######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000383 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن كثير #META# 010.AuthorNAME :: ابن كثير #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 774 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تلخيص كتاب الاستغاثة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية :: مواضيع عقدية محددة #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تلخيص كتاب الاستغاثة #META# 030.LibURI :: JK_000383 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وأما ما ذكره من تأويل الحديث فهو من جنس دين النصاري لا من جنس دين ~~المسلمين وبيان ذلك من وجوه # الأول قوله إن الله تعالى لتشريف رسوله والمقربين عنده خاطبهم تارة ~~بتنزيلهم منزلة نفسه في الأفعال وتارة نزل نفسه منزلتهم في الأفعال ~~والأوصاف وكلاهما تشريف عظيم # فيقال هذا كذب على الله وشرك به وهو من جنس أقوال أهل الحلول والاتحاد ~~فليس في خطاب الله المطلق تنزيل أحد منزلة نفسه في الأفعال ولا تنزيل نفسه ~~في الأفعال والأوصاف منزلتهم بل هو إله واحد لا شريك له وكل من في السماوات ~~والأرض آتيه عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ~~PageV01P313 # ومن قال إن الرب عز وجل ينزل المخلوق منزلة نفسه في الأفعال أو ينزل هو ~~منزلة المخلوق في الأفعال والأوصاف فقد زعم أن الله سبحانه يجعل له ندا ~~وأنه يقيم المخلوق مقامه في الخلق والرزق والإحياء والإماتة وإجابة الدعاء ~~وكونه معبودا وأنه يقوم مقام العبد في الصلاة والصيام والطواف وغير ذلك من ~~أفعال العباد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قال تعالى @QB@ أفمن يخلق كمن ~~لا يخلق أفلا تذكرون @QE@ # ومن أخص أوصاف الرب القدرة على الخلق والاختراع فليس ذلك لغيره أصلا حتى ~~إن كثيرا من النظار المثبتين للقدر كالأشعري وغيره جعلوا هذا أخص وصف للرب ~~تعالى كما جعل الجبائي وغيره من PageV01P314 المعتزلة أخص وصفه القدم # ومقصود المعتزلة أن لا يثبتوا له صفة قديمة لامتناع المشاركة في أخص وصفه ~~ومقصود أولئك المثبتين أن لا يشركه غيره في الخلق وقد يقولون لا يشركه غيره ~~في الفعل وهو قول من يقول العبد فاعل مجازا لا حقيقة وهو كاسب حقيقة كما هو ~~قول الأشعري ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وهو في ~~الأصل قول جهم بن صفوان وهو أول من عرف في الإسلام أنه قال إن العبد ليس ~~بفاعل لكن جمهور أهل السنة من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم يقولون إنه فاعل ~~حقيقة وجمهور هؤلاء يقولون إن ms001 فعله مفعول للرب بناء على أن الخلق غير ~~المخلوق كما هو قول الأكثرين وهو مذهب السلف وأهل الحديث والفقهاء # وأما من قال إن الفعل هو المفعول وإن فعل العبد فعل الرب ولم يفرق بين ~~الفعل والمفعول فيلزمه لوازم تبطل قوله كما قد بسط في غير هذا الموضع وبين ~~أن القدرة على الاختراع من خصائص الرب وأخص وصف الرب ليس هو صفة واحدة بل ~~علمه بكل شيء من خصائصه وقدرته على كل شيء من خصائصه وخلقه لكل شيء من ~~خصائصه PageV01P315 # والمقصود هنا الكلام على قول هذا الرجل الذي ضاهى المشركين الحلولية من ~~النصارى وغالية الشيعة وجهال الصوفية حيث قال إن الله تعالى ينزل المقربين ~~منزلة نفسه تارة وينزل نفسه منزلتهم في الأفعال والأوصاف تارة فإن هذا كلام ~~مخالف لدين المسلمين وسنبين جهله وخطأه فيما تأوله على ذلك من القرآن ~~والحديث فنقول # أما قوله تعالى @QB@ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق ~~أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه ~~أجرا عظيما @QE@ فليس فيها أن نفس الفعل القائم بالرسول ومخاطبته لهم ومد ~~يده لمبايعتهم هو نفس فعل الله ومخاطبته ومبايعته بل فيها أن من بايع ~~الرسول فقد بايع الله كما قال تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ ~~وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( ( من أطاعني فقد ~~أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري ~~فقد عصاني ) ) PageV01P316 # فطاعة أميره طاعته ومعصية أميره معصيته لأنه أمر بطاعته فمن أطاعه أطاع ~~الله لأن الله أمر بامتثال ما أمر به لأن أمره من أمر الله لا أن نفس الفعل ~~القائم بأميره نفس فعله ولا نفس فعله هو نفس فعل الرب تعالى # واعلم أن من قال من النظار إن أفعال العباد كلها فعل الله فلا فرق عندهم ~~بين أفعال المؤمنين والكفار والبهائم وحركات الجمادات فإن مرادهم أن كل ما ~~سوى الله فهو فعله أي مفعوله وعلى قول ms002 هؤلاء PageV01P317 فلا فرق بين فعل ~~الرسول وغيره وليس في كون الله خالقا لشيء تفضيل لذلك المخلوق على غيره فإن ~~الله خالق كل شيء # كذلك على قول الجهور الذين يقولون إن أفعال العباد مفعولة له مخلوقه له ~~ليست فعله بل هي فعل الفاعلين والله تعالى خالق الفاعل وفعله فعلى القولين ~~لا فضيلة في ذلك لمخلوق على مخلوق فلا تظن أن في هذا تشريفا لمقرب ولا رسول ~~ولا غيره # وهذا ما يبين به خطأ هؤلاء الجهال الذين لا يفرقون بين ما خلقه وقدره وما ~~أمر به وفرضه فجعل الله تعالى مبايعة الرسول مبايعة الله وطاعة الرسول طاعة ~~الله ليس من جهة خلق الله أفعال العباد والقيومية الشاملة للمخلوقات فإن ~~كونه خالقا لكل شيء وكونها بمشيئته وقدرته ليس فيها تفضيل مخلوق على مخلوق ~~إذ التفضيل إنما يكون PageV01P318 بما به الاختصاص لا بما يشترك الجميع فيه # ومن جعل مبايعة الرسول مبايعة لله لأجل أن الله خالق كل شيء نظرا منه إلى ~~القيومية الشاملة لكل مخلوق لزمه أن يكون من بايع الكفار والفساق مبايعا ~~لله لأن الله خالق كل شيء فيكون هؤلاء قد جعلوا مبايعة خاتم الرسل صلوات ~~الله وسلامه عليه كمبايعة فرعون وأمثاله من المشركين وهذا يقع فيه كثير ممن ~~يلحظ القيومية الشاملة العامة المتناولة لكل مخلوق وهؤلاء من أكفر الخلق ~~ويجعلون هذا منافيا للأمر والنهي وهم من جنس الذين قالوا @QB@ لو شاء الله ~~ما أشركنا ولا آباؤنا @QE@ إلى قوله @QB@ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن @QE@ # وكذلك هؤلاء إنما يتبعون أهواءهم ولا يتكلمون بعلم فإن قولهم في غاية ~~المناقضة فإن الواحد من هؤلاء إذا آذاه غيره أو ظلمه PageV01P319 قابله ~~وعاقبة ولا يمكنه أن يعذره بالقدر ومشاهدة القيومية كما قد بسط الكلام عليه ~~في غير هذا الموضع # وجهة تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة كون الله تعالى أرسله مبلغا ~~لأمره ونهيه مبينا لما يحبه ويرضاه وما يبغضه ويسخطه فما أمر به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فالله أمر ms003 به وما نهى عنه فالله نهى عنه ومن بايعه وعاهده ~~وعاقده على أن يطيعه في الجهاد إذا أمره به وأن لا يفر أو على أن يقابل حتى ~~يموت كما بايعه المسلمون تحت الشجرة فهم معاهدون الله تعالى معاقدون له على ~~طاعته فيا أطاعوا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك الذين بايعوه قبل ~~ذلك ليلة العقبة لما بايعه الأنصار ولهذا قال تعالى @QB@ واذكروا نعمة الله ~~عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا @QE@ # فسمعهم وطاعتهم لا أمرهم ومعاهدتهم على ذلك هو سمع وطاعة PageV01P320 لله ~~تعالى و معاهدة له و عهد الله إلى خلقه وهو أمره و نهيه الذي بلغته رسله و ~~التخصيص و التفضيل يظهر في الوفاء به و متابعة الرسل ولهذا قال تعالى @QB@ ~~وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم @QE@ أي أوفوا بأمري أوف بوعدكم الذي وعدتكم على ~~الوفاء به فإن المبايعة و المعاهدة تتضمن المعاوضة من الجانبين فهم إذا ~~أوفوا بما عاهدوا الله عليه من الطاعة وفي الله تعالى بما عاهد عليه من ~~الأجر و الثواب كما قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم اشترط لربك و ~~لنفسك و لأصحابك فقال ( ( أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا و لنفسي ~~أن تمنعوني مما تمنعون منه أبناءكم و نساءكم و لأصحابي أن تواسوهم ) ) ~~قالوا فإذا PageV01P321 فعلنا ذلك فما لنا قال ( ( لكم الجنة ) ) قالوا ~~امدد يدك فوالله لا نقيلك ولا نستقيلك PageV01P322 # فهم لما عاهدوه على هذا ليطيعوه فيه قد عاهدوا ربه عز وجل الذي أمرهم ~~بذلك و الله تعالى هو الذي يوفي بعهدهم فيدخلهم الجنة # وفي الحديث الصحيح عن شداد بن أوس عن النبي أنه قال ( ( سيد الاستغفار أن ~~يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا على عهدك ~~و وعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على و أبوء بذنبي ~~فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها حين يصبح موقنا بها فمات من ~~يومه دخل ms004 الجنة و من قالها حين يمسي موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة ) ) ~~PageV01P323 # فقوله و أنا على عهدك ووعدك ما استطعت أي على ما عهدته إلينا من طاعتك ~~ووعدك ما وعدتنا به من ثوابك أمتثل أمرك و أرجو وعدك # و من المعلوم أن الإنسان لو استناب نائبا ووكل وكيلا في عقود كبيع و ~~إجارة و مزارعة ونحو ذلك لكان المعاقد للوكيل معاقدا لموكله بحيث إن وفى ~~الموكل فقد وفى للوكيل و إن غدر بالوكيل فقد غدر بالموكل و الموكل عليه أن ~~يوفي بما عاقد عليه الوكيل و الوكيل إذا استمر موكله في العقد تعلقت حقوق ~~العقد بالموكل وهل يكون الوكيل ضامنا على قولين معروفين هما روايتان عن ~~أحمد PageV01P324 # و من قال إن حقوق العقد تتعلق بالوكيل كما يحكى عن أبي حنيفة يقول إنها ~~بعد ذلك تنتقل إلى الموكل # و لهذا تنازعوا في المسلم إذا وكل ذميا في شراء الخمر فقال الجمهور لا ~~يصح لأن الملك يحصل للموكل و المسلم ليس له أن يملك الخمر و أبو حنيفة رحمه ~~الله تعالى يقول ملكها الذمي ابتداء ثم دخلت في ملك المسلم ضرورة كالميراث # وعلى كل تقدير فمآل الأمر إلى الموكل ومع هذا ففعل الوكيل متميز عن فعل ~~موكله و كلامه متميز عن كلامه ليس أحدهما هو الآخر ففعل المخلوق أشد مباينة ~~لفعل الخالق من مباينة فعل مخلوق لمخلوق # و إذا كان مبايعة الوكيل مبايعة للموكل مع تمييز الفعلين فالتمايز في ~~الخالق أولى ولو أرسل مرسل رسولا إلى شخص ليعاقده عقدا من العقود هدنة أو ~~نكاحا أو غير ذلك لكانت معاهدة الرسول معاهدة لمرسله مع تمييز أحد الفعلين ~~عن الآخر # و مع كون المرسل و الرسول من جنس واحد و مع أنه يمكن أن PageV01P325 يقيم ~~الموكل وكيله مقامه في عامة أفعاله لأن الوكيل يفعل مثل ما يفعله موكله و ~~أما الرب سبحانه و تعالى فيمتنع أن يفعل أحد مثل فعله و يمتنع أن يستخلف ~~أحدا يقوم مقامه في فعله فإنه سبحانه و تعالى ms005 خالق فعل ذلك الشخص وهو ~~سبحانه و تعالى شاهد لا يغيب و هذا موضع غلط فيه طائفة من الناس فظنوا أن ~~الله سبحانه و تعالى يستخلف أحدا عن نفسه و ادعى بعضهم أن آدم خليفة عن ~~الله في الأرض يقوم مقامه و أنه جمع له أسماءه الحسنى قالوا وهو معنى ~~تعليمه الأسماء كلها # وهذا قول أهل الحلول و الاتحاد كابن عربي صاحب الفصوص و أمثاله من أهل ~~الإلحاد و هذا جهل و كفر فإن الله تعالى هو الذي يخلق كل شيء و يدبر أمر ~~السماء و الأرض وهو خالق آدم كما هو خالق سائر المخلوقات وهو شاهد لا يغيب ~~PageV01P326 # و المخلوق يستخلف مخلوقا عن نفسه لعجزه أو جهله أو مغيبه و أفعال الخليفة ~~عن غيره يفعلها بنفسه لا يحدثها الذي استخلفه و الله تعالى على كل شيء قدير ~~وهو بكل شيء عليم وهو شاهد لا يغيب وهو الذي يخلق كل شيء فالعبد يستخلف ربه ~~كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا سافر ( ( اللهم أنت الصاحب في ~~السفر و الخليفة في الأهل اللهم اصحبنا في سفرنا و اخلفنا في أهلنا ) ) فإن ~~المقيم عند أهله هو يدبر أمر بيته فإذا سافر سأل الله أن يخلفه فيهم و كما ~~روي أنه سمع يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم قائلا يقول إن في الله عزاء ~~من كل هالك و عوضا PageV01P327 من كل مصيبة و خلفا من كل ما فات فبالله ~~فثقوا و إياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب PageV01P328 # و كذلك العبد يخلف العبد في أهله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( ~~من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا ) ) # وقال صلى الله عليه وسلم في قصة ماعز ( ( و كلما نفرنا في الغزو خلف ~~أحدهم له PageV01P329 نبيب كنبيب التيس يمنح أحداهن الكثبة من اللبن إن ~~الله أمكنني من أحد منهم لأجعلنه نكالا ) ) # و منه قوله تعالى @QB@ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض @QE@ أي يخلف بعضهم ~~بعضا # و ms006 كما قال تعالى @QB@ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم @QE@ # و قوله تعالى @QB@ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ~~@QE@ # و داود عليه السلام جعله الله خليفة عن من كان قبله كما PageV01P330 جاءت ~~بذلك الآثار # و منه قوله تعالى @QB@ ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون @QE@ ~~وقد قيل إن من هنا للبدل أي بدلا منكم # كما قالوا في قوله تعالى @QB@ قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن ~~@QE@ أي بدلا من الرحمن و أنشدوا % فليت لنا من ماء زمزم شربة % مبردة باتت ~~على طهيات % $ # و قالوا معناه بدلا من ماء زمزم # وفي حديث أبي سعيد الذي رواه مسلم في صحيحه إن الدنيا حلوة خضرة و إن ~~الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون فاتقوا الدنيا و اتقوا النساء فإن ~~أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء PageV01P331 # و المقصود هنا أن المخلوق يمكن أن يقيم مقامه من يفعل مثل فعله و أما ~~الرب فهذا ممتنع في حقه ممتنع لذاته أن يكون غير الله مماثلا له في ذاته أو ~~صفاته أو أفعاله فإن المثلين يجوز على أحدهما ما جاز على الآخر و يجب له ما ~~يجب له و يمتنع عليه ما يمتنع عليه # و الرب حي قيوم غني صمد واجب بنفسه مستحق لصفات الكمال بنفسه ممتنع ~~اتصافه بنقائضها فإن كماله من لوازم ذاته الواجبة الوجود بنفسها التي يمتنع ~~عدمها أو عدم شيء من لوازمها و المخلوق يجب أن يكون معدوما محدثا فقيرا فلو ~~تماثلا للزم أن يكون كل منهما واجب الوجود واجب العدم قديما محدثا غنيا ~~بنفسه فقيرا بنفسه و ذلك جمع بين النقيضين # و إذا كان المخلوق الذي يرسل من يماثله لا يكون فعله هو فعله PageV01P332 ~~فالخالق الذي يرسل بعض عباده أبعد أن يكون فعله هو فعله حتى تكون نفس بيعة ~~الرسول نفس بيعة المرسل فإذا كان خالقا لذلك الفعل و غيره من المخلوقات فهو ~~بهذا الاعتبار الاختصاص له و الله ms007 تعالى قال @QB@ إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله @QE@ فإن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله وبيعته عن مرسله ~~ليست بيعة لنفسه و الجزاء على مرسله و لهذا قال @QB@ ومن أوفى بما عاهد ~~عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما @QE@ # و أما استشهاده بقوله تعالى @QB@ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى @QE@ ~~فمن هذا الجنس وهو قد سبقه إلى هذا المعنى الذي توهمه طائفة من الجهال و ~~ذلك أن الله تعالى لم يضف الرمي هنا إلى نفسه لمجرد كونه خالقا لأفعال ~~العباد فإن هذا قدر مشترك بين رمي النبي صلى الله عليه وسلم و سائر أفعاله ~~غير الرمي و بين رمي غيره من الناس و بين أفعالهم فإن فعال العسكرين يوم ~~بدر خلقها الله تعالى كما خلق سائر أفعال الحيوان لو جاز أن يقال إن الله ~~رمى لكونه خلق حركة العبد لقيل إنه PageV01P333 يكر و يفر و يركب و يعدو و ~~يصوم و يطوف و نحو ذلك لكونه يخلق ذلك # و قد روي أن المحاصرين لعثمان رضي الله تعالى عنه كانوا يرمونه بالحجارة ~~فقال لم ترموني فقالوا لم نرمك و لكن الله رماك قال كذبتم لو رماني الله ~~لأصابني و أنتم ترمونني ولا تصيبونني وهو صادق في ذلك فإن الله تعالى لما ~~رمى قوم لوط و أصحاب الفيل أصابهم و لكنهم هم رموا عثمان # و الله تعالى يقول @QB@ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى @QE@ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من تراب أو غيره فرمى بها المشركين فأصابت ~~عيونهم و هزمهم الله تعالى بها ولم يكن في قدرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك بل الله تعالى أوصل ذلك إليهم PageV01P334 # و الرمي له طرفان خذف بالمرمي ووصول إلى العدو و نكاية فيهم و النبي صلى ~~الله عليه وسلم فعل الأول و الله فعل الثاني # و المعنى ما أوصلت الرمي إذ خذفته و لكن الله أوصله و هزمهم به فالذي ~~أثبته الله لنبيه غير الذي نفاه عنه وقد أثبت له ms008 رميا بقوله @QB@ إذ رميت ~~@QE@ و نفى عنه رميا بقوله @QB@ وما رميت @QE@ وكان هذا غير هذا لئلا ~~يتناقض الكلام # ولو كان المراد كما ظنه هذا و أمثاله ممن يحتج بهذه الآية على أن الله ~~خالق أفعال العباد و يضحك المعتزلة و غيرهم من القدرية عليه إذا احتج بهذه ~~الآية ولو كان المراد لساغ أن يقال مثل هذا في جميع أفعال العباد فيقال ما ~~ركبت إذ ركبت و لكن الله ركب و ما ظننت إذ ظننت PageV01P335 و لكن الله ظن ~~و ما أكلت إذ أكلت و لكن الله أكل لكان يقال لكل من رمى بالقوس وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى و يقال للكفار إذا رموا المسلمين ما رميتم إذ رميتم و ~~لكن الله رمى و أشباه هذا مما لا يقوله مسلم ولا عاقل # ثم إن الله تعالى ذكر هذه الآية لبيان نعمته على نبيه و على المؤمنين يوم ~~بدر وما أيدهم به من النصر فلو أريد كونه خالقا لفعله لكان هذا قدرا مشتركا ~~بين جميع الناس بل لا بد أن يكون لرميه خاصة يعجز عنها الخلق فعلها الله ~~تأييدا لنبيه و نصرا له و إنعاما عليه و على PageV01P336 المؤمنين فتبين أن ~~هذه الآية حجة عليه لا له كالأولى و أن الله تعالى فرق بين فعل الخلق و فعل ~~نفسه ولم ينزل أحدا منزلة نفسه في الأفعال # و مما يبين ذلك أن أفعال العباد لا يجوز أن تنفى عنهم باتفاق المسلمين من ~~قال إن الله تعالى خالقها ومن قال إنه لم يخلقها لا يجوز أن يقال هذا ما ~~أكل ولا شرب ولا قعد ولا ركب ولا طاف ولا ركع ولا سجد ولا صام و لا سعى ~~ولكن الله هو الذي أكل و شرب و قعد وركب و طاف و ركع و سجد و صام و سعى # و سواء كانت الأفعال محمودة أو مذمومة و سواء كانت سببا لخرق العادة أم ~~لا فلا يقال إن موسى ما ضرب بعصاه البحر ولا الحجر ms009 ولكن الله ضرب ولا يقال ~~إن نوحا ما ركب في السفينة و لكن الله ركب ولا يقال إن المسيح ما ارتفع إلى ~~السماء بل الله ارتفع ولا يقال إن محمدا صلى الله عليه وسلم ما ركب البراق ~~بل الله ركب و أمثال هذا # فالفعل المختص بالمخلوق لا يضاف إلى الله تعالى إلا على بيان PageV01P337 ~~أن الله تعالى خلقه و جعل صاحبه فاعلا كقول الخليل عليه السلام @QB@ رب ~~اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي @QE@ # و كما قال @QB@ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك @QE@ # و قال تعالى @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون @QE@ # و قال @QB@ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار @QE@ # و لا يقال إن الله يقيم الصلاة و يدعو إلى النار ولا إنه قد أسلم # و قال تعالى @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه ~~الخير منوعا @QE@ ولا يوصف الله تعالى بالهلع و الجزع # و جماع الأمر أن الله عز وجل لا يوصف بمخلوقاته وهذه هي PageV01P338 أدلة ~~السلف و أهل السنة على أن كلام الله تعالى غير مخلوق قالوا # لأنه سبحانه لا يوصف بما خلقه في غيره فإذا خلق في غيره حركة أو طعما أو ~~ريحا أو لونا كالسواد و البياض لم يوصف بأنه هو المتحرك بها ولا بأنه متروح ~~أو أبيض أو أسود و إذا خلق في غيره كلاما لم يوصف بأنه هو المتكلم به # و يعبرون عن ذلك بأن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل ولم ~~يعد على غيره و اشتق لذلك المحل منه اسم ولم يشتق لغيره فإذا خلق في محل ~~حركة أو علما أو قدرة كان ذلك المحل هو المتحرك العالم القادر لا الخالق ~~لتلك الصفة فيه # و أورد المعتزلة نقضا على هذا صفات الأفعال فقالوا هو عادل بعدل خلقه في ~~غيره PageV01P339 # فأجاب أئمة السلف رحمهم الله و جمهورهم بطرد الدليل بناء على أن الفعل ~~غير المفعول و استدل الإمام أحمد و غيره بقول النبي صلى ms010 الله عليه وسلم ( ( ~~أعوذ بكلمات الله التامات ) ) قالوا وهو لا يستعيذ بمخلوق و طرد هذا قوله ( ~~( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك وبك منك ) ) فالنبي ~~صلى الله عليه وسلم استعاذ بمعافاته كما استعاذ برضاه و بكلماته # و هذا مذهب جمهور المسلمين أن الخلق غير المخلوق وهو المنقول عن السلف ~~والأئمة كما ذكره البخاري في كتاب خلق الأفعال وهو الذي ذكره البغوي صاحب ~~شرح السنة وهو الذي ذكره الكلاباذي أنه اعتقاد الصوفية وهو قول الكرامية ~~وكثير من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة وجهور أصحاب مالك والشافعي وأحمد لا من ~~وافق منهم الأشعري وغيره الذين يقولون الخلق هو المخلوق كما اختار ابن عقيل ~~وغيره وهو أول قول القاضي أبي يعلى ثم رجع عنه وهو اختيار أبي المعالي ~~الجويني وغيره وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن الله سبحانه PageV01P340 ~~وتعالى لا يوصف بالمخلوقات فلا يوصف بما خلقه في غيره من الصفات وإن كانت ~~صفات كمال فكيف يوصف بما خلقه في غيره من أفعال العباد وتجعل الأفعال ~~القائمة بالمخلوقات صفات له يشتق له منه أسماء فهذا مخالف لصريح المعقول ~~وصحيح المنقول مناقض للقواعد والأصول ولكن بعض من ناظر القدرية في هذا ~~المقام انحرف كما انحرف وقابل باطلا بباطل ورد بدعة ببدعة # والذين يصفون الله تعالى ببعض المخلوقات صنفان صنف غلطوا في الصفات وصنف ~~غلطوا في القدر # فالأول الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون إن كلام الله مخلوق ~~فوصفوه بما خلقه في غيره # وكذلك يقولون رضاه وغضبه هو ما يخلقه من الثواب والعقاب وإرادته خلقها لا ~~في محل كما تقوله المعتزلة من البصريين فيصفونه بمخلوقات بائنة عنه # والصنف الثاني الجهمية الجبرية الذين قالوا إن أفعال العباد نفس فعله ~~وفعله هو مفعوله كما يقوله الجهم بن صفوان وأتباعه كالأشعري ومن وافقه ~~وهؤلاء لم يثبتوا له فعلا قائما بنفسه غير المخلوقات PageV01P341 المباينة ~~له فإذا كان خالق أفعال العباد لزم أ ن تكون هي فعله ولا تكون فعلا ms011 لغيره ~~وحينئذ فالصفات الفعلية التي يصفون بها الرب مثل كونه خالقا ورازقا وعادلا ~~إنما تتصف عندهم فيها بمخلوقاته وتتصف أيضا عندهم بأفعال العباد كلها # فالجهم بن صفوان أعظم الناس وصفا له بمخلوقاته في كلامه وأفعال العباد ~~وغير ذلك والمعتزلة وافقوه في الكلام ونحوه من الصفات دون أفعال العباد ~~ووافقوه في فعله لغير أفعال العباد لكون أفعال العباد عندهم ليست فعلا له # فالجهية والمعتزلة متفقون على أنه يوصف بمخلوقاته لكن المعتزلة عندهم هو ~~خلق كلامه ورضاه وغضبه وإرادته فيوصف بها ولم يخلق أفعال العباد فلا يوصف ~~بها وأما جهم فعنده أنه خلق الجميع فلزمه أن يوصف بالجميع # والأشعري وافق جهما في المخلوقات من أفعال العباد وغيرها دون الكلام ~~والإرادة فإنهما عنده صفات تقوم بالله لكنه وافقه على أن المخلوق هو الخلق ~~وهو يصفه بالصفات الفعلية فوافقه على اتصافه PageV01P342 بالمخلوق من هذا ~~الوجه و صار هو والمعتزلة متقابلين هو ينكر عليهم قولهم في الكلام والإرادة ~~وأصاب في إنكاره عليهم وهم ينكرون عليه قوله في أن أفعال العباد فعله وهم ~~وإن أصابوا في هذا الإنكار لكنهم ينكرون أن يكون مخلوقا وهذا منكر # والأشعري يثبت للعبد قدرة محدثة وكسبا ولكن يقول قدرته لا تأثير لها في ~~المقدور وما أثبته من الكسب لا يتحقق الفرق بينه وبين الفعل فكان حقيقة ~~قوله في أفعال العباد هو معنى قول جهم # وأما السلف وأئمة الفقهاء وأهل الحديث وجمهور المنتسبين إلى السنة وطوائف ~~من أهل الكلام من المرجئة والكرامية وغيرهم فسلموا من هذه الأقوال الفاسدة ~~ولم يصفوا الله بمخلوقاته وإنما وصفوه بما يقوم به من صفاته وأفعاله # وأما الحلولية الذين يصفونه ببعض أفعال المخلوقات كما تقوله النصارى في ~~المسيح والغالية في الأئمة والشيوخ والقائلون بالحلول العام كقول ابن عربي ~~% وكل كلام في الوجود كلامه % سواء علينا نثره ونظامه % $ # فهؤلاء فساد قولهم أظهر من هذا كله وقوله هذا المتخلف يرجع إلى ~~PageV01P343 قول هؤلاء وإن كان قد لا يلتزمه لو عرف أنه يلزمه # وأما الخبر الذي استشهد به من قوله استطعمتك ms012 فلفظه في الصحيح يقول الله ~~تعالى عبدي جعت فلم تطعمني فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول أما ~~علمت أن عبدي فلانا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي عبدي مرضت فلم تعدني ~~فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو ~~عدته لوجدتني عنده # وهذا الخبر ليس فيه فعل للعبد وإنما فيه جوعه ومرضه ولكن ظن أن لفظة ~~استطعمتك وأنه جعل استطعام العبد استطعام الرب # وأيضا فالخبر مقيد لم يطلق الخطاب إطلاقا وإنما بين أن عبده هو الذي مرض ~~وهو الذي جاع وقال لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ولم يقل لوجدتني أكلته وقال لو ~~عدته لوجدتني عنده ولم يقل لوجدتني إياه 2 # والحديث خطاب مفسر مبين أن الرب عز وجل ليس هو العبد ولا صفته صفته ولا ~~فعله فعله أكثر ما فيه استعمال لفظ الجوع والمرض PageV01P344 مقيدا مبينا ~~للمراد فلم يطلق الخطاب إطلاقا # وأيضا فقد علم المخاطب أن الرب تعالى لا يجوع ولا يمرض فلم يكن فيه تلبيس ~~لا من جهة السمع ولا من جهة العقل بل المتكلم بين فيه مراده والمستمع له لم ~~يشتبه عليه بخلاف ما إذا أضيف لفعل العبد الذي يمكن منه الفعل والفعل قد ~~قام به فإنه إذا جعل فعله فعل الرب لم يعقل هذا إلا إذا أريد أنه خالقه ~~وإذا أريد ذلك فالصواب أن يقال فعل العبد مخلوق للرب تعالى ومفعول له لا ~~يطلق أنه فعله لما فيه من التلبيس ولما فيه من نفي فعل الرب ولما فيه من ~~نفي كون العبد فاعلا # ثم إنه لا فرق في ذلك بين المقربين وغير المقربين بهذا الاعتبار بل قال ~~الله تعالى @QB@ أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا @QE@ كما قال ~~تعالى @QB@ إنا أرسلنا نوحا إلى قومه @QE@ ونوح عليه السلام محمود مقرب ~~والشياطين أعداء الله PageV01P345 # وقال تعالى @QB@ بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد @QE@ # كما قال تعالى @QB@ بعث في الأميين رسولا منهم @QE@ # وقال @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ms013 الله @QE@ # وكما أنه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فيخرج المؤمن من الكافر ~~ويخرج الكافر من المؤمن وقد خلق المؤمن والكافر والبر والفاجر وخلق الدواب ~~والنبات كلها طيبها وخبيثها فجهة الخلق عامة شاملة فلو كان قوله @QB@ ~~يبايعونك @QE@ وقوله @QB@ ولكن الله رمى @QE@ من الخلق الشامل والقيومية ~~العامة للزم أن يقال مثل ذلك في كل مبايع ورام وإن كان من الكافرين ولم يكن ~~في ذلك خاصة لمحمد صلى الله عليه وسلم ولا فضل له على أحد المخلوقين # وأما حديث الأولياء فليس من هذا الباب بالكلية وإنما فيه PageV01P346 فبي ~~يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي لم يقل أنا أسمع وأنا أبصر ولا أنا أبطش ~~ولا أنا أمشي # وقد صرح بالفرق فيه بين الرب والعبد من وجوه متعددة كقوله من عادى لي ~~وليا فقد بارزني بالمحاربة ففرق بين نفسه ووليه وعدوه ووليه ثم قال ما تقرب ~~إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ففرق بين المتقرب والمتقرب إليه ثم قال ~~فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به إلى آخره فلم يقل كنت إياه ولا فيه أن ~~فعل أحدهما هو فعل الآخر ولكن أخبر أن إحسان العبد وفعله يقع به لأن العبد ~~إذا صار موافقا لله فيما يحبه ويرضاه يحب ما يحب ويبغض ما يبغض ويرضى بما ~~يرضى ويأمر ما يأمر وينهى عما ينهى صار الإيمان به ومعرفته وتوحيده في قلبه ~~فإحساسه وأفعاله تقع به # وهذا ما في القلب نظير قوله في ما في اللسان أنا مع عبدي ما PageV01P347 ~~ذكرني وتحركت بي شفتاه فقال تحركت بي وإنما تتحرك باسمه PageV01P348 كذلك ~~قوله فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي أي بما في قلبه من الإيمان بي ~~وقد يسمى هذا المثال العلمي وهذا كثير في الكلام كقول القائل % ساكن في ~~القلب يعمره % لست أنساه فأذكره % # | وقال الآخر % ومن عجبي أني أحن إليهم % وأسأل عنهم من لقيت وهم معي % # % وتطلبهم عيني وهم في سوادها % ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي % $ # وقد يسمى هذا حلولا لحلول ms014 معرفته ومحبته في العارف المحب وقد غلط بعض ~~الناس فظن أن ذات المعلوم المحبوب محل وهذا PageV01P349 غلط كما غلط من قال ~~بحلول ذات الرب سبحانه وتعالى في بعض عبيده كالنصارى ومن ضاهاهم من غلاة ~~الشيعة وجهال الصوفية # الوجه الثاني قوله فإذا غلب على المقرب شهود القيومية ورؤية التوحيد كما ~~جاء في مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه نطق برد الأشياء إلى خالقها ~~وغلب ذلك على نطقه PageV01P350 # فيقال مشهد القيومية يشهد فيه أن الله خالق كل شيء وهذا الشهود العام ~~يتناول ما دخل من إيمان و كفر # و أما الإحسان الذي فيه أن تعبد الله كأنك تراه فهذا مقام من يميز بين ~~المحظور و المأمور فإن العبد إذا صار كأنه يشاهد ربه فعل ما أمر به وترك ما ~~نهى عنه ووالى أولياءه وعادى أعداءه و هذا مشهد الإلهية الذي دعت إليه ~~الرسل حيث أمروا بعبادة الله وحده و طاعته و ليس هذا هو مشهد القيومية و ~~لكن من هو أكبر من هذا الرجل غلطوا في هذا فغلط مثل هذا لا ينكر لا سيما ~~كثير من الشيوخ المعظمين عند هذا و أمثاله فإنهم لا يفرقون بين هذا و هذا ~~بل يعدون نهاية العارفين الفناء في توحيد الربوبية والاصطلام في شهود القدر ~~الجاري # و يقول أحدهم إن مشاهدة العارف المنتهي في القربة لحكم الله الذي هو مشهد ~~مشيئته العامة لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح PageV01P351 سيئة # وقد يقول أحدهم هذا العارف يكون الجمع في قلبه مشهودا و الفرق على لسانه ~~موجودا # و مرادهم بالجمع شهود القدر و هؤلاء غاية تحقيقهم شهود التوحيد الذي أقر ~~به عباد الأصنام فإن عباد الأصنام من العرب كانوا يقرون بأن الله خالق كل ~~شيء و ربه و مليكه كما أخبر الله عنهم في القرآن في غير موضع كقوله @QB@ قل ~~لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من ms015 بيده ~~ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى ~~تسحرون @QE@ # و قال تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ # وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم احتجوا في ذلك بقوله تعالى @QB@ سيقول ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا @QE@ الآية وقد ظن طائفة من المثبتين ~~للقدر أنهم قالوا هذا على سبيل التكذيب بالقدر و الاستهزاء به PageV01P352 ~~لقوله @QB@ كذلك كذب الذين من قبلهم @QE@ و بهذا أجاب القدرية لما احتججت ~~عليهم بهذا الآية # وهذا غلط فإن العرب كلهم كانوا يثبتون القدر و يقرون أن الله خالق كل شيء ~~وربه و مليكه فلم يكونوا مكذبين بذلك ولا ذمهم الله سبحانه على التكذيب ~~بالقدر بل على الاحتجاج به على إبطال الأمر و النهي # و قوله @QB@ كذلك كذب الذين من قبلهم @QE@ أي كذبوا بالأمر و النهي الذي ~~جاءت به الرسل فإن هذا هو تكذيب الذين من قبلهم الذي ذكر الله في القرآن و ~~لهذا قال @QB@ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا @QE@ أي فإن المحتج بالقدر ~~لا يحتج به إلا إذا لم يكن عنده علم بل يتبع هواه فإنها حجة متناقضة إذ لو ~~احتج عليه بالقدر لما قبل هو ذلك منه و هذا مبسوط في غير هذا الموضع # فمن كان غاية توحيده شهود القيومية و الربوبية العامة كان قد شهد ما أقر ~~به المشركون ولم يكن قد شهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله و ~~إنما يشهد ذلك من شهد الفرق بين المأمور و المحظور و بين أولياء الله و ~~أعدائه و بين توحيده و الإشراك به و عبد الله كأنه يراه و هذا شهد الفرق في ~~الجمع فهو مع شهوده القيومية يشهد أنه الإله المستحق PageV01P353 للعبادة ~~دون ما سواه ووجوب طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم و موالاة أوليائه و ~~معاداة أعدائه و يستعينه على فعل ما أمر و ترك ما حظر و شهوده أنه خلق ~~الملائكة و الشياطين لا يحجبه عن ms016 أن يشهد أن الملائكة و الأولياء و ~~الشياطين أعداد و كذلك شهوده أنه خالق أفعال العباد لا يحجبه عن أن يشهد ~~أنه يحب الإيمان و العمل الصالح و يرضاه و يكرم أهله و يقربهم إليه و ينهى ~~عن الكفر و الفسوق و العصيان و يمقت أهله و يعاقبهم فمن غلط هذا ظن أن مجرد ~~شهود القيومية هو شهود المقربين و ظن أن هذا هو عبادة الرب كأنه يراه # و من هؤلاء من يظن أن من شهد القيومية سقط عنه الملام و منهم من يقول إن ~~الخضر سقط عنه الملام لشهوده القيومية # و هذا كله باطل و طرد هذا القول يجر إلى شر من أقوال اليهود و النصارى ~~فإن اليهود و النصارى يميزون في الجملة بين أمور منكرة كما يميزون بين ~~الصدق و العدل و بين الكذب و الظلم و هؤلاء إذا شهدوا القيومية العامة لم ~~يميزوا بين المعروف و المنكر و لا بين الصدق و الكذب و العدل و الظلم فهم ~~في هذا النفي لا يثبتون بل يميزون تمييزا طبيعيا لا شرعيا فيفرق أحدهم بين ~~ما هواه و بين ما لا يهواه فيطلب هذا PageV01P354 و ينفر عن هذا و يمدح من ~~وافق غرضه و يذم من خالف غرضه و لهذا كان هؤلاء نهاية سلوكهم هو الفناء و ~~الجمع و الاصطلام لا يحبون ما أحب الله ولا يبغضون ما أبغض الله فإن ~~الإرادة و المحبة و الرضى سواء عندهم كما تقوله القدرية من المعتزلة و ~~غيرهم لكن أولئك قالوا لا يحب الكفر و الفسوق والعصيان فلا يريده فيكون ما ~~يقع من ذلك بدون مشيئته و قدرته فيكون ما لا يشاء و يشاء ما لا يكون # وقال هؤلاء هو أراد الكفر و الفسوق و العصيان فهو يحب ذلك و يرضاه و إن ~~كان لا يريده دينا بل يريد تنعيم من أطاعه و تعذيب من عصاه # ثم قال هؤلاء هذا الفرق يعود إلى حظوظ أنفسهم فالعارف الفاني عن حظوظه في ~~شهود قيوميته لا ms017 يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة ثم قالوا و الأنبياء و ~~الصديقون يقومون بالفرق لأجل العامة رحمة بهم # و هذا عندهم من التلبيس الذي أمرت به الخاصة وهم يبطنون خلاف ما يظهرون ~~فإنه يكون الجمع في قلوبهم مشهودا و الفرق في ألسنتهم موجودا فالقائم ~~بالفرق عندهم لا يكون إلا واقفا مع حظه ملبسا بإيمانه لأجل غيره إذا لا فرق ~~بالنسبة إلى الله تعالى عندهم PageV01P355 # و من عرف ما جاءت به الرسل من إثبات محبة الله تعالى و رضاه و فرحه بتوبة ~~التائبين و سخطه و غضبه و مقته لمن عصاه و عرف أن الفرق ثابت بالنسبة إلى ~~مع شمول المشيئة لكل واقع صار على ملة إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا فأحب ~~الله و أحب ما يحبه الله كان متابعا لما أمر الله تعالى به و أحبه و رضيه ~~ولم يكن مع مجرد الإرادة فإن هؤلاء دخلوا بإرادة أنفسهم فانتهوا إلى ~~الإرادة الخلقية # و من دخل بالإرادة التي هي أمر الله و نهيه مصدقا لما أخبر به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من الفرق الثابت في كتاب الله و أفعاله كان على دين الإسلام ~~الذي أرسل الله به رسله و أنزل كتبه على ملة إبراهيم عليه السلام و دين ~~محمد صلى الله عليه وسلم # و من لم يقل بالفرق في نفس الأمر فإنه خارج عن حقيقة الإيمان كما أنه ~~خارج عن شريعة الإسلام فليس معه حقيقة إيمانية ولا شريعة إسلامية و إنما ~~معه حقيقة خلقية قدرية أقر بها عباد الأصنام الذين هم مشركون و ذلك أن شهود ~~القيومية بلا جمع ممتنع طبعا و شرعا فمن لم PageV01P356 يشهد الفرق الشرعي ~~الإلهي و إلا كان مع الفرق الطبيعي النفساني أو مع فرق آخر شيطاني فمن لم ~~يعبد الرحمن عبد الشيطان @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له ~~قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ~~ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين @QE@ و ذكر الرحمن يراد ms018 به الذكر ~~الذي أنزله الله تعالى كما قال تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ # فمن أعرض عن هدى الله الذي أرسل به رسله و أنزل به كتبه فلم يفرق بين ما ~~أمر الله به وما نهى عنه كان معرضا عن ذكره المنزل فيقيض له شيطانا يصده عن ~~سبيل الله فيفرق بمجرد هواه و من أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ~~PageV01P357 # ولو كان مثل هذا ذاكرا لله ولم يشهد إلا القيومية العامة لم يشهد ما جاء ~~به الكتاب المنزل من الفرق فإنه يكون من أعظم أتباع الشياطين و لهذا يوجد ~~الشيوخ و العباد و الزهاد من هؤلاء يتبعون شياطين الإنس و الجن فيكون أحدهم ~~من خفراء الكفار و أعوانهم و منهم من يحسن الظن بالكفار و أعوانهم و ~~نظرائهم فيحسبهم من أولياء الله المتقين لا سيما إن رأى من الأحوال ~~الشيطانية ما يقويه مثل أن يخبره ببعض الغائبات أو يحصل له نوع من التصرفات ~~فيطير به الشيطان في الهواء و يحضر له طعاما وغير ذلك كما كان يحصل لعباد ~~الأصنام مع الشياطين # وهذا التوحيد توحيد الربوبية العامة كان المشركون يقرون به فهو وحده لا ~~ينجي من النار ولا يدخل الجنة بل التوحيد المنجي شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله بحيث يقر بأن الله سبحانه هو المستحق للعبادة دون ما ~~سواه وأن محمدا رسوله فمن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن عصى الرسول فقد عصى ~~الله فيحل ما حلله الله ورسوله ويحرم ما حرمه الله ورسوله ويأمر بما أمر ~~الله به ورسوله وينهى PageV01P358 عما نهى الله عنه ورسوله # وهذا المقام غلط فيه كثير من السالكين لم يميزوا بين الأول و الثاني من ~~توحيد الربوبية و توحيد الإلهية ولو طردوا قولهم لخرجوا عن ms019 الدين كما تخرج ~~الشعرة من العجين و إنما طرده حذاق الملحدين منهم الذين يقولون السالك يشهد ~~أولا طاعة و معصية ثم ثانيا يشهد طاعة بلا معصية وهو شهود القيومية ثم لا ~~تبقى طاعة ولا معصية وهو مشهد الوحدة عندهم و لهذا يقول بعض شيوخ هؤلاء أنا ~~كافر برب يعصى ويقول لو قتلت سبعين نبيا ما كنت مخطئا # ويقول الآخر وهو ابن عربي % الرب حق و العبد حق % يا ليت شعري من المكلف ~~% # | % إن قلت عبد فذاك ميت % أو قلت رب أنى يكلف % # و الكلام مبسوط في غير هذا الموضع و إنما الغرض التنبيه على موضع الغلط و ~~الاشتباه PageV01P359 # الوجه الثالث قوله إن المقرب إذا غلب عليه هذا نطق برد الأشياء إلى ~~خالقها و غلب ذلك على نطقه # فيقال سيد المقربين محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي قاتل الكفار وكان ~~يأمر بقطع يد السارق و رجم الزاني و جلد الشارب و يأمر بالمعروف و ينهى عن ~~المنكر و يحل الطيبات و يحرم الخبائث فلو غلب عليه مشهد القيومية و أن ~~الأشياء جميعها مخلوقة لله ولم يشهد ما فيها من الفرق لما كان ينبغي أن ~~يأمر أحدا ولا ينهى أحد اولا يقتل أحدا و لكان ينبغي أن يرد كفر الكافرين و ~~فسق الفاسقين إلى PageV01P360 الخالق كما قال في قوله صلى الله عليه وسلم ( ~~( ولكن الله حملكم ) ) و بين أن يقال و العياذ بالله تعالى و لكن الله كفر ~~وزنى و سرق و شرب الخمر فهل يقول هذا مؤمن أو عاقل # وقوله صلى الله عليه وسلم ( ( ولكن الله حملكم ) ) سنذكره إن شاء الله ~~تعالى و إلا فمشهد القيومية شامل لجميع الفعل و إن فرق بين خلق الله لحملهم ~~و لكلامهم و لفعلهم و لتكذيب المكذبين أفترى الرسول صلى الله عليه وسلم ما ~~كان يشهد القيومية في بعض الأشياء و هو أعلم الخلق بالله و مشركو العرب ~~كانوا مقرين بأن الله رب كل شيء وهم يقرون بمشهد القيومية # الوجه الرابع أن يقال له ms020 من من المقربين كان يقف عند مشهد القيومية فيرد ~~جميع الأفعال إلى الخالق من غير أن يشهد أنها PageV01P361 أفعال لفاعليها ~~يستحقون عليها المدح والذم و الثواب و العقاب # و هذا القرآن ينطق عن جميع الأنبياء و المرسلين وهم سادات المقربين بأنهم ~~كانوا يفرقون بين المعروف و المنكر و الإيمان و الكفر و التوحيد و الشرك و ~~يأمرون بعبادة الله وحده و ينهون عن عبادة ما سواه ولو لم يشهدوا إلا ~~القيومية التي ترد فيها الأفعال إلى خالقها لم يأمروا ولم ينهوا ولم يمدحوا ~~يذموا فإن العبد لا يأمر الله ولا ينهاه ولا يذمه ولا يعاقبه و الأنبياء ~~كلهم على شهود الفرق و مدح المحسن و ذم المسيء و إن كانوا مقرين بأن الله ~~خالق كل شيء و ربه و مليكه فشهود القيومية العامة لا يناقض أن يفعلوا ما ~~أمروا به و أن يأمروا الخلق بعبادة الله وحده و ينهوهم عن عبادة ما سواه بل ~~عامة بني آدم من المسلمين و الكفار يقرون بالقدر و بهذه القيومية وهم مع ~~هذا يثبتون الفرق بين المطلوب و المرغوب و يمدحون من فعل ما يوافق مرادهم و ~~يذمون من خالف ذلك ولا يرون الإقرار بالقيومية مناقضا لذلك PageV01P362 # الوجه الخامس قوله فيكون المعنى حينئذ كما وردت به الآية أن البيعة و إن ~~كانت له في الصورة فهي مع ربه في المعنى و كذا ما كان من الرمي فكأنه يقول ~~الاستغاثة وإن وقعت بي فإني لست المستغاث به في المعنى إنما المستغاث به ~~الله عز وجل # فيقال قد تقدم بيان فساد أصل هذا الكلام # ثم نقول قوله هي مع ربه في المعنى أتريد به أن الله سبحانه و تعالى هو ~~المرسل له الذي أمره أن يبايعهم على الجهاد و أمرهم بالجهاد وهو الذي ثبتهم ~~على الوفاء أم تريد أن الله هو الذي خلق البيعة فإنه خالق كل شيء و ~~القيومية شاملة كل شيء أم تريد به معنى ثالثا # فإن أردت الأول فهو صحيح ولكن يناقض قولك ms021 فإن هذا مختص بمن يأمر بما أمر ~~الله به و ينهى عما نهى الله عنه لم ينزل الله PageV01P363 أحدا منزلة نفسه ~~في الأفعال ولا جعل الله أفعال محمد صلى الله عليه وسلم كصومه و صلاته و ~~حجه و اعتماره و جهاده و نكاحه و أكله و شربه و دعائه و تضرعه فعلا له ولا ~~جعل نفس مبايعته للمؤمنين فعلا له بل جعل المبايع له إنما يبايع مرسله و ~~الجزاء عيله كما جعل من أطاعه فقد أطاع الله فهذا خاص ليس عاما في كل ~~أفعاله # و أيضا فلم يجعل هذا الفعل فعل الله بل أخبر أن محمدا رسول الله يبايع ~~عنه و المبايعة لمرسله في الأصل كما أن الطاعة طاعة لمرسله في الأصل و كما ~~أن معاملة الوكيل معاملة مع موكله وليس في هذا إسقاط فعل الوكيل عنه عن أن ~~يكون وكيلا و إنما فيه إثبات النيابة له عن غيره # و إن أردت أن الله خالق بيعته فهذا المعنى صحيح عند أهل السنة المثبتة ~~للقدر الذي هو خلق الله خلافا لنفاته و لكن إذا فسرت الآية بهذا سويت بين ~~الأنبياء و الشياطين و بين آدم و إبليس و بين موسى و فرعون و بين أولياء ~~الله و أعدائه و لزمك أن تقول كفر الكافرين في الصورة و لربهم في المعنى أو ~~لعنته للكفار هي للكفار في الصورة و لربهم في المعنى # و أيضا فيقال لك المبايعة فيها فعل من الرسول و فعل من PageV01P364 ~~الصحابة فعلى هذا التقدير يلزمك أن يكون الله بايع في المعنى لأنه خالق ~~للأفعال و إلا فإذا جاز أن يقول البيعة له في الصورة و لربه في المعنى لكون ~~الله خالقه و خالق فعله لزمك أن تقول بيعته لهم بيعة لله في المعنى لأن ~~الله تعالى خلقهم و خلق أفعالهم و يلزمك على هذا التقدير أن تقول إن الذين ~~بايعتهم إنما بايعت الله و طرده أن من قاتل شخصا فإنما قاتل الله ومن بايعه ~~فإنما بايع الله بل ms022 يلزمهم أقبح من هذا وهو أن من لامسه أو جامعه أو ضاجعه ~~فإنما يفعل ذلك مع الله فإن أصل هذا القول أن الله لما كان خالقا لأفعال ~~العباد كان الفعل لهم في الصورة وله في المعنى وهذا عام في كل الأفعال ~~الخير و الشر و إن أردت معنى ثالثا فبينه # الوجه السادس قوله البيعة و إن كانت في الصورة له فهي مع ربه في المعنى ~~إذا لم يرد معنى الإرسال و التبليغ المختص بالأمر و النهي كان مقتضاه أن ~~الرسول لم يفعل شيئا ولا بايع و لكن الرب سبحانه PageV01P365 هو الذي فعل ~~ذلك في المعنى وهذا و إن أريد به خلق الأفعال فقد تقدم بيان بطلان إرادة ~~ذلك هنا و إن أريد به خلق الحلول بأن يكون الرب سبحانه هو المتكلم على لسان ~~الرسول كما أن الجني يتكلم على لسان المصروع وفي الباطن للجني فهذا هو ~~الكفر الصريح و هذا مذهب النصارى # و هؤلاء يشبهون بالنصارى في كثير من أمورهم و لهذا سلط الله عليهم ~~النصارى يهينونهم كما أهانوا أهل هذا الشخص و أمثاله و كنت أقول لهم إن ~~الله وعد بنصره المؤمنين على الكافرين و أنتم مشابهون للنصارى و فيهم من هو ~~أكفر من النصارى و أعظم إلحادا و نفاقا من النصارى و كثير من بغضهم للنصارى ~~إنما هو لهوى و حظ كونهم لهم في الدنيا رياسة و مال كثير أكثر منهم لا ~~يبغضونهم لأجل كفرهم و دينهم إذ كانوا مشاركين لهم في كثير مهم منه و بعضهم ~~أشد كفرا و نفاقا من النصارى و بعض النصارى أكفر منهم و طائفة من شيوخهم ~~يميلون إلى النصارى أكثر من المسلمين و يأمرونهم بالبقاء على دينهم ويقولون ~~إذا صرتم محققين على طريقتنا فلا حاجة لكم إلى الإسلام بل دوموا على ~~النصرانية PageV01P366 # ثم إن الآية يمتنع أن يراد بها الحلول فإنه قال @QB@ يد الله فوق أيديهم ~~@QE@ و يد النبي صلى الله عليه و سلم كانت مع أيديهم لا فوقها فلم تكن يده ms023 ~~يد الله و لأنه قال @QB@ ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ~~@QE@ ولم يقل فإنك تؤتيه وقال @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ~~تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم @QE@ ولم يقل إنك أنت ~~علمت ما في قلوبهم ولا أنزلت السكينة عليهم # الوجه السابع قوله فكأنه يقول الاستغاثة و إن وقعت بي فإني لست المستغاث ~~به في المعنى و إنما المستغاث به الله فيقال إنه لم يقل لم تستغيثوا بي و ~~إنما استغثتم الله ولكن قال إنه لا يستغاث بي و إنما يستغاث بالله وهذا نفي ~~للمستقبل لا للحاضر # الوجه الثامن إن يقال هذا الرجل فسر الاستغاثة بالتوسل كما تقدم قوله إن ~~كل من توسل إلى الله بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به سواء كانت بلفظ ~~الاستغاثة أو التوسل أو غيره # وقال قول القائل أتوسل إليك برسولك و أستغيث برسولك PageV01P367 عندك أن ~~تغفر لي استغاث بالرسول حقيقة في لغة جميع الأمة و هذا الكلام و إن كان ~~باطلا كما تقدم فالمقصود هنا أنه جعل الذي يسأل الله به مستغيثا به وهنا قد ~~جعل الاستغاثة بسؤاله فقد جعل المستغيث به مستغيثا بالله # فالمعنى لا يصح إذا أريد به السؤال به فإن الله تعالى هو مسؤول لا مسؤول ~~به و حينئذ فما قال في الاستغاثة به هنا يناقض ما تقدم إلا أن يجعل ~~الاستغاثة تعم النوعين فيلزمه أن يجعل كل من سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيئا فإنما سأل الله و يلزمه ذلك في غيره و حينئذ فيسأل المخلوق كما يسأل ~~الخالق وهذا لا يقوله عاقل فضلا عن مسلم # الوجه التاسع أنه لو صح هذا النفي و الإثبات باعتبار القيومية لقيل هذا ~~لكل من كان كذلك # فيقال لمن بايع الناس كلهم وواجرهم و شاركهم إنك إنما بايعت الله وواجرت ~~الله و شاركت الله # ويقال للذي استغاث بموسى الذي قال الله تعالى فيه @QB@ فاستغاثه الذي من ~~شيعته على الذي من عدوه @QE@ إنه لم يستغث بموسى و ms024 إنما PageV01P368 استغاث ~~الله تعالى # و يقال لمن استنصر المؤمنين الذين قال الله تعالى فيهم @QB@ وإن ~~استنصروكم في الدين فعليكم النصر @QE@ إنما استنصروا الله و النصر على الله # و يقال في قوله تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ و اتقوا الله ~~يعين # وقد خاطبني مرة شيخ من شيوخ هؤلاء الضلال لما قدم التتار آخر قدماتهم و ~~كنت أحرض الناس على جهادهم فقال لي هذا الشيخ أقاتل الله فقلت له هؤلاء ~~التتار هم الله وهم من شر الخلق هؤلاء إنما هم عباد الله خارجون عن دين ~~الله و إن قدر أنهم كما يقولون فالذي يقاتلهم هو الله ويكون الله يقاتل ~~الله و قول هذا الشيخ لازم لهذا و أمثاله # الوجه العاشر أن يقال إذا كان الأمر كما ذكرته من شهود PageV01P369 ~~القيومية فأي مدح في هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم و أي فائدة في هذا ~~القول أو ترى الصديق و الصحابة ما كانوا يقرون بأن الله رب كل شيء و مليكه ~~و أن العبد لا يمكنه أن يفعل شيئا إلا بمشيئة الله و قدرته # الوجه الحادي عشر أن ما كان من هذا الباب لا يجوز فيه نفي الفعل عن العبد ~~فلأنه مكابرة للحس ولو على مذهب الجبرية بل إذا أريد نفي الواقع فلا بد من ~~قرينة تبين المراد و الحديث مطلق ليس فيه قرينة # الوجه الثاني عشر و أما حديث أبي موسى الأشعري وقوله PageV01P370 ما أنا ~~حملتكم ولكن الله حملكم لم يرد به النبي صلى الله عليه وسلم كون الله خالق ~~أفعال العباد فإن هذا يتناول هذا الفعل و غيره من الأفعال ومعلوم أنه لم ~~يقل لم أركب و لكن الله ركب ولم يقل ما جاهدت في سبيل الله ولكن الله جاهد ~~ولا سافرت ولكن الله سافر و نحو ذلك بل النبي صلى الله عليه وسلم لما سألوه ~~أن يحملهم قال ( ( والله ما أحملكم و ما عندي ما أحملكم عليه ) ) فلما ذهب ~~أبو موسى بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms025 بنهب إبل فأمر فبعث منها ~~إلينا بخمس ذود غر الذرى فقلنا تغفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه ~~لا نفلح أبدا فرجعت PageV01P371 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ~~فقال ( ( ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم ) ) فلما لم يكن منه قصد ولا قدرة ~~صح أن يقول ما حملتكم لأني لم يكن عندي ما أحملكم عليه و لكن الله حملكم ~~بما يسره من الحمولة التي أتى بها بغير فعل مني فنفى الحمل عن نفسه و أضافه ~~إلى الله تعالى لأنه أراد به تيسير الحمولة ولم يكن له في هذا فعل # ثم قال ( ( و إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت ~~الذي هو خير و تحللتها ) ) وقال لهم هذا لما قالوا إنك حلفت أن لا تحملنا ~~وكان قد قال ( ( ما عندي ما أحملكم عليه ) ) فبين لهم أني حلفت للعسرة و ~~العجز و أن الله يسر بالحمولة فهو الذي حملكم ومع هذا فإني أحنث في يميني ~~للمصلحة الراجحة و أكفر # وهذا الكلام يتضمن إما جوابين من النبي صلى الله عليه و سلم كل منهما ~~مستقل و إما الجواب بأحدهما كأنه يقول أنا ما حملتكم و إن كنت حملتكم فأنا ~~أكفر وعلى الأول يقول الحمل الذي طلبتموه ما حصل مني بل من الله و الحمل ~~الذي حلفت عليه أكفر عنه # الوجه الثالث عشر قوله فإن صح هذا الحديث لا يكون كما قال من جعل الصديق ~~بتأويله مخطئا من غير ضرورة بل يكون الحديث حثا على الاستغاثة به صلى الله ~~عليه وسلم فيقال أنت الذي جعلته مخطئا حيث PageV01P372 قال إنه يستغيث ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم فنفى النبي صلى الله عليه وسلم ما أثبته و قال ~~ليس ه هذا استغاثة بي بل بالله بل قولكم يستلزم تخطئة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم حيث جعلتم من طلب من مخلوق حاجة لم يطلبها منه و إنما يطلبها من الله ~~وهذا مكابرة للحس و الشرع و العقل # و على ما قاله ms026 يجوز أن يقال لمن سأل كافرا حاجة و استغاث به ما سألته ولا ~~استغثت به و يكون من قال إنه سأل كافرا مخطئا وهذا كما أنه تخطئة منهم ~~للصديق فهي تخطئة لجميع عقلاء بني آدم من المسلمين و الكفار # و أيضا فإنه لا يلزم على ما ذكر المجيب تخطئة أبي بكر الصديق فإن الصديق ~~قد يعتقد عن النبي صلى الله عليه وسلم في دفع ذلك المنافق بعض الأمور التي ~~يقدر عليها البشر فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس عندي في دفعه ~~حيلة بل يستغاث الله في أمره # ومن المعلوم أن المطلوب من النبي صلى الله عليه وسلم تارة يقدر عليه ~~وتارة لا يقدر PageV01P373 عليه وقد يظن السائل أنه يقدر عليه ولا يكون ~~قادرا وكان نساؤه يسألنه النفقة أحيانا وليس عنده ما ينفق عليهن و سألته ~~الأعراب حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فقال ردوا علي ردائي فوالذي نفسي ~~بيده لو أن عندي عدد هذه العضاه نعما لقسمتها بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا ~~جبانا ولا كذابا PageV01P374 و حقيقة قوله لا يستغاث بي و إن كان مراده ~~الاستغاثة الكلية كما يقال لا يستغاث بي ولا يتوكل علي ولا أدعى و لا أسأل ~~و نحو ذلك فمراده النهي عن الطلب الذي لا يفعله إلا الله تعالى كما نهى عن ~~السجود له و كما نهى أن يقال ما شاء الله و شاء محمد # و قال لمن قال ما شاء الله و شاء محمد ما روي عن ابن عباس قال قال رجل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله و شئت فقال ( ( أجعلتني لله ندا قل ~~ما شاء الله وحده ) ) PageV01P375 # رواه النسائي و ابن ماجة و رواه الإمام أحمد و لفظه أجعلتني لله عدلا بل ~~ما شاء الله وحده # الوجه الرابع عشر أنه إذا كان هذا حثا على الاستغاثة به بناء على ماذكرت ~~من شهود القيومية و توحيد الربوبية وهذا عام لكل المخلوقات فينبغي أن يحث ~~على سؤال المخلوقين و ms027 الرغبة إليهم لأن PageV01P376 السائل لهم عنده لا ~~يسألهم إنما يسأل الله تعالى كما أن المستغيث بمخلوق لا يستغيث به إنما ~~يستغيث بالله تعالى على زعمكم وهذا كثيرا ما يقع فيه هؤلاء الإسماعيلية ~~الاتحادية و أعرف منهم شخصا كان معظما و كان له حاجة إلى نصراني فذهب إليه ~~و خضع له و قبل يده و رجله و ربما قبل نعله حتى قضى حاجته ثم جعل يقول ما ~~رأيت إلا الله و ما كان ذلك الخضوع و التقبيل إلا لله عز وجل # وهؤلاء يصرحون في كتبهم بأن عباد العجل ما عبدوا إلا الله و عباد الأصنام ~~ما عبدوا إلا الله و عباد المسيح ما عبدوا إلا الله تعالى و عندهم من عبد ~~كل معبود كان محققا موحدا وإنما المقصر عندهم من عبد بعض المظاهر دون بعض ~~كالنصارى و عباد العجل و اللات و العزى PageV01P377 # وفي كلام ابن عربي صاحب الفصوص و أمثاله من هذا ألوان لكن هذا الرجل و ~~أمثاله لم يصلوا إلى الاتحاد بل وقفوا عند القدر وهو شهود القيومية ولكن ~~إذا جعلوا من استغاث بمخلوق فإنما استغاث بالله لأجل توحيد الربوبية و شهود ~~القيومية لزمهم أن من سجد لمخلوق لم يسجد إلا لله و من عبد مخلوقا إنما عبد ~~الله ومن سأل مخلوقا إنما سأل الله # فإن قالوا الأعمال بالنيات # قيل لهم و الذين قالوا نستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أنهم ~~قصدوا PageV01P378 غيره و أنتم جعلتم ذلك بمجرده استغاثة بالله لشهود ~~القيومية و جعلتم النبي أمر بالاستغاثة بالمخلوق لشهود القيومية فيلزمكم أن ~~يكون الله و رسوله أمر بسؤال المخلوق والاستغاثة بالمخلوق وعبادة المخلوق ~~بالسجود لمخلوق و الخوف من المخلوق لأجل القيومية فيلزم أن يكون كل شرك ~~حرمه الله تعالى و رسوله صلى الله عليه وسلم قد أمر الله به و رسوله ~~باعتبار القيومية لأن كل ما عبد من دون الله فالقيومية تتناوله فإذا كان ~~اعتبارا مسوغا لأن يعامل المخلوق معاملة الخالق لزم أن يعامل المخلوقات ~~كلها معاملة ms028 الخالق من دعاء و سؤال يصلي لها و يسجد لها و يعبد PageV01P379 # الوجه الخامس عشر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن سؤال المخلوقين ~~لغير ضرورة و مدح من لا يسأل الناس شيئا فقال ( ( من سأل الناس وله ما ~~يغنيه جاءت مسألته كدوشا أو خموشا في وجهه يوم القيامة ) ) PageV01P380 # وقال ( ( لا تزال المسألة بأحدهم حتى يأتي ليس في وجهه مزعة لحم ) ) # وقال ( ( لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع ) ) ~~PageV01P381 # وقال أيضا في حديث قبيصة بن مخارق ( ( إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة ~~الغارم و الذي أصابته جائحة اجتاحت ماله والذي أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة ~~من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة ) ) # وقال في صفة السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ( ( هم الذين لا ~~يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ) ) و حديثهم في ~~الصحيحين فمدحهم على ترك الاسترقاء PageV01P382 # وقد روي في بعض ألفاظه لا يرقون ولم يذكره البخاري فإنه لا يثبت و إن ~~رواه مسلم ومعلوم أن المسترقي يقول لغيره ارقني فيطلب من غيره الرقية ~~PageV01P383 # و إن كان شهود القيومية معتبرا في سؤال الخلق وجب أن يكون المسترقي إنما ~~سأل الله و كان يكون مأمورا بالاستغاثة بالخلق باعتبار مشهد القيومية وقد ~~قال الله تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ # فإن كان مشهد القيومية معتبرا في هذا الباب كان كل من سأل مخلوقا فإنما ~~رغب إلى الله فلا ينهى عن ذلك بل يؤمر بالرغبة إلى الخالق و الله تعالى قد ~~وصف الفقراء الممدوحين بأنهم لا يسألون الناس إلحافا و سواء كان المعنى ~~أنهم لا يسألون الناس أو يسألون الناس ولا يلحفون فإن كان مشهد القيومية ~~معتبرا هنا وجب أن يؤمر بسؤال الخلق والإلحاح في مسألتهم فإنهم إنما يلحفون ~~في مسألة الله تعالى والله يحب الملحين في الدعاء وهذا باب واسع # الوجه السادس عشر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مدح من لا يسأله وفضله ~~PageV01P384 على من ms029 يسأله بل ذم كثيرا من سأله فقال من سألنا أعطيناه ومن ~~لم يسألنا فهو أحب إلينا # وقال يسألني أحدهم المسألة ويخرج بها يتأبطها نارا قالوا PageV01P385 يا ~~رسول الله فلم تعطهم فقال ( ( يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل ) ~~) # وقال والذي نفسي بيده ما من أحد يسألني شيئا فتخرج له المسألة ما لم أكن ~~أعطيه فيبارك له فيه # أو كما قال لحكيم بن حزام في الحديث الصحيح الذي أخرجاه في الصحيحين قال ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني ثم سألته فأعطاني PageV01P386 ~~ثم سألته فأعطاني ثم قال يا حكيم ما أنكر مسألتك إن هذا المال خضرة حلوة ~~فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان ~~كالذي يأكل ولا يشبع قال حكيم فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزا ~~أحد بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا هذا لفظ رواية البخاري # وفي رواية ولا تكون يد أحد من العرب فوق يدي أبدا # فكان أبو بكر وعمر يعطيانه حقه من بيت المال فلا يأخذه PageV01P387 فإن ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم على زعم هذا قد جعل من استغاث به فإنما ~~استغاث بالله وقد حضه على ذلك كمن سأل الله فيلزم أن يحض الناس على سؤاله ~~والأمر بالعكس بل مدح من لم يسأله وذم كثيرا ممن سأله # وأما الوجه الثاني وهو قوله إنه يصح أن يراد أنه لا يستغاث بي على وجه ~~التأثير والاقتدار إنما ذلك لله وفائدة التنبيه على ذلك أن لا يتعلق به صلى ~~الله عليه وسلم أحد في الانتصار به من جهة السببية الظاهرة كما يتعلق الناس ~~بالأسباب على الغفلة بل يكون تعلقهم بالنظر إلى جانب الربوبية فيه ومكانته ~~عند ربه فيكون ذلك كما قال من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس الخبر # فالجواب عنه من وجوه # أحدها أن هذا الذي ذكره موافق في المعني لما ذكره المجيب فإنه لا ريب أنه ~~يجوز أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أمورا ويستغاث ms030 به في أشياء بل يجوز ~~هذا في حق غير النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال في أول الجواب أجمع ~~PageV01P388 المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم ~~القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة ثم أهل ~~السنة والجماعة متفقون على ما اتفقت عليه الصحابة واستفاضت به السنن من أنه ~~يشفع لأهل الكبائر من أمته ويشفع أيضا لعموم الخلق وأجمعوا على أن الصحابة ~~كانوا يستشفعون به ويتوسلون به في حياته بحضرته كما في حديث عمر رضي الله ~~تعالى عنه اللهم إنا كنا نتوسل بنبينا فتسقينا # والذي ذكره عمر قد جاء مفسرا في سائر أحاديث الاستسقاء وهو من جنس ~~الاستشفاع به وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ويطلب من الله أن يقبل دعائه ~~وشفاعته فينا وأن يقدم بين أيدينا شافعا وسائلا بأبي هو وأمي صلى الله عليه ~~وسلم فقد بين أنه يجوز سؤاله والطلب منه وهو الاستغاثة ومعلوم أن هذا من ~~جملة الأسباب التي تفعل على جهة التسبب مع التوكل على الله تعالى عز وجل لا ~~يطلب من مخلوق شيء على جهة أنه مستقل بالقدرة والتأثير فإن الاستقلال من ~~خصائص الرب جل وعلا # وإذا كان هذا الوجه متفقا عليه فحمل الحديث عليه لا يضر وحينئذ فالمطلوب ~~منه إما أن يكون قادرا عليه وإما أن لا يكون قادرا فإن كان قادرا طلب على ~~هذا الوجه وإن لم يكن قادرا عليه طلب من الله PageV01P389 ولا منافاة بين ~~المعنيين لكن ظاهر لفظ الحديث إن صح يقتضي أنه لم يكن قادرا على دفع ضرر ~~ذلك المنافق وأنه أمرهم أن يستغيثوا فيه بالله تعالى # الوجه الثاني أن يقال الأسباب المخلوقة ولمشروعة لا تنكر والأسباب ~~المشروعة تفعل مع التوكل على الله تعالى لكن لم قلتم إن الاستغاثة بمخلوق ~~فيما لا يقدر عليه إلا الخالق هو من الأسباب المشروعة والكلام إنما هو في ~~هذا وهذا هو الذي نهى عنه # فالجواب حيث قيل فأما ما لا يقدر عليه إلا الله ms031 فلا يجوز أن يطلب إلا من ~~الله تعالى لا يطلب ذلك لا من الملائكة ولا من غيرهم فلا يجوز أن يقال لغير ~~الله اغفر لنا واسقنا الغيث وانصرنا على القوم الكافرين أو اهد قلوبنا ونحو ~~ذلك ثم ذكر الحديث المذكور فبين أن المنهي عنه أن يطلب من المخلوق ما لا ~~يقدر عليه إلا الخالق # والطالب من النبي صلى الله عليه وسلم قد يظن أنه يقدر على قضاء حاجته ولا ~~يكون كذلك كما كان سأله الناس إما نساؤه وإما غيرهن ما ليس عنده وكما كان ~~الناس يأتونه في غزوة تبوك ليحملهم فلا يجد ما يحملهم عليه PageV01P390 قال ~~تعالى @QB@ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ~~تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون @QE@ وكما سأله أبو ~~موسى الأشعري وأصحابه الأشعريون أن يحملهم فقال والله ما أحملكم وما عندي ~~ما أحملكم عليه وكان هؤلاء الأشعريون من خيار الصحابة ظنوه قادرا على ~~حاجتهم ولم يكن كذلك # وفي الصحيحين أن فاطمة ابنته جاءت تسأله خادما فأتاها بعد أن نامت هي ~~وعلي رضي ا لله عنهما فعلمها أن تسبح وتحمد وتكبر وقال ذلك خير لك من خادم ~~ولم يعطها # وقد قال الله تعالى @QB@ وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا ~~تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ~~وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا @QE@ فأمر ~~الله تعالى إذا لم يجد ما يعطي السائل أن يقول له قولا PageV01P391 ميسورا # وفي صفته أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه طالب حاجة لم يرده إلا بها ~~أو بميسور من القول # وقد قال تعالى @QB@ قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر @QE@ # ولما قدم عليه وفد هوازن مسلمين سألوه أن يرد عليهم السبي و المال فقال ( ~~( أحب الحديث إلي أصدقه ومعي من ترون فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي و ~~أما ms032 المال ) ) # فهو تارة يسأل ما يقدر عليه وتارة يسأل ما لا يقدر عليه # فهذا الحديث إن كان صحيحا فقد سأله بعض أصحابه أن PageV01P392 يدفع عنهم ~~ضرر ذلك المنافق فأخرهم أنه لا يقدر عليه بل يطلب ذلك من الله تعالى # كما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه أبو عبيدة بن الجراح عام ~~اليرموك يستنصره على الكفار و يخبره أنه قد نزل بهم جموع لا طاقة لهم بها ~~فلما وصل كتابه بكى الناس و كان من أشدهم عبد الرحمن بن عوف و أشار علي عمر ~~أن يخرج بالناس فرأى عمر أن ذلك لا يمكن و كتب إلى أبي عبيدة مهما ينزل ~~بامرئ مسلم من شدة فينزلها بالله يجعل الله له فرجا و مخرجا فإذا جاءك ~~كتابي هذا فاستعن بالله و قاتلهم فأخبره أنه لا يمكنه أن يعاونه في هذه ~~PageV01P393 القضية و أمره أن يستعين بالله وإن كان قد يمكنه أن يعينه # الوجه الثالث أنه لو أريد هذا المعنى لقيل ما يدل على هذا المعنى مثل أن ~~يقال توكلوا علي و أنا أغيثكم ولم يقل إنه لا يستغاث بي و إنما يستغاث ~~بالله فإنه قد نفى و أثبت بكلام مطلق وليس في الباب ما يدل على ما ذكر # و يظهر هذا بالوجه الرابع وهو أن أبا بكر و غيره من الصحابة أعلم بالله ~~من أن يظنوا أنه يستقل بالإبداع و الاختراع فمن حمل الحديث على PageV01P394 ~~هذا فقد نسب الصديق رضي الله عنه إلى غاية الضلال أين من ينزه الصديق من ~~الخطأ ومن ينسبه إلى هذا # و النبي صلى الله عليه وسلم نفى و أثبت و إن كان ما نفاه لم يخطر بقلوبهم ~~فأي حاجة إلى نفيه # و إن قيل إنهم ظنوه فذلك بهتان عظيم بخلاف ظنهم أنه يقدر على دفع المكروه ~~فإن هذا الظن قد كان يقع منهم كثيرا # وقد يكون الأمر كما يظنه الظان فليس فيه قدح لا في الصحابة رضي الله عنهم ~~ولا في الرسول بخلاف من يقول ms033 لا تعتقدوا في أني مثل الله أقدر و أستقل ~~بالتأثير كما يفعله الله فإن هذا المعنى لا يظنه به من هو دون الصحابة فكيف ~~يظنونه هم # و من أراد أن يأمر غيره بالتوكل مع السبب المأمور به لا ينهاه عن السبب ~~بل يقول له كما قال اعقلها و توكل و كما قال النبي صلى الله عليه و سلم في ~~PageV01P395 PageV01P396 الحديث الصحيح احرص على ما ينفعك و استعن بالله ~~ولا تعجز و كما قال تعالى @QB@ فإذا عزمت فتوكل على الله @QE@ و كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول لمن يبعثه في السرايا ( ( ادعهم إلى الإسلام ~~ثم الهجرة و إلا فالجزية فإن أجابوك و إلا فاستعن بالله و قاتلهم ) ) لا ~~يقال في مثل PageV01P397 هذا ولا يقاتل ولا تحرص على ما ينفعك # الوجه الخامس أن الحديث الذي ذكره حجة عليه وهو حديث ابن مسعود رضي الله ~~تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ( من نزلت به فاقة فأنزلها ~~بالناس لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله أوشك له بالغنى إما بموت عاجل أو غنى ~~عاجل ) ) PageV01P398 # رواه أبو داود و الترمذي و صححه # فإنزال الفاقة بالناس أن يشكو إليهم يترك الشكوى إلى الله فلو كانت ~~الاستغاثة بالمخلوق جائزة لجاز إنزالها بالناس وقد قال يعقوب عليه السلام ~~@QB@ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله @QE@ PageV01P399 # وقال تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما ( ( إذا سألت ~~فسأل الله و إذا استعنت فاستعن بالله ) ) # و رأى الفضيل بن عياض رجلا يشكو إلى رجل فقال يا هذا أتشكو من يرحمك إلى ~~من لا يرحمك # وقال بعضهم ذكر الله الصبر الجميل و الصفح الجميل و الهجر الجميل فالصبر ~~الجميل الذي ليس فيه شكوى إلى المخلوق و الهجر الجميل الذي ليس فيه أذى و ~~الصفح الجميل الذي ليس فيه عتاب # و أما قوله المراد بالخبر التنبيه على الرجوع إلى الله تعالى بالقلب لا ~~ترك السبب بل أن يذكر الله ms034 تعالى في ذلك السبب PageV01P400 # فيقال الأسباب نوعان # سبب مأمور به فهذا طاعة و عبادة لله كطلب الرزق بالصناعة و التجارة 2 و ~~كدفع العدو بالقتال و الأكل عن الجوع و اللباس عند البرد فهذا ليس فيه ~~إنزال الفاقة بهم ولا شكوى إليهم # و أما نفس سؤال الناس فسؤالهم في الأصل محرم بالنصوص المحرمة له و إنما ~~يباح عند الضرورة # و تنازع العلماء هل يجب سؤالهم عند الضرورة # فالمنصوص عن أحمد أنه لا يجب سؤال الخلق مع إيجابه مع غيره من الأئمة ~~الأربعة و غيرهم الأكل من الميتة عن الضرورة فإن الله سبحانه و تعالى لم ~~يوجب سؤال الخلق بل قد وصى النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أصحابه أن لا ~~يسألوا الناس شيئا و كان أحدهم إذا سقط سوطه لا يقول لأحد ناولني إياه منهم ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه PageV01P401 و صاحب الفاقة إذا أنزلها بالله ~~تعالى أنزلها بالغني الملي العليم القدير إذا سأل الله تعالى # و قيل يجب السؤال و هذا منقول عن الثوري وهو اختيار أبي الفرج ابن الجوزي ~~وعلى هذا قال قائل يسأل الناس ما يجب عليهم أن يعطوه إياه إما من الزكاة و ~~إما من غيرها فإن إطعام الجائع فرض على الكفاية من الناس كما ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ( عودوا المريض و أطعموا الجائع و ~~فكوا العاني ) ) # وقد جاء في الحديث ( ( لو صدق السائل ما أفلح من رده ) ) PageV01P402 ~~PageV01P403 # ونقل المروزي عن أحمد أنه إذا علم صدق السائل وجب أن يعطيه قال تعالى ~~@QB@ والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم @QE@ PageV01P404 # و إذا كان يسألهم ما أوجب الله تعالى عليهم كان بمنزلة أن يسأل ذا ~~السلطان أن يعطيه حقه الذي جعل الله له في المال و سؤال ذي السلطان جائز ~~كمن سأل المودع أن يرد عليه وديعته و أن يعطيه حقه من الميراث و المغنم أو ~~نحو ذلك # و على هذا فليس للسائل أن يسال من لا فضل عنده ms035 و ليس له أن يعتدي في ~~السؤال على الناس و ليس له أن يجزع و يعدل عن الصبر الجميل و عليه أن يرغب ~~إلى الله تعالى و يتوكل عليه وحينئذ فلا يكون قد أنزلها بالناس مع أن القول ~~الأول وهو عدم وجوب السؤال أظهر فإن النصوص تقتضي أن ترك سؤال الخلق أفضل ~~مطلقا و لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفة السبعين ألفا ( ( هم ~~الذين لا يسترقون ) ) PageV01P405 # و المسترقي يطلب الرقية و الدعاء من الراقي وقد قال تعالى @QB@ ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ~~@QE@ فقد بين أنه كافي من توكل عليه وأنه لا بد أن يرزق المتقي من حيث لا ~~يحتسب والميتة رزق ساقه الله إليه عند الضرورة فليس له أن يمتنع من أكله ~~فيعين على قتل نفسه ولو أتاه مال من غير مسألة ولا إشراف نفس أخذه # وهذا كله يدل على أن سؤال الخلق والاستغاثة بهم حرام في الأصل لا يباح ~~إلا لضرورة وهو في الأظهر أشد تحريما من الميتة فكيف يقال إنه مأمور به ~~فيما لا يقدر عليه الخلق وهو قال أحد إن سؤال المخلوق والاستغاثة به فيما ~~لا يقدر عليه إلا الله تعالى مأمور به أو مباح # ومن هنا يظهر الوجه السادس قوله والمراد به التنبيه على الرجوع إلى الله ~~تعالى بالقلب لا بترك السبب بل أن يذكر الله تعالى في ذلك PageV01P406 ~~السبب # فيقال له هذا إنما يصح إذا كان السبب مشروعا فإن السبب المشروع 2 لا ~~ينافي التوكل والكلام هنا فيمن يستغيث بالخلق فيما لا يقدر عليه إلا الله ~~كما قيل في الجواب فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يجوز أن يطلب ~~إلا من الله تعالى لا يطلب ذلك لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من ~~غيرهم # ومعلوم أن سؤال الخلق مثل هذا باطل شرعا وعقلا # فمن الذي جعل هذا من الأسباب الشرعية # ومن قال أن النبي صلى الله ms036 عليه وسلم إذا لم يكن عنده شيء يعطيه فينبغي ~~للإنسان أن يسأله ويستغيث به وإذا لم يمكنه دفع العدو ينبغي للإنسان أن ~~يسأله ويستغيث به في ذلك # وقد تقدمت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان يمدح من لا يسأله ~~مطلقا ويذم من يسأله ما لا يحب أن يعطيه ويذم من يسأله ما لا يقدر عليه ~~فسؤاله والاستغاثة في ذلك أذى وعدوان عليه يحرم فعله معه صلى الله عليه ~~وسلم أعظم مما يحرم أذى غيره والعدوان عليه مع ما فيه من الشرك والجزع ~~PageV01P407 # وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم نهوا أن يسألوه كما ثبت في الصحيح عن ~~أنس رضي الله عنه قال نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ~~يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع وقد قال ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم @QE@ # هذا وإن كان في سؤال العلم أحيانا فسؤال الدنيا أولى # وقد ذم من كان يسأل الرسل الآيات قال تعالى @QB@ أم تريدون أن تسألوا ~~رسولكم كما سئل موسى من قبل @QE@ وقال تعالى @QB@ يسألك أهل الكتاب أن تنزل ~~عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ~~@QE@ PageV01P408 # ولو كان يجوز السؤال والاستغاثة به في كل ما يسأل الله ويستغاث به فيه ~~كما قال هؤلاء المفترون إنه تجوز الاستغاثة به وبغيره من الصالحين في كل ما ~~يستغاث الله فيه لم يحرم من مسألته إلا ما يحرم من مسألة الله تعالى # والعبد يجوز أن يسأل الله الرزق والعافية والنصر على الأعداء والهداية ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يسأله أحد كل ما يقدر عليه فضلا عن ~~أن يسأله ما لا يقدر عليه لما في ذلك من الأذى والعدوان عليه وهو أحق ~~بالتعزيز والتوقير من غيره فإذا كان يحرم أذى غيره بذلك فأذاه أولى ~~بالتحريم بل أذاه كفر وأذى المؤمنين ذنب قال تعالى @QB@ إن الذين يؤذون ~~الله ورسوله ms037 لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ~~@QE@ PageV01P409 $ فصل # قال وكثيرا ما تنفى الأشياء في النصوص الشرعية إشارة إلى التوحيد ويثبته ~~الباري سبحانه وتعالى في مواضع أخر اعتبارا بالأسباب وإثباتا لبساط الحكمة ~~فيأتي هذا المبتدع فيخلط في الحقائق ويلحد في الآيات كما قال في الإغاثة ~~والنصرة وغيرهما إنها لا تصح في الخلق ولا يسألونها ولا تضاف إليه # وأخطأ في ذلك فإن هذه الحقائق تثبت للمخلوقات حقيقة لغوية بإجماع العلماء ~~ونصوص الكتاب والسنة اعتبارا بالسبب والحكمة وتنفي عن الخلق إشارة للتوحيد ~~وانفرادا للباري بخلقها كما انفرد بخلق غيرها # كما قال سبحانه وتعالى من بساط التوحيد @QB@ وما النصر إلا من عند الله ~~@QE@ # وقال عز وجل @QB@ إنك لا تهدي من أحببت @QE@ # وقال @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ PageV01P410 # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ # وقال @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر @QE@ # وفي الصحيح انصر أخاك ظالما أو مظلوما # وقال تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة @QE@ # وقال تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ # وفي الصحيح والله عون العبد ما كان العبد في عون أخيه PageV01P411 # وأعنى على نفسك بكثرة السجود # وجمع الوجهين في قوله تعالى @QB@ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى @QE@ # فيقال في هذا الكلام من الكذب والافتراء والظلم والاعتداء والجهل والضلال ~~ما يظهر عند التأمل # وجوابه من وجوه # الأول إن لفظ المذكور جواب المسألة التي سألها واعترض بعد جوابها قد ثبت ~~بالسنة المستفيضة المتواترة باتفاق الأمة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~الشافع المشفع وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة وأن الناس يستشفعون به ~~ويطلبون منه أن يشفع لهم # ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر وأنه لا يخلد في ~~النار من أهل التوحيد أحد PageV01P412 # وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر ولم ينكروا شفاعته ~~للمؤمنين إلا ما يحكى عن طائفة قليلة منهم وهؤلاء مبتدعة ضلال وفي تكفيرهم ~~نزاع وتفضيل # ومن أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع ms038 فهو كافر بعد قيام الحجة عليه وسواء ~~سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه وكذلك من أقر بشفاعته في الآخرة وأنكر ~~ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به # كما رواه البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا ~~قحطوا استسقوا بالعباس رضي الله عنه وقال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ~~فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون وفي سنن أبي داود وغيره ~~أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك ~~المال فادع الله تعالى لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك ~~فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال ويحك ~~إن الله تعالى لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك وذكر ~~تمام الحديث فأنكر PageV01P413 قوله نستشفع بالله عليك ولم ينكر قوله ~~نستشفع بك على الله بل أقره عليه فعلم جوازه # فمن أنكر هذا فهو مخطئ ضال مبتدع وفي كفره نزاع وتفصيل PageV01P414 # وأما من أقر بما ثبت في الكتاب والسنة والإجماع من شفاعته والتوسل به ~~ونحو ذلك ولكن قال إنه لا يدعى إلا الله تعالى وإن الأمور التي لا يقدر ~~عليها إلا الله تعالى فلا تطلب إلا منه مثل غفران الذنوب وهداية القلوب ~~وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك فهذا مصيب في ذلك هذا مما لا نزاع فيه ~~بين المسلمين أيضا # كما قال تعالى @QB@ ومن يغفر الذنوب إلا الله @QE@ # وقال تعالى @QB@ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ # وكما قال تعالى @QB@ يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق ~~غير الله يرزقكم من السماء والأرض @QE@ PageV01P415 # وكما قال تعالى @QB@ وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما ~~النصر إلا من عند الله @QE@ # وقال @QB@ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ ~~هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا @QE@ # فالمعاني ms039 الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها والمعاني المنفية بالكتاب ~~والسنة يجب نفيها والعبارة الدالة على المعاني نفيا وإثباتا إن وجدت في ~~كتاب الله تعالى وكلام رسوله وجب إقرارها وإن وجدت في كلام أحد فظهر مراده ~~من ذلك رتب عليه حكمه وإلا رجع إليه فيه # وقد يكون في كلام الله ورسوله عبارة لها معنى صحيح لكن بعض الناس يفهم من ~~تلك العبارة غير مراد الله ورسوله فهذا يرد عليه فهمه كما روى الطبراني في ~~معجمه الكبير أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين ~~فقال أبو بكر الصديق قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( إنه لا يستغاث بي وإنما ~~يستغاث بالله عز وجل ) ) PageV01P416 # فهذا إنما أراد به النبي صلى الله عليه وسلم المعنى الثاني وهو أن يطلب ~~منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا ~~يطلبون منه الدعاء و يستسقون به كما في صحيح البخاري عن ابن عمر قال ربما ~~ذكرت قول الشاعر و أنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فما ~~ينزل حتى يجيش له الميزاب % و أبيض يستسقى الغمام بوجهه % ثمال اليتامى ~~عصمة للأرامل % $ PageV01P417 وهو قول أبي طالب # و لهذا قال المصنفون في أسماء الله تعالى يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا ~~غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله تعالى و أن كل غوث فمن عنده و إن كان ~~جعل ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه و تعالى و لغيره مجازا # قالوا و من أسمائه المغيث و الغياث و جاء ذكر المغيث في حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه PageV01P418 # قالوا جميعا و أجمعت الأمة على ذلك وقال أبو عبيد الله الحليمي الغياث هو ~~الغيث و أكثر ما يقال غياث المستغيثين و معناه المدرك عباده في الشدائد إذا ~~دعوه و مريحهم و مخلصهم # وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين اللهم أغثنا اللهم PageV01P419 أغثنا ms040 يقال ~~أغاثه إغاثة و غوثا وهذا الاسم في هذا المعنى مجيب و المجيب المستجيب قال ~~تعالى @QB@ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم @QE@ إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال ~~و الاستجابة أحق بالأقوال وقد يقع كل منهما موقع الآخر # قالوا و الفرق بين المستغيث و الداعي أن المستغيث ينادي بالغوث و الداعي ~~ينادي بالمدعو وقد تقدم حكاية هذا إلى آخره فليس هذا موضع استقصائه وفيه و ~~الاستغاثة بالرسول بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع ~~فيها مسلم كما أنه يستغاث بغيره بمعنى أنه يطلب منه ما يليق به ومن نازع في ~~هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به و إما مخطئ ضال و أما المعنى ~~الذي نفاه الرسول صلى الله عليه وسلم فهي أيضا مما يجب نفيها ومن أثبت لغير ~~الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضا كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر ~~تاركها PageV01P420 # و من هذا الباب قول أبي يزيد البسطامي رحمه الله استغاثة المخلوق ~~بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق # وقول الشيخ أبي عبد الله القرشي الشيخ المشهور بالديار المصرية وغيرها ~~استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون # وفي دعاء موسى عليه السلام اللهم لك الحمد وإليك المشتكى و أنت المستعان ~~وبك المستغاث وعليك التكلان و لا حول ولا قوة إلا بالله # و لما كان هذا المعنى هو المفهوم منها عند الإطلاق صح إطلاق نفيها عما ~~سوى الله عز وجل ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق ~~الاستغاثة بغير الله تعالى ولا أنكر على من نفى PageV01P421 مطلق الاستغاثة ~~عن غير الله تعالى # و كذلك الاستعانة أيضا منها ما لا يصح إلا لله وهي المشار إليها بقوله ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فإنه لا يعين على العبادة الإعانة ~~المطلقة إلا الله وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه كما قال تعالى @QB@ ~~وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ # و كذلك الاستنصار وقال تعالى @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~@QE@ و النصر المطلق وهو خلق ما به يغلب ms041 العدو لا يقدر عليه إلا الله تعالى # فهذه ألفاظ جواب السؤال الذي طلب جوابه كما تقدم ذكر سؤاله و جوابه وقد ~~ذهب إليه الجواب ووقف عليه و زعم أنه يرد عليه فافترى 2 PageV01P422 على ~~المجيب بقوله إنه يخلط في الحقائق و يلحد في الآيات كما قال في الإغاثة و ~~النصر و غيرهما إنها لا تصح من الخلق ولا يسألونها ولا تضاف إليهم و أخطأ ~~في ذلك فإن هذه الحقائق تثبت للمخلوقات حقيقة لغوية بإجماع العلماء و نصوص ~~الكتاب والسنة اعتبارا بالسبب و الحكمة و تنفي عن الخلق إشارة إلى التوحيد ~~و انفراد الباري عز وجل بخلقها كما انفرد بخلق غيرها # كما قال تعالى من بساط التوحيد @QB@ وما النصر إلا من عند الله @QE@ # و قال @QB@ إنك لا تهدي من أحببت @QE@ # و قال @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ # و قال لنبيه صلى الله عليه وسلم @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ # وقال @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر @QE@ # وقال تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ PageV01P423 # فيقال المجيب لم ينفها عن الخلق مطلقا كما ذكرت بل قال وقد يستعان ~~بالمخلوق فيما يقدر عليه كما قال تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى ~~@QE@ و كذلك الاستنصار قال تعالى @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~@QE@ # فقد ذكر هاتين الآيتين قبلك وفرق بين ما يضاف إلى المخلوق وما يضاف إلى ~~الخالق من النصر و الإغاثة كما فرق بين هذا وهذا في الإغاثة # فنقلك عنه النفي العام كذب بين ولكن هو فصل فجعل ما يخص به الله الذي لا ~~يضاف إلى غيره وهو المطلق و إنما يضاف إلى المخلوق ما يليق به و أنت تريد ~~أن تجعل المخلوق عدل الخالق يضاف إليه جميع ما يضاف إلى الرب عز وجل مضاهاة ~~للحلولية و النصارى و المشركين الذين أنت و أمثالك من طلائع جيوشهم و أبواب ~~مدائنهم وهم دعاة إلى مذهبهم في الحقيقة و إن كانوا لا يعلمون لوازم قولهم ~~و هذا بين يكشف ضلال هؤلاء PageV01P424 # و نقول في الوجه الثاني قوله وكثيرا ما ms042 تنفى الأشياء في النصوص الشرعية ~~إشارة إلى التوحيد و يثبته الباري سبحانه و تعالى في مواضع أخر اعتبارا ~~بالأسباب و إثباتا لبساط الحكمة هو كلام باطل فإن الله سبحانه وتعالى لا ~~ينفي شيئا و يثبته إذ الجمع بين نفيه و إثباته تناقض و كلام الله منزه عن ~~التناقض قال الله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا @QE@ ولكن المنفي غير المثبت فالذي ينفيه في موضع ليس هو الذي يثبته ~~في موضع أخر ولكن هؤلاء الضلال يجعلون المنفي عين المثبت فيكون ما يضاف إلى ~~الرب سبحانه و تعالى بطريق التوحيد يضاف إلى غيره بطريق السبب و الحكمة و ~~لهذا قالوا إن كل ما يطلب من الله يطلب من غيره بهذا الطريق فأشركوا في ~~ربوبية الله تعالى وفي دعاء الله تعالى و عبادته حيث PageV01P425 # جعلوا ما يضاف إلى المخلوق يضاف إليه تعالى فصار حقيقة قولهم أن المخلوق ~~تضاف إليه مفعولات الله تعالى كلها و يطلب منه مقدورات الرب كلها لما في ~~الخلق من السبب و الحكمة # ولم يعلم هؤلاء الجهال أن السبب لا يستقل بالتأثير بل تأثيره متوقف على ~~سبب آخر وله موانع و حينئذ فلا يجوز تخصيصه بالإضافة إليه و إن كان سببا # و أيضا فالأسباب التي نعرفها مضبوطة و أكثر ما فعله الله و يفعله لا نعرف ~~نحن أسبابه # و أيضا أثبتوا أسبابا في خلقه و أمره ما أنزل الله بها من سلطان بل ~~إثباتها مخالف للشرع و العقل فضلوا في إثبات أسباب لا حقيقة لها وفي ~~الإضافة إليها وفي تعليق الحوادث كلها بسبب واحد # وقد حدثني بعض الثقات عن هذا الشخص أنه كان يقول إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم علم مفاتيح الغيب التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم تكذيبا ~~لقوله وردا عليهم ( ( خمس لا يعلمها إلا الله تعالى إن الله عنده علم ~~الساعة و ينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا PageV01P426 ~~تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ms043 ) ) و أظنه ذكر عنه أنه قال علمها بعد ~~أن أخبر أنه لا يعلمها إلا الله تعالى # و آخر من جنسه يباشر التدريس و ينسب إلى الفتيا كان يقول إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعلم ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر عليه الله و إن هذا ~~السر انتقل بعده إلى الحسن ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن ~~الشاذلي وقالوا هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع # وكان شيخ آخر معظم عند أتباعه يدعي هذه المنزلة ويقول إنه PageV01P427 ~~المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم و إنه يزوج عيسى بابنته و إن ~~نواصي الملوك و الأولياء بيده يولي من يشاء و يعزل من يشاء و إن الرب تعالى ~~يناجيه دائما و إن هو الذي يمد حملة العرش و حيتان البحر و قد عزرته تعزيرا ~~بليغا في يوم مشهود بحضرة من أهل المسجد الجامع يوم الجمعة بالقاهرة فعرفه ~~الناس و انكسر بسببه أشباهه من الدجاجلة # ومن هؤلاء من يقول في قوله تعالى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ~~لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا @QE@ يقول إن ~~الرسول هو الذي يسبح بكرة و أصيلا و منهم من يقول أسقط الربوبية وقل في ~~الرسول ما شئت % دع ما ادعته النصارى في نبيهم % و احكم بما شئت مدحا فيه و ~~احتكم % # | % فإن فضل رسول الله ليس له % حد فيعرب عنه ناطق بفم % # % و انسب إلى ذاته ما شئت من شرف % و انسب إلى قدره ما شئت من عظم % # | % لو ناسبت قدره آياته عظما % أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم % # و منهم من يقول نحن نعبد الله و رسوله فيجعلون الرسول معبودا # و منهم من يأتي قبر الميت الرجل أو المرأة الذي يحسن به الظن PageV01P428 ~~لنفسه فيقول اغفر لي و ارحمني ولا توقعني على زلة ولا توقفني على خطيئة 2 # ونحو هذا الكلام يرد إلى أمثال هذه الأمور التي يتخذ المخلوق فيها إلها # ولما استقر هذا في نفوس عامتهم تجد ms044 أحدهم إذا سئل عمن ينهاهم عن هذا ما ~~يقول هذا فيقول فلان عنده ما ثم إلا الله تعالى لما استقر في نفوسهم وهذا ~~كله و أمثاله وقع ونحن بمصر و آخر يقول معظما لمن يدعو إلى التوحيد قد جعل ~~الإله إلها واحدا # و المقصود هنا أن نبين خطأه فيما ذكره عن الله من أنه ينفي الأشياء إشارة ~~إلى التوحيد و يثبتها اعتبارا بالأسباب و نبين أنه سبحانه لا ينفي ما أثبته ~~ولا يثبت ما نفاه # أما قوله تعالى @QB@ وما النصر إلا من عند الله @QE@ فهذا النصر ~~PageV01P429 المنفي في هذه الآية عن غير الله لم يثبته الله لغيره قط والذي ~~ذكره في قوله @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر @QE@ ليس هذا هو ~~ذاك # يبين هذا أنه قال @QB@ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ~~آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا @QE@ إلى أن قال @QB@ وما ~~النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم @QE@ وقال تعالى @QB@ إذ تستغيثون ~~ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا ~~بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم @QE@ # فهو سبحانه و تعالى قد أمدهم بالملائكة و معلوم أن نصر الملائكة لهم أعظم ~~من النصر الذي أمروا به في قوله @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~@QE@ PageV01P430 فإن هؤلاء غاية ما يفعلونه دون ما تفعله الملائكة ثم بين ~~أنه و إن نزلت الملائكة وقاتلت فالنصر لا يحصل بمجرد هذا إن لم يحدث الله ~~ما به ينتصر المؤمنون وذلك لأن المقاتل من الملائكة و البشر غاية قدرته ~~حركة نفسه و أما ما يتولد عن ذلك فهو لا يستقل به # و الناس متنازعون في هذا # فكثير من النظار المثبتين للقدر يقولون إن جميع المتولدات فعل الله ليس ~~فعلا للعباد مثل الشبع و الري وانقطاع العضو و خروج السهم من القوس # و أما القدرية فيقول أكثرهم إنها مفعول فاعل السبب و يقسمون الأفعال إلى ~~مباشر و متولد لكنهم ms045 مع هذا يعلمون أن الفعل لا يتم بمجرد قدرة العبد بل ~~بأمور خارجة عن قدرته # وقالت الطائفة الثالثة إن هذه المتولدات حادثة بفعل العبد و بالأسباب ~~الأخرى فالعبد مشارك فيها لم ينفوا أثره كما نفاه الأولون PageV01P431 ولا ~~جعلوه فاعلا كالآخرين بل جعلوه مشاركا فيها # وهذا أعدل الأقوال ولهذا فرق الله تعالى بين الأعمال المباشرة و بين ~~الأعمال المتولدة في قوله تعالى @QB@ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ~~إلا كتب لهم به عمل صالح @QE@ الآية ثم قال @QB@ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا ~~كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم @QE@ # فلما كان الإنفاق و السير عملا مباشرا قال فيه @QB@ كتب لهم @QE@ وتلك ~~الأمور من النصب و الجوع و غيظ الكفار و النيل من العدو ليس مباشرا بل هو ~~مما يسمى متولدا فلهذا قال فيه @QB@ إلا كتب لهم به عمل صالح @QE@ لأنهم ~~مشاركون في حصول هذا الآثار و حصول هذه الآثار لا بد فيه من الأسباب التي ~~يخلقها الله ومن رفع الموانع فلا تجوز أن تجعل مفعولة لسبب معين بل هي ~~مفعولة لله تعالى و انتصار المؤمنين على الكفار هو أعظم من النيل الذي ينال ~~من العدو فإذا لم يكن هذا مفعولا لمخلوق فكيف يكون النصر # وهب أن الملائكة نزلت بقذف الرعب في قلوب الكفار كما قال تعالى @QB@ إذ ~~يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب @QE@ PageV01P432 و أيضا فهب أن الملائكة حضروا فمن الذي يخلق ~~القدرة فيهم وفي المؤمنين و القدرة التي بها يكون الفعل أكثر لا يكون إلا ~~مع الفعل وهب أن القدرة حصلت فمن يخلق الأسباب الخارجة كقبول الجلود للجرح ~~و حصول الزهوق بعد الجرح و الهزيمة المستمرة إذ يمكن أن الكفار يقرون و ~~يكرون و يمكن أنهم يقاتلون حتى يقتلوا فلا يقتل منهم واحد حتى يقتل غيره # فالنصر الذي قال الله تعالى فيه @QB@ وما النصر إلا ms046 من عند الله @QE@ لا ~~يقدر عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا يقدر عليه إلا الله تعالى ليس في ~~الموجودات سبب يحصل به هذا النصر ولا موجب له إلا مشيئة الله تعالى فما شاء ~~كان وما لم يشأ لم يكن فإن كل ما يكون لسبب فلا بد من حصول سبب آخر ومن رفع ~~موانع # ثم خلق الأسباب ورفع الموانع لا بد أن يحدث هو سبحانه ذلك الأثر بفعل منه ~~على أصح قولي الجمهور الذين يقولون إن الخلق غير المخلوق فإن هؤلاء لهم ~~قولان هل يخلق بفعل واحد قديم يوجد جميع PageV01P433 الموجودات أم هو يوجد ~~به المفعولات بأفعال متعاقبة كما قال تعالى @QB@ خلقا من بعد خلق @QE@ على ~~قولين # ومن قال بالثاني قال إن المؤثر التام يستلزم الأثر التام وإلا لزم ~~الترجيح بلا مرجح فإن الفاعل إذا كان قبل حدوث المفعول و حين حدوثه على حال ~~واحدة كان تخصيص أحد الحالين بحدوث المفعول ترجيحا لأحد المتماثلين على ~~الآخر بلا مرجح وهذا ممتنع في صريح العقل فالأثر لا يوجد إلا إذا حصل مؤثره ~~التام فإنه بدون تمامه لا يكون مؤثرا فلا يحصل الأثر وإذا تم وجب حصول ~~الأثر إذ لو لم يجب لأمكن وجوده و أمكن عدمه فكان يتوقف على حدوث شيء آخر ~~فلا يكون المؤثر تاما # و هؤلاء يقولون إن القدرة مع الفعل و كذلك الإرادة و سائر ما يتوقف عليه ~~الفعل و إن كان بعض ذلك قد يتقدم عليه و يبقى إلى حين حصوله لكن لا بد من ~~وجوده معه وهذا الفعل الذي هو تكوين الرب PageV01P434 سبحانه وتعالى خارج ~~عن جميع الأسباب المخلوقة # و أما قوله @QB@ إنك لا تهدي من أحببت @QE@ مع قوله @QB@ وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم @QE@ فقد اتفق المسلمون على أن تلك الهداية المنفية ليست هي ~~الهداية المثبتة له لا نزاع في هذا بين أهل السنة و القدرية # و أما الهداية المثبتة فهي الدعوة و البيان وهذه يشترك فيها من يحبه ومن ~~لا يحبه فإن عليه البلاغ وقد بلغ ms047 صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين وقال في ~~آخر عمره في حجة الوداع ( ( اللهم هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد ) ) ~~PageV01P435 # و نظير هذا قوله تعالى @QB@ وأما ثمود فهديناهم @QE@ وقوله @QB@ فقالوا ~~أبشر يهدوننا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولكل قوم هاد @QE@ # فإن الهداية هداية الدلالة و الإرشاد بكلامه و بعلمه و أمره ونهيه و ~~ترغيبه و ترهيبه # و أما حصول الهدى في القلب فهذا لا يقدر عليه أحد باتفاق المسلمين سنيهم ~~و قدريهم لأن أحدا لا يستطيع أن يهدي القلوب و يخلق الهدى فيها غير الله # أما أهل السنة فيقولون إن الإهتداء الذي في القلب لا يقدر عليه إلا الله ~~ولكن العبد يقدر على أسبابه وهو المطلوب منه بقوله تعالى PageV01P436 @QB@ ~~اهدنا الصراط المستقيم @QE@ وهو المنفي عن الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ~~@QB@ إنك لا تهدي من أحببت @QE@ وقوله @QB@ إن تحرص على هداهم فإن الله لا ~~يهدي من يضل @QE@ وقوله @QB@ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ # و أما القدرية فيقولون إن ذلك مقدور للعبد # ولهذا تنازعوا في العلم الحاصل في القلب عقب الاستدلال # فقالت القدرية هو فعل العبد # وقالت المثبتة هو مفعول الله كسب للعبد ونظيره # و تنازعوا في النظر هل هو متضمن له مستلزم له أو مقترن اقترانا عاديا على ~~قولين مشهورين # و التحقيق أنه من جملة الأمور التي تسمى المتولدات كالشبع و الري و ~~الرؤية في العين والسمع في الأذن فهي حاصلة بفعل العبد المقدور و بأسباب ~~خارجة عن قدرته ولهذا يثاب عليه لما له في حصوله PageV01P437 من السبب و ~~الاكتساب # و كذلك قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فإن هذه الاستعانة التي ~~يختص بها الله تبارك و تعالى لم يثبتها لغيره أبدا كما أن العبادة له لم ~~يثبتها لغيره أبدا # وقوله تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ ليس ذلك التعاون هو هذه ~~الإعانة المطلوبة من الله تعالى # فإن إعانة الله لعبده على عبادته تكونه بأمور لا يقدر عليها غيره مثل جعل ~~العلم و الهدى في القلب و جعل الإرادة و الطلب ms048 في القلب و خلق القوى ~~الباطنة و الظاهرة و خلق الأسباب المنفصلة التي بها تحصل العبادة ومعونة ~~الإنسان لغيره إنما هي بفعله القائم في محل قدرته وهي PageV01P438 شيء لا ~~يخرج عنه وما خرج عن محل قدرته فقد تقدم الكلام فيه و غايته أن يكون له فيه ~~شرك # و المقصود أن ما أمر الخلق به و جعله فعلا هو الذي نفاه عن غيره و بين ~~أنه يختص به # و أما قوله @QB@ وما رميت إذ رميت @QE@ فتقدم الكلام عليها و بينا غلط من ~~ظن أن الرمي المنفي عن الرسول هو عين المثبت له و بينا أن المنفي هو وصول ~~الرمي إلى الكفار و تأثيره فيهم و المثبت هو الحذف الذي فعله الرسول صلى ~~الله عليه وسلم # وقوله ( ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) ) هو من جنس قوله @QB@ وإن ~~استنصروكم في الدين فعليكم النصر @QE@ PageV01P439 # و أما قوله @QB@ استعينوا بالصبر والصلاة @QE@ فالمستعان به فعل يفعله ~~العبد و المعنى اصبروا و صلوا فإن ذلك يعينكم على المطلوب # و الأعمال الصالحة بينها تصادق و تلازم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~( ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر و البر يهدي إلى الجنة ولا يزال ~~الرجل يصدق و يتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ) ) # و كذلك الأعمال السيئة بينها تصادق و تلازم كما قال في نفس هذا الحديث ( ~~( و إياكم و الكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور و إن الفجور يهدي إلى النار ~~ولا يزال الرجل يكذب و يتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ) ) # أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه # وهداية الصدق مثل إعانة الصبر و الصلاة وليس ذلك هو ما أثبته PageV01P440 ~~الله لنفسه و نفاه عن غيره سبحانه وتعالى أن يكون تأثيره مثل تأثير الإعراض # وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ( والله في عون العبد ما كان العبد في ~~عون أخيه ) ) هو من جنس قوله تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ # فقد تبين أن جميع ما ذكره من النصوص ليس ms049 فيه ان ما نفاه عن PageV01P441 ~~غيره أثبته لغيره في موضع آخر بل الذي أثبته لغيره غير الذي نفاه عن غيره # الوجه الثالث قوله إن هذه الحقائق تثبت للمخلوقين حقيقة لغوية بإجماع ~~العلماء غايته أن قول العرب مات زيد و تحركت الشجرة وهبت الريح ونحو ذلك ~~يسمى في لغتهم حقيقة وهذا لا ينفعه لأن المضاف إلى المخلوق ليس هو الذي ~~نفاه الرب عن غيره # فإنه يقال أماته الله و الإماتة التي اختص الله بها لا تثبت لغيره وإن ~~قيل إن فلانا أماته فالمراد أنه فعل فعلا خلق الله الموت فيه مع أسباب أخر ~~هو من جملتها وهو المضاف إلى العبد ليس هو الذي نفاه الرب عن غيره فما يضاف ~~إلى السبب لم ينفه الله عن غيره وما نفاه لا يضاف إلى السبب # و أيضا فهب أن هذا حقيقة لغوية أي قاعدة في هذا الكلام هنا في الحقائق ~~العقلية و الأحكام الشرعية لا في استعمال الألفاظ وليس كل من أضيف إليه ~~الفعل لغة يترتب على ذلك الأحكام الشرعية التي للفاعلين PageV01P442 # الوجه الرابع قوله اعتبارا بالأسباب و إثباتا لبساط الحكمة ماذا تعنى به # فإن الناس يتنازعون في ذلك # فمنهم من يقول ليس في الوجود سبب له تأثير و حكمة يفعل لأجلها بلا محض ~~مشيئة الرب قرنت بين الشيئين قرانا عاديا فإن تقدم سمي سببا و إن تأخر سمي ~~حكمة من غير أن يكون للمتقدم تأثير في اقتضاء الفعل ولا للفعل تأثير في ~~اقتضاء الحكمة # وليس عند هؤلاء في القرآن لام التعليل في فعل الله وهذا قول جهم بن صفوان ~~و كثير من النظار المنتسبين إلى القدر كالأشعري و أتباعه ومن وافقهم من ~~أصحاب مالك و الشافعي و أحمد رضي الله عنهم بل ولا يقولون إن هذا الشخص ~~ينسب إليهم فعلى قولهم لا سبب ولا حكمة # ومن الناس من أثبت حكمة منفصلة عن الرب يفعل لأجلها وهو قول المعتزلة و ~~نحوهم من الجهمية # ثم القدرية من هؤلاء يثبتون التأثير لأفعال الحيوان ولا يثبتون تأثيرا ms050 ~~PageV01P443 لغير ذلك # و أما الفقهاء و أهل الحديث و الصوفية و أهل الكلام كالكرامية و غيرهم ~~فإنهم يثبتون السبب و الحكمة لكن كثير من هؤلاء يتناقض فيتكلم في الفقه ~~بلون وفي أصول الفقه بلون و في أصول الدين بألوان ففي الفقه يثبت الأسباب ~~والحكم وفي أصول الفقه يسمي العلل الشرعية أمارات خلاف ما يقوله في الفقه ~~وفي أصول الدين ينفي الحكمة و التعليل بالكلية لظنه أن قول القدرية لا يمكن ~~إبطاله إلا بذلك و القليل من هؤلاء هو الذي يحقق الحكمة و يبين رجوعها إلى ~~الفاعل الحكيم مع حصول موجبها في مخلوقاته # وهذه المسائل من اشرف العلم وقد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع و ~~المقصود هنا أن ما ذكره هذا الشخص من النصوص ليس فيه إثبات الأسباب و الحكم ~~لأفعال الرب سبحانه و تعالى التي نفاها عن غيره # و بيان ذلك أن الأسباب عند من يقول بإثباتها هي من جملة الحوادث التي ~~يكون الرب عز وجل فاعلا لها فالقول في إحداثه للسبب PageV01P444 و الحكمة ~~كالقول في إحداثه ما بينهما يمتنع أن يكون بشيء من ذلك محدثا لغيره بل هو ~~محدث لجميع المحدثات و ليس في ذلك ما يوجب كون الأسباب محدثة # و أيضا فهذه الآيات التي ذكر ليس فيها إثبات حكم شيء من المحدثات كقوله ~~تعالى @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ @QB@ فعليكم النصر @QE@ بل ولا ~~فيها إثبات نسب لفعل الرب سبحانه و تعالى بل فيها إثبات بعض أفعال العباد ~~كهدايته و إعانته و أفعال العباد لا تختص بكونها أسباب دون غيرها من ~~الحوادث فكلام هذا الرجل كلام من لم يتصور صحيحا ولا عبر فصيحا # الوجه الخامس أن يقال نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته PageV01P445 الله ~~من الأسباب و الحكم لكن # من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق و دعاءه سببا في الأمور التي لا يقدر ~~عليها إلا الله تعالى # ومن الذي قال إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر نبيا كان أو غير نبي ~~كان ذلك سببا ms051 في حصول الرزق و النصر و الهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا ~~الله تعالى # ومن الذي شرع ذلك و أمر به # ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء و الصحابة و التابعين لهم بإحسان إلى يوم ~~الدين # فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين # إحداهما إن هذه الأسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى # و الثانية أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها فإنه ليس كل ما كان سببا ~~كونيا يجوز تعاطيه فإن قتل المسافر قد يكون سببا لأخذ ماله PageV01P446 و ~~كلاهما محرم و الدخول في دين النصارى قد يكون سببا لمال يعطونه و محرم و ~~شهادة الزور قد تكون سببا لمال يؤخذ من المشهود له وهو حرام و كثير من ~~الفواحش و الظلم قد يكون سببا لنيل مطالب وهو محرم و السحر و الكهانة سبب ~~في بعض المطالب وهو محرم و كذلك الشرك في مثل دعوة الكواكب و الشياطين و ~~عبادة البشر قد يكون سببا لبعض المطالب وهو محرم فإن الله تعالى حرم من ~~الأسباب ما كانت مفسدته راجحة على مصلحته وإن كان يحصل به بعض الأغراض ~~أحيانا # وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقا و أمرا فإنهم مطالبون ~~بالأدلة الشرعية على أن الله عز وجل شرع لخلقه أن يسألوا ميتا أو غائبا و ~~أن يستغيثوا به سواء كان ذلك عند قبره أو لم يكن عند قبره والله تعالى حي ~~عالم قادر لا يغيب كفى به شهيدا وكفى به عليما وهم لا يقدرون على ذلك بل ~~نقول في PageV01P447 # الوجه السادس سؤال الميت و الغائب نبيا كان أو غيره من المحرمات المنكرة ~~باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ~~ولا التابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين # وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين أن أحدا منهم ما كان يقول إذا ~~نزلت به ترة أو عرضت له حاجة لميت يا سيدي فلان أنا في حسبك أو ms052 اقض حاجتي ~~كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى و الغائبين # ولا أحد من الصحابة رضي الله عنهم استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~موته ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها وقد كانوا ~~يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال و يشتد البأس بهم و ~~يظنون الظنون ومع هذا لم يستغث أحد منهم بنبي ولا غيره من المخلوقين ~~PageV01P448 # ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلا # ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ولا قبور غير الأنبياء ولا ~~الصلاة عندها # وقد كره العلماء كمالك و غيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم يدعو لنفسه و ذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف # و أما ما يروى عن بعضهم أنه قال قبر معروف الترياق المجوب وقول بعضهم ~~فلان يدعى عند قبره و قول بعض الشيوخ لمريده إذا كانت لك إلى الله حاجة ~~فاستغث بي أو قال استغث عند قبري ونحو ذلك فإن هذا قد وقع فيه كثير من ~~المتأخرين و أتباعهم و كثير من هؤلاء إذا استغاث بالشيخ رأى صورته و ربما ~~قضى بعض حاجته فيظن أنه الشيخ نفسه أو أنه ملك تصور على صورته و أن هذا من ~~كراماته فيزداد به شركا وفيه مغالاة ولا يعلم أن هذا من جنس ما تفعله ~~الشياطين PageV01P449 بعباد الأوثان حيث تتراءى أحيانا لمن تعبدها و ~~تخاطبهم ببعض الأمور الغائبة و تقضي لهم بعض الطلبات ولكن هذه الأمور كلها ~~بدع محدثة في الإسلام بعد القرون الثلاثة المفضلة # و كذلك المساجد المبنية على القبور التي تسمى المشاهد المحدثة في الإسلام ~~و السفر إليها محدث في الإسلام لم يكن من ذلك شيء في القرون الثلاثة ~~المفضلة # بل ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ( لعن الله ~~اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) ) يحذر ما فعلوا قالت عائشة ~~رضي الله عنها ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ ms053 مسجدا PageV01P450 # و ثبت في الصحيح عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس ( ( إن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) ) ~~PageV01P451 # وقد تقدم في الجواب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أجدبوا استسقى ~~بالعباس وقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا و إنا نتوسل إليك ~~بعم نبينا فاسقنا # فلم يذهبوا إلى القبور ولا توسلوا بميت ولا غائب بل توسلوا بالعباس كما ~~كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان توسلهم به توسلهم بدعائه ~~كالإمام مع المأموم وهذا تعذر بموته # فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء و الصالحين اللهم إني أسألك بفلان ~~أو بجاه فلان أو بحرمة فلان فهذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~عن الصحابة ولا عن التابعين وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز و نقل ~~عن بعضهم جوازه # فكيف يقول القائل للميت أنا أستغيث بك و أستجير بك و أنا في حسبك أو سل ~~لي الله و نحو ذلك # فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة ولو قدر أن له تأثيرا PageV01P452 ~~فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح بل مفسدته راجحة على مصلحته كأمثاله من دعاء ~~غير الله تعالى # و ذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب ميت من تتمثل له الشياطين وربما ~~كانت على صورة ذلك الغائب و ربما كلمته وربما قضت له أحيانا بعض حوائجه كما ~~تفعل شياطين الأصنام بعبادها وهذا مما قد جرى لغير واحد فينبغي أن يعرف هذا # ومن هؤلاء من يؤذي الميت بسؤاله إياه أعظم مما يؤذيه لو كان حيا وربما ~~قضيت حاجته مع ذم يلحقه كما كان الرجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيعطيه و يقول ( ( إن أحدهم ليسألني المسألة فيخرج بها يتأبطها نارا ) ) # ومن هذه الحكاية المذكورة في الذي جاء إلى قبر النبي و طلب منه سكباجا ~~فأتاه بعض أهل المدينة فأطعمه سكباجا و أمره بالخروج PageV01P453 من ~~المدينة وقال إنه رأى ms054 النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يطعمه و أن يخرجه ~~وقال من يقيم بالمدينة لا يتمنى ذلك أو كما قال # ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم بل ومن هو دونه حي يسمع كلام الناس ~~كما قال صلى الله عليه وسلم ( ( ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي ~~حتى أرد عليه السلام ) ) و ( ( ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في ~~الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه ) ) رواه ابن عبد ~~البر و صححه # لكن في مسألتهم أنوا ع من المفاسد منها إيذاؤهم له بالسؤال ومنها إفضاء ~~ذلك إلى الشرك وهذه المفسدة توجد معه بعد الموت دون الحياة فإن أحدا من ~~الأنبياء و الصالحين لم يعبد في حياته إذ هو ينهى عن ذلك و أما بعد الموت ~~فهو لا ينهى فيفضي ذلك إلى اتخاذ قبره وثنا يعبد ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( ( لا تتخذوا قبري عيدا ) ) وقال ( ( اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد ) ) PageV01P454 PageV01P455 # وقال غير واحد من السلف في قوله تعالى @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ إن هؤلاء كانوا قوما صالحين ~~في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم ~~الأمد فعبدوهم # ولهذا المعنى لعن النبي صلى الله عليه وسلم الذين اتخذوا قبور الأنبياء و ~~الصالحين مساجد # و أما النبي أو الصالح إذا بنى له مسجدا في حياته يصلى فيه معه فهذا من ~~أفضل الأعمال # فحكم الحياة يفارق حكم الممات وذلك كما جاءت السنة بذلك PageV01P456 $ ~~فصل # قال ثم اعلم أنه من نفى الحقائق نفيا عاما يفهم به الإشارة للتوحيد ~~وإفراد الباري بالقدرة عددناه من المنزهين ولم نجعل ذلك إبطالا للحكمة إذ ~~الألفاظ يعتبر حكمها بما تفهم العقول منها بمقتضى الأوضاع والقرائن ومن خص ~~الرسول أو الملائكة بنفي خاص يفهم منه طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم للأسباب ~~فقد نقصهم بعبارته وإن نوى معاني التوحيد ولم يجعل الله ms055 لأحد تنقيص الرسل ~~وأجمع الخلف والسلف على وجوب تعظيمهم في الإعتقاد والأقوال والأفعال # والجواب من وجوه # أحدها أن الجواب المذكور ليس فيه تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر ~~بل قد صرح فيه بالعموم وقيل فيه من قال لا يدعى إلا الله تعالى وأن الأمور ~~التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى فلا تطلب إلا منه مثل غفران الذنوب ~~وهداية القلوب وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك فهو مصيب ولذلك حيث ذكر ~~هذا فلم يذكره إلا على وجه PageV02P457 التعميم فدعوى المدعي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم والملائكة خصوا بالذكر كذب لا يحتاج إلى جواب # الوجه الثاني أن يقال التحقيق في هذا الباب أنه إذا كان النفي لا يصلح ~~لمخلوق فذكرت الأنبياء والملائكة على سبيل تحقيق النفي العام كان هذا من ~~أحسن الكلام وكان هذا من باب التنبيه كما يقال لا تجوز العبادة إلا لله ~~تعالى لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل فينبه بنفيها عن الأعلى على انتفائها عمن ~~هو دونهم بطريق الأولى # وكذلك إذا كان المخصوص بالذكر ممن قد حصل فيه غلو كما يقال ليس في ~~الصحابة معصوم لا علي ولا غيره وليس في النبيين إله لا المسيح ولا غيره ~~فهذا أحسن # فالمخصص إذا كان فيه فائدة مطلوبة كان حسنا # ومنه قوله تعالى @QB@ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم ~~الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم ~~من ربهم الهدى أم للإنسان ما تمنى فلله الآخرة والأولى وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ~~@QE@ PageV02P458 # فنفى سبحانه أن تغني شفاعة الملائكة الذين في السماء إلا من بعد إذنه ~~تنبيها بذلك على أن من دونهم أولى أن لا تغني شفاعتهم فإن المشركين كانوا ~~يقولون عن الأصنام إنها تشفع لهم قال تعالى @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ms056 ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا ~~يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ # ولا يجوز أن يكون الكلام تنقيصا بالملائكة ولذلك قال تعالى @QB@ يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ~~ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ~~ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن ~~يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ~~فسيحشرهم إليه جميعا @QE@ # فإنه لما كان الكلام في إثبات توحيد الله تعالى والنهى عن الغلو في الدين ~~الذي فيه تشبيه المخلوق بالخالق قال @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله ولا الملائكة المقربون @QE@ بعد أن قال @QB@ إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه @QE@ PageV02P459 # وقال في الآية الأخرى @QB@ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام @QE@ الآية فنسبه إلى أمه وهذا قد جرى ~~في القرآن في غير موضع فنسبه إلى أمه لينفي نسبته إلى غيرها فلا ينسب إلى ~~الله تعالى أنه ابنه ولا إلى أب من البشر كما زعمت النصارى الغالية فيه ولا ~~كما زعمت اليهود الكافرة به # وأبلغ من هذا قوله تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن ~~في الأرض جميعا @QE@ فذكر أهل الأرض جميعا وخص المسيح وأمه بالذكر من أنه ~~إن أراد إهلاكهم لن يملك أحد لهم منه شيئا لأن المسيح وأمه اتخذوا إلهين ~~كما قال تعالى @QB@ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله @QE@ PageV02P460 فكان التخصيص بالذكر لينفي هذا ~~الشرك و الغلو الذي وقع في المسيح ms057 وأمه ولم يكن من ذلك باب التنقيص بالمسيح ~~و أمه بل كان التخصيص لأجل أن الكلام وقع في ذلك المعين فالتخصيص للحاجة ~~إلى ذكر المخصوص و العلم به أو لأجل التنبيه به على ما سواه # و لهذا لا يكون التخصيص في هذا مفهومه مخالفة بنفي نقيض الحكم عن ما سواه ~~و حتى الذي يسمى دليل الخطاب للتخصيص لم يكن للاختصاص بالحكم # وقال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ فتخصيص الملائكة و النبيين بالذكر ~~تنبيه على من دونهم فإنه أن لا يأمر باتخاذ الصالحين أربابا بطريق الأولى # ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( ( لن يدخل أحد ~~منكم الجنة بعمله ) ) قيل ولا أنت يا رسول الله قال ( ( ولا أنا إلا ~~PageV02P461 أن يتغمدني الله برحمة منه و فضل ) ) فكان تخصيصه بالذكر ~~لتحقيق العموم وإن هذا النفي يتناول أفضل الخلق فلا يظن أحد غيره أن يدخل ~~الجنة بعمله # و كذلك قوله في الحديث الصحيح ( ( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه ~~من الملائكة وقرينة منه الجن ) ) قالوا و إياك يا رسول الله قال ( ( و إياي ~~إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم ) ) PageV02P462 # و منه قوله تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين @QE@ فذكر هذا الوعيد في الملائكة و خصهم ~~بالذكر تنبيها على أن دعوى الإلهية لا تجوز لأحد من المخلوقين لا ملك ولا ~~غيره و أنه لو قدر وقوع ذلك من ملك من الملائكة لكان جزاؤه جهنم فكيف من ~~دونهم و هذا التخصيص أفرد الله ms058 تعالى بالإلهية # ومنه قوله تعالى في الأنبياء @QB@ ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ~~واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من ~~عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون @QE@ والأنبياء معصومون من ~~الشرك ولكن المقصود بيان أن الشرك لو صدر من أفضل الخلق لأحبط عمله فكيف ~~بغيره # وكذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين @QE@ PageV02P463 مع أن الشرك منه ممتنع لكن بين بذلك ~~أنه إذا قدر وجوده كان مستلزما لحبوط عمل المشرك وخسرانه كائنا من كان ~~وخوطب بذلك أفضل الخلق لبيان عظ هذا الذنب لا لغض قدر المخاطب كما قال ~~تعالى @QB@ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه ~~الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين @QE@ ليبين سبحانه أنه ينتقم ممن يكذب ~~في الرسالة كائنا من كان وأنه لو قدر أنه غير الرسالة لانتقم منه والمقصود ~~نفي هذا التقدير لانتفاء لازمه # وكذلك قوله تعالى @QB@ أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم ~~على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته @QE@ وفي الحديث المعروف إن ~~الله تعالى لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم ~~لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم PageV02P464 فهذا من بيان عدل الرب سبحانه ~~وتعالى وإحسانه وتقصير الخلق عن واجب حقه حتى الملائكة والأنبياء وغيرهم ~~وأنه لو عذبهم لم يكن ظالما PageV02P465 لهم فكيف بمن دونهم # وهذا باب واسع فمن غلا في طائفة من الناس فإنه يذكر له من هو أعلى منه ~~ويبين انه لا يجوز هذا الغلو فيه فكيف يجوز الغلو في الأدنى كمال قال بعض ~~الشيعة لبعض شيوخ السنة تقول مولانا أمير المؤمنين عليا ما كان معصوما فقال ~~أبو بكر وعمر عندنا أفضل منه وما كانا معصومين # وكما يقال لمن يعظم شيخه أو أميره بأنه يطاع في كل شيء وأنه لا تنبغي ~~مخالفته فيقال له أبو بكر الصديق أفضل منه وقد قال أطيعوني ما أطعت الله ~~تعالى فإذا عصيت الله ms059 فلا طاعة لي عليكم إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن ~~أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني # وكما إذا ظن الغالي أن الصالحين لا يؤذيهم عدوهم ولا يجرحون PageV02P466 ~~لاعتقاد أن ذلك نقص فيهم وأنهم قادرون على دفع كل أذى فيقال له أفضل الخلق ~~محمد صلى الله عليه وسلم قد أوذي وقد جرح يوم أحد وكسرت رباعيته وذلك كرامة ~~من الله تعالى له ليعظم أجره ويزيده الله بذلك رفعة بالصبر على الأذى في ~~الله # وكذلك لو حلف بشيخه فقيل لا تحلف بغير الله فمن حلف بغير الله فقد أشرك # وكذلك إذا اعتقد معتقد في شيخه أنه يشفع لمريديه يوم القيامة أو أن له ~~راية في الآخرة يدخل تحتها مريديه الجنة فيقال له المرسلون أفضل منه وسيد ~~ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا جاء يشفع يسجد بين يدي الله عز وجل ويحمد ~~ربه بمحامد فيقال ارفع رأسك وقل يسمع لك PageV02P467 وسل تعطه واشفع تشفع ~~فأقول يا رب أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة # فهو صلى الله عليه وسلم لا يشفع إلا بعد أن يؤذن له بل يبدأ أولا بالسجود ~~لله تعالى والثناء عليه ثم إذا أذن له في الشفاعة وشفع حد له حدا يدخلهم ~~الجنة فليست الشفاعة له مطلقا في حقه ولا يشفع إلا بإذن الله تعالى فكيف ~~يكون الشيخ إن كانت له شفاعة # وكذلك إذا قيل عن بعض الشيوخ إن قبره ترياق مجرب قيل له PageV02P468 إذا ~~كانت قبور الأنبياء عليهم السلام ليست ترياقا مجربا فكيف تكون قبور الشيوخ ~~ترياقا مجربا # و كذلك إذا قيل إن الشيخ الميت يستسقى عند قبره و يقسم به على الله ويعرف ~~عنده عشية عرفة ونحو ذلك قيل له إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد ~~الخلق لم تستسق الصحابة رضوان الله عليهم عند قبره ولا أقسموا به على الله ~~ولا عرفوا عند قبره فكيف غيره # وكذلك إذا قيل إنه يسجد لقبر الشيخ أو يستلم أو يقبل قيل إذا كان قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا ms060 يسجد له ولا يستلم ولا يقبل باتفاق الأئمة ~~فكيف بقبر غيره # و كذلك إذا قيل الموضع الذي كان الشيخ يصلي فيه لا يصلي فيه غيره احتراما ~~له قيل إذا كان الصحابة صلوا في الموضع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي فيه فكيف لا يصلى في موضع مصلى غيره وهو أحق بالاحترام من كل أحد # و كذلك إذا قيل إن الشيخ الميت يدعى و يسأل ويستغاث به قيل إذا كان ~~الأنبياء بعد موتهم لا يدعون ولا يسألون ولا يستغاث بهم فكيف بمن دونهم # وإذا قيل يطلب من الشيخ كل شيء قيل ما لا يقدر عليه إلا PageV02P469 الله ~~لا يطلب من الأنبياء فكيف يطلب ممن دونهم # وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ( ( لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ~~فيقول يا رسول الله أغثني فأقول قد أبلغتك لا أملك لك من الله شيئا لا ~~ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول يا رسول الله ~~أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك ) ) أخرجاه فقد أخبر أنه ~~يستغيث به أهل الغلول يوم القيامة فلا يغيثهم بل يقول قد أبلغتكم لا أملك ~~لكم من الله شيئا كما قال ( ( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا ~~يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا PageV02P470 يا عباس عم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئا ) ) # وهذا النوع من الكلام يقال على وجوه تارة يقال السجود لا يصلح للأنبياء ~~فكيف بمن دونهم # وتارة يقول السائل هل أسجد للشيخ فيقال له الرسول لا يسجد له فكيف يسجد ~~للشيخ # فتارة يذكر الاسم العام و يخص الأفضل بالذكر تحقيقا للعموم و أنه لا ~~يستثني من هذا العموم أحدا وإن كان أفضل الخلق كما قال مات الناس حتى ~~الأنبياء و تارة يذكر الأفضل و يعطف عليه ms061 غيره تحقيقا للعموم وتارة يختص ~~الأفضل بالذكر تنبيها به على من سواه # فهذا النمط من الكلام حيث ذكر الأفضل فيه فإنه لا يراد اختصاصه بالحكم بل ~~يراد به العموم و تحقيق العموم و أن هذا الحكم ثابت في حق PageV02P471 ~~الأفضل فكيف بمن دونه # و حينئذ فإذا قدر أن سائلا سأل هل يستغاث بميت من الأنبياء و الصالحين ~~فقيل له لا تستغث بأحد منهم لا نبي ولا غيره وقيل لا يستغاث بنبي فكيف بمن ~~دونه أو قيل أفضل الخلق لا يستغاث به أو نحو ذلك من العبارات التي يفهم ~~منها عموم النفي و أنه ذكر الأفضل تحقيقا للعموم كان هذا من أحسن الكلام ~~كما تقدم كما إذا قيل لا يسجد لقبره ولا يتمسح به ولا يقبل ولا يتخذ وثنا ~~يعبد و نحو ذلك و كذلك لو كان الخطاب ابتداء في سياق التوحيد و نفي خصائص ~~الرب سبحانه و تعالى عن العبد فقيل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى لا يطلب ~~إلا منه لا من نبي ولا غيره أو قيل لا يستغاث فيه إلا بالله لا يستغاث فيه ~~بالنبي فكيف من دونه أو نحو هذا الكلام كان حسنا # فالاستغاثة المنفية نوعان # أحدهما الاستغاثة بالميت مطلقا في كل شيء # والثاني الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق # فليس لأحد أن يسأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله لا نبيا ولا غيره ~~ولا يستغيث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق وليس لأحد أن PageV02P472 ~~يسأل ميتا ولا يستغيث به في شيء من الأشياء سواء كان نبيا أو غيره و إذ كان ~~كذلك فجميع ما وقع هو من هذا الباب ولم يفهم أحد من الخلق شيئا إلا هذا # الوجه الثالث قوله من نفى الحقائق نفيا عاما يفهم به الإشارة للتوحيد و ~~إفراد الباري سبحانه و تعالى بالقدرة عددناه من المنزهين فلم يجعل ذلك ~~إبطالا للحكمة و من خص الرسول أو الملائكة بنفي خاص يفهم منه طرح رتبتهم و ~~عدم صلاحيتهم للأسباب ms062 فقد نقصهم بعبارته و إن نوى معاني التوحيد # يقال له أولا قولك عددناه من المنزهين عبارة في غير موضعها بل حقه أن ~~يقال من الموحدين فإن التنزيه نفي النقائص عن الله عز وجل و أما الإشارة ~~إلى التوحيد و إفراده بالقدرة فيسمى توحيدا # و يقال له قولك خصهم بنفي خاص يفهم منه طرح رتبتهم و عدم صلاحيتهم ~~للأسباب كلام مجمل فماذا تريد به أتريد به عدم صلاحيتهم للأسباب التي ~~أثبتها الله لهم مثل عدم صلاحية الملائكة للنزول بالوحي و العذاب و تدبير ~~العالم و عدم صلاحية الرسول لتبليغ رسالات الله تعالى و نحو ذلك مما أثبته ~~الله لهم أو عدم صلاحيتهم لما اختص PageV02P473 الرب تبارك وتعالى به مثل ~~أن يطلب منه الأمور التي لا يقدر عليها غيره وعدم صلاحيتهم لكونهم يسألون و ~~يدعون بعد موتهم أو يطلب منهم كل ما يطلب من الله تعالى # فإن عنيت الأول فقائله أعظم جرما من أن يقال نقصهم بعبارته إذ قد يكون ~~كافرا مثل أن يتضمن نفيه جحد رسالة الرسول أو جحد نزول الملائكة عليه ~~بالوحي أو جحد ما يدخل في الإيمان من الإيمان بالملائكة ولكن ما نحن فيه ~~ليس من هذا الباب # و إن أردت الثاني فليس في نفي خصائص الربوبية عن المخلوق نقص له يجب ~~تنزيهه عنه فضلا عن أن يجب نفيه عنه فمن قال لا إله إلا الله لم يكن قد نقص ~~الملائكة و الأنبياء بنفي الإلهية عنهم # ومن قال إن الملائكة و الأنبياء تنفي الإلهية عنهم ليسوا أربابا ولا آلهة ~~ولا يعبدون ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى كان قد نفى عنهم ~~ما يختص به الرب تبارك و تعالى ولم ينف عنهم ما هم أسباب فيه # و إنما يكون نافيا للأسباب إذا قال لا شفاعة لهم ولا يشفعون لأحد ولا ~~يدعون لأحد أو دعاؤهم لا ينفع لأحد فهذا باطل بل كفر PageV02P474 أو قال ~~إنه لا يتوسل إلى الله تعالى بالإيمان بهم ومحبتهم و طاعتهم أو لا ms063 يتوسل ~~إليه بدعائهم و شفاعتهم فهذا باطل بل كفر # وهذا المفتري لما قال إنه يجوز أن يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم في ~~كل ما يستغاث الله فيه و أن ذلك صحيح في حق النبي و الصالحين وقال إن كل من ~~توسل إلى الله بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به سواء كان حيا أو ميتا و ~~إن من سأله و طلب منه فقد استغاث به فاقتضى ذلك أنه يطلب منه حيا و ميتا كل ~~شيء كما يطلب من الله و يطلب بالتوسل به حيا و ميتا كل ما يطلب من الله ~~تعالى و أن ذلك ثابت للصالحين أيضا فاقتضى كلامه أنه يطلب من المخلوق حيا و ~~ميتا كل ما يطلب من الخالق سبحانه و تعالى # و معلوم أن هذا الذي قاله لو كان حقا لم يجز نفي الاستغاثة بوجه من ~~الوجوه كما لا يجوز نفي شفاعته التي أثبتها الله تعالى و نفي استشفاع الناس ~~به يوم القيامة كما نطقت به النصوص و نفي توسل الصحابة بشفاعته و دعائه في ~~الدنيا # فمن قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع لأحد ولا يستشفع به و إنه ~~لم تكن الصحابة يستشفعون به فهو مفتر كذاب بل هو كافر بعد قيام الحجة عليه # و أما من قال إنه لا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى أو ~~PageV02P475 قال إنه لا يسأل بعد موته كما كان يسأل في حياته فهذا قد أصاب ~~فأين هذا من هذا # و أما من قال إنه لا يقسم على الله تعالى بمخلوق ولا يتوسل بميت ولا يسأل ~~بذات مخلوق فإن الصحابة إنما توسلوا بدعائه و شفاعته ولما مات توسلوا بعمه ~~العباس بدعائه و شفاعته ولم يتوسلوا بذاته ولم ينقل عن أحد من السلف أنه ~~توسل إلى الله تعالى بميت في دعائه ولا أقسم به عليه # و هكذا قد قال أبو حنيفة و أبو يوسف و غيرهما إنه لا يجوز أن يقال أسألك ~~بحق الأنبياء و ms064 كذلك قال أبو محمد بن عبد السلام إنه لا يقسم عليه بحق ~~الأنبياء و توقف في نبينا صلى الله عليه وسلم لظنه أن في ذلك خبرا يخصه ~~وليس كذلك فهذا و إن كان مصيبا ففيه نزاع فقد نقل عن بعض العلماء أنه لا ~~يجوز أن يتوسل إلى الله به بعد موته ونقل في منسك الحج الذي نقله المروزي ~~عن الإمام أحمد # وقد تنازع العلماء في القسم به هل ينعقد به اليمين على قولين # أشهرهما أنه لا ينعقد اليمين به وهو مذهب مالك و الشافعي و أبي حنيفة ~~وأحد القولين في مذهب أحمد PageV02P476 # و الثاني تنعقد به اليمين وهو الرواية الأخرى عن أحمد اختارها طائفة من ~~أصحابه # و على هذه الرواية فهل الحلف يختص به أو يحلف بسائر الأنبياء على وجهين # أشهرهما الأول # و الثاني ذكره ابن عقيل و غيره # فقد يقال إن التوسل به و الإقسام على الله به هو من جنس الحلف به فيكون ~~النزاع في هذا كالنزاع في هذا # و الصواب ما عليه الجمهور من أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا النبي ولا ~~غيره # ولكن لم يسم أحد من الأمم هذا استغاثة فإن الاستغاثة به طلب منه لا طلب ~~به وهذا اعتقد جواز هذا بالإجماع و سماه استغاثة فلزم جواز الاستغاثة به ~~بعد موته بالإجماع و إذا جاز أن يتوسل به في كل شيء جاز أن يستغاث به في كل ~~شيء # ثم إنه لم يجعل هذا وحده معنى الاستغاثة بل جعل الاستغاثة به PageV02P477 ~~الطلب منه أيضا وكان لا يميز بين هذا المعنى وهذا المعنى بل يجوز عنه أن ~~يستغيث به في كل ما يستغاث الله فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله في ~~طلب الغوث وهذا عنده ثابت للصالحين و الاستغاثة طلب الغوث كالاستغاثة و ~~الانتصار وذلك ثابت في حياته وهو ثابت عند هذا الضال بعد موته بثبوتها في ~~حياته لأنه عند الله في مزيد دائم لا ينقص جاهه فدخل عليه الخطأ من وجوه # منها أنه جعل ms065 المتوسل به بعد موته في الدعاء مستغيثا به وهذا لا يعرف في ~~لغة أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازا مع دعواه الإجماع على ذلك و أن ~~المستغاث به هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به # والثاني ظنه أن توسل الصحابة به في حياته كان توسلا بذاته لا بدعائه و ~~شفاعته فيكون التوسل به بعد موته كذلك وهذا غلط لكنه يوافقه عليه طائفة من ~~الناس بخلاف الأول فإني ما علمت أحدا وافقه عليه # الثالث أنه أدرج سؤاله أيضا في الاستغاثة به و هذا صحيح جائز في حياته ~~وقد سوى في ذلك بين محياه و مماته وهنا أصاب في لفظ PageV02P478 الاستغاثة ~~لكنه أخطأ في التسوية بين المحيا و الممات وهذا ما علمته ينقل عن أحد من ~~العلماء لكنه موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري ففي شعره ~~قطعة منه و الشيخ محمد بن النعمان كان له كتاب المستغيثين بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم في اليقظة و المنام وهذا الرجل قد نقل منه فيما يغلب على ظني # وهؤلاء لهم صلاح و دين لكنهم ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام ~~الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام و معرفة الحلال و الحرام و ليس معهم ~~دليل شرعي ولا نقل عن عالم مرضي بل عادة جروا عليها كما جرت عادة كثير من ~~الناس بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد و يدعوه # وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله فضل وعلم و زهد إذا نزل به أمر خطأ إلى ~~جهة الشيخ عبد القادر خطوات معدودة و استغاث به وهذا يفعله كثير من الناس و ~~أكبر منه و منهم من يأتي إلى قبر الشيخ يدعوه و يدعو به و يدعو عنده # وهؤلاء ليس لهم مستند شرعي من كتاب أو سنة أو قول عن الصحابة و الأئمة # و هؤلاء ليس عندهم إلا قول طائفة من الشيوخ إذا كانت لكم PageV02P479 ~~حاجة فاستغيثوا بي و تعالوا إلى قبري و نحو ذلك مما فيه تصويبه لأصحابه ~~بالاستغاثة به حيا و ms066 ميتا # ومنه قول طائفة أخرى قبر معروف ترياق مجرب والدعاء عند قبر الشيخ فلان ~~مجاب ونحو ذلك وحجتهم أن طائفة من الناس استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى ~~في الهواء و قضى بعض تلك الحوائج و أخبر ببعض ما سئل عنه و هذا كثير واقع ~~في المشركين الذين يدعون الملائكة و الأنبياء و الصالحين و الكواكب و ~~الأوثان فإن الشياطين كثيرا ما تتمثل لهم فيرونها قد تخاطب أحدهم ولا يراها ~~ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا لطال هذا المقام و ~~كلما كان القوم أعظم جهلا و ضلالا كانت هذه الأحوال الشيطانية عندهم أكثر ~~وقد يأتي الشيطان أحدهم بمال أو طعام أو لباس أو غير ذلك وهو لا يرى أحدا ~~أتاه به فيحسب ذلك كرامة و إنما هي من الشيطان و سببه شركه بالله تعالى و ~~خروجه عن طاعة الله و رسوله إلى طاعة الشياطين فأضلتهم الشياطين بذلك كما ~~كانت تضل عباد الأصنام و مثل هذه الأحوال لا تكون من كرامات أولياء الله ~~تعالى PageV02P480 # المتقين # ثم انقسموا حزبين حزبا رأوا فيمن يفعلها من الكفر و الفسوق و العصيان ما ~~يخرجه عن كونه من أولياء الله تعالى المتقين و كذبوا بما ينقل عنه من ذلك و ~~حزبا رأوا ذلك منه أو ثبت بالنقل المتواتر عن واحد أو عدد من ذلك ما يوجب ~~حصول مثل ذلك لهؤلاء فيظنون أنهم من أولياء الله المتقين # ثم من هؤلاء من يقول من أولياء الله تعالى من له طريق إلى الله تعالى غير ~~مبايعة الرسل # ومن هؤلاء من يفضل كثيرا من الأولياء على الأنبياء # و منهم من يقول هؤلاء يتصرفون بالقدرة و المشيئة تصرفا خرجوا به عن حكم ~~وجوب طاعة الأنبياء عليهم و صاروا غير مكلفين بأمر الأنبياء و نهيهم و ~~يذكرون حكايات يظنونها صدقا # منها أن أهل الصفة قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار لما انهزم ~~بعض أصحابه يوم أحد و حنين فقال لهم يا أصحابي أين تذهبون ms067 و تدعوني ~~PageV02P481 فقالوا نحن مع الله من كان الله معه كنا معه ومرادهم أن كل من ~~معه القدر معه وإن كان كافرا أو فاسقا من غير نظر في العاقبة ولا في وعد ~~الله ووعيده PageV02P482 # ويذكرون ما هو أعظم كفرا من هذه الحكاية وهو أن الله تعالى أطلع رسوله ~~على سر الأسرار ليلة المعراج وأمره أن لا يخبر به أحد وأنه رأى أهل الصفة ~~يتكلمون به فقال لهم من أين لكم هذا فقالوا أخبرنا الله به فقال يا رب ألم ~~تأمرني أن أكتم هذا السر فقال أنا أمرتك أن تكتمه وأنا أخبرتهم به # وقد ذكر لي هذه الأمور غير واحد من كبار شيوخ هؤلاء عن غير واحد من ~~شيوخهم الكبار فبينت لهم كذب هذا حتى قلت لبعضهم الصفة إنما كانت بالمدينة ~~والمعراج كان بمكة فلم يكن ليلة PageV02P483 المعراج أحد يذكر أنه من أهل ~~الصفة # وأعظم من هذا كفرا ما يذكره بعضهم من أن الله أمر نبيه بزيارة أهل الصفة ~~و أنه ذهب ليزورهم فلم يفتحوا له الباب وقالوا له اذهب إلى من أرسلت إليه ~~فإنه لا حاجة لنا بك و أنه عاد إلى ربه فأمره أن يذهب إليهم و يتأدب معهم ~~ويقول خادمكم محمد جاء ليزوركم # و كل هذا كفر من قائله و معتقده و نحو هذه الكفريات لا يقولها ~~PageV02P484 إلا من هو أبعد الناس عن الإيمان بالله و رسوله و مع هذا فهي ~~عند أصحابها من حقائق العارفين و أسرار أولياء الله المصطفين خواص الرب ~~الذين هم أفضل من الأنبياء و المرسلين عند أصحابهم هؤلاء الكفار الذين هم ~~أكفر من اليهود و النصارى # فهذه حكايات في آثار حصلت لبعض من استغاث ببعض المخلوقين الميتين و ~~الغائبين و عندهم عادات وجدوا عليها سلفهم ممن كان له نوع من العلم و ~~العبادة و الزهد فليس معهم بذلك حديث يروى ولا نقل عن صحابي ولا تابعي ولا ~~قول إمام مرضي # ولهذا لما نبه من نبه من فضلائهم على ذلك تنبهوا و علموا أن ms068 ما كانوا ~~عليه ليس من دين الإسلام بل هو مشابهة لعباد الأصنام لكن هؤلاء كلهم ما ~~فيهم من يعد نفي هذا و النهي عنه كفرا إلا مثل هذا الأحمق الضال الذي حاق ~~به وبيل النكال فإنه من غلاة أهل البدع الذين PageV02P485 يبتدعون القول و ~~يكفرون من خالفهم فيه كالخوارج و الروافض و الجهمية فإن هذا القول الذي ~~قالوه لم يوافقهم عليه أحد من علماء المسلمين الأولين و الآخرين وقد طاف ~~بجوابه على علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقوه وطلب منهم أن يخالفوا ~~الجواب الذي كتبته فما خالفوه وقد كان بعض الناس يوافقه على جواز التوسل ~~بالنبي الميت لكنهم يوافقوه على تسميته استغاثة ولا على كفر من أنكر ~~الاستغاثة به ولا جعلوا هذا من السبب بل عامتهم وافقوا على منع الاستغاثة ~~به بمعنى أنه يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله # و ما علمت عالما نازع في أن الاستغاثة بالنبي و غيره من المخلوقين بهذا ~~المعنى لا تجوز مع أن قوما كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك ~~قياما عظيما و استعانوا بمن كان له غرض وهوى من ذوي السلطان و جمعوا الناس ~~و عقدوا مجلسا عظيما ضل فيه سعيهم و ظهر فيه جهلهم و خاب قصدهم و ظهر فيه ~~الحق لمن كان يعاونهم من الأعيان و تمنوا أن ما فعلوه ما كان لأنه كان سببا ~~لظهور الحق مع الذي عادوه وقاموا عليه و سببا لانقلاب الخلق إليه و كانوا ~~كالحافر PageV02P486 حتفه بظلفه و الجادع ما رن أنفه بكفه مع فرط عصبهم و ~~كثرة جمعهم وقوة سلطانهم ومكايدة شيطانهم # وهذه الطريقة التي سلكها هذا و أمثاله هي طريقة أهل البدع الذين يجمعون ~~بين الجهل و الظلم فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب و السنة و إجماع الصحابة و ~~يكفرون من خالفهم في بدعتهم # كالخوارج المارقين الذين ابتدعوا ترك العمل بالسنة المخالفة في زعمهم ~~للقرآن و ابتدعوا التكفير بالذنوب و كفروا من خالفهم حتى كفروا عثمان بن ~~عفان و علي ms069 بن أبي طالب ومن والاهما من المهاجرين و الأنصار و سائر ~~المؤمنين نقل الأشعري في كتاب المقالات أن الخوارج مجمعة على تكفير علي رضي ~~الله عنه # و كذلك الرافضة ابتدعوا تفضيل علي على الثلاثة و تقديمه في الإمامة و ~~النص عليه و دعوى العصمة له و كفروا من خالفهم وهم جمهور الصحابة و جمهور ~~المؤمنين حتى كفروا أبا بكر و عمر و عثمان ومن تولاهم هذا هو الذي عليه ~~أئمتهم PageV02P487 # و كذلك الجهمية ابتدعت نفي الصفات المتضمن في الحقيقة لنفي الخالق و لنفي ~~صفاته و أفعاله و أسمائه و أظهرت القول بأنه لا يرى و أن كلامه مخلوق خلقه ~~في غيره لم يتكلم هو بنفسه وغير ذلك ثم إنهم امتحنوا الناس فدعوهم إلى هذا ~~و جعلوا يكفرون من لم يوافقهم على ذلك # و كذلك القدرية ابتدعت التكذيب بالقدر و أنكرت مشيئة الله النافذة و ~~قدرته التامة و خلقه لكل شيء و كفروا أو منهم من كفر من خالفه # و كذلك الحلولية و المعطلة للذات و الصفات يكفر كثير منهم من خالفهم # فالذين يقولون إنه بذاته في كل مكان منهم من يكفر من خالفه و الذين ~~يقولون إنه لا مباين للمخلوقات ولا عال عليها PageV02P488 فمنهم من يكفر من ~~خالفه # و الذين يقولون ليس كلامه إلا معنى واحدا قائما بذاته و معنى التوراة و ~~الإنجيل و القرآن واحد و القرآن العزيز ليس هو كلامه بل كلام جبريل أو غيره ~~فمنهم من يكفر من خالفه # و الذين يقولون بقدم بعض أحوال العبد كالذين يقولون بقدم صوته بالقرآن أو ~~قدم بعض أفعاله أو صفاته و قدم أشكال المداد فمنهم من يكفر من خالفه # و الذين يقولون بقدم روح العبد أو بقدم كلامه مطلقا أو قدم أفعاله ~~الصالحة أو أفعاله مطلقا فمنهم من يكفر من خالفه # و الذين يقولون إن الله يرى بلا عين في الدنيا منهم من يكفر من خالفه # و الذين يهينون المصحف و ربما كتبوه بالنجاسة فمنهم من يكفر من خالفه ~~PageV02P489 و ms070 نظائر هذا متعددة # وأئمة السنة وا 4 لجماعة و أهل العلم والإيمان فيهم العلم و العدل و ~~الرحمة فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة و ~~يعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم كما قال تعالى @QB@ كونوا قوامين لله ~~شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ~~@QE@ و يرحمون الخلق فيريدون لهم الخير و الهدى و العلم لا يقصدون الشر لهم ~~ابتداء بل إذا عاقبوهم و بينوا خطأهم و جهلهم و ظلمهم كان قصدهم بذلك بيان ~~الحق و رحمة الخلق و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و أن يكون الدين كله ~~لله وأن تكون كلمة الله هي العليا PageV02P490 # فالمؤمنون أهل السنة هم يقاتلون في سبيل الله ومن قاتلهم يقاتل في سبيل ~~الطاغوت كالصديق رضي الله عنه مع أهل الردة و كعلي ابن أبي طالب مع الخوارج ~~المارقين ومع الغلاة و السبائية فأعمالهم خالصة لله تعالى موافقة للسنة و ~~أعمال مخالفيهم لا خالصة ولا صواب بل بدعة و اتباع الهوى و لهذا يسمون أهل ~~البدع و أهل الأهواء # قال الفضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا ~~@QE@ قال أخلصه و أصوبه قالوا يا أبا علي ما أخلصه و أصوبه قال إن العمل ~~إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ~~حتى يكون خالصا صوابا و الخالص أن يكون لله و الصواب أن يكون على السنة ~~PageV02P491 # فلهذا كان أهل العلم و السنة لا يكفرون من خالفهم و إن كان ذلك المخالف ~~يكفرهم لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى ~~بأهلك ليس لك أن تكذب عليه و تزني بأهله لأن الكذب و الزنا حرام لحق الله ~~تعالى و كذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله و رسوله # و أيضا فإن تكفير الشخص المعين و جواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة ~~النبوية التي ms071 يكفر من خالفها و إلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر # ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة و التابعين كقدامة بن مظعون و أصحابه ~~شرب الخمر و ظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة ~~اتفق علماء الصحابة كعمر و علي و غيرهما على أنهم PageV02P492 يستتابون فإن ~~أصروا على الاستحلال كفروا و إن أقروا به جلدوا فلم يكفروهم بالاستحلال ~~ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق فإذا أصروا على ~~الجحود كفروا # وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله إذا أنا مت فأسحقوني ثم ذروني ~~في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ~~فأمر الله البر فرد ما أخذ منه و أمر البحر فرد ما أخذ منه وقال ما حملك ~~على ما فعلت قال خشيتك يا رب فغفر له فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر ~~الله على إعادته و أنه لا يعيده أو جوز ذلك و كلاهما كفر لكن كان جاهلا لم ~~يتبين له الحق PageV02P493 بيانا يكفر بمخالفته فغفر الله له # و لهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية و النفاة الذين نفوا أن الله تعالى ~~فوق العرش لما وقعت محنتهم أنا لو وافقتكم كنت كافرا لأني أعلم أن قولكم ~~كفر و أنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال وكان هذا خطابا لعلمائهم و قضاتهم و ~~شيوخهم وأمرائهم و أصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة ~~المنقول الصحيح و المعقول الصريح الموافق له وكان هذا خطابنا # فلهذا لم نقابل جهله و افتراءه بالتكفير بمثله كما لو شهد شخص بالزور على ~~شخص أو قذفه بالفاحشة كذبا عليه لم يكن له أن يشهد عليه بالزور ولا أن ~~يقذفه بالفاحشة وقد كفانا ذلك شيخه وغيره من الناس فبينوا من ضلاله و جهله ~~ما ذكروه و ذموه و عابوه و تنقصوه به كما هو معروف عن شيخه الجزري و غيره ~~من أهل العلم PageV02P494 # والمقصود هنا أن ms072 قوله ومن خص الرسول أو الملائكة بنفي خاص يفهم منه طرح ~~رتبتهم وعدم صلاحيتهم فقد نقصهم بعبارته فهي كلمة حق أريد بها باطل # ونحن نقول بموجب هذا الكلام وهو معناه الصحيح فإن من نفى ما يستحقونه من ~~الرتبة وما يصلحون له من الأسباب فهو مفتر كذاب لكن الشأن ليس هو المنفي من ~~هذا الباب ولو لم تقابل دعواه إلا بالمنع لكفانا فإنه يقال له لا نسلم أن ~~الاستغاثة بهم مشروعة في كل ما يستغاث فيه بالله ولا أنها وسيلة من وسائل ~~الله في ذلك كله بل سلمنا أن الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه قد تكون سببا ~~وقد لا تكون فإن الناس يستغيثون بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة في ~~الشفاعة فيشفع لهمم و يستغيث به من أنذره في دفع العذاب فيقول ( ( لا أملك ~~لك من الله شيئا ) ) كما في الحديث الصحيح ( ( لا ألفين أحدكم يجيء يوم ~~القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك ~~من الله شيئا قد أبلغتك ) ) # وليس كل من طلب من النبي صلى الله عليه وسلم ما يقدر عليه أعطاه إياه إذ ~~قد PageV02P495 يكون ذلك غير جائز كما في الصحيح أنه سأله الفضل بن عباس و ~~ربيعة ابن الحارث بن عبد المطلب أنه يوليهما على الصدقات فلم يجبهما وقال ( ~~( إنها أوساخ الناس و إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ) ) و كذلك سأله ~~وفد هوازن السبي و المال فبذل لهم إحدى الطائفتين و سألته أم حبيبة أن ~~يتزوج أختها فقال ( ( إنها لا تحل لي ) ) # بل يقال لا نسلم أن التوسل بذاتهم مشروع بحال في الحياة PageV02P496 و ~~الممات وليس في شيء مما ذكره دليل على موارد النزاع فإن مضمون ما ذكره جمل # أحدها أن الاستغاثة طلب الإغاثة و التخلص من الكرب و الشدة و أن الإغاثة ~~تضاف إلى المخلوق كما يضاف إليه الإطعام و الاستعانة و الإعانة و الهداية و ~~التعليم وهذا صحيح وليس فيه أن الميت يستغاث به ms073 كما أنه ليس فيه أنه يستطعم ~~و يستسقى و يستهدى و يستنصر و يستغاث به ولا فيه أن ما كان من هذا الباب لا ~~يقدر عليه إلا الله تعالى فإنه يطلب من غيره # الجملة الثانية التي من كلامه أن من توسل إلى الله تعالى بنبيه في تفريج ~~كربة فقد استغاث به سواء كان بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما في ~~معناهما وقول القائل أتوسل إليك يا إلهي برسولك و أستغيث برسولك عندك أن ~~تغفر لي استغاثة بالرسول حقيقة في لغة العرب و جميع الأمم # وهذا الكلام كذب باطل لم يسبقه إليه أحد ولا ريب أنه لجهله وهواه وقع في ~~هذا وإلا فما تعمد أن يقول ما يعلم أنه كذب ولم يقل أحد قط استغثت برسولك ~~عندك ولا هذا عند أحد لا العرب ولا PageV02P497 غيرهم وهو ظن أن الباب في ~~التوسل كالباب في الاستغاثة وليس كذلك فإنه يقال استغاثه و استغاث به كما ~~يقال إنه استعانه و استعان به فالمستغاث به هو المسؤول و أما المتوسل به ~~فهو الذي يتسبب به إلى المسؤول # الجملة الثالثة قوله إن الاستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته ~~لأنه عند الله في مزيد دائم ثم لا ينقص جاهه وهذا لفظ صحيح لو كان معنى ~~الاستغاثة الإقسام به و التوسل بذاته فإن ذاته بعد الموت لم تنقص بل هي في ~~مزيد دائم من ربه عز وجل بأبي هو و أمي لكن هذه المقدمة باطلة كما قد عرف # فأما إذا كان معنى الاستغاثة هو الطلب منه فما الدليل على أن الطلب منه ~~ميتا كالطلب منه حيا وعلو درجته بعد الموت لا يقتضي أن يسأل كما لا يقتضي ~~أن يستفتى ولا يمكن أحد أن يذكر دليلا شرعيا على أن سؤال الموتى من ~~الأنبياء و الصالحين و غيرهم مشروع بل الأدلة الدالة على تحريم ذلك كثيرة ~~حتى إنه إذا قدر أن الله تعالى يكلفهم بأعمال يعملونها بعد الموت لم يلزم ~~من ذلك جواز دعائهم كما لا يجوز ms074 PageV02P498 دعاء الملائكة و إن كان الله ~~وكلهم بأعمال يعملونها لما في ذلك من الشرك و الذريعة إلى الشرك # وهو قد احتج بحديث الأعمى الذي قال اللهم إني أسألك و أتوجه إليك بنبيي ~~محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة وهذا الحديث لا حجة فيه لوجهين # أحدهما أنه ليس هو استغاثة به بل توجه به # و الثاني أنه إنما توجه بدعائه و شفاعته فإنه طلب من النبي صلى الله عليه ~~وسلم الدعاء وقال في آخره اللهم فشفعه في فعلم أنه يشفع له فتوسل بشفاعته ~~لا بذاته كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء و كما توسلوا بدعاء ~~العباس بعد مماته صلى الله عليه وسلم # وهذا المحتج به بنى حجته على مقدمتين فاسدتين على أنهم PageV02P499 ~~توجهوا بذاته و أن ذلك يسمى استغاثة به فلزم من ذلك جواز ذلك بعد موته و ~~فساد إحدى المقدمتين يبطل كلامه فكيف إذا بطلتا # و ما ذكره من توسل آدم و حكاية المنصور فجوابها من وجهين # أحدهما أن هذا لا أصل له ولا تقوم به حجة ولا إسناد لذلك # و الثاني أنه لو دل لدل على التوسل بذاته لا على الاستغاثة به # و أما فتح الكوة لينزل المطر فهو أيضا باطل كما تقدم التنبيه عليه ومع ~~هذا فليس من هذا # و كذلك استسقاؤهم بدعائه ليس من هذا الباب # و أما اشتكاء البعير إليه فهذا كاشتكاء الآدمي إليه وما زال الناس ~~يستغيثون به في حياته كما يستغيثون به يوم القيامة # وقد قلنا إنه إذا طلب منه ما يليق بمنصبه فهذا لا نزاع فيه والطلب منه ~~منه في حياته و الاستغاثة به في حياته فيما يقدر عليه لم ينازع فيه أحد # فما ذكره لا يدل على مورد النزاع ولكن هذا أخذ لفظ الاستغاثة PageV02P500 ~~ومعناها العام فجعل يتشبث بهما وهذا إنما يليق بمن قال لا يستغيث به أحدا ~~حيا ولا ميتا في شيء من الأشياء ومعلوم أن عاقلا لا يقول هذا في آحاد ~~العامة فضلا عن الصالحين فضلا عن الأنبياء ms075 والمرسلين فضلا عن سيد الأوليين ~~والآخرين فإنه ما من أحد إلا ويمكن أن يستغاث به في بعض الأشياء فكيف بأفضل ~~الخلق وأكرمهم على الله تعالى ولكن النفي عاد إلى الشيئين إلى الاستغاثة به ~~بعد الموت وإلى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فكيف إذا ~~اجتمعا جميعا فإن من الناس من يستغيث بالموتى من الأنبياء والصالحين ويطلب ~~منهم ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى # فهذه الجمل الثلاث ملخص كلامه وليس فيما ذكره ما يدل على مورد النزاع ولا ~~ما يناقض جواب المجيب والحمد لله رب العالمين # فعلم أن منازعيه لم يخصوا الملائكة والرسول بنفي يفهم منه طرح رتبتهم ~~وعدم صلاحيتهم للأسباب # وأما قوله ولم يجعل الله تعالى لأحد تنقيص الرسل وأجمع السلف والخلف على ~~وجوب تعظيمهم في الإعتقاد والأقوال والأفعال # فيقال هذا حق لكنه كما قال علي بن أبي طالب رضى الله PageV02P501 تعالى ~~عنه كلمة حق أريد بها باطل وهو أن من سألهم ما لا يقدرون عليه أحياء ~~وأمواتا فقد آذاهم واعتدى عليهم وهو مستحق للعقوبة التي يستحقها مثله # بل من سألهم ما لا يريدون فعله حتى فعلوا ما يكرهونه فهو مستحق للذم ~~والمقت # ومن ابتدع في دينهم مالم يأذن به الله وما يخالف ما جاؤوا به لزم أن يكون ~~دينهم ناقصا وأنهم أتوا بالباطل وهذا مناقص بلا ريب لما يجب من الإيمان بهم ~~وتعزيزهم وتوقيرهم ومن خالف ما جاؤوا به من توحيد الله تعالى وإفراده ~~بالدعاء فهو من أعظم المخالفين لهم اعتقادا وقولا وعملا فإن أعظم ما دعوا ~~إليه التوحيد فالمخالف له من أعظم الناس مخالفة لهم وقد بين في الصارم ~~المسلول أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان وكل أمة لا تصدق الرسل فلا ~~تكون إلا مشركة وكل مشرك فإنه مكذب بالرسل فمن PageV02P502 دخل في نوع من ~~الشرك الذي نهت عنه الرسل فإنه مناقض لهم مخالف لموجب رسالتهم # و إذا كان كذلك فما قال هذا المفتري و أمثاله هو بدعة لم تشرعها الرسل لو ~~لم يرد ms076 ما يتضمن النهي عنها فكيف إذا علم أنه نهي عنها # أما المقام الأول فإنه لا يمكن أحدا أن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~شرع لأمته أن يستغيثوا بميت لا نبي ولا غيره لا في جلب منفعة ولا دفع مضرة ~~لا بهذا اللفظ ولا معناه # فلا يشرع لهم أن يدعوا ميتا ولا يسألوه ولا يدعوا إليه ولا أن يستجيروا ~~به ولا يدعوه لا رهبة ولا رغبة # ولا يقول أحد لميت أنا في حسبك وأنا في جوارك وأنا PageV02P503 أريد أن ~~تفعل كذا وكذا # ولا أن يخطو إلى قبر ميت خطوات و أن يتوجه إلى جهة قبره و يسأل كما يفعل ~~هذا كثير من النصارى و أشباه النصارى من ضلال هذه الأمة بكثير من شيوخهم ~~وغير شيوخهم # ولا يشرع لأحد أن يقول لميت سل الله تعالى لي أو ادع لي # ولا يشرع لهم أن يشكو إلى ميت فيقول أحدهم مشتكيا إليه علي دين أو آذاني ~~فلان أو قد نزل بنا العدو أو أنا مريض أو أنا خائف ونحو ذلك من الشكاوى ~~سواء كان هذا السائل عند قبر الميت أو كان بعيدا منه و سواء كان الميت نبيا ~~أو غيره # بل ولا يشرع لأمته إذا كان لأحدهم حاجة أن يقصد قبر نبي أو صالح فيدعوا ~~لنفسه ظانا أن الدعاء عند قبره يجاب PageV02P504 # بل و لا يشرع لأمته أن يقسموا عليه بمخلوق من المخلوقات لا نبي ولا غيره ~~سواء أقسموا عليه لحاجة أو غير حاجة # ولا يشرع لأمته أن يتوسلوا إلى الله تعالى بذات ميت أصلا بل ولا بذات حي ~~إلا أن يكون التوسل بما أمر الله به من الإيمان به و طاعته أو بدعاء ~~المتوسل به و شفاعته # فأما إذا لم يكن المتوسل يتوسل بما أمر الله به ولا بدعاء الداعي له فليس ~~هناك وسيلة شرعها الله تعالى و رسوله # فإذا كان النبي و الرجل الصالح له عند الله من الجاه والقدر و الحرمة ما ~~لا عين رأت و لا أذن سمعت ms077 ولا خطر على قلب بشر فهذا لا ينتفع المتوسل به ~~إلا بأحد أمرين # إما أن يتوسل المتوسل بما أمر الله به من الإيمان به و محبته و طاعته و ~~موالاته و الصلاة عليه والسلام ونحو ذلك فهذه هي الوسيلة التي PageV02P505 ~~أمر الله بها في قوله تعالى @QB@ اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة @QE@ # فالوسيلة تجمعها طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فكل وسيلة طاعة للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وكل طاعة للرسول وسيلة و @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله @QE@ @QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا @QE@ # والوجه الثاني أن يدعو له الرسول فهذا أيضا مما يتوسل به إلى الله تعالى ~~فإن دعاءه وشفاعته عند الله تعالى من أعظم الوسائل # فأما إذا لم يتوسل العبد بفعل واجب ولا مستحب ولا الرسول دعا له فليس في ~~عظم قدر الرسول ما ينفعه # ولكن بعض الذين دخلوا في دين الصابئين والمشركين ظنوا أن شفاعة الرسول ~~لأمته لا يحتاج إلى دعاء منه بل الرحمة التي تفيض PageV02P506 على الرسول ~~تفيض على المستشفع به من غير شعور من الرسول ولا دعاء منه ومثلوا ذلك ~~بإنعكاس شعاع الشمس إذا وقع على جسم صقيل ثم انعكس على غيره فإن الشمس إذا ~~وقعت على ماء أو مرآة وانعكس شعاعها على حائط أو غيره حصل النور في الموضع ~~الثاني بواسطة الشعاع المنعكس على المرآة قالوا فهكذا الرحمة تفيض على ~~النفوس الفاضلة كنفوس الأنبياء والصالحين ثم تفيض بتوسطهم على نفوس ~~المتعلقين بهم وكما أن انعكاس الشعاع يحتاج إلى المحاذاة فكذلك الفيض لا بد ~~فيه من توجه الإنسان إلى النفوس الفاضلة وجعل هؤلاء الفائدة في زيارة ~~قبورهم من هذا الوجه وقالوا إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة ~~فيقوى تأثيرها # وهذه المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة ومن أخذ عنهم كإبن سينا وأبي حامد ~~وغيرهم # وهذه الأحوال هي من أصول الشرك وعبادة الأصنام وهي من PageV02P507 ~~المقاييس الفاسدة التي قال عنها بعض السلف ما عبدت ms078 الشمس والقمر إلا ~~بالمقاييس وهي من أقوال من يقول إن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف في ~~العالم لا بكون الله يجيب الداعي وهي مبنية على أن الله تعالى ليس بفاعل ~~مختار يحدث الحوادث بمشيئته واختياره # بل هؤلاء يقولون إن الرب سبحانه وتعالى يوجب العالم بذاته ويسمونه علة ~~العلل ويقولون علة العلل ويقولون إنه علة تامة وإذا كان كذلك فلا بد ~~للحوادث من سبب فجعلوا حدوثها سبب حركة الفلك وما يحدث عنها من الأشكال ~~الفلكية والاتصالات الكوكبية # ثم الإلهيون منهم يقولون إن الحركة بسبب الاستعدادات من PageV02P508 ~~العالم السفلي لأن يفيض عليها من العقل الفعال الصور النوعية وأن يفيض على ~~النفوس العلوم والأخلاق وغير ذلك # وهؤلاء يجوزون أن يعبد الإنسان الكواكب لأنه بتوجهه إليها يفيض إليه منها ~~أمور وكذلك الأصنام لأنه بتوجهه إلى الصنم يكون متوجها إلى صاحبه فيفيض ~~عليه أمور والنفوس المفارقة هي سعيدة فإذا توجه المتوجه إلى تلك النفوس ~~والقبور التي دفن فيها بدنها فاض عليها منها ما يفيض # وقد بسطنا الكلام على هؤلاء وبينا فساد قولهم بالعقل الصريح المطابق ~~للنقل الصحيح بما ليس هذا موضعه # والكلام إذا كان في أحكام أفعال العباد لم يكن لأحد أن يتكلم إلا بدليل ~~شرعي لا أن يدعو إلى دين غير دين الإسلام ولا ريب أن هذه الأقوال ونحوها ~~تدعو إلى غير دين الإسلام # وقول هذا المفتري وأمثاله يجر إلى مثل هذا لكنهم لا يعرفون أصل قولهم ~~ولوازمه بل هم على عادة تعودوها واتباع لشيوخ لهم فيهم نوع من علم ودين ليس ~~لهم خبرة بحقيقة ما جاء به الرسول وعندهم PageV02P509 تعظيم الأنبياء ~~والصالحين من جنس تعظيم النصارى والمشركين يعظمونهم تعظيم ربوبية من جهة ما ~~يرجونه في حصول مطالبهم من جهتهم لا يعظمونهم لكونهم رسل الله الذين أمروا ~~بطاعتهم فيجب أن يطاعوا فيما أمروا به وأن يقتدي بهم فيما يشرع التأسي بهم ~~فيه ويعرضون عن بعض طاعتهم والتأسي بهم ويقبلون على نوع من دعائهم وسؤالهم ~~والإشراك بهم وهؤلاء بالنصارى أشبه منهم بالصابئة الفلاسفة لكن ms079 الجميع فيهم ~~شرك # ونحن في هذا الموضع ليس بنا حاجة إلى نفي تأثير هذه الأسباب فإنه ليس كل ~~سبب أثر يكون مشروعا بل الشارع ينهى عن أمور لها تأثير في طلب بعض المطالب ~~إذا كان ضررها راجحا على نفعها كما ينهى عن PageV02P510 السحر ونحو ذلك وإن ~~كان قد يمكن أن يقتل به كافرا ويطلع بذلك على بعض أخبار أعداء الإسلام ~~وكذلك عباد الكواكب والأصنام قد تخاطبهم الشياطين وتحصل لهم بعض مطالبهم # ودعاء الغائبين والأموات من هذا الباب فقد يحصل أحيانا أن شيطانا يتمثل ~~للداعي وقد يحصل بعض مطالبه لكن هذا كله منهي عنه لما ترتب عليه من الفساد ~~ما يغمر ما يظن فيه من المنفعة # وهذه التأثيرات قد تحصل عند بعض القائلين بقدم العالم والقائلين بحدوثه ~~بخلاف من يقول إن الأثر الحاصل لا يكون إلا فيضا فهذا لا يكون إلا على قول ~~القائلين بالقدم # وقد بينا في غير هذا الموضع أن هؤلاء الذين يقولون بقدم العالم وصدوره عن ~~موجب بذاته هو علة تامة حقيقة قولهم أن الحوادث تحدث بلا محدث أصلا وأن ~~حركة الفلك الحادثة شيئا بعد شيء ليس لها محدث أصلا وهم يقولون إنه متحرك ~~حركة شوقية بقولهم في حركته من جنس قول القدرية في حركة الحيوان والقدرية ~~أخرجوا فعل الحيوان أن يكون مخلوقا لله عز وجل وأثبتوا حادثا لا محدث له ~~وهؤلاء الصابئة والفلاسفة أخرجوا حركة الفلك وجميع الحادثات من أفعال ~~الحيوان وغيرها عن أن PageV02P511 تكون مخلوقة لله تعالى وأثبتوا هذه ~~الحوادث بلا محدث # والناس ردوا على القدرية وقالوا إرادة العبد حادثة بعد أن لم تكن فلا بد ~~لها من محدث وإذا قيل إن العبد أحدثها بلا إرادة لزم وقوع الحوادث من ~~المختار بلا إرادة وإن قيل بإرادة فالقول فيها كالقول في الأولى وهؤلاء ~~القدرية قالوا إرادة الرب يحدثها لا في محل بلا إرادة منه كما قال ذلك ~~البصريون من المعتزلة وقالوا إرادة العبد يحدثها في نفسه بلا إرادة منه ~~وكلاهما ممتنع # ثم يقال لهم حدوثها بعد أن ms080 لم تكن حادثة أمر حادث فلا بد له من محدث وقد ~~يقال الإرادة أمر ممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح تام والمحدث ~~والمرجح إن كان من العبد فالقول في حدوثه كالقول في الأول وذلك يستلزم ~~التسلسل في أفعال العباد وأفعال العباد لها أول فيمتنع التسلسل فيها فلزم ~~أن يكون المحدث المرجح لها خارجا عن العبد وكل ما يذكر سوى الرب تعالى منته ~~إليه والمحدث المرجح هو الله تعالى # وقول الصابئة والفلاسفة أفسد من قول القدرية فإنه يقال إذا كان الرب ~~عندكم علة تامة موجبا بذاته في الأزل لم يزل ولا يزال هكذا ومعلولة لازم ~~لذاته لا يمكن تأخره عنه امتنع أيضا أن تصدر عنه حركة الفلك وغيرها من ~~الحوادث وامتنع أن يصدر عنه ما يستلزم الحوادث والعالم مستلزم للحوادث ~~فيمتنع صدوره عن العلة التامة لأن الحوادث PageV02P512 تحدث شيئا بعد شيء ~~كما أن حركة الفلك تحدث شيئا بعد شيء والعلة التامة لا يحدث معلولها ولا ~~شيء من معلولها شيئا بعد شيء بل جميع معلولها مقارن لها أزلا وأبدا لا ~~يتأخر منه شيء عن الأول وإذا كان كذلك فالحوادث كأجزاء الحركة الفلكية ~~يمتنع صدورها عن الموجب بذاته # وإذا قيل إن الحركة سببها الشوق الذي هو في الفلك للتشبيه بالأول قيل ~~فتلك الإرادة والتصور الذي هو سر ما في الإرادة الذي هو سبب الحركة بتجدده ~~هو أيضا من الحوادث المتعاقبة وهو نوع حركة نفسانية فلا بد لها من محدث ~~فإذا كانت العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها امتنع صدورها عنه وإذا كان ~~الفلك لا يخلوا عن الحوادث امتنع صدورها عنه لأن وجود الملزوم بدون اللازم ~~ممتنع ولو قدر مقدر أن العالم لم يكن فيه حادث ثم تجددت الحوادث لكان القول ~~فيما ليس بمتجدد كالقول في غيره فإن التقدير أنه هناك فاعل لا علة تامة ~~والعلة التامة لا يتجدد عنها شيء بل معلولها مقارن لها وهذا إذا تصوره ~~العاقل علم بالضرورة بطلان قول هؤلاء الذين هم من أبعد الناس عن المعقول ~~الصريح ms081 كبعدهم عن المنقول الصحيح ثم هل تقوم بالرب الأمور PageV02P513 ~~الاختيارية التي يسمونها الحوادث لهم في ذلك قولان كما للمتكلمين قولان # وطائفة من الأساطين القدماء يجوزون ذلك وهو قول أبي البركات صاحب المعتبر ~~وغيره من متأخريهم ومنهم من لا يجوزه كابن سينا وأمثاله فمن لم يجوز ذلك ~~ظهر فساد قوله بقدم العالم ظهورا بينا ومن جوزه أيضا فيمتنع عليه أن يقول ~~بقدم شيء من العالم فإنه حينئذ إذا كان الرب تعالى يفعل شيئا بعد شيء ~~بأفعال تقوم بذاته لم يكن قط علة تامة لمفعولاته بل كل ما يفعله ويحدثه هو ~~فاعل له حين أحدثه وفعله والمؤثر التام يستلزم أثره كما أن الأثر يستلزم ~~مؤثره التام # ولهذا كان مذهب أهل السنة أن القدرة لا بد أن تكون مع مقدورها لا يجوز أن ~~تكون معدومة عن وجود المقدور لكن تنازعوا هل يكون وجودها قبل مع بقائها ~~والصواب هو التفريق بين القدرة المصححة التي يشترط في الفعل معها وجود ~~الإرادة وبين القدرة الموجبة وهي مجموع ما يستلزم المقدور PageV02P514 # وأما القدرية فقالوا إن القدرة لا تكون إلا قبل الفعل وإذا كان الحوادث ~~يحدثها شيئا بعد شيء بحسب حدوثها لزم أن تقوم به الأفعال الاختيارية # وإذا كان كذلك بطل أصل قولهم الذي بنوا عليه قدم العالم حيث قالوا هو ~~موجب بالذات لا فاعل بالاختيار وإذا كان كذلك قارنت موجبه فإذا كان نفس ~~الحوادث يستلزم أن يكون فاعلا أفعالا متعاقبة بطل كونه وموجبا بذاته ~~بمقارنة موجبه فبطل التلازم الذي ذكروه وجاز أن يكون محدثا للأفلاك وإن كان ~~قد احدث قبلها شيئا آخر كما أخبر الله تعالى أنه خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام وكان عرشه على الماء # وكذلك في التوراة أنه ابتدأ خلق السماوات والأرض وكان الماء مستبحرا ~~غامرا للأرض والرياح تهب فوقه وملخص ذلك أنه لو كان شيء من العالم قديما ~~لكان موجبا بذاته يقارنه موجبه لا يتأخر عنه # والثاني باطل لأنه لو كان كذلك لم يحدث في العالم شيء لأن العالم بجميع ~~ما فيه موجب ms082 له فلو كان موجبه يقارنه في الأزل لزم أن لا يحدث في العالم ~~شيء ولو وجد العالم دون الحوادث لوجد الملزوم PageV02P515 دون اللازم ~~ولحدثت الحوادث بعد ذلك عن الموجد المستلزم لموجبه في الأزل وكلاهما ممتنع # وكل خبر في العالم فهو مستلزم لمقارنة الحوادث إذ يمكن أن تقوم به ~~الحوادث فلو كان صادرا عن موجب بالذات لامتنع حدوث الحوادث مقارنة له أو ~~حادثة بعده لأن صدورهما عن موجب بالذات ممتنع لا سيما والذات التي من شأنها ~~أن تقوم بها الأفعال المتعاقبة فيفعل شيئا بعد شيء لا يكون فعل معين لازما ~~لذاتها فلو كان في العالم شيء قديم تبين أنه إنما يلزم نوع الأفعال لا فعل ~~مع معين # وأيضا فلزوم الفعل المعين لمفعول معين لذات تقوم بها الأفعال المتعاقبة ~~وتنفعل شيئا بعد شيء غير معقول فإنها متى كانت كذلك امتنع أن يلازمها أزلا ~~وأبدا فعل معين فإن ملازمة المعين ينافي كون فعلها شيئا بعد شيء # وإذا قيل يلزمها فعل معين ولا يلزمها شيء من الأفعال كانت أفعالها منقسمة ~~إلى معين لازم لها وإلى نوع يحدث شيئا بعد شيء فهي للأول موجبة بذاتها ~~والثاني فاعلة باختيارها فيكون موجبه بالذات المفعول وفاعل بالاختيار ~~لمفعولات واجتماع هذين في الذات الواحدة تناقض لأن كونها فاعلة بعد ~~اختيارها شيئا بعد شيء يناقض اتصالها PageV02P516 بالإيجاب بالذات مع أن ~~الفعل المعين الملازم للذات لا يعقل ولا يقبل الفعل إلا الإحداث وإنما يقبل ~~فيما كان لازما لها أن تكون صفة لها كالحياة لا أن يكون مفعولا لها فكونه ~~مفعولا يناقض كونه معه لازما لا سيما إذا كان الفاعل فاعلا بالاختيار # والمقصود هنا أنه إذا لم يحصل من العبد فعل أمره الله تعالى به في حق ~~الرسول ولم يحصل من الرسول شفاعة له فلا يتصور أن ينتفع بجاه الرسول منفعة ~~أمر الله تعالى بها ودينه في دين الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود ~~والنصارى وغيرهم لكن على قول غير أهل التوحيد من المشركين القائلين بحدوث ~~العالم والقائلين بقدمه فإن المشرك قد يدعو ms083 إلها من دون الله فتخاطبه ~~الشياطين وربما قضت له بعض الحاجات وهذا معروف في عباد الكواكب والأصنام ~~وعباد الموتى من الصالحين وغير الصالحين # وأما على قول الصنف والثاني من المشركين الذين جمعوا في الحقيقة بين ~~التعطيل والإشراك فأنكروا أن يكون خالقا للعالم بقدرته ومشيئته وهم مشركون ~~فمن هؤلاء من يقول إنه قد يفيض عليه من الشفيع شيء بغير PageV02P517 دعاء ~~الرسول لكن لا بد عند هؤلاء من توجه من العبد ولا يشترطون التقرب بما شرعته ~~الرسل بل يمكن عندهم إذا سجد لتمثاله أو لقبره ودعاه من الله تعالى أن يحصل ~~له ذلك كما يحصل له إذا توجه للشمس من سخونة شعاعها ما يحصل # والفرق بين الموحدين والمشركين أن الموحدين يقولون إن ما أمرت به الرسل ~~من العبادات إنما يتقرب به إلى الله تعالى والأجر فيه على الله تعالى وإنما ~~على الرسول البلاغ ليس عليه حصول الثواب ولا يشترط أن يكون واسطة في وجوده ~~بل يخلق الله الثواب بغير واسطة الرسول وأما شفاعة الرسول فهي دعاء لله ~~تبارك وتعالى وهؤلاء يقولون لا يحصل إلا بتوسطهم وإن فاض عنهم بغير قصد ~~فهذا أصل ينبغي معرفته # فإن هذا الضال وأمثاله يجعلون الأنبياء والصالحين من جنس الذين يظنون أن ~~النفع والضر يحصل لهمم بتوسطهم كما يحصل الشعاع والحرارة بتوسط الشمس ~~PageV02P518 # ونحن نقول إن كل ما شرعه الله تعالى ورسوله فهو من أعظم الوسائل إلى الله ~~لكن دعاؤهم بعد الموت لم يشرعه الله ورسوله فليس من الوسائل وكذلك سؤال ~~أحدهم مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ليس مشروعا وأصل الدين أن لا يعبد ~~إلا الله بما شرع وما ذكره هؤلاء يتضمن عبادة غير الله بغير أمر الله # المقام الثاني أن يقال هذا مما نهت عنه الرسل فقد ثبت في الصحاح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد وقال ( ( لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) ) يحذر ما فعلوا وقال ( ( لا تجلسوا ~~على القبور ولا تصلوا إليها ) ) # فلو كان الدعاء عند ms084 القبور أجوب منه في غير تلك البقعة لكان قصدها للدعاء ~~عندها مشروعا لم ينه أن يتخذ مسجدا فإن اتخاذ القبور مساجد يدخل فيه الصلاة ~~وغيرها ويدخل فيه بناء المساجد عليها وكلاهما منه عنه بل محرم كما صرح به ~~غير واحد من العلماء فإن النبي PageV02P519 صلى الله عليه وسلم لعن من فعل ~~ذلك تحذيرا لأمته وهذا يقتضي توكيد التحريم # فإن الدعاء في الصلاة أجوب منه في غيرها كالدعاء في دبرها كما جاءت به ~~السنة في الأدعية الشرعية فإنها مشروعة في آخر الصلاة كذلك الدعاء عقب ~~الصلاة وأفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وإنما يكون بعد صلاة الظهر والعصر ~~والوقوف بمزدلفة ودعاؤها بعد صلاة الفجر # والطواف يجري مجرى الصلاة ولهذا يستحب الدعاء في آخره كما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول بين الركنين ( ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار ) ) والطواف تحية المسجد الحرام PageV02P520 # وأما منى فعبادتها رمي الجمار ولهذا يرمونها يوم النحر ثم ينحرون كما ~~يصلون في الأمصار ثم ينحرون فليس بمنى صلاة عيد بل رمي جمرة العقبة لهم ~~كصلاة العيد لغيرهم وسائر الجمرات ترمى عقب الزوال قبل صلاة الظهر # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ( إنما جعل السعي بين ~~الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى ) ) PageV02P521 # فلما كان هذا من شعائر الصلاة والطواف كان الدعاء عندها مشروعا كما ثبت ~~في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو بين الجمرتين بقدر سورة البقرة # وأما جمرة العقبة فليس عندها وقوف ولا دعاء فإنها آخر منى والداعي يريد ~~أن يتأخر عن الجمرة وما بعدها ليس من مني وكان الداعي في نفس عرفة ومزدلفة ~~ومنة لا خارجا عنها ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( عرفة كلها موقف ~~وارفعوا عن بطن عرفة ومزدلفة كلها موقف PageV02P522 وارفعوا عن بطن محسر ~~ومنى كلها منحر ) ) فلم يجعل الحدود الفاصلة بين المشاعر منها PageV02P523 # وقد قال طائفة من السلف في قوله تعالى @QB@ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ~~@QE@ قالوا مقام ms085 إبراهيم عرفة ومزدلفة ومني ومصلى أي مدعى وهذا لا ينافي ~~عند كثير من العلماء ما ثبت في الصحيح من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~طاف صلى عند المقام وقرأ @QB@ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى @QE@ لأن الآية ~~قد تتناول هذا وهذا عند كثير من أهل العلم # ففي الجملة أحق البقاع بدعاء الله تعالى فيها المساجد التي يصلى فيها ~~والمشاعر التي شرع الله تعالى فيها الدعاء والذكر وأمر أن PageV02P524 يكون ~~الدين خالصا له كما قال تعالى @QB@ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين @QE@ # فإذا كانت الصلاة والذكر لله وحده لم يكن ذلك مشروعا عند القبر وكما لا ~~يذبح للميت ولا عند قبره بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن العقر عند ~~القبر وكره العلماء الأكل من تلك الذبيحة فإنها شبه ما ذبح لغير الله فلو ~~كانت مقابر الأنبياء والصالحين مما يستحب الدعاء عندها لكانت إما من ~~المساجد وإما من المشاعر التي يحج إليها وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن هذا وهذا بل لعن الذين يتخذون القبور مساجد # وقال أيضا في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره ( ( لا تتخذوا قبري عيدا ~~وصلوا علي حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني ) ) فنهى أن يتخذ قبره عيدا وهذا ~~معنى المشاعر فإن المشاعر تتخذ أعيادا أي يجتمع الناس عندها في أوقات ~~معتادة و العيد اسم للوقت و للمكان الذي يعتاد الاجتماع فيه وقد يعبر به عن ~~نفس الاجتماع المعتاد و لهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة عيدا ~~وقال ( ( إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين ) ) PageV02P525 # وقد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رأى قوما يتناوبون مكانا ~~يصلون فيه قال ما هذا قالوا مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد إنما هلك من كان قبلكم بهذا من ~~أدركته فيه الصلاة فليصل ms086 و إلا فليمض # فقد نهاهم عن اتخاذ آثار الأنبياء مساجد وهذا لا ينافي قول PageV02P526 ~~عتبان بن مالك للنبي صلى الله عليه وسلم إن السيول تحول بيني وبين قومي فلو ~~صليت في بيتي في مكان أتخذه مصلى فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عنده ~~ركعتين لأن عتبان رضي الله عنه كان مقصوده بناء مسجد لحاجته إليه و تبرك ~~بكون النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه أولا كما أنه صلى الله عليه وسلم ~~بنى مسجد قباء و بنى مسجده و المسجد الذي يتخذه بناء أفضل من غيره كما فضل ~~المسجد الحرام و مسجد سليمان عليه السلام بخلاف من لم يكن مقصوده إلا بناء ~~مسجد لأجل ذلك الأثر # و أما ما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى في سفره النزول في مكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم و الصلاة في مصلاه فمن الناس من رخص في مثل PageV02P527 ذلك ~~بخلاف ما إذا اجتمع على ذلك الناس و من الناس من قال هذا أمر انفرد به ابن ~~عمر و الخلفاء الراشدون و الأكابر من السابقين الأولين من المهاجرين و ~~الأنصار لم يكونوا يفعلون ذلك وهم أعلم من ابن عمر و أعظم إتباعا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فلو كان هذا مستحبا لفعله هؤلاء # و أيضا فلما فتح المسلمون تستر وجدوا فيها قبر دانيال عليه السلام و كان ~~أهل البلد يستسقون به فكتب في ذلك أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه أن ~~احفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا و ادفنه في الليل في واحد منها لئلا يفتتن به ~~الناس فيستسقون به PageV02P528 # فهذه كانت سنة الصحابة رضوان الله عليهم و لهذا لم يكن في زمن الصحابة و ~~التابعين لهم بإحسان على وجه الأرض في ديار الإسلام مسجد مبني على قبر ولا ~~مشهد يزار لا بالحجاز ولا باليمن ولا الشام ولا مصر ولا العراق و لا خراسان # و قد ذكر مالك رحمة الله تعالى عليه أن وقوف الناس للدعاء عند قبر النبي ~~صلى الله ms087 عليه وسلم بدعة لم يفعلها الصحابة ولا التابعون وقال لا يصلح آخر ~~هذه الأمة إلا ما أصلح أولها # فأما ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور فإنما هو دعاء ~~للميت كالدعاء في الصلاة على جنازته # و السنة في الدعاء التعميم كما في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ~~بعلي وهو يدعو فقال ( ( يا علي عم فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء ~~على الأرض ) ) و لهذا يقال في دعاء الجنازة ( ( اللهم اغفر لحينا ~~PageV02P529 و ميتنا و شاهدنا و غائبنا و صغيرنا و كبيرنا و ذكرنا و أنثانا ~~) ) لم يخص PageV02P530 الميت بالدعاء له # و كذلك يقال في السلام على الموتى ( ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين و إنا ~~إن شاء الله بكم لاحقون و يرحم الله المستقدمين منا و منكم و المستأخرين ~~نسأل الله لنا و لكم العافية ) ) # كما يقال في الصلاة السلام علينا و على عباد الله الصالحين # و كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر نبيا قال ( ( ~~يرحمنا الله و فلانا ) ) PageV02P531 PageV02P532 # و كما يقول الخطيب و أستغفر الله لي ولكم # و المقصود بالصلاة على الجنازة الدعاء للميت و غيره يدخل تبعا # و كذلك في زيارة القبور المقصود الدعاء للميت و غيره يدخل تبعا بخلاف من ~~يكون قصده أن يدعو لنفسه بالميت أو عند الميت و هذا كله من الدعاء عند ~~القبور # و أما دعاء الميت و سؤاله بلفظ الاستغاثة و غيرها كقول الداعي أطلب منك ~~المغفرة و الرحمة أو قضاء الدين أو النصر على العدو فهذا مما نهى عنه ~~القرآن قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ # وفي التفسير الصحيح عن مجاهد يبتغون إلى ربهم الوسيلة قال عيسى بن مريم و ~~عزير و الملائكة PageV02P533 # وكذلك عن إبراهيم النخعي قال كان ابن عباس يقول ms088 في قوله @QB@ أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة @QE@ هو عزير و المسيح و الشمس و القمر # و كذلك روي عن شعبة عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس قال عيسى و أمه و ~~العزير في هذه @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة @QE@ ~~PageV02P534 # وروى قتادة عن عبد الله بن معبد الزماني عن ابن مسعود قال كان قبائل من ~~العرب يعبدون صنفا من الملائكة يقال لهم الجن و يقولون هم بنات الله فأنزل ~~الله تبارك و تعالى @QB@ أولئك الذين يدعون @QE@ معشر العرب @QB@ يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة @QE@ PageV02P535 # و في رواية عن الزماني عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال نزلت في نفر من ~~العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجنيون و الإنس الذين كانوا ~~يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم فنزلت @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب @QE@ PageV02P536 # و كذلك قال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال @QB@ الذين يدعون ~~@QE@ الملائكة تبتغي إلى ربها الوسيلة أيهم أقرب و يرجون رحمته و يخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا قال و هؤلاء الذين عبدوا الملائكة من ~~المشركين # و كذلك ذكر العوفي في تفسيره عن ابن عباس قال كان أهل الشرك يقولون نعبد ~~الملائكة و المسيح و عزيرا # و ثبت أيضا في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال PageV02P537 كان ناس ~~يعبدون قوما من الجن فأسلم الجن و بقي الإنس على كفرهم فأنزل الله تعالى ~~@QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب @QE@ يعني الجن ~~و هذا معروف عن ابن مسعود من غير وجه # وهذه الأقوال كلها حق فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابدا لله سواء كان ~~من الملائكة أو من الجن أو من البشر و السلف رضي الله عنهم في تفسيرهم ~~يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل كما يقول الترجمان لمن سأله ما ~~معنى لفظ الخبز فيريه رغيفا فيقول هذا فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه وليس ~~مرادهم بذلك تخصيص نوع دون ms089 نوع مع شمول الآية للنوعين # فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوا وذلك المدعو يبتغي إلى الله ~~الوسيلة و يرجو رحمته و يخاف عذابه وهذا موجود في الملائكة و الجن و الإنس ~~وقد اختار الطبري قول من فسرها بالملائكة أو PageV02P538 بالجن لأنهم كانوا ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يبتغون إلى ربهم الوسيلة بخلاف المسيح و ~~العزير فإنهما لم يكونا موجودين على عهده فلم يكونا حينئذ ممن يبتغي ~~الوسيلة إذ ابتغاء الوسيلة العمل بطاعة الله تعالى و التقرب إليه بالصالح ~~من الأعمال فأما من كان لا سبيل له إلى العمل فبم يبتغي إلى ربه الوسيلة # وهذا الذي قاله إن كان صوابا فهو أبلغ في النهي عن دعاء المسيح و عزير و ~~غيرهما من الأموات من الأنبياء و الصالحين فإنه إذا كان الحي الذي يتقرب ~~إلى ربه بالعمل لا يجوز دعاؤه فدعاء الميت الذي لا يتقرب بالعمل أولى أن لا ~~يجوز و إن كانت الآية تعم هذا و هذا فهي دالة على ذلك فدلالتها ثابتة على ~~كل تقدير و الصحيح أنها تعم هؤلاء و هؤلاء و ذلك أن هؤلاء كانوا في حياتهم ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة وهو لم يقيد ذلك بزمن النزول بل أطلق # وإذا قال القائل آدم و نوح و إبراهيم و موسى يعبدون الله ولا يشركون به ~~علم أن المراد هذا دينهم قال تعالى @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ~~يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار @QE@ ~~PageV02P539 كان حكم النبيين بها قبل نزول الآية بدهر # و العرب تقول مضى حتى لا يرجونه وشربت الإبل حتى يجيء البعير فيقول برأسه ~~كذا و منه قراءة من قرأ @QB@ وزلزلوا حتى يقول الرسول @QE@ وهذا ماض # وقد قال تعالى @QB@ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ~~وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى ~~عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا @QE@ و هذا قد مضى قبل نزول القرآن و ~~الفعل مضارع لأنه ms090 حكى حالهم الماضي و لهذا تقول النحاة هذا حكاية حال كقوله ~~@QB@ وكلبهم باسط ذراعيه @QE@ # فإن قيل المعروف في مثل هذا أن يقال كانوا يفعلونه كما قال تعالى @QB@ ~~إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا @QE@ # قيل لكن إذا كان في الكلام ما يبين المراد لم يحتج إلى ذلك لا سيما إذا ~~ذكر ماض و حاضر و عمهم الخطاب فهنا يتعين حذف كان لأن PageV02P540 المقصود ~~الإخبار عن حال هؤلاء الحاضرين و الحاضرون لا يخبر عنهم بكان كما تقول ~~المؤمنون من الأولين و الآخرين يعبدون الله لا يشركون به # و الآية هنا قصد بها التعميم لكل ما يدعى من دون الله وكل من دعا ميتا أو ~~غائبا من الأنبياء و الصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها فقد ~~تناولته هذه الآية كما تتناول من دعا الملائكة و الجن و معلوم أن هؤلاء ~~كلهم يكونون وسائط فيما يقدره الله تعالى بأفعالهم ومع هذا فقد نهى الله عز ~~وجل عن دعائهم و بين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله ولا ~~يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع أيضا فلا يرفعونه ولا ~~يحولونه من حال إلى حال كتغير صفته أو قدره ولهذا قال تعالى @QB@ ولا ~~تحويلا @QE@ فذكر نكرة تعم أنواع التحويل # يقال كشف البلاء أي أزاله و رفعه ويقال كشف عنه أي PageV02P541 أظهره ~~وبينه # فمن الأول قوله تعالى @QB@ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم ~~يشركون @QE@ # و قوله تعالى @QB@ ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم ~~يعمهون @QE@ # وقوله تعالى @QB@ فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ~~@QE@ # و من الثاني قوله تعالى @QB@ يوم يكشف عن ساق @QE@ لم يقل يوم يكشف الساق ~~وهذا يبين خطأ من قال المراد بهذه كشف الشدة وأن الشدة تسمى ساقا و أنه لو ~~أريد ذلك لقيل يوم يكشف عن الشدة أو يكشف الشدة PageV02P542 # و أيضا فيوم القيامة لا يكشف الشدة عن الكفار و الرواية في ذلك عن ابن ~~عباس ms091 ساقطة الإسناد # و الاستغاثة هي طلب كشف الشدة فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء و ~~الصالحين أو دعا الجن فقد دعا من لا يغيثه فلا يملك كشف PageV02P543 الضر ~~ولا تحويله وقد قال تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا @QE@ كان أحدهم إذا نزل بواد يقول أعوذ بعظيم هذا الوادي ~~من سفهائه فقالت الجن الإنس يستعيذوننا فزادوهم رهقا # وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق و هذا مما ~~استدلوا به على أن كلام الله عز وجل غير مخلوق قالوا لأنه قد ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بكلمات الله و أمر بذلك # كقوله صلى الله عليه وسلم ( ( أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما ~~خلق # ( ( و أعوذ بكلمات الله التامات كلها من غضبه و عذابه وشر عباده ومن ~~همزات الشياطين و أن يحضروا ) ) PageV02P544 و ( ( أعوذ بكلمات الله ~~التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق و ذرأ و برأ و من شر ما ~~ينزل من السماء و من شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض و ما يخرج ~~منها و من شر فتن الليل و النهار PageV02P545 ومن شر كل طارق إلا طارقا ~~يطرق بخير يا رحمن ) ) # قالوا و الاستعاذة لا تجوز بالمخلوق وقول القائل أعوذ بالله معناه أستجير ~~بالله فإذا لم يجز أن يستغاث بمخلوق لا نبي ولا غيره فإنه لا يجوز أن يقال ~~له أنت خير معاذ يستغاث به بطريق الأولى و الأحرى و لهذا قال بعض الشعراء ~~لبعض الرؤساء الممدوحين % يا من ألوذ به فيما أؤمله % ومن أعوذ به فيما ~~أحاذره % # | PageV02P546 % لا يجبر الناس عظما أنت كاسره % ولا يهيضون عظما أنت ~~جابره % # فقول القائل لمن مات من الأنبياء أو غيرهم بك أستجير من كذا و كذا كقوله ~~بك أستعيذ وقوله بك أستغيث في معنى ذلك إذ كان مطلوبه منع الشدة أو رفعها و ~~المستعيذ يطلب منع المستعاذ منه ms092 أو رفعه فإذا كان لخوف طلب منعه كقوله أعوذ ~~بالله من عذاب جهنم أو عذاب القبر و إن كان حاضرا طلب رفعه كقوله في الحديث ~~الصحيح أعوذ بعزة الله و قدرته من شر ما أجد و أحاذر فتعوذ بالله من شر ~~الموجود و شر المحاذر # و الداعي يطلب أحد شيئين إما حصول منفعة و إما دفع مضرة فالاستعاذة و ~~الاستجارة والاستغاثة كلها من نوع الدعاء و الطلب وقول القائل لا يستعاذ به ~~ولا يستجار به ولا يستغاث به ألفاظ متقاربة PageV02P547 # ولما كانت الكعبة بيت الله الذي يدعى و يذكر عنده فإنه سبحانه يستجار به ~~و يستغاث به هناك وقد يتمسك المتمسك بأستار الكعبة كما يتعلق المتعلق ~~بأذيال من يستجير به ومنه قول عمرو بن سعيد لأبي شريح إن الحرم لا يعيذ ~~عاصيا ولا فارا بدم و لا فارا بخربة # وفي الحديث الصحيح يعوذ عائذ بهذا البيت # و منه قول القائل % ستور بيتك ذيل الأمن منك وقد % علقتها مستجيرا أيها ~~الباري % # | % وما أظنك لما أن علقت بها % خوفا من النار تدنيني من النار % # ويسمى ذلك المكان المستجارة وقد كان من السلف من يدخل بين الكعبة و ~~أستارها فيستعيذ و يستجير بالله و يدعوه و يتضرع إليه هناك # و يجوز مدح الله و الثناء عليه بالنظم و كذلك دعاؤه كما قال الأسود ابن ~~سريع للنبي صلى الله عليه وسلم لما نظم شعرا في مدح الله تعالى فقال إني ~~حمدت ربي بمحامد فقال إن ربك يحب الحمد فلم ينكر عليه ذلك PageV02P548 لكن ~~روي أنه قال ولم يستنشده وروي أنه استنشده كما روى الإمام أحمد في مسنده عن ~~الأسود بن سريع قال قلت يا رسول الله إني مدحت الله بمدحة و مدحتك بأخرى ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( هات و أبدأ بمدحة الله تعالى ) ) ~~PageV02P549 # و لكن ثبت عنه أنه كان يستنشد الشريد بن السويد الثقفي شعر أمية ابن أبي ~~الصلت وهو يقول هيه هيه وذلك مثل قوله % مجدوا الله فهو للمجد أهل % ربنا ms093 ~~في السماء أمسى كبيرا % # | % بالبناء الأعلى الذي سبق النا % س و سوى فوق السماء سريرا % # % شرحبا ما يناله بصر العين % ترى دونه الملائك صورا % $ # وقوله % رجل وثور تحت رجل يمينه % و النسر للأخرى وليث مرصدا % $ ~~PageV02P550 PageV02P551 # و غير ذلك # و منه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ( إن أخا لكم لا يقول الرفث يعني ~~ابن رواحة ) ) # و ذلك كقوله الذي أنشده للنبي صلى الله عليه وسلم % شهدت بأن وعد الله حق ~~% و أن النار مثوى الكافرينا % # | % و أن العرش فوق الماء طاف % وفوق العرش رب العالمينا % # % و تحمله ملائكة شداد % ملائكة الإله مسومينا % $ # وقوله % و فينا رسول الله يتلو كتابه % إذا انشق معروف من الفجر ساطع % # | % يبيت يجافي جنبه عن فراشه % إذا استثقلت بالكافرين المضاجع % # % أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا % به موقنات أن ما قال واقع % $ # ومن ذلك ما كان النبي صلى الله عليه وسلم و الصحابة رضي الله عنهم ~~يتمثلون PageV02P552 % اللهم لولا أنت ما اهتدينا % ولا تصدقنا ولا صلينا % # | % فأنزلن سكينة علينا % و ثبت الأقدام إن لا قينا % # % إن الأولى قد بغوا علينا % إذا أرادوا فتنة أبينا % $ # و هذا النظم فيه دعاء الله تعالى بقوله % فأنزلن سكينة علينا % و ثبت ~~الأقدام إن لاقينا % $ # و مثل هذا البيت قوله اللهم ويقال فيه لا هم إن العيش كما في قول عبد ~~المطلب % لا هم إن المرء يمنع رحله % و حلاله فامنع حلالك % $ PageV02P553 # و منه قول النبي صلى الله عليه وسلم % إن تغفر الله تغفر جما % و إي عبد ~~لك ما ألما % $ PageV02P554 # و منه قول الصحابة رضي الله عنهم % اللهم إن العيش عيش الآخرة % فاغفر ~~للأنصار و المهاجره % $ # و كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل به لكن روي أنه قال ( ( فأغفر ~~للمهاجرين PageV02P555 و الأنصار ) ) # وهذا دعاء في الشعر وقد أقر الصحابة على قولهم فدل على جوازه و إن كان هو ~~صلى الله عليه وسلم لا يقول الشعر فذلك من خصائصه كما قال تعالى @QB@ وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له @QE@ فهو صلى الله ms094 عليه وسلم لم يكن ينظم الشعر ~~ولكن هل تمثل به أو لم يتمثل بشعر فيه نزاع ليس هذا موضعه # وليس كل الشعر مذموما بل منه ما هو مباح ممدوح PageV02P556 # كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ( إن من الشعر ~~لحكمة ) ) # و قد قال تعالى @QB@ والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد ~~يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا ~~الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ~~@QE@ فقد استثنى الله تعالى ممن ذمه من الشعراء من ذكره فدل ذلك على أنه ~~ليس كل الشعراء مذمومين # وقد ثبت في الصحيح أنه كان ينصب لحسان بن ثابت منبرا و يأمره بهجاء ~~المشركين ويقول ( ( اللهم أيده بروح القدس ) ) وفي رواية ( ( إن روح القدس ~~معك ما نافحت عن رسوله ) ) PageV02P557 # وقد سمع شعر خزاعة لما قدموا عليه حين عدت بنو بكر على خزاعة و أنشدوه ~~القصيدة المعروفة التي فيها % إن قريشا اخلفوك الموعدا % و نقضوا ميثاقك ~~المؤكدا % $ # إلى آخرها PageV02P558 # و كذلك سمع قصيدة كعب بن زهير المشهورة التي أولها بانت سعاد # إلى غير ذلك من الأدلة الشرعية التي تدل على أن من الشعر ما يجوز إنشاؤه ~~و استماعه # و مما يبين حكمة الشريعة و عظم قدرها و أنها كما قيل سفينة نوح من ركبها ~~نجا و من تخلف عنها غرق أن الذين خرجوا عن المشروع زين لهم الشيطان أعمالهم ~~حتى خرجوا إلى الشرك PageV02P559 # فطائفة من هؤلاء يصلون إلى الميت و يدعو أحدهم الميت فيقول اغفر لي و ~~ارحمني و نحو ذلك و يسجد لقبره # و منهم من يستقبل القبر و يصلي إليه مستدبرا الكعبة ويقول القبر قبلة ~~الخاصة و الكعبة قبلة العامة وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة و زهدا وهو ~~شيخ متبوع و لعله أمثل أتباع شيخه يقوله في شيخه # و آخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق و الاجتهاد في العبادة و ~~الزهد يأمر المريد أو ms095 ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل ~~التماثيل # و جمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع ~~و الدعاء و حضور القلب ما لا يجده أحدهم في مساجد الله تعالى التي أذن أن ~~ترفع و يذكر فيها اسمه # و آخرون يحجون إلى القبور و طائفة صنفوا كتبا و سموها مناسك حج المشاهد ~~كما صنف أبو عبد الله محمد بن النعمان الملقب بالمفيد أحد شيوخ الإمامية ~~كتابا في ذلك و ذكر فيه من الحكايات المكذوبة على أهل البيت ما لا يخفى ~~كذبة على من له معرفة بالنقل # و آخرون يسافرون إلى قبور المشايخ و إن لم يسموا ذلك منسكا و حجا فالمعنى ~~واحد ومن هؤلاء من يقول وحق النبي الذي تحج إليه المطايا فجعل الحج إلى ~~النبي لا إلى بيت الله عز وجل PageV02P560 # وكثير من هؤلاء أعظم قصده من الحج قصد قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~حج البيت وبعض الشيوخ المشهورين بالدين والزهد والصلاح صنف كتابا سماه ~~الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام وهذا الضال استعان ~~بهذا الكتاب # وقد ذكر في مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة وكان قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم منتهى قصده ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة وجعل هذا من مناقبه فإن كان ~~هذا مستحبا فينبغي لمن يجب عليه حج البيت إذا حج أن يجعل المدينة منتهى ~~قصده ولا يذهب إلى مكة فإنه زيادة كلفة ومشقة مع ترك الأفضل وهذا لا يفعله ~~عاقل # وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض أكابر الشيوخ عند الناس ممن يقصده ~~الملوك والقضاة والعلماء والعامة على طريقة ابن سبعين قيل عنه إنه كان يقول ~~البيوت المحجوجة ثلاثة مكة وبيت المقدس والبندر الذي للمشركين بالهند وهذا ~~لأنه كان يعتقد أن دين اليهود حق PageV02P561 ودين النصارى حق وجاء بعض ~~إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته فقال له أريد أن أسلك على يديك فقال ~~على دين اليهود والنصارى أو المسلمين فقال له واليهود ms096 والنصارى ليسوا كفارا ~~قال لا تشدد عليهم لكن الإسلام أفضل # ومن هؤلاء من يرجح الحج إلى المقابر على الحج إلى البيت ومنهم من يرجح ~~الحج إلى البيت لكن قد يقول أحدهم إنك إذا زرت قبر الشيخ مرتين أو ثلاثا ~~كان كحجة # ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ بمنزلة عرفات يسافرون إليها وقت الموسم ~~يعرفون بها كما يعرف المسلمون بعرفات كما يفعل هذا في المغرب والمشرق # ومنهم من يجعل السفر إلى المشهد والقبر الذي يعظمه أفضل من الحج ويقول ~~أحد المريدين لآخر وقد حج سبع حجج إلى بيت الله العتيق أتبيعني زيارة قبر ~~الشيخ بالحجج السبع فشاور الشيخ فقال لو PageV02P562 بعت لكنت مغلوبا # ومنهم من يقول من طاف بقبر الشيخ سبعا كان كحجة # ومنهم من يقول زيارة المغارة الفلانية ثلاث مرات كحجة # ومنهم من يحكي عن الشيخ الميت أنه قال كل خطوة إلى قبره كحجة ويوم ~~القيامة لا تبع بحجة وأنكر بعض الناس ذلك فتمثل له الشيطان بصورة الشيخ في ~~منامه وزبره على إنكاره ذلك # وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله رب العالمين فليسوا على ملة ~~إبراهيم إمام الحنفاء وليسوا من عمار مساجد الله الذين قال الله فيهم @QB@ ~~إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ # فعمار مساجد الله لا يخشون إلا الله وعمار مساجد المقابر يخشون غير الله ~~ويرجون غير الله حتى إن طائفة من أصحاب الكبائر الذين لا يتحاشون فيما ~~يفعلونه من القبائح كان إذا رأى قبة الميت أو الهلال الذي على رأس القبة ~~خشي من فعل الفواحش ويقول أحدهم PageV02P563 لصاحبه ويحك هذا هلال القبة ~~فيخشون المدفون تحت الهلال ولا يخشون الذي خلق السماوات والأرض وجعل أهلة ~~السماء مواقيت للناس والحج # وهؤلاء إذا نوظروا خوفوا مناظرهم كما صنع المشركون بإبراهيم عليه السلام ~~قال تعالى @QB@ وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي ms097 كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف ~~أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ~~فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون @QE@ قال الله تعالى @QB@ الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ # وآخرون قد جعلوا الميت بمنزلة الإله والشيخ الحي المتعلق به كالنبي فمن ~~الميت يطلب قضاء الحاجات وكشف الكربات وأما الحي فالحلال ما حلله والحرام ~~ما حرمه وكانوا في أنفسهم قد عزلوا الله عن أن يتخذوه إلها وعزلوا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم عن أن يتخذوه رسولا وقد PageV02P564 يجيء الحديث العهد ~~بالإسلام أو التابع لهم لحسن الظن بهم أو غيره يطلب من الشيخ الميت إما دفع ~~ظلم ملك يريد أن يظلمه أو غير ذلك فيدخل ذلك السادن فيقول قد قلت للشيخ ~~والشيخ يقول للنبي والنبي يقول لله والله قد بعث رسولا إلى السلطان فلان ~~فهل هذا إلا محض دين المشركين والنصارى وفيه من الكذب والجهل ما لا يستجيزه ~~كل مشرك ونصراني ولا يروج عليه # ويأكلون من النذور وما يؤتى به إلى قبورهم ما يدخلون به في معنى قوله ~~تعالى @QB@ إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ~~ويصدون عن سبيل الله @QE@ فإنهم يأكلون أموال الناس بغير حق و يصدون عن ~~سبيل الله ويعوضون بأنفسهم و يمنعون غيرهم إذ التابع لهم يعتقد أن هذا هو ~~سبيل الله ودينه فيمتنع بسبب ذلك عن الدين الحق الذي بعث الله به رسله و ~~أنزل به كتبه PageV02P565 # و الله تعالى لم يذكر في كتابه المشاهد بل ذكر المساجد فإنها خالصة له # قال تعالى @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه ~~مخلصين له الدين @QE@ # وقال تعالى @QB@ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من ~~آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى ~~أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولولا دفع الله ms098 الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ~~وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا @QE@ # و لم يذكر بيوت الشرك كبيوت الأصنام و المشاهد ولا ذكر بيوت النار لأن ~~الصوامع و البيع لأهل الكتاب فالممدوح من ذلك ما كان مبنيا قبل النسخ و ~~التبديل كما أثنى على اليهود و النصارى و الصابئين الذين كانوا قبل النسخ و ~~التبديل يؤمنون بالله و اليوم الآخر و يعملون صالحا بخلاف بيوت الأصنام ~~وبيوت النار و بيوت الصابئة المشركين كالذي يسمونه PageV02P566 هيكل العلة ~~الأولى هيكل العقل هيكل النفس و هيكل زحل هيكل المشتري هيكل المريخ هيكل ~~الشمس هيكل عطارد هيكل الزهرة هيكل القمر فإن هذه البيوت ليس في أهلها مؤمن ~~ولم يكن في أهلها عبادة أمر الله بها # فبيوت الأوثان وبيوت النيران وبيت الكواكب و بيت المقابر لم يمدح الله ~~شيئا منها ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~الله تعالى @QB@ قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا @QE@ # فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدا على أهل الكهف كانوا من النصارى الذين لعنهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال ( ( لعن الله اليهود و النصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد ) ) PageV02P567 # وفي رواية و الصالحين # وفي الصحيحين عنه أنه لما ذكر له كنيسة بأرض الحبشة و ذكر حسنها و ~~تصاويرها فقال ( ( أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا و ~~صوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ) ) فجمع ~~بين التصاوير و المقابر # وفي الصحيح عن أبي الهياج الأسدي قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا أدع ~~قبرا مشرفا إلا طمسته PageV02P568 # وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة حتى أخرج ~~ما فيها من التماثيل # وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال إنا لا ندخل كنائسكم من ~~أجل التماثيل التي فيها # وقد ms099 تنازع الفقهاء في الصلاة في الكنيسة وقال البخاري قال ابن عباس لا ~~بأس بالصلاة في الكنيسة وقيل يكره مطلقا وقيل PageV02P569 يرخص فيها و ~~الصحيح أنه إن كان فيها تماثيل كانت بمنزلة المساجد المبنية على القبور و ~~بمنزلة دار الأصنام فالمصلي فيها مشابه لمن يعبد غير الله و إن كانت نيته ~~الصلاة لله كما أن المصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها لما شابه من يعبد غير ~~الله نهي عن ذلك سدا للذريعة # و أيضا فالملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة فكيف يصلى فيه و لهذا لم يدخل ~~النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة حتى أزيلت الصور بخلاف الكنيسة التي لا ~~صور فيها # فإن قيل تكره لكونها محل الكفر # قيل الصلاة في محل الكفر بمنزلة فتح دار الكفر و جعلها دار إسلام و ~~بمنزلة صلاة المسلمين في دار الحرب وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفا ~~أن يتخذوا مسجدهم موضع بيت اللات بعد هدم اللات وكانوا PageV02P570 يسمونها ~~الدبة ولهذا فضل ذاكر الله في الغافلين # وقيل إنه كالشجرة الخضراء بين الشجر اليابس فالعابد بين أهل الكفر و ~~الغفلة أعظم أجرا من غيره # وإن قيل الصلاة فيها غضب لهم # قيل له الكنائس ليست ملكا لأحد وليس لهم أن يمنعوا من يعبد الله لأنا ~~صالحناهم على هذا بل قد شرط عليهم عمر بن الخطاب رضي PageV02P571 الله عنه ~~أن يوسعوا أبوابها للمارة # و من ذلك أن هؤلاء المشركين من الصابئة و نحوهم لما كانوا يعبدون الكواكب ~~و الملائكة وربما سموها العقول و النفوس و جعلوها وسائط بين الله و بين ~~خلقه و أهل التوحيد لا يعبدون إلا الله تعالى و يطيعون رسله الذين أمروا ~~بعبادته وحده لا شريك له فقالت الصابئة المشركون للحنفاء نحن نتخذ ~~الروحانيين وسائط و أنتم تتخذون البشر وسائط فديننا أفضل من دينكم فأخذ ~~يعارضهم طائفة من النظار كالشهرستاني في كتابه المعروف بالملل و النحل ~~وغيره و يذكرون أن توسط البشر أولى من توسط الروحانيات العلوية و ناظروهم ~~مناظرة يعرف تقصيرهم فيها ms100 لأنهم بنوها على أصل فاسد وهو مقايسة وسائط ~~المشركين بوسائط الموحدين الحنفاء # وهذا جهل بدين الحنفاء فإن الحنفاء ليس بينهم وبين الله تعالى واسطة في ~~العبادة و الدعاء و الاستعانة بل يناجون ربهم و يدعونه و يعبدونه بلا واسطة ~~و إنما الرسل بلغتهمم عن الله تعالى ما أمر به و أحبه من العبادات و غيرها ~~و ما نهى عنه فهم وسائط في التبليغ و الدلالة وهم PageV02P572 مع المؤمنين ~~كدليل الحاج مع الحجاج و كإمام الصلاة مع المصلين # فالرسل صلوات الله عليهم و سلامه يعرفون الناس طريق الله تبارك و تعالى ~~كما يعرف الدليل الحاج طريق مكة شرفها الله تعالى ثم الناس يعبدون الله ~~تعالى كما أن الحجاج يقيمون مناسك الحج # و الرسل أيضا يقتدى بهم في الأفعال التي يتأسى بهم فيها كما يقتدي ~~المأمور بالإمام في الصلاة و كل مصل يعبد ربه منه إليه بلا واسطة و أولئك ~~الصابئة من الفلاسفة غاية سعادة النفوس عندهم أن تصل إلى العقل الفعال و ~~أصحاب رسائل إخوان الصفا صنفوا رسائلهم على أصول هؤلاء ممزوجة بما أخذوه من ~~دين الحنفاء و أرادوا بزعمهم أن يجمعوا بين الحنفية و الصابئة فضلوا و ~~أضلوا # و أما الحنفاء فعندهم أنه ما من عبد إلا سيكلمه ربه ليس بينه و بينه حاجب ~~ولا ترجمان و عندهم أن الملائكة عباد الله يفعلون ما أمرهم PageV02P573 ~~الله به # و من أثبت أن دون الله تعالى روحا يكون مبدعا للعالم فهو أكفر عند ~~الحنفاء من مشركي العرب فإن مشركي العرب كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء ~~لا يثبتون دونه شيئا أبدع العالم ولما قال من قال منهم إن الملائكة بنات ~~الله تعالى لم يجعلوا الملائكة مبدعة للعالم و أما هؤلاء الفلاسفة فيقولون ~~إن الصادر الأول عن العقل الأول و إن كل ما سواه صادر عنه # فالعقل الأول هو رب كل ما سوى الله تعالى عندهم و كذلك كل PageV02P574 ~~عقل هو مبدع ما سواه عندهم حتى ينتهي الأمر إلى العقل العاشر فهو ms101 عندهم ~~مبدع ما تحت الفلك # و معلوم أن المسلمين و اليهود و النصارى و مشركي العرب و غيرهم لا يجعلون ~~أحدا دون الله أبدع كل ما تحت السماء وهؤلاء يجعلون الملائكة التي أخبرت ~~بها الرسل هي العقول و النفوس التي زعموها # و منهم من يجعل العقل الأول هو القلم و يجعل النفس هي اللوح # و منهم من يحتج بالحديث الموضوع أول ما خلق الله العقل مع أنهم حرفوا ~~لفظه فرووه أول بالضم و إنما لفظه أول PageV02P575 ما خلق العقل قال له ~~أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر وفي لفظ لما خلق الله العقل قال له ذلك ~~فالحديث حجة على نقيض مذهبهم فكيف هو موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث # وقد بسطت الكلام على هذه الأمور في موضع آخر وهذا قد يوجد في كلام أبي ~~حامد وكثير من متأخري المتصوفة و المتكلمين أدخلوه في دين الحنفاء من دين ~~المشركين حتى صنف بعضهم تصنيفا في ذلك مثل مصنف الرازي السر المكتوم في ~~السحر و مخاطبة النجوم و آخرون صنفوا في الحروف و طبائعها و الدعاء بأسماء ~~ذكروها PageV02P576 في أوقات كما صنف # ودعاء المقبور من أعظم الوسائل إلى ذلك وقد قدم بعض الشيوخ المشرق و تكلم ~~معي في هذا فبينت له فساد هذا فقال أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~( إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور ) ) فقلت هذا مكذوب باتفاق أهل ~~العلم لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من علماء الحديث # و بسبب هذا و أمثاله ظهر مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح ( ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا ~~PageV02P577 جحر ضب لدخلتموه ) ) قالوا يا رسول الله اليهود و النصارى قال ~~( ( فمن ) ) # وفي الحديث الآخر الصحيح ( ( لتسلكن أمتي مسالك الأمم قبلها شبرا بشبر و ~~ذراعا بذراع ) ) قالوا يا رسول الله فارس و الروم قال ( ( ومن الناس إلا ~~هؤلاء ) ) # فاتخاذ القبور مساجد هو من فعل اليهود و النصارى # و أما الخروج ms102 عن الملة بالكلية إلى دعوى الكواكب و اتخاذ العلويات وسائط ~~في العبادة كمقالات الفلاسفة فهذا ليس من دين اليهود و النصارى ولا فارس و ~~الروم المتنصرة بل هو من فعل الروم الصابئة و المشركين كالفلاسفة الذين ~~كانوا بمقدونية و غيرها وهؤلاء كانوا مشركين إلى أن دخل إليهم دين النصارى ~~و آخر ملوكهم هو بطليموس صاحب المجسطي كان بعد المسيح عليه السلام بمدة ~~قليلة # و أما أرسطو فإنه كان قبل المسيح بأكثر من ثلاث مئة سنة فإنه كان ~~PageV02P578 في زمن الإسكندر بن فيلبس الذي تؤرخ به النصارى اليوم وكان بين ~~المسيح و بين نبينا صلى الله عليه وسلم ست مئة سنة شمسية وست مئة و عشرين ~~قمرية وكان هذا الإسكندر قبل المسيح بنحو من أربع مئة سنة # و كانت الصابئة من النبط الذي بالعراق و الجزيرة كالبطائح و حران و ~~غيرهما من الصابئة المشركين من أئمة الفلاسفة إبراهيم الخليل بعث إليهم وفي ~~مولده قولان قيل بالعراق وقيل بحران وهذا قول أهل الكتاب وكذلك هو في ~~التوراة التي عندهم يقال إن قبر أبيه بسور حران وبها آثار الصابئة كالهياكل ~~التي للعلة الأولى و العقل و النفس و الكواكب وما زال بها أكابرهم كثابت بن ~~قرة وأمثاله # وقد ذكر عبد اللطيف بن يوسف أن الفارابي كان قد تعلق بالفلسفة في بلاده ~~فلما دخل حران وجد بها من الصابئة من أحكمها عليه و ابن سينا إنما حذق فيها ~~بما وجده من كتب الفارابي # فهؤلاء و أتباعهم حقيقة قولهم هو قول الصابئة المشركين الذين هم ~~PageV02P579 شر من مشركي العرب # وهؤلاء عند من لا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب لا تؤخذ منهم الجزية إلا ~~أن يدخلوا في دين أهل الكتاب # و الناس لهم في تفسير الصابئة و أحكامهم اضطراب كثير ليس هذا موضعه و سبب ~~ذلك أنهم أنواع مختلفة فكل طائفة تصف النوع الذي عرفته # و الفلاسفة لا يجمعهم مذهب ولا يجتمعون على شيء بل هم أجناس يختلفون ~~كثيرا # و لكن هذه الفلسفة التي يسلكها ms103 الفارابي و ابن سينا و ابن رشد و ~~السهروردي المقتول ونحوه فلسفة المشائين وهي المنقولة عن أرسطو الذي يسمونه ~~المعلم الأول فإن له كتبا متعددة في المنطق و أجزائه وفي الطبيعيات مثل ~~كتاب سمع الكيان الذي يتكلم فيه على الأجسام كلاما كليا و كتاب السماء و ~~العلم و كتاب الآثار العلوية وغير ذلك و أما كلامه في الإلهيات فقليل جدا ~~وفيه خطأ كثير 2 # و كانوا يسمون ذلك علم ما بعد الطبيعة أو علم ما قبل الطبيعة PageV02P580 ~~و يسمونه الفلسفة الأولى و الحكمة العليا لكونهم يتكلمون فيه على الأمور ~~الكلية العامة كالوجود و انقسامه إلى جوهر و عرض و علة و معلول وقديم وحادث ~~وواجب و ممكن و أما نفس معرفتهم بالله و ملائكته و أنبيائه فبعيدة جدا وقد ~~بسطنا الكلام عليهم في غير هذا الموضع # و المقصود هنا أن ما دخل في هؤلاء من دين الحنفاء الذي بعث الله به رسله ~~فهو أقل مما دخل في الإسلام من دين اليهود و النصارى و لهذا لم يكن على عهد ~~الصحابة و التابعين من أدخل شيئا من دين هؤلاء بل كان يوجد من ينقل عن أهل ~~الكتاب و علمائهم مثل كعب و وهب و مالك بن دينار و محمد بن إسحاق و مثل ما ~~ينقله عبد الله بن عمرو عن الكتب التي أصابها يوم اليرموك و إنما استجاز ~~لهذا لما رواه البخاري في الصحيح عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ( ~~بلغوا عني ولو آية و حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي فليتبوأ ~~مقعده من النار ) ) # فلما رخص في الحديث عن بني إسرائيل استجاز ذلك عبد الله بن عمرو و عبد ~~الله بن عباس و غيرهما لكن لا تأخذون من ذلك دينا لما ثبت في صحيح البخاري ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال PageV02P581 كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة ~~ثم يفسرونها بالعربية فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( إذا حدثكم أهل ~~الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما ms104 أن يحدثوكم بالحق فتكذبوه وإما أن ~~يحدثوكم بباطل فتصدقوه وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا و ما أنزل إليكم و ~~إلهنا و إلهكم واحد و نحن له مسلمون ) ) و إنما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بهذا لأنا قد أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليهم # وقد أخبر الله تعالى أنهم يكذبون و يحرفون فما حدثوا به إذا لم نعلم ~~صدقهم فيه ولا كذبهم لم نكذبه لجواز أن يكون مما أنزل ولم نصدقه لجواز أن ~~يكون مما كذبوه # ولما كانت تلك الأحاديث الإسرائيليات قد كثرت صار بعض الناس يدخل في بعض ~~خصائصهم ولم يكن قد ظهر في المسلمين شيء من آثار اليونان و الهند إلى أن ~~عربت بعض كتب هؤلاء و هؤلاء حدث في الناس من التشبه بأولئك ما كان أعظم من ~~التشبه بأهل الكتاب حتى آل الأمر إلى دولة العبيديين وهم ملاحدة في الباطن ~~أخذوا من مذاهب الفلاسفة و المجوس ما خلطوا به أقوال الرافضة فصار خيار ما ~~يظهرونه من الإسلام دين الرافضة و أما في الباطن فملاحدة شر من اليهود ~~PageV02P582 و النصارى و إلا من لم يصل منهم إلى منتهى دعوتهم فإنه قد يبقى ~~رافضيا داخلا في الإسلام ولهذا قال فيهم العلماء # ظاهر مذهبهم الرفض و باطنه الكفر المحض وهم من أشد الناس تعظيما للمشاهد ~~ودعوة الكواكب ونحو ذلك من دين المشركين و أبعد الناس عن تعظيم المساجد ~~التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وآثارهم في القاهرة تدل على ذلك # ولقد كنت لما رأيت آثارهم أبين للناس أصل ذلك و حقيقة دينهم و أنهم من ~~أبرأ الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا و نسبا # وقد صنف العلماء فيهم وفي أصولهم كتبا نظرية و خبرية # و منهم الإسماعيلية من أصحاب دور الدعوة # و أما النصيرية فهم من الغلاة الذين يعتقدون إلهية علي و الغلاة مع أنهم ~~أكفر من اليهود و النصارى فأولئك الإسماعيلية في الباطن أعظم كفرا و إلحادا ~~منهم وهذا باب واسع ليس هذا ms105 موضعه و إنما المقصود التنبيه على أن سبب ~~الخروج عن الشريعة في كثير من البدع الشركية PageV02P583 أفضى الأمر بأقوام ~~إلى أن خرجوا إلى دين المشركين بل المشركين المعطلين و كثير من الناس لا ~~يعرف هذا يحسب أن هذا هو دين الله لأجل لبس الحق بالباطل وهذا مما نهى الله ~~عنه وذم به أهل الكتاب حيث قال @QB@ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق ~~وأنتم تعلمون @QE@ # الوجه الرابع أن يقال الغلاة المشركون هم في الحقيقة بخسوا الرسل ما ~~يستحقونه من التعظيم دون الأمة الوسط أهل التوحيد المتبعين لشريعة الرسول # و بيان ذلك بأمور منها أن النصارى يقولون أنهم يعظمون المسيح و كذلك ~~الغالية في علي أو الأئمة أو الشيوخ أو غيرهم وهم في الحقيقة منقصون لهم ~~فإن المسيح عليه السلام أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له و أخبرهم أنه ~~عبد الله # فهم إذا اتبعوه كان له من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص PageV02P584 ~~من أجورهم و يكونون سعداء أولياء الله تبارك و تعالى من أهل الجنة # و إذا غلوا فيه و اتخذوه ربا انقطع ثواب العمل الصالح الذي كان يحصل ~~بتوحيدهم وطاعتهم وحصل لهم مع ذلك عذاب أليم وإن كان هو سليما من العذاب ~~لكن فوتوه الأجر الذي كان يحصل له بتوحيدهم و طاعتهم # و أما أهل الاستقامة فهم إذا وحدوا الله تعالى و عبدوه كما شرعته لهم ~~الرسل و أطاعوهم صاروا أولياء الله تعالى مستيقنين لثوابه و حصل للرسول ~~بالذي دعاهم مثل أجورهم و كان في هذا من التعظيم للرسل ما ليس في طريق ~~الغلاة # الأمر الثاني أن أهل التوحيد و السنة يدعون لهم دائما فينتفعون بذلك ~~الدعاء و أهل الشرك و البدعة يكلفونهم حوائجهم و أين من يحصل بسعيه منفعة ~~لهم إلى من يكلفهم و يؤذيهم بسؤاله و اعتبر هذا بحال الصديق الذي كان يعاون ~~الرسول بماله و نفسه ولا يسأله شيئا أين منزلته من منزلة من يسأله و يكلفه ~~ولا يعاونه # الأمر الثالث أن أهل التوحيد و ms106 السنة يصدقونهم فيما أخبروا و يطيعونهم ~~فيما أمروا و يحفظون ما قالوا و يفهمونه و يعملون به و ينفون PageV02P585 ~~عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و يجاهدون من خالفهم ~~ويفعلون ذلك تقربا إلى الله تعالى طلبا للجزاء منه لا منهم و أهل الجهل و ~~الغلو لا يميزون بين ما أمروا به و نهوا عنه ولا بين ما صح عنهم و ما كذب ~~عليهم ولا يفهمون حقيقة مرادهم ولا يتحرون طاعتهم و متابعتهم بل هم جهال ~~بما أتوا به معظمون لأغراضهم إما لينالوا منهم منفعة أو ليدفعوا بهم عن ~~أنفسهم مضرة # فالسدنة الذين عند القبور و نحوهم غرضهم يأكلون أموال الناس بهم و ~~أتباعهم غرضهم تعظيم أنفسهم عند الناس و أخذ أموالهم لهم و الصادق المحض ~~المتدين منهم غرضه أنه إذا سألهم و استغاث بهم في دفع شدة أو طلب حاجة ~~قضوها له فأي الفريقين أشد تعظيما أولئك أو هؤلاء # الأمر الرابع إن أولئك الغلاة المشركين إذا حصل لأحدهم مطلوبه ولو من ~~كافر لم يقبل على الرسول بل يطلب حاجته من حيث يظن أنها تقضى فتارة يذهب ~~إلى ما يظنه قبر رجل صالح أو يكون فيه قبر كافر أو منافق و تارة يعلم أنه ~~كافر و منافق ويذهب إليه كما يذهب قوم إلى الكنيسة و إلى مواضع يقال لهم ~~إنها تقبل النذر فهذا يقع فيه عامتهم PageV02P586 # و أما الأول فيقع فيه خاصتهم حتى إن بعض أصحابنا المباشرين لقضاء القضاة ~~لما بلغه أني أنهى عن ذلك صار عنده من ذلك شبهة ووسواس لما يعتقده من الحق ~~فيما أذكره ولما عنده من المعارضة لذلك قال لبعض أصحابنا سرا # أنا جربت إجابة الدعاء عند قبر بالقرافة # فقال له ذلك الرجل فأنا أذهب معك إليه ليعرفه منه # فذهبا إليه فوجدا مكتوبا عليه عبد علي فعلموا أنه إما رافضي و إما ~~إسماعيلي # وكان بالبلد جماعة كثيرون يظنون في العبيديين أنهم أولياء الله تعالى ~~صالحون فلما ذكرت لهم أن هؤلاء كانوا منافقين زنادقة و ms107 خيار من فيهم ~~الرافضة جعلوا يتعجبون و يقولون PageV02P587 # نحن نذهب بالفرس التي بها مغل إلى قبورهم فتشفى عند قبورهم # فقلت لهم هذا من أعظم الأدلة على كفرهم # و طلبت من طائفة من سياس الخيل فقلت أنتم بالشام و مصر إذا أصاب الخيل ~~المغل أين تذهبون بهم # فقالوا في الشام يذهب بها إلى قبور اليهود و النصارى و إذا كنا في أرض ~~الشمال يذهب بها إلى القبور التي ببلاد PageV02P588 الإسماعيلية كالعليقة و ~~المنقية و نحوهما و أما في مصر فيذهب بها إلى دير هناك للنصارى ونذهب بها ~~إلى قبور هؤلاء الأشراف # وهم يظنون أن العبيديين شرفاء لما أظهروا أنهم من أهل البيت فقلت هل ~~يذهبون بها إلى قبور صالحي المسلمين مثل قبر الليث بن سعد و الشافعي و ابن ~~القاسم وغير هؤلاء # فقالوا لا # فقلت لأولئك اسمعوا إنما يذهبون بها إلى قبور الكفار والمنافقين و بينت ~~لهم سبب ذلك قلت لأن هؤلاء يعذبون في قبورهم و البهائم تسمع أصواتهم كما ~~ثبت في الحديث الصحيح PageV02P589 فإذا سمعت ذلك فزعت فبسبب الرعب الذي ~~يحصل لها تنحل بطونها فتروث فإن الفزع يقتضي الإسهال # فيعجبون من ذلك وهذا المعنى كثيرا ما كنت أذكره للناس ولم أعلم أحدا قاله ~~ثم وجدته قد ذكره بعض العلماء # و المقصود أن كثيرا من الناس يعظم قبر من يكون في الباطن كافرا أو منافقا ~~ويكون هذا عنده و الرسول من جنس واحد لاعتقاده أن الميت يقضي حاجته إذا كان ~~رجلا صالحا وكلا هذين عنده من جنس من PageV02P590 يستغيث به # وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب بل يقال إنه قبر كافر كالمشهد الذي بسفع ~~جبل لبنان الذي يقال إنه قبر نوح فإن أهل المعرفة يقولون إنه قبر بعض ~~العمالقة وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة وقبر أبي الذي في دمشق انفق ~~العلماء على أنه كذب ومنهم من قال هما قبران لنصرانيين # وكثير من المشاهد متنازع فيها وعندها شياطين تضل بسببها من تضل ومنهم من ~~يرى في المنام شخصا يظن انه المقبور ms108 ويكون ذلك شيطانا تصور بصورته أو بغير ~~صورته كالشياطين الذين يكونون بالأصنام وكالشياطين الذين يتمثلون لمن ~~يستغيث بالأصنام والموتى والغائبين وهذا كثير في زماننا وغيره مثل أقوام ~~يرصدون بعض التماثيل PageV02P591 التي بالبراني بديار مصر بإخميم وغيرها ~~يرصدون التماثيل مدة لا يتطهرون طهر المسلمين ولا يصلون صلاة المسلمين ولا ~~يقرؤون حتى يتعلق الشيطان بتلك الصورة فيراها تتحرك فيضع فيها سمعه وغيرها ~~فيرى شيطانا قد خرج له فيسجد لذلك الشيطان حتى يقضي بعض حوائجه وقد يمكنه ~~من فعل الفاحشة به حتى يقضي بعض حوائجه # ومثل هؤلاء كثير في شيوخ الترك الكفار يسمونه البودي وهو المخنث إذا ~~طلبوا منه بعض هذه الأمور أرسلوا له من ينكحه وينصبوا له حركات عالية في ~~ليلة ظلماء وقربوا له ميتة وغنوا غناء يناسبه بشرط أن لا يكون عندهم من ~~يذكر الله تعالى ولا هناك شيء فيه شيء من ذكر الله تعالى ثم يصعد ذلك الشيخ ~~المفعول به في الهواء ويرون الدف يطير في الهواء ويضرب من مد يده إلى الخبز ~~ويضرب الشيطان بآلات اللهو وهم يسمعون ويغني لهم الأغاني التي كانت تغني ~~آباؤهم الكفار ثم قد يغيب ذلك الطعام فيرونه قد نقل إلى البيت البودي وقد ~~لا يغيب PageV02P592 ويقربون له ميتة يحرقونها بالنار ويقضي بعض حوائجهم ~~ومثل هذا كثير جدا للمشركين # فالذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام وكثير من المشاهد كذب ~~وكثير منها مشكوك فيه وسبب ذلك أن معرفة المشاهد ليست من الدين الذي تكفل ~~الله بحفظه للأمة لعدم حاجتهم إلى معرفة ذلك # والمقصود أن هؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يسووا بين الأنبياء وغير ~~والأنبياء بل بين الأنبياء والكفار ويطلبون من هذا ما يطلبون من هذا فأي ~~الفريقين أشد تعظيما للأنبياء هؤلاء أو من يوجب تعظيمهم واتباع شريعتهم ~~ويفرق بين الحق الذي جاؤوا به وبين غيره ولا ينزل أحدا منزلتهم ولا يشبه ~~بهم من ليس منهم $ فصل # قال وهذا الرجل المبتدع يأتي بألفاظ هي عين التنقيص بسوء فهمه ويحتج لها ~~جهلا أو ms109 عنادا بألفاظ التنزيه تمويها منه أو جهلا # فقول أبي يزيد استغاثة المخلوق بالمخلوق كإستغاثة الغريق بالغريق إن صح ~~عنه تنزيه للباري على أن غير هذه العبارة خير منها وإن PageV02P593 كنا ~~نعلم أن المراد بها هو المراد بقول القائل لا يستغاث إلا بالله ولا يفرج ~~الكربة إلا الله # الجواب من وجوه # أحدها أن يقال المبتدع من شرع دينا لم يأذن به الله لا من أمر بما أمر ~~الله به ونهى عما نهى الله عنه ومن أعظم المبتدعين من جوز أن يستغاث ~~بالمخلوق الحي والميت في كل ما يستغاث فيه بالله عز وجل بل من جوز أن يسأل ~~الميت ويدعى على أي وجه كان بل من حمل ألفاظ الاستغاثة بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم المراد بها التوسل به وجعل توسل الصحابة هو توسلهم بذاته ~~والإقسام به على الله تعالى ولم يعلم أن المراد بها التوسل بشفاعته ومن ~~أعظم المبتدعين من جعل التوحيد كفرا والشرك إيمانا وكفر من هو أحق بالإيمان ~~من طائفته ونفى الكفر عن طائفته الذين هم أحق بالكفر ممن كفروه # الثاني أن يقال دعواه أن الألفاظ التي ذكرت هي عين PageV02P594 التنقيص ~~قد بين أنه من أعظم الكذب وأن التنقيص والشرك لما ذكره ألزم وأن المدعي أن ~~هذا تنقيص كاذب بإتفاق المسلمين فإنه قد علم بالاضرار من دين المسلمين ان ~~مثل هذا الكلام لا يحكم على صاحبه بالتنقيص ولا بما هذا الكلام أحسن منه # الثالث أن قول المجيب ليس هو قوله وحده بل هو قول جميع أئمة الدين وعلماء ~~المسلمين فليس في علماء المسلمين من يقول إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما ~~يستغاث الله فيه ولا من يقول إن الميت يستغاث به في كل ما يستغاث بالله فيه ~~بل قول القائل إن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى لا تطلب إلا ~~منه متفق عليه بين علماء المسلمين وما علمت إلى ساعتي هذه أحدا من علماء ~~المسلمين الذين يستحقون الإفتاء نازع في هذا بل ثبت عندي عن عامة من بلغني ms110 ~~كلامه من علماء المسلمين الموافقة على هذا وإنما عرف نزاع بعضهم في السؤال ~~به # وأما الشيوخ الذين يسألون الميت فهؤلاء ليس فيهم أحد ممن يرجع المسلمون ~~إلى فتياه وإنما فعلوا نظيره والفقيه قد يفعل شيئا على PageV02P595 العادة ~~و إذا قيل له هذا من الدين لم يمكنه أن يقول ذلك ولهذا قال بعض السلف لا ~~ينظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك $ فصل # قال و أما قول هذا المبتدع لا يستغاث بالرسول فإنه كفر لأنه لفظ يقتضي ~~سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله تعالى في طلب الإغاثة وهذا نفي ~~لوصف من أوصاف الكمال الثابت له صلى الله عليه وسلم # أرأيت رجلين قال أحدهما لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى يشير إلى التوحيد ~~وقال الآخر إن الرسول لا يضر ولا ينفع وقال الأول إن الله هو السميع العليم ~~إشارة للحقائق التي حصرها الرب سبحانه في نفسه بهذا الكلام وقال الآخر إن ~~الرسول لا يسمع ولا يعلم أكان يشك مسلم في أن الأول موحد و الثاني كافر ~~منقص ولا ينفعه تأويله # و الجواب من وجوه # أحدها أن ما ذكرته افتراء فإن أحدا لم يخص الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بهذا النفي لا خطابا ولا كتابا ولا نفى كل ما يسمى استغاثة فلا النفي عام ~~PageV02P596 ولا المنفي عنه مخصوص أنت ادعيت هذا وهذا على المجيب وكلاهما ~~كذب وجواب السؤال ينطق بخلاف هذين وقد بين فيه أن يطلب من مخلوق لا الرسول ~~ولا غيره وحينئذ فهذا التفصيل أبين من النفي المطلق الذي قاله أبو يزيد و ~~غيره من المسلمين فإذا كان ذلك سائغا فهذا أولى # و الثاني أن يقدم أن المخصص بالذكر إذا كان التحقيق العموم كان ذلك ~~تعظيما للمخصوص بالذكر فإذا قيل لا يعبد إلا الله تعالى لا الأنبياء ولا ~~غيرهم ونحو ذلك كان هذا تعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم وتبيينا أنه لا ~~أحد أرفع منه من الخلق وخصائص الرب عز وجل منتفية عنه فعن غيره بطريق ~~الأولى وهذا كقول ms111 النبي صلى الله عليه وسلم ( ( لو كنت متخذا من أهل الأرض ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله ) ) وفي رواية ( ( إني ~~أبرأ إلى كل خليل من خلته ) ) PageV02P597 # فبين أن خلته للمخلوقين منتفية عن كل أحد حتى عن الصديق وهو أحقهم بها لو ~~كانت ممكنة ولو خص بالذكر لفظا في سياق يفهم منه العموم كان حسنا كقوله ~~تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا @QE@ # و كذلك إذا كان سبب التخصيص حاجة المستمع إما لسؤاله عن ذلك وإما لحاجته ~~إليه كقوله تعالى @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله @QE@ وقوله @QB@ ~~ما المسيح ابن مريم إلا رسول @QE@ فإن الحاجة داعية إلى ذكر المسيح لوقوع ~~النزاع فيه فلو تنازع اثنان هل يخص النبي صلى الله عليه وسلم بالحلف به دون ~~سائر الأنبياء فقال أحدهما لا يحلف به لم يكن هذا تنقيصا بل هذا قول ~~الجمهور وهو الصواب و كذلك إذا تنازع اثنان هل يخص بالاستغاثة به أو ~~بالإقسام على الله به بعد موته فقال أحدهما لا يستغاث ولا يقسم به فإن هذا ~~ليس من خصائصه لكان من هذا الباب # الثالث قوله عن أبي يزيد غير هذه العبارة خير منها قول باطل فإن ما قاله ~~أبو يزيد رحمة الله تعالى عليه تلقاه الناس بالقبول وقال بعده أبو عبد الله ~~القرشي قال استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة PageV02P598 المسجون ~~بالمسجون وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس ( ( إذا سألت فاسأل ~~الله وإذا استعنت فإستعن بالله تعالى ) ) # وقوله لطائفة من أصحابه ( ( لا تسألوا الناس شيئا ) ) # ومنه قوله تعالى @QB@ وإلى ربك فارغب @QE@ # و منه قوله صلى الله عليه وسلم في صفة السبعين ألفا ( ( هم الذين لا ~~يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون ) ) # فالاسترقاء طلب الرقية من المخلوق و كأنه يقول هذا فيه جعل المخلوقين ~~كلهم مثل الغريق ويدخل في ذلك الأنبياء وغيرهم وفي الناس من يمكنه إغاثة ~~غيره فيقال أبو يزيد أراد والله أعلم الاستغاثة المطلقة التي لا تصح إلا ~~بالله وهو أن يطلب من المخلوق ms112 مالا يقدر عليه إلا الله تعالى كإزالة المرض ~~والانتصار على العدو وهداية القلب وهذا القدر يمكن المسؤول أن يتسبب فيه ~~بأن يدعو الله تعالى له و يجيب الله دعاءه كما أنه قد يمكن بعض الغرقاء أن ~~يمسك غيره و يخلصه إذا كان فيه قوة على ذلك وإن كان أراد كل ما يسمى ~~استغاثة بحيث لا يطلب من المخلوق شيئا فهذا كقوله صلى الله عليه وسلم ( ( ~~لا يسترقون ) ) PageV02P599 وقوله ( ( إذا سألت فاسأل الله ) ) # و حينئذ فالمسؤول كائنا من كان لا يفعل شيئا إلا بمشيئة الله وقدرته فهو ~~أحوج إلى معونة من الغريق إلى من يخلصه فإن الغريق غايته أن يموت وهذا إن ~~لم يغثه الله تعالى لم يفعل شيئا قط بل هلك فافتقار الخلق إلى الخالق أعظم ~~من افتقار الغريق إلى المنقذ و المسجون إلى من يرسله و لهذا قيل استغاثة ~~المخلوق بالمخلوق أبلغ من هذا كالاستغاثة بالمعدوم # الرابع قوله وإن كنا نعلم أن المراد بها المراد بقول القائل لا يستغاث ~~إلا بالله ولا يفرج الكربة إلا الله تعالى فيقال هذا يقتضي تصويب هذا ~~النافي وعلى قولك لا يكون هذا النفي صوابا لأنك قلت إنه يستغاث بالمخلوق في ~~كل ما يستغاث فيه بالله و حينئذ فهذا الإثبات يناقض ذلك السلب العام # وقد تقدم أن دعواه أن المثبت هو عين المنفي في كلام الله و رسوله خطأ بل ~~ما نفاه الرب سبحانه عن غيره لم يثبته له و المنفي عن المخلوق ما اختص الرب ~~به و كذلك قول أبي يزيد و غيره # و أما على ما ادعاه فالاستغاثة بالمخلوق عامة في كل شيء فلا يكون شيء من ~~الأشياء يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيه فلا تنفى الاستغاثة عن غير الله تعالى ~~إذا كانت ثابتة للمخلوق في كل شيء إلا PageV02P600 أن يقال المنفي هو ~~الاستغاثة الكاملة أو التي يستقل بها المغيث كما يقال لا موجود إلا الله ~~تعالى فيقال وهذه العبارة لا موجود إلا الله تعالى ليست عبارة منقولة عن ~~السلف و الأئمة و ms113 النافي إذا أراد بالنفي الكمال مع القرينة جاز ذلك كما ~~يقال لا عالم إلا فلان ولا حاكم إلا فلان و منه قوله تعالى @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون @QE@ إلى قوله @QB@ أولئك هم المؤمنون حقا @QE@ # وقد بينا في غير هذا الموضع أن الله تعالى و رسوله لم ينفيا اسما من مسمى ~~شرعي إلا لانتفاء بعض ما يجب فيه لا ينتفي لانتفاء الكمال المستحب بل ولا ~~بنفي الكمال الواجب # كقوله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ و نظائرها ~~بالقرآن # و كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ( لا صلاة إلا بأم القرآن ) ) ~~PageV02P601 # و أما قوله ( ( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) ) PageV02P602 ~~PageV02P603 PageV02P604 PageV02P605 # وقوله ( ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) ) PageV02P606 # وقوله ( ( من سمع النداء ولم يجب من غير عذر فلا صلاة له ) ) PageV02P607 ~~PageV02P608 # فهذا الأحاديث قد اختلف في صحتها واختلف في نفي الكمال بها في مذهب أحمد ~~وغيره فإن قيل إنها صحيحة وجب العمل بموجبها # و كذلك قوله ( ( لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ) ) قد اختلف ~~PageV02P609 PageV02P610 PageV02P611 PageV02P612 في صحته فليس في هذا ~~الباب حديث صحيح اتفق العلماء على أن المراد به نفي الكمال المستحب # وقول القائل لا يستغاث إلا بالله ولا يسأل إلا بالله ونحو ذلك فليس هو ~~نفيا لمسمى شرعي بل لغوي وهو نفي معناه النهي كقوله لا يستعان إلا بالله ~~ولا يسأل إلا الله تعالى ونحو ذلك و هذا النهي عام في كل شيء لكن النهي في ~~أكثره نهي تحريم و بعضه نهي تنزيه # للإنسان أن لا يسأل أحدا إلا الله تعالى كما وصف النبي صلى الله عليه ~~وسلم طائفة من أصحابه بذلك وهو نهي تحريم فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ~~و غير ذلك وهو أيضا نهي تحريم إذا طلب من المخلوق تمام مطلوبه فإن مطلوبه ~~لا يقدر عليه إلا الله و إنما ms114 يقدر المخلوق على بعض أسباب مخلوقه وبهذا وجب ~~على العبد أن لا يتوكل إلى على الله تعالى PageV02P613 فإنه لا يقدر غير ~~الله على حصول مطلوبه إذ مطلوبه وإن كان له أسباب فالمخلوق المعين إنما ~~يقدر على بعض أسبابة ثم ذلك المخلوق لا يفعل شيئا إلا بمشيئة الله تعالى ~~وقدرته # الخامس قوله و أما قول هذا المبتدع لا يستغاث بالرسول فإنه كفر إلى آخره # فيقال له أولا ليس هذا قوله فإنه لا ينفي عنه أن يستغاث به فيما يليق ~~بمنصبه بل قد صرح بجواز ذلك أيضا فإنه لا يخص الرسول بالذكر ولا بل إنما ~~قيل هذا على سبيل العموم وهو أنه لا يستغاث بميت أصلا لا الرسول ولا غيره ~~ولا يستغاث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق # ويقال ثانية دعواك أن هذا التخصيص كفر أحق بأن يكون كفرا بل يقال لك لا ~~نسلم أنه باطل فضلا عن أن يكون كفرا وهذا عند التخصيص إذا قال لا يستغاث به ~~بعد موته ونحو ذلك بمنزلة أن يقال لا يسأل ولا يدعى بعد موته أو لا يصلى ~~على الرسول عند الذبح أولا تجب الصلاة على الرسول في الصلاة ونحو ذلك من ~~العبارات النافية عن الرسول PageV02P614 # وقد يكون اللفظ مطلقا لتقييده بسؤال السائل مثل أن يقال هل يصلى عليه عند ~~الذبح فيقال لا يصلى عليه أو يقال هل يستغاث به بعد موته أو في مغيبه فيقال ~~لا يستغاث به لكن إن كان المستمع يفهم من هذه العبارة أنه لا يسأل في حياته ~~شيئا ولا يستشفع به بمعنى أنه ليس أهلا لذلك لم يجز إطلاق هذه العبارة إذا ~~عنى بها المتكلم معنى صحيحا وهو يعلم أن المستمع يفهم منها معنى فاسدا لم ~~يكن له أن يطلقها لما فيه من التلبيس إذ المقصود من الكلام البيان دون ~~التلبيس إلا حيث يجوز التعريف خاصة وليس هذا موضع تعريض # ولو قدر أن مطلقا أطلقها وكنى بها معنى صحيحا و المستمع فهم منها الكفر ~~لم يكفر المتكلم بذلك لا ms115 سيما إذا لم يعلم أن المستمع يفهم المعنى الفاسد # وكلام الله و رسوله و كلام العلماء مملوء بما يفهم الناس منه معنى فاسدا ~~فكان العيب في فهم الفاهم لا في كلام المتكلم الذي يخاطب جنس الناس كالمصنف ~~لكتاب أو الخطب على المنبر ونحو هؤلاء فإن هؤلاء لا يكلفون أن يأتوا بعبارة ~~لا يفهم منها مستمع ما معنى ناقصا فإن ذلك لا يكون إلا إذا علم مقدار فهم ~~كل من يسمع كلامه ويقرأ كتابه وهذا ليس في طاقة بشر PageV02P615 # و الله تعالى ما أرسل رسولا إلا بلسان قومه ليبين لهم فما يمكن بيان ~~الرسول إلا على طريقة اللغة المعروفة وإن وقع خطأ في فهم بعض الناس والله ~~تعالى أنزل كتابه بلسان العرب وهو لابد أن ينزله بلسان من الألسنة و أكمل ~~الألسنة لسان العرب و أكمل البلاغة بلاغة القرآن باتفاق أهل العلم بذلك # وقد غلط في كثير من فهم القرآن من لا يحصيه إلا الله تعالى حتى في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # فهم طائفة من قوله تعالى @QB@ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر @QE@ أن المراد به الخيوط التي هي من جنس الحبال ~~PageV02P616 # وفهم بعضهم من قوله تعالى @QB@ وإن منكم إلا واردها @QE@ أن المراد ~~دخولها و التعذيب فيها # و فهم بعضهم من قوله @QB@ فسوف يحاسب حسابا يسيرا @QE@ أنه قد ناقش العبد ~~الحساب و ينجو PageV02P617 # و مثل ذلك كثير # السادس قوله إنه لفظ يقتضي سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله في ~~طلب الإغاثة وهذا نفي لوصف من أوصاف الكمال فيقال له نفي الاستغاثة به في ~~شيء مخصوص ووقت مخصوص لا يفهم أحد منه نفي التوسل به ولا نفي كونه سببا و ~~إنما يفهم منه نفي الطلب منه لذلك الشيء أو في ذلك الحال وما ذكرته فيما ~~تقدم من أن المتوسل به مستغيث به قول لم يقله أحد قبلك لا من العرب ولا من ~~العجم وليس لأحد أن يفسر اللفظ بمعنى لا يعرفه أحد # السابع إن ms116 قوله يقتضي سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله تعالى ~~قول باطل فإن قول القائل لا يستغاث به نفي لكون هذا PageV02P618 مشروعا ولا ~~سيما إذا كان في سياق الإفتاء و بيان الأحكام الشرعية و الصيغة خبر فإنه لم ~~يرد نفي وقوع ذلك فإنه إنما أراد النهي عن ذلك وكون الفعل منهيا عنه ليس ~~فيه ما ينافي إمكان الشرع فضلا عن أنه يقتضي نفي صلاحية # فإذا قيل الرسول صلى الله عليه وسلم لا يسجد له لم يقتض أن ذلك غير ممكن ~~أن يشرعه الله تعالى فقد أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام وقد سجد ~~ليوسف أبواه و إخوته و محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من آدم ويوسف فكيف ~~يفهم من هذا اللفظ أنه لا يصلح لما يصلح له آدم و يوسف عليهما السلام # و كذلك إذا قيل النبي لا يورث لم يكن هذا نفيا لإمكان أن يبيح الله تعالى ~~أن يورث أو نفيا لاستحقاق شيئا يمكن أن يورث عنه PageV02P619 # و كذلك إذا قيل كان الصحابة قد نهوا أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن شيء لم يكن في هذا نفي لما يسأل عنه ولا نفي لإمكان أن يشرعه الله ~~تعالى ورسوله كما قال تعالى @QB@ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم @QE@ ~~لا يقتضي نقصا بالمسؤول # وقوله @QB@ أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل @QE@ # وقوله @QB@ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا ~~موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة @QE@ # فنهي الأمم أن تسأل الأنبياء هذه المسائل لا يقال إنه نفي لصلاحية الرسل ~~أن يكونوا وسيلة في حصول المسؤول وذلك نفي لصفة الكمال إذ ليس فيه إلا ~~النفي عن السؤال وليس فيه نفي لصلاحية المسؤول أن يسأل ولا نفي قدرته على ~~حصول المسؤول ولا شيء من هذا بل قد يكون النهي عن السؤال لمصلحة المنهي ~~ولما في سؤاله من المفسدة # وقوله لا يستغاث به هو مثل قوله لا يسأل وهو ms117 نهي عن سؤاله وعن الاستغاثة ~~لما في ذلك من مصلحة المنهي ومن مصلحة PageV02P620 الرسول ومن توحيد الرب ~~عز وجل # وأيضا فقول القائل لا يصلح أن يستغاث به أو لا يصلح أن يكون وسيلة إلى ~~الله تعالى في حصول الإغاثة قد يريد لا يصلح شرعا بمعنى أن هذا لم يشرع وقد ~~يريد لا يصلح أي أن هذا غير ممكن في حقه فلو قدر أن نفي الاستغاثة نفي ~~الصلاحية فالصلاحية لفظ مجمل # وبالجملة فكلام هذا الرجل كثير منه نزاع لفظي ومع كونه لفظيا فهو يعبر عن ~~المعنى بلفظ لم يعبر به غيره وينكر على غيره أن يعبر عن المعنى بالعبارة ~~المستعملة فيه ففيه جهل وظلم جهل بدلالة اللفظ في استعماله واستعمال اللفظ ~~فيما لم يستعمل فيه قط وينكر على من استعمله في معناه ويريد أن يلزمهم ~~بالقبيح الذي ارتكبه ويحمل كلامهم على المعنى الباطل لظنه أن اللفظ يحتمل ~~مع أنهم قد صرحوا بنقيض ذلك المعنى بعبارة صريحة فبدع كلامهم وتمسك ~~بمتشابهه الذي هو متشابه في ظنه مبتغيا للفتنة بذلك وليس مقصده معرفة مراد ~~المتكلم وتأويله بل غرضه ما يقوله الناس عنه من إرادة العلو في الأرض ~~والفساد بالظلم يبين هذا PageV02P621 # الجواب الثامن وهو أنه قد ذكر المجيب في أول جوابه فقال قد ثبت بالسنة ~~المستفيضة بل المتواترة واتفاق الأمة أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو ~~الشافع المشفع وأنه سيد ولد آدم وأنه يشفع للخلائق يوم القيامة وأن الناس ~~يستشفعون به فيطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم فيشفع لهم وفيه أيضا تقرير ~~ما كان أصحابه يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به وفي الجواب والاستغاثة ~~بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم # فإذا كانت هذه الألفاظ الصريحة فيه فلو قدر أن فيه إطلاق نفي الاستغاثة ~~هل كان يقال إن فيه ما يقتضي نفي صلاحيته أن يكون وسيلة إلى الله تعالى في ~~حصول الاستغاثة وقد بين فيه تقرير ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به ~~والاستشفاع به ms118 وقرر فيه أن الناس يستشفعون به ويتوسلون بشفاعته في الدنيا ~~والآخرة وأنه يستغاث به بمعنى أنه يطلب منه كما هو اللائق بمنصبه فإذا كان ~~قد بين ثبوت هذه الأمور هل يمكن أن ينفي معها صلاحيته لبعضها # ومعلوم أن حصول أبلغ من الصلاحية له فإذا كانت هذه الأمور قد أثبتت فكيف ~~ينفي معها الصلاحية لذلك والألفاظ بإثباتها صريحة PageV02P622 # واللفظ الذي توهم فيه نفي الصلاحية غايته أن يكون محتملا لذلك ومعلوم أن ~~مفسر كلام المتكلم يقضي على مجمله وصريحه يقدم على كنايته ومتى صدر لفظ ~~صريح في معنى ولفظ مجمل نقيض ذلك المعنى أو غير نقيضه لم يحمل على نقيضه ~~جزما حتى يترتب عليه الكفر إلا من فرط الجهل والظلم # التاسع أنه لو فرض أن معنى اللفظ ما ذكرته فإذا كان اللفظ المطلق لا يعرف ~~معناه إلا من أداه بنفسه لم يكن كافرا بإجماع المسلمين وإن اعتقد أن ما ~~نفاه هو مدلول اللفظ وما نفاه منتف عنه إجماعا أو في قول سائغ لم يكن هذا ~~كافرا عند أحد المسلمين # العاشر قوله يقتضي سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله تعالى في ~~طلب الإغاثة كلام مجمل فيقال لك ما تعني به أتريد به أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم والرجل الصالح وغيرهما لا يكون بعد موته وسيلة إلى الله تعالى في ~~طلب الإغاثة منه أو أنه لا يكون حيا وميتا وسيلة إلى الله تعالى في طلب ~~الإغاثة منه # وقوله لا يكون وسيلة تريد به أن لا يتوسل به أي بذاته أو بدعائه ~~PageV02P623 وشفاعته أو غير ذلك فإن أردت أن الميت نبيا كان أو غير نبي لا ~~يكون وسيلة إلى الله تعالى في طلب الإغاثة بمعنى أن يطلب منه لا يكون وسيلة ~~في طلب الغوث منه قيل لك هذا صحيح ولم قلت إن الأمر بالعكس ومن أين لك في ~~الشرع أن يطلب من الميت وسيلة إلى الله تعالى في طلب الإغاثة منه # بل وكذلك إن أردت أن الاستغاثة بالحي والميت لا تكون وسيلة ms119 إلى الله ~~تعالى في طلب الغوث منه ومن أين لك أن الطلب من المخلوق يكون طالبا من الله ~~تعالى # ومن الذي قال إن السائل بمخلوق والداعي له والمستغيث به نبيا كان المدعو ~~أو غير نبي يكون المخلوق المستغاث به وسيلة إلى الله تعالى في ما طلب منه # وهذا أمر مخالف للعقل واللغة والشرع فمن الذي جعل الطلب من هذا وسيلة في ~~الطلب من هذا في كل شيء وعلى كل حال # بل من طلب من الرسول أو غيره فإنما يطلب منه مقدوره فيطلب منه الدعاء ~~والشفاعة ويكون دعاؤه وشفاعته وسيلة في حصول المطلوب PageV02P624 لأن ذلك ~~يكون طلبا من الله تعالى وأنت قد جعلت كلما يطلب من غير الله وسيلة من ~~وسائل الله تعالى فما هذه الوسائل التي يكون المتوسل بها طالبا من الله ~~تعالى فإن الطلب من الله تعالى معروف معلوم # فيقال دعا الله وسأله واستعانه واستغاث به وطلب منه ورغب إليه واستجار به ~~واستعاذ به ونحو ذلك وليس هذا مخلوق يكون الاستغاثة به وسيلة في هذا الطلب ~~وكأن هذا يجعل نفس الطلب من الصالح طلبا من الله تعالى ويقول إن الصالح ~~لمنزلة عند الله تعالى من طلب منه شيئا فإن الله يعطيه ذلك كما إذا طلب من ~~الله تعالى وهذا حال كثير من الجاهلين الضالين يستغيث أحدهم بشيخه في كل ما ~~يهمه فإذا خاف أحدا وطلب حاجة استغاث بالشيخ أو الغائب أو الميت فيقول يا ~~شيخ فلان أنا في حسبك يا سيدي فلان ونحو ذلك من العبارات # ومنهم من يقول هذا وقتك يا شيخ فلان أو يقول إن لم تحضر يا شيخ فلان وإلا ~~فعل بنا وصنع وقد يقول إن كنت رجلا صالحا صاحب حال فأرني حالك ويقول إن كان ~~لك جاه عند الله تعالى فهذا PageV02P625 وقت جاهك وقد يستغيث أحدهم بعدة ~~مشايخ فيقول يا سيدي فلان وفلان وفلان # ثم من هؤلاء من يتصور له صورة إنسان يظنها الشيخ أو ملكا تصور على صورته ~~وساره وكالمه ونحو ذلك ومنهم من ms120 يتصور له ذلك في صورة طائر ومنهم من يتصور ~~له في صورة حيوان آخر وتكون تلك الشياطين تتصور بتلك الصور لأولئك المشركين ~~الذين دعوا من دون الله آلهة أخرى وطلبوا منهم ما لا يجوز أن يطلب إلا من ~~الله تعالى كما كان المشركون يطلبون من الأوثان ما يطلب من الله تعالى وكما ~~يطلب عباد الكواكب منها ما لا يطلب إلا من الله تعالى وكذلك عباد الأنبياء ~~والملائكة قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون @QE@ # وهؤلاء لا يتصور أن يقضي لهم جميع مطالبهم ولا أكثرها كما PageV02P626 أن ~~ما تخبر به الشياطين من الأمور الغائبة لا يصدقون فيه كله ولا في أكثره بل ~~يصدقون في واحدة ويكذبون في أضعافها ويقضون لهم حاجة واحدة ويمنعونهم ~~أضعافها ويكون فيما أخبروا به وأعانوا عليه إفساد حال الرجال في الدين ~~والدنيا وهذه الأمور لبسطها موضع آخر # والمقصود أن كثير من الضالين الجاهلين يستغيثون بمن يحسنون به الظن من ~~الأموات والغائبين في كل ما يستغاث الله فيه ولا يتصور أن هؤلاء يسألونهم ~~مطالبهم كلها ولا أكثرها بل غاية ما يطلبون منهم من جنس تحصيل المنافع ودفع ~~المضار ولا يحصل بل قد يحصل بعض المطالب كما يحصل لعباد الأصنام والكواكب ~~وغيرهم من المشركين ويكون ما يخبرون به ويفعلونه شبهة للمشركين كما أن ما ~~يخبر به الكاهن ونحوه من الأخبار فإنه يصدق في واحدة ويكذب في شيء كثير كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( لو أتوا بالأمر على وجهه لكان ولكن ~~يخلطون بالكلمة الواحدة مئة عذبة ) ) PageV02P627 # فهذا القول الذي يقوله هذا هو مطابق لأحوال هؤلاء المشركين الضالين لكن ~~هذا ليس يقوله مسلم ولا عاقل يتصور ما يقول بل هو من جنس قول النصارى دعاء ~~المسيح دعاء الله ms121 لكن أولئك يقولون باعتبار الحلول والاتحاد وأما بدون هذا ~~فهو كلام غير معقول فإن الله تعالى أمر أن يدعى هو ويسأل هو ولم يجعل دعاء ~~أحد من المخلوقين دعاء له بل قد نهى الله تعالى عن دعائه ولو كان هذا حقا ~~لكان من دعا الملائكة والأنبياء دعاء لله فلا يكون مشركا والله تعالى قد ~~جعلهم مشركين وقد قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون ~~كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ # فإن هؤلاء الضالين جعلوا الصالحين مع الله تعالى كالوكيل مع PageV02P628 ~~موكله فإذا طلب من ا لوكيل الدعاء كانت المطالبة للموكل في المعنى لكن هذا ~~ليس من أقوال الموحدين بل هو من أعظم شرك الملحدين والرسول صلى الله عليه ~~وسلم لم يضمن للخلق أن يرزقهم ويحاسبهم ولا يجيب دعاءهم بل هذا كله أخبر ~~أنه لله وحده # قال تعالى @QB@ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب @QE@ # وقال @QB@ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم ~~إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ # وقال @QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ~~@QE@ # وقال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون @QE@ # فبين تعالى ان التحسب بالله وحده والرغبة إلى الله تعالى وحده ~~PageV02P629 وأما الإيتاء فلله والرسول لأن الحلال ما حلله الرسول والحرام ~~ما حرمه الرسول كما قال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا @QE@ فالله قد جعل الرسول مبلغا لكلامه الذي هو أمره ونهيه ووعده ~~ووعيده # وهؤلاء يجعلون الرسل والمشايخ يدبرون العالم بالخلق والزرق وقضاء الحاجات ~~وكشف الكربات وهذا ليس من دين المسلمين بل النصارى تقول هذا في المسيح وحده ~~لشبهة الاتحاد والحلول ولهذا لم ms122 يقولوا ذلك في إبراهيم وموسى وغيرهما من ~~الرسل مع أنهم في غاية الجهل في ذلك فإن الآيات التي بعث بها موسى أعظم ولو ~~كان الحلول ممكنا لم يكن للمسيح خاصية توجب اختصاصه بذلك بل موسى أحق بذلك ~~ولهذا خاطبت من خاطبت من علماء النصارى وكنت أتنزل معهم إلى أن أطالبهم ~~بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية فلم يجدوا فرقا بل أبين لهم أن ما ~~جاء به موسى من الآيات أعظم فإن كان هذا حجة في دعوى الإلهية فهو أحق وأما ~~ولادته من غير أب فهو يدل على قدرة الخالق لا أن المخلوق أفضل من غيره # وإن أراد بقوله يقتضي سلب صلاحية الرسول لأنه يكون وسيلة إلى الله تعالى ~~في طلب الإغاثة أنه لا يتوسل بذاته فلا يقسم به على الله PageV02P630 تعالى ~~ولا يقال أسألك برسولك أو بجاه رسولك # فيقال أولا نفي الاستغاثة بهم لا يفهم أحد منها نفي السؤال به # ويقال ثانيا وهبوا أنه أراد هذا فما الدليل على جواز السؤال لله تعالى ~~بذات المخلوقين أو مطلقا بعد موتهم ومن قال هذا من الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان # والصحابة إنما كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته ولهذا توسلوا بعده بالعباس ~~ولو كان التوسل بذاته ممكنا بعد الموت لم يعدلوا إلى العباس والأعمى إ نما ~~توجه بدعائه وشفاعته وكذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم في الاستغاثة وكذلك ~~الناس يوم القيامة يستغيثون به ليشفع لهم إلى الله تعالى فهم يتوسلون ~~بشفاعته أما مجرد الذات بعد الممات فلا دليل عليه ولا قاله أحد من السلف بل ~~المنقول عنهم يناقض ذلك وقد نص غير واحد من العلماء على أن هذا لا يجوز وإن ~~نقل عن بعضهم جوازه فقد قال تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول @QE@ PageV02P631 # ويقال ثالثا وهب أن قائل ذلك أخطأ في هذا النفي لكن ليس كل مخطئ يكفر لا ~~سيما إذا قاله متأولا باجتهاد أو تقليد # و إن أراد بقوله لا يكون وسيلة أي لا يكون الإيمان به و محبته و ms123 طاعته و ~~موالاته و اتباع سنته و المجاهدة على دينه ونحو ذلك وسيلة إلى الله تعالى ~~فهذا لم ينفه أحد و نفي الاستغاثة به لا ينفي هذه الوسائل وهذه وسائل في ~~حصول الثواب و القرب من الله تعالى و سعادة الدنيا و الآخرة لا في مجرد ~~الاستغاثة و محمد صلى الله عليه وسلم هو الوسيلة إلى سعادة الدنيا و الآخرة ~~بهذا الاعتبار ومن نفى كونه وسيلة إلى الله تعالى بهذا الاعتبار فهو الكافر ~~حقا فإنه نفى رسالته التي هي أصل الإيمان # الحادي عشر قوله و هذا نفي لوصف من أوصاف الكمال الثابتة له صلى الله ~~عليه وسلم فيقال له لا نسلم أن هذا نفي لشيء من صفات الكمال بل ولا نفي ~~لشيء موجود بل هو نفي لشيء منتف في نفس الأمر # ويقال له ثانيا هذا الوصف عندك ثابت لآحاد الناس بل قولك يقتضي أنه ثابت ~~لكل مخلوق وما ثبت لآحاد الناس لم يكن من خصائص الرسل التي تعد من كمالاتهم ~~فلا يقول عاقل إن ما شارك فيه عامة الناس يكون من كمالات الرسالة التي يكون ~~نفيها قدحا في رسالته PageV02P632 # ويقال ثالثا ولو قدر أنه وصف كمال فليس كل من نفى وصفا من أوصاف الكمال ~~يكون كافرا إذا كان متأولا في ذلك دع من نفى وصفا من صفات كمال الرسول على ~~سبيل التأويل وقد قال طوائف من السلف و الخلف أنه يقعده معه على العرش و ~~أنكر ذلك آخرون # وقال قوم إنه كان يجوع و يربط الحجر على بطنه مع قدرته على حصول ما يأكل ~~و نفى ذلك آخرون # وقال قوم إنه كتب بيده عام الحديبية خرقا للعادة و نفى ذلك آخرون # وقال ابن مسعود و الجمهور إنه خاطب الجن و رآهم و نفى ذلك ابن عباس و ~~آخرون # وقال ابن عباس و طائفة إنه رأى ربه و نفى ذلك آخرون من الصحابة وغيرهم بل ~~نفس المعراج قال الجمهور إنه كان ببدنه و آخرون من السلف و الخلف قالوا إنه ~~كان ms124 بروحه # وقال طائفة من العلماء إنه كان يملك الفيء و نفى ذلك PageV02P633 آخرون # وقال أكثر المنتسبين إلى السنة إنه و الأنبياء أفضل من الملائكة وآخرون ~~قالوا الملائكة أو بعضهم أفضل من الأنبياء # وقال جمهور المسلمين إنه أفضل الأنبياء وتوقف في ذلك بعض الحنفية و غيرهم # و ادعى بعض الناس أنه كان يحفظ القرآن قبل أن ينزل به جبريل عليه السلام ~~عليه صلى الله عليه وسلم ورد ذلك جمهور المسلمين و علماؤهم # وقال قوم من هذا النمط إن جميع الأنبياء تلقوا العلم بالله منه و أنه كان ~~موجودا قبلهم ورد ذلك جمهور المسلمين و علماؤهم # وقال بعضهم إنه كان لا يسهو في الصلاة و إنما كان يتعمد ذلك ورد ذلك ~~جمهور المسلمين و علماؤهم # وقال بعض الغلاة إنه كان يعلم علم الله ويقدر قدرته و كفر المسلمون من ~~قال ذلك فضلا عن تكفير الثاني PageV02P634 # و تنازع المسلمون في جواز الصغائر على الأنبياء و جمهورهم يجوزون ذلك # وهذا باب واسع فما زال المسلمون يتنازعون في شيء من إثبات صفات الكمال ~~ولا يقول المثبت للنافي إنك كفرت فإن الكمال الثابت ليس محدودا يعلمه الناس ~~كلهم وما من كمال إلا وفوقه كمال آخر و الكمال المطلق الذي لا غاية فوقه ~~لله تعالى وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ( كمل ~~من الرجال ) ) إلى آخر الحديث فإن الكمال المطلق محال لغير ذي الجلال و ~~هؤلاء الكاملون بعضهم أكمل من بعض فإذا نفي عن بعضهم نوع من الكمال لم يلزم ~~أن ينفى عنه الكمال ولو كان كذلك لكان من قال إن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~أفضل من يونس ابن متى تنقيصا بيونس فيكون كافرا لأنه سلبه هذا الكمال ~~PageV02P635 # و أما قوله أرأيت رجلين قال أحدهما لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى يشير ~~إلى التوحيد وقال الآخر إن الرسول لا يضر ولا ينفع وقال الأول إن الله ~~تعالى هو السميع العليم إشارة إلى الحقائق التي حصرها الرب سبحانه وتعالى ~~في ms125 نفسه بهذا الكمال وقال الآخر إن الرسول لا يسمع ولا يعلم أكان يشك مسلم ~~في أن الأول موحد و الثاني كافر متنقص ولا ينفعه تأويله فإن سوء العبارة في ~~حق الرسول صلى الله عليه وسلم كفر وإن صح المقصود كما دل عليه كلام الإمام ~~و غيره ألا ترى إلزام الله عز وجل للصحابة بتحسين الخطاب معه و إيراده ~~بكيفية الأدب إلى آخره # فيقال أما المثال الأول فهو و إن كان أقرب إلى المطابقة فجوابه من وجوه # أحدها أنه إذا كان الكلام في سياق العموم بيان أنه أفضل الخلق مثل أن ~~يقول لا يضر ولا ينفع إلا الله تعالى لا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا من ~~دونه أو يقال إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلق لا يضر ~~ولا ينفع فكيف من دونه ونحو ذلك فهذا مثل قوله لا يضر ولا ينفع إلا الله ~~تعالى # و أما إذا كان المراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يضر ولا ينفع و ~~غيره يضر PageV02P636 وينفع فهذا هو التنقيص وهو نظير أن يقال الرسول لا ~~يستغاث به بل يستغاث بغيره فهذا تنقيص بلا ريب فإنه يتضمن تنقيصه عن من ~~الرسول أفضل منه وهذا تنقيص عن درجته بلا ريب # ويقال ثانيا لو قال لا يضر ولا ينفع من الذي قال إنه يكفر بذلك إذا عنى ~~بذلك معنى قوله لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا وقد أمره الله تعالى أن يقول ~~ذلك فهو أحرى أن لا يملك لغيره # وقد قال @QB@ إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا @QE@ فأخبر أنه لا يملك من ~~الله تعالى لا ضرهم ولا رشدهم # وقال الله تعالى له @QB@ ليس لك من الأمر شيء @QE@ # وثبت عنه في الصحيحين أنه قال ( ( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله ~~شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا يا عباس عم رسول الله ~~لا أغني عنك من الله شيئا ) ) PageV02P637 # فهذا تخصيص له ينفي ذلك ms126 وهو من أصدق الرسل صلوات الله و سلامه عليهم ومن ~~صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما قاله فهو مؤمن ليس بكافر فإذا قال قائل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لا يغني عن بنته ولا عمه و لا عمته من الله ~~تعالى شيئا فكيف من دونهم كان هذا من أحسن الكلام و أصدقه # ويقال ثالثا قول القائل عن مخلوق إنه لا يضر ولا ينفع تارة مريد به نفي ~~الاستقلال بذلك على سبيل توحيد الربوبية بمعنى أن ما يجري على يديه من الضر ~~و النفع فالله هو خالقه وهو الذي يجعله فاعلا بمشيئته أو يريد أنه لا ينفع ~~ولا يضر إلا بمشيئة الله تعالى و قدرته أو إرادته كما قال تعالى @QB@ وما ~~هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله @QE@ فهذا صحيح فليس في المخلوقات بهذا ~~الاعتبار شيء ينفع و يضر إذ ليس في المخلوقات شيء ما يستقل بإحداث ضرر غيره ~~و نفعه ولا يفعل شيء إلا بإذن الله كما ليس فيها من يعطي و يمنع بهذا ~~الاعتبار ولا ينبغي بهذا الاعتبار كما من أسمائه تعالى المعطي المانع الضار ~~النافع # و كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دبر الصلاة وفي غير هذا الموطن ( ~~( اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك ~~PageV02P638 الجد ) ) # و كان يقول في رقيته ( ( أذهب البأس رب الناس و اشف أنت الشافي لا شفاء ~~إلا شفاؤك ) ) # وفي رواية ( ( لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقما ) ) # وتارة يريد به أن الضر و النفع المعتاد مثل الصحة و المرض والغنى و الفقر ~~و الأمن و الخوف و اليسر و العسر لا يفعله رسول ولا غيره لا في حياته ولا ~~بعد موته فهذا صحيح بخلاف ما ظنه المشركون الغلاة من النصارى و أشباههم ~~الذين يظنون أن الأنبياء و الصالحين بعد موتهم أو في حياتهم ينزلون المطر و ~~يدفعون العدو و ينبتون النبات و يشفون المرضى ونحو ذلك من الحوادث # و تارة يرى ms127 أنه ليس له دعاء مستجاب ولا شفاعة مقبولة و أن طاعته ~~PageV02P639 لا تنفع و معصيته لا تضر و نحو ذلك فهذا كفر صريح من أراده حكم ~~بردته و كفره # لكن اللفظ المجمل إذا صدر ممن علم إيمانه لم يحمل على الكفر بلا قرينة ~~ولا دلالة فكيف إذا كانت القرينة تصرفه إلى المنع الصحيح # و أما المثال الثاني فلا يشبه ما نحن فيه فإن قوله تعالى @QB@ وهو السميع ~~العليم @QE@ إثبات لهذه الصفة و من الناس من يقول ليس في الآية حصر و من ~~قال فيها حصر قال المحصور كمال هذه الصفة و ليس ذلك إلا لله فإذا قال إن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لا يسمع ولا يعلم لم يفهم من هذا اللفظ نفي ما ~~يختص به الرب سبحانه و تعالى ولا عموم النفي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~و غيره و معلوم أن الملائكة و الإنس و الجن و البهائم تسمع و تعلم فإن الله ~~تعالى قال @QB@ وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله @QE@ ~~الآية و ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الكلب المعلم # ومن أطلق على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يسمع ولا يعلم فظاهر هذا ~~اللفظ نفي ذلك عنه وهو كذب ظاهر PageV02P640 # ثم قد يكون في سياق نفي علمه بالدين و سمعه لما أوحي إليه وهو كفر صريح # وقد يكون في سياق أنه لا يسمع ولا يعلم إلا ما أسمعه الله إياه و أعلمه ~~إياه و أنه من تلقاء نفسه ليس له علم بشيء بل الله هو الذي أسمعه و أعلمه ~~كما قال الله تعالى @QB@ وعلمك ما لم تكن تعلم @QE@ وكما قال تعالى @QB@ ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا @QE@ و كما قال تعالى @QB@ نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك ~~هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين @QE@ و كما قال تعالى @QB@ ووجدك ~~ضالا فهدى @QE@ فهذا المعنى ليس بكفر بل هو صحيح ms128 # وقد يكون في سياق أن الله سبحانه هو المختص بكمال السمع و العلم و أن ~~غيره لا يبلغ مبلغه في ذلك فهذا أيضا صحيح # فأما إطلاق أنه لا يسمع ولا يعلم فهو كذب و كفر بخلاف إطلاق أنه لا ينفع ~~ولا يضر ولهذا يقول المسلم لا ينفعني ولا يضرني إلا الله PageV02P641 تعالى ~~ولا يقول لا يسمع ولا يعلم إلا الله تعالى بل يقول لا يعلم ما في نفسي إلا ~~الله تعالى أو لا يسمع كلام العباد كلهم إلا الله تعالى أو لا يسمع سر ~~القول إلا الله تعالى ونحو ذلك $ فصل # قال فإن سوء العبارة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم كفر وإن صح المقصود ~~كما دل عليه كلام الإمام و غيره ألا ترى إلزام الله تعالى للصحابة رضوان ~~الله تعالى عليهم بتحسين الخطاب معه و إيراده بكيفية الأدب حيث قال لهم ~~@QB@ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم ~~لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون @QE@ # وقال عز وجل @QB@ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا @QE@ # وقال @QB@ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون @QE@ # وقد نبه في الأول على حبط العمل بسوء الأدب ولا يحبط العمل كله إلا ~~بالكفر بإجماع أهل السنة و جعل الاستخفاف به كفرا كما قال عز PageV02P642 ~~وجل @QB@ قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمانكم @QE@ ولا أعلم خلافا بين النقلة أن الذين نزلت فيهم هذه الآية بسبب ~~كلامهم لم يكونوا تعرضوا لله سبحانه بعبارتهم و إنما تنقصوا رسوله فجعل ~~استخفافهم برسوله صلى الله عليه وسلم استهزاء به سبحانه و بآياته فكفى بذلك ~~تكفيرا # و الجواب من وجوه # أحدها أن يقال إنا لا نسلم أن ما فيه النزاع سوء عبارة بل هو من أحسن ~~العبارات كما تقدم بيانه # 2 الثاني أنه إن كان سوء العبارة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم كفرا ~~ففي حق الله أعظم كفرا ومن قال إنه يستغاث بالمخلوق في ms129 كل ما يستغاث فيه ~~بالخالق كانت هذه العبارة أنه يطلب من المخلوق كما يطلب من الخالق وهذا ~~يشعر أنه جعل المخلوق ندا للخالق وما أفهم الشرك كان من أسوأ العبارة فيجب ~~أن يكون كفرا يلزم هذا القائل وقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء ~~الله و شئت فقال ( ( أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده ) ) PageV02P643 # وقال ( ( لا تقولوا ما شاء الله و شاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم ~~شاء محمد ) ) PageV02P644 # وقال ( ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) ) PageV02P645 # الثالث إن سوء العبارة ما حصل به سوء المعتبر و من جعل الرسول صلى الله ~~عليه وسلم يطلب منه الناس ما يطلبونه من الله تعالى فقد آذى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم و أساء في حقه و سلط عليه العامة على اختلاف أغراضهم هذا ~~يطلب منه إنزال المطر وهذا يطلب منه غفران الذنوب وهذا يطلب منه النصر على ~~الأعداء وهذا يطلب منه أن يتزوج وهذا يطلب منه الولد وهذا يطلب منه المعيشة ~~وهذا يطلب منه الملك وهذا يطلب منه الولاية وهذا يطلب منه جارية حسناء وهذا ~~يطلب منه قضاء دينه وهذا يطلب منه سكباجا وهذا يشتكي إليه ظهور البدع وهذا ~~يشتكي إليه ما يظن أنه من البدع فنزلوا المخلوق منزلة الإله و طلبوا منه من ~~جلب المنافع ودفع المضار ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى وقد كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول ( ( من لا يسألنا أحب إلينا ممن سألنا ) ) و كانوا ~~يسألونه ما يقدر عليه فكيف إذا طلبوا منه ما لا يقدر عليه مخلوق # وفي الجملة فمطالب الناس لا تنضبط في خيرها و شرها وقلتها و كثرتها فمن ~~سلط الناس على الرسول صلى الله عليه وسلم يطلبون هذا كله منه فهو من أعظم ~~الناس إساءة إليه و إن كان لا يقصد ذلك لكن عبارته أفهمته فهي من أسوأ ~~العبارات PageV02P646 # الرابع أن الكلام إذا كان في سياق توحيد الرب سبحانه ونفي خصائصه عما ~~سواه لم يجز ms130 أن يقال هذا سوء عبارة في حق من دون الله تعالى من الأنبياء و ~~الملائكة فإن المقام أجل من ذلك وكل ما سوى الله تعالى يتلاشى عند تجريد ~~توحيده ونبي الله صلى الله عليه وسلم كان من أعظم الناس تقريرا لما يقال ~~على هذا الوجه وإن كان نفس المسلوب # وهذا كما في الصحيحين من حديث الإفك لما نزلت براءة عائشة رضي الله تعالى ~~عنها من السماء و أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقالت لها أمها ~~قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت والله لا أقوم إليه ولا ~~PageV02P647 أحمده ولا إياكما لقد سمعتم فلا أنكرتم ولا غيرتم و لا أحمد ~~إلا الله الذي أنزل براءتي # وفي رواية قالت نحمد الله لا نحمد أحدا # وفي رواية نحمد الله لا نحمدك # فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم و أبوها على مثل هذا الكلام الذي نفت ~~فيه أن تحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم و أن تحمد أحدا إلا الله تعالى ~~لأن الله تعالى هو الذي أنزل براءتها بغير فعل أحد ولم يقل أحد هذا سوء أدب ~~عليه وسوء الأدب عليه كفر PageV02P648 قال البيهقي حدثنا أبو عبد الله ~~الحافظ قال سمعت علي بن الحمشاذ العدل يقول سمعت أحمد بن مسلمة يقول سمعت ~~محمد ابن مسلم يقول سمعت حبان صاحب ابن المبارك يقول قلت لعبد الله بن ~~المبارك قول عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت براءتها من السماء ~~نحمد الله لا نحمدك إني لأستعظم هذا القول فقال عبد الله ولت الحمد أهله # وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حدثنا محمد بن مصعب حدثنا ~~سلام بن مسكين و المبارك عن الحسن عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أتى بأسير فقال اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( ( عرف الحق لأهله ) ) PageV02P649 # رواه أبو عبيد في الأموال عن عبد الرحمن بن مهدي عن سلام # وكان النبي صلى الله ms131 عليه وسلم يعلم أصحابه بتجريد التوحيد فقال ( ( لا ~~تقولوا ما شاء الله و شاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ) ) # وقال له رجل ما شاء الله و شئت فقال ( ( أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله ~~وحده ) ) # و ما أحدثه عز وجل بغير فعل منه أضافه إلى الله تعالى وحده كما ~~PageV02P650 في الصحيحين لما تاب الله تعالى عن الثلاثة الذين خلفوا و آذن ~~النبي صلى الله عليه وسلم الناس بتوبتهم فجاء كعب إليه فقال ( ( يا كعب ~~أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ) ) فقال يا رسول الله أمن عند الله ~~أم من عندك قال ( ( بل من عند الله ) ) # و معلوم أنه لو كان من عند النبي صلى الله عليه وسلم لكان من عند الله ~~تعالى بمعنى أن الله تعالى خلقه و أحدثه بتوسط فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجميع الحادثات من عنده بهذا الاعتبار ولكن المقصود أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يصدر منه فعل في هذه التوبة إلا أنه بلغ رسالة الله تعالى ~~بالتوبة كما قال تعالى في مثل ذلك @QB@ تعملون وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي ~~أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ PageV02P651 # و ما يتكلم به الإنسان من تلقاء نفسه و إن كان الله خالقه هو من عند الله ~~باعتبار خلقه و تقديره فليس هذا المعنى هو ذاك فإن هناك مبلغ لكلام مرسله و ~~الله تعالى يجعله مبلغا لا يجعله قائلا له من تلقاء نفسه ولهذا توعد الله ~~تعالى من جعل القرآن قول البشر بقوله @QB@ سأصليه سقر @QE@ وقد قال تعالى ~~@QB@ إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن ~~قليلا ما تذكرون @QE@ فجعله قول رسول من البشر كما جعله قول رسول من ~~الملائكة في قوله @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ~~ثم أمين ms132 @QE@ لأن لفظ الرسول يستلزم المرسل و يدل على أنه مبلغ له عن مرسله ~~لا يتكلم به من تلقاء نفسه بخلاف من جعله قولا لمخلوق بشر أو ملك أو جني أو ~~جعل شيئا منه قوله فإن هذا هو الذي توعده الله عز وجل PageV02P652 # و أيما أبلغ قول عائشة رضي الله عنها لا أحمد الرسول ولا أحمد إلا الله ~~تعالى وقول الأسير أتوب إلى الله تعالى لا إلى محمد وقول القائل لا يستغاث ~~بالرسول بل بالله أو لا يدعى الرسول و إنما يدعى الله تعالى ونحو ذلك # وهو صلى الله عليه وسلم قد بلغ براءتها و كان يحبها و يحب براءتها وقد ~~خطب الناس قبل ذلك وقال ( ( من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي فوالله ~~ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ) ) # لكن لما لم يجزم ببراءتها ولم يلطف بها اللطف الذي كان يلطف بها قبل ذلك ~~لما حصل عنده من الريب بل كان إذا دخل يقول ( ( كيف تيكم ) ) ولما خطب قال ~~( ( يا عائشة إن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى و إن كنت ألممت بذنب ~~فأستغفري الله و توبي إليه فإن العبد PageV02P653 إذا اعترف بذنبه ثم تاب ~~تاب الله عليه ) ) قالت أنتم ما برأتموني إنما برأني الله تعالى فهو الذي ~~يستحق أن أحمده # وقد تنازع الناس في النبي صلى الله عليه وسلم هل كان يعلم براءة عائشة ~~قبل نزول الوحي مع اتفاقهم على أنه لم يجزم بالريبة # فمن الناس من قال يعلم براءتها وكذلك علي ولكن لخوض الناس فيها و رميها ~~بالإفك توقف قالوا وذلك أن نساء الأنبياء ليس فيهن بغي كما قالت طائفة من ~~السلف ما بغت امرأة نبي قط لأن في ذلك من العار بالأنبياء ما يجب نفيه # وقال آخرون بل كان النبي صلى الله عليه وسلم حصل له نوع شك و ترجحت عنده ~~براءتها و لما نزل الوحي حصل اليقين # قالوا والدليل على ذلك أنه استشار في طلاقها عليا و ms133 أسامة PageV02P654 ~~قال أسامة أهلك يا رسول الله ولا نعلم إلا خيرا وقال علي لا يضيق الله عليك ~~و النساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~بريرة ( ( ما علمت على عائشة أو ما رأيت ) ) فقالت ما علمت عليها إلا ما ~~يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين ~~أهلها حتى تأتي الداجن فتأكله # فسؤاله لبريرة و استشارته لعلي و أسامة دليل على حصول الشك فيها وهو لما ~~خطب ما جزم بالبراءة فقال فيما قال ( ( والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ~~ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي ) ) ~~PageV02P655 # ولو كان جازما بالبراءة لقال إنهم كذبوا على أهلي و افتروا و إن أهلي ~~لبريئة مما قيل و نحو ذلك # و نفي العلم ليس علما بالعدم لكن هذه العبارة تصلح لدفع المتكلم و نهيه و ~~ذمه على قبول القول كما قال تعالى @QB@ إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون ~~بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم @QE@ # و العدل الذي عرفت عدالته إذا لم يعلم فيه من له به خبرة ما ظن به إلا ~~الخير كان عدلا عنده فإذا جرحه جارح لم يعلم صدقه بل ترجح عنده كذبه لم ~~يقدح في عدالته ولم يوجب الجزم ببراءته # قال صاحب هذا القول ولولا نزول براءتها من السماء لدام الشك في أمرها و ~~إن كان لم يثبت شيء ففرق بين عدم الثبوت مع حد القاذف و بين البراءة ~~المنزلة من السماء من الله عز وجل و لهذا ذكر غير واحد من العلماء اتفاق ~~الناس على أن من قذفها بما برأها الله تعالى PageV02P656 منه فقد كفر لأنه ~~مكذب للقرآن و أصحاب هذا القول يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم تردد هل ~~يطلقها أم لا لما حصل الشك لكون امرأة النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون ~~بغيا وكان عزمه أن يطلقها و العياذ بالله لو كان ms134 ما ذكر صحيحا لكن تأنى و ~~انتظر أمر الله تعالى حتى بين الله الحق # ومن قال هذا يقول المحفوظات هن اللواتي يبقين عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا يطلقهن وقد يقال بل كل من تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم محفوظة ~~و إن طلقها وقد تنازع الناس فيمن تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم و طلقها ~~أو مات عنها قبل الدخول هل تكون من أمهات المؤمنين على ثلاثة أقوال في مذهب ~~أحمد و غيره # قيل إنها تكون أما فإن حرمة الأمومة ثبتت بالعقد كما تثبت في أمهات الناس ~~وقيل لا تكون من أمهات المؤمنين و الصحيح الفرق بين من PageV02P657 طلقها ~~وبين من مات عنها فمن مات عنها فهي من أمهات المؤمنين ومن أزواجه في الآخرة ~~بخلاف من طلقها فإنها تباح لغيره أن يتزوجها ولولا هذا لم يحصل لهن ~~بالتخيير @QB@ إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن ~~سراحا جميلا @QE@ وقد تزوج عكرمة بن أبي جهل امرأة كان طلقها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم و أقره الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين على ذلك # الخامس أن يقال ما حد سوء العبارة التي تكون كفرا فإن هذا كلام مجمل لم ~~يحصل قائله مراده به فإن أراد أن كل صفة هي ثابتة في نفس الرسول إذا نفاها ~~عنه إنسان باجتهاده يكون مسيئا في العبارة لزم أن كل من أثبت له صفة يكفر ~~من نفاها # فالقائلون بالعصمة يكفرون نفاتها و إن كانوا جمهور الأمة و كذلك ~~PageV02P658 من أوجب له حقا كالصلاة عليه في الصلاة يكفر من نفى هذا الحق و ~~إن كان جمهور الأمة # السادس أن يقال لا نسلم أن المقصود إذا صح يكفر المعبر بعبارة يقال إنها ~~سيئة وهذا قول لم يقله أحد من أئمة المسلمين بل هم مجموعون على نقيضه و أن ~~المسلم إذا عنى معنى صحيحا في حق الله تعالى أو الرسول ولم يكن خبيرا ~~بدلالة الألفاظ فأطلق لفظا يظنه دالا على ذلك المعنى و كان دالا على ms135 غيره ~~أنه لا يكفر و من كفر مثل هذا كان أحق بالكفر فإنه مخالف للكتاب و السنة و ~~إجماع المسلمين وقد قال تعالى @QB@ لا تقولوا راعنا @QE@ وهذه العبارة كانت ~~مما يقصد به اليهود إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم و المسلمون لم يقصدوا ~~ذلك فنهاهم الله تعالى عنها ولم يكفرهم بها و المطلق لمثل هذا على الله لا ~~يكفر فكيف على الرسول صلى الله عليه وسلم # وقوله إن كلام الإمام أو غيره دل على ذلك ممنوع فإن إمام الحرمين أجل من ~~أن يقصد مثل هذا و إن سلم أنه قال ذلك ولا ينفع هذا المحتج تسليم ذلك له ~~فالكلام مع من قال هذا لو كان مجتهدا دع إذا كان القائل ممن ليس له وجه في ~~مذهبه ولا يجوز لأحد أن يقلده ولا يفتي بقوله فيما هو دون هذه المسألة فكيف ~~في مثل هذه المسألة المتعلقة PageV02P659 بالتكفير و الدعاء # و جهل مثل هذا المفتي بالشرع و أدلته يوقعه فيما لم يقله أحد من علماء ~~المسلمين ولهذا يقع في فتاويه من العجائب ما لا يقوله أحد فإنه يحب أن يفتي ~~بمجرد رأيه ونظره مع قله علمه لمسالك الأحكام و مدارك الحلال و الحرام و ~~أقوال أئمة الإسلام # و أما قوله أترى إلزام الله تعالى للصحابة بتحسين الخطاب معه و إيراده ~~لكيفية الأدب حيث قال لهم @QB@ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا ~~له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون @QE@ # وقال تعالى @QB@ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا @QE@ # وقال @QB@ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون @QE@ # فيقال له هذه كلها حجة عليك فإن الذين رفعوا أصواتهم فوق PageV02P660 ~~صوته نهوا عن ذلك و حرم ذلك عليهم فكان ذلك سوء أدب ولم يكفروا بإجماع ~~المسلمين بل كانوا معذورين فيما فعلوا قبل النهي فمن أطلق عبارة لها معنى ~~صحيح ولو أنها مكروهة كيف يكفر # وهذه الآية نزلت في أبي بكر و عمر كما ثبت في الصحيح و ms136 من كفرهما فهو أحق ~~بالكفر # وقد ثبت في الصحيح أن ثابت بن قيس بن شماس و كان يرفع PageV02P661 صوته ~~خاف لما نزلت هذه الآية أن يكون من أهل النار فبشره النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالجنة وهو أحد المشهود لهم بالجنة كما شهد بها للعشرة و غيرهم و كذلك ~~دعاؤه بإسمه لم يقل أحد من المسلمين أنه كان كفر ممن دعاه و كذلك الذين ~~نادوه من وراء الحجرات كانوا من جفاة الأعراب وقالوا يا محمد اخرج إلينا ~~فسموه بإسمه و إنما وصفهم الله تعالى بأن أكثرهم لا يعقلون ولم يقل إنهم ~~مرتدون # و أما قوله وقد نبه في الأول على حبط العمل بسوء الأدب ولا يحبط العمل ~~كله إلا بالكفر بإجماع أهل السنة # فيقال بل الآية دلت على نقيض هذا فإنه قال @QB@ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون @QE@ فدلت على أن العمل لم يحبط لما تقدم من سوء الأدب ولكن يخاف ~~إذا رفعوا أصواتهم أن يجرهم ذلك إلى كفر يحبط العمل وهم لا يشعرون فالمحبط ~~ما يخاف حصوله لا ما وقع منهم وهذا كما يقال المعاصي بريد الكفر فإن رفع ~~الصوت عليه و الجهر له كجهر بعضكم لبعض قد يفضي بصاحبه إلى الاستعلاء عليه ~~PageV02P662 ونحو ذلك مما هو كفر # ثم يقال ما نحن فيه ليس من هذا الباب فإن الرافع قد فعل ما يعلم أنه ~~مذموم في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فإن رفع الإنسان صوته على غيره يعلم ~~كل أحد أنه قلة احترام له و ليس أنه كمن تكلم بعبارة لا يعلم بها بأسا قصد ~~بها معنى صحيحا ألا ترى أن الصحابة لما كانوا يقولون @QB@ راعنا @QE@ وهذه ~~الكلمة قد يقصد بها معنى فاسد وهم لا يقصدون ذلك لكن كان ذريعة لغيرهم نهوا ~~عنها ولم يقل إنكم كفرتم ولا قيل إن تحبط أعمالكم و أنتم لا تشعرون بل فرق ~~الله تعالى بين قولهم راعنا و بين رفع الصوت عليه و سوء العبارة مع صحة ~~القصد من باب قولهم راعنا ms137 وهذه الآية حجة على بطلان ما فهمه من كلام الإمام ~~و غيره # ومن الحكايات المعروفة عن الشافعي رحمة الله تعالى عليه أن الربيع قال له ~~في مرضه يا أبا عبد الله قوى الله ضعفك فقال يا أبا محمد لو قوى ضعفي لهلكت ~~فقال له الربيع لم أقصد إلا خيرا PageV02P663 فقال لو شتمتني صريحا لعلمت ~~أنك لم تقصد إلا الخير فقال الربيع كيف أقول قال قل برأ الله ضعفك # فإن الشافعي نظر إلى حقيقة اللفظ وهو نفس الضعف و الربيع قصد أن يسمي ~~الضعيف ضعفا كما يسمي العادل عدلا ثم لما علم الشافعي بحسن قصده أوجب أن ~~يقول لو سببتني صريحا أي صريحا في اللغة لعلمت أنك لم تقصد إلا خيرا فقدم ~~عليه علمه بحسن قصده ولم يجعل سوء العبارة منتقصا وقد يسبق اللسان بغير ما ~~يقصد القلب كما يقول الداعي من الفرح اللهم أنت عبدي و أنا ربك ولم يؤاخذه ~~الله تعالى PageV02P664 $ فصل # وأما قوله وجعل الاستخفاف به كفرا كما قال الله تعالى @QB@ قل أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم @QE@ ولا ~~أعلم خلافا بين النقلة أن الذين نزلت فيهم هذه الآية بسبب كلامهم لم يكونوا ~~تعرضوا لله تعالى بعباراتهم و إنما تنقصوا رسوله فجعل استخفافهم برسوله ~~استهزاء به سبحانه و بآياته و كفى بذلك كفرا ثم ذكر ما نقله من الكتاب الذي ~~صنفه المسمى بالصارم المسلول على شاتم الرسول # فيقال لا ريب أن الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم كفر و الاحتجاج ~~بهذه الآية يدل على أن الاستهزاء بالله تعالى كفر و بآيات الله تعالى كفر و ~~برسوله صلى الله عليه وسلم كفر من جهة أن الاستهزاء كفر وحده بالضرورة فلم ~~يكن ذكر الاستهزاء بآياته و برسوله شرطا في ذلك فعلم أن الاستهزاء بالرسول ~~صلى الله عليه وسلم أيضا كفر وإلا لم يكن في ذكره فائدة و كذلك الاستهزاء ~~PageV02P665 بالآيات # و أيضا فإن الاستهزاء بهذه الأمور متلازم فإن من استهزاء بآيات الله ~~تعالى التي جاء ms138 بها الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مستهزئ بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم ضرورة و من استهزأ بالرسول صلى الله عليه وسلم فهو مستهزئ ~~برسالته حقيقة ومن استهزأ بآيات الله ورسوله فهو مستهزئ به ومن استهزأ ~~بالله فإنه مستهزئ بآياته ورسوله بطريق الأولى # و أما الذين نزلت فيهم هذه الآية فقد لكن هؤلاء الضالين أولى بالدخول في ~~الاستهزاء بالله و آياته و رسوله من منازعيهم فإن كانت الآية تتناول ~~المتأولين من أهل القبلة كانوا أحق بالدخول وإن PageV02P666 لم تتناول ~~المتأولين كان منازعوهم أحق بالخروج منها لو كانوا مخطئين و أما مع كونهم ~~مصيبين فلا وجه لتناول الآية لهم وذلك أن هؤلاء الضالين مستخفون بتوحيد ~~الله يعظمون دعاء غيره من الأمور و إذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك ~~استخفوا به كما أخبر الله تعالى عن المشركين بقوله @QB@ وإذا رأوك إن ~~يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا ~~أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا @QE@ فاستهزئوا ~~بالرسول لما نهاهم عن الشرك # وقال تعالى عن المشركين @QB@ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون @QE@ قال الله تعالى ~~@QB@ بل جاء بالحق وصدق المرسلين @QE@ # وقال تعالى عن المشركين @QB@ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون ~~هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم ~~أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة ~~الآخرة إن هذا إلا اختلاق @QE@ # و قالت عاد لهود عليه السلام @QB@ يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ~~آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال ~~إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا ~~تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ~~ربي على صراط مستقيم @QE@ PageV02P667 # ومازال المشركون يسوءون بالأنبياء و يصفونهم ms139 بالسفاهة و الضلال و الجنون ~~إذا دعوهم إلى التوحيد لما في أنفسهم من تعظيم الشرك # قال تعالى @QB@ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قال الملأ من قومه إنا لنراك في ~~ضلال مبين قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم ~~رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون @QE@ # ثم قال تعالى @QB@ وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره أفلا تتقون قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة ~~وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ~~أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على ~~رجل منكم لينذركم @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ ما نزل الله بها من سلطان ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين @QE@ # فأعظم ما سفهوه لأجله و أنكروه هو التوحيد و لهذا تجد من فيه PageV02P668 ~~شبهة من هؤلاء من بعض الوجوه إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله تعالى و إخلاص ~~الدين له و أن لا يعبد الإنسان إلا الله تعالى ولا يتوكل إلا عليه استهزأ ~~بذلك لما عنده من الشرك قال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ فمن أحب مخلوقا مثل ~~ما يحب الخالق فهو مشرك # و يجب الفرق بين الحب في الله و الحب مع الله فالأول من تمام محبة الله ~~تعالى و توحيده و الثاني شرك # فالأول يكون لله تعالى هو المحبوب له بذاته و يحب ما يحبه الرب تعالى ~~تبعا لمحبته فيحب رسوله و كتابه و عباده المؤمنين كما في الصحيحين عن أنس ~~رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ( ثل 4 اث من كن ~~فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله و رسوله أحب إليه مما ms140 سواهما ومن ~~كان يحب المرء لا يحبه إلا لله تعالى ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد ~~إذ أنقذه الله تعالى منه كما يكره أن يلقى في النار ) ) PageV02P669 # و أما الحب مع الله تعالى فهو الذي يحب محبوبا في قلبه لا لأجل الله ~~تعالى كحب المشركين أندادهم و هؤلاء الذين اتخذوا القبور أوثانا تجدهم ~~يستهزئون بما هو من توحيد الله تعالى و عبادته و يعظمون ما اتخذوه من دون ~~الله شفعاء حتى إن طوائف منهم يستخفون بحج البيت وبمن يحج البيت و يرون أن ~~زيارة أئمتهم و شيوخهم أفضل من حج البيت وهذا موجود في الشيعة المنتسبين ~~إلى السنة و آخرون يستخفون بالمساجد و بالصلوات الخمس فيها و يرون أن دعاء ~~شيخهم أفضل من هذا و هذا موجود في الشيعة المنتسبين إلى يونس القيسني حتى ~~ينشدون % تعالوا نخرب الجامع % و نجعل فيه خماره % # | % و نكسر المنبر % و نجعل منه طنباره % # PageV02P670 % و نخرق المصحف % و نجعل منه زماره % # | % و ننتف لحية القاضي % و نجعل منه أوتاره % # و يحلف أحدهم اليمين الغموس كاذبا ولا يجترئ أن يحلف بشيخه اليمين الغموس ~~كاذبا # ومنهم من يقول كل رزق لا يرزقه إياه شيخه لا يريده # ومنهم من يذبح الشاة و يقول باسم سيدي # ومنهم من يقول إن شيخه أفضل من الأنبياء و المرسلين # و منهم من يعتقد فيه الإلهية كما يعتقده النصارى في المسيح فإذا ذكروا ~~شيخهم عظموه و ادعوا فيه الإلهية و أنشدوا له على لسانه PageV02P671 % موسى ~~على الطور لما خر لي ناجى % و صاحب الترب أنا جئته حتى جا % $ # و لهم أيضا % و أنا صرخت في العرش حتى ضج % # | % و أنا حملت على علي حتى هج % # % و إن البحار السبعة من هيبتي ترتج % $ # و يقولون نحن غلمان الملك و يسمون المسجد اصطبل البطالين و يقرؤون القرآن ~~و ما أرسلناك إلا رحمة للمدمنين و ألوان من هذا الجنس الذي فيه استهزاء ~~بالله وآياته ورسوله مع تعظيمهم شيخهم و غلوهم فيه # و كذلك النصيرية ms141 و الإسماعيلية و نحوهم و كثير من طوائف متعددة يرى أحدكم ~~استغاثته بالشيخ الميت إما عند قبره و إما عند قبر غيره PageV02P672 أنفع ~~له من أن يدعو الله تعالى في المسجد عند السحر و يستهزئ بمن يعدل عن طريقته ~~إلى التوحيد # و من هؤلاء من يرى أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الحج ~~إلى الكعبة و أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم و الاستغاثة به أفضل من ~~الاستغاثة بالله تعالى و دعائه # و كثير من هؤلاء يخربون المساجد و يعمرون المشاهد فتجد المسجد الذي بنى ~~للصلوات الخمس معطلا مخربا ليس له كسوة إلا من الناس و كأنه خان من الخانات ~~و المشهد الذي بني على الميت عليه الستور و زينة الذهب و الفضة و الرخام و ~~النذور تغدو و تروح إليه فهل هذا إلا من استخفافهم بالله تعالى و آياته و ~~رسوله و تعظيمهم للشرك # فإنهم اعتقدوا أن دعاء الميت الذي بنى له المشهد و الاستغاثة به أنفع لهم ~~من دعاء الله تعالى و الاستغاثة به في البيت الذي بني لله عز وجل ففضلوا ~~البيت الذي بني لدعاء المخلوق على البيت الذي بني لدعاء الخالق و إذا كان ~~لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم PageV02P673 عندهم مضاهاة لمشركي ~~العرب الذين ذكر الله تعالى حالهم في قوله تعالى @QB@ وجعلوا لله مما ذرأ ~~من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان ~~لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ~~@QE@ # كما يجعلون لله زرعا و ماشية ولآلهتهم زرعا وماشية فإذا أصيب نصيب آلهتهم ~~أخذوا من نصيب الله تعالى فوضعوه فيه وقالوا الله غني وآلهتنا فقراء ~~فيفضلون ما يجعل لغير الله تعالى على ما يجعل الله تعالى # و هكذا الوقوف و النذور التي تبذل عندهم للمشاهد أعظم عندهم مما تبذل ~~للمساجد و لعمارة المساجد و للجهاد في سبيل الله تعالى # وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه ms142 يبكي عنده ويخضع PageV02P674 ~~ويتضرع و يدعو ويحصل له من الرقة و التواضع و العبودية و حضور القلب ما لا ~~يحصل له مثله في الصلوات الخمس و الجمعة و قيام الليل و قراءة القرآن فهل ~~هذا الأمر إلا حال المشركين المبتدعين لا الموحدين المخلصين المتبعين لكتاب ~~الله تعالى و رسوله # ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم الأبيات يحصل له من الخضوع و الخشوع و البكاء ~~ما لا يحصل له مثله عند سماع آيات الله تعالى فيخشع عند سماع المبتدعين ~~المشركين ولا يخشع عند سماع المخلصين المتقين بل إذا سمعوا آيات الله تعالى ~~اشتغلوا عنها و كرهوها و استهزؤوا بها وبمن يقرؤها مما يحصل لهم به أعظم ~~نصيب PageV02P675 من قوله تعالى @QB@ أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون ~~@QE@ وإذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية وألسنة لا غية كأنهم صم وعمي ~~وإذا سمعوا الأبيات حضرت قلوبهم وسكتت ألسنتهم وسكنت حركاتهم حتى لا يشرب ~~العطشان منهم ماء # ومن هؤلاء من إذا كانوا في سماعهم فأذن المؤذن قالوا نحن في شيء أفضل مما ~~دعانا إليه # ومنهم من يقول هذا في شغله وهذا في شغله # ومنهم من يقول كنا في الحضرة فإذا قمنا إلى الصلاة صرنا على الباب # وقد سألني بعضهم عمن قال ذلك من هؤلاء الشيوخ الضلال PageV02P676 فقلت ~~صدق كان في حضرة الشيطان فصار على باب الله تعالى فإن البدع والضلالة فيها ~~من حضور الشيطان ما قد حصل في غير هذا الموضع # والذين يجعلون دعاء الموتى والأنبياء والأئمة والشيوخ أفضل من دعائهم ~~الله تعالى أنواع متعددة # منهم من يقدم دعاءهم # ومنهم من يحكي أنواعا من الحكايات مثل # حكاية أن بعض المريدين استغاث بالله تعالى فلم يغثه فاستغاث بشيخه فأغاثه # وحكاية أن بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله تعالى فلم يخرجه فدعا ~~بعض المشايخ الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام # وحكاية أن بعض الشيوخ قال لمريده إذا كانت لك حاجة فتعال إلى قبري وآخر ~~قال فتوسل بي وآخر قال قبر فلان الترياق المجرب PageV02P677 # فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه ms143 الأدعية الشركية على أدعية المخلصين لله ~~مضاهاة لسائر المشركين وهؤلاء تتمثل لكثير منهم صورة شيخه الذي يدعوه فيظنه ~~إياه أو ملكا على صورته وإنما هو شيطان أغواه كما قد بسط في موضعه # ومنهم من إذا نزلت به شدة لا يدعو إلا شيخه ولا يذكر إلا اسمه قد لهج به ~~كما يلهج الصبي بذكر أمه فيتعسر أحدهم فيقول يا فلان وقد قال الله تعالى ~~للموحدين @QB@ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ~~@QE@ # ومن هؤلاء من يحلف بالله ويكذب ويحلف بشيخه وإمامه فيصدق ولا يكذب فيكون ~~شيخه عنده أعظم في صدره من الله تعالى وقد قال شعيب عليه السلام @QB@ يا ~~قوم أرهطي أعز عليكم من الله @QE@ # وقال تعالى @QB@ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا ~~بغير علم @QE@ PageV02P678 # وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~@QE@ الاية # فإذا كان دعاء الموتى مثل الأنبياء والصالحين عندهم يتضمن مثل هذا ~~الاستهزاء بالله وآياته ورسوله فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بالله وآياته ~~ورسوله من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم مع ما يترتب على ذلك من ~~الاستهزاء بالله وآياته ورسوله أو من كان يأمر بدعاء الله وحده لا شريك له ~~كما أمرت رسله ويوجب طاعة الرسول ومتابعته في كل ما جاء به # وأيضا فإن هؤلاء الموحدين من أعظم الناس إيجابا لرعاية جانب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم تصديقا له فيما أخبر وطاعة له فيما أمر واعتناء بمعرفة ما ~~بعث به والتمييز بين ما روي عنه من الصحيح والضعيف والصدق والكذب واتباع ~~ذلك دون ما خالفه عملا بقوله تعالى @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء @QE@ PageV02P679 # وأما أولئك الضلال أشباه المشركين النصارى فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو ~~موضوعة أو منقولات عمن لا يحتج بقوله إما أن يكون كذبا عليه وإما أن يكون ~~غلطا منه إذا هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم وإن ms144 اعتصموا بشيء مما ثبت ~~عن الرسول صلى الله عليه وسلم حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه ~~وتركوا محكمه كما يفعل النصارى وكما فعل هذا الضال أخذ لفظ الاستغاثة وهي ~~تنقسم إلى الاستغاثة بالحي والميت والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه ~~وما لا يقدر عليه فجعل حكم ذلك كله واحدا ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص ~~من مسمى الاستغاثة أيضا ولم يكفه ذلك حتى جعل الطلب منه إنما طلبه من الله ~~تعالى لا منه فالمستغيث به مستغيث بالله PageV02P680 تعالى ثم جعل ~~الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة # واحتج على هذه الدعوى العامة الكلية التي أدخل فيها من الشرك و الضلال ما ~~لا يعلمه إلا ذو الجلال بقضية خاصة جزئية كسؤال الناس للنبي صلى الله عليه ~~وسلم في الدنيا و الآخرة أن يدعو الله تعالى لهم و توجههم إلى الله تعالى ~~بدعائه و شفاعته # و معلوم أن هذا الذي جاءت به السنة حق لا ريب فيه لكن لا يلزم من ذلك ~~ثبوت جميع تلك الدعاوى العامة و إبطال نقيضها إذ الدعوى الكلية لا تثبت ~~بمثال جزئي لا سيما مع الاختلاف و التباين وهذا كمن يريد أن يثبت حل جميع ~~الملاهي لكل أحد و التقرب بها إلى الله تعالى بكون جاريتين غنتا عند عائشة ~~رضي الله عنها في بيت النبي PageV02P681 صلى الله عليه وسلم يوم عيد مع كون ~~وجهه كان مصروفا إلى الحائط لا إليهما أو يحتج على استماع كل قول بقوله ~~تعالى @QB@ فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه @QE@ # ولا يدري أن القول هنا هو القرآن كما في قوله تعالى @QB@ أفلم يدبروا ~~القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين @QE@ # ولا نسلم أن يسوغ استماع كل قول وقد نهى الله عز وجل عن الجلوس مع ~~الخائضين في آياته و خوضهم نوع من القول فقال تعالى PageV02P682 @QB@ وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره @QE@ ~~الاية # وقال تعالى @QB@ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله ms145 يكفر ~~بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم @QE@ # وقال تعالى @QB@ وإذا مروا باللغو مروا كراما @QE@ # وقال تعالى @QB@ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم @QE@ $ فصل # قال وقد أجمع العلماء كما حكاه من يرجع إليه على أن كل مسلم صدر منه سب ~~الرسول أو تنقيصه وجب قتله و يحكم بكفره و ردته عن دين الإسلام على ذلك دلت ~~نصوص من السنة و الكتاب و حكم جماعة من المتقدمين من أنه يقتل من غير ~~استتابة كما نص العلماء أيضا أن التعريض بسبه أو تنقيصه كالصريح ~~PageV02P683 # فيقال هذا نقله من الكتاب الذي صنفه في شاتم الرسول استعاره من بعض من ~~كان عنده ولهذا صار الناس يعدون هذا من قله الحياء فإن ذلك الكتاب ذكرت فيه ~~في مسألة السب من دلائل الكتاب و السنة و أقوال العلماء من تعظيم الرسول و ~~تعزيره و توقيره و استنباط ما يتعلق بذلك من الكتاب و السنة ما يعرفه من ~~تأمله $ فصل # قال ومن نفى عنه أن يستغاث به فقد تنقصه عن رتبته ولا ينفعه تأويله لأن ~~تأويله لا يخرجه عن كونه أساء الأدب على النبي صلى الله عليه وسلم في ~~التعبير على أن هذا الرجل لا يثبت التأويل و إنما يذهب إليه عند الخوف ~~زندقة منه على ما علمته # فيقال له قد تقدم الجواب و تبين أن الذي تنقصه هو الذي يؤذيه و يعتدي ~~عليه و يسلط السفهاء على أذاه و يكذب عليه ويبدل دينه الذي بعث به لا من ~~يأمر بما أمر الله به من تعزيره و توقيره و تصديقه وطاعته ومحبته ورضاه ~~وموالاته وبما يزيده درجة ورفعة في الدنيا و الآخرة من الصلاة و السلام ~~عليه و فعل التوحيد و الطاعات التي تحصل له مثل PageV02P684 أجرها # وبين أيضا أنه لم ينف عنه كل ما يسمى استغاثة بل قد صرح بأنه يطلب منه كل ~~ما يليق بمنصبه و أنه يستشفع به و يتوسل به كما كان الصحابة رضوان الله ~~عليهم يفعلون و كما يستشفع ms146 به يوم القيامة و أن المنفي هو دعاء الميت أو أن ~~يطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق # و بين أيضا أن ما ذكره هذا الرجل في مسمى لفظ الاستغاثة و أن نفي ذلك ~~يتضمن نفي كونه سببا في حصول غوث الله كلام باطل # و أما قوله فلا ينفعه تأويله إلى آخره فإنما يصح لو فسر لفظ بما يخالف ~~ظاهره و المجيب قد بين مراده بألفاظ خاصة لا تحتمل معنيين فأي تأويل هنا ~~يحتاج إليه فهذا من جملة افترائه فإن التأويل إنما يحتاج إليه إذا أطلق ~~المطلق لفظا له ظاهر و أراد به غير ظاهره من غير بيان وهذا لم يقع فإن كان ~~بعض الناس يظهر له من اللفظ ما لم يدل عليه فالتفريط منه % وكم من عائب ~~قولا صحيحا % و آفته من الفهم السقيم % $ # وقد بينا في غير هذا أن عامة من يورد على ألفاظ الكتاب و السنة ويدعي أن ~~ظاهرها ممتنع إنما أتى من سوء فهمه لا من قصور في بيان الله PageV02P685 و ~~رسوله بل ممن تأول # مثل طائفة في قوله ( ( الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن استلمه أو ~~صافحه فكأنما صافح الله تعالى وقبل يمينه ) ) وهذا PageV02P686 معروف عن ~~ابن عباس وقد روي مرفوعا ولم يثبت # فهذا اللفظ قالت طائفة إنه يحتاج إلى تأويل وليس كما قالوا فإنه قال فيه ~~( ( يمين الله في الأرض ) ) فقيل الخطاب في الأرض لم يطلق فيه وقال في ~~إثباته ( ( فمن استلمه فكأنما صافح الله تعالى وقبل يمينه ) ) والمشبه غير ~~المشبه به ففي الحديث بيان أنه ليس بصفة الله تعالى وإنما هو بمنزلة اليمين ~~في الاستلام و التقبيل و الحديث لا يدل ولا يفهم منه غير هذا PageV02P687 ~~وكذلك قوله سبحانه مرضت عبدي فلم تعدني فيقول رب كيف أعودك و أنت رب ~~العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده فهذا ~~صريح في أن الله تعالى لم يمرض و إنما يمرض عبده ولا يحتاج إلى تأويل و ~~أمثال ms147 ذلك # و أما قوله و المجيب لا يثبت على التأويل و إنما يذهب إليه عند الخوف ~~زندقة على ما علمته # فيقال له لا ريب أن المجيب لم يذهب في كلامه إلى تأويل أحد بل لفظه ظاهر ~~في معناه بل قد يكون نصا # وقول القائل إنه يذهب إلى التأويل زندقة منه فهو جهل بمسمى الزندقة و كذب ~~ظاهر باتفاق الناس وهو بالقائل أعلق أما كونه جهلا فإن الزنديق هو الذي ~~يبطن الكفر و يظهر الإسلام فمن كان PageV02P688 مظهرا لقوله قد كتب بأجوبة ~~من النسخ ما لا يحصيه إلا الله وقد وافقه عليها علماء الإسلام ولم يذهب أحد ~~إلى خلافها وقد بين قوله في أعظم الأوقات خوفا و تعصبا عليه وناظر عليه و ~~تبين للحاضرين حتى الأعداء سلامته من هذه القوادح و ظهور الجهل و الكذب و ~~الظلم من منازعيه فكيف ينسب إليه إبطان خلاف ما يظهر # ولو قدر أن شخصا أبطن خلاف ما يظهر من الأقوال لم يكن زنديقا إلا إذا ~~أبطن الكفر فمن أبطن قولا يعتقد أنه دين الإسلام و يناظر عليه لم يكن هذا ~~زنديقا عند الفقهاء بل إن كان مخطئا فقد يكون مبتدعا وإن كان مصيبا و سكت ~~خوف العدوان عليه لم يكن مبتدعا ولو دخل مسلم دار الرافضة و الخوارج فكتم ~~حبه للصحابة رضوان الله عليهم لم يكن زنديقا ولو عرض لم يأثم بذلك # وقد ثبت في الصحيح أن الخليل صلوات الله وسلامه عليه قال عن سارة إنها ~~أختي عند الحاجة إلى التعريض PageV02P689 # و كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقول عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين سئل عنه في الهجرة من هذا الرجل معك يا أبا بكر فيقول هذا رجل ~~يهديني السبيل فيحسب الحاسب أنه يريد الطريق و إنما يريد سبيل الخير # و كذلك عين المشركين يوم بدر لما جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم و ~~سأله فقال لا أخبركم حتى تخبروني من أنتم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~( إن ms148 أخبرتنا أخبرناك ) ) فأخبرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( نحن ~~من ماء ) ) # مع أن ما نحن فيه ليس من هذا الباب فإنه لم يحصل كتمان ولا تعريض بل صرح ~~بالأمر على ما هو عليه و إنما المقصود بيان جهل هؤلاء PageV02P690 الضالين ~~المعتدين # و أيضا فيخاف من الناس من يجزع إذا أوذي و يطلب الإقالة و يستغيث ~~بالحاضرين حتى يدفعوا عنه ما طلبه ولي الأمر من قطع لسانه ومن نفي عن البلد ~~فلا يدخله إلا سرا ودخل في قوله تعالى @QB@ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن ~~يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم ~~في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم @QE@ # فإن هذا المفتري سعى في منع من يذكر ما أمر الله به في المسجد فمنع من ~~سكنى البلد الذي فيه المسجد و أخرج منه فلم يكن يدخل المسجد إلا خائفا و ~~حصل له من الخزي ما لا يعرف لأحد مثله في زمانه وكان له شبه من أبي عامر ~~الراهب الذي بنى له مسجد الضرار PageV02P691 و كان قدح في الرسول صلى الله ~~عليه وسلم الداعي إلى الحنفية ومال إلى النصرانية وقال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى ما تدعو يا محمد قال ( ( إلى ملة إبراهيم ) ) فقال إنك شبيها ~~بغيرها فقال ( ( ما شبيها بغيرها ) ) فقال شبيها بغيرها فقال ( ( الكاذب ~~أماته الله طريدا و شريدا وحيدا ) ) فقال أبو عامر آمين فمات طريدا شريدا ~~وحيدا # من يقابل ولاة الأمر و غيرهم من الأكابر في أخذهم بالحق وإن PageV02P692 ~~كرهوه ومن يطلب منهم أن يسكت عن حق متعلق بالدين فلا يسكت فيطلبون خروجه من ~~الضيق فيأبى الخروج حتى يظهر الحق ومن يهن هذا الحزب الجاهل الظالم ويبين ~~جهله ومن كتب جوابه في هذه المسألة في أكثر الأمصار من لا يحصي عددهم إلا ~~الله تعالى من ولاة الأمور وغيرهم # وأهل السنة إذا تقابلوا هم وأهل البدعة فلهم نصيب من تقابل المؤمنين ~~والكفار وقال تعالى @QB@ قل يا أهل الكتاب ms149 هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ~~وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون @QE@ إلى قوله تعالى ~~@QB@ أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل @QE@ # وهؤلاء الذين يدعون الموتى من أهل البدع فمنهم من مسخ PageV02P693 # خنزيرا من الرافضة وقد تواترت بذلك الحكايات وفيهم من يعبد الطاغوت فيصور ~~تماثيل يتوجهون إليها ويدخلون في مداخل السحر وكما هو معروف عن غير واحد ~~منهم وأما غضب الله ولعنته بسبب كثرة كذبهم وظلمهم وفسقهم فاعظم من أن يذكر # $ فصل # قال ولقد بالغ السلف في الاحتياط بجنابه صلى الله عليه وسلم حتى أفتى ~~بعضهم بأن من سب فاطمة وعائشة أن يقتل # وقال على هذا مضت سيرة أهل العلم وأفتى بعض الشافعية أن من سب أبا بكر أو ~~عمر أو عثمان أو عليا رضى الله عنهم فهو كافر وأفتى طائفة بكفر الرافضة ~~ونقل عن أحمد أنه استفتى في من يشتم عثمان فقال هذا زندقة وروى عن أحمد ~~رواية أخرى أنه قال من سب واحدا من الصحابة فقد كفر وذكرت ذلك لتعلم عظم ~~الوقوع في الجناب النبوي عند العلماء # وقد صح وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح دم من نقصه وسبه ولم يختلف ~~في ذلك الصحابة ولقد رووا أن ابن أبي سرح بعد وقيعته جاء به عثمان رضى الله ~~عنه وكان أخاه من الرضاعة وقال بايعه يا رسول الله فأعرض PageV02P694 عنه ~~ثم جاءه من الناحية الأخرى أيضا فقال بايعه يا رسول الله فأعرض عنه ثم ~~بايعه النبي صلى الله عليه وسلم في المرة الثالثة وقال فيما روى ما صمت إلا ~~ليقوم إليه أحدكم فيقتله فقال رجل من الأنصار يا رسول الله ألا ما أومأت ~~إلي فأقتله فقال إن النبي لا يقتل بالإشارة وكان ذلك لتحريم خائنة الأعين ~~عليه صلى الله عليه وسلم # وأباح قتل ابن خطل لأنه كان ينتقصه صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل عام فتح ~~مكة فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه فقتل PageV02P695 # مع أن الروايات إذا استقريت علم ms150 أنهما جاءا مسلمين مناقدين ولم يكن ذلك ~~موجبا للعفو عنهما ففيه دليل على أن الساب اليوم وإن أسلم يقتل حتما كما هو ~~مذهب مالك وجماعة ولا يلزم من أن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عن بعضهم أن ~~يجوز أن نعفوا لأن القتل كان لحقه فله صلى الله عليه وسلم أن يترك حق نفسه # فيقال هذا كله منقول من كلام المجيب من كتاب الصارم المسلول على شاتم ~~الرسول لكنه أزال بهجته وحذف من محاسنه ما يبين حقيقته فالمجيب هو المنافح ~~عن الله ورسوله وهذا كلام المتشبع بما لم يعط ومن تشبع بما لم يعط فهو ~~كلابس ثوبي زور # وأما تقريره واستدلاله الذي لم ينقله عن غيره فهو جنس كلامه في مسألة ~~الاستغاثة وجوابه في قسم مال بيت المال ونحو ذلك مما يخرج PageV02P696 به ~~عن إجماع المسلمين ويضحك عليه العلماء الفاضلون ويوجب لذوي القضاء أن ~~يحجروا عليه في الفتيا كما وقع هذا المسكين لما فيه من الجهل بمسالك ~~الأحكام مع فرط الجراءة والإقدام على الكلام بالهوى والجهل في دين الإسلام ~~بخلاف من منع خوفا منه إما لسياسة مملكة أو غير ذلك $ فصل # قال ومن هذا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لو نفى عن نفسه أن ينفع أو ~~يستغاث به أو نحو ذلك يشير إلى التوحيد وإفراد الباري بالقدرة لم يكن لنا ~~نحن أن ننفي ذلك لوجهين # أحدهما أن المقصد إذا صح كان وجوب بيان المقصود بعبارة موضوعة له حق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فله تركه إذا عبر عن نفسه وغيره إذا خالف موجب ~~الأدب معه في العبارة كفرناه على ما سلف # والأمر الثاني أنه إذا علم بالقواعد ثبوت رتبة للرسول صلى الله عليه وسلم ~~في العبارة التي توهم نفيها إذا صدرت منه صلى الله عليه وسلم علم المراد ~~بها للدليل على عصمته وصحة تبليغه وعدم تناقض أفعاله وأقواله وغيره ليس ~~كذلك # فيقال له هذا من الجهل في الاستدلال فإن ما ينفيه الرسول PageV02P697 صلى ~~الله عليه وسلم عن نفسه ms151 هو صادق فيه وفي جميع ما يقول فإنه صلى الله عليه ~~وسلم هو الصادق المصدوق وهذا خبر أخبر به و الخبر يكون إثباتا ونفيا وهو ~~صادق فيما يثبته لنفسه وفيما ينفيه عن نفسه وعلينا أن نصدقه في ذلك وليس ~~هذا من جنس عفوه عمن آذاه فإن ذلك ليس بخبر منه وإنما هو ترك استيفاء حق له ~~وبعد موته لا يمكن عفوه فيجب استيفاء حقه لأن سبه فيه حق لله تعالى وبعد ~~موته لا مسقط له فيتعين استيفاؤه و إذا انفرد بجواز العفو عن الساب دوننا ~~لم يلزم أن ينفرد في إخباره بأن يخبر بالأمر على خلاف ما هو عليه وما قال ~~أحد من المسلمين إن ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه بنفي أو ~~إثبات ليس لنا أن نخبر بمثل خبره # بل إذا قال @QB@ سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا @QE@ # نقول ما كان إلا بشرا رسولا PageV02P698 وإذا قال @QB@ إنما أنا بشر ~~مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد @QE@ # و إذا قال ( ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد ~~فقولوا عبد الله ورسوله ) ) # قلنا نشهد أن لا إله إلا الله و نشهد أن محمدا عبده و رسوله # وإذا قال ( ( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ) ) # قلنا إنما هو بشر ينسى كما ينسى البشر # و إذا قال @QB@ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~إني ملك @QE@ # قلنا لم نقل إن عنده خزائن الله ولا يعلم الغيب ولا نقول إنه ملك ~~PageV02P699 # و إذا قال @QB@ لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله @QE@ # قلنا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله # و إذا قال ( ( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ) ) قيل ولا أنت يا رسول ~~الله قال ( ( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ) ) # قلنا لن يدخل الجنة أحد بعمله فإذا قيل لنا ولا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قلنا ولا رسول الله صلى ms152 الله عليه وسلم إلا أن يتغمده الله برحمة منه ~~و فضل فنخبر بمثل ما أخبر تصديقا له فإنه الصادق المصدوق # ومثل هذا كثير # و قول هذا الجاهل مات و دين النصارى فإن المسيح عليه PageV02P700 السلام ~~لما أخبر عن نفسه أنه عبد الله تقول النصارى ليس لنا أن نقول في الأنبياء ~~ما يقولونه في أنفسهم وقد قال الله تعالى @QB@ يا عيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك @QE@ إلى قوله @QB@ ما ~~قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم @QE@ # وقال المسيح عليه السلام @QB@ إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ~~@QE@ # فقول النصراني من جنس قول شبهته هو يقول ربي الله وهم يقولون هو الرب ليس ~~رب و يقولون وليس لنا أن نقول فيه ما يقول في نفسه و هكذا الرافضي إذا ~~احتججنا عليه بقول علي رضي الله عنه يقول ليس لنا أن نقول فيه قوله في نفسه # وفي الجملة فبعض الناس قد يقول على سبيل التواضع كلاما فيه مبالغة فيقال ~~ليس لغيره أن يقول فيه هذا و أما الرسول صلى الله عليه وسلم فلا ينطق إلا ~~بالحق و كلامه معه إذا كان تواضعا لله تعالى فهو أحق الخلق بالتواضع لربه ~~عز وجل وليس هذا كتواضع الرجل للرجل PageV02P701 # ثم ما ذكره في عفوه عن السيئات لا يقتضي العلم بهذا ولا هو دليل عليه # و أما قوله في الوجه الأول إن القصد إذا صح كان وجوب بيان المقصود بعبارة ~~موضوعة له حق الرسول صلى الله عليه وسلم فله تركه إذا عبر عن نفسه وغيره ~~إذا خالف موجب الأدب معه في العبارة كفرناه على ما سلف # فيقال له هذا من جهلك فإن التعبير عن المعاني بالألفاظ يتعلق باللغة ليس ~~هذا من الحقوق ولا له مدخل في هذا بل الواجب أن يعبر عن المعنى باللفظ الذي ~~يدل عليه فإن كان اللفظ نصا أو ظاهرا حصل المقصود وإن كان اللفظ يحتمل ~~معنيين أحدهما صحيح و الآخر فاسد ms153 تبين المراد وإن كان اللفظ يفهم منه معنى ~~فاسد لم يطلق إلا مع بيان ما يزيل المحذور وإن كان اللفظ يوهم بعض ~~المستمعين معنى فاسدا لم يخاطب بذلك اللفظ إذا علم أنه يوهم معنى فاسدا لأن ~~المقصود بالكلام البيان و الإفهام و أما إذا كان اللفظ دالا على المراد ~~PageV02P702 و جهل بعض الناس معناه من غير تفريط من المتكلم فالدرك على ~~المستمع لا على المتكلم # وقوله إذا خالف موجب الأدب كفرناه # فيقال له كلا المقدمتين باطلة دعواك مخالفة موجب الأدب و دعواك كفر # و أما إخبارك عن نفسك أنك تكفره بما تعتقده إنه مخالف للأدب فأنت صادق في ~~خبرك عن اعتقاد الباطل و جهلك المعروف كما يصدق الروافض إذا أخبروا عن ~~أنفسهم بتكفيرهم لأبي بكر و عمر و عثمان و كما يصدق الخوارج إذا أخبروا عن ~~أنفسهم بتكفيرهم لعثمان و علي و كما يصدق الكفار إذا أخبروا عن أنفسهم ~~بأنهم يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه كاهن و مجنون و معلم و مفتري ~~فهذا صدق يضر قائله لا يضر المقول له قال تعالى @QB@ إن الذين جاؤوا بالإفك ~~عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من ~~الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم @QE@ # لكن اعتقادك كفر من هم أعظم الناس إيمانا بالله و رسوله لا PageV02P703 ~~يضرهم قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد ~~باء بها أحدهما ) ) كنت أحق بالكفر إلا أن تعذر بالتأويل وفي الصحيح أيضا ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ( لا يرمي رجل رجلا بالكفر و الفسوق إلا ~~ردت عليه إذا لم يكن لذلك أهلا ) ) # وقوله في الوجه الثاني إنه إذا علم بالقواعد ثبوت رتبة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فالعبارة التي توهم نفيها إذا صدرت منه علم المراد بها للدليل ~~على عصمته وصحة تبليغه وعدم تناقض أقواله وأفعاله وغيره ليس كذلك # فيقال هذا مبني على صدور عبارة موهمة وقد تقدم ms154 أن الجواب عبارة ظاهرة في ~~معناها بل نص لا يحتمل معنيين فضلا عن كونها توهم غير ما أريد بها ~~PageV02P704 # وأيضا فغير الرسول صلى الله وعليه وسلم إذا عبر بعبارة موهمة مقرونة بما ~~يزيل الإيهام كان هذا سائغا باتفاق أهل الإسلام # وأيضا فالوهم إذا كان لسوء فهم المستمع لا لتفريط المتكلمين لم يكن على ~~المتكلم بذلك بأس ولا يشترط في العلماء إذا تكلموا في العلم أن لا يتوهم ~~متوهم من ألفاظهم خلاف مرادهم بل ما زال الناس يتوهمون من أقوال الناس خلاف ~~مرادهم ولا يقدح ذلك في المتكلمين بالحق # ثم غاية هذا أن يكون بحثا لفظيا والبحوث اللفظية لا توجب خلافا معنويا ~~فضلا عن التكفير اللهم إلا على قول هذا الجاهل إن المتكلم إذا عنى معنى ~~صحيحا بعبارته وتوهم منها بعض الناس نقصا كان ذلك كفرا وهذا لا يقوله إلا ~~من انسلخ من العقل والدين لا سيما إذا كان التقصير إنما هو من المستمع لا ~~تقصير في عبارة المتكلم # ثم يقال هذا كله ليس مما نحن فيه فإن ما ذكره المجيب لا يحتاج إلى هذا ~~ولا يتوقف على نقل عبارته بعينها بل تلك المعاني بائنة بالكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة سواء كان اللفظ بعينه منقولا أو لم يكن والتعبير عن تلك ~~المعاني شائع بما يدل عليها دلالة بينة كالدلالة على سائر المعاني ~~PageV02P705 # ومما يجب معرفته أن الأسماء والألفاظ التي تعلق بها الأحكام الشرعية من ~~الأمر والنهي والتحليل والتحريم والاستحباب والكراهة والمدح والذم والثواب ~~والعقاب والموالاة والمعاداة هي الألفاظ الموجودة في كتاب الله تعالى وسنة ~~رسوله ومعاني تلك الألفاظ وذلك مثل لفظ الإيمان والإخلاص والعبادة والكفر ~~والشرك والهدى والضلال والرشاد والغي والعبادة والتوكل والشكر والصبر ~~والنبوة والرسالة والتوكيل ونحو ذلك فأما الألفاظ التي لم توجد في كتاب ~~الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا تعلق لها بشيء من ذلك إلا ~~إذا تبين أن معانيها موافقة لمعاني ألفاظ الكتاب والسنة # والله تعالى في كتابه وسنة رسوله قد أوجب لنفسه حقا لا يشركه ms155 فيه غيره ~~وأوجب حقا له ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين فله وحده أن نعبده ولا ~~نشرك به شيئا وأن نخشاه ونتقيه $ فصل # قال وبالجملة فللأنبياء مع أنفسهم وفيما بينهم عبارات ومخاطبات ومعاملات ~~لا يقاس بها معه من دونهم ألا ترى ما في PageV02P706 الحديث الصحيح في ~~محاجة موسى لآدم وذكر أشياء في روايات ساقها مسلم منها قوله أنت آدم الذي ~~أغويت الناس و أخرجتهم من الجنة و منها قوله أنت أبونا خيبتنا و أخرجتنا من ~~الجنة الحديث و ليس لواحد منا أن يقول في آدم صلى الله عليه وسلم ولا أحد ~~من النبيين مثل ذلك القول ولا قريب منه و كيف لطم موسى عين ملك الموت عليه ~~السلام و أثبت بعض العلماء أنه لطم حقيقة # و روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ( لم يكذب إبراهيم النبي ~~صلى الله عليه وسلم قط إلا PageV02P707 ثلاث كذبات ) ) الحديث مع أن الثلاث ~~وجه المجاز فيها ظاهر صحيح قوله إنه سقيم باعتبار الاستقبال ولا بد لكل بشر ~~أن يسقم غالبا ولو بمقدمات الموت مع جواز إطلاعه على ذلك أو بتأويل ~~القائلية # وقوله بل فعله كبيرهم هذا وجه المجاز أنه سبب للتكسير الذي وقع لما فيه ~~من التصوير المنكر أو هو تهكم يؤيده قوله فاسألوهم # و أما الكلمة في سارة فقد صرح بالمعنى إذ قال لها أخبريه أنك أختي فإنك ~~أختي في الإسلام # و حديث المحاجة وإن احتمل أن لا يكون في دار التكليف فنحن نعلم أنهم لا ~~يقابلون بعضهم بعضا بما يرونه خلاف الأدب منهم وكل هذه الأمور لا ينقاس بها ~~معهم من دونهم فربما كان الشيء من المثيل أو المساوي أدبا أو أمرا محتملا ~~ولا يكون ممن دونه كذلك فليحفظ الناظر مواقع الحكمة في أحكام المراتب في ~~الأشخاص و الأفعال و الأقوال و سائر الأحوال # و الجواب من وجوه PageV02P708 أحدها أن يقال هذا الكلام لا يدل على مورد ~~النزاع فإن أحدا لم يقل إن حكم النبي مع النبي أو مع الملك ms156 حكم من هو دونه ~~ولا حكم بعض الأنبياء حكم بعض بل ولا الملائكة # قال تعالى @QB@ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض @QE@ وقال تعالى عن ~~الملائكة @QB@ وما منا إلا له مقام معلوم @QE@ وقال تعالى @QB@ كلا نمد ~~هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم ~~على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا @QE@ # ولكن ليس في ثبوت فضيلتهم على من دونهم وعدم مساواتهم لهم في كل شيء أنهم ~~لا يشاركونهم في شيء من الأحكام بل الأصل عند جماهير السلف و الخلف أن ما ~~ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام ثبت في حق الأمة ما لم يقم ~~دليل التخصيص فما وجب عليه وجب عليهم وما أبيح له أبيح لهم إلا أن يقوم ~~دليل على التخصيص ولهذا قال تعالى @QB@ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ~~لكي لا يكون على المؤمنين حرج @QE@ الآية فبين أن في تزويجه بامرأة دعيه من ~~الحكمة رفع الحرج عن المؤمنين في تزويجهم بنساء أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا PageV02P709 # ولولا أن الإحلال له يستلزم الاستحلال للأمة لم يرتفع الحرج بمجرد ذلك ~~ولهذا لما خصه بإحلال شيء قال @QB@ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن ~~أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم ~~في أزواجهم وما ملكت أيمانهم @QE@ فجعل إباحة الواهبة نفسها له خالصة له من ~~دون المؤمنين # ومن هذا ما ثبت في الصحيح أنه بلغه أن قوما تنزهوا عن أشياء فعلها فقال ( ~~( والله إني لأخشاكم لله و أعلمكم بحدوده ) ) PageV02P710 PageV02P711 # وفي حديث آخر أن رجلا قال ويلتنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل ~~الله له ما يشاء فغضب من ذلك وقال ( ( إني لأتقاكم لله و أعلمكم بحدوده ) ) ~~PageV02P712 # لأن هذا ونظائره متعددة وهذا الأصل متفق عليه بين أئمة الإسلام ولكن قد ~~يقال نفس الخطاب له أو للواحد من الأمة خطاب عام للعادة الشرعية في ذلك أو ~~يثبت الاشتراك بالاعتبار بأدلة أخرى أو ذلك معلوم بالاضطرار من ms157 الدين هذا ~~مما تنازع فيه أهل النظر وإذا كان كذلك فما يثبت جوازه له من الأقوال يثبت ~~جوازه لغيره ما لم يقم دليل المنع وما ذكره من مطلق التفصيل ليس دليلا على ~~المنع باتفاق المسلمين # الوجه الثاني أن يقال خبره عن نفسه وغيره سواء كان نفيا أو إثباتا وما ~~أخبر به فهو صدق يجب تصديقه ومن أخبر به كان صادقا داخلا فيمن جاء بالصدق ~~وصدق به # ومن قسم أخباره إلى ما لنا أن نخبر به وما ليس لنا أن نخبر به فقد قال ~~قولا مبتدعا لا دليل له عليه بل هو معلوم البطلان ثم إنه لا يمكنه أن يذكر ~~حدا فاصلا بين ما يجوز موافقته فيه من الأخبار وما لا يجوز PageV02P713 بل ~~لا يشاء كل جاهل وضال أن يقول فيما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم هذا ~~من الأخبار التي ليس لنا أن نخبر بها بحال يبديه إلا ادعى ذلك حتى سد على ~~الناس أن يخبروا بالأخبار الصادقة التي أخبروا بها وقد يتعدى ذلك إلى الأمر ~~فيقول ليس كل ما أمر به يؤمر به من غير تفصيل معلوم بدليل الشرع # وحينئذ فإذا لم يقم يخبر بخبره ويأمر بأمره كان ذلك ذريعة إلى إبطال كثير ~~من رسالته ونبوته وهذا فيه من الكفر وإبطال دينه ما هو من اعظم الردة عن ~~دين الإسلام وليس هذا بمنزلة سوء الأدب في الخطاب بل هذا كفر صريح وردة عن ~~الإسلام وهذا لازم لهؤلاء الجهال فإن قولهم يستلزم الردة عن الدين والكفر ~~برب العالمين # ولا ريب أن أصل قول هؤلاء هو من باب الإشراك بالله تعالى الذي هو الكفر ~~الذي لا يغفره الله تعالى فإن الله تعالى قال في كتابه PageV02P714 @QB@ ~~وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد ~~أضلوا كثيرا @QE@ # وقال غير واحد من السلف هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح فلما ~~ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم # وقد ذكروا ذلك بعبارات متقاربة في ms158 كتب الحديث والتفسير وقصص الأنبياء كما ~~ذكره البخاري في صحيحه وجماعة من أهل الحديث وكما ذكره مصنفو القصص مثل ~~وثيمة وغيره # وقد أمره الله تعالى أن يقول @QB@ إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما ~~إلهكم إله واحد @QE@ فيقول الضال هذا يقوله هو عن نفسه وأما نحن فليس لنا ~~أن نقول هو بشر بل نقول كما قال فلان وفلان من PageV02P715 زعم أن محمدا ~~بشر كله فقد كفر وهذا يقوله قوم منهم وهو تشبه بقول النصارى في المسيح ~~يقولون ليس هو بشر كله بل المسيح عندهم يتناول اللاهوت والناسوت الإلهية ~~والبشرية جميعا وهذا يقوله طائفة من غلاة الصوفية والشيعة يقولون باتحاد ~~اللاهوت والناسوت في الأنبياء والصالحين كما تقوله النصارى في المسيح # الوجه الثالث أن يقال مسألتنا ليست محتاجة إلى هذا فإن ما نفي عنه وعن ~~غيره من الأنبياء والمؤمنين وهو أنهم لا يطلب منهم بعد الموت شيئا ولا يطلب ~~منهم في الغيبة شيئا لا بلفظ الاستغاثة ولا الاستعاذة ولا غير ذلك ولا يطلب ~~منهم ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى حكم ثابت بالنص وإجماع علماء الأمة مع ~~دلالة العقل على ذلك فلا يحتاج إلى ذكر حديث فيه نفي ذلك عن نفسه كقوله إنه ~~لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله تعالى فإن هذا اللفظ هو بمنزلة أن يقال لا ~~يستعاذ به ولا غيره من المخلوقين وإنما يستعاذ بالله عز وجل وهذا كله معلوم ~~PageV02P716 وكذلك لفظ الاستجارة وأما طلب ما يقدر عليه في حياته فهذا جائز ~~سواء سمي استغاثة أو استعاذة أو غير ذلك # الوجه الرابع أنه ليس فيما ذكره حجة على أن ما يسوغ للأنبياء لا يسوغ ~~لغيرهم فإنه إنما ذكر خطاب موسى لآدم ولطم عين ملك الموت # فيقال له # أولا هل هذا سائغ لغير موسى من الأنبياء كمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والمسيح وغيرهما أم ليس سائغا # وإن ساغ لهؤلاء فهل يسوغ هذا لداود وسليمان ويونس وغيرهم # فإن قال نعم هذا سائغ لهؤلاء كلهم طولب بدليل ذلك ولا يمكنه على هذا ms159 ~~التقرير منع جوازه لغيرهم إلا أن يذكر دليلا خاصا على أن هذا من خصائص ~~الأنبياء وليس له على ذلك دليل # وإن قال لا يسوغ هذا لنبي آخر ولا يسوغ لنبي معين من الأنبياء ~~PageV02P717 # قيل فحينئذ فلا حجة لك فيه على أنه لا يقتدى بالأنبياء فيما يسوغ لهم فإن ~~هذا حينئذ ليس مما يسوغ لكل الأنبياء وما خص به بعض الأنبياء لم يعتد به ~~غير الأنبياء بطريق الأولى وحينئذ فلا يكون هذا من موارد الفرق بين ~~الأنبياء وغير الأنبياء بل من موارد الفرق بين نبي ونبي # ومن الناس من يقول إن موسى عليه السلام كان يحتمل منه ما لا يحتمل من مثل ~~يونس كجر رأس هارون ولحيته وإلقاء الألواح ولطم عين ملك الموت ومعاتبة ربه ~~ليلة المعراج في رفع محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك لما كان له من عظيم ~~المجاهدة مع فرعون وقومه ولما PageV02P718 كان له من عظيم المنزلة عند ربه ~~عز وجل وحينئذ فإذا كان هذا سائغا لبعض الأنبياء ولا يسوغ لهم كلهم لم يكن ~~مما نحن فيه # الوجه الخامس أن يقال الناس لهم في جواز وقوع الذنب من الأنبياء قولان # فالسلف و الأكثرون يقولون بجواز ذلك وإن كانوا معصومين عن الإقرار عليه # وكثير من الناس منع ذلك بالكلية # وكل من الفريقين يقول إنه قد يخص بعض الأنبياء بأمر لا يشركه فيه جميع ~~الأنبياء والمؤمنين وحينئذ فقول موسى لآدم ما قال إما PageV02P719 يكون مما ~~أقر عليه أو لا يكون مما أقر عليه # فإن قيل بالأول وقيل إنه مختص به أو بأمثاله من الرسل فلا كلام # وإن قيل إنه سائغ لجميع الأنبياء فلا بد من دليل على أنه من خصائصهم وإن ~~قيل إنه لم يقر عليه وهو الأظهر فإن آدم أجابه عن ذلك وبين له أن هذا الذي ~~جرى عليكم كان مقدورا عليكم ومكتوبا عليكم فحج آدم موسى # وإذا كان موسى محجوجا كان موسى قد عرف أنه لا حجة له على آدم وأن لم يكن ~~له أن يعاتبه على ms160 ذلك فيكون موسى رجع عن هذا وما رجع عنه النبي وما لم يقر ~~عليه لم يقتد به باتفاق المسلمين PageV02P720 كالمنسوخ وأولى # وكذلك لطمه لملك الموت إن كان مأذونا له فيه أو معفو عنه وهو من خصائصه ~~أو من خصائص الرسل فلا كلام فيه # وإن قيل إن هذا سائغ للأنبياء كلهم فلا بد من دليل الاختصاص بالأنبياء # وأما إن قيل إن موسى رجع عن تلك اللطمة لما اختار الموت وأجاب إلى ما طلب ~~منه الملك من إجابة ربه كان هذا مما رجع عنه موسى ومثل ذلك ليس مما يقتدى ~~فيه بالأنبياء وذلك أن موسى لطمه بغضا للموت فلما رجع إليه وخيره بين أن ~~يضع يده على متن ثور فما وارت يده من شعره فإنه يعيش بعدده سنة وبين الموت ~~اختار الموت # الوجه السادس أن قول موسى إن آدم أغوى الناس PageV02P721 وأخرجهم من ~~الجنة وإنه خيبهم وأخرجهم من الجنة إما أن يقول إنه صدق وإما أن يقول لم ~~يكن كذلك وإنما قال باجتهاد وتأويل # فإنه صدق لا خطأ فيه قيل فمن الذي منع غير موسى أن يقول الصدق الذي لا ~~خطأ فيه # وقول القائل ليس لواحد منا أن يقول الصدق الذي لا خطأ فيه الذي قاله ~~الأنبياء دعوى مجردة لا يثبت بها حكم ولكن صاحب هذا الكلام يتكلم بحاله وما ~~يخطر له من غير اعتصام بالأدلة الشرعية # وإن قيل إن موسى عليه السلام قاله مجتهدا متأولا ولم يكن الأمر كذلك أو ~~قال بحسب اعتقاده ولم يكن الأمر كذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ( لم ~~أنس ولم تقصر الصلاة ) ) فإنه قال معتقدا أنه أتم الصلاة فقال له ذو اليدين ~~بل قد نسيت فقال أكما قال ذو اليدين PageV02P722 قالوا نعم # وكذلك لما قال في النخل ما أظنه يعني التلقيح يغني شيئا ثم قال لهم إنما ~~أخبرتكم عن ظني فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله فإني لن أكذب ~~على الله تعالى # وفي لفظ أنتم أعلم بأمر دنياكم وأما ما كان من أمر ms161 دينكم فإلي # وأما لطم موسى عين ملك الموت فليس هو إخبار نبي وإنما هو فعل من الأفعال ~~فليس مما نحن فيه PageV02P723 # وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ( لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ~~ثلاث كذبات ) ) فيقال له أتقول إنه لا يجوز لنا أن نصدق النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما قال ( ( لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ) ) بالمعنى الذي ~~عناه النبي صلى الله عليه وسلم أي شيء كان أم ليس لنا ذلك # فإن قلت لنا ذلك بطلت حجتك وإن قلت ليس لنا أن نقول ما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لفظا ومعنى كان هذا ممنوعا وهو من جملة ما يرد عليك وإن لم ~~يذكر عن ذلك حجة بل ولا نقله هذا عن إمام من أئمة المسلمين ونحن قد ذكرنا ~~دلاله الكتاب والسنة والإجماع عن الأخبار الصادقة التي أخبرت بها الأنبياء ~~نفيا وإثباتا لنا أن نخبر بها كما أخبروا بها # الوجه السابع أن يقال هذه الكلمات هي من باب المعاريض والمعرض يقصد معنى ~~والمستمع يفهم غيره والكلام مبدأه PageV02P724 عناية المتكلم ومنتهاه إفهام ~~المستمع فالمعرض إذا عنى حقا والمستمع فهم باطلا كان الكلام صدقا باعتبار ~~العناية كذبا بإعتبار الإفهام ولهذا لم يرخص في المعاريض فيما يجب بيانه ~~لمثل البيع والشهادة والإفتاء ونحو ذلك باتفاق ويجوز للمظلوم التعريض في ~~الأيمان وغيرها # وأما من ليس بظالم ولا مظلوم ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره قيل ~~يجوز له التعريض وقيل لا يجوز مع اليمين ويجوز بدونها PageV02P725 # فقول إبراهيم عليه السلام إني سقيم قيل أراد سقيم القلب من كفركم # وقوله أختي أراد أختي في الدين كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث الصحيح ~~حيث قال فإنه ليس على الأرض مؤمن غيري وغيرك # وقوله @QB@ بل فعله كبيرهم هذا @QE@ قيل إنه قصد تعليقه بالشرط وهو قوله ~~@QB@ إن كانوا ينطقون @QE@ # ومن هذا قول نائب يوسف @QB@ إنكم لسارقون @QE@ فإن يوسف PageV02P726 أمره ~~بالنداء لكن مراد يوسف سارقون ليوسف من أبيه وهو صادق فيما عناه # وما ذكره هذا الذي ms162 يلبس الحق بالباطل كحاطب ليل من التأويلات ليس مما ~~ينبني عليه مسألتنا فإنه ليس في شيء من ذلك أنه لا يجوز أن يخبر بما أخبر ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم لفظا ومعنى والناس قد ذكروا هذه التأويلات ~~وغيرها فتأويل المتأول إني سقيم أي سأسقم إما لأن الظاهر مرضه أو لإطلاعه ~~على ذلك هو تأويل وقول غيره أريد سقيم القلب تأويل ثان وهو أقرب من كون ~~الصفة الحاضرة والأول أقرب من كون السقم أراد به البدن لكن يقال استعمال ~~السقم والمرض في سقم القلب ومرضه هو حقيقة بخلاف قوله @QB@ إني سقيم @QE@ ~~بمعنى وإني سأسقم فإن هذا لا يفهم إلا بقرينة فيكون ذلك التأويل أولى # وأما التأويل الآخر بمعنى القابلية فبعيد فإن الموجود لا يوصف ~~PageV02P727 بكل ما يقبله من المعدومات إذا لو كان كذلك لجاز أن يقال عن كل ~~مخلوق إنه معدوم وعن كل مؤمن إنه كافر وعن كل كافر إنه مؤمن وعن كل غني إنه ~~فقير وعن كل عفيف إنه فاجر وعن كل سليم إنه أشل وأقطع # والتأويلان المذكوران في قوله @QB@ بل فعله كبيرهم هذا @QE@ أن الأكبر ~~سبب للتكسير تأويل فاسد فإن السبب في كل منكم قام به من التصوير لا سيما ~~قوله @QB@ بل فعله كبيرهم @QE@ يقتضي أنه لم يفعله إلا كبيرهم فلا يكون ~~السبب إلا التصوير الذي قام به وهذا باطل قطعا فإن التصوير القائم بكل صنم ~~موجب لكسره لا يحتاج إلى تصوير صنم أكبر منه وأما التهكم فهو أحسن # وكذلك قوله من قال إنه نوى التعليق بقوله @QB@ إن كانوا ينطقون @QE@ ~~وقوله وحديث المحاجة وإن احتمل أن لا يكون في دار التكليف فنحن نعلم أنهم ~~لا يقابلون بعضهم بعضا بما يرونه خلافا للأدب منهم فهذا كلام متناقض وهو ~~كلام من نظر في كلام شارحي PageV02P728 الحديث ولم يميز بين حق ذلك و باطله ~~وأخذ من ذلك ما ظنه موافقا لدعواه فلا له تمييز في أقوال الناس بين حقها ~~وباطلها ولا له معرفة بطرق الاستدلال فلا ذاكر لكلام منقول ولا مبين ms163 لمعنى ~~مقبول ولا نقل ولا توجيه لا ذكر ولا أثر # والعلم شيئان إما نقل مصدق وإما بحث محقق وما سوى ذلك فهذيان مسروق وكثير ~~من كلام هؤلاء هو من هذا القسم من الهذيان وما يوجد فيه من نقل فمنه ما لا ~~يميز صحيحه عن فاسده ومنه ما لا ينقله على وجهه ومنه ما يضعه في غير موضعه # وأما بحثه واستدلاله على مطلوبه فمن العجائب لا PageV02P729 يحقق جنس ~~الأدلة حتى يميز بين ما يدل وما لا يدل ولا مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح ~~على المرجوح إذا تعارض دليلان ولهذا كان أصول الفقه مقصوده معرفة الأدلة ~~الشرعية جنس الدليل ومرتبة الدليل وهذا فيه كناية الخلاص من كناية تراد ~~الحق أدنى إلى الخلاص كناية تراد وقد قيل إنما يفسد الناس نصف متكلم ونصف ~~فقيه ونصف نحوي ونصف طبيب هذا يفسد الأديان وهذا يفسد البلدان وهذا يفسد ~~اللسان وهذا يفسد الأبدان لا سيما إذا خاض هذا في مسألة لم يسبقه إليها ~~عالم ولا معه فيها نقل عن أحد ولا هي PageV02P730 من مسائل النزاع بين ~~العلماء فيختار أحد القولين بل هجم فيها على ما يخالف دين الإسلام المعلوم ~~بالضرورة عن الرسول # فأنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة انه لم يشرع لأمته أن ~~تدعو أحدا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم لا بلفظ ~~الاستغاثة ولا يغيرها ولا بلفظ الاستعاذة ولا يغيرها كما أنه لم يشرع لأمته ~~السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور وأن ~~ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله لكن لغلبة الجهل وقلة العلم ~~بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما ~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخالفه ولهذا ما بينت هذه المسألة قط ~~لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن وقال هذا أصل دين الإسلام # وكان بعض الأكابر من الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول هذا أعظم ما بينته ~~لنا لعلمه بأن ms164 هذا أصل الدين وكان هذا وأمثاله في ناحية PageV02P731 أخرى ~~يدعون الأموات ويسألونهم ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم وربما كان ما ~~يفعلونه بالأموات أعظم لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعونه ~~دعاء المضطر راجين قضاء حاجتهم بدعائه والدعاء به أو الدعاء عند قبره بخلاف ~~عبادتهم الله تعالى ودعائهم إياه فإنهم يفعلونه في كثير من الأوقات على وجه ~~العادة والتكلف حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا ~~يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم وقال بعض الشعراء % ~~يا خائفين من التتر % لوذوا بقبر أبي عمر % $ # أو قال PageV02P732 % عوذوا بقبر أبي عمر % ينجيكم من الضرر % $ # فقلت لهم هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما ~~انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد فإنه كان قد قضى أن العسكر ينكسر ~~لأسباب اقتضت ذلك ولحكمة الله عز وجل في ذلك ولهذا كان أهل المعرفة بالدين ~~والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ~~ورسوله ولما يحصل في ذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة من ~~القتال فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة لمن عرف هذا وهذا وإن ~~كثيرا من القائلين الذين اعتقدوا هذا قتالا شرعيا أجروا على نياتهم فلما ~~كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله عز وجل والاستغاثة به وأنهم ~~لا يستغيثون إلا إياه لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل كما قال تعالى ~~يوم بدر @QB@ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم @QE@ PageV02P733 # وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوم بدر يقول ( ( يا حي يا ~~قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث ) ) PageV02P734 PageV02P735 # وفي لفظ أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من ~~خلقك PageV02P736 PageV02P737 # فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرا ~~عزيزا ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلا لما صح من تحقيق توحيد ~~الله تعالى وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ms165 ذلك فإن الله تعالى ينصر رسوله ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ونحن نتكلم على ما ذكر ~~وإن لم يختص بمسألتنا لما PageV02P738 فيه من تمام الكلام على ما ذكره كله # أما حديث احتجاج آدم وموسى عليهما السلام فإن هذا الحديث فهم منه كثير من ~~الناس المتقدمين والمتأخرين أن آدم احتج بالقدر على فعل الذنب فصاروا ~~أحزابا # حزب من أهل الكلام كذبوا بالحديث كأبي علي الجبائي وغيره وقالوا نحن نعلم ~~بالاضطرار من دين الإسلام أن سابق علم الله وكتابه لا يكون حجة لأحد في ترك ~~مأمور ولا فعل محظور وهذا يناقض ذلك فيكون كذبا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV02P739 # وحزب من الصوفية والعامة شر من هؤلاء جعلوا هذا الحديث حجة على دفع الذم ~~والعتاب عن الكفار والفساق والعصاة وسموا هذا حقيقة وهو حقيقة القدر # وقال منهم طائفة من شهد القدر ارتفع عنه الملام وقالوا آدم كان شاهد ~~القدر # ودخل في ذلك طائفة من أعيان الشيوخ والعلماء فظنوا أن الخواص يرتفع عنهم ~~الذم والعتاب بشهود القدر دون العامة # ومنهم من قال هذا عين الجمع وهو أن لا يرى الفاعل إلا واحدا # ومنهم من جعل هذا من أفضل مقامات العارفين ومن لوازم سلوك السالكين # ومنهم من جعل هذا منتهى سير العارفين وسموا ملاحظة هذا فناء في توحيد ~~الربوبية أو اصطلاما ونحو ذلك PageV02P740 # فالذين جعلوا هذا منتهى للوصول رفعوا استحسان الحسنات واستقباح القبائح ~~وقالوا استحسان الحسنات واستقباح السيئات يكون لأصحاب البقاء والفرق لا ~~لأهل الجمع والاصطلام والفناء في التوحيد # والذين جعلوه مقاما أو لازما للسالك فقالوا بعد هذا مقام أعلى منه وهو ~~مشهد الفرق الثاني وقد كان بين الجنيد وأبي حسين النوري وأصحابهما كلام في ~~الفرق الثاني واضطربوا كما ذكر ذلك أبو سعيد بن الأعرابي في كتاب طبقات ~~النساك وذكر أن كلامهم في الفناء والجمع لم يشتركوا فيه إلا في العبادة وأن ~~هذا يشير إلى معنى غير المعنى الذي يشير إليه هذا وأنه لم يحصل ما يعبر عنه ~~بالفرق الثاني PageV02P741 # وذكر ms166 أن أبا الحسن النوري لما قدم بغداد بعده أن كان خرج عنها وكان قد ~~خرج هو وغيره في محنة الصوفية التي جرت لما قام عليهم غلام خليل سنة بضع و ~~ستين و مئتين و كتب منه نحو سبعين نفسا و اتهمهم بالزندقة فوضعوا منهم ~~جماعة في الحبس و سافر بعضهم و اختبأ بعضهم وكان فيهم من هو مظلوم و منهم ~~من هو متعبد وكان غلام خليل فيه عبادة وزهد وفيه نوع قلة معرفة أيضا ولهذا ~~يقال إنه كان يضع الأحاديث في الفضائل وهذا قد بسطه أبو سعيد بن الأعرابي ~~وغيره ذكر ذلك مختصرا # وذكر أبو سعيد أن النوري لما رجع سأله أصحاب الجنيد عن الفرق الذي بعد ~~الجمع ما علامته وما الفرق بينه وبين الفرق الأول # قال فسألوه عن هذا المعنى لا أدري بهذا اللفظ أم بغيره إلا أني قد حفظت ~~المعنى و أثبته PageV02P742 # قال و كنت إذا مررت به بالرقة سنة سبعين قال من بقي من أصحابنا فأخبرته ~~فسألني عن جماعة ثم سألني عن الجنيد وما يتكلم فيه ومن يجتمع إليه فأخبرته ~~وقلت إنهم يشيرون إلى شيء يسمونه الفرق الثاني و الصحو فقال لي اذكر لي ~~شيئا منه فذكرت له بعض ما كنت أظنه فضحك ثم قال لي أي شيء تقول في هذا ابن ~~الجلحي فقلت ما أجالسهم فقال فأبوا أحمد القلانسي فقلت مرة يوافقهم وربما ~~خلافهم إلى معاني الجمع فقال أي شيء تقول أنت فقلت ما عسى أن أقول أنا ولكن ~~ما تقول في هذا يا أبا الحسين فإني أحب أن أسمع منك في هذا خاصة شيئا فقال ~~لا أو تقول أنت فتحملني حرصي على أن أسمع منه إن قلت أن قلب ما كان عندي في ~~ذلك الوقت أنا أحسب يا أبا الحسين أن هذا الذي يسمونه فرقا ثانيا هو عين من ~~عيون الجمع يتوهمون به أنهم قد خرجوا عن الجمع و إنما هو أحد PageV02P743 ~~عيون الجمع فقال هو كذلك أنت إنما سمعت هذا من أبي أحمد القلانسي ms167 فأخبرته ~~أني ما سمعته من أبي أحمد فلما قدمت بغداد حدثت أبا أحمد بذلك # وقد كان أبو أحمد يعارضه بذلك ولا يقطع به وربما وافقهم فأعجبه قول أبي ~~الحسين وكذلك كان عند أبي الحسين # فأما أبو أحمد فربما قال هو صحو و خروج عن الجمع وربما قال هو شيء من ~~الجمع # ثم قال أبو الحسين ببغداد لما شاهدهم ليس هو عين من عيون الجمع ولا صحوا ~~من الجمع وفرقا ثانيا ولكنهم رجعوا إلى ما يعرفون و حملوا الشيء على عقولهم ~~فهم يسددون بجهلهم ليس معهم مما يذكرون إلا هذا العلم وهذا الوصف و كأنهم ~~قد اصطلحوا عليه وكان يومئ إلى أنهم يتكلمون من غير حقيقة و إنما هو شيء ~~يأخذه بعضهم عن بعض فيزيد بعضهم من بعض بقدر فصاحتهم في العبارة دون ~~PageV02P744 الحقيقة ولهذا كان قوله أول ما قدم بغداد # قال أبو سعيد ثم باتوا معه ليلة لم أكن معهم كان ابن عطاء وريم فأقبل ابن ~~عطاء يسأله فإذا أصابه بشيء عكسه عليه ابن عطاء ثم يسأله عما ينشئه فإذا ~~أجابه قال هذا ضد الجواب الأول يا أبا الحسين قياسا و تشبيها فكان منه إليه ~~كلام فيه جفاء وكذلك فعل أيضا فقالوا إنه يقول الشيء و ضده ولا يعرف هذا ~~القول سوفسطا ومن قال بقوله وكان بينهم وحشة بذلك وكان يكثر منهم التعجب ~~وقالوا للجنيد ذلك فأنكر عليهم حينئذ وقال لا تقولوا مثل هذا لأبي الحسين ~~ولكنه رجل به علة قد تغير دماغه ثم إنه انقبض عن جميعهم بعد تلك الليلة و ~~أظهر لمن اتهمه منهم الجفاء و ترك مجالستهم ثم غلبت العلة و ذهب بصره ولزم ~~الصحاري و الجبانات و المقابر وكانت له في ذلك أحوال طويلة كثيرة يطول ~~شرحها و ذكرها # قال ولم أحضره عند موته وكان جماعة من أصحابنا يقولون من PageV02P745 رأى ~~أبا الحسين بعد قدومه الرقة ولم يكن رآه قبل ذلك فكأنه لم يره لتغيره بعد ~~قدومه إلا أنه مات وهم عنده يتكلون في شيء سكوتهم ms168 عنه أولى بهم لأنه ليس ~~شيئا عندهم يعرفونه و إنما يتوهمون فيتكهنون فيه و يتعسفون بطولهم وقد ~~كانوا عند غير قبره ممن لا أسميه كذلك قال أبو سعيد فإذا كان أولئك كذلك ~~فكيف بمن حدث بعدهم ممن أخذ عنهم # قال و منعني من الطبقة التي كانت بعد هؤلاء أشياء كثيرة إلا أن جملة ذلك ~~و إن كانوا قوما صالحين فاضلين فما يدرون ما كان يقول أولئك في هذه المعاني ~~التي أشرنا إليها ولا ما كانوا يشيرون إليه إلا بالتوهم و البلاغات و ذكر ~~كلاما طويلا # قلت الصوفية بعد هؤلاء هم على هذا الاضطراب # منهم من قال بالفرق الثاني كالجنيد و أصحابه و هؤلاء هم المصيبون ~~المسددون # و منهم من نفاه # و منهم من تردد فيه PageV02P746 # و منهم من قال إنه أكبر من المتكلم فيه و سبب ذلك أن الإنسان يشهد أولا ~~الفرق حسه و عقله و هواه من غير نظر إلى أن الله خالق كل شيء وهذا هو الفرق ~~الأول فإذا توجه إلى الله رأى أن الله تعالى خالق كل شيء وربه و مليكه كل ~~ما في الوجود بمشيئته و قدرته وهذا شهود صحيح بحيث يغيب عن نفسه وعن غيره و ~~يفنى بمشهوده عن شهوده و بمذكوره عن ذكره و بمعروفه عن معرفته فلا يبقى ~~ناظرا إلا إلى توحيد الربوبية وهو أن الله خالق كل شيء # و هذا المشهد ليس فيه تفريق بين المأمور و المحظور ولا بين المعروف و ~~المنكر ولا بين أوليائه و أعدائه ولا بين المؤمنين والكفار ولا بين ما ~~يلائم الإنسان و ما يخالفه وهذا لا يتصور أن يدوم بقاء العبد فيه فإن نفسه ~~لا بد أن تفرق بين ما يلائمها وبين ما يضرها كما تفرق بين الخبز و التراب ~~وبين الماء و البول لكن من قال بأن الفناء هو الغلبة منهم من جعل ذلك نزولا ~~من العبد من عين الجمع إلى الفرق و منهم من يقول بل القيام بالفرق هو لصلاح ~~العامة لا لنفسه و ms169 منهم من يسمي هذا تلبيسا ويقول هذا للأنبياء وربما قال ~~الفرق لأجل المارستان يصلح به العامة الذين هم كالمجانين # قد يقول هؤلاء الكمال أن يكون الجمع في قلبك مشهودا PageV02P747 و الفرق ~~في لسانك موجودا و أن يكون باطنك حقيقة و ظاهرك شريعة # و منهم من يقول الفرق بين هذه الأشياء الضرورية التي لا بد منها للإنسان ~~بخلاف غيرها # و منهم من يقول هذا الفناء و الاصطلام ليس هو الغاية بل هو مقام عال لا ~~بد للسالك من سلوكه إياه ومن لم يقم فيه لم يصل إلى حقيقة المعرفة # وهذا غلط فإن هذا من عوارض الطريق لا من لوازمه فإن حاصله عدم شهود ~~الحقائق على ما هي عليه وهذا نوع من نقص الشهود و العلم و رؤية الأمر على ~~ما هو عليه # ولكن يعرض لبعض المتوجهين إذا رأى أن الله خالق كل شيء يجمع في رؤيته هذا ~~ولم يشهد الفرق فإنه سبحانه و إن خلق الأشياء كلها بمشيئته و قدرته فقد أمر ~~بطاعته و نهى عن معصيته وهو PageV02P748 يحب ما أمر به و يبغض ما نهى عنه ~~وهذا هو الفرق الشرعي ليس هو الفرق الطبعي وهذا الفرق فرض على كل مسلم لا ~~يكون مؤمنا إلا به وصاحب هذا يشهد أن لا إله إلا الله فيعلم أن الله تعالى ~~هو المعبود دون ما سواه و أنه أرسل الرسل يأمرون الناس بطاعته و ينهونهم عن ~~معصيته # ومن لم يشهد هاتين الشهادتين لم يكن مسلما وأما مجرد رؤية الله خالق كل ~~شيء فهذا ما كان يقر به المشركون عباد الأصنام فمن وقف في الجمع لا يفرق ~~بين مأمور و محظور لم يكن مسلما فضلا عن أن يكون وليا لله تبارك وتعالى لكن ~~هؤلاء يقولون نحن نثبت الفرق العائد إلى حظ الإنسان بأن فعل المأمور سبب ~~للثواب وفعل المحذور سبب للعقاب و الثواب و العقاب حظ للعبد و الكامل ~~PageV02P749 الخالي عن حظوظه الذي لا يريد إلا ما يريد ربه هو صاحب الفناء ~~وهو الذي لا ms170 يستحسن حسنته ولا يستقبح سيئته فالفرق لا يعود إلى الله تعالى ~~ولا إلى صاحب الفناء # و أصل غلط هؤلاء أنهم لم يثبتوا لله تعالى إلا الإرادة العامة المتناولة ~~لكل مقدور # و معلوم أنه لو كان الأمر كذلك لكان الفرق سببا بالنسبة إلى الله تعالى ~~لكن هذا غلط من المثبت لملة إبراهيم ودين الرسل كما بسط في غير هذا الموضع # و كثير من هؤلاء التبس عليهم هذا الموضع وهم متناقضون فيه فإن الجمع ~~العام لا يتصور أن يقوم فيه أحد دائما بل لا بد أن كان مسلما أن يوجب ما ~~أوجبه الله و رسوله و يحرم ما حرمه الله و رسوله وإلا لم يكن مسلما فلا بد ~~من فرق بحسب دينه و إن لم يكن له دين فرق بحسب هواه وطبعه فمن لم يفرق فرقا ~~رحمانيا فرق فرقا نفسانيا و شيطانيا PageV02P750 ومن لم يفرق فرقا شرعيا ~~فرق فرقا طبعيا # وقول أبي سعيد بن الأعرابي ومن وافقه إن هذا الفرق عين من عيون الجمع ~~يتوهمون به أنهم قد خرجوا عن الجمع وإنما هو أحد عيون الجمع يعني به و الله ~~أعلم أن شاهد الفرق ما أمر الله به و نهى عنه مع مشاهدته لذلك و توحيد ~~الإلهية بأن يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله و محبته لما أمر ~~الله به و بغضه لما نهى الله عنه فهو يشهد أن الله رب ذلك كله و أنه الذي ~~جعل المسلم مسلما و جعل آل إبراهيم أئمة يدعون إلى الخير و آل فرعون أئمة ~~يدعون إلى النار فهو في هذا الفرق يشهد الجمع و يشهد مع ما قام بقلبه من ~~الفرق بين المأمور و المحظور أن الله خالق كل شيء و ربه و مليكه و أنه هو ~~الذي جعله يعبده و يطيعه وهو المان عليه بذلك لا يكون كمن يشهد الفرق بين ~~الطاعة و المعصية ولم يشهد أن الله هو الذي من عليه بالطاعة ويسرها عليه ~~فشهوده الجمع بلا فرق ms171 يورث تعطيل الأمر و النهي حتى لا يستحسن حسنة ولا ~~يستقبح سيئة و شهود الفرق بلا جمع يورث تعطيل التوكل PageV02P751 و الشكر و ~~يورث العجب و تعظيم النفس و كلاهما نقص عما تحت الجمع من عبودية الله تعالى ~~ومن تحقق قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فلا بد من الفرق في عين ~~الجمع ومن الجمع في شهود الفرق # و أيضا فإن الله تعالى مع خلقه لكل شيء بمشيئته و قدرته فهو يحب ما أمر ~~به و يرضاه و يبغض ما نهى عنه و يسخطه فلا بد مع شهود المشيئة العامة من ~~شهود المحبة و الرضى الخاص و كثير من الناس القدرية و الجهمية الجبرية ومن ~~دخل معهم في التصوف جعلوا الإرادة نوعا واحدا و جعلوها هي المحبة و الرضى # قالت القدرية و الله لا يحب الكفر و الفسوق و العصيان فيكون في ملكه ما ~~لا يشاء ولم يخلقه # وقالت الجهمية بل كل ما وقع فهو بمشيئة الله تعالى PageV02P752 و المشيئة ~~هي الإرادة وهي المحبة و الرضى فكل ما وقع فإنه يحبه و يرضاه ولكن يريد ~~ويحب و يرضى المأمور به مأمورا به دينا يثيب عليه ويريد و يحب و يرضى ~~المنهي عنه منهيا عنه معاقبا عليه # فالفرق بينها يعود إلى أنه يريد ويحب ويرضى أن ينعم هؤلاء ويعذب هؤلاء من ~~غير فرق يعود إليه ولا يحب بعض المخلوقات ويبغض بغضا كما لا يشاء بعضها دون ~~بعض فعنده لا يحب بعض المخلوقات دون بعض # والجهمية الجبرية والقدرية المعتزلة ومن وافقهم مشتركون في أنه ليس بين ~~المأمور والمحظور فرق يعود إلى الرب تعالى والقائلون بالجمع من غير فرق ~~يشاركون هؤلاء ورأوا أنه لا فرق بالنسبة إلى الرب تعالى ولكن الفرق يعود ~~إلى العبد من حيث إن أحد العملين يقتضي حصول لذة له والآخر يقتضي حصول ألم ~~له وهذا من حظوظ العباد # ثم قال غلاة هؤلاء وهذا الفرق من العبد نقص لأنه فرق يعود إلى نفسه ~~فالعبد له سعي في حظ النفس وأما الكمال ms172 فهو أن يفنى PageV02P753 العبد ~~بمراداته جملة ولا يبقى له حظ و أن لا يشهد إلا ربه و إرادة الرب عز وجل ~~عندهم هي المشيئة المتناولة لكل شيء وهي المحبة و الرضى عندهم ولهذا قالوا ~~إنه حينئذ لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة # و معلوم بالاضطرار من دين الرسل أن هذا ليس بمجرد ولا حال الأنبياء و ~~الأولياء بل هم متفقون على استحسان ما أحبه الله تعالى واستقباح ما نهى ~~الله عنه و الحب في الله و البغض في الله و ذلك أوثق عرى الإيمان # فصار العالم منهم بخلق الله تعالى و أمره و شرعه وقدره الذين يفرقون بين ~~مشيئة الله و محبته و رضاه كالجنيد و نحوه يقولون بالفرق الثاني و الذين لا ~~يثبتون إلا المشيئة العامة لا يقولون بالفرق الثاني و آخرون يترددون فتارة ~~يشهدون المشيئة العامة فقط ولا يقولون بالفرق و تارة يثبتون محبة الله ~~تعالى و رضاه فيقولون بالفرق الثاني PageV02P754 # و القول بهذا الفرق لا ينافي الجمع العام فإن مشيئة الله تعالى متناولة ~~لكل شيء وما وجد شيء محبوب أو مكروه فالمشيئة متناولة له فلهذا صار منهم من ~~يقول إن هذا الفرق عين من عيون الجمع و إن أحدا لا يخرج من الجمع الذي هو ~~المشيئة العامة فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن و إنما يرى الخروج ~~من هذا المعتزلة و نحوهم من المكذبين بالقدر القائلين أن يكون في ملكه ما ~~لا يشاء و أنه لا يقدر على هدى ضال ولا ضلال مهتد و نحو ذلك # و هؤلاء ضلوا في مسألة القدر كما ضلت بها المعتزلة فالمعتزلة كذبوا ~~بالقدر رعاية للأمر و النهي و هؤلاء أبطلوا الأمر و النهي رعاية للقدر # وهؤلاء يحتجون بقصة آدم و موسى و احتجاجهم عليه بالقدر PageV02P755 وهو ~~حجة داحضة فإن الله قد عاتب إبليس و أهبط آدم من الجنة وأهلك قوم نوح و ~~عادا و ثمود و غيرهم ولو كان القدر عذرا لم يعاقب كافرا و آدم تاب ms173 من الذنب ~~فلو كان محتجا بالقدر لم يتب # و صار آخرون يتكلمون على حديث موسى بتأويلات فاسدة كقول بعضهم إن هذا ~~الاحتجاج كان في غير دار التكليف كما ذكره هذا الضال # فيقال لهؤلاء الإحتجاج بالقدر لا يسوغ في دار تكليف ولا غيره فإنه قول ~~باطل وقول الباطل لا يسوغ بحال # و أيضا فموسى قد لام آدم فكيف يقع الملام في غير دار تكليف و تناظرا و ~~تحاجا و دار السلام منزهة عن الحجاج و الخصام # وقال بعضهم إنه كان أباه فما كان ينبغي له لوم أبيه PageV02P756 # وقال بعضهم كان تائبا و التائب لا يلام # وقال بعضهم كان الذنب في شريعة واللوم في أخرى # و هذا كله باطل فإن الحديث فيه أن آدم احتج بالقدر وقال لم تلوموني على ~~أمر قدره الله علي قبل أن أخلق فحج آدم موسى # و سبب هذا الغلط أنهم فهموا من الحديث أن آدم جعل القدر حجة للمذنب وهو ~~غلط قبيح على هو دون آدم و موسى فكيف عليهما # وهذا آدم يقول @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا @QE@ الآية # و موسى يقول @QB@ رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي @QE@ # و يقول @QB@ أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا @QE@ الآية PageV02P757 # و كيف يجوز لمثل هذين النبيين الكريمين أنهما يجوزان هذا وعوام الناس ~~يعرفون أن هذا باطل إلا من كان مصطلما قد سلب حقيقة العقل # و الذي يظن أن الله يسوي بين الذين آمنوا و عملوا الصالحات و المفسدين في ~~الأرض وبين المتقين و الفجار و بين المسلمين و المجرمين فإن الجمع في توحيد ~~الربوبية يتناول هؤلاء كلهم فإن لم يحصل مع ذلك فرق فالجمع بين أهل البر و ~~التقوى و يشهد القلب إلهية الرب التي يستحقها لأجلها أن يعبد دون ما سواه و ~~أن تطاع رسله كان مسويا بين هؤلاء # و لكن نكتة الحديث أن موسى لام آدم لأجل المصيبة التي لحقت الذرية من ~~أجله فإنه بسبب ذلك خرجوا من الجنة و صاروا في دار الشفاء و لهذا قال لماذا ~~أخرجتنا و نفسك ms174 من الجنة وكان لومه له لأجل المصيبة التي أصابتهم لا لمجرد ~~الذنب من جهة حق الله تعالى كما يقول الولد لوالده الذي أذهب ماله حتى ~~افتقر هو و أولاده أنت الذي PageV02P758 أذهبت هذا المال حتى صرنا فقراء و ~~احتجنا إلى الناس و أنت الذي نقلتنا إلى بلاد الغربة و نحو ذلك فقال له آدم ~~هذه المصيبة كانت مكتوبة عليك مقدرة قبل أن أخلق هي و سببها وهو الذنب فإنه ~~كان مكتوبا علي قبل أن أخلق بأربعين سنة # و العبد مأمور عند المصائب بالتسليم لله كما قال تعالى @QB@ ما أصاب من ~~مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه @QE@ # قال طائفة من السلف هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ~~و يسلم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح # ( ( المؤمن القوي خير و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص ~~على ما ينفعك و استعن بالله ولا تعجز و إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت ~~كذا لكان كذا و كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ~~) ) # وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ( إن الله يلوم على العجز ~~ولكن PageV02P759 عليا بالكيس فإن غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل ) ) ~~PageV02P760 # وقد قال الله تعالى لنبيه @QB@ فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك @QE@ ~~فأمره بالصبر على المصائب والاستغفار من الخطيئات # وكان الجنيد رحمه الله أفقه القوم و أعلمهم بالدين فلهذا بين الفرق ~~الثاني و أمر باتباع الأمر و لزوم الشرع و رعاية العلم بخلاف من لم يحقق ~~هذين الفرقين و اختطفه قدر فإنه قد يتعدى فيه إما حالا و أما مآلا مثل كثير ~~من الشيوخ الغالطين في هذا الباب # ثم انضم إلى ذلك أنه لم يفرق بين إرادة الله تعالى و محبته PageV02P761 و ~~رضاه بل يرى أن جميع الحوادث خيرها و شرها بالنسبة إليه سواه صادرة عن تلك ~~الإرادة و أنه لا يحب ms175 الحسنات و يرضاها إلا بمعنى أنه ينعم أهلها ولا يبغض ~~السيئات و يسخطها إلا بمعنى تعذيب أهلها PageV02P762 # و رأى أن هذا الفرق يعود إلى المخلوق لا إلى الخالق فهذا إذا رأى ~~PageV02P763 أن في كمال العبودية فناء عن إرادته و أنه لا يريد إلا ما ~~يريده الحق و عنده ليس له إرادة إلا هذه لزم من هذا أنه لا يستحسن حسنة ولا ~~يستقبح سيئة ما دام هذا الفناء لكن دوامه فيه ممتنع لأن العبد مجبول على حب ~~ما يلائمه و بغض ما ينافيه فإن لم يشهد ما يتصف به الرب سبحانه من الحب و ~~البغض و الرضا و السخط فيحب ما يحبه الله و يبغض ما يبغضه و يرضى ما يرضاه ~~و يسخط ما يسخطه الله وإلا فرق باعتبار نفسه فيحب و يبغض لمجرد ذوقه ووجده ~~و حبه و بغضه لا بحب الله و بغضه و أمره و نهيه فإن هذه الحقيقة تخالف ~~الشريعة و يجعلون القيام بها لأجل الظاهرة و العامة لا من حقيقة شهودها ~~الخاصة و يسمون هذا تلبيسا وهو مقام الأنبياء وهذا من أغاليط كثير من ~~الشيوخ وهو في الحقيقة خروج عن ملة إبراهيم وغيره من الرسل و بالله التوفيق ~~وهو حسبنا و نعم الوكيل و صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه و سلم ~~سنة ( 1326 ) PageV02P764 ms176