~~الأخرى: {آمنوا بالله ورسوله} كما يدخل القول السديد في مثل قوله: {ولقد ~~وصينا الذين أوتوا الكتاب} [النساء: 131] . # وكذلك لفظ [البر] إذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به كما في قوله: {إن ~~الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} [الإنفطار: 13، 14] ، وقوله: {ولكن ~~البر من اتقى} [البقرة: 189] وقوله: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملآئكة والكتاب والنبيين ~~وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين ~~وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ~~في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} ~~[البقرة: 177] ، فالبر إذا أطلق كان مسماه مسمى التقوى، والتقوى إذا أطلقت ~~كان مسماها مسمى البر، ثم قد يجمع بينهما كما في قوله تعالى: {وتعاونوا على ~~البر والتقوى} [المائدة: 2] . # وكذلك لفظ [الإثم] إذا أطلق دخل فيه كل ذنب، وقد يقرن بالعدوان، كما في ~~قوله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] ، وكذلك لفظ ~~[الذنوب] إذا أطلق دخل فيه ترك كل واجب وفعل كل محرم، كما في قوله: {قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53] ، ثم قد يقرن بغيره كما في قوله: ~~{ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} [آل عمران: 147] ، وكذلك لفظ ~~الهدى إذا أطلق تناول العلم الذي بعث الله به رسوله والعمل به جميعا، فيدخل ~~فيه كل ما أمر الله به، كما في قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] ~~، والمراد طلب العلم بالحق والعمل به جميعا، وكذلك قوله: {هدى للمتقين} ~~[البقرة: ms114 2] ، والمراد # PageV01P133 # به أنهم يعلمون ما فيه ويعملون به؛ ولهذا صاروا مفلحين، وكذلك قول أهل ~~الجنة: {الحمد لله الذي هدانا لهذا} [الأعراف: 43] ، وإنما هداهم؛ بأن ~~ألهمهم العلم النافع، والعمل الصالح. # ثم قد يقرن الهدى إما بالاجتباء كما في قوله: {واجتبيناهم وهديناهم إلى ~~صراط مستقيم} [الأنعام: 87] ، وكما في قوله: {شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه} ~~[النحل: 121] ، {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} [الشورى: 13] ~~، وكذلك قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} [الصف: 9] ، ~~والهدى هنا هو الإيمان ودين الحق هو الإسلام، وإذا أطلق الهدى كان كالإيمان ~~المطلق يدخل فيه هذا وهذا. # ولفظ الضلال إذا أطلق تناول من ضل عن الهدى، سواء كان عمدا أو جهلا، ولزم ~~أن يكون معذبا كقوله: {إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون} ~~[الصافات: 69، 70] ، وقوله: {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} [الأحزاب: 67، 68] ~~، وقوله: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} [طه: 123] ثم قد يقرن بالغي ~~والغضب، كما في قوله: {ما ضل صاحبكم وما غوى} [النجم: 2] ، وفي قوله: {غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7] ، وقوله: {إن المجرمين في ضلال ~~وسعر} [القمر: 47] . # وكذلك لفظ [الغي] إذا أطلق تناول كل معصية لله كما في قوله عن الشيطان: ~~{ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} [الحجر: 39، 40] ، وقد يقرن ~~بالضلال كما في قوله: {ما ضل صاحبكم وما غوى} وكذلك اسم الفقير إذا أطلق ~~دخل فيه المسكين، وإذا أطلق لفظ المسكين تناول الفقير، وإذا قرن بينهما ~~فأحدهما غير الآخر، فالأول كقوله: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير ~~لكم} [البقرة: 271] ، وقوله: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] ، ~~والثاني كقوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] # PageV01P134 # وهذه الأسماء التي تختلف دلالتها بالإطلاق والتقييد والتجريد والاقتران، ~~تارة يكونان إذا أفرد أحدهما أعم من الآخر، كاسم [الإيمان] و [المعروف] مع ~~العمل ومع الصدق، وك [المنكر] مع الفحشاء ومع البغي ونحو ذلك. وتارة يكونان ~~متساويين في العموم والخصوص، كلفظ [الإيمان] ، و [البر] ، و [التقوى] ، ~~ولفظ [الفقير] ، و [المسكين] . فأيها أطلق ms115 تناول ما يتناوله الآخر، وكذلك ~~لفظ [التلاوة] ، فإنها إذا أطلقت في مثل قوله: {الذين آتيناهم الكتاب ~~يتلونه حق تلاوته} [البقرة: 121] ، تناولت العمل به كما فسره بذلك الصحابة ~~والتابعون مثل ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم، قالوا: {يتلونه حق ~~تلاوته} يتبعونه حق اتباعه، فيحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه ~~ويؤمنون بمتشابهه، وقيل: هو من التلاوة بمعنى الاتباع، كقوله: {والقمر إذا ~~تلاها} [الشمس: 2] ، وهذا يدخل فيه من لم يقرأه، بل من تمام قراءته أن يفهم ~~معناه ويعمل به، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا ~~يقرئوننا القرآن: عثمان ابن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا ~~إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ~~ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا. # وقوله: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} [البقرة: 121] قد فسر ~~بالقرآن وفسر بالتوراة، وروى محمد بن نصر بإسناده الثابت عن ابن عباس: ~~{يتلونه حق تلاوته} قال: يتبعونه حق اتباعه. وروي أيضا عن ابن عباس: ~~{يتلونه حق تلاوته} قال: يحلون حلاله، ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن ~~مواضعه، وعن قتادة: {يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} قال: أولئك أصحاب ~~محمد آمنوا بكتاب الله وصدقوا به، أحلوا حلاله وحرموا حرامه، وعملوا بما ~~فيه، ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: إن حق تلاوته: أن يحل حلاله ويحرم ~~حرامه، وأن نقرأه كما أنزل الله، ولا نحرفه عن مواضعه، وعن الحسن: {يتلونه ~~حق تلاوته} قال: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، # PageV01P135 # ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه، وعن مجاهد: يتبعونه حق اتباعه، وفي ~~رواية: يعملون به حق عمله. # ثم قد يقرن بالتلاوة غيرها كقوله: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم ~~الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] . قال أحمد بن ~~حنبل وغيره: تلاوة الكتاب: العمل بطاعة الله كلها، ثم خص الصلاة بالذكر، ~~كما في قوله: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة} [الأعراف: 170] ، ~~وقوله: {فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14] . وكذلك لفظ " اتباع ما أنزل ~~الله ms116 " يتناول جميع الطاعات كقوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء} [الأعراف: 3] ، وقوله: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقى} [طه: 123] ، وقوله: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] ، وقد يقرن به غيره كقوله {وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} [الأنعام: 155] ، وقوله: {اتبع ~~ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين} [الأنعام: 106] ، ~~وقوله: {واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} [يونس: ~~109] . # وكذلك لفظ [الأبرار] إذا أطلق دخل فيه كل تقي من السابقين والمقتصدين، ~~وإذا قرن بالمقربين كان أخص، قال تعالى في الأول: {إن الأبرار لفي نعيم وإن ~~الفجار لفي جحيم} [الإنفطار: 13، 14] ، وقال في الثاني: {كلا إن كتاب ~~الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون} ~~[المطففين: 18: 22] ، وهذا باب واسع يطول استقصاؤه. # ومن أنفع الأمور في معرفة دلالة الألفاظ مطلقا وخصوصا ألفاظ الكتاب ~~والسنة، وبه تزول شبهات كثيرة كثر فيها نزاع الناس، من جملتها [مسألة ~~الإيمان والإسلام] ، فإن النزاع في مسماهما أول اختلاف وقع، افترقت الأمة ~~لأجله وصاروا مختلفين في الكتاب والسنة، وكفر بعضهم بعضا، وقاتل بعضهم بعضا ~~كما قد بسطنا هذا في مواضع أخر إذ المقصود هنا بيان شرح كلام الله ورسوله # PageV01P136 # على وجه يبين أن الهدى كله مأخوذ من كلامالله ورسوله بإقامة الدلائل ~~الدالة، لا بذكر الأقوال التي تقبل بلا دليل وترد بلا دليل، أو يكون ~~المقصود بها نصر غير الله والرسول، فإن الواجب أن يقصد معرفة ما جاء به ~~الرسول واتباعه بالأدلة الدالة على ما بينه الله ورسوله. # ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في [تفسير الإيمان] ، فتارة ~~يقولون: هو قول وعمل. وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية. وتارة يقولون قول ~~وعمل ونية واتباع السنة. وتارة يقولون: قول باللسان، واعتقاد بالقلب وعمل ~~بالجوارح، وكل هذا صحيح. فإذا قالوا: قول وعمل؛ فإنه يدخل في القول قول ~~القلب واللسان جميعا، وهذا هو المفهوم من لفظ القول ms117 والكلام، ونحو ذلك إذا ~~أطلق. # والناس لهم في مسمى الكلام و [القول] عند الإطلاق أربعة أقوال، فالذي ~~عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعا، كما يتناول ~~لفظ الإنسان للروح والبدن جميعا. وقيل: بل مسماه هواللفظ، المعنى ليس جزء ~~مسماه، بل هو مدلول مسماه، وهذا قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم ~~وطائفة من المنتسبين إلى السنة، وهو قول النحاة؛ لأن صناعتهم متعلقة ~~بالألفاظ. وقيل: بل مسماه هو المعنى وإطلاق الكلام على اللفظ مجاز لأنه دال ~~عليه، وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه، وقيل: بل هو مشترك بين اللفظ والمعنى، ~~وهو قول بعض المتأخرين من الكلابية، ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن أنه ~~مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين؛ لأن حروف الآدميين تقوم بهم، ~~فلا يكون الكلام قائما بغير المتكلم، بخلاف الكلام القرآني، فإنه لا يقوم ~~عنده بالله، فيمتنع أن يكون كلامه، ولبسط هذا موضع آخر. # والمقصود هنا أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب ~~واللسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأي أن لفظ القول لا يفهم ~~منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول # PageV01P137 # وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا ~~يفهم منه النية فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبا ~~لله إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان ~~مشروعا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين ~~جعلوه قولا فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل، والذين جعلوه أربعة أقسام فسروا ~~مرادهم، كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: قول وعمل ~~ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولا وعملا ~~بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة. # فصل # وعطف الشيء على الشيء في القرآن وسائر الكلام يقتضي مغايرة بين ms118 المعطوف ~~والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما، ~~والمغايرة على مراتب؛ أعلاها أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر ولا ~~جزأه، ولا يعرف لزومه له كقوله: {خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام} [الفرقان: 59] ونحو ذلك، وقوله: {وجبريل وميكال} [البقرة: 98] ، ~~وقوله: {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان} [آل ~~عمران: 3، 4] ، وهذا هو الغالب، ويليه أن يكون بينهما لزوم كقوله: {ولا ~~تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق} [البقرة: 42] ، وقوله: {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] ، ~~وقوله: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله} [النساء: 136] ، فإن من كفر ~~بالله فقد كفر بهذا كله، فالمعطوف لازم للمعطوف عليه، وفي الآية التي قبلها ~~المعطوف عليه لازم، فإنه من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى فقد اتبع ~~غير سبيل المؤمنين. وفي الثاني نزاع، وقوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل ~~وتكتموا الحق} [البقرة: 42] هما متلازمان، فإن من لبس الحق بالباطل؛ فجعله ~~ملبوسا به، خفي من الحق بقدر ما # PageV01P138 # ظهر من الباطل، فصار ملبوسا، ومن كتم الحق احتاج أن يقيم موضعهباطلا ~~فيلبس الحق بالباطل؛ ولهذا كان كل من كتم من أهل الكتاب ما أنزل الله فلابد ~~أن يظهر باطلا. # وهكذا أهل البدع لا تجد أحدا ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل ~~إلا وقع في بدعة، ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك شيئا من السنة، كما جاء في ~~الحديث: " ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة مثلها " رواه الإمام أحمد. ~~وقد قال تعالى: {فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} ~~[المائدة: 14] ، فلما تركوا حظا مما ذكروا به اعتاضوا بغيره فوقعت بينهم ~~العداوة والبغضاء، وقال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو ~~له قرين} [الزخرف: 36] أي: عن الذكر الذي أنزله الرحمن، وقال تعالى: {فمن ~~اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى} [طه: 123، 124] ، وقال: {اتبعوا ما ms119 أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 3] ، فأمر باتباع ما ~~أنزل، ونهى عما يضاد ذلك وهو اتباع أولياء من دونه، فمن لم يتبع أحدهما ~~اتبع الآخر؛ ولهذا قال: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] . قال ~~العلماء: من لم يكن متبعا سبيلهم كان متبعا غير سبيلهم، فاستدلوا بذلك على ~~أن اتباع سبيلهم واجب، فليس لأحد أن يخرج عما أجمعوا عليه. # وكذلك من لم يفعل المأمور، فعل بعض المحظور، ومن فعل المحظور، لم يفعل ~~جميع المأمور، فلا يمكن الإنسان أن يفعل جميع ما أمر به مع فعله لبعضما ~~حظر، ولا يمكنه ترك كل ما حظر مع تركه لبعض ما أمر، فإن ترك ما حظر من جملة ~~ما أمر به فهو مأمور، ومن المحظور ترك المأمور، فكل ما شغله عن الواجب فهو ~~محرم، وكل ما لا يمكن فعل الواجب إلا به فعليه فعله؛ ولهذا كان لفظ [الأمر] ~~إذا أطلق يتناول النهي، وإذا قيد بالنهي كان النهي نظير ما تقدم، # PageV01P139 # فإذا قال تعالى عن الملائكة: {لا يعصون الله ما أمرهم} [التحريم: 6] ، ~~دخل في ذلك أنه إذا نهاهم عن شيء اجتنبوه، وأما قوله: {ويفعلون ما يؤمرون} ~~[التحريم: 6] ، فقد قيل: لا يتعدون ما أمروا به، وقيل: يفعلونه في وقته، لا ~~يقدمونه ولا يؤخرونه. # وقد يقال: هو لم يقل: ولا يفعلون إلا ما يؤمرون، بل هذا دل عليه قوله: ~~{لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} [الأنبياء: 27] ، وقد قيل: لا يعصون ~~ما أمرهم به في الماضي، ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل. وقد يقال: هذه ~~الآية خبر عما سيكون، ليس ما أمروا به هنا ماضيا بل الجميع مستقبل، فإنه ~~قال: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6] ، وما يتقي به إنما يكون ~~مستقبلا، وقد يقال: ترك المأمور تارة يكون لمعصية الآمر وتارة يكون لعجزه، ~~فإذا كان قادرا مريدا، لزم وجود المأمور المقدور، فقوله: {لا يعصون} لا ~~يمتنعون عن الطاعة، وقوله: {ويفعلون ما يؤمرون} أي: هم قادرون على ذلك لا ~~يعجزون عن شيء منه بل يفعلونه كله، ms120 فيلزم وجود كل ما أمروا به، وقد يكون في ~~ضمن ذلك أنهم لا يفعلون إلا المأمور به، كما يقول القائل: أنا أفعل ما أمرت ~~به، أي: أفعله ولا أتعداه إلى زيادة ولا نقصان. # وأيضا، فقوله: {لا يعصون الله ما أمرهم} إن كان نهاهم عن فعل آخر كان ذلك ~~من أمره، وإن كان لم ينههم لم يكونوا مذمومين بفعل ما لم ينهوا عنه. # والمقصود أن لفظ الأمر إذا أطلق تناول النهي، ومنه قوله: {أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر} [النساء: 59] ، أي: أصحاب الأمر، ومن كان صاحب ~~الأمر كان صاحب النهي، ووجبت طاعته في هذا وهذا، فالنهي داخل في الأمر، ~~وقال موسى للخضر: {قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال فإن ~~اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} [الكهف: 69، 70] ، وهذا ~~نهى له عن السؤال حتى يحدث له منه ذكرا، ولما خرق السفينة قال له موسى: ~~{أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا} [الكهف: 71] ، فسأله قبل إحداث ~~الذكر، وقال في الغلام: {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا} ~~[الكهف: 74] ، فسأله قبل إحداث الذكر، وقال في الجدار: {لو شئت # PageV01P140 # لاتخذت عليه أجرا} [الكهف: 77] ، وهذا سؤال من جهة المعنى، فإن السؤال ~~والطلب قد يكون بصيغة الشرط كما تقول: لو نزلت عندنا لأكرمناك، وإن بت ~~الليلة عندنا أحسنت إلينا، ومنه قول آدم: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر ~~لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] ، وقول نوح: {رب إني أعوذ ~~بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: ~~47] ومثله كثير؛ ولهذا قال موسى: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} ~~[الكهف: 76] ، فدل على أنه سأله الثلاث قبل أن يحدث له الذكر، وهذا معصية ~~لنهيه وقد دخل في قوله: {ولا أعصي لك أمرا} [الكهف: 69] ، فدل على أن عاصي ~~النهي عاص الأمر، ومنه قوله تعالى: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] ، ~~وقد دخل النهي في الأمر، ومنه قوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} ms121 ~~[النور: 63] ، وقوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ~~أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] ، فإن نهيه داخل في ذلك. # وقد تنازع الفقهاء في قول الرجل لامرأته: إذا عصيت أمري فأنت طالق، إذا ~~نهاها فعصته هل يكون ذلك داخلا في أمره؟ على قولين: قيل: لا يدخل؛ لأن ~~حقيقة النهي غير حقيقة الأمر، وقيل: يدخل؛ لأن ذلك يفهم منه في العرف معصية ~~الأمر والنهي، وهذا هو الصواب؛ لأن ما ذكر في العرف هو حقيقة في اللغة ~~والشرع، فإن الأمر المطلق من كل متكلم إذا قيل: أطع أمر فلان، أو فلان يطيع ~~أمر فلان، أو لا يعصى أمره، فإنه يدخل فيه النهي؛ لأن الناهي آمر بترك ~~المنهي عنه؛ فلهذا قال سبحانه: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق ~~وأنتم تعلمون} [البقرة: 42] ، ولم يقل: لا تكتموا الحق، فلم ينه عن كل ~~منهما لتلازمها، وليست هذه [واو] الجمع التي يسميها الكوفيون [واو الصرف] ~~كما قد يظنه بعضهم، فإنه كان يكون المعني: لا تجمعوا بينهما فيكون أحدهما ~~وحده غير منهي عنه. # وأيضا، فتلك إنما تجيء إذا ظهر الفرق كقوله: {ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} [آل عمران: 142] ، وقوله: {أو يوبقهن بما ~~كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص} ~~[الشورى: 34، 35] . # PageV01P141 # ومن عطف الملزوم قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم} [النساء: 59] ، فإنهم إذا أطاعواالرسول فقد أطاعوا الله، كما قال ~~تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80] ، وإذا أطاع الله من ~~بلغته رسالة محمد، فإنه لابد أن يطيع الرسول، فإنه لا طاعة لله إلا بطاعته. # والثالث: عطف بعض الشيء عليه، كقوله: {حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى} [البقرة: 238] ، وقوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} [الأحزاب: 7] ، وقوله: {من كان عدوا ~~لله وملآئكته ورسله وجبريل وميكال} [البقرة: 98] ، وقوله: {وأورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها} [الأحزاب: 27] . # والرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين، كقوله: {سبح اسم ربك ~~الأعلى ms122 الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى} [الأعلى: 1: 4] . ~~وقوله: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين ~~يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 3، 4] ~~، وقد جاء في الشعر ما ذكر أنه عطف لاختلاف اللفظ فقط كقوله: # وألفى قولها كذبا ومينا # ومن الناس من يدعي أن مثل هذا جاء في كتاب الله، كما يذكرونه في قوله: ~~{شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] ، وهذا غلط، مثل هذا لا يجيء في القرآن ولا ~~في كلام فصيح، وغاية ما يذكر الناس اختلاف معنى اللفظ، كما ادعى بعضهم أن ~~من هذا قوله: # ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد # PageV01P142 # فزعموا أنهما بمعنى واحد. واستشهدوا بذلك على ما ادعوه من أن الشرعة هي ~~المنهاج، فقال المخالفون لهم: النأي أعم من البعد، فإن النأي كلما قل بعده ~~أو كثر، كأنه مثل المفارقة، والبعد إنما يستعمل فيما كثرت مسافة مفارقته، ~~وقد قال تعالى {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] ، وهم مذمومون على ~~مجانبته والتنحي عنه، سواء كانوا قريبين أو بعيدين، وليس كلهم كان بعيدا ~~عنه، لاسيما عند من يقول: نزلت في أبي طالب، وقد قال النابغة: # والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد # والمراد به ما يحفر حول الخيمة لينزل فيه الماء ولا يدخل الخيمة، أي صار ~~كالحوض فهو مجانب للخيمة ليس بعيدا منها. # فصل # فإذا تبين هذا، فلفظ [الإيمان] إذا أطلق في القرآن والسنة يراد به ما ~~يراد بلفظ [البر] وبلفظ [التقوى] وبلفظ [الدين] كما تقدم؛ فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين أن " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا ~~الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم ~~الإيمان، وكذلك لفظ [البر] يدخل فيه جميع ذلك إذا أطلق، وكذلك لفظ [التقوى] ~~وكذلك [الدين] ، أو [دين الإسلام] وكذلك روى أنهم سألوا عن الإيمان فأنزل ~~الله هذه الآية: {ليس البر أن تولوا وجوهكم} الآية [البقرة: 177] ، وقد فسر ~~البر بالإيمان، وفسر بالتقوى، وفسر بالعمل ms123 الذي يقرب إلى الله والجميع حق، ~~وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر البر بالإيمان. # قال محمد بن نصر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن يزيد المقري ~~والملائي قالا: حدثنا المسعودي، عن القاسم قال: جاء رجل إلى أبي ذر فسأله ~~عن الإيمان، فقرأ: {ليس البر أن تولوا وجوهكم} إلى آخر الآية، # PageV01P143 # فقال الرجل: ليس عن البر سألتك. فقال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه، فقرأ عليه الذي قرأت عليك، فقال له الذي ~~قلت لي. فلما أبي أن يرضى قال له: " إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سرته ~~ورجا ثوابها، وإذا عمل السيئة ساءته، وخاف عقابها ". # وقال: حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، ~~عن مجاهد؛ أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقرأ عليه: ~~{ليس البر أن تولوا وجوهكم} إلى آخر الآية، وروى بإسناده عن عكرمة قال: سئل ~~الحسن بن علي بن أبي طالب مقبله من الشام عن الإيمان فقرأ: {ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} ، وروى ابن بطة بإسناده عن مبارك بن حسان ~~قال: قلت لسالم الأفطس: رجل أطاع الله فلم يعصه، ورجل عصى الله فلم يطعه، ~~فصار المطيع إلى الله فأدخله الجنة، وصار العاصي إلى الله فأدخله النار، هل ~~يتفاضلان في الإيمان؟ قال: لا. قال: فذكرت ذلك لعطاء فقال: سلهم: الإيمان ~~طيب أو خبيث؟ فإن الله قال: {ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه ~~على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} [الأنفال: 37] ، ~~فسألتهم فلم يجيبوني، فقال بعضهم: إن الإيمان يبطن ليس معه عمل، فذكرت ذلك ~~لعطاء فقال: سبحان الله! أما يقرؤون الآية التي في البقرة: # PageV01P144 # {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملآئكة والكتاب والنبيين} قال: ثم وصف الله على هذا الاسم ~~ما لزمه من العمل فقال: {وآتى المال على حبه ذوي القربى ms124 واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل} إلي قوله: {وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177] ، فقال: سلهم: ~~هل دخل هذا العمل في هذا الاسم؟ وقال: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن} [الإسراء: 19] ، فألزم الاسم العمل، والعمل الاسم. # والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح إلا على إيمان معه العمل، لا على إيمان ~~خال عن عمل، فإذا عرف أن الذم والعقاب واقع في ترك العمل كان بعد ذلك ~~نزاعهم لا فائدة فيه، بل يكون نزاعا لفظيا مع أنهم مخطئون في اللفظ، ~~مخالفون للكتاب والسنة، وإن قالوا: إنه لا يضره ترك العمل فهذا كفر صريح، ~~وبعض الناس يحكى هذا عنهم، وأنهم يقولون: إن الله فرض على العباد فرائض، ~~ولم يرد منهم أن يعملوها، ولا يضرهم تركها، وهذا قد يكون قول الغالية الذين ~~يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، لكن ما علمت معينا أحكى عنه هذا ~~القول، وإنما الناس يحكونه في الكتب ولا يعينون قائله، وقد يكون قول من لا ~~خلاق له؛ فإن كثيرا من الفساق والمنافقين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب أو ~~مع التوحيد، وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم بهذا. # ويدل على ذلك قوله تعالى في آخر الآية: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون} [البقرة: 177] . فقوله: {صدقوا} أي: في قولهم: آمنوا، كقوله: ~~{قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم} إلي قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 14، ~~15] ، أي: هم الصادقون في قولهم: آمنا بالله، بخلاف الكاذبين الذين قال ~~الله فيهم: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] ، وقال تعالى: # PageV01P145 # {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 8: 10] . وفي {يكذبون} ~~قراءتان مشهورتان، فإنهم كذبوا في قولهم: آمنا بالله واليوم الآخر، وكذبوا ~~الرسول في الباطن وإن صدقوه في الظاهر، وقال تعالى: {الم أحسب ms125 الناس أن ~~يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ~~الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} [العنكبوت: 1: 3] ، فبين أنه لابد أن ~~يفتن الناس أي: يمتحنهم ويبتليهم ويختبرهم. يقال: فتنت الذهب إذا أدخلته ~~النار لتميزه مما اختلط به، ومنه قول موسى: {الم أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين ~~صدقوا وليعلمن الكاذبين} [الأعراف: 155] ، أي: محنتك واختبارك وابتلاؤك، ~~كما ابتليت عبادك بالحسنات والسيئات ليتبين الصبار الشكور من غيره، ~~وابتليتهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليتبين المؤمن من الكافر، والصادق من ~~الكاذب، والمنافق من المخلص، فتجعل ذلك سببا لضلالة قوم وهدي آخرين. # والقرآن فيه كثير من هذا يصف المؤمنين بالصدق، والمنافقين بالكذب؛ لأن ~~الطائفتين قالتا بألسنتهما: آمنا، فمن حقق قوله بعمله فهو مؤمن صادق ومن ~~قال بلسانه ما ليس في قلبه فهو كاذب منافق، قال تعالى: {وما أصابكم يوم ~~التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم ~~تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم ~~للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله ~~أعلم بما يكتمون} [آل عمران: 166، 167] ، فلما قال في آية البر: {أولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177] دل على أن المراد: صدقوا في ~~قولهم: آمنا؛ فإن هذا هو القول الذي أمروا به وكانوا يقولونه. # ولم يؤمروا أن يلفظوا بألسنتهم ويقولوا: نحن أبرار أو بررة؛ بل إذا قال ~~الرجل: أنا بر فهذا مزك لنفسه؛ # PageV01P146 # ولهذا كانت زينب بنت جحش اسمها برة فقيل: تزكى نفسها، فسماها النبي صلى ~~الله عليه وسلم زينب، بخلاف إنشاء الإيمان بقولهم: [آمنا] فإن هذا قد فرض ~~عليهم أن يقولوه، قال تعالى: {قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم} [البقرة: 136] ، وكذلك في أول آل عمران: {قل آمنا بالله ~~وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل ms126 وإسحق ويعقوب والأسباط وما ~~أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم} [آل عمران: 84] . # وقال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملآئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] ، فقوله: {لا ~~نفرق} دليل على أنهم قالوا: آمنا ولا نفرق؛ ولهذا قال: {وقالوا سمعنا ~~وأطعنا} فجمعوا بين قولهم: آمنا وبين قولهم: سمعنا وأطعنا، وقد قال في آية ~~البر: {وأولئك هم المتقون} فجعل الأبرار هم المتقين عند الإطلاق والتجريد، ~~وقد ميز بينهما عند الاقتران والتقييد في قوله: {وتعاونوا على البر ~~والتقوى} [المائدة: 2] ، ودلت هذه الآية على أن مسمى الإيمان ومسمى البر ~~ومسمى التقوى عند الإطلاق واحد، فالمؤمنون هم المتقون وهم الأبرار. # ولهذا جاء في أحاديث الشفاعة الصحيحة: " يخرج من النار من في قلبه مثقال ~~ذرة من إيمان "، وفي بعضها: " مثقال ذرة من خير "، وهذا مطابق لقوله تعالى: ~~{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7، 8] ~~، وذلك الذي هو مثقال ذرة من خير هو مثقال ذرة من إيمان، وهؤلاء المؤمنون ~~الأبرار الأتقياء هم أهل السعادة المطلقة، وهم أهل الجنة الذين وعدوا ~~بدخولها بلا عذاب، وهؤلاء الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من غشنا ~~فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا " فإنه ليس من هؤلاء، بل من أهل ~~الذنوب المعرضين للوعيد أسوة أمثالهم. # PageV01P147 # فصل: # وهذا النوع من نمط " أسماء الله، وأسماء كتابه، وأسماء رسوله، وأسماء ~~دينه " قال الله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى} [الإسراء: 110] ، وقال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه ~~بها وذروا الذين يلحدون في أسمآئه} [الأعراف: 18] ، وقال الله تعالى: {هو ~~الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء ~~الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الحشر: 23، 24] ~~، فأسماؤه كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسم يدل على معنى ~~من صفاته، ms127 ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر، فالعزيز يدل على نفسه ~~مع عزته، والخالق يدل على نفسه مع خلقه، والرحيم يدل على نفسه مع رحمته، ~~ونفسه تستلزم جميع صفاته، فصار كل اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به ~~بطريق المطابقة، وعلى أحدهما بطريق التضمن، وعلى الصفة الأخرى بطريق ~~اللزوم. # وهكذا أسماء كتابه: القرآن، والفرقان، والكتاب، والهدى، والبيان، ~~والشفاء، والنور، ونحو ذلك هي بهذه المنزلة، وكذلك أسماء رسوله: محمد، ~~وأحمد، والماحي، والحاشر، والمقفي، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي ~~الملحمة، كل اسم يدل على صفة من صفاته الممدوحة غير الصفة الأخرى، وهكذا ما ~~يثنى ذكره من القصص في القرآن كقصة موسى وغيرها، ليس المقصود بها أن تكون ~~سمرا، بل المقصود بها أن تكون عبرا كما قال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب} [يوسف: 111] ، فالذي وقع شيء واحد وله صفات، فيعبر عنه ~~بعبارات متنوعة، كل عبارة تدل على صفة من الصفات التي يعتبر بها المعتبرون، ~~وليس هذا من التكرير في شيء. # PageV01P148 # وهكذا أسماء دينه، الذي أمر الله به ورسوله يسمى إيمانا، وبرا، وتقوى، ~~وخيرا، ودينا، وعملا صالحا، وصراطا مستقيما، ونحو ذلك، وهو في نفسه واحد، ~~لكن كل اسم يدل على صفة ليست هي الصفة التي يدل عليها الآخر، وتكون تلك ~~الصفة هي الأصل في اللفظ، والباقي كان تابعا لها لازما لها، ثم صارت دالة ~~عليه بالتضمن، فإن الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب، ولابد فيه من ~~شيئين: تصديق بالقلب، وإقراره ومعرفته. ويقال لهذا: قول القلب، قال الجنيد ~~بن محمد: التوحيد: قول القلب. والتوكل: عمل القلب، فلابد فيه من قول القلب، ~~وعمله، ثم قول البدن وعمله، ولابد فيه من عمل القلب، مثل حب الله ورسوله، ~~وخشية الله، وحب ما يحبه الله ورسوله، وبغض ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاص ~~العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي ~~أوجبها الله ورسوله وجعلها من الإيمان. # ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن ms128 ~~بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب؛ ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح ~~لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، إلا وهي القلب " # وقال أبو هريرة: القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، ~~وإذا خبث الملك خبثت جنوده، وقول أبي هريرة تقريب، وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم أحسن بيانا، فإن الملك وإن كان صالحا فالجند لهم اختيار، قد ~~يعصون به ملكهم وبالعكس، فيكون فيهم صلاح مع فساده، أو فساد مع صلاحه، ~~بخلاف القلب؛ فإن الجسد تابع له لا يخرج عن إرادته قط، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر ~~الجسد " # فإذا كان القلب صالحا بما فيه من الإيمان علما وعملا قلبيا، لزم ضرورة ~~صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل ~~الحديث: # PageV01P149 # قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم ~~له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد؛ ولهذا قال: من قال من ~~الصحابه عن المصلي العابث: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. فلابد في إيمان ~~القلب من حب الله ورسوله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، قال ~~الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] ، فوصف الذين آمنوا بأنهم أشد حبا ~~لله من المشركين لأندادهم. # وفي الآية قولان: قيل: يحبونهم كحب المؤمنين الله، والذين آمنوا أشد حبا ~~لله منهم لأوثانهم. وقيل: يحبونهم كما يحبون الله، والذين آمنوا أشد حبا ~~لله منهم، وهذا هو الصواب، والأول قول متناقض وهو باطل، فإن المشركين لا ~~يحبون الأنداد مثل محبة المؤمنين لله، وتستلزم الإرادة، والإرادة التامة مع ~~القدرة تستلزم الفعل، فيمتنع أن يكون الإنسان محبا لله ورسوله، مريدا لما ~~يحبه الله ورسوله إرادة جازمة، مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله، فإذا ms129 لم ~~يتكلم الإنسان بالإيمان مع قدرته، دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب ~~الذي فرضه الله عليه. # ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد ~~تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون ~~الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي ~~الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ~~ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين # PageV01P150 # غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل ~~يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام ~~الكفار؛ لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار ~~والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وبخلاف ما شهد به ~~الشهود، فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء ~~كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة، قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق ~~والعلم من قلبه، فالكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل، والإيمان شيء واحد وهو ~~العلم، أو تكذيب القلب وتصديقه، فإنهم متنازعون: هل تصديق القلب شيء غير ~~العلم أو هو هو؟ # وهذا القول، مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان، فقد ذهب إليه كثير من أهل ~~الكلام المرجئة. وقد كفر السلف كوكيع بن الجراح، وأحمد بن حنبل وأبي عبيد ~~وغيرهم من يقول بهذا القول. # وقالوا: إبليس كافر بنص القرآن، وإنما كفره باستكباره وامتناعه عن السجود ~~لآدم، لا لكونه كذب خبرا. وكذلك فرعون وقومه، قال الله تعالى فيهم: {وجحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} [النمل: 14] ، وقال موسى عليه السلام ~~لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصآئر} بعد قوله: ~~{ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون ~~إني لأظنك يا موسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات ~~والأرض بصآئر وإني لأظنك يا ms130 فرعون مثبورا} [الإسراء: 101، 102] . # فموسى وهو الصادق المصدوق يقول: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات ~~والأرض بصآئر} . فدل على أن فرعون كان عالما بأن الله أنزل الآيات وهو من ~~أكبر خلق الله عنادا وبغيا لفساد إرادته وقصده لا لعدم علمه. قال تعالى: ~~{إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ~~ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} [القصص: 4] ، وقال تعالى: {وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} ، وكذلك اليهود الذين قال الله فيهم: {الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] . # PageV01P151 # وكذلك كثير من المشركين الذين قال الله فيهم: {فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] . # فهؤلاء غلطوا في أصلين: # أحدهما: ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، ليس معه عمل، وحال، وحركة، ~~وإرادة، ومحبة، وخشية في القلب، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقا، فإن ~~[أعمال القلوب] التي يسميها بعض الصوفية أحوالا ومقامات أو منازل السائرين ~~إلى الله أو مقامات العارفين أو غير ذلك، كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله ~~فهو من الإيمان الواجب، وفيها ما أحبه ولم يفرضه، فهو من الإيمان المستحب، ~~فالأول لابد لكل مؤمن منه، ومن اقتصر عليه فهو من الأبرار أصحاب اليمين، ~~ومن فعله وفعل الثاني كان من المقربين السابقين، وذلك مثل حب الله ورسوله، ~~بل أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، بل أن يكون الله ورسوله ~~والجهاد في سبيله أحب إليه من أهله وماله، ومثل خشية الله وحده دون خشية ~~المخلوقين، ورجاء الله وحده دون رجاء المخلوقين، والتوكل علي الله وحده دون ~~المخلوقين، والإنابة إليهمع خشيته، كما قال تعالى: {هذا ما توعدون لكل أواب ~~حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} [ق: 32، 33] ، ومثل الحب في ~~الله والبغض في الله والموالاة لله والمعاداة لله. # والثاني: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار، فإنما ذاك؛ ~~لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق. وهذا أمر خالفوا به الحس ~~والعقل والشرع، وما أجمع ms131 عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة وجماهير ~~النظار، فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره، ومع هذا يجحد ذلك لحسده ~~إياه، أو لطلب علوه عليه، أو لهوي النفس، يحمله ذلك الهوى على أن يعتدى ~~عليه، ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه، وعامة من كذب ~~الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم ~~العلو والرياسة، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من ~~الأغراض كأموال ورياسة وصداقة أقوام وغير ذلك، فيرون في اتباع الرسل # PageV01P152 # ترك الأهواء المحبوبة إليهم أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ~~ويعادونهم فيكونون من أكفر الناس كإبليس وفرعون، مع علمهم بأنهم على ~~الباطل، والرسل على الحق. ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح في صدق ~~الرسل، إنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم، كقولهم لنوح {أنؤمن لك واتبعك ~~الأرذلون} [الشعراء: 111] ، ومعلوم أن اتباع الأرذلين له لا يقدح في صدقه، ~~لكن كرهوا مشاركة أولئك، كما طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم ~~إبعاد الضعفاء، كسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وخباب بن الأرت، وعمار بن ~~ياسر، وبلال ونحوهم، وكان ذلك بمكة قبل أن يكون في الصحابة أهل الصفة، ~~فأنزل الله تبارك وتعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم ~~فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 52، 53] . # ومثل قول فرعون: {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} [المؤمنون: 47] ~~، وقول فرعون: {ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك ~~التي فعلت وأنت من الكافرين} [الشعراء: 18، 19] ، ومثل قول مشركي العرب: ~~{إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} قال الله تعالى: {أولم نمكن لهم حرما ~~آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا} [القصص: 57] ، ومثل قول قوم ~~شعيب له: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في ms132 أموالنا ما ~~نشاء} [هود: 87] ومثل قول عامة المشركين: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] . # وهذه الأمور وأمثالها ليست حججا تقدح في صدق الرسل، بل تبين أنها تخالف ~~إرادتهم وأهواءهم وعاداتهم. فلذلك لم يتبعوهم، وهؤلاء كلهم كفار، بل أبو ~~طالب وغيره كانوا يحبون النبي صلىالله عليه وسلم ويحبون علو كلمته، وليس ~~عندهم حسد له، وكانوا يعلمون صدقه، ولكن كانوا يعلمون أن في متابعته فراق ~~دين آبائهم وذم قريش لهم، فما احتملت نفوسهم ترك تلك العادة واحتمال هذا # PageV01P153 # الذم، فلم يتركوا الإيمان لعدم العلم بصدق الإيمان به، بل لهوى النفس، ~~فكيف يقال: إن كل كافر إنما كفر لعدم علمه بالله؟ # ولم يكف الجهمية أن جعلوا كل كافر جاهلا بالحق حتى قالوا: هو لا يعرف أن ~~الله موجود حق، والكفر عندهم ليس هو الجهل بأي حق كان، بل الجهل بهذا الحق ~~المعين، ونحن والناس كلهم يرون خلقا من الكفار يعرفون في الباطن أن دين ~~الإسلام حق، ويذكرون ما يمنعهم من الإيمان، إما معاداة أهلهم، وإما مال ~~يحصل لهم من جهتهم يقطعونه عنهم، وإما خوفهم إذا آمنوا ألا يكون لهم حرمة ~~عند المسلمين كحرمتهم في دينهم، وأمثال ذلك من أغراضهم التي يبينون أنها ~~المانعة لهم من الإيمان، مع علمهم بأن دين الإسلام حق، ودينهم باطل. وهذا ~~موجود في جميع الأمور التي هي حق، يوجد من يعرف بقلبه أنها حق وهو في ~~الظاهر يجحد ذلك، ويعادي أهله لظنه أن ذلك يجلب له منفعه ويدفع عنه مضرة. ~~قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى ~~الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة فعسى الله ~~أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ~~ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت ~~أعمالهم فأصبحوا خاسرين} [المائدة: 51: 53] . # والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب ms133 قوم ممن كان يظهر الإسلام وفي قلبه ~~مرض، خاف أن يغلب أهل الإسلام فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم ~~للخوف الذي في قلوبهم، لا لاعتقادهم أن محمدا كاذب، واليهود والنصارى ~~صادقون. وأشهر النقول في ذلك أن عبادة بن الصامت قال: يا رسول الله، إن لي ~~موالي من اليهود وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود، فقال عبد الله بن أبي: ~~لكني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية يهود فنزلت هذه الآية. # والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان، والأعمال ليست ~~منه، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول # PageV01P154 # جهم، فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته ~~عليه. وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم، لكنهم إذا لم ~~يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان ~~لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا فإنها لازمة لها، ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية ~~بسببها اشتبه الأمر عليهم، فإنهم رأوا أن الله قد فرق في كتابه بين الإيمان ~~والعمل، فقال في غير موضع: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الكهف: 30] ~~ورأوا أن الله خاطب الإنسان بالإيمان قبل وجود الأعمال فقال: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} ~~[المائدة: 6] ، {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} ~~[الجمعة: 9] . # وقالوا: لو أن رجلا آمن بالله ورسوله ضحوة ومات قبل أن يجب عليه شيء من ~~الأعمال مات مؤمنا، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من ~~الإيمان. وقالوا: نحن نسلم أن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كان كلما أنزل الله ~~آية وجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي كان قبله، لكن ~~بعد كمال ما أنزل الله ما بقى الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم ~~سواء، إيمان السابقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس كالحجاج ~~وأبي مسلم الخراساني وغيرهما. # والمرجئة، المتكلمون منهم والفقهاء منهم، يقولون: إن الأعمال قد تسمى ~~إيمانا ms134 مجازا؛ لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه؛ ولأنها دليل عليه، ويقولون: ~~قوله: " الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول: لا إله إلا ~~الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " مجاز. # والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من ~~هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو ~~الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا ~~جمل أقوالهم، ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا ~~الذي نصره هو وأكثر أصحابه. # PageV01P155 # والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل ~~الكرامية. # والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه ~~والعبادة منهم، وهؤلاء غلطوا من وجوه: # أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق العباد، ~~وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص، وليس الأمر كذلك فإن ~~اتباع الأنبياء المتقدمين أوجب الله عليهم من الإيمان ما لم يوجبه على أمة ~~محمد، وأوجب على أمة محمد من الإيمان ما لم يوجبه على غيرهم، والإيمان الذي ~~كان يجب قبل نزول جميع القرآن، ليس هو مثل الإيمان الذي يجب بعد نزول ~~القرآن، والإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به الرسول مفصلا ليس مثل ~~الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملا، فإنه لابد في الإيمان من ~~تصديق الرسول في كل ما أخبر، لكن من صدق الرسول ومات عقب ذلك لم يجب عليه ~~من الإيمان غير ذلك. وأما من بلغه القرآن والأحاديث وما فيهما من الأخبار ~~والأوامر المفصلة فيجب عليه من التصديق المفصل بخبر خبر، وأمر أمر ما لا ~~يجب على من لم يجب عليه إلا الإيمان المجمل؛ لموته قبل أن يبلغه شيء آخر. # وأيضا لو قدر أنه عاش، فلا يجب على كل واحد من العامة أن يعرف كل ما أمر ~~به الرسول، وكل ما نهى عنه وكل ما أخبر به، بل ms135 إنما عليه أن يعرف ما يجب ~~عليه هو وما يحرم عليه، فمن لا مال له لا يجب عليه أن يعرف أمره المفصل في ~~الزكاة، ومن لا استطاعة له على الحج ليس عليه أن يعرف أمره المفصل ~~بالمناسك، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما وجب للزوجة، فصار يجب من ~~الإيمان تصديقا وعملا على أشخاص ما لا يجب على آخرين. # وبهذا يظهر الجواب عن قولهم: خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال. فنقول: إن ~~قلتم: إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها لم تكن من # PageV01P156 # الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم قبل أن يفرض عليهم ما ~~خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين؛ ولهذا قال ~~تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله ~~غني عن العالمين} [آل عمران: 97] ؛ولهذا لم يجئ ذكر الحج في أكثر الأحاديث ~~التي فيها ذكر الإسلام والإيمان، كحديث وفد عبد القيس، وحديث الرجل النجدي ~~الذي يقال له: ضمام بن ثعلبة وغيرهما، وإنما جاء ذكر الحج في حديث ابن عمر ~~وجبريل، وذلك لأن الحج آخر ما فرض من الخمس، فكان قبل فرضه لا يدخل في ~~الإيمان والإسلام، فلما فرض أدخله النبي صلىالله عليه وسلم في الإيمان إذا ~~أفرد، وأدخله في الإسلام إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد، وسنذكر إن شاء الله ~~متى فرض الحج؟ # وكذلك قولهم: من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنا، فصحيح؛ لأنه ~~أتى بالإيمان الواجب عليه، والعمل لم يكن وجب عليه بعد، فهذا مما يجب أن ~~يعرف، فإنه تزول به شبهة حصلت للطائفتين. # فإذا قيل: الأعمال الواجبة من الإيمان، فالإيمان الواجب متنوع ليس شيئا ~~واحدا في حق جميع الناس. وأهل السنة والحديث يقولون: جميع الأعمال الحسنة ~~واجبها ومستحبها من الإيمان، أي: من الإيمان الكامل بالمستحبات، ليست من ~~الإيمان الواجب. ويفرق بين الإيمان الواجب وبين الإيمان الكامل بالمستحبات، ~~كما يقول الفقهاء: الغسل ينقسم إلى مجزئ وكامل، فالمجزئ: ما أتى فيه ~~بالواجبات فقط، والكامل: ما ms136 أتى فيه بالمستحبات. ولفظ الكمال قد يراد به ~~الكمال الواجب، وقد يراد به الكمال المستحب. # وأما قولهم: إن الله فرق بين الإيمان والعمل في مواضع. فهذا صحيح. وقد ~~بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها. وقد ~~يقرن به الأعمال. وذكرنا نظائر لذلك كثيرة. وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في ~~القلب. والأعمال الظاهرة لازمة لذلك. لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع ~~عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان ~~الذي في القلب، فصار الإيمان متناولا للملزوم واللازم وإن كان أصله # PageV01P157 # ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال، فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان ~~القلب بل لابد معه من الأعمال الصالحة. # ثم للناس في مثل هذا قولان: منهم من يقول: المعطوف دخل في المعطوف عليه ~~أولا، ثم ذكر باسمه الخاص تخصيصا له، لئلا يظن أنه لم يدخل في الأول، ~~وقالوا: هذا في كل ما عطف فيه خاص على عام، كقوله: {من كان عدوا لله ~~وملآئكته ورسله وجبريل وميكال} [البقرة: 98] ، وقوله: {وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} [الأحزاب: 7] ~~، وقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق ~~من ربهم} [محمد: 2] ، فخص الإيمان بما نزل على محمد بعد قوله: {والذين ~~آمنوا} وهذه نزلت في الصحابة وغيرهم من المؤمنين، وقوله: {حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] ، وقوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} [البينة: 5] ، ~~والصلاة والزكاة من العبادة، فقوله: {آمنوا وعملوا الصالحات} كقوله: {وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة} [البينة: 5] . # فإنه قصد أولا: أن تكون العبادة لله وحده لا لغيره، ثم أمر بالصلاة ~~والزكاة ليعلم أنهما عبادتان واجبتان، فلا يكتفي بمطلق العبادة الخالصة ~~دونهما، وكذلك يذكر الإيمان أولا؛ لأنه الأصل الذي لابد منه، ثم يذكر العمل ~~الصالح فإنه أيضا من تمام الدين لابد منه، فلا يظن الظان اكتفاء بمجرد ~~إيمان ms137 ليس معه العمل الصالح، وكذلك قوله: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى ~~للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين ~~يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى ~~من ربهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 1: 5] . # وقد قيل: إن هؤلاء هم أهل الكتاب الذين آمنوا بما أنزل عليه وما أنزل على ~~من قبله، كابن سلام ونحوه، وأن هؤلاء نوع غير النوع المتقدم الذين يؤمنون ~~بالغيب، وقد قيل: هؤلاء جميع المتقدمين الذين آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل ~~من قبله، وهؤلاء هم الذين يؤمنون بالغيب وهم صنف واحد، وإنما # PageV01P158 # عطفوا لتغاير الصفتين كقوله: {سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي ~~قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى} [الأعلى: 1: 5] ، فهو سبحانه ~~واحد وعطف بعض صفاته على بعض، وكذلك قوله: {الصلوات والصلاة} ، وهي صلاة ~~العصر. # والصفات إذا كانت معارف كانت للتوضيح، وتضمنت المدح أو الذم. تقول: هذا ~~الرجل هو الذي فعل كذا، وهو الذي فعل كذا، وهو الذي فعل كذا تعدد محاسنه؛ ~~ولهذا مع الاتباع قد يعطفونها وينصبون، أو يرفعون، وهذا القول هو الصواب؛ ~~فإن المؤمنين بالغيب إن لم يؤمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله لم ~~يكونوا على هدى من ربهم ولا مفلحين ولا متقين، وكذلك الذين آمنوا بما أنزل ~~إليه وما أنزل من قبله إن لم يكونوا من الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ~~ومما رزقهم الله ينفقون، لم يكونوا على هدى من ربهم، ولم يكونوا مفلحين، ~~ولم يكونوا متقين، فدل على أن الجميع صفة المهتدين المتقين الذين اهتدوا ~~بالكتاب المنزل إلى محمد، فقد عطفت هذه الصفة على تلك مع أنها داخلة فيها، ~~لكن المقصود صفة إيمانهم، وأنهم يؤمنون بجميع ما أنزل الله على أنبيائه، لا ~~يفرقون بين أحد منهم، وإلا فإذا لم يذكر إلا الإيمان بالغيب، فقد يقول: من ~~يؤمن ببعض ويكفر ببعض، نحن نؤمن بالغيب. # ولما كانت سورة البقرة سنام القرآن، ويقال: إنها أول سورة نزلت بالمدينة، ~~افتتحها الله بأربع ms138 آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين وبضع ~~عشرة آية في صفة المنافقين، فإنه من حين هاجر النبي صلىالله عليه وسلم صار ~~الناس ثلاثة أصناف: إما مؤمن، وإما كافر مظهر للكفر، وإما منافق، بخلاف ما ~~كانوا وهو بمكة، فإنه لم يكن هناك منافق؛ ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره: لم ~~يكن من المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار؛ فإن مكة كانت ~~للكفار مستولين عليها. فلا يؤمن ويهاجر إلا من هو مؤمن ليس هناك داع يدعو ~~إلى النفاق، والمدينة آمن بها أهل الشوكة، فصار للمؤمنين بها عز ومنعة ~~بالأنصار. فمن لم يظهر الإيمان آذوه، فاحتاج المنافقون إلى إظهار الإيمان، ~~مع أن قلوبهم لم # PageV01P159 # تؤمن، والله تعالى افتتح البقرة ووسط البقرة وختم البقرة بالإيمان بجميع ~~ما جاءت به الأنبياء، فقال في أولها ما تقدم، وقال في وسطها: {قولوا آمنا ~~بالله ومآ أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط ~~وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن ~~له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في ~~شقاق} الآية [البقرة: 136، 137] ، وقال في آخرها: {آمن الرسول بما أنزل ~~إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملآئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد ~~من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} والآية الأخرى ~~[البقرة: 285] . # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الآيتان من آخر ~~سورة البقرة: من قرأ بهما في ليلة كفتاه " والآية الوسطى قد ثبت في ~~[الصحيح] أنه كان يقرأ بها في ركعتي الفجر: وب {قل يا أهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} الآية [آل عمران: 64] ، تارة. وب {قل يا أيها ~~الكافرون} ، و {قل هو الله أحد} تارة. فيقرأ بما فيه ذكر الإيمان والإسلام، ~~أو بما فيه ذكر التوحيد والإخلاص. # فعلى قول هؤلاء يقال: الأعمال الصالحة المعطوفة على الإيمان دخلت في ~~الإيمان، وعطف عليه عطف الخاص على العام، إما لذكره ms139 خصوصا بعد عموم، وإما ~~لكونه إذا عطف كان دليلا على أنه لم يدخل في العام. وقيل: بل الأعمال في ~~الأصل ليست من الإيمان، فإن أصل الإيمان هو ما في القلب، # PageV01P160 # ولكن هي لازمة له، فمن لم يفعلها كان إيمانه منتفيا؛ لأن انتفاء اللازم ~~يقتضي انتفاء الملزوم لكن صارت بعرف الشارع داخلة في اسم الإيمان إذا أطلق، ~~كما تقدم في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا عطفت عليه ذكرت، لئلا يظن ~~الظان أن مجرد إيمانه بدون الأعمال الصالحة اللازمة للإيمان يوجب الوعد، ~~فكان ذكرها تخصيصا وتنصيصا ليعلم أن الثواب الموعود به في الآخرة وهو الجنة ~~بلا عذاب لا يكون إلا لمن آمن وعمل صالحا، لا يكون لمن ادعى الإيمان ولم ~~يعمل، وقد بين سبحانه في غير موضع أن الصادق في قوله: آمنت، لابد أن يقوم ~~بالواجب، وحصر الإيمان في هؤلاء يدل على انتفائه عمن سواهم. # وللجهمية هنا سؤال ذكره أبو الحسن في كتاب [الموجز] وهو أن القرآن نفي ~~الإيمان عن غير هؤلاء، كقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم} [الأنفال: 2] ، ولم يقل: إن هذه الأعمال من الإيمان، قالوا: فنحن ~~نقول: من لم يعمل هذه الأعمال لم يكن مؤمنا، لأن انتفاءها دليل على انتفاء ~~العلم من قلبه. # والجواب عن هذا من وجوه: # أحدها: أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب، فإذا انتفت لم يبق ~~في القلب إيمان، وهذا هو المطلوب، وبعد هذا فكونها لازمة أو جزءا، نزاع ~~لفظي. # الثاني: أن نصوصا صرحت بأنها جزء، كقوله: " الإيمان بضع وستون أو بضع ~~وسبعون شعبة " # الثالث: أنكم إن قلتم بأن من انتفى عنه هذه الأمور فهو كافر خال من كل ~~إيمان، كان قولكم قول الخوارج، وأنتم في طرف، والخوارج في طرف؛ فكيف ~~توافقونهم؟ ومن هذه الأمور: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، ~~والحج، والجهاد، والإجابة إلى حكم الله ورسوله، وغير ذلك مما لا تكفرون ~~تاركه، وإن كفرتموه كان قولكم قول الخوارج. # PageV01P161 # الرابع: أن قول القائل: إن انتفاء بعض هذه الأعمال يستلزم ms140 ألا يكون في ~~قلب الإنسان شيء من التصديق بأن الرب حق، قول يعلم فساده بالاضطرار. # الخامس: أن هذا إذا ثبت في هذه ثبت في سائر الواجبات، فيرتفع النزاع ~~المعنوي. # فصل # الوجه الثاني: من غلط المرجئة: ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا ~~التصديق فقط، دون أعمال القلوب؛ كما تقدم عن جهمية المرجئة. # الثالث: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون شيء من الأعمال؛ ~~ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه، بمنزلة السبب مع المسبب ولا ~~يجعلونها لازمة له. والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر ~~بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر؛ ولهذا ~~صاروا يقدرون مسائل يمتنع وقوعها لعدم تحقق الارتباط الذي بين البدن والقلب ~~مثل أن يقولوا: رجل في قلبه من الإيمان مثل ما في قلب أبي بكر وعمر، وهو لا ~~يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ويزني بأمه وأخته، ويشرب الخمر نهار رمضان، ~~يقولون: هذا مؤمن تام الإيمان، فيبقى سائر المؤمنين ينكرون ذلك غاية ~~الإنكار. # قال أحمد بن حنبل: حدثنا خلف بن حيان، حدثنا معقل بن عبيد الله # PageV01P162 # العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء، فنفر منه أصحابنا نفورا ~~شديدا، منهم ميمون بن مهران، وعبد الكريم بن مالك، فإنه عاهد الله ألا ~~يؤويه وإياه سقف بيت إلا المسجد، قال معقل: فحججت فدخلت على عطاء بن أبي ~~رباح في نفر من أصحابي وهو يقرأ {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد ~~كذبوا} [يوسف: 110] قلت: إن لنا حاجة فأخلنا، ففعل، فأخبرته أن قوما قبلنا ~~قد أحدثوا وتكلموا وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، فقال: أو ليس ~~الله تعالى يقول: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة: 5] ، فالصلاة ~~والزكاة من الدين، قال: فقلت: إنهم يقولون: ليس في الإيمان زيادة، فقال: ~~أوليس قد قال الله فيما أنزل: {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: 4] هذا ~~الإيمان. فقلت: إنهم انتحلوك، وبلغني أن ابن ذر دخل ms141 عليك في أصحاب له، ~~فعرضوا عليك قولهم فقبلته، فقلت هذا الأمر، فقال: لا والله الذي لا إله إلا ~~هو، مرتين أو ثلاثا ثم قال: قدمت المدينة فجلست إلى نافع فقلت: يا أبا عبد ~~الله، إن لي إليك حاجة، فقال: سر أم علانية؟ فقلت: لا، بل سر. قال: رب سر ~~لا خير فيه، فقلت: ليس من ذلك، فلما صلينا العصر قام وأخذ بثوبي، ثم خرج من ~~الخوخة ولم ينتظر القاص، فقال: حاجتك؟ قال: فقلت: أخلني هذا. فقال: تنح، ~~قال: فذكرت له قولهم. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " ~~أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله ~~إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " قال: ~~قلت: إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فرض ولا نصلي، وبأن الخمر حرام ~~ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن ننكح. فنثر يده من يدي وقال: من فعل ~~هذا فهو كافر. # قال معقل: فلقيت الزهري فأخبرته بقولهم. فقال: سبحان الله! وقد أخذ الناس ~~في هذه الخصومات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " قال معقل: فلقيت ~~الحكم # PageV01P163 # ابن عتبة فقلت له: إن عبد الكريم وميمونا بلغهما أنه دخل عليك ناس من ~~المرجئة، فعرضوا بقولهم عليك فقبلت قولهم، قال: فقبل ذلك على ميمون، وعبد ~~الكريم؟ ! لقد دخل علي اثنا عشر رجلا وأنا مريض، فقالوا: يا أبا محمد، بلغك ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل بأمة سوداء، أو حبشية، فقال: يا ~~رسول الله، على رقبة مؤمنة، أفترى هذه مؤمنة؟ فقال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ ". فقالت: نعم. قال: " وتشهدين ~~أن محمدا رسول الله؟ ". قالت: نعم، قال: " وتشهدين أن الجنة حق والنار حق ~~". قالت: نعم، قال: " وتشهدين أن الله يبعثك من بعد الموت؟ ". قالت: نعم، ~~قال: " فأعتقها فإنها مؤمنة "، فخرجوا وهم ينتحلون ms142 ذلك. قال معقل: ثم جلست ~~إلى ميمون بن مهران، فقلت: يا أبا أيوب، لو قرأت لنا سورة ففسرتها، قال: ~~فقرأ {إذا الشمس كورت} حتى إذا بلغ: {مطاع ثم أمين} [التكوير: 1: 21] قال: ~~ذاكم جبريل، والخيبة لمن يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل، ورواه حنبل عن ~~أحمد، ورواه أيضا عن ابن أبي مليكة قال: لقد أتى علي برهة من الدهر وما ~~أراني أدرك قوما يقول أحدهم: إني مؤمن مستكمل الإيمان، ثم ما رضي حتى قال: ~~إيماني على إيمان جبريل وميكائيل، وما زال بهم الشيطان حتى قال أحدهم: إني ~~مؤمن وإن نكح أخته وأمه وبنته، والله لقد أدركت كذا وكذا من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ما مات أحد منهم إلا وهو يخشى النفاق على نفسه، وقد ~~ذكر هذا المعنى عنه البخاري في صحيحه، قال: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إيمانه ~~كإيمان جبريل. # وروى البغوي عن عبد الله بن محمد عن ابن مجاهد قال: كنت عند عطاء بن أبي ~~رباح، فجاء ابنه يعقوب فقال: يا أبتاه، إن أصحابا لي يزعمون أن إيمانهم ~~كإيمان جبريل، فقال: يا بني، ليس إيمان من أطاع الله كإيمان من عصى الله. # PageV01P164 # قلت: قوله عن المرجئة: إنهم يقولون: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، ~~قد يكون قول بعضهم، فإنهم كلهم يقولون: ليستا من الإيمان، وأما من الدين ~~فقد حكى عن بعضهم أنه يقول: ليستا من الدين، ولا نفرق بين الإيمان والدين، ~~ومنهم من يقول: بل هما من الدين ويفرق بين اسم الإيمان واسم الدين، وهذا هو ~~المعروف من أقوالهم التي يقولونها عن أنفسهم. ولم أر أنا في كتاب أحد منهم ~~أنه قال: الأعمال ليست من الدين، بل يقولون: ليست من الإيمان، وكذلك حكى ~~أبو عبيد عمن ناظره منهم، فإن أبا عبيد وغيره يحتجون بأن الأعمال من الدين، ~~فذكر قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] أنها نزلت في حجة الوداع. ~~قال أبو عبيد: فأخبر أنه إنما كمل ms143 الدين الآن في آخر الإسلام في حجة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وزعم هؤلاء أنه كان كاملا قبل ذلك بعشرين سنة من أول ~~ما نزل عليه الوحي بمكة حين دعا الناس إلى الإقرار، حتى قال: لقد اضطر ~~بعضهم حين أدخلت عليه هذه الحجة. . . إلى أن قال: إن الإيمان ليس بجميع ~~الدين، ولكن الدين ثلاثة أجزاء: الإيمان جزء، والفرائض جزء، والنوافل جزء. # قلت: هذا الذي قاله هذا هو مذهب القوم، قال أبو عبيد: وهذا غير ما نطق به ~~الكتاب، ألا تسمع إلى قوله: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19] ، ~~وقال: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] ، وقال: ~~{ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] فأخبر أن الإسلام هو الدين برمته، ~~وزعم هؤلاء أنه ثلث الدين. قلت: إنما قالوا: إن الإيمان ثلث، ولم يقولوا: ~~إن الإيمان ثلث الدين، لكنهم فرقوا بين مسمى الإيمان ومسمى الدين، وسنذكر ~~إن شاء الله تعالى الكلام في مسمى هذا ومسمى هذا. فقد يحكى عن بعضهم أنه ~~يقول: ليستا من الدين ولا يفرق بين اسم الإيمان والدين، ومنهم من يقول: بل ~~كلاهما من الدين، ويفرق بين اسم الإيمان واسم الدين، والشافعي رضي الله عنه ~~كان معظما لعطاء بن أبي رباح، ويقول: ليس في التابعين أتبع للحديث منه، ~~وكذلك أبو حنيفة قال: ما رأيت مثل عطاء، وقد # PageV01P165 # أخذ الشافعي هذه الحجة عن عطاء. فروى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي: ~~حدثنا أبي، حدثنا ميمون، حدثنا أبو عثمان بن الشافعي، سمعت أبي يقول ليلة ~~للحميدي: ما يحتج عليهم يعني أهل الإرجاء بآية أحج من قوله: {وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين ~~القيمة} [البينة: 5] . # وقال الشافعي رضي الله عنه في كتاب [الأم] في [باب النية في الصلاة] : ~~يحتج بألا تجزئ صلاة إلا بنية بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات " ثم قال: وكان الإجماع من ~~الصحابة، والتابعين من بعدهم، ومن ms144 أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، ~~لا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر. # وقال حنبل: حدثنا الحميدي قال: وأخبرت أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة ~~والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة ~~حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا ~~كان مقرا بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب ~~الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين، قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين} الآية. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ~~يقول: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على أمره وعلى الرسول ما جاء به عن ~~الله. # قلت: وأما احتجاجهم بقوله للأمة: " اعتقها فإنها مؤمنة " فهو من حججهم ~~المشهورة، وبه احتج ابن كلاب، وكان يقول: الإيمان هو التصديق والقول جميعا، ~~فكان قوله أقرب من قول جهم وأتباعه، وهذا لا حجة فيه؛ لأن الإيمان الظاهر ~~الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون ~~صاحبه من أهل السعادة في الآخرة، فإن المنافقين الذين قالوا: {آمنا بالله ~~وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] هم في الظاهر مؤمنون يصلون مع ~~الناس، ويصومون ويحجون ويغزون، والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم # PageV01P166 # كما كان المنافقون في عهد رسول الله صلىالله عليه وسلم، ولم يحكم النبي ~~صلىالله عليه وسلم في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر، لا في ~~مناكحتهم ولا موارثتهم ولا نحو ذلك، بل لما مات عبد الله بن أبي بن سلول ~~وهو من أشهر الناس بالنفاق ورثه ابنه عبد الله وهو من خيار المؤمنين، وكذلك ~~سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لأحدهم وارث ورثوه مع ~~المسلمين. # وقد تنازع الفقهاء في المنافق الزنديق الذي يكتم زندقته، هل يرث ويورث؟ ~~على قولين، والصحيح: أنه يرث ويورث وإن علم في الباطن أنه منافق، كما كان ~~الصحابة على عهد النبي صلىالله عليه وسلم؛ لأن الميراث مبناه على الموالاة ~~الظاهرة، لا على المحبة التي ms145 في القلوب، فإنه لو علق بذلك لم تمكن معرفته، ~~والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، وهو ما أظهره من ~~موالاة المسلمين فقول النبي صلىالله عليه وسلم: " لا يرث المسلم الكافر ولا ~~الكافر المسلم " لم يدخل فيه المنافقون وإن كانوا في الآخرة في الدرك ~~الأسفل من النار، بل كانوا يورثون ويرثون، وكذلك كانوا في الحقوق والحدود ~~كسائر المسلمين، وقد أخبر الله عنهم أنهم يصلون ويزكون ومع هذا لم يقبل ذلك ~~منهم فقال: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ~~ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} [التوبة: 54] ، ~~وقال: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا ~~كسالى يرآؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} [النساء: 142] . وفي صحيح ~~مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تلك صلاة المنافق، تلك صلاة ~~المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام ~~فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا "، وكانوا يخرجون مع النبي صلىالله ~~عليه وسلم في المغازي، كما خرج ابن أبي في غزوة بني المصطلق، وقال فيها: ~~{لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] . # PageV01P167 # وفي الصحيحين عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~سفر أصاب الناس فيها شدة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من ~~عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل} ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأرسل إلى ~~عبد الله بن أبي، فسأله فاجتهد يمينه ما فعل، وقالوا: كذب زيد يا رسول ~~الله، فوقع في نفسي مما قالوا شدة، حتى أنزل الله تصديقي في {إذا جاءك ~~المنافقون} ، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم. ~~وفي غزوة تبوك استنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم كما استنفر غيرهم، فخرج ~~بعضهم معه وبعضهم تخلفوا، وكان في الذين خرجوا معه من هم ms146 بقتله في الطريق، ~~هموا بحل حزام ناقته ليقع في واد هناك، فجاءه الوحي، فأسر إلى حذيفة ~~أسماءهم، ولذلك يقال: هو صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، كما ثبت ذلك في ~~الصحيح. ومع هذا ففي الظاهر تجري عليهم أحكام أهل الإيمان. # وبهذا يظهر الجواب عن شبهات كثيرة تورد في هذا المقام، فإن كثيرا من ~~المتأخرين ما بقى في المظهرين للإسلام عندهم إلا عدل أو فاسق، وأعرضوا عن ~~حكم المنافقين، والمنافقون ما زالوا ولا يزالون إلى يوم القيامة، والنفاق ~~شعب كثيرة، وقد كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم. # ففي الصحيحين عن النبي صلىالله عليه وسلم قال: " آية المنافق ثلاث: إذا ~~حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان "، وفي لفظ مسلم: " وإن صام وصلى ~~وزعم أنه مسلم " # وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلىالله عليه وسلم أنه قال: " ~~أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه شعبة منهن كانت فيه شعبة من ~~النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم ~~فجر ". # وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولا يصلي عليهم ويستغفر لهم، حتى نهاه ~~الله عن ذلك فقال: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} ~~[التوبة: 84] ، وقال: # PageV01P168 # {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ~~لهم} [التوبة: 80] ، فلم يكن يصلى عليهم ولا يستغفر لهم، ولكن دماؤهم ~~وأموالهم معصومة لا يستحل منهم ما يستحله من الكفار الذين لا يظهرون أنهم ~~مؤمنون، بل يظهرون الكفر دون الإيمان، فإنه صلىالله عليه وسلم قال: " أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله "، ولما قال لأسامة ~~ابن زيد: " أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ " قال: إنما قالها تعوذا. ~~قال: " هلا شققت عن قلبه؟ " وقال: " إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ~~ولا أشق بطونهم " وكان إذا ms147 استؤذن في قتل رجل يقول: " أليس يصلي، أليس ~~يتشهد؟ " فإذا قيل له: إنه منافق. قال: " ذاك ". # فكان حكمه صلىالله عليه وسلم في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم، لا ~~يستحل منها شيئا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم، وفيهم من ~~لم يكن يعلم نفاقه، قال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل ~~المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى ~~عذاب عظيم} [التوبة: 101] ، وكان من مات منهم صلي عليه المسلمون الذين لا ~~يعلمون أنه منافق، ومن علم أنه منافق لم يصل عليه، وكان عمر إذا مات ميت لم ~~يصل عليه حتى يصلى عليه حذيفة؛ لأن حذيفة كان قد علم أعيانهم، وقد قال الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله ~~أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] ~~فأمر بامتحانهن هنا وقال: {الله أعلم بإيمانهن} . # والله تعالى لما أمر في الكفارة بعتق رقبة مؤمنة، لم يكن على الناس ألا ~~يعتقوا إلا من يعلموا أن الإيمان في قلبه، فإن هذا كما لو قيل لهم: اقتلوا ~~إلا من # PageV01P169 # علمتم أن الإيمان في قلبه. وهم لم يؤمروا أن ينقبوا عن قلوب الناس ولا ~~يشقوا بطونهم، فإذا رأوا رجلا يظهر الإيمان جاز لهم عتقه، وصاحب الجارية ~~لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل هي مؤمنة؟ إنما أراد الإيمان الظاهر ~~الذي يفرق به بين المسلم والكافر، وكذلك من عليه نذر، لم يلزمه أن يعتق إلا ~~من علم أن الإيمان في قلبه، فإنه لا يعلم ذلك مطلقا، بل ولا أحد من الخلق ~~يعلم ذلك مطلقا. وهذا رسول الله صلىالله عليه وسلم أعلم الخلق، والله يقول ~~له: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين} . فأولئك إنما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يحكم فيهم كحكمه في سائر المؤمنين، ولو حضرت جنازة أحدهم صلى عليها، ~~ولم يكن منهيا عن الصلاة إلا ms148 على من علم نفاقه، وإلا لزم أن ينقب عن قلوب ~~الناس ويعلم سرائرهم، وهذا لا يقدر عليه بشر. # ولهذا لما كشفهم الله بسورة براءة بقوله: {منهم} ، {منهم} صار يعرف نفاق ~~ناس منهم لم يكن يعرف نفاقهم قبل ذلك، فإن الله وصفهم بصفات علمها الناس ~~منهم، وما كان الناس يجزمون بأنها مستلزمة لنفاقهم، وإن كان بعضهم يظن ذلك ~~وبعضهم يعلمه، فلم يكن نفاقهم معلوما عند الجماعة، بخلاف حالهم لما نزل ~~القرآن؛ ولهذا لما نزلت سورة براءة كتموا النفاق وما بقى يمكنهم من إظهاره ~~أحيانا ما كان يمكنهم قبل ذلك، وأنزل الله تعالى: {لئن لم ينته المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك ~~فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين ~~خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الأحزاب: 60: 62] ، فلما توعدوا ~~بالقتل إذا أظهروا النفاق، كتموه. ولهذا تنازع الفقهاء في استتابة الزنديق. ~~فقيل: يستتاب. واستدل من قال ذلك بالمنافقين الذين كان النبي صلىالله عليه ~~وسلم يقبل علانيتهم ويكل أمرهم إلى الله. فيقال # PageV01P170 # له: هذا كان في أول الأمر، وبعد هذا أنزل الله: {ملعونين أينما ثقفوا ~~أخذوا وقتلوا تقتيلا} فعلموا أنهم إن أظهروه كما كانوا يظهرونه قتلوا، ~~فكتموه. # والزنديق: هو المنافق، وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتم ~~النفاق، قالوا: ولا تعلم توبته؛ لأن غاية ما عنده أنه يظهر ما كان يظهر، ~~وقد كان يظهر الإيمان وهو منافق، ولو قبلت توبة الزنادقة لم يكن سبيل إلى ~~تقتيلهم، والقرآن قد توعدهم بالتقتيل. # والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن تلك الأمة بالإيمان ~~الظاهر الذي علقت به الأحكام الظاهرة، وإلا فقد ثبت عنه أن سعدا لما شهد ~~لرجل أنه مؤمن قال: " أو مسلم " وكان يظهر من الإيمان ما تظهره الأمة ~~وزيادة، فيجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة التي يحكم فيها الناس في ~~الدنيا، وبين حكمهم في الآخرة بالثواب والعقاب؛ فالمؤمن المستحق للجنة لابد ~~أن يكون مؤمنا في ms149 الباطن باتفاق جميع أهل القبلة، حتى الكرامية الذين يسمون ~~المنافق مؤمنا ويقولون: الإيمان هو الكلمة، يقولون: إنه لا ينفع في الآخرة ~~إلا الإيمان الباطن. وقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل ~~الجنة، وهو غلط عليهم، إنما نازعوا في الاسم لا في الحكم بسبب شبهة ~~المرجئة؛ في أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل؛ ولهذا أكثر ما اشترط الفقهاء ~~في الرقبة التي تجزئ في الكفارة العمل الظاهر، فتنازعوا: هل يجزئ الصغير؟ ~~على قولين معروفين للسلف، هما روايتان عن أحمد، فقيل: لا يجزئ عتقه؛ لأن ~~الإيمان قول وعمل، والصغير لم يؤمن بنفسه إنما إيمانه تبع لأبويه في أحكام ~~الدنيا، ولم يشترط أحد أن يعلم أنه مؤمن في الباطن، وقيل: بل يجزئ عتقه؛ ~~لأن العتق من الأحكام الظاهرة وهو تبع لأبويه، فكما أنه يرث منهما ويصلي ~~عليه، ولا يصلي إلا على مؤمن، فإنه يعتق. # وكذلك المنافقون الذين لم يظهروا نفاقهم، يصلى عليهم إذا ماتوا، ويدفنون ~~في مقابر المسلمين من عهد النبي صلىالله عليه وسلم، والمقبرة التي كانت ~~للمسلمين في حياته # PageV01P171 # وحياة خلفائه وأصحابه يدفن فيها كل من أظهر الإيمان وإن كان منافقا في ~~الباطن، ولم يكن للمنافقين مقبرة يتميزون بها عن المسلمين في شيء من ديار ~~الإسلام، كما تكون لليهود والنصارى مقبرة يتميزون بها، ومن دفن في مقابر ~~المسلمين صلى عليه المسلمون، والصلاة لا تجوز على من علم نفاقه بنص القرآن، ~~فعلم أن ذلك بناء على الإيمان الظاهر، والله يتولى السرائر، وقد كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يصلي عليهم ويستغفر لهم حتى نهى عن ذلك، وعلل ذلك ~~بالكفر، فكان ذلك دليلا على أن كل من لم يعلم أنه كافر بالباطن جازت الصلاة ~~عليه والاستغفار له، وإن كانت فيه بدعة، وإن كان له ذنوب. # وإذا ترك الإمام، أو أهل العلم والدين الصلاة على بعض المتظاهرين ببدعة ~~أو فجور زجرا عنها، لم يكن ذلك محرما للصلاة عليه والاستغفار له، بل قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيمن كان يمتنع عن الصلاة عليه وهو ms150 الغال وقاتل ~~نفسه والمدين الذي لا وفاء له: " صلوا على صاحبكم ". وروى أنه كان يستغفر ~~للرجل في الباطن وإن كان في الظاهر يدع ذلك زجرا عن مثل مذهبه، كما روى في ~~حديث محلم بن جثامة. # وليس في الكتاب والسنة المظهرون للإسلام إلا قسمان: مؤمن أو منافق، ~~فالمنافق في الدرك الأسفل من النار، والآخر مؤمن، ثم قد يكون ناقص الإيمان ~~فلا يتناوله الاسم المطلق، وقد يكون تام الإيمان، وهذا يأتي الكلام عليه إن ~~شاء الله في مسألة الإسلام والإيمان، وأسماء الفساق من أهل الملة، لكن ~~المقصود هنا أنه لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا ببدعة ابتدعها ولو دعا ~~الناس إليها كافرا في الباطن، إلا إذا كان منافقا. فأما من كان في قلبه ~~الإيمان بالرسول وما جاء به وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع، فهذا ليس ~~بكافر أصلا، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها، ~~ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموافيهم # PageV01P172 # بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير ~~هذا الموضع. # وكذلك سائر الثنتين وسبعين فرقة، من كان منهم منافقا فهو كافر في الباطن، ~~ومن لم يكن منافقا، بل كان مؤمنا بالله ورسوله في الباطن، لم يكن كافرا في ~~الباطن، وإن أخطأ في التأويل كائنا ما كان خطؤه؛ وقد يكون في بعضهم شعبة من ~~شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار. ~~ومن قال: إن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة، ~~فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بل وإجماع ~~الأئمة الأربعة وغير الأربعة، فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين ~~فرقة، وإنما يكفر بعضهم بعضا ببعض المقالات، كما قد بسط الكلام عليهم في ~~غير هذا الموضع. # وإنما قال الأئمة بكفر هذا؛ لأن هذا فرض ما لا يقع، فيمتنع أن يكون الرجل ~~لا يفعل شيئا مما أمر ms151 به من الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويفعل ما يقدر ~~عليه من المحرمات، مثل الصلاة بلا وضوء وإلى غير القبلة، ونكاح الأمهات، ~~وهو مع ذلك مؤمن في الباطن، بل لا يفعل ذلك إلا لعدم الإيمان الذي في قلبه؛ ~~ولهذا كان أصحاب أبي حنيفة يكفرون أنواعا ممن يقول كذا وكذا؛ لما فيه من ~~الاستخفاف، ويجعلونه مرتدا ببعض هذه الأنواع مع النزاع اللفظي الذي بين ~~أصحابه وبين الجمهور في العمل: هل هو داخل في اسم الإيمان أم لا؟ ولهذا فرض ~~متأخرو الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها وهي: أن الرجل إذا كان مقرا بوجوب ~~الصلاة فدعى إليها وامتنع، واستتيب ثلاثا مع تهديده بالقتل فلم يصل حتى ~~قتل، هل يموت كافرا أو فاسقا؟ على قولين. # وهذا الفرض باطل، فإنه يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله ~~فرضها عليه، وأنه يعاقبه على تركها ويصبر على القتل، ولا يسجد لله سجدة من ~~غير عذر له في ذلك، هذا لا يفعله بشر قط، بل ولا يضرب أحد ممن يقر بوجوب ~~الصلاة إلا صلى، لا ينتهي الأمر به إلى القتل، وسبب ذلك: أن القتل # PageV01P173 # ضرر عظيم لا يصبر عليه الإنسان إلا لأمر عظيم، مثل لزومه لدين يعتقد أنه ~~إن فارقه هلك فيصبر عليه حتى يقتل، وسواء كان الدين حقا أو باطلا، أما مع ~~اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطنا وظاهرا، فلا يكون فعل الصلاة أصعب عليه من ~~احتمال القتل قط. # ونظير هذا لو قيل: إن رجلا من أهل السنة قيل له: ترض عن أبي بكر وعمر ~~فامتنع عن ذلك حتى قتل مع محبته لهما واعتقاده فضلهما، ومع عدم الأعذار ~~المانعة من الترضي عنهما، فهذا لا يقع قط. وكذلك لو قيل: إن رجلا يشهد أن ~~محمدا رسول الله باطنا وظاهرا وقد طلب منه ذلك، وليس هناك رهبة ولا رغبة ~~يمتنع لأجلها، فامتنع منها حتى قتل، فهذا يمتنع أن يكون في الباطن يشهد أن ~~محمدا رسول الله؛ ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذي لا نجاة للعبد ~~إلا به عند ms152 عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين إلا الجهمية جهما ومن ~~وافقه فإنه إذا قدر أنه معذور لكونه أخرس، أو لكونه خائفا من قوم إنأظهر ~~الإسلام آذوه ونحو ذلك، فهذا يمكن ألا يتكلم مع إيمان في قلبه، كالمكره على ~~كلمة الكفر، قال الله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} [النحل: 106] وهذه ~~الآية مما يدل على فساد قول جهم ومن اتبعه، فإنه جعل كل من تكلم بالكفر من ~~أهل وعيد الكفار، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. # فإن قيل: فقد قال تعالى: {ولكن من شرح بالكفر صدرا} قيل: وهذا موافق ~~لأولها فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرا، وإلا ناقض أول الآية ~~آخرها، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره، وذلك يكون بلا إكراه، لم ~~يستثن المكره فقط، بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح ~~صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعا فقد شرح بها صدرا وهي كفر، # PageV01P174 # وقد دل على ذلك قوله تعالى: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم ~~بما في قلوبهم قل استهزؤوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن إنما ~~كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم ~~بعد إيمانكم إن نعف عن طآئفة منكم نعذب طآئفة بأنهم كانوا مجرمين} [التوبة: ~~64: 66] . فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من ~~غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا ~~يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن ~~يتكلم بهذا الكلام. والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر ~~بحسبه، كقوله تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق ~~منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} إلي قوله: ~~{إنما ms153 كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} [النور: 47: 51] فنفى الإيمان عمن تولى ~~عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ~~سمعوا وأطاعوا، فبين أن هذا من لوازم الإيمان. # فصل # فإن قيل: فإذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله، ~~فمتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان فيلزم تكفير أهل الذنوب كما تقوله الخوارج، ~~أو تخليدهم في النار وسلبهم اسم الإيمان بالكلية كما تقوله المعتزلة، وكلا ~~هذين القولين شر من قول المرجئة، فإن المرجئة منهم جماعة من العلماء ~~والعباد المذكورين عند الأمة بخير، وأما الخوارج والمعتزلة فأهل السنة ~~والجماعة من جميع الطوائف مطبقون على ذمهم. # PageV01P175 # قيل: أولا: ينبغي أن يعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه ~~أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار، فإن هذا القول من ~~البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة ~~المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ~~واتفقوا أيضا على أن نبينا صلى الله عليه وسلم يشفع فيمن يأذن الله له ~~بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته، ففي الصحيحين عنه أنه قال: " لكل نبي ~~دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة "، وهذه الأحاديث ~~مذكورة في مواضعها. وقد نقل بعض الناس عن الصحابة في ذلك خلافا، كما روى ~~ابن عباس: أن القاتل لا توبة له، وهذا غلط على الصحابة، فإنه لم يقل أحد ~~منهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع لأهل الكبائر ولا قال: إنهم ~~يخلدون في النار، ولكن ابن عباس في إحدى الروايتين عنه قال: إن القاتل لا ~~توبة له، وعن أحمد بن حنبل في قبول توبة القاتل روايتان أيضا، والنزاع في ~~التوبة غير النزاع في التخليد، وذلك أن القتل يتعلق به حق آدمي؛ فلهذا حصل ~~فيه النزاع. # وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، ms154 فهذا ممنوع. وهذا هو ~~الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب ~~كله لم يبق منه شيء ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ~~ورسوله، وهوالإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث؛ قالوا: فإذا ذهب شيء منه ~~لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار. وقالت المرجئة على اختلاف ~~فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان؛ إذ لو ذهب ~~شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئا واحدا يستوى فيه البر والفاجر. ونصوص ~~الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه، كقوله: " يخرج من النار من ~~كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ". # ولهذا كان أهل السنة والحديث على أنه يتفاضل، وجمهورهم يقولون: يزيد ~~وينقص، ومنهم من يقول: يزيد، ولا يقول: ينقص، كما روي عن مالك في إحدى ~~الروايتين، ومنهم من يقول: يتفاضل، كعبد الله بن المبارك، وقد ثبت لفظ ~~الزيادة والنقصان منه عن الصحابة، ولم # PageV01P176 # يعرف فيه مخالف من الصحابة، فروى الناس من وجوه كثيرة مشهورة، عن حماد بن ~~سلمة، عن أبي جعفر، عن جده عمير بن حبيب الخطمي وهو من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: الإيمان يزيد وينقص، قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ ~~قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فتلك ~~نقصانه، وروى إسماعيل بن عياش عن جرير بن عثمان، عن الحارث بن محمد عن أبي ~~الدرداء قال: الإيمان يزيد وينقص. # وقال أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد، حدثنا جرير بن عثمان قال: سمعت أشياخنا ~~أو بعض أشياخنا أن أبا الدرداء قال: إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما ~~نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد الإيمان أم ينقص؟ وأن من فقه الرجل ~~أن يعلم: نزغات الشيطان أنى تأتيه. وروى إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن ~~عمرو، عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي، عن أبي هريرة قال: الإيمان يزيد ~~وينقص. # وقال أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد ms155 بن هارون، حدثنا محمد بن طلحة، عن زبيد، ~~عن ذر قال: كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيمانا، فيذكرون ~~الله عز وجل وقال أبو عبيد في [الغريب] في حديث على: إن الإيمان يبدو لمظة ~~في القلب، كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة، يروي ذلك عن عثمان بن عبد ~~الله عن عمرو ابن هند الجملي عن علي قال الأصمعي: اللمظة: مثل النكتة أو ~~نحوها. # وقال أحمد بن حنبل: حدثنا وكيع، عن شريك، عن هلال، عن عبد الله بن عكيم ~~قال: سمعت ابن مسعود يقول في دعائه: اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها. وروي ~~سفيان الثوري، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال قال: كان معاذ # PageV01P177 # بن جبل يقول لرجل: اجلس بنا نؤمن نذكر الله تعالى. وروى أبو اليمان: ~~حدثنا صفوان عن شريح ابن عبيد، أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من ~~أصحابه فيقول: قم بنا نؤمن ساعة، فنحن في مجلس ذكر وهذه الزيادة أثبتها ~~الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن كله. # وصح عن عمار بن ياسر أنه قال: ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان: ~~الإنصاف من نفسه، والإنفاق من الإقتار، وبذل السلام للعالم، ذكره البخاري ~~في صحيحه. وقال جندب بن عبد الله وابن عمر وغيرهما: تعلمنا الإيمان، ثم ~~تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا. والآثار في هذا كثيرة، رواها المصنفون في ~~هذا الباب عن الصحابة والتابعين في كتب كثيرة معروفة. # قال مالك بن دينار: الإيمان يبدو في القلب ضعيفا ضئيلا كالبقلة، فإن ~~صاحبه تعاهده فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة، وأماط عنه الدغل وما ~~يضعفه ويوهنه، أوشك أن ينمو أو يزداد، ويصير له أصل وفروع، وثمرة وظل إلى ~~ما لا يتناهى حتى يصير أمثال الجبال، وإن صاحبه أهمله ولم يتعاهده جاءه عنز ~~فنتفتها، أو صبي فذهب بها، وأكثر عليها الدغل فأضعفها أو أهلكها أو أيبسها، ~~كذلك الإيمان. # وقال خيثمة بن عبد الرحمن: الإيمان يسمن في الخصب، ويهزل في الجدب، فخصبه ~~العمل الصالح، وجدبه الذنوب والمعاصي، ms156 وقيل لبعض السلف: يزداد الإيمان ~~وينقص، قال: نعم يزداد حتى يصير أمثال الجبال، وينقص حتى يصير أمثال ~~الهباء. # PageV01P178 # وفي حديث حذيفة الصحيح: " حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، ~~وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان "، وفي حديثه الآخر الصحيح " تعرض ~~الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها، نكتت فيه نكتة سوداء، ~~وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا ~~فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود: مربادا، كالكوز مجخيا، ~~لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب هواه ". وفي حديث السبعين ألفا ~~الذين يدخلون الجنة بغير حساب كفاية، فإنه من أعظم الأدلة على زيادة ~~الإيمان ونقصانه؛ لأنه وصفهم بقوة الإيمان وزيادته في تلك الخصال التي تدل ~~على قوة إيمانهم، وتوكلهم على الله في أمورهم كلها. # وروى أبو نعيم من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله اليزني، عن أبي ~~رافع أنه سمع رجلا حدثه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان ~~فقال: " أتحب أن أخبرك بصريح الإيمان؟ " قال: نعم. قال: " إذا أسأت أو ظلمت ~~أحدا، عبدك أو أمتك أو أحدا من الناس، حزنت وساءك ذلك، وإذا تصدقت أو أحسنت ~~استبشرت وسرك ذلك "، ورواه بعضهم عن يزيد، عمن سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه سأله عن زيادة الإيمان في القلب ونقصانه فذكر نحوه. وقال البزار: ~~حدثنا محمد بن أبي الحسن البصري، ثنا هانئ بن المتوكل، ثنا عبد الله بن ~~سليمان، عن إسحاق، عن أنس مرفوعا: " ثلاث من كن فيه استوجب الثواب واستكمل ~~الإيمان: خلق يعيش به في الناس، وورع يحجزه عن معصية الله، وحلم يرد به جهل ~~الجاهل، أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على ~~الدنيا " فالخصال الأولى تدل على زيادة الإيمان وقوته، والأربعة الأخر تدل ~~على ضعفه ونقصانه. # وقال أبو يعلي الموصلي: ثنا عبد الله القواريري، ويحيى بن سعيد قالا: ثنا # PageV01P179 # يزيد بن زريع، ms157 ويحيى بن سعيد قالا: حدثنا عوف، حدثني عقبة بن عبد الله ~~المزني قال يزيد في حديثه في مسجد البصرة: حدثني رجل قد سماه، ونسى عوف ~~اسمه قال: كنت بالمدينة في مسجد فيه عمر بن الخطاب، فقال لبعض جلسائه: كيف ~~سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الإسلام؟ فقال: سمعته يقول: " ~~الإسلام بدأ جذعا، ثم ثنيا؛ ثم رباعيا، ثم سديسا؛ ثم بازلا " فقال عمر: فما ~~بعد البزول إلا النقصان، كذا ذكره أبو يعلى في [مسند عمر] وفي [مسند] هذا ~~الصحابي المبهم ذكره أولى. # قال أبو سليمان: من أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ ~~في ليلة. # والزيادة قد نطق بها القرآن في عدة آيات، كقوله تعالى: {إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} ~~[الأنفال: 2] ، وهذه زيادة، إذا تليت عليهم الآيات أي: وقت تليت ليس هو ~~تصديقهم بها عند النزول، وهذا أمر يجده المؤمن إذا تليت عليه الآيات، زاد ~~في قلبه بفهم القرآن ومعرفة معانيه من علم الإيمان ما لم يكن، حتى كأنه لم ~~يسمع الآية إلا حينئذ، ويحصل في قلبه من الرغبة في الخير والرهبة من الشر ~~ما لم يكن، فزاد علمه بالله ومحبته لطاعته، وهذه زيادة الإيمان، وقال ~~تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] ، فهذه الزيادة عند ~~تخويفهم بالعدو لم تكن عند آية نزلت فازدادوا يقينا وتوكلا على الله، ~~وثباتا على الجهاد وتوحيدا بألا يخافوا المخلوق، بل يخافون الخالق وحده، ~~وقال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما ~~الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم} [التوبة: 124، 125] . وهذه # PageV01P180 # الزيادة ليست مجرد التصديق بأن الله أنزلها، بل زادتهم إيمانا بحسب ~~مقتضاها، فإن كانت أمرا بالجهاد أو غيره ازدادوا رغبة، وإن كانت نهيا عن ~~شيء انتهوا عنه فكرهوا؛ ولهذا قال: {وهم يستبشرون} ms158 والاستبشار غير مجرد ~~التصديق، وقال تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن ~~الأحزاب من ينكر بعضه} [الرعد: 36] ، والفرح بذلك من زيادة الإيمان، قال ~~تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} [يونس: 5] ، وقال تعالى: ~~{ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله} [الروم: 4، 5] ، وقال تعالى: {وما جعلنا ~~أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن ~~الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا} [المدثر: 31] ، وقال: {هو ~~الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: ~~4] ، وهذه نزلت لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الحديبية، ~~فجعل السكينة موجبة لزيادة الإيمان. # والسكينة طمأنينة في القلب غير علم القلب وتصديقه؛ ولهذا قال يوم حنين: ~~{ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها} ~~[التوبة: 26] ، وقال تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا ~~تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها} [التوبة: ~~40] ، ولم يكن قد نزل يوم حنين قرآن ولا يوم الغار، وإنما أنزل سكينته ~~وطمأنينته من خوف العدو، فلما أنزل السكينة في قلوبهم، مرجعهم من الحديبية، ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، دل على أن الإيمان المزيد حال للقلب وصفة له، ~~وعمل مثل طمأنينته وسكونه ويقينه، واليقين قد يكون بالعمل والطمأنينة، كما ~~يكون بالعلم، والريب المنافي لليقين يكون ريبا في العلم، وريبا في طمأنينة ~~القلب؛ ولهذا جاء في الدعاء المأثور: " اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به ~~بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به ~~علينا مصائب الدنيا ". وفي حديث الصديق الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن ~~النبي صلىالله عليه وسلم أنه # PageV01P181 # قال: " سلوا الله العافية واليقين، فما أعطى أحد بعد اليقين شيئا خيرا من ~~العافية، فسلوهما الله تعالى "، فاليقين عند المصائب بعد العلم بأن الله ~~قدرها سكينة القلب وطمأنينته وتسليمه، وهذا من تمام الإيمان بالقدر خيره ~~وشره، كما قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله ms159 يهد ~~قلبه} [التغابن: 11] ، قال علقمة: ويروي عن ابن مسعود: هو الرجل تصيبه ~~المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضي ويسلم، وقوله تعالى: {يهد قلبه} هداه ~~لقلبه هو زيادة في إيمانه، كما قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى} ~~[محمد: 17] ، وقال: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} [الكهف: 13] . ~~ولفظ [الإيمان] أكثر ما يذكر في القرآن مقيدا، فلا يكون ذلك اللفظ متناولا ~~لجميع ما أمر الله به، بل يجعل موجبا للوازمه وتمام ما أمر به، وحينئذ ~~يتناوله الاسم المطلق قال تعالى: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير وما لكم لا تؤمنون ~~بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين هو ~~الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الحديد: 7: ~~9] ، وقال تعالى في آخر السورة: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور ~~رحيم} [الحديد: 28] . # وقد قال بعض المفسرين في الآية الأولى: إنها خطاب لقريش، وفي الثانية: ~~إنها خطاب لليهود والنصارى، وليس كذلك؛ فإن الله لم يقل قط للكفار: {يا ~~أيها الذين آمنوا} ثم قال بعد ذلك: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على ~~شيء من فضل الله} [الحديد: 29] ، وهذه السورة مدنية باتفاق، لم يخاطب بها ~~المشركين بمكة، وقد قال: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا ~~بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين} [الحديد:8] وهذا لا يخاطب به كافر، ~~وكفار مكة لم يكن أخذ # PageV01P182 # ميثاقهم، وإنما أخذ ميثاق المؤمنين ببيعتهم له؛ فإن كل من كان مسلما ~~مهاجرا، كان يبايع النبي صلى الله عليه وسلم كما بايعه الأنصار ليلة ~~العقبة، وإنما دعاهم إلى تحقيق الإيمان وتكميله بأداء ما يجب من تمامه ~~باطنا وظاهرا، كما نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم في كل صلاة، وإن ~~كان قد هدى المؤمنين للإقرار بما جاء به الرسول جملة، لكن الهداية المفصلة ~~في جميع ما يقولونه ويفعلونه في جميع أمورهم ms160 لم تحصل، وجميع هذه الهداية ~~الخاصة المفصلة هي من الإيمان المأمور به. وبذلك يخرجهم الله من الظلمات ~~إلى النور. # فصل: # وزيادة الإيمان الذي أمر الله به، والذي يكون من عباده المؤمنين، يعرف من ~~وجوه: # أحدها: الإجمال والتفصيل فيما أمروا به، فإنه وإن وجب على جميع الخلق ~~الإيمان بالله ورسوله، ووجب على كل أمة التزام ما يأمر به رسولهم مجملا، ~~فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، ولا يجب على ~~كل عبد من الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول، ما يجب على من بلغه غيره، ~~فمن عرف القرآن والسنن ومعانيها، لزمه من الإيمان المفصل بذلك ما لا يلزم ~~غيره، ولو آمن الرجل بالله وبالرسول باطنا وظاهرا، ثم مات قبل أن يعرف ~~شرائع الدين، مات مؤمنا بما وجب عليه من الإيمان، وليس ما وجب عليه ولا ما ~~وقع عنه مثل إيمان من عرف الشرائع فآمن بها وعمل بها، بل إيمان هذا أكمل ~~وجوبا ووقوعا، فإن ما وجب عليه من الإيمان أكمل، وما وقع منه أكمل. # وقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] أي: في التشريع ~~بالأمر والنهي، ليس المراد أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر ~~الأمة، وأنه فعل ذلك، بل في الصحيحين عن النبي صلىالله عليه وسلم، أنه وصف ~~النساء بأنهن ناقصات عقل ودين، وجعل نقصان عقلها، أن شهادة امرأتين، شهادة ~~رجل واحد، ونقصان دينها أنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، وهذا النقصان ليس # PageV01P183 # هو نقص مما أمرت به، فلا تعاقب على هذا النقصان، لكن من أمر بالصلاة ~~والصوم ففعله، كان دينه كاملا بالنسبة إلى هذه الناقصة الدين. # الوجه الثاني: الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم، فمن آمن بما جاء به ~~الرسول مطلقا فلم يكذبه قط، لكن أعرض عن معرفة أمره، ونهيه، وخبره، وطلب ~~العلم الواجب عليه؛ فلم يعلم الواجب عليه، ولم يعمله، بل اتبع هواه، وآخر ~~طلب علم ما أمر به فعمل به، وآخر طلب علمه، فعلمه، وآمن به ولم ms161 يعمل به وإن ~~اشتركوا في الوجوب، لكن من طلب علم التفصيل وعمل به فإيمانه أكمل به، ~~فهؤلاء ممن عرف ما يجب عليه والتزمه، وأقر به، لكنه لم يعمل بذلك كله، وهذا ~~المقر بما جاء به الرسول، المعترف بذنبه الخائف من عقوبة ربه على ترك ~~العمل، أكمل إيمانا ممن لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ولا عمل بذلك، ولا ~~هو خائف أن يعاقب، بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، مع أنه مقر بنبوته باطنا وظاهرا. # فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدقه، وما أمر به فالتزمه، كان ذلك ~~زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك، وإن كان معه التزام عام وإقرار ~~عام. # وكذلك من عرف أسماء الله ومعانيها فآمن بها، كان إيمانه أكمل ممن لم يعرف ~~تلك الأسماء، بل آمن بها إيمانا مجملا، أو عرف بعضها، وكلما ازداد الإنسان ~~معرفة بأسماء الله وصفاته وآياته، كان إيمانه به أكمل. # الثالث: أن العلم والتصديق نفسه، يكون بعضه أقوى من بعض، وأثبت وأبعد عن ~~الشك والريب. وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه، كما أن الحس الظاهر بالشيء ~~الواحد، مثل رؤية الناس للهلال، وإن اشتركوا فيها فبعضهم تكون رؤيته أتم من ~~بعض، وكذلك سماع الصوت الواحد، وشم الرائحة الواحدة، وذوق النوع الواحد من ~~الطعام، فكذلك معرفة القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعددة. ~~والمعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه، يتفاضل الناس في ~~معرفتها، أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها. # PageV01P184 # الرابع: أن التصديق المستلزم لعمل القلب، أكمل من التصديق الذي لا يستلزم ~~عمله فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به، وإذا كان ~~شخصان يعلمان أن الله حق، ورسوله حق، والجنة حق، والنار حق، وهذا علمه أوجب ~~له محبة الله، وخشيته، والرغبة في الجنة، والهرب من النار والآخر علمه لم ~~يوجب ذلك، فعلم الأول أكمل؛ فإن قوة المسبب دل على قوة السبب، وهذه الأمور ms162 ~~نشأت عن العلم، فالعلم بالمحبوب يستلزم طلبه، والعلم بالمخوف يستلزم الهرب ~~منه، فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم؛ ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " ليس المخبر كالمعاين " فإن موسى لما أخبره ربه أن قومه عبدوا ~~العجل، لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها؛ وليس ذلك لشك موسى في ~~خبر الله، لكن المخبر وإن جزم بصدق المخبر، فقد لا يتصور المخبر به في ~~نفسه، كما يتصوره إذا عاينه، بل يكون قلبه مشغولا عن تصور المخبر به، وإن ~~كان مصدقا به، ومعلوم أنه عند المعاينة يحصل له من تصور المخبر به ما لم ~~يكن عند الخبر، فهذا التصديق أكمل من ذلك التصديق. # الخامس: أن أعمال القلوب، مثل محبة الله ورسوله، وخشية الله تعالى ~~ورجائه، ونحو ذلك، هي كلها من الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب والسنة ~~واتفاق السلف، وهذه يتفاضل الناس فيها تفاضلا عظيما. # السادس: أن الأعمال الظاهرة مع الباطنة هي أيضا من الإيمان، والناس ~~يتفاضلون فيها. # السابع: ذكر الإنسان بقلبه ما أمره الله به واستحضاره لذلك، بحيث لا يكون ~~غافلا عنه، أكمل ممن صدق به وغفل عنه، فإن الغفلة تضاد كمال العلم والتصديق ~~والذكر، والاستحضار يكمل العلم واليقين؛ ولهذا قال عمر بن # PageV01P185 # حبيب من الصحابة: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا ~~غفلنا ونسينا وضيعنا فتلك نقصانه وهو كذلك. وكان معاذ بن جبل يقول لأصحابه: ~~اجلسوا بنا ساعة نؤمن، قال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه} [الكهف: 28] ، وقال تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} ~~[الذاريات: 55] ، وقال تعالى: {سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى} [الأعلى: ~~10، 11] ثم كلما تذكر الإنسان ما عرفه قبل ذلك، وعمل به، حصل له معرفة شيء ~~آخر لم يكن عرفه قبل ذلك وعرف من معاني أسماء الله وآياته ما لم يكن عرفه ~~قبل ذلك، كما في الأثر: " من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ". وهذا ~~أمر يجده في نفسه كل مؤمن. # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه ms163 وسلم: " مثل الذي يذكر ربه والذي لا ~~يذكر ربه، مثل الحي والميت "، قال تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا} [الأنفال: 2] ، وذلك أنها تزيدهم علم ما لم يكونوا قبل ذلك علموه، ~~وتزيدهم عملا بذلك العلم، وتزيدهم تذكرا لما كانوا نسوه، وعملا بتلك ~~التذكرة، وكذلك ما يشاهده العباد من الآيات في الآفاق، وفي أنفسهم قال ~~تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} ~~[فصلت: 53] أي: أن القرآن حق، ثم قال تعالى: {أولم يكف بربك أنه على كل شيء ~~شهيد} [فصلت: 53] ، فإن الله شهيد في القرآن بما أخبر به، فآمن به المؤمن ~~ثم أراهم في الآفاق وفي أنفسهم من الآيات، ما يدل على مثل ما أخبر به في ~~القرآن، فبينت لهم هذه الآيات، أن القرآن حق مع ما كان قد حصل لهم قبل ذلك. # وقال تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها ~~من فروج والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ~~تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} [ق: 6: 8] ، فالآيات المخلوقة والمتلوة، فيها ~~تبصرة، وفيها تذكرة: تبصرة من العمى، وتذكرة من الغفلة، فيبصر من لم يكن ~~عرف حتى يعرف، ويذكر من عرف ونسى، والإنسان يقرأ السورة مرات، حتى سورة # PageV01P186 # الفاتحة، ويظهر له في أثناء الحال من معانيها ما لم يكن خطر له قبل ذلك، ~~حتى كأنها تلك الساعة نزلت، فيؤمن بتلك المعاني ويزداد علمه وعمله، وهذا ~~موجود في كل من قرأ القرآن بتدبر، بخلاف من قرأه مع الغفلة عنه، ثم كلما ~~فعل شيئا مما أمر به، استحضر أنه أمر به فصدق الأمر، فحصل له في تلك الساعة ~~من التصديق في قلبه ما كان غافلا عنه، وإن لم يكن مكذبا منكرا. # الوجه الثامن: أن الإنسان قد يكون مكذبا ومنكرا لأمور لا يعلم أن الرسول ~~أخبر بها، وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر، بل قلبه جازم بأنه لا ~~يخبر إلا بصدق ولا يأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو ms164 يتدبر ذلك، ~~أو يفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه، فيصدق بما كان مكذبا به، ~~ويعرف ما كان منكرا، وهذا تصديق جديد، وإيمان جديد ازداد به إيمانه، ولم ~~يكن قبل ذلك كافرا بل جاهلا، وهذا وإن أشبه المجمل والمفصل لكون قلبه سليما ~~عن تكذيب وتصديق لشيء من التفاصيل، وعن معرفة وإنكار لشيء من ذلك، فيأتيه ~~التفصيل بعد الإجمال على قلب ساذج، وأما كثير من الناس، بل من أهل العلوم ~~والعبادات، فيقوم بقلوبهم من التفصيل أمور كثيرة تخالف ما جاء به الرسول ~~وهم لا يعرفون أنها تخالف، فإذا عرفوا رجعوا، وكل من ابتدع في الدين قولا ~~أخطأ فيه، أو عمل عملا أخطأ فيه، وهو مؤمن بالرسول، أو عرف ما قاله وآمن ~~به، لم يعدل عنه، هو من هذا الباب، وكل مبتدع قصده متابعة الرسول فهو من ~~هذا الباب، فمن علم ما جاء به الرسول، وعمل به، أكمل ممن أخطأ ذلك، ومن علم ~~الصواب بعد الخطأ وعمل به، فهو أكمل ممن لم يكن كذلك. # فصل # وقد أثبت الله في القرآن إسلاما بلا إيمان في قوله تعالى: {قالت الأعراب ~~آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن ~~تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا} [الحجرات: 14] . وقد ثبت في ~~الصحيحين، # PageV01P187 # عن سعد بن أبي وقاص، قال: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم رهطا وفي رواية ~~قسم قسما وترك فيهم من لم يعطه، وهو أعجبهم إلى، فقلت: يا رسول الله، مالك ~~عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو ~~مسلما ". أقولها ثلاثا، ويرددها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، ~~ثم قال: " إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه، مخافة أن يكبه الله على ~~وجهه في النار "، وفي رواية: فضرب بين عنقي وكتفي، وقال: " أقتال أي سعد؟ ! ~~". # فهذا الإسلام الذي نفى الله عن أهله دخول الإيمان في قلوبهم، هل هو إسلام ~~يثابون عليه؟ أم هو من جنس إسلام المنافقين؟ ms165 فيه قولان مشهوران للسلف ~~والخلف: # أحدهما: أنه إسلام يثابون عليه، ويخرجهم من الكفر والنفاق. وهذا مروي عن ~~الحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وأبي جعفر الباقر، وهو قول حماد بن ~~زيد، وأحمد بن حنبل، وسهل بن عبد الله التستري، وأبي طالب المكي، وكثير من ~~أهل الحديث والسنة والحقائق. # قال أحمد بن حنبل: حدثنا مؤمل بن إسحاق عن عمار بن زيد قال: سمعت هشاما ~~يقول: كان الحسن ومحمد يقولان: مسلم، ويهابان: مؤمن، وقال أحمد بن حنبل: ~~حدثنا أبو سلمة الخزاعي، قال: قال مالك، وشريك، وأبو بكر بن عياش، وعبد ~~العزيز ابن أبي سلمة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد: الإيمان: المعرفة ~~والإقرار والعمل، إلا أن حماد بن زيد يفرق بين الإسلام والإيمان، يجعل ~~الإيمان خاصا، والإسلام عاما. # والقول الثاني: أن هذا الإسلام هو الاستسلام خوف السبي والقتل، مثل إسلام ~~المنافقين، قالوا: وهؤلاء كفار، فإن الإيمان لم يدخل في قلوبهم، ومن لم ~~يدخل الإيمان في قلبه فهو كافر. وهذا اختيار البخاري، ومحمد بن نصر ~~المروزي، والسلف مختلفون في ذلك. # PageV01P188 # قال محمد بن نصر: حدثنا إسحاق، أنبأنا جرير، عن مغيرة، قال: أتيت إبراهيم ~~النخعي، فقلت: إن رجلا خاصمني يقال له: سعيد العنبري، فقال إبراهيم: ليس ~~بالعنبري ولكنه زبيدي. قوله: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا} [الحجرات: 14] فقال: هو الاستسلام، فقال إبراهيم: لا، هو الإسلام. # وقال: حدثنا محمد بن يحيي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن مجاهد: ~~{قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} ، قال: استسلمنا خوف ~~السبي والقتل، ولكن هذا منقطع، سفيان لم يدرك مجاهدا، والذين قالوا: إن هذا ~~الإسلام هو كإسلام المنافقين، لا يثابون عليه، قالوا: لأن الله نفى عنهم ~~الإيمان، ومن نفى عنه الإيمان فهو كافر، وقال هؤلاء: الإسلام هو الإيمان، ~~وكل مسلم مؤمن، وكل مؤمن مسلم، ومن جعل الفساق مسلمين غير مؤمنين، لزمه ألا ~~يجعلهم داخلين في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} ~~[المائدة: 6] ، وفي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ms166 إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة} [الجمعة: 9] وأمثال ذلك، فإنهم إنما دعوا باسم الإيمان، لا ~~باسم الإسلام، فمن لم يكن مؤمنا لم يدخل في ذلك. # وجواب هذا أن يقال: الذين قالوا من السلف: إنهم خرجوا من الإيمان إلى ~~الإسلام، لم يقولوا: إنه لم يبق معهم من الإيمان شيء، بل هذا قول الخوارج، ~~والمعتزلة. وأهل السنة الذين قالوا هذا يقولون: الفساق يخرجون من النار ~~بالشفاعة، وإن معهم إيمانا يخرجون به من النار. لكن لا يطلق عليهم اسم ~~الإيمان، لأن الإيمان المطلق هو الذي يستحق صاحبه الثواب، ودخول الجنة، ~~وهؤلاء ليسوا من أهله، وهم يدخلون في الخطاب بالإيمان؛ لأن الخطاب بذلك هو ~~لمن دخل في الإيمان وإن لم يستكمله، فإنه إنما خوطب ليفعل تمام الإيمان، ~~فكيف يكون قد أتمه قبل الخطاب؟ ! وإلا كنا قد تبينا أن هذا المأمور من ~~الإيمان قبل الخطاب، وإنما صار من الإيمان بعد أن أمروا به، فالخطاب ب ~~{إنما المؤمنون الذين آمنوا} ، غير قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم # PageV01P189 # لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم} [الحجرات: 15] ونظائرها، فإن ~~الخطاب ب {يا أيها الذين آمنوا} أولا: يدخل فيه من أظهر الإيمان، وإن كان ~~منافقا في الباطن يدخل فيه في الظاهر، فكيف لا يدخل فيه من لم يكن منافقا، ~~وإن لم يكن من المؤمنين حقا. # وحقيقته أن من لم يكن من المؤمنين حقا، يقال فيه: إنه مسلم، ومعه إيمان ~~يمنعه الخلود في النار، وهذا متفق عليه بين أهل السنة، لكن هل يطلق عليه ~~اسم الإيمان؟ هذا هو الذي تنازعوا فيه. فقيل: يقال: مسلم، ولا يقال: مؤمن. ~~وقيل: بل يقال: مؤمن. # والتحقيق أن يقال: إنه مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ~~ولا يعطي اسم الإيمان المطلق، فإن الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق، ~~واسم الإيمان يتناوله فيما أمر الله به ورسوله؛ لأن ذلك إيجاب عليه وتحريم ~~عليه، وهو لازم له كما يلزمه غيره، وإنما الكلام في اسم المدح المطلق، وعلى ~~هذا فالخطاب بالإيمان يدخل فيه ثلاث طوائف: يدخل فيه ms167 المؤمن حقا. ويدخل فيه ~~المنافق في أحكامه الظاهرة، وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، ~~وهو في الباطن ينفي عنه الإسلام والإيمان، وفي الظاهر يثبت له الإسلام ~~والإيمان الظاهر. ويدخل فيه الذين أسلموا وإن لم تدخل حقيقة الإيمان في ~~قلوبهم، لكن معهم جزء من الإيمان والإسلام يثابون عليه. # ثم قد يكونون مفرطين فيما فرض عليهم، وليس معهم من الكبائر ما يعاقبون ~~عليه كأهل الكبائر، لكن يعاقبون على ترك المفروضات، وهؤلاء كالأعراب ~~المذكورين في الآية وغيرهم، فإنهم قالوا: آمنا، من غير قيام منهم بما أمروا ~~به باطنا وظاهرا. فلا دخلت حقيقة الإيمان في قلوبهم، ولا جاهدوا في سبيل ~~الله، وقد كان دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد وقد يكونون من ~~أهل الكبائر المعرضين للوعيد، كالذين يصلون ويزكون ويجاهدون، ويأتون ~~الكبائر، وهؤلاء لا يخرجون من الإسلام، بل هم مسلمون ولكن بينهم نزاع لفظي: ~~هل يقال: إنهم مؤمنون، كما سنذكره إن شاء الله؟ # PageV01P190 # وأما الخوارج والمعتزلة، فيخرجونهم من اسم الإيمان والإسلام؛ فإن الإيمان ~~والإسلام عندهم واحد، فإذا خرجوا عندهم من الإيمان خرجوا من الإسلام، لكن ~~الخوارج تقول: هم كفار، والمعتزلة تقول: لا مسلمون ولا كفار، ينزلونهم ~~منزلة بين المنزلتين، والدليل على أن الإسلام المذكور في الآية هو إسلام ~~يثابون عليه وأنهم ليسوا منافقين، أنه قال: {قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} ثم قال: {وإن ~~تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا} [الحجرات: 14] ، فدل على ~~أنهم إذا أطاعوا الله ورسوله مع هذا الإسلام، آجرهم الله على الطاعة، ~~والمنافق عمله حابط في الآخرة. # وأيضا، فإنه وصفهم بخلاف صفات المنافقين، فإن المنافقين وصفهم بكفر في ~~قلوبهم، وإنهم يبطنون خلاف ما يظهرون، كما قال تعالي: {ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما ~~يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} الآيات ~~[البقرة: 8: 10] ، وقال: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ~~والله ms168 يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] ، ~~فالمنافقون يصفهم في القرآن بالكذب، وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في ~~قلوبهم، وبأن في قلوبهم من الكفر ما يعاقبون عليه، وهؤلاء لم يصفهم بشيء من ~~ذلك، لكن لما ادعوا الإيمان قال للرسول: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ~~ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم ~~شيئا} . ونفى الإيمان المطلق لا يستلزم أن يكونوا منافقين، كما في قوله: ~~{يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ~~وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} [الأنفال: 1] ثم قال: {إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ~~ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون ~~حقا} [الأنفال: 2: 4] ، ومعلوم أنه ليس من لم يكن كذلك، يكون منافقا من # PageV01P191 # أهل الدرك الأسفل من النار، بل لا يكون قد أتى بالإيمان الواجب، فنفى عنه ~~كما ينفي سائر الأسماء عمن ترك بعض ما يجب عليه، فكذلك الأعراب لم يأتوا ~~بالإيمان الواجب، فنفى عنهم لذلك وإن كانوا مسلمين، معهم من الإيمان ما ~~يثابون عليه. # وهذا حال أكثر الداخلين في الإسلام ابتداء، بل حال أكثر من لم يعرف حقائق ~~الإيمان، فإن الرجل إذا قوتل حتى أسلم، كما كان الكفار يقاتلون حتى يسلموا، ~~أو أسلم بعد الأسر، أو سمع بالإسلام فجاء فأسلم، فإنه مسلم ملتزم طاعة ~~الرسول، ولم تدخل إلى قلبه المعرفة بحقائق الإيمان، فإن هذا إنما يحصل لمن ~~تيسرت له أسباب ذلك، إما بفهم القرآن وإما بمباشرة أهل الإيمان والاقتداء ~~بما يصدر عنهم من الأقوال والأعمال، وإما بهداية خاصة من الله يهديه بها. ~~والإنسان قد يظهر له من محاسن الإسلام ما يدعوه إلى الدخول فيه، وإن كان قد ~~ولد عليه وتربى بين أهله فإنه يحبه، فقد ظهر له بعض محاسنه وبعض مساوئ ~~الكفار. وكثير من هؤلاء قد يرتاب إذا سمع الشبه القادحة فيه، ولا يجاهد في ~~سبيل الله، فليس هو داخلا في ms169 قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} [الحجرات: ~~15] ، وليس هو منافقا في الباطن مضمرا للكفر، فلا هو من المؤمنين حقا ولا ~~هو من المنافقين، ولا هو أيضا من أصحاب الكبائر، بل يأتي بالطاعات الظاهرة ~~ولا يأتي بحقائق الإيمان التي يكون بها من المؤمنين حقا، فهذا معه إيمان ~~وليس هو من المؤمنين حقا، ويثاب على ما فعل من الطاعات؛ ولهذا قال تعالى: ~~{ولكن قولوا أسلمنا} ؛ولهذا قال: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} [الحجرات: 17] ~~يعني: في قولكم: {آمنا} . # يقول: إن كنتم صادقين فالله يمن عليكم أن هداكم للإيمان، وهذا يقتضي أنهم ~~قد يكونون صادقين في قولهم: {آمنا} . ثم صدقهم، إما أن يراد به اتصافهم ~~بأنهم آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون. وإما أن يراد به أنهم لم يكونوا كالمنافقين، بل ~~معهم # PageV01P192 # إيمان وإن لم يكن لهم أن يدعوا مطلق الإيمان، وهذا أشبه والله أعلم لأن ~~النسوة الممتحنات قال فيهن: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} ~~[الممتحنة: 10] ، ولا يمكن نفي الريب عنهن في المستقبل، ولأن الله إنما كذب ~~المنافقين ولم يكذب غيرهم، وهؤلاء لم يكذبهم ولكن قال: {لم تؤمنوا} كما ~~قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "، وقوله: " لا يزني ~~الزاني حين يزني وهومؤمن "، و " لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه " وهؤلاء ~~ليسوا منافقين. # وسياق الآية يدل على أن الله ذمهم؛ لكونهم منوا بإسلامهم لجهلهم وجفائهم، ~~وأظهروا ما في أنفسهم مع علم الله به، فإن الله تعالى قال: {قل أتعلمون ~~الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} [الحجرات: 16] ، فلو ~~لم يكن في قلوبهم شيء من الدين لم يكونوا يعلمون الله بدينهم، فإن الإسلام ~~الظاهر يعرفه كل أحد، ودخلت الباء في قوله: {أتعلمون الله بدينكم} لأنه ضمن ~~معنى: يخبرون ويحدثون، كأنه قال: أتخبرونه وتحدثونه ms170 بدينكم وهو يعلم ما في ~~السموات وما في الأرض. وسياق الآية يدل على أن الذي أخبروا به الله هو ما ~~ذكره الله عنهم من قولهم: {آمنا} فإنهم أخبروا عما في قلوبهم. # وقد ذكر المفسرون أنه لما نزلت هاتان الآيتان أتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ويحلفون أنهم مؤمنون صادقون، فنزل قوله تعالى: {أتعلمون الله ~~بدينكم} [الحجرات: 16] ، وهذا يدل على أنهم كانوا صادقين أولا في دخولهم في ~~الدين؛ لأنه لم يتجدد لهم بعد نزول الآية جهاد حتى يدخلوا به في الآية، ~~إنما هوكلام قالوه، وهو سبحانه قال: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} ~~[الحجرات: 14] ، ولفظ: {لما} ينفي به ما يقرب حصوله ويحصل غالبا كقوله: {أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} [آل عمران: 142] ~~، وقد قال السدي: نزلت هذه الآية في أعراب مزينة وجهينة وأسلم، وأشجع ~~وغفار، وهم الذين ذكرهم الله في سورة الفتح وكانوا يقولون: آمنا بالله؛ ~~ليأمنوا على أنفسهم، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فنزلت فيهم هذه ~~الآية. # PageV01P193 # وعن مقاتل: كانت منازلهم بين مكة والمدينة، وكانوا إذا مرت بهم سرية من ~~سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا؛ ليأمنوا على دمائهم ~~وأموالهم، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية استنفرهم، ~~فلم ينفروا معه. وقال مجاهد: نزلت في أعراب بني أسد بن خزيمة، ووصف غيره ~~حالهم فقال: قدموا المدينة في سنة مجدبة، فأظهروا الإسلام ولم يكونوا ~~مؤمنين وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارهم، وكانوا يمنون على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: أتيناك بالأثقال والعيال، فنزلت فيهم ~~هذه الآية. وقد قال قتادة في قوله: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} [الحجرات: 17] ~~قال: منوا على النبي صلى الله عليه وسلم حين جاؤوا فقالوا: إنا أسلمنا بغير ~~قتال، لم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، فقال الله لنبيه: {يمنون ~~عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله ms171 يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان} . # وقال مقاتل بن حيان: هم أعراب بني أسد بن خزيمة، قالوا: يا رسول الله، ~~أتيناك بغير قتال، وتركنا العشائر والأموال، وكل قبيلة من العرب قاتلتك حتى ~~دخلوا كرها في الإسلام، فلنا بذلك عليك حق، فأنزل الله تعالى: {يمنون عليك ~~أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين} فله بذلك المن عليكم، وفيهم أنزل الله: {ولا تبطلوا أعمالكم} ~~[محمد: 33] ، ويقال: من الكبائر التي ختمت بنار، كل موجبة من ركبها ومات ~~عليها لم يتب منها. # وهذا كله يبين أنهم لم يكونوا كفارا في الباطن، ولا كانوا قد دخلوا فيما ~~يجب من الإيمان، وسورة الحجرات قد ذكرت هذه الأصناف، فقال: {إن الذين ~~ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات: 4] ، ولم يصفهم بكفر ~~ولا نفاق، لكن هؤلاء يخشى عليهم الكفر والنفاق؛ ولهذا ارتد بعضهم لأنهم لم ~~يخالط الإيمان بشاشة قلوبهم، وقال بعد ذلك: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا} الآية [الحجرات: 6] وهذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، ~~وكان قد كذب فيما أخبر. # PageV01P194 # قال المفسرون: نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة، بعثه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض صدقاتهم، وقد كانت بينه وبينهم عداوة ~~في الجاهلية، فسار بعض الطريق ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتلي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~البعث إليهم، فنزلت هذه الآية. وهذه القصة معروفة من وجوه كثيرة، ثم قال ~~تعالى في تمامها: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر ~~لعنتم} [الحجرات: 7] ، وقال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى} الآية [الحجرات: 9] ، ثم نهاهم ~~عن أن يسخر بعضهم ببعض، وعن اللمز والتنابز بالألقاب وقال: {بئس الاسم ~~الفسوق بعد الإيمان} [الحجرات: 11] ، وقد قيل: معناه: لا تسميه فاسقا ولا ~~كافرا بعد إيمانه، وهذا ضعيف، بل المراد: بئس الاسم أن ms172 تكونوا فساقا بعد ~~إيمانكم، كما قال تعالى في الذي كذب: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} فسماه ~~فاسقا. # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سباب المسلم فسوق ~~وقتاله كفر "، يقول: فإذا ساببتم المسلم وسخرتم منه ولمزتموه، استحققتم أن ~~تسموا فساقا، وقد قال في آية القذف: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم ~~الفاسقون} [النور: 4] . يقول: فإذا أتيتم بهذه الأمور التي تستحقون بها أن ~~تسموا فساقا كنتم قد استحققتم اسم الفسوق بعد الإيمان، وإلا فهم في تنابزهم ~~ما كانوا يقولون: فاسق، كافر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ~~وبعضهم يلقب بعضا. # وقد قال طائفة من المفسرين في هذه الآية: لا تسميه بعد الإسلام بدينه قبل ~~الإسلام، كقوله لليهودي إذا أسلم: يا يهودي، وهذا مروي عن ابن عباس وطائفة ~~من التابعين، كالحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، والقرظي. وقال ~~عكرمة: هو قول الرجل: يا كافر، يا منافق. وقال عبد الرحمن بن زيد: هو تسمية ~~الرجل بالأعمال، كقوله: يا زاني، يا سارق، يا فاسق. وفي تفسير العوفي عن ~~ابن عباس قال: هو تعيير التائب بسيئات كان قد عملها، ومعلوم أن اسم # PageV01P195 # الكفر، واليهودية، والزاني، والسارق وغير ذلك من السيئات ليست هي اسم ~~الفاسق، فعلم أن قوله: {بئس الاسم الفسوق} لم يرد به تسمية المسبوب باسم ~~الفاسق، فإن تسميته كافرا أعظم، بل إن الساب يصير فاسقا لقوله: " سباب ~~المسلم فسوق وقتاله كفر " ثم قال: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} ~~[الحجرات: 11] ، فجعلهم ظالمين إذا لم يتوبوا من ذلك وإن كانوا يدخلون في ~~اسم المؤمنين، ثم ذكر النهي عن الغيبة، ثم ذكر النهي عن التفاخر بالأحساب، ~~وقال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] ، ثم ذكر قول الأعراب: ~~{آمنا} . # فالسورة تنهى عن هذه المعاصى والذنوب التي فيها تعد على الرسول وعلى ~~المؤمنين، فالأعراب المذكورون فيها من جنس المنافقين. وأهل السباب والفسوق ~~والمنادين من وراء الحجرات وأمثالهم، ليسوا من المنافقين؛ ولهذا قال ~~المفسرون: إنهم الذين استنفروا عام الحديبية، وأولئك وإن كانوا من ms173 أهل ~~الكبائر فلم يكونوا في الباطن كفارا منافقين. # قال ابن إسحاق: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم العمرة عمرة ~~الحديبية استنفر من حول المدينة من أهل البوادي والأعراب ليخرجوا معه خوفا ~~من قومه أن يعرضوا له بحرب أو بصد، فتثاقل عنه كثير منهم، فهم الذين عني ~~الله بقوله: {سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر ~~لنا} [الفتح: 11] أي: ادع الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك {يقولون بألسنتهم ما ~~ليس في قلوبهم} أي: ما يبالون، استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، وهذا حال ~~الفاسق الذي لا يبالي بالذنب، والمنافقون قال فيهم: {وإذا قيل لهم تعالوا ~~يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم ~~أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} [المنافقون: 5، 6] ، ولم يقل مثل هذا في ~~هؤلاء الأعراب. بل الآية دليل على أنهم لو صدقوا في طلب الاستغفار نفعهم ~~استغفار الرسول لهم ثم قال: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو ~~يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما} [الفتح: 16] ، فوعدهم الله بالثواب على طاعة الداعي ~~إلى الجهاد، وتوعدهم بالتولي عن طاعته. # PageV01P196 # وهذا كخطاب أمثالهم من أهل الذنوب والكبائر، بخلاف من هو كافر في الباطن، ~~فإنه لا يستحق الثواب بمجرد طاعة الأمر حتى يؤمن أولا، ووعيده ليس على مجرد ~~توليه عن الطاعة في الجهاد، فإن كفره أعظم من هذا. # فهذا كله يدل على أن هؤلاء من فساق الملة، فإن الفسق يكون تارة بترك ~~الفرائض، وتارة بفعل المحرمات، وهؤلاء لما تركوا ما فرض الله عليهم من ~~الجهاد وحصل عندهم نوع من الريب الذي أضعف إيمانهم، لم يكونوا من الصادقين ~~الذين وصفهم، وإن كانوا صادقين في أنهم في الباطن متدينون بدين الإسلام. # وقول المفسرين: لم يكونوا مؤمنين، نفى لما نفاه الله عنهم من الإيمان كما ~~نفاه عن الزاني، والسارق، والشارب، وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وعمن لا يحب ~~لأخيه من الخير ما يحب لنفسه، وعمن لا يجيب ms174 إلى حكم الله ورسوله، وأمثال ~~هؤلاء. وقد يحتج على ذلك بقوله: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} [الحجرات: ~~11] كما قال: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر "، فذم من استبدل اسم الفسوق ~~بعد الإيمان؛ فدل على أن الفاسق لا يسمى مؤمنا، فدل ذلك على أن هؤلاء ~~الأعراب من جنس أهل الكبائر لا من جنس المنافقين. # وأما ما نقل من أنهم أسلموا خوف القتل والسبي، فهكذا كان إسلام غير ~~المهاجرين والأنصار، أسلموا رغبة ورهبة، كإسلام الطلقاء من قريش بعد أن ~~قهرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإسلام المؤلفة قلوبهم من هؤلاء ومن أهل ~~نجد وليس كل من أسلم لرغبة أو رهبة كان من المنافقين الذين هم في الدرك ~~الأسفلمن النار، بل يدخلون في الإسلام والطاعة وليس في قلوبهم تكذيب ~~ومعاداة للرسول، ولا استنارت قلوبهم بنور الإيمان ولا استبصروا فيه، وهؤلاء ~~قد يحسن إسلام أحدهم فيصير من المؤمنين كأكثر الطلقاء، وقد يبقى من فساق ~~الملة، ومنهم من يصير منافقا مرتابا إذا قال له منكر ونكير: " ما تقول في ~~هذا الرجل الذي بعث فيكم، فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا ~~فقلته " # PageV01P197 # وقد تقدم قول من قال: إنهم أسلموا بغير قتال، فهؤلاء كانوا أحسن إسلاما ~~من غيرهم، وأن الله إنما ذمهم لكونهم منوا بالإسلام وأنزل فيهم: {ولا ~~تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] وإنهم من جنس أهل الكبائر. # وأيضا، قوله: {ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: ~~14] و {لما} إنما ينفي بها ما ينتظر ويكون حصوله مترقبا، كقوله: {أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} [آل ~~عمران: 142] ، وقوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ~~من قبلكم} [البقرة: 214] ، فقوله: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} يدل على ~~أن دخول الإيمان منتظر منهم، فإن الذي يدخل في الإسلام ابتداء لا يكون قد ~~حصل في قلبه الإيمان، لكنه يحصل فيما بعد كما في الحديث: " كان الرجل يسلم ~~أول النهار رغبة في الدنيا، فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب ms175 إليه مما ~~طلعت عليه الشمس "؛ ولهذا كان عامة الذين أسلموا رغبة ورهبة دخل الإيمان في ~~قلوبهم بعد ذلك، وقوله: {ولكن قولوا أسلمنا} أمر لهم بأن يقولوا ذلك، ~~والمنافق لا يؤمر بشيء، ثم قال: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من ~~أعمالكم شيئا} [الحجرات: 14] والمنافق لا تنفعه طاعة الله ورسوله حتى يؤمن ~~أولا. # وهذه الآية مما احتج بها أحمد بن حنبل وغيره، على أنه يستثنى في الإيمان ~~دون الإسلام، وأن أصحاب الكبائر يخرجون من الإيمان إلى الإسلام. قال ~~الميموني: سألت أحمد بن حنبل عن رأيه في: أنا مؤمن إن شاء الله؟ فقال: ~~أقول: مؤمن إن شاء الله، وأقول: مسلم ولا أستثني، قال: قلت لأحمد: تفرق بين ~~الإسلام والإيمان؟ فقال لي: نعم، فقلت له: بأي شيء تحتج؟ قال لي: {قالت ~~الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14] ، وذكر أشياء. ~~وقال الشالنجي: سألت أحمد عمن قال: أنا مؤمن عند نفسي من طريق الأحكام ~~والمواريث، ولا أعلم ما أنا عند الله؟ قال: ليس بمرجئ. # PageV01P198 # وقال أبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي: الاستثناء جائز، ومن قال: أنا ~~مؤمن حقا، ولم يقل: عند الله، ولم يستثن، فذلك عندي جائز وليس بمرجئ، وبه ~~قال أبو خيثمة وابن أبي شيبة، وذكر الشالنجي أنه سأل أحمد بن حنبل عن المصر ~~على الكبائر يطلبها بجهده، أي: يطلب الذنب بجهده، إلا أنه لم يترك الصلاة ~~والزكاة والصوم؛ هل يكون مصرا من كانت هذه حاله؟ قال: هو مصر مثل قوله: " ~~لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " يخرج من الإيمان، ويقع في الإسلام، ومن ~~نحو قوله: " ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق ~~وهو مؤمن " ومن نحو قول ابن عباس في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] ، فقلت له: ما هذا الكفر؟ قال: كفر لا ~~ينقل عن الملة، مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر ~~لا يختلف فيه. وقال ابن أبي شيبة: " لا يزني الزاني ms176 حين يزني وهو مؤمن " لا ~~يكون مستكمل الإيمان، يكون ناقصا من إيمانه. # قال الشالنجي: وسألت أحمد عن الإيمان والإسلام. فقال: الإيمان قول وعمل، ~~والإسلام إقرار، قال: وبه قال أبو خيثمة. وقال ابن أبي شيبة: لا يكون إسلام ~~إلا بإيمان، ولا إيمان إلا بإسلام، وإذا كان على المخاطبة فقال: قد قبلت ~~الإيمان، فهو داخل في الإسلام، وإذا قال: قد قبلت الإسلام فهو داخل في ~~الإيمان. وقال محمد بن نصر المروزي: وحكي غير هؤلاء أنه سأل أحمد بن حنبل ~~عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " ~~فقال: من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن فهو مسلم، ولا أسميه مؤمنا، ~~ومن أتى دون ذلك، يريد دون الكبائر، أسميه مؤمنا ناقص الإيمان. # قلت: أحمد بن حنبل كان يقول تارة بهذا الفرق، وتارة كان يذكر الاختلاف ~~ويتوقف، وهو المتأخر عنه، قال أبو بكر الأثرم في [السنة] : سمعت أبا عبد ~~الله يسأل عن الاستثناء في الإيمان: ما تقول فيه؟ فقال: أما أنا فلا أعيبه، ~~أي من الناس من يعيبه. قال أبو عبد الله: إذا كان يقول: إن الإيمان قول ~~وعمل يزيد وينقص، فاستثنى مخافة واحتياطا، ليس كما يقولون على الشك، إنما ~~يستثنى # PageV01P199 # للعمل. قال أبو عبد الله: قال الله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين} [الفتح: 27] أي: أن هذا استثناء بغير شك، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في أهل القبور: " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " أي: لم يكن يشك ~~في هذا، وقد استثناه وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: " وعليها نبعث إن ~~شاء الله ": يعني: من القبر، وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إني ~~لأرجو أن أكون أخشاكم لله " قال: هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان. # قلت لأبي عبد الله: وكأنك لا ترى بأسا ألا يستثنى. فقال: إذا كان ممن ~~يقول الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فهو أسهل عندي، ثم قال أبو عبد الله: ~~إن قوما تضعف قلوبهم عن الاستثناء، كالتعجب منهم، وسمعت ms177 أبا عبد الله وقيل ~~له: شبابة أي شيء تقول فيه؟ فقال: شبابة كان يدعى الإرجاء، قال: وحكى عن ~~شبابة قول أخبث من هذه الأقاويل، ما سمعت عن أحد بمثله، قال أبو عبد الله: ~~قال شبابة: إذا قال فقد عمل بلسانه كما يقولون، فإذا قال فقد عمل بجارحته، ~~أي: بلسانه حين تكلم به، ثم قال أبو عبد الله: هذا قول خبيث، ما سمعت أحدا ~~يقول به ولا بلغني، قيل لأبي عبد الله: كنت كتبت عن شبابة شيئا؟ فقال: نعم، ~~كنت كتبت عنه قديما يسيرا قبل أن نعلم أنه يقول بهذا، قلت لأبي عبد الله: ~~كتبت عنه بعد؟ قال: لا ولا حرف. قيل لأبي عبد الله: يزعمون أن سفيان كان ~~يذهب إلى الاستثناء في الإيمان. فقال: هذا # PageV01P200 # مذهب سفيان، المعروف به الاستثناء، قلت لأبي عبد الله: من يرويه عن ~~سفيان؟ فقال: كل من حكى عن سفيان في هذا حكاية كان يستثنى، قال: وقال وكيع ~~عن سفيان: الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث؟ ولا ندري ما هم عند ~~الله. قلت لأبي عبد الله: فأنت بأي شيء تقول؟ فقال: نحن نذهب إلى ~~الاستثناء. # قلت لأبي عبد الله: فأما إذا قال: أنا مسلم فلا يستثنى؟ فقال: نعم، لا ~~يستثنى إذا قال: أنا مسلم، قلت لأبي عبد الله: أقول: هذا مسلم، وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده "، وأنا ~~أعلم أنه لا يسلم الناس منه، فذكر حديث معمر عن الزهري، فنرى أن الإسلام ~~الكلمة والإيمان العمل، قال أبو عبد الله: حدثناه عبد الرزاق عن معمر، عن ~~الزهري، قيل لأبي عبد الله: فنقول: الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: حديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك، فذكر قوله: " أخرجوا من النار من كان في ~~قلبه مثقال كذا، أخرجوا من كان في قلبه مثقال كذا " فهو يدل على ذلك وذكر ~~عند أبي عبد الله عيسى الأحمر، وقوله في الإرجاء فقال: نعم، وذلك خبيث ~~القول، وقال أبو عبد الله: حدثنا مؤمل، حدثنا ms178 حماد بن زيد، سمعت هشاما ~~يقول: كان الحسن ومحمد يقولان: مسلم. ويهابان: مؤمن. # قلت لأبي عبد الله: رواه غير سويد؟ قال: ما علمت بذلك، وسمعت أبا عبد ~~الله يقول: الإيمان قول وعمل. قلت لأبي عبد الله: فالحديث الذي يروى: " ~~أعتقها فإنها مؤمنة " قال: ليس كل أحد يقول: إنها مؤمنة، يقولون: أعتقها. ~~قال: ومالك سمعه من هذا الشيخ هلال بن علي لا يقول: " فإنها مؤمنة " وقد # PageV01P201 # قال بعضهم بأنها مؤمنة، فهي حين تقر بذاك فحكمها حكم المؤمنة، وهذا ~~معناه. قلت لأبي عبد الله: تفرق بين الإيمان والإسلام؟ فقال: قد اختلف ~~الناس فيه، وكان حماد بن زيد زعموا يفرق بين الإيمان والإسلام، قيل له: من ~~المرجئة؟ قال: الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل. # قلت: فأحمد بن حنبل لم يرد قط أنه سلب جميع الإيمان فلم يبق معه منه شيء، ~~كما تقوله الخوارج والمعتزلة، فإنه قد صرح في غير موضع بأن أهل الكبائر ~~معهم إيمان يخرجون به من النار، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان "، وليس هذا قوله ولا ~~قول أحد من أئمة أهل السنة، بل كلهم متفقون على أن الفساق الذين ليسوا ~~منافقين معهم شيء من الإيمان يخرجون به من النار، هو الفارق بينهم وبين ~~الكفار والمنافقين، لكن إذا كان معه بعض الإيمان لم يلزم أن يدخل في الاسم ~~المطلق الممدوح، وصاحب الشرع قد نفى الاسم عن هؤلاء فقال: " لا يرني الزاني ~~حين يزني وهو مؤمن "، وقال: " لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه من الخير ما يحب ~~لنفسه " وقال: " لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه " وأقسم على ذلك مرات ~~وقال: " المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم " # والمعتزلة ينفون عنه اسم الإيمان بالكلية، واسم الإسلام أيضا ويقولون: ~~ليس معه شيء من الإيمان والإسلام، ويقولون: ننزله منزلة بين منزلتين، فهم ~~يقولون: إنه يخلد في النار لا يخرج منها بالشفاعة، وهذا هو الذي أنكر ~~عليهم، # PageV01P202 # وإلا لو نفوا مطلق الاسم وأثبتوا ms179 معه شيئا من الإيمان يخرج به من النار ~~لم يكونوا مبتدعة، وكل أهل السنة متفقون على أنه قد سلب كمال الإيمان ~~الواجب، فزال بعض إيمانه الواجب، لكنه من أهل الوعيد، وإنما ينازع في ذلك ~~من يقول: الإيمان لا يتبعض من الجهمية والمرجئة، فيقولون: إنه كامل ~~الإيمان، فالذي ينفى إطلاق الاسم يقول: الاسم المطلق مقرون بالمدح واستحقاق ~~الثواب، كقولنا: متق، وبر، وعلى الصراط المستقيم، فإذا كان الفاسق لا تطلق ~~عليه هذه الأسماء، فكذلك اسم الإيمان، وأما دخوله في الخطاب، فلأن المخاطب ~~باسم الإيمان كل من معه شيء منه؛ لأنه أمر لهم، فمعاصيهم لا تسقط عنهم ~~الأمر. # وأما ما ذكره أحمد في الإسلام، فاتبع فيه الزهري حيث قال: فكانوا يرون ~~الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، في حديث سعد بن أبي وقاص، وهذا على وجهين، ~~فإنه قد يراد به الكلمة بتوابعها من الأعمال الظاهرة، وهذا هو الإسلام الذي ~~بينه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: " الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج ~~البيت ". وقد يراد به الكلمة فقط من غير فعل الواجبات الظاهرة، وليس هذا هو ~~الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام. لكن قد يقال: إسلام الأعراب ~~كان من هذا، فيقال: الأعراب وغيرهم كانوا إذا أسلموا على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ألزموا بالأعمال الظاهرة: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ~~ولم يكن أحد يترك بمجرد الكلمة، بل كان من أظهر المعصية يعاقب عليها. # وأحمد إن كان أراد في هذه الرواية أن الإسلام هو الشهادتان فقط، فكل من ~~قالها فهو مسلم، فهذه إحدى الروايات عنه، والرواية الأخرى: لا يكون مسلما ~~حتى يأتي بها ويصلي، فإذا لم يصل كان كافرا. والثالثة: أنه كافر بترك ~~الزكاة أيضا. والرابعة: أنه يكفر بترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ما ~~إذا لم يقاتله، وعنه أنه لو قال: أنا أؤديها ولا أدفعها إلى الإمام، لم يكن ~~للإمام أن يقتله، وكذلك عنه رواية أنه يكفر # PageV01P203 # بترك ms180 الصيام والحج، وإذا عزم أنه لا يحج أبدا. ومعلوم أنه على القول بكفر ~~تارك المباني يمتنع أن يكون الإسلام مجرد الكلمة، بل المراد أنه إذا أتى ~~بالكلمة دخل في الإسلام، وهذا صحيح، فإنه يشهد له بالإسلام ولا يشهد له ~~بالإيمان الذي في القلب، ولا يستثنى في هذا الإسلام، لأنه أمر مشهور، لكن ~~الإسلام الذي هو أداء الخمس كما أمر به يقبل الاستثناء، فالإسلام الذي لا ~~يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فإنها لا تزيد ولا تنقص فلا استثناء ~~فيها. # وقد صار الناس في مسمى الإسلام على ثلاثة أقوال: قيل: هو الإيمان، وهما ~~اسمان لمسمى واحد. وقيل: هو الكلمة، وهذان القولان لهما وجه سنذكره، لكن ~~التحقيق ابتداء هو ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإسلام ~~والإيمان، ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول ~~الخمسة، فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام، ~~وإذا أفرد الإسلام، فقد يكون مع الإسلام مؤمنا بلا نزاع، وهذا هو الواجب، ~~وهل يكون مسلما ولا يقال له: مؤمن؟ قد تقدم الكلام فيه. وكذلك هل يستلزم ~~الإسلام للإيمان؟ هذا فيه النزاع المذكور وسنبينه، والوعد الذي في القرآن ~~بالجنة وبالنجاة من العذاب، إنما هو معلق باسم الإيمان وأما اسم الإسلام ~~مجردا فما علق به في القرآن دخول الجنة، لكنه فرضه وأخبر أنه دينه الذي لا ~~يقبل من أحد سواه. # وبالإسلام بعث الله جميع النبيين، قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا ~~فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85] ، وقال: {إن الدين ~~عند الله الإسلام} [آل عمران: 19] ، وقال نوح: {يا قوم إن كان كبر عليكم ~~مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا ~~يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر ~~إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} [يونس: 71، 72] ، وقد ~~أخبر أنه ms181 لم ينج من العذاب إلا المؤمنين فقال: {قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} [هود: ~~40] ، وقال: {وأوحي إلى نوح أنه لن # PageV01P204 # يؤمن من قومك إلا من قد آمن} [هود: 36] وقال نوح: {ومآ أنا بطارد الذين ~~آمنوا} [هود: 29] . وكذلك أخبر عن إبراهيم أن دينه الإسلام فقال تعالى: ~~{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها ~~إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون} [البقرة: 130: 132] ، وقال: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو ~~محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125] ، ~~وبمجموع هذين الوصفين علق السعادة فقال: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ~~فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 112] ، كما علقه ~~بالإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح في قوله: {إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] . # وهذا يدل على أن الإسلام الذي هو إخلاص الدين لله، مع الإحسان وهو العمل ~~الصالح الذي أمر الله به، هو والإيمان المقرون بالعمل الصالح متلازمان، فإن ~~الوعد على الوصفين وعد واحد وهو الثواب، وانتفاء العقاب، فإن انتفاء الخوف ~~علة تقتضي انتفاء ما يخافه؛ ولهذا قال: {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} لم ~~يقل: لا يخافون، فهم لا خوف عليهم وإن كانوا يخافون الله، ونفى عنهم أن ~~يحزنوا؛ لأن الحزن إنما يكون على ماض، فهم لا يحزنون بحال لا في القبر ولا ~~في عرصات القيامة، بخلاف الخوف فإنه قد يحصل لهم قبل دخول الجنة ولا خوف ~~عليهم في الباطن، كما قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون} [يونس: 62، 63] . # وأما الإسلام المطلق ms182 المجرد، فليس في كتاب الله تعليق دخول الجنة به، كما ~~في كتاب الله تعليق دخول الجنة بالإيمان المطلق المجرد، كقوله: {سابقوا إلى ~~مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله # PageV01P205 # ورسله} [الحديد: 12] ، وقال: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} ~~[يونس: 2] . وقد وصف الخليل ومن اتبعه بالإيمان كقوله: {فآمن له لوط} ~~[العنكبوت: 26] ، ووصفه بذلك فقال: {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم ~~تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ~~وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 81: 83] ، ووصفه بأعلى ~~طبقات الإيمان، وهو أفضل البرية بعد محمد صلى الله عليه وسلم. والخليل إنما ~~دعا بالرزق للمؤمنين خاصة فقال: {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر} [البقرة: 126] ، وقال: {واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة ~~مسلمة لك} [البقرة: 128] {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين} [يونس: 84] بعد قوله: {فما آمن لموسى إلا ذرية من ~~قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم} [يونس: 83] ، وقال: {وأوحينا إلى ~~موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا ~~الصلاة وبشر المؤمنين} [يونس: 87] ، وقد ذكرنا البشرى المطلقة للمسلمين في ~~قوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} ~~[النحل: 89] . # وقد وصف الله السحرة بالإسلام والإيمان معا، فقالوا: {آمنا برب العالمين ~~رب موسى وهارون} [الأعراف: 121، 122] ، وقالوا: {وما تنقم منا إلا أن آمنا ~~بآيات ربنا لما جاءتنا} [الأعراف: 126] ، وقالوا: {إنا نطمع أن يغفر لنا ~~ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين} [الشعراء: 51] وقالوا: {ربنا أفرغ علينا ~~صبرا وتوفنا مسلمين} [الأعراف: 126] ، ووصف الله أنبياء بني إسرائيل ~~بالإسلام في قوله: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا} [المائدة: 44] ، والأنبياء كلهم مؤمنون، ووصف ~~الحواريين بالإيمان والإسلام فقال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ~~آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} [المائدة: 111] و {قال ~~الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون} [آل عمران: ms183 52] . # PageV01P206 # وحقيقة الفرق: أن الإسلام دين. والدين مصدر دان يدين دينا: إذا خضع وذل، ~~و [دين الإسلام] الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده، ~~فأصله في القلب هو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون ما سواه. فمن عبده، ~~وعبد معه إلها آخر، لم يكن مسلما، ومن لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم يكن ~~مسلما، والإسلام هو الاستسلام لله، وهو الخضوع له، والعبودية له، هكذا قال ~~أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم، فالإسلام في الأصل من باب العمل، عمل ~~القلب والجوارح. # وأما الإيمان فأصله تصديق وإقرار ومعرفة، فهو من باب قول القلب المتضمن ~~عمل القلب، والأصل فيه التصديق، والعمل تابع له؛ فلهذا فسر النبي صلى الله ~~عليه وسلم الإيمان بإيمان القلب وبخضوعه، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله، وفسر الإسلام باستسلام مخصوص، هو المباني الخمس. وهكذا في سائر ~~كلامه صلى الله عليه وسلم يفسر الإيمان بذلك النوع ويفسر الإسلام بهذا، ~~وذلك النوع أعلى؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الإسلام علانية، ~~والإيمان في القلب " فإن الأعمال الظاهرة يراها الناس، وأما ما في القلب من ~~تصديق ومعرفة وحب وخشية ورجاء فهذا باطن، لكن له لوازم قد تدل عليه، ~~واللازم لا يدل إلا إذا كان ملزوما؛ فلهذا كان من لوازمه ما يفعله المؤمن ~~والمنافق، فلا يدل. . [بياض بالأصل] ففي حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة ~~جميعا أن النبي صلىالله عليه وسلم قال: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ~~ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم "، ففسر المسلم بأمر ظاهر ~~وهو سلامة الناس منه؛ وفسر المؤمن بأمر باطن، وهو أن يأمنوه على دمائهم ~~وأموالهم وهذه الصفة أعلى من تلك، فإن من كان مأمونا سلم الناس منه، وليس ~~كل من سلموا منه يكون مأمونا. فقد يترك أذاهم وهم لا يأمنون إليه، خوفا أن ~~يكون ترك أذاهم لرغبة ورهبة؛ لا لإيمان في قلبه. # PageV01P207 # وفي حديث عبيد بن عمير عن عمرو بن عبسة عن النبي صلىالله عليه وسلم؛ أن ~~رجلا قال ms184 للنبي صلى الله عليه وسلم: ما الإسلام؟ قال: " إطعام الطعام، ولين ~~الكلام " قال: فما الإيمان؟ قال: " السماحة والصبر " فإطعام الطعام عمل ~~ظاهر يفعله الإنسان لمقاصد متعددة، وكذلك لين الكلام، وأما السماحة والصبر ~~فخلقان في النفس، قال تعالى: {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} [البلد: ~~17] ، وهذا أعلى من ذاك، وهو أن يكون صبارا شكورا فيه سماحة بالرحمة ~~للإنسان وصبر على المكاره، وهذا ضد الذي خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا، ~~وإذا مسه الخير منوعا، فإن ذاك ليس فيه سماحة عند النعمة، ولا صبر عند ~~المصيبة. # وتمام الحديث: فأي الإسلام أفضل؟ قال: " من سلم المسلمون من لسانه ويده " ~~قال: يا رسول الله، أي المؤمنين أكمل إيمانا؟ قال: " أحسنهم خلقا " قال: يا ~~رسول الله، أي القتل أشرف؟ قال: " من أريق دمه، وعقر جواده " قال: يا رسول ~~الله، فأي الجهاد أفضل؟ قال: " الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~". قال: يا رسول الله، فأي الصدقة أفضل؟ قال: " جهد المقل ". قال: يا رسول ~~الله، فأي الصلاة أفضل؟ قال: " طول القنوت ". قال: يا رسول الله، فأي ~~الهجرة أفضل؟ قال: " من هجر السوء ". وهذا محفوظ عن عبيد بن عمير، تارة ~~يروى مرسلا، وتارة يروى مسندا، وفي رواية: أي الساعات أفضل؟ قال: " جوف ~~الليل الغابر " وقوله: " أفضل الإيمان السماحة والصبر " يروى من وجه آخر عن ~~جابر عن النبي صلىالله عليه وسلم. # وهكذا في سائر الأحاديث، إنما يفسر الإسلام بالاستسلام لله بالقلب مع # PageV01P208 # الأعمال الظاهرة، كما في الحديث المعروف الذي رواه أحمد عن بهز بن حكيم ~~عن أبيه عن جده؛ أنه قال: والله يا رسول الله، ما أتيتك حتى حلفت عدد ~~أصابعي هذه ألا آتيك، فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: " الإسلام ". ~~قال: وما الإسلام؟ قال: " أن تسلم قلبك لله وأن توجه وجهك إلى الله، وأن ~~تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، أخوان نصيران، لا يقبل الله ~~من عبد أشرك بعد إسلامه ". وفي رواية قال: " أن تقول: أسلمت وجهي لله ~~وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وكل مسلم على مسلم محرم ms185 " وفي لفظ ~~تقول: " أسلمت نفسي لله، وخليت وجهي إليه ". وروى محمد بن نصر من حديث خالد ~~بن معدان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ~~للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق، من ذلك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، ~~وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر، وتسلم على بني آدم إذا لقيتهم، فإن ردوا عليك، ردت عليك وعليهم ~~الملائكة، وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم إن سكت عنهم، ~~وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، فمن انتقص منهن شيئا فهو سهم في ~~الإسلام تركه، ومن تركهن فقد نبذ الإسلام وراء ظهره ". # وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة} [البقرة: ~~208] قال مجاهد وقتادة: نزلت في المسلمين يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام ~~كلها، وهذا لا ينافي قول من قال: نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب أو فيمن لم ~~يسلم؛ لأن هؤلاء كلهم مأمورون أيضا بذلك، والجمهور يقولون: {في السلم} أي: ~~في الإسلام. وقالت طائفة: هو الطاعة، وكلاهما مأثور عن ابن عباس، وكلاهما ~~حق، فإن الإسلام هو الطاعة كما تقدم أنه من باب الأعمال. # PageV01P209 # وأما قوله: {كآفة} فقد قيل: المراد ادخلوا كلكم. وقيل: المراد به ادخلوا ~~في الإسلام جميعه، وهذا هو الصحيح، فإن الإنسان لا يؤمر بعمل غيره، وإنما ~~يؤمر بما يقدر عليه، وقوله: {ادخلوا} خطاب لهم كلهم فقوله: {كآفة} إن أريد ~~به مجتمعين لزم أن يترك الإنسان الإسلام حتى يسلم غيره فلا يكون الإسلام ~~مأمورا به إلا بشرط موافقة الغير له كالجمعة، وهذا لا يقوله مسلم، وإن أريد ~~بكافة: أي: ادخلوا جميعكم، فكل أوامر القرآن كقوله: {آمنوا بالله ورسوله} ~~[الحديد: 7] ، {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [النور: 56] كلها من هذا ~~الباب، وما قيل فيها كافة، وقوله تعالى: {وقاتلوا المشركين كآفة} [التوبة: ~~36] أي: قاتلوهم كلهم لا تدعوا مشركا حتى تقاتلوه، فإنها أنزلت بعد نبذ ~~العهود، ليس المراد: قاتلوهم مجتمعين أو جميعكم، فإن هذا لا يجب، بل ~~يقاتلون بحسب المصلحة، ms186 والجهاد فرض على الكفاية، فإذا كانت فرائض الأعيان ~~لم يؤكد المأمورين فيها بكافة، فكيف يؤكد بذلك في فروض الكفاية؟ ! وإنما ~~المقصود تعميم المقاتلين. وقوله: {وقاتلوا المشركين كآفة} [التوبة: 36] فيه ~~احتمالان. # والمقصود أن الله أمر بالدخول في جميع الإسلام كما دل عليه هذا الحديث، ~~فكل ما كان من الإسلام وجب الدخول فيه، فإن كان واجبا على الأعيان لزمه ~~فعله، وإن كان واجبا على الكفاية اعتقد وجوبه، وعزم عليه إذا تعين، أو أخذ ~~بالفضل ففعله، وإن كان مستحبا اعتقد حسنه وأحب فعله، وفي حديث جرير: أن ~~رجلا قال: يا رسول الله، صف لي الإسلام. قال: " تشهد أن لا إله إلا الله، ~~وتقر بما جاء من عند الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج ~~البيت " قال: أقررت، في قصة طويلة فيها: أنه وقع في أخاقيق جرذان، وأنه قتل ~~وكان جائعا، وملكان يدسان في شدقه من ثمار الجنة، فقوله: " وتقر بما جاء من ~~عند الله ". هو الإقرار بأن محمدا رسول الله فإنه هو الذي جاء بذلك. # PageV01P210 # وفي الحديث الذي يرويه أبو سليمان الداراني: حديث الوفد الذين قالوا: نحن ~~المؤمنون، قال: " فما علامة إيمانكم؟ " قالوا: خمس عشرة خصلة: خمس أمرتنا ~~رسلك أن نعمل بهن، وخمس أمرتنا رسلك أننؤمن بهن، وخمس تخلقنا بها في ~~الجاهلية، ونحن عليها في الإسلام إلا أن تكره منها شيئا. قال: " فما الخمس ~~التي أمرتكم رسلي أن تعملوا بها؟ " قالوا: أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا رسول الله، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت. ~~قال: " وما الخمس التي أمرتكم أن تؤمنوا بها؟ " قالوا: أمرتنا أن نؤمن ~~بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، قال: " وما الخمس التي ~~تخلقتم بها في الجاهلية، وثبتم عليها في الإسلام؟ " قالوا: الصبر عند ~~البلاء، والشكر عند الرخاء والرضي بمر القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، ~~وترك الشماتة بالأعداء"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " علماء حكماء، ~~كادوا من صدقهم أن يكونوا أنبياء ". فقال صلىالله عليه وسلم: " وأنا أزيدكم ~~خمسا فتتم لكم عشرون ms187 خصلة: إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ~~ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا تزولون وعنه ~~منتقلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون، وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه ~~تقدمون، وفيه تخلدون ". # فقد فرقوا بين الخمس التي يعمل بها فجعلوها الإسلام، والخمس التي يؤمن ~~بها فجعلوها الإيمان، وجميع الأحاديث المأثورة عن النبي صلىالله عليه وسلم ~~تدل على مثل هذا. # وفي الحديث الذي رواه أحمد، من حديث أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل # PageV01P211 # من أهل الشام عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " أسلم تسلم " ~~قال: وما الإسلام؟ قال: " أن تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك ~~" قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: " الإيمان " قال: وما الإيمان؟ قال: " أن ~~تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت " قال: فأي الإيمان ~~أفضل؟ قال: " الهجرة " قال: وما الهجرة؟ قال: " أن تهجر السوء " قال: فأي ~~الهجرة أفضل؟ قال: " الجهاد " قال: وما الجهاد؟ قال: " أن تجاهد الكفار إذا ~~لقيتهم ولا تغل ولا تجبن " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثم ~~عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما " قالها ثلاثا " حجة مبرورة؛ أو ~~عمرة " وقوله: " هما أفضل الأعمال " أي بعد الجهاد؛ لقوله: " ثم عملان "، ~~ففي هذا الحديث جعل الإيمان خصوصا في الإسلام، والإسلام أعم منه، كما جعل ~~الهجرة خصوصا في الإيمان والإيمان أعم منه، وجعل الجهاد خصوصا من الهجرة ~~والهجرة أعم منه. فالإسلام أن تعبد الله وحده لا شريك له مخلصا له الدين. # وهذا دين الله الذي لا يقبل من أحد دينا غيره، لا من الأولين ولا من ~~الآخرين، ولا تكون عبادته مع إرسال الرسل إلينا إلا بما أمرت به رسله، لا ~~بما يضاد ذلك؛ فإن ضد ذلك معصية، وقد ختم الله الرسل بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فلا يكون مسلما إلا من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ~~وهذه الكلمة بها يدخل الإنسان في الإسلام. فمن قال: الإسلام الكلمة ms188 وأراد ~~هذا، فقد صدق، ثم لابد من التزام ما أمر به الرسول من الأعمال الظاهرة، ~~كالمباني الخمس، ومن ترك من ذلك شيئا نقص إسلامه بقدر ما نقص من ذلك، كما ~~في الحديث: " من انتقص منهن شيئا فهو سهم من الإسلام تركه ". # وهذه الأعمال إذا عملها الإنسان مخلصا لله تعالى فإنه يثيبه عليها، ولا ~~يكون ذلك إلا مع إقراره بقلبه أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~فيكون معه من الإيمان هذا الإقرار، وهذا الإقرار لا يستلزم أن يكون صاحبه ~~معه من اليقين ما لا يقبل الريب، ولا أن يكون مجاهدا ولا سائر ما يتميز به ~~المؤمن عن المسلم الذي ليس بمؤمن، وخلق كثير من المسلمين # PageV01P212 # باطنا وظاهرا معهم هذا الإسلام بلوازمه من الإيمان، ولم يصلوا إلى اليقين ~~والجهاد، فهؤلاء يثابون على إسلامهم وإقرارهم بالرسول مجملا، وقد لا يعرفون ~~أنه جاء بكتاب، وقد لا يعرفون أنه جاءه ملك، ولا أنه أخبر بكذا، وإذا لم ~~يبلغهم أن الرسول أخبر بذلك لم يكن عليهم الإقرار المفصل به، لكن لابد من ~~الإقرار بأنه رسول الله، وأنه صادق في كل ما يخبر به عن الله. # ثم الإيمان الذي يمتاز به فيه تفصيل، وفيه طمأنينة ويقين، فهذا متميز ~~بصفته وقدره في الكمية والكيفية، فإن أولئك معهم من الإيمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله وتفصيل المعاد والقدر ما لا يعرفه هؤلاء. # وأيضا، ففي قلوبهم من اليقين والثبات ولزوم التصديق لقلوبهم ما ليس مع ~~هؤلاء، وأولئك هم المؤمنون حقا، وكل مؤمن لابد أن يكون مسلما، فإن الإيمان ~~يستلزم الأعمال، وليس كل مسلم مؤمنا هذا الإيمان المطلق؛ لأن الاستسلام لله ~~والعمل له لا يتوقف على هذا الإيمان الخاص، وهذا الفرق يجده الإنسان من ~~نفسه ويعرفه من غيره، فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام ~~والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون ومعهم إيمان ~~مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم ~~الله ذلك، وإلا فكثير من الناس ms189 لا يصلون لا إلى اليقين ولا إلى الجهاد، ولو ~~شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارا ولا منافقين، بل ~~ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة ~~الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة ~~وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ~~ينعم الله عليهم بما يزيل الريب، وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من ~~النفاق. # وكذلك إذا تعين عليهم الجهاد ولم يجاهدوا، كانوا من أهل الوعيد؛ ولهذا ~~لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم عامة أهلها، فلما جاءت ~~المحنة والابتلاء نافق من نافق. فلو مات هؤلاء قبل الامتحان لماتوا على ~~الإسلام ودخلوا الجنة، ولم يكونوا # PageV01P213 # من المؤمنين حقا الذين ابتلوا فظهر صدقهم، قال تعالى: {الم أحسب الناس أن ~~يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ~~الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} [العنكبوت: 1: 3] ، وقال تعالى: {ما ~~كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} [آل ~~عمران: 179] ، وقال: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن ~~به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين} [الحج: 11] ؛ ولهذا ذم الله المنافقين بأنهم دخلوا في الإيمان ثم ~~خرجوا منه بقوله تعالى: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم ~~جنة فصدوا عن سبيل الله} إلى قوله: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون} [المنافقون: 1، 3] ، وقال في الآية الأخرى: {يحذر ~~المنافقون أن تنزل عليهم سورة} إلى قوله: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طآئفة منكم نعذب طآئفة ~~بأنهم كانوا مجرمين} [التوبة: 64: 66] ، فقد أمره أن يقول لهم: قد كفرتم ~~بعد إيمانكم. # وقول من يقول عن مثل هذه الآيات: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع ~~كفرهم أولا بقلوبهم، لا يصح؛ لأن الإيمان باللسان مع كفر ms190 القلب قد قارنه ~~الكفر، فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانكم، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس ~~الأمر، وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا ~~للناس إلا لخواصهم، وهم مع خواصهم مازالوا هكذا، بل لما نافقوا وحذروا أن ~~تنزل سورة تبين ما في قلوبهم من النفاق، وتكلموا بالاستهزاء، صاروا كافرين ~~بعد إيمانهم، ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين، وقد قال تعالى: {يا ~~أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ~~يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما ~~لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا ~~لهم وإن # PageV01P214 # يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة} [التوبة: 73، 74] ~~فهنا قال: {وكفروا بعد إسلامهم} . # فهذا الإسلام قد يكون من جنس إسلام الأعراب فيكون قوله: {بعد إيمانكم} و ~~{بعد إسلامهم} سواء، وقد يكونون ما زالوا منافقين، فلم يكن لهم حال كان ~~معهم فيها من الإيمان شيء، لكونهم أظهروا الكفر والردة؛ ولهذا دعاهم إلى ~~التوبة فقال: {فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا} بعد التوبة عن التوبة ~~{يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة} وهذا إنما هو لمن أظهر الكفر، ~~فيجاهده الرسول بإقامة الحد والعقوبة؛ ولهذا ذكر هذا في سياق قوله: {جاهد ~~الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} ؛ ولهذا قال في تمامها: {وما لهم في الأرض ~~من ولي ولا نصير} [التوبة: 47] # وهؤلاء الصنف الذين كفروا بعد إسلامهم غير الذين كفروا بعد إيمانهم فإن ~~هؤلاء حلفوا بالله ما قالوا، وقد قالوا كلمة الكفر التي كفروا بها بعد ~~إسلامهم وهموا بما لم ينالوا، وهو يدل على أنهم سعوا في ذلك، فلم يصلوا إلى ~~مقصودهم؛ فإنه لم يقل: هموا بما لم يفعلوا، لكن {بما لم ينالوا} فصدر منهم ~~قول وفعل، قال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} [التوبة: ~~65] فاعترفوا واعتذروا؛ ولهذا قيل: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن ~~نعف عن طآئفة منكم نعذب طآئفة بأنهم كانوا ms191 مجرمين} [التوبة: 66] فدل على ~~أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن ~~الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه ~~كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم ~~يظنوه كفرا، وكان كفرا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه، وهكذا قال غير ~~واحد من السلف في صفة المنافقين، الذين ضرب لهم المثل في سورة البقرة: أنهم ~~أبصروا ثم عموا، وعرفوا ثم أنكروا، وآمنوا ثم كفروا. وكذلك قال قتادة ~~ومجاهد: ضرب المثل لإقبالهم على المؤمنين، وسماعهم ما جاء به الرسول، وذهاب ~~نورهم، قال: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله ~~بنورهم وتركهم في ظلمات لا # PageV01P215 # يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون} [البقرة: 17، 18] إلى ما كانوا عليه. # وأما قول من قال: المراد بالنور: ما حصل في الدنيا من حقن دمائهم ~~وأموالهم، فإذا ماتوا سلبوا ذلك الضوء كما سلب صاحب النار ضوءه، فلفظ الآية ~~يدل على خلاف ذلك، فإنه قال: {وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا ~~يرجعون} ويوم القيامة يكونون في العذاب كما قال تعالى: {يوم يقول المنافقون ~~والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا ~~نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ~~ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم} الآية [الحديد: 13، ~~14] ، وقد قال غير واحد من السلف: إن المنافق يعطي يوم القيامة نورا ثم ~~يطفأ؛ ولهذا قال تعالى: {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم ~~يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا} ~~[التحريم: 8] . قال المفسرون: إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ، سألوا ~~الله أن يتم لهم نورهم ويبلغهم به الجنة. # قال ابن عباس: ليس أحد من المسلمين إلا يعطي نورا يوم القيامة، فأما ~~المنافق فيطفأ نوره، وأما المؤمن فيشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق، فهو ~~يقول: {ربنا أتمم ms192 لنا نورنا} ، وهو كما قال: فقد ثبت في الصحيحين من حديث ~~أبي هريرة وأبي سعيد وهو ثابت من وجوه أخر عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ورواه مسلم من حديث جابر، وهو معروف من حديث ابن مسعود وهو أطولها ومن حديث ~~أبي موسى في الحديث الطويل الذي يذكر فيه أنه ينادى يوم القيامة: " لتتبع ~~كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد ~~القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها ~~منافقوها، فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، ~~فيقولون: نعوذ بالله منك، وهذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا ~~عرفناه، فيأتيهم الله # PageV01P216 # في صورته التي يعرفون، فيقول أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ". ~~وفي رواية: " فيكشف عن ساقه ". وفي رواية فيقول: " هل بينكم وبينه آية ~~فتعرفونه بها، فيقولون: نعم. فيكشف عن ساقه، فلا يبقى من كان يسجد لله من ~~تلقاء نفسه إلا أذن له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد نفاقا ورياء إلا جعل ~~الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه. فتبقى ظهورهم مثل ~~صياصي البقر فيرفعون رؤوسهم فإذا نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ويطفأ نور ~~المنافقين فيقولون: ذرونا نقتبس من نوركم ". # فبين أن المنافقين يحشرون مع المؤمنين في الظاهر، كما كانوا معهم في ~~الدنيا ثم وقت الحقيقة، هؤلاء يسجدون لربهم، وأولئك لا يتمكنون من السجود، ~~فإنهم لم يسجدوا في الدنيا له، بل قصدوا الرياء للناس، والجزاء في الآخرة ~~هو من جنس العمل في الدنيا، فلهذا أعطوا نورا ثم طفئ؛ لأنهم في الدنيا ~~دخلوا في الإيمان، ثم خرجوا منه؛ ولهذا ضرب الله لهم المثل بذلك، وهذا ~~المثل، هو لمن كان فيهم آمن ثم كفر، وهؤلاء الذين يعطون في الآخرة نورا ثم ~~يطفأ. # ولهذا قال: {فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] إلى الإسلام في الباطن. وقال ~~قتادة ومقاتل: لا يرجعون عن ضلالهم. وقال السدي: لا يرجعون إلى الإسلام، ~~يعني في الباطن، وإلا فهم يظهرونه، ms193 وهذا المثل إنما يكون في الدنيا، وهذا ~~المثل مضروب لبعضهم وهم الذين آمنوا ثم كفروا. وأما الذين لم يزالوا ~~منافقين فضرب لهم المثل الآخر، وهو قوله: {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ~~ورعد وبرق} [البقرة: 19] ، وهذا أصح القولين، فإن المفسرين اختلفوا: هل ~~المثلان مضروبان لهم كلهم، أو هذا المثل لبعضهم؟ على قولين. والثاني هو ~~الصواب؛ لأنه قال: {أو كصيب} وإنما يثبت بها أحد الأمرين، فدل ذلك على أنهم ~~مثلهم هذا وهذا، فإنهم لا يخرجون عن المثلين بل بعضهم يشبه هذا وبعضهم يشبه ~~هذا، ولو كانوا كلهم يشبهون المثلين لم يذكر [أو] بل يذكر الواو العاطفة. # وقول من قال: [أو] هاهنا للتخيير كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين ليس ~~بشيء، لأن التخيير يكون في الأمر والطلب لا يكون في الخبر، # PageV01P217 # وكذلك قول من قال: {أو} بمعنى الواو أو لتشكيك المخاطبين، أو الإبهام ~~عليهم ليس بشيء، فإن الله يريد بالأمثال البيان والتفهيم، لا يريد التشكيك ~~والإبهام. # والمقصود تفهيم المؤمنين حالهم، ويدل على ذلك أنه قال في المثل الأول: ~~{صم بكم عمي} وقال في الثاني: {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر ~~الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا ~~فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على ~~كل شيء قدير} [البقرة: 19، 20] فبين في المثل الثاني أنهم يسمعون ويبصرون ~~ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم، وفي الأول كانوا يبصرون ثم صاروا في ~~ظلمات لا يبصرون، صم بكم عمي. وفي الثاني إذا أضاء لهم البرق مشوا فيه وإذا ~~أظلم عليهم قاموا، فلهم حالان: حال ضياء، وحال ظلام، والأولون بقوا في ~~الظلمة. فالأول حال من كان في ضوء فصار في ظلمة، والثاني حال من لم يستقر ~~لا في ضوء ولا في ظلمة، بل تختلف عليه الأحوال التي توجب مقامه واسترابته. # يبين هذا أنه سبحانه ضرب للكفار أيضا مثلين بحرف [أو] فقال: {والذين ~~كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ms194 ~~ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه ~~موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد ~~يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 39، 40] . فالأول ~~مثل الكفر الذي يحسب صاحبه أنه على حق وهو على باطل، كمن زين له سوء عمله ~~فرآه حسنا، فإنه لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم؛ فلهذا مثل بسراب بقيعة، ~~والثاني مثل الكفر الذي لا يعتقد صاحبه شيئا، بل هو في ظلمات بعضها فوق ~~بعض، من عظم جهله لم يكن معه اعتقاد أنه على حق، بل لم يزل جاهلا ضالا في ~~ظلمات متراكمة. # وأيضا، فقد يكون المنافق والكافر تارة متصفا بهذا الوصف وتارة متصفا بهذا ~~الوصف، فيكون التقسيم في المثلين لتنوع الأشخاص ولتنوع أحوالهم، وبكل حال ~~فليس ما ضرب له # PageV01P218 # هذا المثل هو مماثل لما ضرب له هذا المثل؛ لاختلاف المثلين صورة ومعنى؛ ~~ولهذا لم يضرب للإيمان إلا مثل واحد، لأن الحق واحد فضرب مثله بالنور، ~~وأولئك ضرب لهم المثل بضوء لا حقيقة له، كالسراب بالقيعة أو بالظلمات ~~المتراكمة، وكذلك المنافق يضرب له المثل بمن أبصر ثم عمى، أو هو مضطرب يسمع ~~ويبصر ما لا ينتفع به. فتبين أن من المنافقين من كان آمن ثم كفر باطنا، ~~وهذا مما استفاض به النقل عند أهل العلم بالحديث والتفسير والسير، أنه كان ~~رجال قد آمنوا ثم نافقوا، وكان يجري ذلك لأسباب: # منها: أمر القبلة، لما حولت ارتد عن الإيمان لأجل ذلك طائفة، وكانت محنة ~~امتحن الله بها الناس، قال تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين ~~هدى الله} [البقرة: 143] قال: أي: إذا حولت، والمعنى: أن الكعبة هي القبلة ~~التي كان في علمنا أن نجعلها قبلتكم؛ فإن الكعبة ومسجدها وحرمها أفضل بكثير ~~من بيت المقدس وهي البيت العتيق، وقبلة إبراهيم وغيره من الأنبياء، ولم ~~يأمر ms195 الله قط أحدا أن يصلي إلى بيت المقدس، لا موسى ولا عيسى ولا غيرهما؛ ~~فلم نكن لنجعلها لك قبلة دائمة، ولكن جعلناها أولا قبلة لنمتحن بتحويلك ~~عنها الناس، فيتبين من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، فكان في شرعها هذه ~~الحكمة. # وكذلك أيضا لما انهزم المسلمون يوم أحد وشج وجه النبي صلىالله عليه وسلم ~~وكسرت رباعيته، ارتد طائفة نافقوا، قال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب ~~الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} [آل عمران: 139: 141] ، ~~وقال تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ~~وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا ~~لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ~~ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون} [آل عمران: 166، 167] فقوله: ~~{وليعلم الذين نافقوا} ظاهر فيمن أحدث # PageV01P219 # نفاقا وهو يتناول من لم ينافق قبل، ومن نافق ثم جدد نفاقا ثانيا، وقوله: ~~{هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} يبين أنهم لم يكونوا قبل ذلك أقرب منهم ~~بل إما أن يتساويا، وإما أن يكونوا للإيمان أقرب، وكذلك كان، فإن ابن أبي ~~لما انخزل عن النبي صلىالله عليه وسلم يوم أحد، انخزل معه ثلث الناس، قيل: ~~كانوا نحو ثلاثمائة، وهؤلاء لم يكونوا قبل ذلك كلهم منافقين في الباطن؛ إذ ~~لم يكن لهم داع إلى النفاق. # فإن ابن أبي كان مظهرا لطاعة النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان به؛ وكان ~~كل يوم جمعة يقوم خطيبا في المسجد يأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولم يكن ما في قلبه يظهر إلا لقليل من الناس إن ظهر، وكان معظما في قومه، ~~كانوا قد عزموا على أن يتوجوه ويجعلوه مثل الملك عليهم، فلما جاءت النبوة ~~بطل ذلك، فحمله الحسد على النفاق، وإلا فلم يكن له قبل ذلك دين ms196 يدعو إليه؛ ~~وإنما كان هذا في اليهود، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بدينه وقد ~~أظهر الله حسنه ونوره، مالت إليه القلوب لا سيما لما نصره الله يوم بدر، ~~ونصره على يهود بني قينقاع، صار معه الدين والدنيا، فكان المقتضى للإيمان ~~في عامة الأنصار قائما، وكان كثير منهم يعظم ابن أبي تعظيما كثيرا ويواليه، ~~ولم يكن ابن أبي أظهر مخالفة توجب الامتياز، فلما انخزل يوم أحد وقال: يدع ~~رأيي ورأيه، ويأخذ برأي الصبيان أو كما قال انخزل معه خلق كثير، منهم من لم ~~ينافق قبل ذلك. # وفي الجملة، ففي الأخبار عمن نافق بعد إيمانه ما يطول ذكره هنا، فأولئك ~~كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان، هو الضوء الذي ضرب الله به المثل، فلو ~~ماتوا قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه، ولم ~~يكونوا من المؤمنين حقا الذين امتحنوا فثبتوا على الإيمان، ولا من ~~المنافقين حقا الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة، وهذا حال كثير من المسلمين ~~في زماننا أو أكثرهم، إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان، ~~ينقص إيمانهم كثيرا وينافق أكثرهم أو كثير منهم. ومنهم من يظهر الردة إذا ~~كان العدو غالبا، وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة. وإذا كانت ~~العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين، وهم مؤمنون ~~بالرسول باطنا وظاهرا لكن إيمانا لا يثبت على المحنة. # PageV01P220 # ولهذا يكثر في هؤلاء ترك الفرائض وانتهاك المحارم. وهؤلاء من الذين ~~قالوا: {آمنا} فقيل لهم: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 14] أي: الإيمان المطلق، الذي أهله هم ~~المؤمنون حقا، فإن هذا هو الإيمان إذا أطلق في كتاب الله تعالى كما دل عليه ~~الكتاب والسنة؛ ولهذا قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} ~~[الحجرات: 15] ، فلم يحصل لهم ريب عند المحن التي تقلقل الإيمان في القلوب، ~~والريب يكون في علم القلب وفي عمل القلب، بخلاف الشك ms197 فإنه لا يكون إلا في ~~العلم؛ ولهذا لا يوصف باليقين إلا من اطمأن قلبه علما وعملا، وإلا فإذا كان ~~عالما بالحق، ولكن المصيبة أو الخوف أورثه جزعا عظيما، لم يكن صاحب يقين ~~قال تعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} [الأحزاب: 11] . # وكثيرا ما تعرض للمؤمن شعبة من شعب النفاق، ثم يتوب الله عليه، وقد يرد ~~على قلبه بعض ما يوجب النفاق، ويدفعه الله عنه. والمؤمن يبتلى بوساوس ~~الشيطان، وبوساوس الكفر التي يضيق بها صدره، كما قالت الصحابة: يا رسول ~~الله، إن أحدنا ليجد في نفسه ما لئن يخر من السماء إلى الأرض، أحب إليه من ~~أن يتكلم به. فقال: " ذاك صريح الإيمان "، وفي رواية: ما يتعاظم أن يتكلم ~~به. قال: " الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة " أي: حصول هذا الوسواس، مع ~~هذه الكراهة العظيمة له، ودفعه عن القلب، هو من # PageV01P221 # صريح الإيمان، كالمجاهد الذي جاءه العدو، فدافعه حتى غلبه، فهذا أعظم ~~الجهاد، والصريح الخالص، كاللبن الصريح. وإنما صار صريحا، لما كرهوا تلك ~~الوساوس الشيطانية، ودفعوها فخلص الإيمان فصار صريحا. # ولابد لعامة الخلق من هذه الوساوس، فمن الناس من يجيبها فصير كافرا أو ~~منافقا، ومنهم من قد غمر قلبه الشهوات والذنوب فلا يحس بها إلا إذا طلب ~~الدين، فإما أن يصير مؤمنا وإما أن يصير منافقا؛ ولهذا يعرض للناس من ~~الوساوس في الصلاة ما لا يعرض لهم إذا لم يصلوا؛ لأن الشيطان يكثر تعرضه ~~للعبد إذا أراد الإنابة إلى ربه والتقرب إليه والاتصال به؛ فلهذا يعرض ~~للمصلين ما لا يعرض لغيرهم، ويعرض لخاصة أهل العلم والدين أكثر مما يعرض ~~للعامة؛ ولهذا يوجد عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس ~~عند غيرهم؛ لأنه لم يسلك شرع الله ومنهاجه، بل هو مقبل على هواه في غفلة عن ~~ذكر ربه، وهذا مطلوب الشيطان، بخلاف المتوجهين إلى ربهم بالعلم والعبادة؛ ~~فإنه عدوهم يطلب صدهم عن الله، قال تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا} [فاطر: 6] ؛ ولهذا أمر قارئ القرآن أن يستعيذ بالله ms198 من الشيطان ~~الرجيم، فإن قراءة القرآن على الوجه المأمور به تورث القلب الإيمان العظيم، ~~وتزيده يقينا وطمأنينة وشفاء، وقال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ~~ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] ، وقال تعالى: ~~{هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} [آل عمران: 138] ، وقال تعالى: {هدى ~~للمتقين} [البقرة: 2] ، وقال تعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون} [التوبة: 124] . # وهذا مما يجده كل مؤمن من نفسه، فالشيطان يريد بوساوسه أن يشغل القلب عن ~~الانتفاع بالقرآن، فأمر الله القارئ، إذا قرأ القرآن، أن يستعيذ منه، قال ~~تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين # PageV01P222 # هم به مشركون} [النحل: 98: 100] ، فإن المستعيذ بالله مستجير به، لاجئ ~~إليه، مستغيث به من الشيطان، فالعائذ بغيره مستجير به؛ فإذا عاذ العبد بربه ~~كان مستجيرا به متوكلا عليه فيعيذه الله من الشيطان ويجيره منه، ولذلك قال ~~الله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ~~وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} [فصلت: 34: 36] . # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إني لأعلم كلمة لو ~~قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". فأمر سبحانه ~~بالاستعاذة عند طلب العبد الخير؛ لئلا يعوقه الشيطان عنه، وعندما يعرض عليه ~~من الشر ليدفعه عنه عند إرادة العبد للحسنات، وعند ما يأمره الشيطان ~~بالسيئات؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزال الشيطان يأتي ~~أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟ فمن وجد ذلك ~~فليستعذ بالله ولينته "، فأمر بالاستعاذة عندما يطلب الشيطان أن يوقعه في ~~شر أو يمنعه من خير، كما يفعل العدو مع عدوه. # وكلما كان الإنسان أعظم رغبة في العلم والعبادة، وأقدر على ذلك من غيره ~~بحيث تكون قوته على ذلك ms199 أقوى، ورغبته وإرادته في ذلك أتم، كان ما يحصل له ~~إن سلمه الله من الشيطان أعظم، وكان ما يفتتن به إن تمكن منه الشيطان أعظم؛ ~~ولهذا قال الشعبي: كل أمة علماؤها شرارها، إلا المسلمين فإن علماءهم ~~خيارهم. # وأهل السنة في الإسلام، كأهل الإسلام في الملل، وذلك أن كل أمة غير ~~المسلمين فهم ضالون، وإنما يضلهم علماؤهم؛ فعلماؤهم شرارهم، والمسلمون على ~~هدى، وإنما يتبين الهدى بعلمائهم، فعلماؤهم خيارهم، وكذلك أهل السنة، ~~أئمتهم خيار الأمة، وأئمة أهل البدع أضر على الأمة من أهل الذنوب، ولهذا ~~أمر النبي صلىالله عليه وسلم بقتل الخوارج، ونهى عن قتال الولاة # PageV01P223 # الظلمة؛ وأولئك لهمنهمة في العلم والعبادة، فصار يعرض لهم من الوساوس ~~التي تضلهم وهم يظنونها هدي، فيطيعونها ما لا يعرض لغيرهم، ومن سلم من ذلك ~~منهم كان من أئمة المتقين مصابيح الهدى، وينابيع العلم؛ كما قال ابن مسعود ~~لأصحابه: كونوا ينابيع العلم، مصابيح الحكمة، سرج الليل، جدد القلوب، أحلاس ~~البيوت، خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء، وتخفون على أهل الأرض. # فصل # ومما ينبغي أن يعلم: أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث، إذا عرف ~~تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى ~~الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم؛ ولهذا قال الفقهاء: [الأسماء ثلاثة ~~أنواع] نوع يعرف حده بالشرع؛ كالصلاة والزكاة. ونوع يعرف حده باللغة؛ ~~كالشمس والقمر. ونوع يعرف حده بالعرف كلفظ القبض، ولفظ المعروف في قوله: ~~{وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] ، ونحو ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر ~~أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، من ادعي ~~علمه فهو كاذب. فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك، قد بين الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ما يراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر ~~وغيرها، ومن هناك يعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يقبل ms200 منه، وأما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها، ~~فذاك من جنس علم البيان. وتعليل الأحكام، هو زيادة في العلم، وبيان حكمة ~~ألفاظ القرآن؛ لكن معرفة المراد بها لا يتوقف على هذا. # واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر، هي أعظم من هذا كله، فالنبي صلى ~~الله عليه وسلم قد بين المراد بهذه الألفاظ بيانا لا يحتاج معه إلى ~~الاستدلال على ذلك بالاشتقاق # PageV01P224 # وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك؛ فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء ~~إلى بيان الله ورسوله، فإنه شاف كاف، بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث ~~الجملة للخاصة والعامة، بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى ~~الإيمان، علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول، ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ~~ورسوله من تمام الإيمان، وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنبا كافرا، ويعلم ~~أنه لو قدر أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن نؤمن بما جئتنا به ~~بقلوبنا من غير شك، ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيء مما ~~أمرت به ونهيت عنه، فلا نصلي ولا نصوم ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي ~~الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئا من الخير الذي أمرت ~~به، ونشرب الخمر؛ وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه ~~من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضا ونقاتلك مع أعدائك، هل كان ~~يتوهم عاقل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملو ~~الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويرجى لكم ألا يدخل أحد منكم ~~النار، بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت ~~به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك. # وكذلك كل مسلم يعلم أن شارب الخمر والزاني والقاذف والسارق، لم يكن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يجعلهم مرتدين يجب قتلهم، بل القرآن والنقل المتواتر ~~عنه يبين أن هؤلاء لهم عقوبات غير عقوبة المرتد عن الإسلام، كما ذكر الله ~~في القرآن جلد القاذف والزاني، وقطع ms201 السارق، وهذا متواتر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولو كانوا مرتدين لقتلهم. فكلا القولين مما يعلم فساده ~~بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم. # وأهل البدع إنما دخل عليهم الداخل؛ لأنهم أعرضوا عن هذه الطريق، وصاروا ~~يبنون دين الإسلام على مقدمات يظنون صحتها، إما في دلالة الألفاظ، وإما في ~~المعاني المعقولة. ولا يتأملون بيان الله ورسوله، وكل مقدمات تخالف بيان ~~الله ورسوله، فإنها تكون ضلالا؛ ولهذا تكلم أحمد في رسالته المعروفة في ~~الرد على من يتمسك بما يظهر له من القرآن من غير استدلال ببيان الرسول # PageV01P225 # والصحابة والتابعين، وكذلك ذكر في رسالته إلى أبي عبد الرحمن الجرجاني في ~~الرد على المرجئة، وهذه طريقة سائر أئمة المسلمين، لا يعدلون عن بيان ~~الرسول إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا، ومن عدل عن سبيلهم وقع في البدع التي ~~مضمونها أنه يقول على الله ورسوله ما لا يعلم، أو غير الحق، وهذا مما حرمه ~~الله ورسوله، وقال تعالى في الشيطان: {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 16] ، وقال تعالى: {ألم يؤخذ عليهم ~~ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} [الأعراف: 169] وهذا من ~~تفسير القرآن بالرأي الذي جاء فيه الحديث: " من قال في القرآن برأيه ~~فليتبوأ مقعده من النار ". # مثال ذلك أن المرجئة لما عدلوا عن معرفة كلام الله ورسوله، أخذوا يتكلمون ~~في مسمى الإيمان والإسلام وغيرهما بطرق ابتدعوها، مثل أن يقولوا: الإيمان ~~في اللغة: هو التصديق. والرسول إنما خاطب الناس بلغة العرب لم يغيرها، ~~فيكون مراده بالإيمان التصديق؛ ثم قالوا: والتصديق إنما يكون بالقلب ~~واللسان، أو بالقلب، فالأعمال ليست من الإيمان، ثم عمدتهم في أن الإيمان هو ~~التصديق قوله: {وما أنت بمؤمن لنا} [يوسف: 17] أي: بمصدق لنا. # فيقال لهم: اسم الإيمان قد تكرر ذكره في القرآن والحديث أكثر من ذكر سائر ~~الألفاظ، وهو أصل الدين، وبه يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويفرق بين ~~السعداء والأشقياء، ومن يوالي ومن يعادي، والدين كله تابع لهذا، وكل مسلم ms202 ~~محتاج إلى معرفة ذلك، أفيجوز أن يكون الرسول قد أهمل بيان هذا كله، ووكله ~~إلى هاتين المقدمتين؟ ومعلوم أن الشاهد الذي استشهدوا به على أن # PageV01P226 # الإيمان هو التصديق أنه من القرآن. ونقل معنى الإيمان متواتر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أعظم من تواتر لفظ الكلمة، فإن الإيمان يحتاج إلى معرفة ~~جميع الأمة فينقلونه، بخلاف كلمة من سورة. فأكثر المؤمنين لم يكونوا يحفظون ~~هذه السورة، فلا يجوز أن يجعل بيان أصل الدين مبنيا على مثل هذه المقدمات؛ ~~ولهذا كثر النزاع والاضطراب بين الذين عدلوا عن صراط الله المستقيم، وسلكوا ~~السبل، وصاروا من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، ومن الذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات، فهذا كلام عام مطلق. # ثم يقال: هاتان المقدمتان كلاهما ممنوعة، فمن الذي قال: إن لفظ الإيمان ~~مرادف للفظ التصديق؟ وهب أن المعنى يصح إذا استعمل في هذا الموضع، فلم قلت: ~~إنه يوجب الترادف؟ ولو قلت: ما أنت بمسلم لنا، ما أنت بمؤمن لنا، صح ~~المعنى، لكن لم قلت: إن هذا هو المراد بلفظ مؤمن؟ وإذا قال الله: {أقيموا ~~الصلاة} ، ولو قال القائل: أتموا الصلاة، ولازموا الصلاة، التزموا الصلاة، ~~افعلوا الصلاة، كان المعنى صحيحا، لكن لا يدل هذا على معنى: أقيموا، فكون ~~اللفظ يرادف اللفظ، يراد دلالته على ذلك. # ثم يقال: ليس هو مرادفا له، وذلك من وجوه: # أحدها: أن يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه، ولا يقال: آمنه وآمن به. بل ~~يقال: آمن له، كما قال: {فآمن له لوط} [العنكبوت: 26] وقال: {فما آمن لموسى ~~إلا ذرية من قومه} [يونس: 83] ، وقال فرعون: {آمنتم له قبل أن آذن لكم} ~~[طه: 71] ، وقالوا لنوح {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} [الشعراء: 111] ، وقال ~~تعالى: {قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61] ، {فقالوا ~~أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} [المؤمنون: 47] وقال: {وإن لم ~~تؤمنوا لي فاعتزلون} [الدخان: 21] # فإن قيل: فقد يقال: ما أنت بمصدق لنا. قيل: اللام تدخل على ما يتعدى ~~بنفسه إذا ضعف عمله، إما بتأخيره أو بكونه اسم فاعل ms203 أو مصدرا، أو ~~باجتماعهما، فيقال: فلان يعبد الله ويخافه ويتقيه، ثم إذا ذكر باسم الفاعل # PageV01P227 # قيل: هو عابد لربه متق لربه، خائف لربه، وكذلك تقول فلان يرهب الله، ثم ~~تقول: هو راهب لربه، وإذا ذكرت الفعل وأخرته، تقويه باللام، كقوله: {وفي ~~نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} [الأعراف: 154] ، وقد قال: {فإياي ~~فارهبون} [النحل: 51] فعداه بنفسه، وهناك ذكر اللام، فإن هنا قوله: {فإياي} ~~من قوله: [فلى] . وقوله هنالك: {لربهم} أتم من قوله: [ربهم] ، فإن الضمير ~~المنفصل المنصوب، أكمل من ضمير الجر بالياء، وهناك اسم ظاهر، فتقويته ~~باللام أولى وأتم من تجريده، ومن هذا قوله: {إن كنتم للرؤيا تعبرون} [يوسف: ~~43] ، ويقال: عبرت رؤياه، وكذلك قوله: {وإنهم لنا لغائظون} [الشعراء: 55] ، ~~وإنما يقال: غظته، لا يقال: غظت له، ومثله كثير، فيقول القائل: ما أنت ~~بمصدق لنا، أدخل فيه اللام، لكونه اسم فاعل، وإلا فإنما يقال: صدقته، لا ~~يقال: صدقت له، ولو ذكروا الفعل، لقالوا: ما صدقتنا، وهذا بخلاف لفظ ~~الإيمان، فإنه تعدى إلى الضمير باللام دائما، لا يقال: آمنته قط، وإنما ~~يقال: آمنت له، كما يقال: أقررت له. فكان تفسيره بلفظ الإقرار أقرب من ~~تفسيره بلفظ التصديق، مع أن بينهما فرقا. # الثاني: أنه ليس مرادفا للفظ التصديق في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة ~~أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت. فمن قال: السماء فوقنا، ~~قيل له: صدق، كما يقال: كذب، وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن ~~غائب، لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن مشاهدة، كقوله: طلعت الشمس، وغربت، ~~أنه يقال: آمناه. كما يقال: صدقناه؛ ولهذا المحدثون والشهود ونحوهم، يقال: ~~صدقناهم، وما يقال: آمنا لهم، فإن الإيمان مشتق من الأمن. فإنما يستعمل في ~~خبر يؤتمن عليه المخبر؛ كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر؛ ولهذا لم ~~يوجد قط في القرآن وغيره لفظ [آمن له] ، إلا في هذا النوع؛ والاثنان إذا ~~اشتركا في معرفة الشيء، يقال: صدق أحدهما صاحبه، ولا يقال: آمن له، لأنه لم ~~يكن غائبا ms204 عنه ائتمنه عليه؛ ولهذا قال: {فآمن له لوط} [العنكبوت: 26] ، ~~{أنؤمن لبشرين مثلنا} [المؤمنون: 47] ، {آمنتم له} [طه: 71] ، # PageV01P228 # {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} [التوبه: 61] ، فيصدقهم فيما أخبروا به. مما ~~غاب عنه وهو مأمون عنده على ذلك، فاللفظ متضمن معنى التصديق ومعنى الائتمان ~~والأمانة، كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قالوا: {وما أنت بمؤمن ~~لنا} [يوسف: 17] أي: لا تقر بخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه ولو كنا ~~صادقين؛ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك. فلو صدقوا لم يأمن لهم. # الثالث: أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه ~~من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ويقال: صدقناه أو ~~كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو ~~مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر. يقال: هو مؤمن أو كافر، ~~والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك، بل ~~أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك، لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل ~~للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، بل إذا ~~كان الكفر يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعا بلا تكذيب، فلا بد أن ~~يكون الإيمان تصديقا مع موافقة وموالاة وانقياد لا يكفي مجرد التصديق، ~~فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان، كما كان الامتناع من الانقياد مع التصديق ~~جزء مسمى الكفر، فيجب أن يكون كل مؤمن مسلما منقادا للأمر، وهذا هو العمل. # فإن قيل: فالرسول صلى الله عليه وسلم فسر الإيمان بما يؤمن به. # قيل: فالرسول ذكر ما يؤمن به لم يذكر ما يؤمن له، وهو نفسه يجب أن يؤمن ~~به ويؤمن له، فالإيمان به من حيث ثبوته غيب عنا أخبرنا به، وليس كل غيب ~~آمنا به علينا أن نطيعه، وأما ما يجب من الإيمان له فهو الذي يوجب طاعته، ~~والرسول يجب الإيمان به وله، فينبغي أن يعرف هذا، وأيضا فإن طاعته طاعة ~~لله، وطاعة الله من ms205 تمام الإيمان به # PageV01P229 # الرابع: أن من الناس من يقول: الإيمان أصله في اللغة من الأمن الذي هو ضد ~~الخوف فآمن أي: صار داخلا في الأمن وأنشدوا. . . # وأما المقدمة الثانية، فيقال: إنه إذا فرض أنه مرادف للتصديق فقولهم: إن ~~التصديق لا يكون إلا بالقلب أو اللسان؛ عنه جوابان: # أحدهما: المنع، بل الأفعال تسمى تصديقا، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني ~~وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب ~~يتمنى ذلك ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ". وكذلك قال أهل اللغة وطوائف ~~من السلف والخلف. قال الجوهري: والصديق مثال الفسيق: الدائم التصديق. ويكون ~~الذي يصدق قوله بالعمل. وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتحلي ولا ~~بالتمني ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وهذا مشهور عن الحسن يروى ~~عنه من غير وجه، كما رواه عباس الدوري: حدثنا حجاج، حدثنا أبو عبيدة الناجي ~~عن الحسن قال: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب ~~وصدقته الأعمال. من قال حسنا وعمل غير صالح رد الله عليه قوله، ومن قال ~~حسنا وعمل صالحا رفعه العمل؛ ذلك بأن الله يقول: {إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] ورواه ابن بطة من الوجهين. # وقوله: " ليس الإيمان بالتمني " يعني: الكلام، وقوله: [بالتحلي] يعني: أن ~~يصير حلية ظاهرة له، فيظهره من غير حقيقة من قلبه، ومعناه: ليس هو ما يظهر ~~من القول ولا من الحلية الظاهرة، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، ~~فالعمل يصدق أن في القلب إيمانا وإذا لم يكن عمل، كذب أن في قلبه إيمانا؛ ~~لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر. وانتفاء اللازم يدل على انتفاء ~~الملزوم. # وقد روى محمد بن نصر المروزي بإسناده، أن عبد الملك بن مروان كتب إلى ~~سعيد بن جبير يسأله عن هذه المسائل. فأجابه عنها: سألت عن الإيمان، # PageV01P230 # فالإيمان هو التصديق، أن يصدق العبد بالله وملائكته وما أنزل الله من ~~كتاب، وما أرسل ms206 من رسول، وباليوم الآخر. وسألت عن التصديق، والتصديق: أن ~~يعمل العبد بما صدق به من القرآن، وما ضعف عن شيء منه وفرط فيه عرف أنه ~~ذنب، واستغفر الله وتاب منه ولم يصر عليه، فذلك هو التصديق. وتسأل عن ~~الدين، فالدين هو العبادة، فإنك لن تجد رجلا من أهل الدين ترك عبادة أهل ~~دين، ثم لا يدخل في دين آخر إلا صار لا دين له. وتسأل عن العبادة، والعبادة ~~هي الطاعة، ذلك أنه من أطاع الله فيما أمره به وفيما نهاه عنه، فقد آثر ~~عبادة الله، ومن أطاع الشيطان في دينه وعمله، فقد عبد الشيطان، ألا ترى أن ~~الله قال للذين فرطوا: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} ~~[يس: 60] ، وإنما كانت عبادتهم الشيطان أنهم أطاعوه في دينهم. # وقال أسد بن موسى: حدثنا الوليد بن مسلم الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية ~~قال: الإيمان في كتاب الله صار إلى العمل، قال الله تعالى: {إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} الآية [الأنفال: 2] . ثم صيرهم إلى العمل ~~فقال: {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [الأنفال: 3] . قال: ~~وسمعت الأوزاعي يقول: قال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11] ، والإيمان بالله باللسان، والتصديق به ~~العمل. # وقال معمر عن الزهري: كنا نقول: الإسلام بالإقرار، والإيمان بالعمل، ~~والإيمان قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر، وما من أحد إلا يوزن ~~قوله وعمله؛ فإن كان عمله أوزن من قوله صعد إلى الله؛ وإن كان كلامه أوزن ~~من عمله لم يصعد إلى الله، ورواه أبو عمرو الطلمنكي بإسناده المعروف. وقال ~~معاوية بن عمرو: عن أبي إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي قال: لا يستقيم الإيمان ~~إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان ~~والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة. # PageV01P231 # وكان من مضى من سلفنا، لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان ~~والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع كما يجمع هذه الأديان اسمها ~~ويصدقه العمل. فمن آمن بلسانه، ms207 وعرف بقلبه، وصدق بعمله، فتلك العروة الوثقى ~~التي لا انفصام لها. ومن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله كان ~~في الآخرة من الخاسرين. وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف، أنهم ~~يجعلون العمل مصدقا للقول، ورووا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ~~معاذ بن أسد: حدثنا الفضيل بن عياض، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: أن أبا ~~ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان. فقال: " الإيمان: الإقرار ~~والتصديق بالعمل "، ثم تلا {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ~~ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى ~~المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي ~~الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في ~~البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: ~~177] . # قلت: حديث أبي ذر هذا مروي من غير وجه، فإن كان هذا اللفظ هو لفظ الرسول، ~~فلا كلام، وإن كانوا رووه بالمعنى، دل على أنه من المعروف في لغتهم أنه ~~يقال: صدق قوله بعمله، وكذلك قال شيخ الإسلام الهروي: الإيمان تصديق كله. # وكذلك الجواب الثاني: أنه إذا كان أصله التصديق، فهو تصديقمخصوص، كما أن ~~الصلاة دعاء مخصوص، والحج قصد مخصوص، والصيام إمساك مخصوص، وهذا التصديق له ~~لوازم صارت لوازمه داخلة في مسماه عند الإطلاق، فإن انتفاء اللازم يقتضي ~~انتفاء الملزوم، ويبقى النزاع لفظيا: هل الإيمان دال على العمل بالتضمن أو ~~باللزوم؟ # PageV01P232 # ومما ينبغي أن يعرف: أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو ~~نزاع لفظي، وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء كحماد بن أبي سليمان ~~وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم متفقون مع جميع علماء ~~السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم ~~كامل كإيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل ~~المحرمات، يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب، كما تقوله الجماعة. ويقولون ms208 ~~أيضا بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة، والذين ينفون عن ~~الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار. فليس ~~بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما ~~جاء به الرسول، وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من ~~أخبر الله ورسوله بدخوله إليها، ولا يخلد منهم فيها أحد، ولا يكونون مرتدين ~~مباحي الدماء، ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار، ~~كالخوارج، والمعتزلة. وقول غلاة المرجئة الذين يقولون: ما نعلم أن أحدا ~~منهم يدخل النار، بل نقف في هذا كله. وحكى عن بعض غلاة المرجئة الجزم ~~بالنفي العام. # ويقال للخوارج: الذي نفى عن السارق والزاني والشارب وغيرهم الإيمان، هو ~~لم يجعلهم مرتدين عن الإسلام، بل عاقب هذا بالجلد وهذا بالقطع، ولم يقتل ~~أحدا إلا الزاني المحصن، ولم يقتله قتل المرتد، فإن المرتد يقتل بالسيف بعد ~~الاستتابة، وهذا يرجم بالحجارة بلا استتابة، فدل ذلك على أنه وإن نفي عنهم ~~الإيمان، فليسوا عنده مرتدين عن الإسلام مع ظهور ذنوبهم، وليسوا كالمنافقين ~~الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فأولئك لم يعاقبهم إلا على ذنب ~~ظاهر. # وبسبب الكلام في [مسألة الإيمان] تنازع الناس، هل في اللغة أسماء شرعية ~~نقلها الشارع عن مسماها في اللغة، أو أنها باقية في الشرع على ما كانت عليه ~~في اللغة، لكن الشارع زاد في أحكامها لا في معنى الأسماء؟ ، وهكذا قالوا في ~~اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج إنها باقية في كلام الشارع على معناها ~~اللغوي # PageV01P233 # لكن زاد في أحكامها. ومقصودهم أن الإيمان هو مجرد التصديق وذلك يحصل ~~بالقلب واللسان. وذهبت طائفة ثالثة إلى أن الشارع تصرف فيها تصرف أهل ~~العرف. فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة. # والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة، ~~كما يستعمل نظائرها، كقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: ~~97] ، فذكر حجا خاصا، وهو حج البيت، ms209 وكذلك قوله: {فمن حج البيت أو اعتمر} ~~[البقرة: 158] فلم يكن لفظ الحج متناولا لكل قصد، بل لقصد مخصوص دل عليه ~~اللفظ نفسه من غير تغيير اللغة، والشاعر إذا قال: # وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا # كان متكلما باللغة، وقد قيد لفظه بحج سب الزبرقان المزعفرا، ومعلوم أن ~~ذلك الحج المخصوص دلت عليه الإضافة، فكذلك الحج المخصوص الذي أمر الله به ~~دلت عليه الإضافة أو التعريف باللام؛ فإذا قيل: الحج فرض عليك، كانت لام ~~العهد تبين أنه حج البيت. وكذلك [الزكاة] هي اسم لما تزكو به النفس، وزكاة ~~النفس زيادة خيرها وذهاب شرها والإحسان إلى الناس من أعظم ما تزكو به ~~النفس، كما قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: ~~103] . وكذلك ترك الفواحش مما تزكو به، قال تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا} [النور: 21] وأصل زكاتها بالتوحيد وإخلاص ~~الدين لله، قال تعالى: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 6، 7] ~~وهي عند المفسرين التوحيد. # وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مقدار الواجب، وسماها الزكاة المفروضة، ~~فصار لفظ الزكاة إذا عرف باللام ينصرف إليها لأجل العهد، ومن الأسماء ما ~~يكون أهل العرف نقلوه وينسبون ذلك إلى الشارع، مثل لفظ [التيمم] ، فإن الله ~~تعالى قال: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] ~~، فلفظ # PageV01P234 # التيمم استعمل في معناه المعروف في اللغة، فإنه أمر بتيمم الصعيد، ثم أمر ~~بمسح الوجوه والأيدي منه، فصار لفظ التيمم في عرف الفقهاء يدخل فيه هذا ~~المسح، وليس هو لغة الشارع، بل الشارع فرق بين تيمم الصعيد وبين المسح الذي ~~يكون بعده، ولفظ الإيمان أمر به مقيدا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله، وكذلك لفظ الإسلام بالاستسلام لله رب العالمين، وكذلك لفظ الكفر ~~مقيدا، ولكن لفظ [النفاق] قد قيل: إنه لم تكن العرب تكلمت به، لكنه مأخوذ ~~من كلامهم، فإن نفق يشبه خرج، ومنه: نفقت الدابة إذا ماتت، ومنه: نافقاء ~~اليربوع، والنفق في الأرض قال تعالى: {فإن استطعت ms210 أن تبتغي نفقا في الأرض} ~~[الأنعام: 35] ، فالمنافق هو الذي خرج من الإيمان باطنا بعد دخوله فيه ~~ظاهرا، وقيد النفاق بأنه نفاق من الإيمان. ومن الناس من يسمى من خرج عن ~~طاعة الملك منافقا عليه، لكن النفاق الذي في القرآن هو النفاق على الرسول. ~~فخطاب الله ورسوله للناس بهذه الأسماء كخطاب الناس بغيرها، وهو خطاب مقيد ~~خاص لا مطلق يحتمل أنواعا. # وقد بين الرسول تلك الخصائص، والاسم دل عليها، فلا يقال: إنها منقولة، ~~ولا أنه زيد في الحكم دون الاسم، بل الاسم إنما استعمل على وجه يختص بمراد ~~الشارع، لم يستعمل مطلقا، وهو إنما قال: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 110] ، ~~بعد أن عرفهم الصلاة المأمور بها، فكان التعريف منصرفا إلى الصلاة التي ~~يعرفونها لم يرد لفظ الصلاة وهم لا يعرفون معناه؛ ولهذا كل من قال في لفظ ~~الصلاة: إنه عام للمعني اللغوي، أو إنه مجمل لتردده بين المعنى اللغوي ~~والشرعي ونحو ذلك؛ فأقوالهم ضعيفة، فإن هذا اللفظ إنما ورد خبرا أو أمرا، ~~فالخبر كقوله: {أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى} [العلق: 9، 10] وسورة [اقرأ] ~~من أول ما نزل من القرآن، وكان بعض الكفار إما أبو جهل أو غيره قد نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقال: لئن رأيته يصلي لأطأن عنقه. فلما ~~رآه ساجدا رأى من الهول ما أوجب نكوصه على عقبيه، فإذا قيل: {أرأيت الذي ~~ينهى عبدا إذا صلى} فقد علمت تلك الصلاة الواقعة بلا إجمال في اللفظ ولا ~~عموم. # PageV01P235 # ثم إنه لما فرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج أقام النبي صلى الله عليه ~~وسلم الصلوات بمواقيتها صبيحة ذلك اليوم، وكان جبرائيل يؤم النبي صلى الله ~~عليه وسلم. والمسلمون يأتمون بالنبي صلى الله عليه وسلم. فإذا قيل لهم: ~~{وأقيموا الصلاة} عرفوا أنها تلك الصلاة، وقيل: إنه قبل ذلك كانت له صلاتان ~~طرفي النهار، فكانت أيضا معروفة، فلم يخاطبوا باسم من هذه الأسماء إلا ~~ومسماه معلوم عندهم. فلا إجمال في ذلك، ولا يتناول كل ما يسمى حجا ودعاء ~~وصوما، فإن هذا إنما يكون ms211 إذا كان اللفظ مطلقا، وذلك لم يرد. # وكذلك الإيمان والإسلام وقد كان معنى ذلك عندهم من أظهر الأمور، وإنما ~~سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهم يسمعون وقال: " هذا جبريل ~~جاءكم يعلمكم دينكم "؛ ليبين لهم كمال هذه الأسماء وحقائقها التي ينبغي أن ~~تقصد لئلا يقتصروا على أدنى مسمياتها، وهذا كما في الحديث الصحيح أنه قال: ~~" ليس المسكين هذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ~~ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل ~~الناس إلحافا ". فهم كانوا يعرفون المسكين وأنه المحتاج، وكان ذلك مشهورا ~~عندهم فيمن يظهر حاجته بالسؤال، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي ~~يظهر حاجته بالسؤال والناس يعطونه، تزول مسكنته بإعطاء الناس له، والسؤال ~~له بمنزلة الحرفة، وهو وإن كان مسكينا يستحق من الزكاة إذا لم يعط من غيرها ~~كفايته، فهو إذا وجد من يعطيه كفايته لم يبق مسكينا، وإنما المسكين المحتاج ~~الذي لا يسأل ولا يعرف فيعطى. فهذا هو الذي يجب أن يقدم في العطاء، فإنه ~~مسكين قطعا، وذاك مسكنته تندفع بعطاء من يسأله، وكذلك قوله: [الإسلام هو ~~الخمس] ، يريد أن هذا كله واجب داخل في الإسلام، فليس للإنسان أن يكتفي ~~بالإقرار بالشهادتين، وكذلك الإيمان يجب أن يكون على هذا الوجه المفصل، لا ~~يكتفي فيه بالإيمان المجمل؛ ولهذا وصف الإسلام بهذا. # PageV01P236 # وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر، وأما الأعمال ~~الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها، ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على ~~أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب، وأما هذه ~~المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور. وعن أحمد في ذلك نزاع، وإحدي ~~الروايات عنه: أنه يكفر من ترك واحدة منها، وهو اختيار أبي بكر وطائفة من ~~أصحاب مالك كابن حبيب. وعنه رواية ثانية: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة ~~فقط، ورواية ثالثة: لا يكفر إلا بترك الصلاة، والزكاة إذا قاتل الإمام ~~عليها. ورابعة: لا يكفر إلا بترك الصلاة. ms212 وخامسة: لا يكفر بترك شيء منهن، ~~وهذه أقوال معروفة للسلف. قال الحكم بن عتيبة: من ترك الصلاة متعمدا فقد ~~كفر، ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر. ومن ترك الحج متعمدا فقد كفر. ومن ترك ~~صوم رمضان متعمدا فقد كفر. وقال سعيد بن جبير: من ترك الصلاة متعمدا فقد ~~كفر بالله. ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر بالله. ومن ترك صوم رمضان متعمدا ~~فقد كفر بالله. وقال الضحاك: لا ترفع الصلاة إلا بالزكاة، وقال عبد الله بن ~~مسعود: من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له. رواهن أسد بن موسى. # وقال عبد الله بن عمرو: من شرب الخمر ممسيا أصبح مشركا، ومن شربه مصبحا ~~أمسى مشركا. فقيل لإبراهيم النخعي: كيف ذلك؟ قال: لأنه يترك الصلاة. قال ~~أبو عبد الله الأخنس في كتابه: من شرب المسكر فقد تعرض لترك الصلاة، ومن ~~ترك الصلاة فقد خرج من الإيمان. ومما يوضح ذلك أن جبريل لما سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، كان في آخر الأمر بعد فرض ~~الحج، والحج إنما فرض سنة تسع أو عشر. # وقد اتفق الناس على أنه لم يفرض قبل ست من الهجرة، ومعلوم أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لم يأمر الناس بالإيمان. ولم يبين لهم معناه إلى ذلك الوقت، ~~بل كانوا يعرفون أصل معناه وهذه المسائل لبسطها موضع آخر. # PageV01P237 # والمقصود هنا أن من نفى عنه الرسول اسم الإيمان أو الإسلام فلابد أن يكون ~~قد ترك بعض الواجبات فيه وإن بقى بعضها؛ ولهذا كان الصحابة والسلف يقولون: ~~إنه يكون في العبد إيمان ونفاق، قال أبو داود السجستاني: حدثنا أحمد بن ~~حنبل، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن شقيق، عن أبي المقدام، عن أبي يحيى قال: ~~سئل حذيفة عن المنافق. قال: الذي يعرف الإسلام ولا يعمل به. وقال أبو داود: ~~حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي ~~البختري، عن حذيفة قال: القلوب أربعة: قلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب ms213 ~~مصفح، وذلك قلب المنافق، وقلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب ~~فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة يمدها ماء طيب، ومثل النفاق ~~مثل قرحة يمدها قيح ودم، فأيهما غلب عليه غلب. وقد روى مرفوعا، وهو في ~~[المسند] مرفوعا. # وهذا الذي قاله حذيفة يدل عليه قوله تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم ~~للإيمان} [آل عمران: 167] ، فقد كان قبل ذلك فيهم نفاق مغلوب، فلما كان يوم ~~أحد غلب نفاقهم فصاروا إلى الكفر أقرب. # وروى عبد الله بن المبارك عن عوف بن أبي جميلة، عن عبد الله بن عمرو بن ~~هند، عن علي بن أبي طالب قال: إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، فكلما ~~ازداد العبد إيمانا ازداد القلب بياضا، حتى إذا استكمل الإيمان ابيض القلب ~~كله. وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب، فكلما ازداد العبد نفاقا ازداد ~~القلب سوادا، حتى إذا استكمل العبد النفاق اسود القلب، وايم الله لو شققتم ~~عن قلب المؤمن لوجدتموه أبيض. ولو شققتم عن قلب المنافق والكافر لوجدتموه ~~أسود. وقال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. # PageV01P238 # رواه أحمد وغيره. وهذا كثير في كلام السلف، يبينون أن القلب قد يكون ~~فيهإيمان ونفاق، والكتاب والسنة يدلان على ذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذكر شعب الإيمان، وذكر شعب النفاق وقال: " من كانت فيه شعبة منهن كانت ~~فيه شعبة من النفاق حتى يدعها " وتلك الشعبة قد يكون معها كثير من شعب ~~الإيمان؛ ولهذا قال: " ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " ~~فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار، وأن من كان ~~معه كثير من النفاق، فهو يعذب في النار على قدر ما معه من ذلك، ثم يخرج من ~~النار. # وعلى هذا فقوله للأعراب {لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان ~~في قلوبكم} [الحجرات: 14] نفي حقيقة دخول الإيمان في قلوبهم، وذلك لا يمنع ~~أن يكون معهم شعبة منه، كما ms214 نفاه عن الزاني والسارق، ومن لا يحب لأخيه ما ~~يحب لنفسه، ومن لا يأمن جاره بوائقه وغير ذلك، كما تقدم ذكره، فإن في ~~القرآن والحديث ممن نفى عنه الإيمان لترك بعض الواجبات شيء كثير. # وحينئذ فنقول: من قال من السلف: أسلمنا، أي: استسلمنا خوف السيف، وقول من ~~قال: هو الإسلام، الجميع صحيح، فإن هذا إنما أراد الدخول في الإسلام، ~~والإسلام الظاهر يدخل فيه المنافقون، فيدخل فيه من كان في قلبه إيمان ~~ونفاق، وقد علم أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، بخلاف ~~المنافق المحض الذي قلبه كله أسود، فهذا هو الذي يكون في الدرك الأسفل من ~~النار؛ ولهذا كان الصحابة يخشون النفاق على أنفسهم، ولم يخافوا التكذيب لله ~~ورسوله، فإن المؤمن يعلم من نفسه أنه لا يكذب الله ورسوله يقينا، وهذا ~~مستند من قال: أنا مؤمن حقا، فإنه أراد بذلك ما يعلمه من نفسه من التصديق ~~الجازم، ولكن الإيمان ليس مجرد التصديق؛ بل لابد من أعمال قلبية تستلزم ~~أعمالا ظاهرة كما تقدم، فحب الله ورسوله من الإيمان، وحب ما أمر الله به، ~~وبغض ما نهى عنه، هذا من أخص الأمور بالإيمان؛ ولهذا ذكر # PageV01P239 # النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث أن: " من سرته حسنته وساءته ~~سيئته فهو مؤمن " فهذا يحب الحسنة ويفرح بها، ويبغض السيئة ويسوؤه فعلها ~~وإن فعلها بشهوة غالبة، وهذا الحب والبغض من خصائص الإيمان. # ومعلوم أن الزاني حين يزني إنما يزني لحب نفسه لذلك الفعل، فلو قام بقلبه ~~خشية الله التي تقهر الشهوة أو حب الله الذي يغلبها، لم يزن؛ ولهذا قال ~~تعالى عن يوسف عليه السلام: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين} [يوسف: 24] فمن كان مخلصا لله حق الإخلاص لم يزن وإنما يزني ~~لخلوه عن ذلك، وهذا هو الإيمان الذي ينزع منه لم ينزع منه نفس التصديق؛ ~~ولهذا قيل: هو مسلم وليس بمؤمن، فإن المسلم المستحق للثواب لابد أن يكون ~~مصدقا، وإلا كان منافقا، لكن ليس كل من ms215 صدق قام بقلبه من الأحوال الإيمانية ~~الواجبة مثل كمال محبة الله ورسوله، ومثل خشية الله والإخلاص له في الأعمال ~~والتوكل عليه، بل يكون الرجل مصدقا بما جاء به الرسول، وهو مع ذلك يرائى ~~بأعماله، ويكون أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله، وقد ~~خوطب بهذا المؤمنون في آخر الأمر في سورة براءة فقيل لهم: {إن كان آباؤكم ~~وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة: 24] ومعلوم أن ~~كثيرا من المسلمين أو أكثرهم بهذه الصفة. # وقد ثبت أنه لا يكون الرجل مؤمنا حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما، وإنما المؤمن من لم يرتب، وجاهد بماله ونفسه في سبيل الله، فمن لم ~~تقم بقلبه الأحوال الواجبة في الإيمان، فهو الذي نفى عنه الرسول الإيمان ~~وإن كان معه التصديق، والتصديق من الإيمان، ولابد أن يكون مع التصديق شيء ~~من حب الله وخشية الله وإلا فالتصديق الذي لا يكون معه شيء من ذلك ليس # PageV01P240 # إيمانا البتة، بل هو كتصديق فرعون واليهود وإبليس، وهذا هو الذي أنكره ~~السلف على الجهمية، قال الحميدي: سمعت وكيعا يقول: أهل السنة يقولون: ~~الإيمان قول وعمل. والمرجئة يقولون: الإيمان قول. والجهمية يقولون: الإيمان ~~المعرفة. وفي رواية أخرى عنه: وهذا كفر. قال محمد بن عمر الكلابي: سمعت ~~وكيعا يقول: الجهمية شر من القدرية، قال: وقال وكيع: المرجئة: الذين ~~يقولون: الإقرار يجزئ عن العمل، ومن قال هذا فقد هلك، ومن قال: النية تجزئ ~~عن العمل، فهو كفر، وهو قول جهم، وكذلك قال أحمد بن حنبل. # ولهذا كان القول: إن الإيمان قول وعمل، عند أهل السنة من شعائر السنة، ~~وحكى غير واحد الإجماع على ذلك، وقد ذكرنا عن الشافعي رضي الله عنه ما ذكره ~~من الإجماع على ذلك قوله في [الأم] : وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من ~~بعدهم ومن أدركناهم يقولون: إن الإيمان قول وعمل ونية، ms216 لا يجزئ واحد من ~~الثلاثة إلا بالآخر، وذكر ابن أبي حاتم في [مناقبه] : سمعت حرملة يقول: ~~اجتمع حفص الفرد ومصلان الأباضي عند الشافعي في دار الجروي فتناظرا معه في ~~الإيمان فاحتج مصلان في الزيادة والنقصان وخالفه حفص الفرد، فحمى الشافعي ~~وتقلد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فطحن حفصا الفرد، ~~وقطعه. # وروى أبو عمرو الطلمنكي بإسناده المعروف عن موسى بن هارون الحمال قال: ~~أملي علينا إسحاق بن راهويه أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، لا شك أن ذلك ~~كما وصفنا، وإنما عقلنا هذا بالروايات الصحيحة والآثار العامة المحكمة، ~~وآحاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين، وهلم جرا على ذلك، ~~وكذلك بعد التابعين من أهل العلم على شيء واحد لا يختلفون فيه، وكذلك في ~~عهد الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالعراق، ومالك ابن أنس بالحجاز، ومعمر ~~باليمن، على ما فسرنا وبينا، أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. # وقال إسحاق: من ترك الصلاة متعمدا حتى ذهب وقت الظهر إلى المغرب، # PageV01P241 # والمغرب إلى نصف الليل، فإنه كافر بالله العظيم، يستتاب ثلاثة أيام، فإن ~~لم يرجع وقال: تركها لا يكون كفرا، ضربت عنقه يعني تاركها. وقال ذلك وأما ~~إذا صلى وقال ذلك، فهذه مسألة اجتهاد، قال: واتبعهم على ما وصفنا من بعدهم ~~من عصرنا هذا أهل العلم، إلا من باين الجماعة واتبع الأهواء المختلفة، ~~فأولئك قوم لا يعبأ الله بهم لما باينوا الجماعة. # قال أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام وله كتاب مصنف في الإيمان، قال: هذه ~~تسمية من كان يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. # من أهل مكة: عبيد بن عمير الليثي، عطاء بن أبي رباح، مجاهد بن جبر، ابن ~~أبي مليكة، عمرو بن دينار، ابن أبي نجيح، عبيد الله بن عمر، عبد الله بن ~~عمرو بن عثمان، عبد الملك بن جريح، نافع بن جبير، داود بن عبد الرحمن ~~العطار، عبد الله بن رجاء. # ومن أهل المدينة: محمد بن شهاب الزهري، ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أبو ~~حازم الأعرج، سعد ms217 بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، يحيى بن سعيد الأنصاري، ~~هشام ابن عروة بن الزبير، عبد الله بن عمر العمري، مالك بن أنس، محمد بن ~~أبي ذئب، سليمان بن بلال، عبد العزيز بن عبد الله يعني الماجشون عبد العزيز ~~بن أبي حازم. # ومن أهل اليمن: طاوس اليماني، وهب بن منبه، معمر بن راشد، عبد الرزاق بن ~~همام. ومن أهل مصر والشام: مكحول، الأوزاعي، سعيد بن عبد العزيز، الوليد بن ~~مسلم، يونس ابن يزيد الأيلي، يزيد بن أبي حبيب، يزيد بن شريح، سعيد بن أبي ~~أيوب، الليث بن سعد، عبد الله بن أبي جعفر، معاوية بن أبي صالح، حيوةبن ~~شريح، عبد الله بن وهب. # ومن سكن العواصم وغيرها من الجزيرة: ميمون بن مهران، يحيى بن عبد الكريم، ~~معقل بن عبيد الله، عبيد الله بن عمرو الرقي، عبد الملك بن مالك، المعافي ~~بن عمران، محمد بن سلمة الحراني، أبو إسحاق الفزاري، مخلد بن الحسين، علي ~~بن بكار، يوسف ابن أسباط، عطاء بن مسلم، محمد بن كثير، الهيثم بن جميل. # ومن أهل كوفة: علقمة، الأسود بن يزيد، أبو وائل، وسعيد # PageV01P242 # بن جبير، الربيع بن خثيم، عامرالشعبي، إبراهيم النخعي، الحكم بن عتيبة، ~~طلحة بن مصرف، منصور ابن المعتمر، سلمة بن كهيل، مغيرة الضبي، عطاء بن ~~السائب، إسماعيل بن أبي خالد، أبو حيان، يحيى بن سعيد، سليمان بن مهران ~~الأعمش، يزيد بن أبي زياد، سفيان بن سعيد الثوري، سفيان بن عيينة، الفضيل ~~بن عياض، أبو المقدام، ثابت بن العجلان، ابن شبرمة، ابن أبي ليلى، زهير، ~~شريك بن عبد الله، الحسن بن صالح، حفص بن غياث، أبو بكر بن عياش، أبو ~~الأحوص، وكيع بن الجراح، عبد الله بن نمير، أبو أسامة، عبد الله بن إدريس، ~~زيد بن الحباب، الحسين بن علي الجعفي، محمد بن بشر العبدي، يحيى بن آدم ~~ومحمد ويعلى وعمرو بنو عبيد. # ومن أهل البصرة: الحسن بن أبي الحسن، محمد بن سيرين، قتادة بن دعامة، بكر ~~ابن عبد الله المزني، أيوب السختياني، يونس ms218 بن عبيد، عبد الله بن عون، ~~سليمان التيمي، هشام بن حسان الدستوائي، شعبة بن الحجاج، حماد بن سلمة، ~~حماد بن زيد، أبو الأشهب، يزيد بن إبراهيم، أبو عوانة، وهيب بن خالد، عبد ~~الوارث بن سعيد، معتمر ابن سليمان التيمي، يحيى بن سعيد القطان، عبد الرحمن ~~بن مهدي، بشر بن المفضل، يزيد بن زريع، المؤمل بن إسماعيل، خالد بن الحارث، ~~معاذ بن معاذ، أبو عبد الرحمن المقري. # ومن أهل واسط: هشيم بن بشير، خالد بن عبد الله، على بن عاصم، يزيد بن ~~هارون، صالح بن عمر بن علي بن عاصم. # ومن أهل المشرق: الضحاك بن مزاحم، أبو جمرة، نصر بن عمران، عبد الله بن ~~المبارك، النضر بن شميل، جرير بن عبد الحميد الضبي. # قال أبو عبيد: هؤلاء جميعا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو ~~قول أهل السنة المعمول به عندنا. # قلت: ذكر من الكوفيين من قال ذلك أكثر مما ذكر من غيرهم، لأن الإرجاء في ~~أهل الكوفة كان أولا فيهم أكثر، وكان أول من قاله حماد بن أبي سليمان، ~~فاحتاج علماؤها أن يظهروا إنكار ذلك. فكثر منهم من قال ذلك؛ كما أن # PageV01P243 # التجهم وتعطيل الصفات لما كان ابتداء حدوثه من خراسان، كثر من علماء ~~خراسان ذلك الوقت من الإنكار على الجهمية ما لم يوجد قط لمن لم تكن هذه ~~البدعة في بلده ولا سمع بها. كما جاء في حديث: " إن لله عند كل بدعة يكاد ~~بها الإسلام وأهله، من يتكلم بعلامات الإسلام؛ فاغتنموا تلك المجالس، فإن ~~الرحمة تنزل على أهلها " أو كما قال. # وإذا كان من قول السلف: إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، فكذلك في ~~قولهم: إنه يكون فيه إيمان وكفر، ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة، كما قال ~~ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} [المائدة: 44] قالوا: كفروا كفرا لا ينقل عن الملة، وقد اتبعهم ~~على ذلك أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة. # قال الإمام محمد بن نصر ms219 المروزي في كتاب [الصلاة] : اختلف الناس في تفسير ~~حديث جبرائيل هذا، فقال طائفة من أصحابنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~الإيمان أن تؤمن بالله " وما ذكر معه كلام جامع مختصر له غور وقد وهمت ~~المرجئة في تفسيره فتأولوه على غير تأويله قلة معرفة منهم بلسان العرب، ~~وغور كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي قد أعطى جوامع الكلم وفواتحه، ~~واختصر له الحديث اختصارا. أما قوله: " الإيمان أن تؤمن بالله " فأن توحده ~~وتصدق به بالقلب واللسان وتخضع له ولأمره بإعطاء العزم للأداء لما أمر، ~~مجانبا للاستنكاف والاستكبار والمعاندة، فإذا فعلت ذلك لزمت محابه واجتنبت ~~مساخطه، وأما قوله: [وملائكته] فأن تؤمن بمن سمى الله لك منهم في كتابه، ~~وتؤمن بأن لله ملائكة سواهم، لا يعرف أسماءهم وعددهم إلا الذي خلقهم. وأما ~~قوله: [وكتبه] فأن تؤمن بما سمى الله من كتبه في كتابه من التوراة والإنجيل ~~والزبور خاصة، وتؤمن بأن لله سوى ذلك كتبا أنزلها على أنبيائه لا يعرف ~~أسماءها وعددها إلا الذي أنزلها. وتؤمن بالفرقان، وإيمانك به غير إيمانك ~~بسائر الكتب. إيمانك بغيره من الكتب إقرارك به بالقلب واللسان، وإيمانك ~~بالفرقان إقرارك به واتباعك ما فيه. # PageV01P244 # وأما قوله: " ورسله " فأن تؤمن بما سمى الله في كتابه من رسله، وتؤمن بأن ~~لله سواهم رسلا وأنبياء لا يعلم أسماءهم إلا الذي أرسلهم، وتؤمن بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وإيمانك به غير إيمانك بسائر الرسل. إيمانك بسائر الرسل ~~إقرارك بهم، وإيمانك بمحمد إقرارك به وتصديقك إياه دائبا على ما جاء به، ~~فإذا اتبعت ما جاء به أديت الفرائض وأحللت الحلال وحرمت الحرام، ووقفت عند ~~الشبهات، وسارعت في الخيرات. وأما قوله: " واليوم الآخر " فأن تؤمن بالبعث ~~بعد الموت والحساب والميزان، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وبكل ما وصف ~~الله به يوم القيامة. وأما قوله: " وتؤمن بالقدر خيره وشره " فأن تؤمن بأن ~~ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا تقل: لو كان كذا ~~لم يكن كذا، ولولا كذا وكذا لم يكن كذا ms220 وكذا، قال: فهذا هو الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. # فصل # ومما يسأل عنه: أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من ~~هذه الخمس، فلماذا قال: الإسلام هذه الخمس، وقد أجاب بعض الناس بأن هذه ~~أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيام العبد بها يتم إسلامه، وتركه لها يشعر ~~بانحلال قيد القياده. # والتحقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدين الذي هو استسلام العبد ~~لربه مطلقا، الذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان. فيجب على كل من كان ~~قادرا عليه ليعبد الله بها مخلصا له الدين. وهذه هي الخمس، وما سوى ذلك ~~فإنما يجب بأسباب لمصالح، فلا يعم وجوبها جميع الناس، بل إما أن يكون فرضا ~~على الكفاية، # PageV01P245 # كالجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما يتبع ذلك من إمارة، ~~وحكم، وفتيا، وإقراء، وتحديث، وغير ذلك. وإما أن يجب بسبب حق للآدميين يختص ~~به من وجب له وعليه. وقد يسقط بإسقاطه، وإذا حصلت المصلحة أو الإبراء، إما ~~بإبرائه وإما بحصول المصلحة، فحقوق العباد مثل قضاء الديون ورد الغصوب، ~~والعواري والودائع، والإنصاف من المظالم من الدماء والأموال والأعراض، إنما ~~هي حقوق الآدميين. وإذا أبرئوا منها سقطت. وتجب على شخص دون شخص في حال دون ~~حال، لم تجب عبادة محضة لله على كل عبد قادر؛ ولهذا يشترك فيها المسلمون ~~واليهود والنصارى، بخلاف الخمسة فإنها من خصائص المسلمين. # وكذلك ما يجب من صلة الأرحام، وحقوق الزوجة، والأولاد والجيران والشركاء، ~~والفقراء، وما يجب من أداء الشهادة، والفتيا، والقضاء، والإمارة، والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، كل ذلك يجب بأسباب عارضة على بعض ~~الناس دون بعض لجلب منافع ودفع مضار، لو حصلت بدون فعل الإنسان لم تجب، فما ~~كان مشتركا فهو واجب على الكفاية، وما كان مختصا فإنما يجب على زيد دون ~~عمرو، لا يشترك الناس في وجوب عمل بعينه على كل أحد قادر سوى الخمس، فإن ~~زوجة زيد وأقاربه ليست زوجة عمرو وأقاربه فليس الواجب على هذا مثل الواجب ~~على هذا، بخلاف ms221 صوم رمضان، وحج البيت، والصلوات الخمس، والزكاة؛ فإن الزكاة ~~وإن كانت حقا ماليا فإنها واجبة لله، والأصناف الثمانية مصارفها؛ ولهذا ~~وجبت فيها النية، ولم يجز أن يفعلها الغير عنه بلا إذنه، ولم تطلب من ~~الكفار. وحقوق العباد لا يشترط لها النية، ولو أداها غيره عنه بغير إذنه ~~برئت ذمته، ويطالب بها الكفار، وما يجب حقا لله تعالى كالكفارات هو بسبب من ~~العبد، وفيها شوب العقوبات، فإن الواجب لله ثلاثة أنواع: عبادة محضة ~~كالصلوات، وعقوبات محضة كالحدود، وما يشبهها كالكفارات، وكذلك كفارات الحج، ~~وما يجب بالنذر فإن ذلك يجب بسبب فعل من العبد، وهو واجب في ذمته. # وأما الزكاة فإنها تجب حقا لله في ماله؛ ولهذا يقال: # PageV01P246 # ليس في المال حق سوى الزكاة، أي ليس فيه حق يجب بسبب المال سوى الزكاة، ~~وإلا ففيه واجبات بغير سبب المال، كما تجب النفقات للأقارب، والزوجة، ~~والرقيق والبهائم، ويجب حمل العاقلة، ويجب قضاء الديون، ويجب الإعطاء في ~~النائبة، ويجب إطعام الجائع وكسوة العاري فرضا على الكفاية، إلى غير ذلك من ~~الواجبات المالية، لكن بسبب عارض، والمال شرط وجوبها، كالاستطاعة في الحج، ~~فإن البدن سبب الوجوب والاستطاعة شرط، والمال في الزكاة هو السبب والوجوب ~~معه، حتى لو لم يكن في بلده من يستحقها حملها إلى بلد أخرى، وهي حق وجب لله ~~تعالى؛ ولهذا قال من قال من الفقهاء: إن التكليف شرط فيها، فلا تجب على ~~الصغير والمجنون، وأما عامة الصحابة والجمهور، كمالك والشافعي وأحمد، ~~فأوجبوها في مال الصغير والمجنون؛ لأن مالهما من جنس مال غيرهما ووليهما ~~يقوم مقامهما، بخلاف بدنهما، فإنه إنما يتصرف بعقلهما، وعقلهما ناقص. وصار ~~هذا كما يجب العشر في أرضهما مع أنه إنما يستحقه الثمانية، وكذلك إيجاب ~~الكفارة في مالهما، والصلاة والصيام. إنما تسقط لعجز العقل عن الإيجاب، لا ~~سيما إذا انضم إلى عجز البدن كالصغير. وهذا المعنى منتف في المال فإن الولي ~~قام مقامهما في الفهم كما يقوم مقامهما في جميع ما يجب في المال، وأما ~~بدنهما فلا يجب عليهما فيه ms222 شيء. # فصل # قال محمد بن نصر: واستدلوا على أن الإيمان هو ما ذكره بالآيات التي ~~تلوناها عند ذكر تسمية الله الصلاة وسائر الطاعات إيمانا، واستدلوا أيضا ~~بما قص الله من إباء إبليس حين عصى ربه في سجدة واحدة أمر # PageV01P247 # أن يسجدها لآدم فأباها. فهل جحد إبليس ربه وهو يقول: {رب بمآ أغويتني} ~~[الحجر: 39] ويقول: {رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} [الحجر: 36] إيمانا منه ~~بالبعث، وإيمانا بنفاذ قدرته في إنظاره إياه إلى يوم يبعثون؟ وهل جحد أحدا ~~من أنبيائه أو أنكر شيئا من سلطانه وهو يحلف بعزته؟ وهل كان كفره إلا بترك ~~سجدة واحدة أمر بها فأباها؟ قال: واستدلوا أيضا بما قص الله علينا من نبأ ~~ابني آدم {إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر} إلى قوله: ~~{فأصبح من الخاسرين} [المائدة: 27: 30] ، قالوا: وهل جحد ربه؟ وكيف يجحده ~~وهو يقرب القربان؟ . قالوا: قال الله تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ~~ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} [السجدة: 15] ، ولم ~~يقل: إذا ذكروا بها أقروا بها فقط، وقال: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق ~~تلاوته أولئك يؤمنون به} [البقرة: 121] يعني: يتبعونه حق اتباعه؟ # فإن قيل: فهل مع ما ذكرت من سنة ثابتة، تبين أن العمل داخل في الإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله؟ قيل: نعم، عامة السنن والآثار تنطق بذلك، منها ~~حديث وفد عبد القيس، وذكر حديث شعبة وقرة بن خالد عن أبي جمرة عن ابن عباس، ~~كما تقدم، ولفظه: " آمركم بالإيمان بالله وحده "، ثم قال: " هل تدرون ما ~~الإيمان بالله وحده؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، ~~وأن تعطوا خمس ما غنمتم ". # وذكر أحاديث كثيرة توجب دخول الأعمال في الإيمان مثل قوله في حديث. . . ~~لما سئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقرأ: {ليس البر أن تولوا وجوهكم ~~قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين # PageV01P248 # وآتى المال على ms223 حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين ~~وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ~~في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} # ثم قال أبو عبد الله محمد بن نصر: اختلف أصحابنا في تفسير قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ". فقالت طائفة منهم: ~~إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم إزالة اسم الإيمان عنه من غير أن يخرجه ~~من الإسلام، ولا يزيل عنه اسمه، وفرقوا بين الإيمان والإسلام، وقالوا: إذا ~~زنى فليس بمؤمن وهو مسلم، واحتجوا لتفريقهم بين الإسلام والإيمان بقوله: ~~{قالت الأعراب آمنا} الآية [الحجرات: 14] فقالوا: الإيمان خاص يثبت الاسم ~~به بالعمل مع التوحيد، والإسلام عام يثبت الاسم بالتوحيد والخروج من ملل ~~الكفر واحتجوا بحديث سعد بن أبي وقاص، وذكره عن سعد أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أعطى رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا فقلت: يا رسول الله، أعطيت ~~فلانا وفلانا ولم تعط فلانا وهو مؤمن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" أو مسلم " أعادها ثلاثا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أو مسلم "، ثم ~~قال: " إني لأعطي رجالا وأمنع آخرين وهم أحب إلى منهم، مخافة أن يكبوا على ~~وجوههم في النار " قال الزهري: فنرى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل. # قال محمد بن نصر: واحتجوا بإنكار عبد الله بن مسعود على من شهد لنفسه ~~بالإيمان فقال: أنا مؤمن، من غير استثناء، وكذلك أصحابه من بعده، وجل علماء ~~الكوفة على ذلك. واحتجوا بحديث أبي هريرة: " يخرج منه الإيمان، فإن # PageV01P249 # رجع رجع إليه "، وبما أشبه ذلك من الأخبار، وبما روي عن الحسن ومحمد بن ~~سيرين أنهما كانا يقولان: مسلم، ويهابان: مؤمن، واحتجوا بقول أبي جعفر الذي ~~حدثناه إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا وهب بن جرير بن حازم، حدثني أبي، عن فضيل ~~بن بشار، عن أبي جعفر محمد ابن علي؛ أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو ms224 مؤمن "، فقال أبو جعفر: هذا الإسلام ~~ودور دارة واسعة، وهذا الإيمان ودور دارة صغيرة في وسط الكبيرة، فإذا زنى ~~أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر بالله، ~~واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أسلم الناس وآمن عمرو ~~بن العاص "، حدثنا بذلك يحيى بن يحيى، حدثنا ابن لهيعة، عن شريح بن هانئ، ~~عن عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أسلم ~~الناس، وآمن عمرو بن العاص ". # وذكر عن حماد بن زيد أنه كان يفرق بين الإيمان والإسلام، فجعل الإيمان ~~خاصا والإسلام عاما، قال: فلنا في هؤلاء أسوة وبهم قدوة، مع ما يثبت ذلك من ~~النظر، وذلك أن الله جعل اسم المؤمن اسم ثناء وتزكية ومدحة، أوجب عليه ~~الجنة، فقال: {وكان بالمؤمنين رحيما تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا ~~كريما} [الأحزاب: 43، 44] ، وقال: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله # PageV01P250 # فضلا كبيرا} [الأحزاب: 47] ، وقال: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم} [يونس: 2] ، وقال: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم} [الحديد: 12] وقال: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور} [البقرة: 257] وقال: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم} [المائدة: 9] . # قال: ثم أوجب الله النار على الكبائر، فدل بذلك على أن اسم الإيمان زائل ~~عمن أتى كبيرة. قالوا: ولم نجده أوجب الجنة باسم الإسلام، فثبت أن اسم ~~الإسلام له ثابت على حاله، واسم الإيمان زائل عنه. # فإن قيل لهم في قولهم هذا: ليس الإيمان ضد الكفر، قالوا: الكفر ضد لأصل ~~الإيمان، لأن للإيمان أصلا وفروعا، فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان ~~الذي هو ضد الكفر، فإن قيل لهم: فالذين زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أزال عنهم اسم الإيمان، هل فيهم من الإيمان شيء؟ قالوا: نعم أصله ثابت، ~~ولولا ذلك لكفروا، ألم تسمع إلى ابن مسعود أنكر على الذي شهد أنه مؤمن ثم ~~قال: لكنا نؤمن بالله وملائكته ms225 وكتبه ورسله يخبرك أنه قد آمن من جهة أنه ~~صدق، وأنه لا يستحق اسم المؤمن إذا كان يعلم أنه مقصر، لأنه لا يستحق هذا ~~الاسم عنده إلا من أدى ما وجب عليه وانتهى عما حرم عليه من الموجبات للنار ~~التي هي الكبائر. # قالوا: فلما أبان الله أن هذا الاسم يستحقه من قد استحق الجنة، وأن الله ~~قد أوجب الجنة عليه، وعلمنا أنا قد آمنا وصدقنا؛ لأنه لا يخرج من التصديق ~~إلا بالتكذيب، ولسنا بشاكين ولا مكذبين، وعلمنا أنا عاصون له مستوجبون ~~للعذاب وهو ضد الثواب الذي حكم الله به للمؤمنين على اسم الإيمان علمنا أنا ~~قد آمنا وأمسكنا عن الاسم الذي أثبت الله عليه الحكم في الجنة وهو من الله ~~اسم ثناء وتزكية، وقد نهانا الله أن نزكي أنفسنا، وأمرنا بالخوف على ~~أنفسنا، وأوجب لنا العذاب بعصياننا، فعلمنا أنا لسنا بمستحقين بأن نتسمى ~~مؤمنين؛ إذ # PageV01P251 # أوجب الله على اسم الإيمان الثناء والتزكية والرأفة والرحمة والمغفرة ~~والجنة، وأوجب على الكبائر النار، وهذان حكمان متضادان. # فإن قيل: فكيف أمسكتم عن اسم الإيمان أن تسموا به، وأنتم تزعمون أن أصل ~~الإيمان في قلوبكم وهو التصديق بأن الله حق، وما قاله صدق؟ قالوا: إن الله ~~ورسوله وجماهير المسلمين سموا الأشياء بما غلب عليها من الأسماء، فسموا ~~الزاني فاسقا، والقاذف فاسقا وشارب الخمر فاسقا، ولم يسموا واحدا من هؤلاء ~~متقيا ولا ورعا، وقد أجمع المسلمون أن فيه أصل التقوى والورع، وذلك أنه ~~يتقي أن يكفر أو يشرك بالله شيئا، وكذلك يتقي الله أن يترك الغسل من ~~الجنابة أوالصلاة، ويتقي أن يأتي أمه، فهو في جميع ذلك متق، وقد ~~أجمعالمسلمون من الموافقين والمخالفين أنهم لا يسمونه متقيا ولا ورعا إذا ~~كان يأتي بالفجور، فلما أجمعوا أن أصل التقي والورع ثابت فيه، وأنه قد يزيد ~~فيه فرعا بعد الأصل كتورعه عن إتيان المحارم، ثم لا يسمونه متقيا ولا ورعا ~~مع إتيانه بعض الكبائر، بل سموه فاسقا وفاجرا مع علمهم أنه قد أتى ببعض ~~التقى والورع، فمنعهم من ms226 ذلك أن اسم التقي اسم ثناء وتزكية، وأن الله قد ~~أوجب عليه المغفرة والجنة. # قالوا: فلذلك لا نسميه مؤمنا ونسميه فاسقا زانيا، وإن كان في قلبه أصل ~~اسم الإيمان؛ لأن الإيمان اسم أثنى الله به على المؤمنين وزكاهم به وأوجب ~~عليه الجنة، فمن ثم قلنا: مسلم، ولم نقل: مؤمن، قالوا: ولو كان أحد من ~~المسلمين الموحدين يستحق ألا يكون في قلبه إيمان ولا إسلام، لكان أحق الناس ~~بذلك أهل النار الذين دخلوها، فلما وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن ~~الله يقول: " أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان "، ثبت أن ~~شر المسلمين في قلبه إيمان، ولما وجدنا الأمة تحكم عليه بالأحكام التي ~~ألزمها الله للمسلمين ولا يكفرونهم، ولا يشهدون لهم بالجنة، ثبت أنهم ~~مسلمون؛ إذ أجمعوا أن يمضوا عليهم أحكام المسلمين، وأنهم لا يستحقون أن ~~يسموا مؤمنين؛ إذ كان الإسلام # PageV01P252 # يثبت للملة التي يخرج بها الإنسان من جميع الملل، فتزول عنه أسماء الملل ~~إلا اسم الإسلام، وتثبت أحكام الإسلام عليه، وتزول عنه أحكام جميع الملل. # فإن قال لهم قائل: لم لم تقولوا: كافر إن شاء الله، تريدون به كمال ~~الكفر، كما قلتم: مؤمنون إن شاء الله تريدون به كمال الإيمان؟ قالوا: لأن ~~الكافر منكر للحق، والمؤمن أصل إيمانه الإقرار، والإنكار لا أول له ولا آخر ~~فتنتظر به الحقائق، والإيمان أصله التصديق، والإقرار ينتظر به حقائق الأداء ~~لما أقر، والتحقيق لما صدق، ومثل ذلك كمثل رجلين عليهما حق لرجل، فسأل ~~أحدهما حقه، فقال: ليس لك عندي حق، فأنكر وجحد فلم يبق له منزلة يحقق بها ~~ما قال إذا جحد وأنكر، وسأل الآخر حقه فقال: نعم لك علي كذا وكذا، فليس ~~إقراره بالذي يصل إليه بذلك حقه دون أن يوفيه، فهو منتظر له أن يحقق ما قال ~~بالأداء ويصدق إقراره بالوفاء، ولو أقر ثم لم يؤد إليه حقه كان كمن جحده في ~~المعنى إذ استويا في الترك للأداء، فتحقيق ما قال أن يؤدي إليه حقه، فإن ms227 ~~أدى جزءا منه حقق بعض ما قال ووفى ببعض ما أقر به. وكلما أدى جزءا ازداد ~~تحقيقا لما أقر به، وعلى المؤمن الأداء أبدا بما أقر به حتى يموت. فمن ثم ~~قلنا: مؤمن إن شاء الله، ولم نقل: كافر إن شاء الله. # قال محمد بن نصر: وقالت طائفة أخرى من أصحاب الحديث بمثل مقالة هؤلاء، ~~إلا أنهم سموه مسلما لخروجه من ملل الكفر ولإقراره بالله وبما قال، ولم ~~يسموه مؤمنا، وزعموا أنهم مع تسميتهم إياه بالإسلام كافر، لا كافر بالله، ~~ولكن كافر من طريق العمل، وقالوا: كفر لا ينقل عن الملة، وقالوا: محال أن ~~يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " ~~والكفر ضد الإيمان، فلا يزول عنه اسم الإيمان إلا واسم الكفر لازم له؛ لأن ~~الكفر ضد الإيمان، إلا أن الكفر كفران: كفر هو جحد بالله وبما قال فذاك ضده ~~الإقرار بالله والتصديق به وبما قال، وكفر هو عمل فهو ضد الإيمان الذي هو ~~عمل، ألا ترى إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يؤمن ~~من لا يأمن جاره بوائقه ". قالوا: فإذا لم يؤمن فقد كفر، ولا يجوز غير ذلك ~~إلا أنه كفر من جهة العمل؛ إذ لم يؤمن من جهة # PageV01P253 # العمل؛ لأنه لا يضيع ما فرض عليه ويرتكب الكبائر إلا من قلة خوفه، وإنما ~~يقل خوفه من قلة تعظيمه لله ووعيده، فقد ترك من الإيمان التعظيم الذي صدر ~~عنه الخوف والورع، فأقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن إذا لم يأمن ~~جاره بوائقه. # ثم قد روى جماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سباب المسلم ~~فسوق، وقتاله كفر "، وأنه قال: " إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر، فلم يكن ~~كذلك باء بالكفر ". فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم بقتاله أخاه كافرا، ~~وبقوله له: يا كافر، كافرا، وهذه الكلمة دون الزنا، والسرقة، وشرب الخمر. ~~قالوا: فأما قول من احتج علينا فزعم أنا إذا سميناه كافرا ms228 لزمنا أن يحكم ~~عليه بحكم الكافرين بالله، فنستتيبه ونبطل الحدود عنه؛ لأنه إذا كفر فقد ~~زالت عنه أحكام المؤمنين وحدودهم، وفي ذلك إسقاط الحدود وأحكام المؤمنين ~~على كل من أتى كبيرة، فإنا لم نذهب في ذلك إلى حيث ذهبوا ولكنا نقول: ~~للإيمان أصل وفرع، وضد الإيمان الكفر في كل معنى، فأصل الإيمان الإقرار ~~والتصديق، وفرعه إكمال العمل بالقلب والبدن، فضد الإقرار والتصديق الذي هو ~~أصل الإيمان: الكفر بالله وبما قال، وترك التصديق به وله، وضد الإيمان الذي ~~هو عمل، وليس هو إقرار، كفر ليس بكفر بالله ينقل عن الملة، ولكن كفر تضييع ~~العمل، كما كان العمل إيمانا، وليس هو الإيمان الذي هو إقرار بالله، فلما ~~كان من ترك الإيمان الذي هو إقرار بالله كافرا، يستتاب، ومن ترك الإيمان ~~الذي هو عمل مثل الزكاة والحج والصوم، أو ترك الورع عن شرب الخمر والزنا، ~~قد زال عنه بعض الإيمان، ولا يجب أن يستتاب عندنا ولا عند من خالفنا من أهل ~~السنة وأهل البدع ممن قال: إن الإيمان تصديق وعمل، إلا الخوارج وحدها، ~~فكذلك لا يجب بقولنا: كافر من جهة تضييع العمل أن يستتاب، ولا تزول عنه ~~الحدود، كما لم يكن # PageV01P254 # بزوال الإيمان الذي هو عمل استتابة، ولا إزالة الحدود والأحكام عنه؛ إذ ~~لم يزل أصل الإيمان عنه فكذلك لا يجب علينا استتابته وإزالة الحدود ~~والأحكام عنه بإثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل؛ إذ لم يأت بأصل الكفر ~~الذي هو جحد بالله أو بما قال. # قالوا: ولما كان العلم بالله إيمانا، والجهل به كفرا، وكان العمل ~~بالفرائض إيمانا، والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر؛ لأن أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أقروا بالله أول ما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~إليهم، ولم يعلموا الفرائض التي افترضت عليهم بعد ذلك، فلم يكن جهلهم بذلك ~~كفرا، ثم أنزل الله عليهم الفرائض، فكان إقرارهم بها والقيام بها إيمانا، ~~وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله، ولو لم يأت خبر من الله، ms229 ما كان ~~بجهلها كافرا، وبعد مجيء الخبر، من لم يسمع بالخبر من المسلمين، لم يكن ~~بجهلها كافرا، والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبر. # قالوا: فمن ثم قلنا: إن ترك التصديق بالله كفر، وإن ترك الفرائض مع تصديق ~~الله أنه قد أوجبها كفر، ليس بكفر بالله، إنما هو كفر من جهة ترك الحق كما ~~يقول القائل: كفرتني حقي ونعمتي، يريد: ضيعت حقي وضيعت شكر نعمتي، قالوا: ~~ولنا في هذا قدوة بمن روى عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والتابعين؛ إذ جعلوا للكفر فروعا دون أصله، لا ينقل صاحبه عن ملة الإسلام، ~~كما أثبتوا للإيمان من جهة العمل فروعا للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام، ~~من ذلك قول ابن عباس في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} [المائدة: 44] قال محمد بن نصر: حدثنا ابن يحيى، حدثنا سفيان بن ~~عيينة، عن هشام يعني ابن عروة عن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس: {ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ليس بالكفر الذي يذهبون إليه. # PageV01P255 # حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن ~~طاوس، عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قول: {ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون} قال: هي به كفر، قال ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله. # حدثنا إسحاق، أنبأنا وكيع عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عنأبيه، عن ~~ابن عباس قال: هو به كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبه ~~أنبأنا وكيع، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قلت لابن عباس: ~~{ومن لم يحكم بما أنزل الله} فهو كافر. قال: هو به كفر وليس كمن كفر بالله ~~واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله. # حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، عن سفيان، عن رجل، عن طاوس، عن ~~ابن عباس قال: كفر لا ينقل عن الملة. # حدثنا إسحاق، أنبأنا وكيع، ms230 عن سفيان، عن سعيد المكي، عن طاوس قال: ليس ~~بكفر ينقل عن الملة. # حدثنا إسحاق، أنبأنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: كفر دون ~~كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. # قال محمد بن نصر: قالوا: وقد صدق عطاء، قد يسمي الكافر ظالما ويسمى ~~العاصي من المسلمين ظالما، فظلم ينقل عن ملة الإسلام، وظلم لا ينقل قال ~~الله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } [الأنعام: 82] ، وقال: ~~{إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] ، وذكر حديث ابن مسعود المتفق عليه قال: ~~لما نزلت: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} ، شق ذلك على أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، # PageV01P256 # وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس ~~بذلك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: {إن الشرك لظلم عظيم} إنما هو ~~الشرك ". # حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن علي ~~بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته ~~نشر المصحف فقرأ فيه، فدخل ذات يوم فقرأ، فأتى على هذه الآية: {الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} إلى آخر الآية، فانتعل وأخذ رداءه، ثم أتى إلى ~~أبي بن كعب فقال: يا أبا المنذر، أتيت قبل على هذه الآية: {الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم} وقد نرى أنا نظلم ونفعل. فقال: يا أمير المؤمنين، إن ~~هذا ليس بذلك، يقول الله: {إن الشرك لظلم عظيم} إنما ذلك الشرك. # قال محمد بن نصر: وكذلك الفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن ~~الملة، فيسمى الكافر فاسقا، والفاسق من المسلمين فاسقا، ذكر الله إبليس ~~فقال: {ففسق عن أمر ربه} [الكهف: 50] ، وكان ذلك الفسق منه كفرا، وقال الله ~~تعالى: {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار} يريد الكفار، دل على ذلك قوله: ~~{كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي ~~كنتم به تكذبون} [السجدة: 20] ، وسمى الفاسق من المسلمين فاسقا ولم يخرجه ~~من ms231 الإسلام، قال الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} ~~[النور: 4] ، وقال تعالى: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في ~~الحج} [البقرة: 197] فقالت العلماء في تفسير الفسوق هاهنا: هي المعاصي. # قالوا: فلما كان الظلم ظلمين والفسق فسقين، كذلك الكفر كفران: # أحدهما ينقل عن الملة، والآخر لا ينقل عن الملة، وكذلك الشرك [شركان] : ~~شرك في التوحيد ينقل عن الملة، وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء، ~~قال # PageV01P257 # تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا} [الكهف: 110] يريد بذلك المراءاة بالأعمال الصالحة. وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " الطيرة شرك ". # قال محمد بن نصر: فهذان مذهبان هما في الجملة، محكيان عن أحمد بن حنبل في ~~موافقيه من أصحاب الحديث، حكى الشالنجي إسماعيل بن سعيد: أنه سأل أحمد بن ~~حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده، إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة ~~والصيام، هل يكون مصرا من كانت هذه حاله؟ قال: هو مصر، مثل قوله: " لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن " يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام، ومن نحو ~~قوله: " لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن "، ~~ومن نحو قول ابن عباس في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} [المائدة: 44] ، فقلت له: ما هذا الكفر؟ فقال: كفر لا ينقل عن ~~الملة، مثل الإيمان بعضه دون بعض، وكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا ~~يختلف فيه. وقال ابن أبي شيبة: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ": لا ~~يكون مستكمل الإيمان، يكون ناقصا من إيمانه، قال: وسألت أحمد ابن حنبل عن ~~الإسلام والإيمان، فقال: الإيمان قول وعمل، والإسلام إقرار، قال: وبه قال ~~أبو خيثمة، وقال ابن أبي شيبة: لا يكون الإسلام إلا بإيمان، ولا إيمان إلا ~~بإسلام. # قلت: وقد تقدم تمام الكلام بتلازمهما وإن كان مسمى أحدهما ms232 ليس هو مسمى ~~الآخر، وقد حكي غير واحد إجماع أهل السنة والحديث على أن الإيمان قول وعمل. ~~قال أبو عمر ابن عبد البر في [التمهيد] : أجمع أهل الفقه والحديث على أن ~~الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص ~~بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه، # PageV01P258 # فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعة لا تسمى إيمانا، قالوا: إنما الإيمان التصديق ~~والإقرار، ومنهم من زاد المعرفة وذكر ما احتجوا به. . . إلى أن قال: # وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر ~~منهم مالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، ~~وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي، ~~والطبري، ومن سلك سبيلهم، فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو ~~الإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، مع الإخلاص بالنية الصادقة. ~~قالوا: وكل ما يطاع الله عز وجل به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، ~~والإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير ~~مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم، وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم ~~الكبائر. ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن " الحديث، يريد: مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع ~~الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر، ~~إذا صلوا إلى القبلة وانتحلوا دعوة الإسلام، من قراباتهم المؤمنين الذين ~~ليسوا بتلك الأحوال، واحتج على ذلك، ثم قال: وأكثر أصحاب مالك على أن ~~الإيمان والإسلام شيء واحد. # قال: وأما قول المعتزلة، فالإيمان عندهم جماع الطاعات، ومن قصر منها عن ~~شيء فهو فاسق، لا مؤمن ولا كافر، وهؤلاء هم المتحققون بالاعتزال أصحاب ~~المنزلة بين المنزلتين. . . . إلى أن قال: وعلى أن الإيمان يزيد وينقص، ~~يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وعليه جماعة أهل الآثار، والفقهاء من أهل ~~الفتيا في الأمصار. وروى ابن القاسم عن مالك: أن الإيمان يزيد وتوقف في ~~نقصانه. وروي عنه عبد الرزاق، ومعن ms233 بن عيسى، وابن نافع: أنه يزيد وينقص، ~~وعلى هذا مذهب الجماعة من أهل الحديث، والحمد لله. # ثم ذكر حجج المرجئة، ثم حجج أهل السنة، ورد على الخوارج التكفير بالحدود ~~المذكورة للعصاة في الزنا والسرقة، ونحو ذلك، وبالموارثة وبحديث # PageV01P259 # عبادة: " من أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة "، وقال: ~~الإيمان مراتب بعضها فوق بعض، فليس ناقص الإيمان ككامل الإيمان. قال الله ~~تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] ، أي ~~حقا. ولذلك قال: {هم المؤمنون حقا} [الأنفال: 4] وكذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " ~~يعني: حقا ومن هذا قوله: " أكمل المؤمنين إيمانا ". ومعلوم أن هذا لا يكون ~~أكمل حتى يكون غيره أنقص. # وقوله: " أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله "، وقوله: " لا ~~إيمان لمن لا أمانة له " يدل على أن بعض الإيمان أوثق وأكمل من بعض، وذكر ~~الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: " من أحب لله وأبغض لله " الحديث. وكذلك ~~ذكر أبو عمرو الطلمنكي إجماع أهل السنة على أن الإيمان قول وعمل ونية ~~وإصابة السنة. وقال أبو طالب المكي: مباني الإسلام الخمسة؛ يعني: ~~الشهادتين، والصلوات الخمس، والزكاة، وصيام شهر رمضان، والحج. قال: وأركان ~~الإيمان سبعة؛ يعني الخمسة المذكورة في حديث جبرائيل، والإيمان بالقدر، ~~والإيمان بالجنة والنار، وكلاهما قد رويت في حديث جبريل، كما سنذكر إن شاء ~~الله تعالى. # قال: والإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، والإيمان بكتب الله وأنبيائه، ~~والإيمان بالملائكة والشياطين، يعني والله أعلم: الإيمان بالفرق بينهما، ~~فإن من الناس من يجعلهما جنسا واحدا، لكن تختلف باختلاف الأعمال، كما # PageV01P260 # يختلف الإنسان البر والفاجر، والإيمان بالجنة والنار، وأنهما قد خلقتا ~~قبل آدم. والإيمان بالبعث بعد الموت، والإيمان بجميع أقدار الله خيرها ~~وشرها وحلوها ومرها، أنها من الله قضاء وقدرا ومشيئة وحكما، وأن ذلك عدل ~~منه وحكمة بالغة، استأثر بعلم غيبها ومعنى حقائقها. # قال: وقد قال قائلون: إن الإيمان هو الإسلام، وهذا قد أذهب التفاوت ~~والمقامات، وهذا ms234 يقرب من مذهب المرجئة. وقال آخرون: إنالإسلام غير الإيمان، ~~وهؤلاء قد أدخلوا التضاد والتغاير، وهذا قريب من قول الأباضية، فهذه مسألة ~~مشكلة تحتاج إلى شرح وتفصيل، فمثل الإسلام من الإيمان، كمثل الشهادتين ~~أحدهما من الأخرى في المعنى والحكم، فشهادة الرسول غير شهادة الوحدانية، ~~فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشيء ~~واحد، كذلك الإيمان والإسلام أحدهما مرتبط بالآخر، فهما كشيء واحد، لا ~~إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المسلم من ~~إيمان به يصح إسلامه، ولا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه، من حيث ~~اشترط الله للأعمال الصالحة الإيمان، واشترط للإيمان الأعمال الصالحة، فقال ~~في تحقيق ذلك: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} [الأنبياء: ~~94] ، وقال في تحقيق الإيمان بالعمل: {ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات ~~فأولئك لهم الدرجات العلى} [طه: 75] ، فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا ~~يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة، ومن كان عقده ~~الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام، فهو كافر كفرا لا ~~يثبت معه توحيد، ومن كان مؤمنا بالغيب مما أخبرت به الرسل عن الله عاملا ~~بما أمر الله، فهو مؤمن مسلم، ولولا أنه كذلك لكان المؤمن يجوز ألا يسمى ~~مسلما، ولجاز أن المسلم لا يسمى مؤمنا بالله. # وقد أجمع أهل القبلة على أن كل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه، قال: ومثل الإيمان في الأعمال كمثل القلب في الجسم لا ينفك أحدهما ~~عن الآخر، لا يكون ذو جسم حي لا قلب له، ولا ذو قلب بغير جسم، فهما شيئان ~~منفردان، وهما في الحكم والمعنى منفصلان، ومثلهما أيضا # PageV01P261 # مثل حبة لها ظاهر وباطن وهي واحدة، لا يقال: حبتان لتفاوت صفتهما. فكذلك ~~أعمال الإسلام من الإسلام هو ظاهر الإيمان، وهو من أعمال الجوارح، والإيمان ~~باطن الإسلام وهو من أعمال القلوب. # وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الإسلام علانية، والإيمان ~~في القلب " وفي ms235 لفظ: " الإيمان سر " فالإسلام أعمال الإيمان، والإيمان عقود ~~الإسلام، فلا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بعقد. ومثل ذلك مثل العمل الظاهر ~~والباطن، أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وعمل الجوارح، ومثله قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات " أي: لا عمل إلا ~~بعقد وقصد؛ لأن [إنما] تحقيق للشيء ونفي لما سواه، فأثبت بذلك عمل الجوارح ~~من المعاملات، وعمل القلوب من النيات، فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين ~~من اللسان لا يصح الكلام إلا بهما؛ لأن الشفتين تجمع الحروف، واللسان يظهر ~~الكلام، وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام، وكذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان؛ ~~ولذلك حين عدد الله نعمه على الإنسان بالكلام ذكر الشفتين مع اللسان في ~~قوله: {ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين} [البلد: 8، 9] بمعنى: ألم نجعله ~~ناظرا متكلما، فعبر عن الكلام باللسان والشفتين لأنهما مكان له وذكر ~~الشفتين؛ لأن الكلام الذي جرت به النعمة لا يتم إلا بهما. # ومثل الإيمان والإسلام أيضا كفسطاط قائم في الأرض له ظاهر وأطناب، وله ~~عمود في باطنه، فالفسطاط مثل الإسلام له أركان من أعمال العلانية والجوارح، ~~وهي الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط، والعمود الذي في وسط الفسطاط مثله ~~كالإيمان لا قوام للفسطاط إلا به. فقد احتاج الفسطاط إليها، إذ لا قوام له ~~ولا قوة إلا بهما، كذلك الإسلام في أعمال الجوارح لا قوام له إلا بالإيمان، ~~والإيمان من أعمال القلوب لا نفع له إلا بالإسلام، وهو صالح الأعمال. # PageV01P262 # وأيضا، فإن الله قد جعل ضد الإسلام والإيمان واحدا، فلولا أنهما كشيء ~~واحد في الحكم والمعني ما كان ضدهما واحدا فقال: {كيف يهدي الله قوما كفروا ~~بعد إيمانهم} [آل عمران: 86] ، وقال: {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} ~~[آل عمران: 80] فجعل ضدهما الكفر. قال: وعلى مثل هذا أخبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الإيمان، والإسلام من صنف واحد، فقال في حديث ابن عمر: " ~~بني الإسلام على خمس "، وقال في حديث ابن عباس عن وفد عبد القيس أنهم سألوه ~~عن الإيمان فذكر ms236 هذه الأوصاف، فدل بذلك على أنه لا إيمان باطن إلا بإسلام ~~ظاهر، ولا إسلام ظاهر علانية إلا بإيمان سر، وأن الإيمان والعمل قرينان، لا ~~ينفع أحدهما بدون صاحبه. # قال: فأما تفرقة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل بين الإيمان ~~والإسلام، فإن ذلك تفصيل أعمال القلوب وعقودها على ما توجب هذه المعاني، ~~التي وصفناها أن تكون عقودا من تفصيل أعمال الجوارح، مما يوجب الأفعال ~~الظاهرة التي وصفها أن تكون علانية، لا أن ذلك يفرق بين الإسلام والإيمان ~~في المعنى باختلاف وتضاد، ليس فيه دليل أنهما مختلفان في الحكم، قال: ~~ويجتمعان في عبد واحد مسلم مؤمن، فيكون ما ذكره من عقود القلب وصف قلبه، ~~وما ذكره من العلانية وصف جسمه. # قال: وأيضا، فإن الأمة مجتمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكره من عقود ~~القلب في حديث جبريل من وصف الإيمان ولم يعمل بما ذكره من وصف الإسلام أنه ~~لا يسمى مؤمنا، وأنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه ~~من الإيمان أنه لا يكون مسلما، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمة ~~لا تجتمع على ضلالة. # قلت: كأنه أراد بذلك إجماع الصحابة ومن اتبعهم، أو أنه لا يسمى مؤمنا في ~~الأحكام، وأنه لا يكون مسلما إذا أنكر بعض هذه الأركان، أو علم أن الرسول ~~أخبر بها ولم يصدقه، أو أنه لم ير خلاف أهل الأهواء خلافا، وإلا فأبو طالب ~~كان عارفا بأقوالهم، وهذا والله أعلم مراده، فإنه عقد الفصل الثالث # PageV01P263 # والثلاثين] في بيان تفصيل الإسلام والإيمان، وشرح عقود معاملة القلب من ~~مذهب أهل الجماعة، وهذا الذي قاله أجود مما قاله كثير من الناس، لكن ينازع ~~في شيئين: # أحدهما: أن المسلم المستحق للثواب لابد أن يكون معه الإيمان الواجب ~~المفصل المذكور في حديث جبريل. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يطلق مؤمنا دون مسلم، في مثل ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أو مسلم " لكونه ليس من خواص المؤمنين ~~وأفاضلهم، كأنه ms237 يقول: لكونه ليس من السابقين المقربين، بل من المقتصدين ~~الأبرار، فهذان مما تنازع فيهما جمهور العلماء، ويقولون: لم يقل النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك الرجل: " أو مسلم " لكونه لم يكن من خواص المؤمنين ~~وأفاضلهم كالسابقين المقربين، فإن هذا لو كان كذلك لكان ينفي الإيمان ~~المطلق عن الأبرار المقتصدين المتقين، الموعودين بالجنة بلا عذاب إذا كانوا ~~من أصحاب اليمين، ولم يكونوا من السابقين والمقربين، وليس الأمر كذلك، بل ~~كل من أصحاب اليمين مع السابقين المقربين، كلهم مؤمنون موعودون بالجنة بلا ~~عذاب، وكل من كان كذلك فهو مؤمن باتفاق المسلمين من أهل السنة وأهل البدع، ~~ولو جاز أن ينفي الإيمان عن شخص لكون غيره أفضل منه إيمانا نفى الإيمان عن ~~أكثر أولياء الله المتقين، بل وعن كثير من الأنبياء، وهذا في غاية الفساد، ~~وهذا من جنس قول من يقول: نفى الاسم لنفي كماله المستحب. # وقد ذكرنا أن مثل هذا لا يوجد في كلام الله ورسوله، بل هذا الحديث خص من ~~قيل فيه: مسلم وليس بمؤمن، فلابد أن يكون ناقصا عن درجة الأبرار المقتصدين ~~أهل الجنة، ويكون إيمانه ناقصا عن إيمان هؤلاء كلهم، فلا يكون قد أتى ~~بالإيمان الذي أمر به هؤلاء كله، ثم إن كان قادرا على ذلك الإيمان وترك ~~الواجب، كان مستحقا للذم، وإن قدر أنه لا يقدر على ذلك الإيمان الذي اتصف ~~به هؤلاء، كان عاجزا عن مثل إيمانهم، ولا يكون هذا وجب عليه، فهو وإن دخل ~~الجنة لا يكون كمن قدر أنه آمن إيمانا مجملا، ومات قبل أن يعلم تفصيل ~~الإيمان وقبل أن يتحقق به ويعمل بشيء منه، فهو يدخل الجنة، لكن لا يكون مثل ~~أولئك. # PageV01P264 # لكن قد يقال: الأبرار أهل اليمين هم أيضا على درجات، كما في الحديث ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " المؤمن القوي خير وأحب إلي ~~الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير " وقد قال الله تعالى: {لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} الآية [النساء: 95] ، فدرجة المؤمن ~~القوي ms238 في الجنة أعلى، وإن كان كل منهما كمل ما وجب عليه، وقد يريد أبو طالب ~~وغيره بقولهم: ليس هذا من خواص المؤمنين هذا المعنى؛ أي: ليس إيمانه كإيمان ~~من حقق خاصة الإيمان، سواء كان من الأبرار أو من المقربين، وإن لم يكن ترك ~~واجبا لعجزه عنه، أو لكونه لم يؤمر به، فلا يكون مذموما، ولا يمدح مدح ~~أولئك، ولا يلزم أن يكون من أولئك المقربين. # فيقال: وهذا أيضا لا ينفي عنه الإيمان، فيقال: هو مسلم لا مؤمن، كما ~~يقال: ليس بعالم ولا مفت، ولا من أهل الاجتهاد، وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ". ~~وهذا كثير، فليس كل ما فضل به الفاضل يكون مقدورا لمن دونه، فكذلك من حقائق ~~الإيمان ما لا يقدر عليه كثير من الناس، بل ولا أكثرهم، فهؤلاء يدخلون ~~الجنة، وإن لم يكونوا ممن تحققوا بحقائق الإيمان التي فضل الله بها غيرهم، ~~ولا تركوا واجبا عليهم وإن كان واجبا على غيرهم؛ ولهذا كان من الإيمان ما ~~هو من المواهب والفضل من الله فإنه من جنس العلم، والإسلام الظاهر من جنس ~~العمل، وقد قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17] ~~، وقال: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} [مريم: 76] ، وقال: {هو الذي أنزل ~~السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: 4] . # PageV01P265 # ومثل هذه السكينة قد لا تكون مقدورة، ولكن الله يجعل ذلك في قلبه، فضلا ~~منه وجزاء على عمل سابق، كما قال: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ~~لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا ~~مستقيما} [النساء: 66: 68] ، كما قال: {اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم ~~كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به} [الحديد: 28] ، وكما قال: {أولئك ~~كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} [المجادلة: 22] ؛ ولهذا قيل: من ~~عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، وهذا الجنس غير مقدور للعباد، وإن ~~كان ما يقدرون عليه من الأعمال الظاهرة ms239 والباطنة هو أيضا بفضل الله وإعانته ~~وإقداره لهم، لكن الأمور قسمان: منه ما جنسه مقدور لهم لإعانة الله لهم، ~~كالقيام والقعود، ومنه ما جنسه غير مقدور لهم، إذا قيل: إن الله يعطي من ~~أطاعه قوة في قلبه وبدنه يكون بها قادرا على ما لا يقدر عليه غيره، فهذا ~~أيضا حق وهو من جنس هذا المعنى، قال تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملآئكة أني ~~معكم فثبتوا الذين آمنوا} [الأنفال: 12] ، وقد قال: {إذا لقيتم فئة ~~فاثبتوا} [الأنفال: 45] ، فأمرهم بالثبات وهذا الثبات، يوحى إلى الملائكة ~~أنهم يفعلونه بالمؤمنين. # والمقصود أنه قد يكون من الإيمان ما يؤمر به بعض الناس ويذم على تركه، ~~ولا يذم عليه بعض الناس ممن لا يقدر عليه، ويفضل الله ذاك بهذا الإيمان، ~~وإن لم يكن المفضول ترك واجبا، فيقال: وكذلك في الأعمال الظاهرة يؤمر ~~القادر على الفعل بما لا يؤمر به العاجز عنه، ويؤمر بعض الناس بما لا يؤمر ~~به غيره، لكن الأعمال الظاهرة قد يعطي الإنسان مثل أجر العامل إذا كان يؤمن ~~بها ويريدها جهده، ولكن بدنه عاجز كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح: " إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا ~~كانوا معكم " قالو: وهم بالمدينة؟ قال: " وهم بالمدينة حبسهم العذر "، وكما ~~قال تعالي: {لا يستوي # PageV01P266 # القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} [النساء: ~~95] فاستثنى أولى الضرر. # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من دعا إلى هدى كان ~~له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا ~~إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم ~~شيئا ". وفي حديث أبي كبشة الأنماري: " هما في الأجر سواء، وهما في الوزر ~~سواء "، رواه الترمذي وصححه ولفظه: " إنما الدنيا لأربعة: رجل آتاه الله ~~علما ومالا فهو يتقي في ذلك المال ربه، ويصل فيه ms240 رحمه، ويعلم لله فيه حقا، ~~فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية، ~~يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه ~~الله مالا ولم يرزقه علما يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل ~~فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله ~~مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته، ~~فوزرهما سواء ". # ولفظ ابن ماجه: " مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالا ~~وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته ~~مالا فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل ". قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته ~~علما، فهو يتخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته علما ولا مالا وهو ~~يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت مثل الذي يعمل، فهما في الوزر سواء ". # PageV01P267 # كالشخصين إذا تماثلا في إيمان القلوب معرفة وتصديقا، وحبا وقوة وحالا ~~ومقاما، فقد يتماثلان، وإن كان لأحدهما من أعمال البدن ما يعجز عنه بدن ~~الآخر، كما جاء في الأثر: " إن المؤمن قوته في قلبه، وضعفه في جسمه، ~~والمنافق قوته في جسمه، وضعفه في قلبه "؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح: " ليس الشديد ذو الصرعة، إنما الشديد الذي يملك ~~نفسه عند الغضب "، وقد قال: " رأيت كأني أنزع على قليب، فأخذها ابن أبي ~~قحافة، فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، فأخذها ابن ~~الخطاب فاستحالت في يده غربا، فلم أر عبقريا يفري فريه، حتى صدر الناس بعطن ~~"، فذكر أن أبا بكر أضعف، وسواء أراد قصر مدته أو أراد ضعفه عن مثل قوة ~~عمر، فلا ريب أن أبا بكر أقوى إيمانا من عمر، وعمر أقوي عملا منه، كما ms241 قال ~~ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. وقوة الإيمان أقوى وأكمل من قوة ~~العمل، وصاحب الإيمان يكتب له أجر عمل غيره، وما فعله عمر في سيرته مكتوب ~~مثله لأبي بكر فإنه هو الذي استخلفه. # وفي المسند من وجهين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي وزن بالأمة ~~فرجح، ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح، ثم وزن عمر بالأمة فرجح، وكان في حياة ~~النبي صلىالله عليه وسلم وبعد موته يحصل لعمر بسبب أبي بكر من الإيمان ~~والعلم ما لم يكن عنده، فهو قد دعاه إلى ما فعله من خير وأعانه عليه بجهده، ~~والمعين على الفعل إذا كان يريده إرادة جازمة كان كفاعله، كما ثبت في ~~الحديث الصحيح عن # PageV01P268 # النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في ~~أهله بخير فقد غزا "، وقال: " من دل على خير فله مثل أجر فاعله "، وقال: " ~~من فطر صائما فله مثل أجره ". # وقد روى الترمذي: " من عزى مصابا فله مثل أجره " وهذا وغيره مما يبين أن ~~الشخصين قد يتماثلان في الأعمال الظاهرة، بل يتفاضلان ويكون المفضول فيها ~~أفضل عند الله من الآخر؛ لأنه أفضل في الإيمان الذي في القلب، وأما إذا ~~تفاضلا في إيمان القلوب فلا يكون المفضول فيها أفضل عند الله البتة، وإن ~~كان المفضول لم يهبه الله من الإيمان ما وهبه للفاضل، ولا أعطى قلبه من ~~الأسباب التي بها ينال ذلك الإيمان الفاضل ما أعطى المفضول؛ ولهذا فضل الله ~~بعض النبيين على بعض، وإن كان الفاضل أقل عملا من المفضول، كما فضل الله ~~نبينا صلى الله عليه وسلم ومدة نبوته بضع وعشرون سنة على نوح وقد لبث في ~~قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وفضل أمة محمد، وقد عملوا من صلاة العصر إلى ~~المغرب، على من عمل من أول النهار إلى صلاة الظهر، وعلى من عمل من صلاة ~~الظهر إلى العصر، فأعطى الله أمة محمد أجرين، وأعطى كلا من أولئك أجرا ~~أجرا؛ لأن الإيمان الذي ms242 في قلوبهم كان أكمل وأفضل، وكان أولئك أكثر عملا، ~~وهؤلاء أعظم أجرا، وهو فضله يؤتيه من يشاء بالأسباب التي تفضل بها عليهم ~~وخصهم بها. # وهكذا سائر من يفضله الله تعالى فإنه يفضله بالأسباب التي يستحق بها ~~التفضيل بالجزاء، كما يخص أحد الشخصين بقوة ينال بها العلم، وبقوة ينال بها ~~اليقين والصبر والتوكل والإخلاص، وغير ذلك مما يفضله الله به، وإنما فضله ~~في الجزاء بما فضل به من الإيمان، كما قال تعالى: {وقالت طآئفة من أهل ~~الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم ~~يرجعون # PageV01P269 # ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم أو يحآجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله} [آل عمران: 72، 73] ، ~~وقال في الآية الأخرى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] ، وقال: ~~{الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} [الحج: 75] ، وقال: {يغفر لمن ~~يشاء ويعذب من يشاء} [الفتح: 14] # وقد بين في مواضع أسباب المغفرة وأسباب العذاب، وكذلك يرزق من يشاء بغير ~~حساب، وقد عرف أنه قد يخص من يشاء بأسباب الرزق. # وإذا كان من الإيمان ما يعجز عنه كثير من الناس، ويختص الله به من يشاء، ~~فذلك مما يفضلهم الله به، وذلك الإيمان ينفي عن غيرهم، لكن لا على وجه الذم ~~بل على وجه التفضيل، فإن الذم إنما يكون على ترك مأمور أو فعل محظور. لكن ~~على ما ذكره أبو طالب، يقال: فمثل هؤلاء مسلمون لا مؤمنون باعتبار، ويقال: ~~إنهم مؤمنون باعتبار آخر، وعلى هذا ينفي الإيمان عمن فاته الكمال المستحب، ~~بل الكمال الذي يفضل به على من فاته، وإن كان غير مقدور للعباد بل ينفي عنه ~~الكمال الذي وجب على غيره، وإن لم يكن في حقه لا واجبا ولا مستحبا، لكن هذا ~~لا يعرف في كلام الشارع، ولم يعرف في كلامه إلا أن نفي الإيمان يقتضي الذم ~~حيث كان، فلا ينفي إلا عمن له ذنب، فتبين أن قوله: " أو مسلم " توقف في ~~أداء الواجبات ms243 الباطنة والظاهرة كما قال جماهير الناس. # ثم طائفة يقولون: قد يكون منافقا ليس معه شيء من الإيمان، وهم الذين ~~يقولون: الأعراب المذكورون منافقون ليس معهم من الإيمان شيء، وهذا هو القول ~~الذي نصره طائفة، كمحمد بن نصر، والأكثرون يقولون: بل هؤلاء لم يكونوا من ~~المنافقين الذين لا يقبل منهم شيء من أعمالهم، وإن كان فيهم شعبة نفاق، بل ~~كان معهم تصديق يقبل معه منهم ما عملوه لله؛ ولهذا جعلهم مسلمين؛ ولهذا ~~قال: {أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} [الحجرات: 17] ، كما قالوا مثل ذلك ~~في الزاني والسارق وغيرهما ممن نفى عنه الإيمان، مع أن معه التصديق. وهذا ~~أصح الأقوال الثلاثة فيهم. # PageV01P270 # وأبو طالب جعل من كان مذموما، لترك واجب، من المؤلفة قلوبهم الذين لم ~~يعطوا شيئا، وجعل ذلك الشخص مؤمنا غيره أفضل منه، وأما الأكثرون فيقولون: ~~إثبات الإسلام لهم دون الإيمان كإثباته لذلك الشخص كان مسلما لا مؤمنا ~~كلاهما مذموم، لا لمجرد أن غيره أفضل منه، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا " ولم يسلب عمن دونه الإيمان، ~~وقال تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10] . # فأثبت الإيمان للفاضل والمفضول، وهذا متفق عليه بين المسلمين، وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد ~~فأخطأ فله أجر "، وقال لسعد ابن معاذ لما حكم في بني قريظة: " لقد حكمت ~~فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة "، وكان يقول لمن يرسله في جيش أو سرية: ~~" إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم ~~الله، فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك ". ~~وهذه الأحاديث الثلاثة في الصحيح، وفي حديث سليمان عليه السلام: " وأسألك ~~حكما يوافق حكمك ". # فهذه النصوص وغيرها تدل على ما اتفق عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان: ~~أن أحد الشخصين قد يخصه الله ms244 باجتهاد يحصل له به من العلم ما يعجز عنه غيره ~~فيكون له أجران، وذلك الآخر عاجز له أجر ولا إثم عليه، وذلك العلم الذي خص ~~به هذا، والعمل به باطنا، وظاهرا زيادة في إيمانه، وهو إيمان # PageV01P271 # يجب عليه، لأنه قادر عليه، وغيره عاجز عنه فلا يجب. فهذا قد فضل بإيمان ~~واجب عليه وليس بواجب على من عجز عنه. # وهذا حال جميع الأمة فيما تنازعت فيه من المسائل الخبرية والعملية، إذا ~~خص أحدهما بمعرفة الحق في نفس الأمر مع اجتهاد الآخر وعجزه، كلاهما محمود ~~مثاب مؤمن، وذلك خصه الله من الإيمان الذي وجب عليه بما فضله به على هذا. ~~وذلك المخطئ لا يستحق ذما ولا عقابا، وإن كان ذاك لو فعل ما فعل ذم وعوقب، ~~كما خص الله أمة نبينا بشريعة فضلها به، ولو تركنا مما أمرنا به فيها شيئا، ~~لكان ذلك سببا للذم والعقاب، والأنبياء قبلنا لا يذمون بترك ذلك، لكن محمد ~~صلى الله عليه وسلم فضله الله على الأنبياء، وفضل أمته على الأمم من غير ذم ~~لأحد من الأنبياء، ولا لمن اتبعهم من الأمم. # وأيضا، فإذا كان الإنسان لا يجب عليه شيء من الإيمان إلا ما يقدر عليه، ~~وهو إذا فعل ذلك كان مستحقا لما وعد الله به من الجنة، فلو كان مثل هذا ~~يسمى مسلما ولا يسمى مؤمنا، لوجب أن يكون من أهل الوعد بالجنة من يسمى ~~مسلما لامؤمنا كالأعراب، وكالشخص الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~أو مسلم " وكسائر من نفى عنه الإيمان مع أنه مسلم، كالزاني، والشارب، ~~والسارق، ومن لا يأمن جاره بوائقه، ومن لا يحب لأخيه من الخير ما يحب ~~لنفسه، وغير هؤلاء، وليس الأمر كذلك. # فإن الله لم يعلق وعد الجنة إلا باسم الإيمان، لم يعلقه باسم الإسلام مع ~~إيجابه الإسلام، وإخباره أنه دينه الذي ارتضاه، وأنه لا يقبل دينا غيره، ~~ومع هذا فما قال: إن الجنة أعدت للمسلمين، ولا قال: وعد الله المسلمين ~~بالجنة، بل إنما ذكر ذلك باسم الإيمان، كقوله: ms245 {وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} [التوبة: 72] ، فهو يعلقها باسم ~~الإيمان المطلق، أو المقيد بالعمل الصالح، كقوله: {إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها ~~الأنهار} [البينة: 7، 8] ، وقوله: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن ~~لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل} [البقرة: # PageV01P272 # 25] ، وقوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 277] ، ~~وقوله: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} ~~[النساء: 173] ، وقوله: {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في ~~رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما} [النساء: 175] ، وقوله: {والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا} [النساء: 57] ، وفي الآية ~~الأخرى: {ومن أصدق من الله قيلا} [النساء: 122] ، وقال: {وأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين} [آل عمران: 57] ، ~~وقال: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم} ~~[المائدة: 9] ، وقال: {فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ~~[الأنعام: 48] ، وقال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} [الأعراف: 42] ، والآيات في هذا ~~المعنى كثيرة. # فالوعد بالجنة، والرحمة في الآخرة، وبالسلامة من العذاب، علق باسم ~~الإيمان المطلق، والمقيد بالعمل الصالح، ونحو ذلك، وهذا كما تقدم أن المطلق ~~يدخل فيه فعل ما أمر الله به ورسوله، ولم يعلق باسم الإسلام. فلو كان من ~~أتى من الإيمان بما يقدر عليه وعجز عن معرفة تفاصيله قد يسمى مسلما لا ~~مؤمنا، لكان من أهل الجنة، وكانت الجنة يستحقها من يسمى مسلما وإن لم يسم ~~مؤمنا، وليس الأمر كذلك، بل الجنة لم تعلق إلا باسم الإيمان، وهذا أيضا مما ~~استدل به من قال: إنه ليس كل مسلم من المؤمنين الموعودين بالجنة؛ إذ لو كان ~~الأمر ms246 كذلك لكان وعد الجنة معلقا باسم الإسلام، كما علق باسم الإيمان وكما ~~علق باسم التقوى واسم البر، في مثل قوله: {إن المتقين في جنات ونهر} ~~[القمر: 54] ، وقوله: {إن الأبرار لفي نعيم} [الانفطار: 13] ، وباسم أولياء ~~الله، كقوله: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا ~~وكانوا # PageV01P273 # يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك ~~هو الفوز العظيم} [يونس: 62: 64] ، فلما لم يجر اسم الإسلام هذا المجرى، ~~علم أن مسماه ليس ملازما لمسمى الإيمان كما يلازمه اسم البر والتقوى ~~وأولياء الله، وأن اسم الإسلام يتناول من هو من أهل الوعيد، وإن كان الله ~~يثيبه على طاعته، مثل أن يكون في قلبه إيمان، ونفاق يستحق به العذاب، فهذا ~~يعاقبه الله ولا يخلده في النار؛ لأن في قلبه مثقال ذرة أو أكثر من مثقال ~~ذرة من إيمان. # وهكذا سائر أهل الكبائر إيمانهم ناقص، وإذا كان في قلب أحدهم شعبة نفاق ~~عوقب بها إذا لم يعف الله عنه، ولم يخلد في النار، فهؤلاء مسلمون وليسوا ~~مؤمنين ومعهم إيمان. لكن معهم أيضا ما يخالف الإيمان من النفاق، فلم تكن ~~تسميتهم مؤمنين بأولى من تسميتهم منافقين، لا سيما إن كانوا للكفر أقرب ~~منهم للإيمان، وهؤلاء يدخلون في اسم الإيمان في أحكام الدنيا، كما يدخل ~~المنافق المحض وأولى؛ لأن هؤلاء معهم إيمان يدخلون به في خطاب الله ب {يا ~~أيها الذين آمنوا} ، لأن ذلك أمر لهم بما ينفعهم ونهى لهم عما يضرهم، وهم ~~محتاجون إلى ذلك، ثم إن الإيمان الذي معهم إن اقتضى شمول لفظ الخطاب لهم ~~فلا كلام، وإلا فليسوا بأسوأ حالا من المنافق المحض، وذلك المنافق يخاطب ~~بهذه الأعمال وتنفعه في الدنيا ويحشر بها مع المؤمنين يوم القيامة، ويتميز ~~بها عن سائر الملل يوم القيامة كما تميز عنهم بها في الدنيا، لكن وقت ~~الحقيقة يضرب {بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ~~ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم ~~وغرتكم ms247 الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم ~~فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} [الحديد: 13: ~~15] ، وقد قال تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم ~~نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع ~~المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} [النساء: 145، 146] . # PageV01P274 # فإذا عمل العبد صالحا لله، فهذا هوالإسلام الذي هو دين الله، ويكونمعه من ~~الإيمان ما يحشر به مع المؤمنين يوم القيامة، ثم إن كان معه من الذنوب ما ~~يعذب به عذب وأخرج من النار، إذا كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان وإن ~~كان معه نفاق؛ ولهذا قال تعالى في هؤلاء: {فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت ~~الله المؤمنين أجرا عظيما} [النساء: 146] ، فلم يقل: إنهم مؤمنون بمجرد ~~هذا؛ إذ لم يذكر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، بل هم معهم، وإنما ~~ذكر العمل الصالح وإخلاصه لله، وقال: {فأولئك مع المؤمنين} فيكون لهم ~~حكمهم. # وقد بين تفاضل المؤمنين في مواضع أخر، وأنه من أتى بالإيمان الواجب استحق ~~الثواب، ومن كان فيه شعبة نفاق وأتى بالكبائر، فذاك من أهل الوعيد، وإيمانه ~~ينفعه الله به، ويخرجه به من النار ولو أنه مثقال حبة خردل لكن لا يستحق به ~~الاسم المطلق المعلق به وعد الجنة بلا عذاب. وتمام هذا أن الناس قد يكون ~~فيهم من معه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب الكفر أو النفاق، ويسمى ~~مسلما، كما نص عليه أحمد. # وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب ~~النفاق، وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، ~~كما قال الصحابة ابن عباس وغيره: كفر دون كفر. وهذا قول عامة السلف، وهو ~~الذي نص عليه أحمد وغيره ممن قال في السارق، والشارب، ونحوهم ممن قال فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه ليس بمؤمن " أنه يقال لهم: مسلمون لا ~~مؤمنون، واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم الإيمان ms248 مع إثبات اسم ~~الإسلام، وبأن الرجل قد يكون مسلما ومعه كفر لا ينقل عن الملة، بل كفر دون ~~كفر، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الكافرون} [المائدة: 44] قالوا: كفر لا ينقل عن الملة، وكفر دون كفر، ~~وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم. # PageV01P275 # وهذا أيضا مما استشهد به البخاري في صحيحه فإن كتاب [الإيمان] الذي افتتح ~~به [الصحيح] قرر مذهب أهل السنة والجماعة، وضمنه الرد على المرجئة، فإنه ~~كان من القائمين بنصر السنة والجماعة مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان. # وقد اتفق العلماء على أن اسم المسلمين في الظاهر يجري على المنافقين؛ ~~لأنهم استسلموا ظاهرا، وأتوا بما أتوا به من الأعمال الظاهرة بالصلاة ~~الظاهرة، والزكاة الظاهرة، والحج الظاهر، والجهاد الظاهر، كما كان النبي ~~يجري عليهم أحكام الإسلام الظاهر، واتفقوا على أنه من لم يكن معه شيء من ~~الإيمان فهو كما قال تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} ~~[النساء: 145] وفيها قراءتان: درك ودرك قال أبو الحسين بن فارس: الجنة ~~درجات والنار دركات، قال الضحاك: الدرج: إذا كان بعضها فوق بعض. والدرك: ~~إذا كان بعضها أسفل من بعض، فصار المظهرون للإسلام بعضهم في أعلى درجة في ~~الجنة وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال في الحديث الصحيح: " إذا ~~سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في ~~الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن ~~سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة " وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " وأرجو أن أكون " مثل قوله: " إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم ~~بحدوده " ولا ريب أنه أخشى الأمة لله، وأعلمهم بحدوده. # وكذلك قوله: " اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء ~~الله من مات لا يشرك بالله شيئا "، وقوله: " إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل # PageV01P276 # الجنة " وأمثال هذه النصوص، وكان يستدل به أحمد وغيره على الاستثناء في ~~الإيمان، ms249 كما نذكره في موضعه. # والمقصود أن خير المؤمنين في أعلى درجات الجنة، والمنافقون في الدرك ~~الأسفل من النار، وإن كانوا في الدنيا مسلمين ظاهرا تجري عليهم أحكام ~~الإسلام الظاهرة، فمن كان فيه إيمان ونفاق يسمى مسلما؛ إذ ليس هو دون ~~المنافق المحض، وإذا كان نفاقه أغلب لم يستحق اسم الإيمان، بل اسم المنافق ~~أحق به، فإن ما فيه بياض وسواد، سواده أكثر من بياضه، هو باسم الأسود أحق ~~منه باسم الأبيض، كما قال تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} [آل ~~عمران: 167] ، وأما إذا كان إيمانه أغلب ومعه نفاق يستحق به الوعيد، لم يكن ~~أيضا من المؤمنين الموعودين بالجنة، وهذا حجة لما ذكره محمد بن نصر عن ~~أحمد، ولم أره أنا فيما بلغني من كلام أحمد ولا ذكره الخلال ونحوه. # وقال محمد بن نصر: وحكى غير هؤلاء عن أحمد أنه قال: من أتى هذه الأربعة: ~~الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والنهبة التي يرفع الناس فيها أبصارهم إليه، ~~أو مثلهن أو فوقهن، فهو مسلم ولا أسميه مؤمنا، ومن أتى دون الكبائر نسميه ~~مؤمنا ناقص الإيمان، فإن صاحب هذا القول يقول: لما نفى عنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم الإيمان، نفيته عنه كما نفاه عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والرسول لم ينفه إلا عن صاحب كبيرة، وإلا فالمؤمن الذي يفعل الصغيرة هي ~~مكفرة عنه بفعله للحسنات واجتنابه للكبائر، لكنه ناقص الإيمان عمن اجتنب ~~الصغائر، فما أتى بالإيمان الواجب، ولكن خلطه بسيئات كفرت عنه بغيرها، ~~ونقصت بذلك درجته عمن لم يأت بذلك. # وأما الذين نفى عنهم الرسول الإيمان، فننفيه كما نفاه الرسول، وأولئك وإن ~~كان معهم التصديق وأصل الإيمان فقد تركوا منه ما استحقوا لأجله سلب ~~الإيمان، وقد يجتمع في العبد نفاق وإيمان، وكفر وإيمان، فالإيمان المطلق ~~عند هؤلاء ما كان صاحبه مستحقا للوعد بالجنة. # وطوائف أهل الأهواء من الخوارج، والمعتزلة، والجهمية، والمرجئة، كراميهم، ~~وغير كراميهم يقولون: إنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق، ومنهم من يدعي # PageV01P277 # الإجماع على ذلك، وقد ذكر أبو ms250 الحسن في بعض كتبه الإجماع على ذلك، ومن ~~هنا غلطوا فيه وخالفوا فيه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان مع مخالفة صريح المعقول، بل الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل ~~الفاسد، وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب، ومعصية ~~يستحق بها العقاب، ولا يكون الشخص الواحد محمودا من وجه مذموما من وجه، ولا ~~محبوبا مدعوا من وجه مسخوطا ملعونا من وجه، ولا يتصور أن الشخص الواحد يدخل ~~الجنة والنار جميعا عندهم؛ بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى عندهم؛ ولهذا ~~أنكروا خروج أحد من النار أو الشفاعة في أحد من أهل النار. وحكى عن غالية ~~المرجئة أنهم وافقوهم على هذا الأصل، لكن هؤلاء قالوا: إن أهل الكبائر ~~يدخلون الجنة ولا يدخلون النار مقابلة لأولئك. # وأما أهل السنة والجماعة والصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر طوائف ~~المسلمين من أهل الحديث والفقهاء وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء والكرامية ~~والكلابية والأشعرية، والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم فيقولون: إن الشخص الواحد ~~قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة، وهذا ~~الشخص الذي له سيئات عذب بها، وله حسنات دخل بها الجنة، وله معصية وطاعة ~~باتفاق، فإن هؤلاء الطوائف لم يتنازعوا في حكمه، لكن تنازعوا في اسمه. ~~فقالت المرجئة جهميتهم وغير جهميتهم هو مؤمن كامل الإيمان. وأهل السنة ~~والجماعة على أنه مؤمن ناقص الإيمان، ولولا ذلك لما عذب، كما أنه ناقص البر ~~والتقوى باتفاق المسلمين، وهل يطلق عليه اسم مؤمن؟ هذا فيه القولان، ~~والصحيح التفصيل. فإذا سئل عن أحكام الدنيا كعتقه في الكفارة، قيل: هو مؤمن ~~وكذلك إذا سئل عن دخوله في خطاب المؤمنين. # وأما إذا سئل عن حكمه في الآخرة، قيل: ليس هذا النوع من المؤمنين ~~الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار ويدخل به الجنة بعد ~~أن # PageV01P278 # يعذب في النار إن لم يغفر الله له ذنوبه؛ ولهذا قال من قال: هو مؤمن ~~بإيمانه فاسق بكبيرته أو مؤمن ناقص الإيمان. والذين لا يسمونه مؤمنا من أهل ~~السنة ms251 ومن المعتزلة يقولون: اسم الفسوق ينافي اسم الإيمان لقوله: {بئس ~~الاسم الفسوق بعد الإيمان} [الحجرات: 11] ، وقوله: {أفمن كان مؤمنا كمن كان ~~فاسقا} [السجدة: 18] ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " سباب المسلم ~~فسوق وقتاله كفر ". # وعلى هذا الأصل فبعض الناس يكون معه شعبة من شعب الكفر، ومعه إيمان أيضا، ~~وعلى هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في تسمية كثير من الذنوب كفرا، ~~مع أن صاحبها قد يكون معه أكثر من مثقال ذرة من إيمان فلا يخلد في النار. ~~كقوله: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر "، وقوله: " لا ترجعوا بعدي كفارا، ~~يضرب بعضكم رقاب بعض " وهذا مستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح ~~من غير وجه، فإنه أمر في حجة الوداع أن ينادى به في الناس، فقد سمى من يضرب ~~بعضهم رقاب بعض بلا حق كفارا، وسمى هذا الفعل كفرا، ومع هذا فقد قال تعالى: ~~{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} إلى قوله: {إنما ~~المؤمنون إخوة} [الحجرات: 9، 10] ، فبين أن هؤلاء لم يخرجوا من الإيمان ~~بالكلية، ولكن فيهم ما هو كفر وهي هذه الخصلة، كما قال بعض الصحابة: كفر ~~دون كفر. وكذلك قوله: " من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما " فقد ~~سماه أخاه حين القول، وقد أخبر أن أحدهما باء بها، فلو خرج أحدهما عن ~~الإسلام بالكلية لم يكن أخاه، بل فيه كفر. # PageV01P279 # وكذلك قوله في الحديث الصحيح: " ليس من رجل ادعى لغير أبيه، وهو يعلمه، ~~إلا كفر "، وفي حديث آخر: " كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق "، وكان من ~~القرآن الذي نسخ لفظه: " لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن ~~آبائكم "، فإن حق الوالدين مقرون بحق الله في مثل قوله: {أن اشكر لي ~~ولوالديك إلي المصير} [لقمان: 14] ، وقوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23] ، فالوالد أصله الذي منه خلق، والولد من ~~كسبه. كما قال: {ما أغنى عنه ماله وما كسب} [المسد: 2] ، فالجحد لهما شعبة ~~من شعب الكفر، فإنه ms252 جحد لما منه خلقه ربه، فقد جحد خلق الرب إياه، وقد كان ~~في لغة من قبلنا يسمى الرب أبا، فكان فيه كفر بالله من هذا الوجه، ولكن ليس ~~هذا كمن جحد الخالق بالكلية، وسنتكلم إن شاء الله على سائر الأحاديث. # والمقصود هنا ذكر أصل جامع تنبني عليه معرفة النصوص، ورد ما تنازع فيه ~~الناس إلى الكتاب والسنة، فإن الناس كثر نزاعهم في مواضع في مسمى الإيمان ~~والإسلام لكثرة ذكرهما، وكثرة كلام الناس فيهما، والاسم كلما كثر التكلم ~~فيه، فتكلم به مطلقا ومقيدا بقيد، ومقيد بقيد آخر في موضع آخر. كان هذا ~~سببا لاشتباه بعض معناه، ثم كلما كثر سماعه كثر من يشتبه عليه ذلك. ومن ~~أسباب ذلك أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه، ويكون ما سمعه ~~مقيدا بقيد أوجبه اختصاصه بمعنى، فيظن معناه في سائر موارده كذلك، فمن اتبع ~~علمه حتى عرف مواقع الاستعمال عامة، وعلم مأخذ الشبه أعطى كل ذي حق حقه، ~~وعلم أن خير الكلام كلام الله، وأنه لا بيان أتم من بيانه، وأن ما أجمع ~~عليه المسلمون من دينهم الذي يحتاجون إليه أضعاف أضعاف ما تنازعوا فيه. # PageV01P280 # فالمسلمون سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر، ومتفقون على وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، ~~ومتفقون على أن من أطاع الله ورسوله فإنه يدخل الجنة، ولا يعذب، وعلى أن من ~~لم يؤمن بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فهو كافر، وأمثال هذه ~~الأمور التي هي أصول الدين وقواعد الإيمان التي اتفق عليها المنتسبون إلى ~~الإسلام والإيمان، فتنازعهم بعد هذا في بعض أحكام الوعيد أو بعض معاني بعض ~~الأسماء أمر خفيف بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه، مع أن المخالفين للحق البين ~~من الكتاب والسنة هم عند جمهور الأمة معروفون بالبدعة، مشهود عليهم ~~بالضلالة، ليس لهم في الأمة لسان صدق ولا قبول عام؛ كالخوارج والروافض ~~والقدرية ونحوهم، وإنما تنازع أهل العلم والسنة في أمور دقيقة تخفى على ~~أكثر الناس؛ ولكن يجب ms253 رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله والرد إلى الله ~~ورسوله في مسألة [الإسلام، والإيمان] يوجب أن كلا من الاسمين وإن كان مسماه ~~واجبا لا يستحق أحد الجنة إلا بأن يكون مؤمنا، مسلما، فالحق في ذلك ما بينه ~~النبي في حديث جبريل، فجعل الدين وأهله ثلاث طبقات: أولها: الإسلام، ~~وأوسطها: الإيمان، وأعلاها: الإحسان، ومن وصل إلى العليافقد وصل إلى التي ~~تليها، فالمحسن مؤمن والمؤمن مسلم؛ وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنا. # وهكذا جاء القرآن، فجعل الأمة على هذه الأصناف الثلاثة، قال تعالى: {ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} [فاطر: 32] ، فالمسلم الذي ~~لم يقم بواجب الإيمان هو الظالم لنفسه، والمقتصد هو المؤمن المطلق الذي أدى ~~الواجب وترك المحرم، والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه. ~~وقد ذكر الله سبحانه تقسيم الناس في المعاد إلى هذه الثلاثة في سورة ~~[الواقعة] و [المطففين] و [هل أتى] وذكر الكفار أيضا وأما هنا فجعل التقسيم ~~للمصطفين من عباده. # PageV01P281 # وقال أبو سليمان الخطابي: ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة، فأما ~~الزهري فقال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بالآية. وذهب غيره إلى ~~أن الإسلام والإيمان شيء واحد. فاحتج بقوله: {فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} [الذاريات: 36، 35] ، قال ~~الخطابي: وقد تكلم رجلان من أهل العلم، وصار كل واحد منهما إلى قول واحد من ~~هذين ورد الآخر منهما على المتقدم، وصنف عليه كتابا يبلغ عدد أوراقه ~~المائتين. قال الخطابي: والصحيح من ذلك: أن يقيد الكلام في هذا، ولا يطلق؛ ~~وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنا في بعضها، ~~والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، وإذا ~~حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات، واعتدل القول فيها، ولم يختلف ~~شيء منها. # قلت: الرجلان اللذان أشار إليهما الخطابي، أظن أحدهما وهو السابق محمد ms254 بن ~~نصر، فإنه الذي علمته بسط الكلام في أن الإسلام والإيمان شيء واحد من أهل ~~السنة والحديث، وما علمت لغيره قبله بسطا في هذا. والآخر الذي رد عليه ~~أظنه. . لكن لم أقف على رده، والذي اختاره الخطابي هو قول من فرق بينهما، ~~كأبي جعفر، وحماد ابن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وهو قول أحمد بن حنبل ~~وغيره، ولا علمت أحدا من المتقدمين خالف هؤلاء، فجعل نفس الإسلام نفس ~~الإيمان؛ ولهذا كان عامة أهل السنة على هذا الذي قاله هؤلاء كما ذكره ~~الخطابي. # وكذلك ذكر أبو القاسم التيمي الأصبهاني وابنه محمد شارح [مسلم] وغيرهما، ~~أن المختار عند أهل السنة أنه لا يطلق على السارق والزاني اسم مؤمن، كما دل ~~عليه النص، وقد ذكر الخطابي: في [شرح البخاري] كلاما يقتضي تلازمهما مع ~~افتراق اسميهما، وذكره البغوي في [شرح السنة] فقال: قد # PageV01P282 # جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال، وجعل ~~الإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس كذلك؛ لأن الأعمال ليست من ~~الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل الجملة هي كلها ~~شيء واحد وجماعها الدين؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " هذا جبريل جاءكم ~~يعلمكم دينكم " والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإسلام والإيمان جميعا، يدل ~~عليه قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19] ، وقوله ~~تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ، وقوله: {ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] ، فبين أن الدين الذي رضيه ~~ويقبله من عباده هو الإسلام، ولا يكون الدين في محل الرضى والقبول إلا ~~بانضمام التصديق إلى العمل. # قلت: تفريق النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل وإن اقتضى أن الأعلى ~~هو الإحسان، والإحسان يتضمن الإيمان، والإيمان يتضمن الإسلام، فلا يدل على ~~العكس، ولو قدر أنه دل على التلازم فهو صريح بأن مسمى هذا ليس مسمى هذا، ~~لكن التحقيق أن الدلالة تختلف بالتجريد والاقتران كما قد بيناه، ومن فهم ~~هذا انحلت عنه إشكالات كثيرة في كثير من ms255 المواضع حاد عنها طوائف [مسألة ~~الإيمان] وغيرها وما ذكره من أن الدين لا يكون في محل الرضى والقبول إلا ~~بانضمام التصديق إلى العمل، يدل على أنه لابد مع العمل من الإيمان، فهذا ~~يدل على وجوب الإيمان مطلقا، لكن لا يدل على أن العمل الذي هو الدين، ليس ~~اسمه إسلاما، وإذا كان الإيمان شرطا في قبوله لم يلزم أن يكون ملازما له، ~~ولو كان ملازما له لم يلزم أن يكون جزء مسماه. # وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: قوله صلى الله عليه وسلم: " الإسلام أن ~~تشهد أن لا إله إلا الله " إلى آخره، و " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله " إلى آخره. قال: هذا بيان لأصل الإيمان، وهوالتصديق الباطن ~~وبيان لأصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد الظاهر. وحكم الإسلام في ~~الظاهر يثبت بالشهادتين، # PageV01P283 # وإنما أضاف إليهما الأربع لكونها أظهر شعائر الإسلام ومعظمها، وبقيامه ~~بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بحل قيد انقياده وانحلاله. # ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث، وسائر ~~الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن، الذي هو أصل الإيمان، مقومات ومتممات ~~وحافظات له؛ ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث وفد عبد ~~القيس بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، وإعطاء الخمس من المغنم؛ ~~ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة، لأن اسم ~~الشيء الكامل يقع على الكامل منه، ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بقيد؛ ~~ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني ~~حين يزني وهو مؤمن ". # واسم الإسلام يتناول أيضا ما هو [أصل الإيمان] وهو التصديق، ويتناول [أصل ~~الطاعات] فإن ذلك كله استسلام. قال: فخرج مما ذكرناه وحققناه أن الإسلام ~~والإيمان يجتمعان ويفترقان؛ وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا. قال: ~~فهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص الواردة في الإيمان والإسلام، ~~التي طالما غلط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لمذاهب جماهير ~~العلماء من أهل الحديث وغيرهم. # فيقال: ms256 هذا الذي ذكره رحمه الله فيه من الموافقة لما قد بين من أقوال ~~الأئمة، وما دل عليه الكتاب والسنة ما يظهر به أن الجمهور يقولون: كل مؤمن ~~مسلم وليس كل مسلم مؤمنا، وقوله: إن الحديث ذكر فيه أصل الإيمان وأصل ~~الإسلام، قد يورد عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب عن الإيمان ~~والإسلام بما هو من جنس الجواب بالحد عن المحدود، فيكون ما ذكره مطابقا ~~لهما لا لأصلهما فقط، فالإيمان هو الإيمان بما ذكره باطنا وظاهرا، لكن ما ~~ذكره من الإيمان تضمن الإسلام، كما أن الإحسان تضمن الإيمان. # وقول القائل: أصل الاستسلام هو الإسلام الظاهر، فالإسلام هو الاستسلام ~~لله والانقياد له ظاهرا وباطنا، فهذا هو دين الإسلام الذي ارتضاه الله كما ~~دلت # PageV01P284 # عليه نصوص الكتاب والسنة، ومن أسلم بظاهره دون باطنه فهو منافق يقبل ~~ظاهره، فإنه لم يؤمر أن يشق عن قلوب الناس، وأيضا فإذا كان الإسلام يتناول ~~التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان، فيلزم أن يكون كل مسلم مؤمنا، وهو ~~خلاف ما نقل عن الجمهور، ولكن لابد في الإسلام من تصديق يحصل به أصل ~~الإيمان، وإلا لم يثب عليه، فيكون حينئذ مسلما مؤمنا، فلابد أن يتبين ~~المسلم الذي ليس بمؤمن ودخوله في الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم "، وقوله: " الإسلام هو الأركان الخمسة " ~~لا يعني به من أداها بلا إخلاص لله بل مع النفاق، بل المراد من فعلها كما ~~أمر بها باطنا وظاهرا، وذكر الخمس أنها هي الإسلام لأنها هي العبادات ~~المحضة التي تجب لله تعالى على كل عبد مطيق لها، وما سواها إما واجب على ~~الكفاية لمصلحة إذا حصلت سقط الوجوب، وإما من حقوق الناس بعضهم على بعض وإن ~~كان فيها قربة ونحو ذلك، وتلك تابعة لهذه، كما قال: " المسلم من سلم ~~المسلمون من لسانه ويده " و " أفضل الإسلام أن تطعم الطعام، وتقرئ السلام ~~على من عرفت ومن لم تعرف " ونحو ذلك: فهذه الخمس هي الأركان والمباني كما ~~في الإيمان. # وقول ms257 القائل: الطاعات ثمرات التصديق الباطن، يراد به شيئان: يراد به أنها ~~لوازم له، فمتي وجد الإيمان الباطن وجدت، وهذا مذهب السلف وأهل السنة، ~~ويراد به أن الإيمان الباطن قد يكون سببا، وقد يكون الإيمان الباطن تاما ~~كاملا وهي لم توجد، وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم، وقد ذكرنا فيما ~~تقدم أنهم غلطوا في ثلاثة أوجه: # أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الذي في ~~القلب تصديق بلا عمل للقلب، كمحبة الله وخشيته وخوفه، والتوكل عليه والشوق ~~إلى لقائه. # PageV01P285 # والثاني: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الظاهر، ~~وهذا يقول به جميع المرجئة. # والثالث: قولهم: كل من كفره الشارع فإنما كفره لانتفاء تصديق القلب بالرب ~~تبارك وتعالى، وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال ~~المرجئة والجهمية؛ لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم، ممن هو في باطنه ~~يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث فيظن أنه ~~يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف. # قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: وقالت طائفة ثالثة وهم الجمهور ~~الأعظم من أهل السنة والجماعة، وأصحاب الحديث: الإيمان الذي دعا الله ~~العباد إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله دينا وارتضاه لعباده ~~ودعاهم إليه، وهو ضد الكفر الذي سخطه فقال: {ولا يرضى لعباده الكفر} ~~[الزمر: 7] ، وقال: {ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ، وقال: {فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} [الأنعام: 125] ، وقال: {أفمن شرح ~~الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} [الزمر: 22] ، فمدح الله الإسلام ~~بمثل ما مدح به الإيمان، وجعله اسم ثناء وتزكية، فأخبر أن من أسلم فهو على ~~نور من ربه وهدى، وأخبر أنه دينه الذي ارتضاه، وما ارتضاه فقد أحبه ~~وامتدحه، ألا ترى أن أنبياء الله ورسله رغبوا فيه إليه وسألوه إياه، فقال ~~إبراهيم وإسماعيل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} ~~[البقرة: 128] ، وقال يوسف: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] ، ~~وقال: {ووصى بها إبراهيم ms258 بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] ، وقال: {وقل للذين أوتوا الكتاب ~~والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا} [آل عمران: 20] ، وقال في موضع ~~آخر: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا} ~~[البقرة: 136، 137] فحكم الله بأن من أسلم فقد اهتدى، ومن آمن فقد اهتدى، ~~فسوى بينهما. # PageV01P286 # قال: وقد ذكرنا تمام الحجة في أن الإسلام هو الإيمان، وأنهما لا يفترقان ~~ولا يتباينان في موضع غير هذا، فكرهنا إعادته في هذا الموضع كراهة التطويل ~~والتكرير، غير أنا سنذكر من الحجة ما لم نذكره في غير هذا الموضع، ونبين ~~خطأ تأويلهم، والحجج التي احتجوا بها من الكتاب والأخبار على التفرقة بين ~~الإسلام والإيمان. # قلت: مقصود محمد بن نصر المروزي رحمه الله: أن المسلم الممدوح هو المؤمن ~~الممدوح، وأن المذموم ناقص الإسلام والإيمان، وأن كل مؤمن فهو مسلم، وكل ~~مسلم فلابد أن يكون معه إيمان، وهذا صحيح، وهو متفق عليه، ومقصوده أيضا أن ~~من أطلق عليه الإسلام أطلق عليه الإيمان، وهذا فيه نزاع لفظي، ومقصوده أن ~~مسمى أحدهما هو مسمى الآخر، وهذا لا يعرف عن أحد من السلف. وإن قيل: هما ~~متلازمان، فالمتلازمان لا يجب أن يكون مسمى هذا هو مسمى هذا، وهو لم ينقل ~~عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام المشهورين أنه ~~قال: مسمى الإسلام هو مسمى الإيمان كما نصر، بل ولا عرفت أنا أحدا قال ذلك ~~من السلف، ولكن المشهور عن الجماعة من السلف والخلف أن المؤمن المستحق لوعد ~~الله هو المسلم المستحق لوعد الله، فكل مسلم مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وهذا ~~متفق على معناه بين السلف والخلف بل وبين فرق الأمة كلهم يقولون: إن المؤمن ~~الذي وعد بالجنة لابد أن يكون مسلما، والمسلم الذي وعد بالجنة لابد أن ms259 يكون ~~مؤمنا، وكل من يدخل الجنة بلا عذاب من الأولين والآخرين فهو مؤمن مسلم. # ثم إن أهل السنة يقولون: الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة معهم بعض ~~ذلك، وإنما النزاع في إطلاق الاسم، فالنقول متواترة عن السلف بأن الإيمان ~~قول وعمل، ولم ينقل عنهم شيء من ذلك في الإسلام، ولكن لما كان الجمهور ~~الأعظم يقولون: إن الإسلام هو الدين كله، ليس هو الكلمة فقط خلاف ظاهر ما ~~نقل عن الزهري، فكانوا يقولون: إن الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك ~~من الأفعال المأمور بها هي من الإسلام كما هي من الإيمان، # PageV01P287 # ظن أنهم يجعلونها شيئا واحدا، وليس كذلك، فإن الإيمان مستلزم للإسلام ~~باتفاقهم، وليس إذا كان الإسلام داخلا فيه يلزم أن يكون هو إياه، وأما ~~الإسلام فليس معه دليل على أنه يستلزم الإيمان عند الإطلاق، ولكن هل يستلزم ~~الإيمان الواجب أو كمال الإيمان؟ فيه نزاع، وليس معه دليل على أنه مستلزم ~~للإيمان ولكن الأنبياء الذين وصفهم الله بالإسلام كلهم كانوا مؤمنين، وقد ~~وصفهم الله بالإيمان ولو لم يذكر ذاك عنهم فنحن نعلم قطعا أن الأنبياء كلهم ~~مؤمنون. # وكذلك السابقون الأولون كانوا مسلمين مؤمنين، ولو قدر أن الإسلام يستلزم ~~الإيمان الواجب، فغاية ما يقال: إنهما متلازمان، فكل مسلم مؤمن، وكل مؤمن ~~مسلم، وهذا صحيح إذا أريد أن كل مسلم يدخل الجنة معه الإيمان الواجب، وهو ~~متفق عليه إذا أريد أن كل مسلم يثاب على عبادته، فلابد أن يكون معه أصل ~~الإيمان فما من مسلم إلا وهو مؤمن، وإن لم يكن هو الإيمان الذي نفاه النبي ~~صلى الله عليه وسلم، عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وعمن يفعل الكبائر، ~~وعن الأعراب وغيرهم، فإذا قيل: إن الإسلام والإيمان التام متلازمان لم يلزم ~~أن يكون أحدهما هو الآخر، كالروح والبدن، فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ~~ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح، فإنه ~~قائم بالروح ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حيا إلا مع ~~الروح، بمعنى ms260 أنهما متلازمان، لا أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر، وإسلام ~~المنافقين كبدن الميت جسد بلا روح، فما من بدن حي إلا وفيه روح، ولكن ~~الأرواح متنوعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الأرواح جنود مجندة، ~~فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " وليس كل من صلى ببدنه يكون ~~قلبه منورا بذكر الله والخشوع وفهم القرآن وإن كانت صلاته يثاب عليها ويسقط ~~عنه الفرض في أحكام الدنيا فهكذا الإسلام الظاهر بمنزلة الصلاة الظاهرة، ~~والإيمان بمنزلة ما يكون في القلب حين الصلاة من المعرفة بالله # PageV01P288 # والخشوع وتدبر القرآن، فكل من خشع قلبه خشعت جوارحه، ولا ينعكس؛ ولهذا ~~قيل: إياكم وخشوع النفاق، وهو أن يكون الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع، فإذا ~~صلح القلب صلح الجسد كله، وليس إذا كان الجسد في عبادة يكون القلب قائما ~~بحقائقها. # والناس في [الإيمان] و [الإسلام] على ثلاث مراتب: ظالم لنفسه، ومقتصد، ~~وسابق بالخيرات، فالمسلم ظاهرا وباطنا إذا كان ظالما لنفسه، فلابد أن يكون ~~معه إيمان، ولكن لم يأت بالواجب ولا ينعكس، وكذلك في الآخر. وسيأتي إن شاء ~~الله. # والآيات التي احتج بها محمد بن نصر تدل على وجوب الإسلام، وأنه دين الله، ~~وأن الله يحبه ويرضاه، وأنه ليس له دين غيره، وهذا كله حق، لكن ليس في هذا ~~ما يدل على أنه هو الإيمان، بل ولا يدل على أن بمجرد الإسلام يكون الرجل من ~~أهل الجنة، كما ذكره في حجة القول الأول، فإن الله وعد المؤمنين بالجنة في ~~غير آية، ولم يذكر هذا الوعد باسم الإسلام. وحينئذ، فمدحه وإيجابه ومحبة ~~الله له تدل على دخوله في الإيمان، وأنه بعض منه، وهذا متفق عليه بين أهل ~~السنة، كلهم يقولون: كل مؤمن مسلم، وكل من أتى بالإيمان الواجب فقد أتى ~~بالإسلام الواجب، لكن النزاع في العكس، وهذا كما أن الصلاة يحبها الله ~~ويأمر بها، ويوجبها ويثنى عليها وعلى أهلها في غير موضع، ثم لم يدل ذلك على ~~أن مسمى الصلاة مسمى الإيمان، بل الصلاة تدخل في الإيمان، ms261 فكل مؤمن مصل، ~~ولا يلزم أن يكون كل من صلى وأتى الكبائر مؤمنا. # وجميع ما ذكره من الحجة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن فيها التفريق ~~بين مسمى الإيمان والإسلام إذا ذكرا جميعا، كما في حديث جبريل وغيره، وفيها ~~أيضا أن اسم الإيمان إذا أطلق دخل فيه الإسلام. قال أبو عبد الله بن حامد ~~في كتابه المصنف في [أصول الدين] # قد ذكرنا أن الإيمان قول وعمل، فأما الإسلام فكلام أحمد يحتمل روايتين: ~~إحداهما: أنه كالإيمان. والثانية: أنه قول بلا عمل. وهو نصه في رواية # PageV01P289 # إسماعيل بن سعيد، قال: والصحيح أن المذهب رواية واحدة أنه قول وعمل، ~~ويحتمل قوله: إن الإسلام قول يريد به: أنه لا يجب فيه ما يجب في الإيمان من ~~العمل المشروط فيه؛ لأن الصلاة ليست من شرطه، إذ النص عنه أنه لا يكفر ~~بتركه الصلاة. # قال: وقد قضينا أن الإسلام والإيمان اسمان لمعنيين، وذكرنا اختلاف ~~الفقهاء، وقد ذكر قبل ذلك أن الإسلام والإيمان اسمان لمعنيين مختلفين، وبه ~~قال مالك، وشريك، وحماد ابن زيد، بالتفرقة بين الإسلام والإيمان، قال: وقال ~~أصحاب الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة: إنهما اسمان معناهما واحد. قال: ويفيد ~~هذا أن الإيمان قد تنتفي عنه تسميته مع بقاء الإسلام عليه، وهو بإتيان ~~الكبائر التي ذكرت في الخبر، فيخرج عن تسمية الإيمان، إلا أنه مسلم، فإذا ~~تاب من ذلك عاد إلى ما كان عليه من الإيمان، ولا تنتفي عنه تسمية الإيمان ~~بارتكاب الصغائر من الذنوب، بل الاسم باق عليه، ثم ذكر أدلة ذلك، ولكن ما ~~ذكره فيه أدلة كثيرة على من يقول: الإسلام مجرد الكلمة، فإن الأدلة الكثيرة ~~تدل على أن الأعمال من الإسلام، بل النصوص كلها تدل على ذلك، فمن قال: إن ~~الأعمال الظاهرة المأمور بها ليست من الإسلام، فقوله باطل، بخلاف التصديق ~~الذي في القلب، فإن هذا ليس في النصوص ما يدل على أنه من الإسلام، بل هو من ~~الإيمان، وإنما الإسلام الدين، كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسلم ~~وجهه وقلبه ms262 لله، فإخلاص الدين لله إسلام، وهذا غير التصديق، ذاك من جنس عمل ~~القلب، وهذا من جنس علم القلب. # وأحمد بن حنبل، وإن كان قد قال في هذا الموضع: إن الإسلام هو الكلمة، فقد ~~قال في موضع آخر: إن الأعمال من الإسلام، وهو اتبع هنا الزهري رحمه الله، ~~فإن كان مراد من قال ذلك: إنه بالكلمة يدخل في الإسلام ولم يأت بتمام ~~الإسلام، فهذا قريب، وإن كان مراده أنه أتى بجميع الإسلام وإن لم يعمل فهذا ~~غلط قطعا، بل قد أنكر أحمد هذا الجواب، وهو قول من قال: يطلق عليه الإسلام ~~وإن لم يعمل، متابعة لحديث جبريل، فكان ينبغي أن يذكر قول أحمد جميعه. # PageV01P290 # قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الإسلام والإيمان فقال: الإيمان قول ~~وعمل، والإسلام الإقرار. وقال: وسألت أحمد عمن قال في الذي قال جبريل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم إذ سأله عن الإسلام، فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ فقال: ~~نعم. فقال قائل: وإن لم يفعل الذي قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو ~~مسلم أيضا؟ فقال: هذا معاند للحديث. # فقد جعل أحمد من جعله مسلما إذا لم يأت بالخمس معاندا للحديث، مع قوله: ~~إن الإسلام الإقرار، فدل ذلك على أن ذاك أول الدخول في الإسلام، وأنه لا ~~يكون قائما بالإسلام الواجب حتى يأتي بالخمس، وإطلاق الاسم مشروط بها، فإنه ~~ذم من لم يتبع حديث جبريل. وأيضا، فهو في أكثر أجوبته يكفر من لم يأت ~~بالصلاة، بل وبغيرها من المباني، والكافر لا يكون مسلما باتفاق المسلمين، ~~فعلم أنه لم يرد أن الإسلام هو مجرد القول بلا عمل، وإن قدر أنه أراد ذلك، ~~فهذا يكون أنه لا يكفر بترك شيء من المباني الأربعة، وأكثر الروايات عنه ~~بخلاف ذلك، والذين لا يكفرون من ترك هذه المباني يجعلونها من الإسلام؛ ~~كالشافعي ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم، فكيف لا يجعلها أحمد من الإسلام؟ ! ~~وقوله في دخولها في الإسلام أقوى من قول غيره، وقد روي عنه أنه جعل حديث ~~سعد معارضا لحديث عمر، ms263 ورجح حديث سعد. # قال الحسن بن علي: سألت أحمد بن حنبل عن الإيمان أوكد أو الإسلام؟ قال: ~~جاء حديث عمر هذا، وحديث سعد أحب إلى، كأنه فهم أن حديث عمر يدل على أن ~~الأعمال هي مسمى الإسلام، فيكون مسماه أفضل. وحديث سعد يدل على أن مسمى ~~الإيمان أفضل، ولكن حديث عمر لم يذكر الإسلام إلا # PageV01P291 # الأعمال الظاهرة فقط، وهذه لا تكون إيمانا إلا مع الإيمان الذي في القلب ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله، فيكون حينئذ بعض الإيمان، فيكون مسمى الإيمان ~~أفضل كما دل عليه حديث سعد، فلا منافاة بين الحديثين. # وأما تفريق أحمد بين الإسلام والإيمان، فكان يقوله تارة، وتارة يحكى ~~الخلاف ولا يجزم به. وكان إذا قرن بينهما تارة يقول: الإسلام الكلمة، وتارة ~~لا يقول ذلك، وكذلك التكفير بترك المباني، كان تارة يكفر بها حتى يغضب، ~~وتارة لا يكفر بها. قال الميموني: قلت: يا أبا عبد الله، تفرق بين الإسلام ~~والإيمان؟ قال: نعم. قلت: بأي شيء تحتج؟ قال: عامة الأحاديث تدل على هذا، ~~ثم قال: " لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن "، وقال الله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا} [الحجرات: 14] . قال: وحماد بن زيد يفرق بين الإسلام والإيمان. ~~قال: وحدثنا أبو سلمة الخزاعي قال: قال مالك وشريك، وذكر قولهم وقول حماد ~~بن زيد: فرق بين الإسلام والإيمان. # قال أحمد: قال لي رجل: لو لم يجئنا في الإيمان إلا هذا لكان حسنا. قلت ~~لأبي عبد الله: فتذهب إلى ظاهر الكتاب مع السنن؟ قال: نعم. قلت: فإذا كانت ~~المرجئة يقولون: إن الإسلام هو القول. قال: هم يصيرون هذا كله واحدا، ~~ويجعلونه مسلما ومؤمنا شيئا واحدا علي إيمان جبريل ومستكمل الإيمان. قلت: ~~فمن هاهنا حجتنا عليهم؟ قال: نعم، فقد ذكر عنه الفرق مطلقا واحتجاجه ~~بالنصوص. # وقال صالح بن أحمد: سئل أبي عن الإسلام والإيمان، قال: قال ابن أبي ذئب: ~~الإسلام: القول، والإيمان: العمل. قيل له: ما تقول أنت؟ قال: الإسلام غير ~~الإيمان، ms264 وذكر حديث سعد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم. فهو في هذا الحديث ~~لم يختر قول من قال: الإسلام: القول، بل أجاب بأن الإسلام غير الإيمان، كما ~~دل عليه الحديث الصحيح مع القرآن. # PageV01P292 # وقال حنبل: حدثنا أبو عبد الله بحديث بريدة: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: " السلام عليكم أهل ~~الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " الحديث، قال: ~~وسمعت أبا عبد الله يقول في هذا الحديث: حجة على من قال: الإيمان قول. فمن ~~قال: أنا مؤمن فقد خالف قوله: من المؤمنين والمسلمين. فبين المؤمن من ~~المسلم، ورد على من قال: أنا مؤمن مستكمل الإيمان، وقوله: " وإنا إن شاء ~~الله بكم لاحقون " وهو يعلم أنه ميت، يشد قول من قال: أنا مؤمن إن شاء الله ~~بالاستثناء في هذا الموضع. # وقال أبو الحارث: سألت أبا عبد الله قلت: قوله: " لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " قال: قد تأولوه، فأما ~~عطاء فقال: يتنحى عنه الإيمان، وقال طاوس: إذا فعل ذلك زال عنه الإيمان. ~~وروي عن الحسن قال: إن رجع راجعه الإيمان، وقد قيل: يخرج من الإيمان إلى ~~الإسلام، ولا يخرج من الإسلام، وروى هذه المسألة صالح، فإن مسائل أبي ~~الحارث يرويها صالح أيضا، وصالح سأل أباه عن هذه القصة فقال فيها: هكذا ~~يروي عن أبي جعفر قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " قال: يخرج من ~~الإيمان إلى الإسلام، فالإيمان مقصور في الإسلام، فإذا زنى خرج من الإيمان ~~إلى الإسلام. قال الزهري يعني لما روى حديث سعد: " أو مسلم ": فنرى أن ~~الإسلام الكلمة، والإيمان العمل. قال أحمد: وهو حديث متأول، والله أعلم. # فقد ذكر أقوال التابعين ولم يرجح شيئا، وذلك والله أعلم لأن جميع ما ~~قالوه حق، وهو يوافق على ذلك كله، كما قد ذكر في مواضع أخر أنه يخرج من ~~الإيمان إلى الإسلام، ونحو ذلك. وأحمد وأمثاله من السلف لا ms265 يريدون بلفظ ~~التأويل صرف اللفظ عن ظاهره، بل التأويل عندهم مثل التفسير، وبيان ما # PageV01P293 # يؤول إليه اللفظ، كقول عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: " سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي ~~" يتأول القرآن، وإلا فما ذكره التابعون لا يخالف ظاهر الحديث بل يوافقه، ~~وقول أحمد يتأوله، أي يفسر معناه، وإن كان ذلك يوافق ظاهره لئلا يظن مبتدع ~~أن معناه: أنه صار كافرا لا إيمان معه بحال، كما تقوله الخوارج، فإن الحديث ~~لا يدل على هذا، والذي نفى عن هؤلاء الإيمان كان يجعلهم مسلمين لا يجعلهم ~~مؤمنين. # قال المروزي: قيل لأبي عبد الله: نقول: نحن المؤمنون؟ فقال: نقول: نحن ~~المسلمون. قلت لأبي عبد الله: نقول: إنا مؤمنون. قال: ولكن نقول: إنا ~~مسلمون، وهذا لأن من أصله الاستثناء في الإيمان؛ لأنه لا يعلم أنه مؤد ~~لجميع ما أمره الله به، فهو مثل قوله: أنا بر، أنا تقي، أنا ولي الله، كما ~~يذكر في موضعه، وهذا لا يمنع ترك الاستثناء إذا أراد: أني مصدق، فإنه يجزم ~~بما في قلبه من التصديق، ولا يجزم بأنه ممتثل لكل ما أمر به، وكما يجزم ~~بأنه يحب الله ورسوله، فإنه يبغض الكفر، ونحو ذلك مما يعلم أنه في قلبه، ~~وكذلك إذا أراد بأنه مؤمن في الظاهر، فلا يمنع أن يجزم بما هو معلوم له، ~~وإنما يكره ما كرهه سائر العلماء من قول المرجئة؛ إذ يقولون: الإيمان شيء ~~متماثل في جميع أهله، مثل كون كل إنسان له رأس، فيقول أحدهم: أنا مؤمن حقا، ~~وأنا مؤمن عند الله، ونحو ذلك، كما يقول الإنسان: لي رأس حقا، وأنا لي رأس ~~في علم الله حقا، فمن جزم به على هذا الوجه، فقد أخرج الأعمال الباطنة ~~والظاهرة عنه، وهذا منكر من القول وزور عند الصحابة والتابعين، ومن اتبعهم ~~من سائر المسلمين، وللناس في مسألة الاستثناء كلام يذكر في موضعه. # والمقصود هنا: أن هنا قولين متطرفين؛ قول من يقول: الإسلام مجرد الكلمة، ~~والأعمال ms266 الظاهرة ليست داخلة في مسمى # PageV01P294 # الإسلام، وقول من يقول: مسمى الإسلام والإيمان واحد، وكلاهما قول ضعيف ~~مخالف لحديث جبريل، وسائر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا لما نصر ~~محمد بن نصر المروزي القول الثاني، لم يكن معه حجة على صحته، ولكن احتج بما ~~يبطل به القول الأول، فاحتج بقوله في قصة الأعراب: {بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} [الحجرات: 17] ، قال: فدل ذلك على أن ~~الإسلام هو الإيمان، فيقال: بل يدل على نقيض ذلك؛ لأن القوم لم يقولوا: ~~أسلمنا، بل قالوا: آمنا، والله أمرهم أن يقولوا: أسلمنا، ثم ذكر تسميتهم ~~بالإسلام فقال: {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} في ~~قولكم: {آمنا} ولو كان الإسلام هو الإيمان لم يحتج أن يقول: {إن كنتم ~~صادقين} ، فإنهم صادقون في قولهم: {أسلمنا} مع أنهم لم يقولوا، ولكن الله ~~قال: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم} أي ~~يمنون عليك ما فعلوه من الإسلام، فالله تعالى سمى فعلهم إسلاما، وليس في ~~ذلك ما يدل على أنهم سموه إسلاما، وإنما قالوا: آمنا، ثم أخبر أن المنة تقع ~~بالهداية إلى الإيمان، فأما الإسلام الذي لا إيمان معه، فكان الناس يفعلونه ~~خوفا من السيف، فلا منة لهم بفعله وإذا لم يمن الله عليهم بالإيمان كان ذلك ~~كإسلام المنافقين فلا يقبله الله منهم، فأما إذا كانوا صادقين في قولهم: ~~آمنا، فالله هو المان عليهم بهذا الإيمان وما يدخل فيه من الإسلام، وهو ~~سبحانه نفي عنهم الإيمان أولا وهنا علق منة الله به على صدقهم فدل على جواز ~~صدقهم. # وقد قيل: إنهم صاروا صادقين بعد ذلك، ويقال: المعلق بشرط لا يستلزم وجود ~~ذلك الشرط، ويقال: لأنه كان معهم إيمان ما. لكن ما هو الإيمان الذي وصفه ~~ثانيا؟ بل معهم شعبة من الإيمان. # قال محمد بن نصر: وقال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ~~له الدين} الآية [البينة: 5] ، وقال: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل ms267 ~~عمران: 19] ، فسمى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة دينا قيما، وسمى الدين ~~إسلاما، فمن لم يؤد الزكاة فقد ترك من الدين القيم الذي أخبر الله أنه عنده ~~الدين وهو الإسلام بعضا. قال: # PageV01P295 # وقد جاء معينا هذه الطائفة التي فرقت بين الإسلام والإيمان على أن ~~الإيمان قول وعمل، وأن الصلاة والزكاة من الإيمان، وقد سماهما الله دينا، ~~وأخبر أن الدين عنده الإسلام فقد سمى الله الإسلام بما سمى به الإيمان، ~~وسمى الإيمان بما سمي به الإسلام، وبمثل ذلك جاءت الأخبار عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. فمن زعم أن الإسلام هو الإقرار وأن العمل ليس منه فقد خالف ~~الكتاب والسنة، ولا فرق بينه وبين المرجئة إذ زعمت أن الإيمان إقرار بلا ~~عمل. # فيقال: أما قوله: إن الله جعل الصلاة والزكاة من الدين، والدين عنده هو ~~الإسلام، فهذا كلام حسن موافق لحديث جبريل، ورده على من جعل العمل خارجا من ~~الإسلام كلام حسن، وأما قوله: إن الله سمى الإيمان بما سمى به الإسلام وسمى ~~الإسلام بما سمى به الإيمان فليس كذلك، فإن الله إنما قال: {إن الدين عند ~~الله الإسلام} [آل عمران: 91] ولم يقل قط: إن الدين عند الله الإيمان، ولكن ~~هذا الدين من الإيمان، وليس إذا كان منه يكون هو إياه، فإن الإيمان أصله ~~معرفة القلب وتصديقه، وقوله، والعمل تابع لهذا العلم والتصديق ملازم له، ~~ولا يكون العبد مؤمنا إلا بهما، وأما الإسلام فهو عمل محض مع قول. والعلم ~~والتصديق ليس جزء مسماه، لكن يلزمه جنس التصديق فلا يكون عمل إلا بعلم، لكن ~~لا يستلزم الإيمان المفصل الذي بينه الله ورسوله، كما قال تعالى: {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15] ، وقوله: {إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ~~ربهم يتوكلون} [الأنفال: 2] . # وسائر النصوص التي تنفي الإيمان عمن لم يتصف بما ذكره، فإن كثيرا من ~~المسلمين مسلم باطنا وظاهرا، ومعه تصديق مجمل، ولم ms268 يتصف بهذا الإيمان، ~~والله تعالى قال: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] ~~، وقال: {ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ولم يقل: ومن يبتغ غير ~~الإسلام علما ومعرفة وتصديقا وإيمانا، ولا قال: رضيت لكم الإسلام تصديقا ~~وعلما، فإن # PageV01P296 # الإسلام من جنس الدين والعمل والطاعة والانقياد والخضوع، فمن ابتغى غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه، والإيمان طمأنينة ويقين، أصله علم وتصديق ~~ومعرفة والدين تابع له، يقال: آمنت بالله وأسلمت لله. قال موسى: {يا قوم إن ~~كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} [يونس: 48] . فلو كان ~~مسماهما واحدا كان هذا تكريرا، وكذلك قوله: {إن المسلمين والمسلمات ~~والمؤمنين والمؤمنات} [الأحزاب: 35] ، كما قال: والصادقين والصابرين ~~والخاشعين، فالمؤمن متصف بهذا كله، لكن هذه الأسماء لا تطابق الإيمان في ~~العموم والخصوص، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم لك أسلمت وبك ~~آمنت، وعليك توكلت وإليك أنبت، وبك خاصمت وإليك حاكمت " كما ثبت في ~~الصحيحين أنه كان يقول ذلك إذا قام من الليل، وثبت في صحيح مسلم وغيره أنه ~~كان يقول في سجوده: " اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت " وفي الركوع ~~يقول: " لك ركعت، ولك أسلمت، وبك آمنت "، ولما بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم خاصة كل منهما قال: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن ~~من أمنه الناس علي دمائهم وأموالهم "، ومعلوم أن السلامة من ظلم الإنسان ~~غير كونه مأمونا على الدم والمال، فإن هذا أعلى، والمأمون يسلم الناس من ~~ظلمه وليس من سلموا من ظلمه يكون مأمونا عندهم. # قال محمد بن نصر: فمن زعم أن الإسلام هو الإقرار، وأن العمل ليس منه، فقد ~~خالف الكتاب والسنة، وهذا صحيح؛ فإن النصوص كلها تدل على أن الأعمال من ~~الإسلام، قال: ولا فرق بينه وبين المرجئة؛ إذ زعمت أن الإيمان إقرار بلا ~~عمل. # فيقال: بل بينهما فرق، وذلك أن هؤلاء الذين قالوه من أهل السنة كالزهري ~~ومن وافقه يقولون: الأعمال داخلة في الإيمان، والإسلام عندهم جزء من ~~الإيمان والإيمان عندهم أكمل، وهذا ms269 موافق للكتاب والسنة. ويقولون: # PageV01P297 # الناس يتفاضلون في الإيمان وهذا موافق للكتاب والسنة، والمرجئة يقولون: ~~الإيمان بعض الإسلام والإسلام أفضل، ويقولون: إيمان الناس متساو فإيمان ~~الصحابة وأفجر الناس سواء، ويقولون: لا يكون مع أحد بعض الإيمان دون بعض، ~~وهذا مخالف للكتاب والسنة. # وقد أجاب أحمد عن هذا السؤال كما قاله في إحدى روايتيه: إن الإسلام هو ~~الكلمة قال الزهري: فإنه تارة يوافق من قال ذلك، وتارة لا يوافقه، بل يذكر ~~ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الإسلام غير الإيمان، فلما أجاب بقول ~~الزهري قال له الميموني: قلت: يا أبا عبد الله، تفرق بين الإسلام والإيمان؟ ~~قال: نعم، قلت: بأي شيء تحتج؟ قال: عامة الأحاديث تدل على هذا، ثم قال: " ~~لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ". ~~وقال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: ~~14] قلت له: فتذهب إلى ظاهر الكتاب مع السنن؟ قال: نعم، قلت: فإذا كانت ~~المرجئة تقول: إن الإسلام هو القول، قال: هم يصيرون هذا كله واحدا ويجعلونه ~~مسلما، ومؤمنا شيئا واحدا على إيمان جبريل، ومستكمل الإيمان، قلت: فمن ~~هاهنا حجتنا عليهم؟ قال: نعم. فقد أجاب أحمد بأنهم يجعلون الفاسق مؤمنا ~~مستكمل الإيمان على إيمان جبريل. # وأما قوله: يجعلونه مسلما ومؤمنا شيئا واحدا، فهذا قول من يقول: الدين ~~والإيمان شيء واحد، فالإسلام هو الدين، فيجعلون الإسلام والإيمان شيئا ~~واحدا، وهذا القول قول المرجئة فيما يذكره كثير من الأئمة، كالشافعي وأبي ~~عبيد وغيرهما، ومع هؤلاء يناظرون، فالمعروف من كلام المرجئة، الفرق بين لفظ ~~الدين والإيمان، والفرق بين الإسلام والإيمان، ويقولون: الإسلام بعضه إيمان ~~وبعضه أعمال، والأعمال منها فرض ونفل، ولكن كلام السلف كان فيما يظهر لهم ~~ويصل إليهم من كلام أهل البدع كما تجدهم في الجهمية، إما يحكون عنهم أن ~~الله في كل مكان، وهذا قول طائفة منهم كالنجارية، وهو قول عوامهم وعبادهم، ~~وأما جمهور نظارهم من الجهمية، والمعتزلة، والضرارية، وغيرهم، # PageV01P298 # فإنما يقولون: هو لا داخل العالم ولا خارجه، ms270 ولا هو فوق العالم. # وكذلك كلامهم في القدرية، يحكون عنهم إنكار العلم والكتابة، وهؤلاء هم ~~القدرية الذين قال ابن عمر فيهم: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم ~~وأنهم برآء مني، وهم الذين كانوا يقولون: إن الله أمر العباد ونهاهم، وهو ~~لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار حتى فعلوا ~~ذلك، فعلمه بعد ما فعلوه؛ ولهذا قالوا: الأمر أنف، أي: مستأنف، يقال: روض ~~أنف إذا كانت وافرة لم ترع قبل ذلك، يعني: أنه مستأنف العلم بالسعيد ~~والشقي، ويبتدأ ذلك من غير أن يكون قد تقدم بذلك علم ولا كتاب، فلا يكون ~~العمل على ما قد قدر فيحتذى به حذو القدر، بل هو أمر مستأنف مبتدأ، والواحد ~~من الناس إذا أراد أن يعمل عملا قدر في نفسه ما يريد عمله، ثم عمله كما قدر ~~في نفسه، وربما أظهر ما قدره في الخارج بصورته، ويسمى هذا التقدير الذي في ~~النفس خلقا، ومنه قول الشاعر. # ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض الناس يخلق ثم لا يفرى # يقول: إذا قدرت أمرا أمضيته وأنفذته، بخلاف غيرك فإنه عاجز عن إمضاء ما ~~يقدره، وقال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49] وهو سبحانه يعلم ~~قبل أن يخلق الأشياء كل ما سيكون، وهو يخلق بمشيئته فهو يعلمه ويريده، ~~وعلمه وإرادته قائم بنفسه، وقد يتكلم به ويخبر به كما في قوله: {لأملأن ~~جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} [ص: 85] ، وقال: {ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لكان لزاما وأجل مسمى} [طه: 129] ، وقال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 171: 173] ~~، وقال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لقضي بينهم} [هود: 110] ، وهو سبحانه كتب ما يقدره فيما يكتبه فيه، كما ~~قال: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك ~~على الله يسير} # PageV01P299 # [الحج: 70] قال ابن عباس: إن الله خلق الخلق وعلم ما هم عاملون ثم ms271 قال ~~لعلمه: كن كتابا، فكان كتابا، ثم أنزل تصديق ذلك في قوله: {ألم تعلم أن ~~الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} وقال ~~تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأها إن ذلك على الله يسير} [الحديد: 22] ، وقال: {ولقد كتبنا في الزبور ~~من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] ، وقال: ~~{يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] ، وقال للملائكة: ~~{إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30] ، فالملائكة ~~قد علمت ما يفعل بنوا آدم من الفساد وسفك الدماء، فكيف لا يعلمه الله، سواء ~~علموه بإعلام الله، فيكون هو أعلم بما علمهم إياه، كما قاله أكثر المفسرين ~~أو قالوه بالقياس على من كان قبلهم، كما قاله طائفة منهم، أو بغير ذلك، ~~والله أعلم بما سيكون من مخلوقاته الذين لا علم لهم إلا ما علمهم، وما ~~أوحاه إلى أنبيائه وغيرهم مما سيكون هو أعلم به منهم، فإنهم لا يحيطون بشيء ~~من علمه إلا بما شاء. # وأيضا، فإنه قال للملائكة: {إني جاعل في الأرض خليفة} قبل أن يأمرهم ~~بالسجود لآدم، وقبل أن يمتنع إبليس، وقبل أن ينهى آدم عن أكله من الشجرة، ~~وقبل أن يأكل منها ويكون أكله سبب إهباطه إلى الأرض، فقد علم الله سبحانه ~~أنه سيستخلفه مع أمره له ولإبليس بما يعلم أنهما يخالفانه فيه، ويكون ~~الخلاف سبب أمره لهما بالإهباط إلى الأرض والاستخلاف في الأرض. # وهذا يبين أنه علم ما سيكون منهما من مخالفة الأمر، فإن إبليس امتنع من ~~السجود لآدم، وأبغضه فصار عدوه، فوسوس له حتى يأكل من الشجرة فيذنب آدم ~~أيضا فإنه قد تألى أنه ليغوينهم أجمعين، وقد سأل الإنظار إلى يوم يبعثون ~~فهو حريص على إغواء آدم وذريته بكل ما أمكنه، لكن آدم تلقى من ربه كلمات ~~فتاب عليه ms272 واجتباه ربه وهداه بتوبته، فصار لبني آدم سبيل إلى نجاتهم ~~وسعادتهم # PageV01P300 # مما يوقعهم الشيطان فيه بالإغواء، وهو التوبة، قال تعالى: {ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات} [الأحزاب: 73] # وقدر الله قد أحاط بهذا كله قبل أن يكون، وإبليس أصر على الذنب، واحتج ~~بالقدر، وسأل الإنظار ليهلك غيره، وآدم تاب وأناب، وقال هو وزوجته: {ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] ، ~~فتاب الله عليه فاجتباه وهداه، وأنزله إلى الأرض ليعمل فيها بطاعته، فيرفع ~~الله بذلك درجته، ويكون دخوله الجنة بعد هذا أكمل مما كان، فمن أذنب من ~~أولاد آدم فاقتدى بأبيه آدم في التوبة كان سعيدا، وإذا تاب وآمن وعمل صالحا ~~بدل الله سيئاته حسنات، وكان بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة، كسائر ~~أولياء الله المتقين، ومن اتبع منهم إبليس فأصر على الذنب، واحتج بالقدر، ~~وأراد أن يغوى غيره كان من الذين قال فيهم: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين} [ص: 85] . # والمقصود هنا ذكر القدر، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء "، وفي صحيح البخاري ~~عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان الله ولم ~~يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات ~~والأرض "، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه أخبر: ~~" أن الله قد علم أهل الجنة من أهل النار، وما يعمله العباد قبل أن يعملوه ~~". # وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود: " إن الله يبعث ملكا بعد خلق الجسد ~~وقبل نفخ الروح فيه، فيكتب أجله ورزقه وعمله، وشقي أو سعيد ". وهذه ~~الأحاديث تأتي إن شاء الله في مواضعها، فهذا القدر هو الذي أنكره القدرية ~~الذين كانوا في أواخر زمن الصحابة. وقد روي أن أول من ms273 ابتدعه بالعراق رجل ~~من أهل البصرة يقال له: سيسويه من أبناء المجوس، وتلقاه عنه معبد الجهني، ~~ويقال: أول ما حدث في الحجاز لما احترقت الكعبة، فقال رجل: احترقت بقدر ~~الله تعالى فقال آخر: لم يقدر الله هذا. ولم يكن على عهد # PageV01P301 # الخلفاء الراشدين أحد ينكر القدر، فلما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رده ~~عليهم من بقى من الصحابة، كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وواثلة بن ~~الأسقع، وكان أكثره بالبصرة والشام، وقليل منه بالحجاز، فأكثر كلام السلف ~~في ذم هؤلاء القدرية؛ ولهذا قال وكيع بن الجراح: القدرية يقولون: الأمر ~~مستقبل، وأن الله لم يقدر الكتابة والأعمال، والمرجئة يقولون: القول يجزئ ~~من العمل، والجهمية يقولون: المعرفة تجزئ من القول والعمل. قال وكيع: وهو ~~كله كفر ورواه ابن. . . # ولكن لما اشتهر الكلام في القدر، ودخل فيه كثير من أهل النظر والعباد، ~~صار جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم، وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق. ~~وعن عمرو بن عبيد في إنكار الكتاب المتقدم روايتان. وقول أولئك كفرهم عليه ~~مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم. وأما هؤلاء فهم مبتدعون ضالون، لكنهم ليسوا ~~بمنزلة أولئك، وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء والعباد كتب عنهم العلم. ~~وأخرج البخاري ومسلم لجماعة منهم، لكن من كان داعية إليه لم يخرجوا له. ~~وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره: أن من كان داعية إلى بدعة فإنه ~~يستحق العقوبة لدفع ضرره عن الناس، وإن كان في الباطن مجتهدا، وأقل عقوبته ~~أن يهجر، فلا يكون له مرتبة في الدين لا يؤخذ عنه العلم ولا يستقضى، ولا ~~تقبل شهادته، ونحو ذلك. ومذهب مالك قريب من هذا؛ ولهذا لم يخرج أهل الصحيح ~~لمن كان داعية، ولكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى في ~~الباطن رأى القدرية، والمرجئة والخوارج، والشيعة. # وقال أحمد: لو تركنا الرواية عن القدرية لتركنا أكثر أهل البصرة، وهذا ~~لأن مسألة خلق أفعال العباد، وإرادة الكائنات مسألة مشكلة. وكما أن القدرية ~~من المعتزلة وغيرهم أخطؤوا فيها، فقد أخطأ فيها كثير ms274 ممن رد عليهم أو ~~أكثرهم، فإنهم سلكوا في الرد عليهم مسلك جهم بن صفوان، وأتباعه، فنفوا حكمة ~~الله في خلقه وأمره، ونفوا رحمته بعباده، ونفوا ما جعله من الأسباب خلقا ~~وأمرا، # PageV01P302 # وجحدوا من الحقائق الموجودة في مخلوقاته وشرائعه ما صار ذلك سببا لنفور ~~أكثر العقلاء الذين فهموا قولهم عما يظنونه السنة، إذ كانوا يزعمون أن قول ~~أهل السنة في القدر هو القول الذي ابتدعه جهم، وهذا لبسطه موضع آخر. # وإنما المقصود هنا أن السلف في ردهم على المرجئة والجهمية والقدرية ~~وغيرهم، يردون من أقوالهم ما يبلغهم عنهم وما سمعوه من بعضهم. وقد يكون ذلك ~~قول طائفة منهم، وقد يكون نقلا مغيرا. فلهذا ردوا على المرجئة الذين يجعلون ~~الدين والإيمان واحدا، ويقولون هو القول. وأيضا، فلم يكن حدث في زمنهم من ~~المرجئة من يقول: الإيمان هو مجرد القول بلا تصديق ولا معرفةفي القلب. فإن ~~هذا إنما أحدثه ابن كرام، وهذا هو الذي انفرد به ابن كرام. وأما سائر ما ~~قاله، فأقوال قيلت قبله، ولهذا لم يذكر الأشعري، ولا غيره ممن يحكى مقالات ~~الناس عنه قولا انفرد به إلا هذا. # وأما سائر أقواله فيحكونها عن ناس قبله ولا يذكرونه، ولم يكن ابن كرام في ~~زمن أحمد بن حنبل، وغيره من الأئمة؛ فلهذا يحكون إجماع الناس على خلاف هذا ~~القول، كما ذكر ذلك أبو عبد الله أحمد بن حنبل وأبو ثور وغيرهما. وكان قول ~~المرجئة قبله: إن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب، وقول جهم: إنه تصديق ~~القلب، فلما قال ابن كرام: إنه مجرد قول اللسان صارت أقوال المرجئة ثلاثة، ~~لكن أحمد كان أعلم بمقالات الناس من غيره، فكان يعرف قول الجهمية في ~~الإيمان، وأما أبو ثور، فلم يكن يعرفه، ولا يعرف إلا مرجئة الفقهاء، فلهذا ~~حكى الإجماع على خلاف قول الجهمية والكرامية. # قال أبو ثور في رده على المرجئة كما روى ذلك أبو القاسم الطبري اللالكائي ~~وغيره عن إدريس بن عبد الكريم قال: سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن ~~الإيمان وما ms275 هو، أيزيد وينقص؟ وقول هو أو قول وعمل؟ أو تصديق وعمل؟ فأجابه ~~أبو ثور بهذا فقال: سألت رحمك الله وعفا عنا وعنك عن الإيمان ما هو، يزيد ~~وينقص؟ وقول هو أو قول وعمل أو تصديق وعمل؟ فأخبرك بقول الطوائف واختلافهم. # PageV01P303 # اعلم يرحمنا الله وإياك أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل ~~بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله عز ~~وجل واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق، وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد ~~قلبي على شيء من هذا، ولا أصدق به أنه ليس بمسلم، ولو قال: المسيح هو الله ~~وجحد أمر الإسلام، ثم قال: لم يعقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ~~ذلك وليس بمؤمن، فلما لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمنا، ولا ~~بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمنا، حتى يكون مصدقا بقلبه مقرا بلسانه، ~~فإذا كان تصديقا بالقلب وإقرارا باللسان، كان عندهم مؤمنا، وعند بعضهم لا ~~يكون مؤمنا حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت مؤمنا، ~~فلما نفوا أن يكون الإيمان بشيء واحد، وقالوا: يكون بشيئين في قول بعضهم، ~~وثلاثة أشياء في قول غيرهم. لم يكن مؤمنا إلا بما أجمعوا عليه من هذه ~~الثلاثة الأشياء، وذلك أنه إذا جاء بهذه الثلاثة الأشياء، فكلهم يشهد أنه ~~مؤمن، فقلنا بما أجمعوا عليه من التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل ~~بالجوارح. # فأما الطائفة التي ذهبت إلى أن العمل ليس من الإيمان، فيقال لهم: ماذا ~~أراد الله من العباد إذ قال لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، الإقرار بذلك ~~أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل، فقد ~~كفرت عند أهل العلم من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا ~~الزكاة؟ وإن قالت: أراد منهم الإقرار قيل: فإذا كان أراد منهم الأمرين ~~جميعا لم زعمتم أنه يكون مؤمنا بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعا؟ ~~أرأيتم لو أن رجلا قال: ms276 أعمل جميع ما أمر به الله ولا أقر به، أيكون مؤمنا؟ ~~فإن قالوا: لا. قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به، ولا أعمل به، ~~أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: نعم. قيل: ما الفرق؟ فقد زعمتم أن الله أراد ~~الأمرين جميعا، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون ~~بالآخر إذا عمل به ولم يقر مؤمنا، لا فرق بين ذلك. فإن احتج فقال: لو أن ~~رجلا أسلم فأقر بجميع ما # PageV01P304 # جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أيكون مؤمنا بهذا الإقرار قبل أن يجيء ~~وقت عمل؟ قيل له: إنما يطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله ~~في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنا، ~~ولو قال: أقر ولا أعمل لم يطلق عليه اسم الإيمان. # قلت يعني الإمام أبو ثور رحمه الله: إنه لا يكون مؤمنا إلا إذا التزم ~~بالعمل مع الإقرار، وإلا فلو أقر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمنا. وهذا ~~الاحتجاج الذي ذكره أبو ثور هو دليل على وجوب الأمرين: الإقرار والعمل، وهو ~~يدل على أن كلا منهما من الدين، وأنه لا يكون مطيعا لله، ولا مستحقا للثواب ~~ولا ممدوحا عند الله ورسوله إلا بالأمرين جميعا، وهو حجة على من يجعل ~~الأعمال خارجة عن الدين والإيمان جميعا. وأما من يقول: إنها من الدين، ~~ويقول: إن الفاسق مؤمن حيث أخذ ببعض الدين وهو الإيمان عندهم، وترك بعضه؛ ~~فهذا يحتج عليه بشيء آخر، لكن أبو ثور وغيره من علماء السنة عامة احتجاجهم ~~مع هذا الصنف، وأحمد كان أوسع علما بالأقوال والحجج من أبي ثور. ولهذا إنما ~~حكى الإجماع على خلاف قول الكرامية، ثم إنه تورع في النطق على عادته، ولم ~~يجزم بنفي الخلاف؛ لكن قال: لا أحسب أحدا يقول هذا، وهذا في رسالته إلى أبي ~~عبد الرحيم الجوزجاني، ذكرها الخلال في كتاب [السنة] ، وهو أجمع كتاب يذكر ~~فيه أقوال أحمد في مسائل الأصول الدينية، وإن كان ms277 له أقوال زائدة على ما ~~فيه، كما أن كتابه في العلم أجمع كتاب يذكر فيه أقوال أحمد في الأصول ~~الفقهية. # قال المروزي: رأيت أبا عبد الرحيم الجوزجاني عند أبي عبد الله، وقد كان ~~ذكره أبو عبد الله فقال: كان أبوه مرجئا، أو قال: صاحب رأي. وأما أبو عبد ~~الرحيم فأثنى عليه، وقد كان كتب إلى أبي عبد الله من خراسان يسأله عن ~~الإيمان وذكر الرسالة من طريقين عن أبي عبد الرحيم، # وجواب أحمد: # بسم الله الرحمن الرحيم. أحسن الله إلينا وإليك في الأمور كلها، وسلمنا ~~وإياك من كل شر برحمته، أتاني كتابك تذكرما تذكر من احتجاج من احتج من # PageV01P305 # المرجئة. واعلم رحمك الله أن الخصومة في الدين ليست من طريق أهل السنة، ~~وأن تأويل من تأول القرآن بلا سنة تدل على معنى ما أراد الله منه، أو أثر ~~عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعرف ذلك بما جاء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أوعن أصحابه، فهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وشهدوا ~~تنزيله، وما قصه الله له في القرآن، وماعني به، وما أراد به أخاص هو أم ~~عام، فأما من تأوله على ظاهره بلا دلالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا أحد من الصحابة، فهذا تأويل أهل البدع؛ لأن الآية قد تكون خاصة ويكون ~~حكمها حكما عاما، ويكون ظاهرهاعلى العموم، وإنما قصدت لشيء بعينه، ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هو المعبر عن كتاب الله وما أراد، وأصحابه أعلم ~~بذلك منا، لمشاهدتهم الأمر وما أريد بذلك، فقد تكون الآية خاصة، أي معناها ~~مثل قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: ~~11] وظاهرها على العموم، أي من وقع عليه اسم ولد فله ما فرض الله، فجاءت ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يرث مسلم كافرا. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بالثبت إلا أنه عن أصحابه أنهم لم ~~يورثوا قاتلا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ms278 المعبر عن الكتاب أن ~~الآية إنما قصدت للمسلم لا للكافر، ومن حملها على ظاهرها لزمه أن يورث من ~~وقع عليه اسم الولد كافرا كان أو قاتلا، وكذلك أحكام الوارث من الأبوين ~~وغير ذلك مع آي كثير يطول بها الكتاب، وإنما استعملت الأمة السنة من النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه، إلا من دفع ذلك من أهل البدع والخوارج وما ~~يشبههم، فقد رأيت إلى ما خرجوا. # قلت: لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة، كالشافعي وأحمد، ~~وأبي عبيد وإسحاق وغيرهم سواء، لا يريدون بالمجمل ما لا يفهم منه، كما فسره ~~به بعض المتأخرين وأخطأ في ذلك، بل المجمل ما لا يكفي وحده في العمل به وإن ~~كان ظاهره حقا، كما في قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها} [التوبة: 103] ، فهذه الآية ظاهرها ومعناها مفهوم، # PageV01P306 # ليست مما لا يفهم المراد به، بل نفس ما دلت عليه لا يكفي وحده في العمل ~~فإن المأمور به صدقة تكون مطهرة مزكية لهم، وهذا إنما يعرف ببيان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال أحمد يحذر المتكلم في الفقه هذين الأصلين: ~~المجمل والقياس. وقال: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، يريد ~~بذلك ألا يحكم بما يدل عليه العام والمطلق قبل النظر فيما يخصه ويقيده، ولا ~~يعمل بالقياس قبل النظر في دلالة النصوص هل تدفعه، فإن أكثر خطأ الناس ~~تمسكهم بما يظنونه من دلالة اللفظ والقياس، فالأمور الظنية لا يعمل بها حتى ~~يبحث عن المعارض بحثا يطمئن القلب إليه، وإلا أخطأ من لم يفعل ذلك. وهذا هو ~~الواقع في المتمسكين بالظواهر والأقيسة؛ ولهذا جعل الاحتجاج بالظواهر مع ~~الإعراض عن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طريق أهل البدع، وله في ~~ذلك مصنف كبير. # وكذلك التمسك بالأقيسة مع الإعراض عن النصوص والآثار طريق أهل البدع؛ ~~ولهذا كان كل قول ابتدعه هؤلاء قولا فاسدا، وإنما الصواب من أقوالهم ما ~~وافقوا فيه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وقوله تعالى: {يوصيكم ~~الله في ms279 أولادكم} [النساء: 11] سماه عاما وهو مطلق في الأحوال، يعمها على ~~طريق البدل، كما يعم قوله: {فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] جميع الرقاب، لا ~~يعمها كما يعم لفظ الولد للأولاد، ومن أخذ بهذا لم يأخذ بما دل عليه ظاهر ~~لفظ القرآن، بل أخذ بما ظهر له مما سكت عنه القرآن، فكان الظهور لسكوت ~~القرآن عنه، لا لدلالة القرآن على أنه ظاهر، فكانوا متمسكين بظاهر من القول ~~لا بظاهر القول، وعمدتهم عدم العلم بالنصوص التي فيها علم بما قيد، وإلا ~~فكل ما بينه القرآن وأظهره فهو حق، بخلاف ما يظهر للإنسان لمعنى آخر غير ~~نفس القرآن يسمى ظاهر القرآن. كاستدلالات أهل البدع من المرجئة والجهمية ~~والخوارج والشيعة. # قال أحمد: وأما من زعم أن الإيمان الإقرار، فما يقول في المعرفة؟ هل ~~يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقا بما عرف؟ فإن زعم ~~أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فلقد زعم أنه من شيئين، وإن زعم أنه ~~يحتاج أن # PageV01P307 # يكون مقرا ومصدقا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء، وإن جحد وقال: لا يحتاج ~~إلى المعرفة والتصديق، فقد قال قولا عظيما، ولا أحسب أحدا يدفع المعرفة ~~والتصديق وكذلك العمل مع هذه الأشياء. # قلت: أحمد وأبو ثور وغيرهما من الأئمة كانوا قد عرفوا أصل قول المرجئة، ~~وهو: أن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه، فلا يكون إلا شيئا واحدا فلا ~~يكون ذا عدد؛ اثنين أو ثلاثة، فإنه إذا كان له عدد، أمكن ذهاب بعضه وبقاء ~~بعضه، بل لا يكون إلا شيئا واحدا، ولهذا قالت الجهمية: إنه شيء واحد في ~~القلب. وقالت الكرامية: إنه شيء واحد على اللسان، كل ذلك فرارا من تبعض ~~الإيمان وتعدده، فلهذا صاروا يناظرونهم بما يدل على أنه ليس شيئا واحدا، ~~كما قلتم، فأبو ثور احتج بما اجتمع عليه الفقهاء المرجئة، من أنه تصديق ~~وعمل، ولم يكن بلغه قول متكلميهم وجهميتهم، أو لم يعد خلافهم خلافا، وأحمد ~~ذكر أنه لابد من المعرفة والتصديق مع الإقرار، وقال: إن من جحد المعرفة ~~والتصديق فقد ms280 قال قولا عظيما، فإن فساد هذا القول معلوم من دين الإسلام؛ ~~ولهذا لم يذهب إليه أحد قبل الكرامية، مع أن الكرامية لا تنكر وجوب المعرفة ~~والتصديق، ولكن تقول: لا يدخل في اسم الإيمان حذرا من تبعضه وتعدده؛ لأنهم ~~رأوا أنه لا يمكن أن يذهب بعضه ويبقى بعضه، بل ذلك يقتضي أن يجتمع في القلب ~~إيمان وكبر، واعتقدوا الإجماع على نفي ذلك، كما ذكر هذا الإجماع الأشعري ~~وغيره. # وهذه الشبهة التي أوقعتهم مع علم كثير منهم وعبادته وحسن إسلامه وإيمانه؛ ~~ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين؛ ولهذا لم ~~يكفر أحد من السلف أحدا من مرجئة الفقهاء بل جعلوا هذا من بدع الأقوال ~~والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ ~~المطابق للكتاب والسنة هو الصواب فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، ~~لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم وإلى ~~ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببا لخطأ عظيم # PageV01P308 # في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء، حتى قال إبراهيم ~~النخعي: لفتنتهم يعني المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة. وقال ~~الزهري: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء، وقال ~~الأوزاعي: كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: ليس شيء من الأهواء أخوف ~~عندهم على الأمة من الإرجاء، وقال شريك القاضي وذكر المرجئة فقال: هم أخبث ~~قوم، حسبك بالرافضة خبثا، ولكن المرجئة يكذبون على الله. وقال سفيان ~~الثوري: تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابري وقال قتادة: إنما حدث ~~الإرجاء بعد فتنة فرقة ابن الأشعث. # وسئل ميمون بن مهران عن كلام المرجئة، فقال: أنا أكبر من ذلك، وقال سعيد ~~بن جبير لذر الهمداني: ألا تستحي من رأى أنت أكبر منه؟ ! وقال أيوب ~~السختياني: أنا أكبر من دين المرجئة، إن أول من تكلم في الإرجاء رجل من أهل ~~المدينة من بني هاشم يقال له: الحسن. وقال ms281 زاذان: أتينا الحسن بن محمد ~~فقلنا: ما هذا الكتاب الذي وضعت؟ وكان هو الذي أخرج كتاب المرجئة، فقال لي: ~~يا أبا عمر، لوددت أني كنت مت قبل أن أخرج هذا الكتاب أو أضع هذا الكتاب، ~~فإن الخطأ في اسم الإيمان ليس كالخطأ في اسم محدث ولا كالخطأ في غيره من ~~الأسماء، إذ كانت أحكام الدنيا والآخرة متعلقة باسم الإيمان والإسلام ~~والكفر والنفاق. # وأحمد رضي الله عنه فرق بين المعرفة التي في القلب وبين التصديق الذي في ~~القلب، فإن تصديق اللسان هو الإقرار، وقد ذكر ثلاثة أشياء، وهذا يحتمل ~~شيئين: يحتمل أن يفرق بين تصديق القلب ومعرفته، وهذا قول ابن كلاب ~~والقلانسي، والأشعري وأصحابه يفرقون بين معرفة القلب وبين تصديق القلب، فإن ~~تصديق القلب قوله. وقول القلب عندهم ليس هو العلم، بل نوعا آخر؛ ولهذا قال ~~أحمد: هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج إلى أن # PageV01P309 # يكون مصدقا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم ~~أنه من شيئين، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرا ومصدقا بما عرف فهو من ثلاثة ~~أشياء، فإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق، فقد أتى عظيما ولا ~~أحسب امرءا يدفع المعرفة والتصديق. # والذين قالوا: الإيمان هو الإقرار. فالإقرار باللسان يتضمن التصديق ~~باللسان. والمرجئة لم تختلف أن الإقرار باللسان فيه التصديق، فعلم أنه أراد ~~تصديق القلب ومعرفته مع الإقرار باللسان، إلا أن يقال: أراد تصديق القلب ~~واللسان جميعا مع المعرفة والإقرار، ومراده بالإقرار الالتزام لا التصديق، ~~كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} [آل عمران: 81] ، ~~فالميثاق المأخوذ على أنهم يؤمنون به وينصرونه، وقد أمروا بهذا، وليس هذا ~~الإقرار تصديقا، فإن الله تعالى لم يخبرهم بخبر، بل أوجب عليهم إذا جاءهم ~~ذلك الرسول أن يؤمنوا به وينصروه. فصدقوا بهذا الإقرار والتزموه، ms282 فهذا هو ~~إقرارهم. والإنسان قد يقر للرسول، بمعنى: أنه يلتزم ما يأمر به مع غير ~~معرفة، ومن غير تصديق له بأنه رسول الله، لكن لم يقل أحد من المرجئة: إن ~~هذا الإقرار يكون إيمانا، بل لابد عندهم من الإقرار الخبري وهو أنه يقر له ~~بأنه رسول الله كما يقر المقر بما يقر به من الحقوق، ولفظ الإقرار يتناول ~~الالتزام والتصديق، ولابد منهما، وقد يراد بالإقرار مجرد التصديق بدون ~~التزام الطاعة، والمرجئة تارة يجعلون هذا هو الإيمان وتارة يجعلون الإيمان ~~التصديق والالتزام معا، هذا هو الإقرار الذي يقوله فقهاء المرجئة: إنه ~~إيمان، وإلا لو قال: أنا أطيعه ولا أصدق أنه رسول الله، أو أصدقه ولا ألتزم ~~طاعته، لم يكن مسلما ولا مؤمنا عندهم. # وأحمد قال: لابد مع هذا الإقرار أن يكون مصدقا، وأن يكون عارفا، وأن يكون ~~مصدقا بما عرف. وفي رواية أخرى: مصدقا بما أقر، وهذا يقتضي أنه # PageV01P310 # لابد من تصديق باطن، ويحتمل أن يكون لفظ التصديق عنده يتضمن القول والعمل ~~جميعا، كما قد ذكرنا شواهده أنه يقال: صدق بالقول والعمل. فيكون تصديق ~~القلب عنده يتضمن أنه مع معرفة قلبه أنه رسول الله قد خضع له وانقاد، فصدقه ~~بقول قلبه وعمل قلبه محبة وتعظيما، وإلا فمجرد معرفة قلبه أنه رسول الله مع ~~الإعراض عن الانقياد له ولما جاء به إما حسدا وإما كبرا، وإما لمحبة دينه ~~الذي يخالفه وإما لغير ذلك، فلا يكون إيمانا، ولابد في الإيمان من علم ~~القلب وعمله، فأراد أحمد بالتصديق أنه مع المعرفة به صار القلب مصدقا له، ~~تابعا له، محبا له، معظما له، فإن هذا لابد منه، ومن دفع هذا عن أن يكون من ~~الإيمان، فهو من جنس من دفع المعرفة من أن تكون من الإيمان، وهذا أشبه ~~بأنيحمل عليه كلام أحمد؛ لأن وجوب انقياد القلب مع معرفته ظاهر ثابت بدلائل ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل ذلك معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ومن ~~نازع من الجهمية في أن انقياد القلب من الإيمان فهو كمن نازع ms283 من الكرامية ~~في أن معرفة القلب من الإيمان فكان حمل كلام أحمد على هذا هو المناسب ~~لكلامه في هذا المقام. # وأيضا، فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن ~~الانقياد الذي يجعل قول القلب أمر دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه، وبتقدير ~~صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما، وأكثر الناس ~~لايتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون: إن ما قاله ابن كلاب، ~~والأشعري من الفرق، كلام باطل لا حقيقة له، وكثير من أصحابه اعترف بعدم ~~الفرق، وعمدتهم من الحجة إنما هو خبر الكاذب، قالوا: ففي قلبه خبر بخلاف ~~علمه، فدل على الفرق. فقال لهم الناس: ذاك بتقدير خبر وعلم ليس هو علما ~~حقيقيا ولا خبرا حقيقيا، ولما أثبتوه من قول القلب المخالف للعلم والإرادة، ~~إنما يعود إلى تقدير علوم وإرادات لا إلى جنس آخر يخالفها. # ولهذا قالوا: إن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بقلبه خبر بخلاف علمه، وإنما ~~يمكنه أن يقول ذلك بلسانه، وأما أنه يقوم بقلبه خبر بخلاف ما يعلمه، فهذا # PageV01P311 # غير ممكن، وهذا مما استدلوا به على أن الرب تعالى لا يتصور قيام ~~الكذببذاته؛ لأنه بكل شيء عليم، ويمتنع قيام معنى يضاد العلم بذات العالم، ~~والخبر النفساني الكاذب يضاد العلم. # فيقال لهم: الخبر النفساني لو كان خلافا للعلم لجاز وجود العلم مع ضده ~~كما يقولون مثل ذلك في مواضع كثيرة، وهي من أقوى الحجج التي يحتج بها ~~القاضي أبو بكر وموافقوه في مسألة العقل وغيرها، كالقاضي أبي يعلى، وأبي ~~محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي الطيب، وأبي الوليد الباجي، وأبي ~~الخطاب، وابن عقيل وغيرهم، فيقولون: العقل نوع من العلم، فإنه ليس بضد له، ~~فإن لم يكن نوعا منه كان خلافا له، ولو كان خلافا لجاز وجوده مع ضد العقل، ~~وهذه الحجة وإن كانت ضعيفة كما ضعفها الجمهور، وأبو المعالي الجويني ممن ~~ضعفها فإن ما كان مستلزما لغيره لم يكن ضدا له، إذ قد اجتمعا، وليس هو من ~~نوعه، ms284 بل هو خلاف له على هذا الاصطلاح الذي يقسمون فيه كل اثنين إلى أن ~~يكونا مثلين، أو خلافين أو ضدين، فالملزوم كالإرادة مع العلم أو كالعلم مع ~~الحياة، ونحو ذلك ليس ضدا ولا مثلا، بل هو خلاف، ومع هذا فلا يجوز وجوده مع ~~ضد اللازم، فإن ضد اللازم ينافيه، ووجود الملزوم بدون اللازم محال، كوجود ~~الإرادة بدون العلم، والعلم بدون الحياة، فهذان خلافان عندهم، ولا يجوز ~~وجود أحدهما مع ضد الآخر. # كذلك العلم هو مستلزم للعقل، فكل عالم عاقل، والعقل شرط في العلم، فليس ~~مثلا له ولا ضدا ولا نوعا منه، ومع هذا لا يجوز وجوده مع ضد العقل، لكن هذه ~~الحجة تقال لهم في العلم مع كلام النفس الذي هو الخبر، فإنه ليس ضدا ولا ~~مثلا، بل خلافا، فيجوز وجود العلم مع ضد الخبر الصادق وهو الكاذب، فبطلت ~~تلك الحجة على امتناع الكذب النفساني من العالم، وبسط هذا له موضع آخر. # والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن ~~الرسول صادق وبين تصديق قلبه تصديقا مجردا عن انقياد وغيره من أعمال القلب ~~بأنه صادق. # PageV01P312 # ثم احتج الإمام أحمد على أن الأعمال من الإيمان بحجج كثيرة، فقال: وقد ~~سأل وفد عبد القيس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: " شهادة ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ~~وصوم رمضان، وأن تعطوا خمسا من المغنم "، فجعل ذلك كله من الإيمان. قال: ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الحياء شعبة من الإيمان "، وقال: " أكمل ~~المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا "، وقال: " إن البذاذة من الإيمان ". وقال: " ~~الإيمان بضع وستون شعبة، فأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول لا ~~إله إلا الله " مع أشياء كثيرة، منها: " أخرجوا من النار من كان في قلبه ~~مثقال ذرة من إيمان "، وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة ~~المنافق: " ثلاث من كن فيه فهو منافق " مع حجج كثيرة. وما روى عن النبي ms285 صلى ~~الله عليه وسلم في تارك الصلاة وعن أصحابه من بعده، ثم ما وصف الله تعالى ~~في كتابه من زيادة الإيمان في غير موضع، مثل قوله: {هو الذي أنزل السكينة ~~في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: 4] ، وقال: {ليستيقن ~~الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا} [المدثر: 31] ، وقال: {وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} [الأنفال: 2] ، وقال تعالى: {فمنهم من ~~يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} ~~[التوبة: 124] ، وقال: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في # PageV01P313 # سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15] ، وقال تعالى: {فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] ، وقال تعالى: {فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11] ، ~~وقال: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة: 5] . # قال أحمد: ويلزمه أن يقول: هو مؤمن بإقراره، وإن أقر بالزكاة في الجملة ~~ولم يجد في كل مائتي درهم خمسة، أنه مؤمن، فيلزمه أن يقول: إذا أقر ثم شد ~~الزنار في وسطه وصلى للصليب وأتى الكنائس والبيع وعمل الكبائر كلها إلا أنه ~~في ذلك مقر بالله؛ فيلزمه أن يكون عنده مؤمنا، وهذه الأشياء من أشنع ما ~~يلزمهم. # قلت: هذا الذي ذكره الإمام أحمد من أحسن ما احتج الناس به عليهم، جمع في ~~ذلك جملا يقول غيره بعضها، وهذا الإلزام لا محيد لهم عنه. ولهذا لما عرف ~~متكلمهم مثل جهم ومن وافقه أنه لازم التزموه، وقالوا: لو فعل ما فعل من ~~الأفعال الظاهرة لم يكن بذلك كافرا في الباطن، لكن يكون دليلا على الكفر في ~~أحكام الدنيا، فإذا احتج عليهم بنصوص تقتضي أنه يكون كافرا في الآخرة. ~~قالوا: فهذه النصوص تدل على أنه في الباطن ليس معه من معرفة الله شيء، ~~فإنها عندهم شيء واحد، فخالفوا صريح المعقول وصريح الشرع. # وهذا القول مع فساده عقلا وشرعا، ومع كونه عند التحقيق لا يثبت إيمانا، ~~فإنهم جعلوا الإيمان شيئا ms286 واحدا لا حقيقة له. كما قالت الجهمية ومن وافقهم ~~مثل ذلك في وحدة الرب: إنه ذات بلا صفات، وقالوا بأن القرآن مخلوق، وأن ~~الله لا يرى في الآخرة، وما يقوله ابن كلاب من وحدة الكلام وغيره من ~~الصفات. # فقولهم في الرب وصفاته وكلامه والإيمان به يرجع إلى تعطيل محض، وهذا قد ~~وقع فيه طوائف كثيرة من المتأخرين المنتسبين إلى السنة والفقه والحديث ~~المتبعين للأئمة الأربعة، المتعصبين للجهمية والمعتزلة بل وللمرجئة أيضا، ~~لكن لعدم معرفتهم بالحقائق التي نشأت منها البدع يجمعون بين الضدين، ولكن ~~من # PageV01P314 # رحمة الله بعباده المسلمين أن الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدق، مثل ~~الأئمة الأربعة وغيرهم؛ كمالك، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، ~~وكالشافعي وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، كانوا ~~ينكرون على أهل الكلام من الجهمية قولهم في القرآن والإيمان وصفات الرب، ~~وكانوا متفقين على ما كان عليه السلف من أن الله يرى في الآخرة، وأن القرآن ~~كلام الله غير مخلوق، وأن الإيمان لابد فيه من تصديق القلب واللسان، فلو ~~شتم الله ورسوله كان كافرا باطنا وظاهرا عندهم كلهم، ومن كان موافقا لقول ~~جهم في الإيمان بسبب انتصار أبي الحسن لقوله في الإيمان، يبقى تارة يقول ~~بقول السلف والأئمة، وتارة يقول بقول المتكلمين الموافقين لجهم، حتى في ~~مسألة سب الله ورسوله رأيت طائفة من الحنبليين، والشافعيين والمالكيين، إذا ~~تكلموا بكلام الأئمة قالوا: إن هذا كفر باطنا وظاهرا. # وإذا تكلموا بكلام أولئك قالوا: هذا كفر في الظاهر، وهو في الباطن يجوز ~~أن يكون مؤمنا تام الإيمان، فإن الإيمان عندهم لا يتبعض، ولهذا لما عرف ~~القاضي عياض هذا من قول بعض أصحابه أنكره، ونصر قول مالك وأهل السنة، وأحسن ~~في ذلك. # وقد ذكرت بعض ما يتعلق بهذا في كتاب [الصارم المسلول على شاتم الرسول] ، ~~وكذلك تجدهم في مسائل الإيمان يذكرون أقوال الأئمة والسلف، ويبحثون بحثا ~~يناسب قول الجهمية؛ لأن البحث أخذوه من كتب أهل الكلام الذين نصروا قول جهم ~~في مسائل الإيمان. # والرازي لما صنف ms287 [مناقب الشافعي] ذكر قوله في الإيمان. وقول الشافعي قول ~~الصحابة والتابعين، وقد ذكر الشافعي أنه إجماع من الصحابة والتابعين. ومن ~~لقيه استشكل قول الشافعي جدا؛ لأنه كان قد انعقد في نفسه شبهة أهل البدع في ~~الإيمان؛ من الخوارج والمعتزلة والجهمية والكراميةوسائر المرجئة، # PageV01P315 # وهو أن الشيء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله، لكن هو لم يذكر ~~إلا ظاهر شبهتهم. والجواب عما ذكروه هو سهل، فإنه يسلم له أن الهيئة ~~الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت، لكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر ~~الأجزاء. # والشافعي مع الصحابة والتابعين وسائر السلف يقولون: إن الذنب يقدح في ~~كمال الإيمان، ولهذا نفى الشارع الإيمان عن هؤلاء، فذلك المجموع الذي هو ~~الإيمان لم يبق مجموعا مع الذنوب، لكن يقولون بقى بعضه؛ إما أصله وإما ~~أكثره وإما غير ذلك، فيعود الكلام إلى أنه يذهب بعضه ويبقى بعضه. # ولهذا كانت المرجئة تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ الزيادة؛ ~~لأنه إذا نقص لزم ذهابه كله عندهم إن كان متبعضا متعددا عند من يقول بذلك، ~~وهم الخوارج والمعتزلة. وأما الجهمية فهو واحد عندهم لا يقبل التعدد، ~~فيثبتون واحدا لا حقيقة له، كما قالوا مثل ذلك في وحدانية الرب ووحدانية ~~صفاته عند من أثبتها منهم. # ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم في هذا، اعتقادهم أنه لا يجتمع في ~~الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، واعتقدوا أن ~~هذا متفق عليه بين المسلمين كما ذكر ذلك أبو الحسن وغيره، فلأجل اعتقادهم ~~هذا الإجماع وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي، إجماعالسلف الذي ذكره ~~غير واحد من الأئمة بل وصرح غير واحد منهم بكفر من قال بقول جهم في ~~الإيمان. # ولهذا نظائر متعددة، يقول الإنسان قولا مخالفا للنص والإجماع القديم ~~حقيقة، ويكون معتقدا أنه متمسك بالنص والإجماع. وهذا إذا كان مبلغ علمه ~~واجتهاده، فالله يثيبه على ما أطاع الله فيه من اجتهاده، ويغفر له ما عجز ~~عن معرفته من الصواب الباطن، وهم لما ms288 توهموا أن الإيمان الواجب على جميع ~~الناس نوع واحد، صار بعضهم يظن أن ذلك النوع من حيث هو لا يقبل التفاضل. # PageV01P316 # فقال لي مرة بعضهم: الإيمان من حيث هو إيمان لا يقبل الزيادة والنقصان. ~~فقلت له: قولك من حيث هو، كما تقول: الإنسان من حيث هو إنسان، والحيوان من ~~حيث هو حيوان، والوجود من حيث هو وجود، والسواد من حيث هو سواد، وأمثال ذلك ~~لا يقبل الزيادة والنقصان والصفات، فتثبت لهذه المسميات وجودا مطلقا مجردا ~~عن جميع القيود والصفات وهذا لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو شيء يقدره ~~الإنسان في ذهنه، كما يقدر موجودا لا قديما ولا حادثا ولا قائما بنفسه ولا ~~بغيره، ويقدر إنسانا لا موجودا ولا معدوما، ويقول: الماهية من حيث هي هي لا ~~توصف بوجود ولا عدم، والماهية من حيث هي هي شيء يقدره الذهن، وذلك موجود في ~~الذهن لا في الخارج، وأما تقدير شيء لا يكون في الذهن ولا في الخارج ~~فممتنع، وهذا التقدير لا يكون إلا في الذهن كسائر تقدير الأمور الممتنعة، ~~مثل تقدير صدور العالم عن صانعين ونحو ذلك، فإن هذه المقدرات في الذهن. # فهكذا تقدير إيمان لا يتصف به مؤمن، بل هو مجرد عن كل قيد. وتقدير إنسان ~~لا يكون موجودا ولا معدوما، بل ما ثم إيمان إلا مع المؤمنين، ولا ثم ~~إنسانية إلا ما اتصف بها الإنسان، فكل إنسان له إنسانية تخصه، وكل مؤمن له ~~إيمان يخصه، فإنسانية زيد تشبه إنسانية عمرو، ليست هي هي. وإذا اشتركوا في ~~نوع الإنسانية فمعنى ذلك أنهما يشتبهان فيما يوجد في الخارج، ويشتركان في ~~أمر كلي مطلق يكون في الذهن. # وكذلك إذا قيل: إيمان زيد مثل إيمان عمرو، فإيمان كل واحد يخصه، فلو قدر ~~أن الإيمان يتماثل لكان لكل مؤمن إيمان يخصه، وذلك الإيمان مختص معين ليس ~~هو الإيمان من حيث هو هو، بل هو إيمان معين، وذلك الإيمان يقبل الزيادة، ~~والذين ينفون التفاضل في هذه الأمور يتصورون في أنفسهم إيمانا مطلقا أو ~~إنسانا مطلقا، ms289 أو وجودا مطلقا مجردا عن جميع الصفات المعينة له ثم يظنون أن ~~هذا هو الإيمان الموجود في الناس. وذلك لا يقبل التفاضل ولا يقبل في نفسه ~~التعدد، إذ هو تصور معين قائم في نفس متصوره. # ولهذا يظن # PageV01P317 # ثير من هؤلاء أن الأمور المشتركة في شيء واحد هي واحدة بالشخص والعين، ~~حتى انتهى الأمر بطائفة من علمائهم علما وعبادة إلى أن جعلوا الوجود كذلك، ~~فتصوروا أن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود، وتصوروا هذا في أنفسهم، فظنوه ~~في الخارج كما هو في أنفسهم، ثم ظنوا أنه الله، فجعلوا الرب هو هذا الوجود ~~الذي لا يوجد قط إلا في نفس متصوره، ولا يكون في الخارج. # وهكذا كثير من الفلاسفة تصوروا أعدادا مجردة وحقائق مجردة ويسمونها المثل ~~الأفلاطونية، وزمانا مجردا عن الحركة والمتحرك، وبعدا مجردا عن الأجسام ~~وصفاتها ثم ظنوا وجود ذلك في الخارج، وهؤلاء كلهم اشتبه عليهم ما في ~~الأذهان بما في الأعيان، وهؤلاء قد يجعلون الواحد اثنين والاثنين واحدا، ~~فتارة يجيئون إلي الأمور المتعددة المتفاضلة في الخارج فيجعلونها واحدة أو ~~متماثلة، وتارة يجيئون إلى ما في الخارج من الحيوان والمكان والزمان ~~فيجعلون الواحد اثنين، والمتفلسفة والجهمية وقعوا في هذا وهذا، فجاؤوا إلى ~~صفات الرب التي هي أنه عالم وقادر، فجعلوا هذه الصفة هي عين الأخري وجعلوا ~~الصفة هي الموصوف. # وهكذا القائلون بأن الإيمان شيء واحد وأنه متماثل في بني آدم، غلطوا في ~~كونه واحدا وفي كونه متماثلا كما غلطوا في أمثال ذلك من مسائل [التوحيد] و ~~[الصفات] و [القرآن] ونحو ذلك، فكان غلط جهم وأتباعه في الإيمان كغلطهم في ~~صفات الرب الذي يؤمن به المؤمنون، وفي كلامه وصفاته سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. # وكذلك السواد والبياض يقبل الاشتداد والضعف، بل عامة الصفات التي يتصف ~~بها الموصوفون تقبل التفاضل؛ ولهذا كان العقل يقبل التفاضل، والإيجاب ~~والتحريم يقبل التفاضل، فيكون إيجاب أقوى من إيجاب، وتحريم أقوى من تحريم، ~~وكذلك المعرفة التي في القلوب تقبل التفاضل على الصحيح عند أهل السنة، وفي ~~هذا ms290 كله نزاع، فطائفة من المنتسبين إلى السنة تنكر التفاضل # PageV01P318 # في هذا كله كما يختار ذلك القاضي أبو بكر وابن عقيل، وغيرهما. # وقد حكى عن أحمد في التفاضل في المعرفة روايتان. وإنكار التفاضل في هذه ~~الصفات هو من جنس أصل قول المرجئة، ولكن يقوله من يخالف المرجئة، وهؤلاء ~~يقولون: التفاضل إنما هو في الأعمال، وأما الإيمان الذي في القلوب فلا ~~يتفاضل، وليس الأمر كما قالوه، بل جميع ذلك يتفاضل، وقد يقولون: إن أعمال ~~القلب تتفاضل، بخلاف معارف القلب، وليس الأمر كذلك، بل إيمان القلوب يتفاضل ~~من جهة ما وجب علي هذا، ومن جهة ما وجب على هذا، فلا يستوون في الوجوب، ~~وأمة محمد وإن وجب عليهم جميعهم الإيمان بعد استقرار الشرع، فوجوب الإيمان ~~بالشيء المعين موقوف على أن يبلغ العبد إن كان خبرا، وعلى أن يحتاج إلى ~~العمل به إن كان أمرا، وعلى العلم به إن كان علما، وإلا فلا يجب على كل ~~مسلم أن يعرف كل خبر وكل أمر في الكتاب والسنة، ويعرف معناه ويعلمه، فإن ~~هذا لا يقدر عليه أحد. # فالوجوب يتنوع بتنوع الناس فيه، ثم قدرهم في أداء الواجب متفاوتة، ثم نفس ~~المعرفة تختلف بالإجمال والتفصيل، والقوة والضعف، ودوام الحضور، ومع ~~الغفلة، فليست المفصلة المستحضرة الثابتة التي يثبت الله صاحبها بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كالمجملة التي غفل عنها، وإذا حصل له ~~ما يريبه فيها وذكرها في قلبه، ثم رغب إلى الله في كشف الريب، ثم أحوال ~~القلوب وأعمالها مثل محبة الله ورسوله وخشية الله، والتوكل عليه، والصبر ~~على حكمه، والشكر له والإنابة إليه، وإخلاص العمل له مما يتفاضل الناس فيها ~~تفاضلا لا يعرف قدره إلا الله عز وجل ومن أنكر تفاضلهم في هذا فهو إما جاهل ~~لم يتصوره، وإما معاند. # قال الإمام أحمد: فإن زعموا أنهم لا يقبلون زيادة الإيمان، من أجل أنهم ~~لا يدرون ما زيادته، وأنها غير محدودة، فما يقولون في أنبياء الله وكتبه ~~ورسله؟ هل يقرون بهم في الجملة؟ ويزعمون أنه من ms291 الإيمان، فإذا قالوا: نعم، ~~قيل لهم: # PageV01P319 # هل تحدونهم وتعرفون عددهم؟ أليس إنما يصيرون في ذلك إلى الإقرار بهم في ~~الجملة، ثم يكفون عن عددهم؟ فكذلك زيادة الإيمان. وبين أحمد أن كونهم لم ~~يعرفوا منتهى زيادته، لا يمنعهم من الإقرار بها في الجملة، كما أنهم يؤمنون ~~بالأنبياء والكتب وهم لا يعرفون عدد الكتب والرسل. # وهذا الذي ذكره أحمد، وذكره محمد بن نصر، وغيرهما، يبين أنهم لم يعلموا ~~عدد الكتب والرسل، وأن حديث أبي ذر في ذلك لم يثبت عندهم. وأما قول من سوى ~~بين الإسلام والإيمان وقال: إن الله سمى الإيمان بما سمى به الإسلام، وسمى ~~الإسلام بما سمى به الإيمان، فليس كذلك، فإن الله ورسوله قد فسر الإيمان ~~بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وبين أيضا أن العمل ~~بما أمر به يدخل في الإيمان، ولم يسم الله الإيمان بملائكته وكتبه ورسله ~~والبعث بعد الموت إسلاما، بل إنما سمى الإسلام الاستسلام له بقلبه وقصده ~~وإخلاص الدين والعمل بما أمر به؛ كالصلاة والزكاة خالصا لوجهه، فهذا هو ~~الذي سماه الله إسلاما وجعله دينا، وقال: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه} [آل عمران: 85] ، ولم يدخل فيما خص به الإيمان، وهو الإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله، بل ولا أعمال القلوب، مثل حب الله ورسوله ونحو ~~ذلك، فإن هذه جعلها من الإيمان، والمسلم المؤمن يتصف بها، وليس إذا اتصف ~~بها المسلم المؤمن يلزم أن تكون من الإسلام، بل هي من الإيمان، والإسلام ~~فرض، والإيمان فرض، والإسلام داخل فيه، فمن أتى بالإيمان الذي أمر به، ~~فلابد أن يكون قد أتى بالإسلام المتناول لجميع الأعمال الواجبة، ومن أتى ~~بما يسمى إسلاما لم يلزم أن يكون قد أتى بالإيمان إلا بدليل منفصل، كما علم ~~أن من أثنى الله عليه بالإسلام من الأنبياء وأتباعهم إلى الحواريين كلهم ~~كانوا مؤمنين كما كانوا مسلمين، كما قال الحواريون: {آمنا بالله واشهد بأنا ~~مسلمون} [آل عمران: 52] ، وقال: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا ms292 مسلمون} [المائدة: 111] ؛ ولهذا أمرنا الله ~~بهذا وبهذا في خطاب واحد، كما قال: {قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا وما # PageV01P320 # نزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما ~~أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ~~ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو ~~السميع العليم} [البقرة: 136، 137] ، وقال في الآية الأخرى: {ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85] . # وهذا يقتضي أن كل من دان بغير دين الإسلام فعمله مردود، وهو خاسر في ~~الآخرة، فيقتضي وجوب دين الإسلام وبطلان ما سواه، لا يقتضي أن مسمي الدين ~~هو مسمى الإيمان، بل أمرنا أن نقول: {آمنا بالله} ، وأمرنا أن نقول: {ونحن ~~له مسلمون} فأمرنا باثنين فكيف نجعلهما واحدا؟ ! # وإذا جعلوا الإسلام والإيمان شيئا واحدا، فإما أن يقولوا: اللفظ مترادف، ~~فيكون هذا تكريرا محضا ثم مدلول هذا اللفظ عين مدلول هذا اللفظ، وإما أن ~~يقولوا: بل أحد اللفظين يدل على صفة غير الصفة الأخرى، كما في أسماء الله ~~وأسماء كتابه، لكن هذا لا يقتضي الأمر بهما جميعا، ولكن يقتضي أن يذكر تارة ~~بهذا الوصف، وتارة بهذا الوصف، فلا يقول قائل: قد فرض الله عليك الصلوات ~~الخمس، والصلاة المكتوبة، وهذا هو هذا، والعطف بالصفات يكون إذا قصد بيان ~~الصفات لما فيها من المدح أو الذم، كقوله: {سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق ~~فسوى والذي قدر فهدى} [الأعلى: 1: 3] لا يقال: صل لربك الأعلى، ولربك الذي ~~خلق فسوى. # وقال محمد بن نصر المروزي رحمه الله: فقد بين الله في كتابه وسنة رسوله ~~أن الإسلام والإيمان لا يفترقان، فمن صدق بالله فقد آمن به، ومن آمن بالله ~~فقد خضع له، وقد أسلم له، ومن صام وصلى وقام بفرائض الله وانتهى عما نهى ~~الله عنه، فقد استكمل الإيمان والإسلام المفترض عليه، ومن ترك من ذلك شيئا ~~فلن يزول عنه اسم الإيمان ولا الإسلام، إلا أنه ms293 أنقص من غيره في الإسلام ~~والإيمان من غير نقصان من الإقرار بأن الله حق، وما قال حق لا باطل # PageV01P321 # وصدق لا كذب، ولكن ينقص من الإيمان الذي هو تعظيم لله وخضوع للهيبة ~~والجلال والطاعة للمصدق به، وهو الله، فمن ذلك يكون النقصان لا من إقرارهم ~~بأن الله حق، وما قال صدق. # فيقال: ما ذكره يدل على أن من أتى بالإيمان الواجب فقد أتى بالإسلام، ~~وهذا حق، ولكن ليس فيه ما يدل عن أن من أتى بالإسلام الواجب فقد أتى ~~بالإيمان، فقوله: من آمن بالله فقد خضع له وقد استسلم له حق، لكن أي شيء في ~~هذا يدل على أن من أسلم لله وخضع له، فقد آمن به وبملائكته وبكتبه ورسله ~~والبعث بعد الموت؟ وقوله: إن الله ورسوله قد بين أن الإسلام والإيمان لا ~~يفترقان، إن أراد أن الله أوجبهما جميعا ونهى عن التفريق بينهما، فهذا حق، ~~وإن أراد أن الله جعل مسمي هذا مسمى هذا، فنصوص الكتاب والسنة تخالف ذلك، ~~وما ذكر قط نصا واحدا يدل على اتفاق المسلمين. # وكذلك قوله: من فعل ما أمر به وانتهى عما نهى عنه فقد استكمل الإيمان ~~والإسلام، فهذا صحيح إذا فعل ما أمر به باطنا وظاهرا، ويكون قد استكمل ~~الإيمان والإسلام الواجب عليه، ولا يلزم أن يكون إيمانه وإسلامه مساويا ~~للإيمان والإسلام الذي فعله أولو العزم من الرسل؛ كالخليل إبراهيم، ومحمد ~~خاتم النبيين عليهما الصلاة والسلام، بل كان معه من الإيمان والإسلام ما لا ~~يقدر عليه غيره ممن ليس كذلك ولم يؤمر به. # وقوله: من ترك من ذلك شيئا فلن يزول عنه اسم الإسلام والإيمان إلا أنه ~~أنقص من غيره في ذلك. فيقال: إن أريد بذلك أنه بقي معه شيء من الإسلام ~~والإيمان، فهذا حق كما دلت عليه النصوص، خلافا للخوارج والمعتزلة، وإن أراد ~~أنه يطلق عليه بلا تقييد مؤمن ومسلم في سياق الثناء والوعد بالجنة، فهذا ~~خلاف الكتاب والسنة، ولو كان كذلك لدخلوا في قوله: {وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنات جنات تجري من ms294 تحتها الأنهار} [التوبة: 72] وأمثال ذلك مما وعدوا ~~فيه بالجنة بلا عذاب. # PageV01P322 # أيضا، فصاحب الشرع قد نفى عنهم الاسم في غير موضع، بل قال: " قتال المؤمن ~~كفر "، وقال: " لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض ". وإذا احتج ~~بقوله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9] ونحو ذلك قيل: كل ~~هؤلاء إنما سموا به مع التقييد بأنهم فعلوا هذه الأمور؛ ليذكر ما يؤمرون به ~~هم وما يؤمر به غيرهم. # وكذلك قوله: لا يكون النقصان من إقرارهم بأن الله حق وما قاله صدق، ~~فيقال: بل النقصان يكون في الإيمان الذي في القلوب من معرفتهم ومن علمهم ~~فلا تكون معرفتهم وتصديقهم بالله وأسمائه وصفاته، وما قاله من أمر ونهي، ~~ووعد ووعيد، كمعرفة غيرهم وتصديقه، لا من جهة الإجمال والتفصيل، ولا من جهة ~~القوة والضعف، ولا من جهة الذكر والغفلة، وهذه الأمور كلها داخلة في ~~الإيمان بالله وبما أرسل به رسوله، وكيف يكون الإيمان بالله وأسمائه وصفاته ~~متماثلا في القلوب؟ ! أم كيف يكون الإيمان بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء ~~قدير، وأنه غفور رحيم، عزيز حكيم، شديد العقاب، ليس هو من الإيمان به؟ ! ~~فلا يمكن مسلما أن يقول: إن الإيمان بذلك ليس من الإيمان به ولا يدعي تماثل ~~الناس فيه. # وأما ما ذكره من أن الإسلام ينقص كما ينقص الإيمان، فهذا أيضا حق كما دلت ~~عليه الأحاديث الصحيحة، فإن من نقص من الصلاة والزكاة أو الصوم أو الحج ~~شيئا، فقد نقص من إسلامه بحسب ذلك. ومن قال: إن الإسلام هو الكلمة فقط، ~~وأراد بذلك أنه لا يزيد ولا ينقص، فقوله خطأ. ورد الذين جعلوا الإسلام ~~والإيمان سواء إنما يتوجه إلى هؤلاء، فإن قولهم في الإسلام يشبه قول ~~المرجئة في الإيمان. # ولهذا صار الناس في الإيمان والإسلام على ثلاثة أقوال: فالمرجئة يقولون: ~~الإسلام أفضل؛ فإنه يدخل فيه الإيمان. وآخرون يقولون: الإيمان والإسلام # PageV01P323 # سواء، وهم المعتزلة والخوارج، وطائفة من أهل الحديث والسنة وحكاه محمد بن ~~نصر عن جمهورهم، وليس كذلك، والقول الثالث: أن الإيمان أكمل وأفضل، ms295 وهذا هو ~~الذي دل عليه الكتاب والسنة في غير موضع، وهو المأثور عن الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان. # ثم هؤلاء منهم من يقول: الإسلام مجرد القول. والأعمال ليست من الإسلام، ~~والصحيح أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة كلها، وأحمد إنما منع الاستثناء فيه ~~على قول الزهري: هو الكلمة. هكذا نقل الأثرم، والميموني وغيرهما عنه، وأما ~~على جوابه الآخر الذي لم يختر فيه قول من قال: الإسلام الكلمة، فيستثنى في ~~الإسلام كما يستثنى في الإيمان، فإن الإنسان لا يجزم بأنه قد فعل كل ما أمر ~~به من الإسلام، وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم ~~المسلمون من لسانه ويده "، و " بني الإسلام على خمس "، فجزمه بأنه فعل ~~الخمس بلا نقص كما أمر كجزمه بإيمانه، فقد قال تعالى: {ادخلوا في السلم ~~كآفة} [البقرة: 208] أي الإسلام كافة، أي في جميع شرائع الإسلام. # وتعليل أحمد وغيره من السلف ما ذكروه في اسم الإيمان يجيء في اسم ~~الإسلام، فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء فيه، كما نص عليه أحمد ~~وغيره، وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها، فالاستثناء فيه ~~كالاستثناء في الإيمان، ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار مسلما متميزا عن ~~اليهود والنصارى، تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين، كان هذا ~~مما يجزم به بلا استثناء فيه؛ فلهذا قال الزهري: الإسلام الكلمة، وعلى ذلك ~~وافقه أحمد وغيره، وحين وافقه لم يرد أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها، ~~فإن الزهري أجل من أن يخفى عليه ذلك؛ ولهذا أحمد لم يجب بهذا في جوابه ~~الثاني خوفا من أن يظن أن الإسلام ليس هو إلا الكلمة، ولهذا لما قال الأثرم ~~لأحمد: فإذا قال: أنا مسلم # PageV01P324 # لا يستثني؟ قال نعم: لايستثنى إذا قال: أنا مسلم، فقلت له أقول: هذا ~~مسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من ~~لسانه ويده " وأنا أعلم أنه لا يسلم الناس منه، فذكر حديث معمر عن الزهري ~~قال: فنري أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل. # فبين ms296 أحمد أن الإسلام إذا كان هو الكلمة فلا استثناء فيها، فحيث كان هو ~~المفهوم من لفظ الإسلام فلا استثناء فيه، ولو أريد بالإيمان هذا، كما يراد ~~ذلك في مثل قوله: {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] ، فإنما أريد من أظهر ~~الإسلام، فإن الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا، هو الإيمان الظاهر وهو ~~الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام الظاهرة؛ ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد ~~احتجاج المرجئة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " اعتقها فإنها مؤمنة " ~~أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حكم المؤمنة، لم يرد أنها مؤمنة عند الله ~~تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار، وهذا هو المؤمن ~~المطلق في كتاب الله، وهو الموعود بالجنة بلا نار إذا مات على إيمانه؛ ~~ولهذا كان ابن مسعود وغيره من السلف يلزمون من شهد لنفسه بالإيمان أن يشهد ~~لها بالجنة، يعنون إذا مات على ذلك، فإنه قد عرف أن الجنة لا يدخلها إلا من ~~مات مؤمنا. # فإذا قال الإنسان: أنا مؤمن قطعا، وأنا مؤمن عند الله. قيل له: فاقطع ~~بأنك تدخل الجنة بلا عذاب إذا مت على هذا الحال، فإن الله أخبر أن ~~المؤمنينفي الجنة. وأنكر أحمد ابن حنبل حديث ابن عميرة أن عبد الله رجع عن ~~الاستثناء؛ فإن ابن مسعود لما قيل له: إن قوما يقولون: إنا مؤمنون، فقال: ~~أفلا سألتوهم أفي الجنة هم؟ وفي رواية: أفلا قالوا: نحن أهل الجنة، وفي ~~رواية قيل له: إن هذا يزعم أنه مؤمن، قال: فاسألوه أفي الجنة هو أو في ~~النار؟ فسألوه فقال: الله أعلم، فقال له عبد الله: فهلا وكلت الأولى كما ~~وكلت الثانية؟ من قال: أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال: أنا عالم فهو جاهل، ومن ~~قال: هو في الجنة فهو في النار، يروى عن عمر بن الخطاب من وجوه مرسلا من ~~حديث قتادة ونعيم ابن أبي هند وغيرهما. # PageV01P325 # والسؤال الذي تورده المرجئة على ابن مسعود ويقولون: إن يزيد بن عميرة ~~ورده عليه حتى رجع، جعل هذا أن الإنسان يعلم حاله الآن، ms297 وما يدري ماذا يموت ~~عليه؛ ولهذا السؤال صار طائفة كثيرة يقولون: المؤمن هو من سبق في علم الله ~~أنه يختم له بالإيمان، والكافر من سبق في علم الله أنه كافر، وأنه لا ~~اعتبار بما كان قبل ذلك، وعلى هذا يجعلون الاستثناء، وهذا أحد قولي الناس ~~من أصحاب أحمد وغيرهم وهو قول أبي الحسن وأصحابه. # ولكن أحمد وغيره من السلف لم يكن هذا مقصودهم، وإنما مقصودهم أن الإيمان ~~المطلق يتضمن فعل المأمورات، فقوله: أنا مؤمن، كقوله: أنا ولي الله، وأنا ~~مؤمن تقي، وأنا من الأبرار، ونحو ذلك. وابن مسعود رضي الله عنه لم يكن يخفى ~~عليه أن الجنة لا تكون إلا لمن مات مؤمنا، وأن الإنسان لا يعلم على ماذا ~~يموت فإن ابن مسعود أجل قدرا من هذا، وإنما أراد: سلوه هل هو في الجنة إن ~~مات على هذه الحال؟ كأنه قال: سلوه أيكون من أهل الجنة على هذه الحال؟ فلما ~~قال: الله ورسوله أعلم، قال: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية؟ يقول: هذا ~~التوقف يدل على أنك لا تشهد لنفسك بفعل الواجبات وترك المحرمات. فإنه من ~~شهد لنفسه بذلك شهد لنفسه أنه من أهل الجنة إن مات على ذلك؛ ولهذا صار ~~الذين لا يرون الاستثناء لأجل الحال الحاضر، بل للموافاة، لا يقطعون بأن ~~الله يقبل توبة تائب، كما لا يقطعون بأن الله تعالى يعاقب مذنبا، فإنهم لو ~~قطعوا بقبول توبته، لزمهم أن يقطعوا له بالجنة، وهم لا يقطعون لأحد من أهل ~~القبلة لا بجنة ولا نار، إلا من قطع له النص. # وإذا قيل: الجنة هي لمن أتى بالتوبة النصوح من جميع السيئات. قالوا: ولو ~~مات على هذه التوبة لم يقطع له بالجنة، وهم لا يستثنون في الأحوال، بل ~~يجزمون بأن المؤمن مؤمن تام الإيمان، ولكن عندهم الإيمان عند الله هو ما ~~يوافي به، فمن قطعوا له بأنه مات مؤمنا لا ذنب له قطعوا له بالجنة، فلهذا ~~لا يقطعون بقبول التوبة لئلا يلزمهم أن يقطعوا بالجنة، وأما أئمة السلف ~~فإنما لم ms298 يقطعوا # PageV01P326 # الجنة لأنهم لا يقطعون بأنه فعل المأمور وترك المحظور، ولا أنه أتى ~~بالتوبة النصوح، وإلا فهم يقطعون بأن من تاب توبة نصوحا، قبل الله توبته. ~~وجماع الأمر: أن الاسم الواحد ينفى ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به، فلا ~~يجب إذا أثبت أو نفى في حكم أن يكون كذلك في سائر الأحكام، وهذا فيكلام ~~العرب وسائر الأمم؛ لأن المعنى مفهوم. مثال ذلك: المنافقون قد يجعلون من ~~المؤمنين في موضع، وفي موضع آخر يقال: ما هم منهم، قال الله تعالى: {قد ~~يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا ~~قليلا أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي ~~يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير ~~أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا} [الأحزاب: ~~18، 19] ، فهنالك جعل هؤلاء المنافقين الخائفين من العدو، الناكلين عن ~~الجهاد، الناهين لغيرهم، الذامين للمؤمنين منهم، وقال في آية أخرى: ~~{ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو ~~مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون} [التوبة: 56، 57] ، وهؤلاء ذنبهم ~~أخف، فإنهم لم يؤذوا المؤمنين لا بنهي ولا سلق بألسنة حداد، ولكن حلفوا ~~بالله أنهم من المؤمنين في الباطن بقلوبهم، وإلا فقد علم المؤمنون أنهم ~~منهم في الظاهر، فكذبهم الله وقال: {وما هم منكم} وهناك قال: {قد يعلم الله ~~المعوقين منكم} . فالخطاب لمن كان في الظاهر مسلما مؤمنا وليس مؤمنا، بأن ~~منكم من هو بهذه الصفة، وليس مؤمنا بل أحبط الله عمله، فهو منكم في الظاهر ~~لا الباطن. # ولهذا لما استؤذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل بعض المنافقين قال: " ~~لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه "؛ فإنهم من أصحابه في الظاهر عند من ~~لا يعرف حقائق الأمور، وأصحابه الذين هم أصحابه ليس فيهم نفاق كالذين علموا ~~سنته # PageV01P327 # الناس وبلغوها إليهم وقاتلوا المرتدين بعد موته، والذين بايعوه تحت ~~الشجرة وأهل بدر وغيرهم، بل الذين كانوا منافقين غمرتهم الناس. ms299 # وكذلك الأنساب، مثل كون الإنسان أبا لآخر أو أخاه، يثبت في بعض الأحكام ~~دون بعض، فإنه قد ثبت في الصحيحين أنه لما اختصم إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم سعد بن أبي وقاص وعبد ابن زمعة بن الأسود، في ابن وليدة زمعة، وكان ~~عتبة بن أبي وقاص قد فجر بها في الجاهلية وولدت منه ولدا، فقال عتبة لأخيه ~~سعد: إذا قدمت مكة فانظر ابن وليدة زمعة فإنه ابني، فاختصم فيه هو وعبد بن ~~زمعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي عتبة ~~عهد إلى أخي عتبة فيه إذا قدمت مكة انظر إلى ابن وليدة زمعة فإنه ابني، ألا ~~ترى يا رسول الله شبهه بعتبة؟ فقال عبد: يا رسول الله، أخي وابن وليدة أبي؛ ~~ولد على فراش أبي، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم شبها بينا بعتبة فقال: " ~~هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة " ~~لما رأى من شبهه البين بعتبة. # فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم ابن زمعة لأنه ولد على فراشه، وجعله ~~أخا لولده بقوله: " فهو لك يا عبد بن زمعة "، وقد صارت سودة أخته يرثها ~~وترثه؛ لأنه ابن أبيها زمعة ولد على فراشه، ومع هذا فأمرها النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن تحتجب منه لما رأى من شبهه البين بعتبة، فإنه قام فيه دليلان ~~متعارضان: الفراش والشبه، والنسب في الظاهر لصاحب الفراش أقوى، ولأنها أمر ~~ظاهر مباح والفجور أمر باطن لا يعلم ويجب ستره لا إظهاره، كما قال: " ~~للعاهر الحجر " كما يقال: بفيك الكثكث وبفيك الأثلب، أي: عليك أن تسكت عن ~~إظهار الفجور، فإن الله يبغض ذلك، ولما كان احتجابها منه ممكنا من غير ضرر، ~~أمرها بالاحتجاب لما ظهر من الدلالة على أنه ليس أخاها في الباطن. # فتبين أن الاسم الواحد ينفى في حكم ويثبت في حكم، فهو أخ في الميراث وليس ~~بأخ في المحرمية، وكذلك ولد الزنا عند بعض العلماء، وابن الملاعنة # PageV01P328 # ند ms300 اجيع إلا من شذ، ليس بولد في الميراث ونحوه، وهو ولد في تحريم النكاح ~~والمحرمية. # ولفظ النكاح وغيره في الأمر، يتناول الكامل، وهو العقد والوطء كما في ~~قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] ، وقوله: {حتى تنكح زوجا ~~غيره} [البقرة: 230] ، وفي النهي يعم الناقص والكامل، فينهى عن العقد مفردا ~~وإن لم يكن وطء كقوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] ~~؛وهذا لأن الآمر مقصوده تحصيل المصلحة، وتحصيل المصلحة إنما يكون بالدخول ~~كما لو قال: اشتر لي طعاما، فالمقصود ما يحصل إلا بالشراء والقبض، والناهي ~~مقصوده دفع المفسدة، فيدخل كل جزء منه؛ لأن وجوده مفسدة وكذلك النسب ~~والميراث معلق بالكامل منه، والتحريم معلق بأدنى سبب حتى الرضاع. # وكذلك كل ما يكون له مبتدأ وكمال، ينفى تارة باعتبار انتفاء كماله، ويثبت ~~تارة باعتبار ثبوت مبدئه، فلفظ الرجال يعم الذكور وإن كانوا صغارا في مثل ~~قوله: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 176] ~~، ولا يعم الصغار في مثل قوله: {والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} [النساء: 75] ، فإن ~~باب الهجرة والجهاد عمل يعمله القادرون عليه، فلو اقتصر على ذكر المستضعفين ~~من الرجال لظن أن الولدان غير داخلين؛ لأنهم ليسوا من أهله وهم ضعفاء، ~~فذكرهم بالاسم الخاص ليبين عذرهم في ترك الهجرة ووجوب الجهاد، وكذلك ~~الإيمان له مبدأ وكمال، وظاهر وباطن، فإذا علقت به الأحكام الدنيوية من ~~الحقوق والحدود كحقن الدم والمال والمواريث، والعقوبات الدنيوية، علقت ~~بظاهره لا يمكن غير ذلك، إذ تعليق ذلك بالباطن متعذر، وإن قدر أحيانا فهو ~~متعسر علما وقدرة، فلا يعلم ذلك علما يثبت به في الظاهر، ولا يمكن عقوبة من ~~يعلم ذلك منه في الباطن. # PageV01P329 # بهذين المثلين كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتنع من عقوبة المنافقين، ~~فإن فيهم من لم يكن يعرفهم كما أخبر الله بذلك، والذين كان يعرفهم لو عاقب ~~بعضهم لغضب له قومه، ولقال الناس: إن محمدا يقتل أصحابه، فكان يحصل بسبب ~~ذلكنفور ms301 عن الإسلام، إذ لم يكن الذنب ظاهرا، يشترك الناس في معرفته، ولما ~~هم بعقوبة من يتخلف عن الصلاة، منعه من في البيوت من النساء والذرية، وأما ~~مبدؤه فيتعلق به خطاب الأمر والنهي، فإذا قال الله: {يا أيها الذين آمنوا ~~إذا قمتم إلى الصلاة} [المائد: 6] ونحو ذلك، فهو أمر في الظاهر لكل من ~~أظهره، وهو خطاب في الباطن لكل من عرف من نفسه أنه مصدق للرسول، وإن كان ~~عاصيا، وإن كان لم يقم بالواجبات الباطنة، والظاهرة، وذلك أنه إن كان لفظ: ~~{الذين آمنوا} يتناولهم فلا كلام، وإن كان لم يتناولهم فذاك لذنوبهم، فلا ~~تكون ذنوبهم مانعة من أمرهم بالحسنات التي إن فعلوها كانت سبب رحمتهم، وإن ~~تركوها كان أمرهم بها، وعقوبتهم عليها عقوبة على ترك الإيمان، والكافر يجب ~~عليه أيضا، لكن لا يصح منه حتى يؤمن، وكذلك المنافق المحض لا يصح منه في ~~الباطن حتى يؤمن. # وأما من كان معه أول الإيمان، فهذا يصح منه؛ لأن معه إقراره في الباطن ~~بوجوب ما أوجبه الرسول، وتحريم ما حرمه، وهذا سبب الصحة، وأما كماله فيتعلق ~~به خطاب الوعد بالجنة والنصرة والسلامة من النار، فإن هذا الوعد إنما هو ~~لمن فعل المأمور وترك المحظور، ومن فعل بعضا وترك بعضا، فيثاب على ما فعله، ~~ويعاقب على ما تركه، فلا يدخل هذا في اسم المؤمن المستحق للحمد والثناء، ~~دون الذم والعقاب، ومن نفى عنه الرسول الإيمان، فنفى الإيمان في هذا الحكم؛ ~~لأنه ذكر ذلك على سبيل الوعيد. والوعيد إنما يكون بنفي ما يقتضي الثواب، ~~ويدفع العقاب؛ ولهذا ما في الكتاب والسنة من نفي الإيمان عن أصحاب الذنوب، ~~فإنما هو في خطاب الوعيد والذم، لا في خطاب الأمر والنهي، ولا في أحكام ~~الدنيا. # PageV01P330 # وواسم الإسلام والإيمان والإحسان هي أسماء ممدوحة مرغوب فيها لحسن ~~العاقبة لأهلها، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن العاقبة الحسنة لمن اتصف ~~بها على الوجه الذي بينه ولهذا كان من نفى عنهم الإيمان أو الإيمان ~~والإسلام جميعا ولم يجعلهم كفارا، إنما نفى ذلك ms302 في أحكام الآخرة، وهو ~~الثواب، لم ينفه في أحكام الدنيا، لكن المعتزلة ظنت أنه إذا انتفى الاسم ~~انتفت جميع أجزائه، فلم يجعلوا معهم شيئا من الإيمان والإسلام، فجعلوهم ~~مخلدين في النار، وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف، ولو لم يكن معهم ~~شيء من الإيمان والإسلام، لم يثبت في حقهم شيء من أحكام المؤمنين ~~والمسلمين، لكن كانوا كالمنافقين، وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع التفريق ~~بين المنافق الذي يكذب الرسول في الباطن، وبين المؤمن المذنب، فالمعتزلة ~~سووا بين أهل الذنوب وبين المنافقين في أحكام الدنيا والآخرة في نفي ~~الإسلام والإيمان عنهم، بل قد يثبتونه للمنافق ظاهرا، وينفونه عن المذنب ~~باطنا وظاهرا. # فإن قيل: فإذا كان كل مؤمن مسلما، وليس كل مسلم مؤمنا الإيمان الكامل كما ~~دل عليه حديث جبريل وغيره من الأحاديث مع القرآن، وكما ذكر ذلك عمن ذكر عنه ~~من السلف؛ لأن الإسلام الطاعات الظاهرة، وهو الاستسلام والانقياد؛ لأن ~~الإسلام في الأصل هو الاستسلام والانقياد، وهذا هو الانقياد والطاعة، ~~والإيمان فيه معنى التصديق والطمأنينة، وهذا قدر زائد، فما تقولون فيمن فعل ~~ما أمره الله وترك ما نهى الله عنه مخلصا لله تعالى ظاهرا وباطنا؟ أليس هذا ~~مسلما باطنا وظاهرا، وهو من أهل الجنة، وإذا كان كذلك فالجنة لا يدخلها إلا ~~نفس مؤمنة، فهذا يجب أن يكون مؤمنا. # قلنا: قد ذكرنا غير مرة، أنه لابد أن يكون معه الإيمان الذي وجب عليه. إذ ~~لو لم يؤد الواجب لكان معرضا للوعيد، لكن قد يكون من الإيمان ما لا يجب ~~عليه إما لكونه لم يخاطب به، أو لكونه كان عاجزا عنه، وهذا أولى؛ لأن ~~الإيمان الموصوف في حديث جبريل والإسلام، لم يكونا واجبين في أول الإسلام، ~~بل ولا أوجبا على من تقدم قبلنا من الأمم اتباع الأنبياء أهل الجنة، مع # PageV01P331 # نهم مؤمنون مسلمون، ومع أن الإسلام دين الله الذي لا يقبل دينا غيره، وهو ~~دين الله في الأولين والآخرين، لأن الإسلام عبادة الله وحده لا شريك له بما ~~أمر فقد تتنوع أوامره في الشريعة ms303 الواحدة، فضلا عن الشرائع، فيصير في ~~الإسلام بعض الإيمان بما يخرج عنه في وقت آخر، كالصلاة إلى الصخرة، كان من ~~الإسلام حين كان الله أمر به، ثم خرج من الإسلام لما نهى الله عنه. # ومعلوم أن الخمس المذكورة في حديث جبريل، لم تجب في أول الأمر، بل الصيام ~~والحج وفرائض الزكاة، إنما وجبت بالمدينة، والصلوات الخمس إنما وجبت ليلة ~~المعراج، وكثير من الأحاديث ليس فيها ذكر الحج لتأخر وجوبه إلى سنة تسع أو ~~عشرعلى أصح القولين، ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان من اتبعه ~~وآمن بما جاء به مؤمنا مسلما، وإذا مات كان من أهل الجنة ثم إنه بعد هذا ~~زاد [الإيمان، والإسلام] حتى قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: ~~3] ، وكذلك الإيمان، فإن هذا الإيمان المفصل الذي ذكره في حديث جبريل، لم ~~يكن مأمورا به في أول الأمر لما أنزل الله سورة العلق والمدثر، بل إنما جاء ~~هذا في السور المدنية، كالبقرة، والنساء، وإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون ~~هذا الإيمان المفصل واجبا، على من تقدم قبلنا. # وإذا كان كذلك، فقد يكون الرجل مسلما يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا، ~~ومعه الإيمان الذي فرض عليه، وهو من أهل الجنة وليس معه هذا الإيمان ~~المذكور في حديث جبريل، لكن هذا يقال: معه ما أمر به من الإيمان والإسلام، ~~وقد يكون مسلما يعبد الله كما أمر، ولا يعبد غيره ويخافه، ويرجوه، ولكن لم ~~يخلص إلى قلبه أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولا أن يكون الله ~~ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من جميع أهله وماله، وأن يحب لأخيه ما ~~يحب لنفسه، وأن يخاف الله لا يخاف غيره، وألا يتوكل إلا على الله، وهذه ~~كلها من الإيمان الواجب، وليست من لوازم الإسلام، فإن الإسلام هو الاستسلام ~~وهو يتضمن الخضوع لله وحده، والانقياد له، والعبودية لله وحده، وهذا قد ~~يتضمن خوفه ورجاءه، وأما طمأنينة القلب بمحبته وحده، وأن يكون أحب إليه مما ~~سواهما، وبالتوكل عليه ms304 وحده، وبأن # PageV01P332 # يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، فهذه من حقائق الإيمان التي تختص به، فمن ~~لم يتصف بها، لم يكن من المؤمنين حقا وإن كان مسلما، وكذلك وجل قلبه إذا ~~ذكر الله، وكذلك زيادة الإيمان إذا تليت عليه آياته. # فإن قيل: ففوات هذا الإيمان من الذنوب أم لا؟ قيل: إذا لم يبلغ الإنسان ~~الخطاب الموجب لذلك، لا يكون تركه من الذنوب، وأما إن بلغه الخطاب الموجب ~~لذلك فلم يعمل به كان تركه من الذنوب إذا كان قادرا على ذلك، وكثير من ~~الناس أو أكثرهم ليس عندهم هذه التفاصيل التي تدخل في الإيمان، مع أنهم ~~قادمون بالطاعة الواجبة في الإسلام، وإذا وقعت منهم ذنوب تابوا واستغفروا ~~منها، وحقائق الإيمان التي في القلوب لا يعرفون وجوبها، بل ولا أنها من ~~الإيمان بل كثير ممن يعرفها منهم، يظن أنها من النوافل المستحبة إن صدق ~~بوجوبها. # فالإسلام يتناول من أظهر الإسلام وليس معه شيء من الإيمان، وهو المنافق ~~المحض، ويتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن، ولكن لم يفعل ~~الواجب كله لا من هذا ولا هذا، وهم الفساق يكون في أحدهم شعبة نفاق، ~~ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من الإيمان، ولم يأت بتمام ~~الإيمان الواجب، وهؤلاء ليسوا فساقا، تاركون فريضة ظاهرة، ولا مرتكبون ~~محرما ظاهرا، لكن تركوا من حقائق الإيمان الواجبة علما وعملا بالقلب يتبعه ~~بعض الجوارح ما كانوا به مذمومين. # وهذا هو النفاق الذي كان يخافه السلف على نفوسهم، فإن صاحبه قد يكون فيه ~~شعبة نفاق، وبعد هذا ما ميز الله به المقربين على الأبرار أصحاب اليمين من ~~إيمان وتوابعه، وذلك قد يكون من باب المستحبات، وقد يكون أيضا مما فضل به ~~المؤمن إيمان وإسلام مما وجب عليه، ولم يجب علي غيره؛ ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ~~فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " وفي # PageV01P333 # الحديث الآخر: " ليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة خردل "، فإن ms305 مراده ~~أنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن، بل ~~الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان، ليس مراده أن من لم ينكر ذلك لم يكن معه ~~من الإيمان حبة خردل؛ ولهذا قال: " ليس وراء ذلك "، فجعل المؤمنين ثلاث ~~طبقات، وكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه، لكن الأول لما كان أقدرهم، كان ~~الذي يجب عليه أكمل مما يجب على الثاني، وكان ما يجب على الثاني أكمل مما ~~يجب على الآخر، وعلم بذلك أن الناس يتفاضلون في الإيمان الواجب عليهم بحسب ~~استطاعتهم مع بلوغ الخطاب إليهم كلهم. # فصل # وأما الاستثناء في الإيمان بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، فالناس فيه ~~على ثلاثة أقوال: # منهم من يوجبه. # ومنهم من يحرمه. # ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين، وهذا أصح الأقوال. # فالذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ونحوهم، ممن يجعل الإيمان شيئا واحدا ~~يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب ونحو ذلك مما في قلبه، فيقول أحدهم: ~~أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، وكما أعلم أني قرأت ~~الفاتحة، وكما أعلم أني أحب رسول الله، وأني أبغض اليهود والنصارى، فقولي: ~~أنا مؤمن، كقولي: أنا مسلم، وكقولي: تكلمت بالشهادتين، وقرأت الفاتحة، ~~وكقولي: أنا أبغض اليهود والنصارى، ونحو ذلك من الأمور الحاضرة التي أنا ~~أعلمها وأقطع بها، وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء ~~الله، كذلك لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لكن إذا كان يشك في ذلك فيقول: ~~فعلته إن شاء الله، قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه وسموهم ~~الشكاكة. # والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان: # PageV01P334 # أحدهما: أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عند الله ~~مؤمنا وكافرا، باعتبار الموافاة، وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما ~~قبل ذلك لا عبرة به. قالوا: والإيمان الذي يتعقبه الكفر، فيموت صاحبه ~~كافرا، ليس بإيمان، كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي ~~يفطر صاحبه قبل الغروب، وصاحب هذا هو عند الله كافر ms306 لعلمه بما يموت عليه، ~~وكذلك قالوا في الكفر، وهذا المأخذ مأخذ كثير من المتأخرين من الكلابية ~~وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديث، من قولهم: أنا ~~مؤمن إن شاء الله، ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في ~~الموجود منه، وإنما يشك في المستقبل، وانضم إلى ذلك أنهم يقولون: محبة الله ~~ورضاه وسخطه وبغضه قديم، ثم هل ذلك هو الإرادة أم صفات أخر؟ لهم في ذلك ~~قولان: # وأكثر قدمائهم يقولون: إن الرضى والسخط والغضب ونحوذلك، صفات ليست هي ~~الإرادة، كما أن السمع والبصر ليس هو العلم، وكذلك الولاية والعداوة. هذه ~~كلها صفات قديمة أزلية عند أبى محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ومن اتبعه من ~~المتكلمين، ومن أتباع المذاهب من الحنبلية والشافعية والمالكية وغيرهم. # قالوا: والله يحب في أزله من كان كافرا إذا علم أنه يموت مؤمنا. فالصحابة ~~ما زالوا محبوبين لله وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر، وإبليس ما ~~زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد. وهذا على أحد القولين لهم، فالرضى ~~والسخط يرجع إلى الإرادة، والإرادة تطابق العلم. فالمعنى: ما زال الله يريد ~~أن يثيب هؤلاء بعد إيمانهم، ويعاقب إبليس بعد كفره، وهذا معنى صحيح، فإن ~~الله يريد أن يخلق كل ما علم أن سيخلقه، وعلى قول من يثبتها صفات أخر، يقول ~~هو أيضا حبه تابع لمن يريد أن يثيبه، فكل من أراد إثابته فهو يحبه وكل من ~~أراد عقوبته فإنه يبغضه، وهذا تابع للعلم. وهؤلاء عندهم لا يرضى عن أحد بعد ~~أن كان ساخطا عليه، ولا يفرح بتوبة عبد بعد أن تاب عليه، بل ما زال يفرح ~~بتوبته. والفرح عندهم إما الإرادة وإما الرضى، والمعنى ما زال يريد إثابته ~~أو يرضى عما يريد إثابته. # PageV01P335 # وكذلك لا يغضب عندهم يوم القيامة دون ما قبله، بل غضبه قديم، إما بمعنى ~~الإرادة، وإما بمعنى آخر. # فهؤلاء يقولون: إذا علم أن الإنسان يموت كافرا، لم يزل مريدا لعقوبته، ~~فذاك الإيمان ms307 الذي كان معه باطل لا فائدة فيه، بل وجوده كعدمه. فليس هذا ~~بمؤمن أصلا، وإذا علم أنه يموت مؤمنا، لم يزل مريدا لإثابته، وذاك الكفر ~~الذي فعله وجوده كعدمه. فلم يكن هذا كافرا عندهم أصلا. فهؤلاء يستثنون في ~~الإيمان بناء على هذا المأخذ، وكذلك بعض محققيهم يستثنون في الكفر، مثل أبي ~~منصور الماتريدي، فإن ما ذكروه مطرد فيهما. ولكن جماهير الأئمة على أنه لا ~~يستثنى في الكفر، والاستثناء فيه بدعة لم يعرف عن أحد من السلف، ولكن هو ~~لازم لهم. # والذين فرقوا من هؤلاء قالوا: نستثنى في الإيمان رغبة إلى الله في أن ~~يثبتنا عليه إلى الموت، والكفر لا يرغب فيه أحد. لكن يقال: إذا كان قولك: ~~مؤمن، كقولك: في الجنة، فأنت تقول عن الكافر: هو كافر. ولا تقول: هو في ~~النار، إلا معلقا بموته على الكفر، فدل على أنه كافر في الحال قطعا. وإن ~~جاز أن يصير مؤمنا، كذلك المؤمن. وسواء أخبر عن نفسه أو عن غيره. # فلو قيل عن يهودي أو نصراني: هذا كافر، قال: إن شاء الله، إذا لم يعلم ~~أنه يموت كافرا، وعند هؤلاء لا يعلم أحد أحدا مؤمنا إلا إذا علم أنه يموت ~~عليه، وهذا القول قاله كثير من أهل الكلام أصحاب ابن كلاب، ووافقهم على ذلك ~~كثير من أتباع الأئمة، لكن ليس هذا قول أحد من السلف، لا الأئمة الأربعة ~~ولا غيرهم، ولا كان أحد من السلف الذين يستثنون في الإيمان، يعللون بهذا، ~~لا أحمد ولا من قبله. # ومأخذ هذا القول، طرده طائفة ممن كانوا في الأصل يستثنون في الإيمان ~~اتباعا للسلف، وكانوا قد أخذوا الاستثناء عن السلف، وكان أهل الشام شديدين ~~على المرجئة، وكان محمد بن يوسف الفريابي صاحب الثوري مرابطا بعسقلان لما ~~كانت معمورة، وكانت من خيار ثغور المسلمين، ولهذا كان فيها فضائل لفضيلة # PageV01P336 # الرباط في سبيل الله، وكانوا يستثنون في الإيمان اتباعا للسلف، واستثنوا ~~أيضا في الأعمال الصالحة، كقول الرجل: صليت إن شاء الله ونحو ذلك، بمعنى ~~القبول، لما في ذلك ms308 من الآثار عن السلف. ثم صار كثير من هؤلاء بآخرة ~~يستثنون في كل شيء، فيقول: هذا ثوبي إن شاء الله، وهذا حبل إن شاء الله، ~~فإذا قيل لأحدهم: هذا لا شك فيه، قال: نعم، لا شك فيه، لكن إذا شاء الله أن ~~يغيره غيره، فيريدون بقولهم: إن شاء الله جواز تغييره في المستقبل، وإن كان ~~في الحال لا شك فيه، كأن الحقيقة عندهم التي لا يستثنى فيها ما لم تتبدل، ~~كما يقوله أولئك في الإيمان: إن الإيمان ما علم الله أنه لا يتبدل حتى يموت ~~صاحبه عليه. # لكن هذا القول قاله قوم من أهل العلم والدين باجتهاد ونظر، وهؤلاء الذين ~~يستثنون في كل شيء تلقوا ذلك عن بعض أتباع شيخهم، وشيخهم الذي ينتسبون إليه ~~يقال له: أبو عمرو عثمان بن مرزوق، لم يكن ممن يرى هذا الاستثناء، بل كان ~~في الاستثناء على طريقة من كان قبله؛ ولكن أحدث ذلك بعض أصحابه بعده، وكان ~~شيخهم منتسبا إلى الإمام أحمد، وهو من أتباع عبد الوهاب بن الشيخ أبي الفرج ~~المقدسي، وأبو الفرج من تلامذة القاضي أبي يعلى. وهؤلاء كلهم وإن كانوا ~~منتسبين إلى الإمام أحمد فهم يوافقون ابن كلاب على أصله الذي كان أحمد ~~ينكره على الكلابية، وأمر بهجر الحارث المحاسبي من أجله، كما وافقه على ~~أصله طائفة من أصحاب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، كأبي المعالي الجويني، ~~وأبي الوليد الباجي، وأبي منصور الماتريدي وغيرهم، وقول هؤلاء في مسائل ~~متعددة من مسائل الصفات، وما يتعلق بها كمسألة القرآن. هل هو سبحانه يتكلم ~~بمشيئته وقدرته؟ أم القرآن لازم لذاته وقولهم في [الاستثناء] مبني على ذلك ~~الأصل. # وكذلك بناه الأشعري وأتباعه عليه؛ لأن هؤلاء كلهم كلابية، يقولون: إن ~~الله لم يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يرضى ولا يغضب على أحد بعد إيمانه وكفره ~~ولا يفرح بتوبة التائب بعد توبته. ولهذا وافقوا السلف على أن القرآن # PageV01P337 # كلام الله غير مخلوق. ثم قالوا: إنه قديم لم يتكلم به بمشيئته وقدرته. ثم ~~اختلفوا بعد هذا في القديم، أهو معنى ms309 واحد؟ أم حروف قديمة مع تعاقبها؟ كما ~~بسطت أقوالهم وأقوال غيرهم في مواضع أخر. # وهذه الطائفة المتأخرة تنكر أن يقال: قطعا في شيء من الأشياء، مع غلوهم ~~في الاستثناء، حتى صار هذا اللفظ منكرا عندهم، وإن قطعوا بالمعنى فيجزمون ~~بأن محمدا رسول الله، وأن الله ربهم ولا يقولون: قطعا. وقد اجتمع بي طائفة ~~منهم، فأنكرت عليهم ذلك، وامتنعت من فعل مطلوبهم حتى يقولوا: قطعا، وأحضروا ~~لي كتابا فيه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقول الرجل: ~~قطعا وهي أحاديث موضوعة مختلقة، قد افتراها بعض المتأخرين. # والمقصود هنا أن الاستثناء في الإيمان لما علل بمثل تلك العلة، طرد أقوام ~~تلك العلة في الأشياء التي لا يجوز الاستثناء فيها بإجماع المسلمين، بناء ~~على أن الأشياء الموجودة الآن إذا كانت في علم الله تتبدل أحوالها؛ فيستثنى ~~في صفاتها الموجودة في الحال، ويقال: هذا صغير إن شاء الله؛ لأن الله قد ~~يجعله كبيرا ويقال: هذا مجنون إن شاء الله؛ لأن الله قد يجعله عاقلا، ويقال ~~للمرتد: هذا كافر إن شاء الله لإمكان أن يتوب، وهؤلاء الذين استثنوا في ~~الإيمان بناء على هذا المأخذ، ظنوا هذا قول السلف. # وهؤلاء وأمثالهم من أهل الكلام، ينصرون ما ظهر من دين الإسلام، كما ينصر ~~ذلك المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين، فينصرون إثبات الصانع والنبوة ~~والمعاد ونحو ذلك. وينصرون مع ذلك ما ظهر من مذاهب أهل السنة والجماعة، كما ~~ينصر ذلك الكلابية والكرامية والأشعرية ونحوهم، ينصرون أن القرآن كلام الله ~~غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة وأن أهل القبلة لا يكفرون بالذنب ولا ~~يخلدون في النار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم له شفاعة في أهل الكبائر ~~وأن فتنة القبر حق وعذاب القبر حق، وحوض نبينا صلى الله عليه وسلم في ~~الآخرة حق، وأمثال ذلك من الأقوال التي شاع أنها من أصول أهل السنة ~~والجماعة، كما ينصرون خلافة الخلفاء الأربعة، وفضيلة أبي بكر وعمر ونحو ~~ذلك. # PageV01P338 # وكثير من أهل الكلام في كثير مما ينصره ms310 لا يكون عارفا بحقيقة دين الإسلام ~~في ذلك، ولا ما جاءت به السنة، ولا ما كان عليه السلف. فينصر ما ظهر من ~~قولهم، بغير المآخذ التي كانت مآخذهم في الحقيقة بل بمآخذ أخر قد تلقوها عن ~~غيرهم من أهل البدع، فيقع في كلام هؤلاء من التناقض والاضطراب والخطأ ما ذم ~~به السلف مثل هذا الكلام وأهله، فإن كلامهم في ذم مثل هذا الكلام كثير. ~~والكلام المذموم هو المخالف للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو ~~باطل وكذب، فهو مخالف للشرع والعقل، {وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا} [الأنعام: ~~115] . # فهؤلاء لما اشتهر عندهم عن أهل السنة أنهم يستثنون في الإيمان، ورأوا أن ~~هذا لا يمكن إلا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه، وهو ما يوافي به ~~العبد ربه، ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا، فصاروا يحكون هذا عن السلف، ~~وهذا القول لم يقل به أحد من السلف، ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ظنهم لما ~~رأوا أن قولهم لا يتوجه إلا على هذا الأصل، وهم يدعون أن ما نصروه من أصل ~~جهم في الإيمان، هو قول المحققين والنظار من أصحاب الحديث. ومثل هذا يوجد ~~كثيرا في مذاهب السلف التي خالفها بعض النظار، وأظهر حجته في ذلك ولم يعرف ~~حقيقة قول السلف، فيقول من عرف حجة هؤلاء دون السلف، أو من يعظمهم، لما ~~يراه من تميزهم عليه: هذا قول المحققين. وقال المحققون: ويكون ذلك من ~~الأقوال الباطلة، المخالفة للعقل مع الشرع، وهذا كثيرا ما يوجد في كلام بعض ~~المبتدعين وبعض الملحدين، ومن آتاه الله علما وإيمانا، علم أنه لا يكون عند ~~المتأخرين من التحقيق، إلا ما هو دون تحقيق السلف لا في العلم ولا في ~~العمل، ومن كان له خبرة بالنظريات والعقليات، وبالعمليات، علم أن مذهب ~~الصحابة دائما أرجح من قول من بعدهم، وأنه لا يبتدع أحد قولا في الإسلام ~~إلا كان خطأ، وكان الصواب قد سبق إليه من قبله. # قال أبو القاسم الأنصاري، فيما حكاه عن أبي إسحاق الإسفرائيني، ms311 لما ذكر ~~قول أبي الحسن وأصحابه في الإيمان، وصحح أنه تصديق القلب قال: ومن # PageV01P339 # أصحابنا من قال بالموافاة، وشرط في الإيمان الحقيقي أن يوافي ربه به، ~~ويختم عليه. ومنهم من لم يجعل ذلك شرطا فيه في الحال. # قال الأنصاري: لما ذكر أن معظم أئمة السلف، كانوا يقولون: الإيمان معرفة ~~بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، قال: الأكثرون من هؤلاء على القول ~~بالموافاة، ومن قال بالموافاة، فإنما يقوله فيمن لم يرد الخبر بأنه من أهل ~~الجنة، وأما من ورد الخبر بأنه من أهل الجنة، فإنه يقطع على إيمانه، ~~كالعشرة من الصحابة. ثم قال: والذي اختاره المحققون: أن الإيمان هو ~~التصديق، وقد ذكرنا اختلاف أقوالهم في الموافاة، وأن ذلك هل هو شرط في صحة ~~الإيمان وحقيقته في الحال، وكونه معتدا عند الله به وفي حكمه، فمن قال: إن ~~ذلك شرط فيه، يستثنون في الإطلاق في الحال، لا أنهم يشكون في حقيقة التوحيد ~~والمعرفة، لكنهم يقولون: لا يدري أي الإيمان الذي نحن موصوفون به في الحال، ~~هل هو معتد به عند الله؟ على معنى أنا ننتفع به في العاقبة، ونجتني من ~~ثماره. # فإذا قيل لهم: أمؤمنون أنتم حقا، أو تقولون إن شاء الله؟ أو تقولون نرجو؟ ~~فيقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، يعنون بهذا الاستثناء، تفويض الأمر في ~~العاقبة إلى الله سبحانه وتعالى وإنما يكون الإيمان إيمانا معتدا به في حكم ~~الله، إذا كان ذلك علم الفوز وآية النجاة، وإذا كان صاحبه والعياذ بالله في ~~حكم الله من الأشقياء، يكون إيمانه الذي تحلى به في الحال عارية، قال: ولا ~~فرق عند الصائرين إلى هذا المذهب، بين أن يقول: أنا مؤمن من أهل الجنة ~~قطعا، وبين أن يقول: أنا مؤمن حقا. # قلت: هذا إنما يجيء على قول من يجعل الإيمان متناولا لأداء الواجبات وترك ~~المحرمات، فمن مات على هذا كان من أهل الجنة، وأما على قول الجهمية ~~والمرجئة، وهو القول الذي نصره هؤلاء الذين نصروا قول جهم، فإنه يموت على ~~الإيمان قطعا، ويكون كامل الإيمان ms312 عندهم، وهو مع هذا عندهم من أهل # PageV01P340 # الكبائر الذين يدخلون النار، فلا يلزم إذا وافي بالإيمان، أن يكون من أهل ~~الجنة. وهذا اللازم لقولهم يدل على فساده؛ لأن الله وعد المؤمنين بالجنة، ~~وكذلك قالوا: لا سيما والله سبحانه وتعالى يقول: {وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنات جنات} الآية [التوبة: 72] . قال: فهؤلاء يعني القائلين بالموافاة ~~جعلوا الثبات على هذا التصديق، والإيمان الذي وصفناه إلى العاقبة والوفاء ~~به في المآل شرطا في الإيمان شرعا، لا لغة، ولا عقلا. قال: وهذا مذهب سلف ~~أصحاب الحديث والأكثرين، قال: وهو اختيار الإمام أبي بكر بن فورك، وكان ~~الإمام محمد بن إسحاق ابن خزيمة يغلو فيه، وكان يقول: من قال: أنا مؤمن حقا ~~فهو مبتدع. # وأما مذهب سلف أصحاب الحديث؛ كابن مسعود وأصحابه، والثوري وابن عيينة، ~~وأكثر علماء الكوفة، ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل البصرة، ~~وأحمد ابن حنبل وغيره من أئمة السنة، فكانوا يستثنون في الإيمان. وهذا ~~متواتر عنهم، لكن ليس في هؤلاء من قال: أنا أستثنى لأجل الموافاة، وأن ~~الإيمان إنما هو اسم لما يوافي به العبد ربه، بل صرح أئمة هؤلاء بأن ~~الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم ~~بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى، فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية ~~لأنفسهم بلا علم، كما سنذكر أقوالهم إن شاء الله في ذلك. # وأما الموافاة، فما علمت أحدا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثير من ~~المتأخرين يعلل بها، من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، ~~كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول سلف ~~أصحاب الحديث. # ثم قال: إن قال قائل: إذا قلتم: إن الإيمان المأمور به في الشريعة، هو ما ~~وصفتموه بشرائطه، وليس ذلك متلقى من اللغة، فكيف يستقيم قولكم: إن الإيمان ~~لغوي؟ قلنا: الإيمان هو التصديق لغة وشرعا، غير أن الشرع ضم إلى # PageV01P341 # التصديق أو صافا وشرائط، مجموعها يصير مجزيا مقبولا، كما قلنا في الصلاة ~~والصوم والحج ms313 ونحوها، والصلاة في اللغة: هي الدعاء، غير أن الشرع ضم إليها ~~شرائط. # فيقال: هذا يناقض ما ذكروه في مسمى الإيمان، فإنهم لما زعموا أنه في ~~اللغة التصديق، والشرع لم يغيره، أو ردوا على أنفسهم. # فإن قيل: أليس الصلاة والحج والزكاة معدولة عن اللغة، مستعملة في غير ~~مذهب أهلها. قلنا: قد اختلف العلماء في ذلك، والصحيح أنها مقررة على ~~استعمال أهل اللغة، ومبقاة على مقتضياتها، وليست منقولة إلا أنها زيد فيها ~~أمور. فلو سلمنا للخصم كون هذه الألفاظ منقولة، أو محمولة على وجه من ~~المجاز بدليل مقطوع به، فعليه إقامة الدليل على وجود ذلك في الإيمان. فإنه ~~لا يجب إزالة ظواهر القرآن بسبب إزالة ظاهر منها. # فيقال: أنتم في الإيمان جعلتم الشرع زاد فيه وجعلتموه كالصلاة والزكاة، ~~مع أنه لا يمكن أحدا أن يذكر شيئا من الشرع دليلا على أن الإيمان لا يسمى ~~به، إلا الموافاة به وبتقدير ذلك، فمعلوم أن دلالة الشرع على ضم الأعمال ~~إليه أكثر وأشهر، فكيف لم تدخل الأعمال في مسماه شرعا؟ وقوله: لابد من دليل ~~مقطوع به عنه جوابان: # أحدهما: النقض بالموافاة، فإنه لا يقطع فيه. # الثاني: لا نسلم، بل نحن نقطع بأن حب الله ورسوله وخشية الله ونحو ذلك، ~~داخل في مسمى الإيمان في كلام الله ورسوله أعظم مما نقطع ببعض أفعال الصلاة ~~والصوم والحج، كمسائل النزاع، ثم أبو الحسن، وابن فورك وغيرهما من القائلين ~~بالموافاة، هم لا يجعلون الشرع ضم إليه شيئا، بل عندهم كل من سلبه الشرع ~~اسم الإيمان، فقد فقد من قلبه التصديق. # قال: ومن أصحابنا لم يجعل الموافاة على الإيمان شرطا في كونه ~~إيماناحقيقيا في الحال، وإن جعل ذلك شرطا في استحقاق الثواب عليه، وهذا ~~مذهب المعتزلة # PageV01P342 # والكرامية، وهو اختيار أبي إسحاق الإسفرائيني، وكلام القاضي يدل عليه، ~~قال: وهو اختيار شيخنا أبي المعالي، فإنه قال: الإيمان ثابت في الحال قطعا ~~لا شك فيه، ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة، ~~فاعتنى السلف به وقرنوه بالاستثناء، ولم يقصدوا الشك ms314 في الإيمان الناجز. # قال: ومن صار إلى هذا يقول: الإيمان صفة يشتق منها اسم المؤمن، وهو ~~المعرفة والتصديق، كما أن العالم مشتق من العلم، فإذا عرفت ذلك من نفسي ~~قطعت به كما قطعت بأني عالم وعارف ومصدق، فإن ورد في المستقبل ما يزيله، ~~خرج إذ ذاك عن استحقاق هذا الوصف، ولا يقال: تبينا أنه لم يكن إيمانا ~~مأمورا به، بل كان إيمانا مجزيا، فتغير وبطل، وليس كذلك قوله: أنا من أهل ~~الجنة، فإن ذلك مغيب عنه، وهو مرجو. قال: ومن صار إلى القول الأول يتمسك ~~بأشياء. منها أن يقال: الإيمان عبادة العمر، وهو كطاعة واحدة فيتوقف صحة ~~أولها على سلامة آخرها. كما نقول في الصلاة والصيام والحج. قالوا: ولا شك ~~أنه لا يسمى في الحال وليا، ولا سعيدا، ولا مرضيا عند الله. وكذلك الكافر ~~لا يسمى في الحال عدوا لله، ولا شقيا، إلا على معنى أنه تجري عليه أحكام ~~الأعداء في الحال لإظهاره من نفسه علامتهم. # قلت: هذا الذي قالوه، إنه لا شك فيه، هو قول ابن كلاب والأشعري وأصحابه، ~~ومن وافقهم من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم. وأما أكثر الناس فيقولون: ~~بل هو إذا كان كافرا فهو عدو لله، ثم إذا آمن واتقى صار وليا لله، قال الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم ~~بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ~~ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة ~~وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل إن ~~يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو ~~تكفرون لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما ~~تعملون بصير قد كانت لكم أسوة حسنة # PageV01P343 # في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون ~~الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله ~~وحده إلا قول إبراهيم ms315 لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا ~~عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ~~واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان ~~يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد عسى الله أن ~~يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم} ~~[الممتحنة: 1: 7] وكذلك كان، فإن هؤلاء أهل مكة الذين كانوا يعادون الله ~~ورسوله قبل الفتح، آمن أكثرهم، وصاروا من أولياء الله ورسوله، وابن كلاب ~~وأتباعه بنوا ذلك على أن الولاية صفة قديمة لذات الله، وهي الإرادة والمحبة ~~والرضا ونحو ذلك. فمعناها: إرادة إثابته بعد الموت، وهذا المعنى تابع لعلم ~~الله، فمن علم أنه يموت مؤمنا، لم يزل وليا لله، لأنه لم يزل الله مريدا ~~لإدخاله الجنة، وكذلك العداوة. # وأما الجمهور فيقولون: الولاية والعداوة وإن تضمنت محبة الله ورضاه وبغضه ~~وسخطه، فهو سبحانه يرضى عن الإنسان ويحبه، بعد أن يؤمن ويعمل صالحا، وإنما ~~يسخط عليه ويغضب، بعد أن يكفر، كما قال تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ~~الله وكرهوا رضوانه} [محمد: 28] ، فأخبر أن الأعمال أسخطته، وكذلك قال: ~~{فلما آسفونا انتقمنا منهم} [الزخرف: 55] قال المفسرون: أغضبونا، وكذلك قال ~~الله تعالى: {وإن تشكروا يرضه لكم} [الزمر: 7] ، وفي الحديث الصحيح الذي في ~~البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقول الله ~~تعالى: " من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل ~~أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا ~~أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ~~ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني ~~لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله # PageV01P344 # ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه ". # فأخبر أنه: لا يزال يتقرب إليه بالنوافل حتى ms316 يحبه، ثم قال: فإذا أحببته: ~~كنت كذا، وكذا. وهذا يبين أن حبه لعبده إنما يكون بعد أن يأتي بمحابه، ~~والقرآن قد دل على مثل ذلك، قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله} [آل عمران: 31] ، فقوله: {يحببكم} جواب الأمر في قوله: ~~{فاتبعوني} وهو بمنزلة الجزاء مع الشرط، ولهذا جزم، وهذا ثواب عملهم، وهو ~~اتباع الرسول، فأثابهم على ذلك بأن أحبهم، وجزاء الشرط وثواب العمل، ومسبب ~~السبب لا يكون إلا بعده، لا قبله، وهذا كقوله تعالى: {ادعوني أستجب لكم} ~~[غافر: 60] ، وقوله تعالى: {يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم ~~من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} [الأحقاف: 31] ، وقوله تعالى: {اتقوا الله ~~وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم} [الأحزاب: 70، 71] ، ~~ومثل هذا كثير، وكذلك قوله: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب ~~المتقين} [التوبة: 4] ، وقوله: {لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ~~أن تقولوا ما لا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم ~~بنيان مرصوص} [الصف: 2: 4] ، وكانوا قد سألوه: لو علمنا أي العمل أحب إلى ~~الله لعملناه. وقوله: {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم ~~أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} [غافر: 10] ، فهذا يدل على أن حبه # PageV01P345 # ومقته، جزاء لعملهم وأنه يحبهم إذا التقوا وقاتلوا؛ ولهذا رغبهم في العمل ~~بذلك، كما يرغبهم بسائر ما يعدهم به، وجزاء العمل بعد العمل، وكذلك قوله: ~~{إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} فإنه سبحانه يمقتهم إذ يدعون إلى الإيمان ~~فيكفرون، ومثل هذا قوله: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ~~فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18] ، ~~فقوله: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك} ، بين أنه رضي عنهم هذا ~~الوقت، فإن حرف [إذ] ظرف لما مضى من الزمان، فعلم أنه ذاك الوقت رضي عنهم ~~بسبب ذلك العمل، وأثابهم عليه، والمسبب لا يكون قبل سببه، والموقت بوقت لا ~~يكون قبل وقته، وإذا كان راضيا عنهم من جهة، فهذا ms317 الرضى الخاص الحاصل ~~بالبيعة لم يكن إلا حينئذ، كما ثبت في الصحيح أنه يقول لأهل الجنة: " يا ~~أهل الجنة، هل رضيتم؟ فيقولون: يا ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم ~~تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربنا ~~وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا ~~"، وهذا يدل على أنه في ذلك الوقت حصل لهم هذا الرضوان، الذي لا يتعقبه سخط ~~أبدا، ودل على أن غيره من الرضوان قد يتعقبه سخط. # وفي الصحيحين في حديث الشفاعة يقول كل من الرسل: " إن ربي قد غضب اليوم ~~غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله "، وفي الصحاح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: " لله أشد فرحا بتوبة عبده، من رجل أضل ~~راحلته بأرض دوية مهلكة، عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، فاضطجع ~~ينتظر الموت فلما استيقظ، إذا دابته عليها طعامه وشرابه " وفي رواية " كيف ~~تجدون فرحه بها؟ " قالوا: عظيما يا رسول الله، قال: " لله أشد فرحا بتوبة ~~عبده من هذا براحلته "، وكذلك ضحكه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما ~~يدخل الجنة، وضحكه إلى الذي يدخل الجنة آخر الناس، ويقول: أتسخر بي وأنت رب ~~العالمين، فيقول: " لا، ولكني على ما أشاء قادر "، وكل هذا في الصحيح. # PageV01P346 # في دعاء القنوت: " تولني فيمن توليت "، والقديم لا يتصور طلبه، وقد قال ~~تعالى: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196] ~~، وقال: {والله ولي المتقين} [الجاثية: 19] ، فهذا التولي لهم، جزاء صلاحهم ~~وتقواهم ومسبب عنه، فلا يكون متقدما عليه، وإن كان إنما صاروا صالحين ~~ومتقين بمشيئته وقدرته وفضله وإحسانه، لكن تعلق بكونهم متقين وصالحين، فدل ~~على أن هذا التولي هو بعد ذلك مثل كونه مع المتقين والصالحين بنصره ~~وتأييده، ليس ذلك قبل كونهم متقين وصالحين، وهكذا الرحمة، قال صلى الله ~~عليه وسلم: " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في ~~السماء "، قال الترمذي: ms318 حديث صحيح، وكذلك قوله: {وإن تشكروا يرضه لكم} ~~[الزمر: 7] علق الرضا به تعليق الجزاء بالشرط والمسبب بالسبب، والجزاء إنما ~~يكون بعد الشرط، وكذلك قوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} ~~[الفتح: 27] . يدل على أنه يشاء ذلك فيما بعد. وكذلك قوله: {إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] ، ف [إذا] ظرف لما يستقبل من ~~الزمان. فدل على أنه إذا أراد كونه، قال له: كن، فيكون. وكذلك قوله: {وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم} [التوبة: 105] ، فبين فيه أنه سيرى ذلك في ~~المستقبل إذا عملوه # PageV01P347 # والمأخذ الثاني في الاستثناء، أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله ~~به عبده كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار ~~فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به، ~~وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، ~~وشهادته لنفسه بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي له أن ~~يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، ولا أحد يشهد لنفسه بالجنة؛ ~~فشهادته لنفسه بالإيمان كشهادته لنفسه بالجنة إذا مات على هذه الحال، وهذا ~~مأخذ عامة السلف، الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر، ~~كما سنذكره إن شاء الله تعالى. # قال الخلال في [كتاب السنة] : حدثنا سليمان بن الأشعث يعني: أبا داود ~~السجستاني قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، قال له رجل: قيل لي: أمؤمن ~~أنت؟ قلت: نعم، هل على في ذلك شيء؟ هل الناس إلا مؤمن وكافر؟ فغضب أحمد، ~~وقال: هذا كلام الإرجاء قال الله تعالى: {وآخرون مرجون لأمر الله} [التوبة: ~~106] من هؤلاء، ثم قال أحمد: أليس الإيمان قولا وعملا؟ قال له الرجل: بلى. ~~قال: فجئنا بالقول؟ قال: نعم. قال: فجئنا بالعمل؟ قال: لا. قال: فكيف تعيب ~~أن يقول: إن شاء الله ويستثنى؟ # قال أبو داود: أخبرني أحمد بن أبي شريح: أن أحمد بن حنبل، كتب إليه في ~~هذه المسألة، أن الإيمان ms319 قول وعمل، فجئنا بالقول ولم نجئ بالعمل، فنحن ~~نستثنى في العمل. وذكر الخلال هذا الجواب من رواية الفضل بن زياد، وقال: ~~زاد الفضل: سمعت أبا عبد الله يقول: كان سليمان بن حرب، يحمل هذا علي ~~التقبل، يقول: نحن نعمل ولا ندري يتقبل منا أم لا؟ # قلت: والقبول متعلق بفعله كما أمر. فكل من اتقى الله في عمله، ففعله كما ~~أمر، فقد تقبل منه، لكن هو لا يجزم بالقبول، لعدم جزمه بكمال الفعل، كما # PageV01P348 # قال تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: 60] ، قالت ~~عائشة: يا رسول الله، أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف؟ فقال: لا يا ~~بنت الصديق، بل هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه " # وروى الخلال، عن أبي طالب قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لا نجد بدا من ~~الاستثناء؛ لأنهم إذا قالوا: مؤمن، فقد جاء بالقول. فإنما الاستثناء بالعمل ~~لا بالقول. # وعن إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى حديث ابن ~~مسعود في الاستثناء في الإيمان؛ لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الفعل، فقد ~~جئنا بالقول، ونخشى أن نكون فرطنا في العمل، فيعجبني أن يستثنى في الإيمان ~~بقول: أنا مؤمن إن شاء الله، قال: وسمعت أبا عبد الله وسئل عن قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " الاستثناء هاهنا على ~~أي شىء يقع؟ قال: على البقاع، لا يدري أيدفن في الموضع الذي سلم عليه أم في ~~غيره. # وعن الميموني أنه سأل أبا عبد الله عن قوله ورأيه في: مؤمن إن شاء الله. ~~قال: أقول: مؤمن إن شاء الله، ومؤمن أرجو، لأنه لا يدري، كيف البراءة ~~للأعمال على ما افترض عليه أم لا. ومثل هذا كثير في كلام أحمد وأمثاله، ~~وهذا مطابق لما تقدم من أن المؤمن المطلق هو القائم بالواجبات، المستحق ~~للجنة إذا مات على ذلك، وأن المفرط بترك المأمور أو فعل المحظور لا يطلق ~~عليه أنه مؤمن، وأن المؤمن المطلق هو البر التقي ولي الله، ms320 فإذا قال: أنا ~~مؤمن قطعا، كان كقوله: أنا بر، تقي، ولي الله قطعا. # وقد كان أحمد وغيره من السلف مع هذا يكرهون سؤال الرجل لغيره: أمؤمن أنت؟ ~~ويكرهون الجواب؛ لأن هذه بدعة أحدثها المرجئة ليحتجوا بها لقولهم، # PageV01P349 # فإن الرجل يعلم من نفسه أنه ليس بكافر، بل يجد قلبه مصدقا بما جاء به ~~الرسول، فيقول: أنا مؤمن، فيثبت أن الإيمان هو التصديق، لأنك تجزم بأنك ~~مؤمن، ولا تجزم بأنك فعلت كل ما أمرت به، فلما علم السلفمقصدهم، صاروا ~~يكرهون الجواب، أو يفصلون في الجواب، وهذا لأن لفظ [الإيمان] فيه إطلاق ~~وتقييد، فكانوا يجيبون بالإيمان المقيد، الذي لا يستلزم أنه شاهد فيه لنفسه ~~بالكمال؛ ولهذا كان الصحيح أن يجوز أن يقال: أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ~~ذلك، لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل؛ ~~ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه. # وقال المروزي: قيل لأبي عبد الله: نقول: نحن المؤمنون؟ فقال: نقول: نحن ~~المسلمون، وقال أيضا قلت لأبي عبد الله: نقول: إنا مؤمنون؟ قال: ولكن نقول: ~~إنا مسلمون، ومع هذا فلم ينكر على من ترك الاستثناء إذا لم يكن قصده قصد ~~المرجئة أن الإيمان مجرد القول، بل يكره تركه لما يعلم أن في قلبه إيمانا، ~~وإن كان لا يجزم بكمال إيمانه. # قال الخلال: أخبرني أحمد بن أصرم المزني، أن أبا عبد الله قيل له: إذا ~~سألني الرجل فقال: أمؤمن أنت؟ قال: سؤالك إياي بدعة، لا يشك في إيمانه، أو ~~قال: لا نشك في إيماننا. # قال المزني: وحفظي أن أبا عبد الله قال: أقول كما قال طاوس: آمنت بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله. # وقال الخلال: أخبرني حرب بن إسماعيل، وأبو داود، قال أبو داود: سمعت ~~أحمد: قال: سمعت سفيان يعني: ابن عيينة يقول: إذا سئل: أمؤمن أنت؟ لم يجبه، ~~ويقول سؤالك إياي بدعة، ولا أشك في إيماني، وقال: إن قال: إن شاء الله، ~~فليس يكره، ولا يداخل الشك، فقد أخبر عن أحمد أنه ms321 قال: لا نشك في إيماننا، ~~وأن السائل لا يشك في إيمان المسؤول، وهذا أبلغ، وهو إنما يجزم، بأنه مقر ~~مصدق بما جاء به الرسول، لا يجزم بأنه قائم بالواجبات. # فعلم أن أحمد وغيره من السلف، كانوا يجزمون ولا يشكون في وجود ما في ~~القلب، من الإيمان في هذه الحال، ويجعلون الاستثناء عائدا إلى الإيمان ~~المطلق # PageV01P350 # المتضمن فعل المأمور، ويحتجون أيضا بجواز الاستثناء فيما لا يشك فيه، ~~وهذا [مأخذ ثان] وإن كنا لا نشك فيما في قلوبنا من الإيمان، فالاستثناء ~~فيما يعلم وجوده قد جاءت به السنة، لما فيه من الحكمة. # وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء في ~~الإيمان فقال: نعم، الاستثناء على غير معنى شك، مخافة واحتياطا للعمل، وقد ~~استثنى ابن مسعود وغيره، وهو مذهب الثوري، قال الله تعالى: {لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله} [الفتح: 27] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ~~" إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله ". وقال في الميت: " وعليه تبعث إن شاء ~~الله " فقد بين أحمد أنه يستثنى مخافة واحتياطا للعمل، فإنه يخاف ألا يكون ~~قد كمل المأمور به، فيحتاط بالاستثناء، وقال على غير معنى شك، يعني من غير ~~شك مما يعلمه الإنسان من نفسه، وإلا فهو يشك في تكميل العمل الذي خاف ألا ~~يكون كمله، فيخاف من نقصه، ولا يشك في أصله. # قال الخلال: وأخبرني محمد بن أبي هارون: أن حبيش بن سندي، حدثهم في هذه ~~المسألة، قال أبو عبد الله: قول النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف على ~~المقابر فقال: " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون "، وقد نعيت إليه نفسه، وعلم ~~أنه صائر إلى الموت، وفي قصة صاحب القبر " وعليه حييت، وعليه مت، وعليه ~~تبعث إن شاء الله "، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إني اختبأت ~~دعوتي، وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا " وفي مسألة الرجل ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أحدنا يصبح جنبا، يصوم؟ فقال: " إني أفعل ذلك ثم ~~أصوم ms322 "، فقال: إنك لست مثلنا، أنت قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر، فقال: " والله أني لأرجو أن أكون أخشاكم لله " وهذا كثير، وأشباهه ~~على اليقين. # PageV01P351 # قال: ودخل عليه شيخ فسأله عن الإيمان، فقال له: قول وعمل، يزيد وينقص، ~~فقال له: أقول: مؤمن إن شاء الله، قال: نعم. فقال له: إنهم يقولون لي: إنك ~~شاك، قال: بئس ما قالوا، ثم خرج، فقال: ردوه، فقال: أليس يقولون: الإيمان ~~قول وعمل يزيد وينقص؟ قال: نعم، قال: هؤلاء يستثنون. قال له: كيف يا أبا ~~عبد الله؟ قال: قل لهم: زعمتم أن الإيمان قول وعمل، فالقول قد أتيتم به، ~~والعمل لم تأتوا به، فهذا الاستثناء لهذا العمل، قيل له: يستثنى في ~~الإيمان؟ قال: نعم، أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أستثنى على اليقين لا على ~~الشك، ثم قال: قال الله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} ، فقد ~~أخبر الله تعالى أنهم داخلون المسجد الحرام. # فقد بين أحمد في كلامه أنه يستثنى مع تيقنه بما هو الآن موجود فيه، يقوله ~~بلسانه وقلبه، لا يشك في ذلك، ويستثنى لكون العمل من الإيمان، وهو لا يتيقن ~~أنه أكمله بل يشك في ذلك، فنفى الشك وأثبت اليقين، فيما يتيقنه من نفسه، ~~وأثبت الشك فيما لا يعلم وجوده، وبين أن الاستثناء مستحب لهذا الثاني الذي ~~لا يعلم هل أتى به أم لا، وهو جائز أيضا لما يتيقنه، فلو استثني لنفس ~~الموجود في قلبه جاز، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: " والله إني لأرجو أن ~~أكون أخشاكم لله " وهذا أمر موجود في الحال ليس بمستقبل، وهو كونه أخشانا، ~~فإنه لا يرجو أن يصير أخشانا لله، بل هو يرجو أن يكون حين هذا القول أخشانا ~~لله. كما يرجو المؤمن إذا عمل عملا أن يكون الله تقبله منه ويخاف ألا يكون ~~تقبله منه، كما قال تعالى {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ~~ربهم راجعون} [المؤمنون: 60] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هو الرجل ~~يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف ms323 ألا يقبل منه " والقبول هو أمر حاضر أو ماض وهو ~~يرجوه ويخافه، وذلك أن ماله عاقبة مستقبلة محمودة أو مذمومة، والإنسان يجوز ~~وجوده وعدمه. يقال: إنه يرجوه وأنه يخافه. فتعلق الرجاء والخوف بالحاضر ~~والماضى؛ لأن عاقبته المطلوبة # PageV01P352 # والمكروهة مستقبلة. فهو يرجو أن يكون الله تقبل عمله فيثيبه عليه فيرحمه ~~في المستقبل. ويخاف ألا يكون تقبله فيحرم ثوابه، كما يخاف أن يكون الله قد ~~سخط عليه في معصيته فيعاقبه عليها. # وإذا كان الإنسان يسعى فيما يطلبه كتاجر أو بريد أرسله في حاجته يقضيها ~~في بعض الأوقات، فإذا مضى ذلك الوقت يقول: أرجو أن يكون فلان قد قضى ذلك ~~الأمر، وقضاؤه ماض، لكن ما يحصل لهذا من الفرح والسرور وغير ذلك من مقاصده ~~مستقبل، ويقول الإنسان في الوقت الذي جرت عادة الحاج بدخولهم إلى مكة: أرجو ~~أن يكونوا دخلوا، ويقول في سرية بعثت إلى الكفار: نرجو أن يكون الله قد نصر ~~المؤمنين وغنمهم، ويقال في نيل مصر عند وقت ارتفاعه: نرجو أن يكون قد صعد ~~النيل، كما يقول الحاضر في مصر مثل هذا الوقت: نرجو أن يكون النيل في هذا ~~العام نيلا مرتفعا، ويقال لمن له أرض يحب أن تمطر، إذا مطرت بعض النواحي: ~~أرجو أن يكون المطر عاما، وأرجو أن تكون قد مطرت الأرض الفلانية، وذلك لأن ~~المرجو هو ما يفرح بوجوده ويسره، فالمكروه ما يتألم بوجوده. # وهذا يتعلق بالعلم، والعلم بذلك مستقبل، فإذا علم أن المسلمين انتصروا، ~~والحاج قد دخلوا، أو المطر قد نزل، فرح بذلك وحصل به مقاصد أخر له، وإذا ~~كان الأمر بخلاف ذلك لم يحصل ذلك المحبوب المطلوب، فيقول: أرجو وأخاف؛ لأن ~~المحبوب والمكروه ما يتألم بوجوده. # وهذا متعلق بالعلم بذلك وهو مستقبل، وكذلك المطلوب بالإيمان من السعادة ~~والنجاة، هو أمر مستقبل، فيستثنى في الحاضر بذلك؛ لأن المطلوب به مستقبل، ~~ثم كل مطلوب مستقبل، تعلق بمشيئة الله وإن جزم بوجوده؛ لأنه لا يكون مستقبل ~~إلا بمشيئة الله. # فقولنا: يكون هذا إن شاء الله، حق، فإنه لا يكون ms324 إلا إن شاء الله والشك ~~واللفظ ليس فيه إلا التعليق، وليس من ضرورة التعليق الشك بل هذا بحسب علم ~~المتكلم، فتارة يكون شاكا وتارة لا يكون شاكا، فلما كان الشك يصحبها كثيرا ~~لعدم علم الإنسان بالعواقب، ظن الظان أن الشك داخل في معناها، # PageV01P353 # وليس كذلك، فقوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} [الفتح: 27] لا ~~يتصور فيه شك من الله، بل ولا من رسوله المخاطب والمؤمنين؛ ولهذا قال ثعلب: ~~هذا استثناء من الله وقد علمه، والخلق يستثنون فيما لا يعلمون. وقال أبو ~~عبيدة وابن قتيبة: إن إن بمعنى إذ، أي: إذ شاء الله، ومقصوده بهذا تحقيق ~~الفعل ب [إن] كما يتحقق مع إذ. وإلا ف [إذا] ظرف توقيت، و [إن] حرف تعليق. # فإن قيل: فالعرب تقول: إذا احمر البسر فأتني، ولا تقول: إن احمر البسر. # قيل: لأن المقصود هنا توقيت الإتيان بحين احمراره، فأتوا بالظرف المحقق، ~~ولفظ [إن] لا يدل على توقيت، بل هي تعليق محض تقتضي ارتباط الفعل الثاني ~~بالأول، ونظير ما نحن فيه أن يقولوا: البسر يحمر ويطيب إن شاء الله، وهذا ~~حق، فهذا نظير ذلك. # فإن قيل: فطائفة من الناس فروا من هذا المعنى وجعلوا الاستثناء لأمر ~~مشكوك فيه، فقال الزجاج: {لتدخلن المسجد الحرام} أي: أمركم الله به، وقيل: ~~الاستثناء يعود إلى الأمن والخوف، أي: لتدخلنه آمنين، فأما الدخول فلا شك ~~فيه. وقيل: لتدخلن جميعكم أو بعضكم؛ لأنه علم أن بعضهم يموت. فالاستثناء ~~لأنهم لم يدخلوا جميعهم. قيل: كل هذه الأقوال وقع أصحابها فيما فروا منه مع ~~خروجهم عن مدلول القرآن، فحرفوه تحريفا لم ينتفعوا به. فإن قول من قال: أي: ~~أمركم الله به، هو سبحانه قد علم، هل يأمرهم أو لا يأمرهم، فعلمه بأنه ~~سيأمرهم بدخوله كعلمه بأن سيدخلوا، فعلقوا الاستثناء بما لم يدل عليه ~~اللفظ، وعلم الله متعلق بالمظهر والمضمر جميعا، وكذلك أمنهم وخوفهم، هو ~~يعلم أنهم يدخلون آمنين أو خائفين، وقد أخبر أنهم يدخلون آمنين مع علمه ~~بأنهم يدخلون آمنين، فكلاهما لم يكن فيه شك ms325 عند الله، بل ولا عند رسوله، ~~وقول من قال: جميعهم أو بعضهم، يقال: المعلق بالمشيئة دخول من أريد باللفظ، ~~فإن كان أراد الجميع، فالجميع لابد أن يدخلوه، وإن أريد الأكثر، كان دخولهم ~~هو المعلق بالمشيئة، وما لم يرد لا يجوز # PageV01P354 # أن يعلق ب [إن] وإنما علق ب [إن] ما سيكون، وكان هذا وعدا مجزوما به، ~~ولهذا لما قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية: ألم تكن تحدثنا ~~أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: " بلى، قلت لك: إنك تأتيه هذا العام؟ " قال: ~~لا، قال: " فإنك آتيه ومطوف به ". # فإن قيل: لم لم يعلق غير هذا من مواعيد القرآن؟ # قيل: لأن هذه الآية نزلت بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من ~~الحديبية، وكانوا قد اعتمروا ذلك العام، واجتهدوا في الدخول، فصدهم ~~المشركون، فرجعوا وبهم من الألم ما لا يعلمه إلا الله، فكانوا منتظرين ~~لتحقيق هذا الوعد ذلك العام، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم وعدهم وعدا ~~مطلقا، وقد روى أنه رأى في المنام قائلا يقول: {لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شاء الله} [الفتح: 27] فأصبح فحدث الناس برؤياه، وأمرهم بالخروج إلى العمرة ~~فلم تحصل لهم العمرة ذلك العام، فنزلت هذه الآية، واعدة لهم بما وعدهم به ~~الرسول من الأمر الذي كانوا يظنون حصوله ذلك العام. # وكان قوله: {إن شاء الله} هنا تحقيقا لدخوله، وأن الله يحقق ذلك لكم، كما ~~يقول الرجل فيما عزم على أن يفعله لا محالة: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، ~~لا يقولها لشك في إرادته وعزمه، بل تحقيقا لعزمه وإرادته، فإنه يخاف إذا لم ~~يقل: إن شاء الله، أن ينقض الله عزمه، ولا يحصل ما طلبه، كما في الصحيحين: ~~أن سليمان عليه السلام قال: والله لأطوفن الليلة على مائة امرأة، كل منهن ~~تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل، ~~فلم تحمل منهن إلا امرأة جاءت بشق رجل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~والذي نفسي بيده، لو ms326 قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون ~~" فهو إذا قال: إن شاء الله لم يكن لشك في طلبه وإرادته، بل لتحقيق الله ~~ذلك له، إذ الأمور لا تحصل إلا بمشيئة الله، فإذا تألى العبد عليه من غير ~~تعليق بمشيئته، لم يحصل مراده، فإنه من يتألى على الله يكذبه؛ ولهذا يروى: ~~" لا أتممت لمقدر أمرا ". # PageV01P355 # وقيل لبعضهم: بماذا عرفت ربك؟ قال: بفسخ العزائم ونقض الهمم، وقد قال ~~تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} [الكهف: 23، ~~24] فإن قوله: لأفعلن، فيه معنى الطلب والخبر، وطلبه جازم، وأما كون مطلوبه ~~يقع، فهذا يكون إن شاء الله. وطلبه للفعل يجب أن يكون من الله بحوله وقوته، ~~ففي الطلب عليه أن يطلب من الله، وفي الخبر لا يخبر إلا بما علمه الله، ~~فإذا جزم بلا تعليق، كان كالتألي على الله، فيكذبه الله، فالمسلم في الأمر ~~الذي هو عازم عليه ومريد له وطالب له طلبا لا تردد فيه يقول: إن شاء الله ~~لتحقيق مطلوبه، وحصول ما أقسم عليه لكونه لا يكون إلا بمشيئة الله لا لتردد ~~في إرادته، والرب تعالى مريد لإنجاز ما وعدهم به إرادة جازمة لا مثنوية ~~فيها، وما شاء فعل، فإنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ليس كالعبد ~~الذي يريد ما لا يكون، ويكون ما لا يريد. # فقوله سبحانه: {أن شاء الله} [الفتح: 27] ، تحقيق أن ما وعدتكم به يكون ~~لا محالة بمشيئتي وإرادتي، فإن ما شئت كان وما لم أشأ لم يكن، فكان ~~الاستثناء هنا لقصد التحقيق، لكونهم لم يحصل لهم مطلوبهم الذي وعدوا به ذلك ~~العام، وأما سائر ما وعدوا به فلم يكن كذلك. # ولهذا تنازع الفقهاء فيمن أراد باستثنائه في اليمين هذا المعنى، وهو ~~التحقيق في استثنائه لا التعليق: هل يكون مستثنيا به، أم تلزمه الكفارة إذا ~~حنث؟ بخلاف من ترددت إرادته فإنه يكون مستثنيا بلا نزاع، والصحيح أنه يكون ~~في الجميع مستثنيا، لعموم المشيئة؛ ولأن الرجل وإن كانت إرادته ms327 للمحلوف به ~~جازمة، فقد علقه بمشيئة الله، فهو يجزم بإرادته له، لا يجزم بحصول مراده، ~~ولا هو أيضا مريد له بتقدير ألا يكون، فإن هذا تمييز لا إرادة، فهو إنما ~~التزمه إذا شاء الله، فإذا لم يشأه لم يلتزمه بيمينه، ولا حلف أنه يكون، ~~وإن كانت إرادته له جازمة، فليس كل ما أريد التزم باليمين فلا كفارة عليه. # وقد تبين بما ذكرناه أن قول القائل: {أن يشاء الله} يكون مع كمال إرادته ~~في حصول المطلوب، وهو يقولها لتحقيق المطلوب لاستعانته بالله في ذلك، لا # PageV01P356 # لشك في الإرادة، هذا فيما يحلف عليه ويريده، كقوله تعالى: {لتدخلن المسجد ~~الحرام} ، فإنه خبر عما أراد الله كونه وهو عالم بأن سيكون، وقد علقه ~~بقوله: {أن يشاء الله} فكذلك ما يخبر به الإنسان عن مستقبل أمره مما هو ~~جازم بإرادته وجازم بوقوعه فيقول فيه: إن شاء الله، لتحقيق وقوعه، لا للشك ~~لا في إرادته ولا في العلم بوقوعه. # ولهذا يذكر الاستثناء عند كمال الرغبة في المعلق، وقوة إرادة الإنسان له. ~~فتبقى خواطر الخوف تعارض الرجاء، فيقول: إن شاء الله، لتحقيق رجائه مع علمه ~~بأن سيكون، كما يسأل الله ويدعوه في الأمر الذي قد علم أنه يكون، كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر قد أخبرهم بمصارع المشركين، ثم هو بعد ~~هذا يدخل إلى العريش يستغيث ربه ويقول: " اللهم انجز لي ما وعدتني "؛ لأن ~~العلم بما يقدره لا ينافي أن يكون قدره بأسباب، والدعاء من أعظم أسبابه، ~~كذلك رجاء رحمة الله وخوف عذابه، من أعظم الأسباب في النجاة من عذابه وحصول ~~رحمته. # والاستثناء بالمشيئة يحصل في الخبر المحض، وفي الخبر الذي معه طلب. # فالأول إذا حلف على جملة خبرية لا يقصد به حضا ولا منعا، بل تصديقا أو ~~تكذيبا، كقوله: والله ليكونن كذا إن شاء الله، أو لا يكون كذا. والمستثنى ~~قد يكون عالما بأن هذا يكون أو لا يكون، كما في قوله: {لتدخلن} ، فإن هذا ~~جواب غير محذوف. # والثاني: ما فيه معنى الطلب، ms328 كقوله: والله لأفعلن كذا، أو لا أفعله إن ~~شاء الله، فالصيغة صيغة خبر ضمنها الطلب، ولم يقل: والله إني لمريد هذا ولا ~~عازم عليه، بل قال: والله ليكونن. فإذا لم يكن فقد حنث لوقوع الأمر، بخلاف ~~ما حلف عليه فحنث، فإذا قال: إن شاء الله، فإنما حلف عليه بتقدير: أن يشاء ~~الله، لا مطلقا. # PageV01P357 # ولهذا ذهب كثير من الفقهاء إلى أنه متى لم يوجد المحلوف عليه حنث، أو متى ~~وجد المحلوف عليه أنه لا يفعله، حنث، سواء كان ناسيا أو مخطئا أو جاهلا، ~~فإنهم لحظوا أن هذا في معنى الخبر، فإذا وجد بخلاف مخبره فقد حنث، وقال ~~الآخرون: بل هذا مقصوده الحض والمنع، كالأمر والنهي، ومتى نهي الإنسان عن ~~شيء ففعله ناسيا أو مخطئا لم يكن مخالفا، فكذلك هذا. قال الأولون: فقد يكون ~~في معنى التصديق والتكذيب، كقوله: والله ليقعن المطر، أو لا يقع، وهذا خبر ~~محض، ليس فيه حض ولا منع، ولو حلف على اعتقاده فكان الأمر بخلاف ما حلف ~~عليه، حنث، وبهذا يظهر الفرق بين الحلف على الماضي والحلف على المستقبل، ~~فإن اليمين على الماضي غير منعقدة، فإذا أخطأ فيها لم يلزمه كفارة، ~~كالغموس، بخلاف المستقبل. وليس عليه أن يستثنى في المستقبل إذا كان فعله، ~~قال تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن ~~بما عملتم وذلك على الله يسير} [التغابن: 7] ، فأمره أن يقسم على ما سيكون، ~~وكذلك قوله: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} ~~[سبأ: 3] ، كما أمره أن يقسم على الحاضر في قوله: {ويستنبئونك أحق هو قل إي ~~وربي إنه لحق} [يونس: 53] ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي ~~نفسي بيده، لينزلن فيكم ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا"، وقال: " والذي ~~نفسي بيده، لا تذهب الدنيا حتي يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما ~~قتل، ولا المقتول فيما قتل " وقال: " إذا هلك كسرى أو ليهلك كسرى ثم لا ~~يكون # PageV01P358 # كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر ms329 بعده، والذي نفسي بيده، لتنفقن ~~كنوزهما في سبيل الله " وكلاهما في الصحيح. # فأقسم صلوات الله وسلامه عليه على المستقبل في مواضع كثيرة بلا استثناء، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # PageV01P359 ### | فهرس الموضوعات # ... # العنوان ... الصفحة # الفرق بين الإسلام والإيمان ... # 7 # معنى الإسلام والإيمان إذا اجتمعا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... # 8 # حديث: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ... ) " ... # 9 # الدين ثلاث درجات ما بين الإسلام والإيمان والإحسان من العموم والخصوص، ~~وكذلك الرسالة والنبوة # ... # 11 # اسم الإيمان يذكر تارة غير مقرون بالإسلام ولا بغيره، وتارة يذكر مقرونا. # ... # 14 # إذا ذكر الإيمان مع الإسلام، فالإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو ~~ما في القلب، وإذا ذكر مجردا دخل الإسلام والأعمال الصالحة # ... # 15 # اسم الإيمان إذا أطلق في كلام الله ورسوله يتناول فعل الواجبات وترك ~~المحرمات، ومن نفى الله ورسوله عنه الإيمان، فلا بد أن يكون قد ترك أو فعل ~~محرما، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ولم ينف فهي مستحبة، وغلط من قال: إن ~~المنفي هو الكمال المستحب # ... # 15 # تفسير قوله تعالى: {لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ... } ~~{ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا..} {ومن يتولهم منكم فإنه منهم ... } ~~{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ... } # ... # 17 # إذا كان المؤمن الحق الفاعل للواجبات التارك للمحرمات ... # 19 # PageV01P375 # العنوان ... الصفحة # حل إشكال آية: {أولئك هم المؤمنون حقا} ... # 19 # تفسير قوله تعالى: "وجلت قلوبهم" ... # 19 # تفسير قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ... # 20 # العقل ومتى يسمى الإنسان عاقلا، ومتذكرا ومهتديا وخائفا ... # 23 # من فسدت فطرته فسدت قوته العلمية والعملية ... # 24 # تفسير قوله تعالى: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} ... # 26 # الصلاة إذا فعلت على الوجه المطلوب تنهى عن الفحشاء والمنكر ... # 28 # تفسير قوله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان..} ... # 29 # تفسير حديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ... # 30 # أحاديث تنازع أهل العلم بالحديث في صحتها ... # 31 # للعلماء قولان ms330 في صحة صلاة من ترك الجماعة وصلى منفردا ... # 32 # وجوب تحكيم الشرع في كل ما شجر بين الناس ... # 34 # من أدلة حجية الإجماع قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} وتوجيه الدلالاة منها وبيان ~~أن الإجماع منه ما هو قطعي الدلالة ومنه ما هو ظني الدلالة # ... # 35 # السنة كالقرآن كلاهما وحي نزله الله ... # 36 # تفسير أبي نصر المروزي لآية: {وحبب إليكم الإيمان} وتعليق المؤلف عليه # ... # 38 # تفسير حديث: "أصدق الأسماء حارث وهمام" ... # 39 # المباح يكون بالنية الحسنة خيرا، بالنية السيئة شرا ... # 39 # تفسير آيات فيما أحل وما حرم من الأطعمة والصيد ... # 40 # PageV01P376 # العنوان ... الصفحة # هل تكتب جميع أقوال العبد؟ ... # 44 # المرجئة لا تنازع في أن الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل الطاعة، ~~وأنها من ثمراته وإنما تنازع في أنه هل يستلزم الطاعة؟ # ... # 45 # لفظ الكفر إذا ذكر مفردا في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون ... # 47 # قد يقرن الكفر بالنفاق كما يقرن لفظ المشركين بأهل الكتاب، وهل يتناول ~~لفظ المشركين أهل الكتاب إذا أفرد؟ # ... # 48 # فصل في ألفاظ: الصالح، والشهيد والصديق تذكر مفردة فتتناول النبيين ~~وغيرهم ... # 50 # فصل في لفظ:"المعصية" إذا أطلقت دخل فيها الكفر والفسوق ... # 51 # الأمر المطلق يقتضي الوجوب ... # 52 # تفسيرقوله تعالى: {لا يعصينك في معروف} ... # 52 # لفظ الظلم إذا اطلق يدخل فيه الكفر وسائر الذنوب ... # 54 # تفسير الأزواج حيثما وردت في القرآن ... # 55 # معنى الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة ... # 56 # تفسير {تخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ... # 60 # متى يجوز التقليد ومتى يمنع ... # 62 # مشركو العرب كانوا متفقين على أن أربابهم لم تشارك الله في خلق السماوات ~~والأرض ... # 64 # تفسير {أإله مع الله} ... # 65 # الظلم أنواع ثلاثة ... # 67 # لفظ الصلاح إذا أطلق تناول جميع الخير، والفساد إذا أطلق تناول جميع الشر ~~... # 70 # تفسيرقوله تعالى: {إنما نحن مصلحون} ... # 71 # بحث عام في الحقيقة والمجاز ... # 73 # PageV01P377 # العنوان ... الصفحة # تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز كان بعد القرون الثلاثة ... # 73 ms331 # إنكار طائفة من العلماء أن يكون في اللغة مجاز لا في القرآن ولافي غيره ~~... # 75 # للعلماء والمفسرين في الأسماء التي علمها آدم، قولان معروفان عن السلف ~~... # 78 # الحجة على أن هذه اللغات ليست متلقاة عن آدم ... # 79 # بطلان تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ... # 80 # ما يسمى كلاما في الكتاب والسنة وكلام العرب ... # 83 # هل يجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة عقلا أو شرعا ... # 87 # بحث في الإطلاق التقيد والكليات والجزئيات في الأمور العقلية والسمعية ~~... # 88 # مما ادعي فيه المجاز في القرآن ألفاظ: الذوق الجوع، الخوف المكر ... الخ ~~... # 91 # من الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز {واسأل القرية} ... # 94 # الطريق إلى معرفة مقاصد الرسول بكلامه ... # 96 # خطأ المرجئة في اسم الإيمان حيث جعلوه حقيقة في مجرد التصديق، وتناوله ~~للأعمال مجاز ... # 97 # عدول المرجئة في تفسيرهم للإيمان عن بيان الكتاب والسنة وأقوال السلف، ~~واعتمادهم على رأيهم ولعى ما تأولوه بفهمهم للغة # ... # 98 # الأشعري وعامة أصحابه نصروا قول جهم في الإيمان، مع نصرهم للمشهور عن أهل ~~السنة من أنه يستثنى في الإيمان، وسبب هذا التناقض # ... # 99 # PageV01P378 # العنوان ... الصفحة # نقل كلام القاضي أبي بكر الباقلاني من "التمهيد" في الإيمان وتعقب المؤلف ~~له ... # 100 # استعمال لفظ الكلام والقول في المعنى واللفظ ... # 109 # قول الكرامية في معنى الإيمان وما احتجوا به والرد عليهم ... # 116 # مخالفة الأشعري وبعض أصحابه وأتباعهم لقول السلف في مسألة الإيمان ... # 118 # احتجاج الجهمية ومن تبعهم بقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر} وبيان أنه لا حجة فيها لهم # ... # 120 # اختلف قول الأشعري وغيره في الجهل ببعض الصفات هل يكون جهلا بالموصوف أم ~~لا؟ ... # 122 # فصل في الذين نصروا قول جهم جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام، وبطلان ~~هذا القول وبيان تناقضه ... # 125 # احتجاج هؤلاء ب {قالت الأعراب آمنا} وبيان أنها حجة عليهم ... # 127/187 # فصل القرآن يدل على أن الإيمان المطلق مستلزم للأعمال ... # 129 # فصل: إذا قيد الإيمان فقرن بالإسلام أو بالعمل الصالح فإنه قد يراد به ما ~~في ms332 القلب باتفاق الناس وهل يراد به أيضا المعطوف عليه؟ # ... # 130 # عامة الأسماء يتغير مسماها بالإطلاق والتقييد والتجريد والاقتران كلفظ ~~المعروف والمنكر والعبادة والطاعة والتقوى والبر ... الخ # ... # 131 # من أنفع الأمور في معرفة دلالة الألفاظ مطلقا وخصوصا ألفاظ الكتاب والسنة ~~وبه تزول شبهات كثيرة كثر فيها نزاع العلماء # ... # 136 # عبارات السلف في حد الإيمان ومعناها ... # 137 # عطف الشيء على الشيء في القرآن وسائر الكلام يقتضي مغايرة بين المعطوف ~~والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما # ... # 138 PageV01P379 ms333