######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000028 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الاستقامة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: مجموعة ابن تيمية :: مجموعة ابن تيمية في التزكية والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الاستقامة #META# 030.LibURI :: JK_000028 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. محمد رشاد سالم #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: جامعة الإمام محمد بن سعود #META# 044.EdPLACE :: المدينة المنورة #META# 045.EdYEAR :: 1403 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # الاستقامة لابن تيمية أبي العباس تقى الدين PageV01P001 بسم الله الرحمن ~~الرحيم وبه توفيق # الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما # قاعدة في وجوب الاستقامة والاعتدال ومتابعة الكتاب والسنة في باب أسماء ~~الله وصفاته وتوحيده بالقول والاعتقاد وبيان اشتمال الكتاب والسنة على جميع ~~الهدى وأن التفرق والضلال إنما حصل بترك بعضه والتنبيه على جميع البدع ~~المقابلة في ذلك بالزيادة في النفي والإثبات ومبدأ حدوثها وما وقع في ذلك ~~من الاسماء المجملة والاختلاف والافتراق الذي أوجب تكفير بعض هؤلاء ~~المختلفين بعضهم لبعض وذلك بسبب ترك بعض الحق وأخذ بعض الباطل وكتمان الحق ~~ولبس الحق بالباطل # | فصل الرأى المحدث في الأصول وهو الكلام المحدث وفي الفروع وهو الرأى # المحدث في الفقه والتعبد المحدث كالتصوف المحدث والسياسة المحدثة # يظن طوائف من الناس أن الدين محتاج إلى ذلك لا سيما كل طائفة PageV01P003 ~~في طريقها وليس الأمر كذلك فإن الله تعالى يقول @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ [ سورة المائدة 3 ] إلى ~~غير ذلك من النصوص التي دلت على أن الرسول عرف الأمة جميع ما يحتاجون إليه ~~من دينهم # وقال تعالى @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون @QE@ [ سورة التوبة 115 ] # وقال ص ص تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ بعدي إلا هالك وقال ص ~~إنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ # فلولا أن سنته وسنة الخلفاء الراشدين تسع المؤمن وتكفيه عند الاختلاف ~~الكثير لم يجز الأمر بذلك PageV01P004 # وكان يقول في خطبته شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة # وكان ابن مسعود يخطب بنحو ذلك كل خميس ويقول إنكم ستحدثون ويحدث لكم # وقد قررنا في القواعد في قاعدة السنة والبدعة أن البدعة هي الدين الذي لم ~~يأمر الله به ورسوله فمن ms001 دان دينا لم يأمر الله ورسوله به فهو مبتدع بذلك ~~وهذا معنى قوله تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ~~[ سورة الشورى 21 ] # ولا ريب أن هذا يشكل على كثير من الناس لعدم علمهم بالنصوص ودلالتها على ~~المقاصد ولعدم علمهم بما أحدث من الرأى والعمل وكيف يرد ذلك إلى السنة كما ~~قال عمر بن الخطاب ردوا الجهالات إلى السنة PageV01P005 # وقد تكلم الناس على أصناف ذلك كما بين طوائف استغناء الدين عن الكلام ~~المحدث وأن الله قد بين في كتابه بالأمثال المضروبة من الدلائل ما هو أعظم ~~منفعة مما يحدثه هؤلاء وأن ما يذكرونه من الأدلة فهي مندرجة فيما ذكره الله ~~تعالى # حتى ان الأشعرى نفسه وأمثاله قد بينوا طريقة السلف في أصول الدين ~~واستغنائها عن الطريقة الكلامية كطريقة الأعراض ونحوها وأن القرآن نبه على ~~الأدلة ليس دلالته كما يظنه بعض أهل الكلام من جهة الخبر فقط # وأين هذا من أهل الكلام الذين يقولون إن الكتاب والسنة لا يدلان على أصول ~~الدين بحال وأن أصول الدين تستفاد بقياس العقل المعلوم من غيرهما وكذلك ~~الأمور العملية التي يتكلم فيها الفقهاء فإن من الناس من يقول إن القياس ~~يحتاج إليه في معظم الشريعة لقلة النصوص الدالة على الأحكام الشرعية كما ~~يقول ذلك أبو المعالى وأمثاله من الفقهاء مع أنتسابهم إلى مذهب الشافعي ~~ونحوه من فقهاء الحديث فكيف بمن كان من أهل رأى الكوفة ونحوهم PageV01P006 ~~فإنه عندهم لا يثبت من الفقه بالنصوص إلا أقل من ذلك وإنما العمدة على ~~الرأى والقياس حتى أن الخراسانيين من أصحاب الشافعى بسبب مخالطتهم [ لهم ] ~~غلب عليهم استعمال الرأى وقلة المعرفة بالنصوص # وبإزاء هؤلاء أهل الظاهر كأبن حزم ونحوه ممن يدعى أن النصوص تستوعب جميع ~~الحوادث بالأسماء اللغوية التي لا تحتاج إلى استنباط واستخراج أكثر من جمع ~~النصوص حتى تنفى دلالة فحوى الخطاب وتثبته في معنى الأصل ونحو ذلك من ~~المواضع التي يدل فيها اللفظ الخاص على المعنى العام # والتوسط في ذلك طريقة ms002 فقهاء الحديث وهى إثبات النصوص والآثار الصحابية ~~على جمهور الحوادث وما خرج عن ذلك كان في معنى الأصل فيستعملون قياس العلة ~~والقياس في معنى الأصل وفحوى الخطاب إذ ذلك من جملة دلالات اللفظ وأيضا ~~فالرأى كثيرا ما يكون في تحقيق المناط الذي لا خلاف بين الناس في استعمال ~~الرأى PageV01P007 والقياس فيه فإن الله أمر بالعدل في الحكم والعدل قد ~~يعرف بالرأى وقد يعرف بالنص # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ~~وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر إذ الحاكم مقصوده الحكم بالعدل بحسب الإمكان فحيث ~~تعذر العدل الحقيقى للتعذر أو التعسر في علمه أو عمله كان الواجب ما كان به ~~أشبه وأمثل وهو العدل المقدور # وهذا باب واسع في الحكم في الدماء والأموال وغير ذلك من أنواع القضاء ~~وفيها يجتهد القضاة # ونعلم أن عليا رضى الله عنه كان أقضى من غيره بما أفهم من ذلك مع أن سماع ~~النصوص مشترك بينه وبين غيره # وإنما ظن كثير من الناس الحاجة إلى الرأى المحدث لأنهم يجدون مسائل كثيرة ~~وفروعا عظيمة لا يمكنهم إدخالها تحت النصوص كما يوجد PageV01P008 في فروع ~~من ولد الفروع من فقهاء الكوفة ومن أخذ عنهم # وجواب هذا من وجوه # أحدها ان كثيرا من تلك الفروع المولد المقدرة لا يقع أصلا وما كان كذلك ~~لم يجب أن تدل عليه النصوص ومن تدبر ما فرعه المولدون من الفروع في باب ~~الوصايا والطلاق والأيمان وغير ذلك علم صحة هذا # الوجه الثاني أن تكون تلك الفروع والمسائل مبنية على أصول فاسدة فمن عرف ~~السنة بين حكم ذلك الأصل فسقطت تلك الفروع المولدة كلها # وهذا كما فرعه صاحب الجامع الكبير فإن غالب فروعه كما بلغنا عن الإمام ~~أبي محمد المقدسي أنه كان يقول مثله مثل من بنى PageV01P009 دارا حسنة على ~~أساس مغصوب فلما جاء صاحب الأساس ونازعه في الاساس وقلعه انهدمت تلك الدار # وذلك كالفروع العظيمة المذكورة في كتاب الأيمان وبناها على ما كان المفرع ~~يعتقده من مذهب أهل ms003 النحو الكوفيين فإن أصل باب الأيمان الرجوع إلى نية ~~الحالف وقصده ثم إلى القرائن الحالية الدالة على قصده كسبب اليمين وما ~~هيجها ثم إلى العرف الذي من عادته التكلم به سواء كان موافقا للغة العربية ~~أو مخالفا لها فإن الأيمان وغيرها من كلام الناس بعضهم لبعض في المعاملات ~~والمراسلات والمصنفات وغيرها تجمعها كلها دلالة اللفظ على قصد المتكلم ~~ومراده وذلك متنوع بتنوع اللغات والعادات # وتختلف الدلالة بالقرائن الحالية والمقالية ثم إنما يستدل على مقصود ~~الرجل إذا لم يعرف فإذا أمكن [ العلم ] بمقصوده يقينا لم يكن بنا حاجة إلى ~~الشك لكن من الأمور ما لا تقبل من قائله إرادة تخالف الظاهر كما إذا تعلق ~~به حقوق العباد كما في الأقارير ونحوها وهذا مقرر في موضعه وليس الغرض هنا ~~إلا التمثيل # وإذا كان هذا أصل الأيمان فيقال لذلك المفرع إذا كان هذا أصل قصده الذي ~~هو في أكثر المواضع يخالف مقتضى ما ذكرته من PageV01P010 الجواب وينظر إلى ~~القرائن الحالية ومعها لا تستقيم عامة الأجوبة # وإذا عدم ذلك وله عرف وعادة يتكلم بها وغالب عادات الناس لا ينبني على ~~المقاييس التي وضعتها أنت فإذا جواب الحالفين بمثل ما أجبتهم به ليس هو من ~~الشريعة في غالب المواضع # ولا يحتاج باب الأيمان إلى تفريع إذ هذه الأصول الثلاثة تضبطه ضبطا حسنا ~~لكن لا بد أن يكون المفتى ممن يحس أن يضع الحوادث على القواعد وينزلها ~~عليها # وكذلك ما فرعوه في باب الحكم والسياسة وغيرها عامة ذلك مبنى على أصول ~~فاسدة مخالفة للشريعة وهذا والله أعلم من معنى قول ابن مسعود إنكم ستحدثون ~~ويحدث لكم ولهذا تكثر هذه الفروع وتنتشر حتى لا تضبطها قاعدة لأنها ليست ~~موافقة للشريعة فأما الشريعة فإنها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بعثت ~~بجوامع الكلم والكلمة الجامعة هي القضية الكلية والقاعدة العامة ~~PageV01P011 التي بعث بها نبينا ص فمن فهم كلمه الجوامع علم اشتمالها لعامة ~~الفروع وانضباطها بها والله أعلم # الوجه الثالث أن النصوص دالة على عامة الفروع الواقعة كما ms004 يعرفه من يتحرى ~~ذلك ويقصد الإفتاء بموجب الكتاب والسنة ودلالتها وهذا يعرفه من يتأمل كمن ~~يفتى في اليوم بمائة فتيا أو مائتين أو ثلاثمائة وأكثر أو أقل وأنا قد جربت ~~ذلك ومن تدبر ذلك رأى أهل النصوص دائما أقدر على الإفتاء وأنفع للمسلمين في ~~ذلك من أهل الرأى المحدث فإن الذى رأيناه دائما أن أهل رأى الكوفة من أقل ~~الناس علما بالفتيا وأقلهم منفعة للمسلمين مع كثرة عددهم وما لهم من سلطان ~~وكثرة بما يتناولونه من الأموال الوقفية والسلطانية وغير ذلك ثم إنهم في ~~الفتوى من أقل الناس منفعة قل أن يجيبوا فيها وإن أجابوا فقل أن يجيبوا ~~بجواب شاف وأما كونهم يجيبون بحجة فهم من أبعد الناس عن ذلك # وسبب هذا ان الأعمال الواقعة يحتاج المسلمون فيها إلى معرفة بالنصوص ثم ~~إن لهم أصولا كثيرة تخالف النصوص والذي عندهم من الفروع التي لا توجد عند ~~غيرهم فهي مع ما فيها من المخالفة للنصوص التي لم يخالفها أحد من الفقهاء ~~أكثر منهم عامتها إما فروع مقدرة غير واقعة وإما فروع متقررة على أصول ~~فاسدة فإذا أرادوا أن PageV01P012 يجيبوا بمقتضاها رأوا ما في ذلك من ~~الفساد وإنكار قلوب المؤمنين علهيم فأمسكوا # لكن أعظم المهم في هذا الباب وغيره تمييز السنة من البدعة إذ السنة ما ~~أمر به الشارع والبدعة ما لم يشرعه من الدين فإن هذا الباب كثر فيه اضطراب ~~الناس في الأصول والفروع حيث يزعم كل فريق أن طريقه هو السنة وطريق مخالفه ~~هو البدعة ثم إنه يحكم على مخالفه بحكم المبتدع فيقوم من ذلك من الشر ما لا ~~يحصيه إلا الله # وأول من ضل في ذلك هم الخوارج المارقون حيث حكموا لنفوسهم بأنهم ~~المتمسكون بكتاب الله وسنته وأن عليا ومعاوية والعسكرين هم أهل المعصية ~~والبدعة فاستحلوا ما استحلوه من المسلمين # وليس المقصود هنا ذكر البدع الظاهرة التي تظهر للعامة أنها بدعة كبدعة ~~الخوارج والروافض ونحو ذلك لكن المقصود التنبيه على ما وقع من ذلك في أخص ~~الطوائف بالسنة وأعظمهم ms005 انتحالا لها كالمنتسبين إلى الحديث مثل مالك ~~والشافعي وأحمد فإنه لا ريب أن هؤلاء أعظم اتباعا للسنة وذما للبدعة من ~~غيرهم والأئمة كمالك وأحمد وابن المبارك وحماد بن زيد والأوزاعي وغيرهم ~~يذكرون من ذم المبتدعة وهجرانهم وعقوبتهم ما شاء الله تعالى # وهذه الأقوال سمعها طوائف ممن اتبعهم وقلدهم ثم إنهم PageV01P013 [ ~~يخلطون ] في مواضع كثيرة السنة والبدعة حتى قد يبدلون الأمر فيجعلون البدعة ~~التي ذمها أولئك هي السنة والسنة التي حمدها اولئك هي البدعة ويحكمون بموجب ~~ذلك حتى يقعوا في البدع والمعاداة لطريق أئمتهم السنية وفي الحب والموالاة ~~لطريق المبتدعة التي أمر أئمتهم بعقوبتهم ويلزمهم تكفير أئمتهم ولعنهم ~~والبراءة منهم وقد يلعنون المبتدعة وتكون اللعنة واقعة عليهم أنفسهم ضد ما ~~يقع على المؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ألا ترون كيف يصرف الله ~~عني سب قريش يسبون مذمما وانا محمد # وهؤلاء بالعكس يسبون المبتدعة يعنون غيرهم ويكونون هم المبتدعة كالذي ~~يلعن الظالمين ويكون هو الظالم أو أحد الظالمين وهذا كله من باب قوله تعالى ~~@QB@ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا @QE@ [ سورة فاطر 8 ] # واعتبر ذلك بأمور # أحدها أن كلام مالك في ذم المبتدعة وهجرهم وعقوبتهم كثير PageV01P014 ومن ~~أعظمهم عنده الجهمية الذين يقولون إن الله ليس فوق العرش وإن الله لم يتكلم ~~بالقرآن كله وإنه لا يرى كما وردت به السنة وينفون نحو ذلك من الصفات # ثم إنه كثير في المتأخرين من أصحابه من ينكر هذه الأمور كما ينكرها فروع ~~الجهمية ويجعل ذلك هو السنة ويجعل القول الذي يخالفها وهو قول مالك وسائر ~~أئمة السنة هو البدعة ثم إنه مع ذلك يعتقد في أهل البدعة ما قاله مالك فبدل ~~هؤلاء الدين فصاروا يطعنون في أهل السنة # الثاني أن الشافعي من أعظم الناس ذما لأهل الكلام ولأهل التغيير ونهيا عن ~~ذلك وجعلا له من البدعة الخارجة عن السنة ثم إن كثيرا من أصحابه عكسوا ~~الأمر حتى جعلوا الكلام الذي ذمه الشافعي هو السنة وأصول الدين الذي يجب ~~اعتقاده وموالاة أهله ms006 وجعلوا موجب الكتاب والسنة الذي مدحه الشافعي هو ~~البدعة التي يعاقب أهلها # الثالث أن الإمام أحمد في أمره بأتباع السنة ومعرفته بها ولزومه لها ~~ونهيه عن البدع وذمه لها ولأهلها وعقوبته لأهلها بالحال التي لا تخفى ثم إن ~~كثيرا مما نص هو على أنه من البدع التي يذم أهلها صار بعض أتباعه يعتقد أن ~~ذلك من السنة وان الذي يذم من خالف ذلك مثل كلامه في مسألة القرآن في مواضع ~~منها تبديعه لمن PageV01P015 قال لفظى بالقرآن غير مخلوق وتجهيه لمن قال ~~مخلوق ثم إن من أصحابه من جعل ما بدعه الإمام أحمد هو السنة فتراهم يحكمون ~~على ما هو من صفات العبد كألفاظهم وأصواتهم وغير ذلك بأنه غير مخلوق بل ~~يقولون هو قديم ثم إنهم يبدعون من لا يقول بذلك ويحكمون في هؤلاء بما قاله ~~أحمد في المبتدعة وهو فيهم # وكذلك ما أثبته أحمد من الصفات التي جاءت بها الآثار واتفق عليها السلف ~~كالصفات الفعلية من الاستواء والنزول المجئ والتكلم إذا شاء وغير ذلك ~~فينكرون ذلك بزعم أن الحودث لا تحل به ويجعلون ذلك بدعة ويحكمون على أصحابه ~~بما حكم به أحمد في أهل البدع وهم من أهل البدعة الذين ذمهم أحمد لا أولئك ~~ونظائر هذا كثيرة # بل قد يحكى عن واحد من أئمتهم إجماع المسلمين على أن الحوادث لا تحل ~~بذاته لينفي بذلك ما نص أحمد وسائر الأئمة عليه من أنه يتكلم إذا شاء ومن ~~هذه الأفعال التعلقة بمشيئته # ومعلوم أن نقل الإجماع على خلاف نصوصة ونصوص الأئمة من أبلغ ما يكون وهذا ~~كنقل غير واحد من المصنفين في العلم إجماع المسلمين على خلاف نصوص الرسول ~~وهذه المواضع من ذلك أيضا فإن نصوص أحمد والأئمة مطابقة لنصوص الرسول ص ~~PageV01P016 فصل قوله تعالى @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ~~أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر ~~جبار @QE@ [ سورة غافر 35 ] بعد قوله تعالى @QB@ وقال الذي آمن يا قوم إني ~~أخاف عليكم ms007 مثل يوم الأحزاب @QE@ [ سورة غافر 30 ] إلى قوله @QB@ ولقد ~~جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم ~~لن يبعث الله من بعده رسولا @QE@ [ سورة غاقر 34 ] الآية يخوفهم بمثل ~~عقوبات الله في الدنيا للأمم الكافرة قبلهم وخوفهم بما يكون يوم القيامة # وهذا فيه بيان إخباره بيوم القيامة وهو ممن آمن بموسى كما قد قررناه في ~~غير هذا الموضع أن جميع الرسل أخبرت بيوم القيامة خلاف ما تزعم طوائف من ~~الفلاسفة وأهل الكلام أن المعاد الجسماني لم يخبر به إلا محمد وعيسى ونحو ~~ذلك # ثم قال المؤمن @QB@ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما ~~جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو ~~مسرف مرتاب @QE@ [ سورة غافر 34 ] لأن الريب عدم العلم وهذه حال أهل الضلال # وقال هناك @QB@ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ [ سورة غافر ~~35 ] لأنه أخبر بجدالهم في آيات الله بغير سلطان أتاهم وهذه حال المتكلمين ~~بغير علم لطلب العلو والفساد PageV01P017 # كما قال في الآية الأخرى إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ~~إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه باستعذ بالله إنه هو السميع البصير [ ~~سورة غافر 56 ] # ولهذا قال في هؤلاء المجادلين @QB@ كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ~~@QE@ [ سورة غافر 35 ] أى كبر مقتهم أو كبر هذا المقت أو كبر هذا الجدال أو ~~هذا الفعل مقتا أى ممقوتا كما قال تعالى @QB@ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ~~@QE@ [ سورة الكهف 5 ] وكما قال تعالى @QB@ بئس للظالمين بدلا @QE@ [ سورة ~~الكهف 50 ] # فإن المخصوص بالمدح والذم في هذا الباب كثيرا ما يكون مضمرا إذا تقدم ما ~~يعود الضمير إليه والمدح يراد به الرجل كما تقول نعم رجلا زيد ونعم رجلا ~~وزيد نعم رجلا # والمقت يراد به نفس المقت ويراد به الممقوت كما في الخلق ونظائره ومثله ~~قوله @QB@ لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا ms008 عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون @QE@ [ سورة الصف 23 ] أي كبر ممقوتا أي كبر مقته مقتا # والمقت البغض الشديد وهو من جنس الغضب المناسب لحال PageV01P018 هؤلاء ~~كما قال في اليهود @QB@ بل طبع الله عليها بكفرهم @QE@ [ سورة النساء 144 ] # وقد وصعهم بنحو مما وصف عدوهم فرعون فقوله @QB@ وقضينا إلى بني إسرائيل ~~في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا @QE@ [ سورة الإسراء 4 ~~] فوصفهم بالفساد في الأرض والعلو كما أن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها ~~شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين [ ~~سورة القصص ] وختم السورة بقوله @QB@ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين @QE@ [ سورة القصص 83 ] # وهذا مما يبين أن قوله @QB@ الذين يجادلون في آيات الله @QE@ [ سورة غافر ~~35 ] مبتدأ ليس بدلا من قوله @QB@ من هو مسرف مرتاب @QE@ سورة غافر 34 فإنه ~~سبحانه وصف هؤلاء بغير ما وصف هؤلاء ويؤيد هذا انه ابتداء قد قال في الأخرى ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ] وقال قبل هذه الآية ما ~~يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا [ سورة غافر 4 ] # وقد يقال يمكن اجتماع الوصفين الريب والجدل بغير علم كما هو الواقع في ~~طوائف كثيرة كما يجتمع الغضب والضلال PageV01P019 # وقد يقال الآية تحتمل الوقف وتحتمل الابتداء وقد يكون هذا قراءتين فتسوغ ~~كل منهما ويكون له صف صحيح كما في نظائره # وفي الحديث الذي رواه الترمذي عن الحارث عن علي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ورواه أبو نعيم الأصفهاني وغيره من طرق عديدة عن علي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في القرآن الحديث المعروف قال قلت يا رسول الله ستكون فتن ~~فما المخرج منها قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما ~~بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في ~~غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم ~~وهو ms009 الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تختلف به الآراء ولا تلتبس به الألسن ولا ~~يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضى عجائبه ولا يشبع منه العلماء من قال به صدق ~~ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم ~~PageV01P020 # فقوله من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ~~يناسب قوله تعالى كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب [ سورة غافر 34 ] وكذلك ~~قوله كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار سورة غافر 35 فذكر ضلال الأول ~~وذكر تجبر الثاني وذلك لأن الاول مرتاب ففاته العلم حيث ابتغى الهدى في ~~غيره والثاني جبار عمل بخلاف ما فيه فقصمه الله وهذان الوصفان يجمعان العلم ~~والعمل # وفي ذلك بيان ان كل علم دين لا يطلب من القرآن فهو ضلال كفاسد كلام ~~الفلاسفة والمتكلمة والمتصوفة والمتفقهة وكل عاقل يترك كتاب الله مريدا ~~للعلو في الأرض والفساد فان الله يقصمه فالضال لم يحصل له المطلوب بل يعذب ~~بالعمل الذي لا فائدة فيه والجبار حصل لذة فقصمه الله عليها فهذا عذب بإزاء ~~لذاته التي طلبها بالباطل وذلك يعذب بسعيه الباطل الذي لم يفده # والمقصود هنا أنه سبحانه في هاتين الآيتين بين من يجادل في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم وقد بين في غير موضع ان السلطان هو الحجة وهو الكتاب ~~المنزل كما قال تعالى أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو PageV01P021 يتكلم بما ~~كانوا به يشركون [ سورة الروم 35 ] وقيل إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان [ سورة النجم 23 ] في غير موضع # وقال تعالى ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله إلى قوله أم لكم سلطان ~~مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين [ سورة الصافات 151 157 ] # وقال أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستعهم بسلطان [ سورة الطور 38 ] وقال ~~أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون [ ~~سورة القلم 35 37 ] # وإذا كان كذلك ففي هذا ms010 بيان أنه لا يجوز لأحد أن يعارض كتاب الله بغير ~~كتاب فمن عارض كتاب الله وجادل فيه بما يسميه معقولات وبراهين وأقيسة أو ما ~~يسميه مكاشفات ومواجيد وأذواق من غير أن يأتي على ما يقوله بكتاب منزل فقد ~~جادل في آيات الله بغير سلطان هذه حال الكفار الذين قال فيهم ما يجادل في ~~آيات الله إلا الذين كفروا [ سورة غافر 4 ] فهذه حال من يجادل في آيات الله ~~مطلقا # ومن المعلوم أن الذي يجادل في جميع آيات الله لا يجادل بسلطان ~~PageV01P022 فإن السلطان من آيات الله وإنما الذي يجادل في آيات الله ~~بسلطان يكون قد جادل في بعض آيات الله ببعض آيات الله # وهذه الحال يحمد منها ان يكون إحدى الآيتين ناسخة لها أو مفسرة لها بما ~~يخالف ظاهرها وإن كان السلف يسمون الجميع نسخا ولهذا لم يكن السلف من ~~الصحابة والتابعين يتركون دلالة آية من كتاب الله إلا بما يسمونه نسخا ولم ~~يكن في عهدهم كتب في ذلك إلا كتب الناسخ والمنسوخ لأن ذلك غايته أن نجادل ~~في آيات الله بسلطان كجدالنا مع أهل التوراة والإنجيل وهما من آيات الله ~~بالقرآن الذي أنزله الله مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه # فأما معارضة القرآن بمعقول أو قياس فهذا لم يكن يستحله أحد من السلف ~~وإنما ابتدع ذلك لما ظهرت الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن بنوا أصول دينهم ~~على ما سموه معقولا وردوا القرآن إليه وقالوا إذ تعارض العقل والشرع إما أن ~~يفوض أو يتأول فهؤلاء من أعظم المجادلين في آيات الله بغير سلطان أتاهم # وأما تسمية المتأخرين تخصيصا وتقييدا ونحو ذلك مما فيه صرف الظواهر فهو ~~داخل في مسمى النسخ عند المتقدمين وعلى هذا الاصطلاح فيدخل النسخ في ~~الإخبار كما يدخل في الأوامر وإنما النسخ الخاص الذي هو رفع الحكم فلا بد ~~في الخبر عن أمر مستقر PageV01P023 # وأما ما يدخل في الخبر عن إنشاء أمر فيكون لدخوله في الإنشاء إنشاء الأمر ~~والنهي وإنشاء الوعيد عند من يجوز النسخ فيه ms011 كآخر البقرة على ما روى عن ~~جمهور السلف # وهو مبني على أن الوعيد هل هو خبر محض أو هو مع ذلك إنشاء كالعقود التي ~~تقبل الفسخ لكونه إخبارا عن إرادة المتوعد وعزمه وكالخبر عن الأمر والنهي ~~المتضمن خبره عن طلبه المتضمن إرادته الشرعية وهذا مما يبين ما قررناه في ~~غير هذا الموضع أن الله سبحانه بين بكتابه سبيل الهدى وأنه لا يصلح أن ~~يخاطب بما ظاهر معناه باطل أو فاسد بل ولا يضلل المخاطبين بأن يحيلهم على ~~الأدلة التي يستسيغونها برأيهم بل يجب أن يكون الكتاب بيانا وهدى وشفاء لما ~~في الصدور وأن مدلوله ومفهومه حق وهذا أصل عظيم جدا # | فصل فيما اختلف فيه المؤمنون من الأقوال والافعال في الأصول والفروع # فإن هذا من أعظم أصول الإسلام الذي هو معرفة الجماعة وحكم الفرقة ~~والتقاتل والتكفير والتلاعن والتباغض وغير ذلك PageV01P024 # فنقول هذا الباب أصله المحرم فيه من البغي فإن الإنسان ظلوم جهول قال ~~تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم [ سورة البقرة 213 ] في غير ~~موضع # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لتسلكن سنن من ~~قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله ~~اليهود والنصارى قال فمن # وقد قال تعالى ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم [ سورة آل عمران 105 ] PageV01P025 # وقال تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ [ سورة ~~الأنعام 159 ] # ومن هذا الباب ما هو من باب التأويل والاجتهاد الذي يكون الإنسان مستفرغا ~~فيه وسعه علما وعملا # ثم الإنسان قد يبلغ ذلك ولا يعرف الحق في المسائل الخبرية الاعتقادية وفي ~~المسائل العملية الاقتصادية والله سبحانه قد تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ ~~والنسيان بقوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ms012 أخطأنا [ سورة البقرة ~~286 ] # وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس ومن حديث أبى هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن الله استجاب لهم هذا الدعاء وقال قد فعلت وأنهم لم يقرأو ~~بحرف منها إلا أعطوه وهذا مع قوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك أصحاب الجنة [ سورة البقرة 82 ] PageV01P026 # وقوله دليل على ان الله لا يكلف نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت وغير ذلك دليل على أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها # والوسع هو ما تسعه النفس فلا تضيق عنه ولا تعجز عنه فالوسع فعل بمعنى ~~مفعول كالجهد # وهذا أيضا كقوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج [ سورة الحج 78 ] # وقوله يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ سورة البقرة 185 ] # وقوله ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج [ سورة المائدة 6 ] والحرج الضيق ~~فهو نفى أن يكون عليهم ضيق أي ما يضيق عنهم كما أخبر أنه لا يكلف النفس إلا ~~ما تسعه فلا بد أن يكون الإيجاب والتحريم مما تسعه النفس حتى يقدر الإنسان ~~على فعله ولا بد أن يكون المباح مما يسع الإنسان ولا يضيق عنه حتى يكون ~~للانسان ما يسع الإنسان ويحمل الإنسان ولا يضيق عنه من المباح # وليتدبر الفرق بين ما يسعه الإنسان وهو الوسع الذي قيل فيه لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها [ سورة البقرة 286 ] وبين ما يسع الإنسان فلا يكون حرجا ~~عليه وهو مما لا بد للإنسان منه من المباحات وهذا يكون في صفة فعل المأمور ~~به كما في الوضوء والصلاة فلا بد ان يكون المجزئ له من ذلك ما يسع الإنسان ~~والواجب عليه ما يسعه PageV01P027 الإنسان ويكون في باب الحلال والحرام فلا ~~يحرم عليه ما لا يسع هو تركه بحيث يبقى المباح له ضيقا منه لا يسعه # وإذا كان كذلك فينبغي أن يعلم أن للقلوب قدرة في باب العلم والاعتقاد ~~العلمى وفي باب الإرادة والقصد وفي الحركة البدنية أيضا # فالخطأ ms013 والنسيان هو من باب العلم يكون إما مع تعذر العلم عليه أو تعسره ~~عليه والله قد قال ما جعل عليكم في الدين من حرج [ سورة الحج 78 ] وقال ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ سورة البقرة 185 ] # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه لمعاذ وأبى موسى ~~لما أرسلها إلى اليمن يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وطاوعا ولا تختلفا # وإذا كان كذلك فما عجز الإنسان عن عمله واعتقاده حتى يعتقد ويقول ضده خطأ ~~أو نسيانا فذلك مغفور له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ PageV01P028 فله أجر وهذا يكون ~~فيما هو من باب القياس والنظر بعقله ورأيه ويكون فيما هو من باب النقل ~~والخبر الذي يناله بسمعه وفهمه وعقله ويكون فيما هو من باب الإحساس والبصر ~~الذي يجده ويناله بنفسه # فهذه المدارك الثلاثة قد يحصل للشخص بها علم يقطع به ويكون ضروريا في حقه ~~مثل ما يجده في نفسه من العلوم الضرورية ومثل ما سمعه من النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو من المخبرين له الصادقين خبرا يفيده العلم كالخبر المتواتر ~~الذي يفيده العلم تارة بكثرة عدد المخبرين وتارة بصفاتهم وتارة بهما وغير ~~ذلك مما يفيد العلم # وقد يكون مما علمه بآثاره الدالة عليه أو بحكم نظره المساوى له من كل وجه ~~أو الذي يدل على الآخر بطريق الأولى والتنبيه ونحو ذلك ومع هذا فتكون هذه ~~العلوم عند غيره متيقنة مع اجتهاده لدقة العلوم أو خفائها أو لوجود ما ~~يعتقد المعتقد أنه يعارض ولا يكون معارضا في الحقيقة فيشتبه بالمعارض ~~لاشتباه المعارض لاشتباه المعاني أو لاشتراك الألفاظ # فهذا من أعظم أسباب اختلاف بني آدم من المؤمنين وغيرهم ولهذا نجد في ~~المختلفين كل طائفة تدعى العلم الضروري فما يقوله إما من جهة القياس والنظر ~~وإما من جهة السماع والخبر وإما من جهة الإحساس والبصر ولا تكون واحدة من ~~الطائفتين كاذبة بل صادقة PageV01P029 لكن يكون قد أدخل ms014 مع الحق ما ليس منه ~~في النفي والإثبات لاشتباه المعاني واشتراك الألفاظ فيكون حينئذ ما ينفيه ~~هذا يثبته الآخر ولو زال الاشتباه والاشتراك زال الخلاف التضادى وكان ~~اختلاف الناس في مسائل الجبر والقدر ومسائل نفي الجسم وإثباته ونفى موجب ~~الأخبار وإثبات ذلك هو من هذا الباب # وهذا كله موجود في كتب أهل الكلام وأهل الحديث والفقه وغير ذلك # وقول القائل إن الضروريات يجب اشتراك العقلاء فيها خطأ بل الضروريات ~~كالنظريات تارة يشتركون فيها وتارة يختص بها من جعل له قوة على إدراكها # وكذلك قول القائلين إن الطائفة التي تبلغ عدد التواتر لا يتفقون على جحد ~~الضروريات ليس بصواب بل يتفقون على ذلك إذا تواطأوا عليها وخبر التواتر متى ~~كان عن تواطؤ لم يفد العلم وإنما يفيد العلم لانتفاء التواطؤ فيه وإذا كان ~~كذلك فقد يكون المختلفون قد اجتهد أحدهم فأصاب ويكون الآخر اجتهد فأخطأ ~~فيكون للأول أجران وللثاني أجر مع أن خطأه مغفور مغفور له وقد يكون كلاهما ~~اجتهد فأخطأ فيغفر لهما جميعا مع وجود الأجر # ويكون الصواب في قولنا ثالثا أما تفصيل ما أطلقوه PageV01P030 مثل أن ~~ينفى هذا نفيا عاما ويثبت الآخر ما نفاه الأول فيفصل المفصل ويثبت البعض ~~دون البعض وكذلك في المعنى المشتبه واللفظ المشترك يفصل بين المعنى وما ~~يشبهه إذا كان مخالفا له وبين معنى لفظ ومعنى لفظ # ثم إنه من مسائل الخلاف ما يتضمن أن اعتقاد أحدهما يوجب عليه بغض الآخر ~~ولعنه أو تفسيقه أو تكفيره أو قتاله فإذا فعل ذلك مجتهدا مخطئا كان خطؤه ~~مغفورا له وكان ذلك في حق الآخر محنة في حقه وفتنة وبلاء ابتلاه به # وهذه حال البغاة المتأولين مع أهل العدل سواء كان ذلك بين أهل اليد ~~والقتال من الأمراء ونحوهم أو بين أهل اللسان والعمل من العلماء والعباد ~~ونحوهم وبين من يجمع الأمرين # ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع البغى لا لمجرد ~~الاجتهاد # كما قال تعالى وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ms015 جاءهم العلم ~~بغيا بينهم [ سورة آل عمران 19 ] وقال إن الذبن فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~لست منهم في شئ [ سورة الأنعام 159 ] وقال ولاتكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات [ سورة آل عمران 105 ] # فلا يكون فتنة وفرقة مع وجود الاجتهاد السائغ بل مع نوع بغى PageV01P031 ~~ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القتال في الفتنة وكان ذلك من أصول ~~السنة وهذا مذهب أهل السنة والحديث وأئمة اهل المدينة من فقهائهم وغيرهم # ومن الفقهاء من ذهب إلى أن ذلك يكون مع وجود العلم التام من أحدهما ~~والبغى من الآخر فيجب القتال مع العادل حينئذ وعلى هذا الفتنة الكبرى بين ~~أهل الشام والعراق هل كان الأصوب حال القاعدين أو حال المقاتلين من أهل ~~العراق والنصوص دلت على الأول وقالوا كان ترك قتال أهل العراق أصوب وإن ~~كانوا أقرب إلى الحق وأولى به من الشام إذ ذاك كما بسطنا الكلام في هذا في ~~غير هذا الموضع وتكلمنا على الآيات والاحاديث في ذلك # ومن أصول هذا الموضع أن مجرد وجود البغى من إمام أو طائفة لا يوجب قتالهم ~~بل لا يبيحه بل من الأصول التي دلت عليها النصوص أن الإمام الجائر الظالم ~~يؤمر الناس بالصبر على جوره وظلمه وبغيه ولا يقاتلونه كما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك في غير حديث فلم يأذن في دفع البغي مطلقا بالقتال بل ~~إذا كانت فيه فتنة نهى عن دفع البغي به وأمر بالصبر # وأما قوله سبحانه فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى [ سورة ~~الحجرات 9 ] فهو سبحانه قد بين مراده ولكن من PageV01P032 الناس من يضع ~~الآية على غير موضعها فإنه سبحانه قال وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ إلى ~~أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين [ ~~سورة الحجرات 9 ] فهو لم يأذن ابتداء في قتال بين المؤمنين بل إذا اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما والاقتتال هو ms016 فتنة وقد تكون إحداهما أقرب إلى الحق فأمر ~~سبحانه في ذلك بالإصلاح # وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما اقتتل بنو عمرو بن عوف فخرج ~~ليصلح بينهم وقال لبلال إن حضرت الصلاة فقدم أبا بكر # ثم قال سبحانه فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ إلى أمر الله [ سورة الحجرات 9 ~~] فهو بعد اقتتالهم إذا أصلح بينهم بالقسط فلم تقبل إحداهما القسط بل بغت ~~فإنها تقاتل لأن قتالها هنا يدفع به القتال الذي هو أعظم منه فإنها اذا لم ~~تقاتل حتى تفئ إلى أمر الله بل تركت حتى تقتتل هي والأخرى كان الفساد في ~~ذلك أعظم # والشريعة مبناها على دفع الفسادين بالتزام أدناهما وفي مثل هذا يقاتلون ~~حتى لا يكون فتنة ويكون الدين كله لله لأنه إذا أمروا PageV01P033 بالصلاح ~~والكف عن الفتنة فبغت إحداهما قوتلت حتى لا تكون فتنة والمأمور بالقتال هو ~~غير المبغى عليه أمر بأن يقاتل الباغية حتى ترجع إلى الدين فقاتلها من باب ~~الجهاد وإعانة المظلوم المبغى عليه # أما إذا وقع بغى ابتداء بغير قتال مثل أخذ مال أو مثل رئاسة بظلم فلم ~~يأذن الله في اقتتال طائفتين من المؤمنين على مجرد ذلك لأن الفساد في ~~الاقتتال في مجرد رئاسة أو أخذ مال فيه نوع ظلم # فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتال الأئمة إذا كان فيهم ظلم لأن ~~قتالهم فيه فساد أعظم من فساد ظلمهم # وعلى هذا فما ورد في صحيح البخارى من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ذلك ليس هو مخالفا لما تواتر عنه من أنه أمر بالإمساك عن ~~القتال في الفتنة وأنه جعل القاعد فيها خيرا من القائم والقائم خيرا من ~~الماشى والماشى خيرا من الساعى # وقال يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر ~~يفر بدينه من الفتن وأمر فيها بأن يلحق الإنسان PageV01P034 بإبله وبقره ~~وغنمه لأن وصفه تلك الطائفة بالبغى هو كما وصف به من وصف من الولاة بالأثرة ~~والظلم # كقوله ms017 ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض # وقوله ص ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا فما تأمرنا يا رسول الله ~~قال أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم وأمثال ذلك من الأحايث الصحاح # فأمر مع ذكره لظلمهم بالصبر وإعطاء حقوقهم وطلب المظلوم حقه من الله ولم ~~يأذن للمظلوم المبغى عليه بقتال الباغي في مثل هذه الصور التي يكون القتال ~~فيها فتنة كما أذن في دفع الصائل بالقتال حيث PageV01P035 قال من قتل دون ~~ماله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد فإن قتال اللصوص ليس قتال فتنة إذ ~~الناس كلهم أعوان على ذلك فليس فيه ضرر عام على غير الظالم بخلاف قتال ولاة ~~الأمور فإن فيه فتنة وشرا عاما أعظم من ظلمهم فالمشروع فيه الصبر # وإذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم طائفة بأنها باغية سواء كان ذلك ~~بتأويل أو بغير تأويل لم يكن مجرد ذلك موجبا لقتالها ولا مبيحا لذلك إذ كان ~~قتال فتنة # فتدبر هذا فإنه موضع عظيم يظهر فيه الجمع بين النصوص ولأنه الموضع الذي ~~اختلف فيه اجتهاد علماء المؤمنين قديما وحديثا حيث رأى قوم قتال هؤلاء مع ~~من هو أولى بالحق منهم ورأى آخرون ترك القتال إذا كان القتال فيه من الشر ~~أعظم من ترك القتال كما كان PageV01P036 الواقع فإن أولئك كانوا لا يبدأون ~~البغاة بقتال حتى يجعلوهم صائلين عليهم وإنما يكون ذنبهم ترك واجب مثل ~~الامتناع من طاعة معين والدخول في الجماعة فهذه الفرقة إذا كانت باغية وفي ~~قتالهم من الشر كما وقع أعظم من مجرد الاقتصار على ذلك كان القتال فتنة ~~وكان تركه هو المشروع وإن كان المقاتل أولى بالحق وهو مجتهد # وعامة ما تنازعت فيه فرقة المؤمنين من مسائل الأصول وغيرها في باب الصفات ~~والقدر والإمامة وغير ذلك هو من هذا الباب فيه المجتهد المصيب وفيه المجتهد ~~المخطئ ويكون المخطئ باغيا وفيه الباغي من غير اجتهاد وفيه المقصر فيما أمر ~~به من الصبر # وكل ما أوجب فتنة وفرقة فليس من الدين سواء كان ms018 قولا أو فعلا ولكن المصيب ~~العادل عليه أن يصبر عن الفتنة ويصبر على جهل الجهول وظلمة إن كان غير ~~متأول وأما إن كان ذاك أيضا متأولا فخطؤه مغفور له وهو فيما يصيب به من أذى ~~بقوله أو فعله له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور له وذلك محنة وابتلاء في حق ~~ذلك المظلوم PageV01P037 فإذا صبر على ذلك واتقى الله كانت العاقبة له كما ~~قال تعالى وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا [ سورة آل عمران 120 ] # وقال تعالى لتلبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ~~[ سورة آل عمران 186 ] # فأمر سبحانه بالصبر على أذى المشركين وأهل الكتاب مع التقوى وذلك تنبيه ~~على الصبر على أذى المؤمنين بعضهم لبعض متأولين كانوا أو غير متأولين # وقد قال سبحانه ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى [ سورة المائدة 8 ] فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا ~~يعدلوا عليهم فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان فهو ~~أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالما له # فهذا موضع عظيم المنفعة في الدين والدنيا فإن الشيطان موكل ببني آدم وهو ~~يعرض للجميع ولايسلم أحد من مثل هذه الأمور دع ماسواها من نوع تقصير في ~~مأمور أو فعل محظور باجتهاد أو غير اجتهاد وإن كان هو الحق # وقال سبحانه لنبيه فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك ~~بالعشى والإبكار [ سورة غافر 55 ] فأمره بالصبر وأخبره أن وعد الله حق ~~وأمره أن يستغفر لذنبه PageV01P038 ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به ~~فإنه سبحانه أمر بالحق وأمر بالصبر فالفتنة إما من ترك الحق وإما من ترك ~~الصبر # فالمظلوم المحق الذي لا يقصر في علمه يؤمر بالصبر فإذا لم يصبر فقد ترك ~~المأمور # وإن كان مجتهدا في معرفة الحق ولم يصبر ms019 فليس هذا بوجه الحق مطلقا لكن هذا ~~وجه نوع حق فيما أصابه فينبغي أن يصبر عليه # وإن كان مقصرا في معرفة الحق فصارت ثلاثة ذنوب أنه لم يجتهد في معرفة ~~الحق وأنه لم يصبه وأنه لم يصبر # وقد يكون مصيبا فيما عرفه من الحق فيما يتعلق بنفسه ولم يكن مصيبا في ~~معرفة حكم الله في غيره وذلك بأن يكون قد علم الحق في أصل يختلف فيه بسماع ~~وخبر أو بقياس ونظر أو بمعرفة وبصر ويظن مع ذلك أن ذلك الغير التارك ~~للإقرار بذلك الحق عاص أو فاسق أو كافر ولا يكون الأمر كذلك لأن ذلك الغير ~~يكون مجتهدا قد استفرغ وسعه ولا يقدر على معرفة الأول لعدم المقتضى ووجود ~~المانع # وأمور القلوب لها أسباب كثيرة ولا يعرف كل أحد حال غيره من ايذاء له بقول ~~أو فعل قد يحسب المؤذى إذا كان مظلوما لا ريب PageV01P039 فيه أن ذلك ~~المؤذى محض باغ عليه ويحسب أنه يدفع ظلمه بكل ممكن ويكون مخطئا في هذين ~~الأصلين إذ قد يكون المؤذى متأولا مخطئا وإن كان ظالما لا تأويل له فلا يحل ~~دفع ظلمه بما فيه فتنة بين الأمة وبما فيه شر أعظم من ظلمه بل يومر المظلوم ~~ها هنا بالصبر فإن ذلك في حقه محنة وفتنة # وإنما يقع المظلوم في هذا لجزعه وضعف صبره أو لقلة علمه وضعف رأيه فإنه ~~قد يحجب أن القتال ونحوه من الفتن يدفع الظلم عنه ولا يعلم أنه يضاعف الشر ~~كما هو الواقع وقد يكون جزعه يمنعه من الصبر # والله سبحانه وصف الأئمة بالصبر واليقين فقال وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ~~لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [ سورة السجدة 24 ] وقال وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر [ سورة العصر 3 ] # وذلك أن المظلوم وإن كان مأذونا له في دفع الظلم عنه بقوله تعالى ولمن ~~انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل [ سورة الشورى 41 ] فذلك مشروط ~~بشرطين # أحدهما القدرة على ذلك # والثاني ألا يعتدى # فإذا كان عاجزا أو كان الانتصار يفضى إلى ms020 عدوان زائد لم PageV01P040 يجز ~~وهذا هو أصل النهى عن الفتنة فكان إذا كان المنتصر عاجزا وانتصاره فيه ~~عدوان فهذا هذا # ومع ذلك فيجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب إظهار السنة والشريعة ~~والنهي عن البدعة والضلالة بحسب الإمكان كما دل على وجوب ذلك الكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة # وكثير من الناس قد يرى تعارض الشريعة في ذلك فيرى أن الأمر والنهي لا ~~يقوم إلا بفتنة فإما أن يؤمر بهما جميعا أو ينهى عنهما جميعا وليس كذلك بل ~~يؤمر وينهى ويصبر عن الفتنة كما قال تعالى وأمر بالمعروف وانه عنه المنكر ~~واصبر على ما أصابك [ سورة لقمان 17 ] # وقال عبادة بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في ~~عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله وأن نقوم ~~أو نقول بالحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم فأمرهم بالطاعة ونهاهم ~~عن منازعة الأمر أهله وأمرهم بالقيام بالحق PageV01P041 # ولأجل ما يظن من تعارض هذين تعرض الحيرة في ذلك لطوائف من الناس والحائر ~~الذي لا يدري لعدم ظهور الحق وتميز المفعول من المتروك ما يفعل إما لخفاء ~~الحق عليه أو لخفاء ما يناسب هواه عليه # والبدعة مقرونة بالفرقة كما ان السنة مقرونة بالجماعة فيقال أهل السنة ~~والجماعة كما يقال أهل البدعة والفرقة وقد بسطنا هذا كله في غير هذا الموضع # وإنما المقصود هنا التنبيه على وجه تلازمهما موالاة المفترقين وإن كان ~~كلاهما فيه بدعة وفرقة أو كانوا مؤمنين فيوالون بإيمانهم ويترك ما ليس من ~~الإيمان من بدعة وفرقة فإن البدعة ما لم يشرعه الله من الدين فكل من دان ~~بشئ لم يشرعه الله فذاك بدعة وإن كان متأولا فيه # وهذا موجود من جميع أهل التأويل المفترقين من الأولين والآخرين فإنهم إذا ~~رأوا ما فعلوا مأمورا به ولم يكن كذلك فليس ما فعلوه سنة بل هو بدعة متأولة ~~مجتهد فيها من المنافقين سواء كانت في الدنيا أو في الدين # كما قال تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم ms021 إلا خبالا ولأوضعوا PageV01P042 ~~خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم [ سورة التوبة 47 ] وقال فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [ ~~سورة آل عمران 7 ] # وتجد أئمة أهل العلم من أهل البدعة والفرقة من أهل الإيمان والنفاق ~~يصنفون لأهل السيف والمال من الملوك والوزراء في ذلك ويتقربون إليهم ~~بالتصنيف فيما يوافقهم كما صنف كتاب تحليل النبيذ لبعض الأمراء وهو الكرخى ~~وقد صنف الجاحظ قبله كتابا لكن أظنه مطلقا وكما صنف ابن فورك كتابا في مذهب ~~ابن كلاب PageV01P043 الرئيسي وكما صنف أبو المعالى النظامية والغياثى ~~لنظام الملك وكما صنف الرازي كتاب الملخص في الفلسفة PageV01P044 لوزير ~~وقته زهير وكتابا في أحكام النجوم لملك وقته علاء الدين وكتابا في السحر ~~وعبادة الأوثان لأم الملك # وكما صنف السهروردي الحلبى المقتول الألواح العمادية في المبدأ والمعاد ~~لعماد الدين قره أرسلان بن داود وقال فيه لما PageV01P045 تواترت لدى ~~مكاتبات الملك فلان وقد أمرني بتحرير عجالة شديدة الإيجاز بينة الإعجاز ~~تتضمن ما لابد من معرفته في المبدأ والمعاد على ما يراه من متأهلة وأساطين ~~الفضلاء فبادرت إلى امتثال مرسومه وتحصيل مطلوبه وكنت قد صادفت مختصرات ~~صنفها بعض المتأخرين لأمراء زمانهم وملوك أزمانهم وسمعت أنها ما انتفعوا ~~بها لأنهم عدلوا عن مصلحة التعليم وطريق التفهيم وما غيروا شيئا من ~~الاصطلاحات الغامضة المأخذ ففوتوا الرعاية لفائدة جزئية لا مصلحة كلية ~~PageV01P046 وكما صنف صاحب دعوة البلاغ الأكبر والناموس الأعظم # | فصل مهم عظيم القدر في هذا الباب وذلك أن طوائف كبيرة من أهل # الكلام من المعتزلة وهو أصل هذا الباب كأبي على وأبي هاشم وعبد الجبار ~~وأبى PageV01P047 الحسين وغيرهم ومن اتبعهم من الاشعرية كالقاضى أبى بكر ~~وأبى المعالى وأبى حامد والرازي ومن إتبعهم من الفقهاء يعظمون أمر الكلام ~~الذي يسمونه أصول الدين حتى يجعلون مسائله PageV01P048 قطعية ويوهنون من ~~أمر الفقه الذي هو معرفة أحكام الأفعال حتى يجعلوه من باب الظنون لا العلوم # وقد رتبوا على ذلك أصولا انتشرت في الناس حتى دخل فيها طوائف من الفقهاء ms022 ~~والصوفية وأهل الحديث لا يعلمون أصلها ولا ما تؤول إليه من الفساد مع أن ~~هذه الأصول التي ادعوها في ذلك باطلة واهية كما سنبينه في غير هذا الموضع ~~ذلك أنهم لم يجعلوا لله في الأحكام حكما معينا حتى ينقسم المجتهد إلى مصيب ~~ومخطئ بل الحكم في حق كل شخص ما أدى إليه اجتهاده # وقد بينا في غير هذا الموضع ما في هذا من السفسطة والزندقة فلم يجعلوا ~~لله حكما في موارد الاجتهاد أصلا ولا جعلوا له على ذلك دليلا أصلا بل ابن ~~الباقلاني وغيره يقول وما ثم أمارة في الباطن بحيث يكون ظن أصح من ظن وإنما ~~هو أمور اتفاقية فليست الظنون عنده مستندة إلى أدلة وأمارات تقتضيها ~~كالمعلوم في استنادها إلى الأدلة # ثم إنه وطائفة مع هذا قد أبطلوا أصول الفقه ومنعوا دلالتها PageV01P049 ~~حتى سموا واقفة والكلام نوعان أمر وخبر فمنعوا دلالة صيغ الأمر عليه ومنعوا ~~دلالة صيغ الخبر العام عليه # ومن فروع ذلك أنهم يزعمون أن ما تكلموا فيه من مسائل الكلام هي مسائل ~~قطعية يقينية وليس في طوائف العلماء من المسلمين أكثر تفرقا واختلافا منهم ~~ودعوى كل فريق في دعوى خصمه الذي يقول إنه قطعى بل الشخص الواحد منهم يناقض ~~نفسه حتى أن الشخصين والطائفتين بل الشخص الواحد والطائفة الواحدة يدعون ~~العلم الضروري بالشئ ونقيضه ثم مع هذا الاضطراب الغالب عليهم يكفر بعضهم ~~بعضا كما هو أصول الخوارج والروافض والمعتزلة وكثير من الأشعرية # ويقولون في آخر أصول الفقه المصيب في أصول الدين واحد وأما الفروع ففيها ~~كل مجتهد مصيب # ثم إنهم صنفوا في أصول الفقه وهو علم مشترك بين الفقهاء والمتكلمين فبنوه ~~على أصولهم الفاسدة حتى ان أول مسألة منه وهي الكلام في حد الفقه لما حدوه ~~بأنه العلم باحكام أفعال المكلفين PageV01P050 الشرعية أورد هؤلاء كالقاضي ~~أبي بكر والرازي والآمدي ومن وافقهم من فقهاء الطوائف كأبي الخطاب وغيره ~~السؤال المشهور هنا وهو أن الفقه من باب الظنون لأنه مبنى على الحكم بخبر ~~الواحد والقياس والعموم والظواهر وهي ms023 إنما تفيد الظن فكيف جعلتموه من العلم ~~حيث قلتم العلم # وأجابوا عن ذلك بأن الفقيه قد علم أنه إذا حصل له هذا الظن وجب عليه ~~العمل به كما قال الرازي # فإن قلت الفقه من باب الظنون فكيف جعلته علما # قلت المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم قطع بوجوب ~~العلم بما أدى إليه ظنه فالعلم حاصل قطعا والظن واقع في طريقه # وقد ظن طائفة من الفقهاء الناظرين في أصول الفقه أن هذا الجواب ضعيف ~~لقوله العلم حاصل قطعا والظن واقع في طريقه PageV01P051 # قالوا والحكم بالنتيجة يتبع أضعف المقدمات وأحسن المقدمات فالموقوف على ~~الظن أولى أن يكون ظنا # وليس الأمر كما توهموا بل لم يفهموا كلام هؤلاء فإن هذا الظن ليس هو ~~عندهم دليل العلم بوجوب العلم به ولا مقدمة من مقدمات دليله ولكنهم يقولون ~~قامت الأدلة القطعية من النصوص والإجماع مثلا على وجوب العلم بالظن الحاصل ~~عن خبر الواحد والقياس وذلك العلم حصل بأدلته المفيدة له لم يحصل بهذا الظن ~~ولا مقدماته # لكن التقدير إذا حصل لك أيها المجتهد ظن فعليك أن تعمل به وحصول الظن في ~~النفس وجدى يجده المرء في نفسه ويحسه كما يجد عمله ويحسه فمعرفته بحصول ~~الظن يقينى ومعرفته بوجوب العمل به يقينى فهاتان مقدمتان علميتان إحداهما ~~سمعية والأخرى وجدية # وصار هذا كما لو قيل له إذا حصل لك مرض في الصوم أنه يجوز لك الفطر وإذا ~~حصل مرض يمنعك القيام في الصلاة فأعلم أن عليك أن تصلى قاعدا فإذا وجد ~~المرض في نفسه علم حينئذ حكم الله باباحة الفطر وبالصلاة قاعدا فهكذا وجود ~~الظن عندهم في نفس المجتهد # وإذا علم أن هذا حقيقة قولهم تبين حينئذ فساد ما ذكروه من غير تلك الجهة ~~وهو أن هذا يقتضى ألا يكون الفقة إلا العلم بوجوب PageV01P052 العمل بهذه ~~الظنون والاعتقادات الحاصلة عن أمارات الفقه على اصطلاحهم # ومعلوم أن هذا العلم هو من أصول الفقه وهو لا يخص مسألة دون مسألة ولا ~~فيه كلام في ms024 شئ من أحكام الأفعال كالصلاة والجهاد والحدود وغير ذلك وهو أمر ~~عام كلى ليس هو الفقه بأتفاق الناس كلهم إذ الفقه يتضمن الأمر بهذه الأفعال ~~والنهى عنها إما علما وإما ظنا # فعلى قولهم الفقه هو ظن وجوب هذه الأعمال وظن التحريم وظن الاباحة وتلك ~~الظنون هي التي دلت عليها هذه الأدلة التي يسمونها الأمارات كخبر الواحد ~~والقياس فإذا حصلت هذه الظنون حصل الفقه عندهم # وأما وجوب العلم بهذا الظن فهذاك شئ آخر وهذا الذي ذكروه إنما يصلح أن ~~يذكر في جواب من يقول كيف يسوغ لكم العمل بالظن فهذا يورد في أصول الفقه في ~~تقرير هذه الطرق إذا قيل إنها إنما تفيد الظن قيل وكيف يسوغ اتباع الظن مع ~~دلالة الأدلة الشرعية على خلاف ذلك # فيقولون في الجواب المتبع إنما هو الأدلة القطعية الموجبة للعمل ~~PageV01P053 بهذا الظن والعامل بتلك الأدلة متبع للعلم لا للظن أما أن يجعل ~~نفس الفقه الذي هو علم ظنا فهذا تبديل ظاهر وأتباعهم الأذكياء تفطنوا لفساد ~~هذا الجواب # وقد تجيب طائفة أخرى كأبي الخطاب وغيره عن هذا السؤال بأن العلم يتناول ~~اليقين والاعتقاد الراجح كقوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات [ سورة الممتحنة ~~10 ] وأن تخصيص لفظ العلم بالقطعيات اصطلاح المتكلمين والتعبير هو باللغة ~~لا بالاصطلاح الخاص # والمقصود هنا ذكر أصلين هما بيان فساد قولهم الفقه من باب الظنون وبيان ~~أنه أحق بأسم العلم من الكلام الذي يدعون أنه علم وأن طرق الفقه احق بأن ~~تسمى أدلة من طرق الكلام # والأصل الثاني بيان أن غالب ما يتكلمون فيه من الأصول ليس بعلم ولا ظن ~~صحيح بل ظن فاسد وجهل مركب # ويترتب على هذين الأصلين منع التكفير بأختلافهم في مسائلهم وأن التفكير ~~في الأمور العملية الفقهية قد يكون أولى منه في مسائلهم PageV01P054 فنقول ~~الفقه هو معرفة أحكام أفعال العباد سواء كانت تلك المعرفة علما أو ظنا أو ~~نحو ذلك # ومن المعلوم لمن تدبر الشريعة أن أحكام عامة افعال العباد معلومة لا ~~مظنونة وأن الظن فيها إنما هو قليل جدا ms025 في بعض الحوادث لبعض المجتهدين فأما ~~غالب الأفعال مفادها وأحداثها فغالب احكامها معلومة ولله الحمد وأعنى ~~بكونها أن العلم بها ممكن وهو حاصل لمن اجتهد واستدل بالأدلة الشرعية عليها ~~لا أعنى أن العلم بها حاصل لكل أحد بل ولا لغالب المتفقهة المقلدين لائمتهم ~~بل هؤلاء غالب ما عندهم ظن أو تقليد # إذ الرجل قد يكون يرى مذهبه بعض الأئمة وصار ينقل أقواله في تلك المسائل ~~وربما قربها بدليل ضعيف من قياس أو ظاهر هذا إن كان فاضلا وإلا كفاه مجرد ~~نقل المذهب عن قائله إن كان حسن التصور فهما صادقا وإلا لم يكن عنده إلا ~~حفظ حروفه إن كان حافظا وإلا كان كاذبا أو مدعيا أو مخطئا # ولا ريب أن الحاصل عند هؤلاء ليس بعلم كما أن العامة المقلدين للعلماء ~~فيما يفتونهم [ فإن الحاصل عندهم ] ليس علما بذلك عن PageV01P055 دليل ~~يفيدهم القطع وإن كان العالم عنده دليل يفيد القطع # وهذا الأصل الذي ذكرته أصل عظيم فلا يصد المؤمن العليم عنه صاد فإنه ~~لكثرة التقليد والجهل والظنون في المنتسبين إلى الفقه والفتوى والقضاء ~~استطال عليهم أولئك المتكلمون حتى أخرجوا الفقه الذي نجد فيه كل العلوم من ~~أصل العلم لما رأوه من تقليد أصحابه وظنهم # ومما يوضح هذا الأصل أنه من العلوم أن الظنون غالبا إنما تكون في مسائل ~~الاجتهاد والنزاع فأما مسائل الإيمان والإجماع فالعلم فيها أكثر قطعا # وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن من أشهر ما تنازعت فيه الصحابة ومن بعدهم ~~مسائل الفرائض كما تنازعوا في الجد وفروعه وفي الكلالة وفي حجب الأم بأخوين ~~وفي العمريتين زوج وأبوان وزوجة وابوان وفي الجد هل يقوم مقام الأب في ذلك ~~وفي الأخوات مع البنات هل هي عصبة أم لا وفيما إذا PageV01P056 استكمل ~~البنات الثلثين وهناك ولد ابن ونحو ذلك من المسائل التي يحفظ النزاع فيها ~~عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد وابن عباس وغيرهم من الصحابة # لكن أئمة هذا الباب خمسة عمر وعلي وابن مسعود وزيد وابن عباس وإذا كانوا ~~تنازعوا ms026 في الفرائض أكثر من غيرها فمن المعلوم أن عامة أحكام الفرائض ~~معلومة بل منصوصة بالقرآن فإن الذي يفتي الناس في الفرائض قد يقسم ألف ~~فريضة منصوصة في القرآن مجمعا عليها حتى تنزل به واحدة مختلف فيها بل قد ~~تمضى عليه أحوال لا تجب في مسألة نزاع # وأما المسائل المنصوصة المجمع عليها فالجواب فيها دائم بدوام الموتى فكل ~~من مات لا بد لميراثه من حكم ولهذا لم يكن شئ من مسائل النزاع على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود الموت والفرائض دائما ومع أن كل من كان ~~يموت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود الموت والفرائض دائما ومع ~~أن كل من كان يموت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ما وضع قط مال ~~ميت في بيت مال ولا قسم بين المسلمين كما كان يقسم بينهم الفئ ومال المصالح # ولكن لما فتحت البلاد وكثر أهل الإسلام في إمارة عمر صار PageV01P057 ~~حينئذ يحدث اجتماع الجد والإخوة فتكلموا في ذلك وكذلك حدثت العمريتان ~~فتكلموا فيها # هذا مع أن علم الفرائض من علم الخاصة حتى أن كثيرا من الفقهاء لا يعرفه ~~فهو عند العلماء به من علم الفقه اليقين المقطوع به وليس عند أكثر ~~المنتسبين إلى العلم فضلا عن العامة به علم ولاظن وذلك كالقضايا التجريبية ~~في الطب هي عند المجربين لها والعالمين بها من المجربين معلومة وأكثر ~~الخائضين في علوم أخر فضلا عن العامة ليس عندهم علم ولا ظن # بل باب الحيض الذي هو من أشكل الفقه في كتاب الطهارة وفيه من الفروع ~~والنزاع ما هو معلوم ومع هذا أكثر الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال النساء ~~في الحيض معلومة ومن انتصب ليفتي الناس يفتيهم بأحكام معلومة متفق عليها ~~مائة مرة حتى يفتيهم بالظن مرة واحدة وإن أكثر الناس لا يعلمون أحكام الحيض ~~وما تنازع الفقهاء فيه من أقله وأكثره وأكثر سنين الحيض وأقله ومسائل ~~المتحيرة فهذا من أندر الموجود ومتى توجد امرأة لا تحيض إلا يوما وإنما في ms027 ~~ذلك حكايات قليلة جدا مع العلم بأن عامة بنات آدم يحضن كما قال PageV01P058 ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا شئ كتبه الله على بنات آدم # وكذلك متى توجد في العالم امرأة تحيض خمسة عشر يوما أو تسعة عشر أو امرأة ~~مستحاضة دائما لا يعرف لها عادة ولا يتميز الدم في ألوانه بل الاستحاضة إذا ~~وقعت فغالب النسوة يكون تميزها وعادتها واحدة والحكم في ذلك ثابت بالنصوص ~~المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وبأتفاق الفقهاء # ونحن ذكرنا في الموت الذي هو أمر لازم لكل أحد وقل من يموت إلا وله شئ ~~وفي الحيض الذي هو أمر معتاد للنساء وكذلك سائر الأجناس المعتادة مثل ~~النكاح وتوابعه والبيوع وتوابعها والعبادات والجنايات # فإن قال قائل مسائل الاجتهاد والخلاف في الفقه كثيرة جدا في هذه الأبواب # قيل له مسائل القطع والنص والإجماع بقدر تلك أضعافا PageV01P059 مضاعفة ~~وإنما كثرت لكثرة أعمال العباد وكثرة أنواعها فإنها أكثر ما يعلمه الناس ~~مفصلا ومتى كثر الشئ إلى هذا الحد كان كل جزء منه كثيرا من ينظرها مكتوبة ~~فلا يرتسم في نفسه إلا ذلك كما يطالع تواريخ الناس والفتن وهي متصلة في ~~الخبر فيرتسم في نفسه أن العالم ما زال ذلك فيه متواصلا والمكتوب شئ ~~والواقع أشياء كثيرة فكذلك أعمال العباد وأحكامها ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون ذلك # أما غير الخائض في الفقه في فنون أخرى فظاهر وأما الخائض فيه فغالبهم ~~إنما يعرف احدهم مذهب إمامه وقد يعلمه جملة لا يميز بين المسائل القطعية ~~المنصوصة والمجمع عليها وبين مفاريده أو ما شاع فيه الاجتهاد فنجده يفتي ~~بمسائل النصوص والإجماع من جنس فتياه بمسائل الاجتهاد والنزاع بمنزلة حمار ~~حمل سفرا ينقل نقلا مجردا حتى أنه يحكى لأحدهم أن مذهب فلان بخلاف ذلك ~~فيسوغ ذلك ويكون الخلاف في ذلك من الممتنعات بين الملل فضلا عن أن يختلف ~~فيه المسلمون # وقد بلغني من ذلك عن أقوام مشهورين بالفتيا والقضاء حتى حكوا لملك بلدهم ~~أن من مذهب الشافعي أن المطلقة ثلاثا تباح ms028 بالعقد الخالي عن الوطء وصبيان ~~الشافعية يعلمون أن هذا مما لم يختلف فيه مذهبه وحتى يحكوا عن مالك أن ~~المتعة عنده جائزة وليس في PageV01P060 المتبوعين أشد تحريما لها منه ومن ~~أصحابه حتى أنه إذا وقت الطلاق عنده ينجز لئلا يصير النكاح مؤقتا كنكاح ~~المتعة # وأبلغ من ذلك يحكون في بلادهم عن مالك حل اللواط ويذكر ذلك لمن هو من ~~أعيان مذهبه فيقول القرآن دل على تحريمه ولا يمكنهم أن يكذبوا الناقل ~~ويقولوا هذا حرام بالإجماع مع أن العالم يعلم أن هذا حرام بإجماع المسلمين ~~واليهود والنصارى والمجوس والصابئين وأكثر المشركين لم يستحله إلا قوم لوط ~~وبعض الزنادقة من بقية الطوائف فلجهل هؤلاء وأمثالهم بالتمييز بين مسائل ~~العلم والقطع ومسائل الاجتهاد التبس الامر عليهم فلم يمكنهم أن يحكموا في ~~أكثر ما يفتى به أنه قطعى وهو قطعى معلوم من الدين للعلماء بالدين # لكن هؤلاء ليسوا في الحقيقة فقهاء في الدين بل هم نقلة لكلام بعض العلماء ~~ومذهبه والفقه لا يكون إلا بفهم الأدلة الشرعية بأدلتها السمعية الثبوتية ~~من الكتاب والسنة والإجماع نصا واستنباطا # ولكن أولئك المتكلمون كان علم الفقه عندهم هو مسائل PageV01P061 الحل ~~والحرام وشفعة الجوار والجهر بالبسملة وتثنية الإقامة وإفرادها والجمع بين ~~الصلاتين وإزالة النجاسة والقود بالمثل وخيار المجلس والعوض بالعقد الفاسد ~~والإجارة ونحو ذلك من المسائل التى شاع فيها النزاع لا سيما وقد جرد بعد ~~المائة الثالثة مسائل الخلاف جردها أبو بكر الصيرفى فيما يغلب على ظني ~~واتبعه على ذلك الناس حتى صنفوا كتبا كثيرة في مسائل الخلاف فقط # واقتصر أكثر هؤلاء على ما اختلف فيه أبو حنيفة والشافعي # وأمهات المسائل التي جردوا القول فيها نحو أربعمائة مسألة التي توجد في ~~أمهات التعاليق وكتب الخلاف التي صنفها الخراسانيون والعراقيون من الطوائف ~~وإن كانت مسائل الخلاف لمن استوعبها منهم كالقاضي أبي يعلى تنتهي إلى ألوف ~~مؤلفة إما أربعة آلاف أو أقل أو أكثر ولمن اقتصر على كبار كبارها تكون نحو ~~مائة PageV01P062 مسألة كما فعل أبو محمد إسماعيل بن في تعليقه ms029 # وأما ذلك المقدار فهو الذي يصفه أبو المعالي وأبو إسحاق في خلافهما ~~والشريف أبو جعفر وأسعد الميهني PageV01P063 والسمعانى ونحوهم ويصفه أبو ~~الخطاب في انتصاره وابن عقيل في نظرياته وكذلك ابن يساره والعالمى ونحوهم ~~من أصحاب أبي حنيفة وإن كان في عمد الأدلة تبع شيخه القاضى في استيعاب مافي ~~تعليق القاضي من هذه المسائل والنزاع فيها وشهد أنها مسائل اجتهاد ظنية # واشتهار أصحابها بعلم الفقه هو من الشبهة التي أوجبت PageV01P064 ~~للمتكليمن ولهؤلاء الفقهاء المختلفين ولكثير من المفتين وغيرهم أن يجعلوا ~~الفقه من باب الظنون والاجتهاد # ولهذا كان ظهور هذا القول مع ظهور مسائل الخلاف هذه وذلك مع ظهور بدع ~~كثيرة وتغير أمور الإسلام وضعف الخلافة حتى استولى عليها الديالم وظهر ~~حينئذ من مذهب القرامطة والباطنية والرافضة والمعتزلة ما عم أكثر الأرض ~~وأخذ من المسلمين كثير من ثغورهم الشامية وغيرها وانتشرت حينئذ بدع متكلمة ~~الصفاتية وغيرهم وصار هذا الفقه من باب اتباع الظن وما تهوى الأنفس ~~PageV01P065 # وكذلك مال كثير من طلاب العلم إلى ما يظنونه علما غير الفقه إما الكلام ~~وإما الفلسفة فإن النفس تطلب ما هو علم وتنفر مما هو شك وظن وهذا محمود ~~منها # وكان من سبب هذا أنهم تفقهوا لغير الدين وذلك مما ذموا عليه # كما جاء ذلك في حديث رواه [ أبو هريرة وعلي رضي الله عنهما ] يقول فيه [ ~~النبي صلى الله عليه وسلم ] إذا اتخذ المال دولا والأمانة مغنما والزكاة ~~مغرما وتفقه لغير الدين وأطاع الرجل امرأته وعق امه وأدنى صديقته وأقصى ~~أباه ورفعت الأصوات في المساجد وأكرم الرجل مخافة شره وساد القبيلة فاسقها ~~وكان زعيم القوم أرذلهم فلينتظروا عند ذلك ريحا حمراء وفتنا تتابع كنظام ~~بال قطع سلكه فتتابع PageV01P066 # وكان هذا ما هو من أشراط الساعة الوسطى من ظهور الجهل ورفع العلم وكثرة ~~الزنا # فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد يريد بالساعة ~~انخرام القرن ووقوع شرور وبلاء يعذب به الناس وإن كانت الساعة العامة هي ~~قيام الناس من قبورهم لكن ms030 الأول جاء في مثل قوله إن يستنفد هذا الغلام عمره ~~لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة يريد به انخرام ذلك القرن كما إنه قد أراد ~~بلفظ القيامة موت الإنسان كما في قول المغيرة بن شعبة أيها الناس إنكم ~~تقولون القيامة القيامة وإنه من مات فقد قامت قيامته # وترجم البغوى على ذلك في كتاب المصابيح باب من PageV01P067 مات فقد قامت ~~قيامته # لكن من الزنادقة الصابئة المتفلسفة كالسهروردى الحلبي المقتول وغيره من ~~يظن ذلك هو القيامة التي وصفها الله في القرآن ويجعل هذا اللفظ من كلام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس الأمر كذلك # وإذا كان بسبب تقليد كثير من الفقهاء لأئمتهم واتباعهم الظن اشتبه ما ~~يمكن علمه وما هو معلوم لفقهاء الدين وعلماء الشريعة بغيره فكذلك نفس ~~الأئمة المجتهدين لا ريب أنه قد يكون عند أحدهم ما هو مظنون بل مجهول وهو ~~معلوم للآخر إما موافقا له وإما مخالفا فيها أكثر المسائل الفقهية التي لا ~~يعرف حكمها كثير من الأئمة أو يتكلم فيها بنوع من الظن مصيبا أو مخطئا ~~وتكون معلومة لغيره بأدلة قطعية عنده وعند من علم كعلمه # تارة بنص اختص بسماعه من الرسول أو من غيره وحصل له بذلك العلم لاسباب ~~كثيرة في النقل وهذا كثير ما يكون لعلماء الحديث فإنهم يعلمون من النصوص ~~ويقطعون منها بأشياء كثيرة جدا PageV01P068 وغيرهم قد يكذب بها أو يجزم ~~بكذبها دع من يجهلها أو يشك فيها # وتارة بفهم النصوص ومعرفة دلالتها فما أكثر من يجهل معنى النص أو يشك فيه ~~أو يفهم منه نقيضه أو يذهل عنه أو يعجز ذهنه عن دركه ويكون الآخر قد فهم من ~~ذلك النص وعلم منه ما يقطع به # وتارة بإجماع علمه من إجماعات الصحابة وغيرها # ثم بعد ذلك تارة بقياس قطعى # فإن القياس نوعان قطعى وظني كما في القياس الذي هو في معنى الأصل قطعا ~~بحيث لا يكون بينهما فرق تأتى به الشريعة أو يكون اولى بالحكم منه قطعا # وتارة بتحقيق المناط وهذا يعود إلى عود ms031 فهم معنى النص بأن يعرف ثبوت ~~المناط الذي لا شك فيه في المعين وغيره يشك في ذلك كما يقطع الرجل في ~~القصاص وإبدال المتلفات بأن هذا أقرب إلى المثل والعدل من كذا وغيره فيه أو ~~يعتقد خلافه وأمثال ذلك PageV01P069 # | فصل وكذلك لفظ الحركة أثبته طوائف من أهل السنة والحديث وهو الذي ذكره # حرب بن اسماعيل الكرماني في السنة التي حكاها عن الشيوخ الذين أدركهم ~~كالحميدي وأحمد بن حنبل وسعيد ابن منصور وإسحاق بن إبراهيم وكذلك هو الذي ~~ذكره عثمان ابن سعيد الدارمى في نقضه على بشر المريسى وذكر أن ذلك ~~PageV01P070 مذهب أهل السنة وهو قول كثير من أهل الكلام والفلسفة من الشيعة ~~والكرامية والفلاسفة الأوائل والمتأخرين كأبي البركات صاحب المعتبر وغيرهم # ونفاه طوائف منهم أبو الحسن التميمي وأبو سليمان PageV01P071 الخطابي وكل ~~من اثبت حدوث العالم بحدوث الأعراض كأبى الحسن الأشعري والقاضى أبي بكر بن ~~الباقلاني وأبى الوفاء بن عقيل وغيرهم ممن سلك في إثبات حدوث العالم هذه ~~الطريقة التي أنشأها قبلهم المعتزلة وهو أيضا قول كثير من الفلاسفة الأوائل ~~والمتأخرين كإبن سينا وغيره # والمنصوص عن الإمام أحمد إنكار نفي ذلك ولم يثبت عنه إثبات لفظ الحركة ~~وإن أثبت أنواعا قد يدرجها المثبت في جنس الحركة فإنه لما سمع شخصا يروى ~~حديث النزول ويقول ينزل بغير حركة PageV01P072 ولا انتقال ولا بغير حال ~~أنكر أحمد ذلك وقال قل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كان أغير ~~على ربه منك # وقد نقل في رسالة عنه إثبات لفظ الحركة مثل ما في العقيدة التي كتبها حرب ~~بن اسماعيل # وليست هذه العقيدة ثابتة عن الإمام أحمد بألفاظها فإنى تأملت لها ثلاثة ~~أسانيد مظلمة برجال مجاهيل والألفاظ هي ألفاظ حرب بن إسماعيل لا ألفاظ ~~الإمام أحمد ولم يذكرها المعنيون بجمع كلام الإمام أحمد كأبي بكر الخلال في ~~كتاب السنة وغيره من العراقيين العالمين بكتاب أحمد ولا رواها المعروفون ~~بنقل كلام الإمام لا سيما مثل هذه الرسالة الكبيرة وإن كانت راجت على كثير ~~من ms032 المتأخرين PageV01P073 # وقد نقل حنبل عن أحمد في كتاب المحنة أنه تأول قوله هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من العمام والملائكة [ سورة البقرة 210 ] فإن الجهمية ~~الذين ناظروه احتجوا على خلق القرآن بقول النبي صلى الله عليه وسلم بأن ~~البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان ~~من طير صواف تحاجان عن صاحبهما وما يجئ إلا مخلوق فقال الإمام أحمد فقد قال ~~الله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتينهم الله في ظلل من الغمام فهل يجئ الله ~~إنما يجئ أمره كذلك هنا إنما يجئ ثواب القرآن # فاختلف أصحابنا في هذه الرواية على خمس طرق PageV01P074 # وقال قوم غلط حنبل في نقل هذه الرواية وحنبل له مفاريد ينفرد بها من ~~الروايات في الفقه والجماهير يرروون خلافه # وقد اختلف الأصحاب في مفاريد حنبل التى خالفه فيها الجمهور هل تثبت ~~روايته على طريقين فالخلال وصاحبه قد ينكرانها ويثبتها غيرهما كابن حامد # وقال قوم منهم إنما قال ذلك إلزاما للمنازعين له فإنهم يتأولون مجئ الرب ~~بمجئ أمره قال فكذلك قولوا يجئ كلامه مجئ ثوابه وهذا قريب # وقال قوم منهم بل هذه الرواية ثابته في تأويل ما جاء من جنس الحركة ~~والإتيان والنزول فيتأول على هذه الرواية بالقصد والعمد لذلك وهذه طريقة ~~ابن الزاغوني وغيره # وقال قوم بل يتأول بمجئ ثوابه وهؤلاء جعلوا الرواية في جنس الحركة دون ~~بقية الصفات PageV01P075 # وقال قوم منهم ابن عقيل وابن الجوزى بل يتعدى الحكم من هذه الصفة إلى ~~سائر الصفات التي تخالف ظاهرها للدليل الموجب لمخالفة الظاهر # وبكل حال فالمشهور عند أصحاب الإمام أحمد أنهم لا يتأولون الصفات التي من ~~جنس الحركة كالمجئ والإتيان والنزول والهبوط والدنو والتدلى كما لا يتأولون ~~غيرها متابعة للسلف الصالح وكلام السلف في هذا الباب يدل على اثبات المعنى ~~المتنازع فيه # قال الأوزاعى لما سئل عن حديث النزول يفعل الله مايشاء وقال حماد بن زيد ~~يدنو من خلقه كيف شاء وهو الذي حكاه PageV01P076 الأشعري عن أهل السنة ~~والحديث # وقال ms033 الفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمى أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل ~~أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء # وقال أبو عبد الله أحمد بن سعيد الرباطى حضرت مجلس الأمير عبد الله بن ~~طاهر وحضر إسحاق بن راهويه فسئل عن حديث النزول صحيح هو قال نعم فقال له ~~بعض قواد عبد الله يا أبا PageV01P077 يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة ~~قال نعم قال كيف ينزل قال له إسحاق أثبته حتى أصف لك النزول فقال له الرجل ~~أثبته قال له إسحاق قال الله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا [ سورة الفجر ~~22 ] فقال الأمير عبد الله بن طاهر يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة فقال ~~إسحاق أعز الله الأمير ومن يجئ يوم القيامة من يمنعه اليوم # وقال حرب بن إسماعيل سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول ليس في النزول وصف قال ~~وقال إسحاق لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في أمر المخلوقين ~~لقول الله تعالى لايسأل عما يفعل وهم يسألون [ سورة الأنبياء 23 ] ولا يجوز ~~أن يتوهم على الله بصفاته وفعاله بفهم ما يجوز التفكر والنظر فيه من أمر ~~المخلوقين وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفا بالنزول كل ليلة إذا مضى ~~ثلثها إلى السماء الدنيا كما شاء ولا يسأل كيف نزوله لأن الخالق يصنع ما ~~شاء كما شاء PageV01P078 # | فصل وقد اعترف أكثر أئمة أهل الكلام والفلسفة من الأولين والآخرين بأن # أكثر الطرائق التي سلكوها في أمور الربوبية بالأقيسة التي ضربوها لا تفضى ~~بهم إلى العلم واليقين وفي الأمور الإلهية مثل تكلمهم بالجنس والعرض في ~~دلائلهم ومسائلهم # فأما الأول فقد ذكرنا في غير هذا الموضع مقالة أساطين الفلسفة من الأوائل ~~أنهم قالوا العلم الإلهي لا سبيل فيه إلى اليقين وإنما يتكلم فيه بالأولى ~~والأحرى والأخلق ولهذا اتفق كل من خبر مقالة هؤلاء المتفلسفة في العلم ~~الإلهي أن غالبه ظنون كاذبة وأقيسة فاسدة وأن الذي فيه من العلم الحق قليل # وأما اعتراف المتكلمة من الإسلاميين فكثير قد جمع ms034 العلماء فيه شيئا ~~وذكروا رجوع أكابرهم عما كانوا يقولونه وتوبتهم إما عند الموت وإما قبل ~~الموت وهذا من أسباب الرحمة إن شاء الله تعالى في هذه الأمة فإن الله يقبل ~~التوبة عن عبادة ويعفو عن السيئات وهذا أصح القولين في قبول توبة الداعى ~~لكن بقاء كلامهم وكتبهم PageV01P079 وآثارهم محنة عظيمة في الأمة وفتنة ~~عظيمة لمن نظر فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله # وقد قال أبو حامد الغزالي في الكتاب الذي سماه إحياء علوم الدين وهو من ~~أجل كتبه قال فإن قلت تعلم الجدل والكلام مذموم كتعلم النجوم أو هو مباح ~~كتعلم الطب أو مندوب إليه فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا في أطراف # فمن قائل إنه بدعة وحرام وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب ما خلا الشرك ~~خير له من أن يلقاه بالكلام # ومن قائل إنه واجب وفرض إما على الكفاية وإما على الأعيان وإنه أفضل ~~الأعمال وأعلى القربات فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله ~~PageV01P080 قال وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل ~~وسفيان الثورى وجميع أئمة السلف # وساق ألفاظا عن هؤلاء # قال واتفق أهل الحديث من السلف على هذا ولا ينحصر ما نقل عنهم من ~~التشديدات فيه وقالوا ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح ~~بترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد منه من الشر # | فصل فيما ذكره الشيخ أبو القاسم القشيرى في رسالته المشهورة من اعتقاد # مشايخ الصوفية فإنه ذكر من متفرقات كلامهم ما يستدل به على PageV01P081 ~~انهم كانوا يوافقون اعتقاد كثير من المتكلمين الأشعرية وذلك هو اعتقاد أبي ~~القاسم الذي تلقاه عن أبي بكر بن فورك وأبي إسحاق الإسفراييني # وهذا الإعتقاد غالبه موافق لأصول السلف وأهل السنة والجماعة لكنه مقصر عن ~~ذلك ومتضمن ترك بعض ما كانوا عليه وزيادة تخالف ما كانوا عليه # والثابت الصحيح عن أكابر المشايخ يوافق ما كان عليه السلف وهذا هو الذي ~~كان يجب أن يذكر # فإن في الصحيح الصريح المحفوظ عن ms035 اكابر المشايخ مثل الفضيل ابن عياض وأبي ~~سليمان الداراني ويوسف بن أسباط وحذيفة المرعشى ومعروف الكرخي إلى الجنيد ~~بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثال هؤلاء ما يبين حقيقة مقالات ~~المشايخ # وقد جمع كلام المشايخ إما بلفظه أو بما فهمه هو غير واحد فصنف أبو بكر ~~محمد بن إسحاق الكلاب اذى كتاب التعرف لمذاهب PageV01P082 التصوف وهو أجود ~~مما ذكره أبو القاسم وأصوب وأقرب إلى مذهب سلف الأمة وأممتها وأكابر ~~مشايخها وكذلك معمر بن زياد الأصفهاني شيخ الصوفية وابو عبد الرحمن محمد بن ~~الحسن السلمي جامع كلام الصوفية هما في ذلك أعلى درجة وأبعد عن البدعة ~~والهوى من أبى القاسم # وأبو عبد الرحمن وإن كان أدنى الرجلين فقد كان ينكر مذهب الكلابية ~~ويبدعهم وهو المذهب الذي ينصره أبو القاسم وله في ذم الكلام مصنف يخالف ما ~~ينصره أبو القاسم وأبو عبد الرحمن أجل من PageV01P083 أخذ عنه أبو القاسم ~~كلام المشايخ وعليه يعتمد في أكثر ما يحكيه فإن له مصنفات متعددة # وكذلك عامة المشايخ الذين سماهم أبو القاسم في رسالته لا يعرف عن شيخ ~~منهم أنه كان ينصر طريقة الكلابية والأشعرية التي نصرها أبو القاسم بل ~~المحفوظ عنهم خلافهم ومن صرح منهم فإنما يصرح بخلافها حتى شيوخ عصره الذين ~~سماهم حيث قال # فأما المشايخ الذين عاصرناهم والذين أدركناهم وإن لم يتفق لنا لقياهم مثل ~~الأستاذ الشهيد لسان وقته وواحد عصره أبى على الدقاق والشيخ شيخ وقته أبى ~~عبد الرحمن السلمى وأبى الحسن على بن جهضم مجاور الحرم والشيخ أبى العباس ~~PageV01P084 القصاب بطبرستان وأحمد الاسود الدينوري وأبى القاسم الصيرفى ~~بنيسابور وأبى سهل الخشاب الكبير بها ومنصور بن خلف المغربى وأبى سعيد ~~الماليني وأبى طاهر الجحدرى قدس الله ارواحهم وغيرهم # فإن هؤلاء المشايخ مثل أبى العباس القصاب له من التصانيف المشهورة في ~~السنة ومخالفة طريقة الكلابية الأشعرية ما ليس هذا موضعه # وكذلك سائر شيوخ المسلمين من المتقدمين والمتأخرين الذين لهم لسان صدق في ~~الأمة كما ذكر الشيخ يحيى بن يوسف الصرصري ونظمه في ms036 قصائده عن الشيخ على بن ~~إدريس شيخه أنه سأل قطب العارفين أبا محمد عبد القادر بن عبد الله الجيلى ~~فقال يا سيدي PageV01P085 هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل فقال ~~ما كان ولا يكون # وكذلك نقل الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد السهروردى وحدثنيه عنه ~~الشيخ عز الدين عبد الله بن أحمد بن عمر الفاروثي أنه سمع هذه الحكاية منه ~~ووجدتها معلقة بخط الشيخ PageV01P086 موفق الدين أبي محمد بن قدامة المقدسى ~~قال السهروردى كنت عزمت على أن أقرأ شيئا من علم الكلام وأنا متردد هل أقرأ ~~الإرشاد لإمام الحرمين أو نهاية الإقدام للشهرستاني أو كتاب شيخه فذهبت مع ~~خالي أبي النجيب وكان يصلى بجنب الشيخ عبد القادر قال فالتفت الشيخ عبد ~~القادر وقال لي يا عمر ما هو من زاد القبر ما هو من زاد القبر فرجعت عن ذلك ~~فأخبر أن الشيخ كاشفه بما كان في قلبه ونهاه عن الكلام الذي كان ينسب إليه ~~القشيرى ونحوه # وكذلك حدثني الشيخ أبو الحسن بن غانم أنه سمع خاله الشيخ إبراهيم بن عبد ~~الله الأرومي أنه كان له معلم يقرئه وأنه أقرأه اعتقاد PageV01P087 ~~الأشعرية المتأخرين قال فكنت أكرر عليه فسمع والذي والشيخ عبد الله ~~الارميني قال فقال ما هذا يا إبراهيم فقلت هذا علمنيه الأستاذ فقال يا ~~إبراهيم اترك هذا فقد طفت الأرض واجتمعت بكذا وكذا ولى لله فلم أجد أحدا ~~منهم على هذا الإعتقاد وإنما وجدته على اعتقاد هؤلاء وأشار إلى جيرانه أهل ~~الحديث والسنة من المقادسة الصالحين إذ ذاك # وحدثني أيضا الشيخ محمد بن أبي بكر بن قوام أنه سمع جده الشيخ أبا بكر بن ~~قوام يقول إذا بلغك عن اهل المكان الفلانى سماه لى الشيخ محمد إذا بلغك أن ~~فيهم رجلا مؤمنا أو رجلا صالحا فصدق وإذا بلغك أن فيهم وليا لله فلا تصدق ~~فقلت ولم يا سيدي قال لأنهم أشعرية وهذا باب واسع # ومن نظر في عقائد المشايخ المشهورين مثل الشيخ عبد القادر والشيخ ms037 عدى بن ~~مسافر والشيخ أبي البيان الدمشقي وغيرهم PageV01P088 وجد من ذلك كثيرا ووجد ~~أنه من ذهب إلى مذهب شئ من أهل الكلام وإن كان متأولا ففيه بعض نقص وانحطاط ~~عن درجة أولياء الله الكاملين ووجد أنه من كان ناقصا في معرفة اعتقاد أهل ~~السنة واتباعه ومحبته وبعض ما يخالف ذلك وذمه بحيث يكون خاليا عن اعتقاد ~~كمال السنة واعتقاد البدعة تجده ناقصا عن درجة أولياء الله الراسخين في ~~معرفة اعتقاد أهل السنة واتباع ذلك وقد جعل الله لكل شئ قدرا # وما ذكره أبو القاسم في رسالته من اعتقادهم وأخلاقهم وطريقتهم فيه من ~~الخير والحق والدين أشياء كثيرة ولكن فيه نقص عن طريقة أكثر أولياء الله ~~الكاملين وهم نقاوة القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم ولم يذكر في كتابه أئمة ~~المشايخ من القرون الثلاثة ومع ما في كتابه من الفوائد في المقولات ~~والمنقولات ففيه أحاديث وأحاديث ضعيفة بل باطلة وفيه كلمات مجملة تحتمل ~~الحق والباطل رواية ورأيا وفيه كلمات باطلة في الرأي والرواية وقد جعل الله ~~لكل شئ قدرا # وقال تعالى كونوا قوامين بالقسط شهداء لله على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن ~~تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا [ سورة النساء ~~135 ] PageV01P089 # فكتبت من تمييز ذلك ما يسره الله واجتهدت في اتباع سبيل الأمة الوسط ~~الذين هم شهداء على الناس دون سبيل من قد يرفعه فوق قدره في اعتقاده وتصوفه ~~على الطريقة التي هي أكمل وأصح مما ذكره علما وحالا وقولا وعملا واعتقادا ~~واقتصادا أو يحطه دون قدره فيهما ممن يسرف في ذم أهل الكلام أو يذم طريقة ~~التصوف مطلقا والله أعلم # والذي ذكره أبو القاسم فيه الحسن الجميل الذي يجب اعتقاده واعتماده وفيه ~~المجمل الذي يأخذ المحق والمبطل وهذان قريبان وفيه منقولات ضعيفة ونقول عمن ~~لا يقتدي بهم في ذلك فهذان مردودان وفيه كلام حمله على معنى وصاحبه لم يقصد ~~نفس ما أراده هو ثم إنه ms038 لم يذكر عنهم إلا كلمات قليلة لا تشفى في هذا الباب ~~وعنهم في هذا الباب من الصحيح الصريح الكبير ما هو شفاء للمقتدى بهم الطالب ~~لمعرفة أصولهم وقد كتبت هنا نكتا يعرف بها الحال # قال القشيرى رحمه الله اعلموا أن شيوخ هذه الطائفة بنوا PageV01P090 ~~قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا ~~بما وجدوا عليه من السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل # قلت هذا كلام صحيح فإن كلام أئمة المشايخ الذين لهم في الأمة لسان صدق ~~كانوا على ما كان عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل ~~وهذه الجملة يتفق على إطلاقها عامة الطوائف المنتسبين إلى السنة وإن ~~تنازعوا في مواضع هل هي تمثيل أو تعطيل # قال أبو القاسم عرفوا ما هو حق القدم وتحققوا بما هو نعت الموجود عن ~~العدم وكذلك قال سيد هذه الطائفة PageV01P091 الجنيد رضي الله عنه التوحيد ~~إفراد القدم من الحدث # قلت هذا الكلام فيه إجمال والمحق يحمله محملا حسنا وغير المحق يدخل فيه ~~أشياء # والقشيري مقصوده ما يذكره أهل الكلام من تنزيه القديم عن خصائص المحدثات ~~وهذا متفق عليه بين المسلمين لكن التنازع بينهم في كثير من الصفات هل هي من ~~خصائص المحدثات التي يجب تنزيه القديم عنها أو هي من لوازم الوجود التي ~~يكون نفيها تعطيلا # وأما الجنيد فمقصوده التوحيد الذي يشير إليه المشايخ وهو التوحيد في ~~القصد والإرادة وما يدخل في ذلك من الإخلاص والتوكل والمحبة وهو ان يفرد ~~الحق سبحانه وهو القديم بهذا كله فلا يشركه في ذلك محدث وتمييز الرب من ~~المربوب في اعتقادك وعبادتك وهذا حق صحيح وهو داخل في التوحيد الذي بعث ~~الله به رسله وأنزل به كتبه ومما يدخل في كلام الجنيد تمييز القديم عن ~~المحدث وإثبات مباينته له بحيث يعلمه ويشهد أن الخالق مباين PageV01P092 ~~للخلق خلافا لما دخل فيه الاتحادية من المتصوفة وغيرهم من الذين يقولون ~~بالاتحاد معينا أو مطلقا # ولهذا أنكر هؤلاء على ms039 الجنيد قوله هذا كما أنكره عليه ابن العربى الطائي ~~كبير الاتحادية # قال أبو القاسم وأحكموا أصول العقائد بواضح الدلائل ولائح الشواهد كما ~~قال أبو محمد الجريري من لم يقف على علم التوحيد بشاهد من شواهده زلت به ~~قدمه الغرور إلى مهواة التلف قال أبو القاسم يريد بذلك أن من ركن إلى ~~التقليد ولم يتأمل دلائل التوحيد سقط عن متن النجاة ووقع في أسر الهلاك ~~PageV01P093 # قلت المشايخ لا يشيرون إلى الطريق التي سلكها المتكلمون من الاستدلال ~~بالأجسام والأعراض وما يدخل في ذلك بل هم منكرون لذلك كما ذكره أبو عبد ~~الرحمن السلمي وشيخ الإسلام الانصاري وغيرهما عنهم # وأبو القاسم يرى صحة هذه الطريق وهذا من المواضع التي خالف فيها مشايخ ~~القوم # وقد ذكر أبو القاسم في ترجمة الشيخ أبي علي بن الكاتب وقد صحب أبا على ~~الروذبارى وغيره وتأخر بعد الاربعين وثلاثمائة قال المعتزلة نزهوا الله من ~~حيث العقل فأخطأوا والصوفية نزهوه من حيث العلم فأصابوا # قلت العلم في لسان الصوفية ووصاياهم كثيرا ما يريدون به الشريعة كقول أبي ~~يعقوب النهرجوري أفضل الأحوال ما قارن PageV01P094 العلم وكقول أبي يزيد ~~عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت أشد على من العلم ومتابعته ولولا ~~اخلتلاف العلماء لبقيت واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد # وهذا كقول سهل بن عبد الله التستري كل فعل تفعله بغير اقتداء طاعة أو ~~معصية فهو عيش النفس وكل فعل تفعله بالاقتداء فهو عذاب على النفس # وقال أبو سليمان الداراني ربما يقع في قلبي النكتة من PageV01P095 نكت ~~القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة # وقال صاحبه أحمد بن أبي الحواري من عمل بلا اتباع سنة فباطل عمله # وقال أبو حفص النيسابوري من لم يزن أفعاله وأقواله كل وقت بالكتاب والسنة ~~ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال PageV01P096 # وقال الجنيد بن محمد الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وقال ايضا من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا ~~يقتدى ms040 به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة # وقال أبو عثمان من امر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر ~~الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة قال الله تعالى وإن تطيعوه تهتدوا [ ~~سورة النور 54 ] وقال أبو حمزة البغدادي من علم الطريق إلى الله سهل عليه ~~سلوكه ولا PageV01P097 دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول في ~~أحواله وأقواله وأفعاله # ومن لفظ العلم في كلامهم قول أبي عثمان النيسابوري الصحبة مع الله بحسن ~~الأدب ودوام الهيبة والمراقبة والصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأتباع سنته ولزوم ظاهر العلم والصحبة مع أولياء الله تعالى بالاحترام ~~والخدمة والصحبة مع الأهل بحسن الخلق والصحبة مع الإخوان بدوام البشر ما لم ~~يكن أثما والصحبة مع الجهال بالدعاء لهم والرحمة عليهم # ومنه قول أبي الحسين النوري من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد ~~العلم الشرعى فلا تقتربن منه وقال أعز PageV01P098 الأشياء في زماننا شيئان ~~عالم يعمل بعلمه وعارف ينطق عن حقيقته # وقال أبو عبد الرحمن السلمى سمعت جدى أبا عمرو بن نجيد يقول كل حال لا ~~يكون عن نتيجة علم فإن ضرره أكثر على صاحبه من نفعه وسئل عن التصوف فقال ~~الصبر تحت الأمر والنهى # وسبب تعبيرهم عن الشريعة بالعلم أن القوم أصحاب إرادة وقصد وعمل وحال هذا ~~خاصتهم لكن قد يعمل أحدهم تارة بغير العلم الشرعى بل بما يدركه ويجد إرادته ~~في قلبه وإن لم يكن ذلك مشروعا مأمورا به وهذا كثيرا ما يبتلى به كثير منهم ~~من تقديم علمهم بالذوق والوجد على موجب العلم المشروع ومن العمل بذوق ليس ~~معه فيه علم مشروع PageV01P099 # ولا ريب أن هذا من اتباع الهوى بغير هدى من الله وهو مما ذم الله به ~~النصارى الذين يضارعهم في كثير من أمورهم المنحرفون من الصوفية والعباد ~~ولهذا جعله سهل من حظ النفس # ولهذا استضعف أبو يزيد متابعة العلم فإن مجاهدة هوى النفس يفعلها غالب ~~النفوس مثل عبادات المشركين وأهل الكتاب ms041 من الرهبان وعباد الأنداد ونحوهم ~~وكل ذلك من هذا الباب ولهم من الزهد والمجاهدة في العبادة ما لا يفعله ~~المسلمون لكنه باطل ليس بمشروع ولهذا لا ينتج له من النتائج إلا ما يليق به # والمسلم الصادق إذا عبد الله بما شرع فتح الله عليه أنوار الهداية في مدة ~~قريبة فالمهتدون من مشايخ العباد والزهاد يوصون بإتباع العلم المشروع كما ~~ان أهل الاستقامة من العلم يوصون بعلمهم الذي يسلكه أهل الاستقامة من ~~العباد والزهاد وأما المنحرفون من الطائفتين فيعرضون عن المشروع إما من ~~العلم وإما من العمل وهما طريق المغضوب عليهم والضالين # قال سفيان بن عيينة كانوا يقولون من فسد من العلماء ففيه شبه من اليهود ~~ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى # ولهذا قصد أبو القاسم في الرسالة الرد على هؤلاء ولما ذكر المشايخ الذين ~~ذكرهم قال هذا ذكر جماعة من شيوخ هذه PageV01P100 الطائفة كان الغرض من ~~ذكرهم في هذا الموضع التنبيه على أنهم كانوا مجمعين على تعظيم الشريعة ~~متصفين بسلوك طريق الرياضة متفقين على متابعة السنة غير مخلين بشئ من آداب ~~الديانة متفقين على ان من خلا عن المعاملات والمجاهدات ولم يبن أمره على ~~اساس الورع والتقوى كان مفتريا على الله سبحانه فيما يدعيه مفتونا هلك في ~~نفسه وأهلك من اغتر به ممن ركن إلى أباطيله # وإذا عرف معنى لفظ العلم في اصطلاحهم فقول أبي علي بن الكاتب الصوفية ~~نزهوه من حيث العلم أي من جهة الشرع وهو الكتاب والسنة فنزهوه عما نزه عنه ~~نفسه فأصابوا وأما المعتزلة فنزهوه بقياس عقلهم وأهوائهم أرادوا ان ينفوا ~~عنه كل صفة موجودة لظنهم أن ذلك تشبيه ولم يهتدوا إلى أن الخالق يوصف بما ~~PageV01P101 يليق به والمخلوق يوصف بما يليق به وأن الاسم وإن كان متفقا ~~فالإضافة إلى الله تخصصه وتقيده بما ينفى عنه مماثلة الخلق # وهذا الذي ذكره الشيخ أبو علي من أن الصوفية يخالفون المعتزلة فأمر متفق ~~عليه فإن أصول الصوفية لا تلائم نفى الصفات بل هم أبعد الناس عن ms042 الاعتزال ~~في الصفات والقدر # ومن المعلوم أن طريقة الكلام في الجواهر والأعراض في أدلة أصول الدين ~~ومسائله هي الطريقة التي سلكها المعتزلة وأخذها عنهم متكلمة الصفاتية من ~~الأشعرية ونحوهم وهي الطريقة التي أشار إليها أبو القاسم # فعلم أن القوم مخالفون لهذه الطريقة الكلامية التي أشار أبو القاسم إلى ~~بعضها وكذلك قد ذكر أبو القاسم في ترجمة الشيخ أبي الحسن بن الصايغ وزمنه ~~زمن ابن الكاتب سنة ثلاثين وثلاثمائة قال وكان من كبار المشايخ وقال قال ~~أبو عثمان المغربي ما رأيت PageV01P102 من المشايخ أنور من أبي يعقوب ~~النهرجوري ولا أكثر هيبة من أبي الحسن بن الصايغ # قال القشيرى سئل ابن الصايغ عن الاستدلال بالشاهد على الغائب فقال كيف ~~يستدل بصفات من له مثل ونظير على صفات من لا مثل له ولا نظير # والاستدلال بالشاهد على الغائب في إثبات الصفات هي طريقة شيوخ أبي القاسم ~~من المتكلمين الذين يجمعون بين الشاهد والغائب في الحد والدليل والشرط ~~والعلم لإثبات الحياة والعلم وسائر الصفات فقد رد الشيخ أبو الحسن هذه ~~الطريقة # ومما يبين هذا أن أعظم المشايخ الذين أخذ عنهم أبو القاسم جمعا لكلام ~~مشايخ الصوفية وتأليفا له ورواية له هو الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى فإن ~~القشيرى لم يدرك شيخا أجمع لكلام القوم وأحرص على ذلك وأرغب فيه منه ولهذا ~~صنف في ذلك ما لم يصنفه نظراؤه PageV01P103 # كما أن الذين أدركوا عصر أبي القاسم من مشايخ القوم لم يكن فيهم أقوم ~~بهذا الباب من شيخ الإسلام أبى إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروى ~~لا سيما في المعرفة بأخبار القوم وكلامهم وطريقهم فإنه في ذلك ونحوه من ~~أعلم الناس وكان إماما في الحديث والتفسير وغير ذلك # ومع هذا فالشيخ أبو عبد الرحمن وشيخ الإسلام كلاهما له مصنف مشهور في ذم ~~طريقة الكلام التي يدخل فيها كثير مما ذكره أبو القاسم من الدلائل والمسائل # حتى ذكر شيخ الإسلام في كتابه قال سمعت أحمد بن أبي نصر يقول رأينا محمد ~~بن الحسين السلمي يلعن الكلابية ms043 # ومحمد بن الحسين السلمي هو الشيخ أبو عبد الرحمن PageV01P104 أعرف مشايخ ~~أبي القاسم القشيري بطريقة الصوفية وكلامهم ومعلوم أن القوم من أبعد الناس ~~عن اللعن ونحوه لحظوظ أنفسهم ولولا أن أبا عبد الرحمن كان الذي عنده أن ~~الكلابية مباينون لمذهب الصوفية المباينة العظيمة التي توجب مثل هذا لما ~~لعنهم أبو عبد الرحمن هذا # والكلابية هم مشايخ الأشعرية فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة ~~أبي محمد بن كلاب وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنا وطريقة وقد جمع أبو ~~بكر بن فورك شيخ القشيري كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول ~~ولكن لم يكن كلام أبي عبد الرحمن السلمي قد انتشر بعد فإنه انتشر في أثناء ~~المائة الرابعة لما ظهرت كتب القاضي أبي بكر بن الباقلانى ونحوه # وقد ذكر ذلك الحافظ أبو القاسم بن عساكر المنتصر لأبي الحسن الأشعري في ~~كتابه الذي سماه تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري ~~موافقا للشيخ أبي على الأهوازي المصنف في مثالب الأشعري مع كون ابن عساكر ~~رد على الاهوازي ذمه PageV01P105 وثلبه له لكن وافقه في ذلك فذكر أبو علي ~~الأهوازي أنه مذقوى مذهبه أقل من ثلاثين سنة والأهوازى توفي سنة خمس ~~وأربعين وأربعمائة # قال ابن عساكر وقوله إن مذ قوى من ثلاثين سنة فلعمري إنه إنما اشتهرت هذه ~~النسبة من الأزمنة في عصر القاضي أبي بكر بن الباقلاني ذي التصانيف ~~المستحسنة المنتشرة في بغداد وغيرها من البلدان والأمكنة # والمقصود هنا أن المشايخ المعروفين الذين جمع الشيخ أبو عبد الرحمن ~~أسماءهم في كتاب طبقات الصوفية وجمع أخبارهم وأقوالهم دع من قبلهم من أئمة ~~الزهاد من الصحابة والتابعين الذين جمع أبو عبد الرحمن وغيره كلامهم في كتب ~~معروفة وهم الذين PageV01P106 يتضمن أخبارهم كتاب الزهد للإمام أحمد وغيره ~~لم يكونوا مذهب الكلابية الأشعرية إذ لو كانت كذلك لما كان أبو عبد الرحمن ~~يلعن الكلابية # وقال شيخ الإسلام الأنصاري سمعت أحمد بن حمزة وأبا علي الحداد يقولان ~~وجدنا أبا العباس أحمد بن محمد ms044 النهاوندي على الانكار على أهل الكلام ~~وتفكير الاشعرية وذكرا عظم شأنه في الإنكار على أبي الفوارس القرمسيني وهجر ~~ابنه إياه لحرف واحد قال شيخ الإسلام سمعت أحمد بن حمزة يقول لما اشتد ~~الهجران بين النهاوندي وأبي الفوارس سألوا أبا عبد الله الدينوري فقال لقيت ~~ألف شيخ على ما عليه النهاوندي PageV01P107 # وقد ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى في كتابه في ذم الكلام ما ذكر أيضا ~~شيخ الإسلام أبو اسماعيل الأنصاري فقال أخبرني ابن أحمد حدثنا محمد بن ~~الحسين فقال رأيت بخط أبي عمرو بن مطر يقول سئل ابن خزيمة عن الكلام في ~~الأسماء والصفات فقال بدعة ابتدعوها ولم يكن أئمة المسلمين وأرباب المذاهب ~~وأئمة الدين مثل مالك وسفيان والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ويحيى بن ~~يحيى وابن المبارك ومحمد بن يحيى وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف ~~يتكلمون في ذلك وينهون عن الخوض فيه ويدلون أصحابهم على الكتاب والسنة ~~فإياك والخوض فيه والنظر في كتبهم بحال # وقال محمد بن الحسين وهو أبو عبد الرحمن السلمى سمعت أحمد بن سعيد ~~المعداني بمرو سمعت أبا بكر بن PageV01P108 بسطام سألت أبا بكر بن سيار عن ~~الخوض في الكلام فنهاني عنه أشد النهي وقال عليك بالكتاب والسنة وما كان ~~عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين فإني رأيت المسلمين ~~في أقطار الأرض ينهون عن ذلك وينكرونه ويأمرون بالكتاب والسنة # قال شيخ الإسلام أبو اسماعيل الأنصاري أخبرنا أحمد بن محمد بن العباس بن ~~إسماعيل المقرى اخبرنا محمد بن عبد الله بن البيع وهو الحافظ الحاكم سمعت ~~أبا سعيد عبد الرحمن بن محمد المقرىء سمعت أبا بكر محمد بن اسحاق بن خزيمة ~~يقول من نظر في كتبي المصنفة في العلم ظهر له وبان بأن الكلابية لعنهم الله ~~كذبة فيما يحكون عني مما هو خلاف أصلى وديانتي قد عرف أهل الشرق ~~PageV01P109 والغرب انه لم يصنف أحد في التوحيد وفي أصول العلم مثل تصنيفي ~~فالحاكي عني خلاف ما في كتبي المصنفة التي حملت إلى الآفاق شرقا وغربا ms045 كذبة ~~فسقة # وقال شيخ الإسلام وأخبرني أحمد بن حمزة حدثنا محمد بن الحسين وهو أبو عبد ~~الرحمن السلمى يقول بلغني أن بعض أصحاب أبي علي الجوزاني سأله كيف الطريق ~~إلى الله قال أصح الطرق وأعمرها وأبعدها من الشبه اتباع الكتاب والسنة قولا ~~وفعلا وعقدا ونية لأن الله يقول وتطيعوه تهتدوا [ سورة النور 54 ] فسأله ~~كيف طريق اتباع السنة قال بمجانبة البدع واتباع ما اجتمع عليه الصدر الأول ~~من علماء الإسلام وأهله والتباعد عن مجالس الكلام واهله ولزوم طريقة ~~الاقتداء والاتباع بذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا [ سورة النحل 123 ] PageV01P110 # قال شيخ الإسلام أخبرني طب بن أحمد حدثنا محمد بن الحسين وهو أبو عبد ~~الرحمن سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان الرازي سمعت أبا جعفر ~~الفرغاني سمعت الجنيد بن محمد يقول أقل ما في الكلام سقوط هيبة الرب من ~~القلب والقلب إذا عرى من الهيبة من الله عرى من الإيمان # قال أبو القاسم ونحن نذكر في هذا الفصل جملا من متفرقات كلامهم فيما ~~يتعلق بمسائل الأصول ثم نحرر على الترتيب بعدها ما يشتمل على ما يحتاج إليه ~~في الإعتقاد على وجه الإيجاز سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول سمعت ~~عبد الله بن موسى السلامى يقول سمعت الشبلى يقول جل الواحد المعروف قبل ~~PageV01P111 الحدود وقبل الحروف قال وهذا صريح من الشبلى رضي الله عنه أن ~~القديم لا حد لذاته ولا حروف لكلامه # قلت هذا الكلام فيه استدراك من وجوه # أحدها أن الذي قال إنه تعالى معروف قبل الحدود وقبل الحروف لم يرد أن ~~الخلق عرفوه قبل ذلك فإنه قبل الخلق لم يكن خلق يعرفونه وإنما أراد أنه عرف ~~أنه كان قبل الحدود وقبل الحروف فالظرف وهو قبل متعلق بالضمير في معروف لا ~~بنفس المعرفة اللهم إلا أن يريد أنه يعرف نفسه قبل الحدود وقبل الحروف ~~فيكون هو العارف وهو المعروف وهذا معنى صحيح يحتمله الكلام والمقصود أنه ms046 ~~كان قبل ذلك # ومعلوم ان اللام للتعريف فإذا كان قبل الحدود وقبل الحروف فإنما اراد ~~الحدود المعروفة لنا والحروف المعروفة لنا وهي ما كان هو قبلها وتلك ما ~~للمخلوق من الحدود والحروف ولا ريب أن الله كان قبل حدود المخلوقات وقبل ~~أصوات العباد ومدادهم فأما أن يكون هذا يقتضي أن الله لم يتكلم بحرف أو ليس ~~له حقيقة في ذاته يتميز بها عن مخلوقاته فليس هذا الكلام صريحا فيه إذ لو ~~أراد ذلك لقال المنزه عن الحدود والحروف ولم يقل قبل الحدود والحروف فإن ما ~~كان PageV01P112 الرب قبله فهو صفة المخلوق وأما ما ينزه الرب عنه فهو ~~ممتنع ليس هو صفة له ولا هو أيضا بعينه صفة للمخلوق وإن كان المخلوق قد ~~يوصف بنظيره # الوجه الثاني أن الكلام المجمل من كلامهم يحمل على ما ينسب سائر كلامهم ~~وهؤلاء أكثر ما يبتلون بالاتحادية والحلولية الذين يجعلون الرب حالا في ~~المخلوقات محدودا بحدودها متكلما بحروفها حتى يجعلونه هو المتكلم على ~~ألسنتهم كما ذكر ذلك أبو القاسم في أول الرساله لما ذكر ما أحدثه فاسدو ~~الصوفية حيث قال زال الورع وطوى بساطه واشتد الطمع وقوى رباطه وارتحل عن ~~القلوب حرمة الشريعة وعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ورفضوا التمييز ~~بين الحلال والحرام ودانوا بترك الاحترام وطرح الاحتشام واستخفوا بأداء ~~العبادات واستهانوا بالصوم والصلاة وركضوا إلى ميدان الغفلات وركنوا إلى ~~اتباع PageV01P113 الشهوات وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات والارتفاق بما ~~يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء ~~هذه الأفعال حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال فأدعوا أنهم تحرروا عن ~~رق الأغلال وتحققوا بحقائق الوصال وأنهم قائمون بالحق تجرى عليهم أحكامه ~~وهم محو ليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم وأنهم كوشفوا ~~بأسرار الأحدية واختطفوا عنهم بالكلية وزالت عنهم أحكامه البشرية وبقوا بعد ~~فنائهم عنهم بأنوار الصمدية والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا والنائب عنهم ~~سواهم فيما تصرفوا بل صرفوا # وهؤلاء كثيرون في المنتسبين إلى الصوفية وعلى مثل ذلك ms047 قتل الحلاج ~~PageV01P114 # فالشبلي وأمثاله يريدون أن يميزوا بين المخلوق والخالق لنفي مذهب الاتحاد ~~والحلول كما نقل عن الجنيد إفراد القدم عن الحدث وكما قال أبو طالب المكي ~~صاحب قوت القلوب ليس في مخلوقاته شئ من ذاته ولا في ذاته شئ من مخلوقاته ~~فذكر أنه معروف قبل الحدود والحروف وهي ما عرف من حدود المخلوقين وحروفهم ~~وإذا كان معروفا قبل ذلك لم يكن محدودا بحدودهم ولا متكلما بكلامهم # الوجه الثالث أن أصول اعتقاد أئمة الطريق إلى الله لا يؤخذ مما يحكى عن ~~مثل الشبلى ولو كانت الحكاية صادقة لما عرف من حال الشبلي وانه كان يغلب ~~عليه الوجد حتى يزول عقله وتحلق لحيته ويذهبوا به إلى المارستان ويسقط عنه ~~التمييز بين الحق والباطل # ومن كان بهذه الحالة لم يجز أن يجعل كلامه وحده أصلا يفرق به بين أئمة ~~الهدى والضلال والسنة والبدعة والحق والباطل لكن يقبل PageV01P115 من كلامه ~~ما وافق فيه أئمة المشايخ وهو ما دل عليه الكتاب والسنة # وأقبح من ذلك أن يعتمد في اعتقاد أولياء الله في أصول الدين على كلام لم ~~ينقل مثله إلا عن الحلاج وقد قتل على الزندقة وأحسن ما يقوله الناصر له إنه ~~كان رجلا صالحا صحيح السلوك لكن غلب عليه الوجد والحال حتى عثر في المقال ~~ولم يدر ما قال # وكلام السكران يطوى ولا يروى فالمقتول شهيد والقاتل مجاهد في سبيل الله ~~دع ما يقوله من ينسبه إلى المخاريق وخلط الحق بالباطل # وليس أحد من مشايخ الطريق لا أولهم ولا آخرهم يصوب الحلاج في جميع مقاله ~~بل اتفقت الأمة على انه إما مخطئ وإما عاص وإما فاسق وإما كافر ومن قال إنه ~~مصيب في جميع هذه PageV01P116 الأقوال المأثورة عنه فهو ضال بل كافر بأجماع ~~المسلمين وإذا كان كذلك كيف يجوز أن يجعل عمدة لاهل طريق الله كلام لم يؤثر ~~إلا عنه ولا يذكر في اعتقاد مشايخ طريق الله كلام أبسط منه وأكثر # وهو ما قال فيه أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمى قال سمعت محمد ms048 بن محمد بن ~~غالب قال سمعت أبا نصر أحمد بن سعيد الأسفنجاني يقول قال الحسين بن منصور ~~ألزم الكل الحدث لأن القدم له فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه والذي ~~بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه والذي يؤلفه وقت يفرقه وقت والذي يقيمه غيره ~~فالضرورة تمسه ولذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقى إليه ومن آواه محل ادركه ~~أين ومن كان له جنس طالبه بكيف # إنه سبحانه لا يظله فوق ولا يقله تحت ولا يقابله حد ولا يزاحمه عند ولا ~~يأخذه خلف ولا يحده أمام ولم يظهره قبل ولم يفنه بعد ولم يجمعه كل ولم ~~يوجده كان لم يفقده ليس PageV01P117 وصفة لا صفة له وفعله لا علة له وكونه ~~لا أمد له تنزه عن أحول خلقه [ ليس له من خلقه ] مزاج ولا في فعله علاج ~~باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم # إن قلت متى فقد سبق الوقت ذاته وإن قلت هو فالهاء والواو خلفه وإن قلت ~~أين فقد تقدم المكان وجوده # فالحروف آياته ووجوده إثباته ومعرفته توحيده وتوحيده تمييزه من خلقه # ما تصور في الأوهام فهو بخلافه كيف يحل به ما منه بدأ أو يعود إليه ما هو ~~أنشأ لا تماثله العيون ولا تقابله الظنون قربه كرامته وبعده إهانته علوه من ~~غير توقل ومجيئه من غير تنقل # هو الأول والآخر والظاهر والباطن والقريب البعيد ليس كمثله شئ وهو السميع ~~البصير PageV01P118 # قلت هذا الكلام والله أعلم هل هو صحيح عن الحلاج أم لا فإن في الإسناد من ~~لا أعرف حاله وقد رأيت أشياء كثيرة منسوبة إلى الحلاج من مصنفات وكلمات ~~ورسائل وهي كذب عليه لا شك في ذلك وإن كان في كثير من كلامه الثابت عنه ~~فساد واضطراب لكن حملوه أكثر مما حمله وصار كل من يريد أن يأتي بنوع من ~~الشطح والطامات يعزوه إلى الحلاج لكون محله أقبل لذلك من غيره ولكون قوم ~~ممن يعظم المجهولات الهائلة يعظم مثل ذلك فإن كان هذا الكلام صحيحا فمعناه ~~الصحيح هو نفي مذهب الاتحاد والحلول الذي وقع فيه ms049 طائفة من المتصوفه ونسب ~~ذلك إلى الحلاج فيكون هذا الكلام من الحلاج ردا على أهل الاتحاد والحلول ~~وهذا حسن مقبول وأما تفسيره بما يوافق رأى أبي القاسم في الصفات فلا يناسب ~~هذا الكلام # وقد يقال إن هذا الكلام فيه من الشطح ما فيه وما زال اهل المعرفة يعيبون ~~الشطح الذي دخل فيه طائفة من الصوفية حتى ذكر ذلك أبو حامد في إحيائه وغيره ~~وهو قسمان شطح هو ظلم وعدوان وإن كان من ظلم الكفار وشطح هو جهل وهذيان ~~والإنسان ظلوم جهول # قال أبو حامد وأما الشطح فنعنى به صنفين من الكلام PageV01P119 أحدثه بعض ~~المتصوفة # أحدهما الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله والوصال المغنى عن ~~الاعمال الظاهرة حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة ~~بالرؤية والمشافهة بالخطاب فيقولون قيل لنا كذا وقلنا كذا ويتشبهون فيه ~~بالحسين بن منصور الحلاج الذي صلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا الجنس # قال والصنف الثاني من الشطح كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائعة وفيها ~~عبارات هائلة وليس ورائها طائل وهي إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل ~~يصدرها عن خبط في عقله وتشوش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع ~~PageV01P120 سمعه وهذا هو الأكثر وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على ~~تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره # قال ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ~~ويحير الأذهان # قلت وهذا الكلام المحكى عن الحلاج فيه ما هو باطل وفيه ما هو مجمل محتمل ~~وفيه ما لا يتحصل له معنى صحيح بل هو مضطرب وفيه ما ليس في معناه فائدة ~~وفيه ما هو حق لكن اتباع ذلك الحق من غير طريق الحلاج أحسن وأشد وأنفع # فقوله ألزم الكل الحدث لأن القدم له يتضمن حقا وهو أنه سبحانه القديم وما ~~سواه محدث ولكن ليس تعليله مستقيما ولا العبارة سديدة فإن قوله ألزم الكل ~~الحدث ظاهره أنه جعل الحدوث لازما لهم كما تجعل الصفات لازمة لموصوفها مثل ~~الأكوان والألوان ms050 وغير ذلك # وليس كذلك بل الحدوث لهم هو من لوازم حقيقتهم فلا يمكن المخلوق أن يكون ~~غير محدث حتى يلزم بذلك بل هذا مثل قول القائل ألزم المخلوق أن يكون مخلوقا ~~وألزم المصنوع أن يكون مصنوعا PageV01P121 # وأما تعليل ذلك بقوله لأن القدم له فليس كون القدم له هو الموجب لحدوثهم ~~إذ كونه موصوفا بصفة لا يمنع أن يوصف المخلوق بما يليق به من تلك الصفة كما ~~أن العلم له والحياة والكلام والسمع والبصر وللمخلوق أيضا علم وحياة وكلام ~~وسمع وبصر فقد قال الله تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [ سورة ~~المنافقون 8 ] # فتعليل إلزام الحدوث لهم بأن القدم له كلام ساقط بل المخلوق محدث لنفس ~~ذاته وعين حقيقته مثل كونه مربوبا ومصنوعا وفقيرا ومحتاجا فإن هذه الصفات ~~الناقصة المتضمنة احتياجاته إلى الله وربوبية الله ثبتت له لنفس حقيقته # وإلزامه إياه الحدث يقتضي نفى القدم عنه ونفى أنه على كل شئ قدير وأنه ~~بكل شئ عليم وأنه مستغن بنفسه عما سواه فآنتفاء هذه الصفات عنه هو ليس لأمر ~~وجودي ولا لأجل أن الله متصف بها بل هذه الصفات يمتنع ثبوتها له ولكن قد ~~تفسر بتأويل حسن كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى # وقوله فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه هذا الكلام يتضمن ثبوت الجسم وشئ ~~ظهر بالجسم وعرض يلزمه وعند الذين نصر أبو القاسم طريقتهم وسائر أهل الكلام ~~ليس في المخلوق PageV01P122 إلا جسم أو عرض اذالجوهر الفرد جزء من الجسم ~~فهذا الكلام لا يوافقه ثم إنه في نفسه قد يقال هو من جنس الشطح لا حقيقة # فما الذي بالجسم ظهوره أهو الجسم أم غيره إن كان هو الجسم لم يصح أن يقال ~~الذي ظهوره هو الجسم وإن كان غيره وسلم ذلك له فما الموجب لتخصيص ذلك ~~بالكلام فيه دون الجسم والعرض يلزم الجسم أبين من لزومه ما ليس بجسم # ثم إذا قيل إن العرض يلزمه هو طريقة بعض أهل الكلام المحدث في الاستدلال ~~على حدوث الأجسام بلزوم الأعراض لها وفي هذه ms051 الطريقة من الاضطراب ما قد ~~ذكرناه في موضعه وليست هذه طريقة المشايخ والعارفين # ومن أحسن ما يحمل عليه هذا الكلام أن قائله إن أراد به إبطال مذهب الحلول ~~والاتحاد وظهور اللاهوت في الناسوت وأن الرب سبحانه ليس حالا في شئ من ~~المخلوقات ولا يظهر في شئ من الأجسام المصنوعات كما يقوله من يقول إنه ظهر ~~في المسيح وفي علي وفي الحلاج ونحو ذلك كما يقوله أهل التعيين منهم وكما ~~يقوله من يقول بذلك في جميع المصنوعات على مذهب ابن العربي وابن سبعين ~~ونحوهم فقوله ألزم الكل الحدث أي جعله لازما لهم لا يفارقهم فلا يصير ~~المحدث قديما # وقوله الذي بالجسم ظهوره يعني أي شئ ظهر بهذه الأجسام مما PageV01P123 ~~يظن أنه الحق وأنه ظاهر في الأجسام فالعرض يلزم ذلك الظاهر في الجسم كما ~~يلزم ذلك الجسم وحينئذ فيكون الظاهر في الجسم بمنزلة نفس الجسم ليس بأن ~~يجعل أحدهما ربا خالقا والآخر مخلوقا بأولى من العكس # وكذلك قوله الذي بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه هذا رد على من يقول بقدم ~~الروح أو بحلول الخالق في المخلوق فإن أدوات الإنسان وهي جوارحه وأعضاؤه ~~بها يكون اجتماع ذلك وقوى الأدوات تمسك ذلك فيكون مفترا إليها محتاجا ~~والمحتاج إلى غيره لا يكون حقا غنيا بنفسه فلا يكون هو الله وليس في هذا ~~تعرض لصفات الحق في نفسه نفيا وإثباتا بقبول مذهب ورد مذهب إذ لم يقل أحد ~~من الخلق ان الحق يجتمع بالادوات حتى ان من وصفه بالجوارح والأعضاء من ضلال ~~المجسمة لا يقولون إن اجتماعه بها # وإن أريد بآجتماعه بها أنه لا بد له منها فقوله فقواها تمسكه هو مثل قوله ~~إنه لا بد له منها لا يكون أحدهما إبطالا للآخر بل لزوم ذلك عندهم كلزوم ~~صفاته له وليس في ذلك فقر منه إلى غيره كما أنه قائم بنفسه غنى بنفسه ولا ~~يقال إنه مفتقر إلى غيره إذ ما هو من لوازم ذاته هو داخل في اسمه فلا يكون ~~مفتقرا إلى غيره # وكذلك قوله الذي ms052 يؤلفه وقت يفرقه وقت هذا منطبق على إفساد مذهب الاتحادية ~~فإن الآدمي تأليفه وتركيبه في PageV01P124 بعض الأوقات كما يكون تفريقه في ~~بعض الاوقات فلا يكون التأليف ولا التفريق لازما له بل هو محتاج فيهما إلى ~~غيره وكذلك ما يقال إنه يتحد فيه أو يتحد به من اللاهوت هو مفارق له في وقت ~~آخر # وأما قوله الذي يقيمه غيره فالضرورة تمسه فهذا كلام حسن وهو حق وكل ما ~~سوى الله فإنما يقيمه غيره والله هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ~~الذي يقوم بنفسه ويقيم كل شئ وكل ما يقيمه غيره فهو مضطر إلى ذلك الغير فلا ~~يكون ربا وهذا فيه دلالة على أنه ليس في شئ من الإلهية والربوبية إذ ~~الضرورة لازمة لهم كلهم # وأما قوله الذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه فقد يقال فيه شيئان # أحدهما أن ما يتوهمه العبد لا يكون إلا ضرورة مصورة لكن هذا لا يدل على ~~فساد ما يتوهم ولا على فساد الصورة # والثاني يكون المراد بالتصوير تصوير الإنسان في نفسه له فيكون تصويره مثل ~~ظفر الوهم به فيعود الأمر إلى أن يقال ما يتوهمه العبد فقد تصوره وهذا لا ~~فائدة فيه وذلك أن التصوير إما أن يراد به أنه في ذاته مصور أو يراد أن ~~العبد تصوره في نفسه إذ ليست الصورة إلا عينية خارجة موجودة في الخارج أو ~~ذهنية في نفس الإنسان مثلا ونحوه مما يتصور فيه والكلام إذا كان تكريرا بلا ~~فائدة كان من الشطح وإن كان بلا حجة كان دعوى PageV01P125 # وقوله من آواه محل أدركه أين استدلال منه على انتفاء إيواء المحل بآنتفاء ~~الأين وهذه ساقطة فإن العلم به أظهر من العلم بآنتفاء الأين عنه فإن عامة ~~أهل السنة وسلف الأمة وأئمتها لا ينفون عنه الأين مطلقا لثبوت النصوص ~~الصحيحة الصريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك سؤالا وجوابا # فقد ثبت في الصحيح عنه انه قال للجارية أين الله قالت في السماء وكذلك ~~قال ذلك لغيرها # وقال ms053 له أبو رزين العقيلي أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض قال ~~في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء # ومن نفي الأين عنه يحتاج إلى أن يستدل على انتفاء ذلك بدليل PageV01P126 ~~أما أن يجعل انتفاء الأين عنه دليلا فهذا لا يقوله عاقل ومن نفى الأين قال ~~لأن الأين سؤال عن المكان يقول والله ليس في المكان لأن المكان لا يكون إلا ~~للجسم والله ليس بجسم لأن الجسم لا يكون إلا محدثا ممكنا فلا بد له من هذه ~~المقدمات أو ما يناسبها # ثم المثبت لما جاءت به السنة يرد عليه بمنع بعض هذه المقدمات والتفصيل ~~فيها أو بعضها وبيان الحق في ذلك من الباطل مثل أن يقال المكان يراد به ما ~~يحيط بالشئ والله لا يحيط به مخلوق أو يراد به ما يفتقر إليه الممكن والله ~~لا يفتقر إلى شئ وقد يراد بالمكان ما يكون الشئ فوقه والله فوق عرشه فوق ~~سماواته فلا يسلم نفى المكان عنه بهذا التفسير # ونقول قد وردت الآثار الثابتة بإثبات لفظ المكان فلا يصح نفيه مطلقا ~~وكذلك نقول في سائر المقدمات فظهر أن هذا الكلام لا تصح دلالته إلا أن يراد ~~به نفي الاتحاد والحلول فيكون المعنى لو آواه بطن مريم أو جسد واحد من ~~البشر كما قد يقول بعض ذلك بعض الحلولية لكان الأين يلزمه كما يلزم محله ~~ففرق بين أحدهما والآخر في جعل هذا خالقا وهذا مخلوقا # وأما نفس المعنى المقصود بنفى أيواء المحل عنه فإنه صحيح إذا قصد به أنه ~~لا فوقه شئ من المخلوقات فتحيط به أو يكون الرب مفتقرا إليه PageV01P127 # وأما إن قصد أنه ليس فوق العرش فهذا باطل ولكن لفظ إيواء المحل بالمعنى ~~الاول أشبه # وأما قوله من كان له جنس طالبه بكيف فهو نمط الذي قبله فإنه يتضمن نفي ~~المجانسة عنه بآنتفاء طلب الكيف والعلم بأن الله ليس له مثل ولا سمي ولا ~~كفو أبين من العلم بأنه لا يقال له كيف ms054 فإن كثيرا من الناس دخلت عليهم ~~الشبهة فطلبوا التكييف حتى بين لهم أن الكيف غير معلوم لنا # فالذي ثبت نفيه بالشرع والعقل واتفاق السلف إنما هو علم العباد بالكيفية ~~وسؤالهم عن الكيفية التي لا يمكن معرفتها بخلاف المجانسة فإنها منتفية عنه ~~في نفس الأمر فكيف نجعل هذا دليلا على الآخر # ولو قلب العبارة وقال فالذي يطلب له كيف له جنس لكان قد سلك سبيل ~~الاستدلال لكن قد لا يسلم له ذلك ويقال له من أين تعلم ان كل ما يقال له ~~كيف يجب أن يكون له مثل يجانسه # وحينئذ يمكن الاستدلال على ذلك بما ليس هذا موضعه ولعل المتكلم بهذا ~~الكلام قصد هذا المعنى مع أنه في نفي السؤال بكيف كلام قد ذكرناه في غير ~~هذا الموضع PageV01P128 # وأما قوله لا يظله فوق ولا يقله تحت ولا يقابله حد ولا يزاحمه عند ولا ~~يأخذه خلف ولا يحده أمام ولم يظهره قبل ولم يفنه بعد ولم يجمعه كل ولم ~~يوجده كان ولم يفقده ليس فهذا الكلام أكثره مجمل وفيه ما هو حق وفيه ما هو ~~باطل # فقوله لا يظله فوق حق إذ ظاهره أن الله ليس فوقه شئ وكذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنت الأول فليس قبلك شئ وأنت الآخر فليس ~~بعدك شئ وأنت الظاهر فليس فوقك شئ وأنت الباطن فليس دونك شئ # واما قوله لا يقله تحت فإن اراد به أن الله ليس فوق الخلق فهذا ليس بحق ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لما قال أنت الظاهر فليس فوقك شئ لم يقل لست فوق ~~شئ بل قال انت الباطن فليس دونك شئ ولم يقل ليس لك دون ولا قال لست موصوفا ~~PageV01P129 بالفوق ففرق بين قوله ليس دونه شئ وليس شئ فوقه وبين قوله ليس ~~موصوفا بفوق وما هو موصوف بتحت # وأما قوله لا يقابله حد ولا يزاحمه عند فظاهره باطل إذ ظاهره أن الله لا ~~يقابله شئ من المخلوقات ولا تنتهي إليه المحدودات ولا يكون عنده ms055 شئ من ~~المخلوقات وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع سلف الامة # فإن الله تعالى يقول إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه ~~وله يسجدون [ سورة الأعراف 206 ] # وقال وله من في السماوات ومن في الأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ~~ولا يستحسرون [ سورة الأنبياء 19 ] # وقال إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [ سورة فاطر 10 ] # وقال تعالى يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى [ سورة آل عمران 55 ] # وقال تعرج الملائكة والروح إليه [ سورة المعارج 4 ] PageV01P130 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المستفيضة إنكم سترون ربكم ~~كما ترون الشمس والقمر # وقوله لا يأخذه خلف ولا يحده أمام كلام مجمل والله موصوف في الكتاب ~~والسنة وإجماع سلف الأمة بأن المخلوق يكون أمامه وبين يديه في غير موضع فلا ~~يجوز نفي ذلك عنه # وأما قوله ولم يظهره قبل ولم يفنه بعد فظاهره صحيح فإن ظاهره أنه ما ظهر ~~بقبل كان قبله ولا يفنى فيكون شئ بعده وهذا حق فهو سبحانه كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنت الأول فليس قبلك شئ وأنت الآخر فليس بعدك شئ # وأما قوله ولم يجمعه كل ولم يوجده كان ولم يفقده ليس ففيه إجمال فإن أراد ~~أنه لا يقال كان الله فهذا باطل # ففي الصحيح عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل اليمن ~~قالوا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول PageV01P131 هذا ~~الأمر ما كان قال كان الله ولم يكن شئ قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق ~~السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شئ # وكذلك إن اراد أنه لا يوصف بليس فإن الله ينفى عنه أشياء كما ثبتت له ~~أشياء وإن أراد أنه لم يوجد بكان ولا يفقد بليس فهذا حق فإنه ليس بمحدث في ~~وقت دون وقت ولا يجوز عليه العدم فلا حدث بكان ولا يفقد بليس # وأما قوله وصفه لا صفة له فمجمل فإن اراد أن صفاته لا توصف بالكلام فالله ms056 ~~ورسوله قد وصف صفاته مثل وصف علمه بأنه بكل شئ محيط وقدرته بعمومها وأنه ~~على كل شئ قدير ورحمته بأنها وسعت كل شئ PageV01P132 # وإن أراد أن العبد لا تحيط صفته بصفة ربه فحق وما أظنه أراد ما يريده بعض ~~المتكلمين من أن صفة لا تقوم بها صفة لأن العرض لايقوم بالعرض بل تكون ~~الصفتان والعرضان جميعا قائمين بالعين # وأما قوله فعله لا علة له فمجمل وهو اقرب إلى الحق إن أراد أنه لم يفعل ~~شيئا لعلة من غيره فهذا حق وإن أراد أنه لم يفعل الأشياء لعلة من نفسه مثل ~~مشيئته وإرادته وعلمه فهذا ليس بحق والأشبه أنه أراد المعنى الأول # واما قوله كونه لا أمد له فهذا حق صحيح # وأما قوله تنزه عن أحوال خلقه فصحيح إذا أراد أنه ليس مثل خلقه في شئ من ~~الأشياء ولكن من جعل في هذا الكلام أنه لا يوصف بالصفات التي تليق به كما ~~يوصف خلقه من تلك الصفات بما يليق بهم فهذا باطل فإنه يوصف بالعلم والقدرة ~~والسمع والبصر والكلام وإن كان خلقه يوصفون بما يليق بهم من ذلك # وأما قوله ليس له من خلقه مزاج ولا في فعله علاج فهو صحيح فإن الله لا ~~عون له ولاظهير كما قال تعالى وما لهم فيهما PageV01P133 من شرك وما له ~~منهم من ظهير [ سورة سبأ 22 ] بل هو الغني عن جميع خلقه وكذلك سبحانه إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه ~~من المعالجة # وكذلك قوله باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم صحيح وإن كان ما باين الله ~~به خلقه أعم من مجرد القدم فإنه باينهم بجميع صفاته ليس له في شئ منها مثل # وأما قوله إن قلت متى فقد سبق الوقت ذاته فهذا صحيح فأن الله لا يقال متى ~~كان إذ هو القديم الذي لم يزل ولا يزال # وأما قوله إن قلت هو فالهاء والواو خلقه فهو كلام فاسد فإنه إن أراد أنه ~~لا يقال ms057 هو فهذا خلاف إجماع المسلمين وسائر الأمم وهو فاسد بضرورة العقل ~~والشرع # قال تعالى هو الأول والآخر [ سورة الحديد 3 ] وقال وهو الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش [ سورة هود 7 ] وقال وهو الغفور ~~الودود [ سورة البروج 14 ] وهو معكم أين ما كنتم [ سورة الحديد 4 ] # وفي القرآن من ذكر هو أكثر من أن يحصر هنا فنفي قول هو من أعظم الباطل ~~PageV01P134 # وإن أراد أن يقال ما هو لعدم العلم بحقيقته فلا يصلح أن يدل على ذلك ~~بقوله فالهاء والواو خلقه فإن هذا لو كان حجة لصح أن يحتج به في متى وأين ~~وبتقدير كون الحروف مخلوقة لا يصلح أن يحتج بذلك على نفى الإخبار بها عن ~~الله أو الإستفهام بها عن بعض شؤوونه وصفاته وإدخال لفظ هو بين متى وأين ~~يدل على أنه أراد الاستفهام # وإن # أراد انا إذا قلنا هو فإنما تكلمنا بحروف مخلوقة وإن ذلك يفيد نفى ~~معرفتنا به فهذا من أبطل الكلام فإن القائلين بأن الحروف مخلوقة والحروف ~~غير مخلوقة متفقون على أن الإخبار عنه بهو لا ينفى معرفته فظهر أن قوله ~~الهاء والواو خلقه كلام ليس فيه هنا فائدة بحال # وإذا كان المتكلم بذلك لم يذكر كلاما منتظما مفيدا سواء كان حقا أو باطلا ~~فهو جدير على أن لا يستدل بكلامه على أنه حق أو باطل ثم قال ذلك إن أراد ان ~~نفس أصوات العباد مخلوقة فهذا صحيح وإن أراد أن نفس الحروف حروف القرآن ~~وغيره ما تكلم الله بها وليست من كلامه وهذا خلاف الكتاب والسنة وخلاف سلف ~~الأمة وأئمتها # وأما قوله إن قلت أين فقد تقدم المكان وجوده PageV01P135 فحجة ضعيفة لأن ~~وجوده قبل المكان لا يمنع بعد خلق المكان أن يقال وأين هو فإن الأين نسبة ~~وإضافة لا تكون إلا بعد وجود المضاف إليه وأما متى فهو يقتضى حدوث المسؤول ~~عنه فجواب متى يقتضى حدوثه إلا أن يجاب عنها بأنه لم يزل فإذا قال قائل متى ~~كان قيل ms058 له لم يزل ولا يزال وأما جواب أين فهو يقتضى علوه وهو علي عظيم ~~ليسبمحدث فلا يشبه أحدهما بالآخر # وأما قوله فالحروف آياته فكلام صحيح وكذلك القرآن هو كلام الله غير مخلوق ~~وهو آياته وكون القرآن بحروفه ومعانيه آياته لا يستلزم كون ذلك مخلوقا # وأما قوله ووجود إثباته فلم يرد به والله أعلم ما يعنيه المتكلم بلفظ ~~الوجود وإنما أراد به ما يريده الصوفية وهو مطابق اللغة يقول وجود العبد له ~~هو إثبات # وأما قوله معرفته توحيده وتوحيده تميزه من خلقه فلا ريب أن هذا إبطال ~~لمذهب الاتحاد والحلول وهو حق وتمييزه من خلقه متفق عليه بين أهل الإيمان ~~ولا يستقيم ذلك إلا إذا كان بائنا من خلقه غير داخل فيهم PageV01P136 # وأما قوله ما تصور في الأذهان فهو بخلافه فهو كلام مجمل ومعناه الصحيح أن ~~حقيقة الرب لا يتصورها العبد من تصور شيئا اعتقد انه حقيقة الرب فالله ~~بخلاف ذلك والمعنى الباطل أن يقال كلما تصوره العبد وعقله فهو مخالف للحق ~~فليس الأمر كذلك # وأما قوله كيف يحل به ما منه بدأه أو يعود إليه ما هو أنشأه فكلام مجمل ~~فإن من يقول القرآن مخلوق خلقه الله منفصلا عنه قد يقول مثل هذا الكلام ~~فيقول لايحل القرآن به ولا يقوم بذاته فإنه منه بدأ ولا يعود إليه لأنه ~~أنشأه والقول بأن كلام الله مخلوق منفصل عن قول باطل وهو شعار الجهمية وهو ~~في الحقيقة تكذيب للرسل # وكذلك قوله لا تماقله العيون قد يشعر أنه لا تجوز رؤيته بالعيون وليس ~~الأمر كذلك بل رؤيته بالعيون جائزة والمؤمنين يوم القيامة يرونه عيانا كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت الأبصار لا تدركه # وأما قوله لا تقابل الظنون فمن المجملات # وقوله قربه كرامته وبعده اهانته فمردود # أما أولا فإنه وصفه بالبعد والله لا يوصف بالبعد وإن وصف PageV01P137 ~~بالقرب هذا إن أراد قربه من عباده وبعده منهم وإن أراد تقريبه لهم وتبعيده ~~لهم فاللفظ لا يدل على ذلك فإن القرب والبعد غير ms059 التقريب والتبعيد # وأما ثانيا فلأن قربه من عباده وتقريبه لهم عند سلف الأمة وأمتها وعامة ~~المشايخ الأجلاء ليس مجرد الإنعام والكرامة بل يقرب من خلقه كيف شاء ويقرب ~~إليه منهم من يشاء كما قد بينا ذلك في موضعه # وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أقرب ما يكون العبد من ربه في ~~جوف الليل الآخر # وثبت في الصحيح أنه قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد PageV01P138 # وقال تعالى واسجد واقترب [ سورة العلق 19 ] # وأما قوله علوه من غير توقل ومجيئه من غير تنقل فكلام مجمل هو إلى البدعة ~~أقرب فإنه قد يظهر منه أنه ليس هو فوق خلقه ويفهم منه نفى ما دل عليه ~~الكتاب والسنة من وصفه بالإستواء المجئ والإتيان وغيرذلك وهذه المسألة ~~والتي قبلها كبيرتان ذكرناهما في غير هذا الموضع مثل جواب الإعتراضات ~~المصرية وغير ذلك # وقوله هو الأول والآخر والظاهر والباطن والقريب والبعيد ليس في أسماء ~~الله البعيد ولا وصفه بذلك أحد من سلف الأمة وأمتها بل هو موصفوف بالقرب ~~دون البعد # وفي الحديث المشهور في التفسير أن المسلمين قالوا يا رسول الله أقريب ~~ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله وإذا سألك عبادي عني فإني قريب [ ~~سورة البقرة 186 ] وهذا يقتضي وصفه PageV01P139 بالقرب دون البعد # وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه ~~لما جعلوا يرفعون أصواتهم بالتكبير أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا ~~تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم ~~من عنق راحلته # وإنما الواجب أن يوصف بالعلو والظهور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الصحيح أنت الظاهر فليس فوقك شئ وأنت الباطن فليس دونك شئ # وقال تعالى وهو العلي العظيم [ سورة البقرة 255 ] فلو قال هو العلي ~~القريب كان حسنا صوابا وكذلك لو قال قريب في علوه علي في دنوه # فأما وصفه بأن القريب البعيد فلا أصل له بل هو وصف بأسم حسن ms060 وبضده كما لو ~~قيل العلى السافل أو الجواد البخيل أو الرحيم القاسي ونحو ذلك والله تعالى ~~له الأسماء الحسنى وإنما يؤتي PageV01P140 مثل هؤلاء من القياس الفاسد لما ~~سمعوه يخبر عن نفسه بأن الأول الآخر الظاهر الباطن قاسوا على ذلك القريب ~~والبعيد وهذا خطأ لأن تلك الأسماء كلها حسنة دالة على كمال إحاطته مكانا ~~وزمانا وأما هذا فهو جمع بين الإسم الحسن وضده # الوجه الرابع إنه قدم كلام الشبلى في الإعتقاد قبل كلام جميع المشايخ ~~الذين هم اجل منه وأعظم مع أن هذه المسألة لا تستحق التقديم وإنما مرتبته ~~فيما بعد كما ذكرها هناك وكان الواجب ان يؤخر ذلك إلى موضعه فإنه ذكر بعد ~~ذلك أول الواجبات وهذا هو الذي يستحق التقديم ومثل هذا يقتضي كون المصنف ~~فيه نوع من الهوى ومن أعظم الواجبات على أهل هذا الطريق خلوهم من الهوى فإن ~~مبناه على قوله وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى [ سورة النازعات ~~40 ] # ثم قال أبو القاسم رحمه الله سمعت أبا حاتم يقول سمعت أبا نصر السراج ~~رحمه الله يقول سئل رويم عن أول PageV01P141 فرض افترضه الله على خلقه ما ~~هو قال المعرفة يقول الله عز و جل و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ ~~سورة الذاريات 56 ] قال ابن عباس ليعرفون # قلت هذا الكلام [ صحيح ] فإن أول ما أوجبه الله على لسان رسوله هو ~~الاقرار بالشهادتين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ابن جبل لما ~~بعثه إلى اليمن إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ~~ألا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله أخرجاه في الصحيحين # و كذلك قال المشايخ المعتمدون مثل الشيخ عبد القادر و غيره و الإقرار ~~بالشهادتين يتضمن المعرفة لكن ذهب طائفة من أهل الكلام و ممن اتبعهم من ~~الفقهاء والصوفية إلى أنه يجب على العبد المعرفة أولا قبل وجوب الشهادتين ~~ومنهم من قال يجب على العبد PageV01P142 النظر قبل المعرفة ومنهم من قال ~~يجب القصد ms061 إلى النظر ومن غالبيتهم من أوجب الشك وقد بسطنا القول في هذه ~~المسألة في غير هذا الموضع # فهذا القول يوافق هؤلاء لكن في صحة الحكاية بهذا اللفظ عن رويم نظر فإن ~~رويما من أهل العلم والمعرفة وما ذكره من الحجة لا يدل على هذا الجواب فليس ~~في قوله إلا ليعبدون ما يدل على أن المعرفة أول الواجبات سواء فسر يعبدون ~~بيعرفون أو فسر بغير ذلك فإن خلقهم لشئ لا يدل على أنه أول واجب إن لم يبين ~~ذلك بشئ آخر # وأما التفسير المذكور عن ابن عباس فالذين ذكروه عنه جعلوا هذه المعرفة هي ~~المعرفة الفطرية التي يقربها المؤمن والكافر ومقصودهم بذلك أن جميع الإنس ~~والجن قد وجد منهم ما خلقوه له من العبادة التي هي مجرد الإقرار الفطري ~~وجعلوا ذلك فرارا من احتجاج القدرية بهذه الآية # ولا ريب أن هذا ضعيف ليس المراد أن الله خلقهم لمجرد الإقرار الفطري وقد ~~تكلمنا على الآية في غير هذا الموضع # ولعل السائل سأله عن أعظم واجب فقال المعرفة لقوله إلا ليعبدون أي يعرفون ~~واعتقد رويم أن هذه المعرفة هي المعرفة التي يشير PageV01P143 إليها مشايخ ~~الطريق وهي معرفة الخواص فيكون جوابه عن أعظم واجب لا عن أول واجب فهذا كما ~~ترى # ثم ذكر أبو القاسم بغير إسناد عن الجنيد أنه قال إن أول ما يحتاج إليه ~~العبد من عقد الحكمة معرفة المصنوع صانعه والمحدث كيف كان إحداثه فيعرف صفة ~~الخالق من المخلوق والقديم من المحدث ويذل لدعوته ويتعرف بوجوب طاعته فإن ~~لم يعرف ما لله لم يعترف بالملك لمن استوجبه # وهذا كلام حسن يناسب كلام الجنيد وقد ضمن هذا الكلام التمييز بين المخلوق ~~والخالق لئلا يقع السالك في الاتحاد والحلول كما وقع فيه طوائف وذكر أصيلين ~~التصديق والانقياد لأن الايمان قول وعمل فذكر معرفة الصانع وذكر الذل ~~لدعوته والاعتراف بوجوب طاعته # وهذا من أصول اهل السنة وأئمة المشايخ خصوصا مشايخ الصوفية فإن أصل ~~طريقهم الإرادة التي هي أساس العمل فهم في الإرادات والعبادات والأعمال ms062 ~~والأخلاق أعظم رسوخا منهم في المقالات والعلوم وهم بذلك أعظم اهتماما وأكثر ~~عناية بل من لم يدخل في ذلك لم يكن من أهل الطريق بحال PageV01P144 # وهذا حق فإن الدين والإيمان قول وعمل وأوله قول القلب وعمله فمن لم ينقد ~~بقلبه ولم يذل لله لم يكن مؤمنا ولا داخلا في طريق الله ولهذا لم يتنازع ~~المشايخ أن الإيمان يزيد وينقص وأن الناس يتفاضلون فيه وأن أعمال القلوب من ~~الإيمان كما يتنازع غيرهم # وذكر أبو القاسم بعد هذا كلاما عن المشايخ في جمل مستحسنة قال أخبرني ~~محمد بن الحسين سمعت محمد بن عبد الله يقول سمعت أبا الطيب المراغى يقول ~~للعقل دلالة وللحكمة إشارة وللمعرفة شهادة فالعقل يدل والحكمة تشير ~~والمعرفة تشهد أن صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء التوحيد # وقال وسئل الجنيد ولم يسنده عن التوحيد فقال إفراد الموحد بتحقيق ~~وحدانيته بكمال أحديته أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد بنفى الأضداد ~~والأنداد والأشباه فلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل ليس كمثله شئ ~~وهو السميع البصير [ سورة الشورى 11 ] # وقال حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى الصوفي PageV01P145 حدثنا عبد ~~الله بن علي التميمي الصوفي يحكى عن الحسين بن علي الدامغاني قال سئل أبو ~~بكر الزاهد عن المعرفة فقال المعرفة اسم ومعناها وجود تعظيم في القلب يمنعك ~~عن التعطيل والتشبيه و قال أبو الحسن البوشنجي رحمه الله التوحيد أن يعلم ~~أنه غير مشبه للذوات و لا منفى الصفات # و هذان قولان حسنان و لا يتنازع فى هذه الجملة أهل السنة و الجماعة # قال أبو القاسم القشيرى سمعت أبا حاتم السجستانى يقول سمعت أبا نصر ~~الطوسى السراج يحكي عن يوسف بن الحسين قال قام رجل بين يدي ذى النون فقال ~~أخبرني عن التوحيد ما هو فقال PageV01P146 أن تعلم أن قدرة الله فى الأشياء ~~بلا مزاج و صنعه للأشياء بلا علاج و علة كل شئ صنعه و لا علة لصنعه و ليس ~~في السموات العلا و لا فى الأرضين السفلى ms063 مدبر غير الله و كل ما تصور فى ~~وهمك فالله بخلافه # هذا الكلام غالبه في ذكر فعل الحق سبحانه و ربوبيته أخبر أنه رب كل شئ لا ~~مدبر غيره ردا على القدرية و نحوهم ممن يجعل بعض الأشياء خارجة عن قدرة ~~الله و تدبيره و أخبر أن قدرته و صنعه ليس مثل قدرة العباد و صنعهم فإن ~~قدرة أبدانهم عن امتزاج الأخلاط و أفعالهم عن معالجة و الله تعالى ليس كذلك # و أما قوله علة كل شئ صنعه و لا علة لصنعه فقد تقدم أن هذا يريد به أهل ~~الحق معناه الصحيح أن الله سبحانه لا يبعثه و يدعوه إلى الفعل شئ خارج عنه ~~كما يكون مثل ذلك للمخلوقين فليس له علة غيره بل فعله علة كل شئ ما شاء ~~الله كان و ما لم يشأ لم يكن # و مقصود أبى القاسم يبين أن القوم لم يكونوا على رأى القدرية من المعتزلة ~~و هذا حق فما نعلم فى المشايخ المقبولين فى الأمة من كان على رأى المعتزلة ~~لا في قولهم في الصفات بقول جهم و لا في قولهم في الأفعال بقول القدرية بل ~~هم أعظم الناس إثباتا للقدر و شهودا له PageV01P147 وافتقارا إلى الله و ~~التجاء إليه حتى أن من المنتسبين إلى الطريق من غلوا في هذا حتى يذهب إلى ~~الإباحة والجبر ويعرض عن الشرع والأمر والنهى فهذه الآفة توجد كثيرا في ~~المتصوفة والمتفقرة وأما التكذيب بالقدر فقليل فيهم جدا # ثم ذكر عنهم في الإيمان كلمتين يدل بهما على أن الإيمان عندهم مجرد ~~التصديق وليس هذا مذهب القوم بل الذي حكاه عن الجنيد فقال وقال الجنيد ~~التوحيد علمك وإقراراك بأن الله فرد في أزليته لا ثاني معه ولا شئ يفعل ~~فعله وقال أبو عبد الله بن خفيف الإيمان تصديق القلوب بما أعمله الحق من ~~الغيوب # وهذا المذكور عن الجنيد وابن خفيف حسن وصواب لكن لم يدل على أن أعمال ~~القلوب ليست من الإيمان # ثم ذكر عنهم في مسألة الاستثناء في ms064 الإيمان شيئا حسنا فقال وقال أبو ~~العباس السيارى عطاؤه على نوعين كرامة واستدارج فما PageV01P148 أبقاه عليك ~~فهو كرامة وما أزاله عنك فهو استدراج فقل أنا مؤمن إن شاء الله تعالى # قال أبو العباس السياري كان شيخ وقته # وقال سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول غمز رجل رجل أبى العباس السياري ~~فقال تغمز رجلا ما نقلتها قط في معصية الله تعالى # قال وقال أبو بكر الواسطى من قال أنا مؤمن بالله حقا قيل له الحقيقة تشير ~~إلى إشراف واطلاع وإحاطة فمن فقده فقد بطل دعواه منها # قال أبو القاسم يريد بذلك ما قاله أهل السنة من أن المؤمن الحقيقي من كان ~~محكوما له بالجنة فمن لم يعلم ذلك من سر حكمة الله تعالى فدعواه بأنه مؤمن ~~حقا غير صحيحة # قلت الاستثناء في الايمان سنة عند عامة أهل السنة وقد ذكره PageV01P149 ~~طائفة من المرجئة وغيرهم وأوجبه كثير من أهل السنة ومن وجوهه وجهان حسنان # أحدهما أن الإيمان الذي أوجبه الله على العبد من الامور الباطنة أو ~~الظاهرة لا يتيقن أنه أتى بها على الوجه الذي أمر به كاملا بل قد يكون أخل ~~ببعضه فيستثنى لذلك # والوجه الثاني ان المؤمن المطلق من علم الله أنه يوافى بالإيمان فأما ~~الإيمان الذي تتعقبه الردة فهو باطل كالصوم والصلاة الذي يبطل قبل فراغه ~~فلا يعلم العبد أنه مؤمن حتى يقضى جميع إيمانه وذلك إنما يكون بالموت # وهذا معنى ما يروى عن ابن مسعود أنه قيل له إن فلانا يقول إنه مؤمن قال ~~فقولوا له اهو في الجنة فقال الله أعلم قال فهلا وكلت الاولى كما وكلت ~~الثانية # وهذا الوجه تختاره طائفة من متكلمي أهل الحديث المائلين إلى الإرجاء ~~كالأشعري وغيره ممن يقول بالاستثناء ولا يدخل الاعمال في مسمى الايمان ~~فيجعل الاسثثناء يعود إلا إلى النوايا فقط وهو الذي ذكره أبو القاسم وفسر ~~به كلام أبي بكر الواسطي وكلام الواسطي يحتمل الوجهين جميعا فإن الإشراف ~~والاطلاع قد يكون على الحقيقة التي هي عند الله في هذا الوقت ms065 وقد يكون على ~~ما يوافى به العبد وأما كلام أبي العباس فظاهر في أنه راعى الخاتمة ~~PageV01P150 # فإن قيل فإذا كان القدر السابق لا ينافى الأسباب فما وجه ما ثبت في ~~الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله إني رجل شاب وأنا ~~أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني ثم قلت مثل ذلك ~~فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو دع # فهذا يقتضى أن اختصاءه الذي قصد أن يمتنع به من الفاحشة لا يدفع المقدور # وكذلك في الصحيح عن أبي سعيد الخدري أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن العزل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا عليكم أن تفعلوا فما من نسمة ~~كتب الله أن تكون إلا وهي كائنة فهذا PageV01P151 يقتضى ان عزل الماء وهو ~~سبب لعدم العلوق لا فائدة فيه لدفع ما كتبه الله من الاولاد # وفي الصحيحين عن ابن عباس وهو في مسلم عن عمران بن حصين وهذا لفظه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب قال ~~ومن هم يا رسول الله قال هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ~~ربهم يتوكلون # فقال عكاشة ادع الله يجعلني منهم قال أنت منهم فقام رجل فقال يا نبي الله ~~ادع الله ان يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة # فقد جعل التوكل ها هنا موجبا لترك الاكتواء والاسترقاء وهما من الأسباب # وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال قالت أم حبيبة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم اللهم امتعنى بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية ~~قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة ~~وأرزاق مقسومة لن يعجل الله PageV01P152 شيئا قبل أجله ولن يؤخر شيئا عن ~~أجله ولو ms066 كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان ~~خيرا وأفضل قال وذكرت عنده القردة والخنازير هي من مسخ فقال إن الله لم ~~يجعل لمسخ نسلا ولا عقبا وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك # وفي رواية قال رجل يا رسول الله القردة والخنازير هي مما مسخ فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا فهذا ~~الحديث أخبر فيه أن الدعاء وهو من الأسباب لا يفيد في إطالة الأعمار ويفيد ~~في النجاة من عذاب الآخرة # قيل ليس كل ما يظنه الإنسان سببا يكون سببا وليس كل سبب مباحا في الشريعة ~~بل قد تكون مضرته أعظم من منفعته فينتهي عنه وليس كل سبب مقدورا للعبد ~~فالعبد يؤمر بالسبب الذي أحبه الله ويؤذن له فيما أذن الله فيه مع أمره ~~بالتوكل على الله تعالى فأما ما لا قدرة له فيه فليس فيه إلا التوكل على ~~الله والدعاء له وذلك من أعظم الأسباب التي يؤمر بها العبد أيضا # وما كان من الأسباب محرما لرجحان فساده على صلاحه أو غير PageV01P153 ~~نافع لا يفيد بل يظن أنه نافع فإنه لا يؤمر به أيضا فلا يؤمر بما لا فائدة ~~فيه وما كان فساده راجحا نهى عنه # وجماع الأمر أن الأسباب إما أن تكون مقدورة أو غير مقدورة فغير المقدور ~~ليس فيه إلا الدعاء والتوكل والمقدور إما أن يكون فساده راجحا أو لا يكون ~~فإن كان فساده راجحا نهى عنه وإن لم يكن فساده راجحا فينهى عنه كما ينهى عن ~~إضاعة المال والعبث وأما السبب المقدور النافع منفعة راجحة فهو الذي ينفع ~~ويؤمر فقه به ويندب اليه الأحاديث # وايضا فينبغى أن التوكل على الله من أعظم الأسباب فربما كان بعض الأسباب ~~يضعف التوكل فإذا ترك ذلك كمل توكله فهذا التقسيم حاصر والقدر يأتى على ~~جميع الكائنات وبهذا يتبين فقه الأحاديث # أما حديث الاختصاء فإن الاختصاء محرم لرجحان مفسدته وقد ثبت في الصحيح عن ~~سعد ms067 بن أبي وقاص رضي الله عنه قال زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان ~~بن مظعون عن التبتل ولو أذن لاختصينا PageV01P154 # وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه مع ركوب الاختصاء المحرم لا يسلم من ~~الزنا بل لا بد أن يفعل ما كتب عليه منه كما في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال كتب الله على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا ~~محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر واللسان يزني وزناه المنطق والأذنان ~~تزنيان وزناهما الاستماع واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها الخطا ~~والنفس تتمنى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه # وأما حديث العزل فالعزل لا يمنع انعقاد الولد ولا تركه يوجب الولادة ~~ولهذا لو عزل عن سريته وأتت بولد ألحق به فإن الماء سباق مع ما فيه من ترك ~~لذة الجماع فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الولد المكتوب يكون عزلت أو ~~لم تعزل كما قال ليس من كل الماء يكون الولد فلا يكون ترك العزل سببا ~~للولادة ولا العزل PageV01P155 سببا لمنعها والقدر ماض بالأمرين فلا فائدة ~~فيه # ومثل هذا ما ثبت في الصحيح أنه نهى عن النذر وقال لا يأتي بخير وإنما ~~يستخرج به من البخيل فأخبر أن النذر ليس من الأسباب التي تجتلب بها المنفعة ~~وتدفع بها المضرة ولكن نلقيه إلى ما قدر له فنهى عنه لعدم فائدته # وأما حديث السبعين ألفا فلم يصفهم بترك سائر التطبب وإنما وصفهم بترك ~~الاكتواء والاسترقاء والاكتواء مكروه وقد نهى عنه في غير هذا الحديث لما ~~قال وأنا أنهى أمتي عن الكى والمسترقى لم يفعل شيئا إلا اعتماده على الراقى ~~فتوكله على الله سبحانه وحده لا شريك له أنفع له من ذلك # وهذا الجواب الآخر وهو ان المسترقى يضعف توكله على الله فإنه PageV01P156 ~~إنما طلب دعاء الغير ورقيته فاعتماد قلبه على الله وحده وتوكله عليه أكمل ~~لإيمانه وأنفع له # وأما حديث أم حبيبة ففيه أن الدعاء يكون مشروعا نافعا في بعض الأشياء دون ~~بعض ms068 وكذلك هو ولهذا لا يحب الله المعتدين في الدعاء فالاعمار المقدرة لم ~~يشرع الدعاء بتغييرها بخلاف النجاة من عذاب الآخرة فإن الدعاء مشروع له ~~نافع فيه وقد كتبت مسألة زيادة العمر بصلة الرحم في غير هذا الموضع ولا ~~يلزم من تأثير صلة الرحم ونحو ذلك أن يزيد العمر كما قد يقال بزيادة العمر ~~بتأثير الدعاء ولذلك كان يكره أحمد أن يدعى له بطول العمر ويقول هذا فرغ ~~منه # ثم ذكر ما جاء في الرؤية قال أبو القاسم سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن ~~السلمى رحمه الله يقول سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا الحسن العنبرى ~~يقول سمعت سهل PageV01P157 ابن عبد الله التسترى يقول ينظر إليه [ تعالى ] ~~المؤمنون بأبصار من غير إحطة ولا إدراك نهاية # وهذا الكلام من أحسن الكلام وكلام سهل بن عبد الله في السنة وأصول ~~الاعتقادات أسد وأصوب من كلام غيره وكذلك الفضيل ابن عياض ونحوه فإن الذين ~~كانوا من المشايخ أعلم بالحديث والسنة واتبع لذلك هم أعظم علما وإيمانا ~~وأجل قدرا في ذلك من غيرهم # وقول سهل ولا إدراك نهاية يتضمن شيئين أحدهما نفى الإدراك الذي نفاه الله ~~عنه يجمع بين ما أثبته الكتاب والسنة وما نفاه والثاني أنه نفى إدراك ~~النهاية ولم ينف نفس النهاية وهذا في الظاهر يخالف قول أبي القاسم لا حد ~~لذاته # ثم قال أبو القاسم قال أبو الحسين النوري شاهد الحق القلوب فلم ير قلبا ~~أشوق إليه من قلب محمد ص فأكرمه بالمعراج تعجيلا للرؤية والمكالمة # وقصده بهذه الحكاية إثبات رؤية محمد ص ربه ليلة المعراج وهذا هو قول أكثر ~~أهل السنة [ أنه رأى ربه بفؤاده ] PageV01P158 # ثم ذكر ما جاء في العلو فقال سمعت الإمام أبا بكر محمد بن الحسن بن فورك ~~يقول سمعت محمد بن المحبوب خادم أبي عثمان المغربي يقول قال لي أبو عثمان ~~المغربي يوما يا محمد لو قيل لك أين معبودك إيش تقول قلت أقول حيث لم يزل ~~قال فإن قال فأين كان في الأزل إيش تقول ms069 قلت أقول حيث هو الآن قال يعنى أنه ~~كان ولا مكان فهو الآن على ما عليه كان فارتضى منى ذلك ونزع قميصه وأعطانيه # وقال أبو القاسم سمعت أبا بكر بن فورك يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول ~~كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت PageV01P159 بغداد زال ذلك عن قلبي ~~فكتبت إلى أصحابنا بمكة أنى أسلمت الآن إسلاما جديدا # قلت هذا الكلام الذي ذكره عن أبي عثمان كلام مجمل ليس فيه دليل على انه ~~كان يقول ليس فوق السماوات رب ولا هناك إله كما يقول من يقول إن الله ليس ~~فوق العرش وقد يعبر عن ذلك بعضهم بأنه ليس في الجهة بل إقراره لخادمه على ~~جواب السائل له أين معبودك يخالف ما ذكره أبو القاسم الذي قال في خطبة ~~كتابه تعالى عن ان يقال كيف هو أو أين هو فلو أراد ما ذكره أبو القاسم لقال ~~لا يقال أين هو بل قال حيث لم يزل وهذا لا يوافق قول من يقول ليس بداخل ~~العالم ولا خارجه ولا هو فوق العرش ولا في جهة لأن قوله حيث لم يزل إخباره ~~بأنه حيث لم يزل وحيث ظرف من ظروف المكان لا يطلق إلا على الجهة والحيز ~~وعند النفاة لا يقال حيث لم يزل ولا كان في الأزل بحيث # وكذلك قوله فإن قال فأين كان في الأزل فقال اقول حيث الآن لا يستقيم عند ~~من ينفى الجهة فإنه لا يقال أين كان في الأزل ولا يقال حيث الآن بل هذا ~~السؤال والجواب PageV01P160 ممتنع عندهم وإن كانوا في ذلك مخالفين للنصوص ~~وإجماع السلف وأئمة الدين فإن النبي صلى الله عليه وسلم سأل بأين فقال أين ~~الله فقال له المسئول في السماء فحكم بأيمان من قال ذلك وكذلك سئل فقيل له ~~أين كان ربنا قبل ان يخلق السماوات والأرض فأجاب عن ذلك ولكن جواب أبى ~~عثمان يوافق قول أهل الإثبات وهم أهل الفطرة العقلية السليمة من الاولين ~~والآخرين الذين يقولون إنه فوق العالم إذ العلم ms070 بذلك فطرى عقلى ضروري لا ~~يتوقف على سمع # أما العلم بأنه استوى على العرش بعد ان خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~فهذا سمعي إنما علم من جهة أخبار الأنبياء ولهذا شرع الله تعالى لأهل الملل ~~الاجتماع كل أسبوع يوما واحدا ليكون الأسبوع الدائر دليلا على الأسبوع الذي ~~خلق الله فيه السماوات والأرض ثم استوى على العرش ولهذا لا يعرف الأسبوع ~~إلا من جهة أهل الكتب الإلهية بخلاف اليوم فإنه معلوم بالحس وكذلك الشهر ~~والسنة يعلم بالحس وسيرالقمر فيعلم بالحس و الحساب و أما الأسبوع فليس له ~~سبب حسى و كذلك لا يوجد لأيام الأسبوع ذكر عند الأمم الذين لا كتاب لهم و ~~لا أخذوا عن أهل الكتب كالترك الباقين في بواديهم في لغتهم اسم اليوم و ~~الشهر و السنة دون أيام الأسبوع PageV01P161 بخلاف الفرس و نحوهم ممن أخذ ~~عن المرسلين فإن في لغتهم أيام الأسبوع # و أهل الإثبات منازعون في أن الاستواء هل هو مجرد نسبة و إضافة بين الله ~~و بين العرش من غير أن يكون الباري تصرف بنفسه بصعود أو علو و نحو ذلك أو ~~هو يتصرف بنفسه و أنه استوى على العرش بعد أن لم يكن مستويا # وكذلك استواؤه إلى السماء و نزوله و نحو ذلك عن قولين مشهورين # و الأول قول كثير ممن يميل إلى الكلام و قول طائفة من الفقهاء و الصوفية # والثاني قول أهل الحديث و قول كثير من أهل الكلام و الفقهاء و الصوفية # فكلام أبي عثمان ظاهرة يوافق القول الأول و أما الذي كان يعتقده في الجهة ~~ثم رجع عنه فهو أمر مجمل لم يذكره فلعله كان يعتقد من التجسيم و التمثيل ما ~~يقوله أهل الضلال من الرافضة و المجسمة فرجع عن ذلك فإن هذا ممكن و لعله ~~كان يعتقد أن البارى تعالى PageV01P162 محصور في السموات تظله و تقره و أنه ~~مفتقر إلى عرش يحمله فرجع عن ذلك # وأعظم ما يقال إنه كان يعتقد أن الاستواء من الصفات الفعلية المتجددة أنه ms071 ~~يفعله بنفسه ثم رجع عن ذلك إلى أنه على ما كان عليه مع كونه مستويا على ~~العرش لكنه خلق العرش بعد أن لم يكن مخلوقا فيلزم أن يكون موصوفا بأنه فوق ~~العرش و هذا يقوله كثير من المثبتة و إن كان هذا ليس موضع الكلام فيه # فأما أن يقال إن أبا عثمان رجع عن اعتقاد علو الله على خلقه و أنه سبحانه ~~بائن عن مخلوقاته عال عليهم فليس في كلامه ما يفهم منه ذلك بحال ثم لو فرض ~~أن أبا عثمان قال قولا فيه غلط لم يصلح أن يجعل ذلك أصلا لاعتقاد القوم فإن ~~كلام أئمة المشايخ المصرح بأن الله فوق العرش كثير منتشر فإذا وجد عن بعضهم ~~ما يخالف ذلك كان ذلك خلافا لهم # والصوفية يوجد فيهم المصيب و المخطئ كما يوجد في غيرهم و ليسوا في ذلك ~~بأجل من الصحابة و التابعين و ليس أحد معصوما في كل ما يقوله إلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # نعم وقوع الغلط في مثل هذا يوجب ما نقوله دائما إن المجتهد في ~~PageV01P163 مثل هذا من المؤمنين إن استفرغ وسعه في طلب الحق فإن الله يغفر ~~له خطأه وإن حصل منه نوع تقصير فهو ذنب لا يجب ان يبلغ الكفر وإن كان يطلق ~~القول بأن هذا الكلام كفر كما أطلق السلف الكفر على من قال ببعض مقالات ~~الجهمية مثل القول بخلق القرآن أو إنكار الرؤية أو نحو ذلك مما هو دون ~~إنكار علو الله على الخلق وأنه فوق العرش فإن تكفير صاحب هذه المقالة كان ~~عندهم من أظهر الأمور فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق لا يستلزم ~~تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة التي تكفر تاركها # كما ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي قال إذا ~~أنا مت فأحرقوني ثم استحقوني ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله على ~~ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فقال الله له ما حملك على ما فعلت ms072 ~~قال خشيتك فغفر له # فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك أو شك وأنه لا ~~يبعثه وكل من هذين الاعتقادين كفر يكفر من PageV01P164 قامت عليه الحجة ~~لكنه كان يجهل ذلك ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله وكان عنده إيمان بالله ~~وبأمره ونهيه ووعده ووعيده فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته # فمن أخطأ في بعض مسائل الإعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم ~~الآخر والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالا من الرجل فيغفر الله خطأه أو يعذبه ~~إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه وأما تكفير شخص علم إيمانه ~~بمجرد الغلط في ذلك فعظيم # فقد ثبت في الصحيح عن ثابت بن الضحاك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لعن المؤمن كقتله ومن رمى مؤمنا بالكفر فهو كقتله # وثبت في الصحيح أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما وإذا كان ~~تكفير المعين على سبيل الشتم كقتله فكيف PageV01P165 يكون تكفيره على سبيل ~~الإعتقاد فإن ذلك أعظم من قتله إذ كل كافر يباح قتله وليس كل من أبيح قتله ~~يكون كافرا فقد يقتل الداعي إلى ى بدعة لإضلاله الناس وإفساده مع إمكان أن ~~الله يغفر له في الآخرة لما معه من الإيمان فإنه قد تواترت النصوص بأنه ~~يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان # وقد رواه مسلم في صحيحه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بينا جبريل ~~قاعدا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال ~~هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ~~ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم ~~يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا ~~أعطيته # وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم ms073 أو تخفوه يحاسبكم به الله [ سورة البقرة 284 ] دخل في قلوبهم منها ~~شئ لم يدخل قلوبهم من شئ فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا سمعنا وأطعنا ~~قال فألقى الله الايمان في قلوبهم فأنزل الله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~لها ما كسبت PageV01P166 وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا [ سورة البقرة 286 ] قال قد فعلت # وكلام المشايخ في مسألة العلو كثير مثل ما ذكر محمد بن طاهر المقدسي ~~الحافظ الصوفي المشهور الذي صنف للصوفية كتاب صفة التصوف ومسألة السماع ~~وغير ذلك ذكر عن الشيخ الجليل أبي جعفر الهمداني أنه حضر مجلس أبي المعالي ~~الجويني وهو يقول كان الله ولا عرش وهو على ما عليه كان أو كلاما من هذا ~~المعنى فقال يا شيخ دعنا من ذكر العرش أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في ~~قلوبنا فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورو بطلب العلو ولا ~~يلتفت يمنة ولايسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا قال فصرخ أبو المعالى ~~ولطم على رأسه وقال حيرني الهمدانى حيرني الهمداني PageV01P167 # وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الاصبهاني شيخ الصوفية في أواخر المائة ~~الرابعة قبل القشيري في رسالة له أحببت أن أوصى أصحابي بوصية من السنة ~~وموعظة من الحكمة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر وأهل المعرفة ~~والتصوف من المتقدمين والمتأخرين قال فيها اوإن الله استوى على عرشه بلا ~~كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف فيه مجهول وأنه عز وجل ~~مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق بائنون منه بلا حلول ولا ممازجة ولا ~~اختلاط ولا ملاصقة لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد الغني عن الخلق وأن ~~الله سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم ~~القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول هل من داع ~~فآستجيب له هل من مستغفر فآستغفر له هل من تائب فأتوب عليه حتى يطلع الفجر ~~ونزول الرب إلى ms074 PageV01P168 السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل فمن أنكر ~~النزول أو تأول فهو مبتدع ضال # ثم ذكر كلامهم في القدر قال أبو القاسم سمعت محمد ابن الحسين السلمى يقول ~~سمعت أبا عثمان المغربي يقول وقد سئل عن الخلق فقال قوالب وأشباح تجري ~~عليهم أحكام القدرة # قال وقال الواسطي لما كانت الأرواح والأجساد قامتا بالله وظهرتا به لا ~~بذواتها كذلك قامت الخطرات والحركات بالله لا بذواتها إذ الخطرات والحركات ~~فروع جساد والأرواح # قال أبو القاسم صرح بهذا الكلام أن أكساب العباد مخلوقة لله وكما أنه لا ~~خالق للجواهر إلا الله فكذلك لا خالق للأعراض إلا الله # وهذا الذي قاله صحيح وهو متفق عليه بين المشايخ لا يعرف منهم من أنكر ~~شيئا من أصول السنة في مسائل القدر PageV01P169 # وقال سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السامي يقول سمعت محمد بن عبد الله سمعت ~~أبا جعفر الصيدلاني سمعت أبا سعيد الخراز يقول من ظن أنه ببذل الجهد يصل ~~فمتعن ومن ظن أنه بغير الجهد يصل فمتمن # وهذا كلام حسن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح احرص ~~على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شئ فلا تقل لو أني فعلت كذا ~~وكذا ولكن قل ما قدر الله وما شاء فعل فإن اللو تفتح عمل الشيطان # وقال لن يدخل أحدا عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا ~~إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته PageV01P170 # ثم قال وقال الواسطي المقامات أقسام قسمت ونعوت أجريت كيف تستجلب بحركات ~~أو تنال بسعايات # وهذا الكلام الظاهر ليس بجيد بل هو مردود وهذه المسألة بعينها سئل عنها ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه في الأحاديث الصحاح من حديث عمران بن ~~حصين وعلى ابن أبي طالب وغيرهما لما أخبر بالقدر فقالوا ألا ندعو العمل ~~ونتكل على الكتاب فقال لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له # وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا ~~رسول ms075 الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس وجعل ينكت ~~بمخسرته ثم قال ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة ~~PageV01P171 فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا فقال اعملوا فكل ~~ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل السعاده واما من ~~كان من أهل الشقاء فسيصير لعمل الشفاء ثم قرأ فأما من أعطى و اتقى و صدق ~~بالحسنى فسنيسره لليسرى [ سورة الليل 6 ] # و في الصحيح عن عمران بن حصين قال قال رجل يا رسول الله أيعرف أهل الجنة ~~من أهل النار قال نعم قال فلم يعمل العاملون قال كل يعمل لما خلق له أو لما ~~يسر له و في رواية كل ميسر لما خلق له # وفي صحيح مسلم من حديث أبي الأسود الدئلي قال قال لي عمران بن حصين أرأيت ~~ما يعمل الناس اليوم و يكدحون فيه أشئ PageV01P172 قضى عليهم و مضى عليهم ~~من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم و ثبتت الحجة عليهم ~~فقلت بل شئ قضى عليهم و مضى عليهم قال فقال أفلا يكون ظلما قال ففزعت من ~~ذلك فزعا شديدا و قلت كل شئ خلق الله و ملك يده فلا يسأل عما يفعل و هم ~~يسألون فقال لي يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك إن رجلين ~~من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله أرأيت ما ~~يعمل الناس اليوم و يكدحون فيه أشئ قضى عليهم و مضى فيهم من قدر قد سبق أو ~~فيما يستقبلون منه مما أتاهم به نبيهم و ثبتت الحجة عليهم قال لا بل شئ قضى ~~عليهم و مضى فيهم و تصديق ذلك في كتاب الله و نفس و ما سواها فألهمها ~~فجورها و تقواها [ سورة الشمس 6 7 ] # وفي السنن حديث عمر أنه سئل عن تفسير الآية و إذ أخذ PageV01P173 ربك من ~~بني آدم من ms076 ظهورهم ذريتهم [ سورة الاعراف 172 ] قال عمر رضى الله عنه سمعت ~~رسول ص يقول إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فأستخرج منه ذرية فقال [ ~~خلقت هؤلاء للجنة و بعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فأستخرج منه ذرية ~~فقال ] خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل ففيم العمل يا ~~رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله إذا خلق العبد للنار ~~استعمله بعمل اهل النار حتى يموت على عمل من أعمال النار فيدخل به النار ~~وإذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال ~~الجنة فيدخله به الجنة # وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال ~~يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم أفيما جفت به ~~الأقلام و جرت به المقادير أم فيما PageV01P174 يستقبل قال لا بل فيما جفت ~~به الأقلام و جرت به المقادير قال ففيم العمل فقال اعملوا فكل ميسر و فى ~~لفظ كل عامل ميسر لعمله # وفي السنن عن ابن أبي خزامة عن أبيه قال قلت يا رسول الله أرأيت رقى ~~نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من ~~قدر الله # فهذه السنن وغيرها تبين أن الله سبحانه وإن كان قد تقدم علمه وكتابيه ~~وكلامه بما سيكون من السعادة والشقاوة فمما قدره أن يكون ذلك بالأسباب التي ~~قدرها فالسعادة بالأعمال الصالحة والشقاوة بالفجور وكذلك الشفاء الذي يقدره ~~للمريض يقدره بالأدوية والرقى وكذلك سائر ما يقدر من أمر الدنيا والآخرة # فقول القائل كيف تستجلب الأقسام بالحركات PageV01P175 # جوابه ان الأقسام تناولت الحركات كما تناولت السعادات والله تعالى قدر ان ~~يكون هذا بهذا فإذا ترك العبد العمل ظانا أن السعادة تحصل له كان هذا الترك ~~سببا لكونه من أهل الشقاوة # وهنا ضل فريقان فريق كذبوا بالقضاء والقدر وصدقوا بالأمر والنهى وفريق ~~آمنوا بالقضاء ولاقدر لكن قصروا في الأمر ms077 والنهى وهؤلاء شر من الأولين فإن ~~هؤلاء من جنس المشركين الذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا [ سورة الأنعام ~~148 ] وأولئك من جنس المجوس # لكن إذا عنى بهذا الكلام أن العبد لا يتكل على عمله ولا يظن أنه ينجو ~~بسعيه فهذا معنى صحيح فالأسباب التي من العباد بل ومن غيرهم ليست موجبات لا ~~لأمر الدنيا ولا لأمر الآخرة بل قد يكون لا بد منها ومن أمور أخرى من فضل ~~الله ورحمته خارجة عن قدرة العبد وما ثم موجب إلا مشيئة الله فما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن # وكل ذلك قد بينه النبي صلى الله عليه وسلم وهو معروف عند من نور الله ~~بصيرته # وأما التفريق بين المقدور عليه والمعجوز عنه ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من ~~المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما PageV01P176 ينفعك واستعن بالله ولا ~~تعجز وإن أصابك شئ فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما ~~شاء فعل فإن اللو تفتح عمل الشيطان # وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اختصم إليه رجلان فقضى ~~على أحدهما فقال المقضى عليه حسبي الله ونعم الوكيل فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا أحزنك أمر فقل ~~حسبي الله ونعم الوكيل # قال أبو القاسم وسئل الواسطي عن الكفر بالله أولله فقال الكفر والإيمان ~~والدنيا والآخرة من الله وإلى الله وبالله ولله من الله ابتداء وإنشاء وإلى ~~الله مرجعا وانتهاء وبالله بقاء وفناء ولله ملكا وخلقا # قال وقال الجنيد سئل بعض العلماء عن التوحيد PageV01P177 فقال هو اليقين ~~فقال السائل بين لي ما هو فقال هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعل الله ~~وحده لا شريك له فإذا فعلت ذلك فقد وحدته وقال سمعت محمد بن الحسين يقول ~~سمعت عبد الواحد بن علي يقول سمعت القاسم بن القاسم ms078 سمعت محمد بن موسى ~~الواسطي سمعت محمد بن الحسين الجوهري سمعت ذا النون المصري يقول وجاءه رجل ~~فقال ادع الله لي فقال إن كنت أيدت في علم الغيب بصدق التوحيد فكم من دعوة ~~مجابة قد سبقت لك وإلا فإن النداء لا ينفع الغرقى # قال وقال الواسطي ادعى فرعون الربوبية على الكشف وادعت المعتزلة على السر ~~تقول ما شئت PageV01P178 فعلت وقال أبو الحسين النوري التوحيد كل خاطر يشير ~~إلى الله بعد أن لا تزاحمه خواطر التشبيه # قلت كلام الواسطي والجنيد المذكور هنا هو توحيد الربوبية وأن الله رب كل ~~شئ ومليكه وخالقه وفيه الرد على القدرية الذين يجعلون أفعال العبد خارجة عن ~~قدرته وخلقه وملكه وكذلك جعل فيهم الواسطي شبها من فرعون فإن فرعون كشف ~~كفره وقال أنا ربكم الأعلى فادعى الربوبية علانية والقدرية تدعى أنها رب ~~الأفعال وما يتولد عنها فقد أدعت ربوبيته لكن في السر وهي ربوبية أفعال ~~الأعيان # لكن مقصود أهل التحقيق كالجنيد ونحوه أن يكون هذا التوحيد للعبد خلقا ~~ومقاما بحيث يعطيه ذلك كما توكله على الله تعالى وتفويصه إليه والصبر لحكمه ~~والرضا بقضائه مالم يخرجه ذلك إلى إسقاط الأمر والنهي والثواب والعقاب ~~والوعد والوعيد كما يقع في بعض ذلك طائفة من المتصوفة # وأما قول ذي النون إن كنت أيدت في علم الغيب بصدق التوحيد فلا يراد به ~~مجرد الإقرار بالربوبية العامة فإن المشركين كانوا يوحدون هذا التوحيد كما ~~قال تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله [ سورة الزمر 38 ~~] وقال تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلاوهم مشركون [ سورة يوسف 106 ] ~~PageV01P179 قالوا غيمانهم هو إيمانهم بأنه خالق كل شئ وشركهم أن عبدوا معه ~~إلها آخر # وإنما أراد تحقيق توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية وهو أن يعبد الله وحده ~~لايشرك به شيئا فهذا التوحيد الذي جاءت به الرسل هو يسعد صاحبه ويدخل الجنة ~~لا محالة له من دعوة مجابة ومن فاته هذا التوحيد فإن الله لا يغفر أن يشرك ~~به فلا ينفعه الدعاء # وهذا هو التوحيد المذكور ms079 في قول المراغى صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء ~~التوحيد # وأما قول النوري التوحيد كل خاطر يشير إلى الله فهو يعم ذلك يقول كل توجه ~~إلى الله وحده بقول أو عمل فهو توحيد إذا لم يكن فيه تشبيه الخالق بالمخلوق ~~أو المخلوق بالخالق كما في قول الجهمية والممثلة والقدرية ونحوهم وقد تقدم ~~ما ذكره المشايخ من نفي التشبيه والتعطيل # وكذلك ما ذكره عن الشيخ أبي عبد الرحمن سمعت عبد الواحد بن بكر سمعت هلال ~~بن أحمد يقول سئل أبو علي الروذباري عن التوحيد فقال استقامة القلب بإثبات ~~مفارقة PageV01P180 التعطيل وإنكار التشبيه والتوحيد في كلمة واحدة كل ما ~~صورته الأفهام والأفكار فإن الله سبحانه بخلافه ليس كمثله شئ وهو السميع ~~البصير [ سورة الشورى 11 ] # قال وقال أبو القاسم النصراباذي الجنة باقية بإبقائه وذكره لك ومحبته لك ~~باق ببقائه فشتان بين ما هو باق ببقائه وبين ما هو باق بإبقائه # قال القشيري وهذا الذي قاله الشيخ النصراباذي غاية التحقيق فإن أهل الحق ~~قالوا صفات ذات القديم سبحانه باقيات ببقائه تعالى فنبه على هذه المسألة ~~ونبه على أن الباقي باق ببقائه خلاف ما قاله مخالفو الحق PageV01P181 # قلت النصراباذي مقصوده التفريق بين من طلب النعيم بالمخلوق وطلب النعيم ~~لحظه من الخالق فقال ما في المخلوق باق بإبقائه وأما محبته لك وذكره لك ~~فباق ببقائه وليس مقصوده أن البقاء الذي يوصف به الرب هو صفة زائدة على ~~الذات بما ليس بصفة كما ينازع فيه أهل الكلام مثل متكلمة أهل الإثبات ~~وغيرهم بل القاضي أبو بكر الذي يعظمه القشيري ويقول هو اوحد وقته كان يقول ~~ليس الباقي باقيا ببقاء # ولاالنزاع في هذه المسألة إذا حقق لم يرجع إلى معنى محصل يستوجب النزاع # ثم قال أبو القاسم حدثنا محمد بن الحسين سمعت النصراباذي يقول أنت متردد ~~بين صفات الفعل وصفات الذات وكلاهما صفته تعالى على الحقيقة فإذا هيمك في ~~مقام التفرقة قربك بصفات فعله وإذا بلغك إلى مقام الجمع قربك بصفات ذاته ~~PageV01P182 قال وأبو القاسم النصراباذي كان ms080 شيخ وقته # قلت هذا الكلام من النصراباذي يقتضي أنه موصوف بصفات فعله على الحقيقة ~~مثل الخلق والرزق كما أنه موصوف بصفات الذات عل ى الحقيقة كالعلم والقدرة ~~وهذا هوالذي ذكره أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي عن مذهب الصوفية في كتاب ~~التعرف وهو قول جمهور الفقهاء وأهل الحديث وطوائف من اهل الكلام وليس هو ~~قول الأشعرية الذين سلك سبيلهم أبو القاسم القشيري # قال الخلق والرزق عندهم عين المخلوق ولا يستحق أن يسمى بالخالق الباعث ~~الوارث إلا بعد وجود هذه المفعولات والنزاع في أن الفعل هل هو صفة لله وهل ~~يوصف بالأسماء الفعلية في الأزل وقد بسطنا الكلام في هاتين المسألتين في ~~موضعه # وقال سمعت الإمام أبا إسحاق الإسفراييني يقول لما قدمت من بغداد كنت أدرس ~~في جامع نيسابور في مسألة الروح وأشرح القول أنها مخلوقة وكان أبو القاسم ~~النصراباذي قاعدا PageV01P183 متباعدا عنا يصغي إلى كلامي فأجتاز بنا بعد ~~ذلك بأيام قلائل فقال لمحمد الفراء أشهد اني أسلمت جديدا على يد هذا الرجل ~~وأشار إلي # قلت لعله كان عنده بعض شبهة أو رأي فاسد في خلقها كما يعرض مثل ذلك لبعض ~~الناس # وقال سمعت محمد بن الحسين السلمي يقول سمعت أن حسين الفارسي يقول سمعت ~~إبراهيم بن فاتك يقول سمعت الجنيد يقول متى يتصل من لاشبيه له ولا نظير بمن ~~له شبيه ونظير هيهات هذا ظن عجيب إلا بما لطف اللطيف من حيث لا درك ولا وهم ~~ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان # قلت هذا الكلام يقتضي أن العباد إنما عرفوا ربهم بما الطف به من تعرفة ~~إليهم وهدايته إياهم بما أعطاهم لا معرفة إدراك وإحاطة وهذا حسن وربما ~~يتضمن نوعا من الرد على طريقة أهل النظر الذين يجعلونه بمجرده محصلا ~~للمعرفة المطلوبة # وقال حدثنا محمد بن الحسين سمعت عبد الواحد بن PageV01P184 بكر حدثني ~~أحمد بن محمد البردعي حدثنا طاهر بن إسماعيل الرازي قال قيل ليحيى بن معاذ ~~أخبرني عن الله فقال إله واحد فقال كيف هو فقال ملك قادر ms081 فقال أين هو فقال ~~بالمرصاد فقال السائل لم أسألك عن هذا فقال ما كان غير هذا كان صفة المخلوق ~~فأما صفته فما أخبرتك عنه # قلت لا تعلم صحة هذا الكلام عن يحيى بن معاذ إذ في الإسناد من لا نعرفه ~~وكلام يحيى بن معاذ عندهم دون كلام الكبار من أهل PageV01P185 التحقيق في ~~المعاملات وغيرها فإنه يتكلم في الرجاء بكلام يشبه كلام سفلة المرجئة لا ~~يوافق أصول المشايخ الكبار المتمسكين بالسنة ويدعى في التوحيد مقاما هو ~~الغاية وقد عاب عليه أبو يزيد وغيره وكلامه يشبه كلام الوعاظ وهي طريقة أبي ~~القاسم ونحوه # وهذا الكلام المذكور من هذا الباب فإنه ليس كل ما لم يذكره في هذا الجواب ~~بصفة المخلوق لله بل لله صفات كثيرة عظيمة لم تدخل في هذا الكلام ثم صفة ~~المخلوق إن كان لأجل الاشتراك في الاسم فقوله ملك قادر وإنه بالمرصاد كما ~~قال تعالى واقعدوا لهم كل مرصد [ سورة التوبة 5 ] # وأيضا فالجواب عن أين هو خلاف الجواب الذي رضيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأقره وحكم بإيمان قائله وخلاف ما أجاب به هو سائله فإنه لما قال أين ~~الله فقيل له في السماء رضى بهذا وأقر صاحبه ولم يقل هذا صفة المخلوق # وقد روى شيخ الإسلام الأنصاري الهروى صاحب علل المقامات ومنازل السائرين ~~في كتابه المسمى بالفاروق بإسناد عن يحيى بن معاذ أنه قال إن الله على ~~العرش بائن من خلقه وقد أحاط بكل شئ علما وأحصى كل شئ عددا لايشذ عن هذه ~~المقالة إلا جهمى ردئ PageV01P186 ضليل وهالك مرتاب يمزج الله بخلقه ويخالط ~~منه الذات بالأقذار والإتيان في هيئته وهو يخالف إنكاره الأين في هذه ~~الرواية # وقال أبو القاسم حدثني بن الحسين سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا علي ~~الروذبارى يقول كل ما توهم متوهم بالجهل أنه كذلك فالعقل يدل على أنه ~~بخلافه # قال وسأل ابن شاهين الجنيد عن معنى مع فقال على معنيين مع الأنبياء ~~بالنصرة والكلاءة قال الله إنني معكما أسمع وأرى ms082 [ سورة طه 46 ] ومع العامة ~~بالعلم والإحاطة قال الله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [ ~~سورة المجادلة 7 ] فقال ابن شاهين مثلك يصلح أن يكون دالا للأمة على الله ~~PageV01P187 # قلت هذا كلام حسن متفق على صحة معناه بين ائمة الهدى وكانوا يقولون مثل ~~هذا الكلام ردا على من يقول من الجهمية إن الحق بذاته في كل مكان ويمكن أن ~~يقول فوق العرش وقد وقع في ذلك طائفة من المتصوفة حتى جعلوه عين الموجودات ~~ونفس المصنوعات كما يقوله أهل الاتحاد العام # قال القشيري وسئل ذو النون المصري عن قوله الرحمن على العرش استوى [ سورة ~~طه 5 ] فقال اثبت ذاته ونفى مكانه فهو موجود [ بذاته والأشياء موجودة ] ~~بحكمه كما شاء # قلت هذا الكلام لم يذكر له إسنادا عن ذي النون وفي هذه الكتب من الحكايات ~~المسندة شئ كثير لا أصل له فكيف بهذه المنقطعة المسيئة التي تتضمن أن ينقل ~~عن المشايخ كلام لا يقوله عاقل فإن هذا الكلام ليس فيه مناسبة للآية بل هو ~~مناقض لها فإن هذه الآية لم تتضمن إثبات ذاته ونفى مكانه بوجه من الوجوه ~~فكيف تفسر بذلك # وأما قوله هو موجود بذاته والأشياء موجودة بحكمه فهو حق لكن ليس هذا معنى ~~الآية PageV01P188 # قال وسئل الشبلي عن قوله الرحمن على العرش استوى فقال الرحمن لم يزل ~~والعرش محدث والعرش بالرحمن استوى # قلت هذا الكلام أيضا ليس له إسناد عن الشبلي وهو يتضمن من الباطل ما هو ~~تحريف للقرآن # أما قوله الرحمن لم يزل والعرش محدث فحق وأما قوله العرش بالرحمن استوى ~~فهو أولا خلاف القرآن فإن الله أخبر أنه هو الذي استوى على العرش فكيف يقال ~~إن المستوى إنما هو العرش # وأما ثانيا فإنه إذا قال العرش استوى به فهذا ليس أبلغ من قوله إنه استوى ~~على العرش # كما في حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به ~~راحلته وذلك يقتضي أن يكون العرش استوى بالله واستقل به وحمله وإن ms083 لم يرد ~~هذا المعنى وإنما أراد أن العرش اعتدل PageV01P189 واستوى بقدرة الله فهذا ~~ليس هو معنى الآية بل تحريف صريح يستحق قائله العقوبة البليغة ولا يصلح ان ~~يحكى مثل هذ عن قدوة في الدين بل ولا عن أطراف الناس # قال وسئل جعفر بن نصير عن قوله تعالى الرحمن على العرش استوى فقال استوى ~~علمه بكل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ # وهذا من نمط الذي قبله وأردى وهو أسخف من تأويلات القرامطة الباطنية فإن ~~اللفظ ليس فيه ما يدل على ذلك أصلا وجعفر ابن نصير أجل من أن يقول هذا ~~التحريف الذي لا يصدر مثله إلا عن بعض غلاة الرافضة والقرامطة والملحدين ~~الطاعنين في القرآن # قال وقال جعفر الصادق من زعم أن الله في شئ أو من شئ أو على شئ فقد أشرك ~~إذ لو كان على شئ لكان محمولا أو كان في شئ لكان محصورا أو كان من شئ لكان ~~محدثا PageV01P190 قال وقال جعفر الصادق في قوله ثم دنا فتدلى [ سورة النجم ~~8 ] من تودهم أنه بنفسه دنا جعل ثم مسافلة وانما تدنى أنه كلما قرب منه ~~بعده عن أنواع المعارف إذ لا دنو ولا بعد # قلت هذا الكلام وأشباهه مما اتفق أهل المعرفة على أنه مكذوب على جعفر مثل ~~كثير من الإشارات التي ذكرها عنه أبو عبد الرحمن في حقائق التفسير والكذب ~~على جعفر كثير منتشر والذي نقله العلماء الثقات عنه معروف يخالف رواية ~~المفترين عليه # قال ورأيت بخط الاستاذ أبي على أنه قيل لصوفي أين الله فقال أسحقك الله ~~تطلب مع العين أثرا # قلت هذا كلام مجمل قد يعني به الصديق معنى صحيحا ويعني به الزنديق معنى ~~فاسدا فإن السائل أين الله قد يكون سؤاله عن شك عن معرفة ما يستحقه الله من ~~العلو وقد يكون الاستعلام PageV01P191 عن حال المسئول كما سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم الجارية أين الله فالذي سأل الصوفي أين الله إن كان شاكا في ~~نعت ربه أو جاهلا بحال المسئول فهو ms084 ناقص فيحتمل أن الصوفي كان عارفا بالله ~~وقد عاين السائل من حاله ما عرف به صدقه فقال سؤالك سؤال من يريد أن يستدل ~~بالأثر على حال وأنت قد عاينت ما يغنيك عن ذلك فقال أتطلب مع العين أثرا أو ~~هدى # كما أن المعروفين بالإيمان من الصحابة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول لأحدهم أين الله وإنما قال ذلك لمن شك في إيمانه كالجارية وهذا كما ~~يذكر في حكاية أخرى أن بعضهم لقى شخصا فقال أين ربك فقال لا تقل أين ربك ~~ولكن قل أين محل الإيمان من قلبك أي ان مثلى لا يقال له أين ربك وإنما أسأل ~~عما يليق بمثلي أن يسأل عنه # بل كما في الحكاية المعروفة عن يزيد بن هارون الواسطي ونحوها أيضا لأحمد ~~بن حنبل أن منكرا أو نكيرا لما أتياه وسألاه من ربك وما دينك ومن نبيك فقال ~~أتقولان لي هذا وأنا يزيد بن هارون الواسطي أعلم الناس السنة ستين سنة ~~فقالا اعذرنا فإنا بهذا أمرنا وانصرفا وتركاه # وظاهر الأمر في حال الصوفي الذي ذكره الأستاذ أبي على أنه قصد هذا لأنه ~~قال للسائل أسحقك الله أتطلب مع العين اثرا وهذا PageV01P192 العين الذي ~~أغناه عن الأثر إما أن يكون في معرفته بربه أو معرفته بحال المسئول فلو كان ~~الأول لم يك جاهلا فيسأل أين الله ولم يجب عليه الصوفي حتى يقول له أسحقك ~~الله فعلم أنه كان عارفا بحال الصوفي وطلب منه زيادة امتحان له عن معرفته ~~بربه فقال أتطلب مع العين أثرا # وأما العين الذي يعنيه الزنديق فأن يكون من أهل الاتحاد المعين فيعتقد ~~أنه عاين الله بعين بصره في الدنيا فيقول أتطلب مع العين أثرا # أو يعتقد أن الوجود المعاين هو عين وجود الحق كما تقوله الاتحادية أهل ~~الاتحاد المطلق أو نحو ذلك من مقالات الزنادقة المنافقين # ولكن ظاهر الحكاية لا يوافق هذا فإنه عند هؤلاء العين والأثر واحد ~~والصوفي قال أتطلب مع العين أثرا وهذا يقتضي أن السائل بأين يصح ms085 منه طلب ~~الأثر بعد العين # وليس في الحكاية مقصود لأبي القاسم من نفى كون الله على العرش ولا يقول ~~أبو القاسم بأن العارف حصل له في الدنيا من معاينة الله تعالى ما يغنيه عن ~~الأثر PageV01P193 # قال أبو القاسم حدثنا الشيخ أبو عبد الرحمن سمعت أبا العباس بن الخشاب ~~البغدادي سمعت أبا القاسم بن موسى سمعت محمد بن أحمد سمعت الانصاري سمعت ~~الخراز يقول حقيقة القرب فقد حسن الأشياء من القلب وهدوء الضمير إلى الله # قلت هذه الحكاية في إسنادها من لا يعرف حاله وإن صح هذا الكلام عن أبي ~~سعيد الخراز فليس مقصوده أن القرب من الله ليس إلا مجرد ذلك ولكن أراد أن ~~هذا هو الذي يحقق القرب وحقيقة الشئ عندهم ما يحققه فيكون علة لوجوده ~~ودليلا على صحته # كما يروون في الحديث الذي رواه ابن عساكر مرسلا وروى مسندا من وجه ضعيف ~~لا يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحارثة ابن سراقة كيف أصبحت يا ~~حارثة قال أصبحت مؤمنا حقا قال فما حقيقة أيمانك فقال عزفت نفسي عن الدنيا ~~فآستوى عندي حجرها وذهبها وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل ~~الجنة يتمتعون فيها وإلى أهل النار يعذبون فيها فقال PageV01P194 عرفت ~~فألزم عبد نور الله قلبه # فقولهم في هذا الحديث الذي يروونه ما حقيقة إيمانك أي ما يحققه ويصدقه ~~فذكر ما يصدقه ويحققه من اليقين والزهد كما جاء في الحديث نجا أول هذه ~~الأمة باليقين والزهد # فقول أبي سعيد حقيقة القرب أي الذي يحققه هو خلو القلب مما سوى الله ~~وسكونه إلى الله وهذا تحقيق الإخلاص والتوحيد الذي من حققه كان أقرب الخلق ~~إلى الله وهو تحقيق كلمة الإخلاص لا إله إلا الله وهذا على درجتين فأهل ~~الفناء يفقدون إدراك الأشياء ومعرفتها مصطلمين في ذكر الله والملائكة وأولو ~~العلم وهو سبحانه شهد وحدانيتهم في الإلهيته متضمنه شهادته لجميع خلقه فإنه ~~شهيد عليم ليس عن المخلوقات بغائب فأولو العلم PageV01P195 الشاهدون ألا ~~إله إلا هو إذا ms086 لم يكن فيهم عجز يوجب الفناء يعطون من القوة على ما يشهدون ~~به الأمر وتلك شهادة كاملة أكمل من شهادة اهل الفناء فيفقدون تأله قلوبهم ~~للأشياء ووجدهم وطمأنينتهم إليها معتاضين بتأله قلوبهم لله ووجدهم به ~~وطمأنينة قلوبهم بذكره لا يفقدون الشهادة التي تزيد في علمهم وإيمانهم من ~~شهود الربوبية المحيطة جملة وتفصيلا والإلهية الواجبة جملة وتفصيلا وما ~~يدخل في ذلك من أصناف المخلوقات والمأمورات # وقال أبو القاسم سمعت محمد بن الحسين سمعت محمد بن علي الحافظ سمعت أبا ~~معاذ القزويني سمعت أبا علي الدلال سمعت أبا عبد الله بن قهرمان سمعت ~~إبراهيم الخواص يقول انتهيت إلى رجل وقد صرعه الشيطان فجعلت أؤذن في أذنه ~~فناداني الشيطان من جوفه دعني أقتله فإنه يقول القرآن مخلوق # قلت هذه الحكاية موافقة لأصول السنة وقد ذكروا نحوها حكايات واعترض في ~~ذلك الغزالي وغيره بأن هذا الاستدلال PageV01P196 بكلام الشياطين في أصول ~~الدين وذكر عن الإمام أحمد في ذلك حكاية باطلة ذكرها في المنخول فقال رب ~~رجل يعتقد الشئ دليلا وليس بدليل كما يذكر # وجواب هذا أن الجن فيهم المؤمن والكافر كما دل على ذلك القرآن ويعرف ذلك ~~بحال المصروع ويعرف بأسباب قد يقضي بها أهل المعرفة فإذا عرف ان الجني من ~~أهل الإيمان كان هذا مثل ما قصه الله في القرآن من إيمان الجن بالقرآن وكما ~~في السيرة من أخبار الهواتف # وإبراهيم الخواص من أكبر الرجال الذين لهم خوارق فله علمه بأن هذا الجني ~~من المؤمنين لما ذكر هذه الحكاية على سبيل الذم لمن يقول بخلق القرآن ~~PageV01P197 # | فصل قال أبو القاسم وقال ابن عطاء لما خلق الله الأحرف جعلها سرا فلما # خلق آدم بث ذلك السر فيه ولم يبث ذلك السر في أحد من الملائكة فجرت ~~الأحرف على لسان آدم بفنون الجريان وفنون المعارف فجعلها الله صورا لها # قال أبو القاسم صرح ابن عطاء رحمه الله بأن الحروف مخلوقة # قلت لم يذكر لهذه الحكاية إسنادا ومثل هذا لا تقوم به حجة ولا يحل لأحد ~~أن ms087 يدل المسلمين في أصول دينهم بكلام لم تعرف صحة نقله مع ما علم من كثرة ~~الكذب على المشايخ المقتدى بهم فلا يثبت بمثل هذا الكلام قول لابن عطاء ولا ~~مذهب بل قد ظهر على هذه PageV01P198 الحكاية من كذب ناقلها وجهل قائلها ما ~~لا يصلح معه أن يحمد الإعتقاد بها فلو فرض ان هذه الحكاية قالها بعض ~~الأعيان لكان فيها من الغلط ما يردها على قائلها # وكذلك أن الله لم يخص آدم بالأحرف وإنما خصه بتعليم الأسماء كلها كما قال ~~تعالى وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء ~~هؤلاء [ سورة البقرة 31 ] # وقد تنازع الناس هل المراد بها أسماء من يعقل لقوله ثم عرضهم أو أسماء كل ~~شئ على قولين # والأول اختيار ابن جرير الطبري وأبي بكر عبد العزيز صاحب الخلال وغيرهما # والثاني أصح لأن في الصحيحين في حديث الشفاعة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ~~ملائكته وعلمك أسماء كل شئ ويبين ذلك أن الملائكة كانوا يتكلمون قبل أن ~~يخبرهم آدم PageV01P199 بالأسماء وقد خاطبوا الله وخاطبوا آدم قبل ذلك # قال الله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة الآية [ ~~سورة البقرة 30 ] # قال وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما خلق الله آدم ~~قال اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم واسمع ما يحيونك به فإنها ~~تحيتك وتحية ذريتك من بعدك فذهب إليهم فقال السلام عليكم فقالوا وعليك ~~السلام ورحمة الله وبركاته فزادوه # وأيضا فآدم عليه السلام تكلم قبل أن يعلمه الله أسماء كل شئ كما في ~~الصحيحين أن الله لما خلق آدم عطس فقال الحمد لله رب العالمين فقال الله له ~~يرحمك ربك # وأيضا فمن المعلوم أن الملائكة كانوا يسبحون الله ويمجدونه قبل خلق ~~PageV01P200 آدم وقبل إخباره إياهم بالأسماء فكيف يظن ظان ان النطق كان ~~مختصا بآدم لما علم الأسماء # وأيضا فإن هذه الحكاية ms088 من قائلها الأول مرسلة لا إسناد لها ولم يأثرها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه وأحسن أحوالها أن تكون من ~~الإسرائليات التي إذا لم يعرف أنها حق أو باطل لم يصدق بها ولم يكذب ومثل ~~هذه لا يعتمد عليها في الدين بحال # والمعروف عن بعض المشايخ حكاية لو ذكرها أبو القاسم لكان احتجاجه بها ~~أمثل وهو ما أن الإمام أحمد ذكر له عن السري السقطي أنه ذكر عن بكر بن حبيش ~~العابد أنه قال لما خلق الله الحروف سجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى ~~أومر فقال أحمد هذا كفر # وهذا الكلام لم يقله بكر بن حبيش والسرى ونحوه من العباد إلا ليبينوا ~~الفرق بين من لا يفعل إلا ما أمر به ومن يعتمد بما لم يؤمر به من البدع ~~وهذا مقصود صحيح فإن العمل الصالح المقبول هو ما أمر الله به ورسوله دون ~~شرع من الدين الذي لم يأذن به الله لكن كثير من العباد لا يحفظ الأحاديث ~~ولا أسانيدها فكثيرا ما يغلطون في إسناد الحديث أو متنه ولهذا قال يحيى بن ~~سعيد ما رأينا الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث يعني على سبيل الخطأ ~~وقال أيوب PageV01P201 السختياني إن من جيراني لمن ارجو بركة دعائهم في ~~السحر ولو شهد عندي على جزرة بقل لما قبلت شهادته # ولهذا يميزون في اهل الخير والزهد والعبادة بين ثابت البناني والفضيل ابن ~~عياض ونحوهما وبين مالك بن دينار وفرقد السبخي وحبيب العجمي وطبقتهم وكل ~~هؤلاء أهل خير وفضل ودين والطبقة الأولى يدخل حديثها في الصحيح # وقال مالك بن أنس رحمه الله ادركت في هذا المسجد ثمانين رجلا لهم خير ~~وفضل وصلاح كل يقول حدثني أبي عن جدي عن النبي صلى الله عليه وسلم لم نأخذ ~~عن أحد منهم شيئا وكان ابن شهاب يأتينا وهو شاب فنزدحم على بابه لأنه كان ~~يعرف هذا الشأن # هذا وابن شهاب كان فيه من مداخلة الملوك وقبول جوائزهم ما لا يحبه ms089 أهل ~~الزهد والنسك والله يختص كل قوم بما يختاره فأولئك النساك رووا هذا الاثر ~~ليفرقوا بين العمل المشروع المأمور به وما ليس بمشروع مأمور به # وجاء في لفظ لما خلق الله الحروف فآحتج بهذا من يقول من الجهمية إن ~~القرآن أو حروفه مخلوقة فقال أحمد هذا كفر لأن فيه القول بخلق ما هو من ~~القرآن وذلك الأثر لا يعرف له إسناد ولا PageV01P202 يعرف قائله ولا ناقله ~~ولا يؤثر عن صاحب ولا تابع ولعله من الإسرائيليات فرد الاحتجاج به أسهل ~~الأمور # وأما ما تضمنه من الفرق بين العمل الذي يؤمر به والذي لا يؤمر به فهذا ~~الفرق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة متى كان في الأحاديث التي لا تعرف ~~صحتها والأحاديث الضعيفة ما يوافق أصول الإسلام وما لا يوافق قبول الحق ~~وترك الباطل فنقبل من هذه الحكاية ما وافق الاصول الاصول وهو الذي أخذه بكر ~~بن حبيش والسرى وغيرهما ونرد منها ما خالف الأصول وهو الذي رده الإمام أحمد ~~وغيره من أئمة الهدى مع أن أحمد من أعظم الناس قولا لما قصده السرى من ~~الفرق بين المأمور وغير المأمور وهو من أعظم الناس أمرا بالعمل المشروع ~~ونهيا عن غير المشروع # ثم حكاية السرى لعله لم يرد بالحروف إلا المداد الذي تكتب به الحروف ~~فسجدت فإنه قال فسجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أومر وهذا إشارة إلى ~~انتصاب الألف وانخفاض غيرها وهذا صورة ما يكتب به من المراد وأما الحروف ~~التي أنزلها الله في كتابه فلا يختلف حكمها باختلاف ما يكتب به من صورة ~~المداد # ولعل هذا أيضا هو الذي قصده في حكاية ابن عطاء إن كان لها أصل فإنه قد ~~ذكرابن قتيبة في المعارف أن الله لما أهبط آدم انزل PageV01P203 عليه حروف ~~المعجم في إحدى وعشرين صحيفة فيكون ناقلها قصد أن آدم اختص من بين الملائكة ~~بأن علم الكتابة بهده الحروف كما قال تعالى علم بالقلم علم الإنسان ما لم ~~يعلم [ سورة العلق 4 5 ] # والملائكة وإن كان الله ms090 قد وصفهم بأنهم يكتبون كما قال تعالى كراما ~~كاتبين يعلمون ما تفعلون [ سورة الانفطار 1112 ] وقال ورسلنا لديهم يكتبون ~~[ سورة الزخرف 80 ] فلا يجب أن تكون حروفهم المكتوبة مثل الحروف التي ~~يكتبها الآدميون إذ يكون الذين قالوا إنه خلق الحروف أرادوا أنه خلق أصوات ~~العباد فلا ريب أن الله خالق أصوات العباد وأفعالهم لكن هذا لا يقتضي ان ~~حروف القرآن أو مطلق الحروف مخلوقة بل يجب التفريق بين ما هو من صفات الله ~~تعالى وما هو من خصائص المخلوقين # والتأويل من المداد ليس هو الظاهر من الحكاية فإنه قال فجرت الأحرف على ~~لسان آدم ولا هو أيضا بذاك ولكن ذكر أمثاله هذه الحكايات لبيان المعتقدات ~~نوع من ركوب الجهالات والضلالات فإذا تبين أنها لا تصح لا من ناقلها ولا من ~~قائلها وأنها مشتملة على أنواع من الباطل كان بعد ذلك ذكر هذه هذه ~~التأويلات PageV01P204 أحسن مما يذكره المحتجون بها من تأويلاتهم لنصوص ~~الكتاب والسنة الصحيحات الصريحات # فتبين بذلك أن اهل السنة في كل مقام أصح نقلا وعقلا من غيرهم لان ذلك من ~~تمام ظهور ما ارسل الله به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ظهوره بالحجة وظهوره بالقدرة # ثم إن هذه الحكاية المعروفة عن السرى لما بلغت الإمام أحمد أنكرها غاية ~~الإنكار حتى توقف عن مدح السرى مع ما كان يذكر من فضله وورعه ونهى عن أن ~~يذكر عنه مدحه حتى يظهر خطأه في ذلك مع أن السرى اعترف بأنه لم يقلها ذاكرا ~~وإنما قالها آثرا # فذكر الخلال في كتاب السنة ذكر السرى وما أحدث اخبرني أحمد بن محمد عن ~~مطر وزكريا بن يحيى أن أبا طالب حدثهم أنه قال لأبي عبد الله جاءني كتاب من ~~طرسوس أن سريا قال لما خلق الله الحروف سجدت إلا الألف فإنه قال لا أسجد ~~حتى أومر فقال هذا الكفر # قال الخلال فأخبرنا أبو بكر المروذي قال جاءني كتاب من الثغر في أمر رجل ~~تكلم بكلام وعرضته على أبي عبد الله ms091 فيه لما خلق الله الحروف سجدت إلا ~~الألف فغضب أبو عبد الله غضبا شديدا حتى PageV01P205 قال هذا كلام الزنادقة ~~ويله هذا جهمي وكان في الكتاب الذي كتب به أن هذا الرجل قال لو أن غلاما من ~~غلمان حارث يعني المحاسبي لخبر أهل طرطوس فقال أبو عبد الله أشد ما ها هنا ~~قوله لو أن غلاما من غلمان حارث لخبر أهل طرطوس ما البلية إلا حارث حذروا ~~عنه أشد التحذير # قال أبو بكر المروذي جاءني حسن بن البزاز برقعة فيها كلام هذا الرجل بخطه ~~قال إن هذا خطه فيها مكتوب إني إنما حكيت عن غيري فلما قرأتها قلت لحسن قد ~~أقر قال إني أقر قلت فقوله حكيت عن غيري قلت لأبي عبد الله بأي شئ ترى قال ~~دعه حتى يقر وبلغ أبا عبد الله عن حسن أنه قال بعد مجيئه إلى أبي عبد الله ~~بالرقعة ليس له عند أبي عبد الله إلا خيرا فقال اذهب إليه فقل له قد علمت ~~ما في قلبي حتى على مثل هذا قل له لا تحك عني شيئا مرة فلقيت حسنا فقال ليس ~~أحكى عنه شيئا # ثم أيضا قول القائل لما خلق الله الأحرف جعلها سرا له فلما خلق آدم عليه ~~السلام بث ذلك السر فيه ولم يبث ذلك السر في أحد من ملائكته فساده ظاهر من ~~وجوه # أحدها أن فيه أنه خلق الحروف قبل خلق آدم وهذا لم يقله أحد من المسلمين ~~فإن الذين يقولون بخلقها يقولون إنما يخلقها إذا اراد إنزال كلامه على ~~رسوله فيخلق حروفا في الهواء يسمعها جبريل PageV01P206 أو غيره ينزل بها ~~ويفهمه المعنى الذي أراده بتلك الحروف فيكون جبريل أول من تكلم بتلك الحروف ~~وعبر بها عن مراد الله وهو المعنى القائم بنفسه كما يعبر عن الأخرس من فهم ~~معناه بإشارته فأما أن يقال خلقت الحروف قبل خلق آدم عليه السلام ولم تخاطب ~~بها الملائكة فهذا لم يقله أحد # الثاني أنه جعل الحروف لآدم دون الملائكة ومن المعلوم أن الذي نزل ms092 ~~بالقرآن وغيره من كلام الله هم الملائكة وهم تلقوا الحروف عن الله قبل أن ~~يتلقاها الأنبياء فكيف يسلبون ذلك # الثالث أن قوله جعلها سرا له كلام لا حاصل له لأن السر ما أسره الله ~~فأخفاه عن عباده أو بعضهم أو ما تضمن ما أسره وهذه الحروف أظهر شئ لبني ادم ~~حتى أن النطق بها أظهر صفاته # وكذلك قال الله تعالى فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون [ ~~سورة الذاريات 23 ] # وإن قيل إن الحروف تتضمن من المعاني ما أسره الله فلا ريب أنها تتضمن كل ~~ما يعبر عنه من المعاني سرها وجهرها فالاختصاص للسر بها # قال أبو القاسم قال سهل بن عبد الله إن الحروف لسان PageV01P207 فعل لا ~~لسان ذات لانها فعل في مفعول قال وهذا أيضا صربح لأن الحروف مخلوقة # قلت هذا الكلام ليس له إسناد عن سهل وكلام سهل بن عبد الله وأصحابه في ~~السنة والصفات والقرآن اشهر من ان يذكر هنا وسهل من اعظم الناس قولا بأن ~~القرآن كله حروف ومعانيه غير مخلوقة بل صاحبه أبو الحسن بن سالم أخبر الناس ~~بقوله قد عرف قوله وقول أصحابه في ذلك وقد ذكر أبو بكر بن اسحاق الكلاباذي ~~في التعرف في مذاهب التصوف عن الحارث المحاسبي وأبي الحسن بن سالم أنهما ~~كانا يقولان إن الله يتكلم بصوت ومذهب السالمية أصحاب سهل ظاهر في ذلك فلا ~~يترك هذا الأمر المشهور المعروف الظاهر لحكاية مرسلة لا إسناد لها # ثم هذا الكلام في ظاهره من قلة المعرفة ما لا يصلح أن يضاف إلى سهل بن ~~عبد الله لأن قوله لأنها فعل في مفعول إن أراد فعل PageV01P208 قائم بذات ~~الله كما يقال تكلم وخلق ورزق عند الجمهور الذين يقولون هذه أمور قائمة ~~بذاته فقوله بعد ذلك في مفعول لا يصلح فإنه فعل قائم بذات الله ليس في ~~مفعول # وإن أراد بها فعل منفصل عن الله فكل متصل عن الله فهو مفعول مثل قول ~~القائل مفعول في مفعول وفعل في فعل وهذا ms093 لا يصلح أن يحتج به لأنه متى علم ~~أنها مفعولة وأنها فعل بمعنى مفعول فسواء كانت في نظيرها أو لم تكن هي ~~مخلوقة # وإن قيل إنه أراد فعل في الآدمي الذي هو مفعول # فيقال كلاهما مفعول وأيضا فهذا إنما يدل على أن اصوات العباد ومدادهم ~~مخلوق لا يدل على أن الحروف التي هي من كلام الله مخلوقة # قال أبو القاسم وقال الجنيد في جوابات مسائل الشاميين التوكل عمل القلب ~~والتوحيد قول القلب # قال أبو القاسم وهذا قول أهل الأصول إن الكلام هو المعنى الذي قام بالقلب ~~من معنى الأمر والنهي والخبر والاستخبار # قلت هذه المقالة لما أسند موضعها من كلام أبي القاسم الجنيد لم يكن فيها ~~حجة لمطلوبه فالمذكور عن المشايخ الكبار ليس فيه صحيح صريح المطلوبه الذي ~~يخالف به الأحاديث الصحيحة وإجماع السلف PageV01P209 بل إما أن يفقد فيه ~~الوصفان أو احدهما وذلك أن الجنيد رضي الله عنه ذكر أن التوحيد قول القلب ~~فأضاف القول إلى القلب وهذا مما لا نزاع فيه أن القول والحديث ونحوهما مع ~~التقييد يضاف إلى النفس والقلب # كما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله ~~تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل # وقد قال تعالى إن النفس لأمارة بالسوء [ سورة يوسف 53 ] وقال أبو الدرداء ~~ليحذر أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر وقال الحسن البصري ما زال ~~أهل العلم يوعدون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون القلوب ~~حتى نطقت فإذا لها أسماع وأبصار فنطقت بالعلم وأورثت الحكمة # فوصف القلب والنفس بأنه يقول ويأمر ويتحدث وينطق ونحو ذلك يستعمل مع ~~التقييد بأتفاق المسلمين لكن النزاع في شيئين PageV01P210 # أحدهما أن الكلام على الإطلاق من غير إضافة إلى نفس وقلب أو نحو ذلك هل ~~هو اسم لمجرد أو لمجرد الحروف أو لمجموع المعاني والحروف # هذا فيه ثلاثة أقوال فالقشيري وطائفة يقولون بالاول وطائفة أخرى من أهل ~~الكلام والفقه والعربية تقول بالثاني وأما ms094 سلف الأمة وأئمتها فإنهم يقولون ~~بالوسط وهو الثالث أن الكلام عند الإطلاق يتناول الحروف والمعاني جميعا # وقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ~~ما لم تتلكم أو تعمل به يفرق بين الحديث المقيد بالنفس وبين الكلام المطلق # الثاني أن معنى الكلام الذي تطابقه العبارة هل هو من جنس العلوم ~~والإرادات أم ليس من هذا الأحسن بل هو حقيقة أخرى وهذا فيه نزاع بين ~~الطوائف المنتسبة إلى السنة والتي ليست منتسبة إليها ففي هؤلاء وهؤلاء من ~~يقول بهذا وفي هؤلاء وهؤلاء من يقول بهذا # فتبين أن ما ذكره الجنيد من قول القلب ليس هو قول من يقول إن الكلام هو ~~المعنى القائم بالنفس # وأما قول أبي القاسم إن هذا قول أهل الأصول بالعموم فلا PageV01P211 خلاف ~~بين الناس أن أول من أحدث هذا القول في الإسلام أبو محمد عبد الله بن سعيد ~~بن كلاب البصري واتبعه على ذلك أبو الحسن الأشعري ومن نصر طريقتهما وكانا ~~يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة ولكن لتقصيرهما في ~~علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولا فاسدة صار في مواضع من قوليهما مواضع ~~فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة وإن كانا لم يوافقا المعتزلة مطلقا # وهذه المسألة مسالة حد الكلام قد أنكرها عليهما جميع طوائف المسلمين حتى ~~الفقهاء والأصوليون والمصنفون في اصول الفقه على مذهب أبي حنيفة ومالك ~~والشافعي وأحمد يذكرون الكلام وأنواعه من الأمر والنهي والخبر وما فيه من ~~العام والخاص وأن الصيغة داخلة في مسمى ذلك عند جميع فرق الأمة أصوليها ~~وفقيهها ومحدثها وصوفيها إلا عند هؤلاء فكيف يضاف هذا القول إلى أهل الاصول ~~عموما وإطلاقا # ثم من العجب قول أبي القاسم عن أهل الأصول هو المعنى الذي قام بالقلب من ~~معنى الأمر والنهي والخبر والاستخبار ومعلوم أن الأمر والنهي والخبر ~~والاستخبار أنواع الكلام والجنس ينقسم إلى أنواعه واسمه صادق على كل نوع من ~~الانواع كما إذا قسمنا الحيوان إلى طير ودواب يعمهما ويصدق اسمه ms095 على كل ~~منهما فيجب أن يكون حد الكلام واسمه صادقا على أنواعه من الأمر والنهي ~~والخبر PageV01P212 والاستخبار فإن كان الكلام ليس إلا مجرد المعنى فهذه ~~الأنواع ليست إلا مجرد معنى فإذا قال إن الكلام هو المعنى الذي قام بالقلب ~~من معنى الأمر والنهي والخبر والاستخبار كان قد جعل المعنى الذي للأمر غير ~~الأمر وهذا يطابق قول اهل الجماعة لا يطابق قوله بل كان حقه أن يقول المعنى ~~الذي قام بالقلب من الأمر والنهي لا من معنى الأمر والنهي لكنه تكلم في ~~الأمر والنهي والخبر والاستخبار # فأما في الكلام فتكلم فيه بما تلقاه عن أولئك المتكلمة الذين أحسنوا في ~~مواضع كثيرة وردوا بها على المعتزلة وغيرهم وأساءوا في مواضع خالفوا بها ~~السنة وإن كانوا متأولين والله يغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات ربنا اغفر ~~لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ~~ربنا إنك رءوف رحيم [ سورة الحشر 10 ] # | فصل في الحديث الذي في الصحيحين عن جويرية أم المؤمنين لما خرج النبي # ص من عندها ثم رجع إليها فوجدها تسبح بحصى فقال لها ما زلت منذ اليوم ~~قالت نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات ~~لو وزنت بما قلتيهن منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله عدد خلقه سبحان ~~PageV01P213 الله زنة عرشه سبحان الله رضا نفسه سبحان الله مداد كلماته # فيه فوائد ترد على الجهمية والمتفلسفة # منها قوله زنة عرشه وذلك في معرض التعظيم لوزن العرش وأنه أعظم المخلوقات ~~وزنا وذلك يدل على ثقله كما جاءت بعض الأحاديث بثقله خلافا لما يقوله من ~~يقوله المتفلسفة إن الأفلاك وما فوقها ليس بثقيل ولا خفيف بناء على اصطلاح ~~لهم الثقيل ما تحرك إلى السفل والخفيف ما تحرك إلى فوق وإن الأفلاك لا تهبط ~~ولا تصعد وذلك أن الله أمسكها بقدرته كما امسك الأرض في مقرها مع العلم بأن ~~مقر الأجسام أمر عدمي ليس فيه ما يوجب اختصاص شئ به دون الآخر # ومنها قوله رضا نفسه فيه ms096 إثبات نفسه وإثبات رضاه وأن رضاه ليس هو مجرد ~~إرادته فإنه قد قال عدد خلقه والمخلوق هو الذي أراده وشاءه فلو كان رضاه هو ~~إرادته لكان مراده موجودا فإن مراده قد وجد قبل هذا الكلام فإنه ما شاء ~~الله كان وهذا الكلام PageV01P214 يقتضي أن رضى نفسه أعظم من ذلك ومن ذلك ~~أنه جمع بين رضا نفسه ومداد كلماته فأثبت له الرضا والكلام والرضا مستلزم ~~الإرادة وإن لم يكن هو عين الإرادة ففيه إثبات كلامه ورضاه الذي يتضمن ~~محبته ومشيئته # وهاتان الصفتان الصفتان هما اللتان أنكرهما الجعد بن درهم أول الجهمية ~~لما زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا إذ لا محبة له ولا رضا ولم يكلم ~~موسى تكليما وعن ذلك نفت المعتزلة أن يكون له في نفسه إرادة أو كلام ولم ~~يجعلوا ذلك إلا مخلوقا في غيره # وتقرب منهم طائفة من الأشعرية فأثبتت الإرادة ولم يجعلوا المحبة والرضا ~~صفة إلا الإرادة وأثبتت الكلام ولم يجعلوه إلا معنى واحدا قائما بذاته ~~فوافقوا أهل الإثبات في بعض الحق والجهمية في بعض الباطل # ومن ذلك أنه انتقل من صفة المخلوق إلى صفة الخالق فذكر عدد المخلوقات ~~وذكر وزن سقفها وأعظمها كما في الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنها وسط الجنة وأعلى الجنة وسقفها عرش ~~الرحمن PageV01P215 # | فصل يتعلق بالسماع قال أبو القاسم القشيري في باب السماع قال الله # تعالى فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [ سورة الزمر 18 ] # قال أبو القاسم اللام في قوله القول تقتضي التعميم والاستغراق والدليل ~~عليه أنه مدحهم بأتباع الأحسن # قلت وهذا يذكره طائفة منهم أبو عبد الرحمن السلمي وغيره وهو غلط بأتفاق ~~الأمة وأئمتها لوجوه # احدهما أن الله سبحانه وتعالى لا يأمر باستماع كل قول بإجماع المسلمين ~~حتى يقال اللام للاستغراق والعموم بل من القول ما يحرم استماعه ومنه ما ~~يكره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من استمع إلى حديث قوم وهم له ~~كارهون صب في أذنيه الآنك ms097 يوم القيامة PageV01P216 # وقد قال تعالى وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا ~~في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ~~وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن ذكرى لعلهم يتقون [ سورة الأنعام ~~68 69 ] # فقد أمر سبحانه بالإعراض عن كلام الخائضين في آياته ونهى عن القعود معهم ~~فكيف يكون استماع كل قول محمودا # وقال تعالى وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيا ت الله يكفر بها ~~ويستهزئ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم [ ~~سورة النساء 140 ] # فجعل الله المستمع لهذا الحديث مثل قائله فكيف يمدح كل مستمع كل قول # وقال تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن ~~اللغو معرضون [ سورة المؤمنون 1 3 ] # وقال تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما إلى قوله وإذا مروا باللغو مروا كراما [ سورة الفرقان ~~63 72 ] # وروى أن ابن مسعود سمع صوت لهو فأعرض عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إن كان ابن مسعود لكريما PageV01P217 # فإذا كان الله تعالى قد مدح وأثنى علي من أعرض عن اللغو ومر به كريما لم ~~يستمعه كيف يكون استماع كل قول مدوحا # وقد قال تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسئولا [ سورة الإسراء 36 ] فقد أخبر أنه يسأل العبد عن سمعه ~~وبصره وفؤاده ونهاه أن يقول ما ليس له به علم # وإذا كان السمع والبصر والفؤاد كل ذلك منقسم إلى ما يؤمر به وإلى ما ينهى ~~عنه والعبد مسئول عن ذلك كله كيف يجوز أن يقال كل قول في العالم كان فالعبد ~~محمود على استماعه هذا بمنزلة أن يقال كل مرئي في العالم فالعبد ممدوح على ~~النظر إليه # ولهذا دخل الشيطان من هذين البابين على كثير من النساك فتوسعوا في النظر ~~إلى الصور المنهى عن النظر إليها وفي ms098 استماع الأقوال والأصوات التي نهوا عن ~~استماعها ولم يكتف الشيطان بذلك حتى زين لهم أن جعلوا ما نهوا عنه عبادة ~~وقربة وطاعة فلم يحرموا ما حرم الله ورسوله ولم يدينوا دين الحق # كما حكى عن أبي سعيد الخراز أنه قال رأيت إبليس في النوم PageV01P218 وهو ~~يمر عني ناحية فقلت له تعال مالك فقال بقى لي فيكم لطيفة السماع وصحبة ~~الأحداث # وأصحاب ذلك وإن كان فيهم من ولاية الله وتقواهم ومحبته والقرب إليه ما ~~فاقوا به على من لم يساوهم في مقامهم فليسوا في ذلك بأعظم من أكابر السلف ~~المقتتلين في الفتنة والسلف المستحلين لطائفة من الأشربة المسكرة ~~والمستحلين لربا الفضل والمتعة والمستحلين للحشوش كما قال عبد الله بن ~~المبارك رب رجل في الإسلام له قدم حسن وآثار صالحة كانت منه الهفوة والزلة ~~لا يقتدى به في هفوته وزلته # والغلط يقع تارة في استحلال المحرم بالتأويل وفي ترك الواجب بالتأويل وفي ~~جعل المحرم عبادة بالتأويل كالمقتتلين في الفتنة حيث رأوا ذلك واجبا ~~ومستحبا وكما قال طائفة مثل عبد الله بن داود PageV01P219 الحربي وغيره إن ~~شرب النبيذ المختلف فيه أفضل من تركه # فالتأويل يتناول الأصناف الخمسة فيجعل الواجب مستحبا ومباحا ومكروها ~~ومحرما ويجعل المرحم مكروها ومباحا ومستحبا وواجبا وهكذا في سائرها # ومما يعتبر به أن النساك وأهل العبادة والإرادة توسعوا في السمع والبصر ~~وتوسع العلماء وأهل الكلام والنظر في الكلام والنظر بالقلب حتى صار لهؤلاء ~~الكلام المحدث ولهؤلاء السماع المحدث هؤلاء في الحروف وهؤلاء في الصوت وتجد ~~أهل السماع كثيري الإنكار على أهل الكلام كما صنف الشيخ أبو عبد الرحمن ~~السلمي مصنفا في ذم الكلام وأهله وهما من أئمة أهل السماع ونجد أهل العلم ~~والكلام مبالغين في ذم أهل السماع كما نجده في كلام أبي بكر بن فورك وكلام ~~المتكلمين في ذم السماع وأهله والصوفية ما لا يحصى كثرة # وذلك أن هؤلاء فيهم انحراف يشبه انحراف اليهود أهل العلم PageV01P220 ~~والكلام وهؤلاء فيهم انحراف يشبه انحراف النصارى أهل العبادة والإرادة # وقد قال الله ms099 في الطائفتين وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شئ وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل ~~قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون [ سورة البقرة ~~113 ] # ولهذا تجد تنافرا بين الفقهاء والصوفية وبين العلماء والفقراء إمن هذا ~~الوجه # والصواب أن يحمد من حال كل قوم ما حمده الله ورسوله كما جاء به الكتاب ~~والسنة ويذم من حال كل قوم ما ذمه الله ورسوله كما جاء به الكتاب والسنة ~~ويجتهد المسلم في تحقيق قوله اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين [ سورة الفاتحة 6 7 ] قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون وقد تكلمنا على بعض ما يتعلق ~~PageV01P221 بهذه الأمور في غير هذا الموضع في مواضع # الوجه الثاني أن المراد بالقول في هذا الموضع القرآن كما جاء ذلك في قوله ~~ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون [ سورة القصص 51 ] فإن القول الذي ~~أمروا بتدبره هو الذي أمروا بأستماعه والتدبر بالنظر والاستدلال والاعتبار ~~والاستماع فمن أمرنا بأستماع كل قول أو بأستماع القول الذي لم يشرع استماعه ~~فهو بمنزلة من أمر بتدبر كل قول والنظر فيه أو بالتدبر للكلام الذي لم يشرع ~~تدبره والنظر فيه فالمنحرفون في النظر والاستدلال بمثل هذه الأقوال من أهل ~~الكلام المبتدع # وذلك أن اللام في لغة العرب هي للتعريف فتنصرف إلى المعروف عند المتكلم ~~والمخاطب وهي تعم جميع المعروف فاللام في القول تقتضي التعميم والاستغراق ~~لكن عموم ما عرفته وهو القول المعهود المعروف بين المخاطب والمخاطب ومعلوم ~~ان ذلك هو القول الذي أثنى الله عليه وأمرنا بأستماعه والتدبر له واتباعه ~~فإنه قال في أول هذه السورة تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا أنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق فأعبد الله مخلصا له الدين الا لله الدين PageV01P222 ~~الخالص [ سورة الزمر 1 3 ] فذكر في السورة كلامه ودينه الكلم الطيب والعمل ~~الصالح # وخير الكلام كلام الله وأصل العمل الصالح عبادة الله وحده ms100 لا شريك له كما ~~في قوله قل الله أعبد مخلصا له ديني فأعبدوا ما شئتم من دونه قل إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران ~~المبين إلى قوله والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوا وأنابوا إلى الله لهم ~~البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم ~~الله وأولئك هم اولو الألباب [ سورة الزمر 14 18 ] # ثم قال بعد ذلك @QB@ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله @QE@ [ سورة الزمر 22 23 ] # فأثنى على أهل السماع والوجد للحديث الذي نزله وهو أحسن الحديث ولم يثن ~~على مطلق الحديث ومستمعه بل تضمن السياق الثناء على أهل ذكره والاستماع ~~لحديثه كما جمع بينهما في قوله @QB@ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ~~لذكر الله وما نزل من الحق @QE@ [ سورة الحديد 16 ] وفي قوله @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله @QE@ PageV01P223 @QB@ وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا @QE@ [ سورة الأنفال 2 ] # وقال تعالى @QB@ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون واذكر ~~ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول @QE@ [ سورة الأعراف 204 205 ~~] # ثم قال بعد ذلك @QB@ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم ~~يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون @QE@ [ سورة الزمر 27 28 ] ~~فذكر القرآن وبين أنه قدر فيه من جميع المقاييس والأمثال المضروبة لأجل ~~التذكير فدعى هنا إلى التذكير والاعتبار بما فيه من الأمثال وذلك يتضمن ~~النظر والاستدلال والكلام المشروع كما أنه في الآية الأولى أثنى على أهل ~~السماع له والوجد وذلك يتضمن السماع والوجد المشروع # ثم قال بعد ذلك فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه ~~أليس في جهنم مثوى للمتكبرين والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون [ ~~سورة ms101 الزمر 32 33 ] # ذكر البخاري في صحيحه تفسير مجاهد وهو أصح تفسير التابعين قال والذي جاء ~~بالصدق القرآن وصدق به المؤمن PageV01P224 يجئ يوم القيامة يقول هذا الذي ~~أعطيتني عملت بما فيه فذكر الصدق والمصدق به مثنيا عليه وذكر الكاذب ~~والمكذب للحق وهما نوعان من القول ملعونان هما وأهلها فكيف يكون مثنيا على ~~من استمعها # ولا ريب أن البدعة الكلامية والسماعية المخالفة للكتاب والسنة تتضمن ~~الكذب على الله والتكذيب بالحق كالجهمية الذين يصفون الله بخلاف ماوصف به ~~نفسه فيفترون عليه الكذب أو يروون في ذلك آثار مضافة إلى الله أو يضربون ~~مقاييس ويسندونها إلى العلوم الضرورية والمعقول الصحيح الذي هو حق من الله ~~وكل ذلك كذب ويكذبون بالحق لما جاءه وهو ما ورد به الكتاب والسنة من الخبر ~~بالحق والأمثال المضروبة له وكذلك كثير من الأشعارالتي يسمعها اهل السماع ~~قد يتضمن من الكذب على الله والتكذيب بالحق أنواعا # ونفس الانتصار لما خالف الشريعة من السماع وغيره يتضمن الكذب على الله ~~مثل أن يقول القائل إن الله أراد بقوله @QB@ الذين يستمعون القول @QE@ [ ~~سورة الزمر 18 ] مستمع كل قول في العالم فهذا كذب على الله وإن كان قائله ~~منا ولأنهم يكذبون بالحق المخالف لأهوائهم PageV01P225 # ثم قال تعالى بعد ذلك إنا أنزلنا عليك الكتاب بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ~~ضل فإنما يضل عليها وما انت عليهم بوكيل [ سورة الزمر 41 ] فأخبر أنه أنزل ~~القول الذي هو الكتاب بالحق وإن المهتدى لنفسه هداه وضلاله على نفسه ~~والرسول ليس بوكيل عليهم يحصى أعمالهم ويجزيهم عليها بل إلى الله إيابهم ~~وعلى الله حسابهم # ثم قال يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ولا تقنطوا من رحمة الله إلى ~~قوله @QB@ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ [ سورة الزمر 53 55 ] ~~وهذا الأحسن هنا هو الأحسن الذي في قوله @QB@ الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه @QE@ [ سورة الزمر 18 ] وفي قوله لموسى عن التوراة @QB@ فخذها بقوة ~~وأمر قومك يأخذوا بأحسنها @QE@ [ سورة الأعراف 145 ] كما سنذكره إن شاء ~~الله # ثم قال وسيق ms102 الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت ابوابها وقال ~~لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا قالوا بلا إلى قوله @QB@ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا @QE@ ~~إلى قوله @QB@ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من ~~الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين @QE@ [ سورة الزمر 71 74 ] مع قوله وجئ ~~بالنبيين والشهداء [ سورة الزمر 69 ] PageV01P226 # فجعل الفرقان بين أهل الجنة والنار هؤلاء الآيات التي تلتها الرسل عليهم ~~فمن استمعها واتبعها كان من المؤمنين أهل الجنة ومن أعرض عنها كان من ~~الكافرين أهل النار # والكتاب هو الذي جعله الله حاكما بين الناس كما قال @QB@ وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه @QE@ [ سورة البقرة 213 ] # فهذا كله إذا تدبره المؤمن علم علما يقينا أن الكتاب والقول والحديث ~~وآيات الله كل ذلك واحد والمحمودون الذين أثنى الله عليهم هم المتبعون لذلك ~~استماعا وتدبرا وإيمانا وعملا أما مدح الاستماع لكل قول فهذا لا يقصده عاقل ~~فضلا عن ان يفسر به كلام الله وهذا يتوكد بالوجه الثالث # وهو ان الله في كتابه إنما حمد استماع القرآن وذم المعرضين عن استماعه ~~وجعلهم أهل الكفر والجهل الصم البكم فأما مدحه لاستماع كل قول فهذا شئ لم ~~يذكره الله قط كما قال تعالى @QB@ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~لعلكم ترحمون @QE@ [ سورة الأعراف 204 ] # وقال تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا @QE@ [ سورة الأنفال 2 ] # وقال تعالى @QB@ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية @QE@ ~~PageV01P227 @QB@ آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن ~~هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا @QE@ [ سورة ~~مريم 58 ] # وقال تعالى @QB@ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~مما عرفوا من الحق @QE@ [ سورة المائدة 83 ] # وقال تعالى @QB@ الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان ~~سجدا ويقولون سبحان ربنا إن ms103 كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ~~ويزيدهم خشوعا @QE@ [ سورة الإسراء 107 109 ] # وقال الله تعالى في ذم المعرضين عنه @QB@ إن شر الدواب عند الله الصم ~~البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا ~~وهم معرضون @QE@ [ سورة الأنفال 22 23 ] # وقال تعالى @QB@ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ~~ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون @QE@ [ سورة البقرة 171 ] # وقال تعالى والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا [ ~~سورة الفرقان 73 ] # وفال تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون سورة فصلت 26 # وقال تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر PageV01P228 مستفرة فرت ~~من قسورة [ سورة المدثر 49 51 ] # وقال تعالى أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون [ ~~سورة النجم 59 61 ] قال غير واحد من السلف هو الغناء فقال اسمد لنا أي عن ~~لنا فذم المعرض عما يجب من استماع المشتغل عنه باستماع الغناء كما هو فعل ~~كثير من الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وحال كثير من المتنسكة في ~~اعتياضهم بسماع المكاء والتصدية عن سماع قول الله تعالى # ومثل هذا قوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ~~بغير علم ويتخذها هزوا [ سورة لقمان 6 ] # وقال تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ثم قال وعلى أبصارهم غشاوة [ سورة البقرة 6 ~~7 ] # وقال تعالى وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون [ سورة فصلت 5 ] PageV01P229 # وقال تعالى ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا ~~العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم [ ~~سورة محمد 16 ] # وقال ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون [ سورة ~~يونس 42 ] # وقال ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى ms104 العمى ولو كانوا لا يبصرون [ سورة ~~يونس 43 ] # وقال تعالى ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا [ سورة الأنعام 25 ] # الوجه الرابع أنهم لا يستحسنون استماع كل قول منظوم ومنثور بل هم من أعظم ~~الناس كراهة ونفرة لما لا يحبونه من الأقوال منظومها ومنثورها و نفورهم عن ~~كثير من الأقوال أعظم من نفور المنازع لهم في سماع المكاء والتصدية عن هذا ~~السماع وإذا لم يكن العموم مرادا بالاتفاق كان حمل الآية عليه باطلا # الوجه الخامس أنه قال فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه سورة ~~الزمر 17 18 ] فمدحهم بأستماع القول واتباع أحسنه # ومعلوم أن كثيرا من القول ليس فيه حسن فضلا عن ان يكون فيه أحسن بل فيه ~~كما قال الله تعالى ومثل كلمة خبيثة PageV01P230 كشجرة خبيثة اجتثت من فوق ~~الأرض ما لها من قرار [ سورة إبراهيم 26 ] # وقال تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أوكذب بالحق لما جاءوه [ ~~سورة العنكبوت 68 ] # وقال وكذلك نجزي المفترين [ سورة الاعراف 152 ] # وقال ولا يغتب بعضكم بعبضا [ سورة الحجرات 12 ] # وقال تعالى ولا تنابزوا بالألقاب [ سورة الحجرات 11 ] # وقال إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول [ سورة ~~المجادلة 9 ] # وقال تعالى ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي ~~تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا [ ~~سورة النساء 81 ] # وهو قد استدل بقوله فيتبعون أحسنه [ سورة الزمر 18 ] على العموم وهو حجة ~~على صدق ذلك كما تقدم # وقوله فيتبعون أحسنه كقوله في هذه السورة واتبعوا أحسن ما انزل إليكم من ~~ربكم [ سورة الزمر 55 ] فهذه الكلمة مثل هذه الكلمة سواء بسواء # وهذا من معاني تشابه القرآن كما قال تعالى الله نزل أحسن PageV01P231 ~~الحديث كتابا متشابها مثانى [ سورة الزمر 23 ] فأتباع أحسن ما أنزل إلينا ~~من ربنا هو اتباع أحسن القول # وبهذا أمر بني إسرائيل حيث قال وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة ms105 ~~وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها [ سورة الأعراف 145 ] # ثم قال أبو القاسم وقال تعالى فهم في روضة يحبرون [ سورة الروم 15 ] جاء ~~في التفسير أنه السماع # قلت فهذا قد ورد عن طائفة من السلف أنه السماع الحسن في الجنة وان الحور ~~العين يغنين بأصوات لم يسمع الخلائق بأحسن منها لكن تنعيم الله تعالى ~~لعباده بالأصوات الحسنة في الجنة واستماعها لا يقتضي أنه يشرع أو يبيح سماع ~~كل صوت في الدنيا فقد وعد في الآخرة بأشياء حرمها في الدنيا كالخمر والحرير ~~واواني الذهب والفضة # بل قال ص من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة وقال من لبس الحرير ~~في الدنيا لم يلبسه في PageV01P232 الآخرة وقال لا تشربوا في آنية الذهب ~~والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة # وهذه الأحاديث من الصحاح المشاهير المجمع على صحتها فقد أخبر أنه من ~~استعمل هذه الامور في الدنيا من المطعوم والملبوس وغيرها لم يستعلمه في ~~الآخرة # فلو قيل له هذا السماع الحسن الموعود به في الجنة هو لمن نزه مسامعه في ~~الدنيا عن سماع الملاهي لكان هذا أشبه بالحق والسنة وقد ورد به الأثر يقول ~~الله يوم القيامة أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير ~~الشياطين أدخلوهم وأسمعوهم تحميدي وتمجيدي والثناء على وأخبروهم أنهم لا ~~خوف عليهم ولاهم يحزنون PageV01P233 # ثم قال أبو القاسم واعلم أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة والنغم ~~المستلذة إذا لم يعتقد المستمع محظورا ولم يسمع على مذموم في الشرع ولم ~~ينجر في زمان هواه ولم ينخرط في سلك لهوه مباحا في الجملة ولا خلاف أن ~~الأشعار أنشدت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأنه سمعها ولم ينكر عليهم ~~في إنشادها فإذا جاز سماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع ~~بالألحان هذا ظاهر من الأمر ثم ما يوجب للمستمع توفر الرغبة على الطاعات ~~وتذكر ما أعد الله لعباده المتقين من الدرجات ويحمله على التحرز من الزلات ~~ويؤدي ms106 إلى قلبه في الحال صفاء الواردات مستحب في الدين ومختار في الشرع # قال وقد جرى على لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو قريب من الشعر وإن ~~لم يقصد أن يكون شعرا وذكر الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك قال كانت ~~الأنصار يحفرون الخندق PageV01P234 فجعلوا يقولون # % نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا % # فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم % اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ~~فأكرم الأنصار والمهاجرة % # وقال ليس هذا اللفظ منه ص على وزن الشعر # قلت تضمن هذا الكلام شيئين # أحدهما إباحة سماع الألحان والنغمات المستلذة بشرط ألا يعتقد المستمع ~~محظورا وألا يسمع مذموما في الشرع وألا يتبع منه هواه # والثاني أنما أوجد للمستمع الرغبة في الطاعات والاحتراز من PageV01P235 ~~الذنوب وتذكر وعد الحق ووصول الأحوال الحسنة إلى قلبه فهو مستحب # وعلى هاتين المقدمتين بني من قال بأستحباب ذلك مثل أبي عبد الرحمن السلمى ~~وأبي حامد وغيرهما وفي هؤلاء من قد يوجبه أحيانا إذا رأوا أنه لا يؤدي ~~الواجب إلا به # وكذلك يفضلونه على سماع القرآن إذا رأوا أن ما يحصل بسماع الألحان أكثر ~~مما يحصل بسماع القرآن وهم في ذلك يضاهون لمن يوجب من الكلام المحدث ما ~~يوجبه ولمن يفضل ما فيه من العلم على ما يستفاد من القرآن والحديث # لكن في أولئك من يرى الإيمان لا يتم إلا بما ابتدعوه من الكلام وفيهم من ~~يفكى بمخالفته أو يفسق # وأهل السماع أيضا فيهم من يرى الإيمان لا يتم إلا به وفيهم من يقول في ~~منكره الأقوال العظيمة وقد يكون يسعى في قتل منكره لكن جنسهم كان خيرا من ~~جنس المتكلمة مما فعلوا غير ذلك PageV01P236 من الذنوب كما يستحبون علم ~~الكلام ويوجبونه ويذمون تاركه ويسبونه ويعاملونه من العداوة بما يعامل به ~~الكافر وبإزاء استحباب هؤلاء أو ايجابهم أن قوما من أهل العلم يكفرونهم ~~بأستحباب ذلك أو إيجابه ولهذا تجد في المستحبين له وفي المنكرين له من ~~الغلو ما اوجب الافتراق والعداوة والبغضاء وأصل ذلك ms107 ترك الفريقين جميعا لما ~~شرعه الله من السماع الشرعي الذي يحبه الله ورسوله وعباده المؤمنون # وهاتان المقدمتان كلاهما غلط مشتمل على دليل مجمل من جنس استدلالهم بما ~~ظنوه من العموم في قوله الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [ سورة الزمر 18 ~~] وبما وعد الله به في الآخرة من السماع الحسن # ولهذا نشأ من هاتين المقدمتين اللتين لبس فيهما الحق بالباطل قول لم يذهب ~~إليه أحد من سلف الأمة ولا أئمتها فإنه وإن نقل عن بعض أهل المدينة وغيرهم ~~أنه سمع الغناء فلم يقل أحد منهم أنه مستحب في الدين ومختار في الشرع اصلا ~~بل كان فاعل ذلك منهم يرى مع ذلك كراهته وأن تركه أفضل أو يرى أنه من ~~الذنوب وغايته أن يطلب سلامته من الإثم أو يراه مباحا كألتوسع في لذات ~~المطاعم والمشارب والملابس والمساكن فأما رجاء الثواب بفعله والتقرب إلى ~~الله فهذا لا PageV01P237 يحفظ عن أحد من سلف الأمة وأئمتها بل المحفوظ ~~عنهم أنهم رأوا هذا من ابتداع الزنادقة كما قال الحسن بن عبد العزيز الجروي ~~سمعت الشافعي يقول خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون ~~به الناس عن القرآن # والتغبير هو الضرب بالقضيب غبر أي أثار غبارا وهو آلة من الآلات التي ~~تقرن بتلحين الغناء # والشافعي بكمال علمه وإيمانه علم ان هذا مما يصد القلوب عن القرآن ~~ويعوضها به عنه كما قد وقع أن هذا إنما يقصده زندبق منافق من منافقة ~~المشركين أو الصابئين وأهل الكتاب فإنهم هم الذين أمروا بهذا في الأصل كما ~~قال ابن الرواندي اختلف الفقهاء في PageV01P238 السماع فقال بعضهم هو مباح ~~وقال بعضهم هو محرم وعندي أنه واجب وهذا مما اعتضد به أبو عبد الرحمن في ~~مسألة السماع وهذا متهم بالزندقة # وكذلك ابن سينا في إشاراته أمر بسماع الألحان وبعشق الصور وجعل ذلك مما ~~يزكي النفوس ويهذبها ويصفيها وهو من PageV01P239 الصابئة الذين خلطوا بها ~~من الحنيفة ما خلطوا وقبله الفارابي كان إماما في صناعة التصويت موسيقيا ~~عظيما # فهذا كله يحقق قول الشافعي رضي ms108 الله عنه ونحن نتكلم على المقدمتين إن شاء ~~الله بكلام يناسب ما كتبته هنا # فأما احتجاجه بأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع ما أنشد بين يديه من ~~الأشعار ولم ينكره وأنه قال ما يشبه الشعر فيقال بل الشعر أعظم مما وصفته ~~فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن من الشعر حكمة ~~PageV01P240 # وقال جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم # وكان ينصب لحسان منبرا لينشد الشعر الذي يهجو فيه المشركين وقال اللهم ~~أيده بروح القدس وقال ص له إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه # وقال عن عبد الله بن رواحة إن أخا لكم لا يقول الرفث PageV01P241 # وقد استنشد الشريد بن سويد الثقفي مائة قافية من شعر أمية بن أبي الصلت ~~وهو يقول هيه هيه # وسمع قصيدة كعب بن زهير وهذا باب واسع # وقد قال الله تعالى في كتابه بعد ان قال والشعراء يتبعهم الغاوون [ سورة ~~الشعراء 224 ] ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا ~~وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [ سورة الشعراء 225 227 ] فلم يذم ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا من الشعراء المنتصرين من ~~بعد ما ظلموا # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا ~~PageV01P242 حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا فذم الممتلئ بالشعر الذي لم ~~يستعمل بما يوجب الإيمان والعمل الصالح وذكر الله كثيرا ولم يذم الشعر ~~مطلقا بل قد يبين معنى الحديث ما قاله الشافعي الشعر كلام فحسنه كحسن ~~الكلام وقبيحه كقبيحه هذا قوله في الشعر مع قوله في التغبير # ليبين أن إباحة أحدهما غير مستلزمة الآخر # وأما قوله فإذا جاز سماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن تسمع ~~بالألحان الطيبة هذا ظاهر من الأمر فإن هذه حجة فاسدة جدا والظاهر إنما هو ~~عكس ذلك فإن نفس سماع الالحان مجردا عن كلام يحتاج إلى ms109 ان تكون مباحة مع ~~انفرادها وهذا من أكبر مواقع النزاع فإن أكثر المسلمين على خلاف ذلك ولو ~~كان كل من الشعر أو التلحين مباحا على الانفراد لم يلزم الإباحة عند ~~الاجتماع إلا بدليل خاص فإن التركيب له خاصة يتعين الحكم بها PageV01P243 ~~وهذه الحجة بمنزلة حجة من قال إن خبر الواحد إذا لم يفد العلم عند انفراده ~~لم يفد العلم مع نظائره ومع القرائن فجحد العلم الحاصل بالتواتر # وبمنزلة ما يذكر عن إياس بن معاوية أن رجلا قال له ما تقول في الماء قال ~~حلال قال والتمر قال حلال قال فالنبيذ قال ماء وتمر # فقال له إياس بن معاوية أرأيت لو ضربتك بكف من تراب أكنت أقتلك قال لا ~~قال فإن ضربتك بكف من تبن أكنت أقتلك قال لا قال فإن ضربتك بماء أكنت أقتلك ~~قال لا قال فإن أخذت الماء والتبن والتراب فجعلتهما طينا وتركته حتى جف ~~وضربتك به أقتلك قال نعم فقال كذلك النبيذ يقول إن القاتل هو القوة الحاصلة ~~بالتركيب والمفسد للعقل هو القوة المسكرة الحاصلة بالتركيب # وكذلك هنا الذي يسكر النفوس ويلهيها ويصدها عن ذكر الله وعن الصلاة قد ~~يكون في التركيب وليست الأصوات المجتمعة في استفزارها للنفوس وإزعاجها إما ~~بنياحة وتحزين وإما بإطراب وإسكار وإما بإغضاب وحمية بمنزلة الصوت الواحد # وهذا القرآن الذي هو كلام الله وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~تحسين الصوت به وقال زينوا القرآن بأصواتكم PageV01P244 # وقال لأبي موسى لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك فقال ~~لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا # وكان عمر يقول يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون ~~PageV01P245 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشئ كأذنه لنبي حسن الصوت ~~يتغنى بالقرآن ويجهر به # وقال لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى ~~قينته # ومع هذا فلا يسوغ أن يقرأ القرآن بألحان الغناء ولا أن يقرن به من ~~الألحان ما يقرن بالغناء من الآلات ms110 وغيرها لا عند من يقول بإباحة ذلك ولا ~~عند من يحرمه بل المسلمون متفقون على الإنكار لأن يقرن بتحسين الصوت ~~بالقرآن الآلات المطربة بالفم كالمزامير وباليد كالغرابيل # فلو قال قائل النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ القرآن وقد استقرأه من ابن ~~مسعود وقد استمع لقراءة أبي موسى وقال لقد أوتى مزمارا من مزامير داود فإذا ~~قال قائل إذا جاز ذلك بغير هذه الألحان فلا PageV01P246 بتغير الحكم بأن ~~يسمع بالألحان كان هذا منكرا من القول وزورا بأفاق الناس # وأما المقدمة الثانية وهي قوله بعد أن أثبت الإباحة إن ما أوجب للمستمع ~~أن يوفر الرغبة على الطاعات ويذكر ما أعد الله لعباده المتقين من الدرجات ~~ويحمله على التحرز من الزلات ويؤدي إلى قلبه في الحال صفاء الواردات مستحب ~~في الدين ومختار في الشرع فنقول تحقيق هذه المقدمة أن الله سبحانه يحب ~~الرغبة فيما أمر به والحذر مما نهى عنه ويحب الإيمان بوعده ووعيده وتذكر ~~ذلك وما يوجبه من خشيته ورجائه ومحبته والإنابة إليه ويحب الذين يحبونه فهو ~~يحب الإيمان أصوله وفروعه والمؤمنين والسماع يحصل المحبوب وما حصل المحبوب ~~فهو محبوب فالسماع محبوب # وهذه المقدمة مبناها على أصلين أحدهما معرفة ما يحبه الله # والثاني أن السماع يحصل محبوب الله خالصا أو راجحا # فإنه إذا حصل محبوبه ومكروهه والمكروه أغلب كان مذموما وإن تكافأ فيه ~~المحبوب والمكروه لم يكن ولا مكروها PageV01P247 # أما الأصل الأول وهو معرفة ما يحبه الله فهي أسهل وإن كان غلط في كثير ~~منها كثير من الناس # وأما الأصل الثاني وهو ان السماع المحدث يحصل هذه المحبوبات فالشأن فيها ~~ففيها زل من زل وضل من ضل ولا حول ولا قوة إلا بالله # ونحن نتكلم على ذلك بوجوه نبين بها إن شاء الله المقصود # الوجه الأول أن نقول يجب أن يعرف أن المرجع في القرب والطاعات والديانات ~~والمستحبات إلى الشريعة ليس لأحد أن يبتدع دينا لم يأذن الله به ويقول هذا ~~يحبه الله بل بهذه الطريق بدل دين الله وشرائعه وابتدع ms111 الشرك وما لم ينزل ~~الله به سلطانا # وكل ما في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة وأئمة الدين ومشايخه من الحض ~~على اتباع ما أنزل إلينا من ربنا واتباع صراطه المستقيم واتباع الكتاب ~~واتباع الشريعة والنهي عن ضد ذلك فكله نهى عن هذا وهو ابتداع دين لم يأذن ~~الله به سواء كان الدين فيه عبادة غير الله وعبادة الله بما لم يأمر به بل ~~دين الحق أن نعبد الله وحده لا شريك له بما أمرنا به على ألسنة رسله كما ~~قال الفضيل بن عياض في قوله ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ سورة الملك 2 ] قال ~~أخلصه وأصوبه قيل يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه فقال إن العمل PageV01P248 ~~إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ~~حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على ألسنة # وكلام المشايخ الذين ذكرهم أبو القاسم في هذا الأصل كثير مثل ما ذكره عن ~~الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال ربما يقع النكتة في قلبي من نكت القوم ~~أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة # وعن صاحبه أحمد بن أبي الحواري أنه قال من عمل بلا أتباع سنة فباطل عمله # وعن سهل بن عبد الله التستري أنه قال كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء ~~طاعة كان أو معصية فهو عيش النفس وكل فعل يقفعله بالاقتداء فهو عذاب على ~~النفس وعن أبي حفص النيسابوري أنه قال من لم يزن أفعاله وأحواله كل وقت ~~بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال # وعن الجنيد بن محمد أنه قال الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى ~~أثر الرسول صلى الله عليه وسلم # وعن الجنيد أيضا أنه قال من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به ~~في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة وعن أبي PageV01P249 عثمان ~~النيسابوري أنه قال من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر ~~الهوى ms112 على نفسه نطق بالبدعة قال الله تعالى وإن تطيعوا تهتدوا [ سورة النور ~~54 ] # وعن أبي حمزة البغدادي قال من علم طريق الحق تعالى سهل عليه سلوكه ولا ~~دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول في أحواله وأقواله وأفعاله # وعن أبي عمرو بن نجيد قال كل حال لا يكون نتيجة علم فإن ضرره أكثر على ~~صاحبه من نفعه وسئل عن التصوف فقال الصبر تحت الأمر والنهى # وعن أبي يعقوب النهرجورى قال أفضل الأحوال ما قارن العلم ومثل هذا كثير ~~في كلام أئمة المشايخ وهم إنما وصوا بذلك لما يعلمونه من حال كثير من ~~السالكين أنه يجري مع ذوقه ووجده وما يراه ويهواه غير متبع لسبيل الله التي ~~بعث بها وهذا نوع الهوى بغير هدى من الله # والسماع المحدث يحرك الهوى ولهذا كان بعض المشايخ المصنفين في ذمه سمى ~~كتابه الدليل الواضح في النهى عن ارتكاب الهوى الفاضح ولهذا كثيرا ما يوجد ~~في كلام المشايخ الأمر بمتابعة العلم يعنون بذلك PageV01P250 الشريعة كقول ~~أبي يزيد البسطامي رحمه الله عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا ~~أشد علي من العلم ومتابعته ولولا اختلاف العلماء لتفتت واختلاف العلماء ~~رحمة إلا في تجريد التوحيد # وقال أبو الحسين النوري من رأيته يدعى مع الله حالة تخرجه عن حد العلم ~~الشرعي فلا تقربن منه # وقال أبو عثمان النيسابوري الصحبة مع الله بحسن الأدب ودوام الهيبة ~~والمراقبة والصحبة مع الرسول صلى الله عليه وسلم بأتباع سنته ولزوم ظاهر ~~العلم والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والخدمة والصحبة مع الأهل بحسن ~~الخلق والصحبة مع الإخوان بدوام البشر ما لم يكن إثما والصحبة مع الجهالة ~~بالدعاء لهم والرحمة عليهم # وذلك لأنه لما كان أصل الطريق هو الإرادة والقصد والعمل في ذلك فيه من ~~الحب والوجد ما لا ينضبط فكثير ما يعمل السالك بمقتضى ما يجده في قلبه من ~~المحبة وما يدركه ويذوقه من طعم العبادة وهذا إذا لم يكن موافقا لأمر الله ~~ورسوله وإلا كان صاحبه في ضلال من جنس ms113 ضلال المشركين وأهل الكتاب الذين ~~اتبعوا أهوائهم بغير هدى من الله PageV01P251 # قال الله تعالى أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا [ سورة ~~الفرقان 43 ] # وقال تعالى فإن لم يستجيبوا لك فأعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن ~~اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين [ سورة القصص ~~50 ] # وقال تعالى وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ~~[ سورة الأنعام 119 ] # وقال تعالى ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من ~~الله من ولى ولا نصير [ سورة البقرة 120 ] # وقال تعالى @QB@ قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ [ سورة ~~المائدة 77 ] # وكثيرا ما يبتلى من أهل السماع بشعبة من حال النصارى من الغلو في الدين ~~واتباع أهواء قوم قد ضلوا من قبل وإن كان فيهم من فيه فضل وصلاح فهم فيما ~~ابتدعوه من ذلك ضالون عن سبيل الله يحسبون أن هذه البدعة تهديهم إلى محبة ~~الله وإنها لتصدهم عن سبيل الله فإنهم عشوا عن ذكر الله الذي هو كتابه عن ~~استماعه وتدبره واتباعه PageV01P252 # وقد قال تعالى @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ~~وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت ~~بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في ~~العذاب مشتركون @QE@ [ سورة الزخرف 36 39 ] # وقد قال تعالى @QB@ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء ~~بعض والله ولي المتقين @QE@ [ سورة الجاثية 18 19 ] فالشريعة التي جعله ~~عليها تتضمن ما أمر به وكل حب وذوق ووجد لا تشهد له هذه الشريعة فهو من ~~أهواء الذين ms114 لا يعلمون فإن العلم بما يحبه الله إنما هو ما أنزله الله إلى ~~عباده من هداه # ولهذا قال في إحدى الآيتين @QB@ وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم @QE@ ~~[ سورة الأنعام 119 ] وقال في الآية الأخرى @QB@ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم ~~أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ [ سورة ~~القصص 50 ] # فكل من اتبع ذوقا أو وجدا بغير هدى من الله سواء كان ذلك عن حب أو بغض ~~فليس لأحد أن يتبع ما يحبه فيأمر به ويتخذه دينا وينهى عما يبغضه ويذمه ~~ويتخذ ذلك دينا إلا بهدى من الله وهو شريعة الله التي جعل عليها رسوله ومن ~~اتبع ما يهواه حبا وبغضا بغير الشريعة فقد اتبع هواه بغير هدى من الله ~~PageV01P253 # ولهذا كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شئ من الدين من أهل ~~الأهواء ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء ويذمونهم بذلك ويأمرون بألا يغتر ~~بهم ولو أظهروا ما أظهروه من العلم والكلام والحجاج أو العبادة والأحوال ~~مثل المكاشفات وخرق العادات كقول يونس بن عبد الأعلى قلت للشافعي تدري يا ~~أبا عبد الله ما كان يقول فيه صاحبنا أريد الليث بن سعد وغيره كان يقول لو ~~رأيته يمشي على الماء لا تثق به ولا تعبأ به ولا تكلمه قال الشافعي فإنه ~~والله ما قصر # وعن عاصم قال قال أبو العالية تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا ~~عنه وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام ولا تحرفوا الإسلام يمينا وشمالا ~~وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه وإياكم وهذه الأهواء التي تلقى ~~بين الناس العداوة والبغضاء فحدثت الحسن قال صدق ونصح قال فحدثت حفصة بنت ~~سيرين فقالت أبا علي أنت حدثت محمدا بهذا قلت لا قالت فحدثه إذا # وقال أبي بن كعب عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما على الأرض عبد على السبيل ~~والسنة ذكر الله ففاضت به عيناه من خشية الله فيعذبه PageV01P254 وما على ~~الأرض عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فأقشعر جلده من خشية ms115 الله ~~إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها فهى كذلك إذ أصابتها ريح شديدة فتحات ~~عنها ورقها ولتحط عنه خطاياه كما تحات عن تلك الشجرة ورقها وإن اقتصادا في ~~سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فانظروا أن يكون عملكم إن كان ~~اجتهادا أو اقتصادا أن يكون على منهاج الأنبياء وسنتهم # وكذلك قال عبد الله بن مسعود الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في ~~البدعة # وقيل لأبي بكر بن عياش يا أبا بكر من السنى قال الذي إذا ذكرت الأهواء لم ~~يغضب لشئ منها # وهذا أصل عظيم من أصول سبيل الله وطريقه يجب الاعتناء به وذلك أن كثيرا ~~من الأفعال قد يكون مباحا في الشريعة أو مكروها أو متنازعا في إباحته ~~وكراهته وربما كان محرما أو متنازعا في تحريمه فتستحبه طائفة من الناس ~~يفعلونه على أنه حسن مستحب ودين وطريق يتقربون به حتى يعدون من يفعل ذلك ~~أفضل ممن لا يفعله وربما جعلوا ذلك PageV01P255 من لوازم طريقتهم إلى الله ~~أو جعلوه شعار الصالحين وأولياء الله ويكون ذلك خطأ وضلالا وابتداع دين لم ~~يأذن به الله # مثال ذلك حلق الرأس في غير الحج والعمرة لغير عذر فإن الله قد ذكر في ~~كتابه حلق الرأس وتقصيره في النسك وذكر حلقه لعذر في قوله @QB@ فمن كان ~~منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك @QE@ [ سورة ~~البقرة 196 ] # وأما حلقه لغير ذلك فقد تنازع العلماء في إباحته وكراهته نزاعا معروفا ~~على قولين هما روايتان عن أحمد ولا نزاع بين علماء المسلمين وأئمة الدين أن ~~ذلك لا يشرع ولا يستحب ولا هو من سبيل الله وطريقه ولا من الزهد المشروع ~~للمسلمين ولا مما أثنى الله به على أحد من الفقراء # ومع هذا فقد اتخذه طوائف من النساك الفقراء والصوفية دينا حتى جعلوه ~~شعارا وعلامة على أهل الدين والنسك والخير والتوبة والسلوك إلى الله المشير ~~إلى الفقر والصوفية حتى أن من لم يفعل ذلك يكون منقوصا عندهم ms116 خارجا عن ~~الطريقة المفضلة المحمودة عندهم ومن فعل ذلك دخل في هديهم وطريقهم # وهذا ضلال عن طريق الله وسبيله بآتفاق المسلمين واتخاذ ذلك دينا وشعارا ~~لاهل الدين من أسباب تبديل الدين بل جعله علامة على المروق من الدين أقرب ~~فإن الذي يكرهه وإن فعله صاحبه عادة لا عبادة PageV01P256 يحتج بأنه من ~~سيماء الخوارج المارقين الذين جاءت الأحاديث الصحاح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذمهم من غير وجه وروى عنه ص سيماهم التحليق # فإذا كان هذا سيماء أولئك المارقين وفي المسند والسنن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال من تشبه بقوم فهو منهم كان هذا على بعده من شعار أهل ~~الدين أولى من العكس PageV01P257 # ولهذا لما جاء صبيغ بن عسل التميمي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسأله ~~من المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وضربه ضربا عظيما كشف رأسه فوجده ~~ذا ضفيرتين فقال لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك لأنه لو وجده محلوقا ~~استدل بذلك على أنه من الخوارج المارقين وكان يقتله لأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقتالهم # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفتهم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ~~وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ~~يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية # ولا ريب أن الخوارج كان فيهم من الاجتهاد في العبادة والورع ما لم ~~PageV01P258 يكن في الصحابة كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لكن لما كان ~~على غير الوجه المشروع أفضى بهم إلى المروق من الدين # ولهذا قال عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في ~~بدعة # وقد تأول فيهم على بن أبي طالب الذي قاتلهم بأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكان قتاله لهم من أعظم حسناته وغزواته التي يمدح بها لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حض على قتالهم وقال لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد # وقال أينما لقيتموهم فآقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن ms117 قتلهم يوم ~~القيامة # وفي الصحيح عن علي أيضا لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد ~~لنكلوا عن العمل PageV01P259 # وكانوا يتشددون في أمر الذنوب والمعاصي حتى كفروا المسلمين وأوجبوا لهم ~~الخلود في النار # ولا ريب أن كثيرا من النساك والعباد والزهاد قد يكون فيه شعبة من الخوارج ~~وإن كان مخالفا لهم في شعب أخرى فلزوم زي معين من اللباس سواء كان مباحا أو ~~كان مما يقال إنه مكروه بحيث يجعل ذلك دينا ومستحبا وشعارا لأهل الدين هو ~~من البدع أيضا فكما أنه لا حرام إلا ما حرمه الله فلا دين إلا ما شرعه الله # الوجه الثاني ان قولهم إن هذا السماع يحصل محبوب الله وما حصل محبوبه فهو ~~محبوب له قول باطل وكثير من هؤلاء أو أكثرهم حصل لهم الضلال والغواية من ~~هذه الجهة فظنوا أن السماع يثير محبة الله ومحبة الله هي أصل الإيمان الذي ~~هو عمل القلب وبكمالها يكمل وهي فيما يذكره أبو طالب وغيره نهاية المقامات ~~وربما قال بعضهم هي المقام التي يرتقي مقدمة العامة وساقه الخاصة ويقول من ~~يقول منهم إن السماع هو من توابع المحبة وأنهم إنما فعلوه لما يحركه من ~~محبة الله سبحانه وتعالى إذ السماع يحرك من كل قلب ما فيه فمن كان في قلبه ~~حب الله PageV01P260 ورسوله حرك السماع هذا الحب وما يتبع الحب من الوجد ~~والحلاوة وغير ذلك كما يثير من قلوب أخرى محبة الأوثان والصلبان والإخوان ~~والخلان والأوطان والعشراء والمردان والنسوان ولهذا يذكر عن طائفة من ~~أعيانهم سماع القصائد في باب المحبة كما فعل أبو طالب # فيقال إن ما يهيجه هذا السماع المبتدع ونحوه من الحب وحركة القلب ليس هو ~~الذي يحبه الله ورسوله بل اشتماله على ما لا يحبه الله وعلى ما يبغضيه أكثر ~~من اشتماله على ما يحبه ولا يبغضبه وحده عما يحبه الله ونهيه عن ذلك أعظم ~~من تحريكه لما يحبه الله وإن كان يثير حبا وحركة ويظن أن ذلك يحبه الله ~~وأنه مما يحبه الله ms118 فإنما ذلك من باب اتباع الظن وما تهوى الأنفس ولقد ~~جاءهم من ربهم الهدى # ومما يبين ذلك أن الله سبحانه وتعالى بين في كتابه محبته وذكر موجباتهما ~~وعلاماتها وهذا السماع يوجب مضادا لذلك منافيا له # وذلك أن الله يقول في كتابه @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ [ سورة البقرة 165 ] # وقال @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ~~@QE@ [ سورة آل عمران 31 ] # ويقول @QB@ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين @QE@ ~~PageV01P261 @QB@ أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم @QE@ [ سورة المائدة 54 ] # فهذه ثلاثة أصول لاهل محبة الله إخلاص دينهم ومتابعة رسوله والجهاد في ~~سبيله # فإنه اخبر عن المشركين الذين يتخذون الأنداد أنهم يحبونهم كما يحبون الله ~~ثم قال @QB@ والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ [ سورة البقرة 165 ] فالمؤمنون ~~أشد حبا لله من المشركين الذين يحبون الأنداد كما يحبون الله فمن أحب شيئا ~~غير الله كما يحب الله فهو من المشركين لا من المؤمنين # ومحبة رسوله من محبته ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~المتفق عليه في الصحيحين والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه ~~من ولده ووالده والناس أجمعين # وفي صحيح البخاري أن عمر قال له يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من كل ~~شئ إلا من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فأنت أحب إلى ~~من نفسي قال فأنت الآن يا عمر PageV01P262 # وفي الصحيحين أنه قال ثلاث من كن فيه فقد وجد حلاوة الإيمان وفي لفظ لا ~~يجد حلاوة الإيمان إلا من كان فيه ثلاث خصال أن يكون الله ورسوله أحب إليه ~~مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد ~~إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار # وقد قال الله تعالى قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم ms119 وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فيتربصوا حتى يأتي الله بأمره فلم يرض منهم ~~أن يكون حبهم لله ورسوله كحب الأهل والمال وأن يكون حب الجهاد في سبيله كحب ~~الأهل والمال بل حتى يكون الجهاد في سبيله الذي هو تمام حبه وحب رسوله أحب ~~إليهم من الأهل والمال # فهذا يقتضي أن يكون حبهم لله ورسوله مقدما على كل محبة ليس عندهم شئ ~~يحبونه كحب الله بخلاف المشركين PageV01P263 # ويقتضي الأصل الثاني وهو ان يكون الجهاد في سبيله أحب إليهم من الأهل ~~والمال فإن ذلك هو تمام الإيمان الذي ثوابه حب الله ورسوله # كما قال تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم برتابوا ~~إيمانا لا يكون بعده ريب @QB@ وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله @QE@ ~~[ سورة الحجرات 15 ] # وبذلك وصف أهل المحبة في قوله @QB@ يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة ~~على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم @QE@ [ سورة ~~المائدة 54 ] فأخبر سبحانه بذلهم للمؤمنين وعزهم على الكافرين وجهادهم في ~~سبيله وأنهم لا يخافون لومة لائم فلا يخافون لوم الخلق لهم على ذلك # وهؤلاء هم الذين يحتملون الملام والعذل في حب الله ورسوله والجهاد في ~~سبيله والله يحبهم وهم يحبونه ليسوا بمنزلة من يحتمل الملام والعذل في محبة ~~ما لا يحبه الله ورسوله ولا بمنزلة الذين أظهروا من مكروهات الحق ما يلامون ~~عليه ويسمون بالملامتية ظانين أنهم لما أظهروا ما يلومهم الخلق عليه من ~~المنكرات مع صحتهم في الباطن كان ذلك من صدقهم وإخلاصهم وهم في ذلك إنما ~~يتبعون الظن وما تهوى الأنفس PageV01P264 # فإن ذلك المنكر الذي يكرهه الله ورسوله لا يكون فعله مما يحبه الله ~~ورسوله ولا يكون من الصدق والإخلاص في حب الله ورسوله والناس يلامون عليه # وسنام ذلك الجهاد في سبيل الله فإنه أعلى ما يحبه الله ورسوله واللائمون ~~عليه كثير إذ كثير من الناس الذين فيهم إيمان يكرهونه وهم إما مخذلون ~~مفترون للهمة ms120 والإرادة فيه وإما مرجفون مضعفون للقوة والقدرة عليه وإن كان ~~ذلك من النفاق # قال الله تعالى @QB@ قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم ~~إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا @QE@ [ سورة الأحزاب 18 ] # وقال تعالى لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونكم فيها إلا قليلا [ سورة الأحزاب 60 ] # وأما الأصل الثالث وهو متابعة السنة والشريعة النبوية قال الله تعالى ~~@QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ [ سورة آل عمران 31 ~~] # قال طائفة من السلف ادعى قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ~~يحبون الله فأنزل الله هذه الآية فجعل حب العبد لربه موجبا PageV01P265 ~~ومقتضيا لاتباع رسوله وجعل اتباع رسوله موجبا ومقتضيا لمحبة الرب عبده فأهل ~~اتباع الرسول يحبهم الله ولا يكون حبا لله إلا من يكون منهم # وإذا عرفت هذه الأصول فعامة أهل السماع المحدث مقصرون في هذه الأصول ~~الثلاثة وهم في ذلك متفاوتون تفاوتا كثيرا بحسب قوة اعتياضهم بالسماع ~~المحدث عن السماع المشروع وما يتبع ذلك حتى آل الأمر بأخر إلى الانسلاخ من ~~الإيمان بالكلية ومصيره منافقا محضا أو كافرا صرفا # وأما عامتهم وغالبهم الذين فيهم حب الله ورسوله وما يتبع ذلك فهم فيه ~~مقصرون تجد فيهم من التفريط في الجهاد في سبيل الله وما يدخل فيه من الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر والتفريط في متابعة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في شريعته وسنته وأوامره وزواجره أمرا عظيما جدا وكذلك في أمر الإخلاص ~~لله تجد فيهم من الشرك الخفي أو الجلى أمورا كثيرة # ولهذا كان هذا السماع سماع المكاء والتصدية إنما هو في الأصل سماع ~~المشركين كما قال تعالى @QB@ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ~~@QE@ [ سورة الأنفال 35 ] وفيهم من اتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله ما ضاهوا به النصارى في كثير من ذلك حتى ان منهم من يعبد بعض البشر ~~ويعبد قبورهم فيدعوهم ويستغيث بهم ويتوكل عليهم ويخافهم ويرجوهم إلى غير ~~ذلك ms121 مما هو من حقوق الله وحده لا PageV01P266 شريك له ويطيعون سادتهم ~~وكبارهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال ويقول بعضهم في اتحاد الله ببعض ~~مخلوقاته وحلوله فيهم شبيه ما قالته النصارى في المسيح عليه الصلاة والسلام # ولهذا يكون كثير من سماعهم الذي يحرك وجدهم ومحبتهم إنما يحرك وجدهم ~~ومحبتهم لغير الله كالذين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله # وأما الشريعة وما أمر الله به ونهى عنه وأحله وحرمه ففيهم من المخالفة ~~لذلك بل من الاستخفاف بمن يتمسك به ما الله به عليم حتى سقط من قلبوهم ~~تعظيم كثير من فرائض الله وتحريم كثير من محارمه فكثيرا ما يضيعون فرائضه ~~ويستحلون محارمه ويتعدون حدوده تارة اعتقادا وتارة عملا # وكثير من خيارهم الذين هم مؤمنون يقعون في كثير من فروع ذلك وإن كانوا ~~مستمسكين بأصول الإسلام # وأما غير هؤلاء فيصرحون بسقوط الفرائض كالصلوات الخمس وغيرها وبحل ~~الخبائث من الخمر والفواحش أو الظلم أو البغي أو غير ذلك لهم وتزول عن ~~قلوبهم المحبة لكثير مما يحبه الله ورسوله كالمحبة التامة التي هي كمال ~~الإيمان بل لا بد أن ينقص في PageV01P267 قلوبهم حب ما أحبه الله ورسوله ~~فلا يبقى للقرآن والصلاة ونحو ذلك في قلوبهم من المحبة والحلاوة والطيب ~~وقرة العين ما هو المعروف لاهل كمال الإيمان بل قد يكرهون بعض ذلك ~~ويستثقلونه كما هو من نعت المنافقين الذين قال الله فيهم @QB@ وإذا قاموا ~~إلى الصلاة قاموا كسالى @QE@ [ سورة النساء 142 ] وقد يهجرون القرآن الذي ~~ما تقرب العباد إلى الله بأحب إليه منه بل قد يستثقلون سماعه وقراءته لما ~~اعتاضوا عنه من السماع وقد يقومون ببعض هذه العبادات الشرعية صورا ورسما ~~كما يفعله المنافقون لا محبة وحقيقة ووجدا كما يفعله المؤمنون # وأما الجهاد في سبيل الله فالغالب عليهم أنهم ابعد عنه من غيرهم حتى نجد ~~في عوام المؤمنين من الحب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمحبة ~~والتعظيم لأمر الله والغضب والغيرة لمحارم الله وقوة المحبة والموالاة ~~لأولياء الله وقوة البغض والعداوة لأعداء الله ms122 ما لا يوجد فيهم بل يوجد ~~فيهم ضد ذلك # ومعلوم أن أهل الإيمان والصلاح منهم لا يفقدون هذا بالكلية لكن هذا ~~السماع المحدث هو وتوابعه سبب ومظنة لضد الجهاد في سبيل الله حتى ان كثيرا ~~منهم يعدون ذلك نقصا في طريق الله وعيبا ومنافيا للسلوك الكامل إلى الله # ومن السبب الذي ضل به هؤلاء وغووا ما وجدوه في كثير ممن ينتسب ~~PageV01P268 إلى الشريعة من الداعين إلى الجهاد من ضعف حقيقة الإيمان وسوء ~~النيات والمقاصد وبعدهم عن النيات الخالصة لله وصلاح قلوبهم وسرائرهم وعن ~~أن يقصدوا بالجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله كما ~~وجدوه في كثير ممن يذم السماع المحدث من قسوة القلب والبعد عن مكارم ~~الأخلاق وذوق حقيقة الإيمان # فهذا التفريط في حقوق الله والعدوان على حدوده الذي وجد في هؤلاء ~~وأمثالهم ممن لا يتدين بالسماع المحدث بل يتدين ببعض هذه الأمور صار شبهة ~~لأولئك كما أن التفريط والعدوان الموجود في أهل السماع المحدث صار شبهة ~~لأولئك في ترك كثير مما عليه كثير منهم من حقائق الإيمان وطاعة الله ورسوله # ولهذا تفرق هؤلاء في الدين وصارت كل طائفة مبتدعة لدين لم يشرعه االله ~~ومنكرة لما مع الطائفة الأخرى من دين الله وصار فيهم شبه الأمم قبلهم # كما قال تعالى ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ~~ذكروا به فأعرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة [ سورة المائدة ~~14 ] # وقال تعالى وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت PageV01P269 النصارى ~~ليست اليهود على شئ [ سورة البقرة 113 ] # وقال تعالى @QB@ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض @QE@ [ سورة البقرة ~~85 ] # وقال تعالى @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات @QE@ [ سورة آل عمران 105 ] # وقال تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ [ سورة ~~الأنعام 159 ] # وأما دين الله وهداه الذي أنزل به كتابه وبعث به رسوله فهو اتباع كتابه ~~وسنته في جميع الأمور وترك اتباع ما يخالف ذلك في جميع ms123 الأمور والإجماع على ~~ذلك # كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم ~~إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة ~~من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ~~ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم ~~عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتهم بعد ~~إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة ~~الله PageV01P270 @QB@ هم فيها خالدون @QE@ [ سورة آل عمران 102 107 ] # وأما كون الشعر في نفسه لا يستمع إليه إلا إذا كان من الكلام المباح أو ~~المستحب والشعر المقول في سماع المكاء والتصدية كثير منه أو أكثره ليس كذلك ~~فهذا مقام آخر نبينه إن شاء الله فصار احتجاجهم بما سمعه النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الشعر على استماع الغناء مردودا بهذه الوجوه الثلاث # قال أبو القاسم وقد سمع الأكابر الابيات بالألحان فمن قال بإباحته مالك ~~بن أنس وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء فأما الحداء فإجماع منهم على إباحته # قلت هذا النقل يتضمن غلطا بإثبات باطل وترك حق وقد تبع فيه أبا عبد ~~الرحمن على ما ذكره في مسألة السماع وذلك أن المعروف PageV01P271 عند أئمة ~~السلف من الصحابة والتابعين مثل عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد ~~الله بن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهم وعن أئمة التابعين ذم الغناء ~~وإنكاره # وكذلك من بعدهم من أئمة الإسلام في القرون الثلاثة حتى ذكر زكريا بن يحيى ~~الساجي في كتابه الذي ذكر فيه إجماع أهل العلم واختلافهم فذكر أنهم متفقون ~~على كراهته إلا رجلان إبراهيم بن سعد من أهل المدينة وعبيد بن الحسن ~~العنبري من أهل البصرة # وأما نقلهم لإباحته عن مالك وأهل الحجاز كلهم فهذا غلط ms124 من أسوأ الغلط فإن ~~أهل الحجاز على كراهته وذمه ومالك نفسه لم PageV01P272 يختلف قوله وقول ~~أصحابه في ذمه وكراهته بل هو من المبالغين في ذلك حتى صنف أصحابه كتبا ~~مفردة في ذم الغناء والسماع وحتى سأله إسحاق بن عيسى الطباع عما يترخص فيه ~~أهل المدينة من الغناء فقال إنما يفعله عندنا الفساق # وقد ذكر محمد بن طاهر في مسألة السماع حكاية عن مالك أنه ضرب بطبل وأنشد ~~ابياتا وهذه الحكاية مما لا يتنازع أهل المعرفة في أنها كذب على مالك # وكذلك الشافعي لم يختلف قوله في كراهته وقال في كتابه المعروف بأدب ~~القضاة الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته ~~وقد قال عن السماع الديني المحدث خلفت ببغداد PageV01P273 شيئا أحدثته ~~الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن # نعم كان كثير من أهل المدينة يسمع الغناء وقد دخل معهم في ذلك بعض ~~فقهائهم فأما أن يكون هذا قول اهل الحجاز كلهم أو قول مالك فهذا غلط وكان ~~الناس يعيبون من استحل ذلك من أهل المدينة كما عابوا على غيرهم حتى كان ~~الأوزاعي يقول من أخذ يقول أهل الكوفة في النبيذ وبقول أهل مكة في المتعة ~~والصرف ويقول أهل المدينة في الغناء أو قال الحشوش والغناء فقد جمع الشر ~~كله أو كلاما هذا معناه # وأما فقهاء الكوفة فمن أشد الناس تحريما للغناء ولم يتنازعوا في ذلك ولم ~~يكونوا يعتادونه كما كان يفعله أهل المدينة بل كانوا بالنبيذ المتنازع فيه # وقد سئل ماللك عماا يترخص فيه بعض ااهل المدينة من الغناء فقال لا إنما ~~يفعله عندنا الفساق # وقد سئل القاسم بن محمد عن الغناء فقال إذا ميز الله الحق من الباطل من ~~أي قسم يكون الغناء PageV01P274 # ثم قال أبو القاسم وقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك وروى عن ابن ~~جريج أنه كان يرخص في السماع فقيل له إذا أتى بك يوم القيامة ويؤتى بحسناتك ~~وسيئاتك ففي أي الجنبين يكون سماعك فقال لا في الحسنات ولا في ms125 السيئات يعني ~~أنه من المباحات # قلت ليس ابن جريج وأهل مكة ممن يعرف عنهم الغناء بل المشهور عنهم أنهم ~~كانوا يعيرون من يفعل ذلك من أهل المدينة وإنما المعروف عنهم المتعة والصرف ~~ثم هذا الأثر وأمثاله حجة على من احتج به فإنه لم يجعل منه شيئا من الحسنات ~~ولم ينقل عن السلف أنه عد شيئا من أنواعه حسنة فقوله على ذلك لا يخالف ~~الإجماع # ومن فعل شيئا من ذلك على انه من اللذة الباطلة التي لا مضرة فيها ولا ~~منفعة فهذا كما يرخص للنساء في الغناء والضرب بالدف في الأفراح مثل قدوم ~~الغائب وأيام الأعياد بل يؤمرون بذلك في العرسات كما روى اعلنوا النكاح ~~واضربوا عليه بالدف وهو مع PageV01P275 ذلك باطل كما في الحديث الذي في ~~السنن أن امرأة نذرت أن تضرب لقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم ~~عمر أمرها بالسكوت وقال إن هذا رجل لا يحب الباطل PageV01P276 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل لهو يلهو به الرجل ~~فهو باطل إلا رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبة امرأته فإنهن من الحق # والباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة فهذا يرخص فيه للنفوس التي لا ~~تصبر على ما ينفع وهذا الحق في القدر الذي يحتاج إليه في الأوقات التي ~~تقتضي ذلك الأعياد والأعراس وقدوم الغائب ونحو ذلك # وهذه نفوس النساء والصبيان فهن اللواتي كن يغنين في ذلك على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وخلفائه ويضربن بالدف وأما الرجال فلم يكن ذلك فيهم بل ~~كان السلف يسمون الرجل المغنى مخنثا لتشبهه بالنساء ولهذا روى اقرأوا ~~القرآن بلحون العرب وإياكم ولحون العجم والمخانيث والنساء PageV01P277 # ولهذ لما سئل القاسم بن محمد عن الغناء فقال للسائل با ابن أخي ارأيت إذا ~~ميز الله يوم القيامة بين الحق والباطل ففي أيهما يجعل الغناء فقال في ~~الباطل قال فماذا بعد الحق إلا الضلال # فكان العلم بأنه من الباطل مستقرا في نفوسهم كلهم وإن فعله بعضهم مع ذلك ~~إذ ms126 مجرد كون الفعل باطلا إنما يقتضي عدم منفعته لا يقتضي تحريمه إلا أن ~~يتضمن مفسدة # قال أبو القاسم وأما الشافعي رحمه الله فإنه لا يحرمه ويجعله في العوام ~~مكروها حتى لو احترف الغناء أو اتصف على الدوام بسماعه على وجه التلهي به ~~ترد به الشهادة ويجعله مما يسقط المروءة ولا يلحقه بالمحرمات # قال وليس كلامنا في هذا النوع من السماع فإن هذه الطائفة جلت مرتبتهم عن ~~أن يسمعوا بلهو أو يقعدوا للسماع بسهو أو يكونوا بقلوبهم متفكرين في مضمون ~~لغو أو يستمعوا على صفة غير كفء PageV01P278 # قلت لم يختلف قول الشافعي في كراهته والنهى عنه للعوام والخواص لكن هل هي ~~كراهة تحريم أو تنزيه أو تفضيل بين بعض وبعض هذا مما يتنازع فيه أصحابه ~~وهذا قوله في سماع العامة وأما السماع الديني الذي جعله أبو القاسم للخاصة ~~فهو عند الشافعي من فعل الزنادقة كما قال خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة ~~يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن # فعنده أن هذا السماع اعظم من ان يقال فيه مكروه أو حرام بل هو عنده مضاد ~~للإيمان وشرع دين لم يأذن الله به ولم ينزل به سلطان # وإن كان من المشايخ الصالحين من تأول في ذلك وبتأويله واجتهاده يغفر الله ~~له خطأه ويثيبه على ما مع التأويل من عمل صالح فذلك لا يمنع أن يقال ما في ~~الفعل من الفساد إذ التأويل من باب المعارض في حق بعض الناس تدفع به عند ~~العقوبة كما تدفع بالتوبة والحسنات الماحية وهذا لمن استفرغ وسعه في طلب ~~الحق # فقول الشافعي رضي الله عنه في هؤلاء كقوله في اهل الكلام PageV01P279 ~~حكمى في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر ~~والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام وقوله لأن ~~يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام # ومع هذا فقد ابتلى ببعض ذلك على وجه التأويل طوائف من أهل العلم والدين ~~والتصوف والعبادة # ولهذا كان ms127 الكلام في السماع على وجهين # احدهما سماع اللعب والطرب فهذا يقال فيه مكروه أم محرم أو باطل أو مرخص ~~في بعض أنواعه # الثاني السماع المحدث لأهل الدين والقرب فهذا يقال فيه إنه بدعة وضلالة ~~وإنه مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع السالفين جميعهم وإنما حدث في ~~الأمة لما أحدث في الأمة لما أحدث الكلام فكثر هذا في العلماء وهذا في ~~العباد # لهذا كان يزيد بن هارون الواسطي وهو من أتباع التابعين وأواخر ~~PageV01P280 القرون الثلاثة تجمتع في مجلسه الأمم العظيمة وكان أجل مشايخ ~~الإسلام إذ ذاك فكان ينهى عن الجمهية وعن المغيرة هؤلاء أهل الكلام المخالف ~~للكتاب والسنة وهؤلاء أهل السماع المحدث المخالف للكتاب والسنة # ولهذا لم يستطع أحد ممن يستحب السماع المحدث ويستحسنه أن يحتج لذلك بأثر ~~عمن مضى ولا بأصل في الكتاب والسنة # قال أبو القاسم وقد روى عن ابن عمر اثار في إباحتة للسماع وكذلك عبد الله ~~بن جعفر أبي طالب # قالت أما النقل عن ابن عمر فباطل بل المحفوظ عن أبن عمر ذمه للغناء ونهيه ~~عنه وكذلك عن سائر أئمة الصحابة كأبن مسعود وابن عباس وجابر وغيرهم ممن ~~ائتم بهم المسلمون في دينهم # وأما ما يذكر من فعل عبد الله بن جعفر في أنه كان له جارية يسمع غناءها ~~في بيته فعبد الله بن جعفر ليس ممن يصلح أن يعارض قوله في PageV01P281 ~~الدين فضلا عن فعله لقول ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وجابر وأمثالهم # ومن احتج بفعل مثل عبد الله في الدين في مثل هذا لزمه أن يحتج بفعل ~~معاوية في قتاله لعلى وبفعل ابن الزبير في قتاله في الفرقة وأمثال ذلك مما ~~لايصلح لأهل العلم والدين أن يدخلوه في أدلة الدين والشرع لا سيما النساك ~~والزهاد وأهل الحقائق لا يصلح لهم أن يتركوه سبيل المشهورين بالنسك والزهد ~~بين الصحابة ويتبعوا سبيل غيرهم # وما أحسن ما قال حذيفة رضي الله عنه يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق ~~من كان قبلكم فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقا ms128 بعيدا ولئن أخذتم يمينا ~~وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا # ثم الذي فعله عبد الله بن جعفر كان في داره لم يكن يجتمع عنده على ذلك ~~ولا يسمعه إلا ممن ملوكته ولا يعده دينا وطاعة بل هو عنده من الباطل وهذا ~~مثل ما يفعله بعض أهل السعة من استماع غناء جاريته في بيته ونحو ذلك فأين ~~هذا من هذا هذا لو كان مما يصلح أن يحتج به فكيف وليس بحجة أصلا # قال وكذلك عن عمر وغيره في الحداء # قلت أما الحداء فقد ذكر الاتفاق على جوازه فلا يحتج به في PageV01P282 # وقد ثبت أن عامر بن الأكوع كان يحدو الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال من السائق قالوا عامر بن الاكوع فقال يرحمه الله فقالوا يا رسول الله ~~لولا امتعتنا به ففي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال خرجنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع ألا ~~تسمعنا من هنياتك وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول % والله لولا ~~أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا % % فاغفر فداء لك ما اقتفينا وثبت ~~الأقدام إن لاقينا % % وألقين سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أتينا % ~~وبالصياح عولوا علينا % # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا السائق قالوا عامر ابن الأكوع ~~فقال يرحمه الله فقال رجل من القوم وجبت يا نبي الله لولا أمتعنا به فذكر ~~الحديث في استشهاده في تلك الغزوة غزوة خيبر PageV01P283 # وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الاكوع قال لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالا ~~شديدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتد عليه سيفه فقتله فقال أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وشكوا فيه رجل مات في سلاحه قال سلمة ~~فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبير فقلت يا رسول الله أئذن لي أن ~~ارجز لك فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر أعلم ما تقول قال ms129 ~~فقلت % لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا % # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت % فأنزلن سكينة علينا وثبت ~~الأقدام إن لا قينا % # والمشركون قد بغوا علينا % # فلما قضيت رجزي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال هذا قلت له أخي ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحمه الله قال فقلت يا رسول الله والله ~~إن ناسا ليهابون الصلاة عليه PageV01P284 يقولون رجل مات بسلاحه فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كذبوا مات جاهدا مجاهدا فله أجره مرتين # وكذلك قد ثبت في الصحيح حديث أنجشة الحبشي الذي كان يحدو حتى قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم رويدك أنجشة سوقك بالقوارير يعني النساء أمره بالرفق ~~بهن لئلا تزعجهن الإبل في السير إذا اشتد سيرها وينزعجن بصوت الحادي # ففي الصحيحين عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ~~وغلام أسود يقال له أنجشة يحدوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك ~~انجشه رويدك سوقك بالقوارير قال أبو قلابة يعني النساء وأخرجاه من حديث ~~ثابت عن أنس بنحوه # ومن حديث قتادة عن أنس قال كان للنبي ص خادم يقال له أنجشة وكان حسن ~~الصوت فقال له النبي رويدك يا أنجشة لا تكسر القوارير قال قتادة يعني ضعفة ~~النساء PageV01P285 # وفي رواية البخاري عن أبي قلابة قال كانت أم سليم في الثقل وأنجشة غلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم يسوق بهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم عليه ~~وسلم يا أنجش رويدك سوقك بالقوارير # وفي رواية البخاري عن ثابت عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم في ~~سفر فحدا الحادي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أرفق يا أنجشة ويحك ~~بالقوارير # واحتجاجهم بإنشاد الشعر كما قال أبو القاسم وأنشد بين يدي النبي صلى الله ~~عليه وسلم الاشعار فلم ينه عنها وروى أنه ص استنشد الأشعار # وهذا من القياس الفاسد كما تقدم # قال ومن المشهور الظاهر حديث الجاريتين وذكر حديث الجاريتين PageV01P286 ~~اللتين ms130 كانتا تغنيان في بيت عائشة بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث فقال أبو ~~بكر مزمور الشيطان فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعهما يا أبا بكر فإن لكل ~~قوم عيدا وعيدنا هذا اليوم # وقد تقدم أن الرخصة في الغناء في أوقات الأفراح للنساء والصبيان أمر مضت ~~به السنة كما يرخص لهم في غير ذلك من اللعب ولكن لا يجعل الخاص عاما ولهذا ~~لما قال أبو بكر أمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~ينكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه التسمية والصحابة لم يكونوا يفضلون شيئا ~~من ذلك ولكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمرا خاصا بقوله إن لكل قوم عيدا ~~وهذا عيدنا # ومثل هذا قوله لعمر لو رآك سالكا فجأ لسلك فجا غير فجك لما خاف منه ~~النساء فيما كن يفعلنه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فعلم أن هذا وإن كان ~~من الشيطان لكن الرخصة فيه لهؤلاء لئلا يدعوهم إلى PageV01P287 ما يفسد ~~عليهم دينهم إذ لا يمكن صرفهم عن كل ما تتقاضاه الطبائع من الباطل # والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فهي تحصل ~~أعظم المصلحتين بفوات أدناهما وتدفع أعظم الفسادين بأحتمال أدناهما فإذا ~~وصف المحتمل بما فيه من الفساد مثل كونه من عمل الشيطان لم يمنع ذلك أن ~~يكون قد وقع به ما هو أحب إلى الشيطان منه ويكون إقرارهم على ذلك من ~~المشروع فهذا أصل ينبغي التفظن له # والشيطان يوسوس لبني آدم في أمور كثيرة من المباحات كالتخلي والنكاح وغير ~~ذلك وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم فلا يمكن حفظ جيمع بني آدم من كل ما ~~للشيطان فيه نصيب لكن الشارع يأمر بالتمكن من ذلك كما شرع التسمية ~~والاستعاذة عند التخلي والنكاح وغير ذلك ولو لم يفعل الرجل ذلك لم نقل إنه ~~يأثم بالتخلي ونكاح أمرأته ونحو ذلك # وكذلك ذكر العرس وقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الأنصار فيهم غزل ولو ~~أرسلتم من يقول PageV01P288 % أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم ms131 % # وقد تقدم ان الخاص لايجعل # ومدار الحجج في هذا الباب ونحوه إما على قياس فاسد وتشبيه الشئ بما ليس ~~مثله وإما على جعل الخاص عاما وهو أيضا من القياس الفاسد وإما احتجابهم بما ~~ليس بحجة أصلا # ثم احتج أبو القاسم بما هو من جنس القياس الفاسد فذكر حديث البراء بن ~~عازب قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول حسنوا القرآن بأصواتكم فإن ~~الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا وحديثا عن أنس مرفوعا لكل شئ حلية وحلية ~~القرآن الصوت PageV01P289 # وهذا ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية عبد الله بن محرز وهو ~~ضعيف لا يحتج به بحال # وقال دل هذا الخبر على فضيلة الصوت # قلت هذا دل على فضل الصوت الحسن بكتاب الله لم يدل على فضيلته بالغناء ~~ومن شبه هذا بهذا فقد شبه الباطل بأعظم الحق # وقد قال الله تعالى @QB@ وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر ~~وقرآن مبين @QE@ [ سورة يس 69 ] فكيف نشبه ما أمر الله به من تلاوة كتابه ~~وتحسينه بالصوت بما لم يأمر بتحسين الصوت به # هذا مثل من قال إذا أمر الله بالقتال في سبيله بالسيف والرمح والرمي دل ~~على فضيلة الضرب والطعن ثم يحتج بذلك على الضرب والطعن والرمي في غير سبيل ~~الله # ومثل من قال إذا أمر الله بإنفاق المال في سبيله دل على فضيلة المال ~~ويحتج بذلك على إنفاق المال في غير سبيله # أو قال إذا أمر الله بالاستعفاف بالنكاح دل على فضيلة النساء ويحتج بذلك ~~على فضيلة النساء ويحتج بذلك على فضيلة النكاح ويحتج بذلك على فضيلة ما لم ~~يأذن الله به من النكاح PageV01P290 # وكذلك كل ما يعين على طاعة الله من تفكر أو صوت أو حركة أو قوة أو مال أو ~~أعوان أو غير ذلك فهو محمود في حال إعانته على طاعة الله ومحابه ومراضيه ~~ولا يستدل بذلك على أنه في نفسه محمود على الإطلاق ويحتج بذلك على أنه ~~محمود إذا استعين به على ما هو ms132 من طاعة الله ولا يحتج به على ما ليس هو من ~~طاعة الله بل هو من البدع في الدين أو الفجور في الدنيا # ومثل هذا قوله ص لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب ~~القينة إلى قينته وقال ما أذن الله لشئ كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ~~يجهر به بل قوله ص ليس منا من لم يتغن بالقرآن يقتضي أن التغني المشروع هو ~~بالقرآن وأن من تغنى بغيره فهو مذموم ولا يقال هذا يدل على استحباب حسن ~~التغني # وقوله ليس منا من لم يتغن بالقرآن إما أن يريد به الحض على أصل الفعل وهو ~~نفس التغنى بالقرآن وإما أن يريد به مطلق التغنى PageV01P291 وهو على صفة ~~الفعل والأول هو أن يكون تغنيه إذا تغنى بالقرآن لا بغيره وهذا كما وقع في ~~قوله تعالى @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ [ سورة المائدة 49 ] هل ~~هو أمر بأصل الحكم أو بصفته إذا حكم # والمعنى الثاني ذم لمن تغنى بغيره مطلقا دون من ترك التغني به وبغيره # والمنعى الأول ذم لمن ترك التغنى به دون من تغنى به ومن تغنى بغيره # ثم ذكر أبو القاسم حديث ابن عاصم عن شبيب بن بشر عن أنس بن مالك قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتان ملعونان صوت ويل عند مصيبة وصوت مزمار ~~عند نعمة مفهوم الخطاب يقتضي إباحة غير هذا في غير هذه الأحوال وإلا لبطل ~~التخصيص # قلت هذا الحديث من أجود ما يحتج به على تحريم الغناء كما في اللفظ ~~المشهور عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت PageV01P292 عند نعمة لهو ولعب ~~ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ودعوى بدعوى الجاهلية # فنهى عن الصوت الذي يفعل عند النعمة كما نهى عن الصوت الذي يفعل عند ~~المصيبة والصوت الذي عند النعمة هو صوت الغناء # وأما قوله صوت مزمار فإن نفس ms133 صوت الإنسان يسمى مزمارا كما قيل لأبي موسى ~~لقد اوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود وكما قال أبو بكر رضي الله عنه ~~أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم # وأما قوله مفهوم الخطاب يقتضي إباحة غير هذا جوابه من وجهين # أحدهما أن مثل اللفظ الذي ذكره لا مفهوم له عند أكثر أهل العلم ~~PageV01P293 والتخصيص في مثل هذا كقوله ص ثلاث في امتي من أمر الجاهلية ومن ~~قال إنه يكون له مفهوم فذلك إذا لم يكن للتخصيص سبب آخر وهذا التخصيص لكون ~~هذه الأصوات هي التي كانت معتادة في زمنه كقوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق @QE@ [ سورة الإسراء 31 ] # والثاني أن اللفظ الذي ذكره الرسول يدل على مورد النزاع فإنه صوت النعمة ~~ولو لم تكن نعمة لكان تنبيها عليه فإنه إذا نهى عن ذلك عند النعمة والإنسان ~~معذور في ذلك كما رخص في غناء النساء في الأعراس والأعياد ونحو ذلك فلأن ~~ينهى عن ذلك بدون ذلك بدون أولى وأحرى # والألات الملهية قد صح فيها ما رواه البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به ~~داخلا في شرطه عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ~~ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح بسارحة PageV01P294 لهم يأتيهم لحاجتهم ~~فيقولون ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير ~~إلى يوم القيامة # وقال أبو القاسم وقد روى أن رجلا أنشد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال % أقبلت فلاح لها عارضان كالسبج % PageV01P295 % أدبرت فقلت لها ~~والفؤاد في وهج % % هل على ويحكما ان عشقت من حرج % # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حرج إن شاء الله # قلت هذا الحديث موضوع بأتفاق أهل المعرفة بالحديث لا أصل له وليس هو في ~~شئ من دواوين الإسلام وليس له إسناد بل هو من جنس الحديث الآخر الذي قيل ~~فيه إن أعرابيا أتى إلى النبي صلى الله ms134 عليه وسلم وأنشده % قد لسعت حية ~~الهوى كبدى فلا طبيب لها ولا راقى % % إلا الحبيب الذي شغفت به فعنده رقيتي ~~وترياقي % PageV01P296 # وهذا أيضا موضوع بأتفاق أهل العلم كذب مفترى # وكذلك ما يروى من أنهم تواجدوا وأنهم مزقوا الخرقة ونحو ذلك كل ذلك كذب ~~لم يكن في القرون الثلاثة لا بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا بالعراق ~~ولا خراسان من يجتمع على هذا السماع المحدث فضلا عن أن يكون كان نظيره على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا كان أحد يمزق ثيابه ولا يرقص في سماع ولا ~~شئ من ذلك أصلا بل لما حدث التغبير في أواخر المائة الثانية وكان أهله من ~~خيار الصوفية وحدث من جهة المشرق التي يطلع منها قرن الشيطان ومنها الفتن # قال الشافعي رضي الله عنه خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه ~~التغبير يصدون به الناس عن القرآن # والذين شهدوا هذا اللغو متأولين من أهل الصدق والإخلاص والصلاح غمرت ~~حسناتهم ما كان لهم فيه وفي غيره من السيئات أو الخطأ PageV01P297 في مواقع ~~االأجتهاد وهذا سبيل كل صالحي هذه الأمة في خطئهم وزلاتهم # قال تعالى @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون ~~عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذي كانوا يعملون @QE@ [ سورة الزمر 33 35 ] وذلك كالمتأولين في ~~تناول المسكر من صالحي أهل الكوفة ومن اتبعهم على ذلك وإن كان المشروب خمرا ~~لا يشك في ذلك من اطلع على اقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة ~~وكذلك المتأولون للمتعة والصرف من اهل مكة متبعين لما كان يقوله ابن عباس ~~وإن كان قد رجع عن ذلك أو زادوا عليه إذ لا يشك في ذلك وأنه من أنواع الربا ~~المحرم والنكاح المحرم من اطلع على نصوص النبي صلى الله عليه وسلم # وكذلك المتأولون في بعض الأطعمة والحشوش من أهل المدينة وإن كان لا يشك ~~في تحريم ذلك من اطلع على نصوص النبي صلى الله عليه وسلم ms135 وأصحابه وكذلك ما ~~دخل فيه من دخل من السابقين والتابعين من القتال في الفتنة والبغي بالتأويل ~~مع ما علم في ذلك من نصوص الكتاب والسنة من ترك القتال والصلح فما تأول فيه ~~قوم من ذوي العلم والدين من مطعوم أو مشروب أو منكوح أو مملوك أو مما قد ~~علم أن الله قد حرمه ورسوله لم يجز PageV01P298 اتباعهم في ذلك مغفورا لهم ~~وإن كانوا خيار المسلمين والله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان كما دل ~~عليه الكتاب والسنة وهو سبحانه يمحو السيئات بالحسنات ويقبل التوبة عن ~~عباده ويعفو عن السيئات # وبهذا يحصل الجواب عما ذكره الشيخ أبو طالب المكي في كتابه قوت القلوب ~~حيث ذكر أنه من أنكر السماع مطلقا غير مقيد فقد أنكر على سبعين صديقا ولعل ~~الإنكار اليوم يقع على خلق عظيم من الصديقين لكن يقال الذين أنكروا ذلك ~~أكثر من سبعين صديقا وسبعين صديقا وسبعين صديقا وهم أعظم علما وإيمانا ~~وأرفع درجة فليس الانتصار بطائفة من الصديقين على نظرائهم لا سيما من هو ~~أكبر وأكبر بأدل من العكس # فإن القائل إذا قال من شرع هذا السماع المحدث وجعله مما يتقرب به فقد ~~خالف جماهير الصديقين من هذه الامة ورد عليهم كان قوله أصح وأقوى في الحجة ~~دع ما سوى ذلك # وهنا أصل يجب اعتماده وذلك أن الله سبحانه عصم هذه الأمة أن تجتمع على ~~ضلالة ولم يعصم آحادها من الخطأ لا صديقا ولا غير صديق لكن إذا وقع بعضها ~~في خطأ فلا بد أن يقيم الله فيها من يكون PageV01P299 على الصواب في ذلك ~~الخطأ لأن هذه الأمة شهداء على الناس وهم شهداء الله في الأرض وهم خير أمة ~~أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فلا بد أن تأمر بكل معروف ~~وتنهى عن كل منكر فإذا كان فيها من يأمر بمنكر متأولا فلا بد أن يكون فيها ~~من يأمر بذلك المعروف # فأما الاحتجاج بفعل طائفة من الصديقين في مسألة نازعهم فيها أعدائهم ~~فباطل بل لو كان المنازع لهم ms136 أقل منهم عددا وأدنى منزلة لم تكن الحجة مع ~~أحدهما إلا بكتاب الله وسنة رسوله فإنه بذلك أمرت الامة # كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن ~~تنازعهم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر [ ~~سورة النساء 59 ] فإذا تنازعت الأمة وولاه الأمور من الصديقين وغيرهم ~~فعليهم جميعهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله # ومن المعلوم أن الصديقين الذين أباحوا بعض المسكر كانوا أسبق من هؤلاء ~~وأكثر وأكبر وكذلك الذين استحلوا المتعة والصرف وبعض المطاعم الخبيثة ~~والحشوش والذين استحلوا القتال في الفتنة متأولين معتقدين أنهم على الحق ~~وغير ذلك هم أسبق من هؤلاء وأكثر وأكبر # فإذا نهى عما نهى الله عنه ورسوله لم يكن لأحد أن يقول هذا إنكار ~~PageV01P300 على كذا وكذا رجلا من السابقين والتابعين فإن هذا الإنكار كان ~~من نظرائهم ومن هو فوقهم أو قريبا منهم وعند التنازع فالمرد إلى الله ~~ورسوله # ولكن من ذهب إلى القول المرجوح ينتفع به في عذر المتأولين فإن عامة ما ~~حرمه الله مثل قتل النفس بغير حق ومثل الزنا والخمر والميسر والأموال ~~والاعراض قد استحل بعض أنواعه طوائف من الامة بالتأويل وفي المستحلين قوم ~~من صالحي الأمة وأهل العلم والإيمان منهم # لكن المستحل لذلك لا يعتقد أنه من المحرمات ولا أنه داخل فيما ذمه الله ~~ورسوله فالمقاتل في الفتنة متأولا لا يعتقد أنه قتل مؤمنا بغير حق والمبيح ~~للمتعة والحشوش ونكاح المحلل لا يعتقد أنه أباح زنا وسفاحا والمبيح للنبيذ ~~المتأول فيه ولبعض أنواع المعاملات الربوية وعقود المخاطرات لا يعتقد أنه ~~أباح الخمر والميسر والربا # ولكن وقوع مثل هذا التأويل من الأئمة المتبوعين أهل العلم والإيمان صار ~~من أسباب المحن والفتنة فإن الذين يعظمونهم قد يقتدون بهم في ذلك وقد لا ~~يقفون عند الحد الذي انتهى إليه أولئك بل يتعدون ذلك ويزيدون زيادات لم ~~تصدر من أولئك الأئمة السادة والذين يعلمون تحريم جنس ذلك الفعل قد يعتدون ~~على المتأولين بنوع PageV01P301 من ms137 الذم فيما هو مغفور لهم ويتبعهم آخرون ~~فيزيدون في الذم ما يستحلون به من أعراض إخوانهم وغير أعراضهم ما حرمه الله ~~ورسوله فهذا واقع كثير في موارد النزاع الذي وقع فيه خطأ من بعض الكبار # واعتبر ذلك بمسألة السماع التي تكلمنا فيها فإن الله سبحانه شرع للأمة ما ~~أغناهم به عما لم يشرعه حيث أكمل الدين وأتم عليهم النعمة ورضى لهم الإسلام ~~دينا وهو سماع القرآن الذي شرعه لهم في الصلاة التي هي عماد دينهم وفي غير ~~الصلاة مجتمعين ومنفردين حتى كان أصحاب محمد إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم ~~ان يقرأ والباقون يسمعون وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى يا أبا موسى ~~ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وقد بسطنا القول في ذلك في غير هذا الموضع ~~وإنما ذكرنا هنا نكتا تتعلق بالسماع # قال تعالى @QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود ~~الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله @QE@ [ سورة الزمر ~~23 ] # وذكر سماع المؤمنين والعارفين والعالمين والنبيين فقال تعالى @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا @QE@ [ سورة الأنفال 2 ] # وقال تعالى إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان ~~سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ~~ويزيدهم خشوعا [ سورة الإسراء 108 109 ] PageV01P302 # وقال أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع ~~نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات ~~الرحمن خروا سجدا وبكيا [ سورة مريم 58 ] # وقال تعالى الذين يستعون القول فيتبعون أحسنه [ سورة الزمر 18 ] # وقال والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا [ سورة ~~الفرقان 73 ] # وقال تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون [ سورة فصلت 26 ] # وقال تعالى وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا [ سورة ~~الفرقان 30 ] # وقال تعالى إن شر الدواب عند الله الصم ms138 البكم الذين لا يعقلون ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون [ سورة الانفال 23 ] # وقال فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة [ سورة ~~المدثر 49 51 ] # وقال @QB@ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا @QE@ الآية [ سورة الإسراء 54 ] PageV01P303 # وقال @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ [ ~~سورة التوبة 6 ] # وقال تعالى @QB@ اتل ما أوحي إليك من الكتاب @QE@ [ سورة العنكبوت 45 ] # وقال فاقرأوا ما تيسر منه [ سورة المزمل 20 ] # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يتغن بالقرآن وقال من قرأ ~~القرآن فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول ألم حرف ولكن أقول ألف حرف ~~ولام حرف وميم حرف وهذا باب واسع يضيق هذا الموضع عن ذكر جزء منه # فلما انقرضت القرون الفاضلة حصل فترة في هذا السماع المشروع الذي به صلاح ~~القلوب وكمال الدين وصار أهل التغيير فيه أحد رجلين رجل معرض عن السماع ~~المشروع وغير المشروع ورجل احتاج إلى سماع القصائد والأبيات فأحدث سماع ~~القصائد والأبيات كالتغير وكان الأكابر الذين حضروه لهم من التأويل ما لهم ~~فأقام الله في الأمة من أنكر ذلك كما هو سنة الله في هذه الأمة الآمرة ~~بالمعروف الناهية عن المنكر PageV01P304 # وهؤلاء المنكرون فيهم المقتصد في إنكاره ومنهم المتأول بزيادة في الإنكار ~~غير مشروعة # كما أحدث أولئك ما ليس مشروعا وصار على تمادى الايام يزداد المحدث من ~~السماع ويزداد التغليظ في أهل الإنكار حتى آل الأمر من أنواع البدع ~~والضلالات والتفرق والاختلافات إلى ما هو من أعظم القبائح المنكرات التي لا ~~يشك في عظم إثمها وتحريمها من له أدنى علم وإيمان # وأصل هذا الفساد من ذلك التأويل في مسائل الاجتهاد فمن ثبته الله بالقول ~~الثابت أعطى كل ذي حق حقه وحفظ حدود الله فلم يتعدها @QB@ ومن يتعد حدود ~~الله فقد ظلم نفسه @QE@ [ سورة الطلاق 1 ] فالشر في التفريط بترك المأمور ~~أو العدوان بتعدي الحدود ms139 وحصلت الزيادات في جميع الأنواع المبتدعة # فإن أصل سماع القصائد كان تلحينا بإنشاد قصائد مرققة للقلوب تحرك تحريك ~~المحبة والشوق أو الخوف والخشية أو الحزن والأسف وغير ذلك وكانوا يشترطون ~~له المكان والإمكان والخلان فيشترطون أن يكون المجتمعون لسماعها من أهل ~~الطريق المريدين لوجه الله والدار الآخرة وأن يكون الشعر المنشد غير متضمن ~~لما يكره سماعه في الشريعة وقد يشترط بعضهم أن يكون القوال منهم وربما ~~اشترط بعضهم ذلك في PageV01P305 الشاعر الذي انشأ تلك القصائد وربما ضموا ~~إليه آلة تقوى الصوت وهو الضرب بالقضيب على جلد مخدة أو غيرها وهو التغبير # ومن المعلوم أن استماع الأصوات يوجب حركة النفس بحسب ذلك الصوت الذي يوجب ~~الحركة وهو يوجب الحركة # وللأصوات طبائع متنوعة تتنوع آثارها في النفس وكذلك للكلام المسموع نظمه ~~ونثره فيجمعون بين الصوت المناسب والحروف المناسبة لهم # وهذا الأمر يفعله بنو آدم من أهل الديانات البدعية كالنصارى والصابئة ~~وغير أهل الديانات ممن يحرك بذلك حبه وشوقه ووجده أو حزنه وأسفه أو حميته ~~وغضبه أو غير ذلك فخلف بعد أولئك من صار يجمع عليه أخلاطا من الناس ويرون ~~اجتماعهم لذلك شبكة تصطاد النفوس بزعمهم إلى التوبة والوصول في طريق أهل ~~الارادة # وأحدث بعد أولئك أيضا الاستماع من المخانيث المعروفين بالغناء لأهل ~~الفسوق والزنا وربما استمعوه من الصبيان المردان أو من النسوان الملاح كما ~~يفعل أهل الدساكر والمواخير # وقد يجمعون في السماع أنواع الفساق والفجار وربما قصدوا التكاثر بهم ~~والافتخار لا سيما إن كانوا من أهل الرياسة واليسار وكثيرا PageV01P306 ما ~~يحضر فيه أنواع المردان وقد يكون ذلك من أكبر مقاصد أهل السماع وربما ~~ألبسوهم الثياب المصبغة الحسنة وأرقصوهم في طابق الرقص والدوران وجعلوا ~~مشاهدتهم بل معانقتهم مطلوبا لمن يحضر من الأعيان وإذا غلبهم وجد الشيطان ~~رفعوا الأصوات التي يبغضها الرحمن # وكذلك زادوا في الابتداع في إنشاد القصائد فكثيرا ما ينشدون أشعار الفساق ~~والفجار وفيهم كثير ينشدون أشعار الكفار بل ينشدون ما لا يستجيزه أكثر اهل ~~التكذيب وإنما يقوله أعظم الناس كفرا برب ms140 العالمين وأشدهم بعدا عن الله ~~ورسوله والمؤمنين # وزادوا أيضا في الآلات التي تستثار بها الأصوات مما يصنع بالأفواه ~~والأيدي كأبواق اليهود ونواقيس النصارى من يبلغ المنكرات كأنواع الشبابات ~~والصفارات وأنواع الصلاصل والأوتار المصوتات ما عظمت به الفتنة حتى ربا ~~فيها الصغير وهرم فيها الكبير وحتى اتخذوا ذلك دينا وديدنا وجعلوه من ~~الوظائف الراتبة بالغداة والعشى كصلاة الفجر والعصر وفي الأوقات والاماكن ~~الفاضلات واعتاضوا به عن القرآن والصلوات # وصدق فيهم قوله @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة @QE@ PageV01P307 ~~@QB@ واتبعوا الشهوات @QE@ [ سورة مريم 59 ] وصار لهم نصيب من قوله تعالى ~~@QB@ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية @QE@ [ سورة الأنفال 35 ] ~~إذ المكاء هو الصفير ونحوه من الغناء والتصدية هي التصفيق بالأيدي فإذا كان ~~هذا سماع المشركين الذي ذمه الله في كتابه فكيف إذا اقترن بالمكاء الصفارات ~~المواصيل وبالتصدية مصلصلات الغرابيل وجعل ذلك طريقا ودينا يتقرب به إلى ~~المولى الجليل # وظهر تحقيق قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الغناء ينبت النفاق في ~~القلب كما ينبت الماء البقل # بل أفضى الأمر إلى أن يجتمع في هذا السماع على الكفر بالرحمن والاستهزاء ~~بالقرآن والذم للمساجد والصلوات والطعن في أهل الإيمان والقربات والاستخفاف ~~بالأنبياء والمرسلين والتحضيض على جهاد المؤمنين ومعاونة الكفار والمنافقين ~~واتخاذ المخلوق إلها من دون رب العالمين وشرب أبوال المستمعين وجعل ذلك من ~~أفضل أحوال العارفين ورفع الأصوات المنكرات التي أصحابها شر من البهائم ~~السائمات الذين قال الله في مثلهم @QB@ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ~~إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا @QE@ [ سورة الفرقان 44 ] # وقال تعالى @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون @QE@ [ سورة الأعراف 179 ] الذين ~~PageV01P308 يفعلون في سماعاتهم ما لا يفعله اليهود والنصارى ولهذا يتولون ~~من يتولاهم من اليهود والنصارى والصابئة والمشركين والمجوس ويجعلونهم من ~~إخوانهم وأصحابهم وأهل خرقتهم مع معاداتهم للأنبياء والمؤمنين ms141 # فصار السماع المحدث دائرا بين الكفر والفسوق والعصيان ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله وكفره من أغلظ الكفر وأشده وفسوقه من اعظم الفسوق # وذلك أن تأثير الأصوات في النفوس من أعظم التأثير يغنيها ويغذيها حتى قيل ~~إنه لذلك سمى غناء لأنه يغني النفس # وهو يفعل في النفوس أعظم من حميا الكؤوس حتى يوجب للنفوس أحوالا عجيبة ~~يظن أصحابها أن ذلك من جنس كرامات الأولياء وإنما هو من الأمور الطبيعية ~~الباطلة المبعدة عن الله إذ الشياطين تمدهم في هذا السماع بأنواع الإمداد # كما قال تعالى @QB@ وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون @QE@ [ سورة ~~الأعراف 202 ] وقال للشيطان واستفزز من استطعت منهم بصوتك [ سورة الإسراء ~~64 ] فربما يخف أحدهم حتى يرقص فوق رؤوسهم ويكون شيطانه هو المغوى لنفوسهم ~~PageV01P309 # ولهذا كان مرة في سماع يحضره الشيخ شبيب الشطي فبينما هم في سماع أحدهم ~~وإذا بعفريت يرقص في الهواء على رؤوسهم فتعجبوا منه وطلب الشيخ لمريده ~~الشيخ أبا بكر بن فينان وكان له حال ومعرفة فلما رآه صرخ فيه فوقع فما ~~فرغوا طلب منه ان ينصفه وقال هذا سلبني حالي فقال الشيخ لم يكن له حال ولكن ~~كان بالرحبة فحمله شيطانه إلى هنا وجعل يرقص به فلما رأيت الشيطان صرخت فيه ~~فهرب فوقع هذا # والقصة معروفة يعرفها أصحاب الشيخ # وصار في أهل هذا السماع المحدث الذين اتخذوا دينهم لغوا ولعبا ضد ما أحبه ~~الله وشرعه في دين الحق الذي بعث به رسوله من عامة الوجوه بل صار مشتملا ~~على جميع ما حرمه الله ورسله # كما قال تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون @QE@ [ سورة الأعراف 33 ] فصار فيه من الفواحش الظاهرة ~~والباطنة والإثم والبغي بغير الحق والإشراك بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~والقول على الله بغير علم ما لا يحصيه إلا الله فإنه تنوع وتعدد وتفرق أهله ~~فيه وصاروا شيعا ms142 لكل قوم ذوق ومشروب وطريق PageV01P310 يفارقون به غيرهم ~~حتى في الحروف المنشدة والأصوات الملحنة والأذواق الموجودة والحركات ~~الثائرة والقوم المجتمعين وصار من فيه من العلم والإيمان ما ينهاه عما ظهر ~~تحريمه من أنواع الكفر والظلم والفواحش يريد أن يحد حدا للسماع المحدث يفصل ~~به بين ما يسوغ منه وما لا يسوغ فلا يكاد ينضبط حد لا بالقول ولا بالعمل ~~فإن قرب في الضبط والتحديد بالقول لم ينضبط له بالعمل إذ يندر وجود تلك ~~الشروط حتى إنه اجتمع مرة ببغداد في حال عمارتها ووجود الخلافة بها أعيان ~~الشيوخ الذين يحضرون السماع المفتون فلم يجدوا من يصلح له في بغداد وسوادها ~~إلا نفرا إما ثلاثة وإما أربعة وإما نحو ذلك # وسبب هذا الإضراب أنه ليس من عند الله وما كان من عند غير الله وجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه ~~واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ [ سورة الروم 30 32 ] # ثم مع اشتماله على المحرمات كلها أو بعضها يرون أنه من أعظم القربات بل ~~أعظمها وأجلها قدرا وأن أهله هم الصفوة أولياء الله وخيرته من خلقه ولا ~~يرضون بمساواة السابقين الأولين من المهاجرين والانصار وسلف الأمة حتى ~~يتفضلوا عليهم وفيهم من يساوون أنفسهم PageV01P311 بالأنبياء والمرسلين ~~وفيهم من يتفضل أيضا على الانبياء والمرسلين على أنواع من الكفر التي ليس ~~هذا موضعها # وجماع الأمر انه صار فيه وفيما يتبعه في وسائل ذلك ومقاصده في موجوده ~~ومقصوده في صفته ونتيجته ضد ما في السماع والعبادات الشرعية في وسائلها ~~ومقاصدها موجودها ومقصودها صفتها ونتيجتها فذاك يوجب العلم والإيمان وهذا ~~يوجب الكفر والنفاق ولهذا كان أعراب الناس أهل البوادي من العرب والترك ~~والكرد وغيرهم أكثر استعمالا له من أهل القرى فإنهم كما قال الله تعالى ~~@QB@ الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ms143 ما أنزل الله على ~~رسوله @QE@ [ سورة التوبة 97 ] # ولهذا كان يحضره الشياطين كما أن سماع أهل الإيمان تحضره الملائكة وتنزل ~~عليهم فيه الشياطين وتوحى إليهم كما تنزل الملائكة على المؤمنين وتقذف في ~~قلوبهم ما امرهم الله فإن الملائكة تنزل عند سماع القرآن وعند ذكر الله # كما في الصحيح ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ~~ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة ~~وذكرهم الله فيمن عنده PageV01P312 وفي الصحيح أن أسيد بن الحضير كان يقرأ ~~سورة الكهف فرأى مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم تلك السكينة تنزلت لسماع القرآن # وفي الصحيح إن لله ملائكة فضلا عن كتاب الناس فإذا رأوا قوما يذكرون الله ~~تنادوا هلموا إلى حاجتكم الحديث بطوله # وهذا السماع المحدث تحضره الشياطين كما رأى ذلك من كشف له وكما توجد آثار ~~الشياطين في أهله حتى أن كثيرا منهم يغلب عليه الوجد فيصعق كما يصعق ~~المصروع ويصيح كصياحه ويجري على لسانه من الكلام ما لا يفهم معناه ولا يكون ~~بلغته كما يجري على لسان المصروع وربما كان ذلك من شياطين قوم من الكفار ~~الذي يكون أهل ذلك السماع مشابهين لقلوبهم كما يوجد ذلك في أقوام كثيرين ~~كانوا يتكلمون في PageV01P313 وجدهم واختلاطهم بلغة الترك التتر الكفار ~~فينزل عليهم شياطينهم ويغوونهم ويبقون منافقين موالين لهم وهم يظنون أنهم ~~من أولياء الله وإنما هم من أولياء الشيطان وحزبه # ولهذا يوجد فيه مما يوجد في الخمر من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة ومن ~~إيقاع العداوة والبغضاء حتى يقتل بعضهم بعضا فيه ولهذا يفعلونه على الوجه ~~الذي يحبه الشيطان ويكرهه الرحمن # وذلك من وجوه # أحدها أن العبادات الشرعية مثل الصلاة والصيام والحج قد شرع فيها من ~~مجانبة جنس المباشرة المباحة في غيرها ما هو من كمالها وتمامها فقال تعالى ~~@QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ [ سورة البقرة 187 ] # وقال @QB@ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى ~~يتبين لكم الخيط ms144 الأبيض من الخيط الأسود من الفجر @QE@ [ سورة البقرة 187 ] # وقال @QB@ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا @QE@ [ سورة النساء 43 ] # وأعظم ذلك الحج فليس للمحرم أن يباشر فيه النساء ولا ينظر إليهم لشهوة ~~والمعتكف قريب منه والصائم دونه والمصلى لا يصاف النساء بل يؤخرن عن صفوف ~~الرجال ويصلين خلف الرجال كما PageV01P314 قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها # وليس للمصلى في حال صلاته أن ينظر إلى ما يلهيه عن الصلاة لا نساء ولا ~~غيرهم بل قد ثبت في الصحيح أنه إذا مر أمامه المرأة والحمار والكلب الأسود ~~وضع صلاته وإن كان قد ثبت عن النبي ص PageV01P315 أنه كان يصلي وعائشة ~~مضطجعة في قبلته بالليل في الظلمة فإذا أراد أن يسجد غمزها فاللابث غير ~~المار ولم يكن ذلك يلهيه لأنه كان بالليل في الظلمة وكذلك مس النساء لشهوة ~~ينقض الطهارة عند اكثر العلماء # فإذا كان هذا في النظر والمباشرة المباح في غير حال العبادة نهى الله عنه ~~حال العبادة لما في ذلك من المباينة للعبادة والمنافاة لها فكيف بما هو ~~حرام خارج عن العبادة كالنظر إلى البغي والمباشرة لها فكيف بالنظر إلى ~~المردان الصباح المخانيث وغير المخانيث والمباشرة لهن ثم هذا قد يفعل لمجرد ~~شهوة النظر فيكون قبيحا مكروها خارج العبادة فكيف في حال العبادة # وهؤلاء قد يجعلون ذلك مما لا يتم السماع إلا به بل ويتخذونه في الصلاة ~~وغيرها من العبادات فيجعلون حضورهم في السماع PageV01P316 والسماع من ~~النساء والصبيان من جملة القربات والطاعات # وهذا من أعظم تبديل الدين فإن الرجل لو جعل النظر إلى امرأته في الصلاة ~~أو الصيام أو الاعتكاف من جملة العبادة كان مبتدعا بل كان هذا كفرا فكيف ~~إذا جعل النظر إلى المرأة الأجنبية أو الأمرد في الصلاة من جملة العبادات ~~كما يفعله بعضهم وقد أوقد شمعة على وجه الأمرد فيستجليه في ms145 صلاته ويعد ذلك ~~من عباداته هذا من أعظم تبديل الدين ومتابعة الشياطين # وهذا إذا كان العمل عبادة في نفسه كالصلاة والصيام فكيف إذا كان العمل ~~بدعة عظيمة وهو سماع المكاء والتصدية وضم إليه مشاهدة الصور الجميلة وجعل ~~سماع هذه الأصوات ورؤية هذه الصور من العبادات فهذا من جنس دين المشركين # ولقد حدثني بعض المشايخ أن بعض ملوك فارس قال لشيخ رآه قد جمع الناس على ~~مثل هذا الاجتماع يا شيخ إن كان هذا هو طريق الجنة فأين طريق النار # الوجه الثاني أن التطريب بالآلات الملهية محرم في السماع الذي أحبه الله ~~وشرعه وهو سماع القرآن فكيف يكون قربة في السماع الذي لم يشرعه الله وهل ضم ~~ما يشرعه الله إلى ما ذمه يصير المجموع المعين بعضه PageV01P317 # لبعض مما أحبه الله ورضيه # الوجه الثالث كثرة أيقاد النار بالشموع والقناديل وغير ذلك مما لا يشرع ~~في الصلاة وقراءة القرآن إذ فيه من تفريق القلوب وغير ذلك مما هو خلاف ~~المقصود # الوجه الرابع التنوع في المطاعم والمشارب فيه وليس شأن العبادات وإنما ~~شرع نوع ذلك عند الفراغ من العبادة وأما أن يكون هذا التنوع في المطاعم ~~والمشارب في السماع من العبادة التي يتقرب بها إلى الله فلا وأما موجبه من ~~الحركات المختلفة والأصوات المنكرة والحركات العظيمة فهذا أجل من ان يوصف ~~ولا يمكن رد موجبه بعد قيام المقتضى التام كما لا يمكن رد السكر عن النفس ~~بعد شرب ما يسكر من الخمر بل إسكاره للنفوس وصده عن ذكر الله وعن الصلاة ~~أعظم مما في الخمر بكثير # فإن الصلاة كما ذكر الله تعالى @QB@ تنهى عن الفحشاء والمنكر @QE@ [ سورة ~~العنكبوت 45 ] وهذا أمر مجرب محسوس يجد الإنسان من نفسه أن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ويجد أهل السماع أن نفوسهم PageV01P318 تميل إلى الفحشاء ~~والمنكر ولهذا يتعاطى كل أحد من الفاحشة حتى تعاطى كثير من المتصوفة صحبة ~~الأحداث ومشاهدتهم # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال العينان يزينان ~~وزناهما النظر وغالب ms146 أهله يخالطون الأحداث والنسوان الأجانب ومن امتنع منهم ~~عن ذلك لورع أو غيره فإنه إنما ينتهي عن ذلك بغير هذا السماع وأما هذا ~~السماع فال ينهاه عن ذلك قطعا بل يدعوه إليه لا سيما النفوس التي بها رقة ~~ورياضة وزهد فإن سماع الصوت يؤثر فيها تأثيرا عظيما وكذلك مشاهدة الصور ~~ويكون ذلك قوتا لها وبهذا اعتاض الشيطان فيمن يفعل ذلك من المتصوفة فإنه لم ~~يبال بعد أن أوقعهم فيما يفسد قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ألا يشتغل بجمع ~~الأموال والسلطان اذا قد تكون فتنة أحدهم بذلك اعظم من الفتنه بالسلطان ~~والمال فإن جنس ذلك مباح وقد يستعان به على طاعة الله وأما ما يشغل به ~~هؤلاء أنفسهم فإنه دين فاسد منهى عنه مضرته راجحة على منفعته # الوجه الخامس تشبيه الرجال بالنساء فإن المغاني كان السلف يسمونهم مخانيث ~~لأن الغناء من عمل النساء ولم يكن على عهد النبي PageV01P319 ص يغني في ~~الأعراس إلا النساء كالإماء والجواري الحديثات السن فإذا تشبه بهم الرجل ~~كان مخنثا وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال ~~والمترجلات من النساء وهكذا فيمن يحضرون في السماع من المردان الذين ~~يسمونهم الشهود فيهم من التخنث بقدر ما تشبهوا بالنساء وعليهم من اللعنة ~~بقدر ذلك # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بنفي المخنثين وقال أخرجوهم ~~من بيوتكم فكيف نمر بقربهم ونعظمهم ونجعلهم طواغيت معظمون بالباطل الذي ~~حرمه الله ورسوله وأمر بعقوبة أهله وإذلالهم وهذا مضاد في أمره فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله ~~في أمره رواه أبو داود فإذا كان هذا في الشفاعة بالكلام فكيف بالذي يعظم ~~PageV01P320 المتعدين لحدود الله ويعينهم على ذلك ويجعل ذلك دينا لا سيما ~~التعظيم لما هو من جنس الفواحش فإن هذا من شأنه إذا كان مباحا ستره أو ~~إخفاؤه وأهله لا يجوز أن يجعلوا من ولاة الأمور ولا يكون لهم نصيب من ~~السلطان بما فيهم من نقص ms147 العقل والدين فكيف بمن هو من جنس هؤلاء ممن لعنه ~~الله ورسوله فإن من يعظم القينات المغنيات ويجعل لهن رياسة وحكما لأجل ما ~~يستمع منهن من الغناء وغيره عليه من لعنة الله وغضبه أعظم ممن يؤمر المرأة ~~الحرة ويملكها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا أفلح قوم ولوا أمرهم ~~امرأة # فالذي يعظم المخنثين من الرجال ويجعل لهم من الرياسة والأمر على الأمر ~~المحرم ما يجعل هو احق بلعنة الله وغضبه من أولئك فإن غناء الإماء ~~والاستمتاع بهن من جنس المباح وما زال الإماء وغيرهن من PageV01P321 النساء ~~يغنين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الأفراح كالعرس وقدوم ~~الغائب ونحو ذلك بخلاف من يستمعون الغناء من المردان والنساء الأجنبيات ~~ويجتمعون معهم على الفواحش فإنما يكون ذلك من أعظم المحرمات فكيف إذا جعل ~~ذلك من العبادات وقد كتبنا في غير هذا الموضع مما يتعلق بذلك ما لا يحتمله ~~هذا الموضع # الوجه السادس أن رفع الأصوات في الذكر المشروع لا يجوز إلا حيث جاءت به ~~السنة كالأذان والتلبية ونحو ذلك فالسنة للذاكرين والداعين ألا يرفعوا ~~أصواتهم رفعا شديدا كما ثبت في الصحيح عن أبي موسى أنه قال كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا علونا على شرف كبرنا فارتفعت أصواتنا ~~فقال يا أيها الناس اربعوا على انفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما ~~تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعون أقرب إلى احدكم من عنق راحلته # وقد قال تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين @QE@ [ ~~سورة الأعراف 55 ] وقال عن زكريا @QB@ إذ نادى ربه نداء خفيا @QE@ [ سورة ~~مريم 3 ] وقال تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول ~~بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين [ سورة الأعراف 205 ] PageV01P322 وفي ~~هذه الآثار عن سلف الأمة وأئمتها ما ليس هذا موضعه كما قال الحسن البصري ~~رفع الصوت بالدعاء بدعة وكذلك نص عليه أحمد ابن حنبل وغيره وقال قيس بن ~~عباد وهو من كبار التابعين ms148 من أصحاب على عليه السلام روى عنه الحسن البصري ~~قال كانوا يستحبون خفض الصوت عند الذكر وعند الجنائز وعند القتال # وهذه المواطن الثلاثة تطلب النفوس فيها الحركة الشديدة ورفع الصوت عند ~~الذكر والدعاء لما فيه من الحلاوة ومحبة ذكر الله ودعائه وعند الجنائز ~~بالحزن والبكاء وعند القتال بالغضب والحمية ومضرته أكبر من منفعته بل قد ~~يكون ضررا محضا وإن كانت النفس تطلبه كما في حال المصائب # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ~~ودعا بدعوى الجاهلية وتبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من الصالفة والحالقة ~~والشاقة والصالفة التي ترفع صوتها بالمصي PageV01P323 وقال إن الله لا ~~يؤاخذ على دمع العين ولا على حزن القلب ولكن يؤاخذ على هذا وأشار إلى لسانه ~~أو يرحم وقال إن النائحة إذا لم تتب فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب ~~وسربالا من قطران # وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح ولهذا عظم نهى العلماء عما ابتدع فيها ~~مثل الضرب بالدفوف ونحو ذلك ورأوا تقطيع الدف في الجنازة كما نص عليه أحمد ~~وغيره بخلاف الدف في العرس فإن ذلك مشروع # وأما القتال فالسنة أيضا فيه خفض الصوت ولهذا قال حماس بن قيس بن خالد ~~لامرأته يوم فتح مكة % إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة % % ~~وأبو يزيد قائم كالموتمه واستقبلهم بالسيوف المسلمة % % يقطعن كل ساعد ~~وجمجمة ضربا فلا يسمع إلا غمغمه % % لهم نهيت خلفنا وهمهمه لم تنطقي في ~~اللوم أدنى كلمه % PageV01P324 وهذه الدقادق والأبواق التي تشبه قرن اليهود ~~وناقوس النصارى لم تكن تعرف على عهد الخلفاء الراشدين ولا من بعدهم من ~~أمراء المسلمين وإنما حدث في ظني بعض ملوك المشرق من أهل فارس فإنهم أحدثوا ~~في أحوال الإمارة والقتال أمورا كثيرة وانبثت في الأرض لكون ملكهم انتشر ~~حتى ربا في ذلك الصغير وهرم فيها الكبير لا يعرفون غير ذلك بل ينكرون أن ~~يتكلم أحد بخلافه حتى ظن بعض الناس أن ذلك من إحداث عثمان بن عفان وليس ~~كذلك ms149 بل ولا فعله عامة الخلفاء والأمراء بعد عثمان رضي الله عنه # ولكن ظهر في الأمة ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لتأخذن ~~مأخذ الأمم قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع قالوا فارس والروم قال ومن الناس ~~إلا هؤلاء كما قال في الحديث الآخر لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة ~~بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى ~~قال فمن # وكلا الحديثين في الصحيح أخبر بأنه يكون في الأمة من يتشبه باليهود ~~والنصارى ويكون فيها من يتشبه بفارس والروم PageV01P325 # ولهذا ظهر في شعائر الجند المقاتلين شعائر الأعاجم من الفرس وغيرهم حتى ~~في اللباس وأعمال القتال والأسماء التي تكون لأسباب الإمرة مثل الألفاظ ~~المضافة إلى دار كقولهم ركاب دار وطشت دار وخان دار فإن ذلك في لغة الفرس ~~بمعنى صاحب وحافظ فإذا قالوا جان دار فالجان هي الروح في لغتهم فالجان دار ~~بمعنى حافظ الروح وصاحب الروح وكذلك الركاب دار أي صاحب الركاب وحافظ ~~الركاب وهو الذي يسرج الفرس ويلجمه ويكون في ركاب الراكب وكذلك صاحب الطشت ~~الذي يغسل الثياب والأبدان # وكذلك برد دار وهو صاحب العتبة وهو الموكل بدار الأمير كالحداد والبواب ~~الذي يمنع من الدخول والخروج ويأذن فيه # وكذلك يقولون جمدار وسلاح دار وجوكان دار وبندق دار ودوادار وخرندار ~~واستادار لصاحب الثياب الذي يحفظ الثياب وما يتعلق بذلك ولصاحب السلاح ~~والجوكان والبندق والدواه وخزانة المال والاستدانة وهي التصرف في إخراج ~~المال وصرفه فيما يحتاج إليه من الطعام واللباس وغير ذلك # ويتعدى ذلك إلى ولاة الطعام والشراب فيقولون مرق دار أي صاحب المرقة وما ~~يتعلق بها وشراب دار لصاحب الشراب ويقولون مهما ندار أي صاحب المهم كما ~~يقولون مهمان خاناه أي بيت المهم والمهمة وهو في لغتهم الضيف أي بيت ~~الإضافة وصاحب الضيافة PageV01P326 مهمان دار لمثل رسول يرد على الأمير ~~والعيون الذين هم الجواميس ونحو ذلك ممن يتخذ له ضيافة ويوجد منه أخبار ~~وكتب ويعطى ذلك ونحو ذلك # فإن الأف والنون في ms150 لغتهم جمع كما يقولون مسلمان وفقيهان وعالمان أي ~~مسلمون وفقهاء وعلماء ونحو ذلك قولهم فراش خاناه أي بيت الفرس والفراش ~~يسمونه باللفظ العربي ويقولون زرد خاناه أي بيت الزرد # وهذا الخاص هو عام في العرف يراد به بيت السلاح مطلقا وإن ذكر لفظ الزرد ~~خاصة كما كان الصحابة يعبرون عن السلاح بالحلقة والحلقة هي الدروع المسرودة ~~من السرد الذي يقال له الزرد فنقلت السين زايا وربما قالوا الحلقة والسلاح ~~أي الدروع والسلاح # ولهذا لما صالح النبي صلى الله عليه وسلم من صالحه من يهود صالحهم على أن ~~له الحلقة وفي السيرة كان في بني فلان وفلان من الأنصار الحلقة والحصون أي ~~هم الذين لهم السلاح الذين يقاتلون بها والحصون التي يأوون إليها كما يكون ~~لأمراء الناس من أصناف الملوك المعاقل والحصون والقلاع ولهم السلاح فإن هذه ~~الأمور هي جنن القتال وبها يمتنع المقاتل والمطلوب بخلاف من لا سلاح له ولا ~~حصن فإنه ممكن PageV01P327 من نفسه مقدور عليه في مثل الأمصار وإن كان ~~القتال على الخيل بالسلاح هو أعلى وأفضل من القتال في الحصون بالسلاح ~~فالحصان خير من الحصون ومن لم يكن قتاله إلا في الحصون والجدر فهو مذموم # كما قال تعالى عن اليهود @QB@ لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من ~~وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون @QE@ [ سورة الحشر 14 ] # والمحدثات في أمر الإمارة والملك والقتال كثيرة جدا ليس هذا موضعها فإن ~~الأمة هي في الأصل اربعة أصناف كما ذكر ذلك في قوله فاقرأوا ما تيسر من ~~القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله [ سورة المزمل 20 ] # فالصنف الواحد القراء وهم جنس العلماء والعباد ويدخل فيهم من تفرع من هذه ~~الأصناف من المتكلمة والمتصوفة وغيرهم # والصنف الآخر المكتسب بالضرب في الأرض وأما المقيمون من أهل الصناعات ~~والتجارات فيمكن أن يكونوا من القراء المقيمين أيضا بخلاف المسافر فإن ~~النبي صلى ms151 الله عليه وسلم قال إذا مرض العبد أو PageV01P328 سافر كتبه له ~~من العمل مثل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم أخرجاه في الصحيحين عن أبي موسى # والله سبحانه إنما ذكر هذه الأصناف في الآية ليبين من يسقط عنه قيام ~~الليل من أهل الأعذار فذكر المريض والمسافر اللذين ذكرا في الحديث وذكر ~~المسافرين في ضربين الضاربين في الأرض يبتغون من فضل الله والمقاتلين في ~~سبيل الله وهم التجار والأجناد # والمقصود هنا ان الأجناس الأربعة من المقاتلة والتجار ومن يلحق بهم من ~~الصناع والقراء وأهل الأعذار كالمرضى ونحوهم كل هؤلاء قد حصل فيهم من ~~الأنواع المختلفة ما يطول وصفه # وأمورهم ما بين حسن مأمور به وبين قبيح منهى عنه ومباح واشتمال أكثر ~~أمورهم على هذه الثلاثة المأمور به والمنهى عنه والمباح والواجب الأمر بما ~~أمر الله به والنهي عما نهى عنه والإذن فيما أباحه الله PageV01P329 # لكن إذا كان الشخص أو الطائفة لا تفعل مأمورا إلا بمحظور أعظم منه أو لا ~~تترك مأمورا إلا لمحظور أعظم منه لم يأمر امرا يستلزم وقوع محظور راجح ولم ~~ينه نهيا يستلزم وقوع مأمور راجح فإن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو ~~الذي بعثت به الرسل والمقصود تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد ~~وتقليلها بحسب الإمكان # فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزما من الفساد أكثر مما ~~فيه من الصلاح لم يكن مشروعا وقد كره أئمة السنة القتال في الفتنة التي ~~يسميها كثير من اهل الأهواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ذلك إذا ~~كان يوجب فتنة هي اعظم فسادا مما في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~لم يدفع أدنى الفسادين باعلاهما بل يدفع أعلاهما باحتمال أدناهما كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ألا انبئكم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ~~والامر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات ~~البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ~~PageV01P330 # لكن المقصود هنا ان هذه الأصوات المحدثة ms152 في امر الجهاد وإن ظن أن فيها ~~مصلحة راجحة فإن التزام المعروف هو الذي فيه المصلحة الراجحة كما في اصوات ~~الذكر إذ السابقون الأولون والتابعون لهم بإحسان أفضل من المتأخرين في كل ~~شئ من الصلاة وجنسها من الذكر والدعاء وقراءة القرآن واستماعه وغير ذلك ومن ~~الجهاد والإمارة وما يتعلق بذلك من أصناف السياسات والعقوبات والمعاملات في ~~إصلاح الأموال وصرفها فإن طريق السلف أكمل في كل شئ ولكن يفعل المسلم من ~~ذلك ما يقدر عليه # كما قال الله تعالى @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ [ سورة التغابن 16 ~~] وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله # قال أبو القاسم القشيري وإن حسن الصوت مما أنعم الله تعالى به على صاحبه ~~من الناس قال الله تعالى @QB@ يزيد في الخلق ما يشاء @QE@ [ سورة فاطر 1 ] ~~قيل في التفسير من ذلك الصوت الحسن وذم PageV01P331 الله وسبحانه الصوت ~~الفظيع فقال تعالى @QB@ إن أنكر الأصوات لصوت الحمير @QE@ [ سورة لقمان 19 ~~] # قلت كون الشئ نعمة لا يقتضى استباحة استعماله فيما شاء الإنسان من ~~المعاصي ولا يقتضي إلا حسن استعماله بل النعم المستعملة في طاعة الله يحمد ~~صاحبها عليها ويكون ذلك شكرا لله يوجب المزيد من فضله فهذا يقتضي حسن ~~استعمال الصوت الحسن في قراءة القرآن كما كان أبو موسى الأشعري يفعل وكما ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع لقراءته وقال مررت بك البارحة وأنت ~~تقرأ فجعلت استمع لقراءتك فقال لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا وقال ~~لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود # فأما استعمال النعم في المباح المحض فلا يكون طاعة فكيف في المكروه أو ~~المحرم ولو كان ذلك جائزا لم يكن قربة ولا طاعة إلا بإذن الله ومن ~~PageV01P332 جعله طاعة لله بدون ذلك فقد شرع من الدين مالم يأذن به الله # ومعلوم أن القوة نعمة والجمال نعمة وغير ذلك من نعم الله التي لا يحصيها ~~إلا هو فهل يجعل أحد مجرد كون الشئ ms153 نعمة دليلا على استحباب إعماله فيما شاء ~~الإنسان أم يؤمر المنعم عليه بألا يستعملها في معصية ويندب إلى ألا ~~يستعملها إلا في طاعة الله تعالى # فآلاستدلال بهذا منزلة من استدل بإنعام الله بالسلطان والمال على ما جرت ~~عادة النفوس باستعمال ذلك فيه من الظلم والفواحش ونحو ذلك فآستعمال الصوت ~~الحسن في الأغاني وآلات الملاهي مثل استعمال الصور الحسنة في الفواحش ~~واستعمال السلطان بالكبرياء والظلم والعدوان واستعمال المال في نحو ذلك # ثم يقال له هذه النعمة يستعملها الكفار والفساق في أنواع من الكفر ~~والفسوق أكثر مما يستعلها المؤمنون في الإيمان فإن استمتاع الكفار والفساق ~~بالأصوات المطربة أكثر من استمتاع المسلمين فأي حمد لها بذلك إن لم تستعمل ~~في طاعة الله ورسوله # وأما قوله إن الله ذم الصوت الفظيع فهذا غلط منه فإن الله لا يذم ما خلقه ~~ولم يكن فعلا للعبد إنما يذم العبد بأفعاله الاختيارية PageV01P333 دون ما ~~لا اختيار له فيه وإن كان صوته قبيحا فإنه لا يذم على ذلك وإنما يذم ~~بأفعاله # وقد قال الله في المنافقين @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا ~~تسمع لقولهم @QE@ [ سورة المنافقون 4 ] # وقال @QB@ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما ~~في قلبه وهو ألد الخصام @QE@ [ سورة البقرة 204 ] # وإنما ذم الله ما يكون بآختيار العبد من رفع الصوت الرفع المنكر كما يوجد ~~ذلك في أهل الغلظ والجفاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الجفاء والغلط ~~وقسوة القلوب في الفدادين من أهل الوبر وهم الصياحون صياحا منكرا # وقد قال الله تعالى @QB@ واقصد في مشيك واغضض من صوتك @QE@ PageV01P334 ~~@QB@ إن أنكر الأصوات لصوت الحمير @QE@ [ سورة لقمان 19 ] فأمره أن يغض من ~~صوته كما أمر المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم وكما أمره أن يقصد في مشيه وذلك ~~كله فيما يكون باختياره لا مدخل لذه الصوت وعدم لذته في ذلك # وقال تعالى @QB@ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون @QE@ ~~[ سورة الحجرات 4 ] وقال لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ms154 تجهروا له ~~القول سورة الحجرات 2 وقال إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك ~~الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى سورة الحجرات 3 # وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~في التوراة قال ليس بفظ ولا غليظ ولاصخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ~~ولكن يعفو ويغفر PageV01P335 # وفي الصحيح أيضا انه أمر ان يبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ~~ولا نصب # وعنه ص قال إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نعمة صوت لهو ولعب ~~ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية # ثم قال أبو القاسم واستلذاذ القلوب واشتياقها إلى الأصوات الطيبة ~~واسترواحها إليها مما لا يمكن جحوده فإن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب والجمل ~~يقاسى تعب السير ومشقة الحمولة فيهون عليه بالحداء قال الله تعالى أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت [ سورة الغاشية 17 ] PageV01P336 # وحكى إسماعيل بن علية قال كنت أمشى مع الشافعي رحمه الله وقت الهاجرة ~~فجزنا بموضع يقول فيه أحد شيئا فقال مل بنا إليه ثم قال أيطربك هذا فقلت لا ~~فقال مالك حسن # قلت قد كان مستغنيا عن أن يستشهد على الامور الحسية بحكاية مكذوبة على ~~الشافعي فإن إسماعيل بن علية شيخ الشافعي لم يكن ممن يمشي معه ولم يرو هذا ~~عن الشافعي بل الشافعي روى عنه وهو من أجلاء شيوخ الشافعي وابنه إبراهيم بن ~~إسماعيل كان متكلما تلميذا لعبد الرحمن بن كيسان الأصم أحد شيوخ المعتزلة ~~وكان قد ذهب إلى مصر وكان بينه وبين الشافعي مناوأة حتى كان الشافعي يقول ~~فيه أنا مخالف لابن علية في كل شئ حتى في قول لا إله إلا الله لأني أقول لا ~~إله إلا الله الذي كلم موسى من وراء الحجاب وهو يقول لا إله إلا الله الذي ~~خلق في الهواء كلاما يسمعه موسى وهذا يذكر له أول رسالة في أصول الفقه ويظن ~~بعض الناس أن ابنه يشتبه PageV01P337 بأبيه فإنه شيخ الشافعي ms155 وأحمد ~~وطبقتهما # فهذه الحكاية يعلم انها مفتراة من له أدنى معرفة بالناس ولو صحت عمن صحت ~~عنه لم يكن فيها إلا ما هو مدرك بالإحساس من ان الصوت الطيب لذيذ مطرب وهذا ~~يشترك فيه جميع الناس ليس هذا من أمور الدين حتى يستدل فيه بالشافعي بل ذكر ~~الشافعي في مثل هذا غض من منصبه مثل ما ذكر ابن طاهر عن مالك رحمه الله ~~حكاية مكذوبة وأهل المواخر أعلم بهذه المسألة من أئمة الدين ولو حكى مثل ~~هذا عن إسحاق بن إبراهيم النديم وأبي الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني لكان ~~أنسب من ان يحكيها عن الشافعي # ثم يقال كون الصوت الحسن فيه لذه أمر حسى لكن أي شئ في هذا مما يدل على ~~الأحكام الشرعية من كونه مباحا أو مكروها أو محرما ومن كون الغناء قربة أو ~~طاعة # بل مثل هذا ان يقول القائل استلذاذا بالوطء مما لا يمكن جحوده واستلذاذ ~~النفوس بالوطء مما لا يمكن جحوده واستلذاذها بالمباشرة للجميل من النساء ~~والصبيان مما لا يمكن جحوده واستلذاذها بالنظر إلى الصور الجميلة مما لا ~~يمكن جحوده PageV01P338 واستلذاذها بأنواع المطاعم والمشارب مما لا يمكن ~~جحوده فأي دليل في هذا لمن هداه الله على ما يحبه ويرضاه أو يبيحه ويجيزه # ومن المعلوم أن هذه الأجناس فيها الحلال والحرام والمعروف والمنكر بل كان ~~المناسب لطريقة الزهد في الشهوات واللذات ومخالفة الهوى ان يستدل بكون الشئ ~~لذيذا مشتهى على كونه مباينا لطريق الزهد والتصوف كما قد يفعل كثير من ~~المشايخ يزهدون بذلك في جنس الشهوات واللذات # وهذا وإن لم يكن في نفسه دليلا صحيحا فهو اقرب إلى طريقة الزهد والتصوف ~~من الاستدلال بكون الشئ لذيذا على كونه طريقا إلى الله # وكل من الاستدلالين باطل فلا يستدل على كونه محمودا أو مذموما أو حلالا ~~أو حراما إلا بالأدلة الشرعية لا بكونه لذيذا في الطبع أو غير لذيذ # ولهذا ينكر على من يتقرب إلى الله بترك جنس اللذات كما قال ص للذين قال ~~احدهم أما أنا فأصوم لا ms156 أفطر وقال الآخر أما أنا فأقوم لا أنام وقال الآخر ~~أما أنا فلا اتزوج النساء وقال الآخر أما أنا فلا آكل اللحم فقال النبي ص ~~PageV01P339 لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب ~~عن سنتي فليس مني # وقد أنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [ سورة المائدة 87 ] # ثم إن أبا القاسم وطائفة معه تارة يمدحون التقرب إلى الله بترك جنس ~~الشهوات وتارة يجعلون ذلك دليلا على حسنه وكونه من القربا ت وهذا بحسب وجد ~~أحدهم وهواه لا بحسب ما أنزل الله وأوحاه وما هو الحق والعدل وما هو الصلاح ~~والنافع في نفس الأمر # والتحقيق أن العمل لا يمدح ولا يذم لمجرد كونه لذة بل إنما يمدح ما كان ~~لله أطوع وللعبد أنفع سواء كان فيه لذة أو مشقة قرب لذيذ هو طاعة ومنفعة ~~ورب مشق هو طاعة ومنفعة ورب لذيذ أو مشق صار منهيا عنه # ثم لو استدل بهذا على تحسين القرآن به لكان مناسبا فإن الاستعانة بجنس ~~اللذات على جنس الطاعات مما جاءت به الشريعة كما يستعان بالأكل والشرب على ~~العبادات # قال تعالى يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم PageV01P340 ~~واشكروا لله [ سورة البقرة 172 ] وقال كلوا من الطيبات واعملوا صالحا [ ~~سورة المؤمنون 51 ] # وفي الحديث المتفق عليه قوله عليه السلام لسعد إنك لن تنفق نفقة تبتغى ~~بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك # وقال في بضع أحدكم أهله صدقة # وكذلك حمده في النعم كما في الحديث الصحيح إن الله ليرضى عن العبد أن ~~يأكل الأكلة فيحمده عليها # فلو قال إن الله خلق فينا الشهوات واللذات لنستعين بها على كمال مصالحنا ~~فخلق فينا شهوة الأكل واللذة به فإن ذلك في نفسه نعمة وبه يحصل بقاء جسومنا ~~في الدنيا وكذلك شهوة النكاح واللذة به هو في نفسه وربه يحصل بقاء النسل ~~فإذا استعين ms157 بهذه القوى على PageV01P341 ما أمرنا كان ذلك سعادة لنا في ~~الدنيا والآخرة وكنا من الذين أنعم الله عليهم نعمة مطلقة وإن استعملنا ~~الشهوات فيما حظره علينا بأكل الخبائث في نفسها أو كسبها كالمظالم أو ~~بالإسراف فيها أو تعدينا أزواجنا أو ما ملكت أيماننا كنا ظالمين معتدين غير ~~شاكرين لنعمته لكان هذا كلاما حسنا # والله قد خلق الصوت الحسن وجعل النفوس تحبه وتلتذ به فإذا استعنا بذلك في ~~استماع ما امرنا باستماعه وهو كتابه وفي تحسين الصوت به كما أمرنا بذلك حيث ~~قال زينوا القرآن باصواتكم وكما كان يفعل أصحابه بحضرته مثل أبي موسى وغيره ~~كنا قد استعملنا النعمة في الطاعة وكان هذا حسنا مأمورا به كما كان عمر بن ~~الخطاب يقول لأبي موسى يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وكان ~~أصحاب محمد ص إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون # فهذا كان استماعهم وفي مثل هذا السماع كانوا يستعملون الصوت الحسن ~~ويجعلون التذاذهم بالصوت الحسن عونا لهم على طاعة الله وعبادته باستماع ~~كتابه فيثابون على هذا الالتذاذ إذ اللذة المأمور بها المسلم يثاب عليها ~~كما يثاب على أكله وشربه ونكاحه وكما يثاب على لذات PageV01P342 قلبه ~~بالعلم والإيمان فإنها أعظم اللذات وحلاوة ذلك أعظم الحلاوات # ونفس التذاذه وإن كان متولدا عن سعته وهو في نفسه ثواب فالمسلم يثاب على ~~عمله وعمل ما يتلود عن عمله ويثاب عما يلتذ به من ذلك مما هو أعظم لذة منه ~~فيكون متقلبا في نعمة ربه وفضله # فأما أن يستدل بمجرد استلذاذ الإنسان للصوت أو ميل الطفل إليه أو استراحة ~~البهائم به على جواز أو استحباب في الدين فهو من أعظم الضلال وهو كثير فيمن ~~يعبد الله بغير العلم المشروع # ومن المعلوم أن الاطفال والبهائم تستروح بالأكل والشرب فهل يستدل بذلك ~~على ان كل أكل وشرب فهو حسن مأمور به # وأصل الغلط في هذه الحجج الضعيفة أنهم يجعلون الخاص عاما في الأدلة ~~المنصوصة وفي عموم الألفاظ المستنبطة فيجنحون إلى أن الألفاظ في ms158 الكتاب ~~والسنة أباحت أو حمدت نوعا من السماع يدرجون فيها سماع المكاء والتصدية أو ~~يجنحون إلى المعاني التي دلت على الإباحة أو الاستحباب في نوع من الأصوات ~~والسماع يجعلون ذلك متناولا لسماع المكاء والتصدية # وهذا جمع بين ما فرق الله بينه بمنزلة قياس الذين قالوا إنما البيع مثل ~~PageV01P343 الربا وأصل هذا القياس المشركين الذين عدلوا بالله وجعلوا لله ~~أندادا سووهم برب العالمين في عبادتها أو اتخاذها آلهة وكذلك من عدل رسوله ~~متنبئا كذابا كمسيلمة الكذاب أو عدل بكتابه وتلاوته واستماعه كلاما آخر أو ~~قراءته أو سماعه أو عدل بما شرعه من الدين دينا آخرا شرعه له شركاؤه فهذا ~~كله من فعل المشركين وإن دخل في بعضه من المؤمنين قوم متأولون فالناس كما ~~قال الله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [ سورة يوسف 106 ] # فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل وهذا مقام ينبغي للمؤمنين التدبر ~~فيه فإنه ما بدل دين الله في الأمم المتقدمة وفي هذه الأمة إلا بمثل هذا ~~القياس ولهذا قيل ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس # وأصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده فإنه لم ~~يعدل أحد بالله شيئا من المخلوقات في جميع الأمور فمن عبد غيره أو توكل ~~عليه فهو مشرك به كمن عمد إلى كلام الله الذي أنزله وأمر باستماعه فعدل به ~~سماع بعض الاشعار # وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فضل القرآن على سائر الكلام ~~كفضل الله على خلقه رواه الترمذي وغيره PageV01P344 # وروى أيضا عنه ما تقرب العباد إلى الله بشئ أحب إليه مما خرج منه يعني ~~القرآن وهذا محفوظ عن خباب بن الأرت أحد المهاجرين الأولين السابقين قال يا ~~هناه تقرب إلى الله بما استطعت فلن يتقرب إليه بشئ احب اليه من كلامه فإذا ~~عدل بذلك ما نزه الله عنه ورسوله بقوله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي ~~PageV01P345 له [ سورة يس 69 ] وجعله قرآنا للشيطان كما في الحديث فما ~~قرآني قال ms159 الشعر كان هذا عدل كلام الرحمن بكلام الشيطان وهذا قد جعل ~~الشيطان عدلا للرحمن فهو من جنس الذين قال الله فيهم فكبكبوا فيها هم ~~والغاوون وجنود ابليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصون تالله إن كنا لفي ضلال ~~مبين إذ نسويكم برب العالمين [ سورة الشعراء 94 98 ] # والاستدلال بكون الصوت الحسن نعمة واستلذاذ النفوس به على جواز استعماله ~~في الغناء أو استحباب ذلك في بعض الصور مثل الاستدلال بكون الجمال نعمة ~~ومحبة النفوس الصور الجميلة على جواز استعمال الجمال الذي للصبيان في إمتاع ~~الناس به مشاهدة ومباشرة وغير ذلك أو استحباب ذلك في بعض الصور وهذا أيضا ~~قد وقع فيه طوائف من المتفلسفة والمتصوفة والعامة كما وقع في الصوت أكثر من ~~هؤلاء لكن الواقعون في الصور فيهم من له من العقل والدين ما ليس لهؤلاء إذ ~~ليس في هؤلاء رجل مشهور بين الناس شهرة عامة بخلاف أهل السماع ولكن هم ~~طرقوا لهم الطريق وذرعوا الذريعة حتى آل الأمر بكثير من الناس أن قالوا ~~وفعلوا في الصوت نظير ما قاله هؤلاء وفعلوه في الصور يحتجون على جواز النظر ~~إليه والمشاهدة بمثل نظير PageV01P346 ص إن الله جميل يحب الجمال وينسون ~~قوله إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم # ويحتجون بما في ذلك من راحة النفوس ولذاتها كما يحتج هؤلاء ويكرمون ذا ~~الصورة على ما يبذله من صورته وإشهادهم إياها كما يكرم هؤلاء ذا الصوت على ~~ما يبذله من صوته وإسماعهم إياه بل كثيرا ما يجمع في الشخص الواحد بين ~~الصورة والصوت كما يفعل في المغنيات من القينات # وقد زين الشيطان لكثير من المتنسكة والعباد أن محبة الصور الجميلة إذا لم ~~يكن بفاحشة فإنها محبة لله كما زين لهؤلاء أن استماع هذا الغناء لله ففيهم ~~من يقول هذا اتفاقا وفيهم من يظهر أنه يحبه لغير فاحشة ويبطن محبة الفاحشة ~~وهو الغالب # لكن ما أظهروه من الرأي الفاسد وهو أن يحب لله ما لم يأمر الله ~~PageV01P347 بمحبته هو ms160 الذي سلط المنافق منهم على أن يجعل ذلك ذريعة إلى ~~الكبائر ولعل هذه البدعة منهم اعظم من الكبيرة مع الإقرار بأن ذلك ذنب عظيم ~~والخوف من الله من العقوبة فإن هذا غايته أنه مؤمن فاسق قد جمع سيئة وحسنه ~~وأولئك مبتدعة ضلال حين جعلوا ما نهى الله عنه مما أمر الله به وزين لهم ~~سوء أعمالهم فرأوه حسنا وبمثلهم يضل أولئك حتى لا ينكروا المنكر إذا ~~اعتقدوا أن هذا يكون عبادة الله # ومن جعل ما لم يأمر الله بمحبته محبوبا لله فقد شرع دينا لم يأذن الله به ~~وهو مبدأ الشرك كما قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [ سورة البقرة 165 ] # فإن محبة النفوس الصورة والصوت قد تكون عظيمة جدا فإذا جعل ذلك دينا وسمى ~~لله صار كالأنداد والطواغيت المحبوبة تدينا وعبادة # كما قال تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم [ سورة البقرة 93 ] # وقال تعالى عنهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم [ سورة ص 6 ] # بخلاف من أحب المحرمات مؤمنا بأنها من المحرمات فإن من احب الخمر والغناء ~~والبغي والمخنث مؤمنا بأن الله يكره ذلك ويبغضه فإنه لا يحبه محبة محضة بل ~~عقله وإيمانه يبغض هذا الفعل ويكرهه ولكن قد غلبه هواه فهذا قد يرحمه الله ~~إما بتوبة إذا قوى ما في إيمانه من بغض ذلك وكراهته حتى دفع الهوى وإما ~~بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بغير ذلك PageV01P348 # أما إذا اعتقد أن هذه المحبة لله فإيمانه بالله يقوي هذه المحبة ويؤيدها ~~وليس عنده إيمان يزعه عنها بل يجتمع فيها داعي الشرع والطبع الإيمان والهدى ~~وذلك أعظم من شرب النصراني للخمر فهذا لا يتوب من هذا الذنب ولا يتخلص من ~~وباله إلا أن يهديه الله # فتبين له أن هذه المحبة ليست محبة لله ولا أمر الله بها بل كرهها ونهى ~~عنها وإلا فلو ترك أحدهم هذه المحبة لم يكن ذلك توبة فإنه يعتقد أن جنسها ~~دين بحيث يرضى بذلك ms161 من غيره ويأمره به ويقره عليه وتركه لها كترك المؤمن ~~بعض التطوعات والعبادات # وليس في دين الله محبة أحد لحسنه قط فإن مجرد الحسن لا يثيب الله عليه ~~ولا يعاقب ولو كان كذلك كان يوسف عليه السلام لمجرد حسنه أفضل من غيره من ~~الانبياء لحسنه وإذا استوى شخصان في الأعمال الصالحة وكان أحدهما أحسن صورة ~~وأحسن صوتا كانا عند الله سواء فإن اكرم الخلق عند الله أتقاهم يعم صاحب ~~الصوت الحسن والصورة الحسنة إذا استعمل ذلك في طاعة الله دون معصيته كان ~~أفضل من هذا الوجه كصاحب المال والسلطان إذا استعمل ذلك في طاعة الله دون ~~معصيته فإنه بذلك الوجه أفضل ممن لم يشركه في تلك الطاعة ولم يمتحن بما ~~امتحن به حتى خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ثم ذلك الغير إن كان له عمل ~~صالح آخر يساويه به وإلا كان الأول أفضل مطلقا PageV01P349 # وهذا عام لجميع الأمور التي أنعم الله تعالى بها على بني آدم وابتلاهم ~~بها فمن كان فيها شاكرا صابرا كان من أولياء الله المتقين وكان ممن امتحن ~~بمحبة حتى صبر وشكر وإن لم يكن المبتلى صابرا شكورا بل ترك ما أمر الله به ~~وفعل ما نهى الله عنه كان عاصيا أو فاسقا أو كافرا وكان من سلم من هذه ~~المحنة خيرا منه إلا أن يكون له ذنوب أخرى يكافيه بها # وإن جمع بين طاعة ومعصية فإن ترجحت طاعته كان أرجح ممن لم يكن له مثل ذلك ~~وإن ترجحت معصيته كان السالم من ذلك خيرا منه فإن كان له مال يتمكن به في ~~الفواحش والظلم فخالف هواه وأنفقه فيما يبتغي به وجه الله أحب الله ذلك منه ~~وأكرمه وأثابه # ومن كان له صوت حسن فترك استعماله في التخنيث والغناء واستعلمه في تزيين ~~كتاب الله والتغني به كان بهذا العمل الصالح وبترك العمل السئ أفضل ممن ليس ~~كذلك فإنه يثاب على تلاوة كتاب الله فيكون في عمله معنى الصلاة ومعنى ~~الزكاة # ولهذا قال النبي صلى الله ms162 عليه وسلم ما أذن الله لشئ كأذنه لبني حسن ~~الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به وقال لله أشد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن ~~من صاحب القينة إلى قينته PageV01P350 # ومن كان له صورة حسنة فعف عما حرم الله تعالى وخالف هواه وجمل نفسه بلباس ~~التقوى الذي قال الله فيه يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم ~~وريشا ولباس التقوى ذلك خير [ سورة الأعراف 26 ] كان هذا الجمال يحبه الله ~~وكان من هذا الوجه أفضل ممن لم يؤت مثل هذا الجمال ما لا يكساه وجه العاصي ~~فإن كانت خلقته حسنة ازدادت حسنا وإلا كان عليها من النور والجمال بحسبها # وأما أهل الفجور فتعلو وجوههم ظلمة المعصية حتى يكسف الجمال المخلوق قال ~~ابن عباس رضي الله عنه إن للحسنة لنورا في القلب وضياء في الوجه وقوة في ~~البدن وزيادة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة لظلمة في القلب ~~وغبرة في الوجه وضعفا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق # وهذا يوم القيامة يكمل حتى يظهر لكل أحد كما قال تعالى يوم تبيض وجوه ~~وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون [ سورة ~~آل عمران 106 107 ] # وقال تعالى ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في ~~جهنم مثوى للمتكبرين [ سورة الزمر 60 ] PageV01P351 # وقال تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن ~~يفعل بها فاقرة [ سورة القيامة 22 25 ] # وقال تعالى وجوه يومئذ ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ~~اولئك هم الكفرة الفجرة [ سورة عبس 38 42 ] # وقال تعالى وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية [ سورة الغاشية ~~2 4 ] و وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية [ سورة الغاشية 89 ] # وقال تعالى وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه [ سورة الكهف 29 ~~] # وقال تعالى إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم ms163 نضرة ~~النعيم [ سورة المطففين 22 24 ] # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تزال المسألة بأحدهم حتى يجئ يوم ~~القيامة وليس في وجهه مزعة لحم PageV01P352 # وقال من سأل الناس وله ما يكفيه جاءت مسألته خدوشا أو كدوحا في وجهه يوم ~~القيامة # وقال عليه السلام أول زمرة تلج الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين ~~يلونهم كأشد كوكب في السماء إضاءة وقال يوم حنين شاهت الوجوه لوجوه ~~المشركين # وأمثال هذا كثير مما فيه وصف أهل السعادة بنهاية الحسن والجمال والبهاء ~~وأهل الشقاء بنهاية السوء والقبح والعيب # وقد قال تعالى في وصفههم في الدنيا محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بنيهم إلى قوله سبحانه سيماهم في وجوههم من أثر السجود [ سورة ~~الفتح 29 ] فهذه السيما في وجوه المؤمنين والسيما العلامة وأصلها من الوسم ~~وكثيرا ما يستعمل في الحسن كما PageV01P353 # جاء في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وسيم قسيم # وقال الشاعر % غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيماء لا تشق على البصر % # وقال الله تعالى في صفة المنافقين ولو نشاء لأرينا كهم فلعرفتهم بسيماهم ~~[ سورة محمد 30 ] فجعل للمنافقين سيما أيضا # وقال وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر [ ~~سورة الحج 72 ] فهذه السيما وهذا المنكر قد يوجد في وجه من صورته المخلوقة ~~وضيئة كما يوجد مثل ذلك في الرجال والنساء والولدان لكن بالنفاق قبح وجهه ~~فلم يكن فيه الجمال الذي يحبه الله وأساس ذلك النفاق والكذب # ولهذا يوصف الكذاب بسواد الوجه كما يوصف الصادق ببياض PageV01P354 الوجه ~~كما أخبر الله بذلك ولهذا روى عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتعزيز شاهد الزور ~~بأن يسود وجهه ويركب مقلوبا على الدابة فإن العقوبة من جنس الذنب فلما اسود ~~وجهه بالكذب وقلب الحديث سود وجهه وقلب في ركوبه وهذا أمر محسوس لمن له قلب ~~فإن ما في القلب من النور والظلمة والخير والشر يسرى كثيرا إلى الوجه ~~والعين وهما أعظم الأشياء ارتباطا بالقلب # ولهذا يروى عن عثمان أو ms164 غيره أنه قال ما أسر أحد بسريرة إلا أبداها الله ~~على صفحات وجهه وفلتات لسانه والله قد أخبر في القرآن أن ذلك قد يظهر في ~~الوجه فقال ولو نشاء لأريناكم فلعرفتهم بسيماهم [ سورة محمد 30 ] فهذا تحت ~~المشيئة ثم قال ولتعرفنهم في لحن القول [ سورة محمد 30 ] فهذا مقسم عليه ~~محقق لا شرط فيه وذلك أن ظهور ما في قلب الإنسان على لسانه أعظم من ظهوره ~~في وجهه لكنه يبدو في الوجه بدوا خفيا يعلمه الله فإذا صار خلقا ظهر لكثير ~~من الناس وقد يقوى السواد والقسمة حتى يظهر لجمهور الناس وربما مسخ قردا أو ~~خنزيرا كما في الأمم قبلنا وكما في هذه الأمة أيضا وهذا كالصوت المطرب إذا ~~كان مشتملا على كذب وفجور فإنه موصوف بالقبح والسوء الغالب على ما فيه من ~~حلاوة الصوت PageV01P355 # فذو الصورة الحسنة إما أن يترجح عنده العفة والخلق الحسن وإما أن يترجح ~~فيه ضد ذلك وإما أن يتكافآ # فإن ترجح فيه الصلاح كان جماله بحسب ذلك وكان أجمل ممن لم يمتحن تلك ~~المحنة # وإن ترجح فيه الفساد لم يكن جميلا بل قبيحا مذموما فلا يدخل في قوله إن ~~الله جميل يحب الجمال # وإن تكافأ فيه الأمران كان فيه من الجمال والقبح بحسب ذلك فلا يكون ~~محبوبا ولا مبغضا # والنبيصلى االله عليه وسلم ص ذكر هذه الكلمة للفرق بين الكبر الذي يبغضه ~~الله والجمال الذي يحبه الله فقال لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة ~~من كبر فقال رجل يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن ~~الكبر ذلك فقال لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ~~فأخبر أن تحسين الثوب قد يكون من الجمال الذي يحبه الله كما قال تعالى خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد [ سورة الأعراف 31 ] # فلا يكون حينئذ من الكبر PageV01P356 # وقد يرد أنه ليس كل ثوب جميل وكل نعل جميل فإن الله يحبه فإن الله يبغض ~~لباس الحرير ويبغض الإسراف والخيلاء ms165 في اللباس وإن كان فيه جمال فإذا كان ~~هذا في لبس الثياب الذي هو سبب هذا القول فكيف في غيره # وتفسير هذا قوله ص إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر ~~إلى قلوبكم وأعمالكم # فعلم أن مجرد الجمال الظاهر في الصور والثياب لا ينظر الله إليه وإنما ~~ينظر إلى القلوب والأعمال فإن كان الظاهر مزينا مجملا بحال الباطن أحبه ~~الله وإن كان مقبحا مدنسا بقبح الباطن أبغضه الله فإنه سبحانه يحب الحسن ~~الجميل ويبغض السيئ الفاحش # وأهل جمال الصورة يبتلون بالفاحشة كثيرا واسمها ضد الجمال فإن الله سماه ~~فاحشة وسوءا وفسادا وخبيثا فقال تعالى ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء ~~سبيلا [ سورة الإسراء 32 ] # وقال ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن [ سورة الأنعام 151 ] # وقال أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين [ سورة الأعراف 80 ~~] PageV01P357 # وقال وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعلمون السيئات [ سورة هود 78 ~~] # وقال ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث [ سورة الأنبياء 74 ] # وقال رب انصرني على القوم المفسدين [ سورة العنكبوت 30 ] # وقال وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين [ سورة الأعراف 84 ~~] # والفاحش والخبيث ضد الطيب والجميل فإذا كان كذلك أبغضه الله ولم يحبه ولم ~~يكن مندرجا في الجميل # ونظير ذلك قوله ص إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش وقوله إن الله يبغض ~~الفاحش البذئ فلو أفحش PageV01P358 الرجل وبذأ بصوته الحسن كان الله يبغض ~~ذلك # ونفي المخنثين سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم الثابته عنه في ~~موضعين في حق الزاني والزانية اللذين لم يحصنا كما قال جلد مائة وتغريب عام ~~وفي حق المخنث وهو إخراجه من بين الناس وذلك أن الفاحشة لا تقع إلا مع قدرة ~~ومكنة الإنسان لا يطلب ذلك إلا إذا طمع فيه بما يراه من أسباب المكنة فمن ~~العقوبة على ذلك قطع أسباب المكنة فإذا تغرب الرجل عن أهله وأعوانه وأنصاره ~~الذي يعاونون وينصرونه ذلت نفسه وانقهرت ms166 فكان ذلك جزاء نكالا من الله من ~~الجلد ولأنه مفسد لأحوال من يساكنه فيبعد عنهم وكذلك المخنث يفسد أحوال ~~الرجال والنساء جميعا فلا يسكن مع واحد من الصنفين # وقد كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه التمييز بين الرجال ~~والنساء والمتأهلين والعزاب فكان المندوب في الصلاة أن يكون الرجال في مقدم ~~المسجد والنساء في مؤخره PageV01P359 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير ~~صفوف النساء آخرها وشرها أولها وقال يا معشر النساء لا ترفعن رؤوسكن حتى ~~يرفع الرجال رؤوسهم من ضيق الأزر وكان إذا سلم لبث هنيهة هو والرجال لينصرف ~~النساء أولا لئلا يختلط الرجال والنساء وكذلك يوم العيد كان النساء يصلين ~~في ناحية فكان إذا قضى الصلاة خطب الرجال ثم ذهب فخطب النساء فوعظهن وحثهن ~~على الصدقة كما ثبت ذلك في الصحيح وقد كان عمر بن الخطاب وبعضهم يرفعه إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد قال عن أحد ابواب المسجد أظنه الباب الشرقي لو ~~تركنا هذا الباب للنساء فما دخله عبد الله بن عمر حتى مات # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنساء لا تحققن ~~PageV01P360 الطريق وامشين في حافته أي لا تمشين في حق الطريق وهو وسطه ~~وقال على عليه السلام ما يغار أحدكم أن يزاحم امرأته العلوج بمنكبها يعني ~~في السوق # وكذلك لما قدم المهاجرون المدينة كان العزاب ينزلون دارا معروفة لهم ~~متميزة عن دور المتأهلين فلا ينزل العزب بين المتأهلين وهذا كله لأن اختلاط ~~أحد المصنفين بالآخر سبب الفتنة فالرجال إذا اختلطوا بالنساء كان بمنزلة ~~اختلاط النار والحطب وكذلك العزب بين الآهلين فيه فتنة لعدم ما يمنعه فإن ~~الفتنة تكون لوجود المقتضى وعدم المانع فالمخنث الذي ليس رجلا محضا ولا هو ~~امرأة محصنة لا يمكن خلطه بواحد من الفريقين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإخراجه من بين الناس # وعلى هذا المخنث من الصبيان وغيرهم لا يمكن من معاشرة الرجال ولا ينبغي ~~أن تعاشر ms167 المرأة المتشبهة بالرجال النساء بل يفرق بين بعض الذكران وبين بعض ~~النساء إذا خيفت الفتنة كما قال ص مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر ~~وفرقوا بينهم في PageV01P361 المضاجع # وقد نهى عن مباشرة الرجل في ثوب واحد وعن مباشرة المرأة المرأة في ثوب ~~واحد مع ان القوم لم يكونوا يعرفون التلوط ولا السحاق وإنما هو من تمام حفظ ~~حدود الله كما أمر الله بذلك في كتابه وقد روى أن عمر بلغه أن رجلا يجتمع ~~إليه نفر من الصبيان فنهى عن ذلك # وأبلغ من ذلك أنه نفى من شبب به النساء وهو نصر بن حجاج لما سمع امرأة ~~شببت به وتشتهيه ورأى هذا سبب الفتنة فجز شعره لعل سبب الفتنة يزول بذلك ~~فرآه أحسن الناس وجنتين فأرسل به إلى البصرة ثم إنه بعث يطلب القدوم إلى ~~وطنه ويذكر الا ذنب له فأبى عليه وقال أما وأنا حي فلا # وذلك أن المرأة إذا أمرت بالاحتجاب وترك التبرج وغير ذلك مما هو من أسباب ~~الفتنة بها ولها فإذا كان في الرجال من قد صار فتنة للنساء أمر أيضا ~~بمباعدة سبب الفتنة إما بتغيير هيئته وإما بالانتقال عن المكان الذي تحصل ~~به الفتنة فيه لأنه بهذا يحصن دينه ويحصن النساء دينهن PageV01P362 وبدون ~~ذلك مع وجود المقتضى منه ومنهن لا يؤمن ذلك وهكذا يؤمر من يفتن النساء من ~~الصبيان أيضا # وذلك أنه إذا احتج إلى المباعدة التي تزيل الفتنة كان تبعيد الواحد أيسر ~~من تبعيد الجماعة الرجال أو النساء إذ ذاك غير ممكن فتحفظ حدود الله ويجانب ~~ما يوجب تعدي الحدود بحسب الإمكان وإذا كان هذا فيمن لا ريبة فيه ولا ذنب ~~فكيف بمن يعرف بالريبة والذنب # وهكذا المرأة التي تعرف بريبة تفتن بها الرجال تبعد عن مواضع الريب بحسب ~~الإمكان فإن دفع الضرر عن الدين بحسب الإمكان واجب فإذا كان هذا هو السنة ~~فكيف بمن يكون في جمعه من أسباب الفتنة ما الله به عليم والرجل الذي يتشبه ~~بالنساء في زيهن # واستعمال أسماء الجمال والحسن ms168 والزينة ونحو ذلك في الأعمال الصالحة ~~والقبح والشين والدنس في الأعمال الفاسدة أمر ظاهر في الكتاب والسنة وكلام ~~العلماء مثل اسم الطيب والطهارة والخبث والنجاسة ومن ذلك ما في حديث أبي ذر ~~المشهور وقد رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال من حكمة آل داود حق على العاقل أن يكون له ساعة يناجي فيها ربه ~~وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يكون فيها مع أصحابه الذين يخبرونه عن ذات ~~نفسه PageV01P363 وساعة يخلو فيها بلذاته فيما يحل ويجمل فذكر الحل والجمال # وهذا يشهد لقول الفقهاء في العدالة إنها صلاح الدين والمروءة قالوا ~~والمروءة استعمال ما يجمله ويزينه وتجنب ما يدنسه ويشينه وهذا يرجع إلى ~~الحسن والقبح في الأعمال وأن الأعمال وأن الأعمال تكون حسنة وتكون قبيحة ~~وإن كان الحسن هو الملائم النافع والقبيح هو المنافي فالشئ يكمل ويجمل ~~ويحسن بما يناسبه ويلائمه وينفعه ويلتذ به كما يفسد ويقبح بما ينافيه ويضره ~~ويتألم به والأعمال الصالحة هي التي تناسب الإنسان والأعمال الفاسدة هي ~~التي تنافيه # ولهذا لما قال بعض الأعراب إن مدحي زين وذمي شين قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذاك الله فمدحه يزين عنده لأنه مدحه بحق ودمه يشينه لأنه حق # وهذا الحسن والجمال الذي يكون عن الأعمال الصالحة في القلب يسري إلى ~~الوجه والقبح والشين الذي يكون عن الأعمال الفاسدة في القلب PageV01P364 ~~يسري إلى الوجه كما تقدم ثم إن ذلك يقوى بقوة الأعمال الصالحة والأعمال ~~الفاسدة فكلما كثر البر والتقوى قوى الحسن والجمال وكلما قوى الإثم ~~والعدوان قوى القبح والشين حتى ينسخ ذلك ما كان للصورة من حسن وقبح فكم ممن ~~لم تكن صورته حسنة ولكن من الأعمال الصالحة ما عظم به جماله وبهاؤه حتى ظهر ~~ذلك على صورته # ولهذا ظهر ذلك ظهورا بينا عند الإصرار على القبائح في آخر العمر عند قرب ~~الموت فنرى وجوه أهل السنة والطاعة كلما كبروا ازداد حسنها وبهاؤها حتى ~~يكون أحدهم في كبره أحسن واجمل منه ms169 في صغره ونجد وجوه أهل البدعة والمعصية ~~كلما كبروا عظم قبحها وشينها حتى لا يستطيع النظر إليها من كان منبهرا بها ~~في حال الصغر لجمال صورتها # وهذا ظاهر لكل أحد فيمن يعظم بدعته وفجوره مثل الرافضة وأهل المظالم ~~والفواحش من الترك ونحوهم فإن الرافضي كلما كبر قبح وجهه وعظم شينه حتى ~~يقوى شبهه بالخنزير وربما مسخ خنزيرا وقردا كما قد تواتر ذلك عنهم ونجد ~~المردان من الترك ونحوهم قد يكون أحدهم في صغره من أحسن الناس صورة ثم إن ~~الذين يكثرون الفاحشة تجدهم في PageV01P365 الكبرأقبح الناس وجوها حتى إن ~~الصنف الذي يكثر ذلك فيهم من الترك ونحوهم يكون أحدهم أحسن الناس صورة في ~~صغره وأقبح الناس صورة في كبره وليس سبب ذلك أمرا يعود إلى طبيعة الجسم بل ~~العادة المستقيمة تناسب الأمر في ذلك بل سببه ما يغلب على احدهم من الفاحشة ~~والظلم فيكون مخنثا ولوطيا وظالما وعونا للظلمة فيكسوه ذلك قبح الوجه وشينه # ومن هذا أن الذين قوي فيهم العدوان مسخهم الله قردة وخنازير من الأمم ~~المتقدمة وقد ثبت في الصحيح أنه سيكون في هذه الأمة أيضا من يمسخ قردة ~~وخنازير فإن العقوبات والمثوبات من جنس السيئات والحسنات كما قد بين ذلك في ~~غير موضع # ولا ريب أن ما ليس محبوبا لله من مسخوطاته وغيرها تزين في نفوس كثير من ~~الناس حتى يروها جميلة وحسنة يجدون فيها من اللذات ما يؤيد ذلك وإن كانت ~~اللذات متضمنة لآلام أعظم منها # كما قال تعالى @QB@ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة ~~الدنيا والله عنده حسن المآب @QE@ [ سورة آل عمران 14 ] # وقال @QB@ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء @QE@ [ سورة فاطر 8 ] PageV01P366 وقال # تعالى وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في ~~تبات [ سورة غافر 37 ] # وقال وكذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم ms170 بما كانوا ~~يعملون [ سورة الأنعام 108 ] # وقال تعالى @QB@ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس وإني جار لكم @QE@ [ سورة الأنفال 48 ] # وقد قال سبحانه عن المؤمنين @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون @QE@ [ سورة ~~الحجرات 7 ] # فهو سبحانه يزين لكل عامل عمله فيراه حسنا وإن كان ذلك العمل سيئا فإنه ~~لولا حسنا لم يفعله إذ لو رآه سيئا لم يرده ولم يختره إذ الإنسان مجبول على ~~محبة الحسن وبغض السئ فالحسن الجميل محبوب مراد والسئ القبيح مكروه مبغض ~~والأعيان والأفعال المبغضة من كل وجه لا تقصد بحال كما ان المحبوبة من كل ~~وجه لا تترك بحال ولكن قد يكون الشئ محبوبا من وجه مكروها من وجه ويقبح من ~~وجه ويحسن من وجه ولهذا كان الزاني لا يزني حين يزني وهو مؤمن والسارق لا ~~يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن كامل الإيمان ~~فإنه لو كان اعتقاده بقبح ذلك الفعل اعتقادا تاما PageV01P367 لم يفعله ~~بحال ولهذا كان كل عاص لله تعالى جاهلا كما قال ذلك أصحاب محمد ص فإنه لو ~~كان عالما حق العلم بما فعله لم يفعل القبيح ولم يترك الواجب بل قد زين لكل ~~أمة عملهم # لكن العاصي إذا كان معه أصل الإيمان فإنه لا يزين له عمله من كل وجه بل ~~يستحسنه من وجه ويغضه من وجه ولكن حين فعله يغلب تزيين الفعل ولذلك قال ~~@QB@ زين للناس حب الشهوات @QE@ [ سورة آل عمران 14 ] الآية فإن هنا شيئين ~~حب الشهوات وأنه زين ذلك الفحش وحسن فرأوا تلك المحبة حسنة فلذلك استقرت ~~هذه المحبة عندهم وتمتعوا بهذه المحبات فإذا رأوا ذلك الحب قبيحا لما يتبعه ~~من الضرر لم يستقر ذلك في قلوبهم فإن رؤية ذلك الحب حسنا يدعو إليه قبيحا ~~ينفر عنه # وكذلك ذكر في الإيمان أنه حببه إلى المؤمنين وزينه في قلوبهم حتى رأوه ~~حسنا فإن الشئ إذا حبب وزين ms171 لم يترك بحال PageV01P368 # وهنا أخبر سبحانه انه هو الذي حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وفي ~~الشهوات قال @QB@ زين للناس حب الشهوات @QE@ [ سورة آل عمران 14 ] ولم يقل ~~المزين بل ذكر العموم # وقال تعالى @QB@ كذلك زينا لكل أمة عملهم @QE@ [ سورة الأنعام 108 ] وكما ~~حذف المزين هناك قال @QB@ زين للناس حب الشهوات @QE@ [ سورة آل عمران 14 ] ~~فجعل المزين نفس الحب لها لم يجعل المزين هو المحبوب كما أخبر أنه زين لكل ~~أمة عملها فإن المزين نفس الحب لها لم يجعل المزين هو المحبوب بل هو حب ~~الشهوات فإن المزين إذا كان نفس الحب والعمل لم ينصرف القلب عن ذلك بخلاف ~~ما لو كان المزين هو المحبوب فقد زين الشئ المحبوب ولكن الإنسان لا يحبه ~~لما يقوم بقلبه من العلم بحاله والبغض # ففرق بين التزيين المتصل بالقلب وتزيين الشئ المنفصل عنه فيه رد على ~~القدرية الذين يجعلون التزيين المنفصل وكذلك قوله @QB@ زين له سوء عمله ~~فرآه حسنا @QE@ [ سورة فاطر 8 ] وهو سبحانه امتن في الإيمان بشيئين بأنه ~~حببه إلينا وزينه في قلوبنا فالنعم تتم بهما بالعلم والمحبة # وقد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه ~~PageV01P369 لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وفي الصحيح أيضا ~~أنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتسشبهات من النساء بالرجال وفي ~~الصحيح أنه أمر بنفي المخنثين وإخراجهم من البيوت # كما روى البخاري في صحيحه عن عكرمة عن ابن عباس قال لعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال # وفي رواية لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمسترجلات ~~من النساء وقال أخرجوهم من بيوتكم فاخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلانة ~~وأخرج عمر فلانا # فإذا كان الرجل الذي يتشبه بالنساء في لباسهن وزيهن وزينتهن ملعونا قد ~~لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بمن يتشبه بهن في مباشرة الرجال له ~~فيما يتمع الرجال به بتمكينه من ذلك لغرض يأخذه أو لمحبته لذلك ms172 فكلما كثرت ~~مشابهته لهن كان أعظم للعنه وكان معلونا من وجهين من جهة الفاحشة المحرمة ~~فإنه يلعن على ذلك ولو كان هو الفاعل ومن جهة تخنثه لكونه من جنس المفعول ~~بهن PageV01P370 # فمن جعل شيئا من التخنث دينا أو طلب ذلك من الصبيان مثل تحسين الصبي ~~صورته أو لباسه لأجل نظر الرجال واستمتاعهم بذلك في سماع وغير سماع أليس ~~يكون مبدلا لدين الله من جنس الذي إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون وإذا كانت الفاحشة العرب المشركين كشف عوارتهم عند الطواف لئلا ~~يطوفون في ثياب عصوا الله فيها فكيف بما هو أعظم من ذلك # والمخنث قد يكون مقصوده معاشرة النساء ومباشرتهن وقد يكون تخنثه بمباشرة ~~الرجال ونظرهم ومحبتهم وقد يجمع الأمرين وفي المتنسكين من الأقسام الثلاثة ~~خلق كثير # وهؤلاء شر ممن يفعل هذه الأمور على غير وجه التدين فإن يوجد في الأمم ~~الجاهلية من الترك ونحوهم من يتشبه فيهم من النساء بالرجال ومن يتشبه من ~~الرجال بالنساء خلق عظيم حتى يكون لنسائهم من الإمرة والملك والطاعة ~~والبروز للناس وغير ذلك مما هو من خصائص الرجال ما ليس لنساء غيرهم وحتى ان ~~المرأة تختار لنفسها من شاءت من ممالكيها وغيرهم لقهرها للزوج وحكمها ويكون ~~في كثير من صبيانهم من التخنث وتقريب الرجال له وإكرامه لذلك أمر عظيم حتى ~~قد يغار بعض صبيانهم من النساء وحتى يتخذهم الرجال كالسراري لكن هم لا ~~يفعلون ذلك تدينا فالذين يفعلون ذلك تدينا شر منهم فإنهم جعلوا دينا ~~والفاحشة حسنة لا لما في ذلك من ميل الطباع فهكذا من جعل PageV01P371 مجرد ~~الصوت الذي تحبه الطباع حسنا في الدين فيه شبه من هؤلاء لكن في المشركين من ~~هذه الأمة من يتدين بذلك لأجل الشياطين كما يوجد في المشركين من الترك ~~التتار وساحرهم الطاغوت صاحب الجبت الذي تسميه الترك البوق وهو الذي تستخفه ~~الشياطين وتخاطبه ويسألها عما يريد ويقرب لها القرابين من الغنم ms173 المنخنقة ~~وغير ذلك ويضرب لها بأصوات الطبول ونحو ذلك ومن شرطه أن يكون مخنثا يؤتى ~~كما تؤتى المرأة فكلما كانت الأفعال أولى بالتحريم كانت أقرب إلى الشياطين # وهذا الذي ذكرناه من أن الحسن الصورة والصوت وسائر من أنعم الله عليه ~~بقوة أو بجمال أو نحو ذلك إذا اتقى الله فيه كان أفضل ممن لم يؤت ما لم ~~يمتحن فيه فإن النعم محن فإن أهل الشهوات من النساء والرجال يميلون إلى ذي ~~الصورة الحسنة ويحبونه ويعشقونه ويرغبونه بأنواع الكرامات ويرهبونه عند ~~الامتناع بأنواع المخوفات كما جرى ليوسف عليه السلام وغيره وكذلك جماله ~~يدعوه إلى أن يطلب ما يهواه لأن جماله قد يكون أعظم من المال المبذول في ~~ذلك # وكذلك حسن الصوت قد يدعى إلى أعمال في المكروهات كما أن PageV01P372 ~~المال والسلطان يحصل بهما من المكنة ما يدعى مع ذلك إلى أنواع الفواحش ~~والمظال فإن الإنسان لا تأمره نفسه بالفعل إلا مع نوع من القدرة ولا يفعل ~~بقدرته إلا ما يريده وشهوات الغي مستكنة في النفوس فإذا حصلت القدرة قامت ~~المحنة فإما شقى وإما سعيد ويتوب الله على من تاب فأهل الامتحان إما أن ~~يرتفعوا وإما أن ينخفضوا وأما تحرك النفوس عن مجرد الصوت فهذا أيضا محسوس ~~فإنه يحركها تحريكا عظيما جدا بالتفريح والتحزين والإغضاب والتخويف ونحو ~~ذلك من الحركات النفسانية كما أن النفوس تتحرك أيضا عن الصور بالمحبة تارة ~~وبالبغض أخرى وتتحرك عن الأطعمة بالبغض تارة والنفرة أخرى فتحرك الصبيان ~~والبهائم عن الصوت هو من ذلك لكن كل ما كان أضعف كانت الحركة به أشد فحركة ~~النساء به أشد من حركة الرجال وحركة الصبيان أشد من حركة البالغين وحركة ~~البهائم أشد من حركة الآدميين فهذا يدل على أن قوة التحرك عن مجرد الصوت ~~لقوة ضعف العقل فلا يكون في ذلك حمد إلا وفيه من الذم أكثر من ذلك وإنما ~~حركة العقلاء عن الصوت المشتمل على الحروف المؤلفة المتضمنة للمعاني ~~المحبوبة وهذا أكمل ما يكون في استماع القرآن # وأما التحرك بمجرد الصوت ms174 فهذا أمر لم يأت الشرع بالندب إليه ولا عقلاء ~~الناس يأمرون بذلك بل يعدون ذلك من قلة العقل وضعف PageV01P373 الرأي كالذي ~~يفزع عن مجرد الأصوات المفزعة المرعبة وعن مجرد الأصوات المغضبة # قال أبو القاسم وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشئ كأذنه ~~لنبي يتغني بالقرآن وروى حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما أذن الله لشئ ما أذن الله لنبي يتغنى بالقرآن # قال وقيل إن داود عليه السلام كان يستمع لقراءته الجن والإنس والوحش ~~والطير إذ قرأ الزبور وكان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة ممن قد مات ممن ~~سمعوا قراءته وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري لقد أعطى ~~مزمارا من مزامير آل داود وقال PageV01P374 معاذ لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا # قلت هذا القول لابي موسى كان لم يكن لمعاذ ومضمون هذه الآثار استحباب ~~تحسين الصوت بالقرآن وهذا مما لا نزاع فيه فالاستدلال بذلك على تحسين ~~بالغناء أفسد من قياس الربا على البيع إذ هو من باب تنظير الشعر بالقرآن # وقال تعالى @QB@ وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ~~@QE@ [ سورة يس 69 ] # وقال تعالى @QB@ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم ~~عن السمع لمعزولون @QE@ [ سورة الشعراء 210 212 ] @QB@ ألم تر أنهم في كل ~~واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون @QE@ [ سورة الشعراء 225226 ] # وقال تعالى @QB@ وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ~~ما تذكرون @QE@ [ سورة الحافة 4142 ] # وهذا القياس مثل قياس سماع المكاء والتصدية الذي ذمه الله في كتابه وأخبر ~~أنه صلاة المشركين على سماع القرآن الذي أمر الله به في كتابه وأخبر أنه ~~سماع النبيين والمؤمنين وقياس لأئمة الصلاة كالخلفاء الراشدين وسائر أئمة ~~المؤمنين بالمخنثين المغاني الذين قد يسمون الجد أو القوالين PageV01P375 ~~وقياس للمؤذن الداعي إلى الصلاة وسماع القرآن بالمزمار الداعى إلى حركة ~~المستمعين للمكاء والتصدية # وقد روى الطبراني ms175 في معجمهه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الشيطان قال يارب اجعل لى قرآنا قال قرآنك الشعر قال اجعل لى مؤذنا قال ~~مؤذنك المزمار قال اجعل لى كتابه قال كتابتك الوشم قال اجعل لى بيتا قال ~~بيتك الحمام قال اجعل لى طعاما قال طعامك مالم يذكر اسم الله عليه فمن قاس ~~قرآن الله فالله يجازيه بما يستحقه # وقد قال الله تعالى @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا @QE@ سورة مريم 59 فهؤلاء يشتغلون بالشهوات عن ~~الصلاة # ولهذا فإن من هؤلاء الشيوخ من يقصد الاجتماعات في الحمام ويكون له فبها ~~حال وظهور لكونه مادته من الشياطين فإن الشيطان يظهر أثره في بيته وعنده ~~أوليائه وتأذين مؤذنه وتلاوة قرآنه كما يظهر ذلك على أهل المكاء والتصدية ~~PageV01P376 وإذا كان السماع نوعين سماع الرحمن وسماع الشيطان كان ما ~~بينهما من أعظم الفرقان لكن الأقسام هنا أربعة إما أن يشتغل العبد بسماع ~~الرحمن دون سماع الشيطان أو بسماع الشيطان دون سماع الرحمن أو يشتغل ~~بالسماعين أو لا يشتغل بواحد منهما # فالأول حال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان # وأما الثاني فحال المشركين الذين قال الله فيهم @QB@ وما كان صلاتهم عند ~~البيت إلا مكاء وتصدية @QE@ [ سورة الأنفال 35 ] وهو حال من يتخذ ذلك دينا ~~ولا يستمع القرآن فإن كان يشتغل بهذا السماع شهوة لا دينا ويعرض عن القرآن ~~فهم الفجار والمنافقون إذا أبطنوا حال المشركين # وأما الذين يشتغلون بالسماعين فكثير من المتصوفة # والذين يعرضون عنهما على ما ينبغي كثير من المتعربة # فهذه النصوص المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي فيها مدح الصوت ~~الحسن بالقرآن والترغيب في هذا السماع فيحتج بها على المعرض عن هذا السماع ~~الشرعي الإيماني لا يحتج بها على حسن السماع البدعي الشركي # بل الراغبون في السماعين جميعا والزاهدون في السماعين جميعا خارجون عن ~~محض الاستقامة والشريعة القرآنية الكاملة هؤلاء PageV01P377 معتدون وهؤلاء ~~مفرطون وإنما الحق الرغبة في السماع الإيماني الشرعي والزهد في ms176 السماعي ~~الشركي البدعي # ثم ذكر أبو القاسم حكاية أبي بكر الرقي في الغلام الذي حدا بالجمال حتى ~~قطعت مسيرة ثلاثة أيام في يوم فلما حط عنها ماتت وحدا بجمل فهام على وجهه ~~وقطع حباله قال الرقي ولم أظن أني سمعت صوتا أطيب منه ووقعت لوجهي حتى أشار ~~عليه بالسكوت فسكت فقال حدثنا أبو حاتم السجستاني حدثنا أبو نصر السراج قال ~~حكى الرقي # قلت مضمون هذه الحكاية أن الصوت البليغ في الحسن قد يحرك النفوس تحريكا ~~عظيما خارجا عن العادة وهذا مما لا ريب فيه فإن الأصوات توجب الحركات ~~الإرادية بحسنها وهي في الأصل ناشئة عن حركات إرادية ويختلف تأثيرها ~~باختلاف نوع الصوت وقدره بل هي من أعظم المحركات أو أعظمها وإذا اتفق قوة ~~المؤثر واستعداد المحل قوى التأثير فالنفوس المستعدة لصغر أو انوثة أو جزع ~~ونحوه أو لفراغ وعدم شغل أو ضعف عقل إذا اتصل بها صوت عظيم حسن قوى أزعجها ~~غاية الإزعاج لكن هذا لا يدل على جواز ذلك ولا فيه ما يوجب مدحه وحسنه بل ~~مثل هذا أدل على الذم والنهى منه على الحمد والمدح فإن هذا يفسد النفوس ~~أكثر مما يصلحها ويضرها أكثر مما ينفعها وإن كان فيه نفع فأثمة أكثر من ~~نفعه PageV01P378 # وقد قال الله للشيطان واستفرز من استطعت منهم بصوتك [ سورة الإسراء 64 ] ~~فالصوت الشيطاني يستفز بني آدم وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهيت عن ~~صوتين أحمقين فاجرين وذكر صوت النعمة وصوت المعصية ووصفهما بالحمق والفجور ~~وهو الظلم والجهل # وقال لقمان لابنه اقصد في مشيك واغضض من صوتك [ سورة لقمان 19 ] والمغنى ~~بهذه الأصوات لم يغض من صوته والمتحركون بها الراقصون لم يقصدوا في مشيهم ~~بل المصوتون أتوا بالأحمق الجاهل الظالم الفجر من الأصوات والمتحركين أتوا ~~بالأحمق الجاهل الفاحش من الحركات وربما جمع الواحد بين هذين النوعين وجعل ~~ذلك من أعظم العبادات # ثم قال أبو القاسم سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي سمعت محمد بن عبد ~~الله بن عبد العزيز سمعت أبا عمرو ms177 الأنماطي سمعت الجنيد يقول وسئل ما بال ~~الإنسان يكون هادئا فإذا سمع السماع اضطرب فقال إن الله لما خاطب الذر في ~~الميثاق الأول بقوله ألست بربكم [ سورة الأعراف 172 ] استفرغت عذوبة سماع ~~الكلام الأرواح فإذا سمعوا السماع حركهم ذكر ذلك PageV01P379 # قلت هذا الكلام لا يعلم صحته عن الجنيد والجنيد أجل من أن يقول مثل هذا ~~فإن هذا الاضطراب يكون لجميع الحيوان ناطقه وأعجمه حتى يكون في البهائم ~~أيضا ويكون للكفار والمنافقين ثم الاضطراب قد يكون لحلاوة الصوت ومحبته وقد ~~يكون للخوف منه وهيبته وقد يكون للحزن والجزع وقد يكون للغضب # ثم من المعلوم أن الصوت المسموع ليس هو ذاك أصلا ولو سمع العبد كلام الله ~~كما سمعه موسى بن عمران لم يكن سماعه لاصوات العباد محركا لذكر ذلك بل ~~المأثور ان موسى مقت الآدميين لما وقر في مسامعه من كلام الله ثم التلذذ ~~بالصوت أمر طبعي لا تعلق له بكونهم سمعوا صوت الرب أصلا ثم إن أحدا لا يذكر ~~ذلك السماع أصلا إلا بالإيمان والناس متنازعون في أخذ الميثاق وفي ذلك ~~السماع بما ليس هذا موضعه # ثم إن مذهب الجنيد في السماع كراهة التكلف لحضوره والاجتماع عليه وعنده ~~أن من تكلف السماع فتن به فكيف يعلله بهذا # وقد ذكر أبو القاسم ذلك فقال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت الحسين بن ~~أحمد بن جعفر سمعت أبا بكر بن ممشاد سمعت الجنيد يقول السماع فتنة لمن طلبه ~~ترويح لمن صادفه PageV01P380 # فأخبر انه فتنة لمن قصده ولم يجعله لمن صادفه مستحبا ولا طاعة بل جعله ~~راحة فكيف يقول إنه أظهر خطاب الحق المتقدم # وقال أبو القاسم سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول السماع حرام على ~~العوام لبقاء نفوسهم مباح للزهاد لحصول مجاهدتهم مستحب لاصحابنا لحياة ~~قلوبهم # قلت قد قدم أبو القاسم في ترجمة الشيخ أبي على الروذباري وهو قديم توفي ~~بعد العشرين وثلاثمائة صحب الجنيد والطبقة الثانية وكان يقول أستاذي في ~~التصوف الجنيد وفي الفقه أبو العباس بن سريج وفي الأدب ثعلب ms178 وفي الحديث ~~إبراهيم الحربي وقال فيه أبو القاسم هو اظرف المشايخ واعلمهم بالطريقة # قال سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول سمعت أبا القاسم ~~الدمشقي يقول سئل أبو علي الروذباري عمن يسمع الملاهي ويقول هي لي حلال ~~لأني وصلت إلى درجة لا يؤثر PageV01P381 في اختلاف الأحوال فقال نعم قد وصل ~~لعمري ولكن إلى سقر # فقول الدقاق هو مباح للزهاد لحصول مجاهدتهم هو الذي انكره أبو علي ~~الروذباري فكيف بقوله مستحب وسنتكلم إن شاء الله على هذا # ثم إنه ذكر بعد هذا أنه سمع الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول ~~السماع طبع إلا عن شرع وخرق إلا عن حق وفتنة إلا عن عبرة وهذا الكلام يوافق ~~قول الروذباري ويخالف قوله إنه مباح للزهاد لحصول مجاهدتهم مستحب لأصحابنا ~~لحياة قلوبهم فإنه جعل كل سماع ليس بمشروع فهو عن الطبع ومعلوم أن سماع ~~المكاء والتصدية ليس مشروعا فيكون مسموعا بالطبع مطلقا # وقال سمعت أبا حاتم السجستاني يقول سمعت أبا نصر الصوفي يقول سمعت ~~الوجيهي يقول سمعت أبا علي الروذباري يقول كان الحارث بن اسد المحاسبي يقول ~~ثلاث إذا وجدن نمتنع بهن وقد فقدناهن حسن الوجه مع الصيانة وحسن الصوت مع ~~الديانة وحسن الإخاء مع الوفاء PageV01P382 # قلت قد قررت قبل هذا المعنى بأن الحسن في الصورة والصوت إن لم يكن مع ~~تقوى الله وإلا لم يكن إلا مذموما ومن الديانة أن يكون حسن الصوت مستعملا ~~فيما أمر الله به # قال أبو القاسم وسئل ذو النون المصري عن الصوت الحسن فقال مخاطبات ~~وإشارات أودعها الله كل طيب وطيبة وسئل مرة أخرى عن السماع فقال وارد حق ~~يزعج القلوب إلى الحق فمن أصغى إليه بحق تحقق ومن أصغى إليه بنفس تزندق # قلت هذا الكلام لم يسنده عن ذي النون وإنما أرسله إرسالا وما يرسله في ~~هذه الرسالة قد وجد كثير منه مكذوب على اصحابه إما أن يكون أبو القاسم سمعه ~~من بعض الناس فاعتقد صدقه أو يكون من فوقه كذلك أو وجده مكتوبا ms179 في بعض ~~الكتب فأعتقد صحته ومن كان من المرسلين لما يذكرونه من الأولين والآخرين ~~يعتمد في إرساله لصحيح النقل والرواية عن الثقات فهذا يعتمد إرساله لصحيح ~~النقل والرواية عن الثقات فهذا يعتمد إرساله وأما من عرف فيما يرسله كثير ~~من الكذب لم يوثق بما يرسله # فهذا التفصيل موجود فيمن يرسل النقول عن الناس من أهل المصنفات ومن أكثر ~~الكذب الكذب على المشايخ المشهورين فقد رأينا من ذلك وسمعنا ما لا يحصيه ~~إلا الله وهذا أبو القاسم مع علمه وروايته PageV01P383 بالإسناد ومع هذا ~~ففي هذه الرسالة قطعة كبيرة من المكذوبات التي لا ينازع فيها من له أدنى ~~معرفة بحقيقة حال المنقول عنهم # وأما الذي يسنده من الحكايات في باب السماع فعامته من كتابين كتاب اللمع ~~لأبي نصر السراج فإنه يروى عن أبي حاتم السجستاني عن أبي نصر عن عبد الله ~~بن علي الطوسي ويروى عن محمد بن أحمد بن محمد التميمي عنه ومن كتاب السماع ~~لأبي عبد الرحمن السلمي قد سمعه منه # فإن كان هذا الكلام ثاببتا عن ذي النون رحمه الله عليه فالكلام عليه من ~~وجهين من جهة الاحتجاج بالقائل ومن جهة تفسير المنقول # أما الأول فقد نقلوا أن ذا النون حضر هذا السماع بالعراق # وقد ذكر أبو القاسم حكاية بعد ذلك مرسلة فقال وحكى أحمد ابن مقاتل العكي ~~قال لما دخل ذو النون المصري بغداد اجتمع إليه الصوفية ومعه قوال يقول شيئا ~~فاستأذنوه بأن يقول بين يديه فأذن له فابتدأ يقول % صغير هواك عذبني فكيف ~~به إذا احتكا % PageV01P384 % وأنت جمعت من قلبي هوى قد كان مشتركا % % أما ~~ترثى لمكتئب إذا ضحك الخلي بكى % # قال فقام ذو النون وسقط على وجهه والدم يقطر من جبينه ولا يسقط على الأرض ~~ثم قام رجل من القوم يتواجد فقال له ذو النون @QB@ الذي يراك حين تقوم @QE@ ~~[ سورة الشعراء 218 ] فجلس الرجل # قال وسمعت أبا علي الدقاق يقول كان ذو النون صاحب إسراف على ذلك الرجل ~~حيث نبهه أن ذلك ليس مقامه وكان ذلك ms180 الرجل صاحب إنصاف حيث قبل ذلك منه فرجع ~~وقعد # فهذا ونحوه هو الذي أشار إليه الأئمة كالشافعي في قوله خلفت ببغداد شيئا ~~أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن فيكون ذو النون ~~هو أحد الذين حضروا التغبير الذي أنكره الأئمة وشيوخ السلف ويكون هو أحد ~~المتأولين في ذلك وقوله فيه كقول شيوخ الكوفة وعلمائها في النبيذ الذين ~~استحلوه مثل سفيان الثوري وشريك ابن عبد الله وأبي حنيفة ومسعر بن كدام ~~ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم من أهل العلم وكقوله علماء مكة ~~وشيوخها فيما استحلوه من المتعة والصرف كقول عطاء بن أبي رباح وابن جريج ~~وغيرهما وكقول طائفة من شيوخ المدينة وعلمائها فيما استحلوه من الحشوش ~~وكقول طائفة من PageV01P385 شيوخ الشاميين وعلمائها فيما كانوا استحلوه من ~~القتال في الفتنة لعلي بن أبي طالب وأصحابه وكقول طوائف من أتباع الذين ~~قاتلوا مع علي من اهل الحجاز والعراق وغيرهم في الفتنة إلى أمثال ذلك مما ~~تنازعت فيه الأمة وكان في كل شق طائفة من اهل العلم والدين # فليس لأحد أن يحتج لأحد الطريقين بمجرد قول أصحابه وإن كانوا من أعظم ~~الناس علما ودينا لان المنازعين لهم هم أهل العلم والدين # وقد قال الله تعالى فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر [ سورة النساء 59 ] فالرد عند التنازع إنما يكون ~~إلى كتاب الله وسنة رسوله # نعم إذا ثبت عن بعض المقبولين عند الأمة كلام في مثل موارد النزاع كان في ~~ذلك حجة على تقدم التنازع في ذلك وعلى دخول قوم من اهل الزهد والعبادة ~~والسلوك في مثل هذا ولا ريب في هذا # لكن مجرد هذا لا يتيح للمريد الذي يريد الله ويريد سلوك طريقه أن يقتدي ~~في ذلك بهم مع ظهور النزاع بينهم وبين غيرهم وإنكار غيرهم عليهم بل على ~~المريد أن يسلك الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين ويتبع ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع ms181 فإن ~~ذلك هو صراط الله الذي ذكره ورضى به في قوله وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوه السبل فتفرق بكم عن سبيله [ سورة الأنعام 153 ] وهذا أصل في أنه ~~لا يحتج في مواضع النزاع والاشتباه بمجرد قول أحد ممن نوزع في ذلك ~~PageV01P386 # وأما الوجه الثاني فقول القائل عن الصوت الحسن مخاطبات وإشارات أودعها ~~الله كل طيب وطيبة لا يجوز أن يراد به ان كل صوت طيب كائنا ما كان بأن الله ~~أودعها مخاطبات يخاطب بها عباده فإن هذا القول كفر صريح إذ ذلك يستلزم أن ~~تكون الأصوات الطيبة التي يستعملها المشركون وأهل الكتاب في الاستعانة بها ~~على كفرهم قد خاطب بها الله عباده وأن تكون الأصوات الطيبة التي يستفز بها ~~الشيطان لبني آدم كما قال تعالى @QB@ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب ~~عليهم بخيلك ورجلك @QE@ [ سورة الإسراء 64 ] أن تكون هذه الأصوات الشيطانية ~~إذا كانت طيبة قد أودعها مخاطبات يخاطب بها عباده وأن تكون اصوات الملاهي ~~قد أودعها الله مخاطبات يخاطب بها عباده # ومن المعلوم أن هذا لا يقوله عاقل فضلا عن أن يقوله مسلم ثم لو كان الامر ~~كذلك فلم لم يستمع الأنبياء والصديقون من الأولين والآخرين إلى كل صوت صوت ~~ويأمروا أتباعهم بذلك لما في ذلك من استماع مخاطبات الحق إذ قد علم أن ~~استماع مخاطبات الحق من أفضل القربات # فقد ظهر أن هذا الكلام لا يجوز أن يكون عمومه وإطلاقه حقا # يبقى ان يقال هذا خاص ومقيد في الصوت الحسن إذا استعمل على الوجه الحسن ~~فهذا حق مثل ان يزين به كلام الله كما كان أبو موسى الاشعري يفعل وقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم مررت بك البارحة PageV01P387 وأنت تقرأ فجعلت ~~أستمع لقراءتك فقال لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا وكان عمر يقول له ~~ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستعمون # فلا ريب أن ذا الصوت الحسن إذا تلا به كتاب الله فإنه يكون حينئذ قد أودع ~~الله ذلك مخاطبات وإشارات وهو ما في كتابه من ms182 المخاطبات والإشارات فقد ظهر ~~أن هذا الكلام إذا حمل على السماع المشروع الذي يحبه الله ورسوله كان محملا ~~حسنا وإن حمل على عمومه وإطلاقه كان كفرا وضلالا # يبقى بين ذلك العموم وهذا الخصوص مراتب منها ان يحمل ذلك على ما يجده ~~المستمع في قلبه من المخاطبات والإشارات من الصوت وإن لم يقصده المصوت ~~المتكلم فهذا كثير ما يقع لهم وأكثر الصادقين الذين حضروا هذا السماع ~~يشيرون إلى هذا المقصد وصاحب هذه الحال يكون ما يسمعه مذكرا له ما كان في ~~قلبه من الحق # وهذا يكون على وجهين # أحدهما من الصوت المجرد الذي لا حرف معه كأصوات الطيور والرياح والآلات ~~وغير ذلك فهذا كثير ما ينزله الناس على حروف بوزن ذلك الصوت وكثيرا ما يحرك ~~منهم ما يناسبها من فرح أو PageV01P388 حزن أو غضب أو شوق أو نحو ذلك كقول ~~بعضهم % رب ورقاء هتوف في الضحى صدحت في فنن عن فنن % % ربما أبكى فلا ~~أفهمها وهي قد تبكي فلا تفهمني % % غير أتى بالجوى اعرفها وهي أيضا بالجوى ~~تعرفني % # والثاني يكون من صوت بحروف منظومة إما شعر وإما غيره ويكون المستمع ينزل ~~تلك المعاني على حاله سواء قصد ذلك الناظم والمنشد أو لم يقصد ذلك مثل أن ~~يكون في الشعر عتاب وتوبيخ أو أمر بالصبر على الملام في الحب أو ذم على ~~التقصير في القيام بحقوق المحبة أو تحريض على ما فرض للإنسان من الحقوق أو ~~إغضاب وحمية على جهاد العدو ومقاتله أو امر ببذل النفس والمال في نيل ~~المطلوب ورضا المحبوب أو غير ذلك من المعاني المجلمة التي يشترك فيها محب ~~الرحمن ومحب الأوثان ومحب الأوطان ومحب النسوان ومحب المردان ومحب الإخوان ~~ومحب الخلان # وربما قرع السمع حروف أخرى لم ينطق بها المتكلم على وزن حروفه كما يذكر ~~عن بعضهم أنه سمع قائلا يقول ستر بري فوقع في سمعه اسع تر برى # وقد ذكر ذلك فيما بعد أبو القاسم فقال سمعت محمد بن أحمد بن PageV01P389 ~~محمد الصوفي يقول سمعت عبد الله ms183 بن علي الطوسي يقول سمعت يحيى بن على الرضا ~~العلوي قال سمع ابن حلوان الدمشقي طوافا ينادى ياه سعتر بري فسقط مغشيا ~~عليه فلما أفاق سئل فقال حسبته يقول اسع تر بري # وسمع عتبة الغلام رجلا يقول % سبحان رب السماء إن المحب لفى عناء % # فقال عتبة صدقت وسمع رجل آخر ذلك القول فقال كذبت فكل واحد يسمع من حيث ~~هو # لا سيما وأكثرها إنما وضعت لمحبة لا يحبها الله ورسوله مثل بعض هذه ~~الأجناس وإنما المدعي لمحبة الله ورسوله يأخذ مقصوده منها بطريق الاعتبار ~~والقياس وهو الإشارة التي يذكرونها ولهذا قال مخاطبات وإشارات فالمخاطبات ~~كدلالة النصوص والإشارات كدلالة القياس ولا بد أن يكون قد علم أن تلك ~~المخاطبات والإشارات إنما يفهم منها المستمع ويتحرك فيها حركة يحبها الله ~~ورسوله فيكون قد علم من غيرها ان ما يقتضيه من الشعور والحال مرضى عند ذي ~~الجلال بدلالة الكتاب PageV01P390 والسنة وإلا فإن مجرد الاستحسان بالذوق ~~والوجدان إن لم يشهد له الكتاب والسنة وإلا كان ضلالا # ومن هذا الباب ضل طوائف من الضالين وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن مثل هذا ~~جميعه لا يجوز أن يجعل طريقا إلى الله ويجمع عليه عباد الله ويستحب ~~للمريدين وجه الله لان ما فيه من الضرر هو اضعاف ما فيه من المنفعة لهم ~~ولكن قد صادف السر الذي يكون في قلبه حق بعض هذه المسموعات فيكون مذكرا له ~~ومنبها # وهذا معنى قول الجنيد السماع فتنة لمن طلبه ترويح لمن صادفه # وأما قول القائل السماع وارد حق يزعج القلوب إلى الحق فمن أصغى إليه بحق ~~تحقق ومن أصغى إليه بنفس تزندق فالسماع الموصوف أنه وارد حق الذي يزعج ~~القلوب إلى الحق هو أخص من السماع الذي قد يوجب التزندق فالكلام في ظاهره ~~متناقض لأن قائله أطلق القول بأنه وارد حق يزعج القلوب إلى الحق ثم جعل من ~~أصغى إليه بنفس تزندق # ووارد الحق الذي يزعج القلوب إلى الحق لا يكون موجبا للتزندق لكن قائله ~~قصد أولا السماع الذي يقصده ms184 أهل الارادة لوجه الله فلفظه وإن كان فيه عموم ~~فاللام لتعريف المعهود أي يزعج قلوب أهل هذه الإرادة إلى الحق لكونه يحرك ~~تباكيهم ويهيج باطنهم فتتحرك قلوبهم إلى الله الذي يريدون وجهه وهو إلههم ~~ومعبودهم ومنتهى محبوبهم ونهاية مطلوبهم PageV01P391 # ثم ذكر أنه من أصغى إلى هذا السماع تزندق وهو من أصغى إليه بإرادة العلو ~~في الأرض والفساد وجعل محبة الخالق من جنس محبة المخلوق وجعل ما يطلب من ~~الاتصال بذي الجلال من جنس ما يطلب من الاتصال بالخلق فإن هذا يوجب التزندق ~~في الاعتقادات والإرادات فيصير صاحبه منافقا زنديقا وقد قال عبد الله بن ~~مسعود الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل ولهذا تزندق ~~بالسماع طوائف كثيرة كما نبهنا عليه قبل هذا # ويقال هنا من المعلوم أن النفس سواء أريد بها ذات الإنسان أو ذات روحه ~~المدبرة لجسده أو عني بها صفات ذلك من الشهوة والنفرة والغضب والهوى وغير ~~ذلك فإن البشر لا يخلو من ذلك قط ولو فرض أن قلبه يخلو عن حركة هذه القوى ~~والإرادات فعدمها شئ وسكونها شئ آخر والعدم ممتنع عليها ولكن قد تسكن ولكن ~~إذا كانت ساكنة ومن شأن السماع أن يحركها فكيف يمكن الإنسان أن يسكن الشئ ~~مع ملابسته لما يوجب حركته # فهذا أمر بالتفريق بين المتلازمين والجمع بين المتناقضين وهو يشبه أن ~~يقال له أدم مشاهدة المرأة والصبي والأمرد أو مباشرته بالقبلة واللمس وغير ~~ذلك من غير أن تتحرك نفسك أو فرجك إلى الاستمتاع به ونحو ذلك فهل الأمر ~~بهذا إلا من احمق الناس PageV01P392 # ولهذا قال من قال من العلماء العارفين إن أحوال السماع بعد مباشرته تبقى ~~غير مقدورة للإنسان بل تبقى حركة نفسه وأحوالها أعظم من احوال الإنسان بعد ~~مباشرة شرب الخمر فإن فعل هذا السماع في النفوس أعظم من فعل حميا الكؤوس # وقوله من أصغى إليه بحق تحقق فيقال عليه وجهان # أحدهما أن يقال إن الإصغاء إليه بحق مأمون الغائلة أن يخالطه باطل أمر ~~غير مقدور عليه للبشر أكثر ms185 مما في قوة صاحب الرياضة والصفاء التام أن يكون ~~حين الإصغاء لا يجد في نفسه إلا طلب الحق وإرادته لكنه لا يثق ببقائه على ~~ذلك بل إذا سمع خالط الإصغاء بالحق الإصغاء بالنفس إذ تجرد الإنسان عن ~~صفاته اللازمة لذاته محال ممتنع # الثاني أن يقال ومن أين يعلم أن كل من أصغى إليه بحق تحقق بل المصغى إليه ~~بحق يحصل له من الزندقة والنفاق علما وحالا ما قد لا يشعر به كما قال عبد ~~الله بن مسعود الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل والنفاق ~~هو الزندقة ومن المعلوم أن البقل ينبت في الأرض شيئا فشيئا لا يحس الناس ~~بنباته فكذلك ما يبدو في القلوب من الزندقة والنفاق قد لا يشعر به أصحاب ~~القلوب بل يظنون أنهم ممن تحقق ويكون فيهم شبه كثير ممن تزندق # يوضح هذا ان دعوى التحقق والتحقيق والحقائق قد كثرت على ألسنة ~~PageV01P393 أقوام هم من أعظم الناس زندقة ونفاقا قديما وحديثا من الباطنية ~~القرامطة والمتفلسفة الاتحادية وغير هؤلاء # وكذلك قوله هو وارد حق يزعج القلوب إلى الحق # يقال له إن كان قد تنزعج به بعض القلوب أحيانا إلى الحق فالأغلب عليه أنه ~~يزعجها إلى الباطل وقلما يزعجها إلى الحق محضا # بل قد يقال إنه لا يفعل ذلك بحال بل لابد أن يضم إلى ذلك شئ من الباطل ~~فيكون مزعجا لها إلى الشرك الجلي أو الخفي فإن ما يزعج إليه هذا السماع ~~مشترك بين الله وبين خلقه فإنما يزعج إلى القدر المشترك وذلك هو الإشراك ~~بالله # ولهذا لم يذكر الله هذا السماع في القرآن إلا عن المشركين الذين قال فيهم ~~@QB@ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية @QE@ [ سورة الأنفال 35 ] ~~فلا يكون مزعجا للقلوب إلى إرادة الله وحده لا شريك له بل يزعجها إلى ~~الباطل تارة وإلى الحق والباطل تارة # ولو كان يزعج إلى الحق الذي يحبه الله خالصا أو راجحا لكان من الحسن ~~المأمور به المشروع ولكان شرعه رسول الله صلى الله عليه ms186 وسلم بقوله أو فعله ~~ولكان من سنة خلفائه الراشدين ولكان المؤمنون في القرون الثلاثة يفعلونه لا ~~يتركون ما أحبه الله ورسوله وما يحرك القلوب إلى الله تحريكا يحبه الله ~~ورسوله PageV01P394 # وأيضا فهذا الإزعاج إلى الحق قد يقال إنه إنما قد يحصل لمن لم يقصد ~~الاستماع بل صادفه مصادفة سماع شئ يناسب حاله بمنزلة الفأل لمن خرج في حاجة ~~فأما من قصد الاستماع إليه والتغني به فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليس منا من لم يتغن بالقرآن # قال أبو القاسم وحكى جعفر بن نصير عن الجنيد أنه قال تنزل الرحمة على ~~الفقراء في ثلاثة مواطن عند السماع فإنهم لا يسمعون إلا عن حق ولا يقومون ~~إلا عن وجد وعند أكل الطعام فإنهم لا يأكلون إلا عن فاقة وعند مجاراة العلم ~~فإنهم لا يذكرون إلا صفة الأولياء # وذكر عقيب هذا فقال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت الحسين بن أحمد بن ~~جعفر يقول سمعت الجنيد يقول السماع فتنة لمن طلبه ترويح لمن صادفه وذكر بعد ~~هذا سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازي ~~يقول سمعت الجنيد يقول إذا رأيت المريد يحب السماع فأعلم أن فيه بقية من ~~البطالة PageV01P395 # قلت فهاتان المقالتان أسندهما عن جنيد و أما القول الأول فلم يسنده بل ~~أرسله و هذان القولان مفسران و القول الأول مجمل فإن كان الأول محفوظا عن ~~الجنيد فهو يحتمل السماع المشروع فإن الرحمة تنزل على أهله كما قال تعالى و ~~إذا قرئ القرآن فأستمعوا له و أنصتوا لعلكم ترحمون [ سورة الأعراف 204 ] ~~فذكر أن استماع القرآن سبب الرحمة # و قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ما اجتمع قوم في بيت من ~~بيوت الله يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة و تنزلت ~~عليهم السكينة و حفتهم الملائكة و ذكرهم الله فيمن عنده # و قد ذكر الله في غير موضع من كتابه أن الرحمة تحصل بالقرآن كقوله تعالى ~~و ننزل ms187 من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين [ سورة الإسراء ] # و قال هذا بصائر من ربكم و هدى و رحمة لقوم يؤمنون [ سورة الأعراف 203 ] # و قال و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ و هدى و رحمة [ سورة النحل 89 ] # يبين ذلك أن لفظ السماع يدخل فيه عندهم السماع الشرعي كسماع القرآن و ~~الخطب الشرعية و الوعظ الشرعي و قد أدخل أبو القاسم PageV01P396 هذا النوع ~~في باب السماع و ذكر أبو القاسم هذا النوع في باب السماع و ذكر في ذلك ~~آثارا فقال سمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمي يقول سمعت عبد الله بن ~~الصوفي يقول سمعت الرقي يقول سمعت بن الجلاء يقول كان بالمغرب شيخان لهما ~~أصحاب و تلامذة يقال لأحدهما جبلة و للثاني رزيق فزار رزيق يوما جبلة فقرأ ~~رجل من أصحاب رزيق شيئا فصاح رجل من أصحاب جبلة صيحة و مات فلما أصبحوا قال ~~جبلة لرزيق أين الذي قرأ بالأمس فليقرأ آية فقرأ فصاح جبلة صيحة فمات ~~القارئ فقال جبلة واحد بواحد و البادي أظلم # فهذا من سماع القرآن و أما الموت بالسماع فمسألة أخرى نتكلم عليها إن شاء ~~الله في موضعها # قال أبو القاسم و سئل إبراهيم المارستاني عن الحركة عند السماع فقال ~~بلغني أن موسى عليه السلام قص في بني إسرائيل فمزق واحد PageV01P397 منهم ~~قميصه فأوحى الله إليه قل له مزق لي قلبك ولا تمزق لي ثيابك # فهذا سماع لقصص الأنبياء # قال أبو القاسم وسأل أبو علي المغازلي الشبلي فقال ربما يطرق سمعي آية من ~~كتاب الله عز وجل فتحدوني علي ترك الأشياء والإعراض عن الدنيا ثم أرجع إلى ~~احوالي وإلى الناس فقال الشبلي ما اجتذبك إليه فهو عطف منه عليك ولطف وما ~~ردك إلى نفسك فهو شفقة منه عليك لأنه لا يصح لك التبري من الحول والقوة في ~~التوجه إليه # فهذا سماع في القرآن # وقال سمعت أبا حاتم السجستاني يقول سمعت أبا نصر السراج يقول سمعت أحمد ~~بن مقاتل العكي يقول كنت ms188 مع الشبلي في مسجد ليلة في شهر رمضان وهو يصلي خلف ~~إمام له وأنا بجنبه فقرأ PageV01P398 الإمام @QB@ ولئن شئنا لنذهبن بالذي ~~أوحينا إليك @QE@ [ سورة الإسراء 86 ] فزعق زعقة قلت طارت روحه وهو يرتعد ~~ويقول بمثل هذا يخاطب الأحباء يردد ذلك كثيرا فهذا سماع القرآن # قال وحكى عن الجنيد أنه قال دخلت على السري يوما فرأيت عنده رجلا مغشيا ~~عليه فقلت ما له فقال سمع آية من كتاب الله تعالى فقلت تقرأ عليه ثانيا ~~فقرئ فأفاق فقال لي من اين علمت هذا فقلت إن قميص يوسف ذهبت بسببه عين ~~يعقوب عليه السلام ثم به عاد بصره فآستحسن مني ذلك # قال وسمعت أبا حاتم السجستاني يقول سمعت أبا نصر السراج يقول سمعت عبد ~~الواحد بن علوان يقول كان شاب يصحب الجنيد فكان إذا سمع شيئا من الذكر يزعق ~~فقال له الجنيد يوما إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني فكان إذا سمع شيئا ~~يتغير ويضبط نفسه حتى كان يقطر من كل شعرة من بدنه فيوما من PageV01P399 ~~الأيام صاح صيحة تلفت بها نفسه # فهذا سماع الذكر لا يختص بسماع الشعر الملحن # فقول القائل تنزل الرحمة عليهم عند السماع يصح ان يراد به هذا السماع ~~المشروع # وقوله لا يقومون إلا عن وجد يعني أنهم صادقون ليسوا متصنعين بمنزلة ~~المظهر للوجد من غير حقيقة لكن قد يقال قوله لا يستمعون إلا عن حق هذا ~~التقييد لا يحتاج إليه في السماع الشرعي فإنه حق بخلاف السماع المحدث فإنه ~~يسمع بحق وباطل # فيقال وكذلك سماع القرآن وغيره قد يكون رياء وسمعة وقد يكون بلا قلب ولا ~~حضور ولا تدبر ولا فهم ولا ذوق # وقد أخبر الله عن المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~والصلاة مشتملة على السماع الشرعي # وقد أخبر الله عن كراهة المنافقين للسماع الشرعي في غير موضع كقوله @QB@ ~~وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ms189 إلى ~~رجسهم وماتوا وهم كافرون @QE@ إلى قوله @QB@ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم ~~إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ~~@QE@ [ سورة التوبة 124 127 ] فهؤلاء المنافقون ينصرفون عن السماع الشرعي ~~PageV01P400 # وبالجملة فإذا كان المسند المحفوظ المعروف من قول الجنيد أنه رحمه الله ~~لا يحمد هذا السماع المبتدع ولا يأمر به ولا يثني عليه بل المحفوظ من ~~أقواله ينافي ذلك لم يجز أن يعمد إلى قول مجمل روى عنه بغير إسناد فيحمل ~~على أنه مدح هذا السماع المحدث # وقد روى بعض الناس أن الجنيد كان يحضر هذا السماع في أول عمره ثم تركه ~~وحضوره له فعل والفعل قد يستدل به على مذهب الرجل وقد لا يستدل ولهذا ينازع ~~الناس في مذهب الإنسان هل يوجد من فعله # وقال بعض السلف أضعف العلم الرؤية وهو قوله رأيت فلانا يفعل وقد يفعل ~~الشئ بموجب العادة والموافقة من بعد اعتقاد له فيه وقد يفعل نسيانا لا ~~لاعتقاده فيه أو حضا وقد يفعله ولا يعلم أنه ذنب ثم يعلم بعد ذلك أنه ذنب ~~ثم يفعله وهو ذنب وليس أحد معصوما عن أن يفعل ما هو ذنب لكن الأنبياء ~~معصومون من الأقرار على الذنوب فيتأسى بأفعالهم التي أقروا عليها لأن ~~الإقرار عليها يقتضي أنها ليست ذنبا وأما غير الأنبياء فلا فكيف بمن يكون ~~فعل فعلا ثم تركه # وأقصى ما يقال إن الجنيد كان يفعل أولا هذا السماع على طريق PageV01P401 ~~الاستحسان له والاستحباب أو يقول ذلك فيكون هذا لو صح معارضا لأقواله ~~المحفوظة عنه فيكون له في المسألة قولان # وقد قال أبو القاسم حكى عن الجنيد أنه قال السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء ~~الزمان والمكان والإخوان # وهذه حكاية مرسلة والمراسيل في هذه الرسالة لا يعتمد عليها إن لم تعرف ~~صحتها من وجه آخر كما تقدم ولو صح ذلك وأنه أراد سماع القصائد لكان هذا أحد ~~قوليه # وذلك أن قوله السماع فتنة لمن طلبه ترويح لمن صادفه صريح بأنه مكروه ~~مذموم ms190 منهى عنه لمن قصده وهذا هو الذي نقرره فقول الجنيد رضي الله عنه من ~~محض الذي قلناه # وقوله ترويح لمن صادفه لم يثبت منه وإنما أثبتوا أنه راحة وجعل ذلك مع ~~المصادفة لا مع القصد والتعمد # والمصادفة فيها قسم لا ريب فيه وهو استماع دون استماع كالمرء يكون مارا ~~فيسمع قائلا يقول بغير قصده واختياره أو يكون جالسا في موضع فيمر عليه من ~~يقول أو يسمع قائلا من موضع آخر بغير قصده PageV01P402 # وأما إذا اجتمع بقوم لغير السماع إما حضر عندهم أو حضروا عنده وقالوا ~~شيئا فهذا قد يقال إنه صادفه السماع فإنه لم يمش إليه ويقصده وقد يقال بل ~~إصغاؤه إليه واستماعه الصوت يجعله مستمعا فيجعله غير مصادف # وقد قال تعالى وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلثم [ ~~سورة النساء 140 ] فجعل القاعد المستمع بمنزلة القائل # فأكثر ما يقال إن الجنيد اراد بالمصادفة هذه الصورة وهو مع جعله ترويحا ~~لم يجعله سببا للرحمة وهذا غايته أن يكون مباحا لا يكون حسنا ولا رحمة ولا ~~مستحبا والكلام في إباحته وتحريمه غير الكلام في حسنه وصلاحه ومنفعته وكونه ~~قربة وطاعة فالجنيد لم يقل شيئا من هذا # وقول القائل تنزل الرحمة على أهل السماع إذا أراد به سماع القصائد يقتضي ~~أنه حسن وأنه نافع في الدين وكلام الجنيد صريح في خلاف ذلك # قال أبو القاسم وسئل الشبلي عن السماع فقال ظاهره فتنة وباطنه عبرة فمن ~~عرف الإشارة حل له السماع بالعبرة وإلا فقد استدعى الفتنة وتعرض للبلية ~~PageV01P403 # قلت هذا القول مرسل لم يسنده فالله أعلم به فإن كان محفوظا عن الشبلي فقد ~~نبهنا على ان الأئمة في طريق الحق الذين يعتد بأقوالهم كما يعتد بأقوال ~~أئمة الهدى هم مثل الجنيد وسهل ونحوهما فإن اقوالهم صادرة عن أصل وهم ~~مستهدون فيها # وأما الشبلي ونحوه فلا بد من عرض أقواله وأحواله على الحجة فيقبل منها ما ms191 ~~وافق الحق دون ما لم يكن كذلك لأنه قد كان يعرض له زوال العقل حتى يذهب به ~~إلى المارستان غير مرة وقد يختلط اختلاطا دون ذلك # ومن كان بهذه الحال فلا تكون أقواله وأفعاله في مثل هذه الأحوال مما ~~يعتمد عليها في طريق الحق ولكن له أقوال وأفعال حسنة قد علم حسنها بالدليل ~~فتقبل لحسنها في نفسها وإن كان له حال أخرى بغير عقله أو اختلط فيها أو وقع ~~منه ما لا يصلح # ومعلوم أن الجنيد شيخه هو الإمام المتبع في الطريق وقد أخبر أن لسماع ~~فتنة لمن طلبه فتقليد الجنيد في ذلك أولى من تقليد الشبلي في قوله ظاهره ~~فتنة وباطنه عبرة إذ الجنيد أعلى وأفضل وأجل بأتفاق المسلمين وقد أطلق ~~القول بأنه فتنة لطالبه وهو لا يريد أنه فتنة في الظاهر فقط إذ من شأن ~~الجنيد أن يتكلم على صلاح القلوب PageV01P404 وفسادها فإنما أراد أنه يفتن ~~القلب لمن طلبه وهذا نهى منه وذم لمن يطلبه مطلقا ومخالفا لما أرسل عن ~~الشبلي أنه قال من عرف الإشارة حل له السماع بالعبرة # وهذا التفصيل يضاهي قول من يقول هو مباح أو حسن للخاصة دون العامة وقد ~~تقدم الكلام على ذلك وأنه مردود لأن قائله اختلف قوله في ذلك وما أعلم احدا ~~من المشايخ المقبولين يؤثر عنه في السماع نوع رخصة وحمد إلا ويؤثر عنه الذم ~~والمنع فهم فيه كما يذكر عن كثير من العلماء أنواع من مسائل الكلام # فلا يوجد عمن له في الأمة حمد شئ من ذلك إلا وعنه ما يخالف ذلك وهذا من ~~رحمة الله بعباده الصالحين حيث يردهم في آخر أمرهم إلى الحق الذي بعثه به ~~رسوله ولا يجعلهم مصرين على ما يخالف الدين المشروع # كما قال تعالى في صفة المتقين الذين أعد لهم الجنة فقال وسارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في ~~السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ~~والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا انفسهم ms192 ذكروا الله فآستغفروا لذنوبهم ومن ~~يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم ~~مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها PageV01P405 الأنهار خالدين فيها ونعم ~~أجر العالمين [ سورة آل عمران 133 136 ] # وقول القائل من عرف الإشارة حل له السماع بالعبرة وقد تقدم ان الإشارة هي ~~الاعتبار والقياس لأن يجعل المعنى الذي في القول مثلا مضروبا لمعنى حق ~~يناسب حال المستمع ولهذا قال باطنه عبرة # يقال له هب أنه يمكن الاعتبار به لكن من أين لك ان كل ما أمكن أن يعتبر ~~به الإنسان يكون حلالا له مع أن الاعتبار قد يكون بما يسمع ويرى من ~~المحرمات فهل لاحد أن يعتبر بقصد النظر إلى الزينة الباطنة من المرأة ~~الأجنبية ويعتبر بقصد الاستماع إلى اقوال المستهترين بآيات الله أو غير ذلك ~~مما لا يجوز # قال أبو القاسم وقيل لا يصح السماع إلا لمن كانت له نفس ميتة وقلب حي ~~فنفسه ذبحت بسيوف المجاهدة وقلبه حي بنور المشاهدة وهذا التففضيل من جنس ما ~~تقدم الكلام عليه PageV01P406 # قال وسئل أبو يعقوب النهرجوري عن السماع فقال حال يبدي الرجوع إلى ~~الأسرار من حيث الإحراق # قلت وهذا وصف لما يعقب السماع من الاحوال الباطنة وقوة الحرارة والإحراق ~~والوجودية وهذا امر يحسه المرء ويجده ويذوقه لكن ليس في ذلك مدح ولا ذم إذ ~~مثل هذا يوجد لعباد المسيح والصليب وعباد العجل وعباد الطواغيت ويوجد ~~للعشاق وغير ذلك فإن لم تكن هذه الأحوال مما يحبها الله ورسوله لم تكن ~~محمودة ولا ممدوحة # قال أبو القاسم وقيل السماع لطف غذاء الأرواح لأهل المعرفة وهذا القول لم ~~يسم قائله ولا ريب ان السماع فيه غذاء وقد قيل إنما سمى الغناء غناء لأنه ~~يغني النفس لكن الأغذية والمطاعم منها طيب ومنها خبيث وليس كل ما استلذه ~~الإنسان لحسنه يكون طيبا فإن أكل الخنزير يستلذه آكله وشارب الخمر يستلذها ~~شاربها PageV01P407 # ومما يبين ذلك أن سماع الألحان يتغذى به أهل الجهل أكثر مما يتغذى به أهل ~~المعرفة كما ms193 يتغذى به الأطفال والبهائم والنساء وكما يكثر في أهل البوادي ~~والأعراب وكل من ضعف عقله ومعرفته كما هو مشهود # فأما السماع الشرعي فلا إنه غذاء طيب لأهل المعرفة كما أخبر الله بذلك في ~~قوله @QB@ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق @QE@ [ سورة المائدة 83 ] # ثم ذكر أبو القاسم قول أبي على الدقاق السماع طبع إلا عن شرع وخرق إلا عن ~~حق وفتنة إلا عن عبرة وهذا كلام حسن وقد قدمنا ذكره فإنه جعل ما ليس بمشروع ~~هو عن الطبع فلا يكون محمودا مستحسنا في الدين وطريق الله # وقوله خرق إلا عن حق وفتنة الأ عن عبرة يقتضي أنه إذا لم يكن عن حق فهو ~~مذموم وأنه لم يكن عن عبرة فهو فتنة وهذا كلام صحيح ولا يقتضي ذلك أن يستحب ~~كل ما يظن أن فيه عبرة أو أنه عن حق إذا لم يكن مشروعا لأنه قد قال إنه طبع ~~إلا عن شرع # قال أبو القاسم ويقال السماع على قسمين سماع بشرط PageV01P408 العلم ~~والصحو فمن شرط صاحبه معرفة الاسامي والصفات وإلا وقع في الكفر المحض وسماع ~~بشرط الحال فمن شرط صاحبه الفناء عن احوال البشرية والتنقي من آثار الحظوظ ~~بظهور أحكام الحقيقة # قلت قوله معرفة الأسامي والصفات يعني أسماء الحق وصفاته وذلك لأن المسموع ~~هو المشروع من الصفات التي يوصف بها المخلوقون وهم إنما يأخذون مقصودهم ~~منها بطريقة الإشارة والاعتبار كما تقدم فيحتاج ذلك إلى أن نفرق بين ما ~~يوصف به الرب ويوصف به المخلوق لئلا تجعل تلك الصفات صفات لله فيكون فتنة ~~وكفرا هذا إذا كان صاحبه صاحيا يعلم ما يقول وأما إذا كان فانيا عن الشعور ~~بالكائنات لم يحمل القول على ذلك لعدم شعوره به فلا بد أن يكون شاعرا ~~بالأحوال البشرية ويكون متنقيا عن الحظوظ البشرية التي تميل إلى المخلوقات ~~وذلك بظهور سلطان التوحيد على قلبه وهو قوله ظهور أحكام الحقيقة وهذا ~~التفصيل يحتاج إليه من يستحسن بعض أنواع السماع ms194 المحدث لأهل الطريق إلى ~~الله # والفتنة تحصل بالسماع من وجهين من جهة البدعة في الدين ومن جهة الفجور في ~~الدنيا # أما الأول فلما قد يحصل به من الاعتقادات الفاسدة في حق الله أو الإرادات ~~والعبادات الفاسدة التي لا تصلح لله مع ما يصد عنه من PageV01P409 ~~الاعتقادات الصالحة والعبادات الصالحة تارة بطريق المضادة وتارة بطريق ~~الاشتغال فإن النفس تشتغل وتستغني بهذا عن هذا # وأما الفجور في الدنيا فلما يحصل به من دواعي الزنا والفواحش والإثم ~~والبغي على الناس # ففي الجملة جميع المحرمات قد تحصل فيه وهو ما ذكرها الله في قوله @QB@ قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ ~~[ سورة الاعراف 33 ] # قال أبو القاسم وحكى عن أحمد بن أبي الحواري أنه قال سألت أبا سليمان عن ~~السماع فقال من اثنين أحب إلى من الواحد # قلت هذه المقالة ذكرها مرسلة فلا يعتمد عليها وإن أريد بها السماع المحدث ~~فهي باطلة عن أبي سليمان فإن أبا سليمان رضي الله عنه لم يكن من رجال ~~السماع ولا معروفا بحضوره كما أن الفضيل بن عياض ومعروفا الكرخي رحمهما ~~الله ونحوهما لم يكونا ممن يحضر هذا السماع # قال أبو القاسم سئل أبو الحسين النوري عن الصوفي فقال من سمع السماع وآثر ~~الأسباب PageV01P410 # قلت هذا النقل مرسل فلا يعتمد عليه ولعل المقصود بهذا هو الصوفي المذموم ~~عندهم التصوف فإنه جمع بين إيثار السماع الذي يدل على الأهواء الباطلة وضعف ~~الإرادة والعبادة وإيثار الأسباب التي تنقصه عندهم عن التوكل فضعف كونه ~~يعبد الله وضعف كونه يستعينه وإلا فالنوري لا يجعل هذا شرطا في الصوفي ~~المحقق # قال أبو القاسم وسئل أبو علي الروذباري عن السماع يوما فقال ليتنا تخلصنا ~~منه راسا برأس # قلت هذا الكلام من مثل هذا الشيخ الذي هو أجل المشايخ الذين صحبوا الجنيد ~~وطبقته يقرر ما قدمناه من أن حضور الشيخ السماع لا يدل ms195 على مذهبه واعتقاد ~~حسنه فإنه يتمنى ألا يكون عليه فيه إثم بل يخلص منه لا عليه ولا له ولو كان ~~من جنس المستحبات لم يقل ذلك فيه إلا لتقصير المستمع لا لجنس الفعل وليس له ~~أن يقول ذلك إلا عن نفسه لا يجعل هذا حكما عاما في أهل ذلك العمل # كما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول وددت أني انفلت من ~~هذا الامر رأسا برأس قال هذا بعد توليه الخلافة PageV01P411 لفرط خشيته ألا ~~يكون قد قام بحقوق ولم يقل هذا في أبي بكر رضي الله عنه بل ما يزال يشهد له ~~بالقيام في الخلافة بالحق ولذلك كان عمر خوفه يحمله على ذلك القول # فقول أبي علي ليس من هذا الجنس بل وصف الطائفة كلها بذلك فعلم أنه لا ~~يعتقد فيه انه حسن وإن كان فاعلا له # وقال أبو القاسم سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا عثمان ~~المغربي يقول من ادعى السماع ولم يسمع صوت الطيور وصرير الباب وصفير الرياح ~~فهو مفتر مدع # قلت هذا الذي قاله أبو عثمان هو مما يفصلون به بين سماع العبرة وسماع ~~الفتنة فإن سماع العبرة الذي يحرك وجد السالكين بالحق يحصل بسماع هذه ~~الأصوات لا يقف على السماع الذي يهواه أهل الفتن # وقال أبو القاسم سمعت أبا حاتم السجستاني يقول سمعت أبا نصر السراج ~~الطوسي يقول سمعت أبا الطيب أحمد بن مقاتل العكي يقول قال جعفر كان ابن ~~زيري من أصحاب الجنيد شيخا PageV01P412 فاضلا فربما كان يحضر موضع السماع ~~فإن استطابة فرش إزاره وجلس وقال الصوفي مع قلبه وإن لم يستطبه قال السماع ~~لأرباب القلوب ومر وأخذ نعليه # قلت سنتكلم إن شاء الله على مثل هذه الحال وهو المشي مع طيب القلب وما ~~يذوق الإنسان ويجد فيه صلاح القلب ونبين أن السلوك المستقيم هكذا من غير ~~اعتبار لطيب القلب وما يجده ويذوقه من المنفعة واللذة والجمع على الله ونحو ~~ذلك أما ذلك الحال فهو مذموم في الكتاب ms196 والسنة ضلال في الطريق وهو مبدأ ~~ضلال من ضل من العباد والنساك والمتصوفة والفقراء ونحوهم وحقيقته اتباع ~~الهوى بغير هدى من الله وقد تقدم من كلام المشايخ في ذم هذا ما فيه كفاية # فإن مجرد طيب القلب ليس دليلا على أنه إنما طاب لما يحبه الله ويرضاه بل ~~قد يطيب بما لا يحبه الله ويرضاه مما يكرهه أولا يكرهه أيضا لا سيما القلوب ~~التي أشربت حب الأصوات الملحنة فقد قال عبد الله بن مسعود الغناء ينبت ~~النفاق في القلوب كما ينبت الماء البقل PageV01P413 # وإطلاق القول بأن الصوفي مع قلبه هو من جنس ما ذم به هؤلاء المتصوفة حتى ~~جعلوا من اهل البدع لأنهم أحدثوا في طريق الله أشياء لم يشرعها الله فكان ~~لهم نصيب من قوله تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ~~الله [ سورة الشورى 21 ] مثل ما ذكره الخلال بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدي ~~وذكر الصوفية فقال لا تجالسوهم ولا أصحاب الكلام وعليكم بأصحاب القماطر ~~فإنهم بمنزلة المعادن والمفاصل هذا يخرج درة وهذا يخرج قطعة ذهب ويروى عن ~~الشافعي أنه قال لو تصوف رجل أول النهار لم يأت نصف النهار إلا وهو أحمق # قال أبو القاسم سمعت محمد بن الحسين رحمه الله تعالى يقول سمعت عبد ~~الواحد بن بكر يقول سمعت عبد الله بن عبد المجيد الصوفي يقول سئل رويم عن ~~وجود الصوفية عند السماع فقال يشهدون المعاني التي تعزب عن غيرهم فتشير ~~إليهم PageV01P414 إلي إلي فيتنعمون بذلك من الفرح ثم يقع الحجاب فيعود ذلك ~~الفرح بكاء فمنهم من يخرق ثيابه ومنهم من يصيح ومنهم من يبكي كل إنسان على ~~قدره # قلت هذا وصف لما يعتريهم من الحال ليس في ذلك مدح ولا ذم إذ مثل هذه ~~الحال يكون للمشركين وأهل الكتاب إذ قد يشهدون بقلوبهم مع انهم يفرحون بها ~~فتتبع ذلك المحبة فإن الفرح يتبع المحبة فمن أحب شيئا فرح بوجوده وتألم ~~لفقده والمحبوب قد يكون حقا وقد يكون باطلا # قال ms197 تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ [ سورة البقرة 165 ] وقال تعالى @QB@ ~~وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم @QE@ [ سورة البقرة 93 ] # فقد يكون المرء محبا لله صادقا في ذلك لكن يكون ما يشهده من المعاني ~~السارة خيالات لا حقيقة لها فيفرح بها ويكون فرحه لغير الحق وذلك مذموم # قال تعالى @QB@ ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا ~~عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين ذلكم بما كنتم ~~تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون @QE@ PageV01P415 # وقد علم أن سماع المكاء والتصدية إنما ذكره الله في القرأن عن المشركين ~~ولا يخلو من نوع شرك جلي أو خفي ولهذا يحكي عنهم تلك الأمور الباطلة التي ~~بدت لهم أولا كما قال تعالى @QB@ كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ~~جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده @QE@ [ سورة النور 39 ] # ومع هذا فقد يكون في تلك المعاني التي تشاهد وتحتجب من حقائق الإيمان ما ~~يفرح به المؤمنون أيضا ولولا ما فيه من ذلك لما التبس على فريق من المؤمنين ~~لكن قد لبس الحق فيه بالباطل هذا الأمر منه ليس بحق محض أصلا وبالحق الذي ~~فيه نفق على من نفق عليه من المؤمنين وزهادهم وصوفيتهم وفقرائهم وعبادهم ~~ولكن لضعف إيمانهم نفق عليهم ولو تحققوا بكمال الإيمان لتبين لهم ما فيه من ~~الشرك ولبس الحق بالباطل # ولهذا تبين ذلك لمن أراد الله أن يكمل إيمانه منهم فيتوبون منه كما هو ~~المأثور عن عامة المشايخ الكبار الذين حضروه فإنهم تابوا منه كما تاب كثير ~~من كبار العلماء مما دخلوا فيه من البدع الكلامية # قال أبو القاسم سمعت محمد بن أحمد بن محمد PageV01P416 التميمي يقول سمعت ~~عبد الله بن علي يقول سمعت الحصري يقول في بعض كلامه إيش أعمل بسماع ينقطع ~~إذا انقطع من يستمع منه ينبغي أن يكون سماعك سماعا متصلا غير منقطع # وقال الحصري ينبغي أن يكون ms198 ظمأ دائم وشرب دائم فكلما ازداد شربه ازداد ~~ظمؤه # قلت هذا الكلام فيه عيب لأهل هذا السماع وبيان أن المؤمن عمله دائم ليس ~~بمنقطع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أحب العمل إلى الله ما داوم عليه ~~صاحبه فيكون اجتماع قلبه لمعاني القرآن دائما غير منقطع لا يزال عطشانا ~~طالبا شاربا PageV01P417 # كما قال تعالى لنبيه @QB@ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين @QE@ [ سورة الحجر ~~99 ] وقال الحسن البصري لم يجعل الله لعبده المؤمن أجلا دون الموت وقد ~~اعتقد بعض الغالطين من هؤلاء ان المعنى اعبد ربك حتى تحصل لك المعرفة ثم ~~اترك العبادة وهذا جهل وضلال بأجماع الأمة بل اليقين هنا كاليقين في قوله ~~@QB@ حتى أتانا اليقين @QE@ [ سورة المدثر 47 ] # في الصحيح لما مات عثمان بن مظعون قال النبي صلى الله عليه وسلم أما ~~عثمان فقد أتاه اليقين من ربه والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي # فأما اليقين الذي هو صفة العبد فذاك قد فعله من حين عبد ربه ولا تصح ~~العبادة إلا به وإن كان له درجات متفاوتة # قال تعالى آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين إلى قوله وبالآخرة هم ~~يوقنون [ سورة البقرة 1 4 ] PageV01P418 # وقال وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بأياتنا يوقنون [ ~~سورة السجدة 24 ] # وقال عن الكفار وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ~~ندرى ما الساعة إن تظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين [ سورة الجاثية 32 ] # قال أبو القاسم وجاء عن مجاهد في تفسير قوله تعالى @QB@ فهم في روضة ~~يحبرون @QE@ [ سورة الروم 15 ] أنه السماع من الحور العين بأصوات شهية نحن ~~الخالدات فلا نموت أبدا ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا # وهذا فيه أنهم ينعمون في الآخرة بالسماع وقد تقدم الكلام على هذا وأن ~~التنعم بالشئ في الآخرة لا يقتضي أن يكون عملا حسنا أو مباحا في الدنيا # وقال وقيل السماع نداء والوجد قصد # وهذا كلام مطلق فإن المستمع يناديه ما يستمعه بحق تارة وبباطل ms199 أخرى ~~والواجد هو قاصد يجيب المنادي الذي قد يدعو إلى حق وقد يدعو إلى باطل فإن ~~الواجد تجد في نفسه إرادة وقصدا PageV01P419 # قال وسمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول قلوب أهل ~~الحق قلوب حاضرة وأسماعهم أسماع مفتوحة # وهذا كلام حسن قال تعالى @QB@ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد @QE@ [ سورة ق 37 ] قالوا وهو حاضر القلب ليس بغائبه ووصف ~~الله الكفار بأنهم صم بكم عمي لا يسمعون ولا يعقلون وأن في آذانهم وقرا ~~وأنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم # قال وسمعته يعني أبا عبد الرحمن يقول سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يقول ~~المستمع بين استتار وتجل فالاستتار يوجب التلهيب والتجلي يورث الترويح ~~والاستتار يتولد منه حركات المريدين وهو محل الضعف والعجز والتجلي يتولد ~~منه سكون الواصلين وهو محل الاستقامة والتمكن وذلك PageV01P420 صفة الحضرة ~~ليس فيها إلا الذبول تحت موارد الهيبة قال تعالى @QB@ فلما حضروه قالوا ~~أنصتوا @QE@ [ سورة الأحقاف 29 ] # قلت هذا كلام على أحوال أهل السماع وهو مطلق في السماع الشرعي والبدعي ~~لكنه إلى وصف حال المحدث أقرب وهو وصف لبعض أحوالهم فإن أحوالهم أضعاف ذلك ~~وأما الاستدلال بالآية ففيه كلام ليس هذا موضعه # قال وقال أبو عثمان الحيري السماع على ثلاثة أوجه فوجه منها للمريدين ~~والمبتدئين يستدعون بذلك الأحوال الشريفة ويخشى عليهم في ذلك الفتنة ~~والمراءاة # والثاني للصادقين يطلبون الزيادة في أحوالهم ويستمعون من ذلك ما يوافق ~~أوقاتهم # والثالث لأهل الاستقامة من العارفين وهؤلاء لا يختارون على الله فيما يرد ~~على قلوبهم من الحركة والسكون # قلت هذا الكلام مطلق في السماع يتناول القسمين PageV01P421 # | فصل في محبة الجمال # ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ولا يدخل الجنة أحد ~~في قلبه مثقال حبة خردل من كبر # وفي # رواية لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ms200 فقال رجل إن الرجل ~~يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فقال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر ~~الحق وغمط الناس # فقوله إن الله جميل يحب الجمال قد أدرج فيه حسن الثياب التي هي المسئول ~~عنها فعلم أن الله يحب الجمال و الجميل من اللباس ويدخل في عمومه وبطريق ~~الفحوي الجميل من كل شئ هذا كقوله في الحديث الذي رواه الترمذي إن الله ~~نظيف يحب النظافة PageV01P422 # وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال إن الله طيب يحب الأطيباء وهذا مما يستدل ~~به على التجمل في الجمع والأعياد كما في الصحيح أن عمر بن الخطاب رأى حلة ~~تباع في السوق فقال يا رسول الله لو اشتريت هذه تلبسها فقال إنما يلبس هذه ~~من لا خلاق له في الآخرة # وهذا يوافقه في حسن الثياب ما في السنن عن أبي الأحوص الجشمي قال رآني ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أطمار فقال هل لك من مال قلت نعم قال من أي ~~المال قلت من كل ما PageV01P423 أتى الله من الإبل والشاء قال فلتر نعمة ~~الله وكرامته عليك # وفي السنن أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده لكن هذا الظهور ~~لنعمة الله وما في ذلك من شكره والله يحب أن يشكر وذلك لمحبته الجمال # وهذا الحديث قد ضل قوم بما تأولوه عليه وآخرون رأوه معارضا لغيره من ~~النصوص ولم يهتدوا للجمع # فالاولون قد يقولون كل مصنوع الرب جميل لقوله الذي أحسن كل شئ خلقه [ ~~سورة السجدة 7 ] فنحب كل شئ وقد يستدلون بقول بعض المشايخ المحبة نار تحرق ~~في القلب كل ما سوى مراد المحبوب والمخلوقات كلها مراده وهو لا يقوله ~~قائلهم فصرح بإطلاق الجمال وأقل ما يصيب هؤلاء أنهم يتركون الغيرة لله ~~والنهي عن المنكر والبغض في الله والجهاد في سبيله وإقامة حدوده ~~PageV01P424 # وهم في ذلك متناقضون إذ لا يتمكنون من الرضا بكل ms201 موجود فإن المنكرات هي ~~أمور مضرة لهم ولغيرهم ويبقى أحدهم مع طبعة وذوقه وهواه ينكر ما يكره ذوقه ~~دون ما لا يكره ذوقه وينسلخون عن دين الله وربما دخل أحدهم في الاتحاد ~~والحلول المطلق ومنهم من يحض الحلول أو الاتحاد ببعض المخلوقات كالمسيح أو ~~علي بن أبي طالب أو غيرهما من المشايخ والملوك والمردان فيقولون بحلوله في ~~الصور الجميلة ويعبدونها # ومنهم من لا يرى ذلك لكن يتدين يحب الصور الجميلة من النساء الأجانب ~~والمردان وغير ذلك ويرى هذا من الجمال الذي يحبه الله ويحبه هو ويلبس ~~المحبة الطبيعية المحرمة بالمحبة الدينية ويجعل ما حرمه الله مما يقرب إليه ~~@QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء @QE@ [ سورة الأعراف 28 ] # والآخرون قالوا ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم ومعلوم أنه لم ينف نظر الإدراك لكن نظر المحبة PageV01P425 # وقد قال تعالى عن المنافقين @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا ~~تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة @QE@ [ سورة المنافقون 4 ] # وقال تعالى @QB@ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا @QE@ [ ~~سورة مريم 74 ] والأثاث المال من اللباس ونحوه والرئي المنطر فأخبر ان ~~الذين أهلكهم قبلهم كانوا أحسن صورا وأموالا لنتبين أن ذلك لا ينفع عنده ~~ولا يعبأ به # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود ~~إلا بالتقوى # وفي السنن عنه أنه قال البذاذة من الايمان # وأيضا فقد حرم علينا من لباس الحرير والذهب وآنية الذهب والفضة ما هو ~~أعظم الجمال في الدنيا وحرم الله الفخر والخيلاء واللباس الذي فيه الفخر ~~والخيلاء كإطالة الثياب PageV01P426 # حتى ثبت في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ~~ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا # وفي الصحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله ms202 عليه وسلم قال من جر ثوبه خيلاء ~~لم ينظر الله إليه يوم القيامة # وفي الصحيح أيضا قال بينما رجل يجر أزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل ~~في الأرض إلى يوم القيامة # وقد قال تعالى في حق قارون @QB@ فخرج على قومه في زينته @QE@ [ سورة ~~القصص 79 ] قالوا ثياب الأرجوان # ولهذا ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال رآني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى ثوبين معصفرين فقال إن هذه من ثياب PageV01P427 الكفار فلا ~~تلبسها قلت أغسلهما قال احرقهما # ولهذا كره العلماء المحققون الأحمر المشبع حمرة كما جاء النهي عن الميثرة ~~الحمراء وقال عمر بن الخطاب دعوا هذه الرايات للنساء وقد بسطنا القول في ~~هذه المسألة في موضعها # وأيضا فقد قال الله تعالى @QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم @QE@ إلى قوله وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنين [ سورة النور 30 ~~31 ] # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة العينان ~~تزينان وزناهما النظر # وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~نظر الفجأة فقال اصرف بصرك PageV01P428 # وفي السنن أنه قال لعلي يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى ~~وليست لك الآخرة # وقد قال تعالى @QB@ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى @QE@ [ سورة طه 131 ] # وقال ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ازواجنا منهم ولا تحزن عليهم واخفض ~~جناحك للمؤمنين [ سورة الحجر 88 ] وقال @QB@ زين للناس حب الشهوات من ~~النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة ~~والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم ~~بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد @QE@ [ سورة آل عمران 13 ~~15 ] # وقد قال مع ذمه لمذامه من هذه الزينة @QB@ قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده ms203 والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم ~~القيامة @QE@ [ سورة الأعراف 32 ] PageV01P429 # فنقول أعلم أن ما يصفه به النبي صلى الله عليه وسلم من محبة الأجناس ~~المحبوبة من الأعيان والصفات والأفعال وما يبغضه من ذلك هو مثل ما يأمر به ~~من الأفعال وينهى عنه من ذلك فإن الحب والبغض هما أصل الامر والنهى وذلك ~~نظير ما يعده على الاعمال الحسنة من الثواب ويتوعد به على الأعمال السيئة ~~من العقاب # فأمره ونهيه ووعده وحبه وبغضه وثوابه وعقابه كل ذلك من جنس واحد والنصوص ~~النبوية تأتي مطلقة عامة من الجانبين فتتعارض في بعض الأعيان والأفعال التي ~~تندرج في نصوص المدح والذم والحب والبغض والأمر والنهي والوعد والوعيد وقد ~~بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذه القاعدة في غير موضع لتعلقها بأصول الدين ~~وفروعه # فإن من أكبر المسائل التي تتبعها مسألة الأسماء والأحكام في فساق اهل ~~الملة وهل يجتمع في حق الشخص الواحد الثواب والعقاب كما يقوله أهل السنة ~~والجماعة أم لا يجتمع ذلك وهل يكون الشئ الواحد محبوبا من وجه مبغوضا من ~~وجه محمودا من وجه مذموما من وجه كما يقوله جمهور الخوارج والمعتزلة وهل ~~يكون الفعل الواحد مأمورا به من وجه منهيا عنه من وجه # وقد تنازع في ذلك أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم PageV01P430 ~~والتعارض بين النصوص إنما هو لتعارض المتعارض المقتضى للحمد والذم من ~~الصفات القائمة بذاته تعالى ولهذا كان هذا الجنس موجبا للكفر أو الفتنة ~~فأول مسألة فرقت بين الأمة مسألة الفاسق الملي فأدرجته الخوراج في نصوص ~~الوعيد والخلود في النار وحكموا بكفره ووافقتهم المعتزلة على دخوله في نصوص ~~الوعيد وخلوده في النار لكن لم يحكموا بكفره فلو كان الشئ خيرا محضا لم ~~يوجب فرقة ولو كان شرا محضا لم يخف أمره لكن لاجتماع الأمرين فيه أوجب ~~الفتنة # وكذلك مسالة القدر التي هي من جملة فروع هذا الأصل فإنه اجتمع في الأفعال ~~الواقعة التي نهى الله عنها أنها مرادة له لكونها من الموجودات وأنها غير ms204 ~~محبوبة له ولا مرضية بل ممقوتة مبغوضة لكونها من المنهيات # فقال طوائف من اهل الكلام الإرادة والمحبة والرضا واحدة أو متلازمة ثم ~~قالت القدرية والله لم يحب هذه الافعال ولم يرضها فلم يردها فأثبتوا وجود ~~الكائنات بدون مشيئة PageV01P431 # ولهذا لما قال غيلان القدري لربيعة بن عبد الرحمن يا ربيعة نشدتك بالله ~~أترى الله يحب أن يعصى فقال له ربيعة أفترى الله يعصى قسرا فكأنه ألقمه ~~حجرا يقول له نزهته عن محبة المعاصي فسلبته الإرادة والقدرة وجعلته مقهورا ~~مقسورا # وقال من عارض القدرية بل كل ما أراده فقد أحبه ورضيه ولزمهم ان يكون ~~الكفر والفسوق والعصيان محبوبا لله مرضيا # وقالوا أيضا يأمر بما لا يريده وكل ماأمر به من الحسنات فإنه لم يرده ~~وربما قالوا ولم يحبه ولم يرضه إلا إذا وجد ولكن أمر به وطلبه # فقيل لهم هل يكون طلب وإرادة واستدعاء بلا إرادة ولا محبة ولا رضا هذا ~~جمع بين النقيضين فتحيروا # فأولئك سلبوا الرب خلقه وقدرته وإرادته وهؤلاء سلبوا محبته ورضاه وإرادته ~~الدينية وما يصحبه أمره ونهيه من ذلك فكما أن الأولين لم يثبتوا أن الشخص ~~الواحد يكون مثابا معاقبا بل إما مثاب وإما معاقبه فهؤلاء لم يبينوا أن ~~الفعل الواحد يكون مرادا من وجه دون وجه مرادا غير محبوب بل إما مراد محبوب ~~وإما غير مراد ولا محبوب ولم يجعلوا الإرادة إلا نوعا واحدا والتحقيق أنه ~~يكون مرادا غير PageV01P432 محبوب ولا مرضى ويكون مرادا من وجه دون وجه ~~ويكون محبوبا مرضيا غير مراد الوقوع # والإرادة نوعان إرادة دينية وهي المقارنة الأمر والنهي والحب والبغض ~~والرضا والغضب # وإرادة كونية وهي المقارنة للقضاء والقدر والخلق والقدرة # وكما تفرقوا في صفات الخالق تفرقوا في صفات المخلوق فأولئك لم يثبتوا له ~~إلا قدرة واحدة تكون قبل الفعل وهؤلاء لم يثبتوا له إلا قدرة واحدة تكون مع ~~الفعل # أولئك نفوا القدرة الكونية التي بها يكون الفعل وهؤلاء نفوا القدرة ~~الدينية التي بها يأمر الله العبد وينهاه # وهذا من أصول تفرقهم في مسألة ms205 تكليف ما لا يطاق وانقسموا إلى قدرية ~~مجوسية تثبت الأمر والنهي وتنفى القضاء والقدر وإلى قدرية مشركية شر منهم ~~تثبت القضاء والقدر وتكذب بالأمر والنهي أو ببعض ذلك # وإلى قدرية إبليسية تصدق بالأمرين لكن ترى ذلك تناقضا مخالف للحق والحكمة # وهذا شأن عامة ما تتعارض فيه الأسباب والدلائل تجد فريقا يقولون بهذا دون ~~هذا وفريقا بالعكس وفريقا رأوا الأمرين واعتقدوا PageV01P433 تناقضهما ~~فصاروا متحيرين أو معرضين عن التصديق بهما جميعا أو متناقضين مع هذا تارة ~~ومع هذا تارة # وهذا تجده في مسائل الكلام والاعتقادات ومسائل الإرادة والعبادات كمسألة ~~السماع الصوتي ومسألة الكلام ومسأئل الصفات وكلام الله وغير ذلك من المسائل # وجماع القول في ذلك أن كل أمرين تعارضا فلا بد أن يكون أحدهما راجحا أو ~~يكونا متكافئين فيحكم بينهما بحسب الرجحان ويحسب التكافؤ فالعملان ~~والعاملان إذا امتاز كل منهما بصفات فإن ترجح أحدهما فهو الراجح وإن تكافئا ~~سوى بينهما في الفضل والدرجة وكذلك أسباب المصالح والمفاسد وكذلك الأدلة ~~بأنه يعطى كل دليل حقه ولا يجوز أن تتكافأ الأدلة في نفس الأمر عند الجمهور ~~لكن تتكافأ في نظر الناظر وأما كون الشئ الواحد من الوجه الواحد ثابتا ~~منتفيا فهذا لا يقوله عاقل # وأصل هذا كله العدل بالتسوية بين المتماثلين فإن الله تعالى يقول @QB@ ~~لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط @QE@ [ سورة الحديد 25 ] وقد بسطنا القول في ذلك وبينا أن العدل ~~جماع الدين والحق والخير كله في غير موضع # والعدل الحقيقي قد يكون متعذرا إما عمله وإما العمل به PageV01P434 لكن ~~التماثل من كل وجه غير ممكن أو غير معلوم فيكون الواجب في مثل ذلك ما كان ~~أشبه بالعدل وأقرب إليه وهي الطريقة المثلى # وقال سبحانه @QB@ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها ~~@QE@ [ سورة الأنعام 152 ] # وعلى هذا فالحق الموجود وهو الثابت الذي يقابله المنفي والحق المقصود وهو ~~المأمور به المحبوب الذي يقابله المنهى عنه المبغوض ثلاثة أقسام # فإنها في الحق المقصود إما أمر ترجحت المصلحة المحبوبة ms206 فيه وهذا يؤمر به # وإما أمر ترجحت فيه المفسدة المكروهة فهذا ينهى عنه # وإما أمر استوى فيه هذا وهذا فهذا لا يؤمر به ولا ينهى عنه ولا يترجح فيه ~~الحب ولا يترجح فيه البغض بل يكون عفوا # وما دون هذا إن كان مثل هذا موجودا فإن الناس يتنازعون في وجوده فقيل هو ~~موجود وقيل بل هو يقدر في PageV01P435 الفعل لا وجود له بل لا بد من ~~الرجحان كما قيل مثل ذلك في تكافؤ الأدلة # وعلى هذا فالأمر الذي ترجحت فيه المصلحة وأمر به غلب فيه جانب المحبة مع ~~أن الذي فيه المفسدة مبغض لكنه مراد فهو مراد بغيض والأمر الذي ترجح فيه ~~جانب المصلحة محبوب لكنه مراد الترك محبوب فهو محبوب في نفسه لكن لملازمته ~~لما هو بغيض وجب أن يراد تركه تبعا لكراهة لازمة فإنه بغض اللازم ونفى ~~الملزوم # فحاصله أن المراد إرادة جازمة هو أحد الأمرين إما الفعل وإما الترك ~~والأول هو المأمور به والثاني هو المنهى عنه لكن مع هذا فقد يشتمل المفعول ~~على بغيض محتمل ويشتمل المتروك على حبيب مرفوض فهذا أصل نافع # فهذا في الفعل الواحد وأما الفاعل الواحد الذي يعمل الحسنة والسيئة معا ~~وهو وإن كان التفريق بينهما ممكنا لكنه هو يعملهما جميعا أو يتركهما جميعا ~~لكون محبته لأحدهما مستلزمة لمحبته للاخرى وبغضه لأحدهما مستلزما لبغضه ~~للأخرى فصار لا يؤمر إلا بالحسن من الفعلين ولا ينهى إلا عن السئ منهما وإن ~~لزم ترك الحسنة لا ينبغي أن يأمره في مثل هذا بالحسنة المرجوحة فإنه يكون ~~أمرا بالسيئة ولا ينهاه PageV01P436 عن السيئة المرجوحة فإنه يكون نهيأ عن ~~الحسنة الراجحة وهكذا المعين يعين على الحسنة الراجحة وعلى ترك السيئة ~~المرجوحة # وهذا أصل عظيم تدخل فيه أمورا عظيمة مثل الطاعة لأئمة الجور وترك الخروج ~~عليهم وغير ذلك من المسائل الشرعية وهكذا حكم الطائفة المشتملة أفعالها على ~~حسنات وسيئات بمنزلة الفاعل في ذلك وبما ذكرناه في الفعل الواحد والفاعل ~~الواحد تظهر أمور كثيرة إما الحق الموجود وإما أن ms207 يكون الشئ في نفسه ثابتا ~~ومنتفيا لكن كثيرا ما تحصل المقابلة بين إثبات عام ونفي عام ويكون الحق في ~~التفصيل وهو ثبوت بعض ذلك العام وانتفاء بعضه وهذا هو الغالب على المسائل ~~الكبار التي يتنازع فيها أحزاب الكلام والفلسفة ونحوهم # والدليل إما أن يكون دليلا معلوما فهذا لا يكون إلا حقا لكن كثيرا ما يظن ~~الإنسان أن الشئ معلوم ولا يكون معلوما وحينئذ فإذا ظن ظان تعارض الأدلة ~~المعلومة كان غالطا في تعارضها بل يكون أحد الأمرين لازما إما كلها أو ~~بعضها غير معلوم وإما أن موجب الدليل حق من غير تعارض وإن ظنه الظان تعارضا ~~فالحق الموجود لا ينافى الحق الموجود بل يكون منهما موجودا بخلاف الحق ~~المقصود فإنه قد PageV01P437 يقصد الضدان لما في كل منهما من المصالح ~~المقصودة لكن لا يوجد الضدان وإن كان الدليل مغلبا للظن اعتقد فيه موجبه ~~وإذا تعارضت هذه الأدلة رجح راجحها وسوى بين متكافيها # إذا تقرر ذلك فنقول قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله جميل يحب ~~الجمال كقوله للذي علمه الدعاء اللهم إنك عفو تحب العفو فأعف عني وقوله ~~تعالى @QB@ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ [ سورة البقرة 222 ] ~~وإن الله نظيف يحب النظافة # فهو سبحانه إذا كان يحب العفو لم يوجب هذا ألا يكون في بعض أنواع العفو ~~من المعارض الراجح ما يعارض ما فيه من محبة العفو ولولا ذلك لكان ينبغي أن ~~يعفو عن كل محرم فلا يعاقب مشركا ولا فاجرا لا في الدنيا ولا في الآخرة ~~وهذا خلاف الواقع ولوجب أن يستحب لنا العفو عن كل كافر وفاجر فلا نعاقب ~~أحدا على شئ وهذا خلاف ما أمرنا به وخلاف ما هو صلاح لنا ونافع في الدنيا ~~والآخرة # وكذلك محبته للمتطهرين ومحبته للنظافة لا تمنع حصول المعارض الراجح مثل ~~أن يكون الماء محتاجا إليه للعطش فمحبته لسقي العطشان راجحة على محبته ~~للطهارة والنظافة PageV01P438 # وكذلك سائر ما يتزاحم من الواجبات والمستحبات فإنها جميعها محبوبة لله ~~وعند التزاحم يقدم أحبها إلى ms208 الله والتقرب إليه بالفرائض أحب إليه من ~~التقرب إليه بالنوافل وبعض الواجبات والمستحبات إليه من بعض # وكذلك إذا تعارض المأمور والمحظور فقد تعارض حبيبه وبغيضه فيقدم أعظمهما ~~في ذلك فإن كان محبته لهذا أعظم من بغضه لهذا قدم وإن كان بغضه لهذا أعظم ~~من حبه لهذا قدم # كما قال تعالى @QB@ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ [ سورة البقرة 219 ] وعلى هذا استقرت ~~الشريعة بترجيح خير الخيرين ودفع شر الشرين وترجيح الراجح من الخير والشر ~~المجتمعين # والله سبحانه يحب صفات الكمال مثل العلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك ففي ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير وأحب ~~إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير وفي الصحيح عنه انه قال لا يرحم الله ~~من لا يرحم الناس PageV01P439 # وفي الصحيح أيضا عنه إنما يرحم الله من عباده الرحماء # وفي السنن حديث ثابت عنه الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض ~~يرحمكم من في السماء # ومع هذا فقد قال تعالى في حد الزاني والزانية @QB@ ولا تأخذكم بهما رأفة ~~في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر @QE@ [ سورة النور 2 ] # وقال تعالى @QB@ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم @QE@ ~~[ سورة التوبة 73 ] # وهذا في الحقيقة من رحمة الله بعباده فإن الله إنما أرسل محمدا رحمة ~~للعالمين وهو سبحانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها لكن قد تكون الرحمة ~~المطلوبة لا تحصل إلا بنوع من ألم وشدة تلحق بعض النفوس كما ورد في الأثر ~~إذا قالوا للمريض اللهم ارحمه يقول الله كيف أرحمه من شئ به أرحمه # وكذلك كون الفعل عفوا وصف يقتضي محبة الله له فإذا عارضه PageV01P440 ما ~~هو احب إلى الله منه أو اشتمل على بغض الله له أعظم من محبته لذلك العفو ~~قدم الراجح # فكون الشئ جميلا يقتضي محبة الله له وهو سبحانه أحسن كل شئ خلقه إذ كل ~~موجود فلا بد فيه من وجه الحكمة التي ms209 خلقه الله لها ومن ذلك الوجه يكون ~~حسنا محبوبا وإن كان من وجه آخر يكون مستلزما شيئا يحبه الله ويرضاه أعظم ~~مما فيه نفسه من البغض # فهذا موجود فينا فقد يفعل الشخص الفعل كشرب الدواء الكرية الذي بغضه له ~~أعظم من حبه له وهذا لما تضمن ما هو محبته له أعظم من بغضه للدواء أراده ~~وشاءه وفعله فأراد بالإرادة الجازمة المقارنة للقدرة فعلا فيه مما يبغضه ~~أكثر مما يحبه لكونه مستلزما لدفع ما هو إليه أبغض ولحصول ما محبته له أعظم ~~من بغضه لهذا فإن بغضه للمرض ومحبته للعافية أعظم من بغضه للدواء # فالأعيان التي نبغضها كالشياطين والكافرين وكذلك الأفعال التي نبغضها من ~~الكفر والفسوق والعصيان خلقها وأراد وجودها لما تستلزمه من الحكمة التي ~~يحبها ولما في وجودها من دفع ما هو إليه أبغض فهي مرادة له وهي مبغضة له ~~مسخوطة كما بينا هذا في غير هذا الموضع # وأما الجمال الخاص فهو سبحانه جميل يحب الجمال والجمال الذي PageV01P441 ~~للخلق من العلم والإيمان والتقوى أعظم من الجمال الذي للخلق وهو الصورة ~~الظاهرة # وكذلك الجميل من اللباس الظاهر فلباس التقوى أعظم واكمل وهو يحب الجمال ~~الذي للباس التقوى أعظم مما يحب الجمال الذي للباس الرياش ويحب الجمال ~~للخلق أعظم مما يحب الجمال الذي للخلق # كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا # وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن البر والإثم فقال البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع ~~عليه الناس # وفي السنن عنه انه قال أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن PageV01P442 # وروى عنه أنه قال لأم سلمة يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة # ومن المعلوم أن أحب خلقه إليه المؤمنون فإذا كان أكملهم إيمانا أحسنهم ~~خلقا كان أعظمهم محبة له أحسنهم خلقا والخلق الدين كما قال الله تعالى @QB@ ~~وإنك لعلى خلق عظيم @QE@ [ سورة القلم 4 ] قال ابن عباس على دين ms210 عظيم وبذلك ~~فسره سفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل وغيرهما كما قد بيناه في غير هذا الموضع # وهو سبحانه يبغض الفواحش ولا يحبها ولا يأمر بها كما قال تعالى @QB@ إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء @QE@ [ سورة الأعراف 28 ] PageV01P443 # فإذا كان الجمال متضمنا لعدم ما هو أحب إليه أو لوجوده ما هو أبغض له لزم ~~من ذلك فوات ما في الجمال المحبوب فإذا كان في جمال الثياب بطر وفخر وخيلاء ~~وسرف فهو سبحانه لا يحب كل مختال فخور وقال تعالى @QB@ والذين إذا أنفقوا ~~لم يسرفوا ولم يقتروا @QE@ [ سورة الفرقان 67 ] بل هو يبغض البطر الفخور ~~المختال والمسرف وقال إن المسرفين هم أصحاب النار [ سورة غافر 43 ] فلهذا ~~قال ص لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر أزاره خيلاء و بطرا فإنه ببغضه ~~فلا ينظر إليه و إن كان فيه جمال فإن ذلك غرق في جانب ما يبغضه الله من ~~الخيلاء و البطر # و كذلك الحرير فيه من السرف و الفخر و الخيلاء ما يبغضه الله و ينافي ~~التقوى التي هي محبوب الله كما ثبت في الصحيحين عنه أنه نزع فروج الحرير و ~~قال لا ينبغي هذا للمتقين PageV01P444 # و كذلك سائر ما حرمه الله و كرهه مما فيه جمال فإن ذلك لاشتماله على ~~مكروه ألحق على ما فيه مما يبغضه الله أعظم مما فيه من محبوبه و لتفويته ما ~~هو أحب إليه منه # وكذلك الصور الجميلة من الرجال و النساء فإن أحدهم إذا كان خلقه سيئا بأن ~~يكون فاجرا أو كافرا معلنا أو منافقا كان البغض أو المقت لخلقه و دينه ~~مستعليا على ما فيه من الجمال # كما قال تعالى عن المنافقين و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم [ سورة المنافقون ~~4 ] # وقال و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا [ سورة البقرة 204 ] ~~فهؤلاء إنما أعجبه صورهم الظاهرة للبصر و أقوالهم الظاهرة للسمع لما فيه من ~~الأمر المعجب لكن لما كانت حقائق أخلاقهم التي هي أملك بهم مشتملة على ما ~~هو أبغض ms211 الأشياء و أمقتها إليه لم ينفعهم حسن الصورة و الكلام # وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينظر إلى صوركم و لا إلى ~~أموالكم و إنما ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم PageV01P445 و كذلك المرأة و ~~الصبي إذا كان فاجرا فإن ذلك يفوت حسن الخلق و التقوى التي هي أحب إلى الله ~~من ذلك و يوجب بغض الله للفاحشة و لصاحبها و لسئ الخلق و مقته و غضبه عليه ~~ما هو أعظم بكثير مما فيه من الجمال المقتضى للمحبة # وكذلك القوة و إن كانت من صفات الكمال التي يحبها الله # فإذا كانت الإعانة على الكفر والفجور الذي بغض الله له ومقته عليه ~~وتفويته لما يحبه من الإيمان والعمل الصالح أعظم بكثير من مجرد ما في القوة ~~من الامر المحبوب ترجح جانب البغض بقدر ذلك # فإذا كانت القوة في الإيمان كان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ومن المعلوم أن الله يحب ~~الحسنات وأهلها ويبغض السيئات وأهلها فهو يحب كل ما أمر به أمر إيجاب أو ~~أمر استحباب وكل ما حمده وأثنى عليه من الصفات مثل العلم والإيمان والصدق ~~والعدل والتقوى والإحسان وغير ذلك ويحب المقسطين ويحب التوابين ويحب ~~المتطهرين ويحب المحسنين والذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ~~ويبغض الكفر وأنواعه والظلم والكذب والفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد ~~أغير منه وكل ما حرمه يبغضه PageV01P446 # فإذا كان مع الجمال أو غيره مما فيه وجه محبة ما هو بغيض من الفواحش أو ~~الكذب أو الظلم أو غير ذلك كما ذكره في قوله @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل ~~به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ [ سورة الأعراف 33 ] فإن ~~ذلك يفوت ما هو أحب إلى الله من الجمال بكثير ويوجب من مقت الله وبغضه ما ~~هو أعظم بكثير مما لمجرد ms212 الجمال من الحب ويوجب النهي عما يوجب هذه السيئات ~~الكثيرة ويفوت الجمال الأفضل وهو كمال الخلق وحسنه وما في ذلك من الحسنات ~~وكان ما في ذلك من المبغضات وترك المحبوبات راجحا على الحب الذي للجمال # وعلى هذا يجري الأمر على محبة الإنسان للشئ الجميل من الصورة والنظر إليه ~~وما يدخل في ذلك من قوة الحب والزيادة فيه التي تسمى العشق فإن ذلك إذا خلا ~~عن المفسدة الراجحة مثل أن يحب الإنسان امرأته وجاريته حبا معتدلا أو يحب ~~ما لا فتنة فيه كحبه للجميل من الدواب والثياب ويحب ولده وأباه وأمه ونحو ~~ذلك من محبة الرحم كنوع من الجمال الحب المعتدل فهذا حسن PageV01P447 # أما إذا أحب النساء الاجانب أو المردان ونحو ذلك فهذا الحب متضمن للمحبة ~~الحيوانية وليس في ذلك مجرد محبة الجمال والمحبة الحيوانية مما يبغضها الله ~~ويمقتها وتوابعها منهى عنها مع ذلك سواء كان مع المحبة فعل الفاحشة الكبرى ~~أو كانت للتمتع بالنظر والسماع وغير ذلك # فالتمتع مقدمات الوطء فإن كان الوطء حلالا حلت مقدماته وإن كان الوطء ~~حراما حرمت مقدماته وإن كان في ذلك رفض للجمال كما فيه رفض للذة الوطء ~~المحرم فإن ما في ذلك مما يبغضه الله ويمقت عليه أعظم مما في مجرد الجمال ~~من الحب المتضمن وذلك متضمن لتفويت محاب الله من التقوى والعفاف والإقبال ~~على مصالح الدين والدنيا أعظم بكثير مما فيها من مجرد حب الجمال فلهذا كانت ~~هذه مذمومة منهيا عنها حتى حرم الشارع النظر في ذلك بلذة وشهوة وبغير لذة ~~وشهوة إذا خاف الناظر الفتنة والفتنة مخوفة في النظر إلى الأجنبية الحسنة ~~والأمرد الحسن في أحد قولي العلماء الذي يصححه كثير من أصحاب الشافعي وأحمد ~~وغيرهما وهذا قد يختلف بأختلاف العادات والطبائع وأما النظر للحاجة من غير ~~شهوة ولا لذة فيجوز # ولهذا لم يأمر الله ولا رسوله ولا أهل العلم والإيمان بعشق الصور الجميلة ~~PageV01P448 ولا أثنوا على ما كان كذلك وكذلك العقلاء من جميع الأمم ولكن ~~طائفة من المتفلسفة والمتصوفة تأمر بذلك ms213 وتثنى عليه لما فيه زعموا من إصلاح ~~النفس ورياضتها وتهذيب الأخلاق واكتساب الصفات المحمودة من السماحة ~~والشجاعة والعلم والفصاحة والاختيال ونحو ذلك من الأمور حتى أن طائفة من ~~فلاسفة الروم والفرس ومن اتبعهم من العرب تأمر به وكذلك طائفة من المتصوفة ~~حتى يقول أحدهم ينبغي للمريد أن يتخذ له صورة يجتمع قلبه عليها ثم ينتقل ~~منها إلى الله وربما قالوا إنهم يشهدون الله في تلك الصورة ويقولون هذه ~~مظاهر الجمال ويتأولون قوله ص إن الله جميل يحب الجمال على غير تأويله # فهؤلاء وأمثالهم ممن يدخل في ذلك يزعمون أن طريقهم موافق لطريق العقل ~~والدين والخلق وإن اندرج في ذلك من الأمور الفاحشة ما اندرج # وهؤلاء لهم نصيب من قوله تعالى @QB@ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء @QE@ [ سورة الأعراف ~~28 ] # لكن العرب الذين كانوا سبب نزول هذه الآية إنما كانت فاحشتهم التي قالوا ~~فيها ما قالوا طوافهم بالبيت عراة لاعتقادهم أن ثيابهم التي PageV01P449 ~~عصوا الله فيها لا تصلح أن يعبد الله فيها فكانوا ينزهون عبادة الله عن ~~ملامسة ثيابهم فيقعون في الفاحشة التي هي كشف عوراتهم # وأما هؤلاء فأمرهم أجل وأعظم إذ غاية ما كان أولئك يفعلون طواف الرجال ~~والنساء عراة مختلطين حتى كانت المرأة منهم تقول % اليوم يبدو بعضه أو كله ~~وما بدا منه فلا أحله % # ولم يكن ذلك الاختلاط والاجتماع إلا في عبادة ظاهرة لا يتأتى فيها فعل ~~الفاحشة الكبرى ولم يقصدوا بالتعري إلا التنزة من لباس الذنوب بزعمهم # فالذين يجتمعون من الرجال والنساء والمردان لسماع المكاء والتصدية ~~ويطفئون المصابيح حتى لا يرى أحدهم الآخر حتى اجتمعوا على غناء وزنا ومطاعم ~~خبيثة وجعلوا ذلك عبادة فهؤلاء شر من أولئك بلا ريب فأن هؤلاء فتحوا أبواب ~~جهنم # كما روى أبو هريرة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكثر ~~PageV01P450 ما يدخل الناس النار فقال الأجوفان الفم والفرج قال الترمذي ~~حسن صحيح # وكذلك روى عنه أنه قال أخوف ما ms214 أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ~~ومضلات الفتن # وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حجبت النار ~~بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره وفي رواية مسلم حفت مكان حجبت # وإذا كانت النار محجوبة ومحفوفة بالشهوات لم يدخل النار إلا بها وإذا ~~كانت الجنة محجوبة ومحفوفة بالمكاره لم يدخل الجنة إلا بها PageV01P451 # وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ~~يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة وما بين لحييه يتناول ~~الكلام والطعام # كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي شريح الخزاعي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ~~ليصمت # فبين ص أنه من ضمن له هذين ضمن له الجنة وهذا يقتضي أن من هذين يدخل ~~النار ولهذا حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن وحرم أيضا انتهاك ~~الأعراض وجعل في القذف بالفاحشة من العقوبة المقدرة وهي حد القذف ثمانين ~~جلدة # وبين ص أن الزنا من الكبائر وأن قذف المحصنات الغافلات من الكبائر وهو ~~وهو من نوع الكبائر إذ لم يأت عليه PageV01P452 القاذف بأربعة شهداء وإن ~~كان قد وقع فإنه أظهر ما يحب الله إخفاؤه # كما قال تعالى @QB@ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم ~~عذاب أليم في الدنيا والآخرة @QE@ [ سورة النور 19 ] # وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم كل أمتي معافى إلا ~~المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره ~~الله عليه فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا بات يستره ربه ويصبح يكشف ~~ستره # وقال من ابتلى من هذه القاذورة بشئ فليستتر بستر الله فإنه من يبدي لنا ~~صفحته نقم عليه كتاب الله # وفي الصحيحين عن صفوان بن محرز أن رجلا سأل ابن عمر كيف سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول في النجوى قال يدنو أحدكم من ms215 ربه حتى يضع كنفه عليه ~~فيقول عملت كذا وكذا فيقول نعم PageV01P453 ويقول عملت كذا وكذا فيقول نعم ~~فيقرره ثم يقول سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ولهذا يكثر ~~وقوع الناس في أحد هذين الذنبين # فمن الناس من يبتلى بالفاحشة وإن كان ممسكا عن الكلام ومن الناس من يبتلي ~~بالكلام والاعتداء على غيره بلسانه وإن كان عفيفا عن الفاحشة # وأيضا فإن من الكلام المنهى عنه الخوض في الدين بالبدع والضلالات مع ~~تضمنه لشهوة الطعام وما بين الفرجين يتضمن أقوى الشهوات وذلك من الاستمتاع ~~بالخلاق في الدنيا كما جمع الله تعالى بينهما بقوله فاستمعوا بخلاقهم ~~فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا [ ~~سورة التوبة 69 ] الأول يتضمن الشبهات والثاني يتضمن الشهوات الأول يتضمن ~~الدين الفاسد والثاني يتضمن الدنيا الفاجرة PageV01P454 # وكان السلف يحذرون من هذين النوعين من المبتدع في دينه والفاجر في دنياه ~~كل من هذين النوعين وإن لم يكن كفرا محضا فهذا من الذنوب والسيئات التي تقع ~~من أهل القبلة # وجنس البدع وإن كان شرا لكن الفجور شر من وجه آخر وذلك أن الفاجر المؤمن ~~لا يجعل الفجور شرا من الوجه الآخر الذي هو حرام محض لكن مقرونا بأعتقاده ~~لتحريمه وتلك حسنة في أصل الإعتقاد وأما المبتدع فلا بد ان تشتمل بدعته على ~~حق وباطل لكن يعتقد ان باطلها حق أيضا ففيه من الحسن ما ليس في الفجور ومن ~~السئ ما ليس في الفجور وكذلك بالعكس # فمن خلص من الشهوات المحرمة والشهوات المبتدعة وجبت له الجنة وهذه هي ~~الثلاثة الكلام المنهى عنه والطعام المنهى عنه والنكاح المنهى عنه فإذا ~~اقترن بهذه الكبائر استحلالها كان ذلك أمرا فكيف إذا جعلت طاعة وقربة وعقلا ~~ودينا # وهؤلاء هم الذين يستحقون عقوبة أمثالهم من الأمم كما ثبت في الصحيح أنه ~~يكون في هذه الأمة من يمسخ قردة وخنازير وكما روى أنه سيكون فيها خسف وقذف ~~ومسخ # وقال بعض السلف في قوله تعالى @QB@ وما هي من الظالمين ببعيد @QE@ ~~PageV01P455 [ سورة هود 83 ms216 ] أي من ظالمي هذه الأمة وفي ذلك من الأحاديث ما ~~يضيق هذا الموضع عن ذكره وفي عامتها يذكر استحلالهم لها # وأصل الضلال والغي من هؤلاء الذين يستحسنون عشق الصور ويحمدونه ويأمرون ~~به وإن قيدوه مع ذلك بالعفة أن المحبة هي أصل كل حركة في العالم فالنفس إذا ~~لم يكن فيها حركة ولا هي قوية الهمة والإرادة حتى تحصل لها محبة شديدة كانت ~~تلك المنهيات عنها هي أصول الشر وهي التي إذا ظهرت قامت الساعة # كما في الصحيح عن أنس أنه قال لأحدثنكم حديثا لا يحدثكمونه أحد بعدي ~~سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن ~~من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ويقل ~~الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد PageV01P456 # فمن ظهور الجهل ظهور الكلام في الدين بغير علم وهو الكلام بغير سلطان من ~~الله وسلطان الله كتابه ومن ظهور الزنا ظهور اللواط وإن كان له اسم يخصه ~~فهو شر نوعي الزنا ولكون ظهور شهوات الغي البطن والفرج هي أغلب ما يدخل ~~الناس النار كما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجاه في الصحيحين ~~عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني ~~وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو ~~مؤمن والتوبة معروضة بعد # والسرقة بالمال الذي هو أعظم مقصود الأكل ولهذا يعبر عن اخذه بالأكل ~~كقوله تعالى @QB@ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل @QE@ [ سورة البقرة 188 ~~] # وهذه الثلاثة هي التي يعقد الفقهاء فيها أبواب الحدود باب حد الزنا باب ~~حد السرقة باب حد شرب الخمر ورابعها باب حد القذف مندرجة فيما بين لحييه ~~وبين رجليه PageV01P457 وقد # روى هذا الحديث البخاري عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا ~~يشرب الخمر حين ms217 يشرب وهو مؤمن ولا يقتل وهو مؤمن قال عكرمة قلت لابن عباس ~~كيف ينزع الإيمان منه قال هكذا وشبك بين أصابعه ثم أخرجها فإن تاب عاد إليه ~~هكذا وشبك بين أصابعه # فإذا اقترن بهذه الكبائر تلك المحبة في نفس صاحبها فإنها توجب حركتها ~~وقوة إرادتها فيعطي من المال ما لم يكن يعطيه ويقدم على مخاوف لم يكن يقدم ~~عليها ويحتال ويدبر ما لم يكن يحتاله ويدبره قبل ذلك ويصير والها من التفكر ~~والنظر ما لم يكن قبل ذلك فلما رأوا ما فيه من هذه الأمور التي هي من جنس ~~المحمودات حمدوه بذلك وهذا من جنس من حمد الخمر لما فيها من الشجاعة والكرم ~~والسرور ونحو ذلك PageV01P458 # وذلك أن هؤلاء كلهم لحظوا ما فيها من جنس المحبوب وأغفلوا ما تتضمنه من ~~جنس المذموم فإن الذي يورثه العشق من نقص العقل والعلم وفساد الخلق والدين ~~والاشتغال عن مصالح الدين والدنيا أضعاف ما يتضمنه من جنس المحمود # وأصدق شاهد على ذلك ما يعرف من أحوال الأمم وسماع أخبار الناس في ذلك فهو ~~يغني عن معاينة ذلك وتجريبه ومن جرب ذلك أو عاينه اعتبر بما فيه كفاية فلم ~~يوجد قط عشق إلا وضرره أعظم من منفعته # ولهذا قال أبو القاسم القشيري في رسالته ومن أصعب الآفات في هذه الطريقة ~~صحبة الأحداث ومن ابتلاه الله بشئ من ذلك فبإجماع الشيوخ هذا عبد أهانه ~~الله وخذله بل عن نفسه شغله ولو لألف الف كرامة أهله وهب أنه بلغ رتبة ~~الشهداء لما في الخبر من التلويح بذلك أليس قد شغل ذلك القلب PageV01P459 ~~بمخلوق وأصعب من ذلك تهوين ذلك على القلب حتى يعد ذلك يسيرا وقد قال تعالى ~~@QB@ وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم @QE@ [ سورة النور 15 ] # وهذا الواسطي رحمه الله يقول إذا أراد الله هوان عبد ألقاه إلى هؤلاء ~~الأنتان والجيف # وقال سمعت أبا عبد الله الصوفي يقول سمعت محمد بن أحمد النجار يقول سمعت ~~أبا عبد الله الحصري يقول سمعت فتحا الموصلي يقول صحبت ثلاثين شيخا ms218 كانوا ~~يعدون من الابدال فكلهم أوصوني عند فراقي إياهم وقالوا لي اتق معاشرة ~~الاحداث ومخالطتهم # ومن ارتقى في هذا الباب عن حال الفسق وأشار إلى أن ذلك من بلايا الأرواح ~~وأنه لا يضر فما قالوه من وساوس القائلين PageV01P460 بالسماع وإيراد ~~حكايات عن بعض الشيوخ كان الأولى بهم إسبال الستر على هناتهم وآفاتهم فذلك ~~نظير الشرك وقرين الكفر # فليحذر المريد من مجالسة الأحداث ومخالطتهم فإن اليسير منه فتح باب ~~الخذلان وبدء حال الهجران ونعوذ بالله من قضاء السوء # وهنا أصل عظيم نافع يجب اعتباره وهو ان الأمور المذمومة في الشريعة كما ~~ذكرناه هو ما ترجح فساده على صلاحه كما أن الأمور المحمودة ما ترجح صلاحه ~~على فساده فالحسنات تغلب فيها المصالح والسيئات تغلب فيها المفاسد والحسنات ~~درجات بعضها فوق بعض والسيئات بعضها أكبر من بعض فكما أن أهل الحسنات ~~ينقسمون إلى الأبرار المقتصدين والسابقين المقربين فأهل السيئات ينقسمون ~~إلى الفجار الظالمين والكفار المكذبين وكل من هؤلاء هم درجات عند الله # ومن المعلوم أن الحسنات كلما كانت أعظم كان صاحبها أفضل فإذا انتقل الرجل ~~من حسنة إلى أحسن منها كان في مزيد التقريب وإن PageV01P461 انتقل إلى ما ~~هو دونها كان في التأخر والرجوع وكذلك السيئات كلما كانت أعظم كان صاحبها ~~أولى بالغضب واللعنة والعقاب # وقد وقال تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير اولي الضرر والمجاهدون ~~في سبيل الله بأمولهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة [ سورة النساء 95 ] # وقال @QB@ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام @QE@ إلى قوله @QB@ ~~الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند ~~الله وأولئك هم الفائزون @QE@ [ سورة التوبة 19 20 ] # وقال لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل [ سورة الحديد 10 ] # وقال يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [ سورة ~~المجادلة 11 ] # وكذلك قال في السيئات إنما النسئ زيادة في الكفر [ سورة التوبة 37 ] # وقال زدناهم عذابا فوق العذاب [ سورة النحل 88 ] # وقال وأما الذين في قلوبهم ms219 مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم [ سورة التوبة 125 ~~] # وقال في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا [ سورة البقرة 10 ] PageV01P462 ~~وقال وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا [ سورة الإسراء 82 ] # ومعلوم أن التوبة هي جماع الرجوع من السيئات إلى الحسنات ولهذا لا يحبط ~~جميع السيئات إلا التوبة والردة هي جماع الرجوع من الحسنات إلى السيئات ~~ولهذا لا يحبط جميع الحسنات إلا الردة عن الإيمان # وكذلك ما ذكرناه في تفاوت السيئات هو في الكفر والفسق والعصيان فالكفار ~~بعضهم دون بعض ولهذا يذكر الفقهاء في باب الردة والإسلام انتقال الرجل كأحد ~~الزوجين من دين إلى دين آخر انتقال إلى دين خير من دينه أو دون دينه أو مثل ~~دينه فيقولون إذا صار الكتابي مجوسيا أو مشركا فقد انتقل إلى شر من دينه ~~وإذا صار المشرك أو المجوسي كتابيا فقد انتقل إلى خير من دينه وإذا تهود ~~النصراني أو بالعكس فقد انتقل إلى نظير دينه والتمجس يقر عليه بالاتفاق ~~وأما الإشراك فلا يقر عليه إلا بعض الناس عند بعض العلماء والصابئة نوعان ~~عند المحققين وعلى قولين عند آخرين ومعرفة مراتب الأديان محتاج إليها في ~~مواضع كثيرة لمعرفة مراتب الحسنات # والفقهاء يذكرون ذلك لأجل معرفة أحكامهم وتناكحهم وذبائحهم وفي دمائهم و ~~قتالهم وإقرارهم بالجزية المضروبة عليهم ونحو ذلك من الأحكام التي جاء بها ~~الكتاب والسنة في أهل الملل والأحزاب PageV01P463 الذين قال الله فيهم ومن ~~يكفر به من الأحزاب فالنار موعده [ سورة هود 17 ] # وقد قال الله تعالى لنبيه فلذلك فآدع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم ~~وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم [ سورة الشورى 15 ] # والعدل وضع كل شئ في موضعه كما أن الظلم وضع الشئ في غير موضعه # ولهذا لما اقتتلت فارس المجوس والروم النصارى وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمكة إذ ذاك وهو في طائفة قليلة ممن آمن به كان هو وأصحابه يحبون أن ~~تغلب الروم لأنهم أهل كتاب وكان المشركون يحبون ms220 أن تغلب فارس لأنهم من ~~جنسهم ليسوا أهل كتاب فأنزل الله في ذلك آلم غلبت الروم في أدنى الأرض [ ~~سورة الروم 12 ] والقصة مشهورة في كتب الحديث والتفسير والمغازي # وإذا كان كذلك فقد يكون الرجل على طريقة من الشر عظيمة فينتقل إلى ما هو ~~أقل منها شرا وأقرب إلى الخير فيكون حمد تلك الطريقة ومدحها لكونها طريقة ~~الخير الممدوحة مثال ذلك أن الظلم كله حرام مذموم فأعلاه الشرك فإن الشرك ~~لظلم عظيم والله لا يغفر أن يشرك به وأوسطه ظلم العباد بالبغي والعدوان ~~وأدناه ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله فإذا كان الرجل مشركا كافرا ~~فأسلم باطنا وظاهرا بحيث PageV01P464 صار مؤمنا وهو مع إسلامه يظلم الناس ~~ويظلم نفسه فهو خير من أن يبقى على كفره ولو كان تاركا لذلك الظلم # واما إذا أسلم فقط وهو منافق في الباطن فهذا في الآخرة في الدرك الأسفل ~~من النار وأما في الدنيا فقد يكون أضر على المسلمين منه لو بقى على كفره ~~وقد لا يكون كذلك فإن إضرار المنافقين بالمؤمنين يختلف بآختلاف الأحوال # لكن إذا أسلم نفاقا فقد يرجى له حسن الإسلام فيصير مؤمنا كمن أسلم تحت ~~السيف وكذلك من أسلم لرغبة أو لرهبة أو نحو ذلك فالإسلام والإيمان أصل كل ~~خير وجماعة # وكذلك من كان ظالما للناس في نفوسهم واموالهم وأعراضهم فانتقل عن ذلك إلى ~~ما يظلم به نفسه خاصة من خمر وزنا فهذا أخف لأثمة وأقل لعذابه # وهكذا النحل التي فيها بدعة قد يكون الرجل رافضيا فيصير زيديا فلذلك خير ~~له وقد يكون جهميا غير قدري أو قدريا غير جهمي أو يكون من الجهمية الكبار ~~فيتجهم في بعض الصفات دون بعض ونحو ذلك # فهؤلاء المتفسلفة ونحوهم ممن مدح العشق والغناء ونحو ذلك وجعلوه مما ~~يستعينون به على رياضة أنفسهم وتهذيبها وصلاحها PageV01P465 من هذا الباب ~~فإن هؤلاء في طريقهم من الشرك والضلال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال فإن ~~المتفلسفة قد يعبدون الأوثان والشمس والقمر ونحو ذلك فإذا صار أحدهم يروض ms221 ~~نفسه بالعشق لعبادة الله وحده أو رياضة مطلقة لا يعبد فيها غير الله كان ~~ذلك خيرا له من أن يعبد غير الله # وكذلك الاتحادية الذين يجعلون الله هو الوجود المطلق أو يقولون إنه يحل ~~في الصور الجميلة متى تاب الرجل منهم من هذا وصار يسكن نفسه بعشق بعض الصور ~~وهو لا يعبد إلا الله وحده كانت هذه الحال خيرا من تلك الحال # فهذه الذنوب مع صحة التوحيد خير من فساد التوحيد مع عدم هذه الذنوب ولهذا ~~نجد الناس يفضلون من كان من الملوك ونحوهم إنما يظلم نفسه بشرب الخمر ~~والزنا أو الفواحش ويتجنب ظلم الرعية ويتحرى العدل فيهم على من كان يتجنب ~~الفواحش والخمر والزنا وينتصب لظلم الناس في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم # وهؤلاء الظالمون قد يجعلون الظلم دينا يتقربون به بجهلهم كما أن أولئك ~~الظالمين لأنفسهم قد يجعلون ذلك بجهلهم دينا يتقربون به فالشيطان قد زين ~~لكثير من هؤلاء وهؤلاء سوء عملهم فرأوه حسنا # لكن كثير من الناس يجمعون بين هذا وهذا فإن من عقوبة السيئة PageV01P466 ~~السيئة بعدها ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها والحسنات والسيئات قد تتلازم ~~ويدعو بعضها إلى بعض كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى ~~الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم ~~والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ولا يزال العبد ~~يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا # فالصدق مفتاح كل خير كما ان الكذب مفتاح كل شر ولهذا يقولون عن بعض ~~المشايخ إنه قال لبعض من استتابه من أصحابه أنا لا أوصيك إلا بالصدق ~~فتأملوا فوجدوا الصدق يدعوه إلى كل خير # ولهذا فرق الله سبحانه بين أهل السعادة وأهل الشقاوة بذلك فقال فمن أظلم ~~ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين والذي ~~جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ms222 ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء ~~المحسنين ليكفر الله PageV01P467 عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن ~~الذي كانوا يعملون [ سورة الزمر 32 35 ] # وترتيب الكبائر ثابت في الكتاب والسنة كما في الصحيحين عن عبد الله بن ~~مسعود قال قلت يا رسول أي الذنب أعظم قال أن تجعل الله ندا وهو خلقك قلت ثم ~~أي قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت ثم أي قال أن تزاني بحليلة جارك ~~وتصديق ذلك في كتاب الله والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله بالحق ولا يزنون [ الفرقان 68 ] # ولهذا قال الفقهاء أكبر الكبائر الكفر ثم قتل النفس بغير حق ثم الزنا لكن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لابن مسعود من جنس أعلى فأعلى الكفر هو أن ~~تجعل الله ندا بخلاف الكتابي الذي ليس بمشرك فإنه دون ذلك وأعظم القتل ولدك ~~وأعظم الزنا الزنا بحليلة الجار PageV01P468 وهذا كما ذكرنا أن الظلم ثلاث ~~مراتب الشرك ثم الظلم للخلق ثم ظلم النفس فالقتل من ظلم الخلق فإذا كان ~~قتلا للولد الذي هو بعضه منك كان فيه الظلمان والزنا هو من ظلم النفس لكن ~~إذا كان بحليلة الجار صار فيه الظلمان أيضا لكن المغلب في القتل ظلم الغير ~~والظلم في الزنا ظلم النفس # ولهذا كان القود حقا للآدمي إن شاء استوفاه وإن شاء عفا عنه وكان حد ~~الزنا حدا لله ليس لآدمي فيه حق معين لكن قد يقترن ببعض انواع الزنا ويقتضي ~~أمورا تضر الناس يكون بها أعظم من قتل لا يضر به إلا المقتول فقط # وأيضا فقتل النفس يدخل فيه من التأويل ما ليس يدخل في الزنا فإن حلاله ~~بين من حرامه بخلاف القتل فإن فيه ما يظهر تحريمه وفيه ما يظهر وجوبه أو ~~استحبابه أو حله وفيه ما يشتبه ولهذا جعل الله فيه شيئا ولم يجعل ذلك في ~~الزنا بقوله ولا يقتلون النفس الآية [ سورة الفرقان 68 ] PageV01P469 # في الغيرة وانواعها وما فيها من محمود ومذموم # في ms223 الصحيحين عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما ~~أحد اغير من الله من اجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما أحد احب ~~اليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه # وفي رواية لمسلم وليس أحد احب اليه العذر من الله من اجل ذلك انزل الكتاب ~~وارسل الرسل جمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين وصفة سبحانه ~~بأكمل المحبة للممادح واكمل البغض للمحارم # وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة قال قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلا مع ~~امرأتي لأضربنه بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال تعجبون من غيرة سعد PageV02P003 والله لأنا اغير منه والله اغير منى ~~ومن اجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها # وما بطن ولا أحد احب اليه العذر من الله من اجل ذلك بعث المنذرين ~~والمبشرين ولا أحد احب اليه المدحة من الله من اجل ذلك وعد الله الجنة # وقال البخاري وقال عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك لا شخص اغير من الله ~~وترجم البخاري على ذلك باب # وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان الله ~~يغار وغيره الله ان يأتي المؤمن ما حرم عليه # وفي الصحيح عن اسماء انها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا شيء ~~اغير من الله # وفي الصحيحين عن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يا PageV02P004 ~~امة محمد ما أحد اغير من اله ان يزني عبده أو تزني امته # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان من الغيرة ما يحبها ~~الله ومن الغيرة ما يكرهها فالغيرة التي يحبها الله الغيرة في الريبة ~~والغيرة التي يكرهها الله الغيرة في غير ريبة وان من الخيلاء ما يحبها الله ~~ومن الخيلاء ما يبغضها الله فالخيلاء التي يحبها اختيال الرجل نفسه عند ~~الحرب وعند الصدقة والخيلاء التي يبغضها الله اختيال الرجل في ms224 البغي والفخر # وقد ثبت في الصحاح ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر دخلت الجنة ~~فرأيت امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن هذا فقالوا لعمر بن الخطاب فأردت ~~ان ادخله فذكرت غيرتك فقال PageV02P005 عمر بن الخطاب يا رسول الله بأبي ~~وامي أو عليك اغار # وكذلك في الصحيحين حديث اسماء لما كانت تنقل النوى للزبير قالت فلقيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الانصار فدعاني ثم قال إخ إخ ~~ليحملني خلفه فاستحييت ان اسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته وكان اغير ~~الناس فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم اني قد استحييت فمضى فجئت الزبير ~~فقلت لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى ومعه نفر من ~~اصحابه فأناخ لأركب فاستحييت منه وذكرت غيرتك فقال والله لحملك النوى كان ~~اشد على من ركوبك معه قالت حتى ارسل إلى أبي أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني ~~سياسة الفرس فكأنما اعتقني # فقد اخبر النبي صلى الله عليه وسلم لا أحد اغير من الله وقال غيرة الله ~~ان يأتي المؤمن ما حرم عليه وهذا يعم جميع المحرمات PageV02P006 وقال ومن ~~اجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن فهذا تخصيص لغيرته من ~~الفواحش وكذلك في حديث عائشة لا أحد اغير من الله ان يزني عبده أو تزني ~~امته فهذه الغيرة من الفواحش # وكذلك عامة ما يطلق من الغيرة انما هو من جنس الفواحش وبين النبي صلى ~~الله عليه وسلم انه اغير من غيره من المؤمنين وان المؤمن يغار والله يحب ~~الغيرة وذلك في الريبة ومن لا يغار فهو ديوث وقد جاء في الحديث لا يدخل ~~الجنة ديوث # فالغيرة المحبوبة هي ما وافقت غيرة الله تعالى وهذه الغيرة هي ان تنتهك ~~محارم الله وهي ان تؤتى الفواحش الباطنة والظاهرة لكن غيرة العبد الخاصة هي ~~من ان يشركه الغير في اهله فغيرته من فاحشة اهله ليست كغيرته من زنا الغير ~~لأن هذا يتعلق به وذاك لا يتعلق به ms225 الا من جهة بغضه لمبغضة الله # ولهذا كانت الغيرة الواجبة عليه هي في غيرته على اهله واعظم ذلك امرأته ~~ثم اقاربه ومن هو تحت طاعته ولهذا كان له اذا زنت ان يلاعنها لما عليه في ~~ذلك من الضرر بخلاف ما اذا زنا غير امرأته ولهذا PageV02P007 يحد قاذف ~~الامرأة التي لم يكمل عقلها ودينها اذا كان زوجها محصنا في أحد القولين وهو ~~احدى الروايتين عن أحمد # فالغيرة الواجبة ما يتضمنه النهي عن المخزي والغيرة المستحبة ما اوجبت ~~المستحب من الصيانة واما الغيرة في غير ريبة وهي الغيرة في مباح لا ريبة ~~فيه فهي مما لا يحبه الله بل ينهى عنه اذا كان فيه ترك ما امر الله ولهذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا اماء الله مساجد الله وبيوتهن خير ~~لهن # واما غيرة النساء بعضهن من بعض فتلك ليس مأمورا بها لكنها من امور الطباع ~~كالحزن على المصائب وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال كلوا ~~غارت امكم لما كسرت القصعة وقالت عائشة أو لا يغار مثلى على مثلك وقالت ما ~~غرت على امرأة ما غرت على خديجة PageV02P008 # وعن فاطمة انها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ان الناس يقولون انك لا ~~تغار لبناتك لما اراد على ان يتزوج بنت أبي جهل وخطب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وذكر صهرا له من أبي العاص وقال حدثني فصدقني ووعدني فوفاني وقال ان ~~بني العاص استأذنوني في ان يزوجوا بنتهم عليا واني لا آذن ثم لا آذن الا ان ~~يريد ابن أبي طالب ان يطلق ابنتي ويتزوج ابنتهم والله لا تجتمع بنت رسول ~~الله وبنت عدو الله عند رجل ابدا # فهذه الغيرة التي جاءت بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرة الله ~~أن يأتي العبد ما حرم عليه وغيرته ان يزني عبده أو تزني امته وغيرة المؤمن ~~ان يفعل ذلك عموما وخصوصا في حقه والغيرة التي يحبها الله الغيرة في ريبة ~~والغيرة التي يبغضها الله الغيرة ms226 التي في غير ربية وهنا انقسم بنو آدم ~~اربعة اقسام # قوم لا يغارون على حرمات الله بحال ولا على حرمها مثل الديوث والقواد ~~وغير ذلك ومثل اهل الاباحة الذين لا يحرمون ما PageV02P009 حرم الله ورسوله ~~ولا يدينون دين الحق ومنهم من يجعل ذلك سوكا وطريقا واذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا والله امرنا بها قل ان الله لا يأمر بالفحشاء سورة ~~الاعراف 28 # وقوم يغارون على ما حرمه الله وعلى ما امر به مما هو من نوع الحب والكره ~~يجعلون ذلك غيرة فيكره احدهم من غيره امورا يحبها الله ورسوله ومنهم من جعل ~~ذلك طريقا ودينا ويجعلون الحسد والصد عن سبيل الله وبغض ما احبه الله ~~ورسوله غيرة # وقوم يغارون على ما امر الله به دون ما حرمه فنراهم في الفواحش لا ~~يبغضونها ولا يكرهونها بل يبغضون الصلوات والعبادات كما قال تعالى فيهم ~~فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا سورة مريم ~~59 # وقوم يغارون مما يكرهه الله ويحبون ما يحبه الله هؤلا هم اهل الايمان # | فصل ومن اسباب ذلك ما وقع من الاشراك في لفظ الغيرة في كلام المشايخ # اهل الطريق فإنهم تكلموا فيها بمعاني بعضها موافق لعرف الشارع وبعضها ليس ~~كذلك وبضعهم حمد منها ما حمده الشارع وبعضهم حمد منها ما لم يحمده الشارع ~~بل ذمه PageV02P010 # وقد تقدم ان الغيرة التي وصف الله بها نفسه اما خاصة وهو ان يأتي المؤمن ~~ما حرم عليه واما عامة وهي غيرته من الفواحش ما ظهر منها وما بطن # واما الغيرة في اصطلاح طائفة من اهل الطريق فقال أبو القاسم القشيري ~~الغيرة كراهة مشاركة الغير واذا وصف الحق بالغيرة فمعناه انه لا يرضى ~~بمشاركة الغير معه فيما هو حق له تعالى من طاعة عبده له # فقوله الغيرة كراهة مشاركة الغير اشار بلفظ الغير إلى اشتقاق لفظ الغيرة ~~وهذا اقرب فإن الغيرة اما من تغير الغائر واما من مزاحمه الغير # لكن قوله كراهة مشاركة الغير هو اصطلاح خاص ms227 ليس بمطابق لاصطلاح الشارع بل ~~هو اعم منه من وجه واخص منه من وجه # اما كونه اعم فإنه يدخل فيه مشاركة الغير المباحة كالمشاركة في الاموال ~~والعبادات والطاعات وهذه ليست غيرة مأمورا بها بل بعضها محرم وهو حسد ويدخل ~~فيها المشاركة في البضع والغيرة على ذلك غيرة مشروعة PageV02P011 # وأما كونه اخص فانه يخرج منه الغيرة التي لا يشاركه فيها مثل غيرة المؤمن ~~ان يزني اقاربه أو غيرته ان تنتهك محارم الله فإن الله يغار من ذلك والمؤمن ~~موافق لربه فيحب ما احب ويكره ما كره ولهذا وصف غيرة الله بما يوافق ~~اصطلاحة فقال غيرة الله انه لا يرضى بمشاركة الغير معه فيما هو حق له من ~~طاعة عبده وهذه الغيرة اعم مما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من وجه وابعد ~~عن مقصود الغيرة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم من غيرة الحق سبحانه ~~فقد فسر غيرته ان يأتي المؤمن ما حرم عليه وبأن يزني عبده أو تزني امته ~~وقال من اجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن فجعل الغبرة مطلقة ~~متعلقة بفعل المحرمات وجعل عظمها وسلطانها في اتيان الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن # ومن جعلها لنفي المشاركة في حقه كان دخول الشرك في الله في باب الغيرة ~~عنده اولى من دخول الفواحش وكان استعمال لفظ الغيرة في الشرك اولى من ~~استعمال لفظ الغيرة في الزنا # وايضا اذا جعلناها لنفي المشاركة فيما هو حق له من طاعة عبده فقد يدخل في ~~ذلك ما يفعله العبد من المباحات على غير وجه التقرب فان هذا لم يفعله لله ~~ومع هذا فليس من غيرة الله التي وصف الرسول بها ربه # وايضا فالمشاركة فيما هو حق له فد لا يدخل فيه فعل الفواحش PageV02P012 ~~والمحرمات اذا لم يقصد العبد بها طاعة غيره وان كان مطيعا فيها للشيطان ~~وانما يدخل فيه ما فعله من الطاعات لله ولغيره برا ونحوه ومع هذا فقد يقال ~~بل كل ما كان من ترك واجب أو فعل ms228 محرم ففيه مشاركة الغير معه ما يستحقه من ~~طاعة عبده # وعلى هذا فيدخل كل ذنب فيما يغار الله منه سواء كان ترك واجب ما أو فعل ~~محرم # وهذا المعنى حسن موافق للشريعة فإن الله يبغض ذلك ويمقته فيكون لفظ ~~الغيرة مرادافا للفظ البغض والمقت والسخط لكن هو اعم مما يظهر في عرف ~~الشارع حيث جعل غيرته ان يأتي المؤمن ما حرم عليه وجعل غيرته ان يزني عبده ~~أو تزني امته ومن غيرته ان حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن # وهذه الغيرة اخص من مطلق البغض الا ان يقال ترك للشريعة واما تسميته غيرة ~~فهو امر اصطلاحي والنزاع فيه لفظي ثم انه ذكر عن بعض المشايخ مذهبين في ~~الغيرة احدهما يتضمن الغيرة مما لا يغار الله منه بل يحبه والثاني يتضمن ~~ترك الغيرة مما يغار الله منه ويحب الغيرة منه ويأمر ذلك PageV02P013 # وكلاهما مذهب مذموم متضمن اما لترك مأمور يحبه الله أو لفعل مكروه يكرهه ~~الله # وذكر من كلامه وكلام المشايخ ما هو حسن مقبول فاشتمل كلامه في الغيرة على ~~الاقسام الثلاثة فالاول من الغيرة كراهة توبة العاصين وعبادة المقصرين كما ~~ذكر عن الشبلى انه سئل متى يستريح قال اذا لم ار له ذاكرا # وقال حكى ان الشبلي مات ابن له كان اسمه أبو الحسن فحزنت امه عليه وقطعت ~~شعرها ودخل الشبلي الحمام وتنور بلحيته فكل من اتاه معزيا له قال ايش هذا ~~يا أبا بكر فكان يقول موافقة لأهلي فقال له بعضهم اخبرني يا أبا بكر لم ~~فعلت هذا قال علمت انهم يعزونني على الغفلة ويقولون آجرك الله تعالى ففديت ~~ذكرهم لله تعالى PageV02P014 على الغفلة بلحيتي قال واذن الشبلي مرة فلما ~~انتهى إلى الشهادتين قال لولا انك امرتني ما ذكرت معك غيرك قال وسمع النورى ~~رجلا يؤذن فقال طعنة وسم الموت وسمع كلبا ينبح فقال لبيك وسعديك فقيل له ان ~~هذا ترك للدين فإنه يقول للمؤذن في تشهده طعنة وسم الموت ويلبي عند نباح ~~الكلاب فسئل عن ذلك فقال ms229 اما المؤذن فانه يذكره على رأس الغفلة واما الكلب ~~فإن الله يقول وان من شيء الا يسبح بحمده سورة الاسراء 44 # ومثل هذا الكلمات والحكايات لا تصلح ان تذكر للاقتداء أو سلوك سبيل ~~وطريقة لما فيها من مخالفة امر الله ورسوله والذي يصدر عنه امثال هذه ~~الامور ان كان معذورا بقصور في اجتهاده او PageV02P015 غيبة في عقله فليس ~~من اتبعه بمعذور مع وضوح الحق والسبيل وان كانت سيئتة مغفورة لما اقترن بها ~~من حسن قصد وعمل صالح فيجب بيان المحمود والمذموم لئلا يكون لبسا للحق ~~بالباطل # وابو الحسين النوري وابو بكر الشبلي رحمة الله عليهما كانا معروفين ~~بتغيير العقل في بعض الاوقات حتى ذهب الشبلي إلى المارستان مرتين والنوري ~~رحمه الله كان فيه وله وقد مات بأجمة قصب لما غلبه الوجد حتى ازال عقله ومن ~~هذه حاله لا يصلح ان يتبع في حال لا يوافق امر الله ورسوله وان كان صاحبها ~~معذورا أو مغفورا له وان كان له من الايمان والصلاح والصدق والمقامات ~~المحمودة ما هو من اعظم الامور فليس هو في ذلك بأعظم من السابقين الاولين ~~من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان فانهم يتبعون في طاعة ولا ~~يذكرون الا بالجميل الحسن وما صدر منهم من ذنب أو تأويل وليس هو مما امر ~~الله به ورسوله لا يتبعون فيه فهذا اصل يحب اتباعه # فحلق اللحيه منهى عنه ومثلة كرهها الله ورسوله والمعزي أو المؤذن وان لم ~~يكن معه كمال الحضور فلا يجوز سبه وذمه على ما PageV02P016 اظهره من ذكر ~~الله بل يؤمر بما يكمل ذلك من حقائق القلوب المحمودة وان كان ذاكرا لله ~~بلسانه فأعظم المراتب ذكر الله بالقلب واللسان ثم ذكر الله بالقلب ثم ذكر ~~الله باللسان # وقد روي ان الملائكة حضرت محتضرا لم تجد له حسنة الا ان لسانه يتحرك بذكر ~~الله فكان ذلك مما رحمه الله به # وقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم اوصني فان شرائع الاسلام قد كثرت ~~على فقال لا يزال لسانك رطبا ms230 بذكر الله # وقال الله تعالى انا مع عبدي ما ذكرني والذكر يكون بلسان الانسان ولكن ~~يكون لقلبه من ذلك نصيب اذ الاعضاء لا تتحرك الا بارادة القلب لكن قد تكون ~~الغفلة غالبة عليه وذلك الكلام خير من العدم والله يحبه ويأمر به ~~PageV02P017 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم وسلم اذا سمع المؤذن لا يغزو الا اغار ~~وكثير من المؤذنين لا يكون كامل الحضور بل المنافقون الذين يظهرون الايمان ~~بألسنتهم دون قلوبهم يقرون على ذلك في الظاهر بأمر الله ورسوله فكيف ~~بالمؤمن # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال اذا ~~سمعتم نهاق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فانها رأت شيطانا واذا سمعتم ~~صياح الديكة فسلوا الله من فضله فإنها رأت ملكا # وفي سنن أبي داود عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا ~~سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتوذوا بالله منهن فإنهن يرين ما لا ~~ترون # وثبت في الصحيحين عنه من حديث أبي هريرة انه قال اذا اذن المؤذن ادبر ~~الشيطان وله ضراط لا يسمع التأذين فإذا قصى PageV02P018 التأذين اقبل فاذا ~~ثوب بالصلاة ادبر فإذا قضى التثويب اقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه فيقول ~~اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل لم يدر كم صلى # فإذا كان التأذين يطرد الشيطان ونباح الكلاب يكون عن رؤية الشياطين كيف ~~يصلح ان يقال لهذا طعنة وسم الموت لأجل تقصير هذا بغفلة في قلبه ولهذا لبيك ~~وسعديك لكون الكلب يسبح بحمده فإن هذه حجة فاسدة # اما ذلك الغافل فإن اجره ينقص بغفلته كما روى أبو داود في السنن عن عمار ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له ~~منها الا نصفها الا ثلثها الا ربعها الا خمسها الا سدسها حتى قال الا عشرها # فلا ريب ان الاجر ينقص بالغفلة لكن استحقاق العقوبة نوع آخر واذا استحق ~~العقوبة لم يجز ان تكون عقوبته مقابلة ms231 لما اظهره من الحسنة PageV02P019 ~~واما نباح الكلب ان كان تسبيحا فصوت المؤذن اولى ان يكون تسبيحا فبكل حال ~~لا يكون نباح الكلاب الذي يقترن به الشيطان ادنى من ذلك من صوت المؤذن الذي ~~هو سبب لهروب الشياطين فإن ذلك ان كان لدلالته على الربوبية فصوت المؤذن ~~اكمل وان كان لعبادته بما يستحقه الرب من الالهية فصوت المؤذن اعظم عبادة ~~لله من نباح الكلب # فتسبيح كل شيء بحمده يدخل فيه المؤذن بكل حال اعظم مما يدخل فيه الكلب ~~فكيف يدخل الكلب النابح ويخرج المؤذن لنوع من الغفلة فهذا والكلب محرم ~~اقتناؤه الا لضرورة من صيد أو حرث أو ماشية ومن اقتنى كلبا بغير هذه ~~الثلاثة نقص كل يوم من عمله قيراط وتلبية الكلب في نباحه امر منكر لا وجه ~~له اصلا فلا يتبع أحد في ذلك وان كان معذورا أو مغفورا له مشكورا على حسنات ~~غير هذا # وكذلك الحكاية عن الشبلي انه لما انتهى إلى الشهادتين قال لولا انك ~~امرتني ما ذكرت معك غيرك فان ذكر هذا في باب الغيرة منكر من القول وزور لا ~~يصلح الا ان نبين ان هذا من الغيرة التي يبغض الله صاحبها بل الغيرة من ~~الشهادة لرسله بالرسالة من الكفر وشعبه وهل يكون موحدا شاهدا لله بالالهية ~~الا من شهد لرسله بالرسالة وقد بينا في غير موضع من القواعد وغيرها ان كل ~~من لم يشهد برسالة المرسلين فإنه لا يكون الا مشركا يجعل مع الله الها اخر ~~وان التوحيد والنبوة متلازمان وكل من ذكر الله عنه في كتابه انه مشرك فهو ~~مكذب PageV02P020 للرسل ومن اخبر عنه انه مكذب للرسل فانه مشرك ولا تتم ~~الشهادة لله بالالهية الا بالشهادة لعبده بالرسالة # كما جاء مرفوعا في قوله تعالى ورفعنا لك ذكرك سورة الانشراح 4 قال لا ~~اذكر الا ذكرت معي ولا تتم لامتك خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا انك عبدي ورسولي # وكذلك الحكاية التي سمعتها من بعض الفقراء عن أبي الحسن الخزفاني انه قال ~~لا اله الا الله ms232 من داخل القلب محمد رسول PageV02P021 الله من القرط # قال أبو القاسم ومن ينظر إلى ظاهر هذا اللفظ يتوهم انه استصغر الشرع ولا ~~كما يخطر بالبال اذ الاخطار للأغيار بالإظافة إلى قدر الحق متصاغرة في ~~التحقيق # وهذه الحكاية ايضا من اقبح الكلام وافحشه وذكر هذا في باب الغيرة من انكر ~~المنكر فإن هذا الكلام لا يقال انه استصغار للشرع بل هو من اكبر شعب النفاق ~~واعظم اركان الكفر وصاحبه ان لم يغفر الله له لحسن قصده في تعظيم الرب كما ~~غفر للذي قال اذا انا مت فاحرقوني واسحقوني وذروني في اليم فغفر له شكه في ~~قدرته على اعادته لخشيتة منه ولم يتب من مثل هذا الكلام والا كان هذا ~~الكلام موجبا لعظيم عقابه # وذلك ان الايمان بالرسل عليهم السلام ليس من باب ذكر PageV02P022 الاغيار ~~بل لا يتم التوحيد لله والشهادة له بالوحدانية والايمان به الا بالايمان ~~بالرسالة فمن جعل الايمان بملائكة الله وكتبه ورسله مغايرا للإيمان به وجعل ~~الاعراض عنه من باب الغيرة المعظمة عند المشايخ فقد ضل سعيه وهو يحسب انه ~~يحسن صنعا ومن لم تكن الشهادة بالرسالة داخله في ضمن قلبه بالشهادة ~~بالألوهية فليس بمؤمن # وفي مثل هذا جاء الحديث المتفق عليه في الصحيحين عن اسماء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم انه قال انه اوحى الي انكم تفتنون في قبوركم مثل وقريبا من ~~فتنة الدجال يؤتى الرجل في قبره فيقال له ما علمك بهذا الرجل الذي بعث فيكم ~~فأما المؤمن أو الموقن فيقول هذا هو محمد عبد الله ورسوله جاء بالبينات ~~والهدى فآمنا به واتبعناه واما المنافق أو المرتاب فيقول آه آه لا ادري ~~سمعت الناس يقولون شيئا فقلته PageV02P023 ثم انك تجد هؤلاء الذين يغلون ~~بزعمهم في التوحيد حتى يعرضون عن الكتاب والسنة ويستخفون بحرمتهما ويعظم ~~احدهم شيخه ومتبوعه اكثر مما يعظم الرسول صلى الله عليه وسلم وتحدهم يشركون ~~بالله في استغاثتهم بغيره وخوفهم ورجائهم لغيره ومحبتهم لغيره فتجد فيهم من ~~انواع الشرك الجلى والخفي التي نهى الله ms233 عنها ورسوله ما الله به عليم ومع ~~هذا فيعرضون عما هو من تمام التوحيد زعما انهم يحققون التوحيد # واما اعتذار أبي القاسم عنه بأن الاخطار للاغيار بالإظافة إلى قدر الحق ~~متصاغرة فعذر باطل وذلك ان الشاهد للرسول بالرسالة لم يجعله ندا لله ولا ~~شريكا له ولا ظهيرا حتى يفاضل بينهما # هذا الكلام يليق بمن يقول ان الله ثالث ثلاثة أو يجعل الله شريكا وولدا ~~أو بمن يستغيث بمخلوق ويتوكل عليه أو يعمل له أو يشتغل به عن الله فيقال له ~~فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا سورة مريم 65 ويقال له فاعبد الله ~~مخلصا له الدين الا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه اولياء ما ~~نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى ان الله يحكم بينهم يوم القيامة فيا هم ~~فيه PageV02P024 يختلفون سورة الزم 2 3 وقوله تعالى أم اتخذوا من دون الله ~~شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جيمعا ~~سورة الزمر 4443 إلى امثال ذلك مما في كتاب الله من الآيات التي فيها تجريد ~~التوحيد وتحقيقه وقطع ملاحظة الاغيار في العبادة والاستغاثة والدعاء ~~والمسألة والتوكل والرجاء والخشية والتقوى والانابة ونحو ذلك مما هو من ~~خصائص حق الربوبية التي لا تصلح لملك مقرب ولا نبي مرسل # فأما الايمان بالكتاب والرسول فهذا من تمام الايمان بالله وتوحيده لا يتم ~~الا به وذكر الله بدون هذا غير نافع اصلا بل هو سعى ضال وعمل باطل لم ~~يتنازع المسلمون في ان الرجل لو قال اشهد ان لا اله الا الله ولم يقر بان ~~محمدا رسول الله انه لم يكن مؤمنا ولا مسلما ولا يستحق الا العذاب ولو شهد ~~ان محمدا رسول الله لكان مؤمنا مسلما عند كثير من العلماء وبعضهم يفرق بين ~~من كان معترفا بالتوحيد كاليهود ومن لم يكن معترفا به وبعضهم لا يجعله ~~مسلما الا بالنطق بالشهادتين وهي ثلاثة اقوال معروفة في مذهب أحمد وغيره # وهذا معنى ما يروي في بعض الآثار يا ms234 محمد تذكر ولا اذكر فأرضى واذكر ولا ~~تذكر فاقبض يعني ذكره بالرسالة ومن ذكره PageV02P025 بالرسالة فقد تضمن ذلك ~~ذكر الله واما من ذكر الله ولم يذكره بالرسالة فإنه لا يكون مؤمنا وحيث جاء ~~في الاحاديث يخرج من النار من قال لا اله الا الله واسعد الناس بشفاعتي يوم ~~القيامة من قال لا اله الا الله مخلصا من قلبه ونحو ذلك فلأن ذلك مستلزم ~~الايمان بالرسالة كما بيناه في غير هذا الموضع وانه لا تصح هذه الكلمة الا ~~من المقرين بالرسالة وبما وقع فيه هؤلاء وامثالهم من ضعف الايمان بالكتاب ~~والرسول وبعض انواع الضلالة والجهالة حتى في الشرك الذي زعموا انهم فروا ~~منه فنسأل الله مقلب القلوب ان يثبت قلوبنا على دينه # وكذلك قول الشبلي لما سئل متى تستريح فقال اذا لم ار له ذاكرا وذكر هذا ~~في الغيرة التي هي من طريق اولياء الله وعباده الصالحين من اعظم المنكرات ~~ومن القول الذي يبغضه الله ورسوله واولياؤه من الاولين والآخرين ايغار ~~المؤمن ان يذكر الله أو يغار PageV02P026 ان تنتهك محارم الله وليس لهذا ~~القول وجه يحمد به واما قائله فلعله كان مسلوب العقل حين قال ذلك فقد كان ~~كثيرا ما يزول عقله فان قصد به ان احدا لا يذكره كما يستحقه فالذي يستحقه ~~هو العبادة التي هي حقه على عباده وهو لا يكلفهم اكثر من طاقتهم وهذا هو ~~الذي يؤمرون به ويقبله الله منهم # وان قصد انهم يقصرون في الواجب فبعض الواجب خير من تركه كله وإن كان هذا ~~لضيق في نفسه وحرج في فؤاده فهذا من الغيرة التى يبغضها الله ورسوله وهو شر ~~من حسد ومما يشبه هذا ما ذكره له مرة بعد اصحابنا الفقراء وفيه خير ودين ~~ومعرفة انه كان يصلي بالليل فقام آخر يصلي قال فأخذتني الغيرة فقلت له هذا ~~حسد وضيق عطن وظلم ليس بغيره انما لغيره اذا انتهكت محارم الله والله تعالى ~~واسع عليم يسع عباده الاولين والأخرين وهو يحب ذلك ويأمر به ويدعو اليه ~~فكيف ms235 يبغض المؤمن ما يحبه # وهذا القدر واقع كثير من ارباب الاحوال حتى يقتل بعضهم PageV02P027 بعضا ~~ويعتدى بعضهم على بعض يؤذى بعضهم بعضا ويقولون هذا غيرة على الحق وانما هو ~~تعدي لحدوده وظلم لعباده وصد عن سبيله وتمثيل فيه للحق تعالى بالمرأة أو ~~الامرد الذي يتغاير عليهم الفساق لضيق المحل غير الاشراك واصل ذلك من طلب ~~الفساد والعلو في الأرض وطلب الانفراد بالتأله لا لأجل الله لكن لاجل ~~الاستعلاء في الأرض فهو من الكبر والحسد من جنس ذنب ابليس وفرعون واخي ابن ~~ادم لا من اعمال عوام الخلق فضلا عن مؤمنيهم فضلا عن اولياء الله المتقين # ولهذا نجد امثال هؤلاء من اقل الناس غيرة اذا انتهكت محارم الله ويكون ~~المؤمنون منهم في تعب والمشركون منهم في راحة ضد ما نعت الله به المؤمنين ~~حيث قال اشداء على الكفار رحماء بينهم سورة الفتح 29 وقال اذلة على ~~المؤمنين اعزة على الكافرين سورة المائدة 54 فشأنهم من جنس الخوارج الذين ~~قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم يقتلون اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان ~~PageV02P028 واما المذهب الثاني فإنه قال ومن الناس من قال ان الغيرة من ~~صفات اهل البدائة وان الموحد لا يشهد الغيرة ولا يتصف بالاختيار وليس له ~~فيما يجري في المملكة تحكم بل الحق سبحانه اولى بالاشياء فيما يقضى على ما ~~يقضى # وقال سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول سمعت أبا عثمان ~~المغربي يقول الغيرة من عمل المريدين فأما اهل الحقائق فلا # قال سمعته يقول سمعت أبا نصر الاصبهاني يقول سمعت الشبلي يقول الغيرة ~~غيرتان فغيرة البشرية على النفوس وغيرة الالهية على القلوب # قلت اما نفي الغيرة مطلقا وجعلها من عمل المريدين فهذا يضاهي قول من يشهد ~~توحيد الربوبية وان الله خالق كل شيء وربه PageV02P029 ومليكة لا يشهد ~~توحيد الالهية وما يستحقه الرب من عبادته وطاعته وطاعة رسله فلا يفرق بين ~~المؤمن والكافر والاعمى والبصير والظلمات والنور واهل الجنة واهل النار # وهذا من جنس قول المشركين الذين قالوا @QB@ لو ms236 شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء @QE@ سورة الانعام 148 فإن المشركين استدلوا ~~بالقدر على نفي الامر والنهي والمحبوب والمكروه والطاعة والمعصية ومن سلك ~~هذا المسلك فهو في نوع من الكفر البين # وقول القائل ان الموحد لا يتصف بالاختيار كلام مجمل فإن اراد به انه لا ~~يختار بنفسه ولنفسه فقد احسن وان اراد به انه لا يختار ما اختاره الله وامر ~~به واحبه ورضيه وامره هو ان يختاره ويريده ويحبه فهذا كفر وإلحاد بل المؤمن ~~عليه ان يريد ويختار ويحب ويرضى ويطلب ويجتهد فيما امر الله به واحبه ورضيه ~~واراده واختاره دينا وشرعا # وكذلك قوله ليس له فيما يجري في المملكة تحكم ان اراد به انه لا يعارض ~~الله في امره ونهيه فهذا حسن وحق فإن عليه ان يرضى بما امر الله به ويسلم ~~لله ومن ذلك التسليم لرسوله # كما قال تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ سورة النساء 65 ~~PageV02P030 وقال تعالى @QB@ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم @QE@ سورة الاحزاب 36 # وقال تعالى @QB@ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط ~~أعمالهم @QE@ سورة محمد 47 # وقال تعالى ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما انزل اله سنطيعكم في بعض ~~الامر والله يعلم اسرارهم سورة محمد 26 # وقال تعالى واذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول ايكم زادته هذه ايمانا فأما ~~الذين امنوا فزادتهم ايمانا وهم يستبشرون * واما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهو كافرون سورة التوبة 125 124 وامثال هذا ~~كثير # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ~~ضاد الله في امره رواه أبو داود وغيره # وقوله الموحد لا يشهد الغيرة ولا يتصف بالاختيار فالتوحيد الذي بعث الله ~~به رسله وانزل به كتبه هو ان يعبد الله وحده لا شريك له ms237 فهو توحيد الالوهية ~~وهو مستلزم لتوحيد الربوبية وهو ان يعبد الحق رب كل شيء فأما مجرد توحيد ~~الربوبية وهو شهود ربوبية الحق لكل شيء فهذا التوحيد كان في المشركين كما ~~قال تعالى @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ سورة يوسف 106 ~~PageV02P031 # وكذلك ان اراد اعترافه بأنه لا حول ولا قوة الا بالله وشهوده لفقره ~~وعبوديته وفقر سائر الكائنات وان الله هو رب كل شيء وعالم بكل شيء ومليكه ~~لا يخلق ولا يرزق الا هو ولا يعطى ولا يمنع الا هو لا مانع لما اعطى ولا ~~مطعي لما منع @QB@ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا ~~مرسل له من بعده @QE@ سورة فاطر 2 @QB@ قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل ~~حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون @QE@ سورة الزمر 38 @QB@ وإن يمسسك الله ~~بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من ~~عباده وهو الغفور الرحيم @QE@ سورة يونس 107 @QB@ يا أيها الناس أنتم ~~الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد @QE@ سورة فاطر 15 # فإن اراد هذه المشهد فهذا ايضا من الايمان والدين فالاول الاقرار بالامر ~~والنهي واتباع ذلك هو عبادته وهذا الاقرار بالقضاء والقدر وشهود الافتقار ~~إلى الله هو استعانته PageV02P032 ولهذا قال في الصلاة @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ سورة الفاتحة 5 قال الله فهذه الآية بيني وبين عبدي ~~ولعبدي ما سأل وعلى # وعلى هذا يخرج قول أبي يزيد اريد الا اريد أي اريد الا اريد بنفسي ولنفسي ~~بل لا أريد الا ما امرتني انت بإرادته واما عدم الإرادة مطلقا فمحال طبعا ~~وطلبه محرم شرعا والمقر بذلك فاسد العقل والدين # والمريد لجميع الحوادث المأمور بها والمنهى عنها كافر بدين الله وما جاءت ~~به رسله واما المريد لما امر ان يريده ويعمله والكاره لما نهى عنه فهذا هو ~~المؤمن الموحد فإن اراد بقوله الموحد لا ms238 يشهد الغيرة ولا يتصف بالاختيار ~~انه لا يختار شيئا اصلا لا مما امر به ولا مما نهى عنه فهذا مع بطلانه في ~~الواقع وفساده في العقل فهو من اعظم المروق من دين الله اذ عليه ان يريد كل ~~ما يحبه الله تعالى ويرضاه له ويحبه له ويستعين الله على هذه الارادة ~~والعمل بها فإنه لا حول ولا قوة الا به # كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على ~~دينك PageV02P033 # واصل صلاح القلب صلاح ارادته ونيته فإن لم يصلح ذلك لم يصلح القلب والقلب ~~هو المضغة التي اذا صلحت صلح لها سائر الجسد واذا فسدت فسد لها سائر الجسد # وكذلك قوله ليس له فيما يجري في المملكة تحكم ان اراد به انه لا يغار اذا ~~انتهكت محارم الله ولا يغضب الله ولا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا ~~يجاهد في سبيل الله فهذا فاسق مارق بل كافر وان اظهر الاسلام فهو منافق وان ~~كان له نصيب من الزهد والعبادة ما كان فيه # ومعلوم ان المؤمن لا يخلو من ذلك بالكلية ومن خلا من ذلك بالكلية فهو ~~منافق محض وكافر صريح اذا المؤمن لا بد ان يكون الله ورسوله احب اليه مما ~~سواهما ولا بد ان يتبرأ من الاشراك بالله واعداء الله كما قال تعالى لقد ~~كان لكم اسوة حسنة في إبراهيم والذين معه اذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ~~ومما تعبدون نم دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ~~ابدا حتى تؤمنوا بالله وحده سورة الممتحنة 4 PageV02P034 وقال عن إبراهيم ~~عليه السلام @QB@ أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو ~~لي إلا رب العالمين @QE@ سورة الشعراء 77 # وقال تعالى واذ قال إبراهيم لابيه وقومه انني براء مما تعبدون * الا الذي ~~فطرني فإنه سيهدين سورة الزخرف 2627 # وقال تعالى @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب ms239 ~~في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ سورة المجادلة 22 # وقال تعالى ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم انفسهم ~~ان سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي ~~وما انزل اليه ما اتخذوهم اولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون سورة المائدة 80 ~~81 # وقال @QB@ لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم والكفار أولياء @QE@ سورة المائدة 57 # وقال @QB@ لا تتولوا قوما غضب الله عليهم @QE@ سورة الممتحنة 13 وهذا ~~كثير جدا # وايضا فالقائل لذلك لا يثبت عليه بل لا بد ان يكره امورا كثيرة مضرة ~~وكثيرا ما يعتدى في انكارها حتى يخرج عن العدل فهذا خروج PageV02P035 عن ~~العقل والدين وعن الانسانية بالكلية اذا اخذ على عمومه واما ان قبل ذلك في ~~بعض الامور بحيث يترك الكراهة احيانا لما كرهه الله والغيرة احيانا اذا ~~انتهكت محارم اله فهذا ناقص الايمان بحسب ذلك # بل قد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من ~~رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ~~وذلك اضعف الايمان فإن لم يكن في القلب انكار ما يكرهه ويبغضه لم يكن فيه ~~ايمان # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من مات ولم يغز ولم يحدث ~~نفسه بالغزو مات على شعبة نفاق وتحقيق ذلك في قوله تعالى @QB@ قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا @QE@ الاية سورة التوبة 24 # وقد ذكر الله في سورة براءة وغيره من صفة المنافقين ما فيه غبرة لهؤلاء ~~ووصف المؤمنين والمؤمنات بقوله والمؤمنون والمؤمنات PageV02P036 @QB@ بعضهم ~~أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله @QE@ سورة التوبة 71 # وكذلك قوله بل الحق اولى بالاشياء فيما يقضى على ما يقضى فيه تقصير في ~~خلق الرب وامره ms240 فإن قوله اولى قد يفهم منه ان له شريكا بل لا خالق الا الله ~~ولا رب غيره قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا تملكون مثقال ذرة في ~~السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده الا لمن اذن له الاية سورة سبأ 22 23 # واما الامر فانه سبحانه امر العباد ونهاهم فعلى العبد ان يفعل ما امره به ~~من الغيرة وغيرها فإذا كان قد امره بأن يغار لمحارمه اذا انتهكت وان ينكر ~~المنكر بما يقدر عليه من يده ولسانه وقلبه فلم يفعل فإنما هو فاسق عن امر ~~ربه لا تارك لمشاركته اذ سبيل له إلى الشركة بحال وهو سبحانه لا اله الا هو ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير # فالاحتجاج بكونه اولى من العبد بخلقه على ترك ما امر به من محبوبة ومرضية ~~وطاعته وعبادته في الامر بالمعروف والنهي PageV02P037 عن المنكر فيه امران ~~قبيحان توهم نوع مشاركة من العبد له اذا اطاعه وعبده واسقاط ما امر به ~~واحبه من الغيرة # وهذا الكلام كأن قائله لم يغالب المقادير بنفسه لنفسه مثل الملوك ~~المتغالبين والامم المتعادين من أهل الجاهلية الذين ليس فيهم من هو مطيع ~~لله ورسوله بجهاده بل كلاهما متبع هواه خارج عن طاعة مولاه اذا اعرض المؤمن ~~عنهم ولم يعاون واحدا منهما لا بباطنه ولا بظاهرة اذا كانا في معصية الله ~~سواء فهو محسن في ذلك واما اذا كان الامر عبادة لربه وهو مستعين به فيه ~~فكيف يكون الاعراض عن هذا الامر طريقة عباد الله الصالحين واولياء الله ~~المتقين وهل الاعراض عن هذا الا من طريقة الجاهلين الظالمين الفاسقين عن ~~امر رب العالمين # واما قول الشيخ أبي عثمان الغيرة من عمل المريدين فأما هل الحقائق فلا ~~فلم يرد والله اعلم بذلك الغيرة على محارم الله وهي الغيرة الشرعية فإن قدر ~~الشيخ ابى عثمان اجل من أن PageV02P038 يجعل الغيرة التي وصف الله ms241 بها نفسه ~~وكان رسوله فيها اكمل من غيره وهي مما اوجبه الله واحبه من عمل المريدين ~~دون اهل الحقائق وانما يعني الغيرة الاصطلاحية التي يسميها هؤلاء المتأخرون ~~غيرة كا قدمناه مثل الغيرة المتضمنة للمنافسة والحسد مثل ان يغار احدهم اذا ~~رأى احدا سبقه إلى الحق أو نال منه نصيبا وافرا ونحو ذلك فإن هذا كثير جدا ~~في السالكين فقال الشيخ ان هذه الغيرة تعرض للمريدين حيث لم يشهدوا الحقائق ~~وان الله هو المعطي المانع فأما اهل الحقائق الذين يشهدون ان الله هو ~~المعطى المانع وانه لا رب غيره فإنهم لا يغارون على ما وهبه الله عباده من ~~هباته المستحبة أو المباحة ولا يعتبون على الحوادث كما يفعله من يفعله من ~~الناس في سبهم الدهر # كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا تسبوا الدهر ~~فإن الله هو الدهر بيده الامر يقلب الليل والنهار # وقال يقول الله تعالى يؤذيني ابن ادم يسب الدهر وانا الدهر بيدي الامر ~~اقلب الليل والنهار PageV02P039 # فهذا الذي فسر به الشيخ أبو عثمان هو فرقان # وكذلك ما ذكره الشبلي انه قال الغيرة غيرتان فغيرة البشرية على النفوس ~~وغيرة الالهية على القلوب قال الشبلي غيرة الالهية على الانفاس ان تضيع ~~فيما سوى الله اذا فسر بأن البشر يغارون على الحظوظ مما هو من جنس المنافسة ~~والمحاسدة وليس هذا بمحمود # واما الغيرة الالهية على القلوب على ما يفوتها من محاب الحق ومراضيه فهذا ~~كلام حسن من احسن كلام الشبلي رحمة الله عليه فإن كان هذا يغار على نفسه ~~فلا كلام وان كان يغار من حال غيره ففيه شبه ما من قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا حسد الا في اثنتين رجل اتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ورحل ~~اتاه الله مالا وسلطه على هلكته في الحق فإنه اخبر انه لا ينبغي لأحد الا ~~يغبط احدا الا على هذا # وكذلك ما ذكره أبو القاسم القشيري بعد ذلك حيث قال والواجب ان يقال ~~الغيرة ms242 غيرتان غيرة الحق على العبد وهو ان PageV02P040 لا يجعله للخلق فيضن ~~به عليهم وغيرة العبد للحق وهو ان لا يجعل شيئا من احواله وانفاسه لغير ~~الحق فلا يقال انا اغار على الله ولكن يقال انا اغار لله فإن الغيرة على ~~الله جهل وربما تؤدي إلى ترك الدين والغيره لله توجب تعظيم حقوقه وتصفية ~~الاعمال له # فهذا كلام جيد لكنه بالاصطلاح الحادث ليس هو بالاصطلاح القديم فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد بين ان غيرة الله ان يأتي المؤمن ما حرم عليه وهذا ~~يشترك فيه السابقون والمقتصدون وهم اولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ثم السابقون يجعل اعمالهم كلها لله فإنهم الذين لا يزالون يتقربون ~~إلى الله بالنوافل حتى يحبهم ومن احب الله وابغض لله واعطى لله ومنع لله ~~فقد استكمل الايمان فإذا صانهم عن العمل لغيره فصارت اعمالهم كلها لله ~~تركوا المحارم واتوا بالواجبات والمستحبات # وقد شبه تنزيههم عن فضول المباح وعن فعل المكروهات PageV02P041 وترك ~~المستحبات غيرة من الحق عليهم فهذا امر اصطلاحى لكن المعنى صحيح موافق ~~الكتاب والسنة # واما قوله غيرة العبد للحق ان لا يجعل شيئا من احواله وانفاسه لغير الحق ~~فهذا غيرة على نفسه ان يكون شيء من عمله لغير الله # وهذا ايضا حال هؤلاء السابقين الاتين بالفرائض والنوافل المجتنبين ~~للمحارم والمكاره قال الله تعالى @QB@ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات @QE@ سورة فاطر 32 # ولا ريب انه يدخل في هذا غيرته اذا انتهكت محارم الله فانه اذا لم يغر ~~لله حينئذ مع امر الله له بالغيرة لم يكن عمله الذي اشتغل به عن هذا الحق ~~لله وكان للشيطان # وكذلك قوله لا يقال اغار على الله ولكن يقال انا اغار لله كلام حسن جيد ~~كما قال الغيرة على الله جهل وهي كما قدمناه حسد وكبر يسمونه غيره فيحب ~~احدهم ان لا يشركه غيره في PageV02P042 التقرب إلى الله وابتغاء الوسيلة ~~اليه ويريدون ان يسموا ذلك باسم حسن لئلا يذموا عليه ويسمونه غيرة لان ms243 من ~~عادة البشر اذا احب احدهم انسانا محبة طبيعية سواء كانت محبتة محرمة كمحبة ~~الأمور والمرأة الأجنبية أو غير محرمة كمحبة أم أنه ببشر يته يغار من ان ~~يشاركه في ذلك أحد فجعلوا محبتهم لله بمنزلة هذه المحبة وهذا من اعظم الجهل ~~والظلم بل محبة الله من شأنها ان يحب العبد ان جميع المخلوقات يشركونه في ~~ذلك # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفس بيده لا يؤمن احدكم حتى يحب ~~لاخيه من الخير ما يحبه لنفسه # ومثل هذه الغيرة المذمومة ما ذكره طائفة من السلف قالوا لا تقبل شهادة ~~القراء أو قالوا الفقهاء بعضهم على بعض لأن PageV02P043 بينهم حسد كحسد ~~النفوس على زريبة الغنم ويقال فلان وفلان يتصاولان على الرياسة تصاول ~~الفحلين فلا ريب ان فحول البهائم تتغاير وتتحاسد وتتصاول على اناثها يطلب ~~كل منها من الاخر ان لا يزاحمه كما يتغاير الفحول الادميون على مناكحهم ~~وهذا فيما امر الله به محرم # كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا ~~تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا وكذلك شبه تغاير الضراير # لكن هنا قد يعترض امر فيه شبهة وهو ان يكون من المعارف والاحوال ما يقال ~~فيه انه لا يصلح لبعض الناس فيغار احدهم ان تكون تلك الامور كذلك المنقوص ~~الذي يصنع مثل ذلك PageV02P044 ويصفون الله بالغيرة ان يجعل هذا كهذا فهذا ~~قد يكون حقا وان لم يسم في الشرع غيرة فان الله سبحانه يكره ويبغض ان يكون ~~مع العبد ما يستعين به على معصية الله دون طاعته وان يكون ما جعله للمؤمنين ~~مع الكفار والمنافقين وكذلك المؤمنون ينبغي ان يكرهوا ذلك فكل ما نهى الله ~~عنه وامر المؤمنين بالمنع منه وازالته فهو يكرهه # وهذا كقوله تعالى @QB@ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ~~@QE@ سورة الاعراف 146 قال طائفة من السلف امنع قلوبهم عن فهم القرآن # هذا ما ذكره عن السري انه قرئ بين يديه @QB@ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك ~~وبين الذين لا ms244 يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا @QE@ سورة الاسراء 45 فقال ~~السري لاصحابه اتدرون ما هذا الحجاب هذا حجاب الغيرة ولا أحد اغير من الله ~~تعالى PageV02P045 فهذا يشبه قوله @QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة @QE@ سورة الانعام 110 وقوله @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم @QE@ سورة الصف 5 فإن الله عاقب المعرض عن اتباع ما بعث به رسله ~~بالحجاب الذي في قلوبهم فسمى السري هذا حجاب الغيرة لأنه تعالى يكره ويبغض ~~ان يكون هؤلاء الذين كفروا وفسقوا عن امره يعطون ما يعطاه المؤمن من الفهم ~~لسبب هذه الغيرة التي وصف الرسول بها ربه فان غيرته ان يأتي العبد ما حرم ~~عليه ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وهي غيرة على ما هو من افعال العبد ~~التي نهى عنها واما هذه الغيرة فهي غيرة على ما هو من فعل الرب # والنبي صلى الله عليه وسلم لم يصف الله بانه يغار على ما يقدر عليه من ~~الافعال ولكن لما رأى السري ان الشيء المحبوب النفس تغار عليه ان يكون في ~~غير محله سمى ذلك حجاب الغيرة والله يحب لعباده ان يفعلوه من جهة كونهم ~~PageV02P046 مأمورين به لكنه سبحانه لا يفعله بهم ولا يحب من يفعله بهم فلا ~~بد من التفريق بين مواقع الامر والنهي ومواقع القضاء والقدر وان كانت ~~الافعال الواقعة من العباد يشترك فيها الامر والنهي واما احوال القلب ~~وانفاسه فإن الاحوال تحولات القلب والنفس والهوى الذي يحمل الصوت واحوال ~~القلب فهما الطف ما في الايمان # قال أبو القاسم ربط الحق بأقدامهم الخذلان واختار لهم البعد واخرجهم عن ~~محل القرب ولذلك يؤخروا وفي معناه انشدوا # % انا اصب لن هويت ولكن % ما احتيالي لسوء رأى الموالى % PageV02P047 ~~وقال وفي معناه قالوا سقيم لا يعاد ومريد لا يراد سمعت الاستاذ أبا علي ~~يقول سمعت العباس المروزي يقول كان لي بداية حسنة فكنت اعرف كم بقي بيني ~~وبين الوصول إلى مقصودي من الظفر بمرادي فرأيت ليلة من الليالي في المنام ~~كأنني اتدهده من حالق جبل فأردت ms245 الوصول إلى ذروته قال فحزنت واخذني النوم ~~فرأيت قائلا يقول يا عباس الحق لم يرد منك ان تصل إلى ما كنت طلبت ولكنه ~~فتح على لسانك الحكمة قال فأصبحت وقد الهمت كلمات الحكمة # وقال سمعت الاستاذ أبا علي يقول كان شيخ من الشيوخ له حال ووقت مع الله ~~فخفى مدة لم ير بين الفقراء ثم ظهر بعد ذلك لا على ما كان عليه من الوقت ~~فسئل عنه PageV02P048 فقال واه وقع الحجاب # قال وكان الاستاذ أبو علي اذا وقع شيء في خلال المجلس يشوش قلوب الحاضرين ~~يقول هذا من غيرة الحق يريد ان لا يجرس ما يجري من صفاء هذا الوقت وانشدوا ~~في معناه % همت بإتياننا حتى اذا نظرت % إلى المراة نهاها وجهها الحسن % % ~~ما كان هذا جزائي من محاسنها % عذبت بالهجر حتى شفني الحزن % # قلت ذكر هذه الامور في باب الغيرة مضر ومع ان الحق يغار ان يعطي بعض ~~الناس ما يعطيه لأوليائه المتقين من السابقين والمقربين فقد سموا منع الحق ~~غيرة كما تقدم لكن هذا اللفظ يشعر بأن الحق منع ذلك العبد العطاء العظيم ~~عنده وكون العبد ليس اهلا له كما يغار على الكريمة ان تتزوج بغير الكفء ~~PageV02P049 # وهذا المعنى صحيح كما قال تعالى واذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى ~~مثل ما اوتي الله الله اعلم حيث يجعل رسالته سورة الانعام 124 # وكما قال تعالى @QB@ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من ~~الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ~~أليس الله بأعلم بالشاكرين @QE@ سورة الانعام 52 53 # وهذا المعنى اذا ذكر العبد وظلمه واقامة الحجة عليه أو بيان حكمة الرب ~~وعدله كان حسنا فإن الله سبحانه وتعالى يقول @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم @QE@ سورة الشورى 30 وهو لا يمنع من ذلك ما يستحقه العبد اصلا ~~ولا يمنع الثواب الا اذا منع سببه وهو ms246 العمل الصالح فأما مع وجود السبب وهو ~~العمل الصالح فإنه من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ~~سورة طه 112 # وهو سبحانه المعطي المانع لا مانع لما اعطى ولا معطي لما منع لكن من على ~~الانسان بالايمان والعمل الصالح ثم لم يمنعه PageV02P050 موجب ذلك اصلا بل ~~يعطيه من الثواب والقرب مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ~~وحيث منعه ذلك فلا يبقى سببه وهو العمل الصالح # ولا ريب انه يهدي من يشاء ويضل من يشاء لكن ذلك كله حكمة منه وعدل فمنعه ~~للأسباب التي هي الاعمال الصالحة من حكمته وعدله واما المسببات بعد وجود ~~اسبابها فلا يمنعها بحال الا اذا لم تكن اسبابا صالحة اما لفساد في العمل ~~واما السبب يعارض موجبه ومقتضاه فيكون لعدم المقتضى أو لوجود المانع واذا ~~كان منعه وعقوبته من عدم الايمان والعمل الصالح ابتداء حكمة منه وعدل فله ~~الحمد في الحالين وهو المحمود على كل حال كل عطاء منه فضل وكل عقوبة منه ~~عدل # وهذا الموضع يغلط فيه كثير من الناس في تمثلهم بالاشعار وفي مواجيدهم ~~فإنهم يتمثلون بما يكون بين المحب والمحبوب والسيد والعبد من العباد من صدق ~~المحب والعبد في حبه واستفراغه وسعه وبحب المحبوب والسيد واعراضه وصده ~~كالبيت الذي PageV02P051 % انشده حيث قال % انا صب بمن هويت ولكن % ما ~~احتيالي لسوء راى الموالي % وفي معناه قالوا سقيم لا يعاد ومريد لا يراد # وهذا التمثيل يشعر بأن العبد صادق الارادة تام السعي وانما الاعراض من ~~المولى وهذا غلط بل كفر فإن الله يقول من تقرب الي شبرا تقربت منه ذراعا ~~ومن تقرب إلى ذراعا تقربت اليه باعا ومن اتاني يمشي اتيته هروله وقد اخبر ~~انه من جاء بالحسنة فله عشر امثالها وانه يضاعفها سبعمائة ضعف ويضاعفها ~~اضعافا كثيرة واخبر انه من هم بحسنة كتبت له حسنة كاملة فإن عملها كتبت له ~~عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى اضعاف كثيرة ومن هم بسيئة لم تكتب عليه فإن ms247 ~~تركها لله كتبت له حسنة كاملة وان عملها لم تكتب عليه الا سيئة واحدة # وقال سبحانه @QB@ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم @QE@ سورة محمد ~~17 PageV02P052 # وقال @QB@ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما @QE@ ~~سورة طه 112 # وقال @QB@ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه @QE@ سورة الشورى 20 ~~إلى امثال ذلك # فكيف يظن أو يقال ان العبد يتقرب اليه كما يتقرب العبد والمحب الصادق إلى ~~محبوبة وسيده وهو مع ذلك لا يقربه اليه ولا يتقرب منه بل يصده ويمنعه كما ~~يفعل ذلك المخلوق اما لبخله واما لتضرره واما لغير ذلك # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح انه قال لله اشد فرحا ~~بتوبة عبده من احدكم يرى راحلته اذا وجدها عليها طعامه وشرابه لن يكون ~~بتوبة التائب اعظم فرحا من الواجد لطعامه وشرابه ومركبه بعد الخوف المفضى ~~إلى الهلاك كيف يتمثل له بالتجنى والصد والاعراض وسوء رأى الموالي وبحق ~~الله مما يفعله السادة بعبيدهم والمحبوب مع محبه وكيف يتمثل له بقولهم سقيم ~~لا يعاد ومريد لا يراد وهل في الصادقين مع الله سقيم لا يعاد وهل اراد الله ~~أحد بصدق فلم يرده الله PageV02P053 وقد ثبت في صحيح مسلم ان الله يقول ~~عبدي مرضت فلم تعدني قال رب كيف اعودك وانت رب العالمين فيقول ان عبدي ~~فلانا مرض فلم تعده اما انك لوعدته لوجدتني عنده # والله قد اخبر انه من كان يريد حرث الاخرة نزد له في حرثه وقال ومن اراد ~~الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأؤلئك كان سعيهم مشكورا سورة الاسراء 19 # وفي الجملة فهذا الباب تكذيب بما وعده الله عباده الصالحين ونسبة الله ~~إلى ما نزه نفسه عنه من ظلم العباد بإضاعة اعمالهم الصالحة بغير ذنب لهم ~~ولا عدوان وتمثيل لله بالسيد البخيل الظالم ونحوه واقامة لعذر النفس ونسبة ~~لها إلى اقامة الواجب ففيه من الكبر والدعوى ما فيه # والحق الذي لا ريب فيه ان ذلك جميعه لا يكون الا ms248 لتفريط العبد وعدوانه ~~بأن لا يكون العمل الذي عمله صالحا أو يكون له من السيئات ما يؤخر العبد ~~وإنما العبد ظالم جاهل يعتقد انه قد PageV02P054 اتى بما يستوجب كمال ~~التقريب ولعل الذي اتى به انما يستوجب به اللعنة والغضب بمنزلة من معه نقد ~~مغشوش جاء ليشتري متاعا رفيعا فلم يبيعوه فظن انهم ظلموه وهو الظالم وهو في ~~ذلك شبيه بأحد ابني ادم اذ قربا قربانا فتقبل من احدهما ولم يتقبل من الاخر ~~قال لأقتلنك قال انما يتقبل الله من المتقين سورة المائدة 27 # وعلى هذا الاصل تخرج حكاية عباس وامثالها فإنه لم يعين مطلوبه ومراده وما ~~العمل الذي عمله فقد طلب امرا ولم يأت بعمله الذي يصلح له واما كون الحق لم ~~يرد منه ان يصل إلى مطلوبه فقد يكون لعدم استئهاله وقد يكون لتضرره لو حصل ~~له وكم ممن يتشوق إلى الدرجات العالية التي لا يقدر ان يقوم بحقوقها فيكون ~~وصوله اليها وبالا في حقه # وهذا في امر الدنيا كما قال تعالى @QB@ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من ~~فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم ~~معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه @QE@ سورة التوبة 75 77 ~~PageV02P055 # وغالب من يتعرض للمحن والابتلاء ليرتفع بها ينخفص بها لعدم ثباته في ~~المحن بخلاف من ابتلاه الحق ابتداء كما قال تعالى @QB@ ولقد كنتم تمنون ~~الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون @QE@ سورة آل عمران 143 # وقال يا ايها الذين امنوا لم تقولون مالا تفلعون * كبر مقتا عند الله ان ~~تقولوا مالا تفعلون سورة الصف 3 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم يا عبد الرحمن لا تسأل الامارة فانك ان ~~اعطيتها عن مسألة وكلت اليها وان اعطيتها عن غير مسألة اعنت عليها وقال اذا ~~سمعتم بالطاعون ببلد فلا تقدموا عليه واذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا ~~فرارا منها # قال أبو القاسم واعلموا ان من سنة الحق مع اوليائه PageV02P056 انهم اذا ~~ساكنوا غيرا أو ms249 لاحظوا شيئا أو ضاجعوا بقلبوهم شيئا شوش عليهم ذلك فيغار ~~على قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه فارغة عما ساكنوه # وقال سمعت السلمى يقول سمعت أبا زيد المروزي الفقيه يقول سمعت إبراهيم بن ~~سنان سمعت محمد بن حسان يقول بينما انا ادور في جبل لبنان اذ خرج علينا رجل ~~شاب قد احرقته السموم والرياح فلما نظر إلى ولى هاربا فتبعته وقلت له تعظنى ~~بكلمة فقال احذروه فإنه غيور لا يحب ان يرى في قلب عبده سواه PageV02P057 ~~وقال سمعت السلمى يقول سمعت النصراباذي يقول الحق غيور ومن غيرته انه لم ~~يجعل اليه طريقا سواه # قلت هذه الغيرة تدخل في الغيرة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم اذ ~~قال غيرة الله ان يأتي المؤمن ما حرم عليه واعظم الذنوب ان تجعل لله ندا ~~وهو خلقك وتجعل معه الها اخر والشرك منه جليل ومنه دقيق فالمقتصدون قاموا ~~بواجب التوحيد والسابقون المقربون قاموا بمستحبه مع واجبه ولا شيء احب إلى ~~الله من التوحيد ولا شيء ابغض اليه من الشرك ولهذا كان الشرك غير مغفور بل ~~هو اعظم الظلم # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تفيئها ~~الرياح تارة تميلها وتعدلها اخرى ومثل المنافق كمثل شجرة الارز لا تزال ~~ثابته على اصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة PageV02P058 # فالله تعالى يبتلى عبده المؤمن ليطهره من الذنوب والمعايب ومن رحمته ~~بعبده المخلص ان يصرف عنه ما يغار عليه منه كما قال تعالى @QB@ كذلك لنصرف ~~عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين @QE@ سورة يوسف 24 وكما قال ~~@QB@ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون @QE@ سورة النحل ~~99 فاذا صرف عنه ما يغار عليه منه كان ذلك من رحمته به واصطفائه اياه وان ~~كان في ذلك مشقة عليه فهو تارة يمنعه مما يكرهه له وتارة ليطهره منه ~~بالابتلاء فاذا كان يغار من ذلك فاذا فعل العبد ما يغار عليه فقد يعاقبه ~~على ذلك بقدر ذنبه # كما قال أبو القاسم وحكى ms250 عن السري انه قال كنت اطلب رجلا صديقا مرة من ~~الاوقات فمررت في بعض الجبال فإذا انا بجماعة زمنى ومرضى وعميان فسألت عن ~~حالهم فقالوا ها هنا رجل يخرج في السنة مرة فيدعو لهم فيجدون PageV02P059 ~~الشفاء فصبرت حتى خرج ودعا لهم فوجدوا الشفاء فقفوت اثره وتعلقت به وقلت له ~~بي علة باطنة فما دواؤها فقال يا سري خل عني فإنه غيور لا يراك تساكن غيره ~~فتسقط من عينه # وهذا من قوله تعالى @QB@ لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ~~@QE@ سورة الاسراء 22 # وقوله @QB@ فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين @QE@ سورة ~~الشعراء 213 # وقوله @QB@ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به ~~الريح في مكان سحيق @QE@ سورة الحج 31 # وقوله ولقد اوحى اليك والى الذين من قبلك لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن ~~من الخاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشاكرين سورة الزمر 65 66 # وقوله @QB@ ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ~~ما كانوا يعملون @QE@ سورة الانعام 88 # وقوله @QB@ فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين @QE@ يوسف 42 ~~PageV02P060 # واما مقام الرجل وامثاله في ذلك الزمان بجبل لبنان فان جبل لبنان ونحوه ~~كان ثغرا للمسلمين لكونه بساحل البحر مجاورا للنصارى بمنزلة عسقلان ~~والاسكندرية وغيرهما من الثغور وكان صالحو المسلمين يقيمون بالثغور للرباط ~~في سبيل الله وما ورد من الاثار في فضل هذه البقاع فلفضل الرباط في سبيل ~~الله واما بعد غلبة النصارى عليها والقرامطة والروافض فلم يبق فيها فضل ~~وليس به في تلك الاوقات أحد من الصالحين ولا يشرع في ديننا سكنى البوادي ~~والجبال الا عند الفرار من الفتن اذ كان المقيم بالمصر يلجأ اليها عند ~~الفتنة في دينه فيهاجر إلى حيث لا يفتن فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ~~وقد بسطنا هذا في غير الموضع # قلت فقد ظهر انهم يعنون بغيرة الحق نحو ما وصف به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ان ms251 من غيرته على عبده ان يأتي محارمه فيدخلون في ذلك ما لا يحبه من ~~فضول المباح وقد يعنون بها غيرته على مواجده وعطاياه التي لأوليائه ان ~~يضعها في غير محلها فجعلوا الغيرة تارة في امره ونهيه وتارة في قضائه وقدره ~~PageV02P061 # واما الغيرة من اهل الطريق فقد يعني بها المعنى الشرعي وهو ان يغار ~~المؤمن ان تنتهك محارم الله ويدخلون في ذلك اباء المقربين من غيرتهم ان ~~يكون الشيء من امورهم لغير الله وذلك قد يعني بها ان يغار الانسان على محاب ~~الحق ومرضاته ان تكون في غير محلها وهذا قريب # وقد يعني بها ان يغار الانسان ان يشاركه غيره في طريق الحق ومواهبه ويكون ~~هذا حسدا واستكبارا وشبها بغيرة الضرائر على الرجل أو غيره الفحول على ~~الانثى # وقد يعني بها ان يغار على الحق ان يذكره أحد أو ان يعرفه أحد أو ان ينظر ~~اليه أحد كما يغار الانسان على محبوبه العزيز عنده # كما تقدم عن الشبلي وكما حكاه عن بعضهم قال قيل لبعضهم اتريد ان تراه ~~فقال لا قيل ولم قال انزه وذلك الجمال عن نظر مثلى PageV02P062 قال وفي ~~المعنى انشدوا % اني لأحسد ناظري عليكا % حتى اغض اذا نظرت اليكا % % واراك ~~تخطر في شمائلك التي % هي فتنتي فأغار منك عليكا % # وكما ذكر في باب المحبة فقال سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت ~~منصور بن عبد الله يقول سمعت الشبلي يقول المحبة ان تغار على المحبوب ان ~~يحبه مثلك # وهذا ايضا وجه فاسد جدا وهو جهل بالله وبما يستحقه وتشبيه له بالمحبوب من ~~البشر وظن من هذا القائل انه اذا رأى الله حصل بذلك نقص في حق الله أو ضرر ~~عليه فان الانسان انما يغار على محبوبه مما فيه عليه ضرر أو علي المحب فيه ~~ضرر فيغار من الشركة لما فيه من الضرر وقد يغار عليه من نفسه لاستشعاره به ~~ان ذلك نقص وذلك كله محال في حق الله PageV02P063 ومن قال هذا قد يقول اغار ~~عليه من ان ms252 احبه ومثلى لا يصلح ان يعبده وانما اعبد من يعبده ونحو ذلك مما ~~زينه الشيطان للمشركين واهل الضلال وذلك انهم قد يدخلون في غيرة الله منعه ~~لمواهبه وعطاياه من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتقربوا اليه بأصناف ~~القربات كما قد يمنع السيد والمحبوب عبيده ومحبيه ما يستحقونه وهذا ايضا ~~جهل بالله وتكذيب بوعده وتجوير له وتزكية لنفوسهم وهو باطل # وفي الجملة فالغيرة المحمودة اما ترك ما نهى الله عنه أو ترك ما لم يأمر ~~الله به ولا اوجبه ومن لم يكن فيه أحد الحالين فهو ممن فسق عن امر ربه ~~والثانية حال الكمل الصادقين # فأما الغيرة على ما لم يحرمه أو على ما اباحه الله لعباده ان يفعلوه وهو ~~لا يكرهه ولا يسخطه فهو مذموم كله كما تقدم PageV02P064 # فهذه الغيرة الاصطلاحية من مدحها مطلقا فقد أخطأ ومن ذمها مطلقا فقد أخطأ ~~والصواب ان يحمد منها ما حمده الله ورسوله ويذم منها ما ذمه الله ورسوله ~~وهذا يقع كثيرا للسالكين في هذا الخلق وغيره فإنه يلبس الحق بالباطل ولهذا ~~السبب ينكر كثير من الناس مثل هذا الطريق لما فيه من لبس الحق بالباطل ~~والآخرون يعظمونه لما فيه من الحق والصواب الفرقان @QB@ ومن لم يجعل الله ~~له نورا فما له من نور @QE@ سورة النور 40 # | فصل فيما ذكره الاستاذ أبو القاسم القشيري في باب الرضا عن الشيخ أبي # سليمان الداراني رحمه الله انه قال الرضا ان لا تسأل الله الجنة ولا ~~تستعيذ به من النار PageV02P065 # فان الناس تنازعوا في هذا الكلام فمنهم من انكره ومنهم من قبله والكلام ~~على هذا الكلام من وجهين # أحدهما من جهة ثبوته عن الشيخ أبي سليمان والثاني من جهة صحته في نفسه ~~وفساده # اما المقام الاول فينبغي ان يعلم ان الاستاذ أبا القاسم القشيري لم يذكره ~~عن الشيخ أبي سليمان بإسناد وانما ذكره مرسلا عنه في رسالته عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم والصحابة والتابعين والمشايخ وغيرهم تارة يذكره بإسناد ~~وتارة يذكره مرسلا وكثيرا ما يقول في الرسالة ms253 وقيل عنه كذا ثم الذي يذكره ~~الاستاذ أبو القاسم [ بالإسناد ] تارة يكون اسناده صحيحا وتارة يكون ضعيفا ~~بل موضوعا وما يذكره مرسلا ومحذوفا PageV02P066 لقائل اولى وهذا كما يوجد [ ~~ذلك ] في مصنفات الفقهاء فإن فيها من الاحاديث والآثار ما هو صحيح ومنها ما ~~هو ضعيف ومنها ما هو موضوع فالموجود في كتب الرقائق والتصوف من الاثار ~~المنقولة فيها الصحيح وفيها الضعيف وفيها الموضوع # وهذا امر متفق عليه بين جميع المسلمين لا يتنازعون في ان هذه الكتب فيها ~~هذا وفيها هذا بل نفس الكتب المصنفة في الحديث والاثار فيها هذا وهذا وكذلك ~~الكتب المصنفة في التفسير فيها هذه وهذا مع ان اهل الحديث اقرب إلى معرفة ~~المنقولات وفي كتبهم هذا وهذا فكيف غيرهم # والمصنفون قد يكونون أئمة في الفقه أو التصوف أو الحديث ويروون هذا تارة ~~لأنهم لم يعلموا انه كذب وهو الغالب على اهل الدين فإنهم لا يحتجون بما ~~يعلمون انه كذب وتارة PageV02P067 يذكرونه وان علموا انه كذب اذ قصدهم ~~رواية ما روى في ذلك الباب # ورواية الاحاديث المكذوبة مع بيان انها كذب جائز واما روايتها مع الإمساك ~~عن ذلك رواية عمل فإنه حرام عند العلماء لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم انه قال من حدث عني بحديث وهو يرى انه كذب فهو أحد الكاذبين # وقد فعل ذلك كثير من العلماء متأولين انهم لم يكذبوا وانما نقلوا ما رواه ~~غيرهم وهذا يسهل اذ رووه ليعرف انه PageV02P068 روى لا لأجل العمل به ~~والاعتماد عليه # والمقصود هنا ان ما يوجد في الرسالة وامثالها من كتب الفقه والتصوف ~~والحديث من المنقولات عن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من السلف فيه ~~الصحيح وفيه الضعيف وفيه الموضوع فالصحيح الذي قامت الدلالة على صدقه ~~والموضوع الذي قامت الدلالة على كذبه عليها ولا يحتج بها فإن الضعف ظاهر ~~عليها وإن كان هو لا يتعمد واما لاتهامه ولكن يمكن ان يكون صادقا فيه فإن ~~الفاسق قد يصدق والغالط قد يحفظ # وغالب ابواب الرسالة فيه ms254 الاقسام الثلاثة ومن ذلك باب الرضا فإنه ذكر فيه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحا في اثناء الباب وهو حديث العباس ~~بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ذاق طعم PageV02P069 ~~الايمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا # وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه وان كان الاستاذ لم يذكر ان مسلما رواه ~~لكن رواه بإسناد صحيح وذكر في اول هذا الباب حديثا ضعيفا بل موضوعا وهو ~~حديث جابر الطويل الذي رواه من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن ~~المنكدر عن جابر فهو وان كان اول حديث ذكره في الباب فإن حديث الفضل بن ~~عيسى من اوهى الاحاديث واسقطها ولا نزاع بين الائمة انه لا يعتمد عليها ولا ~~يحتج بها فإن الضعف ظاهر عليها وان كان هو لا يعتمد الكذب فإن كثيرا من ~~الزهاد PageV02P070 والفقهاء لا يحتج بحديثهم لسوء الحفظ لا لاعتماد الكذب ~~وهذا الرقاشي اتفقوا على ضعفه كما يعرف ذلك ائمة هذا الشأن حتى قال ايوب ~~السختياني لو ولد فضل اخرس لكان خيرا له وقال سفيان بن عيينة لا شيء وقال ~~الامام أحمد والنسائي هو ضعيف وقال يحيى بن معين رجل سوء وقال أبو حاتم ~~وابو زرعة منكر الحديث # وكذلك ما ذكره من الاثار فانه قد ذكر اثارا حسنة بأسانيد حسنه مثل ما ~~رواه عن الشيخ أبي سليمان الداراني انه قال اذا سلا العبد عن الشهوات فهو ~~راض فإن هذا رواه عن شيخه ابي PageV02P071 عبد الرحمن السلمي بإسناده ~~والشيخ أبو عبد الرحمن كانت له عناية بجمع كلام هؤلاء المشايخ وحكاياتهم ~~وصنف في الاسماء كتاب الطبقات طبقات الصوفية وكتاب زهاد السلف وغير ذلك ~~وصنف في الابواب كتاب مقامات الاولياء وغير ذلك ومصنفاته تشتمل على الاقسام ~~الثلاثة # وذكر عن الشيخ أبي عبد الرحمن انه قال سمعت النصراباذي يقول من اراد ان ~~يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه # فإن هذا الكلام في غاية الحسن فإنه من لزم ما يرضى الله من ms255 امتثال اوامره ~~واجتناب نواهيه لا سيما اذ قام بواجبها ومستحبها PageV02P072 يرضي الله عنه ~~كما انه من لزم محبوبات الله احبه الله كما في الحديث الصحيح الذي رواه ~~البخاري من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب الي عبدي بمثل اداء ~~ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى احبه فإذا احببته ~~الحديث # وذلك ان الرضا نوعان احدهما الرضا بفعل ما امر به وترك ما نهى عنه ~~ويتناول ما اباحه الله من غير تعد إلى المحظور # كما قال تعالى @QB@ والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين @QE@ سورة ~~التوبة 62 وقال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما @QE@ PageV02P073 @QB@ آتاهم ~~الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله ~~راغبون @QE@ سورة التوبة 59 فهذا الرضا واجب # وكذلك ذم من تركه بقوله @QB@ ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها ~~رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون @QE@ سورة التوبة 58 # والنوع الثاني الرضا بالمصائب كالفقر والمرض والذل فهذا الرضا مستحب في ~~أحد قولي العلماء وليس بواجب وقد قيل انه واجب والصحيح ان الواجب هو الصبر ~~كما قال الحسن البصري رحمه الله الرضا عزيز ولكن الصبرمعول المؤمن # وقد روى في حديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له ان استطعت ~~ان تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل PageV02P074 فإن لم تستطع فإن في الصبر ~~على ما تكره خيرا كثيرا # واما الرضا بالكفر والفسوق والعصيان فالذي عليه ائمة الدين انه لا يرضى ~~بذلك فإن الله لا يرضاه كما قال تعالى @QB@ ولا يرضى لعباده الكفر @QE@ ~~سورة الزمر 7 # وقال @QB@ والله لا يحب الفساد @QE@ سورة البقرة 205 # وقال تعالى @QB@ فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين @QE@ ~~سورة التوبة 96 # وقل تعالى فجزاؤه حهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه واعد له عذابا ~~عظيما سورة النساء : 93 # وقال @QB@ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ~~@QE@ سورة محمد 28 PageV02P075 # وقال @QB@ وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار ms256 نار جهنم خالدين فيها ~~هي حسبهم @QE@ سورة التوبة 68 # وقال @QB@ لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم ~~خالدون @QE@ سورة المائدة 80 # وقال @QB@ فلما آسفونا انتقمنا منهم @QE@ سورة الزخرف 55 # فإذا كان الله سبحانه لا يرضى لهم ما عملوه بل يسخطه ذلك وهو يسخط عليهم ~~ويغضب عليهم فكيف يسوغ للمؤمن ان يرضى ذلك وان لا يسخط ويغضب لما يسخط الله ~~ويغضبه # وانما ضل هنا فريقان من الناس قوم من اهل الكلام المنتسبين إلى السنة في ~~مناظرة القدرية ظنوا ان محبة الحق ورضاه وغضبه وسخطه يرجع إلى ارادته وقد ~~علموا انه مريد لجميع الكائنات PageV02P076 خلافا للقدرية وقالوا هو ايضا ~~محب لها مريد لها ثم اخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه فقالوا لا يحب الفساد ~~بمعنى لا يريد الفساد أي لا يريده للمؤمنين ولا يرضى لعباده الكفر بمعنى لا ~~يريده أي لا يريده للمؤمنين # وهذا غلط عظيم فإن هذا عندهم بمنزلة ان يقال لا يحب الايمان ولا يرضى ~~لعباده الايمان بمعنى لا يريده للكافرين ولا يرضاه للكافرين # وقد اتفق اهل الاسلام على ان ما امر الله به فإنه يكون مستحبا يحبه ثم قد ~~يكون مع ذلك واجبا وقد يكون مستحبا ليس بواجب سواء فعل أو لم يفعل والكلام ~~على هذا مبسوط في غير هذا الموضع # والفريق الثانى من غالطي المتصوفة شربوا من هذه العين فشهدوا ان الله رب ~~الكائنات جميعها وعلموا انه قدر كل PageV02P077 شيء وشاءه وظنوا انهم لا ~~يكونون راضين حتى يرضوا بكل ما يقدره الله ويقضيه من الكفر والفسوق ~~والعصيان حتى قال بعضهم المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب ~~قالوا والكون كله مراد المحبوب وضل هؤلاء ضلالا عظيما حيث لم يفرقوا بين ~~الارادة الدينية والكونية والاذن الديني والكوني والامر الديني والكوني ~~والبعث الكوني والديني والارسال الكوني والديني كما بسطناه في غير هذا ~~الموضع # وهؤلاء يؤول بهم الامر إلى ان لا يفرقوا بين المحظور والمأمور واولياء ~~الله واعداء الله والانبياء والمتقين ويجعلون الذين امنوا ms257 وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض ويجعلون المتقين كالفجار ويجعلون المسلمين كالمجرمين ~~ويعطلون الامر والنهي والوعد والوعيد والشرائع # وربما سموا هذا حقيقة ولعمري انه حقيقة كونية لكن هذه PageV02P078 ~~الحقيقة الكونية قد عرفها عباد الاصنام كما قال تعالى ولئن سألتهم من خلق ~~السموات والأرض ليقولن الله سورة لقمان 25 وقال @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها ~~إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون @QE@ الايات سورة المؤمنون 84 ~~85 # فالمشركون الذين يعبدون الاصنام كانوا مقرين بان الله خالق كل شيء وربه ~~ومليكه فمن كان هذا منتهى تحقيقه كان غايته ان يكون كعباد الاصنام # والمؤمن انما فارق الكفر بالإيمان بالله وبرسله وبتصديقهم فيما اخبروا ~~وطاعتهم فيما امروا واتباع ما يرضاه الله ويحبه دون ما يقضيه ويقدره من ~~الكفر والفسوق والعصيان ولكن يرضى بما اصابه من المصائب لا بما فعله من ~~المعايب فهو من الذنوب يستغفر وعلى المصائب يصبر # كما قال تعالى فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذبنك PageV02P079 # سورة غافر 55 فيجمع بين طاعة الامر والصبر على المصائق كما قال تعالى ~~@QB@ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا @QE@ سورة ال عمران 120 # وقال تعالى @QB@ وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور @QE@ سورة ال ~~عمران 186 # وقال يوسف عليه السلام @QB@ إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين @QE@ سورة يوسف 90 # والقصد هنا ان ما ذكره القشيري عن النصراباذي من احسن الكلام حيث قال من ~~اراد ان يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه # وكذلك قول الشيخ أبي سليمان اذا سلا البعد عن الشهوات فهو راض وذلك ان ~~العبد انما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها فاذا لم يحصل ~~سخط فاذا سلا عن شهوات PageV02P080 نفسه رضي بما قسم الله له من الرزق # وكذلك ما ذكره عن الفضيل بن عياض انه قال لبشر الحافي الرضا افضل من ~~الزهد في الدنيا لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته كلام حسن لكن اشك في سماع ~~بشر الحافي من الفضيل # وكذلك ما ذكره ms258 معلقا قال وقيل قال الشبلي بين يدي الجنيد لا حول ولا قوة ~~الا بالله فقال الجنيد قولك ذا ضيق صدر وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء فإن ~~هذا من احسن الكلام # وكان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة ومن احسنهم تعليما وتأديبا وتقويما ~~وذلك ان هذه الكلمة هي كلمة استعانة لا كلمة استرجاع وكثير من الناس يقولها ~~عند المصائب بمنزلة الاسترجاع ويقولها جزعا لا صبرا PageV02P081 # فالجنيد انكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها اذ كانت حالا ينافي الرضا ~~ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه # وفيما ذكره آثار ضعيفة مثل ما ذكره معلقا قال وقيل قال موسى الهي دلني ~~على عمل اذا عملته رضيت عني فقال انك لا تطيق ذلك فخر موسى ساجدا متضرعا ~~فأوحى الله اليه يا ابن عمران رضائي في رضائك عني # فهذه الحكاية الاسرائيلية فيها نظر فإنه قد يقال لا يصلح ان يحكى مثلها ~~عن موسى عليه السلام ومعلوم ان هذه الاسرئيليات ليس لها اسناد ولا تقوم بها ~~حجة في شيء من الدين الا اذا كانت منقوله لنا نقلا صحيحا مثل ما ثبت عن ~~PageV02P082 نبينا صلى الله عليه وسلم انه حدثنا به عن بني اسرائيل ولكن ~~منه ما يعلم كذبه مثل هذه فإن موسى عليه السلام من أعظم اولى العزم واكابر ~~المرسلين فيكف يقال انه لا يطيق ان يعمل ما يرضي الله به عنه والله تعالى ~~رضي عن السابقين الاولين من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بإحسان افلا ~~يرضى عن موسى بن عمران كليم الرحمن # وقال تعالى ان الذين امنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية جزاؤهم ~~عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الانهارخ الدين فيها ابدا رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه سورة البينة 867 ومعلوم ان موسى عليه السلام من افضل الذين امنوا ~~وعملوا الصالحات PageV02P083 ثم ان الله خص موسى بمزية فوق الرضا حيث قال ~~@QB@ وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني @QE@ سورة طه 39 # ثم ان قوله له في الخطاب يا ابن عمران يخالف ms259 ما ذكره الله من خطابه له في ~~القرآن حيث قال يا موسى وذلك الخطاب فيه نوع غض منه كما يظهر # ومثل ما ذكره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه كتب لأبي موسى الاشعري ~~اما بعد فإن الخير كله في الرضا فإن استطعت ان ترضى والا فاصبر فهذا الكلام ~~كلام حسن وان لم يعلم اسناده # واذا تبين ان فيما ذكره مسندا ومرسلا ومعلقا ما هو صحيح فهذه الكلمة لم ~~يذكرها عن أبي سليمان الا مرسلة وبمثل ذلك لا تثبت عن أبي سليمان باتفاق ~~الناس فإنه وان قال بعض الناس ان المرسل حجة فهذا لم يعلم ان المرسل هو مثل ~~الضعيف وغير PageV02P084 الضعيف فأما اذا عرف ذلك فلا تبقى حجة باتفاق ~~العلماء كمن علم انه تارة يحفظ الاسناد وتارة يغلط فيه # والكتب المسندة في اخبار هؤلاء المشايخ وكلامهم مثل كتاب حلية الاولياء ~~لأبي نعيم وطبقات الصوفية للشيخ أبي عبد الرحمن و صفوة الصفوة لابن الجوزي ~~وامثال ذلك لم يذكروا فيها هذه الكلمة عن الشيخ أبي سليمان وقد ذكروا فيها ~~عن الشيخ أبي سليمان الاثر الذي رواه عنه مسندا حيث قال لاحمد دبن أبي ~~الحواري يا أحمد لقد اوتيت من الرضا نصيبا لو القاني في النار لكنت بذلك ~~راضيا # فهذا الكلام مأثور عن أبي سليمان بالإسناد ولهذا اسنده عنه القشيري من ~~طريق شيخه أبي عبد الرحمن بخلاف تلك الكلمة فإنها لم تسند عنه فلا اصل لها ~~عن الشيخ أبي سليمان PageV02P085 # ثم ان القشيري قرن هذه الكلمة الثابتة عن أبي سليمان بكلمة احسن منها ~~فإنه قبل ان يرويها قال وسئل أبو عثمان يعني أبا عثمان الحيري النيسابوري ~~عن قول النبي صلى الله عليه وسلم أسألك الرضا بعد القضاء فقال لأن الرضا ~~بعد القضاء هو الرضا فهذا الذي قاله الشيخ أبو عثمان كلام حسن سديد # ثم اسند بعد هذا عن الشيخ أبي سليمان انه قال ارجو ان اكون عرفت طرفا من ~~الرضا لو انه ادخلني النار لكنت بذلك راضيا # فتبين بذلك ان ما ms260 قاله أبو سليمان ليس هو رضى وانما هو عزم PageV02P086 ~~على الرضا وانما الرضا ما يكون بعد القضاء واذا كان هذا عزما على الرضا ~~فالعزم قد يدوم وقد ينفسخ وما اكثر انفساخ عزائم الناس خصوصا الصوفية ولهذا ~~قيل لبعضهم بم عرفت الله قال بفسخ العزائم ونقض الهمم # وقد قال تعالى لمن هو افضل من هؤلاء المشايخ @QB@ ولقد كنتم تمنون الموت ~~من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون @QE@ سورة آل عمران 143 # وقال تعالى يا ايها الذين امنوا لم تقولون مالا تفعلون * كبر مقتا عند ~~الله ان تقولوا مالا تفعلون * ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص سورة الصف 42 # وفي الترمذي ان بعض الصحابة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو علمنا أي ~~العمل احب إلى الله لعملناه فأنزل الله هذه الاية PageV02P087 وقد قال ~~تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد ~~خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب @QE@ ~~الاية سورة النساء 77 فهؤلاء الذين كانوا قد عزموا على الجهاد واحبوه لما ~~ابتلوا به كرهوه وفروا منه واين الم الجهاد من الم النار وعذاب الله الذي ~~لا طاقة لأحد به # مثل هذا يذكر عن سمنون المحب انه كان يقول % وليس لي في سواك حظ % فكيف ~~ما شئت فاختبرني % # فأخذه الاسر من ساعته أي حصر بوله فكان يدور على المكاتب ويفرق الجوز على ~~الصبيان ويقول ادعوا لعمكم الكذاب # وحكى أبو نعيم الاصبهاني عن أبي بكر الواسطي انه PageV02P088 قال قال ~~سمنون يا رب قد رضيت بكل ما تقضيه على فاحتبس بوله اربعة عشر يوما فكان ~~يتلوى كما تتلوى الحية على الرمل يتلوى يمينا وشمالا فلما اطلق بوله قال يا ~~رب تبت اليك # قال أبو نعيم فهذا الرضا الذي ادعى سمنون ظهر غلطه فيه بأدنى بلوى هذا مع ~~ان سمنون كان يضرب به المثل في المحبة ms261 وله مقام مشهور حتى روى عن إبراهيم ~~بن فاتك انه قال رأيت سمنونا يتكلم على الناس في المسجد الحرام فجاء طائر ~~صغير فقرب منه ثم قرب فلم يزل يدنو منه PageV02P089 حتى جلس على يده ثم لم ~~يزل يضرب بمنقاره الأرض حتى سقط منه دم ومات الطائر # قال ورأيته تكلم يوما في المحبة فاصطفقت قناديل المسجد وكسر بعضها بعضا # وقد ذكر القشيري في باب الرضا عن رويم المقري رفيق سمنون حكاية تناسب هذا ~~حيث قال قال رويم الرضا ان لو جعل جهنم عن يمينه ما سأل الله ان يحولها عن ~~يساره فهذا يشبه قول سمنون فكيف ما شئت فامتحني واذا لم يطق الصبر على عسر ~~البول افيطيق ان تكون جهنم عن يمنيه PageV02P090 والفضيل بن عياض كان اعلى ~~طبقة من هؤلاء وابتلى بعسر البول فغلبه الالم حتى قال بحبي لك الا فرجت عني ~~فانفرج عنه # ورويم وان كان من رفقاء الجنيد فليس هو عندهم من هذه الطبقة بل الصوفية ~~يقولون انه رجع إلى الدنيا وترك التصوف حتى روى عن جعفر الخلدي صاحب الجنيد ~~انه قال من اراد ان يستكتم سرا فليفعل كما فعل رويم كتم حب الدنيا اربعين ~~سنة فقيل وكيف يتصور ذلك قال ولى اسماعيل بن اسحاق القاضي قضاء بغداد وكانت ~~بينهما مودة اكيدة فجذبه اليه وجعله وكيلا على بابه فترك لبس التصوف ولبس ~~الخز والقصب والديبقى وأكل الطيبات وبنى الدور واذا هو كان يكتم حب الدنيا ~~ما لم يجدها فلما وجدها اظهر ما كان يكتم من حبها هذا مع انه رحمه الله كان ~~له من العبادات ما هو معروف وكان فقيها على مذهب داود PageV02P091 # وهذه الكلمات التي تصدر عن صاحب حال لم يفكر في لوازم اقواله وعواقبها لا ~~تجعل طريقة ولا تتخذ سبيلا ولكن قد يستدل بها على ما لصاحبها من الرضا ~~والمحبة ونحو ذلك وما معه من التقصير في معرفة حقوق الطريق وما يقدر عليه ~~من التقوى والصبر وما لا يقدر عليه من التقوى والصبر # والرسل صلوات الله عليهم ms262 اعلم بطريق سبيل الله واهدى وانصح فمن خرج عن ~~سنتهم وسبيلهم كان منقوصا مخطئا محروما وان لم يكن عاصيا أو فاسقا أو كافرا # ويشبه هذا الاعرابي الذي دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مريض ~~كالفرخ فقال هل كنت دعوت الله بشيء فقال كنت اقول اللهم ما كنت معذبي به في ~~الاخرة فعجله لي في الدنيا فقال سبحان الله لا تستطيعه أو لا تطيقه هلأ قلت ~~ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار PageV02P092 # فهذا ايضا حمله خوفه من عذاب الاخرة ومحبته لسلامة عاقبته على ان يطلب ~~تعجيل ذلك في الدنيا وكان مخطئا في ذلك غالطا والخطأ والغلط مع حسن القصد ~~وسلامته وصلاح الرجل وفضله ودينه وزهده وورعه وكراماته كثير جدا فليس من ~~شرط ولي الله ان يكون معصوما من الخطأ والغلط بل ولا من الذنوب # وافضل اولياء الله بعد الرسل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقد ثبت في ~~الصحيح ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما عبر رؤيا اصبت بعضا وأخطأت ~~بعضا # ويشبه والله اعلم ان أبا سليمان لما قال هذه الكلمة لو القاني في النار ~~لكنت بذلك راضيا ان يكون بعض الناس حكاه بما PageV02P093 فهمه من المعنى ~~انه قال الرضا ان لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار # وتلك الكلمة التي قالها أبو سليمان مع انها لا تدل على رضاه بذلك ولكن ~~تدل على عزمة بالرضا بذلك ونحن نعلم ان ذلك العزم لا يستمر بل ينفسخ وان ~~مثل هذه الكلمة كان تركها احسن من قولها وانها مستدركة كما استدركه دعوى ~~سمنون ورويم وغير ذلك فإن بين هذه الكلمة وبين تلك فرقا عظيما فان تلك ~~الكلمة مضمونها ان من سأل الله الجنة واستعاذه من النار لا يكون راضيا وفرق ~~بين من يقول انا اذا فعل بي كذا كنت راضيا وبين من يقول لا يكون راضيا الا ~~من لا يطلب خيرا ومن لا يهرب من شر # وبهذا وغيره يعلم ان الشيخ أبا ms263 سليمان كان اجل من ان PageV02P094 يقول ~~مثل هذا الكلام فإن الشيخ أبا سليمان من اجلاء المشايخ وساداتهم ومن اتبعهم ~~للشريعة حتى انه كان يقول انه ليمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا اقبلها ~~الا بشاهدين الكتاب والسنة فمن لا يقبل نكت قلبه الا بشاهدين يقول مثل هذا ~~الكلام # وقال الشيخ أبو سليمان ايضا ليس لمن ألهم شيئا من الخير ان يفعله حتى ~~يسمع فيه بأثر فإذا سمع فيه بأثر كان نورا على نور بل صاحبه أحمد بن أبي ~~الحواري كان من اتبع المشايخ للسنة فكيف أبو سليمان # وتمام تزكية أبي سليمان من هذا الكلام يظهر بالكلام في المقام الثاني وهو ~~قول القائل كائنا من كان الرضا ان لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار ~~ونقدم قبل ذلك مقدمة يتبين PageV02P095 بها اصل ما وقع في مثل هذه الكلمات ~~من الاشتباه والاضطراب وذلك ان قوما كثيرا من الناس من المتفقهة والمتصوفة ~~والمتكلمة وغيرهم ظنوا ان الجنة ليست إلا التنعم بالمخلوق من اكل وشرب و ~~لباس ونكاح وسماع اصوات طيبة وشم روائح طيبة ولم يدخلوا في مسمى الجنة ~~نعيما غير ذلك ثم صاروا حزبين حزبا انكروا ان يكون للعباد نعيم غير تنعمهم ~~بهذه الامور المخلوقة واشباهها ثم من هؤلاء من انكر ان يكون المؤمنون يرون ~~ربهم كما ذهب إلى ذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم # ومنهم من اقر بالرؤية اما الرؤية التي اخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ~~كما هو مذهب اهل السنة والجماعة واما برؤية فسرها بزيادة كشف أو علم أو ~~جعلها بحاسة سادسة ونحو PageV02P096 ذلك من الاقوال التي ذهب اليها ضرار بن ~~عمرو وطوائف من اهل الكلام المنتسبين إلى نصر اهل السنة في مسألة الرؤية ~~وان كان ما يثبتونه من جنس ما نفته المعتزلة والضرارية والنزاع بينهم لفظي ~~ونزاعهم مع اهل السنة معنوي ولهذا كان بشر المريسي وامثاله يفسرون الرؤية ~~بنحو من تفسير هؤلاء # والمقصود هنا ان مثبتة الرؤية منهم من انكر ان يكون المؤمن ينعم بنفس ~~رؤيته ربه قالوا ms264 لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم كما ذكر ذلك الاستاذ ~~أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية وكما ذكره أبو الوفاء بن عقيل في ~~بعض كتبه PageV02P097 # ونقلوا عن ابن عقيل انه سمع قائلا يقول أسألك لذة النظر إلى وجهك فقال يا ~~هذا هب ان له وجها اله وجه يتلذذ بالنظر اليه # وذكر أبو المعالي ان الله يخلق لهم نعيما ببعض المخلوقات مقارنا للرؤية ~~فأما التنعم بنفس الرؤية فأنكره وجعل هذا من اسرار التوحيد # واكثر مثبتي الرؤية يقرون بتنعم المؤمنين برؤية ربهم وهو مذهب سلف الامة ~~وأئمتها ومشايخ الطريق PageV02P098 # كما جاء في الحديث الذي رواه النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق احيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني ~~اذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم اني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك ~~كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ~~ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد ~~الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ~~ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين # وفي صحيح مسلم وغيره عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا دخل ~~اهل الجنة الجنة ناد مناد يا اهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد ان ~~ينجزكموه فيقولون ما هو الم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ~~ويجرنا من النار قال PageV02P099 فيكشف الحجاب فينظرون اليه فما اعطاهم ~~شيئا احب اليهم من النظر اليه # وكلما كان الشيء احب كانت اللذة بنيله اعظم وهذا متفق عليه بين السلف ~~والائمة ومشايخ الطريق كما روى عن الحسن البصري انه قال لو علم العابدون ~~انهم لا يرون ربهم في الاخرة لذابت نفوسهم في الدينا شوقا اليه وكلامهم في ~~ذلك كثير # ثم هؤلاء الذين وافقوا السلف والائمة والمشايخ على التنعم بالنظر إلى ~~الله تعالى وتنازعوا في مسألة المحبة التي هي اصل ذلك فذهب طوائف من ms265 ~~المتكلمين والفقهاء إلى ان الله لا تحب نفسه وانما المحبة محبة طاعته ~~وعبادته وقالوا هو ايضا لا يحب عباده المؤمنين وانما محبته ارادته للإحسان ~~اليهم ولإثابتهم # ودخل في هذا القول من انتسب إلى نصر السنة من اهل PageV02P100 الكلام حتى ~~وقع فيه طائفة من اصحاب مالك والشافعي واحمد كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي ~~يعلى وابي المعالي الجويني وامثال هؤلاء وهذا في الحقيقة شعبة من التجهم ~~والاعتزال فإن اول من انكر المحبة في الاسلام الجعد بن درهم استاذ الجهم بن ~~صفوان PageV02P101 # فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال ايها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم ~~فإني مضح بالجعد بن درهم انه زعم ان الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم ~~موسى تكليما ثم نزل فذبحه # والذي دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الامة وأئمتها وجميع مشايخ ~~الطريق ان الله يحب ويحب ولهذا وافقهم على ذلك من تصوف من اهل الكلام كأبي ~~القاسم القشيري وابي حامد الغزالي وامثالهما ونصر ذلك أبو حامد في الاحياء ~~وغيره وكذلك أبو القاسم ذكر ذلك في الرسالة على طريق الصوفية كما في كتاب ~~أبي طالب المكي المسمى بقوت القلوب # وابو حامد مع كونه تابع في ذلك الصوفية استند في ذلك PageV02P102 لما ~~وجده من كتب الفلاسفة من اثبات نحو ذلك حيث قالوا يعشق ويعشق # وقد بسطت الكلام على هذه المسألة العظيمة في القواعد الكبار بما ليس هذا ~~موضعه # وقد قال الله تعالى @QB@ يحبهم ويحبونه @QE@ سورة المائدة 54 وقال تعالى ~~@QB@ والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ سورة البقرة 165 وقال تعالى @QB@ أحب ~~إليكم من الله ورسوله @QE@ سورة التوبة 24 # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ثلاث من كن فيه وجد ~~حلاوة الايمان ان يكون الله ورسوله احب اليه مما سواهما وان يحب المرء لا ~~يحبه الا لله وان يكره ان يرجع في الكفر بعد ان انقذه الله منه كما يكره ان ~~يقذف في النار PageV02P103 # والمقصود هنا ان هؤلاء المتجهمة من المعتزلة ومن وافقهم الذين ينكرون ~~حقيقة ms266 المحبة يلزمهم ان ينكروا التلذذ بالنظر اليه ولهذا ليس في الحقيقة ~~عندهم الا التنعم بالأكل والشرب ونحو ذلك وهذا القول باطل بالكتاب والسنة ~~واتفاق سلف الامة ومشايخها فهذا أحد الحزبين الغالطين # والحزب الثاني طوائف من المتصرفة والمتفقرة والمتنسكة وافقوا هؤلاء على ~~ان المحبة ليست الا هذه الامور التي يتنعم بها المخلوق ولكن وافقوا السلف ~~والائمة على اثبات رؤية الله والتنعم بالنظر اليه واصابوا في ذلك وصاروا ~~يطلبون هذا النعيم وتسمو همتهم اليه ويخافون فواته وصار احدهم يقول ما ~~عبدتك شوقا إلى جنتك ولا خوفا من نارك ولكن PageV02P104 لانظر اليك أو ~~اجلالا لك وامثال هذه الكلمات ومقصودهم بذلك طلب ما هو اعلى من الاكل ~~والشرب والتمتع بالمخلوق ولكن غلطوا في اخراج ذلك من الجنة وقد يغلطون ايضا ~~في ظنهم انهم يعبدون الله بلاحظ ولا ارادة وان كل ما يطلب منه فهو حظ النفس ~~وتوهموا ان البشر يعمل بلا ارادة ولا مطلوب ولا محبوب وهو سوء معرفة بحقيقة ~~الايمان والدين والاخرة # وسبب ذلك ان همة احدهم المتعلقة بمطلوبه ومحبوبه ومعبوده تقنيه عن نفسه ~~حتى لا يشعر بنفسه واراداتها فيظن انه يفعل بغير مراد والذي طلبه وعلق به ~~همته هو غاية مراده ومحبوبه ومطلوبه # وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين وارباب الاحوال والمقامات يكون ~~لاحدهم وجد صحيح وذوق سليم لكن ليس له PageV02P105 عبارة تبين مراده فيقع ~~في كلامه غلط وسوء ادب مع صحة مقصوده وان كان من الناس من يقع منه غلط في ~~مراده واعتقاده فهؤلاء الذين قالوا مثل هذا الكلام اذا عنوا به طلب رؤية ~~الله تعالى اصابوا في ذلك لكن أخطأوا من جهة انهم جعلوا ذلك خارجا عن الجنة ~~فأسقطوا حرمة اسم الجنة ولزم من ذلك امور منكرة # ونظير ذلك ما ذكره عن الشبلي رحمه الله انه سمع قارئا يقرأ @QB@ منكم من ~~يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة @QE@ سورة آل عمران 152 فصرخ وقال اين من ~~يريد الله فيحمد منه كونه اراد الله ولكن غلط في ظنه ان الذين ارادوا ~~الأخرة ms267 ما ارادوا الله PageV02P106 وهذه الاية في اصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذين كانوا معه بأحد وهم افضل الخلق فإن لم يريدوا الله افيريد ~~الله من هو دونهم كالشبلي وامثاله # ومثل ذلك ما اعرفه عن بعض المشايخ انه سئل مرة عن قوله @QB@ إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة @QE@ سورة التوبة 111 قال ~~فإذا كانت الانفس والاموال في ثمن الجنة فالرؤية بم تنال فأجابه مجيب بما ~~يشبه هذا السؤال # والواجب ان نعلم ان كل ما اعده الله لأوليائه من نعيم بالنظر اليه وما ~~سوى ذلك فهو في الجنة كما ان كل ما توعد به اعداءه هو في النار وقد قال ~~تعالى @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين @QE@ سورة السجدة 17 ~~PageV02P107 # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله اعددت لعبادي ~~الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطعتم ~~عليه # وكذلك في قوله في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ان ادنى اهل ~~الجنة منزلة من ينظر في ملكه من مسيرة الف عام وان اعلاهم منزلة من ينظر ~~إلى وجه الله بكرة وعشيا PageV02P108 # وقوله في حديث صهيب اذا دخل اهل الجنة الجنة نادى مناد يا اهل الجنة ان ~~لكم عند الله موعدا الحديث ثم قال فيكشف الحجاب فينظرون اليه وشبه ذلك # واذا علم ان جميع ذلك وامثاله داخل في الجنة فالناس على درجات متفاوته ~~كما قال تعالى @QB@ انظر كيف فضلنا بعضهم على @QE@ PageV02P109 @QB@ بعض ~~وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا @QE@ سورة الاسراء 21 وكل مطلوب للعبد ~~بعبادة وقربة أو دعاء أو غير ذلك من مطالب الاخرة هو في الجنة # وطلب الجنة والاستعاذة من النار طريق انبياء الله ورسله وجميع اولياء ~~الله السابقين المقربين واصحاب اليمين كما في السنن ان النبي صلى الله عليه ~~وسلم سأل بعض اصحابه كيف تقول في دعائك قال اقول اللهم اني أسألك الجنة ~~واعوذ بك من النار اما اني ms268 لا احسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم حولها ندندن فقد اخبر انه PageV02P110 هو صلى الله عليه ~~وسلم ومعاذ وهو افضل الائمة الراتبين بالمدينة في حياة النبي صلى الله عليه ~~وسلم انما يدندنون حول الجنة أفيكون قول أحد فوق قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومعاذ ومن يصلي خلفهما من المهاجرين والانصار ولو طلب هذا العبد ~~ما طلب كان في الجنة وأهل الجنة نوعان سابقون مقربون وأبرار أصحاب يمين # قال تعالى كلا ان كتاب الابرار لفي عليين وما ادراك ما عليون * كتاب ~~مرقوم * يشهده المقربون * ان الابرار لفي نعيم * على الأرائك ينظرون * تعرف ~~في وجوههم نضرة النعيم * يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون * ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها المقربون سورة المطففين 18 ~~27 PageV02P111 قال ابن عباس تمزج لأصحاب اليمين مزجا ويشربها المقربون ~~صرفا # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال اذا سمعتم المؤذن ~~فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فانه من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا ثم ~~سلوا الله لي الوسيلة فانها درجة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله ~~وارجو ان اكون انا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم ~~القيامة # فقد اخبر ان الوسيلة التي لا تصلح الا لعبد واحد من عباد الله ورجا ان ~~يكون هو ذلك العبد هي درجة في الجنة فهل بقي بعد الوسيلة شيء اعلى منها ~~يكون خارجا عن الجنة يصلح للمخلوقين PageV02P112 # وثبت في الصحيح ايضا في حديث الملائكة الذين يلتمسون الناس في مجالس ~~الذكر قال فيقولون للرب تعالى وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك قال فيقول ~~وما يطلبون قالوا يطلبون الجنة قال فيقول وهل رأوها قال فيقولون لا قال ~~فيقول فكيف لو رأوها قال فيقولون لو رأوها لكانوا اشد لها طلبا قال ومما ~~يستعيذون قالوا يستعيذون من النار قال فيقول فهل رأوها قال فيقولون لا قال ~~فيقول فيكف لو رأوها قالوا ms269 لو رأوها لكانوا اشد منها استعاذه قال فيقول ~~اشهدكم اني قد اعطيتهم ما يطلبون واعذتهم مما يستعيذون أو كما قال قال ~~فيقولون فيهم فلان الخطاء جاء لحاجة فجلس معهم قال فيقول هم القوم لا يشقى ~~PageV02P113 بهم جليسهم فهؤلاء الذين هم من افضل اولياء الله كان مطلوبهم ~~الجنة ومهربهم من النار # وايضا فالنبي صلى الله عليه وسلم لما بايع الانصار ليلة العقبة وكان ~~الذين بايعوه من افضل السابقين الاولين الذين هم افضل من هؤلاء المشايخ ~~كلهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ولاصحابك قال اشتر ~~لنفسي ان تنصروني مما تنصرون منه انفسكم واهليكم واشترط لأصحابي ان تواسوهم ~~قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا قال لكم الجنة قالوا امدد يدك فوالله لا ~~نقيلك ولا نستقيلك وقد قالو له في اثناء PageV02P114 البيعة ان بيننا وبين ~~القوم حبالا وعهودا وانا ناقضوها # فهؤلاء الذين بايعوه هم من اعظم خلق الله محبة لله ورسوله وبذلا لنفوسهم ~~واموالهم في رضا الله ورسوله على وجه لا يلحقهم فيه أحد من هؤلاء المتأخرين ~~قد كان غاية ما طلبوه بذلك الجنة فلو كان هناك مطلوب اعلى من ذلك لطلبوه ~~لكنهم علموا ان في الجنة كل محبوب ومطلوب بل وفي الجنة ما لا PageV02P115 ~~تشعر به النفوس لتطلبه فإن الطلب والحب والارادة فرع عن الشعور والاحساس ~~والتصور فما لا يحسه الانسان ولا يتصوره ولا يشعر به يمتنع ان يطلبه ويحبه ~~ويريده # والجنة فيها هذا وهذا كما قال تعالى @QB@ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ~~@QE@ سورة ق 35 وقال @QB@ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين @QE@ سورة ~~الزخرف 71 ففيها كل ما يشتهونه وفيها مزيد على ذلك وهو ما لم يبلغه علمهم ~~ليشتهوه كما قال صلى الله عليه وسلم ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر وهذا باب واسع # فإذا عرفت هذه المقدمة فقول القائل الرضا ان لا تسأل الله الجنة ولا ~~تستعيذه من النار ان اراد بذلك ان لا تسأل الله ما هو داخل في ms270 مسمى الجنة ~~الشرعية فلا تسأله النظر اليه ولا غير ذلك مما هو مطلوب جميع الانبياء ~~والاولياء وانك لا تستعيذ به PageV02P116 لا من احتجابه عنك ولا من تعذيبك ~~في النار فهذا الكلام مع كونه مخالفا لجميع الانبياء والمرسلين وسائر ~~المؤمنين فهو متناقض في نفسه فاسد في صريح المعقول # وذلك ان الراضي الذي لا يسأل انما لا يسأله لرضاه عن الله ورضاه عنه انما ~~هو بعد معرفته به ومحبته له فإذا قدر انه حجب فرضي بزوال كل نعيم فرضي ~~بزوال رضاه عن الله وبزوال محبته لله واذا لم يبق معه رضا عن الله ولا محبة ~~لله فكأنه قال يرضي ان لا يرضى وهذا جمع بين النقيضين ولا ريب انه كلام من ~~لم يتصور ما يقول ولا عقله # يوضح ذلك ان الراضي انما يحمله على احتمال المكاره والآلام ما يجده من ~~لذة الرضا وحلاوته فإذا فقد تلك الحلاوة واللذة امتنع ان يحتمل الما ومرارة ~~فكيف يتصور ان يكون راضيا وليس معه من حلاوة الرضا ما يحمل به مرارة ~~المكاره PageV02P117 وانما هذا من جنس كلام السكران والفاني الذي وجد في ~~نفسه حلاوة الرضا فظن ان هذا يبقى معه على أي حال كان وهذا غلط عظيم منه ~~كغلط سمنون كما تقدم # وان اراد بذلك ان لا يسأل التمتع بالمخلوق بل يسأل ما هو اعلى من ذلك فقد ~~غلط من وجهين من جهة انه لم يجعل ذلك المطلوب من الجنة وهو أعلى نعيم الجنة ~~ومن جهة انه ايضا اثبت انه طالب مع كونه راضيا فإذا كان الرضا لا ينافي هذا ~~الطلب فلا ينافي طلبا اخر اذا كان محتاجا إلى مطلوبه # ومعلوم ان تنعمه بالنظر لا يتم الا بسلامته من النار وبتنعمه من الجنة ~~بما هو دون النظر وما لا يتم المطلوب الا به فهو مطلوب فيكون طلبه للنظر ~~طلبا للوازمه التي منها النجاة من النار فيكون رضاه لا ينافي طلب حصول ~~المنفعة ولا دفع المضرة عنه ولا طلب حصول الجنة ودفع النار ولا غيرهما مما ~~هو ms271 من لوازم النظر فتبين تناقض قوله # وايضا فإذا لم يسأل الله الجنة لم يستعذ به من النار فإما ان يطلب من ~~الله ما هو دون ذلك مما يحتاج اليه من جلب منفعة ودفع PageV02P118 مضبرة ~~واما ان لا يطلبه فإن طلب ما هو دون ذلك واستعاذ مما هو دون ذلك فطلبه ~~للجنة اولى واستعاذته من النار اولى # وان كان الرضا ان لا يطلب شيئا قط ولو كان مضطرا اليه ولا يستعيذ من شيء ~~قط ولو كان مضرا به فلا يخلو اما ان يكون ملتفتا بقلبه إلى الله في ان يفعل ~~به ذلك واما ان يكون معرضا عن ذلك فإن التفت بقلبه إلى الله فهو طالب ~~مستعيذ بحاله # ولا فرق بين الطلب بالحال والقال بل هو بهما اكمل واتم فلا يعدل عنه وان ~~كان معرضا عن جميع ذلك فمن المعلوم انه لا يحيا ويبقى الا بما يقيم حياته ~~ويدفع مضاره فذلك الذي به يحيا من طلب جلب المنافع ودفع المضار اما ان يحبه ~~ويطلبه ويريده من أحد أو لا يحبه ولا يطلبه ولا يريده فإن احبه وطلبه ~~واراده من غير الله كان مشركا مذموما فضلا على ان يكون محمودا PageV02P119 ~~وان قال لا احبه ولا اطلبه ولا اريده لا من الله ولا من خلقه # قيل هذا ممتنع في الحي فإن الحي يمتنع عليه ان لا يحب ما به يبقى وهذا ~~امر معلوم بالحس ومن كان بهذه المثابة امتنع ان يوصف بالرضا فإن الراضي ~~موصوف بحب وارادة خاصة اذ الرضا مستلزم لذلك فكيف يسلب عنه ذلك كله فهذا ~~وامثاله مما يبين فساد هذا الكلام في العقل # واما الرضا في سبيل الله وطريقه ودينه فمن وجوه # احدها ان يقال الراضي لا بد ان يفعل ما يرضاه الله الا فكيف يكون راضيا ~~عن الله من لا يفعل ما يرضاه الله وكيف يسوغ رضا ما يكرهه الله ويسخطه ~~ويذمه وينهى عنه # وبيان هذا ان الرضا المحمود اما ان يكون الله يحبه ويرضاه PageV02P120 ~~واما ان لا يحبه ويرضاه ms272 فإن لم يكن يحبه ويرضاه لم يكن هذا الرضا مأمورا به ~~لا امر ايجاب ولا امر استحباب فإن من الرضا ما هو كفر كرضا الكفار بالشرك ~~وقتل الانبياء وتكذيبهم ورضاهم بما يسخطه الله ويكرهه # قال تعالى @QB@ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط ~~أعمالهم @QE@ سورة محمد 28 فمن اتبع ما يسخط الله برضاه وعمله فقد اسخط ~~الله # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ان الخطيئة اذا عملت في الأرض كان من غاب ~~عنها ورضيها كمن شهدها ومن شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وانكرها وقال صلى ~~الله PageV02P121 عليه وسلم سيكون بعدي امراء تعرفون وتنكرون فمن انكر فقد ~~برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع # وقال تعالى @QB@ يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى ~~عن القوم الفاسقين @QE@ سورة التوبة 96 فرضانا عن القوم الفاسقين ليس مما ~~يحبه الله ويرضاه وهو لا يرضى عنهم # وقال تعالى @QB@ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا قليل @QE@ سورة التوبة : 38 فهذا رضى قد ذمه الله # وقال تعالى @QB@ إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا ~~بها @QE@ سورة يونس 7 فهذا أيضا مذموم وشواهد هذا كثيرة PageV02P122 # فمن رضي بكفره وكفر غيره وفسقه وفسق غيره ومعاصيه ومعاصي غيره فليس هو ~~متبعا لرضا الله ولا هو مؤمن بالله بل هو مسخط لربه وربه غضبان عليه لا عن ~~له ذام له متوعد له بالعقاب # وطريق الله التي يأمر بها المشايخ المهتدون انما هي الامر بطاعة الله ~~والنهي عن معصيته فمن امر واستحب أو مدح الرضا الذي يكرهه الله ويذمه وينهى ~~عنه ويعاقب اصحابه فهو عدو لله لا ولي لله وهو يصد عن سبيل الله وطريقه ليس ~~بسالك لسبيله وطريقه # واذا كان الرضا الموجود في بني آدم منه ما يحبه الله ومنه ما يكرهه ~~ويسخطه ومنه ما هو مباح لا من هذا ولا من هذا كسائر اعمال القلوب من الحب ~~والبغض وغير ذلك كلها ينقسم إلى ms273 محبوب لله ومكروه لله ومباح فإذا كان الامر ~~كذلك فالراضي الذي لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذه من النار يقال له سؤال ~~PageV02P123 الله الجنة واستعاذته من النار اما ان تكون واجبة واما ان تكون ~~مستحبة واما ان تكون مباحة واما ان تكون محرمة واما ان تكون مكروهة ولا ~~يقول مسلم انها محرمة ولا مكروهة وليست ايضا مباحة مستوية الطرفين ولو قيل ~~انها كذلك ففعل المباح المستوى الطرفين لا ينافي الرضا اذ ليس من شرط ~~الراضي ان لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يفعل امثال هذه الامور فإذا كان ~~ما يفعله من هذه الامور لا ينافي رضاه اينافي رضاه دعاء وسؤال هو مباح # واذا كان الدعاء والسؤال كذلك واجبا أو مستحبا فمعلوم ان الله يرضى بفعل ~~الواجبات والمستحبات فكيف يكون الراضي الذي هو من اولياء الله لا يفعل ما ~~يرضاه الله ويحبه بل يفعل ما يسخطه ويكرهه وهذه صفة اعداء الله لا اولياء ~~الله # والقشيري قد ذكر هذا في اوائل باب الرضا فقال اعلم ان الواجب على العبد ~~ان يرضى بقضاء الله الذي امر PageV02P124 بالرضا به اذ ليس كل ما هو بقضائه ~~يجوز للعبد أو يجب على العبد الرضا به كالمعاصي وفنون محن المسلمين وهذا ~~الذي قاله قاله قبله وبعده وغيره ومعه غير واحد من العلماء كالقاضي أبي بكر ~~والقاضي أبي يعلى وامثالهما لما احتج عليهم بعض القدرية بأن الرضا بقضاء ~~الله مأمور به فلو كانت المعاصي بقضاء الله لكنا مأمورين بالرضا بها الرضا ~~بما نهى الله عنه لا يجوز فأجابهم اهل السنة عن ذلك بثلاثة اجوبة # أحدها وهو جواب هؤلاء وجماهير الائمة ان هذا العموم ليس بصحيح فلسنا ~~مأمورين ان نرضى بكل ما قضى وقدر ولم يجيء في الكتاب والسنة امر بذلك ولكن ~~علينا ان نرضى بما امرنا بالرضا به كطاعة الله ورسوله وهذا هو الذي ذكره ~~أبو القاسم # والجواب الثاني انهم قالوا انا نرضى بالقضاء الذي هو PageV02P125 صفة ~~الله أو فعله ولا نرضى بالمقضى الذي هو مفعوله وفي ms274 هذا الجواب ضعف قد بيناه ~~في غير هذا الموضع # الثالث انهم قالوا ان هذه المعاصي لها وجهان وجه إلى العبد من حيث هي ~~فعله وصنعه وكسبه ووجه إلى الرب من حيث انه خلقها وقضاها وقدرها فنرضى من ~~الوجه الذي يضاف به إلى الله ولا نرضى من الوجه الذي يضاف به إلى العبد اذ ~~كونها شرا وقبيحة ومحرمة وسببا للعذاب والذم ونحو ذلك انما هو من جهة كونها ~~مضافة إلى العبد وهذا مقام فيه من كشف الحقائق والاسرار ما قد ذكرنا منه ما ~~ذكرنا في غير هذا الموضع ولا يحتمله هذا المكان فإن هذا متعلق بمسائل ~~الصفات والقدر وهو من اعظم مطالب الدين واشرف علوم الاولين والاخرين وادقها ~~على عقول اكثر العالمين PageV02P126 # والمقصود هنا ان مشايخ الصوفية وغيرهم من العلماء قد بينوا أن من الرضا ~~ما يكون جائزا ومنه مالا يكون جائزا فضلا عن كونه مستحبا أو من صفات ~~المقربين وان أبا القاسم ذكر في الرسالة ذلك ايضا # فإن قيل هذا الذي ذكرتموه امر بين واضح فمن اين غلط من قال الرضا ان لا ~~تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار وغلط من يستحسن مثل هذا الكلام كائنا ~~من كان # قيل غلطوا في ذلك لأنهم رأوا ان الراضي بأمر لا يطلب غير ذلك الامر ~~فالعبد اذا كان في حال من الاحوال فمن رضاه ان لا يطلب غير تلك الحال ثم ~~انهم رأوا ان اقصى المطالب الجنة واقصى المكاره النار فقالوا ينبغي ان لا ~~يطلب شيئا ولو انه الجنة ولا يكره شيئا ولو انه النار فهذا وجه غلطهم ودخل ~~الضلال عليهم من وجهين # احدهما ظنهم ان الرضا بكل ما يكون امر يحبه الله ويرضاه PageV02P127 وان ~~هذا من اعظم طرق اولياء الله فجعلوا الرضا بكل حادث وكائن أو بكل حال يكون ~~فيها العبد طريقا إلى الله فضلوا ضلالا مبينا الطريق إلى الله انما هي ان ~~ترضيه بأن تفعل ما يحبه ويرضاه لا ان ترضى بكل ما يحدث ويكون فإنه هو لم ~~يأمرك بذلك ms275 ولا رضيه لك ولا احبه بل هو سبحانه يكره ويسخط ويبغض على اعيان ~~أو افعال موجودة لا يحصيها الا هو # وولاية الله موافقته بأن تحب ما يحب وتبغض ما يبغض وتكره ما يكره وتسخط ~~ما يسخط وتوالي من يوالي وتعادي من يعادي فإذا كنت تحب وترضى ما يسخطه ~~ويكرهه كنت عدوه ولا وليه وكان كل ذم نال من رضي ما اسخط الله قد نالك ~~فتدبر هذا فإنه تنبيه على اصل عظيم ضل فيه من طوائف النساك والصوفية ~~والعباد العامة من لا يحصيهم الا الله PageV02P128 # الوجه الثاني انهم لم يفرقوا بين الدعاء الذي امروا به امر ايجاب وامر ~~استحباب وبين الدعاء الذي نهوا عنه أو لم يؤمروا به ولم ينهوا عنه فإن دعاء ~~العبد لربه ومسألته اياه ثلاثة انواع # نوع امر به العبد اما امر ايجاب واما امر استحباب مثل قوله @QB@ اهدنا ~~الصراط المستقيم @QE@ سورة الفاتحة 6 ومثل دعائه في اخر الصلاة كالدعاء ~~الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر به اصحابه فقال اذا قعد احدكم في ~~التشهد فليستعذ بالله من اربع من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا ~~والممات وفتنة المسيح الدجال فهذا دعاء امر به النبي PageV02P129 صلى الله ~~عليه وسلم الصحابة ان يدعوا به في اخر صلاتهم وقد اتفقت الامة على انه ~~مشروع يحبه الله ورسوله ويرضاه وتنازعوا في وجوبه فأوجبه طاووس وطائفة وهو ~~قول في مذهب أحمد والأكثرون قالوا هو مستحب # والادعيه التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بها أو يعلم اصحابه ان ~~يدعوا بها لا تخرج عن ان تكون واجبة أو مستحبه وكل واحد من الواجب والمستحب ~~فالله يحبه ويرضاه ومن فعله رضي الله عنه وارضاه فهل يكون من الرضا ترك ما ~~يحبه ويرضاه # ونوع من الدعاء ينهى عنه كالاعتداء في الدعاء مثل ان يسأل الرجل ما لا ~~يصلح له مما هو من خصائص الانبياء وليس هو بنبي وربما هو من خصائص الرب ~~سبحانه وتعالى مثل ان يسأل لنفسه الوسيلة التي لا تصلح الا ms276 لعبد من عباده ~~او PageV02P130 يسأل الله ان يجعله افضل من اولياء الله حتى يكون افضل من ~~أبي بكر وعمر أو يسأل الله ان يجعله بكل شيء عليم أو على كل شيء قدير أو ~~يرفع عنه كل حجاب يمنعه من مطالعة الغيوب وامثال ذلك أو مثل من يدعوه ظانا ~~انه محتاج إلى عباده وانهم يبلغون ضره ونفعه فيطلب منه ذلك الفعل ويذكر انه ~~اذا لم يفعله حصل له ضير من الخلق فهذا ونحوه جهل بالله واعتداء في الدعاء ~~وان وقع في نحو ذلك طائفة من الشيوخ # ومثل ان يقول اللهم اغفر لي ان شئت فيظن ان الله قد يفعل الشيء مختارا ~~وقد يعقله مكرها كالملوك فيقول اغفر لي ان شئت # وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال لا يقل PageV02P131 احدكم ~~اللهم اغفر لي ان شئت اللهم ارحمني ان شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا ~~مكره له ومثل ان يقصد السجع في الدعاء ويتشهق ويتشدق وامثال ذلك # فهذه الادعية ونحوها منهى عنها ومن الدعاء ما هو مباح كطلب الفضول التي ~~لا معصية فيها # والمقصود ان الرضا الذي هو من طريق الله لا يتضمن ترك واجب ولا ترك مستحب ~~فالدعاء الذي هو واجب أو مستحب لا يكون تركه من الرضا كما ان ترك سائر ~~الواجبات لا يكون من الرضا المشروع ولا فعل المحرمات من الرضا المشروع ~~PageV02P132 فقد تبين غلط هؤلاء من جهة ظنهم ان الرضا مشروع بكل مقدور ومن ~~جهة انهم لم يميزوا بين الدعاء المشروع ايجابا أو استحبابا والدعاء غير ~~المشروع وقد علم بالاضطرار من دين الاسلام ان طلب الجنة من الله والاستعاذة ~~به من النار هو من اعظم الادعية المشروعة لكل أحد من المرسلين والنبيين ~~وجميع الصديقين والشهداء والصالحين وان ذلك لا يخرج عن كونه واجبا أو ~~مستحبا وطريق اولياء الله التي يسلكونها لا تخرج عن فعل واجبات ومستحبات اذ ~~ما سوى ذلك محرم أو مكروه أو مباح لا منفعة فيه في الدين # ثم انه مما اوقع ms277 هؤلاء في هذا الغلط انهم وجدوا كثيرا من الناس لا يسألون ~~الله جلب المنافع ودفع المضار حتى طلب الجنة والاستعاذة من النار من جهة ~~كون ذلك عبادة وطاعة PageV02P133 وخيرا بل من جهة كون النفس تطلب ذلك فرأوا ~~ان من الطريق ترك ما تختاره النفس وتريده وان لا يكون لأحدهم ارادة اصلا بل ~~يكون مطلوبه الجريان تحت القد كائنا من كان وهذا هو الذي ادخل كثيرا منهم ~~في الرهبانية والخروج عن الشريعة حتى تركوا من الاكل والشرب واللباس ~~والنكاح ما يحتاجون اليه وما لا تتم مصلحة دينهم الا به فانهم رأوا العامة ~~تعد هذه الامور عبادة بحكم الطبع والهوى والعادة ومعلوم ان الافعال التي ~~تقع على هذا الوجه لا تكون عبادة ولا طاعة ولا قربة فرأى اولئك ان الطريق ~~إلى الله ترك هذه الامور لأنها من الطبيعيات والعادات فلازموا من الجوع ~~والسهر والخلوة والصمت وغير ذلك مما فيه ترك الحظوظ واحتمال المشاق ما ~~اوقعهم في ترك واجبات ومستحبات وفعل مكروهات ومحرمات PageV02P134 # وكلا الأمرين غير محمود ولا مأمور به ولا طريق إلى الله طريق المفرطين ~~الذين فعلوا هذه الامور المحتاج اليها على غير وجه العبادة والقربة إلى ~~الله وطريق المعتدين الذين تركوا هذه الافعال بل المشروع ان تفعل بنية ~~التقرب إلى الله وان يشكر الله # قال تعالى @QB@ كلوا من الطيبات واعملوا صالحا @QE@ سورة المؤمنون 51 ~~وقال تعالى @QB@ كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله @QE@ سورة البقرة ~~172 فأمر بالأكل والشكر فمن أكل ولم يشكر كان مذموما ومن لم يأكل لم يشكر ~~كان مذموما # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان الله ليرضى عن العبد ~~ان يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها PageV02P135 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد انك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله ~~الا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك # وفي الصحيح ايضا انه اذا انفق الرجل على اهله يحتسبها فهو له صدقه # فكذلك الادعية هب ان من الناس ms278 من يسأل الله جلب المنفعة له ودفع المضرة ~~عنه طبعا وعادة لا شرعا وعبادة فليس من المشروع لي ان ادع الدعاء مطلقا ~~لأجل تقصير هذا وتفريطه بل افعله انا شرعا وعبادة PageV02P136 ثم اعلم ان ~~الذي يفعله شرعا وعبادة انما يسعى في مصلحة نفسه وطلب حظوظه المحمودة فهو ~~يطلب مصلحة دنياه واخرته بخلاف الذي يفعله طبعا فإنه انما يطلب مصلحة دنياه ~~فقط كما قال تعالى فمن الناس من يقول ربنا اتنا في الدنيا وما له في الاخرة ~~من خلاق * ومنهم من يقول ربنا اتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا ~~عذاب النار * اولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب سورة البقرة 200 ~~202 وحينئذ فطالب الجنة والمستعيذ من النار انما يطلب حسنة الاخرة فهو ~~محمود # ومما يبين الامر في ذلك ان يرد قول هؤلاء بأن العبد لا يفعل مأمورا ولا ~~يترك محظورا فلا يصلي ولا يصوم ولا يتصدق ولا يحج ولا يجاهد ولا يفعل شيئا ~~من الخير فإن ذلك انما فائدته حصول الثواب ودفع العقاب فاذا كان هو لا يطلب ~~حصول الثواب الذي هو الجنة ولا دفع العقاب الذي هوالنار فلا يفعل مأمورا ~~ولا يترك محظورا ويقول انا راض بكل ما يفعله بي وان PageV02P137 كفرت وفسقت ~~وعصيت بل يقول انا اكفر وافسق واعصي حتى يعاقبني وارضى بعقابه فأنال درجة ~~الرضا بقضائه وهذا قول من هو اجهل الخلق واحمقهم واضلهم واكفرهم # اما جهله وحمقه فلأن الرضا بذلك ممتنع متعذر ولأن ذلك مستلزم الجمع بين ~~النقيضين واما كفره فلأنه مستلزم لتعطيل دين الله الذي بعث به رسله وانزل ~~به كتبه ولا ريب ان ملاحظة القضاء والقدر اوقعت كثيرا من اهل الارادة من ~~المتصوفة في ان تركوا من المأمور وفعلوا من المحظور ما صاروا به إما ناقصين ~~محرومين وإما عاصين وإما فاسقين وإما كافرين وقد رأيت من ذلك الوانا @QB@ ~~ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ سورة النور 40 # وهؤلاء والمعتزله ونحوهم من القدرية في طرفي نقيض # هؤلاء يلاحظون ms279 القدر ويعرضون عن الامر واولئك يلاحظون الامر ويعرضون عن ~~القدر والطائفتان تظن ان ملاحظة الامر PageV02P138 والقدر متعذر كما ان ~~طائفة تجعل ذلك مخالفا للحكمة والعدل # وهذه الاصناف الثلاثة هي القدرية المجوسية والقدرية المشركية القدرية ~~الابليسية وقد بسطنا الكلام على هذه الفرق في غير هذا الموضع # واكثر ما يبتلى به السالكون اهل الاراداة والعامة في هذا الزمان هي ~~القدرية المشركية فيشهدون القدر ويعرضون عن الامر كما قال فيهم بعض العلماء ~~انت عند الطاعة قدرى وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به وانما ~~المشروع العكس وهوان يكون عند الطاعة يستعين الله عليها قبل الفعل ويشكره ~~عليها بعد الفعل ويجتهد ان لا يعصى فإذا اذنب وعصى بادر إلى التوبة ~~والاستغفار # كما في الحديث سيد الاستغفار ان يقول العبد ابوء لك PageV02P139 بنعمتك ~~علي وابوء بذنبي فاغفر لي وكما في الحديث الصحيح الالهي يا عبادي انما هي ~~اعمالكم احصيها لكم ثم اوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك لا يلومن الا نفسه # ومن هذا الباب دخل قوم من اهل الارادة في ترك الدعاء واخرون جعلوا التوكل ~~والمحبة ونحو ذلك من مقامات العامة وامثال هذه الاغاليط التي قد تكلمنا ~~عليها في غير هنا الموضع PageV02P140 وبينا الفرق بين الصواب والخطأ في ذلك ~~ولهذا وامثاله يوجد في كلام ائمة هؤلاء المشايخ الوصية باتباع العلم ~~والشريعة كقول سهل بن عبدالله التستري رحمه الله العمل بلا اقتداء عيش ~~النفس والعمل بالاقتداء عذاب على النفس وقال كل وجد لا يشهد له الكتاب ~~والسنة فهو باطل وقال الجنيد بن محمد من لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا ~~يقتدى به في هذا الشأن لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة وقال أحمد بن أبي ~~الحواري من عمل عملا بلا اتباع سنة رسول صلى الله عليه وسلم فباطل عمله ~~PageV02P141 # | فصل في السكر واسبابه وأحكامه # قد تكلمت فيما مضى من القواعد على معاني الفناء الموجود في كلام المشايخ ~~والصوفية وانه ثلاثة اقسام قسم كامل للسابقين وقسم ناقص لأصحاب اليمين وقسم ms280 ~~ثالث للظالمين الفاسقين والكافرين # فالأول الفناء عن عبادة ما سوى الله والاستعانة به بحيث لا يعبد الا الله ~~ولا يستعين الا بالله وهذا هو دين الاسلام # والثاني الفناء عن شهود ما سوى الله بحيث يغيب بمشهوده عن شهوده وهذا لمن ~~لم يقدر على الجمع بين شهود الحقائق وعبادة الخالق بل ما شهده عنده ومعبوده ~~واحد فمشهوده واحد وهذا يعتري كثيرا كالعيسوية من هذه الامة الذين لهم وصف ~~العبادة دون الشهادة فلهم قوة في العبادة والانابة والمحبة يجتذبهم ~~PageV02P142 ذلك إلى معبودهم ومقصودهم ومحبوبهم وليس لهم قوة مع ذاك على ~~شهود سائر ما يقوم به من الكائنات وما يستحقه من الاسماء والصفات فهؤلاء ~~اذا لم يتركوا واجبا لم يضرهم وان تركوا مستحبا مشتغلين عنه بما هو افضل ~~منه لم ينقلوا عن مقامهم وان اشتغلوا عما تركوه من المستحب بما ليس مثله ~~فانتقالهم إلى ذلك الافضل افضل اذا امكن والا ففعل المقدور عليه من ~~الصالحات خير من الاهتمام بما يعجز عنه ويصد عن غيره وان تركوا واجبا أو ~~فعلوا محرما مع امكان العلم والقدرة فهم مؤاخذون على ذلك وان كان مع سقوط ~~التمييز لسبب يعذرون به مثل زوال عقل بسبب غير محظور أو سكر بسبب غير محظور ~~أو عجز لا تفريط فيه فلا ذم عليهم وان كان مع التكليف فسبب الذم قائم ثم ~~لهم حكم الله فيهم كما لسائر المؤمنين من كون الذنب صغيرا أو كبيرا مقرونا ~~بحسنات ماحية أو غير ذلك من احكام السيئات مالم يخرجوا إلى القسم الثالث ~~وهو فناء الكافرين وهو جعل وجود الاشياء هو عين وجود الحق أو جود نفسه عين ~~وجوده كما بيناه من مذاهب اهل الحلول والاتحاد في غير هذا الموضع فان هذا ~~كفر وصاحبه كافر بعد قيام الحجة عليه وان كان جاهلا أو متأولا لم تقم عليه ~~الحجة PageV02P143 كالذي قال اذا انا مت فاحرقوني ثم ذروني في اليم فهذا ~~امره إلى الله تعالى # كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~حتى ms281 تعلموا ما تقولون @QE@ سورة النساء 43 فجعل الغاية التي يزول بها حكم ~~السكر ان يعلم ما يقول فمتى كان لا يعلم ما يقول فهو في السكر واذا علم ما ~~يقول خرج عن حكمه فهذا اصل يجب اعتماده وهذا هو حد السكران عند جمهور ~~العلماء # قال أحمد بن حنبل بما نقله عن سعيد بن جبير انه قال اذا لم يعلم بثيابه ~~من ثياب غيره ولا نعله من نعال غيره فجعل ذلك عدم التمييز بين ثوبه وثوب ~~غيره ويروي عن الشافعي انه قال اذا اختلط كلامه المنظوم وافشى سره المكتوم # فالسكر يجمع معنيين وجود لذة وعدم تمييز والذي يقصد السكر قد يقصد احدهما ~~وقد يقصد كلاهما وهو اثم فإن النفس لها اهواء وشهوات تلتذ بنيلها وادراكها ~~والعقل والعلم بما في تلك الافعال من المضرة في الدنيا والاخرة يمنعها عن ~~ذلك فإذا زال العقل الحافظ انبسطت النفس في اهوائها PageV02P144 # وحرم الله السكر لسببين ذكرهما الله في كتابه بقوله @QB@ إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة @QE@ سورة المائدة 91 فأخبر انه يوجب المفسدة الفاشية من ~~النفس بعدم العقل ويمنع المصلحة التي لا تتم الا بالعقل التي خلق لها العبد ~~وهي ذكر الله والصلاة # وقد يكون سبب السكر من الألم كما يكون من اللذة كما قال تعالى @QB@ وترى ~~الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد @QE@ سورة الحج 2 فأخبر ~~انهم يرون سكارى وما هم بسكارى # فإذا عرف ذلك فسبب السكر ما يوجب اللذة ويمنع العلم فمنه السكر بالأطعمه ~~والاشربة المسكرة فإن طاعمها يحصل له بذلك لذة وسرور وهو الحامل لأكثر ~~الناس على شربها ويغيب عقله فتغيب عنه الهموم والاحزان تلك الساعة # ومن الناس من يقصد المنفعة للبدن ولكن يحصل له من المضرة بالأفعال ~~والأقوال التي تتولد عن السكر ويمنع عن المنفعة من ذكر الله والصلاة ~~وغيرهما ما هو اعظم اثما من منفعتها فإن اللذة PageV02P145 الحاصلة بذكر ~~الله والصلاة باقية دافعة للهموم والاحزان ليس ms282 دفعه اياه وقت الصلاة فقط ~~كما قال تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة @QE@ سورة البقرة 45 وقال ~~@QB@ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر @QE@ سورة العنكبوت 45 ففي هذه ~~اللذة والمنفعة العظيمة الشريفة الدافعة للمضار ما يغني عن تلك القاصرة ~~المانعة مما هو اكمل منها والجالبة لمضرة تربي عليها وهذا السكر جسماني # ومن السكر ما يكون بحب الصور اما النساء واما الصبيان فإنه اذا استحكم ~~الحب وحصل للمحب اتصال فقد يسكر كما قال بعضهم % سكران سكر هوى وسكر مدامة ~~% فمتى إفاقة من به سكران % # ووقت الجماع ينقص تمييز اكثر الناس ايضا وهو مبدأ سكر # ومن السكر ايضا ما يكون بحب الرياسة والمال أو شفاء الغيظ فإنه اذا قوى ~~ذلك اوجب سكرا وانما كانت هذه الاشياء قد توجب سكرا لأن السكر شبيه ما يوجب ~~اللذة القاهرة التي تغمر العقل PageV02P146 # وسبب اللذة ادراك المحبوب فإذا كانت المحبة قوية وادراك المحب قويا ~~والعقل والتمييز ضعيفا كان ذلك سببا للسكر لكن ضعف العقل تارة يكون من ضعف ~~نفس الانسان المحب وتارة يكون من قوة السبب الوارد ولهذا يحصل من السكر ~~للمبتدئين في ادراك الرياسة والمال والعشق والخمر ما لا يحصل لمن اعتاد ذلك ~~وتمكن فيه # | فصل ومن أقوى الأسباب المقتضية للسكر سماع الأصوات المريبة من وجهين من # جهة انها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر معها العقل ومن جهة أنها تحرك ~~النفس إلى نحو محبوبها كائنا ما كان فتحصل بتلك الحركة والشوق والطلب مع ما ~~قد تخيل المحبوب وتصوره لذات عظيمة تقهر العقل أيضا فتجتمع لذة الألحان ~~والاشجان ولهذا يقرن سماع الألحان بالشرب كثيرا إما شراب الأجسام وإما شراب ~~النفوس وإما شراب الأرواح وهو ما يقترن بالصوت من الأقوال التي فيها ذكر ~~الحب والمحبوب وأحوالهما فإن سماع الأقوال شراب وغذاء وقوت للقلوب فيجتمع ~~PageV02P147 سماع الحروف الطيبة والاصوات الطيبة فإن ذلك اقوى مما اذا ~~انفرد احدهما مثل سماع كلام يطيب للمستمع بلا اصوات ملحنة مثل من يناجي ~~بحديث لحنه أو يجهر به جهرا قريبا ومثل سماع اصوات طيبة ms283 لا حروف فيها ~~كأصوات الطيور الطيبة واصوات الآلات المصنوعة من العيدان والاوتار والشبابة ~~والصوت الذي يلحنه الآدمي بلا حروف ونحو ذلك فأما اذا اجتمع هذا وهذا فهو ~~اقوى ويؤثر في النفوس تأثيرا عظيما كتأثير الخمر أو اشد # | فصل اذا تبين هذا فاعلم ان اللذة والسرور امر مطلوب بل هو مقصود # كل حي وكونه امرا مطلوبا ومقصودا امر ضروري من وجود الحي وهو في المقاصد ~~والغايات بمنزلة الحس والعلوم البديهية في المبادئ والمقدمات # فإن الانسان بل وكل حي له علم واحساس وله عمل وارادة فعلمه لا يجوز ان ~~يكون كله نظريا استدلاليا يقف على الدليل بل لا بد له من علم بديهي اولى ~~لأنه لو وقف كل علم PageV02P148 على علم اخر لزم الدور أو التسلسل فإنه اذا ~~توقف العلم الثاني على علم اول فالأول ان توقف على ذلك الثاني بحيث لا يكون ~~الا بعده لزم الدور وان توقف على شيء قبل ذلك الاول لزم التسلسل فلا بد من ~~علم اول يحصل ابتداء بلا علم قبله ولا دليل ولا حجة ولا مقدمة # وذلك علم بده النفس وابتدئ فيها وهو اول فيسمى بديهيا واوليا وهو من نوع ~~ما تضطر النفس اليه فيسمى ضروريا فإن النفس تضطر إلى العلم تارة والى العمل ~~اخرى # وذلك العمل الاختيار الارادي له مراد فذلك المراد اما ان يراد لنفسه أو ~~لشيء اخر ولا يجوز ان يكون كل مراد لغيره لانه ان كان الذي قبله دائما لزم ~~الدور وان كان الذي بعده دائما لزم التسلسل فلا بد من مراد مطلوب محبوب ~~لنفسه فإذا حصل المحبوب المطلوب المراد فاقتران اللذة والنعمة والفرح ~~والسرور به على مقدار قوة محبته وارادته وقوته في نفسه امر ذوقي وجودي ~~ضروري ولهذا غلب على كلام العباد الصوفية اهل الارادة والعمل اسم الذوق ~~والسرور والنعمة # فالشهوة والارادة والمحبة والطلب ونحو ذلك من الاسماء PageV02P149 ~~المتقاربة اذا تعقبها الذوق والوجد والادراك والوصول والنيل والاصابة ونحو ~~ذلك من الاسماء المتقاربة تعقب ذلك النعمة والسرور واللذة والطيب ونحو ذلك ~~من ms284 الاسماء المتقاربة # فان جنس اللذة يتعقب ادراك الملائم المطلوب ليس هومدرك الملائم المطلوب ~~كما يعتقده بعض اهل الفلسفة والكلام وكما غلب على اهل التصوف والعبادة ذكر ~~ذلك وغلب على كلام العلماء المتكلمين اهل النظر والبحث والكلام اهل البديهة ~~والنظر والضرورة والدليل والاستدلال # وكل واحد من هذين الامرين تحته اجناس واصناف بعضها حق وبعضها باطل فلهذا ~~وجب اعتبار ذلك جميعه بالكتاب والسنة فخير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى ~~محمد # ولهذا كان ائمة الهدى ممن يتكلم في العلم والكلام أو في العمل والهدى ~~والتصوف يوصون باتباع الكتاب والسنة وينهون عما خرج عن ذلك كما امرهم الله ~~والرسول وكلامهم في ذلك كثير منتشر مثل قول سهل بن عبد الله التستري كل وجد ~~لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل PageV02P150 # | فصل واذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها فهي انما تذم اذا اعقبت الما اعظم # منها أو منعت لذة خيرا منها وتحمد اذا اعانت على اللذة المستقرة وهو نعيم ~~الاخرة التي هي دائمة عظيمة كقوله تعالى وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوا ~~منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع اجر المحسنين * ولأجر الاخرة ~~خير للذين امنوا وكانوا يتقون سورة يوسف 56 57 # وقال تعالى بل تؤثرون الحياة الدنيا * والاخرة خير وابقى سورة الاعلى 16 ~~17 وقال تعالى عن السحرة الذين امنوا @QB@ فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه ~~الحياة الدنيا @QE@ إلى قوله @QB@ والله خير وأبقى @QE@ سورة طه 72 73 # والله سبحانه انما خلق الخلق لدار القرار وهي الجنة والنار فأما الدار ~~الدنيا فمنقطعة ولذاتها لا تصفوا ولا تدوم ابدا بخلاف الاخرة فإن لذاتها ~~ونعيمها صاف من الكدر دائم غير منقطع ليس فيها حزن ولا نصب ولا لغوب واهل ~~الجنة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا يمتخطون بل فيها ما تشتهي ~~الانفس وتلذ الاعين PageV02P151 وهم فيها خالدون فشهوة النفوس ولذة العيون ~~هو النعيم الخالص والخلود هو الدوام والبقاء @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ~~من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون @QE@ سورة السجدة ms285 17 فإن الله اعد ~~لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما ~~اطلعهم عليه # وهذا المعنى هو الذي قاله العبد الصالح حيث قال يا قوم اتبعوني اهدكم ~~سبيل الرشاد * ياقوم انما هذه الحياة الدنيا متاع وان الاخرة هي دار القرار ~~سورة غافر 38 39 فأخبر ان الدنيا متاع نتمتع بها إلى غيرها وان الاخرة هي ~~المستقر # واذا عر ف ان لذات الدنيا ونعيمها انما هي متاع ووسيلة إلى لذات الاخرة ~~وكذلك خلقت فكل لذة اعانت على لذات الاخرة فهو مما امر الله به ورسوله ~~ويثاب على تحصيل اللذة بما يئوب اليه منها من لذات الآخرة التي اعانت هذه ~~عليها ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله من اكله وشربه ولباسه ~~ونكاحه وشفاء غيظه بقهر عدوه في الجهاد في سبيل الله ولذة علمه وايمانه ~~وعبادته وغير ذلك ولذات جسده ونفسه وروحه من اللذات الحسية والوهمية ~~والعقلية PageV02P152 # وكل لذة اعقبت الما في الدار الاخرة أو منعت لذة الاخرة فهي محرمة مثل ~~لذات الكفار والفساق بعلوهم في الأرض وفسادهم مثل اللذة التي تحصل بالكفر ~~والنفاق كلذة الذين اتخذوا من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله ولذة ~~عقائدهم الفاسدة وعباداتهم المحرمة ولذة غلبهم للمؤمنين الصالحين وقتل ~~النفوس بغير حقها والزنا والسرقة وشرب الخمر ولهذا اخبر الله ان لذاتهم ~~املاء ليزدادوا اثما وانها مكر واستدراج مثل اكل الطعام الطيب الذي فيها سم ~~وهذا المعنى قد قررته ايضا في قاعدة السكر # واما اللذة التي لا تعقب لذة في دار القرار ولا الما ولا تمنع لذة دار ~~القرار فهذه لذة باطلة اذ لا منفعة فيها ولا مضرة وزمانها يسير ليس لتمتع ~~النفس بها قدر وهي لا بد ان تشغل عما هو خير منها في الاخرة وان لم تشغل عن ~~اصل اللذة في الاخرة # وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله كل لهو يلهو به الرجل ~~فهو باطل الا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته ms286 امرأته فانهن من الحق رواه ~~مسلم وكقوله لعمر لما دخل عليه وعنده جواري يضربن بالدف فأسكتهن لدخوله ~~وقال ان هذا PageV02P153 رجل لا يحب الباطل فإن هذا اللهو فيه لذة ولولا ~~ذلك لما طلبته النفوس # ولكن ما اعان على اللذة المقصودة من الجهاد والنكاح فهو حق واما ما لم ~~يعن على ذلك فهو باطل لا فائدة فيه ولكن اذا لم يكن فيه مضرة راجحة لم يحرم ~~ولم ينه عنه ولكن قد يكون فعله مكروها لأنه يصد عن اللذة المطلوبة اذ لو ~~اشتغل اللاهي حين لهوه بما ينفعه ويطلب له اللذة المقصودة لكان خيرا له ~~والنفوس الضعيفة كنفوس الصبيان والنساء قد لا تشتغل اذا تركته بما هو خير ~~منها لها بل قد تشتغل بما هو شر منه أو بما يكون التقرب إلى الله بتركه ~~فيكون تمكينها من ذلك من باب الاحسان اليها والصدقة عليها كإطعامها ~~واسقائها فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ان بعض انواع اللهو من الحق ~~وكان الجواري الصغيرات يضربن بالدف عنده وكان صلى الله عليه وسلم يمكنهن من ~~عمل هذا الباطل بحضرته احسانا اليهن PageV02P154 ورحمة بهن وكان هذا الامر ~~في حقه من الحق المستحب المأمور به وان كان هو في حقهن من الباطل الذي لا ~~يؤمر أحد سواهن به كما كان اعطاؤه المؤلفة قلوبهم مأمورا به في حقه وجوبا ~~أو استجابا وإن لم مأمور به لأحد كما كان مزاحه مع من يمزح معه من الاعراب ~~والنساء والصبيان تطييبا لقلوبهم وتفريحا لهم مستحبا في حقه يثاب عليه وان ~~لم يكن اولئك مأمورين بالمزح معه ولا منهيين عن ذلك # فالنبي صلى الله عليه وسلم يبذل للنفوس من الاموال والمنافع ما يتألقها ~~به على الحق المأمور ويكون المبذول مما يلتذ فيه الاخذ ويحبه لان ذلك وسيلة ~~إلى غيره ولا يفعل صلى الله عليه وسلم ذلك مع من لا يحتاج إلى ذلك ~~كالمهاجرين والانصار بل بذل لهم انواعا اخر من الاحسان والمنافع في دينهم ~~ودنياهم # وعمر رضي الله عنه لا يحب هذا ms287 الباطل ولا يحب سماعه PageV02P155 وليس هو ~~مأمورا اذ ذاك من التأليف بما امر به النبي صلى الله عليه وسلم حتى تصبر ~~نفسه على سماعه فكان اعراض عمر عن الباطل كمالا في حقه وحال النبي صلى الله ~~عليه وسلم اكمل # ومحبة النفوس للباطل نقص لكن ليس كل الخلق مأمورين بالكمال ولا يمكن ذلك ~~فيهم فإذا فعلوا ما به يدخلون الجنة لم يحرم عليهم ما لا يمنعهم من دخولها # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال كمل من الرجال ~~كثير ولم يكمل من النساء الا اربعة PageV02P156 هذا مع العلم بأن الجنة ~~يدخلها كثير من النساء والرجال اكثر من الذين كملوا من الطائفتين # | فصل فإذا تبين ان السكر مؤلف من امرين وجودي وهو اللذة وعدمي وهو عدم # العقل والتمييز وقد تقدم الكلام على اللذة وان جنسها لا يذم إلا لمعارض ~~راجح من فوات منفعة أو دخول مضرة وتحمد اذا كانت مقصودة أو معينة على ~~المقصود # واما الوصف الاخر وهو عدم العقل والتمييز فهذا لا يحمد بحال من جهة نفسه ~~فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله مدح وحمد لعدم العقل والتمييز والعلم # بل قد مدح الله العلم والعقل والفقه ونحو ذلك في غير موضع وذم عدم ذلك في ~~مواضع PageV02P157 # مثل قوله تعالى @QB@ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ سور ~~الزمر 9 # وقال @QB@ وما يستوي الأحياء ولا الأموات @QE@ سورة فاطر 22 # وقال تعالى ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون اولئك الذين خسروا ~~انفسهم وضل عنهم ما كانو يفترون إلى قوله @QB@ مثل الفريقين كالأعمى والأصم ~~والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون @QE@ سورة هود 24 # وقال @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ~~ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~أولئك هم الغافلون @QE@ سورة الاعراف 179 # وقال @QB@ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم ~~أضل سبيلا @QE@ سورة الفرقان ms288 44 # وقال @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم @QE@ سورة ~~آل عمران 18 # وقال لتعلموا ان الله على كل شيء قدير وان الله قد احاط بكل شئ علما سورة ~~الطلاق 12 # وقال @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله @QE@ سورة محمد 19 # وقال @QB@ وقل رب زدني علما @QE@ سورة طه 114 PageV02P158 # وقال @QB@ اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم @QE@ سورة ~~المائدة 98 # وقال @QB@ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها @QE@ سورة محمد 24 # وقال أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء سورة ~~الاعراف 185 وقال @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ سورة الحشر 2 # وهذا كثير في القرآن يأمر ويمدح التفكر والتدبر والتذكر والنظر والاعتبار ~~والفقه والعلم والعقل والسمع والبصر والنطق ونحو ذلك من انواع العلم ~~واسبابه وكماله ويذم اضداد ذلك # | فصل فإذا تبين أن جنس عدم العقل والفقه لا يحمد بحال في الشرع بل # يحمد العلم والعقل ويؤمر به أمر إيجاب أو أمر استجاب ولكن من العلم مالا ~~يؤمر به الشخص نوعا أو عينا إما لأنه لا منفعة فيه له لأنه يمنعه عما ينفعه ~~وقد ينهى عنه إذا كان PageV02P159 فيه مضرة له وذلك ان من العلم مالا يحمله ~~عقل الانسان فيضره كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه حدثوا الناس بما ~~يعرفون ودعوا ما ينكرون اتحبون ان يكذب الله ورسوله وقال عبد الله بن مسعود ~~ما من رجل يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم الا كان فتنة لبعضهم # ومن الكلام ما يسمى علما وهو جهل مثل كثير من علوم الفلاسفة واهل الكلام ~~والاحاديث الموضوعة والتقليد الفاسد واحكام النجوم ولهذا روى ان من العلم ~~جهلا ومن القول عيا ومن البيان سحرا # ومن العلم ما يضر بعض النفوس لاستعانتها به على اغراضها الفاسدة فيكون ~~بمنزلة السلاح للمحارب والمال للفاجر ومنه ما لامنفعة فيه لعموم الخلق مثل ~~معرفة دقائق الفلك وثوابته وتوابعه PageV02P160 وحركة كل كوكب فإنه بمنزله ~~حركات التغير عندنا ومنه ما يصد عما ms289 يحتاج اليه فإن الانسان محتاج إلى بعض ~~العلوم والى اعمال واجبة فاذا اشتغل بما لا يحتاج اليه عما يحتاج اليه كان ~~مذموما # فبمثل هذه الوجوه يذم العلم بكونه ليس علما في الحقيقة وان سماه اصحابه ~~وغيرهم علما وهذا كثير حدا أو يكون الانسان يعجز عن حمله أو يدعوه ويعينه ~~على ما يضره أو يمنعه عما ينفعه # وقد يكون في حق الانسان لا محمودا ولا مذموما هذا كله في جنس العلم # وكذلك القوة التي بها يعلم الانسان ويعقل وتسمى عقلا فهذه لا يحمد عدمها ~~ايضا الا اذا كان بوجودها يحصل ضرر فان من الناس من لو جن لكان خيرا له ~~فإنه يرتفع عنه التكليف وبالعقل يقع في الكفر والفسوق والعصيان # فإن العقل قد يراد به القوة الغريزية في الانسان التي بها يعقل وقد يراد ~~به نفس ان يعقل ويعى ويعلم # فالأول قول الامام أحمد وغيره من السلف العقل غريزة والحكمة فطنة ~~PageV02P161 # والثاني قول طوائف من اصحابنا وغيرهم العقل ضرب من العلوم الضرورية # وكلاهما صحيح فإن العقل في القلب مثل البصر في العين يراد به الادراك ~~تارة ويراد به القوة التي جعلها الله في العين يحصل بها الادراك فإن كل ~~واحد من علم العبد واداركه ومن علمه وحركته حول ولكل منهما قوة ولا حول ولا ~~قوة الا بالله # ولهذا تجد المشايخ الاصحاء من الصوفية يوصون بالعلم ويأمرون باتباعه كما ~~تجد الاصحاء من اهل العلم يوصون بالعمل ويأمرون به لما يخاف في كل طريقة من ~~ترك ما يجب من الاخرى # | فصل فهكذا زوال العقل بالسكر هو من نوع زواله بالإغماء والجنون ونحو # ذلك فهذا لا يؤمر به المؤمنون بحال ولا يحمد PageV02P162 منهم وان حصل ~~لهم مع ذلك ذوق ايماني ووجد عرفاني مما هو محمود ومأمور به فذاك هوالمحمود ~~لا عدم العقل والتمييز # ولهذا لم يكن في الصحابة من حاله السكر لا عند سماع القرآن ولا عند غيره ~~ولا تكلم الاولون بالسكر وانما تكلم به طائفة من متأخري الصوفية صار يحصل ~~لهم نوع سكر ms290 بما في قلوبهم من الذوق والوجد مع سقوط التمييز والعقل ويفرقون ~~بين الصحو والسكر # والسكر لهؤلاء هو من جنس الاغماء والغشي الحاصل عند السماع الذي حدث في ~~بعض التابعين من البصريين وغيرهم فإن لسكر والاغماء والغشي كلها زوال العقل ~~والتمييز لكن تفترق اسبابها واذواقها فقد يكون أحد الذوقين والوجدين عن ~~محبة ولذة وقد يكون عن خشية والم وقد يكون عن عجز عن الاداراك لفرط العظمة ~~التي تجلت للإنسان كما وقع لموسى عليه السلام # فهذه الامور يجب ان يعرف انها ليست كمالا مطلقا كالفناء لكن يحمد ما فيها ~~من الامور المحمودة الايمانية من ذوق أو وجد PageV02P163 ايماني مشروع أو ~~محبة ايمانية اوخشية ايمانية ولا يحمد منها ما زاد على المستحب وما شغل عن ~~ما هو احب منه # ويذم منها ما تضمن ترك واجب من علم أو عمل اوفعل محرم لكن اذا كان ~~المذموم بغير تفريط من العبد ولا عن عدوان منه لم يذم منه # وكما ذكرت مثل ذلك في قاعة المولهين وعقلاء المجانين والمغلوبين في ~~احوالهم ومن يسلم اليه حاله ومن لا يسلم اليه حاله فإن السكر نوع من الغلبة ~~ويذم من لم يحصل له من هذه الاحوال ما يجب حصوله كما ينقص من عدم منها ما ~~يستحب حصوله فهكذا يجب التفصيل في هذه الاحوال والله اعلم # | فصل فقد تبين ان أحد وصفي السكر منفعة في الاصل والوصف الاخر اثم كما # قال تعالى عن الخمر @QB@ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من ~~نفعهما @QE@ سورة البقرة 219 وقد يقترن باللذة ما يمنع ان تكون مصلحة اذا ~~استعين بها على اثم وعدوان كما يستعان بالاكل والشرب على الكفر والفسوق ~~والعصيان وقد يقترن PageV02P164 بعدم العقل ما يمنع ان يكون مفسدة اذا ~~استعين به على ترك الاثم والعدوان # فالاصل حمد علم القلب وذوقه ولذته ما لم يشتمل على مفسدة راجحة بل وذوق ~~الجسم ولذته مع علم القلب وعقله لأن هذه كلها خيرات فإن العلم خير وذوق ~~القلب خير واللذة به خير لكن قد ms291 يعارضها ما يجعلها شرا # واذا لم يجتمع التمييز واللذة بل اما صحو بلا لذة أو لذة بلا صحو فقد ~~يترجح هذا تارة وهذا تارة فأما المؤمنون فالصحو خير لهم فإن السكر يصدهم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة ويوقع بينهم العداوة والبغضاء وكذلك العقل خير لهم ~~لأنه يزيدهم ايمانا # واما الكفار فزوال عقل الكافر خير له وللمسلمين اما له فلأنه لا يصده عن ~~ذكر الله وعن الصلاة بل يصده عن الكفر والفسق واما للمسلمين فلأن السكر ~~يوقع بينهم العداوة والبغضاء فيكون ذلك خيرا للمؤمنين وليس هذا اباحة للخمر ~~والسكر ولكنه دفع لشر الشرين بأدناهما # ولهذا كنت امر اصحابنا ان لا يمنعوا الخمر عن اعداء PageV02P165 المسلمين ~~من التتار والكرج ونحوهم واقول اذا شربوا لم يصدهم ذلك عن ذكر الله وعن ~~الصلاة بل عن الكفر والفساد في الأرض ثم انه يوقع بينهم العداوة والبغضاء ~~وذلك مصلحة للمسلمين فصحوهم شر من سكرهم فلا خير في اعانتهم على الصحو بل ~~قد يستحب أو يجب دفع شر هؤلاء بما يمكن من سكر وغيره # فهذا في حق الكفار ومن الفساق الظلمة من اذا صحا كان في صحوه من ترك ~~الواجبات واعطاء الناس حقوقهم ومن فعل المحرمات والاعتداء في النفوس ~~والاموال ما هو اعظم من سكره فإنه اذا كان يترك ذكر الله والصلاة في حال ~~سكره ويفعل ما ذكرته في حال صحوه وإذا كان في حال صحوه يفعل حروبا وفتنا لم ~~يكن في شربه ما هو اكثر من ذلك ثم اذا كان في سكره يمتنع عن ظلم الخلق في ~~النفوس والاموال والحريم ويمسح ببذل اموال تؤخذ على وجه فيه نوع من التحريم ~~ينتفع بها الناس كان ذلك اقل عذابا ممن يصحو فيعتدى على الناس في النفوس ~~والاموال والحريم ويمنع الناس الحقوق التي يجب اداؤها PageV02P166 # فالحاصل انه تجب الموازنة بين الحسنات والسيئات التي تجتمع في هذا الباب ~~وامثاله وجودا وعدما كما قررت مثل ذلك في قاعدة تعارض السيئات والحسنات فان ~~السكر والصحو قد يكونان من هذا الباب وهكذا الكسر ms292 والصحو في الأذواق ~~الايمانية والمواجيد العرفانية # فمن السالكين من اذا حصل له سكر حصل له فيه منفعة وايمان وان كان فيه من ~~النقص وعدم التمييز مما يحتاج معه إلى العقل ما فيه فيكون خيرا من صحو ليس ~~فيه الا الغفلة عن ذكر الله وقسوة القلوب والكفر والفسوق والخيلاء ونحو ذلك ~~من ترك الحسنات وفعل السيئات # واما الصحو المشتمل على العلم والايمان وتذوق صاحبه طعم الايمان ووجد ~~حلاوته فهو خير من السكر بلا شك فعليك بالموازنة في هذه الاحوال والاعمال ~~الباطنة والظاهرة حتى يظهر لك التماثل والتفاضل وتناسب احوال اهل الاحوال ~~الباطنة لذوي الاعمال الظاهرة لا يسما في هذه الازمان المتأخرة التي غلب ~~فيها خلط الاعمال الصالحة بالسيئة في جميع الاصناف لنرجح عند الازدحام ~~والتمانع خير الخيرين وندفع عند الاجتماع شر الشرين PageV02P167 ونقدم عند ~~التلازم تلازم الحسنات والسيئات ما ترجح منها فإن غالب رؤوس المتأخرين ~~وغالب الامة من الملوك والامراء والمتكلمين والعلماء والعباد واهل الاموال ~~يقع غالبا فيهم ذلك # واما الماشون على طريقة الخلفاء الراشدين فليسوا اكثر الأمة ولكن على ~~هؤلاء الماشين على طريقة الخلفاء ان يعاملوا الناس بما امر الله به ورسوله ~~من العدل بينهم واعطاء كل ذي حق حقه واقامة الحدود بحسب الامكان اذ الواجب ~~هو الامر بالمعروف وفعله والنهي عن المنكر وتركه بحسب الامكان فإذا عجز ~~اتباع الخلفاء الراشدين عن ذلك قدموا خير الخيرين حصولا وشر الشرين دفعا ~~والحمد لله رب العالمين # | فصل قال الله تعالى لما اهبط آدم ومن معه إلى الأرض # قلنا اهبطا منها جميعا فأما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ~~ولا فيها يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب النار هم فيه ~~خالدون سورة البقرة 38 39 # وقال تعالى فاما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن ~~اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة اعمى * قال رب لم ~~حشرتني اعمى وقد كنت PageV02P168 بصيرا * قال كذلك اتتك آياتنا فسيتها ~~وكذلك اليوم تنسى سورة طه 123 ms293 126 # وقال قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين * قال ~~فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون * يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا ~~يواري سؤاتكم وريشسا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون * ~~يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوءاتهما انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم انا جعلنا ~~الشياطين اولياء للذين لا يؤمنون سورة الاعراف 24 27 # فأخبر سبحانه بنعمته على بني آدم بما انزله من اللباس الذي يواري سواءتهم ~~ومن الريش وانزاله له كما قال وانزلنا الحديد سورة الحديد 25 @QB@ وأنزل ~~لكم من الأنعام @QE@ سورة الزمر 6 # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما انزل الله داء الا ~~انزل له شفاء PageV02P169 واخبر سبحانه ان لباس التقوى خير من هذا اللباس ~~كما قال لما امرهم بالزاد فقال @QB@ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى @QE@ ~~سورة البقرة 197 فهما لباسان وزادان # ثم قال يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة ينزع ~~عنهما لباسهما ليريهما من سوءاتهما سورة الاعراف 27 فنهى بنى آدم أن ~~يفتتنوا بفتنة الشيطان كما فتن أبويهما وذلك بمعصية الله وطاعة الشيطان في ~~خلاف أمر الله ونهيه وأنه لما نزع عن الأبوين لبأسهم فكذلك قد ينزع عن ~~الذرية لباس التقوى ولباس البدن ليريها سوءاتهما # قال تعالى أنه يراكم هو وقبيلة من حيث لا يرونهم إنا جعلنا الشيطان ~~أولياء للذين لا يؤمنون سورة الأعراف 27 فأخبر PageV02P170 ان الشياطين ~~اولياء للذين لا يؤمنون بهدى الله الذي بعث به رسله # كما قال ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين * وانهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم مهتدون * حتى اذا جاءنا قال يا ليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين سورة الزخرف 36 38 # وكذلك قال الشيطان فبعزتك لاغوينهم اجمعين * الا عبادك منهم المخلصين ~~سورة ص 82 83 قال هذا صراط على مستقيم * ان عبادي ليس لك ms294 عليهم سلطان الا ~~من اتبعك من الغاوين سورة الحجر 41 42 وقال انه ليس له سلطان على الذين ~~امنوا على ربهم يتوكلون * انما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون سورة النحل 99 100 # وقال @QB@ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم ~~لمشركون @QE@ سورة الانعام 121 # ثم اخبر عن اولياء الشيطان الذين لا يؤمنون فقال @QB@ وإذا فعلوا فاحشة ~~قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون @QE@ سورة PageV02P171 الاعراف 28 فقولهم ~~والله امرنا بها يقتضي انهم متدينون بها يرونها عبادة وطاعة كما كان مشركو ~~العرب يطوفون بالبيت عراة ويقولون لا نطوف في الثياب التي عصينا الله فيها ~~إلا الحمس قريش وحلفاؤها فكانوا يطوفون في ثيابهم وكان غيرهم قد يطوف في ~~ثياب احمسى ان حصل له ذلك والا طاف عريانا حتى كانت المرأة تطوف عريانة ~~وربما سترت فرجها بيدها وتقول % اليوم يبدو بعضه أو كله % وما بدا منه فلا ~~احله % # وكان من طاف في ثيابه من الحمس القاها فسميت لقى وحرمت عليه # وكانوا ايضا في الاحرام لا يأكلون من الدهن الذي في الانعام ولهذا لما ~~فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة وغزا تبوك PageV02P172 انزل الله براءة ~~وامره الله بالبراءة إلى اهل العهد المطلق من الشرك وبسيرهم في الأرض اربعة ~~اشهر # وقال @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم @QE@ ~~سورة التوبة 5 فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق اميرا على ~~الحاج وامره ان ينادي ان لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف عريان فكانوا ~~يصرخون بها من الموسم كما ثبت ذلك في الصحيح وغيره في حديث أبي هريرة وغيره ~~وهو من المتواتر واردفه النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب ان لا ~~ينبذ للمعاهدين عهودهم لأن عادتهم كانت ان لا يقبلوا بنبذ العهد وحله الا ~~من الكبير أو بعض اهل بيته فأخرهم النبي صلى الله عليه وسلم اذ ذاك على ~~عادتهم ليقبلوا ms295 ذلك وكان أبو بكر هو الامام الذي يقيم للناس مناسكهم ويصلي ~~بهم ويحكم فيهم وعلى معه ليبلغ رسالة البراءة إلى اهل العهود PageV02P173 ~~فكان اولياء الشيطان اذا فعلوا هذه الفاحشة وهي ابداء السوءات في الطواف ~~يحتجون بشيئين يقولون @QB@ وجدنا عليها آباءنا @QE@ وهذا هو الرجوع إلى ~~العادة والاتباع والتقليد للأسلاف ويقولون @QB@ والله أمرنا بها @QE@ وهذا ~~قول بغير علم PageV02P174 ولهذا قال تعالى قل ان الله لا يأمر بالفحشاء ~~سورة الاعراف 28 فان الفحشاء قبيحة منكرة تنكرها القلوب بفطرتها والله لا ~~يأمر بمنكر وهذا يقتضي ان الافعال القبيحة السيئة تكون على صفات تمنع معها ~~ان الله يأمر بها وفي هذا نزاع معروف بين الناس بيناه في غير هذا الموضع # ثم قال @QB@ أتقولون على الله ما لا تعلمون @QE@ سورة الاعراف 28 أي ~~اتقولون انه امر بهذا وأنتم لا تعلمون انه امر به اذ ليس معكم الا عادة ~~ابائكم ودينكم وأنتم لا تعلمون ان الله انزل بهذا سلطانا # فهذه الاية يدخل فيها كل من تعبد بفاحشة وامر منكر وان احتج بالعادة التي ~~لسلفه أو زعم ان الله يأمر بذلك أو لما يذكره من الاسباب كقول مشركي العرب ~~هذه الثياب عصينا الله فيها فلا نطوف له فيها يريدون وقت العبادة ان ~~يجتنبوا ثياب المعصية # وكذلك تقسيمهم الناس إلى قسمين حمس وغير حمس PageV02P175 واباحتهم للحمس ~~ما يحرم على غيرهم من الطواف في الثياب ومن الطعام وعدم دخول البيوت ~~المنقوبة في الاحرام من ابوابها واسقاطهم عن الحمس الافاضة من عرفة ~~بالافاضة من مزدلفة # فمن هذا الباب ما يدعي قوم من اشراف بني هاشم ومن يزعمون انهم منهم ~~لموافقتهم لهم على رأي كالتشيع وغيره انهم مختصون به في العبادات ~~والمحظورات فهذا نظير ما كانت الحمس تدعيه PageV02P176 ومن هذا الباب ما ~~يفعله قوم من المتزهدة من كشف سوءاتهم في سماعاتهم وحماماتهم أو غير ذلك ~~ويقولون هذا طريقنا وهذا في طريقنا فهذا مثل قولهم @QB@ وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها @QE@ # وابلغ من ذلك تعبد طوائف من المتزهدة والمتعبدة بمعاشرة الاحداث المردان ~~والنساء ms296 الاجانب والنظر اليهم والخلوة بهم والمحبة والهوى فيهم وبما قد ~~يكون وقد لا يكون وراء ذلك من الفاحشة الكبرى # وهذا ابتدأه المشركون من الصابئة وغير الصابئة الذين هم اولياء الشياطين ~~الذين هم مشركون كما ذكر ابن سينا في إشاراته وزعم انه مما يعين على السلوك ~~والتأله العشق العفيف واستماع الاصوات الملحنة كما ذكر ايضا الشرك بعبادة ~~الصور ويذكر هو وطائفته عبادة الكواكب # وهذا في النصارى ايضا منه جانب قوي وهم ايضا قد ابتدعوا شركا لم ينزل ~~الله به سلطانا كما قال تعالى اتخذوا احبارهم PageV02P177 @QB@ ورهبانهم ~~أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا ~~إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ سورة التوبة 31 # ولهذا كثر هذا في طوائف الزهاد والعباد من هذه الامة من المبتدعة ~~الخارجين عن الشريعة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم من هذا الوجه وان ~~كانوا من وجه اخر داخلين فيها # فهذا شأن الطرائق المبتدعة كلها يجتمع فيها الحق والباطل ومن المعلوم ان ~~هذا الذي يفعلونه من الفواحش الظاهرة أو الباطنة # وقد قال تعالى قال انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم ~~والبغي بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون سورة الاعراف 33 # وقال تعالى @QB@ وذروا ظاهر الإثم وباطنه @QE@ سورة الانعام 120 # وقد قال في الصحيحين عن ابن عباس أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~انه قال العينان تزنيان وزناهما النظر الاذنان تزنيان وزناهما السمع ~~واللسان يزني وزناه النطق والقلب يتمنى ذلك ويشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه ~~PageV02P178 # فما كان من السمع والبصر واللسان في هذا الباب فهومن زناه والزنا من ~~الفواحش والله لا يأمر بالفحشاء فالله تعالى لا يأمر ان يعبده ويتقرب اليه ~~بالعشرة للمردان الصباح والنظر اليهم والاصغاء إلى كلامهم ونحو ذلك اتقولون ~~على الله مالا تعلمون سورة الاعراف 28 # بل قد حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وان اتي هذه الفواحش معتقدا ~~تحريمها فهو ms297 من المسلمين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~أبي ذر من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وان زنا وان سرق # فإن المسلم الذي يأتي بفاحشة اما ان يتوب إلى الله ويستغفره فيدخل في ~~قوله والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~ومن يغفر الذنوب الا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * اولئك ~~جزاؤهم مغفرة من PageV02P179 @QB@ ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ونعم أجر العاملين @QE@ سورة ال عمران 135 136 وقال تعالى @QB@ ومن ~~يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما @QE@ سورة ~~النساء 110 # وقال تعالى @QB@ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات ~~يذهبن السيئات @QE@ سورة هود 114 # وفي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ان رجلا اصاب من ~~امرأة قبله فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل عليه @QB@ ~~وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات @QE@ ~~الاية سورة هود 114 قال الرجل إلى هذه الاية قال لمن عمل بها من امتي # وقد قال تعالى @QB@ والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا ~~هم يغفرون @QE@ سورة الشورى 37 PageV02P180 # وقال @QB@ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع ~~المغفرة @QE@ سورة نجم 32 قال ابن عباس ما رأيت شيئا اشبه باللمم مما قال ~~أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ان العينين تزنيان وزناهما النظر ~~وذكر الحديث # والمسلم اذا اتى الفاحشة لا يكفر وان كان كمال الايمان الواجب قد زال عنه ~~كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين ~~يشربها PageV02P181 وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس اليه فيها ~~ابصارهم وهو مؤمن # فأصل الايمان معه وهو قد يعود إلى المعصية ولكنه يكون مؤمنا اذا فارق ~~الدنيا ms298 كما في الصحيح عن عمر ان رجلا كان يدعي حمارا وكان يشرب الخمر وكان ~~كلما اتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم امر بجلده فقال رجل لعنه الله ما ~~اكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله فشهد له بأنه يحب الله ورسوله ونهى عن ~~لعنته كما تقدم في الحديث الاخر الصحيح وان زنا وان سرق # وذلك ان معه اصل الإعتقاد ان الله حرم ذلك ومعه خشيه عقاب الله ورجاء ~~رحمة الله وايمانه بأن الله يغفر الذنب ويأخذ به فيغفر الله له به # كما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P182 ~~وقال اذنب عبد ذنبا فقال أي رب اني اذنبت ذنبا فاغفر لي فقال ربه علم عبدي ~~ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم اذنب ذنبا اخر فقال أي رب ~~اذنبت ذنبا فاغفره لي فقال ربه علم عبدى أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد ~~غفرت لعبدى ثم أذنب ذنبا آخر فقال أي رب قد اذنبت ذنبا فاغفره لي فقال علم ~~عبدي ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء # وكذلك في الصحاح من غير وجه حديث الذي لم يعمل خيرا قط وقال لأهله اذا ~~انا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في يوم ريح الحديث فقال الله له ما ~~حملك على ما فعلت قال خشيتك يا رب فغفر الله له بتلك الخشية # وكذلك من افضل اعمال المؤمن التوبة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للغامريه التي اقرت بالزنا حتى رجمها لقد PageV02P183 تابت توبة لو تابها ~~مكس لغفر له وهل وجدت توبة افضل من ان جادت بنفسها لله # وحديث صلاة التوبة محفوظ في السنن عن علي عن أبي بكر الصديق عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم انه قال ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويحسن الوضوء ثم يصلي ~~ركعتين ويستغفر ms299 الله الا غفر له وقرأ هذه الاية والذين اذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا انفسهم ذكروا الله سورة آل عمران 135 # وهذا باب واسع فان الذنوب التي يبتلى بها العباد يسقط عنهم PageV02P184 ~~عذابها اما بتوبة تجب ما قبلها واما باستغفار واما بحسنات يذهبن السيئات ~~واما بدعاء المسلمين وشفاعتهم أو بما يفعلونه له من البر واما بشفاعة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وغيره فيه يوم القيامة واما ان يكفر الله خطاياه بما ~~يصيبه من المصائب فقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ان ما يصيب المسلم ~~من اذى شوكة فما فوقها الا حط الله بها خطاياه كما تحط الشجرة اليابسة ~~ورقها # واصناف الحسنات التي تكفر بها السيئات كثيرة اكثر من السيئات من انواع ~~البر جميعها كما جاء ذلك في الاحاديث النبوية المطابقة لكتاب الله تعالى # واهل السنة والجماعة متفقون على انه لا يكفر المسلم بمجرد PageV02P185 ~~الذنب كما يقوله الخوارج ولا انه يخرج من الايمان بالكلية كما يقوله ~~المعتزلة لكن ينقص الايمان ويمنع كماله الواجب وان كانت المرجئة تزعم ان ~~الايمان لا ينقص ايضا فمذهب اهل السنة المتبعون للسلف الصالح ان الايمان ~~يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية # فأما استحلال ما حرم الله ورسوله من الفواحش وغيرها فهو كفر وبمثله اهلك ~~الله قوم لوط الذين استحلوا الفاحشة وفعلوها معلنين بها مستحلين لها قال ~~تعالى فلما جاء امرنا جعلنا عاليها سافلها وامطرنا عليها حجارة من سجيل ~~منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد سوة هود 82 83 # وقد روى عن قتادة من الظالمين من هذه الامة وقد روى انه يكون فيها خسف ~~وقذف ومسخ PageV02P186 # وقد شرع الله سبحانه في شريعة اهل التوراة وشريعة اهل القرآن رجم الزاني ~~المحصن بالحجارة كما رجم الله اهل الفاحشة واما اهل الفاحشة واللوطية ~~فيرجمان سواء كانا بكرين أو ثيبين عند جمهور العلماء كما رجم الله قوم لوط ~~وليس في الذنوب ما يعاقب اهله بالرجم الا اهل هذه الفاحشة # وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم غير واحد رجم ms300 اليهوديين ورجم ما عز بن ~~مالك ورجم الغامدية ورجم اخر وكذلك رجم خلفاؤه الراشدون ايضا # وكذلك ما يعاقب الله به اهل ذلك كما روى البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما ~~به وهو داخل في الصحيح الذي شرطه عن عبد الرحمن بن غنم الاشعري انه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليكونن من امتي اقوام يستحلون الحر والحرير ~~والخمر والمعازف ولينزلن اقوام إلى جنب علم يروح عليها بسارحة لهم يأتيهم ~~لحاجتهم فيقولون ارجع الينا غدا فيبيتهم الله PageV02P187 ويضع العلم ويمسخ ~~اخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة # فالعقوبة بما عوقبت به الامم المتقدمة من قذف ومسخ وخسف انما يكون لمن ~~شاركهم فاستحل ما حرمه الله ورسوله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليكونن من امتي اقوام يستحلون ثم قد يستحل بعضهم بعض انواع الخمر بتأويل ~~كما استحل ذلك اهل الكوفة كما روى في الحديث ليكونن من امتي اقوام يستحلون ~~الخمر يسمونها باسم غير اسمها PageV02P188 # فالاستحلال الذي يكون من موارد الاجتهاد وقد أخطأ المستحل في تأويله مع ~~ايمانه وحسناته هو مما غفره الله لهذه الامة من الخطأ في قوله ربنا لا ~~تؤاخذنا ان نسينا أو اخطأنا سورة البقرة 286 كما استحل بعضهم بعض انواع ~~الربا واستحل بعضهم نوعا من الفاحشة وهو اتيان النساء في حشوشهن واستحل ~~بعضهم بعض انواع الخمر واستحل بعضهم استماع المعازف واستحل بعضهم من دماء ~~بعض بالتأويل ما استحل # فهذه المواضع التي تقع من اهل الايمان والصلاح تكون سيئات مكفرة أو ~~مغفورة أو خطأ مغفورا ومع هذا فيجب بيان ما دل عليه الكتاب والسنة من الهدي ~~ودين الحق والامر بذلك والنهي عن خلافة بحسب الامكان # ثم هذه الامور التي كانت من اولئك تكثر وتتغلظ في قوم اخرين بعدهم حتى ~~تنتهي بهم إلى استحلال محارم الله والخروج عن دين الله واذا تغلظت هذه ~~الامور عاقب الله اصحابها بما يشاء PageV02P189 وقد كان بعض الصحابة ظن ان ~~الخمر حرمت على العامة دون الذين امنوا وعملوا الصالحات فشربها متأولا ~~فأحضره عمر واتفق هو ms301 وائمة الصحابة كعلي وغيره على انهم ان اصروا على ~~استحلالها كفروا وان اقروا بالتحريم جلدوا فأقروا بالتحريم ثم حصل لذلك نوع ~~من اليأس والقنوط لما فعل فكتب اليه عمر حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب سورة غافر 1 3 واظنه قال ما ~~ادري أي ذنبيك اعظم اسحلالك الرجس أم يأسك من رحمة الله # وهذا من علم امير المؤمنين وعدله فإن الفقيه كل الفقيه لا يؤيس الناس من ~~رحمة الله ولا يجرئهم على معاصي الله واستحلال المحرمات كفر واليأس من رحمة ~~الله كفر # ولهذا كان دين الله بين الحرورية والمرجئة فالمسلم يذنب ويتوب كما ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه يا عبادي انكم تخطئون ~~بالليل والنهار وانا اغفر الذنوب فاستفغروني اغفر لكم PageV02P190 # وفي صحيح مسلم عنه ايضا من حديث أبي هريرة قال والذي نفسي بيده لو لم ~~تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ونحوه في ~~الصحيح من رواية أبي ايوب # وقال لعائشة لما قيل فيها الإفك يا عائشة ان كنت الممت بذنب فاستغفري ~~الله وتوبى اليه فإن العبد اذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه وان كنت ~~برئية فسيبرئك الله PageV02P191 # وفي الصحيح عن جندب ان النبي صلى الله عليه وسلم حدث ان رجلا قال لا يغفر ~~الله لفلان وان الله قال من الذي يتألى على اني لا أغفر لفلان فإني قد غفرت ~~لفلان واحبطت عملك # وقال الترمذي وابن ماجة عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ~~ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون # وقال ان العبد اذا اذنب نكتت في قلبه نكته سوداء فإن تاب ونزع واستغفر ~~صقل قلبه وان زاد فيها حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي قال الله تعالى فيه ~~كلا بل ران على PageV02P192 قلوبهم ما كانوا يكسبون سورة المطففين 14 وفي ~~صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله يبسط ms302 يده ~~بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس ~~من مغربها وهذا الباب واسع # والله تعالى يقبل توبة العبد من جميع الذنوب الشرك فما دونه كما قال ~~تعالى يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم الاية سورة الزمر 53 # وقال ان الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا الاية سورة البروج ~~10 # وقال تعالى فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ~~سورة التوبة 11 PageV02P193 # وقال تعالى لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة وما من اله الا اله ~~واحد وان لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم * افلا ~~يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم سورة المائدة 73 74 # وقال قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف سورة الانفال 38 # فمن تاب من هذه الاعتقادات الفاسدة وهو استحلال شيء من المحرمات أو ~~التدين بشيء منها قبل الله توبته واما من استحل ذلك أو تدين به وان لم ~~يفعله فالذي يفعل ذلك وهو معتقد للتحريم خير منه فإن هذا مؤمن مذنب واما ~~الاستحلال لها والتدين بها فهو كفر # فأما اهل الاباحة الذين لا يحرمون شيئا من الفواحش وغيرها فهؤلاء كفار من ~~اعظم الناس كفرا # وكذلك استحلال التلو مثل من يظن ان قوله أو ما ملكت ايمانكم سورة النساء ~~3 يتناول الذكران أو يظن قوله ولعبد مؤمن خير من مشرك سورة البقرة 221 هو ~~في الموطوء لا PageV02P194 # في الزوج أو يظن ان ذلك يباح في السفر أو بعد اربعين يوما أو نحو ذلك ~~فهذا يكفر بإجماع المسلمين # ومثل هؤلاء قد يعاقبهم الله بما عاقب به قوم لوط وقد يحشر معهم لأن دينه ~~دينهم بخلاف المقر بتحريم ذلك فإنه مسلم # واما التدين بذلك فهو اعظم من استحلاله وهؤلاء المتدينون ما يكادون ~~يتدينون بنفس فعل الفاحشة الكبرى ولكن بمقدماتها من النظر والتلذذ به ~~والمباشرة والعشق للنسوان الاجانب والصبيان ويزعمون ان ذلك يصفي نفوسهم ~~وارواحهم ويرقيهم إلى الدرجات العالية وفيهم من يزعم ms303 انه يخاطب من تلك ~~الصورة وتتنزل عليه اسرار ومعارف وفيهم من يترقى لغير ذلك فيقول انه يتجلى ~~له فيها الحقائق وربما زعم ان الله يحل فيها سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا وقد يسجدون لها # ومن هؤلاء من يزعم ان دحية الكلبي كان امردا وان جبريل كان يأتي النبي ~~صلى الله عليه وسلم في صورة امرد ويقول له ما احب ان تأتيني الا في صورة ~~امرد # وفيهم من يتأول قوله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في PageV02P195 أحسن ~~صورة وفي صورة كذا وكذا ويجعل الأمرد ربه # وهؤلاء الحلولية والاتحادية منهم من يخصه بالصور الجميلة ويقول مظاهر ~~الجمال ومنهم من يقول بالاتحاد المطلق والحلول المطلق لكن هو يتخذ لنفسه من ~~المظاهر ما يحبه PageV02P196 # فهو كما الله تعالى أرايت من أتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا سورة ~~الفرقان 43 وقال أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على ~~سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون سورة ~~الجاثية 23 # وهؤلاء يجعل أحدهم معبود من جنس موطوئة وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليها اباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاءأتقولون على الله ~~مالا تعلمون سورة الأعراف قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن ~~PageV02P197 تقولوا على الله ما لا تعلمون سورة الاعراف 33 # وكثير من هؤلاء انما ينكر بكلامه اباحة ذلك التعبد به ولكن حاله حال من ~~يتعبد به حتى انهم يتواصون فيما بينهم بأن المريد السالك ينبغي ان يتخذ ~~لنفسه صورة يجتمع عليها ثم يترقى منها إلى الله أو انه يشاهد فيها الله # | فصل في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر # الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي انزل الله به PageV02P198 كتبه ~~وارسل به رسله وهو من الدين فان رسالة الله اما اخبار واما انشاء # فالاخبار عن نفسه عز وجل وعن خلقه مثل التوحيد والقصص الذي ms304 يندرج فيه ~~الوعد والوعيد والانشاء الامر والنهي والاباحة # وهذا كما ذكر في الحديث ان قل هو الله أحد سورة الاخلاص تعدل ثلث القرآن ~~لتضمنها الثلث الذي هو التوحيد لأن القرآن توحيد وامر وقصص # وقوله سبحانه في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالمعروف وينهاهم ~~عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث سورة الاعراف 157 هو لبيان ~~كمال رسالته فإنه صلى الله عليه وسلم هو الذي امر الله على PageV02P199 ~~لسانه بكل معروف ونهى عن كل منكر واحل كل طيب وحرم كل خبيث # ولهذا روى عنه صلى الله عليه وسلم انه قال انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق ~~وقال في الحديث المتفق عليه أنما مثلى ومثل الانبياء كمثل رجل بنى دارا ~~فأتمها وأكملها الا موضع لبنة فكان الناس يطيفون بها ويعجبون من حسنها ~~ويقولون PageV02P200 لولا موضع اللبنة فأنا تلك اللبنة فبه أكمل الله الدين ~~المتضمن للأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر واحلال كل طيب وتحريم كل خبيث # واما من كان قبله من الرسل فقد كان يحرم على اممهم بعض الطيبات كما قال ~~الله تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم سورة النساء ~~160 وربما لم يحرم عليهم جميع الخبائث كما قال تعالى كل الطعام كان حلا ~~لبني اسرائيل الا ما حرم اسرائيل على نفسه من قبل ان تنزل التوراة سورة آل ~~عمران 93 # وتحريم الخبائث يندرج في معنى النهي عن المنكر كما ان احلال الطيبات ~~يندرج في معنى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن تحريم الطيبات هو مما ~~نهى الله عنه وكذلك PageV02P201 الأمر بجميع المعروف والنهي عن كل منكر مما ~~لم يتم الا للرسول الذي تمم الله به مكارم الاخلاق المندرجة في المعرفة # وقد قال الله تعالى اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الاسلام دينا سورة المائدة فقد اكمل الله لنا الدين واتم علينا النعمة ورضي ~~لنا الاسلام دينا # وكذلك وصف الله الامة بما وصف به نبيها حيث قال كنتم خير امة اخرجت للناس ms305 ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله سورة آل عمران 110 وقال ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~سور التوبة 71 # ولهذا قال أبو هريرة رضي الله عنه كنتم خير الناس PageV02P202 للناس ~~تأتون بهم في الاقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة فبين الله سبحانه ان هذه ~~الامة خير الامم للناس فهم انفعهم لهم وأعظمهم أحسانا إليهم لأنهم كملوا ~~أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر من جهة الصفة والقدر حيث امروا بكل ~~معروف ونهوا عن كل منكر لكل أحد واقاموا ذلك بالجهاد في سبيل الله بأنفسهم ~~واموالهم وهذا كمال النفع للخلق # وسائر الامم لم يأمروا كل أحد بكل معروف ولا نهوا كل أحد عن كل منكر ولا ~~جاهدوا على ذلك بل منهم من لم يجاهدوا والذين جاهدوا كبنى اسرائيل فغاية ~~جهادهم كان لدفع عدوهم من ارضهم كما يقاتل الصائل الظالم لا لدعوة ~~المجاهدين إلى الهدى والخير ولا لأمرهم بالمعروف PageV02P203 ونهيهم عن ~~المنكر كما قال موسى لقومه ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ~~ولا ترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين * قالوا يا موسى ان فيها قوما ~~جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون إلى ~~قوله فاذهب انت وربك فقاتلا انا ها هنا قاعدون سورة المائدة 2421 # وكما قال تعالى الم تر إلى الملا من بني اسرائيل من بعد موسى اذ قالوا ~~لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم ان كتب عليكم ~~القتال الا تقاتلوا قالوا وما لنا الا نقاتل في سبيل الله وقد اخرجنا من ~~ديارنا وابنائنا سورة البقرة 246 فعللوا القتال بأنهم اخرجوا من ديارهم ~~وابنائهم ومع هذا كانوا ناكلين عما امروا به من ذلك ولهذا لم تحل الغنائم ~~لهم ولم يكونوا يطؤون بملك اليمين PageV02P204 ومعلوم ان اعظم الامم ~~المؤمنين قبلنا هم بنو اسرائيل كما جاء في الحديث المتفق على صحته في ~~الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال خرج علينا النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms306 فقال عرضت على البارحة الانبياء بأممهم فجعل يمر النبي ومعه الرجل ~~والنبي معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد ورأيت سوادا كثيرا ~~سد الأفق وفي رواية فإذا الطريق ممتلئة بالرجال فرجوت ان يكون امتي فقلت ~~هذه امتي فقيل هذا موسى في بني اسرئيل ولكن انظر هكذا وهكذا PageV02P205 ~~فرأيت سوادا كثيرا قد سد الافق فقيل هؤلاء امتك ومع هؤلاء سبعون الفا ~~يدخلون الجنة بغير حساب فتفرق الناس ولم يتبين لهم فتذاكر اصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا اما نحن فولدنا في الشرك ولكنا امنا بالله ورسوله ~~ولكن هؤلاء أبناؤنا فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال هم الذين لا يكتوون ~~ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال امنهم ~~انا يا رسول الله قال نعم فقام اخر فقال امنهم انا فقال سبقك بها عكاشة # ولهذا كان اجماع هذه الامة حجة لأن الله قد اخبر انهم PageV02P206 يأمرون ~~بكل معروف وينهون عن كل منكر فلو اتفقوا على اباحة محرم أو اسقاط واجب أو ~~تحريم حلال أو اخبار عن الله أو خلقه بباطل لكانوا متصفين بالامر بمنكر ~~والنهي عن معروف والامر بالمنكر والنهي عن المعروف ليس من الكلم الطيب ~~والعمل الصالح بل الاية تقتضي ان ما لم تأمر به الأمة فليس من المعروف وما ~~لم تنه عنه فليس من المنكر واذا كانت امرة بكل معروف ناهية عن كل منكر فكيف ~~يجوز ان تأمر كلها بمنكر أو تنهي كلها عن معروف # والله سبحانه وتعالى كما اخبر بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فقد ~~اوجب ذلك على الكفاية منها بقوله ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون سورة آل عمران 104 # واذا اخبر بوقوع الامر بالمعروف والنهي عن المنكرمنها PageV02P207 لم يكن ~~من شرط ذلك ان يصل امر لامر ونهى الناهي منها إلى كل مكلف في العالم اذ ليس ~~هذا من شرط تبليغ الرسالة فكيف يشترط فيما هو من توابعها بل الشرط ان ms307 يتمكن ~~المكلفون من وصول ذلك اليهم ثم اذا فرطوا فلم يسعوا في وصوله اليهم مع قيام ~~فاعله بما يجب عليه كان التفريط منهم لا منه # وكذلك وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على كل أحد بعينه بل ~~هو على الكفاية كما دل عليه القرآن ولما كان الجهاد من تمام ذلك كان الجهاد ~~ايضا كذلك فإذا لم يقم به من يقوم بواجبه اثم كل قادر بحسب قدرته اذ هو ~~واجب على كل انسان بحسب قدرته # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم ~~يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان PageV02P208 واذ كان ~~كذلك فمعلوم ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واتمامه بالجهاد هو من ~~اعظم المعروف الذي امرنا به ومن النهي عن المنكر اقامة الحدود على من خرج ~~من شريعة الله ويجب على اولى الامر وهم علماء كل طائفة وامراؤها ومشايخها ~~ان يقوموا على عامتهم ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر فيأمرونهم بما ~~امر الله به ورسوله مثل شرائع الاسلام وهي الصلوات الخمس في مواقيتها وكذلك ~~الصدقات المشروعة والصوم المشروع وحج البيت الحرام ومثل الايمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والايمان بالقدر خيره وشره ومثل الاحسان ~~وهو ان تبعد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فانه يراك # ومثل ما امر الله به ورسوله من الامور الباطنة والظاهرة ومثل اخلاص الدين ~~لله والتوكل على الله وان يكون الله ورسوله احب اليه مما سواهما والرجاء ~~لرحمة الله والخشية من عذابه والصبر لحكم الله والتسليم لأمر الله # ومثل صدق الحديث والوفاء بالعهود واداء الامانات إلى اهلها وبر الوالدين ~~وصلة الارحام والتعاون على البر والتقوى والاحسان إلى الجار واليتيم ~~والمسكين وابن السبيل والصاحب والزوجة PageV02P209 والمملوك والعدل في ~~المقال والفعال ثم الندب إلى مكارم الاخلاق مثل ان تصل من قطعك وتعطى من ~~حرمك وتعفو عن ظلمك # ومن الامر بالمعروف كذلك الامر بالائتلاف والاجتماع والنهي عن الاختلاف ~~والفرقة وغير ذلك # واما المنكر الذي نهى الله ms308 عنه ورسوله فأعظمه الشرك بالله وهو ان يدعو مع ~~الله الها اخر كالشمس والقمر والكواكب أو كملك من الملائكة أو نبي من ~~الانبياء أو رجل من الصالحين أو أحد من الجن أو تماثيل هؤلاء أو قبورهم أو ~~غير ذلك مما يدعى من دون الله تعالى أو يستغاث به أو يسجد له فكل هذا ~~واشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله # ومن المنكر كل ما حرمه الله كقتل النفس بغير الحق واكل اموال الناس ~~بالباطل بالغصب أو بالربا أو الميسر والبيوع والمعاملات التي نهى عنها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكذلك قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وتطفيف المكيال ~~والميزان والاثم والبغي وكذلك العبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك # والرفق سبييل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر PageV02P210 ولهذا قيل ~~ليكن امرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر # واذا كان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من اعظم الواجبات أو المستحبات ~~فالواجبات والمستحبات لا بد ان تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة اذ ~~بهذا بعثت الرسل وانزلت الكتب والله لا يحب الفساد بل كل ما امر الله به ~~فهو صلاح وقد اثنى الله على الصلاح والمصلحين والذين امنوا وعملوا الصالحات ~~وذم الفساد والمفسدين في غير موضع فحيث كانت مفسدة الامر والنهي اعظم من ~~مصلحته لم يكن مما امر الله به وان كان قد ترك واجب وفعل محرم إذ لمؤمن ~~عليه ان يتقى الله في عباد الله وليس عليه هداهم وهذا من معنى قوله تعالى ~~يا PageV02P211 ايها الذين امنوا عليكم انفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم ~~سورة المائدة 105 # والاهتداء انما يتم بأداء الواجب فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضال ~~وذلك يكون تارة بالقلب وتارة باللسان وتارة باليد # فأما القلب فيجب بكل حال اذا لا ضرر في فعله ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن ~~كما قال النبي صلى الله ms309 عليه وسلم وذلك ادنى أو اضعف الايمان وقال ليس وراء ~~ذلك من الايمان حبه خردل وقيل لأبن مسعود رضي الله عنه من ميت الاحياء فقال ~~الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا وهذا هو PageV02P212 المفتون الموصوف ~~بأن قلبه كالكوز مجخيا في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في الصحيحين ~~تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير الحديث وهنا يغلط فريقان من الناس # فريق يترك ما يجب من الامر والنهي تأويلا لهذه الاية كما قال أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه في خطبته ايها الناس انكم تقرأون هذه الاية عليكم ~~انفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم سورة المائدة 105 وانكم تضعونها في غير ~~موضعها واني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ان الناس اذا رأوا المنكر ~~فلم يغيروه أو شك ان يعمهم الله بعقاب منه PageV02P213 والفريق الثاني من ~~يريد ان يأمر وينهي اما بلسانه واما بيده مطلقا من غير فقه ولا حكم ولا صبر ~~ولا نظر في ما يصلح من ذلك وما لا يصلح وما يقدر عليه وما لا يقدر كما في ~~حديث أبي ثعلبه الخشني سألت عنها اي الاية رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال بل ائتمروا بالعروف وتناهوا عن المنكر حتى اذا رأيت شحا مطاعا وهوى ~~متبعا ودينا مؤثرة واعجاب كل ذي رأى برأيه ورأيت امرأ لا يدان لك به فعليك ~~بنفسك ودع عنك امر العوام فإن من ورائك ايام الصبر الصبر فيهن مثل قبض على ~~الجمر للعامل فيهن كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله فيأتي بالأمر والنهي ~~معتقدا انه مطيع في PageV02P214 ذلك لله ورسوله وهو معتد في حدوده كما نصب ~~كثير من اهل البدع والاهواء نفسه للأمر والنهي كالخوارج والمعتزلة والرافضة ~~وغيرهم من غلط فيما اتاه من الامر والنهي والجهاد وغير ذلك فكان فساده اعظم ~~من صلاحه # ولهذا امر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الائمة ونهى عن ~~قتالهم ما اقاموا الصلاة وقال ادوا اليهم حقوقهم وسلوا الله حقوقكم وقد ~~بسطنا القول في ms310 ذلك في غير هذا الموضع # ولهذا كان من اصول اهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الائمة ~~وترك القتال في الفتنة واما اهل الاهواء PageV02P215 كالمعتزلة فيرون ~~القتال للأئمة من اصول دينهم # ويجعل المعتزلة اصول دينهم خمسة التوحيد الذي هو سلب الصفات والعدل الذي ~~هو التكذيب بالقدر والمنزلة بين المنزلتين وانفاذ الوعيد والامر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر الذي فيه قتال الائمة وقد تكلمت على قتال الائمة في ~~غيرهذا الموضع # وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما اذا تعارضت المصالح والمفاسد ~~والحسنات والسيئات أو تزاحمت فانه يجب ترجيح الراجح منها فيما اذا ازدحمت ~~المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد فإن الأمر والنهى وإن كان ~~متضمنا لتحصل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من ~~المصالح أو يحصل من المفاسد اكثر لم يكن مأمورا به بل يكون محرما اذا كانت ~~مفسدته اكثر من مصلحته PageV02P216 لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو ~~بميزان الشريعة فمتى قدر الانسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها ولا اجتهد ~~رأيه لمعرفة الاشباه والنظائر وقل ان تعوز النصوص من يكون خبيرا بها ~~وبدلالتها على الاحكام # وعلى هذا اذا كان الشخص اوالطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون ~~بينهما بل اما ان يفعلوهما جميعا أو يتركوهما جميعا لم يجز ان يؤمروا ~~بمعروف ولا ان ينهوا عن منكر بل ينظر فإن كان المعروف اكثر امر به وان ~~استلزم ما هو دونه من المنكر ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف اعظم منه ~~بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وزوال فعل الحسنات # وان كان المنكر اغلب نهي عنه وان استلزم فوات ما هو PageV02P217 دونه من ~~المعروف ويكون الامر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه امرا بمنكر ~~وسعيا في معصية الله ورسوله # وان تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما فتارة ~~يصلح الامر وتارة يصلح النهي وتارة لا يصلح لا امر ولا نهي ms311 حيث كان المنكر ~~والمعروف متلازمين وذلك في الامور المعينة الواقعة # واما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا وينهى عن المنكر مطلقا وفي ~~الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها ويحمد ~~محمودها ويذم مذمومها بحيث لا يتضمن الامر بمعروف فوات معروف اكبر منه أو ~~حصول منكر فوقه ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو انكر منه أو فوات ~~معروف ارجح منه PageV02P218 واذا اشتبه الأمر استثبت المؤمن حتى يتبين له ~~الحق فلا يقدم على الطاعة الا بعلم ونية واذا تركها كان عاصيا فترك الامر ~~الواجب معصية وفعل ما نهى عنه من الامر معصية وهذا باب واسع ولا حول ولا ~~قوة الا بالله # ومن هذا الباب اقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي وامثاله ~~من ائمة النفاق والفجور لما لهم من الاعوان فإزالة منكره بنوع من عقابه ~~مستلزمة ازاله معروف اكبر من ذلك بغضب قومه وحميتهم وبنفور الناس اذا سمعوا ~~ان محمدا يقتل اصحابه # ولهذا لما خطب الناس في قصة الإفك بما خاطبهم به PageV02P219 واعتذر منه ~~وقال له سعد بن معاذ قوله الذي احسن فيه حمى له سعد بن عبادة مع حسن ايمانه ~~وصدقه وتعصب لكل منهم قبيله حتى كادت تكون فتنة # واصل هذا ان تكون محبة الانسان للمعروف وبغضه للمنكر وارادته لهذا ~~وكراهته لهذا موافقا لحب الله وبغضه وارادته وكراهته الشرعيتين وان يكون ~~فعله للمحبوب ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته فإن الله لا يكلف نفسا الا ~~وسعها وقد قال فاتقوا الله ما استطعتم سورة التغابن 16 PageV02P220 فأما حب ~~القلب وبغضه وارادته وكراهته فينبغي ان تكون كاملة جازمة لا يوجب نقص ذلك ~~الا نقص الايمان واما فعل البدن فهو بحسب قدرته ومتى كانت ارادة القلب ~~وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل ~~الكامل كما قد بيناه في غير هذا الموضع # فإن من الناس من يكون حبه وبغضه وارادته وكراهته بحسب محبته نفسه وبغضها ~~لا بحسب محبة الله ورسوله وبغض الله ورسوله وهذا ms312 من نوع الهوى فإن اتبعه ~~الانسان فقد اتبع هواه ومن اضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله سورة القصص ~~50 فإن اصل الهوى هو محبة النفس ويتبع ذلك بغضها والهوى نفسه وهو الحب ~~والبغض الذي في النفس لا PageV02P221 يلام العبد عليه فإن ذلك لا يملكه ~~وانما يلام على اتباعه # كما قال تعالى يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ~~ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله سورة ص 26 # وقال تعالى @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ سورة القصص ~~50 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية ~~والقصد في الفقر والغنى وكلمة الحق في الغضب والرضا وثلاث مهلكات شح مطاع ~~وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه # والحب والبغض يتبعه ذوق عند وجود المحبوب والمبغض PageV02P222 ووجد ~~وارادة وغير ذلك فمن اتبع ذلك بغير امر الله ورسوله فهو ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله بل قد يتمادى به الامر إلى ان يتخذ الهه هواه # واتباع الاهواء في الديانات اعظم من اتباع الاهواء في الشهوات فإن الاول ~~حال الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين كما قال تعالى @QB@ فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين @QE@ سورة القصص 50 # وقال تعالى ضرب لكم مثلا من انفسكم هل لكم مما ملكت ايمانكم الاية إلى ~~قوله @QB@ بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم @QE@ سورة الروم 28 29 # وقال تعالى وقد فضل لكم ما حرم عليكم الا ما PageV02P223 @QB@ اضطررتم ~~إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم @QE@ سورة الانعام 119 الاية # وقال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ سورة ~~المائدة 77 # وقال تعالى @QB@ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن ~~هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم ms313 بعد الذي جاءك من العلم ما لك من ~~الله من ولي ولا نصير @QE@ سورة البقرة 120 وقال تعالى في الاية الاخرى ~~@QB@ ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ~~@QE@ سورة البقرة 145 وقال @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم @QE@ سورة المائدة 49 # ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من المنسوبين إلى العلماء ~~والعباد يجعل من اهل الاهواء كما كان PageV02P224 السلف يسمونهم اهل ~~الاهواء وذلك ان كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه والعلم بالدين لا يكون ~~الا بهدي الله الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم # ولهذا قال الله تعالى في موضع @QB@ وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ~~@QE@ سورة الانعام 119 # وقال في موضع اخر @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ سورة ~~القصص 50 # فالواجب على العبد ان ينظر في نفس حبه وبغضه ومقدار حبه وبغضه هل هو ~~موافق لأمر الله ورسوله وهو هدى الله الذي انزله على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بحيث يكون مأمورا بذلك الحب والبغض لا يكون متقدما فيه بين يدي الله ~~ورسوله فإنه قد قال تعالى @QB@ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله @QE@ سورة ~~الحجرات 1 PageV02P225 ومن احب أو ابغض قبل ان يأمره الله ورسوله ففيه نوع ~~من التقدم بين يدي الله ورسوله # ومجرد الحب والبغض هو هوى لكن المحرم منه اتباع حبه وبغضه بغير هدى من ~~الله ولهذا قال الله لنبيه داود @QB@ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن ~~الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد @QE@ سورة ص 21 فأخبر ان من اتبع ~~هواه اضله ذلك عن سبيل الله وهو هداه الذي بعث به رسوله وهو السبيل اليه # وتحقيق ذلك ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من اوجب الاعمال ~~وافضلها واحسنها وقد قال تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ سورة ~~الملك 2 وهو كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله خلصه واصوبه فإن العمل اذا ~~كان خالصا ولم ms314 يكن PageV02P226 صوابا لم يقبل واذا كان صواباه ولم يكن ~~خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص ان يكون لله والصواب ان يكون ~~على السنة # فالعمل الصالح لا بد ان يراد به وجه الله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل ~~من العمل الا ما اريد به وجهه وحده # كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول ~~الله تعالى انا اغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا اشرك فيه غيري فأنا منه ~~برئ وهو كله للذي اشرك # وهذا هو التوحيد الذي هو اصل الاسلام وهو دين الله الذي بعث به جميع رسله ~~وله خلق الخلق وهو حقه على عباده ان PageV02P227 يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ~~ولا بد مع ذلك ان يكون العمل صالحا وهو ما امر الله به ورسوله وهو الطاعة ~~فكل طاعة عمل صالح وكل عمل صالح طاعة وهو العمل المشروع المسنون اذ المشروع ~~المسنون هو المأمور به امر ايجاب أو استحباب وهو العمل الصالح وهو الحسن ~~وهو البر وهو الخير وضده المعصية والعمل الفاسد والسيئة والفجور والشر ~~والظلم والبغي # ولما كان العمل لا بد فيه من شيئين النية والحركة كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم اصدق الاسماء حارث وهمام فكل أحد حارث وهمام له عمل ونية ~~PageV02P228 لكن النية المحمودة التي يتقبلها الله ويثيب عليها هي ان يراد ~~الله وحده بذلك العمل والعمل المحمود هو الصالح وهو المأمور به # ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه اللهم اجعل عملى كله ~~صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا # واذا كان هذا حد كل عمل صالح فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب ان ~~يكون كذلك هذا في حق الامر الناهي بنفسه ولا يكون عمله صالحا ان لم يكن ~~بعلم وفقه كما قال عمر بن عبد العزيز من عبدالله بغير علم كان ما ~~PageV02P229 يفسد اكثر مما يصلح وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه ~~العلم امام العمل ms315 والعمل تابعه # وهذا ظاهر فإن القصد والعمل ان لم يكن بعلم كان جهلا وضلالا واتباعا ~~للهوى كما تقدم وهذا هو الفرق بين اهل الجاهلية واهل الاسلام فلا بد من ~~العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما ولا بد من العلم بحال المأمور وحال ~~المنهي ومن الصلاح ان يأتي بالامر والنهي على الصراط المستقيم وهو اقرب ~~الطرق إلى حصول المقصود # ولا بد في ذلك من الرفق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما كان الرفق ~~في شيء الا زانه ولا كان العنف في شيء الا شانه وقال صلى الله عليه وسلم ان ~~الله رفيق يحب الرفق PageV02P230 في الامر كله وقال ان الله رفيق يحب الرفق ~~ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف # ولا بد ايضا ان يكون حليما صبورا على الاذى فلا بد ان يحصل له اذى فإن لم ~~يحلم ويصبر كان ما يفسد اكثر مما يصلح # كما قال لقمان لابنه @QB@ وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما ~~أصابك إن ذلك من عزم الأمور @QE@ سورة لقمان 17 # ولهذا امر الله الرسل وهم ائمة الامر بالمعروف والنهي عن PageV02P231 ~~المنكر بالصبر كقوله لخاتم الرسل عليه السلام بل ذلك مقرون بتبليغ الرسالة ~~فإنه اول ما ارسل انزلت عليه سورة @QB@ يا أيها المدثر @QE@ بعد ان انزلت ~~عليه سورة اقرأ التي به نبئ فقال الله تعالى يا ايها المدثر * قم فأنذر * ~~وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر ~~سورة المدثر 1 7 فافتتح آيات الارسال إلى الخلق بالامر بالانذار وختمها ~~بالامر بالصبر ونفس الانذار امر بالمعروف ونهي عن المنكر فعلم انه يجب بعد ~~ذلك الصبر # وقال تعالى @QB@ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا @QE@ سورة الطور 48 وقال ~~تعالى @QB@ واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا @QE@ سورة المزمل 10 ~~وقال @QB@ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل @QE@ سورة الاحقاف 35 وقال ~~فاصبر لحكم PageV02P232 @QB@ ربك ولا تكن كصاحب الحوت @QE@ سورة القلم 48 ~~وقال @QB@ واصبر وما صبرك إلا بالله @QE@ سورة النحل 127 وقال واصبر فإن ~~الله ms316 لا يضيع اخر المحسنين سورة هود 115 # فلا بد من هذه الثلاثة العلم والرفق والصبر العلم قبل الأمر والنهي ~~والرفق معه والصبر بعده وان كان كل من الثلاثة لا بد ان يكون مستصحبا في ~~هذه الاحوال # وهذا كما جاء في الاثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا ذكره القاضي أبو يعلى ~~في المعتمد لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر الا من كان فقيها فيما يأمر ~~به فقيها فما ينهي عنه رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه حليما فيما ~~يأمر به حليما فيما ينهى عنه # وليعلم ان اشتراط هذه الخصال في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ~~يوجب صعوبته على كثير من النفوس فيظن انه بذلك يسقط عنه فيدعه وذلك قد يضره ~~اكثر مما يضره الامر بدون هذه الخصال أو اقل فإن ترك الامر الواجب معصية ~~وفعل ما نهى عنه في الامر معصية فالمنتقل من معصية الى PageV02P233 معصية ~~اكبر منها كالمستجير من الرمضاء بالنار والمنتقل من معصية إلى معصية ~~كالمتنقل من دين باطل إلى دين باطل قد يكون الثاني شرا من الاول وقد يكون ~~دونه وقد يكونان سواء فهكذا تجد المقصر في الامر والنهي والمعتدي فيه قد ~~يكون ذنب هذا اعظم وقد يكون ذنب ذاك اعظم وقد يكونان سواء # ومن المعلوم بما ارانا الله من اياته في الافاق وفي انفسنا وبما شهد به ~~في كتابه ان المعاصي سبب المصائب فسيئات المصائب والجزاء هي من سيئات ~~الاعمال وان الطاعة سبب النعمة فإحسان العبد العمل سبب لاحسان الله # قال تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ ~~سورة الشورى 30 وقال تعالى @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك @QE@ سورة النساء 79 وقال تعالى @QB@ إن الذين تولوا منكم ~~يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ~~@QE@ PageV02P234 سورة آل عمران 155 وقال تعالى @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة ~~قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم @QE@ سورة آل ms317 عمران 165 ~~وقال @QB@ أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير @QE@ سورة الشورى 34 وقال @QB@ ~~وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور @QE@ سورة الشورى 48 وقال ~~تعالى @QB@ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون @QE@ سورة الانفال 33 # وقد اخبر الله سبحانه بما عاقب به اهل السيئات من الامم كقوم نوح وعاد ~~وثمود وقوم لوط واصحاب مدين وقوم فرعون في الدنيا واخبر بما سيعاقبهم به في ~~الاخرة # ولهذا قال مؤمن آل فرعون يا قوم اني اخاف عليكم مثل يوم الاحزاب * مثل ~~دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد * ويا ~~قوم اني اخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ~~ومن يضلل الله فما له من هاد سورة غافر 30 33 PageV02P235 وقال تعالى @QB@ ~~كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر @QE@ سورة القلم 33 # وقال @QB@ سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم @QE@ سورة التوبة 101 ~~وقال @QB@ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون @QE@ ~~سورة السجدة 21 وقال @QB@ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين @QE@ سورة ~~الدخان 10 إلى قوله @QB@ يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون @QE@ سورة ~~الدخان 16 # ولهذا يذكر الله في عامة سور الانذار ما عاقب به اهل السيئات في الدنيا ~~وما اعده لهم في الاخرة وقد يذكر في السورة وعد الاخرة فقط اذ عذاب الاخرة ~~اعظم وثوابها اعظم وهي دار القرار وانما يذكر ما يذكره من الثواب والعقاب ~~في الدنيا تبعا # كقوله في قصة يوسف @QB@ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ~~نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر @QE@ PageV02P236 @QB@ المحسنين ولأجر ~~الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ سورة يوسف 56 57 # وقال @QB@ فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة @QE@ سورة آل عمران ~~148 # وقال والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبؤئنهم في الدنيا حسنة ~~ولأجرة الاخرة اكبر لو كانوا يعلمون * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون سورة ~~النحل 41 42 وقال عن ms318 إبراهيم عليه الصلاة والسلام @QB@ وآتيناه أجره في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين @QE@ سورة العنكبوت 27 # واما ذكره لعقوبة الدنيا والاخرة ففي مثل والنازعات غرقا * والناشطات ~~نشطا سورة النازعات 201 ثم قال يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة سورة ~~النازعات فذكر القيامه مطلقا # ثم قال هل اتاك حديث موسى * اذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى * اذهب إلى ~~فرعون انه طغى سورة النازعات 15 PageV02P237 17 إلى قوله @QB@ إن في ذلك ~~لعبرة لمن يخشى @QE@ سورة النازعات 26 # ثم ذكر المبدأ أو المعاد مفصلا فقال @QB@ أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها ~~@QE@ إلى قوله @QB@ فإذا جاءت الطامة الكبرى @QE@ سورة النازعات 34 إلى ~~قوله تعالى فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * ~~وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى سورة ~~النازعات 37 41 إلى آخر السورة # وكذلك في المزمل ذكر قوله وذرنى والمكذبين اولى النعمة ومهلهم قليلا * ان ~~لدينا انكالا وجحيما سورة المزمل 11 12 إلى قوله @QB@ فأخذناه أخذا وبيلا ~~@QE@ سورة المزمل 16 # وكذلك في سورة الحاقة ذكر قصص الامم كثمود وعاد وفرعون ثم قال تعالى @QB@ ~~فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة @QE@ PageV02P238 @QB@ وحملت الأرض والجبال ~~فدكتا دكة واحدة @QE@ سورة الحاقة 13 14 إلى تمام ما ذكره من امر الجنة ~~والنار # وكذلك في سورة ن والقلم ذكر قصة اهل البستان الذين منعوا حق اموالهم وما ~~عاقبهم به ثم قال @QB@ كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ~~@QE@ سورة القلم 33 # وكذلك في سورة التغابن قال ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال ~~امرهم ولهم عذاب اليم * ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا ابشر ~~يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد سورة التغابن 5 6 ثم ~~قال @QB@ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن @QE@ سورة ~~التغابن 7 وكذلك في سورة ق ذكر حال المخالفين للرسل وذكر الوعد والوعيد في ~~الاخرة # وكذلك في سورة القمر ذكر هذا وهذا وكذلك في ال حم مثل ms319 حم غافر والسجدة ~~والزخرف والدخان غير ذلك الى PageV02P239 غير ذلك مما لا يحصى فإن التوحيد ~~والوعد والوعيد من اول ما انزل # كما في صحيح البخاري عن يوسف بن ماهك قال اني عند عائشة أم المؤمنين رضي ~~الله عنها اذا جاءها عراقي فقال أي الكفن خير قالت ويحك وما يضرك قال يا أم ~~المؤمنين اريني مصحفك قالت لم قال لعلي أؤلف القرآن عليه فإنه يقرأ غير ~~مؤلف قالت وما يضرك ايه قرأت قبل انما نزل اول ما نزل منه سورة من المفصل ~~فيها ذكر الجنة والنار حتى اذا ثاب الناس إلى الاسلام نزل الحلال والحرام ~~ولو نزل اول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر ابدا ولو نزل لا ~~تزنوا لقالوا لا ندع الزنا ابدا لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم ~~واني لجارية العب @QB@ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى @QE@ PageV02P240 ~~@QB@ وأمر @QE@ سورة القمر 46 وما نزلت سورة البقرة والنساء الا وانا عنده ~~قال فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور # واذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يندب الرجل أو ~~الطائفة ويسكت أخرون عن الامر والنهي فيكون ذلك من ذنوبهم وينكر عليهم ~~اخرون انكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم فيحصل التفرق والاختلاف والشر ~~وهذا من اعظم الفتن والشرور قديما وحديثا اذ الانسان ظلوم جهول والظلم ~~والجهل انواع فيكون ظلم الاول وجهله من نوع وظلم كل من الثاني والثالث ~~وجهلهما من نوع اخر واخر # ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك ورأى ان ما وقع بين امراء الأمة ~~وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها ومن تبعهم من العامة من الفتن ~~هذا اصلها PageV02P241 يدخل في ذلك اسباب الضلال والغي التي هي الاهواء ~~الدينية والشهوانية وهي البدع في الدين والفجور في الدنيا # وذلك ان اسباب الضلال والغي التي هي البدع في الدين والفجور في الدنيا ~~مشتركة تعم بني آدم لما فيهم من الظلم والجهل فبذنب بعض الناس يظلم نفسه ~~وغيره بفعل الزنا أو التلوط أو غيره ms320 أو بشرب خمر أو ظلم في المال بجناية أو ~~سرقة أو غصب ونحو ذلك # ومعلوم ان هذه المعاصي وان كانت مستقبحة مذمومة في العقل والدين فهي ~~مشتهاة في الطباع ايضا ومن شأن النفوس انها لا تحب اختصاص غيرها بشيء ~~وزيادته عليها لكن تريد PageV02P242 ان يحصل لها ما حصل له وهذا هو الغبطة ~~التي هي ادنى نوعي الحسد فهي تريد الاستعلاء على الغير والاستئثار دونه أو ~~تحسده وتتمنى زوال النعمة عنه وان لم يحصل ففيها من إرادة العلو والفساد ~~والاستكبار والحسد ما مقتضاه انها تختص عن غيرها بالشهوات فكيف اذا رأت ~~الغير قد استأثر عليها بذلك واختص بها دونها # فالمعتدل منهم في ذلك الذي يحب الاشتراك والتساوي واما الاخر فظلوم حسود ~~وهذان يقعان في الامور المباحة والامور المحرمة لحق الله فما كان جنسه ~~مباحا من اكل وشرب ونكاح ولباس وركوب واموال اذا وقع فيها الاختصاص حصل ~~بسببه الظلم والبخل والحسد واصلها الشح # كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال إياكم والشح فان الشح ~~اهلك من كان قبلكم امرهم بالبخل فبخلوا وامرهم بالظلم فظلموا وامرهم ~~بالقطيعة فقطعوا PageV02P243 # ولهذا قال الله تعالى في وصف الانصار والذين تبوأوا الدار والايمان من ~~قبلهم أي من قبل المهاجرين @QB@ ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا @QE@ ~~سورة الحشر 9 أي لا يجدون الحسد مما اوتي اخوانهم من المهاجرين @QB@ ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة @QE@ سورة الحشر 9 # ثم قال @QB@ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون @QE@ سورة التغابن 16 # ورؤى عبد الرحمن بن عوف يطوف بالبيت ويقول رب قنى شح نفسي رب قني شح نفسي ~~رب قنى شح نفسي فقيل له في ذلك فقال اذا وقيت شح نفسي فقد وقيت البخل ~~والظلم والقطيعة أو كما قال # فهذا الشح الذي هو شدة حرص النفس يوجب البخل بمنع PageV02P244 ما هو عليه ~~والظلم بأخذ مال الغير ويوجب قطيعة الرحم ويوجب الحسد وهو كراهة ما اختص به ~~الغير وتمنى زواله والحسد فيه بخل وظلم فانه بخل ms321 بما اعطيه عن غيره وظلمه ~~بطلب زوال ذلك عنه # فإذا كان هذا في جنس الشهوات المباحة فكيف بالمحرمة كالزنا وشرب الخمر ~~ونحو ذلك واذا وقع فيها اختصاص فإنه يصير فيها نوعان # أحدهما احدهما بغضها لما في ذلك من الاختصاص والظلم كما يقع في الامور ~~المباحة الجنس # أحدهما والثاني بغضها لما في ذلك من حق الله ولهذا كانت الذنوب ثلاثة ~~أقسام # احدها ما فيه ظلم للناس كالظلم بأخذ الأموال ومنع PageV02P245 الحقوق ~~والحسد ونحو ذلك # والثاني ما فيه ظلم للنفس فقط كشرب الخمر والزنا اذا لم يتعد ضررهما # والثالث ما يجتمع فيه الأمران مثل ان يأخذ المتولى أموال الناس يزنى بها ~~ويشرب بها الخمر ومثل ان يزني بمن يرفعه على الناس بذلك السبب ويضرهم كما ~~يقع ممن يحب بعض النساء والصبيان # وقد قال الله تعالى قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم ~~والبغي بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على ~~الله مالا تعلمون سورة الاعراف 33 # وامور الناس انما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد PageV02P246 يكون ~~فيه الاشتراك في بعض انواع الإثم اكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وان ~~لم يشترك في اثم # ولهذا قيل ان الله يقيم الدولة العادلة وان كانت كافرة ولا يقيم الظالمة ~~وان كانت مسلمة ويقال الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم ~~والاسلام # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس ذنب اسرع عقوبة من البغي وقطيعة ~~الرحم فالباغي يصرع في الدنيا وان كان مغفورا له مرحوما في الاخرة # وذلك ان العدل نظام كل شيء فإذا اقيم امر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن ~~لصاحبها في الأخرة من خلاق PageV02P247 ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وان كان ~~لصاحبها من الايمان ما يجزي به في الاخرة فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها ~~بالعلو عليه الحسد له والتعدي عليه في حقه وفيها داعي الظلم لنفسها بتناول ~~الشهوات القبيحة كالزنا وأكل الخبائث فهي قد تظلم من لا ms322 يظلمها وتؤثر هذه ~~الشهوات وان لم يفعلها غيرها فإذا رأت نظراءها قد ظلموا أو تناولوا هذه ~~الشهوات صار داعي هذه الشهوات أو الظلم فيها اعظم بكثير وقد تصبر ويهيج ذلك ~~لها من بغض ذلك الغير وحسده وطلب عقابه وزوال الخير عنه ما لم يكن فيها قبل ~~ذلك ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين بكون ذلك الغير قد ظلم نفسه ~~والمسلمين وان امره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب والجهاد على ذلك من ~~الدين PageV02P248 والناس هنا ثلاثة اقسام قوم لا يقومون إلا في اهواء ~~نفوسهم فلا يرضون الا بما يعطونه ولا يغضبون الا لما يحرمونه فإذا اعطى ~~احدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال أو الحرام زال غضبه وحصل رضاه وصار ~~الأمر الذي كان عنده منكرا ينهى عنه ويعاقب عليه ويذم صاحبه ويغضب عليه ~~مرضيا عنه وصار فاعلا له وشريكا فيه ومعاونا عليه ومعاديا لمن ينهى عنه ~~وينكر عليه # وهذا غالب في بني آدم يرى الانسان ويسمع من ذلك ما لا يحصيه الا الله ~~وسببه ان الانسان ظلوم جهول فلذلك لا يعدل بل ربما كان ظالما في الحالين ~~يرى قوما ينكرون على المتولى ظلمه لرعيته واعتداءه عليهم فيرضى اولئك ~~PageV02P249 المنكرين ببعض الشيء من منصب أو مال فينقلبون اعوانا له واحسن ~~احوالهم ان يسكنوا عن الانكار عليه # وكذلك تراهم ينكرون على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي حتى يدخلوا ~~احدهم معهم في ذلك أو يرضوه ببعض ذلك فتراه حينئذ قد صار عونا لهم # وهؤلاء قد يعودون بإنكارهم إلى اقبح من الحال التي كانوا عليها وقد ~~يعودون إلى ما هو دون ذلك أو نظيره # وقوم يقومون قومه ديانة صحيحة يكونون في ذلك مخلصين لله مصلحين فيما ~~عملوه ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما اوذوا فهؤلاء هم الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وهم من خير امة اخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ويؤمنون بالله PageV02P250 وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا وهم غالب ~~المؤمنين فمن فيه دين وله شهوة تجتمع في قلوبهم ارادة الطاعة وارادة ms323 ~~المعصية وربما غلب هذا تارة وهذا تارة # وهذه القسمة الثلاثية كما قيل الانفس ثلاث امارة ومطمئنة ولوامة فالأولون ~~هم اهل الانفس الامارة التي تأمرهم بالسوء والأوسطون هم اهل النفوس ~~المطمئنة التي قيل فيها يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية ~~فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي سورة الفجر 27 30 # والاخرون هم اهل النفوس اللوامة التي تفعل الذنب ثم تلوم عليه وتتلوم ~~تارة كذا وتارة كذا أو تخلط عملا صالحا وأخر سيئا وهؤلاء يرجى ان يتوب ~~عليهم اذا اعترفوا بذنوبهم كما PageV02P251 قال الله تعالى @QB@ وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن ~~الله غفور رحيم @QE@ سورة التوبة 102 # ولهذا لما كان الناس في زمن أبي بكر وعمر اللذين امر المسلمون بالاقتداء ~~بهما كما قال صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر اقرب ~~عهدا بالرسالة وأعظم ايمانا وصلاحا وأئمتهم اقوم بالواجب واثبت في ~~الطمأنينة لم تقع فتنة اذ كانوا في حكم القسم الوسط # ولما كان في اخر خلافة عثمان في خلافة على رضي الله PageV02P252 عنهما ~~كثر القسم الثالث فصار فيهم شهوة وشبهة مع الايمان والدين وصار ذلك في بعض ~~الولاة وبعض الرعايا ثم كثر ذلك بعد فنشأت الفتنة التي سببها ما تقدم من ~~عدم تمحيص التقوى والطاعة في الطرفين واختلاطما بنوع من الهوى والعصبية في ~~الطكرفين وكل منهما متأول أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وان معه الحق ~~والعدل ومع هذا التأويل نوع من الهوى ففيه نوع من الظن وما تهوى الانفس وان ~~كانت احدى الطائفتين اولى بالحق من الاخرى فلهذا يجب على المؤمن ان يستعين ~~بالله ويتوكل عليه في ان يقيم قلبه ولا يزيغه ويثبته على الهدى والتقوى ولا ~~يتبع الهوى # كما قال تعالى @QB@ فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل ~~آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم @QE@ PageV02P253 @QB@ الله ~~ربنا وربكم @QE@ سورة الشورى 15 وهذا ايضا حال الامة فيما تفرقت فيه ~~واختلفت في المقالات والعبادات ms324 # وهذه الامور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين فإنهم يحتاجون إلى شيئين ~~إلى دفع الفتنة التي ابتلى بها نظراؤهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم مع ~~قيام المقتضى لها فإن معهم نفوسا وشياطين كما مع غيرهم # فمع وجود ذلك من نظرائهم يقوى المقتضى عندهم كما هو الواقع فيقوى الداعي ~~الذي في نفس الانسان وشيطانه ودواعي الخير كذلك وما يحصل من الداعي بفعل ~~الغير والنظير # فكم من الناس لم يرد خيرا ولا شرا حتى رأى غيره PageV02P254 لا سيما ان ~~كان نظيره يفعله ففعله فإن الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض # ولهذا كان المبتدئ بالخير وبالشر له مثل من تبعه من الاجر والوزر كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة من غير ان ينقص من اجورهم شيئا ومن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر ~~من عمل بها إلى يوم القيامة من غير ان ينقص من اوزارهم شيئا وذلك لاشتراكهم ~~في الحقيقة وان حكم الشيء حكم نظيره وشبيه الشيء منجذب اليه # فإذا كان هذان داعيين قويين فكيف اذا انضم اليهما داعيان اخران ~~PageV02P255 وذلك ان كثيرا من اهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه ~~ويبغضون من لا يوافقهم وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم ~~لموافقيهم ومعاداتهم لمخالفيهم وكذلك في امور الدنيا والشهوات كثيرا ما ~~يختار اهلها ويؤثرون من يشاركهم في امورهم وشهواتهم اما للمعاونة على ذلك ~~كما في المتغلبين من اهل الرياسات وقطاع الطريق ونحو ذلك واما لتلذذهم ~~بالموافقة كما في المجتمعين على شرب الخمر مثلا فإنهم يحبون ان يشرب كل من ~~حضر عندهم واما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير اما حسدا له على ذلك وما لئلا ~~يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم وإما لئلا يكون له عليهم حجة وإما لخوفهم من ~~معاقبته لهم بنفسه أو بمن يرفع ذلك اليهم ولئلا PageV02P256 يكونوا تحت ~~منته وحظره ونحو ذلك من الاسباب # قال الله تعالى @QB@ ود كثير من أهل الكتاب ms325 لو يردونكم من بعد إيمانكم ~~كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق @QE@ سورة البقرة 109 ~~وقال تعالى في المنافقين @QB@ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء @QE@ ~~سورة النساء 89 وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه ودت الزانية لو زنى النساء ~~كلهن # والمشاركة قد يختارونها في نفس الفجور كالاشتراك في شرب الخمر والكذب ~~والاعتقاد الفاسد وقد يختارونها في النوع الثاني كالزاني الذي يود ان غيره ~~يزني أو السارق الذي يود ان غيره يسرق لكن في غير العين التي زنى بها أو ~~سرقها # وأما الداعي الثاني فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم PageV02P257 عليه ~~من المنكر فإن شاركهم والا عادوه وآذوه على وجه قد ينتهي إلى حد الاكراه أو ~~لا ينتهي إلى حد الاكراه # ثم ان هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم أو يأمرونه ~~بذلك ويستعينون به على ما يريدونه متى شاركهم وعاونهم واطاعهم انتقصوه ~~واستخفوا به وجعلوا ذلك حجة عليه في امور اخرى وان لم يشاركهم عادوه وآذوه ~~وهذه حال غالب الظالمين القادرين # وهذا الموجود في المنكر موجود نظيره في المعروف وابلغ منه كما قال الله ~~تعالى @QB@ والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ سورة البقرة 165 فإن داعي الخير ~~اقوى فإن الانسان فيه داع يدعوه إلى الايمان والعلم الصدق والعدل واداء ~~الامانة فاذا وجد من يعمل مثل ذلك صار له داع اخر لا سيما اذا كان نظيره لا ~~سيما مع المنافسة وهذا محمود حسن فإن وجد من يحب موافقته على ذلك ومشاركته ~~له من المؤمنين والصالحين ومن يبغضه اذا لم يفعل PageV02P258 ذلك صار له ~~داع ثالث فإذا امروه بذلك ووالوه على ذلك وعادوه وعاقبوه على تركه صار له ~~داع رابع # ولهذا يؤمر المؤمنون ان يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات كما يقابل ~~الطبيب المرض بضده فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفسه وذلك بشيئين بفعل الحسنات ~~وبترك السيئات وهذه اربعة انواع # ويؤمر ايضا بإصلاح غيره بهذه الانواع الاربعة بحسب قدرته وامكانه قال ~~تعالى والعصر * ان الانسان لفي خسر ms326 * الا الذين امنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر سورة العصر 1 3 # وروى عن الشافعي رضي الله عنه انه قال لو فكر الناس كلهم في سورة العصر ~~لكفتهم وهو كما قال PageV02P259 فإن الله تعالى اخبر فيها ان جميع الناس ~~خاسرون الا من كان في نفسه مؤمنا صالحا ومع غيره موصيا بالحق موصيا بالصبر # واذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سببا لعلو الدرجة وعظيم الاجر ~~كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم اي الناس اشد بلاء قال الانبياء ثم ~~الصالحون ثم الامثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه ~~صلابة زيد في بلائه وان كان في دينه رقة خفف عنه وما يزال البلاء بالمؤمن ~~حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة وحينئذ فيحتاج من الصبر إلى ما لا ~~يحتاج اليه غيره وذلك هو سبب PageV02P260 الامامة في الدين كما قال تعالى ~~@QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ ~~سورة السجدة 24 # فلا بد من الصبر على فعل الحسن المأمور وترك السيء المحظور ويدخل في ذلك ~~الصبر على الاذى وعلى ما يقال والصبر على ما يصيبه من المكاره والصبر عن ~~البطر عند النعم وغير ذلك من انواع الصبر # ولا يمكن العبد ان يصبر ان لم يكن له ما يطمئن له ويتنعم به ويغتذى به ~~وهو اليقين # كما في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم انه قال يا ايها الناس سلوا الله اليقين والعافية فانه لم يعط ~~أحد بعد اليقين خيرا من العافية فسلوهما الله PageV02P261 وكذلك اذا امر ~~غيره بحسن أو احب موافقته له على ذلك أو نهى غيره عن شيء فيحتاج ان يحسن ~~إلى ذلك الغير إحسانا يحصل به مقصود من حصول المحبوب واندفاع المكروه فإن ~~النفوس لا تصبر على المر الا بنوع من الحلو لا يمكن غير ذلك # ولهذا امر الله تعالى بتأليف القلوب حتى جعل للمؤلفة قلوبهم نصيبا في ~~الصدقات وقال تعالى لنبيه ms327 صلى الله عليه وسلم @QB@ خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين @QE@ سورة الاعراف 199 وقال تعالى @QB@ وتواصوا بالصبر ~~وتواصوا بالمرحمة @QE@ سورة البلد 17 فلا بد ان يصبر وان يرحم وهذا هو ~~الشجاعة والكرم # ولهذا يقرن الله تعالى بين الصلاة والزكاة تارة وهي PageV02P262 الاحسان ~~إلى الخلق وبينها وبين الصبر تارة # ولا بد من الثلاثة الصلاة والزكاة والصبر لا تقوم مصلحة المؤمنين الا ~~بذلك في صلاح نفوسهم واصلاح غيرهم لا سيما كلما قويت الفتنة والمحنة فإن ~~الحاجة إلى ذلك تكون اشد فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بنى آدم لا ~~تقوم مصلحة دينهم ولا ديناهم الا بهما # ولهذا فإن جميعهم يتمادحون بالشجاعة والكرم حتى ان ذلك عامة ما يمدح به ~~الشعراء ممدوحيهم فس شعرهم وكذلك يتذامون بالبخل والجبن # والقضايا التي يتفق عليها عقلاء بني آدم لا تكون الا حقا كاتفاقهم على ~~مدح الصدق والعدل وذم الكذب والظلم # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الاعراب PageV02P263 حتى ~~اضطروه إلى سمرة فتعلقت بردائه فالتفت اليهم وقال والذي نفسي بيده لو ان ~~عندي عدد هذه العضاة نعما لقسمته عليكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا ~~كذوبا # ولكن يتنوع ذلك بتنوع المقاصد والصفات فإنما الاعمال بالنيات وانما لكل ~~امرئ من نوى ولهذا جاء الكتاب والسنة بذم البخل والجبن ومدح الشجاعة ~~والسماحة في سبيل الله دون ما ليس في سبيله # فقال النبي صلى الله عليه وسلم شر ما في المرء شح هالع PageV02P264 وجبن ~~خالع وقال النبي صلى الله عليه وسلم من سيدكم يا بني سلمة فقالوا الجد بن ~~قيس على انا نزنه بالبخل فقال وأي داء أدوى من البخل وفي رواية ان السيد لا ~~يكون بخيلا بل سيدكم الابيض الجعد بشر بن البراء بن معرور # وكذلك في الصحيح قول جابر بن عبد الله لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما ~~اما ان تعطيني واما ان تبخل عني فقال تقول واما ان تبخل عني واي داء ادوى ~~من البخل فجعل البخل من اعظم الامراض PageV02P265 # وفي صحيح ms328 مسلم عن سلمان بن ربيعة قال قال عمر رضي الله عنه قسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم قسما فقلت يا رسول الله والله لغير هؤلاء احق به منهم فقال ~~انهم خيروني بين ان يسألوني بالفحش وبين ان يبخلوني ولست بباخل يقول انهم ~~يسألوني مسألة لا تصلح فإن اعطيتهم والا قالوا هو بخيل فقد خيروني بين ~~امرين مكروهين لا يتركوني من احدهما المسألة الفاحشة والتبخيل والتبخيل اشد ~~فأدفع الاشد بإعطائهم # والبخل جنس تحته انواع كبائر وغير كبائر قال الله تعالى @QB@ ولا يحسبن ~~الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما ~~بخلوا به يوم القيامة @QE@ سورة آل عمران 180 PageV02P266 # وقال @QB@ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا @QE@ سورة ~~النساء 36 إلى قوله ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا * الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل سورة النساء 36 37 و # قال تعالى وما منعهم ان تقبل منهم نفقاتم الا انهم كفروا بالله وبرسوله ~~ولا يأتون الصلاة الا وهم كسالى ولا ينفقون الا وهم كارهون سورة التوبة 54 # وقال فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه سورة التوبة 76 77 # وقال @QB@ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه @QE@ سورة محمد 38 # وقال فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراءون * ~~ويمنعون الماعون سورة الماعون 407 # وقال والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~اليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهروهم الاية ~~سورة التوبة PageV02P267 34 35 وكثير من الاي في القرآن من الامر بالايتاء ~~والاعطاء وذم من ترك ذلك كله ذم للبخل # وكذلك ذمه للجبن كثير في مثل قوله @QB@ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا ~~لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ~~@QE@ سورة الانفال 16 # وقوله عن المنافقين ويحلفون بالله انهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم ~~يفرقون * لو ms329 يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا اليه وهم يجمحون سورة ~~التوبة 56 57 # وقوله @QB@ فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم ~~مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت @QE@ سورة محمد 20 # وقوله ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا ايديكم واقيموا الصلاة وأتوا الزكاة ~~فلما كتب عليهم القتال اذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أواشد خشية ~~وقالوا ربنا لم كتبت PageV02P268 @QB@ علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل ~~قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا @QE@ سورة ~~النساء 77 # وما في القرآن من الحض على الجهاد والترغيب فيه وذم الناكلين عنه ~~والتاركين له كله ذم للجبن # ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم الا بالشجاعة والكرم بين ~~الله سبحانه انه من تولى عنه بترك الجهاد بنفسه ابدل الله به من يقوم بذلك ~~ومن تولى عنه بإنفاق ماله ابدل الله به من يقوم بذلك فقال يا ايها الذين ~~امنوا مالكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ارضيتم ~~بالحياة الدنيا من الاخرة فما متاع الحياة الدنيا في الاخرة الا قليل * الا ~~تنفروا يعذبكم عذابا اليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل ~~شيء قدير سورة التوبة 38 39 # وقال تعالى @QB@ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في @QE@ PageV02P269 @QB@ ~~سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم ~~الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم @QE@ سورة محمد ~~38 # وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل الله السابقين فقال @QB@ لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى @QE@ سورة الحديد 10 # وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله ومدحه في غير آية من كتابه وذلك ~~هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه وطاعة رسوله وملاك الشجاعة الصبر الذي ~~يتضمن قوة القلب وثباته ولهذا قال تعالى @QB@ كم من فئة قليلة ms330 غلبت فئة ~~كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين @QE@ سورة البقرة 249 # وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا @QE@ ~~PageV02P270 واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * واطيعوا الله ورسوله ولا ~~تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين سورة الانفال 45 ~~46 # والشجاعة ليست هي قوة البدن فقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب وانما ~~هي قوة القلب وثباته فأن القتال مداره على قوة البدن وصنعته للقتال وعلى ~~قوة القلب وخبرته به والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة دون التهور الذي لا ~~يفكر صاحبه ولا يميز بين المحمود والمذموم ولهذا كان القوي الشديد هو الذي ~~يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح فأما المغلوب حين ~~غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد # وقد تقدم ان جماع ذلك هو الصبر فإنه لا بد منه والصبر صبران صبر عند ~~الغضب وصبر عند المصيبة كما قال الحسن رحمه PageV02P271 الله ما تجرع عبد ~~جرعة اعظم من جرعة حلم عند الغضب وجرعة صبر عند المصيبة # وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم وهذا هوالشجاع الشديد الذي يصبر ~~على المؤلم والمؤلم ان كان مما يمكن دفعه اثار الغضب وان كان مما لا يمكن ~~دفعه اثار الحزن ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار ~~القدرة ويصفر عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز # ولهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن ~~عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ما تعدون ~~الرقوب فيكم قالوا الرقوب الذي لا يولد له قال ليس ذاك بالرقوب ولكن الرقوب ~~الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا ثم قال ماتعدون الصرعة فيكم قلنا الذي لا ~~يصرعه الرجال فقال ليس PageV02P272 بذلك ولكن الصرعة الذي يملك نفسه عند ~~الغضب فذكر ما يتضمن الصبر عند المصيبة والصبر عند الغضب # قال الله تعالى في المصيبة @QB@ وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة ~~قالوا إنا لله وإنا إليه ms331 راجعون @QE@ الاية سورة البقرة 155 156 # وقال تعالى في الغضب @QB@ وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو ~~حظ عظيم @QE@ سورة فصلت 35 # وهذا الجمع بين صبر المصيبة وصبر الغضب نظير الجمع بين صبر المصيبة وصبر ~~النعمة كما في قوله تعالى ولئن اذقنا PageV02P273 الانسان منا رحمة ثم ~~نزعناها منه انه ليؤوس كفور * ولئن اذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب ~~السيئات عني انه لفرح فخور * الا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم ~~مغفرة وأجر كبير سورة هود 9 11 # وقال لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم سورة الحديد 23 # وبهذا وصف كعب بن زهير من وصفه من الصحابة المهاجرين حيث قال % ليسوا ~~مفاريح ان نالت رماحهم % كثرا وليسوا مجازيعا اذا نيلوا % وكذلك قال حسان ~~بن ثابت في صفة الانصار % لا فخر ان هم اصابوا من عدوهم % وان اصيبوا فلا ~~خور ولا هلع % PageV02P274 وقال بعض العرب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~يغلب فلا يبطر ويغلب فلا يضجر # ولما كان الشيطان يدعوالناس عند هذين النوعين إلى تعدي الحدود بقلوبهم ~~واصواتهم وايديهم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لما قيل له لما ~~رأى إبراهيم في النزع أتبكي أو لم تنه عن البكاء فقال انما نهيت عن صوتين ~~احمقين فاجرين صوت عند نعمة لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة لطم ~~خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية فجمع بين الصوتين # وأما نهيه عن ذلك في المصائب فمثل قوله صلى الله عليه وسلم ليس منا من ~~لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى PageV02P275 الجاهلية وقال انا برئ من ~~الحالقة والصالقة والشاقة وقال ما كان من العين والقلب فمن الله وما كان من ~~اليد واللسان فمن الشيطان وقال ان الله لا يؤاخذ على دمع العين PageV02P276 ~~ولا حزن القلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم واشار إلى لسانه وقال من ينح عليه ~~فانه يعذب بما نيح عليه واشترط على النساء في البيعة الا ينحن وقال ان ~~النائحة اذا لم تتب ms332 قبل موتها فإنها تلبس يوم PageV02P277 القيامة درعا من ~~جرب وسربالا من قطران # وقال في الغلبة والمصائب والفرح ان الله كتب الاحسان على كل شيء فإذا ~~قتلتم فأحسنوا القتلة واذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد احدكم شفرته وليرح ~~ذبيحته # وقال ان اعف الناس قتلة اهل الايمان PageV02P278 # وقال لا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا إلى غير ذلك مما امر به في ~~الجهاد من العدل وترك العدوان اتباعا لقوله تعالى @QB@ ولا يجرمنكم شنآن ~~قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى @QE@ سورة المائدة 8 ولقوله ~~تعالى @QB@ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين @QE@ سورة البقرة 190 # ونهى عن لباس الحرير وتختم الذهب والشرب في آنية الذهب والفضة واطالة ~~الثياب إلى غير ذلك من انواع السرف والخيلاء في النعم وذم الذين يستحلون ~~الخمر والحرير والمعازف PageV02P279 وجعل فيهم الخسف والمسخ # وقد قال الله تعالى @QB@ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا @QE@ سورة ~~النساء 36 وقال عن قارون @QB@ إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين @QE@ سورة القصص 76 # وهذه الامور الثلاثة مع الصبر عن الاعتداء في الشهوة هي جوامع هذا الباب ~~وذلك ان الانسان بين ما يحبه ويشتهيه وبين ما يبغضه ويكرهه فهو يطلب الاول ~~بمحبته وشهوته ويدفع الثاني ببغضه ونفرته واذا حصل الاول أو اندفع الثاني ~~اوجب له فرحا وسرورا وان حصل الثاني أو اندفع الاول حصل له حزن فهو محتاج ~~عند المحبة والشهوة ان يصبر عن عدوانهما وعند الغضب والنفرة ان يصبر على ~~عدوانهما وعند الفرح ان يصبر عن عدوانه وعند المصيبة ان يصبر عن الجزع منها # فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصوتين الاحمقين الفاجرين الصوت الذي ~~يوجب الاعتداء في الفرح حتى يصير الانسان فرحا PageV02P280 فخورا والصوت ~~الذي يوجب الجزع عند الحزن حتى يصير الانسان هلوعا جزوعا واما الصوت الذي ~~يثير الغضب لله كالأصوات التي تقال في الجهاد من الاشعار المنشدة فتلك لم ~~تكن بآلات وكذلك اصوات الشهرة في الفرح فرخص منها ms333 فيما وردت به السنة من ~~الضرب بالدف في الاعراس والافراح للنساء والصبيان # وعامة الاشعار التي تنشد بالاصوات لتحريك النفوس هي من هذه الاقسام ~~الاربعة اشعار المحبة وهي النسيب واشعار الغضب والحمية وهي الحماسة والهجاء ~~واشعار المصائب كالمراثي واشعار النعم والفرح وهي المدائح # والشعراء جرت عادتهم ان يمشوا مع الطبع كما قال الله تعالى ألم تر انهم ~~في كل واد يهيمون * وانهم يقولون مالا يفعلون سورة الشعراء 225 226 ولهذا ~~اخبر انهم يتبعهم الغاوون والغاوي هو الذي يتبع هواه بغير علم وهذا هو ~~PageV02P281 الغي وهو خلاف الرشد كما ان الضال هو الذي لا يعلم مصلحته وهو ~~خلاف المهتدي # قال الله سبحانه وتعالى والنجم اذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى سورة ~~النجم 1 2 ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي # فلهذا تجدهم يمدحون جنس الشجاعة وجنس السماحة اذ كان عدم هذين مذموما على ~~الاطلاق واما وجودهما ففيه تحصيل مقاصد النفوس على الاطلاق لكن العاقبة في ~~ذلك PageV02P282 للمتقين واما غير المتقين فلهم عاجلة لا عاقبة والعاقبة ~~وان كانت في الاخرة فتكون في الدنيا ايضا # كما قال تعالى لما ذكر قصة نوح ونجاته بالسفينة @QB@ قيل يا نوح اهبط ~~بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب ~~أليم @QE@ قال @QB@ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك @QE@ إلى قوله @QB@ ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين @QE@ سورة هود 48 49 # وقال @QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله ~~واعلموا أن الله مع المتقين @QE@ سورة البقرة 194 # والفرقان ان يحمد من ذلك ما حمده الله ورسوله فإن الله تعالى هو الذى ~~حمده زين وذمه شين دون غيره من الشعراء والخطباء وغيرهم # ولهذا لما قال القائل من بني تميم للنبي صلى الله عليه وسلم PageV02P283 ~~ان حمدي زين وذمي شين قال له ذاك الله # والله سبحانه حمد الشجاعة السماحة في سبيله كما في الصحيح عن أبي موسى ~~الاشعري رضي الله عنه قال قيل ms334 يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ~~ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ~~فهو في سبيل الله # وقال قال سبحانه @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ~~@QE@ سورة الانفال 39 وذلك ان هذا هو المقصود الذي خلق الله الخلق له كما ~~قال تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ سورة الذاريات 56 ~~فكل ما كان لأجل الغاية PageV02P284 التي خلق له الخلق كان محمودا عند الله ~~وهوالذي يبقى لصاحبه وينفعه الله به وهذه الاعمال هي الباقيات الصالحات ~~ولهذا كان الناس اربعة اصناف # من يعمل لله بشجاعة وبسماحة فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للجنة # ومن يعمل لغير الله بشجاعة ومن وسماحة فهذا ينتفع بذلك في الدنيا وليس له ~~في الاخرة من خلاق # ومن يعمل لله لكن بلا شجاعة ولا سماحة فهذا فيه من النفاق ونقص الايمان ~~بقدر ذلك # ومن لا يعمل لله ولا فيه شجاعة ولا سماحة فهذا ليس له دنيا ولا آخرة # فهذه الاخلاق والأفعال يحتاج اليها المؤمن عموما وخصوصا في أوقات المحن ~~والفتن الشديدة فإنهم يحتاجون الى PageV02P285 صلاح نفوسهم ودفع الذنوب عن ~~نفوسهم عند المقتضى للفتنة عندهم ويحتاجون ايضا إلى امر غيرهم ونهيه بحسب ~~قدرتهم # وكل من هذين الامرين فيه من الصعوبة ما فيه وان كان يسيرا على من يسره ~~الله عليه # وهذا لأن الله امر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح وامرهم بدعوة الناس ~~وجهادهم على الايمان والعمل الصالح # كما قال الله تعالى ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز * الذين ان ~~مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الامور سورة الحج 40 41 # وكما قال @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد @QE@ سورة غافر 51 # وكما قال @QB@ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز @QE@ سورة ~~المجادلة 21 # وكما قال @QB@ وإن جندنا لهم الغالبون @QE@ سورة الصافات PageV02P286 173 ~~وقال @QB@ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ms335 الله هم الغالبون ~~@QE@ سورة المائدة 56 # ولما كان في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من ~~الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة صار في الناس من يتعلل لترك ما ~~وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة # كما قال تعالى عن المنافقين @QB@ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في ~~الفتنة سقطوا @QE@ سورة التوبة 49 الاية وقد ذكروا في التفسير انها نزلت في ~~الجد بن قيس لما امره النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز لغزو الروم وأظن أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له هل لك في نساء بني الاصفر فقال يا ~~رسول الله اني رجل لا اصبر على النساء واني اخاف الفتنة PageV02P287 بنساء ~~بني الاصفر فائذن لي ولا تفتني وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة الرضوان تحت ~~الشجرة واستتر بجمل احمر وجاء فيه الحديث ان كلهم مغفور له الا صاحب الجمل ~~الاحمر فأنزل الله تعالى فيه @QB@ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في ~~الفتنة سقطوا @QE@ سورة التوبة 49 يقول انه طلب القعود ليسلم من فتنة ~~النساء فلا يفتتن بهن فيحتاج إلى الاحتراز من المحظور ومجاهدة نفسه عنه ~~فيتعذب بذلك أو يواقعه فيأثم فإن من رأى الصور الجميلة وأحبها فإن لم يتمكن ~~منها اما لتحريم الشارع وأما للعجز عنها تعذب قلبه وان PageV02P288 قدر ~~عليها وفعل المحظور هلك وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه بلاء # فهذا وجه قوله @QB@ ولا تفتني @QE@ قال الله تعالى @QB@ ألا في الفتنة ~~سقطوا @QE@ سورة التوبة 49 يقول ان نفس اعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه ~~وضعف ايمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد فتنة عظيمة قد سقط فيها فكيف ~~يطلب التخلص من فتنة صغير لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد اصابته # والله تعالى يقول وقاتلوهم حتى لت تكون فتنة ويكون الدين كله لله سورة ~~الانفال 39 فمن ترك القتال الذي امر الله به لئلا تكون فتنة فهو في الفتنة ~~ساقط بما ms336 وقع فيه من ريب PageV02P289 قلبه ومرض فؤاده وتركه ما امر الله به ~~من الجهاد فتدبر هذا فان هذا مقام خطر # والناس فيه على قسمين قسم يأمرون وينهون ويقاتلون طلبا لإزالة الفتنة ~~زعموا ويكون فعلهم ذلك اعظم فتنة كالمقتتلين في الفتن الواقعة بين الامة ~~مثل الخوارج # وأقوام ينكلون عن الامر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله وتكون ~~كلمة الله هي العليا لئلا يفتنوا وهم قد سقطوا في الفتنة # وهذه الفتنة المذكورة في سورة براءة دخل فيها الافتتان بالصور الجميلة ~~فإنها سبب نزول الآية وهذه حال كثير من المتدينة يتركون ما يجب عليهم من ~~امر ونهي وجهاد يكون به الدين لله وتكون به كلمة الله هي العليا لئلا ~~يفتنوا بجنس الشهوات PageV02P290 وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي اعظم مما ~~زعموا انهم فروا منه وانما الواجبة عليهم القيام بالواجب من الامر والنهي ~~وترك المحظور والاستعانة بالله على الامرين ولو فرض ان فعل الواجب وترك ~~المحظور وهما متلازمان وانما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم الا على ~~فعلهما جميعا أو تكرهما جميعا مثل كثير ممن يجب الرياسة أو المال أو شهوات ~~الغي فانه اذا فعل ما وجب عليه من امر ونهي وجهاد وامارة ونحو ذلك فلا بد ~~ان يفعل معها شيئا من المحظورات فالواجب عليه ان ينظر أغلب الامرين فإن كان ~~المأمور اعظم اجرا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف ان يقترن به ما ~~هو دونه في المفسدة وان كان ترك المحظور اعظم اجرا لم يفوت ذلك برجاء ثواب ~~فعل واجب يكون دون ذلك فذلك يكون بما يجتمع له من الامرين من الحسنات ~~والسيئات فهذا هذا وتفصيل ذلك يطول PageV02P291 وكل بشر على وجه الأرض فلا ~~بد له من امر ونهي ولا بد ان يأمر وينهى حتى لو انه وحده لكان يأمر نفسه ~~وينهاها اما بمعروف واما بمنكر كما قال الله تعالى @QB@ إن النفس لأمارة ~~بالسوء @QE@ سورة يوسف 53 # فإن الأمر هو طلب الفعل وارادته والنهي طلب الترك وارادته ms337 ولا بد لكل حى ~~من ارادة وطلب في نفسه يقتضى بهما فعل نفسه ويقتضى بهما فعل غيره اذا امكن ~~ذلك فإن الانسان حي يتحرك بإرادته # وبنو آدم لا يعيشون الا باجتماع بعضهم مع بعض واذا اجتمع اثنان فصاعدا ~~فلا بد ان يكون بينهما ائتمار بأمر وتناه عن امر ولهذا كان اقل الجماعة في ~~الصلاة اثنين كما قيل الاثنان فما فوقهما جماعة لكن لما كان ذلك اشتراكا في ~~مجرد الصلاة حصل باثنين احدهما امام والاخر مأموم كما قال النبي صلى الله ~~عليه PageV02P292 وسلم لمالك ابن الحويرث وصاحبه رضي الله عنهما اذا حضرت ~~الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما وكانا متقاربين في القراءة # وأما في الامور العادية ففي السنن انه صلى الله عليه وسلم قال لا يحل ~~لثلاثة يكونون في سفر إلا أمروا عليهم احدهم PageV02P293 واذا كان الامر ~~والنهي من لوازم وجود بني آدم فمن لم يأمر بالمعروف الذي امر الله به ~~ورسوله وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله ويؤمر بالمعروف الذي امر ~~الله به ورسوله وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله وإلا فلا بد من ان ~~يأمر وينهى ويؤمر وينهى اما بما يضاد ذلك واما بما يشترك فيه الحق الذي ~~انزله الله بالباطل الذي لم ينزله الله واذا اتخذ ذلك دينا كان دينا مبتدعا ~~ضالا باطلا # وهذا كما ان كل بشر فإنه حي متحرك بإرادته همام حارث فمن لم تكن نيته ~~صالحة وعمله عملا صالحا لوجه الله والا كان عملا فاسدا أو لغير وجه الله ~~وهو الباطل كما قال تعالى @QB@ إن سعيكم لشتى @QE@ سورة الليل PageV02P294 ~~وهذه الاعمال كلها باطلة من جنس أعمال الكفار @QB@ الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله أضل أعمالهم @QE@ سورة محمد 1 # وقال تعالى والذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا ~~جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحسباب سورة ~~النور 39 وقال @QB@ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا @QE@ ~~سورة الفرقان 23 # وقد امر الله تعالى ms338 في كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة اولي الأمر من ~~المؤمنين كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ سورة النساء 59 # وأولوا الامر اصحاب الامر وذووه وهم الذين يأمرون الناس وينهونهم وذلك ~~يشترك فيه اهل اليد والقدرة واهل العلم والكلام فلهذا كان اولو الامر صنفين ~~العلماء والامراء فاذا صلحوا صلح الناس واذا فسدوا فسد الناس PageV02P295 ~~كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه للأحمسية لما سألته ما بقاؤنا على هذا ~~الامر الصالح قال ما استقامت لكم ائمتكم # ويدخل فيهم الملوك والمشايخ واهل الديوان وكل من كان متبوعا فإنه من اولى ~~الامر وعلى كل واحد من هؤلاء ان يأمر بما امر الله به وينهى عن ما نهى الله ~~عنه وعلى كل واحد ممن عليه طاعته ان يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية ~~الله # كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين تولى امر المسلمين وخطبهم فقال ~~في خطبته ايها الناس القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق والضعيف فيكم ~~القوي عندي حتى آخذ له الحق اطيعوني ما اطعت الله ورسوله PageV02P296 فإذا ~~عصيت الله فلا طاعة لي عليكم # | فصل واذا كانت جميع الحسنات لا بد فيها من شيئين ان يراد بها # وجه الله وان تكون موافقة للشريعة فهذا في الاقوال والافعال في الكلم ~~الطيب والعمل الصالح في الامور العلمية والامور العملية العبادية # ولهذا ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان اول ثلاثة تسجر بهم ~~جهنم رجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن وأقرأه ليقول الناس هو عالم وقارئ ~~ورجل قاتل وجاهد ليقول الناس هو شجاع وجرئ ورجل تصدق PageV02P297 واعطى ~~ليقول الناس هو جواد وسخي فإن هؤلاء الثلاثة الذين يريدون الرياء والسمعة ~~هم بإزاء الثلاثة الذين بعد النبيين من الصديقين والشهداء والصالحين فإن من ~~تعلم العلم الذي بعث الله به رسله وعلمه لوجه ms339 الله كان صديقا ومن قاتل ~~لتكون كلمة الله هي العليا وقتل كان شهيدا ومن تصدق يبتغي بذلك وجه الله ~~كان صالحا # ولهذا يسأل المفرط في ماله الرجعة وقت الموت كما قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما من اعطي مالا فلم يحج منه ولم يزك سأل الرجعة وقت الموت وقرأ قوله ~~تعالى وانفقوا PageV02P298 @QB@ من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ~~فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين @QE@ سورة ~~المنافقون 10 # ففي هذه الامور العلمية الكلامية يحتاج المخبر بها ان يكون ما يخبر به عن ~~الله واليوم الاخر وما كان وما يكون حقا وصوابا وما يأمر به وما ينهي عنه ~~كما جاءت به الرسل عن الله فهذا هو الصواب الموافق للسنة والشريعة المتبع ~~لكتاب الله وسنة رسوله كما ان العبادات التي يتعبد العباد بها اذا كانت مما ~~شرعة الله وامر الله به ورسوله كانت حقا صوابا موافقا لما بعث الله به رسله ~~وما لم يكن كذلك من القسمين كان من الباطل والبدع المضلة والجهل وان كان ~~يسميه من يسميه علوما ومعقولات وعبادات ومجاهدات واذواقا ومقامات ~~PageV02P299 # ويحتاج ايضا ان يؤمر بذلك لأمر الله به وينهى عنه لنهي الله عنه ويخبر ~~بما اخبر الله به لأنه حق وايمان وهدى كما أخبرت به الرسول كما تحتاج ~~العبادة إلى أن يقصد بها وجه الله فاذا قيل ذلك لاتباع الهوى والحمية أو ~~لإظهار العلم والفضيلة أو لطلب السمعة والرياء كان بمنزلة المقاتل شجاعة ~~وحمية ورياء # ومن هنا يتبين لك ما وقع فيه كثير من اهل العلم والمقال واهل العبادة ~~والحال واهل الحرب والقتال من لبس الحق بالباطل في كثير من الاصول فكثيرا ~~ما يقول هؤلاء من الاقوال ما هو خلاف الكتاب والسنة أو ما يتضمن خلاف السنة ~~ووفاقها وكثيرا ما يتعبد هؤلاء بعبادات لم يأمر الله بها بل PageV02P300 قد ~~نهى عنها أو ما يتضمن مشروعا ومحظورا وكثيرا ما يقاتل هؤلاء قتالا مخالفا ~~للقتال المأمور به أو متضمنا لمأمور به ومحظور # ثم ms340 كل من الاقسام الثلاثة المأمور به والمحظور والمشتمل على الامرين قد ~~يكون لصاحبه نية حسنة وقد يكون متبعا لهواه وقد يجتمع له وهذا وهذا # فهذه تسعة اقسام في هذه الامور في الاموال المنفقة عليها من الاموال ~~السلطانية الفئ وغيره والاموال الموقوفة والاموال الموصى بها والاموال ~~المنذورة وانواع العطايا والصدقات والصلات # وهذا كله من لبس الحق بالباطل وخلط عمل صالح واخر شيء والسيء من ذلك قد ~~يكون صاحبه مخطئا أو ناسيا مغفورا له كالمجتهد المخطىء الذي له اجر وخطؤه ~~مغفور له وقد PageV02P301 يكون صغيرا مكفرا باجتناب الكبائر وقد يكون ~~مغفورا بتوبة أو بحسنات تمحو السيئات أو مكفرا بمصائب الدنيا ونحو ذلك الا ~~ان دين الله الذي انزل به كتبه وبعث به رسله ما تقدم من ارادة الله وحده ~~بالعمل الصالح # وهذا هو الاسلام العام الذي لا يقبل الله من أحد غيره قال تعالى @QB@ ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ سورة ~~آل عمران 85 # وقال تعالى شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة واولو العلم قائما ~~بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم * ان الدين عند الله الاسلام سورة آل ~~عمران 18 19 # والاسلام يجمع معنيين احدهما الاستسلام والانقياد فلا يكون متكبرا ~~والثاني الاخلاص من قوله تعالى @QB@ ورجلا سلما لرجل @QE@ سورة الزمر 29 ~~فلا يكون مشتركا وهو ان يسلم PageV02P302 العبد لله رب العالمين كما قال ~~تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم الا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا ~~وانه في الاخرة لمن الصالحين * اذ قال له ربه اسلم قال اسلمت لرب العالمين ~~* ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~الا وأنتم مسلمون سورة البقر 130 132 # وقال تعالى قل انني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين * قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وانا اول المسلمين سورة الانعام 161 163 # والاسلام ms341 يستعمل لازما معدي بحرف اللام مثل ما ذكر في هذه الايات ومثل ~~قوله تعالى @QB@ قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ~~@QE@ سورة النمل 44 # ومثل قوله تعالى @QB@ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم ~~العذاب ثم لا تنصرون @QE@ سورة الزمر 54 PageV02P303 # ومثل قوله أفغير دين الله يبغون وله اسلم من في السموات والأرض طوعا ~~وكرها واليه يرجعون سورة آل عمران 83 # ومثل قوله قل اندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على اعقابنا ~~بعد اذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له اصحاب يدعونه ~~إلى الهدي ائتنا قل ان هدى الله هو الهدي وامرنا لنسلم لرب العالمين * وان ~~اقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي اليه تحشرون سورة الانعام 71 72 # ويستعمل متعديا مقرونا بالإحسان كقوله تعالى وقالوا لن يدخل الجنة الا من ~~كان هودا أو نصارى تلك امانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين * بلى من ~~اسلم وجهه لله وهو محسن فله اجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون سورة ~~البقرة 111 112 # وقوله تعالى @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ PageV02P304 سورة النساء 125 ~~فقد انكر الله ان يكون دين احسن من هذا الدين هو اسلام الوجه لله مع ~~الاحسان واخبر انه كل @QB@ من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ سورة البقرة 112 اثبت هذه الكلمة الجامعة ~~والقضية العامة ردا لما زعمه من زعمه انه لا يدخل الجنة الامتهود أو متنصر # وهذان الوصفان وهما اسلام الوجه لله والاحسان هما الاصلان المتقدمان وهما ~~كون القول والعمل خالصا لله صوابا موافقا للسنة والشريعة وذلك ان إسلام ~~الوجه لله هو يتضمن اخلاص القصد والنية لله كما قال بعضهم % استغفر الله ~~ذنبا لست محصيه % رب العباد اليه الوجه والعلم % PageV02P305 # وقد استعمل هنا اربعة الفاظ اسلام الوجه واقامة الوجه كقوله تعالى @QB@ ~~وأقيموا وجوهكم عند ms342 كل مسجد @QE@ سورة الاعراف 29 وقوله تعالى @QB@ فأقم ~~وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ سورة الروم 30 ~~وتوجيه الوجه كقول الخليل وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما انا ~~من المشركين سورة الانعام 79 # وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح في صلاته ~~وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما انا من المشركين سورة الانعام ~~79 # وكان يقول اذا اوى إلى فراشه اللهم اسلمت نفسي اليك ووجهت وجهي اليك رواه ~~البراء بن عازب في الصحيح ايضا PageV02P306 فالوجه يتناول المتوجه بكسر ~~الجيم والمتوجه بفتح الجيم اليه ويتناول التوجه نفسه كما يقال أي وجه تريد ~~أي أي جهة وناحية تقصد وذلك انهما متلازمان فحيث توجه الانسان توجه وجهه ~~ووجهه مستلزم لتوجهه وهذا في باطنه وظاهره جميعا فهي اربعة امور والباطن هو ~~الاصل والظاهر هو الكمال والشعار فاذا توجه قلبه إلى شيء تبعه وجهه الظاهر ~~فإذا كان العبد قصده ومراده وتوجهه إلى الله فهذا صلاح ارادته وقصده فإذا ~~كان مع ذلك محسنا فقد اجتمع له PageV02P307 ان يكون عمله صالحا وان يكون ~~لله تعالى # كما قال تعالى @QB@ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا @QE@ الكهف 110 # وهو قول عمر رضي الله عنه اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ~~ولا تجعل لأحد فيه شيئا # والعمل الصالح هو الاحسان وهو فعل الحسنات وهو ما امر الله به والذي امر ~~الله به هو الذي شرعه الله وهو الموافق لكتاب الله وسنة رسوله فقد اخبر ~~الله تعالى انه من اخلص قصده لله وكان محسنا في عمله فإنه مستحق للثواب ~~سالم من العقاب # ولهذا كان ائمة السلف رحمهم الله يجمعون هذين الاصلين كقول الفضيل بن ~~عياض في قوله تعالى @QB@ ليبلوكم @QE@ PageV02P308 @QB@ أيكم أحسن عملا ~~@QE@ سورة الملك 2 قال اخلصه واصوبه فقيل له يا أبا على ما اخلصه واصوبه ~~فقال ان العمل اذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقل واذا كان خالصا ولم ms343 يكن ~~صوابا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص ان يكون لله والصواب ان يكون ~~على السنة # وقد روى ابن شاهين واللالكائي عن سعيد بن جبير قال لا يقبل قول الا بعمل ~~ولا يقبل قول وعمل الا بنية ولا يقبل قول وعمل ونية الا بموافقة السنة ~~ورويا عن الحسن البصري مثله ولفظ ما روى عن الحسن لا يصلح مكان لا يقبل # و وهذا فيه رد على الذين يجعلون مجرد القول كافيا فأخبر أنه لا بد من قول ~~وعمل المرجئة اذا الايمان قول وعمل لا بد من هذين كما قد بسطناه في غير هذا ~~الموضع وبينا ان مجرد PageV02P309 تصديق القلب ونطق اللسان مع البغض لله ~~وشرائعه والاستكبار على الله وشرائعة لايكون ايمانا باتفاق المؤمنين حتى ~~يقترن بالتصديق عمل صالح # واصل العمل عمل القلب وهو الحب والتعظيم المنافي للبغض والاستكبار ثم ~~قالوا لا يقل قول وعمل الا بنية وهذا ظاهر فإن القول والعمل اذا لم يكن ~~خالصا لله لم يقبله الله تعالى ثم قالوا لا يقبل قول وعمل ونية الا بموافقة ~~السنة وهي الشريعة وهي ما امر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن القول ~~والعمل والنية الذي لا يكون مسنونا مشروعا قد امر الله به يكون بدعة وكل ~~بدعة ضلالة ليس مما يحبه الله فلا يقبله الله ولا يصلح مثل اعمال المشركين ~~واهل الكتاب # ولفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي PageV02P310 ~~الاعتقادات وان كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات ~~وهذا كقول ابن مسعود وابي بن كعب وابي الدرداء رضى الله عنهم اقتصاد في سنة ~~خير من اجتهاد في بدعة وامثال ذلك # | فصل في الإكراه وما يتعلق به # ان الله سبحانه أمرنا بالمعروف وهو طاعته وطاعة رسوله وهو الصلاح ~~والحسنات والخير والبر ونهى عن المنكر وهو معصيته ومعصية رسوله وهو الفساد ~~والسيئات والشر والفجور وقيد الايجاب بالاستطاعة والوسع واباح مما حرم ما ~~يضطر المرء اليه غير باغ ولا عاد PageV02P311 فقال تعالى @QB@ اتقوا الله ~~حق ms344 تقاته @QE@ سورة آل عمران 102 وقال @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ ~~سورة التغابن 16 # وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ذروني ما تركتكم ~~فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على انبيائهم فإذا نهيتكم ~~عن شيء فاجتنبوه واذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فأوجب مما امر به ~~ما يستطاع وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث اخر انكم لن ~~تحصوا أو تستطيعوا كل ما امرتم به ولكن # وقال ان هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد الا غلبه فسددوا وقاربوا ~~واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا PageV02P312 ~~وقال تعالى في صفة هذا النبي @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~@QE@ سورة الاعراف 157 # وهذا العام المجمل فصله فقال لما اوجب الصيام @QB@ ومن كان مريضا أو على ~~سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ سورة ~~البقرة 185 # وقال لما ذكر التيمم @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته عليكم @QE@ سورة المائدة 6 PageV02P313 وقال @QB@ ~~وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ ~~سورة الحج 78 # وقال لما اوجب الجهاد @QB@ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين ~~لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله @QE@ سورة التوبة 91 # وقال @QB@ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر @QE@ سورة ~~النساء 95 # وقال في الهجرة @QB@ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم @QE@ إلى ~~قوله الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا ~~يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله ان يعفوا عنهم وكان الله عفوا غفورا سورة ~~النساء 98 99 # وقال تعالى في الانفاق يسألونك ماذا ينفقون قل العفو سورة البقرة 219 # وقال في العموم @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ms345 ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا @QE@ الاية سورة البقرة 286 PageV02P314 # وثبت في الصحيح ان الله تعالى قال قد فعلت وان النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يقرأ بحرف منها الا اعطيه # وقال @QB@ لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ~~لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا @QE@ سورة الطلاق ~~7 # وقال @QB@ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها @QE@ ~~سورة الاعراف 42 # وقال @QB@ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها @QE@ ~~سورة الانعام 152 # وقال وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث اذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلا اتينا حكما وعلما سورة الانبياء 78 ~~79 # وقال @QB@ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن @QE@ PageV02P315 @QB@ ~~تقصروا من الصلاة @QE@ سورة النساء 101 # وقال في القرآن @QB@ فاقرؤوا ما تيسر منه @QE@ سورة المزمل 20 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال انزل القرآن على سبعة ~~احرف فأقرأوا ما تيسر منه # وقال في المحرمات @QB@ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم @QE@ سورة النحل ~~115 وفي الاية الاخرى قل لا اجد فيما اوحى إلى محرما على طاعم يطعمه الاان ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا اهل لغير الله به ~~فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور PageV02P316 @QB@ رحيم @QE@ سورة ~~الانعام 145 وهاتان في السورتين المكيتين الانعام والنحل # وقال في السورتين المدينيتن @QB@ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا @QE@ إلى قوله @QB@ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ~~إن الله غفور رحيم @QE@ سورة البقرة 172 173 # وفي الاية الاخرى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير ~~الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع الا ما ~~ذكيتم وما ذبح على النصب وان تستقسموا ms346 بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين ~~كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الاسلام دين فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله ~~غفور رحيم سورة المائدة 3 # فهذا في تحريم المطاعم قد رفع الاثم عمن اضطر غير باغ ولا عاد والباغي ~~والعادي قد قيل انهما صفة للشخص مطلقا فالباغي كالباغي على امام المسلمين ~~واهل العدل منهم # كما قال تعالى @QB@ فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا @QE@ PageV02P317 ~~التي تبغي حتى تفئ إلى امر الله سورة الحجرات 9 # والعادي كالصائل قاطع الطريق الذي يريد النفس أو المال وقيل انهما صفة ~~لغير المضطر فالباغي الذي يبغى المحرم مع قدرته على الحلال والعادي الذي ~~يتجاوز قدر الحاجة # كما قال فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم سورة المائدة 3 # وقال في المناكح ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات فمما ~~ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات سورة النساء 25 إلى قوله @QB@ يريد الله ~~ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم @QE@ ~~سورة النساء 26 @QB@ يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا @QE@ ~~النساء 28 # وقال ايضا في محظورات العبادات كالإحرام @QB@ ولا تحلقوا @QE@ ~~PageV02P318 رءوسكم حتى يبلغ الهدى مجله فمن كان منكم مريضا أو به اذى من ~~رأسه ففديه من صيام أو صدقة أو نسك فاذا امنتم فمن تمتع بالغمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدى سورة البقرة 196 ثم قال @QB@ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى ~~يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا @QE@ الاية سورة البقرة 196 # وفي الصلاة الخوف قال @QB@ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة ~~منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى ~~@QE@ الاية سورة النساء 102 # وقال في محظور الكلام بالكفر @QB@ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من ~~أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ~~ولهم عذاب عظيم @QE@ سورة النحل 156 # وقال @QB@ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ms347 من دون المؤمنين ومن يفعل ~~ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة @QE@ سورة آل عمران 28 # وقال في محظور الفعال ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان اردن تحصنا ~~لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد اكراههن غفور رحيم ~~سورة النور 33 # فأباح سبحانه عند الاكراه ان ينطق الرجل بالكفر بلسانه اذا PageV02P319 ~~كان قلبه مطمئنا بالإيمان بخلاف من شرح بالكفر صدرا وأباح للمؤمنين ان ~~يتقوا من الكافرين تقاة مع نهيه لهم عن موالاتهم وعن ابن عباس ان التقية ~~باللسان # ولهذا لم يكن عندنا نزاع في ان الاقوال لا يثبت حكمها في حق المكره بغير ~~حق فلا يصح كفر المكره بغير حق ولا ايمان المكره بغير حق كالذمي الموفى ~~بذمته كما قال تعالى فيه @QB@ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ~~@QE@ سورة البقرة 256 # بخلاف المكره بحق كالمقاتلين من اهل الحرب حتى يسلموا ان كان قتالهم إلى ~~الاسلام أو اعطاء الجزية ان كان القتال على احدهما كما قال تعالى @QB@ فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم @QE@ إلى قوله @QB@ فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم @QE@ سورة التوبة 5 # وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا ~~اله الا الله وان محمدا رسول الله فاذا قالوها PageV02P320 عصموا منى ~~دماءهم واموالهم الا بحقها وحسابهم على الله ولهذا لم صح بيع المكره بغير ~~حق وشراؤه وسائر عقوده المالية ولا نكاحه وطلاقه وسائر عقوده البضعية ولا ~~يمينه ونذره وسائر العقود التي اكره عليها بغير حق بخلاف ما اكره عليه بحق ~~كالدين اذا وجب عليه بيع ماله لوفاء دينه # وكما في الصحيح عن أبي هريرة قال بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~اذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انطلقوا إلى يهود فخرجنا ~~معه حتى جئنا بيت المدارس فقام النبي صلى الله عليه وسلم فناداهم فقال يا ~~معشر يهود اسلموا يسلموا قالوا قد بلغت ms348 يا أبا القاسم فقال ذلك اريد ثم قال ~~الثانية فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم ثم قال الثالثة فقال اعلموا انما ~~الأرض لله ورسوله واني اريد ان اجليكم من هذه الأرض فمن وجد منكم بماله ~~شيئا فليبعه والا فاعلموا ان الأرض لله ورسوله PageV02P321 # وكالمبايع للنبي صلى الله عليه وسلم ما امره الله ان يبايع عليه وعلى هذا ~~يخرج المكره على البيعة للأمير اذا كان مكرها هل هو مكره بحق أو بغير حق ~~وهل هو مبايع على ما امره الله ان يبايع عليه أو على غير ذلك وقد يتأول بعض ~~اهل الاهواء هذه الآيات على غير تأويلها كتأويل الرافضة انهم هم المؤمنون ~~وان سواهم كافرون فقد يستعملون معهم التقية ولهم في ذلك من الباطل ما ليس ~~هذا موضعه PageV02P322 # واما الاكراه على الافعال المحرمة فهل يباح بالاكراه على قولين هما ~~روايتان عن أحمد احداهما لا تباح الافعال المحرمة كأكل الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وشرب الخمر بالإكراه بخلاف الاقوال كما قال ابن عباس انما التقية ~~باللسان ولأن الافعال يثبت حكمها بدون القصد حتى من المجنون وغيره بخلاف ~~الاقوال فإنه يعتبر فيها المقصد # والثانية وهي اشهر انها تباح بالإكراه كما تباح المحرمات بالأضطرار فإن ~~المكره قد يخاف من القتل اعظم مما يخاف المضطر غير باغ ولا عاد ولأن المضطر ~~يتناوله الاضرار لفظا أو معنى فإنه مضطر غير باغ ولا عاد # وقد دل على ذلك قوله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان اردن تحصنا ~~لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد اكرههن غفور رحيم ~~سورة الانور 33 # وهذا في الافعال المحرمة لحق الله فيها فأما قتل المعصوم فلا يباح ~~بالاكراه بلا نزاع لانه ليس له ان يحيى نفسه بموت ذلك المعصوم وليس ذلك ~~بأولى من العكس بل طلبه احياء نفسه PageV02P323 بالاعتداء على غيره ظلم محض ~~واذا كان المضطر إلى إطعام نفسه ليس لغيره ان يأخذه منه عند الاضطرار فليس ~~لأحد ان يقتل غيره ليحيى هو نفسه بل هذا ظلم وعدوان وهو ms349 موجب للقود على ~~المكره والمكره في مذهب أحمد والمشهور من مذهب الشافعي لاشتراكهما في الفعل ~~هذا بالمباشرة المحرمة وهذا بالتسبب المفضى إلى الفعل غالبا وقيل انما يجب ~~على المكره الظالم لأن المكره قد صار كالآلة وهذا قول أبي حنيفة وقيل ~~بالعكس وهو قول زيد وهو قول ردئ فإنه لحظ ظاهر المباشرة أو السبب وهذا في ~~المكره الذي يفعل بإرادة اكراه عليها # ولهذا صح ان يقال في هذا المكره هو مريد مختار وصح ان يقال ليس بمختار ~~فان المختار من له اختيار وارادة وهذا المكره ارادته واختياره الذي هو فيه ~~ان لا يفعل ذلك الفعل الذي اكره عليه ولكن لما الجئ بما يوقع به من العذاب ~~إلى احداث اختيار اخر وارادة اخرى يفعل بها ما اكره عليه صح اثبات الاختيار ~~والارادة له باعتبار ما احدثه الاكراه فيه وصح نفي ذلك باعتبار انه من ~~PageV02P324 نفسه ليس له اختيار ولا ارادة بل ارادته واختياره في نفي ذلك ~~الفعل # وحقيقة الأمر ان له ارادتين الارادة الاصلية ان لا يفعل هذا بل هو كاره ~~له مبغض له نافر عنه ولا طريق له إلى ذلك الا فعل ما اكره عليه فصارت فيه ~~ارادة ثانية تخالف الاولى لهذا السبب فهذا المكره وان كان عاقلا انما يفعل ~~بغير ارادته واختياره الاصلي فهو يفعل بإرادة اخرى واختيار اخر ويفعل ايضا ~~بقدرته ولهذا صح ان يرد على فعله الامر والنهى والاباحة فيقال يباح له ~~التكلم ويحرم عليه قتل المعصوم واما ان اكره الرجل على الزنا فإذا قال بعض ~~الفقهاء انه لا يكون مكرها اذ انه فاعل بقدرة واختيار لم يصح ذلك وكذلك ~~الجائع الفقير الذي سرق ليأكل لا اثم عليه وقد اضطر إلى تلك الارادة ~~والاختيار لمخمصته فالضرر الذي لحقه ألجأه إلى هذه الارادة والفعل # فأما المفعول به الفعل الذي هو محل غيره وآلة له مثل المرأة أو ~~PageV02P325 الصبي الذي يشد ويربط ويفجر به ومثل الذي يوجر الخمر ويلذ بها ~~من غير قصد اصلا ولا فعل اصلا كما يلذ النائم ms350 الذي لا شعور له وكما يحقن ~~المريض النائم الذي لم يشعر بالحقنة فهذا لا فعل له اصلا بل هو محل لفعل ~~غيره وآله له واذا لم يكن منه فعل لم يقل انه فعل محرما ولا غير محرم بل ~~غيره فعل فيه أو به محرما فالإثم حينئذ على ذلك الفاعل لكن ان صدر منه نوع ~~تمكين بأن لا يستفرغ وسعه في الامتناع أو نوع ارادة بأن لا تكون ارادته ~~جازمة في الامتناع فذلك فيه نوع فعل # والارادة الجازمة هي التي يقترن بها القدرة فالمكره على شيء انما يمتنع ~~بمقدار ما يقدر عليه من الامتناع عما يفعل به فمتى كانت ارادة الانسان ~~جازمة في الامتناع فلا بد ان يفعل مقدوره ومتى فعل مقدوره كان بمنزلة ~~الممتنع الكامل الامتناع الذي لم يفعل به شيء فإن الارادة الجازمة المقترن ~~بها كمال القدرة يجري صاحبها مجرى الفاعل التام في الثواب والعقاب ~~PageV02P326 فالمستكره على الزنا به من امرأة أو صبي يكون استكراهه اما ~~بالكراهة حتى لا يريد التمكين وهو القاسم الاول واما بأن يفعل به مع كمال ~~امتناعه وهو كمال ارادته في الامتناع بحيث يفعل مقدوره في الامتناع ولو لم ~~يمتنع حتى فعل به كان مطاوعا وكان زانيا وان لم يطلب ذلك لان الله اوجب ~~عليه كمال النفور عن ذلك والغيرة منه والبغض له بحيث يقرن بذلك كمال ~~الامتناع فإذا لم يوجد منه هذا النفور وهذا الامتناع كان مطاوعا فان دفع ~~الصائل على الحرمة واجب بلا نزاع # واما دفع الصائل على النفس الذي يريد قتل المعصوم بغير حق اذا لم يكن ~~القتال في فتنة فهل يجب دفعه فيه قولان هما روايتان عن أحمد ان الممكن ليس ~~بفاعل بل ولو اراد مريد قتله وجب عليه ذلك كما يجب عليه الاكل من الميتة ~~عند المخمصة فكما يحرم عليه قتل نفسه يجب عليه فعل ما لا تبقى النفس الا به ~~من طعام وشراب ودفع ضرر بلباس ونحو ذلك فإذا امكنه الهرب ونحوه وجب عليه ~~ذلك # واما اذا كان دفع ms351 الصائل عن نفسه يحتاج إلى قتال الصائل فهنا فيه محذور ~~اخر وان كان جائزا وهو قتل الاخر فلهذا خرج الخلاف في وجوب دفعه عن نفسه ~~PageV02P327 وأصل هذا أن الذى لم يرد الفعل المحرم به عليه ان يبغضه بغضا ~~تاما يقترن به فعل المقدور من الدفع فإذا لم يوجد ذلك فهو تارك لما وجب ~~عليه من البغض والدفع وهل يكون مريدا له فالمزني به من غير فعل ولا إرادة ~~ولا كمال بغض ودفع هل يقال إنه مريد زان وهل يقال ] عن المقتول من غير فعل ~~منه ولا إرادة ولا كمال بغض ودفع [ إنه مريد لقتل نفسه قاتل ] أو [ يقال بل ~~ليس بمبغض ولا ممتنع وهل انتفاء البغض والامتناع مستلزم للإرادة والفعل # وسبب الاشتباه ان الانسان قد يخلو عن ارادة الشيء وكراهته وحبه وبغضه كما ~~يخلو عن التصديق بالشيء والتكذيب له فكم من امور يحبها من وجه ويبغضها من ~~وجه # فالأقسام اربعة اما مراد واما مكروه واما مراد مكروه واما غير مراد ولا ~~مكروه ولكن اذا كان المقتضى لإرادة المقدور قائما فإنما يوجب وجود ارادته ~~وفعله الا لمانع وكذلك اذ كان المقتضى لبغض فعل المحرم به والامتناع من ذلك ~~قائما PageV02P328 فإذا لم يوجد البغض والامتناع فلا بد من معارض مانع وذلك ~~هو المقتضى للإرادة والتمكين فالإنسان قد لا يريد الشيء ولا يكرهه لعدم سبب ~~الارادة والكراهة فأما مع وجود المقتضى فلا بد من وجود مقتضاه الا لمانع ~~فلهذا من لم يبغض ولم يمتنع عن فعل المحرم به مع قدرته على الامتناع فأنه ~~يكون مريدا فاعلا ولهذا يقال انه مطاوع وان كان قد يجتمع في قلبه البغض ~~لذلك والارادة باعتبارين كما يجتمع في قلب المكره على الشيء ارادة فعل ~~المكره عليه وكراهة ذلك باعتبارين # فمن أوجر طعاما محرما يقدر على الامتناع منه فلم يفعل أو فعل به فاحشة ~~يقدر على الامتناع منها فلم يفعل كانت معصيته بترك ما وجب عليه من الكراهة ~~والامتناع وبفعل ما نهى من الارادة والمطاوعة ولا يكون غير مريد ms352 ولا فاعل ~~الا اذا كان كارها تام الكراهة وذلك يوجب فعل المقدور عليه من الامتناع # فأما اذا كان كارها كراهة قاصرة فإن الارادة تصحب مثل هذه الكراهة وفي ~~مثل هذا يصحبها الفعل لا محالة لأن المقتضى لكمال الكراهة قائم وهو ما في ~~ذلك من الحرمة والعقوبة فإذا لم تحصل هذه الكراهة فإما لضعف المقتضى وهو ~~العلم في ذلك من الحرمة والعقوبة واما لوجود المانع وهو نوع من الارادة ~~PageV02P329 عارض للبغض أو سببه اما وجود لذة من الفعل واما رغبة في عوض ~~واما رهبة اوجبت ارادة المكره وحينئذ فيكون بمنزلة الفاعل لرغبة أو رهبة لا ~~يكون بمنزلة عديم الفعل # ولهذا مضت الشريعة بأن المطاوعة زانية وكذلك المفعول به من الذكران كما ~~قال تعالى @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين @QE@ سورة النور 3 # ولو ادعي مدع ان المفعول به اذا لم يوجد منه ارادة ولا حركة في الفعل لم ~~يكن فاعلا لم يقبل ذلك بل يقال لولا وجود ارادة توجب البغض المقتضى ~~للامتناع لم يكن فاعلا # وقد ذكر الفقهاء الملموس هل تنتقض طهارته كاللامس على قولين هما روايتان ~~عن أحمد وكذلك الموطوءة في رمضان هل PageV02P330 تجب عليها كفارة اخرى على ~~هذا يظهر الفرق في الاحكام بين الممكن من فعل الفاحشة به والممكن من قبل ~~نفسه # وفي الجملة فإن فعل الفاحشة حرام لا يباح بحال ولا يباح بما يقال انه ~~ضرورة بخلاف تمكين الانسان من قبل نفسه فإن جنس هذا يباح بل كما فعل عمار ~~والاول حال أكابر الصحابة # وقد اخرجا في الصحيحين عن خباب بن الارت قال شكونا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو متوسط بردة له في ظل الكعبة فقلنا يا رسول الا تستنصر ~~لنا الا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل ~~فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما ~~دون عظمه من لحم وعصب ms353 فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الامر حتى ~~يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف الا الله والذئب على غنمه ولكنكم ~~قوم تعجلون PageV02P331 # ومعلوم ان هذا انما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في معرض الثناء على ~~اولئك لصبرهم وثباتهم وليكون ذلك عزة للمؤمنين من هذه الامة # وقد دل على ذلك ايضا ما ذكره الله في قصة اصحاب الاخدود حيث قال @QB@ إن ~~الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات @QE@ سورة البروج 10 الاية # وقد روى مسلم في صحيحه عن صهيب قصتهم مبسوطة فيها ان الراهب صبر حتى قتل ~~وان الغلام امر بقتل نفسه لما علم ان ذلك سبب لايمان الناس إذا رأوا تلك ~~الآية وأن الناس لما آمنو فتنهم الكفار حتى يرجعوا عن دينهم فلم يرجعوا حتى ~~ان المرأة التي ارادت ان ترجع انطق الله صبيها وقال اصبري يا اماه فإنك على ~~الحق PageV02P332 # وقال الله تعالى @QB@ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن ~~استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم @QE@ ~~الاية سورة البقرة 217 # وقال تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال اولو كنا كارهين * قد افترينا ~~على الله كذبا ان عدنا في ملتكم بعد اذ نجانا الله منها وما يكون لنا ان ~~نعود فيها الا ان يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ~~ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين سورة الاعراف 88 89 # وقال تعالى @QB@ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن ~~خاف مقامي وخاف وعيد @QE@ سورة إبراهيم 13 14 # وقال @QB@ كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ~~ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب @QE@ سورة ~~غافر 5 # وقال @QB@ قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض @QE@ ~~PageV02P333 @QB@ لله يورثها من ms354 يشاء من عباده والعاقبة للمتقين @QE@ سورة ~~الاعراف 128 # وقال @QB@ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم ~~نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين @QE@ سورة الانعام ~~34 # وقال @QB@ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ~~ويمكر الله والله خير الماكرين @QE@ سورة آل عمران 54 # وقال @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله ألا إن نصر الله قريب @QE@ سورة البقرة 214 # وهكذا اخبار هذه الأمة من السلف والخلف كالممتحنين من السابقين الاولين ~~والتابعين لهم بإحسان مثل الذين انزل الله فيهم القرآن حيث قال @QB@ وما ~~لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين ~~يقولون ربنا @QE@ PageV02P334 @QB@ أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ~~واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا @QE@ سورة النساء 75 # وفي الهجرة قال الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون ~~حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله ان يعفو عنهم سورة النساء 99 # وفي الصحيحين عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في ~~صلاته اللهم انج عياش بن أبي ربيعة وسلمه بن هشام اللهم انج الوليد بن ~~الوليد اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها ~~عليهم سنين كسني يوسف # وفي الصحيح ايضا في حديث الحديبية قصة أبي جندل بن سهيل بن عمرو لما جاء ~~يوسف في قيوده ورده النبي صلى الله عليه وسلم اليهم وقصة أبي بصير وغيرهما ~~من المستضعفين PageV02P335 وكذلك في الصحيح عن سعيد بن زيد انه قال لقد ~~رأيتني وان عمر موثقي على الاسلام ولو انقض أحد مما عملتم بعثمان كان ~~محقوقا ان ينقض # فهؤلاء كلهم اختاروا القيد والحبس على النطق بكلمة الكفر وقد اوذى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وابو بكر وعمر وغيرهما بأنواع من الاذى بالضرب وغيره ~~وصبروا على ذلك ولم ينطق ms355 أحد منهم بكلمة كفر بل قد سعوا في قتل النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأنواع مما قدروا عليه من السعي وهو صابر لأمر الله كما ~~امره الله تعالى PageV02P336 وان كان النبي صلى الله عليه وسلم قد اخبر في ~~اثناء الامر بان الله يعصمه من الناس فلم يكن قد اخبر اولا بانه يعصم من ~~انواع الاذى # واما السابقون فلم يخبروا بذلك وكذلك خبيب بن عدي الذي صلبه المشركون حين ~~اخرجوه من الحرم ولم يتكلم بكلمة الكفر وقصته في الصحيح لكن قد يقال ان هذا ~~لم يكن قصدهم منه ان يعود إلى دينهم فإنه كان من الانصار وكانوا يقتلونه ~~بمن قتل منهم يوم بدر بخلاف اقاربهم وحلفائهم ومواليهم فإنهم كانوا يحبونهم ~~ويكرمونهم ولم يكونوا يريدون منهم الا الكفر بعد الايمان # وقد ذم الله في كتابه من يرتد ويفتتن ولو اكره وهذا هو الذي ذمه الله ~~بقوله @QB@ ولكن من شرح بالكفر صدرا @QE@ سورة النحل 106 وكذلك يذم من يترك ~~الواجب الظاهر ويفعل المحرم الظاهر عندما يصيبه من الاذى والفتن كما قال ~~@QB@ ولا يزالون يقاتلونكم @QE@ سور البقرة 217 الاية كما تقدم PageV02P337 # وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ~~وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ~~@QE@ سورة الحج 11 # وقال آلم * احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين الاية إلى ~~قوله @QB@ ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس ~~كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما ~~في صدور العالمين @QE@ سورة العنكبوت 1 10 # وقال أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم الآية ~~سورة البقرة 214 # وقال @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ~~ويعلم الصابرين @QE@ سورة آل عمران 142 # وقال لما ذكر الردة التي استثنى ms356 منها المكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن ~~من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم * ذلك بأنهم استحبوا ~~الحياة الدنيا على الاخرة وان الله لا يهدي القوم الكافرين سورة النحل 106 ~~PageV02P338 ثم قال @QB@ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم @QE@ سورة النحل 110 نزلت في الذين ~~فتنهم المشركون حتى اصابوهم ثم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا وصبروا فأخبر الله ~~انه غفر لهم ورحمهم فعلم ان تلك الفتنة كانت من ذنوبهم وذلك اما لعدم ~~الاكراه التام المبيح للنطق بكلمة الكفر واما لعدم الطمأنينة بالإيمان فلا ~~يستحق صاحبه الوعيد # وعلى من اكره على الخروج في العساكر الظالمة مثل ان يكره المستضعفون من ~~المؤمنين على الخروج مع الكافرين لقتال المؤمنين كما اخرج المشركون عام بدر ~~معهم طائفة من المستضعفين فهؤلاء اذا امكنهم ترك الخروج بالهجرة أو بغيرها ~~والا فهم مفتونون وفيهم نزل قوله تعالى ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي ~~انفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا الم تكن ارض ~~الله واسعة فتهاجروا فيها سورة النساء PageV02P339 97 لأنهم فعلوا المحرم ~~مع القدرة على تركه # وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي الاسود قال قطع على اهل المدينة بعث ~~فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة فأخبرته فنهاني اشد النهي ثم قال اخبرني ابن عباس ~~ان اناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيأتى السهم فيرمي به فيصيب احدهم فيقتله أو يضربه ~~فيقتله فأنزل الله @QB@ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم @QE@ سورة ~~النساء 97 # واما اذا كانوا غير قادرين على الترك بحيث لو لم يخرجوا لقتلهم المشركون ~~ونحو ذلك فهؤلاء غير مأثومين في الاخرة لما روى ان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال يغزو هذا البيت جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض اذ خسف ~~بهم فقالت ام PageV02P340 سلمة ففيهم المكره يا رسول الله قال يحشرون على ~~نياتهم # وفي الصحيح عن حذيفة عن ms357 النبي صلى الله عليه وسلم قال ستكون فتنة القاعد ~~فيها خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به ~~وفي رواية فإذا وقعت فمن كان له ابل فليلحق بإبله ومن كان له غنم فليلحق ~~بغنمه ومن كانت له ارض فليلحق بأرضه فقال رجل يا رسول الله أرأيت ان اكرهت ~~حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين يضربني رجل بسيفه ويجئ سهم فيقتلني قال يبوء ~~بإثمه وإثمك ويكون من اصحاب النار PageV02P341 # فقد امر صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى حيث لا يقاتل وبإفساد السلاح ~~الذي يقاتل به في الفتنة واخبر ان المكره لا اثم عليه ولما كان القتال في ~~الفتنة كان قاتله قاتلا له بغير حق فباء بإثمه واثم صاحبه # واما المكره الذي يقاتل طائفة بحق كالذي يكون في صف الكفار والمرتدين ~~والمارقين من الاسلام فلا اثم على من قتله بل هو مثاب على الجهاد وان افضى ~~إلى قتله PageV02P342 كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس اما ظاهرك ~~فكان علينا واما سريرتك فإلى الله # وقد اخرجا في الصحيحين عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا ~~انزل الله بقوم عذابا اصاب العذاب من كان فيهم ثم يبعثون على نياتهم فهذا ~~ايضا دليل على ان المكره على تكثير سواد المقاتلين بغير حق وان اصابة عذاب ~~الدنيا فإنه يحشر في الاخرة على نياته # فهذا كله يدل على انه ليس كل مكره على فعل محرم يأثم به كأشهر الروايتين ~~وهو الذي عليه جمهور العلماء # ومن ذلك مقام المسلمين بين المشركين مستضعفين وقد دل القرآن على هذا وعلى ~~هذا # ومنه استئسار المسلم اذا اكرهه الكافر وقال ان لم تستأسر والا قتلتك فإن ~~دخوله في اسره محرم لولا الاكراه وقد فعل ذلك خبيب بن عدي وغيره وهم في ذلك ~~كالمستضعفين PageV02P343 # وقد دل على ذلك نص القرآن بقوله تعالى @QB@ ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من ~~بعد إكراههن غفور ms358 رحيم @QE@ سورة النور 33 فإذا كان هذا في الاكراه على ~~البغاء فالاكراه على شرب الخمر واكل الميتة دون ذلك فان الزنا من اكبر ~~الكبائر بعد القتل كما دل النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك عندما سئل أي ~~الذنب اعظم قال ان تجعل لله ندا الحديث إلى قوله ثم أي قال ان تزاني بحليلة ~~جارك ثم قرأ @QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ولا يزنون @QE@ سروة الفرقان 68 # ومعلوم ان المكرهات من الاماء على البغاء كما كان ابن أبي وامثاله يكرهون ~~اماءهم على الاكتساب بالبغاء ليس هوان يفعل بها بلا فعل منها بل هو ان تكره ~~حتى تقصد ذلك وتفعله ولهذا سماه بغاء وذلك القسم ليس فيه بغاء ولهذا قال ~~@QB@ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا @QE@ سورة النور 33 وذلك انما يحصل في ~~العادة لمن PageV02P344 تفعل لا بمن تربط حتى يفعل بها ولان ذلك هو العادة ~~المعروفة التي تزل القرآن عليها فهذه الاية في فعل الفاحشة وتلك الاية في ~~الدخول تحت حكم الكفار وكلاهما من الافعال # وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر قال كان عبد الله بن أبي ين سلول يقول ~~لجارية له اذهبي فابغينا شيئا قال فأنزل الله تعالى @QB@ ولا تكرهوا ~~فتياتكم على البغاء @QE@ الاية سورة النور 33 # وفي رواية ان جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة واخرى يقال لها ~~اميمة كان يريدهما على الزنا فشكيا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله هذه الاية # وقد ذكر البخاري ما رواه الليث عن نافع ان صفية بنت أبي عبيد اخبرته ان ~~عبدا من رقيق الامارة وقع على وليدة من الخمس فاستكرهها حتى اقتضها فجلده ~~عمر الحد ونفاه PageV02P345 ولم يجلد الوليدة من اجل انه استكرهها وقال ~~الزهري في الامة البكر يفترعها الحر يقيم ذلك الحكم من الامة العذراء بقدر ~~ثمنها ويجلد وليس في الامة الثيب في قضاء الائمة غرم ولكن عليه الحد # وهذه مسألة المستكرهة على الزنا والامة ms359 المطاوعة والكلام في المهر ليس ~~هذا موضعه # وذكر ما في الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله PageV02P346 صلى ~~الله عليه وسلم هاجر إبراهيم بسارة دخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو ~~جبار من الجبابرة فأرسل اليه ان ارسل إلى بها فأرسل بها فقام اليها فقامت ~~تتوضا وتصلي فقالت اللهم ان كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي الكافر فغط ~~حتى ركض برجله # ومن المعلوم ان الذين كانوا يكرهون الاماء لم يكن بوعيد القتل بل بالضرب ~~ونحوه فإذا اكرهت المرأة أو الصبي على الفجور به بمثل ذلك @QB@ فإن الله من ~~بعد إكراههن غفور رحيم @QE@ سورة النور 33 ولهذا قيل في المطلقة ثلاثا اذا ~~كتم الزوج طلاقها ولم يكن PageV02P347 لها حجة انها تقيم عنده لأنها مكرهة ~~على ذلك ولا يحل لها قتله # والمستكرهة على الزنا في وجوب المهر فلها ان تأخذ ما اعطاه من مهرها ومن ~~لم يوجب لها المهر فهل لها ان تأخذ ذلك اذا اعطته طوعا أم يكون من مهر ~~البغي وانما الاجود اذا لم يحل ذلك ان يأخذ ما يعطيه الفاجر ويصرفه في ~~مصالح المسلمين أو يتركه أو فأما اذا اخذ العوض لأجل المستقبل فهذا مطاوعة ~~اللهم الا اذا كان الاكراه مستمرا والمكره مستمر الكراهة لما يفعل به لا ~~يحمله الا مجرد الاكراه وهذا يدخل فيه من يقهر من المماليك واليتامى وغيرهم ~~على الفاحشة به # ومن اسره العدو من المسلمات فزنوا بهن فإن منهم من يكون كارها لذلك تام ~~الكراهة لا يفعل ذلك الا مكرها فهذا لا يستحق العقوبة ومنهم من تجتمع فيه ~~الرهبة والرغبة فيخاف في الامتناع من العذاب ويعطى على المطاوعة العوض # آخر الجزء الثاني والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلامه # ثم تكمل في النصف من شهر صفر سنة سبعة وعشر وسبعمائة 1 PageV02P348 ms360