######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000385 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإستغاثة في الرد على البكري #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الردود :: كتب العقائد والملل #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الإستغاثة في الرد على البكري #META# 030.LibURI :: JK_000385 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبدالله بن محمد السهلي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الوطن #META# 044.EdPLACE :: الرياض #META# 045.EdYEAR :: 1417 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # بسم الله الرحمن الرحيم # وأما ما ذكره من تأويل الحديث فهو من جنس دين النصارى لا من جنس دين ~~المسلمين وبيان ذلك من وجوه # الأول قوله إن الله تعالى لتشريف رسوله والمقربين عنده خاطبهم تارة ~~بتنزيلهم منزلة نفسه في الأفعال وتارة نزل نفسه منزلتهم في الأفعال ~~والأوصاف وكلاهما تشريف عظيم # فيقال هذا كذب على الله وشرك به وهو من جنس أقوال PageV01P169 أهل الحلول ~~والاتحاد كالنصارى فليس في خطاب الله PageV01P170 المطلق تنزيل أحد منزلة ~~نفسه في الأفعال ولا تنزيل نفسه في الأفعال والأوصاف منزلتهم بل هو إله ~~واحد لا شريك له وكل من في السموات والأرض آتيه عبدا @QB@ لقد أحصاهم وعدهم ~~عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا @QE@ PageV01P171 ) سورة مريم 95 - 94 # ومن قال إن الرب منزل المخلوق منزلة نفسه في الأفعال أو ينزل هو منزلة ~~المخلوق في الأفعال والأوصاف فقد زعم أن الله سبحانه يجعل له ندا وأنه يقيم ~~المخلوق مقامه في الخلق والرزق والإحياء والإماته وإجابة الدعاء وكونه ~~معبودا وأنه يقوم مقام العبد في الصلاة والصيام والطواف وغير ذلك من أفعال ~~العباد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قال تعالى @QB@ أفمن يخلق كمن لا يخلق ~~أفلا تذكرون @QE@ سورة النحل 17 # ومن أخص أوصاف الرب التعالى القدرة على الخلق والاختراع فليس ذلك لغيره ~~أصلا حتى إن كثيرا من النظار المثبتين للقدر كالأشعري وغيره جعلوا هذا هو ~~أخص وصف الرب تعالى كما PageV01P172 @ جعل الجبائي وغيره من المعتزلة أخص ~~وصفه PageV01P173 @ القدم ومقصود المعتزلة أن لا يثبتوا له صفة قديمة ~~لامتناع المشاركة في أخص وصفه ومقصود أولئك المثبتين أن لا يشركه غيره في ~~الخلق وقد يقولون لا يشركه غيره في الفعل وهو قول من يقول العبد فاعل مجازا ~~لا حقيقة وهو كاسب حقيقة كما هو قول الأشعري ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب ~~مالك والشافعي وأحمد وهو في الأصل قول جهم بن صفوان وهو أول من عرف في ~~الإسلام أنه قال إن PageV01P174 @ العبد ليس بفاعل # لكن جمهور أهل السنة من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم ms001 يقولون إنه فاعل ~~حقيقة وجمهور هؤلاء يقولون إن فعله مفعول للرب بناء على أن الخلق غير ~~المخلوق كما هو قول الأكثرين وهو مذهب السلف وأهل الحديث والفقهاء # وأما من قال إن الفعل هو المفعول وأن فعل العبد فعل PageV01P175 @ الرب ~~ولم يفرق بين الفعل والمفعول فيلزمه لوازم تبطل PageV01P176 @ قوله كما قد ~~بسط في غير هذا الموضع # وبين أن القدرة على الاختراع من خصائص الرب وأخص وصف الرب ليس هو صفة ~~واحدة بل علمه بكل شيء من خصائصه PageV01P177 @ وقدرته على كل شيء من ~~خصائصه وخلقه لكل شيء من خصائصه والمقصود هنا ما يتعلق بكلام هذا الرجل ~~الذي ضاهى المشركين الحلولية من النصارى وغالية الشيعة وجهال الصوفية ~~PageV01P178 @ حيث قال إن الله تعالى ينزل المقربين منزلة نفسه تارة وينزل ~~نفسه منزلتهم في الأفعال والأوصاف تارة فإن هذا كلام مخالف لدين ~~PageV01P179 @ المسلمين وسنبين جهله وخطأه فيما تأوله على ذلك من القرآن ~~والحديث # فتقول أما قوله تعالى @QB@ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله ~~فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله ~~فسيؤتيه أجرا عظيما @QE@ سورة الفتح 10 فليس فيها أن نفس الفعل القائم ~~بالرسول ومخاطبته لهم ومد يده لمبايعتهم هو نفس فعل الله ومخاطبته ومبايعته ~~بل فيها أن من بايع الرسول فقد بايع الله كما قال تعالى @QB@ من يطع الرسول ~~فقد أطاع الله @QE@ سورة النساء 80 # وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من أطاعني فقد أطاع ~~الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد ~~عصاني PageV01P180 @ فطاعة أميره طاعته ومعصية أميره معصيته لأنه أمر بطاعة ~~أميره ونهى عن معصيته وطاعته طاعة لله لأن الله أمر بطاعته فمن أطاعه فقد ~~أطاع الله لأن الله أمر بامتثال ما أمر به لا أن نفس الفعل القائم بأميره ~~نفس فعله ولا نفس فعله هو نفس فعل الرب تعالى # واعلم أن من قال من النظار إن أفعال العباد كلها فعل الله فلا فرق ms002 عندهم ~~بين أفعال المؤمنين والكفار والبهائم وحركات الجمادات فإن مرادهم أن كل ما ~~سوى الله فهو فعله أي مفعوله وعلى قول هؤلاء فلا فرق بين فعل الرسول وغيره ~~وليس في كون الله خالقا لشيء تفضيل لذلك المخلوق على غيره فإن الله خالق كل ~~شيء # كذلك على قول الجمهور الذين يقولون إن أفعال العباد مفعولة له مخلوقة له ~~ليست فعله بل هي فعل الفاعلين والله تعالى خالق الفاعل وفعله فعلى القولين ~~لا فضيلة في ذلك لمخلوق على مخلوق فلا تظن أن في هذا تشريفا لمقرب لا رسول ~~ولا غيره PageV01P181 @ # وهذا مما يبين به خطأ هؤلاء الجهال الذين لا يفرقون بين ما خلقه الله ~~وقدره وما أمر به وفرضه فجعل الله تعالى مبايعة الرسول مبايعة لله وطاعة ~~الرسول طاعة لله ليس من جهة خلق الله أفعال العباد والقيومية الشاملة ~~للمخلوقات فإن كونه خالقا لكل شيء وكونها بمشيئته وقدرته ليس فيها تفضيل ~~مخلوق على مخلوق إذ التفضيل إنما يكون بما به الاختصاص لا بما يشترك الجميع ~~فيه # ومن جعل مبايعة الرسول مبايعة لله لأجل أن الله خالق كل شيء نظرا منه إلى ~~القيومية الشاملة لكل مخلوق لزمه أن يكون من بايع الكفار والفساق مبايعا ~~لله لأن الله خالق كل شيء فيكون هؤلاء قد PageV01P182 @ جعلوا مبايعة خاتم ~~الرسل صلى الله عليه وسلم كمبايعة فرعون وأمثاله من المشركين وهذا يقع فيه ~~كثير ممن يلحظ القيومية الشاملة العامة المتناولة لكل مخلوق وهؤلاء من أكفر ~~الخلق ويجعلون هذا منافيا للأمر والنهي وهم من جنس الذين قالوا @QB@ لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا @QE@ إلى قوله @QB@ قل هل عندكم من علم فتخرجوه ~~لنا إن تتبعون إلا الظن @QE@ سورة الأنعام 148 # فإن هؤلاء إنما يتبعون أهواءهم ولا يتكلمون بعلم فإن قولهم في غاية ~~المناقضة فإن الواحد من هؤلاء إذا آذاه غيره أو ظلمه قابله وعاقبه ولا ~~يمكنه أن يعذره بالقدر ومشاهدة القيومية كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا ~~الموضع # وجهة تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم من ms003 جهة كون الله تعالى أرسله مبلغا ~~لأمره ونهيه مبينا لما يحبه ويرضاه وما يبغضه ويسخطه فما أمر به الرسول ~~فالله أمر به وما نهى عنه فالله نهى عنه ومن بايعه PageV01P183 @ فعاهده ~~وعاقده على أن يطيعه في الجهاد إذا أمر به وعلى أن لا يفر وعلى أن يقاتل ~~حتى يموت كما بايعه المسلمون تحت الشجرة فهم معاهدون لله معاقدون له على ~~طاعته فيما أطاعوا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك الذين بايعوه قبل ~~ذلك ليلة العقبة لما بايعه الأنصار ولهذا قال تعالى @QB@ واذكروا نعمة الله ~~عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا @QE@ سورة المائدة 7 ~~فسمعهم وطاعتهم لما أمرهم ومعاهدتهم على ذلك هو سمع وطاعة لله تعالى ~~ومعاهدة له وعهد الله إلى خلقه هو أمره ونهيه الذي بلغته رسله # والتخصيص والتفضيل يظهر في الوفاء به ومتابعة الرسل ولهذا قال تعالى @QB@ ~~وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم @QE@ سورة البقرة 40 أي PageV01P184 @ أوفوا بأمري ~~أوف بوعدكم الذي وعدتكم فإن المعاهدة والمبايعة تتضمن المعاوضة من الجانبين ~~فهم إذا أوفوا بما عاهدوا الله عليه من الطاعة وفى الله تعالى بما عاهد ~~عليه من الأجر والثواب كما قالت الأنصار لما قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ~~اشترط لربك ولنفسك ولأصحابك فقال أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ~~لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أبناءكم ونساءكم ولأصحابي أن تواسوهم ~~قالوا فإذا فعلنا ذلك فمالنا قال لكم الجنة قالوا أمدد يدك فو الله لا ~~نقيلك ولا نستقيلك PageV01P185 @ # فهم لما عاهدوه على هذا ليطيعوه فيه قد عاهدوا ربه عز وجل الذي أمرهم ~~بذلك والله تعالى هو الذي يوفي بعهدهم فيدخلهم الجنة # وفي الحديث الصحيح عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا ~~عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك ~~علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا ms004 أنت من قالها حين يصبح ~~مؤقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها حين يمسي موقنا بها فمات من ~~ليلته دخل الجنة # فقوله وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أي على ما عهدته إلينا PageV01P186 ~~@ من طاعتك وما وعدتنا به من ثوابك أمتثل أمرك وأرجو وعدك # ومن المعلوم أن الإنسان لو استناب نائبا ووكل وكيلا في عقود كبيع وإجارة ~~ومزارعة ونحو ذلك لكان المعاقد للوكيل معاقدا لموكله بحيث إن وفى للموكل ~~فقد وفى للوكيل وإن غدر بالوكيل فقد غدر بالموكل والموكل عليه أن يوفي بما ~~عاقد عليه الوكيل والوكيل إذا سمى موكله في العقد تعلقت حقوق العقد بالموكل ~~وهل يكون الوكيل ضامنا على قولين معروفين هما روايتان عن PageV01P187 @ ~~أحمد ومن قال إن حقوق العقد تتعلق بالوكيل كما يحكى عن أبي حنيفة يقول إنها ~~بعد ذلك تنتقل إلى الموكل ولهذا تنازعوا في المسلم إذا وكل ذميا في شراء ~~الخمر فقال الجمهور لا يصح لأن الملك يحصل للموكل والمسلم ليس له أن يملك ~~الخمر وأبو حنيفة يقول ملكها الذمي ابتداء ثم دخلت في ملك المسلم ضرورة ~~كالميراث وعلى كل تقدير فمآل الأمر إلى الموكل # ومع هذا ففعل الوكيل متميز عن فعل موكله وكلامه متميز عن كلامه ليس أحدهم ~~هو الآخر ففعل المخلوق أشد مباينة لفعل الخالق من مباينة فعل مخلوق لمخلوق ~~فإذا كان مبايعة الوكيل مبايعة للموكل مع تميز الفعلين فالتمايز في الخالق ~~أولى ولو أرسل مرسل رسولا إلى شخص ليعاقده عقدا من العقود هدنة أو نكاحا أو ~~غير ذلك لكانت معاهدة الرسول معاهدة لمرسله مع تميز أحمد الفعلين عن الآخر ~~ومع كون المرسل والرسول من جنس واحد ومع أنه يمكن أن يقيم الموكل وكيله ~~مقامه في عامة أفعاله لأن الوكيل يفعل مثلما يفعله موكله PageV01P188 @ # وأما الرب تعالى فيمتنع أن يفعل أحد مثل فعله ويمتنع أن يستخلف أحدا يقوم ~~مقامه في فعله فإنه سبحانه خالق فعل ذلك الشخص وهو سبحانه شاهد لا يغيب # وهذا موضع غلط فيه طائفة من الناس فظنوا أن ms005 الله يستخلف أحدا عن نفسه ~~وادعى بعضهم أن آدم خليفة عن الله في الأرض يقوم مقامه وأنه جمع له حقائق ~~أسمائه الحسنى قالوا وهو معنى تعليمه الأسماء كلها وهذا قول أهل الحلول ~~والاتحاد كابن عربي صاحب PageV01P189 @ الفصوص وأمثاله من أهل الإلحاد # وهذا جهل وكفر فإن الله تعالى هو الذي يخلق كل شيء ويدبر أمر السماء ~~والأرض وهو خالق آدم كما هو خالق سائر المخلوقات وهو شاهد لا يغيب # والمخلوق يستخلف مخلوقا عن نفسه لعجزه أو جهله أو مغيبه وأفعال الخليفة ~~عن غيره يفعلها بنفسه لا يحدثها الذي استخلفه # والله تعالى على كل شيء قدير وهو بكل شيء عليم وهو شاهد لا يغيب وهو الذي ~~يخلق كل شيء فالعبد يستخلف ربه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا ~~سافر اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم اصحبنا في سفرنا ~~واخلفنا في أهلنا PageV01P190 @ # فإن المقيم هو الذي يدبر أمر بيته فإذا سافر سأل الله تعالى أن يخلفه ~~فيهم # وكما روى أنه سمع يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم قائلا يقول إن في ~~الله عزاء من كل هالك وعوضا من كل مصيبة وخلفا من كل ما فات فبا لله فثقوا ~~وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب PageV01P191 @ # وكذلك العبد يخلف العبد في أهله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من جهز ~~غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا PageV01P192 @ # وقال صلى الله عليه وسلم في قصة ماعز أو كلما نفرنا في الغزو خلف أحدهم ~~له نبيب كنبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة من اللبن إن الله أمكنني من أحدهم ~~لأجعلنه نكالا ومنه قوله تعالى @QB@ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض @QE@ سورة ~~الأنعام 165 أي يخلف بعضكم بعضا وكما قال تعالى @QB@ وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم @QE@ ~~سورة النور 55 وقوله تعالى @QB@ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر ~~كيف تعملون @QE@ سورة يونس 14 # وداود عليه السلام جعله ms006 الله خليفة عمن كان قبله كما جاءت PageV01P193 @ ~~بذلك الآثار ومنه قوله تعالى @QB@ ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض ~~يخلفون @QE@ سورة الزخرف 60 وقد قيل إن من هنا للبدل أي بدلا منكم كما ~~قالوا في قوله @QB@ قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن @QE@ سورة ~~الأنبياء 42 أي بدلا من الرحمن وأنشدوا # ( فليت لنا من ماء زمزم شربة % مبردة باتت على طهيان ) # قالوا معناه بدلا من ماء زمزم وفي حديث أبي سعيد الذي رواه مسلم في صحيحه ~~إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون فاتقوا ~~الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء PageV01P194 ~~@ # والمقصود هنا أن المخلوق يمكن أن يقيم مقامه من يفعل مثل فعله وأما الرب ~~سبحانه تعالى فهذا ممتنع في حقه ممتنع لذاته أن يكون غير الله مماثلا له في ~~ذاته أو صفاته أو أفعاله فإن المثلين يجوز على أحدهما ما جاز على الآخر ~~ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه والرب حي قيوم غنى صمد واجب ~~بنفسه قديم بنفسه PageV01P195 @ مستحق لصفات الكمال بنفسه ممتنع اتصافه ~~بنقائضها فإن كماله من لوازم ذاته الواجبة الوجود بنفسها التي يمتنع عدمها ~~أو عدم شيء من لوازمها والمخلوق يجب أن يكون معدوما محدثا فقيرا فلو تماثلا ~~للزم أن يكون كلا منهما واجب الوجود واجب العدم قديما محدثا غنيا بنفسه ~~فقيرا بنفسه وذلك جمع بين النقيضين وإذا كان المخلوق الذي PageV01P196 @ ~~يرسل من يماثله لا يكون فعله هو فعله فالخالق الذي يرسل بعض عباده أبعد أن ~~يكون فعله هو فعله حتى تكون نفس بيعة الرسول نفس بيعة المرسل وإذا كان ~~خالقا لذلك الفعل وغيره من المخلوقات فهو بهذا الاعتبار لا اختصاص له والله ~~تعالى قال @QB@ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله @QE@ سورة الفتح 10 # فإن محمدا رسول الله وبيعته عن مرسله ليست بيعة لنفسه والجزاء على مرسله ~~ولهذا قال @QB@ ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما @QE@ سورة ~~الفتح 10 # وأما استشهاده بقوله تعالى ms007 @QB@ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى @QE@ ~~سورة الأنفال 17 فمن هذا الجنس وهو قد سبقه إلى هذا المعنى الذي توهمه ~~طائفة من الجهال وذلك أن الله لم يضف الرمي هنا إلى نفسه لمجرد كونه خالقا ~~لأفعال العباد فإن هذا قدر مشترك بين رمي النبي وسائر أفعاله غير الرمي ~~وبين رمي غيره من الناس وبين أفعالهم فأفعال العسكرين يوم بدر خلقها الله ~~كما خلق سائر أفعال الحيوان ولو جاز أن يقال إن الله رمى لكونه خلق ~~PageV01P197 @ حركة العبد لقيل أنه يكر ويفر ويركب ويعدو ويصوم ويطوف ونحو ~~ذلك لكونه يخلق ذلك # وقد روى أن المحاصرين لعثمان رضي الله عنه كانوا يرمونه بالحجارة فقال لم ~~ترموني بالحجارة فقالوا لم نرمك ولكن الله رماك قال كذبتهم لو أو رماني ~~الله أصابني وأنتم ترمونني ولا تصيبونني وهو صادق في ذلك فإن الله لما رمى ~~قوم لوط وأصحاب الفيل أصابهم ولكنهم هم رموا عثمان # والله تعالى قال @QB@ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى @QE@ سورة الأنفال ~~17 لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من تراب وغيره فرمى بها المشركين ~~فأصابت عيونهم وهزمهم الله بها ولم يكن في قدرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك بل الله تعالى أوصل ذلك إليهم والرمي له طوفان PageV01P198 @ حذف ~~بالمرمي ووصول إلى العدو ونكاية فيهم والنبي صلى الله عليه وسلم فعل الأول ~~والله فعل الثاني والمعنى ما أوصلت الرمي إذ حذفته ولكن الله أوصله وهزمهم ~~به فالذي أثبته الله لنبيه غير الذي نفاه عنه وقد أثبت له رميا بقوله @QB@ ~~إذ رميت @QE@ ونفى عنه رميا بقوله @QB@ وما رميت @QE@ فكان هذا غير هذا ~~لئلا يتناقض الكلام # ولو كان المراد كما ظنه هذا وأمثاله ممن يحتج بهذه الآية على أن ~~PageV01P199 @ الله خالق أفعال العباد ويضحك المعتزلة وغيرهم من القدرية ~~عليه إذا احتج بهذه الآية ولو كان هذا المراد لساغ أن يقال مثل هذا في جميع ~~أفعال العباد فيقال ما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب وما طفت إذ طفت ولكن ms008 ~~الله طاف وما أكلت إذ أكلت ولكن الله أكل ولكان يقال لكل من رمى بقوس ما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى ويقال للكفار إذا رموا المسلمين PageV01P200 @ ~~ما رميتم ولكن الله رمى وأشباه هذا مما لا يقوله مسلم ولا عاقل # ثم إن الله تعالى ذكر هذه الآية لبيان نعمته على نبيه وعلى المؤمنين يوم ~~بدر وما أيدهم به من النصر فلو أريد كونه خالقا لفعله لكان هذا قدرا مشتركا ~~بين جميع الناس بل لا بد أن يكون لرميه خاصة يعجز عنها الخلق فعلها الله ~~تأييدا لنبيه ونصرا له وإنعاما عليه وعلى المؤمنين # فتبين أن هذه الآية حجة عليه لا له كالأولى وأن الله تعالى فرق بين فعل ~~الخلق وفعل نفسه ولم ينزل أحدا منزلة نفسه في الأفعال # ومما يبين ذلك أن أفعال العباد لا يجوز أن تنفى عنهم باتفاق المسلمين من ~~قال إن الله خالقها ومن قال إن الله لم يخلقها لا يجوز أن يقال هذا ما أكل ~~ولا شرب ولا قعد ولا ركب ولا طاف ولا ركع ولا سجد ولا صام ولا سعى ولكن ~~الله هو الذي أكل وشرب وقعد وركب وطاف وركع وسجد وصام وسعى وسواء كانت ~~أفعالا محمودة أو مذمومة وسواء كانت سببا لخرق العادة أم لا فلا يقال إن ~~موسى ما ضرب بعصاه البحر ولا الحجر ولكن الله ضرب ولا يقال إن نوحا ما ركب ~~السفينة ولكن الله ركب ولا يقال إن المسيح ما ارتفع إلى السماء بل الله ~~ارتفع ولا يقال محمد صلى الله عليه وسلم PageV01P201 @ ما ركب البراق ~~وأمثال هذا # فالفعل المختص بالمخلوق لا يضاف إلى الله تعالى إلا على بيان أن الله ~~خلقه وجعل صاحبه فاعلا كقول الخليل عليه السلام @QB@ رب اجعلني مقيم الصلاة ~~ومن ذريتي @QE@ سورة إبراهيم 40 وكما قال @QB@ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك @QE@ سورة البقرة 128 قال تعالى @QB@ وجعلنا منهم أئمة ~~يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ سورة السجدة 24 وقال ~~تعالى @QB@ وجعلناهم أئمة يدعون ms009 إلى النار @QE@ سورة القصص 41 # ولا يقال إن الله يقيم الصلاة ويدعو إلى النار ولا أنه قد أسلم وقال ~~تعالى @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ~~@QE@ سورة المعارج 21 - 19 ولا يوصف الله بالهلع والجزع وجماع الأمر أن ~~الله لا يوصف بمخلوقاته وهذه هي أدلة السلف وأهل السنة على أن كلام الله ~~غير مخلوق قالوا PageV01P202 @ لأنه سبحانه لا يوصف بما خلقه في غيره فإذا ~~خلق في غيره حركة أو طعما أو ريحا أو لونا السواد والبياض لم يوصف بأنه ~~المتحرك بها ولا بأنه متروح أو أبيض أو أسود وإذا خلق في غيره سمعا وبصرا ~~وحياة أو قدرة لم يوصف بذلك وإذا خلق في غيره كلاما لم يوصف بأنه هو ~~المتكلم به ويعبرون عن ذلك بأن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك ~~المحل ولم يعد على غيره واشتق لذلك المحل منه اسم ولم يشتق لغيره فإذا خلق ~~في محل حركة أو علما أو قدرة كان ذلك المحل هو المتحرك العالم القادر لا ~~الخالق لتلك الصفة فيه # وأورد المعتزلة نقضا على هذا صفات الأفعال فقالوا هو عادل بعدل خلقه في ~~غيره # فأجاب أئمة السلف وجمهورهم بطرد الدليل بناء على أن الفعل غير المفعول ~~واستدل الإمام أحمد وغيره بقول النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بكلمات الله ~~التامات قالوا وهو لا يستعيذ بمخلوق وطرد هذا قوله اللهم PageV01P203 @ إني ~~أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك # فالنبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بمعافاته كما استعاذ برضاه وبكلماته ~~وهذا مذهب جمهور المسلمين أن الخلق غير المخلوق وهو PageV01P204 @ المنقول ~~عن السلف والأئمة كما ذكره البخاري في = كتاب خلق الأفعال = وهو الذي ذكره ~~البغوي صاحب = شرح السنة = وهو الذي ذكره الكلاباذي أنه اعتقاد PageV01P205 ~~@ الصوفية وهو قول الكرامية وكثير من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة وجمهور ~~أصحاب مالك والشافعي وأحمد لا من وافق PageV01P206 @ منهم الأشعري وغيره ~~الذين يقولون الخلق هو المخلوق كما اختاره ابن عقيل وغيره وهو أول قول ms010 ~~القاضي أبي يعلى ثم رجع عنه وهو اختيار أبي المعالي الجويني وغيره وهذا ~~مبسوط في PageV01P207 @ غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن الله لا يوصف بالمخلوقات ~~فلا يوصف بما خلقه في غيره من الصفات وإن كانت صفات كمال فكيف يوصف بما ~~خلقه في غيره من أفعال العباد وتجعل الأفعال القائمة بالمخلوقات صفات له ~~يشتق له منها أسماء فهذا مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول مناقض للقواعد ~~والأصول ولكن بعض من ناظر القدرية في هذا المقام انحرف كما PageV01P208 @ ~~انحرفوا وقابل باطلا بباطل ورد بدعة ببدعة # والذين يصفون الله ببعض المخلوقات صنفان صنف غلطوا في الصفات وصنف غلطوا ~~في القدر فالأول الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون إن كلام الله ~~مخلوق فوصفوه بما خلقه في غيره وكذلك يقولون رضاه وغضبه هو ما يخلقه من ~~الثواب والعقاب وإرادته خلقها لا في محل كما تقوله المعتزلة من البصريين ~~فيصفونه بمخلوقات بائنة عنه PageV01P209 @ والصنف الثاني الجهمية الجبرية ~~الذين قالوا إن أفعال العباد نفس فعله وفعله هو مفعوله كما يقوله الجهم بن ~~صفوان وأتباعه كالأشعري ومن وافقه وهؤلاء لم يثبتوا له فعلا قائما بنفسه ~~غير المخلوقات المباينة له فإذا كان خالق أفعال العباد لزم أن تكون هي فعله ~~ولا تكون فعلا لغيره وحينئذ فالصفات الفعلية التي يصفون بها الرب مثل كونه ~~خالقا ورازقا وعادلا إنما تتصف عندهم فيها بمخلوقاته وتتصف أيضا عندهم ~~بأفعال العباد كلها فالجهم بن صفوان أعظم الناس وصفا له بمخلوقاته في كلامه ~~وأفعال العباد وغير ذلك # والمعتزلة وافقوه في الكلام ونحوه من الصفات دون أفعال العباد ووافقوه في ~~فعله لغير أفعال العباد لكون أفعال العباد عندهم ليست فعلا له فالجهمية ~~والمعتزلة متفقون على أنه يوصف بمخلوقاته لكن المعتزلة عندهم هو خلق كلامه ~~ورضاه وغضبه وإرادته فيوصف بها ولم يخلق أفعال العباد فلا يوصف بها # وأما جهم فعنده أنه خلق الجميع فلزمه أن يوصف بالجميع والأشعري وافق جهما ~~في المخلوقات من أفعال العباد وغيرها دون PageV01P210 @ الكلام والإرادة ~~فإنهما عنده صفات تقوم ms011 بالله لكنه وافقه على أن المخلوق هو الخلق وهو يصفه ~~بالصفات الفعلية فوافقه على اتصافه بالمخلوق من هذا الوجه صار هو والمعتزلة ~~متقابلين هو ينكر عليه قولهم في الكلام والإرادة وأصاب في إنكاره عليهم وهم ~~ينكرون عليه قوله في أن أفعال العباد فعله وهم وإن أصابوا في هذا الإنكار ~~لكنهم ينكرون أن تكون مخلوقة لله وهذا منكر والأشعري يثبت للعبد قدرة محدثة ~~وكسبا ولكن يقول قدرته لا تأثير لها في المقدور PageV01P211 @ وما أثبته من ~~الكسب لا يتحقق الفرق بينه وبين الفعل فكأن حقيقة قوله في أفعال العباد هو ~~معنى قول جهم # وأما سلف وأئمة الفقهاء وأهل الحديث وجمهور المنتسبين إلى السنة وطوائف ~~من أهل الكلام من المرجئة والكرامية وغيرهم PageV01P212 @ فسلموا من هذه ~~الأقوال الفاسدة ولم يصفوا الله بمخلوقاته وإنما وصفوه بما يقوم به من ~~صفاته وأفعاله # وأما الحلولية الذين يصفونه ببعض أفعال المخلوقات كما تقوله النصارى في ~~المسيح والغالية في الأئمة والشيوخ والقائلون بالحلول العام كقول ابن عربي # ( وكل كلام في الوجود كلامه % سواء علينا نثره ونظامه ) # فهؤلاء فساد قولهم أظهر من هذا كله وقول هذا المتخلف يرجع إلى قول هؤلاء ~~وإن كان قد لا يلتزمه لو عرف أنه يلزمه # وأما الخبر الذي استشهد به من قوله استطعمتك فلفظه في = الصحيح = يقول ~~الله تعالى عبدي جعت فلم تطعمني فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول ~~أما علمت أن عبدي PageV01P213 @ فلانا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي عبدي ~~مرضت فلم تعدني فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن ~~عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده ) وهذا الخبر ليس فيه فعل للعبد ~~وإنما فيه جوعه ومرضه ولكن ظن أن لفظة استطعمتك وأنه جعل استطعام العبد ~~استطعام الرب وأيضا فالخبر مقيد لم يطلق الخطاب إطلاقا وإنما بين أن عبده ~~هو الذي مرض وهو الذي جاع وقال ? < لو أطعمته لوجدت ذلك عندي > ? ولم يقل ~~لوجدتني أكلته وقال لو عدته لوجدتني عنده ولم يقل لوجدتني إياه والحديث ~~خطاب مفسر مبين ms012 أن الرب ليس هو العبد ولا صفته صفته ولا فعله فعله أكثر ما ~~فيه استعمال لفظ الجوع والمرض مقيدا مبينا للمراد فلم يطلق الخطاب إطلاقا ~~وأيضا PageV01P214 @ فقد علم المخاطب أن الرب لا يجوع ولا يمرض فلم يكن ~~تلبيس لا من جهة السمع ولا من جهة العقل بل المتكلم بين فيه مراده والمستمع ~~لم يشتبه عليه بخلاف ما إذا أضيف الفعل إلى العبد الذي يمكن منه الفعل ~~والفعل قد قام به فإنه إذا جعل فعله فعل الرب لم يعقل هذا إلا إذا أريد أنه ~~خالقه وإذا أريد ذلك فالصواب أن يقال فعل العبد مخلوق للرب ومفعول له لا ~~يطلق أنه فعله لما فيه من التلبيس ولما فيه من نفى فعل الرب ولما فيه من ~~نفى كون العبد فاعلا ثم إنه لا فرق في ذلك بين المقربين وغير المقربين بهذا ~~الاعتبار # بل قد قال تعالى @QB@ أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا @QE@ ~~سورة مريم 83 كما قال تعالى @QB@ إنا أرسلنا نوحا إلى قومه @QE@ سورة نوح 1 ~~ونوح محمود مقرب والشياطين أعداء لله وقال تعالى @QB@ بعثنا عليكم عبادا ~~لنا أولي بأس شديد @QE@ سورة الإسراء 5 كما قال تعالى @QB@ بعث في الأميين ~~رسولا منهم @QE@ سورة الجمعة 2 PageV01P215 @ وقال @QB@ ولقد بعثنا في كل ~~أمة رسولا أن اعبدوا الله @QE@ سورة النحل 36 كما أنه يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي فيخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن وقد ~~خلق المؤمن والكافر والبر والفاجر وخلق النبات والدواب كلها طيبها وخبيثها ~~فجهة الخلق عامة شاملة فلو كان قوله @QB@ يبايعونك @QE@ وقوله @QB@ ولكن ~~الله رمى @QE@ من الخلق الشامل والقيومية العامة للزم أن يقال مثل ذلك في ~~كل مبايع ورام وإن كان من الكافرين ولم يكن في ذلك خاصة لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم ولا فضل له على أحد من المخلوقين # وأما حديث الأولياء فليس من هذا الباب بالكلية وإنما فيه فبي يسمع وبي ~~يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولم يقل أنا أسمع وأنا PageV01P216 @ أبصر ولا أنا ~~أبطش ms013 ولا أنا أمشى وقد صرح بالفرق فيه بين الرب والعبد من وجوه متعدده ~~كقوله من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ففرق بين نفسه ووليه وعدوه ~~ووليه ثم قال ما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ففرق بين المتقرب ~~والمتقرب PageV01P217 @ إليه ثم قال فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به إلى ~~آخره فلم يقل كنت إياه ولا فيه أن فعل أحدهما هو فعل الآخر ولكن أخبر أن ~~إحساس العبد وفعله يقع به لأن العبد إذا صار لله فيما يحبه ويرضاه ويحب ما ~~يحب ويبغض ما يبغض ويرضى بما يرضى ويأمر بما يأمر وينهى بما ينهى صار ~~الإيمان به ومعرفته وتوحيده في قلبه فإحساسه وأفعاله تقع به وهذا فيما في ~~القلب نظير قوله فيما PageV01P218 @ للسان أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي ~~شفتاه فقال تحركت بي وإنما تتحرك باسمه كذلك قوله فبي يسمع وبي يبصر وبي ~~يبطش وبي يمشي أي بما في قلبه من الإيمان بي وقد يسمى هذا المثال العلمي ~~وهذا كثير في الكلام كقول القائل # ( ساكن في القلب يعمره % لست أنساه فأذكره ) PageV01P219 @ # وقال آخر # ( ومن عجبي أني أحن إليهم % وأسأل عنهم من لقيت وهم معي ) # ( وتطلبهم عيني وهم في سوادها % ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي ) # وقد يسمى هذا حلولا لحلول معرفته ومحبته في العارف المحب وقد غلط بعض ~~الناس فظن أن ذات المعلوم المحبوب محل وهذا غلط كما غلط من قال بحلول ذات ~~الرب في بعض عبيده كالنصارى ومن ضاهاهم من غلاة الشيعة وجهال الصوفية # الوجه الثاني قوله فإذا غلب على المقرب شهود القيومية ورؤية PageV01P220 ~~@ التوحيد كما جاء في مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه نطق برد الأشياء ~~إلى خالقها وغلب ذلك على نطقه # فيقال مشهد القيومية يشهد فيه أن الله خالق كل شيء وهذا الشهود العام ~~يتناول ما دخل من إيمان وكفر وأما الإحسان الذي فيه أن تعبد الله كأنك تراه ~~فهذا مقام من يميز بين المأمور والمحظور فإن العبد إذا قدر كأنه يشاهد ربه ms014 ~~فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ووالى أولياءه وعادى أعداءه وهذا مشهد ~~الإلهية الذي دعت إليه الرسل حيث أمروا بعبادة الله وحده وطاعته وليس هذا ~~من مشهد القيومية PageV01P221 @ ولكن من هو أكبر من هذا الرجل غلطوا في هذا ~~فغلط مثل هذا لا ينكر لا سيما كثير من الشيوخ المعظمين عند هذا وأمثاله ~~فإنهم لا يفرقون بين هذا وهذا بل ويعدون نهاية العارفين الفناء في توحيد ~~PageV01P222 @ الربوبية وشهود القيومية والاصطلام في شهود القدر الجاري ~~ويقول أحدهم إن مشاهدة العارف المنتهي في القربة لحكم الله الذي هو مشهد ~~مشيئته العامة لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة # وقد يقول أحدهم هذا العارف يكون الجمع في قلبه مشهودا PageV01P223 @ ~~والفرق على لسانه موجودا ومرادهم بالجمع شهود القدر # وهؤلاء غاية تحقيقهم شهود التوحيد الذي أقر به عباد الأصنام العرب كانوا ~~يقرون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه كما أخبر الله عنهم في القرآن في ~~غير موضع كقوله تعالى @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون ~~لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله ~~قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم ~~تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون @QE@ سورة المؤمنون 89 - 84 وقال تعالى ~~@QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ سورة لقمان 25 ~~وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم احتجوا في ذلك بقوله @QB@ سيقول الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا @QE@ PageV01P224 ) سورة الأنعام ~~148 # وقد ظن طائفة من المثبتين للقدر أنهم قالوا هذا على سبيل التكذيب بالقدر ~~والاستهزاء به لقوله @QB@ كذلك كذب الذين من قبلهم @QE@ سورة الأنعام 148 ~~وبهذا أجابوا القدرية لما احتجت عليهم بهذه الآية وهذا غلط فإن العرب كلهم ~~كانوا يثبتون القدر ويقرون أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه فلم يكونوا ~~مكذبين بذلك ولا ذمهم الله سبحانه على التكذيب بالقدر بل على الاحتجاج به ~~على إبطال الأمر والنهي وقوله ms015 @QB@ كذلك كذب الذين من قبلهم @QE@ سورة ~~الأنعام 148 أي كذبوا بالأمر والنهي الذي جاءت به الرسل فإن هذا هو تكذيب ~~الذين من قبلهم الذين ذكر الله في القرآن ولهذا قال @QB@ قل هل عندكم من ~~علم فتخرجوه لنا @QE@ سورة الأنعام 148 أي فإن المحتج بالقدر لا يحتج به ~~إلا إذا لم يكن عنده علم بل يتبع هواه فإنها حجة متناقضة إذ لو احتج عليه ~~بالقدر لما قبل هو ذلك منه وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # فمن كان غاية توحيده شهود القيومية والربوبية العامة كان قد شهد ما أقر ~~به المشركون ولم يكن قد شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإنما ~~يشهد ذلك من شهد الفرق بين المأمور والمحظور PageV01P225 @ وبين أولياء ~~الله وأعدائه وبين توحيده والإشراك به وعبد الله كأنه يراه وهذا شهد الفرق ~~في الجمع فهو مع شهود القيومية يشهد أنه الإله المستحق للعبادة دون سواه ~~ووجوب طاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه ويستعينه على فعل ما أمر ~~وترك ما حظر وشهوده أنه خلق الملائكة والشياطين لا يحجبه عن أن يشهد أن ~~الملائكة أولياؤه والشياطين أعداؤه وكذلك شهوده أنه خالق أفعال العباد لا ~~يحجبه عن أن يشهد أنه يحب الإيمان والعمل الصالح ويرضاه ويكرم أهله ويقربهم ~~إليه وينهى عن الكفر والفسوق والعصيان ويمقت أهله ويعاقبهم فمن غلط هذا ظن ~~أن مجرد شهود القيومية هو شهود المقربين وظن أن هذا هو عبادة الرب كأنه ~~يراه # ومن هؤلاء من يظن أن من شهد القيومية سقط عنه الملام ومنهم من يقول إن ~~الخضر سقط PageV01P226 @ عنه الملام لشهوده القيومية وهذا كله باطل وطرد ~~هذا القول PageV01P227 @ يجر إلى شر من أقوال اليهود والنصارى فإن اليهود ~~والنصارى يميزون في الجملة بين أمور منكرة كما يميزون بين الصدق والعدل ~~وبين الكذب والظلم وهؤلاء إذا شهدوا القيومية العامة لم يميزوا بين المعروف ~~والمنكر ولا بين الصدق والكذب والعدل والظلم وهم في هذا النفي لا يثبتون بل ~~يميزون تمييزا طبيعيا لا شرعيا فيفرق أحدهم بين ms016 ما يهواه وبين ما لا يهواه ~~فيطلب هذا وينفر عن هذا ويمدح من وافق غرضه ويذم من خالف غرضه ولهذا كان ~~هؤلاء نهاية سلوكهم هو الفناء والجمع والاصطلام لا يحبون ما أحب الله ولا ~~يبغضون ما أبغض الله فإن الإرادة والمحبة والرضا سواء عندهم كما تقول ~~القدرية من PageV01P228 @ المعتزلة وغيرهم # لكن أولئك قالوا هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان فلا يريده فيكون ما ~~يقع من ذلك بدون مشيئته وقدرته فيكون ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون ~~PageV01P229 @ # وقال هؤلاء هو أراد الكفر والفسوق والعصيان فهو يحب ذلك ويرضاه وإن كان ~~لا يريده دينا بل يريد تنعيم من أطاعه وتعذيب من عصاه # ثم قال هؤلاء هذا الفرق يعود إلى حظوظ أنفسهم فالعارف الفاني عن حظوظه في ~~شهود قيوميته لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة # ثم قالوا والأنبياء والصديقون يقومون بالفرق لأجل العامة رحمة بهم وهذا ~~عندهم من التلبيس الذي أمرت به الخاصة وهم يبطنون ما يظهرون فإنه يكون ~~الجمع في قلوبهم مشهودا والفرق في ألسنتهم موجودا فالقائم بالفرق عندهم لا ~~يكون إلا واقفا مع حظه أو ملبسا بإيمانه لأجل غيره إذ لا فرق بنسبة إلى ~~الله عندهم # ومن عرف ما جاءت به الرسل من إثبات محبة الله ورضاه وفرحه بتوبة التائبين ~~وسخطه وغضبه ومقته لمن عصاه وعرف أن الفرق ثابت بالنسبة إلى القدر مع شمول ~~المشيئة لكل واقع وصار على ملة إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا فأحب الله ~~وأحب ما يحبه الله كان متابعا لما أمر الله به وأحبه ورضيه ولم يكن مع مجرد ~~الإرادة # فإن هؤلاء دخلوا بإرادة أنفسهم فانتهوا إلى الإرادة الخلقية ومن دخل ~~بالإرادة التي هي أمر الله ونهيه مصدقا لما أخبر الرسول من الفرق الثابت في ~~كتاب الله وأفعاله كان على دين الإسلام الذي أرسل الله PageV01P230 @ به ~~رسله وأنزل كتبه على ملة إبراهيم ودين محمد صلى الله عليه وسلم ومن لم يقل ~~بالفرق في نفس الأمر فإنه خارج عن حقيقة الإيمان كما أنه خارج عن شريعة ~~الإسلام ms017 فليس معه حقيقة إيمانية ولا شريعة إسلامية وإنما معه حقيقة خلقية ~~قدرية أقر بها عباد الأصنام الذين هم مشركون وذلك أن شهود القيومية بلا جمع ~~ممتنع طبعا وشرعا فمن لم يشهد الفرق الشرعي الإلهي وإلا كان مع الفرق ~~الطبعي النفساني أو مع فرق آخر شيطاني # فمن لم يعبد الرحمن عبد الشيطان @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا ~~جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين @QE@ سورة الزخرف 38 ~~- 36 وذكر الرحمن يراد به الذكر الذي أنزله الله كما قال تعالى @QB@ فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ~~قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ سورة طه 126 - 123 فمن ~~أعرض عن هدى الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه فلم يفرق بين ما أمر ~~الله به وما نهى عنه كان معرضا عن ذكره المنزل فيقيض له شيطانا يصده عن ~~سبيل الله فيفرق بمجرد هواه ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ولو ~~كان مثل هذا ذاكرا لله ولم يشهد إلا القيومية العامة لم يشهد ما جاء به ~~الكتاب المنزل من الفرق فإنه يكون من أعظم أتباع الشياطين PageV01P231 @ # ولهذا يوجد الشيوخ العباد والزهاد من هؤلاء يتبعون شياطين الإنس والجن ~~فيكون أحدهم من خفراء الكفار وأعوانهم ومنهم من يحسن الظن بالكفار وأعوانهم ~~ونظرائهم فيحسبهم من أولياء الله المتقين لا سيما إن رأى من الأحوال ~~الشيطانية ما يغريه مثل ان يخبره ببعض الغائبات أو يحصل له نوع من التصرفات ~~فيطير به الشيطان في الهواء ويحضر له طعاما وغير ذلك كما كان يحصل لعباد ~~الأصنام مع الشياطين وهذا التوحيد توحيد الربوبية العامة كان المشركون ~~يقرون به فهو وحده لا ينجي من نار ولا يدخل الجنة # بل التوحيد المنجي شهادة أن ms018 لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله بحيث ~~PageV01P232 @ يقر بأن الله هو المستحق للعبادة دون ما سواه وأن محمدا ~~رسوله فمن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن عصى الرسول فقد عصى الله فيحل ما ~~حلله الله ورسوله ويحرم ما حرمه الله ورسوله ويأمر بما أمر الله به ورسوله ~~وينهى عما نهى الله عنه ورسوله PageV01P233 @ PageV01P234 @ # وهذا المقام غلط فيه كثير من السالكين لم يميزوا بين الأول والثاني ولو ~~طردوا قولهم لخرجوا من الدين كما تخرج الشعرة من العجين # وإنما طرده حذاق الملحدين منهم الذين يقولون السالك يشهد أولا طاعة ~~ومعصية ثم ثانيا يشهد طاعة بلا معصية وهو شهود القيومية PageV01P235 @ ثم ~~لا تبقي لا طاعة ولا معصية وهو مشهد الوحدة عندهم ولهذا يقول بعض شيوخ ~~هؤلاء أنا كافر برب يعصى ويقول لو قتلت سبعين نبيا ما كنت مخطئا # ويقول الآخر وهو ابن عربي # ( الرب حق والعبد حق % يا ليت شعرى من المكلف ) # ( إن قلت عبد فذاك ميت % أو قلت رب أنى يكلف ) # والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع وإنما الغرض التنبيه على موضع ~~الغلط والاشتباه # الوجه الثالث قوله إن المقرب إذا غلب عليه هذا نطق برد الأشياء إلى ~~خالقها وغلب ذلك على نطقه # فيقال سيد المقربين محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي قاتل الكفار وكان ~~يأمر بقطع يد السارق ورجم الزاني وجلد الشارب ويأمر بالمعروف PageV01P236 @ ~~وينهى عن المنكر ويحل الطيبات ويحرم الخبائث فلو غلب عليه مشهد القيومية ~~وأن الأشياء جميعها مخلوقة لله ولم يشهد ما فيها من الفرق لما كان ينبغي أن ~~يأمر أحدا ولا ينهى أحدا ولا يقتل أحدا ولكان ينبغي أن يرد كفر الكافرين ~~وفسق الفاسقين إلى الخالق كما قال في قوله ولكن الله حملكم وبين أن يقال ~~والعياذ بالله ولكن الله كفر وزنا وسرق وشرب الخمر فهل يقول هذا مؤمن أو ~~عاقل وقوله صلى الله عليه وسلم ولكن الله حملكم سنذكره إن شاء الله # وإلا مشهد القيومية شامل لجميع الفعل وإن فرق بين خلق الله ms019 لحملهم ~~وكلامهم ولفعلهم ولتكذيب المكذبين # أفترى الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان ليشهد القيومية في بعض الأشياء ~~وهو أعلم الخلق بالله ومشركو العرب كانوا مقرين بأن الله رب كل شيء وهم ~~يقرون بمشهد القيومية # الوجه الرابع أن يقال له من من المقربين كان يقف عند مشهد PageV01P237 @ ~~القيومية فيرد جميع الأفعال إلى الخالق من غير أن يشهد أنها أفعال لفاعليها ~~يستحقون عليها المدح والذم والثواب والعقاب # وهذا القرآن ينطق عن جميع الأنبياء والمرسلين وهم سادات المقربين بأنهم ~~كانوا يفرقون بين المعروف والمنكر والإيمان والكفر والتوحيد والشرك ويأمرون ~~بعبادة الله وحده وينهون عن عبادة ما سواه ولو لم يشهدوا إلا القيومية التي ~~ترد فيها الأفعال إلى خالقها لم يأمروا ولم ينهوا ولم يمدحوا ويذموا فإن ~~العبد لا يأمر الله ولا ينهاه ولا يذمه ولا يعاقبه # والأنبياء كلهم على شهود الفرق ومدح المحسن وذم المسيء وإن كانوا مقربين ~~بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه فشهود القيومية العامة لا يناقض أن ~~يفعلوا ما أمروا به وأن يأمروا الخلق بعبادة الله وحده وينهونهم عن عبادة ~~ما سواه # بل عامة بني آدم من المسلمين والكفار يقرون بالقدر وبهذه القيومية وهم مع ~~هذا يثبتون الفرق بين المطلوب والمرغوب ويمدحون من فعل ما يوافق مرادهم ~~ويذمون من خالف ذلك ولا يرون الإقرار بالقيومية مناقضا لذلك # الوجه الخامس قوله فيكون المعنى حينئذ كما وردت الآية أن البيعة وإن كانت ~~له في الصورة فهي مع ربه في المعنى وكذا ما كان من الرمي فكأنه يقول ~~الاستغاثة وإن وقعت بي فإني لست المستغاث به في PageV01P238 @ المعنى إنما ~~المستغاث به الله عز وجل # فيقال قد تقدم بيان فساد أصل هذا الكلام ثم نقول قوله هي مع ربه في ~~المعنى أتريد به أن الله هو المرسل الذي أمره أن يبايعهم على الجهاد وأمرهم ~~بالجهاد وهو الذي ثبتهم على الوفاء أم تريد أن الله هو الذي خلق البيعة ~~فإنه خالق كل شيء والقيومية شاملة لكل شيء أم تريد به معنى ثالثا فإن ms020 أردت ~~الأول فهو صحيح ولكن يناقض قولك فإن هذا مختص بمن يأمر بما أمر الله به ~~وينهى عما نهى الله عنه ولم ينزل الله أحدا منزلة نفسه في الأفعال ولا جعل ~~الله أفعال محمد كصومه وصلاته وحجه واعتماره وجهاده ونكاحه وأكله وشربه ~~ودعائه وتضرعه فعلا له ولا جعل نفس مبايعته للمؤمنين فعلا له بل جعل ~~المبايع له إنما ربايع مرسله والجزاء عليه كما جعل من أطاعه فقد أطاع الله ~~فهذا فعل خاص ليس عاما في كل أفعاله # وأيضا فلم يجعل هذا الفعل فعل الله بل أخبر أن محمدا رسول الله يبايع عنه ~~والمبايعة لمرسله في الأصل كما أن الطاعة طاعة لمرسله في الأصل وكما أن ~~معاملة الوكيل معاملة مع موكله وليس في PageV01P239 @ هذا إسقاط فعل الوكيل ~~عن أن يكون وكيلا وإنما فيه إثبات النيابة له عن غيره وإن أردت أن الله ~~خالق بيعته فهذا المعنى صحيح عند أهل السنة المثبتة للقدر الذي وهو خلق ~~الله خلافا لنفاته # ولكن إذا فسرت الآية بهذا سويت بين الأنبياء والشياطين وبين آدم وإبليس ~~وموسى وفرعون وبين أولياء الله وأعدائه ولزمك أن تقول كفر الكافرين في ~~الصورة ولربهم في المعنى ولعنه للكفار هو للكفار في الصورة ولربهم في ~~المعنى وأيضا فيقال لك المبايعة فيها فعل من الرسول وفعل من الصحابة فعلى ~~هذا التقدير يلزمك أن يكون الله بايع في المعنى لأنه خالق للأفعال كلها ~~وإلا فإذا جاز أن يقول البيعة له في الصورة ولربه في المعنى لكون الله ~~خالقه وخلق فعله لزمك أن تقول بيعته لهم بيعه لله في المعنى لأن الله خلقهم ~~وخلق أفعالهم # ويلزمك على هذا التقدير أن تقول إن الذين بايعتهم إنما بايعت الله وطرده ~~أن من قاتل شخصا فإنما قاتل الله ومن بايعه فإنما بايع الله بل يلزمهم أقبح ~~من هذا وهو أن من لامه أو جامعه أو ضاجعه فإنما يفعل ذلك مع الله فإن أصل ~~هذا القول أن الله لما كان خالقا لأفعال العباد كان الفعل لهم في الصورة ~~وله ms021 في المعنى وهذا عام في كل الأفعال في PageV01P240 @ الخير والشر وإن ~~أردت معنى ثالثا فبينه # الوجه السادس قوله البيعة وإن كانت في الصورة له فهي مع ربه إذا لم يرد ~~معنى الإرسال والتبليغ المختص بالأمر والنهي كان مقتضاه أن الرسول لم يفعل ~~شيئا ولا بايع ولكن الرب هو الذي فعل ذلك في المعنى وهذا إن أريد به خلق ~~الأفعال فقد تقدم بطلان إرادة ذلك هنا وإن أريد به الحلول بأن يكون الرب ~~سبحانه هو المتكلم على لسان الرسول كما أن الجني يتكلم على لسان المصروع ~~فالكلام في الصورة للمصروع وفي الباطن للجني فهذا هو الكفر الصريح وهذا ~~مذهب النصاري وهؤلاء يشبهون النصارى في كثير من أمورهم ولهذا سلط عليهم ~~النصارى يهينونهم كما أهانوا أهل هذا الشخص وأمثاله # وكنت أقول لهم إن الله وعد بنصره المؤمنين على الكافرين وأنتم مشابهون ~~للنصارى وفيهم من هو أكفر من النصارى وأعظم إلحادا ونفاقا من النصارى وكثير ~~من بغضهم للنصارى إنما هو لهوى وحظ كونهم لهم في الدنيا رياسة ومال أكثر ~~منهم لا يبغضونه لأجل كفرهم ودينهم إذ كانوا مشاركين لهم في كثير منه ~~وبعضهم أشد كفرا ونفاقا من النصارى وبعض النصارى أكفر منهم # وطائفة من شيوخهم يميلون إلى النصارى أكثر من المسلمين ويأمرونهم ~~PageV01P241 @ بالبقاء على دينهم ويقولون إذا صرتم محققين على طريقتنا فلا ~~حاجة بكم إلى الإسلام بل دوموا على النصرانية # ثم إن الآية يمتنع أن يراد بها الحلول فإنه قال @QB@ يد الله فوق أيديهم ~~@QE@ سورة الفتح 10 ويد النبي صلى الله عليه وسلم كانت مع أيديهم لا فوقها ~~فلم تكن يده يدا لله ولأنه قال @QB@ ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه ~~أجرا عظيما @QE@ سورة الفتح 10 ولم يقل فإنك تؤتيه وقال @QB@ لقد رضي الله ~~عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ~~@QE@ سورة الفتح 18 ولم يقل أنك أنت علمت ما في قلوبهم ولا أنزلت السكينة ~~عليهم # الوجه السابع قوله فكأنه يقول الاستغاثة وإن وقعت بي فإني ms022 لست المستغاث ~~به في المعنى إنما المستغاث به الله # فيقال إنه لم يقل لم تستغيثوا بي وإنما استغثتم بالله ولكن قال إنه لا ~~يستغاث بي وإنما يستغاث بالله وهذا نفي للمستقبل لا للماضي # الوجه الثامن أن يقال هذا الرجل فسر الاستغاثة بالتوسل PageV01P242 @ ~~PageV01P243 @ به كما تقدم قوله إن كل من توسل إلى الله بنبيه في تفريج ~~كربة فقد استغاث به سواء كان بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو غيره وقال قول ~~القائل أتوسل إليك برسولك واستغيث برسولك عندك أن تغفر لي استغاث بالرسول ~~حقيقة في لغة جميع الأمة # وهذا الكلام وإن كان باطلا كما تقدم PageV01P244 @ فالمقصود هنا أنه جعل ~~الذي يسأل الله به مستغيثا به وهنا قد جعل الاستغاثة بسؤاله فقد جعل ~~المستغيث به مستغيثا بالله في المعنى وهذا لا يصح إذا أريد به السؤال به ~~فإن الله هو مسئول لا مسئول به # وحينئذ فما قال في الاستغاثة به هنا يناقض ما تقدم إلا أن يجعل الاستغاثة ~~تعم النوعين ويلزمه أن يجعل كل من سأل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فإنما ~~سأل الله ويلزمه ذلك في غيره وحينئذ فيسأل المخلوق كما يسأل الخالق وهذا لا ~~يقوله عاقل فضلا عن مسلم # الوجه التاسع أنه لو صح هذا النفي والإثبات باعتبار PageV01P245 @ ~~القيومية لقيل هذا لكل من كان كذلك فيقال لمن بايع الناس كلهم وواجرهم ~~وشاركهم إنك إنما بايعت الله وواجرت الله وشاركت الله ويقال للذي استغاث ~~بموسى الذي قال الله فيه @QB@ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ~~@QE@ سورة القصص 15 أنه لم يستغث بموسى وإنما استغاث الله ويقال لمن استنصر ~~المؤمنين الذين قال الله فيهم @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~@QE@ سورة الأنفال 72 إنما استنصروا الله والنصر على الله ويقال في قوله ~~@QB@ وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ سورة المائدة 2 إنما استعانوا الله ~~والله يعين # وقد خاطبني مرة شيخ من شيوخ هؤلاء الضلال لما قدم التتار آخر PageV01P246 ~~@ قدماتهم وكنت أحرض الناس على جهادهم فقال لي هذا الشيخ أقاتل الله فقلت ~~له ms023 هؤلاء التتار هم الله وهم من شر الخلق إنما هم عباد الله خارجون عن دين ~~الله وإن قدر أنهم كما يقولون فالذي يقاتلهم هو الله ويكون الله يقاتل الله ~~وقول هذا الشيخ لازم لهذا وأمثاله # الوجه العاشر أن يقال إذا كان الآمر كما ذكرته من شهود القيومية فأي مدح ~~في هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأي فائدة في هذا القول أو ترى ~~الصديق والصحابة ما كانوا يقرون بأن الله رب كل شيء ومليكه وأن العبد لا ~~يمكنه أن يفعل شيئا إلا بمشيئة الله تعالى وقدرته # الوجه الحادي عشر أن ما كان من هذا الباب لا يجوز فيه نفي الفعل عن العبد ~~فإنه مكابرة للحس ولو على مذهب الجبرية بل إذا أريد نفي فلا بد من قرينة ~~تبين المراد والحديث مطلق ليس فيه قرينة # الوجه الثاني عشر أما حديث أبي موسى الأشعري وقوله ما أنا حملتكم ولكن ~~الله حملكم لم يرد به النبي PageV01P247 @ صلى الله عليه وسلم كون الله ~~خالق أفعال العباد فإن هذا يتناول هذا الفعل وغيره من الأفعال # ومعلوم أن الله لم يقل لم أركب ولكن الله ركب ولم يقل ما جاهدت في سبيل ~~الله ولكن الله جاهد ولم أسافر ولكن الله سافر ونحو ذلك # ومعلوم بل النبي صلى الله عليه وسلم لما سألوه أن يحملهم قال والله ما ~~أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه فلما ذهب أبو موسى بعث إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بنهب إبل فأمر فبعث إلينا بخمس ذود غر الذرى فقلنا تغفلنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه لا نفلح أبدا فرجعت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته فقال ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم فلما لم يكن ~~منه لا قصد ولا قدرة صح أن يقول ما حملتكم لأني لم يكن عندي ما أحملكم عليه ~~ولكن الله حملكم بما يسره من الحمولة التي أتى بها بغير فعل مني فنفي الحمل ~~عن PageV01P248 @ نفسه وأضافه إلى الله لأنه أراد به ms024 تيسير الحمولة ولم يكن ~~له في هذا فعل ثم قال وإني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها ~~إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها وقال لهم هذا لما قالوا إنك حلفت أن لا ~~تحملنا وكان قد قال ما عندي ما أحملكم عليه فبين لهم أني حلفت للعسرة ~~والعجز وأن الله يسر بالحمولة فهو الذي PageV01P249 @ حملكم ومع هذا فإني ~~أحنث في يميني للمصلحة الراجحة وأكفر # وهذا الكلام يتضمن جوابين من النبي صلى الله عليه وسلم كل منهما مستقل ~~وأما الجواب بأحدهما كأنه يقول أنا ما حملتكم وإن كنت حملتكم فأنا أكفر ~~وعلى الأول يقول الحمل الذي طلبتموه ما حصل مني بل من الله والحمل الذي ~~حلفت عليه أكفر عنه # الوجه الثالث عشر قوله فإن صح هذا الحديث لا يكون كما قال من جعل الصديق ~~بتأويله مخطئا من غير ضرورة بل يكون الحديث حثا على الاستغاثة به صلى الله ~~عليه وسلم # فيقال أنت الذي جعلته مخطئا حيث قال إنه يستغيث بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم فنفى النبي ما أثبته وقال ليس هذا استغاثة بي بل بالله بل قولكم ~~يستلزم تخطئة الرسول حيث جعلتم من طلب من مخلوق حاجة لم يطلبها منه بل إنما ~~يطلبها من الله وهذا مكابرة للحس والشرع والعقل وعلى ما قاله يجوز أن يقال ~~لمن سأل كافرا حاجة واستغاث به ما سألته ولا استغثت به ويكون من قال إنه ~~سأل كافرا مخطئا وهذا كما أنه تخطئة منهم للصديق فهي تخطئة لجميع عقلاء ~~PageV01P250 @ بني آدم من المسلمين والكفار وأيضا فإنه لا يلزم على ما ذكر ~~المجيب تخطئة أبي بكر الصديق فإن الصديق قد يعتقد عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم في دفع ذلك المنافق بعض الأمور التي يقدر عليها البشر فبين له النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه ليس عندي في دفعه حيلة بل يستغاث الله في أمره ومن ~~المعلوم أن المطلوب من النبي صلى الله عليه وسلم تارة يقدر عليه وتارة لا ~~يقدر عليه وقد يظن السائل ms025 أنه يقدر عليه ولا يكون قادرا وكان نساؤه يسألنه ~~النفقة أحيانا وليس عنده ما ينفق عليهن # وسألته الأعراب حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فقال ردوا علي ردائي ~~فوالذي نفسي بيده لو أن عندي عدد هذه العضاه PageV01P251 @ نعما لقسمتها ~~بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا # وحقيقة قوله لا يستغاث بي وإن كان مراده الاستغاثة الكلية كما يقال لا ~~يستغاث بي ولا يتوكل علي ولا أدعى ولا أسأل ونحو ذلك فمراده النهي عن الطلب ~~الذي لا يفعله إلا الله كما نهى عن السجود له وكما نهى أن يقال ما شاء الله ~~وشاء محمد وقال لمن PageV01P252 @ قال ما شاء الله وشاء محمد ما روي عن ابن ~~عباس قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني ~~لله ندا قل ما شاء الله وحده رواه النسائي وابن ماجه ورواه الإمام أحمد ~~ولفظه PageV01P253 @ أجعلتني لله عدلا بل ما شاء الله وحده # الوجه الرابع عشر أنه إذا كان هذا حثا على الاستغاثة به بناء على ما ذكرت ~~من شهود القيومية وتوحيد الربوبية وهذا عام لكل المخلوقات فينبغي أن يحث ~~على سؤال المخلوقين والرغبة إليهم لأن السائل لهم عنده لا يسألهم إنما يسأل ~~الله كما أن المستغيث بمخلوق لا يستغيث به إنما يستغيث بالله على زعمكم # وهذا كثير ما يقع فيه هؤلاء الإسماعيلية الاتحادية وأعرف PageV01P254 @ ~~منهم شخصا كان معظما وكان له حاجة إلى نصراني فذهب إليه وخضع له وقبل يده ~~ورجله وربما قبل نعله حتى قضى حاجته ثم جعل يقول ما رأيت إلا الله وما كان ~~ذلك الخضوع والتقبيل إلا لله # وهؤلاء يصرحون في كتبهم بأن عباد العجل ما عبدوا إلا الله وعباد الأصنام ~~ما عبدوا إلا الله وعباد المسيح ما عبدوا إلا الله وعندهم من عبد كل معبود ~~كان محققا موحدا وإنما المقصر عندهم من عبد بعض PageV01P255 @ المظاهر دون ~~بعض كالنصارى وعباد العجل واللات والعزى وفي كلام ابن عربي صاحب = الفصوص = ~~وأمثاله من هذا ألوان لكن هذا ms026 الرجل وأمثاله لم يصلوا إلى الاتحاد بل وقفوا ~~عند القدر وهو شهود القيومية ولكن إذا جعلوا من استغاث بمخلوق فإنما استغاث ~~بالله PageV01P256 @ لأجل توحيد الربوبية وشهود القيومية لزمهم أن من سجد ~~لمخلوق لم يسجد إلا لله ومن عبد مخلوقا إنما عبد الله ومن سأل مخلوقا إنما ~~سأل الله # فإن قالوا الأعمال بالنيات قيل لهم والذين قالوا نستغيث بالنبي لم يذكروا ~~أنهم قصدوا غيره وأنتم جعلتم ذلك بمجرده استغاثة بالله لشهود القيومية ~~فيلزمكم أن يكون الله ورسوله أمر بسؤال المخلوق والاستغاثة بالمخلوق وعبادة ~~المخلوق بالسجود للمخلوق والخوف من المخلوق لأجل القيومية فيلزم أن يكون كل ~~شرك حرمه الله ورسوله قد أمر الله به ورسوله باعتبار القيومية لأن كل ما ~~عبد من دون الله فالقيومية تتناوله فإذا كان اعتبار مسوغا لأن يعامل ~~المخلوق معاملة الخالق لزم أن يعامل المخلوقات كلها معاملة الخالق من دعاء ~~وسؤال ويصلى لها ويسجد لها ويعبد # الوجه الخامس عشر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن سؤال المخلوقين ~~لغير ضرورة ومدح من لم يسأل الناس شيئا فقال من سأل PageV01P257 @ الناس ~~شيئا وله ما يغنيه جاءت مسألته كدوشا أو خدوشا في وجهه يوم القيامة وقال لا ~~تزال المسألة PageV01P258 @ بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة ~~لحم وقال لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر PageV01P259 @ ~~مدقع وقال أيضا في حديث قبيصة بن مخارق إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة ~~الغارم والذي أصابته جائحة اجتاحت ماله والذي أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة ~~من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلان فاقة # وقال في صفة السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب هم PageV01P260 @ ~~الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون # وحديثهم في = الصحيحين = فمدحهم على ترك الاسترقاء وقد روي في بعض ألفاظه ~~لا يرقون ولم يذكره البخاري فإنه لا يثبت وإن رواه مسلم # ومعلوم أن المسترقي يقول لغيره أرقني فيطلب من غيره الرقية فإن كان مشهد ~~القيومية معتبرا في سؤال ms027 الخلق وجب أن يكون المسترقي إنما سأل الله وكان ~~يكون مأمورا بالاستغاثة بالخلق باعتبار مشهد القيومية # وقد قال الله تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ سورة الشرح ~~8 - 7 فإن كان مشهد القومية معتبرا في هذا الباب كان كل من سأل مخلوقا ~~فإنما رغب إلى الله فلا ينهى عن ذلك بل يؤمر بالرغبة PageV01P261 @ إلى ~~الخلق # والله تعالى قد وصف الفقراء الممدوحين بأنهم لا يسألون الناس إلحافا ~~وسواء كان المعنى أنهم لا يسألون الناس أو يسألون الناس ولا يلحفون فإن كان ~~مشهد القيومية معتبرا هنا وجب أن يؤمر بسؤال الخلق والإلحاح في مسألتهم ~~فإنهم إنما يلحفون في مسألة الله تعالى والله يحب الملحين في الدعاء وهذا ~~باب واسع # الوجه السادس عشر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مدح من لا يسأله وفضله ~~على من سأله بل ذم كثيرا ممن سأله فقال من سألنا أعطيناه ومن لم يسألنا فهو ~~أحب إلينا وقال يسألني أحدهم المسألة PageV01P262 @ ويخرج بها يتأبطها نارا ~~قالوا يا رسول الله فلم تعطهم فقال يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي ~~البخل وقال والذي نفسي بيده ما من أحد يسألني شيئا فتخرج له المسألة ما لم ~~أكن أريد أعطيه فيبارك له PageV01P263 @ فيه أو كما قال لحكيم بن حزام في ~~الحديث الصحيح الذي أخرجاه في = الصحيحين = قال سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال يا حكيم ما أنكر مسألتك إن هذا ~~المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم ~~يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع قال حكيم فقلت يا رسول الله والذي ~~بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا # هذا لفظ رواية البخاري وفي رواية ولا تكون يد أحد من العرب فوق يدي فكان ~~أبو بكر وعمر يعطيانه حقه من بيت المال فلا يأخذه PageV01P264 @ فإن كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم على زعم هذا قد جعل من استغاث به فإنما استغاث ms028 ~~بالله وقد حضه على ذلك فمن سأله فإنما سأل الله فيلزم أن يحض الناس على ~~سؤاله والأمر بالعكس بل مدح من لم يسأله وذم كثيرا ممن سأله # وأما الوجه الثالث قوله إنه يصح أن يراد أنه لا يستغاث بي على وجه ~~التأثير والاقتدار وإنما ذلك لله وفائدة التنبيه على ذلك لا يتعلق به أحد ~~في الانتصار به من جهة السببية الظاهرة كما يتعلق الناس بالأسباب على ~~الغفلة بل يكون تعلقهم للنظر إلى جانب الربوبية فيه ومكانته عند ربه فيكون ~~ذلك كما قال من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس الخبر # فالجواب عنه من وجوه أحدها أن هذا الذي ذكره موافق في المعنى لما ذكره ~~المجيب فإنه لا ريب أنه يجوز أن يسأل النبي أمورا ويستغاث به في أشياء بل ~~يجوز هذا في غير حق النبي وقد قال في أول الجواب أجمع المسلمون على أن ~~PageV01P265 @ النبي يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد ~~أن يأذن الله له في الشفاعة PageV01P266 @ ثم أهل السنة والجماعة متفقون ~~على ما اتفقت عليه الصحابة واستفاضت به السنن من أنه يشفع لأهل الكبائر من ~~أمته ويشفع أيضا لعموم الخلق وأجمعوا على أن الصحابة كانوا يستغيثون به ~~ويتوسلون به في حياته بحضرته كما في حديث عمر اللهم إنا كنا نتوسل إليك ~~بنبينا فتسقينا والذي ذكره عمر قد جاء مفسرا في PageV01P267 @ سائر أحاديث ~~الاستسقاء وهو من جنس الاستشفاع به وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ويطلب ~~من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته فينا وأن يقدم بين أيدينا شافعا وسائلا بأبي ~~هو وأمي فقد بين أنه يجوز سؤاله والطلب منه وهو الاستغاثة # ومعلوم أن هذا من جملة الأسباب التي تفعل على جهة التسبب مع التوكل على ~~الله عز وجل لا يطلب من مخلوق شيء على جهة أنه مستقل بالقدرة والتأثير فإن ~~الاستقلال من خصائص الرب تعالى # وإذا كان هذا الوجه متفقا عليه فحمل الحديث عليه لا يضر وحينئذ فالمطلوب ~~منه إما أن يكون قادرا عليه وإما أن لا ms029 يكون قادرا فإن كان قادرا طلب على ~~هذا الوجه وإن لم يكن قادرا عليه طلب من الله ولا منافاة بين المعنيين لكن ~~ظاهر لفظ الحديث إن صح يقتضي أنه لم يكن قادرا على دفع ضرر ذلك المنافق ~~وأنه أمرهم أن يستغيثوا فيه بالله تعالى # الوجه الثاني أن يقال الأسباب المخلوقة والمشروعة لا تنكر والأسباب ~~المشروعة تفعل مع التوكل على الله لكن لم قلتم إن الاستغاثة بالمخلوق فيما ~~لا يقدر عليه إلا الخالق هو من الأسباب المشروعة PageV01P268 @ والكلام ~~إنما هو في هذا وهذا هو الذي نهى عنه # فالجواب حيث قيل فأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من ~~الله لا يطلب ذلك من الملائكة ولا من غيرهم فلا يجوز أن يقال لغير الله ~~اغفر لنا واسقنا الغيث وانصرنا على القوم الكافرين أو اهد قلوبنا ونحو ذلك ~~ثم ذكر الحديث المذكور فبين أن المنهي عنه أن يطلب من المخلوق ما لا يقدر ~~عليه إلا الخالق والطالب من النبي قد يظن أنه يقدر على قضاء حاجته ولا يكون ~~كذلك كما كان سأله الناس إما نساؤه وإما غيرهن ما ليس عنده وكما كان يأتونه ~~في غزوة تبوك ليحملهم فلا يجد ما يحملهم عليه قال تعالى @QB@ ولا على الذين ~~إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من ~~الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون @QE@ سورة PageV01P269 @ التوبة 92 وكما ~~سأله أبو موسى الأشعري وأصحابه الأشعريون أن يحملهم فقال والله ما أحملكم ~~وما عندي ما أحملكم عليه وكان هؤلاء الأشعريون من خيار الصحابة ظنوه قادرا ~~على حاجتهم ولم يكن كذلك # وفي = الصحيحين = أن فاطمة ابنته جاءت تسأله خادما فأتاها بعد أن نامت هي ~~وعلي رضي الله عنهما فعلمها أن تسبح وتحمد وتكبر وقال ذلك خير لك من خادم ~~ولم يعطها الخادم PageV01P270 @ وقد قال تعالى @QB@ وآت ذا القربى حقه ~~والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ~~وكان الشيطان لربه كفورا وإما تعرضن عنهم ابتغاء ms030 رحمة من ربك ترجوها فقل ~~لهم قولا ميسورا @QE@ سورة الإسراء 28 - 26 فأمره تعالى إذا لم يجد ما يعطي ~~السائل أن يقول له قولا ميسورا وفي صفته أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~آتاه طالب حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول وقد قال تعالى @QB@ قول ~~معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى @QE@ سورة البقرة 263 وقال تعالى @QB@ ~~فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر @QE@ سورة الضحى 10 - 9 ولما ~~قدم عليه وفد هوازن مسلمين سألوه أن يرد عليهم السبي والمال فقال أحب ~~الحديث إلي أصدقه ومعي من ترون فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما ~~المال فهو تارة يسأل ما يقدر عليه وتارة ما لا يقدر عليه PageV01P271 @ ~~فهذا الحديث إن كان صحيحا فقد سأله بعض أصحابه أن يدفع عنهم ضرر ذلك ~~المنافق فأخبرهم أنه لا يقدر عليه بل يطلب ذلك من الله كما أن عمر بن ~~الخطاب كتب إليه أبو عبيدة بن الجراح عام اليرموك يستنصره على الكفار ~~ويخبره أنه قد نزل بهم جموع لا طاقة لهم بها فلما وصل كتابه بكى الناس وكان ~~من أشدهم عبد الرحمن بن عوف وأشار على عمر أن يخرج بالناس فرأى عمر أن ذلك ~~لا يمكن وكتب إليه مهما ينزل بامرئ مسلم من شدة فينزلها بالله يجعل الله له ~~فرجا ومخرجا فإذا جاءك كتابي هذا فاستعن بالله وقاتلهم فأخبره أنه لا يمكنه ~~أن يعاونه في هذه القضية وأمره أن PageV01P272 @ يستعين بالله وإن كان قد ~~كان يمكنه أن يعينه # الوجه الثالث أنه لو أريد هذا المعنى لقيل ما يدل على هذا المعنى مثل أن ~~يقال توكلوا علي وأنا أغيثكم ولم يقل إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ~~فإنه قد نفى وأثبت بكلام مطلق وليس في الباب ما يدل على ما ذكر # ويظهر هذا بالوجه الرابع وهو أن أبا بكر وغيره من الصحابة أعلم بالله من ~~أن يظنوا أن يستقل بالإبداع والاختراع فمن حمل الحديث على هذا فقد نسب ~~الصديق إلى ms031 غاية الضلال أين من ينزه الصديق من الخطأ وينسبه إلى هذا والنبي ~~صلى الله عليه وسلم نفى وأثبت وإن كان ما نفاه لم يخطر بقلوبهم فأي حاجة ~~إلى نفيه وإن قيل إنهم ظنوه فذلك بهتان عظيم بخلاف ظنهم أنه يقدر على دفع ~~المكروه فإن هذا الظن قد كان يقع منهم كثيرا أو قد يكون الأمر كما يظنه ~~الظان فليس فيه قدح لا في الصحابة ولا في الرسول صلى الله عليه وسلم بخلاف ~~من يقول لا تعتقدوا في أني مثل الله أقدر وأستقل بالتأثير كما يفعل الله ~~فإن هذا المعنى لا يظنه به من هو دون الصحابة فكيف يظنونه هم ومن أراد أن ~~يأمر غيره بالتوكل مع السبب المأمور به لا ينهاه عن السبب بل يقول له ~~PageV01P273 @ كما قال اعقلها وتوكل وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وكما قال تعالى ~~@QB@ فإذا عزمت فتوكل على الله @QE@ سورة آل عمران 159 وكما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول لمن يبعثه في السرايا ادعهم إلى الإسلام ثم الهجرة ~~وإلا فالجزية فإن أجابوك وإلا فاستعن بالله وقاتلهم لا يقال PageV01P274 @ ~~في مثل هذه لا تقاتل ولا تحرص على ما ينفعك # الوجه الخامس أن الحديث الذي ذكره حجة عليه وهو حديث ابن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن ~~أنزلها بالله أوشك له بالغنى إما بموت عاجل أو غنى عاجل رواه أبو داود ~~والترمذي وصححه # فإنزال الفاقة بالناس أن يشكو إليهم ويترك الشكوى إلى الله فلو كانت ~~الاستغاثة بالمخلوق جائزة لجاز إنزالها بالناس وقد قال يعقوب عليه السلام ~~@QB@ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله @QE@ سورة PageV01P275 @ يوسف 86 وقال ~~تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ سورة الشرح 8 - 7 وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت ~~فاستعن بالله ورأى الفضيل بن عياض رجلا يشكو إلى رجل ms032 فقال يا هذا أتشكو من ~~يرحمك إلى من لا يرحمك وقال بعضهم ذكر الله الصبر الجميل والهجر الجميل ~~PageV01P276 @ والصفح الجميل فالصبر الجميل الذي ليس فيه شكوى إلى المخلوق ~~والهجر الجميل الذي ليس فيه أذى والصفح الجميل الذي ليس فيه عتاب # وأما قوله المراد بالخبر التنبيه على الرجوع إلى الله تعالى بالقلب لا ~~ترك السبب بل أن يذكر الله في ذلك السبب # فيقال الأسباب نوعان سبب مأمور به فهذا طاعة وعبادة الله كطلب الرزق ~~بالصناعة والتجارة وكدفع العدو بالقتال والأكل عند الجوع واللباس عند البرد ~~فهذا ليس فيه إنزال الفاقة بهم ولا شكوى إليهم وأما نفس سؤال الناس فسؤالهم ~~في الأصل محرم بالنصوص المحرمة له وإنما يباح عند الضرورة # وتنازع العلماء هل يجب سؤالهم عند الضرورة فالمنصوص عن أحمد أنه لا يجب ~~سؤال الخلق مع إيجابه مع غيره من الأئمة الأربعة وغيرهم PageV01P277 @ ~~الأكل من الميتة عند الضرورة فإن الله لم يوجب سؤال الخلق بل قد وصى النبي ~~صلى الله عليه وسلم طائفة من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئا فكان أحدهم ~~إذا سقط سوطه لا يقول لأحد ناولني إياه منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~PageV01P278 @ # وصاحب الفاقة إذا سأل الله تعالى أنزلها بالغني الملي العليم القدير # وقيل يجب السؤال وهذا منقول عن الثوري وهو اختيار أبي الفرج ابن الجوزي ~~وعلى هذا قال قائل يسأل الناس ما يجب عليهم PageV01P279 @ أن يعطوه إياه ~~إما من الزكاة وإما من غيرها فإن إطعام الجائع فرض على الكفاية من الناس ~~كما ثبت في = الصحيح = عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عودوا المريض ~~وأطعموا الجائع وفكوا العاني وقد جاء في الحديث لو صدق السائل ما أفلح من ~~رده PageV01P280 @ # ونقل المروذي عن أحمد أنه إذا علم صدق السائل وجب أن يعطيه قال تعالى ~~@QB@ والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم @QE@ سورة المعارج 25 - ~~24 وإذا كان يسألهم ما أوجب الله عليهم كان بمنزلة أن يسأل ذا السلطان أن ~~يعطيه حقه الذي جعل الله له في ms033 المال وسؤال ذي السلطان جائز كمن سأل المودع ~~أن يرد عليه PageV01P281 @ وديعته وأن يعطيه حقه من الميراث والمغنم ونحو ~~ذلك # وعلى هذا فليس للسائل أن يسأل من لا فضل عنده وليس له أن يتعدى في السؤال ~~على الناس وليس له أن يجزع ويعدل عن الصبر الجميل وعليه أن يرغب إلى الله ~~ويتوكل عليه وحينئذ فلا يكون قد أنزلها بالناس مع أن القول الأول وهو عدم ~~وجوب السؤال أظهر فإن النصوص تقتضى أن ترك سؤال الخلق أفضل مطلقا ولهذا فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في صفة السبعين ألفا هم الذين لا يسترقون ~~والمسترقي يطلب الدعاء من الراقي وقد قال تعالى @QB@ ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ سورة ~~الطلاق 3 - 2 فقد بين أنه كافي من توكل عليه وأنه لا بد أن يرزق ~~PageV01P282 @ المتقي من حيث لا يحتسب والميتة رزق ساقه الله إليه عند ~~الضرورة فليس له أن يمتنع من أكله فيعين على قتل نفسه ولو أتاه مال من غير ~~مسألة ولا إشراف نفس أخذه وهذا كله يدل على أن سؤال الخلق والاستغاثة بهم ~~حرام في الأصل لا يباح إلا لضرورة وهو في الأظهر أشد تحريما من الميتة # فكيف يقال إنه مأمور به فيما لا يقدر عليه الخلق وهل قال أحد أن سؤال ~~المخلوق والاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى مأمور به أو مباح ~~ومن هنا يظهر الوجه السادس قوله والمراد به التنبيه على الرجوع إلى الله ~~تعالى بالقلب لا بترك السبب بل أن يذكر الله في ذلك السبب # فيقال له هذا إنما يصح إذا كان السبب مشروعا فإن السبب المشروع ~~PageV01P283 @ لا ينافي التوكل والكلام هنا في من يستغيث بالخلق فيما لا ~~يقدر عليه إلا الله كما قيل في الجواب فأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا ~~يجوز أن يطلب إلا من الله لا يطلب ذلك من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من ~~غيرهم # ومعلوم أن ms034 سؤال الخلق مثل هذا باطل شرعا وعقلا فمن الذي جعل هذا من ~~الأسباب الشرعية ومن قال إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن عنده شيء ~~يعطيه فينبغي للإنسان أن يسأله ويستغيث به وإذا لم يمكنه دفع العدو ينبغي ~~للإنسان أن يسأله ويستغيث به في ذلك وقد تقدمت النصوص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأنه كان يمدح من لا يسأله مطلقا ويذم من يسأله ما لا يحب أن ~~يعطيه ويذم من يسأله ما لا يقدر عليه # فسؤاله والاستغاثة به في ذلك أذى وعدوان عليه يحرم فعله معه صلى الله ~~عليه وسلم أعظم مما يحرم أذى غيره والعدوان عليه مع ما فيه من الشرك والجزع ~~وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم نهوا أن يسألوه كما ثبت في = الصحيح = عن ~~أنس رضي الله عنه قال نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ~~يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع وقد قال تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم @QE@ ~~PageV01P284 ) سورة المائدة 101 هذا وإن كان في سؤال العلم أحيانا فسؤال ~~الدنيا أولى # وقد ذم من كان يسأل الرسل الآيات قال تعالى @QB@ أم تريدون أن تسألوا ~~رسولكم كما سئل موسى من قبل @QE@ سورة البقرة 108 وقال تعالى @QB@ يسألك ~~أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ~~فقالوا أرنا الله جهرة @QE@ سورة النساء 153 ولو كان يجوز السؤال له ~~والاستغاثة به في كل ما يسأل الله ويستغاث به فيه كما قال هؤلاء المفترون ~~إنه تجوز الاستغاثة به وبغيره من الصالحين في كل ما يستغاث الله فيه لم ~~يحرم من مسألته إلا ما يحرم من مسألة الله والعبد يجوز أن يسأل الله الرزق ~~والعافية والنصر على الأعداء والهداية والنبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز ~~أن يسأله أحد كل ما يقدر فضلا عن أن يسأله ما لا يقدر عليه لما في ذلك من ~~الأذى والعدوان ms035 عليه وهو أحق بالتعزيز والتوقير من غيره فإذا كان يحرم أذى ~~غيره بذلك فأذاه أولى بالتحريم بل أذاه كفر وأذى المؤمنين ذنب قال تعالى ~~@QB@ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم ~~عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا ~~بهتانا وإثما مبينا @QE@ سورة الأحزاب 58 - 57 PageV01P285 @ # | فصل # قال وكثيرا ما تنفى الأشياء في النصوص الشرعية إشارة إلى التوحيد ويثبتها ~~الباري سبحانه في مواضع أخر اعتبارا بالأسباب وإثباتا لبساط الحكمة فيأتي ~~هذا المبتدع فيخلط في الحقائق ويلحد في الآيات كما قال في الإغاثة والنصرة ~~وغيرهما أنها لا تصح في الخلق ولا يسألونها ولا تضاف إليهم وأخطأ في ذلك ~~فإن هذه الحقائق ثبتت للمخلوقات حقيقة لغوية بإجماع العلماء ونصوص الكتاب ~~والسنة اعتبارا بالسبب والحكمة وتنفى عن الخلق إشارة للتوحيد وانفراد ~~الباري بخلقها كما انفرد بخلق غيرها كما قال سبحانه من بساط التوحيد @QB@ ~~وما النصر إلا من عند الله @QE@ سورة آل عمران 126 وقال عز وجل @QB@ إنك لا ~~تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ سورة القصص 56 وقال @QB@ إياك ~~نعبد وإياك نستعين @QE@ سورة الفاتحة 5 ثم قال لنبيه @QB@ وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم @QE@ سورة الشورى 52 وقال @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم ~~النصر @QE@ سورة الأنفال 72 وفي = الصحيح = انصر أخاك ظالما أو PageV01P286 ~~@ مظلوما وقال تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة @QE@ سورة البقرة 45 ~~وقال تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ سورة المائدة 2 وفي = ~~الصحيح = والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وأعني على نفسك ~~بكثرة السجود وجمع الوجهين في قوله تعالى @QB@ وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى @QE@ سورة الأنفال 17 # فيقال في هذا الكلام من الكذب والافتراء والظلم والاعتداء والجهل والضلال ~~ما يظهر عند التأمل وجوابه من وجوه الأول أن لفظ المذكور جواب المسألة التي ~~سألها واعترض بعد جوابها وصورة السؤال المسئول من السادة العلماء أئمة ~~الدين أن يبينوا ما يجوز وما لا يجوز من الاستشفاع والتوسل بالأنبياء ~~والصالحين وصورة PageV01P287 @ الجواب ms036 قد ثبت بالسنة المستفيضة بل ~~المتواترة واتفاق الأمه أن النبي صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع وأنه ~~يشفع في الخلائق يوم القيامة وأن الناس يستشفعون به ويطلبون منه أن يشفع ~~لهم إلى ربهم عز وجل وأنه يشفع لهم ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه ~~PageV01P288 @ يشفع في أهل الكبائر وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد ~~أحد # وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر ولم ينكروا شفاعته ~~للمؤمنين إلا ما يحكى عن طائفة قليلة منهم وهؤلاء مبتدعة ضلال وفي تكفيرهم ~~نزاع وتفصيل ومن أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة ~~عليه # وسواء سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه وكذلك من أقر بشفاعته في الآخرة ~~وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به كما رواه البخاري ~~في = صحيحه = عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانوا إذا قحطوا ~~استسقوا بالعباس بن PageV01P289 @ عبد المطلب وقال اللهم إنا كنا نتوسل ~~إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون وفي سنن أبي ~~داود وغيره أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم جهدت الأنفس وجاع ~~العيال وهلك المال فادع الله لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله ~~عليك فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال ~~ويحك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك وذكر تمام ~~الحديث PageV01P290 @ PageV01P291 @ فأنكر قوله نستشفع بالله عليك ولم ينكر ~~قوله نستشفع بك على الله بل أقره عليه فعلم جوازه فمن أنكر هذا فهو مخطئ ~~ضال مبتدع وفي كفره نزاع وتفصيل # وأما من أقر بما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع من شفاعته والتوسل به ونحو ~~ذلك ولكن قال إنه لا يدعى إلا الله وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ~~فلا تطلب إلا منه مثل غفران الذنوب وهداية القلوب وإنزال المطر وإنبات ~~النبات ونحو ذلك فهذا مصيب في ذلك بل هذا مما لا نزاع فيه بين ms037 المسلمين ~~أيضا كما قال تعالى @QB@ ومن يغفر الذنوب إلا الله @QE@ سورة آل عمران 135 ~~وقال @QB@ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ سورة القصص 56 ~~وكما قال تعالى @QB@ يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير ~~الله يرزقكم من السماء والأرض @QE@ سورة فاطر 3 وكما قال تعالى @QB@ وما ~~جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله @QE@ ~~PageV01P292 ) سورة آل عمران 126 وقال @QB@ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ ~~أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن ~~الله معنا @QE@ سورة التوبة 40 # فالمعاني الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها والمعاني المنفية بالكتاب ~~والسنة يجب نفيها والعبارة الدالة على المعاني نفيا وإثباتا إن وجدت في ~~كلام الله ورسوله وجب إقرارها وإن وجدت في كلام أحد فظهر مراده من ذلك رتب ~~عليه حكمه وإلا رجع إليه فيه وقد يكون في كلام الله ورسوله عبارة لها معنى ~~صحيح لكن بعض الناس يفهم من تلك العبارة غير مراد الله ورسوله فهذا يرد ~~عليه فهمه كما روى الطبراني في معجمه الكبير أنه كان في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال أبو بكر الصديق قوموا بنا نستغيث برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله فهذا إنما أراد به النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P293 @ PageV01P294 @ المعنى الثاني وهو أن يطلب منه ما لا ~~يقدر عليه إلا الله وإلا فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يطلبون منه ~~الدعاء ويستسقون به كما في = صحيح البخاري = عن ابن عمر قال ربما ذكرت قول ~~الشاعر وأنا انظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فما ينزل حتى ~~يجيش له الميزاب # ( وأبيض يستسقى الغمام بوجهه % ثمال اليتامى عصمة للأرامل ) # وهو قول أبي طالب ولهذا قال المصنفون في أسماء الله تعالى يجب على كل ~~مكلف أن يعلم أن ms038 لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله وإن كل غوث فمن ~~عنده وإن كان جعل ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه ولغيره مجازا قالوا ~~ومن أسمائه المغيث والغياث وجاء ذكر المغيث في حديث أبي هريرة قالوا ~~PageV01P295 @ PageV01P296 @ وأجمعت الأمة على ذلك وقال أبو عبد الله ~~الحليمي الغياث هو المغيث وأكثر ما يقال غياث المستغيثين ومعناه المدرك ~~عبادة في الشدائد إذا دعوه ومريحهم ومخلصهم وفي خبر الاستسقاء في = ~~الصحيحين = اللهم أغثنا اللهم أغثنا يقال أغاثة إغاثة وغياثا وغوثا وهذا ~~الاسم في هذا المعنى المجيب PageV01P297 @ والمستجيب قال تعالى @QB@ إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم @QE@ سورة الأنفال 9 إلا أن الإغاثة أحق ~~بالأفعال والاستجابة أحق بالأقوال وقد يقع كل منهما موقع الآخر قالوا ~~والفرق بين المستغيث والداعي أن المستغيث ينادي بالغوث والداعي ينادي ~~بالمدعو وقد تقدم حكاية هذا إلى آخره فليس هذا موضع استقصائه # وفيه والاستغاثة بالرسول بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ~~ينازع فيها مسلم كما أنه يستغاث بغيره بمعنى أن يطلب منه ما يليق به ومن ~~نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به وإما مخطئ ضال وأما ~~بالمعنى الذي نفاه الرسول صلى الله عليه وسلم فهي أيضا مما يجب نفيها ومن ~~أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضا كافر إذا قامت عليه الحجة التي ~~يكفر تاركها # ومن هذا الباب قول أبي يزيد البسطامي استغاثة المخلوق بالمخلوق ~~PageV01P298 @ كاستغاثة الغريق بالغريق وقول الشيخ أبي عبد الله القرشي ~~الشيخ المشهور بالديار المصرية وغيرها استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة ~~المسجون بالمسجون # وفي دعاء موسى عليه السلام اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان ~~وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله ولما كان هذا المعنى ~~هو المفهوم منها عند الإطلاق صح PageV01P299 @ إطلاق نفيها عما سوى الله عز ~~وجل ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة بغير ~~الله ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله ms039 # وكذلك الاستعانة أيضا منها ما لا يصلح إلا لله وهي المشار إليها بقوله ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ سورة الفاتحة 5 فإنه لا يعين على العبادة ~~الإعانة المطلقة إلا الله وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه كما قال ~~تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ سورة المائدة 2 # وكذلك الاستنصار قال تعالى @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~@QE@ سورة الأنفال 72 والنصر المطلق وهو خلق ما به يغلب PageV01P300 @ ~~العدو لا يقدر عليه إلا الله فهذه ألفاظ جواب السؤال الذي طلب جوابه كما ~~تقدم ذكر سؤاله والجواب # وقد ذهب إليه الجواب ووقف عليه وزعم أنه يرد عليه فافترى على المجيب ~~بقوله إنه يخلط في الحقائق ويلحد في الآيات كما قال في الإغاثة والنصرة ~~وغيرهما أنها لا تصح من الخلق ولا يسألونها ولا تضاف إليهم وأخطأ في ذلك ~~فإن هذه الحقائق ثبتت للمخلوقات حقيقة لغوية بإجماع العلماء ونصوص الكتاب ~~والسنة اعتبارا بالسبب والحكمة وتنفى عن الخلق إشارة إلى التوحيد وانفراد ~~الباري عز وجل بخلقها كما انفرد بخلق غيرها كما قال تعالى من بساط التوحيد ~~@QB@ وما النصر إلا من عند الله @QE@ سورة آل عمران 126 وقال @QB@ إنك لا ~~تهدي من أحببت @QE@ سورة القصص 56 وقال @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ ~~سورة الفاتحة 5 وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم @QE@ سورة الشورى 52 وقال @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~@QE@ سورة الأنفال 72 وقال تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ سورة ~~المائدة 2 PageV01P301 @ # فيقال المجيب لم ينفها عن الخلق مطلقا كما ذكرت بل قال وقد يستعان ~~بالمخلوق فيما يقدر عليه كما قال تعالى @QB@ أن تعتدوا وتعاونوا على البر ~~والتقوى @QE@ سورة المائدة 2 وكذلك الاستنصار قال تعالى @QB@ وإن استنصروكم ~~في الدين فعليكم النصر @QE@ سورة الأنفال 72 فقد ذكر هاتين الآيتين قبلك ~~وفرق بين ما يضاف إلى المخلوق وما يضاف إلى الخالق من النصر والإعانة كما ~~فرق بين هذا وهذا في الإغاثة فنقلك عنه النفي العام كذب بين ولكن هو فصل ~~فجعل ما يخص به الله ms040 الذي لا يضاف إلى غيره وهو المطلق وإنما يضاف إلى ~~المخلوق ما يليق به وأنت تريد أن تجعل المخلوق عدل الخالق يضاف إليه جميع ~~ما يضاف إلى الرب عز وجل مضاهاة للحلولية والنصارى والمشركين الذين أنت ~~وأمثالك من طلائع جيوشهم وأبواب مدائنهم وهم دعاة إلى مذهبهم في الحقيقة ~~وإن كانوا لا يعلمون لوازم قولهم وهذا بين يكشف ضلال هؤلاء # ونقول في الوجه الثاني قوله وكثيرا ما تنفى الأشياء في النصوص الشرعية ~~إشارة إلى التوحيد ويثبتها الباري سبحانه PageV01P302 @ في مواضع أخر ~~اعتبارا بالأسباب وإثباتا لبساط الحكمة # هو كلام باطل فإن الله سبحانه لا ينفي شيئا ويثبته إذ الجمع بين نفيه ~~وإثباته تناقض وكلام الله منزه عن التناقض قال الله تعالى @QB@ ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ سورة النساء 82 ولكن المنفي ~~غير المثبت فالذي ينفيه في موضع ليس هو الذي يثبته في موضع آخر ولكن هؤلاء ~~الضلال يجعلون المنفي عين المثبت فيكون ما يضاف إلى الرب بطريق التوحيد ~~يضاف إلى غيره بطريق السبب والحكمة ولهذا قالوا إن كل ما يطلب من الله يطلب ~~من غيره بهذا الطريق # فأشركوا في ربوبية الله وفي دعاء الله وعبادته حيث جعلوا ما يضاف إلى ~~المخلوق يضاف إليه تعالى فصار حقيقة قولهم أن المخلوق تضاف إليه مفعولات ~~الله كلها ويطلب منه مقدورات الرب كلها لما في الخلق من السبب والحكمة ولم ~~يعلم هؤلاء الجهال أن السبب لا يستقل بالتأثير بل تأثيره متوقف على سبب آخر ~~وله موانع وحينئذ فلا يجوز تخصيصه بالإضافة إليه وإن كان سببا وأيضا ~~فالأسباب التى نعرفها مضبوطة وأكثر ما فعله الله ويفعله لا نعرف نحن أسبابه ~~وأيضا أثبتوا أسبابا في خلقه وأمره ونهيه ما أنزل الله بها من سلطان بل ~~إثباتها مخالف للشرع والعقل فضلوا في إثبات أسباب لا حقيقة لها وفي الإضافة ~~إليها وفي تعليق الحوادث كلها بسبب PageV01P303 واحد PageV01P304 @ # وقد حدثني بعض الثقات عن هذا الشخص أنه كان يقول إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم علم مفاتيح ms041 الغيب التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم خمس لا ~~يعلمها إلا الله إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ~~وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت وأظنه ذكر عنه أنه ~~قال علمها بعد أن أخبر أنه لا يعلمها إلا الله # وأخر من جنسه يباشر التدريس وينسب إليه الفتيا كان يقول إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعلم ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر عليه الله ~~PageV01P305 @ وأن السر انتقل بعده إلى الحسن ثم انتقل في ذرية الحسن إلى ~~الشيخ أبي الحسن الشاذلي وقالوا هذا مقام القطب الغوث الفرد PageV01P306 @ ~~الجامع PageV01P307 @ # وكان الشيخ آخر معظم عند أتباعه يدعي هذه المنزلة ويقول إنه المهدى الذي ~~بشر به النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يزوج عيسى بابنته وأن نواصي الملوك ~~والأولياء بيده يولي من يشاء ويعزل من يشاء وأن الرب يناجيه دائما وأنه هو ~~الذي يمد حملة العرش وحيتان البحر وقد عزرته تعزيرا بليغا في يوم مشهود ~~بحضرة من أهل المسجد الجامع يوم الجمعة بالقاهرة فعرفه الناس وانكسر بسببه ~~أشباهه من الدجاجلة # ومن هؤلاء من يقول في قوله تعالى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ~~لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا @QE@ سورة الفتح ~~9 - 8 إن الرسول هو الذي يسبح بكرة وأصيلا ومنهم من يقول أسقط الربوبية وقل ~~في الرسول ما شئت # ( دع ما ادعته النصارى في نبيهم % واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم ) # ( فإن فضل رسول الله ليس له % حد فيعرب عنه ناطق بفم ) # ( وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف % وانسب إلى قدره ما شئت من عظم ) # ( لو ناسبت قدره آياته عظما % أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم ) ~~PageV01P308 @ # ومنهم من يقول نحن نعبد الله ورسوله فيجعلون الرسول معبودا # ومنهم من يأتي قبر الميت الرجل أو المرأة الذي يحسن به الظن لنفسه فيقول ~~اغفر لي وارحمني ولا توقعني على زلة ولا توقفني على خطيئة ونحو هذا الكلام ~~يرد إلى أمثال هذه ms042 الأمور التي تتخذ المخلوق إلها ولما استقر في نفوس ~~عامتهم تجد أحدهم إذا PageV01P309 @ سئل عمن ينهاهم عن هذا ما يقول هذا ~~فيقول فلان عنده ما ثم إلا الله لما استقر في نفوسهم أنهم يجعلون معه آلهة ~~أخرى وهذا كله وأمثاله وقع ونحن بمصر وآخر يقول هذا معظما لمن ينهى عن هذه ~~الأمور حيث إنه عنده ما ثم إلا الله وآخر يقول معظما لمن يدعو إلى التوحيد ~~قد جعل الآلهة إلها واحدا # والمقصود هنا أن نبين خطأه فيما ذكر عن الله تعالى من أنه ينفي الأشياء ~~إشارة إلى التوحيد ويثبتها اعتبارا بالأسباب ونبين أنه سبحانه لا ينفي ما ~~يثبته ولا يثبت ما نفاه # أما قوله تعالى @QB@ وما النصر إلا من عند الله @QE@ سورة آل عمران 126 ~~فهذا النصر المنفي في هذه الآية عن غير الله لم يثبته الله لغيره قط والذي ~~ذكره في قوله @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر @QE@ سورة الأنفال ~~72 ليس هذا هو ذاك يبين هذا أنه قال @QB@ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن ~~يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ~~من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وما جعله الله إلا ~~بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم @QE@ ~~PageV01P310 ) سورة آل عمران 126 - 124 وقال تعالى @QB@ إذ تستغيثون ربكم ~~فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ~~ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم @QE@ سورة ~~الأنفال 10 - 9 فهو سبحانه قد أمدهم بالملائكة ومعلوم أن نصر الملائكة لهم ~~أعظم من النصر الذي أمروا به في قوله @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم ~~النصر @QE@ سورة الأنفال 72 فإن هؤلاء غاية ما يفعلونه دون ما تفعله ~~الملائكة ثم بين أنه وإن نزلت الملائكة وقاتلت فالنصر لا يحصل بمجرد هذا إن ~~لم يحدث الله ما به ينتصر المؤمنون وذلك لأن المقاتل من الملائكة والبشر ~~غاية قدرته نفسه ms043 وأما ما يتولد عن ذلك فهو لا يستقل به # والناس متنازعون في هذا فكثير من النظار المثبتين للقدر يقولون إن جميع ~~المتولدات فعل الله ليست فعلا للعباد مثل الشبع والري وانقطاع العضو وخروج ~~السهم من القوس PageV01P311 @ # وأما القدرية فيقول أكثرهم إنها مفعول فاعل السبب ويقسمون الأفعال إلى ~~مباشر ومتولد لكنهم مع هذا يعلمون أن الفعل لا يتم بمجرد قدرة العبد بل ~~بأمور خارجة عن قدرته # وقالت الطائفة الثالثة إن هذه المتولدات حادثة بفعل العبد وبالأسباب ~~الأخرى فالعبد مشارك فيها ولم ينفوا أثره كما نفاه الأولون ولا جعلوه فاعلا ~~كالأخرين بل جعلوه مشاركا فيها وهذا أعدل الأقوال ولهذا فرق الله تعالى بين ~~الأعمال المباشرة والمتولدة في قوله تعالى @QB@ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ~~ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من ~~عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح @QE@ PageV01P312 ) الآية ثم قال @QB@ ~~ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم @QE@ سورة ~~التوبة 121 - 120 فلما كان الإنفاق والسير عملا مباشرا قال فيه @QB@ كتب ~~لهم @QE@ وتلك الأمور من النصب والجوع وغيظ الكفار والنيل من العدو ليس ~~مباشرا بل هو مما يسمى متولدا فلهذا قال فيه @QB@ إلا كتب لهم به عمل صالح ~~@QE@ لأنهم مشاركون في حصول هذه الآثار وحصول هذه الآثار لا بد فيه من ~~الأسباب التي يخلقها الله ومن دفع الموانع فلا تجوز أن تجعل مفعولة لسبب ~~معين بل هي مفعولة لله تعالى وانتصار المؤمنين على الكفار هو أعظم من النيل ~~الذي ينال من العدو فإذا لم يكن هذا مفعولا لمخلوق فكيف يكون النصر # وهب أن الملائكة نزلت بقذف الرعب في قلوب الكفار كما قال تعالى @QB@ إذ ~~يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب @QE@ سورة الأنفال 12 وأيضا فهب أن الملائكة حضروا فمن الذي ~~يخلق القدرة فيهم وفي المؤمنين والقدرة التي بها يكون الفعل أكثر لا تكون ~~إلا مع الفعل وهب أن القدرة ms044 حصلت فمن يخلق الأسباب الخارجة كقبول الجلود ~~للجرح وحصول الزهوق بعد الجرح والهزيمة المستمرة إذ يمكن أن الكفار يفرون ~~ويكرون ويمكن أنهم يقاتلون حتى يقتلوا فلا PageV01P313 @ يقتل منهم واحد ~~حتى يقتل غيره # فالنصر الذي قال الله تعالى فيه @QB@ وما النصر إلا من عند الله @QE@ ~~سورة آل عمران 126 لا يقدر عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا يقدر عليه إلا ~~الله ليس في الموجودات سبب يحصل به هذا النصر ولا موجب له إلا مشيئة الله ~~فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن فإن كل ما يكون لسبب فلا بد من حصول سبب ~~آخر ومن رفع موانع ثم خلق الأسباب # ورفع الموانع لا بد أن يحدث هو سبحانه ذلك الأثر بفعل منه على أصح قولي ~~الجمهور الذين يقولون إن الخلق غير المخلوق فإن هؤلاء لهم قولان هل يخلق ~~بفعل واحد قديم يوجد جميع الموجودات أم هو يوجد به المفعولات بأفعال ~~متعاقبة كما قال تعالى @QB@ خلقا من بعد خلق @QE@ سورة الزمر 6 على قولين ~~ومن قال بالثاني قال إن PageV01P314 @ PageV01P315 PageV01P316 @ المؤثر ~~التام يستلزم الأثر التام وإلا لزم الترجيح بلا مرجح فإن الفاعل إذا كان ~~قبل حدوث المفعول وحين حدوثه على حال واحدة كان تخصيص أحد الحالين بحدوث ~~المفعول ترجيحا لأحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وهذا ممتنع في صريح ~~العقل PageV01P317 @ # فالأثر لا يوجد إلا إذا حصل مؤثره التام فإنه بدون تمامه لا يكون مؤثرا ~~فلا يحصل الأثر وإذا تم وجب حصول الأثر إذ لو لم يجب لأمكن وجوده وأمكن ~~عدمه فكان يتوقف على حدوث شيء آخر فلا يكون المؤثر تاما وهؤلاء يقولون إن ~~القدرة مع الفعل وكذلك الإرادة وسائر ما يتوقف عليه الفعل وإن كان بعض ذلك ~~قد يتقدم عليه ويبقى إلى حين حصوله لكن لا بد من وجوده معه وهذا الفعل الذي ~~هو تكوين الرب خارج عن جميع الأسباب المخلوقة # وأما قوله @QB@ إنك لا تهدي من أحببت @QE@ سورة القصص 56 مع قوله @QB@ ~~وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ سورة الشورى 52 فقد ms045 اتفق المسلمون على أن ~~تلك الهداية المنفية ليست هي الهداية المثبتة له لا نزاع في هذا بين أهل ~~السنة والقدرية # وأما الهداية الثابتة فهي الدعوة والبيان وهذا يشترك فيه من يحبه ومن لا ~~يحبه فإن عليه البلاغ المبين وقد بلغ صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين ~~وقال في آخر عمره في حجة الوداع اللهم هل بلغت قالوا نعم قال اللهم ~~PageV01P318 @ اشهد ونظير هذا قوله تعالى @QB@ وأما ثمود فهديناهم @QE@ ~~سورة فصلت 17 وقوله @QB@ فقالوا أبشر يهدوننا @QE@ سورة التغابن 6 وقال ~~تعالى @QB@ ولكل قوم هاد @QE@ سورة الرعد 7 والهداية هي الدلالة والإرشاد ~~بكلامه وبعلمه وأمره ونهيه وترغيبه وترهيبه وأما حصول الهدى في القلب فهذا ~~لا يقدر عليه إلا الله باتفاق المسلمين سنيهم وقدريهم # أما أهل السنة فيقولون إن الاهتداء الذي في القلب لا يقدر عليه إلا الله ~~ولكن العبد يقدر على أسبابه وهو المطلوب منه بقوله تعالى @QB@ اهدنا الصراط ~~المستقيم @QE@ سورة الفاتحة 6 وهو المنفي عن الرسول بقوله @QB@ إنك لا تهدي ~~من أحببت @QE@ سورة القصص 56 وقوله @QB@ إن تحرص على هداهم فإن الله لا ~~يهدي من يضل @QE@ PageV01P319 @ سورة النحل 37 وقوله @QB@ ليس عليك هداهم ~~ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ سورة البقرة 273 وأما القدرية فيقولون إن ذلك ~~مقدور للعبد PageV01P320 @ # ولهذا تنازعوا في العلم الحاصل في القلب عقب الاستدلال فقالت القدرية هو ~~فعل العبد وقالت المثبتة هو مفعول الله كسب للعبد # وتنازعوا في النظر هل هو متضمن له مستلزم له أو مقترن اقترانا عاديا على ~~قولين مشهورين والتحقيق أنه من جملة الأمور التي تسمى المتولدات كالشبع ~~والري والرؤية في العين والسمع في الأذن PageV01P321 @ فهي حاصلة بفعل ~~العبد المقدور له وبأسباب خارجة عن قدرته ولهذا يثاب عليه لما له في حصوله ~~من التسبب والاكتساب # وكذلك قوله تعالى @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ سورة الفاتحة 5 فإن ~~هذه الاستعانة التي يختص بها الله تبارك وتعالى لم يثبتها لغيره أبدا كما ~~أن العبادة له لم يثبتها لغيره أبدا وقوله تعالى @QB@ وتعاونوا على البر ~~والتقوى @QE@ سورة المائدة 2 ms046 ليس ذلك التعاون هو هذه الإعانة المطلوبة من ~~الله فإن إعانة الله لعبده على عبادته تكون بأمور لا يقدر عليها غيره مثل ~~جعل العلم والهدى في القلب وجعل الإرادة والطلب في القلب وخلق القوى ~~الباطنة والظاهرة موضع بناء الأسباب المنفصلة التي بها تحصل العبادة ومعونة ~~الإنسان لغيره إنما هي بفعله القائم في محل قدرته وهي شيء لا يخرج عنه وما ~~خرج عن محل قدرته فقد تقدم الكلام فيه وغايته أن يكون له فيه شرك # والمقصود أن ما أمر الخلق به وجعله فعلا هو الذي نفاه عن غيره وبين أنه ~~يختص به PageV01P322 @ # وأما قوله @QB@ وما رميت إذ رميت @QE@ سورة الأنفال 17 فقد تقدم الكلام ~~عليها وبينا غلط من ظن أن الرمي المنفي عن الرسول هو عين المثبت له وبينا ~~أن المنفي هو وصول الرمي إلى الكفار وتأثيره فيهم والمثبت هو الحذف الذي ~~يقدر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم # وقوله صلى الله عليه وسلم انصر أخاك ظالما أو مظلوما هو من جنس قوله @QB@ ~~وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر @QE@ سورة الأنفال 72 وأما قوله تعالى ~~@QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة @QE@ سورة البقرة 45 فالمستعان به فعل يفعله ~~العبد والمعنى اصبروا وصلوا فإن ذلك يعينكم على المطلوب # والأعمال الصالحة بينها تصادق وتلازم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل ~~يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي ~~إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب ~~حتى يكتب عند الله PageV01P323 @ كذابا أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود ~~رضي الله عنه وهداية الصدق مثل إعانة الصبر والصلاة وليس ذلك هو ما أثبته ~~الله لنفسه ونفاه عن غيره سبحانه وتعالى أن يكون تأثيره مثل تأثير الأعراض # وقوله النبي صلى الله عليه وسلم والله في عون العبد ما كان العبد في عون ~~أخيه هو من جنس قوله تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ سورة ~~المائدة ms047 2 فقد تبين أن جميع ما ذكره من النصوص ليس فيه أن ما نفاه عن غيره ~~أثبته لغيره في موضع آخر بل الذي أثبته لغيره غير الذي نفاه عن غيره # الوجه الثالث قوله إن هذه الحقائق تثبت للمخلوقين حقيقة PageV01P324 @ ~~لغوية بإجماع العلماء غايته أن قول العرب مات زيد وتحركت الشجرة وهبت ~~الرياح ونحو ذلك يسمى في لغتهم حقيقة وهذا لا ينفعه لأن المضاف إلى المخلوق ~~ليس هو الذي نفاه الرب عن غيره فإنه يقال أماته الله والإماته التي اختص ~~الله بها لا تثبت لغيره وإن قيل إن فلانا أماته فالمراد أنه فعل فعلا خلق ~~الله الموت فيه مع أسباب أخر هو من جملتها وهو المضاف إلى العبد وليس هو ~~الذي نفاه الرب عن غيره فما يضاف إلى السبب لم ينفه الله عن غيره وما نفاه ~~لا يضاف إلى السبب وأيضا فهب أن هذه حقيقة لغوية أي قاعدة في هذا والكلام ~~هنا في الحقائق العقلية والأحكام الشرعية لا في استعمال الألفاظ وليس كل من ~~أضيف إليه الفعل لغة يترتب على ذلك الأحكام الشرعية التي للفاعلين ~~PageV01P325 @ # الوجه الرابع قوله اعتبارا بالأسباب وإثباتا لبساط الحكمة ماذا تعنى به ~~فإن الناس يتنازعون في ذلك فمنهم من يقول ليس في الوجود سبب له تأثير وحكمة ~~يفعل لإجلها بل محض مشيئة الرب قرنت بين الشيئين قرانا عاديا فإن تقدم سمي ~~سببا وإن تأخر سمي حكمة من غير أن يكون للمتقدم تأثير في اقتضاء الفعل ولا ~~للفعل تأثير في إقتضاء الحكمة وليس عند هؤلاء في القرآن لام تعليل في فعل ~~الله وهذا قول الجهم بن صفوان وكثير من النظار المنتسبين إلى القدر ~~كالأشعري وأتباعه ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي PageV01P326 @ وأحمد ~~ولا يقولون إن هذا الشخص ينسب إليهم فعلى قولهم لا سبب ولا حكمة # ومن الناس من أثبت حكمة منفصلة عن الرب يفعل لأجلها وهو قول المعتزلة ~~ونحوهم من الجهمية ثم القدرية من هؤلاء يثبتون التأثير لأفعال الحيوان ولا ~~يثبتون تأثيرا لغير ذلك # وأما الفقهاء وأهل الحديث ms048 والصوفية وكثير من أهل الكلام كالكرامية وغيرهم ~~فإنهم يثبتون السبب والحكمة لكن كثير من هؤلاء يتناقض فيتكلم في الفقه بلون ~~وفي أصول الفقه بلون وفي أصول الدين بألوان ففي الفقه يثبت الأسباب والحكم ~~وفي أصول الفقه يسمى العلل الشرعية أمارات خلاف ما يقوله في الفقه وفي أصول ~~الدين ينفي الحكمة والتعليل بالكلية لظنه أن قول القدرية لا يمكن إبطاله ~~إلا بذلك والقليل من هؤلاء هو الذي يحقق الحكمة ويبين رجوعها إلى الفاعل ~~الحكيم مع حصول موجبها في مخلوقاته PageV01P327 @ # وهذه المسائل من أشرف العلم وقد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع ~~PageV01P328 @ # والمقصود هنا أن ما ذكره هذا الشخص من النصوص ليس فيه إثبات الأسباب ~~والحكم لأفعال الرب التي نفاها عن غيره وبيان ذلك أن الأسباب عند من يقول ~~بإثباتها هي من جملة الحوادث التي يكون الرب عز وجل فاعلا لها فالقول في ~~إحداثه للسبب والحكمة كالقول في إحداثه ما بينهما يمتنع أن يكون شي من ذلك ~~محدثا لغيره بل هو محدث جميع المحدثات وليس في ذلك ما يوجب كون الأسباب ~~محدثة وأيضا فهذه الآيات التى ذكر ليس فيها إثبات حكم شيء من المحدثات ~~كقوله @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ سورة الشورى 52 ( فعليكم النصر ~~) سورة الأنفال 72 بل ولا فيها إثبات نسبة الفعل إلى الرب بل فيها إثبات ~~بعض أفعال العباد كهدايته وإعانته وأفعال العباد لا تختص بكونها أسبابا دون ~~غيرها من الحوادث فكلام هذا الرجل كلام من لم يتصور صحيحا ولا عبر فصيحا # الوجه الخامس أن يقال نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من ~~PageV01P329 @ الأسباب والحكم لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ~~ودعاءه سببا في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ومن الذي قال إنك إذا ~~استغثت بميت أو غائب من البشر نبيا كان أو غير نبي كان ذلك سببا في حصول ~~الرزق والنصر والهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله ومن الذي شرع ذلك ~~وأمر به ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء ms049 والصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى ~~يوم الدين # فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين أحدهما أن هذه أسباب لحصول المطالب ~~التي لا يقدر عليها إلا الله # والثانية أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها فإنه ليس كل ما كان سببا ~~كونيا يجوز تعاطيه فإن قتل المسافر قد يكون سببا لأخذ ماله وكلاهما محرم ~~والدخول في دين النصارى قد يكون سببا لمال يعطونه وهو محرم وشهادة الزور قد ~~تكون سببا لما يؤخذ من المشهود له وهو حرام وكثير من الفواحش والظلم قد ~~يكون سببا لنيل مطالب وهو محرم والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب وهو ~~محرم وكذلك الشرك مثل دعوة الكواكب والشياطين وعبادة البشر قد يكون سببا ~~لبعض المطالب وهو محرم فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كانت مفسدته راجحة ~~على مصلحته وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحيانا وهذا المقام مما يظهر به ~~ضلال هؤلاء المشركين خلقا وأمرا فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية على أن الله ~~شرع لخلقه أن يسألوا ميتا PageV01P330 @ أو غائبا أو يستغيثوا به سواء كان ~~ذلك عند قبره أو لم يكن عند قبره وهم لا يقدرون على ذلك # بل نقول في الوجه السادس سؤال الميت والغائب نبيا كان أو غيره من ~~المحرمات المنكرة بإتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله ~~أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا استحسنه أحد من أئمة المسلمين ~~وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين فإن أحدا منهم ما كان يقول إذا ~~نزلت به ترة أو عرضت له حاجة لميت يا سيدي فلان أنا في حسبك أو اقض حاجتي # كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين ولا أحدا ~~من الصحابة استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ولا بغيره من ~~الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها وقد كانوا يفقون تلك المواقف ~~العظام في مقابلة المشركين في القتال ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون ومع ~~هذا لم يستغث أحد منهم بنبي ولا غيره من المخلوقين ms050 بل ولا أقسموا بمخلوق ~~على الله أصلا ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور PageV01P331 @ الأنبياء ~~ولا الصلاة عندها # وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم يدعو لنفسه وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف PageV01P332 ~~@ # وأما ما يروى عن بعضهم أنه قال قبر معروف الترياق المجرب PageV01P333 @ ~~وقال بعضهم فلان يدعى عند قبره وقول بعض الشيوخ لمريده إذا كانت لك حاجة ~~إلى الله فاستغث بي أو قال استغث عند قبري ونحو ذلك فإن هذا وقع فيه كثير ~~من المتأخرين وأتباعهم وكثير من هؤلاء إذا استغاث بالشيخ رأى صورته وربما ~~قضى بعض حاجته فيظن أنه الشيخ نفسه أو أنه ملك تصور على صورته أو أن هذا من ~~كراماته فيزداد به شركا ومغالاة ولا يعلم أن هذا من جنس ما تفعله الشياطين ~~بعباد الأوثان حيث تتراءى أحيانا لمن تعبدها وتخاطبهم ببعض الأمور الغائبة ~~وتقضي لهم بعض الطلبات ولكن هذه الأمور كلها بدع محدثة في الإسلام بعد ~~القرون الثلاثة المفضلة # وكذلك المساجد المبنية على القبور التي تسمى المشاهد محدثة في الإسلام ~~والسفر إليها محدث في الإسلام لم يكن بني من ذلك شيء PageV01P334 @ في ~~القرون الثلاثة المفضلة # بل ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك ~~لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وثبت في الصحيح عنه أنه PageV01P335 @ ~~قال قبل أن يموت بخمس إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك وقد تقدم في الجواب أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه لما أجدبوا استسقى بالعباس وقال اللهم إنا كنا إذا ~~أجدبنا نتوسل إليك بنبينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون فلم ~~يذهبوا إلى القبور ولا توسلوا بميت ولا غائب بل توسلوا بالعباس كما كانوا ~~يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان توسلهم بدعائه كالإمام مع المأموم ~~وهذا تعذر ms051 بموته # فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء والصالحين اللهم إني أسألك بفلان أو ~~بجاه فلان أو بحرمة فلان فهذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن ~~الصحابة ولا عن التابعين وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز ونقل عن ~~بعضهم جوازه فكيف يقول القائل للميت أنا PageV01P336 @ أستغيث بك وأستجير ~~بك أو أنا في حسبك أو سل لي الله PageV01P337 @ ونحو ذلك فتبين أن هذا ليس ~~من الأسباب المشروعة ولو قدر أن له تأثيرا فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح ~~بل مفسدته راجحة على مصلحته كأمثاله من دعاء غير الله # وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب أو ميت تتمثل له الشياطين وربما ~~كانت على صورة ذلك الغائب وربما كلمته وربما قضت له أحيانا بعض حوائجه كما ~~تفعل شياطين الأصنام وهذا مما قد جرى لغير واحد فينبغي أن يعرف # ومن هؤلاء من يؤذى الميت بسؤاله إياه أعظم مما يؤذيه لو كان حيا وربما ~~قضيت حاجته مع ذم يلحقه كما كان الرجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~أحيانا فيعطيه ويقول إن أحدكم يسألني المسألة فيخرج بها يتأبطها نارا ومن ~~هذا الحكاية المذكورة في الذي جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وطلب ~~منه سكباجا فأتاه بعض أهل المدينة فأطعمه سكباجا PageV01P338 @ وأمره ~~بالخروج من المدينة وقال إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يطعمه ~~وأن يخرجه وقال من يقيم بالمدينة لا يتمنى ذلك أو كما قال ولا ريب أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بل ومن هو دونه حي يسمع كلام الناس وكما قال صلى الله ~~عليه وسلم ما من رجل يسلم علي إلا ردا الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ~~وما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم PageV01P339 @ ~~PageV01P340 @ عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه رواه ابن عبد البر ~~PageV01P341 @ PageV01P342 @ وصححه # لكن في مسألتهم أنواع من المفاسد منها إيذاؤهم له بالسؤال ومنها إفضاء ~~ذلك إلى الشرك وهذه ms052 المفسدة توجد مع الموت دون الحياة فإن أحدا من الأنبياء ~~والصالحين لم يعبد في حياته إذ هو ينهى عن ذلك وأما بعد الموت فهو لا ينهى ~~فيفضي ذلك إلى اتخاذ قبره وثنا يعبد ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~تتخذوا قبري عيدا وقال اللهم لا تجعل PageV01P343 @ قبري وثنا يعبد وقال ~~غير واحد من السلف في قوله تعالى PageV01P344 @ @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ سورة نوح 23 إن هؤلاء ~~كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبروهم ثم صوروا ~~تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم ولهذا المعنى لعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم الذين اتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد وأما النبي والصالح إذا ~~بنى له مسجدا في حياته يصلى فيه معه فهذا من أفضل الأعمال فحكم الحياة ~~يفارق حكم الممات وذلك كما جاءت السنة بذلك # | فصل # قال ثم اعلم أنه من نفى الحقائق نفيا عاما يفهم به الإشارة PageV01P345 @ ~~للتوحيد وإفراد الباري بالقدرة عددناه من المنزهين ولم نجعل ذلك إبطالا ~~للحكمة إذ الألفاظ يعتبر حكمها بما تفهم العقول منها بمقتضى الأوضاع ~~والقرائن ومن خص الرسول أو الملائكة بنفي خاص يفهم منه طرح رتبتهم وعدم ~~صلاحيتهم للأسباب فقد نقصهم بعبارته وإن نوى معاني التوحيد ولم يجعل الله ~~لأحد تنقيص الرسول وأجمع الخلف والسلف على وجوب تعظيمهم في الإعتقاد ~~والأقوال والأفعال # والجواب من وجوه أحدها أن الجواب المذكور ليس فيه تخصيص النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالذكر بل قد صرح فيه بالعموم وقيل فيه من قال لا يدعى إلا الله ~~وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله فلا تطلب إلا منه مثل غفران الذنوب ~~وهداية القلوب وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك فهذا مصيب ولذلك حيث ~~ذكر هذا فلم يذكره إلا على وجه التعميم فدعوى المدعي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم والملائكة خصوا بالذكر كذب لا يحتاج إلى جواب # الوجه الثاني أن يقال التحقيق في هذا الباب أنه إذا كان ms053 المنفي لا يصلح ~~لمخلوق فذكرت الأنبياء والملائكة على سبيل تحقيق النفي العام كان هذا من ~~أحسن الكلام وكان هذا من باب التنبيه كما يقال لا تجوز العبادة إلا لله ~~تعالى لا لملك مقرب ولا نبي مرسل فينبه بنفيها عن الأعلى على انتفائها عمن ~~هو دونهم بطريق الأولى وكذلك إذا كان المخصوص بالذكر ممن قد حصل فيه غلو ~~PageV01P346 @ كما يقال ليس في الصحابة معصوم لا علي ولا غيره وليس في ~~النبيين إله لا المسيح ولا غيره فهذا أحسن # فالمخصص إذا كان فيه فائدة مطلوبة كان حسنا ومنه قوله تعالى @QB@ أفرأيتم ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ~~ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى أم للإنسان ما ~~تمنى فلله الآخرة والأولى وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا ~~من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ سورة النجم 26 - 12 فنفى سبحانه ~~أن تغنى شفاعة الملائكة الذين في السماء إلا من بعد إذنه تنبها بذلك على أن ~~من دونهم أولى أن لا تغني شفاعتهم فإن المشركين كانوا يقولون عن الأصنام ~~إنها تشفع لهم قال تعالى @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ~~ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ سورة يونس 18 ولا يجوز أن يكون ~~الكلام تنقيصا بالملائكة ولذلك قال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ~~انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن ms054 عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ~~@QE@ PageV01P347 ) سورة النساء 172 - 171 فإنه لما كان الكلام في إثبات ~~توحيد الله تعالى والنهي عن الغلو في الدين الذي فيه تشبيه المخلوق بالخالق ~~قال @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون @QE@ ~~بعد أن قال @QB@ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه @QE@ وقال في الآية الأخرى @QB@ ما المسيح ابن مريم إلا رسول ~~قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام @QE@ سورة المائدة 75 ~~فنسبه إلى أمه وهذا قد جرى في القرآن في غير موضع فنسبه إلى أمه لينفي ~~نسبته إلى غيرها فلا ينسب إلى الله أنه ابنه ولا إلى أب من البشر كما زعمت ~~النصارى الغالية فيه ولا كما زعمت اليهود الكافرة به # وأبلغ من هذا قوله تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن ~~في الأرض جميعا @QE@ سورة المائدة 17 فذكر أهل الأرض جميعا وخص المسيح وأمه ~~بالذكر من أنه إن أراد إهلاكهم لن يملك أحد لهم PageV01P348 @ منه شيئا لأن ~~المسيح وأمه اتخذا آلهين كما قال تعالى @QB@ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ~~أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله @QE@ سورة المائدة 116 فكان ~~التخصيص بالذكر لنفي هذا الشرك والغلو الذي وقع في المسيح وأمه ولم يكن ذلك ~~من باب التنقيص بالمسيح وأمه بل كان التخصيص لأجل أن الكلام وقع في ذلك ~~المعين # فالتخصيص للحاجة إلى ذكر المخصوص والعلم به أو لأجل التنبيه به على ما ~~سواه ولهذا لا يكون التخصيص في هذا مفهومه مخالفة بنفي نقيض الحكم عن ما ~~سواه وهو الذي يسمى دليل الخطاب للتخصيص لم يكن للاختصاص بالحكم وقال تعالى ~~@QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون ولا يأمركم ms055 أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد ~~إذ أنتم مسلمون @QE@ PageV01P349 ) سورة آل عمران من 80 - 79 فتخصيص ~~الملائكة والنبيين بالذكر تنبيه على من دونهم فإنه لا يأمر باتخاذ الصالحين ~~أربابا بطريق الأولى # ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لن يدخل أحد ~~منكم الجنة بعمله قيل ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني ~~الله برحمة منه وفضل فكان تخصيصه بالذكر لتحقيق العموم وأن هذا النفي ~~يتناول أفضل الخلق فلا يظن أحد غيره أنه يدخل الجنة بعمله # وكذلك قوله في الحديث الصحيح ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من ~~الملائكة وقرينه من الجن قالوا وإياك يا رسول الله قال وإياي إلا أن الله ~~أعانني عليه فأسلم # ومنه قوله تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين @QE@ PageV01P350 ) سورة الأنبياء 26 - 29 ~~فذكر هذا الوعيد في الملائكة وخصهم بالذكر تنبيها على أن دعوى الإلهية لا ~~تجوز لأحد من المخلوقين لا ملك ولا غيره وإنه لو قدر وقوع ذلك من ملك من ~~الملائكة لكان جزاؤه جهنم فكيف من دونهم وهذا التخصيص إفراد الله بالآلهية ~~ومنه قوله تعالى في الأنبياء @QB@ ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم ~~وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو ~~أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون @QE@ سورة الأنعام 88 - 87 # والأنبياء معصومون من الشرك والكفر ولكن المقصود بيان أن الشرك لو صدر من ~~أفضل الخلق لأحبط عمله فكيف بغيره # وكذلك قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين @QE@ سورة الزمر 65 مع أن الشرك منه ممتنع لكن بين ~~بذلك أنه إذا قدر وجوده كان مستلزما لحبوط عمل المشرك وخسرانه كائنا من كان ~~وخوطب ms056 بذلك أفضل الخلق لبيان عظم هذا الذنب لا لنقص قدر المخاطب كما قال ~~تعالى @QB@ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه ~~الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين @QE@ PageV01P351 سورة الحاقة 47 - 44 ~~ليبين سبحانه أنه ينتقم ممن يكذب في الرسالة كائنا من كان وأنه لو قدر أنه ~~غير الرسالة لانتقم منه والمقصود نفى هذا التقدير لانتفاء لازمه # وكذلك قوله تعالى @QB@ أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم ~~على قلبك @QE@ سورة الشورى 24 ثم قال @QB@ ويمح الله الباطل ويحق الحق ~~بكلماته @QE@ سورة الشورى 24 وفي الحديث المعروف إن الله لو عذب أهل سمواته ~~وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ~~فهذا من بيان عدل الرب وإحسانه وتقصير الخلق عن واجب حقه حتى الملائكة ~~والأنبياء PageV01P352 @ وغيرهم وأنه لو عذبهم لم يكن ظالما لهم فكيف بمن ~~دونهم وهذا باب واسع # فمن غلا في طائفة من الناس فإنه يذكر له من هو أعلى منه ويبين أنه لا ~~يجوز هذا الغلو فيه فكيف يجوز الغلو في الأدنى كما قال بعض الشيعة لبعض ~~شيوخ أهل السنة تقول إن مولانا أمير المؤمنين عليا ما كان معصوما فقال أبو ~~بكر وعمر عندنا أفضل منه وما كانا معصومين # وكما يقال لمن يعظم شيخه أو أميره بأنه يطاع في كل شيء وأنه لا تنبغي ~~مخالفته فيقال له أبو بكر أفضل منه وقد قال أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت ~~الله فلا طاعة لي عليكم إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن أحسنت فأعينوني وإن ~~زغت فقوموني وكما ظن الغالي أن الصالحين لا يؤذيهم عدوهم ولا يجرحون ~~لاعتقاده أن ذلك PageV01P353 @ نقص فيهم وأنهم قادرون على دفع كل أذى فيقال ~~أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم قد أوذي وقد جرح يوم أحد وذلك كرامة من ~~الله تعالى ليعظم أجره ويزيده رفعة بالصبر على الأذى في الله # وكذلك لو حلف حالف بشيخه فقيل له لا تحلف بغير الله فمن ms057 حلف بغير الله ~~فقد أشرك وكذلك إذا اعتقد معتقد PageV01P354 @ بشيخه أنه يشفع لمريديه وأن ~~له راية في الآخرة يدخل تحتها مريديه الجنة فيقال له المرسلون أفضل منه ~~وسيد ولد أدم صلى الله عليه وسلم إذا جاء يشفع يسجد بين يدي الله عز وجل ~~ويحمد ربه بمحامد فيقال له ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول ~~يا رب أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة # فهو صلى الله عليه وسلم لا يشفع إلا بعد أن يؤذن له بل يبدأ بالسجود لله ~~والثناء عليه ثم إذا أذن له في الشفاعة وشفع حد له حدا يدخلهم الجنة فليست ~~الشفاعة مطلقة في حقه ولا يشفع إلا بإذن الله فكيف يكون الشيخ إن كانت له ~~شفاعة PageV01P355 @ # وكذلك إذا قيل عن بعض الشيوخ ان قبره ترياق مجرب أو أنه قيل له إذا كانت ~~قبور الأنبياء عليهم السلام ليست ترياقا مجربا فكيف تكون قبور الشيوخ # وكذلك إذا قيل إن الشيخ الميت يستسقى عند قبره ويقسم به على الله ويعرف ~~عنده عشية عرفه ونحو ذلك قيل له إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد ~~الخلق لم تستسق الصحابة رضوان الله عليهم عند قبره ولا أقسموا به على الله ~~ولا عرفوا عند قبره فكيف غيره # وكذلك إذا قيل إنه يسجد لقبر الشيخ أو يستلم ويقبل قيل إذا كان قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يسجد له ولا يستلم ولا يقبل باتفاق الأئمة فكيف بقبر ~~غيره # وكذلك إذا قيل الموضع الذي كان الشيخ يصلي فيه لا يصلي فيه غيره احتراما ~~له قيل له إذا كان الصحابة صلوا في الموضع الذي PageV01P356 @ كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يصلي فيه فكيف لا يصلي في موضع مصلى غيره وهو أحق ~~بالاحترام من كل أحد # وكذلك إذا قيل إن الشيخ الميت يدعى ويسأل ويستغاث به قيل له إذا كان ~~الأنبياء بعد موتهم لا يدعون ولا يسألون ولا يستغاث بهم فكيف بمن دونهم # وإذا قيل يطلب من الشيخ كل شيء فقيل مالا ms058 يقدر عليه إلا الله لا يطلب من ~~الأنبياء فكيف يطلب ممن دونهم # وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول يا رسول ~~الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم ~~القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك ~~لك شيئا قد أبلغتك أخرجاه PageV01P357 @ فقد أخبر أنه يستغيث به أهل الغلول ~~يوم القيامة فلا يغيثهم بل يقول قد أبلغتكم لا أملك لكم من الله شيئا # كما قال يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول ~~الله لا أغني عنك من الله شيئا يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله ~~شيئا # وهذا النوع من الكلام يقال على وجه العموم تارة يقال السجود لا يصلح إلا ~~لله لا لنبي ولا لغيره وتارة يقال السجود لا يصلح للأنبياء فكيف بمن دونهم ~~وتارة يقول السائل هل أسجد للشيخ فيقال له الرسول لا يسجد له فكيف يسجد ~~للشيخ فتارة يذكر الاسم العام ويخص الأفضل بالذكر تحقيقا للعموم وأنه لا ~~يستثنى من هذا العموم أحد وإن كان أفضل # كما يقال مات الناس حتى الأنبياء وتارة يذكر الأفضل ويعطف عليه غيره ~~تحقيقا للعموم وتارة يختص الأفضل بالذكر تنبيها على من PageV01P358 @ سواه ~~فهذا النمط من الكلام حيث ذكر الأفضل فيه فإنه لا يراد اختصاصه بالحكم بل ~~يراد به العموم وتحقيق العموم وأن هذا الحكم ثابت في حق الأفضل فكيف من ~~دونه # وحينئذ فإذا قدر أن سائلا سأل هل يستغاث بميت من الأنبياء والصالحين فقيل ~~له لا تستغث بأحد منهم لا نبي ولا غيره أو قيل لا يستغاث بالنبي فكيف بمن ~~دونه أو قيل أفضل الخلق لا يستغاث به أو نحو ذلك من العبارات التي يفهم ~~منها عموم النفي وأنه ذكر الأفضل تحقيقا للعموم كان هذا من أحسن الكلام كما ms059 ~~تقدم # كما إذا قيل لا يسجد لقبره ولا يتمسح به ولا يقبل ولا يتخذ وثنا يعبد ~~ونحو ذلك # وكذلك لو كان الخطاب ابتداء في سياق التوحيد ونفي خصائص الرب عن العبد ~~فقيل ما لا يقدر عليه إلا الله لا يطلب إلا منه لا من نبي ولا غيره أو قيل ~~لا يستغاث فيه بالنبي فكيف من دونه أو نحو هذا الكلام كان حسنا # فالاستغاثة المنفية نوعان أحدهما الاستغاثة بالميت مطلقا في كل شيء ~~والثاني الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق فليس لأحد أن ~~يسأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله لا نبيا ولا غيره PageV01P359 @ ~~ولا يستغيث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق وليس لأحد أن يسأل ميتا أو ~~يستغيث به في شيء من الأشياء سواء كان نبيا أو غيره وإذا كان كذلك فجميع ما ~~وقع هو من هذا الباب ولم يفهم أحد من الخلق شيئا إلا هذا # الوجه الثالث قوله من نفى الحقائق نفيا عاما يفهم به الإشارة للتوحيد ~~وإفراد الباري بالقدرة عددناه من المنزهين ولم يجعل ذلك إبطالا للحكمة ومن ~~خص الرسول أو الملائكة بنفي خاص يفهم من طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم للأسباب ~~فقد نقصهم بعبارته وإن نوى معاني التوحيد # يقال له أولا قولك عددناه من المنزهين عبارة في غير موضعها بل حقه أن ~~يقال من الموحدين فإن التنزيه نفي النقائص عن الله عز وجل وأما الإشارة إلى ~~التوحيد وإفراده بالقدرة فيسمى توحيدا # ويقال له قولك خصهم بنفي خاص يفهم منه طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم للأسباب ~~كلام مجمل فماذا تريد به أتريد به عدم صلاحيتهم للأسباب التي أثبتها الله ~~تعالى لهم مثل عدم صلاحية الملائكة للنزول بالوحي والعذاب وتدبير العالم ~~وعدم صلاحية PageV01P360 @ الرسول لتبليغ رسالة الله ونحو ذلك مما أثبته ~~الله لهم # أو عدم صلاحيتهم لما اختص الرب تبارك وتعالى به مثل أن يطلب منهم الأمور ~~التي لا يقدر عليها غيره وعدم صلاحيتهم لكونهم يسألون ويدعون بعد موتهم أو ~~يطلب منهم كما يطلب من الله ms060 # فإن عنيت الأول فقائله أعظم جرما من أن يقال نقصهم بعبارته إذ قد يكون ~~كافرا مثل أن يتضمن نفيه جحد رسالة الرسول أو جحد نزول الملائكة عليه ~~بالوحي أو جحد ما يدخل في الإيمان من الإيمان بالملائكة ولكن ما نحن فيه ~~ليس من هذا الباب # وإن أردت الثاني فليس في نفي خصائص الربوبية عن المخلوق نقص له يجب ~~تنزيهه عنه فضلا عن أن يجب نفيه عنه فمن قال لا إله إلا الله لم يكن قد نقص ~~الملائكة والأنبياء بنفي الآلهية عنهم ومن قال إن الملائكة والأنبياء ليسوا ~~أربابا ولا آلهة ولا يعبدون ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله كان قد ~~نفى عنهم ما يختص به الرب تبارك وتعالى ولم ينف عنهم ما هم أسباب فيه وإنما ~~يكون نافيا للأسباب إذا قال لا شفاعة لهم ولا يشفعون لأحد ولا يدعون ~~PageV01P361 @ لأحد أو دعاؤهم لا ينفع أحدا فهذا باطل بل كفر أو قال إنه لا ~~يتوسل إلى الله بالإيمان بهم ومحبتهم وطاعتهم أو لا يتوسل إليه بدعائهم ~~وشفاعتهم فهذا باطل بل كفر # وهذا المفتري لما قال إنه يجوز أن يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم في ~~كل ما يستغاث بالله فيه وأن ذلك صحيح في حق النبي والصالحين وقال إن كل من ~~توسل إلى الله بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به سواء كان حيا أو ميتا وإن ~~من سأله وطلب منه فقد استغاث به فاقتضى ذلك أنه يطلب منه حيا وميتا كل شيء ~~كما يطلب من الله ويطلب بالتوسل به حيا وميتا كل ما يطلب من الله وأن ذلك ~~ثابت للصالحين أيضا اقتضى كلامه أنه يطلب من المخلوق حيا وميتا كل ما يطلب ~~من الخالق سبحانه وتعالى # ومعلوم أن هذا الذي قاله لو كان حقا لم يجز نفي الاستغاثة به بوجه من ~~الوجوه كما لا يجوز نفي شفاعته التي أثبتها الله ونفى استشفاع الناس به يوم ~~القيامة كما نطقت به النصوص ونفى توسل الصحابة بشفاعته ودعائه في الدنيا ms061 ~~PageV01P362 @ # فمن قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع لأحد ولا يستشفع به وإنه لم ~~تكن الصحابة يستشفعون به فهو مفتر كذاب بل هو كافر بعد قيام الحجة عليه # وإما من قال إنه لا يطلب منه مالا يقدر عليه إلا الله أو قال إنه لا يسأل ~~بعد موته كما كان يسأل في حياته فهذا قد أصاب فأين هذا من هذا وأما من قال ~~إنه لا يقسم على الله بمخلوق ولا يتوسل بميت ولا يسأل بذات مخلوق فإن ~~الصحابة إنما توسلوا بدعائه وشفاعته ولما مات لم يتوسلوا بدعائه وشفاعته ~~ولم يتوسلوا بذاته ولم ينقل عن أحد من السلف أنه توسل إلى الله بميت في ~~دعائه ولا أقسم به عليه # وهكذا قد قال أبو حنيفة وأبو يوسف وغيرهما إنه لا يجوز أن يقال أسألك بحق ~~الأنبياء وكذلك قال أبو محمد ابن عبد السلام إنه PageV01P363 @ لا يقسم ~~عليه بحق الأنبياء وتوقف في نبينا صلى الله عليه وسلم لظنه أن ذلك خير يخصه ~~وليس كذلك # فهذا وإن كان مصيبا ففيه نزاع فقد نقل عن بعض العلماء أنه لا يجوز أن ~~يتوسل به بعد موته ونقل ذلك في منسك الحج الذي نقله المروذي عن الإمام أحمد ~~وقد تنازع العلماء في القسم به هل ينعقد به على قولين أشهرهما أنه لا ينعقد ~~اليمين به وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد ~~والثاني تنعقد به اليمين وهو الرواية الأخرى عن أحمد اختارها طائفة من ~~أصحابه وعلى هذه الرواية فهل الحلف يختص به أو يحلف بسائر الأنبياء على ~~وجهين أشهرهما الأول والثاني ذكره ابن عقيل وغيره فقد يقال إن PageV01P364 ~~@ التوسل به والإقسام على الله به هو من جنس الحلف به فيكون النزاع في هذا ~~كالنزاع في هذا # والصواب ما عليه الجمهور من أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا غيره PageV01P365 @ # ولكن لم يسم أحد من الأمم هذا استغاثة فإن الاستغاثة به طلب منه لا طلب ~~به وهذا اعتقد ms062 جواز هذا بالإجماع وسماه استغاثة فلزم جواز الاستغاثة به بعد ~~موته بالإجماع فإذا جاز أن يتوسل به في كل شيء جاز أن يستغاث به في كل شيء ~~ثم إنه لم يجعل هذا وحده معنى الاستغاثة بل جعل الاستغاثة الطلب منه أيضا ~~وكان لا يميز بين هذا المعنى وهذا المعنى بل يجوز عنده أن يستغيث به في كل ~~ما يستغاث الله فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله في طلب الغوث وهذا ~~عنده ثابت للصالحين PageV01P366 @ # والاستغاثة طلب الغوث كالاستعانة والانتصار وذلك ثابت في حياته وهو ثابت ~~عند هذا الضال بعد موته بثبوتها في حياته لأنه عند الله في مزيد دائم لا ~~ينقص جاهه فدخل عليه الخطأ من وجوه منها أنه جعل المتوسل به بعد موته في ~~الدعاء مستغيثا به وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازا مع ~~دعواه الإجماع على ذلك وأن المستغاث به هو المسئول المطلوب منه لا المسئول ~~به # والثاني ظنه أن توسل الصحابه به في حياته كان توسلا بذاته لا بدعائه ~~وشفاعته فيكون التوسل به بعد موته كذلك وهذا غلط يوافقه عليه طائفة من ~~الناس بخلاف الأول فإني ما علمت أحدا وافقه عليه # الثالث أنه أدرج سؤاله أيضا في الاستغاثة وهذا صحيح جائز في حياته وهو قد ~~سوى في ذلك بين محياه ومماته وهنا أصاب في لفظ الاستغاثة لكنه أخطأ في ~~التسوية بين المحيا والممات وهذا ما عملته ينقل عن أحد من العلماء لكنه ~~موجود في كلام بعض الناس مثل PageV01P367 @ الشيخ يحي الصرصري ففي شعره ~~قطعة منه والشيخ محمد بن النعمان كان له كتاب المستغيثين بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم في اليقظة والمنام وهذا PageV01P368 @ الرجل قد نقل منه فيما ~~يغلب على ظني وهؤلاء لهم صلاح ودين لكنهم ليسوا من أهل العلم العالمين ~~بمدارك الأحكام الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام ومعرفة الحلال والحرام ~~وليس معهم دليل شرعي ولا نقل عن عالم مرضي بل عادة جروا عليها كما جرت عادة ~~كثير من الناس ms063 بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه # وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر خطا إلى ~~جهة الشيخ عبد القادر خطوات معدودة واستغاث به وهذا يفعله كثير من الناس ~~وأكبر منه ومنهم من PageV01P369 @ يأتي إلى قبر الشيخ يدعوه ويدعو به ~~ويدعون عنده وهؤلاء ليس لهم مستند شرعي من كتاب أو سنة أو قول عن الصحابة ~~والأئمة وهؤلاء ليس عندهم إلا قول طائفة من الشيوخ إذا كانت لكم حاجة ~~فاستغيثوا بي وتعالوا إلى قبري ونحو ذلك مما فيه تصويبه لأصحابه بالاستغاثة ~~به حيا وميتا ومعهم قول طائفة أخرى قبر معروف أو غيره ترياق مجرب والدعاء ~~عند قبر الشيخ مجاب ونحو ذلك ومعهم أن طائفة من الناس استغاثوا بحي أو ميت ~~فرأوه قد أتى في الهواء وقضى بعض تلك الحوائج وأخبر ببعض ما سئل عنه # وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء أو الصالحين ~~أو الكواكب والأوثان فإن الشياطين كثيرا ما تتمثل لهم فيرونها قد تخاطب ~~أحدهم ولا يراها # ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا لطال هذا المقام ~~وكلما كان القوم أعظم جهلا وضلالا كانت هذه PageV01P370 @ الأحوال ~~الشيطانية عندهم أكثر وقد يأتي الشيطان أحدهم بمال أو طعام أو لباس أو غير ~~ذلك وهو لا يرى أحدا أتاه به فيحسب ذلك كرامة وإنما هي من الشيطان وسببه ~~شركه بالله وخروجه عن PageV01P371 @ طاعة الله ورسوله إلى طاعة الشياطين ~~فأضلتهم الشياطين بذلك كما كانت تضل عباد الأصنام ومثل هذه الأحوال لا تكون ~~من كرامات أولياء الله المتقين PageV01P372 @ # ثم انقسموا حزبين حزبا رأوا فيمن يفعلها من الكفر والفسوق والعصيان ما ~~يخرجه عن كونه من أولياء الله المتقين وكذبوا بما ينقل عنه من ذلك وحزبا ~~رأوا ذلك منه أو يثبت بالنقل المتواتر عن واحد أو عدد من ذلك ما يوجب حصول ~~مثل ذلك لهؤلاء فيظنون أنهم من أولياء الله المتقين # ثم من هؤلاء من يقول من أولياء الله من له طريق إلى الله غير مبايعة ms064 ~~الرسل ومن هؤلاء من يفضل كثيرا من الأولياء على الأنبياء ومنهم من يقول ~~هؤلاء يتصرفون بالقدر والمشيئة تصرفا خرجوا به عن حكم وجوب طاعة الأنبياء ~~عليهم وصاروا غير مكلفين بأمر الأنبياء ونهيهم # ويذكرون حكايات يظنونها صدقا منها أن أهل الصفة قاتلوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم مع الكفار لما انهزم بعض أصحابه يوم أحد وحنين فقال لهم يا ~~أصحابي أين تذهبون وتدعوني فقالوا نحن مع الله من كان الله معه كنا معه # ومرادهم أن كل من معه القدر كانوا معه وإن كان كافرا أو فاسقا من غير نظر ~~في العاقبة ولا في وعد الله ووعيده # ويذكرون ما هو أعظم كفرا من هذه الحكاية وهو أن الله PageV01P373 @ تعالى ~~أطلع رسوله على سر ليلة المعراج وأمره أن لا يخبر به أحدا وأنه رأى أهل ~~الصفة يتكلمون به فقال لهم من أين لكم هذا فقالوا أخبرنا الله به فقال يارب ~~ألم تأمرني أن أكتم هذا السر فقال أنا أمرتك أن تكتمه وأنا أخبرهم به # وقد ذكر لي هذه الأمور غير واحد من كبار شيوخ هؤلاء عن غير واحد من ~~شيوخهم فبينت لهم كذب هذا حتى قلت لبعضهم الصفة إنما كانت بالمدينة ~~والمعراج كان بمكة فلم يكن ليلة المعراج أحد يذكر أنه من أهل الصفة # وأعظم من هذا كفرا ما يذكره بعضهم أن الله أمر نبيه بزيارة أهل الصفة ~~وأنه ذهب ليزورهم فلم يفتحوا له الباب وقالوا له اذهب إلى من أرسلت إليه ~~فإنه لا حاجة لنا بك وأنه عاد إلى ربه فأمره أن يذهب إليهم ويتأدب معهم ~~ويقول خادمكم محمد جاء ليزوركم ونحو هذه الكفريات التي لا يقولها إلا من هو ~~أبعد الناس عن الإيمان بالله ورسوله PageV01P374 @ # ومع هذا فهي عند أصحابها من حقائق العارفين وأسرار أولياء الله المصطفين ~~خواص الرب الذين هم أفضل من الأنبياء والمرسلين عند أصحابهم هؤلاء الكفار ~~الذين هم أكفر من اليهود والنصارى # فهذه حكايات في آثار حصلت لبعض من استغاث ببعض المخلوقين الميتين ~~والغائبين وعندهم عادات وجدوا عليها ms065 سلفهم ممن كان له نوع من العلم ~~والعبادة والزهد فليس معهم بذلك حديث يروى ولا نقل عن صحابي ولا تابعي ولا ~~قول إمام مرضي # ولهذا لما نبه من نبه من فضلائهم على ذلك تنبهوا وعلموا أن ما كانوا عليه ~~ليس من دين الإسلام بل هو مشابهة لعباد الأصنام # لكن هؤلاء كلهم ما فيهم من يعد نفي هذا والنهي عنه كفر إلا مثل هذا ~~الأحمق الضال الذي حاق به وبيل النكال فإنه من غلاة أهل البدع الذين ~~يبتدعون القول ويكفرون من خالفهم فيه كالخوارج والروافض والجهمية فإن هذا ~~القول الذي قالوه لم يوافقهم عليه أحد من علماء المسلمين الأولين والآخرين # وقد طاف بجوابه على علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقوه وطلب منهم أن ~~يخالفوا الجواب الذي كتبته فما خالفوه وقد PageV01P375 @ كان بعض الناس ~~يوافقه على جواز التوسل بالنبي الميت لكنهم لم يوافقوه على تسميته استغاثة ~~ولا على كفر من أنكر الاستغاثة به ولا جعلوا هذا السبب بل عامتهم وافقوا ~~على منع الاستغاثة به بمعنى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه # وما علمت عالما نازع في أن الاستغاثة بالنبي وغيره من المخلوقين بهذا ~~المعنى لا تجوز مع أن قوما كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك ~~قياما عظيما واستعانوا بمن كان له غرض من ذوي السلطان وجمعوا الناس وعقدوا ~~مجلسا عظيما ضل فيه سعيهم وظهر فيه جهلهم وخاب فيه قصدهم وظهر فيه الحق لمن ~~كان يعاونهم من الأعيان وتمنوا أن ما فعلوه ما كان لأنه كان سببا لظهور ~~الحق مع الذي عادوه وقاموا عليه وسببا لانقلاب الخلق إليه وكانوا كالحافر ~~حتفه بظلفه والجادع مارن أنفه بكفه مع فرط عصبيتهم PageV01P376 @ وكثرة ~~جمعهم وقوة سلطانهم ومكايدة شيطانهم # وهذه الطريقة التي سلكها هذا وأمثاله هي طريقة أهل البدع الذين يجمعون ~~بين الجهل والظلم فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة ~~ويكفرون من خالفهم في بدعتهم كالخوارج المارقين الذين ابتدعوا ترك العمل ~~بالسنة المخالفة في زعمهم للقرآن وابتدعوا التكفير بالذنوب وكفروا من ms066 ~~خالفهم حتى كفروا عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ومن والاهما من المهاجرين ~~والأنصار وسائر المؤمنين # نقل الأشعري في = كتاب المقالات = أن الخوارج مجمعة على تكفير علي رضي ~~الله عنه # وكذلك الرافضة ابتدعوا تفضيل علي على الثلاثة وتقديمه في الإمامة والنص ~~عليه وادعوا العصمة له وكفروا من خالفهم وهم جمهور الصحابة وجمهور المؤمنين ~~حتى كفروا أبا بكر وعمر وعثمان ومن تولاهم هذا الذي عليه PageV01P377 @ ~~أئمتهم # وكذلك الجهمية ابتدعت نفي الصفات المتضمن في الحقيقة لنفي الخالق ونفي ~~صفاته وأفعاله وأسمائه وأظهرت القول بأنه لا يرى وأن كلامه مخلوق خلقه في ~~غيره لم يتكلم هو بنفسه وغير ذلك ثم إنهم امتحنوا الناس فدعوهم إلى هذا ~~وجعلوا يكفرون من لم يوافقهم على ذلك # وكذلك القدرية ابتدعت التكذيب بالقدر وأنكرت مشيئة الله النافذة وقدرته ~~التامة وخلقه لكل شيء وكفروا أو منهم من كفر من خالفه # وكذلك الحلولية والمعطلة للذات والصفات يكفر كثيرا منهم من خالفهم فالذين ~~يقولون إنه بذاته في كل مكان منهم من يكفر من خالفه والذين يقولون إنه لا ~~مباين للمخلوقات ولا حال فيها فمنهم من يكفر من خالفه PageV01P378 @ # والذين يقولون ليس كلامه إلا معنى واحد قائما بذاته ومعنى التوراة ~~والإنجيل والقرآن واحد والقرآن العزيز ليس هو كلامه بل كلام جبرائيل أو ~~غيره فمنهم من يكفر من خالفه # والذين يقولون بقدم بعض أحوال العبد كالذين يقولون بقدم صوته بالقرآن أو ~~قدم بعض أفعاله أو صفاته وقدم أشكال المداد فمنهم من يكفر من خالفه # بل والذين يقولون بقدم روح العبد أو بقدم كلامه مطلقا أو قدم أفعاله ~~الصالحة أو أفعاله مطلقا فمنهم من يكفر من خالفه # والذين يقولون إن الله يرى بالأعين في الدنيا منهم من يكفر من خالفه # والذين يهينون المصحف وربما كتبوه بالنجاسة فمنهم من يكفر PageV01P379 @ ~~من خالفه ونظائر هذا متعددة # وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة ~~فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة ويعدلون على ~~من خرج منها ولو ظلمهم كما قال ms067 تعالى @QB@ كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ~~ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى @QE@ سورة ~~المائدة 8 ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم لا يقصدون الشر ~~لهم ابتداء بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم كان قصدهم بذلك بيان ~~الحق ورحمة الخلق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يكون الدين كله لله ~~وأن تكون كلمة الله هي العليا # فالمؤمنون أهل السنة هم يقاتلون في سبيل الله ومن قاتلهم يقاتل في سبيل ~~الطاغوت كالصديق مع أهل الردة وكعلي بن أبي طالب مع الخوارج المارقين ومع ~~الغلاة والسبائية فأعمالهم خالصة لله تعالى PageV01P380 @ موافقة للسنة ~~وأعمال مخالفيهم لا خالصة ولا صوابا بل بدعة واتباع هوى ولهذا يسمون أهل ~~البدع وأهل الأهواء # قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ سورة ~~هود 7 قال أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال إن العمل إذا ~~كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى ~~يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة # فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف ~~يكفرهم لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى ~~بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزنى بأهله لأن الكذب والزنا حرام لحق الله # وكذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأيضا فإن تكفير ~~الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من ~~خالفها وإلا فليس كل من جهل شيئا من PageV01P381 @ الدين يكفر # ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين كقدامة بن مظعون PageV01P382 ~~@ 4 وأصحابه شرب الخمر وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية ~~المائدة اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون فإن أصروا ~~على الاستحلال كفروا وإن أقروا به جلدوا فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء ~~لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى ms068 يتبين لهم الحق فإن أصروا على الجحود كفروا # وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله إذا أنا مت فاسحقوني ثم ذروني ~~في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ~~فأمر الله البر فرد ما أخذ وأمر البحر فرد ما أخذ منه وقال ما حملك على ما ~~فعلت قال خشيتك يا رب فغفر له فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر الله على ~~إعادته وأنه لا يعيده أو جوز ذلك وكلاهما كفر لكن كان جاهلا لم يتبين له ~~الحق فغفر له # ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله ~~تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم أنا لو وافقتكم PageV01P383 @ كنت كافرا ~~لأني أعلم أن قولكم كفر وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال وكان هذا خطابا ~~لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم PageV01P384 @ وأصل جهلهم شبهات عقلية ~~حصلت لرؤوسهم في قصور في معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له ~~فكان هذا خطابنا # فلهذا لم يقابل جهله وافتراؤه بالتكفير بمثله كما لو شهد شخص بالزور على ~~شخص أو قذفه بالفاحشة كذبا عليه لم يكن له أن يشهد عليه بالزور ولا أن ~~يقذفه بالفاحشة # وقد كفانا ذلك شيخه وغيره من الناس فبينوا من ضلاله وجهله ما ذكروه وذموه ~~وعابوه وتنقصوه به كما هو معروف عن شيخه الجزري وغيره من أهل العلم # والمقصود هنا أن قوله ومن خص الرسول أو الملائكة بنفي PageV01P385 @ خاص ~~يفهم منه طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم فقد تنقصهم بعبارته فهي كلمة حق أريد ~~بها باطل # ونحن نقول بموجب هذا الكلام وهو معناه الصحيح فإن من نفى ما يستحقونه من ~~الرتبة وما يصلحون له من الأسباب فهو مفتر كذاب لكن الشأن ليس المنفى هو من ~~هذا الباب ولو لم تقابل دعواه إلا بالمنع لكفانا فإنه يقال له لا نسلم أن ~~الاستغاثة بهم مشروعة في كل ما يستغاث فيه بالله ولا أنها وسيلة من وسائل ~~الله في ذلك كله بل سلمنا أن الاستغاثة بالحي فيما يقدر ms069 عليه قد تكون سببا ~~وقد لا تكون فإن الناس يستغيثون بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة في ~~الشفاعة فيشفع لهم ويستغيث به من أنذره في دفع الذنوب فيقول لا أملك لك من ~~الله شيئا كما في الحديث الصحيح لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته ~~بعير له رغاء فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك # وليس كل من طلب من النبي صلى الله عليه وسلم ما يقدر عليه يعطيه إياه إذ ~~قد يكون ذلك غير جائز كما في الصحيح أنه سأله الفضل بن عباس PageV01P386 @ ~~وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أن يوليهما على الصدقات فلم يجبهما وقال ~~إنها أوساخ الناس وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد # وكذلك سأله وفد هوازن السبي والمال فبذل لهم إحدى الطائفتين وسألته أم ~~حبيبة أن يتزوج أختها فقال إنها لا تحل لي # بل يقال لا نسلم أن التوسل بذاتهم مشروعة بحال في الحياة والممات وليس في ~~شيء مما ذكر دليل على مورد النزاع فإن مضمون ما ذكره جمل # أحدهما أن الاستغاثة طلب الإغاثة والتخلص من الكربة والشدة وأن الإغاثة ~~تضاف إلى المخلوق كما يضاف إليه الإطعام والاستعانة PageV01P387 @ والإعانة ~~والهداية والتعليم وهذا صحيح وليس فيه أن الميت يستغاث به كما أنه ليس فيه ~~أن يستطعم ويستسقى ويستهدى ويستنصر ويستغاث به ولا فيه أن ما كان من هذا ~~الباب لا يقدر عليه إلا الله فإنه يطلب من غيره # والجملة الثانية التي من كلامه أن من توسل إلى الله تعالى بنبيه في تفريج ~~كربة فقد استغاث به سواء كان بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما فيه ~~معناهما وقول القائل أتوسل إليك يا إلهي برسولك عندك أن تغفر لي استغاثة ~~بالرسول حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم # وهذا الكلام كذب باطل لم يسبقه إليه أحد ولا ريب أنه لجهله وهواه وقع في ~~هذا وإلا فما تعمد أن يقول ما يعلم أنه كذب ولم يقل أحد قط أستغيث برسولك ~~عندك ms070 ولا هذا عند أحد لا العرب ولا غيرهم وهو ظن أن الباب في التوسل كالباب ~~في الاستغاثة وليس كذلك فإنه يقال استغاثه واستغاث به كما يقال استعانه ~~واستعان به فالمستغاث به هو المسئول وأما المتوسل به فهو الذي يتسبب به إلى ~~المسئول # الجملة الثالثة قوله إن الاستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته ~~لأنه عند الله في مزيد دائم لا ينقص جاهه وهذا لفظ صحيح PageV01P388 @ صحيح ~~لو كان معنى الاستغاثة الإقسام به والتوسل بذاته فإن ذاته بعد الموت لم ~~تنقص بل هي في مزيد دائم من ربه عز وجل بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ~~لكن هذه المقدمة باطلة كما قد عرف فأما إذا كان معنى الاستغاثة هو الطلب ~~منه فما الدليل على أن الطلب منه ميتا كالطلب منه حيا وعلو درجته بعد الموت ~~لا يقتضي أن يسأل كما لا يقتضي أن يستفتى ولا يمكن أحدا أن يذكر دليلا ~~شرعيا على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع بل الأدلة ~~الدالة على تحريم ذلك كثيرة # حتى إذا قدر أن الله وكلهم بأعمال يعملونها بعد الموت لم يلزم من ذلك ~~جواز دعائهم كما لا يجوز دعاء الملائكة وإن كان الله وكلهم بأعمال يعملونها ~~لما في ذلك من الشرك والذريعة إلى الشرك # وهو قد احتج بحديث الأعمى الذي قال اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي ~~محمد نبي الرحمة وهذا الحديث لا حجة فيه لوجهين PageV01P389 @ PageV01P390 ~~PageV01P391 PageV01P392 PageV01P393 PageV01P394 PageV01P395 PageV01P396 ~~@ # أحدهما أنه ليس هو استغاثة بل توجه به # والثاني أنه إنما يتوجه بدعائه وشفاعته فإنه طلب من النبي صلى الله عليه ~~وسلم الدعاء وقال في آخره اللهم فشفعه في فعلم أنه يشفع له فتوسل بشفاعته ~~لا بذاته كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء كما توسلوا بدعاء ~~العباس بعد مماته # وهذا المحتج به بنى حجته على مقدمتين فاسدتين على أنهم توجهوا بذاته وأن ~~ذلك يسمى استغاثة به فلزم من ذلك جواز ذلك بعد موته وفساد إحدى المقدمتين ~~يبطل كلامه فكيف إذا بطلتا وما ذكره من ms071 توسل آدم وحكاية PageV01P397 @ ~~PageV01P398 PageV01P399 @ المنصور فجوابها من وجهين أحدهما أن هذا لا أصل ~~له ولا PageV01P400 @ PageV01P401 @ تقوم به حجة ولا إسناد لذلك # والثاني أنه لو دل لدل على التوسل بذاته لا على الاستغاثة به # وأما فتح الكوة لينزل المطر فهو أيضا باطل كما تقدم التنبيه عليه ~~PageV01P402 @ PageV01P403 @ ومع هذا فليس من هذا وكذلك أستسقاؤهم بدعائه ~~ليس من هذا الباب وأما اشتكاء البعير إليه فهذا كاشتكاء الآدمي PageV01P404 ~~@ إليه وما زال الناس يستغيثون به في حياته كما يستغيثون به يوم القيامة # وقد قلنا إنه إذا طلب منه ما يليق بمنصبه فهذا لا نزاع فيه والطلب منه في ~~حياته والاستغاثة به في حياته فيما يقدر عليه لم ينازع فيه أحد فما ذكره لا ~~يدل على مورد النزاع # ولكن هذا أخذ لفظ الاستغاثة ومعناها العام فجعل يتشبث به وهذا إنما يليق ~~بمن قال لا يستغيث به أحد حيا ولا ميتا في شيء من الأشياء # ومعلوم أن عاقلا لا يقول هذا في آحاد العامة فضلا عن الصالحين فضلا عن ~~الأنبياء والمرسلين فضلا عن سيد الأولين والآخرين فإنه ما من أحد إلا ويمكن ~~أن يستغاث به في بعض الأشياء فكيف بأفضل PageV01P405 @ الخلق وأكرمهم على ~~الله # ولكن النفي عاد إلى الشيئين إلى الاستغاثة به بعد الموت وإلى أن يطلب منه ~~ما لا يقدر عليه إلا الله فكيف إذا اجتمعا جميعا فإن من الناس من يستغيث ~~بالموتى من الأنبياء والصالحين ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ~~فهذه الجمل الثلاث ملخص كلامه وليس فيما ذكره ما يدل على مورد النزاع ولا ~~ما يناقض جواب المجيب والحمد لله رب العالمين # فعلم أن منازعيه لم يخصوا الملائكة والرسول بنفي يفهم منه طرح رتبتهم ~~وعدم صلاحيتهم للأسباب # وأما قوله ولم يجعل الله لأحد تنقيص الرسل وأجمع السلف والخلف على وجوب ~~تعظيمهم في الإعتقاد والأقوال والأفعال # فيقال هذا حق لكنه كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه كلمة حق أريد ~~بها باطل وهو أن من سألهم ما لا يقدرون عليه أحياء ms072 وأمواتا فقد آذاهم ~~واعتدى عليهم وهو مستحق للعقوبة التي يستحقها مثله # بل من سألهم ما لا يريدون فعله حتى فعلوا ما يكرهون فهو مستحق للذم ~~والمقت PageV01P406 @ # ومن ابتدع في دينهم ما لم يأذن به الله وما يخالف ما جاؤوا به لزم أن ~~يكون دينهم ناقصا وأنهم أتوا بالباطل وهذا مناقض بلا ريب لما يجب من ~~الإيمان بهم وتعزيرهم وتوقيرهم # ومن خالف ما جاؤوا به من توحيد الله وإفراده بالدعاء فهو من أعظم ~~المخالفين لهم اعتقادا وقولا وعملا فإن أعظم ما دعوا إليه التوحيد فالمخالف ~~له من أعظم الناس مخالفة لهم # وقد بينا في الصارم المسلول أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان وكل أمة ~~لا تصدق الرسل فلا تكون إلا مشركة وكل مشرك فإنه مكذب للرسل فمن دخل في نوع ~~من الشرك الذي نهت عنه الرسل فإنه مناقض لهم مخالف لموجب رسالتهم # وإذا كان كذلك فما قال هذا المفتري وأمثاله هو بدعة لم تشرعها الرسل لو ~~لم يرد ما يتضمن النهي عنها فكيف إذا علم أنه نهى عنها # أما المقام الأول فإنه لا يمكن أحد أن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~شرع لأمته أن يستغيثوا بميت لا نبي ولا غيره لا في جلب منفعة ولا دفع مضرة ~~لا بهذا اللفظ ولا معناه # فلا يشرع لهم أن يدعوا ميتا ولا يسألوه ولا يدعوا إليه ولا أن يستجيروا ~~به ولا يدعوه لا رهبة ولا رغبة ولا يقول أحد لميت PageV01P407 @ أنا في ~~حسبك أو أنا في جوارك أو أنا أريد أن تفعل كذا وكذا ولا أن يخطوا إلى قبر ~~ميت خطوات وأن يتوجه إلى جهة قبره ويسأله كما يفعل كثير من النصارى وأشباه ~~النصارى من ضلال هذه الأمة بكثير من شيوخهم وغير شيوخهم # ولا يشرع لأحد ان يقول لميت سل الله لي أو ادع لي # ولا يشرع لهم ن يشكوا إلى ميت فيقول أحدهم مشتكيا إليه علي دين أو آذاني ~~فلان أو قد نزل بنا العدو أو أنا مريض أو أنا خائف ونحو ms073 ذلك من الشكاوى ~~سواء كان هذا السائل عند قبر الميت أو كان بعيدا منه وسواء كان الميت نبيا ~~أو غيره # بل ولا يشرع لأمته إذا كان لأحدهم حاجة أن يقصد قبر نبي أو صالح فيدعو ~~لنفسه ظانا أن الدعاء عند قبره يجاب # بل ولا يشرع لأمته أن يقسموا على مخلوق من المخلوقات لا نبي ولا غيره ~~سواء أقسموا عليه بحاجة أو غير حاجة # ولا يشرع لأمته أن يتوسلوا إلى الله بذات ميت أصلا بل ولا بذات حي إلا أن ~~يكون التوسل بما أمر الله به من الإيمان به وطاعته أو بدعاء المتوسل به ~~وشفاعته فأما إذا لم يكن المتوسل يتوسل بما أمر الله به ولا بدعاء الداعي ~~له فليس هناك وسيلة شرعها الله ورسوله # فإذا كان النبي والرجل الصالح له عند الله من الجاه والقدر والحرمة ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فهذا لا ينتفع المتوسل به إلا ~~بأحد وجهين PageV01P408 # إما أن يتوسل المتوسل بما أمر الله به من الإيمان به ومحبته وطاعته ~~وموالاته والصلاة عليه والسلام ونحو ذلك فهذه هي الوسيلة التي أمر الله بها ~~في قوله @QB@ اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة @QE@ سورة المائدة 35 # فالوسيلة تجمعها طاعة الرسول فكل وسيلة طاعة للرسول وكل طاعة للرسول ~~وسيلة و @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ سورة النساء 80 @QB@ ومن ~~يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا @QE@ ) سورة النساء 69 # الوجه الثاني أن يدعو له الرسول فهذه أيضا مما يتوسل به إلى الله تعالى ~~فإن دعاءه وشفاعته عند الله من أعظم الوسائل فأما إذا لم يتوسل العبد بفعل ~~واجب ولا مستحب ولا الرسول دعا له فليس في عظم قدر الرسول ما ينفعه # ولكن بعض الناس الذين دخلوا في دين PageV02P409 الصابئين والمشركين ظنوا ~~شفاعة الرسول لأمته لا يحتاج إلى دعاء منه بل الرحمة التي تفيض على الرسول ~~تفيض على المستشفع من غير شعور من الرسول ولا ms074 دعاء منه ومثلوا ذلك ~~PageV02P410 @ بانعكاس شعاع الشمس إذا وقع على جسم صقيل ثم انعكس على غيره ~~فإن الشمس إذا وقعت على الماء أو مرآة وانعكس شعاعها على حائط أو غيره حصل ~~النور في الموضع الثاني بواسطة الشعاع المنعكس على المرآة قالوا فهكذا ~~الرحمة تفيض على النفوس الفاضلة كنفوس الأنبياء والصالحين ثم تفيض بتوسطهم ~~على نفوس المتعلقين بهم وكما أن انعكاس الشعاع يحتاج إلى المحاذات فكذلك ~~الفيض لا بد فيه من توجه الإنسان إلى النفوس الفاضلة وجعل هؤلاء الفائدة في ~~زيارة قبورهم من هذا الوجه # وقالوا إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرها ~~PageV02P411 @ وهذه المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة ومن أخذ عنهم كابن ~~سينا وأبي حامد وغيرهم PageV02P412 @ # وهذه الأحوال هي من أصول الشرك وعبادة الأصنام وهي من المقاييس الفاسدة ~~التي قال بعض السلف ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس وهي من أقوال من ~~يقول إن الدعاء إنما تأثيره يكون النفس تتصرف في العالم لا بكون الله يجيب ~~الداعي وهي مبنية على أن الله ليس بفاعل مختار يحدث الحوادث بمشيئته ~~واختياره # بل هؤلاء يقولون إن الرب يوجب العالم بذاته ويسمونه علة العلل ويقولون ~~إنه علة تامة وإذا كان كذلك فلا بد للحوادث من PageV02P413 @ سبب فجعلوا ~~حدوثها بسبب حركة الفلك وما يحدث عنها من الأشكال الفلكية والاتصالات ~~الكوكبية # ثم الإلهيون منهم يقولون إن الحركة سبب الاستعدادات من العالم السفلي لأن ~~يفيض عليها من العقل الفعال الصور النوعية وأن يفيض على النفوس العلوم ~~والأخلاق وغير ذلك # وهؤلاء يجيزون أن يعبد الإنسان الكواكب لأنه بتوجهه إليها يفيض إليه منها ~~أمور وكذلك الأصنام لأنه بتوجهه إلى الصنم يكون متوجها إلى صاحبه فيفيض ~~عليه أمور والنفوس المفارقة هي سعيدة فإذا توجه المتوجه إلى تلك النفوس ~~والقبر الذي دفن فيه بدنها فاض PageV02P414 @ عليه منها ما يفيض وقد بسطنا ~~الكلام على هؤلاء وبينا فساد قولهم بالعقل الصريح المطابق بالنقل الصحيح ~~بما ليس هذا موضعه # والكلام إذا كان في أحكام أفعال العباد لم يكن لأحد أن يتكلم إلا ms075 بدليل ~~شرعي إلا أن يدعو إلى دين غير الإسلام ولا ريب أن هذه الأقوال ونحوها تدعو ~~إلى غير دين الإسلام # وقول هذا المفتري وأمثاله يجر إلى مثل هذا لكنهم لا يعرفون أصل قولهم ~~ولوازمه بل هم على عادة تعودوها واتباع أشياخ لهم فيهم نوع من علم ودين ليس ~~لهم خبرة بحقيقة ما جاء به الرسول وعندهم تعظيم للأنبياء والصالحين من جنس ~~تعظيم النصارى والمشركين يعظمونهم تعظيم ربوبية من جهة ما يرجونه من حصول ~~مطالبهم من جهتهم لا يعظمونهم لكونهم رسل الله الذين أمروا بطاعتهم فيجب أن ~~يطاعوا فيما أمروا به وأن يقتدى بهم فيما شرع PageV02P415 @ التأسي بهم ~~فهيه يعرضون عن بعض طاعتهم والتأسي بهم ويقبلون على نوع من دعائهم وسؤالهم ~~وسؤالهم والإشراك بهم وهؤلاء بالنصارى أشبه منهم بالصابئة الفلاسفة لكن ~~الجميع فيهم شرك # ونحن في هذا الموضع ليس بنا حاجة إلى نفي تأثير هذه الأسباب فإنه ليس لكل ~~سبب أثر يكون مشروعا بل الشارع ينهى عن أمور لها تأثير في طلب بعض المطالب ~~إذا كان ضررها راجحا على نفعها كما ينهى عن السحر ونحو ذلك وإن كان قد يمكن ~~أن يقتل به كافر ويطلع بذلك على بعض أخبار أعداء الإسلام وكذلك عباد ~~الكواكب قد تخاطبهم الشياطين وتحصل لهم بعض مطالبهم ودعاء الغائبين ~~والأموات من هذا الباب فقد يحصل أحيانا أن شيطانا يتمثل للداعي وقد يحصل ~~بعض مطالبه لكن هذا كله منهي عنه لما ترتب عليه من الفساد ما يغمر ما يظن ~~فيه من المنفعة # وهذه التأثيرات قد تحصل عند بعض القائلين بقدم العالم والقائلين بحدوثه ~~بخلاف من يقول إن الأثر الحاصل لا يكون إلا فيضا فهذا لا يكون إلا على قول ~~القائلين بالقدم وقد بينا في غير هذا الموضع أن PageV02P416 @ هؤلاء الذين ~~يقولون بقدم العالم وصدوره عن موجب بذاته هو علة تامة حقيقة قولهم إن ~~الحوادث تحدث بلا محدث أصلا وأن حركة الفلك الحادثة شيئا بعد شيء ليس لها ~~محدث أصلا ويقولون إنه يتحرك حركة شوقية بقولهم في حركته من ms076 جنس قول ~~القدرية في حركة الحيوان # والقدرية أخرجوا فعل الحيوان أن يكون مخلوقا لله عز وجل وأثبتوا حادثا لا ~~محدث له وهؤلاء الصابئة والفلاسفة أخرجوا حركة الفلك وجميع الحادثات من ~~أفعال الحيوان وغيرها عن أن تكون مخلوقة لله سبحانه وأثبتوا هذه الحوادث ~~بلا محدث # والناس ردوا على القدرية وقالوا إرادة العبد حادثة بعد أن لم تكن فلا بد ~~لها من محدث وإذا قيل العبد أحدثها بلا إرادة لزم وقوع الحوادث من المختار ~~بلا إرادة وإن قيل بإرادة فالقول فيها بإرادة فالقول فيها كالقول في الأولى ~~PageV02P417 @ # وهؤلاء القدرية قالوا إرادة الرب يحدثها لا في محل بلا إرادة منه كما قال ~~ذلك البصريون من المعتزلة وقالوا إرادة العبد يحدثها في نفسه بلا إرادة منه ~~وكلاهما ممتنع # ثم يقال لهم حدوثها بعد أن لم تكن حادثة أمر حادث فلا بد له من محدث وقد ~~يقال الإرادة أمر ممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح تام والمحدث ~~والمرجح إن كان من العبد فالقول في حدوثه كالقول في الأول وذلك يستلزم ~~التسلسل في أفعال العباد وأفعال العباد لها أول فيمتنع التسلسل فيها فلزم ~~أن يكون المحدث المرجح لها خارجا عن العبد وكل ما يذكر سوى الرب تعالى منته ~~إليه والمحدث والمرجح هو الله تعالى # وقول الصابئة والفلاسفة أفسد من قول القدرية فإنه يقال إذا كان الرب ~~عندكم علة تامة موجبا بذاته في الأزل لم يزل ولا يزال هكذا ومعلوله لازم ~~لذاته لا يمكن تأخره عنه امتنع أيضا أن تصدر عنه حركة الفلك وغيرها من ~~الحوادث وامتنع أن يصدر عنه ما يستلزم الحوادث والعالم مستلزم للحوادث ~~فيمتنع صدوره عن العلة التامة لأن الحوادث تحدث شيئا بعد شيء كما أن حركة ~~الفلك تحدث شيئا بعد شيء والعلة التامة لا يحدث معلولها ولاشيء من معلولها ~~شيئا بعد شيء PageV02P418 @ بل جميع معلولها مقارن لها أزلا وأبدا لا يتأخر ~~منه شيء عن الأول وإذا كان كذلك فالحوادث كأجزاء الحركة الفلكية يمتنع ~~صدورها عن الموجب بذاته وإذا قيل إن الحركة ms077 سببها الشوق الذي في الفلك ~~للتشبه بالأول قيل فتلك الإرادة والتصور الذي هو سر ما في الإرادة الذي هو ~~سبب الحركة المتجددة التي تجدد الحركة بتجدده هو أيضا من الحوادث المتعاقبة ~~وهو نوع حركة نفسانية فلا بدلها من محدث فإذا كانت العلة التامة لا يتأخر ~~عنها معلولها امتنع صدور ذلك عنه وإذا كان الفلك لا يخلو عن الحوادث امتنع ~~صدورها عنه لأن وجود الملزوم بدون اللازم ممتنع ووجود اللازم ممتنع ولو قدر ~~مقدران العالم لم يكن فيه حادث ثم تجددت الحوادث لكان القول فيما ليس ~~بمتجدد كالقول في غيره فإن التقدير أنه هناك فاعل لا علة تامة والعلة ~~التامة لا يتجدد عنها شيء بل معلولها مقارن لها PageV02P419 @ # وهذا إذا تصوره العاقل علم بالضرورة بطلان قول لهؤلاء الذين هم من أبعد ~~الناس عن المعقول الصريح كبعدهم عن المنقول الصحيح ثم هل تقوم بالرب الأمور ~~الإختيارية التي يسمونها الحوادث لهم في ذلك قولان كما للمتكلمين قولان ~~وطائفة من الأساطين القدماء يجوزون ذلك وهو قول أبي البركات صاحب المعتبر ~~وغيرهم من متأخيرهم ومنهم من لا يجوزه كابن سينا وأمثاله فمن لم يجوز ذلك ~~ظهر فساد قوله بقدم العالم ظهورا بينا ومن جوزه أيضا فيمتنع عليه أن يقول ~~بقدم شيء من العالم فإنه حينئذ إذا كان الرب يفعل شيئا بعد شيء بأفعال يقوم ~~بذاته لم يكن قط علة تامة لمفعولاته بل كل ما يفعله ويحدثه هو فاعل له حين ~~أحدثه وفعله والمؤثر التام يستلزم أثره كما أن الأثر يستلزم مؤثره التام # ولهذا كان مذهب أهل السنة أن القدرة لا بد أن تكون مع PageV02P420 @ ~~مقدورها ولا يجوز أن تكون معدومة عند وجود المقدور ولكن تنازعوا هل يكون ~~وجودها قبل مع بقائها # والصواب التفريق بين القدرة المصححة التي يشترط في الفعل معها وجود ~~الإرادة وبين القدرة الموجبة وهي مجموع ما يستلزم المقدور # وأما القدرية فقالوا إن القدرة لا تكون إلا قبل الفعل وإذا كان الحوادث ~~يحدثها شيئا بعد شيء بحسب حدوثها لزم أن تقوم به الأفعال ms078 الاختيارية وإذا ~~كان كذلك بطل أصل قولهم الذي بنوا عليه قدم العالم حيث قالوا هو موجب ~~بالذات لا فاعل بالاختيار وإذا كان كذلك قارنت موجبة فإذا كان نفس الحوادث ~~يستلزم أن يكون فاعلا أفعالا متعاقبة بطل كونه موجبا بذاته بمقارنة موجبة ~~فبطل التلازم الذي PageV02P421 @ ذكروه وجاز أن يكون محدثا للأفلاك # وإن كان قد أحدث قبلها شيئا آخر كما أخبر الله تعالى أنه خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء كذلك في التوراة أنه خلق السموات ~~والأرض وكان الماء مستبحرا غامرا الأرض والرياح تهب فوقه # وملخص ذلك أنه لو كان شيء من العالم قديما لكان موجبا بذاته بمقارنة ~~موجبه لا يتأخر عنه والثاني باطل لأنه لو كان كذلك لم يحدث في العالم شيء ~~لأن العالم بجميع ما فيه موجب له فلو كان موجبة يقارنه في الأزل لزم أن لا ~~يحدث في العالم شيء ولو PageV02P422 @ أوجب العالم دون الحوادث لوجد ~~الملزوم دون اللازم ولحدثت الحوادث بعد ذلك عن الموجب المستلزم لموجبه في ~~الأزل وكلاهما ممتنع # وكل خبر في العالم فهو مستلزم لمقارنة الحوادث إذ يمكن أن تقوم به ~~الحوادث فلو كان صادرا عن موجب بالذات لامتنع حدوث الحوادث مقارنه له أو ~~حادثة بعده لأن صدورها عن موجب بالذات ممتنع لا سيما والذات التي من شأنها ~~أن تقوم بها الأفعال المتعاقبة فيفعل شيئا بعد شيء لا يكون فعل معين لازما ~~لذاتها فلو كان في العالم شيء قديم تبين أنه إنما يلزمها نوع الأفعال لا ~~فعل معين # وأيضا فلزوم الفعل المعين لمفعول معين لذات تقوم بها الأفعال المتعاقبة ~~وتفعل شيئا بعد شيء غير معقول فإنها متى كانت كذلك امتنع إن يلازمها أزلا ~~وأبدا فعل معين فإن ملازمة المعين ينافي كون فعلها شيئا بعد شيء # وإذا قيل يلزمها فعل معين ولا يلزمها شيء من الأفعال كانت أفعالها منقسمة ~~إلى معين لازم لها وإلى نوع يحدث شيئا بعد شيء فهي PageV02P423 @ للأول ~~موجبة بذاتها وللثاني فاعلة باختيارها فيكون موجبة بالذات لمفعول وفاعل ~~بالاختيار لمفعولات ms079 واجتماع هذين في الذات الواحدة تناقض لأن كونها فاعلة ~~بعد اختيارها شيئا بعد شيء يناقض اتصالها بالإيجاب بالذات مع أن الفعل ~~المعين الملازم للذات لا يعقل ولا يعقل الفعل إلا الأحداث وإنما يعقل فيما ~~كان لازما لها أن تكون صفة لها كالحياة لا أن يكون مفعولا لها فكونه مفعولا ~~لا يناقض كونه معه لازما لا سيما إذا كان الفاعل فاعلا بالاختيار # والمقصود هنا أنه إذا لم يحصل من العبد فعل أمره الله به في حق الرسول ~~ولم يحصل من الرسول شفاعة له فلا يتصور أن ينتفع بجاه الرسول منفعة أمر ~~الله بها في دين الرسل واتباعهم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم لكن ~~على قول غير أهل التوحيد من المشركين القائلين بحدوث العالم والقائلين ~~بقدمه فإن المشرك قد يدعو إلها من دون الله فتخاطبه الشياطين وربما قضت له ~~بعض PageV02P424 @ الحاجات وهذا معروف في عباد الكواكب وعباد الموتى من ~~الصالحين وغير الصالحين # وأما على قول الصنف الثاني من المشركين الذين جمعوا في الحقيقة بين ~~التعطيل والإشراك فأنكروا أن يكون خالقا للعالم بقدرته ومشيئته وهم مشركون ~~فمن هؤلاء من يقول إنه قد يغيض عليه من الشفيع شيء بغير دعاء الرسول لكن لا ~~بد عند هؤلاء من توجه من العبد ولا يشترطون التقرب بما شرعته الرسل بل يمكن ~~عندهم إذا سجد لتماثيله أو لقبره ودعاه من دون الله أن يحصل له ذلك كما ~~يحصل إذا توجه الشمس من سخونة شعاعها ما يحصل # والفرق بين الموحدين والمشركين أن الموحدين يقولون إن ما أمرت به الرسل ~~من العبادات إنما يتقرب به إلى الله والأجر فيه على الله وإنما على الرسول ~~البلاغ ليس عليه حصول الثواب ولا يشترط أن يكون واسطة في وجوده بل يخلق ~~الله الثواب بغير واسطة الرسول # وأما شفاعة الرسول فهي دعاء لله تبارك وتعالى وهؤلاء يقولون لا يحصل إلا ~~بتوسطهم وإن فاض عنهم بغير قصد فهذا أصل ينبغي معرفته فإن هذا الضال ~~وأمثاله يجعلون الأنبياء والصالحين من جنس الذين يظنون أن النفع والضر ms080 يحصل ~~لهم بتوسطهم كما يجعل الشعاع والحرارة بتوسط الشمس PageV02P425 @ # ونحن نقول إن كل ما شرعه الله ورسوله فهو من أعظم الوسائل إلى الله لكن ~~دعاؤهم بعد الموت لم يشرعه الله ورسوله فليس من الوسائل وكذلك سؤال أحدهم ~~ما لا يقدر عليه إلا الله ليس مشروعا وأصل الدين أن لا يعبد إلا الله وأن ~~لا يعبد إلا بما شرع وما ذكره هؤلاء يتضمن عبادة غير الله بغير أمر الله # المقام الثاني أن يقال هذا مما نهت عنه الرسل فقد ثبت في = الصحاح = أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد وقال لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا وقال لا تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا إليها # فلو كان الدعاء عند القبور أجوب منه في غير تلك البقعة لكان قصدها للدعاء ~~عندها مشروعا لم ينه أن يتخذ مسجدا فإن اتخاذ القبور مساجد يدخل فيه الصلاة ~~وغيرها ويدخل فيه بناء المساجد PageV02P426 @ عليها وكلاهما منهي عنه بل ~~يحرم كما صرح به غير واحد من العلماء فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من ~~فعل ذلك تحذيرا لأمته وهذا يقتضي توكيد التحريم # فإن الدعاء في الصلاة أجوب منه في غيرها كالدعاء في دبرها كما جاءت به ~~السنة في الأدعية الشرعية فإنها مشروعة في آخر الصلاة وكذلك الدعاء عقب ~~الصلاة # وأفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وإنما يكون بعد صلاة الظهر والعصر ~~PageV02P427 @ والوقوف بمزدلفة ودعاؤها بعد صلاة الفجر والطواف يجري مجرى ~~الصلاة ولهذا يستحب الدعاء في آخره كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~بين الركنين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ~~والطواف تحية المسجد الحرام # وأما منى فعبادتها رمي الجمار ولهذا يرمونها يوم النحر ثم ينحرون كما ~~يصلون في الأمصار ثم ينحرون فليس بمنى صلاة عيد بل رمي جمرة العقبة لهم ~~كصلاة العيد لغيرهم وسائر الجمرات ترمى عقب الزوال قبل صلاة الظهر وفي ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما جعل ms081 السعي بين الصفا والمروة ~~ورمي الجمار لإقامة ذكر الله PageV02P428 @ # فلما كان هذا من شعائر الصلاة والطواف كان الدعاء عندها مشروعا كما ثبت ~~في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو بين الجمرتين بقدر سورة البقرة ~~وأما جمرة العقبة فليس عندها وقوف ولا دعاء فإنها آخر منى والداعي يريد أن ~~يتأخر عن الجمرة وما بعدها ليس من منى وكان الداعي في نفس عرفة ومزدلفة ~~ومنى لا خارجا PageV02P429 @ عنها ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عرفة ~~كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنه ومزدلفة كلها موقف وارفعوا عن محسر ومنى ~~كلها منحر فلم يجعل الحدود الفاصلة بين المشاعر منها وقد قال طائفة من ~~السلف في قوله @QB@ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى @QE@ سورة البقرة 125 ~~قالوا مقام إبراهيم عرفة ومزدلفة ومنى ومصلى أي مدعى وهذا PageV02P430 @ لا ~~ينافي عند كثير من العلماء ما ثبت في الصحيح من أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما طاف صلى عند المقام وقرأ @QB@ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى @QE@ ~~لأن الآية قد تتناول هذا وهذا عند كثير من أهل العلم # ففي الجملة أحق البقاع بدعاء الله فيها المساجد التي يصلي فيها والمشاعر ~~التي شرع الله فيها الدعاء والذكر وأمر أن يكون الدين خالصا له كما قال ~~تعالى @QB@ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين @QE@ ~~سورة الأنعام 162 - 161 # فإذا كانت الصلاة والذكر لله وحده لم يكن ذلك مشروعا عند قبر وكما لا ~~يذبح للميت ولا عند قبره بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن العقر عند ~~القبر وكره العلماء الأكل من تلك PageV02P431 @ الذبيحة فإنها شبه ما ذبح ~~لغير الله فلو كانت مقابر الأنبياء والصالحين مما يستحب الدعاء عندها لكانت ~~إما من المساجد وإما من المشاعر التي يحج إليها وقد نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن هذا وهذا # بل لعن الذين يتخذون القبور مساجد وقال في الحديث الذي رواه ms082 أبو داود ~~وغيره لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني فنهى أن ~~يتخذ قبره عيدا وهذا معنى المشاعر فإن PageV02P432 @ المشاعر تتخذ أعيادا ~~أي يجتمع الناس عندها في أوقات معتادة والعيد اسم للوقت والمكان الذي يعتاد ~~الاجتماع فيه وقد يعبر به عن نفس الاجتماع المعتاد ولهذا سمى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم الجمعة عيدا وقال إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدا # وقد ثبت عن عمر بن الخطاب انه رأى قوما ينتابون مكانا يصلون فيه قال ما ~~هذا قالوا مكانا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتريدون أن ~~تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد إنما هلك ومن كان قبلكم بهذا من أدركته فيه ~~الصلاة فليصل وإلا فليمض فقد نهاهم عن PageV02P433 @ اتخاذ آثار الأنبياء ~~مساجد # وهذا لا ينافي قول عتبان بن مالك للنبي صلى الله عليه وسلم إن السيول ~~تحول بيني وبين قومي فلو صليت في بيتي في مكان أتخذه مصلى فجاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم فصلى ركعتين لأن عتبان كان مقصوده بناء مسجد لحاجته إليه ~~وتبرك بكون النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه أولا كما أنه صلى الله عليه ~~وسلم بنى مسجد قباء وبنى مسجده والمسجد الذي يتخذه بناء أفضل من غيره كما ~~فضل المسجد الحرام ومسجد سليمان عليه السلام بخلاف من لم يكن مقصوده ~~PageV02P434 @ إلا بناء مسجد لأجل ذلك الأثر # وأما ما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى في سفره النزول في مكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم والصلاة في مصلاه فمن الناس من رخص في مثل ذلك بخلاف ما إذا ~~اجتمع على ذلك الناس ومن الناس من قال هذا أمر انفرد به ابن عمر رضي الله ~~عنه # والخلفاء الراشدون والأكابر من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ~~لم يكونوا يفعلون ذلك وهم أعلم من ابن عمر وأعظم ابتاعا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فلو كان هذا مستحبا لفعله هؤلاء # وأيضا لما فتح المسلمون تستر وجدوا فها قبر دانيال وكان أهل البلد ms083 ~~PageV02P435 @ يستسقون به فكتب في ذلك أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فكتب ~~إليه أن أحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا وادفنه بالليل في واحد منها لئلا ~~يفتتن به الناس فيستسقون به PageV02P436 @ # فهذه كانت سنة الصحابة رضوان الله عليهم ولهذا لم يكن في زمن الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان على وجه الأرض في ديار الإسلام مسجد مبني على قبر ولا ~~مشهد يزار لا بالحجاز ولا اليمن ولا الشام ولا مصر ولا العراق ولا خراسان ~~وقد ذكر مالك رحمه الله أن وقوف الناس للدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بدعة لم يفعلها الصحابة ولا التابعون وقال لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ~~ما أصلح أولها # فأما ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور فإنما هو دعاء ~~للميت كالدعاء في الصلاة على جنازته والسنة في الدعاء التعميم كما في ~~PageV02P437 @ السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بعلي وهو يدعو فقال يا ~~علي عم فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض ولهذا يقال في ~~دعاء الجنازة اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا ~~وذكرنا وأنثانا ولم يخص الميت بالدعاء # وكذلك يقال في السلام على الموتى السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل ~~الله لنا ولكم العافية كما يقال في الصلاة PageV02P438 @ السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين وكما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر ~~نبينا قال يحرمنا الله وفلانا وكما يقول الخطيب وأستغفر الله لي ولكم # والمقصود بالصلاة على الجنازة الدعاء للميت وغيره يدخل تبعا بخلاف من ~~يكون قصده أن يدعو لنفسه بالميت أو عند الميت وهذا كله من الدعاء عند ~~القبور PageV02P439 @ # وأما دعاء الميت وسؤاله بلفظ الاستغاثة وغيرها كقول الداعي أطلب منك ~~المغفرة أو الرحمة أو قضاء الدين أو النصر على العدو فهذا مما نهى عنه ~~القرآن قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ms084 ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ سورة الإسراء 57 - ~~56 وفي التفسير الصحيح عن مجاهد @QB@ يبتغون إلى ربهم الوسيلة @QE@ قال ~~عيسى ابن مريم وعزير والملائكة # كذلك عن إبراهيم النخعي قال كان ابن عباس يقول في قوله @QB@ أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة @QE@ هو عزير والمسيح والشمس والقمر # وكذلك روى شعبة عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس قال عيسى وأمه والعزير ~~في هذه الآية @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة @QE@ ~~PageV02P440 @ # وروى قتادة عن عبد الله بن معبد الزماني عن ابن مسعود قال كان قبائل من ~~العرب يعبدون صنفا من الملائكة يقال لهم الجن ويقولون هم بنات الله فأنزل ~~الله تبارك وتعالى @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة @QE@ ~~وفي رواية عن الزماني عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله قال نزلت ~~في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجنيون والأنس الذين ~~كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم فنزلت @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب @QE@ # وكذلك قال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال @QB@ الذين يدعون ~~@QE@ الملائكة تبتغي إلى ربها الوسيلة @QB@ أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ قال هؤلاء الذين عبدوا PageV02P441 @ ~~الملائكة من المشركين # وكذلك ذكر العوفي في تفسيره عن ابن عباس قال كان أهل الشرك يقولون نعبد ~~الملائكة والمسيح وعزيرا # وثبت أيضا في = صحيح البخاري = عن ابن مسعود أنه قال كان ناس يعبدون قوما ~~من الجن فأسلم الجن وبقي الإنس على كفرهم فأنزل الله تعالى @QB@ أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة @QE@ يعني الجن # وهذا معروف عن ابن مسعود من غير وجه وهذا الأقوال كلها حق فإن الآية تعم ~~كل من كان معبوده عابدا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر ~~والسلف رضي الله عنهم في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع ms085 التمثيل ~~كما يقول PageV02P442 @ الترجمان لمن سأله ما معنى لفظ الخبز فيريه رغيفا ~~فيقول هذا فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه # وليس مرادهم بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية للنوعين فالآية خطاب ~~لكل من دعا من دون الله مدعوا وذلك المدعو يبتغى إلى الله الوسيلة ويرجو ~~رحمته ويخاف عذابه وهذا موجود في الملائكة والجن والإنس # وقد اختار الطبري قول من فسرها بالملائكة أو بالجن لأنهم كانوا في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يبتغون إلى ربهم الوسيلة بخلاف المسيح والعزير ~~فإنهما لم يكونا موجودين على عهده فلم يكونا حينئذ ممن يبتغي الوسيلة إذ ~~ابتغاء الوسيلة العمل بطاعة الله والتقرب إليه بالصالح من الأعمال فأما من ~~كان لا سبيل له إلى العمل فبم يبتغي إلى ربه الوسيلة وهذا الذي قاله إن كان ~~صوابا فهو أبلغ في النهي عن دعاء المسيح وعزير وغيرهما من الأموات من ~~الأنبياء والصالحين فإنه إذا كان الحي الذي يتقرب إلى ربه بالعمل لا يجوز ~~دعاؤه فدعاء الميت الذي لا يتقرب بالعمل أولى أن لا يجوز وإن كانت الآية ~~تعم هذا وهذا فهي دالة على ذلك فدلالتها ثابتة على كل تقدير PageV02P443 @ # والصحيح أنها تعم هؤلاء وهؤلاء وذلك أن أولئك كانوا في حياتهم يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة وهو لم يقيد ذلك بزمن النزول بل أطلق وإذا قال القائل آدم ~~ونوح وإبراهيم وموسى يعبدون الله ولا يشركون به علم أن مراد هذا دينهم قال ~~تعالى @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار @QE@ سورة المائدة 44 كان حكم ~~النبيون بها قبل نزول الآية بدهر # والعرب تقول مرض حتى لا يرجونه وشربت الأبل حتى يجيء البعير فيقول برأسه ~~كذا ومنه قراءة من قرأ @QB@ وزلزلوا حتى يقول الرسول @QE@ سورة البقرة 214 ~~وهذا ماض وقد قال تعالى @QB@ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ~~ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا ~~إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا ms086 وبكيا @QE@ سورة مريم 58 وهذا قد مضى ~~قبل نزول القرآن والفعل مضارع لأنه حكى حالهم في الماضي PageV02P444 @ # ولهذا تقول النجاة هذا حكاية حال كقوله @QB@ وكلبهم باسط ذراعيه @QE@ ~~سورة الكهف 18 فإن قيل المعروف في مثل هذا أن يقال كانوا يفعلون كما قال ~~تعالى @QB@ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا @QE@ سورة ~~الأنبياء : 90 # قيل لكن إذا كان في الكلام ما يبين المراد لم يحتج إلى ذلك لا سيما إذا ~~ذكر ماض وحاضر عمهم الخطاب فهنا يتعين حذف كان لأن المقصود الإخبار عن حال ~~هؤلاء الحاضرين لا يخبر عنهم بكان كما تقول المؤمنون من الأولين والآخرين ~~يعبدون الله لا يشركون به وإذا أفردت الماضي قلت المؤمنون كانوا يعبدون ~~الله لا يشركون به # والآية هنا قصد بها التعميم لكل ما يدعى من دون الله وكل من دعا ميتا أو ~~غائبا من الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها فقد تناولته ~~هذه الآية كما تتناول من دعا الملائكة والجن # ومعلوم أن هؤلاء كلهم يكونون وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم ومع هذا فقد ~~نهى الله تعالى عن دعائهم وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا ~~تحويله لا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه PageV02P445 @ من موضع إلى موضع ~~أيضا فلا يرفعونه ولا يحولونه من حال إلى حال كتغيير صفته أو قدره ولهذا ~~قال @QB@ ولا تحويلا @QE@ فذكر نكرة تعم أنواع التحويل يقال كشف البلاء أي ~~إزالة ورفعه ويقال كشف عنه أي أظهره وبينه فمن الأول قوله @QB@ ثم إذا كشف ~~الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون @QE@ سورة النحل 54 وقوله @QB@ ولو ~~رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون @QE@ سورة المؤمنون ~~75 وقوله @QB@ فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون @QE@ ~~سورة الأعراف 135 # ومن الثاني قوله @QB@ يوم يكشف عن ساق @QE@ سورة القلم 42 لم يقل يوم ~~يكشف الساق وهذا يبين خطأ من قال المراد بهذه كشف الشدة وأن الشدة تسمى ~~ساقا فإنه لو أريد ذلك لقيل يوم يكشف ms087 الساق أو يكشف الشدة وأيضا فيوم ~~القيامة لا يكشف الشدة عن الكفار والرواية في ذلك عن ابن عباس ساقطة ~~الإسناد PageV02P446 @ PageV02P447 @ # والاستغاثة هي طلب كشف الشدة فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء ~~والصالحين أو دعا الملائكة أو دعا الجن فقد دعا من لا يغيثه فلا يملك كشف ~~الضر عنه ولا تحويله # وقد قال تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم ~~رهقا @QE@ سورة الجن 6 كان أحدهم إذا نزل بواد يقول أعوذ بعظيم هذا الوادي ~~من سفهائه فقالت الجن الإنس يستعيذوننا فزادوهم رهقا PageV02P448 @ رهقا # وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق وهذا مما ~~استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق قالوا لأنه ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك كقوله أعوذ بكلمات الله ~~التامات كلها من شر ما خلق وأعوذ بكلمات الله التامات كلها من غضبه وعذابه ~~وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون وأعوذ بكلمات الله التامات ~~PageV02P449 @ التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ومن شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ~~ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما ~~يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقا بخير يا رحمن # قالوا والاستعاذة لا تجوز بالمخلوق وقول القائل أعوذ بالله معناه أستجير ~~بالله فإذا لم يجز أن يستغاث بمخلوق لا نبي ولا غيره فإنه PageV02P450 @ لا ~~يجوز أن يقال له أنت خير معاذ يستغاث به بطريق الأولى والأحرى # ولهذا قال بعض الشعراء لبعض الرؤساء الممدوحين # ( يا من ألوذ به فيما أؤمله % ومن أعوذ به فيما أحاذره ) # ( لا يجبر الناس عظما أنت كاسره % ولا يهيضون عظما أنت جابره ) # فقول القائل لمن مات من الأنبياء أو غيرهم بك استجير من كذا وكذا كقوله ~~بك استعيذ وقوله بك أستغيث في معنى ذلك إذا كان مطلوبه منع الشدة أو رفعها ~~والمستعيذ يطلب منع المستعاذ منه ms088 أو رفعه فإذا كان مخوفا طلب منعه كقوله ~~أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر وإن كان حاضرا طلب رفعه كقوله في ~~الحديث PageV02P451 @ الصحيح أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ~~فتعوذ بالله من شر الموجود وشر المحاذر # والداعي يطلب أحد شيئين إما حصول منفعة أو دفع مضرة فالاستعاذة ~~والاستجارة والاستغاثة كلها من نوع الدعاء والطلب وقول القائل لا يستعاذ به ~~ولا يستجار به ولا يستغاث به ألفاظ متقاربة # ولما كانت الكعبة بيت الله الذي يدعى ويذكر عنده فإنه سبحانه يستجار به ~~ويستغاث به هناك ويتمسك المتمسك بأستار الكعبة كما يتعلق المتعلق بأذيال من ~~يستجير به ومنه قول عمرو بن PageV02P452 @ سعيد لأبي شريح إن الحرم لا يعيذ ~~عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربه وفي الحديث الصحيح يعوذ عائذ بهذا البيت # ومنه قول القائل # ( ستور بيتك ذيل الأمن منك وقد % علقتها مستجيرا أيها الباري ) # ( وما أظنك لما أن علقت بها % خوفا من النار تدنيني من النار ) # ويسمى ذلك المكان المستجارة # وقد كان من السلف من يدخل بين الكعبة وأستارها فيستعيذ ويستجير ~~PageV02P453 @ بالله ويدعوه ويتضرع إليه هناك # ويجوز مدح الله والثناء عليه بالنظم وكذلك دعاؤه كما قال الأسود بن سريع ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لما نظم شعرا في مدح الله تعالى فقال إني حمدت ~~ربي بمحامد فقال إن ربك يحب الحمد فلم ينكر عليه ذلك لكن روى أنه قال ولم ~~يستنشده وروى أنه استنشده كما روى الإمام أحمد في مسنده عن الأسود بن سريع ~~قال قلت يا رسول الله إني مدحت ربي بمدحة ومدحتك بأخرى فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم هات وابدأ بمدحة الله PageV02P454 @ # لكن ثبت عنه أنه كان يستنشد الشريد بن السويد الثقفي شعر أمية بن أبي ~~الصلت وهو يقول هيه هيه # وذلك مثل قوله # ( مجدوا الله فهو للمجد أهل % ربنا في السماء أمسى كبيرا ) # ( بالبناء الأعلى سبق الناس % وسوى فوق السماء سريرا ) # ( شرجعا ما يناله بصر العين % ترى دونه الملائك صورا ) PageV02P455 @ # وقوله # ( زحل وثور ms089 تحت رجل يمينه % والنسر للأخرى ليث مرصد ) # وغير ذلك # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم إن أخاكم لا يقول الرفث يعنى ابن ~~رواحه PageV02P456 @ وذلك كقوله الذي أنشده للنبي صلى الله عليه وسلم # ( شهدت بأن وعد الله حق % وأن النار مثوى الكافرينا ) # ( وأن العرش فوق الماء طاف % وفوق العرش رب العالمينا ) # ( وتحمله ملائكة شداد % ملائكة الأله مسومينا ) # وقوله # ( وفينا رسول الله يتلو كتابه % إذا انشق معروف من الفجر ساطع ) # ( أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا % به موقنات أن ما قال واقع ) # ( يبيت يجافي جنبه عن فراشه % إذا استثقلت بالكافرين المضاجع ) ~~PageV02P457 @ # ومن ذلك ما كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يتمثلون به # ( اللهم لولا أنت ما اهتدينا % ولا تصدقنا ولا صلينا ) # ( فأنزلن سكينة علينا % وثبت الأقدام إن لاقينا ) # ( إن الأولى قد بغوا علينا % إذا أردوا فتنة أبينا ) # وهذا النظم فيه دعاء الله # ( فأنزلن سكينة علينا % وثبت الأقدام إن لاقينا ) # ومثل هذا البيت قولهم اللهم ويقال فيه لاهم إن العيش كما في قول عبد ~~المطلب # ( لاهم إن المرء يمنع رحله % وحلاله فامنع حلالك ) PageV02P458 @ # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # ( إن تغفر اللهم تغفر جما % وأي عبد لك لا ألما ) # ومنه قول الصحابة PageV02P459 @ # ( اللهم إن العيش عيش الآخرة % فاغفر للأنصار والمهاجرة ) # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل به لكن روي أنه قال فاغفر للمهاجرين ~~والأنصار وهذا دعاء في الشعر وقد أقر الصحابة على قوله فدل على جوازه # وإن كان هو صلى الله عليه وسلم لا يقول الشعر فذلك من خصائصه كما قال ~~تعالى @QB@ وما علمناه الشعر وما ينبغي له @QE@ سورة يس 69 فهو صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن ينظم الشعر ولكن هل تمثل به أو لم يتمثل به : أو لم يتمثل ~~بشعر فيه نزاع ليس هذا موضعه PageV02P460 @ # وليس كل الشعر مذموم بل منه ما هو مباح كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إن من الشعر لحكمة وقد قال تعالى @QB@ والشعراء ~~يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم ms090 في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ~~ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون @QE@ سورة الشعراء 227 - 224 # فقد استثنى ممن ذمه الله من الشعراء من ذكره فدل ذلك على أنه ليس كل ~~الشعراء مذمومين وقد ثبت في الصحيح أنه كان ينصب لحسان بن ثابت منبرا ~~ويأمره بهجاء المشركين ويقول اللهم أيده بروح القدس وفي رواية إن روح القدس ~~معك ما نافحت عن الله و PageV02P461 @ رسوله # وقد سمع شعر خزاعة لما قدموا عليه حين عدت بنو بكر على خزاعة وأنشدوه ~~القصيدة المعروفة التي فيها # ( إن قريشا أخلفوك الموعدا % ونقضوا ميثاقك المؤكدا ) # إلى آخرها وكذلك سمع قصيدة كعب بن زهير المشهورة التي أولها بانت سعاد ~~PageV02P462 @ إلى غير ذلك من الأدلة الشرعية التي تدل على أن من الشعر ما ~~يجوز إنشاده وإنشاؤه واستماعه ومما يبين حكمة الشريعة وعظم قدرها وأنها كما ~~قيل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق # إذ الذين خرجوا عن المشروع زين لهم الشيطان أعمالهم حتى خرجوا إلى الشرك ~~فطائفة عن هؤلاء يصلون إلى الميت ويدعو أحدهم الميت فيقول اغفر لي وارحمني ~~ونحو ذلك ويسجد لقبره ومنهم من يستقبل القبر ويصلى إليه مستدبرا الكعبة ~~ويقول القبر قبله الخاصة والكعبة قبلة العامة وهذا يقوله من هو أكثر الناس ~~عبادة وزهدا وهو PageV02P463 @ شيخ متبوع ولعله أمثل أتباع شيخه يقوله في ~~شيخه # وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق والاجتهاد في العبادة والزهد ~~يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل ~~التماثيل وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة ~~والخشوع والدعاء وحضور القلب ما لا يجده أحدهم في مساجد الله التى أذن الله ~~أن ترفع ويذكر فيها اسمه # وآخرون يحجون إلى القبور وطائفة صنفوا كتبا وسموها مناسك حج المشاهد كما ~~صنف أبو عبد الله محمد بن النعمان الملقب PageV02P464 @ بالمفيد أحد شيوخ ~~الإمامية كتابا في ذلك وذكر فيه ms091 من الحكايات المكذوبة عن أهل البيت ما لا ~~يخفى كذبه على من له معرفة بالنقل # وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ وإن لم يسموا ذلك منسكا وحجا فالمعنى ~~واحد ومن هؤلاء من يقول وحق النبي الذي تحج إليه المطايا فيجعل الحج إلى ~~القبر لا إلى بيت الله عز وجل وكثير من هؤلاء أعظم قصده من الحج قصد قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا حج البيت # وبعض الشيوخ المشهورين بالدين والزهد والصلاح صنف كتابا سماه الاستغاثة ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام وهذا الضال استعان بهذا ~~الكتاب وقد ذكر في مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة وكان قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم منتهى قصده ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة وجعل هذا من PageV02P465 ~~@ مناقبه فإن كان هذا مستحبا فينبغي لمن يجب عليه حج البيت إذا حج أن يجعل ~~المدينة منتهى قصده ولا يذهب إلى مكة فإنه زيادة كلفة ومشقة مع ترك الأفضل ~~وهذا لا يفعله عاقل # وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض أكابر الشيوخ عند الناس ممن يقصده ~~الملوك والقضاة والعلماء والعامة على طريقة ابن سبعين قيل عنه أنه كان يقول ~~البيوت المحجوجة ثلاثة مكة وبيت المقدس والبندر الذي للمشركين بالهند وهذا ~~لأنه كان يعتقد أن دين اليهود ودين النصارى حق وجاء بعض إخواننا العارفين ~~قبل أن يعرف حقيقته فقال له أريد أن أسلك على يديك قال على دين اليهود ~~والنصارى أو المسلمين فقال له اليهود والنصارى ليسوا PageV02P466 @ كفار ~~قال لا تشدد عليهم لكن دين الإسلام أفضل # ومن هؤلاء من يرجح الحج إلى المقابر على الحج إلى البيت ومنهم من يرجح ~~الحج إلى البيت لكن قد يقول أحدهم إنك إذا زرت قبر الشيخ مرتين أو ثلاثا ~~كان كحجة ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ بمنزلة عرفات يسافرون إليها وقت ~~الموسم يعرفون بها كما يعرف المسلمون بعرفات كما يفعل هذا بالمشرق والمغرب ~~PageV02P467 @ ومنهم من يجعل السفر إلى المشهد والقبر الذي يعظمه أفضل من ~~الحج ويقول أحد المريدين للآخر وقد ms092 حج سبع حجج إلى بيت الله العتيق أتبيعني ~~زيارة قبر الشيخ بالحجج السبع فشاور الشيخ فقال لو بعت لكنت مغبونا ومنهم ~~من يقول من طاف بقبر الشيخ سبعا كان كحجة ومنهم من يقول زيارة المغارة ~~الفلانية ثلاث مرات كحجة ومنهم من يحكي عن الشيخ الميت أنه قال كل خطوة إلى ~~قبره كحجة ويوم القيامة لا أبيع بحجة وأنكر بعض الناس ذلك فتمثل له ~~PageV02P468 @ الشيطان بصورة الشيخ في منامه وزبره على إنكاره ذلك # وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله رب العالمين فليسوا على ملة ~~إبراهيم إمام الحنفاء وليسوا من عمار المساجد الذين قال الله فيهم @QB@ ~~إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ سورة التوبة 18 ~~فعمار مساجد الله لا يخشون إلا الله وعمار مساجد المقابر يخشون غير الله ~~ويرجون غير الله # حتى إن طائفة من أصحاب الكبائر الذين لا يخشون فيما يفعلونه من القبائح ~~كان إذا رأى قبة الميت أو الهلال الذي على رأس القبة خشي من فعل الفواحش ~~ويقول أحدهم لصاحبه ويحك هذا هلال القبة فيخشون المدفون تحت الهلال ولا ~~يخشون الذي خلق السموات والأرض وجعل أهلة السماء مواقيت للناس والحج # وهؤلاء إذا نوظروا خوفوا مناظرهم كما صنع المشركون بإبراهيم قال تعالى ~~@QB@ وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان @QE@ PageV02P469 @ ولا ~~أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون ~~وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) سورة الأنعام 82 - 80 # وآخرون قد جعلوا الميت بمنزلة الإله والشيخ الحي المتعلق به كالنبي فمن ~~الميت يطلب قضاء الحاجات وكشف الكربات وأما الحي فالحلال ما حلله والحرام ~~ما حرمه وكأنهم قد عزلوا الله عن أن يتخذوه إلها وعزلوا محمد صلى الله عليه ~~وسلم ms093 عن أن يتخذوه رسولا # وقد يجيء الحديث العهد بالإسلام أو التابع لهم الحسن الظن بهم أو غير ذلك ~~يطلب من الشيخ الميت إما دفع ظلم ملك يريد أن يظلمه أو غير ذلك فيدخل ذلك ~~السادن فيقول قد قلت للشيخ والشيخ يقول للنبي والنبي يقول لله والله قد بعث ~~رسولا إلى السلطان فلان فهل هذا إلا محض دين المشركين والنصارى وفيه من ~~الكذب والجهل ما لا يستجيزه كل مشرك ونصراني ولا يروج عليه ويأكلون ~~PageV02P470 @ من النذور وما يؤتى به إلى قبورهم ما يدخلون به في معنى قوله ~~@QB@ إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن ~~سبيل الله @QE@ سورة التوبة 34 فإنهم يأكلون أموال الناس بغير حق ويصدون عن ~~سبيل الله ويعوضون بأنفسهم ويمنعون غيرهم إذ التابع لهم يعتقد أن هذا هو ~~سبيل الله ودينه فيمتنع بسبب ذلك عن الدين الحق الذي بعث الله به رسله ~~وأنزل به كتبه # والله تعالى لم يذكر في كتابه المشاهد بل ذكر المساجد وأنها له قال تعالى ~~@QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ~~@QE@ سورة الأعراف 29 وقال تعالى @QB@ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ~~إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ سورة التوبة 18 - ~~17 وقال تعالى @QB@ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ~~وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا @QE@ سورة الحج 40 # ولم يذكر بيوت الشرك كبيوت الأصنام والمشاهد ولا ذكر بيوت النار لأن ~~الصوامع والبيع لأهل الكتاب فالممدوح من ذلك ما كان مبنيا قبل النسخ ~~والتبديل كما أثنى على اليهود والنصارى PageV02P471 @ والصابئين الذين ~~كانوا قبل النسخ والتبديل يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحا # بخلاف بيوت الأصنام وبيوت النار وبيوت الصابئة المشركين كالذين يسمونه ~~هيكل العلة الأولى هيكل العقل هيكل النفس هيكل زحل هيكل ms094 المشتري هيكل ~~المريخ هيكل الشمس هيكل عطارد هيكل الزهرة هيكل القمر فإن هذه البيوت ليس ~~في أهلها مؤمن ولم يكن في أهلها عبادة أمر الله بها فبيوت الأوثان وبيوت ~~النيران وبيوت الكواكب وبيوت المقابر لم يمدح الله شيئا منها ولم ~~PageV02P472 @ يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~تعالى @QB@ قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا @QE@ سورة الكهف ~~21 فهؤلاء الذين اتخذوا على أهل الكهف مسجدا كانوا من النصارى الذين لعنهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد وفي رواية والصالحين # وفي = الصحيحين = عنه أنه لما ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وذكر حسنها ~~وتصاويرها فقال أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ~~وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة فجمع بين ~~التصاوير والمقابر وفي = الصحيح = عن أبي الهياج الأسدي قال قال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه ألا ابعثك PageV02P473 @ على ما بعثني عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا ~~طمسته وقد ثبت في = الصحيح = أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة ~~حتى أخرج ما فيها من التماثيل # وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال إنا لا ندخل كنائسكم من ~~أجل التماثيل التي فيها # وقد تنازع الفقهاء في الصلاة في الكنيسة وقال البخاري قال ابن عباس لا ~~بأس في الصلاة في الكنيسة وقيل يكره مطلقا وقيل PageV02P474 @ يرخص فيها ~~والصحيح أنه إن كان فيها تماثيل كانت بمنزلة المساجد المبنية على القبور ~~وبمنزلة دار الأصنام فالمصلي فيها مشابه لمن يعبد غير الله وإن كانت نيته ~~الصلاة لله كما أن المصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها لما شابه من يعبد غير ~~الله نهي عن ذلك سدا للذريعة وأيضا فالملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة فكيف ~~يصلى فيه ولهذا لم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم ms095 الكعبة حتى أزيلت الصور ~~بخلاف الكنيسة التي لا صور فيها فإن قيل تكره لكونها محل الكفر قيل الصلاة ~~في محل الكفر بمنزلة فتح دار الكفر فجعلها دار إسلام وبمنزلة صلاة المسلمين ~~في دار الحرب وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفا أن يتخذوا مسجدهم ~~موضع بيت اللات بعد هدم اللات وكانوا يسمونها الربة PageV02P475 @ # ولهذا فضل ذاكر الله في الغافلين وقيل إنه كالشجرة الخضراء بين الشجر ~~اليابس فالعابد بين أهل الكفر والغفلة أعظم أجرا من غيره فإن قيل الصلاة ~~فيها غصب لهم قيل له الكنائس ليس ملكا لأحد وليس لهم أن يمنعوا من يعبد ~~الله لأنا صالحناهم على هذا بل قد شرط عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ~~يوسعوا أبوابها للمارة # ومن ذلك أن هؤلاء المشركين من الصابئة ونحوهم لما كانوا يعبدون الكواكب ~~والملائكة وربما سموها العقول والنفوس وجعلوها PageV02P476 @ وسائط بين ~~الله وبين خلقه وأهل التوحيد لا يعبدون إلا الله ويطيعون رسله الذين أمروا ~~بعبادته وحده لا شريك له # فقالت الصابئة المشركون للحنفاء نحن نتخذ الروحانيين وسائط وأنتم تتخذون ~~البشر وسائط فديننا أفضل من دينكم فأخذ يعارضهم طائفة من النظار كالشهر ~~ستاني في كتابه المعروف = بالملل والنحل = وغيره ويذكرون أن توسط البشر ~~أولى من توسط الروحانيات العلوية وناظروهم مناظرة يعرف تقصيرهم فيها لأنهم ~~بنوها على أصل فاسد وهو مقايسة وسائط المشركين بوسائط الحنفاء وهذا جهل ~~بدين الحنفاء فإن الحنفاء ليس بينهم وبين الله تعالى واسطة في العبادة ~~والدعاء والاستعانة بل يناجون ربهم ويدعونه ويعبدونه بلا واسطة وإنما الرسل ~~بلغتهم عن الله عز وجل ما أمر به وأحبه من العبادات وغيرها وما نهى عنه فهم ~~وسائط في التبليغ والدلالة وهم مع المؤمنين PageV02P477 @ كدليل الحاج مع ~~الحجاج وكإمام الصلاة مع المصلين فالرسل صلوات الله عليهم وسلامه يعرفون ~~الناس طريق الله تبارك وتعالى كما يعرف دليل الحاج طريق مكة شرفها الله ثم ~~الناس يعبدون الله كما أن الحاج يقيمون مناسك الحج والرسل أيضا يقتدى بهم ~~في الأفعال التي يتأسى بهم فيها ms096 كما يقتدي المأموم بالإمام في الصلاة وكل ~~مصل يعبد ربه منه إليه بلا واسطة وأولئك الصابئة من الفلاسفة غاية سعادة ~~النفوس أن تصل إلى العقل الفعال # وأصحاب رسائل إخوان الصفا صنفوا رسائلهم على PageV02P478 @ أصول هؤلاء ~~ممزوجة بما أخذوه من دين الحنفاء وأرادوا بزعمهم أن يجمعوا بين الحنفية ~~والصابئة فضلوا وأضلوا وأما الحنفاء فعندهم أنه ما من عبد إلا سيكلمه ربه ~~ليس بينه وبينه حاجب وترجمان وعندهم أن الملائكة عباد الله يفعلون ما أمرهم ~~الله به ومن أثبت أن دون الله روحا يكون مبدعا للعالم فهو أكفر عند الحنفاء ~~من مشركي العرب فإن مشركي العرب كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء لا ~~يثبتون دونه شيئا أبدع العالم ولما قال من قال منهم إن الملائكة بنات الله ~~لم يجعلوا الملائكة مبدعة للعالم # وأما هؤلاء الفلاسفة يقولون إن الصادر الأول عن العقل الأول وأن كل ما ~~سواه صادر عنه فالعقل الأول هو رب كل ما سوى الله عندهم وكذلك كل عقل هو ~~مبدع ما سواه عندهم حتى ينتهي الأمر إلى العقل العاشر فهو عندهم مبدع ما ~~تحت فلك القمر PageV02P479 @ # ومعلوم أن المسلمين واليهود والنصارى ومشركي العرب وغيرهم لا يجعلون أحدا ~~من دون الله أبدع كل ما تحت السماء وهؤلاء يجعلون الملائكة التي أخبرت بها ~~الرسل هي العقول والنفوس التي زعموها ومنهم من يجعل العقل الأول هو القلم ~~ويجعل النفس هي اللوح ومنهم من يحتج بالحديث الموضوع أول ما خلق الله العقل ~~مع أنهم حرفوا لفظه PageV02P480 @ فرووه أول بالضم وإنما لفظه أول ما خلق ~~الله العقل قال له أقبل فاقبل ثم قال له أدبر فأدبر وفي لفظ لما خلق الله ~~العقل قال له ذلك فالحديث حجة على نقيض مذهبهم فكيف وهو موضوع باتفاق أهل ~~المعرفة بالحديث وقد بسطت الكلام على هذه الأمور في موضع آخر # وهذا قد يوجد في كلام أبي حامد وكثير من متأخري المتصوفة والمتكلمين ~~أدخلوا في دين الحنفاء من دين المشركين حتى صنف بعضهم تصنيفا في ذلك مثل ~~مصنف الرازي ms097 في = السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم = وآخرون صنفوا في ~~الحروف وطبائعها PageV02P481 @ والدعاء بأسماء ذكروها في أوقات كما صنف ~~بعضهم في دعاء المقبور ودعاء المقبور من أعظم الوسائل إلى ذلك # وقد قدم بعض شيوخ المشرق وتكلم معي في هذا فبينت له فساد PageV02P482 @ ~~هذا فقال أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أعيتكم الأمور فعليكم ~~بأصحاب القبور فقلت هذا مكذوب باتفاق أهل العلم لم يروه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أحد من علماء الحديث وبسبب هذا وأمثاله ظهر مصداق قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ~~حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن ~~وفي الحديث الأخر الصحيح لتسلكن أمتي مسالك الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا ~~بذراع قالوا يا رسول الله فارس والروم قال PageV02P483 @ ومن الناس إلا ~~هؤلاء فاتخاذ القبور مساجد هو من فعل اليهود والنصارى وأما الخروج عن الملة ~~بالكلية إلى دعوى الكواكب واتخاذ العلويات وسائط في العبادة كمقالات ~~الفلاسفة فهذا ليس من دين اليهود والنصارى ولا فارس والروم المتنصرة بل هو ~~من فعل الروم الصابئة والمشركين كالفلاسفة الذين كانوا بمقدونية ~~PageV02P484 @ وغيرها وهؤلاء كانوا مشركين إلى أن دخل إليهم دين النصارى ~~وآخر ملوكهم هو بطليموس صاحب = المجسطي = كان بعد المسيح عليه السلام بمدة ~~قليلة وأما أرسطو فإنه كان قبل المسيح PageV02P485 @ بأكثر من ثلاثمائة ~~فإنه كان في زمن الإسكندر بن فيلبس الذي تؤرخ به النصارى اليوم وكان بين ~~المسيح وبين نبينا صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة شمسية وستمائة وعشرين ~~قمرية وكان هذا الإسكندر قبل المسيح بنحو من أربعمائة سنة # وكانت الصابئة من النبط الذين بالعراق والجزيرة كالبطائح وحران وغيرهما ~~من الصابئة المشركين من أئمة PageV02P486 @ الفلاسفة وإبراهيم الخليل بعث ~~إليهم وفي مولده قولان قيل بالعراق وقيل بحران وهذا قول أهل الكتاب وكذلك ~~هو في التوراة التي عندهم ويقال إن قبر أبيه بسور حران وبها آثار الصابئة ~~كالهياكل التي للعلة الأولى والعقل والنفس ms098 والكواكب وما زال بها أكابرهم ~~كثابت بن قرة وأمثاله وقد ذكر عبد اللطيف بن يوسف PageV02P487 @ أن ~~الفارابي كان قد تعلق بالفلسفة في بلاده فلما دخل حران وجد بها من الصابئة ~~من أحكمها عليه وابن سينا إنما حذق فيها بما وجده من كتب الفارابي # فهؤلاء وأتباعهم حقيقة قولهم هو قول الصابئة المشركين الذين هم شر من ~~مشركي العرب وهؤلاء عند من لا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب لا تؤخذ منهم ~~الجزية إلا أن يدخلوا في دين أهل الكتاب والناس لهم في تفسير الصابئة ~~وأحكامهم اضطراب كثير ليس هذا موضعه وسبب PageV02P488 @ ذلك أنهم أنواع ~~مختلفة فكل طائفة تصف النوع الذي عرفته والفلاسفة لا يجمعهم مذهب ولا ~~يجتمعون على شيء بل هم أجناس يختلفون كثيرا ولكن هذه الفلسفة التي يسلكها ~~الفارابي وابن سينا وابن رشد والسهروردي PageV02P489 @ المقتول ونحوه فلسفة ~~المشائين وهي المنقولة عن أرسطو الذين يسمونه المعلم الأول فإن له كتبا ~~متعددة في المنطق وأجزائه وفي الطبيعيات مثل كتاب سمع الكيان والذي يتكلم ~~فيه على الأجسام كلاما كليا و كتاب السماء والعالم و كتاب الآثار العلوية ~~وغير ذلك وأما كلامه PageV02P490 @ في الإلهيات فقليل جدا وفيه خطأ كثير ~~وكانوا يسمون ذلك علم ما بعد الطبيعة أو علم ما قبل الطبيعة ويسمونه ~~الفلسفة الأولى والحكمة العليا لكونهم يتكلمون فيه على الأمور الكلية ~~العامة كالوجود وانقسامه إلى جوهر وعرض وعلة ومعلول وقديم وحادث وواجب ~~وممكن وأما نفس معرفتهم بالله والملائكة وأنبيائه فبعيدة جدا وقد بسطنا ~~الكلام عليهم في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن ما دخل في هؤلاء من دين الحنفاء الذي بعث الله به رسله ~~فهو أقل مما دخل في الإسلام من دين اليهود والنصارى ولهذا لم يكن على عهد ~~الصحابة والتابعين من أدخل شيئا من دين هؤلاء بل كان يوجد من ينقل عن أهل ~~الكتاب وعلمائهم مثل كعب ووهب PageV02P491 @ ومالك بن دينار ومحمد بن إسحاق ~~ومثل ما ينقله عبد الله بن عمرو عن الكتب التي أصابها يوم اليرموك وإنما ~~استجاز لهذا لما PageV02P492 @ رواه ms099 البخاري في الصحيح عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن ~~كذب علي فليتبوأ مقعده من النار فلما رخص في الحديث عن بني إسرائيل استجاز ~~ذلك عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وغيرهما لكن لا يأخذون من ذلك دينا ~~لما ثبت في = صحيح البخاري = عن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب يقرؤون ~~التوراة ثم يفسرونها بالعربية فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدثكم أهل ~~الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وفي لفظ فأما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما ~~أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ~~وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون PageV02P493 @ وإنما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بهذا لأنا قد أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليهم وقد أخبر الله أنهم ~~يكذبون ويحرفون فما حدثوا به إذا لم نعلم صدقهم فيه ولا كذبهم لم نكذبه ~~لجواز أن يكون مما أنزل ولم نصدقه لجواز أن يكون مما كذبوه ولما كان تلك ~~الأحاديث الإسرائيليات قد كثرت صار بعض الناس يدخل في بعض خصائصهم ولم يكن ~~قد ظهر في المسلمين شيء من آثار اليونان والهند إلى أن عربت بعض كتب هؤلاء ~~وهؤلاء حدث في الناس من التشبه بأولئك ما كان أعظم من التشبه بأهل الكتاب # حتى آل الأمر إلى دولة العبيديين وهم ملاحدة في الباطن أخذوا من مذاهب ~~الفلاسفة والمجوس ما خلطوا به أقوال الرافضة فصار خيار ما يظهرونه من ~~الإسلام دين الرافضة وأما في الباطن فملاحدة شر من اليهود والنصارى وإلا من ~~لم يصل منهم إلى منتهى دعوتهم فإنه يبقى رافضيا داخل الإسلام ولهذا قال ~~فيهم العلماء ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض وهم من أشد الناس ~~تعظيما للمشاهد ودعوة الكواكب ونحو ذلك من دين المشركين وأبعد الناس عن ~~تعظيم المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وآثارهم في القاهرة ~~PageV02P494 @ تدل على ذلك # ولقد كنت لما رأيت آثارهم أبين للناس أصل ms100 ذلك وحقيقة دينهم وأنهم من أبرا ~~الناس في رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا ونسبا وقد صنف العلماء فيهم ~~وفي أصولهم كتبا نظرية وخبرية PageV02P495 @ # ومنهم الإسماعيلية من أصحاب دور الدعوة وأما النصيرية فهم من الغلاة ~~الذين يعتقدون إلهية علي والغلاة مع أنهم أكفر من اليهود والنصارى فأولئك ~~الإسماعيلية في الباطن أعظم كفرا وإلحادا منهم وهذا باب واسع ليس هذا موضعه # وإنما المقصود التنبيه على أنه بسبب الخروج عن الشريعة في PageV02P496 @ ~~كثير من البدع الشركية أفضى الأمر بأقوام إلى أن خرجوا إلى دين المشركين بل ~~المشركين المعطلين وكثير من الناس لا يعرف هذا يحسب أن هذا هو دين الله ~~لأجل لبس الحق بالباطل وهذا مما نهى الله عنه وذم به أهل الكتاب حيث قال ~~@QB@ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون @QE@ سورة البقرة ~~42 # الوجه الرابع أن يقال الغلاة المشركون هم في الحقيقة بخسوا الرسل ما ~~يستحقونه من التعظيم دون الأمة الوسط أهل التوحيد المتبعين لشريعة الرسل ~~وبيان ذلك بأمور منها أن النصارى يقولون إنهم يعظمون المسيح وكذلك الغالية ~~في علي والأئمة أو الشيوخ أو غيرهم وهم في الحقيقة متنقصون لهم فإن المسيح ~~عليه السلام أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له وأخبرهم أنه عبدا لله فهم ~~إذا اتبعوه كان له من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء كما ~~ثبت في = الصحيح = عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من دعى إلى هدى كان ~~له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص PageV02P497 @ من أجورهم شيئا ~~ويكونوان سعداء أولياء لله من أهل الجنة وإذا غلوا فيه واتخذوه ربا انقطع ~~العمل الصالح الذي كان يحصل بتوحيدهم وطاعتهم وحصل لهم مع ذلك عذاب أليم ~~وإن كان هو سليما من العذاب لكن فوتوه الأجر الذي كان يحصل له بتوحيدهم ~~وطاعتهم # وأما أهل الاستقامة فهم إذا وحدوا الله وعبدوه كما شرعته لهم الرسل ~~وأطاعوهم صاروا أولياء الله مستيقنين لثوابه وحصل للرسول بالذي دعاهم مثل ~~أجورهم وكان ms101 في هذا من التعظيم للرسل ما ليس في طريق الغلاة # الأمر الثاني إن أهل التوحيد والسنة يدعون لهم دائما فينتفعون بذلك ~~الدعاء وأهل الشرك والبدعة يكلفونهم حوائجهم وأين من يحصل بسعيه منفعة لهم ~~إلى من يكلفهم ويؤذيهم بسؤاله واعتبر هذا بحال الصديق الذي كان يعاون ~~الرسول بماله ونفسه ولا يسأله PageV02P498 @ شيئا أين منزلته من منزلة من ~~يسأله ويكلفه ولا يعاونه # الأمر الثالث إن أهل التوحيد والسنة يصدقونهم فيما أخبروا ويطيعونهم فيما ~~أمروا ويحفظون ما قالوا ويفهمونه ويعملون به وينفون عنه تحريف الغالين ~~وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ويجاهدون من خالفهم ويفعلون ذلك تقربا ~~إلى الله طلبا للجزاء منه لا منهم وأهل الجهل والغلو لا يميزون بين ما ~~أمروا به ونهوا عنه ولا بين ما صح عنهم وما كذب عليهم ولا يفهمون حقيقة ~~مرادهم ولا يتحرون طاعتهم ومتابعتهم بل هم جهال بما أتوا به معظمون ~~لأغراضهم إما لينالوا منهم منفعة أو ليدفعوا بهم عن أنفسهم مضرة # فالسدنة الذين عند القبور ونحوهم غرضهم يأكلون أموال الناس بهم وأتباعهم ~~غرضهم تعظيم أنفسهم عند الناس وأخذ أموالهم بهم والصادق المحض المتدين منهم ~~غرضه أنه إذا سألهم واستغاث بهم في دفع شدة أو طلب حاجة قضوها له فأي ~~الفريقين أشد تعظيما أولئك أو هؤلاء PageV02P499 @ # الأمر الرابع أن أولئك الغلاة المشركين إذا حصل لأحدهم مطلوبه ولو من ~~كافر لم يقبل على الرسول بل يطلب حاجته من حيث ظن أنها تقضى فتارة يذهب إلى ~~ما يظنه قبر رجل صالح أو يكون فيه قبر كافر أو منافق وتارة يعلم أنه كافر ~~ومنافق ويذهب إليه كما يذهب قوم إلى الكنيسة وإلى مواضع يقال لهم إنها تقبل ~~النذر فهذا يقع فيه عامتهم وأما الأول فيقع فيه خاصتهم # حتى إن بعض أصحابنا المباشرين لقضاء القضاة لما بلغه أني أنهى عن ذلك صار ~~عنده من ذلك ما شبهة ووسواس لما يعتقده من الحق فيما أذكر ولما عنده من ~~المعارضة لذلك قال لبعض أصحابنا سرا أنا جربت إجابة الدعاء عند قبر ~~بالقرافة فقال له ms102 ذلك الرجل فأنا ذاهب معك إليه ليعرف قبر من هو فذهبا إليه ~~فوجدا مكتوبا عليه عبد علي فعرفوا أنه إما رافضي وإما إسماعيلي # وكان بالبلد جماعة كثيرون يظنون بالعبيديين أنهم أولياء PageV02P500 @ ~~الله صالحون فلما ذكرت لهم أن هؤلاء كانوا منافقين زنادقة وخيار من فيهم ~~الرافضة جعلوا يتعجبون ويقولون نحن نذهب بالفرس التي بها مغل إلى قبورهم ~~فتشفى عند قبورهم فقلت لهم هذا من أعظم الأدلة على كفرهم وطلبت طائفة من ~~سياس الخيل فقلت أنتم بالشام ومصر إذا أصاب الخيل المغل أين تذهبون بها ~~فقالوا في الشام يذهب بها إلى قبور اليهود والنصارى وإذا كنا في أرض الشمال ~~يذهب بها إلى القبور التي ببلاد الإسماعيلية كالعليقة والمنيقة ونحوهما ~~وأما في مصر فيذهب بها إلى دير هناك للنصارى ونذهب بها إلى قبور هؤلاء ~~الأشراف وهم يظنون أن العبيديين شرفاء PageV02P501 @ لما أظهروا أنهم من ~~أهل البيت فقلت هل يذهبون بها إلى قبور صالحي المسلمين مثل قبر الليث بن ~~سعد والشافعي وابن القاسم وغير هؤلاء فقالوا لا فقلت لأولئك اسمعوا إنما ~~يذهبون بها إلى قبور الكفار والمنافقين وبينت لهم سبب ذلك قلت لأن هؤلاء ~~يعذبون في قبورهم والبهائم تسمع أصواتهم كما ثبت في ذلك في الحديث الصحيح ~~فإذا سمعت ذلك فزعت فبسبب الرعب الذي حصل لها PageV02P502 @ تنحل بطونها ~~فتروث فإن الفزع يقتضي الإسهال فيعجبون من ذلك وهذا المعنى كثيرا ما كنت ~~أذكره للناس ولا أعلم أن أحدا قاله ثم وجدته قد ذكره بعض العلماء # والمقصود هنا أن كثيرا من الناس يعظم قبر من يكون في الباطن كافرا ~~ومنافقا ويكون هذا عنده والرسول من جنس واحد لاعتقاده أنه الميت يقضي حاجته ~~إذا كان رجلا صالحا وكلا هذين عنده من جنس من يستغيث به وكم من مشهد يعظمه ~~الناس وهو كذب بل يقال إنه قبر كافر كالمشهد الذي بسفح جبل لبنان الذي يقال ~~له إنه قبر نوح فإن أهل المعرفة يقولون إنه قبر بعض العمالقة PageV02P503 @ ~~وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة وقبر أبي بن كعب الذي PageV02P504 @ بدمشق ms103 ~~اتفق العلماء على أنها كذب ومنهم من قال هما PageV02P505 @ قبران لنصرانيين ~~وكثير من المشاهد متنازع فيها وعندها شياطين تضل بسببها من تضل ومنهم من ~~يرى في المنام شخصا يظن أنه المقبور ويكون ذلك شيطانا تصور بصورته أو بغير ~~صورته كالشياطين الذين يكونون بالأصنام والشياطين الذين يتمثلون لمن يستغيث ~~بالأصنام والموتى والغائبين وهذا كثير في زماننا وغيره مثل أقوام يرصدون ~~بعض التماثيل التي بالبراني بديار مصر بإخميم وغيرها يرصدون التماثيل مدة ~~لا يتطهرون طهر المسلمين ولا يصلون صلاة المسلمين ولا يقرؤون حتى يتعلق ~~الشيطان تلك الصورة فيراها تتحرك فيضع فيها شمعة أو غيرها فيرى شيطانا قد ~~خرج له فيسجد لذلك الشيطان حتى يقضي بعض حوائجه وقد يمكنه من فعل الفاحشة ~~به حتى يقضي بعض حوائجه PageV02P506 @ # مثل هؤلاء كثير في شيوخ الترك الكفار يسمونه البوى وهو المخنث إذا طلبوا ~~منه بعض هذه الأمور أرسلوا له من ينكحه وينصبون له حركات عالية في ليلة ~~ظلماء وقربوا له خبزا وميته وغنوا غناء يناسبه بشرط أن لا يكون عندهم من ~~يذكر الله ولا هناك شيء فيه شيء من ذكر الله ثم يصعد ذلك الشيخ المفعول به ~~في الهواء ويرون الدف يطير في الهواء ويضرب من مد يده إلى الخبز ويضرب ~~الشيطان بآلآت اللهو وهم يسمعون ويغنى لهم الأغاني التي كانت تغنيها آباؤهم ~~الكفار ثم قد يغيب ذلك الطعام فيرونه وقد نقل إلى بيت البوى وقد لا يغيب ~~ويقربون له ميتة يحرقونها بالنار ويقضي بعض حوائجهم ومثل هذا كثير جدا ~~للمشركين # فالذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام وكثير PageV02P507 @ ~~من المشاهد كذب وكثير منها مشكوك فيه وسبب ذلك أن معرفة المشاهد ليس من ~~الدين الذي تكفل الله بحفظه للأمة لعدم حاجتهم إلى معرفة ذلك # والمقصود أن هؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يسووا بين الأنبياء وغير ~~الأنبياء بل بين الأنبياء والكفار ويطلبون من هذا ما يطلبون من هذا فأي ~~الفريقين أشد تعظيما للأنبياء هؤلاء أو من يوجب تعظيمهم واتباع شريعتهم ~~ويفرق بين الحق ms104 الذي جاؤوا به وبين غيرهم ولا ينزل أحدا منزلتهم ولا يشبه ~~بهم من ليس منهم # | فصل # قال وهذا الرجل المبتدع يأتي بالألفاظ التي هي عين التنقيص بسوء فهمه ~~ويحتج لها جهلا أو عنادا بألفاظ التنزيه تمويها منه أو جهلا فقول أبي يزيد ~~استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق إن صح تنزيهه للباري على ~~أن غير هذه العبارة PageV02P508 @ خير منها وإن كنا نعلم أن المراد بها هو ~~المراد بقول القائل لا يستغاث إلا بالله ولا يفرج الكربة إلا الله # الجواب من وجوه أحدها أن يقال المبتدع من شرع دينا لم يأذن به الله لا من ~~أمر بما أمر الله به ونهى عما نهى الله عنه ومن أعظم المبتدعين من جوز أن ~~يستغاث بالمخلوق الحي والميت في كل ما يستغاث فيه بالله عز وجل بل من جوز ~~أن يسأل الميت ويدعى على أي وجه كان بل من حمل ألفاظ الاستغاثة بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم على أن المراد بها التوسل به وجعل توسل الصحابة هو توسلهم ~~بذاته أو الإقسام به على الله تعالى ولم يعلم أن المراد بها التوسل بشفاعته # ومن أعظم المبتدعين من جعل التوحيد كفرا والشرك إيمانا وكفر من هم أحق ~~بالإيمان من طائفته ونفى الكفر عن طائفته الذين هم أحق بالكفر ممن كفروه # الثاني أن يقال دعواه أن الألفاظ التي ذكرت هي عين التنقيص قد بين أنه من ~~أعظم الكذب وأن التنقيص والشرك لما ذكره ألزم وأن المدعي أن هذا تنقيص كذب ~~باتفاق المسلمين فإنه قد PageV02P509 @ علم بالاضطرار من دين المسلمين أن ~~مثل هذا الكلام لا يحكم على صاحبه بالتنقيص ولا بالكفر ولا بما هذا الكلام ~~أحسن منه # الثالث إن قول المجيب ليس هو قوله وحده بل هو قول جميع أئمة الدين وعلماء ~~المسلمين فليس في علماء المسلمين من يقول إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما ~~يستغاث الله فيه ولا من يقول إن الميت يستغاث به في كل ما يستغاث بالله فيه ~~بل قول القائل إن الأمور التي لا ms105 يقدر عليها إلا الله لا تطلب إلا منه متفق ~~عليه بين علماء المسلمين وما علمت إلى ساعتي هذه أحدا من علماء المسلمين ~~الذين يستحقون الإفتاء نازع في هذا بل ثبت عندي عن عامة من بلغني كلامه من ~~العلماء الموافقة على هذا وإنما عرف نزاع بعضهم في السؤال به وأما الشيوخ ~~الذين يسألون الميت فهؤلاء ليس فيهم أحد ممن يرجع المسلمون إلى فتياه وإنما ~~فعلوا نظيره والفقيه قد يفعل شيئا على العادة وإذا قيل له هذا من الدين لم ~~يمكنه أن يقول ذلك ولهذا PageV02P510 @ قال بعض السلف لا تنظر إلى عمل ~~الفقيه ولكن سله يصدقك # | فصل # قال وأما قول هذا المبتدع لا يستغاث بالرسول فإنه كفر لأنه لفظ يقتضي سلب ~~صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله تعالى في طلب الإغاثة وهذا نفي لوصف ~~من أوصاف الكمال الثابت له صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلين قال أحدهما لا ~~ضار ولا نافع إلا الله يشير إلى التوحيد وقال الآخر إن الرسول لا يضر ولا ~~ينفع وقال الأول إن الله السميع العليم إشارة للحقائق التي حصرها الرب ~~سبحانه في نفسه بهذا الكلام وقال الآخر إن الرسول لا يسمع ولا يعلم أكان ~~يشك مسلم في أن الأول موحد والثاني كافر منقص ولا ينفعه تأويله # والجواب من وجوه أحدها أن ما ذكرته افتراء فإن أحدا لم يخص الرسول بهذا ~~النفي لا خطابا ولا كتابا ولا نفى كل ما يسمى استغاثة فلا النفي عام ولا ~~المنفي عنه مخصوص وأنت ادعيت هذا وهذا على المجيب وكلاهما كذب وجواب السؤال ~~ينطق بخلاف هذين وقد بين فيه أن ما لا يقدر عليه إلا الله فلا PageV02P511 ~~@ يطلب من مخلوق لا الرسول ولا غيره وحينئذ فهذا التفصيل أبين من النفي ~~المطلق الذي قاله أبو يزيد وغيره من المسلمين فإذا كان ذلك سائغا فهذا أولى # الثاني أنه تقدم أن المخصص بالذكر إذا كان لتحقيق العموم كان ذلك تعظيما ~~للمخصوص بالذكر فإذا قيل لا يعبد إلا الله لا الأنبياء ولا غيرهم ولا ~~يستغاث ms106 بمخلوق لا الأنبياء ولا غيرهم ونحو ذلك كان هذا تعظيما للرسول ~~وتبيينا أنه لا أحد أرفع منه من الخلق وخصائص الرب عز وجل منتفية عنه وعن ~~غيره بطريق الأولى وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذا من أهل ~~الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله وفي رواية إني ~~أبرأ إلى كل خليل من خلته فبين أن خلة المخلوقين منتفية عن كل أحد حتى عن ~~الصديق وهو أحق بها لو كانت ممكنة ولو خص بالذكر PageV02P512 @ لفظا في ~~سياق يفهم منه العموم كان حسنا كقوله تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا @QE@ سورة آل عمران 80 # وكذلك إذا كان سبب التخصيص حاجة المستمع إما لسؤاله عن ذلك وإما لحاجته ~~إليه كقوله تعالى @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله @QE@ سورة النساء ~~172 وكقوله @QB@ ما المسيح ابن مريم إلا رسول @QE@ سورة المائدة 75 فإن ~~الحاجة داعية إلى ذكر المسيح لوقوع النزاع فيه # فلو تنازع اثنان هل يخص النبي بالحلف به دون سائر الأنبياء فقال أحدهما ~~لا يحلف به لم يكن هذا تنقيصا بل هذا هو قول الجمهور وهو الصواب وكذلك إذا ~~تنازع اثنان هل يخص بالاستغاثة به أو بالإقسام على الله بعد موته فقال ~~أحدهما لا يستغاث ولا يقسم به فإن هذا ليس من خصائصه لكان من هذا الباب # الثالث قوله عن أبي يزيد غير هذه العبارة خير منها قول باطل فإن ما قال ~~أبو يزيد رحمة الله عليه تلقاه الناس بالقبول وقال بعده أبو عبد الله ~~القرشي قال استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة PageV02P513 @ المسجون ~~بالمسجون وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس إذا سألت فاسأل ~~الله وإذا استعنت فاستعن بالله وقوله لطائفة من أصحابه لا تسألوا الناس ~~شيئا ومنه قوله تعالى @QB@ وإلى ربك فارغب @QE@ سورة الشرح 8 ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم في صفة السبعين ألفا هم الذين لا يكتوون ولا يتطيرون ولا ~~يسترقون فالاسترقاء طلب الرقية من المخلوق # وكأنه يقول هذا فيه ms107 جعل المخلوقين كلهم مثل الغريق ويدخل في ذلك الأنبياء ~~وغيرهم وفي الناس من يمكنه إغاثة غيره فيقال أبو يزيد أراد والله أعلم ~~الاستغاثة المطلقة التي لا تصح إلا بالله وهو أن يطلب من المخلوق ما لا ~~يقدر عليه إلا الله كإزالة المرض والانتصار على العدو وهداية القلب وهذا ~~القدر يمكن المسئول أن يتسبب فيه أن يدعو الله له ويجيب الله دعاءه كما أنه ~~قد يمكن بعض الغرقى أن يمسك غيره ويخلصه إذا كان فيه قوة على ذلك وإن كان ~~أراد كل ما يسمى استغاثة بحيث لا يطلب من المخلوق شيء فهذا كقوله صلى الله ~~عليه وسلم لا يسترقون وقوله إذا سألت فاسأل الله PageV02P514 @ # وحينئذ فالمسئول كائن من كان لا يفعل شيئا إلا بمشيئة الله وقدرته فهو ~~أحوج إلى معونة الله من الغريق إلى من يخلصه فإن الغريق غايته أن يموت وهذا ~~إن لم يغثه الله لم يفعل شيئا قط بل هلك فافتقار الخلق إلى الخالق أعظم من ~~افتقار الغريق إلى المنقذ والمسجون إلى من يرسله ولهذا قيل استغاثة المخلوق ~~بالمخلوق أبلغ من هذا كالاستغاثة بالمعدوم # الرابع قوله وإن كنا نعلم أن المراد بها المراد بقول القائل لا يستغاث ~~إلا بالله ولا يفرج الكربة إلا الله فيقال هذا يقتضي تصويب هذا النافي وعلى ~~قولك لا يكون هذا النف صوابا لأنك قلت إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما يستغاث ~~فيه بالله وحينئذ فهذا الإثبات يناقض ذلك السلب العام وقد تقدم أن دعواه أن ~~المثبت هو عين المنفي في كلام الله ورسوله خطأ بل ما نفاه الرب عن غيره لم ~~يثبته له والمنفي عن المخلوق ما اختص الرب به وكذلك قول أبي يزيد وغيره # وأما على ما ادعاه فالاستغاثة بالمخلوق عامة في كل شيء فلا يكون شيء من ~~الأشياء لا يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيه فلا PageV02P515 @ تنفى الاستغاثة ~~عن غير الله إذا كانت ثابتة للمخلوق في كل شيء إلا أن يقال المنفي هو ~~الاستغاثة الكاملة أو التي يستقل بها المغيث كما يقال لا ms108 موجود إلا الله ~~تعالى فيقال وهذه العبارة لا موجود إلا الله ليست عبارة منقولة عن السلف ~~والأئمة # والنافي إذا أراد بالنفي الكمال مع القرينة جاز ذلك كما يقال لا عالم إلا ~~فلان ولا حاكم إلا فلان ومنه قوله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ~~@QE@ إلى قوله @QB@ أولئك هم المؤمنون حقا @QE@ سورة الأنفال 4 - 2 # وقد بينا في غير هذا الموضع أن الله ورسوله لم ينفيا اسما من مسمى شرعي ~~إلا لانتفاء بعض ما يجب فيه لا ينتفى لانتفاء PageV02P516 @ الكمال المستحب ~~بل ولابانتفاء الكمال الواجب كقوله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك ~~هم الصادقون @QE@ سورة الحجرات 15 ونظائرها في القران وكقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا صلاة إلا بأم القرآن وأما قوله لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله ~~عليه وقوله لا صلاة لجار PageV02P517 @ المسجد إلا في المسجد وقوله من سمع ~~النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له فهذه الأحاديث قد اختلف في صحتها ~~واختلف في نفي الكمال بها في مذهب أحمد وغيره فإن قيل إنها PageV02P518 @ ~~صحيحة وجب العمل بموجبها وكذلك قوله لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ~~قد اختلف في صحته فليس في هذا الباب حديث صحيح اتفق العلماء على أن المراد ~~به نفي الكمال المستحب # وقول القائل لا يستغاث إلا بالله ولا يسأل إلا الله ونحو ذلك فليس هو ~~نفيا لمسمى شرعي بل لغوي وهو نفي معناه النهي كقوله لا يستعان إلا بالله ~~ولا يسأل إلا الله ونحو ذلك وهذا PageV02P519 @ النهي عام في كل شيء لكن ~~النهي في أكثره نهي تحريم وبعضه نهي تنزيه والأولى للإنسان أن لا يسأل أحدا ~~إلا الله كما وصى النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أصحابه بذلك وهو نهي ~~تحريم فيما لا يقدر عليه إلا الله وغير ذلك وهو أيضا نهي تحريم إذا طلب ms109 من ~~المخلوق تمام مطلوبه فإن مطلوبه لا يقدر عليه إلا الله وإنما يقدر المخلوق ~~على بعض أسباب مخلوقة وبهذا وجب على العبد أن لا يتوكل إلا على الله فإنه ~~لا يقدر غير الله على حصول مطلوبه إذ مطلوبه وإن كان له أسباب فالمخلوق ~~المعين إنما يقدر على بعض أسبابه ثم ذلك المخلوق لا يفعل شيئا إلا بمشيئة ~~الله وقدرته # الخامس قوله وأما قول هذا المبتدع لا يستغاث بالرسول فإنه كفر 000 إلى ~~آخره # فيقال له أولا ليس هذا قوله فإنه لا ينفي عنه أن يستغاث به فيما يليق ~~بمنصبه بل قد صرح بجواز ذلك أيضا فإنه لا يخص الرسول لا بالذكر ولا بالنفي ~~بل إنما قيل هذا على سبيل العموم وهو أنه لا يستغاث بميت أصلا لا الرسول ~~ولا غيره ولا يستغاث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق PageV02P520 @ # ويقال ثانيا دعواك أن هذا التخصيص كفر أحق بأن يكون كفرا بل يقال لك لا ~~نسلم أنه باطل فضلا عن أن يكون كفرا وهذا عند المخصص إذا قال لا يستغاث به ~~بعد موته ونحو ذلك بمنزلة أن يقال لا يسأل ولا يدعى بعد موته أو لا يصلى ~~على الرسول عند الذبح أو لا تجب الصلاة على الرسول في الصلاة ونحو ذلك من ~~PageV02P521 @ العبارات النافية لبعض الأمور عن الرسول وقد يكون اللفظ ~~مطلقا لتقييده بسؤال السائل مثل أن يقال هل يصلى عليه عند الذبح فيقال لا ~~يصلى عليه ويقال هل يستغاث به بعد موته وفي مغيبه فيقال لا يستغاث به # لكن إن كان المستمع يفهم من هذه العبارة أنه لا يسأل في حياته شيئا ولا ~~يستشفع به بمعنى أنه ليس أهلا لذلك لم يجز إطلاق هذه العبارة إذا عنى بها ~~المتكلم معنى صحيحا وهو يعلم أن المستمع يفهم منها معنى فاسدا لم يكن له أن ~~يطلقها لما فيه من التلبيس إذ المقصود من الكلام البيان دون التلبيس إلا ~~حيث يجوز التعريض خاصة وليس هذا موضع تعريض ولو قدر أن مطلقا أطلقها وكنى ms110 ~~بها معنى صحيحا والمستمع فهم منها الكفر لم يكفر المتكلم بذلك لا سيما إذا ~~لم يعلم أن المستمع يفهم المعنى الفاسد PageV02P522 @ # وكلام الله ورسوله وكلام العلماء مملوء بما يفهم الناس منه معنى فاسدا ~~فكان العيب في فهم الفاهم لا في كلام المتكلم الذي يخاطب جنس الناس كالمصنف ~~لكتاب أو الخطيب على المنبر ونحو هؤلاء لا يكلفون أن يأتوا بعبارة لا يفهم ~~منها مستمع ما معنى ناقصا فإن ذلك لا يكون إلا إذا علم مقدار فهم كل من ~~يسمع كلامه ويقرأ كتابه وهذا ليس في طاقة بشر والله تعالى ما أرسل رسولا ~~إلا بلسان قومه ليبين لهم فما يمكن بيان الرسول إلا على طريقة اللغة ~~المعروفة وإن وقع خطأ في فهم بعض الناس والله تعالى أنزل كتابه بلسان العرب ~~وهو لا بد أن ينزله بلسان من الألسنة وأكمل الألسنة لسان العرب وأكمل ~~البلاغة بلاغة القرآن باتفاق أهل العلم بذلك # وقد غلط في كثير من فهم القرآن من لا يحصيه إلا الله حتى في زمن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فهم طائفة من قوله @QB@ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر @QE@ سورة البقرة 187 أن المراد به الخيوط التي هي ~~من جنس الحبال وفهم بعضهم من PageV02P523 @ قوله @QB@ وإن منكم إلا واردها ~~@QE@ سورة مريم 71 أن المراد دخولها و التعذيب فيها وفهم بعضهم من قوله ~~@QB@ فسوف يحاسب حسابا يسيرا @QE@ سورة الانشقاق 8 أنه قد يناقش العبد ~~الحساب وينجو ومثل هذا كثير # السادس قوله لأنه لفظ يقتضى سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله ~~في طلب الإغاثة وهذا نفي لوصف من أوصاف الكمال PageV02P524 @ # فيقال له نفي الاستغاثة به في شيء مخصوص أو وقت مخصوص لا يفهم أحد منها ~~نفي التوسل به ولا نفي كونه سببا وإنما يفهم منها نفي الطلب منه لذلك الشيء ~~أو في ذلك الحال وما ذكرته فيما تقدم من أن المتوسل به مستغيث به قول لم ~~يقله أحد قبلك لا من العرب ولا من العجم وليس لأحد ms111 أن يفسر اللفظ بمعنى لا ~~يعرفه أحد # السابع إن قوله يقتضي سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله قول ~~باطل فإن قول القائل لا يستغاث به نفي بكون هذا مشروعا ولا سيما إذا كان في ~~سياق الإفتاء وبيان الأحكام الشرعية والصيغة صيغة خبر فإنه لم يرد نفي ~~إمكان شرع فضلا عن أن يقتضي نفي الصلاحية فإذا قيل الرسول لا يسجد له لم ~~يقتض أن ذلك غير ممكن أن يشرعه الله فقد أمر الملائكة بالسجود لآدم وقد سجد ~~ليوسف أبواه وأخوته ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضل من آدم ويوسف فكيف يفهم ~~من هذا اللفظ أنه لا يصلح لما يصلح له آدم ويوسف عليهما السلام # وكذلك إذا قيل النبي لا يورث لم يكن هذا نفيا لإمكان أن يبيح الله أن ~~يورث أو نفيا لاستحقاق شيئا يمكن أن يورث عنه PageV02P525 @ # وكذلك إذا قيل كان الصحابة قد نهوا أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن شيء لم يكن في هذا نفي لما يسأل عنه ولا نفي لإمكان أن يشرعه الله ~~ورسوله كما أن قوله تعالى @QB@ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم @QE@ ~~سورة المائدة 101 لا يقتضي نقصا بالمسئول وقوله @QB@ أم تريدون أن تسألوا ~~رسولكم كما سئل موسى من قبل @QE@ سورة البقرة 108 وقوله @QB@ يسألك أهل ~~الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة @QE@ سورة النساء 153 فنهى الإمم أن تسأل الأنبياء هذه ~~المسائل لا يقال إنه نفي لصلاحية الرسل أن يكونوا وسيلة في حصول المسئول ~~وذلك نفي لصفة الكمال إذ ليس فيه إلا النهي عن السؤال ليس فيه نفي لصلاحية ~~المسئول أن يسأل ولا نفي قدرته على حصول المسئول ولا شيء من هذا بل قد يكون ~~النهي عن السؤال لمصلحة المنهي ولما في سؤاله من المفسدة PageV02P526 @ # وقوله لا يستغاث به هو مثل قوله لا يسأل هو نهى عن سؤاله وعن الاستغاثة ~~به لما في ذلك من مصلحة المنهي ومن ms112 مصلحة الرسول ومن توحيد الرب وأيضا فقول ~~القائل لا يصلح أن يستغاث به أو لا يصلح أن يكون وسيلة إلى الله في حصول ~~الإغاثة قد يريد لا يصلح شرعا بمعنى أن هذا لم يشرع وقد يريد لا يصلح أي أن ~~هذا غير ممكن في حقه فلو قدر أن نفي الاستغاثة نفي للصلاحية فالصلاحية لفظ ~~مجمل # وبالجملة فكلام هذا الرجل كثير منه نزاع لفظي مع كونه لفظيا فهو يعبر عن ~~المعنى بلفظ لم يعبر به غيره وينكر على غيره أن يعبر عن المعنى بالعبارة ~~المستعملة فيه ففيه جهل وظلم جهل بدلالة اللفظ في استعماله واستعمال اللفظ ~~فيما لم يستعمل فيه قط وينكر على من يستعمله في معناه ويريد أن يلزمهم ~~بالقبيح الذي ارتكبه ويحمل كلامهم على المعنى الباطل لظنه أن اللفظ يحتمله ~~مع أنهم قد صرحوا بنقيض ذلك المعنى بعبارة صريحة فيدع محكم كلامهم ~~PageV02P527 @ وتمسك بمتشابهه الذي هو متشابه في ظنه مبتغيا للفتنة بذلك ~~وليس مقصوده معرفة مراد المتكلم وتأويله بل غرضه ما يقوله الناس عنه من ~~إرادة العلو في الأرض والفساد بالظلم # يبين هذا الجواب الثامن وهو أنه قد ذكر المجيب في أول جوابه فقال قد ثبت ~~بالسنة المستفيضة بل المتواترة واتفاق الأمة أن نبينا صلى الله عليه وسلم ~~هو الشافع المشفع وإنه سيد ولد آدم وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة وأن ~~الناس يستشفعون به فيطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم فيشفع لهم وفيه أيضا ~~تقرير ما كان أصحابه يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به وفي الجواب ~~والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها ~~مسلم فإذا كانت هذه الألفاظ الصريحة فيه فلو قدر أن فيه إطلاق نفي ~~الاستغاثة هل كان يقال إن فيه ما يقتضي نفى صلاحية أن يكون وسيلة إلى الله ~~في حصول الاستغاثة وقد بين فيه تقرير ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به ~~والاستشفاع به وقرر فيه أن الناس يستشفعون به ويتوسلون بشفاعته في الدنيا ~~والآخرة وأنه يستغاث به ms113 بمعنى أنه يطلب منه كل ما هو اللائق بمنصبه فإذا ~~كان قد بين ثبوت هذه الأمور هل يمكن أن PageV02P528 @ ينفي معها صلاحيته ~~لبعضها ومعلوم أن حصول الاستشفاع والتوسل به أبلغ من الصلاحية له فإذا كانت ~~هذه الأمور قد أثبتت فكيف ينفى معها الصلاحية لذلك والألفاظ بإثباتها صريحة ~~واللفظ الذي توهم فيه نفي الصلاحية غايته أن يكون محتملا لذلك ومعلوم أن ~~مفسر كلام المتكلم يقضي على مجمله وصريحه يقدم على كنايته ومتى صدر لفظ ~~صريح في معنى ولفظ مجمل نقيض ذلك المعنى وغير نقيضه لم يحمل على نقيضه جزما ~~حتى يترتب عليه الكفر إلا من فرط الجهل والظلم # التاسع أنه لو فرض أن معنى اللفظ ما ذكرته فإذا كان مطلق اللفظ لا يعرف ~~معناه إلا ما أراده بنفسه لم يكن كافرا بإجماع المسلمين وإن اعتقد أن ما ~~نفاه هو مدلول اللفظ وما نفاه منتف عنه إجماعا أو في قول سائغ لم يكن هذا ~~كافرا عند أحد من المسلمين PageV02P529 @ # العاشر قوله يقتضي سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله في طلب ~~الإغاثة كلام مجمل فيقال لك ما تعنى به أتريد أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والرجل الصالح وغيرهما لا يكون بعد موته وسيلة إلى الله في طلب الإغاثة منه ~~أو أنه لا يكون حيا ولا ميتا وسيلة إلى الله في طلب الإغاثة منه وقوله لا ~~يكون وسيلة تريد به أن لا يتوسل به أي بذاته أو بدعائه وشفاعته أو غير ذلك ~~فإن أردت أن الميت نبيا كان أو غير نبي لا يكون وسيلة إلى الله في طلب ~~الإغاثة بمعنى أن يطلب منه أن يكون وسيلة في طلب الغوث منه قيل لك هذا صحيح ~~ولم قلت أن الأمر بالعكس ومن أين لك في الشرع أن يطلب من الميت وسيلة إلى ~~الله في طلب الإغاثة منه بل وكذلك إن أردت أن الاستغاثة بالحي والميت تكون ~~وسيلة إلى الله في طلب الغوث منه ومن أين لك أن الطالب من المخلوق يكون ~~طالبا من ms114 الله عز وجل ومن الذي قال إن السائل بمخلوق والداعي له والمستغيث ~~به نبيا كان PageV02P530 @ المدعو أو غير نبي يكون المخلوق المستغاث وسيلة ~~إلى الله في الطلب منه # وهذا أمر مخالف للعقل واللغة والشرع فمن الذي جعل الطلب من هذا وسيلة في ~~الطلب من هذا في كل شيء وعلى كل حال بل من طلب من الرسول أو غيره فإنما ~~يطلب مقدوره فيطلب منه الدعاء والشفاعة ويكون دعاؤه وشفاعته وسيلة في حصول ~~المطلوب لا أن ذلك يكون طلبا من الله وأنت قد جعلت كل ما يطلب من غير الله ~~وسيلة من وسائل الله فما هذه الوسائل التي يكون المتسول بها طالبا من الله ~~فإن الطلب من الله معروف معلوم فيقال دعا الله وسأله واستعانه واستغاث به ~~وطلب منه ورغب إليه واستجاره واستعاذه ونحو ذلك وليس هنا مخلوق يكون ~~الاستغاثة به وسيلة في هذا الطلب وكأن هذا يجعل نفس الطلب من الصالح طلبا ~~من الله PageV02P531 @ # ويقول إن الصالح لمنزلته عند الله من طلب منه شيئا فإن الله تعالى يعطيه ~~ذلك كما إذا طلب من الله وهذا حال كثير من الجاهلين الضالين يستغيث أحدهم ~~بشيخه في كل ما يهمه فإذا خاف أحدا أو طلب حاجة استغاث بالشيخ أو الغائب ~~والميت فيقول يا شيخ فلان أنا في حسبك يا سيدي فلان ونحو ذلك من العبارات ~~ومنهم من يقول هذا وقتك يا شيخ فلان أو يقول إن لم تحضر يا شيخ فلان وإلا ~~فعل بنا وصنع وقد يقول إن كنت رجلا صالحا صاحب حال فأرني حالك ويقول إن كان ~~لك جاه عند الله فهذا وقت جاهك وقد يستغيث أحدهم بعدة مشايخ فيقول يا سيدي ~~فلان وفلان وفلان ثم من هؤلاء من يتصور له صورة إنسان يظنها الشيخ أو ملكا ~~تصور على صورته وساره وكالمه وقضى بعض حاجاته ونحو ذلك ومنهم من يتصور له ~~ذلك في صورة طائر ومنهم من يتصور له في صورة حيوان آخر وتكون تلك الشياطين ~~تتصور بتلك الصور لأولئك المشركين الذين دعوا ms115 من دون الله آلهة أخرى وطلبوا ~~منهم مالا يجوز أن يطلب إلا من الله كما كان المشركون يطلبون من الأوثان ما ~~يطلب من الله وكما يطلب عباد الكواكب منها مالا PageV02P532 @ يطلب إلا من ~~الله وكذلك عباد الأنبياء والملائكة قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ~~@QE@ سورة الإسراء 57 - 56 وقال تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ سورة آل عمران 80 ~~وهؤلاء لا يتصور أن يقضى لهم جميع مطالبهم ولا أكثرها كما أن ما تخبر به ~~الشياطين من الأمور الغائبة لا يصدقون فيه كله ولا في أكثره بل يصدقون في ~~واحدة ويكذبون في أضعافها ويقضون لهم حاجة واحدة ويمنعونهم أضعافها ويكون ~~فيما أخبروا به وأعانوا عليه إفساد حال الرجال في الدين والدنيا وهذه ~~الأمور لبسطها موضع آخر # والمقصود أن كثيرا من الضالين الجاهلين يستغيثون بمن يحسنون به الظن من ~~الأموات والغائبين في كل ما يستغاث الله فيه ولا يتصور أن هؤلاء يسألونهم ~~مطالبهم كلها ولا أكثرها بل غاية ما يطلبونه منهم من جنس تحصيل المنافع ~~ودفع المضار ولا يحصل بل قد يحصل بعض المطالب كما يحصل لعباد الأصنام ~~والكواكب PageV02P533 @ وغيرهم من المشركين ويكون ما يخبرون به ويفعلونه ~~شبهة للمشركين كما أن ما يخبر به الكاهن ونحوه من الأخبار فإنه يصدق في ~~واحدة ويكذب في شيء كثير كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لو آتوا بالأمر ~~على وجهه لكان ولكن يخلطون بالكلمة الواحدة مائة كذبة # فهذا القول الذي يقوله هذا هو مطابق لأحوال هؤلاء المشركين الضالين لكن ~~هذا ليس يقوله مسلم ولا عاقل يتصور ما يقول بل هو من جنس قول النصارى دعاء ~~المسيح دعاء لله لكن أولئك يقولون باعتبار الحلول والاتحاد وأما بدون هذا ~~فهو كلام غير معقول فإن الله تعالى أمر أن يدعى هو ويسأل ms116 هو ولم يجعل دعاء ~~أحد من المخلوقين دعاء له بل قد نهى الله عن دعائه ولو كان هذا حقا لكان من ~~دعا الملائكة والأنبياء دعا الله ولا يكون مشركا PageV02P534 @ والله قد ~~جعلهم مشركين وقد قال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون ~~كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ سورة الإسراء ~~57 - 56 فإن هؤلاء الضالين جعلوا الصالحين مع الله سبحانه وتعالى كالوكيل ~~مع موكله فإذا طلب من الوكيل الدعاء كانت المطالبة للموكل في المعنى لكن ~~هذا ليس من أقوال الموحدين بل هو من أعظم شرك الملحدين # والرسول لم يضمن للخلق أن يرزقهم ويحاسبهم ولا يجيب دعاءهم بل هذا كله ~~أخبر أنه لله وحده قال تعالى @QB@ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب @QE@ ~~سورة الرعد 40 وقال @QB@ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ~~ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ سورة الأنعام 50 وقال ~~@QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون @QE@ ~~سورة الأعراف 188 وقال @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا ~~حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون @QE@ سورة ~~التوبة 59 فبين تعالى أن التحسب بالله وحده والرغبة إلى الله وحده وأما ~~الإيتاء فلله والرسول لأن الحلال ما حلله الرسول والحرام ما حرمه الرسول ~~كما قال تعالى PageV02P535 @ @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا @QE@ سورة الحشر 7 فالله تعالى قد جعل الرسول مبلغا لكلامه الذي هو ~~أمره ونهيه ووعده ووعيده # وهؤلاء يجعلون الرسل والمشايخ يدبرون العالم بالخلق والرزق وقضاء الحاجات ~~وكشف الكربات وهذا ليس من دين المسلمين بل النصارى تقول هذا في المسيح وحده ~~بشبهة الاتحاد والحلول ولهذا لم يقولوا ذلك في إبراهيم وموسى وغيرهما من ~~الرسل مع ms117 أنهم في غاية الجهل في ذلك فإن الآيات التي بعث بها موسى أعظم ولو ~~كان الحلول ممكنا لم يكن للمسيح خاصية توجب اختصاصه بذلك بل موسى أحق بذلك ~~ولهذا خاطبت من خاطبته من علماء النصارى وكنت أتنزل معهم إلى أن أطالبهم ~~بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية فلم يجدوا فرقا بل أبين لهم أن ما ~~جاء به موسى من الآيات أعظم فإن كان هذا حجة في دعوى الإلهية فهو أحق وأما ~~ولادته من غير أب فهو يدل على قدرة الخالق لا على أن المخلوق أفضل من غيره ~~PageV02P536 @ # وإن أراد بقوله يقتضي سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله في طلب ~~الإغاثة أنه لا يتوسل بذاته فلا يقسم به على الله ولا يقال أسألك برسولك أو ~~أسألك بجاه رسولك # فيقال أولا نفي الاستغاثة بهم لا يفهم أحد منها نفي السؤال به # ويقال ثانيا وهب أنه أراد هذا فما الدليل على جواز السؤال لله بذوات ~~المخلوقين أو مطلقا وبعد موتهم ومن قال هذا من الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان والصحابة إنما كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته ولهذا توسلوا بعده ~~بالعباس ولو كان التوسل بذاته ممكنا بعد الموت لم يعدلوا إلى العباس ~~والأعمى إنما توجه بدعائه وشفاعته وكذلك الصحابة في الاستغاثة وكذلك الناس ~~يوم القيامة يستغيثون به ليشفع لهم إلى الله فهم يتوسلون بشفاعته أما بمجرد ~~الذات بعد الممات فلا دليل عليه ولا قاله أحد من PageV02P537 @ السلف بل ~~المنقول عنهم يناقض ذلك قد نص غير واحد من العلماء على أن هذا لا يجوز وإن ~~نقل عن بعضهم جوازه فقد قال تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول @QE@ سورة النساء 59 # ويقال ثالثا وهب أن قائل ذلك أخطأ في هذا النفي لكن ليس كل مخطئ يكفر لا ~~سيما إذا قاله متأولا باجتهاد أو تقليد وإن أراد بقوله لا يكون وسيلة أي لا ~~يكون الإيمان به ومحبته وطاعته وموالاته واتباع سنته والمجاهدة على دينه ~~ونحو ذلك وسيلة إلى الله فهذا لم ينفه أحد ms118 ونفي الاستغاثة به لا ينفي هذه ~~الوسائل وهذه وسائل في حصول الثواب والقرب من الله وسعادة الدنيا والآخرة ~~لا في مجرد الاستغاثة ومحمد صلى الله عليه وسلم هو وسيلة إلى سعادة الدنيا ~~والآخرة بهذا الاعتبار ومن نفى كونه وسيلة إلى الله بهذا الاعتبار فهو كافر ~~حقا فإنه نفى رسالته التي هي أصل الإيمان # الحادي عشر قوله وهذا نفي لوصف من أوصاف الكمال الثابتة له صلى الله عليه ~~وسلم # فيقال له لا نسلم أن هذا نفي لشيء من صفات الكمال بل ولا نفي لشيء موجود ~~بل هو نفي لشيء منتف في نفس الأمر # ويقال له ثانيا هذا الوصف عندك ثابت لآحاد الناس بل قولك يقتضي أنه ثابت ~~لكل مخلوق وما ثبت لآحاد الناس لم يكن من خصائص الرسل التي تعد من كمالاتهم ~~فلا يقول عاقل إن PageV02P538 @ ما شاركه فيه عامة الناس يكون من كمالات ~~الرسل التي يكون نفيها قدحا في رسالته # ويقال ثالثا ولو قدر أنه وصف كمال فليس كل من نفى وصفا من أوصاف الكمال ~~يكون كافرا إذا كان متاولا في ذلك دع من نفى وصفا من صفات كمال الرسول على ~~سبيل التأويل # وقد قال طوائف من السلف والخلف إنه يقعده معه على العرش وأنكر ذلك آخرون ~~وقال قوم إنه كتب بيده عام الحديبية PageV02P539 @ خرقا للعادة ونفى ذلك ~~آخرون وقال قوم إنه كان يجوع ويربط PageV02P540 @ الحجر على بطنه مع قدرته ~~على حصول ما يأكل ونفى ذلك آخرون وقال ابن مسعود والجمهور إنه خاطب الجن ~~ورآهم ونفى ذلك ابن عباس وآخرون وقال ابن عباس وطائفة إنه رأى ربه ونفى ذلك ~~آخرون من الصحابة وغيرهم بل نفس المعراج PageV02P541 @ # قال الجمهور إنه كان ببدنه وآخرون من السلف والخلف قالوا إنه كان بروحه ~~فقط وقال طائفة من العلماء إنه كان يملك الفيء ونفى ذلك آخرون وقال أكبر ~~المنتسبين PageV02P542 @ إلى السنة إنه والأنبياء أفضل من الملائكة وآخرون ~~قالوا الملائكة أو بعضهم أفضل من الأنبياء وقال جمهور المسلمين إنه أفضل ~~الأنبياء وتوقف في ذلك بعض الحنفية ms119 وغيرهم وادعى بعض PageV02P543 @ الناس ~~أنه كان يحفظ القرآن قبل أن ينزل به جبرائيل عليه السلام عليه ورد ذلك ~~جمهور المسلمين وعلماؤهم وقال قوم من هذا النمط إن جميع الأنبياء تلقوا ~~العلم بالله منه وأنه كان موجودا قبلهم ورد ذلك جمهور المسلمين وعلماؤهم ~~وقال PageV02P544 @ بعضهم إنه كان لا يسهو في الصلاة وإنما كان يتعمد ذلك ~~ورد ذلك جمهور المسلمين وعلماؤهم وقال بعض الغلاة إنه كان يعلم علم الله ~~ويقدر قدرته وكفر المسلمون من قال ذلك فضلا عن تكفير النافي وتنازع ~~المسلمون في جواز الصغائر على الأنبياء وجمهورهم يجوزون ذلك وهذا باب واسع ~~PageV02P545 @ # فما زال المسلمون يتنازعون في شيء من إثبات صفات الكمال ولا يقول المثبت ~~للنافي إنك كفرت فإن الكمال الثابت ليس محدودا يعلمه الناس كلهم وما من ~~كمال إلا وفوقه كمال آخر والكمال المطلق الذي لا غاية فوقه لله تبارك ~~وتعالى وقد ثبت في = الصحيح = عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كمل من ~~الرجال كثير إلى آخر الحديث وهؤلاء الكاملون بعضهم أكمل من بعض فإذا نفي عن ~~بعضهم نوع من الكمال لم يلزم أن ينفى عنه الكمال ولو كان كذلك لكان من قال ~~إن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من يونس بن متى متنقصا بيونس فيكون كافرا ~~لأنه سلبه هذا الكمال # وأما قوله أرأيت رجلين قال أحدهما لا ضار ولا نافع إلا الله يشير إلى ~~التوحيد وقال الآخر إن الرسول لا يضر ولا ينفع وقال الأول إن الله هو ~~السميع العليم إشارة إلى الحقائق التي حصرها PageV02P546 @ الرب سبحانه في ~~نفسه بهذا الكمال وقال الآخر إن الرسول لا يسمع ولا يعلم أكان يشك مسلم في ~~أن الأول موحد والثاني كافر متنقص و لا ينفعه تأويله فإن سوء العبارة في حق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كفر وإن صح المقصود كما دل عليه كلام الإمام ~~وغيره ألا ترى إلزام الله عز وجل للصحابة بتحسين الخطاب معه وإيراده بكيفية ~~الأدب إلا آخره # فيقال أما المثال الأول فهو وإن كان أقرب ms120 إلى المطابقة فجوابه من وجوه # أحدها أنه إذا كان الكلام في سياق العموم بيان أنه أفضل الخلق مثل أن ~~يقول لا يضر ولا ينفع إلا الله لا الرسول ولا من دونه أو يقال إذا كان ~~الرسول الذي هو أفضل الخلق لا يضر ولا ينفع إلا الله وأما إذا كان المراد ~~أن الرسول لا يضر ولا ينفع وغيره يضر وينفع فهذا هو التنقيص وهو نظير أن ~~يقال الرسول لا يستغاث به بل يستغاث بغيره فهذا PageV02P547 @ تنقيص بلا ~~ريب فإنه يتضمن تنقيصه عمن الرسول أفضل منه وهذا تنقيص عن درجته بلا ريب # ويقال ثانيا لو قال لا يضر ولا ينفع من الذي قال إنه يكفر بذلك إذا عنى ~~بذلك معنى قوله @QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله @QE@ ~~سورة الأعراف 188 فإذا كان لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا وقد أمره الله أن ~~يقول ذلك فهو أحرى أن لا يملك لغيره وقد قال @QB@ إني لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا @QE@ سورة الجن 21 فأخبر أنه لا يملك من الله لا ضرهم ولا رشدهم وقد ~~قال الله تعالى @QB@ ليس لك من الأمر شيء @QE@ سورة آل عمران 128 وثبت عنه ~~في = الصحيحين = أنه قال يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا يا ~~صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا يا عباس عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئا # فهذا تخصيص له بنفي ذلك وهو من أصدق الرسل ومن صدق الرسول فيما قاله فهو ~~مؤمن ليس بكافر فإذا قال القائل الرسول لا يغني عن بنته ولا عمه ولا عمته ~~من الله شيئا فكيف من دونهم كان هذا من أحسن الكلام وأصدقه PageV02P548 @ # ويقال ثالثا قول القائل عن مخلوق إنه لا يضر ولا ينفع تارة مريد به نفي ~~الاستقلال بذلك على سبيل توحيد الربوبية بمعنى أن ما يجرى على يديه من الضر ~~والنفع فالله هو خالقه وهو الذي يجعله فاعلا بمشيئته ms121 أو يريد أنه لا ينفع ~~ولا يضر إلا بمشيئة الله وقدرته وإرادته كما قال تعالى @QB@ وما هم بضارين ~~به من أحد إلا بإذن الله @QE@ سورة البقرة 102 فهذا صحيح فليس في المخلوقات ~~بهذا الاعتبار شيء ينفع ويضر إذ ليس في المخلوقات ما يستقل بإحداث ضرر غيره ~~ونفعه ولا يفعل شيء إلا بإذن الله كما ليس فيها من يعطي ويمنع بهذا ~~الاعتبار # كما أن من أسمائه تعالى المعطي المانع الضار النافع وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول في دبر الصلاة وفي غير هذا الموطن اللهم لا مانع لما أعطيت ~~ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وكان يقول في PageV02P549 @ ~~رقيته أذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاك وفي رواية لا ~~شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقما # وتارة يريد به أن الضر والنفع المعتاد مثل الصحة والمرض والغنى والفقر ~~والأمن والخوف واليسر والعسر لا يفعله رسول ولا غيره لا في حياته ولا بعد ~~موته فهذا صحيح بخلاف ما يظنه المشركون الغلاة من النصارى وأشباههم الذين ~~يظنون أن الأنبياء والصالحين بعد موتهم أو في حياتهم ينزلون المطر ويدفعون ~~العدو وينبتون النبات ويشفون المرضى ونحو ذلك من الحوادث # وتارة يرى أنه ليس له دعاء مستجاب ولا شفاعة مقبولة وأن طاعته لا تنفع ~~ومعصيته لا تضر ونحو ذلك فهذا كفر صريح من أراده حكم بردته وكفره لكن اللفظ ~~المجمل إذا صدر ممن علم إيمانه لم يحمل على الكفر بلا قرينة ولا دلالة فكيف ~~إذا كانت القرينة تصرفه إلى المعنى الصحيح # وأما المثل الثاني فلا يشبه ما نحن فيه فإن قوله تعالى @QB@ هو السميع ~~العليم @QE@ سورة البقرة 137 إثبات لهذه الصفة ومن PageV02P550 @ الناس من ~~يقول ليس في الآية حصر ومن قال فيها حصر قال المحصور كمال الصفة وليس ذلك ~~إلا لله فإذا قال إن الرسول لا يسمع ولا يعلم لم يفهم من هذا اللفظ نفي ما ~~يختص به الرب ولا عموم النفي عن الرسول وغيره ومعلوم أن ms122 الملائكة والإنس ~~والجن والبهائم تسمع وتعلم فإن الله قال @QB@ وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~@QE@ سورة المائدة 4 وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الكلب المعلم ومن أطلق ~~على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يسمع ولا يعلم فظاهر هذا اللفظ نفي ~~ذلك عنه وهو كذب ظاهر ثم قد يكون في سياق نفي علمه بالدين وسمعه لما أوحى ~~إليه وهو كفر صريح وقد يكون في سياق أنه لا يسمع ولا يعلم إلا ما أسمعه ~~الله إياه فإنه من تلقاء نفسه ليس له شيء بل الله هو الذي أسمعه وأعلمه كما ~~قال تعالى @QB@ وعلمك ما لم تكن تعلم @QE@ سورة النساء 113 وكما قال @QB@ ~~ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا @QE@ PageV02P551 ) سورة الشورى 52 وكما قال @QB@ نحن نقص عليك أحسن ~~القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين @QE@ سورة ~~يوسف 3 وكما قال تعالى @QB@ ووجدك ضالا فهدى @QE@ سورة الضحى 7 فهذا المعنى ~~ليس بكفر بل هو صحيح # وقد يكون في سياق أن الله هو المختص بكمال السمع والعلم وأن غيره لا يبلغ ~~مبلغه في ذلك فهذا أيضا صحيح وأما إطلاق أنه لا يسمع ولا يعلم فهو كذب وكفر ~~بخلاف إطلاق أنه لا ينفع ولا يضر ولهذا يقول المسلم لا ينفعني ولا يضرني ~~إلا لله ولا يقول لا يسمع ولا يعلم إلا لله بل يقول لا يعلم ما في نفسي إلا ~~الله أو لا يسمع كلام العباد كلهم إلا الله أو لا يسمع سر القول إلا الله ~~تعالى ونحو ذلك # | فصل # قال فإن سوء العبارة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم كفر وإن صح المقصود ~~كما دل كلام الإمام وغيره ألا ترى إلزام الله للصحابة رضوان الله عليهم ~~بتحسين الخطاب معه وإيراده بكيفية الأدب حيث قال لهم @QB@ لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط ~~أعمالكم وأنتم لا تشعرون @QE@ سورة الحجرات 2 ms123 وقال عز وجل @QB@ لا تجعلوا ~~دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا @QE@ سورة النور 63 وقال @QB@ إن الذين ~~ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون @QE@ سورة الحجرات PageV02P552 @ ~~الحجرات 4 وقد نبه في الأول على حبط العمل بسوء الأدب ولا يحبط العمل كله ~~إلا بالكفر بإجماع أهل السنة وجعل الاستخفاف به كفرا كما قال عز وجل @QB@ ~~قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ~~@QE@ سورة التوبة 66 - 65 ولا أعلم خلافا بين النقلة أن الذين نزلت فيهم ~~هذه الآية بسبب كلامهم لم يكونوا تعرضوا لله بعبارتهم وإنما تنقصوا رسوله ~~فجعل استخفافهم برسوله استهزاء به سبحانه وبآياته وكفى بذلك تكفيرا # والجواب من وجوه أحدها أن يقال لا نسلم أن ما فيه النزاع سوء عبارة بل هو ~~من أحسن العبارات كما تقدم بيانه # الثاني أنه إن كان سوء العبارة في حق الرسول كفر ففي حق الله أعظم كفرا ~~ومن قال إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما يستغاث فيه بالخالق كانت هذه العبارة ~~أنه يطلب من المخلوق كل ما يطلب من الخالق وهذا يشعر أنه جعل المخلوق ندا ~~للخالق وما أفهم الشرك كان من أسوأ العبارات فيجب أن يكون كفرا يلزم هذا ~~PageV02P553 @ القائل وقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله ~~وشئت قال أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده وقال لا تقولوا ما شاء الله ~~وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد وقال من حلف بغير الله فقد ~~أشرك # الثالث أن سوء العبارة ما حصل به سوء المعبر عنه ومن جعل الرسول يطلب منه ~~الناس ما يطلبونه من الله فقد آذى الرسول وأساء في حقه وسلط عليه العامة ~~على اختلاف أغراضهم هذا يطلب PageV02P554 @ منه إنزال المطر وهذا يطلب منه ~~غفران الذنوب وهذا يطلب منه النصر على الأعداء وهذا يطلب منه أن يتزوج وهذا ~~يطلب منه الولد وهذا يطلب منه المعيشة وهذا يطلب منه الملك وهذا يطلب منه ~~الولاية وهذا يطلب منه دارا وهذا ms124 يطالب منه جارية حسناء وهذا يطلب منه قضاء ~~دينه وهذا يطلب منه سكباجا وهذا يشتكي إليه ظهور البدع وهذا يشتكي إليه ما ~~يظن أنه من البدع # فنزلوا المخلوق منزلة الإله وطلبوا منه جلب المنافع ودفع المضار مالا ~~يقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول من ~~لا يسألنا أحب إلينا ممن سألنا وكانوا يسألونه ما يقدر عليه فكيف إذا طلبوا ~~منه ما لا يقدر عليه مخلوق وفي الجملة فمطالب الناس لا تنضبط في خيرها ~~وشرها وقلتها وكثرتها فمن سلط الناس على الرسول يطلبون هذا كله منه فهو من ~~أعظم الناس إساءة إليه وإن كان لا يقصد ذلك لكن عبارته أفهمته فهي من أسوأ ~~العبارات # الرابع أن الكلام إذا كان في سياق توحيد الرب ونفي خصائصه PageV02P555 @ ~~عما سواه لم يجز أن يقال هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء ~~والملائكة فإن المقام أجل من ذلك وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده ~~والنبي صلى الله عليه وسلم كان من أعظم الناس تقريرا لما يقال على هذا ~~الوجه وإن كان نفسه المسلوب وهذا كما في = الصحيحين = من حديث الإفك لما ~~نزلت براءة عائشة من السماء وأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقالت ~~لها أمها قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت والله لا أقوم إليه ~~ولا أحمده ولا إياكما لقد سمعتم فلا أنكرتم ولا غيرتم ولا أحمد إلا الله ~~الذي أنزل براءتي وفي رواية قالت نحمد الله لا نحمد أحدا وفي رواية نحمد ~~الله لا نحمدك فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P556 @ وأبوها على ~~مثل هذا الكلام الذي نفت فيه أن يحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ~~يحمد أحد إلا الله لأن الله تعالى هو الذي أنزل براءتها بغير فعل أحد ولم ~~يقل أحد هذا سوء أدب عليه وسوء الأدب عليه كفر # قال البيهقي ثنا أبو عبد الله الحافظ قال سمعت علي بن حمشاذ العدل سمعت ~~أحمد ms125 بن مسلمة يقول سمعت محمد بن مسلم بن واره يقول سمعت حبان صاحب ابن ~~المبارك يقول قلت لعبد الله بن المبارك قول عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~حين نزلت براءتها من السماء بحمد الله لا بحمدك إني لأستعظم هذا القول ~~PageV02P557 @ القول فقال عبد الله ولت الحمد أهله # وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في = مسنده = حدثنا محمد بن مصعب ثنا ~~سلام بن مسكين والمبارك عن الحسن عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أتى بأسير فقال # اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلا محمد فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~عرف الحق لأهله ورواه أبو عبيد في = كتاب الأموال = عن عبد الرحمن ابن مهدي ~~عن سلام PageV02P558 @ # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه تجريد التوحيد فقال لا تقولوا ~~ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد وقال له رجل ما ~~شاء الله وشئت فقال اجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده وما أحدثه الله عز ~~وجل بغير فعل منه إضافة إلى الله وحده كما في = الصحيحين = لما تاب الله ~~على الثلاثة الذين خلفوا وآذان النبي صلى الله عليه وسلم الناس بتوبتهم ~~فجاء كعب إليه فقال يا كعب أبشر بخير يوم مد عليك منذ ولدتك أمك فقال يا ~~رسول الله أمن عند الله أم من عندك قال بل من عند الله ومعلوم أنه لو كان ~~من عند النبي صلى الله عليه وسلم لكان من عند الله بمعنى أن الله خلقه ~~وأحدثه بتوسط فعل النبي صلى الله عليه وسلم فجميع الحادثات من عنده بهذا ~~الاعتبار ولكن المقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم لم PageV02P559 @ يصدر ~~منه فعل في هذا التوبة إلا أنه بلغ رسالة الله تعالى بالتوبة كما قال في ~~مثل ذلك @QB@ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت ~~بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ~~ما ms126 يوحى إلي @QE@ سورة يونس 15 # وما يتكلم به الإنسان من تلقاء نفسه وإن كان الله خالقه هو من عند الله ~~باعتبار خلقه وتقديره فليس هذا المعنى هو ذاك فإنه هناك مبلغ لكلام مرسله ~~والله يجعله مبلغا له لا يجعله قائلا له من تلقاء نفسه ولهذا توعد الله من ~~جعل القرآن قول البشر بقوله @QB@ سأصليه سقر @QE@ سورة المدثر 26 وقد قال ~~تعالى @QB@ إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون @QE@ سورة الحاقة 40 - 42 فجعله قول رسول من البشر ~~كما جعله قول رسول من الملائكة في قوله @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ~~ذي العرش مكين مطاع ثم أمين @QE@ سورة التكوير 19 - 21 لأن لفظ الرسول ~~يستلزم المرسل ويدل على أنه مبلغ له عن مرسله لا يتكلم به من تلقاء نفسه ~~بخلاف من جعله قولا لمخلوق بشر أو ملك أو PageV02P560 @ جني أو جعل شيئا ~~منه قوله فإن هذا هو الذي توعده الله عز وجل وأيما أبلغ قول عائشة رضي الله ~~عنهما لا أحمد الرسول ولا أحمد إلا الله وقول الأسير أتوب إلى الله لا إلى ~~محمد وقول القائل لا يستغاث بالرسول بل بالله أو لا يدعى الرسول وإنما يدعى ~~الله ونحو ذلك وهو صلى الله عليه وسلم قد بلغ براءتها وكان يحبها ويحب ~~براءتها وقد خطب الناس قبل ذلك وقال من يعذرني من رجل قد بلغني أذآه في ~~أهلي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا ~~خيرا لكن لما لم يجزم ببراءتها ولم يلطف بها اللطف الذي كان يلطف بها قبل ~~ذلك لما حصل عنده من الريب بل كان إذا دخل يقول كيف تيكم ولما خطب قال يا ~~عائشة إن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي ~~إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه قالت أنتم ~~PageV02P561 @ ما برءتموني إنما برأني الله فهو الذي يستحق أن أحمده ms127 # وقد تنازع الناس في النبي صلى الله عليه وسلم هل كان يعلم براءة عائشة ~~رضي الله عنها قبل نزول الوحي مع اتفاقهم على أنه لم يجزم PageV02P562 ~~PageV02P563 بالريبة فمن الناس قال يعلم براءتها وكذلك علي ولكن لخوض ~~PageV02P564 @ الناس فيها ورميها بالإفك توقف قالوا وذلك أن نساء الأنبياء ~~ليس فيهن بغي كما قال طائفة من السلف ما بغت امرأة نبي قط لأن في ذلك من ~~العار بالأنبياء ما يجب نفيه وقال آخرون بل كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~حصل له نوع شك وترجحت عنده براءتها ولما نزل والوحي حصل اليقين قالوا ~~والدليل على ذلك أنه استشار في طلاقها عليا وأسامة فأسامة قال أهلك يا رسول ~~الله ولا نعلم إلا خيرا وقال علي لا يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل ~~الجارية تصدقك فسأل النبي صلى الله عليه وسلم بريرة فقال ما علمت على عائشة ~~أو ما رأيت فقال ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر ~~غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها حتى تأتي الداجن PageV02P565 ~~@ فتأكله # فسؤاله صلى الله عليه وسلم لبريرة واستشارته لعلي وأسامة دليل على حصول ~~الشك فيها وهو لما خطب ما جزم بالبراءة فقال فيما قال والله ما علمت على ~~أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على ~~أهلي إلا معي ولو كان جازما بالبراءة لقال إنهم كذبوا على أهلي وافتروا وإن ~~أهلي لبريئة مما قيل ونحو ذلك ونفي العلم ليس علما بالعدم لكن هذه العبارة ~~تصلح لدفع المتكلم ونهيه وذمه على قبول القول كما قال تعالى @QB@ إذ تلقونه ~~بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله ~~عظيم @QE@ سورة النور 15 # والعدل الذي عرفت عدالته إذا لم يعلم فيه من له به خبرة ما ظنه إلا الخير ~~كان عدلا عنده فإذا جرحه جارح لم يعلم صدقه بل ترجح عنده كذبه لم يقدح في ~~عدالته ولم يوجب الجزم ببراءته قال صاحب ms128 هذا القول ولولا نزول براءتها من ~~السماء لدام الشك في أمرها وإن كان لم يثبت شيء ففرق بين عدم الثبوت مع حد ~~القاذف وبين PageV02P566 @ البراءة المنزلة من السماء من الله عز وجل ولهذا ~~ذكر غير واحد من العلماء اتفاق الناس على أن من قذفها بما برأها الله منه ~~فقد كفر لأنه مكذب للقرآن وأصحاب هذا القول يقولون النبي صلى الله عليه ~~وسلم تردد هل يطلقها أم لا لما حصل الشك لكون امرأة النبي لا تكون بغيا ~~وكان عزمه أن يطلقها والعياذ بالله لو كان ما ذكر صحيحا لكن تأنى وانتظر ~~أمر الله حتى بين الله له الحق ومن قال هذا يقول المحفوظات هن اللواتي ~~يبقين عند النبي ولا يطلقهن وقد يقال بل كل من تزوجها النبي صلى الله عليه ~~وسلم محفوظة وإن طلقها # وقد تنازع الناس فيمن تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وطلقها أو مات ~~عنها قبل الدخول هل تكون من أمهات المؤمنين على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد ~~وغيره قيل إنها تكون أما فإن حرمة الأمومة ثبتت بالعقد PageV02P567 @ كما ~~ثبتت في أمهات الناس وقيل لا تكون من أمهات المؤمنين والصحيح الفرق بين من ~~طلقها ومن مات عنها فمن مات عنها فهي PageV02P568 @ من أمهات المؤمنين ومن ~~أزواجه في الآخرة بخلاف من طلقها فإنها تباح لغيره أن يتزوجها ولولا هذا لم ~~يحصل لهن بالتخيير فائدة وقد قال تعالى في آية التخيير @QB@ إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا @QE@ سورة ~~الأحزاب 28 وقد تزوج عكرمة بن أبي جهل امرأة كان طلقها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأقره الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على ذلك # الخامس أن يقال ما حد سوء العبارة التي تكون كفرا فإن هذا كلام مجمل لم ~~يحصل قائله مراده به فإن أراد أن كل صفة هي ثابتة في PageV02P569 @ نفس ~~الرسول له إذا نفاها عنه إنسان باجتهاده يكون مسيئا في العبارة لزم أن كل ~~من أثبت له صفة يكفر من نفاها فالقائلون بالعصمة يكفرون ms129 نفاتها وإن كانوا ~~جمهور الأمة كذلك من أوجب له حقا كالصلاة عليه في الصلاة يكفر من نفى هذا ~~الحق وإن كانوا جمهور الأمة # السادس أن يقال لا نسلم أن المقصود إذا صح يكفر المعبر بعبارة يقال إنها ~~سيئة وهذا قول لم يقله أحد من أئمة المسلمين بل هم مجمعون على نقيضه وأن ~~المسلم إذا عنى معنى صحيحا في حق الله أو الرسول ولم يكن خبيرا بدلالة ~~الألفاظ فأطلق لفظا يظنه دالا على ذلك المعنى وكان دالا على غيره أنه لا ~~يكفر ومن كفر مثل هذا كان أحق بالكفر فإنه مخالف للكتاب والسنة وإجماع ~~المسلمين وقد قال تعالى @QB@ لا تقولوا راعنا @QE@ سورة البقرة 104 وهذه ~~العبارة كانت مما يقصد به اليهود إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون ~~لم يقصدوا ذلك فنهاهم الله عنها ولم يكفرهم بها والمطلق لمثل هذا على الله ~~لا يكفر PageV02P570 @ فكيف على الرسول # وقوله إن كلام الإمام أو غيره دل على أن ذلك ممنوع فإن إمام الحرمين أجل ~~من أن يقصد مثل هذا وإن سلم أنه قال ذلك ولا ينفع هذا المحتج تسليم ذلك له ~~فالكلام مع من قال هذا لو كان مجتهدا دع إذا كان القائل ممن ليس له وجه في ~~مذهبه ولا يجوز لأحد أن يقلده ولا يفتي بقوله فيما هو دون هذه المسألة فكيف ~~بمثل هذه المسألة المتعلقة بالتكفير والدماء وجهل مثل هذا المفتي بالشرع ~~وأدلته يوقعه فيما لم يقله أحد من علماء المسلمين ولهذا يقع في فتاويه من ~~العجائب ما لا يقوله أحد فإنه يحب أن يفتي بمجرد رأيه ونظره مع قلة علمه ~~لمسالك الأحكام ومدارك الحلال والحرام وأقوال أئمة الإسلام # وأما قوله أترى إلزام الله للصحابة بتحسين الخطاب معه وإيراده بكيفية ~~الأدب حيث قال لهم @QB@ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون @QE@ PageV02P571 ~~) سورة الحجرات 2 وقال تعالى @QB@ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا @QE@ سورة النور 63 وقال @QB@ إن ms130 الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون @QE@ سورة الحجرات 4 # فيقال له هذه الآيات كلها حجة عليك فإن الذين رفعوا أصواتهم فوق صوته ~~نهوا عن ذلك وحرم ذلك عليهم فكان ذلك سوء أدب ولم يكفروا بإجماع المسلمين ~~بل كانوا معذورين فيما فعلوا قبل النهي فمن أطلق عبارة لها معنى صحيح ولم ~~يعلم أنها مكروهة كيف يكفر وهذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر كما ثبت ذلك في ~~= الصحيح = ومن كفرهما فهو أحق بالكفر # وقد ثبت في = الصحيح = أن ثابت بن قيس بن شماس وكان يرفع صوته خاف لما ~~نزلت هذه الآية أن يكون من أهل النار فبشره النبي PageV02P572 @ صلى الله ~~عليه وسلم بالجنة وهو أحد المشهود لهم بالجنة كما شهد بها للعشرة وغيرهم ~~وكذلك دعاؤه باسمه لم يقل أحد من المسلمين إنه كان كفرا ممن دعاه وكذلك ~~الذين نادوه من وراء الحجرات كانوا من جفاة الأعراب وقالوا يا محمد أخرج ~~إلينا فسموه باسمه وإنما وصفهم الله بأن أكثرهم لا يعقلون لم يقل إنهم ~~مرتدون # وأما قوله فقد نبه في الأول على حبط العمل بسوء الأدب ولا يحبط العمل كله ~~إلا بالكفر بإجماع أهل السنة # فيقال بل الآية دلت على نقيض هذا فإنه قال @QB@ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون @QE@ سورة الحجرات 2 أي خشية أن تحبط أعمالكم فدلت على أن العمل لم ~~يحبط بما تقدم من سوء الأدب ولكن يخاف إذا رفعوا أصواتهم أن يجرهم ذلك إلى ~~كفر يحبط العمل وهم لا يشعرون فالمحبط ما يخاف حصوله لا ما وقع منهم وهذا ~~كما يقال المعاصي بريد الكفر فإن رفع الصوت عليه والجهر له كجهر بعضكم لبعض ~~قد يفضي بصاحبه إلى الاستعلاء عليه ونحو ذلك مما هو كفر # ثم يقال ما نحن فيه ليس من هذا الباب فإن الرافع قد فعل ما يعلم أنه ~~مذموم في حق الرسول فإن رفع الإنسان صوته على غيره يعلم PageV02P573 @ كل ~~أحد أنه قلة احترام له وليس أنه كمن تكلم بعبارة لا يعلم بها بأسا ms131 قصد بها ~~معنى صحيحا ألا ترى أن الصحابة لما كانوا يقولون راعنا وهذه الكلمة قد يقصد ~~بها معنى فاسدا وهم لا يقصدون ذلك لكن كان ذريعة لغيرهم نهوا عنها ولم يقل ~~إنكم كفرتم ولا قيل فيها أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون بل فرق الله ~~تعالى بين قولهم راعنا وبين رفع الصوت عليه وسوء العبارة مع صحة القصد من ~~باب قولهم راعنا وهذه الآية حجة على بطلان ما فهمه من كلام الإمام وغيره # ومن الحكايات المعروفة عن الشافعي أن الربيع قال له في مرضه يا أبا عبد ~~الله قوى الله ضعفك فقال يا أبا محمد لو قوى ضعفى لهلكت فقال له الربيع لم ~~أقصد إلا خيرا فقال لو شتمتني صريحا PageV02P574 @ لعلمت أنك لن تقصد إلا ~~الخير فقال الربيع كيف أقول قال قل برأ الله ضعفك فإن الشافعي نظر إلى ~~حقيقة اللفظ وهو نفس الضعف والربيع قصد أن يسمي الضعيف ضعفا كما يسمى ~~العادل عدلا ثم لما علم الشافعي بحسن قصده أوجب أن يقول لو سببتني صريحا أي ~~صريحا في اللغة لعلمت أنك لم تقصد إلا خيرا فقدم عليه علمه بحسن قصده ولم ~~يجعل سوء العبارة منقصا وقد يسبق اللسان بغير ما قصد القلب كما يقول الداعي ~~من الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك ولم يؤاخذه الله # | فصل # وأما قوله وجعل الاستخفاف به كفرا كما قال الله عز وجل @QB@ قل أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم @QE@ سورة ~~التوبة 66 - 65 ولا أعلم خلافا بين النقلة أن الذين نزلت فيهم هذه الآية ~~بسبب كلامهم ولم يكونوا تعرضوا لله بعبارتهم وإنما تنقصوا رسوله فجعل ~~استخفافهم برسوله استهزاء به PageV02P575 @ سبحانه وبآياته وكفى بذلك كفرا ~~ثم ذكر ما نقله من الكتاب الذي صنفه المسمى بالصارم المسلول على شاتم ~~الرسول # فيقال لا ريب أن الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم كفر والاحتجاج بهذه ~~الآية يدل على أن الاستهزاء بالله كفر وبآيات الله كفر وبرسوله كفر من جهة ~~أن الاستهزاء كفر وحده ms132 بالضرورة فلم يكن ذكر الاستهزاء بآياته وبرسوله شرطا ~~في ذلك فعلم أن الاستهزاء بالرسول أيضا كفر وإلا لم يكن في ذكره فائدة ~~وكذلك الاستهزاء بالآيات وأيضا فإن الاستهزاء بهذه الأمور متلازم فإن من ~~استهزأ بآيات الله التي جاء بها الرسول فهو مستهزئ بالرسول ضرورة ومن ~~استهزأ بالرسول فهو مستهزئ برسالته حقيقة ومن استهزأ بآيات الله ورسوله فهو ~~مستهزئ به ومن استهزأ بالله فإنه مستهزئ بآياته ورسوله بطريق الأولى وأما ~~الذين نزلت فيهم هذه الآية فقد نزلت في المنافقين في غزوة تبوك PageV02P576 ~~@ # لكن هؤلاء الضالون أولى بالدخول في الاستهزاء بالله وبآياته ورسوله من ~~منازعيهم فإن كانت الآية تتناول المتأولين من أهل القبلة كانوا أحق بالدخول ~~وإن لم تتناول المتأولين كان منازعوهم أحق بالخروج منها لو كانوا مخطئين ~~وأما مع كونهم مصيبين فلا وجه لتناول الآية لهم وذلك أن هؤلاء الضالين ~~مستخفون بتوحيد الله يعظمون دعاء غيره من الأموات وإذا أمروا بالتوحيد ~~ونهوا عن الشرك استخفوا به # كما أخبر تعالى عن المشركين بقوله @QB@ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا ~~أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ~~وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا @QE@ سورة الفرقان 42 - 41 ~~فاستهزءوا بالرسول لما نهاهم عن الشرك وقال تعالى عن المشركين @QB@ إنهم ~~كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا ~~لشاعر مجنون @QE@ سورة الصافات 36 - 35 قال تعالى @QB@ بل جاء بالحق وصدق ~~المرسلين @QE@ سورة الصافات 37 وقال تعالى عن المشركين @QB@ وعجبوا أن ~~جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن ~~هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء ~~يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق @QE@ PageV02P577 ) ~~سورة ص 7 - 4 وقالت عاد لهود عليه السلام @QB@ يا هود ما جئتنا ببينة وما ~~نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض ~~آلهتنا بسوء قال إني ms133 أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا ~~هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم @QE@ سورة هود 53 - 56 # ومازال المشركون يسوؤن الأنبياء ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون إذا ~~دعوهم إلى التوحيد لما في أنفسهم من تعظيم الشرك قال تعالى @QB@ لقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين قال يا قوم ليس بي ~~ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون @QE@ سورة الأعراف 59 - 62 وقال كذلك @QB@ وإلى عاد ~~أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون قال ~~الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال ~~يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ~~ناصح أمين أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ ~~جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم ~~تفلحون قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما ~~تعدنا إن كنت من الصادقين قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم ~~من المنتظرين @QE@ PageV02P578 ) سورة الأعراف 71 - 65 # فأعظم ما سفهوه لأجله وأنكروه هو التوحيد وهكذا تجد من فيه شبه من هؤلاء ~~من بعض الوجوه إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله وإخلاص الدين له وأن لا يعبد ~~الإنسان إلا الله ولا يتوكل إلا عليه استهزأ بذلك لما عنده من الشرك قال ~~تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله @QE@ سورة البقرة 165 فمن ms134 أحب مخلوقا مثل ما يحب الخالق ~~فهو مشرك # ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله فالأول من تمام محبة الله ~~وتوحيده والثاني شرك فالأول يكون الله هو المحبوب له لذاته ويحب ما يحبه ~~الرب تعالى تبعا لمحبته فيحب رسوله وكتابه وعباده المؤمنين كما في = ~~الصحيحين = عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث من كن فيه وجد ~~بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه PageV02P579 @ مما سواهما ~~ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ ~~انقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار وأما الحب مع الله فهو الذي يحب ~~محبوبا في قلبه لذاته لا لأجل الله كحب المشركين أندادهم # وهؤلاء الذين اتخذوا القبور أوثانا تجدهم يستهزئون بما هو من توحيد الله ~~وعبادته ويعظمون ما اتخذوه من دون الله شفعاء حتى إن طوائف منهم يستخفون ~~بحج البيت وبمن يحج البيت ويرون أن زيارة أئمتهم وشيوخهم أفضل من حج البيت ~~وهذا موجود في الشيعة وفي المنتسبين إلى السنة وآخرون يستخفون بالمساجد ~~وبالصلوات الخمس فيها ويرون أن دعاء شيخهم أفضل من هذا وهذا موجود في ~~الشيعة المنتسبين إلى يونس القيني PageV02P580 @ حتى ينشدون # ( تعالوا نخرب الجامع % ونجعل فيه خماره ) # ( ونكسر المنبر % ونجعل منه طنباره ) # ( ونخرق المصحف % ونجعل منه زماره ) # ( وننتف لحية القاضي % ونجعل منه أوتاره ) # ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذبا ولا يجترئ أن يحلف بشيخه اليمين الغموس ~~كاذبا ومنهم من يقول كل رزق لا يرزقه إياه شيخه لا يريده ومنهم من يذبح ~~الشاة ويقول باسم سيدي ومنهم من يقول إن شيخه أفضل من الأنبياء والمرسلين ~~ومنهم من يعتقد فيه الإلهية كما يعتقده النصارى في المسيح وإذا ذكروا شيخهم ~~عظموه وادعوا فيه الإلهية وانشدوا على لسانه # ( موسى على الطور لما خرلي ناجا % وصاحب الترب ما جيته حتى جا ) ~~PageV02P581 @ # ولهم أيضا # ( وأنا صرخت في العرش حتى ضج % وأنا حملت على علي حتى هج ) # ( وأنا البحار السبعة من هيبتي ترتج ms135 % ) # ويقولون نحن غلمان الملك ويسمون المسجد اصطبل الباطلين ويقرؤون القرآن ~~وما أرسلناك إلا رحمة للمدمنين وألوان من هذا الجنس الذي فيه استهزاء بالله ~~وآياته ورسوله مع تعظيم شيخهم وغلوهم فيه وكذلك النصيرية والإسماعلية ~~ونحوهم وكثير من طوائف متعدده يرى أحدهم أن استغاثته بالشيخ الميت إما عند ~~قبره وإما عند قبر غير أنفع له من أن يدعو الله في المسجد عند السحر ~~ويستهزؤون بمن يعدل عن طريقته إلى التوحيد ومن هؤلاء من يرى أن زيارة قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الحج إلى الكعبة وأن دعاء النبي ~~والاستغاثة به أفضل من الاستغاثة بالله ودعائه # وكثير من هؤلاء يخربون المساجد ويعمرون المشاهد فتجد المسجد الذي بني ~~للصلوات الخمس معطلا مخربا ليس له كسوة إلا من PageV02P582 @ الناس وكأنه ~~خان من الخانات والمشهد الذي بني على الميت فعليه الستور وزينة الذهب ~~والفضة والرخام والنذور تغدوا وتروح إليه فهل هذا إلا من استخفافهم بالله ~~وبآياته ورسوله وتعظيمهم للشرك # فإنهم اعتقدوا أن دعاء الميت الذي بني له المشهد والاستغاثة به أنفع لهم ~~من دعاء الله والاستغاثة به في البيت الذي بنى لله عز وجل ففضلوا البيت ~~الذي بني لدعاء المخلوق على البيت الذي بني لدعاء الخالق وإذا كان لهذا وقف ~~ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكر الله ~~حالهم في قوله تعالى @QB@ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ~~فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ~~وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون @QE@ سورة الأنعام 136 كما ~~يجعلون لله زرعا وماشية ولآلهتهم زرعا وماشية فإذا أصيب نصيب آلهتهم أخذوا ~~من نصيب الله فوضعوه فيه وقالوا الله غني وآلهتنا فقيرة فيفضلون ما يجعل ~~لغير الله على ما يجعل لله وهكذا الوقوف والنذور PageV02P583 @ التي تبذل ~~عندهم للمشاهد أعظم مما تبذل عندهم للمساجد ولعمارة المساجد وللجهاد في ~~سبيل الله # وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه يبكي عنده ويخضع ويدعو ويتضرع ~~ويحصل ms136 له من الرقة والتواضع والعبودية وحضور القلب مالا يحصل له مثله في ~~الصلوات الخمس والجمعة وقيام الليل وقراءة القرآن فهل هذا إلا من حال ~~المشركين المبتدعين لا الموحدين المخلصين المتبعين لكتاب الله ورسوله ومثل ~~هذا إذا سمع أحدهم سماع الأبيات يحصل له من الخضوع والخشوع والبكاء مالا ~~يحصل له مثله عند سماع آيات الله فيخشع عند سماع المبتدعين المشركين ولا ~~يخشع عند سماع المخلصين المتقين بل إذا سمعوا آيات الله استثقلوا بها ~~وكرهوها واستهزؤوا بها وبمن يقرءوها مما يحصل لهم به أعظم نصيب من قوله ~~@QB@ قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون @QE@ سورة التوبة 65 # وإذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية وألسن لاغية كأنهم صم وعمي وإذا ~~سمعوا الأبيات حضرت قلوبهم وسكنت ألسنتهم وسكنت PageV02P584 @ حركاتهم حتى ~~لا يشرب العطشان منهم الماء # ومن هؤلاء من إذا كانوا في سماعهم فأذن المؤذن قالوا نحن في شيء أفضل مما ~~دعانا إليه ومنهم من يقول هذا في شغله وهذا في شغله ومنهم من يقول كنا في ~~الحضرة فإذا قمنا إلى الصلاة صرنا على الباب # وقد سألني بعضهم عمن قال ذلك من هؤلاء الشيوخ الضلال فقلت صدق كان في ~~حضرة الشيطان فصار على باب الله فإن البدع والضلالة فيها من حضور الشيطان ~~ما قد حصل في غير هذا الموضع والذين يجعلون دعاء الموتى من الأنبياء ~~والأئمة والشيوخ أفضل من دعائهم الله أنواع متعددة منهم من يقدم دعاءهم ~~ومنهم من يحكى أنواعا من الحكايات حكاية أن بعض المريدين استغاث بالله فلم ~~يغثه فاستغاث بشيخه فأغاثه وحكاية أن بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله ~~فلم يخرجه فدعا بعض المشايخ الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام وحكاية ~~أن بعض الشيوخ قال لمريده إذا كانت لك حاجة فتعال إلى قبري وآخر قال فتوسل ~~بي وآخر قال قبر فلان الترياق المجرب فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه الأدعية ~~الشركية على أدعية المخلصين لله مضاهاة لسائر المشركين وهؤلاء تتمثل لكثير ~~منهم صورة شيخه الذي يدعوه فيظنه إياه أو ملكا على صورته وإنما هو ms137 ~~PageV02P585 @ شيطان أغواه كما قد بسط في موضعه ومنهم من إذا نزلت به شدة ~~لا يدعو إلا شيخه ولا يذكر إلا اسمه قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمه ~~فيتعسر أحدهم فيقول يا فلان وقد قال الله تعالى للموحدين @QB@ فإذا قضيتم ~~مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا @QE@ سورة البقرة 200 # ومن هؤلاء من يحلف بالله ويكذب ويحلف بشيخه وإمامه فيصدق ولا يكذب فيكون ~~شيخه عنده أعظم في صدره من الله وقد قال شعيب @QB@ يا قوم أرهطي أعز عليكم ~~من الله @QE@ سورة هود 92 وقد قال تعالى @QB@ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من ~~الله @QE@ سورة الحشر 13 وقال تعالى @QB@ ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله فيسبوا الله عدوا بغير علم @QE@ سورة الأنعام 108 وقال تعالى @QB@ ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله @QE@ الآية سورة البقرة ~~165 # فإذا كان دعاء الموتى مثل الأنبياء والصالحين عندهم يتضمن مثل هذا ~~الاستهزاء بالله وآياته ورسوله فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بالله وآياته ~~ورسوله من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم مع ما يترتب PageV02P586 @ ~~على ذلك من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله أو من كان يأمر بدعاء الله وحده ~~لا شريك له كما أمرت رسله ويوجب طاعة الرسول ومتابعته في كل ما جاء به ~~وأيضا فإن هؤلاء الموحدين من أعظم الناس إيجابا لرعاية جانب الرسول تصديقا ~~له فيما أخبر وطاعة له فيما أمر واعتناء بمعرفة ما بعث به والتمييز بين ما ~~روي عنه من الصحيح والضعيف والصدق والكذب واتباع ذلك دون ما خالفه عملا ~~بقوله تعالى @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~@QE@ سورة الأعراف 3 # وأما أولئك الضلال أشباه المشركين النصارى فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو ~~موضوعة أو منقولات عمن لا يحتج بقوله إما أن يكون كذبا عليه وإما أن يكون ~~غلطا منه إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم وإن اعتصموا بشيء مما ثبت ~~عن الرسول حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا ms138 محكمه كما يفعل ~~النصارى # وكما فعل هذا الضال أخذ لفظ الاستغاثة وهي تنقسم إلى الاستغاثة بالحي ~~والميت والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه وما لا يقدر عليه فجعل حكم ~~ذلك كله واحدا ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص PageV02P587 @ من مسمى ~~الاستغاثة أيضا ولم يكفه ذلك حتى جعل الطالب منه إنما طلب من الله لأمنه ~~فالمستغيث به مستغيث بالله ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة ~~واحتج على هذه الدعوى العامة الكلية التي أدخل فيها من الشرك والضلال ما لا ~~يعلمه إلا ذو الجلال بقضية خاصة جزئية كسؤال الناس للنبي صلى الله عليه ~~وسلم في الدنيا والآخرة أن يدعو الله لهم وتوجههم إلى الله بدعائه وشفاعته ~~ومعلوم أن هذا الذي جاءت به السنة حق لا ريب فيه لكن لا يلزم من ذلك ثبوت ~~جميع تلك الدعاوى العامة وإبطال نقيضها إذ الدعوى الكلية لا تثبت بمثال ~~جزئي لا سيما مع الاختلاف والتباين # وهذا كمن يريد أن يثبت حل جميع الملاهي لكل أحد والتقرب بها إلى الله ~~بكون جاريتين غنتا عند عائشة رضي الله عنها في بيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم عيد مع كون وجهه كان مصروفا إلى الحائط لا إليها PageV02P588 @ # أو يحتج على استماع كل قول بقوله @QB@ فبشر عباد الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه @QE@ سورة الزمر 18 - 17 ولا يدري أن القول هنا هو القرآن ~~كما في قوله @QB@ أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ~~@QE@ سورة المؤمنين 68 وإلا فمسلم أنه لا يسوغ استماع كل قول وقد نهى الله ~~عز وجل عن الجلوس مع الخائضين في آياته وخوضهم نوع من القول فقال تعالى ~~@QB@ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم @QE@ سورة الأنعام 68 ~~وقال @QB@ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم @QE@ سورة النساء 140 وقال @QB@ وإذا مروا ~~باللغو مروا كراما @QE@ سورة الفرقان 72 وقال تعالى @QB@ وإذا سمعوا اللغو ~~أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم ms139 أعمالكم @QE@ سورة القصص 55 ~~PageV02P589 @ # | فصل # قال وقد أجمع العلماء كما حكاه من يرجع إليه على أن كل مسلم صدر عنه سب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم أو تنقيصه وجب قتله ويحكم بكفره وردته عن دين ~~الإسلام على ذلك دلت نصوص السنة والكتاب وحكم جماعة من المتقدمين بأنه يقتل ~~بغير استتابة كما نص العلماء أيضا أن التعريض بسبه أو تنقيصه كالصريح # فيقال هذا نقله من الكتاب الذي صنفته في شاتم الرسول استعاره من بعض من ~~كان عنده ولهذا صار الناس يعدون هذا من قلة الحياء فإن ذلك الكتاب ذكرت فيه ~~في مسألة السب من دلائل الكتاب والسنة وأقوال العلماء ومن تعظيم الرسول ~~وتعزيره وتوقيره واستنباط ما يتعلق بذلك من الكتاب والسنة ما يعرفه من ~~تأمله PageV02P590 @ # | فصل # قال ومن نفي عنه أن يستغاث به فقد تنقصه عن رتبته ولا ينفعه تأوله لأن ~~تأويله لا يخرجه عن كونه أساء الأدب على النبي صلى الله عليه وسلم في ~~التعبير على أن هذا الرجل لا يثبت على التأويل وغنما يذهب إليه عند الخوف ~~زندقة منه على ما علمته # فيقال له قد تقدم الجواب وتبين أن الذي تنقصه هو الذي يؤذيه ويتعدى عليه ~~ويسلط السفهاء على أذاه ويكذب عليه ويبدل دينه الذي بعث به لا من يأمر بما ~~أمر الله به من تعزيره وتوقيره وتصديقه وطاعته ومحبته ورضاه وموالاته وبما ~~يزيده الله درجة ورفعة في الدنيا والآخرة من الصلاة والسلام عليه وفعل ~~التوحيد والطاعات التي يحصل له مثل أجرها وبين أيضا أنه لم ينف عنه كل ما ~~يسمى استغاثة بل قد صرح بأنه يطلب منه كل ما يليق بمنصبه وأنه يستشفع به ~~ويتوسل به كما كان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون وكما يستشفع به يوم ~~القيامة وأن المنفي هو دعاء الميت أو أن يطلب من المخلوق مالا يقدر عليه ~~إلا الخالق وبين أيضا أن ما ذكره هذا الرجل في مسمى لفظ الاستغاثة وإن نفي ~~ذلك يتضمن نفي كونه سببا في حصول غوث الله كلام باطل PageV02P591 @ # وأما ms140 قوله ولا ينفعه تأويله 000 إلى آخره فإنما يصح لو فسر لفظ بما يخالف ~~ظاهره والمجيب قد بين مراده بألفاظ ناصة لا تحتمل معنيين فأي تأويل هنا ~~يحتاج إليه فهذا من جملة افترائه فإن التأويل إنما يحتاج إليه إذا أطلق ~~المطلق لفظا له ظاهر وأراد به غير ظاهره من غير بيان وهذا لم يقع فإن كان ~~بعض الناس يظهر له من اللفظ ما لم يدل عليه فالتفريط منه # ( وكم من عائب قولا صحيحا % وآفته من الفهم السقيم ) # وقد بينا في غير هذا الموضع أن عامة ما يورد على ألفاظ الكتاب والسنة ~~ويدعى أن ظاهرها ممتنع إنما أتي من سوء فهمه لا من قصور في بيان الله ~~ورسوله بل ممن تأول مثل طائفة في قوله الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن ~~استلمه أو صافحه فكأنما PageV02P592 @ صافح الله وقبل يمينه وهذا معروف عن ~~ابن عباس وقد روي مرفوعا ولم يثبت بهذا اللفظ قالت طائفة إنه يحتاج إلى ~~تأويل وليس كما قالوا فإنه قال فيه يمين الله في الأرض فقيل الخطاب في ~~PageV02P593 @ الأرض لم يطلق فيه وقال في إثباته فمن استلمه فكأنما صافح ~~الله وقبل يمينه والمشبه غير المشبه به ففي الحديث بيان أنه ليس بصفة الله ~~وإنما هو بمنزلة اليمين في الاستلام والتقبيل والحديث لا يدل ولا يفهم منه ~~غير هذا # وكذلك قوله سبحانه عبدي مرضت فلم تعدني فيقول رب كيف أعودك وأنت رب ~~العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته وجدتني عنده فهذا صريح ~~في أن الله لا يمرض وإنما مرض عبده ولا يحتاج إلى تأويل وأمثال ذلك # وأما قوله إن المجيب لا يثبت على التأويل وإنما يذهب إليه عند الخوف ~~زندقة منه على ما علمته # فيقال له لا ريب أن المجيب لم يذهب في كلامه إلى تأويل أحد بل لفظه ظاهر ~~في معناه بل قد يكون نصا وقول القائل إنه يذهب إلى التأويل زندقة فهو جهل ~~منه بمسمى الزندقة وكذب ظاهر باتفاق الناس وهو بالقائل أعلق ms141 إما كونه جهلا ~~فإن الزنديق هو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام فمن كان مظهرا لقوله قد كتب ~~بأجوبة من النسخ ما لا يحصيه إلا الله وقد وافقه عليها علماء الإسلام ~~PageV02P594 @ ولم يذهب أحد إلى خلافها وقد بين قوله في أعظم الأوقات خوفا ~~وتعصبا عليه وناظر عليه وتبين للحاضرين حتى الأعداء سلامته من هذه القوادح ~~وظهور الجهل والكذب والظلم من منازعيه فكيف ينسب إليه إبطان خلاف ما يظهر # ولو قدر أن شخصا أبطن خلاف ما يظهر من الأقوال لم يكن زنديقا إلا إذا ~~أبطن الكفر وإلا فمن أبطن قولا يعتقد أنه دين الإسلام ويناظر عليه لم يكن ~~هذا زنديقا عند الفقهاء بل إن كان مخطئا فقد يكون مبتدعا وإن كان مصيبا ~~وسكت خوف العدوان عليه لم يكن مبتدعا ولو دخل مسلم دار الرافضة والخوارج ~~فكتم حبه للصحابة رضوان الله عليهم لم يكن زنديقا ولو عرض لم يأثم بذلك # وقد ثبت في = الصحيح = أن الخليل صلوات الله وسلامه عليه PageV02P595 @ ~~قال عن سارة إنها أختي عند الحاجة إلى التعريض وكان أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عنه في الهجرة من هذا ~~الرجل معك يا أبا بكر فيقول هذا رجل يهديني السبيل فيحسب الحاسب أنه يريد ~~الطريق وإنما يريد سبل الخير وكذلك عين المشركين يوم بدر لما جيء به إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وسأله فقال لا أخبركم حتى تخبروني من أين أنتم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أخبرتنا أخبرناك فأخبرهم فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم نحن من ماء # مع أن ما نحن فيه ليس من هذا الباب فإنه لم يحصل كتمان ولا تعريض بل صرح ~~بالأمر على ما هو عليه وإنما المقصود بيان جهل هؤلاء الضالين المعتدين ~~PageV02P596 @ # وأيضا فيخاف من الناس من يجزع إذا أوذي ويطلب الإقالة ويستغيث بالحاضرين ~~حتى يدفعوا عنه ما طلبه ولي الأمر من قطع لسانه ومن نفي عن البلد فلا يدخله ~~إلا سرا ودخل في قوله ms142 @QB@ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ~~وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ~~ولهم في الآخرة عذاب عظيم @QE@ سورة البقرة 114 # فإن هذه المفتري سعى في منع من يذكر ما أمر الله به في المسجد فمنع من ~~سكنى البلد الذي فيه المسجد وأخرج منه فلم يكن يدخل المسجد إلا خائفا وحصل ~~له من الخزي ما لا يعرف لأحد مثله في زمانه وكأن له شبه في أبي عامر الراهب ~~الذي بني له مسجد الضرار وكان قد قدح في الرسول الداعي إلى الحنيفية ومال ~~إلى PageV02P597 @ النصرانية وقال للنبي صلى الله عليه وسلم إلى ما تدعو يا ~~محمد قال إلى ملة إبراهيم فقال إنك شبيه بغيرها فقال ما شبيها بغيرها فقال ~~بل شبيها بغيرها فقال الكاذب أماته الله طريدا شريدا وحيدا فقال أبو عامر ~~آمين فمات طريد شريدا وحيدا # فأي الفريقين أولى بذلك الشبه من يقابل ولاة الأمر وغيرهم من الأكابر في ~~أخذهم بالحق وإن كرهوه ومن يطلبون منه أن يسكت عن حق متعلق بالدين فلا يسكت ~~فيطلبون خروجه من الضيق فيأبى الخروج حتى يظهر الحق ومن يهين الحزب الجاهل ~~الظالم ويبين جهله ومن كتب جوابه في هذه المسألة في أكثر الأمصار من لا ~~يحصي عدده إلا الله من ولاة الأمور وغيرهم PageV02P598 @ # وأهل السنة إذا تقابلوا هم وأهل البدعة فلهم نصيب من تقابل المؤمنين ~~والكفار وقال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ~~وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون قل هل أنبئكم بشر من ذلك ~~مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد ~~الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل @QE@ سورة المائدة 59 - 60 ~~وهؤلاء الذين يدعون الموتى من أهل البدع فمنهم من مسخ خنزيرا من الرافضة ~~وقد تواترت بذلك الحكايات وفهيم من يعبد الطاغوت فيصور تماثيل يتوجهون ~~إليها ويدخلون في مداخل السحرة كما هو معروف عن ms143 غير واحد منهم وأما غضب ~~الله ولعنته بسبب كثرة كذبهم وظلمهم وفسقهم فأعظم من أن يذكر # | فصل # قال ولقد بالغ السلف في الاحتياط بجنابه صلى الله عليه وسلم حتى أفتى ~~PageV02P599 @ بعضهم بأن من سب فاطمة أو عائشة أنه يقتل وقال على هذا مضت ~~سيرة أهل العلم وأفتى بعض الشافعية أن من سب أبا بكر أو عمر أو عثمان أو ~~عليا رضي الله عنهم فهو كافر وأفتى طائفة بكفر الرافضة ونقل عن أحمد أنه ~~استفتي فيمن شتم عثمان فقال هذا زندقة وروي عن أحمد رواية أخرى أنه قال من ~~سب واحدا من الصحابة فقد كفر وذكرت ذلك لتعلم عظم الوقوع في الجناب النبوي ~~عند العلماء وقد صح وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح دم من نقصه وسبه ~~ولم يختلف في ذلك الصحابة ولقد رووا أن ابن أبي سرح بعد وقيعته جاء به ~~عثمان رضي الله عنه وكان أخاه من الرضاعة وقال بايعه يا رسول الله فأعرض ~~عنه ثم جاءه من الناحية الأخرى أيضا فقال بايعه يا رسول الله فأعرض عنه ثم ~~بايعه النبي صلى الله عليه وسلم في المرة الثالثة وقال فيما روي ما صمت إلا ~~ليقوم إليه PageV02P600 @ أحدكم فيقتله فقال رجل من الأنصار يا رسول الله ~~ألا أو مات إلي فأقتله فقال إن النبي لا يقتل بالإشارة وكان ذلك لتحريم ~~خائنة الأعين عليه صلى الله عليه وسلم # وأباح قتل ابن خطل لأنه كان ينتقصه صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل عام فتح ~~مكة فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه فقتل مع أن الروايات إذا ~~استقرئت علم أنها تقتضي أنهما جاءا مستسلمين منقادين ولم يكن ذلك موجبا ~~للعفو عنهما ففيه دليل على أن الساب اليوم ولو أسلم يقتل حتما كما هو مذهب ~~مالك PageV02P601 @ مالك وجماعة ولا يلزم من أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~عفى عن بعضهم أن يجوز أن نعفوا لأن القتل كان لحقه فله صلى الله عليه وسلم ~~أن يترك حق نفسه # فيقال هذا كله ms144 منقول من كلام المجيب من = كتاب الصارم المسلول على شاتم ~~الرسول = لكنه أزال بهجته وحذف من محاسنه ما يبين حقيقته فالمجيب هو ~~المنافح عن الله ورسوله وهذا كالمتشبع بما لم يعط ومن تشبع بما لم يعط فهو ~~كلابس ثوبي زور وأما تقريره واستدلاله الذي لم ينقله عن غيره فمن جنس كلامه ~~في مسألة الاستغاثة وجوابه في قسم مال بيت المال ونحو ذلك مما يخرج به عن ~~إجماع المسلمين ويضحك عليه العلماء الفاضلون ويوجب لذي PageV02P602 @ ~~القضاء أن يحجروا عليه في الفتيا كما وقع لهذا المسكين لما فيه من الجهل ~~بمسالك الأحكام مع فرط الجراءة والإقدام على الكلام بالهوى والجهل في دين ~~الإسلام بخلاف من منع خوفا منه إما لسياسة مملكته أو غير ذلك # | فصل # قال ومن هذا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لو نفى عن نفسه أنه ينفع ~~أو يستغاث به أو نحو ذلك يشير إلى التوحيد وإفراد الباري بالقدرة لم يكن ~~لنا نحن أن ننفي ذلك لوجهين # أحدهما أن المقصد إذا صح كان وجوب بيان المقصود بعبارة موضوعة له حق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فله تركه إذا عبر عن نفسه وغيره إذا خالف موجب ~~الأدب معه في العبارة كفرناه على ما سلف # والأمر الثاني أنه إذا علم بالقواعد ثبوت رتبة للرسول صلى الله عليه وسلم ~~فالعبارة التي توهم نفيها إذا صدرت منه صلى الله عليه وسلم علم المراد بها ~~للدليل على عصمته وصحة تبليغه وعدم تناقض أفعاله وأقواله وغيره ليس كذلك # فيقال له هذا من الجهل في الاستدلال فإن ما ينفيه الرسول عن PageV02P603 ~~@ نفسه هو صادق فيه وفي جميع ما يقوله فإنه صلى الله عليه وسلم هو الصادق ~~المصدوق وهذا خبر أخبر به والخبر يكون إثباتا ويكون نفيا وهو صادق فيما ~~يثبته لنفسه وفيما ينفيه عن نفسه وعلينا أن نصدقه في ذلك # وليس هذا من جنس عفوه عمن آذاه فإن ذلك ليس بخبر منه وإنما هو ترك ~~استفياء حق له وبعد موته لا يمكن عفوه فيجب استيفاء ms145 حقه لأن سبه فيه حق لله ~~وبعد موته لا مسقط له فيتعين استيفاؤه وإذا انفرد بجواز العفو عن الساب ~~دوننا لم يلزم أن ينفرد في إخباره بأن يخبر بالأمر على خلاف ما هو عليه وما ~~قال أحد من المسلمين إن ما أخبر به الرسول عن نفسه بنفي أو إثبات ليس لنا ~~أن نخبر بمثل خبره # بل إذا قال @QB@ سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا @QE@ سورة الإسراء 93 ~~نقول ما كان إلا بشرا رسولا وإذا قال @QB@ إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~أنما إلهكم إله واحد @QE@ سورة الكهف 110 وإذا قال لا تطروني كما أطرت ~~النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا PageV02P604 @ عبدا لله ورسوله ~~قلنا نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمدا عبده ورسوله وإذا قال إنما ~~أنا بشر أنسى كما تنسون قلنا إنما هو بشر ينسى كما ينسى البشر وإذا قال ~~@QB@ لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ~~@QE@ سورة الأنعام 50 قلنا لم يقل إن عنده خزائن الله ولا يعلم الغيب ولا ~~نقول إنه ملك وإذا قال @QB@ لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ~~@QE@ سورة الأعراف 188 قلنا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ~~وإذا قال لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قيل ولا أنت يا رسول الله قال ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل قلنا لن يدخل الجنة أحد بعمله فإذا ~~قيل لنا ولا رسول قلنا ولا رسول الله إلا أن يتغمده الله برحمة منه وفضل ~~فنخبر بمثل ما أخبر به تصديقا له فإنه الصادق المصدوق ومثل هذا كثير ~~PageV02P605 @ # وقول هذا الجاهل شبيه ومثيل دين النصارى فإن المسيح عليه السلام لما أخبر ~~عن نفسه أنه عبد الله تقول النصارى ليس لنا أن نقول في الأنبياء ما يقولونه ~~في أنفسهم وقد قال الله تعالى @QB@ يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ms146 سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي ~~بحق @QE@ إلى قوله @QB@ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي ~~وربكم @QE@ سورة المائدة 116 - 117 وقال المسيح @QB@ إني عبد الله آتاني ~~الكتاب وجعلني نبيا @QE@ سورة مريم 30 فيقول النصراني من جنس قول شبيهه هو ~~يقول ربي الله وهم يقولون هو الرب ليس له رب ويقولون وليس لنا أن نقول فيه ~~ما يقول في نفسه # وهكذا الرافضي إذا احتججنا عليه بقول علي رضي الله عنه عن نفسه يقول ليس ~~لنا أن نقول فيه قوله في نفسه وفي الجملة فبعض PageV02P606 @ الناس قد يقول ~~على سبيل التواضع كلاما فيه مبالغة فيقال ليس لغيره أن يقول فيه هذا # وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فلا ينطق إلا بحق وكلامه معه إذا كان ~~تواضعا لله فهو أحق الخلق بالتواضع لربه عز وجل وليس هذا كتواضع الرجل ~~للرجل ثم ما ذكره في عفوه عن الساب لا يقتضي العلم بهذا ولا هو دليل عليه # وأما قوله في الوجه الأول إن القصد إذا صح كان وجوب بيان المقصود بعبارة ~~موضوعة له حق الرسول صلى الله عليه وسلم فله تركه إذا عبر عن نفسه وغيره ~~إذا خالف موجب الأدب معه في العبارة كفرناه على ما سلف # فيقال له هذا من جهلك فإن التعبير عن المعاني بالألفاظ يتعلق باللغة ليس ~~هذا من الحقوق ولا له مدخل في هذا بل الواجب أن يعبر عن المعنى باللفظ الذي ~~يدل عليه فإن كان اللفظ نصا أو ظاهرا حصل المقصود وإن كان اللفظ يحتمل ~~معنيين أحدهما صحيح PageV02P607 @ والآخر فاسد تبين أن المراد هو الصحيح ~~وإن كان اللفظ يوهم بعض المستمعين معنى فاسدا لم يطلق إلا مع بيان ما يزيل ~~المحذور وإن كان اللفظ يوهم معنى فاسدا لم يخاطب بذلك اللفظ إذا علم أنه ~~يوهم معنى فاسدا لأن المقصود بالكلام البيان والإفهام وأما إذا كان اللفظ ~~دالا على المراد وجهل بعض الناس معناه من غير تفريط من المتكلم فالدرك على ~~المستمع لا ms147 على المتكلم # وقوله إذا خالف موجب الأدب كفرناه فيقال له كلا المقدمتين باطلة دعواك ~~مخالفة موجب الأدب ودعواك كفر وأما إخبارك عن نفسك أن تكفره بما تعتقده أنه ~~مخالف للأدب فأنت صادق في خبرك عن اعتقادك الباطل وجهلك المعروف كما يصدق ~~الروافض إذا أخبروا عن أنفسهم بتكفيرهم لأبي بكر وعمر وعثمان كما يصدق ~~الخوارج إذا أخبروا عن أنفسهم بتكفيرهم لعثمان وعلي وكما PageV02P608 @ ~~يصدق الكفار إذا أخبروا عن أنفسهم بأنهم يقولون عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كاهن ومجنون ومعلم ومفترى فهذا صدق يضر قائله لا يضر المقول له ~~قال تعالى @QB@ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو ~~خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب ~~عظيم @QE@ سورة النور 11 # لكن اعتقادك كفر من هم أعظم الناس إيمانا بالله ورسوله لا يضرهم قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ~~لذلك كنت أحق بالكفر إلا أن تعتذر بالتأويل وفي = الصحيح = أيضا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يرمي رجل رجلا بالكفر والفسق إلا ردت عليه ~~إذا لم يكن لذلك أهلا # وقوله في الوجه الثاني أنه إذا علم بالقواعد ثبوت رتبة للرسول فالعبارة ~~التي توهم نفيها إذا صدرت منه علم المراد بها للدليل PageV02P609 @ على ~~عصمته وصحة تبليغه وعدم تناقض أقواله وأفعاله وغيره ليس كذلك # فيقال له هذا مبني على صدور عبارة موهمة وتقدم أن الجواب عبارة ظاهرة في ~~معناها بل نص لا يحتمل معنيين فضلا عن كونها توهم غير ما أريد بها وأيضا ~~فغير الرسول إذا عبر بعبارة موهمة مقرونة بما يزيل الإيهام كان هذا سائغا ~~باتفاق أهل الإسلام وأيضا فالوهم إذا كان لسوء فهم المستمع لا لتفريط ~~المتكلم لم يكن على المتكلم بذلك بأس # ولا يشترط في العلماء إذا تكلموا في العلم أن لا يتوهم من ألفاظهم خلاف ~~مرادهم بل ما زال الناس يتوهمون من أقوال الناس ms148 خلاف مرادهم ولا يقدح ذلك ~~في المتكلمين بالحق ثم غاية هذا أن يكون بحثا لفظيا والبحوث اللفظية لا ~~توجب خلافا معنويا فضلا عن التكفير اللهم إلا على قول هذا الجاهل إن ~~المتكلم إذا عنى معنى صحيحا بعبارة وتوهم منها بعض الناس نقصا كان ذلك كفرا ~~وهذا لا يقوله إلا من انسلخ من العقل والدين ولا سيما إذا كان التقصير ~~PageV02P610 @ إنما هو من المستمع لا تقصير من عبارة المتكلم # ثم يقال هذا كله ليس مما نحن فيه فإن ما ذكره المجيب لا يحتاج لهذا ولا ~~يتوقف على نقل عبارته بعينها بل تلك المعاني بائنة بالكتاب والسنة وإجماع ~~الأمة سواء كان اللفظ بعينه منقولا أو لم يكن والتعبير عن تلك المعاني شائع ~~بما يدل عليها دلالة بينة كالدلالة على سائر المعاني ومما يوجب معرفته أن ~~الأسماء والألفاظ التي تعلق بها الأحكام الشرعية من الأمر والنهي والتحليل ~~والتحريم والاستحباب والكراهية والمدح والذم والثواب والعقاب والموالاة ~~والمعاداة هي الألفاظ الموجودة في كتاب الله وسنة رسوله ومعاني تلك الألفاظ ~~وذلك مثل لفظ الإيمان والإخلاص والعبادة والكفر والشرك والهدى والضلال ~~والرشاد والغي والتوكل والشكر والصبر والنبوة والرسالة والتوكيل ونحو ذلك # فأما الألفاظ التي لم توجد في كتاب الله وسنة رسوله ولا تعلق لها بشيء من ~~ذلك إلا إذا تبين أن معانيها موافقة لمعاني ألفاظ الكتاب والسنة والله ~~تعالى في كتابه وسنة رسوله قد أوجب لنفسه حقا PageV02P611 @ لا يشركه فيه ~~غيره وأوجب حقا له ولرسوله وللمؤمنين فله وحده أن نعبده ولا نشرك به شيئا ~~وأن نخشاه ونتقيه # | فصل # قال وبالجملة فللأنبياء مع أنفسهم وفيما بينهم عبارات ومخاطبات ومعاملات ~~لا يقاس بها معهم من دونهم ألا ترى ما في الحديث الصحيح في محاجة موسى لآدم ~~وذكر شيئا في روايات ساقها مسلم منها قوله أنت آدم الذي أغويت الناس ~~وأخرجتهم من الجنة ومنها قوله أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة الحديث ~~وليس لواحد منا أن يقول في آدم صلى الله عليه وسلم ولا أحد من النبيين ~~PageV02P612 @ مثل ذلك القول ms149 ولا قريبا منه وكيف لطم موسى عين ملك الموت ~~عليه السلام وأثبت بعض العلماء أنه لطم حقيقة # وروي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لم يكذب إبراهيم النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا ثلاث كذبات الحديث مع أن الثلاث وجه المجاز فيها ظاهر ~~صحيح قوله إنه سقيم باعتبار الاستقبال ولا بد لكل بشر أن يسقم غالبا ولو ~~بمقدمات الموت مع جواز إطلاعه على ذلك أو بتأويل PageV02P613 @ القابلية ~~وقوله بل فعله كبيرهم هذا وجه المجاز أنه سبب للتكسير الذي وقع لما فيه من ~~التصوير المنكر أو تهكم يؤيده قوله @QB@ فاسألوهم @QE@ وأما الكلمة في سارة ~~فقد صرح بالمعنى إذ قال لها أخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام # وحديث المحاجة وإن احتمل أن لا يكون في دار التكليف فنحن نعلم أنهم لا ~~يقابلون بعضهم بعضا بما يرونه خلاف الأدب منهم وكل هذه الأمور لا ينقاس بها ~~معهم من دونهم فربما كان الشيء من المثيل أو المساوي أدبا أو أمرا محتملا ~~ولا يكون ممن دونه كذلك فليحفظ الناظر موقع الحكمة في أحكام المراتب في ~~الأشخاص والأفعال والأقوال وسائر الأحوال # والجواب من وجوه أحدها أن يقال هذا الكلام لا يدل على مورد النزاع فإن ~~أحدا لم يقل إن حكم النبي مع النبي أو مع الملك حكم من هو دونه ولا حكم بعض ~~الأنبياء حكم بعض بل ولا الملائكة قال تعالى @QB@ ولقد فضلنا بعض النبيين ~~على بعض @QE@ سورة الإسراء 55 وقال تعالى عن الملائكة @QB@ وما منا إلا له ~~مقام معلوم @QE@ سورة الصافات 164 وقال @QB@ كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ~~ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر ~~درجات وأكبر تفضيلا @QE@ PageV02P614 سورة الإسراء 21 - 20 # ولكن ليس في ثبوت أفضليتهم على من دونهم وعدم مساواتهم لهم في كل شيء ~~أنهم لا يشاركون في شيء من الأحكام بل الأصل عند جماهير السلف والخلف أن ما ~~ثبت في حق النبي من الأحكام ثبت في حق الأمة ما لم يقم ms150 دليل على التخصيص ~~فما وجب عليه وجب عليهم وما حرم عليه حرم عليهم وما أبيح له أبيح لهم إلا ~~أن يقوم دليل على التخصيص ولهذا قال تعالى @QB@ فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا @QE@ سورة الأحزاب 37 فبين أن في تزويجه بامرأة دعية من الحكمة دفع ~~الحرج عن المؤمنين في تزويجهم بنساء أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ولولا أن ~~الإحلال له يستلزم الإحلال للأمة لم يرتفع الحرج عنهم لمجرد ذلك # ولهذا لما خصه بإحلال شيء قال @QB@ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن ~~أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم ~~في أزواجهم وما ملكت أيمانهم @QE@ سورة الأحزاب 50 فجعل إباحة الواهبة ~~نفسها له خالصة له من دون المؤمنين ومن هذا ما ثبت عنه في الصحيح أنه لما ~~بلغه أن قوما تنزهوا عن أشياء فعلها PageV02P615 @ فقال والله إني لأخشاكم ~~لله وأعلمكم بحدوده وفي حديث آخر أن رجلا قال ليتنا مثل رسول الله يحل الله ~~له ما يشاء فغضب من ذلك وقال إني لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده لأن هذا ~~ونظائره متعددة وهذا الأصل متفق عليه بين أئمة المسلمين ولكن قد يقال نفس ~~الخطاب له أو للواحد من الأمة خطاب عام للعادة الشرعية في ذلك أو يثبت ~~الاشتراك بالاعتبار بأدلة أخرى أو ذلك معلوم بالاضطرار من الدين هذا مما ~~تنازع فيه أهل النظر وإذا كان كذلك فما يثبت جوازه له من الأقوال يثبت ~~جوازه لغيره ما لم يقم دليل المنع PageV02P616 @ وما ذكره من مطلق التفضيل ~~ليس دليلا على المنع باتفاق المسلمين # والوجه الثاني أن يقال خبره عن نفسه وغيره سواء كان نفيا أو إثباتا وما ~~أخبر به فهو صدق يجب تصديقه ومن أخبر به كان صادقا داخلا فيمن جاء بالصدق ~~وصدق به ومن قسم إخباره إلى ما لنا أن نخبر به وما ليس لنا أن نخبر به فقد ~~قال قولا مبتدعا لا دليل له ms151 عليه بل هو معلوم البطلان ثم إنه لا يمكنه أن ~~يذكر حدا فاصلا بين ما يجوز موافقته فيه من الأخبار وما لا يجوز بل لا يشاء ~~كل جاهل وضال أن يقول فيما أخبر به الرسول هذا من الأخبار التي ليس لنا أن ~~نخبر به بحال يبديه إلا ادعى ذلك حتى سد على الناس أن يخبروا بالأخبار ~~الصادقة التي أخبر بها وقد يتعدى ذلك إلى الأمر فيقول ليس كل ما أمر به ~~يؤمر به من غير تفصيل معلوم بدليل الشرع وحينئذ فإذا لم يقم يخبر بخبره ~~ويأمر بأمره كان ذلك ذريعة إلى إبطال كثير من رسالته ونبوته وهذا فيه من ~~الكفر به وإبطال دينه ما هو من أعظم PageV02P617 @ الردة عن دين الإسلام # وليس هذا بمنزلة سوء الأدب في الخطاب بل هذا كفر صريح وردة عن الإسلام ~~وهذا لازم لهؤلاء الجهال فإن قولهم يستلزم الردة عن الدين والكفر برب ~~العالمين ولا ريب أن أصل قول هؤلاء هو من باب الإشراك بالله الذي هو الكفر ~~الذي لا يغفره الله فإن الله تعالى قال في كتابه @QB@ وقالوا لا تذرن ~~آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا @QE@ ~~سورة نوح 24 - 23 وقال غير واحد من السلف هذه أسماء قوم صالحين كانوا في ~~قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم وقد ~~ذكروا ذلك بعبارات متقاربة في كتب الحديث والتفسير وقصص الأنبياء كما ذكره ~~البخاري في = صحيحه = وجماعة من أهل الحديث وكما ذكره المفسرون كالطبري ~~وغيره وكما ذكره مصنفو القصص مثل وثيمة وغيره # وقد أمر الله تعالى أن يقول @QB@ إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم ~~إله واحد @QE@ سورة الكهف 110 فيقول هذا الضال هذا يقوله PageV02P618 @ هو ~~عن نفسه وأما نحن فليس لنا أن نقول هو بشر بل نقول كما قال فلان وفلان من ~~زعم أن محمدا بشر كله فقد كفر وهذا يقوله قوم منهم وهو تشبه بقول النصارى ~~في المسيح يقولون ليس هو بشر ms152 كله بل المسيح عندهم يتناول اللاهوت والناسوت ~~الإلهية والبشرية جميعا وهذا يقوله طائفة من غلاة الصوفية والشيعة يقولون ~~باتحاد اللاهوت والناسوت في الأنبياء والصالحين كما تقوله النصارى في ~~المسيح # والوجه الثالث أن يقال مسألتنا ليست محتاجة إلى هذا فإن ما نفي عنه وعن ~~غيره من الأنبياء والمؤمنين وهو أنهم لا يطلب منهم بعد الموت شيء ولا يطلب ~~منهم في الغيبة شيء لا بلفظ الاستغاثة ولا الاستعاذة ولا غير ذلك ولا يطلب ~~منهم ما لا يقدر عليه إلا الله حكم ثابت بالنص وإجماع علماء الأمة مع دلالة ~~العقل على ذلك فلا PageV02P619 @ يحتاج إلى ذكر حديث فيه نفي ذلك عن نفسه ~~كقوله إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله فإن هذا اللفظ هو بمنزلة أن ~~يقال لا يستعاذ به ولا غيره من المخلوقين وإنما يستعاذ بالله عز وجل وهذا ~~كله معلوم وكذلك لفظ الاستجارة وأما طلب ما يقدر عليه في حياته فهذا جائز ~~سواء سمي استغاثة أو استعاذة أو غير ذلك # الوجه الرابع إنه ليس فيما ذكره حجة على أن ما يسوغ للأنبياء لا يسوغ ~~لغيرهم فإنه إنما ذكر خطاب موسى لآدم ولطم عين الملك فيقال له # أولا هذا سائغ لغير موسى من الأنبياء كمحمد والمسيح وغيرهما أم ليس سائغا ~~وإن ساغ لهؤلاء فهل يسوغ هذا لداود وسليمان ويونس وغيرهم فإن قال نعم هذا ~~سائغ لهؤلاء كلهم طولب بدليل ذلك ولا يمكنه على هذا التقدير منع جوازه ~~لغيرهم إلا أن يذكر دليلا خاصا على أن هذا من خصائص الأنبياء وليس له على ~~ذلك دليل وإن قال لا يسوغ هذا لنبي آخر ولا يسوغ لنبي معين من الأنبياء قيل ~~فحينئذ فلا حجة لك فيه على أنه لا يقتدى بالأنبياء فيما يسوغ لهم فإن هذا ~~حينئذ ليس مما يسوغ لكل الأنبياء وما خص PageV02P620 @ به بعض الأنبياء لم ~~يعتد به غير الأنبياء بطريق الأولى وحينئذ فلا يكون هذا من موارد الفرق بين ~~الأنبياء وغير الأنبياء بل من موارد الفرق بين نبي ونبي # ومن الناس من ms153 يقول إن موسى صلى الله عليه وسلم كان يحتمل منه ما لا يحتمل ~~من مثل يونس كحر رأس هارون ولحيته وإلقاء الألواح ولطم عين ملك الموت ~~ومعاتبة ربه ليلة المعراج في رفع محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك لما كان ~~له من عظيم المجاهدة مع فرعون وقومه ولما كان له من عظيم المنزلة عند ربه ~~وحينئذ فإذا كان هذا سائغا لبعض الأنبياء لا يسوغ لهم كلهم لم يكن مما نحن ~~فيه PageV02P621 @ # الوجه الخامس أن يقال الناس لهم في جواز وقوع الذنب من الأنبياء قولان ~~فالسلف والأكثرون يقولون بجواز ذلك وإن كانوا معصومين عن الإقرار عليه ~~وكثير من الناس منع ذلك بالكلية وكل من الفريقين يقول إنه قد يخص بعض ~~الأنبياء بأمر لا يشركه فيه جميع الأنبياء والمؤمنين وحينئذ فقول موسى لآدم ~~عليهما السلام ما قال إما أن يكون مما أقر عليه أو لا يكون مما أقر عليه ~~فإن قيل بالأول وقيل إنه مختص به أو بأمثاله من الرسل فلا كلام وإن قيل إنه ~~سائغ لجميع الأنبياء فلا بد من دليل على أنه من خصائصهم وإن قيل إنه لم يقر ~~عليه وهو الأظهر فإن آدم أجابه عن ذلك وبين له أن هذا الذي جرى عليكم كان ~~مقدورا عليكم مكتوبا عليكم فحج آدم موسى وإذا كان موسى محجوجا كان موسى قد ~~عرف أنه لا حجة له على آدم وأنه لم يكن له أن يعاتبه على ذلك فيكون موسى ~~رجع عن هذا وما رجع عنه النبي ولم يقر عليه لم يقتد به باتفاق المسلمين ~~كالمنسوخ وأولى # وكذلك لطمه لملك الموت إن كان مأذونا له فيه أو معفوا عنه وهو من خصائصه ~~أو من خصائص الرسل فلا كلام فيه وإن قيل إن هذا سائغ للأنبياء كلهم فلا بد ~~من دليل الاختصاص بالأنبياء وأما إن PageV02P622 @ قيل إن موسى رجع عن تلك ~~اللطمة لما اختار الموت وأجاب إلى ما طلب منه الملك من إجابة ربه كان هذا ~~مما رجع عنه موسى ومثل ذلك ليس مما ms154 يقتدى فيه بالأنبياء وذلك أن موسى لطمه ~~بغضا للموت فلما رجع إليه وخيره بين أن يضع يده على متن ثور فما وارته يده ~~من شعره فإنه يعيش بها سنة وبين الموت اختار الموت # الوجه السادس إن قول موسى إن آدم أغوى الناس وأخرجهم من الجنة وإنه خيبهم ~~وأخرجهم من الجنة إما أن يقول إنه صدق وإما أن يقول لم يكن كذلك وإنما قاله ~~باجتهاد وتأويل فإن قال إنه صدق لا خطأ فيه قيل فمن الذي منع غير موسى أن ~~يقول الصدق الذي لا خطأ فيه وقول القائل ليس لواحد منا أن يقول الصدق الذي ~~لا خطأ فيه الذي قاله الأنبياء دعوى مجردة لا يثبت بها حكم لكن صاحب هذا ~~الكلام يتكلم بحاله وما يخطر له من غير اعتصام بالأدلة الشرعية # وإن قيل إن موسى عليه السلام قاله مجتهدا متأولا ولم يكن PageV02P623 @ ~~الأمر كذلك أو قال بحسب اعتقاده ولم يكن الأمر كذلك كان كقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم أنس ولم تقصر الصلاة فإنه قال معتقدا أنه أتم الصلاة ~~فقال له ذو اليدين بل قد نسيت فقال أكما يقول ذو اليدين قالوا نعم وكذلك ~~لما قال في النخل ما أظنه يعني التلقيح يغنى شيئا ثم قال لهم إنما أخبرتكم ~~عن ظني فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله فإني لن أكذب على الله ~~وفي لفظ أنتم أعلم بأمر دنياكم وأما ما كان من أمر دينكم فإلي # وأما لطم موسى عين ملك الموت فليس هو إخبارا عن نبي وإنما هو فعل من ~~الأفعال فليس مما نحن فيه وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم لم يكذب ~~إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات فيقال له أتقول إنه لا يجوز لنا أن ~~PageV02P624 @ نصدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما قال لم يكذب إبراهيم إلا ~~ثلاث كذبات بالمعنى الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم أي شيء كان أم ليس ~~لنا ذلك فإن قلت لنا ذلك بطلت حجتك وإن قلت ليس لنا أن ms155 نقول ما قاله النبي ~~صلى الله عليه وسلم لفظا ومعنى كان هذا ممنوعا وهو من جملة ما يرد عليك وإن ~~لم يذكر عن ذلك حجة بل ولا نقله هذا عن إمام من أئمة المسلمين ونحن قد ~~ذكرنا دلالة الكتاب والسنة والإجماع على أن الأخبار الصادقة التي أخبرت بها ~~الأنبياء نفيا وإثباتا لنا أن نخبر بها كما أخبروا بها لفظا ومعنى # الوجه السابع أن يقال هذه الكلمات هي من باب المعاريض والمعرض يقصد معنى ~~ويفهم المستمع غيره والكلام مبدؤه عناية المتكلم ومنتهاه إفهام المستمع ~~فالمعرض إذا عنى حقا والمستمع فهم باطلا كان الكلام صدقا باعتبار العناية ~~وكذبا باعتبار الإفهام ولهذا لم يرخص في المعاريض فيما يجب بيانه للخلل في ~~البيع والشهادة PageV02P625 @ والإفتاء ونحو ذلك باتفاق ويجوز للمظلوم ~~التعريض في الأيمان وغيرها وأما ما ليس بظالم ولا مظلوم ففيه ثلاثة أقوال ~~في مذهب أحمد وغيره قيل يجوز له التعريض وقيل لا يجوز مع اليمين ويجوز ~~بدونها فقول إبراهيم عليه السلام @QB@ إني سقيم @QE@ قيل أراد سقيم القلب ~~من كفركم وقوله أختي أراد أخته في الدين كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث ~~الصحيح حيث قال فإنه ليس على الأرض مؤمن غيري وغيرك وقوله @QB@ بل فعله ~~كبيرهم هذا @QE@ سورة الأنبياء 63 قيل إنه قصد تعليقه بالشرط وهو قوله @QB@ ~~إن كانوا ينطقون @QE@ سورة الأنبياء 63 PageV02P626 @ # ومن هذا قول نائب يوسف @QB@ إنكم لسارقون @QE@ سورة يوسف 70 فإن يوسف ~~أمره بالنداء لكن نداء يوسف سارقون ليوسف من أبيه وهو صادق فيما عناه وما ~~ذكره هذا الذي يلبس الحق بالباطل كحاطب ليل من التأويلات ليس مما يبنى عليه ~~مسألتنا فإنه ليس في شيء من ذلك أنه لا يجوز أن يخبر بما أخبر به الرسول ~~لفظا ومعنى والناس قد ذكروا هذه التأويلات وغيرها فتأويل المتأول إني سقيم ~~أي سأسقم إما لأن الظاهر مرضه أو لاطلاعه على ذلك هو تأويل وقول غيره أريد ~~سقيم القلب تأويل ثان وهو أقرب من كون الصفة حاضرة والأول أقرب من كون ~~السقم أراد به ms156 سقم البدن لكن يقال استعمال السقم والمرض في سقم القلب ومرضه ~~هو حقيقة بخلاف قوله إني سقيم بمعنى سأسقم فإن هذا لا يفهم إلا بقرينة ~~فيكون ذلك التأويل أولى وأما التأويل الآخر بمعنى القابليه فبعيد فإن ~~الموجود لا يوصف بكل ما يقبله من المعدومات إذ لو كان كذلك لجاز أن يقال عن ~~كل مخلوق إنه معدوم وعن كل مؤمن إنه كافر وعن كل كافر إنه مؤمن وعن كل غني ~~إنه فقير وعن كل عفيف إنه فاجر وعن كل سليم إنه أشل وأقطع # والتأويلان المذكوران في قوله @QB@ بل فعله كبيرهم هذا @QE@ أن الإله ~~PageV02P627 @ الأكبر سبب للتكسير تأويل فاسد فإن السبب في كل صنم ما قام ~~به من التصوير لا سيما قوله بل فعله كبيرهم يقتضي أنه لم يفعله إلا كبيرهم ~~فلا يكون السبب أنه التصوير الذي قام به وهذا باطل قطعا فإن التصوير القائم ~~بكل صنم موجب لكسره لا يحتاج إلى تصوير صنم أكبر منه وأما التهكم فهو أحسن ~~وكذلك قوله من قال إنه نوى التعليق بقوله @QB@ إن كانوا ينطقون @QE@ # وقوله وحديث المحاجة وإن احتمل أن لا يكون في دار التكليف فنحن نعلم أنهم ~~لا يقابلون بعضهم بعضا بما يرونه خلافا للأدب منهم فهذا كلام متناقض وهو ~~كلام من نظر في كلام شارحي الحديث ولم يميز بين حق ذلك وباطله وأخذ من ذلك ~~ما ظنه موافقا لدعواه فلا له تمييز في أقوال الناس بين حقها وباطلها ولا له ~~معرفة بطرق الاستدلال فلا ذاكر لكلام منقول ولا مبين لمعنى مقبول ولا نقل ~~ولا توجيه لا ذكر ولا أثر # والعلم شيئان إما نقل مصدق وإما بحث محقق وما سوى ذلك فهذيان مسروق وكثير ~~من كلام هؤلاء هو من هذا القسم من الهذيان وما يوجد فيه من نقل فمنه ما لا ~~يميز صحيحه عن فاسده وفيه PageV02P628 @ ما لا ينقله على وجهه ومنه ما يضعه ~~في غير موضعه وأما بحثه واستدلاله على مطلوبه فمن العجائب فلا يتحقق جنس ~~الأدلة حين يميز بين ما يدل وما ms157 لا يدل ولا مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح ~~على المرجوح إذا تعارض دليلان ولهذا كان أصول الفقه مقصوده معرفة الأدلة ~~الشرعية جنس الدليل وهذا فيه كناية الخلاص من كناية تراد الحق أدنى إلى ~~الخلاص كناية تراد # وقد قيل إنما يفسد الناس نصف متكلم ونصف فقيه ونصف نحوى ونصف طبيب هذا ~~يفسد الأديان وهذا يفسد البلدان وهذا يفسد اللسان وهذا يفسد الأبدان لا ~~سيما إذا خاض هذا في مسألة لم يسبق إليها عالم ولا معه فيها نقل عن أحد ولا ~~هي من مسائل النزاع بين العلماء فيختار أحد القولين بل هجم فيها على ما ~~يخالف دين الإسلام المعلوم بالضرورة عن الرسول فإن بعد معرفة ما جاء به ~~الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن يدعو أحدا من الأموات لا ~~الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها ولا بلفظ ~~الاستعاذة ولا بغيرها كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ~~ذلك بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور وأن ذلك من الشرك الذي PageV02P629 @ ~~حرمه الله ورسوله # لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن ~~تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه ولهذا ما بينت هذه ~~المسألة قط لمن يعرف أصل الدين إلا تفطن وقال PageV02P630 @ هذا أصل دين ~~الإسلام وكان بعض الأكابر من الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول هذا أعظم ما ~~بينته لنا لعلمه بأن هذا أصل الدين # وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات ويسألونهم ويستجيرون بهم ~~ويتضرعون إليهم وربما كان ما يفعلونه بالأموات أعظم لأنهم إنما يقصدون ~~الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعونه دعاء المضطر راجين قضاء حاجاتهم بدعائه أو ~~الدعاء به أو الدعاء عند قبره بخلاف عبادتهم لله ودعائهم إياه فإنهم ~~يفعلونه في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف حتى إن العدو الخارج عن ~~شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون ~~عندها كشف ضرهم وقال بعض ms158 الشعراء # ( يا خائفين من التتر % لوذوا بقبر أبي عمر ) # أو قال # ( عوذوا بقبر أبي عمر % ينجيكم من الضرر ) PageV02P631 @ فقلت لهم هؤلاء ~~الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم ~~من المسلمين يوم أحد فإنه كان قد قضى أن العسكر ينكسر لأسباب اقتضت ذلك ~~ولحكمة كانت لله عز وجل في ذلك ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم ~~يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله ولما ~~يحصل في ذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة في القتال فلا يكون ~~فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة لمن عرف هذا وهذا وإن كان كثير من ~~المقاتلين الذين اعتقدوا هذا قتالا شرعيا أجروا على نياتهم # فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله والاستغاثة به وأنهم ~~لا يستغيثون إلا إياه لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل كما قال تعالى ~~يوم بدر @QB@ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم @QE@ سورة الأنفال 9 وروي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوم بدر يقول يا حي يا قيوم لا إله إلا ~~أنت برحمتك أستغيث وفي لفظ PageV02P632 @ أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى ~~نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك # فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرا ~~عزيزا لم يتقدم نظيره ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلا لما صح ~~من تحقيق توحيده وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك فإن الله ينصر رسله والذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # ونحن نتكلم على ما ذكره وإن لم يختص بمسألتنا لما فيه من PageV02P633 @ ~~تمام الكلام على ما ذكره كله # أما حديث احتجاج آدم وموسى عليهما السلام فإن هذا الحديث فهم منه كثير من ~~الناس المتقدمين والمتأخرين أن آدم احتج بالقدر على فعل الذنب فصاروا ~~أحزابا حزب من أهل الكلام كذبوا الحديث كأبي علي الجبائي وغيره وقالوا نحن ~~نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن سابق علم ms159 الله وكتابه لا يكون حجة لأحد ~~في ترك مأمور أو فعل محظور وهذا يناقض ذلك فيكون كذبا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحزب من الصوفية والعامة شر من هؤلاء جعلوا هذا الحديث حجة على ~~دفع الذم والعقاب عن الكفار والفساق والعصاة وسموا هذا حقيقة وهو حقيقة ~~القدر وقال منهم طائفة من شهد القدر ارتفع عنه الملام وقالوا آدم كان شاهد ~~القدر # ودخل في ذلك طائفة من أعيان الشيوخ والعلماء فظنوا أن الخواص يرتفع عنهم ~~الذم والعقاب بشهود القدر دون العامة منهم ومنهم من قال هذا عين الجمع وهو ~~أن لا يرى الفاعل إلا واحد ومنهم من جعل هذا من أفضل مقامات العارفين ومن ~~لوازم سلوك السالكين ومنهم من جعل هذا منتهى سير العارفين وسموا ملاحظة هذا ~~فناء في توحيد الربوبية أو اصطلاما ونحو ذلك فالذين جعلوا هذا منتهى للوصول ~~رفعوا استحسان الحسنات واستقباح القبائح وقالوا استحسان الحسنات واستقباح ~~السيئات يكون لأصحاب البقاء والفرق لا لأهل الجمع والاصطلام والفناء في ~~التوحيد وأما الذين جعلوه مقاما PageV02P634 @ أو لازما للسالك فقالوا بعد ~~هذا مقام أعلى منه وهو مشهد الفرق الثاني # وكان قد وقع بين الجنيد وأبي الحسين النوري وأصحابهما كلام في الفرق ~~الثاني واضطربوا كما ذكر ذلك أبو سعيد بن الأعرابي في = كتاب طبقات النساك ~~= وذكر أن كلامهم في PageV02P635 @ الفناء والجمع لم يشتركوا فيه إلا في ~~العبارة وأن هذا يشير إلى معنى غير المعنى الذي يشير إليه هذا وأنه لم يحصل ~~ما يعبر عنه بالفرق الثاني وذكر أن أبا الحسين النوري لما قدم بغداد بعد أن ~~كان خرج عنها وكان قد خرج هو وغيره في محنة الصوفية التي جرت لما قام عليهم ~~غلام خليل سنة بضع وستين ومائتين وكتب منهم نحو سبعين نفسا واتهمهم ~~بالزندقة فوضعوا منهم جماعة في الحبس وسافر بعضهم PageV02P636 @ واختبأ ~~بعضهم وكان فيهم من هو مظلوم ومنهم من هو متعبد وكان غلام خليل فيه عبادة ~~وزهد وفيه نوع قلة معرفة أيضا ولهذا يقال إنه كان يضع الأحاديث في الفضائل ms160 ~~وهذا قد بسطه أبو سعيد بن الأعرابي وغيره ذكر ذلك مختصرا # وذكر أبو سعيد أن النوري لما رجع سأله أصحاب الجنيد عن الفرق الذي بعد ~~الجمع ما علامته وما الفرق بينه وبين الفرق الأول قال فسألوه عن هذا المعنى ~~لا أدري بهذا اللفظ أو بغيره إلا أني قد حفظت المعنى وأثبته قال وكنت إذا ~~مررت به بالرقة سنة سبعين قال لي من بقي من أصحابنا فأخبرته فسألني عن ~~جماعة ثم سألني عن الجنيد وما يتكلم فيه ومن يجتمع إليه فأخبرته وقلت إنهم ~~يشيرون إلى شيء يسمونه الفرق الثاني والصحو فقال لي اذكر لي شيئا منه فذكرت ~~له بعض ما كنت أظنه فضحك ثم قال أي شيء يقول في هذا ابن الجلحي فقلت ما ~~يجالسهم قال فأبو أحمد PageV02P637 @ القلانسي فقلت مرة يوافقهم وربما ~~خالفهم إلى معاني الجمع فقال أي شيء تقول أنت فقلت ما عسى أن أقول أنا ولكن ~~ما تقول في هذا يا أبا الحسين فإني أحب أن أسمع منك في هذا خاصة شيئا فقال ~~لا أو تقول أنت فحملني حرصي على أن أسمع منه أن قلت ما كان عندي في ذلك ~~الوقت قلت أيسمونه فرقا ثانيا هو عين من عيون الجمع يتوهمون به أنهم قد ~~خرجوا عن الجمع وإنما هو أحد عيون الجمع فقال هو كذلك وأنت إنما سمعت هذا ~~من أبي أحمد القلانسي فأخبرته أني ما سمعته من أبي أحمد فلما قدمت بغداد ~~حدث أبو أحمد بذلك وكان أبو أحمد يعارض ذلك ولا يقطع به وربما وافقهم ~~فأعجبه قول أبي الحسين وكذلك كان عند أبي الحسين فأما أبو أحمد فقد كان ~~ربما قال هو صحو وخروج عن الجمع وربما قال هو شيء من الجمع ثم قال أبو ~~الحسين ببغداد لما شاهدهم ليس هو عينا من عيون الجمع ولا صحو من الجمع ~~وفرقا ثانيا ولكنهم رجعوا إلى ما يعرفون وحملوا الشيء عن عقولهم فهم يسددون ~~بجهلهم وليس معهم مما يذكرون إلا هذا العلم وهذا الوصف وكأنهم PageV02P638 ~~@ قد اصطلحوا عليه ms161 وكان يوميء إلى أنهم يتكلمون عن غير حقيقة وإنما هو شيء ~~يأخذه بعضهم عن بعض فيزيد بعضهم من بعض بقدر فصاحتهم في العبارة دون ~~الحقيقة # ولهذا كان قوله أول ما قدم بغداد قال أبو سعيد ثم باتوا معه ليلة لم أكن ~~معهم كان ابن عطاء ورويم فأقبل ابن عطاء يسأله فإذا أصابه بشيء عكسه عليه ~~ابن عطاء ثم يسأله عما ينشيه فإذا أجابه قال هذا ضد الجواب الأول يا أبا ~~الحسين قياسا وتشبيها فكان منه إليه كلام فيه جفاء وكذلك فعل أيضا فقالوا ~~إنه يقول الشيء وضده ولا يعرف هذا إلا قول سوفسطا ومن قال بقوله وكان بينهم ~~PageV02P639 @ وحشة بذلك وكان يكثر منهم التعجب وقالوا للجنيد ذلك فأنكر ~~عليهم حينئذ وقال لا تقولوا مثل هذا لأبي الحسين ولكنه رجل به علة قد تغير ~~دماغه ثم إنه انقبض عن جميعهم بعد تلك الليلة وأظهر لمن اتهمه منهم الجفاء ~~وترك مجالستهم ثم غلبت العلة وذهب بصره ولزم الصحاري والجبانات والمقابر ~~وكانت له في ذلك أحوال طويلة كثيرة يطول شرحها وذكرها # قال ولم أحضره عند موته قال جماعة من أصحابنا يقولون من رأى أبا الحسين ~~بعد قدومه الرقة ولم يكن رآه قبل ذلك فكأنه لم يره لتغيره بعد قدومه إلا ~~أنه مات وهم عنده يتكلمون في شيء سكوتهم عنه أولى بهم لأنه ليس شيئا عندهم ~~يعرفونه وإنما يتوهمونه فيتكهنون فيه ويتعسفون بظنونهم وقد كانوا عند غيره ~~ممن لا أسميه كذلك # قال أبو سعيد فإذا كان أولئك كذلك فكيف بمن حدث بعدهم ممن أخذ عنهم قال ~~ومنعني من الطبقة التي كانت بعد هؤلاء أشياء كثيرة إلا أن جملة ذلك وإن ~~كانوا قوما صالحين فاضلين فما يدرون ما كان يقول أولئك في هذه المعاني التي ~~أشرنا إليها ولا ما كانوا PageV02P640 @ يشيرون إليه إلا بالتوهم والبلاغات ~~وذكر كلاما طويل # قلت الصوفية بعد هؤلاء هم على هذا الاضطراب منهم من قال بالفرق الثاني ~~كالجنيد وأصحابه وهؤلاء هم المصيبون المسددون ومنهم من نفاه ومنهم من تردد ~~فيه ومنهم ms162 من قال إنه أكبر من المتكلم فيه وسبب ذلك أن الإنسان يشهد أولا ~~الفرق حسه وعقله وهواه من غير نظر إلى أن الله خالق كل شيء وهذا هو الفرق ~~الأول فإذا توجه إلى الله رأى أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه كل ما في ~~الوجود بمشيئته وقدرته وهذا شهود صحيح بحيث يغيب عن نفسه وعن غيره ويفنى ~~بمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته PageV02P641 فلا ~~يبقى ناظرا إلا إلى توحيد الربوبية وهو أن الله خالق كل شيء وهذا المشهد ~~ليس تفريق بين المأمور والمحظور ولا بين المعروف والمنكر ولا بين أوليائه ~~وأعدائه ولا بين المؤمنين والكفار ولا بين ما يلائم الإنسان وما يخالفه ~~وهذا لا يتصور أن يدوم بقاء العبد فيه فإن نفسه لا بد أن تفرق بين ما ~~يلائمها وبين ما يضرها كما تفرق بين الخير والشر وبين الماء والبول # ولكن من قال بأن الفناء هو الغاية منهم من جعل ذلك نزولا من العبد من عين ~~الجمع إلى الفرق ومنهم من يقول بل القيام بالفرق هو لصلاح العامة لا لنفسه ~~ومنهم من يسمى هذا تلبيسا ويقول هذا للأنبياء وربما قال الفرق لأجل ~~المارستان يصلح به العامة الذين هم كالمجانين و قد يقول هؤلاء الكمال أن ~~يكون الجمع في قلبك مشهودا والفرق في لسانك موجودا وأن يكون باطنك حقيقة ~~وظاهرك شريعة ومنهم من يقول الفرق بين هذه الأشياء الضرورية التي لا بد ~~منها للإنسان بخلاف غيرها ومنهم من PageV02P642 @ يقول هذا الفناء ~~والاصطلام ليس هو الغاية بل هو مقام عال لا بد للسالك من سلوكه إياه ومن لم ~~يقم فيه لم يصل إلى حقيقة معرفة الحقائق # وهذا غلط فإن هذا من عوارض الطريق لا من لوازمه فإن حاصله عدم شهود ~~الحقائق على ما هي عليه وهذا نوع من نقص الشهود والعلم ورؤية الأمر على ما ~~هو عليه ولكن هذا يعرض لبعض المتوجهين إذا رأى أن الله خالق كل شيء يجمع في ~~رؤيته هذا ولم يشهد الفرق فإنه سبحانه ms163 وإن خلق الأشياء كلها بمشيئته وقدرته ~~فقد أمر بطاعته ونهى عن معصيته وهو يحب ما أمر به ويبغض ما نهى عنه وهذا هو ~~الفرق الشرعي ليس هو الفرق الطبعي # وهذا الفرق فرض على كل مسلم لا يكون مؤمنا إلا به وصاحب هذا يشهد أن لا ~~إله إلا الله فيعلم أن الله هو المعبود دون ما سواه وأنه أرسل الرسل يأمرون ~~الناس بطاعته وينهونهم عن معصيته ومن لم يشهد هاتين الشهادتين لم يكن مسلما ~~وأما مجرد رؤية الله PageV02P643 @ خالق كل شيء فهذا كان يقر به المشركون ~~عباد الأصنام فمن وقف في الجمع لا يفرق بين مأمور ومحظور لم يكن مسلما فضلا ~~عن أن يكون وليا لله تبارك وتعالى لكن هؤلاء يقولون نحن نثبت الفرق العائد ~~إلى حفظ الإنسان بأن فعل المأمور سبب للثواب وفعل المحظور سبب للعقاب ~~والثواب والعقاب حظ للعبد والكامل الخالي عن حظوظه الذي لا يريد إلا ما ~~يريد ربه هو صاحب الفناء وهو الذي لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة فالفرق ~~لا يعود إلى الله ولا إلى صاحب الفناء # وأصل غلط هؤلاء أنهم لم يثبتوا لله إلا الإرادة العامة المتناولة لكل ~~مقدور ومعلوم أنه لو كان الأمر كذلك لكان الفرق سببا بالنسبة إلى الله لكن ~~هذا غلط من المثبت لملة إبراهيم ودين الرسل كما قد بسط في غير هذا الموضع # وكثير من هؤلاء قد التبس عليهم هذا الموضع وهم متناقضون فيه فإن الجمع ~~العام لا يتصور أن يقوم فيه أحد دائما بل لا بد إن كان مسلما أن يوجب ما ~~أوجبه الله ورسوله ويحرم ما حرمه الله ورسوله وإلا PageV02P644 @ لم يكن ~~مسلما فلا بد من فرق بحسب دينه وإن لم يكن له دين فرق بحسب هواه وطبعه فمن ~~لم يفرق فرقا رحمانيا فرق فرقا نفسانيا وشيطانيا ومن لم يفرق فرقا شرعيا ~~فرق فرقا طبيعيا وقول أبي سعيد ابن الأعرابي ومن وافقه إن هذا الفرق عين من ~~عيون الجمع يتوهمون به أنهم قد خرجوا عن الجمع وإنما هو أحد ms164 عيون الجمع ~~يعنى به والله أعلم أن شاهد الفرق ما أمر الله به ونهى عنه مع مشاهدته بذلك ~~وتوحيد الإلهية بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومحبته ~~لما أمر الله به وبغضه لما نهى الله عنه فهو يشهد أن الله رب ذلك كله وأنه ~~الذي جعل المسلم مسلما وجعل آل إبراهيم أئمة يدعون إلى الخير وآل فرعون ~~أئمة يدعون إلى النار فهو في هذا الفرق يشهد الجمع ويشهد مع ما قام بقلبه ~~من الفرق بين المأمور والمحظور أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه هو ~~الذي جعله يعبده ويطيعه وهو المان عليه بذلك لا يكون كمن يشهد الفرق بين ~~الطاعة والمعصية ولم يشهد أن الله هو الذي من عليه بالطاعة ويسرها عليه # فشهود الجمع بلا فرق يورث تعطيل الأمر والنهي حتى لا يستحسن حسنة ولا ~~يستقبح سيئة وشهود الفرق بلا جمع يورث تعطيل التوكل والشكر ويورث العجب ~~وتعظيم النفس وكلاهما نقص عما تحت الجمع من عبودية الله تعالى ومن تحقق ~~قوله @QB@ إياك إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ PageV02P645 ) سورة الفاتحة 5 ~~فلا بد من الفرق في عين الجمع في شهود الفرق وأيضا فإن الله تعالى مع خلقه ~~لكل شيء بمشيئته وقدرته فهو يحب ما أمر به ويرضاه ويبغض ما نهى عنه ويسخطه ~~فلا بد مع شهود المشيئة العامة من شهود المحبة والرضا الخاص # وكثير من الناس القدرية الجهمية الجبرية ومن دخل معهم في التصوف جعلوا ~~الإرادة نوعا واحدا وجعلوها هي المحبة والرضا قالت القدرية والله لا يحب ~~الكفر والفسوق والعصيان فيكون في ملكه ما لا يشاء ولم يخلقه وقالت الجهمية ~~بل كل ما وقع فهو بمشيئة الله والمشيئة هي الإرادة وهي المحبة والرضا فكل ~~ما وقع فإنه يحبه ويرضاه ولكن يريد ويحب ويرضى المأمور به مأمورا به دينا ~~يثيب عليه ويريد ويحب ويرضى المنهى عنه منهيا عنه معاقبا عليه فالفرق ~~بينهما يعود إلى أنه يريد ويحب ويرضى أن ينعم هؤلاء ويعذب هؤلاء من غير فرق ~~يعود ms165 إليه ولا يحب بعض المخلوقات ويبغض بعضا كما لا يشاء بعضها دون بعض ~~فعنده لا يحب بعض المخلوقات دون بعض # والجهمية الجبرية والقدرية المعتزلة ومن وافقهم مشتركون في أنه ليس بين ~~المأمور والمحظور فرق يعود إلى الرب تبارك وتعالى والقائلون بالجمع من غير ~~فرق يشاركون هؤلاء ورأوا أنه لا فرق PageV02P646 @ بالنسبة إلى الرب لكن ~~الفرق يعود إلى العبد من حيث إن أحد العملين يقتضي حصول لذة له والآخر ~~يقتضي حصول ألم له وهذا من حظوظ العباد # ثم قال غلاة هؤلاء وهذا الفرق من العبد نقص لأنه فرق يعود إلى نفسه ~~فالعمل له سعي في حظ النفس وأما الكمال فهو أن يفنى العبد بمراداته جملة ~~ولا يبقى له حظ وأن لا يشهد إلا ربه وإرادة الرب عز وجل عندهم هي المشيئة ~~المتناولة لكل شيء وهي المحبة والرضا عندهم ولهذا قالوا إنه حينئذ لا ~~يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة # ومعلوم بالاضطرار من دين الرسل أن هذا ليس بمجرد ولا حال الأنبياء ~~والأولياء بل هم متفقون على استحسان ما أحبه الله واستقباح ما نهى الله عنه ~~والحب في الله والبغض في الله وذلك أوثق عرى الإيمان فصار العالم منهم بخلق ~~الله وأمره وشرعه وقدره PageV02P647 @ الذين يفرقون بين مشيئة الله ومحبته ~~ورضاه كالجنيد ونحوه يقولون بالفرق الثاني والذين لا يثبتون إلا المشيئة ~~العامة لا يقولون بالفرق الثاني وآخرون يترددون فتارة يشهدون المشيئة ~~العامة فقط ولا يقولون بالفرق وتارة يثبتون محبة الله ورضاه فيقولون بالفرق ~~الثاني والقول بهذا الفرق لا ينافي الجمع العام فإن مشيئة الله متناولة لكل ~~شيء وما وجد شيء محبوب مكروه فالمشيئة متناولة له فلهذا صار منهم من يقول ~~إن هذا الفرق عين من عيون الجمع وأن أحدا لا يخرج من الجمع الذي هو المشيئة ~~العامة فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ يكن وإنما يرى الخروج من هذا ~~المعتزلة ونحوهم من المكذبين بالقدر القائلين أنه يكون في ملكه ما لا يشاء ~~وأنه لا يقدر على هدى ضال ولا ضلال مهتد ms166 ونحو ذلك وهؤلاء ضلوا في مسألة ~~القدر كما ضلت بها المعتزلة فالمعتزلة كذبوا بالقدر رعاية للأمر والنهي ~~وهؤلاء أبطلوا الأمر والنهي رعاية للقدر PageV02P648 @ # وهؤلاء يحتجون بقصة آدم وموسى عليهما السلام واحتجاجهم عليه بالقدر هو ~~حجة داحضة فإن الله تعالى عاتب إبليس وأهبط آدم من الجنة وأهلك قوم نوح ~~وعادا وثمود وغيرهم ولو كان القدر عذرا لم يعاقب كافرا وآدم عليه السلام ~~تاب من الذنب فلو كان محتجا بالقدر لم يتب # وصار آخرون يتكلمون على حديث موسى عليه السلام بتأويلات فاسدة كقول بعضهم ~~إن هذا الاحتجاج كان في غير دار التكليف كما ذكره هذا الضال فيقال لهؤلاء ~~الاحتجاج بالقدر لا يسوغ في دار التكليف ولا غيرها فإنه قول باطل وقول ~~الباطل لا يسوغ بحال وأيضا فموسى قد لام آدم فكيف يقع الملام في غير دار ~~تكليف وتناظرا وتحاجا ودار السلام منزهة عن الحجاج والخصام وقال بعضهم إنه ~~كان أباه فما كان ينبغي له لوم أبيه وقال بعضهم كان تائبا والتائب لا يلام ~~وقال بعضهم كان الذنب في شريعة واللوم في أخرى وهذا كله باطل فإن الحديث ~~فيه أن آدم احتج بالقدر وقال لا تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق ~~فحج آدم موسى PageV02P649 @ # وسبب هذا الغلط أنهم فهموا من الحديث أن آدم جعل القدر حجة للمذنب وهو ~~غلط قبيح على من هو دون آدم وموسى فيكف عليهما وهذا آدم يقول @QB@ ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ سورة ~~الأعراف 23 وموسى يقول @QB@ قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي @QE@ سورة القصص ~~16 ويقول @QB@ أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين @QE@ سورة ~~الأعراف 155 وكيف يجوز أن يظن بمثل هذين النبيين الكريمين أنهما يجوزان هذا ~~وعوام الناس يعرفون أن هذا باطل إلا من كان مصطلما قد سلب حقيقة العقل ~~والذي يظن أن الله يسوي بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين في ~~الأرض وبين المتقين والفجار وبين المسلمين والمجرمين فإن الجمع وتوحيد ~~الربوبية يتناول هؤلاء كلهم ms167 فإن لم يحصل مع ذلك فرق فالجمع بين أهل البر ~~والتقوى ويشهد القلب إلهية الرب التي يستحق لأجلها أن يعبد دون ما سواه وأن ~~تطاع رسله كان مسويا بين هؤلاء # ولكن نكتة الحديث أن موسى لام آدم لأجل المصيبة التي لحقت PageV02P650 @ ~~الذرية من أجله فإنه بسبب ذلك خرجوا من الجنة وصاروا في دار الشقاء ولهذا ~~قال لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة وكان لومه له لأجل المصيبة التي أصابتهم ~~لا لمجرد الذنب من جهة حق الله كما يقول الولد لوالده الذي أذهب ماله حتى ~~افتقر هو وأولاده أنت الذي أذهبت هذا المال حتى صرنا فقراء واحتجنا إلى ~~الناس وأنت نقلتنا إلى بلاد الغربة ونحو ذلك فقال له آدم هذه المصيبة كانت ~~مكتوبة عليك مقدرة قبل أن أخلق هي وسببها وهو الذنب فإنه كان مكتوبا علي ~~قبل أن أخلق بأربعين سنة # والعبد مأمور عند المصائب بالتسليم لله تعالى كما قال تعالى @QB@ ما أصاب ~~من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه @QE@ سورة التغابن 11 قال ~~طائفة من السلف هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم ~~لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المؤمن القوي خير وأحب ~~إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا ~~تعجز وإن أصابك PageV02P651 @ شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا كذا ~~ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن اللو تفتح عمل الشيطان وفي = السنن = عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإن ~~غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل وقد قال تعالى لنبيه @QB@ فاصبر إن وعد ~~الله حق واستغفر لذنبك @QE@ سورة غافر 55 فأمره بالصبر على المصاب ~~والاستغفار من الخطيئات # وكان الجنيد أفقه القوم وأعلمهم بالدين فلهذا بين الفرق الثاني وأمر ~~باتباع الأمر ولزوم الشرع ورعاية العلم بخلاف من لم PageV02P652 يحقق هذا ~~الفرقان واختطفه قدر فإنه قد يتعدى فيه إما حالا ms168 وإما مآلا مثل كثير من ~~الشيوخ الغالطين في هذا الباب ثم انضم إلى ذلك أنه لم يفرق بين إرادة الله ~~ومحبته ورضاه بل يرى أن جميع الحوادث خيرها وشرها بالنسبة إليه سواء صادرة ~~عن تلك الإرادة وأنه لا يحب الحسنات ولا يرضاها إلا بمعنى ينعم أهلها ولا ~~يبغض السيئات ويسخطها إلا بمعنى تعذيب أهلها ورأى أن هذا فرق يعود إلى ~~المخلوق لا إلى الخالق فهذا رأى أن في كمال العبودية فناء عن إرادته وأنه ~~لا يريد إلا ما يريده الحق وعنده ليس له إرادة إلا هذه لزم من هذا أنه لا ~~يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة ما دام هذا الفناء لكن دوامه فيه ممتنع لأن ~~العبد مجبول على حب ما يلائمه وبغض ما ينافيه فإن لم يشهد ما يتصف به الرب ~~من الحب والبغض والرضى والسخط فيحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله ويرضى ~~ما يرضاه ويسخط ما يسخطه الله وإلا فرق باعتبار نفسه فيحب ويبغض لمجرد ذوقه ~~ووجده وحبه وبغضه لا بحب الله وبغضه وأمره ونهيه فإن هذه الحقيقة تخالف ~~الشريعة ويجعلون القيام بها لأجل الخاصة والعامة لا من حقيقة PageV02P653 ~~هودها الخاصة ويسمون هذا تلبيسا وهو مقام الأنبياء وهذا من أغاليط كثير من ~~الشيوخ وهو في الحقيقة خروج عن ملة إبراهيم وغيره من الرسل وبالله التوفيق ~~وهو حسبنا ونعم الوكيل PageV02P654 ms169