######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011620 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011620 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11620 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11620 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: ناصر عبد الكريم العقل #META# 041.EdNUMBER :: السابعة، 1419هـ - 1999م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار عالم الكتب، بيروت، لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | تقديم بقلم معالي الدكتور الوزير عبد الله بن عبد المحسن التركي # اقتضاء الصراط المستقيم # لمخالفة أصحاب الجحيم # بسم الله الرحمن الرحيم # تقديم بقلم معالي الدكتور # عبد الله بن عبد المحسن التركي # وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الحمد لله الذي هدانا ~~للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على رسوله ~~النبي الأمي، الذي أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وعلى آله ~~وصحابته، ومن سلك سبيلهم إلى يوم الدين. أما بعد: # فإن من أعظم مقاصد الدين وأصوله، تمييز الحق وأهله عن الباطل وأهله، ~~وبيان سبيل الهدى والسنة، والدعوة إليه، وكشف سبل الضلالة والبدعة، ~~والتحذير منها. # وقد اشتملت نصوص القرآن والسنة، على كثير من القواعد والأحكام التي تبين ~~هذا الأصل العظيم والمقصد الجليل. # ومن ذلك، أن قواعد الشرع ونصوصه اقتضت وجوب مخالفة المسلمين للكافرين، في ~~عقائدهم وعباداتهم وأعيادهم وشرائعهم، وأخلاقهم الفاسدة، وكل ما هو من ~~خصائصهم وسماتهم التي جانبوا فيها الحق والفضيلة. # وقد عني سلفنا الصالح- رحمهم الله- ببيان هذا الأمر، وكان من أبرز من صنف ~~فيه، شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية المتوفى سنة 728ه ~~رحمه الله. # PageV01P001 # وذلك في كثير من مصنفاته، لاسيما كتابه الشهير: "اقتضاء الصراط المستقيم ~~لمخالفة أصحاب الجحيم". # وقد عالج هذا الكتاب مسائل كثيرة تهم المسلمين اليوم، كما كان الحال في ~~زمانه. ومن جملة هذه المسائل، بيان أن الأدلة القطعية من الكتاب والسنة ~~والإجماع، توافرت على الأمر بمخالفة غير المسلمين، والنهي عن موافقتهم، وأن ~~في مخالفتهم مصالح ظاهرة، كما أن في موافقتهم مفاسد ظاهرة كذلك، وأن النصوص ~~وآثار السلف بينت أصناف الذين أمرنا بمخالفتهم، ونهينا عن التشبه بهم، كأهل ~~الكتاب والمشركين والمنافقين وأهل الجاهلية، والأعراب الجفاة الذين لم ~~يتفقهوا في الدين، والأعاجم من الفرس والروم، الذين لم يدخلوا الإسلام، ولم ~~يلتزموا شرائعه، وأهل الفسق والفجور والفساد ونحوهم؛ لأن هؤلاء كلهم في ~~سبيل الضلالة والغواية. # وقد فصل شيخ الإسلام- رحمه الله- في هذا الكتاب القيم جملة من الأمور ~~التي جاء النهي الشديد عن التشبه ms001 بغير المسلمين فيها، وعن متابعتهم في شيء ~~منها، وبخاصة مسألة الأعياد حيث بين أن الإسلام شرع للمسلمين عيدين في ~~السنة، هما عيد الفطر وعيد الأضحى فحسب، ونهى أشد النهي عن متابعة الكافرين ~~وأهل البدع في أعيادهم. # وعرض كذلك مسائل أخرى جاءت النصوص الشرعية وآثار السلف الصالح بالنهي عن ~~متابعة غير المسلمين فيها، كالبناء على القبور واتخاذها مساجد، وكالغلو في ~~الصالحين، واتخاذ المشاهد والمزارات، وسائر البدع والمحدثات في الدين، ~~وكالافتتان بالنساء، والتفرق في # PageV01P002 # الدين، والعصبيات والتحزبات والشعارات، والطرق والمناهج المحدثة في ~~الدين، المستمدة من أعداء الإسلام والمسلمين، وغير ذلك من المسائل المهمة ~~التي عرضها المؤلف، والتي تعالج الكثير من الأمراض التي ابتليت بها بعض ~~المجتمعات الإسلامية المعاصرة، ويعد منهج شيخ الإسلام في عرض هذه المسائل ~~أنموذجا لمنهج السلف في العرض والاستدلال والمناقشة والرد. # وبالجملة: فإن هذا الكتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" يعد بحق من أجود ~~الكتب التي صنفها السلف في هذا الباب. # لذا فقد حرصت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد على طبعه ~~ونشره وتوزيعه، مشاركة منها في معالجة مشكلات المسلمين اليوم، وانطلاقا من ~~رسالتها التي أوجبها الله عليها، ثم ناطتها بها حكومة خادم الحرمين ~~الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود التي ما فتئت- بحمد الله- تحرص ~~على نشر العلم والدعوة إلى السنة، والإسهام في معالجة أحوال الأمة ~~الإسلامية، وحل مشكلاتها في ضوء العقيدة السليمة، ونهج السلف القويم، ~~وتخليصها من البدع والمحدثات، وجمع كلمتها على الحق والهدى. # نسأل الله أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده، وسمو النائب ~~الثاني، ويجزيهم خيرا على جهودهم في سبيل جمع المسلمين على الحق، وهدايتهم ~~إلى صراط الله المستقيم، وأن ينصر بهم دينه، ويعلي كلمته، ويعز بهم السنة ~~وأهلها، ويقمع البدعة وأنصارها. # وإني لأشكر للأخ الفاضل الأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، محقق ~~هذا الكتاب، جهده الذي بذله في خدمته، وحرصه على # PageV01P003 # أن ينتفع الناس به، وإذنه للوزارة في نشره وتوزيعه، سائلا الله تعالى أن ~~يوفقه إلى مزيد من العلم النافع والعمل الصالح، وأن يثيبه ms002 ويجازيه أحسن ~~الجزاء. # كما أسأله سبحانه أن يوفق طلاب العلم، والحريصين على معرفة الحق بدليله ~~من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبخاصة من يتصدى لدعوة ~~الناس إلى دين الله المستقيم، للاستفادة من هذا الكتاب القيم، وغيره من ~~مؤلفات العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجزاه عن الإسلام ~~والمسلمين خيرا. # وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. # د. عبد الله بن عبد المحسن التركي # وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد # PageV01P004 ### | مقدمة # مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من ~~شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي ~~له، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، القائل في كتابه الكريم: ~~{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: 153] (1) . والقائل: {قل إنني هداني ربي ~~إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين - قل إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - لا شريك له وبذلك أمرت وأنا ~~أول المسلمين} [الأنعام: 161 - 163] (2) . # ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، ~~وحذرها من التشبه بالكفار، فقال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» (3) وبشر ببقاء ~~هذا الدين وبقاء أهل السنة على الحق، فقال: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة ~~بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على ~~الناس» (4) . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، ومن اهتدى بهديه واقتفى ~~أثره إلى يوم الدين. PageV01P005 # وبعد: # فإنه من أوجب الواجبات على العلماء وطلاب العلم، العناية بكتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، دراسة، وحفظا، واستنباطا، وتحليلا، ~~وتعليما، وتطبيقا، جمعا بين العلم والعمل؛ لأنهم مؤتمنون على ذلك كله، وقد ~~وضعت فيهم الأمة ثقتها وائتمنتهم على دينها، وقبل ذلك كله وبعده، هم ~~مسؤولون أمام الله تعالى عن هذه الأمانة: أمانة العلم والعمل به، وتبليغه، ~~وحفظه، ms003 والدعوة إليه، حتى تتم بهم القدوة والأسوة إلى الخير. # وإن مما ائتمنوا عليه هذا التراث العلمي الثمين، الذي تركه أئمة الإسلام، ~~أسلافنا الأماجد في شتى صنوف العلم، وإن الكثير من هذا التراث لا يزال ~~مخطوطا، ومكنوزا في زوايا المكتبات في شتى بقاع العالم، رغم شدة حاجة ~~المسلمين إليه، وإني لأرى أنه من أول واجبات طالب العلم في هذا العصر ~~العناية بهذه الكنوز، وخدمتها، بإخراجها للناس، محققة صافية يانعة، لتكون ~~نبراسا لكل مسلم في خضم الثقافات الغازية والأفكار الهدامة التي روجها ~~أعداء الإسلام بين المسلمين اليوم. # وإن من أجدر تلك المخطوطات بالعناية، وأجودها وأنفعهما للمسلمين اليوم: ~~كتب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله، وإن كانت بحمد الله لقي الكثير ~~منها شيئا من العناية من المحققين وطلاب العلم، لكن بقي الأكثر يحتاج إلى ~~عناية وإخراج وإعداد وتحقيق ودراسة. # وانطلاقا من هذا الواجب، وقع اختياري على كتاب من كتب الشيخ وهو: # PageV01P006 # "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" للعناية به تحقيقا ~~وتعليقا، وإخراجه للناس موثقا قدر الاستطاعة، وذلك في أطروحة الدكتوراه (1) ~~. # هذا مع العلم أن هذا الكتاب سبق أن طبع عدة طبعات، من أمثلها تلكم التي ~~أخرجها الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله، الذي كان له الجهد المشكور في ~~خدمة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب الإمام أحمد بن حنبل، وسواهما من ~~السلف. # لكن الكتاب لا يزال بحاجة إلى مزيد من الخدمة: من تحقيق، ودراسة، وتخريج ~~لأحاديثه، وآثاره التي لم تخرج، وإلى توثيق لنصوصه، وترجمة لأعلامه. # وهذا لا يعني أن أدعي بأني سأقوم بأفضل من عمل الشيخ حامد الفقي رحمه ~~الله، لكني سأشاركه بجهد المقل، وأعتذر سلفا عن التقصير، وأسال الله العفو ~~والمغفرة. # والله هو وحده المعين والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد ~~وآله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. PageV01P007 ### | [القسم الأول: الدراسة] # القسم الأول ويشمل: ### | ترجمة موجزة للمؤلف # * وصف النسخ المخطوطة. # * الكتاب المحقق: اسمه وتاريخ تأليفه. # * منهج تحقيق الكتاب والتعليق عليه. # * دراسة تحليلية لبعض موضوعات الكتاب. # PageV01P009 ### | ترجمة موجزة ms004 للمؤلف # ترجمة موجزة للمؤلف 1 - نسبه: هو شيخ الإسلام الإمام: أحمد بن عبد الحليم ~~بن عبد السلام بن عبد الله بن محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن ~~عبد الله بن تيمية، الحراني، ثم الدمشقي. كنيته: أبو العباس. ### | 2 - # مولده ونشأته: ولد يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول بحران سنة (661ه) ، ~~ولما بلغ من العمر سبع سنين انتقل مع والده إلى دمشق هربا من وجه الغزاة ~~التتار، وقد نشأ في بيت علم وفقه ودين، فأبوه وأجداده وإخوته وكثير من ~~أعمامه كانوا من العلماء المشاهير، منهم جده الأعلى (الرابع) محمد بن ~~الخضر، ومنهم عبد الحليم بن محمد بن تيمية، وعبد الغني بن محمد بن تيمية، ~~وجده الأدنى عبد السلام بن عبد الله بن تيمية مجد الدين أبو البركات صاحب ~~التصانيف التي منها: المنتقى من أحاديث الأحكام، والمحرر في الفقه، ~~والمسودة في الأصول وغيرها، وكذلك أبوه عبد الحليم بن عبد السلام الحراني، ~~وأخوه عبد الرحمن وغيرهم. # ففي هذه البيئة العلمية الصالحة كانت نشأة صاحب الترجمة، وقد بدأ بطلب ~~العلم أولا على أبيه وعلماء دمشق، فحفظ القرآن وهو صغير، ودرس # PageV01P011 # الحديث والفقه والأصول والتفسير، وعرف بالذكاء وقوة الحفظ والنجابة منذ ~~صغره، ثم توسع في دراسة العلوم وتبحر فيها، واجتمعت فيه صفات المجتهد منذ ~~شبابه، فلم يلبث أن صار إماما يعترف له الجهابذة بالعلم والفضل والإمامة، ~~قبل بلوغ الثلاثين من عمره. ### | 3 - # إنتاجه العلمي: وفي مجال التأليف والإنتاج العلمي، فقد ترك الشيخ للأمة ~~تراثا ضخما ثمينا، لا يزال العلماء والباحثون ينهلون منه معينا صافيا، ~~توفرت منه الآن المجلدات الكثيرة، من المؤلفات والرسائل والفتاوى والمسائل ~~وغيرها، هذا من المطبوع، وما بقي مجهولا أو مكنوزا في عالم المخطوطات كثير. # ولم يترك الشيخ مجالا من مجالات العلم والمعرفة التي تنفع الأمة، وتخدم ~~الإسلام، إلا كتب فيه وأسهم بجدارة وإتقان، وتلك خصلة قلما توجد إلا عند ~~العباقرة النوادر في التاريخ. # فلقد شهد له أقرانه وأساتذته وتلاميذه وخصومه بسعة الاطلاع، وغزارة ~~العلم، فإذا تكلم في علم ms005 من العلوم أو فن من الفنون ظن السامع أنه لا يتقن ~~غيره، وذلك لإحكامه له وتبحره فيه، وإن المطلع على مؤلفاته وإنتاجه، ~~والعارف بما كان يعمله في حياته من الجهاد باليد واللسان، والذب عن الدين، ~~والعبادة والذكر، ليعجب كل العجب من بركة وقته، وقوة تحمله وجلده، فسبحان ~~من منحه تلك المواهب. ### | 4 - # جهاده ودفاعه عن الإسلام: الكثير من الناس يجهل الجوانب العملية من حياة ~~الشيخ، فإنهم عرفوه عالما ومؤلفا ومفتيا، من خلال مؤلفاته المنتشرة، مع أن ~~له مواقف مشهودة في مجالات أخرى عديدة أسهم فيها إسهاما قويا في نصرة ~~الإسلام وعزة # PageV01P012 # المسلمين، فمن ذلك: جهاده بالسيف وتحريضه المسلمين على القتال، بالقول ~~والعمل، فقد كان يجول بسيفه في ساحات الوغى مع أعظم الفرسان الشجعان، ~~والذين شاهدوه في القتال أثناء فتح عكا عجبوا من شجاعته وفتكه بالعدو (1) . # أما جهاده بالقلم واللسان، فإنه رحمه الله وقف أمام أعداء الإسلام من ~~أصحاب الملل والنحل والفرق والمذاهب الباطلة والبدع كالطود الشامخ، ~~بالمناظرات حينا وبالردود أحيانا، حتى فند شبهاتهم ورد الكثير من كيدهم ~~بحمد الله، فقد تصدى للفلاسفة، والباطنية، من صوفية وإسماعيلية ونصيرية ~~وسواهم، كما تصدى للروافض والملاحدة، وفند شبهات أهل البدع التي تقام حول ~~المشاهد والقبور ونحوها، كما تصدى للجهمية والمعتزلة وناقش المتكلمين ~~والأشاعرة. # والمطلع على هذا الجانب من حياة الشيخ يكاد يجزم بأنه لم يبق له من وقته ~~فضلة، فقد حورب وطورد وأوذي وسجن مرات في سبيل الله، وقد وافته منيته ~~مسجونا في سجن القلعة بدمشق. # ولا تزال بحمد الله ردود الشيخ سلاحا فعالا ضد أعداء الحق والمبطلين، ~~لأنها إنما تستند إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ~~وهدي السلف الصالح، مع قوة الاستنباط، وقوة الاستدلال والاحتجاج الشرعي ~~والعقلي، وسعة العلم، التي وهبها الله له. # وأكثر المذاهب الهدامة التي راجت اليوم بين المسلمين هي امتداد لتلك ~~الفرق والمذاهب التي تصدى لها الشيخ وأمثاله من سلفنا الصالح، لذلك ينبغي ~~للدعاة المصلحين أن لا يغفلوا هذه الناحية، ليستفيدوا مما سبقهم به سلفنا ms006 ~~الصالح. PageV01P013 # ولست مبالغا حينما أقول: إنه لا تزال كتب الشيخ وردوده هي أقوى سلاح ~~للتصدي لهذه الفرق الضالة والمذاهب الهدامة التي راجت وبدأت تخرج أعناقها ~~اليوم من جديد، والتي هي امتداد للماضي، لكن منها تلك التي تزينت بأزياء ~~العصر، وغيرت أسماءها فقط، مثل البعثية، والاشتراكية، والقومية، ~~والقاديانية، والبهائية، وسواها من الفرق والمذاهب، ومنها ما بقي على شعاره ~~القديم كالشيعة، والرافضة، والنصيرية، والإسماعيلية، والخوارج ونحو ذلك. ### | 5 - # خصاله: بالإضافة إلى ما اشتهر به هذا الإمام من العلم والفقه في الدين، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد وهبه الله خصالا حميدة، اشتهر بها ~~وشهد له بها الناس، فكان سخيا كريما يؤثر المحتاجين على نفسه في الطعام ~~واللباس وغيرهما، وكان كثير العبادة والذكر وقراءة القرآن، وكان ورعا زاهدا ~~لا يكاد يملك شيئا من متاع الدنيا سوى الضروريات، وهذا مشهور عنه عند أهل ~~زمانه حتى بين عامة الناس، وكان متواضعا في هيئته ولباسه ومعاملته مع ~~الآخرين، فما كان يلبس الفاخر ولا الرديء من اللباس، ولا يتكلف لأحد يلقاه، ~~واشتهر أيضا بالمهابة والقوة في الحق، فكانت له هيبة عظيمة عند السلاطين ~~والعلماء وعامة الناس، فكل من رآه أحبه وهابه واحترمه، إلا من سيطر عليهم ~~الحسد من أصحاب الأهواء ونحوهم. # كما عرف بالصبر وقوة الاحتمال في سبيل الله، وكان ذا فراسة، وكان مستجاب ~~الدعوة، وله كرامات مشهودة. رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته. # PageV01P014 ### | 6 - # عصره: لقد عاش المؤلف رحمه الله في عصر كثرت فيه البدع والضلالات، وسادت ~~كثير من المذاهب الباطلة، واستفحلت الشبهات، وانتشر الجهل والتعصب والتقليد ~~الأعمى، وغزيت بلاد المسلمين من قبل التتار والصليبيين (الإفرنج) . # ونجد صورة عصره جلية واضحة من خلال مؤلفاته التي بين أيدينا؛ لأنه اهتم ~~بأجل أمور المسلمين وأخطرها، وساهم في علاجها بقلمه ولسانه ويده، فالمتأمل ~~في مؤلفات الشيخ يجد الصورة التالية لعصره: # - كثرة البدع والشركيات خاصة حول القبور والمشاهد والمزارات المزعومة، ~~والاعتقادات الباطلة في الأحياء والموتى، وأنهم ينفعون ويضرون، ويدعون من ~~دون الله. # - انتشار الفلسفات والإلحاد والجدل. # - هيمنة التصوف والطرق ms007 الصوفية الضالة على العامة من الناس، ومن ثم ~~انتشار المذاهب والآراء الباطنية. # - توغل الروافض في أمور المسلمين، ونشرهم للبدع والشركيات، وتثبيطهم ~~للناس عن الجهاد، ومساعدتهم للتتار، أعداء المسلمين. # - وأخيرا نلاحظ تقوي أهل السنة والجماعة بالشيخ وحفزه لعزائمهم، مما كان ~~له الأثر الحميد على المسلمين إلى اليوم، في التصدي للبدع والمنكرات، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم. # وقد وقف الشيخ رحمه الله في عصره إزاء هذه الانحرافات موقفا مشهودا، آمرا ~~وناهيا، وناصحا، ومبينا، حتى أصلح الله على يديه الكثير من أوضاع المسلمين، ~~ونصر به السنة وأهلها، والحمد لله. # PageV01P015 ### | 7 - # وفاته: إن من علامات الخير للرجل الصالح، وقبوله لدى المسلمين: إحساسهم ~~بفقده حين يموت، لذلك كان السلف يعدون كثرة المصلين على جنازة الرجل من ~~علامات الخير والقبول له، لذلك قال الإمام أحمد: "قولوا لأهل البدع: بيننا ~~وبينكم يوم الجنائز" (1) أي أن أئمة السنة يفقدهم الناس إذا ماتوا ويكونون ~~أكثر مشيعين يوم يموتون، ولقد شهد الواقع بذلك، فما سمع الناس بمثل جنازتي ~~الإمامين: أحمد بن حنبل، وأحمد بن تيمية، حين ماتا، من كثرة من شيعهما وخرج ~~مع جنازة كل منهما، وصلى عليهما، فالمسلمون هم شهداء الله في أرضه. # هذا وقد توفي الشيخ رحمه الله، وهو مسجون بسجن القلعة بدمشق، ليلة ~~الاثنين 20 من شهر ذي القعدة سنة (728ه) ، فهب كل أهل دمشق ومن حولها ~~للصلاة عليه وتشييع جنازته، وقد أجمعت المصادر التي ذكرت وفاته أنه حضر ~~جنازته جمهور كبير جدا يفوق الوصف. # رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء (2) . PageV01P016 ### | وصف النسخ المخطوطة للكتاب # وصف النسخ المخطوطة للكتاب تم تحقيق هذا الكتاب من خمس نسخ مخطوطة، منها ~~نسختان قديمتان إحداهما كتبت سنة (715ه) أي قبل وفاة المؤلف بثلاث عشرة ~~سنة، والثانية سنة (781ه) أي بعد وفاة المؤلف، أما الثلاث النسخ الباقية ~~فهي متأخرة على ما سأبينه إن شاء الله. وقد رمزت لكل نسخة برمز، وسميتها ~~برموزها في الهامش وهي: (أ) و (ب) و (ج) و (د) و (ط) ، وأردفتها بالمطبوعة ms008 ~~التي أخرجها الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله، وقد لاحظت كثرة الفروق بينها ~~وبين المخطوطات المتوفرة لدي، مما جعلني أرجح بأنها نسخت عن مخطوطة لم ترد ~~إلي. وعلى هذا جعلتها بمثابة النسخة السادسة. ### | 1 - # النسخة الأولى، ورمزها (أ) : وجدتها ضمن مخطوطات مكتبة (شستربتي) التي ~~ابتاعتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتوجد الآن بمكتبتها ~~المركزية بالرياض، برقم (4160) (1) وهي نسخة قديمة يرجع تاريخها إلى ما قبل ~~وفاة المؤلف بثلاثة عشر عاما فقد كتبت سنة (715ه) ، كما هو منصوص في آخرها، ~~وناسخها هو: هلال بن علي بن هلال بن زامل الجعفري، وهي نسخة مقابلة بالأصل ~~كما أشار ناسخها في آخرها. PageV01P025 # وعدد أوراقها (246) ورقة (492) صفحة، في كل صفحة (19) سطرا من القطع ~~المتوسط. # وخطها متوسط، وتكثر فيها الأغلاط الإملائية، ويوجد فيها سقط أحيانا، وطمس ~~لكنه قليل. ### | 2 - # النسخة الثانية، ورمزها (ط) : صورتها عن نسخة موجودة في المكتبة الظاهرية ~~بدمشق، تحت رقم (2982) عام، ورقم (86) في التوحيد وعلم الكلام. وقد كتبت ~~أيضا قديما (781ه) أي بعد وفاة المؤلف بثلاث وخمسين سنة فقط، وناسخها محمد ~~بن محمد بن علي بن أحمد بن محمد اليونيني الحنبلي. وعدد أوراقها (208) ~~ورقة، أي (416) صفحة، في كل صفحة (19) سطرا من القطع المتوسط، وهي نسخة ~~أيضا مقابلة، وفيها شبه كبير بالنسخة الأولى (أ) مما يرجح أنهما قوبلتا على ~~نسخة واحدة، فهما كثيرا ما تتفقان في الأخطاء والسقط، إلا أن الثانية (ط) ~~أجود من الأولى (أ) في الخط والإملاء، أما ما عدا ذلك فهما تتفقان في ~~الغالب. ### | 3 - # النسخة الثالثة، ورمزها (ب) : وقد صورتها من قسم المخطوطات بجامعة الملك ~~سعود بالرياض برقم (27) ، وقد صورتها جامعة الملك سعود عن نسخة موجودة ~~بالمكتبة السعودية التابعة لرئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة ~~والإرشاد، تحت رقم (564 / 86) . # وقد كتبت سنة (1223) ، وناسخها اسمه مصطفى المدعو بالشوراني، وهي نسخة ~~واضحة وجيدة الحفظ، وفيها بعض التعليقات الهامشية، وحرفها صغير، وعدد ~~أوراقها (216) ورقة (432) صفحة من القطع المتوسط في كل صفحة (15) سطرا. # PageV01P026 # وهي أجود النسخ إتقانا، وأقلها أخطاء، ويندر فيه السقط، وقد قوبلت بأصول ms009 ~~كما هو منصوص في آخرها وفي أثنائها. ### | 4 - # النسخة الرابعة، ورمزها (ج) : وقد وصلتني من دار الكتب بالقاهرة مصورة ~~بالميكروفلم، وهي بدار الكتب المصرية تحت رقم (4155) تصوف. # وهي مجهولة التاريخ، ولم يكتب عليها اسم الناسخ، ولكن يظهر لي من شكلها ~~أنها متأخرة النسخ. عدد أوراقها (270) ورقة (540) صفحة من القطع المتوسط، ~~كل صفحة تتكون من (23) سطرا، وحرفها كبير، وخطها جميل وواضح، وهي قليلة ~~الأخطاء والسقط، كما أنها نسخة مقابلة أيضا. ### | 5 - # النسخة الخامسة، ورمزها (د) : وقد وصلتني أيضا مصورة بالميكروفلم من دار ~~الكتب المصرية بالقاهرة تحت الرقم (2540) تصوف وأخلاق. # وهي مجهولة الناسخ وتاريخ النسخ، لكن يظهر لي أنها حديثة النسخ كسابقتها، ~~وعدد أوراقها (240) ورقم (480) صفحة من القطع المتوسط في كل صفحة (23) ~~سطرا، وحرفها متوسط وخطها جميل وواضح جدا، وقليلة الأخطاء والسقط وهي ~~مقابلة أيضا، وكثيرا ما تتفق مع النسخة (ج) ، بل يقل الاختلاف بينهما مما ~~جعلني أرجح أنهما كتبتا عن أصل واحد. # * كما توجد لدي نسختان أخريان كنت أستأنس بهما عند اختلاف النسخ، لكني لم ~~أعتمدهما؛ لأن الأولى- وهي نسخة وصلتني من مكتبة برلين بألمانيا- كانت ~~ناقصة ولا يوجد منها إلا أقل من النصف الأخير منها، ونصفها الأول وجزء من ~~آخرها مفقود، ويظهر أنها كتبت في حدود سنة (800ه) ، وهي في مكتبة برلين تحت ~~رقم (2086) . # PageV01P027 # والثانية يكثر فيها التحريف والتصحيف، وهي مصورة بقسم المخطوطات بجامعة ~~الملك سعود، تحت رقم (1203) وترجح لدي أنها مصورة عن مخطوطة توجد بمكتبات ~~الأوقاف ببغداد، وهي متأخرة النسخ فقد كتبت سنة (1304ه) . # * أما المطبوعة- فهي تلك التي أخرجها الشيخ محمد حامد الفقي - طبعت ~~بمطبعة السنة المحمدية- وهي الطبعة الثانية سنة (1369ه) علما بأن الكتاب ~~طبع مرات، لكن هذه الطبعة من أجودها وأكثرها تداولا في الأسواق وبين الناس، ~~ولم تخرج أحاديثها وآثارها، ولم يترجم أعلامها، إنما كتب عليها بعض ~~التعليقات، كما أن الشيخ محمد حامد رحمه الله لم يشر إلى النسخة المخطوطة ~~التي استنسخ عنها الكتاب. # وقد قابلتها مع النسخ المخطوطة، تتميما للفائدة، وخدمة للقارئ والكتاب؛ ~~لأنها نسخة متداولة ومشهورة وستبقى كذلك، ms010 لذلك رأيت أنه لزاما علي أن أنبه ~~على فروقها في ضوء المخطوطات. # PageV01P028 ### | الكتاب المحقق اسمه وتاريخ تأليفه # الكتاب المحقق # اسمه وتاريخ تأليفه 1 - اسمه وعنوانه: اختلفت النسخ في اسم الكتاب ~~اختلافا طفيفا: # ففي النسخ: (ب ج د) : (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) . # وفي (أ) : لم أستطع أن أتبين العنوان كله؛ لأن آخره مطموس، فالواضح منه ~~(كتاب اقتضاء) فقط. # وفي (ط) : (اقتضاء الصراط المستقيم في الرد على أصحاب الجحيم) . # وفي نسخة برلين: (اقتضاء الصراط المستقيم ومجانبة أصحاب الجحيم) . # وفي نسخة جامعة الملك سعود رقم (1203) : (اقتضاء الصراط المستقيم في ~~مخالفة أهل الجحيم) . # وفي المطبوعة: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) . # كما أن المؤلف رحمه الله قد أشار إلى الكتاب في كتبه الأخرى، ففي المجلد ~~الثاني والعشرين (ص154) من مجموع الفتاوى أشار إلى الكتاب وسماه: (اقتضاء ~~الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) ، ولذلك رجحت هذا العنوان للكتاب، ~~ولأن أكثر النسخ المخطوطة اتفقت عليه. # PageV01P029 # كما أشار المؤلف إلى الكتاب مرة أخرى في مجموع الفتاوى (10 / 371) لكنه ~~ذكر صدر العنوان (اقتضاء الصراط المستقيم) فقط، وهذا قد أجمعت عليه جميع ~~النسخ. ### | 2 - # تاريخ تأليفه: أما عن تاريخ تأليف الكتاب، فإن هناك ما يدل على أن الكتاب ~~ألف قبل سنة (715ه) ، وهذا هو تاريخ نسخ المخطوطة (أ) التي أشرت إليها ~~آنفا. # ولم يتبين لي بالتحديد في أي سنة تم تأليف الكتاب، إنما في الكتاب ~~وأثنائه ما يدل على أنه لم يكن من أقدم كتب الشيخ؛ لأن كثيرا ما يحيل أثناء ~~عرضه لموضوعات الكتاب على كتاباته وبحوثه السابقة، وذلك في مواضع كثيرة جدا ~~خاصة في آخر الكتاب، مما يشير إلى أنه سبقته للمؤلف بحوث ومؤلفات كثيرة، ~~والله أعلم. # PageV01P030 ### | منهج تحقيق الكتاب والتعليق عليه # منهج تحقيق الكتاب والتعليق عليه سلكت في تحقيق الكتاب والتعليق عليه ~~المنهج التالي: ### | 1 - # تحقيق نص الكتاب: سلكت في تحقيق النص مسلك انتخاب النص الأصح عندي، وذلك ~~بعد إجراء المقابلة بين جميع النسخ، فإذا اختلفت النسخ فإني في الغالب ~~أختار النص الذي يقتضيه السياق، فإن ms011 لم يظهر لي مرجح من السياق اخترت ما ~~تتفق عليه غالب النسخ، وأشير إلى النص المرجوح في الهامش، وإذا كان ~~الاختلاف بين النسخ له تأثير في المعنى فإني أعلل وأفسر الاختلاف والترجيح ~~إذا اتضح لي ذلك. # أما المطبوعة فإنها إذا انفردت بعبارة أو اختلاف فإني لا أثبت ما انفردت ~~به في صلب الكتاب، وإنما أشير إليه في الهامش، وذلك لأمرين: ### | 1 - # كثرة أخطائها وزياداتها والتصرف فيها، وأظن ذلك راجع للنسخة التي طبعت ~~عنها. ### | 2 - # أن النسخة التي كتبت عنها غير معروفة لدي. ### | 2 - # تخريج الأحاديث والآثار، وإثبات النصوص: في تخريج الأحاديث حاولت- بقدر ~~الإمكان- أن أختصر وأقتصر على القدر الضروري في تخريج الحديث تفاديا لتطويل ~~الكتاب وإثقاله بالحواشي. # PageV01P031 # فالأحاديث الموجودة في الصحيحين، أو أحدهما، فإني في الغالب أكتفي ببيان ~~مكانها منهما أو من أحدهما؛ لأن المقصود هو الاطمئنان على درجة الحديث، ~~وذلك حاصل بعزوه للصحيحين أو أحدهما. # وكذلك إذا أشار المؤلف إلى درجة الحديث، فإني قد أكتفي بذلك، بعد ما أشير ~~إلى مكانه في كتب الحديث. # وأما ما سوى ذلك من الأحاديث التي ليست في الصحيحين، ولم يشر المؤلف إلى ~~درجتها من الصحة والضعف، فإني اجتهدت قدر استطاعتي ببيان درجتها، إما ~~بالإشارة إلى ما قاله بعض العلماء المعتبرين فيها، وإحالة القارئ على ~~المراجع، أو- إذا لم أجد في الحديث كلاما لأحد الأئمة- أجتهد في دراسة سنده ~~بنفسي، ثم أذكر ما توصلت إليه، وهذا قليل جدا. # أما الآثار والنصوص الأخرى التي ينقلها المؤلف، فإني بذلت ما أستطيعه في ~~تخريجها وعزوها إلى مصادرها الموجودة، أما إذا نقل المؤلف من مصدر أو كتاب ~~لم أجده، كالجامع للخلال، وأكثر سنن سعيد بن منصور، والمستخرج للحافظ ~~المقدسي، وغيرها، فإني حاولت البحث عن تلك النصوص في المراجع المشابهة لها، ~~كالسنن الكبرى للبيهقي، ومستدرك الحاكم، ومصنف عبد الرزاق ونحوها، فأخرجها ~~منها؛ لأن المقصود التوثق من النص من المصادر المعتبرة، وهذا حاصل بذلك إن ~~شاء الله. # أما الآراء الفقهية والأحكام، ونحوها مما نسبه المؤلف إلى العلماء ~~والأئمة، فإنها لكثرتها وتكررها، اكتفيت بتوثيق ms012 القدر الذي أراه أهم من ~~مراجعه. # ومع ذلك كله، فإن هناك مسائل لم أجد لها مراجع، من نصوص ونقول، أو آراء ~~ونحوها، وحسبي أني بحثت وبذلك الجهد في البحث والاستقصاء. والله الموفق. # PageV01P032 ### | 3 - # تنبيهات مهمة للقارئ: * فيما يتعلق بالمراجع حرصت كل الحرص على أن أوحد ~~النسخة والطبعة لكل مرجع، ليسهل على القارئ والباحث الرجوع إلى المراجع ~~التي عزوت إليها عند الحاجة، لذلك لم أشر إلى الطبعات في الهامش تفاديا ~~للتطويل، واكتفاء بفهرس المراجع. # وفي حالات نادرة جدا اضطررت إلى الرجوع إلى غير الطبعة المعتادة، فأشرت ~~إلى الطبعة المغايرة في الهامش. # * أما عن التراجم، فإني أترجم لكل علم في أول مرة يذكر المؤلف اسمه إلا ~~في حالات نادرة، وعندها أشير إلى مكان الترجمة- فإذا أراد القارئ التعرف ~~على علم من الأعلام ولم يجد ترجمته أمامه، فعليه الرجوع إلى فهرس الأعلام ~~ليتعرف على موقع الترجمة من الكتاب. # * عند الإشارة إلى أرقام الأحاديث في صحيح مسلم، فالمقصود الرقم العام ~~لأحاديث صحيح مسلم، لا الرقم الخاص بكل كتاب، وذلك حسب ترقيم محمد فؤاد عبد ~~الباقي. # * عند الإحالة إلى بعض كتب الأعلام والرجال أضع رمز (ت) ثم يأتي بعده ~~رقم، والمقصود- كما هو معروف في اصطلاح الباحثين وكتب التراجم- رقم الترجمة ~~للعلم المذكور في المصدر المشار إليه عنده. # * أحيانا أكرر التخريج للحديث الواحد في أكثر من موضع، إذا رأيت أن ~~للاستدلال به أهمية، وكان تخريجه في موضع بعيد من الكتاب، وذلك تتميما ~~للفائدة. # PageV01P033 ### | دراسة تحليلية لبعض موضوعات الكتاب ### | أولا الموضوع الرئيس للكتاب # دراسة تحليلية لبعض موضوعات الكتاب أولا # الموضوع الرئيس للكتاب الموضوع الرئيس للكتاب يتضح للقارئ من عنوانه، وقد ~~أشار المؤلف رحمه الله في مستهل الكتاب إلى أنه أراد التنبيه على قاعدة ~~عظيمة من قواعد الإسلام وأصوله، وهي: النهي عن التشبه بالكفار، والأمر ~~بمجانبة هديهم على العموم، وأعيادهم على الخصوص، وبيان حكمة ذلك، وما جاءت ~~به الشريعة من مخالفة أهل الكتاب والأعاجم (1) ونحوهم، وأصل هذه المسألة في ~~كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهدي ms013 السلف الصالح، ~~واستقراء الآثار في ذلك. # وقبل أن أدخل في دراسة موضوعاته أحب أن أنبه القارئ على ثلاثة أمور مهمة ~~عن هذا الكتاب: # الأمر الأول: أن هذا الكتاب بجملته يعتبر دراسة تفصيلية فريدة لهذا ~~الموضوع المهم والخطير في حياة المسلمين- الذي يعتبر أصلا من أصول العقيدة ~~الإسلامية- فإن المؤلف رحمه الله استوفى مسألة النهي عن مشابهة PageV01P034 # الكفار، من أصولها وفروعها، وأدلتها العقلية والنقلية، وما ورد فيها من ~~آثار ومواقف عن سلف الأمة، بأسلوب علمي رصين، يشبع القارئ ويجعله يشعر أنه ~~أمام قضية واضحة المعالم، بينة المسالك، جلية الدليل والحكم، فلا يخرج من ~~مسألة بحثها المؤلف إلا وقد فهمها واقتنع بأدلتها وما توصل فيها من حكم. # الأمر الثاني: أن هذا القاعدة التي أصلها المؤلف، رغم أنها من أهم أصول ~~عقيدة السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، وأن الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم، يحذرون الأمة من التهاون بها، والوقوع فيما نهى عنه الله ورسوله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مشابهة الكفار والأعاجم ونحوهم، وبرغم وضوح ~~أدلة هذا الأصل في الكتاب والسنة وتحذير الرسول صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم أمته من الوقوع في ذلك، رغم هذا كله كاد هذا الأصل العظيم أن يمحي من ~~أذهان أكثر المسلمين، بعد القرون الثلاثة الفاضلة، فوقعوا في المحذور، ~~وأخذوا بسنن الأمم حذو القذة بالقذة. # فمما وقعوا فيه- على سبيل المثال- البناء على القبور واتخاذ المساجد ~~عليها، وهذه مسألة واضحة في السنة، فقد حذر الرسول صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم أمته من الوقوع فيها أشد التحذير- كما سيأتي بيانه أثناء الكتاب- ومع ~~ذلك وقعت فيه طوائف من الأمة. # فجاء المؤلف رحمه الله فجلى هذا الأمر وبينه، وأعلنه على الملأ بلسانه ~~وقلمه، فكتب وناظر وأمر ونهى، وأثمرت دعوته بحمد الله. # وكتابه هذا جزء مما قام به في بيان الحق في ذلك. # الأمر الثالث: أني وجدت الكتاب من خلال دراستي له، كأنما ألف للمسلمين في ~~هذا العصر، سواء في موضوعاته، وطريقة بحثها وعلاجها، أو في أسلوبه، وذلك ~~يرجع في نظري لأسباب منها: # PageV01P035 # * تشابه عصرنا ms014 بعصر المؤلف، في كثرة البدع وظهورها، وفي ضعف المسلمين ~~وقوة الكفار، وانتشار عقائدهم وأفكارهم وأخلاقهم وعاداتهم وأزيائهم بين ~~المسلمين، بالإضافة إلى ظهور الفرق الضالة، واستعلائها بين المسلمين، خاصة ~~الروافض، والباطنية، والصوفية. . # ففي عصر المؤلف تغلب الكفار: من الفرنجة، والتتار على أكثر بلاد ~~المسلمين، وفي هذا العصر كذلك تغلب الفرنج سياسيا وفكريا أيضا على أكثر ~~بلاد المسلمين، رغم رحيل عسكرهم عنها. # * ومنها أيضا بعد نظر المؤلف رحمه الله، وسعة علمه وإدراكه، مما جعله ~~يعالج هذه الأمور بأسلوب عام، يناسب المسلمين في كل مكان وكل زمان. # ويتضح لنا ذلك لو استعرضنا أهم الموضوعات التي بحثها المؤلف وهي موجودة ~~في زمنه، وتجدها أيضا بين المسلمين اليوم: # من التشبه بالكفار والأعاجم- غير المسلمين- في الزي واللباس، والعادات، ~~والتقاليد، واللغة، والأعياد، والاحتفالات ونحوها. # انتشار البدع الاعتقادية والعملية، من التعلق بالمقبورين ودعائهم من دون ~~الله، وما تروجه الطرق الصوفية بين مريديها وغيرهم من البدع والخرافات. # إحياء شعائر الجاهلية وعاداتها وآثارها ومآثرها التي محاها الإسلام. # هيمنة الأفكار والمفاهيم والثقافات غير الإسلامية على أذهان الكثير من ~~المسلمين، وانتشار الفلسفة والإلحاد ونحو ذلك. # وهذا عن الكتاب في عمومه، والآن سأعرض بالدراسة والتحليل لبعض موضوعات ~~الكتاب. # PageV01P036 ### | ثانيا دراسة لبعض موضوعات الكتاب ### | الموضوع الأول تنبيه المؤلف على أصلين مهمين # ثانيا # دراسة لبعض موضوعات الكتاب # الموضوع الأول # تنبيه المؤلف على أصلين مهمين استهل المؤلف كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم ~~لمخالفة أصحاب الجحيم) بمدخل مهم، وجدير بالتأمل والدراسة؛ لأنه يشكل ~~الأساس لفهم مشكلة تشبه المسلمين بغيرهم، ثم علاجها، وتجنب أخطارها على ~~بصيرة وهدى. # وذلك: أنه نبه على أصلين من أصول الدين، لا غنى للمسلم عن فهمها، ولكل ~~واحد منهما علاقة بالآخر. # الأصل الأول: إخبار الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم القاطع الأكيد، ~~بأن أمته ستتبع سنن الأمم التي سبقتها من اليهود والنصارى، وفارس والروم، ~~ونحوهم، شبرا بشبر وذراعا بذراع، وهذا يعني أن طوائف من هذه الأمة سوف ~~تتشبه بالكفار قطعا. # الأصل الثاني: إخباره صلى الله عليه وعلى آله وسلم القاطع والأكيد أيضا، ~~بأن الله تعالى ms015 تكفل بحفظ الدين، وأنه لا تزال طائفة من المسلمين على الحق ~~ظاهرين حتى تقوم الساعة، وأن الأمة لا تجتمع على ضلالة. # PageV01P037 # ثم يوازن بين هذين الأصلين بعد أن أورد الأحاديث الواردة عن الرسول صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم في اتباع المسلمين سنن من كان قبلهم، فيقول: # "فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب، ~~ومضاهاة لفارس والروم، وهم الأعاجم". # وقد كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، وليس ~~هذا إخبارا عن جميع الأمة، بل قد تواتر عنه أنه: «لا تزال طائفة من أمته ~~ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة» (1) وأخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ~~«أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة (2) وأن الله لا يزال يغرس في هذا ~~الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته» (3) . # فعلم بخبره الصدق: "أنه في أمته قوم مستمسكون بهديه الذي هو دين الإسلام ~~محضا، وقوم منحرفون إلى شعبة من شعب اليهود، أو إلى شعبة من شعب النصارى، ~~وإن كان الرجل لا يكفر بكل انحراف، بل وقد لا يفسق أيضا، بل قد يكون ~~الانحراف كفرا، وقد يكون فسقا، وقد يكون معصية، وقد يكون خطيئة" (4) . # وعليه: فإنه بالرغم من أن ما وقعت فيه الأمة، وما ستقع فيه، من التشبه ~~بالأمم الأخرى، إنما هو قدر من أقدار الله وقضائه الذي لا يرد، فإن هذا لا ~~يعني أن المسلم سيستسلم لهذا القدر، بل إنه مطالب بفعل الأسباب الواقية، ~~فإن الله تعالى حذرنا سبيل الكافرين، وأمرنا بالاستمساك بالعروة الوثقى، ~~وبالإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن وقوع فئة من ~~PageV01P038 # المسلمين، أو حتى أكثرهم- لا قدر الله ذلك- في التشبه بالكافرين، فإن هذا ~~لا يعني أن الأمة هلكت كلها، فإن الله تعالى وعد المؤمنين بالنصر والتثبيت، ~~والظهور على الحق إلى قيام الساعة، فوعده تعالى صادق نافذ، كما أن قضاءه في ~~وقوع بعض المسلمين في اتباع سنن غيرهم نافذ أيضا. # كما أن إخبار الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بأن أمته ستتبع ms016 سنن ~~الذين من قبلها، جاء بمعرض النهي والتحذير، واتخاذ أسباب الوقاية، وذلك ~~بالتمسك بكتاب الله تعالى، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ~~واقتفاء أثر السلف الصالح، والحذر من الابتداع في الدين، واتقاء أسباب ~~الضلالة والغواية. # وهكذا نجد المؤلف رحمه الله، بأسلوبه العلمي الرصين، واستدلاله القوي ~~الواضح، استطاع أن يستجلي هذين الأصلين، ثم يوفق بينهما، مما يجعل القارئ ~~على بينة ووضوح، وهذا مدخل أساسي ومهم لفهم واستيعاب بقية مباحث الكتاب ~~التي تدور كلها حول موضوع تشبه المسلمين بغيرهم، وما ورد فيه جملة وتفصيلا، ~~وبيان آثاره ونتائجه، وطرق الوقاية منه. # PageV01P039 ### | [الموضوع الثاني بعض أنواع البدع والشركيات التي ابتليت بها الأمة] # الموضوع الثاني # بعض أنواع البدع والشركيات التي ابتليت بها الأمة لقد شخص المؤلف رحمه ~~الله، أكثر الأمراض وأنواع التشبه والتقليد للكافرين التي وقع فيها ~~المسلمون، حين تساهل كثير منهم بدينهم، وغفلوا عن تحذير الرسول صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم أمته من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم قبلهم من البدع ~~والضلال. # فذكر طائفة من ذلك في العبادات. # وأخرى في السلوك والأخلاق والعادات. # وثالثة في الاعتقادات والإرادات. # فمن البدع في العبادات: إحداث أعياد واحتفالات لم يشرعها الله ولا رسوله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنما فعلتها الأمم الأخرى كاليهود والنصارى، ~~أو فارس والروم، ونحوهم، كالاحتفال بيوم عاشوراء، وبالمولد النبوي، وبليلة ~~الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وإحداث صلوات لم يشرعها الله، ~~كصلاة الرغائب، وتخصيص ليال وأيام بعينها بعبادة معتادة، كأول خميس من رجب، ~~وليلة أول جمعة وليلة النصف منه، وكالرهبنة، والسياحة لغير قصد مشروع أو ~~مباح، والغلو في الدين. # PageV01P040 # ومما وقع فيه المسلمون في السلوك والأخلاق والعادات: الحسد، والبغي، ~~والبخل بالمال والعلم، وجحود ما مع الآخرين من الحق عند الخصومات، والتشبه ~~بالكافرين باللباس، والرطانة بلغاتهم لغير ضرورة. # وما وقعوا فيه من الاعتقادات والإرادات: كالغلو في الأنبياء والصالحين، ~~وتحريف الكلم عن مواضعه، كما فعلت الفرق، كالجهمية، والمعتزلة، والخوارج، ~~والروافض، وبعض الأشاعرة، ونحوهم. # وكبناء المساجد على القبور، والطواف بها، ودعاء أهلها ms017 من دون الله، ~~والتمسح والتبرك بها، ونحو ذلك من البدع والشركيات، التي وقع فيها كثير من ~~الجهال والمبتدعين، وأصحاب الطرق الصوفية، والشيعة، وغيرهم. وكالتعبد ~~بالأصوات والسماع، والطرب والرقص، والصور الجميلة بما يسمونه بإصلاح ~~الأحوال، كما تفعل الطرق الصوفية التي ابتلي المسلمون بها. وكالتفرق ~~والاختلاف في الدين، وقسوة القلوب. # وقد استقصى المؤلف هذه الأمور وفصلها، على نحو لا يدع لأحد يطلع على هذا ~~الكتاب عذرا في جهلها، أو جهل أحكامها. # كل هذه الأشياء وغيرها كثير مما ذكره المؤلف، وقعت فيها الأمة من جراء ~~تشبهها بالأمم الأخرى. # ومن الجدير بالذكر أن هذه الأمور، لا تزال توجد بين المسلمين، وربما ~~زادوا عليها عما عهده المؤلف في عصره، فالصوفية بطرقها الكثيرة، وطقوسها ~~المبتدعة، وشركياتها وأساليبها الشيطانية لا تزال تؤتي ثمارها النكدة، من ~~التفريق بين المسلمين، وجعلهم طرائق قددا، وأحزابا متنافرة، وتضلل العامة، # PageV01P041 # وتستجهل أهل العلم، وتبدع أهل السنة، وتؤذي موتى المسلمين وسلفهم الصالح، ~~ببناء المساجد والقباب على قبورهم، وممارسة الشركيات والبدع والخرافات ~~عندها، من طواف وتمسح وتبرك، ودعاء من دون الله، وغير ذلك مما يتفطر له قلب ~~كل مؤمن مشفق على دينه وأمته، ولست أتجنى أو أبالغ فيما ذكرته، فالواقع ~~يشهد وينطق بحالهم. # ثم الشيعة الروافض كذلك لا يزالون يفسدون رقعة كبيرة من بلاد المسلمين، ~~ببناء المشاهد والقباب، وتقديس القبور، وأهلها، ونشر البدع في الدين. # ثم النصيرية، والقرامطة (الإسماعيلية) هاهم لهم وجود وأثر، كما كانوا ~~يفعلون في عصر المؤلف وقبله، فهذه أوجه شبه كبيرة بين عصرنا وعصر المؤلف. # PageV01P042 ### | [الموضوع الثالث أثر التشبه على الأمة] # الموضوع الثالث # أثر التشبه على الأمة لقد حلل المؤلف رحمه الله، أثر التشبه والتقليد، ~~بين المتشبه، والمتشبه به، والمقلد والمقلد، تحليلا علميا رائعا، ينبغي أن ~~يكون قاعدة من قواعد علم النفس والاجتماع، وقد ثبت ذلك بقول الرسول صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (1) . # حيث بين وأكد أن المشاركة بين المتشابهين في الهدي والظاهر- وهو المظهر ~~والسلوك- لا بد أن تورث بينهما شعورا واضحا بالتقارب، والتعاطف، والتواد. # فإذا ms018 حدث أن مسلما تشبه بكافر، في مظهره وعاداته، وسلوكه، ولغته، أو شيء ~~من ذلك، فإنه لا بد أن يورث بينهما شعورا بالتقارب، والمودة، وهذا ما شهد ~~به الواقع، فضلا عن بيان الشرع، وموافقة العقل. # وقديما قالوا: "إن الطيور على أشباهها تقع" وهذا مثل صحيح، يوافق سنة ~~الله في خلقه. # وبعد أن قرر المؤلف هذه القاعدة- قاعدة تأثر المقلد بالمقلد- ليبين أثر ~~التشبه على عقيدة المسلمين ودينهم، ضرب لذلك أمثلة واقعية، يدركها كل ~~PageV01P043 # عاقل بصير. فيقول: "إن المشاركة في الهدي الظاهر، تورث تناسبا وتشاكلا ~~بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، ~~فإن اللابس لثياب أهل العلم- مثلا- يجد في نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس ~~لثياب الجند المقاتلة- مثلا- يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه ~~متقاضيا لذلك" (1) ومن ناحية أخرى، يشير المؤلف مرة ثانية إلى أن التشابه ~~الظاهر، في الزي والشكل والسلوك والعادات، لا بد أن يورث نوع مودة ومحبة، ~~وموالاة بين المتشابهين في الباطن، منه ما يسمى عند علماء النفس (اللاشعور) ~~، كما أن المحبة أيضا في الباطن، قد تورث تناسبا وتشاكلا في الظاهر. # فالمسلم الذي يتشبه بالكفار، بأي نوع من أنواع التشبه الظاهر، في لباسه، ~~أو عاداته، أو حركاته، فإن ذلك في الغالب يدل على أنه لديه شعور باطني- إن ~~لم يجاهر به- بمودة من يتشبه بهم، فإن التشبه إنما يصدر عن إعجاب، وإحساس ~~بتفوق الآخرين عليه. # ثم يضرب المؤلف لما ذكره مثلا آخر من واقع الناس فيقول: "لو اجتمع رجلان ~~في سفر، أو بلد غريب، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب، أو الشعر، ~~أو المركوب، ونحو ذلك، لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، وكذلك ~~تجد أرباب الصناعات الدنيوية، يألف بعضهم بعضا، ما لا يألفون غيرهم، حتى إن ~~ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة" (2) . # ثم يقول: "فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية، تورث المحبة والموالاة، ~~فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، ~~PageV01P044 # والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان" (1) . # وعليه، فمشابهة أهل الكتاب والأعاجم ونحوهم، لا ms019 بد أن تورث عند المسلم ~~نوع مودة لهم، أو هي على الأقل مظنة المودة، فتكون محرمة من هذا الوجه سدا ~~للذريعة، وحسما لعادة حب الكافرين والولاء لهم، فضلا عن كونها محرمة من ~~وجوه أخرى بالنصوص الواردة وغيرها. # وليس هذا من خصائص عصر المؤلف، كما يتوهمه بعض الناس، بل هو سنة الله في ~~خلقه في كل زمان، وكل مكان. وعلى أي حال، فإننا في عصرنا الحاضر، رغم ~~اختلاط الأمم، وتقارب المسافات وطغيان الحضارة والمدنية الغربية على الناس، ~~وما يحدثه ذلك من تقليل التميز بين الأمم والشعوب، إلا أننا ندرك بوضوح، أن ~~تلك الفئات- من المسلمين- التي تتشبه بالإفرنج في لباسهم، أو سلوكهم ~~وعاداتهم، والتي تعتاد التكلم بلغتهم وتتخاطب بها باستمرار، أنها تميل إلى ~~حبهم، وتقديرهم، والإعجاب بهم، وتستأنس بهم، وتزدري المسلمين المتمسكين بما ~~هم عليه من لباس وسلوك وعادات. # وذلك أن الله تعالى "جبل بني آدم- بل سائر المخلوقات- على التفاعل بين ~~الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر، كان التفاعل في الأخلاق ~~والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين ~~فقط" (2) . # وكذلك العكس أيضا، فإن المسلمين المتمسكين بهدي الإسلام، والبعيدين عن ~~مشابهة الأمم الأخرى، هم أكثر نفرة وأقل مودة لغير المسلمين. # وأمر آخر خطير أيضا على المسلمين، وهو أنه لا يقتصر التشابه بين ~~PageV01P045 # المسلم والكافر على المودة الظاهرة بينهما، بل قد يصل إلى الأمور ~~الاعتقادية والفكرية الباطنة، فإن المسلم الذي يقلد الكفار في الهدي ~~الظاهر، يقوده ذلك على وجه المساوقة والتدرج الخفي إلى التأثر باعتقاداتهم ~~الباطلة. # وهذا الأمر كذلك ندركه الآن بين المتفرنجين، الذين يعشقون الحياة ~~الغربية، فأكثرهم يحمل أفكارا واعتقادات غريبة عن الإسلام، بل قد تكون ~~هدامة تنافي العقيدة الإسلامية الصحيحة. # فاعتقادهم أن القوانين الغربية متفوقة على الشريعة الإسلامية، ثم تطبيقهم ~~لهذا، واعتقادهم أن الإسلام دين عبادة فحسب، ولا صلة له بحياة الناس ~~وعلاقاتهم، وازدراؤهم للمتمسكين بالإسلام، وغير ذلك مما يدركه المسلمون ~~اليوم وما يعانونه من هذه الفئة التي تسيطر على أغلب بلاد المسلمين، كل ذلك ~~إنما هو ms020 نتيجة لما سبق أن قرره المؤلف مما يحدثه التشابه بين المسلمين ~~والكفار، من آثار في الظاهر والباطن. # PageV01P046 ### | الموضوع الرابع قواعد أساسية في التشبه # الموضوع الرابع # قواعد أساسية في التشبه استطاع المؤلف من خلال استعراض الأدلة من القرآن ~~الكريم، ثم من السنة المطهرة، الواردة في النهي عن تشبه المسلمين بالكفار، ~~وإجماع المسلمين في العصور الفاضلة على ذلك، أن يوصلنا إلى النتائج ~~التالية: # * أن جنس المخالفة للكافرين والأعاجم ونحوهم، أمر مقصود للشارع، وأن ~~التشبه بهم منهي عنه في الجملة، في عامة أمورهم الدينية والدنيوية. # * أن هناك أمورا خصت بالنهي، ووردت بها السنة بعينها، كالبناء على ~~القبور، واتخاذها مساجد، وحلق اللحى وإعفاء الشوارب، والأكل والشرب ~~بالشمال، ونحو ذلك. # * أن مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا- نحن المسلمين- في دنيانا ~~وآخرتنا. # * أن تشبه فئة من المسلمين بالكفار، أمر لا بد أن يقع، مصداقا لإخبار ~~الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك، وأن الله تعالى حذر من ذلك، وأمر ~~المسلمين بالاستمساك بالحق، والثبات والصبر رغم وقوع طوائف منهم بالمحذور. # * أنه ليس شيء من أمور الكفار، في دينهم ودنياهم، إلا وهو: إما فاسد وإما ~~ناقص في عاقبته، حتى ما هم عليه من إتقان أمور دنياهم، قد يكون اتباعنا لهم ~~فيه مضرا: إما بدنيانا وآخرتنا، أو أحدهما، وإن لم ندرك ذلك. # PageV01P047 # * أن سلفنا في القرون الفاضلة، كانوا قد فهموا هذه القاعدة، فهما جليا ~~وعملوا بها، واستدل المؤلف على ذلك بإجماعهم على تحذير المسلمين من ذلك، ~~وعلى سدهم الذريعة إليه، ما أثر عنهم من أقوال وأفعال ومواقف لا تكاد تحصى، ~~وقد أورد من ذلك الكثير. # ويجب على المسلمين اليوم، أن يدركوا هذا، ويعملوا به، وأن يكونوا حذرين ~~من كل ما يصدر عن الكفار، من اعتقادات، وأفكار، وثقافات، وعادات، وأزياء، ~~وغيرها. # فإن الكفار اليوم، رغم ما هم عليه من تفوق في أمور دنياهم، ليس لديهم ما ~~يرشد المسلمين إلى الحق، أو يهديهم لأسباب العزة، والنصر والسعادة، فإن ذلك ~~إنما يكون بالرجوع لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى ms021 آله ~~وسلم، والتمسك بالإسلام حقا. # أما الإفادة مما عند الكفار اليوم، من صناعات، وعلوم تطبيقية ونحوها، ~~فهذا أمر آخر، لا علاقة له بموضوع التشبه؛ لأن هذه العلوم والصناعات ليست ~~من خصوصيات الكفار- وإن احتكروها- لأنها إمكانات بشرية لا بد أن تتوفر عند ~~من يحرص عليها وينميها ويجد في تحصيلها، سواء كان مسلما أو كافرا. # كما أن استيراد الصناعات وعلومها لا يعد من قبيل التشبه والتقليد؛ لأن ~~الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يستعمل ما يصنعه الكفار من لباس ~~وآنية ونحو ذلك. # إنما طريقة الإفادة من الصناعات إذا صاحبها نقل عاداتهم وتقاليدهم ونظمهم ~~وكل ما هو من خصائصهم؛ فإن هذا هو المحذور. # PageV01P048 ### | الموضوع الخامس فئات من الناس نهينا عن التشبه بها # الموضوع الخامس # فئات من الناس نهينا عن التشبه بها نبه المؤلف إلى أن التشبه المنهي عنه، ~~لم يكن قاصرا على التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والأعاجم من ~~الروم والفرس، والمجوس، بل النهي عن التشبه شمل أمورا أخرى: # فقد ورد النهي عن التشبه بالشيطان وأحواله وأعماله، مثل الأكل بالشمال، ~~والشرب بها، فإن هذا من عمل الشيطان، ونحن منهيون عن كل ما هو من عمل ~~الشيطان، فإن التشيطن مذموم شرعا وعقلا. # ولنا عند هذا المعنى وقفة اعتبار وتأمل: # فإن كل ما هو من خصال المتبعين للشيطان والغاوين، من الفساق والعصاة ~~والمجرمين والظلمة، والزنادقة ونحوهم، يكون منهيا عنه، وذلك بحكم اتباعهم ~~للشيطان، ونحن نهينا عما هو من سبيل الشيطان وعمله. # فيجب على المسلم المتمسك بدينه، أن يتجنب كل ما هو من شعارات هؤلاء، ~~أتباع الشيطان وحزبه، وأن يحذر معاشرتهم، ويبعد عن أماكن تجمعاتهم، لأنها ~~مواطن شبهة، قربها يزري بالمسلم. # ومن شعارات هذه الأصناف في عصرنا، الألبسة الضيقة، والتختم بالذهب، وحلق ~~اللحى، وإسبال الثياب، وحمل الصور، واصطحاب الكلاب، # PageV01P049 # والتدخين، والتعلق بالرياضة المفسدة والفن الساقط والطرب، وغير ذلك مما ~~هو معروف في كل بلد من بلاد المسلمين. # كما أن لهم سمات، وملابس، ومراكب، وتجمعات، يعرفها الناس في كل بيئة بحسب ~~ما فيها من أعراف ms022 وعادات، فيلزم كل مسلم أن يتجنب كل ما هو من خصائص هؤلاء ~~الفساق والمجرمين، وأن تكون له شخصيته المميزة التي تلتزم بالآداب الشرعية، ~~وأن لا يختلط بهذه الأصناف إلا بقدر الضرورة، كأن يريد دعوتهم للحق، أو ~~إنكار ما هم عليه من منكر، وأمرهم بالمعروف، واستصلاحهم، أو تضطره المصلحة ~~المعاشية لبيع وشراء ونحوه، بشرط أن لا يكون له معهم عشرة وود، وأن يأمن ~~على عقيدته وخلقه وعرضه منهم. # كما نبه المؤلف كذلك على صنف آخر ورد النهي في السنة عن بعض خصاله، وهم ~~الأعراب الذين لم يكمل دينهم. # فإن الأعراب- في الغالب- يتميزون بالجفاء والغلظة، والجهل بأحكام الله ~~وحدوده، لذلك يكون فيهم الكفر والنفاق أشد من غيرهم. # فمن جهلهم- مثلا- تسميتهم العشاء بالعتمة، كما ورد في السنة (1) وفعل ~~المعاقرة خيلاء وفخرا، وهم أسرع من غيرهم إلى العصبية الجاهلية والفخر ~~بالأحساب، والطعن بالأنساب، كما أنهم أبعد عن الجمعة والجماعات، ونحو ذلك ~~مما هو معروف عنهم، فكل هذه الصفات، التي توجد لدى الأعراب في الغالب، ولا ~~تزال توجد لديهم غالبا حتى الآن، يجب على المسلم أن يحذرها، ويحذر منها؛ ~~لأن أغلبها صفات جاهلية، أو هي من سمات الجاهلية. وما هو من سمات الجاهلية ~~وصفاتها التي محاها الإسلام فهو منهي عنه أيضا. PageV01P050 ### | [الموضوع السادس النهي يعم كل ما هو من سمات الكفار قديما وحديثا] # الموضوع السادس # النهي يعم كل ما هو من سمات الكفار قديما وحديثا من المفيد الإشارة إلى ~~ما ذكره المؤلف في معرض حديثه عن التشبه بالعجم ونحوهم، من أنه إذا نهت ~~الشريعة عن مشابهة الأعاجم، دخل في النهي ما عليه الأعاجم الكفار قديما ~~وحديثا، حتى وإن كان عليه الأعاجم المسلمون، إذا كان يخالف السنة، أو ~~الآداب الشرعية. كذلك يدخل في مسمى الجاهلية، ما كان عليه أهل الجاهلية قبل ~~الإسلام، وما عاد إليه كثير من العرب اليوم، من صفات وأعمال وعادات ~~الجاهلية. # وبهذا نعلم، أن المسلمين اليوم، منهيون عما عليه الأمم الأخرى من حولهم، ~~من عبادات، وأعمال، وعادات ضارة، وأخلاق فاسدة، وإن لم يكن ذلك موجودا ms023 في ~~القديم أصلا، لا سيما وأن الكثير من مظاهر الحياة وأشكالها، تبدلت تبدلا ~~كبيرا في عصرنا الحاضر، عن العصور الماضية. # وما يتشدق به بعض المعجبين بالكفار، وبعض الجاهلين، من أن الكفار يحملون ~~بعض الصفات الحميدة، كالصدق، والوفاء، والأمانة، فهذا- وإن كان يوجد في ~~بعضهم، ويفقده بعض المسلمين المتساهلين- فلا يعني أن الكفار أزكى من ~~المسلمين على الإطلاق، ولا أنهم خير منهم على العموم، كما لا يعني، أن ما ~~عليه الكفار من اعتقادات، وأفكار، وأخلاق، وعادات، سليم وصحيح، كما أنه إذا ~~وجدت في بعضهم تلك الخصال الإنسانية الحميدة، فلا # PageV01P051 # يعني أنهم كلهم كذلك، ولا أن قلوبهم سليمة، وكيف تكون سليمة وهي خالية من ~~الإيمان؟ # لأن هذه الأخلاق الحميدة هي من أصول الإسلام، التي أمر بها المسلمون، هذا ~~بالإضافة إلى أننا لا نسلم بأن تلك الأخلاق الحميدة توجد فعلا بين الكفار ~~كما يصورها المعجبون، لكنها مظاهر توجد في حالات، وفي أفراد، وما يشهد به ~~الواقع أن الكفار الآن عامة أخلاقهم فاسدة وخبيثة، ويكثر بينهم الحسد ~~والغدر والخيانة، والبغي والفساد، والكذب والفجور، وغيرها من الرذائل ~~والفساد الأخلاقي، الذي يتذمرون منه هم، ويقلق مفكريهم وعقلاءهم، ومصلحيهم، ~~إن كان فيهم مصلحون. # فينبغي للمسلمين اليوم، أن تكون لهم شخصيتهم المميزة، وأخلاقهم وعاداتهم ~~الطيبة الكريمة، ولغتهم العربية الشريفة، وأن يستمدوا ذلك كله من شريعتهم ~~الإسلامية، وهدي نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسلفهم الصالح. # وما كان من سمات الكفار اليوم، من عادات، وتقاليد، وأزياء، وأنماط سلوك، ~~فعلى المسلم أن يتجنبه قدر الإمكان. # وكذلك ما جدده الناس اليوم، وأحدثوه، من أخلاق الجاهلية المذمومة، ~~وسماتها، وأعرافها وتقاليدها، وآثارها، ونحو ذلك مما يحاول القوميون ~~والوطنيون (الذين يقدسون الأوطان) ، والبعثيون ونحوهم إحياءه، ونشره بين ~~المسلمين، تحت شعارات الأصالة، والقومية، والوطنية، وإحياء التراث، والتغني ~~بالأمجاد، والفخر بالآثار، ونحو ذلك من الشعارات التي لا مستند لها من كتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كل هذا يدخل في النهي عن سنن ~~الجاهلية المذمومة شرعا، وإن ألبسوه لباس التقدم والمدنية. # PageV01P052 ### | الموضوع السابع ms024 متى يباح التشبه بغير المسلمين # الموضوع السابع # متى يباح التشبه بغير المسلمين؟ بما أن الشريعة الإسلامية جاءت بما فيه ~~صلاح الناس وإصلاحهم وتميزت باليسر والسماحة، وتقدير المصالح، ودفع المضار، ~~فإن فيها للضرورات أحكاما، تخرج المسلم من الحرج حينما يقع فيه، فإن المؤلف ~~أشار إلى أمر مهم فيما يتعلق بمسألة النهي عن التشبه بالكفار والأعاجم ~~ونحوهم، فهو بعد أن أصل القاعدة، ذكر أن لها استثناء، فهو يذكر أن المسلم ~~إذا واجهته حالة يضطر معها إلى التشبه بالكفار، فإنه يجوز له ذلك في حدود ~~الضرورة، ويضرب لذلك مثلا فيقول: # "ومثل ذلك اليوم، لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب، لم يكن ~~مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد ~~يستحب للرجل، أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، إذا كان في ~~ذلك مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع إلى باطن أمورهم؛ لإخبار ~~المسلمين بذلك، أو دفع ضرر عن المسلمين، وغير ذلك من المقاصد الصالحة" (1) ~~. # ثم يشير إلى أنه في دار الإسلام لا يجوز شيء من ذلك؛ لأنها شرعت فيها ~~المخالفة (2) . PageV01P053 # وعليه: فبهذه الشروط والمحترزات والمصالح التي ذكرها المؤلف، يمكن للمسلم ~~أن يتشبه بغير المسلمين؛ لتحقيق مصلحة كبرى، أو دفع مضرة عظمى، وأضيف إلى ~~ذلك: أن لا يصاحب فعله هذا: استحلال محرم، أو ترك واجب، أو إخلال بعقيدة. # كما أنه ينبغي للمسلم أن لا يسافر إلى بلاد غير إسلامية لغير ضرورة، ~~ومصلحة كبرى؛ لأن ذلك يوقعه في مخالفات شرعية كثيرة، عند تعامله مع الكفار. # PageV01P054 ### | الموضوع الثامن في الأعياد والاحتفالات البدعية # الموضوع الثامن # في الأعياد والاحتفالات البدعية إن مسألة الأعياد، والاحتفالات البدعية، ~~من أشد وأخطر ما تساهل فيه المسلمون، بعد القرون الفاضلة، فقد سارع كثير ~~منهم إلى التشبه بالأمم الأخرى، في أعيادها، واحتفالاتها. # فأحدث بعضهم بدعة الاحتفال بالمولد النبوي، والاحتفال بليلة الإسراء ~~والمعراج. وهذه الأعياد الوطنية والقومية- التي تزداد يوما بعد يوم بين ~~المسلمين- وغيرها إنما هي من الأغلال والآصار التي ابتليت بها الأمة ms025 ~~الإسلامية، وما أنزل الله بها من سلطان. # لذلك نجد أن المؤلف رحمه الله أطال في مسألة الأعياد البدعية، بل إنه ~~أشار في أول الكتاب- كما ذكرت- أنها هي سبب تأليف الكتاب، وغيرها جاء تابعا ~~لها. # فقد بين أن الله تعالى لم يشرع للمسلمين إلا عيدين، هما عيد الأضحى، وعيد ~~الفطر، وأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن اتخاذ الأعياد سواء ~~كانت أعيادا جديدة، أو أعيادا قديمة تحيا. # كما بين أن مسألة الأعياد من المسائل الشرعية التعبدية، التي لا يجوز ~~الابتداع فيها، ولا الزيادة ولا النقص، فلا يجوز إحداث أعياد غير ما شرعه ~~الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. # PageV01P055 # كما بين أن كل اجتماع عام يحدثه الناس، ويعتادونه، في زمان معين أو مكان ~~معين، أو هما معا، فإنه عيد، كما أن كل أثر من الآثار القديمة أو الجديدة، ~~يحييه الناس، ويرتادونه؛ فإنه يكون عيدا؛ وذلك كأسواق الجاهلية، وآثارها، ~~وأوثانها. # فقد كان للناس قبل الإسلام أعياد زمانية ومكانية كثيرة، وكلها حرمها ~~الإسلام وأماتها، وشرع للمسلمين عيدين فقط. # فقد دلت السنة على ذلك بوضوح وصراحة، كما دل عليه فعل المسلمين في صدر ~~الإسلام، وإجماعهم، وما أثر عنهم من النهي عن ذلك والتحذير منه أكثر من أن ~~يحصى، وقد ذكر المؤلف الكثير منه. # فإذا عرفنا ذلك، وعرفنا أن ما شاع بين المسلمين من أعياد واحتفالات لم ~~يكن يفعله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل نهى عنه، ولم يكن ~~الصحابة ولا التابعون خلال القرون الفاضلة يفعلون ذلك، بل كانوا ينهون عنه ~~ويحذرون من الوقوع فيه؛ فهذا يكفي للحكم على هذه الأعياد والاحتفالات ~~المحدثة بأنها دسيسة من دسائس المبطلين، وغفلة وجهل من أكثر المسلمين، مهما ~~بررها الناس ورضوها، والتمسوا لها الفتاوى والتأويلات التي لا تستند إلى ~~كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. # فأي عيد أو احتفال ليس له في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم أصل، ولم يعهد في عصر الصحابة، والقرون ms026 الفاضلة، فإنما قام على ~~الباطل، ويقال لمن فعله أو أحله: {هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: ~~111] (1) ولن يجدوا إلا قول من سبقوهم: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مهتدون} [الزخرف: 22] (2) . PageV01P056 # وإن أقوى حجة يستند إليها المتشبثون بهذه الأعياد والاحتفالات المبتدعة، ~~قولهم بأن ذلك- خاصة الاحتفال بالمولد- مما تعارف عليه المسلمون، وعلمه ~~ورضيه كثير من علماء المسلمين المعتبرين، واجتمعت عليه الأمة، وهي لا تجتمع ~~على ضلالة. # فيقال لهم: هذه دعوى واهية؛ لأنها: # أولا: لا تستند إلى دليل شرعي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم. # وثانيا: لم يتعارف على ذلك جميع المسلمين، ولم يرضه جميع العلماء، بل ولا ~~المعتبرون منهم، ولم تجتمع عليه الأمة، فإنه منذ أن استحدثت هذه المبتدعات ~~إلى اليوم لا تزال طائفة من الأمة تنكرها وتبين للمسلمين الحق، وتنصح للأمة ~~وترشدها إلى الطريق المستقيم، الذي سنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم، وسلكه الصحابة والسلف الصالح. وما دعوة الإمام أحمد بن حنبل، ثم ~~الإمام أحمد بن تيمية، ثم دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وسائر أئمة أهل ~~السنة والجماعة- بخافية على أحد-، ولم يفعل ذلك الصحابة ولا التابعون، ولا ~~الأئمة في القرون الفاضلة كالأئمة الأربعة وسائر أئمة الهدى المهتدين. # وبالرغم من أن عصرنا هذا، من أسوأ عصور المسلمين، وأكثرها انحرافا، إلا ~~أننا نجد طائفة منهم لا تزال- بحمد الله- تنكر هذه المبتدعات، وتصدع بالحق، ~~وتحذر المسلمين من الوقوع في البدع، فإن أكثر بلاد المسلمين ابتلاء بالبدع ~~والخرافات والشركيات- خاصة الأعياد والاحتفالات البدعية، وبدع الصوفية، ~~والبدع التي تقام حول القبور- توجد فيها طائفة تنكر هذه البدع، وتحاربها، ~~وترشد المسلمين وتناصحهم بعدم الوقوع فيها، بصراحة وجرأة # PageV01P057 # وشجاعة، كجماعة أنصار السنة المحمدية في السودان، وفي مصر، وغيرها من ~~الأفراد والجمعيات في كل مكان. # وبهذا تبطل دعوى اجتماع الأمة، وحاشاها أن تجتمع على ضلالة. # هذا بالإضافة إلى ما فصله المؤلف من وجوه أخرى في تحريم الأعياد المبتدعة ~~والنهي عنها، وضررها على المسلمين، منها: # * أن الأعياد من جملة الشرائع والمناسك، كالقبلة، والصلاة، ms027 والصيام، ~~وليست مجرد عادات، وهنا يكون أمر التشبه والتقليد فيها للكافرين أشد وأخطر، ~~وكذلك تشريع أعياد لم يشرعها الله يكون حكما بغير ما أنزل الله، وقولا على ~~الله بغير علم، وافتراء عليه، وابتداعا في دينه. # * أن الأعياد والاحتفالات البدعية، من شرائع الكفار، ومن شعائر أديانهم ~~الباطلة المحرفة، فلا يجوز للمسلمين أن يتشبهوا بما هو من خصائص الكفار ~~وشعائرهم الباطلة. # * أن أعياد الكفار، وما يفعلونه فيها، معصية؛ لأنه: إما مبتدع في دينهم ~~أصلا، وإما منسوخ بالإسلام، فهو بمنزلة صلاة المسلم لبيت المقدس. # * إذا فعل المسلمون القليل من الأعياد المبتدعة، فسيؤدي ذلك إلى فعل ~~الكثير؛ لأن هذا أمر لا ضابط له إلا الشرع، ومن ثم تكثر الأعياد، وتشغل ~~المسلمين عن عبادتهم، وعن أمور معاشهم ومصالحهم. # وهذا ما حدث فعلا الآن، فكل بلد من بلاد المسلمين اليوم له أعياد ~~واحتفالات، فعيد لميلاد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وآخر لميلاد ~~الرئيس، وثالث للوطن، ورابع للاستقلال، وخامس للاعتلاء، وسادس للمرأة، ~~وسابع للطفل، وثامن للأم، وتاسع للربيع. وعاشر للنصر! إلخ مما لا يحصى من ~~الأعياد التي أولها قطر، وآخرها طوفان، بل لقد وصلت قائمة الأعياد المبتدعة ~~في بعض بلاد المسلمين إلى أكثر من ذلك، وفي ذلك مضاهاة لدين الله. # PageV01P058 # * ويضاف إلى ذلك ما تستنزفه هذه الأعياد من الأموال والجهود، والطاقات ~~والأوقات، التي تضيع هدرا على المسلمين في سبيل الشيطان، وتشغلهم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة، وعن كثير من الفروض والواجبات التي شرعها الله، وسنها ~~رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما أنها مفتاح اللهو والعبث والمجون ~~والانحلال في حياة الفرد والمجتمع. # فهل يفطن أولئك الذين لا يزالون يبيحون للمسلمين مثل هذه الأعياد ~~والاحتفالات، ويشرعونها لهم، ويزعمون أن الإسلام لم يحرم هذا؟ فإذا كانت ~~عميت بصائرهم عن الدليل، فهل عميت أبصارهم عن الواقع؟ لكن من لم يجعل الله ~~له نورا، فما له من نور. # والجدير بالتنبيه هنا، التنويه بما أنعم الله تعالى به على المسلمين في ~~هذه البلاد- البلاد السعودية- حيث طهر أرضها وأهلها بحمد الله ms028 من هذه ~~الأعياد، وغيرها من البدع التي تقام حول القبور، ونحوها، ولا تزال البدع ~~فيها بحمد الله مكبوتة، بقوة العقيدة، وقوة الحجة، وقوة السلطة، وذلك من ~~آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب المباركة، وهذه نعمة من نعم الله عليها ~~وعلى جميع المسلمين، يجب أن تشكرها وترعاها، وتحافظ عليها، وتعض عليها ~~بالنواجذ، ونسأل الله تعالى أن يوفق أولي الأمر بهذه البلاد للمحافظة على ~~هذه النعمة، ليرعوها حق رعايتها، ويأخذوا على أيدي السفهاء الذين يحاولون ~~إيقاع المسلمين في هذه البلاد بما ابتلي به غيرهم من البدع والمخالفات ~~والانحرافات. # PageV01P059 ### | الموضوع التاسع في الرطانة # الموضوع التاسع # في الرطانة لنا وقفة عند ما يسميه المؤلف "الرطانة"، وهو تعلم المسلمين ~~وتكلمهم بغير اللغة العربية، وهذه المسألة من القضايا الملحة التي تواجه ~~المسلمين في هذا العصر، والتي تحتاج إلى بحث طويل، واستجلاء للحكم الشرعي ~~المفصل فيها، ولست هنا أنتزع ولا أصدر أحكاما، بقدر ما أستخلص فوائد ~~وتوجيهات من كلام المؤلف في هذا الموضوع، الذي يبين لنا الحكم العام، ~~ومواقف السلف نحو اللغات الأخرى، وآثارها على دين المسلمين ومعتقدهم. # فقد بين لنا أن للصحابة مواقف معروفة نحو ذلك، تتمثل بقول عمر: "إياكم ~~ورطانة الأعاجم" فكانوا يكرهون أن يتكلم المسلم بغير العربية على وجه ~~الاعتياد والدوام، ولغير ضرورة. # أما عند الحاجة والضرورة، وما تقتضيه مصلحة المسلمين العامة، فإن ذلك ~~جائز، وقد جاءت السنة به، فقد «أمر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم زيد ~~بن ثابت أن يتعلم السريانية» ، لغة يهود، ليقرأ في كتبهم، ويكتب بها إليهم، ~~ويترجم كلامهم، ويأمن مكرهم. # كما كان الخلفاء الراشدون يفعلون ذلك، وكتبوا الدواوين بغير العربية، إلى ~~أن صارت القدرة على تعريبها، وكان المسلمون مضطرين لمخاطبة الشعوب التي ~~دخلت الإسلام بعد الفتوح بلغاتها كذلك. # PageV01P060 # أما التكلم بغير العربية لغير ضرورة، فإن السلف كانوا يكرهونه أشد ~~الكراهية، وينهون عنه، ولهم في ذلك أقوال معروفة سرد المؤلف الكثير منها. # وكانوا يرون أن العربية من مستلزمات الدين، وغيرها شعار النفاق، لذلك لما ~~فتحوا الأمصار، سارعوا إلى ms029 تعليم أهلها العربية حتى سرت سريان النور في ~~الظلام، رغم صعوبة ذلك ومشقته. # فالعربية هي لغة الإسلام، ولغة القرآن، ولا يتأتى فهم الكتاب والسنة فهما ~~صحيحا سليما إلا بها، فهي من مستلزمات الإسلام وضرورياته، وإهمالها ~~والتساهل بها لا بد أن يضعف من فهم الدين، ويساعد على الجهل به. # وأرى أنه من الخطأ الفادح: مزاحمة اللغة العربية باللغات الأخرى في مناهج ~~التعليم في البلاد الإسلامية (1) على العموم، والعربية على الخصوص. # فليس هناك أي مبرر يجعل اللغات الأخرى تفرض في المدارس على جميع الطلبة، ~~ولا على غالبهم، وفي كل المستويات، والواقع يثبت ما أقوله، فإن طلاب ~~المدارس التي تفرض فيها اللغات الأجنبية اليوم، هم أضعف في اللغة العربية، ~~في حين أنهم لم يكتسبوا من اللغات الأخرى شيئا يذكر، فهم كالمنبت: لا ظهرا ~~أبقى، ولا أرضا قطع، كما أنها تشكل عبئا ثقيلا، وشبحا مخيفا أمام أغلب ~~الطلبة. # نعم، قد تكون هناك ضرورة للدول لتعلم بعض اللغات الأجنبية، وحينئذ يجب أن ~~يتعلمها من يقع الاختيار عليه لحاجة الأمة، أو تفرض ذلك عليه طبيعة ~~PageV01P061 # عمله أو دراسته، فتتعلم طائفة من أبناء الأمة لغات الأمم الأخرى بقدر ~~الحاجة، أما أن تكون اللغة الدخيلة مفروضة على كل ناشئة المسلمين، فهذا ما ~~أرى أنه خطأ، ويخالف حكم الإسلام، ولم يأت إلا عن جهل، أو إعجاب بالأعاجم، ~~أو قصد إفساد شباب المسلمين والتضييق على لغتهم العربية، أو عن قصور في ~~التفكير يكون سببه حب التقليد والشعور بالنقص. # PageV01P062 ### | الموضوع العاشر حول مفهوم البدعة # الموضوع العاشر # حول مفهوم البدعة لقد أخطأ كثير من الناس في العصور المتأخرة في مفهوم ~~البدعة وأحكامها، فقالوا بأن البدعة تنقسم إلى: حسنة، وقبيحة، وأنه ليست كل ~~بدعة ضلالة، وأنا ما ارتضاه المسلمون وتعارفوا عليه لا يكون بدعة، وهذه ~~المفاهيم كلها إنما حدثت بعد القرون الثلاثة الفاضلة. # فاستطاع المؤلف رحمه الله، أن يؤصل لهذه المسألة، ويستقرئ أدلتها، ويبين ~~أحكامها، ووجه الخطأ فيها، على النحو التالي: # * بين أن كل بدعة ضلالة بصريح السنة ومنطوقها، حيث ذكر الرسول صلى ms030 الله ~~عليه وعلى آله وسلم أن «كل بدعة ضلالة» (1) وأن «شر الأمور محدثاتها» (2) ~~وأن «كل محدثة بدعة» (3) وما زعمه بعض الناس من أنه ليس كل بدعة ضلالة، فهو ~~مصادم لقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومشاقة له. # * أن البدع التي هي محل الكلام هنا هي ما أحدثه الناس في العبادات ~~PageV01P063 # وشعائر الدين، وشرائعه، كالأعياد المحدثة، والبدع التي أحدثها الناس حول ~~القبور والمزارات والمشاهد، وكالصلوات المحدثة، مثل صلاة الرغائب، والصلاة ~~الألفية، والصيام المحدث، مثل صيام أول خميس من رجب، ونحو ذلك من المبتدعات ~~التي يتعبد الناس بها، أو تصير من شعائرهم وسماتهم الدينية، فهذه الأصل ~~فيها أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله. # أما العادات فالأصل فيها الإباحة، إلا ما حرمه الله. # * مسألة أن كل بدعة في الدين ضلالة محرمة، هذا مما أجمع عليه الصحابة ~~والسلف الصالح، ولم تنتشر البدع إلا بعد القرون الثلاثة الفاضلة حين صارت ~~للروافض والقرامطة دولة، وكثرت الطرق الصوفية النكدة. # * أن ما اعتاده بعض الناس، أو حتى أكثرهم، في بلاد المسلمين، من الإقرار ~~ببعض البدع، وعملهم لها، وسكوت بعض العلماء عنها، وعمل بعضهم لها، ودعوة ~~آخرين إليها؛ كل هذا لا يصلح دليلا على أنها بدع حسنة ومقبولة، ومرضية في ~~دين الله؛ لأن الدليل المجمع عليه إنما هو كتاب الله، أو سنة رسوله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم وسنة الخلفاء الراشدين والإجماع، وهذه الأصول كلها ~~تبطل البدع، أما مجرد أعمال وأقوال تصدر من بعض المسلمين أو أكثرهم- وإن ~~سموا علماء- فهذا لا يصير دليلا بالإجماع. # * استدل بعضهم على أن بعض البدع حسنة في الدين بقول عمر رضي الله عنه في ~~صلاة التراويح: "نعمت البدعة" وأنه سنها وأقره الصحابة على ذلك، لكن المؤلف ~~يرد هذا بأن صلاة التراويح لها أصل في السنة، وأن الرسول صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم صلاها، وصلاها الصحابة خلفه، وأنه تركها خشية أن تفرض، فبقيت ~~مسنونة بعد توقف الوحي وانقطاع احتمال فرضها. # ثم إن قول عمر لا يرد به قول الرسول صلى ms031 الله عليه وعلى آله وسلم: # PageV01P064 # «كل بدعة ضلالة» ، كما أن تسمية عمر لها: "بدعة" تسمية لغوية؛ إذ مفهوم ~~البدعة في اللغة أوسع منه في الشرع، فلا تعني تسمية عمر لها: "بدعة" أنها ~~بدعة في الدين، ثم إن عمر قال: "نعمت البدعة" من باب الرد والتنزل في الحجة ~~على من قال: إنها بدعة، فالإلزام بأنه رضي الله عنه يقصد أنها بدعة حسنة، ~~أو أن البدع منها ما هو حسن من حيث المبدأ؛ إنما هو تحكم وافتراء على عمر، ~~وافتراء على الدين. # PageV01P065 ### | الموضوع الحادي عشر حول بدع القبور والمزارات والمشاهد والآثار ونحوها # الموضوع الحادي عشر # حول بدع القبور والمزارات والمشاهد والآثار ونحوها من أكثر المبتدعات ~~الشركية، وأخطرها على المسلمين، وأكثرها انتشارا: تقديس الموتى، وقبورهم، ~~والبناء عليها، وتخصيص النذور إليها، والذبح عندها، ودعاء أصحابها، من دون ~~الله، والتمسح بها، وشد الرحال إليها، والعكوف والمجاورة عندها، والصلاة ~~عندها، وفيها، واتخاذ الآثار- آثار الأنبياء والصالحين ونحوها- مزارات ~~ومشاهد، والتبرك بها، واتخاذها أعيادا، ونحو ذلك مما هو معروف ومنتشر بين ~~المسلمين، منذ القرن الرابع الهجري. # فالمؤلف يشير إلى أن أول من فتن المسلمين وأحدث فيهم هذه البدع: الروافض، ~~وما تفرع عنهم من فرق الباطنية، التي انتشرت بين المسلمين، والطرق الصوفية، ~~ثم الفرق الحاقدة، كالإسماعيلية، والقرامطة، والنصيرية، والاتحادية، ~~والحلولية (1) فهؤلاء هم الذين أشاعوا هذه البدع حينما كانت لهم دولة- بعد ~~قيام الدولة الفاطمية، ودولة القرامطة- في القرن الرابع وما بعده، ونشروا ~~هذه الشركيات وأقاموها في بلاد المسلمين. # وهذه البدع لا تزال جاثمة في أكثر بلاد المسلمين- ما عدا البلاد السعودية ~~وبعض دول الخليج- وهي تزداد وتنتشر، خاصة عند الشيعة PageV01P066 # وأصحاب الطرق الصوفية، والتي ابتلي بها أغلب المسلمين. # وما تكلم عنه المؤلف بهذا الصدد من مظاهر البدع والشركيات ينطبق على ~~عصرنا، وإن اختلفت بعض الشكليات والمظاهر لعامل الزمن. # وأمر آخر كذلك بحثه المؤلف، وهو مما نلاحظه الآن ينمو ويسري في بلاد ~~المسلمين كلها، وهو: العناية بالآثار، وعمل المزارات لها وارتيادها، ~~والاهتمام بها والحفاظ عليها، بل هذا من أبرز اهتمامات وزارات السياحة، ~~وإدارات الآثار. # وسواء ms032 كانت تلك الآثار: آثار الأنبياء والصالحين، كغار حراء، وغار ثور، ~~وأماكن صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومكان الشجرة التي تمت ~~تحتها بيعة الرضوان، ونحو ذلك، أو كانت آثار الأمم والشعوب، كآثار ~~الفراعنة، والآشوريين، والكنعانيين، والجاهليين، وسواهم، أو آثار المسلمين. # فإن تقديس هذه الآثار، وإعطاءها اهتماما وعناية خاصة، مما لا يجوز في ~~الإسلام؛ لأنه: إما شرك أو ذريعة إلى الشرك؛ لأن هذا الاهتمام هو مبدأ ~~التقديس وأساسه، وبداية الفتنة، لذلك حسم الإسلام هذه المادة، ومن هذا ~~القبيل ما يسميه بعض الناس اليوم: (الاهتمام بالآثار والمحافظة عليها) ، ~~وهذه هي جرثومة الشرك، ويجب على المسلمين- خاصة في البلاد السعودية حيث لا ~~توجد فيها هذه المظاهر بحمد الله- أن يحذروا من هذه الفكرة كل الحذر، وأن ~~يقطعوا دابرها، قبل أن تستفحل، فإنها بدأت تخرج أعناقها، فإن وجدت غفلة من ~~الرقيب فلربما يقع المحذور. # وما ذكرته لا يتعارض مع ما أمر الله به من السير في الأرض، والنظر في خلق ~~الله، والاعتبار بمصائر الأمم السابقة؛ لأن الأمر بالنظر والاعتبار لا يعني ~~المحافظة والتقديس لآثار السابقين، ومما يوضح ذلك أننا نهينا عن البقاء ~~بديار # PageV01P067 # الأمم الغابرة التي هلكت، وأمرنا إذا مررنا بآثارها أن نكون مسرعين ~~باكين، فكيف نعدها من التراث الثمين، والأمجاد. # أما آثار الصالحين، فالأمر فيها أخطر؛ لأنها مظنة التقديس، ومن ثم: ~~العبادة والشرك؛ والإسلام نهى عن ذلك أشد النهي وحذر منه. # فهذه الأماكن والآثار والمشاهد، والأبنية على القبور، وما يجري فيها ~~وحولها، إنما هي أماكن ضرار، تضاهي بيوت الله التي أمر أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه، واتخاذ تلك المبتدعات إنما هو سعي في خراب بيوت الله، وصرف للناس عن ~~ذكر الله وعن الصلاة، إنها معابد الشيطان، وبيوته، نسأل الله تعالى أن يطهر ~~أرضه منها، وأن يحمينا من الزيغ والزلل، إنه نعم المولى المجيب وصلى الله ~~وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. # PageV01P068 ### | [القسم الثاني: الكتاب محققا مع التعليق عليه] # اقتضاء الصراط المستقيم # لمخالفة أصحاب الجحيم تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد ms033 ~~السلام بن تيمية المتوفى سنة 728 ه # تحقيق وتعليق # د. ناصر بن عبد الكريم العقل طبعة جديدة مصححة ومنقحة # PageV01P069 ### | خطبة الحاجة من كتاب المحقق ### | سبب تأليف الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام ~~دينا، وأمرنا (1) أن نستهديه صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم (2) غير ~~المغضوب عليهم: اليهود، ولا الضالين: النصارى. # وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~أرسله بالدين القيم، والملة الحنيفية (3) وجعله على شريعة من الأمر، أمر ~~باتباعها، وأمره بأن يقول: {هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة (4) أنا ومن ~~اتبعني} [يوسف: 108] (5) صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # وبعد: فإني كنت (6) قد نهيت: إما مبتدئا أو مجيبا (7) عن التشبه بالكفار ~~PageV01P071 # في أعيادهم، وأخبرت ببعض ما في ذلك: من الأثر القديم، والدلالة الشرعية، ~~وبينت بعض حكمة الشرع (1) في مجانبة الكفار، من الكتابيين والأميين، وما ~~جاءت به الشريعة من (2) مخالفة أهل الكتاب والأعاجم (3) . # وإن كانت هذه قاعدة (4) عظيمة من قواعد الشريعة، كثيرة الشعب، واصطلاحا ~~جامعا من أصولها كثير (5) الفروع، لكني (6) نبهت على ذلك بما يسر الله ~~تعالى (7) وكتبت جوابا في ذلك لم يحضرني الساعة، وحصل بسبب ذلك من الخير ~~(8) ما قدره الله سبحانه، ثم بلغني بأخرة (9) أن من الناس من استغرب ذلك ~~واستبعده؛ لمخالفة عادة قد نشؤوا عليها، وتمسكوا في ذلك بعمومات وإطلاقات ~~اعتمدوا عليها، فاقتضاني (10) بعض الأصحاب أن أعلق في ذلك ما يكون فيه ~~PageV01P072 # إشارة إلى (1) أصل هذه المسألة؛ لكثرة فائدتها، وعموم المنفعة بها، ولما ~~قد عم كثيرا من الناس من الابتلاء بذلك، حتى صاروا في نوع جاهلية، فكتبت ما ~~حضرني الساعة، مع أنه (2) لو استوفي ما في ذلك من الدلائل، وكلام العلماء، ~~واستقريت الآثار في ذلك، لوجد (3) فيه أكثر مما كتبته. # ولم أكن أظن أن من خاض في الفقه، ورأى إيماءات الشرع ومقاصده، وعلل ~~الفقهاء ومسائلهم، يشك في ذلك، بل لم أكن أظن أن من وقر الإيمان في قلبه، ~~وخلص إليه ms034 حقيقة الإسلام، وأنه دين الله، الذي لا يقبل من أحد سواه - إذا ~~نبه على هذه النكتة (4) - إلا كانت حياة قلبه، وصحة إيمانه، توجب استيقاظه ~~بأسرع تنبيه، ولكن نعوذ بالله من رين (5) القلوب، وهوى النفوس، اللذين ~~يصدان عن معرفة الحق واتباعه. PageV01P073 ### | فصل في حال الناس قبل الإسلام # فصل # حال الناس قبل الإسلام اعلم أن الله سبحانه وتعالى بعث (1) محمدا صلى ~~الله عليه وسلم إلى الخلق على فترة من الرسل (2) وقد مقت أهل الأرض: عربهم ~~وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب (3) ماتوا - أو أكثرهم - قبل مبعثه. # والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم (4) بكتاب: إما مبدل، وإما ~~مبدل منسوخ (5) ودين (6) دارس، بعضه مجهول، وبعضه متروك، وإما أمي من عربي ~~وعجمي، مقبل على عبادة ما استحسنه، وظن أنه ينفعه: من نجم، أو وثن، أو قبر، ~~أو تمثال، أو غير ذلك. PageV01P074 # والناس في جاهلية جهلاء، من مقالات يظنونها علما وهي جهل، وأعمال ~~يحسبونها صلاحا وهي فساد. وغاية البارع منهم علما وعملا، أن يحصل قليلا من ~~العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين، قد اشتبه عليهم حقه بباطله. # أو يشتغل بعمل القليل منه مشروع، وأكثره مبتدع لا يكاد يؤثر في صلاحه إلا ~~قليلا، أو أن يكدح بنظره كدح المتفلسفة، فتذوب مهجته في الأمور الطبيعية ~~والرياضية (1) وإصلاح الأخلاق، حتى يصل - إن وصل - بعد الجهد الذي لا يوصف، ~~إلى نزر (2) قليل مضطرب، لا يروي ولا يشفي (3) من العلم الإلهي، باطله ~~أضعاف حقه - إن حصل - وأنى له ذلك مع كثرة الاختلاف بين أهله، والاضطراب ~~وتعذر الأدلة عليه، والأسباب؟ # فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من ~~البينات والهدى، هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل ~~لأمته المؤمنين (4) عموما، ولأولي العلم منهم خصوصا، من العلم النافع، ~~والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة، ما لو جمعت حكمة سائر ~~الأمم، علما وعملا، الخالصة من كل شوب، إلى الحكمة التي بعث بها، لتفاوتا ~~تفاوتا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، فلله الحمد كما يحب ربنا ms035 ويرضى (5) ~~ودلائل (6) هذا وشواهده ليس هذا موضعها. PageV01P075 # ثم إنه سبحانه بعثه بدين الإسلام، الذي هو الصراط المستقيم، وفرض على ~~الخلق أن يسألوه هدايته كل يوم (1) في صلاتهم (2) ووصفه بأنه صراط الذين ~~أنعم (3) عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين (4) . # قال عدي بن حاتم (5) رضي الله عنه: «أتيت رسول (6) الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم. وجئت بغير أمان ولا ~~كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد كان (7) قال قبل ذلك: " إني لأرجو أن ~~يجعل الله يده بيدي " قال: فلقيته امرأة وصبي معها فقالا: إن لنا إليك ~~حاجة. فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي، حتى أتى بي داره، فألقت له ~~الوليدة (8) وسادة، فجلس عليها، وجلست بين يديه. فحمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال: " ما يفرك (9) . أيفرك (10) أن تقول لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله ~~سوى الله؟ قال: PageV01P076 # قلت: لا. ثم تكلم ساعة (1) ثم قال: " إنما يفرك (2) أن تقول: الله أكبر، ~~وتعلم (3) شيئا أكبر من الله؟ " قال: قلت: لا. قال: " فإن اليهود مغضوب ~~عليهم، وإن النصارى (4) ضلال "، قال: فقلت: فإني حنيف (5) مسلم. قال: فرأيت ~~وجهه ينبسط (6) فرحا» وذكر حديثا طويلا. رواه الترمذي وقال: " هذا حديث حسن ~~غريب " (7) . # وقد دل كتاب الله على معنى هذا الحديث، قال الله سبحانه: # {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل ~~منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت} [المائدة: 60] (8) والضمير عائد إلى ~~اليهود، والخطاب معهم كما دل عليه سياق الكلام. وقال تعالى: {ألم تر إلى ~~الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم} [المجادلة: 14] (9) ~~وهم المنافقون الذين تولوا اليهود (10) باتفاق PageV01P077 # أهل التفسير، وسياق الآية يدل عليه. # وقال تعالى: {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس وباءوا بغضب من الله} [آل عمران: 112] (1) وذكر في آل عمران (2) قوله ~~تعالى: {وباءوا بغضب من الله} [آل عمران: 112] (3) وهذا بيان أن اليهود ms036 ~~مغضوب عليهم. # وقال في النصارى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: ~~73] إلى قوله: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق (4) ولا ~~تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} ~~[المائدة: 77] (5) . # وهذا خطاب للنصارى كما دل عليه السياق، ولهذا نهاهم عن الغلو، وهو مجاوزة ~~الحد، كما نهاهم عنه في قوله: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} [المائدة: ~~77] (6) {ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول ~~الله وكلمته} [النساء: 171] (7) الآية. # واليهود مقصرون عن الحق، والنصارى غالون فيه، فأما وسم (8) اليهود ~~بالغضب، والنصارى بالضلال، فله أسباب ظاهرة وباطنة، ليس هذا موضعها. ~~PageV01P078 # وجماع ذلك: أن كفر اليهود أصله من جهة عدم العمل بعلمهم فهم يعلمون الحق ~~ولا يتبعونه عملا أو لا قولا ولا عملا (1) وكفر النصارى من جهة عملهم بلا ~~علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ~~ما لا يعلمون. # ولهذا كان (2) السلف (3) سفيان بن عيينة (4) وغيره، يقولون: إن (5) من ~~فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود! ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من ~~النصارى. وليس هذا موضع شرح ذلك. # ومع أن (6) الله قد حذرنا سبيلهم، فقضاؤه نافذ بما أخبر به رسوله، مما ~~سبق في علمه، حيث قال فيما خرجاه في الصحيحين: عن أبي سعيد الخدري (7) رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان (8) ~~PageV01P079 # قبلكم حذو القذة (1) بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ". قالوا: يا ~~رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: " فمن» (2) . # وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة (3) رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال (4) «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون، شبرا بشبر، ~~وذراعا بذراع ". فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا ~~PageV01P080 # أولئك؟» (1) . # فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ~~ومضاهاة لفارس والروم، وهم الأعاجم. # وقد كان صلى الله عليه وسلم ينهى ms037 عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، وليس هذا ~~إخبارا عن جميع الأمة، بل قد تواتر عنه: " أنه قال «لا تزال (2) طائفة من ~~أمته (3) ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة» (4) . # وأخبر صلى الله عليه وسلم: «أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة (5) وأن ~~الله لا يزال PageV01P081 # يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته» (1) " (2) . # فعلم بخبره الصدق أنه (3) في أمته قوم متمسكون بهديه، الذي هو دين ~~الإسلام محضا، وقوم منحرفون (4) إلى شعبة من شعب (5) اليهود، أو إلى شعبة ~~من شعب (6) النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكل (7) انحراف، بل وقد لا يفسق ~~أيضا، بل قد يكون الانحراف كفرا، وقد يكون فسقا، وقد يكون معصية (8) وقد ~~يكون خطأ. PageV01P082 # وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان، فلذلك أمر العبد بدوام ~~دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية ~~أصلا. ### | بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم التي ابتلي بها بعض المسلمين # وأنا أشير (1) إلى بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم، التي ابتليت بها هذه ~~الأمة، ليجتنب المسلم الحنيف الانحراف عن الصراط المستقيم، إلى صراط ~~المغضوب عليهم، أو (2) الضالين. قال الله سبحانه: {ود كثير من أهل الكتاب ~~لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا (3) من عند أنفسهم من بعد ما تبين ~~لهم الحق} [البقرة: 109] (4) . # فذم اليهود على ما حسدوا المؤمنين على الهدى والعلم. # وقد يبتلى بعض المنتسبين إلى (5) العلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه ~~الله بعلم (6) نافع أو عمل صالح، وهو خلق مذموم مطلقا، وهو في هذا الموضع ~~من أخلاق المغضوب عليهم. وقال الله سبحانه: {إن الله لا يحب من كان مختالا ~~فخورا - الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} ~~[النساء: 36 - 37] (7) . فوصفهم بالبخل الذي هو البخل بالعلم والبخل ~~بالمال، وإن كان PageV01P083 # السياق يدل على أن البخل بالعلم هو المقصود الأكبر، وكذلك (1) وصفهم ~~بكتمان العلم في غير آية، مثل قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] (2) الآية، وقوله: {إن ~~الذين يكتمون ms038 ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ~~(3) أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون - إلا الذين تابوا} [البقرة: 159 - ~~160] (4) الآية، وقوله: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون ~~به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} [البقرة: 174] (5) ~~الآية، وقال تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى ~~بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون} ~~[البقرة: 76] (6) . # فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم: تارة بخلا به (7) وتارة اعتياضا ~~عن إظهاره بالدنيا، وتارة خوفا في (8) أن يحتج عليهم بما أظهروه منه. ~~PageV01P084 # وهذا قد يبتلى (1) به طوائف من المنتسبين إلى العلم (2) فإنهم تارة ~~يكتمون العلم بخلا به، وكراهة لأن (3) ينال غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارة ~~اعتياضا عنه (4) برئاسة أو مال، فيخاف من إظهاره انتقاص رئاسته أو نقص ~~ماله، وتارة يكون قد خالف غيره في مسألة، أو اعتزى (5) إلى طائفة قد خولفت ~~في مسألة، فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفه وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل. # ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي (6) وغيره: أهل العلم يكتبون ما لهم وما ~~عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم. # وليس الغرض تفصيل ما يجب أو يحتسب (7) في ذلك (8) بل الغرض التنبيه على ~~مجامع يتفطن اللبيب بها لما ينفعه الله به. # وقال تعالى: PageV01P085 # {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون ~~بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم} [البقرة: 91] (1) بعد (2) أن قال: ~~{وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89] (3) . # فوصف اليهود: بأنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور (4) الناطق به، والداعي ~~إليه. فلما جاءهم (5) الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا له. وأنهم ~~لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها، مع أنهم لا يتبعون ~~ما لزمهم في (6) اعتقادهم. # وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم، أو (7) ~~الدين، ms039 من المتفقهة، أو المتصوفة (8) . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P086 # أو غيرهم (1) . أو إلى رئيس معظم عندهم (2) في الدين - غير النبي صلى ~~الله عليه وسلم - فإنهم لا يقبلون من الدين رأيا (3) ورواية إلا ما جاءت به ~~طائفتهم، ثم إنهم لا يعلمون ما توجبه طائفتهم، مع أن دين الإسلام يوجب ~~اتباع الحق مطلقا: رواية ورأيا (4) من غير تعيين شخص أو طائفة - غير الرسول ~~صلى الله عليه وسلم -. # وقال تعالى في صفة المغضوب عليهم: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن ~~مواضعه} [النساء: 46] (5) . # ووصفهم بأنهم (6) PageV01P087 # {يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب} [آل عمران: ~~78] (1) والتحريف قد فسر بتحريف التنزيل، وبتحريف التأويل. # فأما تحريف التأويل فكثير جدا، وقد ابتليت به طوائف من هذه الأمة، وأما ~~تحريف التنزيل فقد وقع في (2) كثير من الناس، يحرفون ألفاظ الرسول، ويروون ~~الحديث بروايات منكرة. # وإن كان الجهابذة يدفعون ذلك، وربما يطاول بعضهم إلى تحريف التنزيل، وإن ~~لم يمكنه ذلك، كما قرأ بعضهم وكلم الله (3) موسى تكليما (4) . # وأما لي (5) الألسنة (6) بما يظن أنه من عند الله فكوضع الوضاعين ~~الأحاديث (7) على (8) رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إقامة ما يظن أنه ~~حجة في الدين، وليس بحجة، وهذا الضرب من أنواع أخلاق اليهود، وذمها (9) ~~كثير لمن تدبره في كتاب الله وسنة رسوله، ثم نظر بنور الإيمان إلى ما وقع ~~في الأمة من الأحداث (10) . PageV01P088 # وقال سبحانه عن النصارى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم} [النساء: 171] (1) وقال تعالى (2) {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم} [المائدة: 17] (3) إلى غير ذلك من المواضع. # ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين قد وقع في طوائف من ضلال المتعبدة ~~والمتصوفة (4) حتى خالط كثيرا (5) منهم من مذهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح ~~من قول النصارى أو مثله أو دونه. # وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم} [التوبة: 31] (6) وفسره النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن ms040 حاتم رضي ~~الله عنه بأنهم: «أحلوا الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم» ~~(7) . PageV01P089 # وكثير من أتباع المتعبدة يطيع بعض المعظمين عنده في كل ما يأمر به وإن ~~تضمن تحليل حرام أو تحريم (1) حلال، وقال سبحانه عن الضالين: {ورهبانية ~~ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله} [الحديد: 27] (2) . # وقد ابتلي طوائف (3) من المسلمين من الرهبانية المبتدعة بما الله به ~~عليم. # وقال الله سبحانه: {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا} ~~[الكهف: 21] (4) فكان الضالون - بل والمغضوب عليهم - يبنون المساجد على ~~قبور الأنبياء والصالحين، وقد نهى رسول (5) الله صلى الله عليه وسلم أمته ~~عن ذلك في غير موطن (6) حتى في وقت مفارقته الدنيا - بأبي هو وأمي -. # ثم إن هذا قد ابتلي به كثير من هذه الأمة. # ثم إن الضالين تجد عامة دينهم إنما يقوم بالأصوات المطربة، والصور ~~الجميلة، فلا يهتمون بأمر دينهم بأكثر من تلحين الأصوات، ثم تجد (7) قد ~~ابتليت هذه الأمة (8) من اتخاذ السماع المطرب، بسماع (9) القصائد (10) ~~PageV01P090 # وإصلاح القلوب والأحوال به (1) ما فيه مضاهاة لبعض حال الضالين، وقال ~~سبحانه: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على ~~شيء} [البقرة: 113] (2) فأخبر أن كل واحدة من الأمتين تجحد كل ما الأخرى ~~عليه. # وأنت تجد كثيرا من المتفقهة، إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئا ~~ولا يعدهم إلا جهالا ضلالا، ولا يعتقد في طريقهم (3) من العلم والهدى شيئا، ~~وترى كثيرا من المتصوفة، والمتفقرة (4) لا يرى الشريعة والعلم شيئا، بل يرى ~~أن المتمسك (5) بها منقطعا عن الله وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله ~~شيئا (6) . # وإنما الصواب (7) أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حق، وما خالف ~~الكتاب والسنة من هذا وهذا: باطل. # وأما مشابهة فارس والروم، فقد دخل (8) في هذه الأمة من الآثار الرومية، ~~قولا وعملا، والآثار الفارسية، قولا وعملا، ما لا خفاء به (9) على مؤمن ~~عليم PageV01P091 # بدين الإسلام، وبما حدث فيه، وليس الغرض هنا تفصيل الأمور التي وقعت في ~~الأمة، مما تضارع (1) طريق المغضوب عليهم أو الضالين، وإن ms041 كان بعض ذلك قد ~~يقع مغفورا لصاحبه: إما لاجتهاد أخطأ فيه، وإما لحسنات محت السيئات، أو غير ~~ذلك. # وإنما الغرض أن نبين ضرورة العبد وفاقته إلى هداية الصراط المستقيم، وأن ~~ينفتح (2) باب إلى معرفة الانحراف. # ثم إن الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب: من اعتقادات، وإرادات، ~~وغير ذلك، وأمور ظاهرة: من أقوال، أو أفعال قد تكون عبادات، وقد تكون أيضا ~~عادات في الطعام واللباس، والنكاح والمسكن، والاجتماع والافتراق، والسفر ~~والإقامة، والركوب وغير ذلك. # وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينهما ارتباط ومناسبة، فإن ما يقوم بالقلب ~~من الشعور والحال يوجب أمورا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال، ~~يوجب للقلب شعورا وأحوالا. ### | الأمر بمخالفة المغضوب عليهم والضالين في الهدي الظاهر # وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحكمة التي هي سنته، وهي الشرعة ~~والمنهاج الذي شرعه له، فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ~~ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر (3) ~~وإن PageV01P092 # لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة لأمور: # منها: أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، ~~يقود (1) إلى موافقة ما (2) في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس؛ فإن ~~اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب (3) ~~الجند المقاتلة - مثلا - يجد من نفسه نوع (4) تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه ~~متقاضيا (5) لذلك، إلا أن يمنعه (6) مانع (7) . # ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع ~~عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ~~ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين. PageV01P093 # وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام - الذي هو الإسلام، لست أعني ~~مجرد التوسم (1) به ظاهرا (2) أو باطنا بمجرد الاعتقادات (3) (4) من حيث ~~الجملة - كان إحساسه بمفارقة (5) اليهود والنصارى باطنا وظاهرا (6) أتم، ~~وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد. # ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر، توجب (7) الاختلاط الظاهر، حتى ~~يرتفع التميز ظاهرا، بين المهديين (8) المرضيين، وبين المغضوب عليهم ~~والضالين ms042 (9) إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية. # هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحا محضا لو تجرد عن مشابهتهم، ~~فأما إن كان من موجبات كفرهم؛ كان (10) شعبة من شعب الكفر؛ فموافقتهم فيه ~~موافقة في نوع من أنواع معاصيهم (11) . # فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له (12) . PageV01P094 ### | فصل في ذكر الأدلة على الأمر بمخالفة الكفار عموما وفي أعيادهم خصوصا ### | بيان المصلحة في مخالفة الكفار والتضرر والمفسدة من متابعتهم # فصل لما كان الكلام في المسألة الخاصة (1) قد يكون مندرجا (2) في قاعدة ~~عامة؛ بدأنا بذكر بعض ما دل (3) من الكتاب والسنة والإجماع على الأمر (4) ~~بمخالفة الكفار، والنهي عن مشابهتهم في الجملة، سواء كان ذلك عاما في جميع ~~أنواع المخالفات (5) أو خاصا ببعضها، وسواء كان أمر إيجاب، أو أمر استحباب. # ثم أتبعنا ذلك بما يدل على النهي عن مشابهتهم في أعيادهم خصوصا. # وهنا نكتة قد نبهت عليها في هذا الكتاب، وهي (6) أن الأمر بموافقة قوم أو ~~بمخالفتهم (7) قد يكون لأن نفس (8) قصد موافقتهم، أو نفس موافقتهم مصلحة، ~~وكذلك نفس قصد مخالفتهم، أو نفس مخالفتهم (9) مصلحة، بمعنى: PageV01P095 # أن ذلك الفعل يتضمن مصلحة للعبد، أو مفسدة؛ وإن كان ذلك الفعل الذي حصلت ~~به الموافقة، أو المخالفة، لو تجرد عن الموافقة والمخالفة، لم يكن فيه تلك ~~المصلحة أو المفسدة، ولهذا نحن ننتفع بنفس (1) متابعتنا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والسابقين (2) في أعمال لولا أنهم فعلوها لربما قد كان لا ~~يكون لنا مصلحة؛ لما يورث ذلك من محبتهم وائتلاف قلوبنا بقلوبهم، وأن ذلك ~~يدعونا إلى موافقتهم في أمور أخرى، إلى غير ذلك من الفوائد. # كذلك: قد نتضرر بمتابعتنا (3) الكافرين في أعمال لولا أنهم يفعلونها لم ~~نتضرر بفعلها، وقد يكون الأمر بالموافقة والمخالفة لأن ذلك الفعل الذي ~~يوافق فيه (4) أو يخالف، متضمن للمصلحة أو المفسدة ولو لم يفعلوه، لكن عبر ~~عن (5) ذلك بالموافقة والمخالفة، على سبيل الدلالة والتعريف؛ فتكون (6) ~~موافقتهم دليلا على المفسدة، ومخالفتهم دليلا على المصلحة، واعتبار ~~الموافقة والمخالفة على هذا التقدير: من باب قياس الدلالة (7) وعلى الأول: ms043 ~~من باب قياس العلة، وقد يجتمع الأمران، أعني: الحكمة الناشئة من نفس الفعل ~~الذي PageV01P096 # وافقناهم أو خالفناهم فيه، ومن نفس مشاركتهم فيه، وهذا هو الغالب على ~~الموافقة والمخالفة المأمور بهما (1) والمنهي عنهما (2) فلا بد من التفطن ~~لهذا المعنى، فإنه به يعرف معنى نهي الله لنا عن اتباعهم وموافقتهم، مطلقا ~~ومقيدا. # واعلم: أن دلالة الكتاب على خصوص الأعمال وتفاصيلها، إنما يقع بطريق ~~الإجمال (3) والعموم (4) أو الاستلزام (5) وإنما السنة هي التي تفسر الكتاب ~~(6) وتبينه وتدل عليه، وتعبر عنه. ### | الاستدلال من القرآن على النهي عن اتباع الكافرين # فنحن نذكر من آيات الكتاب ما يدل على أصل هذه القاعدة - في الجملة - ثم ~~نتبع ذلك الأحاديث المفسرة في أثناء الآيات وبعدها (7) قال الله سبحانه: ~~{ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على العالمين - وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ~~ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون - ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا ~~يعلمون} [الجاثية: 16 - 18] PageV01P097 # {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ~~ولي المتقين} [الجاثية: 19] (1) أخبر سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم ~~الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيا من بعضهم على (2) بعض. # ثم جعل محمدا صلى الله عليه وسلم على شريعة شرعها له (3) وأمره باتباعها، ~~ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون: كل من ~~خالف شريعته. # وأهواؤهم: هو (4) ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو ~~من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك، فهم (5) يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع ~~لما (6) يهوونه، ولهذا: يفرح الكافرون (7) بموافقة المسلمين في بعض أمورهم ~~ويسرون به، ويودون أن لو بذلوا (8) عظيما ليحصل ذلك، ولو فرض أن ليس الفعل ~~من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم، وأعون ~~على حصول مرضاة الله في تركها، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون (9) ذريعة ms044 إلى ~~موافقتهم في غيره، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه، وأي الأمرين كان؛ ~~حصل المقصود في الجملة؛ وإن كان الأول أظهر. PageV01P098 # وفي هذا الباب قوله سبحانه: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ~~ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو ~~وإليه مآب - وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من ~~العلم ما لك من الله من ولي ولا واق} [الرعد: 36 - 37] (1) فالضمير (2) في ~~(أهوائهم) ، يعود - والله أعلم - إلى ما تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ~~ينكرون بعضه (3) فدخل في ذلك كل من أنكر شيئا من القرآن: من يهودي أو ~~نصراني أو غيرهما (4) وقد قال: {ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم} ~~[الرعد: 37] (5) ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع ~~لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك. # ومن هذا أيضا قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ~~ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ~~ما لك من الله من ولي ولا نصير} [البقرة: 120] (6) . # فانظر كيف قال في الخبر: (ملتهم) ، وقال في النهي (7) (أهواءهم) ، لأن ~~القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في ~~قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع ~~متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة (8) لمتابعتهم فيما يهوونه، كما ~~تقدم. PageV01P099 # ومن هذا الباب قوله سبحانه: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما ~~تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت ~~أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} [البقرة: 145] (1) ~~{الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون ~~الحق وهم يعلمون - الحق من ربك فلا تكونن من الممترين - ولكل وجهة هو ~~موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل ~~شيء قدير - ومن ms045 حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما ~~الله بغافل عما تعملون - ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما ~~كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم} ~~[البقرة: 146 - 150] (2) . # قال غير واحد من السلف (3) " معناه: لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في ~~القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع ~~الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، إذ الحجة: اسم لكل ما يحتج به من حق ~~وباطل، {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] (4) وهم قريش، فإنهم يقولون: ~~عادوا إلى قبلتنا، فيوشك أن يعودوا إلى ديننا ". # فبين (5) سبحانه أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها مخالفة الناس (6) ~~PageV01P100 # الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، ومعلوم أن ~~هذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذا اتبع في شيء من أمره ~~كان له في الحجة مثل ما كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة. # وقال سبحانه: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات} [آل عمران: 105] (1) وهم: اليهود والنصارى، الذين افترقوا على ~~أكثر من سبعين فرقة، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن متابعتهم (2) ~~في نفس التفرق والاختلاف، مع أنه صلى الله عليه وسلم قد أخبر (3) أن أمته: ~~ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة (4) مع أن قوله: لا تكن مثل فلان، قد يعم ~~مماثلته بطريق اللفظ أو المعنى، وإن لم يعم دل على أن جنس مخالفتهم وترك ~~مشابهتهم أمر مشروع، ودل على أنه (5) كلما بعد الرجل عن مشابهتهم فيما لم ~~يشرع لنا كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها، وهذه مصلحة ~~جليلة. # وقال سبحانه لموسى وهارون: {فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} ~~[يونس: 89] (6) وقال سبحانه (7) {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي ~~وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} [الأعراف: 142] (8) وقال تعالى: PageV01P101 # {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين (1) ~~نوله ما تولى ونصله ms046 جهنم} [النساء: 115] (2) إلى غير ذلك من الآيات. # وما هم (3) عليه من الهدي والعمل، هو من سبيل غير المؤمنين، بل ومن سبيل ~~المفسدين، والذين لا يعلمون، وما يقدر عدم اندراجه في العموم، فالنهي ثابت ~~عن جنسه، فيكون مفارقة الجنس بالكلية أقرب إلى ترك المنهي (4) ومقاربته ~~مظنة وقوع المنهي عنه، قال سبحانه: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما ~~بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم ~~أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما (5) فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} [المائدة: 48] إلى قوله (6) {ولا تتبع ~~أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة: 49] (7) ~~ومتابعتهم في هديهم: هي (8) من اتباع ما يهوونه، أو مظنة لاتباع ما يهوونه، ~~وتركها معونة على ترك ذلك، وحسم لمادة متابعتهم فيما يهوونه. # واعلم: أن في كتاب الله من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي ~~فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه كثيرا، مثل قوله لما ذكر ما فعله بأهل الكتاب ~~PageV01P102 # من المثلات (1) {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] (2) وقوله: {لقد ~~كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف: 111] (3) وأمثال ذلك، ومنه ما يدل ~~على مقصودنا، ومنه ما فيه إشارة وتتميم للمقصود. # ثم متى كان المقصود بيان أن مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا؛ فجميع ~~الآيات دالة على ذلك وإن كان المقصود أن مخالفتهم واجبة علينا، فهذا إنما ~~يدل عليه بعض الآيات دون بعض، ونحن ذكرنا ما يدل على أن مخالفتهم مشروعة في ~~الجملة، إذ كان (4) هو المقصود هنا. # وأما تمييز دلالة الوجوب، أو الواجب (5) عن غيرها (6) وتمييز (7) الواجب ~~عن غيره، فليس هو المقصود هنا. # وسنذكر إن شاء الله أن مشابهتهم في أعيادهم من الأمور المحرمة، فإنه هو ~~المسألة المقصودة (8) بعينها، وسائر المسائل (9) إنما جلبها (10) تقرير ~~القاعدة الكلية العظيمة المنفعة. # وقال الله عز وجل: PageV01P103 # {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ~~ويقبضون أيديهم ms047 نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون - وعد الله ~~المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ~~ولهم عذاب مقيم - كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا ~~فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ~~وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم ~~الخاسرون - ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم ~~وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون - والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ~~ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم - وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ~~ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم - يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} [التوبة: 67 - 73] (1) ~~بين الله سبحانه وتعالى - في هذه الآيات - أخلاق المنافقين وصفاتهم، وأخلاق ~~المؤمنين وصفاتهم - وكلا الفريقين مظهر للإسلام ووعد المنافقين المظهرين ~~للإسلام مع هذه الأخلاق، والكافرين المظهرين للكفر نار جهنم، وأمر نبيه (2) ~~بجهاد الطائفتين. # ومنذ بعث الله (3) محمدا صلى الله عليه وسلم، وهاجر إلى المدينة، صار ~~الناس (4) ثلاثة أصناف: PageV01P104 # مؤمن، ومنافق، وكافر. # فأما الكافر - وهو المظهر للكفر - فأمره بين، وإنما الغرض هنا متعلق ~~بصفات المنافقين المذكورة في الكتاب والسنة، فإنها هي التي تخاف (1) على ~~أهل القبلة (2) فوصف الله سبحانه المنافقين بأن بعضهم من بعض، وقال في ~~المؤمنين: {بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71] (3) وذلك لأن المنافقين تشابهت ~~قلوبهم وأعمالهم وهم مع ذلك {تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى} [الحشر: 14] (4) ~~فليست قلوبهم متوادة متوالية إلا ما دام الغرض الذي يؤمونه مشتركا بينهم، ~~ثم يتخلى بعضهم عن بعض، بخلاف المؤمن؛ فإنه يحب المؤمن، وينصره بظهر الغيب، ~~وإن تناءت بهم الديار وتباعد الزمان. # ثم وصف سبحانه كل واحدة من الطائفتين بأعمالهم في أنفسهم (5) وفي غيرهم، ~~وكلمات الله جوامع، وذلك أنه لما (6) كانت أعمال المرء المتعلقة ms048 بدينه ~~قسمين: # أحدهما: أن يعمل ويترك. # والثاني: أن (7) يأمر غيره بالفعل والترك. PageV01P105 # ثم فعله: إما أن (1) يختص هو بنفعه أو ينفع به غيره؛ فصارت الأقسام ثلاثة ~~ليس لها رابع: # أحدها: ما يقوم بالعامل (2) ولا يتعلق بغيره كالصلاة مثلا. # والثاني: ما يعمله لنفع غيره كالزكاة. # والثالث: ما يأمر غيره أن يفعله، فيكون الغير هو العامل، وحظه هو الأمر ~~به. # فقال سبحانه في صفة المنافقين: {يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف} ~~[التوبة: 67] (3) وبإزائه في صفة المؤمنين: {يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر} [التوبة: 71] (4) . # والمعروف: # اسم جامع لكل ما يحبه الله من الإيمان والعمل (5) الصالح. # والمنكر: # اسم جامع لكل ما نهى (6) الله عنه. # ثم قال: {ويقبضون أيديهم} [التوبة: 67] (7) قال مجاهد: (8) " يقبضونها عن ~~PageV01P106 # الإنفاق في سبيل الله " (1) وقال قتادة: " يقبضون أيديهم عن كل خير " (2) ~~فمجاهد أشار إلى النفع بالمال، وقتادة أشار إلى النفع بالمال والبدن. # وقبض اليد: عبارة عن الإمساك (3) كما في قوله تعالى: {ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] (4) . # وفي قوله: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل ~~يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} [المائدة: 64] (5) وهي (6) حقيقة عرفية (7) ~~ظاهرة من اللفظ، أو هي مجاز مشهور (8) PageV01P107 # وبإزاء قبض أيديهم قوله في المؤمنين: {ويؤتون الزكاة} [التوبة: 71] (1) ~~فإن الزكاة - وإن كانت قد صارت حقيقة عرفية (2) في الزكاة المفروضة - فإنها ~~اسم لكل نفع للخلق: من نفع بدني، أو مالي. فالوجهان هنا كالوجهين في قبض ~~اليد. # ثم قال: {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] (3) ونسيان الله ترك ذكره، ~~وبإزاء ذلك (4) في صفة المؤمنين: {ويقيمون الصلاة} [التوبة: 71] فإن الصلاة ~~أيضا تعم الصلاة (5) المفروضة، والتطوع، وقد يدخل فيها كل ذكر الله: إما ~~لفظا وإما (6) معنى، قال ابن مسعود (7) رضي الله عنه: " ما دمت تذكر الله ~~فأنت في صلاة وإن كنت في PageV01P108 # السوق " (1) وقال معاذ بن جبل (2) " مدارسة العلم التسبيح". # ثم ذكر (3) ما وعد الله به المنافقين والكفار: من النار (4) ومن اللعنة، ~~ومن العذاب المقيم (5) وبإزائه ما وعد (6) المؤمنين: من الجنة والرضوان، ~~ومن الرحمة. PageV01P109 # ثم في ترتيب ms049 الكلمات وألفاظها أسرار كثيرة، ليس هذا موضعها، وإنما الغرض ~~تمهيد قاعدة لما سنذكره إن شاء الله (1) . # وقد قيل: إن قوله: {ولهم عذاب مقيم} [التوبة: 68] (2) إشارة إلى ما هو ~~لازم لهم في الدنيا والآخرة من الآلام النفسية: غما وحزنا، وقسوة وظلمة قلب ~~(3) وجهلا، فإن للكفر والمعاصي من الآلام العاجلة الدائمة ما الله به عليم، ~~ولهذا تجد غالب هؤلاء لا يطيبون عيشهم إلا بما يزيل العقل، ويلهي (4) القلب ~~(5) ومن تناول مسكر، أو رؤية مله، أو سماع مطرب، ونحو ذلك (6) وبإزاء (7) ~~ذلك قوله في المؤمنين: {أولئك سيرحمهم الله} [التوبة: 71] (8) فإن الله ~~PageV01P110 # يعجل للمؤمنين من الرحمة في قلوبهم، وغيرها بما (1) يجدونه من حلاوة ~~الإيمان ويذوقونه من طعمه، وانشراح صدورهم للإسلام، إلى غير ذلك من السرور ~~بالإيمان، والعلم (2) والعمل الصالح، بما لا يمكن وصفه. # وقال سبحانه في تمام خبر المنافقين: {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة ~~وأكثر أموالا وأولادا} [التوبة: 69] (3) وهذه الكاف قد قيل: إنها رفع (4) ~~خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أنتم كالذين من قبلكم. وقيل: إنها (5) نصب بفعل ~~محذوف تقديره: فعلتم كالذين من قبلكم، كما قال النمر بن تولب: (6) " كاليوم ~~مطلوبا ولا طالبا " # أي: لم أر كاليوم، والتشبيه - على هذين القولين - في أعمال الذين من قبل، ~~وقيل: إن التشبيه في العذاب ثم قيل: العامل محذوف، أي: لعنهم وعذبهم كما ~~لعن (7) الذين من قبلكم، PageV01P111 # وقيل (1) - وهو أجود -: بل العامل ما تقدم، أي: وعد الله المنافقين كوعد ~~الذين من قبلكم، ولعنهم كلعن الذين من قبلكم، ولهم عذاب مقيم كالذين من ~~قبلكم أو (2) محلها نصب، ويجوز أن يكون رفعا، أي: عذاب كعذاب الذين من ~~قبلكم. # وحقيقة الأمر على هذا القول: أن الكاف تناولها (3) عاملان ناصبان، أو ~~ناصب ورافع، من جنس قولهم: أكرمت وأكرمني زيد (4) والنحويون لهم فيما إذا ~~لم يختلف العامل، كقولك (5) أكرمت وأعطيت زيدا - قولان: أحدهما: وهو قول ~~سيبويه (6) وأصحابه: أن العامل في الاسم هو أحدهما وأن الآخر حذف معموله؛ ~~لأنه لا يرى اجتماع عاملين على معمول واحد. # والثاني: قول الفراء وغيره من الكوفيين: أن الفعلين ms050 عملا في هذا الاسم، ~~وهو يرى أن العاملين يعملان في المعمول الواحد. PageV01P112 # وعلى هذا اختلافهم في نحو قوله: {عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق: 17] (1) ~~. وأمثاله. # فعلى قول الأولين يكون التقدير: وعد الله المنافقين النار، كوعد الذين من ~~قبلكم ولهم عذاب مقيم، كالذين من قبلكم، أو كعذاب الذين (2) . من قبلكم ثم ~~حذف اثنان من هذه المعمولات؛ لدلالة الآخر عليهما (3) وهم يستحسنون حذف ~~الأولين (4) . # وعلى القول الثاني يمكن أن يقال: الكاف المذكورة بعينها هي المتعلقة ~~بقوله: (وعد) وبقوله: (ولعن) وبقوله (5) {ولهم عذاب مقيم} [التوبة: 68] لأن ~~الكاف لا يظهر فيها إعراب، وهذا على القول بأن عمل الثلاثة النصب ظاهر. # وإذا قيل: إن الثالث يعمل الرفع؛ فوجهه: أن العمل واحد في اللفظ، إذ ~~التعلق تعلق معنوي لا لفظي. # وإذا عرفت أن من الناس من يجعل التشبيه في العمل، ومنهم من يجعل التشبيه ~~في العذاب، فالقولان متلازمان إذ المشابهة في الموجب تقتضي المشابهة في ~~الموجب، وبالعكس فلا خلاف معنوي بين القولين. # وكذلك ما ذكرناه من اختلاف النحويين في وجوب في (6) الحذف وعدمه - إنما ~~هو اختلاف في تعليلات ومآخذ، لا تقتضي (7) اختلافا لا في إعراب، ~~PageV01P113 # ولا في معنى؛ فإذن: الأحسن أن تتعلق الكاف بمجموع ما تقدم: من العمل ~~والجزاء، فيكون التشبيه فيهما لفظا (1) . # وعلى القولين الأولين: يكون قد دل على أحدهما لفظا، على الآخر لزوما (2) ~~. # وإن سلكت طريقة الكوفيين - على هذا - كان أبلغ وأحسن؛ فإن لفظ الآية يكون ~~قد دل على المشابهة في الأمرين من غير حذف، وإلا فيضمر (3) حالكم كحال ~~الذين من قبلكم، ونحو ذلك، وهو قول من قدره: أنتم كالذين من قبلكم. # ولا يسع هذا المكان بسطا أكثر من هذا (4) فإن الغرض متعلق بغيره. # وهذه المشابهة في هؤلاء (5) بإزاء ما وصف الله به المؤمنين من قوله: ~~{ويطيعون الله ورسوله} [التوبة: 71] (6) فإن طاعة الله ورسوله تنافي مشابهة ~~الذين من قبل (7) قال سبحانه: {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر ~~أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من ~~قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا} ms051 [التوبة: 69] (8) . # فالخطاب في قوله: {كانوا أشد منكم قوة} [التوبة: 69] وقوله: {فاستمتعتم} ~~[التوبة: 69] PageV01P114 # إن كان للمنافقين، كان من باب خطاب التلوين والالتفات، وهذا انتقال من ~~المغيب (1) إلى الحضور، كما في قوله: {الرحمن الرحيم - مالك يوم الدين - ~~إياك نعبد} [الفاتحة: 3 - 5] # ثم حصل الانتقال من الخطاب إلى المغيب (2) في قوله: {أولئك حبطت أعمالهم} ~~[التوبة: 69] (3) وكما (4) في قوله: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها} [يونس: 22] (5) وقوله: {وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون} [الحجرات: 7] (6) فإن الضمير في قوله: {أولئك ~~حبطت أعمالهم} [التوبة: 69] الأظهر أنه عائد إلى المستمتعين الخائضين من ~~هذه الأمة كقوله (7) - فيما بعد -: {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم} ~~[التوبة: 70] (8) وإن كان الخطاب لمجموع الأمة المبعوث إليها، فلا يكون ~~الالتفات إلا في الموضع الثاني. # وأما قوله: {فاستمتعوا بخلاقهم} [التوبة: 69] ففي تفسير عبد الرزاق (9) ~~عن PageV01P115 # معمر (1) عن الحسن (2) في قوله: {فاستمتعوا بخلاقهم} [التوبة: 69] قال: ~~بدينهم (3) ويروى ذلك عن أبي هريرة (4) رضي الله عنه وروي عن ابن عباس (5) ~~بنصيبهم من الآخرة في الدنيا (6) وقال آخرون: بنصيبهم من PageV01P116 # الدنيا (1) . # قال أهل اللغة: الخلاق: هو النصيب والحظ، كأنه ما خلق للإنسان، أي ما قدر ~~له، كما يقال: (القسم) لما قسم له، و (النصيب) لما نصب له، أي أثبت. # ومنه قوله تعالى: {ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] (2) أي: من ~~نصيب، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في ~~الآخرة» (3) . # والآية تعم ما ذكره العلماء جميعهم، فإنه سبحانه قال: {كانوا أشد منكم ~~قوة وأكثر أموالا وأولادا} [التوبة: 69] فتلك القوة التي كانت فيهم كانوا ~~يستطيعون أن يعملوا بها للدنيا والآخرة، وكذلك أموالهم وأولادهم، وتلك ~~القوة والأموال والأولاد: هو الخلاق، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم وأولادهم ~~في الدنيا، ونفس الأعمال التي عملوها بهذه القوة والأموال: هي دينهم، وتلك ~~الأعمال، لو أرادوا بها الله، والدار الآخرة؛ لكان لهم ثواب في الآخرة ~~عليها، فتمتعهم بها أخذ حظوظهم العاجلة بها، فدخل في هذا من لم يعمل إلا ~~لدنياه، سواء كان جنس ms052 العمل من العبادات، أو غيرها (4) . PageV01P117 # ثم قال سبحانه: {فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ~~وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: 69] (1) . # وفي (الذي) وجهان: أحسنهما أنها صفة المصدر، أي كالخوض الذي خاضوه (2) ~~فيكون العائد محذوفا كما في قوله (3) {مما عملت أيدينا} [يس: 71] (4) وهو ~~كثير فاش في اللغة، والثاني: أنه صفة الفاعل، أي: كالفريق (5) أو الصنف أو ~~الجيل الذي خاضوه، كما لو قيل: كالذين خاضوا. # وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق، وبين الخوض، لأن فساد الدين (6) إما ~~أن يقع بالاعتقاد الباطل، والتكلم به، أو يقع في العمل بخلاف الاعتقاد ~~الحق. # والأول: هو البدع (7) ونحوها. # والثاني: (8) فسق الأعمال ونحوها (9) . PageV01P118 # والأول: من جهة الشبهات. # والثاني: من جهة الشهوات. # ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، ~~وصاحب دنيا أعمته دنياه. # وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما ~~فتنة لكل مفتون (1) فهذا (2) يشبه المغضوب عليهم، الذين يعلمون الحق ولا ~~يتبعونه وهذا (3) يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم. # ووصف بعضهم أحمد بن حنبل (4) فقال: " رحمه الله، عن الدنيا ما كان أصبره، ~~وبالماضين ما كان أشبهه، أتته البدع PageV01P119 # فنفاها (1) والدنيا فأباها " (2) . # وقد وصف الله أئمة المتقين فقال: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24] (3) فبالصبر تترك الشهوات ~~وباليقين تدفع الشبهات. # ومنه قوله: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 3] (4) وقوله: {واذكر ~~عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} [ص: 45] (5) . # ومنه الحديث المرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب البصر (6) ~~الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» (7) . ~~PageV01P120 # فقوله سبحانه: {فاستمتعتم بخلاقكم} [التوبة: 69] إشارة إلى اتباع ~~الشهوات، وهو داء العصاة، وقوله: {وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: 69] إشارة ~~إلى اتباع الشبهات، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات، وكثيرا ما ~~يجتمعان، فقل من تجد (1) في اعتقاده فسادا إلا وهو يظهر (2) في عمله. # وقد دلت الآية على أن الذين كانوا من (3) قبل استمتعوا وخاضوا، وهؤلاء ~~فعلوا مثل أولئك. # ثم قوله: {فاستمتعتم} [التوبة: 69] و {وخضتم} [التوبة: 69] خبر عن وقوع ms053 ~~ذلك في الماضي وهو ذم لمن يفعله، إلى يوم القيامة، كسائر ما أخبر الله به ~~عن الكفار (4) والمنافقين، عند مبعث (5) محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه ذم ~~لمن (6) حاله كحالهم إلى يوم القيامة، وقد يكون خبرا عن أمر دائم (7) ~~مستمر؛ لأنه - وإن كان بضمير الخطاب - فهو كالضمائر (8) في نحو قوله: ~~(اعبدوا) (9) و (اغسلوا) (10) # و PageV01P121 # {اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] (1) و (آمنوا) (2) كما أن جميع الموجودين في ~~وقت النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة (3) مخاطبون بهذا ~~الكلام؛ لأنه كلام الله، وإنما الرسول مبلغ له (4) . # وهذا مذهب عامة المسلمين - وإن كان بعض من تكلم في أصول الفقه، اعتمد أن ~~الضمير (5) إنما يتناول الموجودين حين (6) تبليغ الرسول وأن سائر الموجودين ~~دخلوا: إما بما علمناه بالاضطرار من استواء الحكم، كما لو خاطب النبي صلى ~~الله عليه وسلم واحدا من الأمة، وإما بالسنة، وإما بالاجماع، وإما بالقياس، ~~فيكون: كل من حصل منه هذا الاستمتاع والخوض مخاطبا بقوله: {فاستمتعتم} ~~[التوبة: 69] و {وخضتم} [التوبة: 69] وهذا أحسن القولين (7) . PageV01P122 # وقد توعد الله سبحانه هؤلاء المستمتعين الخائضين بقوله (1) {أولئك حبطت ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون} [التوبة: 69] (2) وهذا هو ~~المقصود هنا من هذه الآية، وهو أن الله قد أخبر أن (3) في هذه الأمة من ~~استمتع بخلاقه، كما استمتعت الأمم قبلهم، وخاض كالذي خاضوا وذمهم على ذلك، ~~وتوعدهم على ذلك (4) ثم حضهم على الاعتبار بمن قبلهم فقال: {ألم يأتهم نبأ ~~الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (5) وقوم إبراهيم وأصحاب مدين ~~والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات} [التوبة: 70] (6) الآية. # وقد قدمنا: أن طاعة الله ورسوله في وصف المؤمنين بإزاء ما وصف به هؤلاء ~~(7) من مشابهة القرون المتقدمة، وذم من يفعل ذلك (8) وأمره (9) بجهاد ~~الكفار والمنافقين - بعد هذه الآية - دليل على جهاد هؤلاء المستمتعين ~~الخائضين. PageV01P123 ### | الاستدلال من السنة على النهي عن اتباع الكافرين # ثم هذا الذي دل عليه الكتاب (1) من مشابهة بعض هذه الأمة للقرون الماضية ~~في الدنيا وفي الدين، وذم من يفعل ذلك، دلت عليه - أيضا - سنة رسول الله ~~صلى الله ms054 عليه وسلم، وتأول الآية - على ذلك (2) - أصحابه رضي الله عنهم. # فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتأخذن ~~كما أخذت الأمم من قبلكم: ذراعا بذراع، وشبرا بشبر، وباعا بباع، حتى لو أن ~~أحدا من أولئك دخل حجر ضب لدخلتموه - قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ~~{كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة} [التوبة: 69] الآية - قالوا: يا رسول ~~الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب؟ قال: فهل الناس إلا هم؟» (3) . # وعن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية أنه قال: ما أشبه الليلة ~~بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا (4) بهم؟ (5) . PageV01P124 # وعن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: " أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل ~~سمتا وهديا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري أتعبدون العجل ~~أم لا؟ ". # وعن حذيفة بن اليمان (1) رضي الله عنه قال: " المنافقون الذين منكم اليوم ~~شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: ~~وكيف؟ قال: أولئك كانوا يخفون نفاقهم وهؤلاء أعلنوه (2) " (3) . # وأما السنة: فجاءت بالإخبار بمشابهتهم في الدنيا، وذم ذلك، والنهي عن ذلك ~~(4) وكذلك في الدين. # فأما (5) الأول: الذي هو الاستمتاع بالخلاق (6) PageV01P125 # ففي الصحيحين عن عمرو بن عوف (1) «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ~~أبا عبيدة بن الجراح (2) إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي (3) فقدم أبو ~~عبيدة (4) بمال من البحرين (5) فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة ~~الفجر مع PageV01P126 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~انصرف، فتعرضوا له في (1) فتبسم (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~رآهم، ثم (3) قال: " أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين فقالوا: ~~أجل يا رسول الله فقال: أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى ~~عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، ~~فتنافسوها، كما تنافسوها، ms055 فتهلككم كما أهلكتهم» (4) . # فقد أخبر (5) صلى الله عليه وسلم أنه لا يخاف (6) فتنة الفقر، وإنما يخاف ~~بسط الدنيا وتنافسها، وإهلاكها، وهذا هو الاستمتاع بالخلاق المذكور في ~~الآية. # وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر (7) (8) «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ~~يوما، PageV01P127 # فصلى على أهل أحد صلاته على (1) الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: " إني ~~فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت ~~مفاتيح خزائن الأرض - أو مفاتيح الأرض - وإني والله ما أخاف عليكم أن ~~تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا (2) فيها» (3) . # وفي رواية: «ولكني (4) أخشى عليكم الدنيا (5) أن تنافسوا فيها وتقتتلوا، ~~فتهلكوا (6) كما هلك من كان قبلكم» قال عقبة: فكان آخر ما رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على المنبر " (7) . PageV01P128 # وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن (1) عمرو (2) رضي الله عنهما عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم؟ " ~~قال عبد الرحمن بن عوف (3) نكون كما أمرنا الله عز وجل (4) فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (5) تنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون أو (6) ~~تتباغضون، أو غير ذلك - ثم تنطلقون إلى مساكين (7) PageV01P129 # المهاجرين فتحملون (1) بعضهم على (2) رقاب بعض» (3) وفي الصحيحين عن أبي ~~سعيد رضي الله عنه (4) قال: «جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ~~وجلسنا حوله فقال: " إن مما أخاف عليكم بعدي: ما يفتح من زهرة الدنيا ~~وزينتها، فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقيل: ما شأنك تكلم رسول الله ولا يكلمك؟ قال: ورأينا ~~(5) أنه ينزل عليه (6) فأفاق يمسح عنه الرحضاء (7) وقال: أين هذا السائل؟ ~~وكأنه حمده، فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر» وفي رواية: فقال: «أين السائل ~~آنفا؟ أو خير هو؟ - ثلاثا - إن الخير لا يأتي إلا بالخير وإن مما ينبت ~~الربيع: ما (8) يقتل حبطا (9) PageV01P130 # أو يلم (1) إلا آكلة الخضر (2) فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتها (3) ~~استقبلت عين الشمس فثلطت (4) وبالت، ms056 ثم رتعت (5) وإن هذا المال خضر حلو، ~~ونعم صاحب المسلم هو، لمن أعطى منه المسكين واليتيم، وابن السبيل - أو كما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وإنه من يأخذه (6) بغير حقه كالذي (7) ~~PageV01P131 # يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شاهدا (1) يوم القيامة» (2) . # وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن الدنيا حلوة (3) خضرة، وإن الله سبحانه مستخلفكم فيها، فينظر ~~كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء (4) فإن أول فتنة بني إسرائيل ~~كانت في النساء» (5) . # فحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة النساء، معللا بأن أول فتنة بني ~~إسرائيل كانت في النساء. # وهذا نظير ما سنذكره من حديث معاوية (6) عنه صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P132 # أنه (1) قال: «إنما هلك (2) بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم» (3) - يعني ~~وصل الشعر -. # وكثير من مشابهات أهل الكتاب في أعيادهم، وغيرها، إنما يدعو إليها النساء ~~(4) وأما الخوض كالذي خاضوا (5) (6) فروينا من حديث الثوري (7) عن ~~PageV01P133 # عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي (1) عن عبد الله بن يزيد (2) عن عبد ~~الله بن عمرو (3) رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إذا (4) ~~كان منهم من أتى أمه علانية كان (5) في (6) أمتي من يصنع ذلك، وإن بني ~~إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة (7) وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة ~~كلهم في النار إلا ملة واحدة " قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا ~~عليه اليوم (8) وأصحابي» رواه أبو عيسى (9) PageV01P134 # الترمذي (1) وقال: " هذا حديث غريب مفسر (2) لا نعرفه (3) إلا من هذا ~~الوجه (4) . # وهذا الافتراق مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة، ~~وسعد (5) ومعاوية، وعمرو (6) بن عوف، وغيرهم، وإنما ذكرت حديث (7) ابن ~~عمرو؛ لما فيه من ذكر (8) المشابهة. PageV01P135 # فعن محمد بن عمرو (1) عن أبي سلمة (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تفترق اليهود على إحدى ms057 وسبعين فرقة، أو ~~اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق (3) أمتي على ثلاث وسبعين ~~فرقة» . رواه أبو داود (4) وابن ماجه (5) والترمذي وقال: " هذا حديث (6) ~~حسن صحيح " (7) . PageV01P136 # وعن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الكتابين ~~افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث ~~وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة» . # وقال: «إنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب ~~بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله، والله يا معشر العرب لئن لم ~~تقوموا بما جاء به محمد لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به» (1) . # هذا حديث محفوظ من حديث صفوان بن عمرو (2) عن الأزهر بن عبد الله الحرازي ~~(3) (4) عن أبي عامر عبد الله بن لحي (5) عن معاوية. رواه PageV01P137 # عنه غير واحد، منهم: أبو اليمان (1) وبقية (2) وأبو المغيرة (3) . رواه ~~أحمد وأبو داود في سننه. # وقد روى ابن ماجه هذا المعنى (4) من حديث صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد ~~(5) عن عوف بن مالك الأشجعي (6) ويروى من وجوه أخرى، فقد أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بافتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة، واثنتان (7) وسبعون؛ لا ~~ريب أنهم الذين خاضوا كخوض الذين من قبلهم. ### | الاختلاف الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم # ثم هذا الاختلاف الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إما في الدين ~~فقط، وإما في PageV01P138 # الدين والدنيا ثم قد يؤول إلى الدماء (1) وقد يكون الاختلاف في الدنيا ~~فقط (2) . # وهذا الاختلاف الذي دلت عليه هذه الأحاديث، هو مما نهي (3) عنه في قوله ~~سبحانه: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} [آل عمران: 105] (4) (5) . # وقوله: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} [الأنعام: ~~159] (6) وقوله: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} ~~[الأنعام: 153] (7) (8) وهو موافق لما رواه (9) مسلم (10) في صحيحه، عن ~~عامر بن PageV01P139 # سعد (1) بن أبي وقاص عن أبيه (2) «أنه أقبل مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في طائفة ms058 من أصحابه، من العالية (3) حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل ~~فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا فقال: " سألت ~~ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: (4) سألت ربي أن لا يهلك أمتي ~~بالسنة (5) فأعطانيها وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ~~أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» (6) . # وروى (7) أيضا في صحيحه عن ثوبان (8) قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: PageV01P140 # «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما ~~زوى (1) لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض (2) وإني سألت ربي لأمتي: ~~أن لا يهلكها بسنة (3) بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، ~~فيستبيح بيضتهم (4) وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني ~~أعطيتك لأمتك أن (5) لا أهلكهم بسنة بعامة (6) وأن لا أسلط عليهم عدوا من ~~سوى (7) أنفسهم، فيستبيح (8) بيضتهم، ولو اجتمع عليهم (9) من بأقطارها ~~PageV01P141 # - أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي (1) بعضهم ~~بعضا» (2) . # ورواه البرقاني (3) في صحيحه وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، ~~وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق ~~حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد (4) فئام (5) من أمتي الأوثان، وإنه سيكون ~~في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ~~ولا تزال (6) طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي ~~أمر الله تبارك وتعالى» (7) . PageV01P142 # وهذا المعنى محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، يشير إلى أن ~~التفرقة والاختلاف لا بد من وقوعهما (1) في الأمة، وكان يحذر أمته (2) ؛ ~~لينجو منه (3) من شاء الله له السلامة، كما روى النزال بن سبرة (4) عن عبد ~~الله بن مسعود قال: «سمعت رجلا قرأ آية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك ~~له، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: " كلاكما محسن، ولا تختلفوا؛ ms059 فإن من كان ~~قبلكم اختلفوا فهلكوا» رواه مسلم (5) . # نهى النبي (6) صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف الذي فيه جحد (7) كل واحد ~~من المختلفين ما مع الآخر من الحق؛ لأن كلا القارئين كان محسنا فيما قرأه، ~~PageV01P143 # وعلل ذلك: بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا. # ولهذا قال حذيفة لعثمان (1) " أدرك هذه الأمة، لا تختلف في الكتاب كما ~~اختلف (2) فيه الأمم (3) قبلهم " (4) لما رأى أهل الشام والعراق (5) ~~يختلفون في حروف القرآن، الاختلاف الذي نهى عنه النبي (6) صلى الله عليه ~~وسلم. PageV01P144 # فأفاد ذلك بشيئين: أحدهما: تحريم الاختلاف في مثل هذا. # والثاني: الاعتبار بمن كان قبلنا، والحذر من مشابهتهم. # واعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة الذي يورث الأهواء؛ تجده من هذا الضرب، ~~وهو: أن يكون كل واحد من المختلفين مصيبا فيما يثبته، أو في بعضه مخطئا في ~~نفي ما عليه الآخر، كما أن القارئين كل منهما كان مصيبا في القراءة بالحرف ~~الذي علمه، مخطئا في نفي حرف غيره؛ فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي ~~هو الجحود والتكذيب، لا في الإثبات، لأن إحاطة الإنسان بما يثبته أيسر من ~~إحاطته بما ينفيه ولهذا نهيت هذه (1) الأمة أن تضرب آيات الله بعضها ببعض؛ ~~لأن مضمون الضرب: الإيمان بإحدى الآيتين والكفر بالأخرى - إذا اعتقد أن ~~بينهما تضادا - إذ الضدان لا يجتمعان. # ومثل ذلك: ما رواه مسلم - أيضا - عن عبد الله بن رباح الأنصاري (2) أن ~~عبد الله بن عمرو (3) قال: «هجرت (4) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوما، فسمع (5) أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعرف في وجهه PageV01P145 # الغضب، فقال: " إنما هلك من كان قبلكم من الأمم (1) باختلافهم في الكتاب» ~~(2) . # فعلل غضبه صلى الله عليه وسلم (3) بأن الاختلاف في الكتاب سبب (4) هلاك ~~من كان قبلنا، وذلك يوجب مجانبة طريقهم في هذا عينا، وفي غيره نوعا (5) . # والاختلاف على ما ذكره الله في القرآن قسمان: # أحدهما: يذم (6) الطائفتين جميعا، كما في قوله: {ولا يزالون مختلفين - ~~إلا من رحم ربك} [هود: 118 - 119] (7) فجعل ms060 أهل الرحمة مستثنين من ~~الاختلاف، وكذلك قوله تعالى: {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين ~~اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} [البقرة: 176] (8) وكذلك قوله: {وما ~~اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} [آل ~~عمران: 19] (9) وقوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات} [آل عمران: 105] (10) PageV01P146 # وقوله: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} [الأنعام: ~~159] (1) . # وكذلك وصف (2) اختلاف النصارى بقوله: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ~~إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} [المائدة: 14] (3) . # ووصف (4) اختلاف اليهود بقوله: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [المائدة: 64] (5) وقال: ~~{فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون: 53] (6) . # وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف أن الأمة تفترق (7) على ثلاث ~~وسبعين فرقة؛ قال: «كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة» (8) وفي الرواية ~~الأخرى: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (9) . PageV01P147 # فبين: أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين، إلا فرقة واحدة، وهم أهل ~~السنة والجماعة. # وهذا الاختلاف المذموم من الطرفين يكون سببه تارة: فساد النية؛ لما في ~~النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض (1) ونحو ذلك، فيجب (2) لذلك ~~ذم قول غيرها، أو فعله، أو غلبته ليتميز (3) عليه، أو يحب قول من يوافقه في ~~نسب أو مذهب (4) أو بلد أو صداقة، ونحو ذلك، لما في قيام قوله من حصول ~~الشرف والرئاسة (5) وما أكثر هذا من بني آدم، وهذا ظلم. # ويكون سببه - تارة - (6) جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه، ~~أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر، أو جهل (7) أحدهما بما مع ~~الآخر من الحق: في الحكم، أو في الدليل، وإن كان عالما بما مع نفسه من الحق ~~حكما ودليلا. # والجهل والظلم: هما أصل كل شر، كما قال سبحانه: {وحملها الإنسان إنه كان ~~ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] (8) . ### | أنواع الاختلاف # أما أنواعه: فهو (9) في الأصل قسمان: PageV01P148 # اختلاف تنوع (1) واختلاف تضاد. # واختلاف التنوع على وجوه: منه: ms061 ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين ~~حقا مشروعا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة، حتى زجرهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (2) وقال: «كلاكما محسن» (3) . # ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات، ~~وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة (4) إلى غير ذلك مما قد (5) ~~شرع (6) جميعه، وإن كان قد يقال إن بعض أنواعه أفضل. # ثم نجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف؛ ما أوجب اقتتال طوائف منهم ~~(7) على شفع الإقامة وإيثارها، ونحو ذلك، وهذا عين المحرم ومن لم يبلغ هذا ~~المبلغ؛ فتجد كثيرا منهم في قلبه من (8) الهوى لأحد (9) هذه الأنواع ~~والإعراض عن الآخر (10) أو النهي عنه، ما دخل (11) به فيما نهى عنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم. PageV01P149 # ومنه: ما يكون كل من القولين هو في (1) معنى قول الآخر؛ لكن العبارتان ~~مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود (2) وصيغ (3) ~~الأدلة، والتعبير عن المسميات، وتقسيم الأحكام، وغير ذلك ثم الجهل أو الظلم ~~(4) يحمل على حمد (5) إحدى المقالتين وذم الأخرى. # ومنه ما يكون المعنيان غيرين (6) لكن لا يتنافيان؛ فهذا قول صحيح، وهذا ~~(7) قول صحيح (8) وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر، وهذا كثير في ~~المنازعات جدا (9) . # ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان، ورجل (10) أو قوم قد سلكوا هذه الطريق، ~~وآخرون قد سلكوا الأخرى، وكلاهما حسن في الدين. PageV01P150 # ثم الجهل أو الظلم: يحمل على ذم (1) إحدهما (2) أو تفضيلها بلا قصد صالح، ~~أو بلا علم، أو بلا نية وبلا علم (3) . # وأما اختلاف التضاد فهو: القولان المتنافيان: إما في الأصول وإما في ~~الفروع، عند الجمهور الذين يقولون: " المصيب واحد "، وإلا فمن قال: " كل ~~مجتهد مصيب " فعنده: هو (4) من باب اختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد فهذا ~~الخطب فيه أشد؛ لأن القولين يتنافيان؛ لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون ~~القول الباطل الذي مع منازعه فيه (5) حق ما، أو معه دليل يقتضي حقا ما، ~~فيرد الحق في الأصل هذا (6) كله، حتى يبقى هذا مبطلا في البعض (7) كما كان ~~الأول ms062 مبطلا في الأصل (8) كما رأيته لكثير من أهل السنة في مسائل القدر ~~والصفات والصحابة، وغيرهم. # وأما أهل البدعة: فالأمر فيهم ظاهر (9) وكما (10) رأيته لكثير من ~~PageV01P151 # الفقهاء، أو لأكثر المتأخرين في مسائل الفقه، وكذلك (1) رأيت الاختلاف ~~كثيرا بين بعض المتفقهة، وبعض المتصوفة، وبين فرق (2) المتصوفة، ونظائره ~~كثيرة. # ومن جعل الله له هداية ونورا رأى من هذا ما يتبين له (3) به منفعة ما جاء ~~في الكتاب والسنة: من النهي عن هذا وأشباهه، وإن كانت القلوب الصحيحه تنكر ~~هذا (4) ابتداء، لكن نور على نور (5) . # وهذا القسم - الذي سميناه: اختلاف التنوع - كل واحد من المختلفين مصيب ~~فيه بلا تردد، لكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه، وقد دل القرآن على ~~حمد كل واحد من الطائفتين في مثل ذلك (6) إذا لم يحصل (7) بغي كما في قوله: ~~{ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} [الحشر: 5] ~~(8) . # وقد كانوا (9) اختلفوا في قطع الأشجار فقطع قوم وترك آخرون. # وكما في قوله: PageV01P152 # {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين - ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 78 - 79] (1) ~~فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالعلم والحكم. # وكما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم - يوم بني قريظة (2) - (3) لمن ~~صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة (4) . ~~PageV01P153 # وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، ~~وإذا اجتهد فأخطأ (1) فله أجر» (2) . . ونظائره كثيرة. # وإذا جعلت هذا (3) قسما آخر صار الاختلاف ثلاثة أقسام (4) . # وأما القسم الثاني من الاختلاف المذكور في كتاب الله: فهو ما حمد فيه ~~إحدى الطائفتين، وهم المؤمنون، وذم فيه الأخرى (5) كما في قوله تعالى: {تلك ~~الرسل فضلنا بعضهم على بعض} [البقرة: 253] (6) إلى قوله: PageV01P154 # {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن ~~اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا} [البقرة: 253] ~~(1) . # فقوله: {ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر} [البقرة: ms063 253] حمد ~~لإحدى الطائفتين - وهم المؤمنون - وذم للآخرى، وكذلك قوله: {هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} [الحج: 19] إلى قوله ~~(2) {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الحج: 23] (3) مع ما ثبت ~~في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه: " أنها نزلت في المقتتلين (4) يوم بدر: ~~علي (5) وحمزة (6) PageV01P155 # وعبيدة (1) والذين بارزوهم من قريش وهم: عتبة وشيبة والوليد (2) . # وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول (3) ~~وكذلك آل إلى سفك الدماء، واستباحة الأموال، والعداوة والبغضاء؛ لأن (4) ~~إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق ولا تنصفها بل تزيد على ~~ما مع نفسها (5) من الحق زيادات من الباطل والأخرى كذلك. # وكذلك (6) جعل الله مصدره (7) البغي في قوله: {وما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم} [البقرة: 213] ؛ (8) لأن ~~البغي: مجاوزة الحد. # وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة. PageV01P156 # وقريب من هذا الباب: ما خرجاه في الصحيحين عن أبي الزناد (1) عن الأعرج ~~(2) عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ذروني (3) ما ~~تركتكم فإنما هلك (4) من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، ~~فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر (5) فائتوا منه ما استطعتم» ~~(6) فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به (7) معللا (8) بأن سبب هلاك الأولين ~~إنما كان كثرة السؤال، PageV01P157 # ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية، كما أخبرنا الله عن بني إسرائيل من ~~مخالفتهم أمر موسى في الجهاد وغيره، وفي كثرة سؤالهم عن صفات البقرة (1) . # لكن هذا الاختلاف (2) على الأنبياء: هو (3) - والله أعلم - مخالفة ~~الأنبياء (4) كما يقول: اختلف الناس على الأمير إذا خالفوه. # والاختلاف الأول: مخالفة (5) بعضهم بعضا (6) وإن كان الأمران متلازمين أو ~~أن الاختلاف عليه (7) هو الاختلاف فيما بينهم، فإن اللفظ يحتمله. # ثم الاختلاف كله (8) قد يكون في التنزيل والحروف، كما في حديث ابن مسعود ~~(9) وقد يكون في التأويل كما يحتمله حديث عبد الله بن عمرو، فإن حديث عمرو ~~بن شعيب (10) يدل على ذلك، إن ms064 كانت هذه القصة (11) PageV01P158 # قال أحمد في المسند: حدثنا إسماعيل (1) حدثنا داود بن أبي هند (2) عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه (3) عن جده (4) «أن نفرا كانوا جلوسا بباب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل ~~الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فكأنما فقئ في ~~وجهه حب الرمان (5) ! فقال: " أبهذا أمرتم؟ أو بهذا بعثتم: أن تضربوا كتاب ~~الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في (6) مثل هذا؛ إنكم لستم مما ههنا ~~في شيء، انظروا الذي أمرتم (7) به فاعملوا به، والذي PageV01P159 # نهيتم (1) عنه فانتهوا عنه» (2) وقال (3) (حدثنا يونس (4) حدثنا حماد بن ~~سلمة (5) عن حميد (6) ومطر (7) الوراق. . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P160 # وداود بن أبي هند (1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه، ~~وهم يتنازعون في القدر (2) - فذكر الحديث) (3) # وقال أحمد (4) . # حدثنا أنس (5) بن عياض، حدثنا أبو حازم (6) عن عمرو بن شعيب، عن ~~PageV01P161 # أبيه، عن جده قال: «لقد جلست أنا وأخي (1) مجلسا ما أحب أن لي به حمر ~~النعم: أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة (2) من صحابة (3) رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حجرة (4) ~~إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا (5) فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مغضبا، قد احمر وجهه يرميهم بالتراب، ويقول: " ~~مهلا يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم: باختلافهم على أنبيائهم وضربهم ~~الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، وإنما (6) أنزل (7) ~~يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» ~~(8) . # وقال أحمد حدثنا أبو معاوية (9) حدثنا داود بن أبي هند، عن PageV01P162 # عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر قال: فكأنما تفقأ (1) في وجهه حب ~~الرمان من الغضب قال: فقال لهم: " ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا ~~هلك من كان ms065 قبلكم» ، قال (2) فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني (3) لم أشهده (4) . # هذا حديث محفوظ عن عمرو بن شعيب رواه عنه الناس، ورواه ابن ماجه (5) في ~~سننه من حديث أبي معاوية، كما سقناه. PageV01P163 # وقد كتب أحمد في رسالته (1) إلى المتوكل (2) هذا الحديث، وجعل يقول لهم ~~في مناظرته يوم الدار (3) " إنا قد نهينا أن نضرب كتاب الله بعضه ببعض " ~~وهذا لعلمه - رحمه الله - بما في خلاف هذا الحديث من الفساد العظيم. # وقد روى هذا المعنى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال: " حديث ~~حسن غريب " وقال: " وفي الباب عن عمر (4) وعائشة (5) PageV01P164 # وأنس (1) " (2) . # وهذا باب واسع لم نقصد (3) له ههنا، وإنما الغرض التنبيه على ما يخاف على ~~الأمة من موافقة الأمم قبلها؛ إذ الأمر في هذا الحديث - كما قاله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم - (4) أصل هلاك بني آدم: " إنما كان التنازع في القدر ~~"، وعنه نشأ PageV01P165 # مذهب المجوس (1) القائلين بالأصلين: النور والظلمة، ومذهب (2) الصابئة ~~(3) وغيرهم القائلين بقدم العالم، ومذاهب كثير من مجوس هذه الأمة (4) ~~وغيرهم. # وهذا مذهب (5) كثير ممن عطل الشرائع. PageV01P166 # فإن القوم تنازعوا في علة فعل الله سبحانه وتعالى لما فعله، فأرادوا أن ~~يثبتوا شيئا يستقيم لهم به تعليل فعله (1) بمقتضى قياسه سبحانه على ~~المخلوقات، فوقعوا في غاية (2) الضلال؛ إما بأن (3) فعله ما زال لازما له، ~~وإما بأن (4) الفاعل اثنان؛ وإما بأنه (5) يفعل البعض، والخلق (6) يفعلون ~~البعض، وإما بأن ما فعله لم يأمر بخلافه، وما أمر به لم يقدر خلافه وذلك ~~حين عارضوا بين فعله وأمره، حتى أقر فريق بالقدر وكذبوا بالأمر، وأقر فريق ~~بالأمر وكذبوا بالقدر، حين (7) اعتقدوا جميعا أن اجتماعهما محال، وكل منهما ~~مبطل بالتكذيب بما صدق به الآخر. # وأكثر ما يكون ذلك لوقوع المنازعة في الشيء القليل قبل إحكامه وجمع ~~حواشيه وأطرافه ولهذا قال: «ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه ~~إلى عالمه» (8) . # والغرض (9) بذكر هذه الأحاديث: (10) التنبيه من الحديث (11) على مثل ms066 ما ~~في القرآن من قوله تعالى: {وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: 69] (12) . ~~PageV01P167 # ومن ذلك: ما روى الزهري (1) عن سنان بن أبي سنان الدؤلي (2) عن أبي واقد ~~الليثي (3) أنه قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ~~ونحن حدثاء (4) عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينيطون (5) بها ~~أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ~~ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله ~~أكبر! إنها السنن (6) قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو (7) إسرائيل ~~لموسى (8) PageV01P168 # {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} [الأعراف: 138] لتركبن ~~سنن من كان قبلكم» رواه مالك (1) والنسائي (2) والترمذي وقال: (هذا حديث ~~حسن صحيح) (3) ولفظه «لتركبن سنة من كان قبلكم» (4) . # وقد قدمت ما خرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى ~~PageV01P169 # لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " قالوا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ~~"فمن؟» (1) . # وما رواه البخاري (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لتأخذن أمتي مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع "، ~~قالوا: فارس والروم؟ قال: " فمن الناس إلا أولئك؟» (3) . # وهذا كله خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك، والذم لمن يفعله، كما كان يخبر ~~عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات. # فعلم أن مشابهتها (4) اليهود والنصارى، وفارس والروم، مما ذمه الله ~~ورسوله، وهو المطلوب ولا يقال: فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع (5) ~~ذلك، فما فائدة النهي عنه؟ لأن الكتاب والسنة أيضا (6) قد (7) دلا ~~PageV01P170 # على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة متمسكة بالحق الذي بعث (1) به محمد ~~(2) صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة (3) وأنها لا تجتمع على ضلالة (4) ~~ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة، وتثبيتها، وزيادة إيمانها، ~~فنسأل الله المجيب أن يجعلنا منها (5) . # وأيضا: لو فرض أن الناس لا ms067 يترك أحد منهم هذه المشابهة المنكرة؛ لكان في ~~العلم بها معرفة القبيح، والإيمان بذلك؛ فإن (6) نفس العلم والإيمان بما ~~كرهه الله خير، وإن لم يعمل به، بل فائدة العلم والإيمان أعظم من فائدة ~~مجرد العمل الذي لم يقترن به علم، فإن الإنسان إذا عرف المعروف وأنكر ~~المنكر كان خيرا من أن يكون ميت القلب لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، ألا ~~ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده؛ ~~فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان» (7) رواه ~~مسلم. # وفي لفظ: «ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (8) . PageV01P171 # وإنكار القلب هو: الإيمان بأن هذا منكر، وكراهته لذلك (1) . # فإذا حصل هذا، كان في القلب (2) إيمان وإذا فقد (3) القلب معرفة هذا ~~المعروف وإنكار هذا المنكر؛ ارتفع هذا الإيمان من القلب. # وأيضا فقد يستغفر الرجل من الذنب مع إصراره عليه أو يأتي بحسنات تمحوه، ~~أو تمحو بعضه، وقد يقلل منه، وقد تضعف همته في طلبه إذا علم أنه منكر، ثم ~~لو فرض أنا علمنا أن الناس لا يتركون المنكر، ولا يعترفون بأنه منكر لم يكن ~~ذلك مانعا من إبلاغ الرسالة وبيان العلم، بل ذلك لا يسقط وجوب الإبلاغ ولا ~~وجوب الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن أحمد - وقول كثير من أهل العلم. # على أن هذا ليس موضع استقصاء (4) ذلك، ولله الحمد على ما أخبر به النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أنه: «لا تزال (5) من أمته طائفة ظاهرة على الحق حتى ~~يأتي أمر الله» . # وليس هذا الكلام من خصائص هذه المسألة، بل هو وارد في كل منكر قد أخبر ~~الصادق بوقوعه. ### | عود إلى الاستدلال من القرآن على النهي عن مشابهة الكفار # ومما يدل من القرآن على النهي عن مشابهة الكفار قوله سبحانه: PageV01P172 # {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين ~~عذاب أليم} [البقرة: 104] (1) قال قتادة (2) وغيره (3) " كانت اليهود تقوله ~~استهزاء، فكره (4) الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم " (5) ؛ وقال أيضا: " ~~كانت اليهود ms068 تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا سمعك، يستهزءون بذلك (6) ~~وكانت (7) في اليهود قبيحة ". # وروى أحمد (8) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P173 # عن عطية (1) قال (2) " كان يأتي ناس من اليهود فيقولون: راعنا سمعك، حتى ~~قالها ناس من المسلمين، فكره الله لهم ما قالت اليهود ". # وقال عطاء (3) " كانت لغة في الأنصار في الجاهلية " (4) . # وقال أبو العالية (5) " إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول ~~أحدهم (6) لصاحبه: أرعني (7) سمعك؛ فنهوا عن ذلك " (8) وكذلك قال الضحاك ~~(9) . PageV01P174 # فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نهي المسلمون عن قولها؛ لأن اليهود كانوا ~~يقولونها - وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة - لما كان ~~(1) في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار، وتطريقهم (2) إلى بلوغ غرضهم. # وقال سبحانه: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما ~~أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} [الأنعام: 159] (3) . # ومعلوم أن الكفار فرقوا دينهم، وكانوا شيعا (4) كما قال سبحانه: {ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} [آل عمران: 105] ~~(5) . # وقال: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} ~~[البينة: 4] (6) . # وقال: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} [المائدة: 14] (7) . ~~PageV01P175 # وقال عن اليهود: {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ~~وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} [المائدة: 64] (1) . # وقد قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: {لست منهم في شيء} [الأنعام: ~~159] وذلك يقتضي تبرؤه منهم في جميع الأشياء. # ومن تابع غيره في بعض أموره فهو منه في ذلك الأمر؛ لأن قول القائل: أنا ~~من هذا، وهذا مني - أي أنا من نوعه، وهو من نوعي - لأن الشخصين لا يتحدان ~~إلا بالنوع، كما في قوله تعالى: {بعضكم (2) من بعض} [آل عمران: 195] (3) ~~وقوله عليه الصلاة والسلام لعلي: «أنت مني وأنا منك» (4) فقول القائل: لست ~~من هذا في شيء، أي لست مشاركا له في شيء، بل أنا متبرئ من جميع أموره. # وإذا كان الله قد برأ (5) الله رسوله صلى الله ms069 عليه وسلم (6) من جميع ~~أمورهم؛ فمن كان متبعا للرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة كان متبرئا كتبرئه، ~~ومن كان (7) موافقا لهم كان مخالفا PageV01P176 # للرسول بقدر موافقته لهم، فإن الشخصين المختلفين من كل وجه في دينهما، ~~كلما شابهت أحدهما؛ خالفت الآخر (1) . # وقال سبحانه وتعالى: {لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] (2) إلى آخر السورة (3) . # وقد روى مسلم في صحيحه عن العلاء بن عبد الرحمن (4) عن أبيه (5) عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: «لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لله ~~ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله} [البقرة: 284] (6) . الآية، اشتد (7) ذلك على أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بركوا على الركب، ~~فقالوا: " أي رسول الله، كلفنا ما نطيق: (8) الصلاة والصيام والجهاد ~~PageV01P177 # والصدقة، وقد نزلت عليك هذه الآية، (1) ولا نطيقها " قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين (2) من قبلكم: ~~سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير "، فلما ~~اقترأها القوم، وذلت (3) بها ألسنتهم، أنزل (4) الله تعالى في إثرها: {آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} ~~[البقرة: 285] فلما فعلوا ذلك نسخها الله؛ فأنزل الله: {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا} [البقرة: 286] قال: نعم {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا} [البقرة: 286] قال: نعم {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ~~به} [البقرة: 286] قال: نعم {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا ~~فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] قال: نعم» (5) (6) . # فحذرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلقوا أمر الله بما تلقاه (7) . أهل ~~الكتابين (8) وأمرهم بالسمع والطاعة؛ ms070 فشكر الله لهم ذلك، حتى رفع الله عنهم ~~PageV01P178 # الآصار والأغلال (1) التي كانت على من كان (2) قبلنا (3) . # وقال الله في صفته صلى الله عليه وسلم: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي ~~كانت عليهم} [الأعراف: 157] (4) فأخبر الله سبحانه أن رسوله عليه الصلاة ~~والسلام يضع الآصار والأغلال التي كانت على أهل الكتاب. # ولما دعا المؤمنون بذلك أخبر (5) الرسول أنه (6) قد استجاب دعاءهم. # وهذا وإن كان رفعا للإيجاب والتحريم فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره ~~أن تؤتى معصيته (7) قد صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم (8) . ~~PageV01P179 # كما (1) كان النبي عليه الصلاة والسلام يكره مشابهة أهل الكتابين في هذه ~~الآصار والأغلال، وزجر أصحابه عن التبتل (2) وقال: «لا رهبانية (3) في ~~الإسلام» (4) وأمر بالسحور (5) ونهى عن المواصلة (6) (7) وقال فيما ~~PageV01P180 # يعيب (1) أهل الكتابين ويحذر موافقتهم (2) «فتلك بقاياهم في الصوامع» (3) ~~(4) وهذا باب واسع جدا. ### | النهي عن موالاة الكفار ومودتهم # وقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ~~بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] (5) وقال ~~سبحانه: {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم} ~~[المجادلة: 14] (6) يعيب بذلك المنافقين الذين تولوا اليهود. . . إلى قوله: ~~{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه} [المجادلة: 22] إلى قوله: {أولئك حزب الله} ~~[المجادلة: 22] (7) . # وقال تعالى: PageV01P181 # {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا (1) بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله (2) ~~والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 72] إلى قوله: ~~{والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 73] # إلى قوله: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} ~~[الأنفال: 75] (3) . # فعقد سبحانه الموالاة بين المهاجرين والأنصار، وبين من آمن (4) بعدهم ~~وهاجر (5) وجاهد إلى يوم القيامة. # والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه (6) والجهاد باق إلى يوم القيامة (7) . ~~PageV01P182 # فكل شخص يمكن أن يقوم به هذان الوصفان، إذ كان كثير (1) من النفوس اللينة ~~تميل إلى هجر السيئات دون الجهاد، ms071 والنفوس القوية قد تميل إلى الجهاد دون ~~هجر السيئات، وإنما عقد (2) الموالاة لمن جمع (3) الوصفين، وهم أمة محمد ~~(4) حقيقة. # وقال: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون - ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون} [المائدة: 55 - 56] (5) ونظائر هذا في غير موضع من القرآن: يأمر ~~سبحانه بموالاة المؤمنين حقا - الذين هم حزبه وجنده - ويخبر أن هؤلاء لا ~~يوالون الكافرين ولا يوادونهم. # والموالاة (6) والموادة: وإن كانت متعلقة بالقلب، لكن المخالفة في الظاهر ~~(7) أعون (8) على مقاطعة الكافرين ومباينتهم. PageV01P183 # ومشاركتهم في الظاهر: إن لم تكن (1) ذريعة أو سببا قريبا أو بعيدا إلى ~~نوع ما من الموالاة (2) والموادة، فليس فيها مصلحة المقاطعة والمباينة، مع ~~أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة - كما توجبه الطبيعة (3) وتدل عليه ~~العادة - ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يستدلون بهذه الآيات على ترك ~~الاستعانة بهم في الولايات. # فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن أبي موسى (4) رضي الله عنه قال: " قلت ~~لعمر رضي الله عنه: إن لي كاتبا نصرانيا قال: ما لك؟ قاتلك الله، أما سمعت ~~الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض} [المائدة: 51] (5) ألا اتخذت حنيفا؟ قال: قلت: يا أمير ~~المؤمنين، لي كتابته وله دينه. قال: PageV01P184 # لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ ~~أقصاهم الله " (1) ولما دل عليه معنى الكتاب: وجاءت (2) سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين، التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم ~~وترك التشبه بهم. # ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (3) أمر بمخالفتهم؛ ~~وذلك يقتضي أن يكون جنس (4) مخالفتهم أمرا مقصودا للشارع؛ لأنه: إن كان ~~الأمر بجنس المخالفة حصل المقصود، وإن كان الأمر بالمخالفة في تغيير الشعر ~~فقط، فهو لأجل ما فيه من المخالفة فالمخالفة: إما علة مفردة (5) أو علة (6) ~~أخرى، أو بعض علة، وعلى (7) التقديرات (8) تكون ms072 مأمورا بها مطلوبة ~~PageV01P185 # من (1) الشارع؛ لأن الفعل المأمور به إذا عبر عنه (2) . بلفظ مشتق من ~~معنى أعم من ذلك الفعل؛ فلا بد أن يكون ما منه الاشتقاق أمرا مطلوبا، لا ~~سيما إن ظهر لنا أن (3) المعنى المشتق منه معنى مناسب للحكمة، كما لو قيل ~~للضيف: أكرمه، بمعنى أطعمه، أو (4) للشيخ الكبير: وقره، بمعنى اخفض صوتك ~~له، أو نحو (5) ذلك. ### | وجوه الأمر بمخالفة الكفار # وذلك لوجوه: # * أحدها (6) أن الأمر إذا تعلق باسم مفعول مشتق من معنى كان المعنى (7) ~~علة للحكم، كما في قوله عز وجل: {فاقتلوا (8) المشركين} [التوبة: 5] (9) ~~PageV01P186 # وقوله (1) {فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] (2) وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني» (3) وهذا كثير ~~معلوم. # فإذا (4) كان نفس الفعل المأمور به مشتقا من معنى أعم منه؛ كان نفس الطلب ~~والاقتضاء قد علق بذلك المعنى الأعم، فيكون مطلوبا بطريق الأولى. # * الوجه الثاني: أن جميع الأفعال مشتقة، سواء كانت (5) مشتقة من المصدر، ~~أو كان المصدر مشتقا منها، أو كان كل (6) منهما (7) مشتقا من الآخر، بمعنى: ~~أن بينهما مناسبة في اللفظ والمعنى، لا بمعنى: أن أحدهما أصل والآخر فرع، ~~بمنزلة المعاني المتضايفة (8) كالأبوة والبنوة أو كالأخوة من الجانبين، ~~ونحو ذلك. PageV01P187 # فعلى كل حال: إذا أمر بفعل كان نفس مصدر الفعل أمرا مطلوبا للآمر، مقصودا ~~له كما في قوله: اتقوا الله (1) و (2) {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} ~~[البقرة: 195] (3) و {آمنوا بالله ورسوله} [النساء: 136] (4) و {اعبدوا ~~الله ربي وربكم} [المائدة: 72] (5) و {فعليه توكلوا} [يونس: 84] (6) . # فإن نفس التقوى، والإحسان، والإيمان، والعبادة (7) أمور مطلوبة مقصودة، ~~بل هي نفس المأمور به. # ثم المأمور به أجناس لا يمكن أن (8) تقع إلا معينة، وبالتعيين تقترن (9) ~~بها أمور غير مقصودة (10) للآمر، لكن لا يمكن العبد إيقاع الفعل المأمور ~~به؛ إلا مع أمور معينة له، فإنه إذا قال: {فتحرير رقبة} [النساء: 92] (11) ~~فلا بد إذا أعتق العبد رقبة أن يقترن بهذا المطلق تعيين: من سواد، أو بياض، ~~أو طول، أو قصر، PageV01P188 # أو عربية، أو عجمية، أو غير ذلك من الصفات، لكن ms073 المقصود: هو المطلق ~~المشترك بين (1) هذه المعينات. # وكذلك (2) إذا قيل: اتقوا الله (3) وخالفوا اليهود؛ فإن التقوى تارة تكون ~~بفعل واجب: من صلاة، أو صيام، وتارة تكون بترك محرم: من كفر أو زنا، أو نحو ~~ذلك، فخصوص ذلك الفعل إذا دخل في التقوى لم يمنع دخول غيره، فإذا رئي رجل ~~على (4) زنا فقيل: له اتق الله؛ كان أمرا له (5) بعموم التقوى، داخلا فيه ~~خصوص (6) ترك ذلك الزنا؛ لأن سبب اللفظ العام لا بد أن يدخل فيه. كذلك إذا ~~قيل: " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم " (7) كان أمرا بعموم ~~المخالفة، داخلا فيه المخالفة بصبغ اللحية؛، لأنه سبب اللفظ العام. # وسببه: أن الفعل (8) فيه عموم وإطلاق لفظي ومعنوي فيجب الوفاء به، وخروجه ~~على سبب يوجب (9) أن يكون داخلا فيه لا يمنع أن يكون غيره داخلا فيه - (10) ~~وإن قيل: إن اللفظ العام يقصر (11) على سببه - لأن العموم هاهنا من جهة ~~المعنى - فلا يقبل من التخصيص ما يقبله العموم اللفظي. PageV01P189 # فإن قيل: الأمر بالمخالفة أمر بالحقيقة المطلقة وذلك (1) لا عموم فيه بل ~~يكفي فيه المخالفة في (2) أمر ما، وكذلك سائر ما يذكرونه فمن أين اقتضى ذلك ~~المخالفة في غير ذلك الفعل المعين؟ . # قلت: هذا سؤال قد يورده بعض المتكلمين في عامة الأفعال المأمور بها ~~ويلبسون به على الفقهاء وجوابه من وجهين (3) . # أحدهما: أن التقوى والمخالفة ونحو ذلك من الأسماء والأفعال المطلقة قد ~~يكون العموم فيها من جهة عموم الكل لأجزائه (4) لا من جهة عموم الجنس ~~لأنواعه؛ فإن العموم ثلاثة أقسام: ### | 1 - # عموم الكل لأجزائه: وهو ما لا يصدق فيه الاسم العام، ولا أفراده (5) على ~~جزئه. ### | 2 - # عموم الجميع (6) لأفراده: وهو ما يصدق فيه أفراد الاسم العام على آحاده. ### | 3 - # عموم الجنس لأنواعه وأعيانه: وهو ما يصدق فيه نفس الاسم العام على ~~أفراده. PageV01P190 # فالأول: عموم الكل لأجزائه في الأعيان والأفعال والصفات كما في قوله ~~تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] (1) فإن اسم الوجه يعم الخد والجبين ~~(2) والجبهة ونحو ذلك وكل واحد من هذه الأجزاء ليس هو الوجه فإذا ms074 غسل بعض ~~هذه الأجزاء لم يكن غاسلا للوجه لانتفاء (3) المسمى بانتفاء جزئه. # وكذلك في الصفات والأفعال إذا قيل: صل فصلى ركعة وخرج بغير سلام أو قيل: ~~صم فصام بعض يوم لم يكن ممتثلا لانتفاء معنى الصلاة المطلقة والصوم (4) ~~المطلق وكذلك إذا قيل: أكرم (5) هذا الرجل. فأطعمه وضربه لم يكن ممتثلا؛ ~~لأن الإكرام المطلق يقتضي فعل ما يسره وترك ما يسوءه. # فلما (6) قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليكرم ضيفه» (7) فلو أطعمه بعض كفايته وتركه جائعا لم يكن مكرما له؛ ~~لانتفاء أجزاء (8) الإكرام، ولا يقال: الإكرام حقيقة مطلقة PageV01P191 # وذلك يحصل بإطعام (1) لقمة كذلك (2) إذا قال: خالفوهم. فالمخالفة (3) ~~المطلقة تنافي الموافقة في بعض الأشياء، أو في أكثرها على طريق التساوي؛ ~~لأن المخالفة المطلقة ضد (4) الموافقة المطلقة فيكون الأمر بأحدهما نهيا عن ~~الآخر، ولا يقال: إذا خالف (5) في شيء ما فقد حصلت المخالفة، كما لا يقال: ~~إذا وافقه في شيء ما فقد حصلت الموافقة. # وسر ذلك الفرق بين مفهوم اللفظ المطلق وبين المفهوم المطلق من اللفظ، فإن ~~اللفظ يستعمل مطلقا ومقيدا. # فإذا أخذت المعنى المشترك بين جميع (6) موارده مطلقها ومقيدها؛ كان أعم ~~من المعنى المفهوم منه عند إطلاقه وذلك المعنى المطلق يحصل بحصول بعض ~~مسميات اللفظ في أي استعمال حصل من استعمالاته المطلقة والمقيدة. # وأما معناه في حال إطلاقه فلا يحصل بعض معانيه عند التقييد بل يقتضي ~~أمورا كثيرة لا يقتضيها اللفظ المقيد. # فكثيرا ما يغلط الغالطون هنا. ألا ترى أن الفقهاء يفرقون بين الماء ~~المطلق وبين المائية المطلقة الثابتة في المني والمتغيرات وسائر المائعات، ~~فأنت تقول عند التقييد: أكرم الضيف بإعطاء (7) هذا الدرهم. فهذا إكرام ~~مقيد، فإذا قلت: أكرم الضيف. كنت آمرا بمفهوم اللفظ المطلق وذلك يقتضي ~~أمورا PageV01P192 # لا تحصل بحصول إعطاء (1) درهم فقط (2) . # ، وأما القسم الثاني من (3) العموم فهو عموم الجميع (4) لأفراده كما يعم ~~قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] (5) كل مشرك. # والقسم (6) الثالث من أقسام العموم: عموم الجنس لأعيانه كما يعم قوله: ~~«لا يقتل مسلم ms075 بكافر» (7) جميع أنواع القتل والمسلم (8) والكافر. # إذا تبين هذا فالمخالفة المطلقة لا تحصل بالمخالفة في شيء ما إذا كانت ~~الموافقة قد حصلت في أكثر منه (9) وإنما تحصل بالمخالفة في جميع الأشياء أو ~~في غالبها، إذ المخالفة المطلقة ضد الموافقة المطلقة فلا يجتمعان، بل الحكم ~~للغالب وهذا تحقيق جيد، لكنه (10) مبني على مقدمة وهو (11) أن المفهوم من ~~لفظ المخالفة عند الإطلاق، يعم المخالفة في عامة PageV01P193 # الأمور الظاهرة، فإن خفي هذا (1) في هذا الموضع المعين فخذ في: # الوجه الثاني (2) وهو العموم المعنوي وهو أن المخالفة مشتقة، فإنما أمر ~~بها لمعنى كونها مخالفة، كما تقدم تقريره (3) وذلك ثابت في كل فرد من أفراد ~~(4) المخالفة فيكون العموم ثابتا من جهة المعنى المعقول، وبهذين الطريقين ~~يتقرر العموم في قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] (5) ~~وغير ذلك من الأفعال. # وإن كان أكثر الناس إنما يفزعون إلى الطريق الثاني وقل منهم من يتفطن (6) ~~للطريق الأول وهو (7) أبلغ إذا صح. # ثم نقول: (8) هب أن الإجزاء يحصل بما (9) يسمى مخالفة، لكن الزيادة على ~~القدر المجزئ مشروعة؛ إذا كان الأمر مطلقا كما في قوله: {اركعوا واسجدوا} ~~[الحج: 77] (10) ونحو ذلك من الأوامر المطلقة. PageV01P194 # الوجه الثالث (1) في أصل التقرير (2) أن عدول (3) الأمر عن لفظ الفعل ~~الخاص به إلى لفظ أعم منه معنى كعدوله (4) عن لفظ: أطعمه. إلى لفظ: أكرمه. ~~وعن لفظ: فاصبغوا (5) إلى لفظ: (6) فخالفوهم (7) لا بد له من فائدة، وإلا ~~فمطابقة اللفظ للمعنى أولى من إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص، وليست هنا ~~فائدة تظهر إلا تعلق القصد بذلك المعنى العام المشتمل على هذا الخاص (8) ~~وهذا بين عند التأمل. # الوجه الرابع: أن العلم بالعام عاما يقتضي العلم بالخاص، والقصد العام ~~(9) عاما يوجب القصد للمعنى الخاص، فإنك إذا علمت أن كل مسكر خمر، وعلمت أن ~~النبيذ مسكر، كان علمك بذلك الأمر العام وبحصوله في الخاص موجبا لعلمك (10) ~~بوصف الخاص كذلك إذا كان قصدك طعاما مطلقا، أو مالا مطلقا، وعلمت وجود طعام ~~معين أو مال معين في مكان حصل قصدك له إذ العلم ms076 والقصد يتطابقان في مثل هذا ~~والكلام يبين مراد المتكلم ومقصوده. PageV01P195 # فإذا أمر بفعل باسم دال على معنى عام مريدا به فعلا خاصا كان ما ذكرناه ~~من الترتيب الحكمي يقتضي أنه قاصد بالأول (1) لذلك المعنى العام وأنه إنما ~~قصد ذلك الفعل الخاص لحصوله به. # ففي قوله: أكرمه. طلبان طلب (2) للإكرام المطلق وطلب لهذا الفعل الذي ~~يحصل به الفعل (3) المطلق؛ وذلك؛ لأن حصول المعين مقتض (4) لحصول المطلق، ~~وهذا معنى صحيح، إذا صادف فطنة من الإنسان وذكاء؛ انتفع به في كثير من ~~المواضع وعلم به طريق البيان والدلالة. # بقي (5) أن يقال هذا يدل على أن (6) جنس المخالفة أمر مقصود للشارع وهذا ~~صحيح لكن قصد الجنس قد يحصل الاكتفاء فيه (7) بالمخالفة في بعض الأمور، فما ~~زاد على ذلك لا حاجة إليه. قلت: إذا ثبت أن الجنس مقصود في الجملة (8) كان ~~ذلك حاصلا في كل فرد من أفراده ولو فرض أن الوجوب سقط بالبعض؛ لم يرفع (9) ~~حكم الاستحباب عن الباقي. # وأيضا فإن ذلك يقتضي النهي عن موافقتهم؛ لأن (10) من قصد PageV01P196 # مخالفتهم (1) بحيث (2) أمر (3) بإحداث فعل يقتضي مخالفتهم فيما لم تكن ~~الموافقة فيه من فعلنا، ولا قصدنا كيف (4) لا ينهانا عن أن نفعل فعلا فيه ~~موافقتهم سواء قصدنا موافقتهم أو لم نقصدها. # الوجه الخامس: أنه رتب الحكم على الوصف بحرف الفاء فيدل هذا (5) على أنه ~~علة له من غير وجه حيث قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم. فإنه ~~يقتضي أن علة (6) الأمر بهذه المخالفة كونهم لا يصبغون فالتقدير: اصبغوا؛ ~~لأنهم لا يصبغون وإذا كان علة الأمر بالفعل عدم فعلهم له دل على أن قصد ~~المخالفة لهم ثابت بالشرع، وهو المطلوب يوضح ذلك أنه لو لم يكن لقصد ~~مخالفتهم تأثير في الأمر بالصبغ لم يكن لذكرهم فائدة، ولا حسن تعقيبه به، ~~وهذا وإن دل على أن (7) مخالفتهم أمر مقصود للشرع فذلك لا ينفي أن يكون (8) ~~في نفس الفعل الذي خولفوا فيه مصلحة مقصودة مع قطع النظر عن مخالفتهم فإن ~~هنا شيئين: # أحدهما: أن نفس المخالفة لهم ms077 في الهدى الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد الله ~~المؤمنين لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب PageV01P197 # المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنور ~~قلبه حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم والضالون من المرض (1) الذي ضرره ~~أشد من ضرر أمراض الأبدان. # والثاني: أن نفس ما هم عليه من الهدى والخلق قد يكون مضرا أو منقصا فينهى ~~عنه، ويؤمر بضده (2) لما فيه من المنفعة والكمال، وليس شيء من أمورهم إلا ~~(3) وهو إما مضر أو ناقص (4) ؛ لأن ما بأيديهم من الأعمال المبتدعة ~~والمنسوخة ونحوها مضرة، وما بأيديهم مما لم ينسخ أصله فهو يقبل الزيادة ~~والنقص، فمخالفتهم فيه بأن يشرع ما يحصله على وجه الكمال، ولا يتصور أن ~~يكون شيء من أمورهم كاملا قط، فإذا المخالفة فيها منفعة وصلاح لنا في كل ~~أمورهم (5) حتى ما هم عليه من إتقان بعض (6) أمور دنياهم قد يكون مضرا بأمر ~~(7) الآخرة أو بما هو أهم منه من أمر الدنيا (8) لمخالفة فيه صلاح لنا. # وبالجملة فالكفر بمنزلة مرض القلب (9) وأشد ومتى كان القلب مريضا لم يصح ~~شيء من الأعضاء صحة مطلقة، وإنما الصلاح أن لا تشبه (10) PageV01P198 # مريض القلب في شيء من أموره، وإن (1) خفي عليك مرض ذلك العضو لكن يكفيك ~~أن فساد الأصل لا بد أن يؤثر في الفرع، ومن انتبه لهذا قد يعلم بعض الحكمة ~~التي أنزلها الله (2) فإن من في قلبه مرض قد يرتاب (3) في الأمر بنفس ~~المخالفة لعدم استبانته لفائدته، أو يتوهم أن هذا من جنس أمر الملوك ~~والرؤساء القاصدين للعلو في الأرض، ولعمري إن النبوة غاية الملك الذي يؤتيه ~~الله من يشاء وينزعه ممن يشاء، ولكن ملك (4) هو غاية صلاح من أطاعه (5) من ~~العباد في معاشهم ومعادهم (6) . # وحقيقة الأمر: أن جميع أعمال الكافر وأموره لا بد فيها من خلل يمنعها أن ~~تتم (7) منفعة بها. # ولو فرض صلاح شيء من أموره على التمام، لاستحق (8) بذلك ثواب الآخرة، ~~ولكن كل أموره إما فاسدة وإما ناقصة، فالحمد لله على نعمة الإسلام ms078 التي هي ~~أعظم النعم، وأم كل خير كما يحب ربنا ويرضى. # فقد تبين أن نفس مخالفتهم أمر مقصود للشارع في الجملة، ولهذا كان الإمام ~~أحمد بن حنبل (9) وغيره من الأئمة (10) يعللون (11) الأمر PageV01P199 # بالصبغ (1) بعلة المخالفة قال حنبل (2) سمعت أبا عبد الله يقول: ما أحب ~~لأحد إلا أن يغير الشيب، لا يتشبه بأهل الكتاب؛ لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا بأهل الكتاب» (3) . # وقال إسحاق بن إبراهيم (4) سمعت أبا عبد الله يقول لأبي (5) PageV01P200 # : يا أبا هاشم (1) اخضب ولو مرة واحدة، أحب لك (2) أن تخضب، ولا تشبه ~~باليهود. # وهذا اللفظ الذي احتج به أحمد قد رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا ~~باليهود.» (3) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح (4) . # وقد رواه النسائي من حديث محمد بن كناسة (5) عن هشام بن (6) عروة (7) عن ~~عثمان بن PageV01P201 # عروة (1) عن أبيه (2) عن الزبير (3) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود» (4) ورواه أيضا من حديث عروة عن عبد ~~الله بن عمر لكن قال النسائي: كلاهما ليس بمحفوظ (5) . # وقال الدارقطني (6) المشهور عن عروة مرسلا (7) . PageV01P202 # وهذا اللفظ دل (1) على الأمر بمخالفتهم (2) والنهي عن مشابهتهم فإنه إذا ~~نهى عن التشبه بهم في بقاء بيض الشيب الذي ليس من فعلنا، فلأن ينهى عن ~~إحداث التشبه بهم أولى، ولهذا كان هذا (3) التشبه (4) يكون محرما بخلاف ~~الأول. # وأيضا ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «خالفوا المشركين، أحفوا (5) الشوارب، وأوفوا (6) اللحى» . ~~رواه البخاري ومسلم (7) وهذا لفظه فأمر بمخالفة المشركين مطلقا ثم قال: ~~«أحفوا الشوارب (8) وأوفوا (9) اللحى» . وهذه الجملة الثانية بدل من ~~الأولى، فإن PageV01P203 # الإبدال يقع في الجمل كما يقع في المفردات كقوله تعالى: {يسومونكم سوء ~~العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم} [البقرة: 49] (1) فهذا الذبح ~~والاستحياء هو سوء العذاب كذلك هنا هذا (2) هو المخالفة للمشركين المأمور ~~بها هنا (3) لكن الأمر بها أولا بلفظ مخالفة (4) المشركين دليل ms079 على أن جنس ~~المخالفة أمر مقصود للشارع وإن عينت هنا في هذا الفعل فإن تقديم المخالفة ~~(5) علة (6) تقدم العام على الخاص كما يقال: أكرم ضيفك: أطعمه، وحادثه. ~~فأمرك بالإكرام أولا دليل على أن إكرام الضيف مقصود، ثم عينت (7) الفعل ~~الذي يكون إكراما (8) في ذلك الوقت. # والتقرير من هذا الحديث شبيه بالتقرير من قوله: لا يصبغون فخالفوهم. وقد ~~روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس» (9) . # فعقب الأمر بالوصف المشتق المناسب، وذلك دليل على أن مخالفة المجوس (10) ~~أمر مقصود للشارع، وهو العلة في هذا الحكم، أو علة أخرى، PageV01P204 # أو بعض علة، وإن كان الأظهر عند الإطلاق: أنه علة تامة؛ ولهذا لما فهم ~~السلف كراهة التشبه بالمجوس، في هذا وغيره، كرهوا أشياء غير منصوصة بعينها ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من هدى المجوس. # وقال المروذي (1) سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن حلق القفا ~~(2) فقال: هو من فعل المجوس، ومن تشبه بقوم فهو منهم (3) . # وقال أيضا: قيل لأبي عبد الله: يكره (4) للرجل أن يحلق قفاه، أو وجهه. ~~فقال: أما أنا فلا أحلق قفاي. # وقد روي فيه (5) حديث مرسل عن (6) قتادة PageV01P205 # كراهيته (1) وقال: إن حلق القفا من فعل المجوس (2) . # قال (3) وكان (4) أبو عبد الله يحلق قفاه وقت الحجامة. # وقال أحمد (5) أيضا: لا بأس أن يحلق قفاه وقت (6) الحجامة (7) . # وقد روى عنه ابن منصور (8) قال: سألت أحمد عن حلق القفا (9) فقال: لا ~~أعلم فيه حديثا إلا ما يروى عن إبراهيم (10) أنه كره قردا يرقوس (11) وذكر ~~الخلال (12) هذا وغيره. PageV01P206 # وذكره أيضا بإسناده عن الهيثم بن حميد (1) قال: حف القفا من شكل المجوس. # وعن المعتمر بن سليمان التيمي (2) قال: كان أبي إذا جز شعره لم (3) يحلق ~~قفاه. قيل له: لم؟ قال: كان يكره أن يتشبه بالعجم (4) . # والسلف تارة (5) يعللون الكراهة بالتشبه بأهل الكتاب، وتارة بالتشبيه ~~بالأعاجم، وكلا العلتين منصوصة (6) في السنة مع أن الصادق صلى الله عليه ms080 ~~وسلم قد أخبر بوقوع المشابهة لهؤلاء وهؤلاء كما (7) قدمنا بيانه. # وعن شداد بن أوس (8) رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «خالفوا PageV01P207 # اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم» (1) رواه أبو داود (2) . # وهذا مع أن نزع اليهود نعالهم مأخوذ عن موسى عليه السلام لما قيل له: ~~{فاخلع نعليك} [طه: 12] (3) . # عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» (4) رواه مسلم في صحيحه ~~(5) . # وهذا يدل على أن الفصل بين العبادتين (6) أمر مقصود للشارع وقد صرح بذلك ~~فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن PageV01P208 # النبي صلى الله عليه وسلم (1) قال: «لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس ~~الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون» (2) . # وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر (3) لأجل مخالفة اليهود ~~والنصارى. # وإذا كان (4) مخالفتهم سببا لظهور الدين فإنما (5) المقصود بإرسال الرسل ~~أن يظهر دين الله على الدين كله، فيكون (6) نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد ~~البعثة. # وهكذا روى أبو داود من حديث أبي أيوب (7) الأنصاري (8) رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال (9) أمتي بخير أو (10) على ~~الفطرة ما لم يؤخروا PageV01P209 # المغرب إلى أن تشتبك النجوم» (1) ورواه ابن ماجه (2) من حديث العباس (3) ~~ورواه الإمام أحمد من (4) حديث السائب بن يزيد (5) . # وقد جاء مفسرا تعليله: لا يزالون بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى طلوع ~~النجم (6) مضاهاة لليهودية، (7) ويؤخروا (8) الفجر إلى PageV01P210 # محاق (1) النجوم مضاهاة للنصرانية (2) . # قال (3) سعيد بن منصور (4) حدثنا أبو معاوية (5) حدثنا الصلت بن بهرام ~~(6) عن الحارث (7) بن وهب عن أبي (8) عبد الرحمن الصنابحي (9) PageV01P211 # قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال أمتي على مسكة ما لم ~~ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم مضاهاة لليهودية (1) ولم ينتظروا بالفجر ~~محاق النجوم مضاهاة (2) للنصرانية (3) ولم (4) يكلوا الجنائز إلى أهلها» ~~(5) . # وقال سعيد بن منصور: حدثنا عبيد الله (6) بن إياد (7) بن لقيط (8) عن ~~أبيه (9) عن ms081 ليلى (10) PageV01P212 # امرأة بشير (1) بن الخصاصية (2) قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة (3) ~~فنهاني عنه بشير (4) وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاني عن ذلك ~~وقال: «إنما يفعل ذلك النصارى، صوموا كما أمركم الله (5) وأتموا الصوم كما ~~أمركم الله ثم أتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا» . وقد رواه ~~أحمد في المسند (6) . # فعلل النهي عن الوصال بأنه صوم النصارى وهو كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (7) ويشبه (8) أن يكون من رهبانيتهم التي ابتدعوها. # وعن حماد (9) عن ثابت (10) عن أنس رضي الله عنه: «أن اليهود كانوا إذا ~~PageV01P213 # حاضت (1) المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم (2) فأنزل الله عز وجل: ~~{ويسألونك عن المحيض (3) قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: ~~222] (4) إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # اصنعوا كل شيء إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل ~~أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير (5) وعباد بن بشر ~~(6) فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن. فتغير ~~وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن (7) قد وجد (8) عليهما فخرجا ~~PageV01P214 # فاستقبلهما (1) هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل في ~~آثارهما (2) فسقاهما، فعرفنا أنه لم يجد عليهما» رواه مسلم (3) . # فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود بل على ~~أنه خالفهم في عامة أمورهم حتى قالوا: ما يريد أن يدع من أمرنا شيئا إلا ~~خالفنا فيه. # ثم إن المخالفة كما سنبينه (4) تارة تكون في أصل الحكم وتارة في وصفه (5) ~~. # ومجانبة الحائض: لم يخالفوا في أصله (6) بل خولفوا (7) في وصفه (8) حيث ~~شرع الله مقاربة الحائض في غير محل الأذى، فلما أراد بعض الصحابة أن يعتدي ~~(9) في المخالفة إلى ترك ما شرعه الله، تغير وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهذا الباب - باب الطهارة - كان على ms082 اليهود (10) فيه أغلال (11) عظيمة ~~فابتدع النصارى ترك ذلك كله حتى PageV01P215 # إنهم لا ينجسون شيئا، بلا شرع من الله (1) فهدى الله الأمة الوسط بما ~~شرعه لها إلى وسط (2) من ذلك وإن كان ما كان عليه اليهود كان أيضا مشروعا، ~~فاجتناب ما لم يشرع الله اجتنابه مقاربة لليهود (3) وملابسة ما شرع الله ~~اجتنابه مقاربة للنصارى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. # وعن أبي أمامة (4) عن «عمرو بن عبسة (5) قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن ~~أن الناس على ضلالة فإنهم (6) ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، قال: ~~فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه فإذا (7) رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا جرآء عليه (8) قومه، فتلطفت (9) حتى دخلت ~~PageV01P216 # عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال (1) أنا نبي. فقلت: وما نبي؟ قال (2) ~~أرسلني الله. فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر ~~الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء. فقلت (3) له: من معك على هذا؟ قال: ~~حر وعبد. قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال فقلت: إني متبعك. قال: إنك لا (4) ~~تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى (5) حالي وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك، ~~فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني. قال (6) فذهبت إلى أهلي، وقدم (7) رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة، وكنت في أهلي فجعلت أتخبر (8) الأخبار وأسأل ~~الناس حين (9) قدم نفر من أهل (10) يثرب (11) من أهل المدينة. فقلت: ما فعل ~~هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله ~~فلم يستطيعوا ذلك. فقدمت المدينة، فدخلت عليه، فقلت (12) يا رسول الله، ~~أتعرفني قال: نعم، أنت الذي لقيتني بمكة. قال: فقلت: يا نبي الله، أخبرني ~~عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة قال: صل PageV01P217 # صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع (1) فإنها تطلع ~~حين (2) تطلع بين قرني (3) شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة ~~مشهودة (4) محضورة (5) حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإن (6) ~~حينئذ تسجر جهنم، ms083 فإذا أقبل الفيء فصل، فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي ~~العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان (7) ~~وحينئذ يسجد لها الكفار» وذكر الحديث (8) رواه مسلم. # فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب، ~~معللا (9) بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان (10) وأنه حينئذ يسجد لها ~~الكفار. # ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى، وأكثر الناس قد لا ~~يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان (11) ولا أن الكفار يسجدون ~~PageV01P218 # لها، ثم إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في هذا الوقت حسما لمادة ~~المشابهة بكل طريق، ويظهر بعض فائدة ذلك بأن من الصابئة المشركين اليوم (1) ~~ممن يظهر الإسلام ويعظم الكواكب، ويزعم أنه يخاطبها بحوائجه، ويسجد لها ~~وينحر ويذبح. # وقد صنف (2) بعض المنتسبين إلى الإسلام في مذهب المشركين من الصابئة ~~والبراهمة كتبا في عبادة الكواكب توسلا بذلك زعموا إلى مقاصد دنيوية من ~~الرئاسة (3) وغيرها وهي من السحر الذي كان (4) عليه الكنعانيون (5) الذين ~~(6) ملوكهم النماردة (7) الذين بعث الله (8) الخليل صلوات الله وسلامه عليه ~~بالحنيفية وإخلاص الدين كله لله إلى هؤلاء المشركين. # فإذا كان في هذه الأزمنة من يفعل مثل هذا، تحققت حكمة الشارع PageV01P219 # صلوات الله وسلامه عليه (1) في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، سدا ~~للذريعة وكان فيه تنبيه على أن كل ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها، ~~مما يكون كفرا أو معصية بالنية، ينهى المؤمنون عن ظاهره وإن لم يقصدوا به ~~قصد المشركين سدا للذريعة وحسما للمادة. # ومن هذا الباب أنه صلى الله عليه وسلم، كان إذا صلى إلى عود أو عمود جعله ~~على (2) حاجبه الأيمن أو الأيسر ولم يصمد (3) له صمدا (4) . # ولهذا نهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة، وإن لم يكن ~~العابد يقصد ذلك، ولهذا ينهى (5) عن السجود لله بين يدي الرجل وإن لم يقصد ~~الساجد ذلك لما فيه من مشابهة السجود لغير الله، فانظر كيف قطعت الشريعة ~~المشابهة في الجهات وفي ms084 الأوقات وكما لا يصلى إلى القبلة التي يصلون إليها ~~كذلك لا يصلى إلى ما يصلون له بل هذا أشد فسادا، فإن القبلة PageV01P220 # شريعة من الشرائع (1) قد تختلف باختلاف شرائع الأنبياء، أما السجود لغير ~~الله وعبادته فهو محرم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله كما قال سبحانه ~~وتعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون} [الزخرف: 45] (2) . # وأيضا (3) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى رجلا يتكئ على يده اليسرى ~~وهو قاعد في الصلاة فقال له: لا تجلس هكذا، فإن هكذا يجلس الذين يعذبون (4) ~~وفي رواية تلك (5) صلاة المغضوب عليهم (6) وفي رواية «نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد (7) على يده» (8) . ~~رواهن (9) أبو داود. # ففي هذا الحديث النهي عن هذه الجلسة معللا بأنها جلسة المعذبين، وهذه ~~مبالغة في مجانبة هديهم. # وأيضا فروى (10) البخاري عن مسروق (11) عن عائشة أنها كانت تكره ~~PageV01P221 # أن يجعل (1) يده في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله (2) ورواه أيضا من ~~حديث أبي هريرة قال: «نهى عن الخصر (3) في الصلاة» (4) وفي لفظ: «نهى أن ~~يصلي الرجل مختصرا.» (5) قال (6) وقال هشام (7) وأبو هلال (8) عن ابن سيرين ~~(9) PageV01P222 # عن أبي هريرة (1) نهى النبي صلى الله عليه وسلم (2) وهكذا رواه مسلم في ~~صحيحه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) . # وعن زياد بن (4) صبيح (5) قال: «صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يدي على ~~خاصرتي، فلما صلى قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان (6) رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ينهى عنه.» رواه أحمد (7) وأبو داود (8) والنسائي (9) . ~~PageV01P223 # وأيضا عن جابر (1) بن عبد الله رضي الله عنهما (2) أنه قال: «اشتكى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر (3) يسمع الناس ~~تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياما، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته ~~قعودا، فلما سلم قال: إن كدتم آنفا (4) تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ~~ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن ~~صلى قاعدا فصلوا ms085 قعودا» . رواه مسلم (5) وأبو داود (6) من حديث الليث (7) ~~PageV01P224 # عن أبي الزبير (1) عن جابر. . # ورواه (2) أبو داود وغيره (3) من حديث الأعمش (4) عن أبي (5) سفيان (6) ~~عن جابر قال: «ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا بالمدينة فصرعه على ~~PageV01P225 # جذم (1) نخلة فانقطعت (2) قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشربة (3) ~~لعائشة يسبح جالسا. قال: فقمنا خلفه، فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده ~~فصلى المكتوبة جالسا، فقمنا خلفه، فأشار إلينا فقعدنا. قال: (4) فلما قضى ~~الصلاة. قال: إذا صلى الإمام جالسا فصلوا جلوسا وإذا صلى الإمام (5) قائما ~~فصلوا قياما، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها» (6) وأظن في غير ~~رواية أبي داود «ولا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضا» (7) . # ففي هذا الحديث أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلل ذلك ~~بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم، في ~~قيامهم وهم قعود. # ومعلوم أن المأموم إنما نوى أن يقوم (8) لله (9) لا (10) لإمامه وهذا ~~PageV01P226 # تشديد (1) عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد، ونهى أيضا عما (2) يشبه ~~ذلك، وإن لم يقصد به ذلك، ولهذا نهى عن السجود لله بين يدي الرجل، وعن ~~الصلاة إلى ما قد (3) عبد من دون الله، كالنار ونحوها. # وفي هذا الحديث أيضا نهى عما يشبه (4) فعل (5) فارس والروم وإن كانت (6) ~~نيتنا غير نيتهم (7) لقوله (8) فلا تفعلوا. فهل بعد هذا في النهي عن ~~مشابهتهم في مجرد الصورة غاية. # ثم هذا الحديث سواء كان محكما في قعود الإمام أو منسوخا فإن الحجة منه ~~قائمة؛ لأن نسخ القعود لا يدل على فساد تلك العلة وإنما يقتضي أنه قد ~~عارضها ما ترجح عليها مثل كون القيام فرضا في الصلاة فلا يسقط الفرض بمجرد ~~المشابهة الصورية، وهذا محل اجتهاد، وأما المشابهة الصورية إذا (9) لم تسقط ~~فرضا كانت (10) تلك العلة التي علل بها رسول (11) الله صلى الله عليه وسلم ~~سليمة (12) PageV01P227 # عن معارض أو (1) نسخ؛ لأن القيام في الصلاة ليس بمشابهة في الحقيقة فلا ~~يكون محذورا فالحكم إذا علل بعلة، ثم نسخ مع بقاء ms086 العلة، فلا بد من أن (2) ~~يكون غيرها ترجح (3) عليها وقت الناسخ (4) أو ضعف تأثيرها أما أن تكون (5) ~~في نفسها باطلة فهذا محال هذا كله لو كان الحكم هنا منسوخا فكيف، والصحيح ~~أن هذا الحديث محكم قد عمل به غير واحد من الصحابة بعد وفاة رسول (6) الله ~~صلى الله عليه وسلم مع كونهم علموا صلاته (7) في (8) مرضه (9) . # وقد استفاض عنه صلى الله عليه وسلم الأمر به استفاضة صحيحة صريحة يمتنع ~~معها أن يكون حديث المرض (10) ناسخا له على ما هو مقرر في غير هذا الموضع ~~إما (11) بجواز الأمرين إذ فعل القيام لا ينافي فعل القعود، وإما بالفرق ~~بين المبتدئ (12) للصلاة قاعدا و (13) الصلاة التي ابتدأها الإمام قائما ~~لعدم دخول PageV01P228 # هذه الصلاة (1) في قوله. وإذا صلى قاعدا ولعدم المفسدة التي علل بها، ~~ولأن بناء فعل آخر الصلاة على أولها أولى من بنائها على صلاة الإمام ونحو ~~ذلك من الأمور المذكورة في غير هذا الموضع. # وأيضا فعن عبادة بن الصامت (2) رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا اتبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد، فعرض (3) له حبر (4) ~~فقال: هكذا نصنع يا محمد. قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~خالفوهم. رواه أبو (5) داود وابن (6) PageV01P229 # ماجه والترمذي (1) وقال: بشر بن رافع (2) ليس بالقوي في الحديث (3) . # قلت: قد اختلف العلماء في القيام للجنازة إذا مرت ومعها إذا شيعت، ~~وأحاديث الأمر بذلك كثيرة مستفيضة ومن اعتقد نسخها أو نسخ القيام للمارة ~~(4) فعمدته حديث علي (5) وحديث عبادة هذا. # وإن كان القول بهما (6) ممكنا؛ لأن المشيع يقوم لها حتى توضع عن أعناق ~~الرجال لا في اللحد فهذا الحديث إما أن يقال به جمعا بينه وبين غيره، أو ~~(7) ناسخا لغيره وقد علل المخالفة ومن لا يقول به يضعفه، وذلك لا يقدح في ~~الاستشهاد والاعتضاد به على جنس المخالفة. PageV01P230 # وقد روى البخاري عن عبد الرحمن بن القاسم (1) أن القاسم (2) كان يمشي بين ~~يدي الجنازة، ولا يقوم لها ويخبر عن عائشة (3) قالت: كان ms087 أهل الجاهلية ~~يقومون لها، يقولون (4) إذا رأوها: كنت في أهلك ما كنت. مرتين (5) فقد ~~استدل من كره القيام (6) بأنه كان من (7) فعل الجاهلية وليس ال غرض هنا ~~الكلام في عين هذه المسألة. PageV01P231 # وأيضا عن (1) ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «اللحد لنا والشق لغيرنا رواه أهل السنن الأربعة» (2) وعن جرير بن ~~عبد (3) الله (4) رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«اللحد لنا والشق لغيرنا» رواه أحمد (5) وابن ماجه (6) وفي رواية لأحمد: ~~«والشق لأهل PageV01P232 # الكتاب.» (1) وهو مروي من طرق (2) فيها لين لكن يصدق (3) بعضها بعضا (4) ~~. # وفيه التنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب حتى في وضع الميت في أسفل القبر. ### | ذم بعض خصال الجاهلية # وأيضا عن عبد الله بن مسعود (5) رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» ~~متفق عليه (6) ودعوى الجاهلية ندب الميت، وتكون دعوى الجاهلية في العصبية. ~~PageV01P233 # ومنه قوله فيما رواه أحمد عن أبي بن كعب (1) قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «من تعزى بعزاء (2) الجاهلية، فأعضوه (3) بهن (4) أبيه، ولا ~~تكنوا» (5) . # وأيضا عن أبي مالك الأشعري (6) رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن (7) الفخر بالأحساب، ~~والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة وقال: النائحة إذا لم تتب ~~قبل PageV01P234 # موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» (1) رواه ~~مسلم. # ذم في (2) الحديث من دعا (3) بدعوى الجاهلية، وأخبر أن بعض أمر الجاهلية ~~لا يتركه الناس كلهم ذما لمن لم يتركه، وهذا كله يقتضي أن ما كان من أمر ~~الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه ~~المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج ~~الذم (4) وهذا كقوله سبحانه وتعالى: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} ~~[الأحزاب: 33] (5) فإن في (6) ذلك ذما للتبرج وذما لحال الجاهلية الأولى، ~~وذلك ms088 يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة. # ومنه قوله لأبي ذر (7) رضي الله عنه لما عير رجلا بأمه: «إنك امرؤ ~~PageV01P235 # فيك جاهلية» (1) . فإنه ذم لذلك الخلق ولأخلاق الجاهلية التي لم يجئ بها ~~الإسلام. # ومنه قوله تعالى: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ~~فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} [الفتح: 26] (2) فإن إضافة ~~الحمية إلى الجاهلية اقتضى (3) ذمها فما كان من (4) أخلاقهم وأفعالهم، فهو ~~كذلك. # ومن هذا ما رواه البخاري في صحيحه، عن عبيد الله (5) بن أبي يزيد (6) ~~PageV01P236 # أنه سمع ابن عباس قال: ثلاث (1) خلال من خلال الجاهلية الطعن في الأنساب ~~والنياحة، ونسيت الثالثة قال سفيان (2) ويقولون: إنها الاستسقاء (3) ~~بالأنواء" (4) . # وروى مسلم في صحيحه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: ~~الطعن في النسب، والنياحة على الميت» (5) فقوله: هما بهم كفر (6) . أي ~~هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس فنفس الخصلتين كفر حيث (7) كانتا من ~~أعمال الكفار (8) وهما قائمتان بالناس لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب ~~الكفر يصير (9) كافرا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر كما أنه ليس كل ~~من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنا (10) حتى يقوم به أصل الإيمان ~~(11) وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس ~~بين العبد وبين الكفر - أو الشرك - إلا ترك الصلاة» (12) وبين كفر منكر في ~~الإثبات. PageV01P237 # وفرق أيضا بين معنى الاسم المطلق إذا قيل: كافر أو مؤمن. وبين المعنى ~~المطلق للاسم في جميع موارده كما في قوله: لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب ~~بعضكم رقاب بعض (1) . # فقوله: (2) «يضرب بعضكم رقاب (3) بعض» تفسير الكفار في هذا الموضع، ~~وهؤلاء يسمون كفارا تسمية مقيدة، ولا يدخلون في الاسم المطلق إذا قيل: كافر ~~ومؤمن. (4) كما أن قوله تعالى: {من ماء دافق} [الطارق: 6] (5) سمى المني ~~ماء تسمية مقيدة ولم يدخل في الاسم المطلق حيث قال: {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا} [المائدة: ms089 6] (6) . PageV01P238 # ومن هذا الباب ما أخرجاه في الصحيحين عن عمرو بن دينار (1) عن جابر بن ~~عبد الله قال: «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثاب (2) معه ~~ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب (3) فكسع (4) ~~أنصاريا، فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال الأنصاري: يا للأنصار. ~~وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال ~~دعوى الجاهلية، ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر (5) بكسعة المهاجري للأنصاري قال: ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها خبيثة (6) وقال عبد الله (7) ~~بن أبي PageV01P239 # ابن (1) سلول: أوقد (2) تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل. قال (3) عمر: ألا تقتل (4) يا نبي (5) الله هذا الخبيث - ~~لعبد الله - (6) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يتحدث الناس أنه كان ~~(7) يقتل أصحابه» (8) . # ورواه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر (9) قال: «اقتتل غلامان غلام من ~~المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجر (10) يا للمهاجرين ونادى ~~الأنصاري: يا للأنصار فخرج رسول (11) الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما ~~هذا؟ أدعوى الجاهلية؟ قالوا: لا يا رسول الله، إلا أن غلامين اقتتلا فكسع ~~أحدهما الآخر فقال: لا بأس ولينصر (12) الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ~~ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما PageV01P240 # فلينصره» (1) فهذان الاسمان (2) المهاجرون والأنصار اسمان شرعيان جاء ~~بهما الكتاب والسنة وسماهما الله بهما كما سمانا المسلمين (3) من قبل وفي ~~هذا، وانتساب الرجل إلى المهاجرين (4) أو الأنصار انتساب حسن محمود عند ~~الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط، كالانتساب إلى ~~القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرم، كالانتساب إلى ما يفضي (5) ~~إلى بدعة أو معصية أخرى. # ثم مع هذا لما دعا كل (6) منهما طائفة منتصرا بها أنكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك وسماها دعوى الجاهلية حتى قيل له: إن الداعي بها إنما هما ~~غلامان لم يصدر ذلك من الجماعة فأمر بمنع الظالم، وإعانة المظلوم ليبين ~~النبي (7) صلى الله عليه وسلم أن المحذور ms090 (8) إنما هو تعصب الرجل لطائفته ~~مطلقا فعل أهل (9) الجاهلية، فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسن واجب أو ~~مستحب. # ومثل هذا ما روى أبو داود وابن ماجه عن واثلة بن PageV01P241 # الأسقع (1) رضي الله عنه قال: قلت: «يا رسول الله ما العصبية قال: أن ~~تعين قومك على الظلم» (2) . # وعن سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي (3) قال: خطبنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV01P242 # فقال: «خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم» رواه أبو داود (1) . # وروى (2) أيضا عن جبير بن (3) مطعم (4) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من ~~مات على عصبية» (5) . # وروى (6) أيضا عن ابن مسعود (7) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~نصر قومه PageV01P243 # على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي (1) فهو ينزع بذنبه» (2) . # فإذا كان هذا (3) التداعي في هذه (4) الأسماء و (5) هذا الانتساب (6) ~~الذي يحبه الله ورسوله فكيف بالتعصب مطلقا، والتداعي للنسب والإضافات التي ~~هي: إما مباحة، أو مكروهة. # وذلك أن الانتساب إلى الاسم الشرعي أحسن من الانتساب إلى غيره، ألا ترى ~~إلى ما رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق (7) عن داود بن PageV01P244 # الحصين (1) عن عبد الرحمن بن أبي عقبة (2) عن أبي عقبة (3) وكان مولى من ~~أهل فارس قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا فضربت رجلا من ~~المشركين فقلت: خذها (4) وأنا الغلام الفارسي، فالتفت إلي (5) فقال: هلا ~~قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري» (6) . PageV01P245 # حضه (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم على الانتساب إلى الأنصار، وإن كان ~~بالولاء، وكان إظهار هذا أحب إليه من الانتساب إلى فارس بالصراحة، وهي نسبة ~~حق، ليست محرمة. # ويشبه -والله أعلم- أن يكون من حكمة ذلك: أن النفس تحامي عن الجهة التي ~~تنتسب (2) إليها فإذا (3) كان ذلك لله كان خيرا للمرء. # فقد دلت هذه الأحاديث على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمه، والنهي ~~عنه، وذلك يقتضي المنع من (4) أمور الجاهلية مطلقا، وهو المطلوب ms091 في هذا ~~الكتاب (5) . # ومثل هذا ما روى (6) سعيد بن أبي سعيد (7) عن أبيه (8) عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أذهب ~~PageV01P246 # عنكم (1) عبية (2) الجاهلية وفخرها بالآباء: مؤمن تقي أو فاجر شقي، أنتم ~~بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ~~ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها (3) النتن» (4) رواه أبو ~~داود وغيره (5) وهو صحيح. # فأضاف العبية (6) والفخر إلى الجاهلية يذمها (7) بذلك وذلك يقتضي ذمها ~~بكونها مضافة (8) إلى الجاهلية وذلك يقتضي ذم (9) الأمور المضافة إلى ~~الجاهلية. PageV01P247 # ومثله ما روى مسلم في صحيحه عن أبي قيس زياد بن رباح (1) عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه (2) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من خرج من الطاعة ~~وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية (3) يغضب ~~لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية فقتل فقتله (4) جاهلية (5) ومن ~~خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد ~~عهده (6) فليس مني ولست منه» (7) . # ذكر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الأقسام الثلاثة التي يعقد لها ~~الفقهاء باب قتال أهل القبلة من البغاة (8) والعداة وأهل العصبية. ~~PageV01P248 # فالقسم الأول الخارجون عن طاعة السلطان، فنهى عن نفس الخروج عن الطاعة ~~والجماعة وبين أنه إن (1) مات، ولا طاعة عليه (2) مات ميتة جاهلية، فإن أهل ~~الجاهلية من العرب ونحوهم لم يكونوا يطيعون أميرا عاما على ما هو (3) معروف ~~من سيرتهم. # ثم ذكر (4) الذي يقاتل تعصبا لقومه، أو أهل بلده ونحو ذلك وسمى الراية ~~عمية (5) لأنه الأمر الأعمى الذي لا يدرى وجهه فكذلك قتال العصبية يكون عن ~~غير علم بجواز قتال هذا. # وجعل قتلة المقتول قتلة جاهلية سواء غضب بقلبه، أو دعا بلسانه، أو (6) ~~ضرب بيده وقد فسر ذلك فيما رواه مسلم أيضا (7) عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول (8) الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين على الناس ms092 زمان لا ~~يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل فقيل: كيف ~~يكون ذلك؟ قال: الهرج (9) القاتل والمقتول في PageV01P249 # النار» (1) والقسم الثالث: الخوارج (2) على الأمة (3) إما من العداة ~~الذين غرضهم الأموال كقطاع الطريق ونحوهم، أو غرضهم الرياسة كمن يقتل أهل ~~المصر (4) الذين هم (5) تحت حكم غيره مطلقا، وإن لم يكونوا مقاتلة، أو من ~~الخارجين عن السنة الذين يستحلون دماء أهل القبلة مطلقا كالحرورية (6) ~~الذين قتلهم علي رضي الله عنه. # ثم إنه صلى الله عليه وسلم سمى الميتة والقتلة ميتة جاهلية وقتلة جاهلية ~~على وجه الذم لها والنهي عنها وإلا لم يكن قد زجر عن ذلك. PageV01P250 # فعلم أنه كان قد قرر (1) عند أصحابه أن ما أضيف إلى الجاهلية من ميتة، أو ~~قتلة ونحو ذلك فهو مذموم منهي عنه وذلك يقتضي ذم كل ما كان من أمور (2) ~~الجاهلية وهو المطلوب. # ومن هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن المعرور بن سويد (3) قال «رأيت أبا ذر ~~عليه حلة وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعيره بأمه فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكر ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنك امرؤ فيك جاهلية وفي ~~رواية قلت: على ساعتي هذه من كبر السن قال: نعم هم إخوانكم وخولكم (4) ~~جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه (5) ~~مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه» (6) . ~~PageV01P251 # ففي هذا الحديث أن كل ما كان من الجاهلية فهو مذموم؛ لأن قوله: فيك ~~جاهلية. ذم لتلك الخصلة، فلولا أن هذا الوصف يقتضي ذم ما اشتمل عليه لما ~~حصل به المقصود. # وفيه أن التعيير بالأنساب من أخلاق الجاهلية. # وفيه أن الرجل (1) مع فضله وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذه الخصال ~~المسماة بجاهلية وبيهودية (2) ونصرانية (3) ولا يوجب ذلك كفره، ولا فسقه. # وأيضا ما رواه مسلم في صحيحه عن نافع (4) بن جبير بن مطعم ms093 (5) عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبغض الناس إلى ~~الله ثلاثة: ملحد في الحرم، (6) ومبتغ (7) في الإسلام سنة PageV01P252 # جاهلية، (1) ومطلب (2) دم امرئ بغير حق ليريق دمه» (3) . ### | الفساد وأنواعه # أخبر صلى الله عليه وسلم أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة وذلك؛ لأن ~~الفساد إما في الدين وإما في الدنيا فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير ~~الحق، ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الذي هو الكفر. # وأما فساد الدين فنوعان: نوع يتعلق بالعمل، ونوع يتعلق بمحل (4) العمل. # فأما المتعلق بالعمل فهو ابتغاء سنة الجاهلية (5) . # وأما ما يتعلق بمحل العمل فالإلحاد في الحرم؛ لأن أعظم محال العمل الحرم ~~(6) وانتهاك حرمة المحل المكاني أعظم من انتهاك حرمة المحل الزماني ولهذا ~~حرم من تناول المباحات ومن الصيد والنبات في البلد الحرام ما لم يحرم مثله ~~في الشهر الحرام. # ولهذا كان الصحيح أن حرمة القتال في البلد الحرام باقية كما دلت عليه ~~النصوص الصحيحة بخلاف الشهر الحرام فلهذا والله أعلم ذكر صلى الله عليه ~~وسلم الإلحاد في الحرم وابتغاء سنة جاهلية (7) . PageV01P253 # والمقصود (1) أن من هؤلاء الثلاثة من ابتغى في الإسلام سنة جاهلية فسواء ~~قيل: متبع (2) أو مبتغ، فإن الابتغاء هو الطلب (3) والإرادة فكل من أراد في ~~الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في هذا الحديث. # والسنة الجاهلية كل عادة كانوا عليها فإن السنة هي العادة وهي الطريق ~~التي تتكرر لنوع الناس (4) مما يعدونه عبادة، أو لا يعدونه عبادة قال ~~تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض} [آل عمران: 137] (5) وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» (6) والاتباع هو ~~الاقتفاء والاستنان، فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع (7) سنة جاهلية، وهذا ~~نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم ~~(8) ولفظ الجاهلية قد يكون اسما للحال وهو الغالب في الكتاب والسنة، وقد ~~يكون اسما لذي الحال. # فمن الأول قول (9) النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ms094 ذر رضي الله عنه: «إنك ~~امرؤ فيك جاهلية» (10) . PageV01P254 # وقول عمر: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة (1) وقول عائشة: كان ~~النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء (2) وقولهم: يا رسول الله، كنا في ~~جاهلية (3) وشر (4) أي في حال جاهلية، أو طريقة جاهلية، أو عادة جاهلية ~~ونحو ذلك. PageV01P255 # فإن (1) الجاهلية وإن كانت (2) في الأصل صفة، لكنه غلب عليه الاستعمال ~~حتى صار اسما، ومعناه قريب من معنى المصدر، وأما الثاني فتقول طائفة جاهلية ~~وشاعر جاهلي، وذلك نسبة إلى الجهل الذي هو عدم العلم، أو عدم اتباع العلم ~~فإن من لم يعلم الحق، فهو جاهل جهلا بسيطا، فإن اعتقد خلافه، فهو جاهل جهلا ~~مركبا، فإن قال خلاف الحق عالما بالحق، أو غير عالم فهو جاهل أيضا كما قال ~~تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63] (3) وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث (4) ولا يجهل» (5) . # ومن هذا قول بعض شعراء (6) العرب. PageV01P256 # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (1) # وهذا كثير وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل وإن علم أنه مخالف للحق كما ~~قال سبحانه: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة} [النساء: ~~17] (2) قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: كل من عمل سوءا فهو جاهل (3) . # وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه ~~من قول، أو فعل فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه، أو ضعفه في القلب ~~بمقاومة (4) ما يعارضه وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم فيصير جهلا بهذا ~~الاعتبار. # ومن هنا (5) تعرف دخول الأعمال في مستحق (6) الإيمان حقيقة لا مجازا وإن ~~لم يكن كل من ترك شيئا من الأعمال كافرا، ولا (7) خارجا عن أصل مسمى ~~الإيمان وكذلك اسم العقل ونحو ذلك من الأسماء. PageV01P257 # ولهذا (1) يسمي الله تعالى أصحاب هذه الأحوال موتى وعميا وصما (2) وبكما ~~وضالين وجاهلين، ويصفهم بأنهم لا يعقلون، ولا يسمعون. # ويصف المؤمنين بأولي الألباب وأولي (3) النهى، وأنهم مهتدون، وأن لهم ~~نورا، وأنهم يسمعون ويعقلون. # فإذا ms095 تبين ذلك فالناس قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا في حال ~~جاهلية (4) منسوبة إلى الجهل، (5) فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال ~~إنما أحدثه لهم جاهل (6) وإنما يفعله جاهل. # وكذلك كل ما يخالف ما جاءت (7) به المرسلون من يهودية ونصرانية فهي ~~جاهلية وتلك كانت الجاهلية العامة فأما بعد مبعث (8) الرسول صلى الله عليه ~~وسلم (9) قد تكون في مصر دون مصر كما هي في دار الكفار وقد تكون في شخص دون ~~شخص كالرجل قبل أن يسلم فإنه (10) في جاهلية وإن كان في دار الإسلام. ~~PageV01P258 # فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم (1) فإنه ~~لا تزال (2) من أمته طائفة ظاهرين (3) على الحق إلى قيام الساعة. # والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من الأشخاص (4) ~~المسلمين كما قال صلى الله عليه وسلم: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية» (5) ~~وقال لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية» (6) ونحو ذلك. # فقوله في هذا الحديث: ومبتغ (7) الإسلام سنة جاهلية. يندرج (8) فيه كل ~~جاهلية مطلقة، أو (9) مقيدة يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو صابئة (10) ~~أو وثنية، أو مركبة (11) من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض PageV01P259 # هذه الملل الجاهلية فإنها جميعها (1) مبتدعها (2) ومنسوخها صارت جاهلية ~~بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان لفظ الجاهلية لا يقال غالبا إلا على ~~حال العرب التي كانوا عليها فإن المعنى واحد. # وفي الصحيحين عن نافع (3) عن ابن عمر (4) «أن الناس نزلوا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين ~~فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل ~~العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة» (5) . # ورواه البخاري من حديث عبد الله بن دينار (6) عن ابن عمر: «أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من ~~PageV01P260 # بئآرها (1) ولا يستقوا منها فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم النبي ms096 ~~صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء» (2) . # وفي حديث جابر (3) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما مر بالحجر: ~~«لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين ~~فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم» (4) . # فنهى رسول (5) الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى أماكن المعذبين إلا ~~مع البكاء، خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم ونهى عن الانتفاع بمياههم حتى ~~أمرهم مع حاجتهم في تلك الغزوة (6) وهي أشد غزوة كانت على المسلمين أن ~~يعلفوا النواضح (7) بعجين مائهم. # وكذلك أيضا روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه «نهى عن الصلاة في أماكن ~~العذاب» PageV01P261 # فروى أبو داود عن سليمان بن داود (1) أخبرنا (2) ابن وهب (3) حدثني ابن ~~لهيعة (4) ويحيى بن أزهر (5) عن عمار بن سعد (6) المرادي عن PageV01P262 # أبي صالح الغفاري (1) أن عليا رضي الله عنه مر ببابل وهو يسير، فجاءه ~~المؤذن يؤذنه بصلاة العصر فلما برز منها، أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ ~~قال: «إن حبي (2) النبي (3) صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة، ~~ونهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة» (4) . # ورواه أيضا عن أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أيضا أخبرني يحيى بن أزهر وابن ~~لهيعة عن الحجاج بن شداد (5) عن أبي صالح PageV01P263 # الغفاري عن علي (1) بمعناه ولفظه: "فلما خرج منها" مكان "برز" (2) . # وقد روى الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله (3) بإسناد أوضح (4) من هذا ~~عن علي رضي الله عنه (5) نحوا من هذا: أنه كره الصلاة بأرض بابل (6) أو أرض ~~الخسف، أو نحو ذلك (7) . # وكره الإمام (8) أحمد الصلاة في هذه الأمكنة اتباعا لعلي رضي الله عنه ~~وقوله: نهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة. يقتضي أن لا يصلي في أرض ~~ملعونة. PageV01P264 # والحديث المشهور في الحجر يوافق هذا، فإنه إذا كان قد نهى عن الدخول إلى ~~أرض العذاب: دخل في ذلك الصلاة، وغيرها (1) . # ويوافق ذلك قوله سبحانه عن مسجد الضرار: {لا تقم فيه أبدا} [التوبة: 108] ~~(2) فإنه كان ms097 من أمكنة العذاب قال سبحانه: {أفمن أسس بنيانه على تقوى من ~~الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم} ~~[التوبة: 109] (3) وقد روى أنه لما هدم خرج منه دخان (4) وهذا كما أنه ندب ~~إلى الصلاة في أمكنة الرحمة كالمساجد الثلاثة (5) ومسجد قباء (6) فكذلك نهي ~~عن الصلاة في PageV01P265 # أماكن (1) العذاب. # فأما أماكن الكفر والمعاصي، التي لم يكن فيها عذاب إذا جعلت مكانا ~~للإيمان، أو الطاعة: فهذا حسن، كما «أمر النبي صلى الله عليه وسلم أهل ~~الطائف أن يجعلوا المسجد مكان طواغيتهم» (2) . # «وأمر أهل اليمامة أن يتخذوا المسجد مكان بيعة كانت عندهم» (3) . ~~PageV01P266 # وكان (1) مسجده صلى الله عليه وسلم مقبرة، (2) فجعله صلى الله عليه وسلم ~~مسجدا بعد نبش القبور (3) . # فإذا كانت الشريعة قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفار في المكان الذي حل ~~بهم فيه العذاب، فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها (4) . # فإنه إذا قيل: هذا العمل (5) الذي يعملونه لو تجرد عن مشابهتهم لم يكن ~~محرما، ونحن لا نقصد التشبه بهم فيه، (6) فنفس الدخول إلى المكان ليس ~~بمعصية لو تجرد عن كونه أثرهم ونحن لا نقصد التشبه بهم، بل المشاركة في ~~العمل أقرب إلى اقتضاء العذاب من الدخول إلى الديار فإن جميع ما يعملونه ~~مما ليس من أعمال المسلمين السابقين، إما كفر، وإما معصية، وإما شعار كفر، ~~أو معصية (7) وإما مظنة للكفر والمعصية، وإما أن يخاف أن يجر إلى معصية (8) ~~وما أحسب أحدا ينازع في جميع هذا ولئن نازع فيه فلا يمكنه أن ينازع في أن ~~المخالفة فيه أقرب إلى المخالفة في الكفر والمعصية PageV01P267 # وأن حصول هذه المصلحة في الأعمال أقرب من حصولها في المكان. # ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم أنفع ~~وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم (1) . ### | التشبه مفهومه ومقتضاه # وأيضا ما (2) هو صريح في الدلالة ما روى أبو داود في سننه حدثنا عثمان بن ~~أبي شيبة (3) حدثنا أبو النضر (4) يعني هاشم بن القاسم حدثنا عبد الرحمن بن ~~ثابت (5) حدثنا حسان ms098 بن عطية (6) عن أبي منيب PageV01P268 # الجرشي (1) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (2) وهذا إسناد جيد فإن ابن أبي شيبة وأبا ~~النضر وحسان بن عطية ثقات مشاهير أجلاء من رجال الصحيحين وهم أجل من أن ~~يحتاجوا إلى أن يقال: هم من رجال الصحيحين. # وأما عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان فقال يحيى بن معين (3) وأبو زرعة (4) ~~وأحمد بن عبد الله (5) ليس به PageV01P269 # بأس (1) . # وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم (2) هو ثقة وقال أبو حاتم (3) هو مستقيم ~~الحديث (4) . # وأما أبو (5) منيب (6) الجرشي فقال: فيه أحمد بن عبد الله العجلي هو ثقة ~~وما علمت أحدا ذكره بسوء وقد سمع منه حسان بن عطية وقد احتج الإمام أحمد ~~(7) وغيره بهذا الحديث. # وهذا الحديث أقل أحواله (8) أن (9) يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ~~ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ~~[المائدة: 51] (10) PageV01P270 # وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو (1) أنه قال (2) من بنى بأرض ~~المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم (3) وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم ~~القيامة (4) . # فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك ~~وقد يحمل على أنه (5) منهم في القدر المشترك الذي (6) شابههم فيه فإن كان ~~كفرا، أو معصية، أو شعارا لها (7) كان حكمه كذلك. # وبكل حال يقتضي تحريم التشبه (8) بعلة كونه تشبها، والتشبه يعم من فعل ~~الشيء لأجل أنهم فعلوه وهو نادر ومن تبع (9) غيره في فعل لغرض له في ذلك ~~إذا كان أصل الفعل مأخوذا عن ذلك الغير، فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير ~~فعله أيضا ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبها نظر لكن قد ينهى ~~عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة، كما أمر بصبغ ~~اللحى (10) وإحفاء الشوارب، مع أن قوله صلى الله عليه وسلم: «غيروا ~~PageV01P271 # الشيب، ولا تشبهوا باليهود.» (1) دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد ms099 ~~منا، ولا فعل بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا وهذا أبلغ من الموافقة ~~الفعلية الاتفاقية. # وقد روى في هذا الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه نهى عن التشبه بالأعاجم وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم» (2) ذكره ~~القاضي أبو يعلى (3) . # وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زي غير PageV01P272 # المسلمين قال محمد بن أبي حرب (1) سئل أحمد عن نعل سندي (2) يخرج فيه. ~~فكرهه للرجل والمرأة وقال: إن كان للكنيف (3) والوضوء (4) وأكره الصرار (5) ~~وقال: هو من زي العجم. # وقد سئل سعيد بن عامر (6) عنه فقال: سنة نبينا أحب إلينا من سنة باكهن ~~(7) . # وقال في رواية المروذي وقد سأله عن النعل السندي فقال: أما أنا فلا ~~أستعملها، ولكن إن (8) كان للطين، أو المخرج (9) فأرجو، وأما من أراد ~~الزينة فلا (10) ورأى على باب المخرج نعلا سنديا فقال: يتشبه (11) بأولاد ~~الملوك. PageV01P273 # وقال (1) حرب الكرماني (2) قلت لأحمد: فهذه النعال الغلاظ قال: هذه ~~السندية قال: إذا كان للوضوء (3) أو للكنيف، أو لموضع ضرورة فلا بأس (4) ~~وكأنه كره أن يمشي فيها (5) في الأزقة قيل: فالنعل من الخشب. قال: لا بأس ~~بها أيضا (6) إذا كان موضع ضرورة. # قال حرب حدثنا أحمد بن نصر (7) حدثنا حبان بن موسى، (8) قال: PageV01P274 # سئل ابن المبارك (1) عن هذه النعال الكرمانية (2) فلم تعجبه وقال: أما في ~~هذه غنية عن تلك؟ . # وروى الخلال (3) عن أحمد بن إبراهيم الدورقي (4) قال: سألت سعيد بن عامر ~~عن لباس النعال السبتية (5) فقال: زي نبينا أحب إلينا من زي باكهن ملك ~~الهند، ولو كان في مسجد المدينة لأخرجوه من المدينة. # سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علما ودينا، من شيوخ الإمام ~~PageV01P275 # أحمد قال يحيى بن سعيد القطان وذكر عنده سعيد بن عامر (1) فقال: هو شيخ ~~المصر (2) منذ أربعين سنة (3) وقال أبو مسعود بن الفرات (4) ما رأيت ~~بالبصرة مثل سعيد بن عامر (5) . # وقال الميموني (6) رأيت أبا عبد الله عمامته تحت ذقنه، ويكره غير ذلك ~~وقال: العرب عمائمها (7) تحت أذقانها ms100 (8) وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد ~~(9) يكره أن PageV01P276 # لا (1) تكون العمامة تحت الحنك كراهية شديدة، وقال: إنما يتعمم (2) بمثل ~~ذلك اليهود والنصارى والمجوس (3) . # ولهذا أيضا كره أحمد لباس أشياء كانت شعار الظلمة في وقته من السواد (4) ~~ونحوه وكره هو وغيره (5) تغميض العين (6) في الصلاة وقال: هو من فعل اليهود ~~(7) . # وقد (8) روى أبو (9) حفص العكبري (10) بإسناده عن بلال بن أبي ~~PageV01P277 # حدرد (1) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تمعددوا، واخشوشنوا، ~~وانتعلوا، وامشوا حفاة.» (2) . # وهذا مشهور محفوظ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى المسلمين، ~~وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في كلام الخلفاء الراشدين. # وقال الترمذي: حدثنا (3) قتيبة (4) . . . . . . . . . . PageV01P278 # حدثنا ابن (1) لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود، ولا ~~بالنصارى؛ فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة ~~بالأكف» (2) قال (3) وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة ولم يرفعه ~~(4) . # وهذا وإن كان فيه ضعيف فقد تقدم الحديث المرفوع من تشبه بقوم فهو منهم ~~(5) وهو محفوظ عن حذيفة بن اليمان أيضا من قوله وحديث ابن لهيعة يصلح ~~للاعتضاد كذا كان يقول أحمد وغيره (6) . # وأيضا ما روى أبو داود (7) حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي (8) حدثنا محمد بن ~~ربيعة (9) حدثنا أبو الحسن PageV01P279 # العسقلاني (1) عن أبي جعفر بن محمد بن (2) علي بن ركانة، أو محمد بن علي ~~بن ركانة (3) عن أبيه أن ركانة (4) صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ركانة: وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم (5) على القلانس» (6) . # وهذا يقتضي أنه حسن عند أبي داود ورواه الترمذي أيضا عن قتيبة وقال: غريب ~~وليس إسناده بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن، (7) PageV01P280 # ولا ابن ركانة (1) . # وهذا القدر لا يمنع أن يعتضد بهذا الحديث ويستشهد به، وهذا بين في أن ~~مفارقة المسلم المشرك في اللباس أمر مطلوب للشارع (2) كقوله: «فرق (3) ما ~~بين ms101 الحلال والحرام الدف والصوت» (4) فإن التفريق بينهما مطلوب في الظاهر، ~~إذ الفرق بالاعتقاد والعمل بدون العمامة (5) حاصل فلولا أنه مطلوب بالظاهر ~~أيضا لم يكن فيه فائدة. # وهذا كما أن الفرق بين (6) الرجال والنساء لما (7) كان مطلوبا ظاهرا ~~PageV01P281 # وباطنا «لعن (1) المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال ~~بالنساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم» (2) ونفى المخنث (3) لما كان رجلا متشبها ~~في الظاهر بغير (4) جنسه وأيضا عن أبي غطفان المري (5) قال (6) سمعت عبد ~~الله بن عباس رضي الله (7) عنهما يقول: حين «صام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود ~~والنصارى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا PageV01P282 # كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع. قال: فلم يأت العام ~~المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم» رواه مسلم في صحيحه (1) . # وروى الإمام (2) أحمد عن ابن عباس (3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه (4) اليهود وصوموا قبله يوما (5) أو ~~بعده يوما» . # ورواه سعيد (6) بالإسناد ولفظه: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود ~~وصوموا يوما قبله، أو يوما بعده» والحديث (7) رواه ابن أبي ليلى (8) عن ~~داود بن علي (9) عن أبيه عن PageV01P283 # جده ابن عباس (1) . # فتدبر هذا يوم عاشوراء يوم فاضل يكفر (2) سنة ماضية (3) صامه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه ورغب فيه، ثم لما قيل له قبيل وفاته: إنه ~~يوم تعظمه اليهود والنصارى. أمر بمخالفتهم بضم يوم آخر إليه، وعزم على ذلك ~~(4) . # ولهذا استحب العلماء منهم الإمام أحمد أن يصوم تاسوعاء وعاشوراء، وبذلك ~~عللت الصحابة رضي الله عنهم. # قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، سمع عطاء سمع (5) ابن ~~عباس رضي الله عنهما (6) يقول: صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود (7) . ~~PageV01P284 # وأيضا عن ابن (1) عمر رضي الله عنهما (2) عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إنا أمة أمية؛ لا نكتب ولا نحسب، الشهر: هكذا وهكذا» . يعني مرة: ~~تسعة وعشرين، ومرة: ثلاثين. رواه البخاري ومسلم ms102 (3) . # فوصف هذه الأمة بترك الكتاب (4) والحساب الذي يفعله غيرها من الأمم في ~~أوقات عبادتهم وأعيادهم، وأحالها على الرؤية حيث قال- في غير حديث-: «صوموا ~~لرؤيته وأفطروا لرؤيته» (5) وفي رواية: «صوموا من الوضح إلى الوضح» (6) أي ~~من الهلال إلى الهلال (7) . PageV01P285 # وهذا: دليل على ما أجمع عليه المسلمون- إلا من شذ من بعض المتأخرين ~~المخالفين (1) المسبوقين بالإجماع- من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك إنما ~~تقام بالرؤية عند إمكانها، لا بالكتاب والحساب، الذي تسلكه الأعاجم من ~~الروم والفرس، والقبط، والهند، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. # وقد روي عن (2) غير واحد من أهل العلم: أن أهل الكتابين قبلنا إنما أمروا ~~بالرؤية - أيضا - في صومهم وعباداتهم، وتأولوا على ذلك قوله تعالى: {كتب ~~عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183] (3) ولكن أهل ~~الكتابين بدلوا. # ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تقدم رمضان باليوم واليومين (4) ~~وعلل الفقهاء ذلك بما يخاف من أن يزاد في الصوم المفروض ما ليس منه (5) كما ~~زاده أهل الكتاب، من النصارى، فإنهم زادوا في صومهم، وجعلوه فيما بين ~~الشتاء PageV01P286 # والصيف، وجعلوا له طريقة من الحساب يتعرفونه (1) بها. # وقد يستدل بهذا الحديث، على خصوص النهي عن أعيادهم، فإن أعيادهم معلومة ~~بالكتاب والحساب، والحديث فيه عموم. # أو يقال: إذا نهينا عن ذلك في عيد الله ورسوله، ففي غيرها (2) من الأعياد ~~والمواسم أولى وأحرى، ولما (3) في ذلك من مضارعة الأمة الأمية سائر الأمم. ~~وبالجملة فالحديث يقتضي اختصاص هذه الأمة بالوصف الذي فارقت به غيرها، وذلك ~~يقتضي أن ترك المشابهة للأمم (4) أقرب إلى حصول الوفاء بالاختصاص. # وأيضا ففي الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف (5) أنه سمع معاوية (6) ~~عام حج على المنبر، وتناول قصة (7) من شعر كانت في يد حرسي (8) فقال: " يا ~~أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت PageV01P287 # رسول (1) الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول: «إنما هلكت بنو ~~إسرائيل حين اتخذها نساؤهم» (2) وفي رواية سعيد بن المسيب - في الصحيح - أن ~~معاوية قال ذات يوم: " إنكم أحدثتم (3) زي سوء، وإن نبي الله (4) صلى ms103 الله ~~عليه وسلم نهى عن الزور "، قال: وجاء رجل بعصا على رأسها خرقة. قال معاوية: ~~" ألا وهذا الزور ". # قال قتادة: " يعني ما يكثر به النساء أشعارهن من الخرق " (5) . # وفي رواية عن ابن المسيب - في الصحيح - قال: " قدم معاوية المدينة، ~~فخطبنا، وأخرج كبة من شعر، فقال: ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود، إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه، فسماه الزور ". # فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (6) عن وصل الشعر: " أن بني إسرائيل ~~هلكوا حين أحدثه نساؤهم " يحذر أمته مثل ذلك، ولهذا قال معاوية: " ما كنت ~~أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود ". PageV01P288 # فما كان من زي اليهود، الذي لم يكن عليه المسلمون: إما أن يكون مما ~~يعذبون عليه، أو مظنة لذلك، أو يكون تركه حسما لمادة ما عذبوا عليه، لا ~~سيما إذا لم يتميز ما هو الذي عذبوا عليه من غيره، فإنه يكون قد اشتبه ~~المحظور بغيره، فيترك الجميع كما أن ما يخبرونا (1) به (2) لما اشتبه صدقه ~~بكذبه: ترك الجميع. # وأيضا ما (3) روى نافع عن ابن عمر (4) قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - أو قال: قال عمر -: «إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن ~~(5) له إلا ثوب فليتزر به (6) ولا يشتمل اشتمال اليهود» رواه أبو داود ~~وغيره، بإسناد صحيح (7) . # وهذا المعنى صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، من رواية جابر وغيره أنه: ~~«أمر في الثوب الضيق، بالاتزار دون الاشتمال» (8) وهو قول جمهور أهل العلم، ~~وفي PageV01P289 # مذهب أحمد قولان (1) . # وإنما الغرض: أنه قال: «لا يشتمل اشتمال اليهود» فإن إضافة (2) المنهي ~~عنه إلى اليهود، دليل على أن لهذه الإضافة تأثيرا في النهي، كما تقدم ~~التنبيه عليه. # وأيضا فمما (3) نهانا الله سبحانه فيه (4) عن مشابهة أهل الكتاب، وكان ~~حقه أن يقدم في دلائل (5) الكتاب: قوله سبحانه: {ألم يأن للذين آمنوا أن ~~تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من ~~قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم} [الحديد: 16] (6) . # فقوله: ولا يكونوا ms104 مثلهم (7) نهي مطلق عن مشابهتهم (8) وهو خاص أيضا في ~~النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي. ~~PageV01P290 # وقد وصف الله سبحانه بها اليهود في غير موضع، فقال تعالى: {فقلنا اضربوه ~~ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون - ثم قست قلوبكم ~~من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة (1) وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ~~وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 73 - 74] (2) وقال تعالى: {ولقد أخذ ~~الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن ~~أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا ~~لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار} [المائدة: 12] ~~(3) إلى قوله: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون ~~الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا ~~قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين} [المائدة: 13] (4) . # وإن قوما من هذه الأمة، ممن ينسب إلى علم أو دين (5) قد (6) أخذوا من هذه ~~الصفات (7) بنصيب، يرى ذلك من له بصيرة، فنعوذ بالله من كل ما يكرهه الله ~~ورسوله، ولهذا: كان السلف يحذرونهم (8) هذا. PageV01P291 # فروى البخاري - في صحيحه - عن أبي الأسود (1) قال: " بعث أبو موسى إلى ~~قراء البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل ~~البصرة وقراؤهم، فاتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسو قلوبكم، كما قست ~~قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا (2) نشبهها في الطول والشدة ~~ببراءة، فأنسيتها، غير أني حفظت منها: (لو كان لابن آدم واديان من مال (3) ~~لابتغى (4) واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) . وكنا نقرأ ~~سورة كنا (5) نشبهها بإحدى المسبحات، فأنسيتها، غير أني حفظت منها: (يا ~~أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون ~~عنها يوم القيامة) (6) ". PageV01P292 # فحذر أبو موسى القراء عن (1) أن يطول عليهم الأمد، ms105 فتقسو قلوبهم. # ثم لما كان نقض الميثاق يدخل فيه نقض ما عهد إليهم من الأمر والنهي، ~~وتحريف الكلم عن مواضعه، بتبديل (2) وتأويل كتاب الله أخبر ابن مسعود (3) ~~بما يشبه ذلك. # فروى الأعمش، عن عمارة بن عمير (4) عن الربيع بن (5) عميلة الفزاري (6) ~~حدثنا عبد الله (7) حديثا ما سمعت حديثا هو أحسن منه إلا كتاب الله، أو ~~رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (8) «إن بني إسرائيل لما طال عليهم ~~الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم، اشتهته قلوبهم، ~~PageV01P293 # واستحلته (1) أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى ~~نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، فقالوا اعرضوا هذا الكتاب ~~على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، ثم قالوا: ~~لا، بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم، فاعرضوا عليه هذا الكتاب، فإن ~~تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده (2) وإن خالفكم فاقتلوه، فلن يختلف عليكم بعده ~~(3) أحد، فأرسلوا إليه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم جعلها في قرن، ~~ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليها الثياب، ثم أتاهم فعرضوا عليه الكتاب، ~~فقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأوما إلى صدره فقال: آمنت بهذا، ومالي لا أومن بهذا؟ ~~- يعني الكتاب الذي في القرن- فخلوا سبيله وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات ~~نبشوه فوجدوا القرن، فوجدوا (4) فيه الكتاب، فقالوا: ألا ترون قوله: آمنت ~~بهذا، وما لي (5) لا أومن بهذا؟ إنما عنى هذا الكتاب، فاختلف بنو إسرائيل ~~على بضع وسبعين ملة، وخير مللهم: أصحاب ذي القرن،» قال عبد الله: " وإن من ~~بقي منكم سيرى منكرا، وبحسب امرئ يرى (6) منكرا لا يستطيع أن يغيره، أن ~~يعلم الله من قلبه أنه له كاره " (7) . PageV01P294 # ولما نهى (1) الله عن التشبه بهؤلاء الذين قست قلوبهم، ذكر أيضا في آخر ~~السورة حال الذين ابتدعوا الرهبانية، فما رعوها حق رعايتها فعقبها بقوله: ~~(2) {اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون ~~به ويغفر لكم والله غفور رحيم - لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء ~~من فضل الله ms106 (3) وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} ~~[الحديد: 28 - 29] (4) فإن الإيمان بالرسول: (5) تصديقه وطاعته (6) واتباع ~~شريعته، وفي ذلك مخالفة للرهبانية؛ لأنه لم يبعث بها، بل نهى عنها، وأخبر: ~~أن من اتبعه (7) كان له أجران، وبذلك جاءت (8) الأحاديث الصحيحة، من طريق ~~ابن عمر وغيره، في مثلنا ومثل أهل الكتاب. # وقد صرح صلى الله عليه وسلم بذلك (9) فيما رواه أبو داود في سننه، من ~~حديث ابن وهب (10) أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء (11) أن سهل ~~بن PageV01P295 # أبي أمامة (1) حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، فقال: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد ~~عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في ~~الصوامع والديارات (2) رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» (3) . # هذا (4) الذي في رواية اللؤلؤي (5) عن أبي داود، وفي رواية ابن داسة (6) ~~عنه: " أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، في زمان عمر بن عبد ~~العزيز (7) وهو أمير بالمدينة، فإذا هو يصلي صلاة خفيفة، كأنها صلاة ~~PageV01P296 # المسافر (1) أو قريبا منها، فلما سلم قال: يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة ~~المكتوبة أم شيء تنفلته؟ قال: إنها (2) للمكتوبة، وإنها لصلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله (3) ~~عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله (4) عليهم فتلك بقاياهم في ~~الصوامع والديارات (5) رهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم» . # ثم غدا من الغد، فقال: ألا تركب لتنظر ولتعتبر (6) ؟ قال: نعم، فركبوا ~~(7) جميعا، فإذا بديار باد أهلها وانقضوا وفنوا، خاوية على عروشها، قال: ~~أتعرف هذه الديار؟ فقال: نعم، ما (8) أعرفني بها وبأهلها، هؤلاء أهل ديار ~~PageV01P297 # أهلكهم الله (1) ببغيهم وحسدهم؛ إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ~~ذلك أو يكذبه، والعين تزني والكف، والقدم، والجسد، واللسان، والفرج يصدق ~~ذلك أو يكذبه (2) . # فأما سهل بن أبي أمامة، فقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وروى له (3) مسلم ~~وغيره. أما ابن أبي العمياء، فمن أهل بيت ms107 المقدس ما أعرف حاله (4) لكن ~~رواية أبي داود للحديث، وسكوته عنه: يقتضي أنه حسن عنده، وله شواهد في ~~الصحيح (5) . # فأما ما فيه من وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالتخفيف: ففي ~~الصحيحين عنه - أعني: أنس بن مالك - قال: " كان النبي (6) صلى الله عليه ~~وسلم يوجز الصلاة ويكملها " (7) . # وفي الصحيحين أيضا عنه قال: " ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة، ~~PageV01P298 # ولا أتم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ". زاد البخاري: " وإن كان ~~ليسمع بكاء الصبي فيخفف، مخافة أن تفتتن أمه " (1) . # وما ذكره أنس بن مالك من التخفيف: هو (2) بالنسبة إلى ما كان يفعله بعض ~~الأمراء وغيرهم في قيام الصلاة، فإن منهم من كان يطيل القيام (3) زيادة على ~~ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في غالب الأوقات، ويخفف (4) الركوع ~~والسجود والاعتدال فيهما (5) عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في ~~غالب الأوقات، ولعل أكثر الأئمة، أو كثيرا منهم، كانوا قد صاروا يصلون ~~كذلك، ومنهم من كان (6) يقرأ في الأخيرتين (7) مع الفاتحة، سورة، وهذا كله ~~قد صار مذاهب لبعض الفقهاء، وكان الخوارج أيضا قد تعمقوا وتنطعوا كما وصفهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع ~~صيامهم» (8) . PageV01P299 # ولهذا لما صلى علي (1) رضي الله عنه بالبصرة قال عمران (2) " لقد أذكرني ~~(3) هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " (4) . # وكانت صلاة رسول (5) الله صلى الله عليه وسلم معتدلة: كان يخفف القيام ~~والقعود، ويطيل الركوع والسجود. # وقد جاء هذا مفسرا، عن أنس بن مالك نفسه، فروى النسائي عن قتيبة (6) عن ~~العطاف بن خالد (7) عن زيد بن PageV01P300 # أسلم (1) قال: " دخلنا على أنس بن مالك، فقال: صليتم؟ قلنا: نعم. قال: يا ~~جارية، هلمي لي وضوءا، ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، من إمامكم هذا - قال زيد - وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع ~~والسجود، ويخفف القيام والقعود (2) . # وهذا حديث صحيح، فإن العطاف بن خالد المخزومي قال فيه يحيى بن معين - غير ms108 ~~مرة -: " هو ثقة " (3) . وقال أحمد بن حنبل: " هو من أهل مكة، ثقة صحيح ~~الحديث، روى عنه نحو مائة حديث " (4) . # وقال ابن عدي: " يروي قريبا من مائة حديث، ولم أر بحديثه بأسا إذا حدث ~~عنه ثقة " (5) . # وروى أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان (6) ~~حدثني أبي عن وهب بن مانوس (7) سمعت سعيد بن جبير (8) PageV01P301 # يقول: " سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، من هذا الفتى - يعني ~~عمر بن عبد العزيز - قال: فحزرنا (1) في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر ~~تسبيحات " (2) . # وقال (3) يحيى بن معين: " إبراهيم بن عمر بن كيسان: يماني ثقة " (4) . ~~وقال هشام بن يوسف: " أخبرني إبراهيم بن عمر، وكان من أحسن الناس صلاة " ~~(5) ؛ وابنه عبد الله قال فيه أبو حاتم: " صالح الحديث " (6) . # ووهب بن مانوس - بالنون - يقوله (7) عبد الله هذا (8) وكان عبد الرزاق ~~(9) يقوله: بالباء المنقوطة بواحدة (10) من أسفل. وهو شيخ PageV01P302 # كبير (1) قديم، قد أخذ عنه إبراهيم هذا، واتبع ما حدثه (2) به، ولولا ~~ثقته عنده لما عمل بما حدثه (3) به، وحديثه موافق لرواية زيد بن أسلم، وما ~~أعلم فيه قدحا. # وروى مسلم في صحيحه، من حديث حماد بن سلمة، أخبرنا (4) ثابت (5) عن أنس ~~(6) قال: " ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في تمام، كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة، وكانت صلاة ~~أبي بكر رضي الله عنه (7) متقاربة، فلما كان عمر (8) رضي الله عنه، مد في ~~صلاة الفجر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قال: سمع الله لمن ~~حمده، قام حتى نقول: (9) قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين، حتى نقول: ~~(10) قد أوهم " (11) . # ورواه أبو داود، من حديث حماد بن سلمة، أنبأنا (12) ثابت وحميد، عن ~~PageV01P303 # أنس بن مالك، قال: " ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في تمام، وكان رسول ms109 الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: " سمع الله ~~لمن حمده قام " حتى نقول (1) قد أوهم. ثم يكبر ثم يسجد. وكان يقعد بين ~~السجدتين حتى نقول قد أوهم " (2) . # فجمع أنس رضي (3) الله عنه في هذا الحديث الصحيح، بين الإخبار بإيجاز ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلاة وإتمامها، وبين أن من إتمامها ~~الذي أخبر به: إطالة الاعتدالين، وأخبر في الحديث المتقدم: أنه ما رأى (4) ~~أوجز من صلاته، ولا أتم. # فيشبه - والله أعلم - أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمام إلى ~~الركوع والسجود؛ لأن القيام، لا يكاد يفعل إلا تاما، فلا يحتاج إلى الوصف ~~بالإتمام، بخلاف الركوع والسجود والاعتدالين. # وأيضا، فإنه بإيجاز القيام، وإطالة الركوع والسجود تصير الصلاة تامة، ~~لاعتدالها وتقاربها، فيصدق قوله: " ما رأيت أوجز ولا أتم ". # فأما إن أعيد الإيجاز إلى نفس ما أتم (5) والإتمام إلى نفس ما أوجز (6) ؛ ~~فإنه يصير في الكلام تناقضا، لأن من طول القيام على قيامه (7) لم يكن دونه ~~في إتمام PageV01P304 # القيام، إلا أن يقال: الزيادة في الصورة تصير (1) نقصا في المعنى، وهذا ~~خلاف ظاهر اللفظ، فإن الأصل: أن يكون معنى الإيجاز والتخفيف غير معنى ~~الإتمام والإكمال؛ ولأن زيد بن أسلم قال: " كان عمر يخفف القيام والقعود، ~~ويتم الركوع والسجود " فعلم أن لفظ الإتمام عندهم، هو إتمام الفعل الظاهر. # وأحاديث أنس كلها تدل (2) على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل ~~الركوع والسجود والاعتدالين، زيادة على ما يفعله (3) أكثر الأئمة. وسائر ~~(4) روايات الصحيح تدل على ذلك. # ففي الصحيحين: عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: " إني لا ~~آلو أن أصلي بكم (5) كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا ". # قال ثابت: " فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه: وإذا رفع رأسه من ~~الركوع انتصب قائما، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة (6) ~~مكث، حتى يقول القائل (7) قد نسي " (8) . PageV01P305 # وفي رواية - في الصحيح -: " وإذا رفع رأسه بين السجدتين " (1) . # وفي (2) رواية للبخاري، من حديث شعبة، عن ms110 ثابت: " كان أنس ينعت لنا صلاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي، (3) وإذا رفع رأسه من الركوع قام ~~حتى نقول (4) قد نسي (5) فهذا يبين لك أن أنسا أراد بصلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إطالة الركوع والسجود، والرفع فيهما، على ما كان الناس ~~يفعلونه، وتقصير القيام عما كان الناس يفعلونه (6) . # وروى مسلم في صحيحه، من حديث جعفر بن سليمان (7) عن ثابت، عن أنس قال: " ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة، ~~فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة " (8) . # فبين أن التخفيف الذي كان يفعله (9) هو تخفيف القراءة، وإن كان ذلك ~~PageV01P306 # يقتضي (1) ركوعا وسجودا يناسب القراءة، ولهذا قال: " كانت صلاته متقاربة ~~"، أي يقرب بعضها من بعض. # وصدق أنس (2) فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بنحو ~~الستين إلى المائة (3) يقرأ في الركعتين بطول المفصل ب: الم. تنزيل، وهل ~~أتى، وبالصافات، وبقاف؛ وربما قرأ أحيانا بما هو أطول من ذلك، وأحيانا بما ~~هو أخف (4) . # فأما عمر رضي الله عنه، فكان يقرأ في الفجر بيونس، وهود، ويوسف، ولعله ~~(5) علم أن الناس خلفه يؤثرون ذلك. # وكان معاذ رضي الله عنه: قد صلى خلفه (6) الآخرة ثم ذهب إلى بني عمرو بن ~~عوف بقباء، فقرأ فيها بسورة البقرة (7) فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم (8) ~~ذلك. وقال: «أفتان أنت يا معاذ، إذا أممت الناس فخفف، فإن من ورائك الكبير ~~والضعيف وذا الحاجة. هلا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ~~PageV01P307 # ونحوها (1) من السور؟» (2) . # فالتخفيف الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم معاذا، وغيره من الأئمة، ~~هو ما كان يفعله - بأبي هو (3) وأمي - صلى الله عليه وسلم، فإنه (4) كما ~~قال أنس: " كان أخف الناس صلاة في تمام ". # وقد (5) قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (6) . # ثم إن عرض حال عرف منها إيثار المأمومين للزيادة على ذلك فحسن، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم قرأ في المغرب: بطولى الطوليين (7) وقرأ فيها بالطور. # وإن عرض ما يقتضي التخفيف عن ms111 ذلك فعل، كما قال في بكاء الصبي ونحوه. ~~PageV01P308 # فقد تبين (1) أن حديث أنس تضمن مخالفة من خفف الركوع والسجود، تخفيفا ~~كثيرا، ومن طول القيام تطويلا كثيرا. وهذا الذي وصفه أنس، (2) ووصفه سائر ~~الصحابة. # فروى (3) مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه (4) عن هلال بن أبي حميد (5) ~~عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (6) عن البراء بن عازب (7) قال: " رمقت الصلاة ~~مع محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، ~~فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فجلسته ما بين التسليم والانصراف: قريبا من ~~السواء " (8) . PageV01P309 # وروى مسلم أيضا في صحيحه، عن شعبة (1) عن الحكم (2) قال: " غلب على ~~الكوفة رجل - قد سماه - زمن ابن الأشعث (3) قال: فأمر أبا عبيدة بن عبد ~~الله (4) أن يصلي بالناس، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما ~~أقول: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء ~~بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ~~ذا الجد منك الجد ". # قال الحكم: " فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال: " سمعت البراء بن ~~عازب يقول: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وركوعه، وإذا رفع رأسه ~~من PageV01P310 # الركوع (1) وسجوده، وما بين السجدتين، قريبا من السواء ". قال شعبة: " ~~فذكرته لعمرو بن مرة (2) . فقال: قد رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فلم تكن ~~صلاته هكذا (3) . # وروى البخاري (4) هذا الحديث - ما خلا القيام والقعود - قريبا من السواء ~~(5) . وذلك لأنه (6) لا شك أن القيام - قيام القراءة - وقعود التشهد يزيد ~~على بقية الأركان، لكن لما كان صلى الله عليه وسلم يوجز القيام، ويتم بقية ~~الأركان، صارت قريبا من السواء. # فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى، وإنما البراء: تارة قرب ولم يحدد، ~~وتارة استثنى وحدد، وإنما جاز أن يقال في القيام مع بقية الأركان: قريبا، ~~بالنسبة إلى الأمراء الذين (7) يطيلون القيام، ويخففون الركوع والسجود، حتى ~~يعظم التفاوت. PageV01P311 # ومثل هذا: " أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف، فقرأ في الركعة (1) ~~بنحو ms112 من سورة البقرة وركع. فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكذلك سجوده " (2) . # ولهذا نقول في أصح القولين: إن ركوع صلاة الكسوف وسجودها يكون قريبا من ~~قيامه بقدر معظمه، أكثر من النصف. # ومن أصحابنا وغيرهم من قال: إذا قرأ البقرة، يسبح في الركوع والسجود، ~~بقدر قراءة مائة آية (3) . وهو ضعيف مخالف للسنة. # وكذلك (4) روى مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد (5) وغيره (6) أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول: بعد الرفع من الركوع من الذكر (7) ما يصدق حديث ~~أنس والبراء (8) . # وكذلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التطوع: فإنه كان إذا صلى ~~بالليل (9) PageV01P312 # وحده طول لنفسه ما شاء، وكان (1) يقرأ في الركعة بالبقرة وآل عمران ~~والنساء، ويركع (2) نحوا من قيامه، ويرفع نحوا من ركوعه، ويسجد نحوا من ~~قيامه، ويجلس نحوا من سجوده (3) . # ثم هذا القيام الذي وصفه أنس وغيره بالخفة، والتخفيف الذي أمر به النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد فسره النبي (4) صلى الله عليه وسلم بفعله وأمره وبلغ ~~ذلك أصحابه فإنه لما صلى على المنبر قال: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي ~~ولتعلموا صلاتي» (5) وقال لمالك بن الحويرث (6) وصاحبه (7) «صلوا كما ~~رأيتموني أصلي» (8) . # وذلك: أنه ما من فعل في الغالب إلا وقد يسمى خفيفا بالنسبة إلى ما هو ~~أطول منه، ويسمى طويلا بالنسبة إلى ما هو أخف منه، فلا حد له في اللغة، ~~وليس الفعل (9) من العادات: كالإحراز، والقبض، والاصطياد، وإحياء الموات، ~~حتى PageV01P313 # يرجع في حده إلى عرف اللفظ، بل هو من العبادات، والعبادات (1) يرجع (2) ~~في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع، كما يرجع في أصلها إلى الشارع. # ولأنه لو جاز الرجوع فيه إلى عرف الناس في الفعل، أو في مسمى التخفيف، ~~لاختلفت الصلاة الشرعية الراتبة، التي يؤمر (3) بها في غالب الأوقات، عند ~~عدم المعارضات المقتضية للطول أو للقصر، اختلافا متباينا (4) لا ضبط له، ~~ولكان لكل أهل عصر ومصر، ولكان لكل أهل حي وسكة، بل لأهل كل مسجد عرف في ~~معنى اللفظ، وفي عادة الفعل، مخالفا لعرف الآخرين، وهذا مخالف لأمر الله ~~ورسوله ms113 حيث قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (5) ولم يقل: كما يسميه أهل ~~أرضكم خفيفا، أو كما يعتادونه، وما أعلم أحدا من العلماء يقول ذلك فإنه؛ ~~يفضي إلى تغيير الشريعة، وموت السنن، إما بزيادة وإما بنقص، وعلى هذا دلت ~~سائر روايات الصحابة. # فروى مسلم في صحيحه عن زهير (6) عن سماك بن حرب (7) قال: PageV01P314 # " سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي (1) فقال: كان يخفف الصلاة، ولا يصلي ~~صلاة هؤلاء "، قال: " وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ~~الفجر بقاف والقرآن المجيد، ونحوها " (2) . # وروى أيضا عن شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة (3) قال: " كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر بنحو ذلك، وفي ~~الصبح أطول من ذلك " (4) . # وهذا يبين ما رواه مسلم أيضا، عن زائدة (5) حدثنا سماك، عن جابر بن سمرة: ~~" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد ~~وكانت (6) صلاته بعد تخفيفا " (7) أنه أراد - والله أعلم - بقوله: " وكانت ~~صلاته بعد "، أي بعد الفجر، أي أنه يخفف الصلوات التي بعد الفجر، عن الفجر ~~(8) . PageV01P315 # فإنه في الرواية الأولى جمع بين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالتخفيف، وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف (1) . # وقد ثبت في الصحيح عن أم سلمة (2) «أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ في الفجر بالطور في حجة الوداع، وهي طائفة من حول الناس تسمع قراءته» ~~(3) وما عاش بعد حجة الوداع إلا قليلا، والطور من نحو (4) سورة قاف. # وثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما (5) أنه قال: " إن أم الفضل ~~(6) . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P316 # سمعته وهو يقرأ {والمرسلات عرفا} [المرسلات: 1] (1) فقالت: يا بني، لقد ~~ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، يقرأ بها في المغرب (2) . # فقد أخبرت أم الفضل: أن ذلك آخر ما سمعته يقرأ بها في المغرب، وأم الفضل ~~لم تكن من المهاجرات، بل هي من المستضعفين، كما قال ابن عباس: (3) كنت أنا ~~وأمي ms114 (4) من المستضعفين، الذين عذرهم الله " (5) . فهذا السماع كان متأخرا. # وكذلك في الصحيح عن زيد بن ثابت (6) " أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ في المغرب بطولى الطوليين (7) . وزيد من صغار الصحابة. PageV01P317 # وكذلك (1) صلى بالمؤمنين (2) في الفجر بمكة، وأدركته سعلة عند ذكر موسى ~~وهارون (3) فهذه الأحاديث وأمثالها، تبين أنه صلى الله عليه وسلم كان في ~~آخر حياته يصلي في الفجر بطوال المفصل، وشواهد هذا كثيرة (4) ؛ ولأن سائر ~~الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ما ~~زال يصليها، ولم يذكر أحد أنه نقص (5) صلاته في آخر عمره عما (6) كان ~~يصليها، وأجمع (7) الفقهاء على أن السنة أن يقرأ في الفجر بطوال المفصل. # وقوله: " ولا يصلي صلاة هؤلاء " إما أن يريد به: من كان يطيل الصلاة على ~~(8) هذا أو (9) من كان ينقصها عن ذلك، أي إنه كان صلى الله عليه وسلم ~~يخففها، ومع ذلك: فلا يحذفها حذف هؤلاء الذين يحذفون الركوع والسجود، ~~والاعتدالين، كما دل عليه حديث أنس والبراء، أو كان أولئك الأمراء ينقصون ~~القراءة، أو القراءة وبقية الأركان، عما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يفعله. كما روى أبو قزعة (10) قال: PageV01P318 # " أتيت أبا سعيد الخدري (1) وهو مكثور (2) عليه، فلما تفرق الناس عنه، ~~قلت: إني لا أسألك عما سألك هؤلاء عنه، قلت: أسألك عن صلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ فقال: ما لك في ذلك من خير فأعادها عليه، فقال: كانت صلاة ~~الظهر تقام، فينظلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ، ثم ~~يرجع إلى المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى ". # وفي رواية " مما يطولها " (3) رواه مسلم في صحيحه (4) . # فهذا يبين لك أن أبا سعيد رأى صلاة الناس أنقص من هذا. # وفي الصحيحين عن أبي برزة (5) قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي الصبح فينصرف الرجل، فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين، أو إحداهما ~~ما بين الستين إلى المائة " هذا لفظ البخاري (6) . # وعن عبد الله (7) بن عمر ms115 رضي الله عنهما قال: إن كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمنا بالصافات، رواه أحمد ~~PageV01P319 # والنسائي (1) . # وعن الضحاك بن عثمان (2) عن بكير بن عبد الله (3) عن سليمان بن يسار (4) ~~عن أبي هريرة قال: " ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من فلان " قال سليمان: " كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف ~~الأخيرتين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء ~~بوسط المفصل ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (5) "، رواه النسائي وابن ماجه، ~~وهذا إسناد على شرط مسلم. # والضحاك بن عثمان قال فيه أحمد ويحيى (6) " هو ثقة " (7) وقال فيه ~~PageV01P320 # ابن سعد: " كان ثبتا " (1) . # ويدل على ما ذكرناه: ما روى مسلم في صحيحه عن عمار بن ياسر (2) قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة (3) ~~من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة (4) وإن من البيان لسحرا» (5) . # فقد جعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل، وأمر بإطالتها، وهذا الأمر إما ~~أن يكون عاما في جميع الصلوات، وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة. فإن ~~كان اللفظ (6) عاما فظاهر، وإن كان المراد (7) صلاة الجمعة (8) فإذا أمر ~~بإطالتها، مع كون الجمع فيها يكون (9) عظيما، فيه من الضعفاء والكبار وذوي ~~PageV01P321 # الحاجات ما ليس في غيره (1) ومع كونها تفعل في شدة الحر، مسبوقة بخطبتين: ~~فالفجر ونحوها التي تفعل وقت البرد، مع قلة الجمع: أولى وأحرى. والأحاديث ~~في هذا كثيرة. # وإنما ذكرنا هذا تفسيرا (2) لما في حديث أنس، من تقدير صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؛ إذ قد يحسب من يسمع هذه الأحاديث: أن فيها نوع تناقض، ~~أو يستمسك (3) بعض الناس ببعضها دون بعض، ويجهل معنى ما تمسك به. ### | التشديد على النفس أنواعه وآثاره # وأما في حديث أنس المتقدم من قول (4) النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تشددوا على أنفسكم، فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد ~~الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات (5) رهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها ms116 عليهم» (6) . ففيه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التشدد في ~~الدين بالزيادة على المشروع. # والتشديد: تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب، ولا مستحب: بمنزلة الواجب ~~والمستحب في العبادات (7) وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم، ولا مكروه بمنزلة ~~المحرم والمكروه، في الطيبات. وعلل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من ~~النصارى، شدد الله عليهم لذلك، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية ~~المبتدعة. # وفي هذا تنبيه على كراهة النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما عليه النصارى ~~من الرهبانية PageV01P322 # المبتدعة، وإن كان كثير من عبادنا، قد وقعوا في بعض ذلك متأولين معذورين، ~~أو غير متأولين (1) . # وفيه أيضا تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء، يكون سببا لتشديد آخر، ~~يفعله الله: إما بالشرع وإما بالقدر. # فأما بالشرع: فمثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخافه في زمانه من ~~زيادة إيجاب أو تحريم، كنحو ما خافه لما اجتمعوا لصلاة (2) التراويح معه ~~(3) ولما كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم، ومثل: أن من نذر شيئا من الطاعات ~~وجب عليه فعله، وهو منهي عن نفس عقد النذر، وكذلك الكفارات الواجبة بأسباب. # وأما بالقدر: فكثير (4) قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء، فيبتلى ~~أيضا بأسباب تشدد الأمور (5) عليه، في الإيجاب والتحريم، مثل كثير من ~~الموسوسين في الطهارة (6) إذا زادوا على المشروع، ابتلوا بأسباب توجب حقيقة ~~عليهم أشياء (7) مشقة ومضرة. PageV01P323 # وهذا المعنى الذي دل عليه الحديث، موافق لما قدمناه في قوله تعالى: {ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157] (1) من أن ذلك يقتضي ~~كراهة موافقتهم في الآصار والأغلال. # والآصار: ترجع إلى الإيجابات الشديدة. # والأغلال: هي التحريمات الشديدة. # فان الإصر: هو الثقل والشدة، وهذا شأن ما وجب. # والغل: يمنع المغلول من الانطلاق، وهذا شأن المحظور. # وعلى هذا دل قوله سبحانه {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87] (2) . وسبب ~~نزولها مشهور. # وعلى هذا ما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: «جاء ثلاثة ms117 رهط إلى بيوت ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي (3) صلى الله عليه ~~وسلم فلما أخبروا (4) كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله ~~عليه وسلم (5) وقد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ # فقال أحدهم (6) أما أنا فأصلي الليل أبدا. # وقال (7) الآخر: أنا أصوم الدهر أبدا. PageV01P324 # وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. # فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: " أنتم الذين (1) قلتم ~~كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي ~~وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» ، رواه البخاري، وهذا ~~لفظه (2) ومسلم، ولفظه: عن أنس: «أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم: لا ~~أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش (3) ~~. فحمد الله وأثنى فقال: " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا (4) ؟ لكني أصلي ~~وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (5) . # والأحاديث الموافقة لهذا كثيرة في بيان أن سنته التي هي الاقتصاد: في ~~العبادة، وفي ترك الشهوات؛ خير من رهبانية النصارى، التي هي: ترك عامة ~~الشهوات من النكاح وغيره، والغلو في العبادات صوما وصلاة. # وقد خالف هذا - بالتأويل ولعدم العلم - طائفة من الفقهاء والعباد، ومثل ~~هذا ما رواه أبو داود في سننه، عن العلاء بن عبد الرحمن (6) عن PageV01P325 # القاسم بن عبد الرحمن (1) عن أبي أمامة: «أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن ~~لي بالسياحة (2) قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن سياحة أمتي ~~الجهاد في سبيل الله» (3) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن أمته (4) ~~سياحتهم الجهاد في سبيل الله. # وفي حديث آخر: «إن السياحة هي الصيام» (5) أو «السائحون هم الصائمون» (6) ~~أو نحو ذلك (7) . وذلك تفسير لما ذكره الله تعالى في القرآن (8) ~~PageV01P326 # من قوله: {السائحون} [التوبة: 112] (1) . وقوله {سائحات} [التحريم: 5] ~~(2) . # وأما السياحة التي هي الخروج في البرية لغير (3) مقصد ms118 معين فليست من عمل ~~هذه الأمة. ولهذا قال الإمام أحمد: " ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا ~~من فعل النبيين ولا الصالحين " (4) مع أن جماعة من إخواننا قد ساحوا ~~السياحة المنهي عنها (5) متأولين في ذلك، أو غير عالمين بالنهي عنه، وهي من ~~الرهبانية المبتدعة التي قيل فيها (6) «لا رهبانية في الإسلام» (7) . # والغرض هنا: بيان ما جاءت به الحنيفية: من مخالفة (8) اليهود فيما أصابهم ~~من القسوة عن ذكر الله، وعما أنزل (9) ومخالفة النصارى فيما هم عليه من ~~الرهبانية المبتدعة، وإن كان قد ابتلي بعض المنتسبين منا إلى علم أو دين ~~بنصيب من هذا، أو من هذا (10) . # ومثل هذا ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما (11) قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم PageV01P327 # غداة (1) العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى» فلقطت له سبع حصيات، من ~~(2) حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا» ، ثم قال: ~~«أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في ~~الدين» ، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (3) من حديث عوف بن أبي جميلة (4) ~~عن زياد بن حصين (5) عن أبي العالية عنه (6) وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. # وقوله: «إياكم (7) والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو، في ~~الاعتقاد والأعمال. # والغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده (8) أو ذمه على ما يستحق، ~~ونحو ذلك. PageV01P328 # والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال (1) من سائر الطوائف، وإياهم ~~نهى الله عن الغلو في القرآن، في قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم} [النساء: 171] (2) . # وسبب هذا اللفظ العام: رمي الجمار، وهو داخل فيه، فالغلو فيه: مثل الرمي ~~بالحجارة (3) الكبار، ونحو ذلك. بناء على أنه قد أبلغ من الحصى الصغار (4) ~~. # ثم علل ذلك: بأن ما أهلك من (5) قبلنا إلا (6) الغلو في الدين، كما تراه ~~في النصارى، وذلك يقتضي: أن مجانبة هديهم مطلقا أبعد عن (7) الوقوع فيما به ~~هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم، يخاف عليه أن يكون هالكا. # ومن ذلك: أنه صلى الله ms119 عليه وسلم حذرنا من مشابهة من قبلنا، في أنهم ~~كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأمر أن يسوى (8) بين الناس ~~في ذلك، وإن كان كثير من ذوي الرأي والسياسة قد يظن أن إعفاء الرؤساء أجود ~~في السياسة. # ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، في شأن المخزومية التي سرقت (9) ~~لما كلم أسامة (10) . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P329 # فيها (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أسامة أتشفع في حد من ~~حدود الله؟ ! إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا: إذا سرق فيهم الشريف تركوه، ~~وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت ~~محمد سرقت لقطعت يدها» (2) . # وكان بنو مجزوم من أشرف (3) بطون قريش، واشتد عليهم أن تقطع يد امرأة ~~منهم، فبين النبي صلى الله عليه وسلم: أن هلاك بني إسرائيل، إنما كان في ~~تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر أن فاطمة ابنته - التي هي ~~أشرف النساء - لو سرقت، وقد أعاذها الله من ذلك، لقطع يدها؛ ليبين: أن وجوب ~~العدل والتعميم في الحدود، لا يستثنى منه بنت (4) الرسول، فضلا عن بنت ~~غيره. # وهذا يوافق ما في الصحيحين، عن عبد الله بن مرة (5) عن البراء بن عازب ~~قال: «مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي، محمم مجلود، فدعاهم، فقال: ~~PageV01P330 # " هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم ~~قال: " أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في ~~كتابكم؟ " قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده: الرجم، ولكنه ~~كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا ~~عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع (1) على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، ~~فجعلنا التحميم والجلد مكان (2) الرجم فقال صلى الله عليه وسلم: " اللهم ~~إني أول من أحيا أمرك، إذ (3) أماتوه» فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل: ~~{يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] إلى قوله ~~(4) {إن أوتيتم هذا فخذوه} [المائدة: 41] (5) . # يقول: ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم (6) والجلد ms120 فخذوه، وإن أفتاكم ~~بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} [المائدة: 44] (7) {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون} [المائدة: 45] (8) {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون} [المائدة: 47] (9) في الكفار كلها " (10) . PageV01P331 # وأيضا ما روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي (1) قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله ~~أن يكون لي (2) منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم ~~خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان ~~قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد إني (3) أنهاكم عن ذلك» (4) . # وصف صلى الله عليه وسلم أن الذين كانوا قبلنا كانوا يتخذون قبور الأنبياء ~~(5) والصالحين مساجد وعقب (6) هذا الوصف بالأمر بحرف الفاء، أن لا يتخذوا ~~القبور مساجد، وقال إنه صلى الله عليه وسلم ينهانا (7) عن ذلك. ففيه دلالة ~~على أن اتخاذ من قبلنا سبب لنهينا؛ إما مظهر للنهي، وإما (8) موجب للنهي، ~~وذلك يقتضي: أن أعمالهم دلالة (9) وعلامة على أن الله ينهانا (10) عنها، أو ~~أنها علة مقتضية للنهي. PageV01P332 # وعلى التقديرين: يعلم أن مخالفتهم أمر مطلوب للشارع في الجملة، والنهي عن ~~هذا العمل بلعنة اليهود والنصارى مستفيض عنه صلى الله عليه وسلم، ففي ~~الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «قاتل الله اليهود (1) ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (2) . # وفي لفظ (3) لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد» (4) . # وفي الصحيحين عن عائشة، وابن عباس (5) قالا: " لما نزل برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه ~~فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد» يحذر ما صنعوا " (6) . # وفي الصحيحين أيضا عن عائشة: " أن أم سلمة وأم حبيبة (7) ذكرتا ~~PageV01P333 # لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها (1) بأرض الحبشة، ms121 يقال لها: ~~مارية. وذكرتا (2) من حسنها (3) وتصاوير فيها. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنوا ~~على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور (4) أولئك شرار الخلق عند الله عز ~~وجل» (5) . # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه أهل السنن الأربعة ~~(6) وقال الترمذي: " حديث حسن " (7) وفي بعض نسخه: " صحيح " (8) . ~~PageV01P334 # فهذا التحذير منه واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المسجد على قبر ~~الرجل الصالح (1) صريح في النهي عن المشابهة في هذا (2) ودليل على الحذر من ~~(3) جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكون من (4) هذا الجنس. # ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة، من بناء المساجد على ~~القبور (5) واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرم ملعون فاعله ~~بالمستفيض من السنة، وليس هذا موضع استقصاء ما في ذلك من سائر الأحاديث ~~والآثار؛ إذ الغرض القاعدة الكلية، وإن كان تحريم ذلك قد ذكره غير واحد من ~~علماء الطوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم؛ ولهذا كان السلف من ~~الصحابة والتابعين يبالغون في المنع مما يجر إلى مثل هذا. PageV01P335 # وفيه من الآثار ما لا يليق (1) ذكره هنا، حتى روى أبو يعلى الموصلي (2) ~~في مسنده: (3) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (4) حدثنا زيد (5) بن الحباب (6) ~~حدثنا جعفر بن إبراهيم (7) - من ولد ذي الجناحين - حدثنا علي بن عمر (8) ~~PageV01P336 # عن أبيه (1) عن علي بن حسين (2) أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، فقال: " ألا أحدثكم ~~حديثا سمعته من أبي عن جدي (3) عن النبي (4) صلى الله عليه وسلم؟ قال: «لا ~~تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» . ~~وأخرجه محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ (5) في مستخرجه (6) . ~~PageV01P337 # وروى سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد (1) أخبرني سهيل ~~بن أبي سهيل ms122 (2) قال: " رآني الحسن بن الحسن (3) بن علي بن أبي طالب (4) ~~رضي الله عنه عند القبر فناداني، وهو في بيت PageV01P338 # فاطمة (1) يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: مالي ~~رأيتك عند القبر؟ قلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " إذا ~~دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» ، ما أنت ومن ~~بالأندلس إلا سواء " (2) . # ولهذا ذكر الأئمة - أحمد وغيره، من أصحاب مالك وغيرهم -: إذا سلم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال ما ينبغي له أن يقول، ثم أراد أن يدعو، فإنه ~~يستقبل القبلة (3) ويجعل الحجرة عن يساره. PageV01P339 ### | فصل في ذكر فوائد خطبته صلى الله عليه وعلى آله وسلم العظيمة في يوم عرفة # فصل (1) روى مسلم في صحيحه، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (2) عن ~~أبيه (3) عن جابر في حديث حجة الوداع، قال: " حتى إذا زالت الشمس - يعني ~~يوم عرفة - أمر بالقصواء (4) فرحلت له (5) فأتى بطن الوادي (6) فخطب الناس ~~وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم (7) PageV01P340 # هذا، في شهركم هذا (1) في بلدكم هذا (2) ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت ~~قدمي (3) موضوع (4) ودماء الجاهلية موضوعة (5) وإن أول دم أضع من دمائنا دم ~~ابن ربيعة بن الحارث - كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل-، وربا الجاهلية ~~موضوع، وأول ربا أضع من (6) ربانا ربا العباس بن عبد المطلب (7) فإنه موضوع ~~كله. فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله؛ ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك ~~فاضربوهن ضربا غير مبرح؛ ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ~~ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني (8) فماذا ~~أنتم قائلون؟ ". قالوا: نحن نشهد أنك قد بلغت، وأديت ونصحت. فقال - بإصبعه ~~السبابة (9) يرفعها إلى السماء وينكبها (10) إلى الناس-: " اللهم ms123 اشهد (11) ~~- ثلاث مرات - "، ثم أذن، PageV01P341 # فأقام (1) فصلى الظهر؛ ثم أقام، فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف» وذكر تمام الحديث (2) . # فقال (3) صلى الله عليه وسلم: «كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» ~~(4) . وهذا يدخل فيه ما كانوا عليه من العادات والعبادات، مثل دعواهم: يا ~~لفلان (5) ويا لفلان، ومثل أعيادهم، وغير ذلك من أمورهم. # ثم خص - بعد ذلك - الدماء والأموال التي كانت تستباح باعتقادات جاهلية، ~~من الربا الذي كان في ذمم أقوام، ومن قتيل قتل في الجاهلية قبل إسلام ~~القاتل وعهده، أو قبل إسلام المقتول وعهده: إما لتخصيصها بالذكر بعد العام، ~~وإما لأن (6) هذا إسقاط لأمور معينة، يعتقد (7) أنها حقوق، لا لسنن عامة ~~لهم، فلا تدخل في الأول، كما لم تدخل الديون التي ثبتت ببيع صحيح، أو قرض، ~~ونحو ذلك. # ولا يدخل في هذا اللفظ: ما كانوا عليه في الجاهلية، وأقره الله في ~~الإسلام، كالمناسك، وكدية المقتول بمائة (8) وكالقسامة، ونحو ذلك؛ لأن أمر ~~الجاهلية معناه المفهوم منه: ما كانوا عليه مما لم يقره الإسلام، فيدخل في ~~PageV01P342 # ذلك: ما كانوا عليه وإن لم (1) ينه في الإسلام عنه بعينه. # وأيضا ما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث عياش (2) بن عباس (3) ~~عن أبي الحصين (4) - يعني الهيثم بن شفي (5) - قال: " خرجت أنا وصاحب لي ~~يكنى أبا عامر - رجل من المعافر (6) - لنصلي (7) بإيلياء (8) وكان قاصهم ~~رجل (9) من الأزد يقال له: أبو ريحانة (10) من الصحابة. قال أبو الحصين: ~~فسبقني صاحبي إلى المسجد، ثم ردفته فجلست إلى جنبه، فسألني: هل أدركت قصص ~~أبي ريحانة؟ قلت: لا. قال: سمعته يقول: نهى PageV01P343 # رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشر: عن الوشر (1) ؛ والوشم (2) ؛ ~~والنتف (3) ؛ وعن مكامعة (4) الرجل الرجل بغير شعار؛ ومكامعة المرأة المرأة ~~بغير شعار؛ وأن يجعل الرجل بأسفل ثيابه حريرا، مثل الأعاجم؛ أو يجعل على ~~منكبيه حريرا، مثل الأعاجم؛ وعن النهبى (5) ؛ وركوب النمور (6) ؛ ولبوس ~~الخاتم إلا لذي سلطان " (7) . وفي رواية عن أبي ريحانة قال: " بلغني أن ms124 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . " (8) هذا الحديث محفوظ من حديث عياش بن ~~عباس. رواه عنه PageV01P344 # المفضل (1) بن فضالة، وحيوة بن شريح المصري (2) ويحيى بن أيوب (3) . وكل ~~منهم ثقة، وعياش بن عباس روى له مسلم، وقال يحيى بن معين: " ثقة " (4) . ~~وقال أبو حاتم: " صالح " (5) . وأما أبو الحصين - الهيثم بن شفي - قال ~~الدارقطني: شفي بفتح الشين وتخفيف الفاء، وأكثر المحدثين يقولون: شفي، وهو ~~غلط. وأبو عامر الحجري (6) فشيخان، قد روى عن كل واحد (7) منهما أكثر من ~~واحد. وهما من الشيوخ القدماء. # وهذا الحديث قد أشكل على أكثر الفقهاء، من جهة أن يسير الحرير قد دل على ~~جوازه نصوص متعددة، ويتوجه تحريمه على الأصل، وهو: أن يكون صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم إنما كره أن يجعل الرجل على أسفل ثيابه، أو على منكبيه ~~حريرا، مثل الأعاجم، فيكون المنهي عنه نوعا كان (8) شعارا PageV01P345 # للأعاجم. فنهى عنه (1) لذلك، لا لكونه حريرا؛ فإنه لو كان النهي (2) عنه ~~لكونه حريرا لعم الثوب كله، ولم يخص هذين الموضعين، ولهذا قال فيه: " مثل ~~الأعاجم ". # والأصل في الصفة: أن تكون لتقييد الموصوف، لا لتوضيحه. وعلى هذا يمكن ~~تخريج ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن سعيد بن أبي عروبة (3) عن قتادة، عن ~~الحسن، عن (4) عمران بن حصين، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~أركب الأرجوان (5) ولا ألبس المعصفر، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير ". ~~قال (6) فأومأ الحسن إلى جيب قميصه، قال: وقال: " ألا (7) وطيب الرجال ريح ~~لا لون له، ألا وطيب النساء لون لا ريح له» . قال سعيد: " أراه قال: إنما ~~حملوا قوله في طيب النساء: على أنها إذا خرجت، PageV01P346 # فأما إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت " (1) . أو يخرج هذا الحديث على ~~الكراهية فقط. # وكذلك قد يقال في الحديث الأول (2) لكن في ذلك نظر. # وأيضا، ففي الصحيحين عن رافع بن خديج (3) قال: «قلت: يا رسول الله! إنا ~~لاقو العدو غدا، وليس معنا مدى (4) أفنذبح بالقصب (5) ؟ فقال: ما أنهر ~~الدم، وذكر اسم الله عليه، فكل، ليس ms125 السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما ~~السن: فعظم، وأما الظفر: فمدى الحبشة» (6) . PageV01P347 # نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بالظفر، معللا بأنها (1) مدى ~~الحبشة، كما علل السن: بأنه عظم. وقد اختلف الفقهاء في هذا، فذهب أهل ~~الرأي: إلى أن علة النهي كون الذبح بالسن والظفر يشبه الخنق، أو هو مظنة ~~الخنق، والمنخنقة محرمة، وسوغوا على هذا: الذبح بالسن والظفر المنزوعين؛ ~~لأن التذكية بالآلات المنفصلة المحددة (2) لا خنق فيه. والجمهور منعوا من ~~ذلك مطلقا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى السن والظفر مما أنهر الدم ~~(3) فعلم أنه من المحدد الذي لا يجوز التذكية به، ولو كان لكونه خنقا، لم ~~يستثنه، والمظنة إنما تقام مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفية أو غير ~~منضبطة، فأما مع ظهورها وانضباطها فلا. # وأيضا، فإنه مخالف لتعليل رسول الله صلى الله عليه وسلم المنصوص في ~~الحديث، ثم اختلف هؤلاء: هل يمنع من التذكية بسائر (4) العظام، عملا بعموم ~~العلة؟ على قولين، في مذهب أحمد وغيره. # وعلى الأقوال الثلاثة (5) فقوله صلى الله عليه وسلم: «وأما الظفر، فمدى ~~الحبشة» بعد PageV01P348 # قوله: «سأحدثكم عن ذلك» يقتضي أن هذا الوصف - وهو كونه مدى الحبشة - له ~~تأثير في المنع: إما أن يكون علة، أو دليلا على العلة؛ أو وصفا من أوصاف ~~العلة، أو دليلها (1) والحبشة في أظفارهم طول، فيذكون بها دون سائر الأمم، ~~فيجوز أن يكون نهى (2) عن ذلك؛ لما فيه من مشابهتهم فيما يختصون به. # وأما العظم: فيجوز أن يكون نهيه عن التذكية به (3) كنهيه عن الاستنجاء ~~به؛ لما فيه من تنجيسه على الجن، إذ الدم نجس، وليس الغرض هنا ذكر مسألة ~~الذكاة بخصوصها (4) فإن فيها كلاما ليس هذا موضعه. # وأيضا، في الصحيحين عن الزهري (5) عن سعيد بن المسيب (6) قال: " البحيرة ~~التي يمنح (7) درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا ~~يسيبونها لآلهتهم، لا يحمل عليها شيء "، وقال: قال أبو هريرة: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي (8) يجر قصبه ~~PageV01P349 # في النار، كان أول ms126 من سيب السوائب» (1) . # وروى مسلم، من حديث سهيل (2) بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن لحي بن ~~قمعة بن خندف، أخا (3) بني كعب، وهو يجر قصبه في النار» (4) . # وللبخاري، من حديث أبي صالح (5) عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أبو خزاعة» (6) . # هذا من العلم المشهور: أن عمرو بن لحي هو (7) أول من نصب الأنصاب ~~PageV01P350 # حول البيت، ويقال: إنه جلبها من البلقاء (1) من (2) أرض الشام، متشبها ~~بأهل البلقاء، وهو أول من سيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، فأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه «يجر قصبه في النار» وهي الأمعاء ومنه ~~سمي القصاب بذلك؛ لأنها تشبه القصب، ومعلوم أن العرب قبله كانوا على ملة ~~أبيهم إبراهيم على شريعة التوحيد، والحنيفية السمحة، دين أبيهم (3) ~~إبراهيم. # فتشبه عمرو بن لحي - وكان عظيم أهل مكة يومئذ؛ لأن خزاعة كانوا ولاة ~~البيت قبل قريش، وكان سائر العرب متشبهين بأهل مكة؛ لأن فيها بيت الله، ~~وإليها الحج، ما زالوا معظمين من زمن إبراهيم عليه السلام -، فتشبه عمرو ~~بمن رآه في الشام، واستحسن بعقله ما كانوا عليه، ورأى أن في تحريم ما حرمه ~~من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، تعظيما لله ودينا، فكان ما فعله أصل ~~الشرك في العرب، أهل دين إبراهيم، وأصل تحريم الحلال، وإنما فعله متشبها ~~فيه بغيره من أهل الأرض، فلم يزل الأمر يتزايد ويتفاقم حتى غلب على أفضل ~~الأرض الشرك بالله عز وجل، وتغيير دينه (4) إلى أن بعث الله رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، فأحيا ملة إبراهيم عليه السلام وأقام التوحيد، وحلل ما كانوا ~~يحرمونه. # وفي سورة الأنعام، من عند قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا} [الأنعام: 136] إلى قوله: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم ~~سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله} [الأنعام: 140] (5) إلى آخر السورة، ~~خطاب مع هؤلاء الضرب؛ ولهذا PageV01P351 # يقول تعالى ms127 في أثنائها: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء} [الأنعام: 148] (1) . # ومعلوم أن مبدأ هذا التحريم: ترك الأمور المباحة تدينا، وأصل هذا التدين: ~~هو من التشبه بالكفار، وإن لم يقصد (2) التشبه بهم. # فقد تبين لك: أن من أصل دروس دين الله وشرائعه، وظهور الكفر والمعاصي: ~~التشبه بالكافرين، كما أن من أصل كل خير: المحافظة على سنن الأنبياء ~~وشرائعهم، ولهذا عظم وقع البدع في الدين، وإن لم يكن فيها تشبه بالكفار، ~~فكيف إذا جمعت الوصفين؟ # ولهذا جاء في الحديث: «ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع عنهم من السنة مثلها» ~~(3) . # وأيضا، فقد (4) روى أبو داود في سننه، وغيره من حديث هشيم (5) أخبرنا أبو ~~بشر (6) عن أبي عمير بن. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . PageV01P352 # أنس (1) عن عمومة له من الأنصار، قال: «اهتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~للصلاة، كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا ~~رأوها آذن (2) بعضهم بعضا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكروا له القنع (3) شبور ~~اليهود، فلم يعجبه ذلك، وقال: " هو من أمر اليهود "، قال: فذكروا (4) له ~~الناقوس، فقال: " هو من فعل (5) النصارى "، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ~~ربه (6) وهو مهتم لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأري الأذان في منامه، ~~قال: فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: يا رسول الله! ~~إني لبين نائم ويقظان، إذ أتاني آت، فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوما قال: ثم أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: " له ما منعك أن تخبرنا؟ "، فقال: سبقني عبد الله ~~بن زيد، فاستحييت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا بلال قم فانظر ~~ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله " قال: " فأذن بلال "، قال: أبو بشر: " ~~فحدثني أبو عمير: أن الأنصار PageV01P353 # تزعم أن عبد الله بن زيد، لولا أنه كان يومئذ مريضا، لجعله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مؤذنا» (1) . # وروى سعيد بن منصور ms128 في سننه: حدثنا أبو عوانة (2) عن مغيرة (3) عن عامر ~~الشعبي (4) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اهتم (5) بالصلاة اهتماما ~~شديدا، تبين (6) ذلك فيه، وكان فيما اهتم به من أمر الصلاة (7) أن ذكر ~~الناقوس، ثم قال: " هو من أمر (8) النصارى ". ثم أراد أن يبعث رجالا يؤذنون ~~الناس بالصلاة، في الطرق، ثم قال: " أكره أن أشغل رجالا عن صلاتهم بأذان ~~غيرهم " (9) وذكر رؤيا عبد الله بن زيد. PageV01P354 # ويشهد لهذا ما أخرجاه في الصحيحين، عن أبي قلابة (1) عن أنس قال: «لما ~~كثر الناس، ذكروا أن يعلموا (2) وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن ينوروا ~~نارا، ويضربوا ناقوسا، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» (3) . # وفي الصحيحين، عن ابن جريج (4) عن نافع عن ابن عمر قال: «كان المسلمون ~~حين قدموا المدينة، يجتمعون فيتحينون الصلاة (5) وليس ينادي بهم أحد، ~~فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال ~~بعضهم: قرنا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا بلال قم فناد بالصلاة» (6) . ~~PageV01P355 # ما يتعلق بهذا الحديث: من شرع (1) الأذان، ورؤيا عبد الله بن زيد وعمر، ~~وأمر عمر أيضا بذلك، وما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان قد سمع ~~الأذان ليلة أسري (2) به. إلى غير ذلك، ليس هذا موضع ذكره، وذكر الجواب عما ~~قد يستشكل منه. # وإنما الغرض هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كره بوق اليهود ~~المنفوخ بالفم، وناقوس النصارى المضروب باليد، علل هذا بأنه من أمر اليهود، ~~وعلل هذا بأنه من أمر النصارى؛ لأن ذكر الوصف عقيب الحكم، يدل على أنه علة ~~له، وهذا يقتضي نهيه عن كل ما هو من أمر اليهود والنصارى. # هذا مع أن قرن اليهود يقال: إن أصله مأخوذ عن موسى عليه السلام، وأنه كان ~~يضرب بالبوق في عهده، وأما ناقوس النصارى فمبتدع، إذ عامة شرائع النصارى ~~أحدثها أحبارهم ورهبانهم. # وهذا (3) يقتضي كراهة هذا النوع من الأصوات مطلقا في غير الصلاة (4) ~~أيضا؛ ms129 لأنه من أمر اليهود والنصارى، فإن النصارى يضربون بالنواقيس في أوقات ~~متعددة غير أوقات عباداتهم. # وإنما شعار الدين الحنيف: الأذان المتضمن للإعلان بذكر الله، الذي به ~~تفتح أبواب السماء، فتهرب (5) الشياطين، وتنزل الرحمة. # وقد ابتلي كثير من هذه الأمة، من الملوك وغيرهم، بهذا الشعار اليهودي ~~والنصراني (6) حتى إنا رأيناهم في هذا الخميس PageV01P356 # الحقير (1) الصغير (2) يزفون (3) البخور، ويضربون له بنواقيس صغار، حتى ~~إن من الملوك من كان يضرب بالأبواق، والدبادب (4) في أوقات الصلوات الخمس، ~~وهو (5) نفس ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من كان يضرب بها ~~طرفي النهار، تشبها منه - زعم (6) - بذي القرنين، ووكل ما دون ذلك إلى ملوك ~~الأطراف. # وهذه المشابهة لليهود والنصارى، وللأعاجم (7) من الروم والفرس، لما غلبت ~~على ملوك المشرق (8) هي وأمثالها، مما خالفوا به هدي المسلمين، ودخلوا فيما ~~كرهه الله ورسوله؛ سلط عليهم الترك الكافرون (9) الموعود PageV01P357 # بقتالهم، حتى فعلوا في العباد والبلاد ما لم يجر في دولة الإسلام مثله، ~~وذلك تصديق قوله صلى الله عليه وسلم: «لتركبن سنن من كان قبلكم» (1) كما ~~تقدم. # وكان المسلمون على عهد نبيهم، وبعده، لا يعرفون وقت الحرب إلا السكينة ~~وذكر (2) الله سبحانه، قال قيس بن عباد: (3) - وهو من كبار التابعين (4) -: ~~" كانوا يستحبون خفض الصوت: عند الذكر، وعند القتال، وعند الجنائز " (5) . # وكذلك سائر الآثار تقتضي أنهم كانت عليهم السكينة، في هذه المواطن، مع ~~امتلاء القلوب بذكر الله، وإجلاله وإكرامه. كما أن حالهم في الصلاة كذلك. # وكان رفع الصوت في هذه المواطن الثلاثة (6) من عادة أهل الكتاب والأعاجم، ~~ثم قد ابتلى بها كثير من هذه الأمة. وليس هذا موضع استقصاء ذلك. ~~PageV01P358 # وأيضا، فعن عمرو بن ميمون الأودي (1) قال: «قال عمر رضي الله عنه: كان ~~أهل الجاهلية، لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، كيما ~~نغير، قال: فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأفاض قبل طلوع الشمس» (2) . # وقد روي في هذا الحديث - فيما أظنه - أنه قال: «خالف هدينا هدي المشركين» ~~(3) وكذلك (4) كانوا يفيضون من عرفات قبل الغروب (5) فخالفهم ms130 النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالإفاضة بعد الغروب، ولهذا: صار الوقوف إلى ما بعد الغروب ~~واجبا عند جماهير العلماء، وركنا PageV01P359 # عند بعضهم، وكرهوا شدة الإسفار (1) صبيحة جمع. # ثم الحديث قد ذكر فيه قصد المخالفة للمشركين. # وأيضا فعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ~~ولكم في الآخرة» متفق عليه (2) . # وعن جبير بن نفير (3) عن عبد الله بن عمرو قال: «رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال: " إن هذه من ثياب الكفار، فلا (4) ~~تلبسها» رواه مسلم (5) . # علل النهي عن لبسها بأنها: من ثياب الكفار، وسواء أراد أنها مما يستحله ~~الكفار بأنهم (6) يستمتعون بخلاقهم في الدنيا، أو مما يعتاده الكفار لذلك. # كما أنه في الحديث قال: (7) إنهم يستمتعون بآنية الذهب والفضة في ~~PageV01P360 # الدنيا، وهي للمؤمنين في الآخرة، ولهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير ~~وأواني الذهب والفضة تشبها بالكفار. # ففي الصحيحين عن أبي عثمان النهدي (1) قال: «كتب إلينا عمر رضي الله عنه ~~ونحن بأذربيجان، مع عتبة بن فرقد: يا عتبة إنه ليس من كد أبيك، ولا من كد ~~أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم (2) والتنعم، ~~وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~لبوس الحرير، وقال: " إلا هكذا " - ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم بأصبعيه (3) الوسطى والسبابة وضمهما» (4) . # وروى أبو بكر الخلال، بإسناد عن محمد بن سيرين، أن حذيفة بن اليمان أتى ~~بيتا، فرأى فيه حارستان (5) فيه أباريق الصفر والرصاص، فلم يدخله، وقال: " ~~من تشبه بقوم فهو منهم " (6) . وفي لفظ آخر: (فرأى شيئا من زي العجم ~~PageV01P361 # فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم) . # وقال علي بن أبي صالح (1) السواق (2) " كنا في وليمة، فجاء أحمد بن حنبل، ~~فلما دخل نظر إلى كرسي في الدار عليه فضة، فخرج فلحقه صاحب الدار، فنفض يده ~~في وجهه وقال: زي المجوس! ms131 زي المجوس! " (3) . وقال في رواية صالح (4) (إذا ~~كان في (5) الدعوة مسكر، أو شيء من منكر آنية المجوس: الذهب والفضة، أو ستر ~~الجدران بالثياب، خرج ولم يطعم) . # ولو تتبعنا ما في هذا الباب (6) عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع ما دل ~~عليه كتاب الله لطال (7) . PageV01P362 ### | فصل في الإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم ### | الوجه الأول من دلائل الإجماع # فصل وأما الإجماع (1) فمن وجوه من ذلك: أن أمير المؤمنين عمر، في الصحابة ~~رضي الله عنهم، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط ~~المشروطة (2) على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: " ~~أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، إذا (3) أرادوا الجلوس، ولا نتشبه ~~بهم في شيء من لباسهم (4) قلنسوة، أو عمامة، أو نعلين، أو فرق شعر، ولا ~~نتكلم بكلامهم، ولا نكتنى بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا ~~نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع ~~الخمور، وأن نجز مقادم رءوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كان، وأن نشد الزنانير ~~(5) على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر PageV01P363 # صليبا (1) ولا كتبا، (2) في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب ~~بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيا (3) ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا ~~نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين " رواه حرب (4) بإسناد جيد (5) . # وفي رواية أخرى رواها الخلال: " وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيا (6) ~~في جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا ~~القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليبا ولا كتابا (7) ~~في سوق المسلمين، ولا نخرج باعوثا - والباعوث: يخرجون يجتمعون كما يخرج (8) ~~يوم الأضحى والفطر - ولا شعانينا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر ~~النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير (9) ولا نبيع ~~الخمور. . . " إلى أن قال: " وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه ~~بالمسليمن في لبس قلنسوة (10) ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق PageV01P364 # شعر، ولا ms132 في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، وأن نجز ~~مقادم رءوسنا، ولا نفرق نواصينا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا " (1) . # وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة، ~~بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، ولولا شهرتها ~~عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها. وهي أصناف: # الصنف الأول: ما مقصوده: التمييز عن المسلمين، في الشعور واللباس ~~والأسماء والمراكب والكلام، ونحوها؛ ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه ~~أحدهما بالآخر (2) في الظاهر، ولم يرض عمر رضي الله عنه والمسلمون بأصل ~~التمييز، بل بالتميز (3) في عامة الهدي، على تفاصيل معروفة في غير هذا ~~الموضع. # وذلك يقتضي: إجماع المسلمين على التمييز (4) عن الكفار ظاهرا، وترك ~~التشبه بهم ولقد كان أمراء الهدى، مثل العمرين (5) وغيرهما، يبالغون في ~~تحقيق ذلك بما يتم به المقصود. PageV01P365 # ومقصودهم من هذا التميز: كما روى الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني (1) بإسناده ~~في شروط أهل الذمة، عن خالد بن عرفطة (2) قال: " كتب عمر رضي الله عنه إلى ~~الأمصار: أن تجز (3) نواصيهم - يعني النصارى - ولا يلبسوا لبسة (4) ~~المسلمين؛ حتى يعرفوا " (5) . # وقال القاضي أبو يعلى في مسألة حدثت في وقته: " أهل الذمة مأمورون بلبس ~~الغيار، فإن امتنعوا؛ لم يجز لأحد من المسلمين صبغ (6) ثوب من ثيابهم؛ لأنه ~~لم يتعين عليهم صبغ ثوب بعينه ". # قلت: وهذا فيه خلاف: هل يلزمون (7) بالتغيير أم (8) الواجب (9) إذا ~~امتنعوا أن نغير نحن؟ وأما وجوب أصل المغايرة: فما علمت فيه خلافا. # وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني، في شروط أهل الذمة بإسناده، أن عمر بن ~~PageV01P366 # الخطاب كتب: " أن لا تكاتبوا أهل الذمة، فتجري بينكم وبينهم المودة، ولا ~~تكنوهم، وأذلوهم ولا تظلموهم، ومروا نساء أهل الذمة: أن (1) يعقدن ~~زناراتهن، ويرخين نواصيهن، ويرفعن عن سوقهن؛ حتى يعرف زيهن من المسلمات، ~~فإن رغبن (2) عن ذلك، فليدخلن في (3) الإسلام طوعا أو كرها ". # وروى أيضا أبو الشيخ (4) بإسناده، عن محمد بن قيس (5) وسعد (6) بن عبد ~~الرحمن بن حبان، قالا: " دخل ناس من بني تغلب على عمر بن عبد العزيز وعليهم ~~العمائم ms133 كهيئة العرب، فقالوا يا أمير المؤمنين ألحقنا بالعرب، قال: فمن ~~أنتم؟ قالوا نحن بنو تغلب، قال: أولستم من أوسط العرب؟ قالوا: نحن نصارى، ~~قال: علي بجلم (7) فأخذ من نواصيهم، وألقى العمائم، وشق رداء كل واحد شبرا، ~~يحتزم به، وقال: لا تركبوا السروج، واركبوا على الأكف، ودلوا رجليكم (8) من ~~شق واحد " (9) . PageV01P367 # وعن مجاهد أبي (1) الأسود قال: " كتب عمر بن عبد العزيز: أن لا يضرب ~~الناقوس خارجا من الكنيسة (2) ". وعن معمر (3) " أن عمر بن عبد العزيز كتب: ~~أن امنع من قبلك، فلا يلبس نصراني قباء، ولا ثوب خز، ولا عصب، وتقدم في ذلك ~~أشد التقدم، واكتب فيه حتى لا يخفى على أحد نهي عنه، وقد ذكر لي أن كثيرا ~~ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم، وتركوا لبس (4) المناطق على ~~أوساطهم واتخذوا الوفر (5) والجمام (6) وتركوا التقصيص، ولعمري إن كان يصنع ~~ذلك فيما قبلك، إن ذلك بك ضعف وعجز، فانظر كل شيء كنت نهيت عنه، وتقدمت ~~فيه، إلا تعاهدته وأحكمته ولا ترخص فيه، ولا تعد عنه شيئا " (7) . # ولم أكتب سائر ما كانوا يأمرون به في أهل الكتاب؛ إذ الغرض هنا: التمييز. # وكذلك فعل جعفر بن محمد بن هارون المتوكل (8) بأهل الذمة في خلافته، ~~واستشار (9) في ذلك الإمام (10) أحمد بن (11) حنبل، وغيره، PageV01P368 # وعهوده في ذلك، وجوابات أحمد بن حنبل له معروفة. # ومن جملة الشروط (1) . # * ما يعود بإخفاء منكرات دينهم، وترك إظهارها (2) كمنعهم من إظهار الخمر ~~والناقوس، والنيران والأعياد، ونحو ذلك. # * ومنها: ما يعود بإخفاء شعار دينهم (3) كأصواتهم بكتابهم. # فاتفق عمر رضي الله عنه، والمسلمون معه وسائر العلماء بعدهم (4) ومن وفقه ~~الله تعالى من ولاة الأمور (5) على منعهم من أن يظهروا في دار الإسلام شيئا ~~مما يختصون به، مبالغة في أن لا يظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين، ~~فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها (6) . # * ومنها: ما يعود بترك إكرامهم وإلزامهم الصغار (7) الذي شرعه الله ~~تعالى. # ومن المعلوم: أن تعظيم أعيادهم، ونحوها، بالموافقة، فيها (8) نوع من ~~إكرامهم (9) فإنهم يفرحون بذلك، ويسرون به، كما يغتمون بإهمال أمر ms134 دينهم ~~الباطل. PageV01P369 ### | الوجه الثاني من دلائل الإجماع # الوجه الثاني من دلائل الإجماع (1) أن هذه القاعدة، قد أمر بها غير واحد، ~~من الصحابة والتابعين، في أوقات متفرقة، وقضايا متعددة، وانتشرت ولم ينكرها ~~منكر. # فعن قيس بن أبي حازم (2) قال: " دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، على ~~امرأة من أحمس (3) يقال لها: زينب (4) فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا ~~تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، فقال لها: تكلمي! فإن هذا لا يحل، هذا عمل ~~الجاهلية، فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي ~~المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: من أي قريش؟ قال: إنك لسؤول! وقال: أنا أبو ~~بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ ~~قال: بقاؤكم عليه ما استقامت لكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان ~~لقومكم رءوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ ! قالت: بلى، قال: فهم أولئك على ~~الناس " رواه البخاري في صحيحه (5) . PageV01P370 # فأخبر أبو بكر: أن الصمت المطلق لا يحل، وعقب ذلك بقوله: هذا من عمل ~~الجاهلية، قاصدا بذلك عيب هذا العمل، وذمه (1) . # وتعقيب الحكم بالوصف: دليل على أن الوصف علة، ولم يشرع في الإسلام. فيدخل ~~في هذا: كل ما اتخذ من عبادة، مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع ~~الله التعبد به في الإسلام، وإن لم ينوه عنه بعينه، كالمكاء والتصدية، فإن ~~الله تعالى قال عن الكافرين: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} ~~[الأنفال: 35] (2) . # والمكاء: الصفير ونحوه. # والتصدية: التصفيق. # فاتخاذ هذا قربة وطاعة من عمل الجاهلية، الذي لم يشرع في الإسلام. # وكذلك: بروز المحرم وغيره للشمس، حتى لا يستظل بظل، أو ترك الطواف ~~بالثياب المتقدمة (3) أو ترك كل (4) ما عمل في غير الحرم، ونحو ذلك من أمور ~~الجاهلية التي كانوا يتخذونها عبادات، وإن كان قد جاء نهي خاص في ~~PageV01P371 # عامة هذه الأمور، بخلاف السعي بين الصفا والمروة، وغيره من شعائر الحج، ~~فإن ذلك من شعائر الله، وإن كان أهل الجاهلية قد كانوا يفعلون ذلك في ~~الجملة. # وقد قدمنا ms135 ما رواه البخاري في صحيحه، عن عمر بن الخطاب: أنه كتب إلى ~~المسلمين المقيمين ببلاد فارس: " إياكم وزي أهل الشرك " (1) . # وهذا نهي منه للمسلمين عن كل ما كان من زي المشركين. # وقال الإمام أحمد في المسند: حدثنا يزيد (2) حدثنا عاصم (3) عن أبي عثمان ~~النهدي، عن عمر أنه قال: " اتزروا، وارتدوا، وانتعلوا، والبسوا الخفاف، ~~والسراويلات، والقوا الركب، وانزوا نزوا، وعليكم بالمعدية، وارموا الأغراض، ~~وذروا التنعم وزي العجم، وإياكم والحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد نهى عنه، وقال: «لا تلبسوا من الحرير، إلا ما كان هكذا "، وأشار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بإصبعيه» (4) . PageV01P372 # وقال أحمد: حدثنا حسن بن موسى (1) حدثنا زهير، حدثنا عاصم الأحول، عن أبي ~~عثمان قال: " جاءنا كتاب عمر رضي الله عنه، ونحن بأذربيجان: يا عتبة بن ~~فرقد (2) إياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «نهانا عن لبوس الحرير وقال: " إلا هكذا " ورفع لنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، أصبعيه» (3) وهذا ثابت على شرط الصحيحين (4) . # وفيه: أن عمر رضي الله عنه أمر بالمعدية، وهي زي (5) بني معد بن عدنان، ~~وهم العرب، فالمعدية نسبة إلى معد، ونهى عن زي العجم وزي المشركين، وهذا ~~عام كما لا يخفى، وقد تقدم هذا مرفوعا. والله أعلم به. # وروى الإمام أحمد في المسند: حدثنا أسود بن عامر (6) حدثنا حماد بن ~~PageV01P373 # سلمة عن أبي سنان (1) عن عبيد بن آدم (2) وأبي مريم (3) وأبي (4) شعيب ~~(5) أن عمر كان بالجابية - فذكر فتح بيت المقدس - قال حماد بن سلمة: فحدثني ~~أبو سنان عن عبيد بن آدم قال: " سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول ~~لكعب: أين ترى أن أصلي، فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس ~~كلها بين يديك، فقال: عمر ضاهيت اليهودية، لا، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه فكنس ~~الكناسة في ردائه، وكنس الناس (6) . PageV01P374 # قلت: صلاة النبي الله صلى الله عليه ms136 وسلم في مسجد بيت المقدس في ليلة ~~الإسراء: قد رواها مسلم في صحيحه، من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت (1) عن ~~أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض ~~طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، قال-: فركبته حتى ~~أتيت المقدس. قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء. قال: ثم دخلت ~~المسجد، فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر، ~~وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال: جبريل عليه السلام: اخترت الفطرة. قال: ~~ثم عرج بنا إلى السماء» (2) وذكر الحديث. # وقد كان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ينكر أن يكون صلى فيه؛ لأنه لم ~~يبلغه ذلك، واعتقد أنه لو صلى فيه لوجب على الأمة الصلاة فيه. # فعمر رضي الله عنه عاب على كعب (3) مضاهاة اليهودية، أي مشابهتها في مجرد ~~استقبال الصخرة؛ لما فيه من مشابهة من يعتقدها قبلة باقية، وإن كان المسلم ~~لا يقصد أن يصلي إليها. # وقد كان لعمر رضي الله عنه في هذا الباب من السياسات المحكمة، ما هي ~~مناسبة لسائر سيرته المرضية، فإنه رضي الله عنه هو الذي استحالت ذنوب ~~الإسلام بيده غربا، فلم يفر عبقري فريه، حتى صدر الناس PageV01P375 # بعطن (1) فأعز (2) الإسلام، وأذل الكفر وأهله، وأقام شعار (3) الدين ~~الحنيف، ومنع من كل أمر فيه تذرع (4) إلى نقض عرى الإسلام، مطيعا في ذلك ~~لله ورسوله، وقافا عند كتاب الله، ممتثلا لسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، محتذيا حذو صاحبيه، مشاورا في أموره للسابقين الأولين، مثل: عثمان ~~وعلي وطلحة (5) والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بن كعب، ومعاذ بن ~~جبل، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، وغيرهم، ممن له علم، ~~أو فقه، أو رأي، أو نصيحة للإسلام وأهله. PageV01P376 # حتى إن العمدة في الشروط على أهل الكتاب على شروطه، وحتى منع من (1) ~~استعمال كافر أو ائتمانه على أمر الأمة، وإعزازه بعد إذ أذله الله، حتى روي ~~عنه أنه حرق الكتب ms137 العجمية وغيرها. # وهو الذي منع أهل البدع من أن ينبغوا، وألزمهم (2) ثوب الصغار، حيث فعل ~~بصبيغ بن عسل التميمي ما فعل في قصته المشهورة (3) . # وسيأتي عنه (4) إن شاء الله تعالى، في خصوص أعياد الكفار، من النهي عن ~~الدخول عليهم فيها، ومن النهي عن تعلم رطانة الأعاجم، ما يبين (5) به (6) ~~قوة شكيمته، في النهي عن مشابهة الكفار والأعاجم، ثم ما كان عمر قد قرره من ~~السنن والأحكام والحدود. # فعثمان رضي الله عنه، أقر ما فعله عمر، وجرى على سنته في ذلك، فقد علم ~~موافقة عثمان لعمر في هذا الباب. PageV01P377 # وروى سعيد (1) في سننه: حدثنا هشيم، عن خالد الحذاء (2) عن عبد الرحمن بن ~~سعيد بن وهب (3) عن أبيه (4) قال: " خرج علي رضي (5) الله عنه، فرأى قوما ~~قد سدلوا، فقال: ما لهم؟ كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم " (6) . ورواه ابن ~~المبارك وحفص بن غياث (7) عن خالد. # وفيه: " أنه رأى قوما قد سدلوا في الصلاة، فقال: كأنهم اليهود خرجوا من ~~فهورهم (8) " (9) . PageV01P378 # وقد روينا عن ابن عمر وأبي هريرة: " أنهما كانا يكرهان السدل في الصلاة ~~(1) . # وقد روى أبو داود، عن سليمان الأحول (2) وعسل (3) بن سفيان (4) عن عطاء، ~~عن أبي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة، ~~وأن يغطي الرجل فاه» (5) . ومنهم من رواه عن عطاء، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مرسلا، لكن قال هشيم: حدثنا عامر الأحول (6) قال: " سألت عطاء عن ~~السدل في الصلاة، PageV01P379 # فكرهه. فقلت: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم " (1) والتابعي إذا أفتى (2) بما رواه دل على ثبوته عنده. # لكن قد روي عن عطاء، من وجوه جيدة: أنه كان لا يرى بالسدل بأسا، وأنه كان ~~يصلي سادلا (3) فلعل هذا كان قبل أن يبلغه الحديث، ثم لما بلغه رجع، أو ~~لعله نسي الحديث، والمسألة مشهورة، وهو: عمل الراوي بخلاف روايته، هل يقدح ~~فيها؟ (4) . # والمشهور عن أحمد وأكثر العلماء: أنه (5) لا يقدح فيها؛ لما تحتمله ~~المخالفة من وجوه غير ضعف الحديث. # وقد ms138 روى عبد الرزاق عن، بشر بن رافع، عن يحيى بن PageV01P380 # أبي (1) كثير (2) عن أبي عبيدة بن عبد الله (3) " أن أباه كره السدل في ~~الصلاة " (4) . قال أبو عبيدة: «وكان أبي يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عنه» (5) . # وأكثر العلماء يكرهون السدل مطلقا. وهو مذهب أبي حنيفة (6) والشافعي (7) ~~والمشهور عن أحمد (8) . وعنه أنه (9) إنما (10) PageV01P381 # يكرهه (1) فوق الإزار دون القميص؛ توفيقا بين الآثار في ذلك، وحملا للنهي ~~على (2) لباسهم المعتاد. # ثم اختلف: هل السدل محرم يبطل الصلاة؟ . # فقال ابن أبي موسى (3) فإن صلى سادلا، ففي الإعادة روايتان، أظهرهما: لا ~~يعيد. # وقال أبو بكر عبد العزيز (4) " إن لم تبد عورته؛ فلا (5) يعيد باتفاق. ~~ومنهم من لم يكره السدل، وهو قول مالك (6) وغيره. # والسدل المذكور هو أن يطرح الثوب على أحد كتفيه، ولا يرد أحد طرفيه على ~~كتفه الآخر (7) هذا هو المنصوص عن أحمد، وعلله: بأنه فعل اليهود، وقال حنبل ~~(8) " قال أبو عبد الله: والسدل أن يسدل (9) أحد طرفي الإزار ولا ينعطف به ~~عليه، وهو لبس اليهود، وهو على الثوب PageV01P382 # وغيره (1) مكروه السدل (2) في الصلاة " (3) . # وقال صالح بن أحمد: " سألت أبي عن السدل في الصلاة؟ فقال: يلبس الثوب، ~~فإذا لم يطرح أحد طرفيه على الآخر، فهو السدل " (4) . وهذا هو الذي (5) ~~عليه عامة العلماء. # وأما ما ذكره أبو الحسن الآمدي (6) وابن عقيل (7) من أن السدل هو إسبال ~~الثوب بحيث ينزل عن (8) قدميه ويجره، فيكون هو إسبال الثوب، وجره المنهي ~~عنه؛ فغلط مخالف لعامة العلماء وإن كان الإسبال والجر منهيا عنه بالاتفاق ~~والأحاديث فيه أكثر، وهو محرم على الصحيح، لكن ليس هو السدل. PageV01P383 # وليس الغرض (1) عين هذه المسألة، وإنما الغرض أن عليا رضي الله عنه شبه ~~السادلين باليهود، مبينا بذلك كراهة فعلهم، فعلم أن مشابهة اليهود: أمر كان ~~قد استقر عندهم كراهته. # وفهر اليهود - بضم الفاء -: مدارسهم. وأصلها: بهر (2) وهي عبرانية فعربت، ~~هكذا ذكره الجوهري (3) وكذلك ذكر ابن فارس (4) وغيره: أن فهر اليهود: ~~مدارسهم. وفي (العين) عن الخليل بن أحمد (5) أن (6) فهر اليهود: مدارسهم. # وسنذكر ms139 عن علي رضي الله عنه، من كراهة التكلم بكلامهم، ما يؤيد (7) هذا، ~~وما (8) في الحديث المذكور من النهي عن تغطية الفم، فقد علله بعضهم ~~PageV01P384 # بأنه فعل المجوس عند نيرانهم التي يعبدونها، فعلى هذا: تظهر (1) مناسبة ~~الجمع بين النهي عن السدل، وعن تغطية الفم، بما في كلاهما (2) من مشابهة ~~الكفار، مع أن في كل منهما معنى آخر يوجب الكراهة، ولا محذور في تعليل ~~الحكم بعلتين. # فهذا عن الخلفاء الراشدين، وأما سائر الصحابة رضي الله عنهم فكثير، مثل: ~~ما قدمناه عن حذيفة بن اليمان: أنه لما دعي إلى وليمة فرأى شيئا من زي ~~العجم خرج وقال: " من تشبه بقوم فهو منهم " (3) . # وروى أبو محمد الخلال (4) بإسناده عن عكرمة (5) عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: " سأله رجل: أحتقن؟ قال: لا تبد (6) العورة، ولا تستن بسنة ~~المشركين ". فقوله: " لا تستن بسنة المشركين " (7) عام. PageV01P385 # وقال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي (1) حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا ~~الحجاج بن حسان (2) قال: " دخلنا على أنس بن مالك فحدثني أخي (3) المغيرة ~~(4) قال: وأنت يومئذ غلام، ولك قرنان، أو قصتان، فمسح رأسك وبرك عليك وقال: ~~احلقوا هذين، أو قصوهما (5) فإن هذا زي اليهود (6) " (7) علل النهي عنهما ~~بأن ذلك زي اليهود، وتعليل النهي بعلة يوجب أن تكون العلة مكروهة (8) مطلوب ~~عدمها، فعلم أن زي اليهود - حتى في الشعر - مما يطلب عدمه، وهو المقصود. ~~PageV01P386 # وروى ابن أبي عاصم (1) حدثنا وهب بن بقية (2) حدثنا خالد الواسطي (3) عن ~~عمران بن حدير (4) عن أبي مجلز (5) أن معاوية قال: " إن تسوية القبور من ~~السنة، وقد رفعت اليهود والنصارى، فلا تشبهوا بهم " (6) . # يشير معاوية إلى ما رواه مسلم في صحيحه، عن فضالة بن عبيد (7) «أنه ~~PageV01P387 # أمر بقبر فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر ~~بتسويتها» (1) . رواه مسلم (2) . # وعن (3) علي أيضا قال: «أمرني النبي (4) صلى الله عليه وسلم أن لا أدع ~~قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته» (5) . رواه مسلم. # وسنذكر - إن شاء الله تعالى - عن عبد الله بن عمرو بن ms140 العاص أنه قال: " ~~من بنى ببلاد المشركين، وصنع نيروزهم، ومهرجانهم، حتى يموت: حشر معهم يوم ~~القيامة " (6) . # وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها: أنها كرهت الاختصار في الصلاة، وقالت ~~(7) " لا تشبهوا باليهود ". هكذا رواه بهذا اللفظ (8) سعيد بن منصور، ~~PageV01P388 # حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم (1) عن مسروق، عن عائشة، وقد ~~تقدم من رواية البخاري في المرفوعات (2) . # وروى سعيد، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح (3) عن إسماعيل بن عبد الرحمن ~~بن ذؤيب (4) قال: " دخلت مع ابن عمر مسجدا بالجحفة، فنظر إلى شرافات، فخرج ~~إلى موضع فصلى فيه، ثم قال لصاحب المسجد: إني رأيت في مسجدك هذا - يعني ~~الشرافات (5) - شبهتها بأنصاب الجاهلية، فمر (6) بها أن تكسر " (7) . # وروى سعيد أيضا عن ابن مسعود: أنه كان يكره الصلاة في PageV01P389 # الطاق (1) وقال: " إنه في (2) الكنائس، فلا تشبهوا بأهل الكتاب " (3) . # وعن عبيد بن أبي الجعد (4) قال: " كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المسجد " (5) . يعني ~~الطاقات. # وهذا الباب فيه كثرة عن الصحابة. # وهذه القضايا التي ذكرناها: بعضها في مظنة الاشتهار، وما علمنا أحدا خالف ~~ما ذكرناه عن الصحابة رضي الله عنهم، من كراهة التشبه بالكفار والأعاجم في ~~الجملة، وإن كان بعض هذه المسائل المعينة فيها خلاف وتأويل ليس هذا موضعه. # وهذا كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة (6) وإن كان قد يختلف في ~~بعض أعيان المسائل لتأويل (7) . # فعلم اتفاقهم على كراهة التشبه بالكفار والأعاجم. PageV01P390 ### | الوجه الثالث في تقرير الإجماع # الوجه الثالث في تقرير الإجماع ما ذكره عامة علماء الإسلام من المتقدمين، ~~والأئمة المتبوعين وأصحابهم، في تعليل النهي عن أشياء بمخالفة الكفار، أو ~~مخالفة النصارى (1) أو مخالفة الأعاجم، وهو أكثر من أن يمكن استقصاؤه، وما ~~من أحد له أدنى نظر في الفقه إلا وقد بلغه من ذلك طائفة، وهذا بعد التأمل ~~والنظر، يورث علما ضروريا، باتفاق الأئمة، على النهي عن موافقة الكفار ~~والأعاجم، والأمر بمخالفتهم. # وأنا أذكر من ذلك (2) نكتا في مذاهب الأئمة المتبوعين اليوم، مع ما ms141 تقدم ~~في أثناء الكلام عن غير واحد من العلماء. # فمن ذلك أن الأصل المستقر عليه (3) في مذهب أبي حنيفة أن تأخير الصلاة ~~أفضل من تعجيلها، إلا في مواضع يستثنونها، كاستثناء يوم الغيم، وكتعجيل ~~الظهر في الشتاء - وإن كان غيرهم من العلماء يقول (4) الأصل أن التعجيل ~~أفضل - فيستحبون تأخير الفجر (5) والعصر، والعشاء والظهر، إلا في الشتاء في ~~غير الغيم (6) . ثم قالوا: يستحب تعجيل المغرب؛ لأن تأخيرها مكروه لما فيه ~~من التشبه باليهود، وهذا أيضا قول سائر الأئمة (7) وهذه العلة منصوصة (8) ~~كما تقدم. PageV01P391 # وقالوا أيضا: يكره السجود في الطاق؛ لأنه يشبه صنيع أهل الكتاب، من حيث ~~تخصيص الإمام بالمكان، بخلاف ما إذا كان سجوده في الطاق، وهذا أيضا ظاهر ~~مذهب أحمد وغيره (1) وفيه آثار صحيحة عن الصحابة: ابن مسعود، وغيره (2) . # وقالوا: لا بأس أن يصلي وبين يديه مصحف معلق، أو سيف معلق؛ لأنهما لا ~~يعبدان؛ وباعتباره: تثبت (3) الكراهة (4) ولا بأس أن يصلي على بساط فيه ~~تصاوير؛ لأن فيه استهانة بالصورة، ولا يسجد على التصاوير (5) ؛ لأنه يشبه ~~عبادة الصور، وأطلق الكراهة في الأصل؛ لأن المصلي معظم (6) . # قالوا: ولو لبس ثوبا فيه تصاوير كره (7) ؛ لأنه يشبه (8) حامل الصنم، ولا ~~يكره تماثيل (9) غير ذوي الروح؛ لأنه لا يعبد (10) . PageV01P392 # وقالوا (1) أيضا: إن صام يوم الشك ينوى أنه من رمضان، كره؛ لأنه تشبه ~~بأهل الكتاب؛ لأنهم زادوا في مدة صومهم. # وقالوا: فإذا غربت الشمس، أفاض الإمام والناس معه على هيئتهم حتى يأتوا ~~مزدلفة؛ لأن فيه إظهار مخالفة المشركين. # وقالوا أيضا لا يجوز الأكل والشرب والإدهان والتطيب في آنية الذهب ~~والفضة، للرجال والنساء؛ للنصوص، ولأنه تشبه بزي المشركين، وتنعم بتنعم ~~المترفين والمسرفين (2) . # وقالوا في تعليل المنع من لباس الحرير في حجة أبي يوسف (3) ومحمد (4) على ~~أبي حنيفة، في المنع من افتراشه وتعليقه والستر به؛ لأنه من زي الأكاسرة، ~~والجبابرة، والتشبه بهم حرام. # قال عمر: " إياكم وزي الأعاجم " (5) وقال محمد في الجامع الصغير: ~~PageV01P393 # " ولا يتختم إلا بالفضة " (1) . # قالوا: وهذا نص على أن التختم بالحجر والحديد والصفر، حرام؛ للحديث ~~المأثور: ms142 «أن (2) النبي صلى الله عليه وسلم رأى على رجل خاتم صفر (3) فقال: ~~" مالي أجد منك ريح الأصنام؟» (4) «ورأى على آخر خاتم حديد فقال: " ما لي ~~أرى عليك حلية أهل النار؟» (5) . # ومثل هذا كثير في مذهب أبي حنيفة وأصحابه. # وأما مذهب مالك وأصحابه، ففيه ما هو أكثر من ذلك، حتى قال مالك فيما رواه ~~ابن القاسم (6) في المدونة: " لا يحرم بالأعجمية، ولا يدعو بها، ~~PageV01P394 # ولا يحلف " (1) . # قال: " ونهى عمر رضي الله عنه عن رطانة الأعاجم وقال: " إنها خب " (2) . # قال: " وأكره الصلاة إلى حجر منفرد في الطريق وأما أحجار (3) كثيرة فجائز ~~" (4) . # قال: " ويكره ترك العمل يوم الجمعة كفعل أهل الكتاب يوم (5) السبت والأحد ~~" (6) . # قال: " ويقال: من تعظيم الله تعظيم ذي الشيبة المسلم (7) قيل: " فالرجل ~~يقوم للرجل له الفضل والفقه؟ قال: أكره ذلك، ولا بأس بأن (8) يوسع له في ~~مجلسه ". # قال: " وقيام المرأة لزوجها حتى يجلس من فعل الجبابرة، وربما يكون الناس ~~ينتظرونه فإذا طلع قاموا، فليس هذا من فعل الإسلام، وهو فيما ينهى عنه ~~PageV01P395 # من التشبه بأهل الكتاب والأعاجم "، وفيما ليس من عمل المسلمين، أشد من ~~(1) عمل الكوفيين وأبلغ، (2) مع (3) أن الكوفيين يبالغون في هذا الباب، حتى ~~تكلم أصحاب أبي حنيفة في تكفير من تشبه بالكفار في لباسهم وأعيادهم. # وقال بعض أصحاب مالك: من ذبح بطيخة في أعيادهم (4) فكأنما ذبح خنزيرا. # وكذلك أصحاب الشافعي ذكروا هذا الأصل في غير موضع من مسائلهم، مما (5) ~~جاءت به الآثار، كما ذكر غيرهم من العلماء، مثل ما ذكروه في النهي عن ~~الصلوات في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها - مثل طلوع الشمس وغروبها - ~~ذكروا تعليل ذلك بأن (6) المشركين يسجدون للشمس حينئذ، كما في الحديث: ~~«إنها ساعة يسجد لها الكفار» (7) . # وذكروا في السحور وتأخيره: أن ذلك فرق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب. # وذكروا في اللباس: النهي عما فيه تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء ~~بالرجال. # وذكروا أيضا: ما جاء من أن المشركين كانوا يقفون بعرفات إلى اصفرار ~~الشمس، ويفيضون من جمع بعد طلوع الشمس، وأن السنة جاءت بمخالفة PageV01P396 # المشركين ms143 في ذلك بالتعريف إلى الغروب، والوقوف بجمع إلى قبيل طلوع الشمس، ~~كما جاء في الحديث: «خالفوا المشركين» (1) و «خالف هدينا هدي المشركين» (2) ~~. # وذكروا أيضا: الشروط (3) على أهل الذمة، منعهم (4) عن التشبه بالمسلمين ~~في لباسهم وغيره (5) مما يتضمن منع المسلمين أيضا من مشابهتهم في ذلك ~~تفريقا بين علامة المسلمين وعلامة الكفار. # وبالغ طائفة منهم، فنهوا عن التشبه بأهل البدع، فيما (6) كان شعارا لهم، ~~وإن كان (7) مسنونا، كما ذكره طائفة منهم في تسنيم القبور، فإن مذهب ~~الشافعي: أن الأفضل تسطيحها (8) . # ومذهب أحمد وأبي حنيفة: أن الأفضل تسنيمها (9) . # ثم قال طائفة من أصحاب الشافعي: بل ينبغي تسنيمها في هذه الأوقات؛ لأن ~~الرافضة تسطحها (10) ففي تسطيحها تشبه بهم فيما (11) هو شعار لهم. ~~PageV01P397 # وقالت طائفة: بل نحن نسطحها، فإذا سطحناها لم يكن تسطيحها شعارا لهم. # فاتفقت الطائفتان على (1) النهي عن التشبه بأهل البدع فيما هو شعار لهم، ~~وإنما تنازعوا (2) في أن التسطيح: هل يحصل به ذلك أم لا؟ # فإن كان هذا في التشبه بأهل البدع، فكيف بالكفار؟ # وأما كلام أحمد وأصحابه في ذلك فكثير جدا، أكثر من أن يحصر، قد قدمنا منه ~~طائفة من كلامه عند ذكر النصوص، عند قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من ~~تشبه بقوم فهو منهم» (3) وقوله: «أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى؛ لا تشبهوا ~~بالمشركين» (4) وقوله: «إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (5) . # مثل قول أحمد: " ما أحب لأحد إلا أن (6) يغير الشيب ولا يتشبه بأهل ~~الكتاب " (7) وقال لبعض أصحابه: " أحب لك أن تخضب ولا تشبه باليهود " (8) ~~وكره حلق القفا. وقال: " هو من فعل المجوس (9) ومن تشبه بقوم فهو منهم ". ~~وقال: " أكره النعل الصرار، وهو من زي العجم " (10) . PageV01P398 # وكره تسمية الشهور بالعجمية (1) والأشخاص بالأسماء الفارسية، مثل: ~~آذرماه. وقال للذي دعاه: زي المجوس، زي المجوس؟ ونفض يده في وجهه (2) وهذا ~~كثير في نصوصه (3) لا يحصر. # وقال حرب الكرماني: " قلت لأحمد: الرجل يشد وسطه بحبل ويصلي؟ قال: على ~~القباء لا بأس به. وكرهه على القميص، وذهب إلى أنه من زي (4) اليهود، فذكرت ~~له ms144 السفر، وأنا نشد ذلك على أوساطنا، فرخص فيه قليلا، وأما المنطقة ~~والعمامة ونحو ذلك، فلم يكرهه، إنما كره الخيط، وقال: هو أشنع " (5) . # قلت: وكذلك كره أصحابه أن يشد وسطه على الوجه الذي يشبه فعل أهل الكتاب. ~~فأما ما سوى ذلك: فإنه لا يكره في الصلاة على الصحيح المنصوص، بل يؤمر من ~~صلى في قميص واسع الجيب أن يحتزم، كما جاء في الحديث (6) ؛ لئلا يرى عورة ~~نفسه. # وقال الفقهاء من أصحاب الإمام (7) أحمد وغيره، منهم: القاضي أبو يعلى، ~~وابن عقيل، والشيخ أبو محمد عبد القادر PageV01P399 # الجيلي (1) وغيرهم؛ في أصناف اللباس وأقسامه: ومن اللباس المكروه: ما ~~خالف زي العرب، وأشبه زي الأعاجم وعادتهم. ولفظ عبد القادر: " ويكره كل ما ~~خالف زي العرب، وشابه زي الأعاجم " (2) . # وقال أيضا أصحاب أحمد وغيرهم منهم أبو الحسن الآمدي، المعروف بابن ~~البغدادي - وأظنه نقله أيضا عن أبي عبد الله بن حامد -: " ولا يكره غسل ~~اليدين في الإناء الذي أكل فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وقد نص ~~أحمد على ذلك، وقال: لم يزل العلماء يفعلون ذلك ونحن نفعله، وإنما تنكره ~~العامة "، وغسل اليدين بعد الطعام مسنون، رواية واحدة (3) . # وإذا قدم ما يغسل فيه اليد، فلا يرفع حتى يغسل الجماعة أيديها (4) ؛ لأن ~~الرفع من زي الأعاجم، وكذلك قال (5) الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلي: " ~~ويستحب أن يجعل ماء اليد (6) في طست (7) PageV01P400 # واحد (1) لما روي في الخبر: " لا تبددوا يبدد الله شملكم " (2) . # وروي أنه صلى الله عليه وسلم: «نهى أن يرفع الطست (3) حتى يطف» يعني ~~يمتلئ. # وقالوا أيضا - ومنهم أبو محمد (4) عبد القادر - في تعليل كراهة حلق ~~الرأس، على إحدى الروايتين: لأن في ذلك تشبها بالأعاجم (5) وقال صلى الله ~~عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (6) . # بل قد ذكر طوائف من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: كراهة ~~أشياء؛ لما فيها من التشبه بأهل البدع، مثل ما قال غير واحد من الطائفتين - ~~ومنهم عبد القادر -: " ويستحب أن يتختم في يساره؛ للآثار، ولأن خلاف ذلك ~~عادة وشعار للمبتدعة ms145 " (7) . # وحتى إن طوائف من أصحاب الشافعي، استحبوا تسنيم القبور، وإن كانت السنة ~~عندهم تسطيحها؛ قالوا: لأن ذلك صار شعارا للمبتدعة. # وليس الغرض هنا (8) تقرير أعيان هذه المسائل، ولا الكلام على ما قيل فيها ~~بنفي ولا إثبات، وإنما الغرض بيان ما اتفق عليه العلماء من كراهة التشبه ~~بغير أهل الإسلام. PageV01P401 # وقد يتردد العلماء في بعض فروع هذه القاعدة؛ لتعارض الأدلة فيها، أو لعدم ~~اعتقاد بعضهم اندراجه في هذه القاعدة، مثل ما نقله الأثرم (1) قال: سمعت ~~أبا عبد الله يسأل عن لبس الحرير في الحرب؟ فقال: " أرجو أن لا يكون به بأس ~~" (2) . # قال: وسمعت أبا عبد الله يسأل عن المنطقة والحلية فيها؟ فقال: " أما ~~المنطقة فقد كرهها قوم، يقولون: من (3) زي العجم (4) وكانوا يحتجزون ~~العمائم ". وهذا إنما علق القول فيه؛ لأن في المنطقة منفعة عارضت ما فيها ~~من التشبه، ونقل عن بعض السلف أنه كان يتمنطق (5) فلهذا حكى الكلام عن غيره ~~وأمسك. ومثل هذا: هل يجعل قولا له إذا سئل عن مسألة فحكى فيها جواب غيره ~~ولم يردفه بموافقة ولا مخالفة؟ فيه لأصحابه وجهان: # أحدهما: نعم؛ لأنه لولا موافقته له (6) لما لكان قد أجاب السائل (7) لأنه ~~إنما سأله عن قوله، ولم يسأله أن يحكي له مذاهب (8) الناس. PageV01P402 # والثاني: لا يجعل بمجرد ذلك قولا له؛ لأنه إنما حكاه فقط، ومجرد الحكاية ~~لا يدل على الموافقة. # وفي لبس المنطقة أثر (1) وكلام ليس هذا موضعه. # ولمثل هذا تردد كلامه في القوس الفارسية، فقال الأثرم: سألت أبا عبد الله ~~عن القوس الفارسية؟ فقال: " إنما كانت قسي الناس العربية ". ثم قال: " إن ~~بعض الناس احتج بحديث عمر رضي الله عنه: (جعاب وأدم) (2) ". قلت: حديث أبي ~~عمرو بن حماس (3) ؟ قال: " نعم " (4) . قال: أبو عبد الله يقول: " فلا تكون ~~جعبة إلا للفارسية (5) والنبل فإنما هو قرن ". # قال الأثرم، قلت لأبي عبد الله: في تفسير مجاهد: {قلوبنا في أكنة} [فصلت: ~~5] (6) قال: " كالجعبة للنبل " (7) قال: " فإن كان يسمي جعبة للنبل، فليس ~~ما احتج به الذي قال هذا بشيء "، ثم قال: " ينبغي ms146 أن يسأل عن هذا أهل ~~العربية ". PageV01P403 # قال أبو بكر: قيل لأبي عبد الله: الدراعة يكون (1) لها فرج؟ فقال: " كان ~~لخالد (2) بن معدان دراعة لها فرج من بين يديها قدر ذراع " قيل لأبي عبد ~~الله: فيكون لها فرج من خلفها؟ قال: " ما أدري، أما من بين يديها فقد سمعت، ~~وأما من خلفها فلم أسمع " قال: إلا أن في ذلك سعة له عند الركوب (3) ومنفعة ~~". قال: " وقد احتج بعض الناس في هذا بقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم ~~من قوة} [الأنفال: 60] (4) قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: واحتج بهذه ~~الآية بعض الناس في القوس الفارسية، ثم قلت: إن أهل خراسان يزعمون أنه لا ~~منفعة لهم في القوس العربية، وإنما النكاية عندهم للفارسية (5) قال: " كيف؟ ~~! وإنما فتحت الدنيا بالعربية ". قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: ورأيتهم ~~بالثغر لا يكادون يعدلون بالفارسية، قال: " إنما رأيت الرجل بالشام متنكبا ~~قوسا عربية " (6) . # وروى الأثرم، عن حفص بن عمر (7) حدثنا رجاء بن مرجى (8) PageV01P404 # حدثني عبد الله بن بشر (1) عن أبي راشد الحبراني (2) وأبي الحجاج السكسكي ~~(3) عن علي قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوكأ على قوس له ~~عربية، إذ رأى رجلا معه قوس فارسية، فقال: " ألقها، فإنها (4) ملعونة، ولكن ~~عليكم بالقسي (5) العربية، وبرماح القنا، فبها يؤيد الله الدين، وبها يمكن ~~لكم في الأرض» (6) . # ولأصحابنا في القوس الفارسية ونحوها كلام طويل، ليس هذا موضعه، وإنما ~~نبهت بذلك على أن ما لم يكن من هدي المسلمين، بل هو (7) من هدي العجم أو ~~نحوهم، وإن ظهرت فائدته، ووضحت منفعته، تراهم يترددون فيه، ويختلفون؛ ~~لتعارض الدليلين: دليل ملازمة الهدي الأول، ودليل PageV01P405 # استعمال هذا الذي فيه منفعة بلا مضرة، مع أنه ليس من العبادات (1) ~~وتوابعها، وإنما هو من الأمور الدنيوية، وأنت ترى عامة كلام أحمد إنما يثبت ~~الرخصة بالأثر عن عمر، أو بفعل خالد بن معدان (2) ليثبت بذلك أن ذلك كان ~~يفعل على عهد السلف، ويقرون عليه، فيكون من هدي المسلمين، لا من هدي ~~الأعاجم وأهل الكتاب، فهذا هو وجه ms147 الحجة، لا أن مجرد فعل خالد بن معدان ~~حجة. # وأما ما في هذا الباب عن سائر أئمة المسلمين، من الصحابة والتابعين وسائر ~~الفقهاء، فأكثر من أن يمكن ذكر عشره، وقد قدمنا في أثناء الأحاديث كلام ~~بعضهم الذي يدل على كلام الباقين، وبدون ما ذكرناه يعلم إجماع الأمة على ~~كراهة التشبه بأهل الكتاب والأعاجم في الجملة، وإن كانوا قد يختلفون في بعض ~~الفروع، إما لاعتقاد بعضهم أنه ليس من هدي الكفار، أو لاعتقاد أن فيه دليلا ~~راجحا، أو لغير ذلك، كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة، وإن كان قد ~~يخالف بعضهم شيئا من ذلك لنوع تأويل. والله سبحانه أعلم. PageV01P406 ### | فصل في الأمر بمخالفة الشياطين # فصل ومما يشبه الأمر بمخالفة الكفار: الأمر بمخالفة الشياطين، كما رواه ~~مسلم في صحيحه، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله، ~~ويشرب بها» (1) . # وفي لفظ: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن ~~الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (2) ورواه مسلم أيضا عن الليث عن أبي ~~الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تأكلوا بالشمال، ~~فإن الشيطان يأكل بالشمال» (3) فإنه علل النهي عن الأكل والشرب بالشمال: ~~بأن الشيطان يفعل ذلك؛ فعلم أن مخالفة الشيطان أمر مقصود مأمور به، ونظائره ~~كثيرة. # وقريب من هذا: مخالفة من لم يكمل دينه من الأعراب ونحوهم؛ لأن كمال ~~الدين: الهجرة (4) فكان من آمن ولم يهاجر من الأعراب ونحوهم - ناقصا، قال ~~الله سبحانه وتعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما ~~أنزل الله على رسوله} [التوبة: 97] (5) . PageV01P407 # وذلك مثل (1) ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «لا تغلبنكم (2) الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها ~~العشاء، وهم يعتمون بالإبل» . وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله: العشاء، ms148 ~~فإنها تعتم بحلاب الإبل» (3) . # وروى البخاري، عن عبد الله بن مغفل (4) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب " قال (5) " والأعراب تقول: هي: ~~العشاء» (6) . # فقد كره موافقة الأعراب في اسم (7) المغرب والعشاء، بالعشاء والعتمة، ~~وهذه الكراهة عند بعض علمائنا تقتضي كراهة هذا الاسم مطلقا، وعند بعضهم ~~PageV01P408 # إنما تقتضي (1) كراهة الإكثار منه، حتى يغلب على الاسم الآخر، وهو ~~المشهور عندنا. # وعلى التقديرين: ففي الحديث النهي عن موافقة الأعراب في ذلك، كما نهى عن ~~موافقة الأعاجم. PageV01P409 ### | فصل في الفرق بين التشبه بالكفار والشياطين وبين التشبه بالأعراب والأعاجم ### | الناس ينقسمون إلى بر وفاجر ومؤمن وكافر ولا عبرة بالنسب # فصل واعلم أن بين التشبه بالكفار والشياطين، وبين التشبه بالأعراب ~~والأعاجم فرقا يجب اعتباره، وإجمالا يحتاج إلى تفسير، وذلك: # أن نفس الكفر والتشيطن مذموم في حكم الله ورسوله وعباده المؤمنين، ونفس ~~الأعرابية والأعجمية ليست مذمومة في نفسها عند الله تعالى وعند رسوله وعند ~~عباده المؤمنين، بل الأعراب منقسمون: # إلى أهل جفاء، قال الله فيهم: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا ~~حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم - ومن الأعراب من يتخذ ما ~~ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم} ~~[التوبة: 97 - 98] (1) . وقال تعالى فيهم: {سيقول لك المخلفون من الأعراب ~~شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل ~~فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله ~~بما تعملون خبيرا - بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ~~وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا} [الفتح: 11 - 12] (2) ~~. # وإلى أهل إيمان وبر، قال الله فيهم: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم ~~الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم ~~سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم} [التوبة: 99] (3) . PageV01P410 # وقد كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن وفد عليه ومن ms149 غيرهم ~~من الأعراب، من هو أفضل من كثير من القرويين (1) . # فهذا كتاب الله يحمد بعض الأعراب، ويذم بعضهم، وكذلك فعل بأهل الأمصار، ~~فقال سبحانه: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم} ~~[التوبة: 101] (2) فبين أن المنافقين في الأعراب وذوي القرى، وعامة سورة ~~التوبة فيها الذم للمنافقين من أهل المدينة ومن الأعراب، كما فيها الثناء ~~على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وعلى ~~الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وصلوات الرسول. # وكذلك العجم وهم من سوى العرب من الفرس والروم والترك والبربر والحبشة ~~وغيرهم ينقسمون إلى المؤمن والكافر، والبر والفاجر، كانقسام الأعراب (3) ~~قال الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات: ~~13] (4) . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إن الله قد أذهب عنكم ~~عبية (5) الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، ~~وآدم من تراب» (6) . PageV01P411 # وفي حديث آخر رويناه بإسناد صحيح من حديث سعيد الجريري (1) عن أبي نضرة ~~(2) حدثني - أو قال حدثنا - من شهد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى في ~~وسط أيام التشريق، وهو على بعير، فقال: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم عز وجل ~~واحد، ألا وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ألا لا فضل لأسود ~~على أحمر إلا بالتقوى، ألا قد بلغت؟ "، قالوا: نعم. قال: " ليبلغ الشاهد ~~الغائب» (3) . # وروي هذا الحديث عن أبي نضرة عن جابر. # وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالحو المؤمنين» ~~(4) . PageV01P412 # فأخبر صلى الله عليه وسلم عن بطن قريب النسب: أنهم ليسوا بمجرد النسب ~~أولياءه، إنما وليه الله وصالحو المؤمنين من جميع الأصناف. # ومثل ذلك كثير بين في الكتاب والسنة، أن العبرة بالأسماء ms150 التي (1) حمدها ~~الله وذمها، كالمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والعالم والجاهل. # ثم قد جاء الكتاب والسنة بمدح بعض الأعاجم، قال الله تعالى: {هو الذي بعث ~~في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين - وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز ~~الحكيم} [الجمعة: 2 - 3] (2) . # وفي الصحيحين، عن (3) أبي الغيث (4) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كنا ~~جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزلت عليه سورة الجمعة {وآخرين منهم ~~لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] قال قائل: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى ~~سأل ثلاثا، وفينا سلمان الفارسي (5) فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ~~على سلمان ثم قال: " لو كان PageV01P413 # الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء» (1) . # وفي صحيح مسلم، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس - أو قال: ~~من أبناء فارس - حتى يتناوله» (2) . # وفي رواية ثالثة: «لو كان العلم عند الثريا لتناوله رجال من أبناء فارس» ~~(3) " (4) . وقد روى الترمذي عن أبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} [محمد: 38] " أنهم من أبناء ~~فارس» (5) إلى غير ذلك من آثار رويت في فضل رجال من أبناء فارس. # ومصداق ذلك ما وجد في التابعين ومن بعدهم، من أبناء فارس الأحرار ~~والموالي، مثل الحسن (6) وابن سيرين وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم، إلى من ~~وجد بعد ذلك فيهم من المبرزين في الإيمان والدين والعلم، حتى صار هؤلاء ~~المبرزون (7) أفضل من أكثر العرب. PageV01P414 # وكذلك في سائر أصناف العجم من الحبشة والروم والترك، وبينهم (1) سابقون ~~في الإيمان والدين (2) لا يحصون كثرة، على ما هو معروف عند العلماء؛ إذ (3) ~~الفضل الحقيقي: هو اتباع ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من ~~الإيمان والعلم باطنا وظاهرا، فكل من كان فيه أمكن: كان أفضل. # والفضل إنما هو بالأسماء المحمودة في ms151 الكتاب والسنة مثل: الإسلام، ~~والإيمان، والبر، والتقوى، والعلم، والعمل الصالح، والإحسان، ونحو ذلك، لا ~~بمجرد كون الإنسان عربيا، أو عجميا، أو أسود، أو أبيض، ولا بكونه قرويا، أو ~~بدويا. # وإنما وجه النهي عن مشابهة الأعراب والأعاجم مع ما ذكرناه من الفضل فيهم، ~~وعدم العبرة بالنسب والمكان مبني على أصل، وذلك: أن الله سبحانه وتعالى جعل ~~سكنى القرى يقتضي من كمال الإنسان في العلم والدين، ورقة القلوب، ما لا ~~يقتضيه سكنى البادية، كما أن البادية توجب من صلابة البدن والخلق، ومتانة ~~الكلام مالا يكون في القرى، هذا هو الأصل. # وإن جاز تخلف هذا المقتضى لمانع، وكانت البادية أحيانا أنفع من القرى، ~~وكذلك (4) جعل الله الرسل من أهل القرى، فقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} [يوسف: 109] (5) وذلك لأن الرسل لهم ~~الكمال في عامة الأمور، حتى في النسب، ولهذا قال الله سبحانه: {الأعراب أشد ~~كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} [التوبة: 97] ~~(6) ذكر هذا بعد PageV01P415 # قوله: {إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون - يعتذرون إليكم إذا رجعتم ~~إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله ~~عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون - ~~سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ~~ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون - يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا ~~عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين - الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ~~ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم} [التوبة: 93 - ~~97] (1) . # فلما ذكر الله المنافقين الذين استأذنوه في (2) التخلف عن الجهاد في غزوة ~~تبوك، وذمهم وهؤلاء كانوا من أهل المدينة، قال سبحانه: {الأعراب أشد كفرا ~~ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} [التوبة: 97] (3) ~~فإن الخير كله - أصله وفصله (4) - منحصر في العلم والإيمان كما قال سبحانه: ms152 ~~{يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] (5) ~~وقال تعالى: {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان} [الروم: 56] (6) . # وضد الإيمان: إما الكفر الظاهر، أو النفاق الباطن، ونقيض العلم: عدمه. # فقال سبحانه عن الأعراب: إنهم (7) أشد كفرا ونفاقا من أهل المدينة ~~PageV01P416 # وأحرى منهم أن لا يعلموا حدود الكتاب والسنة، والحدود: هي حدود الأسماء ~~المذكورة، فيما أنزل (1) الله من الكتاب والحكمة، مثل: حدود الصلاة والزكاة ~~والصوم والحج، والمؤمن والكافر، والزاني والسارق والشارب، وغير ذلك حتى ~~يعرف من الذي يستحق ذلك الاسم الشرعي ممن لا يستحقه، وما تستحقه مسميات تلك ~~الأسماء: من الأحكام. # ولهذا: روى أبو داود وغيره من حديث الثوري (2) حدثني أبو موسى (3) عن وهب ~~بن منبه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال ~~سفيان مرة: ولا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال: «من سكن ~~البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن» (4) . # ورواه أبو داود أيضا من حديث الحسن بن الحكم النخعي (5) عن PageV01P417 # عدي بن ثابت (1) عن شيخ من الأنصار، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم - بمعناه - وقال «ومن لزم السلطان افتتن» ، وزاد «وما ~~ازداد عبد من السلطان دنوا إلا ازداد من الله عز وجل بعدا» (2) ولهذا: ~~كانوا يقولون لمن يستغلظونه: إنك لأعرابي جاف، إنك لجلف جاف، يشيرون إلى ~~غلظ عقله وخلقه. # ثم لفظ: (الأعراب) هو في الأصل: اسم لبادية العرب، فإن كل أمة (3) لها ~~حاضرة وبادية، فبادية العرب: الأعراب، ويقال: إن (4) بادية الروم: الأرمن ~~ونحوهم (5) وبادية الفرس: الأكراد ونحوهم (6) وبادية الترك (7) التتار. # وهذا - والله أعلم - هو الأصل، وإن كان قد يقع فيه زيادة ونقصان. ~~PageV01P418 # والتحقيق: أن سائر (1) سكان البوادي لهم (2) حكم الأعراب، سواء دخلوا في ~~لفظ الأعراب أو لم يدخلوا، فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من ~~جنس البادية، وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة، مثلا. # ويقتضي: أن ما انفرد به (3) البادية عن جميع جنس الحاضرة - أعني في ms153 زمن ~~السلف من الصحابة والتابعين - فهو ناقص عن فضل الحاضرة، أو مكروه. # فإذا وقع التشبه بهم فيما ليس من فعل الحاضرة المهاجرين، كان ذلك إما ~~مكروها، أو مفضيا إلى مكروه (4) وهكذا العرب (5) والعجم. ### | التفاضل بين جنس العرب وجنس العجم # فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس ~~العجم، عبرانيهم (6) وسريانيهم (7) روميهم وفرسيهم (8) وغيرهم. PageV01P419 # وأن قريشا أفضل العرب، وأن بني هاشم: أفضل قريش، وأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أفضل بني هاشم. فهو: أفضل الخلق نفسا، وأفضلهم نسبا. # وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم، لمجرد كون النبي صلى الله عليه ~~وسلم منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت (1) ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أفضل نفسا ونسبا، وإلا لزم الدور. # ولهذا ذكر أبو محمد حرب بن إسماعيل (2) الكرماني، صاحب الإمام أحمد، في ~~وصفه للسنة التي قال فيها: " هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة ~~المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق، ~~والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، ~~أو عاب قائلها - فهو مبتدع خارج (3) من الجماعة، زائل عن منهج السنة، وسبيل ~~الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد (4) وعبد الله بن الزبير ~~الحميدي (5) وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا، وأخذنا عنهم العلم، وكان ~~من قولهم أن الإيمان قول وعمل ونية "، وساق كلاما طويلا. . . . إلى أن قال: ~~" ونعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ونحبهم؛ لحديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «حب العرب إيمان وبغضهم نفاق» (6) ولا PageV01P420 # نقول بقول الشعوبية (1) وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب، ولا يقرون ~~بفضلهم، فإن قولهم بدعة وخلاف ". # ويروى هذا الكلام عن أحمد نفسه (2) في رسالة أحمد بن سعيد الإصطخري (3) ~~عنه - إن صحت - وهو قوله، وقول عامة أهل العلم. # وذهبت فرقة من الناس إلى (4) أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم. وهؤلاء ~~يسمون الشعوبية، لانتصارهم للشعوب، التي هي ms154 مغايرة للقبائل، كما قيل: ~~القبائل: للعرب، والشعوب: للعجم. # ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب. # والغالب أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عن نوع نفاق: إما في الاعتقاد، ~~PageV01P421 # وإما في العمل المنبعث عن هوى النفس، مع شبهات اقتضت ذلك، ولهذا جاء في ~~الحديث: «حب العرب إيمان وبغضهم نفاق» (1) مع أن الكلام في هذه المسائل لا ~~يكاد يخلو عن هوى (2) للنفس، ونصيب للشيطان من الطرفين، وهذا محرم في جميع ~~المسائل. # فإن الله قد أمر المؤمنين بالاعتصام بحبل الله جميعا، ونهاهم عن التفرق ~~والاختلاف، وأمرهم (3) بإصلاح ذات البين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى ~~منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (4) . # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا، ولا ~~تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا، كما أمركم الله» (5) وهذان حديثان ~~صحيحان. # وفي الباب من نصوص الكتاب والسنة ما لا يحصى. # والدليل على فضل جنس العرب، ثم جنس قريش، ثم جنس بني هاشم: ما رواه ~~الترمذي، من حديث إسماعيل بن أبي خالد (6) عن يزيد بن PageV01P422 # أبي زياد (1) عن عبد الله بن الحارث (2) عن العباس بن عبد المطلب، رضي ~~الله عنه قال، قلت «يا رسول الله، إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، ~~فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة (3) من الأرض، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم، ثم خير القبائل، فجعلني في ~~خير قبيلة، ثم خير البيوت، فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم ~~بيتا» (4) قال الترمذي: هذا حديث حسن، وعبد الله بن الحارث هو ابن نوفل " ~~(5) . # الكبى بالكسر والقصر، والكبة: الكناسة (6) . وفي الحديث: " الكبوة " وهي ~~مثل: الكبة (7) . PageV01P423 # والمعنى: أن النخلة طيبة في نفسها، وإن كان أصلها ليس بذاك (1) فأخبر صلى ~~الله عليه وسلم: أنه خير الناس نفسا ونسبا. # وروى الترمذي أيضا من حديث الثوري (2) عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله ~~بن الحارث، عن المطلب ms155 بن أبي وداعة (3) قال: «جاء العباس إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فكأنه سمع شيئا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ~~فقال: " من أنا؟ " قالوا: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) . قال: " ~~أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب "، ثم قال: " إن الله خلق الخلق، ~~فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل ~~فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا» ~~(5) قال الترمذي: " هذا (6) حديث حسن " (7) كذا وجدته في الكتاب، وصوابه: ~~«فأنا خيرهم بيتا وخيرهم نفسا» (8) . # وقد روى أحمد هذا الحديث في المسند، من حديث الثوري، عن PageV01P424 # يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبي ~~وداعة، قال: قال العباس رضي الله عنه: «بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما ~~يقول الناس، قال: فصعد المنبر فقال: " من أنا؟ " قالوا: أنت رسول الله؟ ~~قال: " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في ~~خير خلقهم (1) وجعلهم فرقتين، فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في ~~خير قبيلة، وجعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، وخيركم ~~نفسا» (2) . # أخبر صلى الله عليه وسلم: أنه ما انقسم الخلق فريقين (3) إلا كان هو في ~~خير الفريقين، وكذلك جاء حديث بهذا اللفظ. # وقوله في الحديث: «خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم خيرهم فرقتين فجعلني في ~~خير فرقة» يحتمل شيئين: # أحدهما: أن الخلق هم الثقلان، أو هم جميع ما خلق في الأرض وبنو آدم ~~خيرهم، وإن قيل بعموم الخلق حتى يدخل فيه الملائكة؛ كان فيه تفضيل جنس بني ~~آدم على جنس الملائكة، وله وجه صحيح (4) . # ثم جعل بني آدم فرقتين، والفرقتان: العرب والعجم. ثم جعل العرب قبائل، ~~فكانت قريش أفضل قبائل العرب، ثم جعل قريشا بيوتا، فكانت بنو هاشم أفضل ~~البيوت. PageV01P425 # ويحتمل أنه أراد بالخلق (1) بني آدم، فكان في خيرهم، أي في ولد إبراهيم ~~(2) أو في العرب، ثم جعل ms156 بني إبراهيم فرقتين: بني إسماعيل، وبني إسحاق، أو ~~جعل العرب عدنان وقحطان، فجعلني في بني إسماعيل، أو بني عدنان. # ثم جعل بني إسماعيل - أو بني عدنان - قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة: وهم ~~قريش. # وعلى كل تقدير، فالحديث صريح بتفضيل العرب على غيرهم (3) . # وقد بين صلى الله عليه وسلم أن هذا التفضيل يوجب المحبة لبني هاشم، ثم ~~لقريش، ثم للعرب. # فروى الترمذي من حديث أبي عوانة (4) عن يزيد بن أبي زياد - أيضا - (5) عن ~~عبد الله بن الحارث، حدثني (6) المطلب بن أبي (7) ربيعة (8) بن الحارث بن ~~عبد المطلب: «أن العباس بن عبد المطلب، دخل على PageV01P426 # رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا، وأنا عنده، فقال: " ما أغضبك؟ " ~~قال: يا رسول الله، ما لنا ولقريش: إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة، ~~وإذا لقونا لقونا بغير ذلك، قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~احمر وجهه، ثم قال: " والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل الإيمان، حتى يحبكم ~~لله ولرسوله - ثم قال -: أيها الناس، من آذى عمي فقد آذاني، فإنما عم الرجل ~~صنو (1) أبيه» (2) قال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح " (3) . # ورواه أحمد في المسند مثل هذا من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد (4) . # هذا ورواه أيضا من حديث جرير (5) عن يزيد بن أبي زياد، عن PageV01P427 # عبد الله بن الحارث، عن (1) عبد المطلب بن ربيعة قال: «دخل العباس على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إنا لنخرج فنرى قريشا ~~تتحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودر عرق بين ~~عينيه، ثم قال: " والله لا يدخل قلب امرئ إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي» ~~(2) . # فقد كان عند يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث، هذان الحديثان: # أحدهما: في فضل القبيل الذي منه النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني: في ~~محبتهم، وكلاهما رواه عنه إسماعيل بن أبي خالد. # وما فيه من كون عبد الله بن الحارث يروي الأول: تارة عن العباس، وتارة عن ~~المطلب بن ms157 أبي وداعة، والثاني عن عبد المطلب بن ربيعة، وهو ابن الحارث بن ~~عبد المطلب، وهو من الصحابة، قد يظن أن هذا اضطراب في الأسماء من جهة يزيد، ~~وليس هذا موضع الكلام فيه، فإن الحجة قائمة بالحديث على كل تقدير، لا سيما ~~وله شواهد تؤيد معناه. # ومثله أيضا في المسألة: ما رواه أحمد ومسلم والترمذي، من حديث الأوزاعي، ~~عن شداد بن أبي (3) عمار (4) عن PageV01P428 # واثلة (1) بن الأسقع، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ~~الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش ~~بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (2) هكذا رواه الوليد (3) وأبو (4) ~~المغيرة (5) عن الأوزاعي (6) . # ورواه أحمد والترمذي، من حديث محمد بن مصعب (7) عن الأوزاعي (8) ولفظه: ~~«إن الله اصطفى من ولد إبراهيم: إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل: بني ~~كنانة» . . (9) الحديث، قال الترمذي: " هذا حديث حسن PageV01P429 # صحيح " (1) . # وهذا يقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم، فيقتضي أنهم أفضل من ولد ~~إسحاق، ومعلوم أن ولد إسحاق الذين هم بنو إسرائيل أفضل العجم؛ لما فيهم من ~~النبوة والكتاب، فمتى ثبت الفضل على هؤلاء، فعلى غيرهم بطريق الأولى، وهذا ~~جيد، إلا أن يقال: الحديث يقتضي: أن (2) إسماعيل هو المصطفى من ولد ~~إبراهيم، وأن بني كنانة هم المصطفون من ولد إسماعيل، وليس فيه ما يقتضي أن ~~ولد إسماعيل أيضا مصطفون على غيرهم، إذا كان أبوهم مصطفى، وبعضهم مصطفى على ~~بعض. # فيقال: لو لم يكن هذا مقصودا في الحديث؛ لم يكن لذكر اصطفاء إسماعيل ~~فائدة إذا كان اصطفاؤه (3) لم يدل على اصطفاء (4) ذريته، إذ يكون على هذا ~~التقدير (5) لا فرق بين ذكر إسماعيل وذكر إسحاق. # ثم هذا - منضما إلى بقية الأحاديث - دليل على أن المعنى في جميعها واحد. # واعلم أن الأحاديث في فضل قريش، ثم في فضل بني هاشم فيها كثرة، وليس هذا ~~موضعها، وهي تدل أيضا على ذلك، إذ نسبة قريش إلى العرب كنسبة العرب إلى ~~الناس، وهكذا جاءت الشريعة كما سنومئ إلى بعضه (6) . PageV01P430 # فإن الله تعالى خص ms158 العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها، ثم خص قريشا على ~~سائر العرب، بما جعل فيهم من خلافة النبوة، وغير ذلك من الخصائص. # ثم خص بني هاشم بتحريم الصدقة، واستحقاق قسط من الفيء، إلى غير ذلك من ~~الخصائص، فأعطى الله سبحانه كل درجة من الفضل (1) بحسبها، والله عليم حكيم ~~{الله يصطفي (2) من الملائكة رسلا ومن الناس} [الحج: 75] (3) و {الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] (4) " (5) . # وقد قال الناس في قوله: {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف: 44] (6) وفي ~~قوله: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128] (7) أشياء ليس (8) هذا ~~موضعها. ### | النهي عن بغض العرب # ومن (9) الأحاديث التي تذكر في هذا (10) ما رويناه من طرق معروفة إلى ~~محمد بن إسحاق (11) الصغاني (12) حدثنا عبد الله بن PageV01P431 # بكر (1) السهمي (2) حدثنا يزيد بن عوانة (3) عن محمد بن ذكوان (4) - خال ~~ولد (5) حماد بن زيد - (6) عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما ~~قال: «إنا لقعود بفناء النبي صلى الله عليه وسلم إذ مرت بنا (7) امرأة، ~~فقال بعض القوم: هذه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبو سفيان: ~~مثل محمد في بني هاشم، مثل الريحانة في وسط النتن، فانطلقت المرأة فأخبرت ~~(8) النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه ~~الغضب فقال: " ما بال أقوال تبلغني عن أقوام، إن الله خلق السموات سبعا ~~فاختار العلى (9) منها، وأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق، فاختار ~~PageV01P432 # من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار ~~من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من ~~خيار إلى خيار، فمن أحب العرب، فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» ~~(1) . # وأيضا في المسألة (2) ما رواه الترمذي وغيره من حديث أبي بدر شجاع بن ~~الوليد (3) عن قابوس بن أبي ظبيان (4) عن أبيه (5) عن سلمان رضي الله عنه. ~~قال: قال لي (6) رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا سلمان لا تبغضني فتفارق ~~PageV01P433 # دينك " قلت: يا رسول الله، كيف أبغضك ms159 وبك هداني الله؟ قال: " تبغض العرب ~~فتبغضني» . # قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه (1) إلا من حديث أبي بدر شجاع ~~بن الوليد (2) . # فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم: بغض العرب سببا لفراق الدين، وجعل ~~بغضهم مقتضيا لبغضه. # ويشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خاطب بهذا سلمان - وهو سابق (3) ~~الفرس ذو الفضائل المأثورة - تنبيها لغيره من سائر الفرس؛ لما علمه الله من ~~أن الشيطان قد يدعو بعض (4) النفوس إلى شيء من هذا. # كما أنه صلى الله عليه وسلم لما قال: «يا فاطمة (5) بنت محمد، لا أغني ~~عنك من الله شيئا، PageV01P434 # يا عباس عم رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية (1) عمة رسول ~~الله، لا أغني عنك من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم» (2) كان في هذا ~~تنبيه لمن انتسب لهؤلاء الثلاثة أن لا يغتروا (3) بالنسب ويتركوا (4) الكلم ~~الطيب والعمل الصالح. # وهذا دليل على أن بغض جنس العرب، ومعاداتهم: كفر أو سبب للكفر، ومقتضاه: ~~أنهم أفضل من غيرهم، وأن محبتهم سبب قوة الإيمان؛ لأنه لو كان تحريم بغضهم ~~كتحريم بغض سائر الطوائف، لم يكن سببا لفراق الدين، ولا لبغض (5) الرسول، ~~بل كان يكون نوع عدوان، فلما جعله سببا لفراق الدين وبغض الرسول دل على أن ~~بغضهم أعظم من بغض غيرهم، وذلك (6) دليل على أنهم أفضل؛ لأن الحب والبغض ~~يتبع (7) الفضل، فمن كان بغضه أعظم، دل على أنه أفضل، ودل حينئذ على أن ~~محبته دين؛ لأجل ما فيه من زيادة الفضل، PageV01P435 # ولأن ذلك ضد البغض، ومن كان بغضه سببا للعذاب بخصوصه، كان حبه سببا ~~للثواب، وذلك دليل على الفضل. # وقد جاء ذلك مصرحا به في حديث آخر، رواه أبو طاهر السلفي (1) في فضل ~~العرب، من حديث أبي بكر بن أبي داود (2) حدثنا عيسى (3) بن حماد زغبة، ~~حدثنا علي بن الحسن الشامي (4) حدثنا خليد بن دعلج (5) عن PageV01P436 # يونس بن عبيد (1) عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «حب ms160 أبي بكر وعمر من الإيمان، وبغضهما من الكفر، وحب العرب ~~من الإيمان، وبغضهم من الكفر» (2) . # وقد احتج حرب الكرماني وغيره بهذا الحديث، وذكروا لفظه: «حب العرب إيمان، ~~وبغضهم نفاق وكفر» (3) . # وهذا الإسناد وحده فيه نظر، لكن لعله روي من وجه آخر، وإنما كتبته ~~لموافقته معنى حديث سلمان، فإنه قد صرح في حديث سلمان: بأن بغضهم نوع كفر، ~~ومقتضى ذلك: أن حبهم نوع إيمان، فكان هذا موافقا له. # وكذلك قد رويت أحاديث، النكرة ظاهرة عليها، مثل ما رواه الترمذي من حديث ~~حصين (4) بن عمر، عن مخارق بن PageV01P437 # عبد الله (1) عن طارق بن شهاب (2) عن عثمان بن عفان (3) رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غش العرب لم يدخل في شفاعتي، ~~ولم تنله مودتي» (4) قال الترمذي: " هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ~~حصين بن عمر الأحمسي، عن مخارق. وليس حصين عند أهل الحديث بذاك القوي " (5) ~~. # قلت: هذا الحديث معناه قريب من معنى حديث سلمان، فإن الغش للنوع لا يكون ~~مع محبتهم، بل لا يكون إلا مع استخفاف (6) أو مع بغض (7) فليس معناه بعيدا، ~~لكن حصين هذا الذي رواه، قد أنكر أكثر الحفاظ أحاديثه، PageV01P438 # قال يحيى بن معين: " ليس بشيء " (1) وقال ابن المديني: " ليس بالقوي، روى ~~عن مخارق عن طارق أحاديث منكرة " (2) وقال البخاري وأبو زرعة: " منكر ~~الحديث " (3) وقال يعقوب بن شيبة (4) " ضعيف جدا، ومنهم من يجاوز به الضعف ~~إلى الكذب " (5) وقال ابن عدي (6) " عامة أحاديثه معاضيل، ينفرد عن كل من ~~روى عنه " (7) . # قلت: ولذلك لم يحدث أحمد ابنه بهذا الحديث، في الحديث المسند، فإنه قد ~~كان كتبه عن محمد بن بشر (8) عن عبد الله بن عبد الله بن PageV01P439 # الأسود (1) عن حصين - كما رواه الترمذي - فلم يحدثه به، وإنما رواه عبد ~~الله (2) عنه في المسند، وجادة (3) قال: " وجدت في كتاب أبي، حدثنا محمد بن ~~بشر. . . وذكره. . . " (4) . # وكان أحمد رحمه الله (5) - على ما تدل (6) عليه طريقته في المسند - إذا ~~رأى أن الحديث موضوع، أو قريب من الموضوع ms161 (7) لم يحدث به، ولذلك (8) ضرب ~~على أحاديث رجال فلم يحدث بها في المسند؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب: فهو أحد الكاذبين» (9) . ~~PageV01P440 # وكذلك روى عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، حدثنا إسماعيل أبو (1) معمر ~~(2) حدثنا إسماعيل بن عياش، عن زيد بن جبيرة (3) عن داود بن حصين، عن عبيد ~~الله بن أبي رافع (4) عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا يبغض العرب إلا منافق» (5) وزيد بن جبيرة عندهم منكر ~~الحديث، وهو مدني، ورواية إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين مضطربة. # وكذلك (6) روى أبو جعفر محمد بن عبد الله الحافظ الكوفي المعروف ~~PageV01P441 # بمطين (1) حدثنا (2) العلاء بن عمرو الحنفي (3) حدثنا (4) يحيى بن يزيد ~~الأشعري (5) حدثنا (6) ابن جريج (7) عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، ~~والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي» (8) . PageV01P442 # قال الحافظ السلفي: " هذا حديث حسن ". # فما أدري: أراد حسن إسناده على طريقة المحدثين، أو حسن متنه على الاصطلاح ~~العام؟ # وأبو الفرج بن الجوزي (1) ذكر هذا الحديث في الموضوعات، وقال: قال ~~العقيلي (2) " لا أصل له " (3) وقال ابن حبان: " يحيى بن يزيد (4) يروي ~~المقلوبات عن الأثبات فبطل الاحتجاج به " (5) والله أعلم. # وأيضا في المسألة: ما روى أبو بكر البزار (6) حدثنا إبراهيم بن سعيد ~~PageV01P443 # الجوهري (1) حدثنا أبو أحمد (2) حدثنا عبد الجبار بن العباس (3) وكان ~~رجلا من أهل الكوفة، يميل إلى الشيعة، وهو صحيح الحديث مستقيمه، وهذا - ~~والله أعلم - كلام البزار، عن أبي إسحاق، عن أوس بن ضمعج (4) قال: قال ~~سلمان: " نفضلكم يا معاشر العرب لتفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إياكم، لا ننكح نساءكم، ولا نؤمكم في الصلاة ". # وهذا إسناد جيد، وأبو أحمد هو - والله أعلم - محمد بن عبد الله الزبيري ~~(5) من أعيان العلماء الثقات، وقد أثنى PageV01P444 # عليه (1) شيخه، والجوهري وأبو إسحاق السبيعي أشهر من أن يثنى عليهما، ~~وأوس بن ضمعج ثقة روى ms162 له مسلم. # وقد أخبر سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل العرب، فإما إنشاء ~~وإما إخبارا، فإنشاؤه صلى الله عليه وسلم: حكم لازم، وخبره: حديث صادق. # وتمام الحديث قد روي عن سلمان من غير هذا الوجه، رواه الثوري عن أبي ~~إسحاق، عن أبي ليلى الكندي (2) عن سلمان الفارسي أنه قال: " فضلتمونا يا ~~معاشر (3) العرب باثنتين، لا نؤمكم (4) ولا ننكح نساءكم " رواه محمد بن أبي ~~عمر العدني (5) وسعيد (6) في سننه، وغيرهما. # وهذا مما احتج به أكثر الفقهاء الذين جعلوا العربية من الكفاءة بالنسبة ~~إلى العجمي، واحتج به أحمد في إحدى الروايتين على أن الكفاءة ليست حقا ~~لواحد معين، بل هي من الحقوق المطلقة في النكاح، حتى إنه يفرق بينهما عند ~~عدمها. PageV01P445 # واحتج أصحاب الشافعي وأحمد بهذا على أن الشرف مما يستحق به التقديم في ~~الصلاة. # ومثل ذلك ما رواه محمد بن أبي عمر العدني (1) حدثنا سعيد بن عبيد (2) ~~أنبأنا علي بن ربيعة (3) عن ربيع بن فضلة (4) أنه خرج في اثني عشر راكبا ~~كلهم قد صحب محمدا صلى الله عليه وسلم غيرة، وفيهم سلمان الفارسي، وهم في ~~سفر، فحضرت الصلاة، فتدافع القوم، أيهم يصلي بهم، فصلى بهم رجل منهم أربعا، ~~فلما انصرف قال سلمان: ما هذا؟ ما هذا؟ مرارا، نصف المربوعة - قال مروان ~~(5) يعني نصف الأربع - نحن إلى التخفيف أفقر، فقال له القوم: " صل بنا يا ~~أبا عبد الله؛ أنت أحقنا بذلك، فقال: لا، أنتم بنو إسماعيل الأئمة، ونحن ~~الوزراء ". # وفي المسألة آثار غير ما ذكرته، في بعضها نظر، وبعضها موضوع، وأيضا فإن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وضع ديوان العطاء، كتب الناس على قدر ~~أنسابهم فبدأ بأقربهم فأقربهم نسبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ~~انقضت العرب ذكر العجم، هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين، وسائر ~~الخلفاء من بني أمية وولد العباس، إلى أن تغير الأمر بعد ذلك. PageV01P446 ### | أسباب تفضيل العرب # وسبب هذا الفضل - والله أعلم - ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم ~~وأعمالهم، ms163 وذلك أن الفضل: إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح. # والعلم له مبدأ، وهو: قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ، وتمام، وهو: قوة ~~المنطق، الذي هو البيان والعبارة. والعرب هم أفهم من غيرهم، وأحفظ وأقدر ~~على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة بيانا وتمييزا للمعاني، جمعا ~~وفرقا، يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل، إذا شاء المتكلم الجمع (1) ~~ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ آخر مميز مختصر، كما تجده من لغتهم في ~~(2) جنس الحيوان، فهم - مثلا - يعبرون عن القدر المشترك بين الحيوان ~~بعبارات جامعة، ثم يميزون بين أنواعه في أسماء كل أمر من أموره: من ~~الأصوات، والأولاد، والمساكن، والأطفال (3) إلى غير ذلك من خصائص اللسان ~~العربي، التي لا (4) يستراب فيها. # وأما العمل: فإن مبناه على الأخلاق وهي الغرائز المخلوقة في النفس، ~~وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء، والحلم، والشجاعة، ~~والوفاء، وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة ~~للخير، معطلة عن فعله، ليس عندهم علم منزل من السماء، ولا شريعة موروثة عن ~~نبي، ولا هم أيضا مشتغلين ببعض العلوم العقلية المحضة، كالطب والحساب، ~~ونحوها، إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم: من الشعر والخطب، وما حفظوه من ~~أنسابهم وأيامهم، وما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم، أو من ~~الحروب. PageV01P447 # فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى: الذي (1) ما جعل الله في ~~الأرض - ولا يجعل - أمرا أجل منه وأعظم قدرا، وتلقوه عنه بعد مجاهدته ~~الشديدة لهم، ومعالجتهم على نقلهم عن تلك العادات الجاهلية، والظلمات ~~الكفرية، التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرتها، فلما تلقوا عنه ذلك الهدى ~~العظيم (2) زالت تلك الريون (3) عن قلوبهم، واستنارت بهدى الله الذي أنزل ~~على عبده ورسوله. # فأخذوا هذا الهدى العظيم، بتلك الفطرة الجيدة (4) فاجتمع لهم الكمال ~~بالقوة المخلوقة فيهم، والكمال الذي أنزل الله إليهم: بمنزلة أرض جيدة (5) ~~في نفسها، لكن هي معطلة عن الحرث، أو قد نبت فيها شجر العضاة (6) والعوسج ~~(7) وصارت مأوى الخنازير والسباع، فإذا طهرت عن المؤذي من الشجر ms164 والدواب، ~~وازدرع فيها أفضل الحبوب والثمار، جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله، فصار ~~السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل خلق الله بعد الأنبياء، وصار ~~أفضل الناس بعدهم: من اتبعهم بإحسان إلى يوم القيامة: من العرب والعجم. ~~PageV01P448 # وكان الناس إذ ذاك الخارجون عن هذا الكمال قسمين: # إما كافر: من اليهود والنصارى، لم يقبل هدى الله. # وإما غيرهم: من العجم، الذين لم يشركوهم فيما فطروا عليه، وكان (1) عامة ~~العجم حينئذ (2) كفارا من: الفرس والروم، فجاءت الشريعة باتباع أولئك ~~السابقين على الهدى الذي رضيه الله لهم، وبمخالفة من سواهم، إما لمعصيته ~~وإما لنقيصته، وإما لأنه مظنة النقيصة. # فإذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم؛ دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار، ~~قديما وحديثا، ودخل فيه (3) ما عليه الأعاجم المسلمون، مما لم يكن عليه ~~السابقون الأولون، كما يدخل في مسمى الجاهلية العربية ما كان عليه أهل ~~الجاهلية قبل الإسلام، وما عاد إليه كثير من العرب من الجاهلية التي كانوا ~~عليها. # ومن تشبه من العرب بالعجم لحق بهم، ومن تشبه من العجم بالعرب لحق بهم، ~~ولهذا كان الذين تناولوا العلم والإيمان من أبناء فارس، إنما حصل ذلك ~~بمتابعتهم للدين الحنيف، بلوازمه من العربية وغيرها. ومن نقص (4) من العرب ~~إنما هو بتخلفهم عن هذا، وإما بموافقتهم للعجم، فيما السنة أن يخالفوا فيه، ~~فهذا وجه (5) . # وأيضا فإن الله تعالى لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغا ~~PageV01P449 # عنه للكتاب (1) والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين ~~متكلمين به؛ لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط اللسان، وصارت ~~معرفته من الدين، وصار اعتبار التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين ~~الله، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين، وأقرب إلى مشابهتهم (2) للسابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار، في جميع أمورهم. # وسنذكر إن شاء الله تعالى بعض ما قاله العلماء، من الأمر بالخطاب العربي، ~~وكراهة مداومة غيره لغير حاجة، واللسان تقارنه (3) أمور أخرى: من العلوم ~~والأخلاق، فإن العادات لها تأثير عظيم فيما يحبه الله وفيما يكرهه، ms165 فلهذا ~~أيضا جاءت الشريعة بلزوم عادات السابقين الأولين، في أقوالهم وأعمالهم، ~~وكراهة الخروج عنها إلى غيرها من غير حاجة. # فحاصله: أن النهي عن التشبيه بهم؛ لما يفضي إليه من فوت الفضائل، التي ~~جعلها الله للسابقين الأولين، أو حصول النقائص التي كانت في غيرهم. # ولهذا: لما علم المؤمنون من أبناء فارس، وغيرهم، هذا الأمر، أخذ من وفقه ~~الله منهم نفسه بالاجتهاد في تحقيق المشابهة بالسابقين، فصار أولئك من أفضل ~~التابعين بإحسان إلى يوم القيامة، وصار كثير منهم أئمة لكثير من غيرهم، ~~ولهذا كانوا يفضلون من الفرس من رأوه أقرب إلى متابعة السابقين، حتى قال ~~الأصمعي (4) فيما رواه عنه أبو طاهر السلفي في كتاب (فضل الفرس) ~~PageV01P450 # قال: " عجم أصبهان قريش العجم " (1) . # وروى أيضا السلفي بإسناد معروف عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ~~الماجشون (2) عن أسامة بن زيد (3) عن سعيد بن المسيب قال: " لو أني لم أكن ~~من قريش لأحببت أن أكون من فارس، ثم أحببت أن أكون من أصبهان " (4) . # وروي بإسناد آخر، عن سعيد بن المسيب قال: لولا أني رجل من قريش لتمنيت أن ~~أكون من أصبهان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان الدين معلقا ~~بالثريا لتناوله ناس من فارس من أبناء (5) العجم، أسعد الناس بها فارس ~~وأصبهان» (6) . # قالوا: وكان سلمان الفارسي من أهل أصبهان، وكذلك عكرمة مولى ابن عباس رضي ~~الله عنهما، وغيرهما، فإن آثار الإسلام كانت بأصبهان أظهر منها بغيرها، حتى ~~قال الحافظ عبد القادر الرهاوي (7) " ما رأيت بلدا بعد بغداد، أكثر حديثا ~~من أصبهان ". PageV01P451 # وكان (1) أئمة السنة علما وفقها، والعارفون بالحديث وسائر أمور الإسلام ~~المحض، فيهم أكثر من غيرهم، حتى إنه قيل: إن قضاتهم كانوا من فقهاء الحديث، ~~مثل: صالح بن أحمد بن حنبل، ومثل: أبي بكر بن أبي عاصم، ومن بعدهم، وأنا لا ~~أعلم حالهم بآخرة (2) . # وكذلك كل مكان أو شخص من أهل فارس، يمدح المدح الحقيقي: إنما يمدح ~~لمشابهته السابقين، حتى قد يختلف في (3) فضل شخص على شخص، أو قول على قول، ms166 ~~أو فعل على فعل؛ لأجل اعتقاد كل من المختلفين أن هذا أقرب إلى طريق ~~السابقين الأولين، فإن الأمة مجمعة على هذه القاعدة وهي: فضل طريقة العرب ~~السابقين، وأن الفاضل من تبعهم، وهو المطلوب هنا. # وإنما يتم الكلام بأمرين: أحدهما: أن الذي يجب على المسلم إذا نظر في ~~الفضائل، أو تكلم فيها، أن يسلك سبيل العاقل الدين، الذي غرضه أن يعرف ~~الخير، ويتحراه جهده، وليس غرضه الفخر على أحد، ولا الغمص (4) من أحد، فقد ~~روى مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي (5) رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه أوحي إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد ~~على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» (6) . PageV01P452 # فنهى سبحانه على لسان رسوله عن نوعي الاستطالة على الخلق، وهي: الفخر ~~والبغي؛ لأن المستطيل إن استطال بحق فقد افتخر، وإن كان بغير حق فقد بغى، ~~فلا يحل لا هذا ولا هذا، فإن كان الرجل من الطائفة الفاضلة، مثل: أن يذكر ~~فضل بني هاشم أو قريش أو العرب أو بعضهم، فلا يكن حظه استشعار فضل نفسه، ~~والنظر إلى ذلك، فإنه مخطئ في هذا؛ لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص كما ~~قدمناه، فرب حبشي أفضل عند الله من جمهور قريش، ثم هذا النظر يوجب نقصه ~~وخروجه عن الفضل، فضلا عن أن يستعلي بهذا، أو يستطيل. # وإن كان من الطائفة الأخرى، مثل العجم، أو غير قريش، أو غير بني هاشم، ~~فليعلم أن تصديقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر وطاعته فيما ~~أمر، ومحبة من أحبه الله، والتشبه بمن فضل الله، والقيام بالدين الحق، الذي ~~بعث الله به محمدا؛ يوجب له أن يكون أفضل من جمهور الطائفة المفضلة، وهذا ~~هو الفضل الحقيقي. # وانظر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين وضع الديوان، وقالوا له: يبدأ ~~أمير المؤمنين بنفسه فقال: لا (1) ولكن ضعوا عمر حيث وضعه الله. فبدأ بأهل ~~بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم (2) من يليهم، حتى جاءت ms167 نوبته في بني ~~عدي وهم متأخرون عن أكثر بطون قريش. # ثم هذا الاتباع للحق ونحوه، قدمه على عامة بني هاشم، فضلا عن غيرهم من ~~قريش. PageV01P453 # الثاني أن اسم العرب والعجم قد صار فيه اشتباه، فإنا قدمنا أن اسم العجم ~~يعم في اللغة: كل من ليس من العرب، ثم لما كان العلم والإيمان في أبناء ~~فارس أكثر منه في غيرهم من العجم؛ كانوا هم أفضل الأعاجم، فغلب لفظ العجم ~~في عرف العامة المتأخرين عليهم، فصار حقيقة عرفية عامية فيهم. # واسم العرب في الأصل كان اسما لقوم جمعوا ثلاثة أوصاف (1) . # أحدها: أن لسانهم كان باللغة العربية. # الثاني: أنهم كانوا من أولاد العرب. # الثالث: أن مساكنهم كانت أرض العرب وهي: جزيرة العرب، التي هي من بحر ~~القلزم (2) إلى بحر البصرة (3) ومن أقصى حجر باليمن، إلى أوائل الشام، بحيث ~~كانت تدخل اليمن في دارهم، ولا تدخل (4) فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت ~~العرب، حين المبعث وقبله. # فلما جاء الإسلام وفتحت الأمصار سكنوا سائر البلاد، من أقصى المشرق إلى ~~أقصى المغرب، وإلى سواحل الشام وأرمينية (5) وهذه كانت مساكن فارس والروم ~~والبربر، وغيرهم. PageV01P454 # ثم انقسمت هذه البلاد قسمين: # منها: ما غلب على أهله (1) لسان العرب حتى لا يعرف عامتهم غيره، أو ~~يعرفونه وغيره، مع ما دخل على لسان العرب من اللحن، وهذه غالب مساكن الشام، ~~والعراق، ومصر، والأندلس، ونحو ذلك، وأظن أرض فارس وخراسان كانت هكذا ~~قديما. # ومنها: ما العجمية كثيرة فيهم، أو غالبة عليهم، كبلاد الترك، وخراسان (2) ~~وأرمينية، وأذربيجان (3) ونحو ذلك. # فهذه البقاع انقسمت: إلى ما هو عربي ابتداء، وإلى ما هو عربي انتقالا، ~~وإلى ما هو عجمي. # وكذلك الأنساب (4) ثلاثة أقسام: # قوم من نسل العرب، وهم باقون على العربية لسانا ودارا، أو لسانا (5) (5) ~~لا دارا، أو دارا لا لسانا (6) . # وقوم من نسل العرب، بل من نسل بني هاشم، صارت العجمية لسانهم ودارهم، أو ~~أحدهما. # وقوم (7) مجهولو الأصل، لا يدرى: أمن نسل العرب هم، أم من نسل ~~PageV01P455 # العجم؟ وهم أكثر (1) الناس اليوم، سواء كانوا عرب ms168 الدار واللسان، أو عجما ~~في أحدهما. # وكذلك انقسموا في اللسان ثلاثة أقسام: # قوم يتكلمون بالعربية لفظا ونغمة (2) . # وقوم يتكلمون بها لفظا لا نغمة، وهم المتعربون الذين ما تعلموا اللغة ~~ابتداء من العرب، وإنما اعتادوا غيرها، ثم تعلموها، كغالب أهل العلم، ممن ~~تعلم العربية. # وقوم لا يتكلمون بها إلا قليلا. # وهذان القسمان، منهم من تغلب عليه العربية، ومنهم من تغلب عليه العجمية، ~~ومنهم من قد يتكافأ في حقه الأمران: إما قدرة، وإما عادة. # فإذا كانت العربية قد انقسمت: نسبا ولسانا ودارا؛ فإن الأحكام تختلف ~~باختلاف هذه الأقسام (3) خصوصا النسب واللسان. # فإن ما ذكرناه من تحريم الصدقة على بني هاشم، واستحقاق نصيب من الخمس؛ ~~ثبت لهم باعتبار النسب، وإن صارت ألسنتهم أعجمية. # وما ذكرناه من حكم اللسان العربي وأخلاق العرب: يثبت لمن كان كذلك، وإن ~~كان أصله فارسيا، وينتفي عمن لم يكن كذلك وإن كان أصله هاشميا. # والمقصود هنا: أن (4) ما ذكرته من النهي عن التشبه بالأعاجم: إنما العبرة ~~(5) بما كان عليه صدر الإسلام، من السابقين الأولين، فكل ما كان إلى ~~PageV01P456 # هداهم أقرب فهو المفضل، وكل ما خالف ذلك فهو المخالف، سواء كان المخالف ~~لذلك اليوم عربي النسب، أو عربي اللسان، وهكذا جاء عن السلف: # فروى الحافظ أبو طاهر السلفي - في فضل العرب - بإسناده عن أبي شهاب ~~الحناط (1) حدثنا حبان (2) بن موسى، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن ~~علي (3) قال: " من ولد في الإسلام فهو عربي ". وهذا الذي يروى عن أبي جعفر: ~~لأن من ولد في الإسلام، فقد ولد في دار العرب، واعتاد خطابها، وهكذا كان ~~الأمر. # وروى (4) السلفي عن المؤتمن (5) الساجي (6) عن أبي القاسم الخلال (7) ~~أنبأنا أبو محمد الحسن بن الحسين النوبختي (8) حدثنا علي بن عبد الله بن ~~PageV01P457 # مبشر (1) (2) حدثنا محمد بن حرب النشائي (3) حدثنا إسحاق الأزرق (4) عن ~~هشام بن حسان، عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه قال: «من تكلم ~~بالعربية فهو عربي، ومن أدرك له اثنان (5) في الإسلام فهو عربي» (6) . هكذا ~~فيه. وأظنه: «ومن ms169 أدرك له أبوان» . # فهنا - إن صح هذا الحديث - فقد علقت العربية فيه بمجرد اللسان، وعلقت في ~~النسب بأن يدرك له أبوان في الدولة الإسلامية العربية، وقد يحتج بهذا القول ~~(7) أبو حنيفة (8) أن من ليس له أبوان في الإسلام أو في الحرية، ~~PageV01P458 # ليس كفؤا لمن له أبوان في ذلك، وإن اشتركا (1) في العجمية والعتاقة. # ومذهب أبي يوسف: ذو الأب الواحد كذي الأبوين (2) ومذهب الشافعي وأحمد (3) ~~لا عبرة بذلك، نص عليه أحمد (4) . # وقد روى السلفي، من حديث الحسن بن رشيق (5) حدثنا أحمد بن الحسن بن هارون ~~(6) حدثنا العلاء بن سالم (7) حدثنا قرة بن عيسى الواسطي (8) . PageV01P459 # حدثنا أبو بكر الهذلي (1) عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن قال: «جاء قيس بن حطاطة (2) إلى حلقة فيها صهيب الرومي (3) وسلمان ~~الفارسي، وبلال الحبشي، فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل ~~فما بال هؤلاء؟ فقام معاذ بن جبل فأخذ بتلابيبه، ثم أتى به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره بمقالته، فقام النبي صلى الله عليه وسلم مغضبا يجر رداءه ~~حتى دخل المسجد، ثم نودي: أن (4) الصلاة جامعة، فصعد المنبر، فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد: أيها الناس، فإن الرب رب واحد، والأب أب ~~واحد، والدين دين واحد، وإن العربية ليست لأحدكم بأب ولا أم، إنما هي لسان، ~~فمن تكلم بالعربية فهو عربي "، فقام معاذ بن جبل فقال: بم تأمرنا في هذا ~~المنافق؟ فقال: " دعه إلى النار» . فكان قيس ممن ارتد فقتل في الردة (5) . ~~PageV01P460 # هذا الحديث ضعيف، وكأنه مركب على مالك (1) لكن معناه ليس ببعيد، بل هو ~~صحيح من بعض الوجوه كما قدمناه. # ومن تأمل ما ذكرناه في هذا الباب؛ عرف مقصود الشريعة فيما ذكرناه من ~~الموافقة المأمور بها، والمخالفة المنهي عنها، كما تقدمت الدلالات عليه، ~~وعرف بعض وجوه ذلك وأسبابه، وبعض ما فيه من الحكمة. PageV01P461 ### | فصل في أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه # فصل فإن قيل: ما ذكرتموه من الأدلة معارض بما ms170 يدل على خلافه، وذلك: أن ~~شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه، وقوله تعالى: {فبهداهم ~~اقتده} [الأنعام: 90] (1) وقوله: {اتبع ملة إبراهيم} [النحل: 123] (2) ~~وقوله: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا} [المائدة: 44] (3) وغير ذلك من ~~الدلائل المذكورة في غير هذا الموضع، مع أنكم مسلمون لهذه القاعدة، وهي قول ~~عامة السلف وجمهور الفقهاء. # ومعارض بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم ~~صلى الله عليه وسلم: " ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ " قالوا: هذا يوم عظيم، ~~أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق (4) فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا لله ~~(5) فنحن نصومه تعظيما له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فنحن أحق ~~وأولى بموسى منكم " فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بصيامه» متفق ~~عليه (6) . PageV01P462 # وعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: «كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " فصوموه أنتم» (1) متفق عليه، وهذا اللفظ ~~للبخاري، ولفظ مسلم (2) «تعظمه اليهود وتتخذه عيدا» (3) وفي لفظ له: " كان ~~أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء ويتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم فيه حليهم ~~وشاراتهم " (4) . # وعن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (5) عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، قال: «كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه ~~بشيء، فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته، ثم فرق بعد» ، متفق عليه ~~(6) . PageV01P463 # قيل: أما المعارضة بكون شرع (1) من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا ~~بخلافه، فذاك مبني على مقدمتين، كلتاهما منفية في مسألة التشبه بهم: # إحداهما: أن يثبت أن ذلك شرع لهم، بنقل موثوق به، مثل أن يخبرنا الله في ~~كتابه، أو على لسان رسوله، أو ينقل بالتواتر، ونحو ذلك، فأما مجرد الرجوع ~~إلى قولهم، أو إلى ما في كتبهم، فلا يجوز بالاتفاق، والنبي صلى ms171 الله عليه ~~وسلم، وإن كان قد استخبرهم فأخبروه، ووقف على ما في التوراة؛ فإنما ذلك ~~لأنه لا يروج عليه باطلهم، بل الله سبحانه يعرفه ما يكذبون مما يصدقون، كما ~~قد أخبره بكذبهم غير مرة. وأما نحن فلا نأمن أن يحدثونا بالكذب، فيكون ~~فاسق، بل كافر قد جاءنا بنبأ فاتبعناه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم» ~~(2) . # المقدمة الثانية: أن لا يكون في شرعنا بيان خاص لذلك، فأما إذا كان فيه ~~بيان خاص: إما بالموافقة، أو بالمخالفة، استغني عن ذلك فيما ينهى عنه من ~~موافقته، ولم (3) يثبت أنه شرع لمن كان قبلنا، وإن ثبت فقد كان هدي نبينا ~~صلى الله عليه وسلم بخلافه، وبهم أمرنا نحن أن نتبع ونقتدي، وقد أمرنا ~~نبينا صلى الله عليه وسلم: أن يكون هدينا مخالفا لهدي اليهود والنصارى، ~~وإنما تجيء الموافقة في بعض الأحكام العارضة، لا في الهدي الراتب، والشعار ~~الدائم. # ثم ذلك بشرط: أن لا يكون قد جاء عن نبينا وأصحابه خلافه، أو ثبت أصل شرعه ~~في ديننا، وقد ثبت عن نبي من الأنبياء PageV01P464 # أصله، أو وصفه (1) مثل: فداء من نذر أو يذبح ولده بشاة، ومثل: الختان ~~المأمور به في ملة إبراهيم عليه السلام، ونحو ذلك. وليس الكلام فيه. # وأما حديث عاشوراء: فقد ثبت (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يصومه قبل استخباره لليهود (3) وكانت قريش تصومه، ففي الصحيحين، من حديث ~~الزهري عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كانت قريش تصوم يوم عاشوراء ~~في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه (4) فلما هاجر إلى ~~المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض (5) شهر رمضان قال: " من شاء صامه، ~~ومن شاء تركه» (6) وفي رواية: " وكان يوما تستر فيه الكعبة " (7) . # وأخرجاه من حديث هشام عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يوم ~~عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان (8) رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصومه في الجاهلية، فلما ms172 قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ~~ترك PageV01P465 # يوم عاشوراء (1) " فمن شاء صامه، ومن شاء تركه» (2) . # وفيهما عن عبد الله (3) بن عمر رضي الله عنهما: «أن أهل الجاهلية كانوا ~~يصومون عاشوراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن ~~يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ~~عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه» (4) . # فإذا كان أصل صومه لم يكن موافقا لأهل الكتاب، فيكون قوله: «فنحن أحق ~~بموسى منكم» توكيدا لصومه، وبيانا لليهود: أن الذي يفعلونه من موافقة موسى ~~نحن أيضا نفعله، فنكون أولى بموسى منكم. # ثم الجواب عن هذا، وعن قوله: «كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر ~~فيه بشيء» من وجوه: # أحدها: أن هذا كان متقدما، ثم نسخ الله ذلك، وشرع له مخالفة أهل الكتاب، ~~وأمره بذلك، وفي متن الحديث: " أنه سدل شعره موافقة لهم، ثم فرق شعره بعد " ~~ولهذا صار الفرق شعار المسلمين، وكان من الشروط على أهل الذمة " أن لا ~~يفرقوا شعورهم " وهذا كما أن الله شرع له في أول الأمر استقبال بيت المقدس ~~موافقة لأهل الكتاب، ثم نسخ ذلك، وأمر باستقبال الكعبة، وأخبر عن اليهود ~~وغيرهم من السفهاء أنهم سيقولون: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} ~~[البقرة: 142] (5) . PageV01P466 # وأخبر أنهم لا يرضون عنه حتى يتبع قبلتهم، وأخبره أنه: إن اتبع أهواءهم ~~(1) من بعد ما جاءه من العلم ما له من الله من ولي، ولا نصير، وأخبره (2) ~~أن: {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة: 148] (3) وكذلك أخبره في موضع آخر (4) ~~أنه جعل لكل شرعة ومنهاجا (5) فالشعار من جملة الشرعة. # والذي يوضح ذلك: أن هذا اليوم - عاشوراء - الذي صامه وقال: «نحن أحق ~~بموسى منكم» قد شرع - قبيل موته - مخالفة اليهود في صومه، وأمر صلى الله ~~عليه وسلم بذلك (6) ولهذا كان ابن عباس رضي الله عنهما، وهو الذي يقول: ~~«وكان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء» ، وهو الذي روى ~~قوله: «نحن أحق بموسى ms173 منكم» أشد الصحابة رضي الله عنهم أمرا بمخالفة اليهود ~~في صوم يوم عاشوراء، وقد ذكرنا أنه هو الذي روى شرع المخالفة. # وروى - أيضا - مسلم في صحيحه عن الحكم بن الأعرج (7) قال: «انتهيت إلى ~~ابن عباس، وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم يوم عاشوراء؟ ~~فقال: " إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع PageV01P467 # صائما. قلت: هكذا كان (1) محمد صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال: نعم» (2) ~~. # وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» ، يعني (3) يوم عاشوراء (4) . # ومعنى (5) قول ابن عباس: " صم التاسع "، يعني: والعاشر (6) . هكذا ثبت ~~عنه، وعلله بمخالفة اليهود، قال سعيد (7) بن منصور: حدثنا سفيان بن عمرو بن ~~دينار أنه سمع عطاء، سمع ابن عباس رضي الله عنهما، يقول: " صوموا التاسع ~~والعاشر، خالفوا اليهود " (8) . # وروينا في فوائد داود بن عمرو (9) عن إسماعيل بن علية قال: ذكروا عند ابن ~~أبي نجيح، أن ابن عباس كان يقول " يوم عاشوراء يوم التاسع "، فقال ابن ~~PageV01P468 # أبي نجيح: إنما قال ابن عباس: " أكره أن أصوم فاردا، ولكن صوموا قبله ~~يوما، أو بعده يوما " (1) . 50 ويحقق ذلك: ما رواه الترمذي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء ~~العاشر من المحرم» ، قال الترمذي: " هذا حديث (2) حسن صحيح " (3) . # وروى سعيد في سننه عن هشيم، عن ابن أبي ليلى (4) عن داود بن علي، عن ~~أبيه، عن جده ابن (5) عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا ~~يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا يوما قبله، أو (6) يوما بعده» (7) ~~. ورواه أحمد، ولفظه: «صوموا قبله يوما، أو (8) بعده يوما» (9) . ~~PageV01P469 # ولهذا نص أحمد على مثل ما رواه ابن عباس وأفتى به، فقال في رواية الأثرم ~~(1) " أنا أذهب في عاشوراء: إلى أن يصام يوم التاسع والعاشر؛ لحديث (2) ابن ~~عباس: «صوموا التاسع والعاشر» (3) . # وقال حرب: سألت أحمد عن صوم يوم عاشوراء، فقال: " يصوم التاسع والعاشر ms174 " ~~(4) . # وقال في رواية الميموني (5) وأبي الحارث (6) " من أراد أن يصوم عاشوراء ~~صام التاسع والعاشر، إلا أن تشكل الشهور فيصوم ثلاثة أيام؛ ابن سيرين يقول ~~ذلك " (7) . # وقد قال بعض أصحابنا: إن الأفضل: صوم التاسع والعاشر، وإن اقتصر على ~~العاشر لم يكره. # ومقتضى كلام أحمد: أنه يكره الاقتصار على العاشر؛ لأنه سئل عنه فأفتى ~~بصوم اليومين، وأمر بذلك، وجعل هذا هو السنة لمن أراد صوم (8) عاشوراء، ~~PageV01P470 # واتبع في ذلك حديث ابن عباس، وابن عباس كان يكره إفراد العاشر على ما هو ~~مشهور عنه. # ومما يوضح ذلك: أن كل ما جاء من التشبه بهم، إنما كان في صدر الهجرة، ثم ~~نسخ؛ ذلك أن (1) اليهود إذ ذاك، كانوا لا يتميزون عن المسلمين لا في شعور، ~~ولا في لباس، لا بعلامة، ولا غيرها. # ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع، الذي كمل ظهوره في زمن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في ~~الشعار والهدي. # وسبب ذلك: أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد، ~~وإلزامهم بالجزية (2) والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء؛ لم ~~تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا؛ شرع بذلك. # ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب؛ لم يكن ~~مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر (3) بل قد ~~يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، إذا كان في ~~ذلك مصلحة دينية: من (4) دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار ~~المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة. ~~PageV01P471 # فأما في دار الإسلام والهجرة، التي أعز الله فيها دينه، وجعل على ~~الكافرين بها الصغار والجزية، ففيها شرعت المخالفة. وإذا ظهر أن (1) ~~الموافقة والمخالفة تختلف لهم (2) باختلاف الزمان والمكان (3) ؛ ظهرت ~~حقيقية الأحاديث في هذا. # الوجه الثاني: لو فرضنا أن ذلك لم ينسخ، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~الذي كان له ms175 أن يوافقهم؛ لأنه يعلم حقهم من باطلهم؛ بما يعلمه الله إياه، ~~ونحن نتبعه، فأما نحن فلا يجوز لنا أن نأخذ شيئا من الدين عنهم: لا من ~~أقوالهم، ولا من أفعالهم، بإجماع المسلمين المعلوم بالاضطرار من دين الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، ولو قال رجل: يستحب لنا موافقة أهل الكتاب، الموجودين ~~في زماننا؛ لكان قد خرج عن دين الأمة. # الثالث (4) أن نقول بموجبه: كان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر ~~فيه بشيء، ثم إنه أمر بمخالفتهم، وأمرنا نحن أن نتبع هديه وهدي أصحابه ~~السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار. # والكلام إنما هو في أنا منهيون عن التشبه بهم فيما لم يكن سلف الأمة ~~عليه، فأما ما كان سلف الأمة عليه، فلا ريب فيه؛ سواء فعلوه، أو تركوه؛ ~~فإنا لا نترك ما أمر الله به لأجل أن الكفار تفعله مع أن الله لم يأمرنا ~~بشيء يوافقونا عليه إلا ولا بد فيه من نوع مغايرة يتميز بها دين الله ~~المحكم مما قد نسخ، أو بدل. PageV01P472 ### | فصل في أقسام أعمال الكفار # فصل قد ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار، ما دل ~~على أن التشبه بهم (1) في الجملة منهي عنه، وأن مخالفتهم في هديهم مشروع، ~~إما إيجابا، وإما استحبابا بحسب المواضع. # وقد تقدم بيان: أن ما أمر (2) به من مخالفتهم: مشروع، سواء كان ذلك الفعل ~~مما قصد فاعله التشبه بهم، أو لم يقصد، وكذلك ما نهي عنه من مشابهتهم: يعم ~~ما إذا قصدت مشابهتهم، أو لم تقصد؛ فإن عامة هذه الأعمال لم يكن المسلمون ~~يقصدون المشابهة فيها، وفيها ما لا يتصور قصد المشابهة فيه، كبياض الشعر، ~~وطول الشارب، ونحو ذلك. # ثم اعلم أن أعمالهم ثلاثة أقسام: # - قسم مشروع في ديننا، مع كونه كان مشروعا لهم، أو لا يعلم أنه كان ~~مشروعا لهم (3) لكنهم يفعلونه الآن. # - وقسم كان مشروعا ثم نسخه شرع القرآن. # - وقسم لم يكن مشروعا بحال، وإنما هم أحدثوه. PageV01P473 # وهذه الأقسام الثلاثة: إما أن تكون (1) في العبادات المحضة، وإما أن تكون ~~(2) في ms176 العادات المحضة، وهي الآداب، وإما أن تجمع العبادات والعادات، فهذه ~~تسعة أقسام (3) -. # فأما القسم الأول: وهو ما كان مشروعا في الشريعتين، أو ما كان مشروعا لنا ~~وهم يفعلونه، فهذا كصوم عاشوراء، أو كأصل الصلاة والصيام، فهنا تقع (4) - ~~المخالفة في صفة ذلك العمل، كما سن لنا صوم تاسوعاء وعاشوراء، كما أمرنا ~~بتعجيل الفطور والمغرب مخالفة لأهل الكتاب، وبتأخير السحور مخالفة لأهل ~~الكتاب. # وكما أمرنا بالصلاة في النعلين مخالفة لليهود، وهذا كثير في العبادات، ~~PageV01P474 # وكذلك في العادات، قال صلى الله عليه وسلم: «اللحد لنا والشق لغيرنا» (1) ~~وسن توجيه قبور المسلمين إلى الكعبة؛ تمييزا لها عن مقابر الكافرين، فإن ~~أصل الدفن من الأمور المشروعة، في الأمور العادية، ثم قد اختلفت (2) ~~الشرائع في صفته، وهو أيضا فيه عبادات، ولباس النعل (3) في الصلاة فيه ~~عبادة وعادة، ونزع النعل (4) في الصلاة شريعة كانت لموسى عليه السلام، ~~وكذلك اعتزال الحيض (5) ونحو ذلك من الشرائع التي جامعناهم في أصلها، ~~وخالفناهم في وصفها. # القسم الثاني: ما كان مشروعا ثم نسخ بالكلية: كالسبت (6) أو إيجاب صلاة، ~~أو صوم، ولا يخفى النهي عن موافقتهم في هذا، سواء كان واجبا عليهم فيكون ~~عبادة، أو محرما عليهم فيتعلق بالعادات، فليس للرجل أن يمتنع من أكل الشحوم ~~وكل ذي ظفر على وجه التدين بذلك، وكذلك ما كان مركبا منهما، وهي الأعياد ~~التي كانت مشروعة لهم، فإن العيد المشروع يجمع عبادة. وهو ما فيه من صلاة، ~~أو ذكر، أو صدقة، أو نسك، ويجمع عادة، وهو ما يفعل فيه PageV01P475 # من التوسع في الطعام واللباس، أو ما يتبع ذلك من ترك الأعمال الواضبة (1) ~~واللعب المأذون فيه في الأعياد لمن ينتفع باللعب، ونحو ذلك. # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم - لما زجر أبو بكر رضي الله عنه الجويريتين ~~عن الغناء في بيته -: «دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا، وإن هذا عيدنا» ~~(2) وكان الحبشة يلعبون بالحراب يوم العيد، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر ~~إليهم. # فالأعياد المشروعة يشرع فيها - وجوبا، أو استحبابا -: من العبادات ما لا ~~يشرع ms177 في غيرها، ويباح فيها، أو يستحب، أو يجب من العادات التي للنفوس فيها ~~حظ، ما لا يكون في غيرها كذلك. ولهذا وجب فطر العيدين، وقرن بالصلاة في ~~أحدهما الصدقة، وقرن بها في الآخر الذبح. وكلاهما من أسباب الطعام. # فموافقتهم في هذا القسم المنسوخ من العبادات، أو العادات، أو كلاهما: ~~أقبح من موافقتهم فيما هو مشروع الأصل، ولهذا كانت الموافقة في هذا محرمة، ~~كما سنذكره، وفي الأول قد لا تكون إلا مكروهة. # وأما القسم الثالث: وهو ما أحدثوه من العبادات، أو العادات، PageV01P476 # أو كليهما (1) فهو (2) أقبح وأقبح؛ فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون ~~قبيحا، فكيف إذا كان مما لم يشرعه نبي قط؟ بل أحدثه الكافرون، فالموافقة ~~فيه ظاهرة القبح، فهذا أصل. # وأصل آخر وهو: أن كل ما يشابهون فيه: من عبادة، أو عادة، أو كليهما (3) ~~هو: من المحدثات في هذه الأمة، ومن البدع، إذ الكلام في ما كان من خصائصهم، ~~وأما ما كان مشروعا لنا، وقد فعله سلفنا السابقون: فلا كلام فيه. # فجميع الأدلة الدالة من الكتاب والسنة والإجماع على قبح البدع، وكراهتها ~~تحريما أو تنزيها، تندرج هذه المشابهات فيها، فيجتمع فيها أنها بدع محدثة، ~~وأنها مشابهة للكافرين، وكل واحد من الوصفين موجب للنهي؛ إذ المشابهة منهي ~~عنها في الجملة ولو كانت في السلف (4) ! والبدع منهي عنها في الجملة، ولو ~~لم يفعلها الكفار، فإذا اجتمع الوصفان صارا علتين مستقلتين في القبح ~~والنهي. PageV01P477 ### | فصل في الأعياد ### | طرق عدم جواز موافقتهم في أعيادهم ### | الطريق الأول أنه موافقة لأهل الكتاب فيما ليس في ديننا # فصل # [في الأعياد] (1) إذا تقرر هذا الأصل في مشابهتهم فنقول: # موافقتهم في أعيادهم لا تجوز من طريقين: # الطريق الأول: هو ما تقدم من أن هذا موافقة لأهل الكتاب فيما ليس في ~~ديننا، ولا عادة سلفنا، فيكون فيه مفسدة موافقتهم، وفي تركه مصلحة ~~مخالفتهم، حتى لو كان موافقتهم في ذلك أمرا اتفاقيا، ليس مأخوذا عنهم، لكان ~~المشروع لنا مخالفتهم؛ لما في مخالفتهم من المصلحة - كما تقدمت الإشارة ~~إليه - فمن وافقهم ms178 فوت على نفسه هذه المصلحة، وإن لم يكن قد أتى بمفسدة، ~~فكيف إذا جمعهما؟ # ومن جهة أنه من البدع المحدثة، وهذه الطريق لا ريب أنها تدل على كراهة ~~التشبه بهم في ذلك، فإن أقل أحوال التشبه بهم: أن يكون مكروها، وكذلك أقل ~~أحوال البدع: أن تكون مكروهة، ويدل كثير منها على تحريم التشبه بهم في ~~العيد، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (2) فإن موجب ~~هذا: تحريم التشبه بهم مطلقا. # وكذلك قوله: «خالفوا المشركين» ونحو ذلك، ومثل ما ذكرنا من دلالة الكتاب ~~والسنة على تحريم سبيل المغضوب عليهم والضالين، وأعيادهم من PageV01P478 # سبيلهم، إلى غير ذلك من الدلائل. # فمن انعطف (1) على ما تقدم من الدلائل العامة: نصا وإجماعا وقياسا، تبين ~~له دخول هذه المسألة في كثير مما تقدم من الدلائل، وتبين له أن هذا من جنس ~~أعمالهم، التي هي دينهم، أو شعار دينهم الباطل، وأن هذا محرم كله بخلاف ما ~~لم يكن من خصائص دينهم، ولا شعارا له (2) مثل نزع النعلين في الصلاة فإنه ~~جائز، كما أن لبسهما جائز، وتبين له أيضا: الفرق بين ما بقينا فيه على ~~عادتنا، لم نحدث شيئا نكون به موافقين لهم فيه، وبين أن نحدث أعمالا أصلها ~~مأخوذ عنهم، قصدنا موافقتهم، أو لم نقصد. ### | الطريق الثاني الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار ### | النهي عن موافقتهم في أعيادهم بالكتاب # وأما الطريق الثاني (3) الخاص في نفس أعياد الكفار: فالكتاب والسنة ~~والإجماع والاعتبار (4) . # أما الكتاب: فمما تأوله غير واحد من التابعين وغيرهم، في قوله تعالى: ~~{والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما} [الفرقان: 72] (5) ~~فروى أبو بكر الخلال في "الجامع" (6) بإسناده عن محمد بن سيرين في قوله ~~تعالى: {والذين لا يشهدون الزور} [الفرقان: 72] قال: " هو الشعانين " (7) . ~~PageV01P479 # وكذلك ذكر عن مجاهد قال: " هو (1) أعياد المشركين " وكذلك عن الربيع بن ~~أنس (2) قال: أعياد المشركين (3) . # وفي معنى هذا: ما روي عن عكرمة قال: " لعب كان لهم في الجاهلية (4) . # وقال القاضي أبو يعلى: مسألة: في النهي عن حضور أعياد المشركين: ms179 # روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده في شروط أهل الذمة، عن الضحاك في قوله ~~تعالى: {والذين لا يشهدون الزور} [الفرقان: 72] قال: " عيد المشركين " (5) ~~. # وبإسناده عن أبي سنان عن الضحاك ": {والذين لا يشهدون الزور} [الفرقان: ~~72] كلام الشرك " (6) . وبإسناده عن جويبر (7) عن الضحاك {والذين لا يشهدون ~~الزور} [الفرقان: 72] PageV01P480 # قال: " أعياد المشركين " وروى بإسناده، عن عمرو بن مرة: {لا يشهدون ~~الزور} [الفرقان: 72] " لا يمالئون (1) أهل الشرك على شركهم ولا يخالطونهم ~~" (2) . # وبإسناده عن عطاء بن يسار (3) قال: قال عمر: " إياكم ورطانة الأعاجم، وأن ~~تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم " (4) . # وقول هؤلاء التابعين: " إنه أعياد الكفار " ليس مخالفا لقول بعضهم: " إنه ~~الشرك "، أو صنم (5) كان في الجاهلية، ولقول بعضهم: إنه مجالس الخنا، وقول ~~بعضهم: إنه الغناء؛ لأن عادة السلف في تفسيرهم هكذا: يذكر الرجل نوعا من ~~أنواع المسمى لحاجة المستمع إليه، أو لينبه به على الجنس، كما لو قال ~~العجمي: ما الخبز؟ فيعطى رغيفا ويقال له: هذا، بالإشارة إلى الجنس، لا إلى ~~عين الرغيف. PageV01P481 # لكن قد قال قوم: إن المراد: شهادة الزور التي هي الكذب، وهذا فيه نظر، ~~فإنه تعالى قال: {لا يشهدون الزور} [الفرقان: 72] ولم يقل: لا يشهدون ~~بالزور. # والعرب تقول: شهدت كذا: إذا حضرته، كقول ابن عباس: " شهدت العيد (1) مع ~~رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " (2) وقول عمر: " الغنيمة لمن شهد ~~الوقعة " (3) وهذا كثير في كلامهم، وأما: شهدت بكذا، فمعناه: أخبرت به. # ووجه تفسير التابعين المذكورين: أن الزور هو المحسن المموه، حتى يظهر ~~بخلاف ما هو عليه في الحقيقة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «المتشبع (4) ~~بما لم يعط كلابس ثوبي زور» (5) لما كان يظهر مما يعظم به مما ليس عنده، ~~فالشاهد بالزور (6) يظهر كلاما يخالف الباطن، ولهذا فسره السلف تارة بما ~~يظهر حسنه لشبهة، أو لشهوة، وهو قبيح في الباطن، فالشرك ونحوه: يظهر حسنه ~~للشبهة، والغناء ونحوه: يظهر حسنه للشهوة. PageV01P482 # وأما أعياد المشركين: فجمعت الشبهة والشهوة، وهي باطل (1) ؛ إذ لا منفعة ~~فيها في الدين، وما فيها من اللذة العاجلة: فعاقبتها ms180 إلى ألم، فصارت زورا، ~~وحضورها: شهودها، وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها، الذي هو مجرد الحضور ~~برؤية أو سماع، فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك، من العمل الذي هو عمل ~~الزور، لا مجرد شهوده؟ # ثم (2) مجرد هذه الآية، فيها الحمد لهؤلاء والثناء عليهم، وذلك وحده يفيد ~~الترغيب في ترك شهود أعيادهم، وغيرها من الزور، ويقتضي الندب إلى ترك ~~حضورها وقد يفيد كراهية حضورها لتسمية الله لها زورا. # فأما تحريم شهودها من هذه الآية ففيه نظر، ودلالتها على تحريم فعلها ~~أوجه؛ لأن الله تعالى سماها زورا، وقد ذم من يقول الزور، وإن لم (3) يضر ~~غيره لقوله في المتظاهرين (4) {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} ~~[المجادلة: 2] (5) وقال تعالى: (6) {واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] (7) ~~ففاعل الزور كذلك. # وقد يقال: قول الزور أبلغ من فعله، ولأنهم إذا مدحهم على مجرد تركهم ~~شهوده، دل على أن فعله مذموم عنده معيب؛ إذ لو كان فعله جائزا والأفضل ~~تركه: لم يكن في مجرد شهوده أو ترك شهوده كبير مدح، إذ شهود المباحات التي ~~(8) لا منفعة فيها، وعدم شهودها، قليل التأثير. PageV01P483 # وقد (1) يقال: هذا مبالغة في مدحهم؛ إذ كانوا لا يحضرون مجالس البطالة، ~~وإن كانوا لا يفعلون الباطل، ولأن (2) الله تعالى قال: {وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا} [الفرقان: 63] (3) . # فجعل هؤلاء المنعوتين هم عباد الرحمن، وعبودية الرحمن واجبة، فتكون هذه ~~الصفات واجبة. # وفيه نظر؛ إذ قد يقال: في هذه الصفات ما لا يجب، ولأن المنعوتين هم ~~المستحقون لهذا الوصف على وجه الحقيقة والكمال، كما قال الله تعالى: {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] (4) وقال تعالى: ~~{إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] (5) . # وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان» . . ~~(6) الحديث. # وقال: «ما تعدون (7) المفلس فيكم (8) » (9) «ما تعدون PageV01P484 # الرقوب» (1) ونظائره كثيرة. # فسواء كانت الآية دالة على تحريم ذلك، أو كراهته أو استحباب تركه: حصل ~~أصل المقصود؛ إذ من المقصود: بيان استحباب ترك موافقتهم أيضا؛ فإن بعض ~~الناس قد يظن استحباب فعل ms181 ما فيه موافقة لهم؛ لما فيه من التوسيع على ~~العيال، أو من إقرار الناس على اكتسابهم، ومصالح دنياهم، فإذا علم استحباب ~~ترك ذلك: كان أول (2) المقصود. ### | النهي عن موافقتهم في أعيادهم بالسنة # وأما السنة (3) فروى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: " ما هذان اليومان؟ ~~"، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر» رواه أبو ~~داود بهذا اللفظ (4) . PageV01P485 # " حدثنا موسى بن إسماعيل (1) حدثنا حماد عن (2) حميد، عن أنس " ورواه ~~أحمد (3) والنسائي (4) وهذا إسناد على شرط مسلم. # فوجه الدلالة: أن العيدين (5) الجاهليين (6) لم يقرهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: «إن الله قد ~~أبدلكم بهما يومين آخرين،» والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه؛ إذ لا ~~يجمع بين البدل والمبدل منه (7) ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك ~~اجتماعهما، كقوله سبحانه: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ~~بئس للظالمين بدلا} [الكهف: 50] (8) وقوله: {وبدلناهم (9) بجنتيهم (10) ~~جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل} [سبأ: 16] (11) وقوله: {فبدل ~~الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} [البقرة: 59] (12) PageV01P486 # وقوله: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} [النساء: 2] (1) . # ومنه الحديث في المقبور (2) فيقال له: «انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك ~~الله به خيرا منه مقعدا في الجنة» ، ويقال للآخر: «انظر إلى مقعدك في ~~الجنة، أبدلك الله به مقعدا من النار» (3) . # وقول عمر رضي الله عنه للبيد (4) " ما فعل شعرك؟ قال: أبدلني الله به ~~البقرة وآل عمران " (5) . وهذا كثير في الكلام. # فقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما» (6) ~~يقتضي ترك الجمع بينهما، لا سيما وقوله: (7) «خيرا منهما» يقتضي الاعتياض ~~بما شرع لنا، عما كان في الجاهلية. PageV01P487 # وأيضا فقوله لهم: «إن الله قد أبدلكم» لما سألهم عن اليومين فأجابوه: " ~~بأنهما يومان كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية ms182 " دليل على أنه نهاهم عنهما ~~اعتياضا بيومي الإسلام؛ إذ لو لم يقصد النهي لم يكن ذكر هذا الإبدال ~~مناسبا؛ إذ أصل شرع اليومين (1) الإسلاميين كانوا يعلمونه (2) ولم يكونوا ~~ليتركوه لأجل يومي الجاهلية. # وفي قول أنس: " ولهم يومان يلعبون فيهما "، وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيرا منهما» دليل على أن أنسا رضي ~~الله عنه فهم من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أبدلكم بهما» ~~تعويضا باليومين المبدلين. # وأيضا فإن ذينك اليومين الجاهليين قد ماتا في الإسلام، فلم يبق لهما أثر ~~على (3) عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا (4) عهد خلفائه، ولو لم يكن ~~قد نهى الناس عن اللعب فيهما ونحوه مما كانوا يفعلونه، لكانوا قد بقوا على ~~العادة؛ إذ العادات لا تغير إلا بمغير يزيلها، لا سيما وطباع النساء ~~والصبيان وكثير من الناس متشوفة (5) إلى اليوم الذي يتخذونه عيدا للبطالة ~~واللعب. # ولهذا قد يعجز كثير من الملوك والرؤساء عن نقل الناس عن عاداتهم في ~~أعيادهم؛ لقوة مقتضيها من نفوسهم، وتوفر همم الجماهير على اتخاذها، فلولا ~~قوة المانع من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانت باقية، ولو على وجه ~~ضعيف، فعلم أن المانع القوي منه كان ثابتا، وكل ما منع منه الرسول منعا ~~قويا كان محرما؛ إذ لا يعني بالمحرم إلا هذا. PageV01P488 # وهذا أمر بين (1) لا شبهة فيه، فإن مثل ذينك العيدين، لو عاد الناس ~~إليهما بنوع مما كان يفعل فيهما - إن رخص فيه - كان مراغمة بينه وبين ما ~~نهى عنه، فهو المطلوب. # والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها، أشد من المحذور في ~~أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها؛ فإن الأمة قد حذروا مشابهة اليهود ~~والنصارى، وأخبروا أن سيفعل قوم منهم هذا المحذور، بخلاف دين الجاهلية، ~~فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر، عند اخترام أنفس المؤمنين عموما، ولو لم ~~يكن أشد منه، فإنه مثله على ما لا يخفى؛ إذ الشر الذي له فاعل موجود، يخاف ~~على الناس منه ms183 أكثر من شر لا مقتضى له قوي. # الحديث الثاني: (2) ما رواه أبو داود، حدثنا داود (3) بن رشيد (4) حدثنا ~~شعيب بن إسحاق (5) عن الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني PageV01P489 # أبو قلابة، حدثني ثابت بن الضحاك (1) قال: «نذر رجل على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" هل كان فيها وثن (2) من أوثان الجاهلية يعبد؟ "، قالوا (3) لا، قال: " ~~فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا (4) لا، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر (5) في معصية الله، ولا فيما لا يملك ~~ابن آدم» (6) أصل هذا الحديث في الصحيحين (7) وهذا الإسناد على شرط ~~الصحيحين، وإسناده كلهم ثقات مشاهير، وهو متصل بلا عنعنة. PageV01P490 # وبوانة: بضم الباء الموحدة من أسفل (1) فيه يقول وضاح اليمن (2) . # أيا نخلتي وادي بوانة , حبذا ... إذا نام حراس النخيل - جناكما (3) # وسيأتي وجه الدلالة منه. # وقال أبو داود في سننه: حدثنا الحسن بن علي (4) حدثنا يزيد بن هارون، ~~أنبأنا عبد الله بن يزيد بن مقسم الثقفي (5) -من أهل الطائف - حدثتني سارة ~~بنت مقسم (6) أنها سمعت ميمونة بنت PageV01P491 # كردم (1) قالت: «خرجت مع أبي في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعت الناس يقولون: رسول الله (2) صلى الله ~~عليه وسلم، فجعلت أبده بصري (3) فدنا إليه أبي وهو على ناقة له معه درة ~~كدرة الكتاب، فسمعت الأعراب والناس يقولون: الطبطبية، الطبطبية (4) فدنا ~~إليه أبي، فأخذ بقدمه، قالت: فأقر له، ووقف، فاستمع منه، فقال: يا رسول ~~الله، إني نذرت إن ولد لي ولد (5) ذكر أن أنحر على رأس بوانة، في عقبة (6) ~~من الثنايا، عدة من الغنم (7) -قال: لا أعلم إلا أنها قالت: خمسين - فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل بها من هذه (8) الأوثان شيء؟ " قال: ~~لا، قال: " فأوف PageV01P492 # بما (1) نذرت به لله " قال: فجمعها فجعل يذبحها، ms184 فانفلتت منه شاة، فطلبها ~~وهو يقول: اللهم أوف (2) بنذري، فظفر بها فذبحها» (3) . # قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار (4) حدثنا أبو بكر الحنفي (5) حدثنا ~~عبد الحميد بن جعفر (6) عن عمرو بن شعيب، عن ميمونة بنت كردم (7) بن سفيان، ~~عن أبيها. . نحوه (8) مختصرا شيء منه (9) قال: «هل بها PageV01P493 # وثن (1) أو عيد من أعياد الجاهلية؟ " قال: لا، قال: قلت: إن أمي (2) هذه ~~عليها نذر (3) مشي، أفأقضيه عنها؟ وربما قال ابن بشار: أنقضيه عنها؟ قال: " ~~نعم» (4) . # وقال: حدثنا مسدد (5) حدثنا الحارث بن عبيد (6) أبو قدامة (7) عن عبيد ~~(8) الله الأخنس (9) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه (10) عن جده، «أن امرأة أتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: " يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك ~~PageV01P494 # بالدف"، قال: " أوفي بنذرك "، قالت: " إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا - ~~مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية - " قال: " لصنم؟ " قالت: لا، قال: " لوثن؟ ~~" قالت: لا، قال: " أوفي بنذرك» (1) . # فوجه الدلالة: أن هذا الناذر كان قد نذر أن يذبح نعما: إما إبلا، وإما ~~غنما، وإما كانت قضيتين، بمكان سماه، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: «هل ~~كان بها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قال: لا، قال: " فهل كان بها عيد من ~~أعيادهم؟ " قال: لا، قال: " أوف بنذرك " ثم قال: " لا وفاء لنذر في معصية ~~الله» . # وهذا يدل على أن الذبح بمكان عيدهم ومحل أوثانهم معصية لله، من وجوه: # أحدها: أن قوله: «فأوف بنذرك» (2) تعقيب للوصف بالحكم بحرف الفاء، وذلك ~~يدل على أن الوصف هو سبب الحكم؛ فيكون سبب الأمر بالوفاء: وجود النذر خاليا ~~من هذين الوصفين، فيكون الوصفان مانعين (3) من الوفاء، ولو لم يكن معصية ~~لجاز الوفاء به. # الثاني: أنه عقب ذلك بقوله: «لا وفاء لنذر في معصية الله» ولولا (4) ~~اندراج الصورة المسئول عنها في هذا اللفظ العام، وإلا لم يكن في الكلام ~~ارتباط، والمنذور في نفسه - وإن لم يكن معصية - لكن لما سأله النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الصورتين قال له: «فأوف بنذرك» ، يعني: حيث ليس ms185 هناك ما ~~يوجب تحريم الذبح هناك، فكان جوابه صلى الله عليه وسلم فيه أمرا بالوفاء ~~عند الخلو من هذا، ونهى عنه عند وجود هذا، وأصل الوفاء بالنذر معلوم، فبين ~~ما لا وفاء فيه. PageV01P495 # واللفظ العام إذا ورد على سبب، فلا بد أن يكون السبب مندرجا فيه. # الثالث: أنه لو كان الذبح في موضع العيد جائزا لسوغ (1) صلى الله عليه ~~وسلم للناذر الوفاء به، كما سوغ لمن نذرت الضرب بالدف (2) أن تضرب به، بل ~~لأوجب الوفاء به؛ إذ كان الذبح بالمكان المنذور واجبا، وإذا كان الذبح ~~بمكان عيدهم منهيا عنه، فكيف الموافقة في نفس العيد بفعل بعض الأعمال التي ~~تعمل بسبب عيدهم؟ # يوضح ذلك: أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائد: ~~إما بعود السنة، أو بعود الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك. # فالعيد: يجمع (3) أمورا: # منها: يوم عائد (4) كيوم (5) الفطر، ويوم الجمعة. # ومنها: اجتماع فيه. # ومنها: أعمال تتبع (6) ذلك: من العبادات، والعادات، وقد يختص العيد بمكان ~~بعينه، وقد يكون مطلقا، وكل هذه الأمور قد تسمى عيدا. # فالزمان، كقوله صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة: «إن هذا يوم جعله الله ~~للمسلمين عيدا» . # والاجتماع والأعمال، كقول ابن عباس: «شهدت العيد مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم» . PageV01P496 # والمكان، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدا» . # وقد يكون لفظ: (العيد) اسما لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب، كقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيدا، وإن هذا ~~عيدنا» فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هل بها (1) عيد من أعيادهم؟» يريد ~~اجتماعا معتادا من اجتماعاتهم التي كانت (2) عيدا، فلما قال: لا، قال له: ~~«أوف بنذرك» وهذا يقتضي أن كون البقعة مكانا لعيدهم: مانع من الذبح بها - ~~وإن نذر -، كما أن كونها موضع أوثانهم كذلك، وإلا (3) لما انتظم الكلام، ~~ولا حسن الاستفصال. # ومعلوم أن ذلك إنما هو لتعظيم البقعة التي يعظمونها بالتعييد فيها، أو ~~لمشاركتهم في التعييد فيها، أو لإحياء شعار عيدهم فيها، ms186 ونحو ذلك؛ إذ ليس ~~إلا مكان الفعل، أو نفس الفعل، أو زمانه. # فإن كان من أجل تخصيص البقعة - وهو الظاهر - فإنما نهى عن تخصيص البقعة ~~لأجل كونها موضع عيدهم، ولهذا لما خلت من (4) ذلك أذن في الذبح فيها، وقصد ~~التخصيص باق، فعلم: أن المحذور تخصيص بقعة عيدهم، وإذا كان تخصيص بقعة ~~عيدهم محذورا، فكيف بنفس عيدهم؟ هذا كما أنه لما كرهها لكونها موضع شركهم ~~بعبادة الأوثان، كان ذلك (5) أدل على النهي عن الشرك وعبادة الأوثان. ~~PageV01P497 # وإن كان (1) النهي لأن في الذبح هناك موافقة لهم في عمل عيدهم، فهو عين ~~مسألتنا؛ إذ مجرد الذبح هناك لم يكره على هذا التقدير إلا لموافقتهم في ~~العيد؛ إذ ليس فيه محذور آخر، وإنما كان الاحتمال الأول أظهر؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يسأله إلا عن كونها مكان عيدهم، ولم يسأله: هل يذبح ~~وقت عيدهم؟ ولأنه قال: «هل كان بها (2) عيد من أعيادهم» فعلم أنه وقت ~~السؤال لم يكن العيد موجودا، وهذا ظاهر، فإن في الحديث الآخر: أن القصة ~~كانت في حجة الوداع؛ وحينئذ لم يكن قد بقي عيد للمشركين. # فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يذبح في مكان كان الكفار يعملون ~~فيه عيدا (3) وإن كان أولئك الكفار قد أسلموا وتركوا ذلك العيد، والسائل لا ~~يتخذ المكان عيدا، بل يذبح فيه فقط: فقد ظهر أن ذلك سد للذريعة إلى بقاء ~~شيء من أعيادهم، خشية أن يكون الذبح هناك سببا لإحياء أمر تلك البقعة، ~~وذريعة إلى اتخاذها عيدا، مع أن ذلك العيد إنما كان يكون - والله أعلم - ~~سوقا يتبايعون فيها، ويلعبون، كما قالت له الأنصار: " يومان كنا نلعب فيهما ~~في الجاهلية " لم تكن أعياد الجاهلية عبادة لهم، ولهذا فرق النبي صلى الله ~~عليه وسلم بين كونها مكان وثن، وكونها مكان عيد. # وهذا نهي شديد عن أن يفعل شيء من أعياد الجاهلية على أي وجه كان. # وأعياد الكفار: من الكتابيين والأميين، في دين الإسلام، من جنس واحد، كما ~~أن كفر الطائفتين سواء ms187 في التحريم، وإن كان بعضه أشد تحريما (4) من بعض، ~~ولا يختلف حكمهما في حق المسلم، لكن أهل الكتابين أقروا على PageV01P498 # دينهم، مع ما فيه من أعيادهم، بشرط: أن لا يظهروها، ولا شيئا من دينهم، ~~وأولئك لم يقروا، بل أعياد الكتابيين التي تتخذ دينا وعبادة: أعظم تحريما ~~من عيد يتخذ لهوا ولعبا؛ لأن التعبد بما يسخطه الله ويكرهه أعظم من اقتضاء ~~الشهوات بما حرمه؛ ولهذا كان الشرك أعظم إثما من الزنا، ولهذا كان جهاد أهل ~~الكتاب أفضل من جهاد الوثنيين، وكان من قتلوه من المسلمين له أجر شهيدين. # وإذا كان الشارع قد حسم مادة أعياد أهل الأوثان خشية أن يتدنس المسلم ~~بشيء من أمر الكفار، الذين قد يئس الشيطان أن يقيم أمرهم في جزيرة العرب؛ ~~فالخشية من تدنسه بأوضار (1) الكتابيين الباقين أشد، والنهي عنه أوكد، كيف ~~وقد تقدم الخبر الصادق بسلوك طائفة من هذه الأمة سبيلهم؟ # الوجه الثالث من السنة (2) أن هذا الحديث وغيره، قد دل على أنه كان للناس ~~في الجاهلية أعياد يجتمعون فيها، ومعلوم أنه (3) بمبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؛ محى الله ذلك عنهم، فلم يبق شيء من ذلك. # ومعلوم أنه لولا نهيه ومنعه لما ترك الناس تلك الأعياد؛ لأن المقتضي لها ~~قائم من جهة الطبيعة التي تحب ما يصنع في الأعياد - خصوصا أعياد الباطل - ~~من اللعب واللذات، ومن جهة العادة التي ألفت ما يعود من العيد، فإن العادة ~~طبيعة ثانية، وإذا كان المقتضي قائما قويا، فلولا المانع القوي؛ لما درست ~~تلك الأعياد. PageV01P499 # وهذا يوجب العلم اليقيني، بأن إمام المتقين صلى الله عليه وسلم كان يمنع ~~أمته منعا قويا عن أعياد (1) الكفار، ويسعى في دروسها (2) وطمسها (3) بكل ~~سبيل، وليس (4) في إقرار أهل الكتاب على دينهم، إبقاء لشيء من أعيادهم في ~~حق أمته، كما أنه ليس في ذلك إبقاء في حق أمته؛ لما هم عليه في سائر ~~أعمالهم (5) من سائر كفرهم ومعاصيهم، بل قد بالغ صلى الله عليه وسلم في أمر ~~أمته بمخالفتهم في كثير من المباحات، وصفات ms188 الطاعات؛ لئلا يكون ذلك ذريعة ~~إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم، ولتكون المخالفة في ذلك حاجزا ومانعا ~~عن سائر أمورهم، فإنه كلما كثرت المخالفة بينك وبين أصحاب (6) الجحيم، كان ~~أبعد لك عن أعمال أهل الجحيم. # فليس بعد حرصه على أمته ونصحه لهم غاية (7) - بأبي هو وأمي - وكل ذلك من ~~فضل الله عليه وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون (8) . # الوجه الرابع من السنة: ما خرجاه في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: «دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت ~~به الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين (9) فقال أبو بكر رضي الله ~~عنه: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وذلك يوم عيد، ~~فقال PageV01P500 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا بكر: إن لكل قوم عيدا، وهذا ~~عيدنا» (1) . # وفي رواية: «يا أبا بكر: إن لكل قوم عيدا، وإن عيدنا هذا اليوم» (2) وفي ~~الصحيحين أيضا أنه قال: «دعهما يا أبا بكر؛ فإنها أيام عيد» ، وتلك الأيام ~~أيام منى (3) . # فالدلالة من وجوه: أحدها: قوله: «إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا» فإن هذا ~~يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم، كما أن الله سبحانه لما قال: {ولكل وجهة هو ~~موليها} [البقرة: 148] (4) وقال: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: ~~48] (5) أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم، وذلك أن اللام تورث ~~الاختصاص، فإذا كان لليهود عيد وللنصارى عيد؛ كانوا مختصين به فلا نشركهم ~~(6) فيه، كما لا نشركهم (7) في قبلتهم وشرعتهم. # وكذلك أيضا، على هذا: لا ندعهم يشركوننا في عيدنا. PageV01P501 # الثاني (1) قوله: «وهذا عيدنا» ، فإنه يقتضي حصر عيدنا في هذا، فليس لنا ~~عيد سواه، وكذلك قوله: «وإن عيدنا هذا اليوم» فإن التعريف باللام والإضافة ~~يقتضي الاستغراق، فيقتضي أن يكون جنس عيدنا منحصرا في جنس ذلك اليوم، كما ~~في قوله (2) " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " (3) . # وليس غرضه صلى الله عليه وسلم الحصر في عين ذلك العيد، أو عين ذلك اليوم، ~~بل الإشارة إلى جنس المشروع، كما تقول الفقهاء: باب صلاة ms189 العيد، وصلاة ~~العيد كذا وكذا، ويندرج فيها صلاة العيدين، وكما يقال: لا يجوز صوم يوم ~~العيد. # وكذا قوله: «وإن هذا اليوم» أي جنس هذا اليوم، كما يقول القائل لما ~~يعاينه (4) من الصلاة: هذه صلاة المسلمين، ويقال لمخرج الناس (5) إلى ~~الصحراء (6) وما يفعلونه من التكبير والصلاة ونحو ذلك (7) هذا عيد ~~المسلمين، ونحو ذلك (8) . PageV01P502 # ومن هذا الباب: حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «يوم عرفة ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي ~~أيام أكل وشرب» . رواه أبو داود (1) والنسائي (2) والترمذي وقال: حديث حسن ~~صحيح (3) . # فإنه دليل مفارقتنا (4) لغيرنا في العيد، والتخصيص بهذه الأيام الخمسة؛ ~~لأنه يجتمع فيها العيدان: المكاني والزماني، ويطول زمنه، وبهذا يسمى العيد ~~الكبير، فلما كملت فيه صفات التعييد: حصر الحكم فيه لكماله، أو لأنه هو عد ~~أياما (5) وليس لنا عيد هو أيام إلا هذه الخمسة. # الوجه الثالث: أنه رخص في لعب الجواري بالدف، وتغنيهن، معللا بأن لكل قوم ~~عيدا، وأن هذا عيدنا، وذلك يقتضي أن الرخصة معللة بكونه عيد المسلمين، ~~وأنها لا تتعدى إلى أعياد الكفار، وأنه لا يرخص (6) في اللعب في أعياد ~~الكفار، كما يرخص (7) فيه في أعياد المسلمين؛ إذ لو كان ما فعل في عيدنا من ~~ذلك (8) اللعب يسوغ (9) مثله في أعياد الكفار أيضا لما قال: «فإن لكل ~~PageV01P503 # قوم عيدا، وإن هذا عيدنا» لأن تعقيب الحكم بالوصف بحرف الفاء دليل على ~~أنه علة، فيكون علة الرخصة: أن كل أمة مختصة بعيد، وهذا عيدنا، وهذه العلة ~~مختصة (1) بالمسلمين. # فلو كانت الرخصة معلقة باسم (عيد) لكان الأعم مستقلا بالحكم، فيكون الأخص ~~عدم التأثير، فلما علل بالأخص علم أن الحكم لا يثبت بالوصف الأعم، وهو ~~مسمى: عيد، فلا يجوز لنا أن نفعل في كل عيد للناس من اللعب ما نفعل في عيد ~~المسلمين، وهذا (2) هو المطلوب، وهذا فيه دلالة على النهي عن التشبه بهم في ~~اللعب ونحوه. # الوجه الخامس (3) من السنة: أن أرض العرب ما زال فيها يهود ونصارى، حتى ms190 ~~أجلاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته، وكان اليهود بالمدينة كثيرا ~~(4) في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد هادنهم حتى نقضوا العهد ~~طائفة بعد طائفة، وما زال بالمدينة يهود، وإن لم يكونوا كثيرا، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وكان في اليمن يهود كثير، ~~والنصارى بنجران وغيرها، والفرس بالبحرين. # ومن المعلوم أن هؤلاء كانت لهم أعياد يتخذونها، ومن المعلوم أيضا أن ~~المقتضي لما يفعل في العيد: من الأكل، والشرب، واللباس، والزينة، واللعب، ~~والراحة، ونحو ذلك: قائم في النفوس كلها إذا PageV01P504 # لم يوجد مانع، خصوصا في نفوس الصبيان والنساء، وأكثر الفارغين من الناس. # ثم من كانت له خبرة بالسيرة، علم يقينا أن المسلمين على عهده صلى الله ~~عليه وسلم ما كانوا يشركونهم في شيء من أمرهم، ولا يغيرون لهم عادة في ~~أعياد الكافرين (1) بل ذلك اليوم عند (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسائر المسلمين يوم من الأيام لا يخصونه بشيء أصلا إلا ما قد اختلف فيه من ~~مخالفتهم فيه، كصومه. على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. # فلولا أن المسلمين كان (3) دينهم الذي تلقوه عن نبيهم منع (4) من ذلك وكف ~~(5) عنه، لوجب أن يوجد من بعضهم فعل بعض ذلك؛ لأن المقتضي إلى ذلك قائم، ~~كما تدل عليه الطبيعة والعادة، فلولا المانع الشرعي لوجد مقتضاه، ثم على ~~هذا جرى عمل المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين. # غاية ما كان يوجد من بعض الناس: ذهاب إليهم يوم العيد للتنزه بالنظر إلى ~~عيدهم، ونحو ذلك، فنهى عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة عن ذلك، كما ~~سنذكره، فكيف لو كان بعض الناس يفعل ما يفعلونه، أو ما هو بسبب عيدهم؟ بل ~~لما ظهر من بعض المسلمين اختصاص يوم عيدهم بصوم؛ مخالفة لهم، نهاه الفقهاء، ~~أو كثير منهم، عن ذلك؛ لأجل ما فيه من تعظيم ما لعيدهم، أفلا يستدل بهذا ~~على أن المسلمين تلقوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم المنع عن مشاركتهم في ~~أعيادهم؟ وهذا ms191 بعد التأمل بين جدا. PageV01P505 # الوجه السادس (1) من السنة: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، ~~بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض ~~الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا ~~والنصارى بعد غد» متفق عليه (2) . # وفي لفظ صحيح: «بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا ~~يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له» (3) . # وعن أبي هريرة، وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان (4) ~~للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت ~~والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، ~~والأولون يوم القيامة المقضي لهم - وفي رواية بينهم - قبل الخلائق» رواه ~~مسلم (5) . # وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة: (عيدا) في غير موضع، ونهى عن ~~إفراده بالصوم؛ لما فيه من معنى العيد. PageV01P506 # ثم إن في هذا الحديث ذكر أن الجمعة لنا، كما أن السبت لليهود، والأحد ~~للنصارى، واللام تقتضي الاختصاص. # ثم هذا الكلام: يقتضي الاقتسام، إذا قيل: هذه ثلاثة أثواب (1) أو ثلاثة ~~غلمان: هذا لي، وهذا لزيد، وهذا لعمرو (2) أوجب ذلك أن يكون كل واحد مختصا ~~بما جعل له، ولا يشرك فيه غيره، فإذا نحن شاركناهم (3) في عيدهم يوم السبت، ~~أو عيد (4) يوم الأحد؛ خالفنا هذا الحديث، وإذا كان هذا في العيد الأسبوعي، ~~فكذلك في العيد الحولي، إذ لا فرق، بل إذا كان هذا في عيد يعرف بالحساب ~~العربي، فكيف بأعياد الكافرين العجمية التي لا تعرف إلا بالحساب الرومي ~~القبطي، أو الفارسي أو العبري، ونحو ذلك؟ . # وقوله صلى الله عليه وسلم: «بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من ~~بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله» أي: من أجل، كما يروى ~~أنه قال: «أنا أفصح العرب ms192 بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر» ~~(5) . # والمعنى والله أعلم: أي نحن الآخرون في الخلق السابقون في PageV01P507 # الحساب والدخول إلى الجنة، كما قد جاء في الصحيح: أن هذه الأمة أول (1) ~~من يدخل الجنة من الأمم (2) وأن محمدا صلى الله عليه وسلم أول من يفتح له ~~باب الجنة (3) وذلك لأنا أوتينا الكتاب من بعدهم، فهدينا لما اختلفوا فيه ~~من العيد السابق للعيدين الآخرين، وصار عملنا (4) الصالح قبل عملهم، فلما ~~سبقناهم إلى الهدى والعمل الصالح جعلنا سابقين لهم في ثواب العمل الصالح. # ومن قال: (بيد) ، هنا (5) بمعنى: غير، فقد أبعد. # الوجه السابع (6) من السنة: ما روى كريب (7) مولى ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: «أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~أم سلمة رضي الله عنها، أسألها: أي الأيام كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أكثرها صياما؟ قالت: كان يصوم يوم السبت، ويوم الأحد أكثر ما يصوم من ~~الأيام، ويقول: " إنهما يوما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم» . ~~PageV01P508 # رواه أحمد والنسائي وابن أبي عاصم (1) وهو محفوظ من حديث عبد الله بن ~~المبارك، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي (2) عن أبيه، عن كريب. وصححه ~~بعض الحفاظ. # وهذا نص في شرع مخالفتهم في عيدهم، وإن كان على طريق الاستحباب، وسنذكر ~~حديث نهيه عن صوم يوم السبت، وتعليل ذلك أيضا بمخالفتهم، ونذكر حكم صومه ~~مفردا عند العلماء، وأنهم متفقون على شرع مخالفتهم في عيدهم وإنما (3) ~~اختلفوا: هل مخالفتهم يوم عيدهم (4) بالصوم لمخالفة فعلهم فيه، أو بالإهمال ~~حتى لا يقصد بصوم ولا بفطر، أو يفرق بين العيد العربي والعيد العجمي؟ على ~~ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ### | النهي عن موافقتهم في أعيادهم بالإجماع والآثار # وأما الإجماع والآثار فمن وجوه: أحدها: ما قدمت التنبيه عليه، من أن ~~اليهود والنصارى والمجوس ما زالوا في أمصار المسلمين بالجزية، يفعلون ~~أعيادهم التي لهم، والمقتضي لبعض ما يفعلونه قائم في كثير من النفوس، ثم لم ~~يكن على عهد السابقين (5) من ms193 المسلمين، من يشركهم في شيء من ذلك، فلولا ~~قيام المانع في نفوس PageV01P509 # الأمة، كراهة ونهيا عن (1) ذلك، وإلا لوقع ذلك كثيرا؛ إذ الفعل مع وجود ~~مقتضيه، وعدم منافيه: واقع لا محالة، والمقتضى واقع؛ فعلم وجود المانع، ~~والمانع هنا هو: الدين، فعلم أن الدين دين الإسلام هو المانع من الموافقة، ~~وهو المطلوب. # الثاني: أنه قد تقدم في شروط عمر رضي الله عنه، التي اتفقت عليها ~~الصحابة، وسائر الفقهاء بعدهم: أن أهل الذمة من أهل الكتاب لا يظهرون ~~أعيادهم في دار الإسلام، وسموا: الشعانين والباعوث (2) فإذا كان المسلمون ~~قد اتفقوا على منعهم من إظهارها، فكيف يسوغ للمسلمين (3) فعلها؟ أو ليس فعل ~~المسلم لها أشد من فعل الكافر لها، مظهرا لها؟ # وذلك: أنا إنما (4) منعناهم من إظهارها؛ لما فيه من الفساد: إما لأنها ~~معصية، أو شعار المعصية، وعلى التقديرين: فالمسلم ممنوع من المعصية، ومن ~~شعار (5) المعصية، ولو لم يكن في فعل المسلم لها من الشر إلا تجرئة الكافر ~~على إظهارها لقوة قلبه بالمسلم (6) إذا فعلها، فكيف وفيها من الشر ما سننبه ~~(7) على بعضه؟ # الثالث: ما تقدم من رواية أبي الشيخ الأصبهاني، عن عطاء بن يسار ~~PageV01P510 # - هكذا رأيته (1) ولعله ابن (2) دينار (3) - قال: قال عمر: " إياكم ~~ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم " (4) . # وروى البيهقي بإسناد صحيح في باب كراهة (5) الدخول على أهل الذمة في ~~كنائسهم (6) والتشبه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم: عن سفيان الثوري، عن ثور ~~بن يزيد (7) عن عطاء بن دينار قال: قال عمر: " لا تعلموا رطانة الأعاجم، ~~ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم؛ فإن السخطة تنزل عليهم " ~~(8) . # وبالإسناد (9) عن الثوري، عن عوف (10) . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P511 # عن الوليد (1) - أو أبي الوليد -، عن عبد الله بن عمرو (2) قال: " من بنى ~~ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك، حشر ~~معهم يوم القيامة " (3) . # وروى بإسناده عن البخاري صاحب الصحيح قال: قال لي ابن أبي مريم (4) ~~أنبأنا (5) نافع بن يزيد (6) سمع سلمان بن أبي زينب (7) وعمرو بن الحارث ~~(8) . . . . . . . . PageV01P512 # سمع (1) سعيد بن سلمة ms194 (2) سمع أبان، سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ~~" اجتنبوا أعداء الله في عيدهم " (3) . # وروى بإسناد صحيح عن أبي أسامة (4) حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد ~~الله بن عمرو قال: " من بنى ببلاد الأعاجم (5) فصنع نيروزهم ومهرجانهم، ~~وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك؛ حشر معهم يوم القيامة " (6) وقال: هكذا رواه ~~يحيى بن سعيد، وابن أبي عدي (7) PageV01P513 # وغندر (1) وعبد الوهاب (2) عن عوف، عن (3) أبي المغيرة، عن عبد الله بن ~~عمرو من قوله (4) . # وبالإسناد إلى أبي أسامة، عن حماد بن زيد، (5) عن هشام (6) عن (7) محمد ~~بن سيرين قال: " أتي علي رضي الله عنه بهدية (8) النيروز، فقال: ما هذه؟ ~~قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا يوم النيروز، قال: فاصنعوا كل يوم نيروزا (9) ~~قال أبو أسامة: كره رضي الله عنه أن يقول: نيروزا " (10) . # قال البيهقي: وفي هذا: الكراهة لتخصيص يوم بذلك لم يجعله الشرع مخصوصا ~~به. PageV01P514 # وهذا عمر نهى عن تعلم (1) لسانهم، وعن مجرد دخول الكنيسة (2) عليهم يوم ~~عيدهم، فكيف بفعل بعض أفعالهم؟ أو بفعل ما هو من مقتضيات دينهم؟ . # أليست موافقتهم في العمل أعظم من الموافقة في اللغة؟ أو (3) ليس عمل (4) ~~بعض أعمال عيدهم (5) أعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم؟ # وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم؛ فمن يشركهم في العمل أو ~~بعضه: أليس قد يعرض لعقوبة ذلك؟ # ثم قوله: " واجتنبوا أعداء الله في عيدهم " أليس نهيا عن لقائهم ~~والاجتماع بهم فيه؟ فكيف بمن عمل عيدهم؟ # وأما عبد الله بن عمرو (6) فصرح أنه: " من بنى ببلادهم، وصنع نيروزهم ~~ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت؛ حشر معهم " (7) وهذا يقتضي أنه جعله كافرا ~~بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور، أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار، وإن ~~كان الأول ظاهر لفظه، فتكون المشاركة في بعض ذلك معصية؛ لأنه لو لم يكن ~~مؤثرا في استحقاق العقوبة لم يجز جعله جزءا (8) من المقتضى، إذ المباح لا ~~يعاقب عليه، وليس الذم على بعض ذلك مشروطا ببعض؛ لأن أبعاض (9) ما ~~PageV01P515 # ذكره يقتضي الذم مفردا. # وإنما ذكر (1) - والله ms195 أعلم - من بنى ببلادهم؛ لأنهم على عهد عبد الله بن ~~عمرو (2) وغيرهم من الصحابة كانوا ممنوعين من إظهار أعيادهم بدار الإسلام، ~~وما كان أحد من المسلمين يتشبه بهم في عيدهم (3) وإنما كان يتمكن من ذلك ~~بكونه في أرضهم. # وأما علي رضي الله عنه، فكره موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به، ~~فكيف بموافقتهم في العمل؟ # وقد نص أحمد على معنى ما جاء عن عمر وعلي رضي الله عنهما في ذلك، وذكر ~~أصحابه مسأله العيد. # وقد تقدم قول القاضي أبي يعلى: مسألة في المنع من حضور أعيادهم. # وقال الإمام أبو الحسن الآمدي - المعروف بابن البغدادي (4) - في كتابه: ~~عمدة الحاضر وكفاية المسافر: " فصل: لا يجوز شهود أعياد النصارى (5) ~~واليهود، نص عليه أحمد في رواية مهنا (6) واحتج بقوله تعالى: {والذين لا ~~يشهدون الزور} [الفرقان: 72] PageV01P516 # ، قال: الشعانين وأعيادهم، فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم فلا بأس ~~بحضوره، نص عليه أحمد في رواية مهنا، وقال: إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم ~~بيعهم وكنائسهم، فأما ما يباع في الأسواق من المأكل فلا، وإن قصد إلى توفير ~~ذلك وتحسينه لأجلهم ". # وقال الخلال في جامعه: " باب في كراهية (1) خروج المسلمين في أعياد ~~المشركين " وذكر عن مهنا قال: " سألت أحمد عن شهود هذه الأعياد التي تكون ~~عندنا بالشام، مثل: طور يانور (2) ودير أيوب (3) وأشباهه، يشهده المسلمون، ~~يشهدون الأسواق، ويجلبون (4) الغنم فيه، والبقر، والدقيق (5) والبر، ~~والشعير، (6) وغير ذلك، إلا أنه إنما يكون (7) في الأسواق يشترون، ولا ~~يدخلون عليهم بيعهم؟ # قال: إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم، وإنما يشهدون السوق فلا بأس ". # فإنما رخص أحمد رحمه الله في شهود السوق بشرط: أن لا يدخلوا عليهم بيعهم؛ ~~فعلم منعه من دخول بيعهم. # وكذلك أخذ الخلال من ذلك: المنع من خروج المسلمين في أعيادهم، فقد نص ~~أحمد على مثل ما جاء عن عمر رضي الله عنه من المنع من دخول PageV01P517 # كنائسهم في أعيادهم، وهو كما ذكرنا من باب التنبيه عن المنع عن (1) أن ~~يفعل (2) كفعلهم. # وأما الرطانة (3) وتسمية شهورهم بالأسماء العجمية، فقال أبو ms196 محمد ~~الكرماني - المسمى بحرب -: باب تسمية الشهور بالفارسية: قلت لأحمد: فإن ~~للفرس أياما وشهورا يسمونها بأسماء لا تعرف؟ فكره ذلك أشد الكراهة، وروى ~~فيه عن مجاهد حديثا (4) أنه كره أن يقال: آذرماه (5) وذي ماه (6) قلت: فإن ~~كان اسم رجل أسميه به؟ فكرهه. # قال: وسألت إسحاق قلت: تاريخ الكتاب يكتب بالشهور الفارسية مثل: آذرماه، ~~وذي ماه؟ قال: إن لم يكن في تلك الأسامي اسم يكره، فأرجو. قال: وكان ابن ~~المبارك يكره إيزدان (7) يحلف به، وقال: لا آمن أن يكون أضيف إلى شيء يعبد، ~~وكذلك الأسماء الفارسية قال: وكذلك أسماء العرب، كل شيء (8) مضاف. قال: ~~وسألت إسحاق مرة أخرى قلت: الرجل يتعلم شهور الروم والفرس؟ قال: كل اسم ~~معروف في كلامهم فلا بأس (9) . PageV01P518 # فما قاله أحمد من كراهة هذه الأسماء له وجهان: # أحدهما: إذا لم يعرف معنى الاسم، جاز أن يكون معنى محرما، فلا ينطق ~~المسلم بما لا يعرف معناه، ولهذا كرهت الرقى العجمية، كالعبرانية (1) أو ~~السريانية، أو غيرها؛ خوفا أن يكون فيها معان لا تجوز. # وهذا المعنى هو الذي اعتبره إسحاق، لكن إن (2) علم أن المعنى مكروه فلا ~~ريب في كراهته، وإن جهل معناه فأحمد كرهه، وكلام إسحاق يحتمل أنه لم يكرهه. # الوجه الثاني (3) كراهته أن يتعود الرجل النطق بغير العربية، فإن اللسان ~~العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر (4) الأمم التي بها ~~يتميزون، ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون في الأدعية التي في ~~الصلاة والذكر: أن يدعى الله أو يذكر بغير العربية. # وقد اختلف الفقهاء في أذكار الصلوات (5) هل تقال بغير العربية؟ وهي ثلاث ~~درجات: أعلاها القرآن، ثم الذكر الواجب غير القرآن، كالتحريمة بالإجماع (6) ~~وكالتحليل والتشهد عند من أوجبهما (7) ثم الذكر غير الواجب، من دعاء أو ~~تسبيح أو تكبير أو غير ذلك. # فأما القرآن: فلا يقرؤه (8) بغير العربية، سواء قدر عليها أو لم يقدر عند ~~PageV01P519 # الجمهور، وهو الصواب الذي لا ريب فيه، بل قد قال غير واحد: إنه يمتنع أن ~~يترجم سورة، أو ما يقوم به الإعجاز. ms197 # واختلف أبو حنيفة وأصحابه في القادر على العربية. # وأما الأذكار الواجبة: فاختلف في منع ترجمة القرآن (1) هل يترجمها (2) ~~العاجز عن العربية، وعن تعلمها؟ وفيه لأصحاب أحمد وجهان، أشبهها بكلام ~~أحمد: أنه لا يترجم، وهو قول مالك وإسحاق، والثاني: يترجم، وهو قول أبي ~~يوسف ومحمد والشافعي. # وأما سائر الأذكار فالمنصوص من الوجهين، أنه لا يترجمها (3) ومتى فعل ~~بطلت صلاته، وهو قول مالك وإسحاق وبعض أصحاب الشافعي. # والمنصوص عن الشافعي: أنه يكره ذلك بغير العربية ولا تبطل، ومن أصحابنا ~~من قال: له ذلك، إذا لم يحسن العربية. # وحكم النطق بالعجمية في العبادات: من الصلاة والقراءة والذكر، كالتلبية ~~والتسمية على الذبيحة، وفي العقود والفسوخ، كالنكاح واللعان وغير ذلك: ~~معروف في كتب الفقه. # وأما الخطاب بها من غير حاجة في أسماء الناس والشهور (4) - كالتواريخ ~~ونحو ذلك - فهو منهي عنه، مع الجهل بالمعنى، بلا ريب، وأما مع العلم به ~~فكلام أحمد بين في كراهته أيضا، فإنه (5) كره: آذرماه، ونحوه، ومعناه ليس ~~محرما. # وأظنه سئل عن الدعاء في الصلاة بالفارسية فكرهه وقال: لسان سوء! ~~PageV01P520 # وهو أيضا قد أخذ بحديث عمر رضي الله عنه الذي فيه النهي عن رطانتهم، وعن ~~شهود أعيادهم، وهذا (1) قول مالك أيضا؛ فإنه قال: لا يحرم بالعجمية، ولا ~~يدعو بها ولا يحلف بها، وقال: نهى عمر عن رطانة الأعاجم وقال: " إنها خب " ~~(2) فقد استدل بنهي عمر عن الرطانة مطلقا. # وقال الشافعي فيما رواه السلفي (3) بإسناد معروف إلى محمد بن عبد الله بن ~~(4) عبد الحكم (5) قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: " سمى الله ~~الطالبين من فضله في الشراء والبيع: تجارا، ولم تزل العرب تسميهم التجار، ~~ثم سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمى الله به من التجارة بلسان ~~العرب، والسماسرة اسم من أسماء العجم، فلا نحب أن يسمي رجل يعرف العربية ~~تاجرا، إلا تاجرا، ولا ينطق بالعربية فيسمى شيئا بأعجمية، وذلك أن اللسان ~~الذي اختاره الله عز وجل لسان العرب، فأنزل (6) به كتابه العزيز، وجعله ~~لسان خاتم أنبيائه محمد صلى الله ms198 عليه وسلم: ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد ~~يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها (7) ؛ لأنه اللسان الأولى بأن يكون ~~مرغوبا فيه من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بأعجمية ". PageV01P521 # فقد كره الشافعي لمن يعرف العربية، أن يسمي بغيرها، وأن يتكلم بها خالطا ~~لها بالعجمية، وهذا الذي (1) قاله الأئمة مأثور عن الصحابة والتابعين. # وقد قدمنا عن عمر (2) وعلي رضي الله عنهما ما ذكره. # وروى أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع (3) عن أبي هلال (4) عن ~~ابن (5) بريدة (6) قال: قال عمر: " ما تكلم الرجل الفارسية إلا خب (7) ولا ~~خب رجل إلا نقصت مروءته ". # وقال: حدثنا وكيع، عن ثور، عن عطاء قال: " لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا ~~تدخلوا عليهم كنائسهم، فإن السخط ينزل عليهم " (8) . PageV01P522 # وهذا هو (1) الذي روينا فيما تقدم عن عمر رضي الله عنه. # وقال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن داود بن أبي هند، أن محمد بن سعد بن أبي ~~وقاص (2) سمع قوما يتكلمون بالفارسية فقال: " ما بال المجوسية بعد ~~الحنيفية؟ (3) . # وقد روى السلفي من حديث سعيد بن العلاء البرذعي (4) حدثنا إسحاق بن ~~إبراهيم البلخي (5) حدثنا عمر بن هارون البلخي (6) حدثنا (7) أسامة بن زيد ~~(8) عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: PageV01P523 # «من يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية فإنه يورث النفاق» (1) . # ورواه أيضا بإسناد معروف، إلى أبي سهل (2) محمود بن عمر العكبري (3) ~~حدثنا محمد بن الحسن بن محمد المقري (4) حدثنا أحمد بن الخليل (5) - ببلخ - ~~حدثنا إسحاق بن ابراهيم الحريري (6) حدثنا عمر بن هارون، عن أسامة بن زيد، ~~عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يحسن ~~أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فإنه يورث النفاق» (7) . # وهذا الكلام يشبه كلام عمر بن الخطاب، وأما رفعه فموضع تبين. # ونقل عن طائفة منهم، أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من العجمية، ~~قال أبو خلدة (8) كلمني أبو العالية بالفارسية (9) وقال منذر PageV01P524 # الثوري (1) سأل رجل محمد بن الحنفية ms199 (2) عن الجبن، فقال: يا جارية اذهبي ~~بهذا الدرهم فاشتري به نبيزا (3) فاشترت به نبيزا (4) ثم جاءت به، يعني ~~الجبن (5) . # وفي الجملة: فالكلمة بعد الكلمة من العجمية، أمرها قريب، وأكثر ما يفعلون ~~ذلك (6) إما لكون المخاطب أعجميا، أو قد اعتاد العجمية، يريدون تقريب ~~الأفهام عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد ~~بن (7) العاص (8) - وكانت صغيرة قد ولدت بأرض الحبشة لما هاجر أبوها، ~~فكساها النبي صلى الله عليه وسلم خميصة (9) وقال: «يا أم خالد، هذا سنا» ~~والسنا بلغة الحبشة: الحسن (10) . PageV01P525 # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال لمن أوجعه بطنه: " أشكم بدرد " ~~(1) وبعضهم يرويه مرفوعا، ولا يصح. # وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية - التي هي شعار الإسلام ولغة ~~القرآن - حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، أو لأهل الدار، أو للرجل مع ~~صاحبه، أو لأهل السوق، أو للأمراء، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه، فلا ~~ريب أن هذا مكروه فإنه من التشبه بالأعاجم، وهو مكروه كما تقدم. # ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر، ولغة أهلهما ~~رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية، وأهل (2) المغرب، ولغة ~~أهلها بربرية (3) عودوا أهل هذه البلاد العربية، حتى غلبت على أهل هذه ~~الأمصار: مسلمهم وكافرهم، وهكذا كانت خراسان قديما. # ثم (4) إنهم تساهلوا في أمر اللغة، واعتادوا الخطاب بالفارسية، حتى غلبت ~~عليهم وصارت العربية مهجورة (5) عند كثير منهم، ولا ريب أن هذا مكروه، ~~وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية، حتى يتلقنها الصغار في المكاتب ~~وفي الدور (6) فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام ~~في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف، بخلاف من اعتاد لغة، ثم أراد أن ~~ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب. PageV01P526 # واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل، والخلق، والدين تأثيرا قويا بينا، ~~ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد ~~العقل والدين والخلق. # وأيضا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم ~~الكتاب (1) والسنة فرض، ms200 ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب. # ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية، وهذا ~~معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عيسى بن يونس (2) عن ثور (3) عن ~~عمر بن زيد (4) قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: " أما ~~بعد: فتفقهوا في السنة (5) وتفقهوا في العربية وأعربوا القرآن، فإنه عربي ~~". # وفي حديث (6) آخر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: " تعلموا PageV01P527 # العربية (1) فإنها من دينكم، وتعلموا (2) الفرائض فإنها من دينكم " وهذا ~~الذي أمر به عمر رضي الله عنه من فقه العربية وفقه الشريعة، يجمع ما يحتاج ~~إليه؛ لأن الدين فيه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، ~~وفقه السنة هو (3) فقه أعماله. ### | النهي عن موافقتهم في أعيادهم بالاعتبار # وأما الاعتبار في مسألة العيد فمن وجوه: أحدها: أن الأعياد من جملة الشرع ~~والمناهج والمناسك، التي قال الله سبحانه (4) {لكل أمة جعلنا منسكا هم ~~ناسكوه} [الحج: 67] (5) كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في ~~العيد وبين مشاركتهم (6) في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد، ~~موافقة في الكفر. والموافقة في بعض فروعه: موافقة في بعض شعب الكفر، بل ~~الأعياد هي (7) من أخص ما تتميز به (8) الشرائع، ومن أظهر ما لها من ~~الشعائر، فالموافقة فيها موافقة (9) في أخص شرائع الكفر، وأظهر شعائره (10) ~~ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه. ~~PageV01P528 # وأما مبدؤها فأقل أحواله: أن تكون معصية، وإلى هذا الاختصاص أشار النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن لكل قوم عيدا، وإن هذا عيدنا» وهذا أقبح من ~~مشاركتهم في لبس الزنار (1) ونحوه من علاماتهم؛ لأن تلك علامة وضعية (2) ~~ليست من الدين، وإنما الغرض منها مجرد التمييز (3) بين المسلم والكافر، ~~وأما العيد وتوابعه، فإنه من الدين الملعون هو وأهله، فالموافقة فيه موافقة ~~فيما يتميزون به من أسباب سخط الله وعقابه. # وإن شئت أن تنظم هذا قياسا تمثيليا (4) قلت: (5) شريعة ms201 من شرائع الكفر، ~~أو شعيرة من شعائره، فحرمت موافقتهم فيها كسائر شعائر الكفر وشرائعه، وإن ~~كان هذا أبين من القياس الجزئي (6) . # ثم كل ما يختص به ذلك من عبادة وعادة، فإنما سببه هو كونه يوما مخصوصا، ~~وإلا فلو كان كسائر الأيام لم يختص بشيء، وتخصيصه ليس من دين الإسلام في ~~شيء، بل هو كفر به. # الوجه الثاني (7) أن ما يفعلونه في أعيادهم معصية لله؛ لأنه إما محدث ~~PageV01P529 # مبتدع، وإما منسوخ، وأحسن أحواله - ولا حسن فيه - أن يكون بمنزلة صلاة ~~المسلم إلى بيت المقدس. # هذا إذا كان المفعول مما يتدين به، وأما ما يتبع ذلك من التوسع في ~~العادات من الطعام واللباس، واللعب والراحة، فهو تابع لذلك العيد الديني، ~~كما أن ذلك تابع له (1) في دين الله: (2) الإسلام، فيكون بمنزلة أن يتخذ ~~بعض المسلمين عيدا مبتدعا يخرج (3) فيه إلى الصحراء، ويفعل (4) فيه من (5) ~~العبادات والعادات من جنس المشروع في يومي الفطر والنحر، أو مثل أن ينصب ~~بنية يطاف بها وتحج (6) ويصنع لمن يفعل ذلك طعاما ونحو ذلك. # فلو كره المسلم ذلك، لكن (7) غير عادته ذلك اليوم، كما يغير أهل البدع ~~عادتهم في الأمور العادية أو في بعضها؛ بصنعة (8) طعام وزينة ولباس وتوسيع ~~(9) في نفقة، ونحو ذلك، من غير أن يتعبد (10) بتلك العادة المحدثة: ألم يكن ~~(11) هذا من أقبح المنكرات؟ فكذلك موافقة هؤلاء (12) المغضوب عليهم ~~والضالين وأشد. PageV01P530 # نعم، هؤلاء يقرون على دينهم المبتدع، والمنسوخ، (1) مستسرين به، والمسلم ~~لا يقر على (2) مبتدع ولا منسوخ، لا سرا ولا علانية، وأما مشابهة الكفار ~~فكمشابهة أهل البدع وأشد. # الوجه الثالث: (3) أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل الكثير، ثم ~~إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس، وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس، بل ~~عيدا، حتى يضاهى بعيد الله، بل قد يزيد عليه، حتى يكاد أن يفضي إلى موت ~~الإسلام وحياة الكفر. كما قد سوله الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام فيما ~~يفعلونه في أواخر (4) صوم النصارى، من الهدايا والأفراح، والنفقات، وكسوة ~~الأولاد، وغير ذلك، ms202 مما يصير به مثل عيد المسلمين، بل البلاد المصاقبة ~~للنصارى، التي قل علم أهلها وإيمانهم، قد صار ذلك أغلب عندهم وأبهى في ~~نفوسهم من عيد الله ورسوله، على ما حدثني به الثقات. # وأما (5) ما رأيته بدمشق، وما حولها من أرض الشام، مع أنها أقرب إلى ~~العلم والإيمان، فهذا الخميس الذي يكون في آخر صوم النصارى (6) يدور بدوران ~~صومهم، الذي هو سبعة أسابيع، وصومهم؛ وإن كان في أوائل الفصل الذي تسميه ~~العرب: الصيف، وتسميه العامة: الربيع، فإنه يتقدم ويتأخر ليس له حد واحد من ~~السنة الشمسية، كالخميس الذي هو (7) في أول نيسان، بل يدور في PageV01P531 # نحو ثلاثة وثلاثين يوما، لا يتقدم أوله عن (1) ثاني شباط، ولا يتأخر أوله ~~عن ثامن (2) آذار، بل يبتدئون بالاثنين الذي هو أقرب إلى اجتماع الشمس ~~والقمر في هذه المدة، ليراعوا - كما زعموا (3) - التوقيت الشمسي والهلالي. # وكل ذلك بدع أحدثوها باتفاق منهم، خالفوا بها الشريعة التي جاءت بها ~~الأنبياء، فإن الأنبياء ما وقتوا العبادات إلا بالهلال، وإنما اليهود ~~والنصارى حرفوا الشرائع تحريفا ليس هذا موضع ذكره. # ويلي هذا الخميس يوم الجمعة، الذي جعلوه بإزاء يوم الجمعة التي صلب فيها ~~المسيح على زعمهم الكاذب، يسمونها: جمعة الصلبوت، ويليه ليلة السبت التي ~~يزعمون أن المسيح كان فيها في القبر، وأظنهم يسمونها: ليلة النور، وسبت ~~النور، ويصطنعون (4) مخرقة (5) يروجونها على عامتهم، لغلبة الضلال عليهم، ~~يخيلون إليهم أن النور ينزل من السماء في كنيسة القمامة (6) التي ببيت ~~المقدس، حتى يحملوا ما يوقد (7) من ذلك الضوء إلى بلادهم متبركين به، وقد ~~علم كل ذي (8) عقل أنه مصنوع مفتعل، ثم يوم السبت يتطلبون (9) اليهود، ويوم ~~PageV01P532 # الأحد يكون العيد الكبير عندهم، الذي يزعمون أن المسيح قام فيه. # ثم الأحد الذي يلي هذا يسمونه الأحد الحديث، يلبسون فيه الجديد من ثيابهم ~~ويفعلون فيه أشياء. وكل هذه الأيام عندهم أيام العيد، كما أن يوم عرفة ويوم ~~النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهم يصومون عن الدسم (1) . # ثم في مقدم فطرهم يفطرون، أو بعضهم، على ما يخرج ms203 من الحيوان، من لبن وبيض ~~ولحم، وربما كان أول فطرهم على البيض، ويفعلون في أعيادهم وغيرها من أمور ~~دينهم: أقوالا وأعمالا لا تنضبط. # ولهذا تجد نقل العلماء لمقالاتهم وشرائعهم تختلف، وعامته صحيح، وذلك أن ~~القوم يزعمون أن ما وضعه رؤساء دينهم من الأحبار والرهبان من الدين، فقد ~~لزمهم حكمه، وصار شرعا شرعه المسيح في السماء، فهم في كل مدة ينسخون أشياء، ~~ويشرعون (2) أشياء من الإيجابات والتحريمات، وتأليف الاعتقادات، وغير ذلك، ~~مخالفا لما كانوا عليه قبل ذلك، زعما منهم أن هذا بمنزلة نسخ الله شريعة ~~بشريعة أخرى. فهم واليهود في هذا الباب وغيره على طرفي نقيض: اليهود تمنع ~~أن ينسخ الله الشرائع، أو يبعث رسولا بشريعة تخالف ما قبلها، كما أخبر الله ~~عنهم بقوله: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} ~~[البقرة: 142] (3) والنصارى تجيز لأحبارهم ورهبانهم شرع الشرائع ونسخها، ~~فلذلك (4) لا ينضبط للنصارى شريعة تحكى (5) مستمرة على الأزمان. # وغرضنا لا يتوقف على معرفة تفاصيل باطلهم، ولكن يكفينا أن نعرف ~~PageV01P533 # المنكر معرفة تميز بينه وبين المباح والمعروف، والمستحب والواجب، حتى ~~نتمكن بهذه المعرفة من اتقائه واجتنابه كما نعرف سائر المحرمات؛ إذ الفرض ~~علينا تركها، ومن لم يعرف المنكر - (1) جملة ولا تفصيلا - لم يتمكن من قصد ~~اجتنابه، والمعرفة الجملية كافية، بخلاف الواجبات: فإن الغرض (2) لما كان ~~فعلها، والفعل لا يتأتى (3) إلا مفصلا، وجبت معرفتها على سبيل التفصيل. # وإنما عددت أشياء من منكرات دينهم، لما رأيت طوائف المسلمين قد ابتلي ~~ببعضها، وجهل كثير منهم أنها من دين النصارى الملعون هو وأهله، وقد بلغني ~~أيضا أنهم يخرجون في الخميس الذي قبل ذلك، أو يوم السبت، أو غير ذلك، إلى ~~القبور؛ يبخرونها، وكذلك ينحرون (4) في هذه الأوقات وهم يعتقدون أن في ~~البخور بركة، ودفع أذى - وراء (5) كونه طيبا - ويعدونه من القرابين مثل ~~الذبائح، ويزفونه (6) بنحاس، يضربونه كأنه ناقوس صغير، وبكلام مصنف، ~~ويصلبون على أبواب بيوتهم، إلى غير ذلك من الأمور المنكرة. # ولست أعلم جميع ما يفعلونه، وإنما ذكرت (7) ما رأيت كثيرا من ms204 المسلمين ~~يفعلونه، وأصله مأخوذ عنهم، حتى إنه (8) كان في مدة الخميس، تبقى الأسواق ~~مملوءة من أصوات هذه النواقيس الصغار، وكلام الرقائين، من المنجمين وغيرهم، ~~بكلام أكثره باطل، وفيه ما هو محرم أو كفر، وقد ألقي إلى PageV01P534 # جماهير العامة أو جميعهم إلا من شاء الله. # وأعني بالعامة هنا: كل من لا يعلم حقيقة الإسلام، فإن كثيرا ممن ينتسب ~~(1) إلى فقه أو دين قد شارك في ذلك، ألقي إليهم هذا البخور المرقي ينتفع ~~(2) ببركته، من العين والسحر والأدواء والهوام، ويصورون في أوراق صور ~~الحيات والعقارب، ويلصقونها في بيوتهم زعما منهم أن تلك الصور - الملعون ~~فاعلها التي لا تدخل الملائكة بيتا هي فيه -: تمنع الهوام، وهو ضرب من ~~طلاسم الصابئة. # ثم كثير منهم - على ما بلغني - يصلب (3) باب البيت، ويخرج خلق عظيم في ~~الخميس المتقدم على هذا الخميس، يبخرون المقابر، ويسمون هذا المتأخر: ~~الخميس الكبير، وهو عند الله الخميس المهين الحقير؛ هو وأهله ومن يعظمه (4) ~~فإن كل ما عظم بالباطل من مكان زمان، أو حجر أو شجر أو بنية: يجب قصد ~~إهانته، كما تهان الأوثان المعبودة، وإن كانت لولا عبادتها لكانت كسائر ~~الأحجار. # ومما يفعله الناس من المنكرات: أنهم يوظفون على الأكرة (5) وظائف أكثرها ~~كرها، من الغنم والدجاج واللبن والبيض، فيجتمع فيها تحريمان: أكل مال ~~المسلم، أو المعاهد بغير حق، وإقامة شعار النصارى، ويجعلونه ميقاتا ~~PageV01P535 # لإخراج الوكلاء، على المزارع، ويطبخون (1) فيه، ويصبغون (2) فيه البيض، ~~وينفقون فيه النفقات الواسعة، ويزينون أولادهم، إلى غير ذلك من الأمور التي ~~يقشعر منها قلب المؤمن الذي لم يمت قلبه، بل يعرف المعروف وينكر المنكر. # وخلق كثير منهم يضعون ثيابهم تحت السماء رجاء لبركة مرور مريم عليها (3) ~~فهل يستريب من في قلبه أدنى حياة من الإيمان أن شريعة جاءت بما قدمنا بعضه ~~من مخالفة اليهود والنصارى، لا يرضى من شرعها ببعض هذه القبائح؟ # ويفعلون ما هو أعظم من ذلك: يطلون أبواب بيوتهم ودوابهم بالخلوق والمغرة ~~(4) وغير ذلك، وذلك من أعظم المنكرات عند الله تعالى، فالله تعالى يكفينا ~~شر المبتدعة، ms205 وبالله التوفيق (5) . # وأصل ذلك كله: إنما هو اختصاص أعياد الكفار بأمر جديد، أو مشابهتهم في ~~بعض أمورهم، يوضح ذلك: أن الأسبوع الذي يقع في آخر صومهم يعظمونه جدا ~~ويسمون خميسه: (6) الخميس الكبير، وجمعته: الجمعة الكبيرة، ويجتهدون في ~~التعبد فيه ما لا يجتهدون في غيره، بمنزلة العشر الأواخر من رمضان في دين ~~الله ورسوله، والأحد الذي هو أول الأسبوع PageV01P536 # يصطنعون (1) فيه عيدا يسمونه: الشعانين، هكذا نقل بعضهم عنهم، ونقل بعضهم ~~عنهم (2) أن الشعانين هو أول أحد في صومهم، يخرجون فيه بورق الزيتون ونحوه، ~~ويزعمون أن ذلك مشابهة لما جرى للمسيح عليه السلام، حين دخل إلى بيت المقدس ~~راكبا أتانا مع جحشها، فأمر بالمعروف ونهى (3) عن المنكر، فثار عليه غوغاء ~~الناس، وكان اليهود قد وكلوا قوما معهم عصي يضربونه بها، فأورقت تلك العصي ~~وسجد أولئك (4) للمسيح. # فعيد الشعانين مشابهة لذلك الأمر، وهو الذي سمي في شروط عمر وكتب الفقه: ~~" أن لا يظهروه في دار الإسلام " ويسمون هذا العيد وكل مخرج يخرجونه إلى ~~الصحراء: باعوثا، (5) فالباعوث (6) اسم جنس لما يظهر به الدين، كعيد الفطر ~~والنحر (7) . # فما يحكونه عن المسيح عليه صلوات الله عليه وسلامه من المعجزات هو في حيز ~~الإمكان، لا نكذبهم فيه؛ لإمكانه، ولا نصدقهم؛ لجهلهم وفسقهم، وأما ~~موافقتهم في التعييد فإحياء دين أحدثوه، أو دين نسخه الله (8) . # ثم يوم الخميس الذي يسمونه الخميس الكبير، يزعمون أن في مثله نزلت ~~المائدة التي ذكرها الله في القرآن، حيث. . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . PageV01P537 # قال (1) {قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون ~~لنا عيدا لأولنا وآخرنا (2) وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين} [المائدة: ~~114] (3) فيوم الخميس هو يوم عيد المائدة، ويوم الأحد يسمونه عيد الفصح (4) ~~وعيد النور، والعيد الكبير. # ولما كان عيدا صاروا يصنعون (5) لأولادهم البيض المصبوغ ونحوه؛ لأنهم فيه ~~(6) يأكلون ما يخرج من الحيوان من لحم ولبن وبيض؛ إذ صومهم هو عن الحيوان ~~وما يخرج منه، وإنما يأكلون في صومهم الحب وما يصنع منه: من زيت (7) وشيرج ~~(8) ونحو ذلك. # وعامة هذه الأعمال المحكية عن ms206 النصارى، وغيرها مما لم يحك، قد زينها ~~الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام، وجعل لها في قلوبهم مكانة وحسن ظن، وزادوا ~~في بعض ذلك ونقصوا، وقدموا وأخروا؛ إما لأن بعض ما يفعلونه قد كان يفعله ~~بعض النصارى، أو غيروه هم من عند أنفسهم، كما قد يغيرون بعض أمر الدين ~~الحق. لكن كلما خصت (9) به هذه الأيام ونحوها، من الأيام التي ليس لها خصوص ~~(10) في دين الله، وإنما PageV01P538 # خصوصها (1) في الدين الباطل: إنما أصل تخصيصها من دين الكافرين، وتخصيصها ~~بذلك فيه مشابهة لهم، وليس لجاهل (2) أن يعتقد أن بهذا تحصل المخالفة لهم، ~~كما في صوم يوم عاشوراء؛ لأن ذلك فيما (3) كان أصله مشروعا لنا، وهم ~~يفعلونه، فإنا نخالفهم في وصفه، فأما ما لم يكن في ديننا بحال، بل هو من ~~دينهم، المبتدع أو المنسوخ، فليس لنا أن نشابههم لا في أصله، ولا في وصفه، ~~كما قدمنا قاعدة ذلك فيما مضى. # فإحداث ما في هذه الأيام التي يتعلق تخصيصها بهم لا بنا، هو مشابهة لهم ~~في أصل تخصيص هذه الأيام بشيء فيه تعظيم، وهذا بين على قول من يكره صوم يوم ~~النيروز والمهرجان، لا سيما إذا كانوا يعظمون (4) اليوم الذي أحدث فيه ذلك. # ويزيد ذلك وضوحا أن الأمر قد آل إلى أن كثيرا من الناس صاروا في مثل هذا ~~الخميس الذي هو عيد (5) الكفار - عيد المائدة - آخر خميس في صوم النصارى ~~الذي يسمونه الخميس الكبير - وهو الخميس الحقير - يجتمعون في أماكن ~~اجتماعات عظيمة، ويصبغون البيض ويطبخون باللبن، وينكتون (6) بالحمرة ~~دوابهم، ويصنعون (7) الأطعمة التي لا تكاد تفعل في عيد الله ورسوله، ~~ويتهادون الهدايا التي تكون في مثل مواسم الحج، وعامتهم قد نسوا أصل ذلك ~~وعلته، وبقي عادة مطردة كاعتيادهم بعيدي الفطر والنحر وأشد. PageV01P539 # واستعان الشيطان في إغوائهم بذلك أن الزمان زمان ربيع، وهو مبدأ العام ~~الشمسي، فيكون قد كثر فيه اللحم واللبن والبيض ونحو ذلك، مع أن عيد النصارى ~~ليس هو يوما محدودا من السنة الشمسية، وإنما يتقدم فيها ويتأخر، في نحو ~~ثلاثة وثلاثين ms207 يوما كما قدمناه. # وهذا كله تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» ~~(1) وسببه (2) مشابهة الكفار في القليل من أمر عيدهم، وعدم النهي عن ذلك، ~~وإذا كانت المشابهة في القليل ذريعة ووسيلة إلى بعض هذه القبائح؛ كانت ~~محرمة، فكيف إذا أفضت إلى ما هو كفر بالله، من التبرك بالصليب والتعميد في ~~المعمودية (3) أو قول (4) القائل: المعبود واحد وإن كانت الطرق مختلفة، ~~ونحو ذلك من الأقوال والأفعال التي تتضمن: إما كون الشريعة النصرانية ~~واليهودية، المبدلتين المنسوختين، موصلة إلى الله؛ وإما استحسان بعض ما ~~فيها، مما يخالف دين الله، أو التدين (5) بذلك، أو غير ذلك، مما هو كفر ~~بالله وبرسوله، وبالقرآن وبالإسلام، بلا خلاف بين الأمة الوسط في ذلك، وأصل ~~ذلك المشابهة والمشاركة. # وبهذا يتبين لك كمال موقع الشريعة الحنيفية، وبعض حكمة ما شرعه الله ~~لرسوله من مباينة الكفار ومخالفتهم في عامة أمورهم؛ لتكون المخالفة أحسم ~~لمادة الشر (6) وأبعد عن الوقوع فيما وقع فيه الناس. PageV01P540 # واعلم أنا لو لم نر موافقتهم قد أفضت إلى هذه القبائح لكان علمنا بما ~~الطباع عليه (1) واستدلالنا بأصول الشريعة يوجب النهي عن هذه الذريعة، فكيف ~~وقد رأينا من المنكرات التي أفضت إليها المشابهة ما قد يوجب الخروج من ~~الإسلام بالكلية؟ . # وسر هذا الوجه: أن المشابهة تفضي إلى كفر، أو معصية غالبا، أو تفضي ~~إليهما (2) في الجملة، وليس في هذا المفضي مصلحة، وما أفضى إلى ذلك كان ~~محرما: فالمشابهة محرمة. # والمقدمة الثانية لا ريب فيها، فإن استقراء الشريعة في مواردها ومصادرها ~~دال (3) على أن ما أفضى إلى الكفر - غالبا - حرم (4) وما أفضى إليه على وجه ~~خفي حرم (5) وما أفضى إليه في الجملة ولا حاجة تدعو إليه، حرم (6) كما قد ~~تكلمنا على قاعدة الذرائع، في غير هذا الكتاب. # والمقدمة الأولى قد شهد بها الواقع شهادة لا تخفى على بصير ولا أعمى، مع ~~أن الإفضاء أمر طبيعي، قد اعتبره الشارع في عامة الذرائع التي سدها كما قد ~~ذكرنا من الشواهد على ذلك: نحوا من ثلاثين أصلا ms208 منصوصة، أو مجمعا عليها في ~~كتاب: (بطلان التحليل) (7) . PageV01P541 # الوجه الرابع (1) أن الأعياد والمواسم في الجملة، لها منفعة عظيمة في دين ~~الخلق ودنياهم، كانتفاعهم بالصلاة والزكاة والحج، ولهذا جاءت بها كل شريعة، ~~كما قال تعالى: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام} [الحج: 34] (2) وقال: {لكل أمة جعلنا منسكا هم} [الحج: 67] ~~(3) . # ثم إن الله شرع على لسان خاتم النبيين من الأعمال ما فيه صلاح الخلق على ~~أتم الوجوه، وهو الكمال المذكور في قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3] (4) ولهذا أنزل الله هذه الآية في أعظم ~~أعياد الأمة الحنيفية؛ فإنه لا عيد في النوع أعظم من العيد الذي يجتمع فيه ~~المكان والزمان، وهو عيد النحر، ولا عين من أعيان هذا النوع أعظم من يوم ~~كان قد (5) أقامه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعامة المسلمين، وقد نفى ~~الله تعالى الكفر وأهله. # والشرائع هي غذاء القلوب وقوتها كما قال ابن مسعود رضي الله عنه -ويروى ~~مرفوعا -: «إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن» (6) . # ومن شأن الجسد إذا كان جائعا فأخذ من طعام حاجته؛ استغنى عن طعام ~~PageV01P542 # آخر، حتى لا يأكله إن أكل منه إلا بكراهة، وتجشم، وربما ضره أكله، أو لم ~~ينتفع به، ولم يكن هو المغذي له الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير ~~الأعمال المشروعة بعض حاجته، قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما ~~اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع، فإنه تعظم (1) محبته ~~له ومنفعته به، ويتم دينه (2) ويكمل إسلامه. # ولذا تجد (3) من أكثر من (4) سماع القصائد لطلب صلاح قلبه؛ تنقص رغبته في ~~سماع القرآن، حتى ربما كرهه، ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها؛ ~~لا (5) يبقى لحج البيت الحرام (6) في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في ~~قلب من وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس ~~والروم، لا يبقى لحكمة (7) الإسلام وآدابه في قلبه ms209 ذاك الموقع، ومن أدمن ~~(8) قصص الملوك وسيرهم؛ لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك ~~الاهتمام، ونظير (9) هذا كثير (10) . # ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ابتدع قوم بدعة ~~إلا نزع الله PageV01P543 # عنهم من السنة مثلها» (1) رواه الإمام أحمد. # وهذا أمر يجده من نفسه من نظر في حاله من العلماء، والعباد، والأمراء، ~~والعامة وغيرهم، ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع، وكرهتها (2) ~~؛ لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافا لا عليه ولا له لكان الأمر خفيفا، بل ~~لا بد أن يوجب له فسادا، منه (3) نقص منفعة الشريعة في حقه، إذ القلب لا ~~يتسع للعوض والمعوض منه (4) . # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في العيدين الجاهليين: «إن الله قد ~~أبدلكم بهما يومين خيرا منهما» (5) فيبقى اغتذاء قلبه من هذه الأعمال ~~المبتدعة مانعا عن الاغتذاء، - أو من كمال الاغتذاء - بتلك الأعمال الصالحة ~~(6) النافعة الشرعية، فيفسد عليه حاله من حيث لا يشعر (7) كما يفسد جسد ~~المغتذي بالأغذية الخبيثة من حيث لا يشعر، وبهذا يتبين (8) لك بعض ضرر ~~البدع. # إذا تبين هذا فلا يخفى ما جعل الله في القلوب من التشوق إلى العيد ~~والسرور به والاهتمام بأمره، اتفاقا (9) واجتماعات وراحة، ولذة وسرورا، وكل ~~ذلك يوجب تعظيمه لتعلق الأغراض به، فلهذا جاءت الشريعة في العيد، بإعلان ~~PageV01P544 # ذكر الله تعالى فيه، حتى جعل فيه من التكبير في صلاته وخطبته وغير ذلك: ~~ما ليس في سائر الصلوات، وأقامت (1) فيه من تعظيم الله وتنزيل الرحمة فيه - ~~خصوصا العيد الأكبر - ما فيه صلاح الخلق، كما دل عليه (2) قوله تعالى: ~~{وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق - ~~ليشهدوا منافع لهم} [الحج: 27 - 28] (3) . # فصار ما وسع على النفوس فيه من العادات الطبيعية عونا على انتفاعها بما ~~خص به من العبادات الشرعية؛ فإذا أعطيت النفوس في غير ذلك اليوم حظها، أو ~~بعضه الذي يكون في عيد الله؛ فترت عن الرغبة في عيد الله (4) وزال ما كان ~~له عندها من ms210 المحبة والتعظيم، فنقص بسبب ذلك تأثير العمل الصالح فيه (5) ~~فخسرت النفوس (6) خسرانا مبينا. # وأقل الدرجات: أنك لو فرضت رجلين: أحدهما قد اجتمع اهتمامه بأمر العيد ~~على (7) المشروع، والآخر مهتم بهذا وبهذا، فإنك بالضرورة تجد المتجرد ~~للمشروع، أعظم اهتماما به من المشرك بينه وبين غيره، ومن لم يدرك هذا ~~فلغفلته أو إعراضه، وهذا أمر يعلمه من يعرف بعض أسرار الشرائع. # وأما الإحساس بفتور الرغبة، فيجده كل أحد، فإنا نجد الرجل PageV01P545 # إذا كسا أولاده، أو وسع عليهم في بعض الأعياد المسخوطة، فلا بد أن تنقص ~~(1) حرمة العيد المرضي من قلوبهم، حتى لو قيل: بل في القلوب ما يسع هذين، ~~قيل: لو تجردت لأحدهما لكان أكمل. # الوجه الخامس (2) . # أن مشابهتهم في بعض أعيادهم يوجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، ~~خصوصا إذا كانوا مقهورين تحت ذل الجزية والصغار، فرأوا (3) المسلمين قد ~~صاروا فرعا لهم في خصائص دينهم، فإن ذلك يوجب قوة قلوبهم وانشراح صدورهم، ~~وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص، واستذلال (4) الضعفاء، وهذا أيضا أمر ~~محسوس، لا يستريب فيه عاقل، فكيف يجتمع ما يقتضي إكرامهم بلا موجب مع شرع ~~الصغار في حقهم؟ . # الوجه السادس (5) . # أن مما يفعلونه في عيدهم (6) ما هو كفر، وما هو (7) حرام وما هو (8) مباح ~~لو تجرد عن مفسدة المشابهة، ثم التمييز بين هذا وهذا يظهر غالبا، وقد يخفى ~~على كثير من العامة؛ فالمشابهة فيما لم يظهر تحريمه للعالم، يوقع العامي في ~~أن يشابههم فيما هو حرام، وهذا هو الواقع. PageV01P546 # والفرق بين هذا الوجه ووجه الذريعة أنا هناك (1) قلنا: الموافقة في ~~القليل (2) تدعو إلى الموافقة (3) في الكثير، وهنا جنس الموافقة يلبس على ~~العامة دينهم، حتى لا يميزوا بين المعروف والمنكر، فذاك بيان للاقتضاء (4) ~~من جهة تقاضي الطباع بإرادتها، وهذا من جهة جهل القلوب باعتقاداتها. # الوجه السابع (5) . # ما قررته في وجه (6) أصل المشابهة: وذلك أن الله تعالى جبل بني آدم بل ~~سائر المخلوقات، على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة ~~أكثر؛ كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول ms211 الأمر إلى أن لا يتميز ~~أحدهما عن (7) الآخر إلا بالعين فقط، ولما كان بين الإنسان وبين الإنسان ~~(8) مشاركة في الجنس الخاص، كان التفاعل فيه أشد، ثم بينه وبين سائر ~~الحيوان مشاركة في الجنس المتوسط، فلا بد من نوع تفاعل بقدره، ثم بينه وبين ~~النبات مشاركة في الجنس البعيد مثلا، فلا بد من نوع ما من المفاعلة. # ولأجل هذا الأصل: وقع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب (9) بعضهم ~~أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة (10) . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P547 # وكذلك (1) الآدمي إذا عاشر نوعا من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه، ولهذا صار ~~الخيلاء والفخر في أهل الإبل، وصارت السكينة في أهل الغنم، وصار الجمالون ~~والبغالون فيهم أخلاق مذمومة، من أخلاق الجمال والبغال، وكذلك الكلابون، ~~وصار الحيوان الإنسي، فيه بعض أخلاق الناس (2) من المعاشرة والمؤالفة وقلة ~~النفرة. # فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة، توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور ~~الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي. # وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، هم أقل كفرا من غيرهم، ~~كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة (3) اليهود والنصارى، هم أقل ~~إيمانا من غيرهم ممن جرد الإسلام، والمشاركة (4) في الهدي الظاهر توجب أيضا ~~مناسبة وائتلافا، وإن بعد المكان والزمان، فهذا أيضا أمر محسوس، فمشابهتهم ~~في أعيادهم -ولو بالقليل- هو سبب لنوع ما من اكتساب أخلاقهم التي هي ~~ملعونة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط؛ علق الحكم به، وأدير (5) ~~التحريم عليه، فنقول: مشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في عين ~~الأخلاق والأفعال المذمومة. بل في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا يظهر ولا ~~ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر ولا ينضبط، وقد يتعسر أو ~~يتعذر زواله بعد حصوله، ولو تفطن له، وكل ما كان سببا إلى مثل هذا الفساد ~~فإن الشارع يحرمه، كما دلت عليه الأصول المقررة. PageV01P548 # الوجه الثامن (1) أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة (2) وموالاة ~~في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر ~~يشهد به الحس والتجربة، حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم ms212 اجتمعا في ~~دار غربة، كان بينهما من المودة (3) والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في ~~مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين، وذلك لأن الاشتراك في البلد ~~نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة. بل لو (4) اجتمع رجلان في سفر، أو بلد ~~غريب، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب، أو الشعر، أو المركوب (5) ~~ونحو ذلك؛ لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، وكذلك تجد (6) ~~أرباب الصناعات (7) الدنيوية يألف بعضهم بعضا (8) ما لا يألفون (9) غيرهم، ~~حتى إن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة: إما على الملك، وإما على الدين ~~(10) . # وتجد الملوك ونحوهم من الرؤساء، وإن تباعدت ديارهم وممالكهم بينهم مناسبة ~~تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض، وهذا كله موجب الطباع ومقتضاه. إلا أن ~~يمنع من ذلك دين أو غرض خاص. PageV01P549 # فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية، تورث المحبة والموالاة لهم؛ فكيف ~~بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها (1) إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، ~~والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، قال الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين - فترى الذين في قلوبهم مرض ~~يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر ~~من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين - ويقول الذين آمنوا أهؤلاء ~~الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} ~~[المائدة: 51 - 53] (2) . # وقال تعالى فيما يذم بها أهل الكتاب: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ~~على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون - كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون - ترى كثيرا منهم يتولون الذين ~~كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون - ~~ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا ~~منهم فاسقون} [المائدة: 78 - 81] (3) . # فبين سبحانه وتعالى أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ms213 ~~ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان؛ لأن عدم اللازم يقتضي عدم ~~الملزوم. # وقال سبحانه: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} [المجادلة: 22] (4) . PageV01P550 # فأخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرا؛ فمن واد الكفار فليس بمؤمن، ~~والمشابهة الظاهرة مظنة الموادة، فتكون محرمة، كما تقدم تقرير مثل ذلك. # واعلم أن وجوه الفساد في مشابهتهم كثيرة، فلنقتصر على ما نبهنا عليه (1) ~~. PageV01P551 ### | فصل في مشابهتهم فيما ليس من شرعنا # فصل مشابهتهم فيما ليس من شرعنا قسمان: # أحدهما (1) مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم؛ فهذا العمل الذي ~~هو من خصائص دينهم (2) إما أن يفعل لمجرد (3) موافقتهم -وهو قليل- وإما ~~لشهوة تتعلق بذلك العمل، وإما لشبهة فيه تخيل أنه نافع في الدنيا أو ~~الآخرة، وكل هذا لا شك في تحريمه، لكن يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من ~~الكبائر، وقد يصير كفرا بحسب الأدلة الشرعية. # وأما عمل لم يعلم الفاعل أنه من عملهم (4) فهو نوعان: # أحدهما: ما كان في الأصل مأخوذا عنهم، إما على الوجه الذي يفعلونه، وإما ~~مع نوع تغيير في الزمان أو المكان أو الفعل ونحو ذلك، فهذا (5) غالب ما ~~يبتلى به العامة: في مثل ما يصنعونه في الخميس الحقير والميلاد PageV01P552 # ونحوهما، فإنهم قد نشئوا على اعتياد ذلك، وتلقاه الأبناء عن الآباء، ~~وأكثرهم لا يعلمون مبدأ ذلك، فهذا يعرف صاحبه حكمه، فإن لم ينته وإلا صار ~~من القسم الأول. # النوع الثاني: ما ليس في الأصل مأخوذا عنهم، لكنهم يفعلونه أيضا، فهذا ~~ليس فيه محذور المشابهة، ولكن قد يفوت فيه منفعة المخالفة، فتتوقف كراهة ~~(1) ذلك وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه من مشابهتهم، إذ (2) ليس كوننا ~~(3) تشبهنا بهم بأولى من كونهم تشبهوا بنا، فأما استحباب تركه لمصلحة ~~المخالفة إذا لم يكن في تركه ضرر؛ فظاهر لما تقدم من المخالفة، وهذا قد ~~توجب الشريعة مخالفتهم فيه. # وقد توجب عليهم مخالفتنا: كما ms214 في الزي ونحوه، وقد يقتصر على الاستحباب، ~~كما في صبغ اللحية والصلاة في النعلين، والسجود، وقد تبلغ (4) الكراهة، كما ~~في تأخير المغرب والفطور (5) بخلاف مشابهتهم فيما كان مأخوذا عنهم، فإن ~~الأصل فيه التحريم كما قدمناه. # تم المجلد الأول بحمد الله # ويليه المجلد الثاني PageV01P553 ### | فصل في مفهوم العيد والحذر من التشبه بالكفار في أعيادهم # فصل العيد: اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو مكان لهم (1) فيه اجتماع، وكل عمل ~~يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة، فليس النهي عن خصوص أعيادهم، بل كل ما ~~يعظمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام، وما يحدثونه ~~فيها من الأعمال يدخل في ذلك. # وكذلك حريم (2) العيد: هو وما قبله وما بعده من الأيام التي يحدثون (3) ~~فيها أشياء لأجله، (4) (4) أو ما حوله من الأمكنة التي يحدث فيها أشياء ~~لأجله (5) (5) أو ما يحدث بسبب أعماله من الأعمال حكمها حكمه فلا يفعل شيء ~~من ذلك، فإن بعض الناس قد يمتنع من إحداث أشياء في أيام (6) عيدهم، كيوم ~~الخميس والميلاد، ويقول لعياله: إنما أصنع لكم هذا في الأسبوع (7) أو الشهر ~~الآخر. # وإنما المحرك له على إحداث ذلك وجود عيدهم ولولا PageV02P005 # هو (1) لم يقتضوا ذلك، فهذا من مقتضيات المشابهة. لكن يحال الأهل على عيد ~~الله ورسوله ويقضي لهم فيه من الحقوق ما يقطع استشرافهم إلى غيره، فإن لم ~~يرضوا فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومن أغضب (2) أهله لله أرضاه الله ~~وأرضاهم. # وليحذر العاقل من طاعة النساء في ذلك، ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: ~~«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تركت بعدي (3) فتنة أضر على ~~الرجال من النساء» (4) . # وأكثر ما يفسد الملك والدول (5) طاعة النساء وفي صحيح البخاري عن أبي ~~بكرة (6) رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لن (7) ~~يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (8) . PageV02P006 # وروي أيضا: «هلكت الرجال حين أطاعت النساء» (1) . # وقد قال صلى الله عليه وسلم (2) لأمهات المؤمنين، لما راجعنه في تقديم ~~أبي بكر: «إنكن صواحب يوسف» (3) . يريد أن ms215 النساء من شأنهن مراجعة ذي اللب، ~~كما قال في الحديث الآخر: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب للب ذي اللب من ~~إحداكن» (4) . # «ولما أنشده الأعشى - أعشى باهلة - (5) أبياته التي يقول فيها: (. . . . ~~. . . . . . . . . . . . . # وهن شر غالب لمن غلب # ) PageV02P007 # جعل النبي صلى الله عليه وسلم يرددها ويقول: " # وهن شر غالب لمن غلب # » (1) . ولذلك امتن الله على زكريا عليه السلام حيث قال: {وأصلحنا له ~~زوجه} [الأنبياء: 90] (2) وقال بعض العلماء: " ينبغي للرجل أن يجتهد (3) ~~إلى الله في إصلاح زوجه له ". PageV02P008 ### | فصل في أعياد الكفار ### | بعض ما يفعله الناس من المسلمين من البدع في ذلك # فصل أعياد الكفار كثيرة مختلفة، وليس على المسلم أن يبحث عنها، ولا ~~يعرفها، بل يكفيه أن يعرف في أي فعل من الأفعال أو يوم أو مكان، أن سبب هذا ~~الفعل أو تعظيم هذا المكان والزمان من جهتهم، ولو لم يعرف أن سببه من ~~جهتهم، فيكفيه أن يعلم أنه لا أصل له في دين الإسلام، فإنه إذا لم يكن له ~~أصل فإما أن يكون قد أحدثه بعض الناس من تلقاء نفسه، أو يكون مأخوذا عنهم، ~~فأقل أحواله: أن يكون من البدع، ونحن ننبه على ما رأينا كثيرا من الناس قد ~~وقعوا فيه: # فمن ذلك الخميس الحقير، الذي في آخر صومهم، فإنه يوم عيد المائدة فيما ~~يزعمون ويسمونه عيد العشاء (1) وهو الأسبوع الذي يكون فيه من الأحد إلى ~~الأحد؛ هو عيدهم الأكبر، فجميع ما يحدثه الإنسان فيه من (2) المنكرات. # فمنه: خروج النساء، وتبخير القبور، ووضع الثياب على السطح، وكتابة الورق ~~وإلصاقها بالأبواب، واتخاذه (3) موسما لبيع البخور وشرائه، وكذلك شراء ~~البخور في ذلك الوقت إذ اتخذ وقتا للبيع، ورقي البخور (4) مطلقا في ~~PageV02P009 # ذلك الوقت أو في غيره، أو قصد شراء البخور المرقي (1) فإن رقي البخور ~~واتخاذه (2) قربانا هو دين النصارى والصابئين، وإنما البخور طيب يتطيب ~~بدخانه كما يتطيب بسائر الطيب من المسك وغيره مما له أجزاء بخارية وإن ~~لطفت، أو له رائحة محضة، (3) ويستحب التبخر حيث يستحب التطيب. # وكذلك اختصاصه بطبخ رز بلبن، ms216 أو بسيسة، (4) أو عدس، أو صبغ، أو بيض، أو ~~مقر (5) . . ونحو ذلك؛ فأما القمار بالبيض، أو بيع البيض لمن يقامر به، أو ~~شراؤه من المقامرين (6) فحكمه ظاهر. # ومن ذلك: ما يفعله الأكارون، من نكت (7) البقر بالنقط (8) الحمر أو نكت ~~الشجر أيضا، أو جمع أنواع من النبات (9) والتبرك بها، والاغتسال بمائها، ~~ومن ذلك: ما قد يفعله النساء من أخذ ورق الزيتون، (10) والاغتسال بمائه، أو ~~قصد الاغتسال بشيء من ذلك، فإن أصل ذلك ماء المعمودية. PageV02P010 # ومن ذلك: ترك الوظائف الراتبة من الصنائع، والتجارات، أو حلق العلم، أو ~~غير ذلك، واتخاذه يوم راحة وفرح، واللعب فيه بالخيل أو غيرها على وجه يخالف ~~ما قبله وما بعده من الأيام. # والضابط: أنه لا يحدث فيه أمر أصلا، بل يجعل يوما كسائر الأيام، فإنا قد ~~قدمنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهاهم عن اليومين اللذين كانا لهم ~~يلعبون فيهما في الجاهلية (1) وأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الذبح ~~بالمكان إذا كان المشركون يعيدون (2) فيه. # ومن ذلك: ما يفعله كثير من الناس في أثناء الشتاء في أثناء كانون الأول ~~لأربع وعشرين خلت منه، ويزعمون أنه ميلاد عيسى عليه السلام، فجميع ما يحدث ~~فيه هو من المنكرات، مثل: إيقاد النيران، وإحداث طعام، واصطناع شمع وغير ~~ذلك. فإن اتخاذ هذا الميلاد عيدا هو دين النصارى، ليس لذلك أصل في دين ~~الإسلام، ولم يكن لهذا الميلاد ذكر أصلا على عهد السلف الماضين، بل أصله ~~مأخوذ عن النصارى، وانضم إليه سبب طبيعي (3) وهو كونه في الشتاء المناسب ~~لإيقاد النيران، ولأنواع مخصوصة من الأطعمة. # ثم إن النصارى تزعم أنه بعد الميلاد بأيام -أظنها أحد عشر يوما- عمد (4) ~~يحيى لعيسى عليهما السلام في ماء (5) المعمودية فهم يتعمدون (6) في هذا ~~الوقت، ويسمونه عيد الغطاس، وقد صار كثير من جهال النساء يدخلن PageV02P011 # أولادهن إلى الحمام في هذا الوقت، ويزعمن أن هذا ينفع الولد، وهذا من دين ~~النصارى، وهو من أقبح المنكرات المحرمة. # وكذلك أعياد الفرس مثل: النيروز والمهرجان، وأعياد اليهود أو غيرهم من ms217 ~~أنواع الكفار أو الأعاجم أو الأعراب، حكمها كلها على ما ذكرناه من قبل (1) ~~. ### | النهي عن فعل ما يعين الكفار في أعيادهم # وكما لا نتشبه بهم في الأعياد فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل ~~ينهى عن ذلك فمن (2) صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب (3) دعوته، ~~ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد، مخالفة للعادة في سائر الأوقات ~~غير هذا العيد، لم تقبل هديته، خصوصا إن كانت الهدية مما يستعان بها على ~~التشبه بهم، مثل: إهداء الشمع ونحوه في الميلاد أو إهداء البيض واللبن ~~والغنم في الخميس الصغير الذي في آخر صومهم، وكذلك أيضا لا يهدى لأحد من ~~المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان بها ~~على التشبه بهم (4) كما ذكرناه. # ولا يبيع (5) المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد، من ~~الطعام واللباس ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر، فأما مبايعتهم ما ~~يستعينون هم به على عيدهم أو شهود أعيادهم للشراء فيها، فقد قدمنا أنه قيل ~~للإمام أحمد: (6) هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل طور PageV02P012 # يانور (1) ودير أيوب، وأشباهه يشهده المسلمون، يشهدون الأسواق، ويجلبون ~~فيه الغنم والبقر والدقيق والبر، وغير ذلك؛ إلا أنه إنما يكون في الأسواق ~~يشترون، ولا يدخلون عليهم بيعهم، وإنما يشهدون الأسواق (2) قال: إذا لم ~~يدخلوا عليهم بيعهم، وإنما يشهدون السوق (3) فلا بأس. # وقال أبو الحسن الآمدي: " فأما ما يبيعون (4) في الأسواق في أعيادهم فلا ~~بأس بحضوره ". نص عليه أحمد في رواية مهنا، وقال: " إنما يمنعون أن يدخلوا ~~عليهم بيعهم وكنائسهم، فأما ما يباع في الأسواق من المأكل فلا، وإن قصد إلى ~~توفير ذلك وتحسينه لأجلهم " فهذا الكلام محتمل؛ لأنه أجاز شهود السوق مطلقا ~~بائعا، ومشتريا؛ لأنه قال: " إذا لم يدخلوا عليهم كنائسهم، وإنما يشهدون ~~السوق فلا بأس " هذا يعم البائع، والمشتري، لا سيما إن كان الضمير في قوله: ~~" يجلبون " عائدا إلى المسلمين، فيكون قد نص على جواز كونهم جالبين إلى ~~السوق. # ويحتمل ms218 -وهو أقوى- أنه إنما أرخص في شهود السوق فقط، ورخص في الشراء ~~منهم، ولم يتعرض للبيع منهم؛ لأن السائل إنما سأله عن شهود السوق التي ~~يقيمها الكفار لعيدهم، وقال في آخر مسألته: " يشترون، ولا يدخلون عليهم ~~بيعهم " وذلك؛ لأن السائل مهنا بن يحيى الشامي، وهو فقيه عالم، وكان (5) ~~-والله أعلم- قد سمع ما جاء في النهي عن شهود أعيادهم، فسأل أحمد: هل شهود ~~أسواقهم بمنزلة شهود أعيادهم؟ فأجاب أحمد بالرخصة PageV02P013 # في شهود السوق، ولم يسأل عن بيع المسلم لهم إما لظهور الحكم عنده، وإما ~~لعدم الحاجة إليه إذ ذاك، وكلام الآمدي أيضا محتمل (1) للوجهين. لكن الأظهر ~~فيه الرخصة في البيع أيضا؛ لقوله: " إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم ~~وكنائسهم "، وقوله: " وإن قصد إلى توفير (2) ذلك وتحسينه لأجلهم ". # فما أجاب به أحمد من جواز شهود السوق فقط للشراء منها، من غير دخول ~~الكنيسة فيجوز؛ لأن ذلك ليس فيه (3) شهود منكر، ولا إعانة على معصية؛ لأن ~~نفس الابتياع منهم جائز، ولا إعانة فيه على المعصية، بل فيه صرف لما لعلهم ~~يبتاعونه (4) لعيدهم عنهم (5) فيكون فيه تقليل الشر، وقد كانت أسواق في ~~الجاهلية، كان المسلمون يشهدونها، وشهد بعضها النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ومن هذه الأسواق ما كان يكون في مواسم الحج، ومنها ما كان يكون (6) لأعياد ~~باطلة. # وأيضا، فإن أكثر ما في السوق، أن يباع فيها ما يستعان به على المعصية، ~~فهو كما لو حضر الرجل (7) سوقا يباع (8) فيها السلاح لمن يقتل به معصوما، ~~أو العصير لمن يخمره، فحضرها الرجل (9) ليشتري منها، بل هذا أجود؛ لأن ~~PageV02P014 # البائع في هذا السوق ذمي، وقد أقروا (1) على هذه المبايعة. # ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها، جاز عندنا، كما دل عليه ~~حديث تجارة أبي بكر -رضي الله عنه- في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى أرض الشام، وهي (2) دار حرب، وحديث عمر -رضي الله عنه- وأحاديث أخر ~~بسطت القول فيها (3) في غير هذا الموضع (4) مع أنه لا بد أن تشتمل أسواقهم ~~على بيع ما ms219 يستعان به على المعصية. # فأما بيع المسلمين لهم في أعيادهم، ما يستعينون به على عيدهم، من الطعام ~~واللباس والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على ~~إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل وهو: (5) أن بيع الكفار عنبا أو ~~عصيرا يتخذونه خمرا لا يجوز (6) وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحا يقاتلون به ~~مسلما. # وقد دل حديث عمر -رضي الله عنه- في إهداء الحلة السيراء (7) إلى أخ له ~~بمكة مشرك (8) على جواز بيعهم الحرير، لكن الحرير مباح في الجملة، وإنما ~~يحرم الكثير منه على بعض الآدميين، ولهذا جاز التداوي به في أصح ~~PageV02P015 # الروايتين (1) ولم يجز بالخمر بحال، وجازت صنعته في الأصل والتجارة فيه. # فهذا الأصل فيه اشتباه، فإن قيل بالاحتمال الأول في كلام أحمد جوز ذلك، ~~وعن أحمد في جواز حمل التجارة إلى أرض الحرب روايتان منصوصتان، فقد يقال: ~~(2) بيعها لهم في العيد كحملها إلى دار الحرب، فإن حمل الثياب والطعام إلى ~~أرض الحرب فيه إعانة على دينهم في الجملة، وإذا منعنا منها إلى أرض الحرب ~~فهنا أولى، وأكثر أصوله ونصوصه تقتضي المنع من ذلك، لكن هل هو منع تحريم؟ ~~أو تنزيه؟ مبني على ما سيأتي. وقد ذكر عبد الملك بن حبيب (3) أن هذا مما ~~اجتمع (4) على كراهته، وصرح بأن مذهب مالك أن ذلك حرام. # قال عبد الملك بن حبيب في (الواضحة) (5) كره مالك أكل ما ذبح النصارى ~~لكنائسهم، ونهى عنه من غير تحريم، قال: وكذلك ما ذبحوا على اسم المسيح، أو ~~الصليب، أو أسماء من مضى (6) من أحبارهم ورهبانهم الذين يعظمون، فقد كان ~~مالك وغيره ممن يقتدى به يكره أكل هذا كله من PageV02P016 # ذبائحهم، وبه نأخذ، وهو يضاهي قول الله تعالى {وما أهل به لغير الله} ~~[البقرة: 173] (1) وهي ذبائحهم (2) التي كانوا يذبحون لأصنامهم التي كانوا ~~يعبدون. قال: وقد كان رجال من العلماء يستخفون ذلك (3) ويقولون: (قد أحل ~~الله لنا ذبائحهم، وهو يعلم ما يقولون، وما يريدون بها، وروى ذلك ابن وهب ~~(4) عن ابن عباس، وعبادة بن الصامت، وأبي ms220 الدرداء (5) وسليمان بن يسار (6) ~~وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب (7) وربيعة (8) ويحيى بن سعيد (9) ~~PageV02P017 # ومكحول (1) وعطاء (2) . # قال عبد الملك: وترك ما ذبحوا لأعيادهم وأقستهم (3) وموتاهم، وكنائسهم ~~أفضل. قال: وإن فيه عيبا آخر: أن أكله (4) من تعظيم شركهم. # ولقد سأل سعد المعافري (5) مالكا عن الطعام الذي تصنعه النصارى لموتاهم ~~يتصدقون به عنهم: أيأكل منه المسلم؟ فقال: " لا ينبغي (6) لا يأخذه منهم "؛ ~~لأنه إنما يعمل تعظيما للشرك فهو كالذبائح (7) للأعياد والكنائس. # وسئل ابن القاسم عن النصراني يوصي بشيء يباع من ملكه للكنيسة: (8) هل ~~يجوز (9) لمسلم شراؤه؟ فقال: " لا يحل ذلك له؛ لأنه تعظيم PageV02P018 # لشعائرهم (1) وشرائعهم ومشتريه مسلم سوء " (2) . وقال ابن القاسم في أرض ~~الكنيسة يبيع الأسقف منها شيئا في مرمتها (3) وربما حبست تلك (4) الأرض على ~~الكنيسة لمصلحتها: إنه لا يجوز للمسلمين أن يشتروها (5) من وجهين: # الواحد: (6) من العون على تعظيم الكنيسة. # والآخر: من جهة (7) بيع الحبس (8) ولا يجوز لهم في أحباسهم إلا ما يجوز ~~للمسلمين، ولا أرى لحاكم المسلمين أن يتعرض (9) فيها بمنع ولا تنفيذ ولا ~~بشيء. # قال: وسئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى ~~أعيادهم، فكره ذلك مخافة نزول السخطة (10) عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه، ~~وكره ابن القاسم للمسلم يهدي (11) للنصارى شيئا في عيدهم (12) مكافأة لهم ~~(13) ورآه من تعظيم عيدهم (14) PageV02P019 # وعونا لهم (1) على مصلحة (2) كفرهم (3) ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن ~~يبيعوا من النصارى شيئا من مصلحة عيدهم؟ لا لحما، ولا إداما (4) ولا ثوبا، ~~ولا يعارون دابة، ولا يعاونون على شيء من عيدهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم، ~~ومن عونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول ~~مالك وغيره، لم أعلمه اختلف فيه. # فأكل ذبائح أعيادهم داخل في هذا الذي اجتمع (5) على كراهيته، بل هو عندي ~~أشد، فهذا كله كلام ابن حبيب. # وقد ذكر أنه قد اجتمع على كراهة مبايعتهم (6) ومهاداتهم ما يستعينون به ~~على أعيادهم، وقد صرح بأن مذهب مالك: أنه لا يحل ذلك. # وأما نصوص أحمد على مسائل هذا ms221 الباب: فقال إسحاق بن إبراهيم (7) سئل أبو ~~عبد الله -رحمه الله- عن نصارى، وقفوا ضيعة للبيعة: أيستأجرها الرجل (8) ~~المسلم منهم؟ فقال: لا يأخذها بشيء، لا يعينهم (9) على ما هم فيه، وقال ~~أيضا: سمعت أبا عبد الله، وسأله رجل بناء: أبني للمجوس ناووسا (10) قال: لا ~~تبن PageV02P020 # لهم، ولا تعنهم على ما هم فيه (1) . وقد نقل عن محمد بن الحكم (2) وسأله ~~عن الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبرا بكراء؟ قال: لا بأس به، والفرق ~~بينهما أن الناووس من خصائص دينهم الباطل كالكنيسة، بخلاف القبر المطلق، ~~فإنه ليس في نفسه معصية، ولا من خصائص دينهم. ### | بيع الدار ونحوها للذمي وإجارتها له # وقال الخلال: " باب الرجل يؤاجر داره للذمي أو يبيعها منه " وذكر عن ~~المروزي أن أبا عبد الله سئل عن رجل باع داره من ذمي، وفيها محاريبه: (3) ~~فقال: " نصراني (4) ! " واستعظم ذلك، وقال: " لا تباع يضرب فيها بالناقوس ~~(5) وينصب (6) فيها الصلبان، وقال: لا تباع من الكفار "، وشدد في ذلك. # وعن أبي الحارث (7) أن أبا عبد الله سئل عن الرجل يبيع داره، وقد جاء ~~PageV02P021 # نصراني فأرغبه، وزاده في ثمن الدار، ترى (1) له أن يبيع داره منه وهو ~~نصراني أو يهودي أو مجوسي؟ قال: " لا أرى له ذلك، يبيع داره من كافر يكفر ~~(2) بالله فيها! يبيعها من مسلم أحب إلي " فهذا نص على المنع. # ونقل عنه إبراهيم بن الحارث (3) قيل لأبي عبد الله: الرجل يكري منزله من ~~الذمي ينزل فيه، وهو يعلم أنه يشرب فيه الخمر، ويشرك فيها؟ قال: " ابن عون ~~(4) كان لا يكري إلا من أهل الذمة يقول: يرعبهم " (5) ". # قيل له: كأنه أراد إذلال أهل الذمة بهذا. قال: " لا، ولكنه أراد: أنه كره ~~أن يرعب (6) المسلمين، يقول: إذا جئت أطلب الكراء من المسلم أرعبته. فإذا ~~كان ذميا كان (7) أهون عنده " وجعل أبو عبد الله يعجب لهذا من ابن عون، ~~فيما رأيت. وهكذا نقل الأثرم سواء، ولفظه: قلت لأبي عبد الله. PageV02P022 # ومسائل الأثرم وإبراهيم بن الحارث يشتركان فيها. # ونقل عنه مهنا قال: سألت أحمد عن الرجل يكري ms222 المجوس داره، أو دكانه، وهو ~~يعلم أنهم يزنون، فقال: " كان ابن عون (1) لا يرى أن يكري المسلمين، يقول: ~~أرعبهم (2) في أخذ الغلة، وكان يرى أن يكري غير المسلمين ". # قال أبو بكر الخلال: كل من حكى عن أبي عبد الله في رجل يكري داره من ذمي، ~~فإنما أجابه أبو عبد الله على فعل ابن عون، ولم ينفذ (3) لأبي عبد الله فيه ~~قول. # وقد حكى عنه إبراهيم أنه رآه معجبا بقول ابن عون، والذين رووا عن أبي عبد ~~الله في المسلم يبيع داره من الذمي (4) أنه كره ذلك كراهة شديدة، فلو نفذ ~~(5) لأبي عبد الله (6) قول في السكنى؛ لكان (7) السكنى والبيع عندي واحدا، ~~والأمر في ظاهر قول أبي عبد الله أنه لا يباع منه؛ (8) (8) لأنه يكفر فيها، ~~وينصب الصلبان، وغير ذلك، والأمر عندي: أنه لا يباع منه ولا يكرى (9) (9) ؛ ~~لأنه معنى واحد. PageV02P023 # قال: وقد أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان (1) قال: سئل أبو عبد الله عن ~~حصين بن عبد الرحمن (2) فقال: " روى عنه (3) حفص (4) لا أعرفه " قال أبو ~~بكر: هذا من النساك حدثني أبو سعيد الأشج (5) سمعت أبا خالد الأحمر (6) ~~يقول: حفص هذا العدوي نفسه باع دار حصين بن عبد الرحمن عابد أهل الكوفة، من ~~عون البصري (7) فقال له أحمد: " حفص "؟ قال: نعم. PageV02P024 # فعجب أحمد، يعني من حفص بن غياث، قال الخلال: وهذا أيضا تقوية لمذهب أبي ~~عبد الله. # قلت: عون هذا كأنه من أهل البدع، أو من الفساق بالعمل، فقد أنكر أبو خالد ~~الأحمر على حفص بن غياث قاضي الكوفة، أنه باع دار الرجل الصالح من مبتدع، ~~وعجب أحمد (1) أيضا من فعل القاضي. # قال الخلال: " فإذا كان يكره بيعها من فاسق، فكذلك من كافر، وإن كان ~~الذمي يقر، والفاسق لا يقر، لكن ما يفعله الكافر فيها أعظم "، وهكذا ذكر ~~القاضي عن أبي بكر عبد العزيز (2) أنه ذكر قوله في رواية أبي الحارث: لا ~~أرى أن يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها، يبيعها من مسلم أحب إلي، فقال ~~أبو بكر: " لا ms223 فرق بين الإجارة والبيع عنده، فإذا أجاز البيع أجاز الإجارة، ~~وإذا منع البيع منع الإجارة" ووافقه القاضي (3) وأصحابه على ذلك. # وعن إسحاق بن منصور (4) أنه قال لأبي عبد الله: سئل -يعني الأوزاعي - عن ~~الرجل يؤاجر نفسه لنظارة كرم النصراني، فكره ذلك، وقال أحمد: " ما أحسن ما ~~قال؛ لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر، إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر فلا بأس ~~به (5) ". PageV02P025 # وعن أبي النضر العجلي (1) قال: قال أبو عبد الله فيمن يحمل خمرا أو ~~خنزيرا أو ميتة لنصراني، فهو يكره أكل كرائه، ولكنه يقضي للحمال (2) ~~بالكراء، وإذا كان للمسلم فهو أشد كراهية ". # وتلخيص الكلام في ذلك: أما بيع داره من كافر، فقد ذكرنا منع أحمد منه. ثم ~~اختلف أصحابه: هل هذا تنزيه أو تحريم؟ فقال الشريف أبو علي بن أبي موسى: ~~(3) " كره أحمد أن يبيع مسلم داره من ذمي يكفر فيها بالله تعالى، ويستبيح ~~فيها (4) المحظورات، فإن فعل أساء، ولم يبطل البيع " وكذلك أبو الحسن ~~الآمدي أطلق الكراهة مقتصرا عليها، وأما الخلال وصاحبه (5) والقاضي فمقتضى ~~كلامهم تحريم ذلك، وقد ذكر كلام الخلال وصاحبه، وقال القاضي: " لا يجوز أن ~~يؤاجر داره أو بيته ممن يتخذه بيت نار، أو كنيسة، أو يبيع فيه الخمر، سواء ~~شرط أنه يبيع فيه الخمر، أو لم يشرط لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر ". ~~PageV02P026 # وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث: " لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر ~~بالله فيها (1) يبيعها من مسلم أحب إلي ". قال أبو بكر: " لا فرق بين ~~الإجارة والبيع عنده، فإذا أجاز (2) البيع أجاز الإجارة، وإذا منع البيع ~~منع الإجارة ". # وقال أيضا في نصارى أوقفوا ضيعة لهم للبيعة: " لا يستأجرها الرجل المسلم ~~منهم، يعينهم على ما هم فيه ". قال: وبهذا قال الشافعي " (3) . # فقد حرم القاضي إجارتها لمن يعلم أنه يبيع فيها الخمر، مستشهدا على ذلك ~~بنص أحمد على أنه لا يبيعها لكافر، ولا يستكري وقف الكنيسة، وذلك يقتضي أن ~~المنع في هاتين الصورتين عنده منع تحريم، ثم قال القاضي في ms224 أثناء المسألة: ~~فإن قيل أليس قد أجاز أحمد إجارتها من أهل الذمة، مع علمه بأنهم يفعلون ~~فيها ذلك؟ قيل: " المنقول عن أحمد أنه حكى قول ابن عون (4) وعجب منه، وذكر ~~القاضي رواية الأثرم، وهذا يقتضي أن القاضي لا يجوز إجارتها من ذمي. # وكذلك أبو بكر قال: إذا أجاز أجاز (5) وإذا منع منع (6) وما لا يجوز فهو ~~محرم "، وكلام أحمد رحمه الله (7) محتمل الأمرين، فإن قوله في رواية ~~PageV02P027 # أبي الحارث " يبيعها من مسلم أحب إلي " يقتضي أنه منع تنزيه. واستعظامه ~~لذلك (1) في رواية المروذي (2) وقوله: " لا تباع من الكفار " (3) -وشدد في ~~ذلك- يقتضي التحريم. # وأما الإجارة فقد سوى الأصحاب بينها وبين البيع، وأن ما حكاه عن ابن عون ~~ليس بقول له، وإن إعجابه بفعل ابن عون إنما كان لحسن مقصد ابن عون، ونيته ~~الصالحة، ويمكن أن يقال: بل ظاهر الرواية أنه أجاز ذلك، فإن إعجابه بالفعل ~~دليل على (4) جوازه عنده، واقتصاره على (5) الجواب بفعل رجل يقتضي أنه ~~مذهبه في أحد الوجهين. # والفرق بين الإجارة والبيع: أن ما في الإجارة من مفسدة الإعانة قد عارضه ~~مصلحة أخرى، وهو صرف إرعاب المطالبة بالكراء عن المسلم، وإنزال ذلك ~~بالكفار، وصار ذلك بمنزلة إقرارهم بالجزية، فإنه وإن كان إقرارا لكافر (6) ~~لكن لما تضمنه (7) من المصلحة جاز، وكذلك جازت مهادنة الكفار في الجملة. # فأما البيع: فهذه المصلحة منتفية فيه، وهذا ظاهر على قول ابن أبي موسى ~~(8) وغيره أن البيع مكروه غير محرم، فإن الكراهة في الإجارة تزول ~~PageV02P028 # بهذه المصلحة الراجحة كما في نظائره فيصير في المسألة أربعة أقوال (1) . # وهذا الخلاف عندنا، والتردد في الكراهة، هو (2) إذا لم يعقد الإجارة على ~~المنفعة المحرمة، فأما إن آجره إياه لأجل بيع الخمر، أو اتخاذها كنيسة أو ~~بيعة؛ لم يجز قولا واحدا، وبه قال الشافعي وغيره، كما لا يجوز أن يكري أمته ~~أو عبده للفجور. # وقال أبو حنيفة: " يجوز أن يؤجرها لذلك " (3) . # قال أبو بكر الرازي: لا فرق عند أبي حنيفة بين أن يشترط (4) أن يبيع فيه ~~الخمر، وبين أن (5) لا ms225 يشترط لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر، أن الإجارة ~~تصح". # ومأخذه في ذلك أنه لا يستحق عليه بعقد الإجارة فعل هذه الأشياء، وإن شرط؛ ~~لأن له أن لا يبيع فيها الخمر ولا يتخذها كنيسة، وتستحق عليه الأجرة ~~بالتسليم في المدة، فإذا لم يستحق عليه فعل هذه الأشياء، كان ذكرها وترك ~~ذكرها سواء، كما لو اكترى دارا لينام فيها أو يسكنها، فإن الأجرة تستحق ~~عليه، وإن لم يفعل ذلك، وكذا يقول (6) فيما إذا استأجر رجلا يحمل (7) خمرا، ~~أو ميتة، أو خنزيرا: أنه يصح؛ لأنه لا يتعين حمل الخمر، بل لو حمل عليه ~~PageV02P029 # بدله عصيرا استحق الأجرة، فهذا التقييد عنده لغو، فهو بمنزلة الإجارة ~~المطلقة، والمطلقة عنده جائزة، وإن غلب على ظنه أن المستأجر يعصي فيها، كما ~~يجوز بيع العصير لمن يتخذه خمرا، ثم إنه كره بيع السلاح في الفتنة، قال: ~~لأن السلاح معمول للقتال لا يصلح لغيره. # وعامة الفقهاء خالفوه في المقدمة الأولى، وقالوا: " ليس المقيد كالمطلق، ~~بل المنفعة المعقود عليها هي المستحقة، فتكون هي المقابلة بالعوض، وهي ~~منفعة (1) محرمة، وإن جاز للمستأجر أن يقيم غيرها مقامها، وألزموه ما لو ~~اكترى دارا يتخذها مسجدا، فإنه لا يستحق عليه فعل المعقود عليه، ومع هذا ~~فإنه أبطل هذه الإجارة بناء على أنها اقتضت فعل الصلاة، وهي لا تستحق بعقد ~~إجارة. # ونازعه أصحابنا وكثير من الفقهاء في المقدمة الثانية وقالوا: " إذا غلب ~~على ظنه أن المستأجر ينتفع بها في محرم حرمت الإجارة له؛ لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعن عاصر الخمر ومعتصرها، والعاصر إنما يعصر عصيرا لكن إذا ~~رأى أن المعتصر (2) يريد أن يتخذه خمرا، وعصره (3) استحق اللعنة، وهذا أصل ~~مقرر في غير هذا الموضع. # لكن معاصي الذمي (4) قسمان: # أحدهما: ما اقتضى عقد الذمة إقراره عليها. # والثاني: ما اقتضى عقد الذمة منعه منها، أو من (5) إظهارها. PageV02P030 # فأما القسم الثاني: فلا ريب أنه لا يجوز (1) على أصلنا أن يؤاجر أو يبايع ~~(2) إذا غلب على الظن أن يفعل ذلك كالمسلم وأولى. # وأما القسم الأول: فعلى ms226 ما قاله ابن أبي موسى: " يكره ولا يحرم "؛ لأنا ~~قد أقررناه (3) على ذلك، وإعانته على سكنى هذه (4) الدار كإعانته على سكنى ~~دار الإسلام، فلو كان هذا من الإعانة المحرمة لما جاز إقرارهم بالجزية، ~~وإنما كره ذلك لأنه إعانة من غير مصلحة، لإمكان بيعها من مسلم، بخلاف ~~الإقرار (5) بالجزية، فإنه جاز (6) لأجل المصلحة ". # وعلى ما قاله القاضي لا يجوز؛ لأنه إعانة على ما يستعين به على المعصية، ~~من غير مصلحة تقابل (7) هذه المفسدة فلم يجز، بخلاف إسكانهم دار الإسلام، ~~فإن فيه من المصالح ما هو مذكور في فوائد إقرارهم بالجزية. ### | ابتياع الذمي أرض العشر من مسلم # ومما يشبه ذلك: أنه قد اختلف قول أحمد إذا ابتاع الذمي أرض عشر من مسلم، ~~على روايتين، منع من (8) ذلك في إحداهما، قال: " لأنه لا زكاة على الذمي، ~~وفيه إبطال العشر (9) وهذا ضرر على المسلمين " قال: " وكذلك لا يمكنون (10) ~~PageV02P031 # من استئجار أرض العشر لهذه العلة (1) . # وقال في الرواية الأخرى: " لا بأس أن يشتري الذمي أرض العشر من مسلم ". ~~واختلف قوله إذا جاز ذلك فيما على الذمي فيما تخرج هذه الأرض على روايتين: # قال في إحداهما: " لا عشر عليه، ولا شيء سوى الجزية ". # وقال في الرواية الأخرى: " عليه فيما يخرج من هذه الأرض (2) الخمس ضعف ما ~~كان على المسلم " ومن أصحابنا من حكى رواية أنهم ينهون عن شرائها، فإن ~~اشتروها أضعف (3) عليهم العشر (4) . # وفي كلام أحمد ما يدل على هذا (5) فإذا كان قد اختلف قوله في جواز ~~تمليكهم عامر (6) الأرض العشرية؛ لما فيه من رفع العشر، فالمفسدة الدينية ~~الحاصلة بكفرهم وفسقهم -في دار كانت للمسلمين (7) يعبد الله فيها ويطاع- ~~أعظم من منع العشر. ولهذا تردد: " هل يرفع الضرر بمنع التملك بالكلية؟ " إذ ~~مع تجويز البيع: إما أن يعطل حق المسلمين، أو تؤخذ الزكاة من الكفار، ~~وكلاهما غير ممكن، فكان منع التملك أسهل، كما منعناه من تملك العبد المسلم ~~والمصحف، لما فيه من تمكين عدو الله من أولياء الله (8) وكلام الله. # وكذلك نمنعهم -على ظاهر المذهب- من شراء السبي ms227 الذي جرى عليه PageV02P032 # سهام المسلمين (1) كما شرط عليهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أو يرفع ~~الضرر بإبقاء حق الأرض عليه، كما يؤخذ ممن اتجر منهم في أرض المسلمين (2) ~~ضعف ما يؤخذ من المسلمين من الزكاة. ويتخرج: أنه لا يؤخذ منه إلا عشر واحد ~~كالمسألة الآتية، وهذا في العشرية التي ليست خراجية. # فأما الخراجية فقالوا: ليس لذمي (3) أن يبتاع أرضا فتحها المسلمون عنوة، ~~وإذا جوزنا بيع أرض العنوة كان حكم الذمي في ابتياعها كحكمه في ابتياع أرض ~~العشر المحض، إذ جميع الأرض عشرية عندنا وعند الجمهور، بمعنى (4) أن العشر ~~يجب فيما أخرجت. # وكذلك أرض الموات من أرض الإسلام التي ليست خراجية، هل للذمي أن يتملكها ~~بالإحياء (5) ؟ قال طائفة من العلماء: ليس (6) له ذلك، وهو قول الشافعي (7) ~~وابن حامد (8) وهذا قياس إحدى الروايتين عن أحمد في PageV02P033 # منعه ابتياعها (1) فإنها إذا لم يجوز تملكها بالابتياع فبالإحياء أولى، ~~لكن قد يفرق بينهما بأن (2) المبتاعة أرض عامرة، ففيه ضرر محقق بخلاف إحياء ~~الميتة فإنه لا يقطع حقا، والمنصوص عن أحمد - وعليه الجمهور من أصحابه (3) ~~- أنه يملكها بالإحياء، وهو قول أبي حنيفة، واختلف فيه عن مالك (4) . # متسوى3 أخذ العشر على أرض أهل الذمة # ثم هل عليه (5) العشر؟ فيه روايتان: # قال ابن أبي موسى: " ومن أحيا من أهل الذمة أرضا مواتا فهي له، ولا زكاة ~~عليه فيها، ولا عشر فيما أخرجت " وقد روي عنه رواية أخرى: " أنه لا خراج ~~على أهل الذمة في أرضهم، ويؤخذ منهم العشر مما يخرج، يضاعف عليهم " والأول ~~عنه أظهر. # فهذا الذي حكاه ابن أبي موسى، من تضعيف العشر فيما يملكه بالإحياء، هو ~~قياس تضعيفه فيما ملكه بالابتياع. لكن نقل حرب عنه في رجل من أهل الذمة ~~أحيا مواتا. قال: " هو عشر " (6) ففهم القاضي وغيره من الأصحاب أن الواجب ~~هو العشر المأخوذ من المسلم من غير تضعيف (7) فحكوا في وجوب العشر فيها ~~روايتين، وابن أبي موسى نقل الروايتين في وجوب عشر مضعف (8) . PageV02P034 # وعلى طريقة القاضي يخرج في مسألة الابتياع كذلك. وهذا الذي نقله ms228 ابن أبي ~~موسى أصح؛ فإن (1) الكرماني (2) ومحمد بن أبي (3) حرب (4) وإبراهيم بن هانئ ~~(5) ويعقوب بن بختان (6) نقلوا: أن أحمد سئل- وقال حرب: سألت أحمد (7) ~~قلت-: " إن أحيا رجل من أهل الذمة مواتا ماذا عليه؟ " قال: " أما أنا ~~فأقول: ليس عليه شيء " قال: " وأهل المدينة يقولون في هذا قولا حسنا، ~~يقولون: لا يترك الذمي أن يشتري أرض العشر ". قال: " وأهل البصرة يقولون ~~قولا عجبا! يقولون: يضاعف عليه العشر " (8) قال: وسألت أحمد مرة أخرى، ~~فقلت: إن أحيا رجل من أهل الذمة مواتا؟ قال: " هو عشر ". وقال مرة أخرى: " ~~ليس عليه شيء ". # وروى حرب عن عبيد الله بن الحسن العنبري (9) أنه قيل له: أخذكم ~~PageV02P035 # الخمس من أرض أهل (1) الذمة، التي في أرض العرب، أبأثر عندكم، أم بغير ~~أثر؟ قال: " ليس عندنا فيه أثر، ولكن قسناه بما (2) أمر به عمر -رضي الله ~~عنه- أن يؤخذ من أموالهم إذا اتجروا بها، ومروا بها على عشار ". # فهذا أحمد -رضي الله عنه- سئل عن إحياء الذمي (3) الأرض، فأجاب: بأنه ليس ~~عليه شيء، وذكر اختلاف الفقهاء في مسألة اشترائه الأرض: هل يمنع، أو يضعف ~~عليه العشر؟ وهذا يبين لك أن المسألتين عنده واحدة، وهو تملك الذمي الأرض ~~العشرية، سواء كان بابتياع أو إحياء أو غير ذلك. # وكذلك ذكر العنبري قاضي أهل البصرة: أنهم يأخذون الخمس (4) من جميع أرض ~~أهل (5) الذمة العشرية، وذلك يعم ما ملك (6) انتقالا، أو ابتداء (7) . # وهذا يفيدك أن أحمد إذا منع الذمي أن يبتاع الأرض العشرية، فكذلك يمنعه ~~من إحيائها، وأنه إذا أخذ منه فيما ابتاعه الخمس، فكذلك فيما أحياه، وأن من ~~نقل عنه عشرا مفردا في الأرض المحياة دون المبتاعة (8) فليس بمستقيم، وإنما ~~سببه قوله (9) في الرواية الأخرى التي نقلها الكرماني: هي أرض PageV02P036 # عشر (1) . ولكن هذا كلام مجمل قد فسره (2) أبو عبد الله في موضع آخر، ~~وبين مأخذه. ونقل الفقه: إن لم يعرف الناقل مأخذ الفقيه، وإلا فقد يقع فيه ~~الغلط كثيرا. # وقد أفصح أرباب هذا القول بأن مأخذهم قياس الحراثة على التجارة، فإن ~~الذمي إذا (3) اتجر ms229 في غير أرضه (4) فإنه يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من ~~المسلمين، وهو نصف العشر، فكذلك إذا استحدث أرضا غير أرضه (5) ؛ لأنه في ~~كلا الموضعين قد أخذ يكتسب في غير مكانه الأصلي، وحق الحرث والتجارة ~~قرينان، كما في قوله {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] (6) . # وكذلك قال أحمد في رواية الميموني: يؤخذ من أموال أهل الذمة، إذا اتجروا ~~فيها قومت، ثم أخذ منهم زكاتها مرتين، تضعف عليهم؛ لقول (7) عمر -رضي الله ~~عنه-: " أضعفها عليهم ". فمن الناس من شبه (8) الزرع (9) على ذلك. ~~PageV02P037 # قال الميموني: " والذي لا شك (1) فيه من قول أبي عبد الله -غير مرة-: أن ~~أرض أهل الذمة التي في الصلح ليس عليها خراج، إنما ينظر إلى ما أخرجت، يؤخذ ~~منهم العشر مرتين ". # قال الميموني: " قلت لأبي عبد الله: فالذي يشتري أرض العشر ما عليه؟ " ~~قال لي: " الناس كلهم يختلفون في هذا: منهم من لا يرى عليه شيئا، ويشبهه ~~بماله ليس عليه فيه زكاة إذا كان مقيما ما كان بين أظهرنا، وبماشيته " ~~فيقول (2) " هذه أموال، وليس عليه فيها صدقة ". ومنهم من يقول: " هذه حقوق ~~لقوم، ولا يكون شراؤه الأرض يذهب بحقوق هؤلاء منهم "، والحسن يقول: " إذا ~~اشتراها ضوعف عليه ". قلت: " كيف يضعف عليه؟ " قال: " لأن عليه العشر، ~~فيؤخذ منه الخمس " قلت: " يذهب إلى أن يضعف عليه الخمس فيؤخذ منه الخمس (3) ~~فالتفت إلي، فقال: " نعم يضعف عليهم ". # قال: وذاكرنا أبا عبد الله: أن مالكا كان يرى أن لا يؤخذ منهم شيء، وكان ~~يحول بينهم وبين الشراء لشيء منها، وهذه الرواية اختيار الخلال، وهي مسألة ~~كبيرة، ليس هذا موضع استقصائها. # والفقهاء أيضا مختلفون في هذه المسألة، كما ذكره أبو عبد الله. # فمن نقل عنه تضعيف العشر: عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وغيره من ~~أهل البصرة، وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو قول أبي ~~يوسف (4) . PageV02P038 # ومنهم من قال: " بل يؤخذ العشر على ما كان عليه، كالقول الذي ذكره بعض ~~أصحابنا ". ويروى ms230 هذا عن (1) الثوري، ومحمد بن الحسن. # وحكي عن الثوري: لا شيء عليه كالرواية الأخرى عن أحمد. ويروى هذا عن مالك ~~أيضا، وعن مالك: أنه يؤمر ببيعها. وحكي ذلك عن الحسن بن صالح (2) وشريك (3) ~~وهو قول الشافعي. وقال أبو ثور (4) يجبر على بيعها. # وقياس قول من يضعف العشر: أن المستأمن لو زرع في دار الإسلام لكان الواجب ~~عليه خمسين (5) ضعفا ما يؤخذ من الذمي، كما أنه إذا اتجر في دار الإسلام ~~(6) يؤخذ منه العشر، ضعفا ما يؤخذ من الذمي. فقد ظهر PageV02P039 # أنا (1) -على إحدى الروايتين، وقول طوائف من أهل العلم -نمنعهم من (2) أن ~~يستولوا على عقار في دار الإسلام للمسلمين فيه حق من المساكن والمزارع، كما ~~نمنعهم أن يحدثوا في دار الإسلام (3) بناء لعباداتهم من كنيسة أو بيعة أو ~~صومعة؛ لأن عقد الذمة اقتضى إقرارهم على ما كانوا عليه (4) من غير تعد منهم ~~إلى الاستيلاء فيما ثبت للمسلمين فيه حق من عقار أو رقيق. # وهذا لأن مقصود الدعوة: أن تكون كلمة الله هي العليا، وإنما أقروا ~~بالجزية للضرورة العارضة، والحكم المقيد بالضرورة مقدر بقدرها، ولهذا لم ~~يثبت عن (5) واحد من السلف حق شفعة على مسلم، وأخذ بذلك أحمد رحمه الله ~~وغيره؛ لأن الشقص الذي يملكه مسلم، إذا أوجبنا فيه شفعة لذمي، كنا قد ~~أوجبنا على المسلم أن ينقل الملك في عقاره إلى ذمي بطريق القهر للمسلم، ~~وهذا خلاف الأصول (6) . # ولهذا نص أحمد على أن البائع للشقص إذا كان مسلما وشريكه ذمي، لم يجب (7) ~~له شفعة؛ لأن الشفعة في الأصل إنما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر، ~~بمنزلة الحقوق التي تجب على المسلم للمسلم: كإجابة الدعوة، وعيادة المريض، ~~وكمنعه (8) أن يبيع على بيعه أو يخطب على خطبته، وهذا كله عند أحمد مخصوص ~~بالمسلمين، وفي البيع والخطبة خلاف بين الفقهاء. PageV02P040 ### | استئجار الأرض الموقوفة على الكنيسة وشراء ما يباع للكنيسة # وأما استئجاره الأرض الموقوفة على الكنيسة، وشراؤه ما يباع (1) للكنيسة: ~~فقد أطلق (2) أحمد المنع أنه لا يستأجرها، لا يعينهم على ما هم فيه، ms231 وكذلك ~~أطلقه (3) الآمدي وغيره. # ومثل هذا ما لو اشترى من المال الموقوف للكنيسة أو الموصى (4) لها به، أو ~~باع آلات يبنون بها كنيسة ونحو ذلك، والمنع هنا أشد؛ لأن نفس هذا المال ~~الذي يبذله يصرف في المعصية، فهو كبيع العصير لمن يتخذه خمرا بخلاف نفس ~~السكنى، فإنها ليست محرمة، ولكنهم يعصون في المنزل، فقد يشبه ما لو قد ~~باعهم الخبز واللحم والثياب، فإنهم قد يستعينون بذلك على الكفر، وإن كان ~~الإسكان فوق هذا؛ لأن نفس الأكل والشرب ليس بمحرم، ونفس المنفعة المعقود ~~عليها في الإجارة -وهو اللبث- قد يكون محرما، ألا ترى أن الرجل لا ينهى أن ~~(5) يتصدق على الكفار والفساق في الجملة، وينهى أن يقعد في منزله من يكفر ~~أو يفسق؟ # وقد تقدم تصريح ابن القاسم أن هذا الشراء لا يحل، وأطلق الشافعي المنع من ~~معاونتهم على بناء الكنيسة، ونحو ذلك، فقال في كتاب الجزية من الأم (6) " ~~ولو أوصى -يعني الذمي- بثلث ماله أو شيء منه يبني به كنيسة لصلوات (7) ~~النصارى (8) أو يستأجر به خدما للكنيسة، أو تعمر به الكنيسة، PageV02P041 # أو يستصبح به فيها، أو يشتري به أرضا (1) فتكون صدقة على الكنيسة، أو ~~تعمر به (2) أو ما في هذا المعنى؛ كانت الوصية باطلة (3) ولو أوصى أن يبني ~~كنيسة (4) ينزلها مار الطريق، أو وقفها على قوم يسكنونها (5) جازت الوصية، ~~وليس في بنيان الكنيسة معصية، إلا أن تتخذ لمصلى النصارى الذي اجتماعهم ~~فيها على الشرك"، قال: وأكره للمسلم أن يعمل بناء أو نجارا، أو غير (6) ذلك ~~في كنائسهم التي لصلاتهم (7) . # وأما مذهب أحمد في الإجارة لعمل ناووس ونحوه، فقال الآمدي: لا يجوز رواية ~~واحدة؛ لأن المنفعة المعقود عليها محرمة، وكذلك الإجارة لبناء كنيسة أو ~~بيعة، أو صومعة، كالإجارة لكتبهم (8) المحرفة. # وأما مسألة حمل الخمر والميتة والخنزير للنصراني أو للمسلم فقد تقدم لفظ ~~أحمد أنه قال فيمن حمل (9) خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني: فهو يكره أكل ~~كرائه، ولكن يقضي للحمال بالكراء، وإذا كان للمسلم فهو أشد. زاد بعضهم ~~فيها: ويكره أن يحمل الميتة ms232 بكراء، أو يخرج دابة ميتة، ونحو هذا. # ثم اختلف أصحابنا في هذا الجواب على ثلاث طرق: PageV02P042 # أحدها: إجراؤه على ظاهره، وأن المسألة رواية واحدة، قال ابن أبي موسى: ~~وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير لنصراني. قال: فإن فعل ~~قضي له بالكراء، وإن آجر (1) نفسه لحمل محرم لمسلم (2) كانت الكراهة أشد، ~~ويأخذ الكراء. وهل يطيب له أم لا (3) على وجهين، أوجههما: أنه لا يطيب له، ~~وليتصدق (4) به. وهكذا ذكر أبو الحسن الآمدي، قال: وإذا آجر (5) نفسه من ~~رجل في حمل خمر أو خنزير أو ميتة؛ كره. نص عليه. وهذه كراهة تحريم؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعن حاملها. # إذا ثبت هذا فيقضى (6) له بالكراء، وغير ممتنع أن يقضى بالكراء وإن كان ~~محرما، كإجارة الحجام، فقد صرح هؤلاء بأنه يستحق الأجرة مع كونها محرمة ~~عليه على الصحيح. # الطريقة الثانية: تأويل هذه الرواية بما يخالف ظاهرها، وجعل المسألة ~~رواية واحدة: أن هذه الإجارة لا تصح، وهي طريقة القاضي في المجرد (7) وهي ~~طريقة ضعيفة، رجع عنها القاضي في كتبه المتأخرة، فإنه صنف المجرد قديما. # الطريقة الثالثة: تخرج هذه المسألة على روايتين: إحداهما: أن هذه الإجارة ~~صحيحة يستحق بها الأجرة مع الكراهة للفعل وللأجرة. PageV02P043 # والثانية (1) لا تصح الإجارة، ولا يستحق بها أجرة، وإن حمل. وذلك (2) على ~~قياس قوله في أن الخمر (3) لا يجوز إمساكها، وتجب إراقتها. # قال في رواية أبي طالب (4) إذا أسلم، وله خمر أو خنازير، تصب الخمر وتسرح ~~الخنازير، وقد حرما عليه، وإن قتلها (5) فلا بأس، فقد نص على أنه لا يجوز ~~إمساكها، ولأنه قد نص في رواية ابن منصور: أنه يكره أن يؤاجر نفسه لنظارة ~~كرم النصراني؛ لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر إلا أن يعلم أنه يباع لغير ~~الخمر. # فقد منع من إجارة نفسه على حفظ الكرم الذي يتخذ للخمر، فأولى أن يمنع من ~~إجارة نفسه على حمل الخمر. فهذه طريقة القاضي في التعليق وتصرفه، وعليها ~~أكثر أصحابه، مثل أبي الخطاب، وهي طريقة من احتذى حذوه ms233 من المتأخرين. # والمنصور عندهم الرواية المخرجة، وهي مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف ~~ومحمد، وهذا عند أصحابنا فيما إذا استأجر على حمل الخمر إلى بيته، أو ~~حانوته، أو حيث لا يجوز إقرارها، سواء كان حملها للشرب أو مطلقا: فأما إن ~~كان (6) يحملها ليريقها، أو يحمل PageV02P044 # الميتة (1) لينقلها إلى الصحراء؛ لئلا يتأذى بنتن ريحها، فإنه يجوز ~~الإجارة على ذلك؛ لأنه عمل مباح، لكن إن كانت الأجرة جلد الميتة لم تصح، ~~واستحق أجرة المثل، وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه رده على صاحبه، وهذا مذهب ~~مالك، وأظنه مذهب الشافعي أيضا. ومذهب أبي حنيفة كالرواية الأولى، ومأخذه ~~في ذلك: أن الحمل إذا كان مطلقا لم يكن المستحق عين (2) حمل الخمر، وأيضا ~~فإن مجرد حملها ليس معصية؛ لجواز أن تحمل لتراق، أو تخلل عنده، ولهذا إذا ~~كان الحمل للشرب لم يصح، ومع هذا فإنه يكره الحمل. # والأشبه -والله أعلم- طريقة ابن أبي موسى، فإنها أقرب إلى مقصود أحمد، ~~وأقرب إلى القياس، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عاصر الخمر ~~ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة ~~تستحق عوضا، وهي ليست محرمة في نفسها، وإنما حرمت لقصد المعتصر، والمستحمل ~~فهو كما لو باع عنبا أو عصيرا لمن يتخذه خمرا، وفات العصير والخمر في يد ~~المشتري، فإن مال البائع لا يذهب مجانا، بل يقضي له بعوضه، كذلك هاهنا ~~المنفعة التي وفاها المؤجر لا تذهب مجانا، بل يعطى بدلها، فإن تحريم ~~الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر لا من جهته. # ثم نحن نحرم الأجرة عليه، لحق الله سبحانه لا لحق المستأجر، والمشتري ~~بخلاف من استأجر للزنا أو التلوط أو القتل أو الغصب أو السرقة، فإن نفس هذا ~~العمل محرم لا (3) لأجل قصد المشتري، فهو كما لو باعه ميتة أو خمرا، فإنه ~~لا يقضي له (4) بثمنها؛ لأن نفس هذه العين محرمة. PageV02P045 # ومثل هذه الإجارة والجعالة لا توصف بالصحة مطلقا، ولا بالفساد مطلقا، بل ~~هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر، بمعنى أنه يجب عليه مال (1) الجعل ms234 والأجرة ~~(2) وهي فاسدة (3) بالنسبة إلى الأجير، بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع ~~بالأجرة والجعل، ولهذا في الشريعة نظائر. # وعلى هذا فنص أحمد على كراهة نظارة كرم النصراني لا ينافي هذا، فإنا ~~ننهاه عن هذا الفعل وعن ثمنه، ثم نقضي له (4) بكرائه، ولو لم نفعل هذا لكان ~~(5) في هذا منفعة عظيمة للعصاة، فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به ~~على المعصية قد حصلوا غرضهم منه، ثم لا يعطونه شيئا، وما هم بأهل أن ~~يعاونوا على ذلك. # بخلاف من سلم إليهم عملا لا قيمة له بحال. نعم: البغي والمغني والنائحة، ~~ونحوهم؛ إذا أعطوا أجورهم ثم تابوا: هل يتصدقون بها، أو يجب أن يردوها على ~~من أعطاهموها؟ فيها (6) قولان أصحهما: أنا لا نردها على الفساق الذين ~~بذلوها في المنفعة المحرمة (7) ولا يباح الأخذ (8) بل يتصدق بها، وتصرف في ~~مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمال الخمر. PageV02P046 # ومن ظن (1) أنها ترد على الباذل المستأجر؛ لأنها مقبوضة بعقد فاسد، فيجب ~~(2) ردها عليه كالمقبوض بالربا، أو نحوه من العقود الفاسدة. # فيقال له: المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل ~~منهما على الآخر ما قبضه منه، كما في تقابض الربا عند (3) من يقول: المقبوض ~~بالعقد الفاسد لا يملك (4) كما هو المعروف من مذهب الشافعي وأحمد. # فأما إذا تلف المقبوض عند القابض، فإنه لا يستحق استرجاع عوضه مطلقا، ~~وحينئذ فيقال: وإن كان ظاهر القياس يوجب ردها بناء على أنها مقبوضة بعقد ~~فاسد، فإن الزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، ~~واستوفوا العوض (5) المحرم، والتحريم الذي فيه ليس لحقهم، وإنما هو لحق ~~الله تعالى، وقد فاتت هذه المنفعة (6) بالقبض، والأصول تقتضي: أنه إذا رد ~~أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر (7) على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه ~~المال. # وأيضا، (8) فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته (9) ~~وعوضها جميعا منه، بخلاف ما لو كان العوض خمرا أو ميتة، فإن تلك لا ضرر ~~عليه في فواتها، فإنها لو كانت ms235 باقية أتلفناها عليه، ومنفعة الغناء والنوح ~~PageV02P047 # لو لم تفت لتوفرت عليه، بحيث كان يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر، ~~أعني من صرف القوة التي عمل بها. فيقال على هذا: فينبغي أن يقضوا بها إذا ~~طالب بقبضها. قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها كعقود الكفار المحرمة، ~~فإنهم إذا أسلموا قبل (1) القبض لم نحكم بالقبض، ولو أسلموا بعد القبض لم ~~نحكم بالرد، ولكن في حق (2) المسلم تحرم (3) هذه الأجرة (4) عليه؛ لأنه كان ~~معتقدا لتحريمها بخلاف الكافر، وذلك لأنه إذا طلب الأجرة قلنا له: أنت ~~فرطت، حيث صرفت قوتك في عمل محرم، فلا يقضى لك بأجرة. فإذا قبضها ثم قال ~~الدافع: هذا المال اقضوا لي برده، فإنما (5) أقبضته إياه عوضا عن منفعة ~~محرمة. قلنا له: دفعته بمعاوضة رضيت بها، فإذا طلبت استرجاع ما أخذ (6) ~~فاردد إليه ما أخذت إذا كان له في بقائه معه منفعة، فهذا ومثل هذا (7) ~~يتوجه فيما يقبض من ثمن الميتة والخمر، وأيضا فمشتري الخمر إذا أقبض (8) ~~ثمنها وقبضها وشراها، ثم طلب أن يعاد إليه الثمن كان الأوجه أن يرد إليه ~~الثمن ولا يباح للبائع، ولا سيما ونحن نعاقب الخمار -بياع الخمر- بأن نحرق ~~الحانوت التي تباع فيها الخمر، نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء؛ (9) فإن ~~عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- PageV02P048 # حرق حانوتا يباع فيها الخمر (1) وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حرق ~~قرية يباع فيها الخمر (2) وهي آثار معروفة، وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا ~~الموضع (3) ؛ وذلك لأن (4) العقوبات المالية (5) عندنا باقية غير منسوخة ~~(6) . # فإذا عرف أصل أحمد في هذه المسائل، فمعلوم أن بيعهم ما يقيمون به أعيادهم ~~المحرمة، مثل بيعهم العقار للسكنى وأشد، بل هو إلى بيعهم العصير أقرب منه ~~إلى بيعهم العقار؛ لأن ما يبتاعونه من الطعام واللباس ونحو ذلك يستعينون به ~~على العيد، إذ العيد كما قدمنا اسم لما يفعل من العبادات والعادات، وهذه ~~إعانة على ما يقام من العادات، لكن لما كان جنس الأكل والشرب واللباس ليس ~~محرما في نفسه، بخلاف شرب ms236 الخمر؛ فإنه محرم في نفسه. # فإن كان ما يبتاعونه يفعلون به نفس المحرم: مثل صليب، أو شعانين، أو ~~معمودية، أو تبخير، أو ذبح لغير الله، أو صورة ونحو ذلك؛ فهذا لا ريب في ~~تحريمه، كبيعهم العصير ليتخذوه خمرا، وبناء الكنيسة لهم، وأما ما ينتفعون ~~به في أعيادهم (7) للأكل والشرب واللباس، فأصول أحمد وغيره تقتضي كراهته. # لكن: كراهة تحريم كمذهب مالك، أو كراهة تنزيه؟ والأشبه: أنه كراهة ~~PageV02P049 # تحريم كسائر النظائر عنده، فإنه لا يجوز بيع الخبز واللحم والرياحين ~~للفساق الذين يشربون عليها (1) الخمر، ولأن هذه الإعانة قد تفضي إلى إظهار ~~الدين (2) وكثرة اجتماع الناس لعيدهم وظهوره، وهذا أعظم من إعانة شخص معين. ~~لكن من يقول: هذا مكروه كراهة تنزيه يقول: هذا متردد بين بيع العصير وبيع ~~الخنزير، وليس هذا مثل بيعهم العصير الذي يتخذونه خمرا؛ لأنا إنما يحرم ~~علينا أن نبيع الكفار ما كان محرم الجنس: كالخمر، والخنزير. فأما ما (3) ~~يباح في حال دون حال كالحرير ونحوه فيجوز بيعه لهم. # وأيضا، فإن الطعام واللباس الذي يباعونه (4) في عيدهم ليس محرما في نفسه، ~~وإنما الأعمال التي يعملونها (5) به لما كانت شعار الكفر (6) نهي عنها ~~المسلم لما فيها من مفسدة انجراره إلى بعض فروع الكفر (7) . فأما الكافر ~~فهي لا تزيده من الفساد أكثر مما هو فيه؛ لأن نفس حقيقة الكفر قائمة به؛ ~~فدلالة الكفر وعلامته إذا كانت مباحة (8) لم يكن فيها كفر زائد (9) كما لو ~~باعهم المسلم ثياب الغيار (10) التي يتميزون بها عن المسلمين، بخلاف شرب ~~الخمر وأكل الخنزير فإنه زيادة في الكفر. PageV02P050 # نعم: لو باعهم المسلم ما يتخذونه صليبا، أو شعانين ونحو ذلك (1) فهنا قد ~~باعهم ما يستعينون به على نفس المعصية (2) ومن نصر التحريم يجيب عن هذا بأن ~~شعار الكفر وعلامته ودلالته على وجهين: # وجه نؤمر به في دين (3) الإسلام، وهو (4) ما فيه إذلال للكفر وصغار، فهذا ~~إذا اتبعوه (5) كان ذلك إعانة على ما يأمر الله به ورسوله، فإنا نحن نأمرهم ~~بلباس (6) الغيار. # ووجه ننهى عنه وهو ما فيه إعلاء للكفر ms237 وإظهار له، كرفع أصواتهم بكتابهم، ~~وإظهار الشعانين، وبيع النواقيس لهم، وبيع الرايات والألوية لهم، ونحو ذلك، ~~فهذا من شعائر الكفر التي نحن مأمورون (7) بإزالتها، والمنع منها في (8) ~~ديار الإسلام، فلا يجوز إعانتهم عليها. ### | قبول الهدية من أهل الذمة يوم عيدهم # وأما قبول الهدية منهم يوم عيدهم، فقد قدمنا عن علي -رضي الله عنه- أنه ~~أتي بهدية النيروز فقبلها (9) . وروى ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا جرير ~~(10) عن قابوس (11) عن أبيه (12) أن امرأة سألت عائشة، قالت: إن لنا ~~PageV02P051 # أظآرا (1) من المجوس، وإنه يكون لهم العيد فيهدون لنا. فقالت: "أما ما ~~ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا (2) ولكن كلوا من أشجارهم " (3) وقال حدثنا وكيع ~~عن الحسن (4) بن حكيم، عن أمة (5) عن أبي برزة: أنه كان له سكان مجوس، ~~فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: " ما كان من فاكهة ~~فكلوه (6) وما كان من غير ذلك فردوه " (7) . # فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها ~~في العيد وغيره سواء؛ لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر (8) كفرهم. لكن ~~قبول هدية الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة مسألة مستقلة بنفسها؛ فيها خلاف ~~وتفصيل ليس هذا موضعه، وإنما يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم، ~~بابتياع أو هدية، أو غير ذلك مما (9) لم يذبحوه للعيد، فأما ذبائح المجوس، ~~فالحكم فيها معلوم، فإنها حرام عند العامة (10) . PageV02P052 ### | ذبيحتهم يوم عيدهم وأنواع ذبائح أهل الكتاب # فأما ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم، وما يتقربون بذبحه إلى غير الله، نظير ~~ما يذبح المسلمون هداياهم وضحاياهم متقربين بها إلى الله تعالى، وذلك مثل ~~ما يذبحون للمسيح والزهرة، فعن أحمد روايتان: أشهرهما في نصوصه أنه لا يباح ~~أكله، وإن لم يسم عليه غير الله تعالى، ونقل النهي عن ذلك، عن عائشة وعبد ~~الله (1) بن عمر. # قال الميموني: سألت أبا عبد الله عن ذبائح أهل الكتاب فقال: إن كان (2) ~~مما يذبحون لكنائسهم (3) . فقال: يدعون التسمية على عمد، إنما يذبحون ~~للمسيح (4) . # وذكر أيضا: أنه ms238 سأل أبا (5) عبد الله عمن ذبح من أهل الكتاب ولم يسم، ~~فقال: إن كان مما يذبحون لكنائسهم. فقال ابن عمر (6) يترك التسمية فيه على ~~عمد؛ إنما يذبح للمسيح، وقد كرهه ابن عمر، إلا أن أبا الدرداء يتأول أن ~~طعامهم حل، وأكثر ما رأيت منه (7) الكراهية لأكل ما ذبحوا لكنائسهم. # وقال أيضا: سألت أبا عبد الله عن ذبيحة المرأة من أهل الكتاب، ولم تسم. # قال: " إن كانت ناسية فلا بأس، وإن كان مما يذبحون لكنائسهم قد يدعون ~~التسمية فيه على عمد " وقال المروزي: قرئ على أبي عبد الله: {و ### | ما ذبح على النصب} # [المائدة: 3] (8) قال: " على الأصنام " وقال: " كل شيء ذبح على الأصنام ~~لا يؤكل ". PageV02P053 # وقال حنبل: قال عمي (1) " أكره كل ما ذبح لغير الله، والكنائس إذا ذبح ~~لها، وما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به (2) وما ذبح يريد به ~~غير الله فلا آكله، وما ذبحوا في أعيادهم أكرهه ". # وروى أحمد عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي: سألت ميمونا (3) عما ذبحت ~~النصارى لأعيادهم وكنائسهم، فكره أكله. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال: " ~~لا يؤكل؛ لأنه أهل لغير الله به (4) ويؤكل كل ما سوى ذلك، وإنما أحل الله ~~عز وجل من طعامهم ما ذكر اسم الله عليه، قال الله عز وجل {ولا تأكلوا مما ~~لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] (5) وقال: (6) {وما أهل به لغير ~~الله} [البقرة: 173] (7) فكل ما ذبح لغير الله فلا يؤكل لحمه ". # وروى حنبل عن عطاء في ذبيحة النصراني (8) يقول: اسم المسيح، قال: كل، قال ~~حنبل: سمعت أبا عبد الله يسأل عن ذلك قال: لا تأكل، قال الله تعالى {ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] (9) فلا أرى هذا ذكاة ~~{وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] (10) . # فاحتجاج أبي عبد الله بالآية دليل على أن الكراهة عنده كراهة تحريم، ~~PageV02P054 # وهذا قول عامة قدماء الأصحاب، قال الخلال في باب التوقي لأكل ما ذبحت ~~النصارى وأهل الكتاب لأعيادهم وذبائح أهل الكتاب لكنائسهم: " كل من روى عن ms239 ~~أبي عبد الله روى الكراهة (1) فيه، وهي متفرقة في هذه الأبواب. # وما قاله حنبل في هاتين المسألتين ذكر عن أبي عبد الله: {ولا تأكلوا مما ~~لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] (2) {وما أهل لغير الله به} ~~[المائدة: 3] (3) فإنما الجواب من أبي عبد الله فيما أهل لغير الله به، ~~وأما التسمية وتركها، فقد روى عنه جميع أصحابه: أنه لا بأس بأكل ما لم ~~يسموا عليه، إلا في وقت ما يذبحون لأعيادهم وكنائسهم، فإنه معنى قوله تعالى ~~{وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] (4) وعند أبي عبد الله أن تفسير {ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] (5) إنما عنى به (6) ~~الميتة. وقد أخرجته (7) في موضعه. # ومقصود الخلال: أن نهي أحمد لم يكن لأجل ترك التسمية فقط؛ فإن ذلك عنده ~~لا يحرم، وإنما كان لأنهم ذبحوا لغير الله، سواء كانوا يسمون غير الله أو ~~لا يسمون الله ولا غيره، ولكن قصدهم الذبح لغيره (8) وقال ابن أبي موسى: ~~ويجتنب أكل كل ما ذبحه اليهود والنصارى لكنائسهم وأعيادهم، ولا يؤكل ما ذبح ~~للزهرة (9) . PageV02P055 # والرواية الثانية: أن ذلك مكروه غير محرم، وهذه التي ذكرها القاضي وغيره. ~~وأخذوا ذلك -فيما أظنه- مما نقله عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي عمن ذبح ~~للزهرة، قال: لا يعجبني. قلت: أحرام أكله؟ قال: لا أقول حراما، ولكن لا ~~يعجبني (1) . وذلك أنه أثبت الكراهة دون التحريم. # ويمكن أن يقال: إنما توقف عن تسميته محرما؛ لأن ما اختلف في تحريمه ~~وتعارضت فيه الأدلة، كالجمع بين الأختين المملوكتين (2) ونحوه، هل يسمى ~~حراما؟ على روايتين، كالروايتين عنه في أن ما اختلف في وجوبه، هل يسمى ~~فرضا؟ على روايتين. # ومن أصحابنا من أطلق الكراهة، ولم يفسر: هل أراد التحريم أو التنزيه؟ قال ~~أبو الحسن الآمدي: ما ذبح لغير الله مثل الكنائس والزهرة والشمس والقمر. ~~فقال أحمد: مما أهل لغير الله به (3) أكرهه، كل ذبح لغير الله، والكنائس، ~~وما ذبحوا في أعيادهم، أكرهه؛ فأما ما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا ~~بأس به. # وكذلك مذهب ms240 مالك، يكره ما ذبحه النصارى لكنائسهم، أو ذبحوا على اسم ~~المسيح، أو الصليب، أو أسماء من مضى من أحبارهم ورهبانهم (4) . # وفي المدونة: " وكره مالك أكل ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم، أو لأعيادهم، ~~من غير تحريم، وتأول قول الله تعالى {أو فسقا أهل لغير الله به} [الأنعام: ~~145] (5) قال PageV02P056 # ابن القاسم: وكذلك ما ذبحوا وسموا عليه اسم المسيح، وهو بمنزلة ما ذبحوا ~~لكنائسهم، ولا أرى أن يؤكل. # ونقلت الرخصة في ذبائح الأعياد ونحوها، عن طائفة من الصحابة رضي الله ~~عنهم، وهذا فيما لم يسموا (1) غير الله. # فإن سموا غير الله في عيدهم، أو غير عيدهم: حرم في أشهر الروايتين، وهو ~~مذهب الجمهور، وهو مذهب الفقهاء الثلاثة فيما نقله غير واحد، وهو قول علي ~~بن أبي طالب، وغيره من الصحابة، منهم أبو الدرداء (2) وأبو أمامة، والعرباض ~~بن سارية، وعبادة بن الصامت، وهو قول أكثر فقهاء الشام وغيرهم. # والثانية: لا يحرم، وإن سموا غير الله، وهذا قول عطاء ومجاهد ومكحول ~~والأوزاعي والليث. # نقل ابن (3) منصور: أنه قيل لأبي عبد الله: سئل سفيان عن رجل ذبح ولم ~~يذكر اسم (4) الله متعمدا، قال: أرى أن لا يؤكل، قيل له: أرأيت إن كان يرى ~~أنه يجزي عنه فلم يذكر؟ قال: أرى أن لا يؤكل. قال أحمد: المسلم (5) فيه اسم ~~الله، يؤكل. ولكن قد أساء في ترك التسمية؛ النصارى: أليس يذكرون غير (6) ~~اسم الله. PageV02P057 # ووجه الاختلاف أن هذا قد دخل في عموم قوله عز وجل {وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم} [المائدة: 5] (1) وفي عموم قوله {وما أهل لغير الله به} ~~[المائدة: 3] (2) ؛ لأن هذه الآية تعم كل ما نطق به لغير الله. يقال: أهللت ~~بكذا، إذا تكلمت به (3) وإن كان أصله الكلام الرفيع، فإن الحكم لا يختلف ~~برفع الصوت وخفضه، وإنما لما كانت عادتهم رفع الصوت في الأصل، خرج الكلام ~~على ذلك، فيكون المعنى: وما تكلم به لغير الله وما نطق به لغير الله، ~~ومعلوم أن ما حرم: أن يجعل غير (4) الله مسمى، فكذلك منويا، إذ هذا مثل ~~النيات ms241 في العبادات، فإن اللفظ بها وإن كان أبلغ، لكن الأصل القصد، ألا ترى ~~أن المتقرب بالهدايا والضحايا سواء قال: أذبحه لله، أو سكت، فإن العبرة ~~بالنية؟ # وتسمية (5) الله على الذبيحة، غير ذبحها لله، فإنه يسمى على ما يقصد به ~~اللحم، وأما القربان فيذبح لله سبحانه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قربانه: (6) " اللهم (7) منك ولك " بعد قوله: " بسم الله والله أكبر " ~~(8) PageV02P058 # اتباعا لقوله تعالى {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} ~~[الأنعام: 162] (1) . # والكافرون يصنعون بآلهتهم كذلك فتارة يسمون آلهتهم على الذبائح، وتارة ~~(2) (2) يذبحونها قربانا إليهم، وتارة (3) (3) يجمعون بينهما، وكل ذلك ~~-والله أعلم- يدخل فيما أهل لغير الله به، فإن من سمى غير الله فقد أهل به ~~لغير الله، فقوله: (باسم كذا) استعانة به، وقوله (لكذا) (4) عبادة له؛ ~~ولهذا جمع الله بينهما في قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ### | ما ذبح على النصب # وأيضا، فإنه سبحانه حرم (5) ما ذبح على النصب، وهي كل ما ينصب ليعبد من ~~دون الله تعالى. # وأما احتجاج أحمد على هذه المسألة بقوله تعالى {ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه} [الأنعام: 121] (6) فحيث اشترطت التسمية في ذبيحة المسلم؛ ~~هل تشترط في ذبيحة الكتابي؟ على روايتين: وإن كان الخلال هنا قد ذكر عدم ~~الاشتراط، فاحتجاجه بهذه الآية يخرج على إحدى الروايتين. فلما تعارض العموم ~~الحاظر، وهو قول (7) الله تعالى: {وما أهل به لغير الله} [البقرة: 173] (8) ~~والعموم المبيح، وهو قوله: PageV02P059 # {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5] (1) اختلف العلماء في ~~ذلك. # والأشبه بالكتاب والسنة: ما دل عليه أكثر كلام أحمد من الحظر، وإن كان من ~~متأخري أصحابنا من لم يذكر هذه الرواية بحال؛ وذلك لأن عموم قوله تعالى: ~~{وما أهل لغير الله به وما ذبح على النصب} [المائدة: 3] (2) عموم محفوظ لم ~~تخص منه صورة، بخلاف طعام الذين أوتوا الكتاب، فإنه يشترط له الذكاة ~~المبيحة (3) فلو ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته، ولأن غاية ~~الكتابي: أن تكون ذكاته كالمسلم، والمسلم لو ذبح لغير الله، ms242 أو ذبح باسم ~~غير الله (4) لم يبح، وإن كان يكفر بذلك، فكذلك الذمي؛ لأن قوله تعالى: ~~{وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} [المائدة: 5] (5) سواء، ~~وهم وإن كانوا يستحلون هذا، ونحن لا نستحله فليس كل ما استحلوه حل (6) ~~ولأنه قد تعارض دليلان، حاظر ومبيح، فالحاظر: أولى (7) . ولأن الذبح لغير ~~الله، وباسم غيره، قد علمنا يقينا أنه ليس من دين الأنبياء عليهم السلام، ~~فهو من الشرك الذي أحدثوه، فالمعنى الذي لأجله حلت ذبائحهم، منتف في هذا. ~~والله أعلم. # فإن قيل: أما إذا سموا عليه غير الله بأن يقولوا: باسم المسيح ونحوه، ~~فتحريمه ظاهر، أما إذا لم يسموا أحدا، ولكن قصدوا الذبح للمسيح، ~~PageV02P060 # أو للكوكب (1) ونحوها، فما وجه تحريمه؟ # قيل: قد (2) تقدمت الإشارة إلى ذلك. وهو أن الله سبحانه قد حرم ما ذبح ~~على النصب، وذلك يقتضي تحريمه، وإن كان ذابحه كتابيا، لأنه لو كان التحريم ~~لكونه وثنيا، لم يكن فرق بين ذبحه على النصب وغيرها، ولأنه لما أباح لنا ~~طعام أهل الكتاب، دل على أن طعام المشركين حرام، فتخصيص ما ذبح على الوثن ~~يقتضي فائدة جديدة. # وأيضا: فإنه ذكر تحريم ما ذبح على النصب، وما أهل به لغير الله؛ وقد دخل ~~فيما أهل به لغير الله ما (3) أهل به أهل الكتاب لغير الله فكذلك كل ما ذبح ~~على النصب، فإذا ذبح الكتابي على ما قد نصبوه من التماثيل في الكنائس، فهو ~~مذبوح على النصب، ومعلوم أن حكم ذلك لا يختلف بحضور الوثن وغيبته، فإنما ~~حرم لأنه قصد بذبحه عبادة الوثن وتعظيمه، وهذه الأنصاب قد قيل: هي من ~~الأصنام، وقيل: هي غير الأصنام. # قالوا: كان حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا، كان أهل الجاهلية يذبحون ~~عليها، ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمون هذه الحجارة، ويعبدونها، ~~ويذبحون عليها، وكانوا إذا شاءوا بدلوا هذه الحجارة بحجارة هي أعجب إليهم ~~منها. # ويدل على ذلك قول أبي ذر في حديث إسلامه: "حتى صرت كالنصب الأحمر " (4) ~~يريد أنه كان يصير أحمر من تلوثه بالدم. PageV02P061 # وفي قوله: {وما ms243 ذبح على النصب} [المائدة: 3] قولان: # أحدهما: أن نفس الذبح كان يكون عليها، كما ذكرناه، فيكون ذبحهم عليها ~~تقربا إلى الأصنام، وهذا على قول من يجعلها غير الأصنام، فيكون الذبح عليها ~~لأجل أن المذبوح عليها مذبوح للأصنام، أو مذبوح لها، وذلك يقتضي تحريم كل ~~ما ذبح لغير الله، ولأن الذبح في البقعة لا تأثير له إلا من جهة الذبح لغير ~~الله، كما كرهه النبي صلى الله عليه وسلم من الذبح في مواضع أصنام ~~المشركين، وموضع أعيادهم، وإنما يكره المذبوح في البقعة المعينة؛ لكونها ~~محل شرك، فإذا وقع الذبح حقيقة لغير الله؛ كانت حقيقة التحريم قد وجدت فيه. # والقول الثاني: أن الذبح على النصب، أي: لأجل النصب، كما قيل: أولم (1) ~~على زينب بخبز ولحم (2) وأطعم فلان على ولده، وذبح فلان على ولده، ونحو ~~ذلك، ومنه قوله تعالى: {ولتكبروا الله على ما هداكم} [البقرة: 185] (3) ~~وهذا ظاهر على قول من يجعل النصب نفس الأصنام، ولا منافاة بين كون الذبح ~~لها، وبين كونها كانت تلوث بالدم، وعلى هذا القول فالدلالة ظاهرة. # واختلاف هذين القولين في قوله تعالى {على النصب} [المائدة: 3] (4) نظير ~~PageV02P062 # الاختلاف في قوله: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم ~~من بهيمة الأنعام} [الحج: 34] (1) وقوله تعالى {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا ~~اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 28] (2) . # فإنه قد قيل: المراد بذكر اسم الله عليها، إذا كانت حاضرة. # وقيل: بل يعم ذكره لأجلها في مغيبها وشهودها، بمنزلة قوله تعالى ~~{ولتكبروا الله على ما هداكم} [البقرة: 185] (3) . # وفي الحقيقة: مآل القولين إلى شيء واحد في قوله تعالى: {وما ذبح على ~~النصب} [المائدة: 3] كما قد أومأنا إليه. # وفيها قول ثالث ضعيف: أن المعنى على اسم النصب. وهذا ضعيف؛ لأن هذا ~~المعنى حاصل من قوله تعالى: {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] فيكون ~~تكريرا. لكن اللفظ يحتمله، كما روى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة (4) ~~عن سالم (5) «عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان يحدث عن رسول الله صلى ms244 ~~الله عليه وسلم أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل (6) بأسفل PageV02P063 # بلدح (1) وذلك (2) قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، ~~فقدم (3) إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة في لحم. فأبى أن يأكل ~~منها، ثم قال زيد: إني لا (4) آكل مما تذبحون على أنصابكم (5) ولا آكل إلا ~~مما ذكر اسم الله عليه» (6) . وفي رواية له: " وإن زيد بن عمرو بن نفيل كان ~~يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: " الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء ~~الماء، وأنبت لها من الأرض الكلأ، ثم أنتم تذبحونها على غير اسم الله؟! (7) ~~إنكارا لذلك وإعظاما له. # وأيضا فإن قوله تعالى: {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] ظاهره: أنه ~~ما ذبح لغير الله، مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود: ~~فسواء لفظ به أو لم يلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال ~~فيه: باسم المسيح، ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله سبحانه ~~كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: باسم الله، فإن عبادة الله ~~سبحانه بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، ~~فكذلك الشرك بالصلاة لغيره والنسك لغيره أعظم (8) من الاستعانة PageV02P064 # باسمه (1) في فواتح الأمور. فإذا حرم ما قيل فيه: باسم المسيح، أو ~~الزهرة؛ فلأن يحرم ما قيل فيه: لأجل المسيح والزهرة (2) أو قصد به ذلك، ~~أولى. # وهذا يبين لك ضعف قول من حرم ما ذبح باسم غير الله، ولم يحرم ما ذبح لغير ~~الله، كما قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم، بل لو قيل بالعكس لكان أوجه، فإن ~~العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله. # وعلى هذا: فلو ذبح لغير الله متقربا به (3) إليه لحرم (4) وإن قال فيه: ~~(5) بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى (6) ~~والكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم ~~بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان. ### | ذبائح الجن المزعزمة # ومن هذا ms245 الباب: ما قد يفعله الجاهلون بمكة -شرفها الله- (7) وغيرها من ~~الذبح للجن (8) ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذبائح ~~الجن (9) ويدل على المسألة ما قدمناه من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن الذبح في مواضع PageV02P065 # الأصنام، ومواضع أعياد الكفار. # ويدل على ذلك أيضا: ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا هارون بن عبد الله ~~(1) حدثنا حماد بن مسعدة (2) عن عوف (3) عن أبي ريحانة (4) عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معاقرة الأعراب (5) ~~" قال أبو داود: غندر أوقفه على ابن عباس (6) . # وروى أبو بكر بن أبي شيبة في تفسيره: حدثنا وكيع، عن أصحابه، عن عوف ~~الأعرابي (7) عن أبي ريحانة قال: سئل ابن عباس، عن معاقرة الأعراب بينها، ~~فقال: " إني أخاف أن تكون مما أهل لغير الله به " (8) . PageV02P066 # وروى أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن (1) دحيم في تفسيره، حدثنا أبي، ~~حدثنا سعيد بن منصور، عن ربعي بن (2) عبد الله بن الجارود (3) قال: سمعت ~~الجارود (4) قال: كان (5) من بني رياح (6) رجل يقال له: ابن وثيل (7) شاعر، ~~نافر أبا الفرزدق غالبا (8) الشاعر، بماء بظهر الكوفة، على أن يعقر هذا ~~مائة من إبله، وهذا مائة من إبله إذا وردت الماء، فلما وردت الإبل الماء ~~قاما إليها بأسيافهما فجعلا ينسفان عراقيبها، فخرج الناس على الحمرات (9) ~~والبغال، يريدون الحمل (10) وعلي -رضي الله عنه- بالكوفة فخرج على بغلة ~~PageV02P067 # رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وهو ينادي: " يا أيها الناس لا ~~تأكلوا من لحومها، فإنها أهل بها لغير الله " (1) . # فهؤلاء الصحابة قد فسروا ما قصد (2) بذبحه غير الله، داخلا فيما أهل به ~~لغير الله؛ فعلمت (3) أن الآية لم يقتصر بها على اللفظ باسم غير الله، بل ~~ما قصد به التقرب إلى غير الله فهو كذلك، وكذلك (4) تفاسير التابعين على أن ~~ما ذبح على النصب هو ما ذبح لغير الله. ### | عودة إلى تفصيل القول فيما ذبح على النصب # وروينا في تفسير مجاهد المشهور عنه الصحيح من ms246 رواية ابن أبي نجيح في قوله ~~تعالى: {وما ذبح على النصب} [المائدة: 3] (5) قال: " كانت حجارة حول الكعبة ~~يذبح لها أهل الجاهلية، ويبدلونها إذا شاءوا بحجارة أعجب إليهم منها " (6) ~~. # وروى ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن الحسن، في قوله ~~تعالى {وما ذبح على النصب} [المائدة: 3] (7) قال: " هو بمنزلة (8) ما ذبح ~~لغير الله ". # وفي تفسير قتادة المشهور عنه: " وأما ما ذبح على النصب: فالنصب حجارة كان ~~أهل الجاهلية يعبدونها ويذبحون لها، فنهى الله عن ذلك " (9) . PageV02P068 # وفي تفسير علي بن أبي طلحة (1) عن ابن عباس: " النصب أصنام كانوا يذبحون ~~ويهلون عليها " (2) . # فإن قيل: فقد نقل إسماعيل بن سعيد (3) قال: سألت أحمد عما يقرب لآلهتهم ~~يذبحه رجل مسلم. قال: " لا بأس به " (4) . # قيل: إنما قال أحمد ذلك؛ لأن المسلم إذا ذبحه سمى الله عليه، ولم يقصد ~~ذبحه لغير الله، ولا يسمي غيره، بل يقصد ضد (5) ما قصده صاحب الشاة، فتصير ~~نية صاحب الشاة لا أثر لها، والذابح هو المؤثر في الذبح، بدليل أن المسلم ~~لو وكل كتابيا في ذبيحة، فسمى عليها غير الله (6) لم تبح. # ولهذا لما كان الذبح عبادة في نفسه كره علي -رضي الله عنه- (7) وغير واحد ~~من أهل العلم -منهم أحمد في إحدى الروايتين عنه- أن يوكل المسلم في ذبح ~~PageV02P069 # نسيكته كتابيا؛ لأن نفس الذبح عبادة بدنية، مثل الصلاة، ولهذا تختص بمكان ~~وزمان ونحو ذلك، بخلاف تفرقة اللحم، فإنه عبادة مالية، ولهذا اختلف العلماء ~~في وجوب تخصيص أهل الحرم بلحوم الهدايا المذبوحة في الحرم، وإن كان الصحيح ~~تخصيصهم بها، وهذا بخلاف الصدقة، فإنها عبادة مالية محضة، فلهذا قد لا يؤثر ~~فيها نية الوكيل، على أن هذه المسألة منصوصة عن أحمد محتملة. # فهذا تمام الكلام في ذبائحهم لأعيادهم. # PageV02P070 ### | فصل في صوم أيام عيد الكفار # فصل فأما صوم أيام أعياد الكفار مفردة بالصوم، كصوم يوم النيروز ~~والمهرجان، وهما يومان يعظمهما الفرس، فقد اختلف فيها؛ لأجل أن المخالفة ~~(1) تحصل بالصوم، أو بترك تخصيصه بعمل أصلا. # فنذكر صوم يوم (2) السبت أولا: # وذلك أنه ms247 روى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر السلمي ~~(3) عن أخته الصماء (4) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا يوم ~~السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء (5) PageV02P071 # عنب أو عود شجرة - وفي لفظ: إلا عود عنب أو لحاء (1) شجرة - فليمضغه» (2) ~~رواه أهل السنن الأربعة، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن " (3) وقد رواه ~~النسائي من وجوه أخرى عن خالد وعبد الله بن بسر، ورواه أيضا عن الصماء عن ~~عائشة. # وقد اختلف الأصحاب وسائر العلماء فيه: قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد ~~الله يسأل عن صيام يوم السبت يفترد (4) به فقال أما صيام يوم السبت يفترد ~~(5) به فقد جاء في (6) ذلك الحديث حديث الصماء (7) " يعني حديث ثور عن يزيد ~~عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن PageV02P072 # النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» ~~(1) ". قال أبو عبد الله: " وكان (2) يحيى بن سعيد يتقيه (3) وأبى (4) أن ~~يحدثني به، وقد كان سمعه من ثور. قال: فسمعته من أبي عاصم (5) . # قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت: أن الأحاديث ~~كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها حديث أم سلمة حين سئلت: «أي ~~الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما لها؟ فقالت: " السبت ~~والأحد» (6) . # ومنها: حديث جويرية (7) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يوم الجمعة: ~~«أصمت PageV02P073 # أمس؟ " [قالت: لا، قال] (1) " أتريدين أن تصومي غدا؟ " (2) فالغد هو يوم ~~السبت» . # وحديث أبي هريرة: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة إلا ~~بيوم قبله أو يوم (3) بعده» (4) . فاليوم الذي بعده هو (5) يوم السبت. # ومنها: أنه كان يصوم شعبان كله، (6) وفيه يوم السبت. # ومنها: أنه أمر بصوم المحرم (7) وفيه يوم السبت، وقال: «من صام ~~PageV02P074 # رمضان، وأتبعه بست من شوال» . . . . " (1) وقد يكون فيها السبت. # وأمر بصيام أيام البيض (2) وقد يكون فيها السبت. ومثل هذا (3) كثير ms248 (4) . # فهذا الأثرم، فهم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث، وأنه ~~رخص في صومه، حيث ذكر الحديث الذي يحتج به في الكراهة، وذكر أن الإمام في ~~(5) علل الحديث (يحيى بن سعيد) كان يتقيه، وأبى أن يحدث به، فهذا تضعيف ~~للحديث. # واحتج الأثرم بما دل من النصوص المتواترة، على صوم يوم السبت، ولا يقال: ~~يحمل النهي على إفراده؛ لأن لفظه: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض ~~عليكم» والاستثناء دليل التناول، وهذا يقتضي أن الحديث عم صومه على كل وجه، ~~وإلا لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى فإنه لا إفراد فيه، ~~فاستثناؤه دليل على دخول غيره، بخلاف يوم الجمعة، فإنه بين أنه إنما نهى عن ~~إفراده. # وعلى هذا؛ فيكون الحديث: إما شاذا غير محفوظ، وإما منسوخا، وهذه طريقة ~~قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه كالأثرم، وأبي داود. PageV02P075 # وقال أبو داود (1) "هذا حديث منسوخ " (2) . وذكر أبو داود بإسناده (3) عن ~~ابن شهاب أنه كان إذا ذكر له أنه نهى عن صيام السبت، يقول ابن شهاب: " هذا ~~حديث حمصي " (4) وعن الأوزاعي قال: " ما زلت له كاتما حتى رأيته انتشر بعد ~~" (5) يعني حديث (6) ابن بسر في صوم يوم السبت. قال أبو داود: قال مالك: " ~~هذا كذب " (7) وأكثر أهل العلم على عدم الكراهة. # وأما أكثر (8) أصحابنا ففهموا (9) من كلام أحمد الأخذ بالحديث، وحمله على ~~الإفراد، فإنه سئل عن عين الحكم، فأجاب بالحديث، وجوابه بالحديث (10) يقتضي ~~اتباعه. # وما ذكره عن يحيى (11) إنما هو بيان ما وقع فيه من الشبهة، وهؤلاء يكرهون ~~إفراده بالصوم، عملا بهذا الحديث، لجودة إسناده، وذلك موجب للعمل به، ~~وحملوه على الإفراد كصوم يوم الجمعة، وشهر رجب. PageV02P076 # وقد روى أحمد في المسند من حديث ابن لهيعة، حدثنا موسى بن وردان (1) «عن ~~عبيد الأعرج (2) حدثتني جدتي -يعني الصماء - أنها دخلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم السبت هو يتغدى، فقال: " تعالي تغدي " (3) فقالت: " إني ~~صائمة " فقال لها: " أصمت أمس؟ " قالت: لا، قال: " كلي فإن صيام يوم السبت ~~لا لك ms249 ولا عليك» (4) . وهذا وإن كان إسناده ضعيفا لكن تدل عليه سائر ~~الأحاديث، وعلى هذا فيكون قوله: " لا تصوموا يوم السبت " أي: لا تقصدوا ~~صيامه بعينه إلا في الفرض، فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه ~~إلا صوم يوم السبت، كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت فإنه يصومه ~~وحده. # وأيضا فقصده بعينه في الفرض لا يكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه ~~يكره، ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه أو موافقته عادة، فالمزيل ~~للكراهة في الفرض (5) مجرد كونه فرضا، لا للمقارنة بينه وبين غيره، وأما في ~~النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه، أو موافقته عادة ونحو ذلك. وقد يقال: ~~الاستثناء أخرج بعض صور (6) الرخصة، وأخرج الباقي بالدليل. PageV02P077 # ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة: فعللها ابن عقيل بأنه يوم تمسك فيه ~~اليهود ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، والصائم (1) في مظنة ترك ~~العمل، فيصير صومه تشبها بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد. وعلله طائفة من ~~الأصحاب: بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه، فقصده بالصوم دون غيره يكون ~~تعظيما له، فكره ذلك كما كره إفراد عاشوراء بالتعظيم لما عظمه أهل الكتاب، ~~وإفراد رجب أيضا لما عظمه المشركون، وهذا التعليل قد يعارض بيوم (2) الأحد، ~~فإنه يوم عيد النصارى، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: " اليوم لنا، وغدا ~~لليهود وبعد غد للنصارى " (3) . # وقد يقال: إذا كان يوم عيد، فمخالفتهم فيه بالصوم لا بالفطر، ويدل على ~~ذلك ما رواه كريب مولى ابن عباس قال: «أرسلني ابن عباس، وناس من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة أسألها: أي الأيام كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أكثرها صياما؟ قالت: كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما ~~يصوم من الأيام، ويقول: " إنهما يوما (4) عيد للمشركين، فأنا أحب أن ~~أخالفهم» رواه أحمد والنسائي، وابن أبي عاصم (5) وصححه بعض PageV02P078 # الحفاظ (1) . وهذا نص في استحباب صوم (2) يوم عيدهم لأجل قصد (3) ~~مخالفتهم. # وقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان ms250 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصوم من الشهر: السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء ~~والخميس» رواه الترمذي، وقال: " حديث حسن " (4) قال: " وقد روى ابن مهدي ~~هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه " (5) وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره ~~(6) صوم يوم السبت وحده، وعلل ذلك بأنهم يتركون فيه العمل والصوم مظنة ذلك، ~~فإنه إذا صام السبت والأحد زال الإفراد المكروه، وحصلت المخالفة بصوم يوم ~~فطرهم. PageV02P079 ### | فصل في صوم النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين # فصل وأما النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين، فمن لم (1) يكره ~~صوم يوم السبت من الأصحاب وغيرهم، قد لا يكره صوم ذلك اليوم؛ (2) بل ربما ~~يستحبه لأجل مخالفتهم، وكرههما أكثر الأصحاب (3) وقد قال أحمد في رواية عبد ~~الله: حدثنا وكيع (4) عن سفيان، عن رجل، عن أنس، والحسن: كرها (5) صوم يوم ~~(6) النيروز والمهرجان (7) . قال: (8) أبي: أبان بن أبي (9) عياش (10) ~~-يعني الرجل-، وقد اختلف الأصحاب: هل يدل مثل PageV02P080 # ذلك على مذهبه؟ على وجهين. # وعللوا ذلك بأنهما يومان تعظمهما الكفار، فيكون تخصيصهما بالصيام دون ~~غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما، فكره، كيوم السبت. قال الإمام أبو محمد ~~المقدسي (1) " وعلى قياس هذا؛ كل عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم (2) ~~. # وقد يقال: يكره صوم يوم (3) النيروز والمهرجان ونحوهما من الأيام (4) ~~التي لا تعرف بحساب العرب. بخلاف ما جاء في الحديث من يوم السبت والأحد؛ ~~لأنه إذا قصد صوم مثل هذه الأيام العجمية أو الجاهلية كانت ذريعة إلى إقامة ~~شعار هذه الأيام، وإحياء أمرها، وإظهار حالها، بخلاف السبت والأحد، فإنهما ~~من حساب المسلمين فليس في صومهما مفسدة، فيكون استحباب صوم أعيادهم ~~المعروفة بالحساب العربي الإسلامي، مع كراهة الأعياد المعروفة بالحساب (5) ~~الجاهلي العجمي، توفيقا بين الآثار. والله أعلم. PageV02P081 ### | فصل في سائر الأعياد والمواسم المبتدعة ### | ما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر لوجهين ### | الأول دخول سائر الأعياد والمواسم المبتدعة في مسمى البدع المحدثات # فصل ومن المنكرات في هذا الباب: سائر الأعياد والمواسم المبتدعة، فإنها ~~من المنكرات (1) المكروهات سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم ms251 تبلغه. وذلك أن ~~أعياد أهل الكتاب والأعاجم نهي عنها لسببين: # أحدهما: أن فيها مشابهة الكفار. والثاني: أنها من البدع. # فما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر، وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل ~~الكتاب، لوجهين: # أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع المحدثات (2) فيدخل فيما رواه مسلم في ~~صحيحه عن جابر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت ~~عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم، ~~ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعين السبابة والوسطى، ويقول: ~~أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور ~~محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (3) وفي رواية للنسائي (4) «وكل ضلالة في ~~PageV02P082 # النار» (1) . # وفيما رواه أيضا في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (2) . وفي لفظ في ~~الصحيحين: «من أحدث في أمرنا (هذا) ما ليس منه فهو رد» (3) . # وفي الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن عن العرباض بن سارية (4) عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنه (5) من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا ~~كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا ~~عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (6) . ~~PageV02P083 # وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة ~~عليها أيضا، قال تعالى {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ~~الله} [الشورى: 21] (1) فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله ~~أو بفعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن ~~اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله. # نعم: قد يكون متأولا في هذا الشرع فيغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهدا ~~الاجتهاد الذي يعفى فيه عن المخطئ ويثاب أيضا على اجتهاده، لكن (2) لا يجوز ~~اتباعه في ذلك كما ms252 لا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل قولا أو عملا قد علم ~~الصواب في خلافه، وإن كان القائل أو الفاعل مأجورا أو معذورا، وقد قال ~~سبحانه {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة: ~~31] (3) . # قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله ما عبدوهم قال: ~~ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم» ~~(4) . # فمن أطاع أحدا في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو ~~إيجاب؛ فقد لحقه من هذا الذم نصيب، كما يلحق الآمر الناهي أيضا نصيب، ثم قد ~~يكون كل منهما معفوا عنه لاجتهاده، ومثابا أيضا على PageV02P084 # الاجتهاد (1) فيتخلف عنه الذم لفوات شرطه أو لوجود مانعه، وإن كان ~~المقتضي له قائما. ويلحق الذم من تبين له الحق فتركه، أو من قصر في طلبه ~~حتى لم يتبين له، أو عرض عن طلب معرفته لهوى، أو لكسل (2) أو نحو ذلك. # وأيضا، فإن الله عاب على المشركين شيئين: # أحدهما أنهم أشركوا به (3) ما لم ينزل به سلطانا. # والثاني: تحريمهم ما لم يحرمه الله عليهم. # وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فيما رواه مسلم، عن عياض بن حمار -رضي ~~الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: إني خلقت (4) ~~عبادي حنفاء فاجتالتهم (5) الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن ~~يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (6) . # قال سبحانه {سيقول (7) الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من شيء} [الأنعام: 148] PageV02P085 # (1) فجمعوا بين الشرك والتحريم، والشرك يدخل فيه كل عبادة لم يأذن الله ~~بها، فإن (2) المشركين يزعمون أن عبادتهم إما واجبة، وإما مستحبة، وأن ~~فعلها خير من تركها. # ثم منهم من عبد غير الله ليتقرب بعبادته إلى الله، ومنهم من ابتدع دينا ~~عبدوا به الله في زعمهم كما أحدثته (3) النصارى من أنواع العبادات المحدثة. # وأصل الضلال في ms253 أهل الأرض (4) إنما نشأ من هذين: # إما اتخاذ دين لم يشرعه الله. # أو تحريم ما لم يحرمه الله. # ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم أن ~~أعمال الخلق تنقسم إلى: # عبادات يتخذونها دينا، ينتفعون بها في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة (5) ~~. # وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم (6) . # فالأصل في العبادات: أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله. # والأصل في العادات: أن لا (7) يحظر منها إلا ما حظره الله. # وهذه المواسم المحدثة إنما نهى (8) عنها لما حدث PageV02P086 # فيها (1) من الدين الذي يتقرب به المتقربون (2) كما سنذكره إن شاء الله. # واعلم أن هذه القاعدة، وهي: الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته، قاعدة ~~عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها، وذلك أن من الناس من يقول: البدع ~~تنقسم إلى قسمين: حسنة، وقبيحة؛ بدليل قول عمر -رضي الله عنه- في صلاة ~~التراويح: " نعمت البدعة هذه " (3) وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست بمكروهة، أو هي حسنة؛ للأدلة ~~الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس. # وربما يضم إلى ذلك من لم يحكم أصول العلم، ما عليه كثير من الناس من كثير ~~من العادات ونحوها، فيجعل هذا أيضا من الدلائل على حسن بعض البدع، إما بأن ~~يجعل ما اعتاده هو ومن يعرفه إجماعا، وإن لم يعلم قول سائر المسلمين في ~~ذلك، أو يستنكر تركه لما اعتاده (4) بمثابة من إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما ~~أنزل الله وإلى الرسول قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا. وما أكثر (5) ما ~~قد يحتج بعض من يتميز (6) من المنتسبين إلى علم أو عبادة، بحجج ليست من ~~أصول العلم التي يعتمد في الدين عليها. # والغرض أن هذه النصوص الدالة على ذم البدع معارضة بما دل على PageV02P087 # حسن بعض البدع، إما من الأدلة (1) الشرعية الصحيحة، أو من حجج بعض الناس ~~التي يعتمد عليها بعض الجاهلين (2) أو المتأولين في الجملة. ثم هؤلاء ~~المعارضون لهم هنا مقامان: # أحدهما: أن يقولوا إذا ثبت أن بعض ms254 البدع حسن وبعضها قبيح، فالقبيح ما نهى ~~عنه الشارع، وما سكت عنه من البدع فليس بقبيح، بل قد يكون حسنا، فهذا مما ~~قد يقوله بعضهم. # المقام الثاني: أن يقال عن بدعة معينة (3) هذه بدعة حسنة؛ لأن (4) فيها ~~من المصلحة كيت وكيت، وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة. # والجواب: أما القول إن شر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة ~~في النار، والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نص رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلا يحل (5) لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته ~~فهو مراغم. # وأما المعارضات، فالجواب عنها بأحد جوابين: إما أن يقال: إن ما ثبت حسنه ~~فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظا لا خصوص فيه. # وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم، والعام المخصوص دليل ~~فيما عدا صورة التخصيص، فمن اعتقد أن بعض البدع مخصوص من هذا العموم، احتاج ~~إلى دليل يصلح للتخصيص، وإلا كان ذلك PageV02P088 # العموم اللفظي المعنوي موجبا للنهي، ثم المخصص هو الأدلة الشرعية من ~~الكتاب والسنة والإجماع، نصا واستنباطا، وأما عادة بعض البلاد أو أكثرها، ~~أو قول كثير من العلماء أو العباد أو أكثرهم، ونحو ذلك، فليس مما يصلح أن ~~يكون معارضا لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يعارض به. # ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها، بناء على أن ~~الأمة أقرتها، ولم تنكرها (1) فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا ~~يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة، وما يجوز ~~دعوى الإجماع بعمل بلد أو بلاد من بلاد المسلمين، فكيف بعمل طوائف منهم؟ # وإذا كان أكثر أهل العلم لم يعتمدوا على عمل علماء أهل المدينة وإجماعهم ~~في (2) عصر مالك، بل رأوا السنة حجة عليهم كما هي حجة على غيرهم مع ما ~~أوتوه من العلم والإيمان، فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات أكثر من ~~اعتادها عامة، أو من قيدته العامة، أو قوم مترئسون بالجهالة، لم يرسخوا في ms255 ~~العلم، لا يعدون من أولي الأمر، ولا يصلحون للشورى؟ ولعلهم لم يتم إيمانهم ~~بالله وبرسوله (3) أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل عن ~~غير روية، أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكونوا فيها بمنزلة المجتهدين من ~~الأئمة والصديقين. PageV02P089 # والاحتجاج بمثل هذه الحجج، والجواب عنها معلوم: أنه ليس طريقة أهل العلم، ~~لكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق كثير من الناس، حتى من المنتسبين ~~إلى العلم والدين، وقد يبدي ذو العلم و (1) الدين له فيها مستندا آخر من ~~الأدلة الشرعية، والله يعلم أن قوله بها وعمله لها (2) ليس مستندا (3) إلى ~~ما أبداه من الحجة الشرعية، وإن كانت شبهة، وإنما هو مستند إلى أمور ليست ~~مأخوذة عن الله ورسوله، من أنواع المستندات التي يستند إليها غير أولي ~~العلم والإيمان، وإنما يذكر الحجة الشرعية حجة على غيره، ودفعا لمن يناظره. # والمجادلة المحمودة إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند ~~الأقوال والأعمال، وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول ~~والعمل، فنوع من النفاق في العلم والجدل، والكلام والعمل. # وأيضا، فلا يجوز حمل قوله صلى الله عليه وسلم: " كل بدعة ضلالة " على ~~البدعة التي نهى عنها بخصوصها؛ لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث، فإن ما ~~نهى عنه من الكفر والفسوق وأنواع المعاصي، قد علم بذلك النهي أنه قبيح (4) ~~محرم، سواء كان بدعة، أو لم يكن بدعة، فإذا كان لا منكر في (5) الدين إلا ~~ما نهى عنه بخصوصه، سواء كان مفعولا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو لم يكن، وما نهى عنه فهو منكر، سواء كان بدعة أو لم يكن، صار وصف البدعة ~~عديم التأثير، PageV02P090 # لا يدل وجوده على القبح، ولا عدمه على الحسن، بل يكون قوله: «كل بدعة ~~ضلالة» بمنزلة قوله: كل عادة ضلالة. أو: كل ما عليه العرب والعجم فهو ~~ضلالة، ويراد بذلك: أن ما نهى عنه من ذلك فهو الضلالة. . وهذا تعطيل للنصوص ~~من نوع التحريف والإلحاد، وليس من نوع ms256 التأويل السائغ، وفيه من المفاسد ~~أشياء: # أحدها: سقوط الاعتماد على هذا الحديث، فإنما علم أنه منهي عنه بخصوصه، ~~فقد علم حكمه (1) بذلك النهي، وما لم يعلم لا يندرج في هذا الحديث، فلا ~~يبقى في هذا الحديث فائدة! مع كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب به في ~~الجمع، ويعده من جوامع الكلم. # الثاني: أن لفظ البدعة ومعناها يكون اسما عديم التأثير، فتعليق الحكم ~~بهذا اللفظ أو المعنى، تعليق له بما لا تأثير له، كسائر الصفات العديمة ~~التأثير. # الثالث: أن الخطاب بمثل هذا، إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر- وهو كونه ~~منهيا عنه- كتمان لما يجب بيانه، وبيان لما لم (2) يقصد ظاهره، فإن البدعة ~~والنهي الخاص بينهما عموم وخصوص، إذ ليس كل بدعة عنها (3) نهي (4) خاص، ~~وليس كل ما فيه (5) نهي خاص بدعة، فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس ~~محض، لا يسوغ للمتكلم، إلا أن يكون مدلسا، كما لو قال: (الأسود) ، وعنى به ~~الفرس، أو: الفرس، وعنى به الأسود. PageV02P091 # الرابع: (1) أن قوله «كل بدعة ضلالة» ، وإياكم ومحدثات الأمور، إذا أراد ~~بهذا ما فيه نهي خاص، كان قد أحالهم في معرفة المراد بهذا الحديث على ما لا ~~يكاد يحيط به أحد، ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة، ومثل هذا لا يجوز بحال. # الخامس: أنه إذا أريد به ما فيه النهي الخاص، كان ذلك أقل مما ليس فيه ~~نهي خاص من البدع، فإنك لو (2) تأملت البدع التي نهى (3) عنها بأعيانها، ~~وما لم ينه (4) عنها بأعيانها، وجدت هذا الضرب هو الأكثر، واللفظ العام لا ~~يجوز أن يراد به الصور القليلة أو النادرة. # فهذه الوجوه وغيرها: توجب القطع بأن هذا التأويل فاسد، لا يجوز حمل ~~الحديث عليه، سواء أراد المتأول أن (5) يعضد التأويل بدليل صارف، أو لم ~~يعضد، فإن على المتأول (6) بيان جواز إرادة المعنى الذي حمل الحديث عليه، ~~من ذلك الحديث، ثم بيان الدليل الصارف له إلى ذلك. # وهذه الوجوه تمنع جواز إرادة هذا المعنى بالحديث. فهذا الجواب عن مقامهم ~~الأول. # وأما مقامهم الثاني فيقال: ms257 هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح، فهذا القدر ~~لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالا على قبح الجميع، لكن أكثر ما يقال: إنه ~~إذا ثبت أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم، وإلا فالأصل أن كل بدعة ~~PageV02P092 # ضلالة، فقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض به من أنه حسن، وهو بدعة: إما ~~أنه ليس ببدعة، وإما أنه مخصوص، فقد سلمت دلالة الحديث. وهذا الجواب إنما ~~هو عما ثبت حسنه، فأما أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة، أو أمور ~~يجوز أن تكون حسنة، ويجوز أن لا تكون حسنة، فلا تصلح المعارضة بها، بل يجاب ~~عنها بالجواب المركب، وهو: إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة، أو يكون ~~مخصوصا، وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في العموم. # وإذا عرفت أن (1) الجواب عن هذه المعارضة بأحد الجوابين، فعلى التقديرين: ~~الدلالة من الحديث باقية، لا ترد بما ذكروه (2) ولا يحل لأحد أن يقابل هذه ~~الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلية، وهي قوله: «كل ~~بدعة ضلالة» بسلب عمومها، وهو أن يقال ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى ~~مشاقة الرسول (3) أقرب منه إلى التأويل، بل الذي يقال فيما يثبت به حسن ~~الأعمال التي قد يقال هي بدعة: إن هذا العمل المعين مثلا ليس ببدعة، فلا ~~يندرج في الحديث، أو إن اندرج لكنه مستثنى من هذا العموم لدليل كذا وكذا، ~~الذي هو أقوى من العموم، مع أن الجواب الأول أجود، وهذا الجواب فيه نظر، ~~فإن قصد التعميم المحيط ظاهر من (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه ~~الكلمة الجامعة، فلا يعدل عن مقصوده (5) بأبي هو وأمي -عليه الصلاة ~~والسلام-. # فأما صلاة التراويح، فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول PageV02P093 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، فإنه قال: «إن الله فرض عليكم صيام ~~رمضان، وسننت لكم قيامه» (1) ولا صلاتها جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، ~~بل قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ms258 الجماعة في أول شهر رمضان ~~ليلتين، بل ثلاثا (2) وصلاها أيضا في العشر الأواخر في جماعة مرات (3) ~~وقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» (4) كما ~~قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح (5) رواه أهل السنن. وبهذا الحديث احتج ~~أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال (6) الانفراد، ~~وفي قوله هذا ترغيب PageV02P094 # لقيام شهر رمضان خلف الإمام، وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس ~~يصلونها جماعات (1) في المسجد على عهده صلى الله عليه وسلم ويقرهم، وإقراره ~~سنة منه صلى الله عليه وسلم. # وأما قول عمر: " نعمت البدعة هذه " (2) فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن ~~نثبت حكما بقول عمر الذي لم يخالف فيه؛ لقالوا: قول الصاحب (3) ليس بحجة، ~~فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ # ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة، فلا يعتقده إذا خالف الحديث. # فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب. نعم، يجوز تخصيص عموم ~~الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف، على إحدى (4) الروايتين، فيفيدهم هذا ~~حسن تلك البدعة، أما غيرها فلا. # ثم نقول: أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك: بدعة، مع حسنها، وهذه تسمية ~~لغوية، لا تسمية شرعية، وذلك أن (5) البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء ~~من غير مثال سابق. # وأما البدعة الشرعية: فما (6) لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا كان نص رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد دل على استحباب فعل أو إيجابه (7) بعد موته أو ~~دل عليه مطلقا، ولم يعمل به إلا بعد موته، ككتاب الصدقة، الذي أخرجه أبو ~~بكر PageV02P095 # -رضي الله عنه- فإذا عمل (1) ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في ~~اللغة؛ لأنه عمل مبتدأ (2) كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي صلى الله ~~عليه وسلم يسمى بدعة ويسمى محدثا في اللغة، كما قالت رسل قريش للنجاشي (3) ~~عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين إلى الحبشة: " إن هؤلاء خرجوا ~~من دين ms259 آبائهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاءوا بدين محدث لا يعرف " (4) . # ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة: ليس بدعة في الشريعة، وإن سمي ~~بدعة في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة. وقد ~~علم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة» (5) لم يرد به كل ~~(6) عمل مبتدأ، فإن (7) دين الإسلام، بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل ~~مبتدأ، وإنما أراد: ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو صلى الله عليه ~~وسلم. # وإذا كان كذلك: فالنبي صلى الله عليه وسلم قد كانوا يصلون قيام رمضان على ~~عهده جماعة وفرادى؛ وقد قال لهم في الليلة الثالثة، PageV02P096 # أو الرابعة (1) لما اجتمعوا: "إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن ~~تفرض عليكم، فصلوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة" ~~(2) فعلل صلى الله عليه وسلم عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن ~~المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم. # فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، ~~فصارت هذه الهيئة وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج عملا لم ~~يكونوا يعملونه من قبل؛ فسمي بدعة؛ لأنه في اللغة يسمى بذلك، ولم (3) يكن ~~بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض، وخوف ~~الافتراض قد زال بموته صلى الله عليه وسلم فانتفى المعارض. # وهكذا جمع القرآن، فإن المانع من جمعه على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان أن الوحي كان لا يزال ينزل، فيغير (4) الله ما يشاء ويحكم ما ~~يريد، فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر ~~القرآن بموته صلى الله عليه وسلم واستقرت الشريعة بموته صلى الله عليه وسلم ~~أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم، ~~والمقتضي للعمل قائم بسنته صلى الله عليه وعلى آله PageV02P097 # وسلم، فعمل المسلمون (1) بمقتضى سنته، وذلك العمل من سنته، وإن ms260 كان يسمى ~~في اللغة بدعة. وصار هذا كنفي عمر رضي الله عنه ليهود خيبر ونصارى نجران ~~ونحوهما من أرض العرب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عهد بذلك في مرضه ~~فقال: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب» (2) وإنما لم ينفذه أبو بكر ~~رضي الله عنه لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة وبشروعه في قتال فارس والروم، ~~وكذلك عمر لم يمكنه فعله في أول الأمر لاشتغاله بقتال فارس والروم، فلما ~~تمكن من ذلك فعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. # وإن كان هذا الفعل قد يسمى بدعة في اللغة كما قال له اليهود (3) "كيف ~~تخرجنا وقد أقرنا أبو القاسم". وكما جاءوا إلى علي (4) رضي الله عنه في ~~خلافته فأرادوا منه إعادتهم وقالوا: "كتابك بخطك" (5) فامتنع من ذلك؛ لأن ~~PageV02P098 # ذلك الفعل (1) كان بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان محدثا ~~بعده، ومغيرا لما فعله هو صلى الله عليه وسلم. # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا العطاء ما كان عطاء، فإذا كان عوضا ~~عن دين أحدكم فلا تأخذوه» (2) فلما صار الأمراء يعطون مال الله لمن (3) ~~يعينهم على أهوائهم وإن كانت معصية، كان من امتنع من أخذه متبعا لسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ترك قبول العطاء من أولي الأمر محدثا، ~~لكن لما أحدثوا هم (4) أحدث لهم حكم آخر بسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وكذلك دفعه إلى أهبان بن صيفي (5) سيفا وقوله له: «قاتل به المشركين، ~~فإذا رأيت المسلمين قد اقتتلوا فاكسره» (6) فإن كسره لسيفه وإن كان محدثا ~~حيث لم يكن المسلمون يكسرون سيوفهم على PageV02P099 # عهد (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هو بأمره صلى الله عليه وسلم. # ومن هذا الباب قتال أبي بكر لمانعي الزكاة، فإنه وإن كان بدعة لغوية من ~~حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل أحدا على إيتاء الزكاة فقط، لكن ~~لما قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول الله، ms261 فإذا قالوا (2) ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، ~~وحسابهم على الله» (3) وقد علم أن الزكاة من حقها (4) فلم تعصم (5) من منع ~~الزكاة كما بينه في الحديث الآخر الصحيح «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» (6) وهذا باب واسع. # والضابط في هذا والله أعلم أن يقال: إن الناس لا يحدثون شيئا إلا لأنهم ~~(7) يرونه مصلحة إذ لو (8) اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه فإنه لا يدعو إليه ~~PageV02P100 # عقل ولا دين فما رآه الناس (1) مصلحة نظر في السبب المحوج إليه: فإن كان ~~السبب المحوج إليه أمرا حدث (2) بعد النبي صلى الله عليه وسلم من (3) غير ~~تفريط منا، فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن "كان المقتضي ~~لفعله قائما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن تركه النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمعارض زال بموته. # وأما ما لم يحدث سبب (4) يحوج إليه أو (5) كان السبب المحوج إليه بعض ~~ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودا، لو كان مصلحة ولم يفعل، يعلم أنه ليس ~~بمصلحة. وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق فقد يكون ~~مصلحة. # ثم هنا للفقهاء طريقان: أحدهما: أن ذلك يفعل ما لم ينه عنه، وهذا قول ~~القائلين بالمصالح المرسلة. # والثاني: أن ذلك لا يفعل إن لم (6) يؤمر به: وهو قول من لا يرى إثبات ~~الأحكام بالمصالح المرسلة، وهؤلاء ضربان: # منهم من لا يثبت الحكم، إن لم يدخل في لفظ (7) كلام الشارع، أو فعله، أو ~~إقراره، وهم نفاة القياس. PageV02P101 # ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه وهم القياسيون (1) . # فأما ما (2) كان المقتضي لفعله موجودا لو كان مصلحة، وهو مع هذا لم ~~يشرعه، فوضعه تغيير لدين الله، وإنما دخل (3) فيه من نسب إلى تغيير الدين، ~~من الملوك والعلماء والعباد، أو من زل منهم باجتهاد، كما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وغير واحد ms262 من الصحابة: «إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم، ~~وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون» (4) . # فمثال هذا القسم: الأذان في العيدين، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء، ~~أنكره المسلمون لأنه بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلا على كراهته، وإلا ~~لقيل: هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات. كقوله ~~تعالى: {اذكروا الله ذكرا كثيرا} [الأحزاب: 41] (5) وقوله تعالى: {ومن أحسن ~~قولا ممن دعا إلى الله} [فصلت: 33] (6) PageV02P102 # أو يقاس على الأذان في الجمعة، فإن الاستدلال على (1) حسن الأذان في ~~العيدين، أقوى من الاستدلال على حسن أكثر البدع. بل يقال: ترك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مع وجود ما يعتقد مقتضيا، وزوال المانع، سنة، كما أن ~~فعله سنة. فلما أمر بالأذان في الجمعة، وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة، ~~كان ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك ~~كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات، أو صيام الشهر، أو الحج، فإن ~~رجلا لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال: هذا زيادة عمل صالح، لم يكن له ~~ذلك. وكذلك لو أراد أن ينصب مكانا آخر يقصد لدعاء الله فيه وذكره، لم يكن ~~له ذلك، وليس له أن يقول: هذه بدعة حسنة، بل يقال له كل بدعة ضلالة. # ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهيا خاصا عنها، أو نعلم ما فيها من ~~المفسدة. فهذا مثال لما حدث، مع قيام المقتضي له، وزوال المانع لو كان ~~خيرا. فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة، أو يستدل به من الأدلة، قد ~~(2) كان ثابتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا لم يفعله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الترك سنة خاصة، مقدمة على كل (3) عموم ~~وكل قياس. # ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدع بتفريط من الناس: تقديم الخطبة على ~~الصلاة في العيدين، فإنه لما فعله بعض الأمراء (4) أنكره المسلمون لأنه ~~PageV02P103 # بدعة، واعتذر من أحدثه بأن الناس قد صاروا ms263 ينفضون قبل سماع الخطبة، ~~وكانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفضون حتى يسمعوا، أو ~~أكثرهم. # فيقال له: سبب هذا تفريطك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطبهم خطبة ~~يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم، وأنت قصدك إقامة رياستك، أو إن قصدت ~~صلاح دينهم، فلا (1) تعلمهم ما ينفعهم، فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث ~~معصية أخرى، بل الطريق في (2) ذلك أن تتوب إلى الله، وتتبع سنة نبيه، وقد ~~استقام الأمر، وإن لم يستقم فلا يسألك الله إلا عن عملك، لا عن عملهم. # وهذان المعنيان من فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع الحادثة، فإنه قد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا نزع الله ~~عنهم من السنة مثلها» (3) وقد أشرت إلى هذا المعنى فيما تقدم، وبينت أن ~~الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل (4) ~~للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث. # وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعا من السياسات الجائرة من أخذ أموال لا ~~يجوز أخذها، وعقوبات على الجرائم لا تجوز؛ لأنهم فرطوا في المشروع من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، ووضعوه حيث يسوغ ~~وضعه، طالبين بذلك إقامة دين الله، لا رياسة نفوسهم، وأقاموا الحدود ~~المشروعة على الشريف والوضيع، والقريب والبعيد، متحرين في ترغيبهم وترهيبهم ~~للعدل الذي شرعه الله -لما احتاجوا إلى PageV02P104 # المكوس (1) الموضوعة، ولا إلى العقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من ~~العبيد والمستعبدين، كما كان الخلفاء الراشدون، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ~~من أمراء بعض الأقاليم. # وكذلك العلماء: إذا أقاموا كتاب الله وفقهوا ما فيه من البينات التي هي ~~حجج الله، وما فيه من الهدى، الذي هو العلم النافع والعمل الصالح، وأقاموا ~~حكمة الله التي بعث (2) بها رسوله صلى الله عليه وسلم -وهي سنته- لوجدوا ~~فيها من أنواع العلوم النافعة ما يحيط بعلم عامة الناس، ولميزوا (3) حينئذ ~~بين المحق والمبطل من جميع الخلق، بوصف الشهادة التي (4) جعلها الله لهذه ms264 ~~الأمة، حيث يقول عز وجل: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} ~~[البقرة: 143] (5) ولاستغنوا بذلك عما ابتدعه المبتدعون، من الحجج الفاسدة، ~~التي يزعم الكلاميون (6) أنهم ينصرون بها أصل الدين، ومن الرأي الفاسد الذي ~~يزعم القياسيون (7) أنهم يتمون (8) به فروع (9) الدين، وما كان من الحجج ~~صحيحا ومن الرأي سديدا، فذلك له أصل في كتاب الله PageV02P105 # وسنة رسوله، فهمه من فهمه، وحرمه من حرمه. # وكذلك العباد: إذا تعبدوا بما شرع من الأقوال والأعمال ظاهرا وباطنا، ~~وذاقوا طعم الكلم الطيب، والعمل الصالح الذي بعث الله به (1) رسوله، وجدوا ~~في ذلك من الأحوال الزكية، والمقامات العلية، والنتائج العظيمة، ما يغنيهم ~~عما قد يحدث في نوعه: كالتغيير ونحوه، من السماعات المبتدعة، الصارفة عن ~~سماع القرآن، وأنواع من الأذكار والأوراد، لفقها بعض الناس. أو في قدره: ~~كزيادات من التعبدات، أحدثها من أحدثها لنقص تمسكه بالمشروع منها، وإن كان ~~كثير من العلماء والعباد، بل والأمراء (2) معذورا فيما أحدثه لنوع اجتهاد. # فالغرض أن يعرف الدليل الصحيح، وإن كان التارك له قد يكون معذورا ~~لاجتهاده، بل قد يكون صديقا عظيما، فليس من شرط الصديق أن يكون قوله كله ~~صحيحا، وعمله كله سنة، إذ كان يكون بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا ~~باب واسع. # والكلام في أنواع البدع وأحكامها وصفاتها، لا يتسع له هذا الكتاب، وإنما ~~الغرض التنبيه على ما يزيل شبهة المعارضة للحديث الصحيح، الذي ذكرناه (3) ~~والتعريف بأن النصوص الدالة على ذم البدع، مما يجب العمل بها. ### | الثاني اشتمالها الفساد في الدين # والوجه الثاني (4) في ذم المواسم والأعياد المحدثة: ما تشتمل عليه من ~~الفساد في الدين. واعلم أنه ليس كل أحد، بل ولا أكثر الناس يدرك فساد هذا ~~النوع من البدع، لا سيما إذا كان من جنس العبادات المشروعة، بل أولو ~~الألباب هم الذين يدركون بعض ما فيه من الفساد. PageV02P106 # والواجب على الخلق: اتباع الكتاب والسنة، وإن لم يدركوا ما في ذلك من ~~المصلحة والمفسدة، فننبه على بعض مفاسدها، فمن ذلك: # أن من أحدث عملا في يوم: ms265 كإحداث صوم أول خميس من رجب، والصلاة في ليلة ~~تلك (1) الجمعة، التي يسميها الجاهلون: "صلاة الرغائب" (2) مثلا. وما يتبع ~~ذلك، من إحداث أطعمة وزينة، وتوسيع في النفقة، ونحو ذلك؛ فلا بد أن يتبع ~~هذا العمل اعتقاد في القلب. وذلك لأنه لا بد (3) أن يعتقد أن هذا اليوم ~~أفضل من أمثاله، وأن الصوم فيه مستحب استحبابا زائدا على الخميس الذي قبله ~~وبعده مثلا، وأن هذه الليلة أفضل من غيرها من الجمع، وأن الصلاة فيها أفضل ~~من الصلاة في غيرها من ليالي الجمع خصوصا، وسائر الليالي عموما، إذ لولا ~~قيام هذا الاعتقاد في قلبه، أو في قلب متبوعه لما انبعث القلب لتخصيص هذا ~~اليوم والليلة، فإن الترجيح من غير مرجح ممتنع. # وهذا المعنى قد شهد له الشرع بالاعتبار في هذا الحكم، ونص على تأثيره فهو ~~من المعاني المناسبة المؤثرة، فإن مجرد المناسبة مع الاقتران، يدل على ~~العلة عند من يقول بالمناسب القريب وهم (4) كثير من الفقهاء، من أصحابنا ~~وغيرهم. ومن لا يقول إلا بالمؤثرة فلا يكتفي بمجرد المناسبة، حتى يدل الشرع ~~على أن مثل ذلك الوصف مؤثر في مثل ذلك الحكم، وهو قول كثير من الفقهاء ~~أيضا، من أصحابنا وغيرهم. وهؤلاء إذا رأوا الحكم المنصوص فيه معنى قد أثر ~~في مثل ذلك الحكم في موضع آخر، عللوا ذلك الحكم المنصوص به. PageV02P107 # وهنا قول ثالث قاله كثير من الفقهاء من أصحابنا، وغيرهم أيضا. وهو: أن ~~الحكم المنصوص لا يعلل إلا بوصف دل الشرع على أنه معلل به، ولا يكتفى بكونه ~~علل به (1) نظيره أو نوعه. # وتلخيص الفرق بين الأقوال الثلاثة: أنا إذا رأينا الشارع قد نص على ~~الحكم، ودل على علته، كما قال (2) في الهرة: «إنها ليست بنجس، إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات» (3) فهذه العلة تسمى المنصوصة، أو المومى إليها، ~~علمت مناسبتها أو لم تعلم فيعمل بموجبها باتفاق الطوائف الثلاث، وإن ~~اختلفوا: هل يسمى هذا قياسا أو لا يسمى؟ # ومثاله في كلام الناس، ما لو قال السيد لغلامه: لا تدخل داري فلانا، فإنه ms266 ~~مبتدع، أو فإنه أسود، ونحو ذلك، فإنه يفهم منه أنه لا يدخل داره من كان ~~مبتدعا، أو من كان أسود، وهو نظير أن يقول: لا تدخل داري مبتدعا ولا أسود. ~~ولهذا نعمل نحن بمثل هذا في باب الأيمان، فلو قال: لا لبست هذا الثوب الذي ~~يمن به علي (4) حنث بما كانت منته مثل منته، وهو يمنه (5) ونحو ذلك. ~~PageV02P108 # وأما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم ولم يذكر علته، لكن قد ذكر علة نظيره، ~~أو نوعه. مثل: أنه جوز للأب أن يزوج ابنته الصغيرة البكر بلا إذنها. وقد ~~رأيناه جوز له الاستيلاء على مالها لكونها صغيرة، فهل (1) يعتقد أن علة ~~ولاية النكاح هي الصغر -مثلا-؟ كما أن ولاية المال كذلك، أم نقول: بل قد ~~يكون للنكاح علة أخرى، وهي البكارة، -مثلا-؟ فهذه العلة هي المؤثرة، أي قد ~~بين الشارع تأثيرها في حكم منصوص، وسكت عن بيان تأثيرها في نظير ذلك الحكم. ~~فالفريقان الأولان يقولان بها، وهو في الحقيقة إثبات للعلة (2) بالقياس، ~~فإنه يقول كما أن هذا الوصف أثر في الحكم في ذلك المكان، كذلك يؤثر في هذا ~~المكان. # والفريق الثالث لا يقول بها، إلا بدلالة خاصة، لجواز أن يكون النوع ~~الواحد من الأحكام له علل مختلفة. ومن هذا النوع: أنه صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، أو يستام (3) الرجل على سوم أخيه، أو ~~يخطب الرجل على خطبة أخيه (4) . فيعلل ذلك بما فيه من فساد ذات البين، كما ~~علل به في قوله: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، فإنكم إذا ~~فعلتم ذلك PageV02P109 # قطعتم أرحامكم» (1) وإن كان هذا المثال يظهر التعليل فيه، ما لا يظهر في ~~الأول، فإنما ذاك لأنه لا يظهر فيه وصف مناسب للنهي إلا هذا. # والسبر دليل خاص على العلة، ونظيره من كلام الناس أن يقول: لا تعط هذا ~~الفقير؛ فإنه مبتدع، ثم يسأله فقير آخر مبتدع، فيقول: لا تعطه، وقد (2) ~~يكون ذلك الفقير عدوا له (3) فهل يحكم بأن العلة هي البدعة، ms267 أم يتردد لجواز ~~أن تكون العلة هي العداوة؟ . # وأما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم، ورأينا فيه وصفا مناسبا له، لكن ~~الشارع لم يذكر تلك العلة، ولا علل بها نظير ذلك الحكم في موضع آخر، فهذا ~~هو الوصف المناسب الغريب؛ لأنه لا نظير له في الشرع، ولا دل كلام الشارع ~~وإيماؤه عليه. فيجوز اتباعه الفريق الأول. ونفاه الآخران، وهذا إدراك لعلة ~~الشارع بنفس عقولنا من غير دلالة منه، كما أن الذي قبله إدراك لعلته بنفس ~~القياس على كلامه. والأول إدراك لعلته بنفس كلامه. ومع هذا: فقد تعلم علة ~~الحكم المعين بالسبر (4) وبدلالات أخرى. PageV02P110 # فإذا ثبتت هذه الأقسام فمسألتنا من باب العلة المنصوصة في موضع، المؤثرة ~~في موضع آخر. وذلك: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص أوقات بصلاة ~~أو بصيام، وأباح ذلك إذا لم يكن على وجه التخصيص". فروى مسلم في صحيحه عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تخصوا (1) ~~ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين ~~الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» (2) . # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ~~يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا يوما قبله أو (3) بعده» (4) وهذا لفظ البخاري. # وروى البخاري عن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا. قال: ~~أتريدين أن تصومي غدا؟ قالت: لا. قال: فأفطري» (5) . # وفي الصحيحين عن محمد بن عباد بن جعفر (6) قال: "سألت جابر بن ~~PageV02P111 # عبد الله، وهو يطوف بالبيت: أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام ~~يوم الجمعة؟ قال: نعم ورب هذا البيت"؛ وهذا (1) لفظ مسلم. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~تصوموا يوم الجمعة وحده» رواه الإمام أحمد (2) . # ومثل هذا ما (3) أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه ms268 عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم (4) أو يومين، ~~إلا أن يكون رجل كان (5) يصوم صومه (6) فليصم ذلك اليوم» (7) . اللفظ ~~للبخاري (8) . أي يصوم عادته. # فوجه الدلالة: أن الشارع قسم الأيام باعتبار الصوم ثلاثة أقسام: # * قسم شرع تخصيصه بالصيام: إما إيجابا كرمضان، وإما استحبابا: كيوم عرفة ~~وعاشوراء. # * وقسم نهى عن صومه مطلقا: كيوم العيدين. PageV02P112 # * وقسم إنما نهي عن تخصيصه: كيوم الجمعة، وسرر (1) شعبان. # فهذا النوع لو صيم مع غيره لم يكره، فإذا خصص بالفعل نهي عن ذلك، سواء ~~قصد الصائم التخصيص أو (2) لم يقصده، وسواء اعتقد الرجحان، أو لم يعتقده. # ومعلوم أن مفسدة هذا العمل لولا أنها موجودة في التخصيص دون غيره، لكان ~~إما أن ينهى عنه مطلقا: كيوم العيد، أو لا ينهى عنه كيوم عرفة (3) وعاشوراء ~~(4) وتلك المفسدة ليست موجودة في سائر الأوقات (5) وإلا لم يكن للتخصيص ~~بالنهي فائدة. # فظهر أن المفسدة تنشأ من تخصيص ما لا خصيصة له، كما أشعر به لفظ الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، فإن نفس الفعل المنهي عنه، أو المأمور به، قد يشتمل ~~على حكمة الأمر أو النهي، كما في قوله: «خالفوا المشركين» (6) . # فلفظ النهي عن الاختصاص لوقت بصوم أو صلاة يقتضي أن الفساد ناشئ من جهة ~~الاختصاص. فإذا كان يوم الجمعة يوما فاضلا، يستحب فيه من الصلاة والدعاء ~~والذكر والقراءة والطهارة والطيب والزينة ما لا يستحب في غيره-كان ذلك في ~~مظنة أن يتوهم أن صومه أفضل من غيره (7) ويعتقد أن قيام ليلته كالصيام في ~~نهاره، لها فضيلة على قيام غيرها من الليالي، فنهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن التخصيص دفعا لهذه المفسدة، التي لا تنشأ إلا من التخصيص. ~~PageV02P113 # وكذلك تلقي رمضان، قد يتوهم أن فيه فضلا، لما فيه من الاحتياط للصوم، ولا ~~فضل فيه في الشرع، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقيه لذلك. # وهذا المعنى موجود في مسألتنا، فإن الناس قد (1) يخصون هذه المواسم ~~لاعتقادهم فيها فضيلة. ومتى كان تخصيص الوقت بصوم، أو بصلاة، قد ms269 يقترن ~~باعتقاد فضل ذلك، ولا فضل فيه، نهي عن التخصيص، إذ لا ينبعث التخصيص إلا عن ~~اعتقاد الاختصاص. # ومن قال: إن الصلاة أو الصوم في هذه الليلة كغيرها، هذا اعتقادي ومع ذلك ~~فأنا (2) أخصها، فلا بد أن يكون باعثه: إما موافقة (3) غيره، وإما اتباع ~~العادة، وإما خوف اللوم له، ونحو ذلك، وإلا فهو كاذب. # فالداعي (4) إلى هذا العمل لا يخلو قط من أن يكون ذلك الاعتقاد الفاسد ~~(5) أو باعثا آخر غير ديني، وذلك الاعتقاد ضلال. فإنا قد علمنا يقينا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر الأئمة، لم يذكروا في فضل هذا ~~اليوم والليلة ولا في فضل صومه بخصوصه، وفضل قيامها بخصوصها حرفا واحدا. ~~وأن الحديث المأثور فيها موضوع، وأنها إنما حدثت في الإسلام بعد المائة ~~الرابعة، ولا يجوز -والحال هذه- أن يكون لها فضل، لأن ذلك الفضل إن لم ~~يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه ولا التابعون، ولا سائر ~~الأئمة، امتنع أن نعلم نحن من الدين الذي يقرب إلى الله ما لم يعلمه النبي ~~صلى الله عليه وسلم، والصحابة، والتابعون وسائر الأئمة. PageV02P114 # وإن علموه امتنع، مع توفر دواعيهم على العمل الصالح، وتعليم (1) الخلق، ~~والنصيحة لهم-: أن لا يعلموا أحدا بهذا الفضل ولا يسارع إليه واحد منهم. ~~فإذا كان هذا الفضل المدعى، مستلزما لعدم علم الرسول وخير القرون ببعض دين ~~الله، أو لكتمانهم وتركهم ما تقتضي شريعتهم وعاداتهم، أن لا يكتموه ولا ~~يتركوه، وكل واحد من اللازمين منتف: إما بالشرع وإما بالعادة مع الشرع- علم ~~انتفاء الملزوم، وهو الفضل المدعى. # العمل المبتدع -كالأعياد المحدثة- يستلزم لاعتقاد ضلال وفعل ما لا يجوز ~~ثم هذا العمل المبتدع مستلزم: إما لاعتقاد هو ضلال في الدين، أو عمل دين ~~لغير الله سبحانه، والتدين بالاعتقادات الفاسدة، أو التدين لغير الله- لا ~~يجوز. # فهذه البدع -وأمثالها- مستلزمة قطعا، أو ظاهرا لفعل ما لا يجوز. فأقل ~~أحوال المستلزم -إن لم يكن محرما- أن يكون مكروها، وهذا المعنى سار في سائر ~~البدع المحدثة. ثم هذا الاعتقاد يتبعه أحوال في القلب: من ms270 التعظيم، ~~والإجلال، وتلك الأحوال أيضا باطلة، ليست من دين الله. # ولو فرض أن الرجل قد يقول: أنا لا أعتقد الفضل فلا يمكنه مع التعبد أن ~~يزيل الحال الذي في قلبه، من التعظيم والإجلال، والتعظيم والإجلال لا ينشأ ~~إلا بشعور من جنس الاعتقاد، ولو أنه وهم، أو ظن أن هذا أمر ضروري، فإن ~~النفس لو خلت عن الشعور بفضل الشيء امتنع مع ذلك أن تعظمه، ولكن قد تقوم ~~بها خواطر متقابلة. فهو من (2) حيث اعتقاده أنه بدعة، يقتضي منه ذلك عدم ~~تعظيمه. ومن حيث شعوره بما روى فيه، أو بفعل الناس له، أو بأن فلانا وفلانا ~~(3) فعلوه، أو بما يظهر له فيه من المنفعة- يقوم بقلبه PageV02P115 # عظمته (1) . فعلمت أن فعل هذه البدع يناقض الاعتقادات الواجبة، وينازع ~~الرسل ما جاءوا به عن الله. وأنها تورث القلب نفاقا، ولو كان نفاقا خفيفا. # ومثلها مثل أقوام كانوا يعظمون أبا جهل، أو عبد الله بن أبي (2) لرياسته ~~وماله ونسبه، وإحسانه إليهم، وسلطانه عليهم، فإذا ذمه الرسول أو بين نقصه، ~~أو أمر بإهانته أو قتله، فمن لم يخلص إيمانه، وإلا يبقى (3) في قلبه منازعة ~~بين طاعة الرسول التابعة لاعتقاده الصحيح، واتباع ما في نفسه من الحال ~~التابع لتلك الظنون الكاذبة (4) . # فمن تدبر هذا، علم يقينا ما في حشو البدع من السموم المضعفة للإيمان، ~~ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر. # وهذا المعنى الذي ذكرته معتبر في كل ما نهى عنه الشارع، من أنواع ~~العبادات التي لا مزية لها في الشرع -إذا جاز أن يتوهم لها مزية- كالصلاة ~~عند القبور، أو الذبح عند الأصنام، ونحو ذلك، وإن لم يكن الفاعل معتقدا ~~للمزية، لكن نفس الفعل قد يكون مظنة للمزية، فكما أن إثبات الفضيلة الشرعية ~~مقصود، فرفع الفضيلة غير الشرعية مقصود أيضا. # فإن قيل: هذا يعارضه أن هذه المواسم -مثلا- فعلها قوم من أولي العلم ~~والفضل، الصديقين فمن دونهم، وفيها فوائد يجدها المؤمن في قلبه وغير قلبه: ~~من طهارة قلبه ورقته، وزوال آصار الذنوب عنه، وإجابة دعائه، ونحو ذلك، مع ~~ما ms271 ينضم إلى ذلك من العمومات الدالة على فضل الصلاة والصيام، كقوله تعالى: ~~{أرأيت الذي ينهى - عبدا إذا صلى} [العلق: 9 - 10] (5) PageV02P116 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة نور» (1) " (2) ونحو ذلك. # قلنا: لا ريب أن من فعلها متأولا مجتهدا أو مقلدا كان له أجر على حسن ~~قصده، وعلى عمله، من حيث ما فيه من المشروع، وكان ما فيه من المبتدع مغفورا ~~له، إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين، وكذلك ما ذكر فيها من ~~الفوائد كلها، إنما حصلت لما اشتملت عليه من المشروع في جنسه: كالصوم ~~والذكر، والقراءة، والركوع، والسجود، وحسن القصد في عبادة الله وطاعته ~~ودعائه، وما اشتملت عليه من المكروه، انتفى موجبه بعفو الله عنه (3) ~~لاجتهاد صاحبها (4) أو تقليده، وهذا المعنى ثابت في كل ما يذكر في بعض ~~البدع المكروهة من الفائدة. # لكن هذا القدر لا يمنع كراهتها والنهي عنها، والاعتياض عنها بالمشروع، ~~الذي لا بدعة فيه، كما أن الذين زادوا الأذان في العيدين هم كذلك، بل ~~اليهود والنصارى يجدون في عباداتهم أيضا فوائد، وذلك لأنه لا بد أن تشتمل ~~عبادتهم على نوع ما، مشروع في جنسه، كما أن أقوالهم لا بد أن تشتمل على صدق ~~ما، مأثور عن الأنبياء. ثم مع ذلك لا يوجب ذلك أن نفعل عباداتهم، أو نروي ~~كلماتهم، لأن جميع المبتدعات لا بد أن تشتمل على شر راجح على ما فيها من ~~الخير إذ لو كان خيرها راجحا لما أهملتها الشريعة. فنحن نستدل PageV02P117 # بكونها بدعة على أن إثمها أكبر من نفعها، وذلك هو الموجب للنهي. # وأقول: إن إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض (1) ؛ لاجتهاد أو غيره، ~~كما يزول إثم النبيذ والربا المختلف فيهما عن المجتهدين من السلف، ثم مع ~~ذلك يجب بيان حالها، وأن لا يقتدى بمن استحلها، وأن لا يقصر في طلب العلم ~~المبين لحقيقتها. وهذا الدليل كاف في بيان أن هذه البدع (2) مشتملة على ~~مفاسد اعتقادية، أو حالية مناقضة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~وأن ما فيها من المنفعة ms272 مرجوح لا يصلح للمعارضة. # ثم يقال على سبيل التفصيل: إذا فعلها قوم ذوو فضل ودين (3) فقد تركها في ~~زمان هؤلاء، معتقدا لكراهتها، وأنكرها قوم (4) إن لم يكونوا أفضل ممن ~~فعلها، فليسوا دونهم (5) . ولو كانوا دونهم في الفضل فقد تنازع فيها أولو ~~الأمر، فترد إلى الله والرسول وكتاب الله وسنة رسوله مع من كرهها، لا مع من ~~رخص فيها. ثم عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين مع هؤلاء (6) . # وأما ما فيها من المنفعة، فيعارضه ما فيها من مفاسد البدع (7) الراجحة: ~~PageV02P118 # منها: مع ما تقدم من المفسدة الاعتقادية والحالية: أن القلوب تستعذبها ~~(1) وتستغني بها عن كثير من السنن، حتى تجد كثيرا من العامة يحافظ عليها ~~(2) ما لا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس. # ومنها: أن الخاصة والعامة تنقص -بسببها- عنايتهم بالفرائض والسنن، ~~ورغبتهم فيها، فتجد الرجل يجتهد فيها، ويخلص وينيب، ويفعل فيها ما لا يفعله ~~في الفرائض والسنن، حتى كأنه يفعل هذه (3) عبادة، ويفعل الفرائض والسنن ~~عادة ووظيفة، وهذا عكس الدين، فيفوته بذلك ما في الفرائض والسنن من المغفرة ~~والرحمة والرقة والطهارة والخشوع، وإجابة الدعوة، وحلاوة المناجاة، إلى غير ~~ذلك من الفوائد. وإن لم يفته هذا كله، فلا بد أن يفوته كماله. # ومنها: ما في ذلك من مصير المعروف منكرا، والمنكر معروفا (4) . وجهالة ~~أكثر الناس بدين المرسلين، وانتشاء (5) زرع الجاهلية. # ومنها: اشتمالها على أنواع من المكروهات في الشريعة مثل: تأخير الفطور، ~~وأداء العشاء الآخرة بلا قلوب حاضرة، والمبادرة إلى تعجيلها، والسجود بعد ~~السلام لغير سهو، وأنواع من الأذكار ومقاديرها لا أصل PageV02P119 # لها (1) إلى غير ذلك من المفاسد التي لا يدركها إلا من استنارت بصيرته، ~~وسلمت سريرته. # ومنها: مسارقة (2) الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع وفوات سلوك الصراط ~~المستقيم، وذلك أن النفس فيها نوع من الكبر، فتحب أن تخرج من العبودية ~~والاتباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري (3) رحمه الله: ما ~~ترك أحد شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه ثم هذا مظنة لغيره، فينسلخ القلب ~~عن حقيقة اتباع الرسول صلى الله عليه ms273 وسلم، ويصير فيه من الكبر وضعف ~~الإيمان ما يفسد عليه دينه، أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # ومنها: ما تقدم التنبيه عليه في أعياد أهل الكتاب من المفاسد التي توجد ~~في كلا النوعين المحدثين، النوع الذي فيه مشابهة، والنوع الذي لا مشابهة ~~فيه. # والكلام في ذم البدع لما كان مقررا في هذا الموضع (4) لم نطل النفس في ~~تقريره، بل نذكر بعض أعيان هذه المواسم. # * * * PageV02P120 ### | فصل في الأعياد الزمانية المبتدعة ### | أنواع الأعياد الزمانية المبتدعة # فصل قد تقدم أن العيد يكون اسما لنفس المكان، ولنفس الزمان، ولنفس ~~الاجتماع. وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء: # أما الزمان فثلاثة أنواع، ويدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال: # أحدها: يوم لم تعظمه الشريعة أصلا، ولم يكن له ذكر في السلف، ولا جرى فيه ~~ما يوجب تعظيمه: مثل أول خميس من رجب (1) وليلة تلك الجمعة التي تسمى ~~الرغائب (2) فإن تعظيم هذا اليوم والليلة، إنما حدث في الإسلام بعد المائة ~~الرابعة، وروي فيه حديث موضوع باتفاق العلماء، مضمونه: فضيلة صيام ذلك ~~اليوم وفعل هذه الصلاة، المسماة عند الجاهلين بصلاة الرغائب (3) وقد ذكر ~~ذلك بعض المتأخرين من العلماء من الأصحاب وغيرهم. # والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم: النهي عن إفراد هذا اليوم (4) ~~بالصوم، وعن هذه الصلاة المحدثة، وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم ~~PageV02P121 # من صنعة الأطعمة، وإظهار الزينة، ونحو ذلك حتى يكون هذا اليوم بمنزلة ~~غيره من الأيام، وحتى لا يكون له مزية أصلا. # وكذلك يوم آخر في وسط رجب، يصلى فيه صلاة تسمى صلاة أم داود (1) فإن ~~تعظيم هذا اليوم لا أصل له في الشريعة أصلا. # النوع الثاني (2) ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره، من غير أن يوجب ~~ذلك جعله موسما، ولا كان السلف يعظمونه: كثامن عشر ذي الحجة الذي خطب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيه بغدير خم مرجعه من حجة الوداع، فإنه صلى الله عليه ~~وسلم خطب فيه خطبة وصى فيها باتباع كتاب الله، ووصى فيها بأهل بيته كما ms274 روى ~~ذلك مسلم في صحيحه (3) عن زيد بن أرقم رضي الله عنه (4) . فزاد بعض أهل ~~الأهواء في ذلك حتى زعموا أنه عهد إلى علي رضي الله عنه بالخلافة بالنص ~~الجلي، بعد أن فرش له، وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلاما وعملا قد علم ~~بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة تمالئوا على كتمان هذا ~~النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسقوا وكفروا، إلا نفرا قليلا. PageV02P122 # والعادة التي جبل الله عليها بني (1) آدم، ثم ما كان القوم عليه من ~~الأمانة (2) والديانة، وما أوجبته شريعتهم من بيان الحق يوجب العلم اليقيني ~~بأن مثل هذا ممتنع (3) كتمانه. # وليس الغرض الكلام في مسألة الإمامة، وإنما الغرض أن اتخاذ هذا اليوم ~~عيدا محدث لا أصل له، فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم-من ~~اتخذ ذلك اليوم عيدا، حتى يحدث فيه أعمالا. إذ الأعياد شريعة من الشرائع، ~~فيجب فيها الاتباع، لا الابتداع. # وللنبي صلى الله عليه وسلم خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة: مثل يوم ~~بدر، وحنين، والخندق، وفتح مكة، ووقت هجرته، ودخوله المدينة، وخطب له ~~متعددة يذكر فيها قواعد الدين. ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام ~~أعيادا. وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ~~عليه السلام أعيادا، أو اليهود، وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتبع. ~~وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه. # وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه ~~السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيما. والله قد يثيبهم (4) ~~على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع- من اتخاذ مولد النبي صلى الله ~~عليه وسلم عيدا. مع اختلاف الناس في مولده. فإن هذا لم يفعله السلف، مع ~~قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرا. ولو كان هذا خيرا (5) محضا، ~~أو راجحا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له منا، وهم على ms275 الخير أحرص. PageV02P123 # وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته ~~باطنا وظاهرا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان. فإن ~~هذه (1) طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم ~~بإحسان. وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حراصا (2) على أمثال هذه البدع، مع ما لهم ~~من حسن القصد، والاجتهاد الذين (3) يرجى لهم بهما المثوبة، تجدهم فاترين في ~~(4) أمر الرسول، عما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ~~ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه وبمنزلة من يزخرف المسجد، ولا يصلي ~~فيه، أو يصلي فيه قليلا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح (5) والسجادات المزخرفة، ~~وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، ~~والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها، كما جاء في الحديث: «ما ساء عمل ~~أمة قط إلا زخرفوا مساجدهم» (6) . # واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير، لاشتماله على أنواع من المشروع، ~~وفيه أيضا شر، من بدعة وغيرها، فيكون ذلك العمل PageV02P124 # خيرا (1) بالنسبة إلى [ما اشتمل عليه من أنواع المشروع وشرا بالنسبة إلى ~~ما اشتمل عليه من] (2) الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين ~~(3) وهذا قد ابتلى به أكثر (4) الأمة في الأزمان المتأخرة، فعليك هنا ~~بأدبين: # أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنا وظاهرا، في خاصتك وخاصة من ~~يطيعك. وأعرف المعروف وأنكر المنكر. # الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا ولا ~~يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك ~~واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه، ولكن إذا كان في البدعة من ~~الخير، فعوض عنه من الخير (5) المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك ~~شيئا إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرا إلا إلى مثله أو إلى خير منه، ~~فإنه كما أن الفاعلين لهذه البدع معيبون قد أتوا مكروها، فالتاركون أيضا ~~للسنن مذمومون، فإن منها ما يكون واجبا على الإطلاق، ومنها ما يكون ms276 واجبا ~~على التقييد، كما (6) أن الصلاة النافلة لا تجب. ولكن من أراد أن يصليها ~~يجب عليه (7) أن يأتي بأركانها، وكما يجب على من أتى الذنوب من الكفارات ~~والقضاء والتوبة والحسنات الماحية، وما يجب على من كان إماما، أو قاضيا، أو ~~مفتيا، أو واليا من الحقوق، وما يجب على طالبي العلم، أو نوافل العبادة من ~~الحقوق. PageV02P125 # ومنها: ما يكره المداومة على تركه كراهة شديدة. # ومنها: ما يكره تركه أو يجب فعله على الأئمة دون غيرهم وعامتها يجب ~~تعليمها والحض عليها والدعاء إليها. # وكثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ~~ذلك، أو الأمر به. ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك ~~العبادات المشتملة على نوع من الكراهة. بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلا ينهى عن منكر إلا ويؤمر ~~بمعروف يغني عنه كما يؤمر بعبادة الله سبحانه، وينهى عن عبادة ما سواه، إذ ~~رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، والنفوس خلقت لتعمل، لا لتترك، وإنما ~~الترك مقصود لغيره، فإن لم يشتغل بعمل صالح، وإلا لم يترك العلم السيئ، أو ~~الناقص، لكن لما كان من الأعمال السيئة ما يفسد عليها العمل الصالح، نهيت ~~عنه حفظا للعمل الصالح. # فتعظيم المولد، واتخاذه موسما، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه (1) أجر ~~عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمته لك أنه ~~يحسن من بعض الناس، ما يستقبح من المؤمن المسدد. ولهذا قيل للإمام أحمد عن ~~بعض الأمراء: إنه أنفق على مصحف ألف دينار، أو نحو ذلك فقال: دعهم، فهذا ~~أفضل ما أنفقوا فيه الذهب، أو كما قال. مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف ~~مكروهة. وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجويد (2) الورق والخط. وليس ~~مقصود أحمد هذا، إنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضا مفسدة كره ~~لأجلها. فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا، وإلا اعتاضوا بفساد (3) لا صلاح ~~PageV02P126 # فيه، مثل أن ms277 ينفقها في كتاب من كتب الفجور: من كتب الأسمار أو الأشعار، ~~أو حكمة فارس والروم. # فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية، ~~والمفاسد، بحيث تعرف ما مراتب المعروف، ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند ~~الازدحام، فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جنس ~~المعروف، وجنس المنكر، أو جنس الدليل، وغير الدليل، يتيسر كثيرا (1) . # فأما مراتب المعروف والمنكر، ومراتب الدليل، بحيث يقدم عند التزاحم أعرف ~~المعروفين (2) وينكر أنكر المنكرين، ويرجح أقوى الدليلين، فإنه هو خاصة ~~العلماء بهذا الدين. # فالمراتب ثلاث: أحدها: العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه. # والثانية (3) العمل الصالح من بعض وجوهه، أو أكثرها إما لحسن القصد، أو ~~لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع. # والثالثة (4) ما ليس فيه صلاح أصلا: إما لكونه تركا للعمل الصالح مطلقا، ~~أو لكونه عملا فاسدا محضا. PageV02P127 # فأما الأولى: فهو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، باطنها وظاهرها، ~~قولها وعملها، في الأمور العلمية والعملية مطلقا، فهذا هو الذي يجب تعلمه ~~وتعليمه، والأمر به وفعله على حسب مقتضى الشريعة، من إيجاب واستحباب، ~~والغالب على هذا الضرب: هو أعمال السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، ~~والذين اتبعوهم بإحسان. # وأما المرتبة الثانية: فهي كثيرة جدا في طرق المتأخرين من المنتسبين إلى ~~علم أو عبادة، ومن العامة أيضا، وهؤلاء خير ممن لا يعمل عملا صالحا مشروعا، ~~ولا غير مشروع، أو من يكون عمله من جنس المحرم: كالكفر والكذب والخيانة، ~~والجهل. ويندرج في هذا أنواع كثيرة. # فمن تعبد ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة: كالوصال في ~~الصيام، وترك جنس الشهوات (1) ونحو ذلك، أو قصد إحياء ليال لا خصوص لها: ~~كأول ليلة من رجب، ونحو ذلك، قد يكون حاله خيرا من حال البطال (2) الذي ليس ~~فيه حرص على عبادة الله وطاعته. بل كثير من (3) هؤلاء الذين ينكرون هذه ~~الأشياء، زاهدون في جنس عبادة الله: من العلم النافع، والعمل الصالح، أو في ~~أحدهما -لا يحبونها ولا يرغبون فيها، لكن (4) لا يمكنهم ms278 ذلك في المشروع، ~~فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء، فهم بأحوالهم منكرون للمشروع وغير المشروع، ~~وبأقوالهم لا يمكنهم إلا إنكار غير المشروع. PageV02P128 # ومع هذا: فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر، ولا يمنعه من ذلك موافقة ~~بعض المنافقين له، ظاهرا في الأمر بذلك المعروف، والنهي عن ذلك المنكر، ولا ~~مخالفة بعض علماء المؤمنين. فهذه الأمور وأمثالها مما ينبغي معرفتها، ~~والعمل بها. # النوع الثالث (1) ما هو معظم في الشريعة: كيوم عاشوراء، ويوم عرفة، ويومي ~~العيدين والعشر (2) الأواخر من شهر رمضان والعشر الأول من ذي الحجة، وليلة ~~الجمعة ويومها، والعشر الأول من (3) المحرم، ونحو ذلك من الأوقات الفاضلة. # فهذا الضرب قد يحدث فيه ما يعتقد أن له فضيلة، وتوابع ذلك، ما يصير منكرا ~~ينهى عنه. مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء، في يوم عاشوراء، من التعطش، ~~والتحزن والتجمع (4) وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله تعالى ~~ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من السلف، لا من أهل بيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولا من غيرهم (5) لكن لما أكرم الله فيه سبط نبيه (6) ~~أحد سيدي شباب (7) أهل الجنة، وطائفة من أهل بيته، بأيدي الفجرة الذين ~~PageV02P129 # أهانهم الله (1) وكانت هذه مصيبة عند المسلمين، يجب أن تتلقى بما يتلقى ~~به المصائب، من الاسترجاع المشروع (2) فأحدث بعض أهل البدع، في مثل هذا ~~اليوم خلاف ما أمر الله به عند المصائب، وضموا إلى ذلك من الكذب والوقيعة ~~في الصحابة، البرآء من فتنة الحسين رضي الله عنه، وغيرها، أمورا أخرى، مما ~~يكرهها الله ورسوله، وقد روي عن فاطمة بنت الحسين (3) عن أبيها الحسين (4) ~~بن علي رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصيب ~~بمصيبة، فذكر مصيبته، فأحدث استرجاعا، وإن تقادم عهدها، كتب الله له من ~~الأجر مثلها يوم أصيب» رواه أحمد وابن ماجه (5) . # فتدبر كيف روى مثل هذا الحديث الحسين رضي الله عنه، وعنه (6) بنته التي ~~شهدت مصابه! PageV02P130 # وأما اتخاذ أمثال أيام المصائب مآتم (1) فهذا ليس في دين المسلمين، بل ms279 هو ~~إلى دين الجاهلية أقرب. # ثم فوتوا (2) بذلك ما في صوم هذا اليوم من الفضل، وأحدث بعض الناس فيه ~~أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة، لا أصل لها، مثل: فضل الاغتسال فيه، أو ~~التكحل، أو المصافحة (3) وهذه الأشياء ونحوها، من الأمور المبتدعة، كلها ~~مكروهة، وإنما المستحب صومه. # وقد روي في التوسيع على العيال في آثار معروفة (4) أعلى ما فيها حديث ~~إبراهيم بن محمد بن (5) المنتشر (6) عن أبيه (7) قال: «بلغنا أنه من وسع ~~على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» (8) رواه عنه PageV02P131 # ابن عيينة (1) . وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله. والأشبه أن هذا وضع لما ~~ظهرت العصبية بين الناصبة (2) والرافضة (3) فإن هؤلاء اتخذوا يوم عاشوراء ~~مأتما (4) فوضع أولئك فيه آثارا تقتضي التوسع فيه، واتخاذه عيدا، وكلاهما ~~باطل. # وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيكون في ~~ثقيف كذاب ومبير» (5) فكان الكذاب المختار بن أبي عبيد (6) وكان يتشيع ~~PageV02P132 # للحسين، ثم أظهر الكذب والافتراء على الله. وكان فيها الحجاج (1) بن ~~يوسف، وكان في انحراف عن علي وشيعته، وكان مبيرا (2) . # وهؤلاء فيهم بدع وضلال، وأولئك (3) فيهم بدع وضلال وإن كانت الشيعة أكثر ~~كذبا وأسوأ حالا. # لكن لا يجوز لأحد أن يغير شيئا من الشريعة لأجل أحد، وإظهار الفرح ~~والسرور يوم عاشوراء، وتوسيع النفقات فيه، هو من البدع المحدثة المقابلة ~~(4) للرافضة، وقد وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه من ~~الاغتسال، والاكتحال وغير ذلك. وصححها بعض الناس: كابن ناصر (5) وغيره، ~~وليس فيها ما يصح. لكن رويت لأناس اعتقدوا صحتها، فعملوا بها، ولم يعلموا ~~أنها كذب، فهذا مثل هذا. PageV02P133 # وقد يكون سبب الغلو في تعظيمه من بعض المنتسبة (1) لمقابلة الروافض، فإن ~~الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم، ولا يبالي إلى أي الشقين ~~صاروا. # فينبغي أن يجتنب جميع هذه المحدثات. # ومن هذا الباب: شهر رجب، فإنه أحد الأشهر الحرم، وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أنه كان إذا دخل شهر رجب قال: اللهم ms280 بارك لنا في (2) رجب ~~وشعبان، وبلغنا (3) رمضان» (4) . ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~فضل رجب حديث آخر، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كذب، والحديث إذا لم يعلم أنه كذب، فروايته في الفضائل أمر قريب، أما ~~إذا علم كذبه فلا يجوز روايته إلا مع بيان حاله. لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«من روى عني حديثا وهو يرى (5) أنه كذب، فهو أحد الكاذبين (6) » (7) . ~~PageV02P134 # نعم، روي عن بعض السلف في تفضيل العشر الأول من رجب بعض الأثر، وروي (1) ~~غير ذلك، فاتخاذه موسما بحيث يفرد بالصوم، مكروه عند الإمام أحمد وغيره، ~~كما روي عن عمر بن الخطاب (2) وأبي بكرة (3) وغيرهما من الصحابة رضي الله ~~عنهم. # وروى ابن ماجه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم رجب" (4) رواه ~~عن إبراهيم بن منذر الحزامي (5) عن (6) داود بن عطاء (7) حدثني زيد بن ~~PageV02P135 # عبد الحميد بن (1) عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (2) . # ، عن سليمان بن علي (3) عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما. وليس ~~بالقوي (4) . # وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله؟ أو ألا يقرن به شهرا آخر؟ فيه للأصحاب ~~وجهان. ولولا أن هذا موضع الإشارة إلى رؤوس المسائل لأطلنا الكلام في ذلك ~~(5) . # ومن هذا الباب: ليلة النصف من شعبان، فقد روى في فضلها من الأحاديث ~~المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة (6) وأن من السلف من ~~PageV02P136 # كان يخصها بالصلاة فيها، وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة. ومن ~~العلماء: من السلف (1) من أهل المدينة، وغيرهم من الخلف، من أنكر فضلها، ~~وطعن في الأحاديث الواردة فيها، كحديث: «إن الله يغفر فيها لأكثر من عدد ~~شعر غنم كلب» (2) ". وقال: لا فرق بينها وبين غيرها. # لكن الذي عليه كثير من أهل (3) العلم، أو أكثرهم، من أصحابنا وغيرهم -على ~~تفضيلها، وعليه يدل (4) نص (5) أحمد، لتعدد (6) الأحاديث الواردة فيها، وما ~~يصدق ذلك من الآثار السلفية، وقد روي بعض فضائلها في المسانيد والسنن (7) . ~~وإن كان قد وضع فيها أشياء أخر. PageV02P137 # فأما ms281 صوم يوم النصف مفردا (1) فلا أصل له، بل إفراده مكروه، وكذلك اتخاذه ~~موسما تصنع فيه الأطعمة، وتظهر فيه الزينة، هو من المواسم المحدثة ~~المبتدعة، التي لا أصل لها. # وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف، من الاجتماع العام للصلاة الألفية (2) ~~في المساجد الجامعة، ومساجد الأحياء والدروب (3) والأسواق. فإن هذا ~~الاجتماع لصلاة نافلة مقيدة بزمان وعدد، وقدر من القراءة لم يشرع، مكروه. ~~فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية (4) موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، ~~وما كان هكذا لا يجوز استحباب صلاة بناء عليه، وإذا لم يستحب فالعمل ~~المقتضي لاستحبابها مكروه. # ولو سوغ (5) أن كل ليلة لها نوع فضل، تخص بصلاة مبتدعة يجتمع لها، لكان ~~يفعل مثل هذه الصلاة -أو أزيد أو أنقص (6) - ليلتي العيدين، وليلة عرفة، ~~كما أن بعض أهل البلاد يقيمون مثلها أول ليلة من رجب. # وكما بلغني أنه كان (7) في بعض القرى يصلون بعد المغرب صلاة مثل المغرب ~~في جماعة، يسمونها صلاة بر الوالدين. وكما كان بعض الناس يصلي PageV02P138 # كل ليلة في جماعة صلاة الجنازة (1) على من مات من المسلمين في جميع ~~الأرض، ونحو ذلك من الصلوات الجماعية التي لم تشرع. # وعليك أن تعلم: أنه إذا استحب التطوع المطلق في وقت معين، وجوز التطوع في ~~جماعة، لم يلزم من ذلك تسويغ جماعة راتبة غير مشروعة (2) ففرق بين البابين، ~~وذلك أن الاجتماع لصلاة تطوع (3) أو استماع قرآن، أو ذكر الله، ونحو ذلك، ~~إذا كان يفعل أحيانا، فهذا حسن. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه ~~صلى التطوع في جماعة أحيانا" (4) . و"خرج على أصحابه وفيهم من يقرأ وهم ~~يستمعون (5) فجلس معهم يستمع" (6) . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحدا يقرأ وهم يستمعون. # وقد ورد في القوم الذين يجلسون يتدارسون كتاب الله ويتلونه، وفي القوم ~~الذين يذكرون الله من الآثار ما هو معروف مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «ما ~~جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا ~~غشيتهم PageV02P139 # الرحمة ونزلت ms282 (1) عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن ~~عنده» (2) . # وورد أيضا في الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون ~~الله تنادوا: هلموا (3) إلى حاجتكم. الحديث (4) . # فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر (5) بتكرر الأسابيع أو الشهور أو الأعوام، ~~غير الاجتماعات المشروعة، فإن ذلك يضاهي الاجتماع للصلوات الخمس، وللجمعة، ~~وللعيدين وللحج. وذلك هو المبتدع المحدث. # ففرق بين ما يتخذ سنة وعادة، فإن ذلك يضاهي المشروع. وهذا الفرق هو ~~المنصوص عن الإمام أحمد، وغيره من الأئمة فروى أبو بكر الخلال، في كتاب ~~الأدب، عن إسحاق بن منصور الكوسج، أنه قال لأبي عبد الله: تكره أن يجتمع ~~القوم يدعون الله ويرفعون أيديهم؟ قال: "ما أكرهه للإخوان إذا لم ~~PageV02P140 # يجتمعوا على عمد (1) إلا أن يكثروا" (2) . # قال إسحاق بن راهويه كما قال (3) . وإنما معنى أن لا يكثروا: أن لا ~~يتخذوها عادة حتى يكثروا. هذا كلام إسحاق. # وقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون، فيقرأ قارئ ويدعون حتى ~~يصبحوا؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال أبو السري الحربي (4) قال أبو ~~عبد الله: "وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلون، ويذكرون ما أنعم الله ~~عليهم، كما قالت الأنصار؟ " (5) وهذا إشارة إلى ما رواه أحمد، حدثنا (6) ~~إسماعيل أنبأنا أيوب، عن محمد بن سيرين قال: "نبئت أن الأنصار قبل قدوم ~~رسول (7) الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قالوا: لو نظرنا يوما فاجتمعنا ~~فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا، فقالوا: يوم السبت ثم ~~قالوا: لا نجامع اليهود في يومهم. قالوا: فيوم الأحد. قالوا: لا نجامع ~~النصارى في يومهم. قالوا: فيوم العروبة. وكانوا يسموه يوم الجمعة يوم ~~العروبة- فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد (8) بن زرارة فذبحت لهم شاة ~~PageV02P141 # فكفتهم" (1) . # وقال أبو أمية الطرسوسي (2) سألت أحمد بن حنبل عن القوم يجتمعون ويقرأ ~~لهم القارئ قراءة حزينة فيبكون، وربما طفوا (3) السراج. فقال لي أحمد: إن ~~كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس. # وروى الخلال عن الأوزاعي: أنه سئل عن القوم يجتمعون (4) فيأمرون رجلا ~~فيقص عليهم. قال: ms283 إذا كان ذلك يوما بعد (5) الأيام فليس به بأس. # فقيد أحمد (6) الاجتماع على الدعاء بما إذا لم يتخذ عادة. وكذلك قيد ~~إتيان الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء. قال سندي الخواتيمي (7) سألنا أبا ~~عبد الله PageV02P142 # عن الرجل يأتي هذه المشاهد ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما على حديث " ~~ابن أم مكتوم (1) أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته، حتى ~~يتخذ ذلك مصلى". وعلى ما كان يفعل ابن عمر رضي الله عنهما: يتبع مواضع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأثره، فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا ~~أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا، وأكثروا فيه. # وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم (2) . ولفظه: سئل عن الرجل يأتي هذه ~~المشاهد التي بالمدينة وغيرها؛ يذهب إليها؟ فقال: أما على حديث ابن أم ~~مكتوم أنه: سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فيصلي في بيته، حتى ~~يتخذه مسجدا، وعلى ما كان يفعله (3) ابن عمر: يتبع مواضع سير النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفعله، حتى رئي يصب في موضع ماء، فسئل عن ذلك، فقال: رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصب هاهنا ماء. قال: أما على هذا فلا بأس قال: ~~ورخص فيه. ثم قال: ولكن قد أفرط الناس جدا، وأكثروا في هذا المعنى، فذكر ~~قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. وهذا الذي كرهه أحمد وغيره من اعتياد ذلك ~~مأثور عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره لما اتخذ أصحابه مكانا يجتمعون فيه ~~للذكر، فخرج إليهم (4) PageV02P143 # قال: "يا قوم لأنتم أهدى من أصحاب (1) محمد (2) أو لأنتم على شعبة ضلالة" ~~(3) . # وأصل هذا: أن العبادات المشروعة التي تتكرر بتكرر الأوقات، حتى تصير سننا ~~ومواسم، قد شرع الله منها ما فيه كفاية العباد، فإذا أحدث اجتماع زائد على ~~هذه الاجتماعات معتاد، كان ذلك مضاهاة لما شرعه الله وسنه. وفيه من الفساد ~~ما تقدم التنبيه على بعضه، بخلاف ما يفعله الرجل وحده، أو الجماعة المخصوصة ~~أحيانا، ولهذا كره الصحابة إفراد صوم (4) رجب، لما شبه برمضان، ms284 وأمر عمر ~~رضي الله عنه بقطع الشجرة التي توهموا أنها الشجرة التي بويع (5) الصحابة ~~تحتها بيعة الرضوان. لما رأى الناس ينتابونها (6) ويصلون عندها، كأنها ~~المسجد الحرام، أو مسجد المدينة، وكذلك لما رآهم قد عكفوا على مكان قد صلى ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم عكوفا عاما نهاهم عن ذلك، وقال: "أتريدون أن ~~تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ " (7) . أو كما قال رضي الله عنه. # فكما أن تطوع الصلاة فرادى وجماعة مشروع، من غير أن يتخذ جماعة ~~PageV02P144 # عامة (1) متكررة، تشبه المشروع من الجمعة، والعيدين والصلوات الخمس، ~~فكذلك تطوع القراءة والذكر والدعاء، جماعة وفرادى، وتطوع قصد بعض المشاهد، ~~ونحو ذلك، كله من نوع واحد، يفرق بين الكثير الظاهر منه، والقليل الخفي، ~~والمعتاد وغير المعتاد، وكذلك كل مكان مشروع الجنس، لكن البدعة اتخاذه عادة ~~لازمة، حتى يصير كأنه واجب، ويترتب (2) على استحبابه وكراهته حكم نذره، ~~واشتراط فعله في الوقف والوصية ونحو ذلك، حيث كان النذر لا يلزم إلا في ~~القرب، وكذلك العمل المشروط في الوقف، لا يجوز أن يكون إلا برا ومعروفا على ~~ظاهر المذهب، وقول جمهور أهل العلم. وسنومئ إلى ذلك إن شاء الله. # وهذه المسائل تفتقر إلى بسط أكثر من هذا، لا يحتمله هذا الموضع، وإنما ~~الغرض التنبيه على المواسم المحدثة. وأما ما يفعل في هذه المواسم مما جنسه ~~منهي عنه في الشرع، فهذا لا يحتاج إلى ذكره؛ لأن ذلك لا يحتاج أن يدخل في ~~هذا الباب مثل: رفع الأصوات في المساجد، واختلاط الرجال والنساء، أو كثرة ~~إيقاد المصابيح زيادة على الحاجة، أو إيذاء المصلين أو غيرهم بقول أو فعل، ~~فإن قبح هذا ظاهر لكل مسلم. وإنما هذا من جنس سائر (3) الأقوال المحرمة في ~~المساجد، سواء حرمت في المسجد وغيره، كالفواحش والفحش، أو صين (4) عنها ~~المسجد: كالبيع (5) وإنشاد الضالة، وإقامة الحدود ونحو ذلك. PageV02P145 # وقد ذكر بعض المتأخرين، من أصحابنا وغيرهم- أنه يستحب قيام هذه الليلة ~~بالصلاة التي يسمونها الألفية، لأن فيها قراءة " قل هو الله أحد " ألف مرة. ~~وربما استحبوا الصوم أيضا، وعمدتهم في ms285 خصوص ذلك: الحديث الذي يروى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك (1) . وقد يعتمدون على العمومات التي تندرج فيها ~~هذه الصلاة، وعلى ما جاء في فضل هذه الليلة بخصوصها، وما جاء من الأثر ~~بإحيائها، وعلى الاعتياد (2) حيث فيها من المنافع والفوائد ما يقتضي ~~الاستحباب كجنسها من العبادات. # فأما الحديث المرفوع في هذه الصلاة الألفية: فكذب موضوع باتفاق أهل العلم ~~بالحديث (3) . # وأما العمومات الدالة على استحباب الصلاة فحق، لكن العمل المعين إما أن ~~يستحب بخصوصه، أو يستحب لما فيه من المعنى العام. # فأما المعنى العام: فلا يوجب جعل خصوصها (4) مستحبا ومن استحبها ذكرها في ~~النفل المقيد: كصلاة الضحى والتراويح. وهذا خطأ، ولهذا لم يذكر هذا أحد من ~~الأئمة المعدودين، لا الأولين ولا الآخرين. وإنما كره التخصيص لما صار يخص ~~ما لا خصوص له بالاعتقاد والاقتصاد (5) كما كره (6) PageV02P146 # النبي صلى الله عليه وسلم: إفراد يوم الجمعة وسرر (1) شعبان بالصيام، ~~وإفراد ليلة الجمعة بالقيام، وصار نظير هذا: لو (2) أحدثت صلاة مقيدة ليالي ~~العشر (3) أو بين العشائين، ونحو ذلك. # فالعبادات ثلاثة: # منها ما هو مستحب بخصوصه: كالنفل المقيد (4) من ركعتي الفجر، وقيام ~~رمضان، ونحو ذلك. وهذا منه المؤقت كقيام الليل. # ومنه المقيد بسبب: كصلاة الاستسقاء، وصلاة الآيات (5) . # ثم قد يكون مقدرا (6) في الشريعة بعدد: كالوتر. وقد يكون مطلقا مع فضل ~~الوقت: كالصلاة يوم الجمعة قبل الصلاة، فصارت أقسام المقيد أربعة. # ومن العبادات ما هو مستحب بعموم معناه، كالنفل المطلق، فإن الشمس إذا ~~طلعت فالصلاة مشهودة محضورة حتى يصلي العصر. # ومنها ما هو مكروه تخصيصه لا مع غيره كقيام (7) ليلة الجمعة. وقد يكره ~~مطلقا، إلا في أحوال مخصوصة، كالصلاة في أوقات النهي. ولهذا اختلف العلماء ~~في كراهة الصلاة بعد الفجر والعصر، هل هو لئلا يفضي إلى تحري PageV02P147 # الصلاة في هذا الوقت، فيرخص في ذوات الأسباب العارضة، أو هو (1) نهي مطلق ~~لا يستثنى منه إلا قدر الحاجة؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، وفيها ~~أقوال أخر للعلماء (2) . PageV02P148 ### | فصل في الأعياد المكانية المبتدعة # فصل وقد يحدث ms286 في اليوم الفاضل، مع العيد العملي المحدث، العيد المكاني، ~~فيغلظ قبح هذا، ويصير خروجا عن الشريعة. فمن ذلك: ما يفعل يوم عرفة، مما لا ~~أعلم بين المسلمين خلافا في النهي عنه، وهو قصد قبر بعض من يحسن به الظن ~~يوم عرفة، والاجتماع العظيم عند قبره، كما يفعل في بعض أرض المشرق والمغرب، ~~والتعريف هناك، كما يفعل بعرفات فإن هذا نوع من الحج المبتدع الذي لم يشرعه ~~الله، ومضاهاة للحج الذي شرعه الله، واتخاذ القبور أعيادا. # وكذلك السفر إلى بيت المقدس، للتعريف فيه، فإن هذا أيضا ضلال بين، فإن ~~زيارة بيت المقدس مستحبة مشروعة للصلاة فيه والاعتكاف، وهو أحد المساجد ~~الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه، ~~فإن ذلك تخصيص وقت معين بزيارة بيت المقدس، ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت ~~على غيره. # ثم فيه أيضا مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام، وتشبيه له بالكعبة، ولهذا قد ~~أفضى إلى ما لا يشك مسلم في أنه شريعة أخرى، غير شريعة الإسلام، وهو ما قد ~~يفعله بعض الضلال من الطواف بالصخرة، أو من حلق الرأس هناك، أو من قصد ~~النسك هناك. # PageV02P149 # وكذلك ما يفعله بعض الضلال (1) من الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة بعرفة ~~(2) كما يطاف بالكعبة. # فأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء أو الضرب بالدف بالمسجد ~~الأقصى ونحوه، فمن أقبح المنكرات من جهات أخرى. # منها: فعل ذلك في المسجد (3) فإن ذلك فيه ما نهي عنه خارج المساجد (4) ~~فكيف بالمسجد الأقصى؟! # ومنها: اتخاذ الباطل دينا. # ومنها فعله في الموسم. # فأما قصد الرجل (5) مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر فهذا هو التعريف في ~~الأمصار الذي اختلف العلماء فيه، ففعله ابن عباس، وعمرو بن حريث (6) من ~~الصحابة وطائفة من البصريين والمدنيين (7) ورخص فيه أحمد، PageV02P150 # وإن كان مع ذلك لا يستحبه (1) هذا هو المشهور عنه (2) . وكرهه طائفة من ~~الكوفيين والمدنيين: كإبراهيم النخعي (3) وأبي حنيفة ومالك، وغيرهم. # ومن كرهه قال: هو من البدع، فيندرج في العموم لفظا ومعنى. # ومن رخص فيه قال: ms287 فعله ابن عباس بالبصرة (4) حين كان خليفة لعلي بن أبي ~~طالب رضي الله عنهما، ولم ينكر عليه، وما يفعل في عهد الخلفاء الراشدين من ~~غير إنكار لا يكون بدعة. # لكن ما يزاد على ذلك من رفع الأصوات الرفع الشديد في (5) المساجد ~~بالدعاء، وأنواع من الخطب والأشعار الباطلة مكروه في هذا اليوم وغيره. قال ~~المروزي: سمعت أبا عبد الله يقول: "ينبغي أن يسر دعاءه؛ لقوله: {ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها} [الإسراء: 110] (6) . قال: هذا في الدعاء. قال: ~~وسمعت أبا عبد الله يقول: وكان (7) يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء. # وروى الخلال بإسناد صحيح، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: "أحدث الناس ~~الصوت عند الدعاء" (8) . # وعن سعيد بن أبي عروبة: أن مجالد بن سعيد (9) سمع قوما يعجون في ~~PageV02P151 # دعائهم، فمشى إليهم فقال: أيها القوم، إن كنتم أصبتم فضلا على من كان ~~قبلكم لقد ضللتم، قال: فجعلوا يتسللون رجلا رجلا، حتى تركوا بغيتهم التي ~~كانوا فيها (1) . # وروى أيضا بإسناده عن ابن شوذب (2) عن أبي التياح (3) قال: قلت للحسن: ~~إمامنا يقص، فيجتمع (4) الرجال والنساء، فيرفعون أصواتهم بالدعاء. فقال ~~الحسن (5) إن رفع الصوت بالدعاء لبدعة، وإن مد الأيدي بالدعاء لبدعة، وإن ~~اجتماع الرجال والنساء لبدعة (6) . # فرفع الأيدي فيه خلاف وأحاديث ليس هذا موضعها. # والفرق بين هذا التعريف المختلف فيه وتلك التعريفات التي لم يختلف فيها: ~~أن في تلك قصد بقعة (7) بعينها للتعريف فيها: كقبر الصالح، أو كالمسجد ~~الأقصى، وهذا تشبيه بعرفات، بخلاف مسجد المصر، فإنه قصد له بنوعه ~~PageV02P152 # لا بعينه، ونوع المساجد مما شرع قصدها، فإن الآتي إلى المسجد ليس قصده ~~مكانا معينا لا يتبدل اسمه وحكمه، وإنما الغرض بيت من بيوت الله، بحيث لو ~~حول ذلك المسجد لتحول حكمه، ولهذا لا تتعلق القلوب إلا بنوع المسجد لا ~~بخصوصه. # وأيضا، فإن شد الرحال إلى مكان للتعريف فيه، مثل الحج، بخلاف المصر، ألا ~~ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: ~~المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» (1) . هذا مما ms288 لا أعلم فيه ~~خلافا. فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السفر إلى غير المساجد ~~الثلاثة، ومعلوم أن إتيان الرجل مسجد مصره: إما واجب كالجمعة، وإما مستحب ~~كالاعتكاف به. # وأيضا فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيدا، وهذا بنفسه محرم، سواء كان ~~فيه شد للرحل، أو لم يكن، وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره، وهو من ~~الأعياد المكانية مع الزمانية. # وأما ما أحدث في الأعياد، من ضرب البوقات والطبول فإن هذا مكروه في العيد ~~وغيره، لا اختصاص للعيد به، وكذلك لبس الحرير، أو غير ذلك من المنهي عنه في ~~الشرع وترك السنن من جنس فعل البدع، فينبغي إقامة المواسم على ما كان (2) ~~السابقون الأولون يقيمونها، من الصلاة والخطبة المشروعة، والتكبير والصدقة ~~في الفطر، والذبح في الأضحى. فإن من الناس من يقصر في التكبير المشروع. ومن ~~الأئمة من يترك أن يخطب للرجال والنساء. كما كان PageV02P153 # رسول (1) الله صلى الله عليه وسلم يخطب الرجال ثم النساء (2) . # ومنهم من لا يذكر في خطبته (3) ما ينبغي ذكره، بل يعدل إلى ما تقل ~~فائدته، ومنهم من لا ينحر بعد الصلاة بالمصلى وهو ترك للسنة، إلى أمور أخرى ~~من السنة (4) فإن الدين هو فعل المعروف والأمر به، وترك المنكر والنهي عنه. ~~PageV02P154 ### | فصل في أنواع الأعياد المكانية # فصل وأما الأعياد المكانية فتنقسم أيضا كالزمانية - (1) ثلاثة أقسام: # أحدهما: ما لا خصوص (2) له في الشريعة. # والثاني: ما له خصيصة لا تقتضي قصده للعبادة فيه. # والثالث: ما يشرع العبادة فيه، لكن لا يتخذ عيدا. # والأقسام الثلاثة جاءت الآثار بها. مثل قوله صلى الله عليه وسلم للذي نذر ~~أن ينحر ببوانة: «أبها وثن من أوثان المشركين، أو عيد من أعيادهم؟ قال: لا. ~~قال: فأوف بنذرك» (3) . ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري ~~عيدا» (4) . ومثل نهي عمر عن اتخاذ آثار الأنبياء أعيادا. كما سنذكره إن ~~شاء الله. ### | النوع الأول مكان لا خصوص له في الشريعة # فهذه الأقسام الثلاثة: أحدها مكان لا فضل له في الشريعة أصلا، ولا ms289 فيه ما ~~يوجب تفضيله، بل هو كسائر الأمكنة، أو دونها، فقصد ذلك المكان، أو قصد (5) ~~الاجتماع فيه لصلاة أو دعاء، أو ذكر، أو غير ذلك- ضلال بين. # ثم إن كان به بعض آثار الكفار، من اليهود أو النصارى أو غيرهم، صار أقبح ~~وأقبح، ودخل في هذا الباب وفي الباب قبله، في مشابهة الكفار. PageV02P155 # وهذه أنواع لا يمكن ضبطها (1) بخلاف الزمان، فإنه محصور. وهذا الضرب أقبح ~~من الذي قبله، فإن هذا يشبه عباده الأوثان أو هو ذريعة إليها، أو نوع من ~~عبادة الأوثان، إذ عباد الأوثان كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو ~~غير تمثال، يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله تعالى، وكانت الطواغيت الكبار ~~التي تشد إليها الرحال ثلاثة: اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى. كما ~~ذكر الله ذلك في كتابه (2) حيث يقول: {أفرأيتم اللات والعزى - ومناة ~~الثالثة الأخرى - ألكم الذكر وله الأنثى - تلك إذا قسمة ضيزى} [النجم: 19 - ~~22] (3) . # كل واحد من هذه الثلاثة (4) لمصر من أمصار العرب. والأمصار التي كانت من ~~ناحية الحرم، ومواقيت الحج ثلاثة: مكة، والمدينة، والطائف. # فكانت اللات: لأهل الطائف، ذكروا أنه كان في الأصل رجلا صالحا، يلت ~~السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره مدة، ثم اتخذوا تمثاله (5) ثم بنوا ~~عليه بنية سموها: بيت الربة. وقصتها معروفة، لما بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم لهدمها لما (6) افتتحت الطائف (7) بعد فتح مكة (8) سنة تسع من الهجرة. # وأما العزى: فكانت (9) لأهل مكة قريبا من عرفات، وكانت هناك شجرة ~~PageV02P156 # يذبحون عندها ويدعون. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليها خالد بن ~~الوليد، عقب فتح مكة فأزالها، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم مالها، وخرجت ~~منها (1) شيطانة ناشرة شعرها (2) فيئست العزى أن تعبد. # وأما مناة: فكانت لأهل المدينة، يهلون لها شركا بالله تعالى، وكانت حذو ~~قديد الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل. # ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة ~~الشرك الذي ذمه الله، وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، ويعرف ما كرهه ~~الله ms290 ورسوله، فلينظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه، ~~وما ذكره الأزرقي (3) في أخبار مكة، وغيره من العلماء. # ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها ذات أنواط، فقال ~~بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال: ~~«الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها ~~السنن لتركبن سنن من كان قبلكم» (4) . فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد ~~مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم. ~~PageV02P157 # فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟ . # فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من ~~المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء (1) أو قناة ~~جارية، أو جبلا، أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ~~ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسك (2) عندها، بحيث يخص ~~تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا ~~نوعا. وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنور به، ويقال: (3) إنها ~~تقبل النذر، كما يقول بعض الضالين. فإن هذا النذر نذر معصية باتفاق ~~العلماء، ولا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة (4) عند كثير من أهل العلم، ~~منهم أحمد في المشهور عنه، وعنه رواية هي قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما: ~~أنه يستغفر الله من هذا النذر، ولا شيء عليه، والمسألة معروفة (5) . # وكذلك إذا نذر طعاما من الخبز أو غيره للحيتان التي في تلك العين، أو ~~البئر (6) . وكذلك إذا نذر مالا (7) من النقد أو غيره للسدنة، أو المجاورين ~~العاكفين بتلك البقعة، فإن هؤلاء السدنة فيهم شبه من السدنة التي كانت (8) ~~PageV02P158 # لللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل (1) ويصدون عن سبيل ~~الله، والمجاورون هناك فيهم شبه من العاكفين الذين قال لهم إبراهيم الخليل ~~إمام الحنفاء، صلى الله عليه وسلم: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} ~~[الأنبياء: 52] (2) وقال: {أفرأيتم ms291 ما كنتم تعبدون - أنتم وآباؤكم الأقدمون ~~- فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [الشعراء: 75 - 77] (3) والذين أتى عليهم ~~موسى عليه السلام وقومه (4) كما قال تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ~~فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} [الأعراف: 138] (5) . # فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين (6) في هذه البقاع التي لا فضل في ~~الشريعة للمجاور بها، نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان ~~والمجاورين عندها، أو لسدنة الأبداد (7) التي بالهند، والمجاورين عندها. # ثم هذا (8) المال المنذور، إذا صرفه في جنس تلك العبادة من المشروع، مثل ~~أن يصرفه في عمارة المساجد، أو للصالحين من فقراء المسلمين، الذين ~~PageV02P159 # يستعينون بالمال على عبادة الله وحده لا شريك له- كان حسنا. فمن هذه ~~الأمكنة ما يظن أنه قبر نبي، أو رجل صالح، وليس كذلك، أو يظن أنه مقام له، ~~وليس كذلك. فأما ما كان قبرا له أو مقاما، فهذا من النوع الثاني (1) . ### | بعض الأمكنة والقبور التي ابتدعها الناس # وهذا باب واسع أذكر بعض أعيانه: فمن ذلك: عدة أمكنة بدمشق، مثل مشهد لأبي ~~بن كعب خارج الباب الشرقي، ولا خلاف بين أهل العلم، أن أبي بن كعب إنما ~~توفي بالمدينة، لم يمت بدمشق. والله أعلم قبر من هو، لكنه ليس (2) بقبر أبي ~~بن كعب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك. # وكذلك مكان بالحائط القبلي، بجامع دمشق (3) يقال إن فيه قبر هود عليه ~~السلام، وما عملت أحدا من أهل العلم ذكر أن هودا النبي مات بدمشق، بل قد ~~قيل إنه مات باليمن، وقيل بمكة، فإن مبعثه كان باليمن، ومهاجره بعد هلاك ~~قومه كان إلى مكة، فأما الشام فلا داره (4) ولا مهاجره، فموته بها -والحال ~~هذه مع أن أهل العلم لم يذكروه بل ذكروا خلافه- في غاية البعد. # وكذلك مشهد خارج الباب الغربي من دمشق، يقال إنه قبر أويس القرني (5) وما ~~علمت أن أحدا ذكر أن أويسا مات بدمشق، ولا هو متوجه PageV02P160 # أيضا، فإن أويسا قدم من اليمن إلى أرض العراق. وقد قيل: إنه قتل بصفين، ~~وقيل: إنه مات بنواحي أرض ms292 فارس، وقيل غير ذلك. فأما الشام فما ذكر أنه قدم ~~إليها فضلا عن الممات بها. # ومن ذلك أيضا: قبر يقال له: قبر أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولا خلاف أنها رضي الله عنها ماتت بالمدينة لا بالشام، ولم تقدم الشام ~~أيضا. فإن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، لم تكن تسافر بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. بل لعلها أم سلمة أسماء بنت يزيد بن السكن (1) ~~الأنصارية، فإن أهل الشام كشهر بن حوشب (2) ونحوه، كانوا إذا حدثوا عنها ~~قالوا: أم سلمة. وهي بنت عم معاذ بن جبل، وهي من أعيان الصحابيات، ومن ذوات ~~الفقه والدين منهن. أو لعلها أم سلمة (3) امرأة يزيد بن معاوية (4) وهو ~~بعيد، فإن هذه ليست مشهورة بعلم ولا دين. وما أكثر PageV02P161 # الغلط في هذه الأشياء وأمثالها من جهة الأسماء المشتركة أو المغيرة. # ومن ذلك: مشهد بقاهرة (1) مصر يقال: إن فيه رأس الحسين رضي الله عنه، ~~وأصله (2) أنه كان بعسقلان مشهد يقال: إن فيه رأس الحسين، فحمل فيما قيل ~~الرأس من هناك إلى مصر، وهو باطل باتفاق أهل العلم، لم يقل أحد من أهل ~~العلم (3) إن رأس الحسين كان بعسقلان، بل فيه أقوال ليس هذا منها، فإنه حمل ~~رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد (4) بالكوفة، حتى روي له عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما يغيظه. وبعض الناس يذكر أن الرواية كانت أمام يزيد بن ~~معاوية بالشام، ولا يثبت ذلك، فإن الصحابة المسمين في الحديث (5) إنما ~~كانوا بالعراق. PageV02P162 # وكذلك مقابر كثيرة لأسماء (1) رجال معروفين، قد علم أنها ليست مقابرهم. ~~فهذه المواضع ليست فيها فضيلة أصلا، وإن اعتقد الجاهلون أن لها فضيلة، ~~اللهم إلا أن يكون قبرا لرجل مسلم فيكون كسائر قبور المسلمين، ليس لها من ~~الخصيصة (2) ما يحسبه الجهال، وإن كانت القبور (3) الصحيحة لا يجوز اتخاذها ~~أعيادا (4) ولا أن يفعل ما يفعل عند هذه القبور المكذوبة، أو تكون قبرا ~~لرجل صالح غير المسمى، فيكون من القسم الثاني. # ومن هذا الباب ms293 أيضا: مواضع يقال إن فيها أثر النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~غيره، ويضاهي بها مقام إبراهيم الذي بمكة، كما يقول الجهال في الصخرة التي ~~ببيت المقدس، من أن فيها أثرا من وطء رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) ~~وبلغني أن بعض الجهال يزعم أنها من وطء الرب سبحانه وتعالى! فيزعمون أن ذلك ~~الأثر موضع القدم. # وفي مسجد قبلي دمشق -يسمى مسجد القدم- أثر (6) أيضا يقال إن ذلك أثر (7) ~~قدم موسى عليه السلام، وهذا باطل لا أصل له. ولم يقدم موسى دمشق ولا ما ~~حولها. # وكذلك مشاهد تضاف إلى بعض الأنبياء أو الصالحين بناء على أنه رؤى ~~PageV02P163 # في المنام هناك، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم أو الرجل الصالح في ~~المنام ببقعة لا يوجب لها فضيلة تقصد البقعة لأجلها، وتتخذ مصلى، بإجماع ~~المسلمين. وإنما يفعل هذا وأمثاله أهل الكتاب، وربما صور (1) فيها (2) صورة ~~النبي أو الرجل الصالح أو بعض أعضائه، مضاهاة لأهل الكتاب، كما كان في بعض ~~مساجد دمشق، مسجد (3) يسمى مسجد الكف، فيه تمثال كف يقال: إنه كف علي بن ~~أبي طالب كرم الله وجهه (4) حتى هدم الله ذلك الوثن. وهذه الأمكنة كثيرة ~~موجودة في أكثر البلاد. # وفي الحجاز مواضع، كغار عن يمين الطريق وأنت ذاهب من بدر إلى مكة يقال: ~~إنه الغار الذي كان فيه (5) النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وإنه الغار ~~الذي ذكره الله في قوله (6) تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في الغار} [التوبة: ~~40] (7) ولا خلاف بين أهل العلم أن الغار المذكور في القرآن إنما هو غار ~~بجبل ثور، قريب من مكة، معروف عند أهل مكة إلى اليوم. # فهذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة -كائنة ما كانت- (8) فإن تعظيم ~~PageV02P164 # مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه، فإن تعظيم الأجسام ~~بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، حتى إن الذي ينبغي ~~تجنب الصلاة فيها (1) وإن كان المصلي لا يقصد تعظيمها، لئلا يكون ذلك ذريعة ~~إلى تخصيصها بالصلاة فيها، كما ينهى عن الصلاة عند ms294 القبور المحققة، وإن لم ~~يكن المصلي يقصد الصلاة لأجلها. وكما ينهى عن إفراد الجمعة وسرر شعبان ~~بالصوم، وإن كان الصائم لا يقصد التخصيص بذلك الصوم، فإن ما كان مقصودا ~~بالتخصيص، مع النهي عن ذلك، ينهى عن تخصيصه أيضا بالفعل. # وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد الضرار الذي (2) أسس على شفا جرف هار فانهار ~~به في نار جهنم. فإن ذلك المسجد لما بني ضرارا وكفرا، وتفريقا بين المؤمنين ~~وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة فيه، وأمر بهدمه. # وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله، وتعظيما لما لم يعظمه ~~الله، وعكوفا على أشياء لا تنفع ولا تضر، وصدا للخلق عن سبيل الله، وهي ~~عبادته وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ~~تسليما، واتخاذها عيدا هو الاجتماع عندها واعتياد قصدها، فإن العيد من ~~المعاودة. # ويلتحق بهذا الضرب -لكنه ليس منه- مواضع يدعى لها خصائص لا تثبت، مثل ~~كثير من القبور التي يقال إنها قبر نبي، أو قبر صالح، أو مقام نبي، أو ~~صالح، ونحو ذلك، وقد يكون ذلك صدقا، وقد يكون كذبا. وأكثر المشاهد التي على ~~وجه الأرض من هذا الضرب. فإن القبور الصحيحة والمقامات الصحيحة قليلة جدا. ~~وكان غير واحد من أهل العلم يقول: لا يثبت PageV02P165 # من قبور الأنبياء إلا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم. وغيره قد يثبت غير ~~هذا أيضا مثل: قبل إبراهيم الخليل عليه السلام، وقد يكون علم أن القبر في ~~تلك الناحية لكن يقع الشك في عينه، ككثير من قبور الصحابة التي بباب الصغير ~~من دمشق، فإن الأرض غيرت مرات، فتعيين قبر أنه قبر بلال أو غيره لا يكاد ~~يثبت، إلا من طريق خاصة، وإن كان لو ثبت ذلك لم يتعلق به حكم شرعي مما قد ~~أحدث عندها. # ولكن الغرض أن نبين هذا القسم الأول، وهو تعظيم الأمكنة التي لا خصيصة ~~لها: إما (1) مع العلم بأنه (2) لا خصيصة لها، أو مع عدم العلم ms295 بأن لها ~~خصيصة، إذ العبادة والعمل بغير علم منهي عنه، كما أن العبادة والعمل بما ~~يخالف العلم منهي عنه، ولو كان ضبط هذه الأمور من الدين لما أهمل، ولما ضاع ~~عن الأمة المحفوظ دينها، المعصومة عن الخطأ. # وأكثر ما تجد الحكايات المتعلقة بهذا عند السدنة والمجاورين لها (3) ~~الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. وقد يحكي من ~~الحكايات التي فيها تأثير، مثل أن رجلا دعا عندها فاستجيب له، أو نذر لها ~~إن قضى (4) الله حاجته فقضيت حاجته، ونحو ذلك. وبمثل هذه الأمور كانت تعبد ~~الأصنام فإن القوم كانوا أحيانا يخاطبون من الأوثان، وربما تقضي حوائجهم ~~إذا قصدوها (5) وكذلك PageV02P166 # يجري لأهل (1) الأبداد (2) من أهل الهند وغيرهم. وربما قيست على ما شرع ~~الله تعظيمه من بيته المحجوج، والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه ~~وتقبيله، كأنه يمينه، والمساجد التي هي بيوته. # وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس (3) وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في ~~أهل الأرض. # وقد صح "عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: «إنه لا ~~يأتي بخير (4) وإنما يستخرج به من البخيل» (5) فإذا كان نذر الطاعات ~~المعلقة بشرط لا فائدة فيه، ولا يأتي بخير، فما الظن بالنذر لما (6) لا يضر ~~ولا ينفع؟ . # وأما إجابة الدعاء، فقد يكون سببه (7) اضطرار الداعي وصدقه (8) وقد يكون ~~سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرا قضاه (9) الله لا لأجل دعائه، وقد ~~PageV02P167 # يكون له أسباب أخرى، وإن كانت فتنة (1) في حق الداعي، فإنا نعلم أن ~~الكفار قد يستجاب لهم فيسقون، وينصرون ويعانون، ويرزقون (2) مع دعائهم عند ~~أوثانهم وتوسلهم بها. وقد قال الله تعالى: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ~~ربك وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 20] (3) وقال تعالى: {وأنه كان ~~رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} [الجن: 6] (4) . # وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها، ليس هذا موضع تفصيلها، وإنما ~~على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا ~~والآخرة. # ولعلي إن شاء الله أبين بعض أسباب ms296 هذه التأثيرات في موضع آخر (5) . # * * * PageV02P168 ### | فصل في النوع الثاني من الأمكنة ### | النوع الثاني ما له خصيصة لا تقتضي اتخاذه عيدا # فصل النوع الثاني من الأمكنة: ما له خصيصة لكن لا يقتضي اتخاذه عيدا، ولا ~~الصلاة ونحوها من العبادات عنده. فمن هذه الأمكنة: قبور الأنبياء ~~والصالحين، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والسلف النهي عن اتخاذها ~~عيدا، عموما وخصوصا. وبينوا معنى العيد. # فأما العموم: فقال أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح (1) قال: قرأت ~~على عبد الله بن نافع (2) أخبرني ابن أبي ذئب (3) عن سعيد المقبري، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا ~~بيوتكم PageV02P169 # قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (1) ~~" (2) وهذا إسناد حسن، فإن رواته كلهم ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع ~~الصائغ الفقيه المدني صاحب مالك فيه لين لا يقدح في حديثه. قال يحيى بن ~~معين: هو ثقة. وحسبك بابن معين موثقا. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو ~~حاتم الرازي: ليس بالحافظ، وهو لين (3) تعرف (4) حفظه وتنكر (5) . فإن هذه ~~العبارات منهم تنزل حديثه من مرتبة الصحيح إلى مرتبة الحسن، إذ لا خلاف في ~~عدالته وفقهه، وأن الغالب عليه الضبط، لكن قد يغلط أحيانا، ثم هذا الحديث ~~مما يعرف من حفظه، ليس مما ينكر، لأنه سنة مدنية (6) وهو محتاج إليها في ~~فقهه، ومثل هذا يضبطه الفقيه. وللحديث شواهد من غير طريقه، فإن هذا الحديث ~~روي من جهات أخرى (7) فما بقي منكرا. وكل جملة من هذا الحديث رويت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأسانيد معروفة، وإنما الغرض هنا النهي عن اتخاذه عيدا. ~~PageV02P170 # فمن ذلك: ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ~~حدثنا (1) زيد بن الحباب، حدثنا جعفر بن إبراهيم -من ولد ذي الجناحين- ~~حدثنا علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين: أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة ~~كانت عند قبر النبي صلى الله ms297 عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو. فنهاه، فقال: ألا ~~أحدثكم حديثا سمعته عن (2) أبي عن جدي عن رسول الله (3) صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما ~~كنتم» رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ، فيما اختاره ~~من الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين، وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في ~~صحيحه (4) . # وروى سعيد في سننه، حدثنا حبان بن علي (5) حدثني محمد بن عجلان (6) عن ~~أبي سعيد مولى المهري (7) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~PageV02P171 # «لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن ~~صلاتكم تبلغني» (1) . # وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد (2) أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: ~~رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني، وهو في بيت ~~فاطمة يتعشى. فقال: هلم إلى العشاء؟ فقلت لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند ~~القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا دخلت المسجد ~~فسلم. ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا، ~~ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ~~وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» (3) [ما أنتم ومن بالأندلس إلا ~~سواء] (4) . # فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لا ~~سيما وقد احتج من (5) أرسله به وذلك يقتضي ثبوته عنده، ولو لم يكن روي من ~~وجوه مسندة غير هذين. فكيف وقد تقدم مسندا؟ . # ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه ~~الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا. فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان، ثم ~~إنه قرن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورا» أي لا ~~تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري ~~العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، (6) عكس ما يفعله المشركون ~~من النصارى ومن تشبه بهم. PageV02P172 # وفي الصحيحين ms298 عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا» (1) . # وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا ~~بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه» ~~(2) ثم إنه صلى الله عليه وسلم أعقب النهي عن اتخاذه عيدا بقوله: «صلوا علي ~~فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» ، (3) وفي الحديث الآخر: «فإن تسليمكم ~~يبلغني أينما كنتم» يشير بذلك صلى الله عليه وسلم إلى أن ما ينالني منكم من ~~الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه ~~عيدا. # والأحاديث عنه بأن صلاتنا وسلامنا تعرض عليه كثيرة، مثل ما روى أبو داود ~~من حديث أبي صخر حميد بن زياد (4) عن يزيد بن عبد الله بن قسيط (5) عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد يسلم علي ~~PageV02P173 # إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام» (1) صلى الله عليه وسلم. وهذا ~~الحديث على شرط مسلم. # ومثل ما روى أبو داود أيضا عن أوس بن (2) أوس (3) رضي الله عنه «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة ~~الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك ~~وقد أرمت؟ فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء» (4) . # [أرم أي صار رميما، أي عظما باليا، فإذا اتصلت به تاء الضمير فأفصح ~~اللغتين أن يفك الإدغام فيقال: أرمت. وفيه لغة أخرى كما في الرواية: أرمت ~~بتشديد الميم، وقد يخفف، فيقال: أرمت] (5) . PageV02P174 # وفي (1) مسند ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «من صلى عند قبري (2) سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته» (3) . ~~رواه الدارقطني بمعناه. # وفي النسائي وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله وكل بقبري ~~ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام» (4) إلى أحاديث أخر (5) في ms299 هذا الباب ~~متعددة. # ثم إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنه، نهى ذلك ~~(6) الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله عليه وسلم، واستدل بالحديث، ~~وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين، عن جده علي، واعلم بمعناه من ~~غيره (7) ؛ فبين أن قصده (8) للدعاء ونحوه اتخاذ له عيدا. # وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر للسلام ~~عليه ونحوه عند دخول المسجد، ورأى أن ذلك (9) من اتخاذه PageV02P175 # عيدا. فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت، الذين لهم ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج ~~من غيرهم فكانوا لها أضبط. ### | إطلاق العيد على المكان الذي يقصد الاجتماع فيه # والعيد إذا جعل اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه، وانتيابه ~~(1) للعبادة عنده، أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة ~~وعرفة، جعلها الله عيدا، مثابة للناس، يجتمعون فيها، وينتابونها، للدعاء ~~والذكر والنسك، وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها. فلما جاء ~~الإسلام محا الله ذلك كله. # وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين والقبور التي ~~يجوز أن تكون قبورا لهم، بتقدير كونها قبورا لهم، بل وسائر القبور أيضا ~~داخلة في هذا. فإن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة، إذ هو بيت ~~المسلم الميت، فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يوطأ ولا يداس، ~~ولا يتكأ عليه عندنا، وعند جمهور العلماء، ولا يجاور بما يؤذي الأموات من ~~الأقوال والأفعال الخبيثة، ويستحب عند إتيانه السلام على صاحبه، والدعاء ~~له، وكلما كان الميت أفضل، كان حقه أوكد. # قال بريدة بن الحصيب (2) رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعلمهم إذا PageV02P176 # خرجوا إلى المقابر، أن يقول قائلهم: "السلام على أهل الديار"، وفي لفظ: ~~"السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم ~~للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» . رواه مسلم (1) . # وروى ms300 أيضا عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى ~~المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» ~~(2) . # وروي أيضا عن عائشة في حديث طويل "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفر لهم، قالت: ~~قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون» (3) " (4) . # وروى ابن ماجه عن عائشة قالت: «فقدته فإذا هو بالبقيع، فقال: السلام ~~عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط، ونحن بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا ~~أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» (5) . # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر ~~الله لنا ولكم، PageV02P177 # أنتم سلفنا ونحن بالأثر» رواه أحمد والترمذي وقال: "حديث حسن غريب" (1) . # وقد ثبت عنه أنه بعد أحد بثمان سنين خرج إلى الشهداء، فصلى عليهم كصلاته ~~على الميت (2) . وروى أبو داود، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: «كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه فقال: استغفروا ~~لأخيكم وسلوا (3) له التثبيت، فإنه الآن يسأل» (4) . / 50 وقد روي حديث ~~صححه ابن عبد البر أنه قال: «ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا، ~~فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، حتى يرد عليه السلام» (5) . ~~PageV02P178 # وروى في تلقين الميت (1) بعد الدفن حديث فيه نظر، لكن عمل به رجال من أهل ~~الشام الأولين، مع روايتهم له، فلذلك استحبه أكثر أصحابنا وغيرهم (2) . # فهذا ونحوه مما (3) كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، ويأمر به أمته ~~عند قبور المسلمين، عقب الدفن، (4) وعند زيارتهم، والمرور بهم، إنما هو ~~تحية للميت، كما يحي الحي ودعاء له كما يدعى له، إذا صلى عليه قبل الدفن أو ~~بعده، وفي ضمن الدعاء للميت، دعاء ms301 الحي لنفسه، ولسائر المسلمين، كما أن ~~الصلاة على الجنازة فيها الدعاء للمصلي، ولسائر المسلمين، وتخصيص الميت ~~بالدعاء له، فهذا كله، وما كان مثله، من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وما كان عليه السابقون الأولون، هو المشروع للمسلمين في ذلك. وهو الذي ~~كانوا يفعلونه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره. # وروى ابن بطة (5) في الإبانة، بإسناد صحيح، عن معاذ بن PageV02P179 # معاذ (1) حدثنا ابن (2) عون (3) قال: سأل رجل نافعا (4) فقال: هل كان ابن ~~عمر يسلم على القبر، فقال: نعم، لقد رأيته مائة (5) أو أكثر من مائة مرة، ~~كان يأتي القبر، فيقوم عنده فيقول: "السلام على النبي، السلام على أبي بكر، ~~السلام على أبي" (6) . وفي رواية أخرى، ذكرها الإمام أحمد محتجا بها: "ثم ~~ينصرف"، وهذا الأثر رواه مالك في الموطأ (7) . ### | ما يتصل بالقبور من زيارتها والصلاة عندها واتخاذها مساجد والبناء عليها # وزيارة القبور جائزة في الجملة، حتى قبور الكفار، فإن في صحيح مسلم عن ~~أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي (8) ~~فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» (9) ". # وفيه أيضا عنه قال: «زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى ~~من حوله، فقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن ~~أزور PageV02P180 # قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت» (1) . # وفي صحيح مسلم (2) عن بريدة، " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " (3) ~~«نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (4) . وفي رواية لأحمد والنسائي: «فمن ~~أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرا» (5) . # وروى أحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة» ~~(6) . # فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم في زيارتها بعد النهي، وعلل ذلك بأنها ~~تذكر الموت، والدار الآخرة، وأذن (7) إذنا عاما، في زيارة قبر المسلم ~~والكافر. # والسبب الذي ورد عليه هذا اللفظ يوجب دخول الكافر، والعلة -وهي تذكر ~~الموت ms302 والآخرة- موجودة في ذلك كله. وقد كان (8) صلى الله عليه وسلم يأتي ~~قبور أهل PageV02P181 # البقيع والشهداء للدعاء لهم والاستغفار، فهذا المعنى يختص (1) بالمسلمين ~~دون الكافرين. فهذه الزيارة وهي زيارة القبور، لتذكر الآخرة، أو لتحيتهم ~~والدعاء لهم، هو الذي جاءت به السنة، كما تقدم. # وقد اختلف أصحابنا وغيرهم، هل يجوز السفر لزيارتها؟ على قولين: # أحدهما: لا يجوز، والمسافرة لزيارتها معصية، ولا يجوز قصر الصلاة فيها، ~~وهذا قول ابن بطة وابن عقيل، وغيرهما؛ لأن هذا السفر بدعة، لم يكن في عصر ~~السلف، وهو مشتمل على ما سيأتي من معاني النهي، ولأن في الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد ~~الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» (2) . # وهذا النهي يعم السفر إلى المساجد والمشاهد، وكل مكان يقصد السفر إلى ~~عينه للتقرب (3) بدليل أن بصرة بن أبي بصرة الغفاري (4) لما رأى أبا هريرة ~~راجعا من الطور الذي كلم الله عليه موسى (5) قال: لو رأيتك قبل أن تأتيه لم ~~تأته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد» (6) . PageV02P182 # فقد فهم الصحابي الذي روى الحديث أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء، ~~مندرجة في العموم، وأنه لا يجوز السفر إليها، كما لا يجوز السفر إلى مسجد ~~غير المساجد الثلاثة. وأيضا فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله -غير ~~الثلاثة- لا يجوز، مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة، ويستحب أخرى، وقد جاء في ~~قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى- فالسفر إلى بيوت (1) عباده أولى أن لا ~~يجوز. # والوجه الثاني: أنه يجوز السفر إليها، قاله طائفة من المتأخرين، منهم أبو ~~حامد الغزالي (2) وأبو الحسن بن عبدوس الحراني (3) والشيخ أبو محمد المقدسي ~~(4) . وما علمته منقولا عن أحد من المتقدمين، بناء على أن الحديث ~~PageV02P183 # لم يتناول النهي عن ذلك، كما لم يتناول النهي عن السفر إلى الأمكنة التي ~~فيها الوالدان، والعلماء والمشايخ، والإخوان، أو بعض المقاصد، من الأمور ~~الدنيوية المباحة. # فأما ما سوى ذلك من المحدثات، فأمور: # منها- الصلاة ms303 عند القبور مطلقا، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، ~~فقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك، والتغليظ ~~فيه. فأما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه، ~~متابعة للأحاديث، وصرح أصحابنا وغيرهم، من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما، ~~بتحريمه، ومن العلماء من أطلق فيه لفظ الكراهة. فما أدري عنى به التحريم، ~~أو التنزيه؟ # ولا ريب في القطع بتحريمه، لما روى مسلم في صحيحه "عن جندب بن عبد الله ~~البجلي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ~~«إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما ~~اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي (1) خليلا، لاتخذت أبا بكر ~~خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك» (2) . PageV02P184 # وعن عائشة رضي الله عنها، وعبد الله بن عباس قالا (1) «لما نزل برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، ~~فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ~~يحذر ما صنعوا» أخرجه البخاري ومسلم (2) . وأخرجا جميعا عن أبي هريرة: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله اليهود (3) اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد» (4) وفي رواية لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد» (5) . / 50 فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر ~~حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته ~~أن يفعلوا ذلك. # قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: ~~«لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ولولا ذلك لأبرز ~~قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. رواه البخاري ومسلم (6) . PageV02P185 # وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن من أشرار الناس من تدركهم الساعة ms304 وهم أحياء، ~~والذين يتخذون القبور مساجد» (1) رواه أبو حاتم (2) في صحيحه (3) . # وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لعن الله اليهود (4) اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (5) . رواه الإمام أحمد. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» . رواه أحمد وأبو داود ~~والترمذي والنسائي (6) . PageV02P186 # وفي الباب أحاديث وآثار (1) كثيرة ليس هذا موضع استقصائها (2) . # فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، والملوك وغيرهم- ~~يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء ~~المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر ~~المذهب (3) لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك، ولأحاديث أخر، وليس في هذه ~~المسألة خلاف لكون المدفون فيها (4) واحدا، وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة ~~المجردة عن مسجد، هل حدها ثلاثة أقبر، أو ينهى عن الصلاة عند القبر الفذ ~~وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين (5) . ### | أنواع من المحرمات # ثم يتغلظ النهي إن كانت البقعة مغصوبة، مثل ما بني على (6) بعض العلماء، ~~أو الصالحين، أو غيرهم ممن كان مدفونا في مقبرة مسبلة، فبني على قبره مسجد، ~~أو مدرسة، أو رباط، أو مشهد، وجعل فيه مطهرة، أو لم يجعل فإن هذا مشتمل على ~~أنواع من المحرمات. # أحدها: أن المقبرة المسبلة لا يجوز الانتفاع بها في غير الدفن من غير ~~تعويض بالاتفاق، فبناء المسجد أو المدرسة أو الرباط فيها: كدفن الميت في ~~المسجد، أو كبناء الخانات ونحوها في المقبرة، أو كبناء المسجد في الطريق ~~الذي يحتاج الناس إلى المشي فيه. PageV02P187 # الثاني: اشتمال غالب ذلك على نبش قبور المسلمين، وإخراج عظام موتاهم، كما ~~قد علم ذلك في كثير من هذه المواضيع. # الثالث: أنه قد روى مسلم في صحيحه عن جابر: «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: نهى أن يبنى على القبور» (1) . # الرابع: أن بناء المطاهر (2) التي هي محل النجاسات، بين مقابر المسلمين، ~~من أقبح ما تجاور به القبور، ms305 لا سيما إن كان محل المطهرة قبر رجل (3) مسلم. # الخامس: اتخاذ القبور مساجد، وقد تقدم بعض النصوص المحرمة لذلك. # السادس: الإسراج على القبور وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~يفعل ذلك (4) . # السابع: مشابهة أهل الكتاب في كثير من الأقوال والأفعال والسنن بهذا ~~السبب كما هو الواقع. إلى غير ذلك من الوجوه. # وقد كانت البنية التي على قبر إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم مسدودة ~~لا يدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة، فقيل: إن بعض النسوة المتصلات ~~بالخلفاء رأت في ذلك مناما فنقبت (5) لذلك. وقيل: إن النصارى لما استولوا ~~على هذه النواحي PageV02P188 # نقبوا ذلك. ثم ترك ذلك مسجدا بعد الفتوح المتأخرة. وكان أهل الفضل من ~~شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية، وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها، ~~اتباعا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتقاء لمعصيته، كما تقدم. # وكذلك إيقاد المصابيح في هذه المشاهد مطلقا، لا يجوز بلا خلاف أعلمه، ~~للنهي الوارد، ولا يجوز الوفاء بما ينذر لها من دهن وغيره، بل موجبه موجب ~~نذر المعصية. # ومن ذلك الصلاة عندها، وإن لم (1) يبن هناك مسجد، فإن ذلك أيضا اتخاذها ~~مسجدا، كما قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدا» (2) ~~ولم تقصد عائشة رضي الله عنها مجرد بناء مسجد، فإن الصحابة لم يكونوا ~~ليبنوا حول قبره مسجدا، وإنما قصدت أنهم خشوا أن الناس يصلون عند قبره، وكل ~~موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه فإنه يسمى مسجدا ~~(3) وإن لم يكن هناك بناء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا» (4) . # وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأرض كلها ~~مسجد، إلا المقبرة والحمام» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه ~~والبزار، وغيرهم بأسانيد جيدة (5) ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه. ~~PageV02P189 # واعلم أن من الفقهاء من اعتقد أن سبب كراهة الصلاة في المقبرة ليس إلا ~~كونها مظنة النجاسة، لما يختلط بالتراب من ms306 صديد الموتى، وبنى على هذا ~~الاعتقاد الفرق بين المقبرة الجديدة والعتيقة، وبين أن يكون بينه وبين ~~التراب حائل، أو لا يكون. # ونجاسة الأرض مانع من الصلاة عليها، سواء كانت مقبرة أو لم تكن، لكن ~~المقصود الأكبر بالنهي عن الصلاة عند القبور ليس هو هذا. فإنه قد بين أن ~~اليهود والنصارى كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ~~وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما ~~فعلوا (1) . # وروي عنه صلى الله عليه وسلم (2) أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (3) قالت عائشة: ~~ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا (4) وقال: «إن من كان قبلكم ~~كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد (5) فإني أنهى عن ~~ذلك» (6) . PageV02P190 # فهذا كله يبين لك أن السبب ليس هو مظنة النجاسة وإنما هو مظنة اتخاذها ~~أوثانا. كما قال الشافعي رضي الله عنه: " وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل ~~قبره مسجدا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس " (1) وقد ذكر هذا ~~المعنى أبو بكر الأثرم في (ناسخ الحديث ومنسوخه) ، وغيره من أصحاب أحمد ~~وسائر العلماء فإن قبر النبي أو الرجل الصالح، لم يكن ينبش، والقبر الواحد ~~لا نجاسة عليه. # وقد نبيه هو صلى الله عليه وسلم على العلة بقوله: «اللهم لا تجعل قبري ~~وثنا يعبد» وبقوله: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فلا ~~تتخذوها مساجد» وأولئك إنما كانوا يتخذون قبورا لا نجاسة عندها. ولأنه قد ~~روى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي (2) أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها» (3) . ولأنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: «كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا ~~فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (4) . فجمع بين ~~التماثيل والقبور. # وأيضا فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك، وقد ذكروا ~~أن ودا وسواعا ms307 ويغوث ويعوق ونسرا أسماء قوم صالحين كانوا بين PageV02P191 # آدم ونوح عليهما السلام. فروى محمد بن جرير بإسناده إلى الثوري عن موسى ~~بن محمد بن قيس: "ويعوق ونسرا" قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح عليهما ~~السلام، وكان لهم اتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا ~~يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم. ~~فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم ~~يسقون المطر، فعبدوهم (1) . قال قتادة وغيره: "كانت هذه الآلهة يعبدها قوم ~~نوح، ثم اتخذها العرب بعد ذلك" (2) . # وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي (3) أوقعت كثيرا من الأمم، إما في ~~الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم ~~الصالحين، وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب (4) ونحو ذلك. # فإن (5) يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك ~~بخشبة أو حجر على تمثاله. ولهذا نجد أقواما كثيرين يتضرعون عندها، ويخشعون ~~(6) ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها (7) في المسجد، بل ولا في السحر، ~~ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا ~~يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال. # فهذه المفسدة -التي هي مفسدة الشرك، كبيره وصغيره- هي التي حسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد ~~PageV02P192 # المصلي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة، ونحو ~~ذلك كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها؛ لأنها الأوقات ~~التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها فينهى المسلم عن الصلاة حينئذ - ~~وإن لم يقصد ذلك - سدا للذريعة. # فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء والصالحين، متبركا ~~بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، ~~وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه ~~بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن الصلاة عند القبر - ~~أي قبر كان - لا فضل فيها ms308 لذلك، ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلا، ~~بل مزية شر. # واعلم أن تلك البقعة وإن كان قد تنزل عندها الملائكة والرحمة، ولها شرف ~~وفضل، لكن دين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه. # فإن النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم، وعبدوا تماثيلهم، واليهود ~~استخفوا بهم حتى قتلوهم، والأمة الوسط عرفوا مقاديرهم؛ فلم يغلوا فيهم غلو ~~النصارى، ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما ~~صح عنه: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، ~~فقولوا: عبد الله ورسوله» (1) . فإذا قدر أن الصلاة هناك توجب من الرحمة ~~أكثر من الصلاة في غير تلك البقعة كانت المفسدة الناشئة من الصلاة هناك ~~تربي (2) . على هذه (3) . PageV02P193 # المصلحة حتى تغمرها أو تزيد عليها، بحيث تصير الصلاة هناك مذهبة لتلك ~~الرحمة، ومثبتة لما يوجب (1) العذاب، ومن لم تكن له بصيرة يدرك بها الفساد ~~الناشئ من الصلاة عندها فيكفيه أن يقلد الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه ~~لولا أن الصلاة عندها مما غلبت مفسدته على مصلحته لما نهى عنه، كما نهى عن ~~الصلاة في الأوقات الثلاثة وعن صوم يومي العيدين بل كما حرم الخمر، فإنه ~~لولا أن فسادها غالب على ما فيها من المنفعة لما حرمها، وكذلك تحريم القطرة ~~منها، ولولا غلبة الفساد فيها على الصلاح لما حرمها. # وليس على المؤمن ولا له أن يطالب الرسل بتبيين وجوه المصالح والمفاسد ~~وإنما عليه طاعتهم. قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله} [النساء: 64] (2) وقال (3) {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: ~~80] (4) وإنما حقوق الأنبياء في تعزيرهم وتوقيرهم، ومحبتهم محبة مقدمة على ~~النفس والأهل والمال (5) وإيثار طاعتهم ومتابعة سنتهم، ونحو ذلك من الحقوق ~~التي من قام بها لم يقم (6) بعبادتهم والإشراك بهم، كما أن عامة من يشرك ~~بهم شركا أكبر أو أصغر يترك ما يجب عليه من طاعتهم، بقدر ما ابتدعه من ~~الإشراك بهم. # وكذلك حقوق الصديقين المحبة والإجلال ونحو ذلك من الحقوق التي جاء بها ~~الكتاب والسنة ms309 وكان عليها سلف الأمة. # وقد اختلف الفقهاء في الصلاة في المقبرة: هل هي محرمة أو مكروهة؟ ~~PageV02P194 # وإذا قيل: هي محرمة، (1) فهل تصح مع التحريم أم لا؟ المشهور عندنا أنها ~~محرمة لا تصح (2) ومن تأمل النصوص المتقدمة تبين له أنها محرمة بلا شك، وأن ~~صلاته لا تصح (3) . ### | الدعاء عند القبور # وليس الغرض هنا تقرير المسائل المشهورة فإنها معروفة، إنما الغرض التنبيه ~~على ما يخفى من غيرها. فمما (4) يدخل في هذا: قصد القبور للدعاء عندها أو ~~بها. فإن الدعاء عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين: # أحدهما: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق، لا لقصد الدعاء فيها، ~~كمن يدعو الله في طريقه، ويتفق أن يمر بالقبور أو كمن يزورها فيسلم عليها، ~~ويسأل الله العافية له وللموتى، كما جاءت به السنة، فهذا ونحوه لا بأس به. # الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك (5) أجوب منه ~~في غيره فهذا النوع منهي عنه إما نهي تحريم أو تنزيه وهو إلى تحريم أقرب، ~~والفرق بين البابين ظاهر فإن الرجل لو كان يدعو الله، واجتاز في ممره بصنم ~~أو صليب أو كنيسة، أو كان يدعو في بقعة (6) وهناك (7) صليب هو عنه ذاهل، أو ~~دخل كنيسة (8) ليبيت فيها مبيتا جائزا، ودعا الله في PageV02P195 # الليل، أو بات في بيت بعض أصدقائه ودعا الله، لم يكن بهذا بأس. # ولو تحرى الدعاء عند صنم أو صليب، أو كنيسة (1) يرجو الإجابة بالدعاء في ~~تلك البقعة، لكان هذا من العظائم. بل لو قصد بيتا أو حانوتا في السوق، أو ~~بعض عواميد الطرقات يدعو عندها، يرجو الإجابة بالدعاء عندها لكان هذا من ~~المنكرات المحرمة؛ إذ ليس للدعاء عندها فضل. فقصد القبور للدعاء عندها من ~~هذا الباب بل هو (2) أشد من بعضه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~اتخاذها مساجد، واتخاذها عيدا، وعن الصلاة عندها، بخلاف كثير من هذه ~~المواضع. وما يرويه بعض الناس من أنه قال: " إذا تحيرتم في الأمور ~~فاستعينوا (3) بأهل القبور "، أو نحو هذا، فهو ms310 كلام موضوع مكذوب باتفاق ~~العلماء (4) والذي يبين ذلك أمور: # أحدها: أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم لأجلها ~~عن الصلاة عندها إنما هو لئلا تتخذ ذريعة إلى نوع من الشرك (5) بالعكوف ~~عليها وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة. # ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة فيدعو لاستجلاب ~~خير كالاستسقاء، أو لرفع شر كالاستنصار (6) حاله في افتتانه بالقبور - إذا ~~رجا الإجابة عندها - أعظم من حال من يؤدي الفرض عندها في حال العافية، فإن ~~أكثر المصلين - في حال العافية - لا تكاد قلوبهم تفتن بذلك PageV02P196 # إلا قليلا، أما الداعون المضطرون ففتنتهم بذلك عظيمة جدا، فإذا كانت ~~المفسدة والفتنة التي لأجلها نهي عن الصلاة (1) متحققة في حال (2) هؤلاء، ~~كان نهيهم عن ذلك (3) أوكد وأوكد. وهذا واضح لمن فقه في دين الله، وتبين له ~~(4) ما جاءت به الحنفية من الدين الخالص لله، وعلم كمال (5) سنة إمام ~~المتقين في تجريد التوحيد، ونفي الشرك بكل طريق. # الثاني: أن قصد القبور للدعاء عندها، ورجاء الإجابة بالدعاء هنالك رجاء ~~أكثر من رجائها بالدعاء في غير ذلك الموطن، أمر لم يشرعه الله ولا رسوله ~~ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين ولا ذكره أحد من ~~العلماء ولا الصالحين المتقدمين، بل أكثر ما ينقل من ذلك عن بعض المتأخرين ~~بعد المائة الثانية. # وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجدبوا مرات، ودهمتهم نوائب غير ~~ذلك، فهلا جاءوا فاستسقوا واستغاثوا، عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ # بل خرج عمر بالعباس فاستسقى به (6) ولم يستسق عند قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # بل قد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كشفت عن قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم لينزل المطر، فإنه رحمة تنزل على قبره ولم تستسق عنده ولا استغاثت ~~هناك. # ولهذا لما بنيت حجرته (7) على عهد التابعين - بأبي هو وأمي - صلى الله ~~عليه وسلم تركوا في أعلاها كوة إلى السماء وهي إلى الآن باقية فيها، موضوع ~~عليها PageV02P197 # مشمع ms311 (1) على أطرافه حجارة تمسكه، وكان السقف بارزا إلى السماء وبني كذلك ~~لما احترق المسجد والمنبر سنة بضع وخمسين وستمائة (2) وظهرت النار بأرض ~~الحجاز، التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى (3) وجرت بعدها فتنة الترك (4) ~~ببغداد وغيرها (5) . # ثم عمر المسجد والسقف كما كان، وأحدث حول الحجرة الحائط الخشبي، ثم بعد ~~ذلك بسنين متعددة بنيت القبة على السقف، وأنكره من كرهه (6) . PageV02P198 # على أنا قد روينا في مغازي محمد بن إسحاق من زيادات يونس بن بكير (1) عن ~~أبي خلدة خالد بن دينار، حدثنا أبو العالية (2) قال: " لما فتحنا تستر (3) ~~وجدنا في بيت مال (4) الهرمزان (5) سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، ~~فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر رضي الله عنه فدعا له كعبا (6) فنسخه ~~بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه قراءة مثلما أقرأ القرآن هذا، فقلت ~~لأبي العالية: ما كان فيه؟ ، قال: " سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم، وما هو ~~كائن بعد " قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: " حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا ~~متفرقة، فلما كان بالليل دفناه، وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ~~ينبشونه " فقلت: ما يرجون (7) منه؟ قال: " كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا ~~PageV02P199 # بسريره (1) فيمطرون ". فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: " رجل يقال له ~~دانيال " (2) فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: " منذ ثلاثمائة سنة ". قلت: ~~ما كان تغير منه شيء؟ قال: " لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا ~~تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع " (3) . # ففي هذه القصة (4) ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية (5) قبره، لئلا ~~يفتتن به الناس، وهو إنكار منهم لذلك. # ويذكر (6) أن قبر أبي أيوب الأنصاري عند أهل القسطنطينية كذلك، ولا قدوة ~~بهم (7) فقد كان من قبور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمصار عدد ~~كثير، وعندهم التابعون، ومن بعدهم من الأئمة، وما استغاثوا عند قبر صاحب ~~قط، ولا استسقوا عند قبره (8) ولا به، ولا استنصروا عنده ولا به. ومن ~~المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو ~~دونه. ومن تأمل ms312 كتب الآثار، وعرف حال السلف، تيقن قطعا أن القوم ما كانوا ~~يستغيثون PageV02P200 # عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلا، بل كانوا ينهون عن ذلك من كان ~~يفعله من جهالهم. كما قد ذكرنا بعضه. # فلا يخلو: إما أن يكون الدعاء عندها أفضل منه في غير تلك البقعة، أو لا ~~يكون. # فإن كان أفضل لم يجز أن يخفى علم هذا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ ~~فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم، ويعلمه من بعدهم. ~~ولم يجز أن يعلموا ما فيه من الفضل العظيم (1) ويزهدوا فيه، مع حرصهم على ~~كل خير، لا سيما الدعاء، فإن المضطر يتشبث بكل سبب، وإن كان فيه نوع كراهة، ~~فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ~~ثم لا يقصدونه (2) ؟ هذا محال طبعا وشرعا. # وإن لم يكن الدعاء عندها أفضل، كان قصد الدعاء عندها ضلالة ومعصية، كما ~~لو تحرى الدعاء وقصده عند سائر البقاع التي لا فضيلة للدعاء عندها، من شطوط ~~الأنهار، ومغارس الأشجار وحوانيت الأسواق، وجوانب الطرقات، وما لا يحصي ~~عدده إلا الله. # وهذا الدليل قد دل عليه كتاب الله في غير موضع، مثل قوله تعالى: {أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] (3) فإذا لم ~~يشرع الله استحباب الدعاء عند المقابر ولا وجوبه؛ فمن شرعه فقد شرع من ~~الدين ما لم يأذن به الله وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] (4) PageV02P201 # وهذه العبادة عند المقابر نوع من أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطانا، ~~لأن الله لم ينزل حجة تتضمن استحباب قصد الدعاء عند القبور وفضله على غيره. ~~ومن جعل ذلك من دين الله فقد قال على الله ما لا يعلم (1) . # وما أحسن قوله تعالى: {ما لم ينزل به سلطانا} [الأعراف: 33] لئلا يحتج ~~بالمقاييس والحكايات. # ومثل هذا قوله تعالى ms313 في حكايته عن الخليل: {وحاجه قومه قال أتحاجوني في ~~الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء ~~علما أفلا تتذكرون - وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما ~~لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون - الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون - وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: ~~80 - 83] (2) . # فإن هؤلاء المشركين الشرك الأكبر والأصغر يخوفون المخلصين بشفعائهم (3) ~~فيقال لهم (4) نحن لا نخاف هؤلاء الشفعاء الذين لكم، فإنهم خلق من خلق ~~الله، لا يضرون إلا بعد مشيئة الله، فمن مسه بضر فلا كاشف له إلا هو، ومن ~~أصابه برحمة فلا راد لفضله وكيف نخاف هؤلاء المخلوقين الذين جعلتموهم شفعاء ~~وأنتم لا تخافون الله، وقد أحدثتم (5) في دينه من الشرك ما لم PageV02P202 # ينزل به وحيا من السماء؟! فأي الفريقين أحق بالأمن؟ من كان لا يخاف إلا ~~الله، ولم يبتدع في دينه شركاء، أم من ابتدع في دينه شركا بغير إذنه؟ بل من ~~آمن ولم يخلط إيمانه بشرك فهؤلاء من (1) المهتدين. # وهذه الحجة المستقيمة التي يرفع الله بها وبأمثالها أهل العلم. # فإن قيل: فقد نقل عن بعضهم أنه قال: " قبر معروف (2) الترياق المجرب (3) ~~وروي عن معروف أنه أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره. # وذكر أبو علي الخرقي (4) في قصص من هجره أحمد، أن بعض هؤلاء المهجورين ~~كان يجيء عند قبر أحمد، ويتوخى الدعاء عنده، وأظنه ذكر ذلك للمروذي (5) ~~ونقل عن جماعات أنهم دعوا عند قبور جماعات من الأنبياء والصالحين، من أهل ~~البيت وغيرهم، فاستجيب لهم الدعاء، وعلى هذا عمل كثير من الناس. # وقد ذكر العلماء (6) المصنفون في مناسك الحج إذا زار قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم PageV02P203 # فإنه يدعو عنده، وذكر بعضهم أنه من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ودعا ~~استجيب له. وذكر بعض الفقهاء في حجة من يجوز القراءة على ms314 القبر: أنها بقعة ~~يجوز السلام والذكر والدعاء عندها، فجازت القراءة (1) كغيرها. # وقد رأى بعضهم منامات في الدعاء عند قبر بعض الأشياخ، وجرب أقوام استجابة ~~الدعاء عند قبور معروفة، كقبر الشيخ أبي الفرج الشيرازي المقدسي (2) وغيره. # وقد أدركنا في أزماننا وما قاربها من ذوي الفضل (3) علما وعملا من كان ~~يتحرى الدعاء عندها أو العكوف عليها، وفيهم من كان بارعا في العلم، وفيهم ~~من كان له (4) كرامات، فكيف يخالف هؤلاء؟ وإنما ذكرت هذا السؤال مع بعده عن ~~طريق (5) العلم والدين، لأنه غاية ما يتمسك به المقبريون (6) . ### | رد القول بأن الأمة أجمعت على استحسان الدعاء عند القبور # قلنا: الذي ذكرنا كراهته، لا ينقل في استحبابه - فيما علمناه - شيء ~~PageV02P204 # ثابت، عن القرون الثلاثة التي أثنى النبي صلى الله عليه وسلم (1) عليها ~~حيث قال: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين ~~يلونهم» (2) مع شدة المقتضي فيهم (3) لذلك (4) لو كان فيه فضيلة، فعدم (5) ~~أمرهم وفعلهم لذلك مع قوة المقتضي لو كان فيه فضل يوجب (6) القطع بأن لا ~~فضل فيه. # وأما من بعد هؤلاء، فأكثر ما يفرض: أن الأمة اختلفت، فصار كثير من ~~العلماء أو الصديقين إلى فعل (7) ذلك، وصار بعضهم إلى النهي عن ذلك، فإنه ~~لا يمكن أن يقال: قد أجمعت الأمة على استحسان ذلك لوجهين: # أحدهما: أن كثيرا من الأمة كره ذلك وأنكره، قديما وحديثا. # الثاني: أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسنا لفعله ~~المتقدمون، ولم يفعلوه، فإن هذا من باب تناقض الإجماعات، وهي لا تتناقض، ~~وإذا اختلف فيه المتأخرون فالفاصل بينهم: هو الكتاب والسنة، PageV02P205 # وإجماع المتقدمين نصا واستنباطا، فكيف (1) - والحمد لله - لا ينقل هذا عن ~~إمام معروف، ولا عالم متبع؟ # بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذبا على صاحبه، مثل ما حكى بعضهم عن ~~الشافعي أنه قال: " إني إذا نزلت بي شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة ~~فأجاب " أو كلاما هذا معناه. وهذا كذلك معلوم كذبه بالاضطرار عند من له (2) ~~معرفة بالنقل، فإن ms315 الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء ~~عنده البتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا، وقد رأى الشافعي ~~بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين، ~~من كان أصحابها عنده وعند المسلمين، أفضل من أبي حنيفة، وأمثاله من ~~العلماء. فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده (3) ؟ ثم أصحاب أبي حنيفة الذين ~~أدركوه، مثل أبي يوسف ومحمد (4) وزفر (5) والحسن بن زياد (6) وطبقتهم، لم ~~يكونوا يتحرون الدعاء، لا عند قبر أبي حنيفة ولا غيره. PageV02P206 # ثم قد تقدم عند الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور ~~المخلوقين (1) خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ~~ودينه. # وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف، ونحن لو روي لنا ~~مثل هذه الحكايات المسيبة (2) أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى، لما جاز التمسك ~~بها حتى تثبت. فكيف بالمنقول عن غيره؟ # ومنها ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله، باجتهاد يخطئ ويصيب، أو قاله بقيود ~~وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه، فحرف النقل عنه، كما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما أذن في زيارة القبور بعد النهي (3) فهم المبطلون أن ذلك هو ~~الزيارة (4) التي يفعلونها، من حجها للصلاة عندها، والاستغاثة (5) بها. # ثم سائر هذه الحجج دائرة بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به، أو قياس لا ~~يجوز استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ~~يشرعها، وتركه (6) مع قيام المقتضي للفعل بمنزلة فعله، وإنما يثبت العبادات ~~بمثل هذه الحكايات والمقاييس - من غير نقل عن الأنبياء - (7) النصارى ~~وأمثالهم. # وإنما المتبع في إثبات أحكام الله (8) كتاب الله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، وسبيل PageV02P207 # السابقين أو الأولين، لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة، ~~نصا واستنباطا بحال. # والجواب عنها من وجهين: مجمل ومفصل. # * أما المجمل: فالنقض: فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات ~~من هذا النمط كثير، بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله ms316 صلى الله عليه ~~وسلم كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا، كما قد يستجاب لهؤلاء ~~أحيانا، وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا وحده دليلا ~~على أن الله يرضى ذلك ويحبه، فليطرد الدليل (1) . وذلك (2) كفر متناقض. # ثم إنك تجد كثيرا من هؤلاء الذين يستغيثون، عند قبر أو غيره، كل منهم قد ~~اتخذ وثنا أحسن به الظن، وأساء الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب ~~عنده، ولا يستجاب عند غيره، فمن المحال إصابتهم جميعا، وموافقة بعضهم دون ~~بعض تحكم، وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد. # فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثرهم - فيما يزعمون - بقدر إقبالهم على ~~وثنهم، وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعا فيما يثبتونه - دون ما ينفونه ~~-، بضعف التأثير على زعمهم، فإن الواحد (3) إذا أحسن الظن بالإجابة عند هذا ~~وهذا، لم يكن تأثره مثل تأثر الحسن (4) PageV02P208 # الظن بواحد دون آخر. وهذه كلها من خصائص الأوثان. # ثم قد استجيب لبلعم بن باعور (1) في قوم موسى المؤمنين وسلبه الله ~~الإيمان. والمشركون قد يستسقون فيسقون، ويستنصرون فينصرون. # وأما الجواب المفصل فنقول: مدار هذه الشبه على أصلين: # منقول: وهو ما يحكى من فعل هذا الدعاء عن (2) بعض الأعيان. # ومعقول: وهو ما يعتقد من منفعته بالتجارب والأقيسة. # فأما النقل في ذلك: فإما كذب، أو غلط، أو ليس بحجة، بل قد ذكرنا النقل ~~عمن يقتدى به بخلاف ذلك. # وأما المعقول فنقول: عامة المذكور من المنافع كذب، فإن هؤلاء الذين ~~يتحرون الدعاء عند القبور وأمثالهم - إنما يستجاب لهم في النادر. ويدعو ~~الرجل منهم ما شاء الله من دعوات، فيستجاب له في واحدة، ويدعو خلق كثير ~~منهم، فيستجاب للواحد بعد الواحد وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء أوقات ~~الأسحار، ويدعون الله في سجودهم وأدبار صلاتهم، وفي بيوت الله؟ فإن هؤلاء ~~إذا ابتهلوا (3) من جنس ابتهال المقابريين (4) لم تكد تسقط لهم دعوة إلا ~~لمانع. PageV02P209 # بل الواقع أن الابتهال الذي يفعله المقابريون (1) إذا فعله المخلصون، لم ~~يرد المخلصون إلا نادرا، ولم يستجب للمقابريين ms317 (2) إلا نادرا، والمخلصون ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها ~~إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل الله له ~~دعوته، أو يدخر (3) له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: ~~يا رسول الله، إذن نكثر. قال: الله أكثر» (4) . فهم في دعائهم لا يزالون ~~بخير. # وأما المقبريون: فإنهم إذا استجيب لهم نادرا، فإن أحدهم يضعف توحيده، ~~ويقل نصيبه من ربه، ولا يجد في قلبه من ذوق الإيمان وحلاوته ما كان يجده ~~السابقون الأولون. ولعله لا يكاد يبارك له (5) في حاجته، اللهم إلا أن يعفو ~~الله عنهم لعدم علمهم بأن ذلك بدعة، فإن المجتهد إذا أخطأ أثابه الله على ~~اجتهاده، وغفر له خطأه. # وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرا في العالم وهي محرمة في الشرع، ~~كالتمريجات (6) الفلكية، والتوجهات النفسانية. كالعين، والدعاء المحرم، ~~PageV02P210 # والرقى المحرمة، أو التمريجات الطبيعية. ونحو ذلك، فإن مضرتها أكثر من ~~منفعتها حتى في نفس ذلك المطلوب، فإن هذه الأمور لا يطلب بها غالبا إلا ~~أمور دنيوية، فقل أن يحصل (1) لأحد بسببها أمر دنيوي إلا كانت عاقبته فيه ~~في الدنيا عاقبة خبيثة. دع الآخرة. # والمخفق (2) من أهل هذه الأسباب أضعاف أضعاف المنجح، ثم إن فيها من النكد ~~(3) والضرر ما الله به عليم. فهي في نفسها مضرة ولا يكاد يحصل الغرض بها ~~إلا نادرا وإذا حصل فضرره أكثر من نفعه (4) . والأسباب المشروعة في حصول ~~هذه المطالب، المباحة أو المستحبة سواء كانت طبيعية: كالتجارة والحراثة، أو ~~كانت دينية: كالتوكل على الله والثقة به، وكدعاء الله سبحانه على الوجه ~~المشروع، في الأمكنة والأزمنة التي فضلها الله ورسوله، بالكلمات المأثورة ~~عن إمام المتقين صلى الله عليه وسلم، وكالصدقة، وفعل المعروف (5) يحصل بها ~~الخير المحض أو الغالب. وما يحصل من ضرر بفعل مشروع، أو ترك غير مشروع (6) ~~مما نهي عنه، فإن ذلك الضرر مكثور في جانب ما يحصل من المنفعة. PageV02P211 # وهذا الأمر، كما أنه قد دل ms318 عليه الكتاب والسنة والإجماع، فهو أيضا معقول ~~بالتجارب المشهورة والأقيسة الصحيحة، فإن الصلاة والزكاة يحصل بهما خير ~~الدنيا والآخرة، ويجلبان كل خير، ويدفعان كل شر. # فهذا الكلام في بيان أنه لا يحصل بتلك الأسباب المحرمة لا خير محض، ولا ~~غالب، ومن كان له خبرة بأحوال العالم (1) وعقل، تيقن ذلك يقينا لا شك فيه. # وإذا ثبت ذلك: فليس علينا من سبب (2) التأثير أحيانا، فإن الأسباب التي ~~يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء، لا يحصيها على الحقيقة إلا هو، ~~أما أعيانها فبلا ريب - وكذلك أنواعها أيضا - لا يضبطها المخلوق (3) لسعة ~~ملكوت الله سبحانه وتعالى، ولهذا كانت طريقة الأنبياء عليهم السلام، أنهم ~~يأمرون الخلق بما فيه صلاحهم، وينهونهم عما فيه فسادهم، ولا يشغلونهم ~~بالكلام في أسباب الكائنات كما تفعل المتفلسفة، فإن ذلك كثير التعب، قليل ~~الفائدة، أو موجب للضرر. # ومثال النبي صلى الله عليه وسلم مثال طبيب دخل على مريض، فرأى مرضه ~~فعلمه، فقال له: اشرب كذا، واجتنب كذا. ففعل ذلك، فحصل غرضه من الشفاء. # والمتفلسف قد يطول معه الكلام في سبب ذلك المرض، وصفته، وذمه وذم ما ~~أوجبه. ولو قال له المريض: فما الذي يشفيني منه؟ لم يكن له بذلك علم تام. # والكلام (4) في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف ~~PageV02P212 # عقله ودينه، بحيث تختطف (1) عقله فيتأله (2) إذا لم يرزق من العلم ~~والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين. ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى ~~المشروع لا يؤثر بحال، فلا منفعة فيه، أو أنه وإن أثر فضرره أكثر من نفعه. # ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة: أن الرجل منهم قد ~~يكون مضطرا ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له، لصدق توجهه إلى ~~الله، وإن كان تحري الدعاء عند الوثن شركا. ولو (3) استجيب له على يد ~~المتوسل به، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته، فإنه يعاقب على ذلك ويهوي به في ~~النار إذا لم يعف الله عنه، كما لو طلب من الله ما ms319 يكون فتنة له. كما أن ~~ثعلبة (4) لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بكثرة المال، ونهاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته حتى دعا له، وكان ~~ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة. وقد " قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ~~الرجل ليسألني المسألة فأعطيه إياها، فيخرج بها يتأبطها نارا "، فقالوا: يا ~~رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: " يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل» ~~(5) . PageV02P213 # فكم من عبد دعا دعاء غير مباح، فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب ~~هلاكه في الدنيا والآخرة، تارة بأن يسأل ما لا تصلح له مسألته، كما فعل ~~بلعام وثعلبة، وكخلق كثير دعوا بأشياء فحصلت لهم، وكان فيها هلاكهم. وتارة ~~بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله كما قال سبحانه: {ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55] (1) فهو سبحانه لا يحب المعتدين ~~في صفة (2) الدعاء، ولا في المسؤول، وإن كانت حاجتهم قد تقضى، كأقوام ناجوا ~~الله في دعواتهم بمناجاة فيها جرأة على الله، واعتداء لحدوده، وأعطوا ~~طلبتهم فتنة، ولما يشاء سبحانه، بل أشد من ذلك. # ألست ترى السحر والطلسمات (3) والعين وغير ذلك، من المؤثرات في العالم ~~بإذن الله، قد يقضى (4) بها كثير من أغراض النفوس (5) ومع هذا فقد قال ~~سبحانه: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به ~~أنفسهم لو كانوا يعلمون - ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو ~~كانوا يعلمون} [البقرة: 102 - 103] (6) . # فإنهم معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة، وأن صاحبه خاسر في الآخرة، وإنما ~~يتشبثون بمنفعته في الدنيا. وقد قال تعالى: {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} ~~[البقرة: 102] (7) . # وكذلك أنواع من الداعين والسائلين قد يدعون دعاء محرما، يحصل معه ~~PageV02P214 # ذلك الغرض، ويورثهم ضررا أعظم منه، وقد يكون الدعاء مكروها ويستجاب له ~~أيضا. ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي، وقد لا يعلمه، على وجه لا ~~يعذر فيه بتقصير في طلب العلم، أو ترك للحق، ms320 وقد لا يعلمه على وجه يعذر ~~فيه، بأن يكون فيه مجتهدا، أو مقلدا، كالمجتهد والمقلد اللذين يعذران في ~~سائر الأعمال، وغير المعذور قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء؛ لكثرة حسناته ~~وصدق قصده، أو لمحض رحمة الله به، أو نحو ذلك من الأسباب. # فالحاصل: أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة شرعية (1) بمنزلة سائر ~~أنواع العبادات. وقد علم (2) أن العبادة المشتملة على وصف مكروه قد تغفر ~~تلك الكراهة (3) لصاحبها، لاجتهاده أو تقليده، أو حسناته أو غير ذلك. ثم ~~ذلك لا يمنع أن يعلم أن ذلك مكروه ينهى (4) عنه، وإن كان هذا الفاعل المعين ~~(5) قد زال موجب الكراهة في حقه. ### | أثر العبادة والدعاء عند القبور ليس دليلا على استحسانها # ومن هنا يغلط كثير من الناس، فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين ~~عبدوا عبادة، أو دعوا دعاء، ووجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء، فيجعلون ~~ذلك دليلا على استحسان تلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة، كأنه ~~قد فعله نبي، وهذا غلط، لما ذكرناه. خصوصا إذا كان ذلك العمل إنما كان أثره ~~بصدق قام بقلب فاعله حين الفعل، ثم يفعله الأتباع صورة لا صدقا، فيضرون به ~~(6) لأنه ليس العمل مشروعا فيكون (7) لهم ثواب PageV02P215 # المتبعين، ولا قام بهم (1) صدق ذلك الفاعل الذي (2) لعله بصدق الطلب وصحة ~~القصد يكفر عن الفاعل. # ومن هذا الباب ما يحكى من آثار لبعض الشيوخ، حصلت في السماع المبتدع، فإن ~~(3) تلك الآثار، إنما كانت عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال، حركها محرك ~~كانوا في سماعه إما مجتهدين، وإما (4) مقصرين تقصيرا غمره حسنات قصدهم، ~~فيأخذ الأتباع حضور صورة السماع وليس حضور أولئك الرجال سنة تتبع، ولا مع ~~المقتدين (5) من الصدق والقصد ما لأجله عذروا، أو غفر لهم، فيهلكون بذلك. # وكما يحكى عن بعض الشيوخ، أنه رئي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ ~~فقال: أوقفني بين يديه وقال لي: يا شيخ السوء، أنت الذي كنت تتمثل بسعدى ~~ولبنى؟ لولا أني (6) أعلم أنك صادق لعذبتك. # فإذا سمعت دعاء، أو مناجاة ms321 مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها (7) ~~فكثير ما يكون من هذا الباب. ولهذا كان الأئمة، العلماء بشريعة الله، ~~يكرهون هذا من أصحابهم وإن وجد أصحابهم أثره، كما يحكى عن سمنون (8) المحب ~~قال: وقع في قلبي شيء من هذه الآيات، إلى دجلة. PageV02P216 # فقلت: وعزتك لا أذهب حتى يخرج لي حوت. فخرج حوت عظيم، أو كما قال. قال: ~~فبلغ ذلك الجنيد، فقال: كنت أحب أن تخرج إليه حية فتقتله. # وكذلك حكي لنا أن بعض المجاورين بالمدينة، جاء إلى عند قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فاشتهى عليه نوعا من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه، ~~فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لك ذلك (1) وقال لك: اخرج من عندنا، ~~فإن من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا. وآخرون قضيت حوائجهم، ولم يقل لهم مثل ~~(2) هذا، لاجتهادهم أو تقليدهم، أو قصورهم في العلم، فإنه يغفر للجاهل ما ~~لا يغفر لغيره، كما يحكى عن برخ العابد (3) الذي استسقى في بني إسرائيل. # ولهذا عامة ما يحكى في هذا الباب، إنما هو عن قاصري المعرفة، ولو كان هذا ~~شرعا ودينا لكان أهل المعرفة أولى به. ولا يقال: هؤلاء لما نقصت معرفتهم ~~ساغ لهم ذلك، فإن الله لم يسوغ هذا لأحد، لكن قصور المعرفة قد يرجى معه ~~العفو والمغفرة. # أما استحباب المكروهات، أو إباحة المحرمات، فلا نفرق بين العفو عن ~~PageV02P217 # الفاعل والمغفرة له، وبين إباحة فعله أو المحبة له (1) سواء كان ذلك ~~متعلقا بنفس الفعل، أو ببعض صفاته. # وقد علمت جماعة ممن سأل حاجته من بعض المقبورين (2) من الأنبياء ~~والصالحين. فقضيت حاجته، وهو لا يخرج عما ذكرته، وليس ذلك بشرع (3) فيتبع ~~(4) ولا سنة وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى هذه (5) ~~من الأمور المحدثة فلا يستحب، وإن اشتملت أحيانا على فوائد، لأنا نعلم أن ~~مفاسدها راجحة على فوائدها. # ثم هذا التحريم أو الكراهة المقترنة بالأدعية المكروهة، إما من جهة ~~المطلوب، وإما من ms322 جهة نفس الطلب، وكذلك الاستعاذة المحرمة أو المكروهة ~~فكراهتها: إما من جهة المستعاذ منه، وإما من جهة نفس الاستعاذة، فينجون من ~~ذلك (6) الشر، ويقعون فيما هو أعظم منه. # أما المطلوب المحرم، فمثل أن يسأل ما يضره في (7) دنياه أو آخرته، وإن ~~كان لا يعلم أنه يضره، فيستجاب له، «كالرجل الذي عاده (8) النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فوجده مثل الفرخ فقال: " هل كنت تدعو الله بشيء؟ " قال: كنت ~~أقول: اللهم PageV02P218 # ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي (1) في الدنيا. قال: " سبحان الله ~~إنك لا تسطيعه - أو لا تطيقه - هلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؟» (2) وكأهل جابر بن عتيك (3) لما مات، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة ~~يؤمنون على ما تقولون» (4) . # وقد عاب الله على من يقتصر على طلب الدنيا بقوله: {فمن الناس من يقول ~~ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] (5) فأخبر أن ~~من لم يطلب إلا الدنيا لم يكن له في الآخرة من (6) نصيب. PageV02P219 # ومثل أن يدعو على غيره دعاء منهيا عنه، كدعاء بلعم بن باعور على قوم موسى ~~عليه السلام، وهذا قد يبتلى به كثير من العباد أرباب القلوب، فإنه قد يغلب ~~على أحدهم ما يجده من حب أو بغض لأشخاص، فيدعو لأقوام وعلى أقوام بما لا ~~يصلح، فيستجاب له، ويستحق العقوبة على ذلك الدعاء، كما يستحقها على سائر ~~الذنوب، فإن لم يحصل له ما يمحوه، من توبة أو حسنات ماحية، أو شفاعة غيره، ~~أو غير ذلك، وإلا فقد يعاقب، إما بأن يسلب ما كان عنده من ذوق طعم الإيمان ~~ووجود حلاوته، فينزل عن درجته، وإما أن يسلب عمل الإيمان، فيصير فاسقا، ~~وإما بأن يسلب أصل الإيمان، فيصير كافرا منافقا، أو غير (1) منافق. # وما أكثر ما يبتلى بمثل هذا (2) المتأخرون من أرباب الأحوال القلبية، ~~بسبب عدم فقههم في أحوال قلوبهم، وعدم معرفة شريعة الله في أعمال القلوب، ~~وربما غلب ms323 على أحدهم حال قلبه، حتى لا يمكنه صرفه عما توجه إليه، فيبقى ما ~~يخرج منه مثل السهم الخارج من القوس. وهذه الغلبة إنما تقع غالبا بسبب ~~التقصير في الأعمال المشروعة، التي تحفظ حال (3) القلب، فيؤاخذ على ذلك، ~~وقد تقع بسبب اجتهاد يخطئ صاحبه، فتقع معفوا عنها. # ثم من غرور هؤلاء وأشباههم، اعتقادهم أن استجابة مثل هذا الدعاء كرامة من ~~الله تعالى لعبده، وليس في الحقيقة كرامة، وإنما تشبه الكرامة من جهة أنها ~~دعوة نافذة، وسلطان قاهر (4) . وإنما الكرامة في الحقيقة: ما نفعت في ~~الآخرة، أو نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة، وإنما هذا PageV02P220 # بمنزلة ما ينعم به (1) الكفار والفساق، من الرياسات والأموال في الدنيا، ~~فإنها إنما تصير نعمة حقيقية، إذا لم تضر صاحبها في الآخرة، ولهذا اختلف ~~أصحابنا وغيرهم من العلماء: هل ما ينعم به الكافر، نعمة أو ليس (2) بنعمة؟ ~~وإن كان الخلاف لفظيا. قال الله تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين - نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} [المؤمنون: 55 - 56] (3) وقال ~~تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما ~~أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} [الأنعام: 44] (4) . # وفي الحديث: «إذا رأيت الله ينعم على العبد مع إقامته على معصيته، فإنما ~~هو استدراج يستدرجه» (5) " (6) . # ومثال هذا في الاستعاذة: «قول المرأة التي جاء (7) النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليخطبها فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: " لقد عذت بمعاذ ". ثم انصرف ~~عنها، فقيل PageV02P221 # لها: إن هذا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: أنا كنت أشقى من ذلك» (1) ~~". # وأما التحريم من جهة الطلب: فيكون تارة لأنه دعاء لغير الله، مثل ما ~~يفعله السحرة من مخاطبة الكواكب، وعبادتها ونحو ذلك، فإنه قد يقتضي عقب ذلك ~~أنواعا من القضاء، إذا لم يعارضه معارض، من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم، أو ~~غير ذلك ولهذا تنفذ هذه الأمور في أزمان فترة الرسل، وفي بلاد الكفر ~~والنفاق، ما لا تنفذ في دار الإيمان (2) وزمانه. # ومن هذا: أني أعرف رجالا يستغيثون ببعض ms324 الأحياء في شدائد (3) تنزل بهم، ~~فيفرج عنهم، وربما يعاينون أمورا، وذلك الحي المستغاث به لم يشعر بذلك، ولا ~~علم به البتة، وفيهم من يدعو على أقوام، أو يتوجه في إيذائهم، فيرى بعض ~~الأحياء (4) أو بعض الأموات يحول بينه وبين إيذاء أولئك، وربما رآه ضاربا ~~له بسيف، وإن كان الحايل (5) لا شعور له بذلك، وإنما ذلك من فعل الله ~~سبحانه، بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع، من اتباع له، وطاعته ~~فيما يأمره من طاعة الله، ونحو ذلك. فهذا قريب. # وقد يجري لعباد الأصنام أحيانا من الجنس المحرم، (6) محنة من الله، بما ~~تفعله الشياطين لأعوانهم، فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من قد (7) تيقن ~~أنه لم يسمع الدعاء، فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك، أو أن له فيه ~~فعلا؟ . PageV02P222 # وإذا قيل: إن الله يفعله بذلك السبب، فإذا كان السبب محرما لم يجز، ~~كالأمراض التي يحدثها الله عقب أكل السموم، وقد يكون الدعاء المحرم في نفسه ~~دعاء لغير الله، وأن يدعو الله (1) كما تقول النصارى: يا والدة الإله اشفعي ~~لنا إلى الإله. وقد يكون دعاء لله (2) لكنه توسل إليه بما لا يحب أن يتوسل ~~به، كالمشركين (3) الذين يتوسلون إلى الله بأوثانهم، وقد يكون دعاء لله (4) ~~بكلمات لا تصلح أن يناجى بها الله، ويدعى بها، لما في ذلك من الاعتداء. # فهذه الأدعية ونحوها، وإن كان قد يحصل لصاحبها أحيانا غرضه، لكنها محرمة، ~~لما فيها من الفساد الذي يربي (5) على منفعتها، كما تقدم. ولهذا كانت هذه ~~فتنة في حق من لم يهده (6) الله، وينور قلبه، ويفرق بين أمر (7) التكوين ~~وأمر التشريع، ويفرق بين القدر والشرع (8) ويعلم أن الأقسام ثلاثة: # * أمور قدرها الله، وهو لا يحبها ولا (9) يرضاها، فإن الأسباب المحصلة ~~لهذه تكون محرمة موجبة لعقابه. # * وأمور شرعها فهو يحبها من العبد ويرضاها، لكن لم يعنه على PageV02P223 # حصولها، فهذه محمودة عنده (1) مرضية، وإن لم توجد. # * والقسم الثالث: أن يعين الله العبد على ما يحبه منه. # فالأول: إعانة الله. # والثاني: عبادة الله. # والثالث: ms325 جمع له بين العبادة والإعانة. كما قال تعالى: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} [الفاتحة: 5] # فما كان من الدعاء غير المباح إذا أثر: فهو من باب الإعانة لا العبادة ~~(2) كسائر الكفار والمنافقين والفساق. ولهذا قال تعالى في مريم: {وصدقت ~~بكلمات ربها وكتبه} [التحريم: 12] (3) «وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستعيذ " بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر» (4) . # ومن رحمة الله تعالى، أن الدعاء المتضمن شركا، كدعاء غيره أن يفعل، أو ~~دعائه أن يدعو، ونحو ذلك - لا يحصل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الغرض شبهة ~~(5) إلا في الأمور الحقيرة، فأما الأمور العظيمة، كإنزال الغيث عند القحوط، ~~أو كشف العذاب النازل، فلا ينفع فيه هذا الشرك. كما قال تعالى: {قل أرأيتكم ~~إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين - بل ~~إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} [الأنعام: 40 - ~~41] (6) . PageV02P224 # وقال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم ~~إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} [الإسراء: 67] (1) . # وقال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض} ~~[النمل: 62] (2) . # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا - أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: 56 - 57] (3) . # وقال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ~~ولا يعقلون - قل لله الشفاعة جميعا} [الزمر: 43 - 44] (4) . # فكون (5) هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه، دل على ~~توحيده، وقطع شبهة من أشرك به، وعلم بذلك أن ما دون هذا أيضا من الإجابات ~~إنما فعلها هو سبحانه (6) وحده لا شريك له، وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو ~~مباحة، كما أن خلقه السماوات والأرض والرياح والسحاب، وغير ذلك من الأجسام ~~العظيمة، دل على وحدانيته، وأنه خالق لكل شيء، وأن PageV02P225 # ما دون هذا بأن يكون خلقا له أولى، إذ هو منفعل ms326 (1) عن مخلوقاته العظيمة، ~~فخالق السبب التام، خالق للمسبب لا محالة. ### | أنواع الشرك # وجماع الأمر: أن الشرك نوعان: * شرك في ربوبيته: بأن يجعل لغيره معه ~~تدبيرا ما، كما قال سبحانه: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ~~ظهير} [سبأ: 22] (2) فبين سبحانه أنهم لا يملكون ذرة (3) استقلالا، ولا ~~يشركونه في شيء من ذلك. ولا يعينونه على ملكه، ومن لم يكن مالكا ولا شريكا ~~ولا عونا، فقد انقطعت علاقته (4) . # * وشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة، أو دعاء مسألة كما قال ~~تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] فكما أن إثبات المخلوقات ~~أسبابا لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، ولا ~~يوجب أن يدعى المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استغاثة. كذلك إثبات بعض الأفعال ~~المحرمة، من شرك أو غيره أسبابا، لا يقدح في توحيد الألوهية، ولا يمنع أن ~~يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، ولا يوجب أن نستعمل الكلمات ~~والأفعال التي فيها شرك، إذا كان الله يسخط ذلك، ويعاقب العبد عليه، وتكون ~~مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته، إذ قد جعل الخير كله في أنا لا نعبد ~~إلا إياه، ولا نسعتين إلا إياه. # وعامة آيات القرآن تثبت (5) هذا الأصل (6) حتى إنه سبحانه قطع أثر ~~PageV02P226 # الشفاعة بدون إذنه، كقوله سبحانه: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ~~[البقرة: 255] (1) وكقوله سبحانه: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} [الأنعام: 51] (2) وقوله تعالى: {وذكر ~~به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع} [الأنعام: 70] ~~(3) وقوله تعالى: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} [الأنعام: ~~71] الآية (4) . # وقوله سبحانه: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد ~~تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ms327 تزعمون} [الأنعام: 94] (5) وسورة الأنعام سورة ~~عظيمة مشتملة على أصول الإيمان (6) . # وكذلك قوله تعالى: {ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} ~~[السجدة: 4] (7) وقوله سبحانه: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] (8) وقوله تعالى: {أم اتخذوا من ~~دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون - قل لله الشفاعة ~~جميعا} [الزمر: 43 - 44] (9) . وسورة الزمر أصل عظيم في هذا. PageV02P227 # ومن هذا قوله سبحانه: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير ~~اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو ~~الخسران المبين - يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال ~~البعيد - يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير} [الحج: 11 - ~~13] (1) . # وكذلك قوله تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت ~~اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} [العنكبوت: 41] ~~(2) . # والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول. ~~وهذا الذي ذكرناه كله من تحريم هذا الدعاء، مع كونه قد يؤثر، إذا قدر أن ~~هذا الدعاء كان سببا أو جزءا من السبب، في حصول طلبته. # والناس قد اختلفوا في الدعاء المستعقب لقضاء الحاجات فزعم (3) قوم من ~~المبطلين، متفلسفة ومتصوفة، أنه لا فائدة فيه أصلا، فإن المشيئة الإلهية ~~والأسباب العلوية، إما أن تكون قد اقتضت وجود المطلوب، وحينئذ فلا (4) حاجة ~~إلى الدعاء، أو لا تكون اقتضته، وحينئذ فلا (5) ينفع الدعاء. # وقال قوم ممن تكلم (6) في العلم: بل الدعاء علامة ودلالة على حصول ~~المطلوب، وجعلوا ارتباطه بالمطلوب ارتباط الدليل بالمدلول، لا ارتباط السبب ~~بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق. PageV02P228 # والصواب: ما عليه الجمهور - من أن الدعاء سبب لحصول الخير المطلوب، أو ~~غيره، كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة. وسواء سمي سببا أو جزءا من السبب ~~أو شرطا، فالمقصود هنا واحد، فإذا (1) أراد الله بعبد خيرا ألهمه دعاءه ~~والاستعانة به، وجعل استعانته ودعاءه سببا ms328 للخير الذي قضاه له، كما قال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه: " إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل (2) هم ~~الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه " (3) . # كما أن الله تعالى إذا أراد أن يشبع عبدا، أو يرويه ألهمه أن يأكل أو ~~يشرب، وإذا أراد الله أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب، فيتوب عليه، وإذا ~~أراد أن يرحمه ويدخله الجنة يسره لعمل أهل الجنة، والمشيئة الإلهية اقتضت ~~وجود هذه الخيرات، بأسبابها المقدرة لها، كما اقتضت وجود دخول الجنة بالعمل ~~الصالح، ووجود الولد بالوطء، والعلم بالتعليم. # فمبدأ الأمور من الله، وتمامها على الله، لا أن العبد نفسه هو المؤثر في ~~الرب، أو في ملكوت الرب، بل الرب سبحانه هو المؤثر في ملكوته وجاعل دعاء ~~عبده سببا لما يريده سبحانه من القضاء، كما «قال رجل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: يا رسول الله (4) أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها وتقى ~~نتقيها (5) هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله» (6) . ~~PageV02P229 # وعنه صلى الله عليه وسلم قال (1) «إن الدعاء والبلاء ليلتقيان (2) ~~فيعتلجان بين السماء والأرض» (3) فهذا في الدعاء الذي يكون سببا في حصول ~~المطلوب (4) (5) . # وأعلى من هذا ما جاء به الكتاب والسنة، أن رضا الله وفرحه، وضحكه بسبب ~~أعمال عباده الصالحة، كما جاءت به النصوص، وكذلك غضبه ومقته. وقد بسطنا ~~الكلام في (6) هذا الباب، وما للناس فيه من المقالات والاضطراب (7) . # فما فرض من الأدعية المنهي عنها سببا، فقد تقدم الكلام عليه. # فأما غالب الأدعية التي ليست مشروعة لا تكون هي السبب في PageV02P230 # حصول المطلوب، ولا جزءا منه، ولا يعلم ذلك، بل يتوهم وهما كاذبا (1) ~~كالنذر سواء. فإن في الصحيح عن ابن عمر " عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ~~نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل» (2) وعن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن النذر لا يقرب من ابن آدم ~~شيئا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر ms329 فيخرج بذلك (3) من ~~البخيل، ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج» (4) . # فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن النذر لا يأتي بخير، وأنه ليس من ~~الأسباب الجالبة للخير، أو الدافعة لشر أصلا، وإنما يوافق القدر موافقة كما ~~توافقه سائر الأسباب فيخرج من البخيل حينئذ ما لم يكن يخرجه من قبل ذلك. ~~ومع هذا فأنت ترى الذين يحكون أنهم وقعوا في شدائد، فنذروا نذورا (5) تكشف ~~شدائدهم، أكثر - أو قريبا - من الذين يزعمون أنهم دعوا عند القبور، أو ~~غيرها، فقضيت حوائجهم، بل من كثرة اغترار المضلين (6) بذلك؛ صارت النذور ~~المحرمة في الشرع مآكل لكثير من السدنة والمجاورين، والعاكفين عند (7) بعض ~~المساجد أو غيرها، ويأخذون من الأموال شيئا كثيرا، وأولئك الناذرون يقول ~~أحدهم: مرضت فنذرت. ويقول آخر: خرج علي المحاربون فنذرت (8) ويقول الآخر: ~~PageV02P231 # ركبت البحر فنذرت (1) . ويقول الآخر: حبست فنذرت. ويقول الآخر: أصابتني ~~فاقة فنذرت. # وقد قام بنفوسهم، أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم، ودفع مرهوبهم. ~~وقد أخبر الصادق المصدوق أن نذر طاعة الله - فضلا عن معصيته - ليس سببا ~~لحصول الخير (2) وإنما الخير الذي يحصل للناذر يوافقه (3) موافقة كما يوافق ~~سائر الأسباب، فما هذه الأدعية غير المشروعة، في حصول المطلوب (4) بأكثر من ~~هذه النذور في حصول المطلوب. بل تجد كثيرا من الناس يقول: إن المكان ~~الفلاني، أو المشهد الفلاني، أو القبر (5) الفلاني، يقبل النذر، بمعنى أنهم ~~نذروا له نذرا إن قضيت حاجتهم، وقضيت (6) . كما يقول القائلون: الدعاء عند ~~المشهد الفلاني، أو القبر الفلاني، مستجاب، بمعنى أنهم دعوا هناك مرة، ~~فرأوا أثر الإجابة. بل إذا كان المبطلون يضيفون (7) قضاء حوائجهم (8) إلى ~~خصوص نذر المعصية (9) مع أن جنس النذر لا أثر له في ذلك، لم يبعد منهم إذا ~~أضافوا PageV02P232 # حصول غرضهم إلى خصوص الدعاء بمكان لا خصوص له في الشرع، لأن جنس الدعاء ~~هنا مؤثر، فالإضافة إليه ممكنة، بخلاف جنس النذر فإنه لا يؤثر. # والغرض أن يعرف أن الشيطان إذا زين لهم نسبة الأثر إلى ما لا يؤثر نوعا ~~ولا وصفا، فنسبته ms330 إلى وصف قد ثبت تأثير نوعه أولى أن يزين لهم. ثم كما لم ~~يكن ذلك الاعتقاد منهم صحيحا، فكذلك هذا، إذ كلاهما مخالف للشرع. # ومما يوضح ذلك: أن اعتقاد المعتقد أن هذا الدعاء أو هذا النذر كان هو ~~السبب، أو بعض السبب في حصول المطلوب لا بد له من دلالة، ولا دليل على ذلك ~~في الغالب إلا الاقتران أحيانا، أعني: وجودهما جميعا، وإن تراخي أحدهما عن ~~الآخر مكانا أو زمانا مع الانتقاض (1) (2) أضعاف أضعاف الاقتران، ومجرد ~~اقتران الشيء بالشيء بعض الأوقات مع انتقاضه، ليس دليلا على الغلبة (3) ~~باتفاق العقلاء، إذا كان هناك سبب آخر صالح، إذ تخلف الأثر عنه يدل على عدم ~~الغلبة (4) . # فإن قيل: إن التخلف بفوات شرط، أو لوجود مانع. # قيل: بل الاقتران لوجود سبب آخر، وهذا هو الراجح، فإنا نرى الله في كل ~~وقت يقضي الحاجات ويفرج الكربات، بأنواع من الأسباب، لا يحصيها PageV02P233 # إلا هو، وما رأيناه يحدث المطلوب مع وجود هذا الدعاء المبتدع، إلا نادرا، ~~فإذا رأيناه قد أحدث (1) شيئا وكان الدعاء المبتدع قد وجد، كان إحالة حدوث ~~الحادث على ما علم من الأسباب التي لا يحصيها إلا الله، أولى من إحالته على ~~ما لم يثبت كونه سببا. # ثم الاقتران: إن كان دليلا على العلة، فالانتقاض دليل على عدمها. # وهنا افترق الناس ثلاث فرق: مغضوب عليهم، وضالون، والذين أنعم الله ~~عليهم. # فالمغضوب عليهم، يطعنون في عامة الأسباب المشروعة وغير المشروعة، ~~ويقولون: الدعاء المشروع قد يؤثر، وقد (2) لا يؤثر ويتصل بذلك الكلام في ~~دلالة الآيات على تصديق الأنبياء عليهم السلام. # والضالون: يتوهمون من كل ما يتخيل سببا، وإن كان يدخل في دين اليهود ~~والنصارى والمجوس، وغيرهم. والمتكايسون (3) من المتفلسفة يحيلون ذلك على ~~أمور فلكية، وقوى نفسانية، وأسباب طبيعية، يدورون حولها، لا يعدلون عنها. # فأما المهتدون، فهم لا ينكرون ما خلقه (4) الله من القوى والطبائع في ~~جميع الأجسام والأرواح، إذ الجميع خلق الله، لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من ~~PageV02P234 # قدرة الله التي هو بها على كل شيء قدير، ms331 ومن أنه كل يوم هو في شأن، ومن ~~أن إجابته لعبده المؤمن (1) خارجة عن قوة نفسه، وتصرف جسمه وروحه (2) وبأن ~~الله يخرق العادات لأنبيائه، لإظهار صدقهم، (3) ولإكرامهم بذلك. ونحو ذلك ~~من حكمه. # وكذلك يخرقها لأوليائه: تارة لتأييد دينه بذلك، وتارة تعجيلا لبعض ثوابهم ~~في الدنيا، وتارة إنعاما عليهم بجلب نعمة، أو دفع نقمة، ولغير ذلك، ويؤمنون ~~بأن الله يرد بما أمرهم (4) به، من الأعمال الصالحة، والدعوات المشروعة - ~~(5) ما جعله في قوى الأجسام والأنفس (6) ولا يلتفتون إلى الأوهام التي دلت ~~الأدلة العقلية، أو الشرعية على فسادها، ولا يعملون بما حرمته الشريعة، (7) ~~وإن ظن أن له تأثيرا (8) . PageV02P235 # وأما العلم بغلبة (1) السبب: فله طرق في الأمور الشرعية، كما له طرق في ~~الأمور الطبيعية منها: الاضطرار (2) «فإن الناس لما عطشوا وجاعوا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ غير مرة ماء قليلا، فوضع يده الكريمة ~~(3) فيه حتى فار الماء من بين أصابعه (4) ووضع يده الكريمة في الطعام، وبرك ~~فيه حتى كثر كثرة خارجة عن العادة» (5) فإن العلم بهذا الاقتران المعين، ~~يوجب العلم بأن كثرة الماء والطعام كانت بسببه صلى الله عليه وسلم، علما ~~ضروريا، كما يعلم أن الرجل إذا ضرب بالسيف ضربة شديدة صرعته فمات، أن الموت ~~كان منها، بل (6) أوكد، فإن العلم بأن كثرة الماء والطعام ليس له سبب معتاد ~~في مثل ذلك أصلا، مع أن (7) العلم بهذه المقارنة، يوجب علما ضروريا بذلك. # وكذلك لما «دعا صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك أن يكثر الله ماله ~~وولده» ، فكان نخله يحمل في السنة مرتين، خلاف عادة بلده، ورأى من ولده ~~وولد ولده أكثر من مائة (8) فإن مثل هذا الحادث يعلم أنه كان بسبب ذلك ~~الدعاء. PageV02P236 # ومن رأى طفلا يبكي بكاء شديدا، فألقمته أمه الثدي فسكن، علم يقينا أن ~~سكونه (1) كان لأجل اللبن (2) . # والاحتمالات، وإن تطرقت إلى النوع، فإنها قد لا تتطرق إلى الشخص المعين. ~~وكذلك الأدعية، فإن المؤمن يدعو بدعاء فيرى المدعو بعينه مع عدم الأسباب ~~المقتضية له، أو يفعل فعلا ms332 كذلك فيجده كذلك (3) كالعلاء بن الحضرمي رضي ~~الله عنه لما قال: يا عليم، يا حليم، يا علي، يا عظيم، اسقنا، فمطروا في ~~يوم شديد الحر، مطرا لم يجاوز عسكرهم (4) . وقال: احملنا فمشوا على النهر ~~الكبير مشيا لم يبل أسافل أقدام دوابهم (5) وأيوب السختياني (6) لما ركض ~~الجبل لصاحبه ركضة، نبعت له عين ماء فشرب، ثم غارت (7) . # فدعاء الله وحده لا شريك له، دل الوحي المنزل، والعقول الصحيحة على ~~فائدته ومنفعته، ثم التجارب التي لا يحصي عددها إلا الله. فتجد أكثر ~~المؤمنين قد دعوا الله وسألوه أشياء أسبابها منتفية (8) في حقهم، فأحدث ~~الله لهم PageV02P237 # تلك المطالب على الوجه الذي طلبوه، على وجه يوجب العلم تارة، والظن ~~الغالب أخرى - أن الدعاء كان هو السبب في هذا، وتجد هذا ثابتا عند ذوي (1) ~~العقول والبصائر، الذين يعرفون جنس الأدلة، وشروطها، واطرادها. # وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة، فعامته إنما نجد اعتقاده، عند أهل ~~الجهل الذين لا يميزون بين الدليل وغيره، ولا يفهمون ما يشترط للدليل من ~~الاطراد، وإنما يتفق (2) في أهل الظلمات، من الكفار والمنافقين، أو ذوي (3) ~~الكبائر الذين أظلمت قلوبهم بالمعاصي حتى لا يميزوا بين الحق والباطل. # وبالجملة: فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض (4) السبب، أو شرط السبب، ~~في هذا الأمر الحادث، قد يعلم كثيرا، وقد يظن كثيرا، وقد يتوهم كثيرا وهما ~~ليس له مستند صحيح، إلا ضعف العقل. # ويكفيك أن كل ما يظن أنه سبب لحصول المطالب (5) مما حرمته الشريعة من ~~دعاء أو غيره، لا بد فيه من أحد أمرين: # إما أن لا (6) يكون سببا صحيحا، كدعاء من لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنك ~~شيئا. وإما أن يكون ضرره أكثر من نفعه. # فأما ما كان سببا صحيحا منفعته أكثر من مضرته، فلا ينهى عنه الشرع (7) ~~بحال. وكل ما لم يشرع من العبادات مع قيام المقتضي لفعله من غير مانع فإنه ~~PageV02P238 # من باب المنهي عنه. كما تقدم. ### | الدعاء بعد تحية النبي صلى الله عليه وسلم عند القبر # وأما ما ذكر في المناسك، ms333 أنه بعد تحية النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وصاحبيه، والصلاة والسلام يدعو، فقد ذكر الإمام أحمد وغيره: أنه يستقبل ~~القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته والصلاة ~~والسلام، ثم يدعو لنفسه. وذكر أنه إذا حياه وصلى عليه يستقبل وجهه (1) - ~~بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم، فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره ~~واستقبل القبلة ودعا، وهذا مراعاة منهم لذلك، فإن الدعاء عند القبر لا يكره ~~مطلقا، بل يؤمر به (2) كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمنا وتبعا، وإنما ~~المكروه أن يتحرى المجيء إلى القبر للدعاء عنده. # وكذلك ذكر أصحاب مالك قالوا (3) يدنو من القبر، فيسلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ثم يدعو مستقبل القبلة، يوليه ظهره، وقيل: لا يوليه ظهره، وإنما ~~(4) اختلفوا لما فيه من استدباره، فأما (5) إذا جعل الحجرة عن يساره، فقد ~~زال المحذور بلا خلاف وصار في الروضة، أو أمامها. ولعل هذا الذي ذكره ~~الأئمة، أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر، فإن ذلك قد ثبت النهي فيه (6) عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم (7) فلما نهي أن يتخذ القبر مسجدا أو ~~قبلة، أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه، كما لا يصلى إليه. PageV02P239 # وقال (1) مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف (2) عند (3) قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم يدعو، لكن يسلم ويمضي " (4) . # ولهذا - والله أعلم - حرفت الحجرة وثلثت (5) لما بنيت، فلم يجعل حائطها ~~الشمالي على سمت القبلة، ولا جعل مسطحا (6) . # وكذلك (7) قصدوا قبل أن تدخل الحجرة في المسجد. فروى ابن بطة، بإسناد ~~معروف عن هشام بن عروة، حدثني أبي، وقال: " كان الناس يصلون إلى القبر، ~~فأمر عمر بن عبد العزيز، فرفع حتى لا يصلي إليه الناس، فلما هدم بدت قدم ~~بساق وركبة، قال: ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال له: هذه ~~ساق عمر وركبته. فسري عن عمر بن عبد العزيز (8) . # وهذا أصل مستمر، فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلى ~~إليه، ألا ترى أن الرجل ms334 (9) لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها، فإنه ~~ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء، ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال ~~الجهة التي يكون فيها الرجل (10) الصالح، سواء كانت في المشرق PageV02P240 # أو غيره، وهذا ضلال بين، وشرك واضح، كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار ~~الجهة التي فيها بعض (1) الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله ~~وقبر رسوله صلى الله عليه وسلم وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين ~~النصارى. # ومما يبين لك ذلك، أن نفس السلام على النبي صلى الله عليه وسلم قد راعوا ~~فيه السنة، حتى لا يخرج إلى الوجه المكروه الذي قد يجر إلى إطراء النصارى ~~عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدا» (2) . وبقوله: «لا ~~تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ~~ورسوله» (3) فكان (4) بعضهم يسأل عن السلام على القبر خشية أن يكون من هذا ~~الباب، حتى قيل له: إن ابن عمر كان يفعل ذلك. # ولهذا كره مالك رضي الله عنه (5) وغيره من أهل العلم، لأهل المدينة كلما ~~دخل أحدهم المسجد، أن يجيء فيسلم (6) على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وصاحبيه. وقال: " وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر، أو أراد سفرا ونحو ~~ذلك (7) . # ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وأما قصده ~~دائما للصلاة والسلام، فما علمت أحدا رخص فيه، لأن ذلك النوع من ~~PageV02P241 # اتخاذه عيدا، مع أنا قد شرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: " السلام عليك ~~أيها النبي ورحمة الله وبركاته " (1) كما نقول ذلك في آخر صلاتنا. بل قد ~~استحب ذلك لكل من دخل مكانا ليس فيه أحد: أن يسلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، لما تقدم من أن السلام عليه يبلغه من كل موضع. # فخاف مالك وغيره، أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة، نوعا من اتخاذ ~~القبر عيدا. # وأيضا فإن ذلك بدعة، فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي ms335 رضي الله عنهم (2) يجيئون إلى المسجد الحرام كل يوم خمس مرات ~~يصلون، ولم يكونوا يأتون مع ذلك إلى القبر يسلمون (3) عليه، لعلمهم رضي ~~الله عنهم بما (4) كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرهه من ذلك، وما نهاهم ~~عنه، وأنهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي التشهد، كما ~~كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته. والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك. # قال سعيد (5) في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن زيد (6) حدثني PageV02P242 # أبي (1) عن ابن عمر: أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال: السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه (2) . وعبد الرحمن ~~بن زيد وإن كان يضعف، لكن الحديث المتقدم عن نافع - الصحيح (3) - يدل على ~~أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائما ولا غالبا. # وما أحسن ما قال مالك: " لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها " (4) ~~ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا ذلك بما ~~أحدثوه من البدع والشرك وغيره. ولهذا كرهت الأئمة (5) استلام القبر ~~وتقبيله، وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه. فكانت حجرة عائشة التي ~~دفنوه فيها منفصلة عن مسجده (6) وكان ما بين منبره وبيته هو الروضة، ومضى ~~الأمر على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، وزيد في المسجد زيادات ~~وغير، والحجرة على حالها (7) هي وغيرها من الحجر المطيفة بالمسجد من شرقيه ~~وقبليه، حتى بناه الوليد بن عبد الملك (8) وكان عمر بن عبد العزيز عامله ~~على PageV02P243 # المدينة، فابتاع هذه الحجر وغيرها وهدمهن وأدخلهن في المسجد، فمن أهل ~~العلم من كره ذلك، كسعيد بن المسيب، ومنهم من لم يكرهه. # قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم يمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت له: فالمنبر؟ ~~فقال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه. قال أبو عبد الله: شيء يروونه (1) عن ~~ابن أبي فديك (2) عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر: أنه مسح ms336 على المنبر. قال: ~~ويروونه (3) عن سعيد بن المسيب في الرمانة (4) . # قلت: ويروون عن يحيى بن سعيد، أنه حين أراد الخروج إلى العراق، جاء إلى ~~المنبر فمسحه ودعا، فرأيته استحسنه ثم قال: لعله عند الضرورة والشيء. قيل ~~لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: رأيت أهل العلم ~~من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون. فقال أبو عبد الله: نعم، ~~وهكذا كان ابن عمر يفعل. ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي صلى الله عليه ~~وسلم. # فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة، التي هي (5) موضع ~~PageV02P244 # مقعد النبي صلى الله عليه وسلم ويده، ولم يرخصوا في التمسح بقبره. وقد ~~حكى بعض أصحابنا رواية في مسح قبره، لأن أحمد شيع بعض الموتى، فوضع يده على ~~قبره يدعو له. والفرق بين الموضعين (1) ظاهر. # وكره مالك التمسح بالمنبر. كما كرهوا التمسح بالقبر. فأما اليوم فقد ~~احترق المنبر، وما بقيت الرمانة، وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة، فقد زال ~~ما رخص فيه، لأن الأثر (2) المنقول عن ابن عمر وغيره، إنما هو التمسح ~~بمقعده. # وروى الأثرم بإسناده، عن القعنبي (3) عن مالك، عن عبد الله بن دينار (4) ~~قال: رأيت ابن عمر يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر. (5) . # الوجه الثالث: في كراهة قصدها للدعاء: أن السلف رضي الله عنهم كرهوا ذلك، ~~متأولين في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدا» كما ذكرنا ~~ذلك عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن، ابن عمه، وهما أفضل أهل البيت من ~~التابعين، وأعلم بهذا الشأن من غيرهما، لمجاورتهما الحجرة النبوية نسبا ~~ومكانا. PageV02P245 # وذكرنا عن أحمد وغيره، أنه أمر من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وصاحبيه، ثم أراد أن يدعو: أن ينصرف (1) فيستقبل القبلة. # وكذلك أنكر ذلك غير واحد من العلماء المتقدمين، كمالك وغيره. ومن ~~المتأخرين: مثل أبي الوفاء (2) ابن عقيل، وأبي الفرج بن الجوزي. وما أحفظ - ~~لا عن صاحب ولا ms337 تابع، ولا عن إمام معروف - أنه استحب قصد شيء من القبور ~~للدعاء عنده، ولا روى أحد في ذلك شيئا، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~عن الصحابة ولا عن أحد من الأئمة المعروفين. # وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته، وذكروا فيه الآثار، فما ذكر ~~أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفا واحدا - فيما أعلم -، فكيف ~~يجوز - والحال (3) هذه - أن يكون الدعاء (4) عندها أجوب وأفضل، والسلف ~~تنكره ولا تعرفه، وتنهى عنه (5) ولا تأمر به. # نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقا في كلام بعض الناس: فلان ترجى ~~الإجابة عند قبره (6) . وفلان يدعى عند قبره، ونحو ذلك. # والإنكار (7) على من يقول ويأمر به، كائنا من كان، فإن أحسن أحواله أن ~~يكون مجتهدا في هذه (8) المسألة أو مقلدا، فيعفو الله عنه. PageV02P246 ### | تفنيد ما ورد في استحباب الدعاء عند القبر # أما أن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك فلا. بل قد يقال: هذا من جنس قول ~~بعض الناس: المكان الفلاني يقبل النذر، والموضع الفلاني ينذر له. ويعينون ~~(1) عينا أو بئرا أو شجرة، أو مغارة، أو حجرا، أو غير ذلك من الأوثان، فكما ~~لا يكون مثل هذا القول عمدة في الدين، فكذلك القول الأول. # ولم يبلغني - إلى الساعة - عن أحد من السلف رخصة في ذلك، إلا ما روى ابن ~~أبي الدنيا (2) في كتاب القبور بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ~~قال: أخبرني سليمان بن يزيد الكعبي (3) عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا وشهيدا يوم ~~القيامة» (4) . # قال ابن أبي فديك: وأخبرني عمر بن حفص (5) أن PageV02P247 # ابن أبي مليكة (1) كان يقول: من أحب أن يقوم وجاءه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فليجعل القنديل الذي في القبلة عند رأس القبر على رأسه (2) . قال ابن ~~أبي فديك: وسمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فتلا هذه الآية: {إن ms338 الله وملائكته يصلون على النبي} ~~[الأحزاب: 56] (3) فقال: " صلى الله عليك يا محمد " حتى (4) يقولها سبعين ~~مرة - ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان، ولم تسقط له حاجة (5) . # فهذا الأثر من ابن أبي فديك قد يقال: فيه استحباب قصد (6) الدعاء عند ~~القبر. ولا حجة فيه لوجوه: # أحدها: أن ابن أبي فديك روى هذا عن مجهول، وذكر ذلك المجهول أنه بلاغ عمن ~~لا يعرف، ومثل هذا لا يثبت به شيء أصلا، وابن أبي فديك متأخر في حدود ~~المائة الثانية، ليس هو من التابعين، ولا من تابعيهم المشاهير حتى يقال قد ~~كان هذا معروفا في القرون الثلاثة، وحسبك أن أهل العلم بالمدينة المعتمدين، ~~لم ينقلوا شيئا من ذلك. ومما يضعفه: أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «من (7) صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا» (8) فكيف يكون من ~~صلى PageV02P248 # عليه سبعين مرة جزاؤه (1) أن يصلي عليه ملك من الملائكة؟ وأحاديثه ~~المتقدمة تبين أن الصلاة والسلام عليه تبلغه عن البعيد والقريب. # والثاني: أن هذا إنما يقتضي استحباب الدعاء للزائر في ضمن الزيارة، كما ~~ذكر العلماء ذلك في مناسك الحج. وليس هذا مسألتنا، فإنا قد قدمنا أن من زار ~~زيارة مشروعة، ودعا في ضمنها لم يكره هذا، كما ذكره بعض العلماء، مع ما في ~~ذلك من النزاع، مع أن المنقول عن السلف كراهة الوقوف عنده للدعاء، وهو أصح. # وإنما المكروه الذي ذكرناه (2) قصد الدعاء عنده ابتداء، كما أن من دخل ~~المسجد، فصلى تحية المسجد، ودعا في ضمنها، لم يكره ذلك، أو توضأ في مكان ~~وصلى هنالك ودعا في ضمن صلاته لم يكره ذلك، ولو تحرى الدعاء في تلك البقعة، ~~أو في مسجد لا خصيصة له في الشرع دون غيره من المساجد، فنهي عن (3) هذا ~~التخصيص. # الثالث: أن الاستجابة هنا لعلها لكثرة صلاته (4) على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فإن الصلاة عليه قبل الدعاء، وفي وسطه وآخره، من أقوى الأسباب التي ~~يرجى بها إجابة سائر الدعاء، كما جاءت به الآثار، مثل قول ms339 عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه، الذي يروى موقوفا ومرفوعا: «الدعاء موقوف بين السماء والأرض ~~حتى تصلي على نبيك» رواه الترمذي (5) . PageV02P249 # وذكر محمد بن الحسن بن زبالة (1) في كتاب (أخبار (2) المدينة) ، فيما ~~رواه عنه الزبير بن بكار (3) روى (4) عنه عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي ~~(5) قال: رأيت رجلا من أهل المدينة يقال له: محمد بن كيسان، يأتي إذا صلى ~~العصر من يوم الجمعة، ونحن جلوس مع ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فيقوم عند ~~القبر، فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو حتى يمسي (6) . فيقول ~~جلساء ربيعة: انظروا (7) إلى ما يصنع (8) هذا؟ فيقول: " دعوه، فإنما للمرء ~~ما نوى "، ومحمد بن الحسن هذا صاحب أخبار، وهو مضعف عند أهل الحديث، ~~كالواقدي ونحوه. لكن يستأنس بما يرويه ويعتبر به. # وهذه الحكاية قد يتمسك بها على الطرفين، فإنها تتضمن أن الذي فعله هذا ~~الرجل أمر مبتدع عندهم، لم يكن من فعل الصحابة وغيرهم من علماء أهل ~~PageV02P250 # المدينة، وإلا لو كان هذا أمرا (1) معروفا من عمل أهل المدينة لما ~~استغربه جلساء ربيعة وأنكروه. بل ذكر محمد بن الحسن لها في كتابه مع رواية ~~الزبير بن بكار ذلك عنه، يدل على أنهم على عهد مالك وذويه، ما كانوا يعرفون ~~هذا العمل، وإلا لو كان هذا شائعا بينهم لما ذكر في كتاب مصنف، ما يتضمن ~~استغراب ذلك. ثم إن جلساء ربيعة - وهم قوم فقهاء علماء - أنكروا ذلك، ~~وربيعة أقره. # فغايته: أن يكون في ذلك خلاف ولكن تعليل ربيعة له بأن لكل امرئ ما نوى، ~~لا يقتضي إلا الإقرار على ما يكره، فإنه لو أراد الصلاة هناك لنهاه، وكذلك ~~لو أراد الصلاة في وقت نهي. وإنما الذي أراده (2) - والله أعلم - أن من كان ~~له نية صالحة أثيب على نيته، وإن كان الفعل الذي فعله ليس بمشروع، إذا لم ~~يتعمد مخالفة الشرع - يعني فهذا الدعاء، وإن لم يكن مشروعا، لكن لصاحبه نية ~~صالحة يثاب على نيته. # فيستفاد من ذلك: أنهم مجمعون على أنه (3) غير مستحب، ولا خصيصة في ms340 تلك ~~(4) البقعة، وإنما الخير يحصل من جهة نية الداعي، ثم إن ربيعة لم ينكر عليه ~~متابعة لجلسائه: إما لأنه لم يبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~اتخاذ قبره عيدا، وعن الصلاة عنده. فإن ربيعة - كما قال أحمد - كان قليل ~~العلم بالآثار. أو بلغه (5) ذلك لكن (6) لم ير مثل هذا داخلا في معنى ~~النهي، أو لأنه لم ير هذا محرما، وإنما غايته أن يكون مكروها، وإنكار ~~المكروه ليس بفرض. أو أنه رأى PageV02P251 # أن ذلك الرجل إنما قصد السلام، والدعاء جاء ضمنا وتبعا. وفي هذا نظر. # ولا ريب أن العلماء قد يختلفون في مثل هذا كما اختلفوا (1) في صحة الصلاة ~~عند القبر، ومن لم يبطلها قد لا ينهى من فعل ذلك. # والعمدة على الكتاب والسنة، وما كان عليه السابقون، مع أن محمد بن الحسن ~~هذا قد روى أخبارا عن السلف تؤيد ما ذكرناه. فقال: حدثني عمر بن هارون، عن ~~سلمة بن وردان (2) قال: رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ثم يسند ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو " (3) فهذا إن كان ثابتا عن ~~أنس فهو مؤيد لما ذكرناه، فإن أنسا لم يكن ساكنا بالمدينة، وإنما كان يقدم ~~من البصرة، إما مع الحجيج أو نحوهم، فيسلم (4) على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ثم إذا أراد الدعاء الذي (5) في حق مثله إنما يكون ضمنا وتبعا، ~~استدبر القبر. # وذكر محمد بن الحسن، عن عبد العزيز محمد (6) ومحمد بن إسماعيل (7) ~~وغيرهما، عن محمد بن هلال (8) وعن غير واحد من PageV02P252 # أهل العلم: أن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي فيه قبره - هو ~~بيت عائشة الذي كانت تسكن، وأنه مربع مبني بحجارة سود وقصة (1) والذي يلي ~~القبلة منه أطوله، والشرقي والغربي سواء، والشامي أنقصها، وباب البيت مما ~~يلي الشام، وهو (2) مسدود بحجارة سود وقصة. # ثم بنى عمر بن عبد العزيز على ذلك البيت هذا البناء الظاهر، وعمر بن عبد ~~العزيز زواه (3) لئلا يتخذه الناس قبلة تخص فيها الصلاة من ms341 بين مسجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - كما حدثني ~~عبد العزيز بن محمد (4) عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر (5) عن أبي سلمة بن ~~عبد الرحمن: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (6) . # وحدثني (7) مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على ~~قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (8) . PageV02P253 # فهذه الآثار، إذا ضمت إلى ما قدمنا من الآثار، علم كيف كان حال السلف في ~~هذا الباب. وأن ما عليه كثير من الخلف في ذلك (1) من المنكرات عندهم. # ولا يدخل في هذا الباب: ما يروى من أن قوما سمعوا رد السلام من قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أو قبور غيره من الصالحين. وأن سعيد بن المسيب كان ~~يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة (2) . ونحو ذلك. فهذا كله حق ليس مما نحن ~~فيه، والأمر أجل من ذلك وأعظم. # وكذلك أيضا ما يروى: " أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فشكا إليه الجدب عام الرمادة (3) فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن ~~يخرج يستسقي بالناس " (4) فإن هذا ليس من هذا الباب. ومثل هذا يقع كثيرا ~~لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرف من هذا وقائع. # وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لغيره من أمته حاجة فتقضى ~~له، فإن هذا قد وقع كثيرا، وليس هو مما نحن فيه. # وعليك أن تعلم: أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لهؤلاء ~~السائلين، ليس مما يدل على استحباب السؤال، فإنه هو " القائل صلى الله عليه ~~وسلم: «إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها، فيخرج بها يتأبطها نارا "، ~~PageV02P254 # فقالوا: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: " يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى ~~الله لي البخل» (1) . # وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال، لو لم يجابوا لاضطرب ~~إيمانهم، كما ms342 أن السائلين به في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أجيب وأمر ~~بالخروج من المدينة. # فهذا القدر (2) إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أن يدل على حسن حال ~~السائل، فلا فرق (3) بين هذا وهذا. فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند ~~القبور (4) واتخاذها مساجد استهانة بأهلها، بل لما يخاف عليهم من الفتنة، ~~وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها، فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف ~~الافتتان به لما نهي الناس عن ذلك. # وكذلك ما يذكر من الكرامات، وخوارق العادات، التي توجد عند قبور الأنبياء ~~والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها، ~~واندفاع النار عنها وعمن جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، ~~واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب ~~بمن استهانها - فجنس هذا حق، ليس مما نحن فيه. # وما في قبور الأنبياء والصالحين، من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله ~~من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك. ~~PageV02P255 # وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة، أو قصد الدعاء أو النسك عندها، لما في ~~قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع (1) كما تقدم. فذكرت هذه ~~الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمناه، وليس كذلك. # الوجه الرابع (2) أن اعتقاد استجابة الدعاء عندها وفضله، قد أوجب أن ~~تنتاب لذلك وتقصد، وربما اجتمع عندها (3) اجتماعات كثيرة، في مواسم معينة، ~~وهذا بعينه هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تتخذوا ~~قبري عيدا» وبقوله: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد» وبقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا القبور مساجد، فإن من كان ~~قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (4) . ### | بعض بدع القبور # حتى إن بعض القبور يجتمع عندها (5) في يوم من السنة ويسافر إليها (6) إما ~~في المحرم، أو رجب، أو شعبان، أو ذي الحجة، أو غيرها. وبعضها يجتمع عنده في ~~يوم عاشوراء! ، وبعضها في يوم عرفة، وبعضها PageV02P256 # في (1) النصف من شعبان، وبعضها في وقت ms343 آخر، بحيث يكون لها يوم من السنة ~~تقصد فيه، ويجتمع عندها فيه كما تقصد عرفة ومزدلفة ومنى، في أيام معلومة ~~(2) من السنة، أو كما يقصد مصلى المصر يوم العيدين، بل ربما كان الاهتمام ~~بهذه الاجتماعات في الدين والدنيا أهم (3) وأشد. # ومنها: ما يسافر إليه من الأمصار، في وقت معين أو في وقت غير معين (4) ~~لقصد الدعاء عنده، والعبادة هناك، كما يقصد بيت الله لذلك، وهذا السفر لا ~~أعلم بين المسلمين خلافا في النهي (5) عنه، إلا أن يكون خلافا حادثا. # وإنما ذكرت الوجهين المتقدمين في السفر المجرد لزيارة القبور. فأما إذا ~~كان السفر للعبادة عندها بالدعاء أو الصلاة (6) أو نحو ذلك: فهذا لا ريب ~~فيه. # حتى إن بعضهم يسميه الحج ويقول: نريد الحج إلى قبر فلان وفلان (7) . # ومنها ما يقصد الاجتماع عنده في يوم معين من الأسبوع. # وفي الجملة: هذا الذي يفعل عند هذه القبور هو بعينه الذي نهى عنه ~~PageV02P257 # رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدا» فإن اعتياد ~~قصد المكان المعين، وفي وقت معين، عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع، هو ~~بعينه معنى العيد. ثم ينهى عن دق ذلك وجله، وهذا هو الذي تقدم عن الإمام ~~أحمد إنكاره، لما قال: " قد أفرط الناس في هذا جدا وأكثروا " وذكر ما يفعل ~~عند قبر الحسين. # وقد ذكرت (1) فيما تقدم: أنه يكره اعتياد عبادة في وقت إذا لم تجئ بها ~~السنة. فكيف اعتياد مكان معين في وقت معين؟ . # ويدخل في هذا: ما يفعل بمصر، عند قبر نفيسة (2) وغيرها. وما يفعل بالعراق ~~عند القبر الذي يقال إنه قبر علي رضي الله عنه، وقبر الحسين، وحذيفة بن ~~اليمان، وسلمان الفارسي. وقبر موسى بن جعفر (3) ومحمد بن علي الجواد (4) ~~ببغداد. PageV02P258 # وعند قبر أحمد بن حنبل، ومعروف الكرخي. وغيرهما وما يفعل عند قبر أبي ~~يزيد البسطامي (1) . وكان يفعل نحو ذلك بحران، عند قبر يسمى قبر الأنصاري ~~(2) إلى قبور كثيرة، في أكثر بلاد الإسلام لا يمكن حصرها. كما أنهم بنوا ~~على كثير منها ms344 مساجد وبعضها مغصوب، كما بنوا على قبر أبي حنيفة والشافعي ~~وغيرهم. # وهؤلاء الفضلاء من الأئمة، إنما ينبغي محبتهم واتباعهم، وإحياء ما أحيوه ~~من الدين، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضوان، ونحو ذلك. # فأما اتخاذ قبورهم أعيادا، فهو مما حرمه الله ورسوله واعتياد قصد هذه ~~القبور في وقت معين، أو الاجتماع العام عندها في وقت معين، هو اتخاذها ~~عيدا، كما تقدم. ولا أعلم بين المسلمين (3) أهل العلم في ذلك خلافا. ولا ~~يغتر بكثرة العادات الفاسدة، فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين، الذين ~~أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه كائن في هذه الأمة. # وأصل ذلك: إنما هو اعتقاد فضل الدعاء (4) عندها، وإلا فلو لم (5) يقم ~~PageV02P259 # هذا الاعتقاد بالقلوب انمحى (1) ذلك كله، فإذا كان قصدها للدعاء (2) يجر ~~هذه المفاسد كان حراما، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق، وفتحا ~~لباب الشرك، وإغلاقا لباب الإيمان. PageV02P260 ### | فصل في عدم جواز سائر العبادات عند القبور # فصل قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذها (1) مساجد وعن ~~الصلاة عندها، وعن اتخاذها عيدا، وأنه دعا الله أن لا يتخذ قبره وثنا يعبد. # وقد تقدم أن اتخاذ المكان عيدا هو: اعتياد إتيانه للعبادة عنده أو غير ~~ذلك، وقد تقدم النهي الخاص عن الصلاة عندها أو إليها، والأمر بالسلام عليها ~~والدعاء لها. # وذكرنا ما في دعاء المرء لنفسه عندها، من الفرق بين قصدها لأجل الدعاء، ~~أو الدعاء ضمنا وتبعا. وتمام الكلام في ذلك، بذكر سائر العبادات، فالقول ~~فيها جميعا (2) كالقول في الدعاء، فليس في ذكر الله هناك، أو القراءة عند ~~القبر، أو الصيام عنده، أو الذبح عنده، فضل على غيره من البقاع، ولا قصد ~~ذلك عند القبور مستحبا. وما علمت أحدا من علماء المسلمين يقول إن الذكر ~~هناك، أو الصيام أو القراءة، أفضل منه في غير تلك البقعة. # فأما ما يذكره بعض الناس، من أنه ينتفع الميت بسماع القرآن (3) بخلاف ما ~~إذا قرئ في مكان آخر - فهذا (4) إذا عني به أن يصل الثواب إليه، إذا قرئ ~~PageV02P261 # عند ms345 القبر خاصة، فليس عليه أحد من أهل العلم المعروفين، بل الناس على ~~قولين: # أحدهما: أن ثواب العبادات البدنية: من الصلاة والقراءة وغيرهما، يصل إلى ~~الميت، كما يصل إليه ثواب العبادات المالية (1) بالإجماع (2) . وهذا مذهب ~~أبي حنيفة وأحمد وغيرهما، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، ومالك (3) . وهو ~~الصواب لأدلة كثيرة، ذكرناها في غير هذا الموضع (4) . # والثاني: أن ثواب البدنية لا يصل إليه بحال، وهو المشهور عند أصحاب ~~الشافعي (5) ومالك. وما من أحد من هؤلاء (6) يخص مكانا بالوصول (7) أو ~~عدمه، فأما استماع الميت للأصوات، من القراءة أو غيرها - فحق. لكن الميت ما ~~بقي يثاب بعد الموت على عمل يعمله (8) هو بعد الموت من استماع أو غيره، ~~وإنما ينعم أو يعذب بما كان عمله (9) هو، أو بما يعمل عليه (10) بعد الموت ~~من أثره، أو بما يعامل به. كما قد اختلف في تعذيبه بالنياحة عليه، ~~PageV02P262 # وكما ينعم بما يهدى إليه، وكما ينعم بالدعاء له وإهداء العبادات المالية ~~بالإجماع (1) . # وكذلك ذكر طائفة من العلماء، من أصحاب أحمد وغيرهم، ونقلوه عن أحمد، ~~وذكروا فيه آثارا أن الميت يتألم بما يفعل عنده من المعاصي، فقد يقال أيضا: ~~إنه ينعم بما يسمعه من قراءة وذكر. وهذا - لو صح - لم يوجب استحباب القراءة ~~عنده، فإن ذلك لو كان مشروعا لسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، ~~وذلك لأن هذا، وإن كان من نوع مصلحة، ففيه مفسدة راجحة، كما في الصلاة ~~عنده، وتنعم الميت بالدعاء له، والاستغفار والصدقة عنه (2) وغير ذلك من ~~العبادات (3) يحصل له به (4) من النفع أعظم من ذلك، وهو مشروع ولا مفسدة ~~فيه، ولهذا لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائما للقراءة ~~عنده، إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام، أن ذلك ليس مما شرعه النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأمته. # لكن اختلفوا في القراءة عند القبور: هل تكره، أم لا تكره؟ # والمسألة مشهورة، وفيها ثلاث روايات عن أحمد: # إحداها أن ذلك لا بأس به. وهي اختيار الخلال وصاحبه، وأكثر المتأخرين من ~~أصحابه. وقالوا: ms346 هي الرواية المتأخرة عن أحمد، وقول جماعة من أصحاب أبي ~~حنيفة، واعتمدوا على ما نقل عن ابن عمر (5) رضي الله PageV02P263 # عنهما، أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتيح (1) البقرة، ~~وخواتيمها. # ونقل أيضا عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة. # والثانية: أن ذلك مكروه. حتى اختلف هؤلاء: هل تقرأ الفاتحة في صلاة ~~الجنازة إذا صلي عليها في المقبرة؟ وفيه عن أحمد روايتان، وهذه الرواية هي ~~التي رواها أكثر أصحابه عنه، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه، كعبد الوهاب ~~الوراق (2) وأبي بكر المروزي، ونحوهما، وهي (3) مذهب جمهور السلف، كأبي ~~حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم، ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه ~~المسألة كلام، وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة. # وقال مالك: " ما علمت أحدا يفعل ذلك "، فعلم أن الصحابة والتابعين ما ~~كانوا يفعلونه. # والثالثة: أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها، كما نقل عن ابن عمر (4) ~~رضي الله عنهما، وبعض المهاجرين، وأما القراءة بعد ذلك - مثل الذين ينتابون ~~(5) القبر للقراءة عنده - فهذا مكروه، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ~~ذلك أصلا. # وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها، لما فيها من التوفيق بين الدلائل. ~~PageV02P264 # والذين كرهوا القراءة عند القبر، كرهها بعضهم، وإن لم يقصد القراءة هناك، ~~كما تكره الصلاة، فإن أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة هناك. # ومعلوم أن القراءة في الصلاة ليس المقصود بها القراءة عند القبر، ومع هذا ~~فالفرق بين ما يفعل ضمنا وتبعا، وما (1) يفعل لأجل القبر، بين كما تقدم. # والوقوف (2) التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم، فيها من الفائدة ~~أنها تعين على حفظ القرآن، وأنها رزق لحفاظ القرآن، وباعثة لهم على حفظه ~~ودرسه وملازمته، وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته فهو مما يحفظ به ~~الدين، كما يحفظ بقراءة الفاجر (3) وجهاد الفاجر، وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (4) . # وبسط الكلام في الوقوف وشروطها، قد ذكر في موضع آخر (5) وليس هو المقصود ~~هنا. فأما ذكر ms347 الله هناك فلا يكره، لكن قصد البقعة للذكر هناك بدعة مكروهة، ~~فإنه نوع من اتخاذها (6) عيدا، وكذلك قصدها للصيام عندها. PageV02P265 # ومن رخص في القراءة فإنه لا يرخص في اتخاذها عيدا، مثل أن يجعل له وقت ~~معلوم، يعتاد فيه القراءة هناك، أو يجتمع عنده للقراءة ونحو ذلك، كما أن من ~~يرخص في الذكر والدعاء هناك، لا يرخص في اتخاذه عيدا كذلك (1) كما تقدم. # وأما الذبح (2) هناك فمنهي عنه مطلقا، ذكره أصحابنا وغيرهم. لما روى أنس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عقر في (3) الإسلام» . رواه أحمد (4) ~~وأبو داود، وزاد: قال عبد الرزاق: " كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة " ~~(5) قال أحمد في رواية المروزي: " قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عقر ~~في الإسلام» كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا على قبره، فنهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكره أبو عبد الله أكل لحمه. # قال أصحابنا: وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند ~~القبر بخبز أو نحوه. فهذه أنواع العبادات البدنية، أو المالية، أو المركبة ~~(6) منهما. PageV02P266 ### | فصل في العكوف عند القبور ومجاورتها وسدانتها # فصل ومن المحرمات: العكوف عند القبر (1) والمجاورة عنده، وسدانته، وتعليق ~~الستور عليه، كأنه بيت الله الكعبة. # فإنا قد بينا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة، محرم ~~بدلالة السنة، فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد، والعكوف فيه ~~كأنه المسجد الحرام؟ بل عند بعضهم أن العكوف فيه أحب إليه من العكوف في ~~المسجد الحرام، إذ من الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، ~~والذين آمنوا أشد حبا لله. بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه ~~الله ورسوله، أعظم عند المقابريين (2) من حرمة بيوت الله التي أذن الله أن ~~ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أسست على تقوى من الله (3) ورضوان (4) . # وقد بلغ الشيطان بهذه البدع إلى الشرك العظيم في كثير من الناس، حتى إن ~~منهم من يعتقد أن زيارة ms348 المشاهد التي (5) على القبور - إما قبر لنبي، ~~PageV02P267 # أو شيخ، أو بعض أهل (1) البيت - أفضل من حج البيت الحرام، ويسمي زيارتها: ~~الحج الأكبر، ومن هؤلاء من يرى أن السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أفضل من حج البيت. وبعضهم إذا وصل المدينة رجع (2) وظن أنه حصل له ~~المقصود (3) . وهذا لأنهم ظنوا أن زيارة القبور (4) لأجل الدعاء عندها ~~والتوسل بها، وسؤال الميت ودعائه. # ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة، ولو علموا أن ~~المقصود إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له وسؤاله ودعاؤه، والمقصود ~~بزيارة القبور الدعاء لها، كما يقصد بالصلاة على الميت؛ لزال هذا عن ~~قلوبهم. ولهذا، كثير من هؤلاء يسأل الميت والغائب، كما يسأل ربه، فيقول: ~~اغفر لي وارحمني، وتب علي، ونحو ذلك. # وكثير من الناس تمثل له صورة الشيخ المستغاث به، ويكون ذلك شيطانا قد ~~خاطبه، كما تفعل الشياطين بعبدة الأصنام (5) وأعظم من ذلك (6) قصد الدعاء ~~عنده والنذر له، أو للسدنة العاكفين عليه، أو المجاورين عنده، من أقاربه أو ~~غيرهم، واعتقاد أنه بالنذر له قضيت الحاجة، أو كشف البلاء. فإنا قد بينا ~~بقول الصادق المصدوق: أن نذر العمل المشروع لا يأتي بخير، وأن الله لم ~~يجعله سببا لدرك الحاجة، كما جعل الدعاء سببا لذلك، فكيف نذر المعصية، الذي ~~لا يجوز الوفاء به؟ PageV02P268 # واعلم أن أهل القبور (1) من الأنبياء والصالحين، المدفونين، يكرهون ما ~~يفعل عندهم كل الكراهة، كما أن المسيح عليه السلام يكره ما يفعل النصارى ~~به، وكما كان أنبياء بني إسرائيل يكرهون ما يفعله الأتباع، فلا يحسب المرء ~~المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور أعيادا وأوثانا فيه غض من (2) أصحابها، بل ~~هو من باب إكرامهم، وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد ~~أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور وطريقته، ~~مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه. # ومن كرامة الأنبياء والصالحين، أن يتبع ما دعوا إليه من العمل الصالح، ~~ليكثر أجرهم بكثرة أجور من اتبعهم، كما قال ms349 النبي صلى الله عليه وسلم: «من ~~دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم ~~شيء» (3) . # وإنما اشتغلت قلوب طوائف من الناس، بأنواع من العبادات المبتدعة: إما من ~~الأدعية، وإما من الأشعار (4) وإما من السماعات، ونحو ذلك لإعراضهم عن ~~المشروع، أو بعضه - أعني لإعراض قلوبهم - وإن قاموا بصورة المشروع، وإلا ~~فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه، عاقلا لما اشتملت عليه من الكلم ~~الطيب، والعمل الصالح مهتما بها كل الاهتمام - أغنته عن كل ما يتوهم فيه ~~خير من جنسها. PageV02P269 # ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه، وجد فيه من ~~الفهم والحلاوة (1) والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا ~~منظومه ولا منثوره. # ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته، كالأسحار، وأدبار الصلوات والسجود، ~~ونحو ذلك، أغناه عن كل دعاء مبتدع، في ذاته أو بعض صفاته. # فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء من ذلك، ويعتاض عن كل ما ~~يظن (2) من البدع أنه خير بنوعه من السنن، فإنه من يتحر الخير يعطه، ومن ~~يتوق الشر يوقه. PageV02P270 ### | فصل في مقامات الأنبياء وحكم قصدها ### | أقوال العلماء وبيان القول الصحيح وأدلته # فصل فأما مقامات الأنبياء والصالحين، وهي الأمكنة التي (1) قاموا فيها، ~~أو أقاموا، أو عبدوا الله سبحانه، لكنهم لم يتخذوها مساجد؛ (2) فالذي بلغني ~~في ذلك قولان عن العلماء المشهورين: # أحدهما: النهي عن ذلك وكراهته، وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة، إلا أن ~~يكون قصدها للعبادة مما جاء به الشرع، مثل أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم قصدها للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم، وكما كان يتحرى الصلاة ~~عند الأصطوانة (3) وكما يقصد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول ونحو ذلك. # والقول الثاني: أنه لا بأس باليسير (4) من ذلك، كما نقل عن ابن عمر: أنه ~~كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد سلكها اتفاقا لا قصدا. قال (5) سندي ms350 الخواتيمي: ~~سألنا أبا عبد الله عن الرجل PageV02P271 # يأتي هذه المشاهد، ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما على حديث ابن أم ~~مكتوم: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك ~~مصلى. وعلى ما كان يفعله ابن عمر، يتتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأثره، فليس بذلك بأس، أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في ~~هذا جدا، وأكثروا فيه ". # وكذلك نقل عنه (1) أحمد بن القاسم: أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد ~~التي بالمدينة، وغيرها، يذهب إليها؟ فقال: " أما على «حديث ابن أم مكتوم: ~~أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجدا» ~~، وعلى ما كان يفعل ابن عمر رضي الله عنه: كان (2) يتتبع مواضع سير النبي ~~صلى الله عليه وسلم، حتى رئي أنه يصب في موضع ماء، فيسأل عن ذلك. فقال: ~~رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصب هاهنا ماء، قال: أما على هذا فلا بأس ". ~~قال: ورخص فيه، ثم قال: " ولكن قد أفرط الناس جدا، وأكثروا (3) في هذا ~~المعنى، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. رواهما الخلال في كتاب الأدب ~~(4) . # فقد فصل أبو عبد الله رحمه الله في المشاهد، وهي الأمكنة التي فيها آثار ~~الأنبياء والصالحين، من غير أن تكون مساجد لهم، كمواضع بالمدينة (5) بين ~~القليل الذي لا يتخذونه عيدا، والكثير الذي يتخذونه عيدا، كما تقدم. وهذا ~~التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة، فإنه قد روى البخاري في صحيحه، ~~عن موسى بن عقبة قال: " رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق، ~~ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV02P272 # يصلي في تلك الأمكنة " قال موسى: " وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في ~~تلك الأمكنة " (1) فهذا كما رخص فيه أحمد رضي الله عنه. # وأما ما كرهه: فروى سعيد بن منصور في سننه، حدثنا أبو معاوية، حدثنا ~~الأعمش عن معرور بن سويد، " عن عمر ms351 رضي الله عنه قال: خرجنا معه في حجة ~~حجها فقرأ بنا في الفجر ب {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} [الفيل: 1] و ~~{لإيلاف قريش} [قريش: 1] في الثانية، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا ~~المسجد فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: هكذا (2) هلك أهل الكتاب قبلكم: اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت ~~له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض " (3) فقد كره عمر ~~رضي الله عنه اتخاذ مصلى النبي صلى الله عليه وسلم عيدا، وبين أن أهل ~~الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا. # وفي رواية عنه: " أنه رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء؟ ~~فقيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فهم يصلون ~~فيه فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ~~ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل، ~~PageV02P273 # ومن لا فليمض ولا يتعمدها " (1) . # وروى محمد بن وضاح (2) وغيره: أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي ~~بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم (3) لأن الناس كانوا يذهبون تحتها. ~~فخاف عمر الفتنة عليهم (4) . # وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم في إتيان المشاهد - فقال محمد بن وضاح: ~~كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار ~~التي بالمدينة، ما عدا قباء وأحدا. ودخل سفيان الثوري بيت المقدس وصلى فيه ~~ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها. فهؤلاء كرهوها مطلقا، لحديث عمر رضي ~~الله عنه هذا، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر إذ هو ذريعة إلى اتخاذها ~~أعيادا، وإلى التشبه بأهل الكتاب، (5) ولأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه ~~أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا غيرهم، من المهاجرين ~~والأنصار، أنه (6) كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي صلى الله عليه ~~وسلم. PageV02P274 # والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم تكون ~~بطاعة أمره، وتكون في فعله، بأن يفعل ms352 مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا ~~قصد العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له، كقصد المشاعر ~~والمساجد. وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول، أو ~~غير ذلك، مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن ~~متبعين له، فإن الأعمال بالنيات. # واستحب آخرون من العلماء المتأخرين إتيانها، وذكر طائفة من المصنفين من ~~أصحابنا وغيرهم في المناسك، استحباب زيارة هذه المساجد وعدوا منها مواضع ~~وسموها. وأما أحمد فرخص منها فيما جاء به الأثر من ذلك إلا إذا اتخذت عيدا، ~~مثل أن تنتاب لذلك، ويجتمع عندها في وقت معلوم، كما يرخص في صلاة النساء في ~~المساجد جماعات، وإن كانت بيوتهن خيرا لهن، إلا إذا تبرجن وجمع بذلك بين ~~الآثار، واحتج بحديث ابن أم مكتوم. # ومثله: ما خرجاه في الصحيحين، «عن عتبان بن مالك (1) قال: كنت أصلي لقومي ~~بني سالم، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني أنكرت بصري، وإن ~~السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فلوددت أنك جئت فصليت في بيتي مكانا حتى ~~أتخذه مسجدا. فقال: " أفعل إن شاء الله " فغدا علي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبو بكر معه، بعدما اشتد النهار، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: " أين تحب أن أصلي من بيتكم (2) " فأشرت له ~~إلى المكان الذي أحب PageV02P275 # أن يصلي فيه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر، وصففنا (1) وراءه، ~~فصلى ركعتين، ثم سلم وسلمنا حين سلم» (2) ". # ففي هذا الحديث دلالة على أن من قصد أن يبني مسجده في موضع صلاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلا بأس به، وكذلك قصد الصلاة في موضع صلاته، لكن ~~هذا كان أصل قصده بناء مسجد، فأحب أن يكون موضعا يصلي له فيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ليكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي رسم المسجد، بخلاف ~~مكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقا فاتخذ مسجدا لا ms353 لحاجة إلى ~~المسجد، لكن (3) لأجل صلاته فيه. ### | الأمكنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد الصلاة أو الدعاء عندها # فأما الأمكنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد الصلاة أو الدعاء ~~عندها، فقصد الصلاة فيها أو الدعاء سنة، اقتداء برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واتباعا له، كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات فإن قصد ~~الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته، وسائر الأفعال التي ~~فعلها على وجه التقرب ومثل هذا: ما خرجاه في الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد ~~(4) قال: " كان سلمة بن الأكوع (5) يتحرى الصلاة عند الأصطوانة التي عند ~~المصحف. فقلت له: يا أبا مسلم، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأصطوانة، ~~PageV02P276 # قال (1) «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها» (2) وفي ~~رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع: أنه كان يتحرى الصلاة موضع المصحف، يسبح ~~فيه، وذكر أن «رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى ذلك المكان، وكان ~~بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة» (3) . # وقد ظن بعض المصنفين أن هذا مما اختلف فيه وجعله والقسم الأول سواء، وليس ~~بجيد. فإنه هنا أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى البقعة. . فكيف ~~لا يكون هذا القصد مستحبا؟ نعم: إيطان (4) بقعة في المسجد لا يصلى إلا فيها ~~منهي عنه كما جاءت به السنة، والإيطان ليس هو التحري من غير إيطان (5) . # فيجب الفرق بين اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والاستنان به فيما فعله، ~~وبين ابتداع بدعة لم يسنها لأجل تعلقها به. PageV02P277 # وقد تنازع العلماء فيما إذا فعل (1) فعلا من المباحات لسبب، وفعلناه نحن ~~تشبها به، مع انتفاء ذلك السبب، فمنهم من يستحب ذلك ومنهم من لا يستحبه، ~~وعلى هذا يخرج فعل ابن عمر رضي الله عنهما، بأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي في تلك البقاع التي في طريقه، لأنها كانت منزله، لم يتحر الصلاة ~~فيها لمعنى في البقعة. فنظير هذا: أن يصلي المسافر في منزله، وهذا سنة. # فأما ms354 قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها (2) اتفاقا، فهذا لم ينقل ~~عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسائر ~~السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار (3) يذهبون من المدينة إلى مكة ~~حجاجا وعمارا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبا لكانوا إليه ~~أسبق، فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ~~«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا ~~عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة (4) وكل بدعة ~~ضلالة» (5) . PageV02P278 # وتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابتدع، وقول الصحابي ~~(1) إذا خالفه نظيره، ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟ # أيضا: فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد والتشبه بأهل الكتاب ~~مما نهينا عن التشبه بهم فيه وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع قد حسم ~~هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وبالنهي عن ~~اتخاذ القبور مساجد، فإذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان ~~وهذا الزمان، سدا للذريعة. فكيف يستحب قصد الصلاة والدعاء في مكان اتفق ~~قيامهم فيه، أو صلاتهم فيه، من غير أن يكونوا (2) قد قصدوه للصلاة فيه ~~والدعاء فيه؟ . # ولو ساغ هذا لاستحب قصد جبل حراء والصلاة فيه، وقصد جبل ثور والصلاة فيه، ~~وقصد الأماكن التي يقال إن الأنبياء قاموا فيها، كالمقامين اللذين بطريق ~~جبل قاسيون بدمشق، اللذين يقال إنهما مقام إبراهيم وعيسى، والمقام الذي ~~يقال إنه مغارة دم قابيل، وأمثال ذلك، من البقاع التي بالحجاز والشام ~~وغيرهما. # ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنه يقال: إن هذا مقام نبي، ~~أو قبر نبي، أو ولي، بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم ~~يترتب على ذلك اتخاذه مسجدا، فيصير وثنا يعبد من دون الله تعالى. شرك مبني ~~على إفك! والله سبحانه ms355 يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق ~~والإخلاص. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «عدلت ~~شهادة الزور الإشراك بالله» - ثلاثا - ثم قرأ قوله تعالى: PageV02P279 # {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به} ~~[الحج: 30] (1)) (2) . # وقال تعالى: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون - ونزعنا ~~من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون} [القصص: 74 - 75] (3) وقال تعالى عن الخليل: {إذ قال لأبيه وقومه ~~ماذا تعبدون - أئفكا آلهة دون الله تريدون} [الصافات: 85 - 86] (4) وقال ~~تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ~~ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم ~~وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام: 94] (5) . # وقال تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم - إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين - ألا لله الدين الخالص والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم ~~بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} [الزمر: 1 - ~~3] (6) . # وقال تعالى: {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون - فكفى بالله ~~شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين - هنالك تبلو كل نفس ما ~~أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون} [يونس: 28 - ~~30] (7) . PageV02P280 # وقال تعالى: {ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين ~~يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [يونس: 66] ~~(1) . # وقال تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزي المفترين} [الأعراف: 152] (2) . # قال أبو قلابة: " هي لكل مبتدع من هذه الأمة إلى يوم القيامة " (3) . وهو ~~(4) كما قال: فإن أهل الكذب والفرية عليهم من الغضب والذلة ما أوعدهم الله ~~به. # والشرك وسائر البدع مبناها ms356 على الكذب والافتراء، ولهذا: كل من كان عن ~~التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب (5) كالرافضة ~~الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا، فلا يوجد في أهل ~~PageV02P281 # الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم، حتى إنهم يخربون (1) مساجد ~~الله التي يذكر فيها اسمه فيعطلونها عن الجماعات والجمعات، ويعمرون المشاهد ~~التي على القبور، التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها، والله سبحانه في كتابه ~~إنما أمر بعمارة المساجد لا المشاهد، فقال تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد ~~الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها} [البقرة: 114] (2) ولم يقل: مشاهد ~~الله. # وقال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} [الأعراف: ~~29] (3) ولم يقل: عند كل مشهد. # وقال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر} [التوبة: 17] إلى قوله: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين} [التوبة: 18] (4) ولم يقل: مشاهد الله. بل المشاهد إنما يعمرها ~~من يخشى غير الله ويرجو غير الله لا يعمرها إلا من فيه نوع من الشرك. # وقال الله تعالى: {ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} [الحج: 40] (5) وقال ~~تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال - رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار - ليجزيهم الله أحسن ما ~~عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب} [النور: 36 - 38] (6) ~~وقال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18] (7) ~~PageV02P282 # ولم يقل: وأن المشاهد لله. # وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة كقوله في الحديث الصحيح: ~~«من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة» (1) ولم يقل: مشهدا. وقال ~~أيضا في الحديث: «صلاة الرجل في المسجد تفضل عن صلاته في بيته وسوقه بخمس ~~وعشرين صلاة» (2) وقال في الحديث الصحيح: «من تطهر في بيته ms357 فأحسن الطهور، ~~ثم خرج إلى المسجد لا تنهزه (3) إلا الصلاة، كانت خطواته إحداهما ترفع درجة ~~والأخرى تحط خطيئة. فإذا جلس ينتظر الصلاة فالعبد في صلاة ما دام ينتظر ~~الصلاة، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، اللهم ~~اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث» (4) . PageV02P283 # وهذا مما علم (1) بالتواتر والضرورة من دين الرسول (2) صلى الله عليه ~~وسلم، فإنه أمر بعمارة المساجد والصلاة فيها، ولم يأمر ببناء مشهد، لا على ~~قبر نبي، ولا غير قبر نبي (3) ولا على مقام نبي، ولم يكن على عهد الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم في بلاد الإسلام، لا الحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا ~~العراق ولا خراسان ولا مصر ولا المغرب مسجد مبني (4) على قبر، ولا مشهد ~~يقصد للزيارة أصلا، ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي (5) ~~لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه. # واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~لا يستقبل قبره، وتنازعوا عند السلام عليه فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل ~~قبره ويسلم عليه (6) وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وأظنه منصوصا عنه. # وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه، هكذا في كتب أصحابه (7) . ~~PageV02P284 # وقال مالك فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق (1) في المبسوط، والقاضي عياض (2) ~~وغيرهما: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو، ولكن يسلم ~~ويمضي (3) . وقال أيضا في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج، أن يقف ~~على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه (4) ويدعو لأبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما. فقيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا ~~يريدونه (5) يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر عند القبر، فيسلمون ويدعون ~~ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ms358 (6) ببلدنا، ولا يصلح آخر ~~هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم ~~كانوا يفعلون ذلك. ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده (7) . # وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة، ما يوافق هذا ويؤيده من ~~PageV02P285 # أنهم كانوا إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية: ~~كالصلاة والسلام. ويكرهون قصده للدعاء، والوقوف عنده للدعاء (1) ومن يرخص ~~منهم في شيء من ذلك فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه ثم أراد الدعاء، أن ~~يدعو مستقبلا القبلة إما مستدبر القبر وإما منحرفا عنه، وهو أن يستقبل ~~القبلة ويدعو، ولا يدعو مستقبل القبر، وهكذا المنقول عن سائر الأئمة. # ليس في أئمة المسلمين من استحب للمرء (2) أن يستقبل قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ويدعو عنده، وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف، يبين حقيقية ~~الحكاية المأثورة عنه، وهي الحكاية التي ذكرها القاضي عياض عن محمد بن حميد ~~(3) قال: " ناظر أبو جعفر (4) أمير المؤمنين مالكا في مسجد الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، فقال له (5) مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا ~~المسجد، فإن الله تعالى أدب قوما فقال: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} ~~[الحجرات: 2] الآية (6) ومدح قوما (7) فقال: {إن الذين يغضون أصواتهم عند ~~رسول الله} [الحجرات: 3] الآية (8) وذم قوما فقال: {إن الذين ينادونك من ~~وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات: 4] الآية (9) . PageV02P286 # وإن حرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله، ~~أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم ~~تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة؟ بل ~~استقبله واستشفع به فيشفعه (1) الله (2) . وقال الله تعالى: {ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله} [النساء: 64] (3) الآية (4) . # فهذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون ضعيفة، أو مغيرة، وإما أن تفسر ~~بما يوافق مذهبه إذ قد (5) يفهم منها ما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقات ~~من أصحابه، فإنه لا يختلف مذهبه ms359 أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، (6) وقد ~~نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقا، وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من ~~القبر، ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو مستقبل القبلة، ويوليه ~~ظهره، وقيل: لا يوليه ظهره. فاتفقوا في استقبال القبلة وتنازعوا في تولية ~~القبر ظهره، وقت الدعاء. # ويشبه - والله أعلم - أن يكون مالك رحمه الله سئل عن استقبال القبر عند ~~السلام عليه، وهو يسمي ذلك دعاء، فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه ~~عند السلام عليه يستقبل القبلة أيضا، ومالك يرى استقبال القبر في هذه الحال ~~كما تقدم. PageV02P287 # وكما قال في رواية ابن وهب عنه: " إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ويدعو، ولا يمس القبر بيده ~~(1) وقد تقدم قوله: إنه يصلي عليه ويدعو له ". # ومعلوم أن الصلاة عليه والدعاء له يوجب شفاعته للعبد يوم القيامة، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما ~~يقول: ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا الله ~~لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن ~~أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة (2) حلت عليه شفاعتي يوم القيامة» ~~(3) . # فقول مالك في هذه الحكاية - إن كان ثابتا عنه - (4) معناه: إنك إذا ~~استقبلته وصليت عليه وسلمت عليه، وسألت الله له الوسيلة، يشفع فيك يوم ~~القيامة فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون (5) بشفاعته واستشفاع العبد به في ~~الدنيا هو (6) فعل ما يشفع به له يوم القيامة، كسؤال الله له الوسيلة ونحو ~~ذلك. # وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدعو (7) ويسلم، يعني ~~دعاءه للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه. PageV02P288 # فهذا الدعاء هو المشروع هناك، كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين، وهو ~~الدعاء لهم، فإنه أحق ms360 الناس أن يصلى عليه ويسلم عليه (1) ويدعى له - بأبي ~~هو وأمي - صلى الله عليه وسلم. وبها تتفق أقوال مالك، ويفرق بين الدعاء (2) ~~الذي أحبه، والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة. # وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك} ~~[النساء: 64] (3) الآية، فهي - والله أعلم - باطلة، فإن هذا لم يذكره أحد ~~من الأئمة فيما أعلمه، ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن يسأل (4) بعد الموت ~~لا استغفارا ولا غيره، وكلامه المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا، وإنما ~~يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء، عن أعرابي أنه أتى ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وتلا هذه الآية، وأنشد بيتين: # يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم # نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم (5) # ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد، مثل ذلك، ~~واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي، لا سيما في مثل هذا الأمر ~~الذي لو كان مشروعا مندوبا؛ لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من ~~غيرهم، بل قضاء حاجة مثل هذا الأعرابي وأمثاله لها أسباب PageV02P289 # قد بسطت في غير هذا الموضع (1) . # وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعا مأمورا به، فقد ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد ~~سائلا، وتكون المسألة محرمة في حق السائل: حتى (2) قال «إني لأعطي أحدهم ~~العطية فيخرج بها يتأبطها نارا " قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: " ~~يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل» (3) . # وقد يفعل الرجل العمل (4) الذي يعتقده صالحا، ولا يكون عالما أنه (5) ~~منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه. وهذا باب واسع. # وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها، قد يفعلها بعض الناس، ويحل له بها ~~نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة بل (6) لو لم تكن مفسدتها ~~أغلب من مصلحتها لما نهي عنها. ثم الفاعل ms361 قد يكون متأولا، أو مخطئا مجتهدا ~~أو مقلدا، فيغفر له خطؤه ويثاب على ما فعله من الخير المشروع المقرون بغير ~~المشروع، كالمجتهد المخطئ، وقد بسط (7) هذا في غير هذا الموضع (8) . ~~PageV02P290 ### | الاستسقاء بأهل الخير الأحياء إنما يكون بدعائهم # والمقصود هنا أنه قد علم أن مالكا من أعلم الناس بمثل هذه الأمور، فإنه ~~مقيم بالمدينة، يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم، ويسمع ما ينقلونه عن ~~الصحابة وأكابر التابعين، وهو ينهى عن الوقوف عند القبر للدعاء، ويذكر أنه ~~لم يفعله السلف. وقد أجدب الناس على عهد عمر (1) رضي الله عنه، فاستسقى ~~بالعباس. # ففي صحيح البخاري، عن أنس: " أن عمر استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا ~~إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، ~~فيسقون (2) . # فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وهو ~~أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم، فيدعو لهم ويدعون معه كالإمام ~~والمأمومين، من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم ~~بعضهم على بعض بمخلوق، ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم توسلوا بدعاء ~~العباس واستسقوا به. # ولهذا (3) قال الفقهاء: يستحب الاستسقاء بأهل الخير والدين، والأفضل أن ~~يكون من أهل (4) بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استسقى معاوية بيزيد بن ~~الأسود الجرشي (5) وقال اللهم إنا (6) نستسقي بيزيد بن الأسود، يا يزيد ~~ارفع (7) PageV02P291 # يدك فرفع (1) يديه ودعا، ودعا الناس حتى أمطروا (2) . # ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره ~~يستسقي (3) عنده ولا به، والعلماء استحبوا السلام على النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ للحديث الذي في سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه ~~السلام» (4) هذا مع ما في النسائي وغيره، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام» (5) . # وفي سنن أبي داود وغيره عنه، أنه قال «أكثروا ms362 من الصلاة علي ليلة الجمعة ~~ويوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي "، فقالوا يا رسول الله، كيف تعرض ~~صلاتنا عليك وقد أرمت؟ -أي بليت -فقال: " إن الله حرم على الأرض أن تأكل ~~لحوم الأنبياء» (6) . فالصلاة عليه -بأبي هو وأمي- والسلام عليه مما أمر ~~الله به ورسوله، وقد ثبت في الصحيح (7) أنه قال «من صلى علي مرة صلى الله ~~عليه بها (8) عشرا» (9) . PageV02P292 # والمشروع لنا عند زيارة قبور (1) الأنبياء والصالحين وسائر المؤمنين، هو ~~من جنس المشروع عند جنائزهم. # فكما أن المقصود بالصلاة على الميت الدعاء له؛ (2) فالمقصود بزيارة قبره ~~الدعاء له (3) كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح والسنن ~~والمسند (4) " أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور، أن يقول قائلهم: ~~«السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. ويرحم ~~الله المستقدمين منا (5) ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، ~~اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم» (6) . # فهذا دعاء خاص للميت، كما في دعاء الصلاة على الجنازة الدعاء العام ~~والخاص (7) «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، ~~وذكرنا وأنثانا، إنك (8) تعلم متقلبنا PageV02P293 # ومثوانا» (1) أي (2) ثم يخص الميت بالدعاء. # قال الله تعالى في حق المنافقين: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم ~~على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله} [التوبة: 84] (3) الآية. # فلما نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليهم والقيام على ~~قبورهم - لأجل كفرهم - دل ذلك بطريق التعليل والمفهوم على أن المؤمن يصلى ~~عليه ويقام على قبره. ولهذا في السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان ~~إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره، ثم يقول: " سلوا له التثبيت، فإنه ~~الآن يسأل» (4) . # فأما أن (5) يقصد بالزيارة: سؤال الميت، أو الإقسام به على الله، أو ~~استجابة الدعاء عند تلك البقعة، فهذا لم يكن من فعل أحد من سلف الأمة، لا ~~الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، وإنما حدث ذلك بعد ذلك. بل قد كره مالك ~~وغيره من العلماء أن يقول القائل: زرنا ms363 قبر النبي صلى الله عليه وسلم. ~~PageV02P294 # وقال القاضي عياض: (كره مالك أن يقال: زرنا قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وذكر عن بعضهم أنه علله بلعنه صلى الله عليه وسلم زوارات القبور، قال ~~(1) وهذا يرده قوله (2) «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (3) . وعن بعضهم ~~أن (4) الزائر أفضل من المزور، قال: وهذا مردود بما جاء من زيارة أهل الجنة ~~لربهم (5) . # قال: والأولى أن يقال في ذلك: إنه إنما كرهه مالك لإضافة الزيارة إلى قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لو قال: زرنا النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يكرهه، لقوله «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد» (6) فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه بأولئك؛ ~~قطعا للذريعة وحسما للباب (7) كتاب (الشفا) للقاضي عياض (2 / 82، 83) ، وقد ~~ذكره المؤلف مختصرا. . # قلت (8) غلب في عرف كثير من الناس استعمال لفظ: (زرنا) في زيارة قبور ~~الأنبياء والصالحين على (9) استعمال لفظ زيارة القبور في (10) الزيارة ~~PageV02P295 # البدعية الشركية لا في الزيارة الشرعية، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى أحد في ذلك شيئا، لا أهل ~~الصحيح ولا السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند (1) كالإمام أحمد وغيره. # وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره، وأجل حديث روي في ذلك ما رواه ~~الدارقطني، وهو ضعيف باتفاق أهل العلم بل الأحاديث المروية في زيارة قبره، ~~كقوله: «من زارني وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله ~~الجنة» (2) و «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي» (3) و «من حج ولم ~~يزرني فقد جفاني» (4) ونحو هذه الأحاديث، كلها مكذوبة موضوعة. # لكن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في زيارة القبور مطلقا، بعد أن كان قد ~~نهى عنها، كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ~~فزوروها» (5) وفي الصحيح عنه أنه قال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم ~~يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، ms364 فزوروا القبور فإنها تذكركم ~~الآخرة» (6) فهذه زيارة لأجل (7) تذكرة الآخرة، ولهذا يجوز زيارة قبر ~~الكافر لأجل ذلك. PageV02P296 # وكان صلى الله عليه وسلم يخرج إلى البقيع فيسلم على موتى المسلمين ويدعو ~~لهم، فهذه زيارة مختصة بالمسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة تختص ~~بالمؤمنين. # وقد استفاض عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «لعن الله اليهود ~~والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: " ولولا ~~ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا " (1) . # وفي الصحيح أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة، وذكر من حسنها وتصاوير فيها، ~~فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح (2) بنوا على قبره مسجدا، وصوروا ~~فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» وهذه في الصحيح ~~(3) . # وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يموت بخمس، وهو يقول «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن ~~الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا ~~لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم ~~مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (4) . # وفي السنن عنه أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن ~~صلاتكم تبلغني» (5) وفي الموطأ وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد» (6) . PageV02P297 # وفي المسند، وصحيح أبي حاتم، عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور ~~مساجد» (1) . # ومعنى هذه الأحاديث متواتر عنه صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي - ~~وكذلك عن أصحابه. # فهذا الذي ينهى (2) عنه: من اتخاذ القبور مساجد، مفارق لما أمر به وشرعه ~~من السلام على الموتى، والدعاء لهم، فالزيارة المشروعة من جنس الثاني (3) . ~~والزيارة المبتدعة من جنس الأول (4) فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد ms365 يتضمن ~~النهي عن بناء المساجد عليها، وعن قصد الصلاة عندها، وكلاهما منهي عنه ~~باتفاق العلماء، فإنهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور، بل صرحوا ~~بتحريم ذلك، كما دل عليه النص. # واتفقوا أيضا على أنه لا يشرع قصد الصلاة والدعاء عند القبور، ولم يقل ~~أحد من أئمة المسلمين إن الصلاة عندها والدعاء عندها أفضل منه في المساجد ~~الخالية عن القبور، بل (5) اتفق علماء المسلمين على أن الصلاة والدعاء في ~~المساجد التي لم تبن على القبور، أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد التي ~~بنيت على القبور، بل الصلاة والدعاء في هذه منهي عنه مكروه باتفاقهم، وقد ~~(6) PageV02P298 # صرح كثير منهم بتحريم ذلك بل (1) وبإبطال الصلاة فيها، وإن كان في هذا ~~نزاع. # والمقصود هنا: أن هذا ليس بواجب ولا مستحب، باتفاقهم، بل هو (2) مكروه ~~باتفاقهم. والفقهاء قد ذكروا في تعليل كراهة الصلاة في المقبرة علتين: # إحداهما: نجاسة التراب باختلاطه بصديد الموتى، وهذه علة من يفرق بين ~~القديمة والحديثة، وهذه العلة في صحتها نزاع، لاختلاف العلماء في نجاسة ~~تراب القبور، وهي من مسائل الاستحالة (3) وأكثر علماء المسلمين يقولون إن ~~النجاسة تطهر بالاستحالة، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر (4) وأحد القولين ~~في مذهب مالك وأحمد. # وقد ثبت في الصحيح: أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان حائطا لبني ~~النجار، وكان (5) قبورا من قبور المشركين، ونخلا وخربا (6) فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالنخيل فقطعت، وبالخرب فسويت، وبالقبور فنبشت (7) وجعل ~~النخل في صف القبلة (8) . PageV02P299 # فلو كان (1) تراب قبور المشركين نجسا (2) ؛ لأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بنقل ذلك التراب، فإنه لا بد أن يختلط ذلك التراب بغيره، والعلة ~~الثانية ما في ذلك من مشابهة الكفار بالصلاة عند القبور؛ لما يفضي إليه ذلك ~~من الشرك وهذه العلة صحيحة باتفاقهم. # والمعللون بالأولى، كالشافعي وغيره، عللوا بهذه أيضا، وكرهوا ذلك لما فيه ~~من الفتنة، وكذلك الأئمة: من أصحاب أحمد ومالك، كأبي بكر الأثرم صاحب أحمد، ~~وغيره وعللوا بهذه الثانية أيضا، وإن كان منهم من قد يعلل بالأولى. # وقد ms366 قال تعالى {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا} [نوح: 23] (3) ذكر ابن عباس وغيره من السلف: " أن هذه أسماء ~~قوم صالحين، كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، وصوروا ~~تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم " قد ذكر هذا البخاري في صحيحه (4) ~~وأهل التفسير: كابن جرير وغيره (5) وأصحاب قصص الأنبياء كوثيمة (6) وغيره. # ويبين صحة هذه العلة أنه صلى الله عليه وسلم لعن من يتخذ قبور الأنبياء ~~مساجد، ومعلوم PageV02P300 # أن قبور الأنبياء لا تنبش ولا يكون ترابها نجسا، وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم عن نفسه: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» (1) . وقال: «لا تتخذوا قبري ~~عيدا» (2) فعلم أن نهيه عن ذلك من جنس نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند ~~غروبها؛ لأن الكفار يسجدون للشمس حينئذ، فسد الذريعة، وحسم المادة، بأن لا ~~يصلى في هذه الساعة، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله ~~(3) . وكذلك نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وإن كان المصلي عندها لا يصلي إلا ~~لله، ولا يدعو إلا الله (4) ؛ لئلا يفضي ذلك إلى دعائها والصلاة لها (5) . # وكلا الأمرين قد وقع، فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ~~ويدعو لها بأنواع (6) الأدعية والتسبيحات (7) ويلبس لها من اللباس والخواتم ~~ما يظن مناسبته لها، ويتحرى الأوقات والأمكنة والأبخرة المناسبة لها في ~~زعمه. # وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين؛ حتى شاع ~~ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، وصنف فيه بعض المشهورين كتابا سماه: " ~~السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم " (8) على مذهب المشركين من الهند ~~والصابئة، والمشركين من العرب وغيرهم، مثل طمطم (9) PageV02P301 # الهندي، وملكوشا (1) البابلي (2) وابن وحشية (3) وأبي معشر البلخي (4) ~~وثابت بن قرة (5) وأمثالهم ممن دخل في هذا (6) الشرك، وآمن بالجبت ~~والطاغوت، وهم ينتسبون إلى أهل (7) الكتاب. كما قال تعالى {ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا ~~هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا - أولئك الذين لعنهم ms367 الله ومن يلعن الله ~~فلن تجد له نصيرا} [النساء: 51 - 52] (8) وقد قال غير واحد من السلف: " ~~الجبت: السحر، والطاغوت: الأوثان "، وبعضهم قال: "الشيطان" وكلاهما حق (9) ~~. # هؤلاء يجمعون بين الجبت الذي هو السحر (10) والشرك الذي هو عبادة ~~PageV02P302 # الطاغوت، كما يجمعون بين السحر ودعوة الكواكب، وهذا مما يعلم بالاضطرار ~~من دين الإسلام - بل ودين جميع الرسل - أنه شرك محرم، بل هذا من أعظم أنواع ~~الشرك الذي بعثت الرسل بالنهي عنه، ومخاطبة إبراهيم الخليل صلى الله عليه ~~وسلم لقومه كانت في نحو هذا الشرك. # وكذلك قوله تعالى {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من ~~الموقنين - فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب ~~الآفلين - فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين - فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما ~~أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون - إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين - وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد ~~هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما ~~أفلا تتذكرون - وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ~~ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون - الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون - وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: ~~75 - 83] (1) . فإن إبراهيم عليه السلام سلك هذه السبيل لأن قومه كانوا ~~يتخذون الكواكب أربابا، يدعونها ويسألونها، ولم يكونوا هم ولا أحد من ~~العقلاء يعتقد (2) أن كوكبا من الكواكب خلق السماوات والأرض، وإنما كانوا ~~يدعونها من دون الله على مذهب PageV02P303 # هؤلاء المشركين، ولهذا قال الخليل عليه السلام {أفرأيتم ما كنتم تعبدون - ~~أنتم وآباؤكم الأقدمون - فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [الشعراء: 75 - 77] ~~(1) وقال الخليل (2) {إنني براء مما تعبدون - إلا الذي فطرني فإنه ms368 سيهدين} ~~[الزخرف: 26 - 27] (3) . # والخليل صلوات الله عليه، أنكر شركهم بالكواكب (4) العلوية، وشركهم (5) ~~بالأوثان، التي هي تماثيل وطلاسم لتلك (6) أو هي أمثال (7) لمن مات من ~~الأنبياء والصالحين وغيرهم، وكسر (8) الأصنام، كما قال تعالى عنه: {فجعلهم ~~جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون} [الأنبياء: 58] (9) . # والمقصود هنا: أن الشرك (10) وقع كثيرا، وكذلك الشرك بأهل القبور بمثل ~~(11) دعائهم، والتضرع إليهم، والرغبة إليهم، ونحو ذلك. # فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن الصلاة التي تتضمن (12) ~~الدعاء لله وحده خالصا عند القبور؛ لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم، ~~فكيف إذا وجد ما هو نوع (13) الشرك من الرغبة إليهم، سواء طلب منهم قضاء ~~الحاجات، وتفريج PageV02P304 # الكربات، أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله تعالى؟ بل لو أقسم على الله ~~ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم؛ لنهي عن ذلك ولو لم يكن عند قبره ~~(1) كما لا يقسم بمخلوق مطلقا، وهذا القسم منهي عنه، غير منعقد (2) باتفاق ~~الأئمة. # وهل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ على قولين: أصحهما: أنه نهي تحريم (3) . # ولم يتنازع العلماء إلا في الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فإن ~~فيه قولين في مذهب أحمد (4) وبعض أصحابه، كابن عقيل طرد الخلاف (5) في ~~الحلف بسائر الأنبياء، لكن القول الذي عليه جمهور الأئمة، كمالك والشافعي ~~وأبي حنيفة وغيرهم: أنه لا ينعقد اليمين بمخلوق البته، ولا يقسم بمخلوق ~~البته، وهذا هو الصواب (6) . # والإقسام على الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مبني على هذا الأصل، ~~ففيه هذا النزاع، وقد نقل عن أحمد في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في ~~(منسك المروزي) ما يناسب قوله بانعقاد اليمين به، لكن الصحيح أنه لا تنعقد ~~اليمين به. فكذلك هذا (7) . # وأما غيره: فما علمت بين الأئمة (8) فيه نزاعا بل قد صرح العلماء بالنهي ~~PageV02P305 # عن ذلك، واتفقوا على أن الله يسأل (1) ويقسم عليه بأسمائه وصفاته، كما ~~يقسم على غيره بذلك، كالأدعية المعروفة في السنن: «اللهم إني أسألك بأن لك ~~الحمد، أنت الله المنان (2) بديع السماوات والأرض، يا ذا ms369 الجلال والإكرام» ~~(3) . # وفي الحديث الآخر (4) " (5) «اللهم إني أسألك بأنك أنت (6) الله الأحد ~~الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد» (7) وفي الحديث الآخر ~~(8) «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا ~~من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (9) فهذه الأدعية PageV02P306 # ونحوها مشروعة باتفاق العلماء. وأما إذا قال: " أسألك بمعاقد (1) العز من ~~عرشك " فهذا فيه نزاع، رخص فيه غير واحد لمجيء الأثر به. ونقل عن أبي حنيفة ~~كراهته. # قال أبو الحسين (2) القدوري (3) في (شرح الكرخي) : قال بشر بن الوليد (4) ~~سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة رحمه الله: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله ~~إلا به، وأكره أن يقول: بمعقد العز من عرشك، أو بحق خلقك (5) . قال أبو ~~يوسف: بمعقد (6) العز من عرشه (7) هو الله، فلا أكره هذا، وأكره: بحق فلان، ~~أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام، بهذا الحق يكره. # قالوا جميعا: فالمسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا ~~يجوز أن يسأل بما ليس مستحقا (8) ولكن معقد (9) العز من PageV02P307 # عرشك (1) هل هو سؤال بمخلوق أو خالق؟ فيه نزاع بينهم، فلذلك تنازعوا فيه، ~~وأبو يوسف بلغه الأثر فيه: " أسألك بمعاقد (2) العز من عرشك ومنتهى الرحمة ~~من كتابك، وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامة " فجوزه لذلك. # وقد نازع في هذا بعض الناس، وقالوا: في حديث أبي سعيد الذي رواه ابن ماجه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء الذي يقوله الخارج إلى الصلاة: ~~«اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ~~ولا بطرا، ولا رياء، ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن ~~تنقذني من النار، وأن تغفر لي» (3) . # وقد قال تعالى {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} [النساء: 1] (4) ~~على قراءة حمزة وغيره ممن خفض (الأرحام) ، وقالوا: تفسيرها: أي يتساءلون به ~~وبالأرحام، كما يقال: سألتك بالله وبالرحم. ومن زعم من النحاة أنه لا يجوز ~~العطف على الضمير المجرور ms370 إلا باعادة الجار، فإنما قاله لما رأى غالب ~~الكلام بإعادة الجار، وإلا فقد سمع من الكلام العربي - نثره ونظمه - العطف ~~بدون ذلك كما حكى سيبويه: " ما فيها غيره وفرسه " (5) ولا ضرورة هنا، كما ~~يدعى مثل ذلك PageV02P308 # في الشعر، ولأنه قد ثبت في الصحيح أن عمر قال: " اللهم إنا كنا إذا ~~أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " ~~فيسقون (1) . # وفي النسائي والترمذي وغيرهما: حديث الأعمى الذي صححه الترمذي وغيرهما: " ~~أنه جاء النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يدعو الله أن يرد بصره فأمره أن ~~يتوضأ فيصلي (2) ركعتين ويقول: «اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد ~~نبي الرحمة، يا محمد، يا نبي الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضيها ~~(3) اللهم فشفعه في» (4) فدعا الله، فرد الله (5) عليه بصره. # والجواب عن هذا أن يقال: # أولا: لا ريب أن الله جعل على نفسه حقا لعباده المؤمنين، كما قال تعالى ~~{وكان حقا علينا نصر المؤمنين} [الروم: 47] (6) وكما قال تعالى {كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54] (7) وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم (8) قال لمعاذ بن جبل وهو رديفه: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على ~~عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " حقه عليهم أن يعبدوه، ولا يشركوا به ~~شيئا. أتدري ما حق العباد على الله PageV02P309 # إذا فعلوا ذلك؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " حقهم عليه أن لا يعذبهم» ~~(1) فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق (2) . # وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازعوا: هل يوجب بنفسه ~~على نفسه؟ على قولين. ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه: {كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة} [الأنعام: 54] وبقوله في الحديث (3) الصحيح: «إني حرمت الظلم على ~~نفسي وجعلته بينكم محرما» (4) والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر. # وأما الإيجاب عليه سبحانه وتعالى، والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول ~~القدرية (5) وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة ~~متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء (6) ومليكه، وأن ما شاء كان ms371 وما لم يشأ ~~لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئا، ولهذا كان من قال من أهل السنة ~~بالوجوب، قال: إنه كتب على نفسه، وحرم على نفسه (7) لا أن العبد نفسه يستحق ~~على الله شيئا، كما يكون (8) للمخلوق على المخلوق؛ PageV02P310 # فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم ~~الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان، والعمل الصالح. ومن توهم من القدرية ~~والمعتزلة ونحوهم (1) أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على من ~~استأجره؛ فهو جاهل في ذلك. # وإذا كان كذلك: لم تكن الوسيلة إليه إلا بما من به من فضله وإحسانه، ~~والحق الذي لعباده هو من فضله وإحسانه، ليس من باب المعاوضة، ولا من باب ~~(2) ما أوجبه غيره عليه فإنه سبحانه (3) يتعالى عن ذلك. # وإذا سئل بما جعله سببا للمطلوب من (4) الأعمال الصالحة التي وعد أصحابها ~~بكرامته، وأنه يجعل لهم مخرجا، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، فيستجيب دعاءهم، ~~ومن أدعية عباده الصالحين، وشفاعة ذوي الوجاهة عنده، فهذا سؤال وتسبب بما ~~جعله هو سببا. # وأما إذا سئل بشيء ليس سببا للمطلوب: فإما أن يكون إقساما عليه به (5) ~~فلا يقسم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالا بما لا يقتضي المطلوب فيكون ~~عديم الفائدة، فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق لهم، ~~وبكلماته التامة، ورحمته لهم (6) أن يمنعهم، ولا يعذبهم، وهم وجهاء عنده، ~~يقبل من شفاعتهم ودعائهم، ما لا يقبله من دعاء غيرهم. فإذا قال الداعي ~~أسألك بحق فلان، وفلان لم يدع له، وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص ومحبته ~~وطاعته، PageV02P311 # بل بنفس ذاته، وما جعله له ربه من الكرامة، لم يكن قد سأله بسبب يوجب ~~المطلوب. ### | التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة # وحينئذ فيقال: أما التوسل والتوجه إلى الله (1) وسؤاله بالأعمال الصالحة ~~التي أمر بها، كدعاء الثلاثة الذين آووا إلى الغار بأعمالهم الصالحة، ~~وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم (2) فهذا مما لا نزاع فيه، بل هذا من ~~الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى: {يا أيها الذين ms372 آمنوا اتقوا الله ~~وابتغوا إليه الوسيلة} [المائدة: 35] (3) وقوله سبحانه {أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه} [الإسراء: ~~57] (4) فإن ابتغاء الوسيلة إليه، هو: طلب من يتوسل به، أي يتوصل ويتقرب به ~~إليه سبحانه، سواء كان على وجه العبادة والطاعة وامتثال الأمر، أو كان على ~~وجه السؤال له، والاستعاذة به، رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار. # ولفظ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا، الدعاء بمعنى العبادة، أو الدعاء ~~بمعنى المسألة، وإن كان كل منهما يستلزم (5) الآخر، لكن العبد قد تنزل به ~~النازلة فيكون مقصوده (6) طلب حاجته، وتفريج كرباته، فيسعى في ذلك بالسؤال ~~والتضرع، وإن كان ذلك من العبادة والطاعة، ثم يكون في أول الأمر قصده حصول ~~ذلك المطلوب: من الرزق والنصر والعافية مطلقا، ثم الدعاء والتضرع يفتح له ~~من أبواب الإيمان بالله عز وجل ومعرفته ومحبته، والتنعم PageV02P312 # بذكره ودعائه، ما يكون هو أحب إليه وأعظم قدرا عنده من تلك الحاجة التي ~~همته. وهذا من رحمة الله بعباده، يسوقهم (1) بالحاجات الدنيوية إلى المقاصد ~~العلية الدينية. # وقد يفعل العبد ما أمر به ابتداء لأجل العبادة لله، والطاعة له، ولما ~~عنده من محبته والإنابة إليه، وخشيته، وامتثال أمره، وإن كان (2) ذلك يتضمن ~~حصول الرزق والنصر والعافية، وقد قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} ~~[غافر: 60] (3) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أهل ~~السنن أبو داود وغيره: «الدعاء هو العبادة» ، ثم قرأ قوله تعالى: {وقال ~~ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] (4) . وقد فسر هذا الحديث مع القرآن ~~بكلا النوعين: " ادعوني " أي اعبدوني وأطيعوا أمري؛ أستجيب دعاءكم. وقيل: ~~سلوني أعطكم، وكلا المعنيين (5) حق (6) . # وفي الصحيحين في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النزول: «ينزل ~~ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني ~~فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له. حتى يطلع PageV02P313 # الفجر» (1) فذكر أولا: إجابته الدعاء، ثم ذكر: إعطاء السائل، والمغفرة ~~للمستغفر، فهذا جلب المنفعة، وهذا دفع ms373 المضرة، وكلاهما مقصود الداعي ~~المجاب. # وقال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} [البقرة: 186] (2) . # وقد روي: أن بعض الصحابة قال: يا رسول الله، ربنا قريب فنناجيه أم بعيد ~~فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية (3) فأخبر سبحانه أنه قريب يجيب دعوة الداعي ~~إذا دعاه، ثم أمرهم بالاستجابة له وبالإيمان به، كما قال بعضهم: فليستجيبوا ~~لي إذا دعوتهم، وليؤمنوا بي (4) إني (5) أجيب دعوتهم. قالوا: وبهذين ~~السببين تحصل إجابة الدعوة: بكمال الطاعة لألوهيته، وبصحة الإيمان ~~بربوبيته، فمن استجاب لربه بامتثال أمره ونهيه؛ حصل مقصوده من الدعاء، ~~وأجيب دعاؤه، كما قال تعالى {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم ~~من فضله} [الشورى: 26] (6) أي: يستجيب لهم، يقال: استجابه واستجاب له. # فمن دعاه موقنا أن يجيب دعوة الداعي إذا دعاه أجابه، وقد يكون مشركا ~~وفاسقا، فإنه سبحانه هو القائل: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو ~~قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} [يونس: 12] ~~(7) وهو القائل سبحانه: PageV02P314 # {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الإنسان كفورا} [الإسراء: 67] (1) وهو القائل سبحانه {قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين - بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} ~~[الأنعام: 40 - 41] (2) . # ولكن هؤلاء الذين يستجاب لهم لإقرارهم بربوبيته، وأنه يجيب دعاء المضطر، ~~إذا لم يكونوا مخلصين له الدين، في عبادته، ولا مطيعين له ولرسوله، كان ما ~~يعطيهم بدعائهم متاعا في الحياة الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق. # وقال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم ~~جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا - ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا - كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان ~~عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 18 - 20] (3) . # وقد دعا الخليل عليه الصلاة والسلام بالرزق لأهل الإيمان ms374 فقال: {وارزق ~~أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} [البقرة: 126] (4) . قال ~~الله تعالى: {ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} ~~[البقرة: 126] (5) فليس كل من متعه الله برزق ونصر، إما إجابة لدعائه، وإما ~~بدون ذلك، يكون ممن يحبه الله ويواليه، بل هو سبحانه يرزق المؤمن والكافر، ~~والبر والفاجر، وقد يجيب دعاءهم ويعطيهم سؤلهم في الدنيا، وما لهم في ~~الآخرة من خلاق. # وقد ذكروا أن بعض الكفار من (6) النصارى حاصروا مدينة للمسلمين فنفد ~~PageV02P315 # ماؤهم العذب، فطلبوا من المسلمين أن يزودوهم بماء عذب ليرجعوا عنهم، ~~فاشتور (1) ولاة أمر المسلمين، وقالوا: بل ندعهم حتى يضعفهم العطش فنأخذهم، ~~فقام أولئك (2) فاستسقوا ودعوا الله فسقاهم، فاضطرب بعض العامة، فقال الملك ~~لبعض العارفين: أدرك الناس فأمر بنصب منبر له وقال: اللهم إنا نعلم أن ~~هؤلاء من الذين تكفلت بأرزاقهم كما قلت في كتابك: {وما من دابة في الأرض ~~إلا على الله رزقها} [هود: 6] (3) وقد دعوك مضطرين، وأنت تجيب المضطر إذا ~~دعاك، فأسقيتهم؛ لما تكفلت به من رزقهم، ولما دعوك مضطرين لا لأنك تحبهم، ~~ولا تحب دينهم، والآن فنريد أن ترينا آية يثبت بها الإيمان في قلوب عبادك ~~المؤمنين. فأرسل الله عليهم ريحا فأهلكتهم، أو نحو هذا (4) . # ومن هذا الباب: من قد يدعو دعاء يعتدي (5) فيه، إما بطلب ما لا يصلح، أو ~~بالدعاء الذي فيه معصية الله، شرك أو غيره، فإذا حصل بعض غرضه؛ ظن أن ذلك ~~دليل على أن عمله صالح، بمنزلة من أملي له، وأمد بالمال والبنين، يظن أن ~~ذلك مسارعة له في الخيرات. # قال تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين - نسارع لهم في الخيرات ~~بل لا يشعرون} [المؤمنون: 55 - 56] (6) وقال تعالى {فلما نسوا ما ذكروا به ~~فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون} [الأنعام: 44] (7) وقال تعالى {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي ~~لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} [آل عمران: ~~178] (8) PageV02P316 # والإملاء: إطالة العمر، وما ms375 في ضمنه من رزق ونصر. وقال تعالى: {فذرني ومن ~~يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون - وأملي لهم إن كيدي متين} ~~[القلم: 44 - 45] (1) . # وهذا باب واسع مبسوط في غير هذا الموضع: # وقال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55] ~~(2) والمقصود هنا (3) أن دعاء الله قد يكون دعاء عبادة لله، فيثاب (4) ~~العبد عليه في الآخرة، مع ما يحصل له في الدنيا، وقد يكون دعاء مسألة تقضى ~~به حاجته، ثم قد يثاب عليه إذا كان مما يحبه الله، وقد لا يحصل له إلا تلك ~~الحاجة، وقد يكون سببا لضرر دينه، فيعاقب على ما ضيعه من حقوق الله سبحانه ~~وتعداه من حدوده، فالوسيلة التي أمر الله بابتغائها إليه تعم الوسيلة في ~~عبادته وفي مسألته، فالتوسل إليه بالأعمال الصالحة التي أمر بها، وبدعاء ~~(5) الأنبياء والصالحين وشفاعتهم، ليس هو من باب الإقسام عليه بمخلوقاته. # ومن هذا (6) الباب: استشفاع الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~القيامة، فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله، كما كانوا في الدنيا ~~يطلبون منه أن يدعو لهم، في الاستسقاء وغيره. وقول عمر رضي الله عنه: " إنا ~~كنا إذا أجدبنا (7) توسلنا إليك PageV02P317 # بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل (1) إليك بعم نبينا " (2) معناه: نتوسل إليك ~~بدعائه وشفاعته، وسؤاله ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وسؤاله وشفاعته، ليس ~~المراد به أنا نقسم عليك به أو ما يجري هذا المجرى مما يفعله (3) بعد موته ~~وفي مغيبه، كما يقول بعض الناس: أسألك بجاه فلان عندك (4) (5) ويقولون: إنا ~~(6) نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه، ويروون حديثا موضوعا: «إذا سألتم ~~الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عريض» (7) . # فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه، كما ذكر عمر رضي ~~الله عنه؛ لفعلوا ذلك به بعد موته، ولم يعدلوا عنه إلى العباس مع علمهم بأن ~~السؤال به والإقسام به (8) أعظم من العباس، فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه ~~هو مما يفعله الأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي ~~يطلب منه ذلك، والميت ms376 لا يطلب منه شيء، لا دعاء، ولا غيره. # وكذلك حديث الأعمى، فإنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ~~ليرد الله عليه بصره، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء أمره فيه أن ~~يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~شفع فيه، وأمره أن يسأل الله قبول الشفاعة، وأن قوله: PageV02P318 # " أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد (1) نبي الرحمة " أي: بدعائه وشفاعته، ~~كما قال عمر: " كنا نتوسل إليك بنبينا " فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين ~~بمعنى واحد، ثم قال: " يا محمد، يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي في ~~حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه في (2) فطلب (3) من الله أن يشفع فيه نبيه، ~~وقوله: " يا محمد يا نبي الله " هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى ~~في القلب، فيخاطب الشهود (4) بالقلب: كما يقول المصلي: " السلام عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته " والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا، يخاطب من يتصوره ~~في نفسه، وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب. # فلفظ التوسل بالشخص، والتوجه به، والسؤال به، فيه إجمال واشتراك، غلط ~~بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة، يراد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا ~~مثلا، أو لكون الداعي مجيبا له، مطيعا لأمره، مقتديا به، فيكون التسبب: إما ~~لمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الإقسام ~~به والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل لا لشيء منه، ولا شيء من السائل (5) بل ~~بذاته (6) أو بمجرد الإقسام به على الله. # فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه وكذلك لفظ السؤال بشيء (7) قد ~~PageV02P319 # يراد به المعنى الأول، وهو التسبب به لكونه سببا في حصول المطلوب، وقد ~~يراد به الإقسام. # ومن الأول: حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، وهو حديث مشهور في ~~الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم " فقالوا: ليدع كل رجل منكم ~~بأفضل عمله، فقال أحدهم: اللهم إنه كانت لي ابنة عم فأحببتها كأشد ما يحب ~~الرجال النساء، وإنها طلبت مني مائة دينار، فلما أتيتها ms377 بها قالت: يا عبد ~~الله، اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فتركت الذهب وانصرفت، فإن كنت ~~إنما فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا، فانفرجت لهم فرجة رأوا منها السماء. # وقال الآخر: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق (1) ~~قبلهما أهلا ولا مالا (2) فناء بي (3) طلب الشجر يوما، فلم أرح (4) عليهما ~~حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا ~~أو مالا (5) فلبثت والقدح على يدي، أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، ~~فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج (6) عنا ~~ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت الصخرة (7) غير أنهم لا يستطيعون الخروج ~~منها. PageV02P320 # وقال الثالث: اللهم إني (1) استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد، ~~ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره (2) حتى كثرت منه (3) الأموال، فجاءني بعد ~~حين فقال: يا عبد الله، أد لي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك: من الإبل ~~والبقر والغنم والرقيق. فقال يا عبد الله، لا تستهزئ بي، فقلت (4) أنا لا ~~استهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه (5) فلم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ~~ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون " (6) ~~. # فهؤلاء دعوا الله سبحانه بصالح الأعمال؛ لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما ~~يتوسل به العبد إلى (7) الله تعالى، ويتوجه به إليه ويسأله به؛ لأنه وعد أن ~~يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله: {وقال ربكم ادعوني ~~أستجب لكم} [غافر: 60] (8) وهؤلاء دعوه بعبادته وفعل ما أمر به، من العمل ~~الصالح، وسؤاله والتضرع إليه. # ومن هذا: يذكر عن الفضيل بن عياض (9) أنه أصابه عسر البول فقال: ~~PageV02P321 # بحبي (1) إياك إلا فرجت عني " ففرج عنه (2) . وكذلك دعاء المرأة المهاجرة ~~التي أحيا الله ابنها لما قالت: " اللهم إني آمنت بك وبرسولك، وهاجرت في ~~سبيلك " (3) وسألت الله أن يحيي ولدها. وأمثال ذلك. # وهذا كما قال المؤمنون: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا ~~بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا ms378 مع الأبرار - ~~ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} ~~[آل عمران: 193 - 194] (4) . # فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وفعل ما يحبه، ~~والعبودية والطاعة، هو من جنس فعل ذلك؛ رجاء لرحمة الله، وخوفا من عذابه، ~~وسؤال الله بأسمائه وصفاته كقوله: «أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان ~~بديع السماوات والأرض» ، و «بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم ~~يولد، ولم يكن له كفوا أحد» (5) ونحو ذلك يكون من باب التسبب، فإن كون ~~المحمود المنان يقتضي منته على عباده، وإحسانه الذي يحمده عليه. # وكونه (6) الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد يقتضي (7) توحده في صمديته ~~(8) فيكون هو السيد المقصود، الذي يصمد الناس إليه في كل حوائجهم، المستغني ~~عما سواه، وكل ما سواه مفتقرون إليه (9) لا غنى بهم عنه، وهذا سبب ~~PageV02P322 # لقضاء المطلوبات (1) وقد يتضمن معنى ذلك: الإقسام عليه بأسمائه وصفاته. # وأما قوله في حديث أبي سعيد: «أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا» ~~(2) فهذا الحديث رواه عطية العوفي، وفيه ضعف. لكن بتقدير ثبوته: هو من هذا ~~الباب، فإن حق السائلين عليه سبحانه، أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن ~~يثيبهم، فالسؤال له، والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به، ~~والتوجه به، والتسبب به، ولو قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من صفاته؛ لأن ~~إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله. # فصار هذا كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «أعوذ برضاك من ~~سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما ~~أثنيت على نفسك» (3) والاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد ~~وغيره من الأئمة، وذلك مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، ولأنه ~~قد ثبت في الصحيح وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول «أعوذ ~~بكلمات الله التامات من شر ما خلق» (4) قالوا: والاستعاذة لا تكون بمخلوق، ~~فأورد بعض الناس لفظ (المعافاة) فقال جمهور أهل السنة: المعافاة من ~~الأفعال، ms379 وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم يقولون: إن أفعال الله قائمة ~~به، وأن الخالق ليس هو المخلوق، وعلى هذا جمهور أصحاب أحمد (5) والشافعي ~~ومالك، PageV02P323 # وهو قول أصحاب أبي حنيفة، وقول عامة (1) أهل الحديث، والصوفية، وطوائف من ~~أهل الكلام والفلسفة. # وبهذا يحصل الجواب عما أوردته المعتزلة ونحوهم من الجهمية (2) نقضا. فإن ~~أهل الإثبات، من أهل الحديث وعامة المتكلمة الصفاتية: من الكلابية (3) ~~والأشعرية (4) والكرامية (5) وغيرهم، استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق، ~~فإن PageV02P324 # الصفة إذا قامت بمحل؛ عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره، واتصف به ذلك ~~المحل لا غيره، فإذا خلق الله لمحل علما أو قدرة أو حركة، أو نحو ذلك؛ كان ~~هو العالم به (1) القادر به، المتحرك به، ولم يجز أن يقال: إن الرب المتحرك ~~بتلك الحركة، ولا هو العالم القادر بالعلم والقدرة المخلوقين، بل بما قام ~~به من العلم والقدرة. قالوا: فلو كان قد خلق كلاما في غيره، كالشجرة التي ~~نادى منها (2) موسى؛ لكانت الشجرة هي المتصفة بذلك الكلام، فتكون الشجرة هي ~~القائلة لموسى: {إنني أنا الله} [طه: 14] ولكان ما يخلقه الله من: إنطاق ~~الجلود والأيدي وتسبيح الحصى وتأويب الجبال في (3) وغير ذلك، كلاما له ~~كالقرآن والتوراة والإنجيل، بل كان كل كلام في الوجود كلامه؛ لأنه خالق كل ~~شيء، وهذا قد التزمه مثل صاحب (الفصوص) (4) وأمثاله من هؤلاء الجهمية ~~الحلولية الاتحادية (5) . PageV02P325 # فأوردت المعتزلة صفات الأفعال: كالعدل والإحسان، فإنه يقال: إنه عادل ~~محسن بعدل خلقه في غيره، وإحسان خلقه في غيره، فأشكل ذلك على من يقول: ليس ~~لله فعل قائم به، بل فعله هو المفعول المنفصل عنه، وليس خلقه إلا مخلوقه. ~~وأما من طرد القاعدة وقال أيضا: إن الأفعال قائمة به، ولكن المفعولات ~~المخلوقة هي المنفصلة عنه، وفرق بين الخلق والمخلوق، فاطرد دليله واستقام. # والمقصود هنا (1) أن استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم بعفوه ومعافاته من ~~عقوبته، - مع أنه لا يستعاذ بمخلوق - كسؤال الله بإجابته وإثابته، وإن كان ~~لا يسأل بمخلوق. ومن قال من العلماء: لا يسأل إلا به، ms380 لا ينافي السؤال ~~بصفاته، كما أن الحلف لا يشرع إلا بالله، كما ثبت في الحديث الصحيح، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» ~~(2) وفي لفظ للترمذي: «من حلف بغير الله فقد أشرك» قال الترمذي: " حديث حسن ~~" (3) ومع هذا، فالحلف (4) بعزة الله، ولعمر الله، ونحو ذلك مما ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم الحلف به، لم يدخل في الحلف بغير الله؛ لأن لفظ ~~(الغير) قد يراد به المباين المنفصل، ولهذا لم يطلق السلف وسائر الأئمة على ~~القرآن وسائر صفات الله، أنها غيره، ولم يطلقوا عليه أنها ليست غيره؛ لأن ~~لفظ (5) (الغير) فيه إجمال، قد يراد PageV02P326 # به: (1) المباين المنفصل؛ فلا يكون صفة الموصوف أو بعضه داخلا في لفظ: ~~الغير. وقد يراد به: ما يمكن تصوره، دون تصور ما هو غير له؛ فيكون غيرا ~~بهذا الاصطلاح. # ولهذا تنازع أهل النظر في مسمى: (الغير) والنزاع في ذلك لفظي، ولكن بسبب ~~ذلك حصلت في مسائل الصفات من الشبهات ما لا ينجلي إلا بمعرفة ما وقع في ~~الألفاظ من الاشتراك والإبهامات، كما قد بسط في غير هذا الموضع (2) . # ولهذا يفرق بين قول القائل: الصفات غير الذات، وبين قوله: صفات الله غير ~~الله، فإن الثاني باطل؛ لأن مسمى اسم (الله) يدخل فيه صفاته، بخلاف مسمى ~~(الذات) فإنه لا يدخل فيه الصفات، ولهذا لا يقال: صفات الله زائدة عليه ~~سبحانه، وإن قيل: الصفات زائدة على الذات؛ لأن المراد أنها هي زائدة على ما ~~أثبته المثبتون من الذات المجردة (3) والله تعالى هو الذات الموصوفة بصفاته ~~اللازمة، فليس اسم الله متناولا لذات مجردة عن الصفات أصلا، ولا يمكن وجود ~~ذلك، ولهذا قال أحمد رحمه الله في مناظرته للجهمية: لا نقول: الله وعلمه، ~~والله وقدرته، والله ونوره، ولكن نقول: الله بعلمه وقدرته ونوره: هو إله ~~واحد (4) . # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. # وأما قول الناس: أسألك بالله وبالرحم، وقراءة من قرأ: (تساءلون به ~~والأرحام) (5) فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم ms381 PageV02P327 # توجب الصلة، وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره، ~~يتوسل إليه بما يوجب صلته: من القرابة التي بينهما، ليس هو من باب الإقسام، ~~ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب، ~~كالتوسل (1) بدعاء الأنبياء، وبطاعتهم، والصلاة عليهم. # ومن هذا الباب: ما يروى عن عبد الله بن جعفر أنه (2) قال: " كنت إذا سألت ~~عليا رضي الله عنه شيئا فلم يعطنيه، قلت له: بحق جعفر إلا ما أعطيتنيه ~~فيعطينيه " (3) أو كما قال. فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه ~~بجعفر، أو من باب قولهم: أسألك بحق أنبيائك، ونحو ذلك وليس كذلك، بل جعفر ~~هو أخو علي، وعبد الله هو ابنه، وله عليه حق الصلة، فصلة عبد الله صلة ~~لأبيه جعفر، كما في الحديث: «إن من أبر البر أن يصل الرجل (4) أهل ود أبيه ~~بعد أن يولي» (5) وقوله: «إن من برهما بعد موتهما: الدعاء لهما، والاستغفار ~~لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة رحمك التي لا رحم لك إلا من قبلهما» ~~(6) . PageV02P328 # ولو كان هذا من الباب الذي ظنوه؛ لكان سؤاله لعلي بحق النبي وإبراهيم ~~الخليل ونحوهما، أولى من سؤاله بحق جعفر، فكان علي إلى تعظيم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومحبته وإجابة السائل به أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره. ~~لكن بين المعنيين فرق، فإن السائل بالنبي، طالب به متسبب به، فإن لم يكن في ~~ذلك السبب (1) ما يقتضي حصول مطلوبه، ولا كان يسأل ما به، لكان باطلا (2) . # وإقسام الإنسان على غيره بشيء يكون من باب تعظيم المقسم (3) للمقسم به، ~~وهذا هو الذي جاء به الحديث من الأمر بإبرار القسم، وفي مثل هذا قيل: «إن ~~من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» ، (4) وقد يكون من باب تعظيم ~~المسؤول به. فالأول يشبه ما ذكره الفقهاء في الحلف الذي يقصد به الحض ~~والمنع، والثاني: سؤال للمسؤول بما عنده من محبة المسؤول به وتعظيمه ورعاية ~~حقه. # فإن كان (5) ذلك مما يقتضي حصول مقصود ms382 السائل، حسن السؤال، كسؤال الإنسان ~~بالرحم وفي هذا سؤال الله بالأعمال الصالحة، وبدعاء أنبيائه وشفاعتهم. # وأما بمجرد (6) الأنبياء والصالحين، ومحبة الله لهم وتعظيمه لهم، ورعايته ~~لحقوقهم التي أنعم الله بها، فليس فيها ما يوجب حصول مقصود السائل إلا ~~PageV02P329 # بسبب بين السائل وبينهم، إما محبتهم وطاعتهم فيثاب على ذلك، وإما دعاؤهم ~~له فيستجيب الله شفاعتهم فيه (1) . ### | التوسل بالأنبياء والصالحين يكون بطاعتهم واتباعهم أو بدعائهم وشفاعتهم # فالتوسل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين: إما بطاعتهم واتباعهم، وإما ~~بدعائهم وشفاعتهم. فمجرد دعائه بهم من (2) غير طاعة منه لهم، ولا شفاعة ~~منهم له، فلا ينفعه، وإن عظم جاه أحدهم عند الله تعالى. # وقد بسطت هذه المسائل في غير هذا الموضع (3) . # والمقصود هنا: أنه إذا كان السلف والأئمة قالوا في سؤاله بالمخلوق ما قد ~~(4) ذكر، فكيف بسؤال المخلوق الميت؟ سواء سئل أن يسأل الله أو سئل قضاء ~~الحاجة، ونحو ذلك، مما يفعله بعض الناس، إما عند قبر الميت، وإما مع غيبته، ~~وصاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم حسم المادة وسد الذريعة، بلعنه من يتخذ ~~قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وأن لا يصلى عندها لله، ولا يسأل إلا الله، ~~وحذر أمته ذلك. فكيف إذا وقع نفس المحذور من الشرك، وأسباب الشرك؟ وقد تقدم ~~الكلام على الصلاة عند القبور، واتخاذها مساجد. # وقد تبين أن أحدا من السلف لم يكن يفعل ذلك، إلا ما نقل عن ابن عمر " أنه ~~كان يتحرى النزول في المواضع التي نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم ~~والصلاة في المواضع التي صلى فيها، حتى إن «النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ~~وصب فضل وضوئه في أصل شجرة» . ففعل ابن عمر ذلك " وهذا من ابن عمر تحر لمثل ~~فعله، فإنه قصد أن يفعل مثل فعله، في نزوله وصلاته، وصبه للماء وغير ذلك، ~~لم يقصد ابن عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها. PageV02P330 # والكلام هنا في ثلاث مسائل: إحداها: أن التأسي (1) به في صورة الفعل الذي ~~فعله، من غير أن يعلم قصده فيه، أو مع عدم السبب الذي ms383 فعله، فهذا فيه نزاع ~~مشهور، وابن عمر مع طائفة يقولون بأحد القولين، وغيرهم يخالفهم (2) في ذلك، ~~والغالب والمعروف عن المهاجرين والأنصار أنهم لم يكونوا يفعلون كفعل ابن ~~عمر رضي الله عنهم وليس هذا مما نحن فيه الآن (3) . # ومن هذا الباب: أنه لو تحرى رجل في سفره أن يصلي في مكان نزل فيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وصلى فيه، إذا جاء وقت الصلاة؛ فهذا من هذا القبيل. # المسألة الثانية: أن يتحرى تلك البقعة للصلاة عندها من غير أن يكون ذلك ~~وقتا للصلاة، بل أراد أن (4) ينشئ الصلاة والدعاء لأجل البقعة، فهذا لم ~~ينقل عن ابن عمر ولا غيره (5) وإن ادعى بعض الناس أن ابن عمر فعله، فقد ثبت ~~عن أبيه عمر أنه نهى عن ذلك (6) وتواتر عن المهاجرين والأنصار: أنهم لم ~~يكونوا يفعلون ذلك؛ فيمتنع أن يكون فعل ابن عمر - لو فعل ذلك - حجة على ~~أبيه، وعلى المهاجرين والأنصار. # والمسألة الثالثة: أن لا تكون تلك البقعة في طريقه، بل يعدل عن طريقه ~~إليها، أو يسافر إليها سفرا قصيرا أو طويلا، مثل من يذهب إلى حراء ليصلي ~~فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام ليصلي ~~فيه ويدعو، PageV02P331 # أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال، التي يقال: فيها ~~مقامات الأنبياء أو غيرهم، أو مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء، مثل ما ~~كان مبنيا على نعله (1) ومثل ما في (2) جبل قاسيون، وجبل الفتح (3) وجبل ~~طورزيتا (4) الذي ببيت المقدس، ونحو هذه البقاع. فهذا ما يعلم كل من كان ~~عالما بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه من بعده، أنهم لم ~~يكونوا يقصدون شيئا من هذه الأمكنة، فإن جبل حراء الذي هو أطول جبل بمكة، ~~كانت قريش تنتابه قبل الإسلام وتتعبد هناك، ولهذا قال أبو طالب في شعره: # وراق ليرقى في حراء ونازل (5) PageV02P332 # وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان أول ما بدئ به ~~رسول الله صلى الله ms384 عليه وسلم من الوحي: الرؤيا الصادقة (1) فكان (2) لا ~~يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي غار حراء، ~~فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، ثم يرجع فيتزود لذلك، حتى ~~فجأه الوحي، وهو بغار حراء، فأتاه الملك، فقال له: اقرأ، فقال: لست بقارئ، ~~قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، ثم قال: اقرأ، فقال: لست ~~بقارئ، قال: مرتين أو ثلاثا، ثم قال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق - خلق ~~الإنسان من علق - اقرأ وربك الأكرم - الذي علم بالقلم - علم الإنسان ما لم ~~يعلم} [العلق: 1 - 5] فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره» ~~(3) الحديث بطوله. # فتحنثه وتعبده بغار حراء كان قبل المبعث، ثم إنه لما أكرمه الله بنبوته ~~ورسالته، وفرض على الخلق الإيمان به وطاعته واتباعه، وأقام بمكة بضع عشرة ~~سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين الذين هم أفضل الخلق، ولم يذهب هو ~~ولا أحد من أصحابه (4) إلى حراء. ثم هاجر إلى المدينة واعتمر أربع عمر: ~~عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت - والحديبية عن يمينك وأنت ~~قاصد مكة إذا مررت بالتنعيم، عند المساجد التي يقال: إنها مساجد عائشة، ~~والجبل الذي عن (5) يمينك يقال له: جبل (6) التنعيم، PageV02P333 # والحديبية غربيه -. ثم إنه اعتمر من العام القابل عمرة القضية، ودخل مكة ~~هو وكثير من أصحابه، وأقاموا بها ثلاثا. ثم لما فتح مكة وذهب إلى ناحية ~~حنين والطائف شرقي مكة، فقاتل هوازن بوادي حنين، ثم حاصر أهل الطائف وقسم ~~غنائم حنين بالجعرانة، فأتى بعمرة من الجعرانة إلى مكة. ثم إنه اعتمر عمرته ~~الرابعة مع حجة الوداع، وحج معه جماهير المسلمين، لم يتخلف عن الحج معه إلا ~~من شاء الله. # وهو في ذلك كله، لا هو ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء، ولا يزوره، ولا ~~شيئا من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك عبادة إلا بالمسجد الحرام (1) ~~وبين الصفا والمروة، وبمنى والمزدلفة (2) وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن ~~عرنة، وضربت له القبة ms385 يوم عرفة بنمرة، المجاورة لعرفة. # ثم بعده خلفاؤه الراشدون، وغيرهم من السابقين الأولين، لم يكونوا يسيرون ~~إلى غار حراء ونحوه للصلاة فيه والدعاء. # وكذلك الغار المذكور في القرآن في قوله تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار} [التوبة: 40] (3) وهو غار بجبل ثور، يمان (4) مكة، لم يشرع لأمته ~~السفر إليه وزيارته والصلاة فيه والدعاء، ولا بنى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمكة مسجدا، غير المسجد الحرام، بل تلك المساجد كلها محدثة، مسجد ~~المولد وغيره، ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد، ولا زيارة موضع بيعة ~~العقبة الذي خلف منى، وقد بني هناك له مسجد. PageV02P334 # ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعا مستحبا يثيب الله عليه؛ لكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم أعلم الناس بذلك (1) ولكان يعلم أصحابه ذلك، وكان أصحابه ~~أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك؛ ~~علم أنه من البدع المحدثة، التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة، فمن ~~جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به ~~الله. # وإذا كان حكم مقام نبينا صلى الله عليه وسلم في مثل غار حراء الذي ابتدي ~~فيه بالإنباء (2) والإرسال، وأنزل عليه فيه القرآن، مع أنه (3) كان قبل ~~الإسلام يتعبد فيه. وفي مثل الغار المذكور في القرآن الذي أنزل الله فيه ~~سكينته عليه. # فمن المعلوم أن مقامات غيره من الأنبياء أبعد عن أن يشرع قصدها والسفر ~~إليها لصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، إذا كانت صحيحة ثابتة. فكيف إذا علم أنها ~~كذب، أو لم يعلم صحتها؟ # وهذا كما أنه (4) قد ثبت باتفاق أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما حج البيت لم يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين، فلم يستلم ~~الركنين الشاميين ولا غيرهما من جوانب البيت، ولا مقام إبراهيم ولا غيره من ~~المشاعر، وأما التقبيل فلم يقبل إلا الحجر الأسود. # وقد اختلف في الركن اليماني: فقيل: يقبله. وقيل: يستلمه ويقبل يده، وقيل: ~~لا يقبله ولا يقبل يده. والأقوال ms386 الثلاثة مشهورة في مذهب أحمد وغيره. # والصواب: أنه لا يقبله ولا يقبل يده، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يفعل هذا ولا PageV02P335 # هذا، كما تنطق به الأحاديث الصحيحة، ثم هذه مسألة نزاع، وأما مسائل ~~الإجماع فلا نزاع بين الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة العلم، أنه لا يقبل ~~الركنين الشاميين، ولا شيئا من جوانب البيت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، وعلى هذا عامة السلف، وقد روي: «أن ابن ~~عباس ومعاوية طافا بالبيت، فاستلم معاوية الأركان الأربعة. فقال ابن عباس: ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال ~~معاوية: ليس من البيت شيء متروك، فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة، فرجع إليه معاوية» (1) . # وقد اتفق العلماء على ما مضت (2) به السنة، من أنه لا يشرع الاستلام ~~والتقبيل لمقام إبراهيم الذي ذكره الله تعالى في القرآن، وقال: {واتخذوا من ~~مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] (3) . # فإذا كان هذا بالسنة المتواترة وباتفاق الأئمة، لا يشرع (4) تقبيله ~~بالفم، ولا مسحه باليد، فغيره من مقامات الأنبياء أولى أن لا يشرع تقبيلها ~~بالفم، ولا مسحها باليد. PageV02P336 # وأيضا: فإن المكان الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه بالمدينة ~~النبوية دائما، لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا المواضع التي ~~صلى فيها بمكة وغيرها. فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدميه الكريمتين، ~~ويصلي عليه، لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال: إن غيره ~~صلى فيه أو نام عليه؟ # وإذا كان هذا ليس بمشروع في موضع قدميه للصلاة، فكيف بالنعل الذي هو موضع ~~قدميه للمشي وغيره؟ هذا إذا كان النعل (1) صحيحا، فكيف بما لا يعلم صحته، ~~أو بما (2) يعلم أنه مكذوب: كحجارة كثيرة يأخذها الكذابون وينحتون فيها ~~موضع قدم، ويزعمون عند الجهال أن هذا الموضع قدم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وإذا كان هذا غير مشروع في موضع قدميه، وقدمي إبراهيم الخليل، الذي لا شك ~~(3) فيه، ونحن مع ms387 هذا قد أمرنا أن نتخذه مصلى، فكيف بما يقال: إنه موضع ~~قدميه، كذبا وافتراء عليه، كالموضع الذي بصخرة بيت المقدس، وغير ذلك من ~~المقامات؟ # فإن قيل: قد أمر الله أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى فيقاس عليه غيره. # قيل له: هذا الحكم خاص بمقام إبراهيم الذي بمكة، سواء أريد به المقام عند ~~الكعبة موضع قيام إبراهيم، أو أريد به المشاعر: عرفة ومزدلفة ومنى، فلا ~~نزاع بين المسلمين أن المشاعر خصت من العبادات (4) بما لم يشركها فيه سائر ~~البقاع، كما خص البيت بالطواف، فما خصت به تلك البقاع لا يقاس بها غيرها، ~~وما لم يشرع فيها فأولى أن لا يشرع في غيرها، ونحن استدللنا على أن ما ~~PageV02P337 # لم يشرع هناك من التقبيل والاستلام أولى أن لا يشرع في غيرها، ولا يلزم ~~أن يشرع في غير تلك البقاع مثل ما شرع فيها. # ومن ذلك القبة (1) التي عند باب (2) عرفات، التي يقال: إنها قبة (3) آدم، ~~فإن هذه لا يشرع قصدها للصلاة والدعاء، باتفاق العلماء، بل نفس رقي الجبل ~~الذي بعرفات الذي يقال له: جبل الرحمة، واسمه: إلال (4) على وزن هلال، ليس ~~مشروعا باتفاقهم، وإنما السنة الوقوف بعرفات: إما عند الصخرات حيث وقف ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وإما بسائر عرفات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة» (5) . # وكذلك سائر المساجد المبنية هناك، كالمساجد المبنية عند الجمرات، وبجنب ~~مسجد الخيف مسجد يقال له: (غار المرسلات) فيه نزلت سورة PageV02P338 # المرسلات، وفوق الجبل مسجد يقال له (مسجد الكبش) ونحو ذلك. لم يشرع النبي ~~صلى الله عليه وسلم قصد شيء من هذه البقاع لصلاة ولا دعاء ولا غير ذلك. # وأما تقبيل شيء من ذلك والتمسح به؛ فالأمر فيه أظهر إذ قد علم العلماء ~~بالاضطرار من دين الإسلام: أن هذا ليس من شريعة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما ~~حولها، وكنت قد كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج ms388 في أول عمري، لبعض الشيوخ، ~~جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لنا أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا ~~أصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، لم ~~يفعلوا شيئا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك، وأن المسجد ~~الحرام هو المسجد الذي (1) شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف، وغير ذلك ~~من العبادات، ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه، ولا يصلح أن يجعل ~~هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام، وما يفعله الرجل في مسجد من تلك ~~المساجد، من دعاء وصلاة وغير ذلك، إذا فعله في المسجد الحرام كان خيرا له؛ ~~بل هذا سنة مشروعة، وأما قصد مسجد (2) غيره هناك تحريا لفضله، فبدعة غير ~~مشروعة. ### | المساجد التي تشد إليها الرحال # وأصل هذا: أن المساجد التي تشد إليها الرحال، هي المساجد الثلاثة، كما ~~ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة وأبي سعيد ~~رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» (3) وقد روي هذا ~~من وجوه أخرى، وهو حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل ~~العلم، فتلقي بالقبول عنه. PageV02P339 # فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها والدعاء والذكر والقراءة ~~والاعتكاف، من الأعمال الصالحة. وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه ~~باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة، ~~ولا يشرع شد الرحال إليه، فإن في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ~~«كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد (1) قباء كل سبت ماشيا وراكبا» ~~(2) وكان ابن عمر يفعله. وفي لفظ لمسلم: «فيصلي فيه ركعتين» (3) وذكره ~~البخاري بغير إسناد (4) . # وذلك أن الله تعالى نهاه عن القيام في مسجد الضرار فقال تعالى: {والذين ~~اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ~~ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون ms389 - لا ~~تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين - أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ~~ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله ~~لا يهدي القوم الظالمين - لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن ~~تقطع قلوبهم والله عليم حكيم} [التوبة: 107 - 110] (5) . PageV02P340 # وكان مسجد الضرار قد بني لأبي عامر الفاسق، الذي كان يقال له: أبو عامر ~~الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان المشركون يعظمونه، فلما جاء ~~الإسلام حصل له من الحسد ما أوجب مخالفته للنبي صلى الله عليه وسلم (1) ~~فقام طائفة من المنافقين يبنون هذا المسجد، وقصدوا أن يبنوه لأبي عامر هذا، ~~والقصة مشهورة في ذلك (2) فلم يبنوه لأجل فعل ما أمر الله به ورسوله، بل ~~لغير ذلك. # فدخل في معنى ذلك: من بنى أبنية يضاهي بها مساجد المسلمين لغير العبادات ~~المشروعة، من المشاهد وغيرها، لا سيما إذا كان فيها من الضرار والكفر ~~والتفريق بين المؤمنين، والإرصاد لأهل النفاق والبدع المحادين لله ورسوله، ~~ما يقوى بها شبهها، كمسجد (3) الضرار، فلما قال الله تعالى لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} [التوبة: ~~108] وكان مسجد قباء أسس على التقوى، ومسجده أعظم في تأسيسه على التقوى من ~~مسجد قباء، كما ثبت في الصحيح عنه: أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى ~~فقال: «مسجدي هذا» (4) فكلا المسجدين أسس على التقوى، ولكن اختص (5) مسجده ~~بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره، فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي ~~مسجد قباء (6) يوم السبت. PageV02P341 # وفي السنن عن أسيد بن ظهير (1) الأنصاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «الصلاة في مسجد قباء كعمرة» رواه ابن ماجه، والترمذي وقال: ~~" حديث حسن غريب " (2) . # وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه (3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من تطهر ms390 في بيته ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة، كان له كأجر ~~عمرة» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (4) . قال بعض العلماء: قوله: " من ~~تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء " تنبيه على أنه لا يشرع قصده بشد الرحال، ~~بل إنما يأتيه الرجل من بيته الذي يصلح أن يتطهر (5) فيه، ثم يأتيه فيقصده ~~(6) كما يقصد الرجل مسجد مصره دون المساجد التي يسافر إليها. PageV02P342 # وأما المساجد الثلاثة: فاتفق العلماء على استحباب إتيانها للصلاة ونحوها، ~~ولكن لو نذر ذلك، هل يجب بالنذر؟ فيه قولان للعلماء: # أحدهما (1) أنه لا يجب بالنذر إلا إتيان المسجد الحرام خاصة، وهذا أحد ~~قولي الشافعي، وهو مذهب أبي حنيفة، وبناه على أصله في أنه لا يجب بالنذر ~~إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع. # والقول الثاني: وهو مذهب مالك (2) وأحمد وغيرهما (3) أنه يجب إتيان ~~المساجد الثلاثة بالنذر، لكن إن أتى الفاضل أغناه عن إتيان المفضول، فإذا ~~نذر إتيان مسجد المدينة، ومسجد إيلياء؛ أغناه إتيان المسجد الحرام. وإن نذر ~~إتيان مسجد إيلياء؛ أغناه إتيان أحد مسجدي الحرمين. # وذلك أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نذر ~~أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (4) وهذا يعم كل طاعة، ~~سواء كان جنسها واجبا، أو لم يكن (5) وإتيان الأفضل إجراء (6) للحديث ~~الوارد في ذلك. # وليس هذا موضع تفصيل هذه المسائل، بل المقصود: أنه لا يشرع السفر (7) إلى ~~مسجد غير الثلاثة، ولو نذر ذلك؛ لم يجب عليه (8) فعله بالنذر باتفاق ~~الأئمة. PageV02P343 # وهل عليه كفارة يمين؟ على قولين مشهورين. # وليس بالمدينة مسجد يشرع إتيانه إلا مسجد قباء، وأما سائر المساجد فلها ~~حكم المساجد (1) ولم يخصها النبي صلى الله عليه وسلم بإتيان، ولهذا كان ~~الفقهاء من أهل المدينة لا يقصدون شيئا من تلك الأماكن، إلا قباء خاصة. # وفي المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم دعا في مسجد الفتح ثلاثا: يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ~~فاستجيب له ms391 يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر في وجهه» . قال جابر: ~~فلم ينزل بي أمر مهم غليظ، إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها، فأعرف الإجابة ~~" (2) وفي إسناد هذا الحديث: كثير بن زيد (3) وفيه كلام، يوثقه ابن معين ~~تارة، ويضعفه أخرى. # وهذا الحديث يعمل به طائفة من أصحابنا وغيرهم، فيتحرون الدعاء في هذا، ~~كما نقل عن جابر. ولم ينقل عن جابر رضي الله عنه أنه تحرى الدعاء في ~~المكان، بل تحرى الزمان، فإذا كان هذا في المساجد التي صلى فيها النبي (4) ~~صلى الله عليه وسلم وبنيت بإذنه، ليس فيها ما يشرع قصده بخصوصه من غير سفر ~~إليه، إلا مسجد قباء؛ فكيف بما سواها؟ PageV02P344 ### | فصل في المسجد الأقصى # فصل (1) وأما المسجد الأقصى: فهو أحد المساجد الثلاثة، التي تشد إليها ~~الرحال، وكان المسلمون لما فتحوا بيت المقدس على عهد عمر بن الخطاب - حين ~~جاء عمر (2) إليهم، فسلم النصارى إليه البلد (3) - دخل إليه فوجد على ~~الصخرة زبالة عظيمة جدا، كانت النصارى قد ألقتها عليها (4) معاندة لليهود ~~الذين يعظمون الصخرة، ويصلون إليها، فأخذ عمر في ثوبه (5) منها، واتبعه ~~المسلمون في ذلك. # ويقال: إنه سخر لها الأنباط (6) حتى نظفها، ثم قال لكعب الأحبار (7) " ~~أين ترى أن (8) أبني مصلى المسلمين؟ فقال: ابنه (9) خلف الصخرة، قال: ~~PageV02P345 # يا ابن اليهودية، خالطتك يهودية -أو كما قال-: بل (1) أبنيه في صدر ~~المسجد، فإن لنا صدور المساجد. فبنى مصلى المسلمين في قبلي المسجد " (2) . # وهو الذي يسميه كثير من العامة اليوم: الأقصى. والأقصى: اسم للمسجد كله، ~~ولا يسمى هو ولا غيره حرما، وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة. # وفي وادي " وج " (3) -الذي بالطائف- نزاع بين العلماء. # فبنى عمر المصلى الذي هو في القبلة، ويقال: إن تحته درجا كان يصعد منها ~~إلى ما أمام (4) الأقصى، فبناه على الدرج حيث لم يصل أهل الكتاب، ولم يصل ~~عمر ولا المسلمون عند الصخرة، ولا تمسحوا بها، ولا قبلوها، بل يقال: إن عمر ~~صلى عند محراب داود عليه السلام الخارج. # وقد ثبت أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كان ms392 إذا أتى بيت المقدس دخل ~~إليه، وصلى فيه، ولا يقرب الصخرة ولا يأتيها، ولا يقرب شيئا من تلك البقاع، ~~وكذلك نقل عن غير واحد من السلف المعتبرين، كعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، ~~وسفيان (5) الثوري، وغيرهم. # وذلك أن سائر بقاع المسجد لا مزية لبعضها عن بعض، إلا ما بنى عمر رضي ~~الله عنه لمصلى المسلمين. # وإذا كان المسجد الحرام، ومسجد المدينة، اللذان هما أفضل من المسجد ~~الأقصى بالإجماع، فأحدهما قد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: PageV02P346 # «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف (1) صلاة فيما، سواه إلا المسجد الحرام» ~~(2) والآخر هو المسجد الذي أوجب الله حجه والطواف فيه، وجعله قبلة لعباده ~~المؤمنين. ومع هذا، فليس فيهما يقبل بالفم ولا يستلم باليد، إلا ما جعله ~~الله في الأرض بمنزلة اليمين وهو الحجر الأسود، فكيف يكون في المسجد الأقصى ~~(3) ما يستلم أو يقبل؟ # وكانت الصخرة مكشوفة، ولم يكن (4) أحد من الصحابة، لا ولاتهم (5) ولا ~~علماؤهم يخصها (6) بعبادة، وكانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان رضي الله ~~عنهما، مع حكمهما على الشام. وكذلك في خلافة علي رضي الله عنه، وإن كان لم ~~يحكم عليها ثم كذلك في إمارة معاوية، وابنه، وابن ابنه. # فلما كان في زمن عبد الملك وجرى بينه وبين ابن الزبير (7) من الفتنة ما ~~جرى، كان هو الذي بنى القبة على الصخرة، وقد قيل: إن الناس كانوا يقصدون ~~الحج فيجتمعون بابن الزبير، أو يقصدونه بحجة الحج، فعظم عبد الملك شأن ~~الصخرة، بما بناه عليها من القبة، وجعل عليها من الكسوة في PageV02P347 # الشتاء والصيف، ليكثر قصد الناس للبيت (1) المقدس، فيشتغلوا بذلك عن قصد ~~ابن الزبير، (والناس على دين الملك) . # وظهر من ذلك الوقت من تعظيم الصخرة وبيت المقدس ما لم يكن المسلمون ~~يعرفونه بمثل هذا، وجاء بعض الناس ينقل الإسرائيليات في تعظيمها، حتى روى ~~بعضهم عن كعب الأحبار، عند عبد الملك بن مروان، وعروة بن الزبير حاضر: " إن ~~الله قال للصخرة: أنت عرشي الأدنى "، فقال عروة: " يقول الله تعالى: {وسع ms393 ~~كرسيه السماوات والأرض} [البقرة: 255] (2) وأنت تقول: إن الصخرة عرشه؟ " ~~(3) وأمثال هذا. # ولا ريب أن الخلفاء الراشدين (4) لم يبنوا هذه القبة، ولا كان الصحابة ~~يعظمون الصخرة، ولا يتحرون الصلاة عندها، حتى ابن عمر رضي الله عنهما مع ~~كونه (5) كان يأتي من الحجاز إلى المسجد الأقصى، كان لا يأتي الصخرة؛ وذلك ~~أنها كانت قبلة، ثم نسخت. وهي قبلة (6) اليهود، فلم يبق في شريعتنا ما يوجب ~~تخصيصها بحكم، كما ليس في شريعتنا ما يوجب تخصيص يوم السبت. # وفي تخصيصها بالتعظيم مشابهة لليهود، وقد تقدم كلام العلماء في يوم السبت ~~وعاشوراء ونحو ذلك. # وقد ذكر طائفة من متأخري الفقهاء، من أصحابنا وغيرهم: أن اليمين تغلظ ~~ببيت المقدس، بالتحليف (7) عند الصخرة، كما تغلظ في المسجد الحرام، ~~PageV02P348 # بالتحليف بين الركن (1) والمقام، وكما تغلظ في مسجده (2) صلى الله عليه ~~وسلم بالتحليف عند قبره، ولكن ليس لهذا أصل في كلام أحمد ونحوه من الأئمة، ~~بل السنة أن تغلظ اليمين فيها كما تغلظ في سائر المساجد عند المنبر، ولا ~~تغلظ اليمين بالتحليف عند ما لم يشرع للمسلمين تعظيمه، كما لا تغلظ ~~بالتحليف عند المشاهد ومقامات الأنبياء، ونحو ذلك. ومن فعل ذلك فهو مبتدع ~~ضال، مخالف للشريعة. # وقد صنف طائفة من الناس مصنفات من فضائل بيت المقدس، وغيره من البقاع ~~التي بالشام، وذكروا فيها من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب، وعمن أخذ عنهم ~~ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم. # وأمثل من ينقل عنه تلك الإسرائيليات: كعب الأحبار، وكان الشاميون قد ~~أخذوا عنه كثيرا من الإسرائيليات، وقد قال معاوية رضي الله عنه: " ما رأينا ~~من هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من كعب، وإن كنا لنبلو عليه الكذب ~~أحيانا " (3) . # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا حدثكم أهل ~~الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه، وإما أن ~~يحدثوكم بحق فتكذبوه» (4) . # ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة المحروسة مع هذه الأمة PageV02P349 # المعصومة التي لا تجتمع (1) على ضلالة: إذا حدث بعض (2) أعيان ms394 التابعين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث - كعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ~~وأبي العالية، ونحوهم؛ وهم من خيار علماء المسلمين، وأكابر أئمة الدين ~~-توقف أهل العلم في مراسيلهم، فمنهم من يرد المراسيل مطلقا، ومنهم من ~~يتقبلها بشروط، ومنهم من يميز بين من عادته (3) لا يرسل إلا عن ثقة، كسعيد ~~بن المسيب، وإبراهيم النخعي، ومحمد (4) بن سيرين، وبين من عرف عنه (5) أنه ~~قد (6) يرسل عن غير ثقة: كأبي العالية، والحسن، وهؤلاء ليس بين أحدهم (7) ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا رجل أو رجلان، أو ثلاثة مثلا. # وأما ما يوجد في كتب المسلمين في هذه الأوقات من الأحاديث التي يذكرها ~~صاحب الكتاب مرسلة؛ فلا يجوز الحكم بصحتها باتفاق أهل العلم، إلا أن يعرف ~~أن ذلك من نقل أهل العلم بالحديث، الذين لا يحدثون إلا بما صح (8) كالبخاري ~~في المعلقات التي يجزم فيها بأنها صحيحة عنده، وما وقفه كقوله: وقد ذكر عن ~~بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده " ونحو ذلك، فإنه حسن عنده. # هذا، وليس تحت أديم السماء بعد القرآن كتاب أصح من البخاري. # فكيف بما ينقله كعب الأحبار وأمثاله عن الأنبياء؟ وبين كعب، وبين ~~PageV02P350 # النبي الذي ينقل عنه ألف سنة، وأكثر وأقل، وهو لم (1) يسند ذلك عن ثقة ~~بعد ثقة، بل غايته أن ينقل عن (2) بعض الكتب التي كتبها شيوخ اليهود، وقد ~~أخبر الله عن تبديلهم وتحريفهم، فكيف يحل للمسلم أن يصدق شيئا من ذلك، ~~بمجرد هذا النقل؟ بل الواجب أن لا يصدق ذلك، ولا يكذبه أيضا (3) إلا بدليل ~~يدل على كذبه، وهكذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم. # وفي هذه الإسرائيليات مما هو كذب على الأنبياء، أو ما هو منسوخ في ~~شريعتنا، ما لا يعلمه إلا الله. # ومعلوم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السابقين الأولين، ~~والتابعين لهم بإحسان، قد فتحوا البلاد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وسكنوا بالشام والعراق ومصر، وغير هذه الأمصار، وهم كانوا أعلم بالدين، ~~وأتبع له ممن بعدهم، ms395 فليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه. # فما كان من هذه البقاع لم يعظموه، أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاة أو دعاء، أو ~~نحو ذلك؛ لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك، وإن كان بعض من جاء بعدهم من أهل ~~الفضل والدين فعل ذلك؛ لأن اتباع سبيلهم أولى من (4) اتباع سبيل من خالف ~~سبيلهم، وما من أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نقل عن غيره ممن هو ~~أعلم وأفضل منه، أنه خالف سبيل هذا المخالف. وهذه جملة جامعة (5) لا يتسع ~~هذا الموضع لتفصيلها. PageV02P351 # وقد ثبت في الصحيح: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بيت المقدس ~~ليلة الإسراء صلى فيه ركعتين» (1) ولم يصل بمكان غيره ولا زاره. وحديث ~~المعراج فيه ما هو في الصحيح، وفيه ما هو في السنن والمسانيد، وفيه ما هو ~~ضعيف، وفيه ما هو من الموضوعات المختلقات، مثل ما يرويه بعضهم فيه: «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له جبريل: هذا قبر أبيك إبراهيم، انزل فصل ~~فيه، وهذا بيت لحم، مولد أخيك عيسى، انزل فصل فيه» . # وأعجب من ذلك، أنه قد روي فيه: " قيل له في المدينة: انزل فصل هنا " (2) ~~قبل أن يبني مسجده، وإنما كان المكان مقبرة للمشركين، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد الهجرة إنما نزل هناك لما بركت ناقته هناك. فهذا ونحوه من الكذب ~~المختلق باتفاق أهل المعرفة، وبيت لحم كنيسة من كنائس النصارى ليس في ~~إتيانها فضيلة عند المسلمين، سواء كان مولد عيسى أو لم يكن، بل قبر إبراهيم ~~الخليل: لم يكن في الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان من يأتيه للصلاة عنده، ~~ولا الدعاء ولا كانوا يقصدونه للزيارة أصلا. # وقد قدم المسلمون إلى الشام غير مرة مع عمر بن الخطاب واستوطن الشام ~~خلائق من الصحابة وليس فيهم من فعل شيئا من هذا ولم يبن المسلمون عليه ~~مسجدا أصلا لكن لما استولى النصارى على هذه الأمكنة في أواخر المائة ~~الرابعة، لما أخذوا (3) البيت (4) المقدس، بسبب استيلاء الرافضة على الشام، ~~لما كانوا ms396 ملوك مصر، والرافضة أمة مخذولة، ليس لها عقل PageV02P352 # صحيح ولا نقل (1) صريح (2) ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة (3) قويت ~~النصارى، وأخذت السواحل وغيرها من الرافضة؛ وحينئذ نقبت (4) النصارى حجرة ~~الخليل صلوات الله عليه، وجعلت لها بابا، وأثر النقب ظاهر في الباب. # فكان اتخاذ ذلك معبدا، مما أحدثته النصارى، ليس من عمل سلف الأمة ~~وخيارها. PageV02P353 ### | فصل في عدم اختصاص بقعة بقصد العبادة إلا المساجد # فصل وأصل دين المسلمين: أنه لا تختص بقعة بقصد (1) العبادة فيها إلا ~~المساجد خاصة، وما عليه المشركون وأهل الكتاب، من تعظيم بقاع للعبادة غير ~~المساجد -كما كانوا في الجاهلية يعظمون حراء، ونحوه من البقاع- فهو مما جاء ~~الإسلام بمحوه وإزالته ونسخه. # ثم المساجد جميعها تشترك في العبادات، فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر ~~المساجد، إلا ما خص به المسجد الحرام، من الطواف ونحوه، فإن خصائص المسجد ~~الحرام لا يشاركه فيها شيء من المساجد، كما أنه لا يصلى إلى غيره. # وأما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، فكل ما يشرع فيهما ~~من العبادات، يشرع في سائر المساجد: كالصلاة والدعاء والذكر والقراءة ~~والاعتكاف، ولا يشرع فيهما جنس (2) لا يشرع في غيرهما: (3) لا تقبيل شيء، ~~ولا استلامه، ولا الطواف به (4) ونحو ذلك. لكنهما أفضل من غيرهما، فالصلاة ~~فيهما تضاعف على الصلاة في غيرهما. PageV02P354 # أما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيح: أن الصلاة فيه ~~أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وروي هذا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من غير وجه، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره ~~من المساجد، إلا المسجد الحرام؛ فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي هذا آخر ~~المساجد» (1) . # وفي صحيح مسلم، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل (2) من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد ~~الحرام» (3) . # وفي مسلم ms397 أيضا، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال «إن امرأة اشتكت شكوى ~~(4) فقالت: إن شفاني الله لأخرجن، فلأصلين في بيت المقدس، فبرأت، ثم تجهزت ~~تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتها ذلك (5) ~~فقالت اجلسي، فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما ~~سواه إلا مسجد الكعبة» (6) . # وفي المسند، عن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: قال PageV02P355 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما ~~سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل (1) من صلاة في ~~مسجدي بمائة صلاة» (2) . قال أبو عبد الله (3) المقدسي: إسناده على رسم ~~الصحيح. # ولهذا جاءت الشريعة بالاعتكاف الشرعي في المساجد، بدل ما كان يفعل قبل ~~الإسلام من المجاورة بغار حراء، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر ~~الأواخر من رمضان، حتى قبضه الله. # والاعتكاف من العبادات المشروعة (4) بالمساجد باتفاق الأئمة، كما (5) قال ~~تعالى {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] (6) أي: في ~~حال عكوفكم في المساجد (7) لا تباشروهن، وإن كانت المباشرة خارج (8) ~~المسجد. ولهذا قال الفقهاء: إن ركن الاعتكاف: لزوم المسجد لعبادة الله. ~~ومحظوره الذي يبطله: مباشرة النساء. # فأما العكوف والمجاورة عند شجرة أو حجر، تمثال أو غير تمثال، أو العكوف ~~والمجاورة عند قبر نبي، أو غير نبي، أو مقام نبي، أو غير نبي، فليس هذا من ~~دين المسلمين، بل هو من جنس دين المشركين، الذين أخبر الله عنهم بما ذكره ~~في كتابه، حيث قال: PageV02P356 # {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين - إذ قال لأبيه وقومه ما ~~هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون - قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين - قال ~~لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين - قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من ~~اللاعبين - قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من ~~الشاهدين - وتالله لأكيدن أصنامكم بعد ms398 أن تولوا مدبرين - فجعلهم جذاذا إلا ~~كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون} [الأنبياء: 51 - 58] (1) الآيات. # وقال تعالى: {واتل عليهم نبأ إبراهيم - إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون - ~~قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين - قال هل يسمعونكم إذ تدعون - أو ~~ينفعونكم أو يضرون - قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون - قال أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون - أنتم وآباؤكم الأقدمون - فإنهم عدو لي إلا رب العالمين - ~~الذي خلقني فهو يهدين - والذي هو يطعمني ويسقين - وإذا مرضت فهو يشفين - ~~والذي يميتني ثم يحيين - والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} ~~[الشعراء: 69 - 82] (2) إلى آخر القصة. # وقال تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام ~~لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون - إن ~~هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون - قال أغير الله أبغيكم إلها ~~وهو فضلكم على العالمين} [الأعراف: 138 - 140] (3) . # فهذا عكوف المشركين، وذاك (4) عكوف المسلمين، فعكوف المؤمنين في المساجد ~~لعبادة الله وحده لا شريك له، وعكوف المشركين على ما يرجونه، PageV02P357 # ويخافونه من دون الله، وما يتخذونهم شركاء وشفعاء (1) فإن المشركين لم ~~يكن أحد منهم يقول: إن العالم له خالقان ولا إن الله له شريك (2) يساويه في ~~صفاته، هذا لم يقله أحد من المشركين، بل كانوا يقرون بأن خالق السماوات ~~والأرض واحد، كما أخبر الله عنهم بقوله {ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25] (3) وقوله تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها ~~إن كنتم تعلمون - سيقولون لله قل أفلا تذكرون - قل من رب السماوات السبع ~~ورب العرش العظيم - سيقولون لله قل أفلا تتقون - قل من بيده ملكوت كل شيء ~~وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون - سيقولون لله قل فأنى تسحرون} ~~[المؤمنون: 84 - 89] (4) . ### | أقوال الناس في الشفاعة والقول الحق في ذلك # وكانوا يقولون في تلبيتهم: " لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ~~ملك " (5) فقال تعالى لهم: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من ms399 شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} ~~[الروم: 28] (6) . وكانوا يتخذون آلهتهم وسائط تقربهم إلى الله زلفى، وتشفع ~~لهم، كما قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى} [الزمر: 3] (7) وقال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء ~~قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون - قل لله الشفاعة جميعا له ملك ~~السماوات والأرض} [الزمر: 43 - 44] (8) . PageV02P358 # وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض} ~~[يونس: 18] (1) . # وقال تعالى عن صاحب يس: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون - أأتخذ ~~من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون - إني ~~إذا لفي ضلال مبين - إني آمنت بربكم فاسمعون} [يس: 22 - 25] (2) . # وقال تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم ~~وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع ~~بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام: 94] (3) . # وقال تعالى: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} [السجدة: 4] (4) . وقال ~~تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا ~~شفيع لعلهم يتقون} [الأنعام: 51] (5) . # وهذا الموضع افترق الناس فيه ثلاث فرق: طرفان، ووسط: # فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب، كالنصارى، ومبتدعة هذه ~~الأمة: أثبتوا الشفاعة التي نفاها (6) القرآن. # والخوارج والمعتزلة: أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل ~~الكبائر (7) من أمته، PageV02P359 # بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ودعائه، كما ~~أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه عنه. # وأنكروا (1) الشفاعة بقوله تعالى: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا ~~خلة ولا شفاعة} [البقرة: 254] (2) وبقوله تعالى: {ما للظالمين من حميم ولا ~~شفيع يطاع} [غافر: 18] (3) ونحو ذلك. # وأما سلف الأمة وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، فأثبتوا ما ~~جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ms400 من شفاعته لأهل الكبائر من ~~أمته، وغير ذلك من أنواع شفاعاته، وشفاعة غيره من النبيين والملائكة. # وقالوا: إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، وأقروا بما جاءت به ~~السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، والصدقة عنه، بل والصوم عنه ~~في أصح قولي العلماء، كما ثبتت (4) به (5) السنة الصحيحة الصريحة، وما كان ~~في معنى الصوم. # وقالوا: إن الشفيع يطلب من الله ويسأل، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه. ~~قال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] (6) (7) {ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28] (8) PageV02P360 # (1) {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن ~~الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26] (2) . # وقد ثبت في الصحيح: أن سيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم إذا طلبت منه بعد ~~أن تطلب (3) من آدم وأولي العزم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى؛ فيردونها ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم، العبد الذي غفر الله (4) له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر، قال «فأذهب إلى ربي، فإذا رأيته خررت له (5) ساجدا، فأحمد (6) ~~ربي بمحامد يفتحها علي، لا أحسنها الآن، فيقول لي: أي محمد، ارفع رأسك، وقل ~~(7) يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، قال: فأقول: رب أمتي أمتي (8) فيحد لي حدا ~~فأدخلهم الجنة» (9) . # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا - أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: 56 - 57] (10) . ~~PageV02P361 # قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون العزير والمسيح والملائكة، فأنزل ~~الله هذه الآية، وقد أخبر فيها أن هؤلاء المسؤولين (1) يتقربون إلى الله، ~~ويرجون رحمته، ويخافون عذابه. وقد ثبت في الصحيح أن أبا هريرة قال: «يا ~~رسول الله، أي الناس أسعد بشفاعتك (2) يوم القيامة؟ قال: " يا أبا هريرة، ~~لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك؛ لما رأيته من حرصك على ~~الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: من قال: لا إله إلا الله، يبتغي ~~بها ms401 وجه الله» (3) . # فكلما كان الرجل أتم (4) إخلاصا (5) لله؛ كان أحق بالشفاعة، وأما من علق ~~قلبه بأحد من المخلوقين، يرجوه ويخافه؛ فهذا من أبعد الناس عن الشفاعة. ~~فشفاعة المخلوق عند المخلوق تكون بإعانة الشافع للمشفوع له، بغير إذن ~~المشفوع عنده، بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه، وإما لخوفه منه، ~~فيحتاج أن يقبل شفاعته. والله تعالى غني عن العالمين، وهو وحده سبحانه يدبر ~~العالمين كلهم، فما من شفيع إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشفيع في ~~الشفاعة، وهو يقبل شفاعته، كما يلهم الداعي الدعاء، ثم يجيب دعاءه، فالأمر ~~كله له. # فإذا كان العبد يرجو شفيعا من المخلوقين، فقد لا يختار ذلك الشفيع أن ~~يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة، ولا يقبل شفاعته. ~~PageV02P362 # وأفضل الخلق: محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم صلى الله عليه وسلم ~~(1) . وقد امتنع (2) النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لعمه أبي طالب، ~~بعد أن قال: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» (3) وقد صلى على المنافقين ودعا ~~لهم، فقيل له: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} [التوبة: ~~84] (4) وقيل له أولا: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} ~~[التوبة: 80] (5) . فقال: «لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر لهم لزدت» ~~(6) فأنزل الله: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله ~~لهم} [المنافقون: 6] (7) . # وإبراهيم (8) وقال تعالى: {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى ~~يجادلنا في قوم لوط - إن إبراهيم لحليم أواه منيب - يا إبراهيم أعرض عن هذا ~~إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} [هود: 74 - 76] (9) . # ولما استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه (10) بعد وعده بقوله: {ربنا اغفر ~~لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} [إبراهيم: 41] (11) . PageV02P363 # قال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول ms402 إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك} [الممتحنة: 4] (1) . # وقال تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم - وما كان استغفار إبراهيم ~~لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} ~~[التوبة: 113 - 114] (2) . # والله سبحانه له حقوق (3) لا يشركه فيها غيره، وللرسل حقوق لا يشركهم ~~فيها غيرهم، وللمؤمنين بعضهم على بعض (4) حقوق مشتركة؛ ففي الصحيحين عن ~~معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت ردف (5) النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ~~لي: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده (6) .؟ ". قلت: الله ورسوله ~~أعلم، قال: " حقه عليهم: أن يعبدوه (7) لا يشركوا به شيئا. يا معاذ، أتدري ~~ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " ~~حقهم عليه أن لا يعذبهم» (8) . PageV02P364 ### | أصل التوحيد الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب # فالله تعالى مستحق أن نعبده لا نشرك به شيئا، وهذا هو أصل التوحيد الذي ~~بعثت به الرسل، وأنزلت به الكتب، قال الله تعالى {واسأل من أرسلنا من قبلك ~~من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] (1) . # وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] (2) وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ~~أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] (3) . # ويدخل في ذلك أن لا نخاف إلا إياه، ولا نتقي إلا إياه، كما قال تعالى: ~~{ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} [النور: 52] (4) ~~. فجعل الطاعة لله وللرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده. # وكذلك قال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} [التوبة: 59] (5) . فجعل ~~الإيتاء لله وللرسول. # كما قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: ~~7] (6) فالحلال ما حلله الرسول، والحرام: ما حرمه الرسول، والدين: ما شرعه ~~الرسول. # وجعل التحسب بالله وحده، فقال تعالى: {وقالوا حسبنا ms403 الله} [التوبة: 59] ~~ولم يقل ورسوله. كما قال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] ~~(7) . PageV02P365 # وقال تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} [الأنفال: ~~64] (1) أي حسبك وحسب من اتبعك: الله، فهو وحده كافيكم (2) ومن ظن أن ~~معناها: حسبك الله والمؤمنون، فقد غلط غلطا عظيما من وجوه كثيرة مبسوطة في ~~غير هذا الموضع (3) . # ثم قال: {وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله} [التوبة: 59] ~~(4) فجعل الفضل لله، وذكر الرسول في الإيتاء، لأنه لا يباح إلا ما أباحه ~~الرسول، فليس لأحد أن يأخذ ما تيسر له إن لم يكن مباحا في الشريعة. # ثم قال: {إنا إلى الله راغبون} [التوبة: 59] (5) فجعل الرغبة إلى الله ~~وحده، دون ما سواه؛ كما قال (6) {فإذا فرغت فانصب - وإلى ربك فارغب} ~~[الشرح: 7 - 8] (7) فأمر بالرغبة إليه. ولم يأمر الله قط مخلوقا أن يسأل ~~مخلوقا، وإن كان قد أباح في موضع من المواضع ذلك (8) لكنه لم يأمر به، بل ~~الأفضل للعبد أن لا يسأل قط إلا الله. # كما ثبت في الصحيح في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «هم الذين لا ~~يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» (9) فجعل ~~PageV02P366 # من صفاتهم أنهم لا يسترقون: أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، ولم يقل: ~~لا يرقون. وإن كان ذلك قد روي (1) في بعض طرق مسلم (2) فهو غلط، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رقى نفسه وغيره، لكنه لم يسترق، فالمسترقي طالب للدعاء ~~من غيره؛ بخلاف الراقي غيره، فإنه داع له. # وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا ~~استعنت فاستعن بالله» (3) فهو الذي يتوكل عليه (4) ويستعان به، ويستغاث به ~~ويخاف ويرجى، ويعبد وتنيب القلوب إليه، لا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ ~~(5) منه إلا إليه، والقرآن كله يحقق هذا الأصل. # والرسول صلى الله عليه وسلم يطاع ويحب ويرضى، ويسلم إليه حكمه، ويعزر، ~~ويوقر، ويتبع، ويؤمن به وبما جاء ms404 به، قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله} [النساء: 80] (6) . # وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} [النساء: 64] (7) ~~. PageV02P367 # وقال تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} [التوبة: 62] (1) . # وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم} [التوبة: 24] إلى قوله: (2) ~~{أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} ~~[التوبة: 24] (3) . # وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه (4) وجد (5) ~~حلاة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء ~~لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما ~~يكره أن يلقى في النار» (6) . # وقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده ~~والناس أجمعين» (7) . # «وقال له (8) عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، ~~قال: " لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك ". قال: فلأنت (9) ~~PageV02P368 # أحب إلي من نفسي، قال " الآن يا عمر» (1) . # وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم} [آل عمران: 31] (2) وقال تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ~~- لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه} [الفتح: 8 - 9] (3) أي: الرسول ~~خاصة {وتسبحوه بكرة وأصيلا} [الفتح: 9] (4) أي: تسبحوا الله تعالى. ~~فالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، والتسبيح لله وحده. ~~وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع. # وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بتحقيق (5) التوحيد وتجريده، ونفي ~~الشرك بكل وجه، حتى في الألفاظ، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم ~~(6) ما شاء الله وشاء محمد، بل: ما شاء الله ثم شاء محمد» (7) «وقال له ~~رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: " أجعلتني لله (8) ندا؟ بل (9) ما شاء الله ~~PageV02P369 # وحده» (1) . # والعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين كله لله، تحقيقا لقوله ~~تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة: 5] (2) فالصلاة لله وحده، والصدقة ~~لله (3) وحده، والصيام ms405 لله وحده، والحج لله وحده، وإلى بيت الله وحده؛ ~~فالمقصود من الحج: عبادة الله وحده في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها، ~~ولهذا كان الحج شعار الحنيفية، حتى قال طائفة من السلف: " حنفاء لله، أي ~~حجاجا " (4) فإن اليهود والنصارى لا يحجون البيت. # قال طائفة من السلف: لما أنزل الله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا ~~فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] (5) . قالت اليهود والنصارى: نحن مسلمون، ~~فأنزل الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل ~~عمران: 97] (6) . فقالوا: لا نحج؟ فقال تعالى {ومن كفر فإن الله غني عن ~~العالمين} [آل عمران: 97] (7) وقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا} ~~[آل عمران: 85] (8) عام في الأولين والآخرين، فإن دين الإسلام هو دين الله ~~الذي عليه أنبياؤه، وعباده المؤمنون، كما ذكر الله ذلك في PageV02P370 # كتابه من أول رسول بعثه (1) إلى أهل الأرض: نوح، وإبراهيم، وإسرائيل، ~~وموسى، وسليمان، وغيرهم من الأنبياء والمؤمنين. # قال الله تعالى في حق نوح: {واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن ~~كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم ~~وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون - فإن توليتم ~~فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} [يونس: ~~71 - 72] (2) . # وقال تعالى في إبراهيم وإسرائيل: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه ~~نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين - إذ قال له ربه ~~أسلم قال أسلمت لرب العالمين} [البقرة: 130 - 131] (3) . # وقال تعالى عن يوسف: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث ~~فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني ~~بالصالحين} [يوسف: 101] (4) . # وقال تعالى عن موسى وقومه: {وقال موسى (5) يا قوم إن كنتم آمنتم بالله ~~فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} [يونس: 84] (6) . # وقال في أنبياء بني إسرائيل: PageV02P371 # {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب ms406 الله} [المائدة: 44] (1) . # وقال تعالى عن بلقيس: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين} [النمل: 44] (2) . # وقال تعالى عن أمة عيسى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ~~قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} [المائدة: 111] (3) . # وقال تعالى: (4) {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع ~~الشاهدين} [آل عمران: 53] (5) . # وقال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125] (6) . # وقال تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم ~~قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين - بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره ~~عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 111 - 112] (7) . # وقد فسر إسلام الوجه لله بما يتضمن (8) إخلاص قصده (9) لله، وهو ~~PageV02P372 # محسن بالعمل الصالح (1) المأمور به (2) وهذان الأصلان جماع الدين: أن لا ~~نعبد (3) إلا الله، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع. # وقال تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا} [الكهف: 110] (4) . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في ~~دعائه (5) " اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد ~~فيه (6) شيئا " (7) . # وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] ~~(8) . قال: " أخلصه وأصوبه ". قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: " ~~إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن ~~خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص (9) أن يكون لله، والصواب: ~~أن يكون على السنة " (10) . # وهذان الأصلان هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس الإسلام: شهادة ~~PageV02P373 # أن لا إله إلا الله، وشهادة (1) أن محمدا رسول الله. فإن الشهادة لله ~~بأنه لا إله إلا هو (2) تتضمن إخلاص الإلهية له، فلا يجوز أن يتأله القلب ~~غيره، لا بحب ولا خوف ولا رجاء، ولا إجلال ولا إكرام (3) ولا رغبة ولا ~~رهبة؛ بل لا بد أن يكون الدين كله لله، كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا ~~تكون ms407 فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] (4) . # فإذا كان بعض الدين لله، وبعضه لغير الله (5) كان في ذلك من الشرك بحسب ~~ذلك. وكمال الدين كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: «من أحب لله ~~وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان» (6) . # فالمؤمنون يحبون لله، والمشركون يحبون مع الله، كما قال تعالى: {ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله} [البقرة: 165] (7) . # والشهادة بأن محمدا رسول الله، تتضمن: تصديقه في كل ما أخبر، PageV02P374 # وطاعته في كل ما أمر. فما (1) أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، كما ~~يجب على الخلق أن يثبتوا لله ما أثبته (2) من الأسماء والصفات، وينفوا عنه ~~ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات، فيخلصوا من التعطيل والتمثيل، ويكونوا ~~(3) في إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل. وعليهم أن يفعلوا ما أمر به وأن ~~ينتهوا (4) عما نهى عنه، ويحللوا ما حلله، ويحرموا ما حرمه؛ فلا حرام إلا ~~ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله. # ولهذا، ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما، لكونهم حرموا ~~ما لم يحرمه الله، ولكونهم شرعوا دينا لم يأذن به الله، كما في قوله تعالى: ~~{وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} [الأنعام: 136] (5) إلى آخر ~~السورة. وما ذكره في صدر سورة الأعراف، وكذلك قوله تعالى {أم لهم شركاء ~~شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] (6) . # وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا - وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} [الأحزاب: 45 - 46] (7) ~~فأخبره (8) أنه أرسله داعيا إليه بإذنه (9) فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك، ~~ومن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع، والشرك بدعة، والمبتدع يؤول إلى الشرك، ~~ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك، كما قال PageV02P375 # تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ~~وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} ~~[التوبة: 31] (1) وكان ms408 من إشراكهم بهم: أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم (2) ~~وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم. # وقد قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] (3) فقرن بعدم إيمانهم بالله ~~واليوم (4) الآخر: أنهم لا يحرمون ما حرمه الله (5) ورسوله، ولا يدينون دين ~~الحق. # والمؤمنون صدقوا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما أخبر به (6) عن ~~الله، وعن اليوم الآخر، فآمنوا بالله واليوم الآخر (7) وأطاعوه فيما أمر ~~ونهى، وحلل وحرم، فحرموا ما حرم الله ورسوله، ودانوا دين الحق، فإن الله ~~بعث الرسول يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم ~~عليهم الخبائث، فأمرهم بكل معروف، ونهاهم عن كل منكر، وأحل لهم كل طيب، ~~وحرم عليهم كل خبيث. # ولفظ الإسلام: يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص، (8) من ~~PageV02P376 # قوله تعالى: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل} ~~[الزمر: 29] (1) . فلا بد في الإسلام من الاستسلام لله وحده، وترك ~~الاستسلام لما سواه، وهذا حقيقة قولنا: " لا إله إلا الله (2) " فمن استسلم ~~لله ولغيره فهو (3) مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو ~~مستكبر عن عبادته، وقد قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] (4) . # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «لا يدخل الجنة من في ~~قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ". ~~فقيل له: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا، أفمن ~~الكبر ذاك؟ فقال: " لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق، وغمط ~~الناس» (5) . بطر (6) الحق: جحده ودفعه، وغمط الناس: ازدراؤهم واحتقارهم. # فاليهود موصوفون بالكبر، والنصارى موصوفون بالشرك، قال تعالى في نعت ~~اليهود: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم ~~وفريقا تقتلون} [البقرة: 87] (7) . PageV02P377 # وقال في نعت النصارى: {اتخذوا أحبارهم ms409 ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون} [التوبة: 31] (1) . # ولهذا قال الله تعالى في سياق خطاب (2) النصارى: {قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} ~~[آل عمران: 64] (3) . # وقال تعالى في سياق تقريره للإسلام (4) وخطابه لأهل الكتاب: {قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون} [البقرة: 136] إلى قوله: {أم تقولون إن إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم ~~الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون} ~~[البقرة: 140] (5) . ### | أصل دين الأنبياء واحد وإنما تنوعت الشرائع # ولما كان أصل الدين الذي (6) هو دين الإسلام واحدا، وإنما (7) تنوعت ~~الشرائع؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إنا معاشر ~~الأنبياء ديننا واحد» (8) PageV02P378 # «الأنبياء إخوة لعلات» (1) «وأنا أولى الناس بابن مريم، فإنه ليس بيني ~~وبينه نبي» (2) . # فدينهم واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو (3) يعبد في كل وقت ~~بما أمر به (4) في ذلك الوقت، وذلك هو دين (5) الإسلام في ذلك الوقت. # وتنوع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع (6) كتنوع الشريعة الواحدة، ~~فكما أن دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم (7) هو دين ~~واحد، مع أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيت المقدس في الصلاة، كما أمر ~~المسلمون بذلك بعد الهجرة ببضعة عشر شهرا، وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة، ~~ويحرم استقبال الصخرة (8) فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من ~~أوقاته، فهكذا شرع الله تعالى لبني إسرائيل السبت، ثم نسخ ذلك وشرع الجمعة، ~~فكان الاجتماع (9) يوم السبت واجبا إذ ذاك، ثم صار الواجب هو الاجتماع (10) ~~يوم ms410 PageV02P379 # الجمعة، وحرم الاجتماع يوم (1) السبت. # فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ، لم يكن مسلما (2) ومن لم يدخل في شريعة ~~محمد صلى الله عليه وسلم بعد النسخ لم يكن مسلما. # ولم يشرع الله لنبي من الأنبياء أن يعبد غير الله البتة، قال تعالى: {شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} ~~[الشورى: 13] (3) . # فأمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه. # وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم - وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} [المؤمنون: 51 - ~~52] (4) . # وقال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 30] ~~(5) {منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين - من الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} [الروم: 31 - 32] (6) . # فأهل الإشراك متفرقون، وأهل الإخلاص متفقون، وقد قال تعالى: {ولا يزالون ~~مختلفين - إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 118 - 119] (7) فأهل الرحمة ~~متفقون مجتمعون، والمشركون فرقوا دينهم وكانوا شيعا. PageV02P380 # ولهذا تجد ما أحدث من الشرك والبدع، يفترق أهله؛ فكان لكل قوم من مشركي ~~العرب طاغوت، يتخذونه ندا من دون الله، فيقربون له ويستشفعون به (1) ~~ويشركون به. وهؤلاء ينفرون عن طاغوت هؤلاء، وهؤلاء (2) وهؤلاء ينفرون عن ~~طاغوت هؤلاء، بل قد يكون لأهل هذا الطاغوت شريعة ليست للآخرين، كما كان أهل ~~المدينة الذين يهلون (3) لمناة الثالثة الأخرى، ويتحرجون من الطواف بين ~~الصفا والمروة، حتى أنزل الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} ~~[البقرة: 158] (4) الآية. # وهكذا تجد من يتخذ شيئا من نحو (5) الشرك، كالذين يتخذون القبور وآثار ~~الأنبياء والصالحين مساجد، تجد كل قوم يقصدون بالدعاء والاستعانة والتوجه ~~من لا تعظمه الطائفة الأخرى. # بخلاف أهل التوحيد، فإنهم يعبدون الله لا يشركون به، في بيوته التي قد ~~أذن الله أن ترفع ويذكر ms411 فيها اسمه، مع أنه قد جعلت لهم الأرض مسجدا وطهورا. ~~وإن (6) حصل بينهم تنازع (7) في شيء مما يسوغ فيه الاجتهاد، لم يوجب ذلك ~~تفرقا ولا اختلافا، بل هم يعلمون أن المصيب منهم له أجران، وأن المجتهد ~~المخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور له. # والله هو معبودهم (8) إياه يعبدون وعليه يتوكلون، وله يخشون ويرجون، ~~PageV02P381 # وبه يستعينون ويستغيثون، وله يدعون ويسألون، فإن خرجوا إلى الصلاة في ~~المساجد، كانوا مبتغين فضلا منه ورضوانا، كما قال تعالى في نعتهم: {تراهم ~~ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا} [الفتح: 29] (1) . # وكذلك إذا سافروا إلى أحد (2) المساجد الثلاثة، لا سيما المسجد الحرام، ~~الذي أمروا بالحج إليه، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا (3) تحلوا ~~شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ~~يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} [المائدة: 2] (4) فهم يؤمون (5) بيته ويبتغون ~~فضلا من ربهم (6) ورضوانا، لا يرغبون إلى غيره، ولا يرجون سواه، ولا يخافون ~~إلا إياه. # وقد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم (7) واستزلهم عن إخلاص الدين ~~لله (8) إلى أنواع من الشرك، فيقصدون بالسفر والزيارة: الرجاء (9) لغير ~~الله، والرغبة إليه (10) ويشدون الرحال: إما إلى قبر نبي أو صاحب ~~PageV02P382 # أو صالح، أو من يظن (1) أنه نبي، أو صاحب أو صالح، داعين (2) له راغبين ~~إليه. # ومنهم: من يظن أن المقصود من الحج هو هذا، فلا يستشعر إلا قصد المخلوق ~~المقبور، ومنه من يرى أن ذلك أنفع له من حج البيت. # ومن شيوخهم: من يحج، فإذا دخل المدينة، رجع وظن (3) أن هذا أبلغ. # ومن جهالهم: من يتوهم أن زيارة القبور واجبة، ومنهم من (4) يسأل المقبور ~~الميت، كما يسأل الحي الذي لا يموت! يقول يا سيدي فلان، اغفر لي وارحمني ~~وتب علي. أو يقول: اقض عني الدين، وانصرني على فلان، وأنا في حسبك أو ~~جوارك. # وقد ينذرون أولادهم للمقبور، ويسيبون له (5) السوائب، من البقر (6) ~~وغيرها، كما كان المشركون يسيبون السوائب لطواغيتهم، قال تعالى: {ما جعل ~~الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا ms412 حام} [المائدة: 103] (7) وقال ~~تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم ~~وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] (8) . PageV02P383 # ومن السدنة: من يضل الجهال، فيقول: أنا أذكر حاجتك (1) لصاحب الضريح، وهو ~~يذكرها للنبي صلى الله عليه وسلم، والنبي يذكرها لله (2) . # ومنهم: من يعلق على القبر المكذوب أو غير المكذوب، من الستور والثياب، ~~ويضع عنده من مصوغ الذهب والفضة، ما قد أجمع المسلمون على أنه (3) ليس من ~~دين الإسلام. هذا والمسجد الجامع معطل خراب صورة ومعنى! # وما أكثر من يرى (4) من (5) هؤلاء: أن صلاته عند هذا القبر المضاف إلى ~~بعض المعظمين - مع أنه كذب في نفس الأمر - أعظم من صلاته في المساجد بيوت ~~الله (6) فيزدحمون (7) للصلاة في مواضع الإشراك المبتدعة، التي نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن اتخاذها مساجد، وإن كانت على (8) قبور الأنبياء، ~~ويهجرون الصلاة في البيوت التي أذن الله أن ترفع (9) ويذكر فيها اسمه، التي ~~قال الله فيها: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} ~~[التوبة: 18] (10) . PageV02P384 ### | غلط طوائف في مسمى التوحيد وبيان الحق في ذلك # ومن أكابرهم: من (1) يقول: " (2) الكعبة في الصلاة قبلة العامة، والصلاة ~~إلى قبر الشيخ فلان -مع استدبار الكعبة- قبلة الخاصة "! # وهذا وأمثاله من الكفر (3) الصريح باتفاق علماء المسلمين، وهذه المسائل ~~(4) التي تحتمل من البسط وذكر أقوال العلماء فيها ودلائلها أكثر مما كتبنا ~~في هذا المختصر. # وقد كتبنا في (5) ذلك في غير هذا الموضع، ما لا يتسع له هذا الموضع، ~~وإنما نبهنا هنا (6) على رؤوس المسائل، وجنس الدلائل، والتنبيه على مقاصد ~~الشريعة (7) وما فيها من إخلاص الدين لله، وعبادته وحده لا شريك له، وما ~~سدته من الذريعة إلى الشرك، دقه وجله، فإن هذا هو أصل الدين، وحقيقة دين ~~المرسلين (8) وتوحيد رب العالمين. # وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، ومن ms413 أهل الإرادة ~~والعبادة، حتى قلبوا حقيقته (9) فطائفة: ظنت أن التوحيد هو نفي (10) ~~الصفات، بل نفي الأسماء الحسنى أيضا، وسموا أنفسهم: أهل التوحيد (11) ~~PageV02P385 # وأثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات، ووجودا مطلقا بشرط الإطلاق. # وقد علم بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول: أن ذلك لا يكون إلا في ~~الأذهان، لا في الأعيان. وزعموا أن إثبات الصفات يستلزم ما سموه (تركيبا) ~~وظنوا أن العقل ينفيه، كما قد كشفنا أسرارهم وبينا فرط جهلهم، وما أضلهم من ~~الألفاظ المجملة المشتركة في غير هذا الموضع (1) . # وطائفة: ظنوا أن التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية، وأن الله خلق ~~كل شيء، وهو الذي يسمونه توحيد الأفعال (2) . # ومن أهل الكلام: من أطال نظره في تقرير هذا التوحيد (3) إما بدليل أن ~~الاشتراك يوجب نقص (4) القدرة وفوات الكمال، وبأن استقلال كل من الفاعلين ~~بالمفعول محال، وإما بغير ذلك من الدلائل، ويظن أنه بذلك قرر الوحدانية ~~وأثبت أنه لا إله إلا هو، (5) وأن الإلهية هي: القدرة على الاختراع أو نحو ~~ذلك، فإذا ثبت أنه لا يقدر على الاختراع إلا الله، وأنه لا شريك له في ~~الخلق، كان هذا معنى قولنا: لا إله إلا الله، ولم يعلم أن مشركي العرب ~~كانوا مقرين بهذا التوحيد، كما قال تعالى {ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله قل الحمد لله} [لقمان: 25] PageV02P386 # (1) وقال تعالى {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون - سيقولون لله قل ~~أفلا تذكرون} [المؤمنون: 84 - 85] (2) الآيات، وقال (3) تعالى {وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] (4) . قال ابن عباس وغيره: " ~~تسألهم: من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم مع ذلك (5) يعبدون ~~غيره " (6) . # وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب، لكن لا يحصل به (7) الواجب، ولا يخلص ~~بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر، الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن ~~يخلص لله الدين (8) فلا يعبد إلا إياه (9) فيكون دينه كله لله. # والإله: هو المألوه الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الإلهية مستلزم لصفات ~~الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودا محبوبا لذاته إلا هو، وكل عمل ms414 لا يراد به ~~وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب (10) غيره يوجب الفساد، كما قال تعالى {لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] (11) . # وقد بسطنا (12) الكلام على هذا في غير هذا الموضع (13) PageV02P387 # وبينا أن هذه الآية ليس المقصود بها ما يقوله (1) من يقوله من أهل ~~الكلام، من ذكر دليل التمانع (2) الدال على وحدانية الرب تعالى، فإن ~~التمانع (3) يمنع وجود المفعول، لا يوجب فساده بعد وجوده، وذلك يذكر في ~~الأسباب والبدايات التي تجري مجرى العلل الفاعلات، والثاني يذكر في الحكم ~~والنهايات التي تذكر في العلل التي هي الغايات، كما في قوله: {إياك نعبد ~~وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] فقدم الغاية المقصودة على الوسيلة الموصلة، كما ~~قد بسط في غير هذا الموضع (4) . # ثم إن طائفة ممن تكلم في تحقيق التوحيد على طريق أهل التصوف، ظن أن توحيد ~~الربوبية هو الغاية، والفناء فيه هو النهاية، وأنه إذا شهد ذلك سقط عنه ~~استحسان الحسن واستقباح القبيح، فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي، ~~والوعد والوعيد، ولم يفرقوا بين مشيئته الشاملة لجميع المخلوقات، وبين ~~محبته ورضاه المختص بالطاعات، وبين كلماته الكونيات التي لا يجاوزها بر ولا ~~فاجر -لشمول القدر (5) لكل مخلوق- وكلماته الدينيات التي اختص (6) ~~بموافقتها أنبياؤه وأولياؤه. # فالعبد مع شهوده الربوبية العامة الشاملة للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، ~~عليه أن يشهد ألوهيته التي اختص بها عباده المؤمنين، الذين عبدوه وأطاعوا ~~أمره، واتبعوا رسله. PageV02P388 # قال تعالى {أم (1) نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ~~أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28] (2) وقال تعالى {أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون} [الجاثية: 21] (3) وقال تعالى {أفنجعل المسلمين كالمجرمين - ما ~~لكم كيف تحكمون} [القلم: 35 - 36] (4) . # ومن لم يفرق بين أولياء الله وأعدائه، وبين ما أمر به وأحبه (5) من ~~الإيمان والأعمال الصالحة (6) وما (7) كرهه ونهى عنه وأبغضه: من الكفر ~~والفسوق والعصيان مع شمول قدرته، ومشيئته، وخلقه لكل شيء، وإلا وقع في دين ~~المشركين، الذين قالوا {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا ms415 من ~~شيء} [الأنعام: 148] (8) . # والقدر يؤمن به ولا يحتج به، بل العبد مأمور أن يرجع إلى القدر عند ~~المصائب، ويستغفر الله عند الذنوب والمعايب (9) كما قال تعالى {فاصبر إن ~~وعد الله حق واستغفر لذنبك} [غافر: 55] (10) ولهذا حج آدم موسى عليهما ~~السلام، لما لام موسى (11) آدم لأجل المصيبة التي حصلت لهم بأكله من ~~الشجرة، فذكر PageV02P389 # له آدم: «أن هذا كان مكتوبا قبل أن أخلق. فحج آدم موسى» (1) كما قال ~~تعالى {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأها إن ذلك على الله يسير} [الحديد: 22] (2) وقال تعالى {ما أصاب من ~~مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن: 11] (3) قال بعض ~~السلف: " هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى (4) ويسلم ~~" (5) . # فهذا هو جهة (6) احتجاج آدم بالقدر، ومعاذ الله أن يحتج آدم - أو من هو ~~دونه من المؤمنين- على المعاصي بالقدر، فإنه لو ساغ هذا لساغ أن يحتج إبليس ~~ومن اتبعه من الجن والإنس بذلك، ويحتج به قوم نوح وعاد وثمود، وسائر أهل ~~الكفر والفسوق والعصيان، ولم يعاقب (7) أحد، وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار ~~شرعا وعقلا. # فإن (8) هذا القول لا يطرده أحد من العقلاء، فإن طرده يوجب (9) أن لا ~~يلام أحد على شيء، ولا يعاقب عليه. وهذا المحتج بالقدر لو جنى عليه ~~PageV02P390 # جان (1) لطالبه، فإن كان القدر حجة للجاني عليه، وإلا فليس حجة لا لهذا ~~ولا لهذا. # ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولا، لم يمكن للناس (2) أن يعيشوا، إذا كان ~~لكل من اعتدى عليهم أن يحتج بذلك، فيقبلوا عذره ولا يعاقبوه، ولا يمكن ~~اثنان (3) من أهل هذا القول أن يعيشا (4) إذ لكل منهما أن يقتل الآخر، ~~ويفسد (5) جميع أموره، محتجا على ذلك بالقدر. # ثم إن أولئك المبتدعين، الذين أدخلوا في التوحيد نفي الصفات، وهؤلاء ~~الذين أخرجوا عنه (6) متابعة الأمر، إذا حققوا القولين؛ أفضى بهم الأمر إلى ~~أن لا يفرقوا بين الخالق (7) والمخلوق، بل يقولون (8) بوحدة الوجود كما ~~قاله أهل الإلحاد (9) القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد ms416 (10) الذين يعظمون ~~الأصنام وعابديها، وفرعون وهامان وقومهما، ويجعلون وجود خالق الأرض ~~والسماوات هو وجود كل شيء من الموجودات (11) ويدعون التوحيد والتحقيق ~~PageV02P391 # والعرفان، وهم من أعظم أهل الشرك والتلبيس (1) والبهتان. # يقول عارفهم: السالك في أول أمره يفرق بين الطاعة والمعصية -أي نظرا إلى ~~الأمر- ثم يرى طاعة بلا معصية- أي نظرا إلى القدر- ثم لا طاعة ولا معصية- ~~أي نظرا إلى أن الوجود واحد -ولا يفرقون (2) بين الواحد بالعين والواحد ~~بالنوع، فإن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود. # والوجود ينقسم إلى: قائم بنفسه. وقائم بغيره، وواجب بنفسه، وممكن بنفسه. ~~كما أن الحيوانات مشتركة في مسمى الحيوان، والأناسي يشتركون في مسمى ~~الإنسان، مع العلم الضروري بأنه ليس عين وجود هذا الإنسان هو عين وجود هذا ~~الفرس، بل ولا عين هذا الحيوان وحيوانيته وإنسانيته هو عين هذا الحيوان ~~وحيوانيته وإنسانيته، لكن بينهما قدر مشترك تشابها (3) فيه، قد يسمى كليا ~~(4) ومطلقا وقدرا مشتركا، ونحو ذلك، وهذا لا يكون في الخارج عن الأذهان ~~كليا عاما مطلقا، بل لا يوجد إلا معينا مشخصا، فكل موجود فله ما يخصه من ~~حقيقته، مما (5) لا يشركه فيه غيره، بل ليس بين موجودين في الخارج شيء ~~بعينه اشتركا فيه، ولكن تشابها؛ ففي هذا نظير ما في هذا، كما أن هذا نظير ~~هذا، وكل منهما متميز (6) بذاته وصفاته عما سواه، فكيف الخالق سبحانه ~~وتعالى؟ # وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع البسط الذي يليق PageV02P392 # به (1) فإنه مقام زلت فيه أقدام، وضلت فيه أحلام، والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم. # ومن أحكم الأصلين المتقدمين في الصفات، والخلق والأمر؛ فيميز (2) بين ~~المأمور المحبوب (3) المرضي لله، وبين غيره، مع شمول القدر لهما، وأثبت ~~للخالق سبحانه الصفات التي توجب مباينته للمخلوقات، وأنه ليس في مخلوقاته ~~شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، أثبت التوحيد الذي بعث الله به ~~رسله، وأنزل به كتبه، كما نبه على ذلك في سورتي الإخلاص {قل يا أيها ~~الكافرون} [الكافرون: 1] و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] # فإن {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] تعدل ms417 ثلث القرآن، إذ كان القرآن ~~باعتبار معانيه ثلاث أثلاث: ثلث توحيد، وثلث قصص، وثلث أمر ونهي؛ لأن ~~القرآن كلام الله. والكلام: إما إنشاء، وإما إخبار، والإخبار: إما عن ~~الخالق، وإما عن المخلوق. # والإنشاء: أمر ونهي وإباحة. # ف {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] فيها ثلث التوحيد، الذي هو خبر عن ~~الخالق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «قل هو الله أحد (4) تعدل ثلث القرآن» ~~(5) PageV02P393 # وعدل (1) الشيء -بالفتح- يكون: ما سواه، من غير جنسه، كما قال تعالى: {أو ~~عدل ذلك صياما} [المائدة: 95] (2) وذلك يقتضي: أن له من الثواب ما يساوي ~~الثلث في القدر، ولا يكون مثله في الصفة، كمن معه ألف دينار وآخر معه ما ~~يعدلها من الفضة والنحاس وغيرهما. # ولهذا يحتاج إلى سائر القرآن، ولا تغني عنه هذه السورة مطلقا، كما يحتاج ~~من معه نوع من المال إلى سائر الأنواع، إذ كان العبد محتاجا إلى الأمر ~~والنهي والقصص. # وسورة {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] فيها التوحيد القولي العملي، الذي ~~تدل عليه الأسماء والصفات، ولهذا قال تعالى: {قل هو الله أحد - الله الصمد} ~~[الإخلاص: 1 - 2] # وقد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع (3) . # وسورة: {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] فيها التوحيد القصدي العملي، ~~كما قال تعالى {قل يا أيها الكافرون - لا أعبد ما تعبدون} [الكافرون: 1 - ~~2] وبهذا (4) يتميز من يعبد الله ممن يعبد غيره وإن كان كلاهما (5) يقر بأن ~~الله رب كل شيء (6) ويتميز PageV02P394 # عباد الله المخلصون الذين لم يعبدوا إلا إياه، ممن عبد غيره وأشرك به، أو ~~نظر إلى القدر الشامل لكل شيء، فسوى بين المؤمنين والكفار، كما كان يفعل ~~المشركون من العرب. # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «إنها براءة من الشرك» (1) . # وسورة {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] فيها إثبات الذات، وما لها من ~~الأسماء والصفات التي يتميز بها مثبتو الرب الخالق، الأحد الصمد، عن ~~المعطلين له بالحقيقة، نفاة الأسماء والصفات، المضاهين لفرعون وأمثاله ممن ~~أظهر التعطيل والجحود للإله المعبود، وإن كان في الباطن يقر به، كما قال ~~تعالى {وجحدوا بها ms418 واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} [النمل: 14] (2) وقال ~~موسى {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا ~~فرعون مثبورا} [الإسراء: 102] (3) . # والله سبحانه بعث أنبياءه بإثبات مفصل، ونفي مجمل، فأثبتوا له الأسماء ~~والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات. ومن خالفهم من المعطلة المتفلسفة ~~وغيرهم عكسوا القضية، فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، يقولون ليس كذا، ليس ~~كذا، ليس كذا (4) . # فإذا أرادوا إثباته قالوا: وجود مطلق بشرط النفي، أو بشرط الإطلاق، (5) ~~وهم PageV02P395 # يقرون في منطقهم اليوناني: أن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون في الخارج، ~~فليس في الخارج حيوان مطلق بشرط الإطلاق، ولا إنسان مطلق بشرط الإطلاق، ولا ~~موجود مطلق بشرط الإطلاق، بخلاف المطلق لا بشرط الذي يطلق على هذا وهذا، ~~وينقسم إلى هذا وهذا، فإن هذا يقال: إنه في الخارج لا يكون إلا معينا (1) ~~مشخصا (2) أو يقولون إنه الوجود المشروط بنفي كل ثبوت عنه (3) فيكون مشاركا ~~لسائر الموجودات في مسمى الوجود، متميزا عنها بالعدم. # وكل موجود متميز بأمر ثبوتي، والوجود خير من العدم (4) فيكون أحقر ~~الموجودات خيرا من هذا (5) الذي ظنوه وجودا واجبا، هذا إذا أمكن تحقيقه في ~~الخارج، فكيف (6) وذلك ممتنع؛ لأن المتميز بين الموجودين لا يكون عدما ~~محضا، بل لا يكون إلا وجودا؟ # فهؤلاء الذين يدعون أنهم أفضل المتأخرين، من الفلاسفة المشائين (7) ~~يقولون: في وجود واجب الوجود، ما يعلم بصريح المعقول الموافق لقوانينهم ~~المنطقية: أنه قول بامتناع الوجود الواجب (8) وأنه جمع بين النقيضين، وهذا ~~PageV02P396 # في غاية الجهل والضلال. # وأما الرسل صلوات الله عليهم: فطريقتهم طريقة القرآن، قال سبحانه وتعالى: ~~{سبحان ربك رب العزة عما يصفون - وسلام على المرسلين - والحمد لله رب ~~العالمين} [الصافات: 180 - 182] (1) . # والله تعالى يخبر في كتابه أنه: حي، قيوم، عليم، حكيم، غفور، رحيم، سميع، ~~بصير، علي، عظيم، خلق (2) السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم ~~استوى على العرش، وكلم موسى تكليما، وتجلى للجبل فجعله دكا، يرضى عن ~~المؤمنين، ويغضب على الكافرين (3) إلى أمثال ذلك من الأسماء (4) والصفات. # ويقول في النفي {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] (5) {ولم ms419 يكن له كفوا أحد} ~~[الإخلاص: 4] (6) {هل تعلم له سميا} [مريم: 65] (7) {فلا تجعلوا لله ~~أندادا} [البقرة: 22] (8) فنفى بذلك أن تكون صفاته كصفات المخلوقين، وأنه ~~ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدسة، المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في شيء ~~من صفاته ولا أفعاله: {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا - تسبح له ~~السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} [الإسراء: 43 - 44] (9) . # فالمؤمن يؤمن بالله، وما له من الأسماء الحسنى، ويدعوه بها، ويجتنب ~~PageV02P397 # الإلحاد في أسمائه وآياته، قال تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ~~وذروا الذين يلحدون في أسمائه} [الأعراف: 180] (1) وقال تعالى {إن الذين ~~يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا} [فصلت: 40] (2) وهو يدعو الله وحده، ~~ويعبده وحده (3) لا يشرك بعبادة ربه أحدا، ويجتنب طريق المشركين الذين قال ~~الله تعالى فيهم {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا - أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: 56 - 57] (4) . # وقال تعالى {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير - ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 22 - 23] (5) . # وهذه جمل لها تفاصيل، ونكت تشير إلى خطب جليل. # فليجتهد المؤمن في تحقيق العلم والإيمان، وليتخذ الله هاديا ونصيرا، ~~وحاكما (6) ووليا، فإنه نعم المولى ونعم النصير، وكفى بربك هاديا ونصيرا. ~~وإن أحب دعا (7) بالدعاء الذي رواه مسلم وأبو داود وغيرهما، عن عائشة -رضي ~~الله عنها- «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي من الليل يقول: ~~" اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب ~~والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق PageV02P398 # بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى ms420 صراط مستقيم» (1) وذلك أن الله تعالى يقول: ~~{كان الناس أمة واحدة} [البقرة: 213] (2) أي: فاختلفوا، كما في سورة يونس ~~(3) وقد قيل: إنها كذلك في حرف عبد الله (4) {فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله ~~الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم} [البقرة: 213] (5) PageV02P399 ### | الخاتمة # الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأصلي وأسلم على رسوله ~~النبي الأمين، الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها ~~إلا هالك. # وبعد: فقد انتهيت -بعون الله وتوفيقه- من تحقيق كتاب: "اقتضاء الصراط ~~المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم " لشيخ الإسلام الإمام أحمد بن عبد الحليم ~~بن تيمية، وأنا مغتبط بما كسبته من فائدة كبيرة جنيتها من خلال قراءة ~~الكتاب قراءة متأنية، ثم من خلال خدمتي له أثناء تخريج أحاديثه وآثاره، ~~ودراسة موضوعاته، وترجمة أعلامه، وغير ذلك، مما ساقني لقراءة كتب السنة، ~~والتفسير، والرجال، والتاريخ، والفقه، والسيرة، وغيرها، فضلا عن قراءة كتب ~~المؤلف الأخرى. # وقد حاولت خلال تحقيق الكتاب ودراسته: أن أخدم القارئ، وأن أخدم الكتاب، ~~قدر استطاعتي، ومع هذا فإني أحس الآن أن هناك جوانب تركتها، وأخرى قصرت ~~فيها، وهكذا عمل البشر لا يخلو من خلل، ومن نقص، إنما المطلوب التسديد ~~والمقاربة، والاجتهاد وبذل الوسع، وهذا ما حاولته إن شاء الله. # PageV02P400 # ثم إن القارئ لا بد أن يحس بأن هناك جوانب نقص، ولا بد أن يجد أخطاء وقعت ~~فيها، وأن يتمنى أشياء لو أني فعلتها، ولا بد أن يخالفني في بعض ما فعلته، ~~أو قلته، أو توصلت إليه، وهذا راجع لاختلاف وجهات النظر بين الناس، ولأن ~~عين الناقد بصيرة، ولأن من يستعرض العمل وينظر فيه، غير من يمارسه ويعايشه. # فآمل من القارئ الكريم إذا وجد خطأ، أو لاحظ خللا أو نقصا، أو لديه ما ~~يفيد ويخدم الكتاب والقراء، أن يرشدني إلى ذلك، ويزودني به؛ لأنه بذلك ms421 ~~يخدم، ويشارك في الخير. # وأخيرا فإن هذا الكتاب -كما أشرت في الدراسة- من الكتب القيمة التي تحمل ~~العلاج الناجع لكثير من أمراض المسلمين الاعتقادية، والأخلاقية، والسلوكية، ~~ولم يكن علاجا وقتيا لعصر مؤلفه فحسب، بل إنه يعالج الكثير من مشاكل ~~المسلمين اليوم، وكأنه كتب لهذا العصر. # فجزى الله مؤلفه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأسأل الله التوفيق ~~والمثوبة لي ولكل من أسهم في إخراج هذا الكتاب وخدمته، وأخص فضيلة شيخي ~~صالح بن فوزان الفوزان، الذي أشرف على تحقيقه، وأسهم بملاحظاته وتوجيهاته، ~~وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه. # [تم بحمد الله] # PageV02P401 # فهرس المراجع (1) المعاجم والموسوعات ونحوها: 1 - أطلس العالم: محمد سيد ~~نصر وجماعة. طبعة جديدة عام 1982 - مكتبة بيروت. ### | 2 - # دليل القارئ إلى مواضع الحديث في صحيح البخاري: عبد الله بن محمد ~~الغنيمان. الطبعة الأولى، طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة. ### | 3 - # الفهرست: محمد بن إسحاق النديم. طبعة دار المعرفة 1388ه. ### | 4 - # القاموس المحيط: محمد بن يعقوب الفيروزآبادي. المؤسسة العربية للطباعة ~~والنشر- لبنان. ### | 5 - # لسان العرب: محمد بن مكرم ابن منظور. طبعة دار صادر ودار بيروت- لبنان، ~~1388ه. ### | 6 - # مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه ~~محمد، الطبعة الأولى. ### | 7 - # مختار الصحاح: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي. دار الكتاب العربي- ~~لبنان 1967م. ### | 8 - # معجم البلدان: ياقوت بن عبد الله الحموي. طبعة دار صادر- بيروت. # PageV02P477 ### | 9 - # المعجم الفلسفي: جميل صليبا. الطبعة الأولى 1973م. ### | 10 - # المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي: جماعة من المستشرقين. طبعة مكتبة ~~برلين. ### | 11 - # المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء ~~التراث العربي. ### | 12 - # المعجم الوسيط: جماعة من الباحثين: المكتبة العلمية بطهران، أصدره مجمع ~~اللغة العربية بمصر. ### | 13 - # مفتاح كنوز السنة: محمد فؤاد عبد الباقي. سهيل كديمي - لاهور 1391ه. ### | 14 - # المنجد في اللغة والأدب والعلوم: لويس معلوف. الطبعة الثامنة عشرة. ### | 15 - # الموسوعة العربية الميسرة: بإشراف محمد شفيق غربال. دار الشعب ومؤسسة ~~فرانكلين للطباعة والنشر. # (2) كتب التفسير وعلومه: 16 - التبصرة في القراءات السبع: ms422 مكي بن أبي ~~طالب. تعليق محمد غوث الندوي، الدار السلفية بالهند. ### | 17 - # تفسير القرآن العظيم: إسماعيل بن كثير الدمشقي. صححها نخبة من العلماء، ~~طبع المكتبة الشعبية. ### | 18 - # تفسير مجاهد: مجاهد بن جبر المخزومي. تحقيق عبد الرحمن السورتي. طبعة ~~خليفة بن حمد آل ثاني، مطابع الدوحة. ### | 9 - # تنوير المقباس من تفسير ابن عباس: جمع محمد بن يعقوب الفيروزآبادي. نشر ~~المكتبة التجارية الكبرى، مطبعة الاشتقاق- القاهرة 1380ه. ### | 20 - # الجامع لأحكام القرآن: محمد بن أحمد القرطبي. نشر دار الكتاب العربي. ### | 21 - # جامع البيان في تفسير القرآن: محمد بن جرير الطبري. صورة الطبعة الأولى ~~1323- بولاق، نشر دار المعرفة- لبنان. # PageV02P478 ### | 22 - # الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي. نشر محمد أمين ~~دمج - بيروت. ### | 23 - # فتح القدير: محمد بن علي الشوكاني. طبعة ثانية 1383ه، مطبعة مصطفى البابي ~~الحلبي. # (3) كتب الحديث وعلومه: 24 - الأذكار النووية: يحيى بن شرف النووي. تحقيق ~~عبد القادر الأرناؤوط، طبعة الملاح بدمشق 1391ه. 25- الاستذكار لمذاهب ~~الفقهاء الأمصار: يوسف بن عبد البر. تحقيق علي النجدي ناصف، المجلس الأعلى ~~للشؤون الإسلامية بمصر، لجنة إحياء التراث الإسلامي. ### | 26 - # تدريب الراوي، شرح تقريب النواوي: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. تحقيق ~~عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية 1399ه، دار إحياء السنة النبوية. ### | 27 - # جامع الأصول في أحاديث الرسول: المبارك بن محمد بن الأثير الجزري. تحقيق ~~عبد القادر الأرناؤوط، طبعة 1389ه. ### | 28 - # الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. ~~الطبعة الأولى 1401ه، دار الفكر. ### | 29 - # سلسلة الأحاديث الصحيحة: محمد ناصر الدين الألباني. الطبعة الثانية ~~1399ه، المكتب الإسلامي. ### | 30 - # سنن ابن ماجه: محمد بن يزيد القزويني (ابن ماجه) . تحقيق محمد فؤاد عبد ~~الباقي. دار إحياء التراث العربي 1395ه. # PageV02P479 ### | 32 - # سنن أبي داود، وبهامشه (معالم السنن للخطابي) : سليمان بن الأشعث ~~السجستاني (أبو داود) . إعداد وتعليق عزة عيد الدعاس، الطبعة الأولى 1388ه. ### | 33 - # سنن الترمذي (الجامع الصحيح) : محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. تحقيق أحمد ~~محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة عوض. نشر المكتبة ~~الإسلامية ms423 للحاج رياض الشيخ. ### | 34 - # سنن الدارمي: عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. بعناية محمد أحمد دهمان. ~~نشر دار إحياء السنة النبوية. ### | 35 - # السنن الكبرى، ومعه (الجوهر النقي) لابن التركماني: أحمد بن الحسين ~~البيهقي. طبعة دار الفكر- بيروت. 36- سنن النسائي بشرح السيوطي، وحاشية ~~السندي، أحمد بن شعيب النسائي. الطبعة الأولى 1348ه، المطبعة المصرية. ### | 37 - # شرح السنة: الحسين بن مسعود الفراء البغوي. تحقيق شعيب الأرناؤوط، المكتب ~~الإسلامي، الطبعة الأولى 1396ه. ### | 38 - # شرح النووي على صحيح مسلم: يحيى بن شرف النووي. طبعة دار الفكر- بيروت. ### | 39 - # صحيح ابن خزيمة: محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي. تحقيق د. محمد مصطفى ~~الأعظمي، الطبعة الأولى 1399ه، المكتب الإسلامي. ### | 40 - # صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج القشيري. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار ~~إحياء الكتب العربية، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه. ### | 41 - # عون المعبود (شرح سنن أبي داود) : محمد شمس الحق العظيم آبادي. تحقيق عبد ~~الرحمن محمد عثمان، الطبعة الثانية 1389ه، المكتبة السلفية بالمدينة. # PageV02P480 ### | 42 - # فتح الباري بشرح صحيح البخاري (صحيح البخاري) : الشرح لأحمد بن علي بن ~~حجر العسقلاني، والأصل لمحمد بن إسماعيل البخاري. نشر رئاسة إدارات البحوث ~~العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية. ### | 43 - # الفتح الرباني، معه بلوغ الأماني (في مسند أحمد) : أحمد بن عبد الرحمن ~~البنا. الطبعة الثانية، دار إحياء التراث العربي. ### | 44 - # الفتوحات الربانية على الأذكار النووية: محمد بن علان الشافعي. المكتبة ~~الإسلامية، الحاج رياض الشيخ. 45- فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم: إسماعيل بن إسحاق القاضي. تحقيق محمد ناصر الدين الألباني. ~~الطبعة الأولى 1383ه. ### | 46 - # الفوائد المجموعة: محمد بن علي الشوكاني. تحقيق عبد الرحمن بن يحيى ~~المعلمي، الطبعة الثانية 1392ه. ### | 47 - # فيض القدير شرح الجامع الصغير: عبد الرؤوف المناوي. الطبعة الثانية، دار ~~المعرفة- لبنان. ### | 48 - # كتاب السنة: عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني. تخريج محمد ناصر ~~الدين الألباني، الطبعة الأولى 1400ه، المكتب الإسلامي. ### | 49 - # كشف الخفا ومزيل الإلباس: إسماعيل بن محمد العجلوني. صححه أحمد القلاش، ~~نشر مكتبة التراث الإسلامي- حلب، ودار التراث- القاهرة. ### | 50 - # كنز ms424 العمال في سنن الأقوال والأعمال: علي المتقي بن حسام الدين الهندي. ~~نشر مكتبة التراث الإسلامي- حلب. ### | 51 - # اللآلئ المصنوعة: جلال الدين السيوطي - الطبعة الأولى، المكتبة الحسينية ~~المصرية- الأزهر، الطبعة الأولى 1397ه، مؤسسة الرسالة. ### | 52 - # المراسيل: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: عناية شكر الله قوجاني، الطبعة ~~الأولى 1397ه، مؤسسة الرسالة. # PageV02P481 ### | 53 - # المعجم الكبير: سليمان بن أحمد الطبراني. تحقيق حمدي عبد المجيد، نشر ~~وزارة الأوقاف العراقية، طبع الدار العربية للطباعة، بغداد. ### | 54 - # المستدرك على الصحيحين، بهامشه (التلخيص) للذهبي: محمد بن عبد الله ~~الحاكم: مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب. ### | 55 - # مسند الإمام أحمد (بهامشه منتخب كنز العمال) : أحمد بن حنبل الشيباني. ~~المكتب الإسلامي ودار صادر. ### | 56 - # المصنف: عبد الرزاق بن همام الصنعاني. تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة ~~الأولى 1392ه. ### | 57 - # المصنف: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة. بعناية عبد الخالق أفغاني، طبعة ~~1387ه. ### | 58 - # المقاصد الحسنة: محمد بن عبد الرحمن السخاوي. الطبعة الأولى 1399ه، دار ~~الكتب العلمية- لبنان. ### | 59 - # المنار المنيف في الصحيح والضعيف: ابن قيم الجوزية. تحقيق عبد الفتاح أبو ~~غدة، نشر مكتبة المطبوعات الإسلامية- حلب، الطبعة الأولى 1390ه. ### | 60 - # الموطأ: مالك بن أنس، تصحيح وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. طبعة دار إحياء ~~التراث العربي. # (4) كتب الرجال والتراجم والسيرة والتاريخ: 61 - أسد الغابة في معرفة ~~الصحابة: علي بن أبي الكرم بن الأثير. نشر المكتبة الإسلامية، للحاج رياض ~~الشيخ. ### | 62 - # الإصابة في تمييز الصحابة، وبهامشه الاستيعاب لابن عبد البر: أحمد بن علي ~~بن حجر العسقلاني. صورة الطبعة الأولى 1328ه، دار صادر. ### | 63 - # الأعلام: خير الدين الزركلي. الطبعة الرابعة 1979م، دار العلم للملايين. # PageV02P482 ### | 64 - # الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية: عمر البزار، تحقيق زهير الشاويش، ~~الطبعة الثالثة، 1400ه. ### | 65 - # البداية والنهاية: إسماعيل بن كثير. الطبعة الثانية 1978م، مكتبة ~~المعارف- بيروت، ومكتبة النصر- الرياض. ### | 66 - # التاريخ الكبير: محمد بن إسماعيل البخاري. طبعة دائرة المعارف العثمانية ~~بحيدرآباد- الهند. ### | 67 - # تاريخ واسط: أسلم بن سهل الرزاز. تحقيق كوركيس عواد، مطبعة المعارف- ~~بغداد 1387ه. ### | 68 - # تبيين العجب بما ورد في فضل رجب: أحمد بن حجر ms425 العسقلاني. بعناية عبد الله ~~الجبرين. طبعة 1400ه. 69- تذكرة الحفاظ: الحافظ أبو عبد الله الذهبي. دار ~~إحياء التراث العربي عن مطبوعات دائرة المعارف العثمانية. 70- تعجيل ~~المنفعة: أحمد بن حجر العسقلاني. طبعة دار الكتاب العربي- بيروت. ### | 71 - # تقريب التهذيب: أحمد بن حجر العسقلاني. تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، ~~الطبعة الثانية 1395ه، دار المعرفة للطباعة والنشر- بيروت. ### | 72 - # تهذيب الأسماء واللغات: يحيى بن شرف النووي. إدارة المطبعة المنيرية- ~~بيروت. ### | 73 - # تهذيب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. صورة الطبعة الأولى 1326ه، ~~دار صادر. ### | 74 - # جامع كرامات الأولياء: يوسف بن إسماعيل النبهاني. تحقيق إبراهيم عطوة ~~عوض، الطبعة الثانية 1394ه. # PageV02P483 ### | 75 - # الجرح والتعديل: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي. الطبعة الأولى، مجلس ~~دائرة المعارف العثمانية بالهند 1371ه. ### | 76 - # خلاصة تذهيب تهذيب الكمال: أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري. الطبعة ~~الثانية 1391ه. ### | 77 - # ذكر أخبار أصبهان: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني. طبع في مدينة ~~ليدن، مطبعة بريل 1934م، نشر مؤسسة النصر- طهران. ### | 78 - # الذيل على طبقات الحنابلة: أبو الفرج عبد الرحمن شهاب الدين الحنبلي. نشر ~~دار المعرفة. ### | 79 - # زاد المعاد: ابن قيم الجوزية. تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، الطبعة ~~الأولى 1399ه. ### | 80 - # السيرة النبوية: إسماعيل بن كثير: تحقيق مصطفى عبد الواحد، طبعة دار ~~المعرفة- بيروت. ### | 81 - # سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: عبد الملك بن هشام. تحقيق محمد محيي ~~الدين عبد الحميد، مطبعة المدني 1383ه. ### | 82 - # شذرات الذهب: عبد الحي بن العماد الحنبلي. طبعة المكتبة التجارية الكبرى- ~~بيروت. ### | 83 - # الشفا بتعريف حقوق المصطفى: القاضي عياض بن موسى اليحصبي. طبعة مكتبة ~~ومطبعة المشهد الحسيني. ### | 84 - # طبقات الحنابلة: القاضي محمد بن أبي يعلى. نشر دار المعرفة للطباعة ~~والنشر. ### | 85 - # طبقات الفقهاء: أبو إسحاق الشيرازي الشافعي. تحقيق إحسان عباس، دار ~~الرائد العربي، الطبعة الثانية 1401ه. ### | 86 - # الطبقات الكبرى (لابن سعد) : محمد بن سعد. دار صادر- بيروت. # PageV02P484 ### | 87 - # الطبقات الكبرى (للشعراني) : أحمد بن علي الشعراني. طبعة المكتبة الشعبية ~~بلبنان. ### | 88 - # غاية النهاية في طبقات القراء: محمد بن محمد بن الجزري. بعناية ~~برجستراسر، الطبعة الثانية ms426 1400ه. ### | 89 - # الفوائد البهية: محمد عبد الحي اللكنوي. تصحيح أبو فراس النعساني، طبعة ~~دار المعرفة- بيروت. ### | 90 - # فوات الوفيات، والذيل عليها: محمد بن شاكر الكتبي. تحقيق إحسان عباس، ~~مطبعة دار صادر- بيروت. ### | 91 - # القلائد الجمان، في التعريف بقبائل عرب الزمان: أحمد بن علي القلقشندي. ~~تحقيق إبراهيم الأنباري، الطبعة الأولى 1383ه، مطبعة السعادة بالقاهرة. ### | 92 - # كتاب التوابين: ابن قدامة المقدسي. ### | 93 - # اللباب في تهذيب الأنساب: عز الدين بن الأثير الجزري. مكتبة المتنبي- ~~بغداد. ### | 94 - # لسان الميزان: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. الطبعة الثانية 1971م- ~~1390ه، نشر مؤسسة الأعلمي. ### | 95 - # مناقب الإمام أحمد: أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي. تحقيق عبد الله بن ~~عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى 1399ه. ### | 96 - # ميزان الاعتدال: محمد بن أحمد الذهبي. تحقيق علي محمد البجاوي، الطبعة ~~الأولى 1382ه، دار إحياء الكتب العربية. ### | 97 - # وفيات الأعيان: أحمد بن محمد بن خلكان: تحقيق إحسان عباس، طبعة دار صادر، ~~بيروت. ### | 98 - # يحيى بن معين وكتابه التاريخ: تحقيق د. أحمد محمد نور سيف، الطبعة الأولى ~~1399ه. # PageV02P485 # (5) كتب العقيدة: 99 - الإيمان: شيخ الإسلام ابن تيمية: نشر المكتب ~~الإسلامي عام 1381ه. ### | 100 - # تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد: سليمان بن عبد الله بن محمد بن ~~عبد الوهاب. نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد- ~~السعودية. ### | 101 - # جامع الرسائل والمسائل (المجموعة الأولى) : شيخ الإسلام ابن تيمية. تحقيق ~~د. محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى 1389ه، مطبعة المدني- القاهرة. ### | 102 - # الرد على الجهمية والزنادقة: الإمام أحمد بن حنبل. تصحيح إسماعيل ~~الأنصاري. ### | 103 - # الرد على المنطقيين: شيخ الإسلام ابن تيمية. الطبعة الثانية 1396ه، إدارة ~~ترجمان السنة- لاهور. ### | 104 - # الرسالة التدمرية: شيخ الإسلام ابن تيمية. طبعة كلية الشريعة بالرياض. ### | 105 - # شرح الأصول الخمسة: للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني. تحقيق د. عبد ~~الكريم عثمان في مجلد واحد (خمسة أجزاء) ، الطبعة الأولى 1384ه، مكتبة ~~وهبة. ### | 106 - # الغنية: لعبد القادر الجيلاني. الطبعة الثالثة 1375ه. ### | 107 - # الفرق بين الفرق: عبد القاهر البغدادي. الطبعة الأولى 1393ه، دار الآفاق ~~الجديدة. ### | 108 - # الفصل: علي بن أحمد بن سعيد بن ms427 حزم الظاهري. ### | 109 - # قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: شيخ الإسلام ابن تيمية. طبعة المكتب ~~الإسلامي الثانية 1398ه. ### | 110 - # الملل والنحل: محمد بن أبي القاسم الشهرستاني. # PageV02P486 # (6) كتب الفقه وأصوله: 111 - أحكام أهل الذمة: ابن قيم الجوزية. تحقيق د. ~~صبحي الصالح، الطبعة الأولى 1381ه. ### | 112 - # الآداب الشرعية: محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، نشر مكتبة الرياض الحديثة ~~1391ه. ### | 113 - # أصول السرخسي: محمد بن أحمد السرخسي. تحقيق أبو الوفاء أفغاني، نشر إحياء ~~المعارف النعمانية بالهند، طبعة 1372ه. ### | 114 - # أصول الفقه: محمد الخضري بك. الطبعة السادسة 1389ه، المكتبة التجارية ~~الكبرى. ### | 115 - # إعانة الطالبين: السيد البكري. طبعة دار الفكر. ### | 116 - # الإفصاح عن معاني الصحاح: يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي. طبع ونشر ~~المؤسسة السعيدية- بالرياض. 117- الأم: محمد بن إدريس الشافعي. بإشراف محمد ~~زهيري النجار، الطبعة الثانية 1393ه، دار المعرفة- لبنان. ### | 118 - # إمتاع العقول، عبد القادر شيبة الحمد. الطبعة الأولى 1381ه. ### | 119 - # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: شيخ الإسلام ابن تيمية. تحقيق د. صلاح ~~الدين المنجد، الطبعة الأولى عن دار الكتاب الجديد 1396ه. ### | 120 - # الأموال: أبو عبيد القاسم بن سلام. تصحيح وتعليق محمد حامد الفقي. نشر ~~المكتبة التجارية الكبرى بمصر. ### | 121 - # الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: علي بن سليمان المرداوي. تحقيق محمد ~~حامد الفقي، الطبعة الأولى 1374ه. ### | 122 - # الخراج: للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم. طبعة دار المعرفة 1399ه، ضمن ~~موسوعة الخراج. # PageV02P487 ### | 123 - # الروض المربع (بحاشية العنقري) : منصور البهوتي. ### | 124 - # شرح الكوكب المنير: محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي. تحقيق محمد حامد ~~الفقي، الطبعة الأولى 1372ه. ### | 125 - # المدونة: الإمام مالك، برواية سحنون عن ابن القاسم. الطبعة الأولى، مطبعة ~~السعادة بمصر. ### | 126 - # مسائل الإمام أحمد: إسحاق بن إبراهيم النيسابوري. تحقيق زهير الشاويش، ~~الطبعة الأولى 1400ه، المكتب الإسلامي. ### | 127 - # مسائل الإمام أحمد: سليمان بن الأشعث أبو داود. تقديم وتصدير محمد رشيد ~~رضا، دار المعرفة للطباعة والنشر. ### | 128 - # مسائل الإمام أحمد: عبد الله بن أحمد بن حنبل. تحقيق زهير الشاويش، ~~الطبعة الأولى 1401ه، المكتب الإسلامي. ### | 129 - # المغني (والشرح الكبير) : عبد الله بن ms428 أحمد بن قدامة. بعناية جماعة من ~~العلماء، طبعة دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع 1392ه. ### | 130 - # الهداية، شرح بداية المبتدي: علي بن أبي بكر الرشداني. الطبعة الأخيرة، ~~شركة مصطفى البابي الحلبي ومحمود ونصار الحلبي. # (7) كتب الأدب واللغة: 131 - أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك: عبد الله ~~بن جمال الدين بن هشام الأنصاري. ومعه إرشاد السالك إلى تحقيق أوضح ~~المسالك: لمحمد محيي الدين عبد الحميد. ### | 132 - # السامي في الأسامي: أحمد بن أبي الفضل المدياني النيسابوري. ترتيب د. ~~محمد موسى هنداوي. ### | 133 - # شرح القصائد السبع: الحسين بن أحمد الزوزني. تحقيق محمد محيي الدين عبد ~~الحميد، نشر مكتبة محمد علي صبيح وأولاده بمصر. PageV02P488 ms429