######OpenITI# #META# ad: 728 #META# الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية المدينة المنورة، #META# ndata: [المجلد E1B54D52ة (1326) #META# تحقيق: محمد علي عجال #META# auth: الواحدي :: ابن تيمية #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: تلخيص كتاب الاستغاثة = الرد على البكري ¶ المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728ه) ¶ الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية المدينة المنورة، ¶ الطبعة: الأولى، 1417 ¶ تحقيق: محمد علي عجال ¶ عدد الأجزاء: 2 ¶ إعداد: عبد الحميد الأزهري [قمت بتصليح كثير من الأخطاء التي كانت موجودة في النسخة السابقة]. ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728ه) #META# إعداد: عبد الحميد الأزهري [قمت بتصليح كثير من الأخطاء التي كانت موجودة في النسخة السابقة]. #META# higrid: 728 #META# Lng: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي #META# idx: 1 #META# عدد الأجزاء: 2 #META# الكتاب: تلخيص كتاب الاستغاثة = الرد على البكري #META# authno: 54 #META# cat: كتب ابن تيمية #META# authinf: الواحدي (000 - 468 ه) ( 000 - 1076 م) ¶ علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (أبو الحسن) مفسر، نحوي، لغوي، فقيه شاعر، إخباري. ¶ أصله من ساوه، ومن أولاد التجار. ¶ توفي بنيسابور في جمادى الآخرة، وقد شاخ. ¶ من تصانيفه: «البسيط» في نحو 16 مجلدا في التفسير، «المغازي»، «شرح ديوان المتنبي»، «الإغراب في الإعراب»، و«نفي التحريف عن القرآن الشريف». ¶ نقلا عن معجم المؤلفين لكحالة :: ابن تيمية، تقي الدين (661 - 728 ه، 1263 - 1328 م). ¶ تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي. ¶ • شيخ الإسلام في زمانه وأبرز علمائه، فقيه أصولي ومفتي الدين الحصيف وصاحب الآثار الكبرى في علوم الدين والفكر الإسلامي. ولد بحران بتركيا، ورحل إلى دمشق مع أسرته هربا من غزو التتار. وتلقى العلم على والده وعلى مشايخ دمشق وظهرت عليه علامات النجابة منذ نعومة أظفاره، فكان قوي الذاكرة سريع الحفظ. نهل من منهج النبوة، حتى آلت إليه الإمامة في العلم والعمل سنة 720 ه. ¶ • كان من أشد مفكري الإسلام نقدا للفلسفة وعلم الكلام، ودعا إلى وضع العقل بعد النقل وليس قبله. وقد صنف كتابا ضخما سماه درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول رد فيه على شطحات الفلاسفة، وفند فيه دعاوى أهل الفرق الضالة حسب رأيه واجتهاده، ودافع فيه عن المنطق الفطري، وهو المنطق السليم، منطق القرآن الكريم. وفي كتابه الرد على المنطقيين حمل على دعوى أتباع أرسطو من المنطقيين الذين ذهبوا إلى أن المفاهيم التي ليست بديهية لاتدرك إلا بالحد (الدليل) بحجة أنها لما كانت غير بديهية كان لابد لها من دليل، وإلا كانت دعوتهم باطلة، وبين ابن تيمية أن تحديد المفاهيم تكتنفه الصعاب، وحتى من دافع عن المنطق من أهل الفلسفة وعلم الكلام، اضطر إلى التسليم بصعوبة تحديد الجنس أو الفصل الخاص، الذي يقوم عليه التعريف، ونسبه ابن تيمية إلى اختلاف الناس في سرعة إدراك الحد الأوسط في القياس مثل حيوان يمشي على أربع، والكلب حيوان، الكلب يمشي على أربع، فالحد الأوسط هنا وهو الكلب حيوان لا يحتاج إليه الذكي، ولا يستفيد منه الغبي. والنتيجة تحصيل حاصل. وانتقد كذلك نظريات البرهان عند أرسطو باعتبار أن البرهان يتناول الكليات الذهنية، في حين أن الكائنات موجودات جزئية، ولذلك فالبرهان لايؤدي إلى معرفة إيجابيته بالكائنات بشكل عام وبالله بشكل خاص. ¶ • ذهب ابن تيمية إلى مصر فسجن بها، ورجع إلى دمشق، وجاهد ضد التتار وحبسه السلطان لفتواه عن طلاق الثلاث، وتحرش به علماء دمشق عند السلطات ليوقعوا به، فحبس ثانية في قلعة دمشق ومات فيها. وخرجت البلدة على بكرة أبيها تشيع جنازته. ¶ • كان ابن تيمية صالحا مصلحا، داعيا إلى الإصلاح والعودة إلى القرآن والسنة، وكان ذا باع طويل في اللغة العربية وعلومها، وفي مختلف العلوم. تربو مصنفاته على ثلاثمائة مجلد في علوم الإسلام المختلفة من أهمها: اقتضاء الصراط المستقيم في الرد على أهل الجحيم؛ السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية؛ الصارم المسلول على شاتم الرسول؛ الواسطة بين الخلق والحق؛ العقيدة التدمرية؛ الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان؛ العقيدة الواسطية؛ بيان الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن؛ تفسير سورة البقرة؛ درء تعارض العقل والنقل؛ منهاج السنة النبوية؛ مجموعة الفتاوى. ¶ • خالف بعض الأئمة والعلماء بعض آراء ابن تيمية وفتاويه وردوا عليه. ومن هؤلاء العلماء: صفي الدين الهندي وتقي الدين السبكي وشمس الدين الذهبي وابن حجر العسقلاني والعز بن جماعة وبدر الدين محمد بن إبرهيم بن جماعة وغيرهم. ¶ نقلا عن ¶ الموسوعة العربية العالمية http://www.mawsoah.net #META# bkid: 34352 #META# comp: 1 #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# max: 717 #META# bk: تلخيص كتاب الاستغاثة = الرد على البكري #META# bkord: 8519 #META# archive: 23 #META# iso: تلخيص كتاب الاستغاثه الرد علي البكري #META# الطبعة: الأولى، 1417 #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-09-30 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وأما ما ذكره من تأويل الحديث فهو من جنس دين النصاري لا من جنس دين ~~المسلمين وبيان ذلك من وجوه # الأول قوله إن الله تعالى لتشريف رسوله والمقربين عنده خاطبهم تارة ~~بتنزيلهم منزلة نفسه في الأفعال وتارة نزل نفسه منزلتهم في الأفعال ~~والأوصاف وكلاهما تشريف عظيم # فيقال هذا كذب على الله وشرك به وهو من جنس أقوال أهل الحلول والاتحاد ~~فليس في خطاب الله المطلق تنزيل أحد منزلة نفسه في الأفعال ولا تنزيل نفسه ~~في الأفعال والأوصاف منزلتهم بل هو إله واحد لا شريك له وكل من في السماوات ~~والأرض آتيه عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا PageV01P313 # ومن قال إن الرب عز وجل ينزل المخلوق منزلة نفسه في الأفعال أو ينزل هو ~~منزلة المخلوق في الأفعال والأوصاف فقد زعم أن الله سبحانه يجعل له ندا ~~وأنه يقيم المخلوق مقامه في الخلق والرزق والإحياء والإماتة وإجابة الدعاء ~~وكونه معبودا وأنه يقوم مقام العبد في الصلاة والصيام والطواف وغير ذلك من ~~أفعال العباد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق أفلا تذكرون} # ومن أخص أوصاف الرب القدرة على الخلق والاختراع فليس ذلك لغيره أصلا حتى ~~إن كثيرا من النظار المثبتين للقدر كالأشعري وغيره جعلوا هذا أخص وصف للرب ~~تعالى كما جعل الجبائي وغيره من PageV01P314 ~~المعتزلة أخص وصفه القدم # ومقصود المعتزلة أن لا يثبتوا له صفة قديمة لامتناع المشاركة في أخص وصفه ~~ومقصود أولئك المثبتين أن لا يشركه غيره في الخلق وقد يقولون لا يشركه غيره ~~في الفعل وهو قول من يقول العبد فاعل مجازا لا حقيقة وهو كاسب حقيقة كما هو ~~قول الأشعري ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وهو في ~~الأصل قول جهم بن صفوان وهو أول من عرف في الإسلام أنه قال إن العبد ليس ~~بفاعل لكن جمهور أهل السنة من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم يقولون إنه فاعل ~~حقيقة وجمهور هؤلاء يقولون إن ms001 فعله مفعول للرب بناء على أن الخلق غير ~~المخلوق كما هو قول الأكثرين وهو مذهب السلف وأهل الحديث والفقهاء # وأما من قال إن الفعل هو المفعول وإن فعل العبد فعل الرب ولم يفرق بين ~~الفعل والمفعول فيلزمه لوازم تبطل قوله كما قد بسط في غير هذا الموضع وبين ~~أن القدرة على الاختراع من خصائص الرب وأخص وصف الرب ليس هو صفة واحدة بل ~~علمه بكل شيء من خصائصه وقدرته على كل شيء من خصائصه وخلقه لكل شيء من خصائصه PageV01P315 # والمقصود هنا الكلام على قول هذا الرجل الذي ضاهى المشركين الحلولية من ~~النصارى وغالية الشيعة وجهال الصوفية حيث قال إن الله تعالى ينزل المقربين ~~منزلة نفسه تارة وينزل نفسه منزلتهم في الأفعال والأوصاف تارة فإن هذا كلام ~~مخالف لدين المسلمين وسنبين جهله وخطأه فيما تأوله على ذلك من القرآن ~~والحديث فنقول # أما قوله تعالى {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ~~فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا ~~عظيما} فليس فيها أن نفس الفعل القائم بالرسول ومخاطبته لهم ومد يده ~~لمبايعتهم هو نفس فعل الله ومخاطبته ومبايعته بل فيها أن من بايع الرسول ~~فقد بايع الله كما قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وكما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «من أطاعني فقد أطاع الله ومن ~~أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني» PageV01P316 # فطاعة أميره طاعته ومعصية أميره معصيته لأنه أمر بطاعته فمن أطاعه أطاع ~~الله لأن الله أمر بامتثال ما أمر به لأن أمره من أمر الله لا أن نفس الفعل ~~القائم بأميره نفس فعله ولا نفس فعله هو نفس فعل الرب تعالى # واعلم أن من قال من النظار إن أفعال العباد كلها فعل الله فلا فرق عندهم ~~بين أفعال المؤمنين والكفار والبهائم وحركات الجمادات فإن مرادهم أن كل ما ~~سوى الله فهو فعله أي مفعوله وعلى قول ms002 هؤلاء PageV01P317 ~~فلا فرق بين فعل الرسول وغيره وليس في كون الله خالقا لشيء تفضيل لذلك ~~المخلوق على غيره فإن الله خالق كل شيء # كذلك على قول الجهور الذين يقولون إن أفعال العباد مفعولة له مخلوقه له ~~ليست فعله بل هي فعل الفاعلين والله تعالى خالق الفاعل وفعله فعلى القولين ~~لا فضيلة في ذلك لمخلوق على مخلوق فلا تظن أن في هذا تشريفا لمقرب ولا رسول ~~ولا غيره # وهذا ما يبين به خطأ هؤلاء الجهال الذين لا يفرقون بين ما خلقه وقدره وما ~~أمر به وفرضه فجعل الله تعالى مبايعة الرسول مبايعة الله وطاعة الرسول طاعة ~~الله ليس من جهة خلق الله أفعال العباد والقيومية الشاملة للمخلوقات فإن ~~كونه خالقا لكل شيء وكونها بمشيئته وقدرته ليس فيها تفضيل مخلوق على مخلوق ~~إذ التفضيل إنما يكون PageV01P318 ~~بما به الاختصاص لا بما يشترك الجميع فيه # ومن جعل مبايعة الرسول مبايعة لله لأجل أن الله خالق كل شيء نظرا منه إلى ~~القيومية الشاملة لكل مخلوق لزمه أن يكون من بايع الكفار والفساق مبايعا ~~لله لأن الله خالق كل شيء فيكون هؤلاء قد جعلوا مبايعة خاتم الرسل صلوات ~~الله وسلامه عليه كمبايعة فرعون وأمثاله من المشركين وهذا يقع فيه كثير ممن ~~يلحظ القيومية الشاملة العامة المتناولة لكل مخلوق وهؤلاء من أكفر الخلق ~~ويجعلون هذا منافيا للأمر والنهي وهم من جنس الذين قالوا {لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا} إلى قوله {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون ~~إلا الظن} # وكذلك هؤلاء إنما يتبعون أهواءهم ولا يتكلمون بعلم فإن قولهم في غاية ~~المناقضة فإن الواحد من هؤلاء إذا آذاه غيره أو ظلمه PageV01P319 ~~قابله وعاقبة ولا يمكنه أن يعذره بالقدر ومشاهدة القيومية كما قد بسط ~~الكلام عليه في غير هذا الموضع # وجهة تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة كون الله تعالى أرسله مبلغا ~~لأمره ونهيه مبينا لما يحبه ويرضاه وما يبغضه ويسخطه فما أمر به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فالله أمر ms003 به وما نهى عنه فالله نهى عنه ومن بايعه وعاهده ~~وعاقده على أن يطيعه في الجهاد إذا أمره به وأن لا يفر أو على أن يقابل حتى ~~يموت كما بايعه المسلمون تحت الشجرة فهم معاهدون الله تعالى معاقدون له على ~~طاعته فيا أطاعوا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك الذين بايعوه قبل ~~ذلك ليلة العقبة لما بايعه الأنصار ولهذا قال تعالى: {واذكروا نعمة الله ~~عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} # فسمعهم وطاعتهم لا أمرهم ومعاهدتهم على ذلك هو سمع وطاعة PageV01P320 ~~لله تعالى ومعاهدة له وعهد الله إلى خلقه وهو أمره ونهيه الذي بلغته رسله ~~والتخصيص والتفضيل يظهر في الوفاء به ومتابعة الرسل ولهذا قال تعالى: ~~{وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} أي أوفوا بأمري أوف بوعدكم الذي وعدتكم على ~~الوفاء به فإن المبايعة والمعاهدة تتضمن المعاوضة من الجانبين فهم إذا ~~أوفوا بما عاهدوا الله عليه من الطاعة وفي الله تعالى بما عاهد عليه من ~~الأجر والثواب كما قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ~~ولنفسك ولأصحابك فقال: «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ولنفسي أن ~~تمنعوني مما تمنعون منه أبناءكم ونساءكم ولأصحابي أن تواسوهم» قالوا فإذا PageV01P321 ~~فعلنا ذلك فما لنا قال: «لكم الجنة» قالوا امدد يدك فوالله لا نقيلك ولا ~~نستقيلك PageV01P322 # فهم لما عاهدوه على هذا ليطيعوه فيه قد عاهدوا ربه عز وجل الذي أمرهم ~~بذلك والله تعالى هو الذي يوفي بعهدهم فيدخلهم الجنة # وفي الحديث الصحيح عن شداد بن أوس عن النبي أنه قال: «سيد الاستغفار أن ~~يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ~~ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي ~~فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها حين يصبح موقنا بها فمات من ~~يومه دخل الجنة ومن قالها حين يمسي موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة» PageV01P323 # فقوله وأنا على عهدك ووعدك ما ms004 استطعت أي على ما عهدته إلينا من طاعتك ~~ووعدك ما وعدتنا به من ثوابك أمتثل أمرك وأرجو وعدك # ومن المعلوم أن الإنسان لو استناب نائبا ووكل وكيلا في عقود كبيع وإجارة ~~ومزارعة ونحو ذلك لكان المعاقد للوكيل معاقدا لموكله بحيث إن وفى الموكل ~~فقد وفى للوكيل وإن غدر بالوكيل فقد غدر بالموكل والموكل عليه أن يوفي بما ~~عاقد عليه الوكيل والوكيل إذا استمر موكله في العقد تعلقت حقوق العقد ~~بالموكل وهل يكون الوكيل ضامنا على قولين معروفين هما روايتان عن أحمد PageV01P324 # ومن قال إن حقوق العقد تتعلق بالوكيل كما يحكى عن أبي حنيفة يقول إنها ~~بعد ذلك تنتقل إلى الموكل # ولهذا تنازعوا في المسلم إذا وكل ذميا في شراء الخمر فقال الجمهور لا يصح ~~لأن الملك يحصل للموكل والمسلم ليس له أن يملك الخمر وأبو حنيفة رحمه الله ~~تعالى يقول ملكها الذمي ابتداء ثم دخلت في ملك المسلم ضرورة كالميراث # وعلى كل تقدير فمآل الأمر إلى الموكل ومع هذا ففعل الوكيل متميز عن فعل ~~موكله وكلامه متميز عن كلامه ليس أحدهما هو الآخر ففعل المخلوق أشد مباينة ~~لفعل الخالق من مباينة فعل مخلوق لمخلوق # وإذا كان مبايعة الوكيل مبايعة للموكل مع تمييز الفعلين فالتمايز في ~~الخالق أولى ولو أرسل مرسل رسولا إلى شخص ليعاقده عقدا من العقود هدنة أو ~~نكاحا أو غير ذلك لكانت معاهدة الرسول معاهدة لمرسله مع تمييز أحد الفعلين ~~عن الآخر # ومع كون المرسل والرسول من جنس واحد ومع أنه يمكن أن PageV01P325 ~~يقيم الموكل وكيله مقامه في عامة أفعاله لأن الوكيل يفعل مثل ما يفعله ~~موكله وأما الرب سبحانه وتعالى فيمتنع أن يفعل أحد مثل فعله ويمتنع أن ~~يستخلف أحدا يقوم مقامه في فعله فإنه سبحانه وتعالى خالق فعل ذلك الشخص وهو ~~سبحانه وتعالى شاهد لا يغيب وهذا موضع غلط فيه طائفة من الناس فظنوا أن ~~الله سبحانه وتعالى يستخلف أحدا عن نفسه وادعى بعضهم أن آدم خليفة عن الله ~~في الأرض يقوم مقامه وأنه جمع له ms005 أسماءه الحسنى قالوا وهو معنى تعليمه ~~الأسماء كلها # وهذا قول أهل الحلول والاتحاد كابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله من أهل ~~الإلحاد وهذا جهل وكفر فإن الله تعالى هو الذي يخلق كل شيء ويدبر أمر ~~السماء والأرض وهو خالق آدم كما هو خالق سائر المخلوقات وهو شاهد لا يغيب PageV01P326 # والمخلوق يستخلف مخلوقا عن نفسه لعجزه أو جهله أو مغيبه وأفعال الخليفة ~~عن غيره يفعلها بنفسه لا يحدثها الذي استخلفه والله تعالى على كل شيء قدير ~~وهو بكل شيء عليم وهو شاهد لا يغيب وهو الذي يخلق كل شيء فالعبد يستخلف ربه ~~كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا سافر «اللهم أنت الصاحب في ~~السفر والخليفة في الأهل اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا» فإن ~~المقيم عند أهله هو يدبر أمر بيته فإذا سافر سأل الله أن يخلفه فيهم وكما ~~روي أنه سمع يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم قائلا يقول إن في الله عزاء ~~من كل هالك وعوضا PageV01P327 ~~من كل مصيبة وخلفا من كل ما فات فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من ~~حرم الثواب PageV01P328 # وكذلك العبد يخلف العبد في أهله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «من ~~جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا» # وقال صلى الله عليه وسلم في قصة ماعز «وكلما نفرنا في الغزو خلف أحدهم له PageV01P329 ~~نبيب كنبيب التيس يمنح أحداهن الكثبة من اللبن إن الله أمكنني من أحد منهم ~~لأجعلنه نكالا» # ومنه قوله تعالى {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} أي يخلف بعضهم بعضا # وكما قال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} # وقوله تعالى {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} # وداود عليه السلام جعله الله خليفة عن من كان قبله كما PageV01P330 ~~جاءت بذلك الآثار # ومنه قوله تعالى {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون} وقد قيل ~~إن من هنا للبدل أي بدلا منكم ms006 # كما قالوا في قوله تعالى {قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن} أي ~~بدلا من الرحمن وأنشدوا ** فليت لنا من ماء زمزم شربة ** مبردة باتت على ~~طهيات ** # وقالوا معناه بدلا من ماء زمزم # وفي حديث أبي سعيد الذي رواه مسلم في صحيحه إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله ~~مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة ~~بني إسرائيل كانت في النساء PageV01P331 # والمقصود هنا أن المخلوق يمكن أن يقيم مقامه من يفعل مثل فعله وأما الرب ~~فهذا ممتنع في حقه ممتنع لذاته أن يكون غير الله مماثلا له في ذاته أو ~~صفاته أو أفعاله فإن المثلين يجوز على أحدهما ما جاز على الآخر ويجب له ما ~~يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه # والرب حي قيوم غني صمد واجب بنفسه مستحق لصفات الكمال بنفسه ممتنع اتصافه ~~بنقائضها فإن كماله من لوازم ذاته الواجبة الوجود بنفسها التي يمتنع عدمها ~~أو عدم شيء من لوازمها والمخلوق يجب أن يكون معدوما محدثا فقيرا فلو تماثلا ~~للزم أن يكون كل منهما واجب الوجود واجب العدم قديما محدثا غنيا بنفسه ~~فقيرا بنفسه وذلك جمع بين النقيضين # وإذا كان المخلوق الذي يرسل من يماثله لا يكون فعله هو فعله PageV01P332 ~~فالخالق الذي يرسل بعض عباده أبعد أن يكون فعله هو فعله حتى تكون نفس بيعة ~~الرسول نفس بيعة المرسل فإذا كان خالقا لذلك الفعل وغيره من المخلوقات فهو ~~بهذا الاعتبار الاختصاص له والله تعالى قال {إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله} فإن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله وبيعته عن مرسله ~~ليست بيعة لنفسه والجزاء على مرسله ولهذا قال {ومن أوفى بما عاهد عليه الله ~~فسيؤتيه أجرا عظيما} # وأما استشهاده بقوله تعالى {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} فمن هذا ~~الجنس وهو قد سبقه إلى هذا المعنى الذي توهمه طائفة من الجهال وذلك أن الله ~~تعالى لم يضف الرمي هنا إلى نفسه لمجرد كونه خالقا لأفعال العباد فإن هذا ~~قدر مشترك بين ms007 رمي النبي صلى الله عليه وسلم وسائر أفعاله غير الرمي وبين ~~رمي غيره من الناس وبين أفعالهم فإن فعال العسكرين يوم بدر خلقها الله ~~تعالى كما خلق سائر أفعال الحيوان لو جاز أن يقال إن الله رمى لكونه خلق ~~حركة العبد لقيل إنه PageV01P333 ~~يكر ويفر ويركب ويعدو ويصوم ويطوف ونحو ذلك لكونه يخلق ذلك # وقد روي أن المحاصرين لعثمان رضي الله تعالى عنه كانوا يرمونه بالحجارة ~~فقال لم ترموني فقالوا لم نرمك ولكن الله رماك قال كذبتم لو رماني الله ~~لأصابني وأنتم ترمونني ولا تصيبونني وهو صادق في ذلك فإن الله تعالى لما ~~رمى قوم لوط وأصحاب الفيل أصابهم ولكنهم هم رموا عثمان # والله تعالى يقول {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أخذ حفنة من تراب أو غيره فرمى بها المشركين فأصابت عيونهم ~~وهزمهم الله تعالى بها ولم يكن في قدرة النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بل ~~الله تعالى أوصل ذلك إليهم PageV01P334 # والرمي له طرفان خذف بالمرمي ووصول إلى العدو ونكاية فيهم والنبي صلى ~~الله عليه وسلم فعل الأول والله فعل الثاني # والمعنى ما أوصلت الرمي إذ خذفته ولكن الله أوصله وهزمهم به فالذي أثبته ~~الله لنبيه غير الذي نفاه عنه وقد أثبت له رميا بقوله {إذ رميت} ونفى عنه ~~رميا بقوله {وما رميت} وكان هذا غير هذا لئلا يتناقض الكلام # ولو كان المراد كما ظنه هذا وأمثاله ممن يحتج بهذه الآية على أن الله ~~خالق أفعال العباد ويضحك المعتزلة وغيرهم من القدرية عليه إذا احتج بهذه ~~الآية ولو كان المراد لساغ أن يقال مثل هذا في جميع أفعال العباد فيقال ما ~~ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب وما ظننت إذ ظننت PageV01P335 ~~ولكن الله ظن وما أكلت إذ أكلت ولكن الله أكل لكان يقال لكل من رمى بالقوس ~~وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ويقال للكفار إذا رموا المسلمين ما رميتم ~~إذ رميتم ولكن الله رمى وأشباه هذا مما لا يقوله ms008 مسلم ولا عاقل # ثم إن الله تعالى ذكر هذه الآية لبيان نعمته على نبيه وعلى المؤمنين يوم ~~بدر وما أيدهم به من النصر فلو أريد كونه خالقا لفعله لكان هذا قدرا مشتركا ~~بين جميع الناس بل لا بد أن يكون لرميه خاصة يعجز عنها الخلق فعلها الله ~~تأييدا لنبيه ونصرا له وإنعاما عليه وعلى PageV01P336 ~~المؤمنين فتبين أن هذه الآية حجة عليه لا له كالأولى وأن الله تعالى فرق ~~بين فعل الخلق وفعل نفسه ولم ينزل أحدا منزلة نفسه في الأفعال # ومما يبين ذلك أن أفعال العباد لا يجوز أن تنفى عنهم باتفاق المسلمين من ~~قال إن الله تعالى خالقها ومن قال إنه لم يخلقها لا يجوز أن يقال هذا ما ~~أكل ولا شرب ولا قعد ولا ركب ولا طاف ولا ركع ولا سجد ولا صام ولا سعى ولكن ~~الله هو الذي أكل وشرب وقعد وركب وطاف وركع وسجد وصام وسعى # وسواء كانت الأفعال محمودة أو مذمومة وسواء كانت سببا لخرق العادة أم لا ~~فلا يقال إن موسى ما ضرب بعصاه البحر ولا الحجر ولكن الله ضرب ولا يقال إن ~~نوحا ما ركب في السفينة ولكن الله ركب ولا يقال إن المسيح ما ارتفع إلى ~~السماء بل الله ارتفع ولا يقال إن محمدا صلى الله عليه وسلم ما ركب البراق ~~بل الله ركب وأمثال هذا # فالفعل المختص بالمخلوق لا يضاف إلى الله تعالى إلا على بيان PageV01P337 ~~أن الله تعالى خلقه وجعل صاحبه فاعلا كقول الخليل عليه السلام {رب اجعلني ~~مقيم الصلاة ومن ذريتي} # وكما قال {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} # وقال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون} # وقال {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} # ولا يقال إن الله يقيم الصلاة ويدعو إلى النار ولا إنه قد أسلم # وقال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا} ولا يوصف الله تعالى بالهلع والجزع # وجماع الأمر أن الله عز وجل ms009 لا يوصف بمخلوقاته وهذه هي PageV01P338 ~~أدلة السلف وأهل السنة على أن كلام الله تعالى غير مخلوق قالوا # لأنه سبحانه لا يوصف بما خلقه في غيره فإذا خلق في غيره حركة أو طعما أو ~~ريحا أو لونا كالسواد والبياض لم يوصف بأنه هو المتحرك بها ولا بأنه متروح ~~أو أبيض أو أسود وإذا خلق في غيره كلاما لم يوصف بأنه هو المتكلم به # ويعبرون عن ذلك بأن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل ولم يعد ~~على غيره واشتق لذلك المحل منه اسم ولم يشتق لغيره فإذا خلق في محل حركة أو ~~علما أو قدرة كان ذلك المحل هو المتحرك العالم القادر لا الخالق لتلك الصفة فيه # وأورد المعتزلة نقضا على هذا صفات الأفعال فقالوا هو عادل بعدل خلقه في غيره PageV01P339 # فأجاب أئمة السلف رحمهم الله وجمهورهم بطرد الدليل بناء على أن الفعل غير ~~المفعول واستدل الإمام أحمد وغيره بقول النبي صلى الله عليه وسلم «أعوذ ~~بكلمات الله التامات» قالوا وهو لا يستعيذ بمخلوق وطرد هذا قوله «اللهم إني ~~أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك» فالنبي صلى الله عليه ~~وسلم استعاذ بمعافاته كما استعاذ برضاه وبكلماته # وهذا مذهب جمهور المسلمين أن الخلق غير المخلوق وهو المنقول عن السلف ~~والأئمة كما ذكره البخاري في كتاب خلق الأفعال وهو الذي ذكره البغوي صاحب ~~شرح السنة وهو الذي ذكره الكلاباذي أنه اعتقاد الصوفية وهو قول الكرامية ~~وكثير من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة وجهور أصحاب مالك والشافعي وأحمد لا من ~~وافق منهم الأشعري وغيره الذين يقولون الخلق هو المخلوق كما اختار ابن عقيل ~~وغيره وهو أول قول القاضي أبي يعلى ثم رجع عنه وهو اختيار أبي المعالي ~~الجويني وغيره وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن الله سبحانه PageV01P340 ~~وتعالى لا يوصف بالمخلوقات فلا يوصف بما خلقه في غيره من الصفات وإن كانت ~~صفات كمال فكيف يوصف بما خلقه في غيره من أفعال العباد ms010 وتجعل الأفعال ~~القائمة بالمخلوقات صفات له يشتق له منه أسماء فهذا مخالف لصريح المعقول ~~وصحيح المنقول مناقض للقواعد والأصول ولكن بعض من ناظر القدرية في هذا ~~المقام انحرف كما انحرف وقابل باطلا بباطل ورد بدعة ببدعة # والذين يصفون الله تعالى ببعض المخلوقات صنفان صنف غلطوا في الصفات وصنف ~~غلطوا في القدر # فالأول الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون إن كلام الله مخلوق ~~فوصفوه بما خلقه في غيره # وكذلك يقولون رضاه وغضبه هو ما يخلقه من الثواب والعقاب وإرادته خلقها لا ~~في محل كما تقوله المعتزلة من البصريين فيصفونه بمخلوقات بائنة عنه # والصنف الثاني الجهمية الجبرية الذين قالوا إن أفعال العباد نفس فعله ~~وفعله هو مفعوله كما يقوله الجهم بن صفوان وأتباعه كالأشعري ومن وافقه ~~وهؤلاء لم يثبتوا له فعلا قائما بنفسه غير المخلوقات PageV01P341 ~~المباينة له فإذا كان خالق أفعال العباد لزم أن تكون هي فعله ولا تكون فعلا ~~لغيره وحينئذ فالصفات الفعلية التي يصفون بها الرب مثل كونه خالقا ورازقا ~~وعادلا إنما تتصف عندهم فيها بمخلوقاته وتتصف أيضا عندهم بأفعال العباد كلها # فالجهم بن صفوان أعظم الناس وصفا له بمخلوقاته في كلامه وأفعال العباد ~~وغير ذلك والمعتزلة وافقوه في الكلام ونحوه من الصفات دون أفعال العباد ~~ووافقوه في فعله لغير أفعال العباد لكون أفعال العباد عندهم ليست فعلا له # فالجهية والمعتزلة متفقون على أنه يوصف بمخلوقاته لكن المعتزلة عندهم هو ~~خلق كلامه ورضاه وغضبه وإرادته فيوصف بها ولم يخلق أفعال العباد فلا يوصف ~~بها وأما جهم فعنده أنه خلق الجميع فلزمه أن يوصف بالجميع # والأشعري وافق جهما في المخلوقات من أفعال العباد وغيرها دون الكلام ~~والإرادة فإنهما عنده صفات تقوم بالله لكنه وافقه على أن المخلوق هو الخلق ~~وهو يصفه بالصفات الفعلية فوافقه على اتصافه PageV01P342 ~~بالمخلوق من هذا الوجه وصار هو والمعتزلة متقابلين هو ينكر عليهم قولهم في ~~الكلام والإرادة وأصاب في إنكاره عليهم وهم ينكرون عليه قوله في أن أفعال ~~العباد فعله وهم وإن أصابوا في هذا الإنكار لكنهم ms011 ينكرون أن يكون مخلوقا ~~وهذا منكر # والأشعري يثبت للعبد قدرة محدثة وكسبا ولكن يقول قدرته لا تأثير لها في ~~المقدور وما أثبته من الكسب لا يتحقق الفرق بينه وبين الفعل فكان حقيقة ~~قوله في أفعال العباد هو معنى قول جهم # وأما السلف وأئمة الفقهاء وأهل الحديث وجمهور المنتسبين إلى السنة وطوائف ~~من أهل الكلام من المرجئة والكرامية وغيرهم فسلموا من هذه الأقوال الفاسدة ~~ولم يصفوا الله بمخلوقاته وإنما وصفوه بما يقوم به من صفاته وأفعاله # وأما الحلولية الذين يصفونه ببعض أفعال المخلوقات كما تقوله النصارى في ~~المسيح والغالية في الأئمة والشيوخ والقائلون بالحلول العام كقول ابن عربي ~~** وكل كلام في الوجود كلامه ** سواء علينا نثره ونظامه ** # فهؤلاء فساد قولهم أظهر من هذا كله وقوله هذا المتخلف يرجع إلى PageV01P343 ~~قول هؤلاء وإن كان قد لا يلتزمه لو عرف أنه يلزمه # وأما الخبر الذي استشهد به من قوله استطعمتك فلفظه في الصحيح يقول الله ~~تعالى عبدي جعت فلم تطعمني فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول أما ~~علمت أن عبدي فلانا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي عبدي مرضت فلم تعدني ~~فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو ~~عدته لوجدتني عنده # وهذا الخبر ليس فيه فعل للعبد وإنما فيه جوعه ومرضه ولكن ظن أن لفظة ~~استطعمتك وأنه جعل استطعام العبد استطعام الرب # وأيضا فالخبر مقيد لم يطلق الخطاب إطلاقا وإنما بين أن عبده هو الذي مرض ~~وهو الذي جاع وقال لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ولم يقل لوجدتني أكلته وقال لو ~~عدته لوجدتني عنده ولم يقل لوجدتني إياه 2 # والحديث خطاب مفسر مبين أن الرب عز وجل ليس هو العبد ولا صفته صفته ولا ~~فعله فعله أكثر ما فيه استعمال لفظ الجوع والمرض PageV01P344 ~~مقيدا مبينا للمراد فلم يطلق الخطاب إطلاقا # وأيضا فقد علم المخاطب أن الرب تعالى لا يجوع ولا يمرض فلم يكن فيه تلبيس ~~لا من جهة السمع ولا من جهة العقل ms012 بل المتكلم بين فيه مراده والمستمع له لم ~~يشتبه عليه بخلاف ما إذا أضيف لفعل العبد الذي يمكن منه الفعل والفعل قد ~~قام به فإنه إذا جعل فعله فعل الرب لم يعقل هذا إلا إذا أريد أنه خالقه ~~وإذا أريد ذلك فالصواب أن يقال فعل العبد مخلوق للرب تعالى ومفعول له لا ~~يطلق أنه فعله لما فيه من التلبيس ولما فيه من نفي فعل الرب ولما فيه من ~~نفي كون العبد فاعلا # ثم إنه لا فرق في ذلك بين المقربين وغير المقربين بهذا الاعتبار بل قال ~~الله تعالى {أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} كما قال تعالى: ~~{إنا أرسلنا نوحا إلى قومه} ونوح عليه السلام محمود مقرب والشياطين أعداء الله PageV01P345 # وقال تعالى: {بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد} # كما قال تعالى: {بعث في الأميين رسولا منهم} # وقال {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله} # وكما أنه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فيخرج المؤمن من الكافر ~~ويخرج الكافر من المؤمن وقد خلق المؤمن والكافر والبر والفاجر وخلق الدواب ~~والنبات كلها طيبها وخبيثها فجهة الخلق عامة شاملة فلو كان قوله {يبايعونك} ~~وقوله {ولكن الله رمى} من الخلق الشامل والقيومية العامة للزم أن يقال مثل ~~ذلك في كل مبايع ورام وإن كان من الكافرين ولم يكن في ذلك خاصة لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم ولا فضل له على أحد المخلوقين # وأما حديث الأولياء فليس من هذا الباب بالكلية وإنما فيه PageV01P346 ~~فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي لم يقل أنا أسمع وأنا أبصر ولا أنا ~~أبطش ولا أنا أمشي # وقد صرح بالفرق فيه بين الرب والعبد من وجوه متعددة كقوله من عادى لي ~~وليا فقد بارزني بالمحاربة ففرق بين نفسه ووليه وعدوه ووليه ثم قال ما تقرب ~~إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ففرق بين المتقرب والمتقرب إليه ثم قال ~~فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به إلى آخره فلم يقل كنت إياه ولا ms013 فيه أن ~~فعل أحدهما هو فعل الآخر ولكن أخبر أن إحسان العبد وفعله يقع به لأن العبد ~~إذا صار موافقا لله فيما يحبه ويرضاه يحب ما يحب ويبغض ما يبغض ويرضى بما ~~يرضى ويأمر ما يأمر وينهى عما ينهى صار الإيمان به ومعرفته وتوحيده في قلبه ~~فإحساسه وأفعاله تقع به # وهذا ما في القلب نظير قوله في ما في اللسان أنا مع عبدي ما PageV01P347 ~~ذكرني وتحركت بي شفتاه فقال تحركت بي وإنما تتحرك باسمه PageV01P348 ~~كذلك قوله فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي أي بما في قلبه من الإيمان ~~بي وقد يسمى هذا المثال العلمي وهذا كثير في الكلام كقول القائل: # ساكن في القلب يعمره ** لست أنساه فأذكره # وقال الآخر: # ومن عجبي أني أحن إليهم ** وأسأل عنهم من لقيت وهم معي # وتطلبهم عيني وهم في سوادها ** ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي. # وقد يسمى هذا حلولا لحلول معرفته ومحبته في العارف المحب وقد غلط بعض ~~الناس فظن أن ذات المعلوم المحبوب محل وهذا PageV01P349 ~~غلط كما غلط من قال بحلول ذات الرب سبحانه وتعالى في بعض عبيده كالنصارى ~~ومن ضاهاهم من غلاة الشيعة وجهال الصوفية # الوجه الثاني قوله فإذا غلب على المقرب شهود القيومية ورؤية التوحيد كما ~~جاء في مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه نطق برد الأشياء إلى خالقها ~~وغلب ذلك على نطقه PageV01P350 # فيقال مشهد القيومية يشهد فيه أن الله خالق كل شيء وهذا الشهود العام ~~يتناول ما دخل من إيمان وكفر # وأما الإحسان الذي فيه أن تعبد الله كأنك تراه فهذا مقام من يميز بين ~~المحظور والمأمور فإن العبد إذا صار كأنه يشاهد ربه فعل ما أمر به وترك ما ~~نهى عنه ووالى أولياءه وعادى أعداءه وهذا مشهد الإلهية الذي دعت إليه الرسل ~~حيث أمروا بعبادة الله وحده وطاعته وليس هذا هو مشهد القيومية ولكن من هو ~~أكبر من هذا الرجل غلطوا في هذا فغلط مثل هذا لا ينكر لا سيما كثير من ~~الشيوخ المعظمين عند هذا وأمثاله ms014 فإنهم لا يفرقون بين هذا وهذا بل يعدون ~~نهاية العارفين الفناء في توحيد الربوبية والاصطلام في شهود القدر الجاري # ويقول أحدهم إن مشاهدة العارف المنتهي في القربة لحكم الله الذي هو مشهد ~~مشيئته العامة لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح PageV01P351 ~~سيئة # وقد يقول أحدهم هذا العارف يكون الجمع في قلبه مشهودا والفرق على لسانه موجودا # ومرادهم بالجمع شهود القدر وهؤلاء غاية تحقيقهم شهود التوحيد الذي أقر به ~~عباد الأصنام فإن عباد الأصنام من العرب كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء ~~وربه ومليكه كما أخبر الله عنهم في القرآن في غير موضع كقوله {قل لمن الأرض ~~ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات ~~السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء ~~وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون} # وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} # وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم احتجوا في ذلك بقوله تعالى {سيقول الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما أشركنا} الآية وقد ظن طائفة من المثبتين للقدر أنهم ~~قالوا هذا على سبيل التكذيب بالقدر والاستهزاء به PageV01P352 ~~لقوله {كذلك كذب الذين من قبلهم} وبهذا أجاب القدرية لما احتججت عليهم بهذا الآية # وهذا غلط فإن العرب كلهم كانوا يثبتون القدر ويقرون أن الله خالق كل شيء ~~وربه ومليكه فلم يكونوا مكذبين بذلك ولا ذمهم الله سبحانه على التكذيب ~~بالقدر بل على الاحتجاج به على إبطال الأمر والنهي # وقوله {كذلك كذب الذين من قبلهم} أي كذبوا بالأمر والنهي الذي جاءت به ~~الرسل فإن هذا هو تكذيب الذين من قبلهم الذي ذكر الله في القرآن ولهذا قال ~~{قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} أي فإن المحتج بالقدر لا يحتج به إلا إذا ~~لم يكن عنده علم بل يتبع هواه فإنها حجة متناقضة إذ لو احتج عليه بالقدر ~~لما قبل هو ذلك منه وهذا مبسوط في ms015 غير هذا الموضع # فمن كان غاية توحيده شهود القيومية والربوبية العامة كان قد شهد ما أقر ~~به المشركون ولم يكن قد شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإنما ~~يشهد ذلك من شهد الفرق بين المأمور والمحظور وبين أولياء الله وأعدائه وبين ~~توحيده والإشراك به وعبد الله كأنه يراه وهذا شهد الفرق في الجمع فهو مع ~~شهوده القيومية يشهد أنه الإله المستحق PageV01P353 ~~للعبادة دون ما سواه ووجوب طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وموالاة أوليائه ~~ومعاداة أعدائه ويستعينه على فعل ما أمر وترك ما حظر وشهوده أنه خلق ~~الملائكة والشياطين لا يحجبه عن أن يشهد أن الملائكة والأولياء والشياطين ~~أعداد وكذلك شهوده أنه خالق أفعال العباد لا يحجبه عن أن يشهد أنه يحب ~~الإيمان والعمل الصالح ويرضاه ويكرم أهله ويقربهم إليه وينهى عن الكفر ~~والفسوق والعصيان ويمقت أهله ويعاقبهم فمن غلط هذا ظن أن مجرد شهود ~~القيومية هو شهود المقربين وظن أن هذا هو عبادة الرب كأنه يراه # ومن هؤلاء من يظن أن من شهد القيومية سقط عنه الملام ومنهم من يقول إن ~~الخضر سقط عنه الملام لشهوده القيومية # وهذا كله باطل وطرد هذا القول يجر إلى شر من أقوال اليهود والنصارى فإن ~~اليهود والنصارى يميزون في الجملة بين أمور منكرة كما يميزون بين الصدق ~~والعدل وبين الكذب والظلم وهؤلاء إذا شهدوا القيومية العامة لم يميزوا بين ~~المعروف والمنكر ولا بين الصدق والكذب والعدل والظلم فهم في هذا النفي لا ~~يثبتون بل يميزون تمييزا طبيعيا لا شرعيا فيفرق أحدهم بين ما هواه وبين ما ~~لا يهواه فيطلب هذا PageV01P354 ~~وينفر عن هذا ويمدح من وافق غرضه ويذم من خالف غرضه ولهذا كان هؤلاء نهاية ~~سلوكهم هو الفناء والجمع والاصطلام لا يحبون ما أحب الله ولا يبغضون ما ~~أبغض الله فإن الإرادة والمحبة والرضى سواء عندهم كما تقوله القدرية من ~~المعتزلة وغيرهم لكن أولئك قالوا لا يحب الكفر والفسوق والعصيان فلا يريده ~~فيكون ما يقع من ذلك بدون مشيئته ms016 وقدرته فيكون ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون # وقال هؤلاء هو أراد الكفر والفسوق والعصيان فهو يحب ذلك ويرضاه وإن كان ~~لا يريده دينا بل يريد تنعيم من أطاعه وتعذيب من عصاه # ثم قال هؤلاء هذا الفرق يعود إلى حظوظ أنفسهم فالعارف الفاني عن حظوظه في ~~شهود قيوميته لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة ثم قالوا والأنبياء والصديقون ~~يقومون بالفرق لأجل العامة رحمة بهم # وهذا عندهم من التلبيس الذي أمرت به الخاصة وهم يبطنون خلاف ما يظهرون ~~فإنه يكون الجمع في قلوبهم مشهودا والفرق في ألسنتهم موجودا فالقائم بالفرق ~~عندهم لا يكون إلا واقفا مع حظه ملبسا بإيمانه لأجل غيره إذا لا فرق ~~بالنسبة إلى الله تعالى عندهم PageV01P355 # ومن عرف ما جاءت به الرسل من إثبات محبة الله تعالى ورضاه وفرحه بتوبة ~~التائبين وسخطه وغضبه ومقته لمن عصاه وعرف أن الفرق ثابت بالنسبة إلى مع ~~شمول المشيئة لكل واقع صار على ملة إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا فأحب ~~الله وأحب ما يحبه الله كان متابعا لما أمر الله تعالى به وأحبه ورضيه ولم ~~يكن مع مجرد الإرادة فإن هؤلاء دخلوا بإرادة أنفسهم فانتهوا إلى الإرادة ~~الخلقية # ومن دخل بالإرادة التي هي أمر الله ونهيه مصدقا لما أخبر به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من الفرق الثابت في كتاب الله وأفعاله كان على دين الإسلام ~~الذي أرسل الله به رسله وأنزل كتبه على ملة إبراهيم عليه السلام ودين محمد ~~صلى الله عليه وسلم # ومن لم يقل بالفرق في نفس الأمر فإنه خارج عن حقيقة الإيمان كما أنه خارج ~~عن شريعة الإسلام فليس معه حقيقة إيمانية ولا شريعة إسلامية وإنما معه ~~حقيقة خلقية قدرية أقر بها عباد الأصنام الذين هم مشركون وذلك أن شهود ~~القيومية بلا جمع ممتنع طبعا وشرعا فمن لم PageV01P356 ~~يشهد الفرق الشرعي الإلهي وإلا كان مع الفرق الطبيعي النفساني أو مع فرق ~~آخر شيطاني فمن لم يعبد الرحمن عبد الشيطان {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطانا ms017 فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا ~~جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} وذكر الرحمن يراد ~~به الذكر الذي أنزله الله تعالى كما قال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن ~~اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} # فمن أعرض عن هدى الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه فلم يفرق بين ما ~~أمر الله به وما نهى عنه كان معرضا عن ذكره المنزل فيقيض له شيطانا يصده عن ~~سبيل الله فيفرق بمجرد هواه ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله PageV01P357 # ولو كان مثل هذا ذاكرا لله ولم يشهد إلا القيومية العامة لم يشهد ما جاء ~~به الكتاب المنزل من الفرق فإنه يكون من أعظم أتباع الشياطين ولهذا يوجد ~~الشيوخ والعباد والزهاد من هؤلاء يتبعون شياطين الإنس والجن فيكون أحدهم من ~~خفراء الكفار وأعوانهم ومنهم من يحسن الظن بالكفار وأعوانهم ونظرائهم ~~فيحسبهم من أولياء الله المتقين لا سيما إن رأى من الأحوال الشيطانية ما ~~يقويه مثل أن يخبره ببعض الغائبات أو يحصل له نوع من التصرفات فيطير به ~~الشيطان في الهواء ويحضر له طعاما وغير ذلك كما كان يحصل لعباد الأصنام مع ~~الشياطين # وهذا التوحيد توحيد الربوبية العامة كان المشركون يقرون به فهو وحده لا ~~ينجي من النار ولا يدخل الجنة بل التوحيد المنجي شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله بحيث يقر بأن الله سبحانه هو المستحق للعبادة دون ما ~~سواه وأن محمدا رسوله فمن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن عصى الرسول فقد عصى ~~الله فيحل ما حلله الله ورسوله ويحرم ما حرمه الله ورسوله ويأمر بما أمر ~~الله به ورسوله وينهى PageV01P358 ~~عما نهى الله عنه ورسوله # وهذا المقام غلط فيه كثير من السالكين لم يميزوا بين ms018 الأول والثاني من ~~توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية ولو طردوا قولهم لخرجوا عن الدين كما تخرج ~~الشعرة من العجين وإنما طرده حذاق الملحدين منهم الذين يقولون السالك يشهد ~~أولا طاعة ومعصية ثم ثانيا يشهد طاعة بلا معصية وهو شهود القيومية ثم لا ~~تبقى طاعة ولا معصية وهو مشهد الوحدة عندهم ولهذا يقول بعض شيوخ هؤلاء أنا ~~كافر برب يعصى ويقول لو قتلت سبعين نبيا ما كنت مخطئا # ويقول الآخر وهو ابن عربي: # الرب حق والعبد حق ** يا ليت شعري من المكلف # إن قلت عبد فذاك ميت ** أو قلت رب أنى يكلف # والكلام مبسوط في غير هذا الموضع وإنما الغرض التنبيه على موضع الغلط ~~والاشتباه PageV01P359 # الوجه الثالث قوله إن المقرب إذا غلب عليه هذا نطق برد الأشياء إلى ~~خالقها وغلب ذلك على نطقه # فيقال سيد المقربين محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي قاتل الكفار وكان ~~يأمر بقطع يد السارق ورجم الزاني وجلد الشارب ويأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر ويحل الطيبات ويحرم الخبائث فلو غلب عليه مشهد القيومية وأن الأشياء ~~جميعها مخلوقة لله ولم يشهد ما فيها من الفرق لما كان ينبغي أن يأمر أحدا ~~ولا ينهى أحد اولا يقتل أحدا ولكان ينبغي أن يرد كفر الكافرين وفسق ~~الفاسقين إلى PageV01P360 ~~الخالق كما قال في قوله صلى الله عليه وسلم «ولكن الله حملكم» وبين أن يقال ~~والعياذ بالله تعالى ولكن الله كفر وزنى وسرق وشرب الخمر فهل يقول هذا مؤمن ~~أو عاقل # وقوله صلى الله عليه وسلم «ولكن الله حملكم» سنذكره إن شاء الله تعالى ~~وإلا فمشهد القيومية شامل لجميع الفعل وإن فرق بين خلق الله لحملهم ~~ولكلامهم ولفعلهم ولتكذيب المكذبين أفترى الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان ~~يشهد القيومية في بعض الأشياء وهو أعلم الخلق بالله ومشركو العرب كانوا ~~مقرين بأن الله رب كل شيء وهم يقرون بمشهد القيومية # الوجه الرابع أن يقال له من من المقربين كان يقف عند مشهد القيومية فيرد ~~جميع الأفعال إلى الخالق من غير أن يشهد ms019 أنها PageV01P361 ~~أفعال لفاعليها يستحقون عليها المدح والذم والثواب والعقاب # وهذا القرآن ينطق عن جميع الأنبياء والمرسلين وهم سادات المقربين بأنهم ~~كانوا يفرقون بين المعروف والمنكر والإيمان والكفر والتوحيد والشرك ويأمرون ~~بعبادة الله وحده وينهون عن عبادة ما سواه ولو لم يشهدوا إلا القيومية التي ~~ترد فيها الأفعال إلى خالقها لم يأمروا ولم ينهوا ولم يمدحوا يذموا فإن ~~العبد لا يأمر الله ولا ينهاه ولا يذمه ولا يعاقبه والأنبياء كلهم على شهود ~~الفرق ومدح المحسن وذم المسيء وإن كانوا مقرين بأن الله خالق كل شيء وربه ~~ومليكه فشهود القيومية العامة لا يناقض أن يفعلوا ما أمروا به وأن يأمروا ~~الخلق بعبادة الله وحده وينهوهم عن عبادة ما سواه بل عامة بني آدم من ~~المسلمين والكفار يقرون بالقدر وبهذه القيومية وهم مع هذا يثبتون الفرق بين ~~المطلوب والمرغوب ويمدحون من فعل ما يوافق مرادهم ويذمون من خالف ذلك ولا ~~يرون الإقرار بالقيومية مناقضا لذلك PageV01P362 # الوجه الخامس قوله فيكون المعنى حينئذ كما وردت به الآية أن البيعة وإن ~~كانت له في الصورة فهي مع ربه في المعنى وكذا ما كان من الرمي فكأنه يقول ~~الاستغاثة وإن وقعت بي فإني لست المستغاث به في المعنى إنما المستغاث به ~~الله عز وجل # فيقال قد تقدم بيان فساد أصل هذا الكلام # ثم نقول قوله هي مع ربه في المعنى أتريد به أن الله سبحانه وتعالى هو ~~المرسل له الذي أمره أن يبايعهم على الجهاد وأمرهم بالجهاد وهو الذي ثبتهم ~~على الوفاء أم تريد أن الله هو الذي خلق البيعة فإنه خالق كل شيء والقيومية ~~شاملة كل شيء أم تريد به معنى ثالثا # فإن أردت الأول فهو صحيح ولكن يناقض قولك فإن هذا مختص بمن يأمر بما أمر ~~الله به وينهى عما نهى الله عنه لم ينزل الله PageV01P363 ~~أحدا منزلة نفسه في الأفعال ولا جعل الله أفعال محمد صلى الله عليه وسلم ~~كصومه وصلاته وحجه واعتماره وجهاده ونكاحه وأكله وشربه ودعائه وتضرعه فعلا ~~له ولا جعل نفس ms020 مبايعته للمؤمنين فعلا له بل جعل المبايع له إنما يبايع ~~مرسله والجزاء عيله كما جعل من أطاعه فقد أطاع الله فهذا خاص ليس عاما في ~~كل أفعاله # وأيضا فلم يجعل هذا الفعل فعل الله بل أخبر أن محمدا رسول الله يبايع عنه ~~والمبايعة لمرسله في الأصل كما أن الطاعة طاعة لمرسله في الأصل وكما أن ~~معاملة الوكيل معاملة مع موكله وليس في هذا إسقاط فعل الوكيل عنه عن أن ~~يكون وكيلا وإنما فيه إثبات النيابة له عن غيره # وإن أردت أن الله خالق بيعته فهذا المعنى صحيح عند أهل السنة المثبتة ~~للقدر الذي هو خلق الله خلافا لنفاته ولكن إذا فسرت الآية بهذا سويت بين ~~الأنبياء والشياطين وبين آدم وإبليس وبين موسى وفرعون وبين أولياء الله ~~وأعدائه ولزمك أن تقول كفر الكافرين في الصورة ولربهم في المعنى أو لعنته ~~للكفار هي للكفار في الصورة ولربهم في المعنى # وأيضا فيقال لك المبايعة فيها فعل من الرسول وفعل من PageV01P364 ~~الصحابة فعلى هذا التقدير يلزمك أن يكون الله بايع في المعنى لأنه خالق ~~للأفعال وإلا فإذا جاز أن يقول البيعة له في الصورة ولربه في المعنى لكون ~~الله خالقه وخالق فعله لزمك أن تقول بيعته لهم بيعة لله في المعنى لأن الله ~~تعالى خلقهم وخلق أفعالهم ويلزمك على هذا التقدير أن تقول إن الذين بايعتهم ~~إنما بايعت الله وطرده أن من قاتل شخصا فإنما قاتل الله ومن بايعه فإنما ~~بايع الله بل يلزمهم أقبح من هذا وهو أن من لامسه أو جامعه أو ضاجعه فإنما ~~يفعل ذلك مع الله فإن أصل هذا القول أن الله لما كان خالقا لأفعال العباد ~~كان الفعل لهم في الصورة وله في المعنى وهذا عام في كل الأفعال الخير والشر ~~وإن أردت معنى ثالثا فبينه # الوجه السادس قوله البيعة وإن كانت في الصورة له فهي مع ربه في المعنى ~~إذا لم يرد معنى الإرسال والتبليغ المختص بالأمر والنهي كان مقتضاه أن ~~الرسول لم يفعل شيئا ولا بايع ولكن ms021 الرب سبحانه PageV01P365 ~~هو الذي فعل ذلك في المعنى وهذا وإن أريد به خلق الأفعال فقد تقدم بيان ~~بطلان إرادة ذلك هنا وإن أريد به خلق الحلول بأن يكون الرب سبحانه هو ~~المتكلم على لسان الرسول كما أن الجني يتكلم على لسان المصروع وفي الباطن ~~للجني فهذا هو الكفر الصريح وهذا مذهب النصارى # وهؤلاء يشبهون بالنصارى في كثير من أمورهم ولهذا سلط الله عليهم النصارى ~~يهينونهم كما أهانوا أهل هذا الشخص وأمثاله وكنت أقول لهم إن الله وعد ~~بنصره المؤمنين على الكافرين وأنتم مشابهون للنصارى وفيهم من هو أكفر من ~~النصارى وأعظم إلحادا ونفاقا من النصارى وكثير من بغضهم للنصارى إنما هو ~~لهوى وحظ كونهم لهم في الدنيا رياسة ومال كثير أكثر منهم لا يبغضونهم لأجل ~~كفرهم ودينهم إذ كانوا مشاركين لهم في كثير مهم منه وبعضهم أشد كفرا ونفاقا ~~من النصارى وبعض النصارى أكفر منهم وطائفة من شيوخهم يميلون إلى النصارى ~~أكثر من المسلمين ويأمرونهم بالبقاء على دينهم ويقولون إذا صرتم محققين على ~~طريقتنا فلا حاجة لكم إلى الإسلام بل دوموا على النصرانية PageV01P366 # ثم إن الآية يمتنع أن يراد بها الحلول فإنه قال {يد الله فوق أيديهم} ويد ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانت مع أيديهم لا فوقها فلم تكن يده يد الله ~~ولأنه قال {ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما} ولم يقل فإنك ~~تؤتيه وقال {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في ~~قلوبهم فأنزل السكينة عليهم} ولم يقل إنك أنت علمت ما في قلوبهم ولا أنزلت ~~السكينة عليهم # الوجه السابع قوله فكأنه يقول الاستغاثة وإن وقعت بي فإني لست المستغاث ~~به في المعنى وإنما المستغاث به الله فيقال إنه لم يقل لم تستغيثوا بي ~~وإنما استغثتم الله ولكن قال إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله وهذا نفي ~~للمستقبل لا للحاضر # الوجه الثامن إن يقال هذا الرجل فسر الاستغاثة بالتوسل كما تقدم قوله إن ~~كل من توسل إلى الله بنبيه في ms022 تفريج كربة فقد استغاث به سواء كانت بلفظ ~~الاستغاثة أو التوسل أو غيره # وقال قول القائل أتوسل إليك برسولك وأستغيث برسولك PageV01P367 ~~عندك أن تغفر لي استغاث بالرسول حقيقة في لغة جميع الأمة وهذا الكلام وإن ~~كان باطلا كما تقدم فالمقصود هنا أنه جعل الذي يسأل الله به مستغيثا به ~~وهنا قد جعل الاستغاثة بسؤاله فقد جعل المستغيث به مستغيثا بالله # فالمعنى لا يصح إذا أريد به السؤال به فإن الله تعالى هو مسؤول لا مسؤول ~~به وحينئذ فما قال في الاستغاثة به هنا يناقض ما تقدم إلا أن يجعل ~~الاستغاثة تعم النوعين فيلزمه أن يجعل كل من سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيئا فإنما سأل الله ويلزمه ذلك في غيره وحينئذ فيسأل المخلوق كما يسأل ~~الخالق وهذا لا يقوله عاقل فضلا عن مسلم # الوجه التاسع أنه لو صح هذا النفي والإثبات باعتبار القيومية لقيل هذا ~~لكل من كان كذلك # فيقال لمن بايع الناس كلهم وواجرهم وشاركهم إنك إنما بايعت الله وواجرت ~~الله وشاركت الله # ويقال للذي استغاث بموسى الذي قال الله تعالى فيه {فاستغاثه الذي من ~~شيعته على الذي من عدوه} إنه لم يستغث بموسى وإنما PageV01P368 ~~استغاث الله تعالى # ويقال لمن استنصر المؤمنين الذين قال الله تعالى فيهم {وإن استنصروكم في ~~الدين فعليكم النصر} إنما استنصروا الله والنصر على الله # ويقال في قوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى} واتقوا الله يعين # وقد خاطبني مرة شيخ من شيوخ هؤلاء الضلال لما قدم التتار آخر قدماتهم ~~وكنت أحرض الناس على جهادهم فقال لي هذا الشيخ أقاتل الله فقلت له هؤلاء ~~التتار هم الله وهم من شر الخلق هؤلاء إنما هم عباد الله خارجون عن دين ~~الله وإن قدر أنهم كما يقولون فالذي يقاتلهم هو الله ويكون الله يقاتل الله ~~وقول هذا الشيخ لازم لهذا وأمثاله # الوجه العاشر أن يقال إذا كان الأمر كما ذكرته من شهود PageV01P369 ~~القيومية فأي مدح في هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأي فائدة في هذا ms023 ~~القول أو ترى الصديق والصحابة ما كانوا يقرون بأن الله رب كل شيء ومليكه ~~وأن العبد لا يمكنه أن يفعل شيئا إلا بمشيئة الله وقدرته # الوجه الحادي عشر أن ما كان من هذا الباب لا يجوز فيه نفي الفعل عن العبد ~~فلأنه مكابرة للحس ولو على مذهب الجبرية بل إذا أريد نفي الواقع فلا بد من ~~قرينة تبين المراد والحديث مطلق ليس فيه قرينة # الوجه الثاني عشر وأما حديث أبي موسى الأشعري وقوله PageV01P370 ~~ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم لم يرد به النبي صلى الله عليه وسلم كون ~~الله خالق أفعال العباد فإن هذا يتناول هذا الفعل وغيره من الأفعال ومعلوم ~~أنه لم يقل لم أركب ولكن الله ركب ولم يقل ما جاهدت في سبيل الله ولكن الله ~~جاهد ولا سافرت ولكن الله سافر ونحو ذلك بل النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~سألوه أن يحملهم قال: «والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه» فلما ذهب ~~أبو موسى بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل فأمر فبعث منها ~~إلينا بخمس ذود غر الذرى فقلنا تغفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه ~~لا نفلح أبدا فرجعت PageV01P371 ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «ما أنا حملتكم ولكن الله ~~حملكم» فلما لم يكن منه قصد ولا قدرة صح أن يقول ما حملتكم لأني لم يكن ~~عندي ما أحملكم عليه ولكن الله حملكم بما يسره من الحمولة التي أتى بها ~~بغير فعل مني فنفى الحمل عن نفسه وأضافه إلى الله تعالى لأنه أراد به تيسير ~~الحمولة ولم يكن له في هذا فعل # ثم قال: «وإني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت ~~الذي هو خير وتحللتها» وقال لهم هذا لما قالوا إنك حلفت أن لا تحملنا وكان ~~قد قال: «ما عندي ما أحملكم عليه» فبين لهم أني حلفت للعسرة والعجز وأن ~~الله يسر بالحمولة فهو الذي حملكم ومع هذا فإني أحنث في ms024 يميني للمصلحة ~~الراجحة وأكفر # وهذا الكلام يتضمن إما جوابين من النبي صلى الله عليه وسلم كل منهما ~~مستقل وإما الجواب بأحدهما كأنه يقول أنا ما حملتكم وإن كنت حملتكم فأنا ~~أكفر وعلى الأول يقول الحمل الذي طلبتموه ما حصل مني بل من الله والحمل ~~الذي حلفت عليه أكفر عنه # الوجه الثالث عشر قوله فإن صح هذا الحديث لا يكون كما قال من جعل الصديق ~~بتأويله مخطئا من غير ضرورة بل يكون الحديث حثا على الاستغاثة به صلى الله ~~عليه وسلم فيقال أنت الذي جعلته مخطئا حيث PageV01P372 ~~قال إنه يستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم فنفى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما أثبته وقال ليس ههذا استغاثة بي بل بالله بل قولكم يستلزم تخطئة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم حيث جعلتم من طلب من مخلوق حاجة لم يطلبها منه وإنما ~~يطلبها من الله وهذا مكابرة للحس والشرع والعقل # وعلى ما قاله يجوز أن يقال لمن سأل كافرا حاجة واستغاث به ما سألته ولا ~~استغثت به ويكون من قال إنه سأل كافرا مخطئا وهذا كما أنه تخطئة منهم ~~للصديق فهي تخطئة لجميع عقلاء بني آدم من المسلمين والكفار # وأيضا فإنه لا يلزم على ما ذكر المجيب تخطئة أبي بكر الصديق فإن الصديق ~~قد يعتقد عن النبي صلى الله عليه وسلم في دفع ذلك المنافق بعض الأمور التي ~~يقدر عليها البشر فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس عندي في دفعه ~~حيلة بل يستغاث الله في أمره # ومن المعلوم أن المطلوب من النبي صلى الله عليه وسلم تارة يقدر عليه ~~وتارة لا يقدر PageV01P373 ~~عليه وقد يظن السائل أنه يقدر عليه ولا يكون قادرا وكان نساؤه يسألنه ~~النفقة أحيانا وليس عنده ما ينفق عليهن وسألته الأعراب حتى اضطروه إلى سمرة ~~فخطفت رداءه فقال ردوا علي ردائي فوالذي نفسي بيده لو أن عندي عدد هذه ~~العضاه نعما لقسمتها بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا PageV01P374 ~~وحقيقة قوله لا يستغاث بي وإن ms025 كان مراده الاستغاثة الكلية كما يقال لا ~~يستغاث بي ولا يتوكل علي ولا أدعى ولا أسأل ونحو ذلك فمراده النهي عن الطلب ~~الذي لا يفعله إلا الله تعالى كما نهى عن السجود له وكما نهى أن يقال ما ~~شاء الله وشاء محمد # وقال لمن قال ما شاء الله وشاء محمد ما روي عن ابن عباس قال قال رجل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت فقال: «أجعلتني لله ندا قل ما ~~شاء الله وحده» PageV01P375 # رواه النسائي وابن ماجة ورواه الإمام أحمد ولفظه أجعلتني لله عدلا بل ما ~~شاء الله وحده # الوجه الرابع عشر أنه إذا كان هذا حثا على الاستغاثة به بناء على ماذكرت ~~من شهود القيومية وتوحيد الربوبية وهذا عام لكل المخلوقات فينبغي أن يحث ~~على سؤال المخلوقين والرغبة إليهم لأن PageV01P376 ~~السائل لهم عنده لا يسألهم إنما يسأل الله تعالى كما أن المستغيث بمخلوق لا ~~يستغيث به إنما يستغيث بالله تعالى على زعمكم وهذا كثيرا ما يقع فيه هؤلاء ~~الإسماعيلية الاتحادية وأعرف منهم شخصا كان معظما وكان له حاجة إلى نصراني ~~فذهب إليه وخضع له وقبل يده ورجله وربما قبل نعله حتى قضى حاجته ثم جعل ~~يقول ما رأيت إلا الله وما كان ذلك الخضوع والتقبيل إلا لله عز وجل # وهؤلاء يصرحون في كتبهم بأن عباد العجل ما عبدوا إلا الله وعباد الأصنام ~~ما عبدوا إلا الله وعباد المسيح ما عبدوا إلا الله تعالى وعندهم من عبد كل ~~معبود كان محققا موحدا وإنما المقصر عندهم من عبد بعض المظاهر دون بعض ~~كالنصارى وعباد العجل واللات والعزى PageV01P377 # وفي كلام ابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله من هذا ألوان لكن هذا الرجل ~~وأمثاله لم يصلوا إلى الاتحاد بل وقفوا عند القدر وهو شهود القيومية ولكن ~~إذا جعلوا من استغاث بمخلوق فإنما استغاث بالله لأجل توحيد الربوبية وشهود ~~القيومية لزمهم أن من سجد لمخلوق لم يسجد إلا لله ومن عبد مخلوقا إنما عبد ~~الله ومن سأل مخلوقا إنما سأل الله # فإن ms026 قالوا الأعمال بالنيات # قيل لهم والذين قالوا نستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أنهم قصدوا PageV01P378 ~~غيره وأنتم جعلتم ذلك بمجرده استغاثة بالله لشهود القيومية وجعلتم النبي ~~أمر بالاستغاثة بالمخلوق لشهود القيومية فيلزمكم أن يكون الله ورسوله أمر ~~بسؤال المخلوق والاستغاثة بالمخلوق وعبادة المخلوق بالسجود لمخلوق والخوف ~~من المخلوق لأجل القيومية فيلزم أن يكون كل شرك حرمه الله تعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم قد أمر الله به ورسوله باعتبار القيومية لأن كل ما عبد من ~~دون الله فالقيومية تتناوله فإذا كان اعتبارا مسوغا لأن يعامل المخلوق ~~معاملة الخالق لزم أن يعامل المخلوقات كلها معاملة الخالق من دعاء وسؤال ~~يصلي لها ويسجد لها ويعبد PageV01P379 # الوجه الخامس عشر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن سؤال المخلوقين ~~لغير ضرورة ومدح من لا يسأل الناس شيئا فقال: «من سأل الناس وله ما يغنيه ~~جاءت مسألته كدوشا أو خموشا في وجهه يوم القيامة» PageV01P380 # وقال: «لا تزال المسألة بأحدهم حتى يأتي ليس في وجهه مزعة لحم» # وقال: «لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع» PageV01P381 # وقال أيضا في حديث قبيصة بن مخارق «إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة الغارم ~~والذي أصابته جائحة اجتاحت ماله والذي أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي ~~الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة» # وقال في صفة السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب «هم الذين لا ~~يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» وحديثهم في الصحيحين ~~فمدحهم على ترك الاسترقاء PageV01P382 # وقد روي في بعض ألفاظه لا يرقون ولم يذكره البخاري فإنه لا يثبت وإن رواه ~~مسلم ومعلوم أن المسترقي يقول لغيره ارقني فيطلب من غيره الرقية PageV01P383 # وإن كان شهود القيومية معتبرا في سؤال الخلق وجب أن يكون المسترقي إنما ~~سأل الله وكان يكون مأمورا بالاستغاثة بالخلق باعتبار مشهد القيومية وقد ~~قال الله تعالى {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب} # فإن كان مشهد القيومية معتبرا في هذا الباب كان كل ms027 من سأل مخلوقا فإنما ~~رغب إلى الله فلا ينهى عن ذلك بل يؤمر بالرغبة إلى الخالق والله تعالى قد ~~وصف الفقراء الممدوحين بأنهم لا يسألون الناس إلحافا وسواء كان المعنى أنهم ~~لا يسألون الناس أو يسألون الناس ولا يلحفون فإن كان مشهد القيومية معتبرا ~~هنا وجب أن يؤمر بسؤال الخلق والإلحاح في مسألتهم فإنهم إنما يلحفون في ~~مسألة الله تعالى والله يحب الملحين في الدعاء وهذا باب واسع # الوجه السادس عشر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مدح من لا يسأله وفضله PageV01P384 ~~على من يسأله بل ذم كثيرا من سأله فقال من سألنا أعطيناه ومن لم يسألنا فهو ~~أحب إلينا # وقال يسألني أحدهم المسألة ويخرج بها يتأبطها نارا قالوا PageV01P385 ~~يا رسول الله فلم تعطهم فقال: «يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل» # وقال والذي نفسي بيده ما من أحد يسألني شيئا فتخرج له المسألة ما لم أكن ~~أعطيه فيبارك له فيه # أو كما قال لحكيم بن حزام في الحديث الصحيح الذي أخرجاه في الصحيحين قال ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني ثم سألته فأعطاني PageV01P386 ~~ثم سألته فأعطاني ثم قال يا حكيم ما أنكر مسألتك إن هذا المال خضرة حلوة ~~فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان ~~كالذي يأكل ولا يشبع قال حكيم فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزا ~~أحد بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا هذا لفظ رواية البخاري # وفي رواية ولا تكون يد أحد من العرب فوق يدي أبدا # فكان أبو بكر وعمر يعطيانه حقه من بيت المال فلا يأخذه PageV01P387 ~~فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم على زعم هذا قد جعل من استغاث به فإنما ~~استغاث بالله وقد حضه على ذلك كمن سأل الله فيلزم أن يحض الناس على سؤاله ~~والأمر بالعكس بل مدح من لم يسأله وذم كثيرا ممن سأله # وأما الوجه الثاني وهو قوله إنه يصح أن يراد أنه لا يستغاث ms028 بي على وجه ~~التأثير والاقتدار إنما ذلك لله وفائدة التنبيه على ذلك أن لا يتعلق به صلى ~~الله عليه وسلم أحد في الانتصار به من جهة السببية الظاهرة كما يتعلق الناس ~~بالأسباب على الغفلة بل يكون تعلقهم بالنظر إلى جانب الربوبية فيه ومكانته ~~عند ربه فيكون ذلك كما قال من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس الخبر # فالجواب عنه من وجوه # أحدها أن هذا الذي ذكره موافق في المعني لما ذكره المجيب فإنه لا ريب أنه ~~يجوز أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أمورا ويستغاث به في أشياء بل يجوز ~~هذا في حق غير النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال في أول الجواب أجمع PageV01P388 ~~المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن ~~يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة ثم أهل السنة والجماعة ~~متفقون على ما اتفقت عليه الصحابة واستفاضت به السنن من أنه يشفع لأهل ~~الكبائر من أمته ويشفع أيضا لعموم الخلق وأجمعوا على أن الصحابة كانوا ~~يستشفعون به ويتوسلون به في حياته بحضرته كما في حديث عمر رضي الله تعالى ~~عنه اللهم إنا كنا نتوسل بنبينا فتسقينا # والذي ذكره عمر قد جاء مفسرا في سائر أحاديث الاستسقاء وهو من جنس ~~الاستشفاع به وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ويطلب من الله أن يقبل دعائه ~~وشفاعته فينا وأن يقدم بين أيدينا شافعا وسائلا بأبي هو وأمي صلى الله عليه ~~وسلم فقد بين أنه يجوز سؤاله والطلب منه وهو الاستغاثة ومعلوم أن هذا من ~~جملة الأسباب التي تفعل على جهة التسبب مع التوكل على الله تعالى عز وجل لا ~~يطلب من مخلوق شيء على جهة أنه مستقل بالقدرة والتأثير فإن الاستقلال من ~~خصائص الرب جل وعلا # وإذا كان هذا الوجه متفقا عليه فحمل الحديث عليه لا يضر وحينئذ فالمطلوب ~~منه إما أن يكون قادرا عليه وإما أن لا يكون قادرا فإن كان قادرا طلب على ~~هذا الوجه وإن لم يكن ms029 قادرا عليه طلب من الله PageV01P389 ~~ولا منافاة بين المعنيين لكن ظاهر لفظ الحديث إن صح يقتضي أنه لم يكن قادرا ~~على دفع ضرر ذلك المنافق وأنه أمرهم أن يستغيثوا فيه بالله تعالى # الوجه الثاني أن يقال الأسباب المخلوقة ولمشروعة لا تنكر والأسباب ~~المشروعة تفعل مع التوكل على الله تعالى لكن لم قلتم إن الاستغاثة بمخلوق ~~فيما لا يقدر عليه إلا الخالق هو من الأسباب المشروعة والكلام إنما هو في ~~هذا وهذا هو الذي نهى عنه # فالجواب حيث قيل فأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من ~~الله تعالى لا يطلب ذلك لا من الملائكة ولا من غيرهم فلا يجوز أن يقال لغير ~~الله اغفر لنا واسقنا الغيث وانصرنا على القوم الكافرين أو اهد قلوبنا ونحو ~~ذلك ثم ذكر الحديث المذكور فبين أن المنهي عنه أن يطلب من المخلوق ما لا ~~يقدر عليه إلا الخالق # والطالب من النبي صلى الله عليه وسلم قد يظن أنه يقدر على قضاء حاجته ولا ~~يكون كذلك كما كان سأله الناس إما نساؤه وإما غيرهن ما ليس عنده وكما كان ~~الناس يأتونه في غزوة تبوك ليحملهم فلا يجد ما يحملهم عليه PageV01P390 ~~قال تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ~~تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} وكما سأله أبو موسى ~~الأشعري وأصحابه الأشعريون أن يحملهم فقال والله ما أحملكم وما عندي ما ~~أحملكم عليه وكان هؤلاء الأشعريون من خيار الصحابة ظنوه قادرا على حاجتهم ~~ولم يكن كذلك # وفي الصحيحين أن فاطمة ابنته جاءت تسأله خادما فأتاها بعد أن نامت هي ~~وعلي رضي ا لله عنهما فعلمها أن تسبح وتحمد وتكبر وقال ذلك خير لك من خادم ~~ولم يعطها # وقد قال الله تعالى {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر ~~تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا وإما ~~تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم ms030 قولا ميسورا} فأمر الله ~~تعالى إذا لم يجد ما يعطي السائل أن يقول له قولا PageV01P391 ~~ميسورا # وفي صفته أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه طالب حاجة لم يرده إلا بها ~~أو بميسور من القول # وقد قال تعالى: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى} وقال تعالى: ~~{فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر} # ولما قدم عليه وفد هوازن مسلمين سألوه أن يرد عليهم السبي والمال فقال: ~~«أحب الحديث إلي أصدقه ومعي من ترون فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي ~~وأما المال» # فهو تارة يسأل ما يقدر عليه وتارة يسأل ما لا يقدر عليه # فهذا الحديث إن كان صحيحا فقد سأله بعض أصحابه أن PageV01P392 ~~يدفع عنهم ضرر ذلك المنافق فأخرهم أنه لا يقدر عليه بل يطلب ذلك من الله تعالى # كما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه أبو عبيدة بن الجراح عام ~~اليرموك يستنصره على الكفار ويخبره أنه قد نزل بهم جموع لا طاقة لهم بها ~~فلما وصل كتابه بكى الناس وكان من أشدهم عبد الرحمن بن عوف وأشار علي عمر ~~أن يخرج بالناس فرأى عمر أن ذلك لا يمكن وكتب إلى أبي عبيدة مهما ينزل ~~بامرئ مسلم من شدة فينزلها بالله يجعل الله له فرجا ومخرجا فإذا جاءك كتابي ~~هذا فاستعن بالله وقاتلهم فأخبره أنه لا يمكنه أن يعاونه في هذه PageV01P393 ~~القضية وأمره أن يستعين بالله وإن كان قد يمكنه أن يعينه # الوجه الثالث أنه لو أريد هذا المعنى لقيل ما يدل على هذا المعنى مثل أن ~~يقال توكلوا علي وأنا أغيثكم ولم يقل إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ~~فإنه قد نفى وأثبت بكلام مطلق وليس في الباب ما يدل على ما ذكر # ويظهر هذا بالوجه الرابع وهو أن أبا بكر وغيره من الصحابة أعلم بالله من ~~أن يظنوا أنه يستقل بالإبداع والاختراع فمن حمل الحديث على PageV01P394 ~~هذا فقد نسب الصديق رضي الله عنه إلى غاية الضلال أين من ينزه الصديق من ms031 ~~الخطأ ومن ينسبه إلى هذا # والنبي صلى الله عليه وسلم نفى وأثبت وإن كان ما نفاه لم يخطر بقلوبهم ~~فأي حاجة إلى نفيه # وإن قيل إنهم ظنوه فذلك بهتان عظيم بخلاف ظنهم أنه يقدر على دفع المكروه ~~فإن هذا الظن قد كان يقع منهم كثيرا # وقد يكون الأمر كما يظنه الظان فليس فيه قدح لا في الصحابة رضي الله عنهم ~~ولا في الرسول بخلاف من يقول لا تعتقدوا في أني مثل الله أقدر وأستقل ~~بالتأثير كما يفعله الله فإن هذا المعنى لا يظنه به من هو دون الصحابة فكيف ~~يظنونه هم # ومن أراد أن يأمر غيره بالتوكل مع السبب المأمور به لا ينهاه عن السبب بل ~~يقول له كما قال اعقلها وتوكل وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في PageV01P395 ~~PageV01P396 # الحديث الصحيح احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وكما قال تعالى: ~~{فإذا عزمت فتوكل على الله} وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لمن ~~يبعثه في السرايا «ادعهم إلى الإسلام ثم الهجرة وإلا فالجزية فإن أجابوك ~~وإلا فاستعن بالله وقاتلهم» لا يقال في مثل PageV01P397 ~~هذا ولا يقاتل ولا تحرص على ما ينفعك # الوجه الخامس أن الحديث الذي ذكره حجة عليه وهو حديث ابن مسعود رضي الله ~~تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نزلت به فاقة فأنزلها ~~بالناس لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله أوشك له بالغنى إما بموت عاجل أو غنى عاجل» PageV01P398 # رواه أبو داود والترمذي وصححه # فإنزال الفاقة بالناس أن يشكو إليهم يترك الشكوى إلى الله فلو كانت ~~الاستغاثة بالمخلوق جائزة لجاز إنزالها بالناس وقد قال يعقوب عليه السلام ~~{إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} PageV01P399 # وقال تعالى: {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب} # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما «إذا سألت فسأل ~~الله وإذا استعنت فاستعن بالله» # ورأى الفضيل بن عياض رجلا يشكو إلى رجل فقال يا هذا أتشكو من يرحمك إلى ~~من لا يرحمك # وقال بعضهم ms032 ذكر الله الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل فالصبر ~~الجميل الذي ليس فيه شكوى إلى المخلوق والهجر الجميل الذي ليس فيه أذى ~~والصفح الجميل الذي ليس فيه عتاب # وأما قوله المراد بالخبر التنبيه على الرجوع إلى الله تعالى بالقلب لا ~~ترك السبب بل أن يذكر الله تعالى في ذلك السبب PageV01P400 # فيقال الأسباب نوعان # سبب مأمور به فهذا طاعة وعبادة لله كطلب الرزق بالصناعة والتجارة 2 وكدفع ~~العدو بالقتال والأكل عن الجوع واللباس عند البرد فهذا ليس فيه إنزال ~~الفاقة بهم ولا شكوى إليهم # وأما نفس سؤال الناس فسؤالهم في الأصل محرم بالنصوص المحرمة له وإنما ~~يباح عند الضرورة # وتنازع العلماء هل يجب سؤالهم عند الضرورة # فالمنصوص عن أحمد أنه لا يجب سؤال الخلق مع إيجابه مع غيره من الأئمة ~~الأربعة وغيرهم الأكل من الميتة عن الضرورة فإن الله سبحانه وتعالى لم يوجب ~~سؤال الخلق بل قد وصى النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أصحابه أن لا ~~يسألوا الناس شيئا وكان أحدهم إذا سقط سوطه لا يقول لأحد ناولني إياه منهم ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه PageV01P401 ~~وصاحب الفاقة إذا أنزلها بالله تعالى أنزلها بالغني الملي العليم القدير ~~إذا سأل الله تعالى # وقيل يجب السؤال وهذا منقول عن الثوري وهو اختيار أبي الفرج ابن الجوزي ~~وعلى هذا قال قائل يسأل الناس ما يجب عليهم أن يعطوه إياه إما من الزكاة ~~وإما من غيرها فإن إطعام الجائع فرض على الكفاية من الناس كما ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عودوا المريض وأطعموا الجائع ~~وفكوا العاني» # وقد جاء في الحديث «لو صدق السائل ما أفلح من رده» PageV01P402 ~~PageV01P403 # ونقل المروزي عن أحمد أنه إذا علم صدق السائل وجب أن يعطيه قال تعالى: ~~{والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} PageV01P404 # وإذا كان يسألهم ما أوجب الله تعالى عليهم كان بمنزلة أن يسأل ذا السلطان ~~أن يعطيه حقه الذي جعل الله له في المال وسؤال ذي السلطان جائز كمن سأل ms033 ~~المودع أن يرد عليه وديعته وأن يعطيه حقه من الميراث والمغنم أو نحو ذلك # وعلى هذا فليس للسائل أن يسال من لا فضل عنده وليس له أن يعتدي في السؤال ~~على الناس وليس له أن يجزع ويعدل عن الصبر الجميل وعليه أن يرغب إلى الله ~~تعالى ويتوكل عليه وحينئذ فلا يكون قد أنزلها بالناس مع أن القول الأول وهو ~~عدم وجوب السؤال أظهر فإن النصوص تقتضي أن ترك سؤال الخلق أفضل مطلقا ولهذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفة السبعين ألفا «هم الذين لا يسترقون» PageV01P405 # والمسترقي يطلب الرقية والدعاء من الراقي وقد قال تعالى: {ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} فقد ~~بين أنه كافي من توكل عليه وأنه لا بد أن يرزق المتقي من حيث لا يحتسب ~~والميتة رزق ساقه الله إليه عند الضرورة فليس له أن يمتنع من أكله فيعين ~~على قتل نفسه ولو أتاه مال من غير مسألة ولا إشراف نفس أخذه # وهذا كله يدل على أن سؤال الخلق والاستغاثة بهم حرام في الأصل لا يباح ~~إلا لضرورة وهو في الأظهر أشد تحريما من الميتة فكيف يقال إنه مأمور به ~~فيما لا يقدر عليه الخلق وهو قال أحد إن سؤال المخلوق والاستغاثة به فيما ~~لا يقدر عليه إلا الله تعالى مأمور به أو مباح # ومن هنا يظهر الوجه السادس قوله والمراد به التنبيه على الرجوع إلى الله ~~تعالى بالقلب لا بترك السبب بل أن يذكر الله تعالى في ذلك PageV01P406 ~~السبب # فيقال له هذا إنما يصح إذا كان السبب مشروعا فإن السبب المشروع 2 لا ~~ينافي التوكل والكلام هنا فيمن يستغيث بالخلق فيما لا يقدر عليه إلا الله ~~كما قيل في الجواب فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يجوز أن يطلب ~~إلا من الله تعالى لا يطلب ذلك لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم # ومعلوم أن سؤال الخلق مثل هذا ms034 باطل شرعا وعقلا # فمن الذي جعل هذا من الأسباب الشرعية # ومن قال أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن عنده شيء يعطيه فينبغي ~~للإنسان أن يسأله ويستغيث به وإذا لم يمكنه دفع العدو ينبغي للإنسان أن ~~يسأله ويستغيث به في ذلك # وقد تقدمت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان يمدح من لا يسأله ~~مطلقا ويذم من يسأله ما لا يحب أن يعطيه ويذم من يسأله ما لا يقدر عليه ~~فسؤاله والاستغاثة في ذلك أذى وعدوان عليه يحرم فعله معه صلى الله عليه ~~وسلم أعظم مما يحرم أذى غيره والعدوان عليه مع ما فيه من الشرك والجزع PageV01P407 # وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم نهوا أن يسألوه كما ثبت في الصحيح عن ~~أنس رضي الله عنه قال نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ~~يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع وقد قال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} # هذا وإن كان في سؤال العلم أحيانا فسؤال الدنيا أولى # وقد ذم من كان يسأل الرسل الآيات قال تعالى: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم ~~كما سئل موسى من قبل} وقال تعالى: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا ~~من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} PageV01P408 # ولو كان يجوز السؤال والاستغاثة به في كل ما يسأل الله ويستغاث به فيه ~~كما قال هؤلاء المفترون إنه تجوز الاستغاثة به وبغيره من الصالحين في كل ما ~~يستغاث الله فيه لم يحرم من مسألته إلا ما يحرم من مسألة الله تعالى # والعبد يجوز أن يسأل الله الرزق والعافية والنصر على الأعداء والهداية ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يسأله احد كل ما يقدر عليه فضلا عن ~~أن يسأله ما لا يقدر عليه لما في ذلك من الأذى والعدوان عليه وهو أحق ~~بالتعزيز والتوقير من غيره فإذا كان يحرم أذى غيره بذلك ms035 فأذاه أولى ~~بالتحريم بل أذاه كفر وأذى المؤمنين ذنب قال تعالى: {إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون ~~المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} PageV01P409 ### || AUTO فصل # قال: وكثيرا ما تنفى الأشياء في النصوص الشرعية إشارة إلى التوحيد ويثبته ~~الباري سبحانه وتعالى في مواضع أخر اعتبارا بالأسباب وإثباتا لبساط الحكمة ~~فيأتي هذا المبتدع فيخلط في الحقائق ويلحد في الآيات كما قال في الإغاثة ~~والنصرة وغيرهما إنها لا تصح في الخلق ولا يسألونها ولا تضاف إليه # وأخطأ في ذلك فإن هذه الحقائق تثبت للمخلوقات حقيقة لغوية بإجماع العلماء ~~ونصوص الكتاب والسنة اعتبارا بالسبب والحكمة وتنفي عن الخلق إشارة للتوحيد ~~وانفرادا للباري بخلقها كما انفرد بخلق غيرها # كما قال سبحانه وتعالى من بساط التوحيد {وما النصر إلا من عند الله} # وقال عز وجل {إنك لا تهدي من أحببت} # وقال {إياك نعبد وإياك نستعين} PageV01P410 # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} # وقال {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} # وفي الصحيح انصر أخاك ظالما أو مظلوما # وقال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} # وقال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} # وفي الصحيح والله عون العبد ما كان العبد في عون أخيه PageV01P411 # وأعنى على نفسك بكثرة السجود # وجمع الوجهين في قوله تعالى {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} # فيقال في هذا الكلام من الكذب والافتراء والظلم والاعتداء والجهل والضلال ~~ما يظهر عند التأمل # وجوابه من وجوه # الأول إن لفظ المذكور جواب المسألة التي سألها واعترض بعد جوابها قد ثبت ~~بالسنة المستفيضة المتواترة باتفاق الأمة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~الشافع المشفع وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة وأن الناس يستشفعون به ~~ويطلبون منه أن يشفع لهم # ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر وأنه لا يخلد في ~~النار من أهل التوحيد أحد PageV01P412 # وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر ولم ينكروا شفاعته ~~للمؤمنين إلا ما يحكى ms036 عن طائفة قليلة منهم وهؤلاء مبتدعة ضلال وفي تكفيرهم ~~نزاع وتفضيل # ومن أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة عليه وسواء ~~سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه وكذلك من أقر بشفاعته في الآخرة وأنكر ~~ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به # كما رواه البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا ~~قحطوا استسقوا بالعباس رضي الله عنه وقال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ~~فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون وفي سنن أبي داود وغيره ~~أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك ~~المال فادع الله تعالى لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك ~~فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال ويحك ~~إن الله تعالى لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك وذكر ~~تمام الحديث فأنكر PageV01P413 ~~قوله نستشفع بالله عليك ولم ينكر قوله نستشفع بك على الله بل أقره عليه ~~فعلم جوازه # فمن أنكر هذا فهو مخطئ ضال مبتدع وفي كفره نزاع وتفصيل PageV01P414 # وأما من أقر بما ثبت في الكتاب والسنة والإجماع من شفاعته والتوسل به ~~ونحو ذلك ولكن قال إنه لا يدعى إلا الله تعالى وإن الأمور التي لا يقدر ~~عليها إلا الله تعالى فلا تطلب إلا منه مثل غفران الذنوب وهداية القلوب ~~وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك فهذا مصيب في ذلك هذا مما لا نزاع فيه ~~بين المسلمين أيضا # كما قال تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} # وقال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} # وكما قال تعالى: {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير ~~الله يرزقكم من السماء والأرض} PageV01P415 # وكما قال تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما ~~النصر إلا من عند الله} # وقال {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه ms037 الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما ~~في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} # فالمعاني الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها والمعاني المنفية بالكتاب ~~والسنة يجب نفيها والعبارة الدالة على المعاني نفيا وإثباتا إن وجدت في ~~كتاب الله تعالى وكلام رسوله وجب إقرارها وإن وجدت في كلام احد فظهر مراده ~~من ذلك رتب عليه حكمه وإلا رجع إليه فيه # وقد يكون في كلام الله ورسوله عبارة لها معنى صحيح لكن بعض الناس يفهم من ~~تلك العبارة غير مراد الله ورسوله فهذا يرد عليه فهمه كما روى الطبراني في ~~معجمه الكبير أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين ~~فقال أبو بكر الصديق قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنه لا يستغاث بي وإنما ~~يستغاث بالله عز وجل» PageV01P416 # فهذا إنما أراد به النبي صلى الله عليه وسلم المعنى الثاني وهو أن يطلب ~~منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا ~~يطلبون منه الدعاء ويستسقون به كما في صحيح البخاري عن ابن عمر قال ربما ~~ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فما ~~ينزل حتى يجيش له الميزاب ** وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى ~~عصمة للأرامل ** PageV01P417 # وهو قول أبي طالب # ولهذا قال المصنفون في أسماء الله تعالى يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا ~~غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله تعالى وأن كل غوث فمن عنده وإن كان جعل ~~ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه وتعالى ولغيره مجازا # قالوا ومن أسمائه المغيث والغياث وجاء ذكر المغيث في حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه PageV01P418 # قالوا جميعا وأجمعت الأمة على ذلك وقال أبو عبيد الله الحليمي الغياث هو ~~الغيث وأكثر ما يقال غياث المستغيثين ومعناه المدرك عباده في الشدائد إذا ~~دعوه ومريحهم ومخلصهم # وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين اللهم أغثنا اللهم ms038 PageV01P419 ~~أغثنا يقال أغاثه إغاثة وغوثا وهذا الاسم في هذا المعنى مجيب والمجيب ~~المستجيب قال تعالى: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} إلا أن الإغاثة أحق ~~بالأفعال والاستجابة أحق بالأقوال وقد يقع كل منهما موقع الآخر # قالوا والفرق بين المستغيث والداعي أن المستغيث ينادي بالغوث والداعي ~~ينادي بالمدعو وقد تقدم حكاية هذا إلى آخره فليس هذا موضع استقصائه وفيه ~~والاستغاثة بالرسول بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع ~~فيها مسلم كما أنه يستغاث بغيره بمعنى أنه يطلب منه ما يليق به ومن نازع في ~~هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به وإما مخطئ ضال وأما المعنى ~~الذي نفاه الرسول صلى الله عليه وسلم فهي أيضا مما يجب نفيها ومن أثبت لغير ~~الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضا كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها PageV01P420 # ومن هذا الباب قول أبي يزيد البسطامي رحمه الله استغاثة المخلوق بالمخلوق ~~كاستغاثة الغريق بالغريق # وقول الشيخ أبي عبد الله القرشي الشيخ المشهور بالديار المصرية وغيرها ~~استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون # وفي دعاء موسى عليه السلام اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان ~~وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله # ولما كان هذا المعنى هو المفهوم منها عند الإطلاق صح إطلاق نفيها عما سوى ~~الله عز وجل ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة ~~بغير الله تعالى ولا أنكر على من نفى PageV01P421 ~~مطلق الاستغاثة عن غير الله تعالى # وكذلك الاستعانة أيضا منها ما لا يصح إلا لله وهي المشار إليها بقوله ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا ~~الله وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه كما قال تعالى: {وتعاونوا على ~~البر والتقوى} # وكذلك الاستنصار وقال تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} ~~والنصر المطلق وهو خلق ما به يغلب العدو لا يقدر عليه إلا الله تعالى # فهذه ألفاظ جواب السؤال الذي طلب جوابه كما ms039 تقدم ذكر سؤاله وجوابه وقد ~~ذهب إليه الجواب ووقف عليه وزعم أنه يرد عليه فافترى 2 PageV01P422 ~~على المجيب بقوله إنه يخلط في الحقائق ويلحد في الآيات كما قال في الإغاثة ~~والنصر وغيرهما إنها لا تصح من الخلق ولا يسألونها ولا تضاف إليهم وأخطأ في ~~ذلك فإن هذه الحقائق تثبت للمخلوقات حقيقة لغوية بإجماع العلماء ونصوص ~~الكتاب والسنة اعتبارا بالسبب والحكمة وتنفي عن الخلق إشارة إلى التوحيد ~~وانفراد الباري عز وجل بخلقها كما انفرد بخلق غيرها # كما قال تعالى من بساط التوحيد {وما النصر إلا من عند الله} # وقال {إنك لا تهدي من أحببت} # وقال {إياك نعبد وإياك نستعين} # وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} # وقال {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} # وقال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} PageV01P423 # فيقال المجيب لم ينفها عن الخلق مطلقا كما ذكرت بل قال وقد يستعان ~~بالمخلوق فيما يقدر عليه كما قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} وكذلك ~~الاستنصار قال تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} # فقد ذكر هاتين الآيتين قبلك وفرق بين ما يضاف إلى المخلوق وما يضاف إلى ~~الخالق من النصر والإغاثة كما فرق بين هذا وهذا في الإغاثة # فنقلك عنه النفي العام كذب بين ولكن هو فصل فجعل ما يخص به الله الذي لا ~~يضاف إلى غيره وهو المطلق وإنما يضاف إلى المخلوق ما يليق به وأنت تريد أن ~~تجعل المخلوق عدل الخالق يضاف إليه جميع ما يضاف إلى الرب عز وجل مضاهاة ~~للحلولية والنصارى والمشركين الذين أنت وأمثالك من طلائع جيوشهم وأبواب ~~مدائنهم وهم دعاة إلى مذهبهم في الحقيقة وإن كانوا لا يعلمون لوازم قولهم ~~وهذا بين يكشف ضلال هؤلاء PageV01P424 # ونقول في الوجه الثاني قوله وكثيرا ما تنفى الأشياء في النصوص الشرعية ~~إشارة إلى التوحيد ويثبته الباري سبحانه وتعالى في مواضع أخر اعتبارا ~~بالأسباب وإثباتا لبساط الحكمة هو كلام باطل فإن الله سبحانه وتعالى لا ~~ينفي شيئا ويثبته إذ الجمع بين نفيه وإثباته تناقض وكلام الله ms040 منزه عن ~~التناقض قال الله تعالى {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا} ولكن المنفي غير المثبت فالذي ينفيه في موضع ليس هو الذي يثبته في ~~موضع أخر ولكن هؤلاء الضلال يجعلون المنفي عين المثبت فيكون ما يضاف إلى ~~الرب سبحانه وتعالى بطريق التوحيد يضاف إلى غيره بطريق السبب والحكمة ولهذا ~~قالوا إن كل ما يطلب من الله يطلب من غيره بهذا الطريق فأشركوا في ربوبية ~~الله تعالى وفي دعاء الله تعالى وعبادته حيث PageV01P425 # جعلوا ما يضاف إلى المخلوق يضاف إليه تعالى فصار حقيقة قولهم أن المخلوق ~~تضاف إليه مفعولات الله تعالى كلها ويطلب منه مقدورات الرب كلها لما في ~~الخلق من السبب والحكمة # ولم يعلم هؤلاء الجهال أن السبب لا يستقل بالتأثير بل تأثيره متوقف على ~~سبب آخر وله موانع وحينئذ فلا يجوز تخصيصه بالإضافة إليه وإن كان سببا # وأيضا فالأسباب التي نعرفها مضبوطة وأكثر ما فعله الله ويفعله لا نعرف ~~نحن أسبابه # وأيضا أثبتوا أسبابا في خلقه وأمره ما أنزل الله بها من سلطان بل إثباتها ~~مخالف للشرع والعقل فضلوا في إثبات أسباب لا حقيقة لها وفي الإضافة إليها ~~وفي تعليق الحوادث كلها بسبب واحد # وقد حدثني بعض الثقات عن هذا الشخص أنه كان يقول إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم علم مفاتيح الغيب التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم تكذيبا ~~لقوله وردا عليهم «خمس لا يعلمها إلا الله تعالى إن الله عنده علم الساعة ~~وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا PageV01P426 ~~تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت» وأظنه ذكر عنه أنه قال علمها بعد أن ~~أخبر أنه لا يعلمها إلا الله تعالى # وآخر من جنسه يباشر التدريس وينسب إلى الفتيا كان يقول إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعلم ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر عليه الله وإن هذا السر ~~انتقل بعده إلى الحسن ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي ~~وقالوا هذا ms041 مقام القطب الغوث الفرد الجامع # وكان شيخ آخر معظم عند أتباعه يدعي هذه المنزلة ويقول إنه PageV01P427 ~~المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم وإنه يزوج عيسى بابنته وإن ~~نواصي الملوك والأولياء بيده يولي من يشاء ويعزل من يشاء وإن الرب تعالى ~~يناجيه دائما وإن هو الذي يمد حملة العرش وحيتان البحر وقد عزرته تعزيرا ~~بليغا في يوم مشهود بحضرة من أهل المسجد الجامع يوم الجمعة بالقاهرة فعرفه ~~الناس وانكسر بسببه أشباهه من الدجاجلة # ومن هؤلاء من يقول في قوله تعالى {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ~~لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا} يقول إن الرسول ~~هو الذي يسبح بكرة وأصيلا ومنهم من يقول أسقط الربوبية وقل في الرسول ما شئت: # دع ما ادعته النصارى في نبيهم ** واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم # فإن فضل رسول الله ليس له ** حد فيعرب عنه ناطق بفم # وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ** وانسب إلى قدره ما شئت من عظم # لو ناسبت قدره آياته عظما ** أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم # ومنهم من يقول نحن نعبد الله ورسوله فيجعلون الرسول معبودا. # ومنهم من يأتي قبر الميت الرجل أو المرأة الذي يحسن به الظن PageV01P428 ~~لنفسه فيقول اغفر لي وارحمني ولا توقعني على زلة ولا توقفني على خطيئة 2 # ونحو هذا الكلام يرد إلى أمثال هذه الأمور التي يتخذ المخلوق فيها إلها # ولما استقر هذا في نفوس عامتهم تجد أحدهم إذا سئل عمن ينهاهم عن هذا ما ~~يقول هذا فيقول فلان عنده ما ثم إلا الله تعالى لما استقر في نفوسهم وهذا ~~كله وأمثاله وقع ونحن بمصر وآخر يقول معظما لمن يدعو إلى التوحيد قد جعل ~~الإله إلها واحدا # والمقصود هنا أن نبين خطأه فيما ذكره عن الله من أنه ينفي الأشياء إشارة ~~إلى التوحيد ويثبتها اعتبارا بالأسباب ونبين أنه سبحانه لا ينفي ما أثبته ~~ولا يثبت ما نفاه # أما قوله تعالى {وما النصر إلا من عند الله} فهذا النصر PageV01P429 ~~المنفي في ms042 هذه الآية عن غير الله لم يثبته الله لغيره قط والذي ذكره في ~~قوله {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} ليس هذا هو ذاك # يبين هذا أنه قال {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ~~آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا} إلى أن قال {وما النصر إلا ~~من عند الله العزيز الحكيم} وقال تعالى: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ~~ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم ~~وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} # فهو سبحانه وتعالى قد أمدهم بالملائكة ومعلوم أن نصر الملائكة لهم أعظم ~~من النصر الذي أمروا به في قوله {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} PageV01P430 ~~فإن هؤلاء غاية ما يفعلونه دون ما تفعله الملائكة ثم بين أنه وإن نزلت ~~الملائكة وقاتلت فالنصر لا يحصل بمجرد هذا إن لم يحدث الله ما به ينتصر ~~المؤمنون وذلك لأن المقاتل من الملائكة والبشر غاية قدرته حركة نفسه وأما ~~ما يتولد عن ذلك فهو لا يستقل به # والناس متنازعون في هذا # فكثير من النظار المثبتين للقدر يقولون إن جميع المتولدات فعل الله ليس ~~فعلا للعباد مثل الشبع والري وانقطاع العضو وخروج السهم من القوس # وأما القدرية فيقول أكثرهم إنها مفعول فاعل السبب ويقسمون الأفعال إلى ~~مباشر ومتولد لكنهم مع هذا يعلمون أن الفعل لا يتم بمجرد قدرة العبد بل ~~بأمور خارجة عن قدرته # وقالت الطائفة الثالثة إن هذه المتولدات حادثة بفعل العبد وبالأسباب ~~الأخرى فالعبد مشارك فيها لم ينفوا أثره كما نفاه الأولون PageV01P431 ~~ولا جعلوه فاعلا كالآخرين بل جعلوه مشاركا فيها # وهذا أعدل الأقوال ولهذا فرق الله تعالى بين الأعمال المباشرة وبين ~~الأعمال المتولدة في قوله تعالى {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ~~إلا كتب لهم به عمل صالح} الآية ثم قال {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ~~ولا يقطعون واديا ms043 إلا كتب لهم} # فلما كان الإنفاق والسير عملا مباشرا قال فيه {كتب لهم} وتلك الأمور من ~~النصب والجوع وغيظ الكفار والنيل من العدو ليس مباشرا بل هو مما يسمى ~~متولدا فلهذا قال فيه {إلا كتب لهم به عمل صالح} لأنهم مشاركون في حصول هذا ~~الآثار وحصول هذه الآثار لا بد فيه من الأسباب التي يخلقها الله ومن رفع ~~الموانع فلا تجوز أن تجعل مفعولة لسبب معين بل هي مفعولة لله تعالى وانتصار ~~المؤمنين على الكفار هو أعظم من النيل الذي ينال من العدو فإذا لم يكن هذا ~~مفعولا لمخلوق فكيف يكون النصر # وهب أن الملائكة نزلت بقذف الرعب في قلوب الكفار كما قال تعالى: {إذ يوحي ~~ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} PageV01P432 ~~وأيضا فهب أن الملائكة حضروا فمن الذي يخلق القدرة فيهم وفي المؤمنين ~~والقدرة التي بها يكون الفعل أكثر لا يكون إلا مع الفعل وهب أن القدرة حصلت ~~فمن يخلق الأسباب الخارجة كقبول الجلود للجرح وحصول الزهوق بعد الجرح ~~والهزيمة المستمرة إذ يمكن أن الكفار يقرون ويكرون ويمكن أنهم يقاتلون حتى ~~يقتلوا فلا يقتل منهم واحد حتى يقتل غيره # فالنصر الذي قال الله تعالى فيه {وما النصر إلا من عند الله} لا يقدر ~~عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا يقدر عليه إلا الله تعالى ليس في الموجودات ~~سبب يحصل به هذا النصر ولا موجب له إلا مشيئة الله تعالى فما شاء كان وما ~~لم يشأ لم يكن فإن كل ما يكون لسبب فلا بد من حصول سبب آخر ومن رفع موانع # ثم خلق الأسباب ورفع الموانع لا بد أن يحدث هو سبحانه ذلك الأثر بفعل منه ~~على أصح قولي الجمهور الذين يقولون إن الخلق غير المخلوق فإن هؤلاء لهم ~~قولان هل يخلق بفعل واحد قديم يوجد جميع PageV01P433 ~~الموجودات أم هو يوجد به المفعولات بأفعال متعاقبة كما قال تعالى: {خلقا من ~~بعد خلق} على قولين # ومن قال بالثاني قال إن المؤثر ms044 التام يستلزم الأثر التام وإلا لزم ~~الترجيح بلا مرجح فإن الفاعل إذا كان قبل حدوث المفعول وحين حدوثه على حال ~~واحدة كان تخصيص أحد الحالين بحدوث المفعول ترجيحا لأحد المتماثلين على ~~الآخر بلا مرجح وهذا ممتنع في صريح العقل فالأثر لا يوجد إلا إذا حصل مؤثره ~~التام فإنه بدون تمامه لا يكون مؤثرا فلا يحصل الأثر وإذا تم وجب حصول ~~الأثر إذ لو لم يجب لأمكن وجوده وأمكن عدمه فكان يتوقف على حدوث شيء آخر ~~فلا يكون المؤثر تاما # وهؤلاء يقولون إن القدرة مع الفعل وكذلك الإرادة وسائر ما يتوقف عليه ~~الفعل وإن كان بعض ذلك قد يتقدم عليه ويبقى إلى حين حصوله لكن لا بد من ~~وجوده معه وهذا الفعل الذي هو تكوين الرب PageV01P434 ~~سبحانه وتعالى خارج عن جميع الأسباب المخلوقة # وأما قوله {إنك لا تهدي من أحببت} مع قوله {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} ~~فقد اتفق المسلمون على أن تلك الهداية المنفية ليست هي الهداية المثبتة له ~~لا نزاع في هذا بين أهل السنة والقدرية # وأما الهداية المثبتة فهي الدعوة والبيان وهذه يشترك فيها من يحبه ومن لا ~~يحبه فإن عليه البلاغ وقد بلغ صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين وقال في ~~آخر عمره في حجة الوداع «اللهم هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد» PageV01P435 # ونظير هذا قوله تعالى {وأما ثمود فهديناهم} وقوله {فقالوا أبشر يهدوننا} ~~وقال تعالى: {ولكل قوم هاد} # فإن الهداية هداية الدلالة والإرشاد بكلامه وبعلمه وأمره ونهيه وترغيبه ~~وترهيبه # وأما حصول الهدى في القلب فهذا لا يقدر عليه أحد باتفاق المسلمين سنيهم ~~وقدريهم لأن أحدا لا يستطيع أن يهدي القلوب ويخلق الهدى فيها غير الله # أما أهل السنة فيقولون إن الإهتداء الذي في القلب لا يقدر عليه إلا الله ~~ولكن العبد يقدر على أسبابه وهو المطلوب منه بقوله تعالى PageV01P436 ~~{اهدنا الصراط المستقيم} وهو المنفي عن الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ~~{إنك لا تهدي من أحببت} وقوله {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي ms045 من يضل} ~~وقوله {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} # وأما القدرية فيقولون إن ذلك مقدور للعبد # ولهذا تنازعوا في العلم الحاصل في القلب عقب الاستدلال # فقالت القدرية هو فعل العبد # وقالت المثبتة هو مفعول الله كسب للعبد ونظيره # وتنازعوا في النظر هل هو متضمن له مستلزم له أو مقترن اقترانا عاديا على ~~قولين مشهورين # والتحقيق أنه من جملة الأمور التي تسمى المتولدات كالشبع والري والرؤية ~~في العين والسمع في الأذن فهي حاصلة بفعل العبد المقدور وبأسباب خارجة عن ~~قدرته ولهذا يثاب عليه لما له في حصوله PageV01P437 ~~من السبب والاكتساب # وكذلك قوله {إياك نعبد وإياك نستعين} فإن هذه الاستعانة التي يختص بها ~~الله تبارك وتعالى لم يثبتها لغيره أبدا كما أن العبادة له لم يثبتها لغيره أبدا # وقوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى} ليس ذلك التعاون هو هذه الإعانة ~~المطلوبة من الله تعالى # فإن إعانة الله لعبده على عبادته تكونه بأمور لا يقدر عليها غيره مثل جعل ~~العلم والهدى في القلب وجعل الإرادة والطلب في القلب وخلق القوى الباطنة ~~والظاهرة وخلق الأسباب المنفصلة التي بها تحصل العبادة ومعونة الإنسان ~~لغيره إنما هي بفعله القائم في محل قدرته وهي PageV01P438 ~~شيء لا يخرج عنه وما خرج عن محل قدرته فقد تقدم الكلام فيه وغايته أن يكون ~~له فيه شرك # والمقصود أن ما أمر الخلق به وجعله فعلا هو الذي نفاه عن غيره وبين أنه ~~يختص به # وأما قوله {وما رميت إذ رميت} فتقدم الكلام عليها وبينا غلط من ظن أن ~~الرمي المنفي عن الرسول هو عين المثبت له وبينا أن المنفي هو وصول الرمي ~~إلى الكفار وتأثيره فيهم والمثبت هو الحذف الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم # وقوله «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» هو من جنس قوله {وإن استنصروكم في ~~الدين فعليكم النصر} PageV01P439 # وأما قوله {استعينوا بالصبر والصلاة} فالمستعان به فعل يفعله العبد ~~والمعنى اصبروا وصلوا فإن ذلك يعينكم على المطلوب # والأعمال الصالحة بينها تصادق وتلازم كما قال النبي صلى ms046 الله عليه وسلم ~~«عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة ولا يزال ~~الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا» # وكذلك الأعمال السيئة بينها تصادق وتلازم كما قال في نفس هذا الحديث ~~«وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا ~~يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» # أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه # وهداية الصدق مثل إعانة الصبر والصلاة وليس ذلك هو ما أثبته PageV01P440 ~~الله لنفسه ونفاه عن غيره سبحانه وتعالى أن يكون تأثيره مثل تأثير الإعراض # وقول النبي صلى الله عليه وسلم «والله في عون العبد ما كان العبد في عون ~~أخيه» هو من جنس قوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى} # فقد تبين أن جميع ما ذكره من النصوص ليس فيه ان ما نفاه عن PageV01P441 ~~غيره أثبته لغيره في موضع آخر بل الذي أثبته لغيره غير الذي نفاه عن غيره # الوجه الثالث قوله إن هذه الحقائق تثبت للمخلوقين حقيقة لغوية بإجماع ~~العلماء غايته أن قول العرب مات زيد وتحركت الشجرة وهبت الريح ونحو ذلك ~~يسمى في لغتهم حقيقة وهذا لا ينفعه لأن المضاف إلى المخلوق ليس هو الذي ~~نفاه الرب عن غيره # فإنه يقال أماته الله والإماتة التي اختص الله بها لا تثبت لغيره وإن قيل ~~إن فلانا أماته فالمراد أنه فعل فعلا خلق الله الموت فيه مع أسباب أخر هو ~~من جملتها وهو المضاف إلى العبد ليس هو الذي نفاه الرب عن غيره فما يضاف ~~إلى السبب لم ينفه الله عن غيره وما نفاه لا يضاف إلى السبب # وأيضا فهب أن هذا حقيقة لغوية أي قاعدة في هذا الكلام هنا في الحقائق ~~العقلية والأحكام الشرعية لا في استعمال الألفاظ وليس كل من أضيف إليه ~~الفعل لغة يترتب على ذلك الأحكام الشرعية التي للفاعلين PageV01P442 # الوجه الرابع قوله اعتبارا بالأسباب وإثباتا لبساط الحكمة ماذا تعنى به # فإن الناس يتنازعون في ذلك # فمنهم من ms047 يقول ليس في الوجود سبب له تأثير وحكمة يفعل لأجلها بلا محض ~~مشيئة الرب قرنت بين الشيئين قرانا عاديا فإن تقدم سمي سببا وإن تأخر سمي ~~حكمة من غير أن يكون للمتقدم تأثير في اقتضاء الفعل ولا للفعل تأثير في ~~اقتضاء الحكمة # وليس عند هؤلاء في القرآن لام التعليل في فعل الله وهذا قول جهم بن صفوان ~~وكثير من النظار المنتسبين إلى القدر كالأشعري وأتباعه ومن وافقهم من أصحاب ~~مالك والشافعي وأحمد رضي الله عنهم بل ولا يقولون إن هذا الشخص ينسب إليهم ~~فعلى قولهم لا سبب ولا حكمة # ومن الناس من أثبت حكمة منفصلة عن الرب يفعل لأجلها وهو قول المعتزلة ~~ونحوهم من الجهمية # ثم القدرية من هؤلاء يثبتون التأثير لأفعال الحيوان ولا يثبتون تأثيرا PageV01P443 ~~لغير ذلك # وأما الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام كالكرامية وغيرهم فإنهم ~~يثبتون السبب والحكمة لكن كثير من هؤلاء يتناقض فيتكلم في الفقه بلون وفي ~~أصول الفقه بلون وفي أصول الدين بألوان ففي الفقه يثبت الأسباب والحكم وفي ~~أصول الفقه يسمي العلل الشرعية أمارات خلاف ما يقوله في الفقه وفي أصول ~~الدين ينفي الحكمة والتعليل بالكلية لظنه أن قول القدرية لا يمكن إبطاله ~~إلا بذلك والقليل من هؤلاء هو الذي يحقق الحكمة ويبين رجوعها إلى الفاعل ~~الحكيم مع حصول موجبها في مخلوقاته # وهذه المسائل من اشرف العلم وقد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع ~~والمقصود هنا أن ما ذكره هذا الشخص من النصوص ليس فيه إثبات الأسباب والحكم ~~لأفعال الرب سبحانه وتعالى التي نفاها عن غيره # وبيان ذلك أن الأسباب عند من يقول بإثباتها هي من جملة الحوادث التي يكون ~~الرب عز وجل فاعلا لها فالقول في إحداثه للسبب PageV01P444 ~~والحكمة كالقول في إحداثه ما بينهما يمتنع أن يكون بشيء من ذلك محدثا لغيره ~~بل هو محدث لجميع المحدثات وليس في ذلك ما يوجب كون الأسباب محدثة # وأيضا فهذه الآيات التي ذكر ليس فيها إثبات حكم شيء من المحدثات كقوله ~~تعالى {وإنك لتهدي إلى ms048 صراط مستقيم} {فعليكم النصر} بل ولا فيها إثبات نسب ~~لفعل الرب سبحانه وتعالى بل فيها إثبات بعض أفعال العباد كهدايته وإعانته ~~وأفعال العباد لا تختص بكونها أسباب دون غيرها من الحوادث فكلام هذا الرجل ~~كلام من لم يتصور صحيحا ولا عبر فصيحا # الوجه الخامس أن يقال نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته PageV01P445 ~~الله من الأسباب والحكم لكن # من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سببا في الأمور التي لا يقدر ~~عليها إلا الله تعالى # ومن الذي قال إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر نبيا كان أو غير نبي ~~كان ذلك سببا في حصول الرزق والنصر والهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا ~~الله تعالى # ومن الذي شرع ذلك وأمر به # ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين # فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين # إحداهما إن هذه الأسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى # والثانية أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها فإنه ليس كل ما كان سببا ~~كونيا يجوز تعاطيه فإن قتل المسافر قد يكون سببا لأخذ ماله PageV01P446 ~~وكلاهما محرم والدخول في دين النصارى قد يكون سببا لمال يعطونه ومحرم ~~وشهادة الزور قد تكون سببا لمال يؤخذ من المشهود له وهو حرام وكثير من ~~الفواحش والظلم قد يكون سببا لنيل مطالب وهو محرم والسحر والكهانة سبب في ~~بعض المطالب وهو محرم وكذلك الشرك في مثل دعوة الكواكب والشياطين وعبادة ~~البشر قد يكون سببا لبعض المطالب وهو محرم فإن الله تعالى حرم من الأسباب ~~ما كانت مفسدته راجحة على مصلحته وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحيانا # وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقا وأمرا فإنهم مطالبون ~~بالأدلة الشرعية على أن الله عز وجل شرع لخلقه أن يسألوا ميتا أو غائبا وأن ~~يستغيثوا به سواء كان ذلك عند قبره أو لم يكن عند قبره والله تعالى حي عالم ~~قادر لا يغيب كفى به شهيدا وكفى به ms049 عليما وهم لا يقدرون على ذلك بل نقول في PageV01P447 # الوجه السادس سؤال الميت والغائب نبيا كان أو غيره من المحرمات المنكرة ~~باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ~~ولا التابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين # وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين أن أحدا منهم ما كان يقول إذا ~~نزلت به ترة أو عرضت له حاجة لميت يا سيدي فلان أنا في حسبك أو اقض حاجتي ~~كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين # ولا أحد من الصحابة رضي الله عنهم استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~موته ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها وقد كانوا ~~يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ويشتد البأس بهم ~~ويظنون الظنون ومع هذا لم يستغث أحد منهم بنبي ولا غيره من المخلوقين PageV01P448 ~~ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلا # ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ولا قبور غير الأنبياء ولا ~~الصلاة عندها # وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم يدعو لنفسه وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف # وأما ما يروى عن بعضهم أنه قال قبر معروف الترياق المجرب وقول بعضهم فلان ~~يدعى عند قبره وقول بعض الشيوخ لمريده إذا كانت لك إلى الله حاجة فاستغث بي ~~أو قال استغث عند قبري ونحو ذلك فإن هذا قد وقع فيه كثير من المتأخرين ~~وأتباعهم وكثير من هؤلاء إذا استغاث بالشيخ رأى صورته وربما قضى بعض حاجته ~~فيظن أنه الشيخ نفسه أو أنه ملك تصور على صورته وأن هذا من كراماته فيزداد ~~به شركا وفيه مغالاة ولا يعلم أن هذا من جنس ما تفعله الشياطين PageV01P449 ~~بعباد الأوثان حيث تتراءى أحيانا لمن تعبدها وتخاطبهم ببعض الأمور الغائبة ~~وتقضي لهم بعض الطلبات ولكن هذه الأمور كلها بدع محدثة في الإسلام بعد ~~القرون الثلاثة المفضلة # وكذلك المساجد المبنية ms050 على القبور التي تسمى المشاهد المحدثة في الإسلام ~~والسفر إليها محدث في الإسلام لم يكن من ذلك شيء في القرون الثلاثة المفضلة # بل ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا قالت عائشة رضي الله ~~عنها ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا PageV01P450 # وثبت في الصحيح عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس «إن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» PageV01P451 # وقد تقدم في الجواب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أجدبوا استسقى ~~بالعباس وقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا وإنا نتوسل إليك ~~بعم نبينا فاسقنا # فلم يذهبوا إلى القبور ولا توسلوا بميت ولا غائب بل توسلوا بالعباس كما ~~كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان توسلهم به توسلهم بدعائه ~~كالإمام مع المأموم وهذا تعذر بموته # فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء والصالحين اللهم إني أسألك بفلان أو ~~بجاه فلان أو بحرمة فلان فهذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن ~~الصحابة ولا عن التابعين وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز ونقل عن ~~بعضهم جوازه # فكيف يقول القائل للميت أنا أستغيث بك وأستجير بك وأنا في حسبك أو سل لي ~~الله ونحو ذلك # فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة ولو قدر أن له تأثيرا PageV01P452 ~~فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح بل مفسدته راجحة على مصلحته كأمثاله من دعاء ~~غير الله تعالى # وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب ميت من تتمثل له الشياطين وربما ~~كانت على صورة ذلك الغائب وربما كلمته وربما قضت له أحيانا بعض حوائجه كما ~~تفعل شياطين الأصنام بعبادها وهذا مما قد جرى لغير واحد فينبغي أن يعرف هذا # ومن هؤلاء من يؤذي الميت بسؤاله إياه أعظم مما يؤذيه لو كان حيا وربما ~~قضيت حاجته مع ذم ms051 يلحقه كما كان الرجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيعطيه ويقول «إن أحدهم ليسألني المسألة فيخرج بها يتأبطها نارا» # ومن هذه الحكاية المذكورة في الذي جاء إلى قبر النبي وطلب منه سكباجا ~~فأتاه بعض أهل المدينة فأطعمه سكباجا وأمره بالخروج PageV01P453 ~~من المدينة وقال إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يطعمه وأن ~~يخرجه وقال من يقيم بالمدينة لا يتمنى ذلك أو كما قال # ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم بل ومن هو دونه حي يسمع كلام الناس ~~كما قال صلى الله عليه وسلم «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى ~~أرد عليه السلام» و( ( ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم ~~عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه» رواه ابن عبد البر وصححه # لكن في مسألتهم أنوا ع من المفاسد منها إيذاؤهم له بالسؤال ومنها إفضاء ~~ذلك إلى الشرك وهذه المفسدة توجد معه بعد الموت دون الحياة فإن أحدا من ~~الأنبياء والصالحين لم يعبد في حياته إذ هو ينهى عن ذلك وأما بعد الموت فهو ~~لا ينهى فيفضي ذلك إلى اتخاذ قبره وثنا يعبد ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم «لا تتخذوا قبري عيدا» وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» PageV01P454 ~~PageV01P455 # وقال غير واحد من السلف في قوله تعالى {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} إن هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح ~~فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم # ولهذا المعنى لعن النبي صلى الله عليه وسلم الذين اتخذوا قبور الأنبياء ~~والصالحين مساجد # وأما النبي أو الصالح إذا بنى له مسجدا في حياته يصلى فيه معه فهذا من ~~أفضل الأعمال # فحكم الحياة يفارق حكم الممات وذلك كما جاءت السنة بذلك PageV01P456 ### | AUTO [المجلد الثاني] ### || AUTO فصل # قال: ثم اعلم أنه من نفى الحقائق نفيا عاما يفهم به الإشارة للتوحيد ~~وإفراد الباري ms052 بالقدرة عددناه من المنزهين ولم نجعل ذلك إبطالا للحكمة إذ ~~الألفاظ يعتبر حكمها بما تفهم العقول منها بمقتضى الأوضاع والقرائن ومن خص ~~الرسول أو الملائكة بنفي خاص يفهم منه طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم للأسباب ~~فقد نقصهم بعبارته وإن نوى معاني التوحيد ولم يجعل الله لأحد تنقيص الرسل ~~وأجمع الخلف والسلف على وجوب تعظيمهم في الاعتقاد والأقوال والأفعال # والجواب من وجوه # أحدها أن الجواب المذكور ليس فيه تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر ~~بل قد صرح فيه بالعموم وقيل فيه من قال لا يدعى إلا الله تعالى وأن الأمور ~~التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى فلا تطلب إلا منه مثل غفران الذنوب ~~وهداية القلوب وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك فهو مصيب ولذلك حيث ذكر ~~هذا فلم يذكره إلا على وجه PageV02P457 ~~التعميم فدعوى المدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم والملائكة خصوا بالذكر ~~كذب لا يحتاج إلى جواب # الوجه الثاني أن يقال التحقيق في هذا الباب أنه إذا كان النفي لا يصلح ~~لمخلوق فذكرت الأنبياء والملائكة على سبيل تحقيق النفي العام كان هذا من ~~أحسن الكلام وكان هذا من باب التنبيه كما يقال لا تجوز العبادة إلا لله ~~تعالى لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل فينبه بنفيها عن الأعلى على انتفائها عمن ~~هو دونهم بطريق الأولى # وكذلك إذا كان المخصوص بالذكر ممن قد حصل فيه غلو كما يقال ليس في ~~الصحابة معصوم لا علي ولا غيره وليس في النبيين إله لا المسيح ولا غيره ~~فهذا أحسن # فالمخصص إذا كان فيه فائدة مطلوبة كان حسنا # ومنه قوله تعالى {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر ~~وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما ~~أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ~~ربهم الهدى أم للإنسان ما تمنى فلله الآخرة والأولى وكم من ملك في السماوات ~~لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن ms053 يشاء ويرضى} PageV02P458 # فنفى سبحانه أن تغني شفاعة الملائكة الذين في السماء إلا من بعد إذنه ~~تنبيها بذلك على أن من دونهم أولى أن لا تغني شفاعتهم فإن المشركين كانوا ~~يقولون عن الأصنام إنها تشفع لهم قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا ~~يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} # ولا يجوز أن يكون الكلام تنقيصا بالملائكة ولذلك قال تعالى: {يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ~~ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ~~ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن ~~يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ~~فسيحشرهم إليه جميعا} # فإنه لما كان الكلام في إثبات توحيد الله تعالى والنهى عن الغلو في الدين ~~الذي فيه تشبيه المخلوق بالخالق قال {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون} بعد أن قال {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} PageV02P459 # وقال في الآية الأخرى {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} الآية فنسبه إلى أمه وهذا قد جرى في القرآن ~~في غير موضع فنسبه إلى أمه لينفي نسبته إلى غيرها فلا ينسب إلى الله تعالى ~~أنه ابنه ولا إلى أب من البشر كما زعمت النصارى الغالية فيه ولا كما زعمت ~~اليهود الكافرة به # وأبلغ من هذا قوله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن ~~في الأرض جميعا} فذكر أهل الأرض جميعا وخص المسيح وأمه بالذكر من أنه إن ms054 ~~أراد إهلاكهم لن يملك أحد لهم منه شيئا لأن المسيح وأمه اتخذوا إلهين كما ~~قال تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله} PageV02P460 ~~فكان التخصيص بالذكر لينفي هذا الشرك والغلو الذي وقع في المسيح وأمه ولم ~~يكن من ذلك باب التنقيص بالمسيح وأمه بل كان التخصيص لأجل أن الكلام وقع في ~~ذلك المعين فالتخصيص للحاجة إلى ذكر المخصوص والعلم به أو لأجل التنبيه به ~~على ما سواه # ولهذا لا يكون التخصيص في هذا مفهومه مخالفة بنفي نقيض الحكم عن ما سواه ~~وحتى الذي يسمى دليل الخطاب للتخصيص لم يكن للاختصاص بالحكم # وقال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} فتخصيص الملائكة والنبيين بالذكر تنبيه ~~على من دونهم فإنه أن لا يأمر باتخاذ الصالحين أربابا بطريق الأولى # ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «لن يدخل أحد ~~منكم الجنة بعمله» قيل ولا أنت يا رسول الله قال: «ولا أنا إلا PageV02P461 ~~أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» فكان تخصيصه بالذكر لتحقيق العموم وإن هذا ~~النفي يتناول أفضل الخلق فلا يظن أحد غيره أن يدخل الجنة بعمله # وكذلك قوله في الحديث الصحيح «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من ~~الملائكة وقرينة منه الجن» قالوا وإياك يا رسول الله قال: «وإياي إلا أن ~~الله تعالى أعانني عليه فأسلم» PageV02P462 # ومنه قوله تعالى {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} فذكر هذا الوعيد في الملائكة وخصهم بالذكر ~~تنبيها على أن ms055 دعوى الإلهية لا تجوز لأحد من المخلوقين لا ملك ولا غيره ~~وأنه لو قدر وقوع ذلك من ملك من الملائكة لكان جزاؤه جهنم فكيف من دونهم ~~وهذا التخصيص أفرد الله تعالى بالإلهية # ومنه قوله تعالى في الأنبياء {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم ~~وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو ~~أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} والأنبياء معصومون من الشرك ولكن ~~المقصود بيان أن الشرك لو صدر من أفضل الخلق لأحبط عمله فكيف بغيره # وكذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين} PageV02P463 ~~مع أن الشرك منه ممتنع لكن بين بذلك أنه إذا قدر وجوده كان مستلزما لحبوط ~~عمل المشرك وخسرانه كائنا من كان وخوطب بذلك أفضل الخلق لبيان عظ هذا الذنب ~~لا لغض قدر المخاطب كما قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا ~~منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين} ليبين ~~سبحانه أنه ينتقم ممن يكذب في الرسالة كائنا من كان وأنه لو قدر أنه غير ~~الرسالة لانتقم منه والمقصود نفي هذا التقدير لانتفاء لازمه # وكذلك قوله تعالى {أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على ~~قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته} وفي الحديث المعروف إن الله ~~تعالى لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت ~~رحمته لهم خيرا من أعمالهم PageV02P464 ~~فهذا من بيان عدل الرب سبحانه وتعالى وإحسانه وتقصير الخلق عن واجب حقه حتى ~~الملائكة والأنبياء وغيرهم وأنه لو عذبهم لم يكن ظالما PageV02P465 ~~لهم فكيف بمن دونهم # وهذا باب واسع فمن غلا في طائفة من الناس فإنه يذكر له من هو أعلى منه ~~ويبين انه لا يجوز هذا الغلو فيه فكيف يجوز الغلو في الأدنى كمال قال بعض ~~الشيعة لبعض شيوخ السنة تقول مولانا أمير المؤمنين عليا ما كان معصوما فقال ~~أبو بكر وعمر عندنا أفضل منه وما كانا معصومين # وكما يقال لمن ms056 يعظم شيخه أو أميره بأنه يطاع في كل شيء وأنه لا تنبغي ~~مخالفته فيقال له أبو بكر الصديق أفضل منه وقد قال أطيعوني ما أطعت الله ~~تعالى فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن ~~أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني # وكما إذا ظن الغالي أن الصالحين لا يؤذيهم عدوهم ولا يجرحون PageV02P466 ~~لاعتقاد أن ذلك نقص فيهم وأنهم قادرون على دفع كل أذى فيقال له أفضل الخلق ~~محمد صلى الله عليه وسلم قد أوذي وقد جرح يوم أحد وكسرت رباعيته وذلك كرامة ~~من الله تعالى له ليعظم أجره ويزيده الله بذلك رفعة بالصبر على الأذى في الله # وكذلك لو حلف بشيخه فقيل لا تحلف بغير الله فمن حلف بغير الله فقد أشرك # وكذلك إذا اعتقد معتقد في شيخه أنه يشفع لمريديه يوم القيامة أو أن له ~~راية في الآخرة يدخل تحتها مريديه الجنة فيقال له المرسلون أفضل منه وسيد ~~ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا جاء يشفع يسجد بين يدي الله عز وجل ويحمد ~~ربه بمحامد فيقال ارفع رأسك وقل يسمع لك PageV02P467 ~~وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة # فهو صلى الله عليه وسلم لا يشفع إلا بعد أن يؤذن له بل يبدأ أولا بالسجود ~~لله تعالى والثناء عليه ثم إذا أذن له في الشفاعة وشفع حد له حدا يدخلهم ~~الجنة فليست الشفاعة له مطلقا في حقه ولا يشفع إلا بإذن الله تعالى فكيف ~~يكون الشيخ إن كانت له شفاعة # وكذلك إذا قيل عن بعض الشيوخ إن قبره ترياق مجرب قيل له PageV02P468 ~~إذا كانت قبور الأنبياء عليهم السلام ليست ترياقا مجربا فكيف تكون قبور ~~الشيوخ ترياقا مجربا # وكذلك إذا قيل إن الشيخ الميت يستسقى عند قبره ويقسم به على الله ويعرف ~~عنده عشية عرفة ونحو ذلك قيل له إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد ~~الخلق لم تستسق الصحابة رضوان الله عليهم عند قبره ولا أقسموا به على ms057 الله ~~ولا عرفوا عند قبره فكيف غيره # وكذلك إذا قيل إنه يسجد لقبر الشيخ أو يستلم أو يقبل قيل إذا كان قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يسجد له ولا يستلم ولا يقبل باتفاق الأئمة ~~فكيف بقبر غيره # وكذلك إذا قيل الموضع الذي كان الشيخ يصلي فيه لا يصلي فيه غيره احتراما ~~له قيل إذا كان الصحابة صلوا في الموضع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي فيه فكيف لا يصلى في موضع مصلى غيره وهو أحق بالاحترام من كل أحد # وكذلك إذا قيل إن الشيخ الميت يدعى ويسأل ويستغاث به قيل إذا كان ~~الأنبياء بعد موتهم لا يدعون ولا يسألون ولا يستغاث بهم فكيف بمن دونهم # وإذا قيل يطلب من الشيخ كل شيء قيل ما لا يقدر عليه إلا PageV02P469 ~~الله لا يطلب من الأنبياء فكيف يطلب ممن دونهم # وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ~~فيقول يا رسول الله أغثني فأقول قد أبلغتك لا أملك لك من الله شيئا لا ~~ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول يا رسول الله ~~أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك» أخرجاه فقد أخبر أنه ~~يستغيث به أهل الغلول يوم القيامة فلا يغيثهم بل يقول قد أبلغتكم لا أملك ~~لكم من الله شيئا كما قال: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا يا ~~صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا PageV02P470 ~~يا عباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئا» # وهذا النوع من الكلام يقال على وجوه تارة يقال السجود لا يصلح للأنبياء ~~فكيف بمن دونهم # وتارة يقول السائل هل أسجد للشيخ فيقال له الرسول لا يسجد له فكيف يسجد للشيخ # فتارة يذكر الاسم العام ويخص الأفضل بالذكر تحقيقا للعموم وأنه ms058 لا يستثني ~~من هذا العموم أحدا وإن كان أفضل الخلق كما قال مات الناس حتى الأنبياء ~~وتارة يذكر الأفضل ويعطف عليه غيره تحقيقا للعموم وتارة يختص الأفضل بالذكر ~~تنبيها به على من سواه # فهذا النمط من الكلام حيث ذكر الأفضل فيه فإنه لا يراد اختصاصه بالحكم بل ~~يراد به العموم وتحقيق العموم وأن هذا الحكم ثابت في حق PageV02P471 ~~الأفضل فكيف بمن دونه # وحينئذ فإذا قدر أن سائلا سأل هل يستغاث بميت من الأنبياء والصالحين فقيل ~~له لا تستغث بأحد منهم لا نبي ولا غيره وقيل لا يستغاث بنبي فكيف بمن دونه ~~أو قيل أفضل الخلق لا يستغاث به أو نحو ذلك من العبارات التي يفهم منها ~~عموم النفي وأنه ذكر الأفضل تحقيقا للعموم كان هذا من أحسن الكلام كما تقدم ~~كما إذا قيل لا يسجد لقبره ولا يتمسح به ولا يقبل ولا يتخذ وثنا يعبد ونحو ~~ذلك وكذلك لو كان الخطاب ابتداء في سياق التوحيد ونفي خصائص الرب سبحانه ~~وتعالى عن العبد فقيل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى لا يطلب إلا منه لا ~~من نبي ولا غيره أو قيل لا يستغاث فيه إلا بالله لا يستغاث فيه بالنبي فكيف ~~من دونه أو نحو هذا الكلام كان حسنا # فالاستغاثة المنفية نوعان # أحدهما الاستغاثة بالميت مطلقا في كل شيء # والثاني الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق # فليس لأحد أن يسأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله لا نبيا ولا غيره ~~ولا يستغيث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق وليس لأحد أن PageV02P472 ~~يسأل ميتا ولا يستغيث به في شيء من الأشياء سواء كان نبيا أو غيره وإذ كان ~~كذلك فجميع ما وقع هو من هذا الباب ولم يفهم أحد من الخلق شيئا إلا هذا # الوجه الثالث قوله من نفى الحقائق نفيا عاما يفهم به الإشارة للتوحيد ~~وإفراد الباري سبحانه وتعالى بالقدرة عددناه من المنزهين فلم يجعل ذلك ~~إبطالا للحكمة ومن خص الرسول أو الملائكة بنفي خاص ms059 يفهم منه طرح رتبتهم ~~وعدم صلاحيتهم للأسباب فقد نقصهم بعبارته وإن نوى معاني التوحيد # يقال له أولا قولك عددناه من المنزهين عبارة في غير موضعها بل حقه أن ~~يقال من الموحدين فإن التنزيه نفي النقائص عن الله عز وجل وأما الإشارة إلى ~~التوحيد وإفراده بالقدرة فيسمى توحيدا # ويقال له قولك خصهم بنفي خاص يفهم منه طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم للأسباب ~~كلام مجمل فماذا تريد به أتريد به عدم صلاحيتهم للأسباب التي أثبتها الله ~~لهم مثل عدم صلاحية الملائكة للنزول بالوحي والعذاب وتدبير العالم وعدم ~~صلاحية الرسول لتبليغ رسالات الله تعالى ونحو ذلك مما أثبته الله لهم أو ~~عدم صلاحيتهم لما اختص PageV02P473 ~~الرب تبارك وتعالى به مثل أن يطلب منه الأمور التي لا يقدر عليها غيره وعدم ~~صلاحيتهم لكونهم يسألون ويدعون بعد موتهم أو يطلب منهم كل ما يطلب من الله تعالى # فإن عنيت الأول فقائله أعظم جرما من أن يقال نقصهم بعبارته إذ قد يكون ~~كافرا مثل أن يتضمن نفيه جحد رسالة الرسول أو جحد نزول الملائكة عليه ~~بالوحي أو جحد ما يدخل في الإيمان من الإيمان بالملائكة ولكن ما نحن فيه ~~ليس من هذا الباب # وإن أردت الثاني فليس في نفي خصائص الربوبية عن المخلوق نقص له يجب ~~تنزيهه عنه فضلا عن أن يجب نفيه عنه فمن قال لا إله إلا الله لم يكن قد نقص ~~الملائكة والأنبياء بنفي الإلهية عنهم # ومن قال إن الملائكة والأنبياء تنفي الإلهية عنهم ليسوا أربابا ولا آلهة ~~ولا يعبدون ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى كان قد نفى عنهم ~~ما يختص به الرب تبارك وتعالى ولم ينف عنهم ما هم أسباب فيه # وإنما يكون نافيا للأسباب إذا قال لا شفاعة لهم ولا يشفعون لأحد ولا ~~يدعون لأحد أو دعاؤهم لا ينفع لأحد فهذا باطل بل كفر PageV02P474 ~~أو قال إنه لا يتوسل إلى الله تعالى بالإيمان بهم ومحبتهم وطاعتهم أو لا ~~يتوسل إليه بدعائهم وشفاعتهم فهذا باطل بل كفر # وهذا ms060 المفتري لما قال إنه يجوز أن يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم في ~~كل ما يستغاث الله فيه وأن ذلك صحيح في حق النبي والصالحين وقال إن كل من ~~توسل إلى الله بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به سواء كان حيا أو ميتا وإن ~~من سأله وطلب منه فقد استغاث به فاقتضى ذلك أنه يطلب منه حيا وميتا كل شيء ~~كما يطلب من الله ويطلب بالتوسل به حيا وميتا كل ما يطلب من الله تعالى وأن ~~ذلك ثابت للصالحين أيضا فاقتضى كلامه أنه يطلب من المخلوق حيا وميتا كل ما ~~يطلب من الخالق سبحانه وتعالى # ومعلوم أن هذا الذي قاله لو كان حقا لم يجز نفي الاستغاثة بوجه من الوجوه ~~كما لا يجوز نفي شفاعته التي أثبتها الله تعالى ونفي استشفاع الناس به يوم ~~القيامة كما نطقت به النصوص ونفي توسل الصحابة بشفاعته ودعائه في الدنيا # فمن قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع لأحد ولا يستشفع به وإنه لم ~~تكن الصحابة يستشفعون به فهو مفتر كذاب بل هو كافر بعد قيام الحجة عليه # وأما من قال إنه لا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى أو PageV02P475 ~~قال إنه لا يسأل بعد موته كما كان يسأل في حياته فهذا قد أصاب فأين هذا من هذا # وأما من قال إنه لا يقسم على الله تعالى بمخلوق ولا يتوسل بميت ولا يسأل ~~بذات مخلوق فإن الصحابة إنما توسلوا بدعائه وشفاعته ولما مات توسلوا بعمه ~~العباس بدعائه وشفاعته ولم يتوسلوا بذاته ولم ينقل عن أحد من السلف أنه ~~توسل إلى الله تعالى بميت في دعائه ولا أقسم به عليه # وهكذا قد قال أبو حنيفة وأبو يوسف وغيرهما إنه لا يجوز أن يقال أسألك بحق ~~الأنبياء وكذلك قال أبو محمد بن عبد السلام إنه لا يقسم عليه بحق الأنبياء ~~وتوقف في نبينا صلى الله عليه وسلم لظنه أن في ذلك خبرا يخصه وليس كذلك ~~فهذا وإن كان مصيبا ففيه ms061 نزاع فقد نقل عن بعض العلماء أنه لا يجوز أن يتوسل ~~إلى الله به بعد موته ونقل في منسك الحج الذي نقله المروزي عن الإمام أحمد # وقد تنازع العلماء في القسم به هل ينعقد به اليمين على قولين # أشهرهما أنه لا ينعقد اليمين به وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحد ~~القولين في مذهب أحمد PageV02P476 # والثاني تنعقد به اليمين وهو الرواية الأخرى عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه # وعلى هذه الرواية فهل الحلف يختص به أو يحلف بسائر الأنبياء على وجهين # أشهرهما الأول # والثاني ذكره ابن عقيل وغيره # فقد يقال إن التوسل به والإقسام على الله به هو من جنس الحلف به فيكون ~~النزاع في هذا كالنزاع في هذا # والصواب ما عليه الجمهور من أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا النبي ولا غيره # ولكن لم يسم أحد من الأمم هذا استغاثة فإن الاستغاثة به طلب منه لا طلب ~~به وهذا اعتقد جواز هذا بالإجماع وسماه استغاثة فلزم جواز الاستغاثة به بعد ~~موته بالإجماع وإذا جاز أن يتوسل به في كل شيء جاز أن يستغاث به في كل شيء # ثم إنه لم يجعل هذا وحده معنى الاستغاثة بل جعل الاستغاثة به PageV02P477 ~~الطلب منه أيضا وكان لا يميز بين هذا المعنى وهذا المعنى بل يجوز عنه أن ~~يستغيث به في كل ما يستغاث الله فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله في ~~طلب الغوث وهذا عنده ثابت للصالحين والاستغاثة طلب الغوث كالاستغاثة ~~والانتصار وذلك ثابت في حياته وهو ثابت عند هذا الضال بعد موته بثبوتها في ~~حياته لأنه عند الله في مزيد دائم لا ينقص جاهه فدخل عليه الخطأ من وجوه # منها أنه جعل المتوسل به بعد موته في الدعاء مستغيثا به وهذا لا يعرف في ~~لغة أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازا مع دعواه الإجماع على ذلك وأن ~~المستغاث به هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به # والثاني ظنه أن توسل الصحابة به في حياته كان توسلا بذاته لا ms062 بدعائه ~~وشفاعته فيكون التوسل به بعد موته كذلك وهذا غلط لكنه يوافقه عليه طائفة من ~~الناس بخلاف الأول فإني ما علمت أحدا وافقه عليه # الثالث أنه أدرج سؤاله أيضا في الاستغاثة به وهذا صحيح جائز في حياته وقد ~~سوى في ذلك بين محياه ومماته وهنا أصاب في لفظ PageV02P478 ~~الاستغاثة لكنه أخطأ في التسوية بين المحيا والممات وهذا ما علمته ينقل عن ~~أحد من العلماء لكنه موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري ففي ~~شعره قطعة منه والشيخ محمد بن النعمان كان له كتاب المستغيثين بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم في اليقظة والمنام وهذا الرجل قد نقل منه فيما يغلب على ظني # وهؤلاء لهم صلاح ودين لكنهم ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام ~~الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام ومعرفة الحلال والحرام وليس معهم دليل ~~شرعي ولا نقل عن عالم مرضي بل عادة جروا عليها كما جرت عادة كثير من الناس ~~بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه # وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر خطأ إلى ~~جهة الشيخ عبد القادر خطوات معدودة واستغاث به وهذا يفعله كثير من الناس ~~وأكبر منه ومنهم من يأتي إلى قبر الشيخ يدعوه ويدعو به ويدعو عنده # وهؤلاء ليس لهم مستند شرعي من كتاب أو سنة أو قول عن الصحابة والأئمة # وهؤلاء ليس عندهم إلا قول طائفة من الشيوخ إذا كانت لكم PageV02P479 ~~حاجة فاستغيثوا بي وتعالوا إلى قبري ونحو ذلك مما فيه تصويبه لأصحابه ~~بالاستغاثة به حيا وميتا # ومنه قول طائفة أخرى قبر معروف ترياق مجرب والدعاء عند قبر الشيخ فلان ~~مجاب ونحو ذلك وحجتهم أن طائفة من الناس استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى ~~في الهواء وقضى بعض تلك الحوائج وأخبر ببعض ما سئل عنه وهذا كثير واقع في ~~المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين والكواكب والأوثان فإن ~~الشياطين كثيرا ما تتمثل لهم فيرونها قد تخاطب أحدهم ولا يراها ولو ذكرت ما ~~أعلم من الوقائع ms063 الموجودة في زماننا من هذا لطال هذا المقام وكلما كان ~~القوم أعظم جهلا وضلالا كانت هذه الأحوال الشيطانية عندهم أكثر وقد يأتي ~~الشيطان أحدهم بمال أو طعام أو لباس أو غير ذلك وهو لا يرى أحدا أتاه به ~~فيحسب ذلك كرامة وإنما هي من الشيطان وسببه شركه بالله تعالى وخروجه عن ~~طاعة الله ورسوله إلى طاعة الشياطين فأضلتهم الشياطين بذلك كما كانت تضل ~~عباد الأصنام ومثل هذه الأحوال لا تكون من كرامات أولياء الله تعالى PageV02P480 # المتقين # ثم انقسموا حزبين حزبا رأوا فيمن يفعلها من الكفر والفسوق والعصيان ما ~~يخرجه عن كونه من أولياء الله تعالى المتقين وكذبوا بما ينقل عنه من ذلك ~~وحزبا رأوا ذلك منه أو ثبت بالنقل المتواتر عن واحد أو عدد من ذلك ما يوجب ~~حصول مثل ذلك لهؤلاء فيظنون أنهم من أولياء الله المتقين # ثم من هؤلاء من يقول من أولياء الله تعالى من له طريق إلى الله تعالى غير ~~مبايعة الرسل # ومن هؤلاء من يفضل كثيرا من الأولياء على الأنبياء # ومنهم من يقول هؤلاء يتصرفون بالقدرة والمشيئة تصرفا خرجوا به عن حكم ~~وجوب طاعة الأنبياء عليهم وصاروا غير مكلفين بأمر الأنبياء ونهيهم ويذكرون ~~حكايات يظنونها صدقا # منها أن أهل الصفة قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار لما انهزم ~~بعض أصحابه يوم أحد وحنين فقال لهم يا أصحابي أين تذهبون وتدعوني PageV02P481 ~~فقالوا نحن مع الله من كان الله معه كنا معه ومرادهم أن كل من معه القدر ~~معه وإن كان كافرا أو فاسقا من غير نظر في العاقبة ولا في وعد الله ووعيده PageV02P482 # ويذكرون ما هو أعظم كفرا من هذه الحكاية وهو أن الله تعالى أطلع رسوله ~~على سر الأسرار ليلة المعراج وأمره أن لا يخبر به أحد وأنه رأى أهل الصفة ~~يتكلمون به فقال لهم من أين لكم هذا فقالوا أخبرنا الله به فقال يا رب ألم ~~تأمرني أن أكتم هذا السر فقال أنا أمرتك أن تكتمه وأنا أخبرتهم به # وقد ذكر لي ms064 هذه الأمور غير واحد من كبار شيوخ هؤلاء عن غير واحد من ~~شيوخهم الكبار فبينت لهم كذب هذا حتى قلت لبعضهم الصفة إنما كانت بالمدينة ~~والمعراج كان بمكة فلم يكن ليلة PageV02P483 ~~المعراج أحد يذكر أنه من أهل الصفة # وأعظم من هذا كفرا ما يذكره بعضهم من أن الله أمر نبيه بزيارة أهل الصفة ~~وأنه ذهب ليزورهم فلم يفتحوا له الباب وقالوا له اذهب إلى من أرسلت إليه ~~فإنه لا حاجة لنا بك وأنه عاد إلى ربه فأمره أن يذهب إليهم ويتأدب معهم ~~ويقول خادمكم محمد جاء ليزوركم # وكل هذا كفر من قائله ومعتقده ونحو هذه الكفريات لا يقولها PageV02P484 ~~إلا من هو أبعد الناس عن الإيمان بالله ورسوله ومع هذا فهي عند أصحابها من ~~حقائق العارفين وأسرار أولياء الله المصطفين خواص الرب الذين هم أفضل من ~~الأنبياء والمرسلين عند أصحابهم هؤلاء الكفار الذين هم أكفر من اليهود ~~والنصارى # فهذه حكايات في آثار حصلت لبعض من استغاث ببعض المخلوقين الميتين ~~والغائبين وعندهم عادات وجدوا عليها سلفهم ممن كان له نوع من العلم ~~والعبادة والزهد فليس معهم بذلك حديث يروى ولا نقل عن صحابي ولا تابعي ولا ~~قول إمام مرضي # ولهذا لما نبه من نبه من فضلائهم على ذلك تنبهوا وعلموا أن ما كانوا عليه ~~ليس من دين الإسلام بل هو مشابهة لعباد الأصنام لكن هؤلاء كلهم ما فيهم من ~~يعد نفي هذا والنهي عنه كفرا إلا مثل هذا الأحمق الضال الذي حاق به وبيل ~~النكال فإنه من غلاة أهل البدع الذين PageV02P485 ~~يبتدعون القول ويكفرون من خالفهم فيه كالخوارج والروافض والجهمية فإن هذا ~~القول الذي قالوه لم يوافقهم عليه أحد من علماء المسلمين الأولين والآخرين ~~وقد طاف بجوابه على علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقوه وطلب منهم أن ~~يخالفوا الجواب الذي كتبته فما خالفوه وقد كان بعض الناس يوافقه على جواز ~~التوسل بالنبي الميت لكنهم يوافقوه على تسميته استغاثة ولا على كفر من أنكر ~~الاستغاثة به ولا جعلوا هذا من السبب بل ms065 عامتهم وافقوا على منع الاستغاثة ~~به بمعنى أنه يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله # وما علمت عالما نازع في أن الاستغاثة بالنبي وغيره من المخلوقين بهذا ~~المعنى لا تجوز مع أن قوما كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك ~~قياما عظيما واستعانوا بمن كان له غرض وهوى من ذوي السلطان وجمعوا الناس ~~وعقدوا مجلسا عظيما ضل فيه سعيهم وظهر فيه جهلهم وخاب قصدهم وظهر فيه الحق ~~لمن كان يعاونهم من الأعيان وتمنوا أن ما فعلوه ما كان لأنه كان سببا لظهور ~~الحق مع الذي عادوه وقاموا عليه وسببا لانقلاب الخلق إليه وكانوا كالحافر PageV02P486 ~~حتفه بظلفه والجادع ما رن أنفه بكفه مع فرط عصبهم وكثرة جمعهم وقوة سلطانهم ~~ومكايدة شيطانهم # وهذه الطريقة التي سلكها هذا وأمثاله هي طريقة أهل البدع الذين يجمعون ~~بين الجهل والظلم فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة ~~ويكفرون من خالفهم في بدعتهم # كالخوارج المارقين الذين ابتدعوا ترك العمل بالسنة المخالفة في زعمهم ~~للقرآن وابتدعوا التكفير بالذنوب وكفروا من خالفهم حتى كفروا عثمان بن عفان ~~وعلي بن أبي طالب ومن والاهما من المهاجرين والأنصار وسائر المؤمنين نقل ~~الأشعري في كتاب المقالات أن الخوارج مجمعة على تكفير علي رضي الله عنه # وكذلك الرافضة ابتدعوا تفضيل علي على الثلاثة وتقديمه في الإمامة والنص ~~عليه ودعوى العصمة له وكفروا من خالفهم وهم جمهور الصحابة وجمهور المؤمنين ~~حتى كفروا أبا بكر وعمر وعثمان ومن تولاهم هذا هو الذي عليه أئمتهم PageV02P487 # وكذلك الجهمية ابتدعت نفي الصفات المتضمن في الحقيقة لنفي الخالق ولنفي ~~صفاته وأفعاله وأسمائه وأظهرت القول بأنه لا يرى وأن كلامه مخلوق خلقه في ~~غيره لم يتكلم هو بنفسه وغير ذلك ثم إنهم امتحنوا الناس فدعوهم إلى هذا ~~وجعلوا يكفرون من لم يوافقهم على ذلك # وكذلك القدرية ابتدعت التكذيب بالقدر وأنكرت مشيئة الله النافذة وقدرته ~~التامة وخلقه لكل شيء وكفروا أو منهم من كفر من خالفه # وكذلك الحلولية والمعطلة للذات والصفات يكفر كثير منهم من خالفهم # فالذين ms066 يقولون إنه بذاته في كل مكان منهم من يكفر من خالفه والذين يقولون ~~إنه لا مباين للمخلوقات ولا عال عليها PageV02P488 ~~فمنهم من يكفر من خالفه # والذين يقولون ليس كلامه إلا معنى واحدا قائما بذاته ومعنى التوراة ~~والإنجيل والقرآن واحد والقرآن العزيز ليس هو كلامه بل كلام جبريل أو غيره ~~فمنهم من يكفر من خالفه # والذين يقولون بقدم بعض أحوال العبد كالذين يقولون بقدم صوته بالقرآن أو ~~قدم بعض أفعاله أو صفاته وقدم أشكال المداد فمنهم من يكفر من خالفه # والذين يقولون بقدم روح العبد أو بقدم كلامه مطلقا أو قدم أفعاله الصالحة ~~أو أفعاله مطلقا فمنهم من يكفر من خالفه # والذين يقولون إن الله يرى بلا عين في الدنيا منهم من يكفر من خالفه # والذين يهينون المصحف وربما كتبوه بالنجاسة فمنهم من يكفر من خالفه PageV02P489 ~~ونظائر هذا متعددة # وأئمة السنة وا 4 لجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة ~~فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة ويعدلون على ~~من خرج منها ولو ظلمهم كما قال تعالى: {كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} ويرحمون الخلق ~~فيريدون لهم الخير والهدى والعلم لا يقصدون الشر لهم ابتداء بل إذا عاقبوهم ~~وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا PageV02P490 # فالمؤمنون أهل السنة هم يقاتلون في سبيل الله ومن قاتلهم يقاتل في سبيل ~~الطاغوت كالصديق رضي الله عنه مع أهل الردة وكعلي ابن أبي طالب مع الخوارج ~~المارقين ومع الغلاة والسبائية فأعمالهم خالصة لله تعالى موافقة للسنة ~~وأعمال مخالفيهم لا خالصة ولا صواب بل بدعة واتباع الهوى ولهذا يسمون أهل ~~البدع وأهل الأهواء # قال الفضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} ~~قال أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال إن العمل إذا كان ~~خالصا ms067 ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى ~~يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة PageV02P491 # فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف ~~يكفرهم لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى ~~بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله لأن الكذب والزنا حرام لحق الله ~~تعالى وكذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله # وأيضا فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة ~~النبوية التي يكفر من خالفها وإلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر # ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين كقدامة بن مظعون وأصحابه شرب ~~الخمر وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة اتفق ~~علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم PageV02P492 ~~يستتابون فإن أصروا على الاستحلال كفروا وإن أقروا به جلدوا فلم يكفروهم ~~بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق فإذا ~~أصروا على الجحود كفروا # وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله إذا أنا مت فأسحقوني ثم ذروني ~~في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ~~فأمر الله البر فرد ما أخذ منه وأمر البحر فرد ما أخذ منه وقال ما حملك على ~~ما فعلت قال خشيتك يا رب فغفر له فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر الله ~~على إعادته وأنه لا يعيده أو جوز ذلك وكلاهما كفر لكن كان جاهلا لم يتبين ~~له الحق PageV02P493 ~~بيانا يكفر بمخالفته فغفر الله له # ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى ~~فوق العرش لما وقعت محنتهم أنا لو وافقتكم كنت كافرا لأني أعلم أن قولكم ~~كفر وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم ~~وشيوخهم وأمرائهم وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من ms068 معرفة ~~المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له وكان هذا خطابنا # فلهذا لم نقابل جهله وافتراءه بالتكفير بمثله كما لو شهد شخص بالزور على ~~شخص أو قذفه بالفاحشة كذبا عليه لم يكن له أن يشهد عليه بالزور ولا أن ~~يقذفه بالفاحشة وقد كفانا ذلك شيخه وغيره من الناس فبينوا من ضلاله وجهله ~~ما ذكروه وذموه وعابوه وتنقصوه به كما هو معروف عن شيخه الجزري وغيره من ~~أهل العلم PageV02P494 # والمقصود هنا أن قوله ومن خص الرسول أو الملائكة بنفي خاص يفهم منه طرح ~~رتبتهم وعدم صلاحيتهم فقد نقصهم بعبارته فهي كلمة حق أريد بها باطل # ونحن نقول بموجب هذا الكلام وهو معناه الصحيح فإن من نفى ما يستحقونه من ~~الرتبة وما يصلحون له من الأسباب فهو مفتر كذاب لكن الشأن ليس هو المنفي من ~~هذا الباب ولو لم تقابل دعواه إلا بالمنع لكفانا فإنه يقال له لا نسلم أن ~~الاستغاثة بهم مشروعة في كل ما يستغاث فيه بالله ولا أنها وسيلة من وسائل ~~الله في ذلك كله بل سلمنا أن الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه قد تكون سببا ~~وقد لا تكون فإن الناس يستغيثون بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة في ~~الشفاعة فيشفع لهمم ويستغيث به من أنذره في دفع العذاب فيقول «لا أملك لك ~~من الله شيئا» كما في الحديث الصحيح «لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على ~~رقبته بعير له رغاء فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله ~~شيئا قد أبلغتك» # وليس كل من طلب من النبي صلى الله عليه وسلم ما يقدر عليه أعطاه إياه إذ قد PageV02P495 ~~يكون ذلك غير جائز كما في الصحيح أنه سأله الفضل بن عباس وربيعة ابن الحارث ~~بن عبد المطلب أنه يوليهما على الصدقات فلم يجبهما وقال: «إنها أوساخ الناس ~~وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» وكذلك سأله وفد هوازن السبي والمال ~~فبذل لهم إحدى الطائفتين وسألته أم حبيبة أن يتزوج أختها فقال: «إنها لا ~~تحل لي» ms069 # بل يقال لا نسلم أن التوسل بذاتهم مشروع بحال في الحياة PageV02P496 ~~والممات وليس في شيء مما ذكره دليل على موارد النزاع فإن مضمون ما ذكره جمل # أحدها أن الاستغاثة طلب الإغاثة والتخلص من الكرب والشدة وأن الإغاثة ~~تضاف إلى المخلوق كما يضاف إليه الإطعام والاستعانة والإعانة والهداية ~~والتعليم وهذا صحيح وليس فيه أن الميت يستغاث به كما أنه ليس فيه أنه ~~يستطعم ويستسقى ويستهدى ويستنصر ويستغاث به ولا فيه أن ما كان من هذا الباب ~~لا يقدر عليه إلا الله تعالى فإنه يطلب من غيره # الجملة الثانية التي من كلامه أن من توسل إلى الله تعالى بنبيه في تفريج ~~كربة فقد استغاث به سواء كان بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما في ~~معناهما وقول القائل أتوسل إليك يا إلهي برسولك وأستغيث برسولك عندك أن ~~تغفر لي استغاثة بالرسول حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم # وهذا الكلام كذب باطل لم يسبقه إليه أحد ولا ريب أنه لجهله وهواه وقع في ~~هذا وإلا فما تعمد أن يقول ما يعلم أنه كذب ولم يقل أحد قط استغثت برسولك ~~عندك ولا هذا عند أحد لا العرب ولا PageV02P497 ~~غيرهم وهو ظن أن الباب في التوسل كالباب في الاستغاثة وليس كذلك فإنه يقال ~~استغاثه واستغاث به كما يقال إنه استعانه واستعان به فالمستغاث به هو ~~المسؤول وأما المتوسل به فهو الذي يتسبب به إلى المسؤول # الجملة الثالثة قوله إن الاستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته ~~لأنه عند الله في مزيد دائم ثم لا ينقص جاهه وهذا لفظ صحيح لو كان معنى ~~الاستغاثة الإقسام به والتوسل بذاته فإن ذاته بعد الموت لم تنقص بل هي في ~~مزيد دائم من ربه عز وجل بأبي هو وأمي لكن هذه المقدمة باطلة كما قد عرف # فأما إذا كان معنى الاستغاثة هو الطلب منه فما الدليل على أن الطلب منه ~~ميتا كالطلب منه حيا وعلو درجته بعد الموت لا يقتضي أن يسأل كما لا يقتضي ~~أن يستفتى ولا ms070 يمكن أحد أن يذكر دليلا شرعيا على أن سؤال الموتى من ~~الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع بل الأدلة الدالة على تحريم ذلك كثيرة حتى ~~إنه إذا قدر أن الله تعالى يكلفهم بأعمال يعملونها بعد الموت لم يلزم من ~~ذلك جواز دعائهم كما لا يجوز PageV02P498 ~~دعاء الملائكة وإن كان الله وكلهم بأعمال يعملونها لما في ذلك من الشرك ~~والذريعة إلى الشرك # وهو قد احتج بحديث الأعمى الذي قال اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي ~~محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة وهذا الحديث لا حجة فيه لوجهين # أحدهما أنه ليس هو استغاثة به بل توجه به # والثاني أنه إنما توجه بدعائه وشفاعته فإنه طلب من النبي صلى الله عليه ~~وسلم الدعاء وقال في آخره اللهم فشفعه في فعلم أنه يشفع له فتوسل بشفاعته ~~لا بذاته كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء وكما توسلوا بدعاء ~~العباس بعد مماته صلى الله عليه وسلم # وهذا المحتج به بنى حجته على مقدمتين فاسدتين على أنهم PageV02P499 ~~توجهوا بذاته وأن ذلك يسمى استغاثة به فلزم من ذلك جواز ذلك بعد موته وفساد ~~إحدى المقدمتين يبطل كلامه فكيف إذا بطلتا # وما ذكره من توسل آدم وحكاية المنصور فجوابها من وجهين # أحدهما أن هذا لا أصل له ولا تقوم به حجة ولا إسناد لذلك # والثاني أنه لو دل لدل على التوسل بذاته لا على الاستغاثة به # وأما فتح الكوة لينزل المطر فهو أيضا باطل كما تقدم التنبيه عليه ومع هذا ~~فليس من هذا # وكذلك استسقاؤهم بدعائه ليس من هذا الباب # وأما اشتكاء البعير إليه فهذا كاشتكاء الآدمي إليه وما زال الناس ~~يستغيثون به في حياته كما يستغيثون به يوم القيامة # وقد قلنا إنه إذا طلب منه ما يليق بمنصبه فهذا لا نزاع فيه والطلب منه ~~منه في حياته والاستغاثة به في حياته فيما يقدر عليه لم ينازع فيه أحد # فما ذكره لا يدل على مورد النزاع ولكن هذا أخذ لفظ الاستغاثة PageV02P500 ~~ومعناها العام فجعل يتشبث بهما وهذا إنما يليق ms071 بمن قال لا يستغيث به أحدا ~~حيا ولا ميتا في شيء من الأشياء ومعلوم أن عاقلا لا يقول هذا في آحاد ~~العامة فضلا عن الصالحين فضلا عن الأنبياء والمرسلين فضلا عن سيد الأوليين ~~والآخرين فإنه ما من أحد إلا ويمكن أن يستغاث به في بعض الأشياء فكيف بأفضل ~~الخلق وأكرمهم على الله تعالى ولكن النفي عاد إلى الشيئين إلى الاستغاثة به ~~بعد الموت وإلى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فكيف إذا ~~اجتمعا جميعا فإن من الناس من يستغيث بالموتى من الأنبياء والصالحين ويطلب ~~منهم ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى # فهذه الجمل الثلاث ملخص كلامه وليس فيما ذكره ما يدل على مورد النزاع ولا ~~ما يناقض جواب المجيب والحمد لله رب العالمين # فعلم أن منازعيه لم يخصوا الملائكة والرسول بنفي يفهم منه طرح رتبتهم ~~وعدم صلاحيتهم للأسباب # وأما قوله ولم يجعل الله تعالى لأحد تنقيص الرسل وأجمع السلف والخلف على ~~وجوب تعظيمهم في الاعتقاد والأقوال والأفعال # فيقال هذا حق لكنه كما قال علي بن أبي طالب رضى الله PageV02P501 ~~تعالى عنه كلمة حق أريد بها باطل وهو أن من سألهم ما لا يقدرون عليه أحياء ~~وأمواتا فقد آذاهم واعتدى عليهم وهو مستحق للعقوبة التي يستحقها مثله # بل من سألهم ما لا يريدون فعله حتى فعلوا ما يكرهونه فهو مستحق للذم والمقت # ومن ابتدع في دينهم مالم يأذن به الله وما يخالف ما جاؤوا به لزم أن يكون ~~دينهم ناقصا وأنهم أتوا بالباطل وهذا مناقص بلا ريب لما يجب من الإيمان بهم ~~وتعزيزهم وتوقيرهم ومن خالف ما جاؤوا به من توحيد الله تعالى وإفراده ~~بالدعاء فهو من أعظم المخالفين لهم اعتقادا وقولا وعملا فإن أعظم ما دعوا ~~إليه التوحيد فالمخالف له من أعظم الناس مخالفة لهم وقد بين في الصارم ~~المسلول أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان وكل أمة لا تصدق الرسل فلا ~~تكون إلا مشركة وكل مشرك فإنه مكذب بالرسل فمن PageV02P502 ~~دخل في نوع من الشرك ms072 الذي نهت عنه الرسل فإنه مناقض لهم مخالف لموجب ~~رسالتهم # وإذا كان كذلك فما قال هذا المفتري وأمثاله هو بدعة لم تشرعها الرسل لو ~~لم يرد ما يتضمن النهي عنها فكيف إذا علم أنه نهي عنها # أما المقام الأول فإنه لا يمكن أحدا أن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~شرع لأمته أن يستغيثوا بميت لا نبي ولا غيره لا في جلب منفعة ولا دفع مضرة ~~لا بهذا اللفظ ولا معناه # فلا يشرع لهم أن يدعوا ميتا ولا يسألوه ولا يدعوا إليه ولا أن يستجيروا ~~به ولا يدعوه لا رهبة ولا رغبة # ولا يقول أحد لميت أنا في حسبك وأنا في جوارك وأنا PageV02P503 ~~أريد أن تفعل كذا وكذا # ولا أن يخطو إلى قبر ميت خطوات وأن يتوجه إلى جهة قبره ويسأل كما يفعل ~~هذا كثير من النصارى وأشباه النصارى من ضلال هذه الأمة بكثير من شيوخهم ~~وغير شيوخهم # ولا يشرع لأحد أن يقول لميت سل الله تعالى لي أو ادع لي # ولا يشرع لهم أن يشكو إلى ميت فيقول أحدهم مشتكيا إليه علي دين أو آذاني ~~فلان أو قد نزل بنا العدو أو أنا مريض أو أنا خائف ونحو ذلك من الشكاوى ~~سواء كان هذا السائل عند قبر الميت أو كان بعيدا منه وسواء كان الميت نبيا ~~أو غيره # بل ولا يشرع لأمته إذا كان لأحدهم حاجة أن يقصد قبر نبي أو صالح فيدعوا ~~لنفسه ظانا أن الدعاء عند قبره يجاب PageV02P504 # بل ولا يشرع لأمته أن يقسموا عليه بمخلوق من المخلوقات لا نبي ولا غيره ~~سواء أقسموا عليه لحاجة أو غير حاجة # ولا يشرع لأمته أن يتوسلوا إلى الله تعالى بذات ميت أصلا بل ولا بذات حي ~~إلا أن يكون التوسل بما أمر الله به من الإيمان به وطاعته أو بدعاء المتوسل ~~به وشفاعته # فأما إذا لم يكن المتوسل يتوسل بما أمر الله به ولا بدعاء الداعي له فليس ~~هناك وسيلة شرعها الله تعالى ورسوله # فإذا كان النبي والرجل ms073 الصالح له عند الله من الجاه والقدر والحرمة ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فهذا لا ينتفع المتوسل به إلا ~~بأحد أمرين # إما أن يتوسل المتوسل بما أمر الله به من الإيمان به ومحبته وطاعته ~~وموالاته والصلاة عليه والسلام ونحو ذلك فهذه هي الوسيلة التي PageV02P505 ~~أمر الله بها في قوله تعالى {اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} # فالوسيلة تجمعها طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فكل وسيلة طاعة للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وكل طاعة للرسول وسيلة و{من يطع الرسول فقد أطاع الله} ~~{ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} # والوجه الثاني أن يدعو له الرسول فهذا أيضا مما يتوسل به إلى الله تعالى ~~فإن دعاءه وشفاعته عند الله تعالى من أعظم الوسائل # فأما إذا لم يتوسل العبد بفعل واجب ولا مستحب ولا الرسول دعا له فليس في ~~عظم قدر الرسول ما ينفعه # ولكن بعض الذين دخلوا في دين الصابئين والمشركين ظنوا أن شفاعة الرسول ~~لأمته لا يحتاج إلى دعاء منه بل الرحمة التي تفيض PageV02P506 ~~على الرسول تفيض على المستشفع به من غير شعور من الرسول ولا دعاء منه ~~ومثلوا ذلك بإنعكاس شعاع الشمس إذا وقع على جسم صقيل ثم انعكس على غيره فإن ~~الشمس إذا وقعت على ماء أو مرآة وانعكس شعاعها على حائط أو غيره حصل النور ~~في الموضع الثاني بواسطة الشعاع المنعكس على المرآة قالوا فهكذا الرحمة ~~تفيض على النفوس الفاضلة كنفوس الأنبياء والصالحين ثم تفيض بتوسطهم على ~~نفوس المتعلقين بهم وكما أن انعكاس الشعاع يحتاج إلى المحاذاة فكذلك الفيض ~~لا بد فيه من توجه الإنسان إلى النفوس الفاضلة وجعل هؤلاء الفائدة في زيارة ~~قبورهم من هذا الوجه وقالوا إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة ~~فيقوى تأثيرها # وهذه المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة ومن أخذ عنهم كإبن سينا وأبي حامد وغيرهم # وهذه الأحوال هي من أصول الشرك وعبادة الأصنام وهي ms074 من PageV02P507 ~~المقاييس الفاسدة التي قال عنها بعض السلف ما عبدت الشمس والقمر إلا ~~بالمقاييس وهي من أقوال من يقول إن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف في ~~العالم لا بكون الله يجيب الداعي وهي مبنية على أن الله تعالى ليس بفاعل ~~مختار يحدث الحوادث بمشيئته واختياره # بل هؤلاء يقولون إن الرب سبحانه وتعالى يوجب العالم بذاته ويسمونه علة ~~العلل ويقولون علة العلل ويقولون إنه علة تامة وإذا كان كذلك فلا بد ~~للحوادث من سبب فجعلوا حدوثها سبب حركة الفلك وما يحدث عنها من الأشكال ~~الفلكية والاتصالات الكوكبية # ثم الإلهيون منهم يقولون إن الحركة بسبب الاستعدادات من PageV02P508 ~~العالم السفلي لأن يفيض عليها من العقل الفعال الصور النوعية وأن يفيض على ~~النفوس العلوم والأخلاق وغير ذلك # وهؤلاء يجوزون أن يعبد الإنسان الكواكب لأنه بتوجهه إليها يفيض إليه منها ~~أمور وكذلك الأصنام لأنه بتوجهه إلى الصنم يكون متوجها إلى صاحبه فيفيض ~~عليه أمور والنفوس المفارقة هي سعيدة فإذا توجه المتوجه إلى تلك النفوس ~~والقبور التي دفن فيها بدنها فاض عليها منها ما يفيض # وقد بسطنا الكلام على هؤلاء وبينا فساد قولهم بالعقل الصريح المطابق ~~للنقل الصحيح بما ليس هذا موضعه # والكلام إذا كان في أحكام أفعال العباد لم يكن لأحد أن يتكلم إلا بدليل ~~شرعي لا أن يدعو إلى دين غير دين الإسلام ولا ريب أن هذه الأقوال ونحوها ~~تدعو إلى غير دين الإسلام # وقول هذا المفتري وأمثاله يجر إلى مثل هذا لكنهم لا يعرفون أصل قولهم ~~ولوازمه بل هم على عادة تعودوها واتباع لشيوخ لهم فيهم نوع من علم ودين ليس ~~لهم خبرة بحقيقة ما جاء به الرسول وعندهم PageV02P509 ~~تعظيم الأنبياء والصالحين من جنس تعظيم النصارى والمشركين يعظمونهم تعظيم ~~ربوبية من جهة ما يرجونه في حصول مطالبهم من جهتهم لا يعظمونهم لكونهم رسل ~~الله الذين أمروا بطاعتهم فيجب أن يطاعوا فيما أمروا به وأن يقتدي بهم فيما ~~يشرع التأسي بهم فيه ويعرضون عن بعض طاعتهم والتأسي بهم ويقبلون على نوع من ~~دعائهم ms075 وسؤالهم والإشراك بهم وهؤلاء بالنصارى أشبه منهم بالصابئة الفلاسفة ~~لكن الجميع فيهم شرك # ونحن في هذا الموضع ليس بنا حاجة إلى نفي تأثير هذه الأسباب فإنه ليس كل ~~سبب أثر يكون مشروعا بل الشارع ينهى عن أمور لها تأثير في طلب بعض المطالب ~~إذا كان ضررها راجحا على نفعها كما ينهى عن PageV02P510 ~~السحر ونحو ذلك وإن كان قد يمكن أن يقتل به كافرا ويطلع بذلك على بعض أخبار ~~أعداء الإسلام وكذلك عباد الكواكب والأصنام قد تخاطبهم الشياطين وتحصل لهم ~~بعض مطالبهم # ودعاء الغائبين والأموات من هذا الباب فقد يحصل أحيانا أن شيطانا يتمثل ~~للداعي وقد يحصل بعض مطالبه لكن هذا كله منهي عنه لما ترتب عليه من الفساد ~~ما يغمر ما يظن فيه من المنفعة # وهذه التأثيرات قد تحصل عند بعض القائلين بقدم العالم والقائلين بحدوثه ~~بخلاف من يقول إن الأثر الحاصل لا يكون إلا فيضا فهذا لا يكون إلا على قول ~~القائلين بالقدم # وقد بينا في غير هذا الموضع أن هؤلاء الذين يقولون بقدم العالم وصدوره عن ~~موجب بذاته هو علة تامة حقيقة قولهم أن الحوادث تحدث بلا محدث أصلا وأن ~~حركة الفلك الحادثة شيئا بعد شيء ليس لها محدث أصلا وهم يقولون إنه متحرك ~~حركة شوقية بقولهم في حركته من جنس قول القدرية في حركة الحيوان والقدرية ~~أخرجوا فعل الحيوان أن يكون مخلوقا لله عز وجل وأثبتوا حادثا لا محدث له ~~وهؤلاء الصابئة والفلاسفة أخرجوا حركة الفلك وجميع الحادثات من أفعال ~~الحيوان وغيرها عن أن PageV02P511 ~~تكون مخلوقة لله تعالى وأثبتوا هذه الحوادث بلا محدث # والناس ردوا على القدرية وقالوا إرادة العبد حادثة بعد أن لم تكن فلا بد ~~لها من محدث وإذا قيل إن العبد أحدثها بلا إرادة لزم وقوع الحوادث من ~~المختار بلا إرادة وإن قيل بإرادة فالقول فيها كالقول في الأولى وهؤلاء ~~القدرية قالوا إرادة الرب يحدثها لا في محل بلا إرادة منه كما قال ذلك ~~البصريون من المعتزلة وقالوا إرادة العبد يحدثها في نفسه بلا ms076 إرادة منه ~~وكلاهما ممتنع # ثم يقال لهم حدوثها بعد أن لم تكن حادثة أمر حادث فلا بد له من محدث وقد ~~يقال الإرادة أمر ممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح تام والمحدث ~~والمرجح إن كان من العبد فالقول في حدوثه كالقول في الأول وذلك يستلزم ~~التسلسل في أفعال العباد وأفعال العباد لها أول فيمتنع التسلسل فيها فلزم ~~أن يكون المحدث المرجح لها خارجا عن العبد وكل ما يذكر سوى الرب تعالى منته ~~إليه والمحدث المرجح هو الله تعالى # وقول الصابئة والفلاسفة أفسد من قول القدرية فإنه يقال إذا كان الرب ~~عندكم علة تامة موجبا بذاته في الأزل لم يزل ولا يزال هكذا ومعلولة لازم ~~لذاته لا يمكن تأخره عنه امتنع أيضا أن تصدر عنه حركة الفلك وغيرها من ~~الحوادث وامتنع أن يصدر عنه ما يستلزم الحوادث والعالم مستلزم للحوادث ~~فيمتنع صدوره عن العلة التامة لأن الحوادث PageV02P512 ~~تحدث شيئا بعد شيء كما أن حركة الفلك تحدث شيئا بعد شيء والعلة التامة لا ~~يحدث معلولها ولا شيء من معلولها شيئا بعد شيء بل جميع معلولها مقارن لها ~~أزلا وأبدا لا يتأخر منه شيء عن الأول وإذا كان كذلك فالحوادث كأجزاء ~~الحركة الفلكية يمتنع صدورها عن الموجب بذاته # وإذا قيل إن الحركة سببها الشوق الذي هو في الفلك للتشبيه بالأول قيل ~~فتلك الإرادة والتصور الذي هو سر ما في الإرادة الذي هو سبب الحركة بتجدده ~~هو أيضا من الحوادث المتعاقبة وهو نوع حركة نفسانية فلا بد لها من محدث ~~فإذا كانت العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها امتنع صدورها عنه وإذا كان ~~الفلك لا يخلوا عن الحوادث امتنع صدورها عنه لأن وجود الملزوم بدون اللازم ~~ممتنع ولو قدر مقدر أن العالم لم يكن فيه حادث ثم تجددت الحوادث لكان القول ~~فيما ليس بمتجدد كالقول في غيره فإن التقدير أنه هناك فاعل لا علة تامة ~~والعلة التامة لا يتجدد عنها شيء بل معلولها مقارن لها وهذا إذا تصوره ~~العاقل علم بالضرورة بطلان ms077 قول هؤلاء الذين هم من أبعد الناس عن المعقول ~~الصريح كبعدهم عن المنقول الصحيح ثم هل تقوم بالرب الأمور PageV02P513 ~~الاختيارية التي يسمونها الحوادث لهم في ذلك قولان كما للمتكلمين قولان # وطائفة من الأساطين القدماء يجوزون ذلك وهو قول أبي البركات صاحب المعتبر ~~وغيره من متأخريهم ومنهم من لا يجوزه كابن سينا وأمثاله فمن لم يجوز ذلك ~~ظهر فساد قوله بقدم العالم ظهورا بينا ومن جوزه أيضا فيمتنع عليه أن يقول ~~بقدم شيء من العالم فإنه حينئذ إذا كان الرب تعالى يفعل شيئا بعد شيء ~~بأفعال تقوم بذاته لم يكن قط علة تامة لمفعولاته بل كل ما يفعله ويحدثه هو ~~فاعل له حين أحدثه وفعله والمؤثر التام يستلزم أثره كما أن الأثر يستلزم ~~مؤثره التام # ولهذا كان مذهب أهل السنة أن القدرة لا بد أن تكون مع مقدورها لا يجوز أن ~~تكون معدومة عن وجود المقدور لكن تنازعوا هل يكون وجودها قبل مع بقائها ~~والصواب هو التفريق بين القدرة المصححة التي يشترط في الفعل معها وجود ~~الإرادة وبين القدرة الموجبة وهي مجموع ما يستلزم المقدور PageV02P514 # وأما القدرية فقالوا إن القدرة لا تكون إلا قبل الفعل وإذا كان الحوادث ~~يحدثها شيئا بعد شيء بحسب حدوثها لزم أن تقوم به الأفعال الاختيارية # وإذا كان كذلك بطل أصل قولهم الذي بنوا عليه قدم العالم حيث قالوا هو ~~موجب بالذات لا فاعل بالاختيار وإذا كان كذلك قارنت موجبه فإذا كان نفس ~~الحوادث يستلزم أن يكون فاعلا أفعالا متعاقبة بطل كونه وموجبا بذاته ~~بمقارنة موجبه فبطل التلازم الذي ذكروه وجاز أن يكون محدثا للأفلاك وإن كان ~~قد احدث قبلها شيئا آخر كما أخبر الله تعالى أنه خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام وكان عرشه على الماء # وكذلك في التوراة أنه ابتدأ خلق السماوات والأرض وكان الماء مستبحرا ~~غامرا للأرض والرياح تهب فوقه وملخص ذلك أنه لو كان شيء من العالم قديما ~~لكان موجبا بذاته يقارنه موجبه لا يتأخر عنه # والثاني باطل لأنه لو كان كذلك لم ms078 يحدث في العالم شيء لأن العالم بجميع ~~ما فيه موجب له فلو كان موجبه يقارنه في الأزل لزم أن لا يحدث في العالم ~~شيء ولو وجد العالم دون الحوادث لوجد الملزوم PageV02P515 ~~دون اللازم ولحدثت الحوادث بعد ذلك عن الموجد المستلزم لموجبه في الأزل ~~وكلاهما ممتنع # وكل خبر في العالم فهو مستلزم لمقارنة الحوادث إذ يمكن أن تقوم به ~~الحوادث فلو كان صادرا عن موجب بالذات لامتنع حدوث الحوادث مقارنة له أو ~~حادثة بعده لأن صدورهما عن موجب بالذات ممتنع لا سيما والذات التي من شأنها ~~أن تقوم بها الأفعال المتعاقبة فيفعل شيئا بعد شيء لا يكون فعل معين لازما ~~لذاتها فلو كان في العالم شيء قديم تبين أنه إنما يلزم نوع الأفعال لا فعل ~~مع معين # وأيضا فلزوم الفعل المعين لمفعول معين لذات تقوم بها الأفعال المتعاقبة ~~وتنفعل شيئا بعد شيء غير معقول فإنها متى كانت كذلك امتنع أن يلازمها أزلا ~~وأبدا فعل معين فإن ملازمة المعين ينافي كون فعلها شيئا بعد شيء # وإذا قيل يلزمها فعل معين ولا يلزمها شيء من الأفعال كانت أفعالها منقسمة ~~إلى معين لازم لها وإلى نوع يحدث شيئا بعد شيء فهي للأول موجبة بذاتها ~~والثاني فاعلة باختيارها فيكون موجبه بالذات المفعول وفاعل بالاختيار ~~لمفعولات واجتماع هذين في الذات الواحدة تناقض لأن كونها فاعلة بعد ~~اختيارها شيئا بعد شيء يناقض اتصالها PageV02P516 ~~بالإيجاب بالذات مع أن الفعل المعين الملازم للذات لا يعقل ولا يقبل الفعل ~~إلا الإحداث وإنما يقبل فيما كان لازما لها أن تكون صفة لها كالحياة لا أن ~~يكون مفعولا لها فكونه مفعولا يناقض كونه معه لازما لا سيما إذا كان الفاعل ~~فاعلا بالاختيار # والمقصود هنا أنه إذا لم يحصل من العبد فعل أمره الله تعالى به في حق ~~الرسول ولم يحصل من الرسول شفاعة له فلا يتصور أن ينتفع بجاه الرسول منفعة ~~أمر الله تعالى بها ودينه في دين الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود ~~والنصارى وغيرهم لكن على قول غير أهل التوحيد من ms079 المشركين القائلين بحدوث ~~العالم والقائلين بقدمه فإن المشرك قد يدعو إلها من دون الله فتخاطبه ~~الشياطين وربما قضت له بعض الحاجات وهذا معروف في عباد الكواكب والأصنام ~~وعباد الموتى من الصالحين وغير الصالحين # وأما على قول الصنف والثاني من المشركين الذين جمعوا في الحقيقة بين ~~التعطيل والإشراك فأنكروا أن يكون خالقا للعالم بقدرته ومشيئته وهم مشركون ~~فمن هؤلاء من يقول إنه قد يفيض عليه من الشفيع شيء بغير PageV02P517 ~~دعاء الرسول لكن لا بد عند هؤلاء من توجه من العبد ولا يشترطون التقرب بما ~~شرعته الرسل بل يمكن عندهم إذا سجد لتمثاله أو لقبره ودعاه من الله تعالى ~~أن يحصل له ذلك كما يحصل له إذا توجه للشمس من سخونة شعاعها ما يحصل # والفرق بين الموحدين والمشركين أن الموحدين يقولون إن ما أمرت به الرسل ~~من العبادات إنما يتقرب به إلى الله تعالى والأجر فيه على الله تعالى وإنما ~~على الرسول البلاغ ليس عليه حصول الثواب ولا يشترط أن يكون واسطة في وجوده ~~بل يخلق الله الثواب بغير واسطة الرسول وأما شفاعة الرسول فهي دعاء لله ~~تبارك وتعالى وهؤلاء يقولون لا يحصل إلا بتوسطهم وإن فاض عنهم بغير قصد ~~فهذا أصل ينبغي معرفته # فإن هذا الضال وأمثاله يجعلون الأنبياء والصالحين من جنس الذين يظنون أن ~~النفع والضر يحصل لهمم بتوسطهم كما يحصل الشعاع والحرارة بتوسط الشمس PageV02P518 # ونحن نقول إن كل ما شرعه الله تعالى ورسوله فهو من أعظم الوسائل إلى الله ~~لكن دعاؤهم بعد الموت لم يشرعه الله ورسوله فليس من الوسائل وكذلك سؤال ~~أحدهم مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ليس مشروعا وأصل الدين أن لا يعبد ~~إلا الله بما شرع وما ذكره هؤلاء يتضمن عبادة غير الله بغير أمر الله # المقام الثاني أن يقال هذا مما نهت عنه الرسل فقد ثبت في الصحاح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد وقال: «لعن الله اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا وقال: «لا ms080 تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا إليها» # فلو كان الدعاء عند القبور أجوب منه في غير تلك البقعة لكان قصدها للدعاء ~~عندها مشروعا لم ينه أن يتخذ مسجدا فإن اتخاذ القبور مساجد يدخل فيه الصلاة ~~وغيرها ويدخل فيه بناء المساجد عليها وكلاهما منه عنه بل محرم كما صرح به ~~غير واحد من العلماء فإن النبي PageV02P519 ~~صلى الله عليه وسلم لعن من فعل ذلك تحذيرا لأمته وهذا يقتضي توكيد التحريم # فإن الدعاء في الصلاة أجوب منه في غيرها كالدعاء في دبرها كما جاءت به ~~السنة في الأدعية الشرعية فإنها مشروعة في آخر الصلاة كذلك الدعاء عقب ~~الصلاة وأفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وإنما يكون بعد صلاة الظهر والعصر ~~والوقوف بمزدلفة ودعاؤها بعد صلاة الفجر # والطواف يجري مجرى الصلاة ولهذا يستحب الدعاء في آخره كما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول بين الركنين «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار» والطواف تحية المسجد الحرام PageV02P520 # وأما منى فعبادتها رمي الجمار ولهذا يرمونها يوم النحر ثم ينحرون كما ~~يصلون في الأمصار ثم ينحرون فليس بمنى صلاة عيد بل رمي جمرة العقبة لهم ~~كصلاة العيد لغيرهم وسائر الجمرات ترمى عقب الزوال قبل صلاة الظهر # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما جعل السعي بين ~~الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى» PageV02P521 # فلما كان هذا من شعائر الصلاة والطواف كان الدعاء عندها مشروعا كما ثبت ~~في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو بين الجمرتين بقدر سورة البقرة # وأما جمرة العقبة فليس عندها وقوف ولا دعاء فإنها آخر منى والداعي يريد ~~أن يتأخر عن الجمرة وما بعدها ليس من مني وكان الداعي في نفس عرفة ومزدلفة ~~ومنة لا خارجا عنها ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم «عرفة كلها موقف ~~وارفعوا عن بطن عرفة ومزدلفة كلها موقف PageV02P522 ~~وارفعوا عن بطن محسر ومنى كلها منحر» فلم يجعل الحدود الفاصلة بين المشاعر منها PageV02P523 # وقد قال طائفة من السلف ms081 في قوله تعالى {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ~~قالوا مقام إبراهيم عرفة ومزدلفة ومني ومصلى أي مدعى وهذا لا ينافي عند ~~كثير من العلماء ما ثبت في الصحيح من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طاف ~~صلى عند المقام وقرأ {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} لأن الآية قد تتناول ~~هذا وهذا عند كثير من أهل العلم # ففي الجملة أحق البقاع بدعاء الله تعالى فيها المساجد التي يصلى فيها ~~والمشاعر التي شرع الله تعالى فيها الدعاء والذكر وأمر أن PageV02P524 ~~يكون الدين خالصا له كما قال تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ~~دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين} # فإذا كانت الصلاة والذكر لله وحده لم يكن ذلك مشروعا عند القبر وكما لا ~~يذبح للميت ولا عند قبره بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن العقر عند ~~القبر وكره العلماء الأكل من تلك الذبيحة فإنها شبه ما ذبح لغير الله فلو ~~كانت مقابر الأنبياء والصالحين مما يستحب الدعاء عندها لكانت إما من ~~المساجد وإما من المشاعر التي يحج إليها وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن هذا وهذا بل لعن الذين يتخذون القبور مساجد # وقال أيضا في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره «لا تتخذوا قبري عيدا ~~وصلوا علي حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني» فنهى أن يتخذ قبره عيدا وهذا معنى ~~المشاعر فإن المشاعر تتخذ أعيادا أي يجتمع الناس عندها في أوقات معتادة ~~والعيد اسم للوقت وللمكان الذي يعتاد الاجتماع فيه وقد يعبر به عن نفس ~~الاجتماع المعتاد ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة عيدا ~~وقال: «إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين» PageV02P525 # وقد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رأى قوما يتناوبون مكانا ~~يصلون فيه قال ما هذا قالوا مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد إنما هلك من كان ms082 قبلكم بهذا من ~~أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض # فقد نهاهم عن اتخاذ آثار الأنبياء مساجد وهذا لا ينافي قول PageV02P526 ~~عتبان بن مالك للنبي صلى الله عليه وسلم إن السيول تحول بيني وبين قومي فلو ~~صليت في بيتي في مكان أتخذه مصلى فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عنده ~~ركعتين لأن عتبان رضي الله عنه كان مقصوده بناء مسجد لحاجته إليه وتبرك ~~بكون النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه أولا كما أنه صلى الله عليه وسلم ~~بنى مسجد قباء وبنى مسجده والمسجد الذي يتخذه بناء أفضل من غيره كما فضل ~~المسجد الحرام ومسجد سليمان عليه السلام بخلاف من لم يكن مقصوده إلا بناء ~~مسجد لأجل ذلك الأثر # وأما ما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى في سفره النزول في مكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم والصلاة في مصلاه فمن الناس من رخص في مثل PageV02P527 ~~ذلك بخلاف ما إذا اجتمع على ذلك الناس ومن الناس من قال هذا أمر انفرد به ~~ابن عمر والخلفاء الراشدون والأكابر من السابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار لم يكونوا يفعلون ذلك وهم أعلم من ابن عمر وأعظم إتباعا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فلو كان هذا مستحبا لفعله هؤلاء # وأيضا فلما فتح المسلمون تستر وجدوا فيها قبر دانيال عليه السلام وكان ~~أهل البلد يستسقون به فكتب في ذلك أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه أن ~~احفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا وادفنه في الليل في واحد منها لئلا يفتتن به ~~الناس فيستسقون به PageV02P528 # فهذه كانت سنة الصحابة رضوان الله عليهم ولهذا لم يكن في زمن الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان على وجه الأرض في ديار الإسلام مسجد مبني على قبر ولا ~~مشهد يزار لا بالحجاز ولا باليمن ولا الشام ولا مصر ولا العراق ولا خراسان # وقد ذكر مالك رحمة الله تعالى عليه أن وقوف الناس للدعاء عند قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بدعة لم يفعلها الصحابة ولا التابعون وقال لا يصلح آخر ms083 ~~هذه الأمة إلا ما أصلح أولها # فأما ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور فإنما هو دعاء ~~للميت كالدعاء في الصلاة على جنازته # والسنة في الدعاء التعميم كما في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ~~بعلي وهو يدعو فقال: «يا علي عم فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على ~~الأرض» ولهذا يقال في دعاء الجنازة «اللهم اغفر لحينا PageV02P529 ~~وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا» لم يخص PageV02P530 ~~الميت بالدعاء له # وكذلك يقال في السلام على الموتى «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل ~~الله لنا ولكم العافية» # كما يقال في الصلاة السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين # وكما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر نبيا قال: «يرحمنا ~~الله وفلانا» PageV02P531 ~~PageV02P532 # وكما يقول الخطيب وأستغفر الله لي ولكم # والمقصود بالصلاة على الجنازة الدعاء للميت وغيره يدخل تبعا # وكذلك في زيارة القبور المقصود الدعاء للميت وغيره يدخل تبعا بخلاف من ~~يكون قصده أن يدعو لنفسه بالميت أو عند الميت وهذا كله من الدعاء عند القبور # وأما دعاء الميت وسؤاله بلفظ الاستغاثة وغيرها كقول الداعي أطلب منك ~~المغفرة والرحمة أو قضاء الدين أو النصر على العدو فهذا مما نهى عنه القرآن ~~قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} # وفي التفسير الصحيح عن مجاهد يبتغون إلى ربهم الوسيلة قال عيسى بن مريم ~~وعزير والملائكة PageV02P533 # وكذلك عن إبراهيم النخعي قال كان ابن عباس يقول في قوله {أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} هو عزير والمسيح والشمس والقمر # وكذلك روي عن شعبة عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس قال عيسى وأمه ~~والعزير في هذه {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} PageV02P534 # وروى قتادة عن عبد ms084 الله بن معبد الزماني عن ابن مسعود قال كان قبائل من ~~العرب يعبدون صنفا من الملائكة يقال لهم الجن ويقولون هم بنات الله فأنزل ~~الله تبارك وتعالى {أولئك الذين يدعون} معشر العرب {يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة} PageV02P535 # وفي رواية عن الزماني عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال نزلت في نفر من ~~العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجنيون والإنس الذين كانوا ~~يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم فنزلت {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب} PageV02P536 # وكذلك قال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال {الذين يدعون} ~~الملائكة تبتغي إلى ربها الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن ~~عذاب ربك كان محذورا قال وهؤلاء الذين عبدوا الملائكة من المشركين # وكذلك ذكر العوفي في تفسيره عن ابن عباس قال كان أهل الشرك يقولون نعبد ~~الملائكة والمسيح وعزيرا # وثبت أيضا في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال PageV02P537 ~~كان ناس يعبدون قوما من الجن فأسلم الجن وبقي الإنس على كفرهم فأنزل الله ~~تعالى {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} يعني الجن ~~وهذا معروف عن ابن مسعود من غير وجه # وهذه الأقوال كلها حق فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابدا لله سواء كان ~~من الملائكة أو من الجن أو من البشر والسلف رضي الله عنهم في تفسيرهم ~~يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل كما يقول الترجمان لمن سأله ما ~~معنى لفظ الخبز فيريه رغيفا فيقول هذا فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه وليس ~~مرادهم بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية للنوعين # فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوا وذلك المدعو يبتغي إلى الله ~~الوسيلة ويرجو رحمته ويخاف عذابه وهذا موجود في الملائكة والجن والإنس وقد ~~اختار الطبري قول من فسرها بالملائكة أو PageV02P538 ~~بالجن لأنهم كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة بخلاف المسيح والعزير فإنهما لم يكونا موجودين على عهده فلم يكونا ~~حينئذ ms085 ممن يبتغي الوسيلة إذ ابتغاء الوسيلة العمل بطاعة الله تعالى والتقرب ~~إليه بالصالح من الأعمال فأما من كان لا سبيل له إلى العمل فبم يبتغي إلى ~~ربه الوسيلة # وهذا الذي قاله إن كان صوابا فهو أبلغ في النهي عن دعاء المسيح وعزير ~~وغيرهما من الأموات من الأنبياء والصالحين فإنه إذا كان الحي الذي يتقرب ~~إلى ربه بالعمل لا يجوز دعاؤه فدعاء الميت الذي لا يتقرب بالعمل أولى أن لا ~~يجوز وإن كانت الآية تعم هذا وهذا فهي دالة على ذلك فدلالتها ثابتة على كل ~~تقدير والصحيح أنها تعم هؤلاء وهؤلاء وذلك أن هؤلاء كانوا في حياتهم يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة وهو لم يقيد ذلك بزمن النزول بل أطلق # وإذا قال القائل آدم ونوح وإبراهيم وموسى يعبدون الله ولا يشركون به علم ~~أن المراد هذا دينهم قال تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم ~~بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار} PageV02P539 ~~كان حكم النبيين بها قبل نزول الآية بدهر # والعرب تقول مضى حتى لا يرجونه وشربت الإبل حتى يجيء البعير فيقول برأسه ~~كذا ومنه قراءة من قرأ {وزلزلوا حتى يقول الرسول} وهذا ماض # وقد قال تعالى: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ~~وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى ~~عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} وهذا قد مضى قبل نزول القرآن والفعل ~~مضارع لأنه حكى حالهم الماضي ولهذا تقول النحاة هذا حكاية حال كقوله ~~{وكلبهم باسط ذراعيه} # فإن قيل المعروف في مثل هذا أن يقال كانوا يفعلونه كما قال تعالى: {إنهم ~~كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا} # قيل لكن إذا كان في الكلام ما يبين المراد لم يحتج إلى ذلك لا سيما إذا ~~ذكر ماض وحاضر وعمهم الخطاب فهنا يتعين حذف كان لأن PageV02P540 ~~المقصود الإخبار عن حال هؤلاء الحاضرين والحاضرون لا يخبر عنهم بكان كما ~~تقول المؤمنون من الأولين والآخرين يعبدون الله لا يشركون به # والآية هنا قصد ms086 بها التعميم لكل ما يدعى من دون الله وكل من دعا ميتا أو ~~غائبا من الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها فقد تناولته ~~هذه الآية كما تتناول من دعا الملائكة والجن ومعلوم أن هؤلاء كلهم يكونون ~~وسائط فيما يقدره الله تعالى بأفعالهم ومع هذا فقد نهى الله عز وجل عن ~~دعائهم وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله ولا يرفعونه ~~بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع أيضا فلا يرفعونه ولا يحولونه من حال ~~إلى حال كتغير صفته أو قدره ولهذا قال تعالى: {ولا تحويلا} فذكر نكرة تعم ~~أنواع التحويل # يقال كشف البلاء أي أزاله ورفعه ويقال كشف عنه أي PageV02P541 ~~أظهره وبينه # فمن الأول قوله تعالى {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} # وقوله تعالى {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون} # وقوله تعالى {فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون} # ومن الثاني قوله تعالى {يوم يكشف عن ساق} لم يقل يوم يكشف الساق وهذا ~~يبين خطأ من قال المراد بهذه كشف الشدة وأن الشدة تسمى ساقا وأنه لو أريد ~~ذلك لقيل يوم يكشف عن الشدة أو يكشف الشدة PageV02P542 # وأيضا فيوم القيامة لا يكشف الشدة عن الكفار والرواية في ذلك عن ابن عباس ~~ساقطة الإسناد # والاستغاثة هي طلب كشف الشدة فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء ~~والصالحين أو دعا الجن فقد دعا من لا يغيثه فلا يملك كشف PageV02P543 ~~الضر ولا تحويله وقد قال تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا} كان أحدهم إذا نزل بواد يقول أعوذ بعظيم هذا الوادي من ~~سفهائه فقالت الجن الإنس يستعيذوننا فزادوهم رهقا # وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق وهذا مما ~~استدلوا به على أن كلام الله عز وجل غير مخلوق قالوا لأنه قد ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك ms087 # كقوله صلى الله عليه وسلم «أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق # «وأعوذ بكلمات الله التامات كلها من غضبه وعذابه وشر عباده ومن همزات ~~الشياطين وأن يحضروا» PageV02P544 ~~و«أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ ~~وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ~~وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار PageV02P545 ~~ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن» # قالوا والاستعاذة لا تجوز بالمخلوق وقول القائل أعوذ بالله معناه أستجير ~~بالله فإذا لم يجز أن يستغاث بمخلوق لا نبي ولا غيره فإنه لا يجوز أن يقال ~~له أنت خير معاذ يستغاث به بطريق الأولى والأحرى ولهذا قال بعض الشعراء ~~لبعض الرؤساء الممدوحين ** يا من ألوذ به فيما أؤمله ** ومن أعوذ به فيما ~~أحاذره ** PageV02P546 # ** لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ** ولا يهيضون عظما أنت جابره ** # فقول القائل لمن مات من الأنبياء أو غيرهم بك أستجير من كذا وكذا كقوله ~~بك أستعيذ وقوله بك أستغيث في معنى ذلك إذ كان مطلوبه منع الشدة أو رفعها ~~والمستعيذ يطلب منع المستعاذ منه أو رفعه فإذا كان لخوف طلب منعه كقوله ~~أعوذ بالله من عذاب جهنم أو عذاب القبر وإن كان حاضرا طلب رفعه كقوله في ~~الحديث الصحيح أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر فتعوذ بالله من ~~شر الموجود وشر المحاذر # والداعي يطلب أحد شيئين إما حصول منفعة وإما دفع مضرة فالاستعاذة ~~والاستجارة والاستغاثة كلها من نوع الدعاء والطلب وقول القائل لا يستعاذ به ~~ولا يستجار به ولا يستغاث به ألفاظ متقاربة PageV02P547 ~~ولما كانت الكعبة بيت الله الذي يدعى ويذكر عنده فإنه سبحانه يستجار به ~~ويستغاث به هناك وقد يتمسك المتمسك بأستار الكعبة كما يتعلق المتعلق بأذيال ~~من يستجير به ومنه قول عمرو بن سعيد لأبي شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا ~~فارا بدم ولا فارا بخربة # وفي الحديث الصحيح ms088 يعوذ عائذ بهذا البيت # ومنه قول القائل: # ستور بيتك ذيل الأمن منك وقد ** علقتها مستجيرا أيها الباري # وما أظنك لما أن علقت بها ** خوفا من النار تدنيني من النار # ويسمى ذلك المكان المستجارة وقد كان من السلف من يدخل بين الكعبة ~~وأستارها فيستعيذ ويستجير بالله ويدعوه ويتضرع إليه هناك # ويجوز مدح الله والثناء عليه بالنظم وكذلك دعاؤه كما قال الأسود ابن سريع ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لما نظم شعرا في مدح الله تعالى فقال إني حمدت ~~ربي بمحامد فقال إن ربك يحب الحمد فلم ينكر عليه ذلك. PageV02P548 # لكن روي أنه قال ولم يستنشده وروي أنه استنشده كما روى الإمام أحمد في ~~مسنده عن الأسود بن سريع قال قلت يا رسول الله إني مدحت الله بمدحة ومدحتك ~~بأخرى فقال النبي صلى الله عليه وسلم «هات وأبدأ بمدحة الله تعالى» PageV02P549 ~~ولكن ثبت عنه أنه كان يستنشد الشريد بن السويد الثقفي شعر أمية ابن أبي ~~الصلت وهو يقول هيه هيه وذلك مثل قوله: # مجدوا الله فهو للمجد أهل ** ربنا في السماء أمسى كبيرا # بالبناء الأعلى الذي سبق النا ** س وسوى فوق السماء سريرا # شرحبا ما يناله بصر العين ** ترى دونه الملائك صورا # وقوله: # رجل وثور تحت رجل يمينه ** والنسر للأخرى وليث مرصدا PageV02P550 ~~PageV02P551 # وغير ذلك # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن أخا لكم لا يقول الرفث يعني ابن رواحة» # وذلك كقوله الذي أنشده للنبي صلى الله عليه وسلم: # شهدت بأن وعد الله حق ** وأن النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف ** وفوق العرش رب العالمينا # وتحمله ملائكة شداد ** ملائكة الإله مسومينا # وقوله: # وفينا رسول الله يتلو كتابه ** إذا انشق معروف من الفجر ساطع # يبيت يجافي جنبه عن فراشه ** إذا استثقلت بالكافرين المضاجع # أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ** به موقنات أن ما قال واقع # ومن ذلك ما كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم يتمثلون PageV02P552 ~~اللهم لولا أنت ما اهتدينا ** ولا تصدقنا ولا صلينا # فأنزلن سكينة علينا ** وثبت ms089 الأقدام إن لا قينا # إن الأولى قد بغوا علينا ** إذا أرادوا فتنة أبينا # وهذا النظم فيه دعاء الله تعالى بقوله: # فأنزلن سكينة علينا ** وثبت الأقدام إن لاقينا # ومثل هذا البيت قوله اللهم ويقال فيه لا هم إن العيش كما في قول عبد ~~المطلب: # لا هم إن المرء يمنع رحله ** وحلاله فامنع حلالك PageV02P553 # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ** إن تغفر الله تغفر جما ** وإي عبد ~~لك ما ألما ** PageV02P554 # ومنه قول الصحابة رضي الله عنهم ** اللهم إن العيش عيش الآخرة ** فاغفر ~~للأنصار والمهاجره ** # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل به لكن روي أنه قال: «فأغفر ~~للمهاجرين PageV02P555 ~~والأنصار» # وهذا دعاء في الشعر وقد أقر الصحابة على قولهم فدل على جوازه وإن كان هو ~~صلى الله عليه وسلم لا يقول الشعر فذلك من خصائصه كما قال تعالى: {وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له} فهو صلى الله عليه وسلم لم يكن ينظم الشعر ولكن ~~هل تمثل به أو لم يتمثل بشعر فيه نزاع ليس هذا موضعه # وليس كل الشعر مذموما بل منه ما هو مباح ممدوح PageV02P556 # كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن من الشعر لحكمة» # وقد قال تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله ~~كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} فقد ~~استثنى الله تعالى ممن ذمه من الشعراء من ذكره فدل ذلك على أنه ليس كل ~~الشعراء مذمومين # وقد ثبت في الصحيح أنه كان ينصب لحسان بن ثابت منبرا ويأمره بهجاء ~~المشركين ويقول «اللهم أيده بروح القدس» وفي رواية «إن روح القدس معك ما ~~نافحت عن رسوله» PageV02P557 # وقد سمع شعر خزاعة لما قدموا عليه حين عدت بنو بكر على خزاعة وأنشدوه ~~القصيدة المعروفة التي فيها ** إن قريشا اخلفوك الموعدا ** ونقضوا ميثاقك ~~المؤكدا ** # إلى آخرها PageV02P558 # وكذلك سمع قصيدة كعب بن زهير المشهورة التي أولها ms090 بانت سعاد # إلى غير ذلك من الأدلة الشرعية التي تدل على أن من الشعر ما يجوز إنشاؤه ~~واستماعه # ومما يبين حكمة الشريعة وعظم قدرها وأنها كما قيل سفينة نوح من ركبها نجا ~~ومن تخلف عنها غرق أن الذين خرجوا عن المشروع زين لهم الشيطان أعمالهم حتى ~~خرجوا إلى الشرك PageV02P559 # فطائفة من هؤلاء يصلون إلى الميت ويدعو أحدهم الميت فيقول اغفر لي ~~وارحمني ونحو ذلك ويسجد لقبره # ومنهم من يستقبل القبر ويصلي إليه مستدبرا الكعبة ويقول القبر قبلة ~~الخاصة والكعبة قبلة العامة وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهدا وهو ~~شيخ متبوع ولعله أمثل أتباع شيخه يقوله في شيخه # وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق والاجتهاد في العبادة والزهد ~~يأمر المريد أو ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل ~~التماثيل # وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع ~~والدعاء وحضور القلب ما لا يجده أحدهم في مساجد الله تعالى التي أذن أن ~~ترفع ويذكر فيها اسمه # وآخرون يحجون إلى القبور وطائفة صنفوا كتبا وسموها مناسك حج المشاهد كما ~~صنف أبو عبد الله محمد بن النعمان الملقب بالمفيد أحد شيوخ الإمامية كتابا ~~في ذلك وذكر فيه من الحكايات المكذوبة على أهل البيت ما لا يخفى كذبة على ~~من له معرفة بالنقل # وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ وإن لم يسموا ذلك منسكا وحجا فالمعنى ~~واحد ومن هؤلاء من يقول وحق النبي الذي تحج إليه المطايا فجعل الحج إلى ~~النبي لا إلى بيت الله عز وجل PageV02P560 # وكثير من هؤلاء أعظم قصده من الحج قصد قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~حج البيت وبعض الشيوخ المشهورين بالدين والزهد والصلاح صنف كتابا سماه ~~الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام وهذا الضال استعان ~~بهذا الكتاب # وقد ذكر في مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة وكان قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم منتهى قصده ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة وجعل هذا من مناقبه فإن ms091 كان ~~هذا مستحبا فينبغي لمن يجب عليه حج البيت إذا حج أن يجعل المدينة منتهى ~~قصده ولا يذهب إلى مكة فإنه زيادة كلفة ومشقة مع ترك الأفضل وهذا لا يفعله عاقل # وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض أكابر الشيوخ عند الناس ممن يقصده ~~الملوك والقضاة والعلماء والعامة على طريقة ابن سبعين قيل عنه إنه كان يقول ~~البيوت المحجوجة ثلاثة مكة وبيت المقدس والبندر الذي للمشركين بالهند وهذا ~~لأنه كان يعتقد أن دين اليهود حق PageV02P561 ~~ودين النصارى حق وجاء بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته فقال له ~~أريد أن أسلك على يديك فقال على دين اليهود والنصارى أو المسلمين فقال له ~~واليهود والنصارى ليسوا كفارا قال لا تشدد عليهم لكن الإسلام أفضل # ومن هؤلاء من يرجح الحج إلى المقابر على الحج إلى البيت ومنهم من يرجح ~~الحج إلى البيت لكن قد يقول أحدهم إنك إذا زرت قبر الشيخ مرتين أو ثلاثا ~~كان كحجة # ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ بمنزلة عرفات يسافرون إليها وقت الموسم ~~يعرفون بها كما يعرف المسلمون بعرفات كما يفعل هذا في المغرب والمشرق # ومنهم من يجعل السفر إلى المشهد والقبر الذي يعظمه أفضل من الحج ويقول ~~أحد المريدين لآخر وقد حج سبع حجج إلى بيت الله العتيق أتبيعني زيارة قبر ~~الشيخ بالحجج السبع فشاور الشيخ فقال لو PageV02P562 ~~بعت لكنت مغلوبا # ومنهم من يقول من طاف بقبر الشيخ سبعا كان كحجة # ومنهم من يقول زيارة المغارة الفلانية ثلاث مرات كحجة # ومنهم من يحكي عن الشيخ الميت أنه قال كل خطوة إلى قبره كحجة ويوم ~~القيامة لا تبع بحجة وأنكر بعض الناس ذلك فتمثل له الشيطان بصورة الشيخ في ~~منامه وزبره على إنكاره ذلك # وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله رب العالمين فليسوا على ملة ~~إبراهيم إمام الحنفاء وليسوا من عمار مساجد الله الذين قال الله فيهم {إنما ~~يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم ~~يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا ms092 من المهتدين} # فعمار مساجد الله لا يخشون إلا الله وعمار مساجد المقابر يخشون غير الله ~~ويرجون غير الله حتى إن طائفة من أصحاب الكبائر الذين لا يتحاشون فيما ~~يفعلونه من القبائح كان إذا رأى قبة الميت أو الهلال الذي على رأس القبة ~~خشي من فعل الفواحش ويقول أحدهم PageV02P563 ~~لصاحبه ويحك هذا هلال القبة فيخشون المدفون تحت الهلال ولا يخشون الذي خلق ~~السماوات والأرض وجعل أهلة السماء مواقيت للناس والحج # وهؤلاء إذا نوظروا خوفوا مناظرهم كما صنع المشركون بإبراهيم عليه السلام ~~قال تعالى: {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون ~~به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما ~~أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي ~~الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} قال الله تعالى {الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} # وآخرون قد جعلوا الميت بمنزلة الإله والشيخ الحي المتعلق به كالنبي فمن ~~الميت يطلب قضاء الحاجات وكشف الكربات وأما الحي فالحلال ما حلله والحرام ~~ما حرمه وكانوا في أنفسهم قد عزلوا الله عن أن يتخذوه إلها وعزلوا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم عن أن يتخذوه رسولا وقد PageV02P564 ~~يجيء الحديث العهد بالإسلام أو التابع لهم لحسن الظن بهم أو غيره يطلب من ~~الشيخ الميت إما دفع ظلم ملك يريد أن يظلمه أو غير ذلك فيدخل ذلك السادن ~~فيقول قد قلت للشيخ والشيخ يقول للنبي والنبي يقول لله والله قد بعث رسولا ~~إلى السلطان فلان فهل هذا إلا محض دين المشركين والنصارى وفيه من الكذب ~~والجهل ما لا يستجيزه كل مشرك ونصراني ولا يروج عليه # ويأكلون من النذور وما يؤتى به إلى قبورهم ما يدخلون به في معنى قوله ~~تعالى {إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون ~~عن سبيل الله} فإنهم يأكلون أموال الناس بغير حق ويصدون عن سبيل الله ~~ويعوضون بأنفسهم ويمنعون غيرهم إذ التابع ms093 لهم يعتقد أن هذا هو سبيل الله ~~ودينه فيمتنع بسبب ذلك عن الدين الحق الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه PageV02P565 # والله تعالى لم يذكر في كتابه المشاهد بل ذكر المساجد فإنها خالصة له # قال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين ~~له الدين} # وقال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من ~~آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى ~~أولئك أن يكونوا من المهتدين} # وقال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ~~ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} # ولم يذكر بيوت الشرك كبيوت الأصنام والمشاهد ولا ذكر بيوت النار لأن ~~الصوامع والبيع لأهل الكتاب فالممدوح من ذلك ما كان مبنيا قبل النسخ ~~والتبديل كما أثنى على اليهود والنصارى والصابئين الذين كانوا قبل النسخ ~~والتبديل يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحا بخلاف بيوت الأصنام ~~وبيوت النار وبيوت الصابئة المشركين كالذي يسمونه PageV02P566 ~~هيكل العلة الأولى هيكل العقل هيكل النفس وهيكل زحل هيكل المشتري هيكل ~~المريخ هيكل الشمس هيكل عطارد هيكل الزهرة هيكل القمر فإن هذه البيوت ليس ~~في أهلها مؤمن ولم يكن في أهلها عبادة أمر الله بها # فبيوت الأوثان وبيوت النيران وبيت الكواكب وبيت المقابر لم يمدح الله ~~شيئا منها ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~الله تعالى {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا} # فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدا على أهل الكهف كانوا من النصارى الذين لعنهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد» PageV02P567 # وفي رواية والصالحين # وفي الصحيحين عنه أنه لما ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وذكر حسنها وتصاويرها ~~فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه ~~تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم ms094 القيامة» فجمع بين التصاوير ~~والمقابر # وفي الصحيح عن أبي الهياج الأسدي قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا أدع ~~قبرا مشرفا إلا طمسته PageV02P568 # وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة حتى أخرج ~~ما فيها من التماثيل # وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال إنا لا ندخل كنائسكم من ~~أجل التماثيل التي فيها # وقد تنازع الفقهاء في الصلاة في الكنيسة وقال البخاري قال ابن عباس لا ~~بأس بالصلاة في الكنيسة وقيل يكره مطلقا وقيل PageV02P569 ~~يرخص فيها والصحيح أنه إن كان فيها تماثيل كانت بمنزلة المساجد المبنية على ~~القبور وبمنزلة دار الأصنام فالمصلي فيها مشابه لمن يعبد غير الله وإن كانت ~~نيته الصلاة لله كما أن المصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها لما شابه من ~~يعبد غير الله نهي عن ذلك سدا للذريعة # وأيضا فالملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة فكيف يصلى فيه ولهذا لم يدخل ~~النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة حتى أزيلت الصور بخلاف الكنيسة التي لا ~~صور فيها # فإن قيل تكره لكونها محل الكفر # قيل الصلاة في محل الكفر بمنزلة فتح دار الكفر وجعلها دار إسلام وبمنزلة ~~صلاة المسلمين في دار الحرب وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفا أن ~~يتخذوا مسجدهم موضع بيت اللات بعد هدم اللات وكانوا PageV02P570 ~~يسمونها الدبة ولهذا فضل ذاكر الله في الغافلين # وقيل إنه كالشجرة الخضراء بين الشجر اليابس فالعابد بين أهل الكفر ~~والغفلة أعظم أجرا من غيره # وإن قيل الصلاة فيها غضب لهم # قيل له الكنائس ليست ملكا لأحد وليس لهم أن يمنعوا من يعبد الله لأنا ~~صالحناهم على هذا بل قد شرط عليهم عمر بن الخطاب رضي PageV02P571 ~~الله عنه أن يوسعوا أبوابها للمارة # ومن ذلك أن هؤلاء المشركين من الصابئة ونحوهم لما كانوا يعبدون الكواكب ~~والملائكة وربما سموها العقول والنفوس وجعلوها وسائط بين الله ms095 وبين خلقه ~~وأهل التوحيد لا يعبدون إلا الله تعالى ويطيعون رسله الذين أمروا بعبادته ~~وحده لا شريك له فقالت الصابئة المشركون للحنفاء نحن نتخذ الروحانيين وسائط ~~وأنتم تتخذون البشر وسائط فديننا أفضل من دينكم فأخذ يعارضهم طائفة من ~~النظار كالشهرستاني في كتابه المعروف بالملل والنحل وغيره ويذكرون أن توسط ~~البشر أولى من توسط الروحانيات العلوية وناظروهم مناظرة يعرف تقصيرهم فيها ~~لأنهم بنوها على أصل فاسد وهو مقايسة وسائط المشركين بوسائط الموحدين ~~الحنفاء # وهذا جهل بدين الحنفاء فإن الحنفاء ليس بينهم وبين الله تعالى واسطة في ~~العبادة والدعاء والاستعانة بل يناجون ربهم ويدعونه ويعبدونه بلا واسطة ~~وإنما الرسل بلغتهمم عن الله تعالى ما أمر به وأحبه من العبادات وغيرها وما ~~نهى عنه فهم وسائط في التبليغ والدلالة وهم PageV02P572 ~~مع المؤمنين كدليل الحاج مع الحجاج وكإمام الصلاة مع المصلين # فالرسل صلوات الله عليهم وسلامه يعرفون الناس طريق الله تبارك وتعالى كما ~~يعرف الدليل الحاج طريق مكة شرفها الله تعالى ثم الناس يعبدون الله تعالى ~~كما أن الحجاج يقيمون مناسك الحج # والرسل أيضا يقتدى بهم في الأفعال التي يتأسى بهم فيها كما يقتدي المأمور ~~بالإمام في الصلاة وكل مصل يعبد ربه منه إليه بلا واسطة وأولئك الصابئة من ~~الفلاسفة غاية سعادة النفوس عندهم أن تصل إلى العقل الفعال وأصحاب رسائل ~~إخوان الصفا صنفوا رسائلهم على أصول هؤلاء ممزوجة بما أخذوه من دين الحنفاء ~~وأرادوا بزعمهم أن يجمعوا بين الحنفية والصابئة فضلوا وأضلوا # وأما الحنفاء فعندهم أنه ما من عبد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ~~ولا ترجمان وعندهم أن الملائكة عباد الله يفعلون ما أمرهم PageV02P573 ~~الله به # ومن أثبت أن دون الله تعالى روحا يكون مبدعا للعالم فهو أكفر عند الحنفاء ~~من مشركي العرب فإن مشركي العرب كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء لا ~~يثبتون دونه شيئا أبدع العالم ولما قال من قال منهم إن الملائكة بنات الله ~~تعالى لم يجعلوا الملائكة مبدعة للعالم وأما هؤلاء الفلاسفة فيقولون إن ~~الصادر الأول ms096 عن العقل الأول وإن كل ما سواه صادر عنه # فالعقل الأول هو رب كل ما سوى الله تعالى عندهم وكذلك كل PageV02P574 ~~عقل هو مبدع ما سواه عندهم حتى ينتهي الأمر إلى العقل العاشر فهو عندهم ~~مبدع ما تحت الفلك # ومعلوم أن المسلمين واليهود والنصارى ومشركي العرب وغيرهم لا يجعلون أحدا ~~دون الله أبدع كل ما تحت السماء وهؤلاء يجعلون الملائكة التي أخبرت بها ~~الرسل هي العقول والنفوس التي زعموها # ومنهم من يجعل العقل الأول هو القلم ويجعل النفس هي اللوح # ومنهم من يحتج بالحديث الموضوع أول ما خلق الله العقل مع أنهم حرفوا لفظه ~~فرووه أول بالضم وإنما لفظه أول PageV02P575 ~~ما خلق العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر وفي لفظ لما خلق الله ~~العقل قال له ذلك فالحديث حجة على نقيض مذهبهم فكيف هو موضوع باتفاق أهل ~~المعرفة بالحديث # وقد بسطت الكلام على هذه الأمور في موضع آخر وهذا قد يوجد في كلام أبي ~~حامد وكثير من متأخري المتصوفة والمتكلمين أدخلوه في دين الحنفاء من دين ~~المشركين حتى صنف بعضهم تصنيفا في ذلك مثل مصنف الرازي السر المكتوم في ~~السحر ومخاطبة النجوم وآخرون صنفوا في الحروف وطبائعها والدعاء بأسماء ذكروها PageV02P576 ~~في أوقات كما صنف # ودعاء المقبور من أعظم الوسائل إلى ذلك وقد قدم بعض الشيوخ المشرق وتكلم ~~معي في هذا فبينت له فساد هذا فقال أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~«إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور» فقلت هذا مكذوب باتفاق أهل العلم ~~لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من علماء الحديث # وبسبب هذا وأمثاله ظهر مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا PageV02P577 ~~جحر ضب لدخلتموه» قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال: «فمن» # وفي الحديث الآخر الصحيح «لتسلكن أمتي مسالك الأمم قبلها شبرا بشبر ~~وذراعا بذراع» قالوا يا رسول الله فارس والروم قال: «ومن الناس إلا ms097 هؤلاء» # فاتخاذ القبور مساجد هو من فعل اليهود والنصارى # وأما الخروج عن الملة بالكلية إلى دعوى الكواكب واتخاذ العلويات وسائط في ~~العبادة كمقالات الفلاسفة فهذا ليس من دين اليهود والنصارى ولا فارس والروم ~~المتنصرة بل هو من فعل الروم الصابئة والمشركين كالفلاسفة الذين كانوا ~~بمقدونية وغيرها وهؤلاء كانوا مشركين إلى أن دخل إليهم دين النصارى وآخر ~~ملوكهم هو بطليموس صاحب المجسطي كان بعد المسيح عليه السلام بمدة قليلة # وأما أرسطو فإنه كان قبل المسيح بأكثر من ثلاث مئة سنة فإنه كان PageV02P578 ~~في زمن الإسكندر بن فيلبس الذي تؤرخ به النصارى اليوم وكان بين المسيح وبين ~~نبينا صلى الله عليه وسلم ست مئة سنة شمسية وست مئة وعشرين قمرية وكان هذا ~~الإسكندر قبل المسيح بنحو من أربع مئة سنة # وكانت الصابئة من النبط الذي بالعراق والجزيرة كالبطائح وحران وغيرهما من ~~الصابئة المشركين من أئمة الفلاسفة إبراهيم الخليل بعث إليهم وفي مولده ~~قولان قيل بالعراق وقيل بحران وهذا قول أهل الكتاب وكذلك هو في التوراة ~~التي عندهم يقال إن قبر أبيه بسور حران وبها آثار الصابئة كالهياكل التي ~~للعلة الأولى والعقل والنفس والكواكب وما زال بها أكابرهم كثابت بن قرة ~~وأمثاله # وقد ذكر عبد اللطيف بن يوسف أن الفارابي كان قد تعلق بالفلسفة في بلاده ~~فلما دخل حران وجد بها من الصابئة من أحكمها عليه وابن سينا إنما حذق فيها ~~بما وجده من كتب الفارابي # فهؤلاء وأتباعهم حقيقة قولهم هو قول الصابئة المشركين الذين هم PageV02P579 ~~شر من مشركي العرب # وهؤلاء عند من لا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب لا تؤخذ منهم الجزية إلا ~~أن يدخلوا في دين أهل الكتاب # والناس لهم في تفسير الصابئة وأحكامهم اضطراب كثير ليس هذا موضعه وسبب ~~ذلك أنهم أنواع مختلفة فكل طائفة تصف النوع الذي عرفته # والفلاسفة لا يجمعهم مذهب ولا يجتمعون على شيء بل هم أجناس يختلفون كثيرا # ولكن هذه الفلسفة التي يسلكها الفارابي وابن سينا وابن رشد والسهروردي ~~المقتول ونحوه فلسفة المشائين وهي المنقولة ms098 عن أرسطو الذي يسمونه المعلم ~~الأول فإن له كتبا متعددة في المنطق وأجزائه وفي الطبيعيات مثل كتاب سمع ~~الكيان الذي يتكلم فيه على الأجسام كلاما كليا وكتاب السماء والعلم وكتاب ~~الآثار العلوية وغير ذلك وأما كلامه في الإلهيات فقليل جدا وفيه خطأ كثير 2 # وكانوا يسمون ذلك علم ما بعد الطبيعة أو علم ما قبل الطبيعة PageV02P580 ~~ويسمونه الفلسفة الأولى والحكمة العليا لكونهم يتكلمون فيه على الأمور ~~الكلية العامة كالوجود وانقسامه إلى جوهر وعرض وعلة ومعلول وقديم وحادث ~~وواجب وممكن وأما نفس معرفتهم بالله وملائكته وأنبيائه فبعيدة جدا وقد ~~بسطنا الكلام عليهم في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن ما دخل في هؤلاء من دين الحنفاء الذي بعث الله به رسله ~~فهو أقل مما دخل في الإسلام من دين اليهود والنصارى ولهذا لم يكن على عهد ~~الصحابة والتابعين من أدخل شيئا من دين هؤلاء بل كان يوجد من ينقل عن أهل ~~الكتاب وعلمائهم مثل كعب ووهب ومالك بن دينار ومحمد بن إسحاق ومثل ما ينقله ~~عبد الله بن عمرو عن الكتب التي أصابها يوم اليرموك وإنما استجاز لهذا لما ~~رواه البخاري في الصحيح عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ~~ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار» # فلما رخص في الحديث عن بني إسرائيل استجاز ذلك عبد الله بن عمرو وعبد ~~الله بن عباس وغيرهما لكن لا تأخذون من ذلك دينا لما ثبت في صحيح البخاري ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال PageV02P581 ~~كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة ثم يفسرونها بالعربية فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم ~~بالحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وقولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون» وإنما أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بهذا لأنا قد أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليهم # وقد أخبر الله تعالى ms099 أنهم يكذبون ويحرفون فما حدثوا به إذا لم نعلم صدقهم ~~فيه ولا كذبهم لم نكذبه لجواز أن يكون مما أنزل ولم نصدقه لجواز أن يكون ~~مما كذبوه # ولما كانت تلك الأحاديث الإسرائيليات قد كثرت صار بعض الناس يدخل في بعض ~~خصائصهم ولم يكن قد ظهر في المسلمين شيء من آثار اليونان والهند إلى أن ~~عربت بعض كتب هؤلاء وهؤلاء حدث في الناس من التشبه بأولئك ما كان أعظم من ~~التشبه بأهل الكتاب حتى آل الأمر إلى دولة العبيديين وهم ملاحدة في الباطن ~~أخذوا من مذاهب الفلاسفة والمجوس ما خلطوا به أقوال الرافضة فصار خيار ما ~~يظهرونه من الإسلام دين الرافضة وأما في الباطن فملاحدة شر من اليهود PageV02P582 ~~والنصارى وإلا من لم يصل منهم إلى منتهى دعوتهم فإنه قد يبقى رافضيا داخلا ~~في الإسلام ولهذا قال فيهم العلماء # ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض وهم من أشد الناس تعظيما للمشاهد ~~ودعوة الكواكب ونحو ذلك من دين المشركين وأبعد الناس عن تعظيم المساجد التي ~~أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وآثارهم في القاهرة تدل على ذلك # ولقد كنت لما رأيت آثارهم أبين للناس أصل ذلك وحقيقة دينهم وأنهم من أبرأ ~~الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا ونسبا # وقد صنف العلماء فيهم وفي أصولهم كتبا نظرية وخبرية # ومنهم الإسماعيلية من أصحاب دور الدعوة # وأما النصيرية فهم من الغلاة الذين يعتقدون إلهية علي والغلاة مع أنهم ~~أكفر من اليهود والنصارى فأولئك الإسماعيلية في الباطن أعظم كفرا وإلحادا ~~منهم وهذا باب واسع ليس هذا موضعه وإنما المقصود التنبيه على أن سبب الخروج ~~عن الشريعة في كثير من البدع الشركية PageV02P583 ~~أفضى الأمر بأقوام إلى أن خرجوا إلى دين المشركين بل المشركين المعطلين ~~وكثير من الناس لا يعرف هذا يحسب أن هذا هو دين الله لأجل لبس الحق بالباطل ~~وهذا مما نهى الله عنه وذم به أهل الكتاب حيث قال {ولا تلبسوا الحق بالباطل ~~وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} # الوجه الرابع أن يقال الغلاة ms100 المشركون هم في الحقيقة بخسوا الرسل ما ~~يستحقونه من التعظيم دون الأمة الوسط أهل التوحيد المتبعين لشريعة الرسول # وبيان ذلك بأمور منها أن النصارى يقولون أنهم يعظمون المسيح وكذلك ~~الغالية في علي أو الأئمة أو الشيوخ أو غيرهم وهم في الحقيقة منقصون لهم ~~فإن المسيح عليه السلام أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له وأخبرهم أنه عبد الله # فهم إذا اتبعوه كان له من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص PageV02P584 ~~من أجورهم ويكونون سعداء أولياء الله تبارك وتعالى من أهل الجنة # وإذا غلوا فيه واتخذوه ربا انقطع ثواب العمل الصالح الذي كان يحصل ~~بتوحيدهم وطاعتهم وحصل لهم مع ذلك عذاب أليم وإن كان هو سليما من العذاب ~~لكن فوتوه الأجر الذي كان يحصل له بتوحيدهم وطاعتهم # وأما أهل الاستقامة فهم إذا وحدوا الله تعالى وعبدوه كما شرعته لهم الرسل ~~وأطاعوهم صاروا أولياء الله تعالى مستيقنين لثوابه وحصل للرسول بالذي دعاهم ~~مثل أجورهم وكان في هذا من التعظيم للرسل ما ليس في طريق الغلاة # الأمر الثاني أن أهل التوحيد والسنة يدعون لهم دائما فينتفعون بذلك ~~الدعاء وأهل الشرك والبدعة يكلفونهم حوائجهم وأين من يحصل بسعيه منفعة لهم ~~إلى من يكلفهم ويؤذيهم بسؤاله واعتبر هذا بحال الصديق الذي كان يعاون ~~الرسول بماله ونفسه ولا يسأله شيئا أين منزلته من منزلة من يسأله ويكلفه ~~ولا يعاونه # الأمر الثالث أن أهل التوحيد والسنة يصدقونهم فيما أخبروا ويطيعونهم فيما ~~أمروا ويحفظون ما قالوا ويفهمونه ويعملون به وينفون PageV02P585 ~~عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ويجاهدون من خالفهم ~~ويفعلون ذلك تقربا إلى الله تعالى طلبا للجزاء منه لا منهم وأهل الجهل ~~والغلو لا يميزون بين ما أمروا به ونهوا عنه ولا بين ما صح عنهم وما كذب ~~عليهم ولا يفهمون حقيقة مرادهم ولا يتحرون طاعتهم ومتابعتهم بل هم جهال بما ~~أتوا به معظمون لأغراضهم إما لينالوا منهم منفعة أو ليدفعوا بهم عن أنفسهم مضرة # فالسدنة الذين عند القبور ونحوهم غرضهم يأكلون أموال الناس بهم وأتباعهم ms101 ~~غرضهم تعظيم أنفسهم عند الناس وأخذ أموالهم لهم والصادق المحض المتدين منهم ~~غرضه أنه إذا سألهم واستغاث بهم في دفع شدة أو طلب حاجة قضوها له فأي ~~الفريقين أشد تعظيما أولئك أو هؤلاء # الأمر الرابع إن أولئك الغلاة المشركين إذا حصل لأحدهم مطلوبه ولو من ~~كافر لم يقبل على الرسول بل يطلب حاجته من حيث يظن أنها تقضى فتارة يذهب ~~إلى ما يظنه قبر رجل صالح أو يكون فيه قبر كافر أو منافق وتارة يعلم أنه ~~كافر ومنافق ويذهب إليه كما يذهب قوم إلى الكنيسة وإلى مواضع يقال لهم إنها ~~تقبل النذر فهذا يقع فيه عامتهم PageV02P586 # وأما الأول فيقع فيه خاصتهم حتى إن بعض أصحابنا المباشرين لقضاء القضاة ~~لما بلغه أني أنهى عن ذلك صار عنده من ذلك شبهة ووسواس لما يعتقده من الحق ~~فيما أذكره ولما عنده من المعارضة لذلك قال لبعض أصحابنا سرا # أنا جربت إجابة الدعاء عند قبر بالقرافة # فقال له ذلك الرجل فأنا أذهب معك إليه ليعرفه منه # فذهبا إليه فوجدا مكتوبا عليه عبد علي فعلموا أنه إما رافضي وإما ~~إسماعيلي # وكان بالبلد جماعة كثيرون يظنون في العبيديين أنهم أولياء الله تعالى ~~صالحون فلما ذكرت لهم أن هؤلاء كانوا منافقين زنادقة وخيار من فيهم الرافضة ~~جعلوا يتعجبون ويقولون PageV02P587 # نحن نذهب بالفرس التي بها مغل إلى قبورهم فتشفى عند قبورهم # فقلت لهم هذا من أعظم الأدلة على كفرهم # وطلبت من طائفة من سياس الخيل فقلت أنتم بالشام ومصر إذا أصاب الخيل ~~المغل أين تذهبون بهم # فقالوا في الشام يذهب بها إلى قبور اليهود والنصارى وإذا كنا في أرض ~~الشمال يذهب بها إلى القبور التي ببلاد PageV02P588 ~~الإسماعيلية كالعليقة والمنقية ونحوهما وأما في مصر فيذهب بها إلى دير هناك ~~للنصارى ونذهب بها إلى قبور هؤلاء الأشراف # وهم يظنون أن العبيديين شرفاء لما أظهروا أنهم من أهل البيت فقلت هل ~~يذهبون بها إلى قبور صالحي المسلمين مثل قبر الليث بن سعد والشافعي وابن ~~القاسم وغير هؤلاء # فقالوا لا # فقلت لأولئك ms102 اسمعوا إنما يذهبون بها إلى قبور الكفار والمنافقين وبينت ~~لهم سبب ذلك قلت لأن هؤلاء يعذبون في قبورهم والبهائم تسمع أصواتهم كما ثبت ~~في الحديث الصحيح PageV02P589 ~~فإذا سمعت ذلك فزعت فبسبب الرعب الذي يحصل لها تنحل بطونها فتروث فإن الفزع ~~يقتضي الإسهال # فيعجبون من ذلك وهذا المعنى كثيرا ما كنت أذكره للناس ولم أعلم أحدا قاله ~~ثم وجدته قد ذكره بعض العلماء # والمقصود أن كثيرا من الناس يعظم قبر من يكون في الباطن كافرا أو منافقا ~~ويكون هذا عنده والرسول من جنس واحد لاعتقاده أن الميت يقضي حاجته إذا كان ~~رجلا صالحا وكلا هذين عنده من جنس من PageV02P590 ~~يستغيث به # وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب بل يقال إنه قبر كافر كالمشهد الذي بسفع ~~جبل لبنان الذي يقال إنه قبر نوح فإن أهل المعرفة يقولون إنه قبر بعض ~~العمالقة وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة وقبر أبي الذي في دمشق انفق ~~العلماء على أنه كذب ومنهم من قال هما قبران لنصرانيين # وكثير من المشاهد متنازع فيها وعندها شياطين تضل بسببها من تضل ومنهم من ~~يرى في المنام شخصا يظن انه المقبور ويكون ذلك شيطانا تصور بصورته أو بغير ~~صورته كالشياطين الذين يكونون بالأصنام وكالشياطين الذين يتمثلون لمن ~~يستغيث بالأصنام والموتى والغائبين وهذا كثير في زماننا وغيره مثل أقوام ~~يرصدون بعض التماثيل PageV02P591 ~~التي بالبراني بديار مصر بإخميم وغيرها يرصدون التماثيل مدة لا يتطهرون طهر ~~المسلمين ولا يصلون صلاة المسلمين ولا يقرؤون حتى يتعلق الشيطان بتلك ~~الصورة فيراها تتحرك فيضع فيها سمعه وغيرها فيرى شيطانا قد خرج له فيسجد ~~لذلك الشيطان حتى يقضي بعض حوائجه وقد يمكنه من فعل الفاحشة به حتى يقضي ~~بعض حوائجه # ومثل هؤلاء كثير في شيوخ الترك الكفار يسمونه البودي وهو المخنث إذا ~~طلبوا منه بعض هذه الأمور أرسلوا له من ينكحه وينصبوا له حركات عالية في ~~ليلة ظلماء وقربوا له ميتة وغنوا غناء يناسبه بشرط أن لا يكون عندهم من ~~يذكر الله تعالى ولا هناك شيء فيه ms103 شيء من ذكر الله تعالى ثم يصعد ذلك الشيخ ~~المفعول به في الهواء ويرون الدف يطير في الهواء ويضرب من مد يده إلى الخبز ~~ويضرب الشيطان بآلات اللهو وهم يسمعون ويغني لهم الأغاني التي كانت تغني ~~آباؤهم الكفار ثم قد يغيب ذلك الطعام فيرونه قد نقل إلى البيت البودي وقد ~~لا يغيب PageV02P592 ~~ويقربون له ميتة يحرقونها بالنار ويقضي بعض حوائجهم ومثل هذا كثير جدا ~~للمشركين # فالذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام وكثير من المشاهد كذب ~~وكثير منها مشكوك فيه وسبب ذلك أن معرفة المشاهد ليست من الدين الذي تكفل ~~الله بحفظه للأمة لعدم حاجتهم إلى معرفة ذلك # والمقصود أن هؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يسووا بين الأنبياء وغير ~~والأنبياء بل بين الأنبياء والكفار ويطلبون من هذا ما يطلبون من هذا فأي ~~الفريقين أشد تعظيما للأنبياء هؤلاء أو من يوجب تعظيمهم واتباع شريعتهم ~~ويفرق بين الحق الذي جاؤوا به وبين غيره ولا ينزل أحدا منزلتهم ولا يشبه ~~بهم من ليس منهم. ### || AUTO فصل # قال: وهذا الرجل المبتدع يأتي بألفاظ هي عين التنقيص بسوء فهمه ويحتج لها ~~جهلا أو عنادا بألفاظ التنزيه تمويها منه أو جهلا # فقول أبي يزيد استغاثة المخلوق بالمخلوق كإستغاثة الغريق بالغريق إن صح ~~عنه تنزيه للباري على أن غير هذه العبارة خير منها وإن PageV02P593 ~~كنا نعلم أن المراد بها هو المراد بقول القائل لا يستغاث إلا بالله ولا ~~يفرج الكربة إلا الله # الجواب من وجوه # أحدها أن يقال المبتدع من شرع دينا لم يأذن به الله لا من أمر بما أمر ~~الله به ونهى عما نهى الله عنه ومن أعظم المبتدعين من جوز أن يستغاث ~~بالمخلوق الحي والميت في كل ما يستغاث فيه بالله عز وجل بل من جوز أن يسأل ~~الميت ويدعى على أي وجه كان بل من حمل ألفاظ الاستغاثة بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم المراد بها التوسل به وجعل توسل الصحابة هو توسلهم بذاته ~~والإقسام به على الله تعالى ولم ms104 يعلم أن المراد بها التوسل بشفاعته ومن ~~أعظم المبتدعين من جعل التوحيد كفرا والشرك إيمانا وكفر من هو أحق بالإيمان ~~من طائفته ونفى الكفر عن طائفته الذين هم أحق بالكفر ممن كفروه # الثاني أن يقال دعواه أن الألفاظ التي ذكرت هي عين PageV02P594 ~~التنقيص قد بين أنه من أعظم الكذب وأن التنقيص والشرك لما ذكره ألزم وأن ~~المدعي أن هذا تنقيص كاذب بإتفاق المسلمين فإنه قد علم بالاضرار من دين ~~المسلمين ان مثل هذا الكلام لا يحكم على صاحبه بالتنقيص ولا بما هذا الكلام ~~أحسن منه # الثالث أن قول المجيب ليس هو قوله وحده بل هو قول جميع أئمة الدين وعلماء ~~المسلمين فليس في علماء المسلمين من يقول إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما ~~يستغاث الله فيه ولا من يقول إن الميت يستغاث به في كل ما يستغاث بالله فيه ~~بل قول القائل إن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى لا تطلب إلا ~~منه متفق عليه بين علماء المسلمين وما علمت إلى ساعتي هذه أحدا من علماء ~~المسلمين الذين يستحقون الإفتاء نازع في هذا بل ثبت عندي عن عامة من بلغني ~~كلامه من علماء المسلمين الموافقة على هذا وإنما عرف نزاع بعضهم في السؤال به # وأما الشيوخ الذين يسألون الميت فهؤلاء ليس فيهم أحد ممن يرجع المسلمون ~~إلى فتياه وإنما فعلوا نظيره والفقيه قد يفعل شيئا على PageV02P595 ~~العادة وإذا قيل له هذا من الدين لم يمكنه أن يقول ذلك ولهذا قال بعض السلف ~~لا ينظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك. ### || AUTO فصل # قال: وأما قول هذا المبتدع لا يستغاث بالرسول فإنه كفر لأنه لفظ يقتضي ~~سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله تعالى في طلب الإغاثة وهذا نفي ~~لوصف من أوصاف الكمال الثابت له صلى الله عليه وسلم # أرأيت رجلين قال أحدهما لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى يشير إلى التوحيد ~~وقال الآخر إن الرسول لا يضر ولا ينفع وقال الأول إن الله هو السميع العليم ms105 ~~إشارة للحقائق التي حصرها الرب سبحانه في نفسه بهذا الكلام وقال الآخر إن ~~الرسول لا يسمع ولا يعلم أكان يشك مسلم في أن الأول موحد والثاني كافر منقص ~~ولا ينفعه تأويله # والجواب من وجوه # أحدها أن ما ذكرته افتراء فإن أحدا لم يخص الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بهذا النفي لا خطابا ولا كتابا ولا نفى كل ما يسمى استغاثة فلا النفي عام PageV02P596 ~~ولا المنفي عنه مخصوص أنت ادعيت هذا وهذا على المجيب وكلاهما كذب وجواب ~~السؤال ينطق بخلاف هذين وقد بين فيه أن يطلب من مخلوق لا الرسول ولا غيره ~~وحينئذ فهذا التفصيل أبين من النفي المطلق الذي قاله أبو يزيد وغيره من ~~المسلمين فإذا كان ذلك سائغا فهذا أولى # والثاني أن يقدم أن المخصص بالذكر إذا كان التحقيق العموم كان ذلك تعظيما ~~للمخصوص بالذكر فإذا قيل لا يعبد إلا الله تعالى لا الأنبياء ولا غيرهم ~~ونحو ذلك كان هذا تعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم وتبيينا أنه لا أحد ~~أرفع منه من الخلق وخصائص الرب عز وجل منتفية عنه فعن غيره بطريق الأولى ~~وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا ~~لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله» وفي رواية «إني أبرأ إلى كل ~~خليل من خلته» PageV02P597 # فبين أن خلته للمخلوقين منتفية عن كل أحد حتى عن الصديق وهو أحقهم بها لو ~~كانت ممكنة ولو خص بالذكر لفظا في سياق يفهم منه العموم كان حسنا كقوله ~~تعالى {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا} # وكذلك إذا كان سبب التخصيص حاجة المستمع إما لسؤاله عن ذلك وإما لحاجته ~~إليه كقوله تعالى {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله} وقوله {ما المسيح ~~ابن مريم إلا رسول} فإن الحاجة داعية إلى ذكر المسيح لوقوع النزاع فيه فلو ~~تنازع اثنان هل يخص النبي صلى الله عليه وسلم بالحلف به دون سائر الأنبياء ~~فقال أحدهما لا يحلف به لم يكن هذا تنقيصا بل هذا قول الجمهور ms106 وهو الصواب ~~وكذلك إذا تنازع اثنان هل يخص بالاستغاثة به أو بالإقسام على الله به بعد ~~موته فقال أحدهما لا يستغاث ولا يقسم به فإن هذا ليس من خصائصه لكان من هذا الباب # الثالث قوله عن أبي يزيد غير هذه العبارة خير منها قول باطل فإن ما قاله ~~أبو يزيد رحمة الله تعالى عليه تلقاه الناس بالقبول وقال بعده أبو عبد الله ~~القرشي قال استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة PageV02P598 ~~المسجون بالمسجون وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس «إذا سألت ~~فاسأل الله وإذا استعنت فإستعن بالله تعالى» # وقوله لطائفة من أصحابه «لا تسألوا الناس شيئا» # ومنه قوله تعالى {وإلى ربك فارغب} # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في صفة السبعين ألفا «هم الذين لا يكتوون ~~ولا يتطيرون ولا يسترقون» # فالاسترقاء طلب الرقية من المخلوق وكأنه يقول هذا فيه جعل المخلوقين كلهم ~~مثل الغريق ويدخل في ذلك الأنبياء وغيرهم وفي الناس من يمكنه إغاثة غيره ~~فيقال أبو يزيد أراد والله أعلم الاستغاثة المطلقة التي لا تصح إلا بالله ~~وهو أن يطلب من المخلوق مالا يقدر عليه إلا الله تعالى كإزالة المرض ~~والانتصار على العدو وهداية القلب وهذا القدر يمكن المسؤول أن يتسبب فيه ~~بأن يدعو الله تعالى له ويجيب الله دعاءه كما أنه قد يمكن بعض الغرقاء أن ~~يمسك غيره ويخلصه إذا كان فيه قوة على ذلك وإن كان أراد كل ما يسمى استغاثة ~~بحيث لا يطلب من المخلوق شيئا فهذا كقوله صلى الله عليه وسلم «لا يسترقون» PageV02P599 ~~وقوله «إذا سألت فاسأل الله» # وحينئذ فالمسؤول كائنا من كان لا يفعل شيئا إلا بمشيئة الله وقدرته فهو ~~أحوج إلى معونة من الغريق إلى من يخلصه فإن الغريق غايته أن يموت وهذا إن ~~لم يغثه الله تعالى لم يفعل شيئا قط بل هلك فافتقار الخلق إلى الخالق أعظم ~~من افتقار الغريق إلى المنقذ والمسجون إلى من يرسله ولهذا قيل استغاثة ~~المخلوق بالمخلوق أبلغ من هذا كالاستغاثة بالمعدوم # الرابع قوله وإن كنا نعلم ms107 أن المراد بها المراد بقول القائل لا يستغاث ~~إلا بالله ولا يفرج الكربة إلا الله تعالى فيقال هذا يقتضي تصويب هذا ~~النافي وعلى قولك لا يكون هذا النفي صوابا لأنك قلت إنه يستغاث بالمخلوق في ~~كل ما يستغاث فيه بالله وحينئذ فهذا الإثبات يناقض ذلك السلب العام # وقد تقدم أن دعواه أن المثبت هو عين المنفي في كلام الله ورسوله خطأ بل ~~ما نفاه الرب سبحانه عن غيره لم يثبته له والمنفي عن المخلوق ما اختص الرب ~~به وكذلك قول أبي يزيد وغيره # وأما على ما ادعاه فالاستغاثة بالمخلوق عامة في كل شيء فلا يكون شيء من ~~الأشياء يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيه فلا تنفى الاستغاثة عن غير الله تعالى ~~إذا كانت ثابتة للمخلوق في كل شيء إلا PageV02P600 ~~أن يقال المنفي هو الاستغاثة الكاملة أو التي يستقل بها المغيث كما يقال لا ~~موجود إلا الله تعالى فيقال وهذه العبارة لا موجود إلا الله تعالى ليست ~~عبارة منقولة عن السلف والأئمة والنافي إذا أراد بالنفي الكمال مع القرينة ~~جاز ذلك كما يقال لا عالم إلا فلان ولا حاكم إلا فلان ومنه قوله تعالى ~~{إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} إلى قوله {أولئك هم المؤمنون حقا} # وقد بينا في غير هذا الموضع أن الله تعالى ورسوله لم ينفيا اسما من مسمى ~~شرعي إلا لانتفاء بعض ما يجب فيه لا ينتفي لانتفاء الكمال المستحب بل ولا ~~بنفي الكمال الواجب # كقوله تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} ونظائرها ~~بالقرآن # وكقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا صلاة إلا بأم القرآن» PageV02P601 # وأما قوله «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» PageV02P602 ~~PageV02P603 PageV02P604 ~~PageV02P605 # وقوله «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» PageV02P606 # وقوله «من سمع النداء ولم يجب من غير عذر فلا صلاة له» PageV02P607 ~~PageV02P608 # فهذا الأحاديث قد اختلف في صحتها واختلف في نفي الكمال ms108 بها في مذهب أحمد ~~وغيره فإن قيل إنها صحيحة وجب العمل بموجبها # وكذلك قوله «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» قد اختلف PageV02P609 ~~PageV02P610 PageV02P611 ~~PageV02P612 # في صحته فليس في هذا الباب حديث صحيح اتفق العلماء على أن المراد به نفي ~~الكمال المستحب # وقول القائل لا يستغاث إلا بالله ولا يسأل إلا بالله ونحو ذلك فليس هو ~~نفيا لمسمى شرعي بل لغوي وهو نفي معناه النهي كقوله لا يستعان إلا بالله ~~ولا يسأل إلا الله تعالى ونحو ذلك وهذا النهي عام في كل شيء لكن النهي في ~~أكثره نهي تحريم وبعضه نهي تنزيه # للإنسان أن لا يسأل أحدا إلا الله تعالى كما وصف النبي صلى الله عليه ~~وسلم طائفة من أصحابه بذلك وهو نهي تحريم فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ~~وغير ذلك وهو أيضا نهي تحريم إذا طلب من المخلوق تمام مطلوبه فإن مطلوبه لا ~~يقدر عليه إلا الله وإنما يقدر المخلوق على بعض أسباب مخلوقه وبهذا وجب على ~~العبد أن لا يتوكل إلى على الله تعالى PageV02P613 ~~فإنه لا يقدر غير الله على حصول مطلوبه إذ مطلوبه وإن كان له أسباب ~~فالمخلوق المعين إنما يقدر على بعض أسبابة ثم ذلك المخلوق لا يفعل شيئا إلا ~~بمشيئة الله تعالى وقدرته # الخامس قوله وأما قول هذا المبتدع لا يستغاث بالرسول فإنه كفر إلى آخره # فيقال له أولا ليس هذا قوله فإنه لا ينفي عنه أن يستغاث به فيما يليق ~~بمنصبه بل قد صرح بجواز ذلك أيضا فإنه لا يخص الرسول بالذكر ولا بل إنما ~~قيل هذا على سبيل العموم وهو أنه لا يستغاث بميت أصلا لا الرسول ولا غيره ~~ولا يستغاث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق # ويقال ثانية دعواك أن هذا التخصيص كفر أحق بأن يكون كفرا بل يقال لك لا ~~نسلم أنه باطل فضلا عن أن يكون كفرا وهذا عند التخصيص إذا قال لا يستغاث به ~~بعد موته ونحو ذلك بمنزلة أن يقال لا يسأل ولا يدعى بعد موته ms109 أو لا يصلى ~~على الرسول عند الذبح أولا تجب الصلاة على الرسول في الصلاة ونحو ذلك من ~~العبارات النافية عن الرسول PageV02P614 # وقد يكون اللفظ مطلقا لتقييده بسؤال السائل مثل أن يقال هل يصلى عليه عند ~~الذبح فيقال لا يصلى عليه أو يقال هل يستغاث به بعد موته أو في مغيبه فيقال ~~لا يستغاث به لكن إن كان المستمع يفهم من هذه العبارة أنه لا يسأل في حياته ~~شيئا ولا يستشفع به بمعنى أنه ليس أهلا لذلك لم يجز إطلاق هذه العبارة إذا ~~عنى بها المتكلم معنى صحيحا وهو يعلم أن المستمع يفهم منها معنى فاسدا لم ~~يكن له أن يطلقها لما فيه من التلبيس إذ المقصود من الكلام البيان دون ~~التلبيس إلا حيث يجوز التعريف خاصة وليس هذا موضع تعريض # ولو قدر أن مطلقا أطلقها وكنى بها معنى صحيحا والمستمع فهم منها الكفر لم ~~يكفر المتكلم بذلك لا سيما إذا لم يعلم أن المستمع يفهم المعنى الفاسد # وكلام الله ورسوله وكلام العلماء مملوء بما يفهم الناس منه معنى فاسدا ~~فكان العيب في فهم الفاهم لا في كلام المتكلم الذي يخاطب جنس الناس كالمصنف ~~لكتاب أو الخطب على المنبر ونحو هؤلاء فإن هؤلاء لا يكلفون أن يأتوا بعبارة ~~لا يفهم منها مستمع ما معنى ناقصا فإن ذلك لا يكون إلا إذا علم مقدار فهم ~~كل من يسمع كلامه ويقرأ كتابه وهذا ليس في طاقة بشر PageV02P615 # والله تعالى ما أرسل رسولا إلا بلسان قومه ليبين لهم فما يمكن بيان ~~الرسول إلا على طريقة اللغة المعروفة وإن وقع خطأ في فهم بعض الناس والله ~~تعالى أنزل كتابه بلسان العرب وهو لابد أن ينزله بلسان من الألسنة وأكمل ~~الألسنة لسان العرب وأكمل البلاغة بلاغة القرآن باتفاق أهل العلم بذلك # وقد غلط في كثير من فهم القرآن من لا يحصيه إلا الله تعالى حتى في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # فهم طائفة من قوله تعالى {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ms110 ~~الفجر} أن المراد به الخيوط التي هي من جنس الحبال PageV02P616 # وفهم بعضهم من قوله تعالى {وإن منكم إلا واردها} أن المراد دخولها ~~والتعذيب فيها # وفهم بعضهم من قوله {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} أنه قد ناقش العبد الحساب وينجو PageV02P617 # ومثل ذلك كثير # السادس قوله إنه لفظ يقتضي سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله في ~~طلب الإغاثة وهذا نفي لوصف من أوصاف الكمال فيقال له نفي الاستغاثة به في ~~شيء مخصوص ووقت مخصوص لا يفهم أحد منه نفي التوسل به ولا نفي كونه سببا ~~وإنما يفهم منه نفي الطلب منه لذلك الشيء أو في ذلك الحال وما ذكرته فيما ~~تقدم من أن المتوسل به مستغيث به قول لم يقله أحد قبلك لا من العرب ولا من ~~العجم وليس لأحد أن يفسر اللفظ بمعنى لا يعرفه أحد # السابع إن قوله يقتضي سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله تعالى ~~قول باطل فإن قول القائل لا يستغاث به نفي لكون هذا PageV02P618 ~~مشروعا ولا سيما إذا كان في سياق الإفتاء وبيان الأحكام الشرعية والصيغة ~~خبر فإنه لم يرد نفي وقوع ذلك فإنه إنما أراد النهي عن ذلك وكون الفعل ~~منهيا عنه ليس فيه ما ينافي إمكان الشرع فضلا عن أنه يقتضي نفي صلاحية # فإذا قيل الرسول صلى الله عليه وسلم لا يسجد له لم يقتض أن ذلك غير ممكن ~~أن يشرعه الله تعالى فقد أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام وقد سجد ~~ليوسف أبواه وإخوته ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضل من آدم ويوسف فكيف يفهم ~~من هذا اللفظ أنه لا يصلح لما يصلح له آدم ويوسف عليهما السلام # وكذلك إذا قيل النبي لا يورث لم يكن هذا نفيا لإمكان أن يبيح الله تعالى ~~أن يورث أو نفيا لاستحقاق شيئا يمكن أن يورث عنه PageV02P619 # وكذلك إذا قيل كان الصحابة قد نهوا أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن شيء لم يكن في هذا نفي لما يسأل عنه ولا نفي لإمكان ms111 أن يشرعه الله ~~تعالى ورسوله كما قال تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} لا ~~يقتضي نقصا بالمسؤول # وقوله {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل} # وقوله {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى ~~أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} # فنهي الأمم أن تسأل الأنبياء هذه المسائل لا يقال إنه نفي لصلاحية الرسل ~~أن يكونوا وسيلة في حصول المسؤول وذلك نفي لصفة الكمال إذ ليس فيه إلا ~~النفي عن السؤال وليس فيه نفي لصلاحية المسؤول أن يسأل ولا نفي قدرته على ~~حصول المسؤول ولا شيء من هذا بل قد يكون النهي عن السؤال لمصلحة المنهي ~~ولما في سؤاله من المفسدة # وقوله لا يستغاث به هو مثل قوله لا يسأل وهو نهي عن سؤاله وعن الاستغاثة ~~لما في ذلك من مصلحة المنهي ومن مصلحة PageV02P620 ~~الرسول ومن توحيد الرب عز وجل # وأيضا فقول القائل لا يصلح أن يستغاث به أو لا يصلح أن يكون وسيلة إلى ~~الله تعالى في حصول الإغاثة قد يريد لا يصلح شرعا بمعنى أن هذا لم يشرع وقد ~~يريد لا يصلح أي أن هذا غير ممكن في حقه فلو قدر أن نفي الاستغاثة نفي ~~الصلاحية فالصلاحية لفظ مجمل # وبالجملة فكلام هذا الرجل كثير منه نزاع لفظي ومع كونه لفظيا فهو يعبر عن ~~المعنى بلفظ لم يعبر به غيره وينكر على غيره أن يعبر عن المعنى بالعبارة ~~المستعملة فيه ففيه جهل وظلم جهل بدلالة اللفظ في استعماله واستعمال اللفظ ~~فيما لم يستعمل فيه قط وينكر على من استعمله في معناه ويريد أن يلزمهم ~~بالقبيح الذي ارتكبه ويحمل كلامهم على المعنى الباطل لظنه أن اللفظ يحتمل ~~مع أنهم قد صرحوا بنقيض ذلك المعنى بعبارة صريحة فبدع كلامهم وتمسك ~~بمتشابهه الذي هو متشابه في ظنه مبتغيا للفتنة بذلك وليس مقصده معرفة مراد ~~المتكلم وتأويله بل غرضه ما يقوله الناس عنه من إرادة العلو في الأرض ~~والفساد بالظلم يبين هذا PageV02P621 # الجواب ms112 الثامن وهو أنه قد ذكر المجيب في أول جوابه فقال قد ثبت بالسنة ~~المستفيضة بل المتواترة واتفاق الأمة أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو ~~الشافع المشفع وأنه سيد ولد آدم وأنه يشفع للخلائق يوم القيامة وأن الناس ~~يستشفعون به فيطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم فيشفع لهم وفيه أيضا تقرير ~~ما كان أصحابه يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به وفي الجواب والاستغاثة ~~بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم # فإذا كانت هذه الألفاظ الصريحة فيه فلو قدر أن فيه إطلاق نفي الاستغاثة ~~هل كان يقال إن فيه ما يقتضي نفي صلاحيته أن يكون وسيلة إلى الله تعالى في ~~حصول الاستغاثة وقد بين فيه تقرير ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به ~~والاستشفاع به وقرر فيه أن الناس يستشفعون به ويتوسلون بشفاعته في الدنيا ~~والآخرة وأنه يستغاث به بمعنى أنه يطلب منه كما هو اللائق بمنصبه فإذا كان ~~قد بين ثبوت هذه الأمور هل يمكن أن ينفي معها صلاحيته لبعضها # ومعلوم أن حصول أبلغ من الصلاحية له فإذا كانت هذه الأمور قد أثبتت فكيف ~~ينفي معها الصلاحية لذلك والألفاظ بإثباتها صريحة PageV02P622 # واللفظ الذي توهم فيه نفي الصلاحية غايته أن يكون محتملا لذلك ومعلوم أن ~~مفسر كلام المتكلم يقضي على مجمله وصريحه يقدم على كنايته ومتى صدر لفظ ~~صريح في معنى ولفظ مجمل نقيض ذلك المعنى أو غير نقيضه لم يحمل على نقيضه ~~جزما حتى يترتب عليه الكفر إلا من فرط الجهل والظلم # التاسع أنه لو فرض أن معنى اللفظ ما ذكرته فإذا كان اللفظ المطلق لا يعرف ~~معناه إلا من أداه بنفسه لم يكن كافرا بإجماع المسلمين وإن اعتقد أن ما ~~نفاه هو مدلول اللفظ وما نفاه منتف عنه إجماعا أو في قول سائغ لم يكن هذا ~~كافرا عند أحد المسلمين # العاشر قوله يقتضي سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله تعالى في ~~طلب الإغاثة كلام مجمل فيقال لك ما تعني به ms113 أتريد به أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم والرجل الصالح وغيرهما لا يكون بعد موته وسيلة إلى الله تعالى في ~~طلب الإغاثة منه أو أنه لا يكون حيا وميتا وسيلة إلى الله تعالى في طلب ~~الإغاثة منه # وقوله لا يكون وسيلة تريد به أن لا يتوسل به أي بذاته أو بدعائه PageV02P623 ~~وشفاعته أو غير ذلك فإن أردت أن الميت نبيا كان أو غير نبي لا يكون وسيلة ~~إلى الله تعالى في طلب الإغاثة بمعنى أن يطلب منه لا يكون وسيلة في طلب ~~الغوث منه قيل لك هذا صحيح ولم قلت إن الأمر بالعكس ومن أين لك في الشرع أن ~~يطلب من الميت وسيلة إلى الله تعالى في طلب الإغاثة منه # بل وكذلك إن أردت أن الاستغاثة بالحي والميت لا تكون وسيلة إلى الله ~~تعالى في طلب الغوث منه ومن أين لك أن الطلب من المخلوق يكون طالبا من الله تعالى # ومن الذي قال إن السائل بمخلوق والداعي له والمستغيث به نبيا كان المدعو ~~أو غير نبي يكون المخلوق المستغاث به وسيلة إلى الله تعالى في ما طلب منه # وهذا أمر مخالف للعقل واللغة والشرع فمن الذي جعل الطلب من هذا وسيلة في ~~الطلب من هذا في كل شيء وعلى كل حال # بل من طلب من الرسول أو غيره فإنما يطلب منه مقدوره فيطلب منه الدعاء ~~والشفاعة ويكون دعاؤه وشفاعته وسيلة في حصول المطلوب PageV02P624 ~~لأن ذلك يكون طلبا من الله تعالى وأنت قد جعلت كلما يطلب من غير الله وسيلة ~~من وسائل الله تعالى فما هذه الوسائل التي يكون المتوسل بها طالبا من الله ~~تعالى فإن الطلب من الله تعالى معروف معلوم # فيقال دعا الله وسأله واستعانه واستغاث به وطلب منه ورغب إليه واستجار به ~~واستعاذ به ونحو ذلك وليس هذا مخلوق يكون الاستغاثة به وسيلة في هذا الطلب ~~وكأن هذا يجعل نفس الطلب من الصالح طلبا من الله تعالى ويقول إن الصالح ~~لمنزلة عند الله تعالى من طلب منه شيئا ms114 فإن الله يعطيه ذلك كما إذا طلب من ~~الله تعالى وهذا حال كثير من الجاهلين الضالين يستغيث أحدهم بشيخه في كل ما ~~يهمه فإذا خاف أحدا وطلب حاجة استغاث بالشيخ أو الغائب أو الميت فيقول يا ~~شيخ فلان أنا في حسبك يا سيدي فلان ونحو ذلك من العبارات # ومنهم من يقول هذا وقتك يا شيخ فلان أو يقول إن لم تحضر يا شيخ فلان وإلا ~~فعل بنا وصنع وقد يقول إن كنت رجلا صالحا صاحب حال فأرني حالك ويقول إن كان ~~لك جاه عند الله تعالى فهذا PageV02P625 ~~وقت جاهك وقد يستغيث أحدهم بعدة مشايخ فيقول يا سيدي فلان وفلان وفلان # ثم من هؤلاء من يتصور له صورة إنسان يظنها الشيخ أو ملكا تصور على صورته ~~وساره وكالمه ونحو ذلك ومنهم من يتصور له ذلك في صورة طائر ومنهم من يتصور ~~له في صورة حيوان آخر وتكون تلك الشياطين تتصور بتلك الصور لأولئك المشركين ~~الذين دعوا من دون الله آلهة أخرى وطلبوا منهم ما لا يجوز أن يطلب إلا من ~~الله تعالى كما كان المشركون يطلبون من الأوثان ما يطلب من الله تعالى وكما ~~يطلب عباد الكواكب منها ما لا يطلب إلا من الله تعالى وكذلك عباد الأنبياء ~~والملائكة قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} وقال تعالى: {ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون} # وهؤلاء لا يتصور أن يقضي لهم جميع مطالبهم ولا أكثرها كما PageV02P626 ~~أن ما تخبر به الشياطين من الأمور الغائبة لا يصدقون فيه كله ولا في أكثره ~~بل يصدقون في واحدة ويكذبون في أضعافها ويقضون لهم حاجة واحدة ويمنعونهم ~~أضعافها ويكون فيما أخبروا به وأعانوا عليه إفساد حال الرجال في الدين ~~والدنيا وهذه الأمور لبسطها موضع آخر # والمقصود أن كثير من الضالين الجاهلين يستغيثون بمن ms115 يحسنون به الظن من ~~الأموات والغائبين في كل ما يستغاث الله فيه ولا يتصور أن هؤلاء يسألونهم ~~مطالبهم كلها ولا أكثرها بل غاية ما يطلبون منهم من جنس تحصيل المنافع ودفع ~~المضار ولا يحصل بل قد يحصل بعض المطالب كما يحصل لعباد الأصنام والكواكب ~~وغيرهم من المشركين ويكون ما يخبرون به ويفعلونه شبهة للمشركين كما أن ما ~~يخبر به الكاهن ونحوه من الأخبار فإنه يصدق في واحدة ويكذب في شيء كثير كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم «لو أتوا بالأمر على وجهه لكان ولكن يخلطون ~~بالكلمة الواحدة مئة عذبة» PageV02P627 # فهذا القول الذي يقوله هذا هو مطابق لأحوال هؤلاء المشركين الضالين لكن ~~هذا ليس يقوله مسلم ولا عاقل يتصور ما يقول بل هو من جنس قول النصارى دعاء ~~المسيح دعاء الله لكن أولئك يقولون باعتبار الحلول والاتحاد وأما بدون هذا ~~فهو كلام غير معقول فإن الله تعالى أمر أن يدعى هو ويسأل هو ولم يجعل دعاء ~~أحد من المخلوقين دعاء له بل قد نهى الله تعالى عن دعائه ولو كان هذا حقا ~~لكان من دعا الملائكة والأنبياء دعاء لله فلا يكون مشركا والله تعالى قد ~~جعلهم مشركين وقد قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} # فإن هؤلاء الضالين جعلوا الصالحين مع الله تعالى كالوكيل مع PageV02P628 ~~موكله فإذا طلب من ا لوكيل الدعاء كانت المطالبة للموكل في المعنى لكن هذا ~~ليس من أقوال الموحدين بل هو من أعظم شرك الملحدين والرسول صلى الله عليه ~~وسلم لم يضمن للخلق أن يرزقهم ويحاسبهم ولا يجيب دعاءهم بل هذا كله أخبر ~~أنه لله وحده # قال تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} # وقال {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ~~ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي} # وقال {قل لا أملك لنفسي ms116 نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} # وقال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} # فبين تعالى ان التحسب بالله وحده والرغبة إلى الله تعالى وحده PageV02P629 ~~وأما الإيتاء فلله والرسول لأن الحلال ما حلله الرسول والحرام ما حرمه ~~الرسول كما قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ~~فالله قد جعل الرسول مبلغا لكلامه الذي هو أمره ونهيه ووعده ووعيده # وهؤلاء يجعلون الرسل والمشايخ يدبرون العالم بالخلق والزرق وقضاء الحاجات ~~وكشف الكربات وهذا ليس من دين المسلمين بل النصارى تقول هذا في المسيح وحده ~~لشبهة الاتحاد والحلول ولهذا لم يقولوا ذلك في إبراهيم وموسى وغيرهما من ~~الرسل مع أنهم في غاية الجهل في ذلك فإن الآيات التي بعث بها موسى أعظم ولو ~~كان الحلول ممكنا لم يكن للمسيح خاصية توجب اختصاصه بذلك بل موسى أحق بذلك ~~ولهذا خاطبت من خاطبت من علماء النصارى وكنت أتنزل معهم إلى أن أطالبهم ~~بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية فلم يجدوا فرقا بل أبين لهم أن ما ~~جاء به موسى من الآيات أعظم فإن كان هذا حجة في دعوى الإلهية فهو أحق وأما ~~ولادته من غير أب فهو يدل على قدرة الخالق لا أن المخلوق أفضل من غيره # وإن أراد بقوله يقتضي سلب صلاحية الرسول لأنه يكون وسيلة إلى الله تعالى ~~في طلب الإغاثة أنه لا يتوسل بذاته فلا يقسم به على الله PageV02P630 ~~تعالى ولا يقال أسألك برسولك أو بجاه رسولك # فيقال أولا نفي الاستغاثة بهم لا يفهم أحد منها نفي السؤال به # ويقال ثانيا وهبوا أنه أراد هذا فما الدليل على جواز السؤال لله تعالى ~~بذات المخلوقين أو مطلقا بعد موتهم ومن قال هذا من الصحابة والتابعين لهم بإحسان # والصحابة إنما كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته ولهذا توسلوا بعده بالعباس ~~ولو ms117 كان التوسل بذاته ممكنا بعد الموت لم يعدلوا إلى العباس والأعمى إ نما ~~توجه بدعائه وشفاعته وكذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم في الاستغاثة وكذلك ~~الناس يوم القيامة يستغيثون به ليشفع لهم إلى الله تعالى فهم يتوسلون ~~بشفاعته أما مجرد الذات بعد الممات فلا دليل عليه ولا قاله أحد من السلف بل ~~المنقول عنهم يناقض ذلك وقد نص غير واحد من العلماء على أن هذا لا يجوز وإن ~~نقل عن بعضهم جوازه فقد قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} PageV02P631 # ويقال ثالثا وهب أن قائل ذلك أخطأ في هذا النفي لكن ليس كل مخطئ يكفر لا ~~سيما إذا قاله متأولا باجتهاد أو تقليد # وإن أراد بقوله لا يكون وسيلة أي لا يكون الإيمان به ومحبته وطاعته ~~وموالاته واتباع سنته والمجاهدة على دينه ونحو ذلك وسيلة إلى الله تعالى ~~فهذا لم ينفه أحد ونفي الاستغاثة به لا ينفي هذه الوسائل وهذه وسائل في ~~حصول الثواب والقرب من الله تعالى وسعادة الدنيا والآخرة لا في مجرد ~~الاستغاثة ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الوسيلة إلى سعادة الدنيا والآخرة ~~بهذا الاعتبار ومن نفى كونه وسيلة إلى الله تعالى بهذا الاعتبار فهو الكافر ~~حقا فإنه نفى رسالته التي هي أصل الإيمان # الحادي عشر قوله وهذا نفي لوصف من أوصاف الكمال الثابتة له صلى الله عليه ~~وسلم فيقال له لا نسلم أن هذا نفي لشيء من صفات الكمال بل ولا نفي لشيء ~~موجود بل هو نفي لشيء منتف في نفس الأمر # ويقال له ثانيا هذا الوصف عندك ثابت لآحاد الناس بل قولك يقتضي أنه ثابت ~~لكل مخلوق وما ثبت لآحاد الناس لم يكن من خصائص الرسل التي تعد من كمالاتهم ~~فلا يقول عاقل إن ما شارك فيه عامة الناس يكون من كمالات الرسالة التي يكون ~~نفيها قدحا في رسالته PageV02P632 # ويقال ثالثا ولو قدر أنه وصف كمال فليس كل من نفى وصفا من أوصاف الكمال ~~يكون كافرا إذا كان متأولا في ذلك دع ms118 من نفى وصفا من صفات كمال الرسول على ~~سبيل التأويل وقد قال طوائف من السلف والخلف أنه يقعده معه على العرش وأنكر ~~ذلك آخرون # وقال قوم إنه كان يجوع ويربط الحجر على بطنه مع قدرته على حصول ما يأكل ~~ونفى ذلك آخرون # وقال قوم إنه كتب بيده عام الحديبية خرقا للعادة ونفى ذلك آخرون # وقال ابن مسعود والجمهور إنه خاطب الجن ورآهم ونفى ذلك ابن عباس وآخرون # وقال ابن عباس وطائفة إنه رأى ربه ونفى ذلك آخرون من الصحابة وغيرهم بل ~~نفس المعراج قال الجمهور إنه كان ببدنه وآخرون من السلف والخلف قالوا إنه ~~كان بروحه # وقال طائفة من العلماء إنه كان يملك الفيء ونفى ذلك PageV02P633 ~~آخرون # وقال أكثر المنتسبين إلى السنة إنه والأنبياء أفضل من الملائكة وآخرون ~~قالوا الملائكة أو بعضهم أفضل من الأنبياء # وقال جمهور المسلمين إنه أفضل الأنبياء وتوقف في ذلك بعض الحنفية وغيرهم # وادعى بعض الناس أنه كان يحفظ القرآن قبل أن ينزل به جبريل عليه السلام ~~عليه صلى الله عليه وسلم ورد ذلك جمهور المسلمين وعلماؤهم # وقال قوم من هذا النمط إن جميع الأنبياء تلقوا العلم بالله منه وأنه كان ~~موجودا قبلهم ورد ذلك جمهور المسلمين وعلماؤهم # وقال بعضهم إنه كان لا يسهو في الصلاة وإنما كان يتعمد ذلك ورد ذلك جمهور ~~المسلمين وعلماؤهم # وقال بعض الغلاة إنه كان يعلم علم الله ويقدر قدرته وكفر المسلمون من قال ~~ذلك فضلا عن تكفير الثاني PageV02P634 # وتنازع المسلمون في جواز الصغائر على الأنبياء وجمهورهم يجوزون ذلك # وهذا باب واسع فما زال المسلمون يتنازعون في شيء من إثبات صفات الكمال ~~ولا يقول المثبت للنافي إنك كفرت فإن الكمال الثابت ليس محدودا يعلمه الناس ~~كلهم وما من كمال إلا وفوقه كمال آخر والكمال المطلق الذي لا غاية فوقه لله ~~تعالى وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كمل من ~~الرجال» إلى آخر الحديث فإن الكمال المطلق محال لغير ذي الجلال وهؤلاء ~~الكاملون بعضهم أكمل من ms119 بعض فإذا نفي عن بعضهم نوع من الكمال لم يلزم أن ~~ينفى عنه الكمال ولو كان كذلك لكان من قال إن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~أفضل من يونس ابن متى تنقيصا بيونس فيكون كافرا لأنه سلبه هذا الكمال PageV02P635 # وأما قوله أرأيت رجلين قال أحدهما لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى يشير ~~إلى التوحيد وقال الآخر إن الرسول لا يضر ولا ينفع وقال الأول إن الله ~~تعالى هو السميع العليم إشارة إلى الحقائق التي حصرها الرب سبحانه وتعالى ~~في نفسه بهذا الكمال وقال الآخر إن الرسول لا يسمع ولا يعلم أكان يشك مسلم ~~في أن الأول موحد والثاني كافر متنقص ولا ينفعه تأويله فإن سوء العبارة في ~~حق الرسول صلى الله عليه وسلم كفر وإن صح المقصود كما دل عليه كلام الإمام ~~وغيره ألا ترى إلزام الله عز وجل للصحابة بتحسين الخطاب معه وإيراده بكيفية ~~الأدب إلى آخره # فيقال أما المثال الأول فهو وإن كان أقرب إلى المطابقة فجوابه من وجوه # أحدها أنه إذا كان الكلام في سياق العموم بيان أنه أفضل الخلق مثل أن ~~يقول لا يضر ولا ينفع إلا الله تعالى لا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا من ~~دونه أو يقال إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلق لا يضر ~~ولا ينفع فكيف من دونه ونحو ذلك فهذا مثل قوله لا يضر ولا ينفع إلا الله تعالى # وأما إذا كان المراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يضر ولا ينفع وغيره يضر PageV02P636 ~~وينفع فهذا هو التنقيص وهو نظير أن يقال الرسول لا يستغاث به بل يستغاث ~~بغيره فهذا تنقيص بلا ريب فإنه يتضمن تنقيصه عن من الرسول أفضل منه وهذا ~~تنقيص عن درجته بلا ريب # ويقال ثانيا لو قال لا يضر ولا ينفع من الذي قال إنه يكفر بذلك إذا عنى ~~بذلك معنى قوله لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا وقد أمره الله تعالى أن يقول ~~ذلك فهو أحرى أن لا ms120 يملك لغيره # وقد قال {إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} فأخبر أنه لا يملك من الله تعالى ~~لا ضرهم ولا رشدهم # وقال الله تعالى له {ليس لك من الأمر شيء} # وثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله ~~شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا يا عباس عم رسول الله ~~لا أغني عنك من الله شيئا» PageV02P637 # فهذا تخصيص له ينفي ذلك وهو من أصدق الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ومن ~~صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما قاله فهو مؤمن ليس بكافر فإذا قال قائل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لا يغني عن بنته ولا عمه ولا عمته من الله تعالى ~~شيئا فكيف من دونهم كان هذا من أحسن الكلام وأصدقه # ويقال ثالثا قول القائل عن مخلوق إنه لا يضر ولا ينفع تارة مريد به نفي ~~الاستقلال بذلك على سبيل توحيد الربوبية بمعنى أن ما يجري على يديه من الضر ~~والنفع فالله هو خالقه وهو الذي يجعله فاعلا بمشيئته أو يريد أنه لا ينفع ~~ولا يضر إلا بمشيئة الله تعالى وقدرته أو إرادته كما قال تعالى: {وما هم ~~بضارين به من أحد إلا بإذن الله} فهذا صحيح فليس في المخلوقات بهذا ~~الاعتبار شيء ينفع ويضر إذ ليس في المخلوقات شيء ما يستقل بإحداث ضرر غيره ~~ونفعه ولا يفعل شيء إلا بإذن الله كما ليس فيها من يعطي ويمنع بهذا ~~الاعتبار ولا ينبغي بهذا الاعتبار كما من أسمائه تعالى المعطي المانع الضار النافع # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دبر الصلاة وفي غير هذا الموطن ~~«اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك PageV02P638 ~~الجد» # وكان يقول في رقيته «أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك» # وفي رواية «لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقما» # وتارة يريد به أن الضر والنفع المعتاد مثل الصحة والمرض والغنى ms121 والفقر ~~والأمن والخوف واليسر والعسر لا يفعله رسول ولا غيره لا في حياته ولا بعد ~~موته فهذا صحيح بخلاف ما ظنه المشركون الغلاة من النصارى وأشباههم الذين ~~يظنون أن الأنبياء والصالحين بعد موتهم أو في حياتهم ينزلون المطر ويدفعون ~~العدو وينبتون النبات ويشفون المرضى ونحو ذلك من الحوادث # وتارة يرى أنه ليس له دعاء مستجاب ولا شفاعة مقبولة وأن طاعته PageV02P639 ~~لا تنفع ومعصيته لا تضر ونحو ذلك فهذا كفر صريح من أراده حكم بردته وكفره # لكن اللفظ المجمل إذا صدر ممن علم إيمانه لم يحمل على الكفر بلا قرينة ~~ولا دلالة فكيف إذا كانت القرينة تصرفه إلى المنع الصحيح # وأما المثال الثاني فلا يشبه ما نحن فيه فإن قوله تعالى {وهو السميع ~~العليم} إثبات لهذه الصفة ومن الناس من يقول ليس في الآية حصر ومن قال فيها ~~حصر قال المحصور كمال هذه الصفة وليس ذلك إلا لله فإذا قال إن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لا يسمع ولا يعلم لم يفهم من هذا اللفظ نفي ما يختص به الرب ~~سبحانه وتعالى ولا عموم النفي عن الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره ومعلوم ~~أن الملائكة والإنس والجن والبهائم تسمع وتعلم فإن الله تعالى قال {وما ~~علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله} الآية وذكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم الكلب المعلم # ومن أطلق على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يسمع ولا يعلم فظاهر هذا ~~اللفظ نفي ذلك عنه وهو كذب ظاهر PageV02P640 # ثم قد يكون في سياق نفي علمه بالدين وسمعه لما أوحي إليه وهو كفر صريح # وقد يكون في سياق أنه لا يسمع ولا يعلم إلا ما أسمعه الله إياه وأعلمه ~~إياه وأنه من تلقاء نفسه ليس له علم بشيء بل الله هو الذي أسمعه وأعلمه كما ~~قال الله تعالى {وعلمك ما لم تكن تعلم} وكما قال تعالى: {ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} وكما قال ~~تعالى: {نحن ms122 نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من ~~قبله لمن الغافلين} وكما قال تعالى: {ووجدك ضالا فهدى} فهذا المعنى ليس ~~بكفر بل هو صحيح # وقد يكون في سياق أن الله سبحانه هو المختص بكمال السمع والعلم وأن غيره ~~لا يبلغ مبلغه في ذلك فهذا أيضا صحيح # فأما إطلاق أنه لا يسمع ولا يعلم فهو كذب وكفر بخلاف إطلاق أنه لا ينفع ~~ولا يضر ولهذا يقول المسلم لا ينفعني ولا يضرني إلا الله PageV02P641 ~~تعالى ولا يقول لا يسمع ولا يعلم إلا الله تعالى بل يقول لا يعلم ما في ~~نفسي إلا الله تعالى أو لا يسمع كلام العباد كلهم إلا الله تعالى أو لا ~~يسمع سر القول إلا الله تعالى ونحو ذلك. ### || AUTO فصل # قال فإن سوء العبارة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم كفر وإن صح المقصود ~~كما دل عليه كلام الإمام وغيره ألا ترى إلزام الله تعالى للصحابة رضوان ~~الله تعالى عليهم بتحسين الخطاب معه وإيراده بكيفية الأدب حيث قال لهم {لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} # وقال عز وجل {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} # وقال {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} # وقد نبه في الأول على حبط العمل بسوء الأدب ولا يحبط العمل كله إلا ~~بالكفر بإجماع أهل السنة وجعل الاستخفاف به كفرا كما قال عز PageV02P642 ~~وجل {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمانكم} ولا أعلم خلافا بين النقلة أن الذين نزلت فيهم هذه الآية بسبب ~~كلامهم لم يكونوا تعرضوا لله سبحانه بعبارتهم وإنما تنقصوا رسوله فجعل ~~استخفافهم برسوله صلى الله عليه وسلم استهزاء به سبحانه وبآياته فكفى بذلك تكفيرا # والجواب من وجوه # أحدها أن يقال إنا لا نسلم أن ما فيه النزاع سوء عبارة بل هو من أحسن ~~العبارات كما تقدم بيانه # 2 الثاني أنه إن كان سوء ms123 العبارة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم كفرا ~~ففي حق الله أعظم كفرا ومن قال إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما يستغاث فيه ~~بالخالق كانت هذه العبارة أنه يطلب من المخلوق كما يطلب من الخالق وهذا ~~يشعر أنه جعل المخلوق ندا للخالق وما أفهم الشرك كان من أسوأ العبارة فيجب ~~أن يكون كفرا يلزم هذا القائل وقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء ~~الله وشئت فقال: «أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده» PageV02P643 # وقال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد» PageV02P644 # وقال: «من حلف بغير الله فقد أشرك» PageV02P645 # الثالث إن سوء العبارة ما حصل به سوء المعتبر ومن جعل الرسول صلى الله ~~عليه وسلم يطلب منه الناس ما يطلبونه من الله تعالى فقد آذى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وأساء في حقه وسلط عليه العامة على اختلاف أغراضهم هذا يطلب ~~منه إنزال المطر وهذا يطلب منه غفران الذنوب وهذا يطلب منه النصر على ~~الأعداء وهذا يطلب منه أن يتزوج وهذا يطلب منه الولد وهذا يطلب منه المعيشة ~~وهذا يطلب منه الملك وهذا يطلب منه الولاية وهذا يطلب منه جارية حسناء وهذا ~~يطلب منه قضاء دينه وهذا يطلب منه سكباجا وهذا يشتكي إليه ظهور البدع وهذا ~~يشتكي إليه ما يظن أنه من البدع فنزلوا المخلوق منزلة الإله وطلبوا منه من ~~جلب المنافع ودفع المضار ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى وقد كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول «من لا يسألنا أحب إلينا ممن سألنا» وكانوا يسألونه ما ~~يقدر عليه فكيف إذا طلبوا منه ما لا يقدر عليه مخلوق # وفي الجملة فمطالب الناس لا تنضبط في خيرها وشرها وقلتها وكثرتها فمن سلط ~~الناس على الرسول صلى الله عليه وسلم يطلبون هذا كله منه فهو من أعظم الناس ~~إساءة إليه وإن كان لا يقصد ذلك لكن عبارته أفهمته فهي من أسوأ العبارات PageV02P646 # الرابع أن الكلام إذا كان في ms124 سياق توحيد الرب سبحانه ونفي خصائصه عما ~~سواه لم يجز أن يقال هذا سوء عبارة في حق من دون الله تعالى من الأنبياء ~~والملائكة فإن المقام أجل من ذلك وكل ما سوى الله تعالى يتلاشى عند تجريد ~~توحيده ونبي الله صلى الله عليه وسلم كان من أعظم الناس تقريرا لما يقال ~~على هذا الوجه وإن كان نفس المسلوب # وهذا كما في الصحيحين من حديث الإفك لما نزلت براءة عائشة رضي الله تعالى ~~عنها من السماء وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقالت لها أمها قومي ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت والله لا أقوم إليه ولا PageV02P647 ~~أحمده ولا إياكما لقد سمعتم فلا أنكرتم ولا غيرتم ولا أحمد إلا الله الذي ~~أنزل براءتي # وفي رواية قالت نحمد الله لا نحمد أحدا # وفي رواية نحمد الله لا نحمدك # فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم وأبوها على مثل هذا الكلام الذي نفت فيه ~~أن تحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تحمد أحدا إلا الله تعالى لأن ~~الله تعالى هو الذي أنزل براءتها بغير فعل أحد ولم يقل أحد هذا سوء أدب ~~عليه وسوء الأدب عليه كفر PageV02P648 ~~قال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ قال سمعت علي بن الحمشاذ العدل يقول ~~سمعت أحمد بن مسلمة يقول سمعت محمد ابن مسلم يقول سمعت حبان صاحب ابن ~~المبارك يقول قلت لعبد الله بن المبارك قول عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~حين نزلت براءتها من السماء نحمد الله لا نحمدك إني لأستعظم هذا القول فقال ~~عبد الله ولت الحمد أهله # وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حدثنا محمد بن مصعب حدثنا ~~سلام بن مسكين والمبارك عن الحسن عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أتى بأسير فقال اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «عرف الحق لأهله» PageV02P649 # رواه أبو عبيد في الأموال عن عبد الرحمن بن مهدي عن سلام ms125 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه بتجريد التوحيد فقال: «لا ~~تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد» # وقال له رجل ما شاء الله وشئت فقال: «أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده» # وما أحدثه عز وجل بغير فعل منه أضافه إلى الله تعالى وحده كما PageV02P650 ~~في الصحيحين لما تاب الله تعالى عن الثلاثة الذين خلفوا وآذن النبي صلى ~~الله عليه وسلم الناس بتوبتهم فجاء كعب إليه فقال: «يا كعب أبشر بخير يوم ~~مر عليك منذ ولدتك أمك» فقال يا رسول الله أمن عند الله أم من عندك قال: ~~«بل من عند الله» # ومعلوم أنه لو كان من عند النبي صلى الله عليه وسلم لكان من عند الله ~~تعالى بمعنى أن الله تعالى خلقه وأحدثه بتوسط فعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فجميع الحادثات من عنده بهذا الاعتبار ولكن المقصود أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يصدر منه فعل في هذه التوبة إلا أنه بلغ رسالة الله تعالى بالتوبة ~~كما قال تعالى في مثل ذلك {تعملون وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين ~~لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من ~~تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي} PageV02P651 # وما يتكلم به الإنسان من تلقاء نفسه وإن كان الله خالقه هو من عند الله ~~باعتبار خلقه وتقديره فليس هذا المعنى هو ذاك فإن هناك مبلغ لكلام مرسله ~~والله تعالى يجعله مبلغا لا يجعله قائلا له من تلقاء نفسه ولهذا توعد الله ~~تعالى من جعل القرآن قول البشر بقوله {سأصليه سقر} وقد قال تعالى: {إنه ~~لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون} فجعله قول رسول من البشر كما جعله قول رسول من الملائكة في قوله ~~{إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين} لأن لفظ ~~الرسول يستلزم المرسل ويدل ms126 على أنه مبلغ له عن مرسله لا يتكلم به من تلقاء ~~نفسه بخلاف من جعله قولا لمخلوق بشر أو ملك أو جني أو جعل شيئا منه قوله ~~فإن هذا هو الذي توعده الله عز وجل PageV02P652 # وأيما أبلغ قول عائشة رضي الله عنها لا أحمد الرسول ولا أحمد إلا الله ~~تعالى وقول الأسير أتوب إلى الله تعالى لا إلى محمد وقول القائل لا يستغاث ~~بالرسول بل بالله أو لا يدعى الرسول وإنما يدعى الله تعالى ونحو ذلك # وهو صلى الله عليه وسلم قد بلغ براءتها وكان يحبها ويحب براءتها وقد خطب ~~الناس قبل ذلك وقال: «من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي فوالله ما ~~علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا» # لكن لما لم يجزم ببراءتها ولم يلطف بها اللطف الذي كان يلطف بها قبل ذلك ~~لما حصل عنده من الريب بل كان إذا دخل يقول «كيف تيكم» ولما خطب قال: «يا ~~عائشة إن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فأستغفري الله ~~وتوبي إليه فإن العبد PageV02P653 ~~إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه» قالت أنتم ما برأتموني إنما برأني ~~الله تعالى فهو الذي يستحق أن أحمده # وقد تنازع الناس في النبي صلى الله عليه وسلم هل كان يعلم براءة عائشة ~~قبل نزول الوحي مع اتفاقهم على أنه لم يجزم بالريبة # فمن الناس من قال يعلم براءتها وكذلك علي ولكن لخوض الناس فيها ورميها ~~بالإفك توقف قالوا وذلك أن نساء الأنبياء ليس فيهن بغي كما قالت طائفة من ~~السلف ما بغت امرأة نبي قط لأن في ذلك من العار بالأنبياء ما يجب نفيه # وقال آخرون بل كان النبي صلى الله عليه وسلم حصل له نوع شك وترجحت عنده ~~براءتها ولما نزل الوحي حصل اليقين # قالوا والدليل على ذلك أنه استشار في طلاقها عليا وأسامة PageV02P654 ~~قال أسامة أهلك يا رسول الله ولا نعلم إلا خيرا وقال علي لا يضيق الله عليك ms127 ~~والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك فسأل النبي صلى الله عليه وسلم بريرة ~~«ما علمت على عائشة أو ما رأيت» فقالت ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ ~~على تبر الذهب الأحمر غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها حتى ~~تأتي الداجن فتأكله # فسؤاله لبريرة واستشارته لعلي وأسامة دليل على حصول الشك فيها وهو لما ~~خطب ما جزم بالبراءة فقال فيما قال: «والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ~~ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي» PageV02P655 # ولو كان جازما بالبراءة لقال إنهم كذبوا على أهلي وافتروا وإن أهلي ~~لبريئة مما قيل ونحو ذلك # ونفي العلم ليس علما بالعدم لكن هذه العبارة تصلح لدفع المتكلم ونهيه ~~وذمه على قبول القول كما قال تعالى: {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ~~ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} # والعدل الذي عرفت عدالته إذا لم يعلم فيه من له به خبرة ما ظن به إلا ~~الخير كان عدلا عنده فإذا جرحه جارح لم يعلم صدقه بل ترجح عنده كذبه لم ~~يقدح في عدالته ولم يوجب الجزم ببراءته # قال صاحب هذا القول ولولا نزول براءتها من السماء لدام الشك في أمرها وإن ~~كان لم يثبت شيء ففرق بين عدم الثبوت مع حد القاذف وبين البراءة المنزلة من ~~السماء من الله عز وجل ولهذا ذكر غير واحد من العلماء اتفاق الناس على أن ~~من قذفها بما برأها الله تعالى PageV02P656 ~~منه فقد كفر لأنه مكذب للقرآن وأصحاب هذا القول يقولون إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم تردد هل يطلقها أم لا لما حصل الشك لكون امرأة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا تكون بغيا وكان عزمه أن يطلقها والعياذ بالله لو كان ما ذكر ~~صحيحا لكن تأنى وانتظر أمر الله تعالى حتى بين الله الحق # ومن قال هذا يقول المحفوظات هن اللواتي يبقين عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا يطلقهن وقد يقال بل ms128 كل من تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم محفوظة ~~وإن طلقها وقد تنازع الناس فيمن تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وطلقها أو ~~مات عنها قبل الدخول هل تكون من أمهات المؤمنين على ثلاثة أقوال في مذهب ~~أحمد وغيره # قيل إنها تكون أما فإن حرمة الأمومة ثبتت بالعقد كما تثبت في أمهات الناس ~~وقيل لا تكون من أمهات المؤمنين والصحيح الفرق بين من PageV02P657 ~~طلقها وبين من مات عنها فمن مات عنها فهي من أمهات المؤمنين ومن أزواجه في ~~الآخرة بخلاف من طلقها فإنها تباح لغيره أن يتزوجها ولولا هذا لم يحصل لهن ~~بالتخيير {إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن ~~سراحا جميلا} وقد تزوج عكرمة بن أبي جهل امرأة كان طلقها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأقره الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين على ذلك # الخامس أن يقال ما حد سوء العبارة التي تكون كفرا فإن هذا كلام مجمل لم ~~يحصل قائله مراده به فإن أراد أن كل صفة هي ثابتة في نفس الرسول إذا نفاها ~~عنه إنسان باجتهاده يكون مسيئا في العبارة لزم أن كل من أثبت له صفة يكفر ~~من نفاها # فالقائلون بالعصمة يكفرون نفاتها وإن كانوا جمهور الأمة وكذلك PageV02P658 ~~من أوجب له حقا كالصلاة عليه في الصلاة يكفر من نفى هذا الحق وإن كان جمهور الأمة # السادس أن يقال لا نسلم أن المقصود إذا صح يكفر المعبر بعبارة يقال إنها ~~سيئة وهذا قول لم يقله أحد من أئمة المسلمين بل هم مجموعون على نقيضه وأن ~~المسلم إذا عنى معنى صحيحا في حق الله تعالى أو الرسول ولم يكن خبيرا ~~بدلالة الألفاظ فأطلق لفظا يظنه دالا على ذلك المعنى وكان دالا على غيره ~~أنه لا يكفر ومن كفر مثل هذا كان أحق بالكفر فإنه مخالف للكتاب والسنة ~~وإجماع المسلمين وقد قال تعالى: {لا تقولوا راعنا} وهذه العبارة كانت مما ~~يقصد به اليهود إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون لم يقصدوا ذلك ~~فنهاهم الله تعالى ms129 عنها ولم يكفرهم بها والمطلق لمثل هذا على الله لا يكفر ~~فكيف على الرسول صلى الله عليه وسلم # وقوله إن كلام الإمام أو غيره دل على ذلك ممنوع فإن إمام الحرمين أجل من ~~أن يقصد مثل هذا وإن سلم أنه قال ذلك ولا ينفع هذا المحتج تسليم ذلك له ~~فالكلام مع من قال هذا لو كان مجتهدا دع إذا كان القائل ممن ليس له وجه في ~~مذهبه ولا يجوز لأحد أن يقلده ولا يفتي بقوله فيما هو دون هذه المسألة فكيف ~~في مثل هذه المسألة المتعلقة PageV02P659 ~~بالتكفير والدعاء # وجهل مثل هذا المفتي بالشرع وأدلته يوقعه فيما لم يقله أحد من علماء ~~المسلمين ولهذا يقع في فتاويه من العجائب ما لا يقوله أحد فإنه يحب أن يفتي ~~بمجرد رأيه ونظره مع قله علمه لمسالك الأحكام ومدارك الحلال والحرام وأقوال ~~أئمة الإسلام # وأما قوله أترى إلزام الله تعالى للصحابة بتحسين الخطاب معه وإيراده ~~لكيفية الأدب حيث قال لهم {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} # وقال تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} # وقال {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} # فيقال له هذه كلها حجة عليك فإن الذين رفعوا أصواتهم فوق PageV02P660 ~~صوته نهوا عن ذلك وحرم ذلك عليهم فكان ذلك سوء أدب ولم يكفروا بإجماع ~~المسلمين بل كانوا معذورين فيما فعلوا قبل النهي فمن أطلق عبارة لها معنى ~~صحيح ولو أنها مكروهة كيف يكفر # وهذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر كما ثبت في الصحيح ومن كفرهما فهو أحق بالكفر # وقد ثبت في الصحيح أن ثابت بن قيس بن شماس وكان يرفع PageV02P661 ~~صوته خاف لما نزلت هذه الآية أن يكون من أهل النار فبشره النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالجنة وهو أحد المشهود لهم بالجنة كما شهد بها للعشرة وغيرهم ~~وكذلك دعاؤه بإسمه لم يقل أحد من المسلمين أنه كان كفر ممن دعاه وكذلك ~~الذين ms130 نادوه من وراء الحجرات كانوا من جفاة الأعراب وقالوا يا محمد اخرج ~~إلينا فسموه بإسمه وإنما وصفهم الله تعالى بأن أكثرهم لا يعقلون ولم يقل ~~إنهم مرتدون # وأما قوله وقد نبه في الأول على حبط العمل بسوء الأدب ولا يحبط العمل كله ~~إلا بالكفر بإجماع أهل السنة # فيقال بل الآية دلت على نقيض هذا فإنه قال {أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون} فدلت على أن العمل لم يحبط لما تقدم من سوء الأدب ولكن يخاف إذا ~~رفعوا أصواتهم أن يجرهم ذلك إلى كفر يحبط العمل وهم لا يشعرون فالمحبط ما ~~يخاف حصوله لا ما وقع منهم وهذا كما يقال المعاصي بريد الكفر فإن رفع الصوت ~~عليه والجهر له كجهر بعضكم لبعض قد يفضي بصاحبه إلى الاستعلاء عليه PageV02P662 ~~ونحو ذلك مما هو كفر # ثم يقال ما نحن فيه ليس من هذا الباب فإن الرافع قد فعل ما يعلم أنه ~~مذموم في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فإن رفع الإنسان صوته على غيره يعلم ~~كل أحد أنه قلة احترام له وليس أنه كمن تكلم بعبارة لا يعلم بها بأسا قصد ~~بها معنى صحيحا ألا ترى أن الصحابة لما كانوا يقولون {راعنا} وهذه الكلمة ~~قد يقصد بها معنى فاسد وهم لا يقصدون ذلك لكن كان ذريعة لغيرهم نهوا عنها ~~ولم يقل إنكم كفرتم ولا قيل إن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون بل فرق الله ~~تعالى بين قولهم راعنا وبين رفع الصوت عليه وسوء العبارة مع صحة القصد من ~~باب قولهم راعنا وهذه الآية حجة على بطلان ما فهمه من كلام الإمام وغيره # ومن الحكايات المعروفة عن الشافعي رحمة الله تعالى عليه أن الربيع قال له ~~في مرضه يا أبا عبد الله قوى الله ضعفك فقال يا أبا محمد لو قوى ضعفي لهلكت ~~فقال له الربيع لم أقصد إلا خيرا PageV02P663 ~~فقال لو شتمتني صريحا لعلمت أنك لم تقصد إلا الخير فقال الربيع كيف أقول ~~قال قل برأ الله ضعفك # فإن الشافعي نظر إلى ms131 حقيقة اللفظ وهو نفس الضعف والربيع قصد أن يسمي ~~الضعيف ضعفا كما يسمي العادل عدلا ثم لما علم الشافعي بحسن قصده أوجب أن ~~يقول لو سببتني صريحا أي صريحا في اللغة لعلمت أنك لم تقصد إلا خيرا فقدم ~~عليه علمه بحسن قصده ولم يجعل سوء العبارة منتقصا وقد يسبق اللسان بغير ما ~~يقصد القلب كما يقول الداعي من الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك ولم يؤاخذه ~~الله تعالى PageV02P664 ### || AUTO فصل # وأما قوله: وجعل الاستخفاف به كفرا كما قال الله تعالى {قل أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ولا أعلم خلافا بين ~~النقلة أن الذين نزلت فيهم هذه الآية بسبب كلامهم لم يكونوا تعرضوا لله ~~تعالى بعباراتهم وإنما تنقصوا رسوله فجعل استخفافهم برسوله استهزاء به ~~سبحانه وبآياته وكفى بذلك كفرا ثم ذكر ما نقله من الكتاب الذي صنفه المسمى ~~بالصارم المسلول على شاتم الرسول # فيقال لا ريب أن الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم كفر والاحتجاج بهذه ~~الآية يدل على أن الاستهزاء بالله تعالى كفر وبآيات الله تعالى كفر وبرسوله ~~صلى الله عليه وسلم كفر من جهة أن الاستهزاء كفر وحده بالضرورة فلم يكن ذكر ~~الاستهزاء بآياته وبرسوله شرطا في ذلك فعلم أن الاستهزاء بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم أيضا كفر وإلا لم يكن في ذكره فائدة وكذلك الاستهزاء PageV02P665 ~~بالآيات # وأيضا فإن الاستهزاء بهذه الأمور متلازم فإن من استهزاء بآيات الله تعالى ~~التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مستهزئ بالرسول صلى الله عليه ~~وسلم ضرورة ومن استهزأ بالرسول صلى الله عليه وسلم فهو مستهزئ برسالته ~~حقيقة ومن استهزأ بآيات الله ورسوله فهو مستهزئ به ومن استهزأ بالله فإنه ~~مستهزئ بآياته ورسوله بطريق الأولى # وأما الذين نزلت فيهم هذه الآية فقد لكن هؤلاء الضالين أولى بالدخول في ~~الاستهزاء بالله وآياته ورسوله من منازعيهم فإن كانت الآية تتناول ~~المتأولين من أهل القبلة كانوا أحق بالدخول وإن PageV02P666 ~~لم تتناول المتأولين كان منازعوهم أحق بالخروج منها لو ms132 كانوا مخطئين وأما ~~مع كونهم مصيبين فلا وجه لتناول الآية لهم وذلك أن هؤلاء الضالين مستخفون ~~بتوحيد الله يعظمون دعاء غيره من الأمور وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن ~~الشرك استخفوا به كما أخبر الله تعالى عن المشركين بقوله {وإذا رأوك إن ~~يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا ~~أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا} فاستهزئوا ~~بالرسول لما نهاهم عن الشرك # وقال تعالى عن المشركين {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} قال الله تعالى {بل جاء ~~بالحق وصدق المرسلين} # وقال تعالى عن المشركين {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ~~ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن ~~امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ~~إن هذا إلا اختلاق} # وقالت عاد لهود عليه السلام {يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ~~آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال ~~إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا ~~تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ~~ربي على صراط مستقيم} PageV02P667 # ومازال المشركون يسوءون بالأنبياء ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون إذا ~~دعوهم إلى التوحيد لما في أنفسهم من تعظيم الشرك # قال تعالى: {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قال الملأ من قومه إنا لنراك في ~~ضلال مبين قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم ~~رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون} # ثم قال تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره أفلا تتقون قال الملأ الذين كفروا ms133 من قومه إنا لنراك في سفاهة ~~وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ~~أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على ~~رجل منكم لينذركم} إلى قوله تعالى {ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني ~~معكم من المنتظرين} # فأعظم ما سفهوه لأجله وأنكروه هو التوحيد ولهذا تجد من فيه PageV02P668 ~~شبهة من هؤلاء من بعض الوجوه إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله تعالى وإخلاص ~~الدين له وأن لا يعبد الإنسان إلا الله تعالى ولا يتوكل إلا عليه استهزأ ~~بذلك لما عنده من الشرك قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} فمن أحب مخلوقا مثل ما يحب ~~الخالق فهو مشرك # ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله فالأول من تمام محبة الله ~~تعالى وتوحيده والثاني شرك # فالأول يكون لله تعالى هو المحبوب له بذاته ويحب ما يحبه الرب تعالى تبعا ~~لمحبته فيحب رسوله وكتابه وعباده المؤمنين كما في الصحيحين عن أنس رضي الله ~~تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن ~~حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء ~~لا يحبه إلا لله تعالى ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله ~~تعالى منه كما يكره أن يلقى في النار» PageV02P669 ~~وأما الحب مع الله تعالى فهو الذي يحب محبوبا في قلبه لا لأجل الله تعالى ~~كحب المشركين أندادهم وهؤلاء الذين اتخذوا القبور أوثانا تجدهم يستهزئون ~~بما هو من توحيد الله تعالى وعبادته ويعظمون ما اتخذوه من دون الله شفعاء ~~حتى إن طوائف منهم يستخفون بحج البيت وبمن يحج البيت ويرون أن زيارة أئمتهم ~~وشيوخهم أفضل من حج البيت وهذا موجود في الشيعة المنتسبين إلى السنة وآخرون ~~يستخفون بالمساجد وبالصلوات الخمس فيها ويرون أن دعاء شيخهم أفضل من ms134 هذا ~~وهذا موجود في الشيعة المنتسبين إلى يونس القيسني حتى ينشدون: # تعالوا نخرب الجامع ** ونجعل فيه خماره # ونكسر المنبر ** ونجعل منه طنباره PageV02P670 ~~ونخرق المصحف ** ونجعل منه زماره # وننتف لحية القاضي ** ونجعل منه أوتاره # ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذبا ولا يجترئ أن يحلف بشيخه اليمين الغموس كاذبا # ومنهم من يقول كل رزق لا يرزقه إياه شيخه لا يريده # ومنهم من يذبح الشاة ويقول باسم سيدي # ومنهم من يقول إن شيخه أفضل من الأنبياء والمرسلين # ومنهم من يعتقد فيه الإلهية كما يعتقده النصارى في المسيح فإذا ذكروا ~~شيخهم عظموه وادعوا فيه الإلهية وأنشدوا له على لسانه PageV02P671 ~~موسى على الطور لما خر لي ناجى ** وصاحب الترب أنا جئته حتى جا # ولهم أيضا: # وأنا صرخت في العرش حتى ضج # وأنا حملت على علي حتى هج # وإن البحار السبعة من هيبتي ترتج # ويقولون نحن غلمان الملك ويسمون المسجد اصطبل البطالين ويقرؤون القرآن ~~وما أرسلناك إلا رحمة للمدمنين وألوان من هذا الجنس الذي فيه استهزاء بالله ~~وآياته ورسوله مع تعظيمهم شيخهم وغلوهم فيه # وكذلك النصيرية والإسماعيلية ونحوهم وكثير من طوائف متعددة يرى أحدكم ~~استغاثته بالشيخ الميت إما عند قبره وإما عند قبر غيره PageV02P672 ~~أنفع له من أن يدعو الله تعالى في المسجد عند السحر ويستهزئ بمن يعدل عن ~~طريقته إلى التوحيد # ومن هؤلاء من يرى أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الحج ~~إلى الكعبة وأن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم والاستغاثة به أفضل من ~~الاستغاثة بالله تعالى ودعائه # وكثير من هؤلاء يخربون المساجد ويعمرون المشاهد فتجد المسجد الذي بنى ~~للصلوات الخمس معطلا مخربا ليس له كسوة إلا من الناس وكأنه خان من الخانات ~~والمشهد الذي بني على الميت عليه الستور وزينة الذهب والفضة والرخام ~~والنذور تغدو وتروح إليه فهل هذا إلا من استخفافهم بالله تعالى وآياته ~~ورسوله وتعظيمهم للشرك # فإنهم اعتقدوا أن دعاء الميت الذي بنى له المشهد والاستغاثة به أنفع لهم ~~من دعاء الله تعالى والاستغاثة به في البيت الذي ms135 بني لله عز وجل ففضلوا ~~البيت الذي بني لدعاء المخلوق على البيت الذي بني لدعاء الخالق وإذا كان ~~لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم PageV02P673 ~~عندهم مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكر الله تعالى حالهم في قوله تعالى ~~{وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون} # كما يجعلون لله زرعا وماشية ولآلهتهم زرعا وماشية فإذا أصيب نصيب آلهتهم ~~أخذوا من نصيب الله تعالى فوضعوه فيه وقالوا الله غني وآلهتنا فقراء ~~فيفضلون ما يجعل لغير الله تعالى على ما يجعل الله تعالى # وهكذا الوقوف والنذور التي تبذل عندهم للمشاهد أعظم عندهم مما تبذل ~~للمساجد ولعمارة المساجد وللجهاد في سبيل الله تعالى # وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه يبكي عنده ويخضع PageV02P674 ~~ويتضرع ويدعو ويحصل له من الرقة والتواضع والعبودية وحضور القلب ما لا يحصل ~~له مثله في الصلوات الخمس والجمعة وقيام الليل وقراءة القرآن فهل هذا الأمر ~~إلا حال المشركين المبتدعين لا الموحدين المخلصين المتبعين لكتاب الله ~~تعالى ورسوله # ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم الأبيات يحصل له من الخضوع والخشوع والبكاء ~~ما لا يحصل له مثله عند سماع آيات الله تعالى فيخشع عند سماع المبتدعين ~~المشركين ولا يخشع عند سماع المخلصين المتقين بل إذا سمعوا آيات الله تعالى ~~اشتغلوا عنها وكرهوها واستهزؤوا بها وبمن يقرؤها مما يحصل لهم به أعظم نصيب PageV02P675 ~~من قوله تعالى {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون} وإذا سمعوا القرآن ~~سمعوه بقلوب لاهية وألسنة لا غية كأنهم صم وعمي وإذا سمعوا الأبيات حضرت ~~قلوبهم وسكتت ألسنتهم وسكنت حركاتهم حتى لا يشرب العطشان منهم ماء # ومن هؤلاء من إذا كانوا في سماعهم فأذن المؤذن قالوا نحن في شيء أفضل مما ~~دعانا إليه # ومنهم من يقول هذا في شغله وهذا في شغله # ومنهم من يقول كنا في الحضرة فإذا قمنا إلى الصلاة صرنا على الباب # وقد سألني ms136 بعضهم عمن قال ذلك من هؤلاء الشيوخ الضلال PageV02P676 ~~فقلت صدق كان في حضرة الشيطان فصار على باب الله تعالى فإن البدع والضلالة ~~فيها من حضور الشيطان ما قد حصل في غير هذا الموضع # والذين يجعلون دعاء الموتى والأنبياء والأئمة والشيوخ أفضل من دعائهم ~~الله تعالى أنواع متعددة # منهم من يقدم دعاءهم # ومنهم من يحكي أنواعا من الحكايات مثل # حكاية أن بعض المريدين استغاث بالله تعالى فلم يغثه فاستغاث بشيخه فأغاثه # وحكاية أن بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله تعالى فلم يخرجه فدعا ~~بعض المشايخ الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام # وحكاية أن بعض الشيوخ قال لمريده إذا كانت لك حاجة فتعال إلى قبري وآخر ~~قال فتوسل بي وآخر قال قبر فلان الترياق المجرب PageV02P677 # فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه الأدعية الشركية على أدعية المخلصين لله ~~مضاهاة لسائر المشركين وهؤلاء تتمثل لكثير منهم صورة شيخه الذي يدعوه فيظنه ~~إياه أو ملكا على صورته وإنما هو شيطان أغواه كما قد بسط في موضعه # ومنهم من إذا نزلت به شدة لا يدعو إلا شيخه ولا يذكر إلا اسمه قد لهج به ~~كما يلهج الصبي بذكر أمه فيتعسر أحدهم فيقول يا فلان وقد قال الله تعالى ~~للموحدين {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} # ومن هؤلاء من يحلف بالله ويكذب ويحلف بشيخه وإمامه فيصدق ولا يكذب فيكون ~~شيخه عنده أعظم في صدره من الله تعالى وقد قال شعيب عليه السلام {يا قوم ~~أرهطي أعز عليكم من الله} # وقال تعالى: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} # وقال تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} PageV02P678 # وقال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} الاية # فإذا كان دعاء الموتى مثل الأنبياء والصالحين عندهم يتضمن مثل هذا ~~الاستهزاء بالله وآياته ورسوله فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بالله وآياته ~~ورسوله من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم مع ما يترتب على ذلك من ~~الاستهزاء بالله وآياته ms137 ورسوله أو من كان يأمر بدعاء الله وحده لا شريك له ~~كما أمرت رسله ويوجب طاعة الرسول ومتابعته في كل ما جاء به # وأيضا فإن هؤلاء الموحدين من أعظم الناس إيجابا لرعاية جانب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم تصديقا له فيما أخبر وطاعة له فيما أمر واعتناء بمعرفة ما ~~بعث به والتمييز بين ما روي عنه من الصحيح والضعيف والصدق والكذب واتباع ~~ذلك دون ما خالفه عملا بقوله تعالى {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء} PageV02P679 # وأما أولئك الضلال أشباه المشركين النصارى فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو ~~موضوعة أو منقولات عمن لا يحتج بقوله إما أن يكون كذبا عليه وإما أن يكون ~~غلطا منه إذا هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم وإن اعتصموا بشيء مما ثبت ~~عن الرسول صلى الله عليه وسلم حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه ~~وتركوا محكمه كما يفعل النصارى وكما فعل هذا الضال أخذ لفظ الاستغاثة وهي ~~تنقسم إلى الاستغاثة بالحي والميت والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه ~~وما لا يقدر عليه فجعل حكم ذلك كله واحدا ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص ~~من مسمى الاستغاثة أيضا ولم يكفه ذلك حتى جعل الطلب منه إنما طلبه من الله ~~تعالى لا منه فالمستغيث به مستغيث بالله PageV02P680 ~~تعالى ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة # واحتج على هذه الدعوى العامة الكلية التي أدخل فيها من الشرك والضلال ما ~~لا يعلمه إلا ذو الجلال بقضية خاصة جزئية كسؤال الناس للنبي صلى الله عليه ~~وسلم في الدنيا والآخرة أن يدعو الله تعالى لهم وتوجههم إلى الله تعالى ~~بدعائه وشفاعته # ومعلوم أن هذا الذي جاءت به السنة حق لا ريب فيه لكن لا يلزم من ذلك ثبوت ~~جميع تلك الدعاوى العامة وإبطال نقيضها إذ الدعوى الكلية لا تثبت بمثال ~~جزئي لا سيما مع الاختلاف والتباين وهذا كمن يريد أن يثبت حل جميع الملاهي ~~لكل أحد والتقرب بها إلى الله تعالى بكون جاريتين غنتا ms138 عند عائشة رضي الله ~~عنها في بيت النبي PageV02P681 ~~صلى الله عليه وسلم يوم عيد مع كون وجهه كان مصروفا إلى الحائط لا إليهما ~~أو يحتج على استماع كل قول بقوله تعالى {فبشر عباد الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه} # ولا يدري أن القول هنا هو القرآن كما في قوله تعالى {أفلم يدبروا القول ~~أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} # ولا نسلم أن يسوغ استماع كل قول وقد نهى الله عز وجل عن الجلوس مع ~~الخائضين في آياته وخوضهم نوع من القول فقال تعالى PageV02P682 ~~{وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} الاية # وقال تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم} # وقال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} # وقال تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم}. ### || AUTO فصل # قال: وقد أجمع العلماء كما حكاه من يرجع إليه على أن كل مسلم صدر منه سب ~~الرسول أو تنقيصه وجب قتله ويحكم بكفره وردته عن دين الإسلام على ذلك دلت ~~نصوص من السنة والكتاب وحكم جماعة من المتقدمين من أنه يقتل من غير استتابة ~~كما نص العلماء أيضا أن التعريض بسبه أو تنقيصه كالصريح PageV02P683 ~~فيقال هذا نقله من الكتاب الذي صنفه في شاتم الرسول استعاره من بعض من كان ~~عنده ولهذا صار الناس يعدون هذا من قله الحياء فإن ذلك الكتاب ذكرت فيه في ~~مسألة السب من دلائل الكتاب والسنة وأقوال العلماء من تعظيم الرسول وتعزيره ~~وتوقيره واستنباط ما يتعلق بذلك من الكتاب والسنة ما يعرفه من تأمله. ### || AUTO فصل # قال: ومن نفى عنه أن يستغاث به فقد تنقصه عن رتبته ولا ينفعه تأويله لأن ~~تأويله لا يخرجه عن كونه أساء الأدب على النبي صلى الله عليه وسلم في ~~التعبير على أن هذا الرجل لا يثبت التأويل وإنما يذهب إليه عند الخوف زندقة ~~منه على ما علمته # فيقال له قد تقدم الجواب وتبين ms139 أن الذي تنقصه هو الذي يؤذيه ويعتدي عليه ~~ويسلط السفهاء على أذاه ويكذب عليه ويبدل دينه الذي بعث به لا من يأمر بما ~~أمر الله به من تعزيره وتوقيره وتصديقه وطاعته ومحبته ورضاه وموالاته وبما ~~يزيده درجة ورفعة في الدنيا والآخرة من الصلاة والسلام عليه وفعل التوحيد ~~والطاعات التي تحصل له مثل PageV02P684 ~~أجرها # وبين أيضا أنه لم ينف عنه كل ما يسمى استغاثة بل قد صرح بأنه يطلب منه كل ~~ما يليق بمنصبه وأنه يستشفع به ويتوسل به كما كان الصحابة رضوان الله عليهم ~~يفعلون وكما يستشفع به يوم القيامة وأن المنفي هو دعاء الميت أو أن يطلب من ~~المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق # وبين أيضا أن ما ذكره هذا الرجل في مسمى لفظ الاستغاثة وأن نفي ذلك يتضمن ~~نفي كونه سببا في حصول غوث الله كلام باطل # وأما قوله فلا ينفعه تأويله إلى آخره فإنما يصح لو فسر لفظ بما يخالف ~~ظاهره والمجيب قد بين مراده بألفاظ خاصة لا تحتمل معنيين فأي تأويل هنا ~~يحتاج إليه فهذا من جملة افترائه فإن التأويل إنما يحتاج إليه إذا أطلق ~~المطلق لفظا له ظاهر وأراد به غير ظاهره من غير بيان وهذا لم يقع فإن كان ~~بعض الناس يظهر له من اللفظ ما لم يدل عليه فالتفريط منه ** وكم من عائب ~~قولا صحيحا ** وآفته من الفهم السقيم ** # وقد بينا في غير هذا أن عامة من يورد على ألفاظ الكتاب والسنة ويدعي أن ~~ظاهرها ممتنع إنما أتى من سوء فهمه لا من قصور في بيان الله PageV02P685 ~~ورسوله بل ممن تأول # مثل طائفة في قوله «الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن استلمه أو صافحه ~~فكأنما صافح الله تعالى وقبل يمينه» وهذا PageV02P686 ~~معروف عن ابن عباس وقد روي مرفوعا ولم يثبت # فهذا اللفظ قالت طائفة إنه يحتاج إلى تأويل وليس كما قالوا فإنه قال فيه ~~«يمين الله في الأرض» فقيل الخطاب في الأرض لم يطلق فيه وقال في إثباته ~~«فمن استلمه فكأنما ms140 صافح الله تعالى وقبل يمينه» والمشبه غير المشبه به ففي ~~الحديث بيان أنه ليس بصفة الله تعالى وإنما هو بمنزلة اليمين في الاستلام ~~والتقبيل والحديث لا يدل ولا يفهم منه غير هذا PageV02P687 ~~وكذلك قوله سبحانه مرضت عبدي فلم تعدني فيقول رب كيف أعودك وأنت رب ~~العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده فهذا ~~صريح في أن الله تعالى لم يمرض وإنما يمرض عبده ولا يحتاج إلى تأويل وأمثال ذلك # وأما قوله والمجيب لا يثبت على التأويل وإنما يذهب إليه عند الخوف زندقة ~~على ما علمته # فيقال له لا ريب أن المجيب لم يذهب في كلامه إلى تأويل أحد بل لفظه ظاهر ~~في معناه بل قد يكون نصا # وقول القائل إنه يذهب إلى التأويل زندقة منه فهو جهل بمسمى الزندقة وكذب ~~ظاهر باتفاق الناس وهو بالقائل أعلق أما كونه جهلا فإن الزنديق هو الذي ~~يبطن الكفر ويظهر الإسلام فمن كان PageV02P688 ~~مظهرا لقوله قد كتب بأجوبة من النسخ ما لا يحصيه إلا الله وقد وافقه عليها ~~علماء الإسلام ولم يذهب أحد إلى خلافها وقد بين قوله في أعظم الأوقات خوفا ~~وتعصبا عليه وناظر عليه وتبين للحاضرين حتى الأعداء سلامته من هذه القوادح ~~وظهور الجهل والكذب والظلم من منازعيه فكيف ينسب إليه إبطان خلاف ما يظهر # ولو قدر أن شخصا أبطن خلاف ما يظهر من الأقوال لم يكن زنديقا إلا إذا ~~أبطن الكفر فمن أبطن قولا يعتقد أنه دين الإسلام ويناظر عليه لم يكن هذا ~~زنديقا عند الفقهاء بل إن كان مخطئا فقد يكون مبتدعا وإن كان مصيبا وسكت ~~خوف العدوان عليه لم يكن مبتدعا ولو دخل مسلم دار الرافضة والخوارج فكتم ~~حبه للصحابة رضوان الله عليهم لم يكن زنديقا ولو عرض لم يأثم بذلك # وقد ثبت في الصحيح أن الخليل صلوات الله وسلامه عليه قال عن سارة إنها ~~أختي عند الحاجة إلى التعريض PageV02P689 # وكان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقول عن النبي صلى الله عليه ms141 ~~وسلم حين سئل عنه في الهجرة من هذا الرجل معك يا أبا بكر فيقول هذا رجل ~~يهديني السبيل فيحسب الحاسب أنه يريد الطريق وإنما يريد سبيل الخير # وكذلك عين المشركين يوم بدر لما جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسأله فقال لا أخبركم حتى تخبروني من أنتم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~«إن أخبرتنا أخبرناك» فأخبرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم «نحن من ماء» # مع أن ما نحن فيه ليس من هذا الباب فإنه لم يحصل كتمان ولا تعريض بل صرح ~~بالأمر على ما هو عليه وإنما المقصود بيان جهل هؤلاء PageV02P690 ~~الضالين المعتدين # وأيضا فيخاف من الناس من يجزع إذا أوذي ويطلب الإقالة ويستغيث بالحاضرين ~~حتى يدفعوا عنه ما طلبه ولي الأمر من قطع لسانه ومن نفي عن البلد فلا يدخله ~~إلا سرا ودخل في قوله تعالى {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا ~~خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} # فإن هذا المفتري سعى في منع من يذكر ما أمر الله به في المسجد فمنع من ~~سكنى البلد الذي فيه المسجد وأخرج منه فلم يكن يدخل المسجد إلا خائفا وحصل ~~له من الخزي ما لا يعرف لأحد مثله في زمانه وكان له شبه من أبي عامر الراهب ~~الذي بنى له مسجد الضرار PageV02P691 ~~وكان قدح في الرسول صلى الله عليه وسلم الداعي إلى الحنفية ومال إلى ~~النصرانية وقال للنبي صلى الله عليه وسلم إلى ما تدعو يا محمد قال: «إلى ~~ملة إبراهيم» فقال إنك شبيها بغيرها فقال: «ما شبيها بغيرها» فقال شبيها ~~بغيرها فقال: «الكاذب أماته الله طريدا وشريدا وحيدا» فقال أبو عامر آمين ~~فمات طريدا شريدا وحيدا # من يقابل ولاة الأمر وغيرهم من الأكابر في أخذهم بالحق وإن PageV02P692 ~~كرهوه ومن يطلب منهم أن يسكت عن حق متعلق بالدين فلا يسكت فيطلبون خروجه من ~~الضيق فيأبى الخروج حتى يظهر الحق ms142 ومن يهن هذا الحزب الجاهل الظالم ويبين ~~جهله ومن كتب جوابه في هذه المسألة في أكثر الأمصار من لا يحصي عددهم إلا ~~الله تعالى من ولاة الأمور وغيرهم # وأهل السنة إذا تقابلوا هم وأهل البدعة فلهم نصيب من تقابل المؤمنين ~~والكفار وقال تعالى: {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ~~وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون} إلى قوله تعالى {أولئك ~~شر مكانا وأضل عن سواء السبيل} # وهؤلاء الذين يدعون الموتى من أهل البدع فمنهم من مسخ PageV02P693 ~~خنزيرا من الرافضة وقد تواترت بذلك الحكايات وفيهم من يعبد الطاغوت فيصور ~~تماثيل يتوجهون إليها ويدخلون في مداخل السحر وكما هو معروف عن غير واحد ~~منهم وأما غضب الله ولعنته بسبب كثرة كذبهم وظلمهم وفسقهم فاعظم من أن يذكر. ### || AUTO فصل # قال: ولقد بالغ السلف في الاحتياط بجنابه صلى الله عليه وسلم حتى أفتى ~~بعضهم بأن من سب فاطمة وعائشة أن يقتل # وقال على هذا مضت سيرة أهل العلم وأفتى بعض الشافعية أن من سب أبا بكر أو ~~عمر أو عثمان أو عليا رضى الله عنهم فهو كافر وأفتى طائفة بكفر الرافضة ~~ونقل عن أحمد أنه استفتى في من يشتم عثمان فقال هذا زندقة وروى عن أحمد ~~رواية أخرى أنه قال من سب واحدا من الصحابة فقد كفر وذكرت ذلك لتعلم عظم ~~الوقوع في الجناب النبوي عند العلماء # وقد صح وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح دم من نقصه وسبه ولم يختلف ~~في ذلك الصحابة ولقد رووا أن ابن أبي سرح بعد وقيعته جاء به عثمان رضى الله ~~عنه وكان أخاه من الرضاعة وقال بايعه يا رسول الله فأعرض PageV02P694 ~~عنه ثم جاءه من الناحية الأخرى أيضا فقال بايعه يا رسول الله فأعرض عنه ثم ~~بايعه النبي صلى الله عليه وسلم في المرة الثالثة وقال فيما روى ما صمت إلا ~~ليقوم إليه أحدكم فيقتله فقال رجل من الأنصار يا رسول الله ألا ما أومأت ~~إلي ms143 فأقتله فقال إن النبي لا يقتل بالإشارة وكان ذلك لتحريم خائنة الأعين ~~عليه صلى الله عليه وسلم # وأباح قتل ابن خطل لأنه كان ينتقصه صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل عام فتح ~~مكة فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه فقتل PageV02P695 # مع أن الروايات إذا استقريت علم أنهما جاءا مسلمين مناقدين ولم يكن ذلك ~~موجبا للعفو عنهما ففيه دليل على أن الساب اليوم وإن أسلم يقتل حتما كما هو ~~مذهب مالك وجماعة ولا يلزم من أن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عن بعضهم أن ~~يجوز أن نعفوا لأن القتل كان لحقه فله صلى الله عليه وسلم أن يترك حق نفسه # فيقال هذا كله منقول من كلام المجيب من كتاب الصارم المسلول على شاتم ~~الرسول لكنه أزال بهجته وحذف من محاسنه ما يبين حقيقته فالمجيب هو المنافح ~~عن الله ورسوله وهذا كلام المتشبع بما لم يعط ومن تشبع بما لم يعط فهو ~~كلابس ثوبي زور # وأما تقريره واستدلاله الذي لم ينقله عن غيره فهو جنس كلامه في مسألة ~~الاستغاثة وجوابه في قسم مال بيت المال ونحو ذلك مما يخرج PageV02P696 ~~به عن إجماع المسلمين ويضحك عليه العلماء الفاضلون ويوجب لذوي القضاء أن ~~يحجروا عليه في الفتيا كما وقع هذا المسكين لما فيه من الجهل بمسالك ~~الأحكام مع فرط الجراءة والإقدام على الكلام بالهوى والجهل في دين الإسلام ~~بخلاف من منع خوفا منه إما لسياسة مملكة أو غير ذلك. ### || AUTO فصل # قال: ومن هذا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لو نفى عن نفسه أن ينفع ~~أو يستغاث به أو نحو ذلك يشير إلى التوحيد وإفراد الباري بالقدرة لم يكن ~~لنا نحن أن ننفي ذلك لوجهين # أحدهما أن المقصد إذا صح كان وجوب بيان المقصود بعبارة موضوعة له حق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فله تركه إذا عبر عن نفسه وغيره إذا خالف موجب ~~الأدب معه في العبارة كفرناه على ما سلف # والأمر الثاني أنه إذا علم بالقواعد ثبوت رتبة ms144 للرسول صلى الله عليه وسلم ~~في العبارة التي توهم نفيها إذا صدرت منه صلى الله عليه وسلم علم المراد ~~بها للدليل على عصمته وصحة تبليغه وعدم تناقض أفعاله وأقواله وغيره ليس كذلك # فيقال له هذا من الجهل في الاستدلال فإن ما ينفيه الرسول PageV02P697 ~~صلى الله عليه وسلم عن نفسه هو صادق فيه وفي جميع ما يقول فإنه صلى الله ~~عليه وسلم هو الصادق المصدوق وهذا خبر أخبر به والخبر يكون إثباتا ونفيا ~~وهو صادق فيما يثبته لنفسه وفيما ينفيه عن نفسه وعلينا أن نصدقه في ذلك ~~وليس هذا من جنس عفوه عمن آذاه فإن ذلك ليس بخبر منه وإنما هو ترك استيفاء ~~حق له وبعد موته لا يمكن عفوه فيجب استيفاء حقه لأن سبه فيه حق لله تعالى ~~وبعد موته لا مسقط له فيتعين استيفاؤه وإذا انفرد بجواز العفو عن الساب ~~دوننا لم يلزم أن ينفرد في إخباره بأن يخبر بالأمر على خلاف ما هو عليه وما ~~قال أحد من المسلمين إن ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه بنفي ~~أو إثبات ليس لنا أن نخبر بمثل خبره # بل إذا قال {سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا} # نقول ما كان إلا بشرا رسولا PageV02P698 ~~وإذا قال {إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} # وإذا قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد ~~فقولوا عبد الله ورسوله» # قلنا نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمدا عبده ورسوله # وإذا قال: «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون» # قلنا إنما هو بشر ينسى كما ينسى البشر # وإذا قال {ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك} # قلنا لم نقل إن عنده خزائن الله ولا يعلم الغيب ولا نقول إنه ملك PageV02P699 # وإذا قال {لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} # قلنا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله # وإذا قال: «لن يدخل ms145 أحد منكم الجنة بعمله» قيل ولا أنت يا رسول الله قال: ~~«ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» # قلنا لن يدخل الجنة أحد بعمله فإذا قيل لنا ولا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قلنا ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتغمده الله برحمة منه ~~وفضل فنخبر بمثل ما أخبر تصديقا له فإنه الصادق المصدوق # ومثل هذا كثير # وقول هذا الجاهل مات ودين النصارى فإن المسيح عليه PageV02P700 ~~السلام لما أخبر عن نفسه أنه عبد الله تقول النصارى ليس لنا أن نقول في ~~الأنبياء ما يقولونه في أنفسهم وقد قال الله تعالى {يا عيسى ابن مريم أأنت ~~قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك} إلى قوله {ما قلت ~~لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} # وقال المسيح عليه السلام {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} # فقول النصراني من جنس قول شبهته هو يقول ربي الله وهم يقولون هو الرب ليس ~~رب ويقولون وليس لنا أن نقول فيه ما يقول في نفسه وهكذا الرافضي إذا ~~احتججنا عليه بقول علي رضي الله عنه يقول ليس لنا أن نقول فيه قوله في نفسه # وفي الجملة فبعض الناس قد يقول على سبيل التواضع كلاما فيه مبالغة فيقال ~~ليس لغيره أن يقول فيه هذا وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فلا ينطق إلا ~~بالحق وكلامه معه إذا كان تواضعا لله تعالى فهو أحق الخلق بالتواضع لربه عز ~~وجل وليس هذا كتواضع الرجل للرجل PageV02P701 # ثم ما ذكره في عفوه عن السيئات لا يقتضي العلم بهذا ولا هو دليل عليه # وأما قوله في الوجه الأول إن القصد إذا صح كان وجوب بيان المقصود بعبارة ~~موضوعة له حق الرسول صلى الله عليه وسلم فله تركه إذا عبر عن نفسه وغيره ~~إذا خالف موجب الأدب معه في العبارة كفرناه على ما سلف # فيقال له هذا من جهلك فإن التعبير عن المعاني بالألفاظ يتعلق باللغة ليس ~~هذا من الحقوق ms146 ولا له مدخل في هذا بل الواجب أن يعبر عن المعنى باللفظ الذي ~~يدل عليه فإن كان اللفظ نصا أو ظاهرا حصل المقصود وإن كان اللفظ يحتمل ~~معنيين أحدهما صحيح والآخر فاسد تبين المراد وإن كان اللفظ يفهم منه معنى ~~فاسد لم يطلق إلا مع بيان ما يزيل المحذور وإن كان اللفظ يوهم بعض ~~المستمعين معنى فاسدا لم يخاطب بذلك اللفظ إذا علم أنه يوهم معنى فاسدا لأن ~~المقصود بالكلام البيان والإفهام وأما إذا كان اللفظ دالا على المراد PageV02P702 ~~وجهل بعض الناس معناه من غير تفريط من المتكلم فالدرك على المستمع لا على ~~المتكلم # وقوله إذا خالف موجب الأدب كفرناه # فيقال له كلا المقدمتين باطلة دعواك مخالفة موجب الأدب ودعواك كفر # وأما إخبارك عن نفسك أنك تكفره بما تعتقده إنه مخالف للأدب فأنت صادق في ~~خبرك عن اعتقاد الباطل وجهلك المعروف كما يصدق الروافض إذا أخبروا عن ~~أنفسهم بتكفيرهم لأبي بكر وعمر وعثمان وكما يصدق الخوارج إذا أخبروا عن ~~أنفسهم بتكفيرهم لعثمان وعلي وكما يصدق الكفار إذا أخبروا عن أنفسهم بأنهم ~~يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه كاهن ومجنون ومعلم ومفتري فهذا صدق ~~يضر قائله لا يضر المقول له قال تعالى: {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم ~~لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي ~~تولى كبره منهم له عذاب عظيم} # لكن اعتقادك كفر من هم أعظم الناس إيمانا بالله ورسوله لا PageV02P703 ~~يضرهم قال النبي صلى الله عليه وسلم «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء ~~بها أحدهما» كنت أحق بالكفر إلا أن تعذر بالتأويل وفي الصحيح أيضا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرمي رجل رجلا بالكفر والفسوق إلا ردت عليه ~~إذا لم يكن لذلك أهلا» # وقوله في الوجه الثاني إنه إذا علم بالقواعد ثبوت رتبة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فالعبارة التي توهم نفيها إذا صدرت منه علم المراد بها للدليل ~~على عصمته وصحة تبليغه ms147 وعدم تناقض أقواله وأفعاله وغيره ليس كذلك # فيقال هذا مبني على صدور عبارة موهمة وقد تقدم أن الجواب عبارة ظاهرة في ~~معناها بل نص لا يحتمل معنيين فضلا عن كونها توهم غير ما أريد بها PageV02P704 # وأيضا فغير الرسول صلى الله وعليه وسلم إذا عبر بعبارة موهمة مقرونة بما ~~يزيل الإيهام كان هذا سائغا باتفاق أهل الإسلام # وأيضا فالوهم إذا كان لسوء فهم المستمع لا لتفريط المتكلمين لم يكن على ~~المتكلم بذلك بأس ولا يشترط في العلماء إذا تكلموا في العلم أن لا يتوهم ~~متوهم من ألفاظهم خلاف مرادهم بل ما زال الناس يتوهمون من أقوال الناس خلاف ~~مرادهم ولا يقدح ذلك في المتكلمين بالحق # ثم غاية هذا أن يكون بحثا لفظيا والبحوث اللفظية لا توجب خلافا معنويا ~~فضلا عن التكفير اللهم إلا على قول هذا الجاهل إن المتكلم إذا عنى معنى ~~صحيحا بعبارته وتوهم منها بعض الناس نقصا كان ذلك كفرا وهذا لا يقوله إلا ~~من انسلخ من العقل والدين لا سيما إذا كان التقصير إنما هو من المستمع لا ~~تقصير في عبارة المتكلم # ثم يقال هذا كله ليس مما نحن فيه فإن ما ذكره المجيب لا يحتاج إلى هذا ~~ولا يتوقف على نقل عبارته بعينها بل تلك المعاني بائنة بالكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة سواء كان اللفظ بعينه منقولا أو لم يكن والتعبير عن تلك ~~المعاني شائع بما يدل عليها دلالة بينة كالدلالة على سائر المعاني PageV02P705 ~~ومما يجب معرفته أن الأسماء والألفاظ التي تعلق بها الأحكام الشرعية من ~~الأمر والنهي والتحليل والتحريم والاستحباب والكراهة والمدح والذم والثواب ~~والعقاب والموالاة والمعاداة هي الألفاظ الموجودة في كتاب الله تعالى وسنة ~~رسوله ومعاني تلك الألفاظ وذلك مثل لفظ الإيمان والإخلاص والعبادة والكفر ~~والشرك والهدى والضلال والرشاد والغي والعبادة والتوكل والشكر والصبر ~~والنبوة والرسالة والتوكيل ونحو ذلك فأما الألفاظ التي لم توجد في كتاب ~~الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا تعلق لها بشيء من ذلك إلا ~~إذا تبين أن معانيها موافقة ms148 لمعاني ألفاظ الكتاب والسنة # والله تعالى في كتابه وسنة رسوله قد أوجب لنفسه حقا لا يشركه فيه غيره ~~وأوجب حقا له ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين فله وحده أن نعبده ولا ~~نشرك به شيئا وأن نخشاه ونتقيه. ### || AUTO فصل # قال: وبالجملة فللأنبياء مع أنفسهم وفيما بينهم عبارات ومخاطبات ومعاملات ~~لا يقاس بها معه من دونهم ألا ترى ما في PageV02P706 ~~الحديث الصحيح في محاجة موسى لآدم وذكر أشياء في روايات ساقها مسلم منها ~~قوله أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة ومنها قوله أنت أبونا ~~خيبتنا وأخرجتنا من الجنة الحديث وليس لواحد منا أن يقول في آدم صلى الله ~~عليه وسلم ولا أحد من النبيين مثل ذلك القول ولا قريب منه وكيف لطم موسى ~~عين ملك الموت عليه السلام وأثبت بعض العلماء أنه لطم حقيقة # وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لم يكذب إبراهيم النبي صلى ~~الله عليه وسلم قط إلا PageV02P707 ~~ثلاث كذبات» الحديث مع أن الثلاث وجه المجاز فيها ظاهر صحيح قوله إنه سقيم ~~باعتبار الاستقبال ولا بد لكل بشر أن يسقم غالبا ولو بمقدمات الموت مع جواز ~~إطلاعه على ذلك أو بتأويل القائلية # وقوله بل فعله كبيرهم هذا وجه المجاز أنه سبب للتكسير الذي وقع لما فيه ~~من التصوير المنكر أو هو تهكم يؤيده قوله فاسألوهم # وأما الكلمة في سارة فقد صرح بالمعنى إذ قال لها أخبريه أنك أختي فإنك ~~أختي في الإسلام # وحديث المحاجة وإن احتمل أن لا يكون في دار التكليف فنحن نعلم أنهم لا ~~يقابلون بعضهم بعضا بما يرونه خلاف الأدب منهم وكل هذه الأمور لا ينقاس بها ~~معهم من دونهم فربما كان الشيء من المثيل أو المساوي أدبا أو أمرا محتملا ~~ولا يكون ممن دونه كذلك فليحفظ الناظر مواقع الحكمة في أحكام المراتب في ~~الأشخاص والأفعال والأقوال وسائر الأحوال # والجواب من وجوه PageV02P708 ~~أحدها أن يقال هذا الكلام لا يدل على مورد النزاع فإن أحدا لم يقل إن حكم ~~النبي مع ms149 النبي أو مع الملك حكم من هو دونه ولا حكم بعض الأنبياء حكم بعض ~~بل ولا الملائكة # قال تعالى: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} وقال تعالى عن الملائكة ~~{وما منا إلا له مقام معلوم} وقال تعالى: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ~~ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر ~~درجات وأكبر تفضيلا} # ولكن ليس في ثبوت فضيلتهم على من دونهم وعدم مساواتهم لهم في كل شيء أنهم ~~لا يشاركونهم في شيء من الأحكام بل الأصل عند جماهير السلف والخلف أن ما ~~ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام ثبت في حق الأمة ما لم يقم ~~دليل التخصيص فما وجب عليه وجب عليهم وما أبيح له أبيح لهم إلا أن يقوم ~~دليل على التخصيص ولهذا قال تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي ~~لا يكون على المؤمنين حرج} الآية فبين أن في تزويجه بامرأة دعيه من الحكمة ~~رفع الحرج عن المؤمنين في تزويجهم بنساء أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا PageV02P709 # ولولا أن الإحلال له يستلزم الاستحلال للأمة لم يرتفع الحرج بمجرد ذلك ~~ولهذا لما خصه بإحلال شيء قال {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد ~~النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في ~~أزواجهم وما ملكت أيمانهم} فجعل إباحة الواهبة نفسها له خالصة له من دون ~~المؤمنين # ومن هذا ما ثبت في الصحيح أنه بلغه أن قوما تنزهوا عن أشياء فعلها فقال: ~~«والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده» PageV02P710 ~~PageV02P711 # وفي حديث آخر أن رجلا قال ويلتنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل ~~الله له ما يشاء فغضب من ذلك وقال: «إني لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده» PageV02P712 # لأن هذا ونظائره متعددة وهذا الأصل متفق عليه بين أئمة الإسلام ولكن قد ~~يقال نفس الخطاب له أو للواحد من الأمة خطاب عام للعادة الشرعية في ذلك أو ~~يثبت الاشتراك بالاعتبار بأدلة أخرى أو ذلك معلوم بالاضطرار ms150 من الدين هذا ~~مما تنازع فيه أهل النظر وإذا كان كذلك فما يثبت جوازه له من الأقوال يثبت ~~جوازه لغيره ما لم يقم دليل المنع وما ذكره من مطلق التفصيل ليس دليلا على ~~المنع باتفاق المسلمين # الوجه الثاني أن يقال خبره عن نفسه وغيره سواء كان نفيا أو إثباتا وما ~~أخبر به فهو صدق يجب تصديقه ومن أخبر به كان صادقا داخلا فيمن جاء بالصدق ~~وصدق به # ومن قسم أخباره إلى ما لنا أن نخبر به وما ليس لنا أن نخبر به فقد قال ~~قولا مبتدعا لا دليل له عليه بل هو معلوم البطلان ثم إنه لا يمكنه أن يذكر ~~حدا فاصلا بين ما يجوز موافقته فيه من الأخبار وما لا يجوز PageV02P713 ~~بل لا يشاء كل جاهل وضال أن يقول فيما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~هذا من الأخبار التي ليس لنا أن نخبر بها بحال يبديه إلا ادعى ذلك حتى سد ~~على الناس أن يخبروا بالأخبار الصادقة التي أخبروا بها وقد يتعدى ذلك إلى ~~الأمر فيقول ليس كل ما أمر به يؤمر به من غير تفصيل معلوم بدليل الشرع # وحينئذ فإذا لم يقم يخبر بخبره ويأمر بأمره كان ذلك ذريعة إلى إبطال كثير ~~من رسالته ونبوته وهذا فيه من الكفر وإبطال دينه ما هو من اعظم الردة عن ~~دين الإسلام وليس هذا بمنزلة سوء الأدب في الخطاب بل هذا كفر صريح وردة عن ~~الإسلام وهذا لازم لهؤلاء الجهال فإن قولهم يستلزم الردة عن الدين والكفر ~~برب العالمين # ولا ريب أن أصل قول هؤلاء هو من باب الإشراك بالله تعالى الذي هو الكفر ~~الذي لا يغفره الله تعالى فإن الله تعالى قال في كتابه PageV02P714 ~~{وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد ~~أضلوا كثيرا} # وقال غير واحد من السلف هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح فلما ~~ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم # وقد ذكروا ذلك بعبارات متقاربة ms151 في كتب الحديث والتفسير وقصص الأنبياء كما ~~ذكره البخاري في صحيحه وجماعة من أهل الحديث وكما ذكره مصنفو القصص مثل ~~وثيمة وغيره # وقد أمره الله تعالى أن يقول {إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم ~~إله واحد} فيقول الضال هذا يقوله هو عن نفسه وأما نحن فليس لنا أن نقول هو ~~بشر بل نقول كما قال فلان وفلان من PageV02P715 ~~زعم أن محمدا بشر كله فقد كفر وهذا يقوله قوم منهم وهو تشبه بقول النصارى ~~في المسيح يقولون ليس هو بشر كله بل المسيح عندهم يتناول اللاهوت والناسوت ~~الإلهية والبشرية جميعا وهذا يقوله طائفة من غلاة الصوفية والشيعة يقولون ~~باتحاد اللاهوت والناسوت في الأنبياء والصالحين كما تقوله النصارى في المسيح # الوجه الثالث أن يقال مسألتنا ليست محتاجة إلى هذا فإن ما نفي عنه وعن ~~غيره من الأنبياء والمؤمنين وهو أنهم لا يطلب منهم بعد الموت شيئا ولا يطلب ~~منهم في الغيبة شيئا لا بلفظ الاستغاثة ولا الاستعاذة ولا غير ذلك ولا يطلب ~~منهم ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى حكم ثابت بالنص وإجماع علماء الأمة مع ~~دلالة العقل على ذلك فلا يحتاج إلى ذكر حديث فيه نفي ذلك عن نفسه كقوله إنه ~~لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله تعالى فإن هذا اللفظ هو بمنزلة أن يقال لا ~~يستعاذ به ولا غيره من المخلوقين وإنما يستعاذ بالله عز وجل وهذا كله معلوم PageV02P716 ~~وكذلك لفظ الاستجارة وأما طلب ما يقدر عليه في حياته فهذا جائز سواء سمي ~~استغاثة أو استعاذة أو غير ذلك # الوجه الرابع أنه ليس فيما ذكره حجة على أن ما يسوغ للأنبياء لا يسوغ ~~لغيرهم فإنه إنما ذكر خطاب موسى لآدم ولطم عين ملك الموت # فيقال له # أولا هل هذا سائغ لغير موسى من الأنبياء كمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والمسيح وغيرهما أم ليس سائغا # وإن ساغ لهؤلاء فهل يسوغ هذا لداود وسليمان ويونس وغيرهم # فإن قال نعم هذا سائغ لهؤلاء كلهم طولب بدليل ذلك ولا يمكنه على ms152 هذا ~~التقرير منع جوازه لغيرهم إلا أن يذكر دليلا خاصا على أن هذا من خصائص ~~الأنبياء وليس له على ذلك دليل # وإن قال لا يسوغ هذا لنبي آخر ولا يسوغ لنبي معين من الأنبياء PageV02P717 # قيل فحينئذ فلا حجة لك فيه على أنه لا يقتدى بالأنبياء فيما يسوغ لهم فإن ~~هذا حينئذ ليس مما يسوغ لكل الأنبياء وما خص به بعض الأنبياء لم يعتد به ~~غير الأنبياء بطريق الأولى وحينئذ فلا يكون هذا من موارد الفرق بين ~~الأنبياء وغير الأنبياء بل من موارد الفرق بين نبي ونبي # ومن الناس من يقول إن موسى عليه السلام كان يحتمل منه ما لا يحتمل من مثل ~~يونس كجر رأس هارون ولحيته وإلقاء الألواح ولطم عين ملك الموت ومعاتبة ربه ~~ليلة المعراج في رفع محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك لما كان له من عظيم ~~المجاهدة مع فرعون وقومه ولما PageV02P718 ~~كان له من عظيم المنزلة عند ربه عز وجل وحينئذ فإذا كان هذا سائغا لبعض ~~الأنبياء ولا يسوغ لهم كلهم لم يكن مما نحن فيه # الوجه الخامس أن يقال الناس لهم في جواز وقوع الذنب من الأنبياء قولان # فالسلف والأكثرون يقولون بجواز ذلك وإن كانوا معصومين عن الإقرار عليه # وكثير من الناس منع ذلك بالكلية # وكل من الفريقين يقول إنه قد يخص بعض الأنبياء بأمر لا يشركه فيه جميع ~~الأنبياء والمؤمنين وحينئذ فقول موسى لآدم ما قال إما PageV02P719 ~~يكون مما أقر عليه أو لا يكون مما أقر عليه # فإن قيل بالأول وقيل إنه مختص به أو بأمثاله من الرسل فلا كلام # وإن قيل إنه سائغ لجميع الأنبياء فلا بد من دليل على أنه من خصائصهم وإن ~~قيل إنه لم يقر عليه وهو الأظهر فإن آدم أجابه عن ذلك وبين له أن هذا الذي ~~جرى عليكم كان مقدورا عليكم ومكتوبا عليكم فحج آدم موسى # وإذا كان موسى محجوجا كان موسى قد عرف أنه لا حجة له على آدم وأن لم يكن ~~له أن يعاتبه على ms153 ذلك فيكون موسى رجع عن هذا وما رجع عنه النبي وما لم يقر ~~عليه لم يقتد به باتفاق المسلمين PageV02P720 ~~كالمنسوخ وأولى # وكذلك لطمه لملك الموت إن كان مأذونا له فيه أو معفو عنه وهو من خصائصه ~~أو من خصائص الرسل فلا كلام فيه # وإن قيل إن هذا سائغ للأنبياء كلهم فلا بد من دليل الاختصاص بالأنبياء # وأما إن قيل إن موسى رجع عن تلك اللطمة لما اختار الموت وأجاب إلى ما طلب ~~منه الملك من إجابة ربه كان هذا مما رجع عنه موسى ومثل ذلك ليس مما يقتدى ~~فيه بالأنبياء وذلك أن موسى لطمه بغضا للموت فلما رجع إليه وخيره بين أن ~~يضع يده على متن ثور فما وارت يده من شعره فإنه يعيش بعدده سنة وبين الموت ~~اختار الموت # الوجه السادس أن قول موسى إن آدم أغوى الناس PageV02P721 ~~وأخرجهم من الجنة وإنه خيبهم وأخرجهم من الجنة إما أن يقول إنه صدق وإما أن ~~يقول لم يكن كذلك وإنما قال باجتهاد وتأويل # فإنه صدق لا خطأ فيه قيل فمن الذي منع غير موسى أن يقول الصدق الذي لا ~~خطأ فيه # وقول القائل ليس لواحد منا أن يقول الصدق الذي لا خطأ فيه الذي قاله ~~الأنبياء دعوى مجردة لا يثبت بها حكم ولكن صاحب هذا الكلام يتكلم بحاله وما ~~يخطر له من غير اعتصام بالأدلة الشرعية # وإن قيل إن موسى عليه السلام قاله مجتهدا متأولا ولم يكن الأمر كذلك أو ~~قال بحسب اعتقاده ولم يكن الأمر كذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم «لم ~~أنس ولم تقصر الصلاة» فإنه قال معتقدا أنه أتم الصلاة فقال له ذو اليدين بل ~~قد نسيت فقال أكما قال ذو اليدين PageV02P722 ~~قالوا نعم # وكذلك لما قال في النخل ما أظنه يعني التلقيح يغني شيئا ثم قال لهم إنما ~~أخبرتكم عن ظني فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله فإني لن أكذب ~~على الله تعالى # وفي لفظ أنتم أعلم بأمر دنياكم وأما ما كان من أمر ms154 دينكم فإلي # وأما لطم موسى عين ملك الموت فليس هو إخبار نبي وإنما هو فعل من الأفعال ~~فليس مما نحن فيه PageV02P723 # وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم «لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ~~ثلاث كذبات» فيقال له أتقول إنه لا يجوز لنا أن نصدق النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» بالمعنى الذي عناه النبي ~~صلى الله عليه وسلم أي شيء كان أم ليس لنا ذلك # فإن قلت لنا ذلك بطلت حجتك وإن قلت ليس لنا أن نقول ما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لفظا ومعنى كان هذا ممنوعا وهو من جملة ما يرد عليك وإن لم ~~يذكر عن ذلك حجة بل ولا نقله هذا عن إمام من أئمة المسلمين ونحن قد ذكرنا ~~دلاله الكتاب والسنة والإجماع عن الأخبار الصادقة التي أخبرت بها الأنبياء ~~نفيا وإثباتا لنا أن نخبر بها كما أخبروا بها # الوجه السابع أن يقال هذه الكلمات هي من باب المعاريض والمعرض يقصد معنى ~~والمستمع يفهم غيره والكلام مبدأه PageV02P724 ~~عناية المتكلم ومنتهاه إفهام المستمع فالمعرض إذا عنى حقا والمستمع فهم ~~باطلا كان الكلام صدقا باعتبار العناية كذبا بإعتبار الإفهام ولهذا لم يرخص ~~في المعاريض فيما يجب بيانه لمثل البيع والشهادة والإفتاء ونحو ذلك باتفاق ~~ويجوز للمظلوم التعريض في الأيمان وغيرها # وأما من ليس بظالم ولا مظلوم ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره قيل ~~يجوز له التعريض وقيل لا يجوز مع اليمين ويجوز بدونها PageV02P725 # فقول إبراهيم عليه السلام إني سقيم قيل أراد سقيم القلب من كفركم # وقوله أختي أراد أختي في الدين كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث الصحيح ~~حيث قال فإنه ليس على الأرض مؤمن غيري وغيرك # وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} قيل إنه قصد تعليقه بالشرط وهو قوله {إن ~~كانوا ينطقون} # ومن هذا قول نائب يوسف {إنكم لسارقون} فإن يوسف PageV02P726 ~~أمره بالنداء لكن مراد يوسف سارقون ليوسف من أبيه وهو صادق فيما عناه # وما ذكره هذا الذي ms155 يلبس الحق بالباطل كحاطب ليل من التأويلات ليس مما ~~ينبني عليه مسألتنا فإنه ليس في شيء من ذلك أنه لا يجوز أن يخبر بما أخبر ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم لفظا ومعنى والناس قد ذكروا هذه التأويلات ~~وغيرها فتأويل المتأول إني سقيم أي سأسقم إما لأن الظاهر مرضه أو لإطلاعه ~~على ذلك هو تأويل وقول غيره أريد سقيم القلب تأويل ثان وهو أقرب من كون ~~الصفة الحاضرة والأول أقرب من كون السقم أراد به البدن لكن يقال استعمال ~~السقم والمرض في سقم القلب ومرضه هو حقيقة بخلاف قوله {إني سقيم} بمعنى ~~وإني سأسقم فإن هذا لا يفهم إلا بقرينة فيكون ذلك التأويل أولى # وأما التأويل الآخر بمعنى القابلية فبعيد فإن الموجود لا يوصف PageV02P727 ~~بكل ما يقبله من المعدومات إذا لو كان كذلك لجاز أن يقال عن كل مخلوق إنه ~~معدوم وعن كل مؤمن إنه كافر وعن كل كافر إنه مؤمن وعن كل غني إنه فقير وعن ~~كل عفيف إنه فاجر وعن كل سليم إنه أشل وأقطع # والتأويلان المذكوران في قوله {بل فعله كبيرهم هذا} أن الأكبر سبب ~~للتكسير تأويل فاسد فإن السبب في كل منكم قام به من التصوير لا سيما قوله ~~{بل فعله كبيرهم} يقتضي أنه لم يفعله إلا كبيرهم فلا يكون السبب إلا ~~التصوير الذي قام به وهذا باطل قطعا فإن التصوير القائم بكل صنم موجب لكسره ~~لا يحتاج إلى تصوير صنم أكبر منه وأما التهكم فهو أحسن # وكذلك قوله من قال إنه نوى التعليق بقوله {إن كانوا ينطقون} وقوله وحديث ~~المحاجة وإن احتمل أن لا يكون في دار التكليف فنحن نعلم أنهم لا يقابلون ~~بعضهم بعضا بما يرونه خلافا للأدب منهم فهذا كلام متناقض وهو كلام من نظر ~~في كلام شارحي PageV02P728 ~~الحديث ولم يميز بين حق ذلك وباطله وأخذ من ذلك ما ظنه موافقا لدعواه فلا ~~له تمييز في أقوال الناس بين حقها وباطلها ولا له معرفة بطرق الاستدلال فلا ~~ذاكر لكلام منقول ولا مبين لمعنى ms156 مقبول ولا نقل ولا توجيه لا ذكر ولا أثر # والعلم شيئان إما نقل مصدق وإما بحث محقق وما سوى ذلك فهذيان مسروق وكثير ~~من كلام هؤلاء هو من هذا القسم من الهذيان وما يوجد فيه من نقل فمنه ما لا ~~يميز صحيحه عن فاسده ومنه ما لا ينقله على وجهه ومنه ما يضعه في غير موضعه # وأما بحثه واستدلاله على مطلوبه فمن العجائب لا PageV02P729 ~~يحقق جنس الأدلة حتى يميز بين ما يدل وما لا يدل ولا مراتب الأدلة حتى يقدم ~~الراجح على المرجوح إذا تعارض دليلان ولهذا كان أصول الفقه مقصوده معرفة ~~الأدلة الشرعية جنس الدليل ومرتبة الدليل وهذا فيه كناية الخلاص من كناية ~~تراد الحق أدنى إلى الخلاص كناية تراد وقد قيل إنما يفسد الناس نصف متكلم ~~ونصف فقيه ونصف نحوي ونصف طبيب هذا يفسد الأديان وهذا يفسد البلدان وهذا ~~يفسد اللسان وهذا يفسد الأبدان لا سيما إذا خاض هذا في مسألة لم يسبقه ~~إليها عالم ولا معه فيها نقل عن أحد ولا هي PageV02P730 ~~من مسائل النزاع بين العلماء فيختار أحد القولين بل هجم فيها على ما يخالف ~~دين الإسلام المعلوم بالضرورة عن الرسول # فأنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة انه لم يشرع لأمته أن ~~تدعو أحدا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم لا بلفظ ~~الاستغاثة ولا يغيرها ولا بلفظ الاستعاذة ولا يغيرها كما أنه لم يشرع لأمته ~~السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور وأن ~~ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله لكن لغلبة الجهل وقلة العلم ~~بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما ~~جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخالفه ولهذا ما بينت هذه المسألة قط ~~لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن وقال هذا أصل دين الإسلام # وكان بعض الأكابر من الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول هذا أعظم ما بينته ~~لنا لعلمه بأن هذا ms157 أصل الدين وكان هذا وأمثاله في ناحية PageV02P731 ~~أخرى يدعون الأموات ويسألونهم ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم وربما كان ما ~~يفعلونه بالأموات أعظم لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعونه ~~دعاء المضطر راجين قضاء حاجتهم بدعائه والدعاء به أو الدعاء عند قبره بخلاف ~~عبادتهم الله تعالى ودعائهم إياه فإنهم يفعلونه في كثير من الأوقات على وجه ~~العادة والتكلف حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا ~~يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم وقال بعض الشعراء ~~** يا خائفين من التتر ** لوذوا بقبر أبي عمر ** # أو قال PageV02P732 ~~عوذوا بقبر أبي عمر ** ينجيكم من الضرر # فقلت لهم هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما ~~انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد فإنه كان قد قضى أن العسكر ينكسر ~~لأسباب اقتضت ذلك ولحكمة الله عز وجل في ذلك ولهذا كان أهل المعرفة بالدين ~~والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ~~ورسوله ولما يحصل في ذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة من ~~القتال فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة لمن عرف هذا وهذا وإن ~~كثيرا من القائلين الذين اعتقدوا هذا قتالا شرعيا أجروا على نياتهم فلما ~~كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله عز وجل والاستغاثة به وأنهم ~~لا يستغيثون إلا إياه لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل كما قال تعالى ~~يوم بدر {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} PageV02P733 # وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوم بدر يقول «يا حي يا قيوم ~~لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث» PageV02P734 ~~PageV02P735 # وفي لفظ أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك PageV02P736 ~~PageV02P737 # فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرا ~~عزيزا ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلا لما صح من تحقيق توحيد ~~الله تعالى وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك ms158 فإن الله تعالى ينصر رسوله ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ونحن نتكلم على ما ذكر ~~وإن لم يختص بمسألتنا لما PageV02P738 ~~فيه من تمام الكلام على ما ذكره كله # أما حديث احتجاج آدم وموسى عليهما السلام فإن هذا الحديث فهم منه كثير من ~~الناس المتقدمين والمتأخرين أن آدم احتج بالقدر على فعل الذنب فصاروا أحزابا # حزب من أهل الكلام كذبوا بالحديث كأبي علي الجبائي وغيره وقالوا نحن نعلم ~~بالاضطرار من دين الإسلام أن سابق علم الله وكتابه لا يكون حجة لأحد في ترك ~~مأمور ولا فعل محظور وهذا يناقض ذلك فيكون كذبا على النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P739 # وحزب من الصوفية والعامة شر من هؤلاء جعلوا هذا الحديث حجة على دفع الذم ~~والعتاب عن الكفار والفساق والعصاة وسموا هذا حقيقة وهو حقيقة القدر # وقال منهم طائفة من شهد القدر ارتفع عنه الملام وقالوا آدم كان شاهد القدر # ودخل في ذلك طائفة من أعيان الشيوخ والعلماء فظنوا أن الخواص يرتفع عنهم ~~الذم والعتاب بشهود القدر دون العامة # ومنهم من قال هذا عين الجمع وهو أن لا يرى الفاعل إلا واحدا # ومنهم من جعل هذا من أفضل مقامات العارفين ومن لوازم سلوك السالكين # ومنهم من جعل هذا منتهى سير العارفين وسموا ملاحظة هذا فناء في توحيد ~~الربوبية أو اصطلاما ونحو ذلك PageV02P740 # فالذين جعلوا هذا منتهى للوصول رفعوا استحسان الحسنات واستقباح القبائح ~~وقالوا استحسان الحسنات واستقباح السيئات يكون لأصحاب البقاء والفرق لا ~~لأهل الجمع والاصطلام والفناء في التوحيد # والذين جعلوه مقاما أو لازما للسالك فقالوا بعد هذا مقام أعلى منه وهو ~~مشهد الفرق الثاني وقد كان بين الجنيد وأبي حسين النوري وأصحابهما كلام في ~~الفرق الثاني واضطربوا كما ذكر ذلك أبو سعيد بن الأعرابي في كتاب طبقات ~~النساك وذكر أن كلامهم في الفناء والجمع لم يشتركوا فيه إلا في العبادة وأن ~~هذا يشير إلى معنى غير المعنى الذي يشير إليه هذا وأنه لم يحصل ما يعبر عنه ~~بالفرق الثاني PageV02P741 # وذكر أن ms159 أبا الحسن النوري لما قدم بغداد بعده أن كان خرج عنها وكان قد ~~خرج هو وغيره في محنة الصوفية التي جرت لما قام عليهم غلام خليل سنة بضع ~~وستين ومئتين وكتب منه نحو سبعين نفسا واتهمهم بالزندقة فوضعوا منهم جماعة ~~في الحبس وسافر بعضهم واختبأ بعضهم وكان فيهم من هو مظلوم ومنهم من هو ~~متعبد وكان غلام خليل فيه عبادة وزهد وفيه نوع قلة معرفة أيضا ولهذا يقال ~~إنه كان يضع الأحاديث في الفضائل وهذا قد بسطه أبو سعيد بن الأعرابي وغيره ~~ذكر ذلك مختصرا # وذكر أبو سعيد أن النوري لما رجع سأله أصحاب الجنيد عن الفرق الذي بعد ~~الجمع ما علامته وما الفرق بينه وبين الفرق الأول # قال فسألوه عن هذا المعنى لا أدري بهذا اللفظ أم بغيره إلا أني قد حفظت ~~المعنى وأثبته PageV02P742 # قال وكنت إذا مررت به بالرقة سنة سبعين قال من بقي من أصحابنا فأخبرته ~~فسألني عن جماعة ثم سألني عن الجنيد وما يتكلم فيه ومن يجتمع إليه فأخبرته ~~وقلت إنهم يشيرون إلى شيء يسمونه الفرق الثاني والصحو فقال لي اذكر لي شيئا ~~منه فذكرت له بعض ما كنت أظنه فضحك ثم قال لي أي شيء تقول في هذا ابن ~~الجلحي فقلت ما أجالسهم فقال فأبوا أحمد القلانسي فقلت مرة يوافقهم وربما ~~خلافهم إلى معاني الجمع فقال أي شيء تقول أنت فقلت ما عسى أن أقول أنا ولكن ~~ما تقول في هذا يا أبا الحسين فإني أحب أن أسمع منك في هذا خاصة شيئا فقال ~~لا أو تقول أنت فتحملني حرصي على أن أسمع منه إن قلت أن قلب ما كان عندي في ~~ذلك الوقت أنا أحسب يا أبا الحسين أن هذا الذي يسمونه فرقا ثانيا هو عين من ~~عيون الجمع يتوهمون به أنهم قد خرجوا عن الجمع وإنما هو أحد PageV02P743 ~~عيون الجمع فقال هو كذلك أنت إنما سمعت هذا من أبي أحمد القلانسي فأخبرته ~~أني ما سمعته من أبي أحمد فلما قدمت بغداد حدثت أبا ms160 أحمد بذلك # وقد كان أبو أحمد يعارضه بذلك ولا يقطع به وربما وافقهم فأعجبه قول أبي ~~الحسين وكذلك كان عند أبي الحسين # فأما أبو أحمد فربما قال هو صحو وخروج عن الجمع وربما قال هو شيء من الجمع # ثم قال أبو الحسين ببغداد لما شاهدهم ليس هو عين من عيون الجمع ولا صحوا ~~من الجمع وفرقا ثانيا ولكنهم رجعوا إلى ما يعرفون وحملوا الشيء على عقولهم ~~فهم يسددون بجهلهم ليس معهم مما يذكرون إلا هذا العلم وهذا الوصف وكأنهم قد ~~اصطلحوا عليه وكان يومئ إلى أنهم يتكلمون من غير حقيقة وإنما هو شيء يأخذه ~~بعضهم عن بعض فيزيد بعضهم من بعض بقدر فصاحتهم في العبارة دون PageV02P744 ~~الحقيقة ولهذا كان قوله أول ما قدم بغداد # قال أبو سعيد ثم باتوا معه ليلة لم أكن معهم كان ابن عطاء وريم فأقبل ابن ~~عطاء يسأله فإذا أصابه بشيء عكسه عليه ابن عطاء ثم يسأله عما ينشئه فإذا ~~أجابه قال هذا ضد الجواب الأول يا أبا الحسين قياسا وتشبيها فكان منه إليه ~~كلام فيه جفاء وكذلك فعل أيضا فقالوا إنه يقول الشيء وضده ولا يعرف هذا ~~القول سوفسطا ومن قال بقوله وكان بينهم وحشة بذلك وكان يكثر منهم التعجب ~~وقالوا للجنيد ذلك فأنكر عليهم حينئذ وقال لا تقولوا مثل هذا لأبي الحسين ~~ولكنه رجل به علة قد تغير دماغه ثم إنه انقبض عن جميعهم بعد تلك الليلة ~~وأظهر لمن اتهمه منهم الجفاء وترك مجالستهم ثم غلبت العلة وذهب بصره ولزم ~~الصحاري والجبانات والمقابر وكانت له في ذلك أحوال طويلة كثيرة يطول شرحها وذكرها # قال ولم أحضره عند موته وكان جماعة من أصحابنا يقولون من PageV02P745 ~~رأى أبا الحسين بعد قدومه الرقة ولم يكن رآه قبل ذلك فكأنه لم يره لتغيره ~~بعد قدومه إلا أنه مات وهم عنده يتكلون في شيء سكوتهم عنه أولى بهم لأنه ~~ليس شيئا عندهم يعرفونه وإنما يتوهمون فيتكهنون فيه ويتعسفون بطولهم وقد ~~كانوا عند غير قبره ممن لا أسميه كذلك قال ms161 أبو سعيد فإذا كان أولئك كذلك ~~فكيف بمن حدث بعدهم ممن أخذ عنهم # قال ومنعني من الطبقة التي كانت بعد هؤلاء أشياء كثيرة إلا أن جملة ذلك ~~وإن كانوا قوما صالحين فاضلين فما يدرون ما كان يقول أولئك في هذه المعاني ~~التي أشرنا إليها ولا ما كانوا يشيرون إليه إلا بالتوهم والبلاغات وذكر ~~كلاما طويلا # قلت الصوفية بعد هؤلاء هم على هذا الاضطراب # منهم من قال بالفرق الثاني كالجنيد وأصحابه وهؤلاء هم المصيبون المسددون # ومنهم من نفاه # ومنهم من تردد فيه PageV02P746 # ومنهم من قال إنه أكبر من المتكلم فيه وسبب ذلك أن الإنسان يشهد أولا ~~الفرق حسه وعقله وهواه من غير نظر إلى أن الله خالق كل شيء وهذا هو الفرق ~~الأول فإذا توجه إلى الله رأى أن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه كل ما ~~في الوجود بمشيئته وقدرته وهذا شهود صحيح بحيث يغيب عن نفسه وعن غيره ويفنى ~~بمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته فلا يبقى ناظرا إلا ~~إلى توحيد الربوبية وهو أن الله خالق كل شيء # وهذا المشهد ليس فيه تفريق بين المأمور والمحظور ولا بين المعروف والمنكر ~~ولا بين أوليائه وأعدائه ولا بين المؤمنين والكفار ولا بين ما يلائم ~~الإنسان وما يخالفه وهذا لا يتصور أن يدوم بقاء العبد فيه فإن نفسه لا بد ~~أن تفرق بين ما يلائمها وبين ما يضرها كما تفرق بين الخبز والتراب وبين ~~الماء والبول لكن من قال بأن الفناء هو الغلبة منهم من جعل ذلك نزولا من ~~العبد من عين الجمع إلى الفرق ومنهم من يقول بل القيام بالفرق هو لصلاح ~~العامة لا لنفسه ومنهم من يسمي هذا تلبيسا ويقول هذا للأنبياء وربما قال ~~الفرق لأجل المارستان يصلح به العامة الذين هم كالمجانين # قد يقول هؤلاء الكمال أن يكون الجمع في قلبك مشهودا PageV02P747 ~~والفرق في لسانك موجودا وأن يكون باطنك حقيقة وظاهرك شريعة # ومنهم من يقول الفرق بين هذه الأشياء الضرورية التي لا بد منها للإنسان ms162 ~~بخلاف غيرها # ومنهم من يقول هذا الفناء والاصطلام ليس هو الغاية بل هو مقام عال لا بد ~~للسالك من سلوكه إياه ومن لم يقم فيه لم يصل إلى حقيقة المعرفة # وهذا غلط فإن هذا من عوارض الطريق لا من لوازمه فإن حاصله عدم شهود ~~الحقائق على ما هي عليه وهذا نوع من نقص الشهود والعلم ورؤية الأمر على ما ~~هو عليه # ولكن يعرض لبعض المتوجهين إذا رأى أن الله خالق كل شيء يجمع في رؤيته هذا ~~ولم يشهد الفرق فإنه سبحانه وإن خلق الأشياء كلها بمشيئته وقدرته فقد أمر ~~بطاعته ونهى عن معصيته وهو PageV02P748 ~~يحب ما أمر به ويبغض ما نهى عنه وهذا هو الفرق الشرعي ليس هو الفرق الطبعي ~~وهذا الفرق فرض على كل مسلم لا يكون مؤمنا إلا به وصاحب هذا يشهد أن لا إله ~~إلا الله فيعلم أن الله تعالى هو المعبود دون ما سواه وأنه أرسل الرسل ~~يأمرون الناس بطاعته وينهونهم عن معصيته # ومن لم يشهد هاتين الشهادتين لم يكن مسلما وأما مجرد رؤية الله خالق كل ~~شيء فهذا ما كان يقر به المشركون عباد الأصنام فمن وقف في الجمع لا يفرق ~~بين مأمور ومحظور لم يكن مسلما فضلا عن أن يكون وليا لله تبارك وتعالى لكن ~~هؤلاء يقولون نحن نثبت الفرق العائد إلى حظ الإنسان بأن فعل المأمور سبب ~~للثواب وفعل المحذور سبب للعقاب والثواب والعقاب حظ للعبد والكامل PageV02P749 ~~الخالي عن حظوظه الذي لا يريد إلا ما يريد ربه هو صاحب الفناء وهو الذي لا ~~يستحسن حسنته ولا يستقبح سيئته فالفرق لا يعود إلى الله تعالى ولا إلى صاحب الفناء # وأصل غلط هؤلاء أنهم لم يثبتوا لله تعالى إلا الإرادة العامة المتناولة ~~لكل مقدور # ومعلوم أنه لو كان الأمر كذلك لكان الفرق سببا بالنسبة إلى الله تعالى ~~لكن هذا غلط من المثبت لملة إبراهيم ودين الرسل كما بسط في غير هذا الموضع # وكثير من هؤلاء التبس عليهم هذا الموضع وهم متناقضون فيه فإن الجمع العام ms163 ~~لا يتصور أن يقوم فيه أحد دائما بل لا بد أن كان مسلما أن يوجب ما أوجبه ~~الله ورسوله ويحرم ما حرمه الله ورسوله وإلا لم يكن مسلما فلا بد من فرق ~~بحسب دينه وإن لم يكن له دين فرق بحسب هواه وطبعه فمن لم يفرق فرقا رحمانيا ~~فرق فرقا نفسانيا وشيطانيا PageV02P750 ~~ومن لم يفرق فرقا شرعيا فرق فرقا طبعيا # وقول أبي سعيد بن الأعرابي ومن وافقه إن هذا الفرق عين من عيون الجمع ~~يتوهمون به أنهم قد خرجوا عن الجمع وإنما هو أحد عيون الجمع يعني به والله ~~أعلم أن شاهد الفرق ما أمر الله به ونهى عنه مع مشاهدته لذلك وتوحيد ~~الإلهية بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومحبته لما أمر ~~الله به وبغضه لما نهى الله عنه فهو يشهد أن الله رب ذلك كله وأنه الذي جعل ~~المسلم مسلما وجعل آل إبراهيم أئمة يدعون إلى الخير وآل فرعون أئمة يدعون ~~إلى النار فهو في هذا الفرق يشهد الجمع ويشهد مع ما قام بقلبه من الفرق بين ~~المأمور والمحظور أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه هو الذي جعله يعبده ~~ويطيعه وهو المان عليه بذلك لا يكون كمن يشهد الفرق بين الطاعة والمعصية ~~ولم يشهد أن الله هو الذي من عليه بالطاعة ويسرها عليه فشهوده الجمع بلا ~~فرق يورث تعطيل الأمر والنهي حتى لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة وشهود ~~الفرق بلا جمع يورث تعطيل التوكل PageV02P751 ~~والشكر ويورث العجب وتعظيم النفس وكلاهما نقص عما تحت الجمع من عبودية الله ~~تعالى ومن تحقق قوله {إياك نعبد وإياك نستعين} فلا بد من الفرق في عين ~~الجمع ومن الجمع في شهود الفرق # وأيضا فإن الله تعالى مع خلقه لكل شيء بمشيئته وقدرته فهو يحب ما أمر به ~~ويرضاه ويبغض ما نهى عنه ويسخطه فلا بد مع شهود المشيئة العامة من شهود ~~المحبة والرضى الخاص وكثير من الناس القدرية والجهمية الجبرية ومن دخل معهم ~~في التصوف ms164 جعلوا الإرادة نوعا واحدا وجعلوها هي المحبة والرضى # قالت القدرية والله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان فيكون في ملكه ما لا ~~يشاء ولم يخلقه # وقالت الجهمية بل كل ما وقع فهو بمشيئة الله تعالى PageV02P752 ~~والمشيئة هي الإرادة وهي المحبة والرضى فكل ما وقع فإنه يحبه ويرضاه ولكن ~~يريد ويحب ويرضى المأمور به مأمورا به دينا يثيب عليه ويريد ويحب ويرضى ~~المنهي عنه منهيا عنه معاقبا عليه # فالفرق بينها يعود إلى أنه يريد ويحب ويرضى أن ينعم هؤلاء ويعذب هؤلاء من ~~غير فرق يعود إليه ولا يحب بعض المخلوقات ويبغض بغضا كما لا يشاء بعضها دون ~~بعض فعنده لا يحب بعض المخلوقات دون بعض # والجهمية الجبرية والقدرية المعتزلة ومن وافقهم مشتركون في أنه ليس بين ~~المأمور والمحظور فرق يعود إلى الرب تعالى والقائلون بالجمع من غير فرق ~~يشاركون هؤلاء ورأوا أنه لا فرق بالنسبة إلى الرب تعالى ولكن الفرق يعود ~~إلى العبد من حيث إن أحد العملين يقتضي حصول لذة له والآخر يقتضي حصول ألم ~~له وهذا من حظوظ العباد # ثم قال غلاة هؤلاء وهذا الفرق من العبد نقص لأنه فرق يعود إلى نفسه ~~فالعبد له سعي في حظ النفس وأما الكمال فهو أن يفنى PageV02P753 ~~العبد بمراداته جملة ولا يبقى له حظ وأن لا يشهد إلا ربه وإرادة الرب عز ~~وجل عندهم هي المشيئة المتناولة لكل شيء وهي المحبة والرضى عندهم ولهذا ~~قالوا إنه حينئذ لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة # ومعلوم بالاضطرار من دين الرسل أن هذا ليس بمجرد ولا حال الأنبياء ~~والأولياء بل هم متفقون على استحسان ما أحبه الله تعالى واستقباح ما نهى ~~الله عنه والحب في الله والبغض في الله وذلك أوثق عرى الإيمان # فصار العالم منهم بخلق الله تعالى وأمره وشرعه وقدره الذين يفرقون بين ~~مشيئة الله ومحبته ورضاه كالجنيد ونحوه يقولون بالفرق الثاني والذين لا ~~يثبتون إلا المشيئة العامة لا يقولون بالفرق الثاني وآخرون يترددون فتارة ~~يشهدون المشيئة العامة فقط ولا يقولون بالفرق وتارة يثبتون ms165 محبة الله تعالى ~~ورضاه فيقولون بالفرق الثاني PageV02P754 # والقول بهذا الفرق لا ينافي الجمع العام فإن مشيئة الله تعالى متناولة ~~لكل شيء وما وجد شيء محبوب أو مكروه فالمشيئة متناولة له فلهذا صار منهم من ~~يقول إن هذا الفرق عين من عيون الجمع وإن أحدا لا يخرج من الجمع الذي هو ~~المشيئة العامة فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وإنما يرى الخروج ~~من هذا المعتزلة ونحوهم من المكذبين بالقدر القائلين أن يكون في ملكه ما لا ~~يشاء وأنه لا يقدر على هدى ضال ولا ضلال مهتد ونحو ذلك # وهؤلاء ضلوا في مسألة القدر كما ضلت بها المعتزلة فالمعتزلة كذبوا بالقدر ~~رعاية للأمر والنهي وهؤلاء أبطلوا الأمر والنهي رعاية للقدر # وهؤلاء يحتجون بقصة آدم وموسى واحتجاجهم عليه بالقدر PageV02P755 ~~وهو حجة داحضة فإن الله قد عاتب إبليس وأهبط آدم من الجنة وأهلك قوم نوح ~~وعادا وثمود وغيرهم ولو كان القدر عذرا لم يعاقب كافرا وآدم تاب من الذنب ~~فلو كان محتجا بالقدر لم يتب # وصار آخرون يتكلمون على حديث موسى بتأويلات فاسدة كقول بعضهم إن هذا ~~الاحتجاج كان في غير دار التكليف كما ذكره هذا الضال # فيقال لهؤلاء الإحتجاج بالقدر لا يسوغ في دار تكليف ولا غيره فإنه قول ~~باطل وقول الباطل لا يسوغ بحال # وأيضا فموسى قد لام آدم فكيف يقع الملام في غير دار تكليف وتناظرا وتحاجا ~~ودار السلام منزهة عن الحجاج والخصام # وقال بعضهم إنه كان أباه فما كان ينبغي له لوم أبيه PageV02P756 # وقال بعضهم كان تائبا والتائب لا يلام # وقال بعضهم كان الذنب في شريعة واللوم في أخرى # وهذا كله باطل فإن الحديث فيه أن آدم احتج بالقدر وقال لم تلوموني على ~~أمر قدره الله علي قبل أن أخلق فحج آدم موسى # وسبب هذا الغلط أنهم فهموا من الحديث أن آدم جعل القدر حجة للمذنب وهو ~~غلط قبيح على هو دون آدم وموسى فكيف عليهما # وهذا آدم يقول {ربنا ظلمنا أنفسنا} الآية # وموسى يقول {رب ms166 إني ظلمت نفسي فاغفر لي} # ويقول {أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا} الآية PageV02P757 # وكيف يجوز لمثل هذين النبيين الكريمين أنهما يجوزان هذا وعوام الناس ~~يعرفون أن هذا باطل إلا من كان مصطلما قد سلب حقيقة العقل # والذي يظن أن الله يسوي بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين في ~~الأرض وبين المتقين والفجار وبين المسلمين والمجرمين فإن الجمع في توحيد ~~الربوبية يتناول هؤلاء كلهم فإن لم يحصل مع ذلك فرق فالجمع بين أهل البر ~~والتقوى ويشهد القلب إلهية الرب التي يستحقها لأجلها أن يعبد دون ما سواه ~~وأن تطاع رسله كان مسويا بين هؤلاء # ولكن نكتة الحديث أن موسى لام آدم لأجل المصيبة التي لحقت الذرية من أجله ~~فإنه بسبب ذلك خرجوا من الجنة وصاروا في دار الشفاء ولهذا قال لماذا ~~أخرجتنا ونفسك من الجنة وكان لومه له لأجل المصيبة التي أصابتهم لا لمجرد ~~الذنب من جهة حق الله تعالى كما يقول الولد لوالده الذي أذهب ماله حتى ~~افتقر هو وأولاده أنت الذي PageV02P758 ~~أذهبت هذا المال حتى صرنا فقراء واحتجنا إلى الناس وأنت الذي نقلتنا إلى ~~بلاد الغربة ونحو ذلك فقال له آدم هذه المصيبة كانت مكتوبة عليك مقدرة قبل ~~أن أخلق هي وسببها وهو الذنب فإنه كان مكتوبا علي قبل أن أخلق بأربعين سنة # والعبد مأمور عند المصائب بالتسليم لله كما قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة ~~إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} # قال طائفة من السلف هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ~~ويسلم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح # «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ~~ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا ~~لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان» # وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يلوم على العجز ولكن PageV02P759 ~~عليا بالكيس ms167 فإن غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل» PageV02P760 # وقد قال الله تعالى لنبيه {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك} فأمره ~~بالصبر على المصائب والاستغفار من الخطيئات # وكان الجنيد رحمه الله أفقه القوم وأعلمهم بالدين فلهذا بين الفرق الثاني ~~وأمر باتباع الأمر ولزوم الشرع ورعاية العلم بخلاف من لم يحقق هذين الفرقين ~~واختطفه قدر فإنه قد يتعدى فيه إما حالا وأما مآلا مثل كثير من الشيوخ ~~الغالطين في هذا الباب # ثم انضم إلى ذلك أنه لم يفرق بين إرادة الله تعالى ومحبته PageV02P761 ~~ورضاه بل يرى أن جميع الحوادث خيرها وشرها بالنسبة إليه سواه صادرة عن تلك ~~الإرادة وأنه لا يحب الحسنات ويرضاها إلا بمعنى أنه ينعم أهلها ولا يبغض ~~السيئات ويسخطها إلا بمعنى تعذيب أهلها PageV02P762 ~~ورأى أن هذا الفرق يعود إلى المخلوق لا إلى الخالق فهذا إذا رأى PageV02P763 ~~أن في كمال العبودية فناء عن إرادته وأنه لا يريد إلا ما يريده الحق وعنده ~~ليس له إرادة إلا هذه لزم من هذا أنه لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة ما ~~دام هذا الفناء لكن دوامه فيه ممتنع لأن العبد مجبول على حب ما يلائمه وبغض ~~ما ينافيه فإن لم يشهد ما يتصف به الرب سبحانه من الحب والبغض والرضا ~~والسخط فيحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه ويرضى ما يرضاه ويسخط ما يسخطه ~~الله وإلا فرق باعتبار نفسه فيحب ويبغض لمجرد ذوقه ووجده وحبه وبغضه لا بحب ~~الله وبغضه وأمره ونهيه فإن هذه الحقيقة تخالف الشريعة ويجعلون القيام بها ~~لأجل الظاهرة والعامة لا من حقيقة شهودها الخاصة ويسمون هذا تلبيسا وهو ~~مقام الأنبياء وهذا من أغاليط كثير من الشيوخ وهو في الحقيقة خروج عن ملة ~~إبراهيم وغيره من الرسل وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله ~~على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم سنة (1326) PageV02P764 ~~ ms168