######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000367 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: اقتضاء الصراط #META# 030.LibURI :: JK_000367 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد حامد الفقي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة السنة المحمدية #META# 044.EdPLACE :: القاهرة #META# 045.EdYEAR :: 1369 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # = اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم = PageV01P001 * بسم الله ~~الرحمن الرحيم * # الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينا ~~وأمرنا أن نستهديه صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ~~اليهود ولا الضالين النصارى # واشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~أرسله بالدين القيم والملة الحنيفية وجعله على شريعة من الأمر أمره ~~باتباعها وأمره بأن يقول @QB@ هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني @QE@ صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما # وبعد فإني قد نهيت إما مبتدئا وإما مجيبا عن التشبه بالكفار في أعيادهم ~~وأخبرت ببعض ما في ذلك من الأثر القديم والدلالة الشرعية وبينت بعض حكمة ~~الشرع في مجانبة هدي الكفار من الكتابيين والأميين وما جاءت به الشريعة من ~~مخالفة أهل الكتاب والأعاجم وإن كانت هذه قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة ~~كثيرة الشعب وأصلا جامعا من أصولها كثير الفروع لكني نبهت على ذلك بما يسره ~~الله تعالى وكتبت جوابا في ذلك لم يحضرني الساعة وحصل بسبب ذلك من الخير ما ~~قدره الله سبحانه # ثم بلغني بأخرة أن من الناس من استغرب ذلك واستبعده لمخالفة عادة قد نشؤا ~~عليها وتمسكوا في ذلك بعمومات وإطلاقات اعتمدوا عليها فاقتضاني بعض الأصحاب ~~أن أعلق في ذلك ما يكون فيه إشارة إلى أصل هذه المسألة لكثرة فائدتها وعموم ~~المنفعة بها ولما قد عم كثيرا من الناس من الابتلاء بذلك حتى صاروا في نوع ~~جاهلية فكتبت ما حضرني الساعة مع أني لو استوفيت ما في ذلك من الدلائل ~~وكلام العلماء واستقريت الآثار في ذلك لوجدت فيه أكثر مما كتبه PageV01P001 # ولم أكن أظن أن من خاض في الفقه ورأى إيماآت الشرع ومقاصده وعلل الفقهاء ~~ومسائلهم يشك في ذلك بل لم أكن أظن أن من وقر الإيمان في قلبه وخلص إليه ~~حقيقة الإسلام وأنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه إذا نبه على هذه ~~النكتة إلا كانت حياة قلبه وصحة إيمانه ms001 توجب استيقاظه بأسرع تنبيه ولكن ~~نعوذ بالله من رين القلوب وهوى النفوس اللذين يصدان عن معرفة الحق واتباعه # | فصل # في حال البشر قبل البعثة المحمدية $ # اعلم أن الله سبحانه وتعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق وقد ~~مقت أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا أو أكثرهم قبل ~~مبعثه # والناس إذ ذاك أحد رجلين إما كتابي معتصم بكتاب إما مبدل وإما منسوخ أو ~~بدين دارس بعضه مجهول وبعضه متروك وإما أمي من عربي وعجمي مقبل على عبادة ~~ما استحسنه وظن أنه ينفعه من نجم أو وثن أو قبر أو تمثال أو غير ذلك والناس ~~في جاهلية جهلاء من مقالات يظنونها علما وهي جهل وأعمال يحسبونها صلاحا وهي ~~فساد # وغاية البارع منهم علما وعملا أن يحصل قليلا من العلم الموروث عن ~~الأنبياء المتقدمين مشوب بأهواء المبدلين والمبتدعين قد اشتبه عليهم حقه ~~بباطله أو يشتغل بعمل القليل منه مشروع وأكثره مبتدع لا يكاد يؤثر في صلاحه ~~إلا قليلا أو أن يكدح بنظره كدح المتفلسفة فتذوب مهجته في الأمور ~~PageV01P002 الطبيعية والرياضية وإصلاح الأخلاق حتى يصل إن وصل بعد الجهد ~~الذي لا يوصف إلى نزر قليل مضطرب لا يروي غليلا ولا يشفي عليلا ولا يغني من ~~العلم الإلهي شيئا باطله أضعاف حقه إن حصل وأنى له ذلك مع كثرة الاختلاف ~~بين أهله والاضطراب وتعذر الأدلة عليه والأسباب # فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من ~~البينات والهدى هداية جلت عن وصف الواصفين وفاقت معرفة العارفين حتى حصل ~~لأمته المؤمنين به عموما ولأولي العلم منهم خصوصا من العلم النافع والعمل ~~الصالح والأخلاق العظيمة والسنن المستقيمة ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علما ~~وعملا الخالصة من كل شوب إلى الحكمة التي بعث بها لتفاوتتا تفاوتا يمنع ~~معرفة قدر النسبة بينهما فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى # ودلائل هذا وشواهده ليس هذا موضعها # ثم إنه سبحانه بعثه بدين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم وفرض على الخلق ms002 ~~أن يسألوه هدايته كل يوم مرارا في صلاتهم ووصفه بأنه صراط الذين أنعم عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير المغضوب عليهم ولا الضالين # قال عدي بن حاتم رضي الله عنه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~جالس في المسجد فقال القوم هذا عدي بن حاتم وجئت بغير أمان ولا كتاب فلما ~~دفعت إليه أخذ بيدي وقد قال قبل ذلك إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي قال ~~فقام بي فلقيته امرأة وصبي معها فقالا إن لنا إليك حاجة فقام معهما حتى قضى ~~حاجتهما ثم أخذ بيدي حتى أتى بي داره فألقت له الوليدة وسادة فجلس عليها ~~وجلست بين يديه فحمد الله PageV01P003 وأثنى عليه ثم قال ما يفرك أيفرك أن ~~تقول لا إله إلا الله فهل تعلم من إله سوى الله قال قلت لا ثم تكلم ساعة ثم ~~قال إنما يفرك أن تقول الله أكبر أو تعلم شيئا أكبر من الله قال قلت لا قال ~~فإن اليهود مغضوب عليه والنصارى ضلال قال فقلت فإني حنيف مسلم قال فرأيت ~~وجهه ينبسط فرحا # وذكر حديثا طويلا رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وقد دل كتاب الله ~~على معنى هذا الحديث قال الله سبحانه @QB@ قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة ~~عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ~~@QE@ والضمير عائد إلى اليهود والخطاب معهم كما دل عليه سياق الكلام # وقال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ~~ولا منهم @QE@ وهم المنافقون الذين تولوا اليهود باتفاق أهل التفسير وسياق ~~الآية يدل عليه # وقال تعالى @QB@ ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس وباؤوا بغضب من الله @QE@ وذكر في البقرة قوله تعالى @QB@ وباؤوا ~~بغضب من الله @QE@ وفيها أيضا @QB@ فباؤوا بغضب على غضب @QE@ وهذا بيان أن ~~اليهود مغضوب عليهم # وقال في النصارى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة @QE@ إلى ~~قوله @QB@ قل يا أهل ms003 الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ PageV01P004 ~~وهذا خطاب للنصارى كما دل عليه السياق ولهذا نهاهم عن الغلو وهو مجاوزة ~~الحد كما نهاهم عنه في قوله @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا ~~تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه @QE@ # واليهود مقصرون عن الحق والنصارى غالون فيه # فأما وسم اليهود بالغضب والنصارى بالضلال فله أسباب ظاهرة وباطنة ليس هذا ~~موضعها # وجماع ذلك أن كفر اليهود أصله من جهة عدم العمل بعلمهم فهم يعلمون الحق ~~ولا يتبعونه قولا أو عملا أولا قولا ولا عملا وكفر النصارى من جهة عملهم ~~بلا علم فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله ويقولون على الله ~~مالا يعلمون ولهذا كان السلف كسفيان بن عيينة وغيره يقولون من فسد من ~~علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى وليس ~~هذا أيضا موضع شرح ذلك # ومع أن الله قد حذرنا سبيلهم فقضاؤه نافذ بما أخبر به رسوله مما سبق في ~~علمه حيث قال فيما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة ~~بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى ~~قال فمن # وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرا بشبر وذراعا بذراع ~~فقيل يا رسول الله كفارس والروم قال ومن الناس إلا أولئك PageV01P005 # فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب ومضاهاة ~~لفارس والروم وهم الأعاجم # وقد كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء وليس هذا ~~إخبارا عن جميع الأمة بل قد تواتر عنه أنه قال لا تزال طائفة ms004 من أمتي ظاهرة ~~على الحق حتى تقوم الساعة وأخبر صلى الله عليه وسلم ان الله لا يجمع هذه ~~الأمة على ضلالة و أن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه ~~بطاعته # فعلم بخبره الصدق أن لا بد أن يكون في أمته قوم متمسكين بهديه الذي هو ~~دين الإسلام محضا وقوم منحرفين إلى شعبة من شعب دين اليهود أو إلى شعبة من ~~شعب دين النصارى وإن كان الرجل لا يكفر بهذا الانحراف بل وقد لا يفسق أيضا ~~بل قد يكون الإنحراف كفرا وقد يكون فسقا وقد يكون سيئة وقد يكون خطأ # وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان فلذلك أمر العبد بدوام ~~دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية ~~أصلا # وأنا أشير إلى بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم التي ابتليت بها هذه الأمة ~~ليجتنب المسلم الحنيف الانحراف عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم ~~أو الضالين # قال الله سبحانه @QB@ ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم ~~كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق @QE@ فذم اليهود على ما ~~حسدوا المؤمنين على الهدى والعلم # وقد يبتلى بعض المنتسبين إلى العلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه الله ~~لعلم نافع أو عمل صالح وهو خلق مذموم مطلقا وهو في هذا الموضع من أخلاق ~~المغضوب عليهم PageV01P006 # وقال الله سبحانه @QB@ والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل @QE@ @QB@ ويكتمون ما آتاهم الله من فضله @QE@ # فوصفهم بالبخل الذي هو البخل بالعلم والبخل بالمال وإن كان السياق يدل ~~على أن البخل بالعلم هو المقصود الأكبر فلذلك وصفهم بكتمان العلم في غير ~~آية مثل قوله تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه @QE@ الآية وقوله تعالى @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزلنا ~~من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ~~ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا @QE@ الآية وقوله @QB@ إن الذين يكتمون ~~ما أنزل الله ms005 من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم ~~إلا النار @QE@ الآية وقوله تعالى @QB@ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ~~وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون @QE@ # فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم تارة بخلا به وتارة اعتياضا عن ~~إظهاره بالدنيا وتارة خوفا أن يحتج عليهم بما أظهروه منه # وهذا قد ابتلى به طوائف من المنتسبين إلى العلم فإنهم تارة يكتمون العلم ~~بخلا به وكراهة أن ينال غيرهم من الفضل ما نالوه وتارة اعتياضا عنه برياسة ~~أو مال ويخاف من إظهاره انتقاص رياسته أو نقص ماله وتارة يكون قد خالف غيره ~~في مسألة أو اعتزى إلى طائفة قد خولفت في مسألة فيكتم من العلم ما فيه حجة ~~لمخالفه وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل # ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم ~~وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم # وليس الغرض تفصيل ما يحب وما يحتسب بل الغرض التنبيه على مجامع يتفطن ~~اللبيب بها لما ينفعه الله به # وقال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل ~~علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق @QE@ PageV01P007 الآية بعد أن قال @QB@ ~~وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين @QE@ # فوصف اليهود بأنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور النبي الناطق به والداعي ~~إليه فلما جاءهم النبي الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا له فإنهم ~~لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها مع أنهم لا يتبعون ما ~~لزمهم في اعتقادهم # وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم أو الدين من ~~المتفقهة أو المتصوفة أو غيرهم أو إلى رئيس معظم عندهم في الدين غير النبي ~~صلى الله عليه وسلم فإنهم لا يقبلون من الدين لا فقها ولا رواية إلاما جاءت ~~به طائفتهم ثم إنهم لا يعلمون ما توجبه طائفتهم مع أن دين الإسلام يوجب ms006 ~~اتباع الحق مطلقا رواية وفقها من غير تعيين شخص أو طائفة غير الرسول صلى ~~الله عليه وسلم # وقال تعالى في صفة المغضوب عليهم @QB@ من الذين هادوا يحرفون الكلم عن ~~مواضعه @QE@ ووصفهم بأنهم @QB@ يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب ~~وما هو من الكتاب @QE@ والتحريف قد فسر بتحريف التنزيل وبتحريف التأويل # فأما تحريف التأويل فكثير جدا وقد ابتليت به طوائف من هذه الأمة # وأما تحريف التنزيل فقد وقع فيه كثير من الناس يحرفون ألفاظ الرسول ~~ويروون أحاديث بروايات منكرة وإن كان الجهابذة يدفعون ذلك وربما تطاول ~~بعضهم إلى تحريف التنزيل وإن لم يمكنه ذلك كما قرأ بعضهم @QB@ وكلم الله ~~موسى تكليما @QE@ PageV01P008 # وأما تطاول بعضهم إلى السنة بما يظن أنه من عند الله فكوضع الوضاعين ~~الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إقامة ما يظن أنه حجة في ~~الدين وليس بحجة # وهذا الضرب من نوع أخلاق اليهود وذمها في النصوص كثير لمن تدبر في كتاب ~~الله وسنة رسوله ثم نظر بنور الإيمان إلى ما وقع في الأمة من الأحداث # وقال سبحانه عن النصارى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته @QE@ # وقال @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم @QE@ إلى غير ~~ذلك من المواضع # ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين قد وقع في طوائف من ضلال المتعبدة ~~والمتصوفة حتى خالط كثيرا منهم من مذاهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من قول ~~النصارى أو مثله أو دونه # وقال تعالى @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم @QE@ الآية وفسره النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه ~~بأنهم أحلوا الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم # وكثير من أتباع المتعبدة يطيع بعض المعظمين عنده في كل ما يأمره به وإن ~~تضمن تحليل حرام أو تحريم حلال # وقال سبحانه عن الضالين @QB@ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ~~ابتغاء رضوان الله @QE@ وقد ابتلى طوائف ms007 من المسلمين من الرهبانية المبتدعة ~~بما الله به عليم PageV01P009 # وقال الله سبحانه @QB@ قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ~~@QE@ فكان الضالون بل والمغضوب عليهم يبنون المساجد على قبور الأنبياء ~~والصالحين وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن ذلك في غير موضع حتى ~~في وقت مفارقته الدنيا بأبي هو وأمي ثم إن هذا قد ابتلي به كثير من هذه ~~الأمة # ثم إن الضالين تجد عامة دينهم إنما يقوم بالأصوات المطربة والصور الجميلة ~~فلا يهتمون في أمر دينهم بأكثر من تلحين الأصوات # ثم إنك تجد أن هذه الأمة قد ابتليت من اتخاذ السماع المطرب بسماع القصائد ~~بالصور والأصوات الجميلة لإصلاح القلوب والأحوال ما فيه مضاهاة لبعض حال ~~الضالين # وقال سبحانه @QB@ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شيء @QE@ # فأخبر أن كل واحدة من الأمتين تجحد كل ما عليه الأخرى وأنت تجد كثيرا من ~~المتفقهة إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئا ولا يعدهم إلا جهالا ~~ضلالا ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئا وترى كثيرا من المتصوفة ~~والمتفقرة لا يرى الشريعة والعلم شيئا بل يرى أن التمسك بهما منقطع عن الله ~~وأنه ليس عند أهلها شيء مما ينفع عند الله # والصواب أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حق وما خالف الكتاب ~~والسنة من هذا وهذا باطل # وأما مشابهة فارس والروم فقد دخل منه في هذه الأمة من الآثار الرومية ~~قولا وعملا والآثار الفارسية قولا وعملا مالا خفاء فيه على مؤمن عليم بدين ~~الإسلام وبما حدث فيه PageV01P010 # وليس الغرض هنا تفصيل الأمور التي وقعت في الأمة مما تضارع طريق المغضوب ~~عليهم أو الضالين وإن كان بعض ذلك قد يقع مغفورا لصاحبه إما لاجتهاد أخطأ ~~فيه وإما لحسنات محت السيئات أو غير ذلك # وإنما الغرض أن تتبين ضرورة العبد وفاقته إلى هداية الصراط المستقيم وأن ~~ينفتح لك باب إلى معرفة الانحراف لتحذره # ثم إن الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب من اعتقادات ms008 وإرادات وغير ~~ذلك وأمور ظاهرة من أقوال وأفعال قد تكون عبادات وقد تكون أيضا عادات في ~~الطعام واللباس والنكاح والمسكن والاجتماع والافتراق والسفر والإقامة ~~والركوب وغير ذلك # وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينهما ولا بد ارتباط ومناسبة فإن ما يقوم ~~بالقلب من الشعور والحال يوجب أمورا ظاهرة وما يقوم بالظاهر من سائر ~~الأعمال يوجب للقلب شعورا وأحوالا # وقد بعث الله عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحكمة التي هي سنته ~~وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له # فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب ~~عليهم والضالين وأمر بمخالفتهم في الهدى الظاهر وإن لم يظهر لكثير من الخلق ~~في ذلك مفسدة لأمور # منها أن المشاركة في الهدى الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين ~~يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال وهذا أمر محسوس فإن اللابس لثياب ~~أهل العلم مثلا يجد من نفسه نوع انضمام إليهم واللابس لثياب الجند المقاتلة ~~مثلا يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم ويصير طبعه مقتضيا لذلك إلا أن يمنعه ~~من ذلك مانع # ومنها أن المخالفة في الهدى الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع ~~PageV01P011 عن موجبات الغضب وأسباب الضلال والانعطاف إلى أهل الهدى ~~والرضوان وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه ~~الخاسرين وكلما كان القلب أتم حياة وأعرف بالإسلام الذي هو الإسلام لست ~~أعني مجرد التوسم به ظاهرا أو باطنا بمجرد الاعتقادات التقليدية من حيث ~~الجملة كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنا أو ظاهرا أتم وبعده عن ~~أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد # ومنها أن مشاركتهم في الهدى الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع ~~التمييز ظاهرا بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين إلى غير ~~ذلك من الأسباب الحكمية # هذا إذا لم يكن ذلك الهدى الظاهر إلا مباحا محضا لو تجرد عن مشابهتهم ~~فأما إن كان من موجبات كفرهم فإنه يكون شعبة من شعب الكفر فموافقتهم فيه ~~موافقة في نوع من أنواع ضلالهم ومعاصيهم # فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له ms009 والله أعلم # | فصل # في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار ~~والنهي عن التشبه بهم # لما كان الكلام في المسألة الخاصة قد يكون مندرجا في قاعدة عامة بدأنا ~~بذكر بعض ما دل من الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي ~~عن مشابهتهم في الجملة سواء كان ذلك عاما في جميع الأنواع المخالفة أو خاصا ~~ببعضها وسواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب # ثم أتبعنا ذلك بما يدل على النهي عن مشابهتهم في أعيادهم خصوصا # وهنا نكتة قد نبهت عليها في هذا الكتاب وهي أن الأمر بموافقة قوم أو ~~بمخالفتهم قد يكون لأن نفس قصد موافقتهم أو نفس موافقتهم مصلحة PageV01P012 ~~وكذلك نفس قصد مخالفتهم أو نفس مخالفتهم مصلحة بمعنى أن ذلك الفعل يتضمن ~~مصلحة للعبد أو مفسدة وإن كان ذلك الفعل الذي حصلت به الموافقة أو المخالفة ~~لو تجرد عن الموافقة والمخالفة لم يكن فيه تلك المصلحة أو المفسدة ولهذا ~~نحن ننتفع بنفس متابعتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والسابقين من ~~المهاجرين والأنصار في أعمال لولا أنهم فعلوها لربما قد كان لا يكون لنا ~~فيها مصلحة لما يورث ذلك من محبتهم وائتلاف قلوبنا بقلوبهم وإن كان ذلك ~~يدعونا إلى موافقتهم في أمور أخرى إلى غير ذلك من الفوائد كذلك قد نتضرر ~~بموافقتنا الكافرين في أعمال لولا أنهم يفعلونها لم نتضرر بفعلها # وقد يكون الأمر بالموافقة والمخالفة لأن ذلك الفعل الذي يوافق العبد فيه ~~أو يخالف متضمن للمصلحة والمفسدة ولو لم يفعلوه لكن عبر عنه بالموافقة ~~والمخالفة على سبيل الدلالة والتعريف فتكون موافقتهم دليلا على المفسدة ~~ومخالفتهم دليلا على المصلحة # واعتبار الموافقة والمخالفة على هذا التقدير من باب قياس الدلالة وعلى ~~الأول من باب قياس العلة وقد يجتمع الأمران أعني الحكمة الناشئة من نفس ~~الفعل الذي وافقناهم أو خالفناهم فيه ومن نفس مشاركتهم فيه وهذا هو الغالب ~~على الموافقة والمخالفة المأمور بهما والمنهي عنهما فلا بد من التفطن لهذا ~~المعنى فان به يعرف معنى نهي الله لنا ms010 عن اتباعهم وموافقتهم مطلقا ومقيدا # واعلم أن دلالة الكتاب على خصوص الأعمال وتفاصيلها إنما يقع بطريق ~~الإجمال والعموم أو الاستلزام وإنما السنة هي التي تفسر الكتاب وتبينه وتدل ~~عليه وتعبر عنه # فنحن نذكر من آيات الكتاب ما يدل على أصل هذه القاعدة في الجملة ثم نتبع ~~ذلك الأحاديث المفسرة لمعاني ومقاصد الآيات بعدها # قال الله سبحانه @QB@ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا ~~تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين ~~بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين @QE@ PageV01P013 # أخبر سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا وأنهم اختلفوا ~~بعد مجيء العلم بغيا من بعضهم على بعض ثم جعل محمدا صلى الله عليه وسلم على ~~شريعة من الأمر شرعها له وأمره باتباعها ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا ~~يعلمون وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته وأهواءهم هي ما ~~يهوونه وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل ~~وتوابع ذلك فهم يهوونه وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه ولهذا يفرح الكافرون ~~بموافقة المسلمين في بعض أمورهم ويسرون به ويودون أن لو بذلوا مالا عظيما ~~ليحصل ذلك ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ~~ذلك أحسم لمادة متابعتهم في أهوائهم وأعون على حصول مرضاة الله في تركها ~~وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره فإن من حام حول ~~الحمى أوشك أن يواقعه # وأي الأمرين كان حصل المقصود في الجملة وإن كان الأول أظهر # ومن هذا الباب قوله سبحانه @QB@ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل ~~إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه ~~أدعو ms011 وإليه مآب وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك ~~من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق @QE@ # فالضمير في أهوائهم يعود والله أعلم إلى ما تقدم ذكره وهم الأحزاب الذين ~~ينكرون بعض ما أنزل إليه فدخل في ذلك كل من أنكر شيئا PageV01P014 من ~~القرآن من يهودي أو نصراني أو غيرهما وقد قال @QB@ ولئن اتبعت أهواءهم من ~~بعد ما جاءك من العلم @QE@ ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم ~~اتباع لأهوائهم بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك # ومن هذا أيضا قوله تعالى @QB@ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ~~ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ~~ما لك من الله من ولي ولا نصير @QE@ # فانظر كيف قال في الخبر ملتهم وفي النهي أهواءهم لأن القوم لا يرضون إلا ~~باتباع الملة مطلقا والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير ومن ~~المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما ~~يهوونه أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه كما تقدم # ومن هذا الباب قوله سبحانه @QB@ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما ~~تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت ~~أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين الذين آتيناهم ~~الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ~~الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ~~أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ومن حيث خرجت ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ~~ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم @QE@ # قال غير واحد من السلف معناه لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في ms012 القبلة ~~فيقولوا قد وافقونا في قبلتنا فيوشك أن يوافقونا في ديننا فقطع الله ~~بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة إذ الحجة اسم لكل ما يحتج به من حق ~~PageV01P015 وباطل @QB@ إلا الذين ظلموا منهم @QE@ وهم قريش فإنهم يقولون ~~عادوا إلى قبلتنا فيوشك أن يعودوا إلى ديننا # فبين سبحانه أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها مخالفة الكافرين في قبلتهم ~~ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل ومعلوم أن هذا المعنى ثابت في كل ~~مخالفة وموافقة فإن الكافر إذا اتبع في شيء من أمره كان له من الحجة مثل ما ~~كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة # وقال سبحانه @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات @QE@ وهم اليهود والنصارى الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة ~~ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن متابعتهم في نفس التفرق والاختلاف ~~مع أنه صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة مع ~~أن قوله لا تكن مثل فلان قد يعم مماثلته بطريق اللفظ أو المعنى وإن لم يعم ~~دل على أن جنس مخالفتهم وترك مشابهتهم أمر مشروع ودل على أنه كلما بعد ~~الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة ~~المنهي عنها وهذه مصلحة جليلة # وقال سبحانه لموسى وهرون @QB@ فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ~~@QE@ وقال سبحانه @QB@ وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا ~~تتبع سبيل المفسدين @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم @QE@ إلى غير ~~ذلك من الآيات # وما هم عليه من الهدى والعمل هو من سبيل غير المؤمنين بل من سبيل ~~المفسدين والذين لا يعلمون وما يقدر عدم اندراجه في العموم فالنهي ثابت عن ~~جنسه فيكون مفارقة الجنس بالكلية أقرب إلى ترك المنهي عنه ومقاربته في مظنة ~~وقوع المنهي عنه PageV01P016 # قال سبحانه @QB@ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ms013 من الكتاب ~~ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم ~~في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك ~~عن بعض ما أنزل الله إليك @QE@ ومتابعتهم في هديهم هي من اتباع ما يهوونه ~~أو مظنة لا تباع ما يهوونه وتركها معونة على ترك ذلك وحسم لمادة متابعتهم ~~فيما يهوونه # واعلم أن في كتاب الله من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي ~~فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه كثير مثل قوله لما ذكر ما فعله بأهل الكتاب من ~~المثلات @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ وقوله @QB@ لقد كان في قصصهم ~~عبرة لأولي الألباب @QE@ وأمثال ذلك # ومنه ما يدل على مقصودنا ومنه ما فيه إشارة وتتميم للمقصود # ثم متى كان المقصود بيان أن مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا فجميع ~~الآيات دالة على ذلك وإن كان المقصود أن مخالفتهم واجبة علينا فهذا إنما ~~يدل عليه بعض الإيات دون بعض # ونحن ذكرنا ما يدل على أن مخالفتهم مشروعة في الجملة إذا كان هذا هو ~~المقصود هنا # وأما تمييز دلالة الوجوب أو الواجب عن غيرها وتمييز الواجب عن غيره فليس ~~هو الغرض هنا # وسنذكر إن شاء الله أن مشابهتهم في أعيادهم من الأمور المحرمة فإنه هو ~~المسألة المقصودة هنا بعينها وسائر المسائل سواها إنما جلبها إلى هنا تقرير ~~القاعدة الكلية العظيمة المنفعة PageV01P017 # قال الله عز وجل @QB@ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر ~~وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم ~~الفاسقون وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي ~~حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة ~~وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع ~~الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا ms014 ~~والآخرة وأولئك هم الخاسرون ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد ~~وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم وعد الله ~~المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في ~~جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم يا أيها النبي جاهد ~~الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير @QE@ # بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أخلاق المنافقين وصفاتهم وأخلاق ~~المؤمنين وصفاتهم وكلا الفريقين مظهر للإسلام ووعد المنافقين المظهرين ~~للإسلام مع هذه الإخلاق والكافرين المظهرين للكفر نار جهنم وأمر نبيه بجهاد ~~الطائفتين # ومنذ بعث الله عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة ~~صار الناس ثلاثة أصناف مؤمن ومنافق وكافر فأما الكافر وهو المظهر للكفر ~~فأمره بين وإنما الغرض هنا متعلق بصفات المنافقين المذكورة في الكتاب ~~والسنة PageV01P018 فإنها هي التي تخاف على أهل القبلة فوصف الله سبحانه ~~المنافقين بأن بعضهم من بعض وقال في المؤمنين بعضهم أولياء بعض # وذلك لأن المنافقين تشابهت قلوبهم وأعمالهم وهم مع ذلك @QB@ تحسبهم جميعا ~~وقلوبهم شتى @QE@ فليست قلوبهم متوادة متوالية إلا ما دام الغرض الذي ~~يؤمونه مشتركا بينهم ثم يتخلى بعضهم عن بعض بخلاف المؤمن فإنه يحب المؤمن ~~وينصره بظهر الغيب وإن تناءت بهم الديار وتباعد الزمان # ثم وصف الله سبحانه كل واحدة من الطائفتين بأعمالهم في أنفسهم وفي غيرهم ~~وكلمات الله جوامع # وذلك أنه لما كانت أعمال المرء المتعلقة بدينه قسمين أحدهما أن يعمل ~~ويترك والثاني أن يأمر غيره بالفعل والترك ثم فعله إما أن يختص هو بنفعه أو ~~ينفع به غيره فصارت الأقسام ثلاثة ليس لها رابع # أحدها ما يقوم بالعامل ولا يتعلق بغيره كالصلاة مثلا # والثاني ما يعمله لنفع غيره كالزكاة # والثالث ما يأمر غيره أن يفعله فيكون الغير ms015 هو العامل وحظه هو الأمر به # فقال سبحانه في وصف المنافقين @QB@ يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ~~@QE@ وبإزائه في وصف المؤمنين @QB@ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر @QE@ # والمعروف اسم جامع لكل ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح # والمنكر اسم جامع لكل ما كرهه الله ونهى عنه # ثم قال ويقبضون أيديهم قال مجاهد يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله وقال ~~قتادة يقبضون أيديهم عن كل خير فمجاهد أشار إلى النفع بالمال وقتادة أشار ~~إلى النفع بالمال والبدن وقبض اليد عبارة عن الإمساك كما في قوله تعالى ~~@QB@ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط @QE@ PageV01P019 ~~وفي قوله @QB@ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل ~~يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء @QE@ وهي حقيقة عرفية ظاهرة من اللفظ أو هي ~~مجاز مشهور # وبإزاء قبض أيديهم قوله في المؤمنين @QB@ يؤتون الزكاة @QE@ فإن الزكاة ~~وإن كانت قد صارت حقيقة شرعية في الزكاة المفروضة فإنها اسم لكل نفع للخلق ~~من نفع بدني أو مالي فالوجهان هنا كالوجهين في قبض اليد # ثم قال @QB@ نسوا الله فنسيهم @QE@ ونسيان الله ترك ذكره # وبإزاء ذلك قال في صفة المؤمنين @QB@ يقيمون الصلاة @QE@ فإن الصلاة أيضا ~~تعم الصلاة المفروضة والتطوع وقد يدخل فيها كل ذكر الله إما لفظا وإما معنى ~~قال ابن مسعود رضي الله عنه ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة وإن كنت في ~~السوق وقال معاذ بن جبل مدارسة العلم التسبيح # ثم ذكر ما وعد الله به المنافقين والكفار من اللعنة ومن النار والعذاب ~~المقيم في الآخرة PageV01P020 # وبإزائه ما وعد الله المؤمنين من الجنة والرضوان ومن الرحمة # ثم في ترتيب الكلمات وألفاظها أسرار كثيرة ليس هذا موضعها وإنما الغرض ~~تمهيد قاعدة لما سنذكره إن شاء الله # وقد قيل إن قوله @QB@ ولهم عذاب مقيم @QE@ إشارة إلى ما هو لازم لهم في ~~الدنيا والآخرة من الآلام النفسية غما وحزنا وقسوة ظلمة قلب وجهلا فإن ~~للكفر والمعاصي من الآلام العاجلة الدائمة ما الله به عليم ولهذا تجد غالب ~~هؤلاء ms016 لا يطيبون عيشهم إلا بما يزيل عقولهم ويلهي قلوبهم من تناول مسكر أو ~~رؤية مله أو سماع مطرب ونحو ذلك # وبإزاء ذلك قوله في المؤمنين @QB@ أولئك سيرحمهم الله @QE@ فإن الله يعجل ~~للمؤمنين من الرحمة في قلوبهم وغيرها بما يجدونه من حلاوة الإيمان ويذوقونه ~~من طعمه وانشراح صدورهم للإسلام إلى غير ذلك من السرور بالإيمان والعلم ~~النافع والعمل الصالح بما لا يمكن وصفه # ثم قال سبحانه في تمام خبر المنافقين @QB@ كالذين من قبلكم كانوا أشد ~~منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا @QE@ وهذه الكاف قد قيل إنها رفع خبر مبتدأ ~~محذوف تقديره أنتم كالذين من قبلكم وقيل إنها نصب بفعل محذوف تقديره فعلتم ~~كالذين من قبلكم كما قال النمر بن تولب % كاليوم مطلوبا ولا طالبا % $ # أي لم أر كاليوم والتشبيه على هذين القولين في أعمال الذين من قبل وقيل ~~إن التشبيه في العذاب # ثم قيل العامل محذوف أي لعنهم وعذبهم كما لعن الذين من قبلكم وقيل هو ~~أجود بل العامل ما تقدم أي وعد الله المنافقين كوعد الذين من قبلكم ولعنهم ~~كلعن الذين من قبلكم ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم فمحلها نصب ويجوز أن ~~يكون رفعا أي عذاب كعذاب الذين من قبلكم PageV01P021 # وحقيقة الامر على هذا القول أن الكاف تنازعها عاملان ناصبان أو ناصب ~~ورافع من جنس قولهم أكرمت وأكرمني زيد والنحويون لهم فيما إذا لم يختلف ~~العامل كقولك أكرمت وأعطيت زيدا قولان # أحدهما وهو قول سيبويه وأصحابه أن العامل في الاسم هو أحدهما وأن الآخر ~~حذف معموله لأنه لا يرى اجتماع عاملين على معمول واحد # والثاني قول الفراء وغيره من الكوفيين أن الفعلين عملا في هذا الاسم وهو ~~يرى أن العاملين يعملان في المعمول الواحد # وعلى هذا اختلافهم في نحو قوله @QB@ عن اليمين وعن الشمال قعيد @QE@ ~~وأمثاله # فعلى قول الأولين يكون التقدير وعد الله المنافقين النار كوعد الذين من ~~قبلكم ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم أو كعذاب الذين من قبلكم ثم حذف ~~اثنان من هذه المعمولات لدلالة الآخر عليهما وهم ms017 يستحسنون حذف الأولين # وعلى القول الثاني يمكن أن يقال الكاف المذكورة بعينها هي المتعلقة بقوله ~~وعد وبقوله لعن وبقوله ولهم عذاب مقيم لأن الكاف لا يظهر فيها إعراب وهذا ~~على القول بأن عمل الثلاثة النصب ظاهر # وإذا قيل إن الثالث يعمل الرفع فوجهه أن العمل واحد في اللفظ إذ التعلق ~~تعلق معنوي لا لفظي # وإذا عرفت أن من الناس من يجعل التشبيه في العمل ومنهم من يجعل التشبيه ~~في العذاب فالقولان متلازمان إذ المشابهة في الموجب تقتضي المشابهة في ~~الموجب وبالعكس فلا خلاف معنوي بين القولين # وكذلك ما ذكرناه من اختلاف النحويين في وجوب الحذف وعدمه إنما هو اختلاف ~~في تعليلات ومآخذ لا تقتضي اختلافا لا في إعراب ولا في معنى # فإذن الأحسن أن تتعلق الكاف بمجموع ما تقدم من العمل والجزاء فيكون ~~التشبيه فيهما لفظيا PageV01P022 # وعلى القولين الأولين يكون قد دل على أحدهما لفظا ودل على الآخر لزوما # وإن سلكت طريقة الكوفيين على هذا كان أبلغ وأحسن فإن لفظ الآية يكون قد ~~دل على المشابهة في الأمرين من غير حذف وإلا فيضمر حالكم كحال الذين من ~~قبلكم ونحو ذلك وهو قول من قدره أنتم كالذين من قبلكم ولا يسع هذا المكان ~~بسطا أكثر من هذا فإن الغرض متعلق بغيره # وهذه المشابهة في هؤلاء بإزاء ما وصف الله به المؤمنين من قوله @QB@ ~~ويطيعون الله ورسوله @QE@ فان طاعة الله ورسوله تنافي مشابهة الذين من ~~قبلكم قال سبحانه @QB@ كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا ~~وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا @QE@ # فالخطاب في قوله @QB@ كانوا أشد منكم قوة @QE@ وقوله فاستمتعتم إن كان ~~للمنافقين كان من باب خطاب التلوين والالتفات وهذا انتقال من الغيبة إلى ~~الحضور كما في قوله @QB@ الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك ~~نستعين @QE@ ثم حصل الانتقال من الخطاب إلى الغيبة في قوله @QB@ أولئك حبطت ~~أعمالهم @QE@ وكما في قوله @QB@ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ~~وفرحوا ms018 بها @QE@ وقوله @QB@ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون @QE@ فإن الضمير في قوله @QB@ أولئك حبطت أعمالهم @QE@ الأظهر أنه ~~عائد إلى المستمتعين الخائضين من هذه الأمة كقوله فيما بعد @QB@ ألم يأتهم ~~نبأ الذين من قبلهم @QE@ وإن كان الخطاب لمجموع الأمة المبعوث إليها فلا ~~يكون الإلتفات إلا في الموضع الثاني # وأما قوله @QB@ فاستمتعوا بخلاقهم @QE@ ففي تفسير عبد الرزاق عن معمر عن ~~الحسن في قوله @QB@ فاستمتعوا بخلاقهم @QE@ قال بدينهم ويروى ذلك عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه # وروي عن أبي عباس بنصيبهم من الآخرة في الدنيا وقال آخرون بنصيبهم من ~~الدنيا PageV01P023 # قال أهل اللغة الخلاق هو النصيب والحظ كأنه ما خلق للانسان أي ما قدر له ~~كما يقال القسم لما قسم له والنصيب لما نصب له أي أثبت ومنه قوله تعالى ~~@QB@ ما له في الآخرة من خلاق @QE@ و @QB@ ما له في الآخرة من خلاق @QE@ أي ~~من نصيب وقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في ~~الآخرة # والآية تعم ما ذكره العلماء جميعهم فإنه سبحانه قال @QB@ كانوا أشد منكم ~~قوة وأكثر أموالا وأولادا @QE@ فتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون ~~أن يعموا بها للدنيا والآخرة وكذلك أموالهم وأولادهم وتلك القوة والأموال ~~والأولاد هو الخلاق فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم وأولادهم في الدنيا ونفس ~~الأعمال التي عملوها بهذه القوة والأموال هي دينهم وتلك الأعمال لو أرادوا ~~بها الله والدار الآخرة لكان لهم ثواب في الآخرة عليها فتمتعهم بها أخذ ~~حظوظهم العاجلة بها فدخل في هذا من لم يعمل إلا لدنياه سواء كان جنس العمل ~~من العبادات أو غيرها # ثم قال سبحانه @QB@ فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ~~وخضتم كالذي خاضوا @QE@ PageV01P024 # وفي الذي وجهان أحسنهما أنها صفة المصدر أي كالخوض الذي خاضوه فيكون ~~العائد محذوفا كما في قوله @QB@ أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا ~~أنعاما فهم لها مالكون @QE@ وهو كثير فاش في اللغة # والثاني أنه صفة الفاعل أي كالفريق أو الصنف أو الجيل الذي خاضوه كما ms019 لو ~~قيل كالذين خاضوا # وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض لأن فساد الدين إما أن يقع ~~بالاعتقاد الباطل والتكلم به أو يقع في العمل بخلاف الإعتقاد الحق والأول ~~هو البدع ونحوها والثاني هو فسق الأعمال ونحوها # والأول من جهة الشبهات والثاني من جهة الشهوات # ولهذا كان السلف يقولون احذروا من الناس صنفين صاحب هوى قد فتنه هواه ~~وصاحب دنيا أعمته دنياه # وكانوا يقولون احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما ~~فتنة لكل مفتون فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ولا يتبعونه ~~وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم # ووصف بعضهم أحمد بن حنبل فقال رحمه الله عن الدنيا ما كان أصبره ~~وبالماضين ما كان أشبهه أتته البدع فنفاها والدنيا فأباها # وقد وصف الله أئمة المتقين فقال @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ فبالصبر تترك الشهوات وباليقين تدفع ~~الشبهات # ومنه قوله في سورة العصر @QB@ وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ وقوله ~~@QB@ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار @QE@ # ومنه الحديث المرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحب البصير ~~الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات PageV01P025 # فقوله سبحانه @QB@ فاستمتعتم بخلاقكم @QE@ إشارة إلى اتباع الشهوات وهو ~~داء العصاة # وقوله @QB@ وخضتم كالذي خاضوا @QE@ إشارة إلى اتباع الشبهات وهو داء ~~المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات وكثيرا ما يجتمعان فقل من تجد في اعتقاده ~~فسادا إلا وهو ظاهر في عمله وقد دلت الآية على أن الذين كانوا من قبل ~~استمتعوا وخاضوا وهؤلاء فعلوا مثل أولئك # ثم قوله @QB@ فاستمتعتم @QE@ و @QB@ خضتم @QE@ خبر عن وقوع ذلك في الماضي ~~وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة كسائر ما أخبر الله به عن أعمال وصفات ~~الكفار والمنافقين عند مبعث عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فإنه ذم ~~لمن يكون حاله حالهم إلى يوم القيامة # وقد يكون خبرا عن أمر دائم مستمر لأنه وإن كان بضمير الخطاب فهو كالضمير ~~في نحو قوله @QB@ اعبدوا @QE@ @QB@ فاغسلوا @QE@ @QB@ واركعوا @QE@ @QB@ ~~واسجدوا @QE@ @QB@ وآمنوا @QE@ كما أن ms020 جميع الموجودين في وقت النبي صلى ~~الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة مخاطبون بهذا الكلام لأنه كلام الله ~~وإنما الرسول مبلغ عن الله # وهذا مذهب عامة المسلمين وإن كان بعض من تكلم في أصول الفقه اعتمد أن ~~ضمير الخطاب إنما يتناول الموجودين حين تبليغ الرسول وأن سائر الموجودين ~~دخلوا إما بما علمناه بالاضطرار من استواء الحكم كما لو خاطب النبي صلى ~~الله عليه وسلم واحدا من الأمة وإما بالسنة وإما بالاجماع وإما بالقياس ~~فيكون كل من حصل منه هذا الاستمتاع والخوض مخاطبا بقوله @QB@ فاستمتعتم ~~@QE@ @QB@ وخضتم @QE@ وهذا أحسن القولين # وقد توعد الله سبحانه هؤلاء المستمتعين الخائضين بقوله @QB@ أولئك حبطت ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون @QE@ # وهذا هو المقصود هنا من هذه الآية وهو أن الله قد أخبر أن في هذه الأمة ~~PageV01P026 من استمتع بخلاقه كما استمتعت الأمم قبلهم وخاض كالذي خاضوا ~~وذمهم على ذلك وتوعدهم على ذلك # ثم حضهم على الاعتبار بمن قبلهم فقال @QB@ ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم ~~قوم نوح وعاد وثمود @QE@ الآية # وقد قدمنا أن طاعة الله ورسوله في وصف المؤمنين بإزاء ما وصف به هؤلاء من ~~مشابهة القرون المتقدمة وذم من يفعل ذلك وأمره بجهاد الكفار والمنافقين بعد ~~هذه الآية دليل على جهاد هؤلاء المستمتعين الخائضين # ثم هذا الذي دل عليه الكتاب مشابهة بعض هذه الأمة للقرون الماضية في ~~الدنيا وفي الدين وذم من يفعل ذلك دلت عليه أيضا سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وتأول هذه الآية على ذلك أصحابه رضي الله عنهم # فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لتأخذن كما ~~أخذت الأمم من قبلكم ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع حتى لو أن أحدا من ~~أولئك دخل حجر ضب لدخلتموه قال أبو هريرة اقرؤا إن شئتم @QB@ كالذين من ~~قبلكم كانوا أشد منكم قوة @QE@ الآية قالوا يا رسول الله كما صنعت فارس ~~والروم وأهل الكتاب قال فهل الناس إلا هم # وعن ابن عباس رضي الله عنهما ms021 في هذه الآية أنه قال ما أشبه الليلة ~~بالبارحة هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم PageV01P027 # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا ~~وهديا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا # وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال المنافقون الذين منكم اليوم شر من ~~المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا وكيف قال ~~أولئك كانوا يخفون نفاقهم وهؤلاء أعلنوه # وأما السنة فجاءت بالإخبار بمشابهتهم في الدنيا وذم ذلك والنهي عن ذلك ~~وكذلك في الدين # فأما الأول الذي هو الاستمتاع بالخلاق ففي الصحيحين عن عمرو بن عوف أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي ~~بجزيتها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم ~~العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي ~~عبيدة فواوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين رآهم ثم قال أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين فقالوا ~~أجل يا رسول الله فقال أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ~~ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها ~~كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم PageV01P028 # فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يخاف على أمته فتنة الفقر ~~وإنما يخاف بسط الدنيا وتنافسها وإهلاكها وهذا هو الاستمتاع بالخلاق ~~المذكور في الآية # وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال إني ~~فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح ~~خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض وإني والله ما ms022 أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن ~~أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها وفي رواية ولكني أخشى عليكم أن تنافسوا فيها ~~وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم قال عقبة فكان آخر ما رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على المنبر # وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم قال عبد ~~الرحمن بن عوف نكون كما أمرنا الله عز وجل فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تنافسون ثم تحاسدون ثم تدابرون أو تباغضون أو غير ذلك ثم تنطلقون إلى ~~مساكن المهاجرين فتحملوا بعضهم على رقاب بعض # وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال جلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله فقال إن مما أخاف عليكم بعدي ما ~~يفتح من زهرة الدنيا وزينتها فقال رجل أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله ~~فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل ما شأنك تكلم رسول الله ولا ~~يكلمك وقال ورأينا أنه ينزل عليه فأفاق يمسح عنه الرحضاء وقال اين هذا ~~السائل وكأنه حمده فقال إنه لا يأتي الخبر بالشر وفي رواية فقال أين السائل ~~آنفا أو خير هو ثلاثا إن الخير لا يأتي إلا بالخير وإن مما PageV01P029 ~~ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضر فإنها أكلت حتى إذا امتدت ~~خاصرتها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت وإن هذا المال خضر حلو ونعم ~~صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل أو كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع ويكون ~~عليه شاهدا يوم القيامة PageV01P030 # وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله سبحانه مستخلفكم فيها فينظر كيف ~~تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول ms023 فتنة بني إسرائيل كانت في ~~النساء # فحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة النساء معللا بأن أول فتنة بني ~~إسرائيل كانت في النساء # وهذا نظير ما سنذكره من حديث معاوية عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما ~~هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم يعني وصل الشعر # وكثير من مشابهات أهل الكتاب في أعيادهم وغيرها إنما يدعو إليها النساء # وأما الخوض كالذي خاضوا فروينا من حديث الثوري وغيره عن عبد الرحمن بن ~~زياد بن أنغم الأفريقي عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو رضي الله ~~عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتين على أمتي ما أتى على ~~بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إذا كان منهم من أتى أمة علانية كان من ~~أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي ~~على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله ~~قال ما أنا عليه اليوم وأصحابي رواه أبو عيسى الترمذي وقال هذا حديث غريب ~~مفسر لا نعرفه إلا من هذا الوجه # وهذا الافتراق مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة ~~PageV01P031 رضي الله عنه وسعد ومعاوية وعمرو بن عوف وغيرهم وإنما ذكرت ~~حديث ابن عمرو لما فيه من المشابهة # فعن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين ~~وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة رواه أبو ~~داود وابن ماجة والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح # وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ~~ستفترق على ثلاث وسبعين ملة يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي ~~الجماعة وقال إنه سيخرج من ms024 أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى ~~الكلب بصاحبه فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله والله يا معشر العرب لئن ~~لم تقوموا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لغيركم من الناس أحرى أن لا ~~يقوم به # هذا حديث محفوظ من حديث صفوان بن عمرو عن الأزهر بن عبد الله الحرازي وعن ~~أبي عامر عبد الله بن يحيى عن معاوية ورواه عنه غير واحد منهم أبو اليمان ~~وبقية وأبو المغيرة رواه أحمد وأبو داود في سننه وقد روى ابن ماجه هذا ~~المعنى من حديث صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد عن عوف بن مالك الأشجعي ويروى ~~من وجوه أخر PageV01P032 # فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بافتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة ~~واثنتان وسبعون لا ريب أنهم الذين خاضوا كخوض الذين من قبلهم # ثم هذا الاختلاف الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إما في الدين فقط ~~وإما في الدين والدنيا ثم قد يؤول إلى الدنيا وقد يكون الاختلاف في الدنيا ~~فقط # وهذا الاختلاف الذي دلت عليه هذه الأحاديث هو مما نهى الله عنه في قوله ~~سبحانه @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وأولئك لهم عذاب عظيم @QE@ وقوله @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~لست منهم في شيء @QE@ وقوله @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ # وهو موافق لما رواه مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ~~أنه أقبل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه من العالية ~~حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه ~~طويلا ثم انصرف إلينا فقال سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة ~~وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألت ربي أن لا يهلك أمتي ~~بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها # وروى أيضا في صحيحه عن ثوبان رضي الله عنه ms025 قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ~~ملكها ما روى منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض PageV01P033 وإني سألت ~~ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم ~~فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك ~~لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم ~~فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى ~~يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ورواه البرقاني في صحيحه وزاد وإنما ~~أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم ~~القيامة ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى يعبد فئام من ~~أمتي الأوثان وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا ~~خاتم النبيين PageV01P034 لا نبي بعدي ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ~~منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى # وهذا المعنى محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه يشير إلى أن ~~الفرقة والاختلاف لا بد من وقوعهما في الأمة وكان يحذر أمته منه لينجو من ~~الوقوع فيه من شاء الله له السلامة كما روى النزال بن سبرة عن عبد الله بن ~~مسعود قال سمعت رجلا قرأ آية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها ~~فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فعرفت في ~~وجهه الكراهية وقال كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا ~~فهلكوا رواه مسلم # نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من ~~المختلفين مامع الآخر من الحق لأن كلا القارئين كان محسنا فيما قرأه وعلل ~~ذلك بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا ولهذا قال حذيفة لعثمان أدرك هذه ~~الأمة لا تختلف في الكتاب كما اختلفت فيه الأمم ms026 قبلهم لما رأى أهل الشأم ~~وأهل العراق يختلفون في حروف القرآن الاختلاف الذي نهى عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # فأفاد ذلك شيئين # أحدهما تحريم الاختلاف في مثل هذا # والثاني الاعتبار بمن كان قبلنا والحذر من مشابهتهم # واعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة الذي يورث الأهواء تجده من هذا الضرب ~~وهو أن يكون كل واحد من المختلفين مصيبا فيما يثبته أو في بعضه مخطئا في ~~نفي ما عليه الآخر كما أن القارئين كل منهما كان مصيبا في القراءة بالحرف ~~الذي علمه مخطئا في نفي حرف غيره فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي هو ~~الجحود والتكذيب لا في الإثبات لأن إحاطة الإنسان بما يثبته أيسر ~~PageV01P035 من إحاطته بما ينفيه ولهذا نهيت هذه الأمة أن تضرب آيات الله ~~بعضها ببعض لأن مضمون الضرب الإيمان بإحدى الآيتين والكفر بالأخرى إذا ~~اعتقد أن بينهما تضادا إذ الضدان لا يجتمعان # ومثل ذلك ما رواه مسلم أيضا عن عبد الله بن رباح الأنصاري أن عبد الله ~~ابن عمرو قال هجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فسمعت أصوات ~~رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه ~~الغضب فقال إنما هلك من كان قبلكم من الأمم باختلافهم في الكتاب # فعلل غضبه صلى الله عليه وسلم بأن الاختلاف في الكتاب هو كان سبب هلاك من ~~قبلنا وذلك يوجب مجانبة طريقهم في هذا عينا وفي غيره نوعا # والاختلاف على ما ذكره الله في القرآن قسمان # أحدهما أنه يذم الطائفتين جميعا كما في قوله @QB@ ولا يزالون مختلفين إلا ~~من رحم ربك @QE@ فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف وكذلك قوله @QB@ ذلك ~~بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ ~~وكذلك قوله @QB@ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم @QE@ وقوله @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات @QE@ وقوله @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم ms027 ~~في شيء @QE@ وكذلك وصف اختلاف النصارى بقوله @QB@ فأغرينا بينهم العداوة ~~والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون @QE@ ووصف ~~اختلاف اليهود بقوله @QB@ وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ~~كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله @QE@ وقال @QB@ فتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ PageV01P036 # وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف أن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ~~فرقة قال كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وفي الرواية الأخرى من كان ~~على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي # فبين أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين إلا فرقة واحدة وهم أهل السنة ~~والجماعة # وهذا الاختلاف المذموم من الطرفين يكون سببه تارة فساد النية لما في ~~النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض بالفساد ونحو ذلك فيجب لذلك ~~ذم قول غيره أو فعله أو غلبته ليتميز عليه أو يحب قول من يوافقه في نسب أو ~~مذهب أو بلد أو صداقة ونحو ذلك لما في قيام قوله من حصول الشرف والرئاسة له ~~وما أكثر هذا في بني آدم وهذا ظلم # ويكون سببه تارة أخرى جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه أو ~~الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر أو جهل أحدهما بما مع الآخر من ~~الحق في الحكم أو في الدليل وإن كان عالما بما مع نفسه من الحق حكما ودليلا # والجهل والظلم هما أصل كل شر كما قال سبحانه @QB@ وحملها الإنسان إنه كان ~~ظلوما جهولا @QE@ # أما أنواع الاختلاف فهي في الأصل قسمان اختلاف تنوع واختلاف تضاد # واختلاف التنوع على وجوه منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا ~~مشروعا كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة حتى زجرهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الاختلاف وقال كلاكما محسن # ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان والإقامة والاستفتاح PageV01P037 ~~والتشهدات وصلاة الخوف وتكبيرات العيد وتكبيرات الجنازة إلى غير ذلك مما ~~شرع جميعه وإن كان قد يقال إن بعض أنواعه أفضل # ثم نجد لكثير من الأمة في ms028 ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم ~~كاختلافهم على شفع الإقامة وإيثارها ونحو ذلك وهذا عين المحرم ومن لم يبلغ ~~هذا المبلغ فتجد كثيرا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع والإعراض عن ~~الآخر أو النهي عنه ما دخل به فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم # ومنه ما يكون كل من القولين هو في الواقع في معنى قول الآخر لكن ~~العبارتان مختلفتان كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود والتعريفات ~~وصيغ الأدلة والتعبير عن المسميات وتقسيم الأحكام وغير ذلك ثم الجهل أو ~~الظلم هو الذي يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى # ومنه ما يكون المعنيان غيرين لكن لا يتنافيان فهذا قول صحيح وذلك قول ~~صحيح وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر وهذا كثير في المنازعات جدا # ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان ولكن قد سلك رجل أو قوم هذه الطريقة ~~وآخرون قد سلكوا الأخرى وكلاهما حسن في الدين ثم الجهل أو الظلم يحمل على ~~ذم أحدهما أو تفضيله بلا قصد صالح أو بلا علم أو بلا نية # وأما اختلاف التضاد فهو القولان المتنافيان إما في الأصول وإما في الفروع ~~عند الجمهور الذين يقولون المصيب واحد وإلا فمن قال كل مجتهد مصيب فعنده هو ~~من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد # فهذا الخطب فيه أشد لأن القولين يتنافيان لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون ~~القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما أو معه دليل يقتضي حقا ما فيرد الحق ~~في هذا الأصل كله حتى يبقى هذا مبطلا في البعض كما كان الأول مبطلا في ~~الأصل كما رأيته لكثير من أهل السنة في مسائل القدر والصفات والصحابة ~~PageV01P038 وغيرهم وأما أهل البدعة فالأمر فيهم ظاهر وكما رأيته لكثير من ~~الفقهاء أو لأكثر المتأخرين في مسائل الفقه وكذلك رأيت منه كثيرا بين بعض ~~المتفقهة وبعض المتصوفة وبين فرق المتصوفة ونظائره كثيرة # ومن جعل الله له هداية ونورا رأى من هذا ما يتبين له به ms029 منفعة ما جاء في ~~الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه وإن كانت القلوب الصحيحه تنكر هذا ~~ابتداء لكن نور على نور ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # وهذا القسم الذي سميناه اختلاف التنوع كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا ~~تردد لكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه وقد دل القرآن على حمد كل ~~واحد من الطائفتين في مثل هذا إذا لم يحصل من أحداهما بغي كما في قوله @QB@ ~~ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله @QE@ وقد كان ~~الصحابة في حصار بني النضير اختلفوا في قطع الأشجار والنخيل فقطع قوم وترك ~~آخرون وكما في قوله @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ فخص ~~سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالعلم والحكم # وكما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة وقد كان أمر ~~المنادي ينادي لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة من صلى العصر في وقتها ~~ومن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة وكما في قوله صلى الله عليه وسلم إذا ~~اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد ولم يصب فله أجر ونظائره كثيرة # وإذا جعلت هذا قسما آخر صار الاختلاف ثلاثة اقسام # وأما القسم الثاني من الاختلاف المذكور في كتاب الله فهو ما حمد فيه إحدى ~~الطائفتين وهم المؤمنون وذم فيه الأخرى كما في قوله تعالى @QB@ تلك الرسل ~~فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن ~~مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من ~~بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا @QE@ PageV01P039 # فقوله @QB@ ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر @QE@ حمد لإحدى ~~الطائفتين وهم المؤمنون وذم للآخرى # وكذلك قوله @QB@ هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب ~~من ms030 نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع ~~من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق ~~إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ الآية مع ما ثبت في الصحيح ~~عن أبي ذر رضي الله عنه أنها نزلت في المقتتلين يوم بدر علي وحمزة وعبيدة ~~بن الحرث والذين بارزوهم من قريش وهم عتبة وشيبة والوليد بن عتبة # وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول وكذلك آل ~~إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء لأن إحدى الطائفتين لا ~~تعترف للأخرى بما معها من الحق ولا تنصفها بل تزيد على ما مع نفسها من الحق ~~زيادات من الباطل والأخرى كذلك # وكذلك جعل الله مصدر الإختلاف البغي في قوله @QB@ وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم @QE@ لأن البغي مجاوزة ~~الحد وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة # وقريب من هذا الباب ما خرجاه في الصحيحين عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من ~~كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء ~~فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم # فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به معللا ذلك بأن سبب هلاك الأولين ~~PageV01P040 إنما كان لكثرة السؤال ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية كما ~~أخبرنا الله عن بني إسرائيل من مخالفتهم أمر موسى في الجهاد وغيره وفي كثرة ~~سؤالهم عن صفات البقرة التي أمرهم بذبحها # لكن هذا الاختلاف على الأنبياء هو والله أعلم مخالفة للأنبياء كما يقال ~~اختلف الناس على الأمير إذا خالفوه # والاختلاف الأول مخالفة بعضهم بعضا وإن كان الأمران متلازمين أو أن ~~الاختلاف على الأنبياء هو الاختلاف فيما بينهم فإن اللفظ يحتمله # ثم الاختلاف كله قد يكون في التنزيل والحروف كما في حديث ابن مسعود وقد ~~يكون في التأويل كما يحتمله حديث ms031 عبد الله بن عمرو فإن حديث عمرو ابن شعيب ~~يدل على ذلك إن كانت هذه القصة # قال أحمد في المسند حدثنا إسماعيل حدثنا داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده أن نفرا كانوا جلوسا بباب النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~بعضهم ألم يقل الله كذا وكذا وقال بعضهم ألم يقل الله كذا وكذا فسمع ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فكأنما فقيء في وجهه حب الرمان فقال ~~أبهذا أمرتم أو بهذا بعثتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض إنما ضلت الأمم ~~قبلكم بمثل هذا إنكم لستم مما ههنا في شيء انظروا الذي أمرتكم به فاعملوا ~~به والذي نهيتكم عنه فانتهواعنه # وقال حدثنا يونس حدثنا حماد بن سلمة عن حميد ومطر الوراق وداود ابن أبي ~~هند أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر ~~فذكر الحديث # وقال أحمد حدثنا أنس بن عياض حدثنا أبو حازم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده قال لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم أقبلت أنا وأخي ~~وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس PageV01P041 عند ~~باب من أبوابه فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حجرة إذ ذكروا آية من القرآن ~~فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا ~~قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول مهلا يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم ~~باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض إن القرآن لم ينزل يكذب ~~بعضه بعضا وإنما نزل يصدق بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم ~~منه فردوه إلى عالمه # وقال أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم والناس يتكلمون ~~في القدر قال فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب قال فقال لهم ما ms032 لكم ~~تضربون كتاب الله بعضه ببعض بهذا هلك من كان قبلكم قال فما غبطت نفسي بمجلس ~~فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس إذا ~~لم أشهده # هذا حديث محفوظ عن عمرو بن شعيب رواه عنه الناس ورواه ابن ماجه في سننه ~~من حديث أبي معاوية كما سقناه # وقد كتب أحمد في رسالته إلى المتوكل هذا الحديث وجعل يقول لهم في مناظرته ~~يوم الدار إنا قد نهينا أن نضرب كتاب الله بعضه ببعض # وهذا لعلمه رحمه الله بما في خلاف هذا الحديث من الفساد العظيم # وقد روى هذا المعنى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال حديث ~~حسن غريب قال وفي الباب عن عمر وعائشة وأنس # وهذا باب واسع لم نقصد له ههنا وإنما الغرض التنبيه على ما يخاف على ~~الأمة من موافقة الأمم قبلها إذ الأمر في هذا الحديث كما قاله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أصل هلاك بني آدم إنما كان التنازع في القدر وعنه نشأ ~~مذهب المجوس القائلين بالأصلين النور والظلمة ومذهب الصابئة وغيرهم ~~القائلين PageV01P042 بقدم العالم ومذاهب كثير من مجوس هذه الأمة وغيرهم ~~ومذاهب كثير ممن عطل الشرائع # فإن القوم تنازعوا في علة فعل الله سبحانه وتعالى لما فعله فأرادوا أن ~~يثبتوا شيئا يستقيم لهم به تعليل فعله بمقتضى قياسه سبحانه على المخلوقات ~~فوقعوا في غاية الضلال إما بأن زعموا أن فعله ما زال لازما له وإما بأن ~~زعموا أن الفاعل اثنان وإما بأن زعموا بأنه يفعل البعض والخلق يفعلون البعض ~~وإما بأن ما فعله لم يأمر بخلافه وما أمر به لم يقدر خلافه # وذلك حين عارضوا بين فعله وأمره حتى أقر فريق بالقدر وكذبوا بالأمر وأقر ~~فريق بالأمر وكذبوا بالقدر حين اعتقدوا جميعا أن اجتماعهما محال وكل منهما ~~مبطل بالتكذيب بما صدق به الآخر # وأكثر ما يكون ذلك لوقوع المنازعة في الشيء قبل إحكامه وجمع حواشيه ~~وأطرافه ولهذا قال ما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم ms033 منه فردوه إلى عالمه # والغرض من ذكر هذه الأحاديث هو التنبيه من الحديث والسنة على مثل ما في ~~القرآن من قوله تعالى @QB@ وخضتم كالذي خاضوا @QE@ # ومن ذلك ما روى الزهري عن سنان بن أبي سنان الدؤلي عن أبي واقد الليثي ~~أنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد ~~بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينيطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط ~~فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي ~~بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى @QB@ اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم ~~قوم تجهلون @QE@ لتركبن سنن من كان قبلكم رواه مالك والنسائي والترمذي وقال ~~هذا حديث حسن صحيح ولفظه لتركبن سنة من كان قبلكم # وقد قدمت ما خرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله ~~PageV01P043 صلى الله عليه وسلم قال لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة ~~بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى ~~قال فمن # وما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لتأخذن أمتي مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا فارس ~~والروم قال فمن الناس إلا أولئك # وهذا كله خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك والذم لمن يفعله كما كان يخبر ~~عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات # فعلم أن مشابهة هذه الأمة اليهود والنصارى وفارس والروم مما ذمه الله ~~ورسوله وهو المطلوب # ولا يقال فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع ذلك فما فائدة النهي ~~عنه لأن الكتاب والسنة أيضا قد دلا على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة ~~متمسكة بالحق الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة ~~وأنها لا تجتمع على ضلالة ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه ms034 الطائفة المنصورة ~~وتثبيتها وزيادة إيمانها فنسأل الله المجيب أن يجعلنا منها # وأيضا لو فرض أن الناس لا يترك أحد منهم هذه المشابهة المنكرة لكان في ~~العلم بها معرفة القبيح والإيمان بذلك فإن نفس العلم والإيمان بما كرهه ~~الله خير وإن لم يعمل به بل فائدة العلم والإيمان أعظم من فائدة مجرد العمل ~~الذي لم يقترن به علم فإن الإنسان إذا عرف المعروف وأنكر المنكر كان خيرا ~~من أن يكون ميت القلب لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا # ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ~~فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان رواه مسلم # وفي لفظ ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل PageV01P044 # وإنكار القلب هو الإيمان بأن هذا منكر وكراهته لذلك # فإذا حصل هذا كان في القلب إيمان وإذا فقد القلب معرفة هذا المعروف ~~وإنكار هذا المنكر ارتفع هذا الإيمان من القلب # وأيضا فقد يستغفر الرجل من الذنب مع إصراره عليه أو يأتي بحسنات تمحوه أو ~~تمحو بعضه وقد تقلل منه وقد تضعف همته في طلبه إذا علم أنه منكر # ثم لو فرض أنا علمنا أن الناس لا يتركون المنكر ولا يعترفون بأنه منكر لم ~~يكن ذلك مانعا من إبلاغ الرسالة وبيان العلم بل ذلك لا يسقط وجوب الإبلاغ ~~ولا وجوب الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن أحمد وقول كثير من أهل العلم ~~على أن هذا ليس موضع استقصاء ذلك ولله الحمد على ما أخبر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم من أنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله # وليس هذا الكلام من خصائص هذه المسألة بل هو وارد في كل منكر قد أخبر ~~الصادق بوقوعه # ومما يدل من القرآن على النهي عن مشابهة الكفار قوله سبحانه @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ~~@QE@ قال قتادة وغيره كانت اليهود تقوله استهزاء فكره الله للمؤمنين أن ~~يقولوا ms035 مثل قولهم وقال أيضا كانت اليهود تقول للنبي صلى الله عليه وسلم ~~راعنا سمعك يستهزؤن بذلك وكانت في اليهود قبيحة # وروى أحمد عن عطية العوفي قال كان يأتي ناس من اليهود فيقولون راعنا سمعك ~~حتى قالها ناس من المسلمين فكره الله لهم ما قالت اليهود # وقال عطاء كانت لغة في الأنصار في الجاهلية وقال أبو العالية إن ~~PageV01P045 مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه راعني ~~سمعك فنهوا عن ذلك وكذلك قال الضحاك # فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نهي المسلمون عن قولها لأن اليهود كانوا ~~يقولونها وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة لما كانت ~~مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار وطريقهم إلى بلوغ غرضهم # وقال سبحانه @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما ~~أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون @QE@ # ومعلوم أن الكفار فرقوا دينهم وكانوا شيعا كما قال سبحانه @QB@ ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات @QE@ وقال @QB@ وما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة @QE@ وقال @QB@ ومن ~~الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة @QE@ وقال عن اليهود @QB@ وليزيدن كثيرا ~~منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى ~~يوم القيامة @QE@ # وقد قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام @QB@ لست منهم في شيء @QE@ وذلك ~~يقتضي تبرؤه منهم في جميع الأشياء ومن تابع غيره في بعض أموره فهو منه في ~~ذلك الأمر لأن قول القائل أنا من هذا وهذا مني أي أنا من نوعه وهو من نوعي ~~لأن الشخصين لا يتحدان إلا بالنوع كما في قوله تعالى @QB@ بعضكم من بعض ~~@QE@ وقوله عليه الصلاة والسلام لعلي أنت مني وأنا منك # فقول القائل لست من هذا في شيء أي لست مشاركا له في شيء بل أنا متبرئ من ~~جميع أموره # وإذا كان الله قد برأ رسوله صلى الله عليه وسلم من جميع ms036 أمورهم فمن كان ~~PageV01P046 متبعا للرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة كان متبرئا منهم كتبرئه ~~صلى الله عليه وسلم منهم ومن كان موافقا لهم كان مخالفا للرسول بقدر ~~موافقته لهم # فإن الشخصين المختلفين من كل وجه في دينهما كلما شابهت أحدهما خالفت ~~الآخر # وقال سبحانه وتعالى @QB@ لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما ~~في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله ~~على كل شيء قدير آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا ~~واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين @QE@ # وقد روى مسلم في صحيحه عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم @QB@ لله ما في ~~السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ~~@QE@ الآيات اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا أي رسول الله كلفنا ما ~~نطيق من الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد نزلت عليك هذه الآية ولا ~~نطيقها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل ~~الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في إثرها @QB@ ~~آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير @QE@ PageV01P047 فلما ms037 فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله @QB@ لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا @QE@ قال نعم @QB@ ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا @QE@ قال نعم @QB@ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به @QE@ ~~قال نعم @QB@ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم ~~الكافرين @QE@ قال نعم # فحذرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلقوا أمر الله بما تلقاه به أهل ~~الكتابين وأمرهم بالسمع والطاعة فشكر الله لهم ذلك حتى رفع الله عنهم ~~الآصار والأغلال التي كانت على من كان قبلهم # وقال الله في صفته صلى الله عليه وسلم @QB@ ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التي كانت عليهم @QE@ فأخبر الله سبحانه أن رسوله عليه الصلاة والسلام يضع ~~الآصار والأغلال التي كانت على أهل الكتاب # ولما دعا المؤمنون بذلك أخبرهم الرسول أن الله قد استجاب دعاءهم # وهذا وإن كان رفعا للإيجاب والتحريم فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره ~~أن تؤتى معصيته قد صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك كان النبي ~~عليه الصلاة والسلام يكره مشابهة أهل الكتابين في هذه الآصار والأغلال وزجر ~~أصحابه عن التبتل وقال لا رهبانية في الإسلام وأمر بالسحور ونهى عن ~~المواصلة وقال فيما يعيب أهل الكتابين ويحذرنا عن موافقتهم فتلك بقاياهم في ~~الصوامع وهذا باب واسع جدا # وقال سبحانه وتعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم @QE@ # وقال سبحانه @QB@ ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ~~ولا منهم @QE@ يعيب بذلك المنافقين الذين تولوا اليهود إلى قوله ~~PageV01P048 @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب ~~في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ إلى قوله @QB@ أولئك حزب الله ألا ~~إن حزب الله هم المفلحون @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا ms038 بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم ~~أولياء بعض @QE@ إلى قوله @QB@ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض @QE@ إلى ~~قوله @QB@ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم @QE@ ~~الآيات # فعقد الله سبحانه الموالاة بين المهاجرين والأنصار وبين من آمن من بعدهم ~~وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه والجهاد باق ~~إلى يوم القيامة # فكل شخص يمكن أن يقوم به هذان الوصفان إذ كان كثير من النفوس اللينة يميل ~~إلى هجر السيئات دون الجهاد والنفوس القوية قد تميل إلى الجهاد دون هجر ~~السيئات # وإنما عقد الله الموالاة لمن جمع بين الوصفين وهم أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم الذين آمنوا به إيمانا صادقا # وقال @QB@ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ~~هم الغالبون @QE@ ونظائر هذا في غير موضع من القرآن يأمر سبحانه بموالاة ~~المؤمنين حقا الذين هم حزبه وجنده ويخبر أن هؤلاء لا يوالون الكافرين ولا ~~يوادونهم # والموالاة والموادة وإن كانت متعلقة بالقلب لكن المخالفة في الظاهر أهون ~~على المؤمن من مقاطعة الكافرين ومباينتهم # ومشاركتهم في الظاهر إن لم تكن ذريعة أو سببا قريبا أو بعيدا إلى نوع ما ~~PageV01P049 من الموالاة والموادة فليس فيها مصلحة المقاطعة والمباينة مع ~~أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة كما توجبه الطبيعة وتدل عليه العادة ~~ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم ~~في الولايات # فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قلت ~~لعمر رضي الله عنه إن لي كاتبا نصرانيا قال مالك قاتلك الله أما سمعت الله ~~يقول @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض @QE@ ألا اتخذت حنيفا قال قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله ~~دينه قال لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ ~~أقصاهم الله # ولما دل عليه ms039 معنى الكتاب وجاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسنة خلفائه الراشدين التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم # ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم أمر بمخالفتهم # وذلك يقتضي أن يكون جنس مخالفتهم أمرا مقصودا للشارع لأنه إن كان الأمر ~~بجنس المخالفة حصل المقصود وإن كان الأمر بالمخالفة في تغيير الشعر فقط فهو ~~لأجل ما فيه من المخالفة فالمخالفة إما علة مفردة أو علة أخرى أو بعض علة # وعلى جميع التقديرات تكون مأمورا بها مطلوبة للشارع لأن الفعل المأمور به ~~إذا عبر عنه بلفظ مشتق من معنى أعم من ذلك الفعل فلا بد أن يكون ما منه ~~الاشتقاق أمرا مطلوبا لا سيما إن ظهر لنا أن المعنى المشتق منه معنى مناسب ~~للحكمة كما لو قيل للضيف أكرمه بمعنى أطعمه وللشيخ الكبير وقره بمعنى اخفض ~~صوتك له أو نحوه وذلك لوجوه # أحدها أن الأمر إذا تعلق باسم مفعول مشتق من معنى كان ذلك المعنى علة ~~PageV01P050 للحكم كما في قوله عز وجل @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ وقوله ~~@QB@ فأصلحوا بين أخويكم @QE@ وقول النبي صلى الله عليه وسلم عودوا المريض ~~وأطعموا الجائع وفكوا العاني وهذا كثير معلوم # فإذا كان نفس الفعل المأمور به مشتقا من معنى أعم منه كان نفس الطلب ~~والاقتضاء قد علق بذلك المعنى الأعم فيكون مطلوبا بطريق الأولى # الوجه الثاني أن جميع الأفعال مشتقة سواء كانت هي مشتقة من المصدر أو كان ~~المصدر مشتقا منها أو كان كل واحد منهما مشتقا من الآخر بمعنى أن بينهما ~~مناسبة في اللفظ والمعنى لا بمعنى أن أحدهما أصل والآخر فرع بمنزلة المعاني ~~المتضايفة كالأبوة والبنوة أو كالأخوة من الجانبين ونحو ذلك # فعلى كل حال إذا أمر بفعل كان نفس مصدر الفعل أمرا مطلوبا للآمر مقصودا ~~له كما في قوله @QB@ ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين @QE@ وفي قوله ~~@QB@ آمنوا بالله ورسوله @QE@ وفي قوله @QB@ اعبدوا الله ربي وربكم @QE@ ~~وفي ms040 قوله @QB@ فعليه توكلوا @QE@ فإن نفس التقوى والإحسان والإيمان ~~والعبادة والتوكل أمور مطلوبة مقصودة بل هي نفس المأمور به # ثم المأمور به أجناس لا يمكن أن تقع إلا معينة وبالتعيين تقترن بها أمور ~~غير مقصودة الفعل للآمر لكن لا يمكن العبد إيقاع الفعل المأمور به إلا مع ~~أمور معينة له فإنه إذا قال @QB@ فتحرير رقبة @QE@ فلا بد إذا أعتق العبد ~~رقبة أن يقترن بهذا المطلق تعيين من سواد أو بياض أو طول أو قصر أو عربية ~~أو عجمية أو غير ذلك من الصفات لكن المقصود هو المطلق المشترك من هذه ~~المعينات # وكذلك إذا قيل اتقوا الله وخالفوا اليهود فان التقوى تارة تكون بفعل واجب ~~من صلاة أو صيام وتارة تكون بترك محرم من كفر أو زنا أو نحو ذلك فخصوص ذلك ~~الفعل إذا دخل في التقوى لم يمنع دخول غيره PageV01P051 # فإذا رؤي رجل هم بزنا فقيل له اتق الله كان أمرا له بعموم التقوى داخلا ~~فيه الأمر بخصوص ترك ذلك الزنا لأن سبب اللفظ العام لا بد أن يدخل فيه # كذلك إذا قيل إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم كان أمرا بعموم ~~المخالفة داخلا فيه المخالفة بصبغ اللحية لأنه سبب اللفظ العام # وسببه أن الفعل فيه عموم وإطلاق لفظي ومعنوي فيجب الوفاء به # وخروجه على سبب توجب أن يكون داخلا فيه لا يمنع أن يكون غيره داخلا فيه # وإن قيل إن اللفظ العام يقصر على سببه لأن العموم ههنا من جهة المعنى فلا ~~يقبل من التخصيص ما يقبله العموم اللفظي # فإن قيل الأمر بالمخالفة أمر بالحقيقة المطلقة وذلك لا عموم فيه بل يكفي ~~فيه المخالفة في أمر ما وكذلك سائر ما يذكرونه فمن أين اقتضى ذلك المخالفة ~~في غير ذلك الفعل المعين # قلت هذا سؤال قد يورده بعض المتكلمين في عامة الأفعال المأمور بها ~~ويلبسون به على الفقهاء # وجوابه من وجهين # أحدهما أن التقوى والمخالفة ونحو ذلك من الأسماء والأفعال المطلقة قد ~~يكون العموم فيها من جهة عموم الكل لأجزائه لا ms041 من جهة عموم الجنس لأنواعه # فإن العموم ثلاثة أقسام عموم الكل لأجزائه وهو ما لا يصدق فيه الاسم ~~العام ولا أفراده على جزئه # والثاني عموم الجمع لأفراده وهو ما يصدق فيه أفراد الاسم العام على آحاده # والثالث عموم الجنس لأنواعه وأعيانه وهو ما يصدق فيه نفس الاسم العام على ~~أفراده # فالأول عموم الكل لأجزائه في الأعيان والأفعال والصفات كما في قوله تعالى ~~@QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ فإن اسم الوجه يعم الخد والجبين والجبهة ~~PageV01P052 ونحو ذلك وكل واحد من هذه الأجزاء ليس هو الوجه فإذا غسل بعض ~~هذه الأجزاء لم يكن غاسلا للوجه لانتفاء المسمى بانتفاء جزئه # وكذلك في الصفات والأفعال إذا قيل صل فصلى ركعة وخرج بغير سلام أو قيل صم ~~فصام بعض يوم لم يكن ممتثلا لانتفاء معنى الصلاة المطلقة والصوم المطلق # وكذلك إذا قيل أكرم هذا الرجل فأطعمه وضربه لم يكن ممتثلا لأن الإكرام ~~المطلق يقتضي فعل ما يسره وترك ما يسوؤه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه فلو أطعمه بعض كفايته وتركه ~~جائعا لم يكن مكرما له لانتفاء أجزاء الإكرام ولا يقال الإكرام حقيقة مطلقة ~~وذلك يحصل باطعام أي شيء ولو لقمة # وكذلك إذا قال خالفوهم فالمخالفة المطلقة تنافي الموافقة في بعض الأشياء ~~أو في أكثرها على طريق التساوي لأن المخالفة المطلقة ضد الموافقة المطلقة ~~فيكون الأمر بأحدهما نهيا عن الآخر # ولا يقال إذا خالف في شيء ما فقد حصلت المخالفة كما لا يقال إذا وافقه في ~~شيء ما فقد حصلت الموافقة # وسر ذلك الفرق بين مفهوم اللفظ المطلق وبين المفهوم المطلق من اللفظ فإن ~~اللفظ يستعمل مطلقا ومقيدا فإذا أخذت المعنى المشترك بين جميع موارده ~~مطلقها ومقيدها كان أعم من المعنى المفهوم منه عند إطلاقه وذلك المعنى ~~المطلق يحصل بحصول بعض مسميات اللفظ في أي استعمال حصل من استعمالاته ~~المطلقة أو المقيدة # وأما معناه في حال إطلاقه فلا يحصل بعض معانيه عند التقييد بل يقتضي ~~أمورا كثيرة لا يقتضيها ms042 اللفظ المقيد فكثيرا ما يغلط الغالطون هنا # ألا ترى أن الفقهاء يفرقون بين الماء المطلق وبين المائية المطلقة ~~الثابتة في PageV01P053 المني والمتغيرات وسائر المائعات فأنت تقول عند ~~التقييد أكرم الضيف بإعطائه هذا الدرهم فهذا إكرام مقيد فإذا قلت أكرم ~~الضيف كنت آمرا بمفهوم اللفظ المطلق وذلك يقتضي أمورا لا تحصل بحصول إعطائه ~~الدرهم فقط # وأما القسم الثاني من أقسام العموم فهو عموم الجنس لأفراده كما يعم قوله ~~تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ كل مشرك # والقسم الثالث من أقسام العموم عموم الجنس لأعيانه كما يعم قوله صلى الله ~~عليه وسلم لا يقتل مسلم بكافر جميع أنواع القتل المسلم والكافر إذا تبين ~~هذا فالمخالفة المطلقة لا تحصل بالمخالفة في شيء ما إذا كانت الموافقة قد ~~حصلت في أكثر منه وإنما تحصل بالمخالفة في جميع الأشياء أو في غالبها إذ ~~المخالفة المطلقة ضد الموافقة المطلقة فلا يجتمعان بل الحكم للغالب # وهذا تحقيق جيد لكنه مبني على مقدمة وهي أن المفهوم من لفظ المخالفة عند ~~الإطلاق يعم المخالفة في عامة الأمور الظاهرة # فإن خفي هذا الموضع المعين فخذ في الوجه الثاني وهو العموم المعنوي وهو ~~أن المخالفة مشتقة فإنما أمر بها لمعنى كونها مخالفة كما تقدم تقريره وذلك ~~ثابت في كل فرد من الأفراد المخالفة فيكون العموم ثابتا من جهة المعنى ~~المعقول # وبهذين الطريقين يتقرر العموم في قوله تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار @QE@ وغير ذلك من الأفعال وإن كان أكثر الناس إنما يفزعون إلى ~~الطريق الثاني وقل منهم من يتفطن للطريق الأول وهذا أبلغ إذا صح # ثم نقول هب أن الإجزاء يحصل بأي يسمى مخالفة لكن الزيادة على القدر ~~المجزئ مشروعة إذ كان الأمر مطلقا كما في قوله @QB@ اركعوا واسجدوا @QE@ ~~ونحو ذلك من الأوامر المطلقة # الوجه الثالث في أصل التقرير أن العدول بالأمر عن لفظ الفعل الخاص به إلى ~~لفظ أعم منه معنى كالعدول به عن لفظ أطعمه إلى لفظ أكرمه وعن لفظ فاصبغوا ~~إلى لفظ فخالفوهم لا بد له من فائدة وإلا فمطابقة اللفظ PageV01P054 للمعنى ms043 ~~أولى من إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص وليست هنا فائدة تظهر إلا تعلق ~~القصد بذلك المعنى العام المشتمل على هذا الخاص وهذا بين عند التأمل # الوجه الرابع أن العلم بالعام عاما يقتضي العلم بالخاص والقصد للمعنى ~~العام عاما يوجب القصد للمعنى الخاص فإنك إذا علمت أن كل مسكر خمر وعلمت أن ~~النبيذ مسكر كان علمك بذلك الأمر العام وبحصوله في الخاص موجبا لعلمك بوصف ~~الخاص كذلك إذا كان قصدك طعاما مطلقا أو مالا مطلقا وعلمت وجود طعام معين ~~أو مال معين في مكان حصل قصدك له إذ العلم والقصد يتطابقان في مثل هذا ~~والكلام يبين مراد المتكلم ومقصوده # فإذا أمر بفعل باسم دال على معنى عام مريدا به فعلا خاصا كان ما ذكرناه ~~من الترتيب الحكمي يقتضي أنه قاصد بالأولى لذلك المعنى العام وأنه إنما قصد ~~ذلك الفعل الخاص لحصوله به # ففي قوله أكرمه طلبان طلب للإكرام المطلق وطلب لهذا الفعل الذي يحصل به ~~المطلق وذلك لأن حصول المعين مقتض لحصول المطلق وهذا معنى صحيح إذا صادف ~~فطنة من الإنسان وذكاء انتفع به في كثير من المواضع وعلم به طريق البيان ~~والدلالة # بقي أن يقال هذا يدل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع وهذا صحيح لكن ~~قصد الجنس قد يحصل الاكتفاء فيه بالمخالفة في بعض الأمور فما زاد على ذلك ~~لا حاجة إليه # قلت إذا ثبت أن الجنس مقصود في الجملة كان ذلك حاصلا في كل فرد من أفراده ~~ولو فرض أن الوجوب سقط بالبعض لم يرفع حكم الاستحباب عن الباقي # وأيضا فإن ذلك يقتضي النهي عن موافقتهم لأنه من قصد مخالفتهم بحيث ~~PageV01P055 أمرنا بإحداث فعل يقتضي مخالفتهم فيما لم تكن الموافقة فيه من ~~فعلنا ولا قصدنا فكيف لا ينهانا عن أن نفعل فعلا فيه موافقتهم سواء قصدنا ~~موافقتهم أو لم نقصدها # الوجه الخامس أنه رتب الحكم على الوصف بحرف الفاء فيدل هذا الترتيب على ~~أنه علة له من غير وجه حيث قال إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ms044 فإنه ~~يقتضي أن علة الأمر بهذه المخالفة كونهم لا يصبغون فالتقدير اصبغوا لأنهم ~~لا يصبغون وإذا كان علة الأمر بالفعل عدم فعلهم له دل على أن قصد المخالفة ~~لهم ثابت بالشرع وهو المطلوب # يوضح ذلك أنه لو لم يكن لقصد مخالفتهم تأثير في الأمر بالصبغ لم يكن ~~لذكرهم فائدة ولا حسن تعقيبه به # وهذا وإن دل على أن مخالفتهم أمر مقصود للشرع فذلك لا ينفي أن تكون في ~~نفس الفعل الذي خولفوا فيه مصلحة مقصودة مع قطع النظر عن مخالفتهم فإن هنا ~~شيئين # أحدهما أن نفس المخالفة لهم في الهدى الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد الله ~~المؤمنين لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن ~~أعمال أهل الجحيم وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنور قلبه حتى رأى ما ~~اتصف به المغضوب عليهم والضالون من مرض القلب الذي ضرره أشد من ضرر أمراض ~~الأبدان # والثاني أن نفس ما هم عليه من الهدى والخلق قد يكون مضرا أو منقصا فينهى ~~عنه ويؤمر بضده لما فيه من المنفعة والكمال وليس شيء من أمورهم إلا وهو إما ~~مضر أو ناقص لأن ما بأيديهم من الأعمال المبتدعة والمنسوخة ونحوها مضرة وما ~~بأيديهم مما لم ينسخ أصله فهو يقبل الزيادة والنقص PageV01P056 # فمخالفتهم فيه بأن يشرع ما يحصله على وجه الكمال ولا يتصور أن يكون شيء ~~من أمورهم كاملا قط # فإذا المخالفة فيها منفعة وصلاح لنا في كل أمورنا حتى ما هم عليه من ~~إتقان أمور دنياهم قد يكون مضرا بآخرتنا أو بما هو أهم منه من أمر دنيانا ~~فالمخالفة فيه صلاح لنا # وبالجملة فالكفر بمنزلة مرض القلب أو اشد ومتى كان القلب مريضا لم يصح ~~شيء من الأعضاء صحة مطلقة وإنما الصلاح أن لا تشابه مريض القلب في شيء من ~~أموره وإن خفي عليك مرض ذلك العضو لكن يكفيك أن فساد الأصل لا بد أن يؤثر ~~في الفرع ومن انتبه لهذا قد يعلم بعض الحكمة التي أنزلها الله فإن من في ~~قلبه مرض ms045 قد يرتاب في الأمر بنفس المخالفة لعدم استبانته لفائدته أو يتوهم ~~أن هذا من جنس أمر الملوك والرؤساء القاصدين للعلو في الأرض ولعمري إن ~~النبوة غاية الملك الذي يؤتيه الله من يشاء وينزعه ممن يشاء ولكن ملك ~~النبوة هو غاية صلاح من أطاع الرسول من العباد في معاشه ومعاده # وحقيقة الأمر أن جميع أعمال الكافر وأموره لا بد فيها من خلل يمنعها أن ~~تتم له منفعة بها ولو فرض صلاح شيء من أموره على التمام لاستحق بذلك ثواب ~~الآخرة ولكن كل أموره إما فاسدة وإما ناقصة # فالحمد لله على نعمة الإسلام التي هي أعظم النعم وأم كل خير كما يحب ربنا ~~ويرضى # فقد تبين أن نفس مخالفتهم أمر مقصود للشارع في الجملة ولهذا كان الإمام ~~أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة رضي الله عنهم يعللون الأمر بالصبغ بعلة ~~المخالفة # قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب ~~PageV01P057 ولا يتشبه بأهل الكتاب لقول النبي صلى الله عليه وسلم غيروا ~~الشيب ولا تشبهوا بأهل الكتاب # وقال إسحاق بن إبراهيم سمعت أبا عبد الله يقول لأبي يا أبا هاشم اختضب ~~ولو مرة واحدة فأحب لك أن تختضب ولا تشبه باليهود # وهذا اللفظ الذي احتج به أحمد قد رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود قال ~~الترمذي حديث حسن صحيح # وقد رواه النسائي من حديث محمد بن كناسة عن هاشم بن عروة عن عثمان ابن ~~عروة عن أبيه عن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال غيروا الشيب ولا ~~تشبهوا باليهود ورواه أيضا من حديث عروة عن عبد الله بن عمر لكن قال ~~النسائي كلاهما ليس بمحفوظ # وقال الدارقطني المشهور عن عروة مرسلا # وهذا اللفظ أدل على الأمر بمخالفتهم والنهي عن مشابهتهم فإنه إذا نهى عن ~~التشبه بهم في بقاء بياض الشيب الذي ليس من فعلنا فلأن ينهى عن إحداث ~~التشبه بهم أولى ms046 ولهذا كان هذا التشبه بهم يكون محرما بخلاف الأول # وأيضا ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى رواه البخاري ~~ومسلم وهذا لفظه # فأمر بمخالفة المشركين مطلقا ثم قال أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى وهذه ~~الجملة الثانية بدل من الأولى فإن الإبدال يقع في الجمل كما يقع في ~~المفردات كقوله تعالى @QB@ يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم @QE@ PageV01P058 فهذا الذبح والاستحياء هو سوم العذاب كذلك هنا هذا ~~هو المخالفة للمشركين المأمور بها هنا لكن الأمر بها أولا # فلفظ مخالفة المشركين دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع وإن ~~عينت هنا في هذا الفعل فإن تقديم المخالفة علة تقديم العام على الخاص كما ~~يقال أكرم ضيفك أطعمه وحادثه فأمرك بالإكرام أولا دليل على أن إكرام الضيف ~~مقصود ثم عينت الفعل الذي يكون إكرامه إكراما له في ذلك الوقت # والتقرير من هذا الحديث شبيه بالتقرير من قوله لا يصبغون فخالفوهم وقد ~~روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس # فعقب الأمر بالوصف المشتق المناسب وذلك دليل على أن مخالفة المجوس أمر ~~مقصود للشارع وهو العلة في هذا الحكم أو علة أخرى أو بعض علة وإن كان ~~الأظهر عند الإطلاق أنه علة تامة # ولهذا لما فهم السلف كراهة التشبه بالمجوس في هذا وغيره كرهوا أشياء غير ~~منصوصة بعينها عن النبي صلى الله عليه وسلم من هدى المجوس # وقال المروزي سألت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل عن حلق القفا فقال هو ~~من فعل المجوس ومن تشبه بقوم فهو منهم # قال أيضا قيل لأبي عبد الله تكره للرجل أن يحلق قفاه أو وجهه فقال أما ~~أنا فلا أحلق قفاي وقد روي فيه حديث مرسل عن قتادة في كراهيته وقال إن حلق ~~القفا من فعل المجوس # قال وكان أبو عبد الله يحلق قفاه وقت ms047 الحجامة # وقال أحمد أيضا لا بأس أن يحلق قفاه قبل الحجامة وقد روى عنه ابن منصور ~~قال سألت أحمد عن حلق القفا فقال لا أعلم فيه حديثا إلا ما يروى عن إبراهيم ~~أنه كره قردايرقوس ذكر الخلال هذا وغيره PageV01P059 # وذكر أيضا بإسناده عن الهيثم بن حميد قال حف القفا من شكل المجوس # وعن المعتمر بن سليمان التيمي قال كان أبي إذا جز شعره لم يحلق قفاه قيل ~~له لم قال كان يكره أن يتشبه بالعجم # والسلف تارة يعللون الكراهة بالتشبه بأهل الكتاب وتارة بالتشبه بالأعاجم # وكلا العلتين منصوص في السنة مع أن الصادق صلى الله عليه وسلم قد أخبر ~~بوقوع المشابهة لهؤلاء وهؤلاء كما قدمنا بيانه # وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم رواه أبو داود # وهذا مع أن نزع اليهود نعالهم مأخوذ عن موسى عليه السلام لما قيل له @QB@ ~~فاخلع نعليك @QE@ # وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب إكلة السحر # رواه مسلم في صحيحه # وهذا يدل على أن الفصل بين العبادتين أمر مقصود للشارع # وقد صرح بذلك فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر لأن اليهود ~~والنصارى يؤخرون # وهذا نص في أن ظهور الدين حاصل بتعجيل الفطر هو لأجل مخالفة اليهود ~~والنصارى # وإذا كانت مخالفتهم سببا لظهور الدين فإنما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر ~~دين الله على الدين كله فتكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة ~~PageV01P060 # وهكذا روى أبو داود من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لا تزال أمتي بخير أو قال على الفطرة ما لم يؤخروا ~~المغرب إلى أن تشتبك النجوم # ورواه ابن ماجة من حديث العباس ورواه ms048 الإمام أحمد من حديث السائب ابن ~~بريد وقد جاء مفسرا تعليله لا يزالون بخير ما لم يؤخرواالمغرب إلى طلوع ~~النجوم مضاهاة لليهود وما لم يؤخروا الفجر إلى محاق النجوم مضاهاة ~~للنصرانية # وقال سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية حدثنا الصلت بن بهرام عن الحارث بن ~~وهب عن عبد الرحمن الصنابحي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال ~~أمتي على مسكة ما لم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم مضاهاة لليهودية ومالم ~~ينتظروا بالفجر محاق النجوم مضاهاة للنصرانية وما لم يكلوا الجنائز إلى ~~أهلها # وقال سعيد بن منصور حدثنا عبيد الله بن زياد بن لقيط عن أبيه عن ليلى ~~امرأة بشر بن الخصاصية قالت أردت أن أصوم يومين مواصلة فنهاني عنه بشر وقال ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاني عن ذلك وقال إنما يفعل ذلك النصارى ~~صوموا كما أمركم الله وأتموا الصوم كما أمركم الله @QB@ ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل @QE@ فإذا كان الليل فأفطروا وقد رواه أحمد في المسند # فعلل النهي عن الوصال بأنه صوم النصارى وهو كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويشبه أن يكون من رهبانيتهم التي ابتدعوها # وعن حماد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة ~~فيهم لم يواكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل @QB@ ويسألونك عن المحيض ~~@QE@ إلى آخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اصنعوا كل شيء ~~PageV01P061 إلا النكاح فبلغ ذلك اليهود فقالوا ما يريد هذا الرجل أن يدع ~~من أمرنا شيءا إلا خالفنا فيه فجاء أسيد بن حصير وعباد بن بشر فقالا يا ~~رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن فتغير وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل في أثرهما فسقاهما فعرفنا أنه لم يجد ~~عليهما رواه مسلم ms049 # فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود بل على ~~أنه خالفهم في عامة أمورهم حتى قالوا ما يريد أن يدع من أمرنا شيئا إلا ~~خالفنا فيه # ثم إن المخالفة كما سنبينها تارة تكون في أصل الحكم وتارة في وصفه # ومجانبة الحائض لم يخالفوا في أصلها بل خالفوا في وصفها حيث شرع الله ~~مقاربة الحائض في غير محل الأذى فلما أراد بعض الصحابة أن يتعدى في ~~المخالفة إلى ترك ما شرعه الله تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم # وهذا الباب باب الطهارة كان على اليهود فيه أغلال عظيمة فابتدع النصارى ~~ترك ذلك كله بلا شرع من الله حتى إنهم لا ينجسون شيئا فهدى الأمة الوسط بما ~~شرعه لها إلى الوسط من ذلك وإن كان ما كان عليه اليهود كان أيضا مشروعا ~~فاجتناب مالم يشرع الله اجتنابه مقاربة لليهود وملابسة ما شرع الله اجتنابه ~~مقاربة للنصارى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم # وعن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة قال كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس ~~على ضلالة فإنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان قال فسمعت برجل بمكة ~~يخبر أخبارا فقعدت على راحلتي فقدمت عليه فإذا هو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مستخفيا جرآء عليه قومه فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة PageV01P062 فقلت ~~له ما أنت فقال أنا نبي فقلت وما نبي فقال أرسلني الله فقلت بأي شيء أرسلك ~~قال أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء فقلت ~~له فمن معك على هذا قال حر وعبد قال ومعه يومئذ أبو بكر وبلال فقلت إني ~~متبعك قال إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس ولكن ارجع ~~إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني قال فذهبت إلى أهلي وقدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة وكنت في أهلي فجعلت أستخبر الأخبار وأسأل الناس ~~حتى قدم نفر من أهل يثرب أي من أهل ms050 المدينة فقلت ما فعل هذا الرجل الذي قدم ~~المدينة فقالوا الناس إليه سراع وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك فقدمت ~~المدينة فدخلت عليه فقلت يا رسول الله أتعرفني قال نعم أنت الذي لقيتني ~~بمكة قال فقلت يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله أخبرني عن الصلاة ~~قال صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع فإنها تطلع ~~حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ثم صل فإن الصلاة مشهودة ~~محصورة حتى يستقل الظل بالرمح ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم فإذا ~~أقبل الفي فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ثم أقصر عن الصلاة ~~حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار وذكر ~~الحديث رواه مسلم # فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب ~~معللا ذلك النهي بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان وأنه حينئذ يسجد لها ~~الكفار # ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى وأكثر الناس قد لا يعلمون ~~PageV01P063 أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان ولا أن الكفار يسجدون لها ثم ~~إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في هذا الوقت حسما لمادة المشابهة ~~بكل طريق # ويظهر بعض فائدة ذلك بأن من الصابئة المشركين اليوم ممن يظهر الإسلام ~~يعظم الكواكب ويزعم أنه يخاطبها بحوائجه ويسجد لها وينحر ويذبح وقد صنف بعض ~~المنتسبين إلى الإسلام في مذهب المشركين من الصابئة والبراهمة كتبا في ~~عبادة الكواكب توسلا بذلك زعموا إلى مقاصد دنيوية من الرئاسة وغيرها وهي من ~~السحر الذي كان عليه الكنعانيون الذين كان ملوكهم النماردة الذين بعث الله ~~الخليل صلوات الله وسلامه عليه بالحنيفية وإخلاص الدين كله لله إلى هؤلاء ~~المشركين # فإذا كان في هذه الأزمنة من يفعل مثل هذا تحققت حكمة الشارع صلوات الله ~~وسلامه عليه في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات سدا للذريعة وكان في تنبيه ~~على أن كل ما يفعله المشركون من ms051 العبادات ونحوها مما يكون كفرا أو معصية ~~بالنية ينهى المؤمنون عن ظاهره وإن لم يقصدوا به قصد المشركين سدا للذريعة ~~وحسما للمادة # ومن هذا الباب أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى إلى عود أو عمود جعله ~~إلى حاجبه الإيمن أو الأيسر ولم يصمد له صمدا # ولهذا نهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة وإن لم يكن العابد ~~يقصد ذلك ولهذا ينهى عن السجود لله بين يدي الرجل وإن لم يقصد الساجد ذلك ~~لما فيه من مشابهة السجود لغير الله # فانظر كيف قطعت الشريعة المشابهة في الجهات وفي الأوقات وكما لا يصلى إلى ~~القبلة التي يصلون إليها كذلك لا يصلى إلى ما يصلون له بل هذا أشد ~~PageV01P064 فسادا فإن القبلة شريعة من الشرائع قد تختلف باختلاف شرائع ~~الأنبياء أما السجود لغير الله وعبادته فهو محرم في الدين الذي اتفقت عليه ~~رسل الله كما قال سبحانه وتعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ~~أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ # وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى رجلا يتكئ على يده اليسرى وهو قاعد ~~في الصلاة فقال له لا تجلس هكذا فإن هكذا يجلس الذين يعذبون وفي رواية تلك ~~صلاة المغضوب عليهم وفي رواية نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس ~~الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده روى هذا كله أبو داود # ففي هذا الحديث النهي عن هذه الجلسة معللا بأنها جلسة المعذبين وهذه ~~مبالغة في مجانبة هديهم # وأيضا فقد روى البخاري عن مسروق عن عائشة أنها كانت تكره أن يجعل المصلي ~~يده في خاصرته وتقول إن اليهود تفعله # ورواه أيضا من حديث أبي هريرة قال نهى عن التخصر في الصلاة وفي لفظ نهى ~~أن يصلي الرجل متخصرا # قال وقال هشام وأبو هلال عن ابن سيرين عن أبي هريرة نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهكذا رواه مسلم في صحيحه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم # وعن زياد بن صبيح قال ms052 صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يدي على خاصرتي فلما ~~صلى قال هذا الصلب في الصلاة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه ~~رواه أحمد وأبو داود والنسائي PageV01P065 # وأيضا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال اشتكى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره فالتفت ~~إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا فلما سلم قال إن ~~كدتم آنفا تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ~~ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا رواه ~~مسلم وأبو داود من حديث الليث عن أبي الزبير عن جابر # ورواه أبو داود وغيره من حديث الأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع القرشي ~~عن جابر قال ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا بالمدينة فصرعه على جذم ~~نخلة فانفكت قدمه فأتيناه نعوده فوجدناه في مشربة لعائشة يسبح جالسا قال ~~فقمنا خلفه فسكت عنا ثم أتيناه مرة أخرى نعوده فصلى المكتوبة جالسا فقمنا ~~خلفه فأشار إلينا فقعدنا قال فلما قضى الصلاة قال إذا صلى الإمام جالسا ~~فصلوا جلوسا وإذا صلى الإمام قائما فصلوا قياما ولا تفعلوا كما يفعل أهل ~~فارس بعظمائها # وأظن في غير رواية أبي داود ولا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضا # ففي هذا الحديث أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة وعلل ذلك ~~بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم في ~~قيامهم وهم قعود # ومعلوم أن المأموم إنما نوى أن يقوى لله لا لإمامه # وهذا تشديد عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد ونهى أيضا عما يشبه ذلك ~~وإن لم يقصد به ذلك ولهذا نهى عن السجود لله بين يدي الرجل وعن الصلاة إلى ~~ما عبد من دون الله كالنار ونحوها # وفي هذا الحديث أيضا نهى عما يشبه فعل فارس والروم وإن كانت نيتنا غير ~~نيتهم لقوله فلا تفعلوا PageV01P066 # فهل بعد هذا ms053 في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية # ثم هذا الحديث سواء كان محكما في قعود الإمام أو منسوخا فإن الحجة منه ~~قائمة لأن نسخ القعود لا يدل على فساد تلك العلة وإنما يقتضي أنه قد عارضها ~~ما ترجح عليها مثل كون القيام فرضا في الصلاة فلا يسقط الفرض بمجرد ~~المشابهة الصورية وهذا محل اجتهاد وأما المشابهة الصورية فإذا لم تسقط فرضا ~~فإن تلك العلة التي علل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون سليمة عن ~~معارض أو عن نسخ لأن القيام في الصلاة ليس بمشابهة في الحقيقة فلا يكون ~~محذورا فالحكم إذا علل بعلة ثم نسخ مع بقاء العلة فلا بد أن يكون غيرها ~~ترجح عليها وقت النسخ أو ضعف تأثيرها أما أن تكون في نفسها باطلة فهذا محال # هذا كله لو كان الحكم هنا منسوخا فكيف والصحيح أن هذا الحديث محكم قد عمل ~~به غير واحد من الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كونهم ~~علموا بصلاته في مرضه الذي توفي فيه # وقد استفاض عنه صلى الله عليه وسلم الأمر به استفاضة صحيحة صريحة يمتنع ~~معها أن يكون حديث مرض موته ناسخا له على ما هو مقرر في غير هذا الموضع إما ~~بجواز الأمرين إذ فعل القيام لا ينافي فعل القعود وإما بالفرق بين المبتدئ ~~للصلاة قاعدا وبين الصلاة التي ابتدأها الإمام قائما لعدم دخول هذه الصلاة ~~في قوله وإذا صلى قاعدا ولعدم المفسدة التي علل بها ولأن بناء فعل آخر ~~الصلاة على أولها أولى من بنائها على صلاة الإمام ونحو ذلك من الأمور ~~المذكورة في غير هذا الموضع # وأيضا فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا اتبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد فتعرض له حبر فقال هكذا ~~نصنع يا محمد قال فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال خالفوهم ~~PageV01P067 رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال الترمذي بشر بن رافع ~~ليس ms054 بالقوي في الحديث # قلت قد اختلف العلماء في القيام للجنازة إذا مرت ومعها إذا شيعت وأحاديث ~~الأمر بذلك كثيرة مستفيضة ومن اعتقد نسخها أو نسخ القيام للمارة فعمدته ~~حديث علي وحديث عبادة هذا وإن كان القول بهما كليهما ممكنا لأن المشيع يقوم ~~لها حتى توضع عن أعناق الرجال لا في اللحد فهذا الحديث إما أن يقال به جمعا ~~بينه وبين غيره أو يكون ناسخا لغيره وقد علل بالمخالفة # ومن لا يقول به يضعفه وذلك لا يقدح في الاستشهاد والاعتضاد به على جنس ~~المخالفة # وقد روى البخاري عن عبد الرحمن بن القاسم أن القاسم كان يمشي بين يدي ~~الجنازة ولا يقوم لها ويخبر عن عائشة أنها قالت كان أهل الجاهلية يقومون ~~لها يقولون إذا رأوها كنت في أهلك ما كنت مرتين # فقد استدل من كره القيام بأنه كان فعل الجاهلية # وليس الغرض هنا الكلام في عين هذه المسألة # وأيضا فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اللحد لنا والشق لغيرنا رواه أهل السنن الأربعة # وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اللحد لنا والشق لغيرنا رواه أحمد وابن ماجة وفي رواية لأحمد ~~والشق لأهل الكتاب وهو مروي من طرق فيها لين لكن يعضد بعضها بعضا # وفيه التنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب حتى في وضع الميت في أسفل القبر # وأيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية متفق عليه ~~PageV01P068 # ودعوى الجاهلية ندب الميت وتكون دعوى الجاهلية في العصبية # ومنه قوله فيما رواه أحمد عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا # وأيضا عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا ms055 يتركونهن الفخر بالاحساب والطعن في ~~الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها ~~تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب رواه مسلم # ذم في هذا الحديث من دعا بدعوى الجاهلية وأخبر أن بعض أمر الجاهلية لا ~~يتركه الناس كلهم ذما لمن لم يتركه # وهذا كله يقتضي أن ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين ~~الإسلام وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها ومعلوم أن ~~إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم وهذا كقوله سبحانه وتعالى @QB@ ولا ~~تبرجن تبرج الجاهلية الأولى @QE@ فإن ذلك ذم للتبرج وذم لحال الجاهلية ~~الأولى وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة # ومنه قوله لأبي ذر رضي الله عنه لما عير رجلا بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية ~~فإنه ذم لذلك الخلق ولأخلاق الجاهلية التي لم يجيء بها الإسلام # ومنه قوله تعالى @QB@ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ~~فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين @QE@ فإن إضافة الحمية إلى ~~الجاهلية يقتضي ذمها فما كان أخلاقهم وأفعالهم فهو كذلك # ومن هذا ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أبي يزيد أنه سمع ابن ~~عباس قال ثلاث خلال من خلال الجاهلية الطعن في الانساب والنياحة ونسيت ~~الثالثة قال سفيان ويقولون إنها الاستسقاء بالأنواء PageV01P069 # وروى مسلم في صحيحه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في ~~النسب والنياحة على الميت # فقوله هما بهم أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس فنفس الخصلتين كفر ~~حيث كانتا من أعمال الكفر وهما قائمتان بالناس # لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافرا الكفر المطلق حتى ~~تقوم به حقيقة الكفر كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير ~~بها مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته وفرق بين الكفر المعرف ms056 باللام ~~كما في قوله صلى الله عليه وسلم ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك ~~الصلاة وبين كفر منكر في الإثبات # وفرق أيضا بين معنى الاسم المطلق إذا قيل كافر أو مؤمن وبين المعنى ~~المطلق للاسم في جميع موارده كما في قوله لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم ~~رقاب بعض # فقوله يضرب بعضكم بعض تفسير للكفار في هذا الموضع وهؤلاء يسمون كفارا ~~تسمية مقيدة ولا يدخلون في الاسم المطلق إذا قيل كافر أو مؤمن كما أن قوله ~~تعالى @QB@ من ماء دافق @QE@ سمى المني ماء تسمية مقيدة ولم يدخل في الاسم ~~المطلق حيث قال @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا @QE@ # ومن هذا الباب ما خرجاه في الصحيحين عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنهما قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثاب ~~معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصاريا ~~فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال PageV01P070 الأنصاري يا للأنصار ~~وقال المهاجري ياللمهاجرين فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما بال دعوى ~~الجاهلية ثم قال ما شأنهم فأخبروه بكسعة المهاجري للأنصاري قال فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم دعوها فانها منتنة وقال عبد الله بن أبي ابن سلول أو قد ~~تداعوا علينا @QB@ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل @QE@ ~~فقال عمر ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث لعبد الله فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه # ورواه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال اقتتل غلامان ~~غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجري يا للمهاجرين ونادى ~~الأنصاري يا للأنصار فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا أدعوى ~~الجاهلية قالوا لا يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر ~~فقال لا بأس لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فلينهه فإنه له ~~نصر وإن كان مظلوما فلينصره # فهاذان الإسمان ms057 المهاجرون والأنصار اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة ~~وسماهما الله بهما كما سمانا @QB@ المسلمين من قبل وفي هذا @QE@ وانتساب ~~الرجل إلى المهاجرين والأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله ليس من ~~المباح الذي يقصد به التعريف فقط كالانتساب إلى القبائل والأمصار ولا من ~~المكروه أو المحرم كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية أخرى # ثم مع هذا لما دعا كل واحد منهما طائفة منتصرا بها أنكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك وسماها دعوى الجاهلية حتى قيل له إن الداعي بها إنما هما ~~غلامان لم يصدر ذلك من الجماعة فأمر بمنع الظالم وإعانة المظلوم ليبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن المحذور من ذلك إنما هو تعصب الرجل لطائفته ~~PageV01P071 مطلقا فعل أهل الجاهلية فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسن ~~واجب أو مستحب # ومثل هذا ما روى أبو داود وابن ماجة عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال ~~قلت يا رسول الله ما العصبية قال أن تعين قومك على الظلم # وعن سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال خيركم المدافع عن عشيرته مالم يأثم رواه أبو داود # وروى أبو داود أيضا عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس ~~منا من مات على عصبية # وروى أبو داود أيضا عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي فهو ينزع بذنبه # فإذا كان هذا التداعي في الأسماء وفي هذا الانتساب الذي يحبه الله ورسوله ~~فكيف بالتعصب مطلقا والتداعي للنسب والإضافات التي ما هي إما مباحة أو ~~مكروهة # وذلك أن الانتساب إلى الاسم الشرعي أحسن من الانتساب إلى غيره # ألا ترى إلى ما رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين ~~عن عبد ms058 الرحمن بن أبي عقبة عن أبي عقبة وكان مولى من أهل فارس PageV01P072 ~~قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا فضربت رجلا من المشركين ~~فقلت خذها مني وأنا الغلام الفارسي فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال هلا قلت خذها مني وأنا الغلام الأنصاري # حضه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الانتساب إلى الأنصار وإن كان ~~بالولاء وكان إظهار هذا أحب إليه من الانتساب إلى فارس بالصراحة وهي نسبة ~~حق ليست محرمة # ويشبه والله أعلم أن يكون من حكمة ذلك أن النفس تحامي عن الجهة التي ~~تنتسب إليها كان ذلك لله كان خيرا للمرء # فقد دلت هذه الأحاديث على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمه والنهي ~~عنه وذلك يقتضي المنع من كل أمور الجاهلية مطلقا وهو المطلوب في هذا الكتاب # ومثل هذا ما روى سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية ~~وفخرها بالآباء مؤمن تقي أو فاجر سقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب ليدعن رجال ~~فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان ~~التي تدفع بآنفها النتن رواه أبو داود وغيره وهو صحيح PageV01P073 # فأضاف العبية والفخر إلى الجاهلية يذمهما بذلك وذلك يقتضي ذمهما بكونهما ~~مضافين إلى الجاهلية وذلك يقتضي ذم كل الأمور المضافة إلى الجاهلية # ومثله ما روى مسلم في صحيحه عن أبي قيس زياد بن رباح عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من خرج من الطاعة وفارق ~~الجماعة فمات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمياء يغضب لعصبية أو يدعو إلى ~~عصبية أو ينصر عصبية فقتل قتل قتلة جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها ~~وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس مني ولست منه # ذكر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الأقسام ms059 الثلاثة التي يعقد لها ~~الفقهاء باب قتال أهل القبلة من البغاء والعداة وأهل العصبية # فالقسم الأول الخارجون عن طاعة السلطان فنهى عن نفس الخروج عن الطاعة ~~والجماعة وبين أنه إن مات ولا طاعة عليه لإمام مات ميتة جاهلية فإن أهل ~~الجاهلية من العرب ونحوهم لم يكونوا يطيعون أميرا عاما على ما هو معروف من ~~سيرتهم # ثم ذكر الذي يقاتل تعصبا لقومه أو أهل بلده ونحو ذلك # وسمى الراية عمياء لأنه الأمر الأعمى الذي لا يدري وجهه فكذلك قتال ~~العصبية يكون عن غير علم بجواز قتال هذا # وجعل قتلة المقتول قتلة جاهلية سواء غضب بقلبه أو دعا بلسانه أو ضرب بيده # وقد فسر ذلك فيما رواه مسلم أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء ~~قتل ولا يدري المقتول على أي شيء قتل فقيل كيف يكون ذلك قال الهرج القاتل ~~والمقتول في النار PageV01P074 # والقسم الثالث الخوارج على الأمة إما من العداة الذين غرضهم الأموال ~~كقطاع الطريق ونحوهم أو غرضهم الرياسة كمن يقتل أهل مصر الذين هم تحت حكم ~~غيره مطلقا وإن لم يكونوا مقاتلة أو من الخارجين عن السنة الذين يستحلون ~~دماء أهل القبلة مطلقا كالحرورية الذين قتلهم علي رضي الله عنه # ثم إنه صلى الله عليه وسلم سمى الميتة والقتلة ميتة جاهلية وقتلة جاهلية ~~على وجه الذم لها والنهي عنها وإلا لم يكن قد زجر عن ذلك # فعلم أنه كان قد تقرر عند أصحابه أن ما أضيف إلى الجاهلية من ميتة وقتلة ~~ونحو ذلك فهو مذموم منهي عنه وذلك يقتضي ذم كل ما كان من أمور الجاهلية وهو ~~المطلوب # ومن هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن المعرور بن سويد قال رأيت أبا ذر عليه ~~حلة وعلى غلامه مثلها فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فعيره بأمه فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ms060 ~~ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إنك امرؤ فيك جاهلية وفي رواية ~~قلت على ساعتي هذه من كبر السن قال نعم هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت ~~أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا ~~تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه # ففي هذا الحديث أن كل ما كان من أمر الجاهلية فهو مذموم لأن قوله فيك ~~جاهلية ذم لتلك الخصلة فلولا أن هذا الوصف يقتضي ذم ما اشتمل عليه لما حصل ~~به المقصود # وفيه أن التعبير بالأنساب من أخلاق الجاهلية # وفيه أن الرجل مع فضله وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة ~~بجاهلية ويهودية ونصرانية ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه # وأيضا ما رواه مسلم في صحيحه عن نافع عن جبير بن مطعم عن ابن عباس ~~PageV01P075 رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبغض الناس ~~إلى الله ثلاثة ملحد في الحرم ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية ومطل دم امرئ ~~بغير حق ليريق دمه # أخبر صلى الله عليه وسلم أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة وذلك لأن ~~الفساد إما في الدين وإما في الدنيا فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير ~~الحق ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الذي هو الكفر # وأما فساد الدين فنوعان نوع يتعلق بالعمل ونوع يتعلق بمحل العمل # فأما المتعلق بالعمل فهو ابتغاء سنة الجاهلية # وأما ما يتعلق بمحل العمل فالالحاد في الحرم لأن أعظم محال العمل هو ~~الحرم وانتهاك حرمة المحل المكاني أعظم من انتهاك حرمة المحل الزماني ولهذا ~~حرم من تناول المباحات من الصيد والنبات في البلد الحرام مالم يحرم مثله في ~~الشهر الحرام # ولهذا كان الصحيح أن حرمة القتال في البلد الحرام باقية كما دلت عليه ~~النصوص الصحيحة بخلاف الشهر الحرام فلهذا والله أعلم ذكر صلى الله عليه ~~وسلم الإلحاد في الحرم وابتغاء سنة جاهلية # والمقصود أن من هؤلاء الثلاثة من ابتغى في الإسلام سنة جاهلية فسواء قيل ms061 ~~مبتغيا أو غير مبتغ فإن الابتغاء هو الطلب والإرادة فكل من أراد في الإسلام ~~أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في هذا الحديث # والسنة الجاهلية كل عادة كانوا عليها فإن السنة هي العادة وهي الطريق ~~التي تتكرر لتتسع لأنواع الناس مما يعدونه عبادة أو لا يعدونه عبادة قال ~~تعالى @QB@ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض @QE@ وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لتتبعن سنن من كان قبلكم والاتباع هو الاقتفاء والاستثنان فمن ~~عمل بشيء من سننهم فقد اتبع سنة جاهلية PageV01P076 # وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء كان من سنن الجاهلية في أعيادهم ~~وغير أعيادهم # ولفظ الجاهلية قد يكون اسما للحال وهو الغالب في الكتاب والسنة وقد يكون ~~اسما لذي الحال # فمن الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه إنك امرؤ ~~فيك جاهلية وقول عمر إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة وقول عائشة كان ~~النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء وقولهم يا رسول الله كنا في جاهلية وشر ~~أي في حال جاهلية أو طريقة جاهلية أو عادة جاهلية ونحو ذلك # فإن لفظ الجاهلية وإن كان في الأصل صفة لكنه غلب عليه الاستعمال حتى صار ~~اسما ومعناه قريب من معنى المصدر # وأما الثاني فتقول طائفة جاهلية وشاعر جاهلي وذلك نسبة إلى الجهل الذي هو ~~عدم العلم أو عدم اتباع العلم فإن من لم يعلم الحق فهو جاهل جهلا بسيطا فإن ~~اعتقد خلافه فهو جاهل جهلا مركبا فإن قال خلاف الحق عالما بالحق أو غير ~~عالم فهو جاهل أيضا كما قال تعالى @QB@ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ~~@QE@ وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يفسق ~~ولا يجهل ومن هذا قول بعض الشعراء % ألا لا يجهلن أحد علينا % % فنجهل فوق ~~جهل الجاهلينا % $ # وهذا كثير وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل وإن علم أنه PageV01P077 ~~مخالف للحق كما قال سبحانه @QB@ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة @QE@ قال ms062 أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كل من عمل سوءا فهو جاهل # وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه ~~من قول أو فعل فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه أو ضعف القلب عن ~~مقاومة ما يعارضه وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم فيصير جهلا بهذا الاعتبار # ومن هنا تعرف دخول الأعمال في مسمى الإيمان حقيقة لا مجازا وإن لم يكن كل ~~من ترك شيئا من الأعمال كافرا أو خارجا عن أصل مسمى الإيمان وكذلك اسم ~~العقل ونحو ذلك من الأسماء # ولهذا يسمي الله تعالى أصحاب هذه الأحوال موتى وعميا وصما وبكما وضالين ~~وجاهلين ويصفهم بأنهم لا يعقلون ولا يسمعون # ويصف المؤمنين بأولي الألباب والنهى وأنهم مهتدون وأن لهم نورا وأنهم ~~يسمعون ويعقلون # فإذا تبين ذلك فالناس قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا في حال ~~جاهلية منسوبة إلى الجهل فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه ~~لهم جهال وإنما يفعله جاهل وكذلك كل ما يخالف ما جاء به المرسلون من يهودية ~~ونصرانية فهي جاهلية وتلك كانت الجاهلية العامة # فأما بعد ما بعث الله الرسول صلى الله عليه وسلم فالجاهلية المطلقة قد ~~تكون في مصر دون مصر كما هي في دار الكفار وقد تكون في شخص دون شخص كالرجل ~~قبل أن يسلم فإنه يكون في جاهلية وإن كان في دار الإسلام PageV01P078 # فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لا ~~تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة # والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من المسلمين ~~كما قال صلى الله عليه وسلم أربع في أمتي من أمر الجاهلية وقال لأبي ذر إنك ~~امرؤ فيك جاهلية ونحو ذلك # فقوله في هذا الحديث ومبتغ الإسلام سنة جاهلية يندرج فيه كل جاهلية مطلقة ~~أو غير مقيدة يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو صابئة أو وثنية أو شركية من ~~ذلك أو ms063 بعضه أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية فإنها جميعها مبتدعها ~~ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان لفظ الجاهلية ~~لا يقال غالبا إلا على حال العرب التي كانوا عليها فإن المعنى واحد ~~PageV01P079 # وفي الصحيحين عن نافع عن ابن عمر أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين ~~وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة # ورواه البخاري من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئارها ~~ولا يستقوا منها فقالوا قد عجنا منها واستقينا فأمرهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء # وفي حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما مر بالحجر لا ~~تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فان لم تكونوا باكين فلا ~~تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم # فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى أماكن المعذبين إلا مع ~~البكاء خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم # ونهى عن الانتفاع بمياههم حتى أمرهم مع حاجتهم في تلك الغزوة وهي غزوة ~~العسرة وهي أشد غزوة كانت على المسلمين أن يعلفوا النواضج بعجين مائهم # وكذلك أيضا روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة في أماكن ~~العذاب # فروى أبو داود عن سليمان بن داود أخبرنا ابن وهب حدثني ابن لهيعة ويحيى ~~بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أن عليا رضي الله ~~PageV01P080 عنه مر ببابل وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر فلما ~~برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال إن حبيبي النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة ونهاني أن أصلي في أرض بابل ms064 فإنها ~~ملعونة # ورواه أيضا عن أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أيضا أخبرني يحيى بن أزهر وابن ~~لهيعة عن الحجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري عن علي بمعناه ولفظه فلما خرج ~~منها مكان برز # وقد روى الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله بإسناد أصح من هذا عن علي ~~رضي الله عنه نحوا من هذا أنه كره الصلاة بأرض بابل وأرض الخسف أو نحو ذلك # وكره الإمام أحمد الصلاة في هذه الأمكنة اتباعا لعلي رضي الله عنه # وقوله نهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة يقتضي أن لا يصلي في أرض ~~ملعونة # والحديث المشهور في الحجر يوافق هذا فإنه إذا كان قد نهى عن الدخول إلى ~~أرض العذاب دخل في ذلك الصلاة وغيرها من باب أولى # ويوافق ذلك قوله سبحانه عن مسجد الضرار @QB@ لا تقم فيه أبدا @QE@ فإنه ~~كان من أمكنة العذاب قال سبحانه @QB@ أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ~~ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم @QE@ # وقد روى أنه لما هدم خرج منه دخان # وهذا كما أنه ندب إلى الصلاة في أمكنة الرحمة كالمساجد الثلاثة ومسجد ~~قباء فكذلك نهي عن الصلاة في أماكن العذاب # فأما أماكن الكفر والمعاصي التي لم يكن فيها عذاب إذا جعلت مكانا للايمان ~~والطاعة فهذا حسن كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف PageV01P081 ~~أن يجعلوا المسجد مكان طواغيتهم وأمر أهل اليمامة أن يتخذوا المسجد مكان ~~بيعة كانت عندهم وكان موضع مسجده صلى الله عليه وسلم مقبرة للمشركين فجعله ~~صلى الله عليه وسلم مسجدا بعد نبش القبور # فإذا كانت الشريعة قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفار في المكان الذي حل ~~بهم فيه العذاب فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها واستحقوا بها ~~العذاب # فإنه إذا قيل هذا العمل الذي يعملونه لو تجرد عن مشابهتهم لم يكن محرما ~~ونحن لا نقصد التشبه بهم فيه فنفس الدخول إلى المكان ليس بمعصية لو تجرد عن ~~كونه أثرهم ms065 ونحن لا نقصد التشبه بهم بل المشاركة في العمل أقرب إلى اقتضاء ~~العذاب من الدخول إلى الديار فإن جميع ما يعملونه مما ليس من أعمال ~~المسلمين السابقين إما كفر وإما معصية وإما شعار كفر أو شعار معصية وإما ~~مظنة للكفر والمعصية وإما أن يخاف أن يجر إلى المعصية وما أحسب أحدا ينازع ~~في جميع هذا ولئن نازع فيه فلا يمكنه أن ينازع في أن المخالفة فيه أقرب إلى ~~المخالفة في الكفر والمعصية وأن حصول هذه المصلحة في الأعمال أقرب من ~~حصولها في المكان # ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم أنفع ~~وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم # وأيضا مما هو صريح في الدلالة ما روى أبو داود في سننه حدثنا عثمان بن ~~أبي شيبة حدثنا أبو النضر يعني هاشم بن القاسم حدثنا عبد الرحمن بن ثابت ~~حدثنا حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من تشبه بقوم فهو منهم وهذا إسناد جيد فإن ~~ابن أبي شيبة وأبا النضر وحسان بن عطية ثقات مشاهير أجلاء من رجال الصحيحين ~~وهم أجل من أن يحتاجوا إلى أن يقال هم من رجال الصحيحين PageV01P082 # وأما عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان فقال يحيى بن معين وأبو زرعة وأحمد بن ~~عبد الله العجلي ليس به بأس وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم هو ثقة وقال ~~أبو حاتم هو مستقيم الحديث # وأما أبو منيب الجرشي فقال فيه أحمد بن عبد الله العجلي هو ثقة وما علمت ~~أحدا يذكره بسوء وقد سمع منه حسان بن عطية وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذا ~~الحديث # وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي ~~كفر المتشبه بهم كما في قوله @QB@ ومن يتولهم منكم فإنه منهم @QE@ # وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو أنه قال من بنى بأرض المشركين ~~وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر ms066 معهم يوم القيامة # فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر ويقتضي تحريم أبعاض ذلك ~~وقد يحمل على أنه صار منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه فإن كان كفرا ~~أو معصية أو شعارا للكفر أو للمعصية كان حكمه كذلك # وبكل حال فهو يقتضي التشبه بهم بعلة كونه تشبها # والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه وهو نادر ومن تبع غيره في فعل ~~لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذا عن ذلك الغير # فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضا ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه ~~ففي كون هذا تشبها نظر لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه ولما ~~فيه من المخالفة كما أمر بصبغ اللحى وإعفائها وإحفاء الشوارب مع أن قوله ~~صلى الله عليه وسلم غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود دليل على أن التشبه بهم ~~يحصل بغير قصد منا ولا فعل بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا وهذا أبلغ من ~~الموافقة الفعلية الاتفاقية PageV01P083 # وقد روى في هذا الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه نهى عن التشبه بالأعاجم وقال من تشبه بقوم فهو منهم ذكره القاضي ~~أبو يعلى # وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زي غير المسلمين # قال محمد بن حرب سئل أحمد عن نعل سندي يخرج فيه فكرهه للرجل والمرأة وقال ~~إن كان للكنيف والوضوء فلا بأس وأكره الصرار وقال هو من زي الأعاجم وقد سئل ~~سعيد بن عامر عنه فقال سنة نبينا أحب إلينا من سنة باكهن # وقال في رواية المروذي وقد سأله عن النعل السندي فقال أما أنا فلا ~~أستعملها ولكن إذا كان للطين أو المخرج فأرجو وأما من أراد الزينة فلا ورأى ~~على باب المخرج نعلا سنديا فقال نتشبه بأولاد الملوك # وقال حرب الكرماني أيضا قلت لأحمد فهذه النعال الغلاظ قال هذه السندية ~~إذا كانت للوضوء أو للكنيف أو لموضع ضرورة فلا بأس وكأنه كره ms067 أن يمشي بها ~~في الأزقة قيل فالنعل من الخشب قال لا بأس بها أيضا إذا كان موضع ضرورة # قال حرب حدثنا أحمد بن نصر حدثنا حبان بن موسى قال سئل ابن المبارك عن ~~هذه النعال الكرمانية فلم تعجبه وقال أما في هذه غنية عن تلك # وروى الخلال عن أحمد بن إبراهيم الدورقي قال سألت سعيد بن عامر عن لباس ~~النعال السبتية فقال زي نبينا أحب إلينا من زي باكهن ملك الهند ولو كان في ~~مسجد المدينة لأخرجوه من المدينة # سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علما ودينا من شيوخ الإمام أحمد قال ~~يحيى بن سعيد القطان وذكر عنده سعيد بن عامر الضبعي فقال PageV01P084 هو ~~شيخ البصرة منذ أربعين سنة وقال أبو مسعود بن الفرات ما رأيت بالبصرة مثل ~~سعيد بن عامر # وقال الميموني رأيت أبا عبد الله عمامته تحت ذقنه ويكره غير ذلك وقال ~~العرب عمائمها تحت أذقانها # وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد يكره أن تكون العمامة تحت الحنك كراهة ~~شديدة وقال إنما يتعمم بمثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس # ولهذا أيضا كره أحمد لباس أشياء كانت شعار الظلمة في وقته من السواد ~~ونحوه وكره هو وغيره تغميض العين في الصلاة وقال هو من فعل اليهود # وقد روى أبو حفص العكبري بإسناده عن بلال بن أبي حدرد قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تمعددوا واخشوشنوا وانتعلوا وامشوا حفاة # وهذا مشهور محفوظ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب به إلى المسلمين ~~وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في كلام الخلفاء الراشدين # وقال الترمذي حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا ~~باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى ~~الإشارة بالأكف قال وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة ولم يرفعه # وهذا وإن كان فيه ضعف فقد تقدم الحديث المرفوع من ms068 تشبه بقوم فهو منهم وهو ~~محفوظ عن حذيفة بن اليمان أيضا من قوله وحديث ابن لهيعة يصلح للاعتضاد كذا ~~كان يقول أحمد وغيره PageV01P085 # وأيضا ما روى أبو داود حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي حدثنا محمد بن ربيعة ~~حدثنا أبو الحسن العسقلاني عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن ركانة أو محمد بن ~~علي بن ركانة عن أبيه أن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ركانة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول فرق ما ~~بيننا وبين المشركين بالعمائم على القلانس # وهذا يقتضي أنه حسن عند أبي داود ورواه الترمذي أيضا عن قتيبة وقال غريب ~~وليس إسناده بالقائم ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني ولا ابن ركانة # وهذا القدر لا يمنع أن يعتضد بهذا الحديث ويستشهد به # وهذا بين في أن مفارقة المسلم المشرك في اللباس أمر مطلوب للشارع كقوله ~~فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت # فإن التفريق بينهما مطلوب في الظاهر إذ الفرق بالاعتقاد والعمل بدون ~~العمامة حاصل فلولا أنه مطلوب بالظاهر أيضا لم يكن فيه فائدة # وهذا كما أن الفرق بين الرجال والنساء لما كان مطلوبا ظاهرا وباطنا لعن ~~صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال ~~بالنساء وقال أخرجوهم من بيوتكم ونفى الخنث لما كان رجلا متشبها في الظاهر ~~بغير جنسه # وأيضا عن أبي غطفان المري سمعت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول حين ~~صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول ~~الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P086 إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع قال فلم ~~يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم في ~~صحيحه # وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود وصوموا يوما قبله ويوما بعده والحديث ms069 ~~رواه ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده ابن عباس # فتدبر هذا يوم عاشوراء يوم فاضل يكفر صيامه سنة ماضية صامه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأمر بصيامه ورغب فيه ثم لما قيل له قبيل وفاته إنه يوم ~~تعظمه اليهود والنصارى أمر بمخالفتهم بضم يوم آخر إليه وعزم على فعل ذلك # ولهذا استحب العلماء منهم الإمام أحمد أن يصوم تاسوعا وعاشوراء وبذلك ~~عللت الصحابة رضي الله عنهم # قال سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع عطاء عن ابن عباس ~~يقول صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود # وأيضا عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنا أمة أمية ~~لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين رواه ~~البخاري ومسلم # فوصف هذه الأمة بترك الكتابة والحساب الذي يفعله غيرها من الأمم في أوقات ~~عبادتهم وأعيادهم وأحالها على الرؤية حيث قال في غير حديث صوموا لرؤيته ~~وأفطروا لرؤيته وفي رواية صوموا من الوضح إلى الوضح أي من الهلال إلى ~~الهلال # وهذا دليل على ما أجمع عليه المسلمون إلا من شذ من بعض المتأخرين ~~المخالفين المسبوقين بالإجماع من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك إنما تقام ~~بالرؤية عند إمكانها لا بالكتاب والحساب الذي تسلكه الأعاجم من الروم ~~والفرس والقبط والهند وأهل الكتاب من اليهود والنصارى PageV01P087 # وقد روى غير واحد من أهل العلم أن أهل الكتابين قبلنا إنما أمروا بالرؤية ~~أيضا في صومهم وعبادتهم وتأولوا على ذلك قوله تعالى @QB@ كتب عليكم الصيام ~~كما كتب على الذين من قبلكم @QE@ ولكن أهل الكتابين بدلوا ولهذا نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن تقدم رمضان باليوم واليومين # وعلل الفقهاء ذلك بما يخاف من أن يزاد في الصوم المفروض ما ليس منه كما ~~زاده أهل الكتاب من النصارى فإنهم زادوا في صومهم وجعلوه فيما بين الشتاء ~~والصيف وجعلوا له طريقة من الحساب يتعرفونه بها # وقد يستدل بهذا الحديث على خصوص النهي عن أعيادهم ms070 فإن أعيادهم معلومة ~~بالكتاب والحساب والحديث فيه عموم # أو يقال إذا نهينا عن ذلك في عيد الله ورسوله ففي غيره من الأعياد ~~والمواسم أولى وأحرى أو لما في ذلك من مضارعة الأمة الأمية سائر الأمم # وبالجملة فالحديث يقتضي اختصاص هذه الأمة بالوصف الذي فارقت به غيرها ~~وذلك يقتضي أن ترك المشابهة للأمم أقرب إلى حصول الوفاء بالاختصاص # وأيضا ففي الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية عام حج ~~على المنبر وتناول قصة من شعر كانت في يد حرسي فقال يا أهل المدينة أين ~~علماؤكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول إنما ~~هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم # وفي رواية سعيد بن المسيب في الصحيح أن معاوية قال ذات يوم إنكم اتخذتم ~~زي سوء وإن النبي النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الزور قال وجاء رجل بعصا ~~على رأسها خرقة قال معاوية ألا وهذا الزور قال قتادة يعني ما يكثر به ~~النساء اشعارهن من الخرق # وفي رواية عن ابن المسيب في الصحيح قال قدم معاوية المدينة فخطبنا ~~PageV01P088 وأخرج كبة من شعر فقال ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه فسماه الزور # فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن وصل الشعر أن بني إسرائيل هلكوا ~~حين أحدثه نساؤهم يحذر أمته مثل ذلك ولهذا قال معاوية ما كنت أرى أن أحدا ~~يفعله إلا اليهود # فما كان من زي اليهود الذي لم يكن عليه المسلمون إما أن يكون مما يعذبون ~~عليه أو مظنة لذلك أو يكون تركه حسما لمادة ما عذبوا عليه لا سيما إذا لم ~~يتميز ما هو الذي عذبوا عليه من غيره فإنه يكون قد اشتبه المحظور بغيره ~~فيترك الجميع كما أن ما يخبرون به لما اشتبه صدقه بكذبه ترك الجميع # وأيضا ما روى نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~قال قال عمر إذا ms071 كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما فإن لم يكن له إلا ثوب ~~فليتزر به ولا يشتمل اشتمال اليهود رواه أبو داود وغيره باسناد صحيح # وهذا المعنى صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جابر وغيره أنه ~~أمر في الثوب الضيق بالاتزار دون الاشتمال وهو قول جمهور أهل العلم وفي ~~مذهب أحمد قولان # وإنما الغرض أنه قال لا يشتمل اشتمال اليهود فان المنهي عنه إلى اليهود ~~دليل على أن لهذه الإضافة تأثيرا في النهي كما تقدم التنبيه عليه # وأيضا فمما نهانا الله سبحانه فيه عن مشابهة أهل الكتاب وكان حقه أن يقدم ~~في أوائل الكتاب قوله سبحانه @QB@ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم ~~الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون @QE@ # فقوله ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب نهي مطلق عن مشابهتهم وهو خاص أيضا ~~في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم وقسوة القلوب من PageV01P089 ثمرات ~~المعاصي وقد وصف الله سبحانه بها اليهود في غير موضع فقال تعالى @QB@ فقلنا ~~اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ثم قست ~~قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ~~وما الله بغافل عما تعملون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد أخذ الله ميثاق بني ~~إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة ~~وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم ~~سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل ~~سواء السبيل فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم ~~عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا ~~منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين @QE@ # وإن قوما من هذه الأمة ممن ينسب إلى علم أو دين قد ms072 أخذوا من هذه الصفات ~~بنصيب يرى ذلك من له بصيرة فنعوذ بالله من كل ما يكرهه الله ورسوله ولهذا ~~كان السلف يحذرون هذا # فروى البخاري في صحيحه عن أبي الأسود قال بعث أبو موسى إلى قراء البصرة ~~فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن فقال أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ~~فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ~~وإنا كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني حفظت ~~منها لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن ~~آدم إلا التراب وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني ~~حفظت منها @QB@ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون @QE@ فتكتب ~~شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة PageV01P090 فحذر أبو موسى ~~القراء أن يطول عليهم الأمد فتقسوا قلوبهم # ثم لما كان نقض الميثاق يدخل فيه نقض ما عهد الله إليهم من الأمر والنهي ~~وتحريف الكلم عن مواضعه وتبديل وتأويل كتاب الله أخبر ابن مسعود رضي الله ~~عنه بما يشبه ذلك # فروى الأعمش عن عمارة بن عمير عن الربيع بن أبي عميلة الفزاري حدثنا عبد ~~الله حديثا ما سمعت حديثا هو أحسن منه إلا كتاب الله أو رواية عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم ~~فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم اشتهته قلوبهم واستحلته أنفسهم وكان الحق ~~يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا ~~يعلمون فقالوا اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم وإن ~~خالفوكم فاقتلوهم ثم قالوا لا بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم فاعرضوا ~~عليه هذا الكتاب فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده وإن خالفكم فاقتلوه فلن ~~يختلف عليكم بعده أحد فأرسلوا إليه فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله ثم جعلها ~~في قرن ثم علقها في عنقه ثم لبس عليها الثياب ثم أتاهم فعرضوا عليه ms073 الكتاب ~~فقالوا أتؤمن بهذا فأوما إلى صدره فقال آمنت بهذا ومالي لا اومن بهذا يعني ~~الكتاب الذي في القرن فخلوا سبيله وكان له أصحاب يغشونه فلما مات نبشوه ~~فوجدوا القرن ووجدوا فيه الكتاب فقالوا ألا ترون قوله آمنت بهذا ومالي لا ~~أومن بهذا إنما عنى هذا الكتاب فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة وخير ~~مللهم أصحاب ذي القرن قال عبد الله وإن من بقي منكم سيرى منكرا وبحسب امرئ ~~يرى منكرا لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره ~~PageV01P091 # ولما نهى الله عن التشبه بهؤلاء الذين قست قلوبهم ذكر أيضا في آخر السورة ~~حال الذين ابتدعوا الرهبانية فما رعوها حق رعايتها فعقبها بقوله @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون ~~على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم @QE@ # فإن الإيمان بالرسول هو تصديقه وطاعته واتباع شريعته وفي ذلك مخالفة ~~للرهبانية لأنه لم يبعث بها بل نهى عنها وأخبر أن من اتبعه من أهل الكتاب ~~كان له أجران وبذلك جاءت الأحاديث الصحيحة من طريق ابن عمر وغيره في مثلنا ~~ومثل أهل الكتاب # وقد صرح صلى الله عليه وسلم بذلك فيما رواه أبو داود في سننه من حديث ابن ~~وهب أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه ~~أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة فقال إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يقول لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوما شددوا على ~~أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ~~ابتدعوها ما كتبناها عليهم # هذا الذي في رواية اللؤلؤي عن أبي داود وفي رواية ابن داسة عنه أنه دخل ~~هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة في زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير ~~بالمدينة ms074 فإذا هو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريب منها فلما سلم ~~قال يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفلته قال إنها المكتوبة ~~وإنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لا تشددوا على أنفسكم ~~فيشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم ~~في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ثم غدا ~~PageV01P092 من الغد فقال ألا تركب وننظر لنعتبر قال نعم فركبا جميعا فإذا ~~بديار باد أهلها وانقضوا وفنوا خاوية على عروشها قال أتعرف هذه الديار فقال ~~نعم ما أعرفني بها وبأهلها هؤلاء أهل ديار أهلكهم الله ببغيهم وحسدهم إن ~~الحسد يطفئ نور الحسنات والبغي يصدق ذلك أو يكذبه والعين تزني والكف والقدم ~~والجسد واللسان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه # فأما سهل بن أبي أمامة فقد وثقه يحيى بن معين وغيره وروى له مسلم وغيره ~~أما ابن أبي العمياء فمن أهل بيت المقدس ما أعرف حاله لكن رواية أبي داود ~~للحديث وسكوته عنه يقتضي أنه حسن عنده وله شواهد في الصحيح # فأما ما فيه من وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف ففي ~~الصحيحين عنه أعني أنس بن مالك قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجز ~~الصلاة ويكملها # وفي الصحيحين أيضا عنه قال ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من ~~صلاة النبي صلى الله عليه وسلم زاد البخاري وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف ~~مخافة أن تفتتن أمه # وما ذكره أنس بن مالك من التخفيف فهو بالنسبة إلى ما كان يفعله بعض ~~الأمراء وغيرهم في قيام الصلاة فإن منهم من كان يطيل زيادة على ما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في غالب الأوقات ويخفف الركوع والسجود ~~والإعتدال عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في غالب الأوقات ولعل ~~أكثر الأئمة أو كثيرا منهم كانوا قد صاروا يصلون كذلك ومنهم من كان يقرأ في ~~الآخريين مع الفاتحة سورة وهذا كله قد ms075 صار مذاهب لبعض الفقهاء # وكان الخوارج أيضا قد تعمقوا وتنطعوا كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ولهذا لما صلى علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه بالبصرة قال عمران بن حصين لقد أذكرني PageV01P093 ~~هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم معتدلة كان يخفف القيام والقعود ويطيل الركوع والسجود وقد جاء هذا ~~مفسرا عن أنس بن مالك نفسه # فروى النسائي عن قتيبة عن العطاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال دخلنا على ~~أنس بن مالك فقال صليتم قلنا نعم قال يا جارية هلمي لي وضوءا ما صليت وراء ~~إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا قال زيد وكان ~~عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود # وهذا حديث صحيح فإن العطاف بن خالد المخزومي قال فيه يحيى بن معين غير ~~مرة هو ثقة وقال أحمد بن حنبل هو من أهل مكة ثقة صحيح الحديث روى عنه نحو ~~مائة حديث وقال ابن عدي يروي قريبا من مائة حديث ولم أر بحديثه بأسا إذا ~~حدث عنه ثقة # وروى أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان ~~حدثني أبي عن وهب بن مانوس سمعت سعيد بن جبير يقول سمعت أنس بن مالك يقول ~~ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز قال فحزرنا في ~~ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات وقال يحيى بن معين إبراهيم بن عمر ~~بن كيسان يماني ثقة وقال هشام بن يوسف أخبرني إبراهيم بن عمر وكان من أحسن ~~الناس صلاة وابنه عبد الله قال فيه أبو حاتم صالح الحديث ووهب بن مانوس ~~بالنون يقوله عبد الله هذا وكان عبد الرزاق يقوله بالباء المنقوطة بواحدة ~~من أسفل وهو شيخ ms076 كبير قديم قد أخذ عنه إبراهيم هذا واتبع ما حدثه به ولولا ~~ثقته عنده لما عمل بما حدثه به وحديثه موافق لرواية زيد بن أسلم وما أعلم ~~فيه قدحا # وروى مسلم في صحيحه من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن أنس PageV01P094 ~~ابن مالك قال ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في تمام كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة وكانت صلاة أبي ~~بكر متقاربة فلما كان عمر رضي الله عنه مد في صلاة الفجر وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم ~~يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم # ورواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة أنبأنا ثابت وحميد عن أنس بن مالك ~~قال ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول ~~قد أوهم ثم يكبر ثم يسجد وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم # فجمع أنس رضي الله عنه في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار بإيجاز النبي ~~صلى الله عليه وسلم الصلاة وإتمامها وبين أن من إتمامها الذي أخبر به إطالة ~~الاعتدالين وأخبر في الحديث المتقدم أنه ما رأى أوجز من صلاته ولا أتم # فيشبه والله أعلم أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام والإتمام إلى الركوع ~~والسجود لأن القيام لا يكاد يفعل إلا تاما فلا يحتاج إلى الوصف بالإتمام ~~بخلاف الركوع والسجود والاعتدالين # وأيضا فإنه بإيجاز القيام وإطالة الركوع والسجود تصير الصلاة تامة ~~لاعتدالها وتقاربها فيصدق قوله ما رأيت أوجز ولا أتم # فأما إن أعيد الإيجاز إلى لفظ لا أتم والإتمام إلى لفظ لا أوجز فإنه يصير ~~في الكلام تناقضا لأن من طول القيام على قيامه صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~دونه في إتمام القيام إلا أن يقال الزيادة في الصورة ms077 تصير نقصا في المعنى ~~وهذا خلاف ظاهر اللفظ فإن الأصل أن يكون معنى الإيجاز والتخفيف غير معنى ~~الإتمام والإكمال ولأن زيد بن أسلم قال كان عمر يخفف PageV01P095 القيام ~~والقعود ويتم الركوع والسجود فعلم أن لفظ الإتمام عندهم هو إتمام الفعل ~~الظاهر # وأحاديث أنس كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركوع ~~والسجود والاعتدالين زيادة على ما فعله أكثر الأئمة وسائر روايات الصحيح ~~تدل على ذلك # ففي الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ~~إني لا آلو أن أصلي لكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا قال ~~ثابت فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه وإذا رفع رأسه من الركوع انتصب ~~قائما حتى يقول القائل قد نسي وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى نقول قد نسي # وفي رواية في الصحيح وإذا رفع رأسه بين السجدتين # وفي رواية للبخاري من حديث شعبة عن ثابت كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكان يصلي فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي # فهذا يبين لك أن أنسا أراد بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إطالة ~~الركوع والسجود والرفع فيهما على ما كان الناس يفعلونه وتقصير القيام عما ~~كان الناس يفعلونه # وروى مسلم في صحيحه من حديث جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ ~~بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة # فبين أن التخفيف الذي كان يفعله صلى الله عليه وسلم هو تخفيف القراءة وإن ~~كان يقتضي ركوعا وسجودا يناسب القراءة ولهذا قال كانت صلاته متقاربة أي ~~يقرب بعضها من بعض PageV01P096 # وصدق أنس فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بنحو الستين ~~إلى المائة يقرأ في الركعتين بطول المفصل بآلم تنزل وهل أتى وبالصافات ~~وبقاف وربما قرأ أحيانا بما هو أطول من ms078 ذلك وأحيانا بما هو أخف # فأما عمر رضي الله عنه فكان يقرأ في الفجر بيونس وهود ويوسف ولعله علم أن ~~الناس خلفه يؤثرون ذلك # وكان معاذ رضي الله عنه قد صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ~~الآخرة ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء فقرأ فيها بسورة البقرة فأنكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقال أفتان أنت يا معاذ إذا أممت الناس فخفف ~~فإن من ورائك الكبير والضعيف وذا الحاجة هلا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى ~~والشمس وضحاها ونحوهما من السور # فالتخفيف الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم معاذا وغيره من الأئمة هو ~~ما كان يفعله بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم فإنه كما قال أنس كان أخف ~~الناس صلاة في تمام وقد قال صلوا كما رأيتموني أصلي # ثم إن عرض حال عرف منها إيثار المأمومين للزيادة على ذلك فحسن فإنه صلى ~~الله عليه وسلم قرأ في المغرب بطولى الطوليين وقرأ فيها بالطور # وإن عرض ما يقتضي التخفيف عن ذلك فعل كما قال في بكاء الصبي ونحوه # فقد تبين أن حديث أنس تضمن مخالفة من خفف الركوع والسجود تخفيفا كثيرا ~~ومن طول القيام تطويلا كثيرا وهذا الذي وصفه أنس ووصفه سائر الصحابة # وروى مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه عن هلال بن أبي حميد عن عبد الرحمن ~~بن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال رمقت الصلاة مع محمد صلى ~~الله عليه وسلم فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين ~~السجدتين فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء PageV01P097 # وروى مسلم أيضا في صحيحه عن شعبة عن الحكم قال غلب على الكوفة رجل قد ~~سماه زمن بن الأشعث قال فأمر أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود أن يصلي ~~بالناس فكان يصلي فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما أقول اللهم ربنا لك ~~الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء ms079 والمجد لا ~~مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد قال الحكم ~~فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى فقال سمعت البراء بن عازب يقول كانت ~~صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وركوعه وإذا رفع رأسه من ركوعه وسجوده ~~وما بين السجدتين قريبا من السواء قال شعبة فذكرته لعمرو بن مرة فقال قد ~~رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى فلم تكن صلاته هكذا # وروى البخاري هذا الحديث ما خلا القيام والقعود قريبا من السواء وذلك ~~لأنه لا شك أن القيام قيام القراءة وقعود التشهد يزيد على بقية الأركان لكن ~~لما كان صلى الله عليه وسلم يوجز القيام ويتم بقية الأركان صارت قريبا من ~~السواء # فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى وإنما البراء تارة قرب ولم يحدد ~~وتارة استثنى وحدد وإنما جاز أن يقال في القيام مع بقية الأركان قريبا ~~بالنسبة إلى الأمراء الذين يطيلون القيام ويخففون الركوع والسجود حتى يعظم ~~التفاوت # ومثل هذا أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف فقرأ في الركعة الأولى ~~بنحو من سورة البقرة وركع فكان ركوعه نحوا من قيامه وكذلك سجوده ولهذا نقول ~~في أصح القولين إن ركوع صلاة الكسوف وسجودها يكون قريبا من قيامه بقدر ~~معظمه أكثر من النصف PageV01P098 # ومن أصحابنا وغيرهم من قال إذا قرأ البقرة يسبح في الركوع والسجود بقدر ~~قراءة مائة آية وهو ضعيف مخالف للسنة # وكذلك روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وغيره أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد الرفع من الركوع من الذكر ما يصدق حديث ~~أنس والبراء وكذلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التطوع فإنه كان إذا ~~صلى بالليل وحده طول لنفسه ما شاء وكان يقرأ في الركعة بالبقرة وآل عمران ~~والنساء ويركع نحوا من قيامه ويرفع نحوا من ركوعه ويسجد نحوا من قيامه ~~ويجلس نحوا من سجوده # ثم هذا القيام الذي وصفه أنس وغيره بالخفة والتخفيف الذي أمر به النبي ms080 ~~صلى الله عليه وسلم قد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وأمره وبلغ ذلك ~~أصحابه فإنه لما صلى على المنبر قال إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا ~~صلاتي وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه صلوا كما رأيتموني أصلي # وذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا وقد يسمى خفيفا بالنسبة إلى ما هو أطول ~~منه ويسمى طويلا بالنسبة إلى ما هو أخف منه فلا حد له في اللغة وليس الفعل ~~في الصلاة من العادات كالإحراز والقبض والاصطياد وإحياء الموات حتى يرجع في ~~حده إلى عرف اللفظ بل هو من العبادات والعبادات يرجع في صفاتها ومقاديرها ~~إلى الشارع كما يرجع في أصلها إلى الشارع ولأنه لو جاز الرجوع فيه إلى عرف ~~الناس في الفعل أو في مسمى التخفيف لاختلفت الصلاة الشرعية الراتبة التي ~~أمرنا بها في غالب الأوقات عند عدم المعارضات المقتضية للطول أو القصر ~~اختلافا مباينا لا ضبط له ولكان لكل أهل عصر ومصر بل لكل أهل حي وسكة بل ~~لأهل كل مسجد عرف في معنى اللفظ وفي عادة الفعل مخالفا لعرف الآخرين وهذا ~~مخالف لأمر الله ورسوله حيث قال صلوا كما رأيتموني أصلي ولم يقل كما يسميه ~~أهل أرضكم PageV01P099 خفيفا أو كما يعتادونه وما أعلم أحدا من العلماء ~~يقول ذلك فإنه يفضي إلى تغيير الشريعة وموت السنن إما بزيادة وإما بنقص ~~وعلى هذا دلت سائر روايات الصحابة # فروى مسلم في صحيحه عن زهير عن سماك بن حرب قال سألت جابر ابن سمرة عن ~~صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة ~~هؤلاء قال وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف ~~والقرآن المجيد ونحوها # وروى أيضا عن شعبة عن سماك عن جابر بن سمرة قال كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك وفي الصبح أطول من ~~ذلك # وهذا يبين ما رواه مسلم أيضا عن زائدة عن سماك عن جابر ms081 بن سمرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد وكان صلاته بعد ~~تخفيفا أنه أراد والله أعلم بقوله وكانت صلاته بعد أي بعد الفجر أي أنه ~~يخفف الصلوات التي بعد الفجر عن الفجر فإنه في الرواية الأولى جمع بين وصف ~~صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف # وقد ثبت في الصحيح عن أم سلمة أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~في الفجر بالطور في حجة الوداع وهي طائفة من حول الناس تسمع قراءته وما عاش ~~بعد حجة الوداع إلا قليلا والطور نحو من سورة قاف # وثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إن أم الفضل سمعته ~~وهو يقرأ @QB@ والمرسلات عرفا @QE@ فقالت يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه ~~السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في ~~المغرب # فقد أخبرت أم الفضل أن ذلك آخر ما سمعته يقرأ بها في المغرب وأم الفضل ~~PageV01P100 لم تكن من المهاجرات بل هي من المستضعفين كما قال ابن عباس كنت ~~أنا وأبي من المستضعفين الذين عذرهم الله فهذا السماع كان متأخرا # وكذلك في الصحيح عن زيد بن ثابت أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~في المغرب بطولى الطوليين وزيد من صغار الصحابة # وكذلك صلى بالمؤمنين في الفجر بمكة وأدركته سعلة عند ذكر موسى وهارون ~~فهذه الأحاديث وأمثالها تبين أنه صلى الله عليه وسلم كان في آخر حياته يصلي ~~في الفجر بطوال المفصل وشواهد هذا كثيرة ولأن سائر الصحابة اتفقوا على أن ~~هذه كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ما زال يصليها ولم يذكر ~~أحد أنه نقص صلاته في آخر عمره عما كان يصليها وأجمع الفقهاء على أن السنة ~~أن يقرأ في الفجر بطوال المفصل # وقوله ولا يصلي صلاة هؤلاء إما أن يريد به من كان يطيل الصلاة على هذا ~~ومن كان ينقصها عن ذلك أي ms082 إنه كان صلى الله عليه وسلم يخففها ومع ذلك فلا ~~يحذفها حذف هؤلاء الذين يحذفون الركوع والسجود والاعتدالين كما دل عليه ~~حديث أنس والبراء أو كان أولئك الأمراء ينقصون القراءة أو القراءة وبقية ~~الأركان عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله كما روى أبو قزعة قال أتيت ~~أبا سعيد الخدري رضي الله عنه وهو مكثور عليه فلما تفرق الناس عنه قلت إني ~~لا أسألك عما سألك هؤلاء عنه قلت أسألك عن صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال مالك في ذلك من خير فأعادها عليه فقال كانت صلاة الظهر تقام ~~فينظلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يرجع إلى ~~المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى # وفي رواية مما يطولها رواه مسلم في صحيحه # فهذا يبين لك أن أبا سعيد رأى صلاة الناس أنقص من هذا PageV01P101 # وفي الصحيحين عن أبي برزة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين ~~الستين إلى المائة هذا لفظ البخاري # وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال إن كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليأمرنا بالتخفيف وإن كان ليؤمنا بالصافات رواه أحمد والنسائي # وعن الضحاك بن عثمان عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان بن يسار عن ~~أبي هريرة قال ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من فلان قال سليمان كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ويخفف الأخيرتين ~~ويخفف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل ويقرأ في العشاء بأوساط المفصل ~~ويقرأ في الصبح بطوال المفصل رواه النسائي وابن ماجه وهو إسناد على شرط ~~مسلم # والضحاك بن عثمان قال فيه أحمد ويحيى هو ثقة وقال فيه ابن سعد كان ثبتا # ويدل على ما ذكرناه ما روى مسلم في صحيحه عن عمار بن ياسر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن ms083 طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه ~~فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان لسحرا # فقد جعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل وأمر باطالتها # وهذا الأمر إما أن يكون عاما في جميع الصلوات وإما أن يكون المراد به ~~صلاة الجمعة # فإن كان اللفظ عاما فظاهر وإن كان المراد به صلاة الجمعة فإذا أمر ~~بإطالتها مع كون الجمع فيها يكون عظيما من الضعفاء والكبار وذوي الحاجات ما ~~ليس في غيرها ومع كونها تفعل في شدة الحر مسبوقة بخطبتين فالفجر ونحوها ~~التي تفعل وقت البرد مع قلة الجمع أولى وأحرى والأحاديث في هذا كثيرة ~~PageV01P102 # وإنما ذكرنا هذا التفسير لما في حديث أنس من تقدير صلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذ قد يحسب من يسمع هذه الأحاديث أن فيها نوع تناقض أو ~~يتمسك بعض الناس ببعضها دون بعض ويجهل معنى ما تمسك به # وأما ما في حديث أنس المتقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تشددوا ~~على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ~~فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ففيه ~~نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التشدد في الدين بالزيادة عن المشروع # والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب ~~والمستحب في العبادات وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم ~~والمكروه في الطيبات وعلل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى شدد ~~الله عليهم لذلك حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة # وفي هذا تنبيه على كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لمثل ما عليه النصارى ~~من الرهبانية المبتدعة وإن كان كثير من عبادنا قد وقعوا في بعض ذلك متأولين ~~معذورين أو غير متأولين ولا معذورين # وفيه أيضا تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء يكون سببا لتشديد آخر ~~يفعله الله إما بالشرع وإما بالقدر # فأما بالشرع فمثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخافه في ms084 زمانه من ~~زيادة إيجاب أو تحريم كنحو ما خافه لما اجتمعوا لصلاة التراويح معه ولما ~~كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم ومثل أن من نذر شيئا من الطاعات وجب عليه ~~فعله وهو منهي عن نفس عقد النذر وكذلك الكفارات الواجبة بأسباب # وأما القدر فكثيرا ما قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء فيبتلى أيضا ~~بأسباب تشدد الأمور عليه في الإيجاب والتحريم مثل كثير من الموسوسين ~~PageV01P103 في الطهارات إذا زادوا على المشروع ابتلوا بأسباب توجب حقيقة ~~عليهم أشياء فيها عظيم مشقة ومضرة # وهذا المعنى الذي دل عليه الحديث موافق لما قدمناه في قوله تعالى @QB@ ~~ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم @QE@ من أن ذلك يقتضي كراهة ~~موافقتهم في الآصار والأغلال # والآصار ترجع إلا الإيجابات الشديدة والأغلال هي التحريمات الشديدة فان ~~الإصر هو الثقل والشدة وهذا شأن ما وجب والغل يمنع المغلول من الانطلاق ~~وهذا شأن المحظور وعلى هذا دل قوله سبحانه @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين @QE@ ~~وسبب نزولها مشهور # وعلى هذا ما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال جاء ثلاثة رهط إلى بيوت ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال أحدهم أما أنا ~~فأصلي الليل أبدا وقال الآخر وأنا اصوم الدهر أبدا وقال الآخر وأنا أعتزل ~~النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال أنتم ~~الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وافطر ~~وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني رواه البخاري وهذا ~~لفظه ورواه مسلم ولفظه عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في ms085 السر فقال بعضهم لا أتزوج ~~النساء وقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم لا أنام على فرش فحمد الله ~~وأثنى عليه وقال ما بال أقوام قالوا كذا وكذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم ~~وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس PageV01P104 مني والأحاديث ~~الموافقة لهذا كثيرة في بيان أن سنته التي هي الاقتصاد في العبادة وفي ترك ~~الشهوات خير من رهبانية النصارى التي هي ترك عامة الشهوات من النكاح وغيره ~~والغلو في العبادات صوما وصلاة # وقد خالف هذا بالتأويل ولعدم العلم طائفة من الفقهاء والعباد # ومثل هذا ما رواه أبو داود في سننه عن العلاء بن عبد الرحمن عن القاسم بن ~~عبد الرحمن عن أبي أمامة أن رجلا قال يا رسول الله ائذن لي في السياحة قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله فأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن أمته سياحتهم الجهاد في سبيل الله # وفي حديث آخر إن السياحة هي الصيام والسائحون هم الصائمون ونحو ذلك وذلك ~~تفسير لما ذكره الله تعالى في القرآن من قوله @QB@ السائحون @QE@ وقوله ~~@QB@ سائحات @QE@ # وأما السياحة التي هي الخروج في البرية من غير مقصد معين فليست من عمل ~~هذه الأمة ولهذا قال الإمام أحمد ليست السياحة من الإسلام في شيء ولا من ~~فعل النبيين ولا الصالحين مع أن جماعة من إخواننا قد ساحوا السياحة المنهي ~~عنها متأولين في ذلك أو غير عالمين بالنهي عنه من الرهبانية المبتدعة التي ~~قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم لا رهبانية في الإسلام # والغرض هنا بيان ما جاءت به الحنيفية من مخالفة اليهود فيما أصابهم من ~~القسوة عن ذكر الله وعما أنزل من الهدى الذي به حياة القلوب ومخالفة ~~النصارى فيما هم عليه من الرهبانية المبتدعة وإن كان قد ابتلي بعض ~~المنتسبين منا إلى علم أو دين بنصيب من هذا ومن هذا ففيهم شبه بهؤلاء ~~وهؤلاء # ومثل ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله ms086 عليه ~~وسلم غداة العقبة وهو على ناقته القط لي حصى فلقطت له سبع حصيات مثل حصى ~~الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول أمثال هؤلاء فارموا ثم قال PageV01P105 ~~أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ~~رواه أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث عوف بن أبي جميلة عن زياد بن حصين عن ~~أبي العالية عنه وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم # وقوله إياكم والغلو في الدين عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات ~~والأعمال # والغلو هو مجاوزة الحد بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ~~ذلك # والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف وإياهم نهى ~~الله عن الغلو في القرآن في قوله تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم @QE@ # وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار وهو داخل فيه فالغلو فيه مثل رمي ~~الحجارة الكبار ونحو ذلك بناء على أنه قد بالغ في الحصى الصغار ثم علل ذلك ~~بأن ما أهلك من كان قبلنا إلا الغلو في الدين كما تراه في النصارى # وذلك يقتضي أن مجانبة هديهم مطلقا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا وأن ~~المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه أن يكون هالكا # ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم حذرنا عن مشابهة من قبلنا في أنهم كانوا ~~يفرقون في الحدود بين الاشراف والضعفاء وأمر أن يسوى بين الناس في ذلك وأن ~~كثيرا من ذوي الرأي والسياسة قد يظن أن إعفاء الرؤساء أجود في السياسة # ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها في شأن المخزومية التي سرقت لما كلم ~~أسامة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ~~تعالى إنما أهلك بنو إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا ~~سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد ~~سرقت لقطعت يدها PageV01P106 # وكان بنو مجزوم من أشرف بطون قريش واشتد عليهم أن تقطع يد ms087 امرأة منهم ~~فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هلاك بني إسرائيل إنما كان في تخصيص ~~رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات وأخبر أن فاطمة ابنته التي هي أشرف النساء ~~لو سرقت وقد أعاذها الله من ذلك لقطع يدها ليبين أن وجوب العدل والتعميم في ~~الحدود لا يستثنى منه بنت الرسول فضلا عن بنت غيره # وهذا يوافق ما في الصحيحين عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب رضي ~~الله عنه قال مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود فدعاهم ~~فقال أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم فقالوا نعم فدعا رجلا من علمائهم قال ~~أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ~~قال لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا ~~فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا ~~تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد ~~مكان الرجم فقال صلى الله عليه وسلم اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ~~فأمر به فرجم فأنزل الله عز وجل @QB@ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين ~~هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه ~~يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه @QE@ يقول ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم ~~والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا فأنزل الله تعالى @QB@ ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الظالمون @QE@ @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون @QE@ في الكفار كلها # وأيضا ما روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي قال سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول إني أبرأ إلى الله ~~PageV01P107 أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ ~~إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا ms088 لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن ~~من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك # وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذين كانوا قبلنا كانوا يتخذون ~~قبور الأنبياء والصالحين مساجد وعدى هذا الوصف بالأمر بحرف الفاء أن لا ~~يتخذوا القبور مساجد وقال إنه صلى الله عليه وسلم ينهانا عن ذلك ففيه دلالة ~~على أن اتخاذ من قبلنا سبب لنهينا إما مظهر للنهي وإما موجب للنهي # وذلك يقتضي أن أعمالهم دلالة وعلامة على أن الله ينهانا عنها أو أنها علة ~~مقتضية للنهي وعلى التقديرين يعلم أن مخالفتهم أمر مطلوب للشارع في الجملة # والنهي عن هذا العمل بلعنة اليهود والنصارى مستفيض عنه صلى الله عليه ~~وسلم # ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وفي لفظ لمسلم ~~لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد # وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا لما نزل برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتنم بها كشفها عن وجهه فقال وهو ~~كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما ~~صنعوا # وفي الصحيحين أيضا عن عائشة أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كنيسة رأتاها بأرض الحبشة يقال لها مارية وذكرتا من حسنها ~~وتصاوير فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك قوم إذا مات فيهم ~~العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور ~~أولئك شرار الخلق عند الله عز وجل # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P108 زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه أهل السنن ~~الأربعة وقال الترمذي حديث حسن وفي بعض نسخه صحيح # فهذا التحذير منه صلى الله عليه وسلم واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في ~~بناء المسجد ms089 على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة في هذا ودليل ~~على الحذر عن جنس أعمالهم حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكون من هذا ~~الجنس # ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة من بناء المساجد على ~~القبور واتخاذ القبور مساجد بلا بناء وكلا الأمرين محرم ملعون فاعله ~~بالمستفيض من السنة وليس هذا موضع استقصاء ما في ذلك من سائر الأحاديث ~~والآثار إذ الغرض القاعدة الكلية وإن كان تحريم ذلك قد ذكره غير واحد من ~~علماء الطوائف من اصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ولهذا كان السلف من ~~الصحابة والتابعين يبالغون في المنع مما يجر إلى مثل هذا وفيه من الآثار ما ~~لا يليق ذكره هنا حتى روى أبو يعلى الموصلي بسنده حدثنا أبو بكر بن أبي ~~شيبة حدثنا يزيد بن الحباب حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا ~~علي بن عمر عن أبيه عن علي بن الحسن أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه فقال ألا أحدثكم ~~حديثا سمعته من أبي عن جدي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا قبري ~~عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم وأخرجه محمد بن عبد ~~الواحد المقدسي الحافظ في مستخرجه # وروى سعيد بن منصور في سننه حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل ابن ~~أبي سهيل قال رآني علي الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند القبر ~~فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال هلم إلى العشاء فقلت لا أريده فقال ~~مالي رأيتك عند القبر قلت سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P109 ~~فقال إذا دخلت المسجد فسلم ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ~~تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر لعن الله اليهود اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم ما أنت ومن ~~بالأندلس إلا سواء # ولهذا ms090 ذكر الأئمة أحمد وغيره من أصحاب مالك وغيرهم إذا سلم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال ما ينبغي له أن يقول ثم أراد أن يدعو فإنه يستقبل ~~القبلة ويجعل الحجرة عن يساره # | فصل # في ذكر فوائد خطبته صلى الله عليه وسلم العظيمة في يوم عرفة $ # روى مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جابر في ~~حديث حجة الوداع قال حتى إذا زالت الشمس يعني يوم عرفة أمر بالقصواء فرحلت ~~له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة ~~يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي ~~موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن ~~الحرث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع وأول ربا ~~أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله فاتقوا الله في ~~النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ~~أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن ~~عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم ~~به كتاب الله وأنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون قالوا نحن نشهد أنك قد ~~بلغت وأديت ونصحت فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس ~~اللهم اشهد ثلاث مرات ثم أذن فأقام فصلى PageV01P110 الظهر ثم أقام فصلى ~~العصر ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى ~~الموقف وذكر تمام الحديث # فقوله صلى الله عليه وسلم كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع يدخل ~~فيه كل ما كانوا عليه من العبادات والعادات مثل دعواهم يال فلان ويال فلان ~~ومثل أعيادهم وغير ذلك من أمورهم # ثم خص بعد ذلك الدماء والأموال التي كانت تستباح باعتقادات جاهلية من ~~الربا الذي كان في ذمم أقوام ومن قتيل قتل في الجاهلية قبل ms091 إسلام القاتل ~~وعهده أو قبل إسلام المقتول وعهده إما لتخصيصها بالذكر بعد العام وإما لأن ~~هذا إسقاط لأمور معينة يعتقدون أنها حقوق لا لسنن عامة لهم فلا تدخل في ~~الأول كما لم تدخل الديون التي ثبتت ببيع صحيح أو قرض ونحو ذلك # ولا يدخل في هذا اللفظ ما كانوا عليه في الجاهلية واقره الله في الإسلام ~~كالمناسك وكدية المقتول بمائة من الإبل وكالقسامة ونحو ذلك لأن أمر ~~الجاهلية معناه مفهوم منه ما كانوا عليه مما لم يقره الإسلام فيدخل في ذلك ~~ما كانوا عليه وإن لم ينه في الإسلام عنه بعينه # وأيضا ما روى أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عياش بن عباس عن أبي ~~الحصين المصري يعني الهيثم بن شفي قال خرجت أنا وصاحب لي يكنى أبا عامر رجل ~~من المعافر لنصلي بإيلياء وكان قاصهم رجل من الأزد يقال له أبو ريحانة من ~~الصحابة قال أبو الحصين فسبقني صاحبي إلى المسجد ثم ردفته فجلست إلى جنبه ~~فسألني هل أدركت قصص أبي ريحانة قلت لا قال سمعته يقول نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن عشر عن الوشر والوشم والنتف وعن مكامعة الرجل الرجل بغير ~~شعار ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار وأن يجعل الرجل بأسفل ثيابه حريرا ~~مثل الأعاجم أو يجعل على منكبيه حريرا PageV01P111 مثل الأعاجم وعن النهبى ~~وركوب النمور ولبوس الخاتم إلا لذي سلطان وفي رواية عن أبي ريحانة قال ~~بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # وهذا الحديث محفوظ من حديث عياش بن عباس رواه عنه المفضل ابن فضالة وجيوة ~~بن شريح المصري ويحيى بن أيوب وكل منهم ثقة وعياش بن عباس روى له مسلم وقال ~~يحيى بن معين ثقة وقال أبو حاتم صالح وأما أبو الحصين الهيثم بن شفي قال ~~الدارقطني شفي بفتح الشين وتخفيف الفاء وأكثر المحدثين يقولون شفي وهو غلط ~~وأبو عامر الحجري الأزدي فشيخان قد روى عن كل واحد منهما أكثر من واحد وهما ~~من الشيوخ القدماء # وهذا الحديث قد أشكل ms092 على أكثر الفقهاء من جهة أن يسير الحرير قد دل على ~~جوازه نصوص متعددة ويتوجه تحريمه على الأصل وهو أن يكون صلى الله عليه وسلم ~~إنما كره أن يجعل الرجل بأسفل ثيابه أو على منكبيه حريرا مثل الأعاجم فيكون ~~المنهي عنه نوعا كان شعارا للأعاجم فنهى عنه لذلك لا لكونه حريرا فإنه لو ~~كان النهي عنه لكونه حريرا لعم الثوب كله ولم يخص هذين الموضعين ولهذا قال ~~فيه مثل الأعاجم والأصل في الصفة أن تكون لتقييد الموصوف لا لتوضيحه # وعلى هذا يمكن تخريج ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن سعيد بن أبي عروبة ~~عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لا ~~أركب الأرجوان ولا ألبس المعصفر ولا ألبس القميص المكفف بالحرير فأومأ ~~الحسن إلى جيب قميصه # قال قال ألا وطيب الرجال ريح لا لون له ألا وطيب النساء لون لا ريح له ~~قال سعيد أراه قال إنما حملوا قوله في طيب النساء على أنها إذا خرجت فأما ~~إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت أو يخرج هذا الحديث على الكراهية فقط ~~وكذلك قد يقال في الحديث الأول لكن في ذلك نظر PageV01P112 # وأيضا ففي الصحيحين عن رافع بن خديج قال قلت يا رسول الله إنا لاقوا ~~العدو غدا وليس معنا مدي أفنذبح بالقصب فقال ما أنهر الدم وذكر اسم الله ~~عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدي ~~الحبشة # نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بالظفر معللا بأنها مدي الحبشة ~~كما علل السن بأنه عظم # وقد اختلف الفقهاء في هذا فذهب أهل الرأي إلى أن علة النهي كون الذبح ~~بالسن والظفر يشبه الخنق أو هو مظنة الخنق والمنخنقة محرمة وسوغوا على هذا ~~الذبح بالسن والظفر المنزوعين لأن التذكية بالآلات المنفصلة المحددة لا خنق ~~فيها # والجمهور منعوا من ذلك مطلقا لأن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى السن ~~والظفر مما أنهر الدم فعلم أنه ms093 من المحدد الذي لا يجوز التذكية به ولو كان ~~لكونه خنقا لم يستثنه والمظنة إنما تقام مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفية ~~أو غير منضبطة فأما مع ظهورها وانضباطها فلا # وأيضا فإنه مخالف لتعليل رسول الله صلى الله عليه وسلم المنصوص في الحديث # ثم اختلف هؤلاء هل يمنع من التذكية بسائر العظام عملا بعموم العلة على ~~قولين في مذهب أحمد وغيره # وعلى الأقوال الثلاثة فقوله صلى الله عليه وسلم أما الظفر فمدي الحبشة ~~بعد قوله سأحدثكم عن ذلك يقتضي أن هذا الوصف وهو كونه مدي الحبشة له تأثير ~~في المنع إما أن يكون علة أو دليلا على العلة أو وصفا من أوصاف العلة أو ~~دليلها والحبشة في أظفارهم طول فيذكون بها دون سائر الأمم فيجوز أن يكون ~~نهيه عن ذلك لما فيه من مشابهتهم فيما يختصون به PageV01P113 # وأما العظم فيجوز أن يكون نهيه عن التذكية به كنهيه عن الاستنجاء به لما ~~فيه من تنجيسه على الجن إذ الدم نجس # وليس الغرض هنا ذكر مسألة الذكاة بخصوصها فإن فيها كلاما ليس هذا موضعه # وأيضا في الصحيحين عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال البحيرة التي يمنع ~~درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا ~~يحمل عليها شيء وقال قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ~~عمرو بن العاص الخزاعي يجر قصبه في النار كان أول من سيب السوائب # وروى مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة ابن خندف ~~أخا بني كعب وهو يجر قصبه في النار # وللبخاري من حديث أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبو خزاعة # هذا من العلم المشهور أن عمرو بن لحي هو أول من نصب الأنصاب حول البيت ~~ويقال إنه جلبها من البلقاء ms094 من أرض الشام متشبها بأهل البلقاء وهو أول من ~~سيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~رآه يجر قصبه في النار وهي الأمعاء ومنه سمى القصاب بذلك لأنها تشبه القصب # ومعلوم أن العرب قبله كانوا على ملة أبيهم إبراهيم على شريعة التوحيد ~~PageV01P114 والحنيفية السمحة دين أبيهم إبراهيم فتشبهوا بعمرو بن لحي وكان ~~عظيم أهل مكة يومئذ لأن خزاعة كانوا ولاة البيت قبل قريش وكان سائر العرب ~~متشبهين بأهل مكة لأن فيها بيت الله وإليها الحج ما زالوا معظمين من زمن ~~إبراهيم عليه السلام فتشبه عمرو بمن رآه في الشام واستحسن بعقله ما كانوا ~~عليه ورأى أن في تحريم ما حرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ~~تعظيما لله ودينا فكان ما فعله أصل الشرك في العرب أهل دين إبراهيم وأصل ~~تحريم الحلال وإنما فعله متشبها فيه بغيره من أهل الأرض فلم يزل الأمر ~~يتزايد ويتفاقم حتى غلب على أفضل الأرض الشرك بالله عز وجل وتغير دينه ~~الحنيف إلى أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم فأحيا ملة إبراهيم عليه ~~السلام واقام التوحيد وحلل ما كانوا يحرمونه # وفي سورة الأنعام من عند قوله تعالى @QB@ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا @QE@ إلى قوله @QB@ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير ~~علم وحرموا ما رزقهم الله @QE@ PageV01P115 إلى آخر السورة خطاب مع هؤلاء ~~الضرب ولهذا يقول تعالى في اثنائها @QB@ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء @QE@ # ومعلوم أن مبدأ هذا التحريم ترك الأمور المباحة تدينا وأصل هذا التدين هو ~~من التشبه بالكفار وإن لم يقصد المتدين التشبه بهم # فقد تبين لك أن من أصل دروس دين الله وشرائعه وظهور الكفر والمعاصي ~~التشبه بالكافرين كما أن من أصل كل خير المحافظة على سنن الأنبياء وشرائعهم ~~ولهذا عظم وقع البدع في الدين وإن لم يكن فيها تشبه بالكفار فكيف إذا جمعت ~~الوصفين ولهذا جاء في الحديث ما ابتدع قوم بدعة إلا ms095 نزع عنهم من السنة ~~مثلها # وأيضا فقد روى أبو داود في سننه وغيره من حديث هشيم أخبرنا أبو بشر عن ~~أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قال اهتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~للصلاة كيف يجمع الناس لها فقيل له انصب راية عند حضور الصلاة فاذا رأوها ~~أذن بعضهم بعضا فلم يعجبه ذلك قال فذكروا له القنع شبور اليهود فلم يعجبه ~~ذلك وقال هو من أمر اليهود قال فذكر له الناقوس فقال هو من فعل النصارى ~~فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه وهو مهتم لهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأري الأذان في منامه قال فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ~~فقال يا رسول الله إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان قال ~~وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوما قال ثم ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ما منعك أن تخبرنا فقال سبقني عبد ~~الله بن زيد فاستحييت PageV01P116 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ~~بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله قال فأذن بلال قال أبو ~~بشر فحدثني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان ~~يومئذ مريضا لجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا # وروى سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن عامر الشعبي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتم بأمر الصلاة اهتماما شديدا ليتبين ذلك ~~فيه وكان فيما اهتم به من أمر الصلاة أن ذكر الناقوس ثم قال هو من فعل ~~النصارى ثم أراد أن يبعث رجالا يؤذنون الناس بالصلاة في الطرق ثم قال أكره ~~أن أشغل رجالا عن صلاتهم بأذان غيرهم وذكر رؤيا عبد الله بن زيد # ويشهد لهذا ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي قلابة عن أنس قال لما كثر الناس ~~ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه ms096 فذكروا أن ينوروا نارا ويضربوا ~~ناقوسا فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة # وفي الصحيحين عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال كان المسلمون حين قدموا ~~المدينة يجتمعون فيتحينون للصلاة وليس ينادي بهم أحد فتكلموا يوما في ذلك ~~فقال بعضهم اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى وقال بعضهم قرنا مثل قرن ~~اليهود فقال عمر أو تبعثون رجلا ينادي بالصلاة فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يا بلال قم فناد بالصلاة # ما يتعلق بهذا الحديث من شرح الأذان ورؤيا عبد الله بن زيد وعمر وأمر عمر ~~أيضا بذلك وما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد سمع الأذان ليلة ~~أسري به إلى غير ذلك ليس هذا موضع ذكره وذكر الجواب عما قد يستشكل منه # وإنما الغرض هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كره بوق اليهود المنفوخ ~~PageV01P117 بالفم وناقوس النصارى المضروب باليد علل هذا بأنه من أمر ~~اليهود وعلل هذا بأنه من أمر النصارى لأن ذكر الوصف عقيب الحكم يدل على أنه ~~علة له وهذا يقتضي نهيه عن كل ما هو من أمر اليهود والنصارى هذا مع أن قرن ~~اليهود يقال إن أصله مأخوذ عن موسى عليه السلام وأنه كان يضرب بالبوق في ~~عهده وأما ناقوس النصارى فمبتدع إذ عامة شرائع النصارى أحدثها أحبارهم ~~ورهبانهم # وهو يقتضي كراهية هذا النوع من الأصوات مطلقا في غير الصلاة أيضا لأنه من ~~أمر اليهود والنصارى فإن النصارى يضربون بالنواقيس في أوقات متعددة غير ~~أوقات عباداتهم # وإنما شعار الدين الحنيف الأذان المتضمن للاعلان بذكر الله سبحانه الذي ~~به تفتح أبواب السماء وتهرب الشياطين وتنزل الرحمة # وقد ابتلي كثير من هذه الأمة من الملوك وغيرهم بهذا الشعار شعار اليهود ~~والنصارى حتى إنا رأيناهم في هذا الخميس الحقير الصغير يبخرون البخور ~~ويضربون له بنواقيس صغار حتى إن من الملوك من كان يضرب بالأبواق والدبادب ~~في أوقات الصلوات الخمس وهو نفس ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومنهم من كان ms097 يضرب بها طرفي النهار تشبها منه كما زعم بذي القرنين ووكل ما ~~دون ذلك إلى ملوك الأطراف # وهذه المشابهة لليهود والنصارى وللأعاجم من الروم والفرس لما غلبت على ~~ملوك الشرق هي وأمثالها مما خالفوا به هدى المسلمين ودخلوا فيما كرهه الله ~~ورسوله سلط الله عليهم الترك الكافرين الموعود بقتالهم حتى فعلوا في العباد ~~والبلاد مالم يجر في دولة الإسلام مثله وذلك تصديق قوله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P118 لتركبن سنن من كان قبلكم كما تقدم # وكان المسلمون على عهد نبيهم وبعده لا يعرفون وقت الحرب إلا بالسكينة ~~وذكر الله تعالى # قال قيس بن عبادة وهو من كبار التابعين كانوا يستحبون خفض الصوت عند ~~الذكر وعند القتال وعند الجنائز # وكذلك سائر الآثار تقتضي أنهم كانت عليهم السكينة في هذه المواطن مع ~~امتلاء القلوب بذكر الله وإجلاله وإكرامه كما أن حالهم في الصلاة كذلك وكان ~~رفع الصوت في هذه المواطن الثلاث عادة أهل الكتاب والأعاجم ثم قد ابتلى بها ~~كثير من هذه الأمة وليس هذا موضع استقصاء ذلك # وأيضا فعن عمرو بن ميمون الأزدي قال قال عمر رضي الله عنه كان أهل ~~الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير كيما نغير قال ~~فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم وأفاض قبل طلوع الشمس وقد روى في هذا ~~الحديث فيما أظنه أنه قال خالف هدينا هدي المشركين وكذلك كانوا يفيضون من ~~عرفات قبل الغروب فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإفاضة بعد الغروب ~~وبهذا صار الوقوف إلى ما بعد الغروب واجبا عند جماهير العلماء وركنا عند ~~بعضهم وكرهوا شدة الإسفار بالفجر صبيحة جمع # ثم الحديث قد ذكر فيه قصد المخالفة للمشركين PageV01P119 # وأيضا فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في ~~الدنيا ولكم في الآخرة متفق عليه # وعن جبير بن نفير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال رأى رسول ms098 الله ~~صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال إن هذه من ثياب الكفار لا ~~تلبسها رواه مسلم وعلل النهي عن لبسها بأنها من ثياب الكفار وسواء أراد ~~أنها مما يستحله الكفار بأنهم يستمتعون بخلاقهم في الدنيا أو مما يعتاده ~~الكفار لذلك كما أنه في الحديث قال إنهم يستمتعون بآنية الذهب والفضة في ~~الدنيا وهي للمؤمنين في الآخرة ولهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير ~~وأواني الذهب والفضة تشبها بالكفار # ففي الصحيحين عن أبي عثمان الهندي قال كتب إلينا عمر رضي الله عنه ونحن ~~بأذربيجان مع عتبة بن فرقد يا عتبة إنه ليس من كد أبيك ولا من كد أمك فأشبع ~~المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك وإياك والتنعم وزي أهل الشرك ~~ولبوس الحرير فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس الحرير وقال ~~إلا هكذا ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإصبعيه الوسطى والسبابة ~~وضمهما # وروى أبو بكر الخلال بإسناده عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان أتى ~~بيتا فرأى فيه حادثتين فيه أباريق الصفر والرصاص فلم يدخله وقال من تشبه ~~بقوم فهو منهم # وفي لفظ آخر فرأى شيئا من زي العجم فخرج وقال من تشبه بقوم فهو منهم # وقال علي بن أبي صالح السواق كنا في وليمة فجاء أحمد بن حنبل فلما دخل ~~نظر إلى كرسي في الدار عليه فضة فخرج فلحقه صاحب الدار فنفض يده في وجهه ~~وقال زي المجوس زي المجوس PageV01P120 # وقال في رواية صالح إذا كان في الدعوة مسكر أو شيء من منكر آنية المجوس ~~الذهب والفضة أو ستر الجدران بالثياب خرج ولم يطعم # ولو تتبعنا ما في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم مع ما دل عليه ~~كتاب الله لطال بنا القول # | فصل # وأما الإجماع فمن وجوه # من ذلك أن أمير المؤمنين عمر في الصحابة رضي الله عنهم ثم عامة الأئمة ~~بعده وسائر الفقهاء جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى ~~وغيرهم فيما شرطوه ms099 على أنفسهم أن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إن ~~أرادوا الجلوس ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم قلنسوة أو عمامة أو نعلين ~~أو فرق شعر ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتنى بكناهم ولا نركب السروج ولا نتقلد ~~السيوف ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله ولا ننقش خواتيمنا بالعربية ولا ~~نبيع الخمور وأن نجز مقادم رءوسنا وأن نلزم زينا حيثما كان وأن نشد ~~الزنانير على أوساطنا وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا ولا نظهر صليبا ولا ~~كتبا من كتب ديننا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ولا نضرب بنواقيسنا ~~في كنائسنا إلا ضربا خفيفا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران ~~معهم في شيء من طرق المسلمين رواه حرب بإسناد جيد # وفي رواية أخرى رواها الخلال وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيفا في ~~جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة ~~في كنائسنا فيما يحضره المسلمون وأن لا نخرج صليبا ولا كتابا في سوق ~~المسلمين ولا نخرج باعوثا والباعوث أنهم يخرجون مجتمعين كما نخرج يوم ~~الأضحى والفطر ولا شعانينا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران ~~معهم PageV01P121 في أسواق المسلمين وأن لا نجاوزهم بالجنائز ولا نبيع ~~الخمور إلى أن قال وأن نلزم زينا حيثما كنا وأن لا نتشبه بالمسليمن في لبس ~~قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا في مراكبهم ولا نتكلم بكلامهم ~~ولا نكتني بكناهم وأن نجز مقادم رءوسنا ولا نفرق نواصينا وأن نشد الزنانير ~~على أوساطنا # وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم وهي مجمع عليها في الجملة بين ~~العلماء من الأئمة المتبوعين وأصحابهم وسائر الأئمة ولولا شهرتها عند ~~الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها وهي أصناف # الصنف الأول ما مقصوده التمييز عن المسلمين في الشعور واللباس والأسماء ~~والمراكب والكلام ونحوها ليتميز المسلم من الكافر ولا يشبه أحدهما الآخر في ~~الظاهر ولم يرض عمر رضي الله عنه والمسلمون بأصل التمييز بل بالتمييز في ~~عامة الهدى ms100 على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع # وذلك يقتضي إجماع المسلمين على التميز عن الكفار ظاهرا وترك التشبه بهم ~~ولقد كان أمراء الهدى مثل العرين وغيرهما يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به ~~المقصود # ومقصودهم من هذا التميز كما روى الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده في ~~شروط أهل الذمة عن خالد بن عرفطة قال كتب عمر رضي الله عنه إلى الأمصار أن ~~لا يجزوا نواصيهم يعني النصارى ولا يلبسوا لبس المسلمين حتى يعرفوا # وقال القاضي أبو يعلى في مسألة حدثت في وقته أهل الذمة مأمورون بلبس ~~الغيار فإن امتنعوا لم يجز لأحد من المسلمين صبغ ثوب من ثيابهم لأنه لم ~~يتعين عليهم صبغ ثوب بعينه # قلت وهذا فيه خلاف هل يلزمون بالتغيير أو الواجب علينا إذا امتنعوا أن ~~نغير نحن وأما وجوب أصل المغايرة فما علمت فيه خلافا PageV01P122 # وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني في شروط أهل الذمة بإسناده أن عمر كتب أن لا ~~تكاتبوا أهل الذمة فيجري بينكم وبينهم المودة ولا تكنوهم وأذلوهم ولا ~~تظلموهم ومروا نساء أهل الذمة أن لا يعقدن زناراتهن ويرخين نواصيهن ويرفعن ~~عن سوقهن حتى نعرف زيهن من المسلمات فإن رغبن عن ذلك فليدخلن إلى الإسلام ~~طوعا أو كرها # وروى أيضا أبو الشيخ بإسناده عن محمد بن قيس وسعيد بن عبد الرحمن بن حبان ~~قال دخل ناس من بني تغلب على عمر بن عبد العزيز وعليهم العمائم كهيئة العرب ~~فقالوا يا أمير المؤمنين ألحقنا بالعرب قال فمن أنتم قالوا نحن بنو تغلب ~~قال أولستم من أواسط العرب قالوا نحن نصارى قال علي بجلم فأخذ من نواصيهم ~~وألقى العمائم وشق رداء كل واحد شبرا يحترم به وقال لا تركبوا السروج ~~واركبوا على الأكف ودلوا أرجلكم من شق واحد # وعن مجاهد بن الأسود قال كتب عمر بن عبد العزيز أن لا يضرب الناقوس خارجا ~~من الكنيسة # وعن معمر أن عمر بن عبد العزيز كتب أن امنع من قبلك فلا يلبس نصراني قباء ~~ولا ثوب خز ولا عصب وتقدم ms101 في ذلك أشد التقدم واكتب فيه حتى لا يخفى على أحد ~~نهي عنه وقد ذكر لي أن كثيرا ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم ~~وتركوا لبس المناطق على أوساطهم واتخذوا الوفر والجمم وتركوا التقصيص ~~ولعمري إن كان يصنع ذلك فيما قبلك إن ذلك بك ضعف وعجز فانظر كل شيء كنت ~~نهيت عنه وتقدمت فيه إلا تعاهدته وأحكمته ولا ترخص فيه ولا تعد عنه شيئا ~~PageV01P123 # ولم أكتب سائر ما كانوا يأمرون به في أهل الكتاب إذ الغرض هنا التمييز ~~وكذلك فعل جعفر بن محمد بن هرون المتوكل بأهل الذمة في خلافته واستشارته في ~~ذلك الإمام أحمد بن حنبل وغيره وعهوده في ذلك وجوابات أحمد ابن حنبل له ~~معروفة # ومن جملة الشروط ما يعود بإخفاء منكرات دينهم وترك إظهارها كمنعهم من ~~إظهار الخمر والناقوس والنيران والأعياد ونحو ذلك # ومنها ما يعود بإخفاء شعار دينهم كأصواتهم بكتابهم # فاتفق عمر رضي الله عنه والمسلمون معه وسائر العلماء بعده ومن وفقه الله ~~تعالى من ولاة الأمور على منعهم من أن يظهروا في دار الإسلام شيئا مما ~~يختصون به مبالغة في أن لا يظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين فكيف إذا ~~عملها المسلمون وأظهروها هم # ومنها ما يعود بترك إكرامهم وإلزامهم الصغار الذي شرعه الله تعالى # ومن المعلوم أن تعظيم أعيادهم ونحوها بالموافقة فيها هو نوع من إكرامهم ~~فإنهم يفرحون بذلك ويسرون به كما يغتمون بإهمال أمر دينهم الباطل # الوجه الثاني من دلائل الإجماع أن هذه القاعدة قد أمر بها غير واحد من ~~الصحابة والتابعين في أوقات متفرقة وقضايا متعددة وانتشرت ولم ينكرها منكر # فعن قيس بن أبي حازم قال دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على امرأة من ~~أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال ما لها لا تتكلم قالوا حجت مصمتة ~~فقال لها تكلمي فإن هذا لا يحل هذا عمل الجاهلية فتكلمت فقالت من أنت قال ~~امرؤ من المهاجرين فقلت من أي المهاجرين قال من قريش قالت من أي قريش ms102 قال ~~إنك لسؤل وقال أنا أبو بكر قالت ما بقاؤنا على هذا الأمر الصلح الذي جاء ~~الله به بعد الجاهلية قال بقاؤكم عليه ما استقامت لكم أئمتكم قالت ~~PageV01P124 وما الأئمة قال أما كان لقومكم رءوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم ~~قالت بلى قال فهم أولئك على الناس رواه البخاري في صحيحه # فأخبر أبو بكر أن الصمت المطلق لا يحل وعقب ذلك بقوله هذا من عمل ~~الجاهلية قاصدا بذلك عيب هذا العمل وذمه # وتعقيب الحكم بالوصف دليل على أن الوصف علة فدل على أن كونه من عمل ~~الجاهلية وصف يوجب النهي عنه والمنع منه # ومعنى قوله من عمل الجاهلية أي إنه مما انفرد به أهل الجاهلية ولم يشرع ~~في الإسلام فيدخل في هذا كل ما اتخذ من عبادة مما كان أهل الجاهلية يتعبدون ~~به ولم يشرع الله التعبد به في الاسلام وإن لم ينوه عنه بعينه كالمكاء ~~والتصدية فإن الله تعالى قال عن الكافرين @QB@ وما كان صلاتهم عند البيت ~~إلا مكاء وتصدية @QE@ والمكاء الصفير ونحوه والتصدية التصفيق فاتخاذ هذا ~~قربة وطاعة من عمل الجاهلية الذي لم يشرع في الإسلام # وكذلك بروز المحرم وغيره للشمس حتى لا يستظل بظل أو ترك الطواف بالثياب ~~العادية أو ترك كل ما عمل في غير الحرم ونحو ذلك من أمور الجاهلية التي ~~كانوا يتخذونها عبادات وإن كان قد جاء نهي خاص في عامة هذه الأمور بخلاف ~~السعي بين الصفا والمروة وغيره من شعائر الحج فإن ذلك من شعائر الله وإن ~~كان أهل الجاهلية قد كانوا يفعلون ذلك في الجملة # وقد قدمنا ما رواه البخاري في صحيحه عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى ~~المسلمين المقيمين ببلاد فارس إياكم وزي أهل الشرك # وهذا نهي منه للمسلمين عن كل ما كان من زي المشركين # وقال الإمام أحمد في المسند حدثنا يزيد حدثنا عاصم عن أبي عثمان النهدي ~~عن عمر أنه قال اتزروا وارتدوا وانتعلوا والبسوا الخفاف PageV01P125 ~~والسراويلات والقوا الركب وانزوا نزوا وعليكم بالمعدية وارموا الأغراض ~~وذروا التنعم وزي العجم ms103 وإياكم والحرير فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد نهى عنه وقال لا تلبسوا من الحرير إلا ما كان هكذا واشار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بإصبعيه # وقال أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا زهير حدثنا عاصم الأحول عن أبي عثمان ~~قال جاءنا كتاب عمر رضي الله عنه ونحن بأذربيجان يا عتبة ابن فرقد إياكم ~~والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهانا عن لبوس الحرير وقال إلا هكذا ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إصبعيه # وهذا ثابت على شرط الصحيحين # وفيه أن عمر رضي الله عنه أمر بالمعدية وهي زي بني معد بن عدنان وهم ~~العرب فالمعدية نسبة إلى معد ونهى عن زي العجم وزي المشركين وهذا عام كما ~~لا يخفى وقد تقدم هذا مرفوعا والله أعلم # وروى الإمام أحمد في المسند حدثنا أسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمة عن ~~أبي سنان عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب أن عمر كان بلجابية فذكر فتح ~~بيت المقدس قال حماد بن سلمة فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم قال سمعت عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه يقول لكعب أين ترى أن أصلي فقال إن اخذت عني صليت ~~خلف الصخرة فكانت القدس كلها بين يديك فقال عمر ضاهيت اليهودية لا ولكن ~~أصلي حيث صلى PageV01P126 رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم إلى القبلة ~~فصلى ثم جاء فبسط رداءه فكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس # قلت فصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بيت المقدس في ليلة ~~الإسراء قد رواها مسلم في صحيحه من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق ~~الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه قال فركبته حتى أتيت بيت ~~المقدس قال فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء قال ثم دخلت المسجد ~~فصليت فيه ركعتين ثم خرجت ms104 فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من ~~لبن فاخترت اللبن فقال جبريل عليع السلام اخترت الفطرة قال ثم عرج بنا إلى ~~السماء وذكر الحديث # وقد كان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ينكر أن يكون صلى فيه لأنه لم ~~يبلغه ذلك واعتقد أنه لو صلى فيه لوجب على الأمة الصلاة فيه # فعمر رضي الله عنه عاب على كعب الأحبار مضاهاة اليهودية أي مشابهتها في ~~مجرد استقبال الصخرة لما فيه من مشابهة من يعتقدها قبلة باقية وإن كان ~~المسلم لا يقصد أن يصلي إليها # وقد كان لعمر رضي الله عنه في هذا الباب من السياسات المحكمة ما هي ~~مناسبة لسائر سيرته المرضية فإنه رضي الله عنه هو الذي استحالت ذنوب ~~الإسلام بيده غربا فلم يفر عبقري فريه حتى صدر الناس بطعن فأعز الله به ~~الإسلام وأذل PageV01P127 الكفر وأهله وأقام شعائر الدين الحنيف ومنع من كل ~~أمر فيه نزوع إلى نقض عرى الإسلام مطيعا في ذلك لله ورسوله وقافا عند كتاب ~~الله ممتثلا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم محتذيا حذو صاحبيه مشاورا ~~في أموره للسابقين الأولين مثل عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن ~~بن عوف وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله ~~عنهم وغيرهم ممن له علم أو فقه أو رأي أو نصيحة للاسلام وأهله حتى إن ~~العمدة في الشروط على أهل الكتاب على شروطه وحتى منع من استعمال كافر أو ~~ائتمانه على الأمة وإعزازه بعد أن أذله الله وحتى روى عنه أنه حرق الكتب ~~العجمية وغيرها وهو الذي منع أهل البدع من أن ينبغوا وألبسهم ثوب الصغار ~~حيث فعل بصبيغ بن عسل التميمي ما فعل في قصته المشهورة وستأتي عند ذكرها إن ~~شاء الله تعالى في خصوص أعياد الكفار من النهي عن الدخول عليهم فيها ومن ~~النهي عن تعلم رطانة الأعاجم ما يتبين به ثبوت قوة شكيمته في النهي عن ~~مشابهة الكفار والأعاجم ثم ما كان عمر قد ms105 قرره من PageV01P128 السنن ~~والأحكام والحدود فعثمان رضي الله عنه أقر ما فعله عمر وجرى على سنته في ~~ذلك فقد علم موافقة عثمان لعمر في هذا الباب # وروى سعيد في سننه حدثنا هشيم عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن سعيد بن ~~وهب عن أبيه قال خرج علي رضي الله عنه فرأى قوما قد سدلوا فقال ما لهم ~~كأنهم اليهود خرجوا من فهورهم ورواه ابن المبارك وحفص بن غياث عن خالد # وفيه أنه رأى قوما قد سدلوا في الصلاة فقال كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم ~~وقد روينا عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يكرهان السدل في الصلاة # وقد روى أبو داود عن سليمان الأحول وعسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل ~~فاه ومنهم من رواه عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا لكن قال هشيم ~~حدثنا عامر الأحول قال سألت عطاء عن السدل في الصلاة فكرهه فقلت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال عن النبي صلى الله عليه وسلم والتابعي إذا أفتى بما ~~رواه دل على ثبوته عنده # لكن قد روي عن عطاء من وجوه جيدة أنه كان لا يرى بالسدل بأسا وأنه كان ~~يصلي سادلا فلعل هذا كان قبل أن يبلغه الحديث ثم لما بلغه رجع أو لعله نسي ~~الحديث والمسألة مشهورة وهو عمل الراوي بخلاف روايته هل يقدح في روايته # والمشهور عن أحمد وأكثر العلماء أنه لا يقدح فيها لما تحتمله المخالفة من ~~وجوه غير ضعف الحديث PageV01P129 # وقد روى عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن يحيى بن أبي كثير عن أبي عبيدة بن ~~عبد الله بن مسعود أن أباه كره السدل في الصلاة قال أبو عبيدة وكان أبي ~~يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه # وأكثر العلماء يكرهون السدل مطلقا وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والمشهور ~~عن أحمد # وعنه أنه إنما يكره فوق الإزار دون القميص ms106 توفيقا بين الآثار في ذلك ~~وحملا للنهي عن لباسهم المعتاد # ثم اختلف هل السدل محرم يبطل الصلاة # فقال ابن أبي موسى فإن صلى سادلا ففي الإعادة روايتان أظهرهما لا يعيد # وقال أبو بكر عبد العزيز إن لم تبد عورته فلا يعيد باتفاق ومنهم من لم ~~يكره السدل وهو قول مالك وغيره # والسدل المذكور هو أن يطرح الثوب على إحدى كتفيه ولا يرد أحد طرفيه على ~~كتفه الأخرى هذا هو المنصوص عن أحمد وعلله بأنه فعل اليهود # وقال أحمد بن حنبل قال أبو عبد الله والسدل أن يسدل أحد طرفي الإزار ولا ~~ينعطف به عليه وهو لبس اليهود وهو على الثوب وغيره مكروه في الصلاة # وقال صالح بن أحمد سألت أبي عن السدل في الصلاة فقال يلبس الثوب فإذا لم ~~يطرح أحد طرفيه على الآخر فهو السدل وهذا هو الذي عليه عامة العلماء # وأما ما ذكره أبو الحسن الآمدي وابن عقيل من أن السدل هو إسبال الثوب ~~بحيث ينزل عن قدميه يجره فيكون هو إسبال الثوب وحره المنهي عنه فغلط مخالف ~~لعامة العلماء وإن كان الإسبال والجر منهيا عنه بالاتفاق والأحاديث فيه ~~أكثر وهو محرم على الصحيح لكن ليس هو السدل PageV01P130 # وليس الغرض هنا عين هذه المسألة وإنما الغرض أن عليا رضي الله عنه شبه ~~السادلين باليهود مبينا بذلك كراهة فعلهم # فعلم أن مشابهة اليهود أمر كان قد استقر عندهم كراهته # وفهر اليهود بضم الفاء مدراسهم وأصلها بهرو هي عبرانية فعربت هكذا ذكره ~~الجوهري وكذلك ذكر ابن فارس وغيره أن فهر اليهود مدراسهم وفي كتاب العين عن ~~الخليل بن أحمد أن فهر اليهود مدراسهم # وسنذكر عن علي رضي الله عنه من كراهية التكلم بكلامهم ما يؤيد هذا # وأما ما في الحديث المذكور من النهي عن تغطية الفم فقد علله بعضهم بأنه ~~فعل المجوس عند نيرانهم التي يعبدونها فعلى هذا تظهر مناسبة الجمع بين ~~النهي عن السدل وعن تغطية الفم بما في كل منهما من مشابهة الكفار مع أن في ~~كل منهما ms107 معنى آخر يوجب الكراهة ولا محذور في تعليل الحكم بعلتين # فهذا عن الخلفاء الراشدين # وأما سائر الصحابة رضي الله عنهم فكثير مثل ما قدمناه عن حذيفة بن اليمان ~~أنه لما دعي إلى وليمة فرأى شيئا من زي العجم خرج وقال من تشبه بقوم فهو ~~منهم # وروى أبو محمد الخلال بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ~~سأله رجل أحتقن قال احتقن لا تبد العورة ولا تستن بسنة المشركين # قوله لا تستن بسنة المشركين عام # وقال أبو داود حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا الحجاج بن ~~حسان قال دخلنا على أنس بن مالك فحدثني أخي المغيرة قال وأنت PageV01P131 ~~يومئذ غلام ولك قرنان أو قصتان فمسح رأسك وبرك عليك وقال احلقوا هذين أو ~~قصوهما فإن هذا زي اليهود # علل النهي عنهما بأن ذلك زي اليهود وتعليل النهي بعلة يوجب أن تكون العلة ~~مكروهة مطلوبا عدمها فعلم أن زي اليهود حتى في الشعر مما يطلب عدمه وهو ~~المقصود # وروى ابن أبي عاصم حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد الواسطي عن عمران بن ~~حدير عن أبي مجلز أن معاوية قال إن تسوية القبور من السنة وقد رفعت اليهود ~~والنصارى فلا تشبهوا بهم يشير معاوية إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن فضالة ~~بن عبيد أنه أمر بقبر فسوي ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر ~~بتسويتها رواه مسلم # وعن أبي الهياج الأسدي عن علي أيضا قال أمرني النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته رواه مسلم # وسنذكر إن شاء الله تعالى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال من بنى ~~ببلاد المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة # وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها كرهت الاختصار في الصلاة وقالت لا ~~تشبهوا باليهود هكذا رواه بهذا اللفظ سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية حدثنا ~~الأعمش عن مسلم عن مسروق عن ms108 عائشة وقد تقدم من رواية البخاري في المرفوعات # وروى سعيد حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب ~~قال دخلت مع ابن عمر مسجدا بالجحفة فنظر إلى شرفات فخرج إلى موضع فصلى فيه ~~ثم قال لصاحب المسجد إني رأيت في مسجدك هذا يعني الشرفات شبهتها بأنصاب ~~الجاهلية فمر بها أن تكسر PageV01P132 # وروى سعيد أيضا عن ابن مسعود أنه كان يكره الصلاة في الطاق وقال إنه من ~~الكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب # وعن عبيد بن أبي الجعد قال كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون إن ~~من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المسجد يعني الطاقات # وهذا الباب فيه كثرة عن الصحابة # وهذه القضايا التي ذكرناها بعضها في مظنة الاشتهار وما علمنا أحدا خالف ~~ما ذكرناه عن الصحابة رضي الله عنهم من كراهة التشبه بالكفار والأعاجم في ~~الجملة وإن كان بعض هذه المسائل المعينة فيها خلاف وتأويل ليس هذا موضعه # وهذا كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة وإن كان قد يختلف في بعض ~~أعيان المسائل لتأويل # فعلم اتفاقهم على كراهة التشبه بالكفار والأعاجم # الوجه الثالث في تقرير الإجماع ما ذكره عامة علماء الإسلام من المتقدمين ~~والائمة المتبوعين وأصحابهم في تعليل النهي عن أشياء بمخالفة الكفار أو ~~مخالفة الأعاجم وهو أكثر من أن يمكن استقصاؤه وما من أحد له أدنى نظر في ~~الفقه إلا وقد بلغه من ذلك طائفة وهذا بعد التأمل والنظر يورث علما ضروريا ~~باتفاق الأئمة على النهي عن موافقة الكفار والأعاجم والأمر بمخالفتهم # وأنا أذكر من ذلك نكتا في مذاهب الأئمة المتبوعين اليوم مع ما تقدم في ~~أثناء الكلام عن غير واحد من العلماء # فمن ذلك أن الأصل المستقر عليه الأمر في مذهب أبي حنيفة أن تأخير الصلوات ~~أفضل من تعجيلها إلا في مواضع يستثنونها كاستثناء يوم الغيم وكتعجيل الظهر ~~في الشتاء وإن كان غيرهم من العلماء يقول إن الأصل أن التعجيل أفضل ~~فيستحبون التأخير للفجر والعصر والعشاء والظهر إلا في الشتاء ms109 في غير الغيم ~~PageV01P133 ثم قالوا يستحب تعجيل المغرب لأن تأخيرها مكروه لما فيه من ~~التشبه باليهود وهذا أيضا قول سائر الأئمة وهذه العلة منصوصة كما تقدم # وقالوا أيضا يكره السجود في الطاق لأنه يشبه صنيع أهل الكتاب من حيث ~~تخصيص الإمام بالمكان بخلاف ما إذا كان سجوده في الطاق وهذا أيضا ظاهر مذهب ~~أحمد وغيره وفيه آثار صحيحة عن الصحابة ابن مسعود وغيره # وقالوا لا بأس أن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق لأنهما لا يعبدان ~~وباعتباره تثبت الكراهة إلى غيرهما ولا بأس أن يصلي على بساط فيه تصاوير ~~لأن فيه استهانة بالصورة ولا يسجد على الصورة لأنه يشبه عبادة الصور وأطلق ~~الكراهة في الأصل لأن المصلى معظم لله # قالوا ولو لبس ثوبا فيه تصاوير كره لأنه يشبه حامل الصنم ولا يكره تماثيل ~~غير ذي روح لأنها لا تعبد # وقالوا أيضا إن صام يوم الشك ينوى أنه من رمضان كره لأنه تشبه بأهل ~~الكتاب لأنهم زادوا في مدة صومهم # وقالوا أيضا فإذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه على هيئتهم حتى ~~يأتوا مزدلفة لأن فيه إظهار مخالفة المشركين # وقالوا أيضا لا يجوز الأكل والشرب والأدهان والتطيب في آنية الذهب والفضة ~~للرجال والنساء للنصوص ولأنه تشبه بزي المشركين وتنعم بتنعم المترفين ~~والمسرفين # وقالوا في تعليل المنع من لباس الحرير في حجة أبي يوسف ومحمد على أبي ~~حنيفة في المنع من افتراشه وتعليقه والستر به لأنه من زي الأكاسرة ~~والجبابرة والتشبه بهم حرام قال عمر إياكم وزي الأعاجم # وقال محمد في الجامع الصغير ولا يتختم إلا بالفضة PageV01P134 # قالوا وهذا نص على أن التختم بالحجر والحديد والصفر حرام للحديث المأثور ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على رجل خاتم أصفر فقال مالي أجد منك ريح ~~الأصنام ورأى على آخر خاتم من حديد فقال مالي أرى عليك حلية أهل النار ومثل ~~هذا كثير في مذهب أبي حنيفة وأصحابه # وأما مذهب مالك وأصحابه ففيه ما هو أكثر من ذلك حتى قال مالك ms110 فيما رواه ~~ابن القاسم في المدونة لا يحرم بالأعجمية ولا يدعوا بها ولا يحلف قال ونهى ~~عمر رضي الله عنه عن رطانة الأعاجم وقال إنها خب قال وأكره الصلاة إلى حجر ~~منفرد في الطريق وأما أحجار كثيرة فجائز # قال ويكره ترك العمل يوم الجمعة كفعل أهل الكتاب يوم السبت والأحد # قال ويقال من تعظيم الله تعظيم ذي الشيبة المسلم قيل فالرجل يقوم للرجل ~~له الفضل والفقه قال أكره ذلك ولا بأس بأن يوسع له في مجلسه قال وقيام ~~المرأة لزوجها حتى يجلس من فعل الجبابرة وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا ~~طلع قاموا فليس هذا من فعل الإسلام وهو فيما ينهى عنه من التشبه بأهل ~~الكتاب والأعاجم وفيما ليس من عمل المسلمين أشد من عمل الكوفيين وأبلغ مع ~~أن الكوفيين يبالغون في هذا الباب حتى تكلم أصحاب أبي حنيفة في تكفير من ~~تشبه بالكفار في لباسهم وأعيادهم # وقال بعض أصحاب مالك من ذبح بطيخة في أعيادهم فكأنما ذبح خنزيرا # وكذلك أصحاب الشافعي ذكروا هذا الأصل في غير موضع من مسائلهم كما جاءت به ~~الآثار كما ذكر غيرهم من العلماء مثل ما ذكروه في النهي عن الصلاة في ~~الأوقات المنهي عن الصلاة فيها مثل طلوع الشمس وغروبها PageV01P135 # ذكروا تعليل ذلك بأن المشركين يسجدون للشمس حينئذ كما في الحديث إنها ~~ساعة يسجد لها الكفار # وذكروا في السحور وتأخيره أن ذلك فرق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب # وذكروا في اللباس النهي عما فيه تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء ~~بالرجال # وذكروا أيضا ما جاء من أن المشركين كانوا يقفون بعرفات إلى اصفرار الشمس ~~ويفيضون من جمع بعد طلوع الشمس وأن السنة جاءت بمخالفة المشركين في ذلك ~~بالتعريف إلى الغروب والوقوف بجمع إلى قبيل طلوع الشمس كما جاء في الحديث ~~خالفوا المشركين وخالف هدينا هدي المشركين # وذكروه أيضا في الشروط على أهل الذمة منعهم من التشبه بالمسلمين في ~~لباسهم وغيره مما يتضمن منع المسلمين أيضا من مشابهتهم في ذلك تفريقا بين ~~علامة المسلمين وعلامة الكفار # وبالغ ms111 طائفة منهم فنهوا عن التشبه بأهل البدع مما كان شعارا لهم وإن كان ~~في الأصل مسنونا كما ذكره طائفة منهم في تسنيم القبور فإن مذهب الشافعي أن ~~الأفضل تسطيحها ومذهب أحمد وأبي حنيفة أن الأفضل تسنيمها ثم قال طائفة من ~~أصحاب الشافعي بل ينبغي تسنيمها في هذه الأوقات لأن شعار الرافضة اليوم ~~تسطيحها ففي تسطيحها تشبه بهم فيماهو شعار لهم # وقالت طائفة بل نحن نسطحها فإذا سطحناها لم يكن تسطيحها شعار لهم # واتفقت الطائفتان على أن النهي عن التشبه بأهل البدع فيما هو شعار لهم ~~وإنما تنازعوا في أن التسطيح هل يحصل به ذلك أم لا # فإذا كان هذا في التشبه بأهل البدع فكيف بالكفار # وأما كلام أحمد وأصحابه في ذلك فكثير جدا أكثر من أن يحصر وقد قدمنا منه ~~طائفة من كلامه عند ذكر النصوص عند قوله صلى الله عليه وسلم من تشبه بقوم ~~فهو منهم وقوله أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى لا تشبهوا بالمشركين وقوله إنها ~~لهم في الدنيا ولكم في الآخرة PageV01P136 # مثل قول أحمد ما أحب لأحد أن يغير الشيب لا يتشبه بأهل الكتاب # وقال لبعض أصحابه أحب إليك أن تخضب ولا تشبه باليهود وكره حلق القفا وقال ~~هو من فعل المجوس وقال من تشبه بقوم فهو منهم # وقال أكره النعل الصرار وهو من زي العجم # وكره تسمية الشهور بالعجمية والأشخاص بالأسماء الفارسية مثل آذرماه وقال ~~للذي دعاه زي المجوس ونفض يده في وجهه وهذا كثير في نصوصه لا ينحصر # وقال حرب الكرماني قلت لأحمد الرجل يشد وسطه بحبل ويصلي قال على القباء ~~لا بأس به وكرهه على القميص وذهب إلى أنه من اليهود فذكرت له السفر وأنا ~~نشد ذلك على أوساطنا فرخص فيه قليلا وأما المنطقة والعمامة ونحو ذلك فلم ~~يكرهه إنما كره الخيط وقال هو أشنع # قلت وكذلك كره أصحابه أن يشد وسطه على الوجه الذي يشبه فعل أهل الكتاب ~~فأما ما سوى ذلك فإنه لا يكره في الصلاة على الصحيح المنصوص بل يؤمر من صلى ms112 ~~في قميص واسع الجيب أن يحتزم كما جاء في الحديث لئلا يرى عورة نفسه # وقال الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد وغيره منهم القاضي أبو يعلى وابن عقيل ~~والشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلي وغيرهم في أصناف اللباس وأقسامه ومن ~~اللباس المكروه ما خالف زي العرب واشبه زي الأعاجم وعادتهم ولفظ عبد القادر ~~ويكره كل ما خالف زي العرب وشابه زي الأعاجم # وقال أيضا اصحاب أحمد وغيرهم منهم أبو الحسن الآمدي المعروف بابن ~~البغدادي وأظنه نقله أيضا عن أبي عبد الله بن حامد ولا يكره غسل اليدين في ~~الإناء الذي لا أكل فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وقد PageV01P137 ~~نص أحمد على ذلك وقال لم يزل العلماء يفعلون ذلك ونحن نفعله وإنما تنكره ~~العامة وغسل اليدين بعد الطعام مسنون رواية واحدة # وإذا قدم ما يغسل فيه اليد فلا يرفع حتى يغسل الجماعة أيديهم لأن الرفع ~~من زي الأعاجم # وكذلك قال الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلي ويستحب أن يجعل ماء اليد في ~~طشت واحدة لما روي في الخبر لا تبددوا يبدد الله شملكم وروي أنه صلى الله ~~عليه وسلم نهى أن يرفع الطشت حتى يطف يعني يمتلئ # وقالوا أيضا ومنهم أبو محمد عبد القادر في تعليل كراهة حلق الرأس على ~~إحدى الروايتين لأن في ذلك تشبها بالأعاجم وقال صلى الله عليه وسلم من تشبه ~~بقوم فهو منهم # بل قد ذكر طوائف من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما كراهة أشياء ~~لما فيها من التشبه بأهل البدع مثل ما قال غير واحد من الطائفتين ومنهم عبد ~~القادر ويستحب أن يتختم في يساره للآثار ولأن خلاف ذلك عادة وشعار للمبتدعة # وحتى إن طوائف من أصحاب الشافعي يستحبون تسنيم القبور وإن كانت السنة ~~عندهم تسطيحها # قالوا لأن ذلك صار شعار المبتدعة # وليس الغرض هنا تقرير أعيان هذه المسائل ولا الكلام على ما قيل فيها بنفي ~~ولا إثبات وإنما الغرض بيان ما اتفقت عليه العلماء من كراهة التشبه بغير ~~أهل الإسلام # وقد يتردد ms113 العلماء في بعض فروع هذه القاعدة لتعارض الأدلة فيها أو لعدم ~~اعتقاد بعضهم اندراجه في هذه القاعدة مثل ما نقله الأثرم قال PageV01P138 ~~سمعت أبا عبد الله يسأل عن لبس الحرير في الحرب فقال أرجو أن لا يكون به ~~بأس قال وسمعت أبا عبد الله يسأل عن المنطقة والحلية فيها فقال أما المنطقة ~~فقد كرهها قوم يقولون هي زي الأعاجم وكانوا يحتجزون العمائم # وهذا إنما علق القول فيه لأن في المنطقة منفعة عارضت ما فيها من التشبه # ونقل عن بعض السلف أنه كان يتمنطق فلهذا حكى الكلام عن غيره وأمسك ومثل ~~هذا هل يجعل قولا له إذا سئل عن مسألة فحكى فيها جواب غيره ولم يردفه ~~بموافقة ولا مخالفة فيه لأصحابه وجهان # أحدهما نعم لأنه لولا موافقته له لكان قد أجاب السائل بغيره لأنه إنما ~~سأله عن قوله ولم يسأله أن يحكي له مذهب الناس # والثاني لا يجعل بمجرد ذلك قولا له لأنه إنما حكاه فقط ومجرد الحكاية لا ~~يدل على الموافقة وفي لبس المنطقة أثر وكلام ليس هذا موضعه # ولمثل هذا تردد كلامه في القوس الفارسية فقال الأثرم سألت أبا عبد الله ~~عن القوس الفارسية فقال إنما كانت قسي الناس العربية ثم قال إن بعض الناس ~~احتج بحديث عمر رضي الله عنه جعاب وأدم # قلت حديث أبي عمرو بن حماس قال نعم قال أبو عبد الله يقول فلا تكون جعبة ~~إلا للفارسية والنبل فإنما هو قرن # قال الأثرم قلت لأبي عبد الله في تفسير مجاهد @QB@ قلوبنا في أكنة @QE@ ~~قال كالجعبة للنبل قال فإن كان يسمى جعبة لنبل فليس ما احتج به الذي قال ~~هذا بشيء # ثم قال ينبغي أن يسأل عن هذا أهل العربية # قال أبو بكر قيل لأبي عبد الله الدراعة يكون لها فرج فقال كان لخالد بن ~~معدان دراعة لها فرج من بين يديها قدر ذراع قيل لأبي عبد الله فيكون لها ~~فرج من خلفها قال ما أدري أما من بين يديها فقد سمعت من خلفها فلم أسمع ms114 قال ~~إلا أن في ذلك سعة له عند الركوب ومنفعة PageV01P139 # قال وقد احتج بعض الناس في هذا بقوله تعالى @QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم ~~من قوة @QE@ ثم قال الأثرم قلت لأبي عبد الله واحتج بهذه الآية بعض الناس ~~في القوس الفارسية ثم قلت إن أهل خراسان يزعمون أنه لا منفعة لهم في القوس ~~العربية وإنما النكاية عندهم للفارسية قال كيف وإنما فتحت الدنيا بالعربية ~~قال الأثرم قلت لأبي عبد الله ورأيتهم بالثغر لا يكادون يعدلون بالفارسية ~~قال إنما رأيت الرجل بالشام متنكبا قوسا عربية # وروى الأثرم عن حفص بن عمر حدثنا رجاء بن مرجي حدثني عبد الله ابن بشر عن ~~أبي راشد الحبراني وأبي الحجاج السكسكي عن علي رضي الله عنه قال بينما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتوكأ على قوس له عربية إذ رأى رجلا معه قوس ~~فارسية فقال ألقها فهي ملعونة ولكن عليكم بالقسي العربية وبرماح الفنا فبها ~~يؤيد الله الدين وبها يمكن لكم في الأرض # ولأصحابنا في القوس الفارسية ونحوها كلام طويل ليس هذا موضعه # وإنما نبهت بذلك على أن مالم يكن من هدي المسلمين بل هو من هدي العجم أو ~~نحوهم وإن ظهرت فائدته ووضحت منفعته تراهم يترددون فيه ويختلفون لتعارض ~~الدليلين دليل ملازمة الهدي الأول ودليل استعمال هذا الذي فيه منفعة بلا ~~مضرة مع أنه ليس من العبادات ولا توابعها وإنما هو من الأمور الدنيوية ~~PageV01P140 # وأنت ترى عامة كلام أحمد إنما يثبت الرخصة بالأثر عن عمر أو بفعل خالد بن ~~معدان ليثبت بذلك أن ذلك كان يفعل على عهد السلف ويقرون عليه فيكون من هدي ~~المسلمين لا من هدي الأعاجم وأهل الكتاب # فهذا هو وجه الحجة لا أن مجرد فعل خالد بن معدان حجة # وأما ما في هذا الباب عن سائر أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وسائر ~~الفقهاء فأكثر من أن يمكن ذكر عشره # وقد قدمنا في أثناء الأحاديث كلام بعضهم الذي يدل على كلام الباقين وبدون ~~ما ذكرناه يعلم إجماع الأمة على كراهة التشبه ms115 بأهل الكتاب والأعاجم في ~~الجملة وإن كانوا قد يختلفون في بعض الفروع إما لاعتقاد بعضهم أنه ليس من ~~هدي الكفار أو لاعتقاد أن فيه دليلا راجحا أو لغير ذلك كما أنهم مجمعون على ~~اتباع الكتاب والسنة وإن كان قد يخالف بعضهم شيئا من ذلك بنوع تأويل والله ~~أعلم # | فصل # ومما يشبه الأمر بمخالفة الكفار الأمر بمخالفة الشياطين كما رواه مسلم في ~~صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يأكلن ~~أحدكم بشماله ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها وفي لفظ إذا ~~أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ~~ويشرب بشماله ورواه مسلم أيضا عن الليث عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بالشمال # فإنه علل النهي بالأكل والشرب بالشمال بأن الشيطان يفعل ذلك فعلم أن ~~مخالفة الشيطان أمر مقصود مأمور به ونظائره كثيرة PageV01P141 # وقريب من هذا مخالفة من لم يكمل دينه من الأعراب ونحوهم لأن كمال الدين ~~بالهجرة فكان من آمن ولم يهاجر من الأعراب ونحوهم ناقصا قال الله سبحانه ~~وتعالى @QB@ الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله ~~على رسوله والله عليم حكيم @QE@ # ومثل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم إلا إنها العشاء وهم ~~يعتمون بالإبل # وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يغلبنكم الأعراب على اسم ~~صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء فإنها تعتم بحلاب الإبل # ورواه البخاري عن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ~~تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب قال والأعراب تقول هي العشاء # فقد كره موافقة الأعراب في اسم المغرب والعشاء بالعشاء والعتمة # وهذه الكراهة عند بعض علمائنا تقتضي كراهة هذا الاسم مطلقا وعند بعضهم ~~إنما تقتضي كراهة ms116 الإكثار منه حتى يغلب على الاسم الآخر وهو المشهور عندنا # وعلى التقديرين ففي الحديث النهي عن موافقة الأعراب في ذلك كما نهى عن ~~موافقة الأعاجم # | فصل # واعلم أن بين التشبه بالكفار والشياطين وبين التشبه بالأعراب والأعاجم ~~فرقا يجب اعتباره وإجمالا يحتاج إلى تفسير # وذلك أن نفس الكفر والتشيطن مذموم في حكم الله ورسوله وعباده المؤمنين ~~ونفس الأعرابية والأعجمية ليست مذمومة في نفسها عند الله تعالى وعند رسوله ~~PageV01P142 وعند عباده المؤمنين بل الأعراب منقسمون إلى أهل جفاء قال الله ~~فيهم @QB@ الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على ~~رسوله والله عليم حكيم ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم ~~الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم @QE@ وقال تعالى فيهم @QB@ ~~سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ~~أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا بل ظننتم أن لن ينقلب ~~الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء ~~وكنتم قوما بورا @QE@ وإلى أهل إيمان وبر قال الله فيهم @QB@ ومن الأعراب ~~من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ~~ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم @QE@ # وقد كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن وفد عليه ومن غيرهم ~~من الأعراب من هو أفضل من كثير من القرويين # فهذا كتاب الله يحمد بعض الأعراب ويذم بعضهم وكذلك فعل بأهل الأمصار فقال ~~سبحانه @QB@ وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم @QE@ # فبين سبحانه أن المنافقين في الأعراب وذوي القرى وعامة السورة فيها الذم ~~للمنافقين من أهل المدينة ومن الأعراب كما فيها الثناء على السابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وعلى الأعراب الذين ~~يتخذون ما ms117 ينفقون قربات عند الله وصلوات الرسول # وكذلك العجم وهم من سوى العرب من الفرس والروم والترك والبربر والحبشة ~~وغيرهم ينقسمون إلى المؤمن والكافر والبر والفاجر كانقسام الأعراب ~~PageV01P143 قال الله تعالى @QB@ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم ~~خبير @QE@ # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إن الله قد أذهب عنكم ~~عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من ~~تراب # وفي حديث آخر رويناه بإسناد صحيح من حديث سعد الجريري عن أبي نضرة حدثني ~~أو قال حدثنا من شهد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى في وسط أيام ~~التشريق وهو على بعير فقال يا أيها الناس ألا إن ربكم عز وجل واحد ألا وإن ~~أباكم واحد ألا لافضل لعربي على عجمي ألا لا فضل لأسود على أحمر إلا ~~بالتقوى ألا قد بلغت قالوا نعم قال ليبلغ الشاهد الغائب وروى هذا الحديث عن ~~أبي نضرة عن جابر # وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال إن بني فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالحو المؤمنين # فأخبر صلى الله عليه وسلم عن بطن قريب النسب أنهم ليسوا بمجرد النسب ~~أولياءه إنما وليه الله وصالحو المؤمنين من جميع الأصناف # ومثل ذلك كثير بين في الكتاب والسنة أن العبرة بالأسماء التي حمدها الله ~~وذمها كالمؤمنين والكافرين والبر والفاجر والعالم والجاهل # ثم قد جاء الكتاب والسنة بمدح بعض الأعاجم قال تعالى @QB@ هو الذي بعث في ~~الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن ~~كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ~~@QE@ # وفي الصحيحين عن سالم أبي الغيث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كنا جلوسا ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة @QB@ وآخرين ~~منهم لما يلحقوا بهم @QE@ قال قائل من هم ms118 يا رسول الله فلم يراجعه حتى سأل ~~ثلاثا PageV01P144 وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يده على سلمان الفارسي ثم قال لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من ~~هؤلاء # وفي صحيح مسلم عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس أو قال من أبناء ~~فارس حتى يتناوله # وفي رواية لو كان العلم عند الثريا لتناوله رجال من أبناء فارس # وقد روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ~~@QB@ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم @QE@ أنهم من أبناء فارس إلى غير ذلك من ~~آثار رويت في فضل رجال من أبناء فارس # ومصداق ذلك ما وجد في التابعين ومن بعدهم من أبناء فارس الأحرار والموالي ~~مثل الحسن وابن سيرين وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم إلى من وجد بعد ذلك فيهم ~~من المبرزين في الإيمان والدين والعلم حتى صار هؤلاء المبرزون أفضل من أكثر ~~العرب # وكذلك في سائر أصناف العجم من الحبشة والروم والترك وغيرهم سابقون في ~~الإيمان والدين لا يحصون كثرة على ما هو معروف عند العلماء إذ الفضل ~~الحقيقي هو اتباع ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من الإيمان ~~والعلم باطنا وظاهرا فكل من كان فيه أمكن كان أفضل والفضل إنما هو بالأسماء ~~المحمودة في الكتاب والسنة مثل الإسلام والإيمان والبر والتقوى والعلم ~~والعمل الصالح والإحسان ونحو ذلك لا بمجرد كون الإنسان عربيا أو عجميا أو ~~أسود أو أبيض ولا بكونه قرويا أو بدويا # وإنما وجه النهي عن مشابهة الأعراب والأعاجم مع ما ذكرناه من الفضل فيهم ~~وعدم العبرة بالنسب والمكان مبني على أصل # وذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل سكنى القرى يقتضي من كمال الإنسان ~~PageV01P145 في العلم والدين ورقة القلوب مالا يقتضيه سكنى البادية كما أن ~~البادية توجب من صلابة البدن والخلق ومتانة الكلام مالا يكون في القرى هذا ~~هو الأصل ms119 وإن جاز تخلف هذا المقتضى لمانع وكانت البادية أحيانا أنفع من ~~القرى ولذلك جعل الله الرسل من أهل القرى فقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى @QE@ وذلك لأن الرسل لهم الكمال في ~~عامة الأمور حتى في النسب ولهذا قال الله سبحانه @QB@ الأعراب أشد كفرا ~~ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله @QE@ ذكر هذا بعد ~~قوله @QB@ إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ~~قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ~~ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون سيحلفون ~~بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم ~~جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن ~~الله لا يرضى عن القوم الفاسقين الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا ~~حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم @QE@ # فلما ذكر الله المنافقين الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~التخلف عن الجهاد في غزوة تبوك وذمهم وهؤلاء كانوا من أهل المدينة قال ~~سبحانه @QB@ الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله ~~على رسوله @QE@ فإن الخير كله أصله وفصله منحصر في العلم والإيمان كما قال ~~سبحانه @QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان @QE@ وضد الإيمان إما ~~الكفر الظاهر أو النفاق الباطن ونقيض العلم عدمه # فقال سبحانه عن الأعراب إنهم أشد كفرا ونفاقا من أهل المدينة وأحرى منهم ~~أن لا يعلموا حدود الكتاب والسنة والحدود هي حدود الأسماء PageV01P146 ~~المذكورة فيما أنزل الله من الكتاب والحكمة مثل حدود الصلاة والزكاة والصوم ~~والحج والمؤمن والكافر والزاني والسارق والشارب وغير ذلك حتى يعرف من الذي ~~يستحق ذلك الاسم الشرعي ممن لا يستحقه وما تستحقه مسميات تلك الأسماء من ms120 ~~الأحكام # ولهذا روى أبو داود وغيره من حديث الثوري حدثني أبو موسى عن وهب بن منبه ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سفيان مرة ولا ~~أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سكن البادية جفا ومن اتبع ~~الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن # ورواه أبو داود أيضا من حديث الحسن بن الحكم النخعي عن عدي بن ثابت عن ~~شيخ من الأنصار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمعناه وقال ومن لزم السلطان افتتن وزاد وما ازداد عبد من السلطان دنوا إلا ~~ازداد من الله عز وجل بعدا # ولهذا كانوا يقولون لمن يستغلظونه إنك لأعرابي جاف إنك لجلف جاف يشيرون ~~إلى غلظ عقله وخلقه # ثم لفظ الأعراب هو في الأصل اسم لبادية العرب فإن كل أمة لها حاضرة ~~وبادية فبادية العرب الأعراب ويقال إن بادية الروم الأرمن ونحوهم وبادية ~~الفرس الأكراد ونحوهم وبادية الترك التتار ونحوهم # وهذا والله أعلم هو الأصل وإن كان قد يقع فيه زيادة ونقصان # والتحقيق أن سكان البوادي لهم حكم الأعراب سواء دخلوا في لفظ الأعراب أم ~~لم يدخلوا فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية وإن ~~كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة مثلا # ويقتضي أن ما انفرد به أهل البادية عن جميع جنس الحاضرة أعني في زمن ~~السلف من الصحابة والتابعين فهو ناقص عن فضل الحاضرة أو مكروه PageV01P147 # فإذا وقع التشبه بهم فيما ليس من فعل الحاضرة المهاجرين كان ذلك إما ~~مكروها أو مفضيا إلى المكروه وعلى هذا القول في العرب والعجم # فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم ~~عبرانيهم وسريانيهم رومهم وفرسهم وغيرهم وأن قريشا أفضل العرب وأن بني هاشم ~~أفضل قريش وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم فهو أفضل الخلق ~~نفسا وافضلهم نسبا # وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم ms121 بمجرد كون النبي صلى الله عليه وسلم ~~منهم وإن كان هذا من الفضل بل هم في أنفسهم أفضل وبذلك ثبت لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه أفضل نفسا ونسبا وإلا لزم الدور # ولهذا ذكر أبو محمد حرب بن إسماعيل بن خلف الكرماني صاحب الإمام أحمد في ~~وصفه للسنة التي قال فيها هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة ~~المعروفين بها المقتدى بهم فيها وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق ~~والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو ~~عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق وهو ~~مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن ~~منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم # فكان من قولهم أن الإيمان قول وعمل ونية وساق كلاما طويلا إلى أن قال ~~ونعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ونحبهم لحديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حب العرب إيمان وبغضهم نفاق ولا نقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي ~~الذين لا يحبون العرب ولا يقرون بفضلهم فإن قولهم بدعة وخلاف # ويروون هذا الكلام عن أحمد نفسه في رسالة أحمد بن سعيد الأصطخري عنه إن ~~صحت وهو قوله وقول عامة أهل العلم PageV01P148 # وذهبت فرقة من الناس إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم وهؤلاء ~~يسمون الشعوبية لانتصارهم للشعوب التي هي مغايرة للقبائل كما قيل القبائل ~~للعرب والشعوب للعجم # ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب # والغالب أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عن نوع نفاق إما في الإعتقاد وإما ~~في العمل المنبعث عن هوى النفس مع شبهات اقتضت ذلك ولهذا جاء في الحديث حب ~~العرب إيمان وبغضهم نفاق مع أن الكلام في هذه المسائل لا يكاد يخلو عن هوى ~~للنفس ونصيب للشيطان من الطرفين وهذا محرم في جميع المسائل PageV01P149 # فإن الله قد أمر المؤمنين بالاعتصام بحبل الله جميعا ونهاهم عن التفرق ~~والاختلاف وأمر بإصلاح ذات ms122 البين وقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ~~المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو ~~تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر وقال صلى الله عليه وسلم لا تقاطعوا ولا ~~تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله ~~وهذان حديثان صحيحان وفي الباب من نصوص الكتاب والسنة مالا يحصى # والدليل على فضل جنس العرب ثم جنس قريش ثم جنس بني هاشم ما رواه الترمذي ~~من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن ~~العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله إن قريشا جلسوا ~~فتذاكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مثلك كمثل PageV01P150 نخلة في كبوة من ~~الأرض فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق الخلق فجعلني من خير ~~فرقهم ثم خير القبائل فجعلني في خير قبيلة ثم خير البيوت فجعلني في خير ~~بيوتهم فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا قال الترمذي هذا حديث حسن وعبد الله بن ~~الحارث هو ابن نوفل # الكبا بالكسر والقصر والكبة الكناسة والتراب الذي يكنس من البيت وفي ~~الحديث الكبوة وهي مثل الكبة # والمعنى أن النخلة طيبة في نفسها وإن كان أصلها ليس بذاك فأخبر صلى الله ~~عليه وسلم أنه خير الناس نفسا ونسبا # وروى الترمذي أيضا من حديث الثوري عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله ابن ~~الحارث عن المطلب بن أبي وداعة قال جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكأنه سمع شيئا فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال من أنا ~~فقالوا أنت رسول الله صلى الله عليك وسلم قال أنا محمد بن عبد الله بن عبد ~~المطلب ثم قال إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم ثم جعلهم فرقتين فجعلني ~~في خير فرقة ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ثم جعلهم بيوتا فجعلني ~~في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا قال الترمذي هذا حديث حسن كذا وجدته في الكتاب ms123 ~~وصوابه فأنا خيرهم بيتا وخيرهم نفسا # وقد روى أحمد هذا الحديث في المسند من حديث الثوري عن يزيد بن أبي زياد ~~عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن أبي وداعة قال قال العباس رضي ~~الله عنه بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما يقول الناس قال فصعد المنبر فقال ~~من أنا قالوا أنت رسول الله فقال أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن ~~الله خلق الخلق فجعلني من خير خلقه وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة وخلق ~~القبائل فجعلني في خير قبيلة وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا فأنا خيركم ~~بيتا وخيركم نفسا PageV01P151 # أخبر صلى الله عليه وسلم أنه ما انقسم الخلق فريقين إلا كان هو في خير ~~الفريقين # وكذلك جاء حديث بهذا اللفظ # وقوله في الحديث خلق الخلق فجعلني في خيرهم ثم خيرهم فجعلهم فرقتين ~~فجعلني في خير فرقة يحتمل شيئين # أحدهما أن الخلق هم الثقلان أو هم جميع ما خلق في الأرض وبنو آدم خيرهم ~~وإن قيل بعموم الخلق حتى يدخل فيه الملائكة فكان فيه تفضيل جنس بني آدم على ~~جنس الملائكة وله وجه صحيح # ثم جعل بني آدم فرقتين والفرقتان العرب والعجم ثم جعل العرب قبائل فكانت ~~قريش أفضل قبائل العرب ثم جعل قريشا بيوتا فكانت بنو هاشم أفضل البيوت # ويحتمل أنه أراد بالخلق بني آدم فكان في خيرهم أي ولد إبراهيم أو في ~~العرب ثم جعل بني إبراهيم فرقتين بني إسماعيل وبني إسحاق أو جعل العرب ~~عدنان وقحطان فجعلني في بني إسماعيل أو بني عدنان ثم جعل بني إسماعيل أو ~~بني عدنان قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة وهم قريش # وعلى كل تقدير فالحديث صريح في تفضيل العرب على غيرهم # وقد بين صلى الله عليه وسلم أن هذا التفضيل يوجب المحبة لبني هاشم ثم ~~لقريش ثم للعرب # فروى الترمذي من حديث أبي عوانة عن يزيد بن أبي زياد أيضا عن عبد الله بن ~~الحرث حدثني المطلب بن أبي ربيعة بن الحرث بن ms124 عبد المطلب أن العباس بن عبد ~~المطلب دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا وأنا عنده فقال ما ~~أغضبك فقال يا رسول الله ما لنا ولقريش إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه ~~مبشرة وإذا لقونا لقونا بغير ذلك قال فغضب رسول الله PageV01P152 صلى الله ~~عليه وسلم حتى احمر وجهه ثم قال والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان ~~حتى يحبكم لله ولرسوله ثم قال أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني فإنما عم ~~الرجل صنو أبيه قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ورواه أحمد في المسند مثل ~~هذا من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد هذا ورواه أيضا من حديث جرير عن ~~يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحرث بن عبد المطلب بن ربيعة قال دخل ~~العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنا لنخرج فنرى ~~قريشا تتحدث فإذا رأونا سكتوا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق ~~بين عينيه ثم قال والله لا يدخل قلب امرئ إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي # فقد كان عند يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحرث هذان الحديثان # أحدهما في فضل القبيل الذي منه رسول الله صلى الله عليه وسلم # والثاني في محبتهم وكلاهما رواه عنه إسماعيل بن أبي خالد # وما فيه من كون عبد الله بن الحرث يروي الأول تارة عن العباس وتارة عن ~~المطلب بن أبي وداعة ويروي الثاني عن عبد المطلب بن ربيعة وهو ابن الحرث بن ~~عبد المطلب وهو من الصحابة قد يظن أن هذا اضطراب في الأسماء من جهة يزيد ~~وليس هذا موضع الكلام فيه فإن الحجة قائمة بالحديث على كل تقدير لا سيما ~~وله شواهد تؤيد معناه # ومثله أيضا في المسألة ما رواه أحمد ومسلم والترمذي من حديث الأوزاعي عن ~~شداد بن عمار عن واثلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى ms125 قريشا من كنانة واصطفى من ~~قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم هكذا رواه الوليد وأبو المغيرة عن ~~الأوزاعي # ورواه أحمد والترمذي من حديث محمد بن مصعب عن الأوزاعي ولفظه PageV01P153 ~~إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة ~~الحديث وقال الترمذي هذا حديث صحيح # وهذا يقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم فيقتضي أنهم أفضل من ولد ~~إسحق ومعلوم أن ولد إسحق الذين هم بنو إسرائيل أفضل العجم لما فيهم من ~~النبوة والكتاب فمتى ثبت الفضل على هؤلاء فعلى غيرهم بطريق الأولى وهذا جيد ~~إلا أن يقال الحديث يقتضي أن إسماعيل هو المصطفى من ولد إبراهيم وأن بني ~~كنانة هم المصطفون من ولد إسماعيل وليس فيه ما يقتضي أن ولد إسماعيل أيضا ~~مصطفون على غيرهم إذ كان أبوهم مصطفى وبعضهم مصطفى على بعض # فيقال لو لم يكن هذا مقصودا في الحديث لم يكن لذكر اصطفاء إسماعيل فائدة ~~إذ كان لم يدل على اصطفائه ذريته إذ يكون على هذا التقدير لا فرق بين ذكر ~~إسماعيل وذكر إسحق # ثم هذا منضما إلى بقية الأحاديث دليل على أن المعنى في جميعها واحد # واعلم أن الأحاديث في فضل قريش ثم في فضل بني هاشم فيها كثرة وليس هذا ~~موضعها وهي تدل أيضا على ذلك إذ نسبة قريش إلى العرب كنسبة العرب إلى الناس ~~وهكذا جاءت الشريعة كما سنومئ إلى بعضه # فإن الله تعالى خص العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها ثم خص قريشا على سائر ~~العرب بما جعل فيهم من خلافة النبوة وغير ذلك من الخصائص ثم خص بني هاشم ~~بتحريم الصدقة واستحقاق قسط من الفيء إلى غير ذلك من الخصائص فأعطى الله ~~سبحانه كل درجة من الفضل بحسبها والله عليم حكيم @QB@ الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا ومن الناس @QE@ و @QB@ الله أعلم حيث يجعل رسالته @QE@ # وقد قال الناس في قوله تعالى @QB@ وإنه لذكر لك ولقومك @QE@ وفي ~~PageV01P154 قوله @QB@ لقد جاءكم رسول من أنفسكم @QE@ أشياء ليس هذا موضعها # ومن الأحاديث التي تذكر ms126 في هذا المعنى ما رويناه من طرق معروفة إلى محمد ~~بن إسحاق الصنعاني # حدثنا عبد الله بن بكر السهمي حدثنا يزيد بن عوانة عن محمد بن ذكوان خال ~~حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال إنا لقعود ~~بفناء النبي صلى الله عليه وسلم إذ مرت بنا امرأة فقال بعض القوم هذه ابنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان مثل محمد في بني هاشم مثل ~~الريحانة في وسط النتن فانطلقت المرأة فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال ما بال أقوال ~~تبلغني عن أقوام إن الله خلق السموات سبعا فاختار العليا منها وأسكنها من ~~شاء من خلقه ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم واختار من بني آدم العرب ~~واختار من العرب مضر واختار من مضر قريشا واختار من قريش بني هاشم واختارني ~~من بني هاشم فأنا خيار من خيار من خيار فمن أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض ~~العرب فببغضي أبغضهم # وأيضا في المسألة ما رواه الترمذي وغيره من حديث أبي بدر شجاع بن الوليد ~~عن قابوس ابن أبي ظبيان عن أبيه عن سلمان رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك قلت يا رسول الله كيف ~~أبغضك وبك هداني الله قال تبغض العرب فتبغضني قال الترمذي هذا حديث حسن ~~غريب لا يعرف إلا من حديث أبي بدر شجاع بن الوليد # فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم بغض العرب سببا لفراق الدين وجعل بغضهم ~~مقتضيا لبغضه # ويشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خاطب بهذا سلمان وهو سابق الفرس ~~ذو الفضائل المأثورة تنبيها لغيره من سائر الفرس لما أعلمه الله من أن ~~PageV01P155 الشيطان قد يدعو النفوس إلى شيء من هذا كما أنه صلى الله عليه ~~وسلم لما قال يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا ms127 يا عباس عم رسول ~~الله لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله ~~شيئا سلوني من مالي ما شئتم كان في هذا تنبيه لمن انتسب لهؤلاء الثلاثة أن ~~لا يغتروا بالنسب ويتركوا الكلم الطيب والعمل الصالح # وهذا دليل على أن بغض جنس العرب ومعاداتهم كفر أو سبب للكفر # ومقتضاه أنهم أفضل من غيرهم وأن محبتهم سبب قوة الإيمان لأنه لو كان ~~تحريم بغضهم كتحريم بغض سائر الطوائف لم يكن سببا لفراق الدين ولا لبغض ~~الرسول بل كان يكون نوع عدوان فلما جعله سببا لفراق الدين وبغض الرسول دل ~~على أن بغضهم أعظم من بغض غيرهم وذلك دليل على أنهم أفضل لأن الحب والبغض ~~يتبع الفضل فمن كان بغضه أعظم دل على أنه أفضل ودل حينئذ على أن محبته دين ~~لأجل ما فيه من زيادة الفضل ولأن ذلك ضد البغض ومن كان بغضه سببا للعذاب ~~لخصوصه كان حبه سببا للثواب وذلك دليل على الفضل # وقد جاء ذلك مصرحا به في حديث آخر رواه أبو طاهر السلفي في فضل العرب من ~~حديث أبي بكر بن أبي داود حدثنا عيسى بن حماد زغبة حدثنا علي بن الحسن ~~الشامي حدثنا خليد بن دعلج عن يونس بن عبيد عن الحسن عن جابر ابن عبد الله ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما ~~من الكفر وحب العرب من الإيمان وبغضهم من الكفر # وقد احتج حرب الكرماني وغيره بهذا الحديث وذكروا لفظه حب العرب إيمان ~~وبغضهم نفاق وكفر # وهذا الإسناد وحده فيه نظر لكن لعله روي من وجه آخر وإنما كتبته لموافقته ~~معنى حديث سلمان فإنه قد صرح في حديث سلمان بأن بغضهم نوع PageV01P156 كفر ~~ومقتضى ذلك أن حبهم نوع من إيمان فكان هذا موافقا له # ولذلك قد رويت أحاديث النكرة ظاهرة عليها مثل ما رواه الترمذي من حديث ~~حصين بن عمر عن مخارق بن عبد الله عن طارق بن شهاب ms128 عن عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من غش العرب لم يدخل في ~~شفاعتي ولم تنله مودتي قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ~~حصين بن عمر الأحمسي عن مخارق وليس حصين عند أهل الحديث بذاك القوي # قلت هذا الحديث معناه قريب من معنى حديث سلمان فان الغش للنوع لا يكون مع ~~محبتهم بل لا يكون إلا مع استخفاف بهم أو مع بغض لهم فليس معناه بعيدا # لكن حصين هذا الذي رواه قد أنكر أكثر الحفاظ أحاديثه قال يحيى بن معين ~~ليس بشيء وقال ابن المديني ليس بالقوي روى عن مخارق عن طارق أحاديث منكرة ~~وقال البخاري وأبو زرعة منكر الحديث وقال يعقوب بن شيبة ضعيف جدا ومنهم من ~~يجاوز به الضعف إلى الكذب وقال ابن عدي عامة أحاديثه معاضيل ينفرد عن كل من ~~روى عنه # قلت ولذلك لم يحدث أحمد ابنه عبد الله بهذا الحديث في الحديث المسند فانه ~~قد كان كتبه عن محمد بن بشر عن عبد الله بن عبد الله بن الأسود عن حصين كما ~~رواه الترمذي فلم يحدثه به وإنما رواه عبد الله عنه في المسند وجادة قال ~~وجدت في كتاب أبي حدثنا محمد بن بشر وذكره # وكان أحمد رحمه الله على ما تدل عليه طريقته في المسند إذا رأى أن الحديث ~~موضوع أو قريب من الموضوع لم يحدث به ولذلك ضرب على أحاديث الرجال فلم يحدث ~~بها في المسند لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حدث عني بحديث وهو يرى ~~أنه كذب فهو أحد الكاذبين PageV01P157 # وكذلك روى عبد الله بن أحمد في مسند أبيه حدثنا إسماعيل أبو معمر حدثنا ~~إسماعيل بن عياش عن زيد بن جبيرة عن داود بن الحصين عن عبيد الله ابن أبي ~~نافع عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبغض ~~العرب إلا منافق وزيد بن جبيرة عندهم منكر الحديث وهو مدني ms129 ورواية إسماعيل ~~بن عياش عن غير الشاميين مضطربة # وكذلك روى أبو جعفر محمد بن عبد الله الحافظ الكوفي المعروف بمطين حدثنا ~~العلاء بن عمرو الحنفي حدثنا يحيى بن زيد الأشعري حدثنا ابن جريج عن عطاء ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب ~~العرب لثلاث لأنه عربي والقرآن عربي ولسان أهل الجنة عربي قال الحافظ ~~السلفي هذا حديث حسن # فما أدري أراد حسن إسناده على طريقة المحدثين أو حسن متنه على الاصطلاح ~~العام وأبو الفرج بن الجوزي ذكر هذا الحديث في الموضوعات وقال قال الثعلبي ~~لا أصل له وقال ابن حبان يحيى بن زيد يروي المقلوبات عن الاثبات فبطل ~~الاحتجاج به والله أعلم # وأيضا في المسألة ما روى أبو بكر البزار حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ~~حدثنا أبو أحمد حدثنا عبد الجبار بن العباس وكان رجلا من أهل الكوفة يميل ~~إلى الشيعة وهو صحيح الحديث مستقيمه وهذا والله أعلم كلام البزار عن أبي ~~إسحاق عن أوس بن ضمعج قال قال سلمان نفضلكم يا معاشر العرب لتفضيل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إياكم لا ننكح نساءكم ولا نؤمكم في الصلاة # وهذا إسناد جيد وأبو أحمد هو والله أعلم محمد بن عبد الله الزبيري من ~~أعيان العلماء الثقات وقد أثنى على شيخه والجوهري وأبو إسحاق السبيعي أشهر ~~من أن يثنى عليهما وأوس بن ضمعج ثقة روى له مسلم PageV01P158 وقد أخبر ~~سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل العرب فإما إنشاء وإما إخبار ~~فإنشاؤه صلى الله عليه وسلم حكم لازم وخبره حديث صادق وتمام الحديث قد روي ~~عن سلمان من غير هذا الوجه رواه الثوري عن أبي إسحاق عن أبي ليلى الكندي عن ~~سلمان الفارسي أنه قال فضلتمونا يا معاشر العرب باثنتين لا نؤمكم في الصلاة ~~ولا ننكح نساءكم رواه محمد بن أبي عمر العدني وسعيد بن منصور في سننه ~~وغيرهما # وهذا مما احتج به أكثر الفقهاء الذين جعلوا العربية من الكفاءة بالنسبة ms130 ~~إلى العجمي واحتج به أحمد في إحدى الروايتين على أن الكفاءة ليست حقا لواحد ~~معين بل هي من الحقوق المطلقة في النكاح حتى إنه يفرق بينهما عند عدمها # واحتج أصحاب الشافعي وأحمد بهذا على أن الشرف مما يستحق به التقديم في ~~الصلاة # ومثل ذلك ما رواه محمد بن أبي عمر العدني قال حدثنا سعيد بن عبيد أنبأنا ~~علي بن ربيعة عن ربيع بن نضلة أنه خرج في اثني عشر راكبا كلهم قد صحب محمدا ~~صلى الله عليه وسلم وفيهم سلمان الفارسي وهم في سفر فحضرت الصلاة فتدافع ~~القوم أيهم يصلي بهم فصلى بهم رجل منهم أربعا فلما انصرف قال سلمان ما هذا ~~ما هذا مرارا نصف المربوعة قال مروان يعني نصف الأربع نحن إلى التخفيف أفقر ~~فقال له القوم صل بنا يا أبا عبد الله أنت أحقنا بذلك فقال لا أنتم بنو ~~إسماعيل الأئمة ونحن الوزراء # وفي المسألة آثار غير ما ذكرته في بعضها نظر وبعضها موضوع # وأيضا فان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وضع ديوان العطاء كتب الناس ~~على قدر أنسابهم فبدأ بأقربهم نسبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ~~انقضت العرب ذكر العجم هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين ~~PageV01P159 وسائر الخلفاء من بني أمية وولد العباس إلى أن تغير الأمر بعد ~~ذلك # وسبب هذا الفضل والله أعلم ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم ~~وأعمالهم # وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع وإما بالعمل الصالح والعلم له مبدأ وهو ~~قوة العقل الذي هو الحفظ والفهم وتمام وهو قوة المنطق الذي هو البيان ~~والعبارة والعرب هم أفهم من غيرهم وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة ولسانهم ~~أتم الألسنة بيانا وتمييزا للمعاني جمعا وفرقا يجمع المعاني الكثيرة في ~~اللفظ القليل إذا شاء المتكلم الجمع جمع ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ ~~آخر مميز مختصر كما نجده في لغتهم من جنس الحيوان فإنهم مثل يعبرون عن ~~القدر المشترك بين الحيوان بعبارات جامعة ثم يميزون بين أنواعه في ms131 اسماء كل ~~أمر من أموره من الأصوات والأولاد والمساكن والأظفار إلى غير ذلك من خصائص ~~اللسان العربي التي لا يستراب فيها # وأما العمل فان مبناه على الأخلاق وهي الغرائز المخلوقة في النفس ~~وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم فهم اقرب للسخاء والحلم والشجاعة PageV01P160 ~~والوفاء وغير ذلك من الأخلاف المحمودة لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة ~~للخير معطلة عن فعله ليس عندهم علم منزل من السماء ولا شريعة موروثة عن نبي ~~ولا هم أيضا مشتغلون ببعض العلوم العقلية المحضة كالطب والحساب ونحوهما ~~إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب وما حفظوه من أنسابهم ~~وأيامهم وما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم أو من الحروب فلما ~~بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي ما جعل الله في الأرض ولا ~~يجعل منه أعظم قدرا وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة لهم ومعالجتهم على ~~نقلهم عن تلك العادات الجاهلية والظلمات الكفرية التي كانت قد أحالت قلوبهم ~~عن فطرتهم فلما تلقوا عنه ذلك الهدى العظيم زالت تلك الريون عن قلوبهم ~~واستنارت بهدى الله الذي أنزل على عبده ورسوله فأخذوا هذا الهدى العظيم ~~بتلك الفطرة الجيدة فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم والكمال الذي ~~أنزل الله إليهم بمنزلة أرض جيدة في نفسها لكن PageV01P161 هي معطلة عن ~~الحرث أو قد نبت فيها شجر العضاه والعوسج وصارت مأوى الخنازير والسباع فإذا ~~طهرت عن المؤذي من الشجر والدواب وازدرع فيها أفضل الحبوب والثمار جاء فيها ~~من الحرث مالا يوصف مثله فصار السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل ~~خلق الله بعد الأنبياء وصار أفضل الناس بعدهم من تبعهم بإحسان إلى يوم ~~القيامة من العرب والعجم # وكان الناس إذ ذاك الخارجون عن هذا الكمال قسمين إما كافر من اليهود ~~والنصارى لم يقبل هدى الله وإما غيرهم من العجم الذين لم يشركوهم فيما ~~فطروا عليه وكان عامة العجم حينئذ كفارا من الفرس والروم فجاءت الشريعة ~~باتباع أولئك السابقين على الهدى الذي رضيه الله لهم وبمخالفة من سواهم إما ~~لمعصيته ms132 وإما لنقيصته وإما لأنه مظنة النقيصة # فإذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار ~~قديما وحديثا ودخل في ذلك ما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن عليه ~~السابقون الأولون كما يدخل في مسمى الجاهلية العربية ما كان عليه أهل ~~الجاهلية قبل الإسلام وما عاد إليه كثير من العرب من الجاهلية التي كانوا ~~عليها ومن تشبه من العرب بالعجم لحق بهم ومن تشبه من العجم بالعرب لحق بهم ~~ولهذا كان الذين تناولوا العلم والإيمان من أبناء فارس إنما حصل ذلك ~~بمتابعتهم للدين الحنيف بلوازمه من العربية وغيرها ومن نقص من العرب إنما ~~نقص بتخليهم عن هذا وإما بموافقتهم للعجم فيما جاءت السنة أن يخالفوا فيه ~~فهذا أوجه # وأيضا فإن الله لما أنزل كتابه باللسان العربي وجعل رسوله مبلغا عنه ~~الكتاب والحكمة بلسانه العربي وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به لم ~~يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان وصارت معرفته من الدين ~~وصار اعتياد التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله PageV01P162 ~~وأقرب إلى إقامة شعائر الدين وأقرب إلى مشابهتهم للسابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار في جميع أمورهم # وسنذكر إن شاء الله بعض ما قاله العلماء من الأمر بالخطاب العربي وكراهة ~~مداومة غيره لغير حاجة # واللسان تقارنه أمور أخرى من العلوم والأخلاق فإن العادات لها تأثير عظيم ~~فيما يحبه الله وفيما يكرهه فلهذا أيضا جاءت الشريعة بلزوم عادات السابقين ~~في أقوالهم وأعمالهم وكراهة الخروج عنها إلى غيرها من غير حاجة # فحاصله أن النهي عن التشبه بهم إنما كان لما يفضي إليه من فوت الفضائل ~~التي جعلها الله للسابقين الأولين أو حصول النقائض التي كانت في غيرهم # ولهذا لما علم المؤمنون من أبناء فارس وغيرهم هذا الأمر أخذ من وفقه الله ~~منهم نفسه بالاجتهاد في تحقيق المشابهة بالسابقين فصار أولئك من أفضل ~~التابعين بإحسان إلى يوم القيامة وصار كثير منهم أئمة لكثير من غيرهم ولهذا ~~كانوا يفضلون من الفرس من رأوه أقرب ms133 إلى متابعة السابقين حتى قال الأصمعي ~~فيما رواه عنه أبو طاهر السلفي في كتاب فضل الفرس عجم أصبهان قريش العجم # وروى أيضا السلفي بإسناد معروف عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ~~الماجشون عن أسامة بن زيد عن سعيد بن المسيب قال لو أني لم أكن من قريش ~~لأحببت أن أكون من فارس ثم أحببت أن أكون من أصبهان # وروي بإسناد آخر عن سعيد بن المسيب قال لولا أني رجل من قريش لتمنيت أن ~~أكون من أصبهان لقول النبي صلى الله عليه وسلم لو كان الدين معلقا بالثريا ~~لتناوله ناس من فارس من أبناء العجم أسعد الناس بها فارس وأصبهان # قالوا وكان سلمان الفارسي من أهل أصبهان وكذلك عكرمة مولى PageV01P163 ~~ابن عباس وغيرهما فإن آثار الإسلام كانت بأصبهان أظهر منها بغيرها حتى قال ~~الحافظ عبد القادر الرهاوي رحمه الله ما رأيت بلدا بعد بغداد أكثر حديثا من ~~أصبهان وكان أئمة السنة علما وفقها والعارفون بالحديث وسائر الإسلام المحض ~~فيهم أكثر من غيرهم حتى إنه قيل إن قضاتهم كانوا من فقهاء الحديث مثل صالح ~~بن أحمد بن حنبل ومثل أبي بكر بن أبي عاصم ومن بعدهم وأنا لا أعلم حالهم ~~بأخرة # وكذلك كل مكان أو شخص من أهل فارس يمدح المدح الحقيقي إنما يمدح لمشابهة ~~السابقين حتى قد يختلف في فضل شخص على شخص أو قول على قول أو فعل على فعل ~~لأجل اعتقاد كل من المختلفين أن هذا أقرب إلى طريق السابقين الأولين فإن ~~الأمة مجمعة على هذه القاعدة وهي فضل طريقة العرب السابقين وأن الفاضل من ~~تبعهم وهو المطلوب هنا # وإنما يتم الكلام بأمرين # أحدهما أن الذي يجب على المسلم إذا نظر في الفضائل أو تكلم فيها أن يسلك ~~سبيل العاقل الذي غرضه أن يعرف الخير ويتحراه جهده وليس غرضه الفخر على أحد ~~ولا الغمط من أحد فقد روى مسلم في صحيحه عن عياض ابن حمار المجاشعي قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أوحي ms134 إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على ~~أحد ولا يبغي أحد على أحد # فنهى سبحانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عن نوعي الاستطالة على ~~الخلق وهي الفخر والبغي لأن المستطيل إن استطال بحق فقد افتخر وإن كان بغير ~~حق فقد بغى فلا يحل لا هذا ولا هذا # فإن كان الرجل من الطائفة الفاضلة مثل أن يذكر فضل بني هاشم أو قريش أو ~~العرب أو الفرس أو بعضهم فلا يكون حظه استشعار فضل نفسه والنظر إلى ذلك ~~فإنه مخطئ في هذا لأن فضل الجنس لا يستلزم PageV01P164 فضل الشخص كما ~~قدمناه فرب حبشي أفضل عند الله من جمهور قريش # ثم هذا النظر يوجب نقصه وخروجه عن الفضل فضلا عن أن يستعلي عبدا أو ~~يستطيل # وإن كان من الطائفة الأخرى مثل العجم أو غير قريش أو بني هاشم فليعلم أن ~~تصديقه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر وطاعته فيما أمر ومحبة من ~~أحبه والتشبه بمن فضله الله والقيام بالدين الحق الذي بعث الله به عبده ~~ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم يوجب له أن يكون أفضل من جمهور الطائفة ~~المفضلة وهذا هو الفضل الحقيقي # وانظر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين وضع الديوان وقالوا له يبدأ ~~أمير المؤمنين بنفسه فقال لا ولكن وضعوا عمر حيث وضعه الله تعالى فبدأ بأهل ~~بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم من يليهم حتى جاءت نوبته في بني عدي ~~وهم متأخرون عن أكثر بطون قريش # ثم هذا الاتباع للحق ونحوه قدمه على عامة بني هاشم فضلا عن غيرهم من قريش # الثاني أن اسم العرب والعجم قد صار فيه اشتباه فإنا قد قدمنا أن اسم ~~العجم يعم في اللغة كل من ليس من العرب ثم لما كان العلم والإيمان في أبناء ~~فارس أكثر منه في غيرهم من العجم كانوا أفضل الأعاجم فغلب PageV01P165 لفظ ~~العجم في عرف العامة المتأخرين عليهم فصارت حقيقة عرفية عامية فيهم # واسم العرب في الأصل كان إسما ms135 لقوم جمعوا ثلاثة أوصاف # أحدها أن لسانهم كان باللغة العربية # الثاني أنهم كانوا من أولاد العرب # الثالث أن مساكنهم كانت أرض العرب وهي جزيرة العرب التي هي من بحر القلزم ~~إلى بحر البصرة ومن أقصى حجر باليمن إلى أوائل الشام بحيث تدخل اليمن في ~~دارهم ولا تدخل فيها الشام وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث وقبله فلما ~~جاء الإسلام وفتحت الأمصار سكنوا سائر البلاد من أقصى المشرق إلى أقصى ~~المغرب وإلى سواحل الشام وأرمينية وهذه كانت مساكن فارس والروم والبربر ~~وغيرهم ثم انقسمت هذه البلاد قسمين # منها ما غلب على أهله لسان العرب حتى لا تعرف عامتهم غيره أو يعرفونه ~~PageV01P166 وغيره مع ما دخل على لسان العرب من اللحن وهذه غالب مساكن ~~الشام والعراق ومصر والأندلس ونحو ذلك وأظن أرض فارس وخراسان كانت هكذا ~~قديما # ومنها ما العجمة كثيرة فيهم أو غالبة عليهم كبلاد الترك وخراسان وأرمينية ~~وأذربيجان ونحو ذلك فهذه البقاع انقسمت إلى ما هو عربي ابتداء وما هو عربي ~~انتقالا وإلى ما هو عجمي وكذلك الأنساب ثلاثة أقسام # قوم من نسل العرب وهم باقون على العربية لسانا ودارا أو لسانا لا دارا أو ~~دارا لا لسانا # وقوم من نسل العرب بل من نسل هاشم ثم صارت العربية لسانهم ودارهم أو ~~أحدهما # وقوم مجهولو الأصل لا يدرون أمن نسل العرب هم أو من نسل العجم وهم أكثر ~~الناس اليوم سواء كانوا عرب الدار واللسان أو عجما في أحدهما # وكذلك انقسموا في اللسان ثلاثة أقسام # قوم يتكلمون بالعربية لفظا ونغمة # وقوم يتكلموا بها لفظا لا نغمة وهم المتعربون الذين ما تعلموا اللغة ~~ابتداء من العرب وإنما اعتادوا غيرها ثم تعلموها كغالب أهل العلم ممن تعلم ~~العربية # وقوم لا يتكلمون بها إلا قليلا # وهذان القسمان منهم من تغلب عليه العربية ومنهم من تغلب عليه العجمة ~~ومنهم من يتكافأ في حقه الأمران إما قدرة وإما عادة # فإذا كانت العربية قد انقسمت نسبا ولسانا ودارا فإن الأحكام تختلف ~~باختلاف هذا الانقسام خصوصا ms136 النسب واللسان # فإن ما ذكرناه من تحريم الصدقة على بني هاشم واستحقاق نصيب من الخمس ثبت ~~لهم باعتبار النسب وإن صارت ألسنتهم أعجمية PageV01P167 # وما ذكرنا من حكم اللسان العربي وأخلاق العرب يثبت لمن كان كذلك وإن كان ~~أصله فارسيا وينتفي عمن لم يكن كذلك وإن كان أصله هاشميا # والمقصود هنا أن ما ذكرته من النهي عن التشبه بالأعاجم إنما العبرة فيه ~~بما كان عليه صدر الإسلام من السابقين الأولين فكل ما كان إلى هداهم أقرب ~~فهو المفضل وكل ما خالف ذلك فهو المخالف سواء كان المخالف ذلك اليوم عربي ~~النسب أو عربي اللسان وهكذا جاء عن السلف # فروى الحافظ أبو طاهر السلفي في فضل العرب بإسناده عن أبي شهاب الحناط ~~حدثنا جبار بن موسى عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي قال من ولد ~~في الإسلام فهو عربي # وهذا الذي يروى عن أبي جعفر لأن من ولد في الإسلام فقد ولد في دار العرب ~~واعتاد خطابها وهكذا كان الأمر # وروى السلفي عن المؤتمر الساجي عن أبي القاسم الخلال أنبأنا أبو محمد ~~الحسن بن الحسين التولخي حدثنا علي بن عبد الله بن بشر حدثنا محمد بن حرب ~~النشائي حدثنا إسحاق الأزرق عن هشام بن حسان عن الحسن عن أبي هريرة يرفعه ~~قال من تكلم بالعربية فهو عربي ومن أدرك له اثنان في الإسلام فهو عربي هكذا ~~فيه وأظنه ومن أدرك له أبوان # فهنا إن صح هذا الحديث فقد علقت العربية فيه بمجرد اللسان وعلقت في النسب ~~بأن يدرك له أبوان في الدولة الإسلامية العربية # وقد يحتج بهذا القول أبو حنيفة على أن من ليس له أبوان في الإسلام أو في ~~الحرية ليس كفؤا لمن له أبوان في ذلك وإن كان في العجمية والعتاقة # ومذهب أبي يوسف ذو الأب الواحد كذي الأبوان # ومذهب الشافعي وأحمد لا عبرة بذلك ونص عليه أحمد PageV01P168 # وقد روى السلفي من حديث الحسن بن رشيق حدثنا أحمد بن الحسن بن هارون ~~حدثنا العلاء بن سالم ms137 حدثنا قرة بن عيسى الواسطي حدثنا أبو بكر الهذلي عن ~~مالك بن أنس عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال جاء قيس بن مطاطة إلى ~~حلقة فيها صهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي فقال هذا الأوس والخزرج ~~قد قاموا بنصرة هذا الرجل فما بال هؤلاء فقام معاذ بن جبل فأخذ بتلابيبه ثم ~~أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بمقالته فقام النبي صلى الله ~~عليه وسلم مغضبا يجر رداءه حتى دخل المسجد ثم نودي إن الصلاة جامعة فصعد ~~المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس إن الرب رب واحد ~~والأب أب واحدوالدين دين واحد وإن العربية ليست لأحدكم بأب ولا أم إنما هي ~~لسان فمن تكلم بالعربية فهو عربي فقام معاذ بن جبل فقال بم تأمرنا في هذا ~~المنافق فقال دعه إلى النار فكان قيس ممن ارتد فقتل في الردة # هذا الحديث ضعيف وكأنه مركب على مالك لكن معناه ليس ببعيد بل هو صحيح من ~~بعض الوجوه كما قدمناه # ومن تأمل ما ذكرناه في هذا الباب عرف مقصود الشريعة فيما ذكرناه من ~~الموافقة المأمور بها والمخالفة المنهي عنها كما تقدمت الدلالات عليه وعرف ~~بعض وجوه ذلك وأسبابه وبعض ما فيه من الحكمة # | فصل # فإن قيل ما ذكرتموه من الأدلة معارض بما يدل على خلافه # وذلك أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه ولقوله تعالى ~~PageV01P169 @QB@ فبهداهم اقتده @QE@ وقوله @QB@ اتبع ملة إبراهيم @QE@ ~~وقوله @QB@ يحكم بها النبيون الذين أسلموا @QE@ وغير ذلك من الدلائل ~~المذكورة في غير هذا الموضع PageV01P170 مع أنكم مسلمون لهذه القاعدة وهي ~~قول عامة السلف وجمهور الفقهاء # ومعارض بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما هذا اليوم الذي تصومونه قالوا هذا يوم عظيم أنجى الله ~~PageV01P171 فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرا ms138 لله ~~فنحن نصومه تعظيما له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أحق بموسى ~~منكم فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه متفق عليه # وعن أبي موسى قال كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فصوموه أنتم متفق عليه وهذا لفظ مسلم ولفظ البخاري تعظمه ~~اليهود وتتخذه عيدا وفي لفظ له كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء ويتخذونه ~~عيدا ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشاراتهم # وعن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم وكان المشركون يفرقون رءوسهم وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء وسدل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد متفق عليه # قيل أما المعارضة بكون شرع من قبلنا شرعا لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه ~~فذاك مبني على مقدمتين كلتاهما منفية في مسألة التشبه بهم # إحداهما أن يثبت أن ذلك شرع لهم بنقل موثوق به مثل أن يخبرنا الله في ~~كتابه أو على لسان رسوله أو ينقل بالتواتر ونحو ذلك فأما مجرد الرجوع إلى ~~قولهم أو إلى ما في كتبهم فلا يجوز بالاتفاق والنبي صلى الله عليه وسلم وإن ~~كان قد استخبرهم فأخبروه ووقف على ما في التوراة فإنما ذلك لأنه لا يروج ~~عليه باطلهم بل الله سبحانه يعرفه ما يكذبون مما يصدقون كما أخبره بكذبهم ~~غير مرة وأما نحن فلا نأمن أن يحدثونا بالكذب فيكون فاسق بل كافر قد جاءنا ~~بنبأ فاتبعناه وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا ~~حدثكم اهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم # المقدمة الثانية أن لا يكون في شرعنا بيان ختص لذلك فأما إذا كان ~~PageV01P172 فيه بيان خاص بالموافقة أو بالمخالفة استغنى عن ذلك فيما ينهى ~~عنه من موافقتهم ولم يثبت أنه شرع لمن كان قبلنا وإن ثبت فقد كان هدي نبينا ms139 ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه بخلافه وبهم أمرنا نحن أن نتبع ونقتدي وقد ~~أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن يكون هدينا مخالفا لهدي اليهود والنصارى ~~وإنما تجيء الموافقة في بعض الأحكام العارضة لا في الهدي الراتب والشعار ~~الدائم # ثم ذلك بشرط أن لا يكون قد جاء عن نبينا وأصحابه خلافه أو ثبت أصل شرعه ~~في ديننا وقد ثبت عن نبي من الأنبياء أصله أو وصفه مثل فداء من نذر أو يذبح ~~ولده بشاة ومثل الختان المأمور به في ملة إبراهيم عليه السلام ونحو ذلك ~~وليس الكلام فيه # وأما حديث عاشوراء فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصومه ~~قبل استخباره لليهود وكانت قريش تصومه # ففي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت كانت ~~قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصومه فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصومه فلما فرض شهر رمضان قال من ~~شاء صامه ومن شاء تركه وفي رواية وكان يوم تستر فيه الكعبة # وأخرجاه من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت كان ~~يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان قال ~~من شاء صامه ومن شاء تركه # وفيهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن أهل الجاهلية كانوا يصومون ~~عاشوراء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن يفرض ~~رمضان فلما فرض رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عاشوراء يوم من ~~أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه PageV01P173 # فإذا كان أصل صومه لم يكن موافقا لأهل الكتاب فيكون قوله فنحن أحق بموسى ~~منكم تأكيدا لصومه وبيانا لليهود أن الذي تفعلونه من موافقة موسى نحن أيضا ~~نفعله فنكون أولى بموسى منكم # ثم الجواب عن هذا وعن قوله كان يحب موافقة أهل ms140 الكتاب فيما لم يؤمر فيه ~~بشيء من وجوه # أحدها أن هذا كان متقدما ثم نسخ الله ذلك وشرع له مخالفة أهل الكتاب ~~وأمره بذلك وفي متن هذا الحديث أنه سدل شعره موافقة لهم ثم فرق شعره بعد ~~ولهذا صار الفرق شعار المسلمين وكان من الشروط المشروطة على أهل الذمة أن ~~لا يفرقوا شعورهم وهذا كما أن الله شرع في أول الأمر استقبال بيت المقدس ~~موافقة لأهل الكتاب ثم إنه نسخ ذلك وأمر باستقبال الكعبة واخبر عن اليهود ~~وغيرهم من السفهاء أنهم سيقولون @QB@ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ~~@QE@ وأخبر أنهم لا يرضون عن رسول الله حتى يتبع قبلتهم وأخبره أنه إن اتبع ~~أهواءهم من بعد ما جاءه العلم ماله من الله من ولي ولا نصير وأخبره أنه إن ~~اتبع أهواءهم بعد الذي جاءه من العلم إنه إذن لمن الظالمين وأخبره أن @QB@ ~~ولكل وجهة هو موليها @QE@ وكذلك أخبره في غير موضع أنه جعل لكل شرعة ~~ومنهاجا فالشعار من جملة الشرعة # والذي يوضح ذلك أن هذا اليوم عاشوراء الذي صامه وقال نحن أحق بموسى منكم ~~قد شرع قبيل موته مخالفة اليهود في صومه وأمر صلى الله عليه وسلم بذلك ~~ولهذا كان ابن عباس رضي الله عنهما وهو الذي كان يقول كان يعجبه موافقة أهل ~~الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء وهو الذي روى قوله نحن أحق بموسى منكم أشد ~~الصحابة رضي الله عنهم أمر بمخالفة اليهود في صوم يوم عاشوراء وقد ذكرنا ~~أنه هو الذي روى شرع المخالفة # وروى أيضا مسلم في صحيحه عن الحكم بن الأعرج قال انتهيت إلى PageV01P174 ~~ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم فقلت له أخبرني عن صيام يوم عاشوراء فقال ~~إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما قلت هكذا كان يصومه ~~محمد صلى الله عليه وسلم قال نعم # وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع يعني مع يوم عاشوراء ms141 # وقد مضى قول ابن عباس صم التاسع يعني والعاشر خالفوا اليهود هكذا ثبت عنه ~~وعلله بمخالفة اليهود # قال يحيى بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع عطاء سمع ابن عباس ~~رضي الله عنهما يقول صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود # وروينا في فوائد داود بن عمرو عن إسماعيل بن علية قال ذكروا عند ابن أبي ~~نجيح أن ابن عباس كان يقول يوم عاشوراء يوم التاسع فقال ابن أبي نجيح إنما ~~قال ابن عباس أكره أن تصوم يوما فردا ولكن صوموا قبله يوما أو بعده يوما # ويحقق ذلك ما رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم قال الترمذي هذا ~~حديث حسن صحيح # وروى سعيد بن منصور في سننه عن هشيم عن ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن ~~أبيه عن جده ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صوموا يوم ~~عاشوراء وخالفوا فيه اليهود صوموا يوما قبله أو يوما بعده رواه أحمد ولفظه ~~صوموا قبله يوما أو بعده يوما # ولهذا نص أحمد على مثل ما رواه ابن عباس وأفتى به # فقال في رواية الأثر أنا أذهب في يوم عاشوراء إلى أن يصام يوم التاسع ~~والعاشر لحديث ابن عباس صوموا التاسع والعاشر PageV01P175 # وقال حرب سألت أحمد عن صوم يوم عاشوراء فقال نصوم التاسع والعاشر # وقال في رواية الميموني وأبي الحارث من أراد أن يصوم عاشوراء صام التاسع ~~والعاشر إلا أن تشكل الشهور فيصوم ثلاثة ايام ابن سيرين يقول ذلك # وقد قال بعض أصحابنا إن الأفضل صوم التاسع والعاشر وإن اقتصر على العاشر ~~لم يكره # ومقتضى كلام أحمد أنه يكره الاقتصار على العاشر لأنه سئل عنه فأفتى بصوم ~~يومين وأمر بذلك وجعل هذا هو السنة لمن أراد صوم عاشوراء واتبع في ذلك حديث ~~ابن عباس وابن عباس كان يكره إفراد العاشر على ما هو مشهور عنه # ومما يوضح ذلك أن كل ما جاء ms142 من التشبه بهم إنما كان في صدر الهجرة ثم نسخ ~~ذلك لأن اليهود إذ ذاك كانوا لا يميزون عن المسلمين لا في شعور ولا في لباس ~~لا بعلامة ولا غيرها # ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع الذي كمل ظهوره في زمن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في ~~الشعار والهدى # وسبب ذلك أن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه كالجهاد ~~وإلزامهم بالجزية والصغار فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم يشرع ~~المخالفة لهم فلما كمل الدين وظهر وعلا شرع ذلك # ومثل ذلك اليوم لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا ~~بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل ~~أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك PageV01P176 ~~مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين ~~بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة # فأما في دار الإسلام والهجرة التي أعز الله فيها دينه وجعل على الكافرين ~~بها الصغار والجزية ففيها شرعت المخالفة وإذا ظهرت الموافقة والمخالفة لهم ~~باختلاف الزمان ظهرت حقيقة الأحاديث في هذا # الوجه الثاني لو فرضنا أن ذلك لم ينسخ فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~الذي كان له أن يوافقهم لأنه يعلم حقهم من باطلهم بما يعلمه الله إياه ونحن ~~نتبعه فأما نحن فلا يجوز لنا أن نأخذ شيئا من الدين عنهم لا من أقوالهم ولا ~~من أفعالهم بإجماع المسلمين المعلوم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ولو قال رجل يستحب لنا موافقة أهل الكتاب الموجودين في زماننا لكان قد ~~خرج عن دين الأمة # الوجه الثالث أن نقول بموجبه كان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر ~~فيه بشيء ثم إنه أمر بمخالفتهم وأمرنا نحن أن نتبع هديه وهدي أصحابه ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والكلام إنما ms143 هو في أنا منهيون عن ~~التشبه بهم فيما لم يكن سلف الأمة عليه فأما ما كان سلف الأمة عليه فلا ريب ~~فيه سواء فعلوه أو تركوه فإنا لا نترك ما أمر الله به لأجل أن الكفار تفعله ~~مع أن الله لم يأمرنا بشيء يوافقونا عليه إلا ولا بد فيه من نوع مغايرة ~~يتميز بها دين الله المحكم عما قد نسخ أو بدل # | فصل # قد ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار ما دل على ~~أن التشبه بهم في الجملة منهي عنه وأن مخالفتهم في هديهم مشروع إما إيجابا ~~وإما استحبابا بحسب المواضع وقد تقدم بيان أن ما أمرنا الله ورسوله به ~~PageV01P177 من مخالفتهم مشروع سواء كان ذلك الفعل مما قصد فاعله التشبه ~~بهم أو لم يقصد وكذلك ما نهى عنه من مشابهتهم يعم ما إذا قصدت مشابهتهم أو ~~لم تقصد فإن عامة هذه الأعمال لم يكن المسلمون يقصدون المشابهة فيها وفيها ~~مالا يتصور قصد المشابهة فيه كبياض الشعر وطول الشارب ونحو ذلك # ثم اعلم أن أعمالهم ثلاثة أقسام # قسم مشروع في ديننا مع كونه كان مشروعا لهم أولا نعلم أنه كان مشروعا لهم ~~لكنهم يفعلونه الآن # وقسم كان مشروعا ثم نسخه شرع القرآن # وقسم لم يكن مشروعا بحال وإنما هم أحدثوه # وهذه الأقسام الثلاثة إما ان تكون في العبادات المحضة وإما أن تكون في ~~العادات المحضة وهي الآداب وإما أن تجمع العبادات والعادات فهذه تسعة أقسام # فأما القسم الأول وهو ما كان مشروعا في الشريعتين أو ما كان مشروعا لنا ~~وهم يفعلونه فهذا كصوم عاشوراء أو كأصل الصلاة والصيام فهنا تقع المخالفة ~~في صفة ذلك العمل كما سن لنا صوم تاسوعاء وعاشوراء كما أمرنا بتعجيل الفطر ~~والمغرب مخالفة لأهل الكتاب وبتأخير السحور مخالفة لأهل الكتاب وكما أمرنا ~~بالصلاة في النعلين مخالفة لليهود وهذا كثير في العبادات وكذلك في العادات # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللحد لنا والشق لغيرنا # وسن توجيه قبور المسلمين إلى الكعبة تمييزا لها عن ms144 مقابر الكافرين # فإن أصل الدفن من الأمور المشروعة في الأمور العادية # ثم قد اختلفت الشرائع في صفته وهو أيضا فيه عبادات # ولباس النعل في الصلاة فيه عبادات وعادة ونزع النعل في الصلاة شريعة ~~PageV01P178 كانت لموسى عليه السلام وكذلك اعتزال الحائض ونحو ذلك من ~~الشرائع التي جامعناهم في أصلها وخالفناهم في وصفها # القسم الثاني ما كان مشروعا ثم نسخ بالكلية كالسبت أو إيجاب صلاة أو صوم ~~ولا يخفى النهي عن موافقتهم في هذا سواء كان واجبا عليهم فيكون عبادة أو ~~محرما علهم فيتعلق بالعادات فليس للرجل أن يمتنع من أكل الشحوم وكل ذي ظفر ~~على وجه التدين بذلك وكذلك ما كان مركبا منهما وهي الأعياد التي كانت ~~مشروعة لهم فإن العيد مشروع يجمع عبادة وهو ما فيه من صلاة أو ذكر أو صدقة ~~أو نسك ويجمع عادة وهو ما يفعل فيه من التوسع في الطعام واللباس وما يتبع ~~ذلك من ترك الأعمال الواجبة واللعب المأذون فيه في الأعياد لمن ينتفع ~~باللعب ونحو ذلك ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لما زجر أبو بكر رضي ~~الله عنه الجاريتين عن الغناء في بيته قال دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم ~~عيدا وإن هذا عيدنا وكان الحبشة يلعبون بالحراب يوم العيد والنبي صلى الله ~~عليه وسلم ينظر إليهم # فالأعياد المشروعة يشرع فيها وجوبا أو استحبابا من العبادات مالا يشرع في ~~غيرها ويباح فيها أو يستحب أو يجب من العادات التي للنفوس فيها حظ مالا ~~يكون في غيرها كذلك ولهذا وجب فطر يوم العيدين وقرن بالصلاة في أحدهما ~~الصدقة وقرن بها في الآخر الذبح وكلاهما من أسباب الطعام # فموافقتهم في هذا القسم المنسوخ من العبادات أو العادات أو كلاهما أقبح ~~من موافقتهم فيما هو مشروع الأصل ولهذا كانت الموافقة في هذا محرمة كما ~~سنذكره وفي الأول قد لا تكون إلا مكروهة # وأما القسم الثالث وهو ما أحدثوه من العبادات أو العادات أو كليهما فهو ~~أقبح وأقبح فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون ms145 قبيحا فكيف إذا ~~PageV01P179 كان مما لم يشرعه نبي قط بل قد أحدثه الكافرون فالموافقة فيه ~~ظاهرة القبح فهذا أصل # وأصل آخر وهو أن كل ما يتشابهون فيه من عبادة أو عادة أو كليهما فهو من ~~المحدثات في هذه الأمة ومن البدع إذ الكلام فيما كان من خصائصهم وأما ما ~~كان مشروعا لنا وقد فعله سلفنا السابقون فلا كلام فيه # فجميع الأدلة الدالة من الكتاب والسنة والاجماع على قبح البدع وكراهتها ~~تحريما أو تنزيها تندرج هذه المشابهات فيها فيجتمع فيها أنها بدعة محدثه ~~ومشابهة للكافرين وكل واحد من الوصفين يوجب النهي إذ المشابهة منهي عنها في ~~الجملة ولو كانت في السلف والبدعة منهي عنها في الجملة ولو لم يفعلها ~~الكفار فإذا اجتمع الوصفان صارا علتين مستقلتين في القبح والنهي # | فصل # إذا تقرر هذا الأصل في مشابهة الكفار فنقول # موافقتهم في أعيادهم لا تجوز من الطريقين # الطريق الأول العام هو ما تقدم من أن هذا موافقة لأهل الكتاب فيما ليس من ~~ديننا ولا عادة سلفنا فيكون فيه مفسدة موافقتهم وفي تركه مصلحة مخالفتهم ~~حتى لو كانت موافقتهم في ذلك أمرا اتفاقيا ليس مأخوذا عنهم لكان المشروع ~~لنا مخالفتهم لما في مخالفتهم من المصلحة لنا كما تقدمت الإشارة إليه فمن ~~وافقهم فقد فوت على نفسه هذه المصلحة وإن لم يكن قد أتى بمفسدة فكيف إذا ~~جمعهما # ومن جهة أنه من البدع المحدثة وهذه الطريق لا ريب في أنها تدل على كراهة ~~التشبه بهم في ذلك فإن أقل أحوال التشبه بهم أن يكون مكروها PageV01P180 ~~وكذلك أقل أحوال البدع أن تكون مكروهة ويدل كثير منها على تحريم التشبه بهم ~~في العيد مثل قوله صلى الله عليه وسلم من تشبه بقوم فهو منهم فإن موجب هذا ~~تحريم التشبه بهم مطلقا وكذلك قوله خالفوا المشركين ونحو ذلك مثل ما ذكرناه ~~من دلالة الكتاب والسنة على تحريم سبيل المغضوب عليهم والضالين وأعيادهم من ~~سبيلهم إلى غير ذلك من الدلائل # فمن انعطف على ما تقدم من الدلائل العامة نصا ms146 وإجماعا وقياسا تبين له ~~دخول هذه المسألة في كثير مما تقدم من الدلائل وتبين له أن هذا من جنس ~~أعمالهم التي هي دينهم أو شعار دينهم الباطل وأن هذا محرم كله بخلاف مالم ~~يكن من خصائص دينهم ولا شعارا له مثل نزع النعلين في الصلاة فإنه جائز كما ~~أن لبسهما جائز وتبين له أيضا الفرق بين ما بقينا فيه على عادتنا لم نحدث ~~شيئا نكون به موافقين لهم فيه وبين أن نحدث أعمالا أصلها مأخوذ عنهم وقصدنا ~~موافقتهم أو لم نقصد # وأما الطريق الثاني الخاص في نفس أعياد الكفار فالكتاب والسنة والإجماع ~~والاعتبار # أما الكتاب فمما تأوله غير واحد من التابعين وغيرهم في قوله تعالى @QB@ ~~والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما @QE@ # فروى أبو بكر الخلال في الجامع بإسناده عن محمد بن سيرين في قوله تعالى ? ~~< والذين يشهدون الزور > ? قال هو الشعانين # وكذلك ذكر عن مجاهد قال هو أعياد المشركين # وكذلك عن الربيع بن أنس قال هو أعياد المشركين # وفي معنى هذا ما روي عن عكرمة قال لعب كان لهم في الجاهلية # وقال القاضي أبو يعلى مسألة في النهي عن حضور أعياد المشركين PageV01P181 # وروى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده في شروط أهل الذمة عن الضحاك في قوله ~~تعالى @QB@ والذين لا يشهدون الزور @QE@ قال أعياد المشركين # وبإسناده عن أبي سنان عن الضحاك @QB@ والذين لا يشهدون الزور @QE@ كلام ~~الشرك # وبإسناده عن جويبر عن الضحاك @QB@ والذين لا يشهدون الزور @QE@ قال أعياد ~~المشركين # وروى بإسناده عن عمرو بن مرة لا يشهدون الزور لا يمالئون أهل الشرك على ~~شركهم ولا يخالطونهم # وبإسناده عن عطاء بن يسار قال قال عمر إياكم ورطانة الأعاجم وأن تدخلوا ~~على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم # وقول هؤلاء التابعين إنه أعياد الكفار ليس مخالفا لقول بعضهم إنه الشرك ~~أو صنم كان في الجاهلية ولقول بعضهم إنه مجالس الخنا وقول بعضهم إنه الغناء ~~لأن عادة السلف في تفسيرهم هكذا يذكر الرجل نوعا من أنواع المسمى لحاجة ~~المستمع إليه أو لينبه به ms147 على الجنس كما لو قال العجمي ما الخبز فيعطى ~~رغيفا ويقال له هذا بالإشارة إلى جنس لا إلى عين الرغيف # لكن قد قال قوم إن المراد شهادة الزور التي هي الكذب # وهذا فيه نظر فإنه قال لا يشهدون الزور ولم يقل لا يشهدون بالزور والعرب ~~تقول شهدت كذا إذا حضرته كقول ابن عباس شهدت العيد مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقول عمر الغنيمة لمن شهد الوقعة وهذا كثير في كلامهم وأما شهدت ~~بكذا فمعناه أخبرت به # ووجه تفسير التابعين المذكورين أن الزور هو المحسن المموه حتى يظهر بخلاف ~~ما هو عليه في الحقيقة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم المتشبع بمالم يعط ~~كلابس ثوبي زور لما كان يظهر ما يعظم به مما ليس عنده PageV01P182 # والشاهد بالزور مظهر كلاما يخالف الباطن ولهذا فسره السلف تارة بما يظهر ~~حسنه لشبهة أو لشهوة وهو قبيح في الباطن فالشرك ونحوه يظهر حسنه للشهوة ~~والغناء نحوه يظهر حسنه للشهوة # وأما أعياد المشركين فجمعت الشبهة والشهوة والباطل ولا منفعة فيها في ~~الدين وما فيها من اللذة العاجلة فعاقبتها إلى ألم فصارت زورا وحضورها ~~شهودها # وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع فكيف ~~بالموافقة بما يزيد على ذلك من العمل الذي هو عمل الزور لا مجرد شهوده # ثم مجرد هذه الآية فيها الحمد لهؤلاء والثناء عليهم ذلك وحده يفيد ~~الترغيب في ترك شهود أعيادهم وغيرها من الزور ويقتضي الندب إلى ترك حضورها ~~وقد يفيد كراهية حضورها لتسمية الله لها زورا # فأما تحريم شهودها من هذه الآية ففيه نظر # ودلالتها على تحريم فعلها أوجه لأن الله سماها زورا وقد ذم من يقول الزور ~~وإن لم يضر غيره بقوله في المتظاهرين فقال @QB@ وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا @QE@ وقال تعالى @QB@ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول ~~الزور @QE@ ففاعل الزور كذلك # وقد يقال قول الزور أبلغ من فعله لأنه إذا مدحهم على مجرد تركهم شهوده دل ~~على أن فعله مذموم عنده ms148 معيب إذ لو كان فعله جائزا والأفضل تركه لم يكن في ~~مجرد شهوده أو ترك شهوده كبير مدح إذ شهود المباحات لا منفعة فيها وعدم ~~شهودها قليل التأثير # وقد يقال هذا مبالغة في مدحهم إذ كانوا لا يحضرون مجالس البطالة وإن ~~كانوا لا يفعلون هم الباطل والله تعالى قال @QB@ وعباد الرحمن الذين يمشون ~~على الأرض هونا @QE@ PageV01P183 فجعل هؤلاء المنعوتين هم عباد الرحمن ~~وعبودية الرحمن واجبة فتكون هذه الصفات واجبة وفيه نظر # إذ قد يقال في هذه الصفات ما لا يجب ولأن المنعوتين وهم المستحقون لهذا ~~الوصف على وجه الحقيقة والكمال قال الله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء @QE@ وقوله صلى الله عليه وسلم ليس المسكين الذي ترده اللقمة ~~واللقمتان الحديث وقال ما تدعون المفلس ما تدعون الرقوب ونظائره كثيرة # فسواء كانت الآية دالة على تحريم ذلك أو كراهته أو استحباب تركه حصل أصل ~~المقصود إذا المقصود بيان استحباب ترك موافقتهم أيضا فإن بعض الناس قد يظن ~~استحباب فعل ما فيه موافقة لهم لما فيه من التوسيع على العيال أو من إقرار ~~الناس على اكتسابهم ومصالح دنياهم فإذا علم استحباب ترك ذلك كان هو المقصود # وأما السنة فروى أنس بن مالك رضي الله عنه قال قدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال ما هذان اليومان قالوا كنا ~~نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد ~~أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر رواه أبو داود بهذا اللفظ ~~حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن حميد عن أنس ورواه أحمد والنسائي وهذا ~~إسناد على شرط مسلم # فوجه الدلالة أن اليومين الجاهليين لم يقرهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة بل قال إن الله قد أبدلكم بهما ~~يومين آخرين والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه إذ لا يجمع بين البدل ~~والمبدل منه ms149 ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما كقوله ~~تعالى @QB@ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ~~@QE@ PageV01P184 وقوله تعالى @QB@ وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ~~وأثل وشيء من سدر قليل @QE@ وقوله تعالى @QB@ فبدل الذين ظلموا قولا غير ~~الذي قيل لهم @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب @QE@ # ومنه الحديث في المقبور فيقال له أنظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به ~~خيرا منه مقعدا في الجنة ويقال للآخر انظر إلى مقعدك من الجنة أبدلك الله ~~به مقعدا من النار وقول عمر رضي الله عنه للبيد ما فعل شعرك قل أبدلني الله ~~به البقرة وآل عمران وهذا كثير في الكلام # فقوله صلى الله عليه وسلم قد أبدلكم الله بهما خيرا يقتضي ترك الجمع ~~بينهما لا سيما قوله خيرا منهما يقتضي الاعتياض بما شرع لنا عما كان في ~~الجاهلية # وايضا فقوله لهم إن الله قد أبدلكم لما سألهم عن اليومين فأجابوه إنهما ~~يومان كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية دليل على أنه نهاهم عنهما اعتياضا ~~بيومي الإسلام إذ لو لم يقصد النهي لم يكن ذكر هذا الإبدال مناسبا إذ أصل ~~شرع اليومين الواجبين الإسلاميين كانوا يعملونه ولم يكونوا ليتركوه لأجل ~~يومي الجاهلية # وفي قول أنس ولهم يومان يلعبون فيهما وقول النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~الله قد أبدلكم بهما يومين خيرا منهما دليل على أن أنسا رضي الله عنه فهم ~~من قول النبي صلى الله عليه وسلم أبدلكم بهما تعويضا باليومين المبدلين # وأيضا فإن ذينك اليومين الجاهليين قد ماتا في الإسلام فلم يبق لهما أثر ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عهد خلفائه ولو لم يكن قد نهى ~~الناس عن اللعب فيهما ونحوه مما كانوا يفعلونه لكانوا قد بقوا على العادة ~~إذ العادات لا تغير إلا بمغير يزيلها لا سيما وطباع النساء والصبيان وكثير ~~من الناس متشوقة إلى اليوم الذي يتخذونه عيدا للبطالة واللعب ولهذا قد يعجز ~~كثير من الملوك PageV01P185 والرؤساء عن نقل الناس عن ms150 عاداتهم في أعيادهم ~~لقوة مقتضيها من نفوسهم وتوفر همم الجماهير على اتخاذها فلولا قوة المانع ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانت باقية ولو على وجه ضعيف فعلم أن ~~المانع القوي منه كان ثابتا وكل ما منع منه الرسول منعا قويا كان محرما إذ ~~لا يعني بالمحرم إلا هذا وهذا أمر بين لا شبهة فيه فإن مثل ذينك العيدين لو ~~عاد الناس إليهما بنوع ما مما كان يفعل فيهما إن رخص فيه كان مراغمة بينه ~~وبين ما نهى عنه فهو المطلوب # والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها أشد من المحذور في ~~أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها فإن الأمة قد حذروا مشابهة اليهود ~~والنصارى وأخبروا أن سيفعل قوم منهم هذا المحذور بخلاف دين الجاهلية فإنه ~~لا يعود إلا في آخر الدهر عند اخترام أنفس المؤمنين عموما ولو لم يكن أشد ~~منه فإنه مثله على ما لا يخفى إذ الشر الذي له فاعل موجود يخالف على الناس ~~منه أكثر من شر لا مقتضى له قوي # الحديث الثاني ما رواه أبو داود حدثنا شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي حدثني ~~يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة حدثني ثابت بن الضحاك قال نذر رجل على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة فأتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد قالوا لا قال فهل كان فيها ~~عيد من أعيادهم قالوا لا قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك فإنه ~~لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم # أصل هذا الحديث في الصحيحين وهذا الإسناد على شرط الصحيحين وإسناده كلهم ~~ثقات مشاهير وهو متصل بلا عنعنة # وبوانة بضم الباء الموحدة موضع قريب من مكة وفيه يقول وضاح اليمن ~~PageV01P186 # % أيا نخلتي وادي بوانة حبذا % % إذا نام حراس النخيل جناكما % $ # وسيأتي وجه الدلالة منه ms151 # وقال أبو داود في سننه حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هرون أنبأنا عبد ~~الله بن يزيد بن مقسم الثقفي من أهل الطائف حدثتني سارة بنت مقسم أنها سمعت ~~ميمونة بنت كردم قالت خرجت مع أبي في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت الناس يقولون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فجعلت أبده بصري فدنا إليه أبي وهو على ناقة له معه درة كدرة ~~الكتاب فسمت الأعراب والناس يقولون الطبطبية الطبطبية فدنا إليه أبي فأخذ ~~بقدمه قالت فأقر له ووقف واستمع منه فقال يا رسول الله إني نذرت إن ولد لي ~~ولد ذمر أن أنحر على رأس بوانة في عقبة من الثنايا عدة من الغنم قال لا ~~أعلم إلا أنها قالت خمسين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل بها من هذه ~~الأوثان شيء قال لا قال فأوف بما نذرت به لله قال فجمعها فجعل يذبحها ~~فانفلتت منه شاة فطلبها وهو يقول اللهم أوف بنذري فظفر بها فذبحها ~~PageV01P187 # قال أبو داود حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا عبد الحميد ~~ابن جعفر عن عمرو بن شعيب عن ميمونة بنت كردم عن سفيان عن أبيها نحوه ~~مختصرا شيء منه قال هل بها وثن أو عيد من أعياد الجاهلية قال لا قال قلت إن ~~أمي هذه عليها نذر مشي فأقضيه عنها وربما قال ابن بشار أنقضيه عنها قال نعم # وقال حدثنا مسدد حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة عبيد الله بن الاخنس عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ~~يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف قال أوفي بنذرك قالت إني ~~نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية قال لصنم قالت ~~لا قال لوثن قالت لا قال أوفي بنذرك # فوجه الدلالة أن هذا الناذر كان قد نذر أن يذبح نعما إما ms152 إبلا وإما غنما ~~وإما كانت قضيتين بمكان سماه فسأله النبي صلى الله عليه وسلم هل كان بها ~~وثن من أوثان الجاهلية يعبد قال لا قال فهل كان بها عيد من أعيادهم قال لا ~~فقال أوف بنذرك ثم قال لا وفاء لنذر في معصية الله # وهذا يدل على أن الذبح بمكان عيدهم ومحل أوثانهم معصية لله من وجوه # أحدها أن قوله فأوف بنذرك تعقيب للوصف بالحكم بحرف الفاء وذلك يدل على أن ~~الوصف هو سبب الحكم فيكون سبب الأمر بالوفاء وجود النذر خاليا من هذين ~~الوصفين فيكون وجود الوصفين مانعا من الوفاء ولو لم يكن معصية لجاز الوفاء ~~به PageV01P188 والثاني أنه عقب ذلك بقوله لا وفاء لنذر في معصية الله ~~ولولا اندراج الصورة المسئول عنها في هذا اللفظ العام وإلا لم يكن في ~~الكلام ارتباط والمنذور في نفسه وإن لم يكن معصية لكن لما سأله النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الصورتين قال له فأوف بنذرك يعني حيث ليس هناك ما يوجب ~~تحريم الذبح هناك فكان جوابه صلى الله عليه وسلم فيه أمرا بالوفاء عند ~~الخلو من هذا ونهى عنه عند وجود هذا وأصل الوفاء بالنذر معلوم فبين مالا ~~وفاء فيه واللفظ العام إذا ورد على سبب فلا بد أن يكون السبب مندرجا فيه # والثالث أنه لو كان الذبح في موضع العيد جائزا لسوغ صلى الله عليه وسلم ~~للناذر الوفاء به كما سوغ لمن نذرت الضرب بالدف أن تضرب به بل لأوجب الوفاء ~~به إذ كان الذبح بالمكان المنذور واجبا فإذا كان الذبح بمكان عيدهم منهيا ~~عنه فكيف الموافقة في نفس العيد بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم # يوضح ذلك أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد ~~إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك فالعيد يجمع أمورا # منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة # ومنها اجتماع فيه ومنها أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات وقد يختص ~~العيد بمكان بعينه وقد ms153 يكون مطلقا # وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدا # فالزمان كقوله صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة إن هذا يوم جعله الله ~~للمسلمين عيدا # والاجتماع والأعمال كقول ابن عباس شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P189 # والمكان كقوله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا # وقد يكون لفظ العيد اسما لمجموع اليوم والعمل فيه وهو الغالب كقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وإن هذا عيدنا # فقول النبي صلى الله عليه وسلم هل بها عيد من أعيادهم يريد اجتماعا ~~معتادا من اجتماعاتهم التي كانت عندهم عيدا فلما قال لا قال له أوف بنذرك # وهذا يقتضي أن كون البقعة مكانا لعيدهم مانع من الذبح بها وإن نذر كما أن ~~كونها موضع أوثانهم كذلك وإلا لما انتظم الكلام ولا حسن الاستفصال # ومعلوم أن ذلك إنما هو لتعظيم البقعة التي يعظمونها بالتعييد فيها أو ~~لمشاركتهم في التعييد فيها أو لإحياء شعار عيدهم فيها ونحو ذلك إذ ليس إلا ~~مكان الفعل أو نفس الفعل أو زمانه # فإن كان من أجل تخصيص البقعة وهو الظاهر فإنما نهى عن تخصيص البقعة لأجل ~~كونها موضع عيدهم ولهذا لما خلت عن ذلك أذن في الذبح فيها وقصد التخصيص باق ~~فعلم أن المحذور تخصيص بقعة عيدهم وإذا كان تخصيص بقعة عيدهم محذورا فكيف ~~بنفس عيدهم # هذا كما أنه لما كرهها لكونها موضع شركهم بعبادة الأوثان كان ذلك أدل على ~~النهي عن الشرك وعبادة الأوثان # وإن كان النهي لأن في الذبح هناك موافقة لهم في عمل عيدهم فهو عين ~~مسألتنا إذ مجرد الذبح هناك لم يكره على هذا التقدير إلا بموافقتهم في ~~العيد إذ ليس فيه محذور آخر # وإنما كان الاحتمال الأول أظهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأله ~~إلا عن كونها مكان عيدهم ولم يسأله هل يذبح فيها وقت عيدهم ولأنه قال ~~PageV01P190 هل كان بها عيد من أعيادهم فعلم أنه وقت السؤال لم يكن العيد ~~موجودا وهذا ms154 ظاهر # فإن في الحديث الأخير أن القصة كانت في حجة الوداع وحينئذ لم يكن قد بقي ~~عيد للمشركين # فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يذبح بمكان كان الكفار يعملون فيه ~~عيدا وإن كان أولئك الكفار قد أسلموا وتركوا ذلك العيد والسائل لا يتخذ ~~المكان عيدا بل يذبح فيه فقط فقد ظهر أن ذلك سد للذريعة إلى بقاء شيء من ~~أعيادهم خشية أن يكون الذبح هناك سببا لإحياء أمر تلك البقعة وذريعة إلى ~~اتخاذها عيدا مع أن ذلك العيد إنما كان يكون والله أعلم سوقا يتبايعون فيها ~~ويلعبون كما قالت له الأنصار يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية لم تكن ~~أعياد الجاهلية عبادة لهم ولهذا فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين كونها ~~مكان وثن وكونها مكان عبد # وهذا نهي شديد عن أن يفعل شيء من أعياد الجاهلية على أي وجه كان وأعياد ~~الكفار من الكتابيين والأميين في دين الإسلام من جنس واحد كما PageV01P191 ~~أن كفر الطائفتين سواء في التحريم وإن كان بعضه أشد تحريما من بعض ولا ~~يختلف حكمهما في حق المسلم لكن أهل الكتابين أقروا على دينهم مع ما فيه من ~~أعيادهم بشرط أن لا يظهروهاولا شيئا من دينهم وأولئك لم يقروا بل أعياد ~~الكتابيين التي تتخذ دينا وعبادة أعظم تحريما من عيد يتخذ لهوا ولعبا لأن ~~التعبد بما يسخطه الله ويكرهه أعظم من اقتضاء الشهوات بما حرمه ولهذا كان ~~الشرك أعظم إثما من الزنا ولهذا كان جهاد أهل الكتاب أفضل من جهاد الوثنيين ~~وكان من قتلوه من المسلمين له أجر شهيدين # وإذا كان الشارع قد حسم مادة أعياد أهل الأوثان خشية أن يتدنس المسلم ~~بشيء من أمر الكفار الذين قد آيس الشيطان أن يقيم أمرهم في جزيرة العرب ~~فالخشية من تدنسه بأوصاف الكتابيين الباقين أشد والنهي عنه أوكد كيف وقد ~~تقدم الخبر الصادق بسلوك طائفة من هذه الأمة سبيلهم # والوجه الثالث من السنة أن هذا الحديث وغيره قد دل على أنه كان للناس في ~~الجاهلية ms155 أعياد يجتمعون فيها ومعلوم أنه لما بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم محا الله ذلك عنه فلم يبق شيء من ذلك # ومعلوم أنه لولا نهيه ومنعه لما ترك الناس تلك الأعياد لأن المقتضى لها ~~قائم من جهة الطبيعة التي تحب ما يصنع في الأعياد خصوصا أعياد الباطل من ~~اللعب واللذات ومن جهة العادة التي ألفت ما يعود من العيد فإن العادة طبيعة ~~ثانية وإذا كان المقتضى قائما قويا فلولا المانع القوي لما درست تلك ~~الأعياد # وهذا يوجب العلم اليقيني بأن إمام المتقين صلى الله عليه وسلم كان يمنع ~~أمته منعا قويا عن أعياد الكفار ويسعى في دروسها وطموسها بكل سبيل وليس في ~~إقرار أهل الكتاب على دينهم إبقاء لشيء من أعيادهم في حق أمته PageV01P192 ~~كما أنه ليس في ذلك إبقاء في حق أمته لما هم عليه في سائر أعمالهم من سائر ~~كفرهم ومعاصيهم بل قد بالغ صلى الله عليه وسلم في أمر أمته بمخالفتهم في ~~كثير من المباحات وصفات الطاعات لئلا يكون ذلك ذريعة إلى موافقتهم في غير ~~ذلك من أمورهم ولتكون المخالفة في ذلك حاجزا ومانعا من سائر أمورهم فإنه ~~كلما كثرت المخالفة بينك وبين أهل الجحيم كان أبعد لك عن أعمال أهل الجحيم # فليس بعد حرصه على أمته ونصحه لهم بأبي هو وأمي غاية وكل ذلك من فضل الله ~~عليه وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون # والوجه الرابع من السنة ما خرجاه في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به ~~الأنصار يوم بعاث قالت وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر أبمزمور الشيطان في ~~بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم عيد فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا وفي رواية يا أبا بكر إن ~~لكل قوم عيدا وإن عيدنا هذا اليوم # وفي الصحيحين أيضا أنه قال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد ms156 وتلك الأيام ~~أيام منى # فالدلالة من وجوه # أحدها قوله إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا فإن هذا يوجب اختصاص كل قوم ~~بعيدهم كما أنه سبحانه لما قال @QB@ ولكل وجهة هو موليها @QE@ وقال @QB@ ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم ~~وذلك أن اللام تورث الاختصاص فإذا كان لليهود عيد وللنصارى عيد كانوا ~~مختصين به فلا نشركهم فيه كما لا نشركهم في قبلتهم وشرعتهم PageV01P193 # وكذلك أيضا على هذا لا ندعهم يشركوننا في عيدنا # الوجه الثاني قوله وهذا عيدنا فإنه يقتضي حصر عيدنا في هذا فليس لنا عيد ~~سواه # وكذلك قوله وإن عيدنا هذا اليوم فإن التعريف باللام والإضافة يقتضي ~~الاستغراق فيقتضي أن يكون جنس عيدنا منحصرا في جنس ذلك اليوم كما في قوله ~~في الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم # وليس غرضه صلى الله عليه وسلم الحصر في عين ذلك العيد أو عين ذلك اليوم ~~بل الإشارة إلى جنس المشروع كما يقول الفقهاء باب صلاة العيد وصلاة العيد ~~كذا وكذا ويندرج فيها صلاة العيدين وكما يقال لا يجوز صوم يوم العيد # وكذا قوله وإن هذا اليوم أي جنس هذا اليوم كما يقول القائل لما يعانيه من ~~الصلاة هذه صلاة المسلمين ويقال لمخرج المسلمين إلى الصحراء وما يفعلونه من ~~التكبير والصلاة ونحو ذلك هذا عيد المسلمين ونحو ذلك # ومن هذا الباب حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام وهي أيام ~~أكل وشرب رواه أبو دواد والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح # فإنه دليل على مفارقتنا لغيرنا في العيد والتخصيص بهذه الأيام الخمسة ~~لأنه يجتمع فيها العيدان المكاني والزماني ويطول زمنه وبهذا يسمى العيد ~~الكبير فلما كملت صفة التعييد حصر الحكم فيه لكماله أو لأنه هو عيد الأيام ~~وليس لنا عيد هو ايام إلا هذه الخمسة # الوجه الثالث أنه رخص في لعب الجواري بالدف وتغنيهن معللا بأن لكل قوم ~~عيدا وأن هذا عيدنا ms157 PageV01P194 # وذلك يقتضي أن الرخصة معللة بكونه عيد المسلمين وأنها لا تتعدى إلى أعياد ~~الكفار ولأنه لا يرخص في اللعب في أعياد الكفار كما يرخص فيه في أعياد ~~المسلمين إذ لو كان ما يفعل في عيدنا من ذلك اللعب يسوغ مثله في أعياد ~~الكفار أيضا لما قال فإن لكل قوم عيدا وإن هذا عيدنا لأن تعقيب الحكم ~~بالوصف بحرف الفاء دليل على أنه علة فيكون علة الرخصة أن كل أمة مختصة بعيد ~~وهذا عيدنا وهذه العلة مختصة بالمسلمين فلو كانت الرخصة معلقة باسم عيد ~~لكان الأعم مستقلا بالحكم فيكون الأخص عديم التأثير # فلما علل بالأخص علم أن الحكم لا يثبت بالوصف الأعم وهو مسمى عيد فلا ~~يجوز لنا أن نفعل في كل عيد للناس من اللعب ما نفعل في عيد المسلمين وهذا ~~هو المطلوب # وهذا فيه دلالة على النهي عن التشبه بهم في اللعب ونحوه # والوجه الرابع من السنة أن أرض العرب ما زال فيها يهود ونصارى حتى أجلاهم ~~عمر رضي الله عنه في خلافته وكان اليهود بالمدينة في حياة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان قد هادنهم حتى نقضوا العهد طائفة بعد طائفة وما زال ~~بالمدينة يهود وإن لم يكونوا كثيرا فانه صلى الله عليه وسلم مات ودرعه ~~مرهونة عند يهودي وكان في اليمن يهود كثير والنصارى بنجران وغيرها والفرس ~~بالبحرين # ومن المعلوم أن هؤلاء كانت لهم أعياد يتخذونها ومن المعلوم أيضا أن ~~المقتضي لما يفعل في العيد من الأكل والشرب واللباس والزينة واللعب والراحة ~~ونحو ذلك قائم في النفوس كلها إذا لم يوجد مانع خصوصا نفوس الصبيان والنساء ~~وأكثر الفارغين من الناس # ثم من كان له خبرة بالسير علم يقينا أن المسلمين على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما كانوا يشركونهم في شيء من أمرهم ولا يغيرون لهم عادة في ~~أعياد PageV01P195 الكافرين بل ذلك اليوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسائر المسلمين يوم من الأيام لا يختصونه بشيء أصلا إلا ما قد اختلف فيه ms158 من ~~مخالفتهم فيه كصومه على ما سيأتي إن شاء الله تعالى # فلولا أن المسلمين كان من دينهم الذي تلقوه عن نبيهم المنع من ذلك والكف ~~عنه لوجب أو يوجد من بعضهم فعل بعض ذلك لأن المقتضى لذلك قائم كما يدل عليه ~~الطبيعة والعادة فلولا المانع الشرعي لوجد مقتضاه # ثم على هذا جرى عمل المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين # غاية ما كان يوجد من بعض الناس ذهاب إليهم يوم العيد للتنزه بالنظر إلى ~~عيدهم ونحو ذلك فنهى عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة عن ذلك كما سنذكره ~~فكيف لو كان بعض الناس يفعل بعض ما يفعلونه أو ما هو سبب عيدهم # بل لما ظهر من بعض المسلمين اختصاص يوم عيدهم بصوم مخالفة لهم نهى ~~الفقهاء أو كثير منهم عن ذلك لأجل ما فيه من تعظيم ما لعيدهم أفلا يستدل ~~بهذا على أن المسلمين تلقوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم المنع عن مشاركتهم ~~في أعيادهم وهذا بعد التأمل بين جدا # الوجه الخامس من السنة ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا ~~الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم ~~فاختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع اليهو غدا والنصارى بعد غد ~~متفق عليه # وفي لفظ صحيح بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا ~~يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له PageV01P196 # وعن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم ~~الأحد فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد وكذلك ~~هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة ~~المقضى لهم وفي رواية بينهم قبل الخلائق رواه مسلم # وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة عيدا في غير موضع ms159 ونهى عن ~~إفراده بالصوم لما فيه من معنى العيد # ثم إن في هذا الحديث ذكر أن الجمعة لنا كما أن السبت لليهود والأحد ~~للنصارى واللام تقتضي الاختصاص # ثم هذا الكلام يقتضي الاقتسام إذا قيل هذه ثلاثة أثواب أو ثلاثة غلمان ~~هذا لي وهذا لزيد وهذا لعمرو أوجب ذلك أن يكون كل واحد مختصا بما جعل له لا ~~يشركه فيه غيره # فإذا نحن شاركناهم في عيدهم يوم السبت أو عيد يوم الأحد خالفنا هذا ~~الحديث وإذا كان هذا في العيد الأسبوعي فكذلك في العيد الحولي إذ لا فرق بل ~~إذا كان هذا في عيد يعرف بالحساب العربي فكيف بأعياد الكافرين العجمية التي ~~لا تعرف إلا بالحساب الرومي القبطي أو الفارسي أو العبري ونحو ذلك # وقوله صلى الله عليه وسلم بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من ~~بعدهم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله أي من أجل كما يروى أنه قال ~~أنا افصح العرب بيد أني من قريش واسترضعت في بني سعد ابن بكر # والمعنى والله أعلم أي نحن الآخرون في الخلق السابقون في الحساب والدخول ~~إلى الجنة كما قد جاء في الصحيح إن هذه الأمة أول من يدخل الجنة من الأمم ~~وإن محمدا صلى الله عليه وسلم أول من يفتح له باب الجنة PageV01P197 # وذلك لأنا أوتينا الكتاب من بعدهم فهدينا لما اختلفوا فيه من العيد ~~السابق للعيدين الآخرين وصار عملنا الصالح قبل عملهم فلما سبقناهم إلى ~~الهدى والعمل الصالح جعلنا سابقين لهم في ثواب العمل الصالح ومن قال بيد ~~ههنا بمعنى غير فقد أبعد # الوجه السادس من السنة ما روى كريب مولى ابن عباس رضي الله عنهما قال ~~أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة رضي ~~الله عنها أسألها أي الأيام كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها صياما ~~قالت كان يصوم يوم السبت والأحد أكثر ما كان يصوم من الأيام ويقول إنهما ~~يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم رواه أحمد ms160 والنسائي وابن أبي عاصم ~~وهو محفوظ من حديث عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن محمد ابن عمر بن علي ~~عن أبيه عن كريب وصححه بعض الحفاظ # وهذا نص في شرع مخالفتهم في عيدهم وإن كان على طريق الاستحباب وسنذكر ~~حديث نهيه عن صوم يوم السبت وتعليل ذلك أيضا بمخالفتهم ونذكر حكم صومه ~~مفردا عند العلماء وأنهم متفقون على شرع مخالفتهم في عيدهم وإنما اختلفوا ~~هل مخالفتهم يوم عيدهم بالصوم لمخالفة فعلهم أو بالإهمال حتى لا يقصد بصوم ~~ولا بفطر أو يفرق بين العيد العربي وبين العيد العجمي على ما سنذكره إن شاء ~~الله تعالى # وأما الإجماع والآثار فمن وجوه # أحدها ما قدمت التنبيه عليه من أن اليهود والنصارى والمجوس ما زالوا في ~~أمصار المسلمين بالجزية يفعلون أعيادهم التي لهم والمقتضي لبعض ما يفعلونه ~~قائم في كثير من النفوس ثم لم يكن على عهد السلف من المسلمين من يشركهم في ~~شيء من ذلك فلولا قيام المانع في نفوس الأمة كراهة ونهيا من ذلك وإلا لوقع ~~ذلك كثيرا إذ الفعل مع وجود مقتضيه وعدم ما فيه واقع لا محالة والمقتضى ~~PageV01P198 واقع فعلم وجود المانع والمانع هنا هو الدين فعلم أن الدين دين ~~الإسلام هو المانع من الموافقة وهو المطلوب # الثاني أنه قد تقدم في شروط عمر رضي الله عنه التي اتفقت عليها الصحابة ~~وسائر الفقهاء بعدهم أن أهل الذمة من أهل الكتاب لا يظهرون أعيادهم في دار ~~الإسلام وسموا الشعانين والباعوث فإذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من ~~إظهارها فكيف يسوغ للمسلمين فعلها أو ليس فعل المسلم لها أشد من فعل الكافر ~~لها مظهرا لها # وذلك أنا إنما منعناهم من إظهارها لما فيه من الفساد إما لأنها معصية أو ~~شعار المعصية وعلى التقديرين فالمسلم ممنوع من المعصية ومن شعائر المعصية ~~ولو لم يكن في فعل المسلم لها من الشر إلا تجرئة الكافر على إظهارها لقوة ~~قلبه بالمسلم فكيف بالمسلم إذا فعلها فكيف وفيها من الشر ما سنبنيه على ~~بعضه ms161 إن شاء الله تعالى # الثالث ما تقدم من رواية أبي الشيخ الأصبهاني عن عطاء بن يسار هكذا رأيته ~~ولعله عطاء بن دينار قال قال عمر إياكم ورطانة الأعاجم وإن تدخلوا على ~~المشركين يوم عيدهم في كنائسهم # وروى البيهقي بإسناد صحيح في باب كراهة الدخول على أهل الذمة في كنائسهم ~~والتشبه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم عن سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن عطاء ~~بن دينار قال قال عمر لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلو على المشركين في ~~كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم # وبالإسناد عن الثوري عن عوف عن الوليد أو أبي الوليد عن عبد الله ابن ~~عمرو قال من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت ~~وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة # وروى بإسناده عن البخاري صاحب الصحيح قال قال لي ابن أبي مريم ~~PageV01P199 أنبأنا نافع بن يزيد سمع سليمان بن أبي زينب وعمرو بن الحارث ~~سمع سعيد ابن سلمة سمع أباه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال اجتنبوا ~~أعداء الله في عيدهم # وروى بإسناد صحيح عن أبي أسامة حدثنا عون عن أبي المغيرة عن عبد الله ابن ~~عمرو قال من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت ~~وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة وقال هكذا رواه يحيى بن سعيد وابن أبي عدي ~~وغندر وعبد الوهاب عن عوف بن أبي المغيرة عن عبد الله بن عمرو من قوله # وبالإسناد إلى أبي أسامة عن حماد بن زيد عن هشام بن محمد بن سيرين قال ~~أتى علي رضي الله عنه بمثل النيروز فقال ما هذا قالوا يا أمير المؤمنين هذا ~~يوم النيروز قال فاصنعوا كل يوم نيروزا قال أسامة كره رضي الله عنه أن يقول ~~النيروز # قال البيهقي وفي هذا كراهة لتخصيص يوم بذلك لم يجعله الشرع مخصوصا به ~~وهذا عمر رضي الله عنه نهى عن لسانهم وعن مجرد دخول الكنيسة عليهم يوم ~~عيدهم فكيف بفعل بعض أفعالهم أو بفعل ما هو ms162 من مقتضيات دينهم أليست ~~موافقتهم في العمل أعظم من الموافقة في اللغة أو ليس بعض أعمال عيدهم أعظم ~~من مجرد الدخول عليهم في عيدهم وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب ~~عملهم فمن يشركهم في العمل أو بعضه أليس قد يعرض لعقوبة ذلك # ثم قوله اجتنبوا أعداء الله في عيدهم أليس نهيا عن لقائهم والاجتماع بهم ~~فيه فكيف بمن عمل عيدهم # وأما عبد الله بن عمرو فصرح أنه من بنى ببلادهم وصنع نيروزهم ومهرجانهم ~~وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم # وهذا يقتضي أنه جعله كافرا بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور أو جعل ذلك ~~PageV01P200 من الكبائر الموجبة للنار وإن كان الأول ظاهر لفظه فتكون ~~المشاركة في بعض ذلك معصية لأنه لو لم يكن مؤثرا في استحقاق العقوبة لم يجز ~~جعله جزاء من المقتضى إذ المباح لا يعاقب عليه وليس الذم على بعض ذلك ~~مشروطا ببعض لأن أبعاض ما ذكره يقتضي الذم مفردا # وإنما ذكر والله أعلم من بنى ببلادهم لأنهم على عهد عبد الله بن عمرو ~~وغيره من الصحابة كانوا ممنوعين من إظهار عيدهم بدار الإسلام وما كان أحد ~~من المسلمين يتشبه بهم في عيدهم وإنما كان يتمكن من ذلك بكونه في أرضهم # وأما علي رضي الله عنه فكره موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به ~~فكيف بموافقتهم في العمل # وقد نص أحمد على معنى ما جاء عن عمر وعلي رضي الله عنهما في ذلك وذكر ~~أصحابه مسأله العيد # وقد تقدم قول القاضي أبي يعلى مسألة في المنع من حضور أعيادهم # وقال الإمام أبو الحسن الآمدي المعروف بابن البغدادي في كتابه عمدة ~~الحاضر وكفاية المسافر # | فصل # لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود نص عليه أحمد في رواية مهنا واحتج ~~بقوله تعالى @QB@ والذين لا يشهدون الزور @QE@ قال الشعانين وأعيادهم فأما ~~ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره نص عليه أحمد في رواية ~~مهنا وقال إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم فأما ما يباع في ~~الاسواق من المأكل ms163 فلا وإن قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم # وقال الخلال في جامعه باب في كراهة خروج المسلمين في أعياد المشركين ~~PageV01P201 وذكر عن مهنا قال سألت أحمد عن شهود هذه الأعياد التي تكون ~~عندنا بالشام مثل طور يابور ودير أيوب وأشباهه يشهده المسلمون ويشهدون ~~الأسواق ويجلبون الغنم فيه والبقر والرقيق والبر والشعير وغير ذلك إلا أنهم ~~إنما يدخلون في الأسواق يشترون ولا يدخلون عليهم بيعهم قال إذا لم يدخلوا ~~عليهم بيعهم وإنما يشهدون السوق فلا بأس وإنما رخص أحمد رحمه الله في شهود ~~السوق بشرط أن لا يدخلوا عليهم بيعهم # فعلم منعه من دخول بيعهم # وكذلك أخذ الخلال من ذلك المنع من خروج المسلمين في أعيادهم فقد نص أحمد ~~على مثل ما جاء عن عمر رضي الله عنه من المنع من دخول كنائسهم في أعيادهم ~~وهو كما ذكرنا من باب التنبيه عن المنع من أن يفعل كفعلهم # وأما الرطانة وتسمية شهورهم بالأسماء العجمية # فقال أبو محمد الكرماني المسمى بحرب باب تسمية الشهور بالفارسية قلت ~~لأحمد فإن للفرس أياما وشهورا يسمونها بأسماء لا تعرف فكره ذلك أشد الكراهة ~~وروى فيه عن مجاهد أنه يكره أن يقال آذرماه وذي ماه قلت فإن كان اسم رجل ~~أسميه به فكرهه وقال وسألت إسحاق قلت تاريخ الكتاب يكتب بالشهور الفارسية ~~مثل آذرماه وذي ماه قال إن لم يكن في تلك الأسامي اسم يكره فأرجو # قال وكان ابن المبارك يكره إيزدان يحلف به وقال لا آمن أن يكون أضيف إلى ~~شيء يعبد وكذلك الأسماء الفارسية # قال وكذلك أسماء العرب كل شيء مضاف # قال وسألت إسحاق مرة أخرى قلت الرجل يتعلم شهور الروم والفرس قال كل اسم ~~معروف في كلامهم فلا بأس # فما قاله أحمد من كراهة هذه الأسماء له وجهان PageV01P202 # أحدهما إذا لم يعرف معنى الاسم جاز أن يكون معنى محرما فلا ينطق المسلم ~~بما لا يعرف معناه ولهذا كرهت الرقى العجمية كالعبرانية أو السريانية أو ~~غيرها خوفا أن يكون فيها معان لا تجوز # وهذا المعنى هو ms164 الذي اعتبره إسحق ولكن إذا علم أن المعنى مكروه فلا ريب ~~في كراهته وإن جهل معناه فأحمد كرهه # وكلام إسحق يحتمل أنه لم يكره # والوجه الثاني كراهة أن يتعود الرجل النطق بغير العربية فإن اللسان ~~العربي شعار الإسلام وأهله واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون # ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون في الأدعية التي في الصلاة ~~والذكر أن يدعي الله أو يذكر بغير العربية # وقد اختلف الفقهاء في أذكار الصلاة هل تقال بغير العربية وهي ثلاث درجات ~~أعلاها القرآن ثم الذكر الواجب غير القرآن كالتحريمة بالإجماع وكالتحليل ~~والتشهد عند من أوجبه ثم الذكر غير الواجب من دعاء أو تسبيح أو تكبير وغير ~~ذلك # فأما القرآن فلا يقرؤه بغير العربية سواء قدر عليها أو لم يقدر عند ~~الجمهور وهو الصواب الذي لا ريب فيه بل قد قال غير واحد إنه يمتنع أن يترجم ~~سورة أو ما يقوم به الإعجاز # واختلف أبو حنيفة وأصحابه في القادر على العربية # وأما الأذكار الواجبة فاختلف في منع ترجمة القرآن هل تترجم للعاجز عن ~~العربية وعن تعلمها وفيه لأصحاب أحمد وجهان # أشبههما بكلام أحمد أنه لا يترجم وهو قول مالك وإسحق # والثاني يترجم وهو قول أبي يوسف ومحمد الشافعي # وأما سائر الأذكار فالمنصوص من الوجهين أنه لا يترجمها ومتى فعل ~~PageV01P203 بطلت صلاته وهو قول مالك وإسحاق وبعض أصحاب الشافعي # والمنصوص عن الشافعي أنه يكره ذلك بغير العربية ولا يبطل # ومن أصحابنا من قال له ذلك إذا لم يحسن العربية # وحكم النطق بالعجمية في العبادات من الصلاة والقراءة والذكر كالتلبية ~~والتسمية على الذبيحة وفي العقود والفسوخ كالنكاح واللعان وغير ذلك معروف ~~في كتب الفقه # وأما الخطاب بها من غير حاجة في أسماء الناس والشهود كالتواريخ ونحو ذلك ~~فهو منهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب وأما مع العلم به فكلام أحمد بين في ~~كراهته أيضا فإنه كره آذرماه ونحوه ومعناه ليس محرما # وأظنه سئل عن الدعاء في الصلاة بالفارسية فكرهه وقال لسان سوء ms165 # وهو أيضا قد اخذ بحديث عمر رضي الله عنه الذي فيه النهي عن رطانتهم وعن ~~شهود أعيادهم وهذا قول مالك أيضا فإنه قال لا يحرم بالعجمية ولا يدعو بها ~~ولا يحلف بها وقال نهى عمر عن رطانة الأعاجم وقال إنها خب # فقد استدل بنهي عمر عن الرطانة مطلقا # وقال الشافعي فيما رواه السلفي بإسناد معروف إلى محمد بن عبد الله بن ~~الحكم قال سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول سمى الله الطالبين من فضله في ~~الشراء والبيع تجارا ولم تزل العرب تسميهم التجار ثم سماهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما سمى الله به من التجارة بلسان العرب والسماسرة اسم من ~~أسماء العجم فلا نحب أن يسمى رجل يعرف العربية تاجرا إلا تاجرا ولا ينطق ~~بالعربية فيسمى شيئا بالعجمية وذلك أن اللسان الذي اختاره الله عز وجل لسان ~~العرب فأنزل به كتابه العزيز وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه ~~وسلم ولهذا نقول ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها لأنها ~~اللسان الأولى PageV01P204 بأن يكون مرغوبا فيه من غير أن يحرم على أحد أن ~~ينطق بالعجمية # فقد كره الشافعي لمن يعرف العربية أن يسمى بغيرها وأن يتكلم بها خالطا ~~لها بالعجمية وهذا الذي ذكره قاله الأئمة مأثور عن الصحابة والتابعين وقد ~~قدمنا عن عمر وعلي رضي الله عنهما ما ذكرناه # وروى أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف حدثنا وكيع عن أبي هلال عن أبي بريدة ~~قال قال عمر ما تعلم الرجل الفارسية إلا خب ولا خب رجل إلا نقضت مروءته # وقال حدثنا وكيع عن ثور عن عطاء قال لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا ~~عليهم كنائسهم فإن السخط ينزل عليهم # وهذا الذي رويناه فيما تقدم عن عمر رضي الله عنه # وقال حدثنا إسماعيل بن علية عن داود بن أبي هند أن محمد بن سعد بن أبي ~~وقاص سمع قوما يتكلمون بالفارسية فقال ما بال المجوسية بعد الحنيفية # وقد روى السلفي من حديث سعيد بن العلاء ms166 البرذعي حدثنا إسحاق بن إبراهيم ~~البلخي حدثنا عمر بن هرون البلخي حدثنا أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحسن أن يتكلم ~~بالعربية فلا يتكلم بالعجمية فإنه يورث النفاق # ورواه أيضا بإسناد آخر معروف إلى أبي سهيل محمود بن عمر العكبري حدثنا ~~محمد بن الحسن بن محمد المقري حدثنا أحمد بن خليل ببلخ حدثنا إسحاق بن ~~إبراهيم الجريري حدثنا عمر بن هارون عن أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر عن ~~عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يحسن أن يتكلم بالعربية ~~فلا يتكلم بالفارسية فإنه يورث النفاق # وهذا الكلام يشبه كلام عمر بن الخطاب وأما رفعه فموضع تبين # ونقل عن طائفة منهم أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من العجمية ~~PageV01P205 # قال أبو خلدة كلمني أبو العالية بالفارسية # وقال منذر الثوري سأل رجل محمد بن الحنفية عن الخبز فقال يا جارية اذهبي ~~بهذا الدرهم فاشتري به تنبييزا فاشترت به تنبييزا ثم جاءت به يعني الخبز # وفي الجملة فالكلمة بعد الكلمة من العجمية أمرها قريب وأكثر ما كانوا ~~يفعلون إما لكون المخاطب أعجميا أو قد اعتاد العجمية يريدون تقريب الأفهام ~~عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد ابن سعيد بن ~~العاص وكانت صغيرة قد ولدت بأرض الحبشة لما هاجر أبوها فكساها النبي صلى ~~الله عليه وسلم قميصا وقال يا أم خالد هذا سنا والسنا بلغة الحبشة الحسن # وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال لمن أوجعه بطنه أشكم بدرد وبعضهم ~~يرويه مرفوعا ولا يصح # وأما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى ~~يصير ذلك عادة للمصر وأهله ولأهل الدار وللرجل مع صاحبه ولأهل السوق أو ~~للأمراء أو لأهل الديوان أو لأهل الفقه فلا ريب أن هذا مكروه فإنه من ~~التشبه بالأعاجم وهو مكروه كما تقدم # ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض ms167 الشام ومصر ولغة أهلهما ~~رومية وارض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية وأهل المغرب ولغة أهلها ~~بربرية عودوا أهل هذه البلاد العربية حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم ~~وكافرهم وهكذا كانت خراسان قديما ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة واعتادوا ~~الخطاب بالفارسية حتى غلبت عليهم وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم ولا ~~ريب أن هذا مكروه # وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في ~~PageV01P206 الدور والمكاتب فيظهر شعار الإسلام وأهله ويكون ذلك أسهل على ~~أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف بخلاف من اعتاد لغة ثم ~~أراد أن ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب عليه # واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويا بينا ~~ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومشابهتهم تزيد ~~العقل والدين والخلق # وأيضا فإن نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب فإن فهم الكتاب ~~والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو ~~واجب # ثم منها ما هو واجب على الأعيان ومنها ما هو واجب على الكفاية # وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر ~~بن يزيد قال كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أما بعد فتفقهوا في ~~السنة وتفقهوا في العربية وأعربوا القرآن فإنه عربي # وفي حديث آخر عن عمر رضي الله عنه أنه قال تعلموا العربية فإنها من دينكم ~~وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم # وهذا الذي أمر به عمر رضي الله عنه من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما ~~يحتاج إليه لأن الدين فيه فقه أقوال وأعمال ففقه العربية هو الطريق إلى فقه ~~أقواله وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله # وأما الاعتبار في مسألة العيد فمن وجوه # أحدها أن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله سبحانه ~~@QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ وقال @QB@ لكل أمة جعلنا منسكا هم ~~ناسكوه @QE@ كالقبلة والصلاة والصيام فلا ms168 فرق بين مشاركتهم في العيد وبين ~~مشاركتهم في سائر المناهج فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر ~~PageV01P207 والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر بل الأعياد هي ~~من أخص ما تتميز به بين الشرائع ومن أظهر ما لها من الشعائر فالموافقة فيها ~~موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره ولا ريب أن الموافقة في هذا قد ~~تنتهي إلى الكفر في الجملة وشروطه # وأما مبدؤها فأقل أحواله أن تكون معصية وإلى هذا الاختصاص أشار النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقوله إن لكل قوم عيدا وإن هذا عيدنا وهذا أقبح من مشاركتهم ~~في لبس الزنار ونحوه من علاماتهم فإن تلك علامة وضعية ليست من الدين وإنما ~~الغرض منها مجرد التمييز بين المسلم والكافر وأما العيد وتوابعه فإنه من ~~الدين الملعون هو واهله فالموافقة فيه موافقة فيما يتميزون به من أسباب سخط ~~الله وعقابه # وإن شئت أن تنظم هذا قياسا تمثيليا قلت العيد شريعة من شرائع الكفر أو ~~شعيرة من شعائره فحرمت موافقتهم فيها كسائر شعائر الكفر وشرائعه وإن كان ~~هذا أبين من القياس الجزئي # ثم كل ما يختص به ذلك من عبادة وعادة فإنما سببه هو كونه يوما مخصوصا ~~وإلا فلو كان كسائر الأيام لم يختص بشيء وتخصيصه ليس من دين الإسلام في شيء ~~بل هو كفر به # الوجه الثاني من الاعتبار أن ما يفعلونه في أعيادهم معصية لله لأنه إما ~~محدث مبتدع وإما منسوخ وأحسن أحواله ولا حسن فيه أن يكون بمنزلة صلاة ~~المسلم إلى بيت المقدس هذا إذا كان المفعول مما يتدين به وأما ما يتبع ذلك ~~من التوسع في العادات من الطعام واللباس واللعب والراحة فهو تابع لذلك ~~العيد الديني كما أن ذلك تابع له في دين الإسلام فيكون بمنزلة أن يتخذ بعض ~~المسلمين عيدا مبتدعا يخرجون فيه إلى الصحراء ويفعلون فيه من العبادات ~~والعادات من جنس المشروع في يومي الفطر والنحر أو مثل أن ينصب بنية يطاف ~~بها ويحج إليها PageV01P208 ويصنع لمن يفعل ذلك طعاما ms169 ونحو ذلك فلو كره ~~المسلم ذلك لكره غير عادته ذلك اليوم كما يغير أهل البدع عاداتهم في الأمور ~~العادية أو في بعضها بصنعهم طعاما أو زينة لباس أو توسيع في نفقة ونحو ذلك ~~من غير أن يتعبدوا بتلك العادة المحدثة كان هذا من أقبل المنكرات فكذلك ~~موافقة هؤلاء المغضوب عليهم والضالين وأشد # نعم هؤلاء يقرون على دينهم المبتدع والمنسوخ بشرط أن يكونوا مستسرين به ~~والمسلم لا يقر على دين مبتدع ولا منسوخ لا سرا ولا علانية وأما مشابهة ~~الكفار فكمشابهة أهل البدع وأشد # الوجه الثالث من الاعتبار يدل أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل ~~الكثير ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس وتناسوا أصله حتى يصير عادة ~~للناس بل عيدا حتى يضاهى بعيد الله بل قد يزيد عليه حتى يكاد أن يفضي إلى ~~موت الإسلام وحياة الكفر كما قد سوله الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام فيما ~~يفعلونه في آخر صوم النصارى من الهدايا والأفراح والنفقات وكسوة الأولاد ~~وغير ذلك مما يصير به مثل عيد المسلمين بل البلاد المصاقبة للنصارى التي قل ~~علم أهلها وإيمانهم قد صار ذلك أغلب عندهم وأبهى في نفوسهم من عيد الله ~~ورسوله على ما حدثني به الثقات ويؤكد صحة ذلك ما رأيته بدمشق وما حولها من ~~أرض الشام مع أنها أقرب إلى العلم والإيمان PageV01P209 # فهذا الخميس الذي يكون في آخر صوم النصارى يدور بدوران صومهم الذي هو ~~سبعة أسابيع وصومهم وإن كان في أوائل الفصل الذي تسميه العرب الصيف وتسميه ~~العامة الربيع فإنه يتقدم ويتأخر ليس له حد واحد من السنة الشمسية كالخميس ~~الذي هو في أول نيسان بل يدور في نحو ثلاثة وثلاثين يوما لا يتقدم أوله عن ~~ثاني شباط ولا يتأخر أوله عن ثاني آذار بل يبتدئون من الاثنين الذي هو اقرب ~~إلى اجتماع الشمس والقمر في هذه المدة ليراعوا التوقيت الشمسي والهلالي # وكل ذلك بدع أحدثوها باتفاق منهم خالفوا بها الشريعة التي جاءت بها ~~الأنبياء فإن الأنبياء ما ms170 وقتوا العبادات إلا بالهلال وإنما اليهود ~~والنصارى حرفوا الشرائع تحريفا ليس هذا موضع ذكره # ويلي هذا الخميس يوم الجمعة الذي جعلوه بإزاء يوم الجمعة التي صلب فيها ~~المسيح على زعمهم الكاذب يسمونها جمعة الصلبوت ويليه ليلة السبت التي ~~يزعمون أن المسيح كان فيها في القبر وأظنهم يسمونها ليلة النور وسبت النور ~~ويصنعون مخرقة يروجونها على عامتهم لغلبة الضلال عليها ويخيلون إليهم أن ~~النور ينزل من السماء في كنيسة القيامة التي ببيت المقدس حتى يحملوا ما ~~يوقد من ذلك الضوء إلى بلادهم متبركين به وقد علم كل ذي عقل أنه مصنوع ~~مفتعل # ثم يوم السبت يطلبون اليهود ويوم الأحد يكون العيد الكبير عندهم الذي ~~يزعمون أن المسيح قام فيه # ثم الأحد الذي يلي هذا يسمونه الأحد الحديث يلبسون فيه الجديد من ثيابهم ~~ويفعلون فيه أشياء وكل هذه الأيام عندهم أيام العيد كما أن يوم عرفة ويوم ~~النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام وهم يصومون عن الدسم وما فيه الروح ثم ~~في مقدمة فطرهم يفطرون أو بعضهم على ما يخرج من الحيوان من لبن وبيض ولحم ~~وربما كان أول فطرهم على البيض ويفعلون في أعيادهم PageV01P210 وغيرها من ~~أمور دينهم أقوالا وأعمالا لا تنضبط ولهذا تجد نقل العلماء لمقالاتهم ~~وشرائعهم تختلف وعامته صحيح # وذلك أن القوم يزعمون أن ما وضعه رؤساء دينهم من الأحبار والرهبان من ~~الدين فقد لزمهم حكمه وصار شرعا شرعه المسيح في السماء فهم في كل مدة ~~ينسخون أشياء ويشرعون غيرها أشياء من الإيجابات والتحريمات وتأليف ~~الاعتقادات وغير ذلك مخالفا لما كانوا عليه قبل ذلك زعما منهم أن هذا ~~بمنزلة نسخ الله شريعة بشريعة أخرى # فهم واليهود في هذا الباب وغيره على طرفي نقيض اليهود تمنع أن ينسخ الله ~~الشرائع أو يبعث رسولا بشريعة تخالف ما قبلها كما أخبر الله عنهم بقوله ~~@QB@ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها @QE@ ~~والنصارى تجيز لأحبارهم ورهبانهم شرع الشرائع ونسخها فلذلك لا ينضبط ~~للنصارى شريعة محكمة مستمرة على الأزمان # وغرضنا ms171 لا يتوقف على معرفة تفاصيل باطلهم ولكن يكفينا أن نعرف المنكر ~~معرفة تميز بينه وبين المباح والمعروف والمستحب والواجب حتى نتمكن بهذه ~~المعرفة من اتقائه واجتنابه كما نعرف سائر المحرمات إذ الفرض علينا تركها ~~ومن لم يعرف المنكر لا جملة ولا تفصيلا لم يتمكن من قصد اجتنابه والمعرفة ~~الجميلة كافية بخلاف الواجبات فإن الفرض لما كان فعلها والفعل لا يتأتى إلا ~~مفصلا وجبت معرفتها على سبيل التفصيل # وإنما عددت أشياء من منكرات دينهم لما رأيت طوائف من المسلمين قد ابتلوا ~~ببعضها وجهل كثير منهم أنها من دين النصارى الملعون هو وأهله # وقد بلغني أيضا أنهم يخرجون يوم الخميس الذي قبل ذلك أو يوم السبت أو غير ~~ذلك إلى القبور ويبخرونها وكذلك يبخرون بيوتهم في هذه الأوقات وهم يعتقدون ~~أن في البخور بركة ودفع أذى لا لكونه طيبا ويعدونه من القرابين PageV01P211 ~~مثل الذبائح ويرقونه بنحاس يضربونه كأنه ناقوس صغير وبكلام مصنف ويصلبون ~~على أبواب بيوتهم إلى غير ذلك من الأمور المنكرة ولست أعلم جميع ما يفعلونه ~~وإنما ذكرت ما ذكرته لما رأيت كثيرا من المسلمين يفعلونه وأصله مأخوذ عنهم ~~حتى إنه كان في مدة الخميس تبقى الأسواق مملوءة من أصوات هذه النواقيس ~~الصغار وكلام الرقايين من المنجمين وغيرهم بكلام أكثره باطل وفيه ما هو ~~محرم أو كفر # وقد ألقي إلى الجماهير العامة أو جميعهم إلا من شاء الله وأعني بالعامة ~~هنا كل من لم يعلم حقيقة الإسلام فإن كثيرا ممن ينتسب إلى فقه أو دين قد ~~شارك في ذلك ألقي إليهم أن البخور المرقي ينفع ببركته من العين والسحر ~~والأدواء والهوام ويصورون في أوراق صور الحيات والعقارب ويلصقونها في ~~بيوتهم زعما منهم أن تلك الصور الملعون فاعلها التي لا تدخل الملائكة بيتا ~~هي فيه تمنع الهوام وهو ضرب من طلاسم الصابئة # ثم كثير منهم على ما بلغني يصلب على باب البيت # ويخرج خلق عظيم في الخميس المتقدم على هذا الخميس يبخرون المقابر ويسمون ~~هذا المتأخر الخميس الكبير وهو عند الله الخميس ms172 المهين الحقير هو وأهله ومن ~~يعظمه فإن كل ما عظم بالباطل من زمان أو مكان أو حجر أو شجر أو بنية يجب ~~قصد إهانته كما تهان الأوثان المعبودة وإن كانت لولا عبادتها لكانت كسائر ~~الأحجار # ومما يفعله الناس من المنكرات أنهم يوظفون على الأماكن وظائف أكثرها كرها ~~من الغنم والدجاج واللبن والبيض فيجتمع فيها تحريمان أكل مال المسلم أو ~~المعاهد بغير حق وإقامة شعار النصارى ويجعلونه ميقاتا لاخراج الوكلاء على ~~المزارع ويطحنون فيه ويصبغون فيه البيض وينفقون فيه النفقات الواسعة ~~ويزينون أولادهم إلى غير ذلك من الأمور التي يقشعر منها قلب المؤمن الذي لم ~~يمت قلبه بل يعرف المعروف وينكر المنكر PageV01P212 # وخلق كثير منهم يضعون ثيابهم تحت السماء رجاء البركة من مريم تنزل عليها ~~فهل يستريب من في قلبه أدنى حياة من الايمان أن شريعة جاءت بما قدمنا بعضه ~~من مخالفة اليهود والنصارى لا يرضى من شرعها ببعض هذه القبائح # ويفعلون ما هو أعظم من ذلك يطلون أبواب بيوتهم ودوابهم بالخلوق والمغراء ~~وغير ذلك من أعظم المنكرات عند الله فالله تعالى يكفينا شر المبتدعة وبالله ~~التوفيق # واصل ذلك كله إنما هو اختصاص أعياد الكفار بأمر جديد أو مشابهتهم في بعض ~~أمورهم # يوضح ذلك ان الأسبوع الذي يقع في آخر صومهم يعظمونه جدا بتسميته الخميس ~~الكبير وجمعته الجمعة الكبيرة ويجتهدون في التعبد فيه مالا يجتهدون في غيره ~~بمنزلة العشر الأواخر من رمضان في دين الله ورسوله والأحد الذي هو أول ~~الأسبوع يصنعون فيه عيدا يسمونه الشعانين هكذا نقل بعضهم عنهم أن الشعانين ~~هو أول أحد في صومهم يخرجون فيه بورق الزيتون ونحوه يزعمون أن ذلك مشابهة ~~لما جرى للمسيح عليه السلام حين دخل إلى بيت المقدس راكبا أتانا مع جحشها ~~فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فثار عليه غوغاء الناس وكان اليهود قد وكلوا ~~قوما معهم عصى يضربونه بها فأورقت تلك العصي وسجد أولئك الغوغاء للمسيح ~~فعيد الشعانين مشابهة لذلك الأمر وهو الذي سمي في شروط عمر وكتب الفقه أن ~~لا يظهروه ms173 في دار الإسلام ويسمون هذا العيد وكل مخرج يخرجونه إلى الصحراء ~~باعوثا فالباعوث اسم جنس لما يظهر به الدين كعيد الفطر والنحر عند المسلمين # فما يحكونه عن المسيح عليه الصلاة والسلام من المعجزات في حيز الإمكان لا ~~نكذبهم فيه لإمكانه ولا نصدقهم لجهلهم وفسقهم # وأما موافقتهم في التعييد فإحياء دين أحدثوه أو دين نسخه الله ~~PageV01P213 # ثم الخميس الذي يسمونه الخميس الكبير يزعمون أن في مثله نزلت المائدة ~~التي ذكرها الله في القرآن حيث قال @QB@ قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل ~~علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا @QE@ الآيات فيوم ~~الخميس هو يوم عيد المائدة ويوم الأحد يسمونه عيد الفصح وعيد النور والعيد ~~الكبير ولما كان عيدا صاروا يصنعون فيه لأولادهم البيض المصبوغ ونحوه لأنهم ~~فيه يأكلون ما يخرج من الحيوان من لحم ولبن أو بيض إذ صومهم هو عن الحيوان ~~وما يخرج منه وإنما يأكلون في صومهم الحب وما يصنع منه من خبز وزبيب وشيرج ~~ونحو ذلك # وعامة هذه الأعمال المحكية عن النصارى وغيرها مما لم يحك قد زينها ~~الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام وجعل لها في قلوبهم مكانة وحسن ظن وزادوا ~~في بعض ذلك ونقصوا وقدموا وأخروا إما لأن بعض ما يفعلونه قد كان يفعله بعض ~~النصارى أو غيروه هم من عند انفسهم كما كانوا يغيرون بعض أمر الدين الحق ~~لكن لما اختصت به هذه الأيام ونحوها من الأيام التي ليس لها خصوصية في دين ~~الله وإنما خصوصها في الدين الباطل بل إنما أصل تخصيصها من دين الكافرين ~~وتخصيصها بذلك فيه مشابهة لهم وليس لجاهل أن يعتقد أن بهذا تحصل المخالفة ~~لهم كما في صوم يوم عاشوراء لأن ذلك فيما كان أصله مشروعا لنا وهم يفعلونه ~~فإنا نخالفهم في وصفه فأما مالم يكن في ديننا بحال بل هو في دينهم المبتدع ~~والمنسوخ فليس لنا أن نشابههم لا في أصله ولا في وصفه كما قدمنا قاعدة ذلك ~~فيما مضى # فإحداث أمر ما في هذه الأيام التي يتعلق ms174 تخصيصها بهم لابنا هو مشابهة لهم ~~في أصل تخصيص هذه الأيام بشيء فيه تعظيم وهذا بين على قول من يكره صوم يوم ~~النيروز والمهرجان لا سيما إذا كانوا يعظمون ذلك اليوم الذي أحدث فيه ذلك ~~العمل PageV01P214 # ويزيد ذلك وضوحا أن الأمر قد آل إلى أن كثيرا من الناس صاروا في مثل هذا ~~الخميس الذي هو عند الكفار عيد المائدة آخر خميس في صوم النصارى الذي ~~يسمونه الخميس الكبير وهو الخميس الحقير يجتمعون في أماكن اجتماعات عظيمة ~~ويصبغون البيض ويطبخون اللبن وينكتون بالحمرة دوابهم ويصطنعون الأطعمة التي ~~لا تكاد تفعل في عيد الله ورسوله ويتهادون الهدايا التي تكون في مثل مواسم ~~الحج وعامتهم قد نسوا أصل ذلك وعلته وبقي عادة مطردة كاعتيادهم بعيد الفطر ~~والنحر وأشد واستعان الشيطان على إغوائهم في ذلك بأن الزمان زمان ربيع وهو ~~مبدأ العام الشمسي فيكون قد كثر فيه اللحم واللبن والبيض ونحو ذلك مع أن ~~عيد النصارى ليس هو يوما محدودا من السنة الشمسية وإنما يتقدم فيها ويتأخر ~~في نحو ثلاثة وثلاثين يوما كما قدمناه # وهذا كله تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من كان قبلكم ~~والسنن مشابهة الكفار في القليل من أمر عيدهم وعدم النهي عن ذلك # وإذا كانت المشابهة في القليل ذريعة ووسيلة إلى بعض هذه القبائح كانت ~~محرمة فكيف إذا أفضت إلى ما هو كفر بالله من التبرك بالصليب والتعميد في ~~المعمودية أو قول القائل المعبود واحد وإن كانت الطرق مختلفة ونحو ذلك من ~~الأقوال والأفعال التي تتضمن إما كون الشريعة النصرانية واليهودية ~~المبدلتين المنسوختين موصلة إلى الله وإما استحسان بعض ما فيها مما يخالف ~~دين الله أو التدين بذلك أو غير ذلك مما هو كفر بالله وبرسوله وبالقرآن ~~وبالإسلام بلا خلاف بين الأمة الوسط في ذلك # وأصل ذلك المشابهة والمشاركة # وبهذا يتبين لك كمال موقع الشريعة الحنيفية وبعض حكمة ما شرعه الله ~~PageV01P215 لرسوله من مباينة الكفار ومخالفتهم في عامة أمورهم لتكون ~~المخالفة أحسم لمادة الشر وأبعد عن الوقوع ms175 فيما وقع فيه الناس # واعلم أنا لو لم نر موافقتهم قد أفضت إلى هذه القبائح لكان علمنا بما ~~فطرت الطبائع عليه واستدلالنا بأصول الشريعة يوجب النهي عن هذه الذريعة ~~فكيف وقد رأينا من المنكرات التي أفضت إليها المشابهة ما قد يوجب الخروج من ~~الإسلام بالكلية # وسر هذا الوجه أن المشابهة تفضي إلى كفر أو معصية غالبا أو تفضي إليهما ~~في الجملة وليس في هذا المفضى مصلحة وما أفضى إلى ذلك كان محرما فالمشابهة ~~محرمة والمقدمة الثانية لا ريب فيها فإن استقراء الشريعة في مواردها ~~ومصادرها دل على أن ما أفضى إلى الكفر غالبا حرام وما أفضى إليه على وجه ~~خفي حرام وما أفضى إليه في الجملة ولا حاجة تدعو إليه حرام كما قد تكلمنا ~~على قاعدة الذرائع في غير هذا الكتاب # والمقدمة الأولى قد شهد بها الواقع شهادة لا تخفى على بصير ولا أعمى مع ~~أن الإفضاء أمر طبيعي قد اعتبره الشارع في عامة الذرائع التي سدها كما قد ~~ذكرنا من الشواهد على ذلك نحوا من ثلاثين أصلا منصوصة أو مجمعا عليها في ~~كتاب إقامة الدليل على بطلان التحليل # الوجه الرابع من الاعتبار أن الأعياد والمواسم في الجملة لها منفعة عظيمة ~~في دين الخلق ودنياهم كانتفاعهم بالصلاة والزكاة والصيام والحج ولهذا جاءت ~~بها كل شريعة كما قال تعالى @QB@ لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه @QE@ وقال ~~@QB@ ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ~~@QE@ # ثم إن الله شرع على لسان خاتم النبيين من الأعمال ما فيه صلاح الخلق على ~~أتم الوجوه وهو الكمال المذكور في قوله تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم ~~@QE@ PageV01P216 ولهذا أنزل الله هذه الآية في أعظم أعياد الأمة الحنيفية ~~فإنه لاعيد في النوع أعظم من العيد الذي يجتمع فيه المكان والزمان وهو عيد ~~النحر ولا عين من أعيان هذا النوع أعظم من يوم كان قد أقامه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعامة المسلمين وقد نفى الله تعالى الكفر وأهله والشرائع هي ~~غذاء القلوب ms176 وقوتها كما قال ابن مسعود رضي الله عنه ويروى مرفوعا إن كل آدب ~~يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن ومن شأن الجسد إذا كان جائعا ~~فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام آخر حتى لا يأكله إن أكل منه إلا بكراهة ~~وتجشم وربما ضره أكله أو لم ينتفع به ولم يكن هو المغذي الذي يقيم بدنه ~~فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلت رغبته في المشروع ~~وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع ~~فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ويتم دينه به ويكمل إسلامه # ولهذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع ~~القرآن حتى ربما يكرهه ومن أكثر من السفر إلى زيارة المشاهد ونحوها لا يبقى ~~لحج البيت المحرم في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته ~~السنة ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم لا يبقى ~~لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع ومن أدمن على قصص الملوك وسيرهم ~~لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام ونظائر هذه كثيرة # ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ابتدع قوم بدعة إلا ~~نزع الله عنهم من السنة مثلها رواه الإمام أحمد # وهذا أمر يجده من نفسه من نظر في حاله من العلماء والعباد والأمراء ~~والعامة وغيرهم # ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع وحذرت منها لأن البدع لو ~~خرج الرجل منها كفافا لا عليه ولا له لكان الأمر خفيفا بل PageV01P217 لا ~~بد أن توجب له فسادا في قلبه ودينه ينشأ من نقص منفعة الشريعة في حقه إذا ~~القلب لا يتسع للعوض والمعوض عنه # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في العيدين الجاهليين إن الله قد ~~أبدلكم بهما يومين خيرا منهما فيبقى اغتذاء قلبه من هذه الأعمال المبتدعة ~~مانعا من الاغتذاء أو من كمال الاغتذاء بتلك الأعمال النافعة ms177 الشرعية فيفسد ~~عليه حاله من حيث لا يعلم كما يفسد جسد المغتذي بالأغذية الخبيثة من حيث لا ~~يشعر # وبهذا يتبين لك بعض ضرر البدع # إذا تبين هذا فلا يخفى ما جعل الله في القلوب من التشوق إلى العيد ~~والسرور به والاهتمام بأمره إنفاقا واجتماعا وراحة ولذة وسرورا وكل ذلك ~~يوجب تعظيمه لتعلق الأغراض به فلهذا جاءت الشريعة في العيد بإعلان ذكر الله ~~فيه حتى جعل فيه من التكبير في صلاته وخطبته وغير ذلك مما ليس في سائر ~~الصلوات فأقامت فيه من تعظيم الله وتنزيل الرحمة خصوصا العيد الأكبر ما فيه ~~صلاح الخلق كما دل على ذلك قوله تعالى @QB@ وأذن في الناس بالحج يأتوك ~~رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم @QE@ فصار ما ~~وسع على النفوس فيه من العادات الطبيعية عونا على انتفاعها بما خص به من ~~العبادات الشرعية فإذا أعطيت النفوس في غير ذلك اليوم حظها أو بعض الذي ~~يكون في عيد الله فترت عن الرغبة في عيد الله وزال ما كان له عندها من ~~المحبة والتعظيم فنقص بسبب ذلك تأثير العمل الصالح فيه فخسرت خسرانا مبينا # وأقل الدرجات أنك لو فرضت رجلين أحدهما قد اجتمع اهتمامه بأمر العيد على ~~المشروع والآخر مهتم بهذا وبهذا فإنك بالضرورة تجد المتجرد للمشروع أعظم ~~اهتماما به من المشرك بينه وبين غيره ومن لم يدرك هذا فلغفلته أو إعراضه ~~وهذا أمر يعلمه من يعرف بعض أسرار الشرائع # وأما الإحساس بفتور الرغبة فيجده كل أحد فإنا نجد الرجل إذا كسا ~~PageV01P218 أولاده أو وسع عليهم في بعض الأعياد المسخوطة فلا بد أن تنقص ~~حرمة العيد المرضي من قلوبهم حتى لو قيل بل في القلوب ما يسع هذين قيل لو ~~تجردت لأحدهما لكان أكمل # الوجه الخامس من الاعتبار أن مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم ~~بما هم عليه من الباطل خصوصا إذا كانوا مقهورين تحت ذل الجزية والصغار ~~فانهم يرون المسلمين قد صاروا فرعا لهم في خصائص دينهم فإن ذلك يوجب ms178 قوة ~~قلوبهم وانشراح صدورهم وربما أطعمهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء ~~وهذا أيضا أمر محسوس لا يستريب فيه عاقل فكيف يجتمع ما يقتضي إكرامهم بلا ~~موجب مع شرع الصغار في حقهم # الوجه السادس من الاعتبار أن مما يفعلونه في عيدهم منه ما هو كفر ومنه ما ~~هو حرام ومنه ما هو مباح لو تجرد عن مفسدة المشابهة ثم التمييز بين هذا ~~وهذا يظهر غالبا وقد يخفى على كثير من العامة # فالمشابهة فيما لم يظهر تحريمه للعالم يوقع العامي في أن يشابههم فيما هو ~~حرام وهذا هو الواقع # والفرق بين هذا الوجه ووجه الذريعة أنا هناك قلنا الموافقة في القليل ~~تدعو إلى الموافقة في الكثير وهنا جنس الموافقة تلبس على العامة دينهم حتى ~~لا يميزوا بين المعروف والمنكر # فذاك بيان الاقتضاء من جهة تقاضي الطباع بإدارتها وهذا من جهة جهل القلوب ~~باعتقاداتها # الوجه السابع من الاعتبار ما قررته في وجه أصل المشابهة وذلك أن الله ~~تعالى جبل بني آدم بل سائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين ~~وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم حتى يؤول ~~الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط ولما كان بين ~~الإنسان مشاركة PageV01P219 في الجنس الخاص كان التفاعل فيه أشد ثم بينه ~~وبين سائر الحيوان مشاركة في الجنس المتوسط فلا بد من نوع تفاعل بقدره ثم ~~بينه وبين النبات مشاركة في الجنس البعيد مثلا فلا بد من نوع ما من ~~المفاعلة # ولأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم واكتساب بعضهم أخلاق بعض ~~بالمشاركة والمعاشرة وكذلك الآدمي إذا عاشر نوعا من الحيوان اكتسب من بعض ~~أخلاقه ولهذا صارت الخيلاء والفخر في أهل الإبل وصارت السكينة في أهل الغنم ~~وصار الجمالون والبغالون فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق الجمال والبغال وكذلك ~~الكلابون وصار الحيوان الإنسي فيه بعض أخلاق الإنس من المعاشرة والمؤالفة ~~وقلة النفرة # فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور ~~الباطنة على وجه المسارقة والتدريج ms179 الخفي # وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفرا من غيرهم ~~كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيمانا ~~من غيرهم ممن جرد الإسلام # والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضا مناسبة وائتلافا وإن بعد المكان ~~والزمان فهذا أيضا أمر محسوس # فمشابهتهم في أعيادهم ولو بالقليل هو سبب لنوع ما من اكتساب أخلاقهم التي ~~هي ملعونة وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط علق الحكم به ودار التحريم ~~عليه # فنقول مشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في عين الأخلاق والأفعال ~~المذمومة بل في نفس الاعتقادات وتأثير ذلك لا يظهر ولا ينضبط ونفس الفساد ~~الحاصل من المشابهة قد لا يظهر ولا ينضبط وقد يتعسر أو يتعذر زواله بعد ~~حصوله لو تفطن له وكل ما كان سببا إلى مثل هذا الفساد فإن الشارع يحرمه كما ~~دلت عليه الأصول المقررة PageV01P220 # الوجه الثامن من الاعتبار أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة ~~وموالاة في الباطن كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر وهذا ~~أمر يشهد به الحس والتجربة حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد ثم اجتمعا ~~في دار غربة كان بينهما من المودة والموالاة والائتلاف أمر عظيم وإن كانا ~~في مصر هما لم يكونا متعارفين أو كانا متهاجرين # وذلك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة بل لو اجتمع ~~رجلان في سفر أو بلد غريب وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب أو ~~الشعر أو المركوب ونحو ذلك لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما ~~وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضا مالا يألفون غيرهم حتى ~~إن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة إما على الملك وإما على الدين وكذلك تجد ~~الملوك ونحوهم من الرؤساء وإن تباعدت ديارهم وممالكهم بينهم مناسبة تورث ~~مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض وهذا كله بموجب الطباع ومقتضاها إلا أن يمنع ~~عن ذلك دين أو غرض خاص # فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة ms180 والموالاة فكيف بالمشابهة ~~في أمور دينية فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد والمحبة ~~والموالاة لهم تنافي الإيمان قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ~~يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ~~فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين @QE@ # وقال تعالى فيما يذم به أهل الكتاب @QB@ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ~~على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون ~~عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ~~لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا ~~يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم ~~فاسقون @QE@ PageV01P221 # فبين سبحانه وتعالى أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ~~ولايتهم فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم # وقال سبحانه وتعالى @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ~~أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ # فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرا فمن واد الكفار فليس ~~بمؤمن # فالمشابهة الظاهرة مظنة المودة فتكون محرمة كما تقدم تقرير مثل ذلك # واعلم أن وجوه الفساد في مشابهتهم كثيرة فلنقتصر على ما نبهنا عليه والله ~~أعلم # | فصل # مشابهتهم فيما ليس من شرعنا قسمان # أحدهما مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم فهذا العمل الذي هو من ~~خصائص دينهم إما أن يفعل لمجرد موافقتهم وهو قليل وإما لشهوة تتعلق بذلك ~~العمل وإما لشبهة فيه تخيل أنه نافع في الدنيا وفي الآخرة وكل هذا لا ms181 شك في ~~تحريمه لكن يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر وقد يصير كفرا ~~بحسب الأدلة الشرعية # وإما عمل لم يعلم الفاعل أنه من عملهم فهو نوعان # أحدهما ما كان في الأصل مأخوذا عنهم إما على الوجه الذي يفعلونه ~~PageV01P222 وإما مع نوع تغيير في الزمان أو المكان أو الفعل ونحو ذلك فهو ~~غالب ما يبتلى به العامة في مثل ما يصنعونه في الخميس الحقير والميلاد ~~ونحوهما فإنهم قد نشئوا على اعتياد ذلك وتلقاه الأبناء عن الآباء وأكثرهم ~~لا يعلمون مبدأ ذلك فهذا يعرف صاحبه حكمه فإن لم ينته وإلا صار من القسم ~~الأول # النوع الثاني ما ليس في الأصل مأخوذا عنهم لكنهم يفعلونه أيضا فهذا ليس ~~فيه محذور المشابهة ولكن قد تفوت فيه منفعة المخالفة فتوقف كراهة ذلك ~~وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه من مشابهتهم إذ ليس كوننا تشبهنا بهم ~~بأولى من كونهم تشبهوا بنا فأما استحباب تركه لمصلحة المخالفة إذا لم يكن ~~في تركه ضرر فظاهر لما تقدم من المخالفة # وهذا قد توجب الشريعة مخالفتهم فيه وقد توجب عليهم مخالفتنا كما في الزي ~~ونحوه وقد يقتصر على الاستحباب كما في صبغ اللحية والصلاة في النعلين ~~والسجود وقد تبلغ إلى الكراهة كما في تأخير المغرب والفطور # بخلاف مشابهتهم فيما كان مأخوذا عنهم فإن الأصل فيه التحريم لما قدمنا # | فصل # العيد اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو مكان لهم فيه اجتماع وكل عمل يحدثونه ~~في هذه الأمكنة والأزمنة فليس النهي عن خصوص أعيادهم بل كل ما يعظمونه من ~~الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام وما يحدثونه فيها من ~~الأعمال يدخل في ذلك # وكذلك تحريم العيد هو وما قبله وما بعده من الأيام التي تحدث فيها أشياء ~~لأجله أو ما يحدث بسبب أعماله من أعمال حكمها حكمه فلا يفعل شيء من ذلك فإن ~~بعض الناس قد يمنع من إحداث أشياء في أيام عيدهم كيوم الخميس PageV01P223 ~~والميلاد ويقول لعياله أنا أصنع لكم في هذا الأسبوع أو ms182 الشهر الآخر وإنما ~~المحرك له على إحداث ذلك وجود عيدهم ولولا هو لم يقتضوه ذلك فهذا من ~~مقتضيات المشابهة لكن يحال الأهل على عيد الله ورسوله ويقضي لهم فيه من ~~الحقوق ما يقطع استشرافهم إلى غيره فإن لم يرضوا فلا حول ولا قوة إلا بالله ~~ومن أغضب أهله لله أرضاه الله وأرضاهم # وليحذر العاقل من طاعة النساء في ذلك ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركت بعدي على أمتي من فتنة أضر على ~~الرجال من النساء # وأكثر ما يفسد الملك والدول طاعة النساء # وفي صحيح البخاري عن أبي بكر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة # وروى أيضا هلكت الرجال حين أطاعت النساء # وقد قال صلى الله عليه وسلم لإحدى أمهات المؤمنين حين راجعته في تقديم ~~أبي بكر إنكن صواحب يوسف يريد أن النساء من شأنهن مراجعة ذي اللب كما في ~~الحديث الآخر ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب للب ذي اللب من إحداكن # ولما أنشده الأعشى أعشى باهلة أبياته التي يقول فيها % وهن شر غالب لمن ~~غلب % $ # جعل النبي صلى الله عليه وسلم يرددها ويقول هن شر غالب لمن غلب ولذلك ~~امتن الله على زكريا عليه السلام حيث قال @QB@ وأصلحنا له زوجه @QE@ # قال بعض العلماء ينبغي للرجل أن يجتهد في الرغبة إلى الله في إصلاح زوجه ~~له PageV01P224 # | فصل & # أعياد الكفار كثيرة مختلفة وليس على المسلم أن يبحث عنها ولا يعرفها بل ~~يكفيه أن يعرف في أي فعل من الأفعال أو يوم أو مكان أن سبب هذا الفعل أو ~~تعظيم هذا المكان والزمان من جهتهم ولو لم يعرف أن سببه من جهتهم فيكفيه أن ~~يعلم أنه لا أصل له في دين الإسلام فإنه إذا لم يكن له أصل فإما أن يكون قد ~~أحدثه بعض الناس من تلقاء نفسه أو يكون مأخوذا عنهم فأقل أحواله أن يكون من ~~البدع # ونحن ننبه ms183 على ما رأينا كثيرا من الناس قد وقعوا فيه # فمن ذلك الخميس الحقير الذي في آخر صومهم فإنه يوم عيد المائدة فيما ~~يزعمون ويسمونه عيد العشاء وهو الأسبوع الذي يكون فيه من الأحد إلى الأحد ~~عيدهم الأكبر فجميع ما يحدثه الإنسان فيه من المنكرات # فمنه خروج النساء وتبخير القبور ووضع الثياب على السطح وكتابة الأوراق ~~وإلصاقها بالأبواب واتخاذ هذه الأيام موسما لبيع البخور وشرائه وكذلك شراء ~~البخور في ذلك الوقت إذا اتخذ وقتا للبيع ورقي البخور مطلقا في ذلك الوقت ~~أو غيره أو قصد شراء البخور المرقي فإن رقيا البخور واتخاذه قربانا هو دين ~~النصارى والصابئين وإنما البخور طيب يتطيب بدخانه كما يتطيب PageV01P225 ~~بسائر الطيب من المسك وغيره مما له أجزاء بخارية وإن لطفت أو له رائحة محضة ~~وإنما يستحب التبخر حيث يستحب التطيب # وكذلك اختصاصه بطبخ أرز بلبن أو بسمن أو بعدس أو صبغ بيض ونحو ذلك # وأما القمار بالبيض أو بيع البيض لمن يقامر به أو شراؤه من المقامرين ~~فحكمه ظاهر # ومن ذلك ما يفعله الأكارون من نقط البقر بالنقط الحمر أو نكت الشجر أيضا ~~أو جمع أنواع الثياب والتبرك بها والاغتسال بمائها # ومن ذلك ما قد يفعله النساء من أخذ ورق الزيتون أو الاغتسال بمائه أو قصد ~~الاغتسال بشيء من ذلك فإن أصل ذلك ماء المعمودية # ومن ذلك ترك الوظائف الراتبة من الصنائع أو التجارات أو حلق العلم أو غير ~~ذلك واتخاذه يوم راحة وفرح واللعب فيه بالخيل أو غيرها على وجه يخالف ما ~~قبله وما بعده من الأيام # والضابط أنه لا يحدث فيه أمر أصلا بل يجعل يوما كسائر الايام فإنا قد ~~قدمنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهاهم عن اليومين اللذين كانوا ~~يلعبون فيهما في الجاهلية وأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الذبح بالمكان ~~إذا كان المشركون يعيدون فيه # ومن ذلك ما يفعله كثير من الناس في أثناء الشتاء في أثناء كانون الأول ~~لأربع وعشرين خلت منه ويزعمون أنه ميلاد عيسى عليه ms184 السلام فجميع ما يحدث ~~فيه هو من المنكرات مثل إيقاد النيران وإحداث طعام واصطناع شمع وغير ذلك ~~فإن اتخاذ هذا الميلاد عيدا هو دين النصارى وليس لذلك أصل في دين الإسلام ~~ولم يكن لهذا الميلاد ذكر أصلا على عهد السلف الماضين بل PageV01P226 أصله ~~مأخوذ عن النصارى وانضم إليه سبب طبيعي وهو كونه في الشتاء المناسب لإيقاد ~~النيران ولأنواع مخصوصة من الأطعمة # ثم إن النصارى تزعم أنه بعد الميلاد بأيام أظنها أحد عشر يوما عمد يحيى ~~عيسى عليهما السلام في ماء المعمودية فهم يتعمدون في هذا الوقت ويسمونه عيد ~~الغطاس وقد صار كثير من جهال النساء يدخلن أولادهن إلى الحمام في هذا الوقت ~~ويزعمن أن هذا ينفع الولد وهذا من دين النصارى وهو من أقبح المنكرات ~~المحرمة # وكذلك أعياد الفرس مثل النيروز والمهرجان وأعياد اليهود أو غيرهم من ~~أنواع الكفار أوالأعاجم والأعراب حكمها كلها على ما ذكرناه من قبل # وكما لا يتشبه بهم في الأعياد فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك بل ~~ينهى عن ذلك فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب إجابة دعوته # ومن أهدى للمسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات ~~غير هذا العيد لم تقبل هديته خصوصا إن كانت الهدية مما يستعان بها على ~~التشبه بهم في مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد أو إهداء البيض واللبن ~~والغنم في الخميس الصغير الذي في آخر صومهم # وكذلك أيضا لا يهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد لا ~~سيما إذا كان مما يستعان بها على التشبه بهم كما ذكرناه # ولا يبيع المسلم ما يستعين المسلمون به على مشابهتهم في العيد من الطعام ~~واللباس ونحو ذلك لأن في ذلك إعانة على المنكرات # فأما مبايعتهم ما يستعينون هم به على عيدهم أو شهود أعيادهم للشراء فيها # فقد قدمنا أنه قيل للإمام أحمد هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل ~~طور يابور أو دير أيوب وأشباهه يشهده المسلمون يشهدون الأسواق ويجلبون فيه ~~الغنم والبقر ms185 والدقيق والبر وغير ذلك إلا أنه يكون في الأسواق PageV01P227 ~~يشترون ولا يدخلون عليهم بيعهم قال إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم وإنما يشهدون ~~السوق فلا بأس # وقال أبو الحسن الآمدي فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم فلا بأس ~~بحضوره نص عليه أحمد في رواية مهنا # وقال إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم وأما ما يباع في ~~الأسواق من المأكل فلا وإن قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم # فهذا الكلام محتمل لأن يكون أجاز شهود السوق مطلقا بائعا أو مشتريا لأنه ~~قال إذا لم يدخلوا عليهم كنائسهم وإنما يشهدون السوق فلا بأس هذا يعم ~~البائع والمشتري لا سيما إن كان الضمير في قوله يجلبون عائدا إلى المسلمين ~~فيكون قد نص على جواز كونهم جالبين إلى الأسواق # ويحتمل وهو أقوى أنه إنما أرخص في شهود السوق فقط ورخص في الشراء منهم ~~ولم يتعرض للبيع منهم لأن السائل إنما سأله عن شهود السوق التي تقيمها ~~الكفار لعيدهم وقال في آخر مسألته يشترون ولا يدخلون عليهم بيعهم وذلك لأن ~~السائل مهنا بن يحيى الشامي وهو فقيه عالم # وكأنه والله أعلم قد سمع ما جاء في النهي عن شهود أعيادهم فسأل أحمد هل ~~شهود أسواقهم بمنزلة شهود أعيادهم فأجاب أحمد بالرخصة في شهود السوق ولم ~~يسأل عن بيع المسلم لهم إما لظهور الحكم عنده وإما لعدم الحاجة إليه إذ ذاك # وكلام الآمدي أيضا محتمل للوجهين لكن الأظهر فيه الرخصة في البيع أيضا ~~لقوله إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم وقوله وإن قصد إلى توفير ~~ذلك وتحسينه لأجلهم # فما أجاب به أحمد من جواز شهود السوق فقط للشراء منها من غير دخول ~~الكنيسة فيجوز لأن ذلك ليس فيه منكر ولا إعانة على معصية لأن نفس الابتياع ~~منهم جائز ولا إعانة فيه على المعصية بل فيه صرف لما لعلهم PageV01P228 ~~يبتاعونه لعيدهم عنهم الذي يظهر أنه إعانة لهم وتكثير لسوادهم فيكون فيه ~~تقليل الشر وقد كانت أسواق في الجاهلية كان المسلمون يشهدونها وشهد بعضها ~~النبي عليه ms186 السلام ومن هذه الأسواق ما كان يكون في مواسم الحج ومنها ما كان ~~يكون لأعياد باطلة # وأيضا فإن أكثر ما في السوق أن يباع فيها ما يستعان به على المعصية فهو ~~كما لو حضر الرجل سوقا يباع فيها السلاح لمن يقتل به معصوما أو العصير لمن ~~يخمره فحضرها الرجل يشتري منها بل هو أجود لأن البائع في هذا السوق ذمي وقد ~~أقروا على هذه المبايعة # ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها جاز عندنا كما دل عليه ~~حديث تجارة أبي بكر رضي الله عنه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~أرض الشام وهي حينذاك دار حرب وحديث عمر رضي الله عنه وأحاديث أخر بسطت ~~القول فيها في غير هذا الموضع مع أنه لا بد أن تشتمل أسواقهم على بيع ما ~~يستعان به على المعصية # فأما بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام ~~واللباس والريحان ونحو ذلك أو إهداء ذلك لهم فهذا فيه نوع إعانة على إقامة ~~عيدهم المحرم وهو مبني على أصل وهو أنه لا يجوز أن يبيع الكفار عنبا أو ~~عصيرا يتخذونه خمرا وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحا يقاتلون به مسلما # وقد دل حديث عمر رضي الله عنه في إهداء الحلة السيراء إلى أخ له بمكة ~~مشرك على جواز بيعهم الحرير لكن الحرير مباح في الجملة وإنما يحرم الكثير ~~منه على بعض الآدميين ولهذا جاز التداوي به في أصح الروايتين ولم يجز ~~بالخمر بحال وجازت صنعته في الأصل والتجارة فيه # فهذا الأصل فيه اشتباه فإن قيل بالاحتمال الأول في كلام أحمد جوز ذلك # وعن أحمد في جواز حمل التجارة إلى أرض الحرب روايتان منصوصتان ~~PageV01P229 # فقد يقال بيعها لهم في العيد كحملها إلى دار الحرب فإن حمل الثياب ~~والطعام إلى أرض الحرب فيه إعانة على دينهم في الجملة وإذا منعنا منها إلى ~~أرض الحرب فهنا أولى وأكثر أصوله ونصوصه تقتضي المنع من ذلك لكن هل هو منع ~~تحريم أو ms187 تنزيه مبني على ما سيأتي # وقد ذكر عبد الملك بن حبيب أن هذا مما اجتمع على كراهته وصرح بأن مذهب ~~مالك أن ذلك حرام # قال عبد الملك بن حبيب بن الواضحة كره مالك أكل ما ذبح النصارى لكنائسهم ~~ونهى عنه من غير تحريم # وقال وكذلك ما ذبحوا على اسم المسيح والصليب أو أسماء من مضى من أحبارهم ~~ورهبانهم الذين يعظمون فقد كان مالك وغيره ممن يقتدي به يكره أكل هذا كله ~~من ذبائحهم وبه نأخذ وهو يضاهي قول الله تعالى @QB@ وما أهل به لغير الله ~~@QE@ وهي ذبائحهم التي كانوا يذبحون لأصنامهم التي كانوا يعبدون # قال وقد كان رجال من العلماء يستخفون ذلك ويقولون قد أحل الله لنا ~~ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون وما يريدون بها روى ذلك ابن وهب عن ابن عباس ~~وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وسلمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز وابن ~~شهاب وربيعة بن عبد الرحمن ويحيى بن سعيد ومكحول وعطاء # وقال عبد الملك وترك ما ذبح لأعيادهم وأقستهم وموتاهم وكنائسهم أفضل # قال وإن فيه عيبا آخر أن كله من تعظيم شركهم # ولقد سأل سعيد المعافري مالكا عن الطعام الذي تصنعه النصارى لموتاهم ~~يتصدقون به عنهم أيأكل منه المسلم فقال لا ينبغي أن يأخذه منهم لأنه إنما ~~يعمل تعظيما للشرك فهو كالذبح للأعياد والكنائس # وسئل ابن القاسم عن النصراني يوصي بشيء يباع من ملكه للكنيسة PageV01P230 ~~هل يجوز للمسلم شراؤه فقال لا يحل ذلك لأنه تعظيم لشعائرهم وشرائعهم ~~ومشتريه مسلم سوء # وقال ابن القاسم في أرض الكنيسة يبيع الأسقف منها شيئا في مرمتها وربما ~~حبست تلك الأرض على الكنيسة لمصلحتها إنه لا يجوز لمسلم أن يشتريها من ~~وجهين # الواحد أن ذلك من العون على تعظيم الكنيسة # والآخر أنه من وجه بيع الحبس ولا يجوز لهم في أحباسهم إلا ما يجوز ~~للمسلمين ولا أرى لحاكم المسلمين أن يتعرض فيها بمنع ولا تنفيذ ولا شيء # قال وسئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى ~~أعيادهم ms188 فكره ذلك مخافة نزول السخط عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه # وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني شيئا في عيدهم مكافأة له ~~ورآه من تعظيم عيده وعونا لهم على كفرهم ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن ~~يبيعوا من النصارى شيئا من مصلحة عيدهم لا لحما ولا إداما ولا ثوبا ولا ~~يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من عيدهم لأن ذلك من تعظيم شركهم ومن ~~عونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك وهو قول مالك ~~وغيره لم أعلمه اختلف فيه # فأكل ذبائح أعيادهم داخل في هذا الذي اجتمع على كراهته بل هو عندي أشد ~~فهذا كله كلام ابن حبيب # قد ذكر أنه قد اجتمع على كراهة مبايعتهم ومهاداتهم ما يستعينون به على ~~أعيادهم وقد صرح بأن مذهب مالك أنه لا يحل ذلك # وأما نصوص الإمام أحمد على مسائل هذا الباب # فقال إسحاق بن إبراهيم سئل أبو عبد الله رحمه الله عن النصارى وقفوا ~~PageV01P231 ضيعة للبيعة أيستأجرها الرجل المسلم منهم فقال لا يأخذها بشيء ~~لا يعينهم على ما هم فيه # وقال أيضا سمعت أبا عبد الله وسأله رجل بناء أبنى للمجوس ناووسا قال ~~لاتبن لهم ولا تعنهم على ما هم فيه # وقد نقل عن محمد بن الحكم وسأله عن الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبرا ~~بكراء قال لا بأس به # والفرق بينهما أن الناووس من خصائص دينهم الباطل كالكنيسة بخلاف القبر ~~المطلق فإنه ليس في نفسه معصية ولا من خصائص دينهم # وقال الخلال باب الرجل يؤجر داره للذمي أو يبيعها منه وذكر عن المروزي أن ~~أبا عبد الله سئل عن رجل باع داره من ذمي وفيها محاريبه فقال فيها نصراني ~~واستعظم ذلك وقال لا تباع يضرب فيها بالناقوس وينصب فيها الصلبان وقال لا ~~تباع من الكفار وشدد في ذلك # وعن أبي الحارث أن أبا عبد الله سئل عن الرجل يبيع داره وقد جاء نصراني ~~فأرغبه وزاد في ثمن الدار ترى له أن يبيع داره منه وهو نصراني ms189 أو يهودي أو ~~مجوسي قال لا أرى له ذلك يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها يبيعها من مسلم ~~أحب إلي # فهذا نص على المنع # ونقل عنه إبراهيم بن الحارث قيل لأبي عبد الله الرجل يكري منزله من الذمي ~~ينزل فيه وهو يعلم أنه يشرب فيها الخمر ويشرك فيها قال ابن عون كان لا يكري ~~إلا من أهل الذمة يقول يرعبهم قيل له كأنه أراد إذلال أهل الذمة بهذا قال ~~لا ولكنه أراد أنه كره أن يرعب المسلم يقول إذا جئت أطلب الكراء من المسلم ~~أرعبته فإذا كان ذميا كان أهون عنده PageV01P232 وجعل أبو عبد الله يعجب ~~لهذا من ابن عون فيما رأيت وهكذا نقل الأثرم سواء ولفظه قلت لأبي عبد الله # ومسائل الأثرم وإبراهيم بن الحارث يشتركان فيها # ونقل عنه مهنا قال سألت أحمد عن الرجل يكري المجوسي داره أو دكانه وهو ~~يعلم أنهم يزنون فقال كان ابن عون لا يرى أن يكري المسلمين يقول أرعبهم في ~~أخذ الغلة وكان يرى أن يكري غير المسلمين # قال أبو بكر الخلال كل من حكى عن أبي عبد الله في رجل يكري داره من ذمي ~~فإنما أجابه أبو عبد الله على فعل ابن عون ولم ينفذ لأبي عبد الله فيه قول ~~وقد حكى عن إبراهيم أنه رآه معجبا بقول ابن عون والذين رووا عن أبي عبد ~~الله في المسلم يبيع داره من الذمي أنه كره ذلك كراهة شديدة فلو نفذ لأبي ~~عبد الله قول في السكنى كانت السكنى والبيع عندي واحدا والأمر في ظاهر قول ~~أبي عبد الله أنه لا يباع منه لأنه يكفر فيها وينصب الصلبان أغير ذلك ~~والأمر عندي أن لا تباع منه ولا تكرى لأنه معنى واحد # قال وقد أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان قال سئل أبو عبد الله عن حصين بن ~~عبد الرحمن فقال روى عنه حفص لا أعرفه قال له أبو بكر هذا من النساك حدثني ~~أبو سعيد الأشج سمعت أبا خالد الأحمر يقول حفص هذا ms190 العدوي نفسه باع دار ~~حصين بن عبد الرحمن عابد أهل الكوفة من عون البصري فقال له أحمد حفص قال ~~نعم فعجب أحمد يعني من حفص بن غياث # قال الخلال وهذا أيضا تقوية لمذهب أبي عبد الله # قلت عون هذا كأنه من أهل البدع أو من الفساق بالعمل فقد أنكر أبو خالد ~~الأحمر على حفص بن غياث قاضي الكوفة أنه باع دار الرجل الصالح من المبتدع ~~وعجب أحمد أيضا من فعل القاضي PageV01P233 # قال الخلال فإذا كان يكره بيعها من فاسق فكذلك من كافر وإن كان الذمي يقر ~~والفاسق لا يقر لكن ما يفعله الكافر فيها أعظم # وهكذا ذكر القاضي عن أبي بكر عبد العزيز أنه ذكر قوله في رواية أبي ~~الحارث لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها يبيعها من مسلم أحب ~~إلي فقال أبو بكر لا فرق بين الإجارة والبيع عنده فإذا أجاز البيع أجاز ~~الإجارة وإذا منع البيع منع الإجارة ووافقه القاضي وأصحابه على ذلك # وعن إسحاق بن منصور أنه قال لأبي عبد الله سئل يعني الأوزاعي عن الرجل ~~يؤاجر نفسه لنظارة كرم النصارى فكره ذلك وقال أحمد ما أحسن ما قال لأن أصل ~~ذلك يرجع إلى الخمر إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر فلا بأس # وعن أبي النضر العجلي قال قال أبو عبد الله فيمن يحمل خمرا أو خنزيرا أو ~~ميتة لنصراني فهو يكره كل كرائه ولكنه يقضي للحمال بالكراء وإذا كان للمسلم ~~فهو اشد كراهة # وتلخيص الكلام في ذلك أما بيع داره من كافر فقد ذكرنا منع أحمد منه ثم ~~اختلف أصحابه هل هذا تنزيه أو تحريم # فقال الشريف أبو علي ابن أبي موسى كره أحمد أن يبيع مسلم داره من ذمي ~~يكفر فيها بالله تعالى ويستبيح المحظورات فإن فعل أساء ولم يبطل البيع ~~وكذلك أبو الحسن الآمدي أطلق الكراهة مقتصرا عليها # وأما الخلال وصاحبه والقاضي فمقتضى كلامهم تحريم ذلك وقد ذكرت كلام ~~الخلال وصاحبه # وقال القاضي لا يجوز أن يؤاجر داره أو ms191 بيته ممن يتخذه بيت نار أو كنيسة ~~أو يبيع فيه الخمر سواء شرط أنه يبيع فيه الخمر أو لم يشترط لكنه يعلم أنه ~~يبيع الخمر فيه PageV01P234 # وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر ~~بالله فيها يبيعها من مسلم أحب إلي # قال أبو بكر لا فرق بين الإجارة والبيع عنده فإذا أجاز البيع أجاز ~~الإجارة وإذا منع البيع منع الإجارة # وقال أيضا في نصارى أوقفوا ضيعة لهم للبيعة لا يستأجرها الرجل المسلم ~~منهم يعينهم على ما هم فيه قال وبهذا قال الشافعي رحمه الله تعالى # فقد حرم القاضي إجارتها لمن يعلم أنه يبيع فيها الخمر مستشهدا على ذلك ~~بنص أحمد على أنه لا يبيعها من الكافر ولا يستكري وقف الكنيسة # وذلك يقتضي أن المنع في هاتين الصورتين عنده منع تحريم # ثم قال القاضي في أثناء المسألة # فإن قيل أليس قد أجاز أحمد إجارتها من أهل الذمة مع علمه بأنهم يفعلون ~~فيها ذلك # قيل المنقول عن أحمد أنه حكى قول ابن عون رضي الله عنه وعجب منه وذكر ~~القاضي رواية الأثرم # وهذا يقتضي أن القاضي لا يجوز إجارتها من ذمي # وكذلك أبو بكر قال إذا أجاز أجاز وإذا منع منع وما لا يجوز فهو محرم ~~وكلام أحمد رضي الله تعالى عنه محتمل الأمرين فإن قوله في رواية أبي الحارث ~~يبيعها من مسلم أحب إلي يقتضي أنه منع تنزيه واستعظامه لذلك في رواية ~~المروزي وقوله لا تباع من الكفار وشدد في ذلك يقتضي التحريم # وأما الإجارة فقد سوى الأصحاب بينها وبين البيع وما حكاه عن ابن عون وليس ~~بقول له وإن إعجابه بفعل ابن عون إنما كان لحسن مقصد ابن عون ونيته الصالحة # ويمكن أن يقال بل ظاهر الرواية أنه أجاز ذلك فإن إعجابه بالفعل ~~PageV01P235 دليل جوازه عنده واقتصاره على الجواب بفعل رجل يقتضي أنه مذهبه ~~في أحد الوجهين # والفرق بين الإجارة والبيع أن ما في الإجارة من مفسدة الإعانة قد عارضه ~~مصلحة أخرى وهو ms192 صرف إرعاب المطالبة بالكراء عن المسلم وإنزال ذلك بالكفار ~~وصار ذلك بمنزلة إقرارهم بالجزية فإنه وإن كان فيه إقرار الكفار لكن لما ~~تضمنه من المصلحة جاز وكذلك جازت مهادنة الكفار في الجملة # فأما البيع فهذه المصلحة منتفية فيه وهذا ظاهر على قول ابن أبي موسى ~~وغيره أن البيع مكروه غير محرم فإن الكراهة في الإجارة تزول بهذه المصلحة ~~الراجحة كما في نظائره # فيصير في المسألة أربعة اقوال # وهذا الخلاف عندنا والتردد في الكراهة هو فيما إذا لم يعقد الإجارة على ~~المنفعة المحرمة فأما إن آجره إياها لأجل بيع الخمر واتخاذها كنيسة أو بيعة ~~لم يجز قولا واحدا وبه قال الشافعي وغيره كما لا يجوز أن يكري أمته أو عبده ~~للفجور # وقال أبو حنيفة يجوز أن يؤاجرها لذلك # قال أبو بكر الرازي لا فرق عند أبي حنيفة بين أن يشترط أن يبيع فيه الخمر ~~وبين أن لا يشترط لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر أن الإجارة تصح # ومأخذه في ذلك أنه لا يستحق عليه بعقد الإجارة فعل هذه الأشياء وإن شرط ~~لأن له أن لا يبيع فيها الخمر ولا يتخذها كنيسة وتستحق عليه الأجرة ~~بالتسليم في المدة فإذا لم يستحق عليه فعل هذه الأشياء كان ذكرها وترك ~~ذكرها سواء كما لو اكترى دارا لينام فيها أو يسكنها فإن الأجرة تستحق عليه ~~وإن لم يفعل ذلك وكذا يقول فيما إذا استأجر رجلا لحمل خنزير أو ميتة أو خمر ~~أنه يصح لأنه لا يتعين حمل الخمر بل لو حمل عليه بدله PageV01P236 عصيرا ~~لاستحق الأجرة فهذا التقييد عنده لغو فهو بمنزلة الإجارة المطلقة والمطلقة ~~عنده جائزة وإن غلب على ظنه أن المستأجر يعصي فيها كما يجوز بيع العصير لمن ~~يتخذه خمرا ثم إنه كره بيع السلاح في الفتنة قال لأن السلاح معمول للقتال ~~لا يصلح لغيره # وعامة الفقهاء خالفوه في المقدمة الأولى وقالوا ليس المقيد كالمطلق بل ~~المنفعة المعقود عليها هي المستحقة فتكون هي المقابلة بالعوض وهي منفعة ~~محرمة وإن جاز للمستأجر أن يقيم ms193 غيرها مقامها وألزموه مالو اكترى دارا ~~ليتخذها مسجدا فإنه لا يستحق عليه فعل المعقود عليه ومع هذا فإنه أبطل هذه ~~الإجارة بناء على أنها اقتضت فعل الصلاة وهي لا تستحق بعقد الإجارة # ونازعه أصحابنا وكثير من الفقهاء في المقدمة الثانية وقالوا إذا غلب على ~~ظنه أن المستأجر ينتفع بها في محرم حرمت الإجارة له لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعن عاصر الخمر ومعتصرها والعاصر إنما يعصر عصيرا لكن إذا رأى أن ~~المعتصر يريد أن يتخذه خمرا وعصره لذلك استحق اللعنة # وهذا أصل مقرر في غير هذا الموضع لكن معاصي الذمي قسمان # أحدهما ما اقتضى عقد الذمة إقراره عليها # والثاني ما اقتضى عقد الذمة منعه منها أو من إظهارها # فأما القسم الثاني فلا ريب أنه لا يجوز على أصلنا أن يؤاجر أو يبايع ~~الذمي عليه إذا غلب على الظن أنه يفعل ذلك كالمسلم وأولى # وأما القسم الأول فعلى ما قاله ابن أبي موسى يكره ولا يحرم لأنا قد ~~قررناه على ذلك وإعانته على سكنى الدار كإعانته على سكنى دار الإسلام فلو ~~كان هذا من الإعانة المحرمة لما جاز إقرارهم بالجزية وإنما كره ذلك لأنه ~~إعانة من غير مصلحة لا مكان بيعها من مسلم بخلاف الإقرار بالجزية فإنه جاز ~~لأجل المصلحة PageV01P237 # وعلى ما قاله القاضي لا يجوز لأنه إعانة على ما يستعين به على المعصية من ~~غير مصلحة تقابل هذه المفسدة فلم يجز بخلاف إسكانهم دار الإسلام فإن فيه من ~~المصالح ما هو مذكور في فوائد إقرارهم بالجزية # ومما يشبه ذلك أنه قد اختلف قول أحمد إذا ابتاع الذمي أرض عشر من مسلم ~~على روايتين منع من ذلك في إحداهما قال لأنه لا زكاة على الذمي وفيه إبطال ~~العشر وهذا ضرر على المسلمين قال وكذلك لا يمكنون من استئجار أرض العشر ~~لهذه العلة # وقال في الرواية الأخرى لا بأس أن يشترى الذمى أرض العشر من مسلم # واختلف قوله إذا جاز ذلك فيما على الذمي مما تخرج هذه الأرض على روايتين ~~قال ms194 في إحداهما لا عشر عليه ولا شيء سوى الجزية # وقال في الرواية الأخرى عليه فيما يخرج من هذه الأرض الخمس ضعف ما كان ~~على المسلم ومن أصحابنا من حكى رواية أنهم ينهون عن شرائها فإن اشتروها ضعف ~~عليهم العشر # وفي كلام أحمد ما يدل على هذه فإذا كان قد اختلف قوله في جواز تمليكهم ~~رقبة الأرض العشرية لما فيه من رفع العشر فالمفسدة الدينية الحاصلة بكفرهم ~~وفسقهم في دار كانت للمسلمين يعبد الله فيها ويطاع أعظم من منع العشر # ولهذا تردد هل يرفع الضرر بمنع التملك بالكلية أو مع تجويز البيع أما أن ~~يعطل حق المسلم أو تؤخذ الزكاة من الكفار فكلاهما غير ممكن فكان منع التملك ~~أسهل كما منعناه من تملك العبد المسلم والمصحف لما فيه من تمكين عدو الله ~~من أولياء الله وكلام الله # وكذلك نمنعهم على ظاهر المذهب من شراء السبي الذي جرى عليه سهام المسلمين ~~كما شرط عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو يرفع الضرر بإبقاء ~~PageV01P238 حق الأرض عليه كما يؤخذ ممن اتجر منهم في أرض المسلمين ضعف ما ~~يؤخذ من المسلمين من الزكاة # ويتخرج أنه لا يؤخذ منه إلا عشر واحد كالمسألة الآتية وهذا في العشرية ~~التي ليست خراجية # فأما الخراجية فقالوا ليس لذمي أن يبتاع أرضا فتحها المسلمون عنوة وإذا ~~جوزنا بيع أرض العنوة كان حكم الذمي في ابتياعها كحكمه في ابتياع أرض العشر ~~المحض إذ جميع الأرض عشرية عندنا وعند الجمهور بمعنى أن العشر يجب فيما ~~أخرجت # وكذلك أرض الموات من أرض الإسلام التي ليست خراجية هل للذمي أن يتملكها ~~بالإحياء # قال طائفة من العلماء ليس له ذلك وهو قول الشافعي وأبي حامد الغزالي وهذا ~~قياس إحدى الروايتين عن أحمد في منعه من ابتياعها فإنه إذا لم يجز تملكها ~~بالابتياع فبالإحياء أولى لكن قد يفرق بينهما بأن المبتاعة أرض عامرة ففيه ~~ضرر محقق بخلاف إحياء الميتة فإنه لا يقطع حقا # والمنصوص عن أحمد وعليه الجمهور من أصحابه أنه يملكها بالاحياء وهو ms195 قول ~~أبي حنيفة واختلف فيه عن مالك # ثم هل عليه فيها العشر فيه روايتان # قال ابن أبي موسى ومن أحيا من أهل الذمة أرضا مواتا فهي له ولا زكاة عليه ~~فيها ولا عشر فيما أخرجت # وقد روي عنه رواية أخرى أنه لا خراج على أهل الذمة في أرضهم ويؤخذ منهم ~~العشر مما يخرج يضاعف عليهم والأول أظهر # فهذا الذي حكاه ابن أبي موسى من تضعيف العشر فيما يملكه بالإحياء هو قياس ~~تضعيفه فيما ملكه بالابتياع PageV01P239 # لكن نقل حرب عنه في رجل من أهل الذمة أحيا مواتا قال هو عشري # ففهم القاضي وغيره من الأصحاب أن الواجب هو العشر المأخوذ من المسلم من ~~غير تضعيف فحكوا في وجوب العشر فيها روايتين وابن أبي موسى نقل الروايتين ~~في وجوب عشر مضعف # وعلى طريقة القاضي يخرج في مسألة الابتياع كذلك # وهذا الذي نقله ابن أبي موسى أصح فإن الكرماني ومحمد بن حرب وإبراهيم بن ~~هانيء ويعقوب بن بختان نقلوا أن أحمد سئل وقال حرب سألت أحمد قلت إن أحيا ~~رجل من أهل الذمة مواتا ماذا عليه قال أما أنا فأقول ليس عليه شيء قال وأهل ~~المدينة يقولون في هذا قولا حسنا يقولون لا يترك الذمي أن يشتري أرض العشر ~~قال وأهل البصرة يقولون قولا عجبا يقولون يضاعف عليه العشر # قال وسألت أحمد مرة أخرى فقلت إن أحيا رجل من أهل الذمة مواتا قال هو ~~عشري وقال مرة أخرى ليس عليه شيء # وروى حرب عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قيل له أخذكم للخمس من أرض ~~الذمة التي في أرض العرب أبأثر عندكم أم بغير أثر قال ليس عندنا فيه أثر ~~ولكن قسناه على ما أمر به عمر رضي الله عنه أن يؤخذ من أموالهم إذا اتجروا ~~بها ومروا بها على عشار # فهذا أحمد رضي الله عنه سئل عن إحياء الذمي الأرض فأجاب أنه ليس عليه شيء ~~وذكر اختلاف الفقهاء في مسألة اشترائه الأرض هل يمنع أو يضعف عليه العشر # وهذا يبين لك ms196 أن المسألتين عنده واحد وهو تملك الذمي الأرض العشرية سواء ~~كان بابتياع أو إحياء أو غير ذلك وكذلك ذكر العنبري قاضي أهل البصرة أنهم ~~يأخذون من جميع أرض أهل الذمة العشرية وذلك يعم ما ملك انتقالا أو ابتداء ~~PageV01P240 # وهذا يفيدك أن أحمد إذا منع الذمي أن يبتاع الأرض العشرية فكذلك يمنعه من ~~إحيائها وأنه إذا أخذ منه فيما ابتاعه الخمس فكذلك فيما أحياه وأن من نقل ~~عنه عشرا مفردا في الأرض المحياة دون المبتاعة فليس بمستقيم وإنما سببه ~~قوله في الرواية الأخرى التي نقلها الكرماني هي أرض عشرية ولكن هذا كلام ~~مجمل قد فصله أبو عبد الله في موضع آخر وبين مأخذه ونقل الفقه إن لم يعرف ~~الناقل مأخذ الفقيه وإلا فقد يقع فيه الغلط كثيرا # وقد أفصح أرباب هذا القول بأن مأخذهم قياس الحراثة على التجارة فإن الذمي ~~إذا اتجر في غير أرضه فإنه يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلمين وهو نصف العشر ~~فكذا إذا استحدث أرضا غير أرضه لأنه في كلا الموضعين قد أخذ يكتسب في غير ~~مكانه الأصلي وحق الحرث والتجارة قرينان كما في قوله @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض @QE@ وكذلك قال ~~أحمد في رواية الميموني يؤخذ من أموال أهل الذمة إذا اتجروا فيها قومت ثم ~~أخذ منهم زكاتها مرتين يضعف عليهم لقول عمر رضي الله عنه أضعفها عليهم # فمن الناس من قاس الزرع على ذلك # قال الميموني والذي لا أشك فيه من قول أبي عبد الله غير مرة أن أرض أهل ~~الذمة التي في الصلح ليس عليها خراج إنما ينظر إلى ما أخرجت يؤخذ منهم ~~العشر مرتين # قال الميموني قلت لأبي عبد الله فالذي يشتري أرض العشر ما عليه قال لي ~~الناس كلهم يختلفون في هذا منهم من لا يرى عليه شيئا ويشبهه بماله ليس عليه ~~فيه زكاة إذا كان مقيما ما كان بين أظهرنا وبماشيته فيقول هذه أموال وليس ~~عليه فيها صدقة ومنهم من يقول ms197 هذه حقوق لقوم ولا يكون PageV01P241 شراؤه ~~الأرض يذهب بحقوق هؤلاء منهم والحسن يقول إذا اشتراها ضوعف عليه العشر # قلت كيف يضعف عليه قال لأن عليه العشر فيؤخذ منه الخمس # قلت تذهب إلى أن يضعف عليه الخمس فيؤخذ منه الخمس فالتفت إلي وقال نعم ~~يضعف عليه # قال وذاكرنا أبا عبد الله أن مالكا كان يرى أن لا يؤخذ منهم شيء وكان ~~يحول بينهم وبين شراء الشيء منها # وهذه الرواية اختيار الخلال وهي مسألة كبيرة ليس هذا موضع استقصائها # والفقهاء أيضا يختلفون في هذه المسألة كما ذكره أبو عبد الله # فممن نقل عنه تضعيف العشر عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وغيره من أهل ~~البصرة وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو قول أبي يوسف # ومنهم من قال بل يؤخذ العشر على ما كان عليه كالقول الذي ذكره بعض ~~أصحابنا ويروى هذا عن الثوري ومحمد بن الحسن وحكى عن الثوري لا شيء عليه ~~كالرواية الأخرى عن أحمد وروي هذا عن مالك أيضا وعن مالك أنه يؤمر ببيعها ~~وحكى ذلك عن الحسن بن صالح وشريك وهو قول الشافعي وقال أبو ثور يجبر على ~~بيعها # وقياس قول من يضعف العشر أن المستأمن لو زرع في دار الإسلام لكان الواجب ~~عليه خمسين ضعفا ما يؤخذ من الذمي كما أنه إذا اتجر في دار الإسلام يؤخذ ~~منه العشر ضعفا ما يؤخذ من الذمي # فقد ظهر على إحدى الروايتين وقول طوائف من أهل العلم نمنعهم من أن ~~يستولوا على عقار في دار الإسلام للمسلمين فيه حق من المساكن والمزارع كما ~~نمنعهم أن يحدثوا في دار الإسلام بناء لعباداتهم من كنيسة أو بيعة أو صومعة ~~لأن عقد الذمة اقتضى إقرارهم على ما كانوا عليه من غير تعد منهم ~~PageV01P242 إلى الاستيلاء فيما ثبت للمسلمين فيه حق من عقار أو رقيق # وهذا لأن مقصود الدعوة أن تكون كلمة الله هي العليا وإنما أقروا بالجزية ~~للضرورة العارضة والحكم المقيد بالضرورة مقدر بقدرها ولهذا لم يثبت لهم غير ~~واحد ms198 من السلف حق شفعة على مسلم وأخذ بذلك أحمد رحمه الله وغيره لأن الشقص ~~الذي يملكه مسلم إذا أوجبنا فيه شفعة لذمي كنا قد أوجبنا على المسلم أن ~~ينقل الملك في عقاره إلى ذمي بطريق القهر للمسلم وهذا خلاف الأصول ولهذا نص ~~أحمد على أن البائع للشقص إذا كان مسلما وشريكه ذمي لم يجب له شفعة لأن ~~الشفعة في الأصل إنما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر بمنزلة الحقوق ~~التي تجب على المسلم للمسلم كإجابة الدعوة وعيادة المريض وكمنعه وكفه أن ~~يبيع على بيعه أو يخطب على خطبته وهذا كله عن أحمد مخصوص بالمسلمين وفي ~~البيع والخطبة خلاف بين الفقهاء # وأما استئجار الأرض الموقوفة على الكنيسة وشراء ما يباع على الكنيسة فقد ~~أطلق أحمد المنع أنه لا يستأجرها لا يعينهم على ما هم فيه وكذلك أطلقه ~~الآمدي وغيره # ومثل هذا مالو اشترى من المال الموقوف للكنيسة الموصى لها به أو باع آلات ~~يبنون بها كنيسة ونحو ذلك والمنع هنا أشد لأن نفس هذا المال الذي يبذله ~~يصرف في المعصية فهو كبيع العصير لمن يتخذه خمرا بخلاف نفس السكنى فإنها ~~ليست محرمة ولكنهم يعصون في المنزل فقد يشبه مالو قد باعهم الخبز واللحم ~~والثياب فإنهم قد يستعينون بذلك على الكفر وإن كان الإسكان فوق هذا لأن نفس ~~الأكل والشرب ليس بمحرم ونفس المنفعة المعقود عليها في الإجارة وهو اللبث ~~قد يكون محرما # ألا ترى أن الرجل لا ينهى أن يتصدق على الكفار والفساق في الجملة وينهى ~~أن يقعد في منزله من يكفر أو يفسق وقد تقدم تصريح ابن القاسم أن ~~PageV01P243 هذا الشراء لا يحل وأطلق الشافعي المنع من معاونتهم على بناء ~~الكنيسة ونحو ذلك # فقال في كتاب الجزية من الأم ولو أوصى يعني الذمي بثلث ماله أو شيء منه ~~يبني به كنيسة لصلوات النصارى أو يستأجر به خدم للكنيسة أو تعمر به الكنيسة ~~أو يستصبح به فيها أو يشتري بها أرض لتكون صدقة على الكنيسة أو تعمر من ~~غلتها أو ms199 ما في هذا المعنى كانت الوصية باطلة ولو أوصى أن يبني كنيسة ~~ينزلها مار الطريق أو وقفها على قوم يسكنونها جازت الوصية وليس في بنيان ~~الكنيسة معصية إلا أن تتخذ لمصلى النصارى الذي اجتماعهم فيها على الشرك قال ~~وأكره للمسلم أن يعمل بناء أو نجارا أو غير ذلك في كنائسهم التي لصلاتهم # وأما مذهب أحمد في الإجارة لعمل ناووس ونحوه فقال الآمدي لا يجوز رواية ~~واحدة لأن المنفعة المعقود عليها محرمة وكذلك الإجارة لبناء كنيسة أو بيعة ~~أو صومعة كالإجارة لكتب كتبهم المحرفة # وأما مسألة حمل الخمر والميتة والخنزير للنصراني أو للمسلم فقد تقدم لفظ ~~أحمد أنه قال فيمن حمل خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني فهو يكره أكل كرائه ~~ولكن يقضي للحمال بالكراء وإذا كان للمسلم فهو أشد زاد بعضهم فيها ويكره أن ~~يحمل ميتة بكراء أو يخرج دابة ميتة ونحو هذا # ثم اختلف أصحابنا في هذا الجواب على ثلاث طرق # إحداها إجراؤه على ظاهره وأن المسألة رواية واحدة # قال ابن أبي موسى وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير ~~للنصراني قال فإن فعل قضى له بالكراء وإن أجر نفسه لحمل محرم لمسلم كانت ~~الكراهة أشد ويأخذ الكراء وهل يطيب له على وجهين أوجههما أنه لا يطيب له ~~ويتصدق به وهكذا ذكر أبو الحسن الآمدي قال إذا آجر نفسه من رجل لمحل خمر أو ~~خنزير أو ميتة كره نص عليه وهذه كراهة PageV01P244 تحريم لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعن حاملها ولكن يقضي له بالكراء وغير ممتنع أن يقضي ~~بالكراء وإن كان محرما كأجر الحجام # فقد صرح هؤلاء بأنه يستحق الأجرة مع كونها محرمة عليه على الصحيح # الطريقة الثانية تأويل هذه الرواية بما يخالف ظاهرها وجعل المسألة رواية ~~واحدة أن هذه الإجارة لا تصح وهي طريقة القاضي في المجرد وهي طريقة ضعيفة ~~رجع عنها القاضي في كتبه المتأخرة فإنه صنف المجرد قديما # الطريقة الثالثة تخريج هذه المسألة على روايتين # إحداهما أن هذه الإجارة صحيحة يستحق بها ms200 الأجرة مع الكراهة للفعل وللأجرة # والثانية لا تصح الإجارة ولا يستحق بها أجرة وإن حمل وذلك على قياس قوله ~~في الخمر لا يجوز إمساكها وتجب إراقتها # قال في رواية أبي طالب إذا أسلم وله خمر أو خنازير تصب الخمر وتسرح ~~الخنازير قد حرما عليه وإن قتلها فلا بأس # فقد نص على أنه لا يجوز إمساكها ولأنه قد نص في رواية ابن منصور أنه يكره ~~أن يؤاجر نفسه لنظارة كرم النصراني لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر إلا أن يعلم ~~أنه يباع لغير الخمر # فقد منع من إجارة نفسه على حفظ الكرم الذي يتخذ للخمر فأولى أن يمنع من ~~إجارة نفسه على حمل الخمر # فهذه طريقة القاضي في التعليق وتصرفه وعليها أكثر أصحابه مثل أبي الخطاب ~~وهي طريقة من احتذى حذوه من المتأخرين # والمنصور عندهم الرواية المخرجة وهي مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد ~~وهذا عند أصحابنا فيما إذا استأجر على حمل الخمر إلى بيته أو حانوته وحيث ~~لا يجوز إقرارها سواء كان حملها للشرب أو مطلقا PageV01P245 # فإذا كان يحملها ليريقها أو يحمل الميتة ليدفنها أو لينقلها إلى الصحراء ~~لئلا يتأذى الناس بنتن ريحها فإنه يجوز الإجارة على ذلك لأنه عمل مباح ولكن ~~إن كانت الأجرة جلد الميتة لم تصح واستحق أجرة المثل وإن كان قد سلخ الجلد ~~وأخذه رده على صاحبه وهذا مذهب مالك وأظنه مذهب الشافعي أيضا ومذهب أبي ~~حنيفة كالرواية الأولى # ومأخذه في ذلك أن الحمل إذا كان مطلقا لم يكن المستحق غير حمل الخمر # وأيضا فإن مجرد حملها ليس معصية لجواز أن تحمل لتراق أو تخلل عنده ولهذا ~~إذا كان الحمل للشرب لم يصح ومع هذا فإنه يكره الحمل # والأشبه والله أعلم طريقة ابن أبي موسى فإنها أقرب إلى مقصود أحمد وأقرب ~~إلى القياس # وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها ~~والمحمولة إليه فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة تستحق عوضا وهي ليست ~~محرمة في نفسها وإنما حرمت لقصد المعتصر والمستحمل فهو ms201 كما لو باع عنبا أو ~~عصيرا لمن يتخذه خمرا وفات العصير والخمر في يد المشتري فإن مال البائع لا ~~يذهب مجانا بل يقضي له بعوضه # كذلك ههنا المنفعة التي وفاها المؤجر لا تذهب مجانا بل يعطي بدلها فإن ~~تحريم الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر لا من جهته # ثم نحن نحرم الأجرة عليه لحق الله سبحانه لا لحق المستأجر والمشتري بخلاف ~~من استأجر للزنا أو التلوط أو القتل أو الغصب أو السرقة فإن نفس هذا العمل ~~يحرم لا لأجل قصد المشتري فهو كما لو باعه ميتة أو خمرا فإنه لا يقضي له ~~بثمنها لأن نفس هذه العين محرمة # ومثل هذه الإجارة والجعالة لا توصف بالصحة مطلقا ولا بالفساد مطلقا بل هي ~~صحيحه بالنسبة إلى المستأجر بمعنى أنه يجب عليه مال الجعل والأجر ~~PageV01P246 وهي فاسدة بالنسبة إلى الأجرة بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع ~~بالأجرة والجعل ولهذا في الشريعة نظائر # وعلى هذا فنص أحمد على كراهة نظارة كرم النصراني لا ينافي هذا فإنا ننهاه ~~عن هذا الفعل وعن ثمنه ونقضي له بكرائه ولو لم نفعل هذا لكان في هذا منفعة ~~عظيمة للعصاة فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية قد حصلوا ~~غرضهم منه ثم لا يعطونه شيئا وما هم بأهل أن يعانوا على ذلك بخلاف من سلم ~~إليهم عملا لا قيمة له بحال # نعم البغي والمغني والنائحة ونحوهم إذا أعطوا أجورهم ثم تابوا هل يتصدقون ~~بها أو يجب أن يردوها على من أعطاهموها فيها قولان # أصحهما أنا لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة ولا ~~يباح الأخذ بل يتصدق بها وتصرف في مصالح المسلمين كما نص عليه أحمد في أجرة ~~حمل الخمر # ومن ظن أنها ترد على الباذل المستأجر لأنها مقبوضة بعقد فاسد فيجب ردها ~~عليه كالمقبوض بالربا أو نحوه من العقود الفاسدة فيقال له المقبوض بالعقد ~~الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه ~~كما في تقابض الربا عند ms202 من يقول المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك كما هو ~~المعروف من مذهب الشافعي وأحمد فأما إذا تلف المقبوض عند القابض فإنه لا ~~يستحق استرجاع عوضه مطلقا # وحينئذ فيقال إن كان ظاهر القياس يوجب ردها بناء على أنها مقبوضة بعقد ~~فاسد فالزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم ~~واستوفوا العوض المحرم والتحريم الذي فيه ليس لحقهم وإنما هو لحق الله ~~تعالى وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين ~~يرد الآخر فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال ~~PageV01P247 # وأيضا فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أحد منفعتيه وعوضهما ~~جميعا منه بخلاف مالو كان العوض خمرا أو ميتة فإن ذلك لا ضرر عليه في ~~فواتها فإنها لو كانت باقية أتلفناها عليه ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت ~~لتوفرت عليه بحيث كان يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر أعني من صرف ~~القوة التي عمل بها # فيقال على هذا فينبغي أن يقضوا بها إذا طالب بقبضها # قيل نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها كعقود الكفار المحرمة فإنهم إذا أسلموا ~~على القبض لم نحكم بالقبض ولو أسلموا بعد القبض لم نحكم بالرد ولكن في حق ~~المسلم تحرم هذه الأجرة عليه لأنه كان معتقدا لتحريمها بخلاف الكافر وذلك ~~لأنه إذا طلب الأجرة قلنا له أنت فرطت حيث صرفت قوتك في عمل محرم فلا يقضى ~~لك بأجرة # فإذا قبضها ثم قال الدافع هذا المال اقضوا لي برده فإنما أقبضته إياه ~~عوضا عن منفعة محرمة قلنا له دفعته بمعاوضة رضيت بها فإذا طلبت استرجاع ما ~~أخذه فرد إليه ما أخذته إذا كان له في بقائه معه منفعة فهذا ومثله يتوجه ~~فيما يقبض من ثمن الميتة والخمر # وأيضا فمشتري الخمر إذا أقبض ثمنها وقبضها وشراها ثم طلب أن يعاد إليه ~~الثمن كان الأوجه أن يرد إليه الثمن ولا يباح للبائع لا سيما ونحن نعاقب ~~الخمار بياع الخمر بأن نحرق الحانوت التي يباع فيها نص ms203 على ذلك أحمد وغيره ~~من العلماء فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حرق حانوتا يباع فيه الخمر وعلي ~~ابن أبي طالب رضي الله عنه حرق قرية يباع فيها الخمر وهي آثار معروفة وهذه ~~المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع # وذلك لأن العقوبات المالية عندنا باقية غير منسوخة PageV01P248 # فإذا عرف أصل أحمد في هذه المسائل فمعلوم أن بيعهم ما يقيمون به أعيادهم ~~المحرمة مثل بيعهم العقار للسكنى وأشد بل هو إلى بيعهم العصير أقرب منه إلى ~~بيعهم العقار لأن ما يبتاعونه من الطعام واللباس ونحو ذلك يستعينون به على ~~العيد # إذ العيد كما قدمنا اسم لما يفعل من العبادات والعادات وهذه إعانة على ما ~~يقام من العادات لكن لما كان جنس الأكل والشرب واللباس ليس محرما في نفسه ~~بخلاف شرب الخمر فإنه محرم في نفسه # فإن كان ما يبتاعونه يفعلون به نفس المحرم مثل صليب أو شعانين أو معمودية ~~أو تبخير أو ذبح لغير الله أو صور ونحو ذلك فهذا لا ريب في تحريمه كبيعهم ~~العصير ليتخذوه خمرا وبناء الكنيسة لهم وأما ما ينتفعون به في أعيادهم ~~للأكل والشرب واللباس فأصول أحمد وغيره تقتضي كراهته لكن كراهة تحريم كمذهب ~~مالك أو كراهة تنزيه # والأشبه أنه كراهة تحريم كسائر النظائر عنده فإنه لا يجوز بيع الخبز ~~واللحم والرياحين للفساق الذين يشربون عليها الخمر ولأن هذه إعانة قد تفضي ~~إلى إظهار الدين الباطل وكثرة اجتماع الناس لعيدهم وظهوره وهذا أعظم من ~~إعانة شخص معين # لكن من يقول هذا مكروه كراهة تنزيه يقول هذا متردد بين بيع العصير وبيع ~~الخنزير وليس هذا مثل بيعهم العصير الذي يتخذونه خمرا لأنا إنما يحرم علينا ~~أن نبيع الكفار ما كان محرم الجنس كالخمر والخنزير فأما ما يباح في حال دون ~~حال كالحرير ونحوه فيجوز بيعه لهم # وأيضا فالطعام واللباس الذي يبتاعونه في عيدهم ليس محرما في نفسه وإنما ~~الأعمال التي يعملونه بها لما كانت شعار الكفار نهي عنها المسلم لما فيها ~~من مفسدة انجراره إلى بعض ms204 فروع الكفار فأما الكافر فهي لا تزيده من الفساد ~~PageV01P249 أكثر مما هو فيه لأن نفس حقيقة الكفر قائمة به فدلالة الكفر ~~وعلامته إذا كانت مباحة لم يكن فيها كفر زائد كما لو باعهم المسلم ثياب ~~الغيار التي يتميزون بها عن المسلمين بخلاف شرب الخمر وأكل الخنزير فإنه ~~زيادة في الكفر # نعم لو باعهم المسلم ما يتخذونه صليبا أو شعانين ونحو ذلك فهنا قد باعهم ~~ما يستعينون به على نفس المعصية # ومن نصر التحريم يجيب عن هذا بأن شعار الكفر وعلامته ودلالته على وجهين # وجه نؤمر به في دار الإسلام وهو ما فيه إذلال الكفر وصغاره فهذا إذا ~~ابتاعوه كان ذلك إعانة على ما يأمر الله به ورسوله فإنا نحن نأمرهم بلبس ~~الغيار # ووجه النهي عنه هو ما فيه من إعلاء الكفر وإظهاره له كرفع أصواتهم ~~بكتابهم وإظهار الشعانين وبيع النواقيس لهم وبيع الرايات والألوية لهم ونحو ~~ذلك فهذا من شعائر الكفر التي نحن مأمورون بإزالتها والمنع منها في ديار ~~الإسلام فلا يجوز إعانتهم عليها # وأما قبول الهدية منهم يوم عيدهم فقد قدمنا عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه أنه أتي بهدية النيروز فقبلها # وروى ابن أبي شيبة في المصنف حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه أن امرأة سألت ~~عائشة قالت إن لنا أظآرا من المجوس وإنه يكون لهم العيد فيهدون لنا فقالت ~~أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا ولكن كلوا من أشجارهم # وقال حدثنا وكيع عن الحكم بن حكيم عن أمه عن أبي برزة أنه كان له سكان ~~مجوس فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان فكان يقول لأهله ما كان من ~~فاكهة فكلوه وما كان من غير ذلك فردوه # فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم بل حكمها ~~PageV01P250 في العيد وغيره سواء لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر ~~كفرهم # لكن قبول هدية الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة مسألة مستقلة بنفسها فيها ~~خلاف وتفصيل ليس هذا موضعه # وإنما يجوز ms205 أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم بابتياع أو هدية أو غير ~~ذلك مما لم يذبحوه للعيد فأما ذبائح المجوس فالحكم فيها معلوم فإنها حرام ~~عند العامة # وأما ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم وما يتقربون بذبحه إلى غير الله نظير ~~ما يذبح المسلمون هداياهم وضحاياهم متقربين بها إلى الله تعالى وذلك مثل ما ~~يذبحون للمسيح والزهرة فعن أحمد فيها روايتان أشهرهما في نصوصه أنه لا يباح ~~أكله وإن لم يسم عليه غير الله تعالى ونقل النهي عن ذلك عن عائشة وعبد الله ~~بن عمر # قال الميموني سألت أبا عبد الله عن ذبائح أهل الكتاب فقال إن كان مما ~~يذبحون لكنائسهم فلا يحل فقال يدعون التسمية على عمد إنما يذبحون للمسيح # وذكر أيضا أنه سأل أبا عبد الله عمن ذبح من اهل الكتاب ولم يسم فقال إن ~~كان مما يذبحون لكنائسهم فقال يتركون التسمية فيه على عمد إنما يذبحون ~~للمسيح وقد كرهه ابن عمر إلا أن أبا الدرداء يتأول أن طعامهم حل وأكثر ما ~~رأيت منه الكراهة لأكل ما ذبحوا لكنائسهم # وقال أيضا سألت أبا عبد الله عن ذبيحة المرأة من أهل الكتاب ولم تسم قال ~~إن كانت ناسية فلا بأس وإن كان مما يذبحون لكنائسهم فقد يدعون التسمية فيه ~~على عمد # قال المروزي قريء على أبي عبد الله @QB@ وما ذبح على النصب @QE@ قال على ~~الأصنام وقال كل شيء ذبح على الأصنام لا يؤكل PageV01P251 # وقال حنبل قال عمي أكره كل ما ذبح لغير الله والكنائس إذا ذبح لها وما ~~ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به وما ذبح يريد به غير الله فلا ~~آكله وما ذبحوا في أعيادهم أكرهه # وروى أحمد عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي سألت ميمونا عما ذبحت النصارى ~~لأعيادهم وكنائسهم فكره أكله # وقال حنبل سمعت أبا عبد الله قال لا يؤكل لأنه أهل لغير الله به ويؤكل ما ~~سوى ذلك وإنما أحل الله من طعامهم ما ذكر اسم الله عليه قال الله عز وجل ms206 ~~@QB@ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه @QE@ وقال @QB@ وما أهل به لغير ~~الله @QE@ فكل ما ذبح لغير الله فلا يؤكل لحمه # وروى حنبل عن عطاء في ذبيحة النصراني يقول اسم المسيح قال كل قال حنبل ~~سمعت أبا عبد الله يسأل عن ذلك قال لا تأكل قال الله @QB@ ولا تأكلوا مما ~~لم يذكر اسم الله عليه @QE@ فلا أرى هذا ذكاته @QB@ وما أهل لغير الله به ~~@QE@ # فاحتجاج أبي عبد الله بالآية دليل على أن الكراهة عنده كراهة تحريم وهذا ~~قول عامة قدماء الأصحاب # قال الخلال في باب التوقي لأكل ما ذبحت النصارى وأهل الكتاب لأعيادهم ~~وذبائح أهل الكتاب لكنائسهم كل من روى عن أبي عبد الله روى الكراهة فيه وهي ~~متفرقة في هذه الأبواب # وما قاله حنبل في هاتين المسألتين ذكر عن أبي عبد الله @QB@ ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه @QE@ @QB@ وما أهل لغير الله به @QE@ فإنما ~~الجواب من أبي عبد الله فيما أهل لغير الله به وأما التسمية وتركها فقد روى ~~عنه جميع أصحابه أنه لا بأس بأكل مالم يسموا عليه إلا في وقت ما يذبحون ~~لأعيادهم وكنائسهم فإنه في معنى قوله تعالى @QB@ وما أهل لغير الله به @QE@ ~~PageV01P252 # وعند أبي عبد الله أن تفسير @QB@ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~@QE@ إنما عني به الميتة وقد أخرجته في موضعه # ومقصود الخلال أن نهي أحمد لم يكن لأجل ترك التسمية فقط فإن ذلك عنده لا ~~يحرم وإنما كان لأنهم ذبحوه لغير الله سواء كانوا يسمون غير الله أو لا ~~يسمون الله ولا غيره ولكن قصدهم الذبح لغير الله # لكن قال ابن أبي موسى ويجتنب أكل كل ما ذبحه اليهود والنصارى لكنائسهم ~~وأعيادهم ولا يؤكل ما ذبح للزهرة # والرواية الثانية أن ذلك مكروه غير محرم وهذا الذي ذكره القاضي وغيره ~~وأخذوا ذلك فيما أظنه مما نقله عبد الله بن أحمد قال سألت أبي عمن ذبح ~~للزهرة قال لا يعجبني قلت أحرام أكله قال لا أقول حراما ولكن لا يعجبني ms207 ~~وذلك أنه أثبت الكراهة دون التحريم # ويمكن أن يقال إنما توقف عن تسميته محرما لأن ما اختلف في تحريمه وتعارضت ~~فيه كالجمع بين الأختين ونحوه هل يسمى حراما على روايتين كالروايتين عنده ~~في أن ما اختلف في وجوبه هل يسمى فرضا على روايتين # ومن أصحابنا من أطلق الكراهة ولم يفسر هل أراد التحريم أو التنزيه ~~PageV01P253 # قال أبو الحسن الآمدي ما ذبح لغير الله مثل الكنائس والزهرة والشمس ~~والقمر فقال أحمد هو مما أهل به لغير الله أكرهه كل ما ذبح لغير الله ~~والكنائس وما ذبحوا في أعيادهم أكرهه فأما ما ذبح أهل الكتاب على معنى ~~الذكاة فلا بأس به # وكذلك مذهب مالك يكره ما ذبحه النصارى لكنائسهم أو ذبحوا على اسم المسيح ~~أو الصليب أو أسماء من مضى من أحبارهم ورهبانهم # وفي المدونة وكره مالك أكل ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم أو لأعيادهم من ~~غير تحريم وتأول قول الله @QB@ أو فسقا أهل لغير الله به @QE@ # قال ابن القاسم وكذلك ما ذبحوا وسموا عليه اسم المسيح وهو بمنزلة ما ~~ذبحوا لكنائسهم ولا أرى أن يؤكل # ونقلت الرخصة في ذبائح الأعياد ونحوها عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم ~~وهذا فيما لم يسموا عليه غير الله فإن سموا غير الله في عيدهم أو غير عيدهم ~~حرم في أشهر الروايتين وهو مذهب الجمهور وهو مذهب الفقهاء الثلاثة فيما ~~نقله غير واحد وهو قول علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة منهم أبو الدرداء ~~وأبو أمامة والعرباض بن سارية وعبادة بن الصامت وهو قول أكثر فقهاء الشام ~~وغيرهم # والثانية لا يحرم وإن سموا غير الله وهو قول عطاء ومجاهد ومكحول ~~والأوزاعي والليث # نقل ابن منصور أنه قيل لأبي عبد الله سئل سفيان عن رجل ذبح ولم يذكر اسم ~~الله متعمدا قال أرى أن لا يؤكل قيل له أرأيت أن كان يرى أنه يجزي عنه فلم ~~يذكر قال أرى أنه لا يؤكل قال أحمد المسلم فيه اسم الله يؤكل ولكن قد أساء ~~في ترك التسمية ms208 النصارى أليس يذكرون غير اسم الله PageV01P254 # ووجه الاختلاف أن هذا قد دخل في عموم قوله عز وجل @QB@ وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم @QE@ وفي عموم قوله تعالى @QB@ وما أهل لغير الله به @QE@ ~~لأن هذه الآية تعم كل ما نطق به لغير الله يقال أهللت بكذا إذا تكلمت به ~~وإن كان أصله الكلام الرفيع فإن الحكم لا يختلف برفع الصوت وخفضه وإنما لما ~~كانت عادتهم رفع الصوت في الأصل خرج الكلام على ذلك فيكون المعنى وما تكلم ~~به لغير الله وما نطق به لغير الله # ومعلوم أن ما حرم أن تجعل غير الله مسمى فكذلك منويا إذ هذا مثل النيات ~~في العبادات فإن اللفظ بها وإن كان أبلغ لكن الأصل القصد # الا ترى أن المتقرب بالهدايا والضحايا سواء قال أذبحه لله أو سكت فإن ~~العبرة بالنية وتسميته الله على الذبيحة غير ذبحها لله فإنه يسمى على ما ~~يقصد به اللحم وأما القربان فيذبح لله سبحانه ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قربانه اللهم منك ولك بعد قوله بسم الله والله أكبر لقوله ~~تعالى @QB@ إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين @QE@ والكافرون ~~يصنعون بآلهتهم كذلك فتارة يسمون آلهتهم على الذبائح وتارة يذبحونها قربانا ~~إليهم وتارة يجمعون بينهما وكل ذلك والله أعلم يدخل فيما أهل لغير الله به ~~فإن من سمى غير الله فقد أهل به لغير الله فقوله باسم كذا استعانة به وقوله ~~لكذا عبادة له ولهذا جمع الله بينهما في قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين ~~@QE@ # وأيضا فإنه سبحانه حرم ما ذبح على النصب وهي كل ما ينصب ليعبد من دون ~~الله # وأما احتجاج أحمد على هذه المسألة بقوله تعالى @QB@ ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه @QE@ فحيث اشترطت التسمية في ذبيحة المسلم هل تشترط في ~~ذبيحة الكتابي على روايتين وإن كان الخلال هنا قد ذكر عدم الاشتراط ~~فاحتجاجه بهذه الآية يخرج على إحدى الروايتين PageV01P255 فلما تعارض ~~العموم الحاظر وهو قوله تعالى @QB@ وما أهل به لغير الله @QE@ والعموم ms209 ~~المبيح وهو قوله @QB@ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم @QE@ اختلف العلماء ~~في ذلك # والأشبه بالكتاب والسنة ما دل عليه أكثر كلام أحمد من الحظر وإن كان من ~~متأخري أصحابنا من لا يذكر هذه الرواية بحال وذلك لأن عموم قوله تعالى @QB@ ~~وما أهل لغير الله به @QE@ @QB@ وما ذبح على النصب @QE@ عموم محفوظ لم تخص ~~منه صورة بخلاف طعام الذين أوتوا الكتاب فإنه يشترط له الذكاة المبيحة فلو ~~ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته ولأن غاية الكتابي أن تكون ~~ذكاته كالمسلم والمسلم لو ذبح لغير الله أو ذبح باسم غير الله لم يبح وإن ~~كان يكفر بذلك فكذلك الذمي لأن قوله تعالى @QB@ وطعام الذين أوتوا الكتاب ~~حل لكم وطعامكم حل لهم @QE@ سواء وهم وإن كانوا يستحلون هذا ونحن لا نستحله ~~فليس كل ما استحلوه يحل لنا # ولأنه قد تعارض دليلان حاظر ومبيح فالحاظر أولى أن يقدم # ولأن الذبح لغير الله أو باسم غيره قد علمنا يقينا أنه ليس من دين ~~الأنبياء عليهم السلام فهو من الشرك الذي أحدثوه فالمعنى الذي لأجله حلت ~~ذبائحهم منتف في هذا والله تعالى أعلم # فإن قيل أما إذا سموا عليه غير الله بأن يقولوا باسم المسيح ونحوه ~~فتحريمه ظاهر أما إذا لم يسموا أحدا ولكن قصدوا الذبح للمسيح أو للكوكب ~~ونحوهما فما وجه تحريمه # قيل قد تقدمت الإشارة إلى ذلك وهو أن الله سبحانه قد حرم ما ذبح على ~~النصب وذلك يقتضي تحريمه وإن كان ذابحه كتابيا لأنه لو كان التحريم لكونه ~~وثنيا لم يكن فرق بين ذبحه على النصب وغيرها ولأنه لما أباح لنا طعام أهل ~~الكتاب دل على أن طعام المشركين حرام فتخصيص ما ذبح على الوثن يقتضي فائدة ~~جديدة PageV01P256 # وأيضا فانه ذكر تحريم ما ذبح على النصب وما أهل به لغير الله وقد دخل ~~فيما أهل به لغير الله ما أهل به أهل الكتاب لغير الله فكذلك كل ما ذبح على ~~النصب فإذا ذبح الكتابي على ما قد نصبوه من التماثيل ms210 في الكنائس فهو مذبوح ~~على النصب # ومعلوم أن حكم ذلك لا يختلف بحضور الوثن وغيبته فإنما حرم لأنه قصد بذبحه ~~عبادة الوثن وتعظيمه وهذه الأنصاب قد قيل هي من الأصنام وقيل هي غير ~~الأصنام # قالوا كان حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا كان أهل الجاهلية يذبحون عليها ~~ويشرحون اللحم عليها ويذبحون عليها وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها ~~ويذبحون عليها وكانوا إذا شاءوا أبدلوا هذه الأحجار بحجارة هي أعجب إليهم ~~منها ويدل على ذلك قول أبي ذر في حديث إسلامه حتى صرت كالنصب الأحمر يريد ~~أنه كان يصير أحمر من تلوثه بالدم # وفي قوله @QB@ وما ذبح على النصب @QE@ قولان # أحدهما أن نفس الذبح كان يكون عليها كما ذكرناه فيكون ذبحهم عليها تقربا ~~إلى الأصنام وهذا على قول من يجعلها غير الأصنام فيكون الذبح عليها لأجل أن ~~المذبوح عليها مذبوح للأصنام أو مذبوح لها وذلك يقتضي تحريم كل ما ذبح لغير ~~الله ولأن الذبح في البقعة لا تأثير له إلا من جهة الذبح لغير الله كما ~~كرهه النبي صلى الله عليه وسلم من الذبح في مواضع أصنام المشركين ومواضع ~~أعيادهم وإنما يكره المذبوح في البقعة المعينة لكونها محل شرك فإذا وقع ~~الذبح حقيقة لغير الله كانت حقيقة التحريم قد وجدت فيه # والقول الثاني أن الذبح على النصب أي لأجل النصب كما قيل أولم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على زينب بخبز ولحم وأطعم فلان على ولده وذبح فلان على ~~ولده ونحو ذلك ومنه قوله تعالى PageV01P257 @QB@ لتكبروا الله على ما هداكم ~~@QE@ وهذا ظاهر على قول من يجعل النصب نفس الأصنام ولا منافاة بين كون ~~الذبح لها وبين كونها كانت تلوث بالدم # وعلى هذا القول فالدلالة ظاهرة # واختلاف هذين القولين في قوله تعالى @QB@ على النصب @QE@ نظير الاختلاف ~~في قوله تعالى @QB@ ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام @QE@ وقوله تعالى @QB@ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله ~~في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام @QE@ # فإنه قد قيل المراد ms211 بذكر اسم الله عليها إذا كانت حاضرة # وقيل بل يعم ذكره لأجلها في مغيبها وشهودها بمنزلة قوله تعالى @QB@ ~~لتكبروا الله على ما هداكم @QE@ # وفي الحقيقة مآل القولين إلى شيء واحد في قوله تعالى @QB@ وما ذبح على ~~النصب @QE@ كما قد أومأنا إليه # وفيها قول ثالث ضعيف أن المعنى على اسم النصب وهذا ضعيف لأن هذا المعنى ~~حاصلا من قوله تعالى @QB@ وما أهل لغير الله به @QE@ فيكون تكريرا لكن ~~اللفظ يحتمله كما روى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما أنه كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لقي زيد ~~بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح وذلك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الوحي فقدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم فأبى أن ~~يأكل منها ثم قال زيد إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ~~ذكر اسم الله عليه PageV01P258 # وفي رواية له وإن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول ~~الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض الكلأ ثم ~~أنتم تذبحونها على غير اسم الله إنكارا لذلك وإعظاما له # وأيضا فان قوله تعالى @QB@ وما أهل لغير الله به @QE@ ظاهره أنه ما ذبح ~~لغير الله مثل أن يقال هذا ذبيحة لكذا وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ ~~به أو لم يلفظ وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه النصراني للحم وقال فيه ~~باسم المسيح ونحوه كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله سبحانه كان ~~أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله فإن عبادة الله سبحانه ~~بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور فكذلك الشرك ~~بالصلاة لغيره والنسك لغيره أعظم شركا من الاستعانة باسم هذا الغير في ~~فواتح الأمور فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح والزهرة فلأن يحرم ما قيل ~~فيه لأجل ms212 المسيح والزهرة أو قصد به ذلك أولى # وهذا يبين لك ضعف قول من حرم ما ذبح باسم غير الله ولم يحرم ما ذبح لغير ~~الله كما قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم بل لو قيل بالعكس لكان أوجه فإن ~~العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله # وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا به إليه لحرم وإن قال فيه بسم الله ~~كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الأولياء والكواكب ~~بالذبح والبخور ونحو ذلك وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال لكن ~~يجتمع في الذبيحة مانعان # ومن هذا الباب ما قد يفعله الجاهلون بمكة شرفها الله وغيرها من الذبح ~~للجن ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذبائح الجن # ويدل على المسألة ما قدمناه من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الذبح ~~في مواضع الأصنام ومواضع أعياد الكفار PageV01P259 ويدل على ذلك أيضا ما ~~رواه أبو داود في سننه حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا حماد بن مسعدة عن عوف ~~عن أبي ريحانة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن معاقرة الأعراب قال أبو داود غندر وقفه على ابن عباس # وروى أبو بكر بن أبي شيبة في تفسيره حدثنا وكيع عن أصحابه عن عوف ~~الأعرابي عن أبي ريحانة قال سئل ابن عباس عن معاقرة الأعراب فقال إني أخاف ~~أن تكون مما أهل لغير الله به # وروى أبو إسحاق إبراهيم دحيم في تفسيره حدثنا أبي حدثنا سعيد بن منصور عن ~~ربعي عن عبد الله بن الجارود قال سمعت الجارود قال كان من بني رباح رجل ~~يقال له ابن وثيل شاعرا نافر أبا الفرزدق غالبا الشاعر بماء بظهر الكوفة ~~على أن يعقر هذا مائة من إبله وهذا مائة من إبله إذا وردت الماء فلما وردت ~~الإبل الماء قاما إليها بأسيافهما فجعلا ينسفان عراقيبها فخرج الناس على ~~الحمر والبغال يريدون اللحم وعلي رضي الله عنه ms213 بالكوفة فخرج على بغلة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم البيضاء وهو ينادي يا أيها الناس لا تأكلوا من ~~لحومها فإنها أهل بها لغير الله # فهؤلاء الصحابة قد فسروا ما قصد بذبحه غير الله داخلا فيما أهل به لغير ~~الله # فعلمت أن الآية لم يقتصر بها على التلفظ باسم غير الله بل ما قصد به ~~التقرب إلى غير الله فهو كذلك وكذلك تفاسير التابعين على أن ما ذبح على ~~النصب هو ما ذبح لغير الله # وروينا في تفسير مجاهد المشهور عنه الصحيح من رواية ابن أبي نجيح في قوله ~~تعالى @QB@ وما ذبح على النصب @QE@ قال كانت حجارة حول الكعبة يذبح لها أهل ~~الجاهلية ويبدلونها إذا شاءوا بحجارة أعجب إليهم منها # وروى ابن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن أشعث عن الحسن في قوله تعالى ~~@QB@ وما ذبح على النصب @QE@ قال هو بمنزلة ما ذبح لغير الله PageV01P260 # وفي تفسير قتادة المشهور عنه وأما @QB@ وما ذبح على النصب @QE@ فالنصب ~~حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها ويذبحون لها فنهى الله عن ذلك # وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس النصب أصنام كانوا يذبحون ويهلون ~~عليها # فإن قيل فقد نقل إسماعيل بن سعيد قال سألت أحمد عما يقرب لآلهتهم يذبحه ~~رجل مسلم قال لا بأس به # قيل إنما قال أحمد ذلك لأن المسلم إذا ذبحه سمى الله عليه ولم يقصد ذبحه ~~لغير الله ولا يسمى غيره بل يقصد منه غير ما قصده صاحب الشاة فتصير نية ~~صاحب الشاة لا أثر لها والذابح هو المؤثر في الذبح بدليل أن المسلم لو وكل ~~كتابيا في ذبيحة فسمى عليها غير الله لم تبح ولهذا لما كان الذبح عبادة في ~~نفسه كره علي رضي الله عنه وغير واحد من أهل العلم منهم أحمد في إحدى ~~الروايتين عنه أن يوكل المسلم في ذبح نسيكته كتابيا لأن نفس الذبح عبادة ~~بدنية مثل الصلاة ولهذا تختص بمكان وزمان ونحو ذلك بخلاف تفرقة اللحم فإن ~~عبادة مالية ولهذا اختلف العلماء في ms214 وجوب تخصيص أهل الحرم PageV01P261 ~~بلحوم الهدايا المذبوحة في الحرم وإن كان الصحيح تخصيصهم بها وهذا بخلاف ~~الصدقة فإنها عبادة مالية محضة فلهذا قد لا يؤثر فيها نية الوكيل على أن ~~هذه المسألة منصوصة عن أحمد محتملة # فهذا تمام الكلام في ذبائحهم لأعيادهم # | فصل # فأما صوم أيام أعياد الكفار مفردة بالصوم كصوم يوم النيروز والمهرجان ~~وهما يومان يعظمهما الفرس فقد اختلف فيهما لأجل أن المخالفة تحصل بالصوم أو ~~بترك تخصيصه بعمل أصلا # فنذكر صوم يوم السبت أولا وذلك أنه روى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن ~~عبد الله بن بسر السلمي عن أخته الصماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ~~تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو ~~عود شجرة وفي لفظ إلا عود عنب أو لحاء شجرة فليمضغه رواه أهل السنن الأربعة ~~وقال الترمذي هذا حديث حسن وقد رواه النسائي من وجوه أخر عن خالد عن عبد ~~الله بن بسر ورواه أيضا عن الصماء عن عائشة # وقد اختلف الأصحاب وسائر العلماء فيه # قال أبو بكر الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن صيام يوم السبت يتفرد به ~~فقال اما صيام يوم السبت ينفرد به فقد جاء في ذلك الحديث حديث الصماء يعني ~~حديث ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم قال ~~أبو عبد الله فكان يحيى بن سعيد ينفيه وأبى أن يحدثني به وقد كان سمعه من ~~ثور قال فسمعته من أبي عاصم # قال الأثرم وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث ~~كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر PageV01P262 # ومنها حديث أم سلمة حين سئلت أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أكثر صياما لها فقالت يوم السبت والأحد # منها حديث جويرية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ms215 يوم الجمعة أصمت ~~أمس قالت لا قال أتريدين أن تصومي غدا فالغد هو يوم السبت # وحديث أبي هريرة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة إلا ~~بيوم قبله أو بيوم بعده فاليوم الذي بعده هو يوم السبت # ومنها أنه كان يصوم شعبان كله وفيه يوم السبت # ومنها أنه أمر بصوم المحرم وفيه يوم السبت وقال من صام رمضان وأتبعه بست ~~من شوال كان كصيام الدهر وقد يكون السبت فيها وأمر بصيام أيام البيض وقد ~~يكون فيها السبت ومثل هذا كثير # فهذا الأثرم فهم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث وأنه ~~رخص في صومه حيث ذكر الحديث الذي يحتج به في الكراهة وذكر أن الإمام في علل ~~حديث يحيى بن سعيد كان يتقيه ويأبى أن يحدث به فهذا تضعيف للحديث # واحتج الأثرم بما دل من النصوص المتواترة على صوم يوم السبت # ولا يقال يحمل النهي على إفراده لأن لفظه لا تصوموا يوم السبت إلا فيما ~~افترض عليكم والاستثناء دليل التناول وهذا يقتضي أن الحديث يعم صومه على كل ~~وجه وإلا لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى فإنه لا إفراد فيه ~~فاستثناؤه دليل على دخول غيره بخلاف يوم الجمعة فإنه بين أنه إنما نهى عن ~~إفراده # وعلى هذا فيكون الحديث إما شاذا غير محفوظ وإما منسوخا وهذه طريقة قدماء ~~أصحاب أحمد الذين صحبوه كالأثرم وأبي داود PageV01P263 # وقال أبو داود حديث منسوخ وذكر أبو داود بإسناده عن ابن شهاب أنه كان إذا ~~ذكر له أنه نهى عن صيام السبت يقول ابن شهاب هذا حديث حمصي وعن الأوزاعي ~~قال ما زلت له كاتما حتى رأيته انتشر بعد يعني حديث ابن بسر في صوم يوم ~~السبت # قال أبو داود قال مالك هذا كذب وأكثر أهل العلم على عدم الكراهة # وأما أكثر أصحابنا ففهموا من كلام أحمد الأخذ بالحديث وحمله على الافراد ~~فإنه سئل عن عين الحكم فأجاب بالحديث وجوابه بالحديث يقتضي اتباعه وما ذكر ~~عن يحيى ms216 إنما هو بيان ما وقع فيه من الشبهة وهؤلاء يكرهون إفراده بالصوم ~~عملا بهذا الحديث بجودة إسناده وذلك موجب للعمل به وحملوه على الافراد كصوم ~~يوم الجمعة وشهر رجب # وقد روى أحمد في المسند من حديث ابن لهيعة حدثنا موسى بن وردان عن عبيد ~~الأعرج حدثتني جدتي يعني الصماء أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم السبت هو يتغذى فقال تعالي تغذي فقالت إني صائمة فقال لها أصمت ~~أمس قالت لا قال كلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك # وهذا وإن كان إسناده ضعيفا لكن تدل عليه سائر الأحاديث # وعلى هذا فيكون قوله لا تصوموا يوم السبت أي لا تقصدوا صيامه بعينه إلا ~~في الفرض فإن الرجل يقصد صومه بعينه بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت ~~كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت فإنه يصومه وحده # وأيضا فقصده بعينه في الفرض لا يكره بخلاف قصده بعينه في النفل فإنه يكره ~~ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه أو موافقته عادة فالمزيل PageV01P264 ~~للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضا لا للمقارنة بينه وبين غيره وأما في النفل ~~فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه أو موافقته عادة ونحو ذلك # قد يقال الاستثناء أخرج بعض صور الرخصة وأخرج الباقي بالدليل ثم اختلف ~~هؤلاء في تعليل الكراهة # فعللها ابن عقيل بأنه يوم تمسك فيه اليهود ويخصونه بالإمساك وهو ترك ~~العمل فيه والصائم في مظنة ترك العمل فيصير صومه تشبها بهم وهذه العلة ~~منتفية في الأحد # وعلله طائفة من الأصحاب بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه فقصده بالصوم ~~دون غيره يكون تعظيما له فكره ذلك كما كره إفراد عاشوراء بالتعظيم لما عظمه ~~أهل الكتاب وإفراد رجب أيضا لما عظمه المشركون # وهذا التعليل قد يعارض بيوم الأحد فإنه يوم عيد النصارى فإنه صلى الله ~~عليه وسلم قال اليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى # وقد يقال إذا كان يوم عيد فمخالفتهم فيه بالصوم لا بالفطر # ويدل على ذلك ms217 ما رواه كريب مولى ابن عباس قال أرسلني ابن عباس وناس من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة أسألها أي الأيام كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما لها قالت كان يصوم يوم السبت ويوم ~~الأحد أكثر ما يصوم من الأيام ويقول إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن ~~أخالفهم رواه أحمد وابن أبي عاصم والنسائي وصححه بعض الحفاظ # وهذا نص في استحباب صوم يوم عيدهم لأجل قصد مخالفتهم # وقد روى عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء ~~والخميس رواه الترمذي وقال حديث حسن قال وقد روى ابن مهدي هذا الحديث عن ~~سفيان ولم يرفعه PageV01P265 # وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره صوم يوم السبت وحده وعلل ذلك بأنهم ~~يتركون فيه العمل والصوم مظنة ذلك فإنه إذا صام السبت والأحد زال الإفراد ~~المكروه وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم # | فصل # وأما النيروز والمهرجان ونحوهم من أعياد المشركين فمن لم يكره صوم يوم ~~السبت من الأصحاب وغيرهم قد لا يكره صوم ذلك اليوم بل ربما يستحبه لأجل ~~مخالفتهم وكرهها أكثر الأصحاب # وقد قال أحمد في رواية عبد الله حدثنا وكيع عن سفيان عن رجل عن أنس ~~والحسن أنهما كرها صوم يوم النيروز والمهرجان # قال أبي هو ابان بن عياش يعني الرجل # وقد اختلف الأصحاب هل يدل مثل ذلك على مذهبه على وجهين # وعللوا ذلك بأنهما يوما تعظمهما الكفار فيكون تخصيصهما بالصوم دون غيرهما ~~موافقة لهم في تعظيمهما فكره كيوم السبت # قال الإمام أبو محمد المقدسي وعلى قياس هذا كل عيد للكفار أو يوم يفردونه ~~بالتعظيم # وقد يقال يكره صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما من الأيام العجمية التي ~~لا تعرف بحساب العرب بخلاف ما جاء في الحديثين من يوم السبت والأحد لأنه ~~إذا قصد صوم مثل هذه الأيام العجمية أو الجاهلية كانت ذريعة إلى إقامة شعار ~~هذه الايام وأحياء أمرها وإظهار ms218 حالها بخلاف السبت والأحد فإنهما من حساب ~~المسلمين فليس في صومهما مفسدة فيكون استحباب صوم أعيادهم PageV01P266 ~~المعروفة بالحساب العربي الإسلامي مع كراهة الأعياد المعروفة بالحساب ~~الجاهلي العجمي توفيقا بين الآثار والله أعلم # | فصل # ومن المنكرات في هذا الباب سائر الأعياد والمواسم المبتدعة فإنها من ~~المنكرات المكروهات سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه # وذلك أن أعياد أهل الكتاب والأعاجم نهي عنها لسببين # أحدهما أن فيها مشابهة للكفار # والثاني أنها من البدع # فما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل ~~الكتاب لوجهين # أحدهما أن ذلك داخل في مسمى البدع والمحدثات فيدخل فيما رواه مسلم في ~~صحيحه عن جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه ~~وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول بعثت أنا ~~والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعين السبابة والوسطى ويقول أما بعد فإن خير ~~الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة # وفي رواية للنسائي وكل ضلالة في النار # وفيما رواه أيضا في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد # وفي لفظ في الصحيحين من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد # وفي الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن عن العرباض بن سارية عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا PageV01P267 ~~كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة # وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع مع ما في كتاب الله من الدلالة ~~عليها أيضا # قال تعالى @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ ~~فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه ~~الله فقد شرع من الدين مالم يأذن ms219 به الله ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا ~~لله شرع له من الدين مالم يأذن به الله # نعم قد يكون متأولا في هذا الشرع فيغفر له لأجل تأويله إذا كان مجتهدا ~~الاجتهاد الذي يعفي فيه عن المخطئ ويثاب أيضا على اجتهاده لكن لا يجوز ~~اتباعه في ذلك كمالا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل قولا أو عملا قد علم ~~الصواب في خلافه وإن كان القائل أو الفاعل مأجورا أو معذورا # وقد قال سبحانه @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ~~ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما ~~يشركون @QE@ قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ما ~~عبدوهم قال ما عبدوهم ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال ~~فأطاعوهم # فمن أطاع أحدا في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو ~~إيجاب فقد لحقه من هذا الذم نصيب كما يلحق الآمر الناهي أيضا نصيب # ثم قد يكون كل منهما معفوا عنه لاجتهاده ومثابا أيضا على الاجتهاد فيتخلف ~~عنه الذم لفوات شرطه أو لوجود مانعه وإن كان المقتضي له قائما # ويلحق الذم من يبين له الحق فيتركه أو من قصر في طلبه حتى لم يتبين له أو ~~عرض عن طلب معرفته لهوى أو لكسل أو نحو ذلك PageV01P268 # وأيضا فإن الله عاب على المشركين شيئين # أحدهما أنهم أشركوا به مالم ينزل به سلطانا # والثاني تحريمهم مالم يحرمه الله عليهم # وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فيما رواه مسلم عن عياض بن حمار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله تعالى إني جعلت عبادي حنفاء ~~فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي مالم ~~أنزل به سلطانا قال سبحانه @QB@ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء @QE@ فجمعوا بين الشرك والتحريم والشرك يدخل ~~فيه كل عبادة لم يأذن الله بها فإن المشركين ms220 يزعمون أن عبادتهم إما واجبة ~~وإما مستحبة وإن فعلها خير من تركها # ثم منهم من عبد غير الله ليتقرب بعبادته إلى الله # ومنهم من ابتدع دينا عبدوا به الله في زعمهم كما أحدثه النصارى من أنواع ~~العبادات المحدثة # وأصل الضلال في أهل الأرض إنما نشأ من هذين إما اتخاذ دين لم يشرعه الله ~~أو تحريم مالم يحرمه الله ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من ~~الأئمة عليه مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى عبادات يتخذونها دينا ~~ينتفعون بها في الآخرة أو في الدنيا والآخرة وإلى عادات ينتفعون بها في ~~معايشهم # فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله # والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله # وهذه المواسم المحدثة إنما نهى عنها لما حدث فيها من الدين الذي يتقرب به ~~كما سنذكره إن شاء الله # واعلم أن هذه القاعدة وهي الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته قاعدة ~~عامة عظيمة وتمامها بالجواب عما يعارضها PageV01P269 # وذلك أن من الناس من يقول البدع تنقسم إلى قسمين حسنة وقبيحة بدليل قول ~~عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح نعمت البدعة هذه وبدليل أشياء من ~~الأقوال والأفعال أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست بمكروهة أو ~~هي حسنة للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس # وربما يضم إلى ذلك من لم يحكم أصول العلم ما عليه كثير من الناس من كثير ~~من العادات ونحوها فيجعل هذا أيضا من الدلائل على حسن بعض البدع إما بأن ~~يجعل ما اعتاده هو ومن يعرفه إجماعا وإن لم يعلم قول سائر المسلمين في ذلك ~~أو يستنكر تركه لما اعتاده بمثابة من @QB@ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا @QE@ وما أكثر ما قد ~~يحتج بعض من يتميز من المنتسبين إلى علم أو عبادة بحجج ليست من أصول العلم ~~التي يعتمد في الدين عليها # والغرض أن هذه النصوص الدالة على ذم ms221 البدع معارضة بما دل على حسن بعض ~~البدع إما من الأدلة الشرعية الصحيحة أو من حجج بعض الناس التي يعتمد عليها ~~بعض الجاهلين أو المتأولين في الجملة # ثم هؤلاء المعارضون لهم هنا مقامان # أحدهما أن يقولوا إذا ثبت أن بعض البدع حسن وبعضها قبيح فالقبيح ما نهانا ~~عنه الشارع أما ما سكت عنه من البدع فليس بقبيح بل قد يكون حسنا فهذا مما ~~قد يقوله بعضهم # المقام الثاني أن يقال عن بدعة سيئة هذه بدعة حسنة لأن فيها من المصلحة ~~كيت وكيت # وهؤلاء المعارضون يقولون ليست كل بدعة ضلالة # والجواب أما أن القول أن شر الأمور محدثاتها وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة ~~في النار والتحذير من الأمور المحدثات فهذا نص رسول الله PageV01P270 صلى ~~الله عليه وسلم فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع ومن نازع في ~~دلالته فهو مراغم # وأما المعارضات فالجواب عنها بأحد جوابين # إما بأن يقال ما ثبت حسنه فليس من البدع فيبقى العموم محفوظا لا خصوص فيه # وإما أن يقال ما ثبت حسنه فهو مخصوص من هذا العموم فيبقى العموم محفوظا ~~لا خصوص فيه # وإما أن يقال ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم والعام المخصوص دليل فيما ~~عدا صورة التخصيص فمن اعتقد أن بعض البدع مخصوص من هذا العموم احتاج إلى ~~دليل يصلح للتخصيص وإلا كان ذلك العموم اللفظي المعنوى موجبا للنهي # ثم المخصص هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع نصا واستنباطا ~~وأما عادة بعض البلاد أو أكثرها وقول كثير من العلماء أو العباد أو أكثرهم ~~ونحو ذلك فليس مما يصلح أن يكون معارضا لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ~~حتى يعارض به # ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها بناء على أن ~~الأمة أقرتها ولم تنكرها فهو مخطئ في هذا الإعتقاد فإنه لم يزل ولا يزال في ~~كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة ولا يجوز دعوى ~~إجماع بعمل بلد أو بلاد من بلدان المسلمين ms222 فكيف بعمل طوائف منهم وإذا كان ~~أكثر أهل العلم لم يعتمدوا على عمل علماء أهل المدينة وإجماعهم في عصر مالك ~~بل رأوا السنة حجة عليهم كما هي حجة على غيرهم مع ما أوتوه من العلم ~~والإيمان فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات أكثر من اعتادها عامة أو من ~~قيدته العامة أو قوم مترئسون بالجهالة لم يرسخوا في العلم ولا يعدون من ~~PageV01P271 أولي الأمر ولا يصلحون للشورى ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله ~~وبرسوله أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل عن غير روية أو ~~لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكونوا فيها بمنزلة المجتهدين من الأئمة ~~والصديقين # والاحتجاج بمثل هذه الحجج والجواب عنها معلوم أنه ليس طريقة أهل العلم ~~لكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق كثير من الناس حتى من المنتسبين ~~إلى العلم والدين وقد يبدو لذوي العلم والدين فيها مستند آخر من الأدلة ~~الشرعية والله يعلم أن قوله بها وعلمه لها ليس مستندا آخر من الأدلة ~~الشرعية وإن كان شبهة وإنما هو مستند إلى أمور ليست مأخوذة عن الله ولا عن ~~رسوله من أنواع المستندات إليها غير أولي العلم والإيمان وإنما يذكر الحجة ~~الشرعية حجة على غيره ودفعا لما يناظره # والمجادلة المحمودة إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند ~~الأقوال والأعمال وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول ~~والعمل فنوع من النفاق في العلم والجدل والكلام والعمل # وايضا لا يجوز حمل قوله صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة على البدعة ~~التي نهى عنها بخصوصها لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث فإن ما نهى عنه من ~~الكفر والفسوق وأنواع المعاصي قد علم بذلك النهي أنه قد أبيح محرم سواء كان ~~بدعة أو لم يكن بدعة فإذا كان لا منكر في الدين إلا ما نهى عنه بخصوصه سواء ~~كان مفعولا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يكن وما نهى عنه ~~فهو منكر سواء كان بدعة أو لم ms223 يكن صار وصف البدعة عديم التأثير لا يدل ~~وجوده على القبح ولا عدمه على الحسن بل يكون قوله كل بدعة ضلالة بمنزلة ~~قوله كل عادة ضلالة أو كل ما عليه العرب والعجم فهو ضلالة ويراد بذلك أن ما ~~نهى عنه من ذلك فهو الضلالة PageV01P272 # وهذا تعطيل للنصوص من نوع التحريف والإلحاد ليس من نوع التأويل السائغ ~~وفيه من المفاسد أشياء # أحدها سقوط الاعتماد على هذا الحديث فإن ما علم أنه منهي عنه بخصوصه فقد ~~علم حكمه بذلك النهي ومالم يعلم فلا يندرج في هذا الحديث فلا يبقى في هذا ~~الحديث فائدة مع كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب به في الجمع ويعده ~~من جوامع الكلم # الثاني أن لفظ البدعة ومعناها يكون اسما عديم التأثير فتعليق الحكم بهذا ~~اللفظ أو المعنى تعليق له بما لا تأثير له كسائر الصفات العديمة التأثير # الثالث أن الخطاب بمثل هذا إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر وهو كونه منهيا ~~عنه كتمان لما يجب بيانه وبيان لما يقصد ظاهره فإن البدعة والنهي الخاص ~~بينهما عموم وخصوص إذ ليس كل بدعة جاء عنها نهي خاص وليس كل ما جاء فيه نهي ~~خاص بدعة فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس محض لا يسوغ للمتكلم إلا ~~أن يكون مدلسا كما لو قال الأسود وعنى به الفرس أو الفرس وعنى به الأسود # الرابع أن قوله كل بدعة ضلالة وإياكم ومحدثات الأمور إذا أراد بهذا ما ~~فيه نهي خاص كان قد أحالهم في معرفة المراد بهذا الحديث على مالا يكاد يحيط ~~به أحد ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة ومثل هذا لا يجوز بحال # الخامس أنه إذا أريد به ما فيه النهي الخاص كان ذلك أقل مما ليس فيه نهي ~~خاص من البدع فإنك لو تأملت البدع التي نهى عنها بأعيانها وما لم ينه عنها ~~بأعيانها وجدت هذا الضرب هو الأكثر واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور ~~القليلة أو النادرة # فهذه الوجوه وغيرها توجب القطع بأن هذا ms224 التأويل فاسد لا يجوز حمل ~~PageV01P273 الحديث عليه سواء أراد المتأول أن يعضد التأويل بدليل صارف أو ~~لم يعضده فإن على المتأول بيان جواز إرادة المعنى الذي حمل الحديث عليه من ~~ذلك الحديث ثم بيان الدليل الصارف له إلى ذلك # وهذه الوجوه تمنع جواز إرادة هذا المعنى بالحديث # فهذا الجواب عن مقامهم الأول # وأما مقامهم الثاني فيقال هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح فهذا القدر لا ~~يمنع أن يكون هذا الحديث دالا على قبح الجميع لكن أكثر ما يقال إنه إذا ثبت ~~أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم وإلا فالأصل أن كل بدعة ضلالة # فقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض به من أنه حسن وهو بدعة إما بأنه ليس ~~ببدعة وإما بأنه مخصوص فقد سلمت دلالة الحديث # وهذا الجواب إنما هو عما ثبت حسنه # فأما أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة أو أمور يجوز أن تكون حسنة ~~ويجوز أن لا تكون حسنة فلا تصلح المعارضة بها بل يجاب عنها بالجواب المركب # وهو إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة أو يكون مخصوصا وإن لم يثبت أنه حسن ~~فهو داخل في العموم # وإذا عرفت أن الجواب عن هذه المعارضة بأحد الجوابين فعلى التقديرين ~~الدلالة من الحديث باقية لا ترد بما ذكروا ولا يحل لأحد أن يقابل هذه ~~الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلية وهي قوله كل بدعة ~~ضلالة بسلب عمومها وهو أن يقال ليست كل بدعة ضلالة فإن هذا إلى مشاقة ~~الرسول أقرب منه إلى التأويل # بل الذي يقال فيما يثبت به حسن الأعمال التي قد يقال هي بدعة إن هذا ~~PageV01P274 العمل المعين مثلا ليس ببدعة فلا يندرج في الحديث أو إن اندرج ~~لكنه مستثنى من هذا العموم لدليل كذا وكذا الذي هو أقوم من العموم مع أن ~~الجواب الأول أجود # وهذا الجواب فيه نظر فإن قصد التعميم المحيط ظاهر من نص رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بهذه الكلمة الجامعة ms225 فلا يعدل عن مقصوده بأبي هو وأمي صلى ~~الله عليه وسلم # فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة بل هي سنة بقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وفعله فانه قال إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم ~~قيامه # ولا صلاتها جماعة بدعة بل هي سنة في الشريعة بل قد صلاها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين بل ثلاثا وصلاها أيضا ~~في العشر الأواخر في جماعة مرات وقال إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف ~~كتب له قيام ليلة لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح رواه أهل السنن # وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في ~~حال الانفراد # وفي قوله هذا ترغيب في قيام شهر رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون ~~سنة مطلقة وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده صلى الله عليه وسلم ~~ويقرهم وإقراره سنة منه صلى الله عليه وسلم # وأما قول عمر نعمت البدعة هذه فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكما ~~بقول عمر الذي لم يخالف فيه لقالوا قول الصاحب ليس بحجة فكيف يكون حجة لهم ~~في خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة فلا ~~يعتقده إذا خالف الحديث PageV01P275 فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث ~~بقول الصاحب # نعم يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف على إحدى ~~الروايتين فيفيدهم هذا حسن تلك البدعة أما غيرها فلا # ثم نقول أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها وهذه تسمية لغوية لا ~~تسمية شرعية وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال ~~سابق وأما البدعة الشرعية فكل مالم يدل عليه دليل شرعي # فإذا كان نص رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دل على استحباب فعل أو ~~إيجابه بعد موته أو دل عليه مطلقا ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب ms226 الصدقة ~~الذي أخرجه أبو بكر رضي الله عنه فإذا عمل أحد ذلك العمل بعد موته صح أن ~~يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي صلى ~~الله عليه وسلم يسمى بدعة ويسمى محدثا في اللغة كما قالت رسل قريش للنجاشي ~~عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين إلى الحبشة إن هؤلاء خرجوا من ~~دين آبائهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين محدث لا يعرف # ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة وإن سمي ~~بدعة في اللغة # فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة # وقد علم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة لم يرد به كل عمل ~~مبتدأ فإن دين الإسلام بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ وإنما أراد ~~ما ابتديء من الأعمال التي لم يشرعها هو صلى الله عليه وسلم # وإذا كان كذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم قد كانوا يصلون قيام رمضان على ~~عهده جماعة وفرادى وقد قال لهم في الليلة الثالثة والرابعة لما اجتمعوا إنه ~~لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن يفرض عليكم فصلوا في بيوتكم فإن ~~PageV01P276 أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة فعلل صلى الله عليه وسلم ~~عدم الخروج بخشية الافتراض فعلم بذلك أن المقتضى للخروج قائم وأنه لولا خوف ~~الافتراض لخرج إليهم فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد واسرج المسجد ~~فصارت هذه الهيئة وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج عملا لم ~~يكونوا يعملونه من قبل فسمي بدعة لأنه في اللغة يسمى بذلك وإن لم يكن بدعة ~~شرعية لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض وخوف الافتراض قد ~~زال بموته صلى الله عليه وسلم فانتفى المعارض # وهكذا جمع القرآن فإن المانع من جمعه على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان أن الوحي كان لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ms227 ويحكم ما يريد فلو ~~جمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت فلما استقر القرآن بموته صلى ~~الله عليه وسلم واستقرت الشريعة بموته صلى الله عليه وسلم أمن الناس من ~~زيادة القرآن ونقصه وأمنوا من زيادة الايجاب والتحريم والمقتضي للعمل قائم ~~بسنته صلى الله عليه وسلم فعمل المسلمون بمقتضى سنته وذلك العمل من سنته ~~وإن كان يسمى هذا في اللغة بدعة وصار هذا كنفي عمر رضي الله عنه ليهود خيبر ~~ونصارى نجران ونحوهم من أرض العرب فإن النبي صلى الله عليه وسلم عهد بذلك ~~في مرضه فقال أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب وإنما لم ينفذه أبو ~~بكر رضي الله عنه لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة وبشروعه في قتال فارس ~~والروم وكذلك عمر لم يمكنه فعله في أول الأمر لاشتغاله بقتال فارس والروم ~~فلما تمكن من ذلك فعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان هذا ~~الفعل قد يسمى بدعة في اللغة كما قال له اليهود كيف تخرجنا وقد أقرنا أبو ~~القاسم وكما جاءوا إلى علي رضي الله عنه في خلافته فأرادوا منه إعادتهم ~~وقالوا كتابك بخطك فامتنع من ذلك لأن ذلك الفعل من عمر كان بعهد رسول الله ~~صلى الله PageV01P277 عليه وسلم وإن كان محدثا بعده ومغيرا لما فعله هو صلى ~~الله عليه وسلم # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم خذوا العطاء ما كان عطاء فإذا كان عوضا عن ~~دين أحدكم فلا تأخذوه فلما صار الأمراء يعطون مال الله لمن يعينهم على ~~أهوائهم وإن كانت معصية كان من امتنع من أخذه متبعا لسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإن كان ترك قبول العطاء من أولى الأمر محدثا لكن لما ~~أحدثوا ما أحدثوه أحدث لهم حكم آخر بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم # وكذلك دفعه إلى أهبان بن صيفي سيفا وقوله قاتل به المشركين فإذا رأيت ~~المسلمين قد اقتتلوا فاكسره فإن كسره لسيفه وإن كان محدثا حيث لم يكن ~~المسلمون يكسرون سيوفهم على ms228 عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن هو بأمره ~~صلى الله عليه وسلم # ومن هذا الباب قتال أبي بكر لمانعي الزكاة فإنه وإن كان بدعة لغوية من ~~حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل أحدا على إيتاء الزكاة فقط لكن ~~لما قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ~~وقد علم أن الزكاة من حق لا إله إلا الله فلم يعصم مجرد قولها من منع ~~الزكاة كما بينه في الحديث الآخر الصحيح حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وهذا باب واسع # والضابط في هذا والله أعلم أن يقال إن الناس لا يحدثون شيئا إلا لأنهم ~~يرونه مصلحة إذ لو اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين ~~فما رآه المسلمون مصلحة نظر في السبب المحوج إليه فإن كان السبب المحجوج ~~إليه أمرا حدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم لكن تركه النبي صلى الله عليه ~~وسلم من غير تفريط منا فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه وكذلك إن ~~PageV01P278 كان المقتضي لفعله قائما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم لمعارض قد زال بموته # وإما مالم يحدث سبب يحوج إليه أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد ~~فهنا لا يجوز الإحداث فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم موجودا لو كان مصلحة ولم يفعل يعلم أنه لبس بمصلحة # وأما ما حدث المقتضى له بعد موته من غير معصية الخالق فقد يكون مصلحة # ثم هنا للفقهاء طريقان # أحدهما أن ذلك يفعل مالم ينه عنه وهذا قول القائلين بالمصالح المرسلة # والثاني أن ذلك لا يفعل مالم يؤمر به وهو قول من لا يرى إثبات الأحكام ~~بالمصالح المرسلة وهؤلاء ضربان # منهم من ms229 لا يثبت الحكم إن لم يدخل تحت دليل من كلام الشارع أو فعله أو ~~إقراره وهم نفاة القياس # ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه وهم القياسيون # فأما ما كان المقتضى لفعله موجودا لو كان مصلحة وهو مع هذا لم يشرعه ~~فوضعه تغيير لدين الله تعالى وإنما أدخله فيه من نسب إلى تغيير الدين من ~~الملوك والعلماء والعباد أو من زل منهم باجتهاد كما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وغير واحد من الصحابة إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم أو جدال ~~منافق بالقرآن وأئمة مضلون # فمثال هذا القسم الأذان في العيدين فإن هذا لما احدثه بعض الأمراء أنكره ~~المسلمون لأنه بدعة فلو لم يكن كونه بدعة دليلا على كراهته وإلا لقيل هذا ~~ذكر الله ودعاء للخلق إلى عبادة الله فيدخل في العمومات كقوله تعالى @QB@ ~~اذكروا الله ذكرا كثيرا @QE@ وقوله تعالى @QB@ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى ~~الله @QE@ أو يقاس على الأذان في الجمعة فإن الاستدلال على حسن PageV01P279 ~~الأذان في العيدين أقوى من الاستدلال على حسن أكبر البدع # بل يقال ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم له مع وجود ما يعتقد مقتضيا ~~وزوال المانع سنة كما أن فعله سنة # فلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة كان ترك ~~الأذان فيهما سنة فليس لأحد أن يزيد في ذلك بل الزيادة في ذلك كالزيادة في ~~أعداد الصلاة وأعداد الركعات أو الحج فإن رجلا لو أحب أن يصلي الظهر خمس ~~ركعات وقال هذا زيادة عمل صالح لم يكن له ذلك وكذلك لو أراد أن ينصب مكانا ~~آخر يقصد لدعاء الله فيه وذكره لم يكن له ذلك وليس له أن يقول هذه بدعة ~~حسنة بل يقال له كل بدعة ضلالة # ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهيا خاصا عنها أو أن نعلم ما فيها ~~من المفسدة # فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له وزوال المانع لو كان خيرا # فإن كل ما يبديه المحدث لهذا ms230 من المصلحة أو يستدل به من الأدلة قد كان ~~ثابتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع هذا لم يفعله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فهذا الترك سنة خاصة مقدمة على كل عموم وكل قياس # ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدع بتفريط من الناس تقديم الخطبة على ~~الصلاة في العيدين فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة ~~واعتذار من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة وكانوا على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفضون حتى يسمعوا أو أكثرهم # فيقال له سبب هذا تفريطك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطبهم خطبة ~~يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم وأنت تقصد إقامة رياستك وإن قصدت صلاح ~~دينهم فلست تعلمهم ما ينفعهم فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى ~~بل الطريق في ذلك أن تتوب إلى الله وتتبع سنة نبيه PageV01P280 وقد استقام ~~الأمر وإن لم يستقم فلا يسألك الله إلا عن عملك لا عن عملهم # وهذان المعنيان من فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع الحادثة فإنه قد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أحدث قوم بدعة إلا نزع الله ~~عنهم من السنة مثلها # وقد أشرت إلى هذا المعنى فيما تقدم وبينت أن الشرائع أغذية القلوب فمتى ~~اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام ~~الخبيث # وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعا من السياسات الجائرة من أخذ أموال لا ~~يجوز أخذها وعقوبات على الجرائم لا تجوز لأنهم فرطوا في المشروع من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه ووضعوه حيث يسوغ ~~وضعه طالبين بذلك إقامة دين الله لا رياسة أنفسهم وأقاموا الحدود المشروعة ~~على الشريف والوضيع والقريب والبعيد متحرين في ترغيبهم وترهيبهم للعدل الذي ~~شرعه الله لما احتاجوا إلى المكوس الموضوعة ولا إلى العقوبات الجائرة ولا ~~إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين كما كان الخلفاء الراشدون وعمر بن ms231 عبد ~~العزيز وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم # وكذلك العلماء إذا أقاموا كتاب الله وفقهوا ما فيه من البينات التي هي ~~حجج الله وما فيه من الهدى الذي هو العلم النافع والعمل الصالح وأقاموا ~~حكمة الله التي بعث بها رسوله صلى الله عليه وسلم وهي سنته لوجدوا فيها من ~~أنواع العلوم النافعة ما يحيط بعلم عامة الناس ولميزوا حينئذ بين المحق ~~والمبطل من جميع الخلق بوصف الشهادة التي جعلها الله لهذه الأمة حيث يقول ~~عز وجل @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس @QE@ ولا ~~استغنوا بذلك عما ابتدعه المبتدعون من الحجج الفاسدة التي يزعم الكلاميون ~~أنهم ينصرون بها أصل الدين ومن الرأي الفاسد الذي يزعم القياسيون أنهم ~~يتمون PageV01P281 به فروع الدين وما كان من الحجج صحيحا ومن الرأي سديدا ~~فذلك له أصل في كتاب الله وسنة رسوله فهمه من فهمه وحرمه من حرمه # وكذلك العباد إذا تعبدوا بما شرع الله من الأقوال والأعمال ظاهرا وباطنا ~~وذاقوا طعم الكلم الطيب والعمل الصالح الذي بعث الله به رسوله لوجدوا في ~~ذلك من الأحوال الزكية والمقامات العلية والنتائج العظيمة ما يغنيهم عما قد ~~حدث من نوعه كالتغيير ونحوه من السماعات المبتدعة الصارفة عن سماع القرآن ~~وأنواع من الأذكار والأوراد لفقها بعض الناس أو في قدره كزيادات من ~~التعبدات أحدثها من أحدثها لنقص تمسكه بالمشروع منها وإن كان كثير من ~~العباد والعلماء بل والأمراء قد يكون معذورا فيما أحدثه لنوع اجتهاد # فالغرض أن يعرف الدليل الصحيح وإن كان التارك له قد يكون معذورا لاجتهاده ~~بل قد يكون صديقا عظيما فليس من شرط الصديق أن يكون قوله كله صحيحا وعمله ~~كله سنة إذ قد يكون بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا باب واسع # والكلام في أنواع البدع وأحكامها وصفاتها لا يتسع له هذا الكتاب وإنما ~~الغرض التنبيه على ما يزيل شبهة المعارضة للحديث الصحيح الذي ذكرناه ~~والتعريف بأن النصوص الدالة على ذم البدع مما يجب العمل بها # والوجه الثاني في ذم المواسم والأعياد ms232 المحدثة ما تشتمل عليه من الفساد ~~في الدين # واعلم أنه ليس كل واحد بل ولا أكثر الناس يدرك فساد هذاالنوع من البدع ~~ولا سيما إذا كان من جنس العبادات المشروعة بل أولو الألباب هم الذين ~~يدركون بعض ما فيه من الفساد PageV01P282 # والواجب على الخلق اتباع الكتاب والسنة وإن لم يدركوا ما في ذلك من ~~المصلحة والمفسدة فننبه على بعض مفاسدها # فمن ذلك أن من أحدث عملا في يوم كإحداث صوم أول خميس من رجب والصلاة في ~~ليلة تلك الجمعة التي يسميها الجاهلون صلاة الرغائب مثلا وما يتبع ذلك من ~~إحداث أطعمة وزينة وتوسيع في النفقة ونحو ذلك فلا بد أن يتبع هذا العمل ~~اعتقاد في القلب # وذلك لأنه لا بد أن يعتقد أن هذا اليوم أفضل من أمثاله وأن الصوم فيه ~~مستحب فيه استحبابا زائدا على الخميس الذي قبله والذي بعده مثلا وأن هذه ~~الليلة أفضل من غيرها من ليالي الجمع وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في ~~غيرها من ليالي الجمع خصوصا وسائر الليالي عموما إذ لولا قيام هذا الإعتقاد ~~في قلبه أو في قلب متبوعه لما انبعث القلب لتخصيص هذا اليوم والليلة فإن ~~الترجيح من غير مرجح ممتنع # وهذا المعنى قد شهد له الشرع بالاعتبار في هذا الحكم ونص على تأثيره فهو ~~من معاني المناسبة المؤثرة فإن مجرد المناسبة مع الاقتران يدل على العلة ~~عند من يقول بالمناسب القريب وهم كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ومن لا ~~يقول إلا بالمؤثرة فلا يكتفى بمجرد المناسبة حتى يدل الشرع على أن مثل ذلك ~~الوصف مؤثر في مثل ذلك الحكم وهو قول كثير من الفقهاء أيضا من أصحابنا ~~وغيرهم # وهؤلاء إذا رأوا أن في الحكم المنصوص معنى قد أثر في مثل ذلك الحكم في ~~موضع آخر عللوا ذلك الحكم المنصوص به # وهنا قول ثالث قاله كثير من أصحابنا وغيرهم أيضا وهو أن الحكم المنصوص لا ~~يعلل إلا بوصف دل الشرع على أنه معلل به ولا يكتفى بكونه علل به نظير ms233 أو ~~نوعه PageV01P283 # وتلخيص الفرق بين الأقوال الثلاثة أنا إذا رأينا الشارع قد نص على الحكم ~~ودل على علته كما قال في الهرة إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم ~~والطوافات فهذه العلة تسمى المنصوصة أو المومى إليها علمت مناسبتها أو لم ~~تعلم فيعمل بموجبها باتفاق الطوائف الثلاث وإن اختلفوا هل يسمى هذا قياسا ~~أو لا يسمى # ومثاله في كلام الناس ما لو قال السيد لعبده لا تدخل داري فلانا فإنه ~~مبتدع أو فإنه أسود ونحو ذلك فإنه يفهم منه أنه لا يدخل داره من كان مبتدعا ~~أو من كان أسود وهو نظير أن يقول لا تدخل داري مبتدعا ولا أسود ولهذا نعمل ~~نحن بمثل هذا في باب الإيمان فلو قال لا لبست هذا الثوب الذي يمن به علي ~~فلان حنث بما كانت منته فيه مثل منته وهو ثمنه ونحو ذلك # وأما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم ولم يذكر علته لكن قد ذكر علة نظيره ~~أو نوعه مثل أنه جوز للأب أن يزوج ابنته الصغيرة البكر بلا إذنها وقد ~~رأيناه جوز له الاستيلاء على مالها لكونها صغيرة فهل نعتقد أن علة ولاية ~~النكاح هي الصغر مثلا كما أن ولاية المال كذلك أم نقول بل قد يكون لنكاح ~~الصغيرة علة أخرى وهي البكارة مثلا فهذه العلة هي المؤثرة أي قد بين الشارع ~~تأثيرها في حكم منصوص وسكت عن بيان تأثيرها في نظير ذلك الحكم # فالفريقان الأولان يقولان بها وهو في الحقيقة إثبات للعلة بالقياس فإنه ~~يقول كما أن هذا الوصف أثر في الحكم في ذلك المكان كذلك يؤثر فيه في هذا ~~المكان # والفريق الثالث لا يقول بها إلا بدلالة خاصة لجواز أن يكون النوع الواحد ~~من الأحكام له علل مختلفة # ومن هذا النوع أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يبيع الرجل على ~~PageV01P284 بيع أخيه أو أن يسوم الرجل على سوم أخيه أو يخطب الرجل على ~~خطبة أخيه فيعلل ذلك بما فيه من فساد ذات البين كما علل به في ms234 قوله لا تنكح ~~المرأة على عمتها ولا على خالتها فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم وإن ~~كان هذا المثال يظهر التعليل فيه مالا يظهر في الأول فإنما ذاك لأنه لا ~~يظهر فيه وصف مناسب للنهي إلا هذا # وأكبر دليل خاص على العلة ونظيره من كلام الناس أن يقول لا تعط هذا ~~الفقير فإنه مبتدع ثم يسأله فقير آخر مبتدع فيقول لا تعطه وقد يكون ذلك ~~الفقير عدوا له فهل يحكم بأن العلة هي البدعة أم يتردد لجواز أن تكون العلة ~~هي العداوة # وأما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم ورأينا فيه وصفا مناسبا له لكن الشارع ~~لم يذكر تلك العلة ولا علل بها نظير ذلك الحكم في موضع آخر فهذا هو الوصف ~~المناسب الغريب لأنه لا نظير له في الشرع ولا دل كلام الشارع وإيماؤه عليه # فجوز الفريق الأول اتباعه ونفاه الآخران وهذا إدراك لعلة الشارع بنفس ~~عقولنا من غير دلالة منه كما أن الذي قبله إدراك لعلته بنفس القياس على ~~كلامه والأول إدراك لعلته بنفس كلامه # ومع هذا فقد تعلم علة الحكم المعين بالصبر وبدلالات أخرى # فإذا ثبتت هذه الأقسام فمسألتنا من باب العلة المنصوصة في موضع المؤثرة ~~في موضع آخر # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص أوقات بصلاة أو بصيام ~~وأباح ذلك إذا لم يكن على وجه التخصيص # فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~PageV01P285 لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم ~~الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو يوما بعده وهذا لفظ البخاري # وروى البخاري عن جويرية بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل ~~عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال أصمت أمس قالت لا قال أتريدين أن تصومي ~~غدا قالت لا فأفطري ms235 # وفي الصحيحين عن محمد بن عباد بن جعفر قال سألت جابر بن عبد الله وهو ~~يطوف بالبيت أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة قال نعم ~~ورب هذا البيت وهذا لفظ مسلم # وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تصوموا يوم الجمعة وحده ~~ورواه أحمد # ومثل هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان ~~يصوم صوما فليصم ذلك اليوم لفظ البخاري يصوم عادته # فوجه الدلالة أن الشارع قسم الأيام باعتبار الصوم ثلاثة أقسام # قسم شرع تخصيصه بالصيام إما إيجابا كرمضان وإما استحبابا كيوم عرفة ~~وعاشوراء # وقسم نهى عن صومه مطلقا كيوم العيدين # وقسم إنما نهى عن تخصيصه كيوم الجمعة وسرر شعبان # فهذا النوع لو صيم مع غيره لم يكره فإذا خصص بالفعل نهى عن ذلك ~~PageV01P286 سواء قصد الصائم التخصيص أو لم يقصده وسواء اعتقد الرجحان أو ~~لم يعتقده # ومعلوم أن مفسدة هذا العمل لولا أنها موجودة في التخصيص دون غيره لكان ~~إما أن ينهى عنه مطلقا كيوم العيد أولا ينهى عنه كيوم عرفة وتلك المفسدة ~~ليست موجودة في سائر الأوقات وإلا لم يكن للتخصيص بالنهي فائدة # فظهر أن المفسدة تنشأ من تخصيص مالا خصيصة له كما أشعر به لفظ الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فإن نفس الفعل المنهي عنه أو المأمور به قد يشتمل على حكمة ~~الأمر والنهي كما في قوله خالفوا المشركين # فلفظ النهي عن تخصيص وقت بصوم أو صلاة يقتضي أن الفساد ناشئ من جهة ~~الاختصاص فإذا كان يوم الجمعة يوما فاضلا يستحب فيه من الصلاة والدعاء ~~والذكر والقراءة والطهارة والطيب والزينة مالا يستحب في غيره كان ذلك في ~~مظنة أن يتوهم أن صومه أفضل من غيره ويعتقد أن قيام ليلته كالصيام في نهاره ~~لها فضيلة على قيام غيرها من الليالي فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~التخصيص دفعا ms236 لهذه المفسدة التي لا تنشأ إلا من التخصيص # وكذلك تلقي رمضان قد يتوهم أن فيه فضلا لما فيه من الاحتياط للصوم ولا ~~فضل فيه في الشرع فنهى الني صلى الله عليه وسلم عن تلقيه لذلك # وهذا المعنى موجود في مسألتنا فإن الناس قد يخصون هذه المواسم لاعتقادهم ~~فيها فضيلة ومتى كان تخصيص هذا الوقت بصوم أو بصلاة قد يقترن باعتقاد فضل ~~ذلك ولا فضل فيه نهي عن التخصيص إذ لا ينبعث التخصيص إلا عن اعتقاد ~~الاختصاص # ومن قال إن الصلاة والصوم في هذه الليلة كغيرها هذا اعتقادي ومع ذلك فأنا ~~أخصها فلا بد أن يكون باعثه إما تقليده غيره وإما اتباع العادة PageV01P287 ~~وإما خوف اللوم له ونحو ذلك وإلا فهو كاذب فالداعي إلى هذا العمل لا يخلو ~~قط من أن يكون ذلك عن الإعتقاد الفاسد أو عن باعث آخر غير ديني وذلك ~~الإعتقاد ضلال # فإنا قد علمنا يقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر الأئمة ~~لم يذكروا في فضل هذا اليوم ولا في فضل صومه بخصوص وفضل قيام هذه الليلة ~~بخصوصها حرفا واحدا وأن الحديث المأثور فيها موضوع وأنها إنما حدثت في ~~الإسلام بعد المائة الرابعة # ولا يجوز والحال هذه أن يكون لها فضل لأن ذلك الفضل إن لم يعلمه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا التابعون ولا سائر الأئمة امتنع أن نعلم ~~نحن من الدين الذي يقرب إلى الله مالم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~الصحابة التابعون وسائر الأئمة وإن علموه امتنع مع توفر دواعيهم على العمل ~~الصالح وتعليم الخلق والنصيحة أن لا يعلموا أحدا بهذا الفضل ولا يسارع إليه ~~واحد منهم # فإذا كان هذا الفضل المدعى مستلزما لعدم علم الرسول وخير القرون ببعض دين ~~الله أو لكتمانهم وتركهم ما تقتضي شريعتهم وعاداتهم أن لا يكتموه ولا ~~يتركوه وكل واحد من اللازمين منتف إما بالشرع وإما بالعادة مع الشرع علم ~~انتفاء الملزوم وهو الفضل المدعى # ثم هذا العمل المبتدع مستلزم إما لاعتقاد هو ms237 ضلال في الدين أو عمل دين ~~لغير الله والتدين بالاعتقادات الفاسدة أو التدين لغير الله لا يجوز # فهذه البدع وأمثالها مستلزمة قطعا أو ظاهرة لفعل مالا يجوز فأقل أحوال ~~المستلزم إن لم يكن محرما أن يكون مكروها وهذا المعنى سار في سائر البدع ~~المحدثة PageV01P288 # ثم هذا الإعتقاد يتبعه أحوال في القلب من التعظيم والإجلال وتلك الأحوال ~~أيضا باطلة ليست من دين الله # ولو فرض أن الرجل قد يقول أنا لا أعتقد الفضل فلا يمكنه مع التعبد أن ~~يزيل الحال الذي في قلبه من التعظيم والإجلال والتعظيم والإجلال لا ينشأ ~~إلا بشعور من جنس الإعتقاد ولو أنه توهم أو ظن أن هذا أمر ضروري فإن النفس ~~لو خلت عن الشعور بفضل الشيء امتنعت مع ذلك أن تعظمه ولكن قد تقوم به خواطر ~~متقابلة # فهو من حيث اعتقاده أنه بدعة يقتضي منه ذلك عدم تعظيمه ومن حيث شعوره بما ~~روي فيه أو بفعل الناس له أو بأن فلانا وفلانا فعلوه أو بما يظهر له فيه من ~~المنفعة يقوم بفعله وتعظيمه # فعلمت أن فعل هذه البدع تناقض الاعتقادات الواجبة وتنازع الرسل ما جاءوا ~~به عن الله وأنها تورث القلب نفاقا ولو كان نفاقا خفيفا # ومثلها مثل أقوام كانوا يعظمون أبا جهل أو عبد الله بن أبي بن سلول ~~لرياسته وماله ونسبه وإحسانه إليهم وسلطانه عليهم فإذا ذمه الرسول أو بين ~~نقصه أو أمر بإهانته أو قتله فمن لم يخلص إيمانه وإلا يبقى في قلبه منازعة ~~بين طاعة الرسول التابعة لاعتقاده الصحيح واتباع ما في نفسه من الحال ~~التابع لتلك الظنون الكاذبة # فمن تدبر هذا علم يقينا ما في حشو البدع من السموم المضعفة للايمان # ولهذا قيل إن البدع مشتقة من الكفر # وهذا المعنى الذي ذكرته معتبر في كل ما نهى عنه الشارع من أنواع العبادات ~~التي لا مزية لها في الشرع إذا جاز أن يتوهم لها مزية كالصلاة عند القبور ~~والذبح عند الأصنام ونحو ذلك وإن لم يكن الفاعل معتقدا للمزية لكن ~~PageV01P289 نفس ms238 الفعل قد يكون مظنة للمزية وكما أن إثبات الفضيلة الشرعية ~~مقصود فرع الفضيلة غير الشرعية مقصود أيضا # فإن قيل هذا يعارضه أن هذه المواسم مثلا فعلها قوم من أولي العلم والفضل ~~الصديقين فمن دونهم وفيها فوائد يجدها المؤمن في قلبه وغير قلبه من طهارة ~~قلبه ورقته وزوال آثار الذنوب عنه وإجابة دعائه ونحو ذلك مع ما ينضم إلى ~~ذلك من العمومات الدالة على فضل الصلاة والصيام كقوله تعالى @QB@ أرأيت ~~الذي ينهى عبدا إذا صلى @QE@ وقوله صلى الله عليه وسلم الصلاة نور وبرهان ~~ونحو ذلك # قلنا لا ريب أن من فعلها متأولا مجتهدا أو مقلدا كان له أجر على حسن قصده ~~وعلى عمله من حيث ما فيه من المشروع وكان ما فيه من المبتدع مغفورا له إذا ~~كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين وكذلك ما ذكر فيها من الفوائد كلها ~~إنما حصلت لما اشتملت عليه من المشروع في جنسه كالصوم والذكر والقراءة ~~والركوع والسجود وحسن القصد في عبادة الله وطاعته ودعائه وما اشتملت عليه ~~من المكروه وانتفى موجبه بعفو الله لاجتهاد صاحبه أو تقليده وهذا المعنى ~~ثابت في كل ما يذكر في بعض البدع المكروهة من الفائدة # لكن هذا القدر لا يمنع كراهتها والنهي عنها والاعتياض عنها بالمشروع الذي ~~لا بدعة فيه كما أن الذين زادوا الأذان في العيدين هم كذلك بل اليهود ~~والنصارى يجدون في عباداتهم أيضا فوائد وذلك لأنه لا بد أن تشتمل عباداتهم ~~على نوع ما مشروع في جنسه كما أن قولهم لا بد أن يشتمل على صدق ما مأثور عن ~~الانبياء ثم مع ذلك لا يوجب أن تفعل عباداتهم أو تروى كلماتهم لأن جميع ~~المبتدعات لا بد أن تشتمل على شر راجح على ما فيها من الخير إذ لو كان ~~خيرها راجحا لما أهملتها الشريعة # فنحن نستدل بكونها بدعة على أن إثمها أكثر من نفعها وذلك هو الموجب للنهي ~~PageV01P290 وأقول إن إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض الاجتهاد أو ~~غيره كما يزول اسم الربا والنبيذ ms239 المختلف فيهما عن المجتهدين من السلف ثم ~~مع ذلك يجب بيان حالها وأن لا يقتدى بمن استحلها وأن لا يقصر في طلب العلم ~~المبين لحقيقتها # وهذا الدليل كاف في بيان أن هذه البدع مشتملة على مفاسد اعتقادية أو ~~حالية مناقضة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأن ما فيها من المنفعة ~~مرجوح لا يصلح للمعارضة # ثم يقال على سبيل التفصيل إذا فعلها قوم ذوو فضل فقد تركها قوم في زمان ~~هؤلاء معتقدين لكراهتها وأنكرها قوم كذلك وهؤلاء التاركون والمنكرون إن لم ~~يكونوا أفضل ممن فعلها فليسوا دونهم في الفضل ولو فرضوا دونهم في الفضل ~~فتكون حينئذ قد تنازع فيها أولو الأمر فترد إذن إلى الله والرسول وكتاب ~~الله وسنة رسوله مع من كرهها لا مع من رخص فيها # ثم عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين مع هؤلاء التاركين ~~المنكرين # وأما ما فيها من المنفعة فيعارضه ما فيها من مفاسد البدع الراجحة # منها مع ما تقدم من المفسدة الاعتقادية والحالية أن القلوب تستعذبها ~~وتستغني بها عن كثير من السنن حتى تجد كثيرا من العامة يحافظ عليها مالا ~~يحافظ على التراويح والصلوات الخمس # ومنها أن الخاصة والعامة تنقص بسبها عنايتهم بالفرائض والسنن وتفتر ~~رغبتهم فيها فتجد الرجل يجتهد فيها ويخلص وينيب ويفعل فيها مالا يفعله في ~~الفرائض والسنن حتى كأنه يفعل هذه البدعة عبادة ويفعل الفرائض والسنن عادة ~~ووظيفة وهذا عكس الدين فيفوته بذلك ما في الفرائض والسنن من المغفرة ~~والرحمة والرقة والطهارة والخشوع وإجابة الدعوة وحلاوة المناجاة إلى غير ~~ذلك من الفوائد وإن لم يفته هذا كله فلا بد أن يفوته كماله PageV01P291 # ومنها ما في ذلك من مصير المعروف منكرا والمنكر معروفا وما يترتب على ذلك ~~من جهالة أكثر الناس بدين المرسلين وانتشار زرع الجاهلية # ومنها اشتمالها على أنواع من المكروهات في الشريعة مثل تأخير الفطور ~~وأداء العشاء الآخرة بلا قلوب حاضرة والمبادرة إلى تعجيلها والسجود بعد ~~السلام لغير سهو وأنواع من الأذكار ومقاديرها لا أصل لها إلى ms240 غير ذلك من ~~المفاسد التي لا يدركها إلا من استنارت بصيرته وسلمت سريرته # ومنها مسارقة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع وفوات سلوك الصراط ~~المستقيم وذلك أن النفس فيها نوع من الكبر فتحب أن تخرج من العبودية ~~والاتباع بحسب الإمكان كما قال أبو عثمان النيسابوري رحمه الله ما ترك أحد ~~شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه ثم هذا مظنة لغيره فينسلخ القلب عن حقيقة ~~الاتباع للرسول ويصير فيه من الكبر وضعف الايمان ما يفسد عليه دينه أو يكاد ~~وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # ومنها ما تقدم التنبيه عليه في أعياد أهل الكتاب من المفاسد التي توجد في ~~كلا النوعين المحدثين النوع الذي فيه مشابهة والنوع الذي لا مشابهة فيه # والكلام في ذم البدع لما كان مقررا في غير هذا الموضع لم نطل النفس في ~~تقريره بل نذكر بعض أعيان هذه المواسم # | فصل # قد تقدم أن العيد يكون اسما لنفس المكان ولنفس الزمان ولنفس الاجتماع # وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء # أما الزمان فثلاثة أنواع ويدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال # أحدها يوم لم تعظمه الشريعة أصلا ولم يكن له ذكر في وقت السلف ~~PageV01P292 ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه مثل أول خميس من رجب وليلة تلك ~~الجمعة التي تسمى الرغائب فإن تعظيم هذا اليوم والليلة إنما حدث في الإسلام ~~بعد المائة الرابعة وروي فيه حديث موضوع باتفاق العلماء مضمونه فضيلة صيام ~~ذلك اليوم وفعل هذه الصلاة المسماة عند الجاهلين بصلاة الرغائب وقد ذكر ذلك ~~بعض المتأخرين من العلماء من الأصحاب وغيرهم # والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم النهي عن إفراد هذا اليوم ~~بالصوم وعن هذه الصلاة المحدثة وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنعة ~~الأطعمة وإظهار الزينة ونحو ذلك حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من بقية ~~الأيام وحتى لا يكون له مزية أصلا # وكذلك يوم آخر في وسط رجب تصلى فيه صلاة تسمى صلاة أم داود فإن تعظم هذا ~~اليوم لا أصل له في ms241 الشريعة أصلا # النوع الثاني ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره من غير أن يوجب ذلك ~~جعله موسما ولا كان السلف يعظمونه كثامن عشري ذي الحجة الذي خطب فيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم بغدير خم مرجعه من حجة الوداع فإنه صلى الله عليه وسلم ~~خطب فيه خطبة وصى فيها باتباع كتاب الله ووصى فيها بأهل بيته كما روى مسلم ~~في صحيحه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه # فزاد بعض أهل الأهواء في ذلك حتى زعموا أنه عهد إلى علي رضي الله عنه ~~بالخلافة بالنص الجلي بعد أن فرش له وأقعده على فرش عالية وذكروا كلاما ~~باطلا وعملا قد علم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء وزعموا أن الصحابة ~~تمالؤا على كتمان هذا النص وغصبوا الوصي حقه وفسقوا وكفروا إلا نفرا قليلا # والعادة التي جبل الله عليها بني آدم ثم ما كان عليها القوم من الأمانة ~~والديانة وما أوجبته شريعتهم من بيان الحق يوجب العلم اليقيني بأن مثل هذا ~~يمتنع كتمانه # وليس الغرض الكلام في مسألة الإمامة وإنما الغرض أن اتخاذ هذا اليوم ~~PageV01P293 عيدا محدث لا أصل له فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من ~~غيرهم من اتخذ ذلك عيدا حتى يحدث فيه أعمالا إذ الأعياد شريعة من الشرائع ~~فيجب فيها الاتباع لا الابتداع وللنبي صلى الله عليه وسلم خطب وعهود ووقائع ~~في أيام متعددة مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخوله ~~المدينة وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ مثال ~~تلك الأيام أعيادا وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام ~~حوادث عيسى عليه السلام أعيادا أو اليهود وإنما العيد شريعة فما شرعه الله ~~اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه # وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام ~~وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما له والله قد يثيبهم على هذه ~~المحبة والاجتهاد ms242 لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم ~~عيدا PageV01P294 مع اختلاف الناس في مولده فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام ~~المقتضى له وعدم المانع منه ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا لكان السلف رضي ~~الله عنهم أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتعظيما له منا وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته ~~وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد على ~~ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وأكثر هؤلاء الذين تجدونهم حرصاء على أمثال ~~هذه البدع مع مالهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة ~~تجدونهم فاترين PageV01P295 في أمر الرسول عما أمروا بالنشاط فيه وإنما هم ~~بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه أو يقرأ فيه ولا يتبعه وبمنزلة من ~~يزخرف المسجد ولا يصلي فيه أو يصلي فيه قليلا وبمنزلة من يتخذ المسابح ~~والسجادات المزخرفة وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع ويصحبها من ~~الرياء والكبر والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها كما جاء في الحديث ~~ما ساء عمل أمة قط إلا زخرفوا مساجدهم # واعلم أن من الاعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع وفيه ~~أيضا شر من بدعة وغيرها فيكون ذلك العمل شرا بالنسبة إلى الاعراض عن الدين ~~بالكلية كحال المنافقين والفاسقين # وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة فعليك هنا بأدبين # أحدهما أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنا وظاهرا في خاصتك خاصة من ~~يطيعك واعرف المعروف وأنكر المنكر # الثاني أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا ولا ~~يتركه إلا إلى شر منه فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه أو بترك ~~واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه ولكن إذا كان في البدعة نوع من ~~الخير فعوض عنه من ms243 الخير المشروع بحسب الإمكان إذا النفوس لا تترك شيئا إلا ~~بشيء ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرا إلا إلى مثله أو إلى خير منه فإنه كما أن ~~الفاعلين لهذه البدع معيبون قد أتوا مكروها فالتاركون أيضا للسنن مذمومون ~~فإن منها ما يكون واجبا على الاطلاق ومنها ما يكون PageV01P296 واجبا على ~~التقييد كما أن الصلاة النافلة لا تجب ولكن من أراد أن يصليها يجب عليه أن ~~يأتي بأركانها وكما يجب على من أتى الذنوب أن يأتي بالكفارات والقضاء ~~والتوبة والحسنات الماحية وما يجب على من كان إماما أو قاضيا أو مفتيا أو ~~واليا من الحقوق وما يجب على طالبي العلم أو نوافل العبادة من الحقوق # ومنها ما يكره المداومة على تركه كراهة شديدة # ومنها ما يكره تركه أو يجب فعله على الأئمة دون غيرهم وعامتها يجب ~~تعليمها والحض عليها والدعاء إليها # وكثير من المنكرين لبدع العبادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك أو ~~الأمر به # ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العادات المشتملة على ~~نوع من الكراهة بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا قوام ~~لأحدهما إلا بصاحبه فلا ينهى عن منكر ولا يؤمر بمعروف يغني عنه كما يؤمر ~~بعبادة الله وينهى عن عبادة ما سواه # إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله والنفوس قد خلقت لتعمل لا لتترك ~~وإنما رأوا الترك مقصودا لغيره فإن لم يشتغل بعمل صالح وإلا لم تترك العمل ~~السيء أو الناقص لكن لما كان من الأعمال السيئة ما يفسد عليها العمل الصالح ~~نهيت عنه حفظا للعمل الصالح # فتعظيم المولد واتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم ~~لحسن قصده وتعيظمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمته لك أنه يحسن من ~~بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد ولهذا قيل للامام أحمد عن بعض ~~الأمراء إنه أنفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك فقال دعه فهذا أفضل ما أنفق ~~فيه الذهب أو ms244 كما قال PageV01P297 مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة وقد ~~تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجديد الورق والخط # وليس مقصود أحمد هذا وإنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة وفيه أيضا مفسدة ~~كره لأجلها # فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا وإلا اعتاضوا الفساد الذي لا صلاح فيه مثل أن ~~ينفقها في كتاب من كتب الفجور ككتب الأسماء أوالأشعار أو حكمة فارس والروم # فتفطن لحقيقة الدين وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية ~~والمفاسد بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر حتى تقدم ~~أهمها عند المزاحمة فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل فإن التمييز بين ~~جنس المعروف وجنس المنكر وجنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيرا فأما مراتب ~~المعروف والمنكر ومراتب الدليل بحيث تقدم عند التزاحم أعرف المعروفين فتدعو ~~إليه وتنكر أنكر المنكرين وترجح أقوى الدليلين فإنه هو خاصة العلماء بهذا ~~الدين فالمراتب ثلاث # أحداها العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه # والثانية العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها إما لحسن القصد أو ~~لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع # الثالثة ما ليس فيه صلاح أصلا إما لكونه تركا للعمل مطلقا أو لكونه عملا ~~فاسدا محضا # فأما الأول فهو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنها وظاهرها قولها ~~وعملها في الأمور العلمية والعملية مطلقا فهذا هو الذي يجب تعلمه وتعليمه ~~والأمر به وفعله على حسب مقتضى الشريعة من إيجاب واستحباب # والغالب على هذا الضرب هو أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان PageV01P298 وأما المرتبة الثانية فهي كثيرة جدا في ~~طرق المتأخرين من المنتسبين إلى علم أو عبادة ومن العامة أيضا وهؤلاء خير ~~ممن لا يعمل عملا صالحا مشروعا ولا غير مشروع أو من يكون عمله من جنس ~~المحرم كالكفر والكذب والخيانة والجهل ويندرج في هذا أنواع كثيرة # فمن تعبد ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة كالوصال في ~~الصيام وترك جنس الشهوات ونحو ذلك أو قصد إحياء ليال لا خصوص لها كأول ms245 ليلة ~~من رجب ونحو ذلك قد يكون حاله خيرا من حال البطال الذي ليس فيه حرص على ~~عبادة الله وطاعته بل كثير من هؤلاء الذين ينكرون هذه الأشياء زاهدون في ~~جنس عبادة الله من العلم النافع والعمل الصالح أو في أحدهما لا يحبونها ولا ~~يرغبون فيها لكن لا يمكنهم ذلك في المشروع فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء ~~فهم بأحوالهم منكرون للمشروع وغير المشروع وبأقوالهم لا يمكنهم إلا إنكار ~~غير المشروع # ومع هذا فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض ~~المنافقين له ظاهرا في الأمر بذلك المعروف والنهي عن ذلك المنكر ولا مخالفة ~~بعض علماء المؤمنين # فهذه الأمور وأمثالها مما ينبغي معرفتها والعمل بها # النوع الثالث ما هو معظم في الشريعة كيوم عاشوراء ويوم عرفة ويومي ~~العيدين والعشر الأواخر من شهر رمضان والعشر الأول من ذي الحجة وليلة ~~الجمعة ويومها والعشر الأول من المحرم ونحو ذلك من الأوقات الفاضلة فهذا ~~الضرب قد يحدث فيه ما يعتقد أن له فضيلة وتوابع ذلك ما يصير منكرا ينهى عنه ~~مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء في يوم عاشوراء من التعطش والتحزن والتجمع ~~وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله ولا رسوله ولا أحد من ~~السلف لا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من غيرهم لكن لما ~~أكرم الله فيه سبط نبيه أحد سيدي شباب أهل الجنة وطائفة PageV01P299 من أهل ~~بيته بأيدي الفجرة الذين أهانهم الله وكانت هذه مصيبة عند المسلمين يجب أن ~~تتلقى به أمثالها من المصائب من الاسترجاع المشروع فأحدث بعض أهل البدع في ~~مثل هذا اليوم خلاف ما أمر الله به عند المصائب وضموا إلى ذلك من الكذب ~~والوقيعة في الصحابة البرآء من فتنة الحسين وغيرها أمورا أخرى مما يكرهها ~~الله ورسوله وقد روي عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين رضي الله عنهم ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث ~~لها استرجاعا وإن تقادم ms246 عهدها كتب الله له من الأجر مثلها يوم أصيب رواه ~~الإمام أحمد وابن ماجه # فتدبر كيف روى مثل هذا الحديث الحسين بن علي رضي الله عنهما وعنه بنته ~~التي شهدت مصابه # وأما اتخاذ أمثال أيام المصائب مأتما فليس هذا من دين المسلمين بل هو إلى ~~دين الجاهلية أقرب ثم هم قد فوتوا بذلك ما في صوم هذا اليوم من الفضل # وأحدث بعض الناس فيه أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها مثل فضل ~~الاغتسال فيه أو التكحل أو المصافحة وهذه الأشياء ونحوها من الأمور ~~المبتدعة كلها مكروهة وإنما المستحب صومه # وقد روى في التوسع فيه على العيال آثار معروفة أعلى ما فيها حديث إبراهيم ~~بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع ~~الله عليه سائر سنته رواه ابن عيينة وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله والأشبه ~~أن هذا وضع لما ظهرت للعصبية بين الناصبة والروافضة فإن هؤلاء أعدوا يوم ~~عاشوراء مأتما فوضع أولئك فيه آثارا تقتضي التوسع فيه واتخاذه عيدا وكلاهما ~~باطل # وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سيكون في ثقيف ~~كذاب ومبير فكان الكذاب المختار بن أبي عبيد وكان يتشيع PageV01P300 وينتصر ~~للحسين ثم أظهر الكذب والافتراء على الله وكان فيها الحجاج بن يوسف وكان ~~فيه انحراف على علي وشيعته وكان مبيرا # وهؤلاء فيهم بدع وضلال وأولئك فيهم بدع وضلال وإن كانت الشيعة أكثر كذبا ~~وأسوأ حالا # لكن لا يجوز لأحد أن يغير شيئا من الشريعة لأجل أحد وإظهار الفرح والسرور ~~يوم عاشوراء وتوسيع النفقات فيه هو من البدع المحدثة المقابلة للرافضة وقد ~~وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه من الاغتسال والاكتحال ~~وغير ذلك وصححها بعض الناس كابن ناصر وغيره ليس فيها ما يصح لكن رويت لأناس ~~اعتقدوا صحتها فعملوا بها ولم يعلموا أنها كذب فهذا مثل هذا # وقد يكون سبب الغلو في تعظيمه من بعض المنتسبة لمقابلة الروافض # فإن ms247 الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم ولا يبالي إلى أي ~~الشقين صاروا # فينبغي أن يجتنب هذه المحدثات # ومن هذا الباب شهر رجب فإنه أحد الأشهر الحرم وقد روى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان إذا دخل شهر رجب قال اللهم بارك لنا في شهري رجب وشعبان ~~وبلغنا رمضان ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل رجب حديث آخر بل ~~عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها كذب والحديث ~~إذا لم يعلم أنه كذب فروايته في الفضائل أمر قريب أما إذا علم أنه كذب فلا ~~يجوز روايته إلا مع بيان حاله لقوله صلى الله عليه وسلم من روى عني حديثا ~~وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين # نعم روي عن بعض السلف في تفضيل العشر الأول من رجب بعض الأثر وروي غير ~~ذلك PageV01P301 # فاتخاذه موسما بحيث يفرد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره كما روى عن ~~عمر بن الخطاب وأبي بكر وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم # وروى ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم رجب رواه عن ~~إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا داود بن عطاء حدثني زيد بن عبد الحميد عن ~~عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن سليمان بن علي عن أبيه عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما وليس بقوي # وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله أو أن لا يقرن به شهر آخر فيه للأصحاب ~~وجهان # ولولا أن هذا موضع الإشارة إلى رءوس المسائل لأطلنا الكلام في ذلك ومن ~~هذا الباب ليلة النصف من شعبان فقد روى في فضلها من الأحاديث المرفوعة ~~والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها ~~وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة ومن العلماء من السلف من أهل ~~المدينة وغيرهم من الخلف من أنكر فضلها وطعن في الأحاديث الواردة فيها ~~كحديث إن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب ms248 وقال لا فرق بينها ~~وبين غيرها # لكن الذي عليه كثير من أهل العلم أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على ~~تفضيلها وعليه يدل نص أحمد لتعدد الأحاديث الواردة فيها وما يصدق ذلك من ~~الآثار السلفية وقد روى بعض فضائلها في المسانيد والسنن وإن كان قد وضع ~~فيها أشياء أخر # فأما صوم يوم النصف مفردا فلا أصل له بل إفراده مكروه وكذلك اتخاذه موسما ~~تصنع فيه الأطعمة وتظهر فيه الزينة هو من المواسم المحدثة المبتدعة التي لا ~~أصل لها # وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف من الاجتماع العام للصلاة الألفية في ~~PageV01P302 المساجد الجامعة ومساجد الأحياء والدور والأسواق فإن هذا ~~الاجتماع لصلاة نافلة مقيدة بزمان وعدد وقدر من القراءة مكروه لم يشرع فإن ~~الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث وما كان ~~هكذا لا يجوز استحباب صلاة بناء عليه وإذا لم يستحب فالعمل المقتضي ~~لاستحبابها مكروه ولو سوغ أن كل ليلة لها نوع فضل تخص بصلاة مبتدعة يجتمع ~~لها لكان يفعل مثل هذه الصلاة أو أزيد أو أنقص ليلتي العيدين وليلة عرفة ~~كما أن بعض أهل البلاد يقيمون مثلها أول ليلة من رجب وكما بلغني أنه كان ~~بعض أهل القرى يصلون بعد المغرب صلاة مثل المغرب في جماعة يسمونها صلاة بر ~~الوالدين وكما بعض الناس يصلي كل ليلة في جماعة صلاة الجنازة على من مات من ~~المسلمين في جميع الأرض ونحو ذلك من الصلوات الجماعية التي لم تشرع # وعليك أن تعلم أنه إذا استحب التطوع المطلق في وقت معين وجوز التطوع في ~~جماعة لم يلزم من ذلك تسويغ جماعة راتبة غير مشروعة بل ينبغي أن تفرق بين ~~البابين # وذلك أن الاجتماع لصلاة تطوع أو استماع قرآن أو ذكر الله ونحو ذلك إذا ~~كان يفعل ذلك أحيانا فهذا أحسن فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى ~~التطوع في جماعة أحيانا وخرج على أصحابه وفيهم من يقرأ وهم يستمعون فجلس ~~معهم يستمع وكان أصحاب رسول الله صلى الله ms249 عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا ~~واحدا يقرأ وهم يستمعون وقد ورد في القوم الذين يجلسون يتدارسون كتاب الله ~~ورسوله وفي القوم الذين يذكرون الله من الآثار ما هو معروف # مثل قوله صلى الله عليه وسلم ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب ~~الله ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفتهم ~~الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده PageV01P303 # وورد أيضا في الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر فإذا وجد قوما يذكرون ~~الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم الحديث # فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر بتكرر الأسابيع والشهور والأعوام غير ~~الاجتماعات المشروعة فإن ذلك يضاهي الاجتماعات للصلوات الخمس وللجمعة ~~والعيدين والحج وذلك هو المبتدع المحدث # ففرق بين ما يتخذ سنة وعادة فإن ذلك يضاهي المشروع # وهذا الفرق هو المنصوص عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة # فروى أبو بكر الخلال في كتاب الأدب عن إسحاق بن منصور الكوسج أنه قال ~~لأبي عبد الله يكره أن يجتمع القوم يدعون الله ويرفعون أيديهم قال ما أكره ~~للإخون إذا لم يجتمعوا على عمد إلا أن يكثروا # وقال إسحاق بن راهويه كما قال الإمام أحمد # وإنما معنى أن لا يكثروا أن لا يتخذوها عادة حتى يكثروا هذا كلام إسحاق # قال المروزي سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون فيقرأ قارئ ويدعون حتى ~~يصبحوا قال أرجو أن لا يكون به بأس # وقال أبو السري الحربي قال أبو عبد الله وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس ~~يصلون ويذكرون ما أنعم الله به عليهم كما قالت الأنصار # وهذه إشارة إلى أن ما رواه أحمد حدثنا إسماعيل أنبأنا أيوب عن محمد بن ~~سيرين قال نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~قالوا لو نظرنا يوما فاجتمعنا فيه فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به ~~علينا فقالوا يوم السبت ثم قالوا لا نجامع اليهود في يومهم قالوا فيوم ~~الأحد قالوا لا نجامع النصارى في يومهم قالوا فيوم العروبة وكانوا يسمون ~~يوم الجمعة PageV01P304 يوم العروبة فاجتمعوا في ms250 بيت أبي أمامة أسعد بن ~~زرارة فذبحت لهم شاة فكفتهم # وقال أبو أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي سألت أحمد بن حنبل عن ~~القوم يجتمعون ويقرأ لهم القارئ قراءة حزينة فيبكون وربما أطفؤا السراج ~~فقال لي أحمد إن كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس # وروى الخلال عن الأوزاعي أنه سئل عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلا يقص ~~عليهم قال إذا كان ذلك يوما بعد الأيام فليس به بأس # فقيد أحمد الاجتماع على الدعاء بما إذا لم يتخذ عادة # وكذلك قيد إتيان الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء # قال سندي الخواتيمي سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد ويذهب ~~إليها ترى ذلك قال أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى وعلى ما كان يفعل ابن عمر رضي ~~الله عنهما يتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأثره فليس بذلك بأس أن ~~يأتي الرجل المشاهد إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا وأكثروا فيه # وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم ولفظه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي ~~بالمدينة وغيرها يذهب إليها قال أما على حديث ابن أم مكتوم PageV01P305 أنه ~~سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجدا وعلى ~~ما كان يفعله ابن عمر يتبع مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم وفعله حتى ~~رؤي يصب في موضع ما فسئل عن ذلك فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصب ههنا ماء قال أما على هذا فلا بأس # قال ورخص فيه ثم قال ولكن قد أفرط الناس جدا وأكثروا في هذا المعنى فذكر ~~قبر الحسين وما يفعل الناس عنده # وهذا الذي كرهه أحمد وغيره من اعتياد ذلك مأثور عن ابن مسعود وغسره لما ~~اتخذ أصحابه مكانا يجتمعون فيه للذكر فخرج إليهم فقال يا قوم لأنتم أهدى من ~~محمد أو لأنتم على شعبة ضلالة # وأصل هذا أن العبادات المشروعة ms251 التي تتكرر بتكرر الأوقات حتى تصير سننا ~~ومواسم قد شرع الله منها ما فيه كفاية للعباد فاذا أحدث اجتماع زائد على ~~هذه الإجتماعات معتاد كان ذلك مضاهاة لما شرعه الله وسنه وفيه من الفساد ما ~~تقدم التنبيه على بعضه بخلاف ما يفعله الرجل وحده أو الجماعة المخصوصة ~~أحيانا ولهذا كره الصحابة إفراد صوم رجب لما يشبه برمضان وأمر عمر رضي الله ~~عنه بقطع الشجرة التي توهموا أنها الشجرة التي بايع الصحابة النبي صلى الله ~~عليه وسلم تحتها بيعة الرضوان لما رأى الناس ينتابونها ويصلون عندها كأنها ~~المسجد الحرام أو مسجد المدينة وكذلك لما رآهم قد عكفوا على مكان قد صلى ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم عكوفا عاما نهاهم عن ذلك وقال أتريدون أن ~~تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد أو كما قال رضي الله عنه # فكما أن تطوع الصلاة فرادى وجماعة مشروع من غير أن يتخذ جماعة عامة ~~متكررة تشبه المشروع من الجمعة والعيدين والصلوات الخمس فكذلك تطوع القراءة ~~والذكر والدعاء جماعة وفرادى وتطوع قصد بعض PageV01P306 المشاهد ونحو ذلك ~~كله من نوع واحد يفرق بين الكثير الظاهر منه والقليل الخفي والمعتاد وغير ~~المعتاد وكذلك كل ما كان مشروع الجنس لكن البدعة اتخاذه عادة لازمة حتى ~~يصير كأنه واجب ويترتب على استحبابه وكراهته حكم نذره واشتراط فعله في ~~الوقف والوصية ونحو ذلك حيث كان النذر لا يلزم إلا في القرب # وكذلك العمل المشروط في الوقف لا يجوز أن يكون إلا برا ومعروفا على ظاهر ~~المذهب وقول جمهور أهل العلم # وسنومئ إلى ذلك إن شاء الله # وهذه المسائل تفتقر إلى بسط أكثر من هذا لا يحتمله هذا الموضع وإنما ~~الغرض التنبيه على المواسم المحدثة # وأما ما يفعل في هذه المواسم مما جنسه منهي عنه في الشرع فهذا لا يحتاج ~~إلى ذكر لأن ذلك لا يحتاج أن يدخل في هذا الباب # مثل رفع الأصوات في المسجد أو اختلاط الرجال والنساء أو كثرة إيقاد ~~المصابيح زيادة على الحاجة أو إيذاء المصلين أو غيرهم بقول أو ms252 فعل فإن قبح ~~هذا ظاهر لكل مسلم وإنما هذا من جنس سائر الأقوال المحرمة في المساجد سواء ~~حرمت في المسجد وغيره كالفواحش والفحش أو صين عنها المسجد كالبيع والشراء ~~وإنشاد الضالة وإقامة الحدود ونحو ذلك PageV01P307 # وقد ذكر بعض المتأخرين من أصحابنا وغيرهم أنه يستحب قيام هذه الليلة ~~بالصلاة التي يسمونها الألفية لأن فيها قراءة @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ألف ~~مرة وربما استحبوا الصوم أيضا وعمدتهم في خصوص ذلك الحديث الذي يروى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك # وقد يعتمدون على العمومات التي تندرج فيها هذه الصلاة على ما جاء في فضل ~~هذه الليلة بخصوصها وما جاء من الأثر باحيائها وعلى الاعتياد حيث فيها من ~~المنافع والفوائد ما يقتضي الاستحباب لجنسها من العبادات # فأما الحديث المرفوع في هذه الصلاة الألفية فكذب موضوع باتفاق أهل العلم ~~بالحديث # وأما العمومات الدالة على استحباب الصلاة فحق لكن العمل المعين إما أن ~~يستحب بخصوصه أو يستحب لما فيه من المعنى العام # فأما المعنى العام فلا يجب جعله خصوصا مستحبا ومن استحبها ذكرها في النفل ~~المقيد كصلاة الضحى والتراويح وهذا خطأ ولهذا لم يذكر هذا أحد من الأئمة ~~المعدودين لا الأولين ولا الآخرين وإنما كره التخصيص لما صار يخص مالا خصوص ~~له بالاعتقاد والقصد كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم إفراد يوم الجمعة ~~وسرد شعبان بالصيام وإفراد ليلة الجمعة بالقيام فصار نظير هذا مالو أحدثت ~~ليالي العشر صلاة مقيدة أو بين العشاءين ونحو ذلك # فالعبادات ثلاثة # منها ما هو مستحب بخصوصه كالنفل المقيد من ركعتي الفجر وقيام رمضان ونحو ~~ذلك وهذا منه المؤقت كقيام الليل # ومنها المقيد بسبب كصلاة الاستسقاء وصلاة الآيات # ثم قد يكون مقدرا في الشريعة بعدد كالوتر وقد يكون مطلقا مع فضل الوقت ~~كالصلاة يوم الجمعة قبل الصلاة PageV01P308 # فصارت أقسام المقيد أربعة # ومن العبادات ما هو مستحب بعموم معناه كالنفل المطلق فإن الشمس إذا طلعت ~~فالصلاة مشهودة محضورة حتى تصلى العصر # ومنها ما هو مكروه تخصيصه إلا مع غيره كقيام ms253 ليلة الجمعة وقد يكره مطلقا ~~إلا في أحوال مخصوصة كالصلاة في أوقات النهي # ولهذا اختلف العلماء في كراهة الصلاة بعد الفجر والعصر هل هو لئلا يفضي ~~إلى تحري الصلاة في هذا الوقت فيرخص في ذوات الأسباب العارضة أو هو نهي ~~مطلق لا يستثنى منه إلا قدر الحاجة على قولين هما روايتان عن أحمد وفيها ~~أقوال أخر للعلماء والله أعلم # | فصل # وقد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العملي المحدث العيد المكاني فيغلظ ~~قبح هذا ويصير خروجا عن الشريعة # فمن ذلك ما يفعل يوم عرفة مما لا أعلم بين المسلمين خلافا في النهي عنه ~~وهو قصد قبر بعض من يحسن به الظن يوم عرفة والإجتماع العظيم عند قبره كما ~~يفعل في بعض أرض المشرق والمغرب والتعريف هناك كما يفعل بعرفات فإن هذا نوع ~~من الحج المبتدع الذي لم يشرعه الله ومضاهاة للحج الذي شرعه الله واتخاذ ~~القبور أعيادا # وكذلك السفر إلى البيت المقدس للتعريف فيه فإن هذا أيضا ضلال مبين فإن ~~زيارة بيت المقدس مستحبة مشروعة للصلاة فيه والاعتكاف وهو أحد المساجد ~~الثلاثة التي تشد إليها الرحال لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه فإن ~~ذلك تخصيص وقت معين بزيارة بيت المقدس ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت على ~~غيره PageV01P309 # ثم فيه أيضا مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام وتشبيه له بالكعبة ولهذا قد ~~أفضى إلى مالا يشك مسلم في أنه شريعة أخرى غير شريعة الإسلام # وهو ما قد يفعله بعض الضلال من الطواف بالصخرة أو من حلق الرأس هناك أو ~~من قصد النسك هناك # وكذلك ما يفعله بعض الضلال من الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة بعرفات كما ~~يطاف بالكعبة # فأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء والضرب بالدف بالمسجد الأقصى ~~ونحوه فمن أقبح المنكرات من وجهات أخرى # منها فعل ذلك في المسجد الأقصى ونحوه فإن ذلك مما ينهى عنه خارج المساجد ~~فكيف بالمسجد الأقصى # ومنها اتخاذ الباطل دينا # ومنها فعله في الموسم # فأما قصد الرجل المسلم مسجد بلده يوم عرفة ms254 للدعاء والذكر فهذا هو التعريف ~~في الأمصار الذي اختلف العلماء فيه ففعله ابن عباس وعمرو بن حريث من ~~الصحابة وطائفة من البصريين والمدنيين ورخص فيه أحمد وإن كان مع ذلك لا ~~يستحبه هذا هو المشهور عنه # وكرهه طائفة من الكوفيين والمدنيين كإبراهيم النخعي وأبي حنيفة ومالك ~~وغيرهم # ومن كرهه قال هو من البدع فيندرج في العموم لفظا ومعنى ومن رخص فيه قال ~~فعله ابن عباس بالبصرة حين كان خليفة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ولم ~~ينكر عليه وما يفعل في عهد الخلفاء الراشدين من غير إنكار لا يكون بدعة # لكن ما يزاد على ذلك من رفع الأصوات الرفع الشديد في المساجد PageV01P310 ~~بالدعاء وأنواع من الخطب والأشعار الباطلة فمكروه في هذا اليوم وغيره # قال المروزي سمعت أبا عبد الله يقول ينبغي أن يسر دعاءه لقوله @QB@ ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا @QE@ قال هذا في الدعاء قال ~~وسمعت أبا عبد الله يقول وكانوا يكرهون أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء # وروى الخلال بإسناد صحيح عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال أحدث الناس ~~الصوت عند الدعاء # وعن سعيد بن أبي عروبة أن مجالد بن سعيد سمع قوما يعجون في دعائهم فمشى ~~إليهم فقال أيها القوم إن كنتم أصبتم فضلا على من كان قبلكم لقد ضللتم قال ~~فجعلوا يتسللون رجلا رجلا حتى تركوا بغيتهم التي كانوا فيها # وروى أيضا بإسناده عن ابن شوذب عن أبي التياح قال قلت للحسن إمامنا يقص ~~فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم بالدعاء فقال الحسن إن رفع الصوت ~~بالدعاء لبدعة وإن مد الأيدي بالدعاء لبدعة وإن اجتماع الرجال والنساء ~~لبدعة # فرفع الأيدي فيه خلاف وأحاديث ليس هذا موضعها # والفرق بين هذا التعريف المختلف فيه وتلك التعريفات التي لم يخلف فيها أن ~~في تلك قصد بقعة بعينها للتعريف فيها كقبر الصالح أو المسجد الأقصى وهذا ~~تشبيه بعرفات بخلاف مسجد المصر فإنه قصد له بنوعه لا بعينه ونوع المساجد ~~مما شرع قصدها فإن الآتي إلى المسجد ليس ms255 قصده مكانا معينا لا يتبدل اسمه ~~وحكمه وإنما الغرض بيت من بيوت الله بحيث لو حول ذلك المسجد لتحول حكمه ~~ولهذا لا تتعلق القلوب إلا بنوع المسجد لا بخصوصه # وأيضا فإن شد الرحال إلى مكان للتعريف فيه مثل الحج بخلاف المصر ~~PageV01P311 الا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تشد الرحال إلا ~~إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا # هذا مما لا أعلم فيه خلافا # فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة # ومعلوم أن إتيان الرجل مسجد مصره إما واجب كالجمعة وإما مستحب كالاعتكاف ~~فيه # وأيضا فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيدا وهذا بنفسه محرم سواء كان فيه ~~شد للرحل أو لم يكن وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره وهو من الأعياد ~~المكانية مع الزمان # وأما ما أحدث في الأعياد من ضرب البوقات والطبول فإن هذا مكروه في العيد ~~وغيره لا اختصاص للعيد به وكذلك لبس الحرير أو غير ذلك من النهي عنه في ~~الشرع وترك السنن من جنس فعل البدع # فينبغي إقامة المواسم على ما كان السابقون الأولون يقيمونها من الصلاة أو ~~الخطبة المشروعة والتكبير والصدقة في الفطر والذبح في الأضحى # فإن من الناس من يقصر في التكبير المشروع ومن الأئمة من يترك أن يخطب ~~للرجال ثم النساء كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الرجال ثم ~~النساء # ومنهم من لا يذكر في خطبته ما ينبغي ذكره بل يعدل إلى ما تقل فائدته # ومنهم من لا ينحر بعد الصلاة بالمصلى وهو ترك للسنة إلى أمور أخر من غير ~~السنة فإن الدين هو فعل المعروف والأمر به وترك المنكر والنهي عنه # | فصل # وأما الأعياد المكانية فتنقسم أيضا كالزمانية إلى ثلاثة أقسام # أحدها مالا خصوص له في الشريعة PageV01P312 # والثاني ماله خصيصة لا تقتضي قصده للعبادة فيه # والثالث ما يشرع العبادة فيه لكن لا يتخذ عيدا # والأقسام الثلاثة جاءت الآثار بها مثل قوله صلى الله عليه وسلم ms256 للذي نذر ~~أن ينحر ببوانة أبها وثن من أوثان المشركين أو عيد من أعيادهم قال لا قال ~~فأوف بنذرك # ومثل قوله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا # ومثل نهي عمر عن اتخاذ آثار الأنبياء أعيادا كما سنذكره إن شاء الله # فهذا الأقسام الثلاثة أحدها مكان لا فضل له في الشريعة أصلا ولا فيه ما ~~يوجب تفضيله بل هو كسائر الأمكنة أو دونها فقصد ذلك المكان أو قصد الاجتماع ~~فيه لصلاة أو دعاء أو ذكر أو غير ذلك ضلال بين # ثم إن كان به بعض آثار الكفار من اليهود أو النصارى أو غيرهم كان أقبح ~~وأقبح ودخل في هذا الباب وفي الباب قبله من مشابهة الكفار وهذه أنواع لا ~~يمكن ضبطها بخلاف الزمان فإنه محصور وهذا الضرب أقبح من الذي قبله # فإن هذا يشبه عبادة الأوثان أو هو ذريعة إليها أو نوع من عبادة الأوثان ~~إذ عباد الأوثان كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال ~~يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله تعالى وكانت الطواغيت الكبار التي تشد ~~إليها الرحال ثلاثة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى كما ذكر الله ذلك في ~~كتابه حيث يقول @QB@ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر ~~وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى @QE@ فقد كان كل واحد من هذه الثلاثة لمصر من ~~أمصار العرب والأمصار التي كانت من ناحية الحرم ومواقيت الحج ثلاثة مكة ~~والمدينة والطائف # فكانت اللات لأهل الطائف ذكروا أنه كان في الأصل رجلا صالحا PageV01P313 ~~يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره مدة ثم اتخذوا تمثاله ثم بنوا ~~عليه بنية سموها بيت الربة وقصتها معروفة لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~لهدمها المغيرة بن شعبة لما افتتح الطائف بعد فتح مكة سنة تسع من الهجرة # وأما العزى فكانت لأهل مكة قريبا من عرفات وكانت هناك شجرة يذبحون عندها ~~ويدعون فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليها خالد بن الوليد عقب فتح مكة ~~فأزالها وقسم النبي صلى الله عليه وسلم ms257 مالها وخرجت منها شيطانة ناشرة ~~شعرها فيئست العزة أن تعبد # وأما مناة فكانت لأهل المدينة يهلون لها شركا بالله تعالى وكانت حذو قديد ~~الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل # ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم ويعرف حقيقة ~~الشرك الذي ذمه الله وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن ويعرف ما كرهه الله ~~ورسوله فلينظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه وما ~~ذكره الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء # ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط فقال ~~بعض الناس يا رسول الله إجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال الله ~~أكبر قلتم كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إنها السنن ~~لتركبن سنن من كان قبلكم # فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة ~~يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهتهم ~~المشركين أو هو الشرك بعينه # فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات ~~وبعضه أشد من بعض سواء كانت البقعة شجرة أو غيرها أو قناة جارية أو جبلا أو ~~مغارة وسواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها PageV01P314 أو ليقرأ عندها ~~أو ليذكر الله سبحانه عندها أو لينسك عندها بحيث يخص تلك البقعة بنوع من ~~العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا # وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنور به ويقول إنها تقبل النذر ~~كما يقوله بعض الضالين فإن هذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء لا يجوز ~~الوفاء به بل عليه كفارة يمين عند كثير من أهل العلم منهم أحمد في المشهور ~~عنه وعنه رواية هي قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما أنه يستغفر الله من هذا ~~النذر ولا شيء عليه والمسألة معروفة # وكذلك إذا نذر طعاما من الخبز أو غيره للحيتان التي في تلك العين أو ~~البئر # وكذلك إذا ms258 نذر مالا من النقد أو غيره للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك ~~البقعة فإن هؤلاء السدنة فيهم شبه من السدنة الذين كانوا لللات والعزى ~~ومناة يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والمجاورون هناك ~~فيهم شبه من العاكفين الذين قال لهم الخليل إبراهيم إمام الحنفاء صلى الله ~~عليه وسلم @QB@ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون @QE@ و @QB@ قال ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين @QE@ والذين أتى عليهم موسى عليه السلام وقومه بعد مجاوزتهم البحر ~~كما قال تعالى @QB@ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على ~~أصنام لهم @QE@ # فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع التي لا فضل في الشريعة ~~للمجاورين بها نذر معصية وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها ~~أو سدنة الأبداد التي بالهند والمجاورين عندها PageV01P315 # ثم هذا المال المنذور إذا صرفه في جنس تلك العبادة من المشروع مثل أن ~~يصرفه في عمارة المساجد أو للصالحين من فقراء المسلمين الذين يستعينون ~~بالمال على عبادة الله وحده لا شريك له كان حسنا # فمن هذه الأمكنة ما يظن أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك أو يظن أنه ~~مقام له وليس كذلك # فأما ما كان قبرا له أو مقاما فهذا من النوع الثاني وهذا باب واسع أذكر ~~بعض أعيانه # فمن ذلك عدة أمكنة بدمشق مثل مشهد لأبي بن كعب خارج الباب الشرقي ولا ~~خلاف بين أهل العلم أن أبي بن كعب إنما توفي بالمدينة ولم يمت بدمشق والله ~~أعلم قبر من هو لكنه ليس بقبر أبي بن كعب صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بلا شك # وكذلك مكان بالحائط القبلي بجامع دمشق يقال إن فيه قبر هود عليه السلام ~~وما علمت أحدا من أهل العلم ذكر أن هودا النبي مات بدمشق بل قد قيل إنه مات ~~باليمن وقيل بمكة فإن مبعثه كان باليمن ومهاجره بعد هلاك قومه كان إلى مكة ~~فأما الشام فلا هي داره ولا مهاجره فموته بها والحال ms259 هذه مع أن أهل العلم ~~لم يذكروه بل ذكروا خلافه في غاية البعد # وكذلك مشهد خارج الباب الغربي من دمشق يقال إنه قبر أويس القرني وما علمت ~~أن أحدا ذكر أن أويسا مات بدمشق ولا هو متوجه أيضا فإن أويسا قدم من اليمن ~~إلى أرض العراق وقد قيل إنه قتل بصفين وقيل إنه مات بنواحي أرض فارس وقيل ~~غير ذلك وأما الشام فما ذكر أحد أنه قدم إليها فضلا عن الممات بها # ومن ذلك ايضا قبر يقال له قبر أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~خلاف أنها رضي الله عنها ماتت بالمدينة لا بالشام ولم تقدم الشام أيضا ~~PageV01P316 فإن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تسافر بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لعلها أم سلمة أسماء بنت يزيد بن السكن ~~الأنصارية فإن أهل الشام كشهر بن حوشب ونحوه كانوا إذا حدثوا عنها قالوا أم ~~سلمة وهي بنت عم معاذ بن جبل وهي من أعيان الصحابيات ومن ذوات الفقه والدين ~~منهن أو لعلها أم سلمة امرأة يزيد بن معاوية وهو بعيد فإن هذه ليست مشهورة ~~بعلم ولا دين وما أكثر الغلط في هذه الأشياء وأمثالها من جهة الأسماء ~~المشتركة أو المغيرة # ومن ذلك مشهد بقاهرة مصر يقال إن فيه رأس الحسين بن علي رضي الله عنهما ~~وأصله المكذوب أنه كان بعسقلان مشهد يقال إن فيه رأس الحسين فحمل فيها يقال ~~الرأس من هناك إلى مصر وهو باطل باتفاق أهل العلم لم يقل أحد من أهل العلم ~~إن رأس الحسين كان بعسقلان بل فيه أقوال ليس هذا منها فإنه حمل رأسه إلى ~~قدام عبيد الله بن زياد بالكوفة حتى روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يغيظه وبعض الناس يذكر أن الرواية كانت أمام يزيد بن معاوية بالشام ولا ~~يثبت ذلك فإن الصحابة المسمين في الحديث إنما كانوا بالعراق # وكذلك مقابر كثيرة لأسماء رجال معروفين قد علم أنها ليست بمقابرهم # فهذه ms260 المواضع ليس فيها فضيلة أصلا وإن اعتقد الجاهلون أن لها فضيلة اللهم ~~إلا أن يكون قبرا لرجل مسلم فيكون كسائر المسلمين ليس لها من الخصيصة ما ~~يحسبه الجهال وإن كانت القبور الصحيحة لا يجوز اتخاذها أعيادا ولا أن يفعل ~~فيها ما يفعل عند هذه القبور المكذوبة أو تكون قبرا لرجل صالح غير المسمى ~~فيكون من القسم الثاني # ومن هذا الباب أيضا مواضع يقال إن فيها أثر النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~غيرها ويضاهي بها مقام إبراهيم الذي بمكة كما يقول الجهال في الصخرة ~~PageV01P317 التي ببيت المقدس من أن فيها أثرا من وطء قدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وبلغني أن بعض الجهال يزعم أنها من وطء الرب سبحانه وتعالى ~~فيزعمون أن ذلك الأثر موضع القدم # وفي مسجد قبلي دمشق يسمى مسجد القدم به أيضا أثر يقال إن ذاك أثر قدم ~~موسى عليه السلام وهذا باطل لا أصل له ولم يقدم موسى دمشق ولا من حولها # وكذلك مشاهد تضاف إلى بعض الأنبياء أو الصالحين بناء على أنه رؤي في ~~المنام هناك ورؤية النبي أو الرجل الصالح في المنام ببقعة لا يوجب لها ~~فضيلة تقصد البقعة لأجلها وتتخذ مصلى بإجماع المسلمين وإنما يفعل هذا ~~وأمثاله أهل الكتاب وربما صوروا فيها صورة النبي أو الرجل الصالح أو بعض ~~أعضائه مضاهاة لأهل الكتاب كما كان في بعض مساجد دمشق مسجد يسمى مسجد الكف ~~فيه تمثال كف يقال إنه كف علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى هدم الله ذلك ~~الوثن # وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في أكثر البلاد # وفي الحجاز منها مواضع كغار عن يمين الطريق وأنت ذاهب من بدر إلى مكة ~~يقال إنه الغار الذي أوى النبي صلى الله عليه وسلم إليه هو وأبو بكر وأنه ~~الغار الذي ذكره الله في قوله @QB@ ثاني اثنين إذ هما في الغار @QE@ ولا ~~خلاف بين أهل العلم أن هذا الغار المذكور في القرآن إنما هو غار بجبل ثور ~~قريب من مكة معروف عند أهل مكة إلى ms261 اليوم # فهذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة كائنة ما كانت ليس من الإسلام تعظيمها ~~بأي نوع من التعظيم فإن تعظيم مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم ~~يعظمه فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم ~~الزمان حتى إن الذي ينبغي تجنب الصلاة فيها وإن كان المصلي لا يقصد ~~PageV01P318 تعظيمها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة فيها كما ~~ينهى عن الصلاة عند القبور المحققة وإن لم يكن المصلي يقصد الصلاة لأجلها ~~وكما ينهي عن إفراد الجمعة سرر شعبان بالصوم وإن كان الصائم لا يقصد ~~التخصيص بذلك الصوم # فإن ما كان مقصودا بالتخصيص مع النهي عن ذلك ينهى عن تخصيصه أيضا بالفعل # وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد الضرار الذي @QB@ أسس بنيانه على شفا جرف هار ~~فانهار به في نار جهنم @QE@ فإن ذلك المسجد لما بني @QB@ ضرارا وكفرا ~~وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل @QE@ نهى الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه وأمر بهدمه # وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله وتعظيما لما لم يعظمه ~~الله وعكوفا على أشياء لا تنفع ولا تضر وصدا للخلق عن سبيل الله وهي عبادته ~~وحده لا شريك له بما شرعه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم واتخاذها ~~عيدا والاجتماع واعتياد قصدها فإن العيد من المعاودة # ويلتحق بهذا الضرب ولكنه ليس منه مواضع تدعى لها خصائص لا تثبت مثل كثير ~~من القبور التي يقال إنها قبر نبي أو قبر صالح أو مقام نبي أو صالح ونحو ~~ذلك وقد يكون ذلك صدقا وقد يكون كذبا # وأكثر المشاهد التي على وجه الأرض من هذا الضرب فإن القبور الصحيحة ~~والمقامات الصحيحة قليلة جدا # وكان غير واحد من أهل العلم يقول لا يثبت من قبور الأنبياء إلا قبر نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم وغيره قد يثبت غير هذا أيضا مثل قبر إبراهيم ~~الخليل عليه السلام وقد يكون علم أن القبر في تلك الناحية لكن يقع ms262 الشك في ~~عينه ككثير من قبور الصحابة التي بباب الصغير من دمشق فإن الأرض غيرت مرات ~~فتعيين قبر أنه قبر بلال أو غيره لا يكاد يثبت إلا من طريق PageV01P319 ~~خاصة وإن كان لو ثبت لم يتعلق به حكم شرعي مما قد أحدث عندها # ولكن الغرض أن نبين هذا القسم الأول وهو تعظيم الأمكنة التي لا خصيصة لها ~~إما مع العلم بأنه لا خصيصة لها أو مع عدم العلم بأن لها خصيصة إذ العبادة ~~والعمل بغير علم منهي عنه كما أن العبادة والعمل بما يخالف العلم منهي عنه ~~ولو كان ضبط هذه الأمور من الدين لما أهمل ولما ضاع عن الأمة المحفوظ دينها ~~المعصومة عن الخطأ # وأكثر ما تجد الحكايات المتعلقة بهذا عند السدنة والمجاورين لها الذين ~~يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله # وقد يحكى من الحكايات التي فيها تأثير مثل أن رجلا دعا عندها فاستجيب له ~~أو نذر لها إن قضى الله حاجته فقضيت حاجته ونحو ذلك وبمثل هذه الأمور كانت ~~تعبد الأصنام # فإن القوم كانوا أحيانا يخاطبون من الأوثان وربما تقضي حوائجهم إذا ~~قصدوها ولذلك يجري لهم مثل ما يجري لأهل الأبداد من أهل الهند وغيرهم # وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج والحجر الأسود الذي ~~شرع الله استلامه وتقبيله كأنه يمينه والمساجد التي هي بيوته # وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل ~~الأرض # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي ~~بخير وإنما يستخرج به من البخيل فإذا كان نذر الطاعات المعلقة بشرط لا ~~فائدة فيه ولا يأتي بخير فما الظن بالنذر لما لا يضر ولا ينفع # وأما إجابة الدعاء فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدق التجائه وقد يكون ~~سبه مجرد رحمة الله له وقد يكون أمرا قضاه الله لا لأجل دعائه وقد يكون له ~~أسباب أخرى وإن كانت فتنة في حق الداعي # فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم ms263 فيسقون وينصرون ويعافون PageV01P320 ~~ويرزقون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها # وقد قال الله تعالى @QB@ كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ~~ربك محظورا @QE@ # وقال تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم ~~رهقا @QE@ وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها ليس هذا موضع تفصيلها # وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين والعلم بأن فيه خير ~~الدنيا والآخرة ولعلي إن شاء الله أبين بعض أسباب هذه التأثيرات في موضع ~~آخر # | فصل # النوع الثاني من الأمكنة ماله خصيصة لكن لا يقتضي اتخاذها عيدا ولا ~~الصلاة ونحوها من العبادات عنده # فمن هذه الأمكنة قبور الأنبياء والصالحين وقد جاء عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم والسلف النهي عن اتخاذها عيدا عموما وخصوصا وبينوا معنى العيد # فأما العموم فقال أبو داود في سننه حدثنا أحمد بن صالح قال قرأت على عبد ~~الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا ~~تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم وهذا إسناده حسن ~~فإن رواته كلهم ثقات مشاهير لكن عبد الله بن نافع الصائغ الفقيه المدني ~~صاحب مالك فيه لين لا يقدح في حديثه # قال يحيى بن معين هو ثقة وحسبك بابن معين موثقا وقال أبو زرعة لا بأس به ~~وقال أبو حاتم الرازي ليس بالحافظ هو لين يعرف حفظه وينكر # فإن هذه العبارات منهم تنزل حديثه من مرتبة الصحيح إلى مرتبة الحسن ~~PageV01P321 إذ لا خلاف في عدالته وفقهه وأن الغالب عليه الضبط لكن قد يغلط ~~أحيانا # ثم إن هذا الحديث مما يعرف من حفظه ليس مما ينكر لأنه سنة مدنية وهو ~~محتاج إليها في فقهه ومثل هذا يضبطه الفقيه # وللحديث شواهد من غير طريقه فإن هذا الحديث يروى من جهات أخرى فما بقي ~~منكرا # وكل جملة من هذا الحديث رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد ms264 معروفة ~~وإنما الغرض هنا النهي عن اتخاذه عيدا # فمن ذلك ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ~~أنبأنا زيد بن الحباب حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا علي ~~بن عمر عن أبيه عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه فقال ألا أحدثكم حديثا ~~سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا قبري ~~عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم رواه أبو عبد الله ~~محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة ~~على الصحيحين وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في صحيحه # وروى سعيد بن منصور في سننه حدثنا حبان بن علي حدثني محمد بن عجلان عن ~~أبي سعيد مولى المهري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا بيتي ~~عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني # وقال سعيد حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال رآني ~~الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة ~~يتعشى فقال هلم إلى العشاء فقلت لا أريده فقال مالي رأيتك عند القبر فقلت ~~سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا PageV01P322 دخلت المسجد فسلم ~~ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا بيتي عيدا ولا ~~تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم لعن الله ~~اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء # فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما ~~وقد احتج به من أرسله وذلك يقتضي ثبوته عنده لو لم يكن روى من وجوه مسندة ~~غير هذين وكيف وقد تقدم مسندا # ووجه الدلالة أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الأرض ms265 ~~وقد نهى عن اتخاذه عيدا فقبر غيره أولى النهي كائنا من كان ثم قرن ذلك ~~بقوله صلى الله عليه وسلم ولا تتخذوا بيوتكم قبورا أي لا تعطلوها عن الصلاة ~~فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور فأمر بتحري العبادة في البيوت ~~ونهى عن تحريها عند القبور وهذا عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه ~~بهم # وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا # وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تجعلوا ~~بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه # ثم إنه صلى الله عليه وسلم أعقب النهي عن اتخاذها عيدا بقوله صلوا علي ~~فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم # وفي الحديث الآخر فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم # يشير بذلك صلى الله عليه وسلم إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام ~~يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا # والأحاديث عنه بأن صلاتنا وسلامنا تعرض عليه كثيرة PageV01P323 # مثل ما روى أبو داود في سننه من حديث أبي صخر حميد بن زياد عن يزيد بن ~~عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من ~~أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام صلى الله عليه وسلم # وهذا الحديث على شرط مسلم # ومثل ما روى أبو داود ايضا عن أوس بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن ~~صلاتكم معروضة علي قالوا يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت فقال ~~إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء # وفي مسند ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من صلى علي سمعته ومن صلى علي نائيا بلغته ms266 رواه الدارقطني بمعناه وفي ~~النسائي وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله وكل بقبري ملائكة ~~يبلغوني عن أمتي السلام إلى أحاديث أخر في هذا الباب متعددة # ثم إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنه نهى ذلك ~~الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله عليه وسلم واستدل بالحديث وهو ~~راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي وهو أعلم بمعناه من غيره # فتبين أن قصد قبره للدعاء ونحوه اتخاذ له عيدا # وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد القبر للسلام ونحوه ~~غير دخول المسجد ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا # فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم ~~فكانوا لها أضبط PageV01P324 # والعيد إذا جعل اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وإتيانه ~~للعبادة عنده أو لغير العبادة كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة ~~جعلها الله عيدا مثابة للناس يجتمعون فيها وينتابونها للدعاء والذكر والنسك ~~وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها فلما جاء الإسلام محا الله ~~ذلك كله # وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين والقبور التي ~~يجوز أن تكون قبورا لهم بتقدير كونها قبورا لهم بل وسائر القبور أيضا داخلة ~~في هذا # فإن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة إذ هو بيت المسلم الميت ~~فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يوطأ ولا يداس ولا يتكأ عليه ~~عندنا وعند جمهور العلماء ولا يجاور بما يؤذي الأموات من الأقوال والأفعال ~~الخبيثة ويستحب عند إتيانه السلام على صاحبه والدعاء له وكلما كان الميت ~~أفضل كان حقه أوكد # قال بريدة بن الحصيب رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم السلام على أهل الديار وفي ~~لفظ السلام عليكم أهل ms267 الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية رواه مسلم # وريى أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة ~~فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون # وروي أيضا عن عائشة في حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ~~جبريل أتاني فقال إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت قلت ~~كيف أقول يا رسول الله قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون PageV01P325 # وروى ابن ماجه عن عائشة قالت فقدته فإذا هو بالبقيع فقال السلام عليكم ~~دار قوم مؤمنين أنتم لنا فرط ونحن بكم لاحقون اللهم لاتحرمنا أجرهم ولا ~~تفتنا بعدهم # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور ~~المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ~~ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر رواه أحمد والترمذي وقال حسن غريب # وقد ثبت عنه أنه بعد أحد بثمان سنين خرج إلى الشهداء فصلى عليهم كصلاته ~~على الميت # وروى أبو داود عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال استغفروا لأخيكم وسلوا له ~~التثبيت فإنه الآن يسأل # وقد روى حديث صححه ابن عبد البر أنه قال ما من رجل يمر بقبر الرجل كان ~~يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام # وروي في تلقين الميت بعد الدفن حديث فيه نظر لكن عمل به رجال من أهل ~~الشام الأولين مع روايتهم له فلذلك استحبه أكثر أصحابنا وغيرهم # فهذا ونحوه مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ويأمر به أمته عند ~~قبور المسلمين عقب الدفن وعند زيارتهم أو المرور بهم إنما هو تحية للميت ~~كما يحيى الحي ويدعي ms268 له كما يدعي له إذا صلى عليه قبل الدفن أو بعده وفي ~~ضمن الدعاء للميت دعاء الحي لنفسه ولسائر المسلمين كما أن الصلاة على ~~الجنازة فيها الدعاء للمصلي ولسائر المسلمين وتخصيص الميت بالدعاء له # فهذا كله وما كان مثله من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه ~~السابقون الأولون هو المشروع للمسلمين في ذلك وهو الذي كانوا يفعلونه عند ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره PageV01P326 # وروى ابن بطة في الابانة بإسناد صحيح عن معاذ بن معاذ حدثنا ابن عون قال ~~سأل رجل نافعا فقال هل كان ابن عمر يسلم على القبر فقال نعم لقد رأيته مائة ~~أو أكثر من مائة مرة كان يأتي القبر فيقوم عنده فيقول السلام على النبي ~~السلام على أبي بكر السلام على عمر أبي # وفي رواية أخرى ذكرها الإمام أحمد محتجا بها ثم ينصرف # وهذا الأثر رواه مالك في الموطأ # وزيارة القبور جائزة في الجملة حتى قبور الكفار فإن في صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنت ربي أن أستغفر لأمي ~~فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي # وفيه أيضا عنه قال زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من ~~حوله فقال استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور ~~قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت # وفي صحيح مسلم عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كنت نهيتكم عن ~~زيارة القبور فزوروها # وفي رواية لأحمد والنسائي فمن أراد أن يزر فليزر ولا تقولوا هجرا # وروى أحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة # فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم في زيارتها بعد النهي وعلل ذلك بأنها ~~تذكر الموت والدار الآخرة وأذن لنا إذنا عاما في زيارة قبر المسلم والكافر ~~PageV01P327 # والسبب الذي ورد ms269 عليه هذا اللفظ يوجب دخول الكافر والعلة وهي تذكر الموت ~~والآخرة موجودة في ذلك كله # وقد كان صلى الله عليه وسلم يأتي قبور أهل البقيع والشهداء للدعاء لهم ~~والاستغفار فهذا المعنى يختص بالمسلمين دون الكافرين # فهذه الزيارة وهي زيارة القبور لتذكر الآخرة أو لتحيتهم والدعاء لهم هي ~~الذي جاءت به السنة كما تقدم # وقد اختلف أصحابنا وغيرهم هل يجوز السفر لزيارتها على قولين # أحدهما لا يجوز والمسافرة لزيارتها معصية لا يجوز قصر الصلاة فيها وهذا ~~قول ابن بطة وابن عقيل وغيرهما لأن هذا السفر بدعة لم يكن في عصر السلف وهو ~~مشتمل على ما سيأتي من معاني النهي ولأن في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد ~~الأقصى ومسجدي هذا # وهذا النهي يعم السفر إلى المساجد والمشاهد وكل مكان يقصد السفر إلى عينه ~~للتقرب والعبادة # بدليل أن بصرة بن أبي بصرة الغفاري لما رأى أبا هريرة راجعا من الطور ~~الذي كلم الله عليه موسى قال لو رأيتك قبل أن تأتيه لم تأته لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لا تشد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد # فقد فهم الصحابي الذي روى الحديث أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء ~~مندرجة في العموم وأنه لا يجوز السفر إليها كما لا يجوز السفر إلى مسجد غير ~~المساجد الثلاثة # وأيضا فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله غير المساجد الثلاثة لا يجوز ~~مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة ويستحب أخرى وقد جاء في قصد المساجد من ~~الفضل مالا يحصى فالسفر إلى بيوت الموتى من عباده أولى أن لا يجوز ~~PageV01P328 # والوجه الثاني أنه يجوز السفر إليها قاله طائفة من المتأخرين منهم أبو ~~حامد الغزالي وأبو الحسن بن عبدوس الحراني والشيخ أبو محمد المقدسي وما ~~علمته منقولا عن أحد من المتقدمين بناء على أن هذا الحديث لم يتناول النهي ~~عن ذلك كما لم يتناول النهي عن السفر إلى الأمكنة التي فيها الوالدان ~~والعلماء ms270 والمشايخ والإخوان أو بعض المقاصد من الأمور الدنيوية المباحة # فأما ما سوى ذلك من المحدثات فأمور # منها الصلاة عند القبور مطلقا واتخاذها مساجد أو بناء المساجد عليها قد ~~تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه # فأما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه ~~متابعة للأحاديث وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما ~~بتحريمه ومن العلماء من أطلق فيه لفظ الكراهة فما أدري عني به التنزيه أو ~~التحريم ولا ريب في القطع بتحريمه لما روى مسلم في صحيحه عن جندب ابن عبد ~~الله البجلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو ~~يقول إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلا كما ~~اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا منكم خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن ~~من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد إني أنهاكم عن ذلك # وعن عائشة رضي الله عنها وعبد الله بن عباس قالا لما نزل برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذااغتم بها كشفها فقال وهو ~~كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما ~~صنعوا أخرجه البخاري ومسلم # وأخرجاه جميعا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قاتل ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد PageV01P329 # وفي رواية لمسلم لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد # فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من ~~فعل ذلك من أهل الكتاب ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك # قالت عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه ~~لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولولا ذلك لأبرز قبره ~~غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا رواه البخاري ومسلم # وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد ms271 عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين ~~يتخذون القبور مساجد رواه أبو حاتم في صحيحه # وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد رواه الإمام أحمد # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه الإمام أحمد وأبو داود ~~والترمذي والنسائي # وفي الباب أحاديث كثيرة وآثار ليس هذا موضع استقصائها # فهذه المساجد مبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين ~~إزالتها بهدم أو بغيره هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين ~~وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب لأجل ~~النهي واللعن الوارد في ذلك ولأحاديث أخر وليس في هذه المسألة خلاف لكون ~~المدفون فيها واحدا وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد هل ~~حدها ثلاثة أقبر أو ينهى عن الصلاة عند القبر الفذ وإن لم يكن عنده قبر آخر ~~على وجهين # ثم يتغلظ النهي إن كانت البقعة مغصوبة مثل ما بني على قبر بعض العلماء ~~PageV01P330 أو الصالحين أو غيرهم ممن كان مدفونا في مقبرة مسبلة فبني على ~~قبره مسجدا أو مدرسة أو رباطا أو مشهدا وجعل فيها مطهرة أو لم يجعل فإن هذا ~~مشتمل على أنواع من المحرمات # أحدها أن المقبرة المسبلة لا يجوز الانتفاع بها في غير الدفن من غير ~~تعويض بالاتفاق فبناء المسجد أو المدرسة أو الرباط فيها كدفن الميت في ~~المسجد أو كبناء الخانات ونحوها في المقبرة أو كبناء المسجد في الطريق الذي ~~يحتاج الناس إلى المشي فيه # الثاني اشتمال غالب ذلك على نبش قبور المسلمين وإخراج عظام موتاهم كما قد ~~علم ذلك في كثير من هذه المواضع # الثالث أنه قد روى مسلم في صحيحه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى أن ms272 يبنى على القبور # الرابع أن بناء المطاهر التي هي محل النجاسات بين مقابر المسلمين من أقبح ~~ما تجاور به القبور لا سيما إن كان محل المطهرة قبر رجل مسلم # الخامس اتخاذ القبور مساجد وقد تقدم بعض النصوص المحرمة لذلك # السادس الإسراج على القبور وقد لعن صلى الله عليه وسلم من يفعل ذلك # السابع مشابهة أهل الكتابين في كثير من الأقوال والأفعال والسنن بهذا ~~السبب كما هو الواقع إلى غير ذلك من الوجوه # وقد كانت البنية التي على قبر إبراهيم عليه السلام مسدودة لا يدخل إليها ~~إلى حدود المائة الرابعة فقيل إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك ~~مناما فنقبت لذلك # وقيل إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نقبوا ذلك ثم ترك ذلك مسجدا ~~بعد الفتوح المتأخرة # وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية وينهون ~~PageV01P331 أصحابهم عن الصلاة فيها اتباعا لأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واتقاء لمعصيته كما تقدم # وكذلك إيقاد المصابيح في هذه المشاهد مطلقا لا يجوز بلا خلاف أعلمه للنهي ~~الوارد ولا يجوز الوفاء بما ينذ لها من دهن وغيره بل موجبه موجب نذر ~~المعصية # ومن ذلك الصلاة عندها وإن لم يبن هناك مسجد فإن ذلك أيضا اتخاذها مسجدا ~~كما قالت عائشة رضي الله عنها ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدا ~~ولم تقصد عائشة رضي الله عنها مجرد بناء مسجد فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا ~~حول قبره مسجدا وإنما قصدت أنهم خشوا أن الناس يصلون عند قبره وكل موضع ~~قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا بل كل موضع يصلى فيه فإنه يسمى مسجدا وإن ~~لم يكن هناك بناء كما قال صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا # وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأرض كلها ~~مسجد إلا المقبرة والحمام رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار ~~وغيرهم بأسانيد جيدة ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه # واعلم أن من الفقهاء ms273 من اعتقد أن سبب كراهة الصلاة في المقبرة ليس إلا ~~لكونها مظنة النجاسة لما يختلط بالتراب من صديد الموتى وبنى على هذا ~~الإعتقاد الفرق بين المقبرة الجديدة والعتيقة وبين أن يكون بينه وبين ~~التراب حائل أولا يكون ونجاسة الأرض مانعة من الصلاة عليها سواء كانت مقبرة ~~أو لم تكن لكن المقصود الأكبر بالنهي عن الصلاة عند القبور ليس هو هذا فإنه ~~قد بين أن اليهود والنصارى كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره ~~مسجدا وقال لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما ~~فعلوا وروى عنه أنه قال اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد PageV01P332 غضب ~~الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ~~ولكن كره أن يتخذ مسجدا وقال إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ~~ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهى عن ذلك # فهذا كله يبين لك أن السبب ليس هو مظنة النجاسة وإنما هو مظنة اتخاذها ~~أوثانا كما قال الشافعي رضي الله عنه وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره ~~مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس # وقد ذكر هذا المعنى أبو بكر الأثرم في ناسخ الحديث ومنسوخه وغيره من ~~أصحاب أحمد وسائر العلماء # فإن قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو الرجل الصالح لم يكن ينبش القبر ~~الواحد لا نجاسة عليه # وقد نبه هو صلى الله عليه وسلم على العلة بقوله اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد وبقوله إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فلا تتخذوها مساجد ~~وأولئك إنما كانوا يتخذون قبورا لا نجاسة عندها ولأنه قد روى مسلم في صحيحه ~~عن أبي مرثد الغنوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تصلوا إلى القبور ~~ولا تجلسوا عليها ولأنه صلى الله عليه وسلم قال كانوا إذا مات فيهم الرجل ~~الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند ~~الله يوم القيامة # فجمع بين التماثيل والقبور # وأيضا ms274 فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك وقد ذكروا ~~أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح ~~عليهما السلام # فروى محمد بن جرير بإسناده إلى الثوري عن موسى عن محمد بن قيس ويعوق ~~ونسرا قال كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح عليهما السلام وكان لهم أتباع ~~PageV01P333 يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو ~~صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء ~~آخرون دب إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم ~~قال قتادة وغيره كانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح ثم اتخذها العرب بعد ذلك # وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في ~~الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم ~~الصالحين وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك فلأن يشرك بقبر ~~الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله ~~ولهذا تجد أقواما كثيرين يتضرعون عندها ويتخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا ~~يعبدونها في المسجد بل ولا في السحر ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون من ~~بركة الصلاة عندها والدعاء مالا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال # فهذه المفسدة التي هي مفسدة الشرك كبيره وصغيره هي التي حسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا وإن لم يقصد ~~المصلي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة ونحو ذلك ~~كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها لأنها الأوقات التي ~~يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها فنهى المسلم عن الصلاة حينئذ وإن لم ~~يقصد ذلك سدا للذريعة # فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء أو بعض الصالحين متبركا ~~بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله والمخالفة لدينه ~~وابتداع دين لم يأذن الله به فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه ~~بالاضطرار ms275 من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن الصلاة عند القبر أي ~~قبر كان لافضل فيها لذلك ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلا بل مزية ~~شر PageV01P334 # واعلم أن تلك البقعة وإن كان قد تنزل عندها الملائكة والرحمة ولها فضل ~~وشرف ولكن دين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه # فإن النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم وعبدوا تماثيلهم واليهود استخفوا ~~بهم حتى قتلوهم والأمة الوسط عرفوا مقاديرهم فلم يغلوا فيهم غلو النصارى ~~ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه لا ~~تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم وإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ~~ورسوله # فإذا قدر أن الصلاة هناك توجب من الرحمة أكثر من الصلاة في غير ذلك ~~البقعة كانت المفسدة الناشئة من الصلاة هناك تربوا على هذه المصلحة حتى ~~تغمرها أو تزيد عليها بحيث تصير الصلاة هناك مذهبة لتلك الرحمة ومثبتة لما ~~يوجب اللعنة والعذاب ومن لم تكن له بصيرة يدرك بها الفساد الناشيء من ~~الصلاة عندها فيكفيه أن يقلد الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لولا أن ~~الصلاة عندها مما غلبت مفسدته على مصلحته لما نهى عنه كما نهى عن الصلاة ~~PageV01P335 في الأوقات الثلاثة وعن صوم يومي العيدين بل كما حرم الخمر ~~فإنه لولا أن فسادها غالب على ما فيها من المنفعة لما حرمها وكذلك تحريم ~~القطرة منها ولولا غلبة الفساد فيها على الصلاح لما حرمها # وليس على المؤمن ولا له أن يطالب الرسل بتبيين وجوه المفاسد وإنما عليه ~~طاعتهم قال الله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله @QE@ ~~وقال @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ # وإنما حقوق الأنبياء في تعزيرهم وتوقيرهم ومحبتهم محبة مقدمة على النفس ~~والمال والأهل وإيثار طاعتهم ومتابعة سننهم ونحو ذلك من الحقوق التي من قام ~~بها لم يقم بعبادتهم والإشراك بهم كما أن عامة من يشرك بهم شركا أكبر أو ~~أصغر يترك ما يجب عليه من طاعتهم بقدر ماابتدعه من الإشراك ms276 بهم # وكذلك حقوق الصديقين المحبة والإجلال ونحو ذلك من الحقوق التي جاء بها ~~الكتاب والسنة وكان عليها سلف الأمة # وقد اختلف الفقهاء في الصلاة في المقبرة هل هي محرمة أو مكروهة وإذا قيل ~~محرمة فهل تصح مع التحريم أم لا # المشهور عندنا أنها محرمة لا تصح # ومن تأمل النصوص المتقدمة تبين له أنها محرمة بلا شك وأن صلاته عندها لا ~~تصح # وليس الغرض هنا تقرير المسائل المشهورة فإنها معروفة إنما الغرض التنبيه ~~على ما يخفى من غيره # فمما يدخل في هذا قصد القبور للدعاء عندها أو لها فإن الدعاء عند القبور ~~وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين # أحدهما أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها كمن ~~PageV01P336 يدعو الله في طريقه ويتفق أن يمر بالقبور أو من يزورها فيسلم ~~عليها ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنة فهذا ونحوه لا بأس ~~به # الثاني أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في ~~غيره فهذا النوع منهي عنه إما نهي تحريم أو تنزيه وهو إلى التحريم أقرب ~~والفرق بين البابين ظاهر # فإن الرجل لو كان يدعو الله واجتاز في ممره بصنم أو صليب أو كنيسة أو كان ~~يدعو في بقعة وكان هناك بقعة فيها صليب وهو عنه ذاهل أو دخل إلى كنيسة ~~ليبيت فيها مبيتا جائزا ودعا الله في الليل أو بات في بيت بعض أصدقائه ودعا ~~الله لم يكن بهذا بأس # ولو تحرى الدعاء عند صنم أو صليب أو كنيسة يرجو الإجابة بالدعاء في تلك ~~البقعة لكان هذا من العظائم بل لو قصد بيتا أو حانوتا في السوق أو بعض ~~عواميد الطرقات يدعو عندها يرجو الإجابة بالدعاء عندها لكان هذا من ~~المنكرات المحرمة إذ ليس للدعاء عندها فضل # فقصد القبور للدعاء عندها من هذا الباب بل هو أشد من بعضه لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن اتخاذها مساجد وعن اتخاذها عيدا وعن الصلاة عندها ~~بخلاف كثير من هذه المواضع # وما ms277 يرويه بعض الناس من أنه قال إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل ~~القبور أو نحو هذا فهو كلام موضوع مكذوب باتفاق العلماء # والذي يبين ذلك أمور # أحدها أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم لأجلها عن ~~الصلاة عندها إنما هو لئلا تتخذ ذريعة إلى نوع الشرك بقصدها وبالعكوف عليها ~~وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة PageV01P337 # ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة فيدعو لاستجلاب ~~خير كالاستسقاء أو لدفع شر كالاستنصار فحاله بافتتانه بالقبور إذا رجا ~~الإجابة عندها أعظم من حال من يؤدي الفرض عندها في حال العافية # فإن أكثر المصلين في حال العافية لا تكاد تفتن قلوبهم بذلك إلا قليلا أما ~~الداعون المضطرون ففتنتهم بذلك عظيمة جدا فإذا كانت المفسدة والفتنة التي ~~لأجلها نهى عن الصلاة عندها متحققة في حال هؤلاء كان نهيهم عن ذلك أوكد ~~وأوكد وهذا واضح لمن فقه في دين الله فتبين له ما جاءت به الحنفية من الدين ~~الخالص لله وعلم كمال سنة إمام المتقين في تجريد التوحيد ونفي الشرك بكل ~~طريق # الثاني أن قصد القبور للدعاء عندها ورجاء الإجابة بالدعاء هناك رجاء أكثر ~~من رجاءها بالدعاء في غير ذلك الموطن أمر لم يشرعه الله ولا رسوله ولا فعله ~~أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة المسلمين ولا ذكره أحد من العلماء ~~والصالحين المتقدمين بل أكثر ما ينقل من ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة ~~الثانية وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجدبوا مرات ودهمتهم نوائب ~~غير ذلك فهلا جاءوا فاستسقوا واستغاثوا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل خرج عمر بالعباس فاستسقى به ولم يستسق عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل قد روى عن عائشة رضي الله عنها أنها كشفت عن قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم لينزل المطر فإنه رحمة تنزل على قبره ولم تستسق عنده ولا استغاثت هناك # ولهذا لما بنيت حجرته على عهد التابعين بأبي وهو وأمي صلى الله ms278 عليه وسلم ~~تركوا في أعلاها كوة إلى السماء وهي إلى الآن باقية فيها موضوع عليها شمع ~~على أطرافه حجارة تمسكه وكان السقف بارزا إلى السماء وبنى ذلك لما احترق ~~المسجد والمنبر سنة بضع وخمسين وستمائة وظهرت النار بأرض الحجاز التي أضاءت ~~لها أعناق الإبل ببصرى وجرب بعدها فتنة التتر ببغداد وغيرها PageV01P338 # ثم عمر المسجد والسقف كما كان وأحدث حول الحجرة الحائط الخشبي ثم بعد ذلك ~~بسنين متعددة بنيت القبة على السقف وأنكرها من أن كرها # على أنا قد روينا في مغازي محمد بن إسحاق من زيادات يونس بن بكير عن أبي ~~خلدة خالد بن دينار حدثنا أبو العالية قال لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال ~~الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له فأخذنا المصحف فحملناه إلى ~~عمر رضي الله عنه فدعا له كعبا فنسخه بالعربية فأنا أول رجل من العرب قرأه ~~قراءة مثل ما قرأ القرآن هذا فقلت لأبي العالية ما كان فيه فقال سيرتكم ~~وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد قلت فما صنعتم بالرجل قال حفرنا ~~بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها ~~لنعميه على الناس لا ينبشونه فقلت ما كانوا يرجون منه قال كانت السماء إذا ~~حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون فقلت من كنتم تظنون الرجل قال رجل يقال له ~~دانيال فقلت منذ كم وجدتموه مات قال منذ ثلاثمائة سنة قلت ما كان تغير منه ~~شيء قال لا إلا شعيرات من قفاه إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا ~~تأكلها السباع # ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به ~~الناس وهو إنكار منهم لذلك # ويذكرون أن قبر أبي أيوب الأنصاري عند أهل القسطنطينية كذلك ولا قدوة بهم ~~فقد كان من قبور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمصار عدد كثير ~~وعندهم التابعون ومن بعدهم من الأئمة وما استغاثوا عند قبر صحابي قط ولا ~~استسقوا عنده ولا به ولا استنصروا عنده ولا به # ومن ms279 المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله بل على نقل ما ~~هو دونه PageV01P339 # ومن تأمل كتب الآثار وعرف حال السلف تيقن قطعا أن القوم ما كانوا يستغيون ~~عند القبور ولا يتحرون الدعاء عندها أصلا بل كانوا ينهون عن ذلك من يفعله ~~من جهالهم كما قد ذكرنا بعضه # فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها أفضل منه في غير تلك البقعة أولا يكون # فإن كان أفضل لم يجز أن يخفى علم هذا على الصحابة والتابعين وتابعيهم ~~فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم ويعلمه من بعدهم ولم ~~يجز أن يعلموا ما فيه من الفضل ويزهدوا فيه مع حرصهم على كل خير لا سيما ~~الدعاء فإن المضطر يتشبث بكل سبب وإن كان فيه نوع كراهة فكيف يكونون مضطرين ~~في كثير من الدعاء وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور ثم لا يقصدونه هذا ~~محال طبعا وشرعا # وإن لم يكن الدعاء عندها أفضل كان قصد الدعاء عندها ضلالة ومعصية كما لو ~~تحرى الدعاء وقصده عند سائر البقاع التي لا فضيلة للدعاء عندها من شطوط ~~الأنهار ومغارس الأشجار وحوانيت الأسواق وجوانب الطرقات ومالا يحصي عدده ~~إلا الله # وهذا قد دل عليه كتاب الله في مواضع مثل قوله تعالى @QB@ أم لهم شركاء ~~شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ فإذا لم يشرع الله استحباب ~~الدعاء عند المقابر ولا وجوبه فمن شرعه فقد شرع من الدين مالم يأذن به الله # وقال تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون @QE@ وهذه العبادة عند المقابر نوع من أن يشرك بالله ~~مالم ينزل به سلطانا لأن الله لم ينزل حجة تتضمن استحباب قصد الدعاء عند ~~القبور وفضله PageV01P340 على غيره ومن جعل ذلك من دين الله فقد قال على ~~الله مالا يعلم # وما أحسن قول الله @QB@ ما لم ينزل به سلطانا @QE@ لئلا يحتج ms280 بالمقاييس ~~والحكايات # ومثل هذا قوله تعالى في حكايته عن الخليل @QB@ وحاجه قومه قال أتحاجوني ~~في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل ~~شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ~~ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم @QE@ # فإن هؤلاء المشركين الشرك الأكبر والأصغر يخوفون المخلصين بشفعائهم فيقال ~~لهم نحن لا نخاف هؤلاء الشفعاء الذين لكم فإنهم خلق من خلق الله لا يضرون ~~إلا بعد مشيئة الله فمن مسه الله بضر فلا كاشف له إلا هو ومن أصابه برحمة ~~فلا راد لفضله وكيف نخاف هؤلاء المخلوقين الذين جعلتموهم شفعاء وأنتم لا ~~تخافون الله وأنتم قد أحدثتم في دينه من الشرك مالم ينزل به وحيا من ~~PageV01P341 السماء فأي الفريقين أحق بالأمن من كان لا يخاف إلا الله ولم ~~يبتدع في دينه شركا أم من ابتدع في دينه شركا بغير إذنه بل من آمن ولم يخلط ~~إيمانه بشرك فهؤلاء هم الذين لهم الأمن وهم مهتدون # وهذه الحجة المستقيمة التي يرفع الله بها وبأمثالها أهل العلم درجات # فإن قيل قد نقل عن بعضهم أنه قال قبر معروف الترياق المجرب وروي عن معروف ~~أنه أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره وذكر أبو علي الخرقي في قصص من هجره ~~أحمد أن بعض هؤلاء المهجورين كان يجيء إلى عند قبر أحمد ويتوخى الدعاء عنده ~~وأظنه ذكر ذلك المروزي ونقل عن جماعات بأنهم دعوا عند قبور جماعات من ~~الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم فاستجيب لهم الدعاء وعلى هذا عمل ~~كثير من الناس # وقد ذكر المتأخرون المصنفون في مناسك الحج إذا زار قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنه يدعو عنده # وذكر بعضهم أن من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ودعا ms281 استجيب له # وذكر بعض الفقهاء في حجة من يجوز القراءة على القبر أنها بقعة يجوز ~~السلام والذكر والدعاء عندها فجازت القراءة عندها كغيرها # وقد رأى بعضهم منامات في الدعاء عند قبر بعض الأشياخ وجرب أقوام استجابة ~~الدعاء عند قبور معروفة كقبر الشيخ أبي الفرج الشيرازي المقدسي وغيره # وقد أدركنا في أزمامنا وما قاربها من ذي الفضل عند الناس علما وعملا من ~~كان يتحرى الدعاء عندها والعكوف عليها وفيهم من كان بارعا في العلم وفيهم ~~من له عند الناس كرامات فكيف يخالف هؤلاء # وإنما ذكرت هذا السؤال مع بعده عن طريق أهل العلم والدين لأنه غاية ما ~~يتمسك به القبوريون PageV01P342 # قلنا الذي ذكرنا كراهته لم ينقل في استحبابه فيما علمناه شيء ثابت عن ~~القرون الثلاثة التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال خير ~~أمتي القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم مع شدة المقتضى ~~عندهم لذلك لو كان فيه فضيلة فعدم أمرهم وفعلهم لذلك مع قوة المقتضى لو كان ~~فيه فضل يوجب القطع بأن لا فضل فيه # وأما من بعد هؤلاء فأكثر ما يفرض أن الأمة اختلفت فصار كثير من العلماء ~~والصديقين إلى فعل ذلك وصار بعضهم إلى النهي عن ذلك فإنه لا يمكن أن يقال ~~اجتمعت الأمة على استحسان ذلك لوجهين # أحدهما أن كثيرا من الأمة كره ذلك وأنكره قديما وحديثا # الثاني أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسنا لفعله ~~المتقدمون ولم يفعلوه فإن هذا من باب تناقض الاجماعات وهي لا تتناقض وإذا ~~اختلف فيه المتأخرون فالفاصل بينهم هو الكتاب والسنة وإجماع المتقدمين نصا ~~واستنباطا # فكيف وهذا والحمد لله لم ينقل هذا عن إمام معروف ولا عالم متبع بل ~~المنقول في ذلك إما أن يكون كذبا على صاحبه مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي ~~رحمه الله أنه قال إذا نزلت بي شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة رحمه الله ~~فأجاب أو كلاما هذا معناه وهذا كذب معلوم ms282 كذبه بالاضطرار عند من له أدنى ~~معرفة بالنقل # فإن الشافعي لما قدم ببغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة ~~بل ولم يكن هذا على عهد االشافعي معروفا وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن ~~والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها ~~عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء فما باله لم يتوخ ~~الدعاء إلا عند قبر أبي حنيفة # ثم أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن ~~PageV01P343 ابن زياد وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند قبر أبي ~~حنيفة ولا غيره # ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور الصالحين ~~خشية الفتنة بها # وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه # وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف ونحن لو روى لنا ~~مثل هذه الحكايات المسيبة أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى لما جاز التمسك بها ~~حتى تثبت فكيف بالمنقول عن غيره # ومنها ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله باجتهاد يخطئ فيه ويصيب أو قاله ~~بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه فحرف النقل عنه كما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما أذن في زيارة القبور بعد النهي عنها فهم المبطلون أن ~~ذلك هو الزيارة التي يفعلونها من حجها للصلاة عندها والاستغاثة بها # ثم سائر هذه الحجج دائر بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به أو قياس لا يجور ~~استحباب العبادات بمثله مع العلم بأن الرسول لم يشرعها وتركه لها مع قيام ~~المقتضي للفعل بمنزلة فعله وإنما تثبت العبادات بمثل هذه الحكايات ~~والمقاييس من غير نقل عن أبناء النصارى وأمثالهم وإنما المتبع عند علماء ~~الإسلام في إثبات الأحكام هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وسبيل السابقين أو الأولين ولا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول ~~الثلاثة نصا استنباطا بحال # والجواب عنها من وجهين مجمل ومفصل # أما المجمل فالنقض فإن اليهود والنصارى عندهم ms283 من الحكايات والقياسات من ~~هذا النمط كثير بل المشركون الذين بعث اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا كما قد يستجاب لهؤلاء أحيانا ~~وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة PageV01P344 # فإن كان هذا وحده دليلا على أن يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل وذلك كفر ~~متناقض # ثم إنك تجد كثيرا من هؤلاء الذين يستغيثون عند قبر أو غيره كل منهم قد ~~اتخذ وثنا وأحسن الظن به وأساء الظن بآخر وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب ~~عنده ولا يستجاب عند غيره فمن المحال إصابتهم جميعا وموافقة بعضهم دون بعض ~~تحكم وترجع بلا مرجح والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد # فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم ~~وانصرافهم عن غيره وموافقتهم جميعا فيما يثبتونه دون ما ينفونه بضعف ~~التأثير على زعمهم فإن الواحد إذا أحسن للظن بالإجابة عند هذا وهذا لم يكن ~~تأثره مثل تأثر من حسن الظن بواحد دون آخر وهذا كله من خصائص الأوثان # ثم قد استجيب لبلعم بن باعوراء في قوم موسى المؤمنين وسلبه الله الإيمان # والمشركون قد يستسقون فيسقون ويستنصرون فينصرون # وأما الجواب المفصل فنقول # مدار هذه الشبهة على أصلين # منقول وهو ما يحكى من نقل هذا الدعاء عن بعض الأعيان # ومعقول وهو ما يعتقد من منفعته بالتجارب والأقيسة # فأما النقل في ذلك فإما كذب أو غلط وليس بحجة بل قد ذكرنا النقل عمن ~~يقتدى به بخلاف ذلك # وأما المعقول فنقول عامة المذكور من المنافع كذب فإن هؤلاء الذين يتحرون ~~الدعاء عند القبور وأمثالهم إنما يستجاب لهم في النادر ويدعو الرجل منهم ما ~~شاء الله من دعوات فيستجاب له في واحدة ويدعو خلق كثير منهم فيستجاب للواحد ~~بعد الواحد وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء في أوقات PageV01P345 الأسحار ~~ويدعون الله في سجودهم وأدبار صلواتهم وفي بيوت الله فإن هؤلاء إذا ابتهلوا ~~ابتهالا من جنس القبوريين لم تكد تسقط لهم دعوة إلا لمانع بل الواقع أن ~~الابتهال ms284 الذي يفعله القبوريون إذا فعله المخلصون لم يرد المخلصون إلا ~~نادرا ولم يستجب للقبوريين إلا نادرا والمخلصون كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه ~~الله بها إحدى خصال ثلاث إما أن يعجل الله له دعوته أو يدخر له من الخير ~~مثلها أو يصرف عنه من الشر مثلها قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال الله ~~أكثر # فهم في دعائهم لا يزالون بخير # وأما القبوريون فإنهم إذا استجيب لهم نادرا فإن أحدهم يضعف توحيده ويقل ~~نصيبه من ربه ولا يجد في قلبه من ذوق طعم الإيمان وحلاوته ما كان يجده ~~السابقون الأولون ولعله لا يكاد يبارك له في حاجته اللهم إلا أن يعفو الله ~~عنهم لعدم علمهم بأن ذلك بدعة فإن المجتهد إذا أخطأ أثابه الله على اجتهاده ~~وغفر له خطأه # وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرا في العالم وهي محرمة في الشرع ~~كالتمريجات الفلكية والتوجهات النفسانية كالعين والدعاء المحرم والرقي ~~المحرمة والتمريجات الطبيعية ونحو ذلك فإن مضرتها أكثر من منفعتها حتى في ~~نفس ذلك المطلوب فإن هذه الأمور لا يطلب بها غالبا إلا أمور دنيوية فقل أن ~~يحصل لأحد بسببها أمر دنيوي إلا كانت عاقبته فيه في الدنيا عاقبة ~~PageV01P346 خبيثة دع الآخرة والمخبل من أهل هذه الأسباب أضعاف أضعاف ~~المنجح ثم إن فيها من النكد والضرر ما الله به عليم فهي في نفسها مضرة لا ~~يكاد يحصل الغرض بها إلا نادرا وإذا حصل فضرره أكثر من منفعته والأسباب ~~المشروعة في حصول هذه المطالب المباحة أو المستحبة سواء كانت طبيعية ~~كالتجارة والحراثة أو كانت دينية كالتوكل على الله والثقة به وكدعاء الله ~~سبحانه على الوجه المشروع في الأمكنة والأزمنة التي فضلها الله ورسوله ~~بالكلمات المأثورة عن إمام المتقين صلى الله عليه وسلم كالصدقة وفعل ~~المعروف يحصل بها الخير المحض أو الغالب وما يحصل من ضرر بفعل مشروع أو ترك ~~غير مشروع مما نهى عنه فإن ذلك ms285 الضرر مكثور في جانب ما يحصل من المنفعة # وهذا الأمر كما أنه قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع فهو ايضا معقول ~~بالتجارب المشهورة والأقيسة الصحيحة فإن الصلاة والزكاة يحصل بهما خير ~~الدنيا والآخرة ويجلبان كل خير ويدفعان كل شر # فهذا الكلام في بيان أنه لا يحصل بتلك الأسباب المحرمة لا خير محض ولا ~~غالب ومن كان له خبرة بأحوال العالم وعقل تيقن ذلك يقينا لا شك فيه # وإذا ثبت ذلك فليس علينا من سبب التأثير أحيانا فإن الأسباب التي يخلق ~~الله بها الحوادث في الأرض والسماء لا يحصيها على الحقيقة إلا هو أما ~~أعيانها فيلا ريب وكذلك أنواعها أيضا لا يضبطها المخلوق لسعة ملكوت الله ~~سبحانه وتعالى ولهذا كانت طريقة الأنبياء عليهم السلام أنهم يأمرون الخلق ~~بما فيه صلاحهم وينهونهم عما فيه فسادهم ولا يشغلونهم بالكلام في أسباب ~~الكائنات كما تفعل المتفلسفة فإن ذلك كثير التعب قليل الفائدة أو موجب ~~للضرر # ومثل النبي صلى الله عليه وسلم مثل طبيب دخل على مريض فرأى مرضه ~~PageV01P347 فعلمه فقال له اشرب كذا واجتنب كذا ففعل ذلك فحصل غرضه من ~~الشفاء # والمتفلسف يطول معه الكلام في سبب ذلك المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه ولو ~~قال له مريض فما الذي يشفيني منه لم يكن له بذلك علم تام # على أن الكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف ~~عقله ودينه بحيث يختلط عقله فيتوله إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب ~~له الهدى واليقين # ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال فلا منفعة فيه أو ~~أنه وإن أثر فضرره أكثر من نفعه # ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد ~~يكون مضطرا اضطرارا لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له لصدق توجهه ~~إلى الله وإن كان تحري الدعاء عند الوثن شركا ولو استجيب له على يد المتوسل ~~به صاحب القبر أو غيره لاستغاثته فإنه يعاقب على ذلك ms286 ويهوي في النار إذا لم ~~يعف الله عنه كما لو طلب من الله ما يكون فتنة له كما أن ثعلبة لما سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بكثرة المال ونهاه النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته حتى دعا له وكان ذلك سبب شقائه في ~~الدنيا والآخرة وقد قال صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليسألني المسألة ~~فأعطيه إياها فيخرج بها يتأبطها نارا فقالوا يا رسول الله فلم تعطيهم قال ~~يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل # فكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء وكانت سبب هلاكه ~~في الدنيا والآخرة # تارة بأن يسأل مالا تصلح له مسألته كما فعل بلعام وثعلبة كخلق كثير دعوا ~~بأشياء فحصلت لهم وكان فيها هلاكهم PageV01P348 # وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله كما قال سبحانه @QB@ ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين @QE@ فهو سبحانه لا يحب المعتدين في ~~صفة الدعاء ولا في المسئول وإن كانت حاجتهم قد تقضى كأقوام ناجوا الله في ~~دعواتهم بمناجاة فيها جرأة على الله واعتداء لحدوده وأعطوا طلبتهم فتنة ~~ولما يشاء الله سبحانه بل أشد من ذلك # ألست ترى السحر والطلسمات والعين وغير ذلك من المؤثرات في العالم بإذن ~~الله قد يقضي الله بها كثيرا من أغراض النفوس الشريرة ومع هذا فقد قال ~~سبحانه @QB@ ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا ~~به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير ~~لو كانوا يعلمون @QE@ فإنهم معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة وأن صاحبه خاسر ~~في الآخرة وإنما يتشبثون بمنفعته في الدنيا وقد قال تعالى @QB@ ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم @QE@ # كذلك أنواع من الداعين والسائلين قد يكون يدعون دعاء محرما لهم معه ذلك ~~الغرض ويورثهم ضررا أعظم منه وقد يكون الدعاء مكروها ويستجاب له أيضا # ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي وقد لا يعلمه ms287 على وجه لا يعذر ~~فيه لتقصيره في طلب العلم أو تركه للحق وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه بأن ~~يكون فيه مجتهدا أو مقلدا كالمقلد أو المجتهد اللذان يعذران في سائر ~~الأعمال وغير المعذور قد يتجاوز الله عنه في ذلك الدعاء لكثرة حسناته من ~~صدق قصده أو لمحض رحمة الله به أو نحو ذلك من الأسباب # فالحاصل أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة شرعية بمنزلة سائر أنواع ~~العبادات # وقد علم أن العبادة المشتملة على وصف مكروه قد تغفر تلك الكراهة ~~PageV01P349 لصاحبها لاجتهاده أو تقليده أو حسناته أو غير ذلك ثم ذلك لا ~~يمنع أن يعلم أن ذلك مكروه ينهى عنه وإن كان هذا الفاعل المعين قد زال موجب ~~الكراهة في حقه # ومن هنا يغلط كثير من الناس فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين ~~عبدوا عبادة أو دعوا دعاء وجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء فيجعلون ذلك ~~دليلا على استحسان تلك العبادة والدعاء ويجعلون ذلك العمل سنة كأنه قد فعله ~~نبي وهذا غلط لما ذكرناه خصوصا إذا كان ذلك العمل إنما كان أثره بصدق قام ~~بقلب فاعله حين الفعل ثم تفعله الأتباع صورة لا صدقا فيضربون به لأنه ليس ~~العمل مشروعا فلا يكون لهم الثواب المتبعين ولا قام بهم صدق ذلك الفاعل ~~الذي لعله بصدق الطلب وصحة القصد يكفر عن الفاعل # ومن هذا الباب ما يحكى من آثار لبعض الشيوخ حصلت في السماع المبتدع فإن ~~تلك الآثار إنما كانت عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال حركها محرك كانوا ~~في سماعه إما مجتهدين وإما مقصرين تقصيرا غمره حسنات قصدهم فيأخذ الأتباع ~~حضور صورة السماع حضور أولئك الرجال سنة تتبع وليس مع المقلدين من الصدق ~~والقصد ما لأجله عذروا أو غفر لهم فيهلكون بذلك # وكما يحكى عن بعض الشيوخ أنه رؤي بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال ~~أوقفني بين يديه وقال لي يا شيخ السوء أنت الذي كنت تتمثل بسعدي ولبني لولا ~~أعلم أنك صادق لعذبتك ms288 # فإذا سمعت دعاء أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها فاعلم أن ~~كثيرا منها ما يكون من هذا الباب # ولهذا كان الأئمة العلماء بشريعة الله يكرهون هذا من أصحابهم وإن وجد ~~PageV01P350 أصحابهم أثره كما يحكى عن سحنون المحب قال وقع في قلبي شيء من ~~هذه الآيات فجئت إلى دجلة فقلت وعزتك لا أذهب حتى يخرج لي حوت فخرج حوت ~~عظيم أو كما قال فبلغ ذلك الجنيد فقال كنت أحب أن تخرج إليه حية فتقتله # وكذلك حكي لنا أن بعض المجاورين بالمدينة جاء إلى قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فاشتهى عليه نوعا من الأطعمة فجاء بعض الهاشميين إليه فقال إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليك هذا وقال لك اخرج من عندنا فإن من يكون ~~عندنا لا يشتهي مثل هذا # وآخرون قضيت حوائجهم ولم يقل لهم مثل هذا لاجتهادهم أو تقليدهم أو قصورهم ~~في العلم فإنه يغفر للجاهل مالا يغفر لغيره كما يحكى عن برخ العابد الذي ~~استسقى في بني إسرائيل # ولهذا عامة ما يحكى في هذا الباب إنما هو عن قاصري المعرفة ولو كان هذا ~~شرعا أو دينا لكان أهلالمعرفة أولى به # ولا يقال هؤلاء لما نقصت معرفتهم ساغ لهم ذلك فإن الله لم يسوغ هذا لأحد ~~لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة # أما استحباب المكروهات أو إباحة المحرمات فلا فرق بين العفو عن الفاعل ~~PageV01P351 والمغفرة له وبين إباحة فعله أو المحبة له سواء كان ذلك متعلقا ~~بنفس الفعل أو ببعض صفاته # وقد علمت جماعة ممن سأل حاجة من بعض المقبورين من الأنبياء والصالحين ~~فقضيت حاجته وهو لا يخرج عما ذكرته وليس ذلك بشرع فيتبع ولا سنة # وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله وسنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وما كان عليه السابقون الأولون وما سوى ذلك من الأمور ~~المحدثة فلا يستحب وإن اشتملت أحيانا على فوائد لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة ~~على فوائدها # ثم هذا التحريم والكراهة المقترنة بالأدعية المكروهة إما ms289 من جهة المطلوب ~~وإما من جهة نفس الطلب وكذلك الاستعاذة المحرمة أو المكروهة فكراهتها إما ~~من جهة المستعاذ منه وإما من جهة نفس الاستعاذة فينجون من ذلك الشر ويقعون ~~فيما هو أعظم # وأما المطلوب المحرم فمثل أن يسأل الله ما يضره في دنياه أو آخرته وإن ~~كان لا يعلم أنه يضره فيستجاب له كالرجل الذي عاده النبي صلى الله عليه ~~وسلم فوجده مثل الفرخ فقال هل كنت تدعو الله بشيء قال كنت أقول اللهم ما ~~كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا قال سبحان الله إنك لا ~~تستطيعه أو لا تطيقه هلا قلت ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار وكأهل جابر بن عتيك لما مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون # وقد عاب الله على من يقتصر على طلب الدنيا بقوله @QB@ فمن الناس من يقول ~~ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق @QE@ فأخبر أن من لم يطلب ~~إلا الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب PageV01P352 # ومثل أن يدعو على غيره دعاء منهيا عنه كدعاء بلعام بن باعوراء على قوم ~~موسى عليه السلام وهذا قد يبتلى به كثير من العباد أرباب القلوب فإنه قد ~~يغلب على أحدهم ما يجده من حب أو بغض لأشخاص فيدعوا لأقوام وعلى أقوام بما ~~لا يصلح فيستجاب له ويستحق العقوبة على ذلك الدعاء كما يستحقها على سائر ~~الذنوب فإن لم يحصل له ما يمحو ذلك من توبة أو حسنات ماحية أو شفاعة غيره ~~أو غير ذلك وإلا فقد يعاقب إما بأن يسلب ما عنده من ذوق طعم الإيمان ووجود ~~حلاوته فينزل عن درجته وإما بأن يسلب عمل الإيمان فيصير فاسقا وإما بأن ~~يسلب أصل الإيمان فيكون كافرا منافقا أو غير منافق # وما أكثر ما يبتلى بهذا المتأخرون من أرباب الأحوال القلبية بسبب عدم ~~فقههم في أحوال قلوبهم وعدم معرفة شريعة الله في أعمال القلوب ms290 وربما غلب ~~على أحدهم حال قلبه حتى لا يمكنه صرفه عما توجه إليه فيبقى ما يخرج منه مثل ~~السهم الخارج من القوس وهذه الغلبة إنما تقع غالبا بسبب التقصير في الأعمال ~~المشروعة التي تحفظ حال القلب فيؤاخذ على ذلك وقد تقع بسبب اجتهاد يخطئ ~~صاحبه فتقع معفوا عنها # ثم من غرور هؤلاء وأشباههم اعتقادهم أن استجابة مثل هذا الدعاء كرامة من ~~الله تعالى لعبده وليس في الحقيقة كرامة وإنما يشبه الكرامة من جهة كونها ~~دعوة نافذة وسلطانا قاهرا وإنما الكرامة في الحقيقة ما نفعت في الآخرة أو ~~نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة وإنما هذا بمنزلة ما ينعم به الله على ~~بعض الكفار والفساق من الرياسات والأموال في الدنيا فإنها إنما تصير نعمة ~~حقيقية إذا لم تضر صاحبها في الآخرة ولهذا اختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء ~~هل ما ينعم به على الكافر نعمة أم ليس بنعمة وإن كان الخلاف لفظيا قال الله ~~تعالى @QB@ أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا ~~يشعرون @QE@ وقال تعالى @QB@ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل ~~شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون @QE@ PageV01P353 ~~وفي الحديث إذا رأيت الله ينعم على العبد مع إقامته على معصيته فإنما هو ~~استدراج يستدرجه به # ومثال هذا في الاستعاذة قول المرأة التي جاءت النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليخطبها فقالت أعوذ بالله منك فقال لقد عذت بمعاذ ثم انصرف عنها فقيل لها ~~إن هذا النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أنا كنت أشقى من ذلك # وأما التحريم من جهة الطلب فيكون تارة لأنه دعاء لغير الله مثل ما يفعله ~~السحرة من مخاطبة الكواكب وعبادتها ونحو ذلك فإنه قد يقضى عقب ذلك أنواع من ~~القضاء إذا لم يعارضه معارض من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم أو غير ذلك ولهذا ~~تنفذ هذه الأمور في زمان فترة الرسل وفي بلاد الكفر والنفاق مالا تنفذ في ~~دار الإسلام وزمانه # ومن هذا أني أعرف ms291 رجالا يستغيثون ببعض الأحياء في شدائد تنزل بهم فيفرج ~~عنهم وربما يعاينون أمورا وذلك الحي المستغاث به لم يشعر بذلك ولا علم له ~~به البتة وفيهم من يدعو على أقوام أو يتوجه في إيذائهم فيرى بعض الأحياء أو ~~بعض الأموات يحول بينه وبين إيذاء أولئك وربما رآه ضاربا له بسيف وإن كان ~~الحي لا شعور له بذلك وإنما ذلك من فعل الله سبحانه بسبب يكون بين المقصود ~~وبين الرجل الدافع من اتباع له وطاعة فيما يأمره من طاعة الله ونحو ذلك ~~فهذا قريب # وقد يجري لعباد الأصنام أحيانا من هذا الجنس المحرم ما يظنون أنه محبة من ~~الله بما تفعله الشياطين لأعوانهم فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من ~~يتيقن أنه لم يسمع الدعاء فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك أو أنه له ~~فيه فعلا وإذا قيل إن الله يفعله بذلك السبب PageV01P354 # فإذا كان السبب محرما لم يجز كالأمراض التي يحدثها الله عقب أكل السموم ~~وقد يكون الدعاء المحرم في نفسه دعاء لغير الله وأن يدعو الله مستشفعا ~~بغيره إليه كما تقول النصارى يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله وقد يكون ~~دعاء لله لكنه توسل إليه بما لا يحب أن يتوسل به إليه كما يفعل المشركون ~~الذين يتوسلون إلى الله بأوثانهم وقد يكون دعا الله بكلمات لا تصلح أن ~~يناجي بها الله أو يدعي بها لما في ذلك من الاعتداء # فهذه الأدعية ونحوها وإن كان قد يحصل لصاحبها أحيانا غرضه لكنها محرمة ~~لما فيها من الفساد الذي يربو على منفعتها كما تقدم ولهذا كانت هذه فتنة في ~~حق من لم يهده الله وينور قلبه فيفرق بين أمر التكوين وأمر التشريع ويفرق ~~بين أمر القدر وأمر الشرع ويعلم أن الأقسام ثلاثة # أمور قدرها الله وهو لا يحبها ولا يرضاها فإن الأسباب المحصلة لهذه تكون ~~محرمة موجبة لعقابه # وأمور شرعها فهو يحبها من العبد ويرضاها ولكن لم يعنه على حصولها # فهذه محمودة عنده مرضية وإن لم توجد # والقسم ms292 الثالث أن يعين الله العبد على ما يحبه منه # فالأول إعانة الله والثاني عبادة الله والثالث جمع له بين العبادة ~~والإعانة كما قال تعالى @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ # فما كان من الدعاء غير المباح ذا اثر فهو من باب الإعانة لا العبادة ~~كدعاء سائر الكفار والمنافقين والفساق ولهذا قال تعالى في مريم @QB@ وصدقت ~~بكلمات ربها وكتبه @QE@ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بكلمات ~~الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر PageV01P355 # ومن رحمة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركا كدعاء غيره أن يفعل أو دعائه ~~أن يدعو الله ونحو ذلك لا يحصل به غرض صاحبه ولا يورث حصول الغرض شبهة إلا ~~في الأمور الحقيرة فأما الأمور العظيمة كإنزال الغيث عند القحوط وكشف ~~العذاب النازل فلا ينفع فيه هذا الشرك كما قال تعالى @QB@ قل أرأيتكم إن ~~أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه ~~تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ~~وكان الإنسان كفورا @QE@ وقال تعالى @QB@ أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء ويجعلكم خلفاء الأرض @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ~~شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا @QE@ # فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه دل على توحيده ~~وقطع شبهة من أشرك به وعلم بذلك أن ما دون هذا أيضا من الإجابات إنما ~~حصولها منه وحده لا شريك له وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة كما أن ~~خلقه للسموات والأرض والرياح والسحاب وغير ذلك من الأجسام العظيمة دل على ~~وحدانيته وأنه خالق كل شيء وأن ما دون ms293 هذا بأن يكون خلقا له أولى إذ هو ~~حاصل عن مخلوقاته العظيمة فخالق السبب التام خالق للمسبب لا محالة # وجماع الأمر أن الشرك نوعان PageV01P356 # شرك في ربوبيته بأن يجعل لغيره معه تدبير إما كما قال سبحانه @QB@ قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير @QE@ فبين أنهم لا يملكون ~~مثقال ذرة استقلالا ولا يشركونه في شيء من ذلك ولا يعينونه على ملكه ومن لم ~~يكن مالكا ولا شريكا ولا عونا فقد انقطعت علاقته # وشرك في الألوهية بأن يدعو غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة كما قال تعالى ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فكما أن إثبات المخلوقات أسباب لا تقدح ~~في توحيد الربوبية ولا تمنع أن الله خالق كل شيء ولا توجب أن يدعي مخلوق ~~دعاء عبادة أو دعاء استغاثة كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره ~~أسبابا لا يقدح في توحيد الإلهية ولا يمنع أن يكون الله هو الذي يستحق ~~الدين الخالص ولا يوجب أن تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك إذ كان ~~الله يسخط ذلك ويعاقب العبد عليه وتكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته ~~إذ قد جعل الله الخير كله في أنا لا نعبد إلا إياه ولا نستعين إلا إياه ~~وعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل الأصيل حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة ~~بدون إذنه كقوله سبحانه @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ وقوله ~~سبحانه @QB@ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ~~ولا شفيع @QE@ وقوله تعالى @QB@ وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من ~~دون الله ولي ولا شفيع @QE@ وكقوله تعالى @QB@ قل أندعو من دون الله ما لا ~~ينفعنا ولا يضرنا @QE@ الآية وكقوله سبحانه @QB@ ولقد جئتمونا فرادى كما ~~خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين ~~زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ms294 ما كنتم تزعمون @QE@ وسورة ~~الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان والتوحيد وكذلك قوله تعالى ~~@QB@ ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ PageV01P357 ~~وقوله سبحانه @QB@ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى @QE@ وقوله تعالى @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا @QE@ وسورة الزمر ~~أصل عظيم في هذا # ومن هذا قوله سبحانه @QB@ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير ~~اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو ~~الخسران المبين يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال ~~البعيد يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير @QE@ وكذلك ~~قوله تعالى @QB@ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون @QE@ والقرآن عامته ~~إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول # وهذا الذي ذكرناه كله من تحريم هذا الدعاء مع كونه قد يؤثر إذا قدر أن ~~هذا الدعاء كان سببا أو جزءا من السبب في حصول طلبته # والناس قد اختلفوا في الدعاء المستعقب لقضاء الحاجات # فزعم قوم من المبطلين متفلسفة ومتصوفة أنه لا فائدة فيه أصلا فإن المشيئة ~~الالهية والأسباب العلوية إما أن تكون قد اقتضت وجود المطلوب وحينئذ فلا ~~حاجة إلى الدعاء أو لا تكون اقتضته وحينئذ فلا ينفع الدعاء # وقال قوم ممن تكلم في العلم بل الدعاء علامة ودلالة على حصول المطلوب ~~وجعلوا ارتباطه بالمطلوب ارتباط الدليل بالمدلول لا ارتباط السبب بالمسبب ~~بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق # والصواب ما عليه الجمهور من أن الدعاء سبب لحصول الخير المطلوب أو غيره ~~كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة وسواء سمي سببا أو شرطا أو جزءا من السبب ~~فالمقصود هنا واحد فإذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه دعاءه والاستعانة ~~PageV01P358 به وجعل استعانته ودعاءه سببا للخير الذي قضاه له كما ms295 قال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء فإذا ~~ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه كما أن الله تعالى إذا أراد أن يشبع عبدا أو ~~يرويه الهمه أن يأكل أو يشرب وإذا أراد أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب ~~فيتوب عليه وإذا أراد أن يرحمه ويدخله الجنة يسره لعمل أهل الجنة والمشيئة ~~الإلهية اقتضت وجود هذه الخيرات بأسبابها المقدرة لها كما اقتضت وجود دخول ~~الجنة بالعمل الصالح ووجود الولد بالوطء والعلم بالتعلم فمبدأ الأمور من ~~الله وتمامها على الله لا أن العبد نفسه هو المؤثر في الرب أو في ملكوت ~~الرب بل الرب سبحانه هو المؤثر في ملكوته وهو جاعل دعاء عبده سببا لما ~~يريده سبحانه من القضاء كما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ~~أرأيت أدوية نتداوى بها ورقي نسترقي بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله ~~شيئا قال هي من قدر الله وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الدعاء ~~والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض # فهذا في الدعاء الذي يكون سببا في حصول المطلوب # وأعلى من هذا ما جاء به الكتاب والسنة من رضا الله وفرحه وضحكه بسبب ~~أعمال عباده الصالحة كما جاءت به النصوص وكذلك غضبه ومقته # وقد بسطنا الكلام في هذا الباب وما للناس فيه من المقالات والاضطراب في ~~غير هذا الموضع # فما فرض من الأدعية المنهي عنها سببا فقد تقدم الكلام عليه # فأما غالب هذه الأدعية التي ليست مشروعة فلا تكون هي السبب في حصول ~~المطلوب ولا جزءا منه ولا يعلم ذلك بل لا يتوهم إلا وهما كاذبا كالنذر سواء ~~فإن في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر ~~وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل وعن PageV01P359 أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا ~~لم يكن الله قدره له ولكن ms296 النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل مالم يكن ~~البخيل يريد أن يخرجه # فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النذر لا يأتي بخير وأنه ليس من ~~الأسباب الجالبة لخير أو الدافعة لشر أصلا وإنما يوافق القدر موافقة كما ~~توافقه سائر الأسباب فيخرج من البخيل حينئذ مالم يكن يخرجه قبل ذلك ومع هذا ~~فأنت ترى الذين يحكون أنهم وقعوا في شدائد فنذروا نذرا لكشف شدائدهم أكثر ~~أو قريبا من الذين يزعمون أنهم دعوا عند القبور أو غيرها فقضيت حوائجهم بل ~~من كثرة اغترار الضالين المضلين بذلك صارت النذور المحرمة في الشرع مآكل ~~لكثير من السدنة والمجاورين العاكفين على القبور أو غيرها يأخذون من ~~الأموال شيئا كثيرا وأولئك الناذرون يقول أحدهم مرضت فنذرت ويقول الآخر خرج ~~علي المحاربون فنذرت ويقول الآخر ركبت البحر فنذرت ويقول الآخر حبست فنذرت ~~ويقول الآخر أصابتني فاقة فنذرت # وقد قام بنفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم ~~وقد أخبر الصادق المصدوق أن نذر طاعة الله فضلا عن معصيته ليس سببا لحصول ~~الخير وإنما الخير الذي يحصل للناذر يوافقه موافقة كما يوافق سائر الأسباب ~~فما هذه الأدعية غير المشروعة في حصول المطلوب بأكثر من هذه النذور في حصول ~~المطلوب بل تجد كثيرا من الناس يقول إن المكان الفلاني أو المشهد الفلاني ~~أو القبر الفلاني يقبل النذر بمعنى أنهم نذروا له نذرا إن قضيت حاجتهم ~~وقضيت كما يقول القائلون الدعاء عند المشهد الفلاني أو القبر الفلاني ~~مستجاب بمعنى أنهم دعوا هناك مرة فرأوا اثر الإجابة بل إذا كان المبطلون ~~يضيفون قضاء حوائجهم إلى خصوص PageV01P360 نذر المعصية مع أن جنس النذر لا ~~أثر له في ذلك لم يبعد منهم إذا أضافوا حصول غرضهم إلى خصوص الدعاء بمكان ~~لا خصوص له في الشرع لأن لأن جنس الدعاء هذا مؤثر فالإضافة إليه ممكنة ~~بخلاف جنس النذر فإنه لا يؤثر # والغرض بأن يعرف أن الشيطان إذا زين لهم نسبة الأثر إلى مالا يؤثر نوعا ~~ولا وصفا فنسبته ms297 إلى وصف قد ثبت تأثير نوعه أولى أن يزينه لهم ثم كما لم ~~يكن ذلك الإعتقاد منهم صحيحا فكذلك هذ إذا كلاهما مخالف للشرع # ومما يوضح ذلك أن اعتقاد المعتقد أن هذا الدعاء أو هذا النذر هو السبب أو ~~بعض السبب في حصول المطلوب لا بد له من دلالة ولا دليل على ذلك في الغالب ~~إلا الاقتران أحيانا أعني وجودهما جميعا وإن تراخى أحدهما عن الآخر مكانا ~~أو زمانا مع الانتقاض أضعاف أضعاف الاقتران ومجرد اقتران الشيء بالشيء بعض ~~الأوقات مع انتقاضه ليس دليلا على العلة باتفاق العقلاء إذا كان هنالك سبب ~~آخر صالح إذ تخلف الأثر عنه يدل على عدم العلية # فإن قيل إن التخلف لفوات شرط أو لوجود مانع # قيل بل الاقتران لوجود سبب آخر وهذا هو الراجح فإنا نرى الله في كل وقت ~~يقضي الحاجات ويفرج الكربات بأنواع من الأسباب لا يحصيها إلا هو وما رأيناه ~~يحدث المطلوب مع وجود هذا الدعاء المبتدع إلا نادرا فإذا رأيناه قد أحدث ~~كان شيئا وكان الدعاء المبتدع قد وجد إحالة حدوث الحادث على ما علم من ~~الأسباب التي لا يحصيها إلا الله أولى من إحالته على ما لم يثبت كونه سببا # ثم الاقتران إن كان دليلا على العلة فالانتقاض دليل على عدمها # وهنا افترق الناس على ثلاث فرق مغضوب عليهم وضالون والذين أنعم الله ~~عليهم # فالمغضوب عليهم يطعنون في عامة الأسباب المشروعة وغير المشروعة ~~PageV01P361 ويقولون الدعاء المشروع قد يؤثر وقد لا يؤثر ويتصل بذلك الكلام ~~في دلالة الآيات على تصديق الأنبياء عليهم السلام # والضالون يتوهمون في كل ما يتخيل سببا وإن كان يدخل في دين اليهود ~~والنصارى والمجوس وغيرهم والمتكايسون من المتفلسفة يحيلون ذلك على أمور ~~فلكية وقوى نفسانية وأسباب طبيعية يدورون حولها لا يعدلون عنها # فأما المهتدون فهم لا ينكرون ما خلقه الله من القوى والطبائع في جميع ~~الأجسام والأرواح إذ الجميع خلق الله لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من قدرة ~~الله التي هو بها على كل شيء قدير ms298 ومن أنه كل يوم هو في شأن ومن أن إجابته ~~لعبده المؤمن خارجة عن قوة نفس العبد وتصرف جسمه وروحه وبأن الله يخرق ~~العادات لأنبيائه لإظهار صدقهم ولإكرامهم بذلك ونحو ذلك من حكمه وكذلك ~~يخرقها لأوليائه تارة لتأييد دينه بذلك وتارة تعجيلا لبعض ثوابهم في الدنيا ~~وتارة إنعاما عليهم بجلب نعمة أو دفع نقمة أو لغير ذلك ويؤمنون بأن الله ~~يرد ما أمرهم به من الأعمال الصالحة والدعوات المشروعة إلى ما جعله في قوى ~~الأجسام والأنفس ولا يلتفتون إلى الأوهام التي دلت الأدلة العقلية أو ~~الشرعية على فسادها ولا يعلمون بما حرمته الشريعة وإن ظن أن له تأثيرا # وبالجملة فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض السبب أو شرط السبب في هذا ~~الأمر الحادث قد يعلم كثيرا أو قد يظن كثيرا وقد يتوهم كثيرا وهما ليس له ~~مستند صحيح إلا ضعف العقل # ويكفيك أن كل ما يظن أنه سبب لحصول المطالب مما حرمته الشريعة من دعاء أو ~~غيره لا بد فيه من أحد أمرين # إما أن لا يكون سببا صحيحا كدعاء مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ~~وإما أن يكون ضرره أكثر من نفعه # فأما ما كان سببا صحيحا منفعته أكثر من مضرته فلا ينهى عنه الشرع ~~PageV01P362 بحال وكل مالم يشرع من العبادات مع قيام المقتضي لفعله من غير ~~مانع فإنه من باب النهي عنه كما تقدم # وأما العلم بغلبة السبب فله طرق في الأمور الشرعية كما له طرق في الأمور ~~الطبيعية # منها الاضطرار فإن الناس لما عطشوا وجاعوا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخذ غير مرة ماء قليلا فوضع يده الكريمة فيه حتى فار الماء من ~~بين أصابعه ووضع يده الكريمة في الطعام وبرك فيه حتى كثر كثرة خارجة عن ~~العادة فإن العلم بهذا الاقتران المعين يوجب العلم بأن كثرة الماء والطعام ~~كانت بسببه صلى الله عليه وسلم علما ضروريا كما يعلم أن الرجل ذا ضرب ~~بالسيف ضربة شديدة صرعته فمات أن الموت ms299 كان منها بل أوكد فإن العلم بأن ~~كثرة الماء الطعام ليس له سبب معتاد في مثل ذلك أصلا مع أن العلم بهذه ~~المقارنة يوجب علما ضروريا بذلك وكذلك لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنس بن مالك أن يكثر الله ماله وولده فكان نخله يحمل في السنة مرتين على ~~خلاف عادة بلده ورأى من ولده وولد ولده أكثر من مائة فإن مثل هذا الحادث ~~يعلم أنه كان بسبب ذلك الدعاء # ومن رأى طفلا يبكي بكاء شديدا فألقمته أمه الثدي فسكن علم يقينا أن سكونه ~~كان لأجل ارتضاعه اللبن # والاحتمالات وإن تطرقت إلى النوع فإنها قد لا تتطرق إلى الشخص المعين ~~وكذلك الأدعية فإن المؤمن يدعو بدعاء فيرى المدعو بعينه مع عدم الأسباب ~~المقتضية له أو يفعل فعلا كذلك فيجده كذلك كالعلاء بن الحضرمي رضي الله عنه ~~لما قال يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم اسقنا فمطروا في يوم شديد الحر ~~مطرا لم يجاوز عسكرهم وقال احملنا فمشوا على النهر الكبير مشيا لم يبل ~~أسافل أقدام دوابهم وأيوب السختياني لما ركض الجبل لصاحبه ركضة فنبعت له ~~عين PageV01P363 ماء فشرب ثم غارت فدعا الله وحده لا شريك له دل الوحي ~~المنزل والعقول الصحيحة على فائدته ومنفعته ثم التجارب التي لا يحصي عددها ~~إلا الله # فتجد أكثر المؤمنين قد دعوا الله وسألوه أشياء أسبابها منتفية في حقهم ~~فأحدث لهم تلك المطالب على الوجه الذي طلبوه على وجه يوجب العلم تارة والظن ~~الغالب أخرى أن الدعاء كان هو السبب في هذا وتجد هذا ثابتا عند ذوي العقول ~~والبصائر الذين يعرفون جنس الأدلة وشروطها واطرادها # وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة فعامته إنما نجد اعتقاده عند أهل ~~الجهل الذين لا يميزون بين الدليل وغيره ولا يفهمون ما يشترط للدليل من ~~الاطراد وإنما يقع في أهل الظلمات من الكفار والمنافقين أو ذوي الكبائر ~~الذين أظلمت قلوبهم بالمعاصي حتى لا يميزون بين الحق والباطل # وأما ما ذكر في المناسك أنه بعد تحية النبي صلى الله ms300 عليه وسلم وصاحبيه ~~والصلاة والسلام يدعو فقد ذكر الإمام أحمد وغيره أنه يستقبل القبلة ويجعل ~~الحجرة عن يساره لئلا يستدبره وذلك بعد تحيته عليه الصلاة والسلام ثم يدعو ~~لنفسه وذكر انه إذا حياه وصلى عليه يستقبله بوجهه بأبي هو وأمي صلى الله ~~عليه وسلم فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا وهذا ~~مراعاة منهم لذلك فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقا بل يؤمر به للميت كما ~~جاءت به السنة فيما تقدم ضمنا وتبعا وإنما المكروه أن يتحرى المجيء إلى ~~القبر للدعاء عنده # وكذلك ذكر أصحاب مالك قالوا يدنو من القبر فيسلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم يدعو مستقبل القبلة يوليه ظهره وقيل لا يوليه ظهره وإنما اختلفوا ~~لما فيه من استدباره فأما إذا جعل الحجرة عن يساره فقد زال المحذور بلا ~~خلاف وصار في الروضة أو أمامها # ولعل هذا الذي ذكره الأئمة أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر فإن ذلك ~~PageV01P364 قد ثبت النهي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم فلما ~~نهى أن يتخذ القبر مسجدا أو قبلة أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه كما لا ~~يصلي إليه # قال مالك في المبسوط لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~يدعو ولكن يسلم ويمضى ولهذا والله أعلم حرفت الحجرة وثلثت لما بنيت فلم ~~يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة ولا جعل جدارها مربعا وكذلك قصدوا قبل ~~أن تدخل الحجرة في المسجد # فروى ابن بطة بإسناد معروف عن هشام بن عروة حدثني أبي قال كان الناس ~~يصلون إلى القبر فأمر عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه الناس فلما ~~هدم بدت قدم بساق وركبة قال ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز فأتاه عروة فقال ~~هذه ساق عمر وركبته فسرى عن عمر بن عبد العزيز # وهذا أصل مستمر فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي ~~إليه ألا ترى أن المسلم لما نهى عن الصلاة ms301 إلى جهة المشرق وغيرها فإنه ينهى ~~أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء ومن الناس من يتحرى قت دعائه استقبال الجهة ~~التي يكون فيها معظمه الصالح سواء كانت في المشرق أو غيره وهذا ضلال بين ~~وشرك واضح كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض مقدسيهم ~~من الصالحين وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله وقبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى # ومما يبين لك ذلك أن نفس السلام على النبي صلى الله عليه وسلم قد راعوا ~~فيه السنة حتى لا يخرج إلى الوجه المكروه الذي قد يجر إلى إطراء النصارى ~~عملا بقوله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا وبقوله لا تطروني كما ~~أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله فكان ~~بعضهم يسأل عن السلام على القبر خشية أن يكون من هذا الباب حتى قيل له إن ~~ابن عمر كان يفعل ذلك PageV01P365 # ولهذا كره مالك رضي الله عنه وغيره من أهل العلم لأهل المدينة كلما دخل ~~أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه قال ~~وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر أو أراد سفرا ونحو ذلك # ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها # وأما قصده دائما للصلاة والسلام فما علمت أحدا رخص فيه لأن ذلك نوع من ~~اتخاذه عيدا مع أنا قد شرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول السلام عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته كما نقول ذلك في آخر صلاتنا بل قد استحب ذلك لكل ~~من دخل مكانا ليس فيه أحد أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم لما تقدم ~~من أن السلام عليه يبلغه من كل موضع # فخاف مالك وغيره أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعا من اتخاذ القبر ~~عيدا # وأيضا فإن ذلك بدعة فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي رضي ms302 الله عنهم يجيئون إلى المسجد كل يوم خمس مرات يصلون ولم ~~يكونوا يأتون مع ذلك إلى القبر يسلمون عليه لعلمهم رضي الله عنهم بما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يكرهه من ذلك وبما نهاهم عنه وأنهم يسلمون عليه ~~حين دخول المسجد والخروج منه وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذلك في ~~حياته والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك # قال سعيد بن منصور في سننه حدثنا عبد الرحمن بن زيد حدثني أبي عن ابن عمر ~~أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فسلم وصلى عليه ~~وقال السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه # وعبد الرحمن بن زيد وأن كان يضعف لكن الحديث المتقدم عن نافع الصحيح يدل ~~على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائما ولا غالبا PageV01P366 # وما أحسن ما قال مالك لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولكن كلما ~~ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من ~~البدع والشرك وغيره ولهذا كره الأئمة استلام القبر وتقبيله وبنوه بناء ~~منعوا الناس أن يصلوا إليه وكانت حجرة عائشة التي دفنوه فيها ملاصقة لمسجده ~~وكان ما بين منبره وبيته هو الروضة ومضى الأمر على ذلك في عهدالخلفاء ~~الراشدين ومن بعدهم وزيد في المسجد زيادات وغيروا الحجرة عن حالها هي ~~وغيرها من الحجر المطيفة بالمسجد من شرقيه وقبليه حتى بناه الوليد بن عبد ~~الملك وكان عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة فابتاع هذه الحجر وغيرها ~~وهدمهن وأدخلهن في المسجد فمن أهل العلم من كره ذلك كسعيد بن المسيب ومنهم ~~من لم يكرهه # قال أبو بكر الأثرم قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم يمس ويتمسح به فقال ما أعرف هذا قلت له فالمنبر فقال أما ~~المنبر فنعم قد جاء فيه قال أبو عبد الله شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ~~ابن أبي ذئب عن ابن عمر ms303 أنه مسح على المنبر قال ويروونه عن سعيد بن المسيب ~~في الرمانة قلت ويروون عن يحيى بن سعيد أنه حين أراد الخروج إلى العراق جاء ~~إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسنه ثم قال لعله عند الضرورة والشيء قيل ~~لأبي عبد الله إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر وقلت له رأيت أهل العلم من ~~أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون فقال أبو عبد الله نعم وهكذا ~~كان ابن عمر يفعل ثم قال أبو عبد الله بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم # فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويده ولم يرخصوا في التمسح بقبره وقد حكى بعض أصحابنا ~~PageV01P367 رواية في مسح قبره لأن أحمد شيع بعض الموتى فوضع يده على قبره ~~يدعو له والفرق بين الموضعين ظاهر # وكره مالك التمسح بالمنبر كما كرهوا التمسح بالقبر # فأما اليوم فقد احترق المنبر وما بقيت الرمانة وإنما بقي من المنبر خشبة ~~صغيرة فقد زال ما رخص فيه لأن الأثر المنقول عن ابن عمر وغيره إنما هو ~~التمسح بمقعده # وروى الأثرم بإسناده عن العتبي عن مالك عن عبد الله بن دينار قال رأيت ~~ابن عمر يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه وعلى أبي بكر ~~وعمر # الوجه الثالث في كراهة قصد القبور للدعاء أن السلف رضي الله عنهم كرهوا ~~ذلك متأولين في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا كما ذكرنا ~~ذلك عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن ابن عمه وهما أفضل أهل البيت من ~~التابعين وأعلم بهذا الشأن من غيرهما لمجاورتهما الحجرة النبوية نسبا ~~ومكانا # وقد ذكرنا عن أحمد وغيره أنه أمر من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وصاحبيه ثم أراد أن يدعو أن ينصرف فيستقبل القبلة وكذلك أنكر ذلك غير واحد ~~من العلماء المتقدمين كمالك وغيره ومن المتأخرين مثل أبي الوفاء بن عقيل ~~وأبي الفرج بن الجوزي # وما أحفظ لا عن صحابي ولا ms304 عن تابعي ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء ~~من القبور للدعاء عنده ولا روى أحد في ذلك شيئا لا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا عن أحد من الأئمة المعروفين وقد صنف الناس في PageV01P368 الدعاء ~~وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الآثار فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء شيء من ~~القبور حرفا واحدا فيما أعلم # فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل والسلف تنكره ولا ~~نعرفه وتنهى عنه ولا تأمرنا به # نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقا في كلام بعض الناس فلان ترجى ~~الإجابة عند قبره وفلان يدعى عند قبره ونحو ذلك كما وجد الإنكار على من ~~يقول ذلك ويأمر به كائنا من كان فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدا في هذه ~~المسألة أو مقلدا فيعفوا الله عنه # أما إن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك فلا بل قد يقال هذا من جنس قول ~~بعض الناس المكان الفلاني يقبل النذر والموضع الفلاني ينذر له ويعينون عينا ~~أو بئرا أو شجرة أو مغارة أو حجرا أو غير ذلك من الأوثان فكما لا يكون مثل ~~هذا القول عمدة في الدين كذلك الأول # ولم يبلغنا إلى الساعة عن أحد من السلف رخصة في ذلك إلا ما روى ابن أبي ~~الدنيا في كتاب القبور بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال أخبرني ~~سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة # قال ابن أبي فديك وأخبرني عمر بن حفص أن ابن أبي مليكة كان يقول من أحب ~~أن يقوم وجاه النبي صلى الله عليه وسلم فليجعل القنديل الذي في القبلة عند ~~رأس القبر على رأسه # قال ابن أبي فديك وسمعت بعض من أدركت يقول بلغنا أنه من وقف عند قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية @QB@ إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي @QE@ فقال صلى الله عليك ms305 يا محمد حتى يقولها سبعين مرة ناداه ملك صلى ~~الله عليه يا فلان ولم تسقط له حاجة PageV01P369 فهذا الأثر من ابن أبي ~~فديك قد يقال فيه استحباب قصد الدعاء عند القبر ولا حجة فيه لوجوه # أحدها أن ابن أبي فديك روى هذا عن مجهول وذكر ذلك المجهول أنه بلاغ عمن ~~لا يعرف ومثل هذا لا يثبت به شيء أصلا وابن أبي فديك متأخر في حدود المائة ~~الثانية ليس هو من التابعين ولا تابعيهم المشهورين حتى يقال قد كان هذا ~~معروفا في القرون الثلاثة وحسبك أن أهل العلم بالمدينة المعتمدين لم ينقلوا ~~شيئا من ذلك # ومما يضعفه أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه من صلى عليه مرة ~~صلى الله عليه عشرا فكيف يكون من صلى عليه سبعين مرة جزاؤه أن يصلي عليه ~~ملك من الملائكة وأحاديثه المتقدمة تبين أن الصلاة والسلام عليه تبلغه من ~~البعيد والقريب # الثاني أن هذا إنما يقتضي استحباب الدعاء للزائر في ضمن الزيارة كما ذكر ~~ذلك العلماء في مناسك الحج وليس هذا من مسألتنا فإنا قد قدمنا أن من زاره ~~زيارة مشروعة ودعا في ضمنها لم يكره هذا كما ذكره بعض العلماء مع ما في ذلك ~~من النزاع مع أن المنقول عن السلف كراهة الوقوف عند القبر للدعاء وهو أصح ~~وإنما المكروه الذي ذكرناه قصد الدعاء عنده ابتداء كما أن من دخل المسجد ~~فصلى تحية المسجد ودعا ضمنها لم يكره ذلك أو توضأ في مكان وصلى هناك ودعا ~~في ضمن صلاته لم يكره ذلك ولو تحرى الدعاء في تلك البقعة أو في مسجد لا ~~خصيصة له في الشرع دون غيره من المساجد نهي عن هذا التخصيص # الثالث أن الاستجابة هنا لعلها لكثرة صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإن الصلاة عليه قبل الدعاء وفي وسطه وآخره من أقوى الأسباب التي يرجى بها ~~إجابة سائر الدعاء كما جاءت به الآثار مثل قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~PageV01P370 الذي يروى موقوفا ومرفوعا الدعاء ms306 موقوف بين السماء والأرض حتى ~~تصلي على نبيك رواه الترمذي # وذكر محمد بن الحسن بن زبالة في كتاب أخبار المدينة فيما رواه عنه الزبير ~~بن بكار وروى عنه عن عبد العزيز بن محمد الداروردي قال رأيت رجلا من أهل ~~المدينة يقال له محمد بن كيسان يأتي إذا صلى العصر من يوم الجمعة ونحن جلوس ~~مع ربيعة بن أبي عبد الرحمن فيقوم عند القبر فيسلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويدعو حتى يمسي فيقول جلساء ربيعة انظروا إلى ما يصنع هذا فيقول دعوه ~~فإنما للمرء ما نوى # ومحمد بن الحسن هذا صاحب أخبار وهو مضعف عند أهل الحديث كالواقدي ونحوه ~~لكن يستأنس بما يرويه ويعتبر به # وهذه الحكاية قد يتمسك بها على الطرفين فإنها تتضمن أن الذي فعله هذا ~~الرجل أمر مبتدع عندهم لم يكن من فعل الصحابة ولا غيرهم من علماء أهل ~~المدينة وإلا لو كان هذا أمرا معروفا من عمل أهل المدينة لما استغربه جلساء ~~ربيعة وأنكروه بل ذكر محمد بن الحسن لها في كتابه مع رواية الزبير بن بكار ~~ذلك عنه يدل على أنهم على عهد مالك وذويه ما كانوا يعرفون هذا العمل وإلا ~~لو كان هذا شائعا بينهم لما ذكروا في كتاب مصنف ما يتضمن استغراب ذلك # ثم إن جلساء ربيعة وهم قوم فقهاء علماء أنكروا ذلك وربيعة أقره فغايته أن ~~يكون في ذلك خلاف ولكن تعليل ربيعة له بأن لكل امرئ ما نوى لا يقتضي ~~الإقرار على ما يكره فإنه لو أراد الصلاة هناك لنهاه وكذلك لو أراد الصلاة ~~في وقت نهي # وإنما الذي اراده ربيعة والله أعلم أن من كانت له نية صالحة أثيب على ~~نيته وإن كان الفعل الذي فعله ليس بمشروع إذا لم يتعمد مخالفة الشرع # فهذا الدعاء وإن لم يكن مشروعا لكن لصاحبه نية صالحة قد يثاب على نيته ~~PageV01P371 # فيستفاد من ذلك أنهم مجمعون على أن الدعاء عند القبر غير مستحب ولا خصيصة ~~في تلك البقعة وإنما الخير قد يحصل من ms307 جهة نية الداعي # ثم إن ربيعة لم ينكر عليه متابعة لجلسائه إما لأنه لم يبلغه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ قبره عيدا وعن الصلاة عنده فإن ربيعة كما قال ~~أحمد كان قليل العلم بالآثار أو بلغه ذلك لكن لم ير مثل هذا داخلا في معنى ~~النهي أو لأنه لم ير هذا محرما وإنما غايته أن يكون مكروها وإنكار المكروه ~~ليس بفرض أو أنه رأى أن ذلك الرجل إنما قصده السلام والدعاء جاء ضمنا وتبعا # وفي هذا نظر ولا ريب أن العلماء قد يختلفون في مثل هذا كما اختلفوا في ~~صحة الصلاة عند القبر ومن لم يبطلها قد لا ينهى عن فعل ذلك # والعمدة على الكتاب والسنة وما كان عليه السابقون مع أن محمد بن الحسن ~~هذا قد روى أخبارا عن السلف تؤيد ما ذكرناه فقال حدثني عمر بن هرون عن سلمة ~~بن وردان قال رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسند ~~ظهره إلى جدار القبر ثم يدعو # فهذا إن كان ثابتا عن أنس فهو مؤيد لما ذكرناه فإن أنسا لم يكن ساكنا ~~بالمدينة وإما كان يقدم من البصرة إما مع الحجيج أو نحوهم فيسلم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم إذا أراد الدعاء فالذي ينبغي في حق مثله إنما يكون ~~ضمنا وتبعا وهو مستدبر القبر # وذكر محمد بن الحسن عن عبد العزيز بن محمد ومحمد بن إسماعيل وغيرهما عن ~~محمد بن هلال وعن غير واحد من أهل العلم أن بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الذي فيه قبره هو بيت عائشة الذي كانت تسكنه وأنه مربع مبني بحجارة ~~سود وقصة وأن الذي يلي القبلة منه أطوله والشرقي والغربي سواء والشامي ~~أنقصها وباب البيت مما يلي الشام وهو مسدود بحجارة سود وقصة PageV01P372 # ثم بنى عمر بن عبد العزيز على ذلك هذا البناء الظاهر وعمر بن عبد العزيز ~~زواه لئلا يتخذه الناس قبلة تخص فيه الصلاة من بين مسجد النبي ms308 صلى الله ~~عليه وسلم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كما حدثني عبد العزيز ~~بن محمد عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قاتل ~~الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وحدثني مالك بن أنس عن زيد بن أسلم ~~عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم لا تجعل قبري ~~وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد # فهذه الآثار إذا ضمت إلى ما قدمنا من الآثار علم كيف كان حال السلف في ~~هذا الباب وأن ما عليه كثير من الخلف في ذلك هو من المنكرات عندهم # ولا يدخل في هذا الباب ما يروى من أن قوما سمعوا رد السلام من قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو قبور غيره من الصالحين وأن سعيد بن المسيب كان يسمع ~~الأذان من القبر ليالي الحرة ونحو ذلك # فهذا كله حق ليس مما نحن فيه والأمر أجل من ذلك وأعظم # وكذلك أيضا ما يروى أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فشكا ~~إليه الجدب عام الرمادة فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج فيستسقي ~~الناس فإن هذا ليس من هذا الباب ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأعرف من هذه الوقائع كثيرا PageV01P373 # وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره من أمته حاجته فتقضى ~~له فإن هذا قد وقع كثيرا وليس هو مما نحن فيه # وعليك أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لهؤلاء ~~السائلين ليس مما يدل على استحباب السؤال فإنه هو القائل صلى الله عليه ~~وسلم إن أحدكم ليسألني مسألة فأعطيه إياها فيخرج بها يتأبطها نارا فقالوا ~~يا رسول الله فلم تعطيهم قال يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل # وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال لو لم يجابوا لاضطرب ~~إيمانهم كما أن ms309 السائلين له في الحياة كانوا كذلك وفيهم من أجيب وأمر ~~بالخروج من المدينة # فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر أما أنه يدل على حسن حال ~~السائل فلا فرق بين هذا وهذا # فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد استهانة بأهلها ~~بل لما يخاف عليهم من الفتنة وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها فلولا أنه ~~قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهي الناس عن ذلك # وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء ~~والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها ~~واندفاع النار عنها وعمن جاورها وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى واستحباب ~~الاندفان عند بعضهم وحصول الأنس والسكينة عندها ونزول PageV01P374 العذاب ~~بمن استهان بها فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه وما في قبور الأنبياء ~~والصالحين من كرامة الله ورحمته وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ~~ما يتوهمه أكثر الخلق لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك # وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة أو قصد الدعاء والنسك عندها لما في قصد ~~العبادات عندها من المفاسد التي حذر منها الشارع كما تقدم فذكرت هذه الأمور ~~لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمنا وليس كذلك # الوجه الرابع أن اعتقاد استجابة الدعاء عندها وفضله قد أوجب أن تنتاب ~~لذلك وتقصد وربما اجتمع القبوريون عندها اجتماعات كثيرة في مواسم معينة ~~وهذا بعينه هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لا تتخذوا قبري ~~عيدا وبقوله لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وبقوله ~~صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا القبور مساجد فإن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد # حتى إن بعض القبور يجتمع عندها القبوريون في يوم من السنة ويسافرون إليها ~~لإقامة العيد إما في المحرم أو رجب أو شعبان أو ذي الحجة أو غيرها ~~PageV01P375 وبعضها يجتمع عندها في يوم عاشوراء وبعضها في يوم عرفة وبعضها ~~في النصف من شعبان وبعضها في وقت آخر بحيث يكون ms310 لها يوم من السنة تقصد فيه ~~ويجتمع عندها فيه كما تقصد عرفة ومزدلفة ومنى في أيام معلومة من السنة وكما ~~يقصد مصلى المصر يوم العيدين بل ربما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات في ~~الدين والدنيا أهم وأشد # ومنها ما يسافر إليه من الأمصار في وقت معين أو وقت غير معين لقصد الدعاء ~~عنده والعبادة هناك كما يقصد بيت الله الحرام لذلك وهذا السفر لا أعلم بين ~~المسلمين خلافا في تحريمه والنهي عنه إلا أن يكون خلافا حادثا وإنما ذكرت ~~الوجهين المتقدمين في السفر المجرد لزيارة القبور # فأما إذا كان السفر للعبادة عندها بالدعاء أو الصلاة أو إقامة العيد أو ~~نحو ذلك فهذا لا ريب فيه حتى إن بعضهم يسميه الحج ويقول نريد الحج إلى قبر ~~فلان وفلان # ومنها ما يقصد الاجتماع عنده في يوم معين من الأسبوع # وفي الجملة هذا الذي يفعل عند هذه القبور هو بعينه الذي نهى عنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بقوله لا تتخذوا قبري عيدا # فإن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو ~~الأسبوع هو بعينه معنى العيد ثم ينهى عن دق ذلك وجله وهذا هو الذي تقدم عن ~~الإمام أحمد إنكاره قال وقد أفرط الناس في هذا جدا وأكثروا وذكر ما يفعل ~~عند قبر الحسين PageV01P376 # وقد ذكرت فيما تقدم أنه يكره اعتياد عبادة في وقت إذا لم تجيء بها السنة ~~فكيف اعتياد مكان معين في وقت معين # ويدخل في هذا ما يفعل بمصر عند قبر نفيسة وغيرها وما يفعل بالعراق عند ~~القبر الذي يقال إنه قبر علي رضي الله عنه وقبر الحسين وحذيفة بن اليمان ~~وسلمان الفارسي وقبر موسى بن جعفر ومحمد ابن علي الجواد ببغداد وعند قبر ~~أحمد بن حنبل ومعروف الكرخي وغيرها وما يفعل عند قبر أبي يزيد البسطامي ~~وكان يفعل نحو ذلك بحران عند قبر يسمى قبر الأنصاري إلى قبور كثيرة في أكثر ~~بلاد الإسلام لا يمكن حصرها كما أنهم بنوا كثيرا منها مساجد وبعضها ms311 مغصوب ~~كما بنوا على قبر أبي حنيفة والشافعي وغيرهم # وهؤلاء الفضلاء من الأمة إنما ينبغي محبتهم واتباعهم وإحياء ما أحيوه من ~~الدين والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضوان ونحو ذلك # فأما اتخاذ قبورهم أعيادا فهو مما حرمه الله ورسوله واعتياد قصد هذه ~~القبور في وقت معين والاجتماع العام عندها في وقت معين هو اتخاذها عيدا كما ~~تقدم ولا أعلم بين المسلمين أهل العلم في ذلك خلافا ولا يغتر بكثرة العادات ~~الفاسدة فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين الذي أخبرنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كائن في هذه الأمة # وأصل ذلك إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها وإلا فلو لم يقم هذا الإعتقاد ~~بالقلوب لانمحي ذلك كله فإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد PageV01P377 ~~كان حراما كالصلاة عندها وأولى وكان ذلك فتنة للخلق وفتحا لباب الشرك ~~وإغلاقا لباب الإيمان # | فصل # قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذها مساجد وعن الصلاة ~~عندها وعن اتخاذها عيدا وأنه دعا الله ان لا يتخذ قبره وثنا يعبد # وقد تقدم أن اتخاذ المكان عيدا هو اعتياد إتيانه للعبادة عنده أو غير ذلك # وقد تقدم النهي الخاص عن الصلاة عندها وإليها والأمر بالسلام عليها ~~والدعاء لها # وذكرنا ما في دعاء المرء لنفسه عندها من الفرق بين قصدها لأجل الدعاء أو ~~الدعاء ضمنا وتبعا # وتمام الكلام في ذلك بذكر سائر العبادات فالقول فيها جميعا كالقول في ~~الدعاء فليس في ذكر الله هناك أو القراءة عند القبر أو الصيام عنده أو ~~الذبح عنده فضل على غيره من البقاع ولا قصد ذلك عند القبور مستحبا # وما علمت أحدا من علماء المسلمين يقول إن الذكر هناك أو الصيام والقراءة ~~أفضل منه في غير تلك البقعة # فأما ما يذكره بعض الناس من أنه ينتفع الميت بسماع القرآن بخلاف ما إذا ~~قرئ في مكان آخر فهذا إذا عنى به أنه يصل الثواب إليه إذا قرئ عند القبر ~~خاصة فليس عليه أحد من أهل العلم المعروفين بل الناس على قولين ms312 # أحدهما أن ثواب العبادات البدنية من الصلاة والقراءة وغيرهما يصل إلى ~~الميت كما يصل إليه ثواب العبادات المالية بالاجماع وهذا مذهب أبي حنيفة ~~وأحمد وغيرهما وقول طائفة من أصحاب الشافعي ومالك وهو الصواب لأدلة كثيرة ~~ذكرناها في غير هذا الموضع PageV01P378 # والثاني أن ثواب العبادة البدنية لا يصل إليه بحال وهو المشهور عند أصحاب ~~الشافعي ومالك وما من أحد من هؤلاء يخص مكانا بالوصول أو عدمه # فأما استماع الميت للأصوات من القراءة وغيرها فحق لكن الميت ما بقي يثاب ~~بعد الموت على عمل يعمله هو بعد الموت من استماع أو غيره وإنما ينعم أو ~~يعذب بما كان قد عمله في حياته هو أو بما يعمل غيره بعد الموت من أثره أو ~~بما يعامل به كما قد اختلف في تعذيبه بالنياحة عليه وكما ينعم بما يهدي ~~إليه وكما ينعم بالدعاء له وإهداء العبادات المالية بالإجماع وكذلك قد ذكر ~~طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم ونقلوه عن أحمد وذكروا فيه آثارا أن ~~الميت يتألم بما يفعل عنده من المعاصي فقد يقال أيضا إنه يتنعم بما يسمعه ~~من القراءة وذكر الله # وهذا لو صح لم يوجب استحباب القراءة عنده فإن ذلك لو كان مشروعا لبينه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته # وذلك لأن هذا وإن كان نوع مصلحة ففيه مفسدة راجحة كما في الصلاة عنده ~~وتنعم الميت بالدعاء له والاستغفار والصدقة عنه وغير ذلك من العبادات يحصل ~~له به من النفع أعظم من ذلك وهو مشروع ولا مفسدة فيه ولهذا لم يقل أحد من ~~العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائما للقراءة عنده إذ قد علم بالاضطرار من ~~دين الإسلام أن ذلك ليس مما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته لكن ~~اختلفوا في القراءة عند القبور هل هي مكروهة أم لا تكره والمسألة مشهورة ~~وفيها ثلاث روايات عن أحمد # إحداها أن ذلك لا بأس به وهي اختيار الخلال وصاحبه وأكثر المتأخرين من ~~أصحابه وقالوا هي الرواية المتأخرة عن أحمد وقول جماعة من ms313 أصحاب أبي حنيفة ~~واعتمدوا على ما نقل عن ابن عمرو رضي الله عنهما أنه PageV01P379 أوصى أن ~~يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتيح سورة البقرة وخواتيمها ونقل أيضا عن بعض ~~المهاجرين قراءة سورة البقرة # والثانية أن ذلك مكروه حتى اختلف هؤلاء هل تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة ~~إذا صلى عليها في المقبرة وفيه عن أحمد روايتان وهذه الرواية هي التي رواها ~~أكثر أصحابه عنه وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه كعبد الوهاب الوراق وأبي ~~بكر المروزي ونحوهما وهي مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير ~~وغيرهم ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام لأن ذلك كان عنده ~~بدعة وقال مالك ما علمت أحدا يفعل ذلك # فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه # والثالثة أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها كما نقل ابن عمرو رضي ~~الله عنهما وعن بعض المهاجرين وأما القراءة بعد ذلك مثل الذين ينتابون ~~القبر للقراءة عنده فهذا مكروه فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا # وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها لما فيها من التوفيق بين الدلائل ~~والذين كرهو القراءة عند القبر كرهها بعضهم وإن لم يقصد القراءة هناك كما ~~تكره الصلاة فان أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة هناك # ومعلوم أن القراءة في الصلاة ليس المقصود بها القراءة عند القبر ومع هذا ~~فالفرق بين ما يفعل ضمنا وتبعا وما يفعل لأجل القبر بين كما تقدم والوقوف ~~التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم فيها من الفائدة أنها تعين على ~~حفظ القرآن وأنها رزق لحافظ القرآن وباعثة لهم على حفظه ودرسه وملازمته ~~PageV01P380 وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته فهو مما يحفظ به الدين ~~كما يحفظ بقراءة الكافر وجهاد الفاجر وقد قال صلى الله عليه وسلم إن الله ~~يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر # وبسط الكلام في الوقوف وشروطها قد ذكر في موضع آخر وليس هذا هو المقصود ~~هنا # فأما ذكر الله هناك فلا يكره لكن قصد البقعة للذكر ms314 هناك بدعة مكروهة فإنه ~~نوع من اتخاذها عيدا وكذلك قصدها للصيام عندها ومن رخص في القراءة فانه لا ~~يرخص في اتخاذها عيدا مثل أن يجعل له وقت معلوم يعتاد فيه القراءة هناك أو ~~يجتمع عنده للقراءة ونحو ذلك كما أن من يرخص في الذكر والدعاء هناك لا يرخص ~~في اتخاذه عيدا لذلك كما تقدم # وأما الذبح هناك فنهى عنه مطلقا ذكره أصحابنا وغيرهم لما روى أنس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لا عقر في الإسلام رواه أحمد وأبو داود وزاد ~~قال عبد الرزاق كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة # قال أحمد في رواية المروزي قال النبي صلى الله عليه وسلم لا عقر في ~~الإسلام كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا على قبره فنهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك كره أبو عبد الله أكل لحمه PageV01P381 قال صحابنا وفي ~~معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه ~~فهذه أنواع العبادات البدنية أو المالية أو المركب منهما # | فصل # ومن المحرمات العكوف عند القبر والمجاورة عنده وسدانته وتعليق الستور ~~عليه كأنه بيت الله الكعبة # فإنا قد بينا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة محرم بدلالة ~~السنة فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد والعكوف فيه كأنه المسجد ~~الحرام بل عند بعضهم العكوف فيه أحب إليه من العكوف في المسجد الحرام إذ من ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله # بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله أعظم عند ~~القبوريين من حرمة بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وقد ~~أسست على تقوى من الله ورضوان # وقد بلغ الشيطان بهذه البدع إلى الشرك العظيم في كثير من الناس حتى إن ~~منهم من يعتقد أن زيارة المشاهد التي على القبور إما قبر نبي أو شيخ أو بعض ~~أهل البيت أفضل من حج البيت ms315 الحرام ويسمى زيارتها الحج الأكبر ومن هؤلاء من ~~يرى أن السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من حج البيت وبعضهم ~~إذا وصل إلى المدينة رجع ولم يذهب إلى البيت الحرام وظن أنه حصل له المقصود ~~وهذا لأنهم ظنوا أن زيارة القبور إنما هو لأجل الدعاء عندها والتوسل بها ~~وسؤال الميت ودعائه # ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة ولو علموا أن المقصود ~~إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له وسؤاله ودعاؤه وأن المقصود بزيارة ~~القبور هو الدعاء لها كما يقصد بالصلاة على الميت لزال هذا الشرك عن ~~PageV01P382 قلوبهم ولهذا نجد كثيرا من هؤلاء يسأل الميت والغائب كما يسأل ~~ربه فيقول اغفر لي وارحمني وتب علي ونحو ذلك # وكثير من الناس تتمثل له صورة الشيخ المستغاث به ويكون ذلك شيطانا قد ~~خاطبه كما تفعل الشياطين بعبدة الأوثان # وأعظم من ذلك قصد الدعاء عنده والنذر له أو للسدنة العاكفين عليه أو ~~المجاورين عنده من أقاربه أو غيرهم واعتقاد أنه بالنذر له قضيت الحاجة أو ~~كشف عنه البلاء # فإنا قد بينا بقول الصادق المصدوق أن نذر العمل المشروع لا يأتي بخير وأن ~~الله لم يجعله سببا لدرك حاجة كما جعل الدعاء سببا لذلك فكيف بنذر المعصية ~~الذي لا يجوز الوفاء به # واعلم أن المقبورين من الأنبياء والصالحين المدفونين يكرهون ما يفعل ~~عندهم كل الكراهة كما أن المسيح يكره ما يفعله النصارى به وكما كان أنبياء ~~بني إسرائيل يكرهون ما يفعله الأتباع # فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور أعيادا وأوثانا فيه غص ~~من كرامة أصحابها بل هو من باب إكرامهم # وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن فتجد أكثر هؤلاء ~~العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور وطريقه مشتغلين بقبره عما ~~أمر به ودعا إليه # ومن كرامة الأنبياء والصالحين أن يتبع ما دعوا إليه من العمل الصالح ~~ليكثر أجرهم بكثرة أجور من تبعهم كما قال صلى الله عليه وسلم من دعا ms316 إلى ~~هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء # إنما اشتغلت قلوب طوائف من الناس بأنواع من العبادات المبتدعة ~~PageV01P383 إما من الأدعية وإما من الأسفار وإما من السماعات ونحو ذلك ~~لإعراضهم عن المشروع أو بعضه أعني لإعراض قلوبهم وإن قاموا بصورة المشروع ~~وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه عاقلا لما اشتملت عليه من ~~الكلم الطيب والعمل الصالح مهتما بها كل الاهتمام أغنته عن كل ما يتوهم فيه ~~خيرا من جنسها # ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله وتدبره بقلبه وجد فيه من الفهم ~~والحلاوة والهدى وشفاء القلوب والبركة والمنفعة مالا يجده في شيء من الكلام ~~لا منظومه ولا منثوره # ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته كالأسحار وأدبار الصلوات والسجود ~~ونحو ذلك أغناه عن كل دعاء مبتدع في ذاته أو في بعض صفاته # فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء من ذلك ويعتاض عن كل ما ~~يظن من البدع أنه خير بنوعه من السنن فإنه فإنه من يتحرى الخير يعطه ومن ~~يتوقى الشر يوقه # | فصل # فأما مقامات الأنبياء والصالحين وهي الأمكنة التي قاموا فيها أو أقاموا ~~أو عبدوا الله سبحانه فيها لكنهم لا يتخذوها مساجد # فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء المشهورين # أحدهما النهي عن ذلك وكراهته وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة إلا أن يكون ~~قصدها للعبادة مما جاء به الشرع مثل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~قصدها للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم وكما كان يتحرى الصلاة عند ~~الأسطوانة وكما يقصد المساجد للصلاة ويقصد الصف الأول ونحو ذلك # والقول الثاني أنه لا بأس باليسير من ذلك كما نقل عن ابن عمر أنه كان ~~PageV01P384 يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم وإن ~~كان النبي قد سلكها اتفاقا لا قصدا # قال سندي الخواتيمي سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد يذهب ~~إليها ترى ذلك قال أما على حديث ms317 ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى وعلى ما كان يفعله ابن عمر يتتبع ~~مواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأثره فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد ~~إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا وأكثروا فيه # وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي ~~بالمدينة وغيرها يذهب إليها فقال أما على حديث ابن أم مكتوم وأنه سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجدا أو على ما كان ~~يفعل ابن عمر كان يتتبع مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه رؤي ~~يصب في موضع الماء فسئل عن ذلك فقال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصب ههنا ~~ماء قال أما على هذا فلا بأس قال ورخص فيه ثم قال ولكن قد أفرط الناس جدا ~~وأكثروا في هذا المعنى فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده رواهما الخلال ~~في كتاب الأدب # فقد فصل أبو عبد الله في المشاهد وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء ~~والصالحين من غير أن تكون مساجد لهم كمواضع بالمدينة بين القليل الذي لا ~~يتخذونه عيدا والكثير الذي يتخذونه عيدا كما تقدم # وهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة فإنه قد روى البخاري في ~~صحيحه عن موسى بن عقبة قال رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ~~ويصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي في تلك الأمكنة قال موسى وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك ~~الأمكنة PageV01P385 # فهذا ما رخص فيه أحمد رضي الله عنه # وأما ما كرهه فروى سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش ~~عن معرور بن سويد عن عمر رضي الله عنه قال خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا ~~في الفجر ب @QB@ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل @QE@ و ms318 @QB@ لإيلاف قريش ~~@QE@ في الثانية فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد فقال ما هذا ~~قالوا مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هكذا هلك أهل الكتاب ~~قبلكم أتخذوا آثار أنبيائهم بيعا من عرضت له منكم الصلاة فيه فليصل ومن لم ~~تعرض له الصلاة فليمض # فقد كره عمر رضي الله عنه اتخاذ مصلى النبي صلى الله عليه وسلم عيدا وبين ~~أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا # وفي رواية عنه أنه رأى الناس يذهبون مذاهب فقال أين يذهب هؤلاء فقيل يا ~~أمير المؤمنين مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم فهم يصلون فيه فقال ~~إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها ~~كنائس وبيعا فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا ~~يتعمدها # وروى محمد بن وضاح وغيره أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع ~~تحتها النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان لأن الناس كانوا يذهبون تحتها ~~فخاف عمر الفتنة عليهم # وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم في إتيان تلك المشاهد # فقال محمد بن وضاح كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك ~~المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قبا واحدا ودخل سفيان الثوري بيت ~~المقدس وصلى فيه ولم يتتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها # فهؤلاء كرهوها مطلقا لحديث عمر رضي الله عنه هذا لأن ذلك يشبه ~~PageV01P386 الصلاة عند المقابر إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعيادا وإلى ~~التشبه بأهل الكتاب ولأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة ~~فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا عن غيرهم من المهاجرين والأنصار أن أحدا ~~منهم كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي صلى الله عليه وسلم # والصواب مع جمهور الصحابة لأن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم تكون ~~بطاعة أمره وتكون في فعله بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله فإذا ~~قصد النبي صلى الله عليه وسلم العبادة في مكان كان ms319 قصد العبادة فيه متابعة ~~له كقصد المشاعر والمساجد # وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك مما ~~يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان فإنا إذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له ~~فإن الأعمال بالنيات # واستحب آخرون من العلماء المتأخرين إتيانها وذكر طائفة المصنفين من ~~أصحابنا وغيرهم في المناسك استحباب زيارة هذه المشاهد وعدوا منها مواضع ~~وسموها # وأما أحمد فرخص منها فيما جاء به الأثر من ذلك إلا إذا اتخذت عيدا مثل أن ~~تنتاب لذلك ويجتمع عندها في وقت معلوم كما يرخص في صلاة النساء في المساجد ~~جماعات وإن كانت بيوتهن خيرا لهن إلا إذا تبرجن وجمع بذلك بين الآثار واحتج ~~بحديث ابن أم مكتوم # ومثله ما أخرجاه في الصحيحين عن عتبان بن مالك قال كنت أصلي لقومي بني ~~سالم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إني أنكرت بصري وإن السيول تحول ~~بيني وبين مسجد قومي فلوددت أنك جئت فصليت في بيتي مكانا حتى أتخذه مسجدا ~~فقال أفعل إن شاء الله فغدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه ~~بعد ما اشتد النهار فاستأذن النبي صلى الله PageV01P387 عليه وسلم فأذنت له ~~فلم يجلس حتى قال أين تحب أن أصلي من بيتك فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن ~~يصلي فيه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر وصففنا وراءه فصلى ركعتين ~~ثم سلم وسلمنا حين سلم # ففي هذا الحديث دلالة على أن من قصد أن يبنى مسجده في موضع صلاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلا بأس به وكذلك قصد الصلاة في موضع صلاته # ولكن هذا كان أصل قصده بناء مسجد فأحب أن يكون موضعا يصلي له فيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يرسم المسجد ~~بخلاف مكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقا فاتخذ مسجدا لا لحاجة ~~إلى المسجد لكن لا لأجل صلاته فيه # فأما الأمكنة التي كان ms320 النبي صلى الله عليه وسلم يقصد الصلاة والدعاء ~~عندها فقصد الصلاة أو الدعاء فيها سنة اقتداء برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واتباعا له كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات فإن قصد ~~الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته وسائر الأفعال التي فعلها ~~على وجه التقرب # ومثل هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد قال كان سلمة بن ~~الأكوع يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف فقلت له يا أبا مسلم ~~أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يتحرى الصلاة عندها # وفي رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع أنه كان يتحرى الصلاة في موضع المصحف ~~يسبح فيه وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى ذلك المكان وكان بين ~~المنبر والقبلة قدر ممر الشاة # وقد ظن بعض المصنفين أن هذا مما اختلف فيه وجعله والقسم الأول سواء ~~PageV01P388 وليس بجيد فإنه هنا قد أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يتحرى البقعة فكيف لا يكون هذا القصد مستحبا # نعم إيطان بقعة في المسجد لا يصلى إلا فيها منهي عنه كما جاءت به السنة ~~والإيطان ليس هو التحري من غير إيطان # فيجب الفرق بين اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاستنان به فيما فعله ~~وبين ابتداع بدعة لم يسنها لأجل تعلقها به # وقد تنازع العلماء فيما إذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا من ~~المباحات لسبب وفعلناه نحن تشبها به مع انتفاء ذلك السبب فمنهم من يستحب ~~ذلك ومنهم من لا يستحبه # وعلى هذا يخرج فعل ابن عمر رضي الله عنهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي في تلك البقاع التي في طريقه لأنها كانت منزله لم يتحر الصلاة ~~فيها لمعنى في البقعة # فنظير هذا أن يصلي المسافر في منزله وهذا سنة # فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي وصلى فيها اتفاقا فهذا لم ينقل عن ~~غير ابن عمر من الصحابة ms321 بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجا وعمارا أو ~~مسافرين ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي صلى الله ~~عليه وسلم # ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبا لكانوا إليه أسبق فإنهم أعلم بسنته ~~وأتبع لها من غيرهم وقد قال صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات ~~الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة PageV01P389 # وتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين بل هو مما ابتدع وقول الصحابي ~~وفعله إذا خالفه نظيره ليس بحجة فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة # وأيضا فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد والتشبه بأهل الكتاب ~~مما نهينا عن التشبه بهم فيه وذلك ذريعة إلى الشرك بالله والشارع قد حسم ~~هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وبالنهي عن اتخاذ ~~القبور مساجد فإذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا ~~الزمان سدا للذريعة فكيف يستحب قصد الصلاة والدعاء في مكان اتفق قيامهم فيه ~~أو صلاتهم فيه من غير أن يكونوا قد قصدوه للصلاة فيه والدعاء فيه ولو ساغ ~~هذا لاستحب قصد جبل حراء والصلاة فيه وقصد جبل ثور والصلاة فيه وقصد ~~الأماكن التي يقال إن الأنبياء قاموا فيها كالمقامين اللذين بجبل قاسيون ~~بدمشق اللذين يقال إنهما مقام إبراهيم وعيسى والمقام الذي يقال إنه مغارة ~~دم قابيل وأمثال ذلك من البقاع التي بالحجاز والشام وغيرهما # ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور فإنه يقال إن هذا مقام نبي أو ~~قبر نبي أو ولي بخبر لا يعرف قائله أو بمنام لا تعرف حقيقته ثم يترتب على ~~ذلك اتخاذه مسجدا فيصير وثنا يعبد من دون الله تعالى شرك مبني على إفك ~~والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب كما يقرن بين الصدق والإخلاص # ولهذا قال النبي صلى الله عليه ms322 وسلم في الحديث الصحيح عدلت شهادة الزور ~~بالإشراك بالله مرتين ثم قرأ قول الله تعالى @QB@ فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به @QE@ # وقال تعالى @QB@ ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم ~~الذين كنتم تزعمون @QE@ PageV01P390 إلى قوله @QB@ وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون @QE@ # وقال تعالى عن الخليل @QB@ إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة ~~دون الله تريدون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة @QE@ إلى قوله ~~@QB@ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار @QE@ @QB@ وضل عنكم ما كنتم تزعمون ~~@QE@ # وقال تعالى @QB@ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم @QE@ إلى قوله # وقال تعالى @QB@ ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم @QE@ إلى قوله @QB@ وضل عنهم ما كانوا يفترون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين ~~يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون @QE@ # وقال تعالى @QB@ إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في ~~الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين @QE@ # قال أبو قلابة هي لكل مبتدع من هذه الأمة إلى يوم القيامة وهو كما قال # فإن أهل الكذب والفرية عليهم من الغضب والذلة ما أوعدهم الله به # والشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء ولهذا فإن كل من كان عن ~~التوحيد والسنة أبعد كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب كالرافضة ~~الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء وأعظمهم شركا فلا يوجد في أهل الأهواء ~~أكذب منهم ولا أبعد عن التوحيد حتى إنهم يخربون مساجد الله التي يذكر فيها ~~اسمه فيعطلونها عن الجمعات والجماعات ويعمرون المشاهد التي أقيمت على ~~القبور التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها والله سبحانه في كتابه إنما أمر ~~بعمارة المساجد لا المشاهد PageV01P391 فقال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن منع ~~مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها @QE@ ولم يقل مشاهد الله # وقال تعالى @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد @QE@ ولم ~~يقل عند كل مشهد # وقال ms323 تعالى @QB@ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من ~~آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى ~~أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ ولم يقل مشاهد الله # بل المشاهد إنما يعمرها من يخشى غير الله ولا يعمرها إلا من فيه نوع من ~~الشرك # وقال تعالى @QB@ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما ~~عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب @QE@ # وقال تعالى @QB@ ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا @QE@ ولم يقل وأن المشاهد لله ~~PageV01P392 وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة بقوله في ~~الحديث الصحيح من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ولم يقل مشهدا # وقال أيضا في الحديث صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه ~~بخمس وعشرين صلاة # وقال أيضا في الحديث الصحيح من تطهر في بيته فأحسن الطهور ثم خرج إلى ~~المسجد لا ينهزه إلا الصلاة كانت خطواته إحداها ترفع درجة والأخرى تحط ~~خطيئة فإذا جلس ينتظر الصلاة فالعبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة والملائكة ~~تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه اللهم اغفر له اللهم ارحمه ~~مالم يحدث # وهذا مما علم بالتواتر والضرورة من دين الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه ~~أمر بعمارة المساجد والصلاة فيها ولم يأمرنا ببناء مشهد لا على قبر نبي ولا ~~على غير قبر نبي ولا على مقام نبي ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم في بلاد الإسلام لا الحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا ~~خراسان ولا مصر ولا المغرب مسجد مبني على قبر ولا مشهد يقصد للزيارة ms324 أصلا ~~ولم يكن أحد PageV01P393 من السلف يأتي قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء ~~عنده ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~عند قبر غيره من الأنبياء وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعلى صاحبيه # واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقبل ~~قبره وتنازعوا عند السلام عليه فقال مالك وأحمد وغيرهما يستقبل قبره ويسلم ~~عليه # وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي وأظنه منصوصا عنه وقال أبو حنيفة بل يستقبل ~~القبلة ويسلم عليه وهكذا في كتاب أصحابه # وقال مالك فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في المبسوط والقاضي عياض وغيرهما ~~لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو ولكن يسلم ويمضي # وقال أيضا في المبسوط لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج أن يقف عند قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ويدعو لأبي بكر وعمر # فقيل له فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه إلا ~~يفعلون ذلك في اليوم مرة وأكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة فقال لم ~~يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح ~~أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلا ~~لمن جاء من سفر أو أراده # وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة ما يوافق هذا ويؤيده من أنهم ~~كانوا إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء والتحية كالصلاة والسلام ~~ويكرهون قصده للدعاء والوقوف عنده للدعاء ومن يرخص منهم في PageV01P394 شيء ~~من ذلك فإنه يرخص فيما إذا سلم عليه ثم أراد الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة ~~إما مستدبر القبر أو منحرفا عنه وهو أن يستقبل القبلة ويدعو ولا يدعو ~~مستقبل القبر وهكذا المنقول عن سائر الأئمة # ليس في ائمة المسلمين من استحب للمار أن يستقبل قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويدعو عنده ms325 # وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه وهي ~~الحكاية التي ذكرها القاضي عياض عن محمد بن حميد قال ناظر أبو جعفر أمير ~~المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك يا أمير ~~المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوما فقال @QB@ لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي @QE@ الآية ومدح قوما فقال @QB@ إن الذين ~~يغضون أصواتهم عند رسول الله @QE@ وذم قوما فقال @QB@ إن الذين ينادونك من ~~وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون @QE@ الآية وإن حرمته ميتا كحرمته حيا ~~فاستكان لها أبو جعفر وقال يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة ~~أبيك آدم إلى يوم القيامة بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك قال الله ~~تعالى @QB@ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله @QE@ الآية # فهذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون ضعيفة أو مغيرة وإما أن تفسر بما ~~يوافق مذهبه إذ قد يفهم منها ما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقات من ~~أصحابه فانه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء وقد نص على أنه ~~لا يقف عند الدعاء مطلقا وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر ويسلم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو مستقبل القبلة ويوليه ظهره وقيل لا يوليه ~~ظهره # فاتفقوا في استقبال القبلة وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت الدعاء ~~PageV01P395 # ويشبه والله أعلم أن يكون مالك رحمه الله سئل عن استقبال القبر عند ~~السلام وهو يسمي ذلك دعاء فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه عند ~~السلام عليه يستقبل القبلة أيضا ومالك يرى استقبال القبر في هذه الحال كما ~~تقدم وكما قال في رواية ابن وهب عنه إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ويدعو ولا يمس القبر بيده # وقد تقدم قوله ms326 إنه يصلي عليه ويدعو له # ومعلوم أن الصلاة عليه والدعاء له يوجب شفاعته للعبد يوم القيامة كما قال ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ~~ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي ~~الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ~~أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة # فقول مالك في هذه الحكاية ان كان ثابتا عنه معناه أنك إذا استقبلته وصليت ~~عليه وسلمت عليه وسألت الله له الوسيلة يشفع فيك يوم القيامة فإن الأمم يوم ~~القيامة يتوسلون إلى الله بشفاعته واستشفاع العبد به في الدنيا هو بطاعته ~~وفعل ما يشفع له به يوم القيامة كسؤال الله له الوسيلة ونحو ذلك # وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدعو ويسلم يعني دعاءه للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وصاحبيه # فهذا الدعاء المشروع هناك كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين وهو ~~الدعاء لهم فإنه أحق الناس أن يصلي عليه ويسلم ويدعي له بأبي هو وأمي صلى ~~الله عليه وسلم # وبهذا تتفق أقوال مالك ويفرق بين الدعاء الذي أحبه والدعاء الذي كرهه ~~وذكر أنه بدعة PageV01P396 # وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية @QB@ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~@QE@ الآية فهي والله أعلم باطلة فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما ~~أعلمه ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~الموت لا استغفارا ولا غيره وكلام مالك المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا # وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي ~~أنه أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتلا هذه الآية وأنشد بيتين % يا خير ~~من دفنت بالقاع أعظمه % فطاب من طيبهن القاع والأكم % % نفسي الفداء لقبر ms327 ~~أنت ساكنه % فيه العفاف وفيه الجود والكرم % $ # ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي واحمد مثل ذلك ~~واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر ~~الذي لو كان مشروعا مندوبا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من ~~غيرهم بل قضاء حاجة مثل هذا الأعرابي وأمثاله لها أسباب قد بسطت في غير هذا ~~الموضع # وليس كل من قضيت حاجته لسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعا مأمورا به فقد ~~كان صلى الله عليه وسلم يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا وتكون ~~المسألة محرمة في حق السائل حتى قال إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها ~~يتأبطها نارا قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم قال يأبون إلا أن يسألوني ~~ويأبى الله لي البخل # وقد يعمل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي عنه ~~فيثاب على حسن قصده ويعفى عنه لعدم علمه وهذا باب واسع # وعاما العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ويحصل له بها ~~PageV01P397 نوع من الفائدة وذلك لا يدل على أنها مشروعة بل لو لم تكن ~~مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهى عنها # ثم هذا الفاعل قد يكون متأولا أو مخطئا مجتهدا أو مقلدا فيغفر له خطؤه ~~ويثاب على ما فعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع كالمجتهد المخطئ ~~وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أنه قد علم أن مالكا من أعلم الناس بمثل هذه الأمور فإنه ~~مقيم بالمدينة يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم ويسمع ما ينقلونه عن الصحابة ~~وأكابر التابعين وهو ينهى عن الوقوف عند القبر للدعاء ويذكر أنه لم يفعله ~~السلف وقد أجدب الناس على عهد عمر رضي الله عنه فاستسقى بالعباس # ففي صحيح البخاري عن أنس أن عمر استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال اللهم ~~إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ~~فاسقنا فيسقون # فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي صلى الله عليه وسلم ms328 في حياته وهو ~~أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم فيدعو لهم ويدعون معه كالإمام والمأمومين ~~من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على ~~بعض بمخلوق ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم توسلوا بدعاء العباس ~~واستسقوا به # ولهذا قال الفقهاء يستحب الاستسقاء بأهل الخير والدين والأفضل أن يكونوا ~~من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد استسقى معاوية بيزيد بن الأسود ~~الجرشي وقال اللهم إنا نستسقي بيزيد بن الأسود يا يزيد ارفع يديك فرفع يديه ~~ودعا ودعا الناس حتى أمطروا وذهب الناس ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر ~~نبي ولا غيره يستسقي عنده ولا به PageV01P398 # والعلماء استحبوا السلام على النبي صلى الله عليه وسلم للحديث الذي في ~~سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من رجل ~~يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام هذا مع ما في النسائي ~~وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن ~~أمتي السلام وفي سنن أبي داود وغيره عنه أنه قال أكثروا من الصلاة علي يوم ~~الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي فقالوا يا رسول الله كيف تعرض ~~صلاتنا عليك وقد أرمت أي بليت فقال إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم ~~الأنبياء # فالصلاة عليه بأبي هو وأمي والسلام عليه مما أمر الله به ورسوله # وقد ثبت في الصحيح أنه قال من صلى علي مرة صلى الله عليه وسلم بها عشرا # والمشروع لنا عند زيارة قبور الأنبياء والصالحين وسائر المؤمنين هو من ~~جنس المشروع عند جنائزهم فكما أن المقصود بالصلاة على الميت الدعاء له ~~فالمقصود بزيارة قبره الدعاء له كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصحيح والسنن والمسند أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول ~~قائلهم السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم ~~الله المستقدمين ms329 منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم ~~لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم # فهذا دعاء خاص للميت كما في دعاء الصلاة على الجنازة الدعاء العام والخاص ~~اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا ~~إنك تعلم متقلبنا ومثوانا أي ثم يخص الميت بالدعاء قال الله تعالى في حق ~~المنافقين @QB@ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا @QE@ الآية # فلما نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليهم والقيام على ~~قبورهم PageV01P399 لأجل كفرهم دل ذلك بطريق التعليل والمفهوم على أن ~~المؤمن يصلي عليه ويقام على قبره ولهذا جاء في السنن أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره ثم يقول سلوا له ~~التثبيت فإنه الآن يسأل # وأما أن يقصد بالزيارة سؤال الميت أو الإقسام على الله به أو استجابة ~~الدعاء عند تلك البقعة فهذا لم يكن من فعل أحد من سلف الأمة ولا الصحابة ~~ولا التابعين لهم بإحسان وإنما حدث ذلك بعد ذلك بل قد كره مالك وغيره من ~~العلماء أن يقول القائل زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم # وقال القاضي عياض كره مالك أن يقال زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وذكرنا عن بعضهم أنه علله بلعنه صلى الله عليه وسلم زوارات القبور # قال القاضي عياض وهذا يرده قوله كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها # وعن بعضهم أن ذلك لما قيل إن الزائر أفضل من المزور قال وهذا أيضا ليس ~~بشيء إذ ليس كل زائر بهذه الصفة وقد ورد في حديث زيارة أهل الجنة لربهم ولم ~~يمنع هذا اللفظ في حقه # قال والأولى أن يقال في ذلك إنما كراهة مالك له لإضافة الزيارة إلى قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لو قال زرنا النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يكرهه لقوله اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد # فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر ms330 والتشبه بأولئك قطعا للذريعة وحسما للباب # قلت غلب في عرف كثير من الناس استعمال لفظ زرنا في زيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين على استعمال لفظ زيارة القبور في الزيارة البدعية الشركية لا في ~~الزيارة الشرعية ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد في زيارة ~~قبر مخصوص ولا روى أحد في ذلك شيئا لا أهل الصحيح ولا السنن PageV01P400 ~~ولا أئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره وإنما روى ذلك من جمع ~~الموضوع وغيره # وأجل حديث روي في ذلك ما رواه الدارقطني وهو ضعيف باتفاق أهل العلم بل ~~الأحاديث المروية في زيارة قبره كقوله من زارني وزار أبي إبراهيم الخليل في ~~عام واحد ضمنت له على الله الجنة و من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في ~~حياتي و من حج ولم يزرني فقد جفاني ونحو هذه الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة # لكن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في زيارة القبور مطلقا بعد أن كان قد ~~نهى عنها كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور ~~فزوروها وفي الصحيح عنه أنه قال استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي ~~واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة # فهذه زيارة لأجل تذكير الآخرة ولهذا يجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك وكان ~~صلى الله عليه وسلم يخرج إلى البقيع فيسلم على موتى المسلمين ويدعو لهم ~~فهذه زيارة مختصة بالمسلمين كما أن الصلاة على الجنازة تختص بالمؤمنين # وقد استفاض عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك ~~لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا # وفي الصحيح أنه ذكرت له أم سلمة كنيسة بأرض الحبشة وذكرت من حسنها ~~وتصاوير فيها فقال أولئك إذا مات فيها الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ~~وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة وهذه في ~~الصحيح PageV01P401 # وفي صحيح مسلم عن ms331 جندب بن عبد الله قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يموت بخمس وهو يقول إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن ~~الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت ~~أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا ~~فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك # وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي ~~حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني # وفي الموطأ وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال اللهم لا تجعل قبري ~~وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد # وفي المسند وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد # ومعنى هذه الأحاديث متواتر عنه صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي وكذلك عن ~~أصحابه # فهذا الذي نهى عنه من اتخاذ القبور مساجد مفارق لما أمر به وشرعه من ~~السلام على الموتى والدعاء لهم فالزيارة المشروعة من جنس الثاني والزيارة ~~المبتدعة من جنس الأول # فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها وعن ~~قصد الصلاة عندها وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء فإنهم قد نهوا عن بناء ~~المساجد على القبور بل صرحوا بتحريم ذلك كما دل عليه النص # واتفقوا أيضا على أنه لا يشرع قصد الصلاة والدعاء عند القبور ولم يقل أحد ~~من أئمة المسلمين إن الصلاة عندها والدعاء عندها أفضل منه في المساجد ~~الخالية عن القبور بل اتفق علماء المسلمين على أن الصلاة والدعاء في ~~المساجد PageV01P402 التي لم تبن على القبور أفضل من الصلاة والدعاء في ~~المساجد التي بنيت على القبور بل الصلاة والدعاء في هذه منهي عنه مكروه ~~باتفاقهم وقد صرح كثير منهم بتحريم ذلك بل وبإبطال الصلاة فيها وإن كان في ~~هذا نزاع # والمقصود هنا أن هذا ليس ms332 بواجب ولا مستحب باتفاقهم بل هو مكروه باتفاقهم ~~والفقهاء قد ذكروا في تعليل كراهة الصلاة في المقبرة علتين # إحداهما نجاسة التراب باختلاطه بصديد الموتى وهذه علة من يفرق بين ~~القديمة والحديثة وهذه العلة في صحتها نزاع لاختلاف العلماء في نجاسة تراب ~~القبور وهي من مسائل الاستحالة وأكثر علماء المسلمين يقولون إن النجاسة ~~تطهر بالاستحالة وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر وأحد القولين في مذهب مالك ~~وأحمد وقد ثبت في الصحيح أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان PageV01P403 ~~حائطا لنبي النجار وكان فيه قبور من قبور المشركين ونخل وخرب فأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالنخيل فقطعت وبالخرب فسويت وبالقبور فنبشت وجعل النخل ~~في صف القبلة فلو كان تراب القبور نجسا لكان ترب قبور المشركين نجسا ولأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بنقل ذلك التراب فإنه لا بد أن يختلط ذلك التراب ~~بغيره # والعلة الثانية ما في ذلك من مشابهة الكفار بالصلاة عند القبور لما يفضي ~~إليه ذلك من الشرك وهذه العلة صحيحة باتفاقهم # والمعللون بالأولى كالشافعي وغيره عللوا بهذه أيضا وكرهوا ذلك لما فيه من ~~الفتنة وكذلك الأئمة من أصحاب أحمد ومالك كأبي بكر الأثرم صاحب أحمد وغيره ~~وعلله بهذه الثانية أيضا وإن كان منهم من قد يعلل بالأولى # وقد قال تعالى @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا ~~يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا @QE@ ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه ~~أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم وصوروا ~~تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم قد ذكر هذا البخاري في صحيحه وأهل ~~التفسير كابن جرير وغيره وأصحاب قصص الأنبياء كوثيمة وغيره # ويبين صحة هذه العلة أنه صلى الله عليه وسلم لعن من يتخذ قبور الأنبياء ~~مساجد ومعلوم أن قبور الأنبياء لا تنبش ولا يكون ترابها نجسا وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم عن نفسه اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد وقال صلى الله عليه ~~وسلم لا تتخذوا قبري عيدا ms333 # فعلم أن نهيه عن ذلك من جنس نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ~~لأن الكفار يسجدون للشمس حينئذ فسد صلى الله عليه وسلم الذريعة وحسم المادة ~~بأن لا يصلى في هذه الساعة وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله PageV01P404 ولا ~~يدعو إلا الله وكذلك نهى عن اتخاذ القبور مساجد وإن كان المصلي عندها لا ~~يصلي إلا لله لئلا يفضي ذلك إلى دعاء المقبورين والصلاة لهم وكلا الأمرين ~~قد وقع # فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ويدعو لها بأنواع الأدعية ~~والتعزيمات ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبته لها ويتحرى ~~الأوقات والأمكنة والأبخرة المناسبة لها في زعمه وهذا من أعظم أسباب الشرك ~~الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى ~~الإسلام وصنف فيه بعض المشهورين كتابا سماه السر المكتوم في السحر ومخاطبة ~~النجوم على مذهب المشركين من الهند والصابئين والمشركين من العرب وغيرهم ~~مثل طمطم الهندي وملكوشا البابلي وابن وحشية وأبي معشر البلخي وثابت بن قرة ~~وأمثالهم ممن دخل في الشرك وآمن بالجبت والطاغوت وهم منتسبون إلى أهل ~~الإسلام كما قال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ~~أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا @QE@ وقد قال غير ~~واحد من السلف الجبت السحر والطاغوت الأوثان وبعضهم قال الشيطان وكلاهما حق # وهؤلاء يجمعون بين الجبت الذي هو السحر و الشرك الذي هو عبادة الطاغوت ~~كما يجمعون بين السحر وعبادة الكواكب وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين ~~الإسلام بل ودين جميع الرسل أنه شرك محرم بل هذا من أعظم أنواع الشرك الذي ~~بعثت الرسل بالنهي عنه ومخاطبة إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه ~~لقومه كانت في نحو هذا الشرك وكذلك قوله تعالى PageV01P405 @QB@ وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ إن ربك عليم حكيم ~~@QE@ # فإن إبراهيم عليه السلام سلك هذه السبيل ms334 لأن قومه كانوا يتخذون الكوكب ~~أربابا يدعونها ويسألونها ولم يكونوا هم ولا أحد من العقلاء يعتقد أن ~~كواكبا من الكواكب خلق السموات والأرض وإنما كانوا يدعونها من دون الله على ~~مذهب هؤلاء المشركين ولهذا قال الخليل عليه السلام @QB@ أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين @QE@ وقال ~~الخليل أيضا @QB@ إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين @QE@ ~~والخليل صلوات الله عليه أنكر شركهم بعبادة الكواكب العلوية وشركهم بعبادة ~~الأوثان التي هي تماثيل وطلاسم لتلك الكواكب أو هي تماثيل لمن مات من ~~الأنبياء والصالحين وغيرهم وكسر الأصنام كما قال تعالى عنه @QB@ فجعلهم ~~جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون @QE@ # والمقصود هنا أن الشرك بعبادة الكواكب وقع كثيرا وكذلك الشرك بالمقبورين ~~من دعائهم والتضرع إليهم والرغبة إليهم ونحو ذلك # فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء ~~لله وحده خالصا عند القبور لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم فكيف إذا ~~وجد ما هو عين الشرك من الرغبة إليهم سواء طلب منهم قضاء الحاجات وتفريج ~~الكربات أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله بل لو أقسم على الله ببعض خلقه ~~من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهي عن ذلك ولو لم يكن عند قبره كما لا يقسم ~~بمخلوق مطلقا وهذا القسم منهي عنه غير منعقدباتفاق الأئمة وهل هو نهي تحريم ~~أو تنزيه على قولين أصحهما أنه نهي تحريم ولم يتنازع العلماء إلا في الحلف ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة فإن فيه قولين في مذهب PageV01P406 أحمد ~~وبعض أصحابه كابن عقيل طرد الخلاف في الحلف بسائر الأنبياء لكن القول الذي ~~عليه جمهور الأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه لا ينعقد اليمين ~~بمخلوق ألبته ولا يقسم بمخلوق ألبته وهذا هو الصواب # والإقسام على الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ينبني على هذا الأصل ~~ففيه هذا النزاع # وقد نقل عن أحمد في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في منسك المروزي ms335 ما ~~يناسب قوله بانعقاد اليمين به لكن الصحيح أنه لا تنعقد اليمين به فكذلك هذا # وأما غيره فما علمت بين الأمة فيه نزاعا بل قد صرح العلماء بالنهي عن ذلك ~~واتفقوا على أن الله تعالى هو الذي يسأل وحده ويقسم عليه بأسمائه وصفاته ~~كما يقسم على غيره بذلك كالأدعية المعروفة في السنن اللهم إني أسألك بأن لك ~~الحمد أنت الله الحنان المنان بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام ~~وفي الحديث الآخر اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ~~ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وفي الحديث الآخر أسألك بكل اسم هو لك سميت ~~به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم ~~الغيب عندك فهذه الأدعية ونحوها هي المشروعة باتفاق العلماء # وأما إذا قال أسألك بمعاقد العز من عرشك فهذا فيه نزاع رخص فيه غير واحد ~~لمجيء الأثر به ونقل عن أبي حنيفة كراهته # قال أبو الحسن القدوري في شرح الكرخي قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف ~~قال أبو حنيفة رحمه الله لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول ~~بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك وهو قول لأبي يوسف قال أبو يوسف بمعقد ~~العز من عرشه هو الله فلا أكره هذا PageV01P407 وأكره بحق فلان أو بحق ~~أنبيائك ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام بهذا الحق يكره # فقد قالوا جميعا فالمسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للمخلوق على الخالق ~~فلا يجوز أن يسأل بما ليس مستحقا عليه ولكن معقد العز من عرشك هل هو سؤال ~~بمخلوق أو بالخالق فيه نزاع بينهم فلذلك تنازعوا فيه وأبو يوسف بلغه الأثر ~~فيه أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدك ~~الأعلى وكلماتك التامة فجوزه لذلك # وقد نازع في هذا بعض الناس وقالوا في حديث أبي سعيد الذي رواه ابن ماجه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء الذي يقوله الخارج إلى ms336 الصلاة اللهم ~~إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فاني لم أخرج اشرا ولا بطرا ~~ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من ~~النار وأن تغفر لي وقد قال تعالى @QB@ واتقوا الله الذي تساءلون به ~~والأرحام @QE@ على قراءة حمزة وغيره ممن خفض الأرحام وقال تفسيرها أي ~~تساءلون به والأرحام كما يقال سألتك بالله وبالرحم # ومن زعم من النحاة أنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا باعادة ~~الجار فإنما قاله لما رأى غالب الكلام بإعادة الجار وإلا فقد سمع من الكلام ~~العربي نثره ونظمه العطف بدون ذلك كما حكى سيبويه ما فيها غيره وفرسه ولا ~~ضرورة هنا كما يدعى مثل ذلك في الشعر ولأنه قد ثبت في الصحيح أن عمر قال ~~اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم ~~نبينا فاسقنا فيسقون # وفي النسائي والترمذي وغيرهما حديث الأعمى الذي صححه الترمذي أنه جاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يدعو الله أن يرد بصره فأمره أن يتوضأ ~~فيصلي ركعتين ويقول اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ~~PageV01P408 # يا محمد يا نبي الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضيها اللهم فشفعه ~~في ودعا الله فرد الله عليه بصره # والجواب عن هذا أن يقال # أولا لا ريب أن الله جعل على نفسه حقا لعباده المؤمنين كما قال تعالى ~~@QB@ وكان حقا علينا نصر المؤمنين @QE@ وكما قال تعالى @QB@ كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة @QE@ # وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل وهو رديفه يا معاذ ~~أتدري ما حق الله على عباده قلت الله ورسوله أعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه ~~ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت الله ~~ورسوله أعلم قال حقهم عليه أن لا يعذبهم فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده ~~الصادق # وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعد الله الصادق وتنازعوا هل يوجب ~~الله ms337 بنفسه على نفسه ويحرم بنفسه على نفسه على قولين # ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه @QB@ كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ ~~وبقوله في الحديث القدسي الصحيح إني حرمت الظلم على نفسي الخ والكلام على ~~هذا مبسوط في موضع آخر # وأما الإيجاب عليه سبحانه وتعالى والتحريم بالقياس على خلقه فهذا قول ~~القدرية وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول وأهل السنة ~~متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه ما شاء كان وما شاء لم ~~يكن وأن العباد لا يوجبون عليه شيئا ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب ~~قال إنه كتب على نفسه الرحمة وحرم الظلم على نفسه لا أن العبد نفسه مستحق ~~على الله شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق فإن الله هو المنعم على العباد ~~بكل خير فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل وهو الميسر لهم الإيمان ~~PageV01P409 والعمل الصالح ومن توهم من القدرية والمعتزلة ونحوهم أنهم ~~يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على المستأجر فهو جاهل في ذلك # وإذا كان كذلك لم تكن الوسيلة إليه إلا بما من به من فضله وإحسانه والحق ~~الذي لعباده هو من فضله وإحسانه ليس من باب المعاوضة ولا من باب ما أوجبه ~~غيره عليه فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك # وإذا سئل بما جعله سببا للمطلوب من التقوى والأعمال الصالحة التي وعد ~~أصحابها بكرامته وأنه يجعل لهم مخرجا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون فيستجيب ~~دعاءهم ومن أدعية عباده الصالحين ومن شفاعة ذوي الوجاهة عنده فهذا سؤال ~~وتسبب بما جعله هو سببا # وأما إذا سئل بشيء ليس هو سببا للمطلوب فإما أن يكون إقساما به عليه فلا ~~يقسم على الله بمخلوق وإما أن يكون سؤالا بما لا يقتضي المطلوب فيكون عديم ~~الفائدة # فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق لهم وبكلماته التامة ~~ورحمته لهم أن ينصرهم ولا يخذلهم وأن يمنعهم ولا يعذبهم وهم وجهاء عنده ~~يقبل من شفاعتهم ودعائهم مالا يقبله من دعاء غيرهم # فإذا قال الداعي أسألك ms338 بحق فلان وفلان لم يدع ربه وهو لم يسأله باتباعه ~~لذلك الشخص ومحبته وطاعته بل بنفس ذاته وما جعله له ربه من الكرامة فهو لم ~~يسأله بسبب يوجب المطلوب # وحينئذ فيقال أما نفس التوسل والتوجه إلى الله ورسوله بالأعمال الصالحة ~~التي أمر بها كدعاء الثلاثة الذين آووا إلى الغار بأعمالهم الصالحة وبدعاء ~~الأنبياء والصالحين وشفاعتهم فهذا مما لا نزاع فيه بل هو من الوسيلة التي ~~أمر الله بها في قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا ~~إليه الوسيلة @QE@ وقوله سبحانه PageV01P410 @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه @QE@ # فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو طلب ما يتوسل به أي يتوصل ويتقرب به إليه ~~سبحانه سواء كان على وجه العبادة والطاعة وامتثال الأمر أو كان على وجه ~~السؤال له والاستعاذة به رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار ولفظ الدعاء ~~في القرآن يتناول هذا وهذا هو الدعاء بمعنى العبادة والدعاء بمعنى المسألة ~~وإن كان كل منهما يستلزم الآخر لكن العبد قد تنزل به النازلة فيكون مقصوده ~~طلب حاجاته وتفريج كربته فيسعى في ذلك بالسؤال والتضرع وإن كان ذلك من ~~العبادة والطاعة ثم يكون في أول الأمر قصده حصول ذلك المطلوب من الرزق ~~والنصر والعافية مطلقا ثم الدعاء والتضرع يفتح له من أبواب الإيمان بالله ~~عز وجل ومعونته ومحبته والتنعم بذكره ودعائه ما يكون هو أحب إليه وأعظم ~~قدرا عنده من تلك الحاجة التي همته وهذا من رحمة الله بعباده يسوقهم ~~بالحاجات الدنيوية إلى المقاصد العلية الدينية # وقد يفعل العبد ابتداء ما أمر به لأجل العبادة لله والطاعة له ولما عنده ~~من محبته والإنابة إليه وخشيته وامتثال أمره وإن كان ذلك يتضمن حصول الرزق ~~والنصر والعافية # وقد قال تعالى @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم @QE@ وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الذي رواه أهل السنن أبو داود وغيره الدعاء هو العبادة ~~ثم قرأ قوله تعالى @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم @QE@ وقد فسر هذا ~~الحديث مع ms339 القرآن بكلا النوعين # قيل ادعوني أي اعبدوني وأطيعوا أمري استجب دعاءكم وقيل سلوني أعطكم وكلا ~~النوعين حق # وفي الصحيحين في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النزول ينزل ~~PageV01P411 ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير ~~فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له حتى ~~يطلع الفجر # فذكر أولا إجابته الدعاء ثم ذكر إعطاء المغفرة للمستغفر # فهذا جلب المنفعة وهذا دفع المضرة وكلاهما مقصود الداعي المجاب # وقال تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون @QE@ وقد روى أن بعض الصحابة قال ~~يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله هذه الآية # فأخبر سبحانه أنه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ثم أمرهم بالاستجابة له ~~وبالإيمان به كما قال بعضهم فليستجيبوا لي إذا دعوتهم وليؤمنوا بي إذا ~~دعوتهم # قالوا وبهذين الشيئين تحصل إجابة الدعوة بكمال الطاعة لألوهيته وبصحة ~~الإيمان بربوبيته فمن استجاب لربه بامتثال أمره ونهيه حصل مقصوده من الدعاء ~~وأجيب دعاؤه كما قال تعالى @QB@ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~ويزيدهم من فضله @QE@ أي يستجيب لهم يقال استجابه واستجاب له # فمن دعاه موقنا أن يجيب دعوة الداعي إذا دعاه أجابه وقد يكون مشركا ~~وفاسقا فإنه سبحانه هو القائل @QB@ وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو ~~قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه @QE@ وهو ~~القائل سبحانه @QB@ وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما ~~نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا @QE@ وهو القائل سبحانه @QB@ قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون @QE@ ~~PageV01P412 # ولكن هؤلاء الذين يستجاب لهم لإقرارهم بربوبيته وأنه يجيب دعاء المضطر ~~إذا دعاه إذا لم يكونوا مخلصين له الدين في عبادته ولا مطيعين له ولرسوله ~~كان ما يعطيهم بدعائهم ms340 متاعا في الحياة الدنيا ومالهم في الآخرة من خلاق # وقال تعالى @QB@ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم ~~جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان ~~عطاء ربك محظورا @QE@ وقد دعا الخليل عليه الصلاة والسلام بالرزق لأهل ~~الإيمان فقال @QB@ وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ~~@QE@ فقال الله تعالى @QB@ ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار ~~وبئس المصير @QE@ # فليس كل من متعه الله برزق ونصر إما إجابة لدعائه وإما بدون ذلك يكون ممن ~~يحبه الله ويواليه بل هو سبحانه يرزق المؤمن والكافر والبر والفاجر وقد ~~يجيب دعاءهم ويعطيهم سؤلهم في الدنيا ومالهم في الآخرة من خلاق # وقد ذكروا أن بعض الكفار من النصارى حاصروا مدينة للمسلمين فنفد ماؤهم ~~العذب فطلبوا من المسلمين أن يزودوهم بماء عذب ليرجعوا عنهم فاشتور ولاة ~~أمر المسلمين وقالوا بل ندعهم حتى يضعفهم العطش فنأخذهم فقام أولئك ~~فاستسقوا ودعوا الله فسقاهم فاضطرب بعض العامة فقال الملك لبعض العارفين ~~أدرك الناس فأمر بنصب منبر له وقال اللهم إنا نعلم أن هؤلاء من الذين تكفلت ~~بأرزاقهم كما قلت في كتابك @QB@ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ~~@QE@ وقد دعوك مضطرين وأنت تجيب المضطر إذا دعاك PageV01P413 فأسقيتهم لما ~~تكفلت به من أرزاقهم ولما دعوك مضطرين لا لأنك تحبهم ولا لأنك تحب دينهم ~~والآن فنريد أن ترينا آية يثبت بها الايمان في قلوب عبادك المؤمنين فأرسل ~~الله عليهم ريحا فأهلكتهم أو نحو هذا # ومن هذا الباب من قد يدعو دعاء معتديا فيه إما بطلب مالا يصلح أو بالدعاء ~~الذي فيه معصية الله من شرك أو غيره فإذا حصل بعض غرضه ظن أن ذلك دليل على ~~أن عمله صالح بمنزلة من أملى له وأمده بالمال والبنين فظن أن ذلك مسارعة له ~~في الخيرات قال تعالى @QB@ أيحسبون أنما نمدهم به من ms341 مال وبنين نسارع لهم ~~في الخيرات بل لا يشعرون @QE@ # وقال تعالى @QB@ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما ~~نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين @QE@ والإملاء إطالة العمر وما في ~~ضمنه من رزق ونصر # وقال تعالى @QB@ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~وأملي لهم إن كيدي متين @QE@ # وهذا باب واسع مبسوط في غير هذا الموضع # وقال تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين @QE@ # والمقصود هنا أن دعاء الله قد يكون دعاء عبادة لله فيثاب العبد عليه في ~~الآخرة مع ما يحصل له في الدنيا وقد يكون دعاء مسألة تقضي به حاجته ثم قد ~~يثاب عليه إذا كان مما يحبه الله وقد لا يحصل له إلا تلك الحاجة وقد يكون ~~سببا لضرر دينه فيعاقب على ما ضيعه من حقوق الله سبحانه وعلى ما تعداه من ~~حدوده # فالوسيلة التي أمر الله بابتغائها إليه تعم الوسيلة في عبادته وفي مسألته ~~PageV01P414 فالتوسل إليه بالأعمال الصالحة التي أمر بها وبدعاء أحياء ~~الأنبياء والصالحين وشفاعتهم ليس هو من باب الإقسام عليه بمخلوقاته # ومن هذا الباب استشفاع الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ~~فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن ~~يدعو لهم في الاستسقاء وغيره # وقول عمر رضي الله عنه إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا ~~وإنا نتوسل إليك بعم نبينا معناه نتوسل إليك بدعائه وشفاعته وسؤاله ونحن ~~نتوسل إليك بدعاء عمه وسؤاله وشفاعته # ليس المراد به إنا نقسم عليك به أو ما يجري هذا المجرى مما يفعله ~~المبتدعون بعد موته وفي مغيبه كما يقول بعض الناس أسألك بجاه فلان عندك ~~ويقولون إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه ويروون حديثا موضوعا إذا ~~سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عريض فإنه لو كان ms342 هذا هو ~~التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه كما ذكر عمر رضي الله عنه لفعلوا ذلك به ~~بعد موته ولم يعدلوا عنه إلى العباس مع علمهم أن السؤال به والإقسام به ~~أعظم من العباس # فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه هو مما يفعله الأحياء دون الأموات وهو ~~التوسل بدعائهم وشفاعتهم فإن الحي يطلب منه ذلك والميت لا يطلب منه شيء لا ~~دعاء ولا غيره # وكذلك حديث الأعمى فإنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ليرد ~~الله عليه بصره فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء أمره فيه أن يسأل الله ~~قبول شفاعة نبيه فيه # فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع فيه وأمره أن يسأل الله ~~قبول شفاعته وأن قوله أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة أي بدعائه ~~وشفاعته كما قال عمر كنا نتوسل إليك بنبينا فلفظ التوجه والتوسل ~~PageV01P415 في الحديثين بمعنى واحد ثم قال يا محمد يا رسول الله إني أتوجه ~~بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم فشفعه في فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه ~~وقوله يا محمد يا نبي الله هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في ~~القلب فيخاطب لشهوده بالقلب كما يقول المصلي السلام عليك أيها النبي ورحمة ~~الله وبركاته والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصوره في نفسه إن لم ~~يكن في الخارج من يسمع الخطاب # فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به والسؤال به فيه إجمال وإشتراك غلط بسببه ~~من لم يفهم مقصود الصحابة يراد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا مثلا أو ~~لكون الداعي مجيبا له مطيعا لأمره مقتديا به فيكون التسبب إما بمحبة السائل ~~له واتباعه له وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته ويراد به الإقسام به والتوسل ~~بذاته فلا يكون التوسل بشيء منه ولا بشيء من السائل بل بذاته أو لمجرد ~~الإقسام به على الله # فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه وكذلك لفظ السؤال بشيء قد يراد به ~~المعنى الأول وهو التسبب به لكونه ms343 سببا في حصول المطلوب وقد يراد به ~~الإقسام # ومن الأول حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار وهو حديث مشهور في ~~الصحيحين وغيرهما فإن الصخرة انطبقت عليهم فقالوا ليدعوا كل رجل منكم بأفضل ~~عمله فقال أحدهم اللهم إنه كانت لي ابنة عم فأحببتها كأشد ما يحب الرجال ~~النساء وأنها طلبت مني مائة دينار فلما أتيتها بها قالت يا عبد الله اتق ~~الله ولا تفض الخاتم الا بحقه فتركت الذهب وانصرفت فإن كنت إنما فعلت ذلك ~~ابتغاء وجهك فافرج عنا فأفرجت فانفرجت لهم فرجة رأوا منها السماء وقال ~~الآخر اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق PageV01P416 ~~قبلهما أهلا ولا مالا فناء بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما ~~فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا ~~فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا ~~غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه ~~الصخرة فانفرجت عنهم غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها وقال الثالث اللهم ~~إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت ~~أجرته حتى كثرت منها الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أد إلي أجري ~~فقلت له كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال يا عبد ~~الله لا تستهزئ بي فقلت أنا لا استهزئ بك فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه ~~شيئا اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت ~~الصخرة فخرجوا يمشون # فهؤلاء دعوا الله سبحانه بصالح الأعمال لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما ~~يتوسل به العبد إلى الله تعالى ويتوجه به إليه ويسأله به لأنه وعد أن ~~يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله @QB@ وقال ربكم ادعوني ~~أستجب لكم @QE@ وهؤلاء دعوه بعبادته وفعل ما أمر به من العمل الصالح وسؤاله ~~والتضرع إليه # ومن هذا ما يذكر عن الفضيل بن عياض أنه أصابه عسر ms344 البول فقال بحبي إياك ~~إلا ما فرجت عني ففرج عنه # وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله أبنها لما قالت اللهم إني ~~آمنت بك وبرسولك وهاجرت في سبيلك وسألت الله أن يحيي ولدها وأمثال ذلك ~~PageV01P417 # وهذا كما قال المؤمنون @QB@ ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن ~~آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع ~~الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف ~~الميعاد @QE@ # فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه وفعل ما يحب من ~~العبودية والطاعة هو من جنس فعل ذلك رجاء لرحمة الله وخوفا من عذابه وسؤال ~~الله بأسمائه وصفاته كقوله أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع ~~السموات والأرض وبأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد ونحو ذلك يكون من باب التسبب فإن كون المحمود المنان يقتضي ~~منته على عباده وإحسانه الذي يحمد عليه # وكونه الأحد الصمد يقتضي توحده في صمديته فيكون هو السيد المقصود الذي ~~يصمد الناس إليه في كل حوائجهم المستغنى عما سواه وكل ما سواه مفتقرون إليه ~~لا غنى بهم عنه وهذا سبب لقضاء المطلوبات # وقد يتضمن ذلك معنى الإقسام عليه بأسمائه وصفاته # وأما قوله في حديث أبي سعيد أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فهذا ~~الحديث رواه عطية العوفي وفيه ضعف # لكن بتقدير ثبوته فهو من هذا الباب فإن حق السائلين عليه سبحانه أنه ~~يجيبهم وحق المطيعين له أن يثيبهم فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إجابته ~~وإثابته فهو من التوسل به والتوجه به ولو قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من ~~صفاته فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله # فصار هذا كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أعوذ برضاك من سخطك ~~وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على ~~نفسك والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة ~~وذلك مما استدلوا ms345 به على أن كلام الله غير مخلوق PageV01P418 ولأنه قد ثبت ~~في الصحيح وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول أعوذ بكلمات ~~الله التامات من شر ما خلق قالوا والاستعاذة لا تكون بمخلوق # فأورد بعض الناس لفظ المعافاة فقال جمهور أهل السنة المعافاة من الأفعال ~~وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم يقولون أن أفعال الله قائمة به وأن ~~الخالق ليس هو المخلوق وهذا قول جمهور أصحاب الشافعي وأحمد ومالك وهو قول ~~أصحاب أبي حنيفة وقول عامة أصحاب أهل الحديث والصوفية وطوائف من أهل الكلام ~~والفلسفة # وبهذا يحصل الجواب عما أوردته المعتزلة ونحوهم من الجهمية نقضا # فإن أهل الإثبات من أهل الحديث وعامة المتكلمة الصفاتية من الكلابية ~~والأشعرية والكرامية وغيرهم استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بأن الصفة ~~إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره واتصف به ذلك المحل لا ~~غيره فإذا خلق الله لمحل علما أو قدرة أو حركة أو نحو ذلك كان هو العالم به ~~القادر به المتحرك به ولم يجز أن يقال أن الرب المتحرك بتلك الحركة ولا هو ~~العالم القادر بالعلم والقدرة المخلوقين بل بما قام به من العلم والقدرة # قالوا فلو كان قد خلق كلاما في غيره كالشجرة التي نادى بها موسى لكانت ~~الشجرة هي المتصفة بذلك الكلام فتكون الشجرة هي القائلة لموسى إنني أنا ~~الله ولكان ما يخلقه الله من إنطاق الجلود والأيدي وتسبيح الحصى وتأويب ~~الجبال وغير ذلك كلاما له كالقرآن والتوراة والإنجيل بل كان كل كلام في ~~الوجود كلامه لأنه خالق كل شيء وهذا قد التزمه مثل صاحب الفصوص وأمثاله من ~~هؤلاء الجهمية الحلولية الاتحادية # فأوردت المعتزلة صفات الأفعال كالعدل والإحسان فإنه يقال إنه عادل محسن ~~بعدل خلقه في غيره وإحسان خلقه في غيره فأشكل ذلك على من PageV01P419 يقول ~~ليس لله فعل قائم به بل فعله هو المفعول المنفصل عنه وليس خلقه إلا مخلوقه # وأما من طرد القاعدة وقال أيضا إن الأفعال قائمة به ولكن المفعولات ms346 ~~المخلوقة هي المنفصلة عنه وفرق بين الخلق والمخلوق فأطرد دليله واستقام # والمقصود هنا أن استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم بعفوه ومعافاته من ~~عقوبته مع أنه لايستعاذ بمخلوق فهي كسؤال الله بإجابته وإثابته وإن كان لا ~~يسأل بمخلوق # ومن قال من العلماء لا يسأل إلا به لا ينافي السؤال بصفاته كما أن الحلف ~~لا يشرع إلا بالله كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت وفي لفظ الترمذي من حلف بغير ~~الله فقد أشرك قال الترمذي حديث حسن # ومع هذا فالحلف بعزة الله ولعمر الله ونحو ذلك مما ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم والحلف به لم يدخل في الحلف بغير الله لأن لفظ الغير قد يراد به ~~المباين المنفصل ولهذا لم يطلق السلف وسائر الأئمة على القرآن وسائر صفات ~~الله أنها غيره ولم يطلقوا عليها أنها ليست غيره لأن لفظا الغير فيه إجمال ~~قد يراد به المباين المنفصل فلا يكون صفة الموصوف أو بعضه داخلا في لفظ ~~الغير وقد يراد به ما يمكن تصوره دون تصور ما هو غير له فيكون غيرا بهذا ~~الاصطلاح ولهذا تنازع أهل النظر في مسمى الغير والنزاع في ذلك لفظي ولكن ~~بسبب ذلك حصل في مسائل الصفات من الشبهات مالا ينجلي إلا بمعرفة ما وقع في ~~الألفاظ من الاشتراك والإبهامات كما قد بسط في غير هذا الموضع PageV01P420 # ولهذا يفرق بين قول القائل الصفات غير الذات وبين قوله صفات الله غير ~~الله فإن الثاني باطل لأن مسمى اسم الله يدخل فيه صفاته بخلاف مسمى الذات ~~فإنه لا يدخل فيه الصفات ولهذا لا يقال صفات الله زائدة عليه سبحانه وإن ~~قيل الصفات زائدة على الذات لأن المراد هي زائدة على ما أثبته المثبتون من ~~الذات المجردة والله تعالى هو الذات الموصوفة بصفاته اللازمة فليس اسم الله ~~متناولا لذات مجردة عن الصفات أصلا ولا يمكن وجود ذلك ولهذا قال أحمد رحمه ~~الله في مناظرته ms347 للجهمية لا نقول الله وعلمه والله وقدرته والله ونوره ولكن ~~نقول الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد وقد بسط في غير هذا الموضع # وأما قول الناس أسألك بالله وبالرحم وقراءة من قرأ @QB@ تساءلون به ~~والأرحام @QE@ فهو من باب التسبب بها فإن الرحم توجب الصلة وتقتضي أن يصل ~~الإنسان قرابته فسؤال السائل بالرحم لغيره متوسل إليه بما يوجب صلته من ~~القرابة التي بينهما ليس هو من باب الإقسام ولا من باب التوسل بما لا يقتضي ~~المطلوب بل هو توسل بما يقتضي المطلوب كالتوسل بدعاء الأنبياء وبطاعتهم ~~وبالصلاة عليهم # ومن هذا الباب ما يروى عن عبد الله بن جعفر أنه قال كنت إذا سألت عليا ~~رضي الله عنه شيئا فلم يعطنيه قلت له بحق جعفر إلا ما أعطيتنيه فيعطينيه أو ~~كما قال # فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر أو من باب قولهم ~~أسألك بحق أنبيائك ونحو ذلك وليس ذلك بل جعفر هو أخو علي وعبد الله هو ابنه ~~وله عليه حق الصلة فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر كما ثبت في الحديث إن من ~~البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أو يولي وقوله إن من برهما بعد موتهما ~~الدعاء لهما والاستغفار لهما وإنفاد عهدهما من بعد موتهما وصلة رحمك التي ~~لا رحم لك إلا من قبلهما PageV01P421 # ولو كان هذا من الباب الذي ظنوه لكان سؤاله لعلي بحق النبي وإبراهيم ~~الخليل ونحوهما أولى من سؤاله بحق جعفر ولكان علي إلى تعظيم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومحبته وإجابة السائل به أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره ~~لكن بين المعنيين فرق # فإن السائل بالنبي طالب به متسبب به فإن لم يكن في ذلك السبب ما يقتضي ~~حصول مطلوبه وإلا كان يسأل ما به باطلا # وإقسام الإنسان على غيره بشيء يكون من باب تعظيم المقسم بالمقسم به وهذا ~~هو الذي جاء به الحديث من الأمر بإبرار المقسم وفي مثل هذا قيل إن من عباد ~~الله من ms348 لو أقسم على الله لأبره # وقد يكون من باب تعظيم المسؤول به # فالأول يشبه ما ذكره الفقهاء في الحلف الذي يقصد به الحض والمنع # والثاني سؤال للمسؤل بما عنده من محبة المسؤل به وتعظيمه ورعاية حقه فإن ~~كان ذلك مما يقتضي حصول مقصود السائل حسن السؤال كسؤال الإنسان بالرحم # ومن هذا سؤال الله بالأعمال الصالحة وبدعاء أنبيائه وشفاعتهم # وأما بمجرد ذوات الأنبياء والصالحين ومحبة الله لهم وتعظيمه لهم ورعايته ~~لحقوقهم التي أنعم بها عليهم فليس في ذلك ما يوجب حصول مقصود السائل إلا ~~بسبب بين السائل وبينهم إما محبتهم وطاعتهم فيثاب على ذلك وإما دعاؤهم له ~~فيستجيب الله شفاعتهم فيه # فالتوسل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين إما بطاعتهم واتباعهم وإما ~~بدعائهم وشفاعتهم أما مجرد دعاء الداعي وتوسله بهم من غير طاعة منه لهم ولا ~~شفاعة منهم له فلا ينفعه وإن أعظم جاه أحدهم عند الله تعالى # وقد بسطت هذه المسائل في غير هذا الموضع PageV01P422 # والمقصود هنا أنه إذا كان السلف والائمة قالوا في سؤال الله بالمخلوق ما ~~قد ذكرنا فكيف بسؤال المخلوق الميت سواء سئل الميت أن يسأل الله أو سئل ~~قضاء الحاجة ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس إما عند قبر الميت وإما مع غيبته ~~وصاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم حسم المادة وسد الذريعة بلعنة من يتخذ ~~قبور الأنبياء والصالحين مساجد وأن لا يصلي عندها لله ولا يسأل إلا الله ~~وحذر أمته ذلك فكيف إذا وقع نفس المحذور من الشرك وأسباب الشرك # وقد تقدم الكلام على الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد # وقد تبين أن أحد من السلف لم يكن يفعل ذلك إلا ما نقل عن ابن عمر أنه كان ~~يتحرى النزول في المواضع التي نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة ~~في المواضع التي صلى فيها حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وصب فضل ~~وضوئه في أصل شجرة ففعل ابن عمر ذلك وهذا من ابن عمر تحر لمثل فعله فإنه ~~قصد أن يفعل مثل فعله في ms349 نزوله وصلاته وصبه للماء وغير ذلك ولم يقصد ابن ~~عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها # والكلام هنا في ثلاث مسائل # أحداها أن التأسي به في صورة الفعل الذي فعله من غير أن يعلم قصده فيه أو ~~مع عدم السبب الذي فعله فهذا فيه نزاع مشهور وابن عمر مع طائفة يقولون بأحد ~~القولين وغيرهم يخالفهم في ذلك والغالب والمعروف عن المهاجرين والأنصار ~~أنهم لم يكونوا يفعلون كفعل ابن عمر رضي الله عنهما وليس هذا مما نحن فيه ~~الآن # ومن هذا الباب أنه لو تحرى رجل في سفره أن يصلي في مكان نزل فيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم وصلى فيه إذا جاء وقت الصلاة فهذا من هذا القبيل # المسألة الثانية أن يتحرى تلك البقعة للصلاة عندها من غير أن يكون ذلك ~~وقتا لصلاته بل أراد أن ينشىء الصلاة والدعاء لأجل البقعة فهذا لم ينقل عن ~~ابن عمر ولا غيره وإن ادعى بعض الناس أن ابن عمر فعله فقد ثبت PageV01P423 ~~عن أبيه عمر أنه نهى عن ذلك وتواتر عن المهاجرين والأنصار أنهم لم يكونوا ~~يفعلون ذلك فيمتنع أن يكون فعل ابن عمر لو فعل ذلك حجة على أبيه وعلى ~~المهاجرين والأنصار # والمسألة الثالثة أن لا تكون تلك البقعة في طريقه بل يعدل عن طريقه إليها ~~إو يسافر إليها سفرا طويلا أو قصيرا مثل من يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو ~~أو يسافر إلى غار ثور ليصلي فيه ويدعو أو يذهب إلى الطور الذي كلم الله ~~عليه موسى عليه السلام ليصلي فيه ويدعو أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من ~~الجبال وغير الجبال التي يقال فيها مقامات الأنبياء وغيرهم أو مشهد مبني ~~على أثر نبي من الأنبياء مثل مكان مبني على نعله ومثل ما في جبل قاسيون ~~وجبل الفتح وجبل طور سيناء الذي ببيت المقدس ونحو هذه البقاع فهذا ما يعلم ~~كل من كان عالما بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه من بعده ~~أنهم لم يكونوا يقصدون شيئا من ms350 هذه الأمكنة فإن جبل حراء الذي هو أطول جبل ~~بمكة كانت قريش تنتابه قبل الإسلام وتتعبد هناك ولهذا قال أبو طالب في شعره ~~% وراق ليرقى في حراء ونازل % $ - # وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان أول ما بدئ به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا ~~إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي غار حراء فيتحنث فيه ~~وهو التعبد الليالي ذوات العدد ثم يرجع فيتزود لذلك حتى فجأه الوحي وهو ~~بغار حراء فأتاه الملك فقال له اقرأ فقال لست بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ ~~مني الجهد ثم أرسلني ثم قال اقرأ فقلت لست بقارئ مرتين أو ثلاثا ثم قال ~~@QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم ~~بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ PageV01P424 فرجع بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ترجف بوادره الحديث بطوله # فتحنثه وتعبده بغار حراء كان قبل المبعث ثم أنه لما أكرمه الله بنبوته ~~ورسالته وفرض على الخلق الإيمان به وطاعته واتباعه أقام بمكة بضع عشرة سنة ~~هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين الذين هم افضل الخلق ولم يذهب هو ولا ~~أحد من أصحابه إلى حراء ثم هاجر إلى المدينة واعتمر أربع عمر عمرة الحديبية ~~التي صده فيها المشركون عن البيت الحرام والحديبية عن يمينك وأنت قاصد مكة ~~إذا مررت بالتنعيم عند المساجد التي يقال إنها مساجد عائشة والجبل الذي عن ~~يمينك يقال له جبل التنعيم والحديبية غربيه ثم إنه اعتمر من العام القابم ~~عمرة القضية ودخل مكة هو وكثير من أصحابه وأقاموا بها ثلاثا ثم لما فتح مكة ~~وذهب إلى ناحية حنين والطائف شرقي مكة فقاتل هوازن بوادي حنين ثم حاصر أهل ~~الطائف وقسم غنائم حنين بالجعرانة فأتى بعمرته من الجعرانة إلى مكة ثم إنه ~~اعتمر عمرته الرابعة مع حجة الوداع وحج معه جماهير المسلمين لم يتخلف عن ~~الحج معه إلا من ms351 شاء الله وهو في ذلك كله لا هو ولا أحد من اصحابه يأتي غار ~~حراء ولا يزوره ولا شيئا من البقاع التي حول مكة ولم يكن هناك إلا بالمسجد ~~الحرام وبين الصفا والمروة وبمنى ومزدلفة وعرفات وصلى الظهر والعصر ببطن ~~عرنة وضربت له القبة - يوم عرفة بنمرة المجاورة لعرفة ثم بعده خلفاءه ~~الراشدين وغيرهم من السابقين الأولين لم يكونوا يسيرون إلى حراء ونحوه ~~للصلاة فيه والدعاء # وكذلك الغار المذكور في القرآن في قوله تعالى @QB@ ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار @QE@ وهو غار بجبل ثور يماني مكة لم يشرع لأمته السفر إليه وزيارته ~~والصلاة فيه والدعاء ولا بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة مسجدا غير ~~المسجد الحرام بل تلك المساجد كلها محدثة مسجد المولد وغيره ولا شرع لأمته ~~زيارة موضع المولد ولا زيارة موضع بيعة العقبة الذي خلف منى وقد بنى هناك ~~مسجد PageV01P425 # ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعا مستحبا يثيب الله عليه لكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم أعلم الناس بذلك وأسرعهم إليه ولكان علم أصحابه ذلك وكان أصحابه ~~أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم ~~أنه من البدع المحدثة التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة # فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم وشرع من الدين مالم ~~يأذن به الله # وإذا كان حكم مقام نبينا صلى الله عليه وسلم في مثل غار حراء الذي ابتدىء ~~فيه بالإنباء والإرسال وأنزل عليه فيه القرآن مع أنه كان قبل الإسلام يتعبد ~~فيه وفي مثل الغار المذكور في القرآن الذي أنزل الله فيه سكينته على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم # فمن المعلوم أن مقامات غيره من الأنبياء أبعد أن يشرع قصدها والسفر إليها ~~لصلاة أو دعاء أو نحو ذلك إذا كانت صحيحة ثابتة فكيف إذا علم أنها كذب أو ~~لم يعلم صحتها # وهذا كما أنه قد ثبت باتفاق أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~حج البيت لم يستلم ms352 من الأركان إلا الركنين اليمانيين فلم يستلم الركنين ~~الشاميين ولا غيرهما من جوانب البيت ولا مقام إبراهيم ولا غيره من المشاعر ~~وأما التقبيل فلم يقبل إلا الحجر الأسود # وقد اختلف في الركن اليماني فقيل يقبله وقيل يستلمه ويقبل يده # وقيل لا يقبله ولا يقبل يده والأقوال الثلاثة مشهورة في مذهب أحمد وغيره # والصواب أنه لا يقبله ولا يقبل يده فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ~~هذا ولا هذا كما تنطق به الأحاديث الصحيحه # ثم هذه مسألة نزاع وأما مسائل الإجماع فلا نزاع بين الأئمة الأربعة ~~ونحوهم من أئمة العلم أنه لا يقبل الركنين الشاميين ولا شيئا من جوانب ~~البيت PageV01P426 فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الركنين ~~اليمانيين وعلى هذا عامة السلف وقد روي أن ابن عباس ومعاوية طافا بالبيت ~~فاستلم معاوية الأركان الأربعة فقال ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لم يستلم إلا الركنين اليمانيين فقال معاوية ليس شيء من البيت متروكا ~~فقال ابن عباس لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة فرجع إليه معاوية # وقد اتفق العلماء على ما مضت به السنة من أنه لا يشرع الاستلام والتقبيل ~~لمقام إبراهيم الذي ذكره الله تعالى في القرآن وقال @QB@ واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى @QE@ # فإذا كان هذا بالسنة المتواترة وباتفاق الأئمة لا يشرع تقبيلها بالفم ولا ~~مسحه باليد فغيره من مقامات الأنبياء أولى أن لا يشرع تقبيلها بالفم ولا ~~مسحها باليد # وأيضا فإن المكان الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه بالمدينة ~~النبوية دائما لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله ولا المواضع التي صلى ~~فيها بمكة وغيرها # فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدميه الكريمتين ويصلي عليه لم يشرع ~~لأمته التمسح به ولا تقبيله فكيف بما يقال أن غيره صلى فيه أو نام عليه # وإذا كان هذا ليس بمشروع في موضع قدميه للصلاة فكيف بالنعل الذي هو موضع ~~قدميه للمشي وغيره هذا إذا كان النقل صحيحا فكيف بما ms353 لا يعلم صحته أو بما ~~لا يعلم أنه كذب كحجارة كثيرة يأخذها الكذابون وينحتون فيها موضع قدم ~~ويزعمون عند الجهال أن هذا موضع قدم النبي صلى الله عليه وسلم # وإذا كان هذا غير مشروع في موضع قدميه وقدمي إبراهيم الخليل الذي لا شك ~~فيه ونحن مع هذا قد أمرنا أن نتخذه مصلى فكيف بما يقال أنه PageV01P427 ~~موضع قدميه كذبا وافتراء عليه كالموضع الذي بصخرة بيت المقدس وغير ذلك من ~~المقامات # فإن قيل قد أمر الله أن تتخذ من مقام إبراهيم مصلى فيقاس عليه غيره # قيل له هذا الحكم خاص بمقام إبراهيم الذي بمكة سواء أريد به المقام عند ~~الكعبة موضع قيام إبراهيم أو أريد به المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى فلا نزاع ~~بين المسلمين أن المشاعر خصت من العبادات بما لم يشركها فيه سائر البقاع ~~كما خص البيت بالطواف فما خصت به تلك البقاع لا يقاس عليها غيرها وما لم ~~يشرع فيها فأولى أن لا يشرع في غيرها # ونحن قد استدللنا على أن ما لم يشرع هناك من التقبيل والاستلام أولى أن ~~لا يشرع في غيرها ولا يلزم أن يشرع في غير تلك البقاع منه مثل ما شرع فيها # ومن ذلك البنيه التي على جبل عرفات التي يقال إنها قبة آدم فإن هذه لا ~~يشرع قصدها للصلاة والدعاء باتفاق العلماء بل نفس رقي الجبل الذي بعرفات ~~الذي يقال له جبل الرحمة واسمه الأول على وزن هلال ليس PageV01P428 مشروعا ~~باتفاقهم وإنما السنة الوقوف بعرفات إما عند الصخرات حيث وقف النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإما بسائر عرفات فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال عرفة ~~كلها موقف وادفعوا عن بطن عرنة # وكذلك سائر المساجد المبنية هناك كالمساجد المبنية عند الجمرات وبجنب ~~مسجد الخيف مسجد يقال له غار المرسلات فيه نزلت سورة المرسلات وفوق الجبل ~~مسجد يقال له مسجد الكبش ونحو ذلك لم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم قصد ~~شيء من هذه البقاع لصلاة ولا دعاء ولا غير ذلك # وأما تقبيل شيء ms354 من ذلك والتمسح به فالأمر فيه أظهر إذ قد علم العلماء ~~بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها ~~وكنت قد كتبتها في منسك كتبته قبل ان أحج في أول عمري لبعض الشيوخ جمعته من ~~كلام العلماء ثم تبين لي أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في ~~الشريعة وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يفعلوا شيئا من ذلك ~~وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع ~~لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف وغير ذلك من العبادات ولم يشرع لنا قصد ~~مسجد بعينه بمكة سواه ولا يصلح أن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام ~~وما يفعله الرجل في مسجد من تلك المساجد من دعاء وصلاة وغير ذلك إذا فعله ~~في المسجد الحرام كان خيرا PageV01P429 له بل هذا سنة مشروعة وأما قصد مسجد ~~غيره هناك تحريا لفضله فبدعة غير مشروعة # وأصل هذا أن المساجد التي تشد الرحال إليها هي المساجد الثلاثة كما ثبت ~~في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي ~~الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا وقد روي هذا من وجوه ~~أخرى وهو حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل العلم متلقى ~~بالقبول عنه # فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها والدعاء والذكر والقراءة ~~والاعتكاف من الاعمال الصالحة وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه ~~باتفاق أهل العلم حتى مسجد قباء يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة ولا ~~يشرع شد الرحال إليه فإن في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا وكان ابن عمر ~~يفعله وفي لفظ ms355 لمسلم فيصلي فيه ركعتين وذكره البخاري بغير إسناد # وذلك أن الله تعالى نهاه عن القيام في مسجد الضرار فقال @QB@ والذين ~~اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ~~ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم ~~فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون ~~أن يتطهروا والله يحب المطهرين أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ~~خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي ~~القوم الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع ~~قلوبهم والله عليم حكيم @QE@ PageV01P430 # وكان مسجد الضرار قد بني لأبي عامر الفاسق الذي كان يقال له أبو عامر ~~الراهب وكان قد تنصر في الجاهلية وكان المشركون يعظمونه فلما جاء الإسلام ~~حصل له من الحسد ما أوجب مخالفته للنبي صلى الله عليه وسلم وفراره إلى ~~الكافرين فقام طائفة من المنافقين يبنون هذا المسجد وقصدوا أن يبنوه لأبي ~~عامر هذا والقصة مشهورة في ذلك فلم يبنوه لأجل فعل ما أمر الله به ورسوله ~~بل لغير ذلك # فدخل في معنى ذلك من بنى أبنية يضاهي بها مساجد المسلمين لغير العبادات ~~المشروعة من المشاهد وغيرها لا سيما إذا كان فيها من الضرار والكفر ~~والتفريق بين المؤمنين والإرصاد لأهل النفاق والبدع المحادين لله ورسوله ما ~~يقوى بها شبهها بمسجد الضرار فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~@QB@ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه @QE@ وكان مسجد قباء ~~أسس على التقوى ومسجده أعظم في تأسيسه على التقوى من مسجد قباء كما ثبت في ~~الصحيحين عنه أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال مسجدي هذا فكلا ~~المسجدين أسس على التقوى ولكن اختص مسجده بأنه أكمل PageV01P431 في هذا ~~الوصف من غيره فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة ويأتي مسجد قباء يوم السبت # وفي السنن عن أسيد بن ms356 حضير الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال الصلاة في مسجد قباء كعمرة رواه ابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن ~~غريب # وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة رواه أحمد ~~والنسائي وابن ماجة # قال بعض العلماء قوله من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء تنبيه على أنه لا ~~يشرع قصده بشد الرحال بل إنما يأتيه الرجل من بيته الذي يصلح أن يتطهر فيه ~~ثم يأتيه فيقصده كما يقصد الرجل مسجد مصره دون المساجد التي يسافر إليها # وأما المساجد الثلاثة فاتفق العلماء على استحباب إتيانها للصلاة ونحوها ~~ولكن لو نذر ذلك هل يجب بالنذر فيه قولان للعلماء # أحدهما أنه لا يجب بالنذر إلا إتيان المسجد الحرام خاصة وهذا أحد قولي ~~الشافعي وهو مذهب أبي حنيفة وبناء على أصله في أنه لا يجب بالنذر إلا ما ~~كان من جنسه واجب بالشرع # والقول الثاني وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما أنه يجب إتيان المساجد ~~الثلاثة بالنذر لكن إن أتى الفاضل أغناه عن إتيان المفضول فإذا نذر إتيان ~~مسجد المدينة ومسجد إيلياء أغناء إتيان المسجد الحرام وإن نذر إتيان مسجد ~~إيلياء أغناه إتيان أحد مسجدي الحرمين # وذلك أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من نذر ~~أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه وهذا يعم كل طاعة سواء كان ~~جنسها واجبا أو لم يكن وإتيان الأفضل إجراء للحديث الوارد في ذلك ~~PageV01P432 # وليس هذا موضع تفصيل هذه المسألة # بل المقصود أنه لا يشرع السفر إلى مسجد غير الثلاثة ولو نذر ذلك لم يجب ~~فعله باتفاق الأئمة وهل عليه كفارة يمين على قولين مشهورين # وليس بالمدينة مسجد يشرع إتيانه إلا مسجد قباء وأما سائر المساجد فلها ~~حكم المساجد العامة ولم يخصها النبي صلى الله عليه وسلم بإتيان ولهذا كان ~~الفقهاء ms357 من أهل المدينة لا يقصدون شيئا من تلك الأماكن إلا قباء خاصة # وفي المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم دعا في مسجد الفتح ثلاثا يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ~~فاستجيب له يوم الاربعاء بين الصلاتين فعرف البشر في وجهه قال جابر فلم ~~ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة وفي ~~إسناد هذا الحديث كثير بن زيد وفيه كلام يوثقه ابن معين تارة ويضعفه أخرى # وهذا الحديث يعمل به طائفة من اصحابنا وغيرهم فيتحرون الدعاء في هذا كما ~~نقل عن جابر ولم ينقل عن جابر رضي الله عنه أنه تحرى الدعاء في المكان بل ~~في الزمان # فإذا كان هذا في المساجد التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وبنيت ~~بإذنه ليس فيها ما يشرع قصده بخصوصه من غير سفر إليه إلا مسجد قباء فكيف ~~بما سواها # | فصل # وأما المسجد الأقصى فهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال وكان ~~المسلمون لما فتحوا بيت المقدس على عهد عمر بن الخطاب حين جاء عمر إليهم ~~فسلم النصارى إليه البلد دخل إليه فوجد على الصخرة زبالة عظيمة جدا كانت ~~النصارى ألقتها عليها معاندة لليهود الذين يعظمون الصخرة ويصلون إليها فأخذ ~~عمر في ثوبه منها وأتبعه المسلمون في ذلك ويقال أنه سخر لها الأنباط ~~PageV01P433 حتى نظفها ثم قال لكعب الأحبار اين ترى أن أبني مصلى المسلمين ~~فقال ابنه خلف الصخرة فقال يا ابن اليهودية خالطتك يهودية أو كما قال فقال ~~عمر ابنيه في صدر المسجد فإن لنا صدور المساجد فبناه في قبلي المسجد وهو ~~الذي يسميه كثير من العامة اليوم الاقصى والأقصى اسم للمسجد كله ولا يسمى ~~هو ولا غيره حرما وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة # وفي وادي وج الذي بالطائف نزاع بين العلماء # فبنى عمر المصلى الذي هو في القبلة ويقال أن تحته درجا كان يصعد منها إلى ~~أمام الأقصى فبناه على الدرج حيث لم يصل إلا ms358 أهل الكتاب ولم يصل عمر ولا ~~المسلمون عند الصخرة ولا تمسحوا بها ولا قبلوها بل يقال أن عمر صلى عند ~~محراب داود عليه السلام الخارج # وقد ثبت أن عبد الله بن عمر كان إذا أتى بيت المقدس دخل إليه وصلى فيه ~~ولا يقرب الصخرة ولا يأتيها ولا يقرب شيئا من تلك البقاع وكذلك نقل عن غير ~~واحد من السلف المعتبرين كعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وسفيان الثوري ~~وغيرهم # وذلك أن سائر بقاع المسجد لا مزية لبعضها عن بعض إلا ما بنى عمر رضي الله ~~عنه لمصلى المسلمين # وإذا كان المسجد الحرام ومسجد المدينة اللذان هما أفضل من المسجد الأقصى ~~بالإجماع فأحدهما قد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال صلاة في ~~مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام والآخر هو المسجد ~~الذي أوجب الله حجه والطواف له فيه وجعله قبلة لعباده المؤمنين ومع هذا ~~فليس فيه ما يقبل بالفم ولا ما يستلم باليد إلا ما جعله الله في الأرض ~~بمنزلة اليمين وهو الحجر الأسود فكيف يكون في المسجد الأقصى ما يستلم أو ~~يقبل # وكانت الصخرة مكشوفة ولم يكن أحد من الصحابة لا ولاتهم ولا علماؤهم يخصها ~~بعبادة وكانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما مع حكمهما ~~PageV01P434 على الشام وكذلك في خلافة علي رضي الله عنه وإن كان لم يحكم ~~عليها ثم كذلك في إمارة معاوية وابنه وابن ابنه # فلما كان في زمن عبد الملك وجرى بينه وبين ابن الزبير من الفتنة ما جرى ~~كان هو الذي بنى القبة على الصخرة وقد قيل أن الناس كانوا يقصدون الحج ~~فيجتمعون بابن الزبير أو يقصدونه بحجة الحج فعظم عبد الملك شأن الصخرة بما ~~بناه عليها وجعل عليها من الكسوة في الشتاء والصيف ليكثر قصد الناس للبيت ~~المقدس فيشتغلوا بذلك عن قصد ابن الزبير والناس على دين الملوك وظهر من ذلك ~~الوقت من تعظيم الصخرة وبيت المقدس ما لم يكن المسلمون يعرفونه بمثل هذا ~~وصار ms359 بعض الناس ينقل الإسرائيليات في تعظيمها حتى روى بعضهم عن كعب الأحبار ~~عند عبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير حاضر أن الله قال للصخرة أنت عرشي ~~الأدنى فقال عروة يقول الله تعالى @QB@ وسع كرسيه السماوات والأرض @QE@ ~~وأنت تقول أن الصخرة عرشه وأمثال هذا # ولا ريب أن الخلفاء الراشدين لم يبنوا هذه القبة ولا كان الصحابة يعظمون ~~الصخرة ولا يتحرون الصلاة عندها حتى ابن عمر رضي الله عنهما مع كونه كان ~~يأتي من الحجاز إلى المسجد الأقصى كان لا يأتي الصخرة # وذلك أنها كانت قبلة ثم نسخت وهي قبلة اليهود فلم يبق في شريعتنا يوجب ~~تخصيصها بحكم كما ليس في شريعتنا ما يوجب تخصيص يوم السبت وفي تخصيصها ~~بالتعظيم مشابه لليهود وقد تقدم كلام العلماء في يوم السبت وعاشوراء ونحو ~~ذلك # وقد ذكر طائفة من متأخري الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن اليمين تغلظ ببيت ~~المقدس بالتحليف عند الصخرة كما تغلظ في المسجد الحرام بالتحليف بين الركن ~~والمقام وكما تغلظ في مسجده صلى الله عليه وسلم بالتحليف عند منبره لكن ليس ~~لهذا أصل في كلام أحمد ولا غيره من الأئمة بل السنة أن تغلظ اليمين ~~PageV01P435 فيه كما تغلظ في سائر المساجد عند المنبر ولا تغلظ اليمين ~~بالتحليف عند ما لم يشرع للمسلمين تعظيمه كما لا تغلظ بالتحليف عند المشاهد ~~ومقامات الأنبياء ونحو ذلك ومن فعل ذلك فهو ضال مبتدع مخالف للشريعة # وقد صنف طائفة من الناس مصنفات من فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التي ~~بالشام وذكروا فيها من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب وعمن أخذ عنهم مالا ~~يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم وأمثل من ينقل عنه تلك الإسرائيليات كعب ~~الأحبار وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيرا من الإسرائيليات وقد قال معاوية ~~رضي الله عنه ما رأينا من هؤلاء المحدثين عن PageV01P436 أهل الكتاب أمثل ~~من كعب وإن كنا لنبلو عليه الكذب أحيانا وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ms360 ولا تكذبوهم فإما ~~أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وإما أن يحدثكم بحق فتكذبوه # ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة المحروسة مع هذه الأمة المعصومة التي ~~لا تجتمع على ضلالة إذا حدث بعض أعيان التابعين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بحديث كعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأبي العالية ونحوهم وهم من ~~خيار علماء المسلمين وأكابر أئمة الدين توقف أهل العلم في مراسيلهم فمنهم ~~من يرد المراسيل مطلقا ومنهم من يتقبلها بشروط ومنهم من يميز بين من عادته ~~أن لا يرسل إلا عن ثقة كسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ومحمد ابن سيرين ~~وبين من عرف عنه أنه قد يرسل عن غير ثقة كأبي العالية والحسن وهؤلاء ليس ~~بين أحدهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا رجل أو رجلان أو ثلاثة مثلا ~~وأما ما يوجد في كتب المسلمين في هذه الأوقات من الأحاديث التي يذكرها صاحب ~~الكتاب مرسلة فلا يجوز الحكم بصحتها باتفاق العلماء إلا أن يعرف أن ذلك من ~~نقل أهل العلم بالحديث الذين لا يحدثون إلا بما صح كالبخاري في المعلقات ~~التي يجوز فيها بأنها صحيحة عنده وما وقفه كقوله وقد ذكر عن بهز بن حكيم عن ~~أبيه عن جده ونحو ذلك فإنه حسن عنده هذا وليس تحت أديم السماء بعد القرآن ~~كتاب أصح من البخاري فكيف بما ينقله كعب الأحبار وأمثاله عن الأنبياء وبين ~~كعب وبين النبي الذي ينقل عنه ألف سنة وأكثر وأقل وهو لم يسند ذلك عن ثقة ~~بعد ثقة بل غايته أن PageV01P437 ينقل عن بعض الكتب التي كتبها شيوخ اليهود ~~وقد أخبر الله عن تبديلهم وتحريفهم فكيف يحل للمسلم أن يصدق شيئا من ذلك ~~بمجرد هذا النقل بل الواجب أن لا يصدق ذلك ولا يكذبه أيضا إلا بدليل يدل ~~على كذبه وهكذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم # وفي هذه الإسرائيليات مما هو كذب على الأنبياء أو ما هو منسوخ في شريعتنا ~~مالا يعلمه إلا الله # ومعلوم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ms361 السابقين الأولين والتابعين ~~لهم بإحسان قد فتحوا البلاد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وسكنوا ~~بالشام والعراق ومصر وغير هذه الأمصار وهم كانوا أعلم بالدين وأتبع له ممن ~~بعدهم وليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه # فما كان من هذه البقاع لم يعظموه أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاة أو دعاء أو ~~نحو ذلك لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك وإن كان بعض من جاء بعدهم من أهل ~~الفضل والذين فعل ذلك لأن اتباع سبيلهم أولى من اتباع سبيل من خالف سبيلهم ~~وما من أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نقل عن غيره ممن هو أعلم منه ~~وأفضل أنه خالف سبيل هذا المخالف وهذه جملة جامعة لا يتسع هذا الموضع ~~لتفصيلها # وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بيت المقدس ليلة ~~الاسراء صلى فيه ركعتين ولم يصل بمكان غيره ولا زاره وحديث المعراج فيه ما ~~هو في الصحيح وفيه ما هو في السنن أو في المسانيد وفيه ما هو ضعيف وفيه ما ~~هو من الموضوعات المختلقات مثل ما يرويه بعضهم فيه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال له جبرائيل هذا قبر أبيك إبراهيم انزل فصل فيه وهذا بيت لحم مولد ~~أخيك عيسى انزل فصل فيه # وأعجب من ذلك أنه قد روي فيه أنه قيل له في المدينة انزل فصل ههنا قبل أن ~~يبني مسجده وإنما كان المكان مقبرة المشركين والنبي PageV01P438 صلى الله ~~عليه وسلم بعد الهجرة إنما نزل هناك لما بركت ناقته هناك فهذا ونحوه من ~~الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة وبيت لحم كنيسة من كنائس النصارى ليس في ~~إتيانها فضيلة عند المسلمين سواء كان مولد عيسى أو لم يكن بل قبر إبراهيم ~~الخليل عليه الصلاة والسلام لم يكن في الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان من ~~يأتيه للصلاة عنده ولا الدعاء ولا كانوا يقصدونه للزيارة أصلا وقد قدم ~~المسلمون إلى الشام غير مرة مع عمر بن الخطاب واستوطن الشام خلائق من ms362 ~~الصحابة وليس فيهم من فعل شيئا من هذا ولم يبن المسلمون عليه مسجدا أصلا ~~لكن لما استولى النصارى على هذه الأمكنة في أواخر المائة الرابعة لما أخذوا ~~البيت المقدس بسبب استيلاء الرافضة على الشام لما كانوا ملوك مصر والرافضة ~~أمة مخذولة ليس لها عقل صحيح ولا نقل صريح ولا دين مقبول ولا دنيا منصورة ~~قويت النصارى وأخذت السواحل وغيرها من الرافضة وحينئذ نقبت النصارى حجرة ~~الخليل صلوات الله عليه وجعلت لها بابا وأثر النقب ظاهر في الباب فكان ~~اتخاذ ذلك معبدا مما أحدثته النصارى ليس من عمل سلف الأمة وخيارها # | فصل # وأصل دين المسلمين أنه لا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة ~~وما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد كما ~~كانوا في الجاهلية يعظمون حراء ونحوه من البقاع هو مما جاء الإسلام بمحوه ~~وإزالته ونسخه # ثم المساجد جميعها تشترك في العبادات فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر ~~المساجد إلا ما خص به المسجد الحرام من الطواف ونحوه فإن خصائص المسجد ~~الحرام لا يشاركه فيها شيء من المساجد كما أنه لا يصلى إلى غيره ~~PageV01P439 # وأما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى فإن ما يشرع فيهما من ~~العبادات يشرع في سائر المساجد كالصلاة والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف ~~ولا يشرع فيهما جنس مالا يشرع في غيرهما لا تقبيل شيء ولا استلامه ولا ~~الطواف به ونحو ذلك لكنهما أفضل من غيرهما فالصلاة فيهما تضاعف على الصلاة ~~في غيرهما # أما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في الصحيح أن الصلاة فيه أفضل ~~من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وروي هذا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من غير وجه # ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد ~~الحرام فإني آخر الأنبياء ومسجدي آخر المساجد # وفي صحيح مسلم عن ابن ms363 عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام # وفي مسلم أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إن امرأة اشتكت شكوى ~~فقالت إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس فبرأت ثم تجهزت تريد ~~الخروج فجاءت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتها بذلك فقالت ~~اجلسي فكلي ما صنعت وصلي في مسجد الرسول فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة # وفي المسند عن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد ~~الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي بمائة صلاة قال أبو ~~عبد الله المقدسي إسناده على رسم الصحيح PageV01P440 # ولهذا جاءت الشريعة بالاعتكاف الشرعي في المساجد بدل ما كان يفعل قبل ~~الإسلام من المجاورة بغار حراء ونحوه فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف ~~العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله # والاعتكاف من العبادات المشروعة بالمساجد باتفاق الأئمة كما قال تعالى ~~@QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ أي في حال عكوفكم في ~~المساجد لا تباشروهن وإن كانت المباشرة خارج المسجد ولهذا قال الفقهاء إن ~~ركن الاعتكاف لزوم المسجد لعبادة الله ومحظوره الذي يبطله مباشرة النساء # فأما العكوف والمجاورة عند شجرة أو حجر تمثال أو غير تمثال أو العكوف ~~والمجاورة عند قبر نبي أو غير نبي أو مقام نبي أو غير نبي فليس هذا من دين ~~المسلمين بل هو من جنس دين المشركين الذين أخبر الله عنهم بما ذكره في ~~كتابه حيث قال @QB@ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال ~~لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها ~~عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين قالوا أجئتنا ms364 بالحق أم أنت ~~من اللاعبين قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من ~~الشاهدين وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا إلا ~~كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون @QE@ # وقال تعالى @QB@ واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ~~قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم ~~أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون ~~أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين ~~والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي ~~أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل ~~لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من ~~الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم @QE@ PageV01P441 # وقال تعالى @QB@ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على ~~أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ~~إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون @QE@ # فهذا عكوف المشركين وذاك عكوف المسلمين # فعكوف المؤمنين في المساجد لعبادة الله وحده لا شريك له وعكوف المشركين ~~على ما يرجونه ويخافونه من دون الله ومن يتخذونهم شركاء لله وشفعاء عند ~~الله # فإن المشركين لم يكن أحد منهم يقول إن العالم له خالقان ولا إن الله معه ~~إله يساويه في صفاته هذا لم يقله أحد من المشركين بل كانوا يقرون بأن خالق ~~السموات والأرض واحد كما أخبر الله عنهم بقوله @QB@ ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ وقوله تعالى @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها ~~إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب ~~العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ~~ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون ms365 لله قل فأنى تسحرون @QE@ # وكانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ~~فقال تعالى @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من ~~شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم @QE@ # وكانوا يتخذون آلهتهم وسائط تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم كما قال ~~PageV01P442 تعالى @QB@ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى @QE@ وقال تعالى @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء ~~قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك ~~السماوات والأرض @QE@ # وقال تعالى @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض @QE@ # وقال تعالى عن صاحب يس @QB@ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ~~أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون ~~إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد ~~تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ # وقال تعالى @QB@ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من ~~دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون @QE@ # وهذا الموضع افترق الناس فيه ثلاث فرق طرفان ووسط # فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب كالنصارى ومبتدعة هذه الأمة ~~اثبتوا الشفاعة اليت نفاها القرآن # والخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل ~~الكبائر من أمته بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع الانسان بشفاعة غيره ~~ودعائه كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه عنه وأنكروا الشفاعة بقوله ~~تعالى @QB@ من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة @QE@ وبقوله ~~تعالى @QB@ ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع @QE@ وغير ذلك ms366 PageV01P443 # وأما سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة فأثبتوا ما جاءت ~~به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم من شفاعته لأهل الكبائر من أمته وغير ~~ذلك من أنواع شفاعاته وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة # وقالوا إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد وأقروا بما جاءت به ~~السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته والصدقة عنه بل والصوم عنه في ~~أصح قولي العلماء كما ثبتت به السنة الصحيحة الصريحة وما كان في معنى الصوم # وقالوا إن الشفيع يطلب من الله ويسأله ولا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه ~~قال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ وقال @QB@ ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى @QE@ وقال @QB@ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا ~~إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ # وقد ثبت في الصحيح أن سيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم إذا طلبت منه ~~الشفاعة بعد أن تطلب من آدم وأولي العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى فيردونها ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم العبد الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر قال فأذهب إلى ربي فإذا رأيته خررت له ساجدا فأحمد ربي بمحامد يفتحها ~~علي لا أحسنها الآن فيقول أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع ~~فاقول رب أمتي رب أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة # وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ # قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون العزير والمسيح والملائكة فأنزل الله ~~PageV01P444 هذه الآية وقد أخبر فيها أن هؤلاء المسؤلين كانوا يتقربون إلى ~~الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه # وقد ثبت في الصحيح أن أبا هريرة قال يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك ~~يوم القيامة قال يا أبا هريرو لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد ~~أولى منك ms367 لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من ~~قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله # فكلما كان الرجل أتم إخلاصا لله كان أحق بالشفاعة # وأما من علق قلبه بأحد من المخلوقين يرجوه ويخافه فهذا من أبعد الناس عن ~~الشفاعة # فشفاعة المخلوق عند المخلوق تكون بإعانة الشافع للمشفوع له بغير إذن ~~المشفوع عنده بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه وإما لخوفه منه فيحتاج ~~أن يقبل شفاعته عنده والله تعالى غني عن العالمين وهو وحده سبحانه يدبر ~~العالمين كلهم فما من شفيع إلا من بعد إذنه فهو الذي يأذن للشفيع في ~~الشفاعة وهو يقبل شفاعته كما يلهم الداعي الدعاء ثم يجيب دعاءه فالأمر كله ~~له # فإذا كان العبد يرجو شفيعا من المخلوقين فقد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع ~~له وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة ولا يقبل شفاعته # وأفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ثم إبراهيم وقد امتنع النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يستغفر لعمه أبي طالب بعد أن قال لأستغفرن لك مالم أنه ~~عنك وقد صلى على المنافقين ودعا لهم فقيل له @QB@ ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا ولا تقم على قبره @QE@ وقال الله له أولا @QB@ إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة فلن يغفر الله لهم @QE@ فقال لو أعلم اني لو زدت على السبعين يغفر لهم ~~لزدت فأنزل الله @QB@ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر ~~الله لهم @QE@ PageV01P445 # وقال تعالى @QB@ فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم ~~لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك ~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود @QE@ # ولما استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه بعد وعده بقوله @QB@ ربنا اغفر لي ~~ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب @QE@ قال تعالى @QB@ قد كانت لكم أسوة ~~حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من ~~دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ms368 العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك @QE@ وقال تعالى @QB@ ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما ~~تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه @QE@ # والله سبحانه له حقوق لا يشركه فيها غيره وللرسل حقوق لا يشركهم فيها ~~غيرهم وللمؤمنين على المؤمنين حقوق مشتركة # ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال كنت رديف النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال لي يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد قلت الله ورسوله ~~أعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا يا معاذ أتدري ما حق ~~العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت الله ورسوله أعلم قال حقهم عليه أن لا ~~يعذبهم # فالله تعالى مستحق أن يعبد لا يشرك به شيء وهذا هو أصل التوحيد الذي بعث ~~الله به الرسل وأنزلت به الكتب # قال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ PageV01P446 وقال تعالى @QB@ ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ # ويدخل في ذلك أن لا نخاف إلا إياه ولا نتقي إلا إياه كما قال تعالى @QB@ ~~ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون @QE@ # فجعل الطاعة لله وللرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده وكذلك قال تعالى ~~@QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله ~~من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون @QE@ # فجعل الإيتاء لله وللرسول كما قال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا @QE@ فالحلال ما حلله الرسول والحرام ما حرمه الرسول ~~والدين ما شرعه الرسول # وجعل التحسب بالله وحده فقال تعالى @QB@ وقالوا حسبنا الله @QE@ ولم يقل ~~ورسوله كما قال تعالى @QB@ الذين قال لهم ms369 الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين @QE@ أي حسبك وحسب من اتبعك ~~الله فهو وحده كافيكم ومن ظن أن معناها حسبك الله والمؤمنون فقد غلط غلطا ~~عظيما لوجوه كثيرة مبسوطة في غير هذا الموضع # ثم قال وقالوا @QB@ سيؤتينا الله من فضله ورسوله @QE@ فجعل الفضل لله ~~وذكر الرسول في الإيتاء لأنه لا يباح إلا ما أباحه الرسول فليس لأحد أن ~~يأخذ كل ما تيسر له إن لم يكن مباحا في الشريعة # ثم قال @QB@ إنا إلى الله راغبون @QE@ فجعل الرغبة إلى الله وحده دون ما ~~سواه كما قال تعالى في سورة الإنشراح @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ~~@QE@ فأمر بالرغبة إليه # ولم يأمر الله قط مخلوقا أن يسأل مخلوقا وإن كان قد أباح ذلك في بعض ~~PageV01P447 المواضع لكنه لم يأمر به بل الأفضل للعبد أن لا يسأل قط إلا ~~الله كما ثبت في الصحيح في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب هم الذين لا ~~يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فجعل من صفاتهم أنهم لا ~~يسترقون أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم ولم يقل لا يرقون وإن كان ذلك قد ~~روي في بعض طرق مسلم فهو غلط فإن النبي صلى الله عليه وسلم رقى نفسه وغيره ~~لكنه لم يسترق فالمسترقي طالب الدعاء من غيره بخلاف الراقي لغيره فإنه داع ~~له # وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت ~~فاستعن بالله # فالله هو الذي يتوكل عليه ويستعان به ويستغاث به ويخاف ويرجى ويعبد وتنيب ~~القلوب إليه لا حول ولا قوة إلا به ولا منجى منه إلا إليه والقرآن كله يحقق ~~هذا الأصل # والرسول صلى الله عليه وسلم يطاع ويحب ويرضى به ويسلم إليه حكمه ويعزر ~~ويوقر ويتبع ويؤمن به وبما جاء به قال تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول ms370 إلا ليطاع بإذن الله @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ والله ورسوله أحق أن يرضوه @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره @QE@ # وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال ثلاث من كن فيه وجد حلاة ~~الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه ~~إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن ~~يلقى في النار وقال والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون PageV01P448 ~~أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين وقال له عمر يا رسول الله لأنت أحب ~~إلي من كل شيء إلا من نفسي قال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال ~~فلأنت أحب إلي من نفسي قال الآن يا عمر # وقال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا ~~بالله ورسوله @QE@ أو تعزروه وتوقروه أي الرسول خاصة وتسبحوه بكرة وأصيلا ~~أي تسبحوا الله تعالى # فالإيمان بالله والرسول والتعزير والتوقير للرسول والتسبيح لله وحده # وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع # وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بتحقيق التوحيد وتجريده ونفي ~~الشرك بكل وجه حتى في الألفاظ كقوله صلى الله عليه وسلم لا يقولن أحدكم ما ~~شاء الله وشاء محمد بل ما شاء الله ثم شاء محمد وقال له رجل ما شاء الله ~~وشئت فقال أجعلتني لله ندا قل ما شاء الله وحده # والعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين كله لله تحقيقا لقوله ~~تعالى @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ # فالصلاة لله وحده والصدقة لله وحده والصيام لله وحده والحج لله وحده إلى ~~بيت الله وحده فالمقصود من الحج عبادة الله وحده في البقاع ms371 التي أمر الله ~~بعبادته فيها ولهذا كان الحج شعار الحنيفية حتى قال طائفة من السلف حنفاء ~~لله أي حجاجا فإن اليهود والنصارى لا يحجون البيت # قال طائفة من السلف لما أنزل الله تعالى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا ~~فلن يقبل منه @QE@ قالت اليهود والنصارى نحن مسلمون فأنزل الله تعالى ~~PageV01P449 @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا @QE@ ~~فقالوا ألا نحج فقال تعالى @QB@ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين @QE@ # وقوله تعالى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا @QE@ الآية عام في الأولين ~~والآخرين بأن دين الإسلام هو دين الله الذي جاء به أنبياؤه وعليه عبادة ~~المؤمنون كما ذكر الله ذلك في كتابه من أول رسول بعثه إلى أهل الأرض نوح ~~وإبراهيم وإسرائيل وموسى وسليمان وغيرهم من الأنبياء والمؤمنين # قال الله تعالى في حق نوح @QB@ واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم ~~إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم ~~وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون فإن توليتم ~~فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين @QE@ # وقال تعالى في إبراهيم وإسرائيل @QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه ~~نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه ~~أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله ~~اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب ~~الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون @QE@ # وقال تعالى عن يوسف @QB@ رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين @QE@ # وقال تعالى عن موسى وقومه @QB@ وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله ~~فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين @QE@ PageV01P450 # وقال في أنبياء بني إسرائيل @QB@ إنا أنزلنا التوراة ms372 فيها هدى ونور يحكم ~~بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار @QE@ الآية # وقال تعالى عن بلقيس @QB@ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين @QE@ # وقال تعالى عن أمة عيسى @QB@ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون @QE@ # وقال تعالى عنهم أيضا @QB@ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا ~~مع الشاهدين @QE@ # وقال تعالى @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ # وقال تعالى @QB@ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك ~~أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ~~فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ # وقد فسر إسلام الوجه لله بما يتضمن إخلاص قصد العبد لله بالعبادة له وحده ~~وهو محسن بالعمل الصالح المشروع المأمور به # وهذان الأصلان جماع الدين أن لا نعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع لا ~~نعبده بالبدع # وقال تعالى @QB@ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا @QE@ # وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله ~~لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا # قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ قال ~~أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي ما اصوبه وأخلصه قال إن العمل إذا كان ~~PageV01P451 خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم ~~يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة # وهذان الأصلان هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس الإسلام شهادة أن لا ~~إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله فإن الشهادة لله بأنه لا إله إلا ~~هو تتضمن إخلاص الألوهية له فلا يجوز أن يتأله القلب غيره لا بحب ولا خوف ~~ولا رجاء ولا إجلال ولا إكبار ولا رغبة ولا رهبة بل لا بد أن يكون الدين ~~كله لله كما ms373 قال تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ~~@QE@ # فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغيره كان في ذلك من الشرك بحسب ذلك # وكمال الدين كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من أحب لله وأبغض ~~لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان # فالمؤمنون يحبون الله ولله والمشركون يحبون مع الله كما قال تعالى @QB@ ~~ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله @QE@ # والشهادة بأن محمدا رسول الله تتضمن تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ~~ما أمر فما أثبته وجب إثباته وما نفاه وجب نفيه كما يجب على الخلق أن ~~يثبتوا ما أثبته الرسول لربه من الأسماء والصفات وينفوا عنه ما نفاه عنه من ~~مماثلة المخلوقات فيخلصون من التعطيل والتمثيل ويكونون على خير عقيدة في ~~إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به وأن ينتهوا ~~عما نهاهم عنه ويحللوا ما أحله ويحرموا ما حرمه فلا حرام إلا ما حرمه الله ~~ورسوله ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله ولهذا ذم الله المشركين في سورة ~~PageV01P452 الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرموا مالم يحرمه الله ~~ولكونهم شرعوا دينا لم يأذن به الله كما في قوله تعالى @QB@ وجعلوا لله مما ~~ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا @QE@ إلى آخر السورة # وما ذكر الله في صدر سورة الأعراف وكذلك قوله تعالى @QB@ أم لهم شركاء ~~شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ # وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا @QE@ فأخبره أنه أرسله داعيا ~~إليه بإذنه # فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك ومن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع والشرك ~~بدعة والمبتدع يؤول إلى الشرك ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما ~~قال تعالى @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ms374 عما يشركون ~~@QE@ # وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال ~~فأطاعوهم # وقد قال تعالى @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون @QE@ # فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما حرمه الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق # والمؤمنون صدقوا الرسول فيما أخبر به عن الله وعن اليوم الآخر فآمنوا ~~بالله واليوم الآخر وأطاعوه فيما أمر ونهى وحلل وحرم فحرموا ما حرم الله ~~ورسوله ودانوا دين الحق فإن الله بعث الرسول يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فأمرهم بكل معروف ونهاهم عن ~~كل منكر وأحل لهم كل طيب وحرم عليهم كل خبيث PageV01P453 # ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد ويتضمن الإخلاص مأخوذ من قوله ~~تعالى @QB@ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل @QE@ ~~فلا بد في الإسلام من الاستسلام لله وحده وترك الاستسلام لما سواه وهذا ~~حقيقة قولنا لا إله إلا الله فمن استسلم لله ولغير الله فهو مشرك والله لا ~~يغفر أن يشرك به ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته وقد قال تعالى @QB@ ~~وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين @QE@ # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال لا يدخل الجنة من في قلبه ~~مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان فقيل له يا ~~رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن الكبر ذلك قال لا ~~إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس بطر الحق جحده ودفعه ~~وغمط الناس ازدراؤهم واحتقارهم # فاليهود موصوفون بالكبر والنصارى موصوفون بالشرك # قال الله تعالى في نعت اليهود @QB@ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم @QE@ # وقال في نعت النصارى @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما ms375 أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون @QE@ PageV01P454 # ولهذا قال تعالى في سياق الكلام مع النصارى @QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون @QE@ # وقال تعالى في سياق تقريره للإسلام وخطابه لأهل الكتاب @QB@ قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما هم في شقاق @QE@ إلى قوله @QB@ وما الله بغافل عما تعملون @QE@ # ولما كان أصل الدين الذي هو دين الإسلام واحدا وإن تنوعت شرائعه قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد ~~والأنبياء إخوة لعلات و إن أولى الناس بابن مريم لأنا فليس بيني وبينه نبي # فدينهم واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له وهو يعبد في كل وقت بما أمر ~~به في ذلك الوقت وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت # وتنوع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع كتنوع الشريعة الواحدة فكما ~~أن دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم هو دين واحد مع ~~أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيت المقدس في الصلاة كما أمر النبي ~~المسلمين بذلك بعد الهجرة ببضعة عشر شهرا وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة ~~ويحرم استقبال الصخرة PageV01P455 # فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من أوقاته ولهذا شرع الله تعالى ~~لبني إسرائيل السبت ثم نسخ ذلك وشرع لنا الجمعة فكان الاجتماع يوم السبت ~~واجبا إذ ذاك ثم صار الواجب هو الاجتماع يوم الجمعة وحرم الاجتماع يوم ~~السبت # فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلما ومن لم يدخل في شريعة محمد ~~صلى الله عليه وسلم بعد النسخ لم يكن ms376 مسلما # ولم يشرع الله لنبي من الأنبياء أن يعبد غير الله البتة قال تعالى @QB@ ~~شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم ~~إليه @QE@ # فأمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه # وقال تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون @QE@ # وقال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ # ثم قال @QB@ منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ~~من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ # فأهل الإشراك متفرقون وأهل الإخلاص متفقون # وقد قال تعالى @QB@ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم @QE@ ~~فأهل الرحمة مجتمعون متفقون والمشركون فرقوا دينهم وكانوا شيعا # ولهذا تجد ما أحدث من الشرك والبدع يفترق أهله فكان لكل قوم من مشركي ~~العرب طاغوت يتخذونه ندا من دون الله فيقربون له ويستعينون به ويشركون به ~~وهؤلاء ينفرون عن طاغوت هؤلاء وهؤلاء ينفرون عن طاغوت هؤلاء بل قد يكون ~~لأهل هذا الطاغوت شريعة ليست للآخرين PageV01P456 كما كان أهل المدينة ~~يهلون لمناة الثالثة الأخرى ويتحرجون من الطواف بين الصفا والمروة حتى أنزل ~~الله تعالى @QB@ إن الصفا والمروة من شعائر الله @QE@ الآية # وهكذا تجد من يتخذ شيئا من نحو هذا الشرك كالذين يتخذون القبور وآثار ~~الأنبياء والصالحين مساجد تجد كل قوم يقصدون بالدعاء والاستعانة والتوجه من ~~لا تعظمه الطائفة الأخرى بخلاف أهل التوحيد فإنهم يعبدون الله وحده ولا ~~يشركون به شيئا في بيوته التي قد أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه مع أنه ~~قد جعل لهم الأرض كلها مسجدا وطهورا وإن حصل بينهم تنازع في شيء مما يسوغ ~~فيه الاجتهاد لم يوجب ذلك لهم تفرقا ولا اختلافا بل هم يعلمون أن المصيب ~~منهم له ms377 أجران وأن المجتهد المخطيء له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور له ~~والله هو معبودهم وحده إياه يعبدون وعليه يتوكلون وله يخشون ويرجون وبه ~~يستعينون ويستغيثون وله يدعون ويسألون فإن خرجوا إلى الصلاة في المساجد ~~كانوا مبتغين فضلا منه ورضوانا كما قال تعالى في نعتهم @QB@ تراهم ركعا ~~سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا @QE@ # وكذلك إذا سافروا إلى أحد المساجد الثلاثة لا سيما المسجد الحرام الذي ~~أمروا بالحج إليه قال تعالى @QB@ لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا ~~الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا @QE@ ~~فهم يؤمون بيته يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا لا يرغبون إلى غيره ولا يرجون ~~سواه ولا يخافون إلا إياه # وقد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم واستزلهم عن إخلاص الدين لربهم ~~إلى أنواع من الشرك فيقصدون بالسفر والزيارة رضى غير الله والرغبة إلى غيره ~~ويشدون الرحال إما إلى قبر نبي أو صاحب أو صالح أو ما يظنون أنه نبي أو ~~صاحب أو صالح داعين له راغبين إليه # ومنهم من يظن أن المقصود من الحج هو هذا فلا يستشعر إلا قصد المخلوق ~~المقبور PageV01P457 # ومنهم من يرى أن ذلك أنفع له من حج البيت # ومن شيوخهم من يقصد حج البيت فإذا وصل إلى المدينة رجع مكتفيا بزيارة ~~القبر وظن أن هذا أبلغ # ومن جهالهم من يتوهم أن زيارة القبور واجبة # وأكثرهم يسأل الميت المقبور كما يسأل الحي الذي لا يموت فيقول يا سيدي ~~فلان اغفر لي وارحمني وتب علي أو يقول اقض عني الدين وانصرني على فلان وأنا ~~في حسبك وجوارك # وقد ينذرون أولادهم للمقبور ويسيبون له السوائب من البقر والغنم وغيرها ~~كما كان المشركون يسيبون السوائب لطواغيتهم قال تعالى @QB@ ما جعل الله من ~~بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام @QE@ وقال تعالى @QB@ وجعلوا لله مما ~~ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان ~~لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ms378 ما يحكمون ~~@QE@ # ومن السدنة من يضلل الجهال فيقول أنا أذكر حاجتك لصاحب الضريح وهو يذكرها ~~للنبي يذكرها لله # ومنهم من يعلق على القبر المكذوب أو غير المكذوب من الستور والثياب ويضع ~~عنده من مصوغ الذهب والفضة مما قد أجمع المسلمون على أنه من دين المشركين ~~وليس من دين الإسلام والمسجد الجامع معطل خراب صورة ومعنى # وما أكثر من يعتقد من هؤلاء أن صلاته عند القبر المضاف إلى بعض المعظمين ~~مع أنه كذب في نفس الأمر أعظم من صلاته في المساجد الخالية من القبور ~~والخالصة لله فيزدحمون للصلاة في مواضع الإشراك المبتدعة التي نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن اتخاذها مساجد وإن كانت على قبور الأنبياء ~~PageV01P458 ويهجرون الصلاة في البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه والتي قال فيها @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين @QE@ # ومن أكابر شيوخهم من يقول الكعبة في الصلاة قبلة العامة والصلاة إلى قبر ~~الشيخ فلان مع استدبار الكعبة قبلة الخاصة # وهذا وأمثاله من الكفر الصريح باتفاق علماء المسلمين # وهذه المسائل التي تحتمل من البسط وذكر أقوال العلماء فيها ودلائلها أكثر ~~مما كتبناه في هذا المختصر # وقد كتبنا في ذلك في غير هذا الموضع مالا يتسع له هذا الموضع # وإنما نبهنا فيه على رؤس المسائل وحبس الدلائل والتنبيه على مقاصد ~~الشريعة وما فيها من إخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له وما سدته من ~~الذريعة إلى الشرك دقه وجله فإن هذا هو أصل الدين وحقيقة دين المرسلين ~~وتوحيد رب العالمين # وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام ومن أهل الإرادة ~~والعبادة حتى قلبوا حقيقته في نفوسهم # فطائفة ظنت أن التوحيد هو نفي الصفات بل نفي الأسماء الحسنى أيضا وسموا ~~أنفسهم أهل التوحيد وأثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات ووجودا مطلقا بشرط ~~الإطلاق وقد علم بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول أن ذلك لا يكون إلا ms379 ~~في الأذهان لا في الأعيان وزعموا أن إثبات الصفات يستلزم ما سموه تركيبا ~~وظنوا أن العقل ينفيه كما قد كشفنا أسرارهم وبينا فرط جهلهم وما أضلهم من ~~الألفاظ المجملة المشتركة في غير هذا الموضع PageV01P459 وطائفة ظنوا أن ~~التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية وأن الله خلق كل شيء وهو الذي ~~يسمونه توحيد الأفعال # ومن أهل الكلام من أطال نظره في تقرير هذا الموضع إما بدليل أن الاشتراك ~~يوجب نقص القدرة وفوات الكمال وبأن استقلال كل من الفاعلين بالمفعول محال ~~وإما بغير ذلك من الدلائل ويظن أنه بذلك قرر الوحدانية وأثبت أنه لا إله ~~إلا هو وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع ونحو ذلك فإذا ثبت أنه لا يقدر ~~على الاختراع إلا الله وأنه لا شريك له في الخلق كان هذا عندهم هو معنى ~~قولنا لا إله إلا الله ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا التوحيد ~~كما قال تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا ~~تذكرون @QE@ الآيات وقال تعالى @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ~~@QE@ قال ابن عباس وغيره تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم مع ~~هذا يعبدون غيره # وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب لكن لا يحصل به كل الواجب ولا يخلص ~~بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر الذي لا يغفره الله بل لا بد أن ~~يخلص لله الدين والعبادة فلا يعبد إلا إياه ولا يعبده إلا بما شرع فيكون ~~دينه كله لله PageV01P460 # والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب وكونه يستحق الإلهية مستلزما لصفات ~~الكمال فلا يستحق أن يكون معبودا محبوبا لذاته إلا هو وكل عمل لا يراد به ~~وجهه فهو باطل وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد كما قال تعالى @QB@ لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ # وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع # وبينا أن هذه الآية ليس المقصود بها ما يقوله من يقوله ms380 من أهل الكلام من ~~ذكر دليل التمانع الدال على وحدانية الرب تعالى فإن التمانع وجود المفعول ~~لا يوجب فساده بعد وجوده وذلك يذكر في الأسباب والبدايات التي تجري مجرى ~~العلل الفاعلات # والثاني يذكر في الحكم والنهايات التي تذكر في العلل التي هي الغايات كما ~~في قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فقدم الغاية المقصودة على ~~الوسيلة الموصلة كما قد بسط في غير هذا الموضع # ثم إن طائفة ممن تكلم في تحقيق التوحيد على طريق أهل التصوف ظن أن توحيد ~~الربوبية هو الغاية والفناء فيه هو النهاية وأنه إذا شهد ذلك سقط عنه ~~استحسان الحسن واستقباح القبيح فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد ولم يفرقوا بين مشيئته الشاملة لجميع المخلوقات وبين محبته ~~ورضاه المختص بالطاعات وبين كلماته الكونيات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ~~لشمول القدرة لكل مخلوق وكلماته الدينيات التي اختص بموافقتها أنبياؤه ~~وأولياؤه # فالعبد مع شهوده الربوبية العامة الشاملة للمؤمن والكافر والبر والفاجر ~~عليه أن يشهد ألوهيته التي اختص بها عباده المؤمنين الذين عبدوه وأطاعوا ~~أمره واتبعوا رسله # قال تعالى @QB@ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ~~أم نجعل المتقين كالفجار @QE@ PageV01P461 وقال تعالى @QB@ أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون @QE@ وقال تعالى @QB@ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ~~@QE@ الخ # ومن لم يفرق بين أولياء الله وأعدائه وبين ما أمر به وأوجبه من الإيمان ~~والأعمال الصالحات وبين ما كرهه ونهى عنه وأبغضه من الكفر والفسوق العصيان ~~مع شمول قدرته ومشيئته وخلقه لكل شيء وإلا وقع في دين المشركين الذين قالوا ~~@QB@ لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء @QE@ # والقدر يؤمن به ولا يحتج به بل العبد مأمور أن يرجع إلى القدر عند ~~المصائب ويستغفر الله عند الذنوب والمعايب كما قال تعالى @QB@ فاصبر إن وعد ~~الله حق واستغفر لذنبك @QE@ ولهذا حج آدم موسى عليهما السلام لما لام موسى ~~آدم لأجل المصيبة التي حصلت لهم بأكله من الشجرة ms381 فذكر له آدم أن هذا كان ~~مكتوبا قبل أن أخلق فحج آدم موسى كما قال تعالى @QB@ ما أصاب من مصيبة في ~~الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه @QE@ # قال بعض السلف هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ~~ويسلم # فهذا وجه احتجاج آدم بالقدر ومعاذ الله أن يحتج آدم أو من هو دونه من ~~المؤمنين على المعاصي بالقدر فإنه لو ساغ هذا لساغ أن يحتج إبليس ومن اتبعه ~~من الجن والإنس بذلك ويحتج به قوم نوح وعاد وثمود وسائر أهل الكفر والفسوق ~~والعصيان ولم يعاقب ربنا أحدا وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار شرعا وعقلا ~~PageV01P462 # فإن هذا القول لا يطرده أحد من العقلاء فإن طرده يوجب أن لا يلام أحد على ~~شيء ولا يعاقب عليه # وهذا المحتج بالقدر لو جنى عليه جان لطالبه فإن كان القدر حجة فهو حجة ~~للجاني عليه وإلا فليس حجة لا لهذا ولا لهذا # ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولا لم يمكن للناس أن يعيشوا إذ كان لكل من ~~اعتدى عليهم أن يحتج بذلك فيقبلوا عذره ولا يعاقبوه ولا يمكن اثنين من أهل ~~هذا القول أن يعيشا إذ لكل منهما أن يقتل الآخر ويفسد جميع أموره محتجا على ~~ذلك بالقدر # ثم إن أولئك المبتدعين الذين أدخلوا في التوحيد نفي الصفات وهؤلاء الذين ~~أخرجوا عنه متابعة الأمر إذا حققوا القولين أفضى بهم الأمر إلى أن لا ~~يفرقوا بين الخالق والمخلوق بل يقولون بوحدة الوجود كما قاله أهل الإلحاد ~~القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد الذين يعظمون الأصنام وعابديها وفرعون ~~وهامان وقومهما ويجعلون وجود خالق الأرض والسموات هو وجود كل شيء من ~~الموجودات ويدعون التوحيد والتحقيق والعرفان وهم من أعظم أهل الشرك ~~والتلبيس والبهتان # يقول عارفهم السالك في أول أمره يفرق بين الطاعة والمعصية أي نظرا إلى ~~الأمر ثم يرى طاعة بلا معصية أي نظرا إلى ms382 القدر ثم لا طاعة ولا معصية أي ~~نظرا إلى أن الوجود واحد ولا يفرق بين الواحد بالعين والواحد بالنوع فإن ~~الموجودات مشتركة في مسمى الوجود # والوجود ينقسم إلى قائم بنفسه وقائم بغيره وواجب وممكن بنفسه كما أن ~~PageV01P463 الحيوانات مشتركة في مسمى الحيوان والأناسي مشتركون في مسمى ~~الإنسان مع العلم الضروري بأنه ليس عين وجود هذا الانسان هو عين وجود هذا ~~الفرس بل ولا عين هذا الحيوان وحيوانيته وإنسانيته هو عين هذا الحيوان ~~وحيوانيته وإنسانيته لكن بينهما قدر مشترك تشابها فيه قد يسمى كليا مطلقا ~~وقدرا مشتركا ونحو ذلك وهذا لا يكون في الخارج عن الأذهان كليا عاما مطلقا ~~بل لا يوجد إلا معينا مشخصا فكل موجود فله ما يخصه من حقيقته مما لا يشركه ~~فيه غيره بل ليس بين موجودين في الخارج شيء بعينه اشتركا فيه ولكن تشابها ~~ففي هذا نظير ما في هذا كما أن هذا نظير هذا وكل منهما متميز بذاته وصفاته ~~عما سواه فكيف الخالق سبحانه وتعالى # وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع البسط الذي يليق به فإنه مقام زلت فيه ~~أقدام وضلت فيه أحلام والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم # ومن أحكم الأصلين المتقدمين في الصفات والخلق والأمر فيميز بين المأمور ~~المحبوب المرضي لله وبين غيره مع شمول القدر لهما وأثبت للخالق سبحانه ~~الصفات التي توجب مباينته المخلوقات وأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا ~~في ذاته شيء من مخلوقاته أثبت التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ~~كما نبه على ذلك في سورتي الإخلاص @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ و @QB@ قل ~~هو الله أحد @QE@ # فإن @QB@ قل هو الله أحد @QE@ تعدل ثلث القرآن إذ كان القرآن باعتبار ~~معانيه ثلاث أثلاث ثلث توحيد وثلث قصص وثلث أمر ونهي لأن القرآن كلام الله ~~والكلام إما إنشاء وإما إخبار والإخبار إما عن الخالق وإما عن المخلوق ~~والإنشاء أمر ونهي وإباحة فقل هو الله أحد فيها ثلث التوحيد الذي هو خبر عن ~~الخالق وقد قال صلى ms383 الله عليه وسلم قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وعدل ~~الشيء بالفتح يكون ما ساواه من غير جنسه PageV01P464 # كما قال تعالى @QB@ أو عدل ذلك صياما @QE@ وذلك يقتضي أن له من الثواب ما ~~يساوي الثلث في القدر ولا يكون مثله في الصفة كمن معه ألف دينار وآخر معه ~~ما يعدلها من الفضة والنحاس وغيرهما ولهذا يحتاج إلى سائر القرآن ولا تغني ~~عنه هذه السورة مطلقا كما يحتاج من معه نوع من المال إلى سائر الأنواع إذ ~~كان العبد محتاجا إلى الأمر والنهي والقصص # وسورة @QB@ قل هو الله أحد @QE@ فيها التوحيد القولي العملي الذي تدل ~~عليه الأسماء والصفات ولهذا قال تعالى @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ وقد بسطنا الكلام عليها في غير هذا ~~الموضع # وسورة @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ فيها التوحيد القصدي العملي كما قال ~~تعال @QB@ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون @QE@ وبهذا يتميز من يعبد ~~الله ممن يعبد غيره وإن كان كل واحد منهما يقر بأن الله رب كل شيء ومليكه ~~ويتميز عباد الله المخلصون الذين لم يعبدوا إلا إياه ممن عبدوا غيره ~~واشركوا به أو نظروا إلى القدر الشامل لكل شيء فسوى بين المؤمنين والكفار ~~كما كان يفعل المشركون من العرب ولهذا قال صلى الله عليه وسلم إنها براءة ~~من الشرك # وسورة @QB@ قل هو الله أحد @QE@ فيها إثبات الذات وما لها من الأسماء ~~والصفات التي يتميز بها مثبتو الرب الخالق الأحد الصمد عن المعطلين له ~~بالحقيقة نفاة الأسماء والصفات المضاهين لفرعون وأمثاله ممن أظهر التعطيل ~~والجحود للإله المعبود وإن كان في الباطن يقر به كما قال تعالى @QB@ وجحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ وقال موسى @QB@ لقد علمت ما أنزل ~~هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا @QE@ # والله سبحانه بعث أنبياءه بإثبات مفصل ونفي مجمل فأثبتوا له الأسماء ~~والصفات ونفوا عنه مماثلة المخلوقات ومن خالفهم من المعطلة المتفلسفة ~~وغيرهم PageV01P465 عكسوا القضية فجاءوا بنفي مفصل ms384 وإثبات مجمل يقولون ليس ~~كذا لس كذا ليس كذا فإذا أرادوا إثباته قالوا وجود مطلق بشرط النفي أو بشرط ~~الإطلاق وهم يقرون في منطقهم اليوناني أن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون في ~~الخارج فليس في الخارج حيوان مطلق بشرط الإطلاق ولا إنسان مطلق بشرط ~~الإطلاق ولا موجود مطلق بشرط الإطلاق بخلاف المطلق لا بشرط الذي يطلق على ~~هذا وهذا وينقسم إلى هذا وهذا فإن هذا يقال إنه في الخارج لا يكون إلا ~~معينا مشخصا أو يقولون إنه الوجود المشروط بنفي كل ثبوت عنه منه فيكون ~~مشاركا لسائر الموجودات في مسمى الوجود متميزا عنها بالعدم وكل موجود ~~متميزا بأمر ثبوتي والوجود خير من العدم فيكون أحقر الموجودات خيرا من ~~العدم وذلك ممتنع لأن المتميز بين الموجودين لا يكون عدما محضا بل لا يكون ~~إلا وجودا # فهؤلاء الذين يدعون أنهم أفضل المتأخرين من الفلاسفة المشائين يقولون في ~~وجود واجب الوجود ما يعلم بصريح المعقول الموافق لقوانينهم المنطقية أنه ~~قول بامتناع وجود الواجب وأنه جمع بين النقضيين وهذا هو في غاية الجهل ~~والضلال # وأما الرسل صلوات الله عليهم فطريقتهم طريقة القرآن قال سبحانه وتعالى ~~@QB@ سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب ~~العالمين @QE@ # والله تعالى يخبر في كتابه أنه حي قيوم عليم حكيم غفور رحيم سميع بصير ~~علي عظيم خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة ايام ثم استوى على العرش ~~وكلم موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا يرضى عن المؤمنين ويغضب على ~~الكافرين إلى أمثال ذلك من الأسماء والصفات # ويقول في النفي @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ ~~@QB@ هل تعلم له سميا @QE@ @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا @QE@ فنفى بذلك أن ~~تكون PageV01P466 صفاته كصفات المخلوقين وأنه ليس كمثله شيء لا في نفسه ~~المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في شيء من صفاته ولا أفعاله @QB@ ~~سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا تسبح له السماوات السبع والأرض ومن ~~فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان ms385 حليما ~~غفورا @QE@ # فالمؤمن يؤمن بالله وما له من الأسماء الحسنى ويدعوه بها ويجتنب الإلحاد ~~في أسمائه وآياته قال تعالى @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا ~~الذين يلحدون في أسمائه @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين يلحدون في آياتنا لا ~~يخفون علينا @QE@ وهو يدعو الله وحده ويعبده وحده ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ~~ويجتنب طريق المشركين الذين قال الله تعالى فيهم @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ~~ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا ~~قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير @QE@ # وهذه جمل لها تفاصيل ونكت تشير إلى خطب جليل # فليجتهد المؤمن في تحقيق العلم والأيمان وليتخذ الله هاديا ونصيرا وحاكما ~~ووليا فإنه نعم المولى ونعم النصير وكفى بربك هاديا ونصيرا # وإن أحب دعا بالدعاء الذي رواه مسلم وأبو داود وغيرهما عن عائشة رضي الله ~~عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي من الليل يقول اللهم رب ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب PageV01P467 ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم # وذلك أن الله تعالى يقول @QB@ كان الناس أمة واحدة @QE@ أي فاختلفوا كما ~~في سورة يونس @QB@ وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا @QE@ وقد قيل إنها ~~كذلك في حرف عبد الله @QB@ فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي ms386 من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ # والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين كل وقت وحين ~~آمين PageV01P468 ms387