######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006820 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الاستقامة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006820 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6820 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6820 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. محمد رشاد سالم #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1403 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة المنورة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم وبه توفيق # الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما # قاعدة في وجوب الاستقامة والاعتدال ومتابعة الكتاب والسنة في باب أسماء ~~الله وصفاته وتوحيده بالقول والاعتقاد وبيان اشتمال الكتاب والسنة على جميع ~~الهدى وأن التفرق والضلال إنما حصل بترك بعضه والتنبيه على جميع البدع ~~المقابلة في ذلك بالزيادة في النفي والإثبات ومبدأ حدوثها وما وقع في ذلك ~~من الاسماء المجملة والاختلاف والافتراق الذي أوجب تكفير بعض هؤلاء ~~المختلفين بعضهم لبعض وذلك بسبب ترك بعض الحق وأخذ بعض الباطل وكتمان الحق ~~ولبس الحق بالباطل ### | فصل الرأى المحدث في الأصول وهو الكلام المحدث وفي الفروع وهو الرأى # المحدث في الفقه والتعبد المحدث كالتصوف المحدث والسياسة المحدثة # يظن طوائف من الناس أن الدين محتاج إلى ذلك لا سيما كل طائفة # PageV01P003 # في طريقها وليس الأمر كذلك فإن الله تعالى يقول {اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [سورة المائدة 3] إلى غير ذلك ~~من النصوص التي دلت على أن الرسول عرف الأمة جميع ما يحتاجون إليه من دينهم # وقال تعالى {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} ~~[سورة التوبة 115] # وقال ص ص تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ بعدي إلا هالك وقال ص ~~إنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ # فلولا أن سنته وسنة الخلفاء الراشدين تسع المؤمن وتكفيه عند الاختلاف ~~الكثير لم يجز الأمر بذلك # PageV01P004 # وكان يقول في خطبته شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة # وكان ابن مسعود يخطب بنحو ذلك كل خميس ويقول إنكم ستحدثون ويحدث لكم # وقد قررنا في القواعد في قاعدة السنة والبدعة أن البدعة هي الدين الذي لم ~~يأمر الله به ورسوله فمن دان دينا لم يأمر الله ورسوله به فهو مبتدع ms001 بذلك ~~وهذا معنى قوله تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ~~[سورة الشورى 21] # ولا ريب أن هذا يشكل على كثير من الناس لعدم علمهم بالنصوص ودلالتها على ~~المقاصد ولعدم علمهم بما أحدث من الرأى والعمل وكيف يرد ذلك إلى السنة كما ~~قال عمر بن الخطاب ردوا الجهالات إلى السنة # PageV01P005 # وقد تكلم الناس على أصناف ذلك كما بين طوائف استغناء الدين عن الكلام ~~المحدث وأن الله قد بين في كتابه بالأمثال المضروبة من الدلائل ما هو أعظم ~~منفعة مما يحدثه هؤلاء وأن ما يذكرونه من الأدلة فهي مندرجة فيما ذكره الله ~~تعالى # حتى ان الأشعرى نفسه وأمثاله قد بينوا طريقة السلف في أصول الدين ~~واستغنائها عن الطريقة الكلامية كطريقة الأعراض ونحوها وأن القرآن نبه على ~~الأدلة ليس دلالته كما يظنه بعض أهل الكلام من جهة الخبر فقط # وأين هذا من أهل الكلام الذين يقولون إن الكتاب والسنة لا يدلان على أصول ~~الدين بحال وأن أصول الدين تستفاد بقياس العقل المعلوم من غيرهما وكذلك ~~الأمور العملية التي يتكلم فيها الفقهاء فإن من الناس من يقول إن القياس ~~يحتاج إليه في معظم الشريعة لقلة النصوص الدالة على الأحكام الشرعية كما ~~يقول ذلك أبو المعالى وأمثاله من الفقهاء مع أنتسابهم إلى مذهب الشافعي ~~ونحوه من فقهاء الحديث فكيف بمن كان من أهل رأى الكوفة ونحوهم # PageV01P006 # فإنه عندهم لا يثبت من الفقه بالنصوص إلا أقل من ذلك وإنما العمدة على ~~الرأى والقياس حتى أن الخراسانيين من أصحاب الشافعى بسبب مخالطتهم [لهم] ~~غلب عليهم استعمال الرأى وقلة المعرفة بالنصوص # وبإزاء هؤلاء أهل الظاهر كأبن حزم ونحوه ممن يدعى أن النصوص تستوعب جميع ~~الحوادث بالأسماء اللغوية التي لا تحتاج إلى استنباط واستخراج أكثر من جمع ~~النصوص حتى تنفى دلالة فحوى الخطاب وتثبته في معنى الأصل ونحو ذلك من ~~المواضع التي يدل فيها اللفظ الخاص على المعنى العام # والتوسط في ذلك طريقة فقهاء الحديث وهى إثبات النصوص والآثار الصحابية ~~على جمهور الحوادث ms002 وما خرج عن ذلك كان في معنى الأصل فيستعملون قياس العلة ~~والقياس في معنى الأصل وفحوى الخطاب إذ ذلك من جملة دلالات اللفظ وأيضا ~~فالرأى كثيرا ما يكون في تحقيق المناط الذي لا خلاف بين الناس في استعمال ~~الرأى # PageV01P007 # والقياس فيه فإن الله أمر بالعدل في الحكم والعدل قد يعرف بالرأى وقد ~~يعرف بالنص # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ~~وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر إذ الحاكم مقصوده الحكم بالعدل بحسب الإمكان فحيث ~~تعذر العدل الحقيقى للتعذر أو التعسر في علمه أو عمله كان الواجب ما كان به ~~أشبه وأمثل وهو العدل المقدور # وهذا باب واسع في الحكم في الدماء والأموال وغير ذلك من أنواع القضاء ~~وفيها يجتهد القضاة # ونعلم أن عليا رضى الله عنه كان أقضى من غيره بما أفهم من ذلك مع أن سماع ~~النصوص مشترك بينه وبين غيره # وإنما ظن كثير من الناس الحاجة إلى الرأى المحدث لأنهم يجدون مسائل كثيرة ~~وفروعا عظيمة لا يمكنهم إدخالها تحت النصوص كما يوجد # PageV01P008 # في فروع من ولد الفروع من فقهاء الكوفة ومن أخذ عنهم # وجواب هذا من وجوه # أحدها ان كثيرا من تلك الفروع المولد المقدرة لا يقع أصلا وما كان كذلك ~~لم يجب أن تدل عليه النصوص ومن تدبر ما فرعه المولدون من الفروع في باب ~~الوصايا والطلاق والأيمان وغير ذلك علم صحة هذا # الوجه الثاني أن تكون تلك الفروع والمسائل مبنية على أصول فاسدة فمن عرف ~~السنة بين حكم ذلك الأصل فسقطت تلك الفروع المولدة كلها # وهذا كما فرعه صاحب الجامع الكبير فإن غالب فروعه كما بلغنا عن الإمام ~~أبي محمد المقدسي أنه كان يقول مثله مثل من بنى # PageV01P009 # دارا حسنة على أساس مغصوب فلما جاء صاحب الأساس ونازعه في الاساس وقلعه ~~انهدمت تلك الدار # وذلك كالفروع العظيمة المذكورة في كتاب الأيمان وبناها على ما كان المفرع ~~يعتقده من مذهب أهل النحو الكوفيين فإن أصل باب الأيمان الرجوع إلى نية ~~الحالف ms003 وقصده ثم إلى القرائن الحالية الدالة على قصده كسبب اليمين وما ~~هيجها ثم إلى العرف الذي من عادته التكلم به سواء كان موافقا للغة العربية ~~أو مخالفا لها فإن الأيمان وغيرها من كلام الناس بعضهم لبعض في المعاملات ~~والمراسلات والمصنفات وغيرها تجمعها كلها دلالة اللفظ على قصد المتكلم ~~ومراده وذلك متنوع بتنوع اللغات والعادات # وتختلف الدلالة بالقرائن الحالية والمقالية ثم إنما يستدل على مقصود ~~الرجل إذا لم يعرف فإذا أمكن [العلم] بمقصوده يقينا لم يكن بنا حاجة إلى ~~الشك لكن من الأمور ما لا تقبل من قائله إرادة تخالف الظاهر كما إذا تعلق ~~به حقوق العباد كما في الأقارير ونحوها وهذا مقرر في موضعه وليس الغرض هنا ~~إلا التمثيل # وإذا كان هذا أصل الأيمان فيقال لذلك المفرع إذا كان هذا أصل قصده الذي ~~هو في أكثر المواضع يخالف مقتضى ما ذكرته من # PageV01P010 # الجواب وينظر إلى القرائن الحالية ومعها لا تستقيم عامة الأجوبة # وإذا عدم ذلك وله عرف وعادة يتكلم بها وغالب عادات الناس لا ينبني على ~~المقاييس التي وضعتها أنت فإذا جواب الحالفين بمثل ما أجبتهم به ليس هو من ~~الشريعة في غالب المواضع # ولا يحتاج باب الأيمان إلى تفريع إذ هذه الأصول الثلاثة تضبطه ضبطا حسنا ~~لكن لا بد أن يكون المفتى ممن يحس أن يضع الحوادث على القواعد وينزلها ~~عليها # وكذلك ما فرعوه في باب الحكم والسياسة وغيرها عامة ذلك مبنى على أصول ~~فاسدة مخالفة للشريعة وهذا والله أعلم من معنى قول ابن مسعود إنكم ستحدثون ~~ويحدث لكم ولهذا تكثر هذه الفروع وتنتشر حتى لا تضبطها قاعدة لأنها ليست ~~موافقة للشريعة فأما الشريعة فإنها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بعثت ~~بجوامع الكلم والكلمة الجامعة هي القضية الكلية والقاعدة العامة # PageV01P011 # التي بعث بها نبينا ص فمن فهم كلمه الجوامع علم اشتمالها لعامة الفروع ~~وانضباطها بها والله أعلم # الوجه الثالث أن النصوص دالة على عامة الفروع الواقعة كما يعرفه من يتحرى ~~ذلك ويقصد الإفتاء بموجب الكتاب والسنة ودلالتها ms004 وهذا يعرفه من يتأمل كمن ~~يفتى في اليوم بمائة فتيا أو مائتين أو ثلاثمائة وأكثر أو أقل وأنا قد جربت ~~ذلك ومن تدبر ذلك رأى أهل النصوص دائما أقدر على الإفتاء وأنفع للمسلمين في ~~ذلك من أهل الرأى المحدث فإن الذى رأيناه دائما أن أهل رأى الكوفة من أقل ~~الناس علما بالفتيا وأقلهم منفعة للمسلمين مع كثرة عددهم وما لهم من سلطان ~~وكثرة بما يتناولونه من الأموال الوقفية والسلطانية وغير ذلك ثم إنهم في ~~الفتوى من أقل الناس منفعة قل أن يجيبوا فيها وإن أجابوا فقل أن يجيبوا ~~بجواب شاف وأما كونهم يجيبون بحجة فهم من أبعد الناس عن ذلك # وسبب هذا ان الأعمال الواقعة يحتاج المسلمون فيها إلى معرفة بالنصوص ثم ~~إن لهم أصولا كثيرة تخالف النصوص والذي عندهم من الفروع التي لا توجد عند ~~غيرهم فهي مع ما فيها من المخالفة للنصوص التي لم يخالفها أحد من الفقهاء ~~أكثر منهم عامتها إما فروع مقدرة غير واقعة وإما فروع متقررة على أصول ~~فاسدة فإذا أرادوا أن # PageV01P012 # يجيبوا بمقتضاها رأوا ما في ذلك من الفساد وإنكار قلوب المؤمنين علهيم ~~فأمسكوا # لكن أعظم المهم في هذا الباب وغيره تمييز السنة من البدعة إذ السنة ما ~~أمر به الشارع والبدعة ما لم يشرعه من الدين فإن هذا الباب كثر فيه اضطراب ~~الناس في الأصول والفروع حيث يزعم كل فريق أن طريقه هو السنة وطريق مخالفه ~~هو البدعة ثم إنه يحكم على مخالفه بحكم المبتدع فيقوم من ذلك من الشر ما لا ~~يحصيه إلا الله # وأول من ضل في ذلك هم الخوارج المارقون حيث حكموا لنفوسهم بأنهم ~~المتمسكون بكتاب الله وسنته وأن عليا ومعاوية والعسكرين هم أهل المعصية ~~والبدعة فاستحلوا ما استحلوه من المسلمين # وليس المقصود هنا ذكر البدع الظاهرة التي تظهر للعامة أنها بدعة كبدعة ~~الخوارج والروافض ونحو ذلك لكن المقصود التنبيه على ما وقع من ذلك في أخص ~~الطوائف بالسنة وأعظمهم انتحالا لها كالمنتسبين إلى الحديث مثل مالك ~~والشافعي وأحمد فإنه ms005 لا ريب أن هؤلاء أعظم اتباعا للسنة وذما للبدعة من ~~غيرهم والأئمة كمالك وأحمد وابن المبارك وحماد بن زيد والأوزاعي وغيرهم ~~يذكرون من ذم المبتدعة وهجرانهم وعقوبتهم ما شاء الله تعالى # وهذه الأقوال سمعها طوائف ممن اتبعهم وقلدهم ثم إنهم # PageV01P013 # [يخلطون] في مواضع كثيرة السنة والبدعة حتى قد يبدلون الأمر فيجعلون ~~البدعة التي ذمها أولئك هي السنة والسنة التي حمدها اولئك هي البدعة ~~ويحكمون بموجب ذلك حتى يقعوا في البدع والمعاداة لطريق أئمتهم السنية وفي ~~الحب والموالاة لطريق المبتدعة التي أمر أئمتهم بعقوبتهم ويلزمهم تكفير ~~أئمتهم ولعنهم والبراءة منهم وقد يلعنون المبتدعة وتكون اللعنة واقعة عليهم ~~أنفسهم ضد ما يقع على المؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ألا ترون ~~كيف يصرف الله عني سب قريش يسبون مذمما وانا محمد # وهؤلاء بالعكس يسبون المبتدعة يعنون غيرهم ويكونون هم المبتدعة كالذي ~~يلعن الظالمين ويكون هو الظالم او احد الظالمين وهذا كله من باب قوله تعالى ~~{أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} [سورة فاطر 8] # واعتبر ذلك بأمور # أحدها أن كلام مالك في ذم المبتدعة وهجرهم وعقوبتهم كثير # PageV01P014 # ومن أعظمهم عنده الجهمية الذين يقولون إن الله ليس فوق العرش وإن الله لم ~~يتكلم بالقرآن كله وإنه لا يرى كما وردت به السنة وينفون نحو ذلك من الصفات # ثم إنه كثير في المتأخرين من أصحابه من ينكر هذه الأمور كما ينكرها فروع ~~الجهمية ويجعل ذلك هو السنة ويجعل القول الذي يخالفها وهو قول مالك وسائر ~~أئمة السنة هو البدعة ثم إنه مع ذلك يعتقد في أهل البدعة ما قاله مالك فبدل ~~هؤلاء الدين فصاروا يطعنون في أهل السنة # الثاني أن الشافعي من أعظم الناس ذما لأهل الكلام ولأهل التغيير ونهيا عن ~~ذلك وجعلا له من البدعة الخارجة عن السنة ثم إن كثيرا من أصحابه عكسوا ~~الأمر حتى جعلوا الكلام الذي ذمه الشافعي هو السنة وأصول الدين الذي يجب ~~اعتقاده وموالاة أهله وجعلوا موجب الكتاب والسنة الذي مدحه الشافعي هو ~~البدعة التي يعاقب ms006 أهلها # الثالث أن الإمام أحمد في أمره بأتباع السنة ومعرفته بها ولزومه لها ~~ونهيه عن البدع وذمه لها ولأهلها وعقوبته لأهلها بالحال التي لا تخفى ثم إن ~~كثيرا مما نص هو على أنه من البدع التي يذم أهلها صار بعض أتباعه يعتقد أن ~~ذلك من السنة وان الذي يذم من خالف ذلك مثل كلامه في مسألة القرآن في مواضع ~~منها تبديعه لمن # PageV01P015 # قال لفظى بالقرآن غير مخلوق وتجهيه لمن قال مخلوق ثم إن من أصحابه من جعل ~~ما بدعه الإمام أحمد هو السنة فتراهم يحكمون على ما هو من صفات العبد ~~كألفاظهم وأصواتهم وغير ذلك بأنه غير مخلوق بل يقولون هو قديم ثم إنهم ~~يبدعون من لا يقول بذلك ويحكمون في هؤلاء بما قاله أحمد في المبتدعة وهو ~~فيهم # وكذلك ما أثبته أحمد من الصفات التي جاءت بها الآثار واتفق عليها السلف ~~كالصفات الفعلية من الاستواء والنزول المجئ والتكلم إذا شاء وغير ذلك ~~فينكرون ذلك بزعم أن الحودث لا تحل به ويجعلون ذلك بدعة ويحكمون على أصحابه ~~بما حكم به أحمد في أهل البدع وهم من أهل البدعة الذين ذمهم أحمد لا أولئك ~~ونظائر هذا كثيرة # بل قد يحكى عن واحد من أئمتهم إجماع المسلمين على أن الحوادث لا تحل ~~بذاته لينفي بذلك ما نص أحمد وسائر الأئمة عليه من أنه يتكلم إذا شاء ومن ~~هذه الأفعال التعلقة بمشيئته # ومعلوم أن نقل الإجماع على خلاف نصوصة ونصوص الأئمة من أبلغ ما يكون وهذا ~~كنقل غير واحد من المصنفين في العلم إجماع المسلمين على خلاف نصوص الرسول ~~وهذه المواضع من ذلك أيضا فإن نصوص أحمد والأئمة مطابقة لنصوص الرسول ص # PageV01P016 # فصل قوله تعالى {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا ~~عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} [سورة ~~غافر 35] بعد قوله تعالى {وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم ~~الأحزاب} [سورة غافر 30] إلى قوله {ولقد جاءكم يوسف من قبل ms007 بالبينات فما ~~زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا} ~~[سورة غاقر 34] الآية يخوفهم بمثل عقوبات الله في الدنيا للأمم الكافرة ~~قبلهم وخوفهم بما يكون يوم القيامة # وهذا فيه بيان إخباره بيوم القيامة وهو ممن آمن بموسى كما قد قررناه في ~~غير هذا الموضع أن جميع الرسل أخبرت بيوم القيامة خلاف ما تزعم طوائف من ~~الفلاسفة وأهل الكلام أن المعاد الجسماني لم يخبر به إلا محمد وعيسى ونحو ~~ذلك # ثم قال المؤمن {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما ~~جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو ~~مسرف مرتاب} [سورة غافر 34] لأن الريب عدم العلم وهذه حال أهل الضلال # وقال هناك {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} [سورة غافر 35] لأنه ~~أخبر بجدالهم في آيات الله بغير سلطان أتاهم وهذه حال المتكلمين بغير علم ~~لطلب العلو والفساد # PageV01P017 # كما قال في الآية الأخرى إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ~~إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه باستعذ بالله إنه هو السميع البصير ~~[سورة غافر 56] # ولهذا قال في هؤلاء المجادلين {كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا} ~~[سورة غافر 35] أى كبر مقتهم أو كبر هذا المقت أو كبر هذا الجدال أو هذا ~~الفعل مقتا أى ممقوتا كما قال تعالى {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} [سورة ~~الكهف 5] وكما قال تعالى {بئس للظالمين بدلا} [سورة الكهف 50] # فإن المخصوص بالمدح والذم في هذا الباب كثيرا ما يكون مضمرا إذا تقدم ما ~~يعود الضمير إليه والمدح يراد به الرجل كما تقول نعم رجلا زيد ونعم رجلا ~~وزيد نعم رجلا # والمقت يراد به نفس المقت ويراد به الممقوت كما في الخلق ونظائره ومثله ~~قوله {لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} ~~[سورة الصف 23] أي كبر ممقوتا أي كبر مقته مقتا # والمقت البغض الشديد وهو ms008 من جنس الغضب المناسب لحال # PageV01P018 # هؤلاء كما قال في اليهود {بل طبع الله عليها بكفرهم} [سورة النساء 144] # وقد وصعهم بنحو مما وصف عدوهم فرعون فقوله {وقضينا إلى بني إسرائيل في ~~الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا} [سورة الإسراء 4] فوصفهم ~~بالفساد في الأرض والعلو كما أن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف ~~طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين [سورة القصص] ~~وختم السورة بقوله {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [سورة القصص 83] # وهذا مما يبين أن قوله {الذين يجادلون في آيات الله} [سورة غافر 35] ~~مبتدأ ليس بدلا من قوله {من هو مسرف مرتاب} سورة غافر 34 فإنه سبحانه وصف ~~هؤلاء بغير ما وصف هؤلاء ويؤيد هذا انه ابتداء قد قال في الأخرى الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم] وقال قبل هذه الآية ما يجادل في ~~آيات الله إلا الذين كفروا [سورة غافر 4] # وقد يقال يمكن اجتماع الوصفين الريب والجدل بغير علم كما هو الواقع في ~~طوائف كثيرة كما يجتمع الغضب والضلال # PageV01P019 # وقد يقال الآية تحتمل الوقف وتحتمل الابتداء وقد يكون هذا قراءتين فتسوغ ~~كل منهما ويكون له صف صحيح كما في نظائره # وفي الحديث الذي رواه الترمذي عن الحارث عن علي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ورواه أبو نعيم الأصفهاني وغيره من طرق عديدة عن علي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في القرآن الحديث المعروف قال قلت يا رسول الله ستكون فتن ~~فما المخرج منها قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما ~~بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في ~~غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم ~~وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تختلف به الآراء ولا تلتبس به الألسن ولا ~~يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضى عجائبه ولا يشبع منه العلماء من ms009 قال به صدق ~~ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم # PageV01P020 # فقوله من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ~~يناسب قوله تعالى كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب [سورة غافر 34] وكذلك ~~قوله كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار سورة غافر 35 فذكر ضلال الأول ~~وذكر تجبر الثاني وذلك لأن الاول مرتاب ففاته العلم حيث ابتغى الهدى في ~~غيره والثاني جبار عمل بخلاف ما فيه فقصمه الله وهذان الوصفان يجمعان العلم ~~والعمل # وفي ذلك بيان ان كل علم دين لا يطلب من القرآن فهو ضلال كفاسد كلام ~~الفلاسفة والمتكلمة والمتصوفة والمتفقهة وكل عاقل يترك كتاب الله مريدا ~~للعلو في الارض والفساد فان الله يقصمه فالضال لم يحصل له المطلوب بل يعذب ~~بالعمل الذي لا فائدة فيه والجبار حصل لذة فقصمه الله عليها فهذا عذب بإزاء ~~لذاته التي طلبها بالباطل وذلك يعذب بسعيه الباطل الذي لم يفده # والمقصود هنا أنه سبحانه في هاتين الآيتين بين من يجادل في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم وقد بين في غير موضع ان السلطان هو الحجة وهو الكتاب ~~المنزل كما قال تعالى أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو # PageV01P021 # يتكلم بما كانوا به يشركون [سورة الروم 35] وقيل إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان [سورة النجم 23] في غير ~~موضع # وقال تعالى ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله إلى قوله أم لكم سلطان ~~مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين [سورة الصافات 151 157] # وقال أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستعهم بسلطان [سورة الطور 38] وقال ~~أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون [سورة ~~القلم 35 37] # وإذا كان كذلك ففي هذا بيان أنه لا يجوز لأحد أن يعارض كتاب الله بغير ~~كتاب فمن عارض كتاب الله وجادل فيه بما يسميه معقولات وبراهين وأقيسة أو ما ~~يسميه مكاشفات ومواجيد وأذواق من غير أن يأتي ms010 على ما يقوله بكتاب منزل فقد ~~جادل في آيات الله بغير سلطان هذه حال الكفار الذين قال فيهم ما يجادل في ~~آيات الله إلا الذين كفروا [سورة غافر 4] فهذه حال من يجادل في آيات الله ~~مطلقا # ومن المعلوم أن الذي يجادل في جميع آيات الله لا يجادل بسلطان # PageV01P022 # فإن السلطان من آيات الله وإنما الذي يجادل في آيات الله بسلطان يكون قد ~~جادل في بعض آيات الله ببعض آيات الله # وهذه الحال يحمد منها ان يكون إحدى الآيتين ناسخة لها او مفسرة لها بما ~~يخالف ظاهرها وإن كان السلف يسمون الجميع نسخا ولهذا لم يكن السلف من ~~الصحابة والتابعين يتركون دلالة آية من كتاب الله إلا بما يسمونه نسخا ولم ~~يكن في عهدهم كتب في ذلك إلا كتب الناسخ والمنسوخ لأن ذلك غايته أن نجادل ~~في آيات الله بسلطان كجدالنا مع أهل التوراة والإنجيل وهما من آيات الله ~~بالقرآن الذي أنزله الله مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه # فأما معارضة القرآن بمعقول أو قياس فهذا لم يكن يستحله أحد من السلف ~~وإنما ابتدع ذلك لما ظهرت الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن بنوا أصول دينهم ~~على ما سموه معقولا وردوا القرآن إليه وقالوا إذ تعارض العقل والشرع إما أن ~~يفوض أو يتأول فهؤلاء من أعظم المجادلين في آيات الله بغير سلطان أتاهم # وأما تسمية المتأخرين تخصيصا وتقييدا ونحو ذلك مما فيه صرف الظواهر فهو ~~داخل في مسمى النسخ عند المتقدمين وعلى هذا الاصطلاح فيدخل النسخ في ~~الإخبار كما يدخل في الأوامر وإنما النسخ الخاص الذي هو رفع الحكم فلا بد ~~في الخبر عن أمر مستقر # PageV01P023 # وأما ما يدخل في الخبر عن إنشاء أمر فيكون لدخوله في الإنشاء إنشاء الأمر ~~والنهي وإنشاء الوعيد عند من يجوز النسخ فيه كآخر البقرة على ما روى عن ~~جمهور السلف # وهو مبني على أن الوعيد هل هو خبر محض أو هو مع ذلك إنشاء كالعقود التي ~~تقبل الفسخ لكونه إخبارا عن إرادة المتوعد وعزمه وكالخبر ms011 عن الأمر والنهي ~~المتضمن خبره عن طلبه المتضمن إرادته الشرعية وهذا مما يبين ما قررناه في ~~غير هذا الموضع أن الله سبحانه بين بكتابه سبيل الهدى وأنه لا يصلح أن ~~يخاطب بما ظاهر معناه باطل أو فاسد بل ولا يضلل المخاطبين بأن يحيلهم على ~~الأدلة التي يستسيغونها برأيهم بل يجب أن يكون الكتاب بيانا وهدى وشفاء لما ~~في الصدور وأن مدلوله ومفهومه حق وهذا أصل عظيم جدا ### | فصل فيما اختلف فيه المؤمنون من الأقوال والافعال في الأصول والفروع # فإن هذا من أعظم أصول الإسلام الذي هو معرفة الجماعة وحكم الفرقة ~~والتقاتل والتكفير والتلاعن والتباغض وغير ذلك # PageV01P024 # فنقول هذا الباب أصله المحرم فيه من البغي فإن الإنسان ظلوم جهول قال ~~تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم [سورة البقرة 213] في غير موضع # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لتسلكن سنن من ~~قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله ~~اليهود والنصارى قال فمن # وقد قال تعالى ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم [سورة آل عمران 105] # PageV01P025 # وقال تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ [سورة ~~الأنعام 159] # ومن هذا الباب ما هو من باب التأويل والاجتهاد الذي يكون الإنسان مستفرغا ~~فيه وسعه علما وعملا # ثم الإنسان قد يبلغ ذلك ولا يعرف الحق في المسائل الخبرية الاعتقادية وفي ~~المسائل العملية الاقتصادية والله سبحانه قد تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ ~~والنسيان بقوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [سورة البقرة ~~286] # وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس ومن حديث أبى هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن الله استجاب لهم هذا الدعاء وقال قد فعلت وأنهم لم يقرأو ~~بحرف منها ms012 إلا أعطوه وهذا مع قوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك أصحاب الجنة [سورة البقرة 82] # PageV01P026 # وقوله دليل على ان الله لا يكلف نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت وغير ذلك دليل على أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها # والوسع هو ما تسعه النفس فلا تضيق عنه ولا تعجز عنه فالوسع فعل بمعنى ~~مفعول كالجهد # وهذا أيضا كقوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج [سورة الحج 78] # وقوله يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [سورة البقرة 185] # وقوله ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج [سورة المائدة 6] والحرج الضيق ~~فهو نفى أن يكون عليهم ضيق أي ما يضيق عنهم كما أخبر أنه لا يكلف النفس إلا ~~ما تسعه فلا بد أن يكون الإيجاب والتحريم مما تسعه النفس حتى يقدر الإنسان ~~على فعله ولا بد أن يكون المباح مما يسع الإنسان ولا يضيق عنه حتى يكون ~~للانسان ما يسع الإنسان ويحمل الإنسان ولا يضيق عنه من المباح # وليتدبر الفرق بين ما يسعه الإنسان وهو الوسع الذي قيل فيه لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها [سورة البقرة 286] وبين ما يسع الإنسان فلا يكون حرجا عليه ~~وهو مما لا بد للإنسان منه من المباحات وهذا يكون في صفة فعل المأمور به ~~كما في الوضوء والصلاة فلا بد ان يكون المجزئ له من ذلك ما يسع الإنسان ~~والواجب عليه ما يسعه # PageV01P027 # الإنسان ويكون في باب الحلال والحرام فلا يحرم عليه ما لا يسع هو تركه ~~بحيث يبقى المباح له ضيقا منه لا يسعه # وإذا كان كذلك فينبغي أن يعلم أن للقلوب قدرة في باب العلم والاعتقاد ~~العلمى وفي باب الإرادة والقصد وفي الحركة البدنية أيضا # فالخطأ والنسيان هو من باب العلم يكون إما مع تعذر العلم عليه أو تعسره ~~عليه والله قد قال ما جعل عليكم في الدين من حرج [سورة الحج 78] وقال يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [سورة البقرة 185] # وقال النبي صلى الله عليه ms013 وسلم في الحديث المتفق عليه لمعاذ وأبى موسى ~~لما أرسلها إلى اليمن يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وطاوعا ولا تختلفا # وإذا كان كذلك فما عجز الإنسان عن عمله واعتقاده حتى يعتقد ويقول ضده خطأ ~~أو نسيانا فذلك مغفور له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ # PageV01P028 # فله أجر وهذا يكون فيما هو من باب القياس والنظر بعقله ورأيه ويكون فيما ~~هو من باب النقل والخبر الذي يناله بسمعه وفهمه وعقله ويكون فيما هو من باب ~~الإحساس والبصر الذي يجده ويناله بنفسه # فهذه المدارك الثلاثة قد يحصل للشخص بها علم يقطع به ويكون ضروريا في حقه ~~مثل ما يجده في نفسه من العلوم الضرورية ومثل ما سمعه من النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو من المخبرين له الصادقين خبرا يفيده العلم كالخبر المتواتر ~~الذي يفيده العلم تارة بكثرة عدد المخبرين وتارة بصفاتهم وتارة بهما وغير ~~ذلك مما يفيد العلم # وقد يكون مما علمه بآثاره الدالة عليه أو بحكم نظره المساوى له من كل وجه ~~او الذي يدل على الآخر بطريق الأولى والتنبيه ونحو ذلك ومع هذا فتكون هذه ~~العلوم عند غيره متيقنة مع اجتهاده لدقة العلوم أو خفائها أو لوجود ما ~~يعتقد المعتقد أنه يعارض ولا يكون معارضا في الحقيقة فيشتبه بالمعارض ~~لاشتباه المعارض لاشتباه المعاني او لاشتراك الألفاظ # فهذا من أعظم أسباب اختلاف بني آدم من المؤمنين وغيرهم ولهذا نجد في ~~المختلفين كل طائفة تدعى العلم الضروري فما يقوله إما من جهة القياس والنظر ~~وإما من جهة السماع والخبر وإما من جهة الإحساس والبصر ولا تكون واحدة من ~~الطائفتين كاذبة بل صادقة # PageV01P029 # لكن يكون قد أدخل مع الحق ما ليس منه في النفي والإثبات لاشتباه المعاني ~~واشتراك الألفاظ فيكون حينئذ ما ينفيه هذا يثبته الآخر ولو زال الاشتباه ~~والاشتراك زال الخلاف التضادى وكان اختلاف الناس في مسائل الجبر والقدر ~~ومسائل نفي الجسم وإثباته ونفى موجب الأخبار وإثبات ذلك هو من ms014 هذا الباب # وهذا كله موجود في كتب أهل الكلام وأهل الحديث والفقه وغير ذلك # وقول القائل إن الضروريات يجب اشتراك العقلاء فيها خطأ بل الضروريات ~~كالنظريات تارة يشتركون فيها وتارة يختص بها من جعل له قوة على إدراكها # وكذلك قول القائلين إن الطائفة التي تبلغ عدد التواتر لا يتفقون على جحد ~~الضروريات ليس بصواب بل يتفقون على ذلك إذا تواطأوا عليها وخبر التواتر متى ~~كان عن تواطؤ لم يفد العلم وإنما يفيد العلم لانتفاء التواطؤ فيه وإذا كان ~~كذلك فقد يكون المختلفون قد اجتهد أحدهم فأصاب ويكون الآخر اجتهد فأخطأ ~~فيكون للأول أجران وللثاني أجر مع أن خطأه مغفور مغفور له وقد يكون كلاهما ~~اجتهد فأخطأ فيغفر لهما جميعا مع وجود الأجر # ويكون الصواب في قولنا ثالثا أما تفصيل ما أطلقوه # PageV01P030 # مثل أن ينفى هذا نفيا عاما ويثبت الآخر ما نفاه الأول فيفصل المفصل ويثبت ~~البعض دون البعض وكذلك في المعنى المشتبه واللفظ المشترك يفصل بين المعنى ~~وما يشبهه إذا كان مخالفا له وبين معنى لفظ ومعنى لفظ # ثم إنه من مسائل الخلاف ما يتضمن أن اعتقاد أحدهما يوجب عليه بغض الآخر ~~ولعنه أو تفسيقه أو تكفيره أو قتاله فإذا فعل ذلك مجتهدا مخطئا كان خطؤه ~~مغفورا له وكان ذلك في حق الآخر محنة في حقه وفتنة وبلاء ابتلاه به # وهذه حال البغاة المتأولين مع أهل العدل سواء كان ذلك بين أهل اليد ~~والقتال من الأمراء ونحوهم أو بين أهل اللسان والعمل من العلماء والعباد ~~ونحوهم وبين من يجمع الأمرين # ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع البغى لا لمجرد ~~الاجتهاد # كما قال تعالى وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم [سورة آل عمران 19] وقال إن الذبن فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شئ [سورة الأنعام 159] وقال ولاتكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من ~~بعد ما جاءهم البينات [سورة آل عمران 105] # فلا يكون فتنة وفرقة مع وجود الاجتهاد السائغ بل مع نوع ms015 بغى # PageV01P031 # ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القتال في الفتنة وكان ذلك من ~~أصول السنة وهذا مذهب أهل السنة والحديث وأئمة اهل المدينة من فقهائهم ~~وغيرهم # ومن الفقهاء من ذهب إلى أن ذلك يكون مع وجود العلم التام من أحدهما ~~والبغى من الآخر فيجب القتال مع العادل حينئذ وعلى هذا الفتنة الكبرى بين ~~أهل الشام والعراق هل كان الأصوب حال القاعدين أو حال المقاتلين من أهل ~~العراق والنصوص دلت على الأول وقالوا كان ترك قتال أهل العراق أصوب وإن ~~كانوا أقرب إلى الحق وأولى به من الشام إذ ذاك كما بسطنا الكلام في هذا في ~~غير هذا الموضع وتكلمنا على الآيات والاحاديث في ذلك # ومن أصول هذا الموضع أن مجرد وجود البغى من إمام أو طائفة لا يوجب قتالهم ~~بل لا يبيحه بل من الأصول التي دلت عليها النصوص أن الإمام الجائر الظالم ~~يؤمر الناس بالصبر على جوره وظلمه وبغيه ولا يقاتلونه كما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك في غير حديث فلم يأذن في دفع البغي مطلقا بالقتال بل ~~إذا كانت فيه فتنة نهى عن دفع البغي به وأمر بالصبر # وأما قوله سبحانه فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى [سورة ~~الحجرات 9] فهو سبحانه قد بين مراده ولكن من # PageV01P032 # الناس من يضع الآية على غير موضعها فإنه سبحانه قال وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغى حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله ~~يحب المقسطين [سورة الحجرات 9] فهو لم يأذن ابتداء في قتال بين المؤمنين بل ~~إذا اقتتلوا فأصلحوا بينهما والاقتتال هو فتنة وقد تكون إحداهما أقرب إلى ~~الحق فأمر سبحانه في ذلك بالإصلاح # وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما اقتتل بنو عمرو بن عوف فخرج ~~ليصلح بينهم وقال لبلال إن حضرت الصلاة فقدم ابا بكر # ثم قال سبحانه فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ إلى أمر الله [سورة الحجرات ms016 9] ~~فهو بعد اقتتالهم إذا أصلح بينهم بالقسط فلم تقبل إحداهما القسط بل بغت ~~فإنها تقاتل لأن قتالها هنا يدفع به القتال الذي هو أعظم منه فإنها اذا لم ~~تقاتل حتى تفئ إلى أمر الله بل تركت حتى تقتتل هي والأخرى كان الفساد في ~~ذلك أعظم # والشريعة مبناها على دفع الفسادين بالتزام أدناهما وفي مثل هذا يقاتلون ~~حتى لا يكون فتنة ويكون الدين كله لله لأنه إذا أمروا # PageV01P033 # بالصلاح والكف عن الفتنة فبغت إحداهما قوتلت حتى لا تكون فتنة والمأمور ~~بالقتال هو غير المبغى عليه أمر بأن يقاتل الباغية حتى ترجع إلى الدين ~~فقاتلها من باب الجهاد وإعانة المظلوم المبغى عليه # أما إذا وقع بغى ابتداء بغير قتال مثل أخذ مال أو مثل رئاسة بظلم فلم ~~يأذن الله في اقتتال طائفتين من المؤمنين على مجرد ذلك لأن الفساد في ~~الاقتتال في مجرد رئاسة أو أخذ مال فيه نوع ظلم # فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتال الأئمة إذا كان فيهم ظلم لأن ~~قتالهم فيه فساد أعظم من فساد ظلمهم # وعلى هذا فما ورد في صحيح البخارى من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ذلك ليس هو مخالفا لما تواتر عنه من أنه أمر بالإمساك عن ~~القتال في الفتنة وأنه جعل القاعد فيها خيرا من القائم والقائم خيرا من ~~الماشى والماشى خيرا من الساعى # وقال يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر ~~يفر بدينه من الفتن وأمر فيها بأن يلحق الإنسان # PageV01P034 # بإبله وبقره وغنمه لأن وصفه تلك الطائفة بالبغى هو كما وصف به من وصف من ~~الولاة بالأثرة والظلم # كقوله ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض # وقوله ص ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا فما تأمرنا يا رسول الله ~~قال أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم وأمثال ذلك من الأحايث الصحاح # فأمر مع ذكره لظلمهم بالصبر وإعطاء حقوقهم وطلب المظلوم حقه من الله ولم ~~يأذن للمظلوم المبغى عليه ms017 بقتال الباغي في مثل هذه الصور التي يكون القتال ~~فيها فتنة كما أذن في دفع الصائل بالقتال حيث # PageV01P035 # قال من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد فإن قتال اللصوص ~~ليس قتال فتنة إذ الناس كلهم أعوان على ذلك فليس فيه ضرر عام على غير ~~الظالم بخلاف قتال ولاة الأمور فإن فيه فتنة وشرا عاما أعظم من ظلمهم ~~فالمشروع فيه الصبر # وإذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم طائفة بأنها باغية سواء كان ذلك ~~بتأويل أو بغير تأويل لم يكن مجرد ذلك موجبا لقتالها ولا مبيحا لذلك إذ كان ~~قتال فتنة # فتدبر هذا فإنه موضع عظيم يظهر فيه الجمع بين النصوص ولأنه الموضع الذي ~~اختلف فيه اجتهاد علماء المؤمنين قديما وحديثا حيث رأى قوم قتال هؤلاء مع ~~من هو أولى بالحق منهم ورأى آخرون ترك القتال إذا كان القتال فيه من الشر ~~أعظم من ترك القتال كما كان # PageV01P036 # الواقع فإن أولئك كانوا لا يبدأون البغاة بقتال حتى يجعلوهم صائلين عليهم ~~وإنما يكون ذنبهم ترك واجب مثل الامتناع من طاعة معين والدخول في الجماعة ~~فهذه الفرقة إذا كانت باغية وفي قتالهم من الشر كما وقع أعظم من مجرد ~~الاقتصار على ذلك كان القتال فتنة وكان تركه هو المشروع وإن كان المقاتل ~~أولى بالحق وهو مجتهد # وعامة ما تنازعت فيه فرقة المؤمنين من مسائل الأصول وغيرها في باب الصفات ~~والقدر والإمامة وغير ذلك هو من هذا الباب فيه المجتهد المصيب وفيه المجتهد ~~المخطئ ويكون المخطئ باغيا وفيه الباغي من غير اجتهاد وفيه المقصر فيما أمر ~~به من الصبر # وكل ما أوجب فتنة وفرقة فليس من الدين سواء كان قولا او فعلا ولكن المصيب ~~العادل عليه أن يصبر عن الفتنة ويصبر على جهل الجهول وظلمة إن كان غير ~~متأول وأما إن كان ذاك أيضا متأولا فخطؤه مغفور له وهو فيما يصيب به من أذى ~~بقوله أو فعله له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور له وذلك محنة وابتلاء في حق ms018 ~~ذلك المظلوم # PageV01P037 # فإذا صبر على ذلك واتقى الله كانت العاقبة له كما قال تعالى وإن تصبروا ~~وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا [سورة آل عمران 120] # وقال تعالى لتلبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ~~[سورة آل عمران 186] # فأمر سبحانه بالصبر على أذى المشركين وأهل الكتاب مع التقوى وذلك تنبيه ~~على الصبر على أذى المؤمنين بعضهم لبعض متأولين كانوا أو غير متأولين # وقد قال سبحانه ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى [سورة المائدة 8] فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا ~~يعدلوا عليهم فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان فهو ~~أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالما له # فهذا موضع عظيم المنفعة في الدين والدنيا فإن الشيطان موكل ببني آدم وهو ~~يعرض للجميع ولايسلم أحد من مثل هذه الأمور دع ماسواها من نوع تقصير في ~~مأمور أو فعل محظور باجتهاد أو غير اجتهاد وإن كان هو الحق # وقال سبحانه لنبيه فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك ~~بالعشى والإبكار [سورة غافر 55] فأمره بالصبر وأخبره أن وعد الله حق وأمره ~~أن يستغفر لذنبه # PageV01P038 # ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به فإنه سبحانه أمر بالحق وأمر ~~بالصبر فالفتنة إما من ترك الحق وإما من ترك الصبر # فالمظلوم المحق الذي لا يقصر في علمه يؤمر بالصبر فإذا لم يصبر فقد ترك ~~المأمور # وإن كان مجتهدا في معرفة الحق ولم يصبر فليس هذا بوجه الحق مطلقا لكن هذا ~~وجه نوع حق فيما أصابه فينبغي أن يصبر عليه # وإن كان مقصرا في معرفة الحق فصارت ثلاثة ذنوب أنه لم يجتهد في معرفة ~~الحق وأنه لم يصبه وأنه لم يصبر # وقد يكون مصيبا فيما عرفه من الحق فيما يتعلق بنفسه ولم يكن مصيبا في ~~معرفة حكم الله ms019 في غيره وذلك بأن يكون قد علم الحق في أصل يختلف فيه بسماع ~~وخبر أو بقياس ونظر أو بمعرفة وبصر ويظن مع ذلك أن ذلك الغير التارك ~~للإقرار بذلك الحق عاص أو فاسق أو كافر ولا يكون الأمر كذلك لأن ذلك الغير ~~يكون مجتهدا قد استفرغ وسعه ولا يقدر على معرفة الأول لعدم المقتضى ووجود ~~المانع # وأمور القلوب لها أسباب كثيرة ولا يعرف كل احد حال غيره من ايذاء له بقول ~~أو فعل قد يحسب المؤذى إذا كان مظلوما لا ريب # PageV01P039 # فيه أن ذلك المؤذى محض باغ عليه ويحسب أنه يدفع ظلمه بكل ممكن ويكون ~~مخطئا في هذين الأصلين إذ قد يكون المؤذى متأولا مخطئا وإن كان ظالما لا ~~تأويل له فلا يحل دفع ظلمه بما فيه فتنة بين الأمة وبما فيه شر أعظم من ~~ظلمه بل يومر المظلوم ها هنا بالصبر فإن ذلك في حقه محنة وفتنة # وإنما يقع المظلوم في هذا لجزعه وضعف صبره أو لقلة علمه وضعف رأيه فإنه ~~قد يحجب أن القتال ونحوه من الفتن يدفع الظلم عنه ولا يعلم أنه يضاعف الشر ~~كما هو الواقع وقد يكون جزعه يمنعه من الصبر # والله سبحانه وصف الأئمة بالصبر واليقين فقال وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ~~لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [سورة السجدة 24] وقال وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر [سورة العصر 3] # وذلك أن المظلوم وإن كان مأذونا له في دفع الظلم عنه بقوله تعالى ولمن ~~انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل [سورة الشورى 41] فذلك مشروط ~~بشرطين # أحدهما القدرة على ذلك # والثاني ألا يعتدى # فإذا كان عاجزا أو كان الانتصار يفضى إلى عدوان زائد لم # PageV01P040 # يجز وهذا هو أصل النهى عن الفتنة فكان إذا كان المنتصر عاجزا وانتصاره ~~فيه عدوان فهذا هذا # ومع ذلك فيجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب إظهار السنة والشريعة ~~والنهي عن البدعة والضلالة بحسب الإمكان كما دل على وجوب ذلك الكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة # وكثير من الناس قد يرى تعارض الشريعة في ذلك فيرى ms020 أن الأمر والنهي لا ~~يقوم إلا بفتنة فإما أن يؤمر بهما جميعا أو ينهى عنهما جميعا وليس كذلك بل ~~يؤمر وينهى ويصبر عن الفتنة كما قال تعالى وأمر بالمعروف وانه عنه المنكر ~~واصبر على ما أصابك [سورة لقمان 17] # وقال عبادة بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في ~~عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله وأن نقوم ~~أو نقول بالحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم فأمرهم بالطاعة ونهاهم ~~عن منازعة الأمر أهله وأمرهم بالقيام بالحق # PageV01P041 # ولأجل ما يظن من تعارض هذين تعرض الحيرة في ذلك لطوائف من الناس والحائر ~~الذي لا يدري لعدم ظهور الحق وتميز المفعول من المتروك ما يفعل إما لخفاء ~~الحق عليه أو لخفاء ما يناسب هواه عليه # والبدعة مقرونة بالفرقة كما ان السنة مقرونة بالجماعة فيقال أهل السنة ~~والجماعة كما يقال أهل البدعة والفرقة وقد بسطنا هذا كله في غير هذا الموضع # وإنما المقصود هنا التنبيه على وجه تلازمهما موالاة المفترقين وإن كان ~~كلاهما فيه بدعة وفرقة أو كانوا مؤمنين فيوالون بإيمانهم ويترك ما ليس من ~~الإيمان من بدعة وفرقة فإن البدعة ما لم يشرعه الله من الدين فكل من دان ~~بشئ لم يشرعه الله فذاك بدعة وإن كان متأولا فيه # وهذا موجود من جميع أهل التأويل المفترقين من الأولين والآخرين فإنهم إذا ~~رأوا ما فعلوا مأمورا به ولم يكن كذلك فليس ما فعلوه سنة بل هو بدعة متأولة ~~مجتهد فيها من المنافقين سواء كانت في الدنيا أو في الدين # كما قال تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا # PageV01P042 # خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم [سورة التوبة 47] وقال فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ~~[سورة آل عمران 7] # وتجد أئمة أهل العلم من أهل البدعة والفرقة من أهل الإيمان والنفاق ~~يصنفون لأهل السيف والمال من الملوك والوزراء في ذلك ويتقربون إليهم ~~بالتصنيف فيما يوافقهم كما صنف كتاب تحليل ms021 النبيذ لبعض الأمراء وهو الكرخى ~~وقد صنف الجاحظ قبله كتابا لكن أظنه مطلقا وكما صنف ابن فورك كتابا في مذهب ~~ابن كلاب # PageV01P043 # الرئيسي وكما صنف أبو المعالى النظامية والغياثى لنظام الملك وكما صنف ~~الرازي كتاب الملخص في الفلسفة # PageV01P044 # لوزير وقته زهير وكتابا في أحكام النجوم لملك وقته علاء الدين وكتابا في ~~السحر وعبادة الأوثان لأم الملك # وكما صنف السهروردي الحلبى المقتول الألواح العمادية في المبدأ والمعاد ~~لعماد الدين قره أرسلان بن داود وقال فيه لما # PageV01P045 # تواترت لدى مكاتبات الملك فلان وقد أمرني بتحرير عجالة شديدة الإيجاز ~~بينة الإعجاز تتضمن ما لابد من معرفته في المبدأ والمعاد على ما يراه من ~~متأهلة وأساطين الفضلاء فبادرت إلى امتثال مرسومه وتحصيل مطلوبه وكنت قد ~~صادفت مختصرات صنفها بعض المتأخرين لأمراء زمانهم وملوك أزمانهم وسمعت أنها ~~ما انتفعوا بها لأنهم عدلوا عن مصلحة التعليم وطريق التفهيم وما غيروا شيئا ~~من الاصطلاحات الغامضة المأخذ ففوتوا الرعاية لفائدة جزئية لا مصلحة كلية # PageV01P046 # وكما صنف صاحب دعوة البلاغ الأكبر والناموس الأعظم ### | فصل مهم عظيم القدر في هذا الباب وذلك أن طوائف كبيرة من أهل # الكلام من المعتزلة وهو أصل هذا الباب كأبي على وأبي هاشم وعبد الجبار ~~وأبى # PageV01P047 # الحسين وغيرهم ومن اتبعهم من الاشعرية كالقاضى أبى بكر وأبى المعالى وأبى ~~حامد والرازي ومن إتبعهم من الفقهاء يعظمون أمر الكلام الذي يسمونه أصول ~~الدين حتى يجعلون مسائله # PageV01P048 # قطعية ويوهنون من أمر الفقه الذي هو معرفة أحكام الأفعال حتى يجعلوه من ~~باب الظنون لا العلوم # وقد رتبوا على ذلك أصولا انتشرت في الناس حتى دخل فيها طوائف من الفقهاء ~~والصوفية وأهل الحديث لا يعلمون أصلها ولا ما تؤول إليه من الفساد مع أن ~~هذه الأصول التي ادعوها في ذلك باطلة واهية كما سنبينه في غير هذا الموضع ~~ذلك أنهم لم يجعلوا لله في الأحكام حكما معينا حتى ينقسم المجتهد إلى مصيب ~~ومخطئ بل الحكم في حق كل شخص ما أدى إليه اجتهاده # وقد بينا في غير هذا الموضع ما ms022 في هذا من السفسطة والزندقة فلم يجعلوا ~~لله حكما في موارد الاجتهاد أصلا ولا جعلوا له على ذلك دليلا أصلا بل ابن ~~الباقلاني وغيره يقول وما ثم أمارة في الباطن بحيث يكون ظن أصح من ظن وإنما ~~هو أمور اتفاقية فليست الظنون عنده مستندة إلى أدلة وأمارات تقتضيها ~~كالمعلوم في استنادها إلى الأدلة # ثم إنه وطائفة مع هذا قد أبطلوا أصول الفقه ومنعوا دلالتها # PageV01P049 # حتى سموا واقفة والكلام نوعان أمر وخبر فمنعوا دلالة صيغ الأمر عليه ~~ومنعوا دلالة صيغ الخبر العام عليه # ومن فروع ذلك أنهم يزعمون أن ما تكلموا فيه من مسائل الكلام هي مسائل ~~قطعية يقينية وليس في طوائف العلماء من المسلمين أكثر تفرقا واختلافا منهم ~~ودعوى كل فريق في دعوى خصمه الذي يقول إنه قطعى بل الشخص الواحد منهم يناقض ~~نفسه حتى أن الشخصين والطائفتين بل الشخص الواحد والطائفة الواحدة يدعون ~~العلم الضروري بالشئ ونقيضه ثم مع هذا الاضطراب الغالب عليهم يكفر بعضهم ~~بعضا كما هو أصول الخوارج والروافض والمعتزلة وكثير من الأشعرية # ويقولون في آخر أصول الفقه المصيب في أصول الدين واحد وأما الفروع ففيها ~~كل مجتهد مصيب # ثم إنهم صنفوا في أصول الفقه وهو علم مشترك بين الفقهاء والمتكلمين فبنوه ~~على أصولهم الفاسدة حتى ان أول مسألة منه وهي الكلام في حد الفقه لما حدوه ~~بأنه العلم باحكام أفعال المكلفين # PageV01P050 # الشرعية أورد هؤلاء كالقاضي أبي بكر والرازي والآمدي ومن وافقهم من فقهاء ~~الطوائف كأبي الخطاب وغيره السؤال المشهور هنا وهو أن الفقه من باب الظنون ~~لأنه مبنى على الحكم بخبر الواحد والقياس والعموم والظواهر وهي إنما تفيد ~~الظن فكيف جعلتموه من العلم حيث قلتم العلم # وأجابوا عن ذلك بأن الفقيه قد علم أنه إذا حصل له هذا الظن وجب عليه ~~العمل به كما قال الرازي # فإن قلت الفقه من باب الظنون فكيف جعلته علما # قلت المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم قطع بوجوب ~~العلم بما أدى إليه ظنه فالعلم حاصل ms023 قطعا والظن واقع في طريقه # وقد ظن طائفة من الفقهاء الناظرين في أصول الفقه أن هذا الجواب ضعيف ~~لقوله العلم حاصل قطعا والظن واقع في طريقه # PageV01P051 # قالوا والحكم بالنتيجة يتبع أضعف المقدمات وأحسن المقدمات فالموقوف على ~~الظن أولى أن يكون ظنا # وليس الأمر كما توهموا بل لم يفهموا كلام هؤلاء فإن هذا الظن ليس هو ~~عندهم دليل العلم بوجوب العلم به ولا مقدمة من مقدمات دليله ولكنهم يقولون ~~قامت الأدلة القطعية من النصوص والإجماع مثلا على وجوب العلم بالظن الحاصل ~~عن خبر الواحد والقياس وذلك العلم حصل بأدلته المفيدة له لم يحصل بهذا الظن ~~ولا مقدماته # لكن التقدير إذا حصل لك أيها المجتهد ظن فعليك أن تعمل به وحصول الظن في ~~النفس وجدى يجده المرء في نفسه ويحسه كما يجد عمله ويحسه فمعرفته بحصول ~~الظن يقينى ومعرفته بوجوب العمل به يقينى فهاتان مقدمتان علميتان إحداهما ~~سمعية والأخرى وجدية # وصار هذا كما لو قيل له إذا حصل لك مرض في الصوم أنه يجوز لك الفطر وإذا ~~حصل مرض يمنعك القيام في الصلاة فأعلم أن عليك أن تصلى قاعدا فإذا وجد ~~المرض في نفسه علم حينئذ حكم الله باباحة الفطر وبالصلاة قاعدا فهكذا وجود ~~الظن عندهم في نفس المجتهد # وإذا علم أن هذا حقيقة قولهم تبين حينئذ فساد ما ذكروه من غير تلك الجهة ~~وهو أن هذا يقتضى ألا يكون الفقة إلا العلم بوجوب # PageV01P052 # العمل بهذه الظنون والاعتقادات الحاصلة عن أمارات الفقه على اصطلاحهم # ومعلوم أن هذا العلم هو من أصول الفقه وهو لا يخص مسألة دون مسألة ولا ~~فيه كلام في شئ من أحكام الأفعال كالصلاة والجهاد والحدود وغير ذلك وهو أمر ~~عام كلى ليس هو الفقه بأتفاق الناس كلهم إذ الفقه يتضمن الأمر بهذه الأفعال ~~والنهى عنها إما علما وإما ظنا # فعلى قولهم الفقه هو ظن وجوب هذه الأعمال وظن التحريم وظن الاباحة وتلك ~~الظنون هي التي دلت عليها هذه الأدلة التي يسمونها الأمارات كخبر الواحد ~~والقياس فإذا حصلت هذه ms024 الظنون حصل الفقه عندهم # وأما وجوب العلم بهذا الظن فهذاك شئ آخر وهذا الذي ذكروه إنما يصلح أن ~~يذكر في جواب من يقول كيف يسوغ لكم العمل بالظن فهذا يورد في أصول الفقه في ~~تقرير هذه الطرق إذا قيل إنها إنما تفيد الظن قيل وكيف يسوغ اتباع الظن مع ~~دلالة الأدلة الشرعية على خلاف ذلك # فيقولون في الجواب المتبع إنما هو الأدلة القطعية الموجبة للعمل # PageV01P053 # بهذا الظن والعامل بتلك الأدلة متبع للعلم لا للظن أما أن يجعل نفس الفقه ~~الذي هو علم ظنا فهذا تبديل ظاهر وأتباعهم الأذكياء تفطنوا لفساد هذا ~~الجواب # وقد تجيب طائفة أخرى كأبي الخطاب وغيره عن هذا السؤال بأن العلم يتناول ~~اليقين والاعتقاد الراجح كقوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات [سورة الممتحنة ~~10] وأن تخصيص لفظ العلم بالقطعيات اصطلاح المتكلمين والتعبير هو باللغة لا ~~بالاصطلاح الخاص # والمقصود هنا ذكر أصلين هما بيان فساد قولهم الفقه من باب الظنون وبيان ~~أنه أحق بأسم العلم من الكلام الذي يدعون أنه علم وأن طرق الفقه احق بأن ~~تسمى أدلة من طرق الكلام # والأصل الثاني بيان أن غالب ما يتكلمون فيه من الأصول ليس بعلم ولا ظن ~~صحيح بل ظن فاسد وجهل مركب # ويترتب على هذين الأصلين منع التكفير بأختلافهم في مسائلهم وأن التفكير ~~في الأمور العملية الفقهية قد يكون أولى منه في مسائلهم # PageV01P054 # فنقول الفقه هو معرفة أحكام أفعال العباد سواء كانت تلك المعرفة علما أو ~~ظنا أو نحو ذلك # ومن المعلوم لمن تدبر الشريعة أن أحكام عامة افعال العباد معلومة لا ~~مظنونة وأن الظن فيها إنما هو قليل جدا في بعض الحوادث لبعض المجتهدين فأما ~~غالب الأفعال مفادها وأحداثها فغالب احكامها معلومة ولله الحمد وأعنى ~~بكونها أن العلم بها ممكن وهو حاصل لمن اجتهد واستدل بالأدلة الشرعية عليها ~~لا أعنى أن العلم بها حاصل لكل احد بل ولا لغالب المتفقهة المقلدين لائمتهم ~~بل هؤلاء غالب ما عندهم ظن أو تقليد # إذ الرجل قد يكون يرى مذهبه بعض الأئمة وصار ينقل ms025 أقواله في تلك المسائل ~~وربما قربها بدليل ضعيف من قياس أو ظاهر هذا إن كان فاضلا وإلا كفاه مجرد ~~نقل المذهب عن قائله إن كان حسن التصور فهما صادقا وإلا لم يكن عنده إلا ~~حفظ حروفه إن كان حافظا وإلا كان كاذبا أو مدعيا أو مخطئا # ولا ريب أن الحاصل عند هؤلاء ليس بعلم كما أن العامة المقلدين للعلماء ~~فيما يفتونهم [فإن الحاصل عندهم] ليس علما بذلك عن # PageV01P055 # دليل يفيدهم القطع وإن كان العالم عنده دليل يفيد القطع # وهذا الأصل الذي ذكرته أصل عظيم فلا يصد المؤمن العليم عنه صاد فإنه ~~لكثرة التقليد والجهل والظنون في المنتسبين إلى الفقه والفتوى والقضاء ~~استطال عليهم أولئك المتكلمون حتى أخرجوا الفقه الذي نجد فيه كل العلوم من ~~أصل العلم لما رأوه من تقليد أصحابه وظنهم # ومما يوضح هذا الأصل أنه من العلوم أن الظنون غالبا إنما تكون في مسائل ~~الاجتهاد والنزاع فأما مسائل الإيمان والإجماع فالعلم فيها أكثر قطعا # وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن من أشهر ما تنازعت فيه الصحابة ومن بعدهم ~~مسائل الفرائض كما تنازعوا في الجد وفروعه وفي الكلالة وفي حجب الأم بأخوين ~~وفي العمريتين زوج وأبوان وزوجة وابوان وفي الجد هل يقوم مقام الأب في ذلك ~~وفي الأخوات مع البنات هل هي عصبة أم لا وفيما إذا # PageV01P056 # استكمل البنات الثلثين وهناك ولد ابن ونحو ذلك من المسائل التي يحفظ ~~النزاع فيها عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد وابن عباس وغيرهم من ~~الصحابة # لكن أئمة هذا الباب خمسة عمر وعلي وابن مسعود وزيد وابن عباس وإذا كانوا ~~تنازعوا في الفرائض أكثر من غيرها فمن المعلوم أن عامة أحكام الفرائض ~~معلومة بل منصوصة بالقرآن فإن الذي يفتي الناس في الفرائض قد يقسم ألف ~~فريضة منصوصة في القرآن مجمعا عليها حتى تنزل به واحدة مختلف فيها بل قد ~~تمضى عليه أحوال لا تجب في مسألة نزاع # وأما المسائل المنصوصة المجمع عليها فالجواب فيها دائم بدوام الموتى فكل ~~من مات لا بد ms026 لميراثه من حكم ولهذا لم يكن شئ من مسائل النزاع على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود الموت والفرائض دائما ومع أن كل من كان ~~يموت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود الموت والفرائض دائما ومع ~~أن كل من كان يموت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ما وضع قط مال ~~ميت في بيت مال ولا قسم بين المسلمين كما كان يقسم بينهم الفئ ومال المصالح # ولكن لما فتحت البلاد وكثر أهل الإسلام في إمارة عمر صار # PageV01P057 # حينئذ يحدث اجتماع الجد والإخوة فتكلموا في ذلك وكذلك حدثت العمريتان ~~فتكلموا فيها # هذا مع أن علم الفرائض من علم الخاصة حتى أن كثيرا من الفقهاء لا يعرفه ~~فهو عند العلماء به من علم الفقه اليقين المقطوع به وليس عند أكثر ~~المنتسبين إلى العلم فضلا عن العامة به علم ولاظن وذلك كالقضايا التجريبية ~~في الطب هي عند المجربين لها والعالمين بها من المجربين معلومة وأكثر ~~الخائضين في علوم أخر فضلا عن العامة ليس عندهم علم ولا ظن # بل باب الحيض الذي هو من أشكل الفقه في كتاب الطهارة وفيه من الفروع ~~والنزاع ما هو معلوم ومع هذا أكثر الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال النساء ~~في الحيض معلومة ومن انتصب ليفتي الناس يفتيهم بأحكام معلومة متفق عليها ~~مائة مرة حتى يفتيهم بالظن مرة واحدة وإن أكثر الناس لا يعلمون أحكام الحيض ~~وما تنازع الفقهاء فيه من أقله وأكثره وأكثر سنين الحيض وأقله ومسائل ~~المتحيرة فهذا من أندر الموجود ومتى توجد امرأة لا تحيض إلا يوما وإنما في ~~ذلك حكايات قليلة جدا مع العلم بأن عامة بنات آدم يحضن كما قال # PageV01P058 # النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا شئ كتبه الله على بنات آدم # وكذلك متى توجد في العالم امرأة تحيض خمسة عشر يوما أو تسعة عشر أو امرأة ~~مستحاضة دائما لا يعرف لها عادة ولا يتميز الدم في ألوانه بل الاستحاضة إذا ~~وقعت فغالب النسوة يكون تميزها وعادتها ms027 واحدة والحكم في ذلك ثابت بالنصوص ~~المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وبأتفاق الفقهاء # ونحن ذكرنا في الموت الذي هو أمر لازم لكل أحد وقل من يموت إلا وله شئ ~~وفي الحيض الذي هو أمر معتاد للنساء وكذلك سائر الأجناس المعتادة مثل ~~النكاح وتوابعه والبيوع وتوابعها والعبادات والجنايات # فإن قال قائل مسائل الاجتهاد والخلاف في الفقه كثيرة جدا في هذه الأبواب # قيل له مسائل القطع والنص والإجماع بقدر تلك أضعافا # PageV01P059 # مضاعفة وإنما كثرت لكثرة أعمال العباد وكثرة أنواعها فإنها أكثر ما يعلمه ~~الناس مفصلا ومتى كثر الشئ إلى هذا الحد كان كل جزء منه كثيرا من ينظرها ~~مكتوبة فلا يرتسم في نفسه إلا ذلك كما يطالع تواريخ الناس والفتن وهي متصلة ~~في الخبر فيرتسم في نفسه أن العالم ما زال ذلك فيه متواصلا والمكتوب شئ ~~والواقع أشياء كثيرة فكذلك أعمال العباد وأحكامها ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون ذلك # أما غير الخائض في الفقه في فنون أخرى فظاهر وأما الخائض فيه فغالبهم ~~إنما يعرف احدهم مذهب إمامه وقد يعلمه جملة لا يميز بين المسائل القطعية ~~المنصوصة والمجمع عليها وبين مفاريده أو ما شاع فيه الاجتهاد فنجده يفتي ~~بمسائل النصوص والإجماع من جنس فتياه بمسائل الاجتهاد والنزاع بمنزلة حمار ~~حمل سفرا ينقل نقلا مجردا حتى أنه يحكى لأحدهم أن مذهب فلان بخلاف ذلك ~~فيسوغ ذلك ويكون الخلاف في ذلك من الممتنعات بين الملل فضلا عن أن يختلف ~~فيه المسلمون # وقد بلغني من ذلك عن أقوام مشهورين بالفتيا والقضاء حتى حكوا لملك بلدهم ~~أن من مذهب الشافعي أن المطلقة ثلاثا تباح بالعقد الخالي عن الوطء وصبيان ~~الشافعية يعلمون أن هذا مما لم يختلف فيه مذهبه وحتى يحكوا عن مالك أن ~~المتعة عنده جائزة وليس في # PageV01P060 # المتبوعين أشد تحريما لها منه ومن أصحابه حتى أنه إذا وقت الطلاق عنده ~~ينجز لئلا يصير النكاح مؤقتا كنكاح المتعة # وأبلغ من ذلك يحكون في بلادهم عن مالك حل اللواط ويذكر ذلك لمن هو من ~~أعيان مذهبه ms028 فيقول القرآن دل على تحريمه ولا يمكنهم أن يكذبوا الناقل ~~ويقولوا هذا حرام بالإجماع مع أن العالم يعلم أن هذا حرام بإجماع المسلمين ~~واليهود والنصارى والمجوس والصابئين وأكثر المشركين لم يستحله إلا قوم لوط ~~وبعض الزنادقة من بقية الطوائف فلجهل هؤلاء وأمثالهم بالتمييز بين مسائل ~~العلم والقطع ومسائل الاجتهاد التبس الامر عليهم فلم يمكنهم أن يحكموا في ~~أكثر ما يفتى به أنه قطعى وهو قطعى معلوم من الدين للعلماء بالدين # لكن هؤلاء ليسوا في الحقيقة فقهاء في الدين بل هم نقلة لكلام بعض العلماء ~~ومذهبه والفقه لا يكون إلا بفهم الأدلة الشرعية بأدلتها السمعية الثبوتية ~~من الكتاب والسنة والإجماع نصا واستنباطا # ولكن أولئك المتكلمون كان علم الفقه عندهم هو مسائل # PageV01P061 # الحل والحرام وشفعة الجوار والجهر بالبسملة وتثنية الإقامة وإفرادها ~~والجمع بين الصلاتين وإزالة النجاسة والقود بالمثل وخيار المجلس والعوض ~~بالعقد الفاسد والإجارة ونحو ذلك من المسائل التى شاع فيها النزاع لا سيما ~~وقد جرد بعد المائة الثالثة مسائل الخلاف جردها أبو بكر الصيرفى فيما يغلب ~~على ظني واتبعه على ذلك الناس حتى صنفوا كتبا كثيرة في مسائل الخلاف فقط # واقتصر أكثر هؤلاء على ما اختلف فيه أبو حنيفة والشافعي # وأمهات المسائل التي جردوا القول فيها نحو أربعمائة مسألة التي توجد في ~~أمهات التعاليق وكتب الخلاف التي صنفها الخراسانيون والعراقيون من الطوائف ~~وإن كانت مسائل الخلاف لمن استوعبها منهم كالقاضي أبي يعلى تنتهي إلى ألوف ~~مؤلفة إما أربعة آلاف أو أقل أو أكثر ولمن اقتصر على كبار كبارها تكون نحو ~~مائة # PageV01P062 # مسألة كما فعل أبو محمد إسماعيل بن في تعليقه # وأما ذلك المقدار فهو الذي يصفه أبو المعالي وأبو إسحاق في خلافهما ~~والشريف أبو جعفر وأسعد الميهني # PageV01P063 # والسمعانى ونحوهم ويصفه ابو الخطاب في انتصاره وابن عقيل في نظرياته ~~وكذلك ابن يساره والعالمى ونحوهم من أصحاب أبي حنيفة وإن كان في عمد الأدلة ~~تبع شيخه القاضى في استيعاب مافي تعليق القاضي من هذه المسائل والنزاع فيها ~~وشهد أنها مسائل اجتهاد ظنية # واشتهار ms029 أصحابها بعلم الفقه هو من الشبهة التي أوجبت # PageV01P064 # للمتكليمن ولهؤلاء الفقهاء المختلفين ولكثير من المفتين وغيرهم أن يجعلوا ~~الفقه من باب الظنون والاجتهاد # ولهذا كان ظهور هذا القول مع ظهور مسائل الخلاف هذه وذلك مع ظهور بدع ~~كثيرة وتغير أمور الإسلام وضعف الخلافة حتى استولى عليها الديالم وظهر ~~حينئذ من مذهب القرامطة والباطنية والرافضة والمعتزلة ما عم أكثر الأرض ~~وأخذ من المسلمين كثير من ثغورهم الشامية وغيرها وانتشرت حينئذ بدع متكلمة ~~الصفاتية وغيرهم وصار هذا الفقه من باب اتباع الظن وما تهوى الأنفس # PageV01P065 # وكذلك مال كثير من طلاب العلم إلى ما يظنونه علما غير الفقه إما الكلام ~~وإما الفلسفة فإن النفس تطلب ما هو علم وتنفر مما هو شك وظن وهذا محمود ~~منها # وكان من سبب هذا أنهم تفقهوا لغير الدين وذلك مما ذموا عليه # كما جاء ذلك في حديث رواه [أبو هريرة وعلي رضي الله عنهما] يقول فيه ~~[النبي صلى الله عليه وسلم] إذا اتخذ المال دولا والأمانة مغنما والزكاة ~~مغرما وتفقه لغير الدين وأطاع الرجل امرأته وعق امه وأدنى صديقته وأقصى ~~أباه ورفعت الأصوات في المساجد وأكرم الرجل مخافة شره وساد القبيلة فاسقها ~~وكان زعيم القوم أرذلهم فلينتظروا عند ذلك ريحا حمراء وفتنا تتابع كنظام ~~بال قطع سلكه فتتابع # PageV01P066 # وكان هذا ما هو من أشراط الساعة الوسطى من ظهور الجهل ورفع العلم وكثرة ~~الزنا # فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد يريد بالساعة ~~انخرام القرن ووقوع شرور وبلاء يعذب به الناس وإن كانت الساعة العامة هي ~~قيام الناس من قبورهم لكن الأول جاء في مثل قوله إن يستنفد هذا الغلام عمره ~~لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة يريد به انخرام ذلك القرن كما إنه قد أراد ~~بلفظ القيامة موت الإنسان كما في قول المغيرة بن شعبة أيها الناس إنكم ~~تقولون القيامة القيامة وإنه من مات فقد قامت قيامته # وترجم البغوى على ذلك في كتاب المصابيح باب من # PageV01P067 # مات فقد قامت قيامته # لكن ms030 من الزنادقة الصابئة المتفلسفة كالسهروردى الحلبي المقتول وغيره من ~~يظن ذلك هو القيامة التي وصفها الله في القرآن ويجعل هذا اللفظ من كلام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس الأمر كذلك # وإذا كان بسبب تقليد كثير من الفقهاء لأئمتهم واتباعهم الظن اشتبه ما ~~يمكن علمه وما هو معلوم لفقهاء الدين وعلماء الشريعة بغيره فكذلك نفس ~~الأئمة المجتهدين لا ريب أنه قد يكون عند أحدهم ما هو مظنون بل مجهول وهو ~~معلوم للآخر إما موافقا له وإما مخالفا فيها أكثر المسائل الفقهية التي لا ~~يعرف حكمها كثير من الأئمة أو يتكلم فيها بنوع من الظن مصيبا أو مخطئا ~~وتكون معلومة لغيره بأدلة قطعية عنده وعند من علم كعلمه # تارة بنص اختص بسماعه من الرسول أو من غيره وحصل له بذلك العلم لاسباب ~~كثيرة في النقل وهذا كثير ما يكون لعلماء الحديث فإنهم يعلمون من النصوص ~~ويقطعون منها بأشياء كثيرة جدا # PageV01P068 # وغيرهم قد يكذب بها أو يجزم بكذبها دع من يجهلها أو يشك فيها # وتارة بفهم النصوص ومعرفة دلالتها فما أكثر من يجهل معنى النص أو يشك فيه ~~أو يفهم منه نقيضه أو يذهل عنه أو يعجز ذهنه عن دركه ويكون الآخر قد فهم من ~~ذلك النص وعلم منه ما يقطع به # وتارة بإجماع علمه من إجماعات الصحابة وغيرها # ثم بعد ذلك تارة بقياس قطعى # فإن القياس نوعان قطعى وظني كما في القياس الذي هو في معنى الأصل قطعا ~~بحيث لا يكون بينهما فرق تأتى به الشريعة أو يكون اولى بالحكم منه قطعا # وتارة بتحقيق المناط وهذا يعود إلى عود فهم معنى النص بأن يعرف ثبوت ~~المناط الذي لا شك فيه في المعين وغيره يشك في ذلك كما يقطع الرجل في ~~القصاص وإبدال المتلفات بأن هذا أقرب إلى المثل والعدل من كذا وغيره فيه أو ~~يعتقد خلافه وأمثال ذلك # PageV01P069 ### | فصل وكذلك لفظ الحركة أثبته طوائف من أهل السنة والحديث وهو الذي ذكره # حرب بن اسماعيل الكرماني في السنة التي حكاها عن ms031 الشيوخ الذين أدركهم ~~كالحميدي وأحمد بن حنبل وسعيد ابن منصور وإسحاق بن إبراهيم وكذلك هو الذي ~~ذكره عثمان ابن سعيد الدارمى في نقضه على بشر المريسى وذكر أن ذلك # PageV01P070 # مذهب أهل السنة وهو قول كثير من أهل الكلام والفلسفة من الشيعة والكرامية ~~والفلاسفة الأوائل والمتأخرين كأبي البركات صاحب المعتبر وغيرهم # ونفاه طوائف منهم أبو الحسن التميمي وأبو سليمان # PageV01P071 # الخطابي وكل من اثبت حدوث العالم بحدوث الأعراض كأبى الحسن الأشعري ~~والقاضى أبي بكر بن الباقلاني وأبى الوفاء بن عقيل وغيرهم ممن سلك في إثبات ~~حدوث العالم هذه الطريقة التي أنشأها قبلهم المعتزلة وهو أيضا قول كثير من ~~الفلاسفة الأوائل والمتأخرين كإبن سينا وغيره # والمنصوص عن الإمام أحمد إنكار نفي ذلك ولم يثبت عنه إثبات لفظ الحركة ~~وإن أثبت أنواعا قد يدرجها المثبت في جنس الحركة فإنه لما سمع شخصا يروى ~~حديث النزول ويقول ينزل بغير حركة # PageV01P072 # ولا انتقال ولا بغير حال أنكر أحمد ذلك وقال قل كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فهو كان أغير على ربه منك # وقد نقل في رسالة عنه إثبات لفظ الحركة مثل ما في العقيدة التي كتبها حرب ~~بن اسماعيل # وليست هذه العقيدة ثابتة عن الإمام أحمد بألفاظها فإنى تأملت لها ثلاثة ~~أسانيد مظلمة برجال مجاهيل والألفاظ هي ألفاظ حرب بن إسماعيل لا ألفاظ ~~الإمام أحمد ولم يذكرها المعنيون بجمع كلام الإمام أحمد كأبي بكر الخلال في ~~كتاب السنة وغيره من العراقيين العالمين بكتاب أحمد ولا رواها المعروفون ~~بنقل كلام الإمام لا سيما مثل هذه الرسالة الكبيرة وإن كانت راجت على كثير ~~من المتأخرين # PageV01P073 # وقد نقل حنبل عن احمد في كتاب المحنة أنه تأول قوله هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من العمام والملائكة [سورة البقرة 210] فإن الجهمية ~~الذين ناظروه احتجوا على خلق القرآن بقول النبي صلى الله عليه وسلم بأن ~~البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان ~~من طير صواف تحاجان عن صاحبهما وما يجئ إلا ms032 مخلوق فقال الإمام أحمد فقد قال ~~الله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتينهم الله في ظلل من الغمام فهل يجئ الله ~~إنما يجئ أمره كذلك هنا إنما يجئ ثواب القرآن # فاختلف أصحابنا في هذه الرواية على خمس طرق # PageV01P074 # وقال قوم غلط حنبل في نقل هذه الرواية وحنبل له مفاريد ينفرد بها من ~~الروايات في الفقه والجماهير يرروون خلافه # وقد اختلف الأصحاب في مفاريد حنبل التى خالفه فيها الجمهور هل تثبت ~~روايته على طريقين فالخلال وصاحبه قد ينكرانها ويثبتها غيرهما كابن حامد # وقال قوم منهم إنما قال ذلك إلزاما للمنازعين له فإنهم يتأولون مجئ الرب ~~بمجئ أمره قال فكذلك قولوا يجئ كلامه مجئ ثوابه وهذا قريب # وقال قوم منهم بل هذه الرواية ثابته في تأويل ما جاء من جنس الحركة ~~والإتيان والنزول فيتأول على هذه الرواية بالقصد والعمد لذلك وهذه طريقة ~~ابن الزاغوني وغيره # وقال قوم بل يتأول بمجئ ثوابه وهؤلاء جعلوا الرواية في جنس الحركة دون ~~بقية الصفات # PageV01P075 # وقال قوم منهم ابن عقيل وابن الجوزى بل يتعدى الحكم من هذه الصفة إلى ~~سائر الصفات التي تخالف ظاهرها للدليل الموجب لمخالفة الظاهر # وبكل حال فالمشهور عند أصحاب الإمام أحمد أنهم لا يتأولون الصفات التي من ~~جنس الحركة كالمجئ والإتيان والنزول والهبوط والدنو والتدلى كما لا يتأولون ~~غيرها متابعة للسلف الصالح وكلام السلف في هذا الباب يدل على اثبات المعنى ~~المتنازع فيه # قال الأوزاعى لما سئل عن حديث النزول يفعل الله مايشاء وقال حماد بن زيد ~~يدنو من خلقه كيف شاء وهو الذي حكاه # PageV01P076 # الأشعري عن أهل السنة والحديث # وقال الفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمى أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل ~~أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء # وقال أبو عبد الله احمد بن سعيد الرباطى حضرت مجلس الأمير عبد الله بن ~~طاهر وحضر إسحاق بن راهويه فسئل عن حديث النزول صحيح هو قال نعم فقال له ~~بعض قواد عبد الله يا أبا # PageV01P077 # يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة ms033 قال نعم قال كيف ينزل قال له إسحاق ~~أثبته حتى أصف لك النزول فقال له الرجل أثبته قال له إسحاق قال الله تعالى ~~وجاء ربك والملك صفا صفا [سورة الفجر 22] فقال الأمير عبد الله بن طاهر يا ~~أبا يعقوب هذا يوم القيامة فقال إسحاق أعز الله الأمير ومن يجئ يوم القيامة ~~من يمنعه اليوم # وقال حرب بن إسماعيل سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول ليس في النزول وصف قال ~~وقال إسحاق لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في أمر المخلوقين ~~لقول الله تعالى لايسأل عما يفعل وهم يسألون [سورة الأنبياء 23] ولا يجوز ~~أن يتوهم على الله بصفاته وفعاله بفهم ما يجوز التفكر والنظر فيه من أمر ~~المخلوقين وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفا بالنزول كل ليلة إذا مضى ~~ثلثها إلى السماء الدنيا كما شاء ولا يسأل كيف نزوله لأن الخالق يصنع ما ~~شاء كما شاء # PageV01P078 ### | فصل وقد اعترف أكثر أئمة أهل الكلام والفلسفة من الأولين والآخرين بأن # أكثر الطرائق التي سلكوها في أمور الربوبية بالأقيسة التي ضربوها لا تفضى ~~بهم إلى العلم واليقين وفي الأمور الإلهية مثل تكلمهم بالجنس والعرض في ~~دلائلهم ومسائلهم # فأما الأول فقد ذكرنا في غير هذا الموضع مقالة أساطين الفلسفة من الأوائل ~~أنهم قالوا العلم الإلهي لا سبيل فيه إلى اليقين وإنما يتكلم فيه بالأولى ~~والأحرى والأخلق ولهذا اتفق كل من خبر مقالة هؤلاء المتفلسفة في العلم ~~الإلهي أن غالبه ظنون كاذبة وأقيسة فاسدة وأن الذي فيه من العلم الحق قليل # وأما اعتراف المتكلمة من الإسلاميين فكثير قد جمع العلماء فيه شيئا ~~وذكروا رجوع أكابرهم عما كانوا يقولونه وتوبتهم إما عند الموت وإما قبل ~~الموت وهذا من أسباب الرحمة إن شاء الله تعالى في هذه الأمة فإن الله يقبل ~~التوبة عن عبادة ويعفو عن السيئات وهذا أصح القولين في قبول توبة الداعى ~~لكن بقاء كلامهم وكتبهم # PageV01P079 # وآثارهم محنة عظيمة في الأمة وفتنة عظيمة لمن نظر فيها ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله # وقد ms034 قال ابو حامد الغزالي في الكتاب الذي سماه إحياء علوم الدين وهو من ~~أجل كتبه قال فإن قلت تعلم الجدل والكلام مذموم كتعلم النجوم أو هو مباح ~~كتعلم الطب أو مندوب إليه فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا في أطراف # فمن قائل إنه بدعة وحرام وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب ما خلا الشرك ~~خير له من أن يلقاه بالكلام # ومن قائل إنه واجب وفرض إما على الكفاية وإما على الأعيان وإنه أفضل ~~الأعمال وأعلى القربات فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله # PageV01P080 # قال وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وسفيان ~~الثورى وجميع أئمة السلف # وساق ألفاظا عن هؤلاء # قال واتفق أهل الحديث من السلف على هذا ولا ينحصر ما نقل عنهم من ~~التشديدات فيه وقالوا ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح ~~بترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد منه من الشر ### | فصل فيما ذكره الشيخ أبو القاسم القشيرى في رسالته المشهورة من اعتقاد # مشايخ الصوفية فإنه ذكر من متفرقات كلامهم ما يستدل به على # PageV01P081 # انهم كانوا يوافقون اعتقاد كثير من المتكلمين الأشعرية وذلك هو اعتقاد ~~ابي القاسم الذي تلقاه عن أبي بكر بن فورك وأبي إسحاق الإسفراييني # وهذا الاعتقاد غالبه موافق لأصول السلف وأهل السنة والجماعة لكنه مقصر عن ~~ذلك ومتضمن ترك بعض ما كانوا عليه وزيادة تخالف ما كانوا عليه # والثابت الصحيح عن أكابر المشايخ يوافق ما كان عليه السلف وهذا هو الذي ~~كان يجب أن يذكر # فإن في الصحيح الصريح المحفوظ عن اكابر المشايخ مثل الفضيل ابن عياض وأبي ~~سليمان الداراني ويوسف بن أسباط وحذيفة المرعشى ومعروف الكرخي إلى الجنيد ~~بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثال هؤلاء ما يبين حقيقة مقالات ~~المشايخ # وقد جمع كلام المشايخ إما بلفظه أو بما فهمه هو غير واحد فصنف أبو بكر ~~محمد بن إسحاق الكلاب اذى كتاب التعرف لمذاهب # PageV01P082 # التصوف وهو أجود مما ذكره أبو القاسم وأصوب وأقرب ms035 إلى مذهب سلف الأمة ~~وأممتها وأكابر مشايخها وكذلك معمر بن زياد الأصفهاني شيخ الصوفية وابو عبد ~~الرحمن محمد بن الحسن السلمي جامع كلام الصوفية هما في ذلك أعلى درجة وأبعد ~~عن البدعة والهوى من أبى القاسم # وأبو عبد الرحمن وإن كان أدنى الرجلين فقد كان ينكر مذهب الكلابية ~~ويبدعهم وهو المذهب الذي ينصره أبو القاسم وله في ذم الكلام مصنف يخالف ما ~~ينصره أبو القاسم وأبو عبد الرحمن أجل من # PageV01P083 # أخذ عنه أبو القاسم كلام المشايخ وعليه يعتمد في أكثر ما يحكيه فإن له ~~مصنفات متعددة # وكذلك عامة المشايخ الذين سماهم أبو القاسم في رسالته لا يعرف عن شيخ ~~منهم أنه كان ينصر طريقة الكلابية والأشعرية التي نصرها أبو القاسم بل ~~المحفوظ عنهم خلافهم ومن صرح منهم فإنما يصرح بخلافها حتى شيوخ عصره الذين ~~سماهم حيث قال # فأما المشايخ الذين عاصرناهم والذين أدركناهم وإن لم يتفق لنا لقياهم مثل ~~الأستاذ الشهيد لسان وقته وواحد عصره أبى على الدقاق والشيخ شيخ وقته أبى ~~عبد الرحمن السلمى وأبى الحسن على بن جهضم مجاور الحرم والشيخ أبى العباس # PageV01P084 # القصاب بطبرستان وأحمد الاسود الدينوري وأبى القاسم الصيرفى بنيسابور ~~وأبى سهل الخشاب الكبير بها ومنصور بن خلف المغربى وأبى سعيد الماليني وأبى ~~طاهر الجحدرى قدس الله ارواحهم وغيرهم # فإن هؤلاء المشايخ مثل أبى العباس القصاب له من التصانيف المشهورة في ~~السنة ومخالفة طريقة الكلابية الأشعرية ما ليس هذا موضعه # وكذلك سائر شيوخ المسلمين من المتقدمين والمتأخرين الذين لهم لسان صدق في ~~الأمة كما ذكر الشيخ يحيى بن يوسف الصرصري ونظمه في قصائده عن الشيخ على بن ~~إدريس شيخه أنه سأل قطب العارفين أبا محمد عبد القادر بن عبد الله الجيلى ~~فقال يا سيدي # PageV01P085 # هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل فقال ما كان ولا يكون # وكذلك نقل الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد السهروردى وحدثنيه عنه ~~الشيخ عز الدين عبد الله بن أحمد بن عمر الفاروثي أنه سمع هذه الحكاية ms036 منه ~~ووجدتها معلقة بخط الشيخ # PageV01P086 # موفق الدين أبي محمد بن قدامة المقدسى قال السهروردى كنت عزمت على أن ~~أقرأ شيئا من علم الكلام وأنا متردد هل أقرأ الإرشاد لإمام الحرمين أو ~~نهاية الإقدام للشهرستاني أو كتاب شيخه فذهبت مع خالي أبي النجيب وكان يصلى ~~بجنب الشيخ عبد القادر قال فالتفت الشيخ عبد القادر وقال لي يا عمر ما هو ~~من زاد القبر ما هو من زاد القبر فرجعت عن ذلك فأخبر أن الشيخ كاشفه بما ~~كان في قلبه ونهاه عن الكلام الذي كان ينسب إليه القشيرى ونحوه # وكذلك حدثني الشيخ أبو الحسن بن غانم أنه سمع خاله الشيخ إبراهيم بن عبد ~~الله الأرومي أنه كان له معلم يقرئه وأنه أقرأه اعتقاد # PageV01P087 # الأشعرية المتأخرين قال فكنت أكرر عليه فسمع والذي والشيخ عبد الله ~~الارميني قال فقال ما هذا يا إبراهيم فقلت هذا علمنيه الأستاذ فقال يا ~~إبراهيم اترك هذا فقد طفت الأرض واجتمعت بكذا وكذا ولى لله فلم أجد أحدا ~~منهم على هذا الاعتقاد وإنما وجدته على اعتقاد هؤلاء وأشار إلى جيرانه أهل ~~الحديث والسنة من المقادسة الصالحين إذ ذاك # وحدثني أيضا الشيخ محمد بن أبي بكر بن قوام أنه سمع جده الشيخ أبا بكر بن ~~قوام يقول إذا بلغك عن اهل المكان الفلانى سماه لى الشيخ محمد إذا بلغك أن ~~فيهم رجلا مؤمنا أو رجلا صالحا فصدق وإذا بلغك أن فيهم وليا لله فلا تصدق ~~فقلت ولم يا سيدي قال لأنهم أشعرية وهذا باب واسع # ومن نظر في عقائد المشايخ المشهورين مثل الشيخ عبد القادر والشيخ عدى بن ~~مسافر والشيخ أبي البيان الدمشقي وغيرهم # PageV01P088 # وجد من ذلك كثيرا ووجد أنه من ذهب إلى مذهب شئ من أهل الكلام وإن كان ~~متأولا ففيه بعض نقص وانحطاط عن درجة أولياء الله الكاملين ووجد أنه من كان ~~ناقصا في معرفة اعتقاد أهل السنة واتباعه ومحبته وبعض ما يخالف ذلك وذمه ~~بحيث يكون خاليا عن اعتقاد كمال السنة واعتقاد البدعة تجده ناقصا عن درجة ms037 ~~أولياء الله الراسخين في معرفة اعتقاد أهل السنة واتباع ذلك وقد جعل الله ~~لكل شئ قدرا # وما ذكره أبو القاسم في رسالته من اعتقادهم وأخلاقهم وطريقتهم فيه من ~~الخير والحق والدين أشياء كثيرة ولكن فيه نقص عن طريقة أكثر أولياء الله ~~الكاملين وهم نقاوة القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم ولم يذكر في كتابه أئمة ~~المشايخ من القرون الثلاثة ومع ما في كتابه من الفوائد في المقولات ~~والمنقولات ففيه أحاديث وأحاديث ضعيفة بل باطلة وفيه كلمات مجملة تحتمل ~~الحق والباطل رواية ورأيا وفيه كلمات باطلة في الرأي والرواية وقد جعل الله ~~لكل شئ قدرا # وقال تعالى كونوا قوامين بالقسط شهداء لله على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن ~~تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا [سورة النساء ~~135] # PageV01P089 # فكتبت من تمييز ذلك ما يسره الله واجتهدت في اتباع سبيل الأمة الوسط ~~الذين هم شهداء على الناس دون سبيل من قد يرفعه فوق قدره في اعتقاده وتصوفه ~~على الطريقة التي هي أكمل وأصح مما ذكره علما وحالا وقولا وعملا واعتقادا ~~واقتصادا أو يحطه دون قدره فيهما ممن يسرف في ذم أهل الكلام أو يذم طريقة ~~التصوف مطلقا والله أعلم # والذي ذكره أبو القاسم فيه الحسن الجميل الذي يجب اعتقاده واعتماده وفيه ~~المجمل الذي يأخذ المحق والمبطل وهذان قريبان وفيه منقولات ضعيفة ونقول عمن ~~لا يقتدي بهم في ذلك فهذان مردودان وفيه كلام حمله على معنى وصاحبه لم يقصد ~~نفس ما أراده هو ثم إنه لم يذكر عنهم إلا كلمات قليلة لا تشفى في هذا الباب ~~وعنهم في هذا الباب من الصحيح الصريح الكبير ما هو شفاء للمقتدى بهم الطالب ~~لمعرفة أصولهم وقد كتبت هنا نكتا يعرف بها الحال # قال القشيرى رحمه الله اعلموا أن شيوخ هذه الطائفة بنوا # PageV01P090 # قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد صانوا بها عقائدهم عن البدع ~~ودانوا بما وجدوا عليه من السلف وأهل السنة من ms038 توحيد ليس فيه تمثيل ولا ~~تعطيل # قلت هذا كلام صحيح فإن كلام أئمة المشايخ الذين لهم في الأمة لسان صدق ~~كانوا على ما كان عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل ~~وهذه الجملة يتفق على إطلاقها عامة الطوائف المنتسبين إلى السنة وإن ~~تنازعوا في مواضع هل هي تمثيل أو تعطيل # قال أبو القاسم عرفوا ما هو حق القدم وتحققوا بما هو نعت الموجود عن ~~العدم وكذلك قال سيد هذه الطائفة # PageV01P091 # الجنيد رضي الله عنه التوحيد إفراد القدم من الحدث # قلت هذا الكلام فيه إجمال والمحق يحمله محملا حسنا وغير المحق يدخل فيه ~~أشياء # والقشيري مقصوده ما يذكره أهل الكلام من تنزيه القديم عن خصائص المحدثات ~~وهذا متفق عليه بين المسلمين لكن التنازع بينهم في كثير من الصفات هل هي من ~~خصائص المحدثات التي يجب تنزيه القديم عنها أو هي من لوازم الوجود التي ~~يكون نفيها تعطيلا # وأما الجنيد فمقصوده التوحيد الذي يشير إليه المشايخ وهو التوحيد في ~~القصد والإرادة وما يدخل في ذلك من الإخلاص والتوكل والمحبة وهو ان يفرد ~~الحق سبحانه وهو القديم بهذا كله فلا يشركه في ذلك محدث وتمييز الرب من ~~المربوب في اعتقادك وعبادتك وهذا حق صحيح وهو داخل في التوحيد الذي بعث ~~الله به رسله وأنزل به كتبه ومما يدخل في كلام الجنيد تمييز القديم عن ~~المحدث وإثبات مباينته له بحيث يعلمه ويشهد أن الخالق مباين # PageV01P092 # للخلق خلافا لما دخل فيه الاتحادية من المتصوفة وغيرهم من الذين يقولون ~~بالاتحاد معينا او مطلقا # ولهذا أنكر هؤلاء على الجنيد قوله هذا كما أنكره عليه ابن العربى الطائي ~~كبير الاتحادية # قال أبو القاسم وأحكموا أصول العقائد بواضح الدلائل ولائح الشواهد كما ~~قال أبو محمد الجريري من لم يقف على علم التوحيد بشاهد من شواهده زلت به ~~قدمه الغرور إلى مهواة التلف قال أبو القاسم يريد بذلك أن من ركن إلى ~~التقليد ولم يتأمل دلائل التوحيد سقط عن متن النجاة ووقع في أسر الهلاك # PageV01P093 # قلت ms039 المشايخ لا يشيرون إلى الطريق التي سلكها المتكلمون من الاستدلال ~~بالأجسام والأعراض وما يدخل في ذلك بل هم منكرون لذلك كما ذكره أبو عبد ~~الرحمن السلمي وشيخ الإسلام الانصاري وغيرهما عنهم # وأبو القاسم يرى صحة هذه الطريق وهذا من المواضع التي خالف فيها مشايخ ~~القوم # وقد ذكر أبو القاسم في ترجمة الشيخ أبي علي بن الكاتب وقد صحب أبا على ~~الروذبارى وغيره وتأخر بعد الاربعين وثلاثمائة قال المعتزلة نزهوا الله من ~~حيث العقل فأخطأوا والصوفية نزهوه من حيث العلم فأصابوا # قلت العلم في لسان الصوفية ووصاياهم كثيرا ما يريدون به الشريعة كقول أبي ~~يعقوب النهرجوري أفضل الأحوال ما قارن # PageV01P094 # العلم وكقول أبي يزيد عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت أشد على من ~~العلم ومتابعته ولولا اخلتلاف العلماء لبقيت واختلاف العلماء رحمة إلا في ~~تجريد التوحيد # وهذا كقول سهل بن عبد الله التستري كل فعل تفعله بغير اقتداء طاعة أو ~~معصية فهو عيش النفس وكل فعل تفعله بالاقتداء فهو عذاب على النفس # وقال أبو سليمان الداراني ربما يقع في قلبي النكتة من # PageV01P095 # نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة # وقال صاحبه أحمد بن أبي الحواري من عمل بلا اتباع سنة فباطل عمله # وقال أبو حفص النيسابوري من لم يزن أفعاله وأقواله كل وقت بالكتاب والسنة ~~ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال # PageV01P096 # وقال الجنيد بن محمد الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وقال ايضا من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا ~~يقتدى به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة # وقال أبو عثمان من امر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر ~~الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة قال الله تعالى وإن تطيعوه تهتدوا ~~[سورة النور 54] وقال أبو حمزة البغدادي من علم الطريق إلى الله سهل عليه ~~سلوكه ولا # PageV01P097 # دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول في أحواله وأقواله وأفعاله # ومن ms040 لفظ العلم في كلامهم قول أبي عثمان النيسابوري الصحبة مع الله بحسن ~~الأدب ودوام الهيبة والمراقبة والصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأتباع سنته ولزوم ظاهر العلم والصحبة مع أولياء الله تعالى بالاحترام ~~والخدمة والصحبة مع الأهل بحسن الخلق والصحبة مع الإخوان بدوام البشر ما لم ~~يكن أثما والصحبة مع الجهال بالدعاء لهم والرحمة عليهم # ومنه قول أبي الحسين النوري من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد ~~العلم الشرعى فلا تقتربن منه وقال أعز # PageV01P098 # الأشياء في زماننا شيئان عالم يعمل بعلمه وعارف ينطق عن حقيقته # وقال أبو عبد الرحمن السلمى سمعت جدى أبا عمرو بن نجيد يقول كل حال لا ~~يكون عن نتيجة علم فإن ضرره أكثر على صاحبه من نفعه وسئل عن التصوف فقال ~~الصبر تحت الأمر والنهى # وسبب تعبيرهم عن الشريعة بالعلم أن القوم أصحاب إرادة وقصد وعمل وحال هذا ~~خاصتهم لكن قد يعمل أحدهم تارة بغير العلم الشرعى بل بما يدركه ويجد إرادته ~~في قلبه وإن لم يكن ذلك مشروعا مأمورا به وهذا كثيرا ما يبتلى به كثير منهم ~~من تقديم علمهم بالذوق والوجد على موجب العلم المشروع ومن العمل بذوق ليس ~~معه فيه علم مشروع # PageV01P099 # ولا ريب أن هذا من اتباع الهوى بغير هدى من الله وهو مما ذم الله به ~~النصارى الذين يضارعهم في كثير من أمورهم المنحرفون من الصوفية والعباد ~~ولهذا جعله سهل من حظ النفس # ولهذا استضعف أبو يزيد متابعة العلم فإن مجاهدة هوى النفس يفعلها غالب ~~النفوس مثل عبادات المشركين وأهل الكتاب من الرهبان وعباد الأنداد ونحوهم ~~وكل ذلك من هذا الباب ولهم من الزهد والمجاهدة في العبادة ما لا يفعله ~~المسلمون لكنه باطل ليس بمشروع ولهذا لا ينتج له من النتائج إلا ما يليق به # والمسلم الصادق إذا عبد الله بما شرع فتح الله عليه أنوار الهداية في مدة ~~قريبة فالمهتدون من مشايخ العباد والزهاد يوصون بإتباع العلم المشروع كما ~~ان أهل الاستقامة من العلم يوصون بعلمهم ms041 الذي يسلكه أهل الاستقامة من ~~العباد والزهاد وأما المنحرفون من الطائفتين فيعرضون عن المشروع إما من ~~العلم وإما من العمل وهما طريق المغضوب عليهم والضالين # قال سفيان بن عيينة كانوا يقولون من فسد من العلماء ففيه شبه من اليهود ~~ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى # ولهذا قصد أبو القاسم في الرسالة الرد على هؤلاء ولما ذكر المشايخ الذين ~~ذكرهم قال هذا ذكر جماعة من شيوخ هذه # PageV01P100 # الطائفة كان الغرض من ذكرهم في هذا الموضع التنبيه على أنهم كانوا مجمعين ~~على تعظيم الشريعة متصفين بسلوك طريق الرياضة متفقين على متابعة السنة غير ~~مخلين بشئ من آداب الديانة متفقين على ان من خلا عن المعاملات والمجاهدات ~~ولم يبن أمره على اساس الورع والتقوى كان مفتريا على الله سبحانه فيما ~~يدعيه مفتونا هلك في نفسه وأهلك من اغتر به ممن ركن إلى أباطيله # وإذا عرف معنى لفظ العلم في اصطلاحهم فقول أبي علي بن الكاتب الصوفية ~~نزهوه من حيث العلم أي من جهة الشرع وهو الكتاب والسنة فنزهوه عما نزه عنه ~~نفسه فأصابوا وأما المعتزلة فنزهوه بقياس عقلهم وأهوائهم أرادوا ان ينفوا ~~عنه كل صفة موجودة لظنهم أن ذلك تشبيه ولم يهتدوا إلى أن الخالق يوصف بما # PageV01P101 # يليق به والمخلوق يوصف بما يليق به وأن الاسم وإن كان متفقا فالإضافة إلى ~~الله تخصصه وتقيده بما ينفى عنه مماثلة الخلق # وهذا الذي ذكره الشيخ أبو علي من أن الصوفية يخالفون المعتزلة فأمر متفق ~~عليه فإن أصول الصوفية لا تلائم نفى الصفات بل هم أبعد الناس عن الاعتزال ~~في الصفات والقدر # ومن المعلوم أن طريقة الكلام في الجواهر والأعراض في أدلة أصول الدين ~~ومسائله هي الطريقة التي سلكها المعتزلة وأخذها عنهم متكلمة الصفاتية من ~~الأشعرية ونحوهم وهي الطريقة التي أشار إليها أبو القاسم # فعلم أن القوم مخالفون لهذه الطريقة الكلامية التي أشار أبو القاسم إلى ~~بعضها وكذلك قد ذكر أبو القاسم في ترجمة الشيخ أبي الحسن بن الصايغ وزمنه ~~زمن ابن الكاتب سنة ms042 ثلاثين وثلاثمائة قال وكان من كبار المشايخ وقال قال ~~ابو عثمان المغربي ما رأيت # PageV01P102 # من المشايخ أنور من ابي يعقوب النهرجوري ولا أكثر هيبة من ابي الحسن بن ~~الصايغ # قال القشيرى سئل ابن الصايغ عن الاستدلال بالشاهد على الغائب فقال كيف ~~يستدل بصفات من له مثل ونظير على صفات من لا مثل له ولا نظير # والاستدلال بالشاهد على الغائب في إثبات الصفات هي طريقة شيوخ أبي القاسم ~~من المتكلمين الذين يجمعون بين الشاهد والغائب في الحد والدليل والشرط ~~والعلم لإثبات الحياة والعلم وسائر الصفات فقد رد الشيخ أبو الحسن هذه ~~الطريقة # ومما يبين هذا أن أعظم المشايخ الذين أخذ عنهم أبو القاسم جمعا لكلام ~~مشايخ الصوفية وتأليفا له ورواية له هو الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى فإن ~~القشيرى لم يدرك شيخا أجمع لكلام القوم وأحرص على ذلك وأرغب فيه منه ولهذا ~~صنف في ذلك ما لم يصنفه نظراؤه # PageV01P103 # كما أن الذين أدركوا عصر أبي القاسم من مشايخ القوم لم يكن فيهم أقوم ~~بهذا الباب من شيخ الإسلام أبى إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروى ~~لا سيما في المعرفة بأخبار القوم وكلامهم وطريقهم فإنه في ذلك ونحوه من ~~أعلم الناس وكان إماما في الحديث والتفسير وغير ذلك # ومع هذا فالشيخ أبو عبد الرحمن وشيخ الإسلام كلاهما له مصنف مشهور في ذم ~~طريقة الكلام التي يدخل فيها كثير مما ذكره أبو القاسم من الدلائل والمسائل # حتى ذكر شيخ الإسلام في كتابه قال سمعت أحمد بن أبي نصر يقول رأينا محمد ~~بن الحسين السلمي يلعن الكلابية # ومحمد بن الحسين السلمي هو الشيخ أبو عبد الرحمن # PageV01P104 # أعرف مشايخ أبي القاسم القشيري بطريقة الصوفية وكلامهم ومعلوم أن القوم ~~من أبعد الناس عن اللعن ونحوه لحظوظ أنفسهم ولولا أن ابا عبد الرحمن كان ~~الذي عنده أن الكلابية مباينون لمذهب الصوفية المباينة العظيمة التي توجب ~~مثل هذا لما لعنهم أبو عبد الرحمن هذا # والكلابية هم مشايخ الأشعرية فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة ~~أبي محمد ms043 بن كلاب وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنا وطريقة وقد جمع أبو ~~بكر بن فورك شيخ القشيري كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول ~~ولكن لم يكن كلام ابي عبد الرحمن السلمي قد انتشر بعد فإنه انتشر في أثناء ~~المائة الرابعة لما ظهرت كتب القاضي أبي بكر بن الباقلانى ونحوه # وقد ذكر ذلك الحافظ أبو القاسم بن عساكر المنتصر لأبي الحسن الأشعري في ~~كتابه الذي سماه تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري ~~موافقا للشيخ أبي على الأهوازي المصنف في مثالب الأشعري مع كون ابن عساكر ~~رد على الاهوازي ذمه # PageV01P105 # وثلبه له لكن وافقه في ذلك فذكر أبو علي الأهوازي أنه مذقوى مذهبه أقل من ~~ثلاثين سنة والأهوازى توفي سنة خمس وأربعين وأربعمائة # قال ابن عساكر وقوله إن مذ قوى من ثلاثين سنة فلعمري إنه إنما اشتهرت هذه ~~النسبة من الأزمنة في عصر القاضي أبي بكر بن الباقلاني ذي التصانيف ~~المستحسنة المنتشرة في بغداد وغيرها من البلدان والأمكنة # والمقصود هنا أن المشايخ المعروفين الذين جمع الشيخ أبو عبد الرحمن ~~أسماءهم في كتاب طبقات الصوفية وجمع أخبارهم وأقوالهم دع من قبلهم من أئمة ~~الزهاد من الصحابة والتابعين الذين جمع ابو عبد الرحمن وغيره كلامهم في كتب ~~معروفة وهم الذين # PageV01P106 # يتضمن أخبارهم كتاب الزهد للإمام أحمد وغيره لم يكونوا مذهب الكلابية ~~الأشعرية إذ لو كانت كذلك لما كان أبو عبد الرحمن يلعن الكلابية # وقال شيخ الإسلام الأنصاري سمعت أحمد بن حمزة وأبا علي الحداد يقولان ~~وجدنا أبا العباس أحمد بن محمد النهاوندي على الانكار على أهل الكلام ~~وتفكير الاشعرية وذكرا عظم شأنه في الإنكار على ابي الفوارس القرمسيني وهجر ~~ابنه إياه لحرف واحد قال شيخ الإسلام سمعت أحمد بن حمزة يقول لما اشتد ~~الهجران بين النهاوندي وأبي الفوارس سألوا ابا عبد الله الدينوري فقال لقيت ~~ألف شيخ على ما عليه النهاوندي # PageV01P107 # وقد ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى في كتابه في ذم الكلام ما ذكر أيضا ~~شيخ ms044 الإسلام أبو اسماعيل الأنصاري فقال أخبرني ابن أحمد حدثنا محمد بن ~~الحسين فقال رأيت بخط أبي عمرو بن مطر يقول سئل ابن خزيمة عن الكلام في ~~الأسماء والصفات فقال بدعة ابتدعوها ولم يكن أئمة المسلمين وأرباب المذاهب ~~وأئمة الدين مثل مالك وسفيان والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ويحيى بن ~~يحيى وابن المبارك ومحمد بن يحيى وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف ~~يتكلمون في ذلك وينهون عن الخوض فيه ويدلون أصحابهم على الكتاب والسنة ~~فإياك والخوض فيه والنظر في كتبهم بحال # وقال محمد بن الحسين وهو أبو عبد الرحمن السلمى سمعت أحمد بن سعيد ~~المعداني بمرو سمعت أبا بكر بن # PageV01P108 # بسطام سألت أبا بكر بن سيار عن الخوض في الكلام فنهاني عنه أشد النهي ~~وقال عليك بالكتاب والسنة وما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين ~~وتابعي التابعين فإني رأيت المسلمين في أقطار الأرض ينهون عن ذلك وينكرونه ~~ويأمرون بالكتاب والسنة # قال شيخ الإسلام أبو اسماعيل الأنصاري أخبرنا أحمد بن محمد بن العباس بن ~~إسماعيل المقرى اخبرنا محمد بن عبد الله بن البيع وهو الحافظ الحاكم سمعت ~~أبا سعيد عبد الرحمن بن محمد المقرىء سمعت أبا بكر محمد بن اسحاق بن خزيمة ~~يقول من نظر في كتبي المصنفة في العلم ظهر له وبان بأن الكلابية لعنهم الله ~~كذبة فيما يحكون عني مما هو خلاف أصلى وديانتي قد عرف أهل الشرق # PageV01P109 # والغرب انه لم يصنف أحد في التوحيد وفي أصول العلم مثل تصنيفي فالحاكي ~~عني خلاف ما في كتبي المصنفة التي حملت إلى الآفاق شرقا وغربا كذبة فسقة # وقال شيخ الإسلام وأخبرني أحمد بن حمزة حدثنا محمد بن الحسين وهو أبو عبد ~~الرحمن السلمى يقول بلغني أن بعض أصحاب أبي علي الجوزاني سأله كيف الطريق ~~إلى الله قال أصح الطرق وأعمرها وأبعدها من الشبه اتباع الكتاب والسنة قولا ~~وفعلا وعقدا ونية لأن الله يقول وتطيعوه تهتدوا [سورة النور 54] فسأله كيف ~~طريق اتباع السنة قال بمجانبة البدع واتباع ما اجتمع عليه الصدر الأول ms045 من ~~علماء الإسلام وأهله والتباعد عن مجالس الكلام واهله ولزوم طريقة الاقتداء ~~والاتباع بذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى ثم أوحينا إليك أن ~~اتبع ملة ابراهيم حنيفا [سورة النحل 123] # PageV01P110 # قال شيخ الإسلام أخبرني طب بن أحمد حدثنا محمد بن الحسين وهو أبو عبد ~~الرحمن سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان الرازي سمعت أبا جعفر ~~الفرغاني سمعت الجنيد بن محمد يقول أقل ما في الكلام سقوط هيبة الرب من ~~القلب والقلب إذا عرى من الهيبة من الله عرى من الإيمان # قال أبو القاسم ونحن نذكر في هذا الفصل جملا من متفرقات كلامهم فيما ~~يتعلق بمسائل الأصول ثم نحرر على الترتيب بعدها ما يشتمل على ما يحتاج إليه ~~في الاعتقاد على وجه الإيجاز سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول سمعت ~~عبد الله بن موسى السلامى يقول سمعت الشبلى يقول جل الواحد المعروف قبل # PageV01P111 # الحدود وقبل الحروف قال وهذا صريح من الشبلى رضي الله عنه أن القديم لا ~~حد لذاته ولا حروف لكلامه # قلت هذا الكلام فيه استدراك من وجوه # أحدها أن الذي قال إنه تعالى معروف قبل الحدود وقبل الحروف لم يرد أن ~~الخلق عرفوه قبل ذلك فإنه قبل الخلق لم يكن خلق يعرفونه وإنما أراد أنه عرف ~~أنه كان قبل الحدود وقبل الحروف فالظرف وهو قبل متعلق بالضمير في معروف لا ~~بنفس المعرفة اللهم إلا أن يريد أنه يعرف نفسه قبل الحدود وقبل الحروف ~~فيكون هو العارف وهو المعروف وهذا معنى صحيح يحتمله الكلام والمقصود أنه ~~كان قبل ذلك # ومعلوم ان اللام للتعريف فإذا كان قبل الحدود وقبل الحروف فإنما اراد ~~الحدود المعروفة لنا والحروف المعروفة لنا وهي ما كان هو قبلها وتلك ما ~~للمخلوق من الحدود والحروف ولا ريب أن الله كان قبل حدود المخلوقات وقبل ~~أصوات العباد ومدادهم فأما أن يكون هذا يقتضي أن الله لم يتكلم بحرف أو ليس ~~له حقيقة في ذاته يتميز بها عن مخلوقاته فليس هذا الكلام صريحا ms046 فيه إذ لو ~~أراد ذلك لقال المنزه عن الحدود والحروف ولم يقل قبل الحدود والحروف فإن ما ~~كان # PageV01P112 # الرب قبله فهو صفة المخلوق وأما ما ينزه الرب عنه فهو ممتنع ليس هو صفة ~~له ولا هو أيضا بعينه صفة للمخلوق وإن كان المخلوق قد يوصف بنظيره # الوجه الثاني أن الكلام المجمل من كلامهم يحمل على ما ينسب سائر كلامهم ~~وهؤلاء أكثر ما يبتلون بالاتحادية والحلولية الذين يجعلون الرب حالا في ~~المخلوقات محدودا بحدودها متكلما بحروفها حتى يجعلونه هو المتكلم على ~~ألسنتهم كما ذكر ذلك أبو القاسم في أول الرساله لما ذكر ما أحدثه فاسدو ~~الصوفية حيث قال زال الورع وطوى بساطه واشتد الطمع وقوى رباطه وارتحل عن ~~القلوب حرمة الشريعة وعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ورفضوا التمييز ~~بين الحلال والحرام ودانوا بترك الاحترام وطرح الاحتشام واستخفوا بأداء ~~العبادات واستهانوا بالصوم والصلاة وركضوا إلى ميدان الغفلات وركنوا إلى ~~اتباع # PageV01P113 # الشهوات وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات والارتفاق بما يأخذونه من السوقة ~~والنسوان وأصحاب السلطان ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال حتى ~~أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال فأدعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال ~~وتحققوا بحقائق الوصال وأنهم قائمون بالحق تجرى عليهم أحكامه وهم محو ليس ~~لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية ~~واختطفوا عنهم بالكلية وزالت عنهم أحكامه البشرية وبقوا بعد فنائهم عنهم ~~بأنوار الصمدية والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا والنائب عنهم سواهم فيما ~~تصرفوا بل صرفوا # وهؤلاء كثيرون في المنتسبين إلى الصوفية وعلى مثل ذلك قتل الحلاج # PageV01P114 # فالشبلي وأمثاله يريدون أن يميزوا بين المخلوق والخالق لنفي مذهب الاتحاد ~~والحلول كما نقل عن الجنيد إفراد القدم عن الحدث وكما قال أبو طالب المكي ~~صاحب قوت القلوب ليس في مخلوقاته شئ من ذاته ولا في ذاته شئ من مخلوقاته ~~فذكر أنه معروف قبل الحدود والحروف وهي ما عرف من حدود المخلوقين وحروفهم ~~وإذا كان معروفا قبل ذلك لم يكن محدودا بحدودهم ولا متكلما بكلامهم # الوجه ms047 الثالث أن أصول اعتقاد أئمة الطريق إلى الله لا يؤخذ مما يحكى عن ~~مثل الشبلى ولو كانت الحكاية صادقة لما عرف من حال الشبلي وانه كان يغلب ~~عليه الوجد حتى يزول عقله وتحلق لحيته ويذهبوا به إلى المارستان ويسقط عنه ~~التمييز بين الحق والباطل # ومن كان بهذه الحالة لم يجز أن يجعل كلامه وحده أصلا يفرق به بين أئمة ~~الهدى والضلال والسنة والبدعة والحق والباطل لكن يقبل # PageV01P115 # من كلامه ما وافق فيه أئمة المشايخ وهو ما دل عليه الكتاب والسنة # وأقبح من ذلك أن يعتمد في اعتقاد أولياء الله في أصول الدين على كلام لم ~~ينقل مثله إلا عن الحلاج وقد قتل على الزندقة وأحسن ما يقوله الناصر له إنه ~~كان رجلا صالحا صحيح السلوك لكن غلب عليه الوجد والحال حتى عثر في المقال ~~ولم يدر ما قال # وكلام السكران يطوى ولا يروى فالمقتول شهيد والقاتل مجاهد في سبيل الله ~~دع ما يقوله من ينسبه إلى المخاريق وخلط الحق بالباطل # وليس أحد من مشايخ الطريق لا أولهم ولا آخرهم يصوب الحلاج في جميع مقاله ~~بل اتفقت الأمة على انه إما مخطئ وإما عاص وإما فاسق وإما كافر ومن قال إنه ~~مصيب في جميع هذه # PageV01P116 # الأقوال المأثورة عنه فهو ضال بل كافر بأجماع المسلمين وإذا كان كذلك كيف ~~يجوز أن يجعل عمدة لاهل طريق الله كلام لم يؤثر إلا عنه ولا يذكر في اعتقاد ~~مشايخ طريق الله كلام أبسط منه وأكثر # وهو ما قال فيه أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمى قال سمعت محمد بن محمد بن ~~غالب قال سمعت أبا نصر أحمد بن سعيد الأسفنجاني يقول قال الحسين بن منصور ~~ألزم الكل الحدث لأن القدم له فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه والذي ~~بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه والذي يؤلفه وقت يفرقه وقت والذي يقيمه غيره ~~فالضرورة تمسه ولذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقى إليه ومن آواه محل ادركه ~~أين ومن كان له جنس طالبه بكيف # إنه سبحانه لا يظله فوق ولا يقله ms048 تحت ولا يقابله حد ولا يزاحمه عند ولا ~~يأخذه خلف ولا يحده أمام ولم يظهره قبل ولم يفنه بعد ولم يجمعه كل ولم ~~يوجده كان لم يفقده ليس # PageV01P117 # وصفة لا صفة له وفعله لا علة له وكونه لا أمد له تنزه عن أحول خلقه [ليس ~~له من خلقه] مزاج ولا في فعله علاج باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم # إن قلت متى فقد سبق الوقت ذاته وإن قلت هو فالهاء والواو خلفه وإن قلت ~~أين فقد تقدم المكان وجوده # فالحروف آياته ووجوده إثباته ومعرفته توحيده وتوحيده تمييزه من خلقه # ما تصور في الأوهام فهو بخلافه كيف يحل به ما منه بدأ أو يعود إليه ما هو ~~أنشأ لا تماثله العيون ولا تقابله الظنون قربه كرامته وبعده إهانته علوه من ~~غير توقل ومجيئه من غير تنقل # هو الأول والآخر والظاهر والباطن والقريب البعيد ليس كمثله شئ وهو السميع ~~البصير # PageV01P118 # قلت هذا الكلام والله أعلم هل هو صحيح عن الحلاج أم لا فإن في الإسناد من ~~لا أعرف حاله وقد رأيت أشياء كثيرة منسوبة إلى الحلاج من مصنفات وكلمات ~~ورسائل وهي كذب عليه لا شك في ذلك وإن كان في كثير من كلامه الثابت عنه ~~فساد واضطراب لكن حملوه أكثر مما حمله وصار كل من يريد أن يأتي بنوع من ~~الشطح والطامات يعزوه إلى الحلاج لكون محله أقبل لذلك من غيره ولكون قوم ~~ممن يعظم المجهولات الهائلة يعظم مثل ذلك فإن كان هذا الكلام صحيحا فمعناه ~~الصحيح هو نفي مذهب الاتحاد والحلول الذي وقع فيه طائفة من المتصوفه ونسب ~~ذلك إلى الحلاج فيكون هذا الكلام من الحلاج ردا على أهل الاتحاد والحلول ~~وهذا حسن مقبول وأما تفسيره بما يوافق رأى أبي القاسم في الصفات فلا يناسب ~~هذا الكلام # وقد يقال إن هذا الكلام فيه من الشطح ما فيه وما زال اهل المعرفة يعيبون ~~الشطح الذي دخل فيه طائفة من الصوفية حتى ذكر ذلك أبو حامد في إحيائه وغيره ~~وهو قسمان شطح هو ظلم ms049 وعدوان وإن كان من ظلم الكفار وشطح هو جهل وهذيان ~~والإنسان ظلوم جهول # قال أبو حامد وأما الشطح فنعنى به صنفين من الكلام # PageV01P119 # أحدثه بعض المتصوفة # أحدهما الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله والوصال المغنى عن ~~الاعمال الظاهرة حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة ~~بالرؤية والمشافهة بالخطاب فيقولون قيل لنا كذا وقلنا كذا ويتشبهون فيه ~~بالحسين بن منصور الحلاج الذي صلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا الجنس # قال والصنف الثاني من الشطح كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائعة وفيها ~~عبارات هائلة وليس ورائها طائل وهي إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل ~~يصدرها عن خبط في عقله وتشوش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع # PageV01P120 # سمعه وهذا هو الأكثر وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها ~~وإيرادها بعبارة تدل على ضميره # قال ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ~~ويحير الأذهان # قلت وهذا الكلام المحكى عن الحلاج فيه ما هو باطل وفيه ما هو مجمل محتمل ~~وفيه ما لا يتحصل له معنى صحيح بل هو مضطرب وفيه ما ليس في معناه فائدة ~~وفيه ما هو حق لكن اتباع ذلك الحق من غير طريق الحلاج أحسن وأشد وأنفع # فقوله ألزم الكل الحدث لأن القدم له يتضمن حقا وهو أنه سبحانه القديم وما ~~سواه محدث ولكن ليس تعليله مستقيما ولا العبارة سديدة فإن قوله ألزم الكل ~~الحدث ظاهره أنه جعل الحدوث لازما لهم كما تجعل الصفات لازمة لموصوفها مثل ~~الأكوان والألوان وغير ذلك # وليس كذلك بل الحدوث لهم هو من لوازم حقيقتهم فلا يمكن المخلوق أن يكون ~~غير محدث حتى يلزم بذلك بل هذا مثل قول القائل ألزم المخلوق أن يكون مخلوقا ~~وألزم المصنوع أن يكون مصنوعا # PageV01P121 # وأما تعليل ذلك بقوله لأن القدم له فليس كون القدم له هو الموجب لحدوثهم ~~إذ كونه موصوفا بصفة لا يمنع أن يوصف المخلوق بما يليق به من تلك الصفة كما ~~أن العلم ms050 له والحياة والكلام والسمع والبصر وللمخلوق أيضا علم وحياة وكلام ~~وسمع وبصر فقد قال الله تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [سورة ~~المنافقون 8] # فتعليل إلزام الحدوث لهم بأن القدم له كلام ساقط بل المخلوق محدث لنفس ~~ذاته وعين حقيقته مثل كونه مربوبا ومصنوعا وفقيرا ومحتاجا فإن هذه الصفات ~~الناقصة المتضمنة احتياجاته إلى الله وربوبية الله ثبتت له لنفس حقيقته # وإلزامه إياه الحدث يقتضي نفى القدم عنه ونفى أنه على كل شئ قدير وأنه ~~بكل شئ عليم وأنه مستغن بنفسه عما سواه فآنتفاء هذه الصفات عنه هو ليس لأمر ~~وجودي ولا لأجل أن الله متصف بها بل هذه الصفات يمتنع ثبوتها له ولكن قد ~~تفسر بتأويل حسن كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى # وقوله فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه هذا الكلام يتضمن ثبوت الجسم وشئ ~~ظهر بالجسم وعرض يلزمه وعند الذين نصر أبو القاسم طريقتهم وسائر أهل الكلام ~~ليس في المخلوق # PageV01P122 # إلا جسم أو عرض اذالجوهر الفرد جزء من الجسم فهذا الكلام لا يوافقه ثم ~~إنه في نفسه قد يقال هو من جنس الشطح لا حقيقة # فما الذي بالجسم ظهوره أهو الجسم أم غيره إن كان هو الجسم لم يصح أن يقال ~~الذي ظهوره هو الجسم وإن كان غيره وسلم ذلك له فما الموجب لتخصيص ذلك ~~بالكلام فيه دون الجسم والعرض يلزم الجسم أبين من لزومه ما ليس بجسم # ثم إذا قيل إن العرض يلزمه هو طريقة بعض أهل الكلام المحدث في الاستدلال ~~على حدوث الأجسام بلزوم الأعراض لها وفي هذه الطريقة من الاضطراب ما قد ~~ذكرناه في موضعه وليست هذه طريقة المشايخ والعارفين # ومن أحسن ما يحمل عليه هذا الكلام أن قائله إن أراد به إبطال مذهب الحلول ~~والاتحاد وظهور اللاهوت في الناسوت وأن الرب سبحانه ليس حالا في شئ من ~~المخلوقات ولا يظهر في شئ من الأجسام المصنوعات كما يقوله من يقول إنه ظهر ~~في المسيح وفي علي وفي الحلاج ونحو ذلك كما يقوله أهل التعيين منهم وكما ms051 ~~يقوله من يقول بذلك في جميع المصنوعات على مذهب ابن العربي وابن سبعين ~~ونحوهم فقوله ألزم الكل الحدث أي جعله لازما لهم لا يفارقهم فلا يصير ~~المحدث قديما # وقوله الذي بالجسم ظهوره يعني أي شئ ظهر بهذه الأجسام مما # PageV01P123 # يظن أنه الحق وأنه ظاهر في الأجسام فالعرض يلزم ذلك الظاهر في الجسم كما ~~يلزم ذلك الجسم وحينئذ فيكون الظاهر في الجسم بمنزلة نفس الجسم ليس بأن ~~يجعل أحدهما ربا خالقا والآخر مخلوقا بأولى من العكس # وكذلك قوله الذي بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه هذا رد على من يقول بقدم ~~الروح أو بحلول الخالق في المخلوق فإن أدوات الإنسان وهي جوارحه وأعضاؤه ~~بها يكون اجتماع ذلك وقوى الأدوات تمسك ذلك فيكون مفترا إليها محتاجا ~~والمحتاج إلى غيره لا يكون حقا غنيا بنفسه فلا يكون هو الله وليس في هذا ~~تعرض لصفات الحق في نفسه نفيا وإثباتا بقبول مذهب ورد مذهب إذ لم يقل احد ~~من الخلق ان الحق يجتمع بالادوات حتى ان من وصفه بالجوارح والأعضاء من ضلال ~~المجسمة لا يقولون إن اجتماعه بها # وإن أريد بآجتماعه بها أنه لا بد له منها فقوله فقواها تمسكه هو مثل قوله ~~إنه لا بد له منها لا يكون أحدهما إبطالا للآخر بل لزوم ذلك عندهم كلزوم ~~صفاته له وليس في ذلك فقر منه إلى غيره كما أنه قائم بنفسه غنى بنفسه ولا ~~يقال إنه مفتقر إلى غيره إذ ما هو من لوازم ذاته هو داخل في اسمه فلا يكون ~~مفتقرا إلى غيره # وكذلك قوله الذي يؤلفه وقت يفرقه وقت هذا منطبق على إفساد مذهب الاتحادية ~~فإن الآدمي تأليفه وتركيبه في # PageV01P124 # بعض الأوقات كما يكون تفريقه في بعض الاوقات فلا يكون التأليف ولا ~~التفريق لازما له بل هو محتاج فيهما إلى غيره وكذلك ما يقال إنه يتحد فيه ~~أو يتحد به من اللاهوت هو مفارق له في وقت آخر # وأما قوله الذي يقيمه غيره فالضرورة تمسه فهذا كلام حسن وهو حق وكل ما ~~سوى الله ms052 فإنما يقيمه غيره والله هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ~~الذي يقوم بنفسه ويقيم كل شئ وكل ما يقيمه غيره فهو مضطر إلى ذلك الغير فلا ~~يكون ربا وهذا فيه دلالة على أنه ليس في شئ من الإلهية والربوبية إذ ~~الضرورة لازمة لهم كلهم # وأما قوله الذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه فقد يقال فيه شيئان # أحدهما أن ما يتوهمه العبد لا يكون إلا ضرورة مصورة لكن هذا لا يدل على ~~فساد ما يتوهم ولا على فساد الصورة # والثاني يكون المراد بالتصوير تصوير الإنسان في نفسه له فيكون تصويره مثل ~~ظفر الوهم به فيعود الأمر إلى أن يقال ما يتوهمه العبد فقد تصوره وهذا لا ~~فائدة فيه وذلك أن التصوير إما أن يراد به أنه في ذاته مصور أو يراد أن ~~العبد تصوره في نفسه إذ ليست الصورة إلا عينية خارجة موجودة في الخارج أو ~~ذهنية في نفس الإنسان مثلا ونحوه مما يتصور فيه والكلام إذا كان تكريرا بلا ~~فائدة كان من الشطح وإن كان بلا حجة كان دعوى # PageV01P125 # وقوله من آواه محل أدركه أين استدلال منه على انتفاء إيواء المحل بآنتفاء ~~الأين وهذه ساقطة فإن العلم به أظهر من العلم بآنتفاء الأين عنه فإن عامة ~~أهل السنة وسلف الأمة وأئمتها لا ينفون عنه الأين مطلقا لثبوت النصوص ~~الصحيحة الصريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك سؤالا وجوابا # فقد ثبت في الصحيح عنه انه قال للجارية أين الله قالت في السماء وكذلك ~~قال ذلك لغيرها # وقال له أبو رزين العقيلي أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض قال ~~في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء # ومن نفي الأين عنه يحتاج إلى أن يستدل على انتفاء ذلك بدليل # PageV01P126 # أما أن يجعل انتفاء الأين عنه دليلا فهذا لا يقوله عاقل ومن نفى الأين ~~قال لأن الأين سؤال عن المكان يقول والله ليس في المكان لأن المكان لا يكون ~~إلا للجسم ms053 والله ليس بجسم لأن الجسم لا يكون إلا محدثا ممكنا فلا بد له من ~~هذه المقدمات أو ما يناسبها # ثم المثبت لما جاءت به السنة يرد عليه بمنع بعض هذه المقدمات والتفصيل ~~فيها أو بعضها وبيان الحق في ذلك من الباطل مثل أن يقال المكان يراد به ما ~~يحيط بالشئ والله لا يحيط به مخلوق أو يراد به ما يفتقر إليه الممكن والله ~~لا يفتقر إلى شئ وقد يراد بالمكان ما يكون الشئ فوقه والله فوق عرشه فوق ~~سماواته فلا يسلم نفى المكان عنه بهذا التفسير # ونقول قد وردت الآثار الثابتة بإثبات لفظ المكان فلا يصح نفيه مطلقا ~~وكذلك نقول في سائر المقدمات فظهر أن هذا الكلام لا تصح دلالته إلا أن يراد ~~به نفي الاتحاد والحلول فيكون المعنى لو آواه بطن مريم أو جسد واحد من ~~البشر كما قد يقول بعض ذلك بعض الحلولية لكان الأين يلزمه كما يلزم محله ~~ففرق بين أحدهما والآخر في جعل هذا خالقا وهذا مخلوقا # وأما نفس المعنى المقصود بنفى أيواء المحل عنه فإنه صحيح إذا قصد به أنه ~~لا فوقه شئ من المخلوقات فتحيط به أو يكون الرب مفتقرا إليه # PageV01P127 # وأما إن قصد أنه ليس فوق العرش فهذا باطل ولكن لفظ إيواء المحل بالمعنى ~~الاول أشبه # وأما قوله من كان له جنس طالبه بكيف فهو نمط الذي قبله فإنه يتضمن نفي ~~المجانسة عنه بآنتفاء طلب الكيف والعلم بأن الله ليس له مثل ولا سمي ولا ~~كفو أبين من العلم بأنه لا يقال له كيف فإن كثيرا من الناس دخلت عليهم ~~الشبهة فطلبوا التكييف حتى بين لهم أن الكيف غير معلوم لنا # فالذي ثبت نفيه بالشرع والعقل واتفاق السلف إنما هو علم العباد بالكيفية ~~وسؤالهم عن الكيفية التي لا يمكن معرفتها بخلاف المجانسة فإنها منتفية عنه ~~في نفس الأمر فكيف نجعل هذا دليلا على الآخر # ولو قلب العبارة وقال فالذي يطلب له كيف له جنس لكان قد سلك سبيل ~~الاستدلال لكن قد لا يسلم ms054 له ذلك ويقال له من أين تعلم ان كل ما يقال له ~~كيف يجب أن يكون له مثل يجانسه # وحينئذ يمكن الاستدلال على ذلك بما ليس هذا موضعه ولعل المتكلم بهذا ~~الكلام قصد هذا المعنى مع أنه في نفي السؤال بكيف كلام قد ذكرناه في غير ~~هذا الموضع # PageV01P128 # وأما قوله لا يظله فوق ولا يقله تحت ولا يقابله حد ولا يزاحمه عند ولا ~~يأخذه خلف ولا يحده أمام ولم يظهره قبل ولم يفنه بعد ولم يجمعه كل ولم ~~يوجده كان ولم يفقده ليس فهذا الكلام أكثره مجمل وفيه ما هو حق وفيه ما هو ~~باطل # فقوله لا يظله فوق حق إذ ظاهره أن الله ليس فوقه شئ وكذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنت الأول فليس قبلك شئ وأنت الآخر فليس ~~بعدك شئ وأنت الظاهر فليس فوقك شئ وأنت الباطن فليس دونك شئ # واما قوله لا يقله تحت فإن اراد به أن الله ليس فوق الخلق فهذا ليس بحق ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لما قال أنت الظاهر فليس فوقك شئ لم يقل لست فوق ~~شئ بل قال انت الباطن فليس دونك شئ ولم يقل ليس لك دون ولا قال لست موصوفا # PageV01P129 # بالفوق ففرق بين قوله ليس دونه شئ وليس شئ فوقه وبين قوله ليس موصوفا ~~بفوق وما هو موصوف بتحت # وأما قوله لا يقابله حد ولا يزاحمه عند فظاهره باطل إذ ظاهره أن الله لا ~~يقابله شئ من المخلوقات ولا تنتهي إليه المحدودات ولا يكون عنده شئ من ~~المخلوقات وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع سلف الامة # فإن الله تعالى يقول إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه ~~وله يسجدون [سورة الأعراف 206] # وقال وله من في السماوات ومن في الأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ~~ولا يستحسرون [سورة الأنبياء 19] # وقال إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [سورة فاطر 10] # وقال تعالى يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى [سورة آل عمران 55] # وقال تعرج الملائكة ms055 والروح إليه [سورة المعارج 4] # PageV01P130 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المستفيضة إنكم سترون ربكم ~~كما ترون الشمس والقمر # وقوله لا يأخذه خلف ولا يحده أمام كلام مجمل والله موصوف في الكتاب ~~والسنة وإجماع سلف الأمة بأن المخلوق يكون أمامه وبين يديه في غير موضع فلا ~~يجوز نفي ذلك عنه # وأما قوله ولم يظهره قبل ولم يفنه بعد فظاهره صحيح فإن ظاهره أنه ما ظهر ~~بقبل كان قبله ولا يفنى فيكون شئ بعده وهذا حق فهو سبحانه كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنت الأول فليس قبلك شئ وأنت الآخر فليس بعدك شئ # وأما قوله ولم يجمعه كل ولم يوجده كان ولم يفقده ليس ففيه إجمال فإن أراد ~~أنه لا يقال كان الله فهذا باطل # ففي الصحيح عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل اليمن ~~قالوا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول # PageV01P131 # هذا الأمر ما كان قال كان الله ولم يكن شئ قبله وكان عرشه على الماء ثم ~~خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شئ # وكذلك إن اراد أنه لا يوصف بليس فإن الله ينفى عنه أشياء كما ثبتت له ~~أشياء وإن أراد أنه لم يوجد بكان ولا يفقد بليس فهذا حق فإنه ليس بمحدث في ~~وقت دون وقت ولا يجوز عليه العدم فلا حدث بكان ولا يفقد بليس # وأما قوله وصفه لا صفة له فمجمل فإن اراد أن صفاته لا توصف بالكلام فالله ~~ورسوله قد وصف صفاته مثل وصف علمه بأنه بكل شئ محيط وقدرته بعمومها وأنه ~~على كل شئ قدير ورحمته بأنها وسعت كل شئ # PageV01P132 # وإن أراد أن العبد لا تحيط صفته بصفة ربه فحق وما أظنه أراد ما يريده بعض ~~المتكلمين من أن صفة لا تقوم بها صفة لأن العرض لايقوم بالعرض بل تكون ~~الصفتان والعرضان جميعا قائمين بالعين # وأما قوله فعله لا علة له فمجمل وهو اقرب إلى الحق إن أراد أنه لم يفعل ms056 ~~شيئا لعلة من غيره فهذا حق وإن أراد أنه لم يفعل الأشياء لعلة من نفسه مثل ~~مشيئته وإرادته وعلمه فهذا ليس بحق والأشبه أنه أراد المعنى الأول # واما قوله كونه لا أمد له فهذا حق صحيح # وأما قوله تنزه عن أحوال خلقه فصحيح إذا أراد أنه ليس مثل خلقه في شئ من ~~الأشياء ولكن من جعل في هذا الكلام أنه لا يوصف بالصفات التي تليق به كما ~~يوصف خلقه من تلك الصفات بما يليق بهم فهذا باطل فإنه يوصف بالعلم والقدرة ~~والسمع والبصر والكلام وإن كان خلقه يوصفون بما يليق بهم من ذلك # وأما قوله ليس له من خلقه مزاج ولا في فعله علاج فهو صحيح فإن الله لا ~~عون له ولاظهير كما قال تعالى وما لهم فيهما # PageV01P133 # من شرك وما له منهم من ظهير [سورة سبأ 22] بل هو الغني عن جميع خلقه ~~وكذلك سبحانه إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون لا يحتاج إلى ما ~~يحتاج إليه خلقه من المعالجة # وكذلك قوله باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم صحيح وإن كان ما باين الله ~~به خلقه أعم من مجرد القدم فإنه باينهم بجميع صفاته ليس له في شئ منها مثل # وأما قوله إن قلت متى فقد سبق الوقت ذاته فهذا صحيح فأن الله لا يقال متى ~~كان إذ هو القديم الذي لم يزل ولا يزال # وأما قوله إن قلت هو فالهاء والواو خلقه فهو كلام فاسد فإنه إن أراد أنه ~~لا يقال هو فهذا خلاف إجماع المسلمين وسائر الأمم وهو فاسد بضرورة العقل ~~والشرع # قال تعالى هو الأول والآخر [سورة الحديد 3] وقال وهو الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش [سورة هود 7] وقال وهو الغفور ~~الودود [سورة البروج 14] وهو معكم أين ما كنتم [سورة الحديد 4] # وفي القرآن من ذكر هو أكثر من أن يحصر هنا فنفي قول هو من أعظم الباطل # PageV01P134 # وإن أراد أن يقال ما هو لعدم العلم بحقيقته فلا يصلح أن ms057 يدل على ذلك ~~بقوله فالهاء والواو خلقه فإن هذا لو كان حجة لصح أن يحتج به في متى وأين ~~وبتقدير كون الحروف مخلوقة لا يصلح أن يحتج بذلك على نفى الإخبار بها عن ~~الله أو الإستفهام بها عن بعض شؤوونه وصفاته وإدخال لفظ هو بين متى وأين ~~يدل على أنه أراد الاستفهام # وإن # أراد انا إذا قلنا هو فإنما تكلمنا بحروف مخلوقة وإن ذلك يفيد نفى ~~معرفتنا به فهذا من أبطل الكلام فإن القائلين بأن الحروف مخلوقة والحروف ~~غير مخلوقة متفقون على أن الإخبار عنه بهو لا ينفى معرفته فظهر أن قوله ~~الهاء والواو خلقه كلام ليس فيه هنا فائدة بحال # وإذا كان المتكلم بذلك لم يذكر كلاما منتظما مفيدا سواء كان حقا أو باطلا ~~فهو جدير على أن لا يستدل بكلامه على أنه حق أو باطل ثم قال ذلك إن أراد ان ~~نفس أصوات العباد مخلوقة فهذا صحيح وإن أراد أن نفس الحروف حروف القرآن ~~وغيره ما تكلم الله بها وليست من كلامه وهذا خلاف الكتاب والسنة وخلاف سلف ~~الأمة وأئمتها # وأما قوله إن قلت أين فقد تقدم المكان وجوده # PageV01P135 # فحجة ضعيفة لأن وجوده قبل المكان لا يمنع بعد خلق المكان أن يقال وأين هو ~~فإن الأين نسبة وإضافة لا تكون إلا بعد وجود المضاف إليه وأما متى فهو ~~يقتضى حدوث المسؤول عنه فجواب متى يقتضى حدوثه إلا أن يجاب عنها بأنه لم ~~يزل فإذا قال قائل متى كان قيل له لم يزل ولا يزال وأما جواب أين فهو يقتضى ~~علوه وهو علي عظيم ليسبمحدث فلا يشبه أحدهما بالآخر # وأما قوله فالحروف آياته فكلام صحيح وكذلك القرآن هو كلام الله غير مخلوق ~~وهو آياته وكون القرآن بحروفه ومعانيه آياته لا يستلزم كون ذلك مخلوقا # وأما قوله ووجود إثباته فلم يرد به والله أعلم ما يعنيه المتكلم بلفظ ~~الوجود وإنما أراد به ما يريده الصوفية وهو مطابق اللغة يقول وجود العبد له ~~هو إثبات # وأما قوله معرفته توحيده وتوحيده تميزه ms058 من خلقه فلا ريب أن هذا إبطال ~~لمذهب الاتحاد والحلول وهو حق وتمييزه من خلقه متفق عليه بين أهل الإيمان ~~ولا يستقيم ذلك إلا إذا كان بائنا من خلقه غير داخل فيهم # PageV01P136 # وأما قوله ما تصور في الأذهان فهو بخلافه فهو كلام مجمل ومعناه الصحيح أن ~~حقيقة الرب لا يتصورها العبد من تصور شيئا اعتقد انه حقيقة الرب فالله ~~بخلاف ذلك والمعنى الباطل أن يقال كلما تصوره العبد وعقله فهو مخالف للحق ~~فليس الأمر كذلك # وأما قوله كيف يحل به ما منه بدأه أو يعود إليه ما هو أنشأه فكلام مجمل ~~فإن من يقول القرآن مخلوق خلقه الله منفصلا عنه قد يقول مثل هذا الكلام ~~فيقول لايحل القرآن به ولا يقوم بذاته فإنه منه بدأ ولا يعود إليه لأنه ~~أنشأه والقول بأن كلام الله مخلوق منفصل عن قول باطل وهو شعار الجهمية وهو ~~في الحقيقة تكذيب للرسل # وكذلك قوله لا تماقله العيون قد يشعر أنه لا تجوز رؤيته بالعيون وليس ~~الأمر كذلك بل رؤيته بالعيون جائزة والمؤمنين يوم القيامة يرونه عيانا كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت الأبصار لا تدركه # وأما قوله لا تقابل الظنون فمن المجملات # وقوله قربه كرامته وبعده اهانته فمردود # أما أولا فإنه وصفه بالبعد والله لا يوصف بالبعد وإن وصف # PageV01P137 # بالقرب هذا إن أراد قربه من عباده وبعده منهم وإن أراد تقريبه لهم ~~وتبعيده لهم فاللفظ لا يدل على ذلك فإن القرب والبعد غير التقريب والتبعيد # وأما ثانيا فلأن قربه من عباده وتقريبه لهم عند سلف الأمة وأمتها وعامة ~~المشايخ الأجلاء ليس مجرد الإنعام والكرامة بل يقرب من خلقه كيف شاء ويقرب ~~إليه منهم من يشاء كما قد بينا ذلك في موضعه # وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أقرب ما يكون العبد من ربه في ~~جوف الليل الآخر # وثبت في الصحيح أنه قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد # PageV01P138 # وقال تعالى واسجد واقترب [سورة العلق 19] # وأما قوله علوه ms059 من غير توقل ومجيئه من غير تنقل فكلام مجمل هو إلى البدعة ~~أقرب فإنه قد يظهر منه أنه ليس هو فوق خلقه ويفهم منه نفى ما دل عليه ~~الكتاب والسنة من وصفه بالإستواء المجئ والإتيان وغيرذلك وهذه المسألة ~~والتي قبلها كبيرتان ذكرناهما في غير هذا الموضع مثل جواب الإعتراضات ~~المصرية وغير ذلك # وقوله هو الأول والآخر والظاهر والباطن والقريب والبعيد ليس في أسماء ~~الله البعيد ولا وصفه بذلك أحد من سلف الأمة وأمتها بل هو موصفوف بالقرب ~~دون البعد # وفي الحديث المشهور في التفسير أن المسلمين قالوا يا رسول الله أقريب ~~ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~[سورة البقرة 186] وهذا يقتضي وصفه # PageV01P139 # بالقرب دون البعد # وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه ~~لما جعلوا يرفعون أصواتهم بالتكبير أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا ~~تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم ~~من عنق راحلته # وإنما الواجب أن يوصف بالعلو والظهور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الصحيح أنت الظاهر فليس فوقك شئ وأنت الباطن فليس دونك شئ # وقال تعالى وهو العلي العظيم [سورة البقرة 255] فلو قال هو العلي القريب ~~كان حسنا صوابا وكذلك لو قال قريب في علوه علي في دنوه # فأما وصفه بأن القريب البعيد فلا أصل له بل هو وصف بأسم حسن وبضده كما لو ~~قيل العلى السافل او الجواد البخيل او الرحيم القاسي ونحو ذلك والله تعالى ~~له الأسماء الحسنى وإنما يؤتي # PageV01P140 # مثل هؤلاء من القياس الفاسد لما سمعوه يخبر عن نفسه بأن الأول الآخر ~~الظاهر الباطن قاسوا على ذلك القريب والبعيد وهذا خطأ لأن تلك الأسماء كلها ~~حسنة دالة على كمال إحاطته مكانا وزمانا وأما هذا فهو جمع بين الإسم الحسن ~~وضده # الوجه الرابع إنه قدم كلام الشبلى في الاعتقاد قبل كلام جميع المشايخ ~~الذين هم اجل منه وأعظم مع أن هذه ms060 المسألة لا تستحق التقديم وإنما مرتبته ~~فيما بعد كما ذكرها هناك وكان الواجب ان يؤخر ذلك إلى موضعه فإنه ذكر بعد ~~ذلك أول الواجبات وهذا هو الذي يستحق التقديم ومثل هذا يقتضي كون المصنف ~~فيه نوع من الهوى ومن أعظم الواجبات على أهل هذا الطريق خلوهم من الهوى فإن ~~مبناه على قوله وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى [سورة النازعات ~~40] # ثم قال أبو القاسم رحمه الله سمعت أبا حاتم يقول سمعت ابا نصر السراج ~~رحمه الله يقول سئل رويم عن أول # PageV01P141 # فرض افترضه الله على خلقه ما هو قال المعرفة يقول الله عز وجل وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون [سورة الذاريات 56] قال ابن عباس ليعرفون # قلت هذا الكلام [صحيح] فإن أول ما أوجبه الله على لسان رسوله هو الاقرار ~~بالشهادتين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ابن جبل لما بعثه إلى ~~اليمن إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله أخرجاه في الصحيحين # وكذلك قال المشايخ المعتمدون مثل الشيخ عبد القادر وغيره والإقرار ~~بالشهادتين يتضمن المعرفة لكن ذهب طائفة من أهل الكلام وممن اتبعهم من ~~الفقهاء والصوفية إلى أنه يجب على العبد المعرفة أولا قبل وجوب الشهادتين ~~ومنهم من قال يجب على العبد # PageV01P142 # النظر قبل المعرفة ومنهم من قال يجب القصد إلى النظر ومن غالبيتهم من ~~أوجب الشك وقد بسطنا القول في هذه المسألة في غير هذا الموضع # فهذا القول يوافق هؤلاء لكن في صحة الحكاية بهذا اللفظ عن رويم نظر فإن ~~رويما من أهل العلم والمعرفة وما ذكره من الحجة لا يدل على هذا الجواب فليس ~~في قوله إلا ليعبدون ما يدل على أن المعرفة أول الواجبات سواء فسر يعبدون ~~بيعرفون أو فسر بغير ذلك فإن خلقهم لشئ لا يدل على أنه أول واجب إن لم يبين ~~ذلك بشئ آخر # وأما التفسير المذكور عن ابن عباس فالذين ذكروه عنه جعلوا هذه ms061 المعرفة هي ~~المعرفة الفطرية التي يقربها المؤمن والكافر ومقصودهم بذلك أن جميع الإنس ~~والجن قد وجد منهم ما خلقوه له من العبادة التي هي مجرد الإقرار الفطري ~~وجعلوا ذلك فرارا من احتجاج القدرية بهذه الآية # ولا ريب أن هذا ضعيف ليس المراد أن الله خلقهم لمجرد الإقرار الفطري وقد ~~تكلمنا على الآية في غير هذا الموضع # ولعل السائل سأله عن أعظم واجب فقال المعرفة لقوله إلا ليعبدون أي يعرفون ~~واعتقد رويم أن هذه المعرفة هي المعرفة التي يشير # PageV01P143 # إليها مشايخ الطريق وهي معرفة الخواص فيكون جوابه عن أعظم واجب لا عن أول ~~واجب فهذا كما ترى # ثم ذكر أبو القاسم بغير إسناد عن الجنيد أنه قال إن أول ما يحتاج إليه ~~العبد من عقد الحكمة معرفة المصنوع صانعه والمحدث كيف كان إحداثه فيعرف صفة ~~الخالق من المخلوق والقديم من المحدث ويذل لدعوته ويتعرف بوجوب طاعته فإن ~~لم يعرف ما لله لم يعترف بالملك لمن استوجبه # وهذا كلام حسن يناسب كلام الجنيد وقد ضمن هذا الكلام التمييز بين المخلوق ~~والخالق لئلا يقع السالك في الاتحاد والحلول كما وقع فيه طوائف وذكر أصيلين ~~التصديق والانقياد لأن الايمان قول وعمل فذكر معرفة الصانع وذكر الذل ~~لدعوته والاعتراف بوجوب طاعته # وهذا من أصول اهل السنة وأئمة المشايخ خصوصا مشايخ الصوفية فإن أصل ~~طريقهم الإرادة التي هي أساس العمل فهم في الإرادات والعبادات والأعمال ~~والأخلاق أعظم رسوخا منهم في المقالات والعلوم وهم بذلك أعظم اهتماما وأكثر ~~عناية بل من لم يدخل في ذلك لم يكن من أهل الطريق بحال # PageV01P144 # وهذا حق فإن الدين والإيمان قول وعمل وأوله قول القلب وعمله فمن لم ينقد ~~بقلبه ولم يذل لله لم يكن مؤمنا ولا داخلا في طريق الله ولهذا لم يتنازع ~~المشايخ أن الإيمان يزيد وينقص وأن الناس يتفاضلون فيه وأن أعمال القلوب من ~~الإيمان كما يتنازع غيرهم # وذكر أبو القاسم بعد هذا كلاما عن المشايخ في جمل مستحسنة قال أخبرني ~~محمد بن الحسين سمعت محمد بن عبد ms062 الله يقول سمعت أبا الطيب المراغى يقول ~~للعقل دلالة وللحكمة إشارة وللمعرفة شهادة فالعقل يدل والحكمة تشير ~~والمعرفة تشهد أن صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء التوحيد # وقال وسئل الجنيد ولم يسنده عن التوحيد فقال إفراد الموحد بتحقيق ~~وحدانيته بكمال أحديته أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد بنفى الأضداد ~~والأنداد والأشباه فلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل ليس كمثله شئ ~~وهو السميع البصير [سورة الشورى 11] # وقال حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى الصوفي # PageV01P145 # حدثنا عبد الله بن علي التميمي الصوفي يحكى عن الحسين بن علي الدامغاني ~~قال سئل ابو بكر الزاهد عن المعرفة فقال المعرفة اسم ومعناها وجود تعظيم في ~~القلب يمنعك عن التعطيل والتشبيه وقال أبو الحسن البوشنجي رحمه الله ~~التوحيد أن يعلم أنه غير مشبه للذوات ولا منفى الصفات # وهذان قولان حسنان ولا يتنازع فى هذه الجملة أهل السنة والجماعة # قال أبو القاسم القشيرى سمعت أبا حاتم السجستانى يقول سمعت أبا نصر ~~الطوسى السراج يحكي عن يوسف بن الحسين قال قام رجل بين يدي ذى النون فقال ~~أخبرني عن التوحيد ما هو فقال # PageV01P146 # أن تعلم أن قدرة الله فى الأشياء بلا مزاج وصنعه للأشياء بلا علاج وعلة ~~كل شئ صنعه ولا علة لصنعه وليس في السموات العلا ولا فى الأرضين السفلى ~~مدبر غير الله وكل ما تصور فى وهمك فالله بخلافه # هذا الكلام غالبه في ذكر فعل الحق سبحانه وربوبيته أخبر أنه رب كل شئ لا ~~مدبر غيره ردا على القدرية ونحوهم ممن يجعل بعض الأشياء خارجة عن قدرة الله ~~وتدبيره وأخبر أن قدرته وصنعه ليس مثل قدرة العباد وصنعهم فإن قدرة أبدانهم ~~عن امتزاج الأخلاط وأفعالهم عن معالجة والله تعالى ليس كذلك # وأما قوله علة كل شئ صنعه ولا علة لصنعه فقد تقدم أن هذا يريد به أهل ~~الحق معناه الصحيح أن الله سبحانه لا يبعثه ويدعوه إلى الفعل شئ خارج عنه ~~كما يكون مثل ذلك للمخلوقين فليس له علة غيره بل ms063 فعله علة كل شئ ما شاء ~~الله كان وما لم يشأ لم يكن # ومقصود أبى القاسم يبين أن القوم لم يكونوا على رأى القدرية من المعتزلة ~~وهذا حق فما نعلم فى المشايخ المقبولين فى الأمة من كان على رأى المعتزلة ~~لا في قولهم في الصفات بقول جهم ولا في قولهم في الأفعال بقول القدرية بل ~~هم أعظم الناس إثباتا للقدر وشهودا له # PageV01P147 # وافتقارا إلى الله والتجاء إليه حتى أن من المنتسبين إلى الطريق من غلوا ~~في هذا حتى يذهب إلى الإباحة والجبر ويعرض عن الشرع والأمر والنهى فهذه ~~الآفة توجد كثيرا في المتصوفة والمتفقرة وأما التكذيب بالقدر فقليل فيهم ~~جدا # ثم ذكر عنهم في الإيمان كلمتين يدل بهما على أن الإيمان عندهم مجرد ~~التصديق وليس هذا مذهب القوم بل الذي حكاه عن الجنيد فقال وقال الجنيد ~~التوحيد علمك وإقراراك بأن الله فرد في أزليته لا ثاني معه ولا شئ يفعل ~~فعله وقال أبو عبد الله بن خفيف الإيمان تصديق القلوب بما أعمله الحق من ~~الغيوب # وهذا المذكور عن الجنيد وابن خفيف حسن وصواب لكن لم يدل على أن أعمال ~~القلوب ليست من الإيمان # ثم ذكر عنهم في مسألة الاستثناء في الإيمان شيئا حسنا فقال وقال أبو ~~العباس السيارى عطاؤه على نوعين كرامة واستدارج فما # PageV01P148 # أبقاه عليك فهو كرامة وما أزاله عنك فهو استدراج فقل أنا مؤمن إن شاء ~~الله تعالى # قال ابو العباس السياري كان شيخ وقته # وقال سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول غمز رجل رجل أبى العباس السياري ~~فقال تغمز رجلا ما نقلتها قط في معصية الله تعالى # قال وقال أبو بكر الواسطى من قال أنا مؤمن بالله حقا قيل له الحقيقة تشير ~~إلى إشراف واطلاع وإحاطة فمن فقده فقد بطل دعواه منها # قال أبو القاسم يريد بذلك ما قاله أهل السنة من أن المؤمن الحقيقي من كان ~~محكوما له بالجنة فمن لم يعلم ذلك من سر حكمة الله تعالى فدعواه بأنه مؤمن ~~حقا غير صحيحة # قلت الاستثناء ms064 في الايمان سنة عند عامة أهل السنة وقد ذكره # PageV01P149 # طائفة من المرجئة وغيرهم وأوجبه كثير من أهل السنة ومن وجوهه وجهان حسنان # أحدهما أن الإيمان الذي أوجبه الله على العبد من الامور الباطنة او ~~الظاهرة لا يتيقن أنه أتى بها على الوجه الذي أمر به كاملا بل قد يكون أخل ~~ببعضه فيستثنى لذلك # والوجه الثاني ان المؤمن المطلق من علم الله أنه يوافى بالإيمان فأما ~~الإيمان الذي تتعقبه الردة فهو باطل كالصوم والصلاة الذي يبطل قبل فراغه ~~فلا يعلم العبد أنه مؤمن حتى يقضى جميع إيمانه وذلك إنما يكون بالموت # وهذا معنى ما يروى عن ابن مسعود أنه قيل له إن فلانا يقول إنه مؤمن قال ~~فقولوا له اهو في الجنة فقال الله أعلم قال فهلا وكلت الاولى كما وكلت ~~الثانية # وهذا الوجه تختاره طائفة من متكلمي أهل الحديث المائلين إلى الإرجاء ~~كالأشعري وغيره ممن يقول بالاستثناء ولا يدخل الاعمال في مسمى الايمان ~~فيجعل الاسثثناء يعود إلا إلى النوايا فقط وهو الذي ذكره أبو القاسم وفسر ~~به كلام أبي بكر الواسطي وكلام الواسطي يحتمل الوجهين جميعا فإن الإشراف ~~والاطلاع قد يكون على الحقيقة التي هي عند الله في هذا الوقت وقد يكون على ~~ما يوافى به العبد وأما كلام أبي العباس فظاهر في أنه راعى الخاتمة # PageV01P150 # فإن قيل فإذا كان القدر السابق لا ينافى الأسباب فما وجه ما ثبت في ~~الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله إني رجل شاب وأنا ~~أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني ثم قلت مثل ذلك ~~فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو دع # فهذا يقتضى أن اختصاءه الذي قصد أن يمتنع به من الفاحشة لا يدفع المقدور # وكذلك في الصحيح عن أبي سعيد الخدري أنهم سألوا النبي صلى الله عليه ms065 وسلم ~~عن العزل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا عليكم أن تفعلوا فما من نسمة ~~كتب الله أن تكون إلا وهي كائنة فهذا # PageV01P151 # يقتضى ان عزل الماء وهو سبب لعدم العلوق لا فائدة فيه لدفع ما كتبه الله ~~من الاولاد # وفي الصحيحين عن ابن عباس وهو في مسلم عن عمران بن حصين وهذا لفظه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب قال ~~ومن هم يا رسول الله قال هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ~~ربهم يتوكلون # فقال عكاشة ادع الله يجعلني منهم قال أنت منهم فقام رجل فقال يا نبي الله ~~ادع الله ان يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة # فقد جعل التوكل ها هنا موجبا لترك الاكتواء والاسترقاء وهما من الأسباب # وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال قالت ام حبيبة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم اللهم امتعنى بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية ~~قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة ~~وأرزاق مقسومة لن يعجل الله # PageV01P152 # شيئا قبل أجله ولن يؤخر شيئا عن أجله ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب ~~في النار أو عذاب في القبر كان خيرا وأفضل قال وذكرت عنده القردة والخنازير ~~هي من مسخ فقال إن الله لم يجعل لمسخ نسلا ولا عقبا وقد كانت القردة ~~والخنازير قبل ذلك # وفي رواية قال رجل يا رسول الله القردة والخنازير هي مما مسخ فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا فهذا ~~الحديث أخبر فيه أن الدعاء وهو من الأسباب لا يفيد في إطالة الأعمار ويفيد ~~في النجاة من عذاب الآخرة # قيل ليس كل ما يظنه الإنسان سببا يكون سببا وليس كل سبب مباحا في الشريعة ~~بل قد تكون مضرته أعظم من منفعته فينتهي عنه وليس كل سبب مقدورا للعبد ~~فالعبد يؤمر بالسبب ms066 الذي أحبه الله ويؤذن له فيما أذن الله فيه مع أمره ~~بالتوكل على الله تعالى فأما ما لا قدرة له فيه فليس فيه إلا التوكل على ~~الله والدعاء له وذلك من أعظم الأسباب التي يؤمر بها العبد أيضا # وما كان من الأسباب محرما لرجحان فساده على صلاحه أو غير # PageV01P153 # نافع لا يفيد بل يظن أنه نافع فإنه لا يؤمر به أيضا فلا يؤمر بما لا ~~فائدة فيه وما كان فساده راجحا نهى عنه # وجماع الأمر أن الأسباب إما أن تكون مقدورة أو غير مقدورة فغير المقدور ~~ليس فيه إلا الدعاء والتوكل والمقدور إما أن يكون فساده راجحا أو لا يكون ~~فإن كان فساده راجحا نهى عنه وإن لم يكن فساده راجحا فينهى عنه كما ينهى عن ~~إضاعة المال والعبث وأما السبب المقدور النافع منفعة راجحة فهو الذي ينفع ~~ويؤمر فقه به ويندب اليه الأحاديث # وايضا فينبغى أن التوكل على الله من أعظم الأسباب فربما كان بعض الأسباب ~~يضعف التوكل فإذا ترك ذلك كمل توكله فهذا التقسيم حاصر والقدر يأتى على ~~جميع الكائنات وبهذا يتبين فقه الأحاديث # أما حديث الاختصاء فإن الاختصاء محرم لرجحان مفسدته وقد ثبت في الصحيح عن ~~سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان ~~بن مظعون عن التبتل ولو أذن لاختصينا # PageV01P154 # وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه مع ركوب الاختصاء المحرم لا يسلم من ~~الزنا بل لا بد أن يفعل ما كتب عليه منه كما في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال كتب الله على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا ~~محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر واللسان يزني وزناه المنطق والأذنان ~~تزنيان وزناهما الاستماع واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها الخطا ~~والنفس تتمنى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه # وأما حديث العزل فالعزل لا يمنع انعقاد الولد ولا تركه يوجب الولادة ~~ولهذا لو عزل عن سريته وأتت بولد ألحق به فإن الماء ms067 سباق مع ما فيه من ترك ~~لذة الجماع فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الولد المكتوب يكون عزلت أو ~~لم تعزل كما قال ليس من كل الماء يكون الولد فلا يكون ترك العزل سببا ~~للولادة ولا العزل # PageV01P155 # سببا لمنعها والقدر ماض بالأمرين فلا فائدة فيه # ومثل هذا ما ثبت في الصحيح أنه نهى عن النذر وقال لا يأتي بخير وإنما ~~يستخرج به من البخيل فأخبر أن النذر ليس من الأسباب التي تجتلب بها المنفعة ~~وتدفع بها المضرة ولكن نلقيه إلى ما قدر له فنهى عنه لعدم فائدته # وأما حديث السبعين ألفا فلم يصفهم بترك سائر التطبب وإنما وصفهم بترك ~~الاكتواء والاسترقاء والاكتواء مكروه وقد نهى عنه في غير هذا الحديث لما ~~قال وأنا أنهى أمتي عن الكى والمسترقى لم يفعل شيئا إلا اعتماده على الراقى ~~فتوكله على الله سبحانه وحده لا شريك له أنفع له من ذلك # وهذا الجواب الآخر وهو ان المسترقى يضعف توكله على الله فإنه # PageV01P156 # إنما طلب دعاء الغير ورقيته فاعتماد قلبه على الله وحده وتوكله عليه أكمل ~~لإيمانه وأنفع له # وأما حديث أم حبيبة ففيه أن الدعاء يكون مشروعا نافعا في بعض الأشياء دون ~~بعض وكذلك هو ولهذا لا يحب الله المعتدين في الدعاء فالاعمار المقدرة لم ~~يشرع الدعاء بتغييرها بخلاف النجاة من عذاب الآخرة فإن الدعاء مشروع له ~~نافع فيه وقد كتبت مسألة زيادة العمر بصلة الرحم في غير هذا الموضع ولا ~~يلزم من تأثير صلة الرحم ونحو ذلك أن يزيد العمر كما قد يقال بزيادة العمر ~~بتأثير الدعاء ولذلك كان يكره أحمد أن يدعى له بطول العمر ويقول هذا فرغ ~~منه # ثم ذكر ما جاء في الرؤية قال أبو القاسم سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن ~~السلمى رحمه الله يقول سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا الحسن العنبرى ~~يقول سمعت سهل # PageV01P157 # ابن عبد الله التسترى يقول ينظر إليه [تعالى] المؤمنون بأبصار من غير ~~إحطة ولا إدراك نهاية # وهذا الكلام من أحسن الكلام ms068 وكلام سهل بن عبد الله في السنة وأصول ~~الاعتقادات أسد وأصوب من كلام غيره وكذلك الفضيل ابن عياض ونحوه فإن الذين ~~كانوا من المشايخ أعلم بالحديث والسنة واتبع لذلك هم أعظم علما وإيمانا ~~وأجل قدرا في ذلك من غيرهم # وقول سهل ولا إدراك نهاية يتضمن شيئين أحدهما نفى الإدراك الذي نفاه الله ~~عنه يجمع بين ما أثبته الكتاب والسنة وما نفاه والثاني أنه نفى إدراك ~~النهاية ولم ينف نفس النهاية وهذا في الظاهر يخالف قول أبي القاسم لا حد ~~لذاته # ثم قال أبو القاسم قال أبو الحسين النوري شاهد الحق القلوب فلم ير قلبا ~~أشوق إليه من قلب محمد ص فأكرمه بالمعراج تعجيلا للرؤية والمكالمة # وقصده بهذه الحكاية إثبات رؤية محمد ص ربه ليلة المعراج وهذا هو قول أكثر ~~أهل السنة [أنه رأى ربه بفؤاده] # PageV01P158 # ثم ذكر ما جاء في العلو فقال سمعت الإمام أبا بكر محمد بن الحسن بن فورك ~~يقول سمعت محمد بن المحبوب خادم أبي عثمان المغربي يقول قال لي أبو عثمان ~~المغربي يوما يا محمد لو قيل لك أين معبودك إيش تقول قلت أقول حيث لم يزل ~~قال فإن قال فأين كان في الأزل إيش تقول قلت أقول حيث هو الآن قال يعنى أنه ~~كان ولا مكان فهو الآن على ما عليه كان فارتضى منى ذلك ونزع قميصه وأعطانيه # وقال أبو القاسم سمعت أبا بكر بن فورك يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول ~~كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت # PageV01P159 # بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابنا بمكة أنى أسلمت الآن إسلاما ~~جديدا # قلت هذا الكلام الذي ذكره عن أبي عثمان كلام مجمل ليس فيه دليل على انه ~~كان يقول ليس فوق السماوات رب ولا هناك إله كما يقول من يقول إن الله ليس ~~فوق العرش وقد يعبر عن ذلك بعضهم بأنه ليس في الجهة بل إقراره لخادمه على ~~جواب السائل له أين معبودك يخالف ما ذكره أبو القاسم الذي قال في خطبة ~~كتابه ms069 تعالى عن ان يقال كيف هو أو أين هو فلو أراد ما ذكره أبو القاسم لقال ~~لا يقال أين هو بل قال حيث لم يزل وهذا لا يوافق قول من يقول ليس بداخل ~~العالم ولا خارجه ولا هو فوق العرش ولا في جهة لأن قوله حيث لم يزل إخباره ~~بأنه حيث لم يزل وحيث ظرف من ظروف المكان لا يطلق إلا على الجهة والحيز ~~وعند النفاة لا يقال حيث لم يزل ولا كان في الأزل بحيث # وكذلك قوله فإن قال فأين كان في الأزل فقال اقول حيث الآن لا يستقيم عند ~~من ينفى الجهة فإنه لا يقال أين كان في الأزل ولا يقال حيث الآن بل هذا ~~السؤال والجواب # PageV01P160 # ممتنع عندهم وإن كانوا في ذلك مخالفين للنصوص وإجماع السلف وأئمة الدين ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم سأل بأين فقال أين الله فقال له المسئول في ~~السماء فحكم بأيمان من قال ذلك وكذلك سئل فقيل له أين كان ربنا قبل ان يخلق ~~السماوات والأرض فأجاب عن ذلك ولكن جواب أبى عثمان يوافق قول أهل الإثبات ~~وهم أهل الفطرة العقلية السليمة من الاولين والآخرين الذين يقولون إنه فوق ~~العالم إذ العلم بذلك فطرى عقلى ضروري لا يتوقف على سمع # أما العلم بأنه استوى على العرش بعد ان خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~فهذا سمعي إنما علم من جهة أخبار الأنبياء ولهذا شرع الله تعالى لأهل الملل ~~الاجتماع كل أسبوع يوما واحدا ليكون الأسبوع الدائر دليلا على الأسبوع الذي ~~خلق الله فيه السماوات والأرض ثم استوى على العرش ولهذا لا يعرف الأسبوع ~~إلا من جهة أهل الكتب الإلهية بخلاف اليوم فإنه معلوم بالحس وكذلك الشهر ~~والسنة يعلم بالحس وسيرالقمر فيعلم بالحس والحساب وأما الأسبوع فليس له سبب ~~حسى وكذلك لا يوجد لأيام الأسبوع ذكر عند الأمم الذين لا كتاب لهم ولا ~~أخذوا عن أهل الكتب كالترك الباقين في بواديهم في لغتهم اسم اليوم والشهر ~~والسنة دون أيام الأسبوع # PageV01P161 # بخلاف الفرس ونحوهم ms070 ممن أخذ عن المرسلين فإن في لغتهم أيام الأسبوع # وأهل الإثبات منازعون في أن الاستواء هل هو مجرد نسبة وإضافة بين الله ~~وبين العرش من غير أن يكون الباري تصرف بنفسه بصعود أو علو ونحو ذلك أو هو ~~يتصرف بنفسه وأنه استوى على العرش بعد أن لم يكن مستويا # وكذلك استواؤه إلى السماء ونزوله ونحو ذلك عن قولين مشهورين # والأول قول كثير ممن يميل إلى الكلام وقول طائفة من الفقهاء والصوفية # والثاني قول أهل الحديث وقول كثير من أهل الكلام والفقهاء والصوفية # فكلام أبي عثمان ظاهرة يوافق القول الأول وأما الذي كان يعتقده في الجهة ~~ثم رجع عنه فهو أمر مجمل لم يذكره فلعله كان يعتقد من التجسيم والتمثيل ما ~~يقوله أهل الضلال من الرافضة والمجسمة فرجع عن ذلك فإن هذا ممكن ولعله كان ~~يعتقد أن البارى تعالى # PageV01P162 # محصور في السموات تظله وتقره وأنه مفتقر إلى عرش يحمله فرجع عن ذلك # وأعظم ما يقال إنه كان يعتقد أن الاستواء من الصفات الفعلية المتجددة أنه ~~يفعله بنفسه ثم رجع عن ذلك إلى أنه على ما كان عليه مع كونه مستويا على ~~العرش لكنه خلق العرش بعد أن لم يكن مخلوقا فيلزم أن يكون موصوفا بأنه فوق ~~العرش وهذا يقوله كثير من المثبتة وإن كان هذا ليس موضع الكلام فيه # فأما أن يقال إن أبا عثمان رجع عن اعتقاد علو الله على خلقه وأنه سبحانه ~~بائن عن مخلوقاته عال عليهم فليس في كلامه ما يفهم منه ذلك بحال ثم لو فرض ~~أن أبا عثمان قال قولا فيه غلط لم يصلح أن يجعل ذلك أصلا لاعتقاد القوم فإن ~~كلام أئمة المشايخ المصرح بأن الله فوق العرش كثير منتشر فإذا وجد عن بعضهم ~~ما يخالف ذلك كان ذلك خلافا لهم # والصوفية يوجد فيهم المصيب والمخطئ كما يوجد في غيرهم وليسوا في ذلك بأجل ~~من الصحابة والتابعين وليس أحد معصوما في كل ما يقوله إلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # نعم وقوع الغلط في ms071 مثل هذا يوجب ما نقوله دائما إن المجتهد في # PageV01P163 # مثل هذا من المؤمنين إن استفرغ وسعه في طلب الحق فإن الله يغفر له خطأه ~~وإن حصل منه نوع تقصير فهو ذنب لا يجب ان يبلغ الكفر وإن كان يطلق القول ~~بأن هذا الكلام كفر كما أطلق السلف الكفر على من قال ببعض مقالات الجهمية ~~مثل القول بخلق القرآن أو إنكار الرؤية أو نحو ذلك مما هو دون إنكار علو ~~الله على الخلق وأنه فوق العرش فإن تكفير صاحب هذه المقالة كان عندهم من ~~أظهر الأمور فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق لا يستلزم تكفير الشخص ~~المعين حتى تقوم عليه الحجة التي تكفر تاركها # كما ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي قال إذا ~~أنا مت فأحرقوني ثم استحقوني ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله على ~~ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فقال الله له ما حملك على ما فعلت ~~قال خشيتك فغفر له # فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك أو شك وأنه لا ~~يبعثه وكل من هذين الاعتقادين كفر يكفر من # PageV01P164 # قامت عليه الحجة لكنه كان يجهل ذلك ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله ~~وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده فخاف من عقابه فغفر الله ~~له بخشيته # فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم ~~الآخر والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالا من الرجل فيغفر الله خطأه أو يعذبه ~~إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه وأما تكفير شخص علم إيمانه ~~بمجرد الغلط في ذلك فعظيم # فقد ثبت في الصحيح عن ثابت بن الضحاك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لعن المؤمن كقتله ومن رمى مؤمنا بالكفر فهو كقتله # وثبت في الصحيح أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما وإذا كان ~~تكفير المعين على سبيل الشتم كقتله فكيف # PageV01P165 # يكون تكفيره على سبيل ms072 الاعتقاد فإن ذلك أعظم من قتله إذ كل كافر يباح ~~قتله وليس كل من أبيح قتله يكون كافرا فقد يقتل الداعي إلى ى بدعة لإضلاله ~~الناس وإفساده مع إمكان أن الله يغفر له في الآخرة لما معه من الإيمان فإنه ~~قد تواترت النصوص بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان # وقد رواه مسلم في صحيحه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بينا جبريل ~~قاعدا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال ~~هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ~~ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم ~~يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا ~~أعطيته # وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [سورة البقرة 284] دخل في قلوبهم منها شئ ~~لم يدخل قلوبهم من شئ فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا سمعنا وأطعنا ~~قال فألقى الله الايمان في قلوبهم فأنزل الله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~لها ما كسبت # PageV01P166 # وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [سورة البقرة 286] ~~قال قد فعلت # وكلام المشايخ في مسألة العلو كثير مثل ما ذكر محمد بن طاهر المقدسي ~~الحافظ الصوفي المشهور الذي صنف للصوفية كتاب صفة التصوف ومسألة السماع ~~وغير ذلك ذكر عن الشيخ الجليل أبي جعفر الهمداني أنه حضر مجلس أبي المعالي ~~الجويني وهو يقول كان الله ولا عرش وهو على ما عليه كان أو كلاما من هذا ~~المعنى فقال يا شيخ دعنا من ذكر العرش أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في ~~قلوبنا فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورو بطلب العلو ولا ~~يلتفت يمنة ولايسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا قال ms073 فصرخ أبو المعالى ~~ولطم على رأسه وقال حيرني الهمدانى حيرني الهمداني # PageV01P167 # وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الاصبهاني شيخ الصوفية في أواخر المائة ~~الرابعة قبل القشيري في رسالة له أحببت أن أوصى أصحابي بوصية من السنة ~~وموعظة من الحكمة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر وأهل المعرفة ~~والتصوف من المتقدمين والمتأخرين قال فيها اوإن الله استوى على عرشه بلا ~~كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف فيه مجهول وأنه عز وجل ~~مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق بائنون منه بلا حلول ولا ممازجة ولا ~~اختلاط ولا ملاصقة لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد الغني عن الخلق وأن ~~الله سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم ~~القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول هل من داع ~~فآستجيب له هل من مستغفر فآستغفر له هل من تائب فأتوب عليه حتى يطلع الفجر ~~ونزول الرب إلى # PageV01P168 # السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ~~ضال # ثم ذكر كلامهم في القدر قال أبو القاسم سمعت محمد ابن الحسين السلمى يقول ~~سمعت أبا عثمان المغربي يقول وقد سئل عن الخلق فقال قوالب وأشباح تجري ~~عليهم أحكام القدرة # قال وقال الواسطي لما كانت الأرواح والأجساد قامتا بالله وظهرتا به لا ~~بذواتها كذلك قامت الخطرات والحركات بالله لا بذواتها إذ الخطرات والحركات ~~فروع جساد والأرواح # قال أبو القاسم صرح بهذا الكلام أن أكساب العباد مخلوقة لله وكما أنه لا ~~خالق للجواهر إلا الله فكذلك لا خالق للأعراض إلا الله # وهذا الذي قاله صحيح وهو متفق عليه بين المشايخ لا يعرف منهم من أنكر ~~شيئا من أصول السنة في مسائل القدر # PageV01P169 # وقال سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السامي يقول سمعت محمد بن عبد الله سمعت ~~أبا جعفر الصيدلاني سمعت أبا سعيد الخراز يقول من ظن أنه ببذل الجهد يصل ~~فمتعن ومن ظن أنه بغير الجهد يصل فمتمن # وهذا كلام حسن ms074 كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح احرص ~~على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شئ فلا تقل لو أني فعلت كذا ~~وكذا ولكن قل ما قدر الله وما شاء فعل فإن اللو تفتح عمل الشيطان # وقال لن يدخل أحدا عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا ~~إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته # PageV01P170 # ثم قال وقال الواسطي المقامات أقسام قسمت ونعوت أجريت كيف تستجلب بحركات ~~أو تنال بسعايات # وهذا الكلام الظاهر ليس بجيد بل هو مردود وهذه المسألة بعينها سئل عنها ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه في الأحاديث الصحاح من حديث عمران بن ~~حصين وعلى ابن أبي طالب وغيرهما لما أخبر بالقدر فقالوا ألا ندعو العمل ~~ونتكل على الكتاب فقال لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له # وفي الصحيحين عن علي بن ابي طالب قال كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس وجعل ينكت ~~بمخسرته ثم قال ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة # PageV01P171 # فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق ~~له أما من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل السعاده واما من كان من أهل ~~الشقاء فسيصير لعمل الشفاء ثم قرأ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره ~~لليسرى [سورة الليل 6] # وفي الصحيح عن عمران بن حصين قال قال رجل يا رسول الله أيعرف أهل الجنة ~~من أهل النار قال نعم قال فلم يعمل العاملون قال كل يعمل لما خلق له أو لما ~~يسر له وفي رواية كل ميسر لما خلق له # وفي صحيح مسلم من حديث أبي الأسود الدئلي قال قال لي عمران بن حصين أرأيت ~~ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشئ # PageV01P172 # قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ~~وثبتت الحجة عليهم ms075 فقلت بل شئ قضى عليهم ومضى عليهم قال فقال أفلا يكون ~~ظلما قال ففزعت من ذلك فزعا شديدا وقلت كل شئ خلق الله وملك يده فلا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون فقال لي يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر ~~عقلك إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول ~~الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشئ قضى عليهم ومضى فيهم من ~~قدر قد سبق أو فيما يستقبلون منه مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم قال ~~لا بل شئ قضى عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله ونفس وما سواها ~~فألهمها فجورها وتقواها [سورة الشمس 6 7] # وفي السنن حديث عمر أنه سئل عن تفسير الآية وإذ أخذ # PageV01P173 # ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم [سورة الاعراف 172] قال عمر رضى الله ~~عنه سمعت رسول ص يقول إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فأستخرج منه ذرية ~~فقال [خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فأستخرج منه ~~ذرية فقال] خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل ففيم العمل ~~يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله إذا خلق العبد ~~للنار استعمله بعمل اهل النار حتى يموت على عمل من أعمال النار فيدخل به ~~النار وإذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من ~~أعمال الجنة فيدخله به الجنة # وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال ~~يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم أفيما جفت به ~~الأقلام وجرت به المقادير أم فيما # PageV01P174 # يستقبل قال لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير قال ففيم العمل ~~فقال اعملوا فكل ميسر وفى لفظ كل عامل ميسر لعمله # وفي السنن عن ابن أبي خزامة عن أبيه قال قلت يا رسول الله أرأيت رقى ~~نسترقيها ودواء نتداوى ms076 به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من ~~قدر الله # فهذه السنن وغيرها تبين أن الله سبحانه وإن كان قد تقدم علمه وكتابيه ~~وكلامه بما سيكون من السعادة والشقاوة فمما قدره أن يكون ذلك بالأسباب التي ~~قدرها فالسعادة بالأعمال الصالحة والشقاوة بالفجور وكذلك الشفاء الذي يقدره ~~للمريض يقدره بالأدوية والرقى وكذلك سائر ما يقدر من أمر الدنيا والآخرة # فقول القائل كيف تستجلب الأقسام بالحركات # PageV01P175 # جوابه ان الأقسام تناولت الحركات كما تناولت السعادات والله تعالى قدر ان ~~يكون هذا بهذا فإذا ترك العبد العمل ظانا أن السعادة تحصل له كان هذا الترك ~~سببا لكونه من أهل الشقاوة # وهنا ضل فريقان فريق كذبوا بالقضاء والقدر وصدقوا بالأمر والنهى وفريق ~~آمنوا بالقضاء ولاقدر لكن قصروا في الأمر والنهى وهؤلاء شر من الأولين فإن ~~هؤلاء من جنس المشركين الذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا [سورة الأنعام ~~148] وأولئك من جنس المجوس # لكن إذا عنى بهذا الكلام أن العبد لا يتكل على عمله ولا يظن أنه ينجو ~~بسعيه فهذا معنى صحيح فالأسباب التي من العباد بل ومن غيرهم ليست موجبات لا ~~لأمر الدنيا ولا لأمر الآخرة بل قد يكون لا بد منها ومن أمور أخرى من فضل ~~الله ورحمته خارجة عن قدرة العبد وما ثم موجب إلا مشيئة الله فما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن # وكل ذلك قد بينه النبي صلى الله عليه وسلم وهو معروف عند من نور الله ~~بصيرته # وأما التفريق بين المقدور عليه والمعجوز عنه ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من ~~المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما # PageV01P176 # ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شئ فلا تقل لو أني فعلت كان كذا ~~وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن اللو تفتح عمل الشيطان # وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اختصم إليه رجلان ms077 فقضى ~~على أحدهما فقال المقضى عليه حسبي الله ونعم الوكيل فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا أحزنك أمر فقل ~~حسبي الله ونعم الوكيل # قال أبو القاسم وسئل الواسطي عن الكفر بالله أولله فقال الكفر والإيمان ~~والدنيا والآخرة من الله وإلى الله وبالله ولله من الله ابتداء وإنشاء وإلى ~~الله مرجعا وانتهاء وبالله بقاء وفناء ولله ملكا وخلقا # قال وقال الجنيد سئل بعض العلماء عن التوحيد # PageV01P177 # فقال هو اليقين فقال السائل بين لي ما هو فقال هو معرفتك أن حركات الخلق ~~وسكونهم فعل الله وحده لا شريك له فإذا فعلت ذلك فقد وحدته وقال سمعت محمد ~~بن الحسين يقول سمعت عبد الواحد بن علي يقول سمعت القاسم بن القاسم سمعت ~~محمد بن موسى الواسطي سمعت محمد بن الحسين الجوهري سمعت ذا النون المصري ~~يقول وجاءه رجل فقال ادع الله لي فقال إن كنت أيدت في علم الغيب بصدق ~~التوحيد فكم من دعوة مجابة قد سبقت لك وإلا فإن النداء لا ينفع الغرقى # قال وقال الواسطي ادعى فرعون الربوبية على الكشف وادعت المعتزلة على السر ~~تقول ما شئت # PageV01P178 # فعلت وقال أبو الحسين النوري التوحيد كل خاطر يشير إلى الله بعد أن لا ~~تزاحمه خواطر التشبيه # قلت كلام الواسطي والجنيد المذكور هنا هو توحيد الربوبية وأن الله رب كل ~~شئ ومليكه وخالقه وفيه الرد على القدرية الذين يجعلون أفعال العبد خارجة عن ~~قدرته وخلقه وملكه وكذلك جعل فيهم الواسطي شبها من فرعون فإن فرعون كشف ~~كفره وقال أنا ربكم الأعلى فادعى الربوبية علانية والقدرية تدعى أنها رب ~~الأفعال وما يتولد عنها فقد أدعت ربوبيته لكن في السر وهي ربوبية أفعال ~~الأعيان # لكن مقصود أهل التحقيق كالجنيد ونحوه أن يكون هذا التوحيد للعبد خلقا ~~ومقاما بحيث يعطيه ذلك كما توكله على الله تعالى وتفويصه إليه والصبر لحكمه ~~والرضا بقضائه مالم يخرجه ذلك إلى إسقاط الأمر والنهي والثواب والعقاب ~~والوعد والوعيد كما يقع في بعض ذلك ms078 طائفة من المتصوفة # وأما قول ذي النون إن كنت أيدت في علم الغيب بصدق التوحيد فلا يراد به ~~مجرد الإقرار بالربوبية العامة فإن المشركين كانوا يوحدون هذا التوحيد كما ~~قال تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله [سورة الزمر 38] ~~وقال تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلاوهم مشركون [سورة يوسف 106] # PageV01P179 # قالوا غيمانهم هو إيمانهم بأنه خالق كل شئ وشركهم أن عبدوا معه إلها آخر # وإنما أراد تحقيق توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية وهو أن يعبد الله وحده ~~لايشرك به شيئا فهذا التوحيد الذي جاءت به الرسل هو يسعد صاحبه ويدخل الجنة ~~لا محالة له من دعوة مجابة ومن فاته هذا التوحيد فإن الله لا يغفر أن يشرك ~~به فلا ينفعه الدعاء # وهذا هو التوحيد المذكور في قول المراغى صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء ~~التوحيد # وأما قول النوري التوحيد كل خاطر يشير إلى الله فهو يعم ذلك يقول كل توجه ~~إلى الله وحده بقول أو عمل فهو توحيد إذا لم يكن فيه تشبيه الخالق بالمخلوق ~~أو المخلوق بالخالق كما في قول الجهمية والممثلة والقدرية ونحوهم وقد تقدم ~~ما ذكره المشايخ من نفي التشبيه والتعطيل # وكذلك ما ذكره عن الشيخ أبي عبد الرحمن سمعت عبد الواحد بن بكر سمعت هلال ~~بن أحمد يقول سئل أبو علي الروذباري عن التوحيد فقال استقامة القلب بإثبات ~~مفارقة # PageV01P180 # التعطيل وإنكار التشبيه والتوحيد في كلمة واحدة كل ما صورته الأفهام ~~والأفكار فإن الله سبحانه بخلافه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير [سورة ~~الشورى 11] # قال وقال ابو القاسم النصراباذي الجنة باقية بإبقائه وذكره لك ومحبته لك ~~باق ببقائه فشتان بين ما هو باق ببقائه وبين ما هو باق بإبقائه # قال القشيري وهذا الذي قاله الشيخ النصراباذي غاية التحقيق فإن أهل الحق ~~قالوا صفات ذات القديم سبحانه باقيات ببقائه تعالى فنبه على هذه المسألة ~~ونبه على أن الباقي باق ببقائه خلاف ما قاله مخالفو الحق # PageV01P181 # قلت النصراباذي مقصوده التفريق بين من طلب النعيم بالمخلوق وطلب النعيم ~~لحظه من ms079 الخالق فقال ما في المخلوق باق بإبقائه وأما محبته لك وذكره لك ~~فباق ببقائه وليس مقصوده أن البقاء الذي يوصف به الرب هو صفة زائدة على ~~الذات بما ليس بصفة كما ينازع فيه أهل الكلام مثل متكلمة أهل الإثبات ~~وغيرهم بل القاضي أبو بكر الذي يعظمه القشيري ويقول هو اوحد وقته كان يقول ~~ليس الباقي باقيا ببقاء # ولاالنزاع في هذه المسألة إذا حقق لم يرجع إلى معنى محصل يستوجب النزاع # ثم قال أبو القاسم حدثنا محمد بن الحسين سمعت النصراباذي يقول أنت متردد ~~بين صفات الفعل وصفات الذات وكلاهما صفته تعالى على الحقيقة فإذا هيمك في ~~مقام التفرقة قربك بصفات فعله وإذا بلغك إلى مقام الجمع قربك بصفات ذاته # PageV01P182 # قال وأبو القاسم النصراباذي كان شيخ وقته # قلت هذا الكلام من النصراباذي يقتضي أنه موصوف بصفات فعله على الحقيقة ~~مثل الخلق والرزق كما أنه موصوف بصفات الذات عل ى الحقيقة كالعلم والقدرة ~~وهذا هوالذي ذكره أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي عن مذهب الصوفية في كتاب ~~التعرف وهو قول جمهور الفقهاء وأهل الحديث وطوائف من اهل الكلام وليس هو ~~قول الأشعرية الذين سلك سبيلهم أبو القاسم القشيري # قال الخلق والرزق عندهم عين المخلوق ولا يستحق أن يسمى بالخالق الباعث ~~الوارث إلا بعد وجود هذه المفعولات والنزاع في أن الفعل هل هو صفة لله وهل ~~يوصف بالأسماء الفعلية في الأزل وقد بسطنا الكلام في هاتين المسألتين في ~~موضعه # وقال سمعت الإمام أبا إسحاق الإسفراييني يقول لما قدمت من بغداد كنت أدرس ~~في جامع نيسابور في مسألة الروح وأشرح القول أنها مخلوقة وكان ابو القاسم ~~النصراباذي قاعدا # PageV01P183 # متباعدا عنا يصغي إلى كلامي فأجتاز بنا بعد ذلك بأيام قلائل فقال لمحمد ~~الفراء أشهد اني أسلمت جديدا على يد هذا الرجل وأشار إلي # قلت لعله كان عنده بعض شبهة أو رأي فاسد في خلقها كما يعرض مثل ذلك لبعض ~~الناس # وقال سمعت محمد بن الحسين السلمي يقول سمعت أن حسين الفارسي يقول سمعت ~~إبراهيم بن ms080 فاتك يقول سمعت الجنيد يقول متى يتصل من لاشبيه له ولا نظير بمن ~~له شبيه ونظير هيهات هذا ظن عجيب إلا بما لطف اللطيف من حيث لا درك ولا وهم ~~ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان # قلت هذا الكلام يقتضي أن العباد إنما عرفوا ربهم بما الطف به من تعرفة ~~إليهم وهدايته إياهم بما أعطاهم لا معرفة إدراك وإحاطة وهذا حسن وربما ~~يتضمن نوعا من الرد على طريقة أهل النظر الذين يجعلونه بمجرده محصلا ~~للمعرفة المطلوبة # وقال حدثنا محمد بن الحسين سمعت عبد الواحد بن # PageV01P184 # بكر حدثني أحمد بن محمد البردعي حدثنا طاهر بن إسماعيل الرازي قال قيل ~~ليحيى بن معاذ أخبرني عن الله فقال إله واحد فقال كيف هو فقال ملك قادر ~~فقال أين هو فقال بالمرصاد فقال السائل لم أسألك عن هذا فقال ما كان غير ~~هذا كان صفة المخلوق فأما صفته فما أخبرتك عنه # قلت لا تعلم صحة هذا الكلام عن يحيى بن معاذ إذ في الإسناد من لا نعرفه ~~وكلام يحيى بن معاذ عندهم دون كلام الكبار من أهل # PageV01P185 # التحقيق في المعاملات وغيرها فإنه يتكلم في الرجاء بكلام يشبه كلام سفلة ~~المرجئة لا يوافق أصول المشايخ الكبار المتمسكين بالسنة ويدعى في التوحيد ~~مقاما هو الغاية وقد عاب عليه ابو يزيد وغيره وكلامه يشبه كلام الوعاظ وهي ~~طريقة أبي القاسم ونحوه # وهذا الكلام المذكور من هذا الباب فإنه ليس كل ما لم يذكره في هذا الجواب ~~بصفة المخلوق لله بل لله صفات كثيرة عظيمة لم تدخل في هذا الكلام ثم صفة ~~المخلوق إن كان لأجل الاشتراك في الاسم فقوله ملك قادر وإنه بالمرصاد كما ~~قال تعالى واقعدوا لهم كل مرصد [سورة التوبة 5] # وأيضا فالجواب عن أين هو خلاف الجواب الذي رضيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأقره وحكم بإيمان قائله وخلاف ما أجاب به هو سائله فإنه لما قال أين ~~الله فقيل له في السماء رضى بهذا وأقر صاحبه ولم يقل هذا صفة المخلوق # وقد ms081 روى شيخ الإسلام الأنصاري الهروى صاحب علل المقامات ومنازل السائرين ~~في كتابه المسمى بالفاروق بإسناد عن يحيى بن معاذ أنه قال إن الله على ~~العرش بائن من خلقه وقد أحاط بكل شئ علما وأحصى كل شئ عددا لايشذ عن هذه ~~المقالة إلا جهمى ردئ # PageV01P186 # ضليل وهالك مرتاب يمزج الله بخلقه ويخالط منه الذات بالأقذار والإتيان في ~~هيئته وهو يخالف إنكاره الأين في هذه الرواية # وقال أبو القاسم حدثني بن الحسين سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا علي ~~الروذبارى يقول كل ما توهم متوهم بالجهل أنه كذلك فالعقل يدل على أنه ~~بخلافه # قال وسأل ابن شاهين الجنيد عن معنى مع فقال على معنيين مع الأنبياء ~~بالنصرة والكلاءة قال الله إنني معكما أسمع وأرى [سورة طه 46] ومع العامة ~~بالعلم والإحاطة قال الله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [سورة ~~المجادلة 7] فقال ابن شاهين مثلك يصلح أن يكون دالا للأمة على الله # PageV01P187 # قلت هذا كلام حسن متفق على صحة معناه بين ائمة الهدى وكانوا يقولون مثل ~~هذا الكلام ردا على من يقول من الجهمية إن الحق بذاته في كل مكان ويمكن أن ~~يقول فوق العرش وقد وقع في ذلك طائفة من المتصوفة حتى جعلوه عين الموجودات ~~ونفس المصنوعات كما يقوله أهل الاتحاد العام # قال القشيري وسئل ذو النون المصري عن قوله الرحمن على العرش استوى [سورة ~~طه 5] فقال اثبت ذاته ونفى مكانه فهو موجود [بذاته والأشياء موجودة] بحكمه ~~كما شاء # قلت هذا الكلام لم يذكر له إسنادا عن ذي النون وفي هذه الكتب من الحكايات ~~المسندة شئ كثير لا أصل له فكيف بهذه المنقطعة المسيئة التي تتضمن أن ينقل ~~عن المشايخ كلام لا يقوله عاقل فإن هذا الكلام ليس فيه مناسبة للآية بل هو ~~مناقض لها فإن هذه الآية لم تتضمن إثبات ذاته ونفى مكانه بوجه من الوجوه ~~فكيف تفسر بذلك # وأما قوله هو موجود بذاته والأشياء موجودة بحكمه فهو حق لكن ليس هذا معنى ~~الآية # PageV01P188 # قال وسئل الشبلي ms082 عن قوله الرحمن على العرش استوى فقال الرحمن لم يزل ~~والعرش محدث والعرش بالرحمن استوى # قلت هذا الكلام أيضا ليس له إسناد عن الشبلي وهو يتضمن من الباطل ما هو ~~تحريف للقرآن # أما قوله الرحمن لم يزل والعرش محدث فحق وأما قوله العرش بالرحمن استوى ~~فهو أولا خلاف القرآن فإن الله أخبر أنه هو الذي استوى على العرش فكيف يقال ~~إن المستوى إنما هو العرش # وأما ثانيا فإنه إذا قال العرش استوى به فهذا ليس أبلغ من قوله إنه استوى ~~على العرش # كما في حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به ~~راحلته وذلك يقتضي أن يكون العرش استوى بالله واستقل به وحمله وإن لم يرد ~~هذا المعنى وإنما أراد أن العرش اعتدل # PageV01P189 # واستوى بقدرة الله فهذا ليس هو معنى الآية بل تحريف صريح يستحق قائله ~~العقوبة البليغة ولا يصلح ان يحكى مثل هذ عن قدوة في الدين بل ولا عن أطراف ~~الناس # قال وسئل جعفر بن نصير عن قوله تعالى الرحمن على العرش استوى فقال استوى ~~علمه بكل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ # وهذا من نمط الذي قبله وأردى وهو أسخف من تأويلات القرامطة الباطنية فإن ~~اللفظ ليس فيه ما يدل على ذلك أصلا وجعفر ابن نصير أجل من أن يقول هذا ~~التحريف الذي لا يصدر مثله إلا عن بعض غلاة الرافضة والقرامطة والملحدين ~~الطاعنين في القرآن # قال وقال جعفر الصادق من زعم أن الله في شئ أو من شئ أو على شئ فقد أشرك ~~إذ لو كان على شئ لكان محمولا أو كان في شئ لكان محصورا أو كان من شئ لكان ~~محدثا # PageV01P190 # قال وقال جعفر الصادق في قوله ثم دنا فتدلى [سورة النجم 8] من تودهم أنه ~~بنفسه دنا جعل ثم مسافلة وانما تدنى أنه كلما قرب منه بعده عن أنواع ~~المعارف إذ لا دنو ولا بعد # قلت هذا الكلام وأشباهه مما اتفق أهل المعرفة على أنه مكذوب على جعفر ms083 مثل ~~كثير من الإشارات التي ذكرها عنه أبو عبد الرحمن في حقائق التفسير والكذب ~~على جعفر كثير منتشر والذي نقله العلماء الثقات عنه معروف يخالف رواية ~~المفترين عليه # قال ورأيت بخط الاستاذ أبي على أنه قيل لصوفي أين الله فقال أسحقك الله ~~تطلب مع العين أثرا # قلت هذا كلام مجمل قد يعني به الصديق معنى صحيحا ويعني به الزنديق معنى ~~فاسدا فإن السائل أين الله قد يكون سؤاله عن شك عن معرفة ما يستحقه الله من ~~العلو وقد يكون الاستعلام # PageV01P191 # عن حال المسئول كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية أين الله فالذي ~~سأل الصوفي أين الله إن كان شاكا في نعت ربه أو جاهلا بحال المسئول فهو ~~ناقص فيحتمل أن الصوفي كان عارفا بالله وقد عاين السائل من حاله ما عرف به ~~صدقه فقال سؤالك سؤال من يريد أن يستدل بالأثر على حال وأنت قد عاينت ما ~~يغنيك عن ذلك فقال أتطلب مع العين أثرا أو هدى # كما أن المعروفين بالإيمان من الصحابة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول لأحدهم أين الله وإنما قال ذلك لمن شك في إيمانه كالجارية وهذا كما ~~يذكر في حكاية أخرى أن بعضهم لقى شخصا فقال أين ربك فقال لا تقل أين ربك ~~ولكن قل أين محل الإيمان من قلبك أي ان مثلى لا يقال له أين ربك وإنما أسأل ~~عما يليق بمثلي أن يسأل عنه # بل كما في الحكاية المعروفة عن يزيد بن هارون الواسطي ونحوها أيضا لأحمد ~~بن حنبل أن منكرا أو نكيرا لما أتياه وسألاه من ربك وما دينك ومن نبيك فقال ~~أتقولان لي هذا وأنا يزيد بن هارون الواسطي أعلم الناس السنة ستين سنة ~~فقالا اعذرنا فإنا بهذا أمرنا وانصرفا وتركاه # وظاهر الأمر في حال الصوفي الذي ذكره الأستاذ أبي على أنه قصد هذا لأنه ~~قال للسائل أسحقك الله أتطلب مع العين اثرا وهذا # PageV01P192 # العين الذي أغناه عن الأثر إما أن يكون في معرفته بربه أو معرفته ms084 بحال ~~المسئول فلو كان الأول لم يك جاهلا فيسأل أين الله ولم يجب عليه الصوفي حتى ~~يقول له أسحقك الله فعلم أنه كان عارفا بحال الصوفي وطلب منه زيادة امتحان ~~له عن معرفته بربه فقال أتطلب مع العين أثرا # وأما العين الذي يعنيه الزنديق فأن يكون من أهل الاتحاد المعين فيعتقد ~~أنه عاين الله بعين بصره في الدنيا فيقول أتطلب مع العين أثرا # أو يعتقد أن الوجود المعاين هو عين وجود الحق كما تقوله الاتحادية أهل ~~الاتحاد المطلق أو نحو ذلك من مقالات الزنادقة المنافقين # ولكن ظاهر الحكاية لا يوافق هذا فإنه عند هؤلاء العين والأثر واحد ~~والصوفي قال أتطلب مع العين أثرا وهذا يقتضي أن السائل بأين يصح منه طلب ~~الأثر بعد العين # وليس في الحكاية مقصود لأبي القاسم من نفى كون الله على العرش ولا يقول ~~ابو القاسم بأن العارف حصل له في الدنيا من معاينة الله تعالى ما يغنيه عن ~~الأثر # PageV01P193 # قال ابو القاسم حدثنا الشيخ أبو عبد الرحمن سمعت أبا العباس بن الخشاب ~~البغدادي سمعت أبا القاسم بن موسى سمعت محمد بن أحمد سمعت الانصاري سمعت ~~الخراز يقول حقيقة القرب فقد حسن الأشياء من القلب وهدوء الضمير إلى الله # قلت هذه الحكاية في إسنادها من لا يعرف حاله وإن صح هذا الكلام عن أبي ~~سعيد الخراز فليس مقصوده أن القرب من الله ليس إلا مجرد ذلك ولكن أراد أن ~~هذا هو الذي يحقق القرب وحقيقة الشئ عندهم ما يحققه فيكون علة لوجوده ~~ودليلا على صحته # كما يروون في الحديث الذي رواه ابن عساكر مرسلا وروى مسندا من وجه ضعيف ~~لا يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحارثة ابن سراقة كيف أصبحت يا ~~حارثة قال أصبحت مؤمنا حقا قال فما حقيقة أيمانك فقال عزفت نفسي عن الدنيا ~~فآستوى عندي حجرها وذهبها وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل ~~الجنة يتمتعون فيها وإلى أهل النار يعذبون فيها فقال # PageV01P194 # عرفت فألزم عبد نور الله ms085 قلبه # فقولهم في هذا الحديث الذي يروونه ما حقيقة إيمانك أي ما يحققه ويصدقه ~~فذكر ما يصدقه ويحققه من اليقين والزهد كما جاء في الحديث نجا أول هذه ~~الأمة باليقين والزهد # فقول أبي سعيد حقيقة القرب أي الذي يحققه هو خلو القلب مما سوى الله ~~وسكونه إلى الله وهذا تحقيق الإخلاص والتوحيد الذي من حققه كان أقرب الخلق ~~إلى الله وهو تحقيق كلمة الإخلاص لا إله إلا الله وهذا على درجتين فأهل ~~الفناء يفقدون إدراك الأشياء ومعرفتها مصطلمين في ذكر الله والملائكة وأولو ~~العلم وهو سبحانه شهد وحدانيتهم في الإلهيته متضمنه شهادته لجميع خلقه فإنه ~~شهيد عليم ليس عن المخلوقات بغائب فأولو العلم # PageV01P195 # الشاهدون ألا إله إلا هو إذا لم يكن فيهم عجز يوجب الفناء يعطون من القوة ~~على ما يشهدون به الأمر وتلك شهادة كاملة أكمل من شهادة اهل الفناء فيفقدون ~~تأله قلوبهم للأشياء ووجدهم وطمأنينتهم إليها معتاضين بتأله قلوبهم لله ~~ووجدهم به وطمأنينة قلوبهم بذكره لا يفقدون الشهادة التي تزيد في علمهم ~~وإيمانهم من شهود الربوبية المحيطة جملة وتفصيلا والإلهية الواجبة جملة ~~وتفصيلا وما يدخل في ذلك من أصناف المخلوقات والمأمورات # وقال أبو القاسم سمعت محمد بن الحسين سمعت محمد بن علي الحافظ سمعت ابا ~~معاذ القزويني سمعت أبا علي الدلال سمعت أبا عبد الله بن قهرمان سمعت ~~إبراهيم الخواص يقول انتهيت إلى رجل وقد صرعه الشيطان فجعلت أؤذن في أذنه ~~فناداني الشيطان من جوفه دعني أقتله فإنه يقول القرآن مخلوق # قلت هذه الحكاية موافقة لأصول السنة وقد ذكروا نحوها حكايات واعترض في ~~ذلك الغزالي وغيره بأن هذا الاستدلال # PageV01P196 # بكلام الشياطين في أصول الدين وذكر عن الإمام أحمد في ذلك حكاية باطلة ~~ذكرها في المنخول فقال رب رجل يعتقد الشئ دليلا وليس بدليل كما يذكر # وجواب هذا أن الجن فيهم المؤمن والكافر كما دل على ذلك القرآن ويعرف ذلك ~~بحال المصروع ويعرف بأسباب قد يقضي بها أهل المعرفة فإذا عرف ان الجني من ~~أهل الإيمان كان هذا مثل ms086 ما قصه الله في القرآن من إيمان الجن بالقرآن وكما ~~في السيرة من أخبار الهواتف # وإبراهيم الخواص من أكبر الرجال الذين لهم خوارق فله علمه بأن هذا الجني ~~من المؤمنين لما ذكر هذه الحكاية على سبيل الذم لمن يقول بخلق القرآن # PageV01P197 ### | فصل قال أبو القاسم وقال ابن عطاء لما خلق الله الأحرف جعلها سرا فلما # خلق آدم بث ذلك السر فيه ولم يبث ذلك السر في أحد من الملائكة فجرت ~~الأحرف على لسان آدم بفنون الجريان وفنون المعارف فجعلها الله صورا لها # قال أبو القاسم صرح ابن عطاء رحمه الله بأن الحروف مخلوقة # قلت لم يذكر لهذه الحكاية إسنادا ومثل هذا لا تقوم به حجة ولا يحل لأحد ~~أن يدل المسلمين في أصول دينهم بكلام لم تعرف صحة نقله مع ما علم من كثرة ~~الكذب على المشايخ المقتدى بهم فلا يثبت بمثل هذا الكلام قول لابن عطاء ولا ~~مذهب بل قد ظهر على هذه # PageV01P198 # الحكاية من كذب ناقلها وجهل قائلها ما لا يصلح معه أن يحمد الاعتقاد بها ~~فلو فرض ان هذه الحكاية قالها بعض الأعيان لكان فيها من الغلط ما يردها على ~~قائلها # وكذلك أن الله لم يخص آدم بالأحرف وإنما خصه بتعليم الأسماء كلها كما قال ~~تعالى وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء ~~هؤلاء [سورة البقرة 31] # وقد تنازع الناس هل المراد بها أسماء من يعقل لقوله ثم عرضهم أو أسماء كل ~~شئ على قولين # والأول اختيار ابن جرير الطبري وأبي بكر عبد العزيز صاحب الخلال وغيرهما # والثاني أصح لأن في الصحيحين في حديث الشفاعة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ~~ملائكته وعلمك أسماء كل شئ ويبين ذلك أن الملائكة كانوا يتكلمون قبل أن ~~يخبرهم آدم # PageV01P199 # بالأسماء وقد خاطبوا الله وخاطبوا آدم قبل ذلك # قال الله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة الآية ~~[سورة البقرة 30] # قال ms087 وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما خلق الله آدم ~~قال اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم واسمع ما يحيونك به فإنها ~~تحيتك وتحية ذريتك من بعدك فذهب إليهم فقال السلام عليكم فقالوا وعليك ~~السلام ورحمة الله وبركاته فزادوه # وأيضا فآدم عليه السلام تكلم قبل أن يعلمه الله أسماء كل شئ كما في ~~الصحيحين أن الله لما خلق آدم عطس فقال الحمد لله رب العالمين فقال الله له ~~يرحمك ربك # وأيضا فمن المعلوم أن الملائكة كانوا يسبحون الله ويمجدونه قبل خلق # PageV01P200 # آدم وقبل إخباره إياهم بالأسماء فكيف يظن ظان ان النطق كان مختصا بآدم ~~لما علم الأسماء # وأيضا فإن هذه الحكاية من قائلها الأول مرسلة لا إسناد لها ولم يأثرها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه وأحسن أحوالها أن تكون من ~~الإسرائليات التي إذا لم يعرف أنها حق أو باطل لم يصدق بها ولم يكذب ومثل ~~هذه لا يعتمد عليها في الدين بحال # والمعروف عن بعض المشايخ حكاية لو ذكرها أبو القاسم لكان احتجاجه بها ~~أمثل وهو ما أن الإمام أحمد ذكر له عن السري السقطي أنه ذكر عن بكر بن حبيش ~~العابد أنه قال لما خلق الله الحروف سجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى ~~أومر فقال احمد هذا كفر # وهذا الكلام لم يقله بكر بن حبيش والسرى ونحوه من العباد إلا ليبينوا ~~الفرق بين من لا يفعل إلا ما أمر به ومن يعتمد بما لم يؤمر به من البدع ~~وهذا مقصود صحيح فإن العمل الصالح المقبول هو ما أمر الله به ورسوله دون ~~شرع من الدين الذي لم يأذن به الله لكن كثير من العباد لا يحفظ الأحاديث ~~ولا أسانيدها فكثيرا ما يغلطون في إسناد الحديث أو متنه ولهذا قال يحيى بن ~~سعيد ما رأينا الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث يعني على سبيل الخطأ ~~وقال أيوب # PageV01P201 # السختياني إن من جيراني لمن ارجو بركة دعائهم ms088 في السحر ولو شهد عندي على ~~جزرة بقل لما قبلت شهادته # ولهذا يميزون في اهل الخير والزهد والعبادة بين ثابت البناني والفضيل ابن ~~عياض ونحوهما وبين مالك بن دينار وفرقد السبخي وحبيب العجمي وطبقتهم وكل ~~هؤلاء أهل خير وفضل ودين والطبقة الأولى يدخل حديثها في الصحيح # وقال مالك بن أنس رحمه الله ادركت في هذا المسجد ثمانين رجلا لهم خير ~~وفضل وصلاح كل يقول حدثني أبي عن جدي عن النبي صلى الله عليه وسلم لم نأخذ ~~عن أحد منهم شيئا وكان ابن شهاب يأتينا وهو شاب فنزدحم على بابه لأنه كان ~~يعرف هذا الشأن # هذا وابن شهاب كان فيه من مداخلة الملوك وقبول جوائزهم ما لا يحبه أهل ~~الزهد والنسك والله يختص كل قوم بما يختاره فأولئك النساك رووا هذا الاثر ~~ليفرقوا بين العمل المشروع المأمور به وما ليس بمشروع مأمور به # وجاء في لفظ لما خلق الله الحروف فآحتج بهذا من يقول من الجهمية إن ~~القرآن أو حروفه مخلوقة فقال أحمد هذا كفر لأن فيه القول بخلق ما هو من ~~القرآن وذلك الأثر لا يعرف له إسناد ولا # PageV01P202 # يعرف قائله ولا ناقله ولا يؤثر عن صاحب ولا تابع ولعله من الإسرائيليات ~~فرد الاحتجاج به أسهل الأمور # وأما ما تضمنه من الفرق بين العمل الذي يؤمر به والذي لا يؤمر به فهذا ~~الفرق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة متى كان في الأحاديث التي لا تعرف ~~صحتها والأحاديث الضعيفة ما يوافق أصول الإسلام وما لا يوافق قبول الحق ~~وترك الباطل فنقبل من هذه الحكاية ما وافق الاصول الاصول وهو الذي أخذه بكر ~~بن حبيش والسرى وغيرهما ونرد منها ما خالف الأصول وهو الذي رده الإمام أحمد ~~وغيره من أئمة الهدى مع أن أحمد من أعظم الناس قولا لما قصده السرى من ~~الفرق بين المأمور وغير المأمور وهو من أعظم الناس أمرا بالعمل المشروع ~~ونهيا عن غير المشروع # ثم حكاية السرى لعله لم يرد بالحروف إلا المداد الذي تكتب به الحروف ~~فسجدت ms089 فإنه قال فسجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أومر وهذا إشارة إلى ~~انتصاب الألف وانخفاض غيرها وهذا صورة ما يكتب به من المراد وأما الحروف ~~التي أنزلها الله في كتابه فلا يختلف حكمها باختلاف ما يكتب به من صورة ~~المداد # ولعل هذا أيضا هو الذي قصده في حكاية ابن عطاء إن كان لها أصل فإنه قد ~~ذكرابن قتيبة في المعارف أن الله لما أهبط آدم انزل # PageV01P203 # عليه حروف المعجم في إحدى وعشرين صحيفة فيكون ناقلها قصد أن آدم اختص من ~~بين الملائكة بأن علم الكتابة بهده الحروف كما قال تعالى علم بالقلم علم ~~الإنسان ما لم يعلم [سورة العلق 4 5] # والملائكة وإن كان الله قد وصفهم بأنهم يكتبون كما قال تعالى كراما ~~كاتبين يعلمون ما تفعلون [سورة الانفطار 1112] وقال ورسلنا لديهم يكتبون ~~[سورة الزخرف 80] فلا يجب أن تكون حروفهم المكتوبة مثل الحروف التي يكتبها ~~الآدميون إذ يكون الذين قالوا إنه خلق الحروف أرادوا أنه خلق أصوات العباد ~~فلا ريب أن الله خالق أصوات العباد وأفعالهم لكن هذا لا يقتضي ان حروف ~~القرآن أو مطلق الحروف مخلوقة بل يجب التفريق بين ما هو من صفات الله تعالى ~~وما هو من خصائص المخلوقين # والتأويل من المداد ليس هو الظاهر من الحكاية فإنه قال فجرت الأحرف على ~~لسان آدم ولا هو أيضا بذاك ولكن ذكر أمثاله هذه الحكايات لبيان المعتقدات ~~نوع من ركوب الجهالات والضلالات فإذا تبين أنها لا تصح لا من ناقلها ولا من ~~قائلها وأنها مشتملة على أنواع من الباطل كان بعد ذلك ذكر هذه هذه ~~التأويلات # PageV01P204 # أحسن مما يذكره المحتجون بها من تأويلاتهم لنصوص الكتاب والسنة الصحيحات ~~الصريحات # فتبين بذلك أن اهل السنة في كل مقام أصح نقلا وعقلا من غيرهم لان ذلك من ~~تمام ظهور ما ارسل الله به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ظهوره بالحجة وظهوره بالقدرة # ثم إن هذه الحكاية المعروفة عن السرى لما بلغت الإمام أحمد أنكرها غاية ~~الإنكار حتى ms090 توقف عن مدح السرى مع ما كان يذكر من فضله وورعه ونهى عن أن ~~يذكر عنه مدحه حتى يظهر خطأه في ذلك مع أن السرى اعترف بأنه لم يقلها ذاكرا ~~وإنما قالها آثرا # فذكر الخلال في كتاب السنة ذكر السرى وما أحدث اخبرني أحمد بن محمد عن ~~مطر وزكريا بن يحيى أن ابا طالب حدثهم أنه قال لأبي عبد الله جاءني كتاب من ~~طرسوس أن سريا قال لما خلق الله الحروف سجدت إلا الألف فإنه قال لا أسجد ~~حتى أومر فقال هذا الكفر # قال الخلال فأخبرنا ابو بكر المروذي قال جاءني كتاب من الثغر في أمر رجل ~~تكلم بكلام وعرضته على ابي عبد الله فيه لما خلق الله الحروف سجدت إلا ~~الألف فغضب أبو عبد الله غضبا شديدا حتى # PageV01P205 # قال هذا كلام الزنادقة ويله هذا جهمي وكان في الكتاب الذي كتب به أن هذا ~~الرجل قال لو أن غلاما من غلمان حارث يعني المحاسبي لخبر أهل طرطوس فقال ~~أبو عبد الله أشد ما ها هنا قوله لو أن غلاما من غلمان حارث لخبر أهل طرطوس ~~ما البلية إلا حارث حذروا عنه أشد التحذير # قال أبو بكر المروذي جاءني حسن بن البزاز برقعة فيها كلام هذا الرجل بخطه ~~قال إن هذا خطه فيها مكتوب إني إنما حكيت عن غيري فلما قرأتها قلت لحسن قد ~~أقر قال إني أقر قلت فقوله حكيت عن غيري قلت لأبي عبد الله بأي شئ ترى قال ~~دعه حتى يقر وبلغ أبا عبد الله عن حسن أنه قال بعد مجيئه إلى أبي عبد الله ~~بالرقعة ليس له عند ابي عبد الله إلا خيرا فقال اذهب إليه فقل له قد علمت ~~ما في قلبي حتى على مثل هذا قل له لا تحك عني شيئا مرة فلقيت حسنا فقال ليس ~~أحكى عنه شيئا # ثم أيضا قول القائل لما خلق الله الأحرف جعلها سرا له فلما خلق آدم عليه ~~السلام بث ذلك السر فيه ولم يبث ذلك السر في أحد ms091 من ملائكته فساده ظاهر من ~~وجوه # أحدها أن فيه أنه خلق الحروف قبل خلق آدم وهذا لم يقله أحد من المسلمين ~~فإن الذين يقولون بخلقها يقولون إنما يخلقها إذا اراد إنزال كلامه على ~~رسوله فيخلق حروفا في الهواء يسمعها جبريل # PageV01P206 # أو غيره ينزل بها ويفهمه المعنى الذي أراده بتلك الحروف فيكون جبريل أول ~~من تكلم بتلك الحروف وعبر بها عن مراد الله وهو المعنى القائم بنفسه كما ~~يعبر عن الأخرس من فهم معناه بإشارته فأما أن يقال خلقت الحروف قبل خلق آدم ~~عليه السلام ولم تخاطب بها الملائكة فهذا لم يقله أحد # الثاني أنه جعل الحروف لآدم دون الملائكة ومن المعلوم أن الذي نزل ~~بالقرآن وغيره من كلام الله هم الملائكة وهم تلقوا الحروف عن الله قبل أن ~~يتلقاها الأنبياء فكيف يسلبون ذلك # الثالث أن قوله جعلها سرا له كلام لا حاصل له لأن السر ما أسره الله ~~فأخفاه عن عباده أو بعضهم أو ما تضمن ما أسره وهذه الحروف أظهر شئ لبني ادم ~~حتى أن النطق بها أظهر صفاته # وكذلك قال الله تعالى فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ~~[سورة الذاريات 23] # وإن قيل إن الحروف تتضمن من المعاني ما أسره الله فلا ريب أنها تتضمن كل ~~ما يعبر عنه من المعاني سرها وجهرها فالاختصاص للسر بها # قال أبو القاسم قال سهل بن عبد الله إن الحروف لسان # PageV01P207 # فعل لا لسان ذات لانها فعل في مفعول قال وهذا أيضا صربح لأن الحروف ~~مخلوقة # قلت هذا الكلام ليس له إسناد عن سهل وكلام سهل بن عبد الله وأصحابه في ~~السنة والصفات والقرآن اشهر من ان يذكر هنا وسهل من اعظم الناس قولا بأن ~~القرآن كله حروف ومعانيه غير مخلوقة بل صاحبه أبو الحسن بن سالم أخبر الناس ~~بقوله قد عرف قوله وقول أصحابه في ذلك وقد ذكر أبو بكر بن اسحاق الكلاباذي ~~في التعرف في مذاهب التصوف عن الحارث المحاسبي وأبي الحسن بن سالم أنهما ~~كانا يقولان إن ms092 الله يتكلم بصوت ومذهب السالمية أصحاب سهل ظاهر في ذلك فلا ~~يترك هذا الأمر المشهور المعروف الظاهر لحكاية مرسلة لا إسناد لها # ثم هذا الكلام في ظاهره من قلة المعرفة ما لا يصلح أن يضاف إلى سهل بن ~~عبد الله لأن قوله لأنها فعل في مفعول إن أراد فعل # PageV01P208 # قائم بذات الله كما يقال تكلم وخلق ورزق عند الجمهور الذين يقولون هذه ~~أمور قائمة بذاته فقوله بعد ذلك في مفعول لا يصلح فإنه فعل قائم بذات الله ~~ليس في مفعول # وإن أراد بها فعل منفصل عن الله فكل متصل عن الله فهو مفعول مثل قول ~~القائل مفعول في مفعول وفعل في فعل وهذا لا يصلح أن يحتج به لأنه متى علم ~~أنها مفعولة وأنها فعل بمعنى مفعول فسواء كانت في نظيرها أو لم تكن هي ~~مخلوقة # وإن قيل إنه أراد فعل في الآدمي الذي هو مفعول # فيقال كلاهما مفعول وأيضا فهذا إنما يدل على أن اصوات العباد ومدادهم ~~مخلوق لا يدل على أن الحروف التي هي من كلام الله مخلوقة # قال أبو القاسم وقال الجنيد في جوابات مسائل الشاميين التوكل عمل القلب ~~والتوحيد قول القلب # قال أبو القاسم وهذا قول أهل الأصول إن الكلام هو المعنى الذي قام بالقلب ~~من معنى الأمر والنهي والخبر والاستخبار # قلت هذه المقالة لما أسند موضعها من كلام أبي القاسم الجنيد لم يكن فيها ~~حجة لمطلوبه فالمذكور عن المشايخ الكبار ليس فيه صحيح صريح المطلوبه الذي ~~يخالف به الأحاديث الصحيحة وإجماع السلف # PageV01P209 # بل إما أن يفقد فيه الوصفان أو احدهما وذلك أن الجنيد رضي الله عنه ذكر ~~أن التوحيد قول القلب فأضاف القول إلى القلب وهذا مما لا نزاع فيه أن القول ~~والحديث ونحوهما مع التقييد يضاف إلى النفس والقلب # كما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله ~~تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل # وقد قال تعالى إن النفس لأمارة بالسوء ms093 [سورة يوسف 53] وقال ابو الدرداء ~~ليحذر أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر وقال الحسن البصري ما زال ~~أهل العلم يوعدون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون القلوب ~~حتى نطقت فإذا لها أسماع وأبصار فنطقت بالعلم وأورثت الحكمة # فوصف القلب والنفس بأنه يقول ويأمر ويتحدث وينطق ونحو ذلك يستعمل مع ~~التقييد بأتفاق المسلمين لكن النزاع في شيئين # PageV01P210 # أحدهما أن الكلام على الإطلاق من غير إضافة إلى نفس وقلب أو نحو ذلك هل ~~هو اسم لمجرد أو لمجرد الحروف أو لمجموع المعاني والحروف # هذا فيه ثلاثة أقوال فالقشيري وطائفة يقولون بالاول وطائفة أخرى من أهل ~~الكلام والفقه والعربية تقول بالثاني وأما سلف الأمة وأئمتها فإنهم يقولون ~~بالوسط وهو الثالث أن الكلام عند الإطلاق يتناول الحروف والمعاني جميعا # وقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ~~ما لم تتلكم أو تعمل به يفرق بين الحديث المقيد بالنفس وبين الكلام المطلق # الثاني أن معنى الكلام الذي تطابقه العبارة هل هو من جنس العلوم ~~والإرادات أم ليس من هذا الأحسن بل هو حقيقة أخرى وهذا فيه نزاع بين ~~الطوائف المنتسبة إلى السنة والتي ليست منتسبة إليها ففي هؤلاء وهؤلاء من ~~يقول بهذا وفي هؤلاء وهؤلاء من يقول بهذا # فتبين أن ما ذكره الجنيد من قول القلب ليس هو قول من يقول إن الكلام هو ~~المعنى القائم بالنفس # وأما قول أبي القاسم إن هذا قول أهل الأصول بالعموم فلا # PageV01P211 # خلاف بين الناس أن أول من أحدث هذا القول في الإسلام أبو محمد عبد الله ~~بن سعيد بن كلاب البصري واتبعه على ذلك أبو الحسن الأشعري ومن نصر طريقتهما ~~وكانا يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة ولكن ~~لتقصيرهما في علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولا فاسدة صار في مواضع من ~~قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة وإن كانا لم يوافقا ~~المعتزلة مطلقا # وهذه المسألة مسالة حد الكلام قد أنكرها عليهما جميع طوائف ms094 المسلمين حتى ~~الفقهاء والأصوليون والمصنفون في اصول الفقه على مذهب أبي حنيفة ومالك ~~والشافعي وأحمد يذكرون الكلام وأنواعه من الأمر والنهي والخبر وما فيه من ~~العام والخاص وأن الصيغة داخلة في مسمى ذلك عند جميع فرق الأمة أصوليها ~~وفقيهها ومحدثها وصوفيها إلا عند هؤلاء فكيف يضاف هذا القول إلى أهل الاصول ~~عموما وإطلاقا # ثم من العجب قول ابي القاسم عن أهل الأصول هو المعنى الذي قام بالقلب من ~~معنى الأمر والنهي والخبر والاستخبار ومعلوم أن الأمر والنهي والخبر ~~والاستخبار أنواع الكلام والجنس ينقسم إلى أنواعه واسمه صادق على كل نوع من ~~الانواع كما إذا قسمنا الحيوان إلى طير ودواب يعمهما ويصدق اسمه على كل ~~منهما فيجب أن يكون حد الكلام واسمه صادقا على أنواعه من الأمر والنهي ~~والخبر # PageV01P212 # والاستخبار فإن كان الكلام ليس إلا مجرد المعنى فهذه الأنواع ليست إلا ~~مجرد معنى فإذا قال إن الكلام هو المعنى الذي قام بالقلب من معنى الأمر ~~والنهي والخبر والاستخبار كان قد جعل المعنى الذي للأمر غير الأمر وهذا ~~يطابق قول اهل الجماعة لا يطابق قوله بل كان حقه أن يقول المعنى الذي قام ~~بالقلب من الأمر والنهي لا من معنى الأمر والنهي لكنه تكلم في الأمر والنهي ~~والخبر والاستخبار # فأما في الكلام فتكلم فيه بما تلقاه عن أولئك المتكلمة الذين أحسنوا في ~~مواضع كثيرة وردوا بها على المعتزلة وغيرهم وأساءوا في مواضع خالفوا بها ~~السنة وإن كانوا متأولين والله يغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات ربنا اغفر ~~لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ~~ربنا إنك رءوف رحيم [سورة الحشر 10] ### | فصل في الحديث الذي في الصحيحين عن جويرية أم المؤمنين لما خرج النبي # ص من عندها ثم رجع إليها فوجدها تسبح بحصى فقال لها ما زلت منذ اليوم ~~قالت نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات ~~لو وزنت بما قلتيهن منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله عدد خلقه سبحان # PageV01P213 # الله زنة عرشه سبحان ms095 الله رضا نفسه سبحان الله مداد كلماته # فيه فوائد ترد على الجهمية والمتفلسفة # منها قوله زنة عرشه وذلك في معرض التعظيم لوزن العرش وأنه أعظم المخلوقات ~~وزنا وذلك يدل على ثقله كما جاءت بعض الأحاديث بثقله خلافا لما يقوله من ~~يقوله المتفلسفة إن الأفلاك وما فوقها ليس بثقيل ولا خفيف بناء على اصطلاح ~~لهم الثقيل ما تحرك إلى السفل والخفيف ما تحرك إلى فوق وإن الأفلاك لا تهبط ~~ولا تصعد وذلك أن الله أمسكها بقدرته كما امسك الارض في مقرها مع العلم بأن ~~مقر الأجسام أمر عدمي ليس فيه ما يوجب اختصاص شئ به دون الآخر # ومنها قوله رضا نفسه فيه إثبات نفسه وإثبات رضاه وأن رضاه ليس هو مجرد ~~إرادته فإنه قد قال عدد خلقه والمخلوق هو الذي أراده وشاءه فلو كان رضاه هو ~~إرادته لكان مراده موجودا فإن مراده قد وجد قبل هذا الكلام فإنه ما شاء ~~الله كان وهذا الكلام # PageV01P214 # يقتضي أن رضى نفسه أعظم من ذلك ومن ذلك أنه جمع بين رضا نفسه ومداد ~~كلماته فأثبت له الرضا والكلام والرضا مستلزم الإرادة وإن لم يكن هو عين ~~الإرادة ففيه إثبات كلامه ورضاه الذي يتضمن محبته ومشيئته # وهاتان الصفتان الصفتان هما اللتان أنكرهما الجعد بن درهم أول الجهمية ~~لما زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا إذ لا محبة له ولا رضا ولم يكلم ~~موسى تكليما وعن ذلك نفت المعتزلة أن يكون له في نفسه إرادة أو كلام ولم ~~يجعلوا ذلك إلا مخلوقا في غيره # وتقرب منهم طائفة من الأشعرية فأثبتت الإرادة ولم يجعلوا المحبة والرضا ~~صفة إلا الإرادة وأثبتت الكلام ولم يجعلوه إلا معنى واحدا قائما بذاته ~~فوافقوا أهل الإثبات في بعض الحق والجهمية في بعض الباطل # ومن ذلك أنه انتقل من صفة المخلوق إلى صفة الخالق فذكر عدد المخلوقات ~~وذكر وزن سقفها وأعظمها كما في الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنها وسط الجنة وأعلى الجنة وسقفها عرش ms096 ~~الرحمن # PageV01P215 ### | فصل يتعلق بالسماع قال أبو القاسم القشيري في باب السماع قال الله # تعالى فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [سورة الزمر 18] # قال أبو القاسم اللام في قوله القول تقتضي التعميم والاستغراق والدليل ~~عليه أنه مدحهم بأتباع الأحسن # قلت وهذا يذكره طائفة منهم أبو عبد الرحمن السلمي وغيره وهو غلط بأتفاق ~~الأمة وأئمتها لوجوه # احدهما أن الله سبحانه وتعالى لا يأمر باستماع كل قول بإجماع المسلمين ~~حتى يقال اللام للاستغراق والعموم بل من القول ما يحرم استماعه ومنه ما ~~يكره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من استمع إلى حديث قوم وهم له ~~كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة # PageV01P216 # وقد قال تعالى وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا ~~في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ~~وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن ذكرى لعلهم يتقون [سورة الأنعام ~~68 69] # فقد أمر سبحانه بالإعراض عن كلام الخائضين في آياته ونهى عن القعود معهم ~~فكيف يكون استماع كل قول محمودا # وقال تعالى وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيا ت الله يكفر بها ~~ويستهزئ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم [سورة ~~النساء 140] # فجعل الله المستمع لهذا الحديث مثل قائله فكيف يمدح كل مستمع كل قول # وقال تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن ~~اللغو معرضون [سورة المؤمنون 1 3] # وقال تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما إلى قوله وإذا مروا باللغو مروا كراما [سورة الفرقان ~~63 72] # وروى أن ابن مسعود سمع صوت لهو فأعرض عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إن كان ابن مسعود لكريما # PageV01P217 # فإذا كان الله تعالى قد مدح وأثنى علي من أعرض عن اللغو ومر به كريما لم ~~يستمعه كيف يكون استماع كل قول مدوحا # وقد قال تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم ms097 إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسئولا [سورة الإسراء 36] فقد أخبر أنه يسأل العبد عن سمعه ~~وبصره وفؤاده ونهاه أن يقول ما ليس له به علم # وإذا كان السمع والبصر والفؤاد كل ذلك منقسم إلى ما يؤمر به وإلى ما ينهى ~~عنه والعبد مسئول عن ذلك كله كيف يجوز أن يقال كل قول في العالم كان فالعبد ~~محمود على استماعه هذا بمنزلة أن يقال كل مرئي في العالم فالعبد ممدوح على ~~النظر إليه # ولهذا دخل الشيطان من هذين البابين على كثير من النساك فتوسعوا في النظر ~~إلى الصور المنهى عن النظر إليها وفي استماع الأقوال والأصوات التي نهوا عن ~~استماعها ولم يكتف الشيطان بذلك حتى زين لهم أن جعلوا ما نهوا عنه عبادة ~~وقربة وطاعة فلم يحرموا ما حرم الله ورسوله ولم يدينوا دين الحق # كما حكى عن أبي سعيد الخراز أنه قال رأيت إبليس في النوم # PageV01P218 # وهو يمر عني ناحية فقلت له تعال مالك فقال بقى لي فيكم لطيفة السماع ~~وصحبة الأحداث # وأصحاب ذلك وإن كان فيهم من ولاية الله وتقواهم ومحبته والقرب إليه ما ~~فاقوا به على من لم يساوهم في مقامهم فليسوا في ذلك بأعظم من أكابر السلف ~~المقتتلين في الفتنة والسلف المستحلين لطائفة من الأشربة المسكرة ~~والمستحلين لربا الفضل والمتعة والمستحلين للحشوش كما قال عبد الله بن ~~المبارك رب رجل في الإسلام له قدم حسن وآثار صالحة كانت منه الهفوة والزلة ~~لا يقتدى به في هفوته وزلته # والغلط يقع تارة في استحلال المحرم بالتأويل وفي ترك الواجب بالتأويل وفي ~~جعل المحرم عبادة بالتأويل كالمقتتلين في الفتنة حيث رأوا ذلك واجبا ~~ومستحبا وكما قال طائفة مثل عبد الله بن داود # PageV01P219 # الحربي وغيره إن شرب النبيذ المختلف فيه أفضل من تركه # فالتأويل يتناول الأصناف الخمسة فيجعل الواجب مستحبا ومباحا ومكروها ~~ومحرما ويجعل المرحم مكروها ومباحا ومستحبا وواجبا وهكذا في سائرها # ومما يعتبر به أن النساك وأهل العبادة والإرادة توسعوا في السمع والبصر ~~وتوسع العلماء وأهل الكلام ms098 والنظر في الكلام والنظر بالقلب حتى صار لهؤلاء ~~الكلام المحدث ولهؤلاء السماع المحدث هؤلاء في الحروف وهؤلاء في الصوت وتجد ~~أهل السماع كثيري الإنكار على أهل الكلام كما صنف الشيخ ابو عبد الرحمن ~~السلمي مصنفا في ذم الكلام وأهله وهما من أئمة أهل السماع ونجد أهل العلم ~~والكلام مبالغين في ذم أهل السماع كما نجده في كلام أبي بكر بن فورك وكلام ~~المتكلمين في ذم السماع وأهله والصوفية ما لا يحصى كثرة # وذلك أن هؤلاء فيهم انحراف يشبه انحراف اليهود أهل العلم # PageV01P220 # والكلام وهؤلاء فيهم انحراف يشبه انحراف النصارى أهل العبادة والإرادة # وقد قال الله في الطائفتين وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شئ وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل ~~قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون [سورة البقرة ~~113] # ولهذا تجد تنافرا بين الفقهاء والصوفية وبين العلماء والفقراء إمن هذا ~~الوجه # والصواب أن يحمد من حال كل قوم ما حمده الله ورسوله كما جاء به الكتاب ~~والسنة ويذم من حال كل قوم ما ذمه الله ورسوله كما جاء به الكتاب والسنة ~~ويجتهد المسلم في تحقيق قوله اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين [سورة الفاتحة 6 7] قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون وقد تكلمنا على بعض ما يتعلق # PageV01P221 # بهذه الأمور في غير هذا الموضع في مواضع # الوجه الثاني أن المراد بالقول في هذا الموضع القرآن كما جاء ذلك في قوله ~~ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون [سورة القصص 51] فإن القول الذي أمروا ~~بتدبره هو الذي أمروا بأستماعه والتدبر بالنظر والاستدلال والاعتبار ~~والاستماع فمن أمرنا بأستماع كل قول أو بأستماع القول الذي لم يشرع استماعه ~~فهو بمنزلة من أمر بتدبر كل قول والنظر فيه أو بالتدبر للكلام الذي لم يشرع ~~تدبره والنظر فيه فالمنحرفون في النظر والاستدلال بمثل هذه الأقوال من أهل ~~الكلام المبتدع # وذلك أن اللام في لغة العرب ms099 هي للتعريف فتنصرف إلى المعروف عند المتكلم ~~والمخاطب وهي تعم جميع المعروف فاللام في القول تقتضي التعميم والاستغراق ~~لكن عموم ما عرفته وهو القول المعهود المعروف بين المخاطب والمخاطب ومعلوم ~~ان ذلك هو القول الذي أثنى الله عليه وأمرنا بأستماعه والتدبر له واتباعه ~~فإنه قال في أول هذه السورة تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا أنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق فأعبد الله مخلصا له الدين الا لله الدين # PageV01P222 # الخالص [سورة الزمر 1 3] فذكر في السورة كلامه ودينه الكلم الطيب والعمل ~~الصالح # وخير الكلام كلام الله وأصل العمل الصالح عبادة الله وحده لا شريك له كما ~~في قوله قل الله أعبد مخلصا له ديني فأعبدوا ما شئتم من دونه قل إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران ~~المبين إلى قوله والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوا وأنابوا إلى الله لهم ~~البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم ~~الله وأولئك هم اولو الألباب [سورة الزمر 14 18] # ثم قال بعد ذلك {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله} [سورة الزمر 22 23] # فأثنى على أهل السماع والوجد للحديث الذي نزله وهو أحسن الحديث ولم يثن ~~على مطلق الحديث ومستمعه بل تضمن السياق الثناء على أهل ذكره والاستماع ~~لحديثه كما جمع بينهما في قوله {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله وما نزل من الحق} [سورة الحديد 16] وفي قوله {إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله} # PageV01P223 # {وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} [سورة الأنفال 2] # وقال تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون واذكر ربك ~~في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول} [سورة الأعراف 204 205] # ثم قال بعد ذلك {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم ms100 يتذكرون ~~قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون} [سورة الزمر 27 28] فذكر القرآن وبين ~~أنه قدر فيه من جميع المقاييس والأمثال المضروبة لأجل التذكير فدعى هنا إلى ~~التذكير والاعتبار بما فيه من الأمثال وذلك يتضمن النظر والاستدلال والكلام ~~المشروع كما أنه في الآية الأولى أثنى على أهل السماع له والوجد وذلك يتضمن ~~السماع والوجد المشروع # ثم قال بعد ذلك فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه ~~أليس في جهنم مثوى للمتكبرين والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ~~[سورة الزمر 32 33] # ذكر البخاري في صحيحه تفسير مجاهد وهو أصح تفسير التابعين قال والذي جاء ~~بالصدق القرآن وصدق به المؤمن # PageV01P224 # يجئ يوم القيامة يقول هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه فذكر الصدق والمصدق ~~به مثنيا عليه وذكر الكاذب والمكذب للحق وهما نوعان من القول ملعونان هما ~~وأهلها فكيف يكون مثنيا على من استمعها # ولا ريب أن البدعة الكلامية والسماعية المخالفة للكتاب والسنة تتضمن ~~الكذب على الله والتكذيب بالحق كالجهمية الذين يصفون الله بخلاف ماوصف به ~~نفسه فيفترون عليه الكذب أو يروون في ذلك آثار مضافة إلى الله أو يضربون ~~مقاييس ويسندونها إلى العلوم الضرورية والمعقول الصحيح الذي هو حق من الله ~~وكل ذلك كذب ويكذبون بالحق لما جاءه وهو ما ورد به الكتاب والسنة من الخبر ~~بالحق والأمثال المضروبة له وكذلك كثير من الأشعارالتي يسمعها اهل السماع ~~قد يتضمن من الكذب على الله والتكذيب بالحق أنواعا # ونفس الانتصار لما خالف الشريعة من السماع وغيره يتضمن الكذب على الله ~~مثل أن يقول القائل إن الله أراد بقوله {الذين يستمعون القول} [سورة الزمر ~~18] مستمع كل قول في العالم فهذا كذب على الله وإن كان قائله منا ولأنهم ~~يكذبون بالحق المخالف لأهوائهم # PageV01P225 # ثم قال تعالى بعد ذلك إنا أنزلنا عليك الكتاب بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ~~ضل فإنما يضل عليها وما انت عليهم بوكيل [سورة الزمر 41] فأخبر أنه أنزل ~~القول الذي هو الكتاب بالحق وإن المهتدى لنفسه هداه ms101 وضلاله على نفسه ~~والرسول ليس بوكيل عليهم يحصى أعمالهم ويجزيهم عليها بل إلى الله إيابهم ~~وعلى الله حسابهم # ثم قال يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ولا تقنطوا من رحمة الله إلى ~~قوله {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} [سورة الزمر 53 55] وهذا الأحسن ~~هنا هو الأحسن الذي في قوله {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [سورة ~~الزمر 18] وفي قوله لموسى عن التوراة {فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا ~~بأحسنها} [سورة الأعراف 145] كما سنذكره إن شاء الله # ثم قال وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت ابوابها وقال ~~لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا قالوا بلا إلى قوله {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا} إلى قوله ~~{وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ~~فنعم أجر العاملين} [سورة الزمر 71 74] مع قوله وجئ بالنبيين والشهداء ~~[سورة الزمر 69] # PageV01P226 # فجعل الفرقان بين أهل الجنة والنار هؤلاء الآيات التي تلتها الرسل عليهم ~~فمن استمعها واتبعها كان من المؤمنين أهل الجنة ومن أعرض عنها كان من ~~الكافرين أهل النار # والكتاب هو الذي جعله الله حاكما بين الناس كما قال {وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [سورة البقرة 213] # فهذا كله إذا تدبره المؤمن علم علما يقينا أن الكتاب والقول والحديث ~~وآيات الله كل ذلك واحد والمحمودون الذين أثنى الله عليهم هم المتبعون لذلك ~~استماعا وتدبرا وإيمانا وعملا أما مدح الاستماع لكل قول فهذا لا يقصده عاقل ~~فضلا عن ان يفسر به كلام الله وهذا يتوكد بالوجه الثالث # وهو ان الله في كتابه إنما حمد استماع القرآن وذم المعرضين عن استماعه ~~وجعلهم أهل الكفر والجهل الصم البكم فأما مدحه لاستماع كل قول فهذا شئ لم ~~يذكره الله قط كما قال تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ~~ترحمون} [سورة الأعراف 204] # وقال تعالى {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم ms102 إيمانا} [سورة الأنفال 2] # وقال تعالى {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية} # PageV01P227 # {آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا ~~إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} [سورة مريم 58] # وقال تعالى {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق} [سورة المائدة 83] # وقال تعالى {الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان ~~سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ~~ويزيدهم خشوعا} [سورة الإسراء 107 109] # وقال الله تعالى في ذم المعرضين عنه {إن شر الدواب عند الله الصم البكم ~~الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون} [سورة الأنفال 22 23] # وقال تعالى {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ~~صم بكم عمي فهم لا يعقلون} [سورة البقرة 171] # وقال تعالى والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ~~[سورة الفرقان 73] # وفال تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون سورة فصلت 26 # وقال تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر # PageV01P228 # مستفرة فرت من قسورة [سورة المدثر 49 51] # وقال تعالى أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون [سورة ~~النجم 59 61] قال غير واحد من السلف هو الغناء فقال اسمد لنا أي عن لنا فذم ~~المعرض عما يجب من استماع المشتغل عنه باستماع الغناء كما هو فعل كثير من ~~الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وحال كثير من المتنسكة في اعتياضهم ~~بسماع المكاء والتصدية عن سماع قول الله تعالى # ومثل هذا قوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ~~بغير علم ويتخذها هزوا [سورة لقمان 6] # وقال تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ثم قال وعلى أبصارهم غشاوة [سورة البقرة 6 ~~7] # وقال تعالى وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ms103 وفي آذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون [سورة فصلت 5] # PageV01P229 # وقال تعالى ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا ~~العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ~~[سورة محمد 16] # وقال ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون [سورة ~~يونس 42] # وقال ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون [سورة ~~يونس 43] # وقال تعالى ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا [سورة الأنعام 25] # الوجه الرابع أنهم لا يستحسنون استماع كل قول منظوم ومنثور بل هم من أعظم ~~الناس كراهة ونفرة لما لا يحبونه من الأقوال منظومها ومنثورها ونفورهم عن ~~كثير من الأقوال أعظم من نفور المنازع لهم في سماع المكاء والتصدية عن هذا ~~السماع وإذا لم يكن العموم مرادا بالاتفاق كان حمل الآية عليه باطلا # الوجه الخامس أنه قال فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه سورة ~~الزمر 17 18] فمدحهم بأستماع القول واتباع أحسنه # ومعلوم أن كثيرا من القول ليس فيه حسن فضلا عن ان يكون فيه أحسن بل فيه ~~كما قال الله تعالى ومثل كلمة خبيثة # PageV01P230 # كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار [سورة إبراهيم 26] # وقال تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أوكذب بالحق لما جاءوه ~~[سورة العنكبوت 68] # وقال وكذلك نجزي المفترين [سورة الاعراف 152] # وقال ولا يغتب بعضكم بعبضا [سورة الحجرات 12] # وقال تعالى ولا تنابزوا بالألقاب [سورة الحجرات 11] # وقال إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول [سورة ~~المجادلة 9] # وقال تعالى ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي ~~تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ~~[سورة النساء 81] # وهو قد استدل بقوله فيتبعون أحسنه [سورة الزمر 18] على العموم وهو حجة ~~على صدق ذلك كما تقدم # وقوله فيتبعون أحسنه كقوله في هذه السورة واتبعوا أحسن ما انزل إليكم من ~~ربكم [سورة الزمر 55] فهذه الكلمة ms104 مثل هذه الكلمة سواء بسواء # وهذا من معاني تشابه القرآن كما قال تعالى الله نزل أحسن # PageV01P231 # الحديث كتابا متشابها مثانى [سورة الزمر 23] فأتباع أحسن ما أنزل إلينا ~~من ربنا هو اتباع أحسن القول # وبهذا أمر بني إسرائيل حيث قال وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة ~~وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها [سورة الأعراف 145] # ثم قال ابو القاسم وقال تعالى فهم في روضة يحبرون [سورة الروم 15] جاء في ~~التفسير أنه السماع # قلت فهذا قد ورد عن طائفة من السلف أنه السماع الحسن في الجنة وان الحور ~~العين يغنين بأصوات لم يسمع الخلائق بأحسن منها لكن تنعيم الله تعالى ~~لعباده بالأصوات الحسنة في الجنة واستماعها لا يقتضي أنه يشرع أو يبيح سماع ~~كل صوت في الدنيا فقد وعد في الآخرة بأشياء حرمها في الدنيا كالخمر والحرير ~~واواني الذهب والفضة # بل قال ص من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة وقال من لبس الحرير ~~في الدنيا لم يلبسه في # PageV01P232 # الآخرة وقال لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها ~~لهم في الدنيا ولكم في الآخرة # وهذه الأحاديث من الصحاح المشاهير المجمع على صحتها فقد أخبر أنه من ~~استعمل هذه الامور في الدنيا من المطعوم والملبوس وغيرها لم يستعلمه في ~~الآخرة # فلو قيل له هذا السماع الحسن الموعود به في الجنة هو لمن نزه مسامعه في ~~الدنيا عن سماع الملاهي لكان هذا أشبه بالحق والسنة وقد ورد به الأثر يقول ~~الله يوم القيامة أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير ~~الشياطين أدخلوهم وأسمعوهم تحميدي وتمجيدي والثناء على وأخبروهم أنهم لا ~~خوف عليهم ولاهم يحزنون # PageV01P233 # ثم قال أبو القاسم واعلم أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة والنغم ~~المستلذة إذا لم يعتقد المستمع محظورا ولم يسمع على مذموم في الشرع ولم ~~ينجر في زمان هواه ولم ينخرط في سلك لهوه مباحا في الجملة ولا خلاف أن ~~الأشعار أنشدت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ms105 وأنه سمعها ولم ينكر عليهم ~~في إنشادها فإذا جاز سماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع ~~بالألحان هذا ظاهر من الأمر ثم ما يوجب للمستمع توفر الرغبة على الطاعات ~~وتذكر ما أعد الله لعباده المتقين من الدرجات ويحمله على التحرز من الزلات ~~ويؤدي إلى قلبه في الحال صفاء الواردات مستحب في الدين ومختار في الشرع # قال وقد جرى على لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو قريب من الشعر وإن ~~لم يقصد أن يكون شعرا وذكر الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك قال كانت ~~الأنصار يحفرون الخندق # PageV01P234 # فجعلوا يقولون # ... نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا ... # فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ... اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ~~فأكرم الأنصار والمهاجرة ... # وقال ليس هذا اللفظ منه ص على وزن الشعر # قلت تضمن هذا الكلام شيئين # أحدهما إباحة سماع الألحان والنغمات المستلذة بشرط ألا يعتقد المستمع ~~محظورا وألا يسمع مذموما في الشرع وألا يتبع منه هواه # والثاني أنما أوجد للمستمع الرغبة في الطاعات والاحتراز من # PageV01P235 # الذنوب وتذكر وعد الحق ووصول الأحوال الحسنة إلى قلبه فهو مستحب # وعلى هاتين المقدمتين بني من قال بأستحباب ذلك مثل أبي عبد الرحمن السلمى ~~وأبي حامد وغيرهما وفي هؤلاء من قد يوجبه أحيانا إذا رأوا أنه لا يؤدي ~~الواجب إلا به # وكذلك يفضلونه على سماع القرآن إذا رأوا أن ما يحصل بسماع الألحان أكثر ~~مما يحصل بسماع القرآن وهم في ذلك يضاهون لمن يوجب من الكلام المحدث ما ~~يوجبه ولمن يفضل ما فيه من العلم على ما يستفاد من القرآن والحديث # لكن في أولئك من يرى الإيمان لا يتم إلا بما ابتدعوه من الكلام وفيهم من ~~يفكى بمخالفته او يفسق # وأهل السماع أيضا فيهم من يرى الإيمان لا يتم إلا به وفيهم من يقول في ~~منكره الأقوال العظيمة وقد يكون يسعى في قتل منكره لكن جنسهم كان خيرا من ~~جنس المتكلمة مما فعلوا غير ذلك # PageV01P236 # من الذنوب كما يستحبون ms106 علم الكلام ويوجبونه ويذمون تاركه ويسبونه ~~ويعاملونه من العداوة بما يعامل به الكافر وبإزاء استحباب هؤلاء أو ايجابهم ~~أن قوما من أهل العلم يكفرونهم بأستحباب ذلك أو إيجابه ولهذا تجد في ~~المستحبين له وفي المنكرين له من الغلو ما اوجب الافتراق والعداوة والبغضاء ~~وأصل ذلك ترك الفريقين جميعا لما شرعه الله من السماع الشرعي الذي يحبه ~~الله ورسوله وعباده المؤمنون # وهاتان المقدمتان كلاهما غلط مشتمل على دليل مجمل من جنس استدلالهم بما ~~ظنوه من العموم في قوله الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [سورة الزمر 18] ~~وبما وعد الله به في الآخرة من السماع الحسن # ولهذا نشأ من هاتين المقدمتين اللتين لبس فيهما الحق بالباطل قول لم يذهب ~~إليه أحد من سلف الأمة ولا أئمتها فإنه وإن نقل عن بعض أهل المدينة وغيرهم ~~أنه سمع الغناء فلم يقل أحد منهم أنه مستحب في الدين ومختار في الشرع اصلا ~~بل كان فاعل ذلك منهم يرى مع ذلك كراهته وأن تركه أفضل أو يرى أنه من ~~الذنوب وغايته أن يطلب سلامته من الإثم او يراه مباحا كألتوسع في لذات ~~المطاعم والمشارب والملابس والمساكن فأما رجاء الثواب بفعله والتقرب إلى ~~الله فهذا لا # PageV01P237 # يحفظ عن أحد من سلف الأمة وأئمتها بل المحفوظ عنهم أنهم رأوا هذا من ~~ابتداع الزنادقة كما قال الحسن بن عبد العزيز الجروي سمعت الشافعي يقول ~~خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن # والتغبير هو الضرب بالقضيب غبر أي أثار غبارا وهو آلة من الآلات التي ~~تقرن بتلحين الغناء # والشافعي بكمال علمه وإيمانه علم ان هذا مما يصد القلوب عن القرآن ~~ويعوضها به عنه كما قد وقع أن هذا إنما يقصده زندبق منافق من منافقة ~~المشركين أو الصابئين وأهل الكتاب فإنهم هم الذين أمروا بهذا في الأصل كما ~~قال ابن الرواندي اختلف الفقهاء في # PageV01P238 # السماع فقال بعضهم هو مباح وقال بعضهم هو محرم وعندي أنه واجب وهذا مما ~~اعتضد به أبو عبد الرحمن في مسألة السماع وهذا ms107 متهم بالزندقة # وكذلك ابن سينا في إشاراته أمر بسماع الألحان وبعشق الصور وجعل ذلك مما ~~يزكي النفوس ويهذبها ويصفيها وهو من # PageV01P239 # الصابئة الذين خلطوا بها من الحنيفة ما خلطوا وقبله الفارابي كان إماما ~~في صناعة التصويت موسيقيا عظيما # فهذا كله يحقق قول الشافعي رضي الله عنه ونحن نتكلم على المقدمتين إن شاء ~~الله بكلام يناسب ما كتبته هنا # فأما احتجاجه بأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع ما أنشد بين يديه من ~~الأشعار ولم ينكره وأنه قال ما يشبه الشعر فيقال بل الشعر أعظم مما وصفته ~~فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن من الشعر حكمة # PageV01P240 # وقال جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم # وكان ينصب لحسان منبرا لينشد الشعر الذي يهجو فيه المشركين وقال اللهم ~~أيده بروح القدس وقال ص له إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه # وقال عن عبد الله بن رواحة إن أخا لكم لا يقول الرفث # PageV01P241 # وقد استنشد الشريد بن سويد الثقفي مائة قافية من شعر أمية بن أبي الصلت ~~وهو يقول هيه هيه # وسمع قصيدة كعب بن زهير وهذا باب واسع # وقد قال الله تعالى في كتابه بعد ان قال والشعراء يتبعهم الغاوون [سورة ~~الشعراء 224] ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا ~~وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [سورة الشعراء 225 227] فلم يذم الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا من الشعراء المنتصرين من بعد ما ~~ظلموا # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا # PageV01P242 # حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا فذم الممتلئ بالشعر الذي لم يستعمل بما ~~يوجب الإيمان والعمل الصالح وذكر الله كثيرا ولم يذم الشعر مطلقا بل قد ~~يبين معنى الحديث ما قاله الشافعي الشعر كلام فحسنه كحسن الكلام وقبيحه ~~كقبيحه هذا قوله في الشعر مع قوله في التغبير # ليبين أن إباحة ms108 أحدهما غير مستلزمة الآخر # وأما قوله فإذا جاز سماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن تسمع ~~بالألحان الطيبة هذا ظاهر من الأمر فإن هذه حجة فاسدة جدا والظاهر إنما هو ~~عكس ذلك فإن نفس سماع الالحان مجردا عن كلام يحتاج إلى ان تكون مباحة مع ~~انفرادها وهذا من أكبر مواقع النزاع فإن أكثر المسلمين على خلاف ذلك ولو ~~كان كل من الشعر أو التلحين مباحا على الانفراد لم يلزم الإباحة عند ~~الاجتماع إلا بدليل خاص فإن التركيب له خاصة يتعين الحكم بها # PageV01P243 # وهذه الحجة بمنزلة حجة من قال إن خبر الواحد إذا لم يفد العلم عند ~~انفراده لم يفد العلم مع نظائره ومع القرائن فجحد العلم الحاصل بالتواتر # وبمنزلة ما يذكر عن إياس بن معاوية أن رجلا قال له ما تقول في الماء قال ~~حلال قال والتمر قال حلال قال فالنبيذ قال ماء وتمر # فقال له إياس بن معاوية أرأيت لو ضربتك بكف من تراب أكنت أقتلك قال لا ~~قال فإن ضربتك بكف من تبن أكنت أقتلك قال لا قال فإن ضربتك بماء أكنت أقتلك ~~قال لا قال فإن أخذت الماء والتبن والتراب فجعلتهما طينا وتركته حتى جف ~~وضربتك به أقتلك قال نعم فقال كذلك النبيذ يقول إن القاتل هو القوة الحاصلة ~~بالتركيب والمفسد للعقل هو القوة المسكرة الحاصلة بالتركيب # وكذلك هنا الذي يسكر النفوس ويلهيها ويصدها عن ذكر الله وعن الصلاة قد ~~يكون في التركيب وليست الأصوات المجتمعة في استفزارها للنفوس وإزعاجها إما ~~بنياحة وتحزين وإما بإطراب وإسكار وإما بإغضاب وحمية بمنزلة الصوت الواحد # وهذا القرآن الذي هو كلام الله وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~تحسين الصوت به وقال زينوا القرآن بأصواتكم # PageV01P244 # وقال لأبي موسى لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك فقال ~~لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا # وكان عمر يقول يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون # PageV01P245 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشئ ms109 كأذنه لنبي حسن الصوت ~~يتغنى بالقرآن ويجهر به # وقال لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى ~~قينته # ومع هذا فلا يسوغ أن يقرأ القرآن بألحان الغناء ولا أن يقرن به من ~~الألحان ما يقرن بالغناء من الآلات وغيرها لا عند من يقول بإباحة ذلك ولا ~~عند من يحرمه بل المسلمون متفقون على الإنكار لأن يقرن بتحسين الصوت ~~بالقرآن الآلات المطربة بالفم كالمزامير وباليد كالغرابيل # فلو قال قائل النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ القرآن وقد استقرأه من ابن ~~مسعود وقد استمع لقراءة أبي موسى وقال لقد أوتى مزمارا من مزامير داود فإذا ~~قال قائل إذا جاز ذلك بغير هذه الألحان فلا # PageV01P246 # بتغير الحكم بأن يسمع بالألحان كان هذا منكرا من القول وزورا بأفاق الناس # وأما المقدمة الثانية وهي قوله بعد أن أثبت الإباحة إن ما أوجب للمستمع ~~أن يوفر الرغبة على الطاعات ويذكر ما أعد الله لعباده المتقين من الدرجات ~~ويحمله على التحرز من الزلات ويؤدي إلى قلبه في الحال صفاء الواردات مستحب ~~في الدين ومختار في الشرع فنقول تحقيق هذه المقدمة أن الله سبحانه يحب ~~الرغبة فيما أمر به والحذر مما نهى عنه ويحب الإيمان بوعده ووعيده وتذكر ~~ذلك وما يوجبه من خشيته ورجائه ومحبته والإنابة إليه ويحب الذين يحبونه فهو ~~يحب الإيمان أصوله وفروعه والمؤمنين والسماع يحصل المحبوب وما حصل المحبوب ~~فهو محبوب فالسماع محبوب # وهذه المقدمة مبناها على أصلين أحدهما معرفة ما يحبه الله # والثاني أن السماع يحصل محبوب الله خالصا أو راجحا # فإنه إذا حصل محبوبه ومكروهه والمكروه أغلب كان مذموما وإن تكافأ فيه ~~المحبوب والمكروه لم يكن ولا مكروها # PageV01P247 # أما الأصل الأول وهو معرفة ما يحبه الله فهي أسهل وإن كان غلط في كثير ~~منها كثير من الناس # وأما الأصل الثاني وهو ان السماع المحدث يحصل هذه المحبوبات فالشأن فيها ~~ففيها زل من زل وضل من ضل ولا حول ولا قوة إلا بالله # ونحن نتكلم على ذلك بوجوه نبين ms110 بها إن شاء الله المقصود # الوجه الأول أن نقول يجب أن يعرف أن المرجع في القرب والطاعات والديانات ~~والمستحبات إلى الشريعة ليس لأحد أن يبتدع دينا لم يأذن الله به ويقول هذا ~~يحبه الله بل بهذه الطريق بدل دين الله وشرائعه وابتدع الشرك وما لم ينزل ~~الله به سلطانا # وكل ما في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة وأئمة الدين ومشايخه من الحض ~~على اتباع ما أنزل إلينا من ربنا واتباع صراطه المستقيم واتباع الكتاب ~~واتباع الشريعة والنهي عن ضد ذلك فكله نهى عن هذا وهو ابتداع دين لم يأذن ~~الله به سواء كان الدين فيه عبادة غير الله وعبادة الله بما لم يأمر به بل ~~دين الحق أن نعبد الله وحده لا شريك له بما أمرنا به على ألسنة رسله كما ~~قال الفضيل بن عياض في قوله ليبلوكم أيكم أحسن عملا [سورة الملك 2] قال ~~أخلصه وأصوبه قيل يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه فقال إن العمل # PageV01P248 # إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم ~~يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على ألسنة # وكلام المشايخ الذين ذكرهم أبو القاسم في هذا الأصل كثير مثل ما ذكره عن ~~الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال ربما يقع النكتة في قلبي من نكت القوم ~~أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة # وعن صاحبه أحمد بن أبي الحواري أنه قال من عمل بلا أتباع سنة فباطل عمله # وعن سهل بن عبد الله التستري أنه قال كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء ~~طاعة كان أو معصية فهو عيش النفس وكل فعل يقفعله بالاقتداء فهو عذاب على ~~النفس وعن أبي حفص النيسابوري أنه قال من لم يزن أفعاله وأحواله كل وقت ~~بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال # وعن الجنيد بن محمد أنه قال الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى ~~أثر الرسول صلى الله عليه وسلم # وعن ms111 الجنيد أيضا أنه قال من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به ~~في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة وعن أبي # PageV01P249 # عثمان النيسابوري أنه قال من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ~~ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة قال الله تعالى وإن تطيعوا تهتدوا ~~[سورة النور 54] # وعن أبي حمزة البغدادي قال من علم طريق الحق تعالى سهل عليه سلوكه ولا ~~دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول في أحواله وأقواله وأفعاله # وعن ابي عمرو بن نجيد قال كل حال لا يكون نتيجة علم فإن ضرره أكثر على ~~صاحبه من نفعه وسئل عن التصوف فقال الصبر تحت الأمر والنهى # وعن أبي يعقوب النهرجورى قال أفضل الأحوال ما قارن العلم ومثل هذا كثير ~~في كلام أئمة المشايخ وهم إنما وصوا بذلك لما يعلمونه من حال كثير من ~~السالكين أنه يجري مع ذوقه ووجده وما يراه ويهواه غير متبع لسبيل الله التي ~~بعث بها وهذا نوع الهوى بغير هدى من الله # والسماع المحدث يحرك الهوى ولهذا كان بعض المشايخ المصنفين في ذمه سمى ~~كتابه الدليل الواضح في النهى عن ارتكاب الهوى الفاضح ولهذا كثيرا ما يوجد ~~في كلام المشايخ الأمر بمتابعة العلم يعنون بذلك # PageV01P250 # الشريعة كقول أبي يزيد البسطامي رحمه الله عملت في المجاهدة ثلاثين سنة ~~فما وجدت شيئا أشد علي من العلم ومتابعته ولولا اختلاف العلماء لتفتت ~~واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد # وقال أبو الحسين النوري من رأيته يدعى مع الله حالة تخرجه عن حد العلم ~~الشرعي فلا تقربن منه # وقال أبو عثمان النيسابوري الصحبة مع الله بحسن الأدب ودوام الهيبة ~~والمراقبة والصحبة مع الرسول صلى الله عليه وسلم بأتباع سنته ولزوم ظاهر ~~العلم والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والخدمة والصحبة مع الأهل بحسن ~~الخلق والصحبة مع الإخوان بدوام البشر ما لم يكن إثما والصحبة مع الجهالة ~~بالدعاء لهم والرحمة عليهم # وذلك لأنه لما كان أصل الطريق هو الإرادة والقصد والعمل في ms112 ذلك فيه من ~~الحب والوجد ما لا ينضبط فكثير ما يعمل السالك بمقتضى ما يجده في قلبه من ~~المحبة وما يدركه ويذوقه من طعم العبادة وهذا إذا لم يكن موافقا لأمر الله ~~ورسوله وإلا كان صاحبه في ضلال من جنس ضلال المشركين وأهل الكتاب الذين ~~اتبعوا أهوائهم بغير هدى من الله # PageV01P251 # قال الله تعالى أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا [سورة ~~الفرقان 43] # وقال تعالى فإن لم يستجيبوا لك فأعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن ~~اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين [سورة القصص ~~50] # وقال تعالى وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ~~[سورة الأنعام 119] # وقال تعالى ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من ~~الله من ولى ولا نصير [سورة البقرة 120] # وقال تعالى {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} [سورة ~~المائدة 77] # وكثيرا ما يبتلى من أهل السماع بشعبة من حال النصارى من الغلو في الدين ~~واتباع أهواء قوم قد ضلوا من قبل وإن كان فيهم من فيه فضل وصلاح فهم فيما ~~ابتدعوه من ذلك ضالون عن سبيل الله يحسبون أن هذه البدعة تهديهم إلى محبة ~~الله وإنها لتصدهم عن سبيل الله فإنهم عشوا عن ذكر الله الذي هو كتابه عن ~~استماعه وتدبره واتباعه # PageV01P252 # وقد قال تعالى {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون} [سورة الزخرف 36 39] # وقد قال تعالى {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله ms113 شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء ~~بعض والله ولي المتقين} [سورة الجاثية 18 19] فالشريعة التي جعله عليها ~~تتضمن ما أمر به وكل حب وذوق ووجد لا تشهد له هذه الشريعة فهو من أهواء ~~الذين لا يعلمون فإن العلم بما يحبه الله إنما هو ما أنزله الله إلى عباده ~~من هداه # ولهذا قال في إحدى الآيتين {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم} [سورة ~~الأنعام 119] وقال في الآية الأخرى {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} [سورة القصص 50] # فكل من اتبع ذوقا أو وجدا بغير هدى من الله سواء كان ذلك عن حب أو بغض ~~فليس لأحد أن يتبع ما يحبه فيأمر به ويتخذه دينا وينهى عما يبغضه ويذمه ~~ويتخذ ذلك دينا إلا بهدى من الله وهو شريعة الله التي جعل عليها رسوله ومن ~~اتبع ما يهواه حبا وبغضا بغير الشريعة فقد اتبع هواه بغير هدى من الله # PageV01P253 # ولهذا كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شئ من الدين من أهل ~~الأهواء ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء ويذمونهم بذلك ويأمرون بألا يغتر ~~بهم ولو أظهروا ما أظهروه من العلم والكلام والحجاج أو العبادة والأحوال ~~مثل المكاشفات وخرق العادات كقول يونس بن عبد الأعلى قلت للشافعي تدري يا ~~أبا عبد الله ما كان يقول فيه صاحبنا أريد الليث بن سعد وغيره كان يقول لو ~~رأيته يمشي على الماء لا تثق به ولا تعبأ به ولا تكلمه قال الشافعي فإنه ~~والله ما قصر # وعن عاصم قال قال أبو العالية تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا ~~عنه وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام ولا تحرفوا الإسلام يمينا وشمالا ~~وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه وإياكم وهذه الأهواء التي تلقى ~~بين الناس العداوة والبغضاء فحدثت الحسن قال صدق ونصح قال فحدثت حفصة بنت ~~سيرين فقالت أبا علي أنت حدثت محمدا بهذا قلت لا قالت فحدثه إذا # وقال أبي بن كعب عليكم بالسبيل والسنة فإنه ms114 ما على الأرض عبد على السبيل ~~والسنة ذكر الله ففاضت به عيناه من خشية الله فيعذبه # PageV01P254 # وما على الأرض عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فأقشعر جلده من ~~خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها فهى كذلك إذ أصابتها ريح ~~شديدة فتحات عنها ورقها ولتحط عنه خطاياه كما تحات عن تلك الشجرة ورقها وإن ~~اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فانظروا أن يكون ~~عملكم إن كان اجتهادا أو اقتصادا أن يكون على منهاج الأنبياء وسنتهم # وكذلك قال عبد الله بن مسعود الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في ~~البدعة # وقيل لأبي بكر بن عياش يا أبا بكر من السنى قال الذي إذا ذكرت الأهواء لم ~~يغضب لشئ منها # وهذا أصل عظيم من أصول سبيل الله وطريقه يجب الاعتناء به وذلك أن كثيرا ~~من الأفعال قد يكون مباحا في الشريعة أو مكروها أو متنازعا في إباحته ~~وكراهته وربما كان محرما أو متنازعا في تحريمه فتستحبه طائفة من الناس ~~يفعلونه على أنه حسن مستحب ودين وطريق يتقربون به حتى يعدون من يفعل ذلك ~~أفضل ممن لا يفعله وربما جعلوا ذلك # PageV01P255 # من لوازم طريقتهم إلى الله أو جعلوه شعار الصالحين وأولياء الله ويكون ~~ذلك خطأ وضلالا وابتداع دين لم يأذن به الله # مثال ذلك حلق الرأس في غير الحج والعمرة لغير عذر فإن الله قد ذكر في ~~كتابه حلق الرأس وتقصيره في النسك وذكر حلقه لعذر في قوله {فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [سورة البقرة 196] # وأما حلقه لغير ذلك فقد تنازع العلماء في إباحته وكراهته نزاعا معروفا ~~على قولين هما روايتان عن أحمد ولا نزاع بين علماء المسلمين وأئمة الدين أن ~~ذلك لا يشرع ولا يستحب ولا هو من سبيل الله وطريقه ولا من الزهد المشروع ~~للمسلمين ولا مما أثنى الله به على أحد من الفقراء # ومع هذا فقد اتخذه طوائف من ms115 النساك الفقراء والصوفية دينا حتى جعلوه ~~شعارا وعلامة على أهل الدين والنسك والخير والتوبة والسلوك إلى الله المشير ~~إلى الفقر والصوفية حتى أن من لم يفعل ذلك يكون منقوصا عندهم خارجا عن ~~الطريقة المفضلة المحمودة عندهم ومن فعل ذلك دخل في هديهم وطريقهم # وهذا ضلال عن طريق الله وسبيله بآتفاق المسلمين واتخاذ ذلك دينا وشعارا ~~لاهل الدين من أسباب تبديل الدين بل جعله علامة على المروق من الدين أقرب ~~فإن الذي يكرهه وإن فعله صاحبه عادة لا عبادة # PageV01P256 # يحتج بأنه من سيماء الخوارج المارقين الذين جاءت الأحاديث الصحاح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذمهم من غير وجه وروى عنه ص سيماهم التحليق # فإذا كان هذا سيماء أولئك المارقين وفي المسند والسنن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال من تشبه بقوم فهو منهم كان هذا على بعده من شعار أهل ~~الدين أولى من العكس # PageV01P257 # ولهذا لما جاء صبيغ بن عسل التميمي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسأله ~~من المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وضربه ضربا عظيما كشف رأسه فوجده ~~ذا ضفيرتين فقال لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك لأنه لو وجده محلوقا ~~استدل بذلك على أنه من الخوارج المارقين وكان يقتله لأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقتالهم # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفتهم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ~~وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ~~يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية # ولا ريب أن الخوارج كان فيهم من الاجتهاد في العبادة والورع ما لم # PageV01P258 # يكن في الصحابة كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لكن لما كان على غير ~~الوجه المشروع أفضى بهم إلى المروق من الدين # ولهذا قال عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في ~~بدعة # وقد تأول فيهم على بن أبي طالب الذي قاتلهم بأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكان قتاله لهم من أعظم حسناته ms116 وغزواته التي يمدح بها لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حض على قتالهم وقال لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد # وقال أينما لقيتموهم فآقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم ~~القيامة # وفي الصحيح عن علي أيضا لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد ~~لنكلوا عن العمل # PageV01P259 # وكانوا يتشددون في أمر الذنوب والمعاصي حتى كفروا المسلمين وأوجبوا لهم ~~الخلود في النار # ولا ريب أن كثيرا من النساك والعباد والزهاد قد يكون فيه شعبة من الخوارج ~~وإن كان مخالفا لهم في شعب أخرى فلزوم زي معين من اللباس سواء كان مباحا أو ~~كان مما يقال إنه مكروه بحيث يجعل ذلك دينا ومستحبا وشعارا لأهل الدين هو ~~من البدع أيضا فكما أنه لا حرام إلا ما حرمه الله فلا دين إلا ما شرعه الله # الوجه الثاني ان قولهم إن هذا السماع يحصل محبوب الله وما حصل محبوبه فهو ~~محبوب له قول باطل وكثير من هؤلاء أو أكثرهم حصل لهم الضلال والغواية من ~~هذه الجهة فظنوا أن السماع يثير محبة الله ومحبة الله هي أصل الإيمان الذي ~~هو عمل القلب وبكمالها يكمل وهي فيما يذكره أبو طالب وغيره نهاية المقامات ~~وربما قال بعضهم هي المقام التي يرتقي مقدمة العامة وساقه الخاصة ويقول من ~~يقول منهم إن السماع هو من توابع المحبة وأنهم إنما فعلوه لما يحركه من ~~محبة الله سبحانه وتعالى إذ السماع يحرك من كل قلب ما فيه فمن كان في قلبه ~~حب الله # PageV01P260 # ورسوله حرك السماع هذا الحب وما يتبع الحب من الوجد والحلاوة وغير ذلك ~~كما يثير من قلوب أخرى محبة الأوثان والصلبان والإخوان والخلان والأوطان ~~والعشراء والمردان والنسوان ولهذا يذكر عن طائفة من أعيانهم سماع القصائد ~~في باب المحبة كما فعل ابو طالب # فيقال إن ما يهيجه هذا السماع المبتدع ونحوه من الحب وحركة القلب ليس هو ~~الذي يحبه الله ورسوله بل اشتماله على ما لا يحبه الله وعلى ما يبغضيه أكثر ~~من اشتماله على ما ms117 يحبه ولا يبغضبه وحده عما يحبه الله ونهيه عن ذلك أعظم ~~من تحريكه لما يحبه الله وإن كان يثير حبا وحركة ويظن أن ذلك يحبه الله ~~وأنه مما يحبه الله فإنما ذلك من باب اتباع الظن وما تهوى الأنفس ولقد ~~جاءهم من ربهم الهدى # ومما يبين ذلك أن الله سبحانه وتعالى بين في كتابه محبته وذكر موجباتهما ~~وعلاماتها وهذا السماع يوجب مضادا لذلك منافيا له # وذلك أن الله يقول في كتابه {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [سورة البقرة 165] # وقال {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} ~~[سورة آل عمران 31] # ويقول {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين} # PageV01P261 # {أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} [سورة ~~المائدة 54] # فهذه ثلاثة أصول لاهل محبة الله إخلاص دينهم ومتابعة رسوله والجهاد في ~~سبيله # فإنه اخبر عن المشركين الذين يتخذون الأنداد أنهم يحبونهم كما يحبون الله ~~ثم قال {والذين آمنوا أشد حبا لله} [سورة البقرة 165] فالمؤمنون أشد حبا ~~لله من المشركين الذين يحبون الأنداد كما يحبون الله فمن أحب شيئا غير الله ~~كما يحب الله فهو من المشركين لا من المؤمنين # ومحبة رسوله من محبته ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~المتفق عليه في الصحيحين والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه ~~من ولده ووالده والناس أجمعين # وفي صحيح البخاري أن عمر قال له يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من كل ~~شئ إلا من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فأنت أحب إلى ~~من نفسي قال فأنت الآن يا عمر # PageV01P262 # وفي الصحيحين أنه قال ثلاث من كن فيه فقد وجد حلاوة الإيمان وفي لفظ لا ~~يجد حلاوة الإيمان إلا من كان فيه ثلاث خصال أن يكون الله ورسوله أحب إليه ~~مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ms118 وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد ~~إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار # وقد قال الله تعالى قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فيتربصوا حتى يأتي الله بأمره فلم يرض منهم ~~أن يكون حبهم لله ورسوله كحب الأهل والمال وأن يكون حب الجهاد في سبيله كحب ~~الأهل والمال بل حتى يكون الجهاد في سبيله الذي هو تمام حبه وحب رسوله أحب ~~إليهم من الأهل والمال # فهذا يقتضي أن يكون حبهم لله ورسوله مقدما على كل محبة ليس عندهم شئ ~~يحبونه كحب الله بخلاف المشركين # PageV01P263 # ويقتضي الأصل الثاني وهو ان يكون الجهاد في سبيله أحب إليهم من الأهل ~~والمال فإن ذلك هو تمام الإيمان الذي ثوابه حب الله ورسوله # كما قال تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم برتابوا ~~إيمانا لا يكون بعده ريب {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} [سورة ~~الحجرات 15] # وبذلك وصف أهل المحبة في قوله {يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} [سورة المائدة 54] ~~فأخبر سبحانه بذلهم للمؤمنين وعزهم على الكافرين وجهادهم في سبيله وأنهم لا ~~يخافون لومة لائم فلا يخافون لوم الخلق لهم على ذلك # وهؤلاء هم الذين يحتملون الملام والعذل في حب الله ورسوله والجهاد في ~~سبيله والله يحبهم وهم يحبونه ليسوا بمنزلة من يحتمل الملام والعذل في محبة ~~ما لا يحبه الله ورسوله ولا بمنزلة الذين أظهروا من مكروهات الحق ما يلامون ~~عليه ويسمون بالملامتية ظانين أنهم لما أظهروا ما يلومهم الخلق عليه من ~~المنكرات مع صحتهم في الباطن كان ذلك من صدقهم وإخلاصهم وهم في ذلك إنما ~~يتبعون الظن وما تهوى الأنفس # PageV01P264 # فإن ذلك المنكر الذي يكرهه الله ورسوله لا يكون فعله مما يحبه الله ~~ورسوله ولا يكون من الصدق والإخلاص في حب الله ورسوله والناس يلامون عليه # وسنام ذلك الجهاد في ms119 سبيل الله فإنه أعلى ما يحبه الله ورسوله واللائمون ~~عليه كثير إذ كثير من الناس الذين فيهم إيمان يكرهونه وهم إما مخذلون ~~مفترون للهمة والإرادة فيه وإما مرجفون مضعفون للقوة والقدرة عليه وإن كان ~~ذلك من النفاق # قال الله تعالى {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم ~~إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا} [سورة الأحزاب 18] # وقال تعالى لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونكم فيها إلا قليلا [سورة الأحزاب 60] # وأما الأصل الثالث وهو متابعة السنة والشريعة النبوية قال الله تعالى {قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [سورة آل عمران 31] # قال طائفة من السلف ادعى قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ~~يحبون الله فأنزل الله هذه الآية فجعل حب العبد لربه موجبا # PageV01P265 # ومقتضيا لاتباع رسوله وجعل اتباع رسوله موجبا ومقتضيا لمحبة الرب عبده ~~فأهل اتباع الرسول يحبهم الله ولا يكون حبا لله إلا من يكون منهم # وإذا عرفت هذه الأصول فعامة أهل السماع المحدث مقصرون في هذه الأصول ~~الثلاثة وهم في ذلك متفاوتون تفاوتا كثيرا بحسب قوة اعتياضهم بالسماع ~~المحدث عن السماع المشروع وما يتبع ذلك حتى آل الأمر بأخر إلى الانسلاخ من ~~الإيمان بالكلية ومصيره منافقا محضا أو كافرا صرفا # وأما عامتهم وغالبهم الذين فيهم حب الله ورسوله وما يتبع ذلك فهم فيه ~~مقصرون تجد فيهم من التفريط في الجهاد في سبيل الله وما يدخل فيه من الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر والتفريط في متابعة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في شريعته وسنته وأوامره وزواجره أمرا عظيما جدا وكذلك في أمر الإخلاص ~~لله تجد فيهم من الشرك الخفي أو الجلى أمورا كثيرة # ولهذا كان هذا السماع سماع المكاء والتصدية إنما هو في الأصل سماع ~~المشركين كما قال تعالى {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [سورة ~~الأنفال 35] وفيهم من اتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ما ضاهوا ~~به النصارى في كثير من ms120 ذلك حتى ان منهم من يعبد بعض البشر ويعبد قبورهم ~~فيدعوهم ويستغيث بهم ويتوكل عليهم ويخافهم ويرجوهم إلى غير ذلك مما هو من ~~حقوق الله وحده لا # PageV01P266 # شريك له ويطيعون سادتهم وكبارهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال ويقول ~~بعضهم في اتحاد الله ببعض مخلوقاته وحلوله فيهم شبيه ما قالته النصارى في ~~المسيح عليه الصلاة والسلام # ولهذا يكون كثير من سماعهم الذي يحرك وجدهم ومحبتهم إنما يحرك وجدهم ~~ومحبتهم لغير الله كالذين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله # وأما الشريعة وما أمر الله به ونهى عنه وأحله وحرمه ففيهم من المخالفة ~~لذلك بل من الاستخفاف بمن يتمسك به ما الله به عليم حتى سقط من قلبوهم ~~تعظيم كثير من فرائض الله وتحريم كثير من محارمه فكثيرا ما يضيعون فرائضه ~~ويستحلون محارمه ويتعدون حدوده تارة اعتقادا وتارة عملا # وكثير من خيارهم الذين هم مؤمنون يقعون في كثير من فروع ذلك وإن كانوا ~~مستمسكين بأصول الإسلام # وأما غير هؤلاء فيصرحون بسقوط الفرائض كالصلوات الخمس وغيرها وبحل ~~الخبائث من الخمر والفواحش او الظلم أو البغي أو غير ذلك لهم وتزول عن ~~قلوبهم المحبة لكثير مما يحبه الله ورسوله كالمحبة التامة التي هي كمال ~~الإيمان بل لا بد أن ينقص في # PageV01P267 # قلوبهم حب ما أحبه الله ورسوله فلا يبقى للقرآن والصلاة ونحو ذلك في ~~قلوبهم من المحبة والحلاوة والطيب وقرة العين ما هو المعروف لاهل كمال ~~الإيمان بل قد يكرهون بعض ذلك ويستثقلونه كما هو من نعت المنافقين الذين ~~قال الله فيهم {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} [سورة النساء 142] وقد ~~يهجرون القرآن الذي ما تقرب العباد إلى الله بأحب إليه منه بل قد يستثقلون ~~سماعه وقراءته لما اعتاضوا عنه من السماع وقد يقومون ببعض هذه العبادات ~~الشرعية صورا ورسما كما يفعله المنافقون لا محبة وحقيقة ووجدا كما يفعله ~~المؤمنون # وأما الجهاد في سبيل الله فالغالب عليهم أنهم ابعد عنه من غيرهم حتى نجد ~~في عوام المؤمنين من الحب للأمر بالمعروف والنهي عن ms121 المنكر والمحبة ~~والتعظيم لأمر الله والغضب والغيرة لمحارم الله وقوة المحبة والموالاة ~~لأولياء الله وقوة البغض والعداوة لأعداء الله ما لا يوجد فيهم بل يوجد ~~فيهم ضد ذلك # ومعلوم أن أهل الإيمان والصلاح منهم لا يفقدون هذا بالكلية لكن هذا ~~السماع المحدث هو وتوابعه سبب ومظنة لضد الجهاد في سبيل الله حتى ان كثيرا ~~منهم يعدون ذلك نقصا في طريق الله وعيبا ومنافيا للسلوك الكامل إلى الله # ومن السبب الذي ضل به هؤلاء وغووا ما وجدوه في كثير ممن ينتسب # PageV01P268 # إلى الشريعة من الداعين إلى الجهاد من ضعف حقيقة الإيمان وسوء النيات ~~والمقاصد وبعدهم عن النيات الخالصة لله وصلاح قلوبهم وسرائرهم وعن أن ~~يقصدوا بالجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله كما ~~وجدوه في كثير ممن يذم السماع المحدث من قسوة القلب والبعد عن مكارم ~~الأخلاق وذوق حقيقة الإيمان # فهذا التفريط في حقوق الله والعدوان على حدوده الذي وجد في هؤلاء ~~وأمثالهم ممن لا يتدين بالسماع المحدث بل يتدين ببعض هذه الأمور صار شبهة ~~لأولئك كما أن التفريط والعدوان الموجود في أهل السماع المحدث صار شبهة ~~لأولئك في ترك كثير مما عليه كثير منهم من حقائق الإيمان وطاعة الله ورسوله # ولهذا تفرق هؤلاء في الدين وصارت كل طائفة مبتدعة لدين لم يشرعه االله ~~ومنكرة لما مع الطائفة الأخرى من دين الله وصار فيهم شبه الأمم قبلهم # كما قال تعالى ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ~~ذكروا به فأعرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة [سورة المائدة ~~14] # وقال تعالى وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت # PageV01P269 # النصارى ليست اليهود على شئ [سورة البقرة 113] # وقال تعالى {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} [سورة البقرة 85] # وقال تعالى {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} ~~[سورة آل عمران 105] # وقال تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ [سورة ~~الأنعام 159] # وأما دين الله وهداه الذي أنزل به كتابه وبعث به رسوله ms122 فهو اتباع كتابه ~~وسنته في جميع الأمور وترك اتباع ما يخالف ذلك في جميع الأمور والإجماع على ~~ذلك # كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم ~~إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة ~~من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ~~ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم ~~عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتهم بعد ~~إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة ~~الله # PageV01P270 # {هم فيها خالدون} [سورة آل عمران 102 107] # وأما كون الشعر في نفسه لا يستمع إليه إلا إذا كان من الكلام المباح أو ~~المستحب والشعر المقول في سماع المكاء والتصدية كثير منه أو أكثره ليس كذلك ~~فهذا مقام آخر نبينه إن شاء الله فصار احتجاجهم بما سمعه النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الشعر على استماع الغناء مردودا بهذه الوجوه الثلاث # قال أبو القاسم وقد سمع الأكابر الابيات بالألحان فمن قال بإباحته مالك ~~بن أنس وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء فأما الحداء فإجماع منهم على إباحته # قلت هذا النقل يتضمن غلطا بإثبات باطل وترك حق وقد تبع فيه أبا عبد ~~الرحمن على ما ذكره في مسألة السماع وذلك أن المعروف # PageV01P271 # عند أئمة السلف من الصحابة والتابعين مثل عبد الله بن مسعود وعبد الله بن ~~عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهم وعن أئمة التابعين ذم ~~الغناء وإنكاره # وكذلك من بعدهم من أئمة الإسلام في القرون الثلاثة حتى ذكر زكريا بن يحيى ~~الساجي في كتابه الذي ذكر فيه إجماع أهل العلم واختلافهم فذكر أنهم متفقون ~~على كراهته إلا رجلان إبراهيم بن سعد من أهل المدينة وعبيد بن الحسن ~~العنبري ms123 من أهل البصرة # وأما نقلهم لإباحته عن مالك وأهل الحجاز كلهم فهذا غلط من أسوأ الغلط فإن ~~أهل الحجاز على كراهته وذمه ومالك نفسه لم # PageV01P272 # يختلف قوله وقول أصحابه في ذمه وكراهته بل هو من المبالغين في ذلك حتى ~~صنف أصحابه كتبا مفردة في ذم الغناء والسماع وحتى سأله إسحاق بن عيسى ~~الطباع عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال إنما يفعله عندنا الفساق # وقد ذكر محمد بن طاهر في مسألة السماع حكاية عن مالك أنه ضرب بطبل وأنشد ~~ابياتا وهذه الحكاية مما لا يتنازع أهل المعرفة في أنها كذب على مالك # وكذلك الشافعي لم يختلف قوله في كراهته وقال في كتابه المعروف بأدب ~~القضاة الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته ~~وقد قال عن السماع الديني المحدث خلفت ببغداد # PageV01P273 # شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن # نعم كان كثير من أهل المدينة يسمع الغناء وقد دخل معهم في ذلك بعض ~~فقهائهم فأما أن يكون هذا قول اهل الحجاز كلهم أو قول مالك فهذا غلط وكان ~~الناس يعيبون من استحل ذلك من أهل المدينة كما عابوا على غيرهم حتى كان ~~الأوزاعي يقول من أخذ يقول أهل الكوفة في النبيذ وبقول أهل مكة في المتعة ~~والصرف ويقول أهل المدينة في الغناء أو قال الحشوش والغناء فقد جمع الشر ~~كله أو كلاما هذا معناه # وأما فقهاء الكوفة فمن أشد الناس تحريما للغناء ولم يتنازعوا في ذلك ولم ~~يكونوا يعتادونه كما كان يفعله أهل المدينة بل كانوا بالنبيذ المتنازع فيه # وقد سئل ماللك عماا يترخص فيه بعض ااهل المدينة من الغناء فقال لا إنما ~~يفعله عندنا الفساق # وقد سئل القاسم بن محمد عن الغناء فقال إذا ميز الله الحق من الباطل من ~~أي قسم يكون الغناء # PageV01P274 # ثم قال أبو القاسم وقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك وروى عن ابن ~~جريج أنه كان يرخص في السماع فقيل له إذا أتى بك يوم القيامة ويؤتى ms124 بحسناتك ~~وسيئاتك ففي أي الجنبين يكون سماعك فقال لا في الحسنات ولا في السيئات يعني ~~أنه من المباحات # قلت ليس ابن جريج وأهل مكة ممن يعرف عنهم الغناء بل المشهور عنهم أنهم ~~كانوا يعيرون من يفعل ذلك من أهل المدينة وإنما المعروف عنهم المتعة والصرف ~~ثم هذا الأثر وأمثاله حجة على من احتج به فإنه لم يجعل منه شيئا من الحسنات ~~ولم ينقل عن السلف أنه عد شيئا من أنواعه حسنة فقوله على ذلك لا يخالف ~~الإجماع # ومن فعل شيئا من ذلك على انه من اللذة الباطلة التي لا مضرة فيها ولا ~~منفعة فهذا كما يرخص للنساء في الغناء والضرب بالدف في الأفراح مثل قدوم ~~الغائب وأيام الأعياد بل يؤمرون بذلك في العرسات كما روى اعلنوا النكاح ~~واضربوا عليه بالدف وهو مع # PageV01P275 # ذلك باطل كما في الحديث الذي في السنن أن امرأة نذرت أن تضرب لقدوم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عمر أمرها بالسكوت وقال إن هذا رجل لا ~~يحب الباطل # PageV01P276 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل لهو يلهو به الرجل ~~فهو باطل إلا رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبة امرأته فإنهن من الحق # والباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة فهذا يرخص فيه للنفوس التي لا ~~تصبر على ما ينفع وهذا الحق في القدر الذي يحتاج إليه في الأوقات التي ~~تقتضي ذلك الأعياد والأعراس وقدوم الغائب ونحو ذلك # وهذه نفوس النساء والصبيان فهن اللواتي كن يغنين في ذلك على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وخلفائه ويضربن بالدف وأما الرجال فلم يكن ذلك فيهم بل ~~كان السلف يسمون الرجل المغنى مخنثا لتشبهه بالنساء ولهذا روى اقرأوا ~~القرآن بلحون العرب وإياكم ولحون العجم والمخانيث والنساء # PageV01P277 # ولهذ لما سئل القاسم بن محمد عن الغناء فقال للسائل با ابن أخي ارأيت إذا ~~ميز الله يوم القيامة بين الحق والباطل ففي أيهما يجعل الغناء فقال في ~~الباطل قال فماذا بعد الحق إلا الضلال # فكان العلم ms125 بأنه من الباطل مستقرا في نفوسهم كلهم وإن فعله بعضهم مع ذلك ~~إذ مجرد كون الفعل باطلا إنما يقتضي عدم منفعته لا يقتضي تحريمه إلا أن ~~يتضمن مفسدة # قال أبو القاسم وأما الشافعي رحمه الله فإنه لا يحرمه ويجعله في العوام ~~مكروها حتى لو احترف الغناء او اتصف على الدوام بسماعه على وجه التلهي به ~~ترد به الشهادة ويجعله مما يسقط المروءة ولا يلحقه بالمحرمات # قال وليس كلامنا في هذا النوع من السماع فإن هذه الطائفة جلت مرتبتهم عن ~~أن يسمعوا بلهو أو يقعدوا للسماع بسهو أو يكونوا بقلوبهم متفكرين في مضمون ~~لغو أو يستمعوا على صفة غير كفء # PageV01P278 # قلت لم يختلف قول الشافعي في كراهته والنهى عنه للعوام والخواص لكن هل هي ~~كراهة تحريم أو تنزيه أو تفضيل بين بعض وبعض هذا مما يتنازع فيه أصحابه ~~وهذا قوله في سماع العامة وأما السماع الديني الذي جعله أبو القاسم للخاصة ~~فهو عند الشافعي من فعل الزنادقة كما قال خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة ~~يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن # فعنده أن هذا السماع اعظم من ان يقال فيه مكروه أو حرام بل هو عنده مضاد ~~للإيمان وشرع دين لم يأذن الله به ولم ينزل به سلطان # وإن كان من المشايخ الصالحين من تأول في ذلك وبتأويله واجتهاده يغفر الله ~~له خطأه ويثيبه على ما مع التأويل من عمل صالح فذلك لا يمنع أن يقال ما في ~~الفعل من الفساد إذ التأويل من باب المعارض في حق بعض الناس تدفع به عند ~~العقوبة كما تدفع بالتوبة والحسنات الماحية وهذا لمن استفرغ وسعه في طلب ~~الحق # فقول الشافعي رضي الله عنه في هؤلاء كقوله في اهل الكلام # PageV01P279 # حكمى في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر ~~والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام وقوله لأن ~~يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام # ومع هذا فقد ابتلى ببعض ms126 ذلك على وجه التأويل طوائف من أهل العلم والدين ~~والتصوف والعبادة # ولهذا كان الكلام في السماع على وجهين # احدهما سماع اللعب والطرب فهذا يقال فيه مكروه أم محرم أو باطل أو مرخص ~~في بعض أنواعه # الثاني السماع المحدث لأهل الدين والقرب فهذا يقال فيه إنه بدعة وضلالة ~~وإنه مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع السالفين جميعهم وإنما حدث في ~~الأمة لما أحدث في الأمة لما أحدث الكلام فكثر هذا في العلماء وهذا في ~~العباد # لهذا كان يزيد بن هارون الواسطي وهو من أتباع التابعين وأواخر # PageV01P280 # القرون الثلاثة تجمتع في مجلسه الأمم العظيمة وكان أجل مشايخ الإسلام إذ ~~ذاك فكان ينهى عن الجمهية وعن المغيرة هؤلاء أهل الكلام المخالف للكتاب ~~والسنة وهؤلاء أهل السماع المحدث المخالف للكتاب والسنة # ولهذا لم يستطع أحد ممن يستحب السماع المحدث ويستحسنه أن يحتج لذلك بأثر ~~عمن مضى ولا بأصل في الكتاب والسنة # قال أبو القاسم وقد روى عن ابن عمر اثار في إباحتة للسماع وكذلك عبد الله ~~بن جعفر أبي طالب # قالت أما النقل عن ابن عمر فباطل بل المحفوظ عن أبن عمر ذمه للغناء ونهيه ~~عنه وكذلك عن سائر أئمة الصحابة كأبن مسعود وابن عباس وجابر وغيرهم ممن ~~ائتم بهم المسلمون في دينهم # وأما ما يذكر من فعل عبد الله بن جعفر في أنه كان له جارية يسمع غناءها ~~في بيته فعبد الله بن جعفر ليس ممن يصلح أن يعارض قوله في # PageV01P281 # الدين فضلا عن فعله لقول ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وجابر وأمثالهم # ومن احتج بفعل مثل عبد الله في الدين في مثل هذا لزمه أن يحتج بفعل ~~معاوية في قتاله لعلى وبفعل ابن الزبير في قتاله في الفرقة وأمثال ذلك مما ~~لايصلح لأهل العلم والدين أن يدخلوه في أدلة الدين والشرع لا سيما النساك ~~والزهاد وأهل الحقائق لا يصلح لهم أن يتركوه سبيل المشهورين بالنسك والزهد ~~بين الصحابة ويتبعوا سبيل غيرهم # وما أحسن ما قال حذيفة رضي الله عنه يا معشر ms127 القراء استقيموا وخذوا طريق ~~من كان قبلكم فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن أخذتم يمينا ~~وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا # ثم الذي فعله عبد الله بن جعفر كان في داره لم يكن يجتمع عنده على ذلك ~~ولا يسمعه إلا ممن ملوكته ولا يعده دينا وطاعة بل هو عنده من الباطل وهذا ~~مثل ما يفعله بعض أهل السعة من استماع غناء جاريته في بيته ونحو ذلك فأين ~~هذا من هذا هذا لو كان مما يصلح أن يحتج به فكيف وليس بحجة أصلا # قال وكذلك عن عمر وغيره في الحداء # قلت أما الحداء فقد ذكر الاتفاق على جوازه فلا يحتج به في # PageV01P282 # وقد ثبت أن عامر بن الأكوع كان يحدو الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال من السائق قالوا عامر بن الاكوع فقال يرحمه الله فقالوا يا رسول الله ~~لولا امتعتنا به ففي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال خرجنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع ألا ~~تسمعنا من هنياتك وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول ... والله ~~لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا # فاغفر فداء لك ما اقتفينا وثبت الأقدام إن لاقينا # وألقين سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أتينا ... وبالصياح عولوا علينا ... # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا السائق قالوا عامر ابن الأكوع ~~فقال يرحمه الله فقال رجل من القوم وجبت يا نبي الله لولا أمتعنا به فذكر ~~الحديث في استشهاده في تلك الغزوة غزوة خيبر # PageV01P283 # وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الاكوع قال لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالا ~~شديدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتد عليه سيفه فقتله فقال أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وشكوا فيه رجل مات في سلاحه قال سلمة ~~فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبير فقلت يا رسول الله أئذن لي أن ~~ارجز لك فأذن ms128 له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر أعلم ما تقول قال ~~فقلت ... لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ... # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت ... فأنزلن سكينة علينا وثبت ~~الأقدام إن لا قينا ... # والمشركون قد بغوا علينا ... # فلما قضيت رجزي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال هذا قلت له أخي ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحمه الله قال فقلت يا رسول الله والله ~~إن ناسا ليهابون الصلاة عليه # PageV01P284 # يقولون رجل مات بسلاحه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبوا مات ~~جاهدا مجاهدا فله أجره مرتين # وكذلك قد ثبت في الصحيح حديث أنجشة الحبشي الذي كان يحدو حتى قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم رويدك أنجشة سوقك بالقوارير يعني النساء أمره بالرفق ~~بهن لئلا تزعجهن الإبل في السير إذا اشتد سيرها وينزعجن بصوت الحادي # ففي الصحيحين عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ~~وغلام أسود يقال له أنجشة يحدوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك ~~انجشه رويدك سوقك بالقوارير قال أبو قلابة يعني النساء وأخرجاه من حديث ~~ثابت عن أنس بنحوه # ومن حديث قتادة عن أنس قال كان للنبي ص خادم يقال له أنجشة وكان حسن ~~الصوت فقال له النبي رويدك يا أنجشة لا تكسر القوارير قال قتادة يعني ضعفة ~~النساء # PageV01P285 # وفي رواية البخاري عن أبي قلابة قال كانت أم سليم في الثقل وأنجشة غلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم يسوق بهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم عليه ~~وسلم يا أنجش رويدك سوقك بالقوارير # وفي رواية البخاري عن ثابت عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم في ~~سفر فحدا الحادي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أرفق يا أنجشة ويحك ~~بالقوارير # واحتجاجهم بإنشاد الشعر كما قال أبو القاسم وأنشد بين يدي النبي صلى الله ~~عليه وسلم الاشعار فلم ينه عنها وروى أنه ص استنشد الأشعار # وهذا من القياس ms129 الفاسد كما تقدم # قال ومن المشهور الظاهر حديث الجاريتين وذكر حديث الجاريتين # PageV01P286 # اللتين كانتا تغنيان في بيت عائشة بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث فقال ~~أبو بكر مزمور الشيطان فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعهما يا أبا بكر فإن ~~لكل قوم عيدا وعيدنا هذا اليوم # وقد تقدم أن الرخصة في الغناء في أوقات الأفراح للنساء والصبيان أمر مضت ~~به السنة كما يرخص لهم في غير ذلك من اللعب ولكن لا يجعل الخاص عاما ولهذا ~~لما قال أبو بكر أمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~ينكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه التسمية والصحابة لم يكونوا يفضلون شيئا ~~من ذلك ولكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمرا خاصا بقوله إن لكل قوم عيدا ~~وهذا عيدنا # ومثل هذا قوله لعمر لو رآك سالكا فجأ لسلك فجا غير فجك لما خاف منه ~~النساء فيما كن يفعلنه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فعلم أن هذا وإن كان ~~من الشيطان لكن الرخصة فيه لهؤلاء لئلا يدعوهم إلى # PageV01P287 # ما يفسد عليهم دينهم إذ لا يمكن صرفهم عن كل ما تتقاضاه الطبائع من ~~الباطل # والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فهي تحصل ~~أعظم المصلحتين بفوات أدناهما وتدفع أعظم الفسادين بأحتمال أدناهما فإذا ~~وصف المحتمل بما فيه من الفساد مثل كونه من عمل الشيطان لم يمنع ذلك أن ~~يكون قد وقع به ما هو أحب إلى الشيطان منه ويكون إقرارهم على ذلك من ~~المشروع فهذا أصل ينبغي التفظن له # والشيطان يوسوس لبني آدم في أمور كثيرة من المباحات كالتخلي والنكاح وغير ~~ذلك وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم فلا يمكن حفظ جيمع بني آدم من كل ما ~~للشيطان فيه نصيب لكن الشارع يأمر بالتمكن من ذلك كما شرع التسمية ~~والاستعاذة عند التخلي والنكاح وغير ذلك ولو لم يفعل الرجل ذلك لم نقل إنه ~~يأثم بالتخلي ونكاح أمرأته ونحو ذلك # وكذلك ذكر العرس وقول النبي صلى الله عليه ms130 وسلم إن الأنصار فيهم غزل ولو ~~أرسلتم من يقول # PageV01P288 # .. أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم ... # وقد تقدم ان الخاص لايجعل # ومدار الحجج في هذا الباب ونحوه إما على قياس فاسد وتشبيه الشئ بما ليس ~~مثله وإما على جعل الخاص عاما وهو أيضا من القياس الفاسد وإما احتجابهم بما ~~ليس بحجة أصلا # ثم احتج أبو القاسم بما هو من جنس القياس الفاسد فذكر حديث البراء بن ~~عازب قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول حسنوا القرآن بأصواتكم فإن ~~الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا وحديثا عن أنس مرفوعا لكل شئ حلية وحلية ~~القرآن الصوت # PageV01P289 # وهذا ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية عبد الله بن محرز وهو ~~ضعيف لا يحتج به بحال # وقال دل هذا الخبر على فضيلة الصوت # قلت هذا دل على فضل الصوت الحسن بكتاب الله لم يدل على فضيلته بالغناء ~~ومن شبه هذا بهذا فقد شبه الباطل بأعظم الحق # وقد قال الله تعالى {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن ~~مبين} [سورة يس 69] فكيف نشبه ما أمر الله به من تلاوة كتابه وتحسينه ~~بالصوت بما لم يأمر بتحسين الصوت به # هذا مثل من قال إذا أمر الله بالقتال في سبيله بالسيف والرمح والرمي دل ~~على فضيلة الضرب والطعن ثم يحتج بذلك على الضرب والطعن والرمي في غير سبيل ~~الله # ومثل من قال إذا أمر الله بإنفاق المال في سبيله دل على فضيلة المال ~~ويحتج بذلك على إنفاق المال في غير سبيله # أو قال إذا أمر الله بالاستعفاف بالنكاح دل على فضيلة النساء ويحتج بذلك ~~على فضيلة النساء ويحتج بذلك على فضيلة النكاح ويحتج بذلك على فضيلة ما لم ~~يأذن الله به من النكاح # PageV01P290 # وكذلك كل ما يعين على طاعة الله من تفكر أو صوت أو حركة أو قوة أو مال أو ~~أعوان أو غير ذلك فهو محمود في حال إعانته على طاعة الله ومحابه ومراضيه ~~ولا يستدل بذلك على أنه في نفسه محمود على ms131 الإطلاق ويحتج بذلك على أنه ~~محمود إذا استعين به على ما هو من طاعة الله ولا يحتج به على ما ليس هو من ~~طاعة الله بل هو من البدع في الدين أو الفجور في الدنيا # ومثل هذا قوله ص لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب ~~القينة إلى قينته وقال ما أذن الله لشئ كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ~~يجهر به بل قوله ص ليس منا من لم يتغن بالقرآن يقتضي أن التغني المشروع هو ~~بالقرآن وأن من تغنى بغيره فهو مذموم ولا يقال هذا يدل على استحباب حسن ~~التغني # وقوله ليس منا من لم يتغن بالقرآن إما أن يريد به الحض على أصل الفعل وهو ~~نفس التغنى بالقرآن وإما أن يريد به مطلق التغنى # PageV01P291 # وهو على صفة الفعل والأول هو أن يكون تغنيه إذا تغنى بالقرآن لا بغيره ~~وهذا كما وقع في قوله تعالى {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [سورة المائدة ~~49] هل هو أمر بأصل الحكم أو بصفته إذا حكم # والمعنى الثاني ذم لمن تغنى بغيره مطلقا دون من ترك التغني به وبغيره # والمنعى الأول ذم لمن ترك التغنى به دون من تغنى به ومن تغنى بغيره # ثم ذكر أبو القاسم حديث ابن عاصم عن شبيب بن بشر عن أنس بن مالك قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتان ملعونان صوت ويل عند مصيبة وصوت مزمار ~~عند نعمة مفهوم الخطاب يقتضي إباحة غير هذا في غير هذه الأحوال وإلا لبطل ~~التخصيص # قلت هذا الحديث من أجود ما يحتج به على تحريم الغناء كما في اللفظ ~~المشهور عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت # PageV01P292 # عند نعمة لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ~~ودعوى بدعوى الجاهلية # فنهى عن الصوت الذي يفعل عند النعمة كما نهى عن الصوت الذي يفعل عند ~~المصيبة والصوت الذي ms132 عند النعمة هو صوت الغناء # وأما قوله صوت مزمار فإن نفس صوت الإنسان يسمى مزمارا كما قيل لأبي موسى ~~لقد اوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود وكما قال أبو بكر رضي الله عنه ~~أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم # وأما قوله مفهوم الخطاب يقتضي إباحة غير هذا جوابه من وجهين # أحدهما أن مثل اللفظ الذي ذكره لا مفهوم له عند أكثر أهل العلم # PageV01P293 # والتخصيص في مثل هذا كقوله ص ثلاث في امتي من أمر الجاهلية ومن قال إنه ~~يكون له مفهوم فذلك إذا لم يكن للتخصيص سبب آخر وهذا التخصيص لكون هذه ~~الأصوات هي التي كانت معتادة في زمنه كقوله تعالى {ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق} [سورة الإسراء 31] # والثاني أن اللفظ الذي ذكره الرسول يدل على مورد النزاع فإنه صوت النعمة ~~ولو لم تكن نعمة لكان تنبيها عليه فإنه إذا نهى عن ذلك عند النعمة والإنسان ~~معذور في ذلك كما رخص في غناء النساء في الأعراس والأعياد ونحو ذلك فلأن ~~ينهى عن ذلك بدون ذلك بدون أولى وأحرى # والألات الملهية قد صح فيها ما رواه البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به ~~داخلا في شرطه عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ~~ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح بسارحة # PageV01P294 # لهم يأتيهم لحاجتهم فيقولون ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ~~ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة # وقال أبو القاسم وقد روى أن رجلا أنشد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال ... أقبلت فلاح لها عارضان كالسبج ... # PageV01P295 # .. أدبرت فقلت لها والفؤاد في وهج # هل على ويحكما ان عشقت من حرج ... # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حرج إن شاء الله # قلت هذا الحديث موضوع بأتفاق أهل المعرفة بالحديث لا أصل له وليس هو في ~~شئ من دواوين الإسلام وليس له إسناد بل هو من جنس الحديث الآخر ms133 الذي قيل ~~فيه إن أعرابيا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنشده ... قد لسعت حية ~~الهوى كبدى فلا طبيب لها ولا راقى # إلا الحبيب الذي شغفت به فعنده رقيتي وترياقي ... # PageV01P296 # وهذا أيضا موضوع بأتفاق أهل العلم كذب مفترى # وكذلك ما يروى من أنهم تواجدوا وأنهم مزقوا الخرقة ونحو ذلك كل ذلك كذب ~~لم يكن في القرون الثلاثة لا بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا بالعراق ~~ولا خراسان من يجتمع على هذا السماع المحدث فضلا عن أن يكون كان نظيره على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا كان أحد يمزق ثيابه ولا يرقص في سماع ولا ~~شئ من ذلك أصلا بل لما حدث التغبير في أواخر المائة الثانية وكان أهله من ~~خيار الصوفية وحدث من جهة المشرق التي يطلع منها قرن الشيطان ومنها الفتن # قال الشافعي رضي الله عنه خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه ~~التغبير يصدون به الناس عن القرآن # والذين شهدوا هذا اللغو متأولين من أهل الصدق والإخلاص والصلاح غمرت ~~حسناتهم ما كان لهم فيه وفي غيره من السيئات أو الخطأ # PageV01P297 # في مواقع االأجتهاد وهذا سبيل كل صالحي هذه الأمة في خطئهم وزلاتهم # قال تعالى {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ~~ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذي كانوا يعملون} [سورة الزمر 33 35] وذلك كالمتأولين في تناول ~~المسكر من صالحي أهل الكوفة ومن اتبعهم على ذلك وإن كان المشروب خمرا لا ~~يشك في ذلك من اطلع على اقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة ~~وكذلك المتأولون للمتعة والصرف من اهل مكة متبعين لما كان يقوله ابن عباس ~~وإن كان قد رجع عن ذلك أو زادوا عليه إذ لا يشك في ذلك وأنه من أنواع الربا ~~المحرم والنكاح المحرم من اطلع على نصوص النبي صلى الله عليه وسلم # وكذلك المتأولون في بعض الأطعمة والحشوش من أهل المدينة وإن كان لا يشك ~~في تحريم ذلك ms134 من اطلع على نصوص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكذلك ما ~~دخل فيه من دخل من السابقين والتابعين من القتال في الفتنة والبغي بالتأويل ~~مع ما علم في ذلك من نصوص الكتاب والسنة من ترك القتال والصلح فما تأول فيه ~~قوم من ذوي العلم والدين من مطعوم أو مشروب او منكوح أو مملوك أو مما قد ~~علم أن الله قد حرمه ورسوله لم يجز # PageV01P298 # اتباعهم في ذلك مغفورا لهم وإن كانوا خيار المسلمين والله قد غفر لهذه ~~الأمة الخطأ والنسيان كما دل عليه الكتاب والسنة وهو سبحانه يمحو السيئات ~~بالحسنات ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات # وبهذا يحصل الجواب عما ذكره الشيخ أبو طالب المكي في كتابه قوت القلوب ~~حيث ذكر أنه من أنكر السماع مطلقا غير مقيد فقد أنكر على سبعين صديقا ولعل ~~الإنكار اليوم يقع على خلق عظيم من الصديقين لكن يقال الذين أنكروا ذلك ~~أكثر من سبعين صديقا وسبعين صديقا وسبعين صديقا وهم أعظم علما وإيمانا ~~وأرفع درجة فليس الانتصار بطائفة من الصديقين على نظرائهم لا سيما من هو ~~أكبر وأكبر بأدل من العكس # فإن القائل إذا قال من شرع هذا السماع المحدث وجعله مما يتقرب به فقد ~~خالف جماهير الصديقين من هذه الامة ورد عليهم كان قوله أصح وأقوى في الحجة ~~دع ما سوى ذلك # وهنا أصل يجب اعتماده وذلك أن الله سبحانه عصم هذه الأمة أن تجتمع على ~~ضلالة ولم يعصم آحادها من الخطأ لا صديقا ولا غير صديق لكن إذا وقع بعضها ~~في خطأ فلا بد أن يقيم الله فيها من يكون # PageV01P299 # على الصواب في ذلك الخطأ لأن هذه الأمة شهداء على الناس وهم شهداء الله ~~في الارض وهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فلا بد ~~أن تأمر بكل معروف وتنهى عن كل منكر فإذا كان فيها من يأمر بمنكر متأولا ~~فلا بد أن يكون فيها من يأمر بذلك المعروف # فأما الاحتجاج بفعل طائفة من الصديقين في مسألة ms135 نازعهم فيها أعدائهم ~~فباطل بل لو كان المنازع لهم أقل منهم عددا وأدنى منزلة لم تكن الحجة مع ~~أحدهما إلا بكتاب الله وسنة رسوله فإنه بذلك أمرت الامة # كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن ~~تنازعهم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~[سورة النساء 59] فإذا تنازعت الأمة وولاه الأمور من الصديقين وغيرهم ~~فعليهم جميعهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله # ومن المعلوم أن الصديقين الذين أباحوا بعض المسكر كانوا أسبق من هؤلاء ~~وأكثر وأكبر وكذلك الذين استحلوا المتعة والصرف وبعض المطاعم الخبيثة ~~والحشوش والذين استحلوا القتال في الفتنة متأولين معتقدين أنهم على الحق ~~وغير ذلك هم أسبق من هؤلاء وأكثر وأكبر # فإذا نهى عما نهى الله عنه ورسوله لم يكن لأحد أن يقول هذا إنكار # PageV01P300 # على كذا وكذا رجلا من السابقين والتابعين فإن هذا الإنكار كان من نظرائهم ~~ومن هو فوقهم أو قريبا منهم وعند التنازع فالمرد إلى الله ورسوله # ولكن من ذهب إلى القول المرجوح ينتفع به في عذر المتأولين فإن عامة ما ~~حرمه الله مثل قتل النفس بغير حق ومثل الزنا والخمر والميسر والأموال ~~والاعراض قد استحل بعض أنواعه طوائف من الامة بالتأويل وفي المستحلين قوم ~~من صالحي الأمة وأهل العلم والإيمان منهم # لكن المستحل لذلك لا يعتقد أنه من المحرمات ولا أنه داخل فيما ذمه الله ~~ورسوله فالمقاتل في الفتنة متأولا لا يعتقد أنه قتل مؤمنا بغير حق والمبيح ~~للمتعة والحشوش ونكاح المحلل لا يعتقد أنه أباح زنا وسفاحا والمبيح للنبيذ ~~المتأول فيه ولبعض أنواع المعاملات الربوية وعقود المخاطرات لا يعتقد أنه ~~أباح الخمر والميسر والربا # ولكن وقوع مثل هذا التأويل من الأئمة المتبوعين أهل العلم والإيمان صار ~~من أسباب المحن والفتنة فإن الذين يعظمونهم قد يقتدون بهم في ذلك وقد لا ~~يقفون عند الحد الذي انتهى إليه أولئك بل يتعدون ذلك ويزيدون زيادات لم ~~تصدر من أولئك الأئمة السادة والذين يعلمون تحريم جنس ms136 ذلك الفعل قد يعتدون ~~على المتأولين بنوع # PageV01P301 # من الذم فيما هو مغفور لهم ويتبعهم آخرون فيزيدون في الذم ما يستحلون به ~~من أعراض إخوانهم وغير أعراضهم ما حرمه الله ورسوله فهذا واقع كثير في ~~موارد النزاع الذي وقع فيه خطأ من بعض الكبار # واعتبر ذلك بمسألة السماع التي تكلمنا فيها فإن الله سبحانه شرع للأمة ما ~~أغناهم به عما لم يشرعه حيث أكمل الدين وأتم عليهم النعمة ورضى لهم الإسلام ~~دينا وهو سماع القرآن الذي شرعه لهم في الصلاة التي هي عماد دينهم وفي غير ~~الصلاة مجتمعين ومنفردين حتى كان أصحاب محمد إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم ~~ان يقرأ والباقون يسمعون وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى يا أبا موسى ~~ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وقد بسطنا القول في ذلك في غير هذا الموضع ~~وإنما ذكرنا هنا نكتا تتعلق بالسماع # قال تعالى {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود ~~الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [سورة الزمر 23] # وذكر سماع المؤمنين والعارفين والعالمين والنبيين فقال تعالى {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا} [سورة الأنفال 2] # وقال تعالى إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان ~~سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ~~ويزيدهم خشوعا [سورة الإسراء 108 109] # PageV01P302 # وقال أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع ~~نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات ~~الرحمن خروا سجدا وبكيا [سورة مريم 58] # وقال تعالى الذين يستعون القول فيتبعون أحسنه [سورة الزمر 18] # وقال والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا [سورة ~~الفرقان 73] # وقال تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون [سورة فصلت 26] # وقال تعالى وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا [سورة ~~الفرقان 30] # وقال تعالى إن شر الدواب عند الله الصم ms137 البكم الذين لا يعقلون ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون [سورة الانفال 23] # وقال فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة [سورة ~~المدثر 49 51] # وقال {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مستورا} الآية [سورة الإسراء 54] # PageV01P303 # وقال {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [سورة ~~التوبة 6] # وقال تعالى {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} [سورة العنكبوت 45] # وقال فاقرأوا ما تيسر منه [سورة المزمل 20] # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يتغن بالقرآن وقال من قرأ ~~القرآن فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول ألم حرف ولكن أقول ألف حرف ~~ولام حرف وميم حرف وهذا باب واسع يضيق هذا الموضع عن ذكر جزء منه # فلما انقرضت القرون الفاضلة حصل فترة في هذا السماع المشروع الذي به صلاح ~~القلوب وكمال الدين وصار أهل التغيير فيه أحد رجلين رجل معرض عن السماع ~~المشروع وغير المشروع ورجل احتاج إلى سماع القصائد والأبيات فأحدث سماع ~~القصائد والأبيات كالتغير وكان الأكابر الذين حضروه لهم من التأويل ما لهم ~~فأقام الله في الأمة من أنكر ذلك كما هو سنة الله في هذه الأمة الآمرة ~~بالمعروف الناهية عن المنكر # PageV01P304 # وهؤلاء المنكرون فيهم المقتصد في إنكاره ومنهم المتأول بزيادة في الإنكار ~~غير مشروعة # كما أحدث أولئك ما ليس مشروعا وصار على تمادى الايام يزداد المحدث من ~~السماع ويزداد التغليظ في أهل الإنكار حتى آل الأمر من أنواع البدع ~~والضلالات والتفرق والاختلافات إلى ما هو من أعظم القبائح المنكرات التي لا ~~يشك في عظم إثمها وتحريمها من له أدنى علم وإيمان # وأصل هذا الفساد من ذلك التأويل في مسائل الاجتهاد فمن ثبته الله بالقول ~~الثابت أعطى كل ذي حق حقه وحفظ حدود الله فلم يتعدها {ومن يتعد حدود الله ~~فقد ظلم نفسه} [سورة الطلاق 1] فالشر في التفريط بترك المأمور أو العدوان ~~بتعدي الحدود وحصلت الزيادات في جميع الأنواع المبتدعة # فإن ms138 أصل سماع القصائد كان تلحينا بإنشاد قصائد مرققة للقلوب تحرك تحريك ~~المحبة والشوق أو الخوف والخشية أو الحزن والأسف وغير ذلك وكانوا يشترطون ~~له المكان والإمكان والخلان فيشترطون أن يكون المجتمعون لسماعها من أهل ~~الطريق المريدين لوجه الله والدار الآخرة وأن يكون الشعر المنشد غير متضمن ~~لما يكره سماعه في الشريعة وقد يشترط بعضهم أن يكون القوال منهم وربما ~~اشترط بعضهم ذلك في # PageV01P305 # الشاعر الذي انشأ تلك القصائد وربما ضموا إليه آلة تقوى الصوت وهو الضرب ~~بالقضيب على جلد مخدة أو غيرها وهو التغبير # ومن المعلوم أن استماع الأصوات يوجب حركة النفس بحسب ذلك الصوت الذي يوجب ~~الحركة وهو يوجب الحركة # وللأصوات طبائع متنوعة تتنوع آثارها في النفس وكذلك للكلام المسموع نظمه ~~ونثره فيجمعون بين الصوت المناسب والحروف المناسبة لهم # وهذا الأمر يفعله بنو آدم من أهل الديانات البدعية كالنصارى والصابئة ~~وغير أهل الديانات ممن يحرك بذلك حبه وشوقه ووجده أو حزنه وأسفه أو حميته ~~وغضبه أو غير ذلك فخلف بعد أولئك من صار يجمع عليه أخلاطا من الناس ويرون ~~اجتماعهم لذلك شبكة تصطاد النفوس بزعمهم إلى التوبة والوصول في طريق أهل ~~الارادة # وأحدث بعد أولئك أيضا الاستماع من المخانيث المعروفين بالغناء لأهل ~~الفسوق والزنا وربما استمعوه من الصبيان المردان أو من النسوان الملاح كما ~~يفعل أهل الدساكر والمواخير # وقد يجمعون في السماع أنواع الفساق والفجار وربما قصدوا التكاثر بهم ~~والافتخار لا سيما إن كانوا من أهل الرياسة واليسار وكثيرا # PageV01P306 # ما يحضر فيه أنواع المردان وقد يكون ذلك من أكبر مقاصد أهل السماع وربما ~~ألبسوهم الثياب المصبغة الحسنة وأرقصوهم في طابق الرقص والدوران وجعلوا ~~مشاهدتهم بل معانقتهم مطلوبا لمن يحضر من الأعيان وإذا غلبهم وجد الشيطان ~~رفعوا الأصوات التي يبغضها الرحمن # وكذلك زادوا في الابتداع في إنشاد القصائد فكثيرا ما ينشدون أشعار الفساق ~~والفجار وفيهم كثير ينشدون أشعار الكفار بل ينشدون ما لا يستجيزه أكثر اهل ~~التكذيب وإنما يقوله أعظم الناس كفرا برب العالمين وأشدهم بعدا عن الله ~~ورسوله والمؤمنين ms139 # وزادوا أيضا في الآلات التي تستثار بها الأصوات مما يصنع بالأفواه ~~والأيدي كأبواق اليهود ونواقيس النصارى من يبلغ المنكرات كأنواع الشبابات ~~والصفارات وأنواع الصلاصل والأوتار المصوتات ما عظمت به الفتنة حتى ربا ~~فيها الصغير وهرم فيها الكبير وحتى اتخذوا ذلك دينا وديدنا وجعلوه من ~~الوظائف الراتبة بالغداة والعشى كصلاة الفجر والعصر وفي الأوقات والاماكن ~~الفاضلات واعتاضوا به عن القرآن والصلوات # وصدق فيهم قوله {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} # PageV01P307 # {واتبعوا الشهوات} [سورة مريم 59] وصار لهم نصيب من قوله تعالى {وما كان ~~صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [سورة الأنفال 35] إذ المكاء هو الصفير ~~ونحوه من الغناء والتصدية هي التصفيق بالأيدي فإذا كان هذا سماع المشركين ~~الذي ذمه الله في كتابه فكيف إذا اقترن بالمكاء الصفارات المواصيل ~~وبالتصدية مصلصلات الغرابيل وجعل ذلك طريقا ودينا يتقرب به إلى المولى ~~الجليل # وظهر تحقيق قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الغناء ينبت النفاق في ~~القلب كما ينبت الماء البقل # بل أفضى الأمر إلى أن يجتمع في هذا السماع على الكفر بالرحمن والاستهزاء ~~بالقرآن والذم للمساجد والصلوات والطعن في أهل الإيمان والقربات والاستخفاف ~~بالأنبياء والمرسلين والتحضيض على جهاد المؤمنين ومعاونة الكفار والمنافقين ~~واتخاذ المخلوق إلها من دون رب العالمين وشرب أبوال المستمعين وجعل ذلك من ~~أفضل أحوال العارفين ورفع الأصوات المنكرات التي أصحابها شر من البهائم ~~السائمات الذين قال الله في مثلهم {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن ~~هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} [سورة الفرقان 44] # وقال تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل أولئك هم الغافلون} [سورة الأعراف 179] الذين # PageV01P308 # يفعلون في سماعاتهم ما لا يفعله اليهود والنصارى ولهذا يتولون من يتولاهم ~~من اليهود والنصارى والصابئة والمشركين والمجوس ويجعلونهم من إخوانهم ~~وأصحابهم وأهل خرقتهم مع معاداتهم للأنبياء والمؤمنين # فصار السماع المحدث دائرا بين الكفر والفسوق والعصيان ولا حول ولا ms140 قوة ~~إلا بالله وكفره من أغلظ الكفر وأشده وفسوقه من اعظم الفسوق # وذلك أن تأثير الأصوات في النفوس من أعظم التأثير يغنيها ويغذيها حتى قيل ~~إنه لذلك سمى غناء لأنه يغني النفس # وهو يفعل في النفوس أعظم من حميا الكؤوس حتى يوجب للنفوس أحوالا عجيبة ~~يظن أصحابها أن ذلك من جنس كرامات الأولياء وإنما هو من الأمور الطبيعية ~~الباطلة المبعدة عن الله إذ الشياطين تمدهم في هذا السماع بأنواع الإمداد # كما قال تعالى {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} [سورة الأعراف ~~202] وقال للشيطان واستفزز من استطعت منهم بصوتك [سورة الإسراء 64] فربما ~~يخف أحدهم حتى يرقص فوق رؤوسهم ويكون شيطانه هو المغوى لنفوسهم # PageV01P309 # ولهذا كان مرة في سماع يحضره الشيخ شبيب الشطي فبينما هم في سماع أحدهم ~~وإذا بعفريت يرقص في الهواء على رؤوسهم فتعجبوا منه وطلب الشيخ لمريده ~~الشيخ أبا بكر بن فينان وكان له حال ومعرفة فلما رآه صرخ فيه فوقع فما ~~فرغوا طلب منه ان ينصفه وقال هذا سلبني حالي فقال الشيخ لم يكن له حال ولكن ~~كان بالرحبة فحمله شيطانه إلى هنا وجعل يرقص به فلما رأيت الشيطان صرخت فيه ~~فهرب فوقع هذا # والقصة معروفة يعرفها أصحاب الشيخ # وصار في أهل هذا السماع المحدث الذين اتخذوا دينهم لغوا ولعبا ضد ما أحبه ~~الله وشرعه في دين الحق الذي بعث به رسوله من عامة الوجوه بل صار مشتملا ~~على جميع ما حرمه الله ورسله # كما قال تعالى {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون} [سورة الأعراف 33] فصار فيه من الفواحش الظاهرة ~~والباطنة والإثم والبغي بغير الحق والإشراك بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~والقول على الله بغير علم ما لا يحصيه إلا الله فإنه تنوع وتعدد وتفرق أهله ~~فيه وصاروا شيعا لكل قوم ذوق ومشروب وطريق # PageV01P310 # يفارقون به غيرهم حتى في الحروف المنشدة والأصوات الملحنة ms141 والأذواق ~~الموجودة والحركات الثائرة والقوم المجتمعين وصار من فيه من العلم والإيمان ~~ما ينهاه عما ظهر تحريمه من أنواع الكفر والظلم والفواحش يريد أن يحد حدا ~~للسماع المحدث يفصل به بين ما يسوغ منه وما لا يسوغ فلا يكاد ينضبط حد لا ~~بالقول ولا بالعمل فإن قرب في الضبط والتحديد بالقول لم ينضبط له بالعمل إذ ~~يندر وجود تلك الشروط حتى إنه اجتمع مرة ببغداد في حال عمارتها ووجود ~~الخلافة بها أعيان الشيوخ الذين يحضرون السماع المفتون فلم يجدوا من يصلح ~~له في بغداد وسوادها إلا نفرا إما ثلاثة وإما أربعة وإما نحو ذلك # وسبب هذا الإضراب أنه ليس من عند الله وما كان من عند غير الله وجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه ~~واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} [سورة الروم 30 32] # ثم مع اشتماله على المحرمات كلها أو بعضها يرون أنه من أعظم القربات بل ~~أعظمها وأجلها قدرا وأن أهله هم الصفوة أولياء الله وخيرته من خلقه ولا ~~يرضون بمساواة السابقين الأولين من المهاجرين والانصار وسلف الأمة حتى ~~يتفضلوا عليهم وفيهم من يساوون أنفسهم # PageV01P311 # بالأنبياء والمرسلين وفيهم من يتفضل أيضا على الانبياء والمرسلين على ~~أنواع من الكفر التي ليس هذا موضعها # وجماع الأمر انه صار فيه وفيما يتبعه في وسائل ذلك ومقاصده في موجوده ~~ومقصوده في صفته ونتيجته ضد ما في السماع والعبادات الشرعية في وسائلها ~~ومقاصدها موجودها ومقصودها صفتها ونتيجتها فذاك يوجب العلم والإيمان وهذا ~~يوجب الكفر والنفاق ولهذا كان أعراب الناس أهل البوادي من العرب والترك ~~والكرد وغيرهم أكثر استعمالا له من أهل القرى فإنهم كما قال الله تعالى ~~{الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} ~~[سورة التوبة 97] # ولهذا كان يحضره الشياطين كما أن سماع أهل ms142 الإيمان تحضره الملائكة وتنزل ~~عليهم فيه الشياطين وتوحى إليهم كما تنزل الملائكة على المؤمنين وتقذف في ~~قلوبهم ما امرهم الله فإن الملائكة تنزل عند سماع القرآن وعند ذكر الله # كما في الصحيح ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ~~ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة ~~وذكرهم الله فيمن عنده # PageV01P312 # وفي الصحيح أن أسيد بن الحضير كان يقرأ سورة الكهف فرأى مثل الظلة فيها ~~أمثال المصابيح فقال النبي صلى الله عليه وسلم تلك السكينة تنزلت لسماع ~~القرآن # وفي الصحيح إن لله ملائكة فضلا عن كتاب الناس فإذا رأوا قوما يذكرون الله ~~تنادوا هلموا إلى حاجتكم الحديث بطوله # وهذا السماع المحدث تحضره الشياطين كما رأى ذلك من كشف له وكما توجد آثار ~~الشياطين في أهله حتى أن كثيرا منهم يغلب عليه الوجد فيصعق كما يصعق ~~المصروع ويصيح كصياحه ويجري على لسانه من الكلام ما لا يفهم معناه ولا يكون ~~بلغته كما يجري على لسان المصروع وربما كان ذلك من شياطين قوم من الكفار ~~الذي يكون أهل ذلك السماع مشابهين لقلوبهم كما يوجد ذلك في أقوام كثيرين ~~كانوا يتكلمون في # PageV01P313 # وجدهم واختلاطهم بلغة الترك التتر الكفار فينزل عليهم شياطينهم ويغوونهم ~~ويبقون منافقين موالين لهم وهم يظنون أنهم من أولياء الله وإنما هم من ~~أولياء الشيطان وحزبه # ولهذا يوجد فيه مما يوجد في الخمر من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة ومن ~~إيقاع العداوة والبغضاء حتى يقتل بعضهم بعضا فيه ولهذا يفعلونه على الوجه ~~الذي يحبه الشيطان ويكرهه الرحمن # وذلك من وجوه # أحدها أن العبادات الشرعية مثل الصلاة والصيام والحج قد شرع فيها من ~~مجانبة جنس المباشرة المباحة في غيرها ما هو من كمالها وتمامها فقال تعالى ~~{ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [سورة البقرة 187] # وقال {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [سورة البقرة 187] # وقال {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء ms143 أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [سورة النساء 43] # وأعظم ذلك الحج فليس للمحرم أن يباشر فيه النساء ولا ينظر إليهم لشهوة ~~والمعتكف قريب منه والصائم دونه والمصلى لا يصاف النساء بل يؤخرن عن صفوف ~~الرجال ويصلين خلف الرجال كما # PageV01P314 # قال النبي صلى الله عليه وسلم خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير ~~صفوف النساء آخرها وشرها أولها # وليس للمصلى في حال صلاته أن ينظر إلى ما يلهيه عن الصلاة لا نساء ولا ~~غيرهم بل قد ثبت في الصحيح أنه إذا مر أمامه المرأة والحمار والكلب الأسود ~~وضع صلاته وإن كان قد ثبت عن النبي ص # PageV01P315 # أنه كان يصلي وعائشة مضطجعة في قبلته بالليل في الظلمة فإذا أراد أن يسجد ~~غمزها فاللابث غير المار ولم يكن ذلك يلهيه لأنه كان بالليل في الظلمة ~~وكذلك مس النساء لشهوة ينقض الطهارة عند اكثر العلماء # فإذا كان هذا في النظر والمباشرة المباح في غير حال العبادة نهى الله عنه ~~حال العبادة لما في ذلك من المباينة للعبادة والمنافاة لها فكيف بما هو ~~حرام خارج عن العبادة كالنظر إلى البغي والمباشرة لها فكيف بالنظر إلى ~~المردان الصباح المخانيث وغير المخانيث والمباشرة لهن ثم هذا قد يفعل لمجرد ~~شهوة النظر فيكون قبيحا مكروها خارج العبادة فكيف في حال العبادة # وهؤلاء قد يجعلون ذلك مما لا يتم السماع إلا به بل ويتخذونه في الصلاة ~~وغيرها من العبادات فيجعلون حضورهم في السماع # PageV01P316 # والسماع من النساء والصبيان من جملة القربات والطاعات # وهذا من أعظم تبديل الدين فإن الرجل لو جعل النظر إلى امرأته في الصلاة ~~أو الصيام أو الاعتكاف من جملة العبادة كان مبتدعا بل كان هذا كفرا فكيف ~~إذا جعل النظر إلى المرأة الأجنبية أو الأمرد في الصلاة من جملة العبادات ~~كما يفعله بعضهم وقد أوقد شمعة على وجه الأمرد فيستجليه في صلاته ويعد ذلك ~~من عباداته هذا من أعظم تبديل الدين ومتابعة الشياطين # وهذا إذا كان العمل عبادة في نفسه ms144 كالصلاة والصيام فكيف إذا كان العمل ~~بدعة عظيمة وهو سماع المكاء والتصدية وضم إليه مشاهدة الصور الجميلة وجعل ~~سماع هذه الأصوات ورؤية هذه الصور من العبادات فهذا من جنس دين المشركين # ولقد حدثني بعض المشايخ أن بعض ملوك فارس قال لشيخ رآه قد جمع الناس على ~~مثل هذا الاجتماع يا شيخ إن كان هذا هو طريق الجنة فأين طريق النار # الوجه الثاني أن التطريب بالآلات الملهية محرم في السماع الذي أحبه الله ~~وشرعه وهو سماع القرآن فكيف يكون قربة في السماع الذي لم يشرعه الله وهل ضم ~~ما يشرعه الله إلى ما ذمه يصير المجموع المعين بعضه # PageV01P317 # لبعض مما أحبه الله ورضيه # الوجه الثالث كثرة أيقاد النار بالشموع والقناديل وغير ذلك مما لا يشرع ~~في الصلاة وقراءة القرآن إذ فيه من تفريق القلوب وغير ذلك مما هو خلاف ~~المقصود # الوجه الرابع التنوع في المطاعم والمشارب فيه وليس شأن العبادات وإنما ~~شرع نوع ذلك عند الفراغ من العبادة وأما أن يكون هذا التنوع في المطاعم ~~والمشارب في السماع من العبادة التي يتقرب بها الى الله فلا وأما موجبه من ~~الحركات المختلفة والأصوات المنكرة والحركات العظيمة فهذا أجل من ان يوصف ~~ولا يمكن رد موجبه بعد قيام المقتضى التام كما لا يمكن رد السكر عن النفس ~~بعد شرب ما يسكر من الخمر بل إسكاره للنفوس وصده عن ذكر الله وعن الصلاة ~~أعظم مما في الخمر بكثير # فإن الصلاة كما ذكر الله تعالى {تنهى عن الفحشاء والمنكر} [سورة العنكبوت ~~45] وهذا أمر مجرب محسوس يجد الإنسان من نفسه أن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ويجد أهل السماع أن نفوسهم # PageV01P318 # تميل إلى الفحشاء والمنكر ولهذا يتعاطى كل أحد من الفاحشة حتى تعاطى كثير ~~من المتصوفة صحبة الأحداث ومشاهدتهم # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال العينان يزينان ~~وزناهما النظر وغالب أهله يخالطون الأحداث والنسوان الأجانب ومن امتنع منهم ~~عن ذلك لورع أو غيره فإنه إنما ينتهي عن ذلك بغير هذا ms145 السماع وأما هذا ~~السماع فال ينهاه عن ذلك قطعا بل يدعوه إليه لا سيما النفوس التي بها رقة ~~ورياضة وزهد فإن سماع الصوت يؤثر فيها تأثيرا عظيما وكذلك مشاهدة الصور ~~ويكون ذلك قوتا لها وبهذا اعتاض الشيطان فيمن يفعل ذلك من المتصوفة فإنه لم ~~يبال بعد أن أوقعهم فيما يفسد قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ألا يشتغل بجمع ~~الأموال والسلطان اذا قد تكون فتنة أحدهم بذلك اعظم من الفتنه بالسلطان ~~والمال فإن جنس ذلك مباح وقد يستعان به على طاعة الله وأما ما يشغل به ~~هؤلاء أنفسهم فإنه دين فاسد منهى عنه مضرته راجحة على منفعته # الوجه الخامس تشبيه الرجال بالنساء فإن المغاني كان السلف يسمونهم مخانيث ~~لأن الغناء من عمل النساء ولم يكن على عهد النبي # PageV01P319 # ص يغني في الأعراس إلا النساء كالإماء والجواري الحديثات السن فإذا تشبه ~~بهم الرجل كان مخنثا وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المخنثين من ~~الرجال والمترجلات من النساء وهكذا فيمن يحضرون في السماع من المردان الذين ~~يسمونهم الشهود فيهم من التخنث بقدر ما تشبهوا بالنساء وعليهم من اللعنة ~~بقدر ذلك # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بنفي المخنثين وقال أخرجوهم ~~من بيوتكم فكيف نمر بقربهم ونعظمهم ونجعلهم طواغيت معظمون بالباطل الذي ~~حرمه الله ورسوله وأمر بعقوبة أهله وإذلالهم وهذا مضاد في أمره فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله ~~في أمره رواه أبو داود فإذا كان هذا في الشفاعة بالكلام فكيف بالذي يعظم # PageV01P320 # المتعدين لحدود الله ويعينهم على ذلك ويجعل ذلك دينا لا سيما التعظيم لما ~~هو من جنس الفواحش فإن هذا من شأنه إذا كان مباحا ستره أو إخفاؤه وأهله لا ~~يجوز أن يجعلوا من ولاة الأمور ولا يكون لهم نصيب من السلطان بما فيهم من ~~نقص العقل والدين فكيف بمن هو من جنس هؤلاء ممن لعنه الله ورسوله فإن من ~~يعظم القينات المغنيات ويجعل لهن رياسة ms146 وحكما لأجل ما يستمع منهن من الغناء ~~وغيره عليه من لعنة الله وغضبه أعظم ممن يؤمر المرأة الحرة ويملكها وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة # فالذي يعظم المخنثين من الرجال ويجعل لهم من الرياسة والأمر على الأمر ~~المحرم ما يجعل هو احق بلعنة الله وغضبه من أولئك فإن غناء الإماء ~~والاستمتاع بهن من جنس المباح وما زال الإماء وغيرهن من # PageV01P321 # النساء يغنين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الأفراح ~~كالعرس وقدوم الغائب ونحو ذلك بخلاف من يستمعون الغناء من المردان والنساء ~~الأجنبيات ويجتمعون معهم على الفواحش فإنما يكون ذلك من أعظم المحرمات فكيف ~~إذا جعل ذلك من العبادات وقد كتبنا في غير هذا الموضع مما يتعلق بذلك ما لا ~~يحتمله هذا الموضع # الوجه السادس أن رفع الأصوات في الذكر المشروع لا يجوز إلا حيث جاءت به ~~السنة كالأذان والتلبية ونحو ذلك فالسنة للذاكرين والداعين ألا يرفعوا ~~أصواتهم رفعا شديدا كما ثبت في الصحيح عن أبي موسى أنه قال كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا علونا على شرف كبرنا فارتفعت أصواتنا ~~فقال يا أيها الناس اربعوا على انفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما ~~تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعون أقرب إلى احدكم من عنق راحلته # وقد قال تعالى {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [سورة ~~الأعراف 55] وقال عن زكريا {إذ نادى ربه نداء خفيا} [سورة مريم 3] وقال ~~تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ~~ولا تكن من الغافلين [سورة الأعراف 205] # PageV01P322 # وفي هذه الآثار عن سلف الأمة وأئمتها ما ليس هذا موضعه كما قال الحسن ~~البصري رفع الصوت بالدعاء بدعة وكذلك نص عليه أحمد ابن حنبل وغيره وقال قيس ~~بن عباد وهو من كبار التابعين من أصحاب على عليه السلام روى عنه الحسن ~~البصري قال كانوا يستحبون خفض الصوت عند الذكر وعند الجنائز وعند القتال # وهذه المواطن الثلاثة ms147 تطلب النفوس فيها الحركة الشديدة ورفع الصوت عند ~~الذكر والدعاء لما فيه من الحلاوة ومحبة ذكر الله ودعائه وعند الجنائز ~~بالحزن والبكاء وعند القتال بالغضب والحمية ومضرته أكبر من منفعته بل قد ~~يكون ضررا محضا وإن كانت النفس تطلبه كما في حال المصائب # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ~~ودعا بدعوى الجاهلية وتبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من الصالفة والحالقة ~~والشاقة والصالفة التي ترفع صوتها بالمصي # PageV01P323 # وقال إن الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا على حزن القلب ولكن يؤاخذ على ~~هذا وأشار إلى لسانه أو يرحم وقال إن النائحة إذا لم تتب فإنها تلبس يوم ~~القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران # وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح ولهذا عظم نهى العلماء عما ابتدع فيها ~~مثل الضرب بالدفوف ونحو ذلك ورأوا تقطيع الدف في الجنازة كما نص عليه أحمد ~~وغيره بخلاف الدف في العرس فإن ذلك مشروع # وأما القتال فالسنة أيضا فيه خفض الصوت ولهذا قال حماس بن قيس بن خالد ~~لامرأته يوم فتح مكة ... إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة # وأبو يزيد قائم كالموتمه واستقبلهم بالسيوف المسلمة # يقطعن كل ساعد وجمجمة ضربا فلا يسمع إلا غمغمه # لهم نهيت خلفنا وهمهمه لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه ... # PageV01P324 # وهذه الدقادق والأبواق التي تشبه قرن اليهود وناقوس النصارى لم تكن تعرف ~~على عهد الخلفاء الراشدين ولا من بعدهم من أمراء المسلمين وإنما حدث في ظني ~~بعض ملوك المشرق من أهل فارس فإنهم أحدثوا في أحوال الإمارة والقتال أمورا ~~كثيرة وانبثت في الأرض لكون ملكهم انتشر حتى ربا في ذلك الصغير وهرم فيها ~~الكبير لا يعرفون غير ذلك بل ينكرون أن يتكلم أحد بخلافه حتى ظن بعض الناس ~~أن ذلك من إحداث عثمان بن عفان وليس كذلك بل ولا فعله عامة الخلفاء ~~والأمراء بعد عثمان رضي الله عنه # ولكن ظهر في الأمة ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ms148 حيث قال لتأخذن ~~مأخذ الأمم قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع قالوا فارس والروم قال ومن الناس ~~إلا هؤلاء كما قال في الحديث الآخر لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة ~~بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى ~~قال فمن # وكلا الحديثين في الصحيح أخبر بأنه يكون في الأمة من يتشبه باليهود ~~والنصارى ويكون فيها من يتشبه بفارس والروم # PageV01P325 # ولهذا ظهر في شعائر الجند المقاتلين شعائر الأعاجم من الفرس وغيرهم حتى ~~في اللباس وأعمال القتال والأسماء التي تكون لأسباب الإمرة مثل الألفاظ ~~المضافة إلى دار كقولهم ركاب دار وطشت دار وخان دار فإن ذلك في لغة الفرس ~~بمعنى صاحب وحافظ فإذا قالوا جان دار فالجان هي الروح في لغتهم فالجان دار ~~بمعنى حافظ الروح وصاحب الروح وكذلك الركاب دار أي صاحب الركاب وحافظ ~~الركاب وهو الذي يسرج الفرس ويلجمه ويكون في ركاب الراكب وكذلك صاحب الطشت ~~الذي يغسل الثياب والأبدان # وكذلك برد دار وهو صاحب العتبة وهو الموكل بدار الأمير كالحداد والبواب ~~الذي يمنع من الدخول والخروج ويأذن فيه # وكذلك يقولون جمدار وسلاح دار وجوكان دار وبندق دار ودوادار وخرندار ~~واستادار لصاحب الثياب الذي يحفظ الثياب وما يتعلق بذلك ولصاحب السلاح ~~والجوكان والبندق والدواه وخزانة المال والاستدانة وهي التصرف في إخراج ~~المال وصرفه فيما يحتاج إليه من الطعام واللباس وغير ذلك # ويتعدى ذلك إلى ولاة الطعام والشراب فيقولون مرق دار أي صاحب المرقة وما ~~يتعلق بها وشراب دار لصاحب الشراب ويقولون مهما ندار أي صاحب المهم كما ~~يقولون مهمان خاناه أي بيت المهم والمهمة وهو في لغتهم الضيف أي بيت ~~الإضافة وصاحب الضيافة # PageV01P326 # مهمان دار لمثل رسول يرد على الأمير والعيون الذين هم الجواميس ونحو ذلك ~~ممن يتخذ له ضيافة ويوجد منه أخبار وكتب ويعطى ذلك ونحو ذلك # فإن الأف والنون في لغتهم جمع كما يقولون مسلمان وفقيهان وعالمان أي ~~مسلمون وفقهاء وعلماء ونحو ذلك قولهم فراش خاناه أي بيت الفرس والفراش ~~يسمونه باللفظ العربي ms149 ويقولون زرد خاناه أي بيت الزرد # وهذا الخاص هو عام في العرف يراد به بيت السلاح مطلقا وإن ذكر لفظ الزرد ~~خاصة كما كان الصحابة يعبرون عن السلاح بالحلقة والحلقة هي الدروع المسرودة ~~من السرد الذي يقال له الزرد فنقلت السين زايا وربما قالوا الحلقة والسلاح ~~أي الدروع والسلاح # ولهذا لما صالح النبي صلى الله عليه وسلم من صالحه من يهود صالحهم على أن ~~له الحلقة وفي السيرة كان في بني فلان وفلان من الأنصار الحلقة والحصون أي ~~هم الذين لهم السلاح الذين يقاتلون بها والحصون التي يأوون إليها كما يكون ~~لأمراء الناس من أصناف الملوك المعاقل والحصون والقلاع ولهم السلاح فإن هذه ~~الأمور هي جنن القتال وبها يمتنع المقاتل والمطلوب بخلاف من لا سلاح له ولا ~~حصن فإنه ممكن # PageV01P327 # من نفسه مقدور عليه في مثل الأمصار وإن كان القتال على الخيل بالسلاح هو ~~أعلى وأفضل من القتال في الحصون بالسلاح فالحصان خير من الحصون ومن لم يكن ~~قتاله إلا في الحصون والجدر فهو مذموم # كما قال تعالى عن اليهود {لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من ~~وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون} [سورة الحشر 14] # والمحدثات في أمر الإمارة والملك والقتال كثيرة جدا ليس هذا موضعها فإن ~~الأمة هي في الأصل اربعة أصناف كما ذكر ذلك في قوله فاقرأوا ما تيسر من ~~القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله [سورة المزمل 20] # فالصنف الواحد القراء وهم جنس العلماء والعباد ويدخل فيهم من تفرع من هذه ~~الأصناف من المتكلمة والمتصوفة وغيرهم # والصنف الآخر المكتسب بالضرب في الأرض وأما المقيمون من أهل الصناعات ~~والتجارات فيمكن أن يكونوا من القراء المقيمين أيضا بخلاف المسافر فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا مرض العبد أو # PageV01P328 # سافر كتبه له من العمل مثل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم أخرجاه في الصحيحين ~~عن ابي ms150 موسى # والله سبحانه إنما ذكر هذه الأصناف في الآية ليبين من يسقط عنه قيام ~~الليل من أهل الأعذار فذكر المريض والمسافر اللذين ذكرا في الحديث وذكر ~~المسافرين في ضربين الضاربين في الأرض يبتغون من فضل الله والمقاتلين في ~~سبيل الله وهم التجار والأجناد # والمقصود هنا ان الأجناس الأربعة من المقاتلة والتجار ومن يلحق بهم من ~~الصناع والقراء وأهل الأعذار كالمرضى ونحوهم كل هؤلاء قد حصل فيهم من ~~الأنواع المختلفة ما يطول وصفه # وأمورهم ما بين حسن مأمور به وبين قبيح منهى عنه ومباح واشتمال أكثر ~~أمورهم على هذه الثلاثة المأمور به والمنهى عنه والمباح والواجب الأمر بما ~~أمر الله به والنهي عما نهى عنه والإذن فيما أباحه الله # PageV01P329 # لكن إذا كان الشخص أو الطائفة لا تفعل مأمورا إلا بمحظور أعظم منه أو لا ~~تترك مأمورا إلا لمحظور أعظم منه لم يأمر امرا يستلزم وقوع محظور راجح ولم ~~ينه نهيا يستلزم وقوع مأمور راجح فإن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو ~~الذي بعثت به الرسل والمقصود تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد ~~وتقليلها بحسب الإمكان # فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزما من الفساد أكثر مما ~~فيه من الصلاح لم يكن مشروعا وقد كره أئمة السنة القتال في الفتنة التي ~~يسميها كثير من اهل الأهواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ذلك إذا ~~كان يوجب فتنة هي اعظم فسادا مما في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~لم يدفع أدنى الفسادين باعلاهما بل يدفع أعلاهما باحتمال أدناهما كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ألا انبئكم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ~~والامر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات ~~البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين # PageV01P330 # لكن المقصود هنا ان هذه الأصوات المحدثة في امر الجهاد وإن ظن أن فيها ~~مصلحة راجحة فإن التزام المعروف هو الذي فيه المصلحة الراجحة كما في اصوات ~~الذكر إذ السابقون الأولون والتابعون ms151 لهم بإحسان أفضل من المتأخرين في كل ~~شئ من الصلاة وجنسها من الذكر والدعاء وقراءة القرآن واستماعه وغير ذلك ومن ~~الجهاد والإمارة وما يتعلق بذلك من أصناف السياسات والعقوبات والمعاملات في ~~إصلاح الأموال وصرفها فإن طريق السلف أكمل في كل شئ ولكن يفعل المسلم من ~~ذلك ما يقدر عليه # كما قال الله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} [سورة التغابن 16] وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله # قال أبو القاسم القشيري وإن حسن الصوت مما أنعم الله تعالى به على صاحبه ~~من الناس قال الله تعالى {يزيد في الخلق ما يشاء} [سورة فاطر 1] قيل في ~~التفسير من ذلك الصوت الحسن وذم # PageV01P331 # الله وسبحانه الصوت الفظيع فقال تعالى {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} ~~[سورة لقمان 19] # قلت كون الشئ نعمة لا يقتضى استباحة استعماله فيما شاء الإنسان من ~~المعاصي ولا يقتضي إلا حسن استعماله بل النعم المستعملة في طاعة الله يحمد ~~صاحبها عليها ويكون ذلك شكرا لله يوجب المزيد من فضله فهذا يقتضي حسن ~~استعمال الصوت الحسن في قراءة القرآن كما كان أبو موسى الأشعري يفعل وكما ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع لقراءته وقال مررت بك البارحة وأنت ~~تقرأ فجعلت استمع لقراءتك فقال لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا وقال ~~لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود # فأما استعمال النعم في المباح المحض فلا يكون طاعة فكيف في المكروه أو ~~المحرم ولو كان ذلك جائزا لم يكن قربة ولا طاعة إلا بإذن الله ومن # PageV01P332 # جعله طاعة لله بدون ذلك فقد شرع من الدين مالم يأذن به الله # ومعلوم أن القوة نعمة والجمال نعمة وغير ذلك من نعم الله التي لا يحصيها ~~إلا هو فهل يجعل أحد مجرد كون الشئ نعمة دليلا على استحباب إعماله فيما شاء ~~الإنسان أم يؤمر المنعم عليه بألا يستعملها في معصية ويندب إلى ألا ~~يستعملها إلا في طاعة الله تعالى # فآلاستدلال بهذا منزلة ms152 من استدل بإنعام الله بالسلطان والمال على ما جرت ~~عادة النفوس باستعمال ذلك فيه من الظلم والفواحش ونحو ذلك فآستعمال الصوت ~~الحسن في الأغاني وآلات الملاهي مثل استعمال الصور الحسنة في الفواحش ~~واستعمال السلطان بالكبرياء والظلم والعدوان واستعمال المال في نحو ذلك # ثم يقال له هذه النعمة يستعملها الكفار والفساق في أنواع من الكفر ~~والفسوق أكثر مما يستعلها المؤمنون في الإيمان فإن استمتاع الكفار والفساق ~~بالأصوات المطربة أكثر من استمتاع المسلمين فأي حمد لها بذلك إن لم تستعمل ~~في طاعة الله ورسوله # وأما قوله إن الله ذم الصوت الفظيع فهذا غلط منه فإن الله لا يذم ما خلقه ~~ولم يكن فعلا للعبد إنما يذم العبد بأفعاله الاختيارية # PageV01P333 # دون ما لا اختيار له فيه وإن كان صوته قبيحا فإنه لا يذم على ذلك وإنما ~~يذم بأفعاله # وقد قال الله في المنافقين {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع ~~لقولهم} [سورة المنافقون 4] # وقال {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في ~~قلبه وهو ألد الخصام} [سورة البقرة 204] # وإنما ذم الله ما يكون بآختيار العبد من رفع الصوت الرفع المنكر كما يوجد ~~ذلك في أهل الغلظ والجفاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الجفاء والغلط ~~وقسوة القلوب في الفدادين من أهل الوبر وهم الصياحون صياحا منكرا # وقد قال الله تعالى {واقصد في مشيك واغضض من صوتك} # PageV01P334 # {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} [سورة لقمان 19] فأمره أن يغض من صوته كما ~~أمر المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم وكما أمره أن يقصد في مشيه وذلك كله فيما ~~يكون باختياره لا مدخل لذه الصوت وعدم لذته في ذلك # وقال تعالى {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} [سورة ~~الحجرات 4] وقال لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له القول سورة ~~الحجرات 2 وقال إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن ~~الله قلوبهم للتقوى سورة الحجرات 3 # وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو في ms153 صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~في التوراة قال ليس بفظ ولا غليظ ولاصخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ~~ولكن يعفو ويغفر # PageV01P335 # وفي الصحيح أيضا انه أمر ان يبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ~~ولا نصب # وعنه ص قال إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نعمة صوت لهو ولعب ~~ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية # ثم قال ابو القاسم واستلذاذ القلوب واشتياقها إلى الأصوات الطيبة ~~واسترواحها إليها مما لا يمكن جحوده فإن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب والجمل ~~يقاسى تعب السير ومشقة الحمولة فيهون عليه بالحداء قال الله تعالى أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت [سورة الغاشية 17] # PageV01P336 # وحكى إسماعيل بن علية قال كنت أمشى مع الشافعي رحمه الله وقت الهاجرة ~~فجزنا بموضع يقول فيه أحد شيئا فقال مل بنا إليه ثم قال أيطربك هذا فقلت لا ~~فقال مالك حسن # قلت قد كان مستغنيا عن أن يستشهد على الامور الحسية بحكاية مكذوبة على ~~الشافعي فإن إسماعيل بن علية شيخ الشافعي لم يكن ممن يمشي معه ولم يرو هذا ~~عن الشافعي بل الشافعي روى عنه وهو من أجلاء شيوخ الشافعي وابنه ابراهيم بن ~~إسماعيل كان متكلما تلميذا لعبد الرحمن بن كيسان الأصم أحد شيوخ المعتزلة ~~وكان قد ذهب إلى مصر وكان بينه وبين الشافعي مناوأة حتى كان الشافعي يقول ~~فيه أنا مخالف لابن علية في كل شئ حتى في قول لا إله إلا الله لأني أقول لا ~~إله إلا الله الذي كلم موسى من وراء الحجاب وهو يقول لا إله إلا الله الذي ~~خلق في الهواء كلاما يسمعه موسى وهذا يذكر له أول رسالة في أصول الفقه ويظن ~~بعض الناس أن ابنه يشتبه # PageV01P337 # بأبيه فإنه شيخ الشافعي وأحمد وطبقتهما # فهذه الحكاية يعلم انها مفتراة من له أدنى معرفة بالناس ولو صحت عمن صحت ~~عنه لم يكن فيها إلا ما هو مدرك بالإحساس من ان الصوت الطيب لذيذ مطرب وهذا ~~يشترك ms154 فيه جميع الناس ليس هذا من أمور الدين حتى يستدل فيه بالشافعي بل ذكر ~~الشافعي في مثل هذا غض من منصبه مثل ما ذكر ابن طاهر عن مالك رحمه الله ~~حكاية مكذوبة وأهل المواخر أعلم بهذه المسألة من أئمة الدين ولو حكى مثل ~~هذا عن إسحاق بن إبراهيم النديم وأبي الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني لكان ~~أنسب من ان يحكيها عن الشافعي # ثم يقال كون الصوت الحسن فيه لذه أمر حسى لكن أي شئ في هذا مما يدل على ~~الأحكام الشرعية من كونه مباحا او مكروها او محرما ومن كون الغناء قربة أو ~~طاعة # بل مثل هذا ان يقول القائل استلذاذا بالوطء مما لا يمكن جحوده واستلذاذ ~~النفوس بالوطء مما لا يمكن جحوده واستلذاذها بالمباشرة للجميل من النساء ~~والصبيان مما لا يمكن جحوده واستلذاذها بالنظر إلى الصور الجميلة مما لا ~~يمكن جحوده # PageV01P338 # واستلذاذها بأنواع المطاعم والمشارب مما لا يمكن جحوده فأي دليل في هذا ~~لمن هداه الله على ما يحبه ويرضاه أو يبيحه ويجيزه # ومن المعلوم أن هذه الأجناس فيها الحلال والحرام والمعروف والمنكر بل كان ~~المناسب لطريقة الزهد في الشهوات واللذات ومخالفة الهوى ان يستدل بكون الشئ ~~لذيذا مشتهى على كونه مباينا لطريق الزهد والتصوف كما قد يفعل كثير من ~~المشايخ يزهدون بذلك في جنس الشهوات واللذات # وهذا وإن لم يكن في نفسه دليلا صحيحا فهو اقرب إلى طريقة الزهد والتصوف ~~من الاستدلال بكون الشئ لذيذا على كونه طريقا إلى الله # وكل من الاستدلالين باطل فلا يستدل على كونه محمودا أو مذموما أو حلالا ~~او حراما إلا بالأدلة الشرعية لا بكونه لذيذا في الطبع أو غير لذيذ # ولهذا ينكر على من يتقرب إلى الله بترك جنس اللذات كما قال ص للذين قال ~~احدهم أما أنا فأصوم لا أفطر وقال الآخر أما أنا فأقوم لا أنام وقال الآخر ~~أما أنا فلا اتزوج النساء وقال الآخر أما أنا فلا آكل اللحم فقال النبي ص # PageV01P339 # لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل ms155 اللحم فمن رغب عن سنتي ~~فليس مني # وقد أنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [سورة المائدة 87] # ثم إن أبا القاسم وطائفة معه تارة يمدحون التقرب إلى الله بترك جنس ~~الشهوات وتارة يجعلون ذلك دليلا على حسنه وكونه من القربا ت وهذا بحسب وجد ~~أحدهم وهواه لا بحسب ما أنزل الله وأوحاه وما هو الحق والعدل وما هو الصلاح ~~والنافع في نفس الأمر # والتحقيق أن العمل لا يمدح ولا يذم لمجرد كونه لذة بل إنما يمدح ما كان ~~لله أطوع وللعبد أنفع سواء كان فيه لذة أو مشقة قرب لذيذ هو طاعة ومنفعة ~~ورب مشق هو طاعة ومنفعة ورب لذيذ أو مشق صار منهيا عنه # ثم لو استدل بهذا على تحسين القرآن به لكان مناسبا فإن الاستعانة بجنس ~~اللذات على جنس الطاعات مما جاءت به الشريعة كما يستعان بالأكل والشرب على ~~العبادات # قال تعالى يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم # PageV01P340 # واشكروا لله [سورة البقرة 172] وقال كلوا من الطيبات واعملوا صالحا [سورة ~~المؤمنون 51] # وفي الحديث المتفق عليه قوله عليه السلام لسعد إنك لن تنفق نفقة تبتغى ~~بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك # وقال في بضع أحدكم أهله صدقة # وكذلك حمده في النعم كما في الحديث الصحيح إن الله ليرضى عن العبد أن ~~يأكل الأكلة فيحمده عليها # فلو قال إن الله خلق فينا الشهوات واللذات لنستعين بها على كمال مصالحنا ~~فخلق فينا شهوة الأكل واللذة به فإن ذلك في نفسه نعمة وبه يحصل بقاء جسومنا ~~في الدنيا وكذلك شهوة النكاح واللذة به هو في نفسه وربه يحصل بقاء النسل ~~فإذا استعين بهذه القوى على # PageV01P341 # ما أمرنا كان ذلك سعادة لنا في الدنيا والآخرة وكنا من الذين أنعم الله ~~عليهم نعمة مطلقة وإن استعملنا الشهوات فيما حظره علينا بأكل الخبائث في ~~نفسها أو كسبها كالمظالم أو بالإسراف فيها ms156 أو تعدينا أزواجنا أو ما ملكت ~~أيماننا كنا ظالمين معتدين غير شاكرين لنعمته لكان هذا كلاما حسنا # والله قد خلق الصوت الحسن وجعل النفوس تحبه وتلتذ به فإذا استعنا بذلك في ~~استماع ما امرنا باستماعه وهو كتابه وفي تحسين الصوت به كما أمرنا بذلك حيث ~~قال زينوا القرآن باصواتكم وكما كان يفعل أصحابه بحضرته مثل أبي موسى وغيره ~~كنا قد استعملنا النعمة في الطاعة وكان هذا حسنا مأمورا به كما كان عمر بن ~~الخطاب يقول لأبي موسى يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وكان ~~أصحاب محمد ص إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون # فهذا كان استماعهم وفي مثل هذا السماع كانوا يستعملون الصوت الحسن ~~ويجعلون التذاذهم بالصوت الحسن عونا لهم على طاعة الله وعبادته باستماع ~~كتابه فيثابون على هذا الالتذاذ إذ اللذة المأمور بها المسلم يثاب عليها ~~كما يثاب على أكله وشربه ونكاحه وكما يثاب على لذات # PageV01P342 # قلبه بالعلم والإيمان فإنها أعظم اللذات وحلاوة ذلك أعظم الحلاوات # ونفس التذاذه وإن كان متولدا عن سعته وهو في نفسه ثواب فالمسلم يثاب على ~~عمله وعمل ما يتلود عن عمله ويثاب عما يلتذ به من ذلك مما هو أعظم لذة منه ~~فيكون متقلبا في نعمة ربه وفضله # فأما أن يستدل بمجرد استلذاذ الإنسان للصوت أو ميل الطفل إليه أو استراحة ~~البهائم به على جواز أو استحباب في الدين فهو من أعظم الضلال وهو كثير فيمن ~~يعبد الله بغير العلم المشروع # ومن المعلوم أن الاطفال والبهائم تستروح بالأكل والشرب فهل يستدل بذلك ~~على ان كل أكل وشرب فهو حسن مأمور به # وأصل الغلط في هذه الحجج الضعيفة أنهم يجعلون الخاص عاما في الأدلة ~~المنصوصة وفي عموم الألفاظ المستنبطة فيجنحون إلى أن الألفاظ في الكتاب ~~والسنة أباحت أو حمدت نوعا من السماع يدرجون فيها سماع المكاء والتصدية أو ~~يجنحون إلى المعاني التي دلت على الإباحة أو الاستحباب في نوع من الأصوات ~~والسماع يجعلون ذلك متناولا لسماع المكاء والتصدية # وهذا جمع ms157 بين ما فرق الله بينه بمنزلة قياس الذين قالوا إنما البيع مثل # PageV01P343 # الربا وأصل هذا القياس المشركين الذين عدلوا بالله وجعلوا لله أندادا ~~سووهم برب العالمين في عبادتها أو اتخاذها آلهة وكذلك من عدل رسوله متنبئا ~~كذابا كمسيلمة الكذاب أو عدل بكتابه وتلاوته واستماعه كلاما آخر أو قراءته ~~أو سماعه أو عدل بما شرعه من الدين دينا آخرا شرعه له شركاؤه فهذا كله من ~~فعل المشركين وإن دخل في بعضه من المؤمنين قوم متأولون فالناس كما قال الله ~~تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [سورة يوسف 106] # فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل وهذا مقام ينبغي للمؤمنين التدبر ~~فيه فإنه ما بدل دين الله في الأمم المتقدمة وفي هذه الأمة إلا بمثل هذا ~~القياس ولهذا قيل ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس # وأصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده فإنه لم ~~يعدل أحد بالله شيئا من المخلوقات في جميع الأمور فمن عبد غيره أو توكل ~~عليه فهو مشرك به كمن عمد إلى كلام الله الذي أنزله وأمر باستماعه فعدل به ~~سماع بعض الاشعار # وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فضل القرآن على سائر الكلام ~~كفضل الله على خلقه رواه الترمذي وغيره # PageV01P344 # وروى أيضا عنه ما تقرب العباد إلى الله بشئ أحب إليه مما خرج منه يعني ~~القرآن وهذا محفوظ عن خباب بن الأرت أحد المهاجرين الأولين السابقين قال يا ~~هناه تقرب إلى الله بما استطعت فلن يتقرب إليه بشئ احب اليه من كلامه فإذا ~~عدل بذلك ما نزه الله عنه ورسوله بقوله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي # PageV01P345 # له [سورة يس 69] وجعله قرآنا للشيطان كما في الحديث فما قرآني قال الشعر ~~كان هذا عدل كلام الرحمن بكلام الشيطان وهذا قد جعل الشيطان عدلا للرحمن ~~فهو من جنس الذين قال الله فيهم فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود ابليس ~~أجمعون قالوا وهم فيها يختصون تالله إن كنا لفي ضلال مبين ms158 إذ نسويكم برب ~~العالمين [سورة الشعراء 94 98] # والاستدلال بكون الصوت الحسن نعمة واستلذاذ النفوس به على جواز استعماله ~~في الغناء أو استحباب ذلك في بعض الصور مثل الاستدلال بكون الجمال نعمة ~~ومحبة النفوس الصور الجميلة على جواز استعمال الجمال الذي للصبيان في إمتاع ~~الناس به مشاهدة ومباشرة وغير ذلك او استحباب ذلك في بعض الصور وهذا أيضا ~~قد وقع فيه طوائف من المتفلسفة والمتصوفة والعامة كما وقع في الصوت أكثر من ~~هؤلاء لكن الواقعون في الصور فيهم من له من العقل والدين ما ليس لهؤلاء إذ ~~ليس في هؤلاء رجل مشهور بين الناس شهرة عامة بخلاف أهل السماع ولكن هم ~~طرقوا لهم الطريق وذرعوا الذريعة حتى آل الأمر بكثير من الناس أن قالوا ~~وفعلوا في الصوت نظير ما قاله هؤلاء وفعلوه في الصور يحتجون على جواز النظر ~~إليه والمشاهدة بمثل نظير # PageV01P346 # ص إن الله جميل يحب الجمال وينسون قوله إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا ~~إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم # ويحتجون بما في ذلك من راحة النفوس ولذاتها كما يحتج هؤلاء ويكرمون ذا ~~الصورة على ما يبذله من صورته وإشهادهم إياها كما يكرم هؤلاء ذا الصوت على ~~ما يبذله من صوته وإسماعهم إياه بل كثيرا ما يجمع في الشخص الواحد بين ~~الصورة والصوت كما يفعل في المغنيات من القينات # وقد زين الشيطان لكثير من المتنسكة والعباد أن محبة الصور الجميلة إذا لم ~~يكن بفاحشة فإنها محبة لله كما زين لهؤلاء أن استماع هذا الغناء لله ففيهم ~~من يقول هذا اتفاقا وفيهم من يظهر أنه يحبه لغير فاحشة ويبطن محبة الفاحشة ~~وهو الغالب # لكن ما أظهروه من الرأي الفاسد وهو أن يحب لله ما لم يأمر الله # PageV01P347 # بمحبته هو الذي سلط المنافق منهم على أن يجعل ذلك ذريعة إلى الكبائر ولعل ~~هذه البدعة منهم اعظم من الكبيرة مع الإقرار بأن ذلك ذنب عظيم والخوف من ~~الله من العقوبة فإن هذا غايته أنه مؤمن فاسق قد جمع سيئة وحسنه ms159 وأولئك ~~مبتدعة ضلال حين جعلوا ما نهى الله عنه مما أمر الله به وزين لهم سوء ~~أعمالهم فرأوه حسنا وبمثلهم يضل أولئك حتى لا ينكروا المنكر إذا اعتقدوا أن ~~هذا يكون عبادة الله # ومن جعل ما لم يأمر الله بمحبته محبوبا لله فقد شرع دينا لم يأذن الله به ~~وهو مبدأ الشرك كما قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [سورة البقرة 165] # فإن محبة النفوس الصورة والصوت قد تكون عظيمة جدا فإذا جعل ذلك دينا وسمى ~~لله صار كالأنداد والطواغيت المحبوبة تدينا وعبادة # كما قال تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم [سورة البقرة 93] # وقال تعالى عنهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم [سورة ص 6] # بخلاف من أحب المحرمات مؤمنا بأنها من المحرمات فإن من احب الخمر والغناء ~~والبغي والمخنث مؤمنا بأن الله يكره ذلك ويبغضه فإنه لا يحبه محبة محضة بل ~~عقله وإيمانه يبغض هذا الفعل ويكرهه ولكن قد غلبه هواه فهذا قد يرحمه الله ~~إما بتوبة إذا قوى ما في إيمانه من بغض ذلك وكراهته حتى دفع الهوى وإما ~~بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بغير ذلك # PageV01P348 # أما إذا اعتقد أن هذه المحبة لله فإيمانه بالله يقوي هذه المحبة ويؤيدها ~~وليس عنده إيمان يزعه عنها بل يجتمع فيها داعي الشرع والطبع الإيمان والهدى ~~وذلك أعظم من شرب النصراني للخمر فهذا لا يتوب من هذا الذنب ولا يتخلص من ~~وباله إلا أن يهديه الله # فتبين له أن هذه المحبة ليست محبة لله ولا أمر الله بها بل كرهها ونهى ~~عنها وإلا فلو ترك أحدهم هذه المحبة لم يكن ذلك توبة فإنه يعتقد أن جنسها ~~دين بحيث يرضى بذلك من غيره ويأمره به ويقره عليه وتركه لها كترك المؤمن ~~بعض التطوعات والعبادات # وليس في دين الله محبة أحد لحسنه قط فإن مجرد الحسن لا يثيب الله عليه ~~ولا يعاقب ولو كان كذلك كان يوسف عليه السلام لمجرد حسنه أفضل من غيره ms160 من ~~الانبياء لحسنه وإذا استوى شخصان في الأعمال الصالحة وكان أحدهما أحسن صورة ~~وأحسن صوتا كانا عند الله سواء فإن اكرم الخلق عند الله أتقاهم يعم صاحب ~~الصوت الحسن والصورة الحسنة إذا استعمل ذلك في طاعة الله دون معصيته كان ~~أفضل من هذا الوجه كصاحب المال والسلطان إذا استعمل ذلك في طاعة الله دون ~~معصيته فإنه بذلك الوجه أفضل ممن لم يشركه في تلك الطاعة ولم يمتحن بما ~~امتحن به حتى خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ثم ذلك الغير إن كان له عمل ~~صالح آخر يساويه به وإلا كان الأول أفضل مطلقا # PageV01P349 # وهذا عام لجميع الأمور التي أنعم الله تعالى بها على بني آدم وابتلاهم ~~بها فمن كان فيها شاكرا صابرا كان من أولياء الله المتقين وكان ممن امتحن ~~بمحبة حتى صبر وشكر وإن لم يكن المبتلى صابرا شكورا بل ترك ما أمر الله به ~~وفعل ما نهى الله عنه كان عاصيا أو فاسقا أو كافرا وكان من سلم من هذه ~~المحنة خيرا منه إلا أن يكون له ذنوب أخرى يكافيه بها # وإن جمع بين طاعة ومعصية فإن ترجحت طاعته كان أرجح ممن لم يكن له مثل ذلك ~~وإن ترجحت معصيته كان السالم من ذلك خيرا منه فإن كان له مال يتمكن به في ~~الفواحش والظلم فخالف هواه وأنفقه فيما يبتغي به وجه الله أحب الله ذلك منه ~~وأكرمه وأثابه # ومن كان له صوت حسن فترك استعماله في التخنيث والغناء واستعلمه في تزيين ~~كتاب الله والتغني به كان بهذا العمل الصالح وبترك العمل السئ أفضل ممن ليس ~~كذلك فإنه يثاب على تلاوة كتاب الله فيكون في عمله معنى الصلاة ومعنى ~~الزكاة # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشئ كأذنه لبني حسن ~~الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به وقال لله أشد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن ~~من صاحب القينة إلى قينته # PageV01P350 # ومن كان له صورة حسنة فعف عما حرم الله تعالى وخالف هواه وجمل نفسه بلباس ms161 ~~التقوى الذي قال الله فيه يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم ~~وريشا ولباس التقوى ذلك خير [سورة الأعراف 26] كان هذا الجمال يحبه الله ~~وكان من هذا الوجه أفضل ممن لم يؤت مثل هذا الجمال ما لا يكساه وجه العاصي ~~فإن كانت خلقته حسنة ازدادت حسنا وإلا كان عليها من النور والجمال بحسبها # وأما أهل الفجور فتعلو وجوههم ظلمة المعصية حتى يكسف الجمال المخلوق قال ~~ابن عباس رضي الله عنه إن للحسنة لنورا في القلب وضياء في الوجه وقوة في ~~البدن وزيادة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة لظلمة في القلب ~~وغبرة في الوجه وضعفا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق # وهذا يوم القيامة يكمل حتى يظهر لكل احد كما قال تعالى يوم تبيض وجوه ~~وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون [سورة ~~آل عمران 106 107] # وقال تعالى ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في ~~جهنم مثوى للمتكبرين [سورة الزمر 60] # PageV01P351 # وقال تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن ~~يفعل بها فاقرة [سورة القيامة 22 25] # وقال تعالى وجوه يومئذ ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ~~اولئك هم الكفرة الفجرة [سورة عبس 38 42] # وقال تعالى وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية [سورة الغاشية ~~2 4] ووجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية [سورة الغاشية 89] # وقال تعالى وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه [سورة الكهف 29] # وقال تعالى إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة ~~النعيم [سورة المطففين 22 24] # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تزال المسألة بأحدهم حتى يجئ يوم ~~القيامة وليس في وجهه مزعة لحم # PageV01P352 # وقال من سأل الناس وله ما يكفيه جاءت مسألته خدوشا أو كدوحا في وجهه يوم ~~القيامة # وقال عليه السلام أول زمرة تلج الجنة على صورة القمر ليلة ms162 البدر والذين ~~يلونهم كأشد كوكب في السماء إضاءة وقال يوم حنين شاهت الوجوه لوجوه ~~المشركين # وأمثال هذا كثير مما فيه وصف أهل السعادة بنهاية الحسن والجمال والبهاء ~~وأهل الشقاء بنهاية السوء والقبح والعيب # وقد قال تعالى في وصفههم في الدنيا محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بنيهم إلى قوله سبحانه سيماهم في وجوههم من أثر السجود [سورة ~~الفتح 29] فهذه السيما في وجوه المؤمنين والسيما العلامة وأصلها من الوسم ~~وكثيرا ما يستعمل في الحسن كما # PageV01P353 # جاء في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وسيم قسيم # وقال الشاعر ... غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيماء لا تشق على البصر ~~... # وقال الله تعالى في صفة المنافقين ولو نشاء لأرينا كهم فلعرفتهم بسيماهم ~~[سورة محمد 30] فجعل للمنافقين سيما أيضا # وقال وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر ~~[سورة الحج 72] فهذه السيما وهذا المنكر قد يوجد في وجه من صورته المخلوقة ~~وضيئة كما يوجد مثل ذلك في الرجال والنساء والولدان لكن بالنفاق قبح وجهه ~~فلم يكن فيه الجمال الذي يحبه الله وأساس ذلك النفاق والكذب # ولهذا يوصف الكذاب بسواد الوجه كما يوصف الصادق ببياض # PageV01P354 # الوجه كما أخبر الله بذلك ولهذا روى عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتعزيز ~~شاهد الزور بأن يسود وجهه ويركب مقلوبا على الدابة فإن العقوبة من جنس ~~الذنب فلما اسود وجهه بالكذب وقلب الحديث سود وجهه وقلب في ركوبه وهذا أمر ~~محسوس لمن له قلب فإن ما في القلب من النور والظلمة والخير والشر يسرى ~~كثيرا إلى الوجه والعين وهما أعظم الأشياء ارتباطا بالقلب # ولهذا يروى عن عثمان أو غيره أنه قال ما أسر أحد بسريرة إلا أبداها الله ~~على صفحات وجهه وفلتات لسانه والله قد أخبر في القرآن أن ذلك قد يظهر في ~~الوجه فقال ولو نشاء لأريناكم فلعرفتهم بسيماهم [سورة محمد 30] فهذا تحت ~~المشيئة ثم قال ولتعرفنهم في لحن القول [سورة محمد 30] فهذا مقسم عليه محقق ~~لا شرط فيه وذلك أن ظهور ms163 ما في قلب الإنسان على لسانه أعظم من ظهوره في ~~وجهه لكنه يبدو في الوجه بدوا خفيا يعلمه الله فإذا صار خلقا ظهر لكثير من ~~الناس وقد يقوى السواد والقسمة حتى يظهر لجمهور الناس وربما مسخ قردا أو ~~خنزيرا كما في الأمم قبلنا وكما في هذه الأمة أيضا وهذا كالصوت المطرب إذا ~~كان مشتملا على كذب وفجور فإنه موصوف بالقبح والسوء الغالب على ما فيه من ~~حلاوة الصوت # PageV01P355 # فذو الصورة الحسنة إما أن يترجح عنده العفة والخلق الحسن وإما أن يترجح ~~فيه ضد ذلك وإما أن يتكافآ # فإن ترجح فيه الصلاح كان جماله بحسب ذلك وكان أجمل ممن لم يمتحن تلك ~~المحنة # وإن ترجح فيه الفساد لم يكن جميلا بل قبيحا مذموما فلا يدخل في قوله إن ~~الله جميل يحب الجمال # وإن تكافأ فيه الأمران كان فيه من الجمال والقبح بحسب ذلك فلا يكون ~~محبوبا ولا مبغضا # والنبيصلى االله عليه وسلم ص ذكر هذه الكلمة للفرق بين الكبر الذي يبغضه ~~الله والجمال الذي يحبه الله فقال لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة ~~من كبر فقال رجل يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن ~~الكبر ذلك فقال لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ~~فأخبر أن تحسين الثوب قد يكون من الجمال الذي يحبه الله كما قال تعالى خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد [سورة الأعراف 31] # فلا يكون حينئذ من الكبر # PageV01P356 # وقد يرد أنه ليس كل ثوب جميل وكل نعل جميل فإن الله يحبه فإن الله يبغض ~~لباس الحرير ويبغض الإسراف والخيلاء في اللباس وإن كان فيه جمال فإذا كان ~~هذا في لبس الثياب الذي هو سبب هذا القول فكيف في غيره # وتفسير هذا قوله ص إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر ~~إلى قلوبكم وأعمالكم # فعلم أن مجرد الجمال الظاهر في الصور والثياب لا ينظر الله إليه وإنما ~~ينظر إلى القلوب والأعمال فإن كان الظاهر ms164 مزينا مجملا بحال الباطن أحبه ~~الله وإن كان مقبحا مدنسا بقبح الباطن أبغضه الله فإنه سبحانه يحب الحسن ~~الجميل ويبغض السيئ الفاحش # وأهل جمال الصورة يبتلون بالفاحشة كثيرا واسمها ضد الجمال فإن الله سماه ~~فاحشة وسوءا وفسادا وخبيثا فقال تعالى ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء ~~سبيلا [سورة الإسراء 32] # وقال ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن [سورة الأنعام 151] # وقال أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين [سورة الأعراف 80] # PageV01P357 # وقال وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعلمون السيئات [سورة هود 78] # وقال ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث [سورة الأنبياء 74] # وقال رب انصرني على القوم المفسدين [سورة العنكبوت 30] # وقال وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين [سورة الأعراف 84] # والفاحش والخبيث ضد الطيب والجميل فإذا كان كذلك أبغضه الله ولم يحبه ولم ~~يكن مندرجا في الجميل # ونظير ذلك قوله ص إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش وقوله إن الله يبغض ~~الفاحش البذئ فلو أفحش # PageV01P358 # الرجل وبذأ بصوته الحسن كان الله يبغض ذلك # ونفي المخنثين سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم الثابته عنه في ~~موضعين في حق الزاني والزانية اللذين لم يحصنا كما قال جلد مائة وتغريب عام ~~وفي حق المخنث وهو إخراجه من بين الناس وذلك أن الفاحشة لا تقع إلا مع قدرة ~~ومكنة الإنسان لا يطلب ذلك إلا إذا طمع فيه بما يراه من أسباب المكنة فمن ~~العقوبة على ذلك قطع أسباب المكنة فإذا تغرب الرجل عن أهله وأعوانه وأنصاره ~~الذي يعاونون وينصرونه ذلت نفسه وانقهرت فكان ذلك جزاء نكالا من الله من ~~الجلد ولأنه مفسد لأحوال من يساكنه فيبعد عنهم وكذلك المخنث يفسد أحوال ~~الرجال والنساء جميعا فلا يسكن مع واحد من الصنفين # وقد كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه التمييز بين الرجال ~~والنساء والمتأهلين والعزاب فكان المندوب في الصلاة أن يكون الرجال في مقدم ~~المسجد والنساء في مؤخره # PageV01P359 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم خير ms165 صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير ~~صفوف النساء آخرها وشرها أولها وقال يا معشر النساء لا ترفعن رؤوسكن حتى ~~يرفع الرجال رؤوسهم من ضيق الأزر وكان إذا سلم لبث هنيهة هو والرجال لينصرف ~~النساء أولا لئلا يختلط الرجال والنساء وكذلك يوم العيد كان النساء يصلين ~~في ناحية فكان إذا قضى الصلاة خطب الرجال ثم ذهب فخطب النساء فوعظهن وحثهن ~~على الصدقة كما ثبت ذلك في الصحيح وقد كان عمر بن الخطاب وبعضهم يرفعه إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد قال عن أحد ابواب المسجد أظنه الباب الشرقي لو ~~تركنا هذا الباب للنساء فما دخله عبد الله بن عمر حتى مات # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنساء لا تحققن # PageV01P360 # الطريق وامشين في حافته أي لا تمشين في حق الطريق وهو وسطه وقال على عليه ~~السلام ما يغار أحدكم أن يزاحم امرأته العلوج بمنكبها يعني في السوق # وكذلك لما قدم المهاجرون المدينة كان العزاب ينزلون دارا معروفة لهم ~~متميزة عن دور المتأهلين فلا ينزل العزب بين المتأهلين وهذا كله لأن اختلاط ~~أحد المصنفين بالآخر سبب الفتنة فالرجال إذا اختلطوا بالنساء كان بمنزلة ~~اختلاط النار والحطب وكذلك العزب بين الآهلين فيه فتنة لعدم ما يمنعه فإن ~~الفتنة تكون لوجود المقتضى وعدم المانع فالمخنث الذي ليس رجلا محضا ولا هو ~~امرأة محصنة لا يمكن خلطه بواحد من الفريقين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإخراجه من بين الناس # وعلى هذا المخنث من الصبيان وغيرهم لا يمكن من معاشرة الرجال ولا ينبغي ~~أن تعاشر المرأة المتشبهة بالرجال النساء بل يفرق بين بعض الذكران وبين بعض ~~النساء إذا خيفت الفتنة كما قال ص مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر ~~وفرقوا بينهم في # PageV01P361 # المضاجع # وقد نهى عن مباشرة الرجل في ثوب واحد وعن مباشرة المرأة المرأة في ثوب ~~واحد مع ان القوم لم يكونوا يعرفون التلوط ولا السحاق وإنما هو من تمام حفظ ~~حدود الله كما أمر الله بذلك في كتابه ms166 وقد روى أن عمر بلغه أن رجلا يجتمع ~~إليه نفر من الصبيان فنهى عن ذلك # وأبلغ من ذلك أنه نفى من شبب به النساء وهو نصر بن حجاج لما سمع امرأة ~~شببت به وتشتهيه ورأى هذا سبب الفتنة فجز شعره لعل سبب الفتنة يزول بذلك ~~فرآه أحسن الناس وجنتين فأرسل به إلى البصرة ثم إنه بعث يطلب القدوم إلى ~~وطنه ويذكر الا ذنب له فأبى عليه وقال أما وأنا حي فلا # وذلك أن المرأة إذا أمرت بالاحتجاب وترك التبرج وغير ذلك مما هو من أسباب ~~الفتنة بها ولها فإذا كان في الرجال من قد صار فتنة للنساء أمر أيضا ~~بمباعدة سبب الفتنة إما بتغيير هيئته وإما بالانتقال عن المكان الذي تحصل ~~به الفتنة فيه لأنه بهذا يحصن دينه ويحصن النساء دينهن # PageV01P362 # وبدون ذلك مع وجود المقتضى منه ومنهن لا يؤمن ذلك وهكذا يؤمر من يفتن ~~النساء من الصبيان أيضا # وذلك أنه إذا احتج إلى المباعدة التي تزيل الفتنة كان تبعيد الواحد أيسر ~~من تبعيد الجماعة الرجال أو النساء إذ ذاك غير ممكن فتحفظ حدود الله ويجانب ~~ما يوجب تعدي الحدود بحسب الإمكان وإذا كان هذا فيمن لا ريبة فيه ولا ذنب ~~فكيف بمن يعرف بالريبة والذنب # وهكذا المرأة التي تعرف بريبة تفتن بها الرجال تبعد عن مواضع الريب بحسب ~~الإمكان فإن دفع الضرر عن الدين بحسب الإمكان واجب فإذا كان هذا هو السنة ~~فكيف بمن يكون في جمعه من أسباب الفتنة ما الله به عليم والرجل الذي يتشبه ~~بالنساء في زيهن # واستعمال أسماء الجمال والحسن والزينة ونحو ذلك في الأعمال الصالحة ~~والقبح والشين والدنس في الأعمال الفاسدة أمر ظاهر في الكتاب والسنة وكلام ~~العلماء مثل اسم الطيب والطهارة والخبث والنجاسة ومن ذلك ما في حديث أبي ذر ~~المشهور وقد رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال من حكمة آل داود حق على العاقل أن يكون له ساعة يناجي فيها ربه ~~وساعة يحاسب ms167 فيها نفسه وساعة يكون فيها مع أصحابه الذين يخبرونه عن ذات ~~نفسه # PageV01P363 # وساعة يخلو فيها بلذاته فيما يحل ويجمل فذكر الحل والجمال # وهذا يشهد لقول الفقهاء في العدالة إنها صلاح الدين والمروءة قالوا ~~والمروءة استعمال ما يجمله ويزينه وتجنب ما يدنسه ويشينه وهذا يرجع إلى ~~الحسن والقبح في الأعمال وأن الأعمال وأن الأعمال تكون حسنة وتكون قبيحة ~~وإن كان الحسن هو الملائم النافع والقبيح هو المنافي فالشئ يكمل ويجمل ~~ويحسن بما يناسبه ويلائمه وينفعه ويلتذ به كما يفسد ويقبح بما ينافيه ويضره ~~ويتألم به والأعمال الصالحة هي التي تناسب الإنسان والأعمال الفاسدة هي ~~التي تنافيه # ولهذا لما قال بعض الأعراب إن مدحي زين وذمي شين قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذاك الله فمدحه يزين عنده لأنه مدحه بحق ودمه يشينه لأنه حق # وهذا الحسن والجمال الذي يكون عن الأعمال الصالحة في القلب يسري إلى ~~الوجه والقبح والشين الذي يكون عن الأعمال الفاسدة في القلب # PageV01P364 # يسري إلى الوجه كما تقدم ثم إن ذلك يقوى بقوة الأعمال الصالحة والأعمال ~~الفاسدة فكلما كثر البر والتقوى قوى الحسن والجمال وكلما قوى الإثم ~~والعدوان قوى القبح والشين حتى ينسخ ذلك ما كان للصورة من حسن وقبح فكم ممن ~~لم تكن صورته حسنة ولكن من الأعمال الصالحة ما عظم به جماله وبهاؤه حتى ظهر ~~ذلك على صورته # ولهذا ظهر ذلك ظهورا بينا عند الإصرار على القبائح في آخر العمر عند قرب ~~الموت فنرى وجوه أهل السنة والطاعة كلما كبروا ازداد حسنها وبهاؤها حتى ~~يكون أحدهم في كبره أحسن واجمل منه في صغره ونجد وجوه أهل البدعة والمعصية ~~كلما كبروا عظم قبحها وشينها حتى لا يستطيع النظر إليها من كان منبهرا بها ~~في حال الصغر لجمال صورتها # وهذا ظاهر لكل احد فيمن يعظم بدعته وفجوره مثل الرافضة وأهل المظالم ~~والفواحش من الترك ونحوهم فإن الرافضي كلما كبر قبح وجهه وعظم شينه حتى ~~يقوى شبهه بالخنزير وربما مسخ خنزيرا وقردا كما قد تواتر ذلك عنهم ونجد ~~المردان ms168 من الترك ونحوهم قد يكون أحدهم في صغره من أحسن الناس صورة ثم إن ~~الذين يكثرون الفاحشة تجدهم في # PageV01P365 # الكبرأقبح الناس وجوها حتى إن الصنف الذي يكثر ذلك فيهم من الترك ونحوهم ~~يكون أحدهم أحسن الناس صورة في صغره وأقبح الناس صورة في كبره وليس سبب ذلك ~~أمرا يعود إلى طبيعة الجسم بل العادة المستقيمة تناسب الأمر في ذلك بل سببه ~~ما يغلب على احدهم من الفاحشة والظلم فيكون مخنثا ولوطيا وظالما وعونا ~~للظلمة فيكسوه ذلك قبح الوجه وشينه # ومن هذا أن الذين قوي فيهم العدوان مسخهم الله قردة وخنازير من الأمم ~~المتقدمة وقد ثبت في الصحيح أنه سيكون في هذه الأمة أيضا من يمسخ قردة ~~وخنازير فإن العقوبات والمثوبات من جنس السيئات والحسنات كما قد بين ذلك في ~~غير موضع # ولا ريب أن ما ليس محبوبا لله من مسخوطاته وغيرها تزين في نفوس كثير من ~~الناس حتى يروها جميلة وحسنة يجدون فيها من اللذات ما يؤيد ذلك وإن كانت ~~اللذات متضمنة لآلام أعظم منها # كما قال تعالى {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة ~~الدنيا والله عنده حسن المآب} [سورة آل عمران 14] # وقال {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء} [سورة فاطر 8] # PageV01P366 # وقال # تعالى وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في ~~تبات [سورة غافر 37] # وقال وكذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا ~~يعملون [سورة الأنعام 108] # وقال تعالى {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس وإني جار لكم} [سورة الأنفال 48] # وقد قال سبحانه عن المؤمنين {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} [سورة ~~الحجرات 7] # فهو سبحانه يزين لكل عامل عمله فيراه حسنا وإن كان ذلك العمل سيئا فإنه ~~لولا حسنا لم يفعله إذ لو رآه ms169 سيئا لم يرده ولم يختره إذ الإنسان مجبول على ~~محبة الحسن وبغض السئ فالحسن الجميل محبوب مراد والسئ القبيح مكروه مبغض ~~والأعيان والأفعال المبغضة من كل وجه لا تقصد بحال كما ان المحبوبة من كل ~~وجه لا تترك بحال ولكن قد يكون الشئ محبوبا من وجه مكروها من وجه ويقبح من ~~وجه ويحسن من وجه ولهذا كان الزاني لا يزني حين يزني وهو مؤمن والسارق لا ~~يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن كامل الإيمان ~~فإنه لو كان اعتقاده بقبح ذلك الفعل اعتقادا تاما # PageV01P367 # لم يفعله بحال ولهذا كان كل عاص لله تعالى جاهلا كما قال ذلك أصحاب محمد ~~ص فإنه لو كان عالما حق العلم بما فعله لم يفعل القبيح ولم يترك الواجب بل ~~قد زين لكل أمة عملهم # لكن العاصي إذا كان معه أصل الإيمان فإنه لا يزين له عمله من كل وجه بل ~~يستحسنه من وجه ويغضه من وجه ولكن حين فعله يغلب تزيين الفعل ولذلك قال ~~{زين للناس حب الشهوات} [سورة آل عمران 14] الآية فإن هنا شيئين حب الشهوات ~~وأنه زين ذلك الفحش وحسن فرأوا تلك المحبة حسنة فلذلك استقرت هذه المحبة ~~عندهم وتمتعوا بهذه المحبات فإذا رأوا ذلك الحب قبيحا لما يتبعه من الضرر ~~لم يستقر ذلك في قلوبهم فإن رؤية ذلك الحب حسنا يدعو إليه قبيحا ينفر عنه # وكذلك ذكر في الإيمان أنه حببه إلى المؤمنين وزينه في قلوبهم حتى رأوه ~~حسنا فإن الشئ إذا حبب وزين لم يترك بحال # PageV01P368 # وهنا أخبر سبحانه انه هو الذي حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وفي ~~الشهوات قال {زين للناس حب الشهوات} [سورة آل عمران 14] ولم يقل المزين بل ~~ذكر العموم # وقال تعالى {كذلك زينا لكل أمة عملهم} [سورة الأنعام 108] وكما حذف ~~المزين هناك قال {زين للناس حب الشهوات} [سورة آل عمران 14] فجعل المزين ~~نفس الحب لها لم يجعل المزين هو المحبوب كما أخبر أنه زين لكل أمة عملها ~~فإن المزين نفس ms170 الحب لها لم يجعل المزين هو المحبوب بل هو حب الشهوات فإن ~~المزين إذا كان نفس الحب والعمل لم ينصرف القلب عن ذلك بخلاف ما لو كان ~~المزين هو المحبوب فقد زين الشئ المحبوب ولكن الإنسان لا يحبه لما يقوم ~~بقلبه من العلم بحاله والبغض # ففرق بين التزيين المتصل بالقلب وتزيين الشئ المنفصل عنه فيه رد على ~~القدرية الذين يجعلون التزيين المنفصل وكذلك قوله {زين له سوء عمله فرآه ~~حسنا} [سورة فاطر 8] وهو سبحانه امتن في الإيمان بشيئين بأنه حببه إلينا ~~وزينه في قلوبنا فالنعم تتم بهما بالعلم والمحبة # وقد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه # PageV01P369 # لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وفي الصحيح أيضا أنه لعن ~~المتشبهين من الرجال بالنساء والمتسشبهات من النساء بالرجال وفي الصحيح أنه ~~أمر بنفي المخنثين وإخراجهم من البيوت # كما روى البخاري في صحيحه عن عكرمة عن ابن عباس قال لعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال # وفي رواية لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمسترجلات ~~من النساء وقال أخرجوهم من بيوتكم فاخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلانة ~~وأخرج عمر فلانا # فإذا كان الرجل الذي يتشبه بالنساء في لباسهن وزيهن وزينتهن ملعونا قد ~~لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بمن يتشبه بهن في مباشرة الرجال له ~~فيما يتمع الرجال به بتمكينه من ذلك لغرض يأخذه أو لمحبته لذلك فكلما كثرت ~~مشابهته لهن كان أعظم للعنه وكان معلونا من وجهين من جهة الفاحشة المحرمة ~~فإنه يلعن على ذلك ولو كان هو الفاعل ومن جهة تخنثه لكونه من جنس المفعول ~~بهن # PageV01P370 # فمن جعل شيئا من التخنث دينا أو طلب ذلك من الصبيان مثل تحسين الصبي ~~صورته أو لباسه لأجل نظر الرجال واستمتاعهم بذلك في سماع وغير سماع أليس ~~يكون مبدلا لدين الله من جنس الذي إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل ms171 إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون وإذا كانت الفاحشة العرب المشركين كشف عوارتهم عند الطواف لئلا ~~يطوفون في ثياب عصوا الله فيها فكيف بما هو أعظم من ذلك # والمخنث قد يكون مقصوده معاشرة النساء ومباشرتهن وقد يكون تخنثه بمباشرة ~~الرجال ونظرهم ومحبتهم وقد يجمع الأمرين وفي المتنسكين من الأقسام الثلاثة ~~خلق كثير # وهؤلاء شر ممن يفعل هذه الأمور على غير وجه التدين فإن يوجد في الأمم ~~الجاهلية من الترك ونحوهم من يتشبه فيهم من النساء بالرجال ومن يتشبه من ~~الرجال بالنساء خلق عظيم حتى يكون لنسائهم من الإمرة والملك والطاعة ~~والبروز للناس وغير ذلك مما هو من خصائص الرجال ما ليس لنساء غيرهم وحتى ان ~~المرأة تختار لنفسها من شاءت من ممالكيها وغيرهم لقهرها للزوج وحكمها ويكون ~~في كثير من صبيانهم من التخنث وتقريب الرجال له وإكرامه لذلك أمر عظيم حتى ~~قد يغار بعض صبيانهم من النساء وحتى يتخذهم الرجال كالسراري لكن هم لا ~~يفعلون ذلك تدينا فالذين يفعلون ذلك تدينا شر منهم فإنهم جعلوا دينا ~~والفاحشة حسنة لا لما في ذلك من ميل الطباع فهكذا من جعل # PageV01P371 # مجرد الصوت الذي تحبه الطباع حسنا في الدين فيه شبه من هؤلاء لكن في ~~المشركين من هذه الأمة من يتدين بذلك لأجل الشياطين كما يوجد في المشركين ~~من الترك التتار وساحرهم الطاغوت صاحب الجبت الذي تسميه الترك البوق وهو ~~الذي تستخفه الشياطين وتخاطبه ويسألها عما يريد ويقرب لها القرابين من ~~الغنم المنخنقة وغير ذلك ويضرب لها بأصوات الطبول ونحو ذلك ومن شرطه أن ~~يكون مخنثا يؤتى كما تؤتى المرأة فكلما كانت الأفعال أولى بالتحريم كانت ~~أقرب إلى الشياطين # وهذا الذي ذكرناه من أن الحسن الصورة والصوت وسائر من أنعم الله عليه ~~بقوة أو بجمال أو نحو ذلك إذا اتقى الله فيه كان أفضل ممن لم يؤت ما لم ~~يمتحن فيه فإن النعم محن فإن أهل الشهوات من النساء والرجال يميلون إلى ذي ~~الصورة الحسنة ويحبونه ويعشقونه ويرغبونه ms172 بأنواع الكرامات ويرهبونه عند ~~الامتناع بأنواع المخوفات كما جرى ليوسف عليه السلام وغيره وكذلك جماله ~~يدعوه إلى أن يطلب ما يهواه لأن جماله قد يكون أعظم من المال المبذول في ~~ذلك # وكذلك حسن الصوت قد يدعى إلى أعمال في المكروهات كما أن # PageV01P372 # المال والسلطان يحصل بهما من المكنة ما يدعى مع ذلك إلى أنواع الفواحش ~~والمظال فإن الإنسان لا تأمره نفسه بالفعل إلا مع نوع من القدرة ولا يفعل ~~بقدرته إلا ما يريده وشهوات الغي مستكنة في النفوس فإذا حصلت القدرة قامت ~~المحنة فإما شقى وإما سعيد ويتوب الله على من تاب فأهل الامتحان إما أن ~~يرتفعوا وإما أن ينخفضوا وأما تحرك النفوس عن مجرد الصوت فهذا أيضا محسوس ~~فإنه يحركها تحريكا عظيما جدا بالتفريح والتحزين والإغضاب والتخويف ونحو ~~ذلك من الحركات النفسانية كما أن النفوس تتحرك أيضا عن الصور بالمحبة تارة ~~وبالبغض أخرى وتتحرك عن الأطعمة بالبغض تارة والنفرة أخرى فتحرك الصبيان ~~والبهائم عن الصوت هو من ذلك لكن كل ما كان أضعف كانت الحركة به أشد فحركة ~~النساء به أشد من حركة الرجال وحركة الصبيان أشد من حركة البالغين وحركة ~~البهائم أشد من حركة الآدميين فهذا يدل على أن قوة التحرك عن مجرد الصوت ~~لقوة ضعف العقل فلا يكون في ذلك حمد إلا وفيه من الذم أكثر من ذلك وإنما ~~حركة العقلاء عن الصوت المشتمل على الحروف المؤلفة المتضمنة للمعاني ~~المحبوبة وهذا أكمل ما يكون في استماع القرآن # وأما التحرك بمجرد الصوت فهذا أمر لم يأت الشرع بالندب إليه ولا عقلاء ~~الناس يأمرون بذلك بل يعدون ذلك من قلة العقل وضعف # PageV01P373 # الرأي كالذي يفزع عن مجرد الأصوات المفزعة المرعبة وعن مجرد الأصوات ~~المغضبة # قال أبو القاسم وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشئ كأذنه ~~لنبي يتغني بالقرآن وروى حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما أذن الله لشئ ما أذن الله لنبي يتغنى بالقرآن # قال وقيل إن داود عليه السلام ms173 كان يستمع لقراءته الجن والإنس والوحش ~~والطير إذ قرأ الزبور وكان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة ممن قد مات ممن ~~سمعوا قراءته وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري لقد أعطى ~~مزمارا من مزامير آل داود وقال # PageV01P374 # معاذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا # قلت هذا القول لابي موسى كان لم يكن لمعاذ ومضمون هذه الآثار استحباب ~~تحسين الصوت بالقرآن وهذا مما لا نزاع فيه فالاستدلال بذلك على تحسين ~~بالغناء أفسد من قياس الربا على البيع إذ هو من باب تنظير الشعر بالقرآن # وقال تعالى {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} ~~[سورة يس 69] # وقال تعالى {وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن ~~السمع لمعزولون} [سورة الشعراء 210 212] {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون} [سورة الشعراء 225226] # وقال تعالى {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون} [سورة الحافة 4142] # وهذا القياس مثل قياس سماع المكاء والتصدية الذي ذمه الله في كتابه وأخبر ~~أنه صلاة المشركين على سماع القرآن الذي أمر الله به في كتابه وأخبر أنه ~~سماع النبيين والمؤمنين وقياس لأئمة الصلاة كالخلفاء الراشدين وسائر أئمة ~~المؤمنين بالمخنثين المغاني الذين قد يسمون الجد أو القوالين # PageV01P375 # وقياس للمؤذن الداعي إلى الصلاة وسماع القرآن بالمزمار الداعى إلى حركة ~~المستمعين للمكاء والتصدية # وقد روى الطبراني في معجمهه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الشيطان قال يارب اجعل لى قرآنا قال قرآنك الشعر قال اجعل لى مؤذنا قال ~~مؤذنك المزمار قال اجعل لى كتابه قال كتابتك الوشم قال اجعل لى بيتا قال ~~بيتك الحمام قال اجعل لى طعاما قال طعامك مالم يذكر اسم الله عليه فمن قاس ~~قرآن الله فالله يجازيه بما يستحقه # وقد قال الله تعالى {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا} سورة مريم 59 فهؤلاء ms174 يشتغلون بالشهوات عن الصلاة # ولهذا فإن من هؤلاء الشيوخ من يقصد الاجتماعات في الحمام ويكون له فبها ~~حال وظهور لكونه مادته من الشياطين فإن الشيطان يظهر أثره في بيته وعنده ~~أوليائه وتأذين مؤذنه وتلاوة قرآنه كما يظهر ذلك على أهل المكاء والتصدية # PageV01P376 # وإذا كان السماع نوعين سماع الرحمن وسماع الشيطان كان ما بينهما من أعظم ~~الفرقان لكن الأقسام هنا أربعة إما أن يشتغل العبد بسماع الرحمن دون سماع ~~الشيطان أو بسماع الشيطان دون سماع الرحمن أو يشتغل بالسماعين أو لا يشتغل ~~بواحد منهما # فالأول حال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان # وأما الثاني فحال المشركين الذين قال الله فيهم {وما كان صلاتهم عند ~~البيت إلا مكاء وتصدية} [سورة الأنفال 35] وهو حال من يتخذ ذلك دينا ولا ~~يستمع القرآن فإن كان يشتغل بهذا السماع شهوة لا دينا ويعرض عن القرآن فهم ~~الفجار والمنافقون إذا أبطنوا حال المشركين # وأما الذين يشتغلون بالسماعين فكثير من المتصوفة # والذين يعرضون عنهما على ما ينبغي كثير من المتعربة # فهذه النصوص المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي فيها مدح الصوت ~~الحسن بالقرآن والترغيب في هذا السماع فيحتج بها على المعرض عن هذا السماع ~~الشرعي الإيماني لا يحتج بها على حسن السماع البدعي الشركي # بل الراغبون في السماعين جميعا والزاهدون في السماعين جميعا خارجون عن ~~محض الاستقامة والشريعة القرآنية الكاملة هؤلاء # PageV01P377 # معتدون وهؤلاء مفرطون وإنما الحق الرغبة في السماع الإيماني الشرعي ~~والزهد في السماعي الشركي البدعي # ثم ذكر أبو القاسم حكاية أبي بكر الرقي في الغلام الذي حدا بالجمال حتى ~~قطعت مسيرة ثلاثة أيام في يوم فلما حط عنها ماتت وحدا بجمل فهام على وجهه ~~وقطع حباله قال الرقي ولم أظن أني سمعت صوتا أطيب منه ووقعت لوجهي حتى أشار ~~عليه بالسكوت فسكت فقال حدثنا أبو حاتم السجستاني حدثنا أبو نصر السراج قال ~~حكى الرقي # قلت مضمون هذه الحكاية أن الصوت البليغ في الحسن قد يحرك النفوس تحريكا ~~عظيما خارجا عن العادة وهذا مما ms175 لا ريب فيه فإن الأصوات توجب الحركات ~~الإرادية بحسنها وهي في الأصل ناشئة عن حركات إرادية ويختلف تأثيرها ~~باختلاف نوع الصوت وقدره بل هي من أعظم المحركات أو أعظمها وإذا اتفق قوة ~~المؤثر واستعداد المحل قوى التأثير فالنفوس المستعدة لصغر أو انوثة أو جزع ~~ونحوه أو لفراغ وعدم شغل أو ضعف عقل إذا اتصل بها صوت عظيم حسن قوى أزعجها ~~غاية الإزعاج لكن هذا لا يدل على جواز ذلك ولا فيه ما يوجب مدحه وحسنه بل ~~مثل هذا أدل على الذم والنهى منه على الحمد والمدح فإن هذا يفسد النفوس ~~أكثر مما يصلحها ويضرها أكثر مما ينفعها وإن كان فيه نفع فأثمة أكثر من ~~نفعه # PageV01P378 # وقد قال الله للشيطان واستفرز من استطعت منهم بصوتك [سورة الإسراء 64] ~~فالصوت الشيطاني يستفز بني آدم وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهيت عن ~~صوتين أحمقين فاجرين وذكر صوت النعمة وصوت المعصية ووصفهما بالحمق والفجور ~~وهو الظلم والجهل # وقال لقمان لابنه اقصد في مشيك واغضض من صوتك [سورة لقمان 19] والمغنى ~~بهذه الأصوات لم يغض من صوته والمتحركون بها الراقصون لم يقصدوا في مشيهم ~~بل المصوتون أتوا بالأحمق الجاهل الظالم الفجر من الأصوات والمتحركين أتوا ~~بالأحمق الجاهل الفاحش من الحركات وربما جمع الواحد بين هذين النوعين وجعل ~~ذلك من أعظم العبادات # ثم قال ابو القاسم سمعت الشيخ ابا عبد الرحمن السلمي سمعت محمد بن عبد ~~الله بن عبد العزيز سمعت أبا عمرو الأنماطي سمعت الجنيد يقول وسئل ما بال ~~الإنسان يكون هادئا فإذا سمع السماع اضطرب فقال إن الله لما خاطب الذر في ~~الميثاق الأول بقوله ألست بربكم [سورة الأعراف 172] استفرغت عذوبة سماع ~~الكلام الأرواح فإذا سمعوا السماع حركهم ذكر ذلك # PageV01P379 # قلت هذا الكلام لا يعلم صحته عن الجنيد والجنيد أجل من أن يقول مثل هذا ~~فإن هذا الاضطراب يكون لجميع الحيوان ناطقه وأعجمه حتى يكون في البهائم ~~أيضا ويكون للكفار والمنافقين ثم الاضطراب قد يكون لحلاوة الصوت ومحبته وقد ~~يكون للخوف منه وهيبته وقد ms176 يكون للحزن والجزع وقد يكون للغضب # ثم من المعلوم أن الصوت المسموع ليس هو ذاك أصلا ولو سمع العبد كلام الله ~~كما سمعه موسى بن عمران لم يكن سماعه لاصوات العباد محركا لذكر ذلك بل ~~المأثور ان موسى مقت الآدميين لما وقر في مسامعه من كلام الله ثم التلذذ ~~بالصوت أمر طبعي لا تعلق له بكونهم سمعوا صوت الرب أصلا ثم إن أحدا لا يذكر ~~ذلك السماع أصلا إلا بالإيمان والناس متنازعون في أخذ الميثاق وفي ذلك ~~السماع بما ليس هذا موضعه # ثم إن مذهب الجنيد في السماع كراهة التكلف لحضوره والاجتماع عليه وعنده ~~أن من تكلف السماع فتن به فكيف يعلله بهذا # وقد ذكر أبو القاسم ذلك فقال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت الحسين بن ~~أحمد بن جعفر سمعت أبا بكر بن ممشاد سمعت الجنيد يقول السماع فتنة لمن طلبه ~~ترويح لمن صادفه # PageV01P380 # فأخبر انه فتنة لمن قصده ولم يجعله لمن صادفه مستحبا ولا طاعة بل جعله ~~راحة فكيف يقول إنه أظهر خطاب الحق المتقدم # وقال أبو القاسم سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول السماع حرام على ~~العوام لبقاء نفوسهم مباح للزهاد لحصول مجاهدتهم مستحب لاصحابنا لحياة ~~قلوبهم # قلت قد قدم ابو القاسم في ترجمة الشيخ أبي على الروذباري وهو قديم توفي ~~بعد العشرين وثلاثمائة صحب الجنيد والطبقة الثانية وكان يقول أستاذي في ~~التصوف الجنيد وفي الفقه أبو العباس بن سريج وفي الأدب ثعلب وفي الحديث ~~إبراهيم الحربي وقال فيه ابو القاسم هو اظرف المشايخ واعلمهم بالطريقة # قال سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول سمعت أبا القاسم ~~الدمشقي يقول سئل ابو علي الروذباري عمن يسمع الملاهي ويقول هي لي حلال ~~لأني وصلت إلى درجة لا يؤثر # PageV01P381 # في اختلاف الأحوال فقال نعم قد وصل لعمري ولكن إلى سقر # فقول الدقاق هو مباح للزهاد لحصول مجاهدتهم هو الذي انكره أبو علي ~~الروذباري فكيف بقوله مستحب وسنتكلم إن شاء الله على هذا # ثم إنه ذكر بعد هذا أنه ms177 سمع الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول ~~السماع طبع إلا عن شرع وخرق إلا عن حق وفتنة إلا عن عبرة وهذا الكلام يوافق ~~قول الروذباري ويخالف قوله إنه مباح للزهاد لحصول مجاهدتهم مستحب لأصحابنا ~~لحياة قلوبهم فإنه جعل كل سماع ليس بمشروع فهو عن الطبع ومعلوم أن سماع ~~المكاء والتصدية ليس مشروعا فيكون مسموعا بالطبع مطلقا # وقال سمعت أبا حاتم السجستاني يقول سمعت أبا نصر الصوفي يقول سمعت ~~الوجيهي يقول سمعت ابا علي الروذباري يقول كان الحارث بن اسد المحاسبي يقول ~~ثلاث إذا وجدن نمتنع بهن وقد فقدناهن حسن الوجه مع الصيانة وحسن الصوت مع ~~الديانة وحسن الإخاء مع الوفاء # PageV01P382 # قلت قد قررت قبل هذا المعنى بأن الحسن في الصورة والصوت إن لم يكن مع ~~تقوى الله وإلا لم يكن إلا مذموما ومن الديانة أن يكون حسن الصوت مستعملا ~~فيما أمر الله به # قال ابو القاسم وسئل ذو النون المصري عن الصوت الحسن فقال مخاطبات ~~وإشارات أودعها الله كل طيب وطيبة وسئل مرة أخرى عن السماع فقال وارد حق ~~يزعج القلوب إلى الحق فمن أصغى إليه بحق تحقق ومن أصغى إليه بنفس تزندق # قلت هذا الكلام لم يسنده عن ذي النون وإنما أرسله إرسالا وما يرسله في ~~هذه الرسالة قد وجد كثير منه مكذوب على اصحابه إما أن يكون أبو القاسم سمعه ~~من بعض الناس فاعتقد صدقه أو يكون من فوقه كذلك أو وجده مكتوبا في بعض ~~الكتب فأعتقد صحته ومن كان من المرسلين لما يذكرونه من الأولين والآخرين ~~يعتمد في إرساله لصحيح النقل والرواية عن الثقات فهذا يعتمد إرساله لصحيح ~~النقل والرواية عن الثقات فهذا يعتمد إرساله وأما من عرف فيما يرسله كثير ~~من الكذب لم يوثق بما يرسله # فهذا التفصيل موجود فيمن يرسل النقول عن الناس من أهل المصنفات ومن أكثر ~~الكذب الكذب على المشايخ المشهورين فقد رأينا من ذلك وسمعنا ما لا يحصيه ~~إلا الله وهذا أبو القاسم مع علمه وروايته # PageV01P383 # بالإسناد ومع هذا ففي هذه ms178 الرسالة قطعة كبيرة من المكذوبات التي لا ينازع ~~فيها من له أدنى معرفة بحقيقة حال المنقول عنهم # وأما الذي يسنده من الحكايات في باب السماع فعامته من كتابين كتاب اللمع ~~لأبي نصر السراج فإنه يروى عن أبي حاتم السجستاني عن أبي نصر عن عبد الله ~~بن علي الطوسي ويروى عن محمد بن أحمد بن محمد التميمي عنه ومن كتاب السماع ~~لأبي عبد الرحمن السلمي قد سمعه منه # فإن كان هذا الكلام ثاببتا عن ذي النون رحمه الله عليه فالكلام عليه من ~~وجهين من جهة الاحتجاج بالقائل ومن جهة تفسير المنقول # أما الأول فقد نقلوا أن ذا النون حضر هذا السماع بالعراق # وقد ذكر أبو القاسم حكاية بعد ذلك مرسلة فقال وحكى أحمد ابن مقاتل العكي ~~قال لما دخل ذو النون المصري بغداد اجتمع إليه الصوفية ومعه قوال يقول شيئا ~~فاستأذنوه بأن يقول بين يديه فأذن له فابتدأ يقول ... صغير هواك عذبني فكيف ~~به إذا احتكا ... # PageV01P384 # .. وأنت جمعت من قلبي هوى قد كان مشتركا # أما ترثى لمكتئب إذا ضحك الخلي بكى ... # قال فقام ذو النون وسقط على وجهه والدم يقطر من جبينه ولا يسقط على الأرض ~~ثم قام رجل من القوم يتواجد فقال له ذو النون {الذي يراك حين تقوم} [سورة ~~الشعراء 218] فجلس الرجل # قال وسمعت أبا علي الدقاق يقول كان ذو النون صاحب إسراف على ذلك الرجل ~~حيث نبهه أن ذلك ليس مقامه وكان ذلك الرجل صاحب إنصاف حيث قبل ذلك منه فرجع ~~وقعد # فهذا ونحوه هو الذي أشار إليه الأئمة كالشافعي في قوله خلفت ببغداد شيئا ~~أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن فيكون ذو النون ~~هو أحد الذين حضروا التغبير الذي أنكره الأئمة وشيوخ السلف ويكون هو أحد ~~المتأولين في ذلك وقوله فيه كقول شيوخ الكوفة وعلمائها في النبيذ الذين ~~استحلوه مثل سفيان الثوري وشريك ابن عبد الله وأبي حنيفة ومسعر بن كدام ~~ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم من أهل العلم وكقوله علماء ms179 مكة ~~وشيوخها فيما استحلوه من المتعة والصرف كقول عطاء بن ابي رباح وابن جريج ~~وغيرهما وكقول طائفة من شيوخ المدينة وعلمائها فيما استحلوه من الحشوش ~~وكقول طائفة من # PageV01P385 # شيوخ الشاميين وعلمائها فيما كانوا استحلوه من القتال في الفتنة لعلي بن ~~أبي طالب وأصحابه وكقول طوائف من أتباع الذين قاتلوا مع علي من اهل الحجاز ~~والعراق وغيرهم في الفتنة إلى أمثال ذلك مما تنازعت فيه الأمة وكان في كل ~~شق طائفة من اهل العلم والدين # فليس لأحد أن يحتج لأحد الطريقين بمجرد قول أصحابه وإن كانوا من أعظم ~~الناس علما ودينا لان المنازعين لهم هم أهل العلم والدين # وقد قال الله تعالى فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر [سورة النساء 59] فالرد عند التنازع إنما يكون ~~إلى كتاب الله وسنة رسوله # نعم إذا ثبت عن بعض المقبولين عند الأمة كلام في مثل موارد النزاع كان في ~~ذلك حجة على تقدم التنازع في ذلك وعلى دخول قوم من اهل الزهد والعبادة ~~والسلوك في مثل هذا ولا ريب في هذا # لكن مجرد هذا لا يتيح للمريد الذي يريد الله ويريد سلوك طريقه أن يقتدي ~~في ذلك بهم مع ظهور النزاع بينهم وبين غيرهم وإنكار غيرهم عليهم بل على ~~المريد أن يسلك الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين ويتبع ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع فإن ~~ذلك هو صراط الله الذي ذكره ورضى به في قوله وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوه السبل فتفرق بكم عن سبيله [سورة الأنعام 153] وهذا أصل في أنه ~~لا يحتج في مواضع النزاع والاشتباه بمجرد قول احد ممن نوزع في ذلك # PageV01P386 # وأما الوجه الثاني فقول القائل عن الصوت الحسن مخاطبات وإشارات أودعها ~~الله كل طيب وطيبة لا يجوز أن يراد به ان كل صوت طيب كائنا ما كان بأن الله ~~أودعها مخاطبات يخاطب بها عباده فإن هذا القول كفر صريح إذ ذلك يستلزم أن ~~تكون ms180 الأصوات الطيبة التي يستعملها المشركون وأهل الكتاب في الاستعانة بها ~~على كفرهم قد خاطب بها الله عباده وأن تكون الأصوات الطيبة التي يستفز بها ~~الشيطان لبني آدم كما قال تعالى {واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم ~~بخيلك ورجلك} [سورة الإسراء 64] أن تكون هذه الأصوات الشيطانية إذا كانت ~~طيبة قد أودعها مخاطبات يخاطب بها عباده وأن تكون اصوات الملاهي قد أودعها ~~الله مخاطبات يخاطب بها عباده # ومن المعلوم أن هذا لا يقوله عاقل فضلا عن أن يقوله مسلم ثم لو كان الامر ~~كذلك فلم لم يستمع الأنبياء والصديقون من الأولين والآخرين إلى كل صوت صوت ~~ويأمروا أتباعهم بذلك لما في ذلك من استماع مخاطبات الحق إذ قد علم أن ~~استماع مخاطبات الحق من أفضل القربات # فقد ظهر أن هذا الكلام لا يجوز أن يكون عمومه وإطلاقه حقا # يبقى ان يقال هذا خاص ومقيد في الصوت الحسن إذا استعمل على الوجه الحسن ~~فهذا حق مثل ان يزين به كلام الله كما كان أبو موسى الاشعري يفعل وقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم مررت بك البارحة # PageV01P387 # وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك فقال لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا ~~وكان عمر يقول له ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستعمون # فلا ريب أن ذا الصوت الحسن إذا تلا به كتاب الله فإنه يكون حينئذ قد أودع ~~الله ذلك مخاطبات وإشارات وهو ما في كتابه من المخاطبات والإشارات فقد ظهر ~~أن هذا الكلام إذا حمل على السماع المشروع الذي يحبه الله ورسوله كان محملا ~~حسنا وإن حمل على عمومه وإطلاقه كان كفرا وضلالا # يبقى بين ذلك العموم وهذا الخصوص مراتب منها ان يحمل ذلك على ما يجده ~~المستمع في قلبه من المخاطبات والإشارات من الصوت وإن لم يقصده المصوت ~~المتكلم فهذا كثير ما يقع لهم وأكثر الصادقين الذين حضروا هذا السماع ~~يشيرون إلى هذا المقصد وصاحب هذه الحال يكون ما يسمعه مذكرا له ما كان في ~~قلبه من الحق # وهذا يكون على وجهين # أحدهما ms181 من الصوت المجرد الذي لا حرف معه كأصوات الطيور والرياح والآلات ~~وغير ذلك فهذا كثير ما ينزله الناس على حروف بوزن ذلك الصوت وكثيرا ما يحرك ~~منهم ما يناسبها من فرح أو # PageV01P388 # حزن أو غضب أو شوق أو نحو ذلك كقول بعضهم ... رب ورقاء هتوف في الضحى ~~صدحت في فنن عن فنن # ربما أبكى فلا أفهمها وهي قد تبكي فلا تفهمني # غير أتى بالجوى اعرفها وهي أيضا بالجوى تعرفني ... # والثاني يكون من صوت بحروف منظومة إما شعر وإما غيره ويكون المستمع ينزل ~~تلك المعاني على حاله سواء قصد ذلك الناظم والمنشد أو لم يقصد ذلك مثل أن ~~يكون في الشعر عتاب وتوبيخ أو أمر بالصبر على الملام في الحب أو ذم على ~~التقصير في القيام بحقوق المحبة او تحريض على ما فرض للإنسان من الحقوق أو ~~إغضاب وحمية على جهاد العدو ومقاتله أو امر ببذل النفس والمال في نيل ~~المطلوب ورضا المحبوب أو غير ذلك من المعاني المجلمة التي يشترك فيها محب ~~الرحمن ومحب الأوثان ومحب الأوطان ومحب النسوان ومحب المردان ومحب الإخوان ~~ومحب الخلان # وربما قرع السمع حروف أخرى لم ينطق بها المتكلم على وزن حروفه كما يذكر ~~عن بعضهم أنه سمع قائلا يقول ستر بري فوقع في سمعه اسع تر برى # وقد ذكر ذلك فيما بعد ابو القاسم فقال سمعت محمد بن أحمد بن # PageV01P389 # محمد الصوفي يقول سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول سمعت يحيى بن على ~~الرضا العلوي قال سمع ابن حلوان الدمشقي طوافا ينادى ياه سعتر بري فسقط ~~مغشيا عليه فلما أفاق سئل فقال حسبته يقول اسع تر بري # وسمع عتبة الغلام رجلا يقول ... سبحان رب السماء إن المحب لفى عناء ... # فقال عتبة صدقت وسمع رجل آخر ذلك القول فقال كذبت فكل واحد يسمع من حيث ~~هو # لا سيما وأكثرها إنما وضعت لمحبة لا يحبها الله ورسوله مثل بعض هذه ~~الأجناس وإنما المدعي لمحبة الله ورسوله يأخذ مقصوده منها بطريق الاعتبار ~~والقياس وهو الإشارة التي ms182 يذكرونها ولهذا قال مخاطبات وإشارات فالمخاطبات ~~كدلالة النصوص والإشارات كدلالة القياس ولا بد أن يكون قد علم أن تلك ~~المخاطبات والإشارات إنما يفهم منها المستمع ويتحرك فيها حركة يحبها الله ~~ورسوله فيكون قد علم من غيرها ان ما يقتضيه من الشعور والحال مرضى عند ذي ~~الجلال بدلالة الكتاب # PageV01P390 # والسنة وإلا فإن مجرد الاستحسان بالذوق والوجدان إن لم يشهد له الكتاب ~~والسنة وإلا كان ضلالا # ومن هذا الباب ضل طوائف من الضالين وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن مثل هذا ~~جميعه لا يجوز أن يجعل طريقا إلى الله ويجمع عليه عباد الله ويستحب ~~للمريدين وجه الله لان ما فيه من الضرر هو اضعاف ما فيه من المنفعة لهم ~~ولكن قد صادف السر الذي يكون في قلبه حق بعض هذه المسموعات فيكون مذكرا له ~~ومنبها # وهذا معنى قول الجنيد السماع فتنة لمن طلبه ترويح لمن صادفه # وأما قول القائل السماع وارد حق يزعج القلوب إلى الحق فمن أصغى إليه بحق ~~تحقق ومن أصغى إليه بنفس تزندق فالسماع الموصوف أنه وارد حق الذي يزعج ~~القلوب إلى الحق هو أخص من السماع الذي قد يوجب التزندق فالكلام في ظاهره ~~متناقض لأن قائله أطلق القول بأنه وارد حق يزعج القلوب إلى الحق ثم جعل من ~~أصغى إليه بنفس تزندق # ووارد الحق الذي يزعج القلوب إلى الحق لا يكون موجبا للتزندق لكن قائله ~~قصد أولا السماع الذي يقصده أهل الارادة لوجه الله فلفظه وإن كان فيه عموم ~~فاللام لتعريف المعهود أي يزعج قلوب أهل هذه الإرادة إلى الحق لكونه يحرك ~~تباكيهم ويهيج باطنهم فتتحرك قلوبهم إلى الله الذي يريدون وجهه وهو إلههم ~~ومعبودهم ومنتهى محبوبهم ونهاية مطلوبهم # PageV01P391 # ثم ذكر أنه من أصغى إلى هذا السماع تزندق وهو من أصغى إليه بإرادة العلو ~~في الأرض والفساد وجعل محبة الخالق من جنس محبة المخلوق وجعل ما يطلب من ~~الاتصال بذي الجلال من جنس ما يطلب من الاتصال بالخلق فإن هذا يوجب التزندق ~~في الاعتقادات والإرادات فيصير صاحبه منافقا ms183 زنديقا وقد قال عبد الله بن ~~مسعود الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل ولهذا تزندق ~~بالسماع طوائف كثيرة كما نبهنا عليه قبل هذا # ويقال هنا من المعلوم أن النفس سواء أريد بها ذات الإنسان أو ذات روحه ~~المدبرة لجسده أو عني بها صفات ذلك من الشهوة والنفرة والغضب والهوى وغير ~~ذلك فإن البشر لا يخلو من ذلك قط ولو فرض أن قلبه يخلو عن حركة هذه القوى ~~والإرادات فعدمها شئ وسكونها شئ آخر والعدم ممتنع عليها ولكن قد تسكن ولكن ~~إذا كانت ساكنة ومن شأن السماع أن يحركها فكيف يمكن الإنسان أن يسكن الشئ ~~مع ملابسته لما يوجب حركته # فهذا أمر بالتفريق بين المتلازمين والجمع بين المتناقضين وهو يشبه أن ~~يقال له أدم مشاهدة المرأة والصبي والأمرد أو مباشرته بالقبلة واللمس وغير ~~ذلك من غير أن تتحرك نفسك أو فرجك إلى الاستمتاع به ونحو ذلك فهل الأمر ~~بهذا إلا من احمق الناس # PageV01P392 # ولهذا قال من قال من العلماء العارفين إن أحوال السماع بعد مباشرته تبقى ~~غير مقدورة للإنسان بل تبقى حركة نفسه وأحوالها أعظم من احوال الإنسان بعد ~~مباشرة شرب الخمر فإن فعل هذا السماع في النفوس أعظم من فعل حميا الكؤوس # وقوله من أصغى إليه بحق تحقق فيقال عليه وجهان # أحدهما أن يقال إن الإصغاء إليه بحق مأمون الغائلة أن يخالطه باطل أمر ~~غير مقدور عليه للبشر أكثر مما في قوة صاحب الرياضة والصفاء التام أن يكون ~~حين الإصغاء لا يجد في نفسه إلا طلب الحق وإرادته لكنه لا يثق ببقائه على ~~ذلك بل إذا سمع خالط الإصغاء بالحق الإصغاء بالنفس إذ تجرد الإنسان عن ~~صفاته اللازمة لذاته محال ممتنع # الثاني أن يقال ومن أين يعلم أن كل من أصغى إليه بحق تحقق بل المصغى إليه ~~بحق يحصل له من الزندقة والنفاق علما وحالا ما قد لا يشعر به كما قال عبد ~~الله بن مسعود الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل والنفاق ~~هو ms184 الزندقة ومن المعلوم أن البقل ينبت في الأرض شيئا فشيئا لا يحس الناس ~~بنباته فكذلك ما يبدو في القلوب من الزندقة والنفاق قد لا يشعر به أصحاب ~~القلوب بل يظنون أنهم ممن تحقق ويكون فيهم شبه كثير ممن تزندق # يوضح هذا ان دعوى التحقق والتحقيق والحقائق قد كثرت على ألسنة # PageV01P393 # أقوام هم من أعظم الناس زندقة ونفاقا قديما وحديثا من الباطنية القرامطة ~~والمتفلسفة الاتحادية وغير هؤلاء # وكذلك قوله هو وارد حق يزعج القلوب إلى الحق # يقال له إن كان قد تنزعج به بعض القلوب أحيانا إلى الحق فالأغلب عليه أنه ~~يزعجها إلى الباطل وقلما يزعجها إلى الحق محضا # بل قد يقال إنه لا يفعل ذلك بحال بل لابد أن يضم إلى ذلك شئ من الباطل ~~فيكون مزعجا لها إلى الشرك الجلي أو الخفي فإن ما يزعج إليه هذا السماع ~~مشترك بين الله وبين خلقه فإنما يزعج إلى القدر المشترك وذلك هو الإشراك ~~بالله # ولهذا لم يذكر الله هذا السماع في القرآن إلا عن المشركين الذين قال فيهم ~~{وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [سورة الأنفال 35] فلا يكون ~~مزعجا للقلوب إلى إرادة الله وحده لا شريك له بل يزعجها إلى الباطل تارة ~~وإلى الحق والباطل تارة # ولو كان يزعج إلى الحق الذي يحبه الله خالصا أو راجحا لكان من الحسن ~~المأمور به المشروع ولكان شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله أو فعله ~~ولكان من سنة خلفائه الراشدين ولكان المؤمنون في القرون الثلاثة يفعلونه لا ~~يتركون ما أحبه الله ورسوله وما يحرك القلوب إلى الله تحريكا يحبه الله ~~ورسوله # PageV01P394 # وأيضا فهذا الإزعاج إلى الحق قد يقال إنه إنما قد يحصل لمن لم يقصد ~~الاستماع بل صادفه مصادفة سماع شئ يناسب حاله بمنزلة الفأل لمن خرج في حاجة ~~فأما من قصد الاستماع إليه والتغني به فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليس منا من لم يتغن بالقرآن # قال أبو القاسم وحكى جعفر بن نصير عن الجنيد أنه قال ms185 تنزل الرحمة على ~~الفقراء في ثلاثة مواطن عند السماع فإنهم لا يسمعون إلا عن حق ولا يقومون ~~إلا عن وجد وعند أكل الطعام فإنهم لا يأكلون إلا عن فاقة وعند مجاراة العلم ~~فإنهم لا يذكرون إلا صفة الأولياء # وذكر عقيب هذا فقال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت الحسين بن أحمد بن ~~جعفر يقول سمعت الجنيد يقول السماع فتنة لمن طلبه ترويح لمن صادفه وذكر بعد ~~هذا سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازي ~~يقول سمعت الجنيد يقول إذا رأيت المريد يحب السماع فأعلم أن فيه بقية من ~~البطالة # PageV01P395 # قلت فهاتان المقالتان أسندهما عن جنيد وأما القول الأول فلم يسنده بل ~~أرسله وهذان القولان مفسران والقول الأول مجمل فإن كان الأول محفوظا عن ~~الجنيد فهو يحتمل السماع المشروع فإن الرحمة تنزل على أهله كما قال تعالى ~~وإذا قرئ القرآن فأستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون [سورة الأعراف 204] فذكر ~~أن استماع القرآن سبب الرحمة # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ما اجتمع قوم في بيت من ~~بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة وتنزلت ~~عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده # وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه أن الرحمة تحصل بالقرآن كقوله تعالى ~~وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين [سورة الإسراء] # وقال هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون [سورة الأعراف 203] # وقال ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة [سورة النحل 89] # يبين ذلك أن لفظ السماع يدخل فيه عندهم السماع الشرعي كسماع القرآن ~~والخطب الشرعية والوعظ الشرعي وقد أدخل أبو القاسم # PageV01P396 # هذا النوع في باب السماع وذكر أبو القاسم هذا النوع في باب السماع وذكر ~~في ذلك آثارا فقال سمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمي يقول سمعت عبد الله ~~بن الصوفي يقول سمعت الرقي يقول سمعت بن الجلاء يقول كان بالمغرب شيخان ~~لهما أصحاب وتلامذة يقال لأحدهما جبلة وللثاني رزيق فزار ms186 رزيق يوما جبلة ~~فقرأ رجل من أصحاب رزيق شيئا فصاح رجل من أصحاب جبلة صيحة ومات فلما أصبحوا ~~قال جبلة لرزيق أين الذي قرأ بالأمس فليقرأ آية فقرأ فصاح جبلة صيحة فمات ~~القارئ فقال جبلة واحد بواحد والبادي أظلم # فهذا من سماع القرآن وأما الموت بالسماع فمسألة أخرى نتكلم عليها إن شاء ~~الله في موضعها # قال أبو القاسم وسئل إبراهيم المارستاني عن الحركة عند السماع فقال بلغني ~~أن موسى عليه السلام قص في بني إسرائيل فمزق واحد # PageV01P397 # منهم قميصه فأوحى الله إليه قل له مزق لي قلبك ولا تمزق لي ثيابك # فهذا سماع لقصص الأنبياء # قال أبو القاسم وسأل أبو علي المغازلي الشبلي فقال ربما يطرق سمعي آية من ~~كتاب الله عز وجل فتحدوني علي ترك الأشياء والإعراض عن الدنيا ثم أرجع إلى ~~احوالي وإلى الناس فقال الشبلي ما اجتذبك إليه فهو عطف منه عليك ولطف وما ~~ردك إلى نفسك فهو شفقة منه عليك لأنه لا يصح لك التبري من الحول والقوة في ~~التوجه إليه # فهذا سماع في القرآن # وقال سمعت أبا حاتم السجستاني يقول سمعت أبا نصر السراج يقول سمعت أحمد ~~بن مقاتل العكي يقول كنت مع الشبلي في مسجد ليلة في شهر رمضان وهو يصلي خلف ~~إمام له وأنا بجنبه فقرأ # PageV01P398 # الإمام {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} [سورة الإسراء 86] فزعق ~~زعقة قلت طارت روحه وهو يرتعد ويقول بمثل هذا يخاطب الأحباء يردد ذلك كثيرا ~~فهذا سماع القرآن # قال وحكى عن الجنيد أنه قال دخلت على السري يوما فرأيت عنده رجلا مغشيا ~~عليه فقلت ما له فقال سمع آية من كتاب الله تعالى فقلت تقرأ عليه ثانيا ~~فقرئ فأفاق فقال لي من اين علمت هذا فقلت إن قميص يوسف ذهبت بسببه عين ~~يعقوب عليه السلام ثم به عاد بصره فآستحسن مني ذلك # قال وسمعت ابا حاتم السجستاني يقول سمعت أبا نصر السراج يقول سمعت عبد ~~الواحد بن علوان يقول كان شاب يصحب الجنيد فكان إذا سمع شيئا من ms187 الذكر يزعق ~~فقال له الجنيد يوما إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني فكان إذا سمع شيئا ~~يتغير ويضبط نفسه حتى كان يقطر من كل شعرة من بدنه فيوما من # PageV01P399 # الأيام صاح صيحة تلفت بها نفسه # فهذا سماع الذكر لا يختص بسماع الشعر الملحن # فقول القائل تنزل الرحمة عليهم عند السماع يصح ان يراد به هذا السماع ~~المشروع # وقوله لا يقومون إلا عن وجد يعني أنهم صادقون ليسوا متصنعين بمنزلة ~~المظهر للوجد من غير حقيقة لكن قد يقال قوله لا يستمعون إلا عن حق هذا ~~التقييد لا يحتاج إليه في السماع الشرعي فإنه حق بخلاف السماع المحدث فإنه ~~يسمع بحق وباطل # فيقال وكذلك سماع القرآن وغيره قد يكون رياء وسمعة وقد يكون بلا قلب ولا ~~حضور ولا تدبر ولا فهم ولا ذوق # وقد أخبر الله عن المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~والصلاة مشتملة على السماع الشرعي # وقد أخبر الله عن كراهة المنافقين للسماع الشرعي في غير موضع كقوله {وإذا ~~ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم وماتوا وهم كافرون} إلى قوله {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ~~هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون} [سورة ~~التوبة 124 127] فهؤلاء المنافقون ينصرفون عن السماع الشرعي # PageV01P400 # وبالجملة فإذا كان المسند المحفوظ المعروف من قول الجنيد أنه رحمه الله ~~لا يحمد هذا السماع المبتدع ولا يأمر به ولا يثني عليه بل المحفوظ من ~~أقواله ينافي ذلك لم يجز أن يعمد إلى قول مجمل روى عنه بغير إسناد فيحمل ~~على أنه مدح هذا السماع المحدث # وقد روى بعض الناس أن الجنيد كان يحضر هذا السماع في أول عمره ثم تركه ~~وحضوره له فعل والفعل قد يستدل به على مذهب الرجل وقد لا يستدل ولهذا ينازع ~~الناس في مذهب الإنسان هل يوجد من فعله # وقال بعض ms188 السلف أضعف العلم الرؤية وهو قوله رأيت فلانا يفعل وقد يفعل ~~الشئ بموجب العادة والموافقة من بعد اعتقاد له فيه وقد يفعل نسيانا لا ~~لاعتقاده فيه أو حضا وقد يفعله ولا يعلم أنه ذنب ثم يعلم بعد ذلك أنه ذنب ~~ثم يفعله وهو ذنب وليس أحد معصوما عن أن يفعل ما هو ذنب لكن الأنبياء ~~معصومون من الأقرار على الذنوب فيتأسى بأفعالهم التي أقروا عليها لأن ~~الإقرار عليها يقتضي أنها ليست ذنبا وأما غير الأنبياء فلا فكيف بمن يكون ~~فعل فعلا ثم تركه # وأقصى ما يقال إن الجنيد كان يفعل أولا هذا السماع على طريق # PageV01P401 # الاستحسان له والاستحباب أو يقول ذلك فيكون هذا لو صح معارضا لأقواله ~~المحفوظة عنه فيكون له في المسألة قولان # وقد قال ابو القاسم حكى عن الجنيد أنه قال السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء ~~الزمان والمكان والإخوان # وهذه حكاية مرسلة والمراسيل في هذه الرسالة لا يعتمد عليها إن لم تعرف ~~صحتها من وجه آخر كما تقدم ولو صح ذلك وأنه أراد سماع القصائد لكان هذا أحد ~~قوليه # وذلك أن قوله السماع فتنة لمن طلبه ترويح لمن صادفه صريح بأنه مكروه ~~مذموم منهى عنه لمن قصده وهذا هو الذي نقرره فقول الجنيد رضي الله عنه من ~~محض الذي قلناه # وقوله ترويح لمن صادفه لم يثبت منه وإنما أثبتوا أنه راحة وجعل ذلك مع ~~المصادفة لا مع القصد والتعمد # والمصادفة فيها قسم لا ريب فيه وهو استماع دون استماع كالمرء يكون مارا ~~فيسمع قائلا يقول بغير قصده واختياره أو يكون جالسا في موضع فيمر عليه من ~~يقول أو يسمع قائلا من موضع آخر بغير قصده # PageV01P402 # وأما إذا اجتمع بقوم لغير السماع إما حضر عندهم أو حضروا عنده وقالوا ~~شيئا فهذا قد يقال إنه صادفه السماع فإنه لم يمش إليه ويقصده وقد يقال بل ~~إصغاؤه إليه واستماعه الصوت يجعله مستمعا فيجعله غير مصادف # وقد قال تعالى وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~ويستهزأ ms189 بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلثم [سورة ~~النساء 140] فجعل القاعد المستمع بمنزلة القائل # فأكثر ما يقال إن الجنيد اراد بالمصادفة هذه الصورة وهو مع جعله ترويحا ~~لم يجعله سببا للرحمة وهذا غايته أن يكون مباحا لا يكون حسنا ولا رحمة ولا ~~مستحبا والكلام في إباحته وتحريمه غير الكلام في حسنه وصلاحه ومنفعته وكونه ~~قربة وطاعة فالجنيد لم يقل شيئا من هذا # وقول القائل تنزل الرحمة على أهل السماع إذا أراد به سماع القصائد يقتضي ~~أنه حسن وأنه نافع في الدين وكلام الجنيد صريح في خلاف ذلك # قال أبو القاسم وسئل الشبلي عن السماع فقال ظاهره فتنة وباطنه عبرة فمن ~~عرف الإشارة حل له السماع بالعبرة وإلا فقد استدعى الفتنة وتعرض للبلية # PageV01P403 # قلت هذا القول مرسل لم يسنده فالله أعلم به فإن كان محفوظا عن الشبلي فقد ~~نبهنا على ان الأئمة في طريق الحق الذين يعتد بأقوالهم كما يعتد بأقوال ~~أئمة الهدى هم مثل الجنيد وسهل ونحوهما فإن اقوالهم صادرة عن أصل وهم ~~مستهدون فيها # وأما الشبلي ونحوه فلا بد من عرض أقواله وأحواله على الحجة فيقبل منها ما ~~وافق الحق دون ما لم يكن كذلك لأنه قد كان يعرض له زوال العقل حتى يذهب به ~~إلى المارستان غير مرة وقد يختلط اختلاطا دون ذلك # ومن كان بهذه الحال فلا تكون أقواله وأفعاله في مثل هذه الأحوال مما ~~يعتمد عليها في طريق الحق ولكن له أقوال وأفعال حسنة قد علم حسنها بالدليل ~~فتقبل لحسنها في نفسها وإن كان له حال أخرى بغير عقله أو اختلط فيها او وقع ~~منه ما لا يصلح # ومعلوم أن الجنيد شيخه هو الإمام المتبع في الطريق وقد أخبر أن لسماع ~~فتنة لمن طلبه فتقليد الجنيد في ذلك أولى من تقليد الشبلي في قوله ظاهره ~~فتنة وباطنه عبرة إذ الجنيد أعلى وأفضل وأجل بأتفاق المسلمين وقد أطلق ~~القول بأنه فتنة لطالبه وهو لا يريد أنه فتنة في الظاهر فقط إذ من ms190 شأن ~~الجنيد أن يتكلم على صلاح القلوب # PageV01P404 # وفسادها فإنما أراد أنه يفتن القلب لمن طلبه وهذا نهى منه وذم لمن يطلبه ~~مطلقا ومخالفا لما أرسل عن الشبلي أنه قال من عرف الإشارة حل له السماع ~~بالعبرة # وهذا التفصيل يضاهي قول من يقول هو مباح أو حسن للخاصة دون العامة وقد ~~تقدم الكلام على ذلك وأنه مردود لأن قائله اختلف قوله في ذلك وما أعلم احدا ~~من المشايخ المقبولين يؤثر عنه في السماع نوع رخصة وحمد إلا ويؤثر عنه الذم ~~والمنع فهم فيه كما يذكر عن كثير من العلماء أنواع من مسائل الكلام # فلا يوجد عمن له في الأمة حمد شئ من ذلك إلا وعنه ما يخالف ذلك وهذا من ~~رحمة الله بعباده الصالحين حيث يردهم في آخر أمرهم إلى الحق الذي بعثه به ~~رسوله ولا يجعلهم مصرين على ما يخالف الدين المشروع # كما قال تعالى في صفة المتقين الذين أعد لهم الجنة فقال وسارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في ~~السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ~~والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا انفسهم ذكروا الله فآستغفروا لذنوبهم ومن ~~يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم ~~مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها # PageV01P405 # الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العالمين [سورة آل عمران 133 136] # وقول القائل من عرف الإشارة حل له السماع بالعبرة وقد تقدم ان الإشارة هي ~~الاعتبار والقياس لأن يجعل المعنى الذي في القول مثلا مضروبا لمعنى حق ~~يناسب حال المستمع ولهذا قال باطنه عبرة # يقال له هب أنه يمكن الاعتبار به لكن من أين لك ان كل ما أمكن أن يعتبر ~~به الإنسان يكون حلالا له مع أن الاعتبار قد يكون بما يسمع ويرى من ~~المحرمات فهل لاحد أن يعتبر بقصد النظر إلى الزينة الباطنة من المرأة ~~الأجنبية ويعتبر بقصد الاستماع إلى اقوال المستهترين بآيات الله أو غير ذلك ~~مما لا يجوز ms191 # قال أبو القاسم وقيل لا يصح السماع إلا لمن كانت له نفس ميتة وقلب حي ~~فنفسه ذبحت بسيوف المجاهدة وقلبه حي بنور المشاهدة وهذا التففضيل من جنس ما ~~تقدم الكلام عليه # PageV01P406 # قال وسئل ابو يعقوب النهرجوري عن السماع فقال حال يبدي الرجوع إلى ~~الأسرار من حيث الإحراق # قلت وهذا وصف لما يعقب السماع من الاحوال الباطنة وقوة الحرارة والإحراق ~~والوجودية وهذا امر يحسه المرء ويجده ويذوقه لكن ليس في ذلك مدح ولا ذم إذ ~~مثل هذا يوجد لعباد المسيح والصليب وعباد العجل وعباد الطواغيت ويوجد ~~للعشاق وغير ذلك فإن لم تكن هذه الأحوال مما يحبها الله ورسوله لم تكن ~~محمودة ولا ممدوحة # قال أبو القاسم وقيل السماع لطف غذاء الأرواح لأهل المعرفة وهذا القول لم ~~يسم قائله ولا ريب ان السماع فيه غذاء وقد قيل إنما سمى الغناء غناء لأنه ~~يغني النفس لكن الأغذية والمطاعم منها طيب ومنها خبيث وليس كل ما استلذه ~~الإنسان لحسنه يكون طيبا فإن أكل الخنزير يستلذه آكله وشارب الخمر يستلذها ~~شاربها # PageV01P407 # ومما يبين ذلك أن سماع الألحان يتغذى به أهل الجهل أكثر مما يتغذى به أهل ~~المعرفة كما يتغذى به الأطفال والبهائم والنساء وكما يكثر في أهل البوادي ~~والأعراب وكل من ضعف عقله ومعرفته كما هو مشهود # فأما السماع الشرعي فلا إنه غذاء طيب لأهل المعرفة كما أخبر الله بذلك في ~~قوله {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا ~~من الحق} [سورة المائدة 83] # ثم ذكر أبو القاسم قول ابي على الدقاق السماع طبع إلا عن شرع وخرق إلا عن ~~حق وفتنة إلا عن عبرة وهذا كلام حسن وقد قدمنا ذكره فإنه جعل ما ليس بمشروع ~~هو عن الطبع فلا يكون محمودا مستحسنا في الدين وطريق الله # وقوله خرق إلا عن حق وفتنة الأ عن عبرة يقتضي أنه إذا لم يكن عن حق فهو ~~مذموم وأنه لم يكن عن عبرة فهو فتنة وهذا كلام صحيح ولا يقتضي ذلك أن يستحب ms192 ~~كل ما يظن أن فيه عبرة أو أنه عن حق إذا لم يكن مشروعا لأنه قد قال إنه طبع ~~إلا عن شرع # قال أبو القاسم ويقال السماع على قسمين سماع بشرط # PageV01P408 # العلم والصحو فمن شرط صاحبه معرفة الاسامي والصفات وإلا وقع في الكفر ~~المحض وسماع بشرط الحال فمن شرط صاحبه الفناء عن احوال البشرية والتنقي من ~~آثار الحظوظ بظهور أحكام الحقيقة # قلت قوله معرفة الأسامي والصفات يعني أسماء الحق وصفاته وذلك لأن المسموع ~~هو المشروع من الصفات التي يوصف بها المخلوقون وهم إنما يأخذون مقصودهم ~~منها بطريقة الإشارة والاعتبار كما تقدم فيحتاج ذلك إلى أن نفرق بين ما ~~يوصف به الرب ويوصف به المخلوق لئلا تجعل تلك الصفات صفات لله فيكون فتنة ~~وكفرا هذا إذا كان صاحبه صاحيا يعلم ما يقول وأما إذا كان فانيا عن الشعور ~~بالكائنات لم يحمل القول على ذلك لعدم شعوره به فلا بد أن يكون شاعرا ~~بالأحوال البشرية ويكون متنقيا عن الحظوظ البشرية التي تميل إلى المخلوقات ~~وذلك بظهور سلطان التوحيد على قلبه وهو قوله ظهور أحكام الحقيقة وهذا ~~التفصيل يحتاج إليه من يستحسن بعض أنواع السماع المحدث لأهل الطريق إلى ~~الله # والفتنة تحصل بالسماع من وجهين من جهة البدعة في الدين ومن جهة الفجور في ~~الدنيا # أما الأول فلما قد يحصل به من الاعتقادات الفاسدة في حق الله او الإرادات ~~والعبادات الفاسدة التي لا تصلح لله مع ما يصد عنه من # PageV01P409 # الاعتقادات الصالحة والعبادات الصالحة تارة بطريق المضادة وتارة بطريق ~~الاشتغال فإن النفس تشتغل وتستغني بهذا عن هذا # وأما الفجور في الدنيا فلما يحصل به من دواعي الزنا والفواحش والإثم ~~والبغي على الناس # ففي الجملة جميع المحرمات قد تحصل فيه وهو ما ذكرها الله في قوله {قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ~~[سورة الاعراف 33] # قال أبو القاسم وحكى عن احمد بن ms193 ابي الحواري أنه قال سألت أبا سليمان عن ~~السماع فقال من اثنين أحب إلى من الواحد # قلت هذه المقالة ذكرها مرسلة فلا يعتمد عليها وإن أريد بها السماع المحدث ~~فهي باطلة عن ابي سليمان فإن أبا سليمان رضي الله عنه لم يكن من رجال ~~السماع ولا معروفا بحضوره كما أن الفضيل بن عياض ومعروفا الكرخي رحمهما ~~الله ونحوهما لم يكونا ممن يحضر هذا السماع # قال أبو القاسم سئل أبو الحسين النوري عن الصوفي فقال من سمع السماع وآثر ~~الأسباب # PageV01P410 # قلت هذا النقل مرسل فلا يعتمد عليه ولعل المقصود بهذا هو الصوفي المذموم ~~عندهم التصوف فإنه جمع بين إيثار السماع الذي يدل على الأهواء الباطلة وضعف ~~الإرادة والعبادة وإيثار الأسباب التي تنقصه عندهم عن التوكل فضعف كونه ~~يعبد الله وضعف كونه يستعينه وإلا فالنوري لا يجعل هذا شرطا في الصوفي ~~المحقق # قال أبو القاسم وسئل أبو علي الروذباري عن السماع يوما فقال ليتنا تخلصنا ~~منه راسا برأس # قلت هذا الكلام من مثل هذا الشيخ الذي هو أجل المشايخ الذين صحبوا الجنيد ~~وطبقته يقرر ما قدمناه من أن حضور الشيخ السماع لا يدل على مذهبه واعتقاد ~~حسنه فإنه يتمنى ألا يكون عليه فيه إثم بل يخلص منه لا عليه ولا له ولو كان ~~من جنس المستحبات لم يقل ذلك فيه إلا لتقصير المستمع لا لجنس الفعل وليس له ~~أن يقول ذلك إلا عن نفسه لا يجعل هذا حكما عاما في أهل ذلك العمل # كما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول وددت أني انفلت من ~~هذا الامر رأسا برأس قال هذا بعد توليه الخلافة # PageV01P411 # لفرط خشيته ألا يكون قد قام بحقوق ولم يقل هذا في أبي بكر رضي الله عنه ~~بل ما يزال يشهد له بالقيام في الخلافة بالحق ولذلك كان عمر خوفه يحمله على ~~ذلك القول # فقول أبي علي ليس من هذا الجنس بل وصف الطائفة كلها بذلك فعلم أنه لا ~~يعتقد فيه انه حسن وإن كان ms194 فاعلا له # وقال أبو القاسم سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا عثمان ~~المغربي يقول من ادعى السماع ولم يسمع صوت الطيور وصرير الباب وصفير الرياح ~~فهو مفتر مدع # قلت هذا الذي قاله أبو عثمان هو مما يفصلون به بين سماع العبرة وسماع ~~الفتنة فإن سماع العبرة الذي يحرك وجد السالكين بالحق يحصل بسماع هذه ~~الأصوات لا يقف على السماع الذي يهواه أهل الفتن # وقال أبو القاسم سمعت أبا حاتم السجستاني يقول سمعت أبا نصر السراج ~~الطوسي يقول سمعت أبا الطيب أحمد بن مقاتل العكي يقول قال جعفر كان ابن ~~زيري من أصحاب الجنيد شيخا # PageV01P412 # فاضلا فربما كان يحضر موضع السماع فإن استطابة فرش إزاره وجلس وقال ~~الصوفي مع قلبه وإن لم يستطبه قال السماع لأرباب القلوب ومر وأخذ نعليه # قلت سنتكلم إن شاء الله على مثل هذه الحال وهو المشي مع طيب القلب وما ~~يذوق الإنسان ويجد فيه صلاح القلب ونبين أن السلوك المستقيم هكذا من غير ~~اعتبار لطيب القلب وما يجده ويذوقه من المنفعة واللذة والجمع على الله ونحو ~~ذلك أما ذلك الحال فهو مذموم في الكتاب والسنة ضلال في الطريق وهو مبدأ ~~ضلال من ضل من العباد والنساك والمتصوفة والفقراء ونحوهم وحقيقته اتباع ~~الهوى بغير هدى من الله وقد تقدم من كلام المشايخ في ذم هذا ما فيه كفاية # فإن مجرد طيب القلب ليس دليلا على أنه إنما طاب لما يحبه الله ويرضاه بل ~~قد يطيب بما لا يحبه الله ويرضاه مما يكرهه أولا يكرهه أيضا لا سيما القلوب ~~التي أشربت حب الأصوات الملحنة فقد قال عبد الله بن مسعود الغناء ينبت ~~النفاق في القلوب كما ينبت الماء البقل # PageV01P413 # وإطلاق القول بأن الصوفي مع قلبه هو من جنس ما ذم به هؤلاء المتصوفة حتى ~~جعلوا من اهل البدع لأنهم أحدثوا في طريق الله أشياء لم يشرعها الله فكان ~~لهم نصيب من قوله تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ~~الله ms195 [سورة الشورى 21] مثل ما ذكره الخلال بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدي ~~وذكر الصوفية فقال لا تجالسوهم ولا أصحاب الكلام وعليكم بأصحاب القماطر ~~فإنهم بمنزلة المعادن والمفاصل هذا يخرج درة وهذا يخرج قطعة ذهب ويروى عن ~~الشافعي أنه قال لو تصوف رجل أول النهار لم يأت نصف النهار إلا وهو أحمق # قال ابو القاسم سمعت محمد بن الحسين رحمه الله تعالى يقول سمعت عبد ~~الواحد بن بكر يقول سمعت عبد الله بن عبد المجيد الصوفي يقول سئل رويم عن ~~وجود الصوفية عند السماع فقال يشهدون المعاني التي تعزب عن غيرهم فتشير ~~إليهم # PageV01P414 # إلي إلي فيتنعمون بذلك من الفرح ثم يقع الحجاب فيعود ذلك الفرح بكاء ~~فمنهم من يخرق ثيابه ومنهم من يصيح ومنهم من يبكي كل إنسان على قدره # قلت هذا وصف لما يعتريهم من الحال ليس في ذلك مدح ولا ذم إذ مثل هذه ~~الحال يكون للمشركين وأهل الكتاب إذ قد يشهدون بقلوبهم مع انهم يفرحون بها ~~فتتبع ذلك المحبة فإن الفرح يتبع المحبة فمن أحب شيئا فرح بوجوده وتألم ~~لفقده والمحبوب قد يكون حقا وقد يكون باطلا # قال تعالى {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله} [سورة البقرة 165] وقال تعالى {وأشربوا في ~~قلوبهم العجل بكفرهم} [سورة البقرة 93] # فقد يكون المرء محبا لله صادقا في ذلك لكن يكون ما يشهده من المعاني ~~السارة خيالات لا حقيقة لها فيفرح بها ويكون فرحه لغير الحق وذلك مذموم # قال تعالى {ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل ~~لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين ذلكم بما كنتم تفرحون في ~~الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون} # PageV01P415 # وقد علم أن سماع المكاء والتصدية إنما ذكره الله في القرأن عن المشركين ~~ولا يخلو من نوع شرك جلي أو خفي ولهذا يحكي عنهم تلك الأمور الباطلة التي ~~بدت لهم أولا كما قال تعالى {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ms196 ماء حتى إذا جاءه لم ~~يجده شيئا ووجد الله عنده} [سورة النور 39] # ومع هذا فقد يكون في تلك المعاني التي تشاهد وتحتجب من حقائق الإيمان ما ~~يفرح به المؤمنون أيضا ولولا ما فيه من ذلك لما التبس على فريق من المؤمنين ~~لكن قد لبس الحق فيه بالباطل هذا الأمر منه ليس بحق محض أصلا وبالحق الذي ~~فيه نفق على من نفق عليه من المؤمنين وزهادهم وصوفيتهم وفقرائهم وعبادهم ~~ولكن لضعف إيمانهم نفق عليهم ولو تحققوا بكمال الإيمان لتبين لهم ما فيه من ~~الشرك ولبس الحق بالباطل # ولهذا تبين ذلك لمن أراد الله أن يكمل إيمانه منهم فيتوبون منه كما هو ~~المأثور عن عامة المشايخ الكبار الذين حضروه فإنهم تابوا منه كما تاب كثير ~~من كبار العلماء مما دخلوا فيه من البدع الكلامية # قال أبو القاسم سمعت محمد بن أحمد بن محمد # PageV01P416 # التميمي يقول سمعت عبد الله بن علي يقول سمعت الحصري يقول في بعض كلامه ~~إيش أعمل بسماع ينقطع إذا انقطع من يستمع منه ينبغي أن يكون سماعك سماعا ~~متصلا غير منقطع # وقال الحصري ينبغي أن يكون ظمأ دائم وشرب دائم فكلما ازداد شربه ازداد ~~ظمؤه # قلت هذا الكلام فيه عيب لأهل هذا السماع وبيان أن المؤمن عمله دائم ليس ~~بمنقطع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أحب العمل إلى الله ما داوم عليه ~~صاحبه فيكون اجتماع قلبه لمعاني القرآن دائما غير منقطع لا يزال عطشانا ~~طالبا شاربا # PageV01P417 # كما قال تعالى لنبيه {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [سورة الحجر 99] وقال ~~الحسن البصري لم يجعل الله لعبده المؤمن أجلا دون الموت وقد اعتقد بعض ~~الغالطين من هؤلاء ان المعنى اعبد ربك حتى تحصل لك المعرفة ثم اترك العبادة ~~وهذا جهل وضلال بأجماع الأمة بل اليقين هنا كاليقين في قوله {حتى أتانا ~~اليقين} [سورة المدثر 47] # في الصحيح لما مات عثمان بن مظعون قال النبي صلى الله عليه وسلم أما ~~عثمان فقد أتاه اليقين من ربه والله ما أدري وأنا رسول الله ms197 ما يفعل بي # فأما اليقين الذي هو صفة العبد فذاك قد فعله من حين عبد ربه ولا تصح ~~العبادة إلا به وإن كان له درجات متفاوتة # قال تعالى آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين إلى قوله وبالآخرة هم ~~يوقنون [سورة البقرة 1 4] # PageV01P418 # وقال وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بأياتنا يوقنون ~~[سورة السجدة 24] # وقال عن الكفار وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ~~ندرى ما الساعة إن تظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين [سورة الجاثية 32] # قال أبو القاسم وجاء عن مجاهد في تفسير قوله تعالى {فهم في روضة يحبرون} ~~[سورة الروم 15] أنه السماع من الحور العين بأصوات شهية نحن الخالدات فلا ~~نموت أبدا ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا # وهذا فيه أنهم ينعمون في الآخرة بالسماع وقد تقدم الكلام على هذا وأن ~~التنعم بالشئ في الآخرة لا يقتضي أن يكون عملا حسنا أو مباحا في الدنيا # وقال وقيل السماع نداء والوجد قصد # وهذا كلام مطلق فإن المستمع يناديه ما يستمعه بحق تارة وبباطل أخرى ~~والواجد هو قاصد يجيب المنادي الذي قد يدعو إلى حق وقد يدعو إلى باطل فإن ~~الواجد تجد في نفسه إرادة وقصدا # PageV01P419 # قال وسمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول قلوب أهل ~~الحق قلوب حاضرة وأسماعهم أسماع مفتوحة # وهذا كلام حسن قال تعالى {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع ~~وهو شهيد} [سورة ق 37] قالوا وهو حاضر القلب ليس بغائبه ووصف الله الكفار ~~بأنهم صم بكم عمي لا يسمعون ولا يعقلون وأن في آذانهم وقرا وأنه ختم على ~~قلوبهم وعلى سمعهم # قال وسمعته يعني أبا عبد الرحمن يقول سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يقول ~~المستمع بين استتار وتجل فالاستتار يوجب التلهيب والتجلي يورث الترويح ~~والاستتار يتولد منه حركات المريدين وهو محل الضعف والعجز والتجلي يتولد ~~منه سكون الواصلين وهو محل الاستقامة والتمكن وذلك # PageV01P420 # صفة الحضرة ليس فيها إلا الذبول تحت موارد الهيبة ms198 قال تعالى {فلما حضروه ~~قالوا أنصتوا} [سورة الأحقاف 29] # قلت هذا كلام على أحوال أهل السماع وهو مطلق في السماع الشرعي والبدعي ~~لكنه إلى وصف حال المحدث أقرب وهو وصف لبعض أحوالهم فإن أحوالهم أضعاف ذلك ~~وأما الاستدلال بالآية ففيه كلام ليس هذا موضعه # قال وقال أبو عثمان الحيري السماع على ثلاثة أوجه فوجه منها للمريدين ~~والمبتدئين يستدعون بذلك الأحوال الشريفة ويخشى عليهم في ذلك الفتنة ~~والمراءاة # والثاني للصادقين يطلبون الزيادة في أحوالهم ويستمعون من ذلك ما يوافق ~~أوقاتهم # والثالث لأهل الاستقامة من العارفين وهؤلاء لا يختارون على الله فيما يرد ~~على قلوبهم من الحركة والسكون # قلت هذا الكلام مطلق في السماع يتناول القسمين # PageV01P421 ### | فصل في محبة الجمال # ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ولا يدخل الجنة أحد ~~في قلبه مثقال حبة خردل من كبر # وفي # رواية لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل إن الرجل ~~يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فقال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر ~~الحق وغمط الناس # فقوله إن الله جميل يحب الجمال قد أدرج فيه حسن الثياب التي هي المسئول ~~عنها فعلم أن الله يحب الجمال والجميل من اللباس ويدخل في عمومه وبطريق ~~الفحوي الجميل من كل شئ هذا كقوله في الحديث الذي رواه الترمذي إن الله ~~نظيف يحب النظافة # PageV01P422 # وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال إن الله طيب يحب الأطيباء وهذا مما يستدل ~~به على التجمل في الجمع والأعياد كما في الصحيح أن عمر بن الخطاب رأى حلة ~~تباع في السوق فقال يا رسول الله لو اشتريت هذه تلبسها فقال إنما يلبس هذه ~~من لا خلاق له في الآخرة # وهذا يوافقه في حسن الثياب ما في السنن عن ابي الأحوص الجشمي قال رآني ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أطمار فقال هل لك ms199 من مال قلت نعم قال من أي ~~المال قلت من كل ما # PageV01P423 # أتى الله من الإبل والشاء قال فلتر نعمة الله وكرامته عليك # وفي السنن أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده لكن هذا الظهور ~~لنعمة الله وما في ذلك من شكره والله يحب أن يشكر وذلك لمحبته الجمال # وهذا الحديث قد ضل قوم بما تأولوه عليه وآخرون رأوه معارضا لغيره من ~~النصوص ولم يهتدوا للجمع # فالاولون قد يقولون كل مصنوع الرب جميل لقوله الذي أحسن كل شئ خلقه [سورة ~~السجدة 7] فنحب كل شئ وقد يستدلون بقول بعض المشايخ المحبة نار تحرق في ~~القلب كل ما سوى مراد المحبوب والمخلوقات كلها مراده وهو لا يقوله قائلهم ~~فصرح بإطلاق الجمال وأقل ما يصيب هؤلاء أنهم يتركون الغيرة لله والنهي عن ~~المنكر والبغض في الله والجهاد في سبيله وإقامة حدوده # PageV01P424 # وهم في ذلك متناقضون إذ لا يتمكنون من الرضا بكل موجود فإن المنكرات هي ~~أمور مضرة لهم ولغيرهم ويبقى أحدهم مع طبعة وذوقه وهواه ينكر ما يكره ذوقه ~~دون ما لا يكره ذوقه وينسلخون عن دين الله وربما دخل أحدهم في الاتحاد ~~والحلول المطلق ومنهم من يحض الحلول أو الاتحاد ببعض المخلوقات كالمسيح أو ~~علي بن أبي طالب أو غيرهما من المشايخ والملوك والمردان فيقولون بحلوله في ~~الصور الجميلة ويعبدونها # ومنهم من لا يرى ذلك لكن يتدين يحب الصور الجميلة من النساء الأجانب ~~والمردان وغير ذلك ويرى هذا من الجمال الذي يحبه الله ويحبه هو ويلبس ~~المحبة الطبيعية المحرمة بالمحبة الدينية ويجعل ما حرمه الله مما يقرب إليه ~~{وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء} [سورة الأعراف 28] # والآخرون قالوا ثبت في صحيح مسلم عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى ms200 قلوبكم ~~وأعمالكم ومعلوم أنه لم ينف نظر الإدراك لكن نظر المحبة # PageV01P425 # وقد قال تعالى عن المنافقين {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع ~~لقولهم كأنهم خشب مسندة} [سورة المنافقون 4] # وقال تعالى {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا} [سورة مريم ~~74] والأثاث المال من اللباس ونحوه والرئي المنطر فأخبر ان الذين أهلكهم ~~قبلهم كانوا أحسن صورا وأموالا لنتبين أن ذلك لا ينفع عنده ولا يعبأ به # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود ~~إلا بالتقوى # وفي السنن عنه أنه قال البذاذة من الايمان # وأيضا فقد حرم علينا من لباس الحرير والذهب وآنية الذهب والفضة ما هو ~~أعظم الجمال في الدنيا وحرم الله الفخر والخيلاء واللباس الذي فيه الفخر ~~والخيلاء كإطالة الثياب # PageV01P426 # حتى ثبت في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ~~ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا # وفي الصحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من جر ثوبه خيلاء ~~لم ينظر الله إليه يوم القيامة # وفي الصحيح أيضا قال بينما رجل يجر أزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل ~~في الأرض إلى يوم القيامة # وقد قال تعالى في حق قارون {فخرج على قومه في زينته} [سورة القصص 79] ~~قالوا ثياب الأرجوان # ولهذا ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال رآني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى ثوبين معصفرين فقال إن هذه من ثياب # PageV01P427 # الكفار فلا تلبسها قلت أغسلهما قال احرقهما # ولهذا كره العلماء المحققون الأحمر المشبع حمرة كما جاء النهي عن الميثرة ~~الحمراء وقال عمر بن الخطاب دعوا هذه الرايات للنساء وقد بسطنا القول في ~~هذه المسألة في موضعها # وأيضا فقد قال الله تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} ~~إلى قوله وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنين [سورة النور 30 31] # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن ابي هريرة العينان ~~تزينان ms201 وزناهما النظر # وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~نظر الفجأة فقال اصرف بصرك # PageV01P428 # وفي السنن أنه قال لعلي يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى ~~وليست لك الآخرة # وقد قال تعالى {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى} [سورة طه 131] # وقال ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ازواجنا منهم ولا تحزن عليهم واخفض ~~جناحك للمؤمنين [سورة الحجر 88] وقال {زين للناس حب الشهوات من النساء ~~والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام ~~والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ~~ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج ~~مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد} [سورة آل عمران 13 15] # وقد قال مع ذمه لمذامه من هذه الزينة {قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم ~~القيامة} [سورة الأعراف 32] # PageV01P429 # فنقول أعلم أن ما يصفه به النبي صلى الله عليه وسلم من محبة الأجناس ~~المحبوبة من الأعيان والصفات والأفعال وما يبغضه من ذلك هو مثل ما يأمر به ~~من الأفعال وينهى عنه من ذلك فإن الحب والبغض هما أصل الامر والنهى وذلك ~~نظير ما يعده على الاعمال الحسنة من الثواب ويتوعد به على الأعمال السيئة ~~من العقاب # فأمره ونهيه ووعده وحبه وبغضه وثوابه وعقابه كل ذلك من جنس واحد والنصوص ~~النبوية تأتي مطلقة عامة من الجانبين فتتعارض في بعض الأعيان والأفعال التي ~~تندرج في نصوص المدح والذم والحب والبغض والأمر والنهي والوعد والوعيد وقد ~~بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذه القاعدة في غير موضع لتعلقها بأصول الدين ~~وفروعه # فإن من أكبر المسائل التي تتبعها مسألة الأسماء والأحكام في فساق اهل ~~الملة وهل يجتمع في حق الشخص الواحد الثواب والعقاب كما يقوله أهل السنة ~~والجماعة أم لا ms202 يجتمع ذلك وهل يكون الشئ الواحد محبوبا من وجه مبغوضا من ~~وجه محمودا من وجه مذموما من وجه كما يقوله جمهور الخوارج والمعتزلة وهل ~~يكون الفعل الواحد مأمورا به من وجه منهيا عنه من وجه # وقد تنازع في ذلك أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم # PageV01P430 # والتعارض بين النصوص إنما هو لتعارض المتعارض المقتضى للحمد والذم من ~~الصفات القائمة بذاته تعالى ولهذا كان هذا الجنس موجبا للكفر أو الفتنة ~~فأول مسألة فرقت بين الأمة مسألة الفاسق الملي فأدرجته الخوراج في نصوص ~~الوعيد والخلود في النار وحكموا بكفره ووافقتهم المعتزلة على دخوله في نصوص ~~الوعيد وخلوده في النار لكن لم يحكموا بكفره فلو كان الشئ خيرا محضا لم ~~يوجب فرقة ولو كان شرا محضا لم يخف أمره لكن لاجتماع الأمرين فيه أوجب ~~الفتنة # وكذلك مسالة القدر التي هي من جملة فروع هذا الأصل فإنه اجتمع في الأفعال ~~الواقعة التي نهى الله عنها أنها مرادة له لكونها من الموجودات وأنها غير ~~محبوبة له ولا مرضية بل ممقوتة مبغوضة لكونها من المنهيات # فقال طوائف من اهل الكلام الإرادة والمحبة والرضا واحدة أو متلازمة ثم ~~قالت القدرية والله لم يحب هذه الافعال ولم يرضها فلم يردها فأثبتوا وجود ~~الكائنات بدون مشيئة # PageV01P431 # ولهذا لما قال غيلان القدري لربيعة بن عبد الرحمن يا ربيعة نشدتك بالله ~~أترى الله يحب أن يعصى فقال له ربيعة أفترى الله يعصى قسرا فكأنه ألقمه ~~حجرا يقول له نزهته عن محبة المعاصي فسلبته الإرادة والقدرة وجعلته مقهورا ~~مقسورا # وقال من عارض القدرية بل كل ما أراده فقد أحبه ورضيه ولزمهم ان يكون ~~الكفر والفسوق والعصيان محبوبا لله مرضيا # وقالوا أيضا يأمر بما لا يريده وكل ماأمر به من الحسنات فإنه لم يرده ~~وربما قالوا ولم يحبه ولم يرضه إلا إذا وجد ولكن أمر به وطلبه # فقيل لهم هل يكون طلب وإرادة واستدعاء بلا إرادة ولا محبة ولا رضا هذا ~~جمع بين النقيضين فتحيروا # فأولئك سلبوا الرب خلقه وقدرته وإرادته وهؤلاء سلبوا محبته ms203 ورضاه وإرادته ~~الدينية وما يصحبه أمره ونهيه من ذلك فكما أن الأولين لم يثبتوا أن الشخص ~~الواحد يكون مثابا معاقبا بل إما مثاب وإما معاقبه فهؤلاء لم يبينوا أن ~~الفعل الواحد يكون مرادا من وجه دون وجه مرادا غير محبوب بل إما مراد محبوب ~~وإما غير مراد ولا محبوب ولم يجعلوا الإرادة إلا نوعا واحدا والتحقيق أنه ~~يكون مرادا غير # PageV01P432 # محبوب ولا مرضى ويكون مرادا من وجه دون وجه ويكون محبوبا مرضيا غير مراد ~~الوقوع # والإرادة نوعان إرادة دينية وهي المقارنة الأمر والنهي والحب والبغض ~~والرضا والغضب # وإرادة كونية وهي المقارنة للقضاء والقدر والخلق والقدرة # وكما تفرقوا في صفات الخالق تفرقوا في صفات المخلوق فأولئك لم يثبتوا له ~~إلا قدرة واحدة تكون قبل الفعل وهؤلاء لم يثبتوا له إلا قدرة واحدة تكون مع ~~الفعل # أولئك نفوا القدرة الكونية التي بها يكون الفعل وهؤلاء نفوا القدرة ~~الدينية التي بها يأمر الله العبد وينهاه # وهذا من أصول تفرقهم في مسألة تكليف ما لا يطاق وانقسموا إلى قدرية ~~مجوسية تثبت الأمر والنهي وتنفى القضاء والقدر وإلى قدرية مشركية شر منهم ~~تثبت القضاء والقدر وتكذب بالأمر والنهي أو ببعض ذلك # وإلى قدرية إبليسية تصدق بالأمرين لكن ترى ذلك تناقضا مخالف للحق والحكمة # وهذا شأن عامة ما تتعارض فيه الأسباب والدلائل تجد فريقا يقولون بهذا دون ~~هذا وفريقا بالعكس وفريقا رأوا الأمرين واعتقدوا # PageV01P433 # تناقضهما فصاروا متحيرين أو معرضين عن التصديق بهما جميعا أو متناقضين مع ~~هذا تارة ومع هذا تارة # وهذا تجده في مسائل الكلام والاعتقادات ومسائل الإرادة والعبادات كمسألة ~~السماع الصوتي ومسألة الكلام ومسأئل الصفات وكلام الله وغير ذلك من المسائل # وجماع القول في ذلك أن كل أمرين تعارضا فلا بد أن يكون أحدهما راجحا أو ~~يكونا متكافئين فيحكم بينهما بحسب الرجحان ويحسب التكافؤ فالعملان ~~والعاملان إذا امتاز كل منهما بصفات فإن ترجح أحدهما فهو الراجح وإن تكافئا ~~سوى بينهما في الفضل والدرجة وكذلك أسباب المصالح والمفاسد وكذلك الأدلة ~~بأنه يعطى كل دليل حقه ms204 ولا يجوز أن تتكافأ الأدلة في نفس الأمر عند الجمهور ~~لكن تتكافأ في نظر الناظر وأما كون الشئ الواحد من الوجه الواحد ثابتا ~~منتفيا فهذا لا يقوله عاقل # وأصل هذا كله العدل بالتسوية بين المتماثلين فإن الله تعالى يقول {لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} ~~[سورة الحديد 25] وقد بسطنا القول في ذلك وبينا أن العدل جماع الدين والحق ~~والخير كله في غير موضع # والعدل الحقيقي قد يكون متعذرا إما عمله وإما العمل به # PageV01P434 # لكن التماثل من كل وجه غير ممكن أو غير معلوم فيكون الواجب في مثل ذلك ما ~~كان أشبه بالعدل وأقرب إليه وهي الطريقة المثلى # وقال سبحانه {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} ~~[سورة الأنعام 152] # وعلى هذا فالحق الموجود وهو الثابت الذي يقابله المنفي والحق المقصود وهو ~~المأمور به المحبوب الذي يقابله المنهى عنه المبغوض ثلاثة أقسام # فإنها في الحق المقصود إما أمر ترجحت المصلحة المحبوبة فيه وهذا يؤمر به # وإما أمر ترجحت فيه المفسدة المكروهة فهذا ينهى عنه # وإما أمر استوى فيه هذا وهذا فهذا لا يؤمر به ولا ينهى عنه ولا يترجح فيه ~~الحب ولا يترجح فيه البغض بل يكون عفوا # وما دون هذا إن كان مثل هذا موجودا فإن الناس يتنازعون في وجوده فقيل هو ~~موجود وقيل بل هو يقدر في # PageV01P435 # الفعل لا وجود له بل لا بد من الرجحان كما قيل مثل ذلك في تكافؤ الأدلة # وعلى هذا فالأمر الذي ترجحت فيه المصلحة وأمر به غلب فيه جانب المحبة مع ~~أن الذي فيه المفسدة مبغض لكنه مراد فهو مراد بغيض والأمر الذي ترجح فيه ~~جانب المصلحة محبوب لكنه مراد الترك محبوب فهو محبوب في نفسه لكن لملازمته ~~لما هو بغيض وجب أن يراد تركه تبعا لكراهة لازمة فإنه بغض اللازم ونفى ~~الملزوم # فحاصله أن المراد إرادة جازمة هو أحد الأمرين إما الفعل وإما الترك ~~والأول هو المأمور به والثاني هو المنهى عنه لكن مع هذا فقد ms205 يشتمل المفعول ~~على بغيض محتمل ويشتمل المتروك على حبيب مرفوض فهذا أصل نافع # فهذا في الفعل الواحد وأما الفاعل الواحد الذي يعمل الحسنة والسيئة معا ~~وهو وإن كان التفريق بينهما ممكنا لكنه هو يعملهما جميعا أو يتركهما جميعا ~~لكون محبته لأحدهما مستلزمة لمحبته للاخرى وبغضه لأحدهما مستلزما لبغضه ~~للأخرى فصار لا يؤمر إلا بالحسن من الفعلين ولا ينهى إلا عن السئ منهما وإن ~~لزم ترك الحسنة لا ينبغي أن يأمره في مثل هذا بالحسنة المرجوحة فإنه يكون ~~أمرا بالسيئة ولا ينهاه # PageV01P436 # عن السيئة المرجوحة فإنه يكون نهيأ عن الحسنة الراجحة وهكذا المعين يعين ~~على الحسنة الراجحة وعلى ترك السيئة المرجوحة # وهذا أصل عظيم تدخل فيه أمورا عظيمة مثل الطاعة لأئمة الجور وترك الخروج ~~عليهم وغير ذلك من المسائل الشرعية وهكذا حكم الطائفة المشتملة أفعالها على ~~حسنات وسيئات بمنزلة الفاعل في ذلك وبما ذكرناه في الفعل الواحد والفاعل ~~الواحد تظهر أمور كثيرة إما الحق الموجود وإما أن يكون الشئ في نفسه ثابتا ~~ومنتفيا لكن كثيرا ما تحصل المقابلة بين إثبات عام ونفي عام ويكون الحق في ~~التفصيل وهو ثبوت بعض ذلك العام وانتفاء بعضه وهذا هو الغالب على المسائل ~~الكبار التي يتنازع فيها أحزاب الكلام والفلسفة ونحوهم # والدليل إما أن يكون دليلا معلوما فهذا لا يكون إلا حقا لكن كثيرا ما يظن ~~الإنسان أن الشئ معلوم ولا يكون معلوما وحينئذ فإذا ظن ظان تعارض الأدلة ~~المعلومة كان غالطا في تعارضها بل يكون أحد الأمرين لازما إما كلها أو ~~بعضها غير معلوم وإما أن موجب الدليل حق من غير تعارض وإن ظنه الظان تعارضا ~~فالحق الموجود لا ينافى الحق الموجود بل يكون منهما موجودا بخلاف الحق ~~المقصود فإنه قد # PageV01P437 # يقصد الضدان لما في كل منهما من المصالح المقصودة لكن لا يوجد الضدان وإن ~~كان الدليل مغلبا للظن اعتقد فيه موجبه وإذا تعارضت هذه الأدلة رجح راجحها ~~وسوى بين متكافيها # إذا تقرر ذلك فنقول قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله جميل ms206 يحب ~~الجمال كقوله للذي علمه الدعاء اللهم إنك عفو تحب العفو فأعف عني وقوله ~~تعالى {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [سورة البقرة 222] وإن الله ~~نظيف يحب النظافة # فهو سبحانه إذا كان يحب العفو لم يوجب هذا ألا يكون في بعض أنواع العفو ~~من المعارض الراجح ما يعارض ما فيه من محبة العفو ولولا ذلك لكان ينبغي أن ~~يعفو عن كل محرم فلا يعاقب مشركا ولا فاجرا لا في الدنيا ولا في الآخرة ~~وهذا خلاف الواقع ولوجب أن يستحب لنا العفو عن كل كافر وفاجر فلا نعاقب ~~أحدا على شئ وهذا خلاف ما أمرنا به وخلاف ما هو صلاح لنا ونافع في الدنيا ~~والآخرة # وكذلك محبته للمتطهرين ومحبته للنظافة لا تمنع حصول المعارض الراجح مثل ~~أن يكون الماء محتاجا إليه للعطش فمحبته لسقي العطشان راجحة على محبته ~~للطهارة والنظافة # PageV01P438 # وكذلك سائر ما يتزاحم من الواجبات والمستحبات فإنها جميعها محبوبة لله ~~وعند التزاحم يقدم أحبها إلى الله والتقرب إليه بالفرائض أحب إليه من ~~التقرب إليه بالنوافل وبعض الواجبات والمستحبات إليه من بعض # وكذلك إذا تعارض المأمور والمحظور فقد تعارض حبيبه وبغيضه فيقدم أعظمهما ~~في ذلك فإن كان محبته لهذا أعظم من بغضه لهذا قدم وإن كان بغضه لهذا أعظم ~~من حبه لهذا قدم # كما قال تعالى {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما} [سورة البقرة 219] وعلى هذا استقرت الشريعة بترجيح ~~خير الخيرين ودفع شر الشرين وترجيح الراجح من الخير والشر المجتمعين # والله سبحانه يحب صفات الكمال مثل العلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك ففي ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير وأحب ~~إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير وفي الصحيح عنه انه قال لا يرحم الله ~~من لا يرحم الناس # PageV01P439 # وفي الصحيح أيضا عنه إنما يرحم الله من عباده الرحماء # وفي السنن حديث ثابت عنه الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض ~~يرحمكم من في السماء ms207 # ومع هذا فقد قال تعالى في حد الزاني والزانية {ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [سورة النور 2] # وقال تعالى {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [سورة ~~التوبة 73] # وهذا في الحقيقة من رحمة الله بعباده فإن الله إنما أرسل محمدا رحمة ~~للعالمين وهو سبحانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها لكن قد تكون الرحمة ~~المطلوبة لا تحصل إلا بنوع من ألم وشدة تلحق بعض النفوس كما ورد في الأثر ~~إذا قالوا للمريض اللهم ارحمه يقول الله كيف أرحمه من شئ به أرحمه # وكذلك كون الفعل عفوا وصف يقتضي محبة الله له فإذا عارضه # PageV01P440 # ما هو احب إلى الله منه او اشتمل على بغض الله له أعظم من محبته لذلك ~~العفو قدم الراجح # فكون الشئ جميلا يقتضي محبة الله له وهو سبحانه أحسن كل شئ خلقه إذ كل ~~موجود فلا بد فيه من وجه الحكمة التي خلقه الله لها ومن ذلك الوجه يكون ~~حسنا محبوبا وإن كان من وجه آخر يكون مستلزما شيئا يحبه الله ويرضاه أعظم ~~مما فيه نفسه من البغض # فهذا موجود فينا فقد يفعل الشخص الفعل كشرب الدواء الكرية الذي بغضه له ~~أعظم من حبه له وهذا لما تضمن ما هو محبته له أعظم من بغضه للدواء أراده ~~وشاءه وفعله فأراد بالإرادة الجازمة المقارنة للقدرة فعلا فيه مما يبغضه ~~أكثر مما يحبه لكونه مستلزما لدفع ما هو إليه أبغض ولحصول ما محبته له أعظم ~~من بغضه لهذا فإن بغضه للمرض ومحبته للعافية أعظم من بغضه للدواء # فالأعيان التي نبغضها كالشياطين والكافرين وكذلك الأفعال التي نبغضها من ~~الكفر والفسوق والعصيان خلقها وأراد وجودها لما تستلزمه من الحكمة التي ~~يحبها ولما في وجودها من دفع ما هو إليه أبغض فهي مرادة له وهي مبغضة له ~~مسخوطة كما بينا هذا في غير هذا الموضع # وأما الجمال الخاص فهو سبحانه جميل يحب الجمال والجمال الذي # PageV01P441 # للخلق من العلم والإيمان والتقوى أعظم من الجمال الذي للخلق ms208 وهو الصورة ~~الظاهرة # وكذلك الجميل من اللباس الظاهر فلباس التقوى أعظم واكمل وهو يحب الجمال ~~الذي للباس التقوى أعظم مما يحب الجمال الذي للباس الرياش ويحب الجمال ~~للخلق أعظم مما يحب الجمال الذي للخلق # كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا # وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن البر والإثم فقال البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع ~~عليه الناس # وفي السنن عنه انه قال أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن # PageV01P442 # وروى عنه أنه قال لأم سلمة يا ام سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة # ومن المعلوم أن أحب خلقه إليه المؤمنون فإذا كان أكملهم إيمانا أحسنهم ~~خلقا كان أعظمهم محبة له أحسنهم خلقا والخلق الدين كما قال الله تعالى ~~{وإنك لعلى خلق عظيم} [سورة القلم 4] قال ابن عباس على دين عظيم وبذلك فسره ~~سفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل وغيرهما كما قد بيناه في غير هذا الموضع # وهو سبحانه يبغض الفواحش ولا يحبها ولا يأمر بها كما قال تعالى {إن الله ~~لا يأمر بالفحشاء} [سورة الأعراف 28] # PageV01P443 # فإذا كان الجمال متضمنا لعدم ما هو أحب إليه أو لوجوده ما هو أبغض له لزم ~~من ذلك فوات ما في الجمال المحبوب فإذا كان في جمال الثياب بطر وفخر وخيلاء ~~وسرف فهو سبحانه لا يحب كل مختال فخور وقال تعالى {والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا} [سورة الفرقان 67] بل هو يبغض البطر الفخور المختال ~~والمسرف وقال إن المسرفين هم أصحاب النار [سورة غافر 43] فلهذا قال ص لا ~~ينظر الله يوم القيامة إلى من جر أزاره خيلاء وبطرا فإنه ببغضه فلا ينظر ~~إليه وإن كان فيه جمال فإن ذلك غرق في جانب ما يبغضه الله من الخيلاء ~~والبطر # وكذلك الحرير فيه من السرف والفخر والخيلاء ما يبغضه الله وينافي التقوى ~~التي هي محبوب الله كما ثبت في الصحيحين عنه أنه نزع فروج ms209 الحرير وقال لا ~~ينبغي هذا للمتقين # PageV01P444 # وكذلك سائر ما حرمه الله وكرهه مما فيه جمال فإن ذلك لاشتماله على مكروه ~~ألحق على ما فيه مما يبغضه الله أعظم مما فيه من محبوبه ولتفويته ما هو أحب ~~إليه منه # وكذلك الصور الجميلة من الرجال والنساء فإن أحدهم إذا كان خلقه سيئا بأن ~~يكون فاجرا أو كافرا معلنا أو منافقا كان البغض أو المقت لخلقه ودينه ~~مستعليا على ما فيه من الجمال # كما قال تعالى عن المنافقين وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم [سورة المنافقون ~~4] # وقال ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا [سورة البقرة 204] فهؤلاء ~~إنما أعجبه صورهم الظاهرة للبصر وأقوالهم الظاهرة للسمع لما فيه من الأمر ~~المعجب لكن لما كانت حقائق أخلاقهم التي هي أملك بهم مشتملة على ما هو أبغض ~~الأشياء وأمقتها إليه لم ينفعهم حسن الصورة والكلام # وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ~~أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم # PageV01P445 # وكذلك المرأة والصبي إذا كان فاجرا فإن ذلك يفوت حسن الخلق والتقوى التي ~~هي أحب إلى الله من ذلك ويوجب بغض الله للفاحشة ولصاحبها ولسئ الخلق ومقته ~~وغضبه عليه ما هو أعظم بكثير مما فيه من الجمال المقتضى للمحبة # وكذلك القوة وإن كانت من صفات الكمال التي يحبها الله # فإذا كانت الإعانة على الكفر والفجور الذي بغض الله له ومقته عليه ~~وتفويته لما يحبه من الإيمان والعمل الصالح أعظم بكثير من مجرد ما في القوة ~~من الامر المحبوب ترجح جانب البغض بقدر ذلك # فإذا كانت القوة في الإيمان كان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ومن المعلوم أن الله يحب ~~الحسنات وأهلها ويبغض السيئات وأهلها فهو يحب كل ما أمر به أمر إيجاب أو ~~أمر استحباب وكل ما حمده وأثنى عليه من الصفات مثل العلم والإيمان والصدق ~~والعدل والتقوى والإحسان وغير ذلك ويحب المقسطين ويحب التوابين ويحب ~~المتطهرين ويحب المحسنين والذين ms210 يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ~~ويبغض الكفر وأنواعه والظلم والكذب والفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد ~~أغير منه وكل ما حرمه يبغضه # PageV01P446 # فإذا كان مع الجمال أو غيره مما فيه وجه محبة ما هو بغيض من الفواحش أو ~~الكذب أو الظلم أو غير ذلك كما ذكره في قوله {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [سورة الأعراف 33] فإن ذلك يفوت ~~ما هو أحب إلى الله من الجمال بكثير ويوجب من مقت الله وبغضه ما هو أعظم ~~بكثير مما لمجرد الجمال من الحب ويوجب النهي عما يوجب هذه السيئات الكثيرة ~~ويفوت الجمال الأفضل وهو كمال الخلق وحسنه وما في ذلك من الحسنات وكان ما ~~في ذلك من المبغضات وترك المحبوبات راجحا على الحب الذي للجمال # وعلى هذا يجري الأمر على محبة الإنسان للشئ الجميل من الصورة والنظر إليه ~~وما يدخل في ذلك من قوة الحب والزيادة فيه التي تسمى العشق فإن ذلك إذا خلا ~~عن المفسدة الراجحة مثل أن يحب الإنسان امرأته وجاريته حبا معتدلا أو يحب ~~ما لا فتنة فيه كحبه للجميل من الدواب والثياب ويحب ولده وأباه وأمه ونحو ~~ذلك من محبة الرحم كنوع من الجمال الحب المعتدل فهذا حسن # PageV01P447 # أما إذا أحب النساء الاجانب أو المردان ونحو ذلك فهذا الحب متضمن للمحبة ~~الحيوانية وليس في ذلك مجرد محبة الجمال والمحبة الحيوانية مما يبغضها الله ~~ويمقتها وتوابعها منهى عنها مع ذلك سواء كان مع المحبة فعل الفاحشة الكبرى ~~أو كانت للتمتع بالنظر والسماع وغير ذلك # فالتمتع مقدمات الوطء فإن كان الوطء حلالا حلت مقدماته وإن كان الوطء ~~حراما حرمت مقدماته وإن كان في ذلك رفض للجمال كما فيه رفض للذة الوطء ~~المحرم فإن ما في ذلك مما يبغضه الله ويمقت عليه أعظم مما في مجرد الجمال ~~من الحب المتضمن وذلك متضمن لتفويت محاب ms211 الله من التقوى والعفاف والإقبال ~~على مصالح الدين والدنيا أعظم بكثير مما فيها من مجرد حب الجمال فلهذا كانت ~~هذه مذمومة منهيا عنها حتى حرم الشارع النظر في ذلك بلذة وشهوة وبغير لذة ~~وشهوة إذا خاف الناظر الفتنة والفتنة مخوفة في النظر إلى الأجنبية الحسنة ~~والأمرد الحسن في أحد قولي العلماء الذي يصححه كثير من أصحاب الشافعي وأحمد ~~وغيرهما وهذا قد يختلف بأختلاف العادات والطبائع وأما النظر للحاجة من غير ~~شهوة ولا لذة فيجوز # ولهذا لم يأمر الله ولا رسوله ولا أهل العلم والإيمان بعشق الصور الجميلة # PageV01P448 # ولا أثنوا على ما كان كذلك وكذلك العقلاء من جميع الأمم ولكن طائفة من ~~المتفلسفة والمتصوفة تأمر بذلك وتثنى عليه لما فيه زعموا من إصلاح النفس ~~ورياضتها وتهذيب الأخلاق واكتساب الصفات المحمودة من السماحة والشجاعة ~~والعلم والفصاحة والاختيال ونحو ذلك من الأمور حتى أن طائفة من فلاسفة ~~الروم والفرس ومن اتبعهم من العرب تأمر به وكذلك طائفة من المتصوفة حتى ~~يقول أحدهم ينبغي للمريد أن يتخذ له صورة يجتمع قلبه عليها ثم ينتقل منها ~~إلى الله وربما قالوا إنهم يشهدون الله في تلك الصورة ويقولون هذه مظاهر ~~الجمال ويتأولون قوله ص إن الله جميل يحب الجمال على غير تأويله # فهؤلاء وأمثالهم ممن يدخل في ذلك يزعمون أن طريقهم موافق لطريق العقل ~~والدين والخلق وإن اندرج في ذلك من الأمور الفاحشة ما اندرج # وهؤلاء لهم نصيب من قوله تعالى {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} [سورة الأعراف 28] # لكن العرب الذين كانوا سبب نزول هذه الآية إنما كانت فاحشتهم التي قالوا ~~فيها ما قالوا طوافهم بالبيت عراة لاعتقادهم أن ثيابهم التي # PageV01P449 # عصوا الله فيها لا تصلح أن يعبد الله فيها فكانوا ينزهون عبادة الله عن ~~ملامسة ثيابهم فيقعون في الفاحشة التي هي كشف عوراتهم # وأما هؤلاء فأمرهم أجل وأعظم إذ غاية ما كان أولئك يفعلون طواف الرجال ~~والنساء عراة مختلطين حتى كانت المرأة منهم تقول ms212 ... اليوم يبدو بعضه أو ~~كله وما بدا منه فلا أحله ... # ولم يكن ذلك الاختلاط والاجتماع إلا في عبادة ظاهرة لا يتأتى فيها فعل ~~الفاحشة الكبرى ولم يقصدوا بالتعري إلا التنزة من لباس الذنوب بزعمهم # فالذين يجتمعون من الرجال والنساء والمردان لسماع المكاء والتصدية ~~ويطفئون المصابيح حتى لا يرى أحدهم الآخر حتى اجتمعوا على غناء وزنا ومطاعم ~~خبيثة وجعلوا ذلك عبادة فهؤلاء شر من أولئك بلا ريب فأن هؤلاء فتحوا أبواب ~~جهنم # كما روى أبو هريرة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكثر # PageV01P450 # ما يدخل الناس النار فقال الأجوفان الفم والفرج قال الترمذي حسن صحيح # وكذلك روى عنه أنه قال أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ~~ومضلات الفتن # وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حجبت النار ~~بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره وفي رواية مسلم حفت مكان حجبت # وإذا كانت النار محجوبة ومحفوفة بالشهوات لم يدخل النار إلا بها وإذا ~~كانت الجنة محجوبة ومحفوفة بالمكاره لم يدخل الجنة إلا بها # PageV01P451 # وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ~~يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة وما بين لحييه يتناول ~~الكلام والطعام # كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي شريح الخزاعي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ~~ليصمت # فبين ص أنه من ضمن له هذين ضمن له الجنة وهذا يقتضي أن من هذين يدخل ~~النار ولهذا حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن وحرم أيضا انتهاك ~~الأعراض وجعل في القذف بالفاحشة من العقوبة المقدرة وهي حد القذف ثمانين ~~جلدة # وبين ص أن الزنا من الكبائر وأن قذف المحصنات الغافلات من الكبائر وهو ~~وهو من نوع الكبائر إذ لم يأت عليه # PageV01P452 # القاذف بأربعة شهداء وإن كان قد وقع فإنه أظهر ما يحب الله إخفاؤه # كما قال ms213 تعالى {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب ~~أليم في الدنيا والآخرة} [سورة النور 19] # وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم كل أمتي معافى إلا ~~المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره ~~الله عليه فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا بات يستره ربه ويصبح يكشف ~~ستره # وقال من ابتلى من هذه القاذورة بشئ فليستتر بستر الله فإنه من يبدي لنا ~~صفحته نقم عليه كتاب الله # وفي الصحيحين عن صفوان بن محرز أن رجلا سأل ابن عمر كيف سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول في النجوى قال يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه ~~فيقول عملت كذا وكذا فيقول نعم # PageV01P453 # ويقول عملت كذا وكذا فيقول نعم فيقرره ثم يقول سترتها عليك في الدنيا ~~وأنا أغفرها لك اليوم ولهذا يكثر وقوع الناس في أحد هذين الذنبين # فمن الناس من يبتلى بالفاحشة وإن كان ممسكا عن الكلام ومن الناس من يبتلي ~~بالكلام والاعتداء على غيره بلسانه وإن كان عفيفا عن الفاحشة # وأيضا فإن من الكلام المنهى عنه الخوض في الدين بالبدع والضلالات مع ~~تضمنه لشهوة الطعام وما بين الفرجين يتضمن أقوى الشهوات وذلك من الاستمتاع ~~بالخلاق في الدنيا كما جمع الله تعالى بينهما بقوله فاستمعوا بخلاقهم ~~فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا ~~[سورة التوبة 69] الأول يتضمن الشبهات والثاني يتضمن الشهوات الأول يتضمن ~~الدين الفاسد والثاني يتضمن الدنيا الفاجرة # PageV01P454 # وكان السلف يحذرون من هذين النوعين من المبتدع في دينه والفاجر في دنياه ~~كل من هذين النوعين وإن لم يكن كفرا محضا فهذا من الذنوب والسيئات التي تقع ~~من أهل القبلة # وجنس البدع وإن كان شرا لكن الفجور شر من وجه آخر وذلك أن الفاجر المؤمن ~~لا يجعل الفجور شرا من الوجه الآخر الذي هو حرام محض لكن مقرونا بأعتقاده ~~لتحريمه وتلك حسنة في أصل الاعتقاد وأما المبتدع فلا بد ان تشتمل بدعته على ~~حق ms214 وباطل لكن يعتقد ان باطلها حق أيضا ففيه من الحسن ما ليس في الفجور ومن ~~السئ ما ليس في الفجور وكذلك بالعكس # فمن خلص من الشهوات المحرمة والشهوات المبتدعة وجبت له الجنة وهذه هي ~~الثلاثة الكلام المنهى عنه والطعام المنهى عنه والنكاح المنهى عنه فإذا ~~اقترن بهذه الكبائر استحلالها كان ذلك أمرا فكيف إذا جعلت طاعة وقربة وعقلا ~~ودينا # وهؤلاء هم الذين يستحقون عقوبة أمثالهم من الأمم كما ثبت في الصحيح أنه ~~يكون في هذه الأمة من يمسخ قردة وخنازير وكما روى أنه سيكون فيها خسف وقذف ~~ومسخ # وقال بعض السلف في قوله تعالى {وما هي من الظالمين ببعيد} # PageV01P455 # [سورة هود 83] أي من ظالمي هذه الأمة وفي ذلك من الأحاديث ما يضيق هذا ~~الموضع عن ذكره وفي عامتها يذكر استحلالهم لها # وأصل الضلال والغي من هؤلاء الذين يستحسنون عشق الصور ويحمدونه ويأمرون ~~به وإن قيدوه مع ذلك بالعفة أن المحبة هي أصل كل حركة في العالم فالنفس إذا ~~لم يكن فيها حركة ولا هي قوية الهمة والإرادة حتى تحصل لها محبة شديدة كانت ~~تلك المنهيات عنها هي أصول الشر وهي التي إذا ظهرت قامت الساعة # كما في الصحيح عن أنس أنه قال لأحدثنكم حديثا لا يحدثكمونه أحد بعدي ~~سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن ~~من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ويقل ~~الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد # PageV01P456 # فمن ظهور الجهل ظهور الكلام في الدين بغير علم وهو الكلام بغير سلطان من ~~الله وسلطان الله كتابه ومن ظهور الزنا ظهور اللواط وإن كان له اسم يخصه ~~فهو شر نوعي الزنا ولكون ظهور شهوات الغي البطن والفرج هي أغلب ما يدخل ~~الناس النار كما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجاه في الصحيحين ~~عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني ~~وهو مؤمن ولا يسرق ms215 السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو ~~مؤمن والتوبة معروضة بعد # والسرقة بالمال الذي هو أعظم مقصود الأكل ولهذا يعبر عن اخذه بالأكل ~~كقوله تعالى {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [سورة البقرة 188] # وهذه الثلاثة هي التي يعقد الفقهاء فيها أبواب الحدود باب حد الزنا باب ~~حد السرقة باب حد شرب الخمر ورابعها باب حد القذف مندرجة فيما بين لحييه ~~وبين رجليه # PageV01P457 # وقد # روى هذا الحديث البخاري عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا ~~يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ولا يقتل وهو مؤمن قال عكرمة قلت لابن عباس ~~كيف ينزع الإيمان منه قال هكذا وشبك بين أصابعه ثم أخرجها فإن تاب عاد إليه ~~هكذا وشبك بين أصابعه # فإذا اقترن بهذه الكبائر تلك المحبة في نفس صاحبها فإنها توجب حركتها ~~وقوة إرادتها فيعطي من المال ما لم يكن يعطيه ويقدم على مخاوف لم يكن يقدم ~~عليها ويحتال ويدبر ما لم يكن يحتاله ويدبره قبل ذلك ويصير والها من التفكر ~~والنظر ما لم يكن قبل ذلك فلما رأوا ما فيه من هذه الأمور التي هي من جنس ~~المحمودات حمدوه بذلك وهذا من جنس من حمد الخمر لما فيها من الشجاعة والكرم ~~والسرور ونحو ذلك # PageV01P458 # وذلك أن هؤلاء كلهم لحظوا ما فيها من جنس المحبوب وأغفلوا ما تتضمنه من ~~جنس المذموم فإن الذي يورثه العشق من نقص العقل والعلم وفساد الخلق والدين ~~والاشتغال عن مصالح الدين والدنيا أضعاف ما يتضمنه من جنس المحمود # وأصدق شاهد على ذلك ما يعرف من أحوال الأمم وسماع أخبار الناس في ذلك فهو ~~يغني عن معاينة ذلك وتجريبه ومن جرب ذلك أو عاينه اعتبر بما فيه كفاية فلم ~~يوجد قط عشق إلا وضرره أعظم من منفعته # ولهذا قال أبو القاسم القشيري في رسالته ومن أصعب الآفات في هذه الطريقة ~~صحبة الأحداث ومن ابتلاه الله ms216 بشئ من ذلك فبإجماع الشيوخ هذا عبد أهانه ~~الله وخذله بل عن نفسه شغله ولو لألف الف كرامة أهله وهب أنه بلغ رتبة ~~الشهداء لما في الخبر من التلويح بذلك أليس قد شغل ذلك القلب # PageV01P459 # بمخلوق وأصعب من ذلك تهوين ذلك على القلب حتى يعد ذلك يسيرا وقد قال ~~تعالى {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} [سورة النور 15] # وهذا الواسطي رحمه الله يقول إذا أراد الله هوان عبد ألقاه إلى هؤلاء ~~الأنتان والجيف # وقال سمعت أبا عبد الله الصوفي يقول سمعت محمد بن أحمد النجار يقول سمعت ~~أبا عبد الله الحصري يقول سمعت فتحا الموصلي يقول صحبت ثلاثين شيخا كانوا ~~يعدون من الابدال فكلهم أوصوني عند فراقي إياهم وقالوا لي اتق معاشرة ~~الاحداث ومخالطتهم # ومن ارتقى في هذا الباب عن حال الفسق وأشار إلى أن ذلك من بلايا الأرواح ~~وأنه لا يضر فما قالوه من وساوس القائلين # PageV01P460 # بالسماع وإيراد حكايات عن بعض الشيوخ كان الأولى بهم إسبال الستر على ~~هناتهم وآفاتهم فذلك نظير الشرك وقرين الكفر # فليحذر المريد من مجالسة الأحداث ومخالطتهم فإن اليسير منه فتح باب ~~الخذلان وبدء حال الهجران ونعوذ بالله من قضاء السوء # وهنا أصل عظيم نافع يجب اعتباره وهو ان الأمور المذمومة في الشريعة كما ~~ذكرناه هو ما ترجح فساده على صلاحه كما أن الأمور المحمودة ما ترجح صلاحه ~~على فساده فالحسنات تغلب فيها المصالح والسيئات تغلب فيها المفاسد والحسنات ~~درجات بعضها فوق بعض والسيئات بعضها أكبر من بعض فكما أن أهل الحسنات ~~ينقسمون إلى الأبرار المقتصدين والسابقين المقربين فأهل السيئات ينقسمون ~~إلى الفجار الظالمين والكفار المكذبين وكل من هؤلاء هم درجات عند الله # ومن المعلوم أن الحسنات كلما كانت أعظم كان صاحبها أفضل فإذا انتقل الرجل ~~من حسنة إلى أحسن منها كان في مزيد التقريب وإن # PageV01P461 # انتقل إلى ما هو دونها كان في التأخر والرجوع وكذلك السيئات كلما كانت ~~أعظم كان صاحبها أولى بالغضب واللعنة والعقاب # وقد وقال تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير ms217 اولي الضرر والمجاهدون ~~في سبيل الله بأمولهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة [سورة النساء 95] # وقال {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام} إلى قوله {الذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك ~~هم الفائزون} [سورة التوبة 19 20] # وقال لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل [سورة الحديد 10] # وقال يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [سورة ~~المجادلة 11] # وكذلك قال في السيئات إنما النسئ زيادة في الكفر [سورة التوبة 37] # وقال زدناهم عذابا فوق العذاب [سورة النحل 88] # وقال وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم [سورة التوبة 125] # وقال في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا [سورة البقرة 10] # PageV01P462 # وقال وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا [سورة الإسراء 82] # ومعلوم أن التوبة هي جماع الرجوع من السيئات إلى الحسنات ولهذا لا يحبط ~~جميع السيئات إلا التوبة والردة هي جماع الرجوع من الحسنات إلى السيئات ~~ولهذا لا يحبط جميع الحسنات إلا الردة عن الإيمان # وكذلك ما ذكرناه في تفاوت السيئات هو في الكفر والفسق والعصيان فالكفار ~~بعضهم دون بعض ولهذا يذكر الفقهاء في باب الردة والإسلام انتقال الرجل كأحد ~~الزوجين من دين إلى دين آخر انتقال إلى دين خير من دينه أو دون دينه أو مثل ~~دينه فيقولون إذا صار الكتابي مجوسيا أو مشركا فقد انتقل إلى شر من دينه ~~وإذا صار المشرك أو المجوسي كتابيا فقد انتقل إلى خير من دينه وإذا تهود ~~النصراني أو بالعكس فقد انتقل إلى نظير دينه والتمجس يقر عليه بالاتفاق ~~وأما الإشراك فلا يقر عليه إلا بعض الناس عند بعض العلماء والصابئة نوعان ~~عند المحققين وعلى قولين عند آخرين ومعرفة مراتب الأديان محتاج إليها في ~~مواضع كثيرة لمعرفة مراتب الحسنات # والفقهاء يذكرون ذلك لأجل معرفة أحكامهم وتناكحهم وذبائحهم وفي دمائهم ~~وقتالهم وإقرارهم بالجزية المضروبة عليهم ونحو ذلك من الأحكام التي جاء بها ~~الكتاب والسنة في أهل الملل والأحزاب # PageV01P463 # الذين ms218 قال الله فيهم ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده [سورة هود 17] # وقد قال الله تعالى لنبيه فلذلك فآدع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم ~~وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم [سورة الشورى 15] # والعدل وضع كل شئ في موضعه كما أن الظلم وضع الشئ في غير موضعه # ولهذا لما اقتتلت فارس المجوس والروم النصارى وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمكة إذ ذاك وهو في طائفة قليلة ممن آمن به كان هو وأصحابه يحبون أن ~~تغلب الروم لأنهم أهل كتاب وكان المشركون يحبون أن تغلب فارس لأنهم من ~~جنسهم ليسوا أهل كتاب فأنزل الله في ذلك آلم غلبت الروم في أدنى الأرض ~~[سورة الروم 12] والقصة مشهورة في كتب الحديث والتفسير والمغازي # وإذا كان كذلك فقد يكون الرجل على طريقة من الشر عظيمة فينتقل إلى ما هو ~~أقل منها شرا وأقرب إلى الخير فيكون حمد تلك الطريقة ومدحها لكونها طريقة ~~الخير الممدوحة مثال ذلك أن الظلم كله حرام مذموم فأعلاه الشرك فإن الشرك ~~لظلم عظيم والله لا يغفر أن يشرك به وأوسطه ظلم العباد بالبغي والعدوان ~~وأدناه ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله فإذا كان الرجل مشركا كافرا ~~فأسلم باطنا وظاهرا بحيث # PageV01P464 # صار مؤمنا وهو مع إسلامه يظلم الناس ويظلم نفسه فهو خير من أن يبقى على ~~كفره ولو كان تاركا لذلك الظلم # واما إذا أسلم فقط وهو منافق في الباطن فهذا في الآخرة في الدرك الأسفل ~~من النار وأما في الدنيا فقد يكون أضر على المسلمين منه لو بقى على كفره ~~وقد لا يكون كذلك فإن إضرار المنافقين بالمؤمنين يختلف بآختلاف الأحوال # لكن إذا أسلم نفاقا فقد يرجى له حسن الإسلام فيصير مؤمنا كمن أسلم تحت ~~السيف وكذلك من أسلم لرغبة أو لرهبة أو نحو ذلك فالإسلام والإيمان أصل كل ~~خير وجماعة # وكذلك من كان ظالما للناس في نفوسهم واموالهم وأعراضهم فانتقل عن ذلك الى ~~ما يظلم به نفسه خاصة من خمر وزنا فهذا أخف ms219 لأثمة وأقل لعذابه # وهكذا النحل التي فيها بدعة قد يكون الرجل رافضيا فيصير زيديا فلذلك خير ~~له وقد يكون جهميا غير قدري أو قدريا غير جهمي أو يكون من الجهمية الكبار ~~فيتجهم في بعض الصفات دون بعض ونحو ذلك # فهؤلاء المتفسلفة ونحوهم ممن مدح العشق والغناء ونحو ذلك وجعلوه مما ~~يستعينون به على رياضة أنفسهم وتهذيبها وصلاحها # PageV01P465 # من هذا الباب فإن هؤلاء في طريقهم من الشرك والضلال ما لا يحصيه إلا ذو ~~الجلال فإن المتفلسفة قد يعبدون الأوثان والشمس والقمر ونحو ذلك فإذا صار ~~أحدهم يروض نفسه بالعشق لعبادة الله وحده أو رياضة مطلقة لا يعبد فيها غير ~~الله كان ذلك خيرا له من أن يعبد غير الله # وكذلك الاتحادية الذين يجعلون الله هو الوجود المطلق أو يقولون إنه يحل ~~في الصور الجميلة متى تاب الرجل منهم من هذا وصار يسكن نفسه بعشق بعض الصور ~~وهو لا يعبد إلا الله وحده كانت هذه الحال خيرا من تلك الحال # فهذه الذنوب مع صحة التوحيد خير من فساد التوحيد مع عدم هذه الذنوب ولهذا ~~نجد الناس يفضلون من كان من الملوك ونحوهم إنما يظلم نفسه بشرب الخمر ~~والزنا أو الفواحش ويتجنب ظلم الرعية ويتحرى العدل فيهم على من كان يتجنب ~~الفواحش والخمر والزنا وينتصب لظلم الناس في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم # وهؤلاء الظالمون قد يجعلون الظلم دينا يتقربون به بجهلهم كما أن أولئك ~~الظالمين لأنفسهم قد يجعلون ذلك بجهلهم دينا يتقربون به فالشيطان قد زين ~~لكثير من هؤلاء وهؤلاء سوء عملهم فرأوه حسنا # لكن كثير من الناس يجمعون بين هذا وهذا فإن من عقوبة السيئة # PageV01P466 # السيئة بعدها ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها والحسنات والسيئات قد تتلازم ~~ويدعو بعضها إلى بعض كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى ~~الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم ~~والكذب فإن الكذب يهدي ms220 إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ولا يزال العبد ~~يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا # فالصدق مفتاح كل خير كما ان الكذب مفتاح كل شر ولهذا يقولون عن بعض ~~المشايخ إنه قال لبعض من استتابه من أصحابه أنا لا أوصيك إلا بالصدق ~~فتأملوا فوجدوا الصدق يدعوه إلى كل خير # ولهذا فرق الله سبحانه بين أهل السعادة وأهل الشقاوة بذلك فقال فمن أظلم ~~ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين والذي ~~جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء ~~المحسنين ليكفر الله # PageV01P467 # عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون [سورة الزمر ~~32 35] # وترتيب الكبائر ثابت في الكتاب والسنة كما في الصحيحين عن عبد الله بن ~~مسعود قال قلت يا رسول أي الذنب أعظم قال أن تجعل الله ندا وهو خلقك قلت ثم ~~أي قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت ثم أي قال أن تزاني بحليلة جارك ~~وتصديق ذلك في كتاب الله والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله بالحق ولا يزنون [الفرقان 68] # ولهذا قال الفقهاء أكبر الكبائر الكفر ثم قتل النفس بغير حق ثم الزنا لكن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لابن مسعود من جنس أعلى فأعلى الكفر هو أن ~~تجعل الله ندا بخلاف الكتابي الذي ليس بمشرك فإنه دون ذلك وأعظم القتل ولدك ~~وأعظم الزنا الزنا بحليلة الجار # PageV01P468 # وهذا كما ذكرنا أن الظلم ثلاث مراتب الشرك ثم الظلم للخلق ثم ظلم النفس ~~فالقتل من ظلم الخلق فإذا كان قتلا للولد الذي هو بعضه منك كان فيه الظلمان ~~والزنا هو من ظلم النفس لكن إذا كان بحليلة الجار صار فيه الظلمان أيضا لكن ~~المغلب في القتل ظلم الغير والظلم في الزنا ظلم النفس # ولهذا كان القود حقا للآدمي إن شاء استوفاه وإن شاء عفا عنه وكان حد ~~الزنا حدا لله ليس لآدمي فيه حق ms221 معين لكن قد يقترن ببعض انواع الزنا ويقتضي ~~أمورا تضر الناس يكون بها أعظم من قتل لا يضر به إلا المقتول فقط # وأيضا فقتل النفس يدخل فيه من التأويل ما ليس يدخل في الزنا فإن حلاله ~~بين من حرامه بخلاف القتل فإن فيه ما يظهر تحريمه وفيه ما يظهر وجوبه أو ~~استحبابه أو حله وفيه ما يشتبه ولهذا جعل الله فيه شيئا ولم يجعل ذلك في ~~الزنا بقوله ولا يقتلون النفس الآية [سورة الفرقان 68] # PageV01P469 # في الغيرة وانواعها وما فيها من محمود ومذموم # في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما ~~احد اغير من الله من اجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما احد احب ~~اليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه # وفي رواية لمسلم وليس احد احب اليه العذر من الله من اجل ذلك انزل الكتاب ~~وارسل الرسل جمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين وصفة سبحانه ~~بأكمل المحبة للممادح واكمل البغض للمحارم # وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة قال قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلا مع ~~امرأتي لأضربنه بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال تعجبون من غيرة سعد # PageV02P003 # والله لأنا اغير منه والله اغير منى ومن اجل غيرة الله حرم الفواحش ما ~~ظهر منها # وما بطن ولا احد احب اليه العذر من الله من اجل ذلك بعث المنذرين ~~والمبشرين ولا احد احب اليه المدحة من الله من اجل ذلك وعد الله الجنة # وقال البخاري وقال عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك لا شخص اغير من الله ~~وترجم البخاري على ذلك باب # وفي الصحيح عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان الله ~~يغار وغيره الله ان يأتي المؤمن ما حرم عليه # وفي الصحيح عن اسماء انها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا شيء ~~اغير من الله # وفي الصحيحين عن عائشة ان ms222 النبي صلى الله عليه وسلم قال يا # PageV02P004 # امة محمد ما احد اغير من اله ان يزني عبده او تزني امته # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان من الغيرة ما يحبها ~~الله ومن الغيرة ما يكرهها فالغيرة التي يحبها الله الغيرة في الريبة ~~والغيرة التي يكرهها الله الغيرة في غير ريبة وان من الخيلاء ما يحبها الله ~~ومن الخيلاء ما يبغضها الله فالخيلاء التي يحبها اختيال الرجل نفسه عند ~~الحرب وعند الصدقة والخيلاء التي يبغضها الله اختيال الرجل في البغي والفخر # وقد ثبت في الصحاح ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر دخلت الجنة ~~فرأيت امرأة تتوضأ الى جانب قصر فقلت لمن هذا فقالوا لعمر بن الخطاب فأردت ~~ان ادخله فذكرت غيرتك فقال # PageV02P005 # عمر بن الخطاب يا رسول الله بأبي وامي او عليك اغار # وكذلك في الصحيحين حديث اسماء لما كانت تنقل النوى للزبير قالت فلقيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الانصار فدعاني ثم قال إخ إخ ~~ليحملني خلفه فاستحييت ان اسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته وكان اغير ~~الناس فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم اني قد استحييت فمضى فجئت الزبير ~~فقلت لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى ومعه نفر من ~~اصحابه فأناخ لأركب فاستحييت منه وذكرت غيرتك فقال والله لحملك النوى كان ~~اشد على من ركوبك معه قالت حتى ارسل الى ابي ابو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني ~~سياسة الفرس فكأنما اعتقني # فقد اخبر النبي صلى الله عليه وسلم لا احد اغير من الله وقال غيرة الله ~~ان يأتي المؤمن ما حرم عليه وهذا يعم جميع المحرمات # PageV02P006 # وقال ومن اجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن فهذا تخصيص ~~لغيرته من الفواحش وكذلك في حديث عائشة لا احد اغير من الله ان يزني عبده ~~او تزني امته فهذه الغيرة من الفواحش # وكذلك عامة ما يطلق من الغيرة انما هو من جنس الفواحش ms223 وبين النبي صلى ~~الله عليه وسلم انه اغير من غيره من المؤمنين وان المؤمن يغار والله يحب ~~الغيرة وذلك في الريبة ومن لا يغار فهو ديوث وقد جاء في الحديث لا يدخل ~~الجنة ديوث # فالغيرة المحبوبة هي ما وافقت غيرة الله تعالى وهذه الغيرة هي ان تنتهك ~~محارم الله وهي ان تؤتى الفواحش الباطنة والظاهرة لكن غيرة العبد الخاصة هي ~~من ان يشركه الغير في اهله فغيرته من فاحشة اهله ليست كغيرته من زنا الغير ~~لأن هذا يتعلق به وذاك لا يتعلق به الا من جهة بغضه لمبغضة الله # ولهذا كانت الغيرة الواجبة عليه هي في غيرته على اهله واعظم ذلك امرأته ~~ثم اقاربه ومن هو تحت طاعته ولهذا كان له اذا زنت ان يلاعنها لما عليه في ~~ذلك من الضرر بخلاف ما اذا زنا غير امرأته ولهذا # PageV02P007 # يحد قاذف الامرأة التي لم يكمل عقلها ودينها اذا كان زوجها محصنا في احد ~~القولين وهو احدى الروايتين عن احمد # فالغيرة الواجبة ما يتضمنه النهي عن المخزي والغيرة المستحبة ما اوجبت ~~المستحب من الصيانة واما الغيرة في غير ريبة وهي الغيرة في مباح لا ريبة ~~فيه فهي مما لا يحبه الله بل ينهى عنه اذا كان فيه ترك ما امر الله ولهذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا اماء الله مساجد الله وبيوتهن خير ~~لهن # واما غيرة النساء بعضهن من بعض فتلك ليس مأمورا بها لكنها من امور الطباع ~~كالحزن على المصائب وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال كلوا ~~غارت امكم لما كسرت القصعة وقالت عائشة او لا يغار مثلى على مثلك وقالت ما ~~غرت على امرأة ما غرت على خديجة # PageV02P008 # وعن فاطمة انها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ان الناس يقولون انك لا ~~تغار لبناتك لما اراد على ان يتزوج بنت ابي جهل وخطب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وذكر صهرا له من ابي العاص وقال حدثني فصدقني ووعدني فوفاني وقال ان ~~بني العاص ms224 استأذنوني في ان يزوجوا بنتهم عليا واني لا آذن ثم لا آذن الا ان ~~يريد ابن ابي طالب ان يطلق ابنتي ويتزوج ابنتهم والله لا تجتمع بنت رسول ~~الله وبنت عدو الله عند رجل ابدا # فهذه الغيرة التي جاءت بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرة الله ~~أن يأتي العبد ما حرم عليه وغيرته ان يزني عبده او تزني امته وغيرة المؤمن ~~ان يفعل ذلك عموما وخصوصا في حقه والغيرة التي يحبها الله الغيرة في ريبة ~~والغيرة التي يبغضها الله الغيرة التي في غير ربية وهنا انقسم بنو آدم ~~اربعة اقسام # قوم لا يغارون على حرمات الله بحال ولا على حرمها مثل الديوث والقواد ~~وغير ذلك ومثل اهل الاباحة الذين لا يحرمون ما # PageV02P009 # حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ومنهم من يجعل ذلك سوكا وطريقا واذا ~~فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله امرنا بها قل ان الله لا يأمر ~~بالفحشاء سورة الاعراف 28 # وقوم يغارون على ما حرمه الله وعلى ما امر به مما هو من نوع الحب والكره ~~يجعلون ذلك غيرة فيكره احدهم من غيره امورا يحبها الله ورسوله ومنهم من جعل ~~ذلك طريقا ودينا ويجعلون الحسد والصد عن سبيل الله وبغض ما احبه الله ~~ورسوله غيرة # وقوم يغارون على ما امر الله به دون ما حرمه فنراهم في الفواحش لا ~~يبغضونها ولا يكرهونها بل يبغضون الصلوات والعبادات كما قال تعالى فيهم ~~فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا سورة مريم ~~59 # وقوم يغارون مما يكرهه الله ويحبون ما يحبه الله هؤلا هم اهل الايمان ### | فصل ومن اسباب ذلك ما وقع من الاشراك في لفظ الغيرة في كلام المشايخ # اهل الطريق فإنهم تكلموا فيها بمعاني بعضها موافق لعرف الشارع وبعضها ليس ~~كذلك وبضعهم حمد منها ما حمده الشارع وبعضهم حمد منها ما لم يحمده الشارع ~~بل ذمه # PageV02P010 # وقد تقدم ان الغيرة التي وصف الله بها نفسه اما خاصة وهو ان يأتي ms225 المؤمن ~~ما حرم عليه واما عامة وهي غيرته من الفواحش ما ظهر منها وما بطن # واما الغيرة في اصطلاح طائفة من اهل الطريق فقال ابو القاسم القشيري ~~الغيرة كراهة مشاركة الغير واذا وصف الحق بالغيرة فمعناه انه لا يرضى ~~بمشاركة الغير معه فيما هو حق له تعالى من طاعة عبده له # فقوله الغيرة كراهة مشاركة الغير اشار بلفظ الغير الى اشتقاق لفظ الغيرة ~~وهذا اقرب فإن الغيرة اما من تغير الغائر واما من مزاحمه الغير # لكن قوله كراهة مشاركة الغير هو اصطلاح خاص ليس بمطابق لاصطلاح الشارع بل ~~هو اعم منه من وجه واخص منه من وجه # اما كونه اعم فإنه يدخل فيه مشاركة الغير المباحة كالمشاركة في الاموال ~~والعبادات والطاعات وهذه ليست غيرة مأمورا بها بل بعضها محرم وهو حسد ويدخل ~~فيها المشاركة في البضع والغيرة على ذلك غيرة مشروعة # PageV02P011 # وأما كونه اخص فانه يخرج منه الغيرة التي لا يشاركه فيها مثل غيرة المؤمن ~~ان يزني اقاربه او غيرته ان تنتهك محارم الله فإن الله يغار من ذلك والمؤمن ~~موافق لربه فيحب ما احب ويكره ما كره ولهذا وصف غيرة الله بما يوافق ~~اصطلاحة فقال غيرة الله انه لا يرضى بمشاركة الغير معه فيما هو حق له من ~~طاعة عبده وهذه الغيرة اعم مما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من وجه وابعد ~~عن مقصود الغيرة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم من غيرة الحق سبحانه ~~فقد فسر غيرته ان يأتي المؤمن ما حرم عليه وبأن يزني عبده او تزني امته ~~وقال من اجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن فجعل الغبرة مطلقة ~~متعلقة بفعل المحرمات وجعل عظمها وسلطانها في اتيان الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن # ومن جعلها لنفي المشاركة في حقه كان دخول الشرك في الله في باب الغيرة ~~عنده اولى من دخول الفواحش وكان استعمال لفظ الغيرة في الشرك اولى من ~~استعمال لفظ الغيرة في الزنا # وايضا اذا جعلناها لنفي المشاركة فيما هو ms226 حق له من طاعة عبده فقد يدخل في ~~ذلك ما يفعله العبد من المباحات على غير وجه التقرب فان هذا لم يفعله لله ~~ومع هذا فليس من غيرة الله التي وصف الرسول بها ربه # وايضا فالمشاركة فيما هو حق له فد لا يدخل فيه فعل الفواحش # PageV02P012 # والمحرمات اذا لم يقصد العبد بها طاعة غيره وان كان مطيعا فيها للشيطان ~~وانما يدخل فيه ما فعله من الطاعات لله ولغيره برا ونحوه ومع هذا فقد يقال ~~بل كل ما كان من ترك واجب او فعل محرم ففيه مشاركة الغير معه ما يستحقه من ~~طاعة عبده # وعلى هذا فيدخل كل ذنب فيما يغار الله منه سواء كان ترك واجب ما او فعل ~~محرم # وهذا المعنى حسن موافق للشريعة فإن الله يبغض ذلك ويمقته فيكون لفظ ~~الغيرة مرادافا للفظ البغض والمقت والسخط لكن هو اعم مما يظهر في عرف ~~الشارع حيث جعل غيرته ان يأتي المؤمن ما حرم عليه وجعل غيرته ان يزني عبده ~~او تزني امته ومن غيرته ان حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن # وهذه الغيرة اخص من مطلق البغض الا ان يقال ترك للشريعة واما تسميته غيرة ~~فهو امر اصطلاحي والنزاع فيه لفظي ثم انه ذكر عن بعض المشايخ مذهبين في ~~الغيرة احدهما يتضمن الغيرة مما لا يغار الله منه بل يحبه والثاني يتضمن ~~ترك الغيرة مما يغار الله منه ويحب الغيرة منه ويأمر ذلك # PageV02P013 # وكلاهما مذهب مذموم متضمن اما لترك مأمور يحبه الله او لفعل مكروه يكرهه ~~الله # وذكر من كلامه وكلام المشايخ ما هو حسن مقبول فاشتمل كلامه في الغيرة على ~~الاقسام الثلاثة فالاول من الغيرة كراهة توبة العاصين وعبادة المقصرين كما ~~ذكر عن الشبلى انه سئل متى يستريح قال اذا لم ار له ذاكرا # وقال حكى ان الشبلي مات ابن له كان اسمه ابو الحسن فحزنت امه عليه وقطعت ~~شعرها ودخل الشبلي الحمام وتنور بلحيته فكل من اتاه معزيا له قال ايش هذا ~~يا ابا بكر فكان ms227 يقول موافقة لأهلي فقال له بعضهم اخبرني يا ابا بكر لم ~~فعلت هذا قال علمت انهم يعزونني على الغفلة ويقولون آجرك الله تعالى ففديت ~~ذكرهم لله تعالى # PageV02P014 # على الغفلة بلحيتي قال واذن الشبلي مرة فلما انتهى الى الشهادتين قال ~~لولا انك امرتني ما ذكرت معك غيرك قال وسمع النورى رجلا يؤذن فقال طعنة وسم ~~الموت وسمع كلبا ينبح فقال لبيك وسعديك فقيل له ان هذا ترك للدين فإنه يقول ~~للمؤذن في تشهده طعنة وسم الموت ويلبي عند نباح الكلاب فسئل عن ذلك فقال ~~اما المؤذن فانه يذكره على رأس الغفلة واما الكلب فإن الله يقول وان من شيء ~~الا يسبح بحمده سورة الاسراء 44 # ومثل هذا الكلمات والحكايات لا تصلح ان تذكر للاقتداء او سلوك سبيل ~~وطريقة لما فيها من مخالفة امر الله ورسوله والذي يصدر عنه امثال هذه ~~الامور ان كان معذورا بقصور في اجتهاده او # PageV02P015 # غيبة في عقله فليس من اتبعه بمعذور مع وضوح الحق والسبيل وان كانت سيئتة ~~مغفورة لما اقترن بها من حسن قصد وعمل صالح فيجب بيان المحمود والمذموم ~~لئلا يكون لبسا للحق بالباطل # وابو الحسين النوري وابو بكر الشبلي رحمة الله عليهما كانا معروفين ~~بتغيير العقل في بعض الاوقات حتى ذهب الشبلي الى المارستان مرتين والنوري ~~رحمه الله كان فيه وله وقد مات بأجمة قصب لما غلبه الوجد حتى ازال عقله ومن ~~هذه حاله لا يصلح ان يتبع في حال لا يوافق امر الله ورسوله وان كان صاحبها ~~معذورا او مغفورا له وان كان له من الايمان والصلاح والصدق والمقامات ~~المحمودة ما هو من اعظم الامور فليس هو في ذلك بأعظم من السابقين الاولين ~~من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان فانهم يتبعون في طاعة ولا ~~يذكرون الا بالجميل الحسن وما صدر منهم من ذنب او تأويل وليس هو مما امر ~~الله به ورسوله لا يتبعون فيه فهذا اصل يحب اتباعه # فحلق اللحيه منهى عنه ومثلة كرهها الله ورسوله والمعزي او المؤذن وان لم ~~يكن ms228 معه كمال الحضور فلا يجوز سبه وذمه على ما # PageV02P016 # اظهره من ذكر الله بل يؤمر بما يكمل ذلك من حقائق القلوب المحمودة وان ~~كان ذاكرا لله بلسانه فأعظم المراتب ذكر الله بالقلب واللسان ثم ذكر الله ~~بالقلب ثم ذكر الله باللسان # وقد روي ان الملائكة حضرت محتضرا لم تجد له حسنة الا ان لسانه يتحرك بذكر ~~الله فكان ذلك مما رحمه الله به # وقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم اوصني فان شرائع الاسلام قد كثرت ~~على فقال لا يزال لسانك رطبا بذكر الله # وقال الله تعالى انا مع عبدي ما ذكرني والذكر يكون بلسان الانسان ولكن ~~يكون لقلبه من ذلك نصيب اذ الاعضاء لا تتحرك الا بارادة القلب لكن قد تكون ~~الغفلة غالبة عليه وذلك الكلام خير من العدم والله يحبه ويأمر به # PageV02P017 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم وسلم اذا سمع المؤذن لا يغزو الا اغار ~~وكثير من المؤذنين لا يكون كامل الحضور بل المنافقون الذين يظهرون الايمان ~~بألسنتهم دون قلوبهم يقرون على ذلك في الظاهر بأمر الله ورسوله فكيف ~~بالمؤمن # وفي الصحيحين عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال اذا ~~سمعتم نهاق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فانها رأت شيطانا واذا سمعتم ~~صياح الديكة فسلوا الله من فضله فإنها رأت ملكا # وفي سنن ابي داود عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا ~~سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتوذوا بالله منهن فإنهن يرين ما لا ~~ترون # وثبت في الصحيحين عنه من حديث ابي هريرة انه قال اذا اذن المؤذن ادبر ~~الشيطان وله ضراط لا يسمع التأذين فإذا قصى # PageV02P018 # التأذين اقبل فاذا ثوب بالصلاة ادبر فإذا قضى التثويب اقبل حتى يخطر بين ~~المرء ونفسه فيقول اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل لم يدر ~~كم صلى # فإذا كان التأذين يطرد الشيطان ونباح الكلاب يكون عن رؤية الشياطين كيف ~~يصلح ان يقال لهذا طعنة وسم الموت ms229 لأجل تقصير هذا بغفلة في قلبه ولهذا لبيك ~~وسعديك لكون الكلب يسبح بحمده فإن هذه حجة فاسدة # اما ذلك الغافل فإن اجره ينقص بغفلته كما روى ابو داود في السنن عن عمار ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له ~~منها الا نصفها الا ثلثها الا ربعها الا خمسها الا سدسها حتى قال الا عشرها # فلا ريب ان الاجر ينقص بالغفلة لكن استحقاق العقوبة نوع آخر واذا استحق ~~العقوبة لم يجز ان تكون عقوبته مقابلة لما اظهره من الحسنة # PageV02P019 # واما نباح الكلب ان كان تسبيحا فصوت المؤذن اولى ان يكون تسبيحا فبكل حال ~~لا يكون نباح الكلاب الذي يقترن به الشيطان ادنى من ذلك من صوت المؤذن الذي ~~هو سبب لهروب الشياطين فإن ذلك ان كان لدلالته على الربوبية فصوت المؤذن ~~اكمل وان كان لعبادته بما يستحقه الرب من الالهية فصوت المؤذن اعظم عبادة ~~لله من نباح الكلب # فتسبيح كل شيء بحمده يدخل فيه المؤذن بكل حال اعظم مما يدخل فيه الكلب ~~فكيف يدخل الكلب النابح ويخرج المؤذن لنوع من الغفلة فهذا والكلب محرم ~~اقتناؤه الا لضرورة من صيد او حرث او ماشية ومن اقتنى كلبا بغير هذه ~~الثلاثة نقص كل يوم من عمله قيراط وتلبية الكلب في نباحه امر منكر لا وجه ~~له اصلا فلا يتبع احد في ذلك وان كان معذورا او مغفورا له مشكورا على حسنات ~~غير هذا # وكذلك الحكاية عن الشبلي انه لما انتهى الى الشهادتين قال لولا انك ~~امرتني ما ذكرت معك غيرك فان ذكر هذا في باب الغيرة منكر من القول وزور لا ~~يصلح الا ان نبين ان هذا من الغيرة التي يبغض الله صاحبها بل الغيرة من ~~الشهادة لرسله بالرسالة من الكفر وشعبه وهل يكون موحدا شاهدا لله بالالهية ~~الا من شهد لرسله بالرسالة وقد بينا في غير موضع من القواعد وغيرها ان كل ~~من لم يشهد برسالة المرسلين فإنه لا يكون الا مشركا يجعل ms230 مع الله الها اخر ~~وان التوحيد والنبوة متلازمان وكل من ذكر الله عنه في كتابه انه مشرك فهو ~~مكذب # PageV02P020 # للرسل ومن اخبر عنه انه مكذب للرسل فانه مشرك ولا تتم الشهادة لله ~~بالالهية الا بالشهادة لعبده بالرسالة # كما جاء مرفوعا في قوله تعالى ورفعنا لك ذكرك سورة الانشراح 4 قال لا ~~اذكر الا ذكرت معي ولا تتم لامتك خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا انك عبدي ورسولي # وكذلك الحكاية التي سمعتها من بعض الفقراء عن ابي الحسن الخزفاني انه قال ~~لا اله الا الله من داخل القلب محمد رسول # PageV02P021 # الله من القرط # قال ابو القاسم ومن ينظر الى ظاهر هذا اللفظ يتوهم انه استصغر الشرع ولا ~~كما يخطر بالبال اذ الاخطار للأغيار بالإظافة الى قدر الحق متصاغرة في ~~التحقيق # وهذه الحكاية ايضا من اقبح الكلام وافحشه وذكر هذا في باب الغيرة من انكر ~~المنكر فإن هذا الكلام لا يقال انه استصغار للشرع بل هو من اكبر شعب النفاق ~~واعظم اركان الكفر وصاحبه ان لم يغفر الله له لحسن قصده في تعظيم الرب كما ~~غفر للذي قال اذا انا مت فاحرقوني واسحقوني وذروني في اليم فغفر له شكه في ~~قدرته على اعادته لخشيتة منه ولم يتب من مثل هذا الكلام والا كان هذا ~~الكلام موجبا لعظيم عقابه # وذلك ان الايمان بالرسل عليهم السلام ليس من باب ذكر # PageV02P022 # الاغيار بل لا يتم التوحيد لله والشهادة له بالوحدانية والايمان به الا ~~بالايمان بالرسالة فمن جعل الايمان بملائكة الله وكتبه ورسله مغايرا ~~للإيمان به وجعل الاعراض عنه من باب الغيرة المعظمة عند المشايخ فقد ضل ~~سعيه وهو يحسب انه يحسن صنعا ومن لم تكن الشهادة بالرسالة داخله في ضمن ~~قلبه بالشهادة بالألوهية فليس بمؤمن # وفي مثل هذا جاء الحديث المتفق عليه في الصحيحين عن اسماء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم انه قال انه اوحى الي انكم تفتنون في قبوركم مثل وقريبا من ~~فتنة الدجال يؤتى الرجل في قبره فيقال له ما علمك بهذا الرجل ms231 الذي بعث فيكم ~~فأما المؤمن او الموقن فيقول هذا هو محمد عبد الله ورسوله جاء بالبينات ~~والهدى فآمنا به واتبعناه واما المنافق او المرتاب فيقول آه آه لا ادري ~~سمعت الناس يقولون شيئا فقلته # PageV02P023 # ثم انك تجد هؤلاء الذين يغلون بزعمهم في التوحيد حتى يعرضون عن الكتاب ~~والسنة ويستخفون بحرمتهما ويعظم احدهم شيخه ومتبوعه اكثر مما يعظم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وتحدهم يشركون بالله في استغاثتهم بغيره وخوفهم ورجائهم ~~لغيره ومحبتهم لغيره فتجد فيهم من انواع الشرك الجلى والخفي التي نهى الله ~~عنها ورسوله ما الله به عليم ومع هذا فيعرضون عما هو من تمام التوحيد زعما ~~انهم يحققون التوحيد # واما اعتذار ابي القاسم عنه بأن الاخطار للاغيار بالإظافة الى قدر الحق ~~متصاغرة فعذر باطل وذلك ان الشاهد للرسول بالرسالة لم يجعله ندا لله ولا ~~شريكا له ولا ظهيرا حتى يفاضل بينهما # هذا الكلام يليق بمن يقول ان الله ثالث ثلاثة او يجعل الله شريكا وولدا ~~او بمن يستغيث بمخلوق ويتوكل عليه او يعمل له او يشتغل به عن الله فيقال له ~~فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا سورة مريم 65 ويقال له فاعبد الله ~~مخلصا له الدين الا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه اولياء ما ~~نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى ان الله يحكم بينهم يوم القيامة فيا هم ~~فيه # PageV02P024 # يختلفون سورة الزم 2 3 وقوله تعالى ام اتخذوا من دون الله شفعاء قل او لو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جيمعا سورة الزمر 4443 الى ~~امثال ذلك مما في كتاب الله من الآيات التي فيها تجريد التوحيد وتحقيقه ~~وقطع ملاحظة الاغيار في العبادة والاستغاثة والدعاء والمسألة والتوكل ~~والرجاء والخشية والتقوى والانابة ونحو ذلك مما هو من خصائص حق الربوبية ~~التي لا تصلح لملك مقرب ولا نبي مرسل # فأما الايمان بالكتاب والرسول فهذا من تمام الايمان بالله وتوحيده لا يتم ~~الا به وذكر الله بدون هذا غير نافع اصلا بل هو ms232 سعى ضال وعمل باطل لم ~~يتنازع المسلمون في ان الرجل لو قال اشهد ان لا اله الا الله ولم يقر بان ~~محمدا رسول الله انه لم يكن مؤمنا ولا مسلما ولا يستحق الا العذاب ولو شهد ~~ان محمدا رسول الله لكان مؤمنا مسلما عند كثير من العلماء وبعضهم يفرق بين ~~من كان معترفا بالتوحيد كاليهود ومن لم يكن معترفا به وبعضهم لا يجعله ~~مسلما الا بالنطق بالشهادتين وهي ثلاثة اقوال معروفة في مذهب احمد وغيره # وهذا معنى ما يروي في بعض الآثار يا محمد تذكر ولا اذكر فأرضى واذكر ولا ~~تذكر فاقبض يعني ذكره بالرسالة ومن ذكره # PageV02P025 # بالرسالة فقد تضمن ذلك ذكر الله واما من ذكر الله ولم يذكره بالرسالة ~~فإنه لا يكون مؤمنا وحيث جاء في الاحاديث يخرج من النار من قال لا اله الا ~~الله واسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله الا الله مخلصا من ~~قلبه ونحو ذلك فلأن ذلك مستلزم الايمان بالرسالة كما بيناه في غير هذا ~~الموضع وانه لا تصح هذه الكلمة الا من المقرين بالرسالة وبما وقع فيه هؤلاء ~~وامثالهم من ضعف الايمان بالكتاب والرسول وبعض انواع الضلالة والجهالة حتى ~~في الشرك الذي زعموا انهم فروا منه فنسأل الله مقلب القلوب ان يثبت قلوبنا ~~على دينه # وكذلك قول الشبلي لما سئل متى تستريح فقال اذا لم ار له ذاكرا وذكر هذا ~~في الغيرة التي هي من طريق اولياء الله وعباده الصالحين من اعظم المنكرات ~~ومن القول الذي يبغضه الله ورسوله واولياؤه من الاولين والآخرين ايغار ~~المؤمن ان يذكر الله او يغار # PageV02P026 # ان تنتهك محارم الله وليس لهذا القول وجه يحمد به واما قائله فلعله كان ~~مسلوب العقل حين قال ذلك فقد كان كثيرا ما يزول عقله فان قصد به ان احدا لا ~~يذكره كما يستحقه فالذي يستحقه هو العبادة التي هي حقه على عباده وهو لا ~~يكلفهم اكثر من طاقتهم وهذا هو الذي يؤمرون به ويقبله الله منهم # وان قصد انهم يقصرون ms233 في الواجب فبعض الواجب خير من تركه كله وإن كان هذا ~~لضيق في نفسه وحرج في فؤاده فهذا من الغيرة التى يبغضها الله ورسوله وهو شر ~~من حسد ومما يشبه هذا ما ذكره له مرة بعد اصحابنا الفقراء وفيه خير ودين ~~ومعرفة انه كان يصلي بالليل فقام آخر يصلي قال فأخذتني الغيرة فقلت له هذا ~~حسد وضيق عطن وظلم ليس بغيره انما لغيره اذا انتهكت محارم الله والله تعالى ~~واسع عليم يسع عباده الاولين والأخرين وهو يحب ذلك ويأمر به ويدعو اليه ~~فكيف يبغض المؤمن ما يحبه # وهذا القدر واقع كثير من ارباب الاحوال حتى يقتل بعضهم # PageV02P027 # بعضا ويعتدى بعضهم على بعض يؤذى بعضهم بعضا ويقولون هذا غيرة على الحق ~~وانما هو تعدي لحدوده وظلم لعباده وصد عن سبيله وتمثيل فيه للحق تعالى ~~بالمرأة او الامرد الذي يتغاير عليهم الفساق لضيق المحل غير الاشراك واصل ~~ذلك من طلب الفساد والعلو في الارض وطلب الانفراد بالتأله لا لأجل الله لكن ~~لاجل الاستعلاء في الارض فهو من الكبر والحسد من جنس ذنب ابليس وفرعون واخي ~~ابن ادم لا من اعمال عوام الخلق فضلا عن مؤمنيهم فضلا عن اولياء الله ~~المتقين # ولهذا نجد امثال هؤلاء من اقل الناس غيرة اذا انتهكت محارم الله ويكون ~~المؤمنون منهم في تعب والمشركون منهم في راحة ضد ما نعت الله به المؤمنين ~~حيث قال اشداء على الكفار رحماء بينهم سورة الفتح 29 وقال اذلة على ~~المؤمنين اعزة على الكافرين سورة المائدة 54 فشأنهم من جنس الخوارج الذين ~~قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم يقتلون اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان # PageV02P028 # واما المذهب الثاني فإنه قال ومن الناس من قال ان الغيرة من صفات اهل ~~البدائة وان الموحد لا يشهد الغيرة ولا يتصف بالاختيار وليس له فيما يجري ~~في المملكة تحكم بل الحق سبحانه اولى بالاشياء فيما يقضى على ما يقضى # وقال سمعت الشيخ ابا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول سمعت ابا عثمان ~~المغربي يقول الغيرة من ms234 عمل المريدين فأما اهل الحقائق فلا # قال سمعته يقول سمعت ابا نصر الاصبهاني يقول سمعت الشبلي يقول الغيرة ~~غيرتان فغيرة البشرية على النفوس وغيرة الالهية على القلوب # قلت اما نفي الغيرة مطلقا وجعلها من عمل المريدين فهذا يضاهي قول من يشهد ~~توحيد الربوبية وان الله خالق كل شيء وربه # PageV02P029 # ومليكة لا يشهد توحيد الالهية وما يستحقه الرب من عبادته وطاعته وطاعة ~~رسله فلا يفرق بين المؤمن والكافر والاعمى والبصير والظلمات والنور واهل ~~الجنة واهل النار # وهذا من جنس قول المشركين الذين قالوا {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من شيء} سورة الانعام 148 فإن المشركين استدلوا بالقدر على نفي ~~الامر والنهي والمحبوب والمكروه والطاعة والمعصية ومن سلك هذا المسلك فهو ~~في نوع من الكفر البين # وقول القائل ان الموحد لا يتصف بالاختيار كلام مجمل فإن اراد به انه لا ~~يختار بنفسه ولنفسه فقد احسن وان اراد به انه لا يختار ما اختاره الله وامر ~~به واحبه ورضيه وامره هو ان يختاره ويريده ويحبه فهذا كفر وإلحاد بل المؤمن ~~عليه ان يريد ويختار ويحب ويرضى ويطلب ويجتهد فيما امر الله به واحبه ورضيه ~~واراده واختاره دينا وشرعا # وكذلك قوله ليس له فيما يجري في المملكة تحكم ان اراد به انه لا يعارض ~~الله في امره ونهيه فهذا حسن وحق فإن عليه ان يرضى بما امر الله به ويسلم ~~لله ومن ذلك التسليم لرسوله # كما قال تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} سورة النساء 65 # PageV02P030 # وقال تعالى {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم} سورة الاحزاب 36 # وقال تعالى {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} ~~سورة محمد 47 # وقال تعالى ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما انزل اله سنطيعكم في بعض ~~الامر والله يعلم اسرارهم سورة محمد 26 # وقال تعالى واذا ما ms235 انزلت سورة فمنهم من يقول ايكم زادته هذه ايمانا فأما ~~الذين امنوا فزادتهم ايمانا وهم يستبشرون واما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم ~~رجسا الى رجسهم وماتوا وهو كافرون سورة التوبة 125 124 وامثال هذا كثير # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ~~ضاد الله في امره رواه ابو داود وغيره # وقوله الموحد لا يشهد الغيرة ولا يتصف بالاختيار فالتوحيد الذي بعث الله ~~به رسله وانزل به كتبه هو ان يعبد الله وحده لا شريك له فهو توحيد الالوهية ~~وهو مستلزم لتوحيد الربوبية وهو ان يعبد الحق رب كل شيء فأما مجرد توحيد ~~الربوبية وهو شهود ربوبية الحق لكل شيء فهذا التوحيد كان في المشركين كما ~~قال تعالى {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} سورة يوسف 106 # PageV02P031 # وكذلك ان اراد اعترافه بأنه لا حول ولا قوة الا بالله وشهوده لفقره ~~وعبوديته وفقر سائر الكائنات وان الله هو رب كل شيء وعالم بكل شيء ومليكه ~~لا يخلق ولا يرزق الا هو ولا يعطى ولا يمنع الا هو لا مانع لما اعطى ولا ~~مطعي لما منع {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل ~~له من بعده} سورة فاطر 2 {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله ~~بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله ~~عليه يتوكل المتوكلون} سورة الزمر 38 {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور ~~الرحيم} سورة يونس 107 {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد} سورة فاطر 15 # فإن اراد هذه المشهد فهذا ايضا من الايمان والدين فالاول الاقرار بالامر ~~والنهي واتباع ذلك هو عبادته وهذا الاقرار بالقضاء والقدر وشهود الافتقار ~~الى الله هو استعانته # PageV02P032 # ولهذا قال في الصلاة {إياك نعبد وإياك نستعين} سورة الفاتحة ms236 5 قال الله ~~فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل وعلى # وعلى هذا يخرج قول ابي يزيد اريد الا اريد أي اريد الا اريد بنفسي ولنفسي ~~بل لا أريد الا ما امرتني انت بإرادته واما عدم الإرادة مطلقا فمحال طبعا ~~وطلبه محرم شرعا والمقر بذلك فاسد العقل والدين # والمريد لجميع الحوادث المأمور بها والمنهى عنها كافر بدين الله وما جاءت ~~به رسله واما المريد لما امر ان يريده ويعمله والكاره لما نهى عنه فهذا هو ~~المؤمن الموحد فإن اراد بقوله الموحد لا يشهد الغيرة ولا يتصف بالاختيار ~~انه لا يختار شيئا اصلا لا مما امر به ولا مما نهى عنه فهذا مع بطلانه في ~~الواقع وفساده في العقل فهو من اعظم المروق من دين الله اذ عليه ان يريد كل ~~ما يحبه الله تعالى ويرضاه له ويحبه له ويستعين الله على هذه الارادة ~~والعمل بها فإنه لا حول ولا قوة الا به # كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على ~~دينك # PageV02P033 # واصل صلاح القلب صلاح ارادته ونيته فإن لم يصلح ذلك لم يصلح القلب والقلب ~~هو المضغة التي اذا صلحت صلح لها سائر الجسد واذا فسدت فسد لها سائر الجسد # وكذلك قوله ليس له فيما يجري في المملكة تحكم ان اراد به انه لا يغار اذا ~~انتهكت محارم الله ولا يغضب الله ولا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا ~~يجاهد في سبيل الله فهذا فاسق مارق بل كافر وان اظهر الاسلام فهو منافق وان ~~كان له نصيب من الزهد والعبادة ما كان فيه # ومعلوم ان المؤمن لا يخلو من ذلك بالكلية ومن خلا من ذلك بالكلية فهو ~~منافق محض وكافر صريح اذا المؤمن لا بد ان يكون الله ورسوله احب اليه مما ~~سواهما ولا بد ان يتبرأ من الاشراك بالله واعداء الله كما قال تعالى لقد ~~كان لكم اسوة حسنة في ابراهيم والذين معه اذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ~~ومما تعبدون ms237 نم دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ~~ابدا حتى تؤمنوا بالله وحده سورة الممتحنة 4 # PageV02P034 # وقال عن ابراهيم عليه السلام {أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} سورة الشعراء 77 # وقال تعالى واذ قال ابراهيم لابيه وقومه انني براء مما تعبدون الا الذي ~~فطرني فإنه سيهدين سورة الزخرف 2627 # وقال تعالى {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} سورة المجادلة 22 # وقال تعالى ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم انفسهم ~~ان سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما ~~انزل اليه ما اتخذوهم اولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون سورة المائدة 80 81 # وقال {لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم والكفار أولياء} سورة المائدة 57 # وقال {لا تتولوا قوما غضب الله عليهم} سورة الممتحنة 13 وهذا كثير جدا # وايضا فالقائل لذلك لا يثبت عليه بل لا بد ان يكره امورا كثيرة مضرة ~~وكثيرا ما يعتدى في انكارها حتى يخرج عن العدل فهذا خروج # PageV02P035 # عن العقل والدين وعن الانسانية بالكلية اذا اخذ على عمومه واما ان قبل ~~ذلك في بعض الامور بحيث يترك الكراهة احيانا لما كرهه الله والغيرة احيانا ~~اذا انتهكت محارم اله فهذا ناقص الايمان بحسب ذلك # بل قد ثبت في الصحيح عن ابي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من ~~رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ~~وذلك اضعف الايمان فإن لم يكن في القلب انكار ما يكرهه ويبغضه لم يكن فيه ~~ايمان # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من مات ولم يغز ولم يحدث ~~نفسه بالغزو مات على شعبة نفاق وتحقيق ذلك في قوله تعالى {قل إن كان ms238 آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا} ~~الاية سورة التوبة 24 # وقد ذكر الله في سورة براءة وغيره من صفة المنافقين ما فيه غبرة لهؤلاء ~~ووصف المؤمنين والمؤمنات بقوله والمؤمنون والمؤمنات # PageV02P036 # {بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله} سورة التوبة 71 # وكذلك قوله بل الحق اولى بالاشياء فيما يقضى على ما يقضى فيه تقصير في ~~خلق الرب وامره فإن قوله اولى قد يفهم منه ان له شريكا بل لا خالق الا الله ~~ولا رب غيره قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا تملكون مثقال ذرة في ~~السموات ولا في الارض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده الا لمن اذن له الاية سورة سبأ 22 23 # واما الامر فانه سبحانه امر العباد ونهاهم فعلى العبد ان يفعل ما امره به ~~من الغيرة وغيرها فإذا كان قد امره بأن يغار لمحارمه اذا انتهكت وان ينكر ~~المنكر بما يقدر عليه من يده ولسانه وقلبه فلم يفعل فإنما هو فاسق عن امر ~~ربه لا تارك لمشاركته اذ سبيل له الى الشركة بحال وهو سبحانه لا اله الا هو ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير # فالاحتجاج بكونه اولى من العبد بخلقه على ترك ما امر به من محبوبة ومرضية ~~وطاعته وعبادته في الامر بالمعروف والنهي # PageV02P037 # عن المنكر فيه امران قبيحان توهم نوع مشاركة من العبد له اذا اطاعه وعبده ~~واسقاط ما امر به واحبه من الغيرة # وهذا الكلام كأن قائله لم يغالب المقادير بنفسه لنفسه مثل الملوك ~~المتغالبين والامم المتعادين من أهل الجاهلية الذين ليس فيهم من هو مطيع ~~لله ورسوله بجهاده بل كلاهما متبع هواه خارج عن طاعة مولاه اذا اعرض المؤمن ~~عنهم ولم يعاون واحدا منهما لا بباطنه ولا بظاهرة اذا كانا ms239 في معصية الله ~~سواء فهو محسن في ذلك واما اذا كان الامر عبادة لربه وهو مستعين به فيه ~~فكيف يكون الاعراض عن هذا الامر طريقة عباد الله الصالحين واولياء الله ~~المتقين وهل الاعراض عن هذا الا من طريقة الجاهلين الظالمين الفاسقين عن ~~امر رب العالمين # واما قول الشيخ ابي عثمان الغيرة من عمل المريدين فأما هل الحقائق فلا ~~فلم يرد والله اعلم بذلك الغيرة على محارم الله وهي الغيرة الشرعية فإن قدر ~~الشيخ ابى عثمان اجل من أن # PageV02P038 # يجعل الغيرة التي وصف الله بها نفسه وكان رسوله فيها اكمل من غيره وهي ~~مما اوجبه الله واحبه من عمل المريدين دون اهل الحقائق وانما يعني الغيرة ~~الاصطلاحية التي يسميها هؤلاء المتأخرون غيرة كا قدمناه مثل الغيرة ~~المتضمنة للمنافسة والحسد مثل ان يغار احدهم اذا رأى احدا سبقه الى الحق او ~~نال منه نصيبا وافرا ونحو ذلك فإن هذا كثير جدا في السالكين فقال الشيخ ان ~~هذه الغيرة تعرض للمريدين حيث لم يشهدوا الحقائق وان الله هو المعطي المانع ~~فأما اهل الحقائق الذين يشهدون ان الله هو المعطى المانع وانه لا رب غيره ~~فإنهم لا يغارون على ما وهبه الله عباده من هباته المستحبة او المباحة ولا ~~يعتبون على الحوادث كما يفعله من يفعله من الناس في سبهم الدهر # كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا تسبوا الدهر ~~فإن الله هو الدهر بيده الامر يقلب الليل والنهار # وقال يقول الله تعالى يؤذيني ابن ادم يسب الدهر وانا الدهر بيدي الامر ~~اقلب الليل والنهار # PageV02P039 # فهذا الذي فسر به الشيخ ابو عثمان هو فرقان # وكذلك ما ذكره الشبلي انه قال الغيرة غيرتان فغيرة البشرية على النفوس ~~وغيرة الالهية على القلوب قال الشبلي غيرة الالهية على الانفاس ان تضيع ~~فيما سوى الله اذا فسر بأن البشر يغارون على الحظوظ مما هو من جنس المنافسة ~~والمحاسدة وليس هذا بمحمود # واما الغيرة الالهية على القلوب على ما يفوتها من محاب الحق ms240 ومراضيه فهذا ~~كلام حسن من احسن كلام الشبلي رحمة الله عليه فإن كان هذا يغار على نفسه ~~فلا كلام وان كان يغار من حال غيره ففيه شبه ما من قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا حسد الا في اثنتين رجل اتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ورحل ~~اتاه الله مالا وسلطه على هلكته في الحق فإنه اخبر انه لا ينبغي لأحد الا ~~يغبط احدا الا على هذا # وكذلك ما ذكره ابو القاسم القشيري بعد ذلك حيث قال والواجب ان يقال ~~الغيرة غيرتان غيرة الحق على العبد وهو ان # PageV02P040 # لا يجعله للخلق فيضن به عليهم وغيرة العبد للحق وهو ان لا يجعل شيئا من ~~احواله وانفاسه لغير الحق فلا يقال انا اغار على الله ولكن يقال انا اغار ~~لله فإن الغيرة على الله جهل وربما تؤدي الى ترك الدين والغيره لله توجب ~~تعظيم حقوقه وتصفية الاعمال له # فهذا كلام جيد لكنه بالاصطلاح الحادث ليس هو بالاصطلاح القديم فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد بين ان غيرة الله ان يأتي المؤمن ما حرم عليه وهذا ~~يشترك فيه السابقون والمقتصدون وهم اولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ثم السابقون يجعل اعمالهم كلها لله فإنهم الذين لا يزالون يتقربون ~~الى الله بالنوافل حتى يحبهم ومن احب الله وابغض لله واعطى لله ومنع لله ~~فقد استكمل الايمان فإذا صانهم عن العمل لغيره فصارت اعمالهم كلها لله ~~تركوا المحارم واتوا بالواجبات والمستحبات # وقد شبه تنزيههم عن فضول المباح وعن فعل المكروهات # PageV02P041 # وترك المستحبات غيرة من الحق عليهم فهذا امر اصطلاحى لكن المعنى صحيح ~~موافق الكتاب والسنة # واما قوله غيرة العبد للحق ان لا يجعل شيئا من احواله وانفاسه لغير الحق ~~فهذا غيرة على نفسه ان يكون شيء من عمله لغير الله # وهذا ايضا حال هؤلاء السابقين الاتين بالفرائض والنوافل المجتنبين ~~للمحارم والمكاره قال الله تعالى {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات} سورة فاطر 32 # ولا ريب انه يدخل ms241 في هذا غيرته اذا انتهكت محارم الله فانه اذا لم يغر ~~لله حينئذ مع امر الله له بالغيرة لم يكن عمله الذي اشتغل به عن هذا الحق ~~لله وكان للشيطان # وكذلك قوله لا يقال اغار على الله ولكن يقال انا اغار لله كلام حسن جيد ~~كما قال الغيرة على الله جهل وهي كما قدمناه حسد وكبر يسمونه غيره فيحب ~~احدهم ان لا يشركه غيره في # PageV02P042 # التقرب الى الله وابتغاء الوسيلة اليه ويريدون ان يسموا ذلك باسم حسن ~~لئلا يذموا عليه ويسمونه غيرة لان من عادة البشر اذا احب احدهم انسانا محبة ~~طبيعية سواء كانت محبتة محرمة كمحبة الأمور والمرأة الأجنبية أو غير محرمة ~~كمحبة أم أنه ببشر يته يغار من ان يشاركه في ذلك احد فجعلوا محبتهم لله ~~بمنزلة هذه المحبة وهذا من اعظم الجهل والظلم بل محبة الله من شأنها ان يحب ~~العبد ان جميع المخلوقات يشركونه في ذلك # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفس بيده لا يؤمن احدكم حتى يحب ~~لاخيه من الخير ما يحبه لنفسه # ومثل هذه الغيرة المذمومة ما ذكره طائفة من السلف قالوا لا تقبل شهادة ~~القراء او قالوا الفقهاء بعضهم على بعض لأن # PageV02P043 # بينهم حسد كحسد النفوس على زريبة الغنم ويقال فلان وفلان يتصاولان على ~~الرياسة تصاول الفحلين فلا ريب ان فحول البهائم تتغاير وتتحاسد وتتصاول على ~~اناثها يطلب كل منها من الاخر ان لا يزاحمه كما يتغاير الفحول الادميون على ~~مناكحهم وهذا فيما امر الله به محرم # كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا ~~تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا وكذلك شبه تغاير الضراير # لكن هنا قد يعترض امر فيه شبهة وهو ان يكون من المعارف والاحوال ما يقال ~~فيه انه لا يصلح لبعض الناس فيغار احدهم ان تكون تلك الامور كذلك المنقوص ~~الذي يصنع مثل ذلك # PageV02P044 # ويصفون الله بالغيرة ان يجعل هذا كهذا فهذا قد يكون حقا وان لم يسم في ~~الشرع غيرة فان ms242 الله سبحانه يكره ويبغض ان يكون مع العبد ما يستعين به على ~~معصية الله دون طاعته وان يكون ما جعله للمؤمنين مع الكفار والمنافقين ~~وكذلك المؤمنون ينبغي ان يكرهوا ذلك فكل ما نهى الله عنه وامر المؤمنين ~~بالمنع منه وازالته فهو يكرهه # وهذا كقوله تعالى {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} ~~سورة الاعراف 146 قال طائفة من السلف امنع قلوبهم عن فهم القرآن # هذا ما ذكره عن السري انه قرئ بين يديه {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} سورة الاسراء 45 فقال السري ~~لاصحابه اتدرون ما هذا الحجاب هذا حجاب الغيرة ولا احد اغير من الله تعالى # PageV02P045 # فهذا يشبه قوله {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} سورة ~~الانعام 110 وقوله {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} سورة الصف 5 فإن الله ~~عاقب المعرض عن اتباع ما بعث به رسله بالحجاب الذي في قلوبهم فسمى السري ~~هذا حجاب الغيرة لأنه تعالى يكره ويبغض ان يكون هؤلاء الذين كفروا وفسقوا ~~عن امره يعطون ما يعطاه المؤمن من الفهم لسبب هذه الغيرة التي وصف الرسول ~~بها ربه فان غيرته ان يأتي العبد ما حرم عليه ذكرها النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهي غيرة على ما هو من افعال العبد التي نهى عنها واما هذه الغيرة فهي ~~غيرة على ما هو من فعل الرب # والنبي صلى الله عليه وسلم لم يصف الله بانه يغار على ما يقدر عليه من ~~الافعال ولكن لما رأى السري ان الشيء المحبوب النفس تغار عليه ان يكون في ~~غير محله سمى ذلك حجاب الغيرة والله يحب لعباده ان يفعلوه من جهة كونهم # PageV02P046 # مأمورين به لكنه سبحانه لا يفعله بهم ولا يحب من يفعله بهم فلا بد من ~~التفريق بين مواقع الامر والنهي ومواقع القضاء والقدر وان كانت الافعال ~~الواقعة من العباد يشترك فيها الامر والنهي واما احوال القلب وانفاسه فإن ~~الاحوال تحولات القلب والنفس والهوى الذي يحمل الصوت ms243 واحوال القلب فهما ~~الطف ما في الايمان # قال ابو القاسم ربط الحق بأقدامهم الخذلان واختار لهم البعد واخرجهم عن ~~محل القرب ولذلك يؤخروا وفي معناه انشدوا # ... انا اصب لن هويت ولكن ... ما احتيالي لسوء رأى الموالى ... # PageV02P047 # وقال وفي معناه قالوا سقيم لا يعاد ومريد لا يراد سمعت الاستاذ ابا علي ~~يقول سمعت العباس المروزي يقول كان لي بداية حسنة فكنت اعرف كم بقي بيني ~~وبين الوصول الى مقصودي من الظفر بمرادي فرأيت ليلة من الليالي في المنام ~~كأنني اتدهده من حالق جبل فأردت الوصول الى ذروته قال فحزنت واخذني النوم ~~فرأيت قائلا يقول يا عباس الحق لم يرد منك ان تصل الى ما كنت طلبت ولكنه ~~فتح على لسانك الحكمة قال فأصبحت وقد الهمت كلمات الحكمة # وقال سمعت الاستاذ ابا علي يقول كان شيخ من الشيوخ له حال ووقت مع الله ~~فخفى مدة لم ير بين الفقراء ثم ظهر بعد ذلك لا على ما كان عليه من الوقت ~~فسئل عنه # PageV02P048 # فقال واه وقع الحجاب # قال وكان الاستاذ ابو علي اذا وقع شيء في خلال المجلس يشوش قلوب الحاضرين ~~يقول هذا من غيرة الحق يريد ان لا يجرس ما يجري من صفاء هذا الوقت وانشدوا ~~في معناه ... همت بإتياننا حتى اذا نظرت ... الى المراة نهاها وجهها الحسن # ما كان هذا جزائي من محاسنها ... عذبت بالهجر حتى شفني الحزن ... # قلت ذكر هذه الامور في باب الغيرة مضر ومع ان الحق يغار ان يعطي بعض ~~الناس ما يعطيه لأوليائه المتقين من السابقين والمقربين فقد سموا منع الحق ~~غيرة كما تقدم لكن هذا اللفظ يشعر بأن الحق منع ذلك العبد العطاء العظيم ~~عنده وكون العبد ليس اهلا له كما يغار على الكريمة ان تتزوج بغير الكفء # PageV02P049 # وهذا المعنى صحيح كما قال تعالى واذا جاءتهم اية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى ~~مثل ما اوتي الله الله اعلم حيث يجعل رسالته سورة الانعام 124 # وكما قال تعالى {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ms244 ~~ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من ~~الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ~~أليس الله بأعلم بالشاكرين} سورة الانعام 52 53 # وهذا المعنى اذا ذكر العبد وظلمه واقامة الحجة عليه او بيان حكمة الرب ~~وعدله كان حسنا فإن الله سبحانه وتعالى يقول {وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم} سورة الشورى 30 وهو لا يمنع من ذلك ما يستحقه العبد اصلا ولا ~~يمنع الثواب الا اذا منع سببه وهو العمل الصالح فأما مع وجود السبب وهو ~~العمل الصالح فإنه من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ~~سورة طه 112 # وهو سبحانه المعطي المانع لا مانع لما اعطى ولا معطي لما منع لكن من على ~~الانسان بالايمان والعمل الصالح ثم لم يمنعه # PageV02P050 # موجب ذلك اصلا بل يعطيه من الثواب والقرب مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر وحيث منعه ذلك فلا يبقى سببه وهو العمل الصالح # ولا ريب انه يهدي من يشاء ويضل من يشاء لكن ذلك كله حكمة منه وعدل فمنعه ~~للأسباب التي هي الاعمال الصالحة من حكمته وعدله واما المسببات بعد وجود ~~اسبابها فلا يمنعها بحال الا اذا لم تكن اسبابا صالحة اما لفساد في العمل ~~واما السبب يعارض موجبه ومقتضاه فيكون لعدم المقتضى او لوجود المانع واذا ~~كان منعه وعقوبته من عدم الايمان والعمل الصالح ابتداء حكمة منه وعدل فله ~~الحمد في الحالين وهو المحمود على كل حال كل عطاء منه فضل وكل عقوبة منه ~~عدل # وهذا الموضع يغلط فيه كثير من الناس في تمثلهم بالاشعار وفي مواجيدهم ~~فإنهم يتمثلون بما يكون بين المحب والمحبوب والسيد والعبد من العباد من صدق ~~المحب والعبد في حبه واستفراغه وسعه وبحب المحبوب والسيد واعراضه وصده ~~كالبيت الذي # PageV02P051 # .. انشده حيث قال ... انا صب بمن هويت ولكن ... ما احتيالي لسوء راى ~~الموالي ... وفي معناه قالوا سقيم لا يعاد ومريد لا يراد ms245 # وهذا التمثيل يشعر بأن العبد صادق الارادة تام السعي وانما الاعراض من ~~المولى وهذا غلط بل كفر فإن الله يقول من تقرب الي شبرا تقربت منه ذراعا ~~ومن تقرب الى ذراعا تقربت اليه باعا ومن اتاني يمشي اتيته هروله وقد اخبر ~~انه من جاء بالحسنة فله عشر امثالها وانه يضاعفها سبعمائة ضعف ويضاعفها ~~اضعافا كثيرة واخبر انه من هم بحسنة كتبت له حسنة كاملة فإن عملها كتبت له ~~عشر حسنات الى سبعمائة ضعف الى اضعاف كثيرة ومن هم بسيئة لم تكتب عليه فإن ~~تركها لله كتبت له حسنة كاملة وان عملها لم تكتب عليه الا سيئة واحدة # وقال سبحانه {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} سورة محمد 17 # PageV02P052 # وقال {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} سورة طه ~~112 # وقال {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه} سورة الشورى 20 الى امثال ~~ذلك # فكيف يظن او يقال ان العبد يتقرب اليه كما يتقرب العبد والمحب الصادق الى ~~محبوبة وسيده وهو مع ذلك لا يقربه اليه ولا يتقرب منه بل يصده ويمنعه كما ~~يفعل ذلك المخلوق اما لبخله واما لتضرره واما لغير ذلك # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح انه قال لله اشد فرحا ~~بتوبة عبده من احدكم يرى راحلته اذا وجدها عليها طعامه وشرابه لن يكون ~~بتوبة التائب اعظم فرحا من الواجد لطعامه وشرابه ومركبه بعد الخوف المفضى ~~الى الهلاك كيف يتمثل له بالتجنى والصد والاعراض وسوء رأى الموالي وبحق ~~الله مما يفعله السادة بعبيدهم والمحبوب مع محبه وكيف يتمثل له بقولهم سقيم ~~لا يعاد ومريد لا يراد وهل في الصادقين مع الله سقيم لا يعاد وهل اراد الله ~~احد بصدق فلم يرده الله # PageV02P053 # وقد ثبت في صحيح مسلم ان الله يقول عبدي مرضت فلم تعدني قال رب كيف اعودك ~~وانت رب العالمين فيقول ان عبدي فلانا مرض فلم تعده اما انك لوعدته لوجدتني ~~عنده # والله قد اخبر انه من ms246 كان يريد حرث الاخرة نزد له في حرثه وقال ومن اراد ~~الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأؤلئك كان سعيهم مشكورا سورة الاسراء 19 # وفي الجملة فهذا الباب تكذيب بما وعده الله عباده الصالحين ونسبة الله ~~الى ما نزه نفسه عنه من ظلم العباد بإضاعة اعمالهم الصالحة بغير ذنب لهم ~~ولا عدوان وتمثيل لله بالسيد البخيل الظالم ونحوه واقامة لعذر النفس ونسبة ~~لها الى اقامة الواجب ففيه من الكبر والدعوى ما فيه # والحق الذي لا ريب فيه ان ذلك جميعه لا يكون الا لتفريط العبد وعدوانه ~~بأن لا يكون العمل الذي عمله صالحا او يكون له من السيئات ما يؤخر العبد ~~وإنما العبد ظالم جاهل يعتقد انه قد # PageV02P054 # اتى بما يستوجب كمال التقريب ولعل الذي اتى به انما يستوجب به اللعنة ~~والغضب بمنزلة من معه نقد مغشوش جاء ليشتري متاعا رفيعا فلم يبيعوه فظن ~~انهم ظلموه وهو الظالم وهو في ذلك شبيه بأحد ابني ادم اذ قربا قربانا فتقبل ~~من احدهما ولم يتقبل من الاخر قال لأقتلنك قال انما يتقبل الله من المتقين ~~سورة المائدة 27 # وعلى هذا الاصل تخرج حكاية عباس وامثالها فإنه لم يعين مطلوبه ومراده وما ~~العمل الذي عمله فقد طلب امرا ولم يأت بعمله الذي يصلح له واما كون الحق لم ~~يرد منه ان يصل الى مطلوبه فقد يكون لعدم استئهاله وقد يكون لتضرره لو حصل ~~له وكم ممن يتشوق الى الدرجات العالية التي لا يقدر ان يقوم بحقوقها فيكون ~~وصوله اليها وبالا في حقه # وهذا في امر الدنيا كما قال تعالى {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ~~فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه} سورة التوبة 75 77 # PageV02P055 # وغالب من يتعرض للمحن والابتلاء ليرتفع بها ينخفص بها لعدم ثباته في ~~المحن بخلاف من ابتلاه الحق ابتداء كما قال تعالى {ولقد كنتم تمنون الموت ~~من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ms247 تنظرون} سورة آل عمران 143 # وقال يا ايها الذين امنوا لم تقولون مالا تفلعون كبر مقتا عند الله ان ~~تقولوا مالا تفعلون سورة الصف 3 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم يا عبد الرحمن لا تسأل الامارة فانك ان ~~اعطيتها عن مسألة وكلت اليها وان اعطيتها عن غير مسألة اعنت عليها وقال اذا ~~سمعتم بالطاعون ببلد فلا تقدموا عليه واذا وقع بأرض وانتم بها فلا تخرجوا ~~فرارا منها # قال ابو القاسم واعلموا ان من سنة الحق مع اوليائه # PageV02P056 # انهم اذا ساكنوا غيرا او لاحظوا شيئا او ضاجعوا بقلبوهم شيئا شوش عليهم ~~ذلك فيغار على قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه فارغة عما ساكنوه # وقال سمعت السلمى يقول سمعت ابا زيد المروزي الفقيه يقول سمعت ابراهيم بن ~~سنان سمعت محمد بن حسان يقول بينما انا ادور في جبل لبنان اذ خرج علينا رجل ~~شاب قد احرقته السموم والرياح فلما نظر الى ولى هاربا فتبعته وقلت له تعظنى ~~بكلمة فقال احذروه فإنه غيور لا يحب ان يرى في قلب عبده سواه # PageV02P057 # وقال سمعت السلمى يقول سمعت النصراباذي يقول الحق غيور ومن غيرته انه لم ~~يجعل اليه طريقا سواه # قلت هذه الغيرة تدخل في الغيرة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم اذ ~~قال غيرة الله ان يأتي المؤمن ما حرم عليه واعظم الذنوب ان تجعل لله ندا ~~وهو خلقك وتجعل معه الها اخر والشرك منه جليل ومنه دقيق فالمقتصدون قاموا ~~بواجب التوحيد والسابقون المقربون قاموا بمستحبه مع واجبه ولا شيء احب الى ~~الله من التوحيد ولا شيء ابغض اليه من الشرك ولهذا كان الشرك غير مغفور بل ~~هو اعظم الظلم # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تفيئها ~~الرياح تارة تميلها وتعدلها اخرى ومثل المنافق كمثل شجرة الارز لا تزال ~~ثابته على اصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة # PageV02P058 # فالله تعالى يبتلى عبده المؤمن ليطهره من الذنوب والمعايب ومن رحمته ~~بعبده المخلص ان يصرف عنه ما يغار عليه ms248 منه كما قال تعالى {كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} سورة يوسف 24 وكما قال {إنه ليس له ~~سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} سورة النحل 99 فاذا صرف عنه ما ~~يغار عليه منه كان ذلك من رحمته به واصطفائه اياه وان كان في ذلك مشقة عليه ~~فهو تارة يمنعه مما يكرهه له وتارة ليطهره منه بالابتلاء فاذا كان يغار من ~~ذلك فاذا فعل العبد ما يغار عليه فقد يعاقبه على ذلك بقدر ذنبه # كما قال ابو القاسم وحكى عن السري انه قال كنت اطلب رجلا صديقا مرة من ~~الاوقات فمررت في بعض الجبال فإذا انا بجماعة زمنى ومرضى وعميان فسألت عن ~~حالهم فقالوا ها هنا رجل يخرج في السنة مرة فيدعو لهم فيجدون # PageV02P059 # الشفاء فصبرت حتى خرج ودعا لهم فوجدوا الشفاء فقفوت اثره وتعلقت به وقلت ~~له بي علة باطنة فما دواؤها فقال يا سري خل عني فإنه غيور لا يراك تساكن ~~غيره فتسقط من عينه # وهذا من قوله تعالى {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا} سورة ~~الاسراء 22 # وقوله {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين} سورة الشعراء 213 # وقوله {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به ~~الريح في مكان سحيق} سورة الحج 31 # وقوله ولقد اوحى اليك والى الذين من قبلك لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن ~~من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين سورة الزمر 65 66 # وقوله {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما ~~كانوا يعملون} سورة الانعام 88 # وقوله {فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين} يوسف 42 # PageV02P060 # واما مقام الرجل وامثاله في ذلك الزمان بجبل لبنان فان جبل لبنان ونحوه ~~كان ثغرا للمسلمين لكونه بساحل البحر مجاورا للنصارى بمنزلة عسقلان ~~والاسكندرية وغيرهما من الثغور وكان صالحو المسلمين يقيمون بالثغور للرباط ~~في سبيل الله وما ورد من الاثار في فضل هذه ms249 البقاع فلفضل الرباط في سبيل ~~الله واما بعد غلبة النصارى عليها والقرامطة والروافض فلم يبق فيها فضل ~~وليس به في تلك الاوقات احد من الصالحين ولا يشرع في ديننا سكنى البوادي ~~والجبال الا عند الفرار من الفتن اذ كان المقيم بالمصر يلجأ اليها عند ~~الفتنة في دينه فيهاجر الى حيث لا يفتن فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ~~وقد بسطنا هذا في غير الموضع # قلت فقد ظهر انهم يعنون بغيرة الحق نحو ما وصف به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ان من غيرته على عبده ان يأتي محارمه فيدخلون في ذلك ما لا يحبه من ~~فضول المباح وقد يعنون بها غيرته على مواجده وعطاياه التي لأوليائه ان ~~يضعها في غير محلها فجعلوا الغيرة تارة في امره ونهيه وتارة في قضائه وقدره # PageV02P061 # واما الغيرة من اهل الطريق فقد يعني بها المعنى الشرعي وهو ان يغار ~~المؤمن ان تنتهك محارم الله ويدخلون في ذلك اباء المقربين من غيرتهم ان ~~يكون الشيء من امورهم لغير الله وذلك قد يعني بها ان يغار الانسان على محاب ~~الحق ومرضاته ان تكون في غير محلها وهذا قريب # وقد يعني بها ان يغار الانسان ان يشاركه غيره في طريق الحق ومواهبه ويكون ~~هذا حسدا واستكبارا وشبها بغيرة الضرائر على الرجل او غيره الفحول على ~~الانثى # وقد يعني بها ان يغار على الحق ان يذكره احد او ان يعرفه احد او ان ينظر ~~اليه احد كما يغار الانسان على محبوبه العزيز عنده # كما تقدم عن الشبلي وكما حكاه عن بعضهم قال قيل لبعضهم اتريد ان تراه ~~فقال لا قيل ولم قال انزه وذلك الجمال عن نظر مثلى # PageV02P062 # قال وفي المعنى انشدوا ... اني لأحسد ناظري عليكا ... حتى اغض اذا نظرت ~~اليكا # واراك تخطر في شمائلك التي ... هي فتنتي فأغار منك عليكا ... # وكما ذكر في باب المحبة فقال سمعت الشيخ ابا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت ~~منصور بن عبد الله يقول سمعت الشبلي يقول المحبة ان تغار على ms250 المحبوب ان ~~يحبه مثلك # وهذا ايضا وجه فاسد جدا وهو جهل بالله وبما يستحقه وتشبيه له بالمحبوب من ~~البشر وظن من هذا القائل انه اذا رأى الله حصل بذلك نقص في حق الله او ضرر ~~عليه فان الانسان انما يغار على محبوبه مما فيه عليه ضرر او علي المحب فيه ~~ضرر فيغار من الشركة لما فيه من الضرر وقد يغار عليه من نفسه لاستشعاره به ~~ان ذلك نقص وذلك كله محال في حق الله # PageV02P063 # ومن قال هذا قد يقول اغار عليه من ان احبه ومثلى لا يصلح ان يعبده وانما ~~اعبد من يعبده ونحو ذلك مما زينه الشيطان للمشركين واهل الضلال وذلك انهم ~~قد يدخلون في غيرة الله منعه لمواهبه وعطاياه من الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتقربوا اليه بأصناف القربات كما قد يمنع السيد والمحبوب عبيده ~~ومحبيه ما يستحقونه وهذا ايضا جهل بالله وتكذيب بوعده وتجوير له وتزكية ~~لنفوسهم وهو باطل # وفي الجملة فالغيرة المحمودة اما ترك ما نهى الله عنه او ترك ما لم يأمر ~~الله به ولا اوجبه ومن لم يكن فيه احد الحالين فهو ممن فسق عن امر ربه ~~والثانية حال الكمل الصادقين # فأما الغيرة على ما لم يحرمه او على ما اباحه الله لعباده ان يفعلوه وهو ~~لا يكرهه ولا يسخطه فهو مذموم كله كما تقدم # PageV02P064 # فهذه الغيرة الاصطلاحية من مدحها مطلقا فقد أخطأ ومن ذمها مطلقا فقد أخطأ ~~والصواب ان يحمد منها ما حمده الله ورسوله ويذم منها ما ذمه الله ورسوله ~~وهذا يقع كثيرا للسالكين في هذا الخلق وغيره فإنه يلبس الحق بالباطل ولهذا ~~السبب ينكر كثير من الناس مثل هذا الطريق لما فيه من لبس الحق بالباطل ~~والآخرون يعظمونه لما فيه من الحق والصواب الفرقان {ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور} سورة النور 40 ### | فصل فيما ذكره الاستاذ ابو القاسم القشيري في باب الرضا عن الشيخ ابي # سليمان الداراني رحمه الله انه قال الرضا ان لا تسأل الله الجنة ms251 ولا ~~تستعيذ به من النار # PageV02P065 # فان الناس تنازعوا في هذا الكلام فمنهم من انكره ومنهم من قبله والكلام ~~على هذا الكلام من وجهين # أحدهما من جهة ثبوته عن الشيخ ابي سليمان والثاني من جهة صحته في نفسه ~~وفساده # اما المقام الاول فينبغي ان يعلم ان الاستاذ ابا القاسم القشيري لم يذكره ~~عن الشيخ ابي سليمان بإسناد وانما ذكره مرسلا عنه في رسالته عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم والصحابة والتابعين والمشايخ وغيرهم تارة يذكره بإسناد ~~وتارة يذكره مرسلا وكثيرا ما يقول في الرسالة وقيل عنه كذا ثم الذي يذكره ~~الاستاذ ابو القاسم [بالإسناد] تارة يكون اسناده صحيحا وتارة يكون ضعيفا بل ~~موضوعا وما يذكره مرسلا ومحذوفا # PageV02P066 # لقائل اولى وهذا كما يوجد [ذلك] في مصنفات الفقهاء فإن فيها من الاحاديث ~~والآثار ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع فالموجود في كتب ~~الرقائق والتصوف من الاثار المنقولة فيها الصحيح وفيها الضعيف وفيها ~~الموضوع # وهذا امر متفق عليه بين جميع المسلمين لا يتنازعون في ان هذه الكتب فيها ~~هذا وفيها هذا بل نفس الكتب المصنفة في الحديث والاثار فيها هذا وهذا وكذلك ~~الكتب المصنفة في التفسير فيها هذه وهذا مع ان اهل الحديث اقرب الى معرفة ~~المنقولات وفي كتبهم هذا وهذا فكيف غيرهم # والمصنفون قد يكونون أئمة في الفقه او التصوف او الحديث ويروون هذا تارة ~~لأنهم لم يعلموا انه كذب وهو الغالب على اهل الدين فإنهم لا يحتجون بما ~~يعلمون انه كذب وتارة # PageV02P067 # يذكرونه وان علموا انه كذب اذ قصدهم رواية ما روى في ذلك الباب # ورواية الاحاديث المكذوبة مع بيان انها كذب جائز واما روايتها مع الإمساك ~~عن ذلك رواية عمل فإنه حرام عند العلماء لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم انه قال من حدث عني بحديث وهو يرى انه كذب فهو احد الكاذبين # وقد فعل ذلك كثير من العلماء متأولين انهم لم يكذبوا وانما نقلوا ما رواه ~~غيرهم وهذا يسهل اذ رووه ms252 ليعرف انه # PageV02P068 # روى لا لأجل العمل به والاعتماد عليه # والمقصود هنا ان ما يوجد في الرسالة وامثالها من كتب الفقه والتصوف ~~والحديث من المنقولات عن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من السلف فيه ~~الصحيح وفيه الضعيف وفيه الموضوع فالصحيح الذي قامت الدلالة على صدقه ~~والموضوع الذي قامت الدلالة على كذبه عليها ولا يحتج بها فإن الضعف ظاهر ~~عليها وإن كان هو لا يتعمد واما لاتهامه ولكن يمكن ان يكون صادقا فيه فإن ~~الفاسق قد يصدق والغالط قد يحفظ # وغالب ابواب الرسالة فيه الاقسام الثلاثة ومن ذلك باب الرضا فإنه ذكر فيه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحا في اثناء الباب وهو حديث العباس ~~بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ذاق طعم # PageV02P069 # الايمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا # وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه وان كان الاستاذ لم يذكر ان مسلما رواه ~~لكن رواه بإسناد صحيح وذكر في اول هذا الباب حديثا ضعيفا بل موضوعا وهو ~~حديث جابر الطويل الذي رواه من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن ~~المنكدر عن جابر فهو وان كان اول حديث ذكره في الباب فإن حديث الفضل بن ~~عيسى من اوهى الاحاديث واسقطها ولا نزاع بين الائمة انه لا يعتمد عليها ولا ~~يحتج بها فإن الضعف ظاهر عليها وان كان هو لا يعتمد الكذب فإن كثيرا من ~~الزهاد # PageV02P070 # والفقهاء لا يحتج بحديثهم لسوء الحفظ لا لاعتماد الكذب وهذا الرقاشي ~~اتفقوا على ضعفه كما يعرف ذلك ائمة هذا الشأن حتى قال ايوب السختياني لو ~~ولد فضل اخرس لكان خيرا له وقال سفيان بن عيينة لا شيء وقال الامام احمد ~~والنسائي هو ضعيف وقال يحيى بن معين رجل سوء وقال ابو حاتم وابو زرعة منكر ~~الحديث # وكذلك ما ذكره من الاثار فانه قد ذكر اثارا حسنة بأسانيد حسنه مثل ما ~~رواه عن الشيخ ابي سليمان الداراني انه قال اذا سلا العبد عن الشهوات فهو ~~راض ms253 فإن هذا رواه عن شيخه ابي # PageV02P071 # عبد الرحمن السلمي بإسناده والشيخ ابو عبد الرحمن كانت له عناية بجمع ~~كلام هؤلاء المشايخ وحكاياتهم وصنف في الاسماء كتاب الطبقات طبقات الصوفية ~~وكتاب زهاد السلف وغير ذلك وصنف في الابواب كتاب مقامات الاولياء وغير ذلك ~~ومصنفاته تشتمل على الاقسام الثلاثة # وذكر عن الشيخ ابي عبد الرحمن انه قال سمعت النصراباذي يقول من اراد ان ~~يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه # فإن هذا الكلام في غاية الحسن فإنه من لزم ما يرضى الله من امتثال اوامره ~~واجتناب نواهيه لا سيما اذ قام بواجبها ومستحبها # PageV02P072 # يرضي الله عنه كما انه من لزم محبوبات الله احبه الله كما في الحديث ~~الصحيح الذي رواه البخاري من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب ~~الي عبدي بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب الى بالنوافل حتى ~~احبه فإذا احببته الحديث # وذلك ان الرضا نوعان احدهما الرضا بفعل ما امر به وترك ما نهى عنه ~~ويتناول ما اباحه الله من غير تعد الى المحظور # كما قال تعالى {والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين} سورة التوبة ~~62 وقال تعالى {ولو أنهم رضوا ما} # PageV02P073 # {آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا ~~إلى الله راغبون} سورة التوبة 59 فهذا الرضا واجب # وكذلك ذم من تركه بقوله {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا ~~وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} سورة التوبة 58 # والنوع الثاني الرضا بالمصائب كالفقر والمرض والذل فهذا الرضا مستحب في ~~احد قولي العلماء وليس بواجب وقد قيل انه واجب والصحيح ان الواجب هو الصبر ~~كما قال الحسن البصري رحمه الله الرضا عزيز ولكن الصبرمعول المؤمن # وقد روى في حديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له ان استطعت ~~ان تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل # PageV02P074 # فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا # واما الرضا بالكفر والفسوق ms254 والعصيان فالذي عليه ائمة الدين انه لا يرضى ~~بذلك فإن الله لا يرضاه كما قال تعالى {ولا يرضى لعباده الكفر} سورة الزمر ~~7 # وقال {والله لا يحب الفساد} سورة البقرة 205 # وقال تعالى {فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} سورة ~~التوبة 96 # وقل تعالى فجزاؤه حهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه واعد له عذابا ~~عظيما سورة النساء: 93 # وقال {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} سورة ~~محمد 28 # PageV02P075 # وقال {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي ~~حسبهم} سورة التوبة 68 # وقال {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} ~~سورة المائدة 80 # وقال {فلما آسفونا انتقمنا منهم} سورة الزخرف 55 # فإذا كان الله سبحانه لا يرضى لهم ما عملوه بل يسخطه ذلك وهو يسخط عليهم ~~ويغضب عليهم فكيف يسوغ للمؤمن ان يرضى ذلك وان لا يسخط ويغضب لما يسخط الله ~~ويغضبه # وانما ضل هنا فريقان من الناس قوم من اهل الكلام المنتسبين الى السنة في ~~مناظرة القدرية ظنوا ان محبة الحق ورضاه وغضبه وسخطه يرجع الى ارادته وقد ~~علموا انه مريد لجميع الكائنات # PageV02P076 # خلافا للقدرية وقالوا هو ايضا محب لها مريد لها ثم اخذوا يحرفون الكلم عن ~~مواضعه فقالوا لا يحب الفساد بمعنى لا يريد الفساد أي لا يريده للمؤمنين ~~ولا يرضى لعباده الكفر بمعنى لا يريده أي لا يريده للمؤمنين # وهذا غلط عظيم فإن هذا عندهم بمنزلة ان يقال لا يحب الايمان ولا يرضى ~~لعباده الايمان بمعنى لا يريده للكافرين ولا يرضاه للكافرين # وقد اتفق اهل الاسلام على ان ما امر الله به فإنه يكون مستحبا يحبه ثم قد ~~يكون مع ذلك واجبا وقد يكون مستحبا ليس بواجب سواء فعل او لم يفعل والكلام ~~على هذا مبسوط في غير هذا الموضع # والفريق الثانى من غالطي المتصوفة شربوا من هذه العين فشهدوا ان الله رب ~~الكائنات جميعها وعلموا انه قدر كل # PageV02P077 # شيء وشاءه ms255 وظنوا انهم لا يكونون راضين حتى يرضوا بكل ما يقدره الله ~~ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان حتى قال بعضهم المحبة نار تحرق من القلب ~~كل ما سوى مراد المحبوب قالوا والكون كله مراد المحبوب وضل هؤلاء ضلالا ~~عظيما حيث لم يفرقوا بين الارادة الدينية والكونية والاذن الديني والكوني ~~والامر الديني والكوني والبعث الكوني والديني والارسال الكوني والديني كما ~~بسطناه في غير هذا الموضع # وهؤلاء يؤول بهم الامر الى ان لا يفرقوا بين المحظور والمأمور واولياء ~~الله واعداء الله والانبياء والمتقين ويجعلون الذين امنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الارض ويجعلون المتقين كالفجار ويجعلون المسلمين كالمجرمين ~~ويعطلون الامر والنهي والوعد والوعيد والشرائع # وربما سموا هذا حقيقة ولعمري انه حقيقة كونية لكن هذه # PageV02P078 # الحقيقة الكونية قد عرفها عباد الاصنام كما قال تعالى ولئن سألتهم من خلق ~~السموات والارض ليقولن الله سورة لقمان 25 وقال {قل لمن الأرض ومن فيها إن ~~كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون} الايات سورة المؤمنون 84 85 # فالمشركون الذين يعبدون الاصنام كانوا مقرين بان الله خالق كل شيء وربه ~~ومليكه فمن كان هذا منتهى تحقيقه كان غايته ان يكون كعباد الاصنام # والمؤمن انما فارق الكفر بالإيمان بالله وبرسله وبتصديقهم فيما اخبروا ~~وطاعتهم فيما امروا واتباع ما يرضاه الله ويحبه دون ما يقضيه ويقدره من ~~الكفر والفسوق والعصيان ولكن يرضى بما اصابه من المصائب لا بما فعله من ~~المعايب فهو من الذنوب يستغفر وعلى المصائب يصبر # كما قال تعالى فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذبنك # PageV02P079 # سورة غافر 55 فيجمع بين طاعة الامر والصبر على المصائق كما قال تعالى ~~{وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} سورة ال عمران 120 # وقال تعالى {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} سورة ال عمران 186 # وقال يوسف عليه السلام {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} ~~سورة يوسف 90 # والقصد هنا ان ما ذكره القشيري عن النصراباذي من احسن الكلام حيث قال من ~~اراد ان يبلغ محل ms256 الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه # وكذلك قول الشيخ ابي سليمان اذا سلا البعد عن الشهوات فهو راض وذلك ان ~~العبد انما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها فاذا لم يحصل ~~سخط فاذا سلا عن شهوات # PageV02P080 # نفسه رضي بما قسم الله له من الرزق # وكذلك ما ذكره عن الفضيل بن عياض انه قال لبشر الحافي الرضا افضل من ~~الزهد في الدنيا لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته كلام حسن لكن اشك في سماع ~~بشر الحافي من الفضيل # وكذلك ما ذكره معلقا قال وقيل قال الشبلي بين يدي الجنيد لا حول ولا قوة ~~الا بالله فقال الجنيد قولك ذا ضيق صدر وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء فإن ~~هذا من احسن الكلام # وكان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة ومن احسنهم تعليما وتأديبا وتقويما ~~وذلك ان هذه الكلمة هي كلمة استعانة لا كلمة استرجاع وكثير من الناس يقولها ~~عند المصائب بمنزلة الاسترجاع ويقولها جزعا لا صبرا # PageV02P081 # فالجنيد انكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها اذ كانت حالا ينافي الرضا ~~ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه # وفيما ذكره آثار ضعيفة مثل ما ذكره معلقا قال وقيل قال موسى الهي دلني ~~على عمل اذا عملته رضيت عني فقال انك لا تطيق ذلك فخر موسى ساجدا متضرعا ~~فأوحى الله اليه يا ابن عمران رضائي في رضائك عني # فهذه الحكاية الاسرائيلية فيها نظر فإنه قد يقال لا يصلح ان يحكى مثلها ~~عن موسى عليه السلام ومعلوم ان هذه الاسرئيليات ليس لها اسناد ولا تقوم بها ~~حجة في شيء من الدين الا اذا كانت منقوله لنا نقلا صحيحا مثل ما ثبت عن # PageV02P082 # نبينا صلى الله عليه وسلم انه حدثنا به عن بني اسرائيل ولكن منه ما يعلم ~~كذبه مثل هذه فإن موسى عليه السلام من أعظم اولى العزم واكابر المرسلين ~~فيكف يقال انه لا يطيق ان يعمل ما يرضي الله به عنه والله تعالى رضي عن ~~السابقين الاولين من المهاجرين والانصار ms257 والذين اتبعوهم بإحسان افلا يرضى ~~عن موسى بن عمران كليم الرحمن # وقال تعالى ان الذين امنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية جزاؤهم ~~عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الانهارخ الدين فيها ابدا رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه سورة البينة 867 ومعلوم ان موسى عليه السلام من افضل الذين امنوا ~~وعملوا الصالحات # PageV02P083 # ثم ان الله خص موسى بمزية فوق الرضا حيث قال {وألقيت عليك محبة مني ~~ولتصنع على عيني} سورة طه 39 # ثم ان قوله له في الخطاب يا ابن عمران يخالف ما ذكره الله من خطابه له في ~~القرآن حيث قال يا موسى وذلك الخطاب فيه نوع غض منه كما يظهر # ومثل ما ذكره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه كتب لأبي موسى الاشعري ~~اما بعد فإن الخير كله في الرضا فإن استطعت ان ترضى والا فاصبر فهذا الكلام ~~كلام حسن وان لم يعلم اسناده # واذا تبين ان فيما ذكره مسندا ومرسلا ومعلقا ما هو صحيح فهذه الكلمة لم ~~يذكرها عن ابي سليمان الا مرسلة وبمثل ذلك لا تثبت عن ابي سليمان باتفاق ~~الناس فإنه وان قال بعض الناس ان المرسل حجة فهذا لم يعلم ان المرسل هو مثل ~~الضعيف وغير # PageV02P084 # الضعيف فأما اذا عرف ذلك فلا تبقى حجة باتفاق العلماء كمن علم انه تارة ~~يحفظ الاسناد وتارة يغلط فيه # والكتب المسندة في اخبار هؤلاء المشايخ وكلامهم مثل كتاب حلية الاولياء ~~لأبي نعيم وطبقات الصوفية للشيخ ابي عبد الرحمن وصفوة الصفوة لابن الجوزي ~~وامثال ذلك لم يذكروا فيها هذه الكلمة عن الشيخ ابي سليمان وقد ذكروا فيها ~~عن الشيخ ابي سليمان الاثر الذي رواه عنه مسندا حيث قال لاحمد دبن ابي ~~الحواري يا احمد لقد اوتيت من الرضا نصيبا لو القاني في النار لكنت بذلك ~~راضيا # فهذا الكلام مأثور عن ابي سليمان بالإسناد ولهذا اسنده عنه القشيري من ~~طريق شيخه ابي عبد الرحمن بخلاف تلك الكلمة فإنها لم تسند عنه فلا اصل لها ~~عن الشيخ ابي ms258 سليمان # PageV02P085 # ثم ان القشيري قرن هذه الكلمة الثابتة عن ابي سليمان بكلمة احسن منها ~~فإنه قبل ان يرويها قال وسئل ابو عثمان يعني ابا عثمان الحيري النيسابوري ~~عن قول النبي صلى الله عليه وسلم أسألك الرضا بعد القضاء فقال لأن الرضا ~~بعد القضاء هو الرضا فهذا الذي قاله الشيخ ابو عثمان كلام حسن سديد # ثم اسند بعد هذا عن الشيخ ابي سليمان انه قال ارجو ان اكون عرفت طرفا من ~~الرضا لو انه ادخلني النار لكنت بذلك راضيا # فتبين بذلك ان ما قاله ابو سليمان ليس هو رضى وانما هو عزم # PageV02P086 # على الرضا وانما الرضا ما يكون بعد القضاء واذا كان هذا عزما على الرضا ~~فالعزم قد يدوم وقد ينفسخ وما اكثر انفساخ عزائم الناس خصوصا الصوفية ولهذا ~~قيل لبعضهم بم عرفت الله قال بفسخ العزائم ونقض الهمم # وقد قال تعالى لمن هو افضل من هؤلاء المشايخ {ولقد كنتم تمنون الموت من ~~قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} سورة آل عمران 143 # وقال تعالى يا ايها الذين امنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله ~~ان تقولوا مالا تفعلون ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص سورة الصف 42 # وفي الترمذي ان بعض الصحابة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو علمنا أي ~~العمل احب الى الله لعملناه فأنزل الله هذه الاية # PageV02P087 # وقد قال تعالى {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله ~~أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} ~~الاية سورة النساء 77 فهؤلاء الذين كانوا قد عزموا على الجهاد واحبوه لما ~~ابتلوا به كرهوه وفروا منه واين الم الجهاد من الم النار وعذاب الله الذي ~~لا طاقة لأحد به # مثل هذا يذكر عن سمنون المحب انه كان يقول ... وليس لي في سواك حظ ... ~~فكيف ما شئت فاختبرني ... # فأخذه الاسر من ms259 ساعته أي حصر بوله فكان يدور على المكاتب ويفرق الجوز على ~~الصبيان ويقول ادعوا لعمكم الكذاب # وحكى ابو نعيم الاصبهاني عن ابي بكر الواسطي انه # PageV02P088 # قال قال سمنون يا رب قد رضيت بكل ما تقضيه على فاحتبس بوله اربعة عشر ~~يوما فكان يتلوى كما تتلوى الحية على الرمل يتلوى يمينا وشمالا فلما اطلق ~~بوله قال يا رب تبت اليك # قال ابو نعيم فهذا الرضا الذي ادعى سمنون ظهر غلطه فيه بأدنى بلوى هذا مع ~~ان سمنون كان يضرب به المثل في المحبة وله مقام مشهور حتى روى عن ابراهيم ~~بن فاتك انه قال رأيت سمنونا يتكلم على الناس في المسجد الحرام فجاء طائر ~~صغير فقرب منه ثم قرب فلم يزل يدنو منه # PageV02P089 # حتى جلس على يده ثم لم يزل يضرب بمنقاره الارض حتى سقط منه دم ومات ~~الطائر # قال ورأيته تكلم يوما في المحبة فاصطفقت قناديل المسجد وكسر بعضها بعضا # وقد ذكر القشيري في باب الرضا عن رويم المقري رفيق سمنون حكاية تناسب هذا ~~حيث قال قال رويم الرضا ان لو جعل جهنم عن يمينه ما سأل الله ان يحولها عن ~~يساره فهذا يشبه قول سمنون فكيف ما شئت فامتحني واذا لم يطق الصبر على عسر ~~البول افيطيق ان تكون جهنم عن يمنيه # PageV02P090 # والفضيل بن عياض كان اعلى طبقة من هؤلاء وابتلى بعسر البول فغلبه الالم ~~حتى قال بحبي لك الا فرجت عني فانفرج عنه # ورويم وان كان من رفقاء الجنيد فليس هو عندهم من هذه الطبقة بل الصوفية ~~يقولون انه رجع الى الدنيا وترك التصوف حتى روى عن جعفر الخلدي صاحب الجنيد ~~انه قال من اراد ان يستكتم سرا فليفعل كما فعل رويم كتم حب الدنيا اربعين ~~سنة فقيل وكيف يتصور ذلك قال ولى اسماعيل بن اسحاق القاضي قضاء بغداد وكانت ~~بينهما مودة اكيدة فجذبه اليه وجعله وكيلا على بابه فترك لبس التصوف ولبس ~~الخز والقصب والديبقى وأكل الطيبات وبنى الدور واذا هو كان يكتم حب الدنيا ~~ما لم ms260 يجدها فلما وجدها اظهر ما كان يكتم من حبها هذا مع انه رحمه الله كان ~~له من العبادات ما هو معروف وكان فقيها على مذهب داود # PageV02P091 # وهذه الكلمات التي تصدر عن صاحب حال لم يفكر في لوازم اقواله وعواقبها لا ~~تجعل طريقة ولا تتخذ سبيلا ولكن قد يستدل بها على ما لصاحبها من الرضا ~~والمحبة ونحو ذلك وما معه من التقصير في معرفة حقوق الطريق وما يقدر عليه ~~من التقوى والصبر وما لا يقدر عليه من التقوى والصبر # والرسل صلوات الله عليهم اعلم بطريق سبيل الله واهدى وانصح فمن خرج عن ~~سنتهم وسبيلهم كان منقوصا مخطئا محروما وان لم يكن عاصيا او فاسقا او كافرا # ويشبه هذا الاعرابي الذي دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مريض ~~كالفرخ فقال هل كنت دعوت الله بشيء فقال كنت اقول اللهم ما كنت معذبي به في ~~الاخرة فعجله لي في الدنيا فقال سبحان الله لا تستطيعه او لا تطيقه هلأ قلت ~~ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار # PageV02P092 # فهذا ايضا حمله خوفه من عذاب الاخرة ومحبته لسلامة عاقبته على ان يطلب ~~تعجيل ذلك في الدنيا وكان مخطئا في ذلك غالطا والخطأ والغلط مع حسن القصد ~~وسلامته وصلاح الرجل وفضله ودينه وزهده وورعه وكراماته كثير جدا فليس من ~~شرط ولي الله ان يكون معصوما من الخطأ والغلط بل ولا من الذنوب # وافضل اولياء الله بعد الرسل ابو بكر الصديق رضي الله عنه وقد ثبت في ~~الصحيح ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما عبر رؤيا اصبت بعضا وأخطأت ~~بعضا # ويشبه والله اعلم ان ابا سليمان لما قال هذه الكلمة لو القاني في النار ~~لكنت بذلك راضيا ان يكون بعض الناس حكاه بما # PageV02P093 # فهمه من المعنى انه قال الرضا ان لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من ~~النار # وتلك الكلمة التي قالها ابو سليمان مع انها لا تدل على رضاه بذلك ولكن ~~تدل على عزمة بالرضا بذلك ونحن ms261 نعلم ان ذلك العزم لا يستمر بل ينفسخ وان ~~مثل هذه الكلمة كان تركها احسن من قولها وانها مستدركة كما استدركه دعوى ~~سمنون ورويم وغير ذلك فإن بين هذه الكلمة وبين تلك فرقا عظيما فان تلك ~~الكلمة مضمونها ان من سأل الله الجنة واستعاذه من النار لا يكون راضيا وفرق ~~بين من يقول انا اذا فعل بي كذا كنت راضيا وبين من يقول لا يكون راضيا الا ~~من لا يطلب خيرا ومن لا يهرب من شر # وبهذا وغيره يعلم ان الشيخ ابا سليمان كان اجل من ان # PageV02P094 # يقول مثل هذا الكلام فإن الشيخ ابا سليمان من اجلاء المشايخ وساداتهم ومن ~~اتبعهم للشريعة حتى انه كان يقول انه ليمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا ~~اقبلها الا بشاهدين الكتاب والسنة فمن لا يقبل نكت قلبه الا بشاهدين يقول ~~مثل هذا الكلام # وقال الشيخ ابو سليمان ايضا ليس لمن ألهم شيئا من الخير ان يفعله حتى ~~يسمع فيه بأثر فإذا سمع فيه بأثر كان نورا على نور بل صاحبه احمد بن ابي ~~الحواري كان من اتبع المشايخ للسنة فكيف ابو سليمان # وتمام تزكية ابي سليمان من هذا الكلام يظهر بالكلام في المقام الثاني وهو ~~قول القائل كائنا من كان الرضا ان لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار ~~ونقدم قبل ذلك مقدمة يتبين # PageV02P095 # بها اصل ما وقع في مثل هذه الكلمات من الاشتباه والاضطراب وذلك ان قوما ~~كثيرا من الناس من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة وغيرهم ظنوا ان الجنة ليست ~~إلا التنعم بالمخلوق من اكل وشرب ولباس ونكاح وسماع اصوات طيبة وشم روائح ~~طيبة ولم يدخلوا في مسمى الجنة نعيما غير ذلك ثم صاروا حزبين حزبا انكروا ~~ان يكون للعباد نعيم غير تنعمهم بهذه الامور المخلوقة واشباهها ثم من هؤلاء ~~من انكر ان يكون المؤمنون يرون ربهم كما ذهب الى ذلك الجهمية من المعتزلة ~~وغيرهم # ومنهم من اقر بالرؤية اما الرؤية التي اخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ~~كما هو مذهب ms262 اهل السنة والجماعة واما برؤية فسرها بزيادة كشف او علم او ~~جعلها بحاسة سادسة ونحو # PageV02P096 # ذلك من الاقوال التي ذهب اليها ضرار بن عمرو وطوائف من اهل الكلام ~~المنتسبين الى نصر اهل السنة في مسألة الرؤية وان كان ما يثبتونه من جنس ما ~~نفته المعتزلة والضرارية والنزاع بينهم لفظي ونزاعهم مع اهل السنة معنوي ~~ولهذا كان بشر المريسي وامثاله يفسرون الرؤية بنحو من تفسير هؤلاء # والمقصود هنا ان مثبتة الرؤية منهم من انكر ان يكون المؤمن ينعم بنفس ~~رؤيته ربه قالوا لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم كما ذكر ذلك الاستاذ ~~ابو المعالي الجويني في الرسالة النظامية وكما ذكره ابو الوفاء بن عقيل في ~~بعض كتبه # PageV02P097 # ونقلوا عن ابن عقيل انه سمع قائلا يقول أسألك لذة النظر الى وجهك فقال يا ~~هذا هب ان له وجها اله وجه يتلذذ بالنظر اليه # وذكر ابو المعالي ان الله يخلق لهم نعيما ببعض المخلوقات مقارنا للرؤية ~~فأما التنعم بنفس الرؤية فأنكره وجعل هذا من اسرار التوحيد # واكثر مثبتي الرؤية يقرون بتنعم المؤمنين برؤية ربهم وهو مذهب سلف الامة ~~وأئمتها ومشايخ الطريق # PageV02P098 # كما جاء في الحديث الذي رواه النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق احيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني ~~اذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم اني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك ~~كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ~~ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد ~~الموت وأسألك لذة النظر الى وجهك وأسألك الشوق الى لقائك في غير ضراء مضرة ~~ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين # وفي صحيح مسلم وغيره عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا دخل ~~اهل الجنة الجنة ناد مناد يا اهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد ان ~~ينجزكموه فيقولون ما هو الم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ~~ويجرنا ms263 من النار قال # PageV02P099 # فيكشف الحجاب فينظرون اليه فما اعطاهم شيئا احب اليهم من النظر اليه # وكلما كان الشيء احب كانت اللذة بنيله اعظم وهذا متفق عليه بين السلف ~~والائمة ومشايخ الطريق كما روى عن الحسن البصري انه قال لو علم العابدون ~~انهم لا يرون ربهم في الاخرة لذابت نفوسهم في الدينا شوقا اليه وكلامهم في ~~ذلك كثير # ثم هؤلاء الذين وافقوا السلف والائمة والمشايخ على التنعم بالنظر الى ~~الله تعالى وتنازعوا في مسألة المحبة التي هي اصل ذلك فذهب طوائف من ~~المتكلمين والفقهاء الى ان الله لا تحب نفسه وانما المحبة محبة طاعته ~~وعبادته وقالوا هو ايضا لا يحب عباده المؤمنين وانما محبته ارادته للإحسان ~~اليهم ولإثابتهم # ودخل في هذا القول من انتسب الى نصر السنة من اهل # PageV02P100 # الكلام حتى وقع فيه طائفة من اصحاب مالك والشافعي واحمد كالقاضي ابي بكر ~~والقاضي ابي يعلى وابي المعالي الجويني وامثال هؤلاء وهذا في الحقيقة شعبة ~~من التجهم والاعتزال فإن اول من انكر المحبة في الاسلام الجعد بن درهم ~~استاذ الجهم بن صفوان # PageV02P101 # فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال ايها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم ~~فإني مضح بالجعد بن درهم انه زعم ان الله لم يتخذ ابراهيم خليلا ولم يكلم ~~موسى تكليما ثم نزل فذبحه # والذي دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الامة وأئمتها وجميع مشايخ ~~الطريق ان الله يحب ويحب ولهذا وافقهم على ذلك من تصوف من اهل الكلام كأبي ~~القاسم القشيري وابي حامد الغزالي وامثالهما ونصر ذلك ابو حامد في الاحياء ~~وغيره وكذلك ابو القاسم ذكر ذلك في الرسالة على طريق الصوفية كما في كتاب ~~ابي طالب المكي المسمى بقوت القلوب # وابو حامد مع كونه تابع في ذلك الصوفية استند في ذلك # PageV02P102 # لما وجده من كتب الفلاسفة من اثبات نحو ذلك حيث قالوا يعشق ويعشق # وقد بسطت الكلام على هذه المسألة العظيمة في القواعد الكبار بما ليس هذا ~~موضعه # وقد قال الله تعالى {يحبهم ويحبونه} سورة المائدة 54 ms264 وقال تعالى {والذين ~~آمنوا أشد حبا لله} سورة البقرة 165 وقال تعالى {أحب إليكم من الله ورسوله} ~~سورة التوبة 24 # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ثلاث من كن فيه وجد ~~حلاوة الايمان ان يكون الله ورسوله احب اليه مما سواهما وان يحب المرء لا ~~يحبه الا لله وان يكره ان يرجع في الكفر بعد ان انقذه الله منه كما يكره ان ~~يقذف في النار # PageV02P103 # والمقصود هنا ان هؤلاء المتجهمة من المعتزلة ومن وافقهم الذين ينكرون ~~حقيقة المحبة يلزمهم ان ينكروا التلذذ بالنظر اليه ولهذا ليس في الحقيقة ~~عندهم الا التنعم بالأكل والشرب ونحو ذلك وهذا القول باطل بالكتاب والسنة ~~واتفاق سلف الامة ومشايخها فهذا احد الحزبين الغالطين # والحزب الثاني طوائف من المتصرفة والمتفقرة والمتنسكة وافقوا هؤلاء على ~~ان المحبة ليست الا هذه الامور التي يتنعم بها المخلوق ولكن وافقوا السلف ~~والائمة على اثبات رؤية الله والتنعم بالنظر اليه واصابوا في ذلك وصاروا ~~يطلبون هذا النعيم وتسمو همتهم اليه ويخافون فواته وصار احدهم يقول ما ~~عبدتك شوقا الى جنتك ولا خوفا من نارك ولكن # PageV02P104 # لانظر اليك او اجلالا لك وامثال هذه الكلمات ومقصودهم بذلك طلب ما هو ~~اعلى من الاكل والشرب والتمتع بالمخلوق ولكن غلطوا في اخراج ذلك من الجنة ~~وقد يغلطون ايضا في ظنهم انهم يعبدون الله بلاحظ ولا ارادة وان كل ما يطلب ~~منه فهو حظ النفس وتوهموا ان البشر يعمل بلا ارادة ولا مطلوب ولا محبوب وهو ~~سوء معرفة بحقيقة الايمان والدين والاخرة # وسبب ذلك ان همة احدهم المتعلقة بمطلوبه ومحبوبه ومعبوده تقنيه عن نفسه ~~حتى لا يشعر بنفسه واراداتها فيظن انه يفعل بغير مراد والذي طلبه وعلق به ~~همته هو غاية مراده ومحبوبه ومطلوبه # وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين وارباب الاحوال والمقامات يكون ~~لاحدهم وجد صحيح وذوق سليم لكن ليس له # PageV02P105 # عبارة تبين مراده فيقع في كلامه غلط وسوء ادب مع صحة مقصوده وان كان من ~~الناس من يقع منه غلط ms265 في مراده واعتقاده فهؤلاء الذين قالوا مثل هذا الكلام ~~اذا عنوا به طلب رؤية الله تعالى اصابوا في ذلك لكن أخطأوا من جهة انهم ~~جعلوا ذلك خارجا عن الجنة فأسقطوا حرمة اسم الجنة ولزم من ذلك امور منكرة # ونظير ذلك ما ذكره عن الشبلي رحمه الله انه سمع قارئا يقرأ {منكم من يريد ~~الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} سورة آل عمران 152 فصرخ وقال اين من يريد ~~الله فيحمد منه كونه اراد الله ولكن غلط في ظنه ان الذين ارادوا الأخرة ما ~~ارادوا الله # PageV02P106 # وهذه الاية في اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه بأحد وهم ~~افضل الخلق فإن لم يريدوا الله افيريد الله من هو دونهم كالشبلي وامثاله # ومثل ذلك ما اعرفه عن بعض المشايخ انه سئل مرة عن قوله {إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} سورة التوبة 111 قال فإذا كانت ~~الانفس والاموال في ثمن الجنة فالرؤية بم تنال فأجابه مجيب بما يشبه هذا ~~السؤال # والواجب ان نعلم ان كل ما اعده الله لأوليائه من نعيم بالنظر اليه وما ~~سوى ذلك فهو في الجنة كما ان كل ما توعد به اعداءه هو في النار وقد قال ~~تعالى {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} سورة السجدة 17 # PageV02P107 # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله اعددت لعبادي ~~الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطعتم ~~عليه # وكذلك في قوله في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ان ادنى اهل ~~الجنة منزلة من ينظر في ملكه من مسيرة الف عام وان اعلاهم منزلة من ينظر ~~الى وجه الله بكرة وعشيا # PageV02P108 # وقوله في حديث صهيب اذا دخل اهل الجنة الجنة نادى مناد يا اهل الجنة ان ~~لكم عند الله موعدا الحديث ثم قال فيكشف الحجاب فينظرون اليه وشبه ذلك # واذا علم ان جميع ذلك وامثاله داخل في الجنة ms266 فالناس على درجات متفاوته ~~كما قال تعالى {انظر كيف فضلنا بعضهم على} # PageV02P109 # {بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} سورة الاسراء 21 وكل مطلوب للعبد ~~بعبادة وقربة او دعاء او غير ذلك من مطالب الاخرة هو في الجنة # وطلب الجنة والاستعاذة من النار طريق انبياء الله ورسله وجميع اولياء ~~الله السابقين المقربين واصحاب اليمين كما في السنن ان النبي صلى الله عليه ~~وسلم سأل بعض اصحابه كيف تقول في دعائك قال اقول اللهم اني أسألك الجنة ~~واعوذ بك من النار اما اني لا احسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم حولها ندندن فقد اخبر انه # PageV02P110 # هو صلى الله عليه وسلم ومعاذ وهو افضل الائمة الراتبين بالمدينة في حياة ~~النبي صلى الله عليه وسلم انما يدندنون حول الجنة أفيكون قول احد فوق قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ ومن يصلي خلفهما من المهاجرين والانصار ~~ولو طلب هذا العبد ما طلب كان في الجنة وأهل الجنة نوعان سابقون مقربون ~~وأبرار أصحاب يمين # قال تعالى كلا ان كتاب الابرار لفي عليين وما ادراك ما عليون كتاب مرقوم ~~يشهده المقربون ان الابرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم ~~نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ~~ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون سورة المطففين 18 27 # PageV02P111 # قال ابن عباس تمزج لأصحاب اليمين مزجا ويشربها المقربون صرفا # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال اذا سمعتم المؤذن ~~فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فانه من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا ثم ~~سلوا الله لي الوسيلة فانها درجة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله ~~وارجو ان اكون انا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم ~~القيامة # فقد اخبر ان الوسيلة التي لا تصلح الا لعبد واحد من عباد الله ورجا ان ~~يكون هو ذلك العبد هي درجة في الجنة ms267 فهل بقي بعد الوسيلة شيء اعلى منها ~~يكون خارجا عن الجنة يصلح للمخلوقين # PageV02P112 # وثبت في الصحيح ايضا في حديث الملائكة الذين يلتمسون الناس في مجالس ~~الذكر قال فيقولون للرب تعالى وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك قال فيقول ~~وما يطلبون قالوا يطلبون الجنة قال فيقول وهل رأوها قال فيقولون لا قال ~~فيقول فكيف لو رأوها قال فيقولون لو رأوها لكانوا اشد لها طلبا قال ومما ~~يستعيذون قالوا يستعيذون من النار قال فيقول فهل رأوها قال فيقولون لا قال ~~فيقول فيكف لو رأوها قالوا لو رأوها لكانوا اشد منها استعاذه قال فيقول ~~اشهدكم اني قد اعطيتهم ما يطلبون واعذتهم مما يستعيذون او كما قال قال ~~فيقولون فيهم فلان الخطاء جاء لحاجة فجلس معهم قال فيقول هم القوم لا يشقى # PageV02P113 # بهم جليسهم فهؤلاء الذين هم من افضل اولياء الله كان مطلوبهم الجنة ~~ومهربهم من النار # وايضا فالنبي صلى الله عليه وسلم لما بايع الانصار ليلة العقبة وكان ~~الذين بايعوه من افضل السابقين الاولين الذين هم افضل من هؤلاء المشايخ ~~كلهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ولاصحابك قال اشتر ~~لنفسي ان تنصروني مما تنصرون منه انفسكم واهليكم واشترط لأصحابي ان تواسوهم ~~قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا قال لكم الجنة قالوا امدد يدك فوالله لا ~~نقيلك ولا نستقيلك وقد قالو له في اثناء # PageV02P114 # البيعة ان بيننا وبين القوم حبالا وعهودا وانا ناقضوها # فهؤلاء الذين بايعوه هم من اعظم خلق الله محبة لله ورسوله وبذلا لنفوسهم ~~واموالهم في رضا الله ورسوله على وجه لا يلحقهم فيه احد من هؤلاء المتأخرين ~~قد كان غاية ما طلبوه بذلك الجنة فلو كان هناك مطلوب اعلى من ذلك لطلبوه ~~لكنهم علموا ان في الجنة كل محبوب ومطلوب بل وفي الجنة ما لا # PageV02P115 # تشعر به النفوس لتطلبه فإن الطلب والحب والارادة فرع عن الشعور والاحساس ~~والتصور فما لا يحسه الانسان ولا يتصوره ولا يشعر به يمتنع ان يطلبه ويحبه ~~ويريده # والجنة فيها هذا وهذا كما قال تعالى ms268 {لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} ~~سورة ق 35 وقال {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} سورة الزخرف 71 ففيها ~~كل ما يشتهونه وفيها مزيد على ذلك وهو ما لم يبلغه علمهم ليشتهوه كما قال ~~صلى الله عليه وسلم ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهذا ~~باب واسع # فإذا عرفت هذه المقدمة فقول القائل الرضا ان لا تسأل الله الجنة ولا ~~تستعيذه من النار ان اراد بذلك ان لا تسأل الله ما هو داخل في مسمى الجنة ~~الشرعية فلا تسأله النظر اليه ولا غير ذلك مما هو مطلوب جميع الانبياء ~~والاولياء وانك لا تستعيذ به # PageV02P116 # لا من احتجابه عنك ولا من تعذيبك في النار فهذا الكلام مع كونه مخالفا ~~لجميع الانبياء والمرسلين وسائر المؤمنين فهو متناقض في نفسه فاسد في صريح ~~المعقول # وذلك ان الراضي الذي لا يسأل انما لا يسأله لرضاه عن الله ورضاه عنه انما ~~هو بعد معرفته به ومحبته له فإذا قدر انه حجب فرضي بزوال كل نعيم فرضي ~~بزوال رضاه عن الله وبزوال محبته لله واذا لم يبق معه رضا عن الله ولا محبة ~~لله فكأنه قال يرضي ان لا يرضى وهذا جمع بين النقيضين ولا ريب انه كلام من ~~لم يتصور ما يقول ولا عقله # يوضح ذلك ان الراضي انما يحمله على احتمال المكاره والآلام ما يجده من ~~لذة الرضا وحلاوته فإذا فقد تلك الحلاوة واللذة امتنع ان يحتمل الما ومرارة ~~فكيف يتصور ان يكون راضيا وليس معه من حلاوة الرضا ما يحمل به مرارة ~~المكاره # PageV02P117 # وانما هذا من جنس كلام السكران والفاني الذي وجد في نفسه حلاوة الرضا فظن ~~ان هذا يبقى معه على أي حال كان وهذا غلط عظيم منه كغلط سمنون كما تقدم # وان اراد بذلك ان لا يسأل التمتع بالمخلوق بل يسأل ما هو اعلى من ذلك فقد ~~غلط من وجهين من جهة انه لم يجعل ذلك المطلوب من الجنة وهو أعلى نعيم الجنة ~~ومن ms269 جهة انه ايضا اثبت انه طالب مع كونه راضيا فإذا كان الرضا لا ينافي هذا ~~الطلب فلا ينافي طلبا اخر اذا كان محتاجا الى مطلوبه # ومعلوم ان تنعمه بالنظر لا يتم الا بسلامته من النار وبتنعمه من الجنة ~~بما هو دون النظر وما لا يتم المطلوب الا به فهو مطلوب فيكون طلبه للنظر ~~طلبا للوازمه التي منها النجاة من النار فيكون رضاه لا ينافي طلب حصول ~~المنفعة ولا دفع المضرة عنه ولا طلب حصول الجنة ودفع النار ولا غيرهما مما ~~هو من لوازم النظر فتبين تناقض قوله # وايضا فإذا لم يسأل الله الجنة لم يستعذ به من النار فإما ان يطلب من ~~الله ما هو دون ذلك مما يحتاج اليه من جلب منفعة ودفع # PageV02P118 # مضبرة واما ان لا يطلبه فإن طلب ما هو دون ذلك واستعاذ مما هو دون ذلك ~~فطلبه للجنة اولى واستعاذته من النار اولى # وان كان الرضا ان لا يطلب شيئا قط ولو كان مضطرا اليه ولا يستعيذ من شيء ~~قط ولو كان مضرا به فلا يخلو اما ان يكون ملتفتا بقلبه الى الله في ان يفعل ~~به ذلك واما ان يكون معرضا عن ذلك فإن التفت بقلبه الى الله فهو طالب ~~مستعيذ بحاله # ولا فرق بين الطلب بالحال والقال بل هو بهما اكمل واتم فلا يعدل عنه وان ~~كان معرضا عن جميع ذلك فمن المعلوم انه لا يحيا ويبقى الا بما يقيم حياته ~~ويدفع مضاره فذلك الذي به يحيا من طلب جلب المنافع ودفع المضار اما ان يحبه ~~ويطلبه ويريده من احد او لا يحبه ولا يطلبه ولا يريده فإن احبه وطلبه ~~واراده من غير الله كان مشركا مذموما فضلا على ان يكون محمودا # PageV02P119 # وان قال لا احبه ولا اطلبه ولا اريده لا من الله ولا من خلقه # قيل هذا ممتنع في الحي فإن الحي يمتنع عليه ان لا يحب ما به يبقى وهذا ~~امر معلوم بالحس ومن كان بهذه المثابة امتنع ان يوصف بالرضا فإن ms270 الراضي ~~موصوف بحب وارادة خاصة اذ الرضا مستلزم لذلك فكيف يسلب عنه ذلك كله فهذا ~~وامثاله مما يبين فساد هذا الكلام في العقل # واما الرضا في سبيل الله وطريقه ودينه فمن وجوه # احدها ان يقال الراضي لا بد ان يفعل ما يرضاه الله الا فكيف يكون راضيا ~~عن الله من لا يفعل ما يرضاه الله وكيف يسوغ رضا ما يكرهه الله ويسخطه ~~ويذمه وينهى عنه # وبيان هذا ان الرضا المحمود اما ان يكون الله يحبه ويرضاه # PageV02P120 # واما ان لا يحبه ويرضاه فإن لم يكن يحبه ويرضاه لم يكن هذا الرضا مأمورا ~~به لا امر ايجاب ولا امر استحباب فإن من الرضا ما هو كفر كرضا الكفار ~~بالشرك وقتل الانبياء وتكذيبهم ورضاهم بما يسخطه الله ويكرهه # قال تعالى {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} ~~سورة محمد 28 فمن اتبع ما يسخط الله برضاه وعمله فقد اسخط الله # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ان الخطيئة اذا عملت في الارض كان من غاب ~~عنها ورضيها كمن شهدها ومن شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وانكرها وقال صلى ~~الله # PageV02P121 # عليه وسلم سيكون بعدي امراء تعرفون وتنكرون فمن انكر فقد برئ ومن كره فقد ~~سلم ولكن من رضي وتابع # وقال تعالى {يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن ~~القوم الفاسقين} سورة التوبة 96 فرضانا عن القوم الفاسقين ليس مما يحبه ~~الله ويرضاه وهو لا يرضى عنهم # وقال تعالى {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا قليل} سورة التوبة: 38 فهذا رضى قد ذمه الله # وقال تعالى {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا ~~بها} سورة يونس 7 فهذا أيضا مذموم وشواهد هذا كثيرة # PageV02P122 # فمن رضي بكفره وكفر غيره وفسقه وفسق غيره ومعاصيه ومعاصي غيره فليس هو ~~متبعا لرضا الله ولا هو مؤمن بالله بل هو مسخط لربه وربه غضبان عليه لا عن ~~له ذام له متوعد له بالعقاب ms271 # وطريق الله التي يأمر بها المشايخ المهتدون انما هي الامر بطاعة الله ~~والنهي عن معصيته فمن امر واستحب او مدح الرضا الذي يكرهه الله ويذمه وينهى ~~عنه ويعاقب اصحابه فهو عدو لله لا ولي لله وهو يصد عن سبيل الله وطريقه ليس ~~بسالك لسبيله وطريقه # واذا كان الرضا الموجود في بني آدم منه ما يحبه الله ومنه ما يكرهه ~~ويسخطه ومنه ما هو مباح لا من هذا ولا من هذا كسائر اعمال القلوب من الحب ~~والبغض وغير ذلك كلها ينقسم الى محبوب لله ومكروه لله ومباح فإذا كان الامر ~~كذلك فالراضي الذي لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذه من النار يقال له سؤال # PageV02P123 # الله الجنة واستعاذته من النار اما ان تكون واجبة واما ان تكون مستحبة ~~واما ان تكون مباحة واما ان تكون محرمة واما ان تكون مكروهة ولا يقول مسلم ~~انها محرمة ولا مكروهة وليست ايضا مباحة مستوية الطرفين ولو قيل انها كذلك ~~ففعل المباح المستوى الطرفين لا ينافي الرضا اذ ليس من شرط الراضي ان لا ~~يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يفعل امثال هذه الامور فإذا كان ما يفعله من ~~هذه الامور لا ينافي رضاه اينافي رضاه دعاء وسؤال هو مباح # واذا كان الدعاء والسؤال كذلك واجبا او مستحبا فمعلوم ان الله يرضى بفعل ~~الواجبات والمستحبات فكيف يكون الراضي الذي هو من اولياء الله لا يفعل ما ~~يرضاه الله ويحبه بل يفعل ما يسخطه ويكرهه وهذه صفة اعداء الله لا اولياء ~~الله # والقشيري قد ذكر هذا في اوائل باب الرضا فقال اعلم ان الواجب على العبد ~~ان يرضى بقضاء الله الذي امر # PageV02P124 # بالرضا به اذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد او يجب على العبد الرضا به ~~كالمعاصي وفنون محن المسلمين وهذا الذي قاله قاله قبله وبعده وغيره ومعه ~~غير واحد من العلماء كالقاضي ابي بكر والقاضي ابي يعلى وامثالهما لما احتج ~~عليهم بعض القدرية بأن الرضا بقضاء الله مأمور به فلو كانت المعاصي بقضاء ~~الله ms272 لكنا مأمورين بالرضا بها الرضا بما نهى الله عنه لا يجوز فأجابهم اهل ~~السنة عن ذلك بثلاثة اجوبة # أحدها وهو جواب هؤلاء وجماهير الائمة ان هذا العموم ليس بصحيح فلسنا ~~مأمورين ان نرضى بكل ما قضى وقدر ولم يجيء في الكتاب والسنة امر بذلك ولكن ~~علينا ان نرضى بما امرنا بالرضا به كطاعة الله ورسوله وهذا هو الذي ذكره ~~ابو القاسم # والجواب الثاني انهم قالوا انا نرضى بالقضاء الذي هو # PageV02P125 # صفة الله او فعله ولا نرضى بالمقضى الذي هو مفعوله وفي هذا الجواب ضعف قد ~~بيناه في غير هذا الموضع # الثالث انهم قالوا ان هذه المعاصي لها وجهان وجه الى العبد من حيث هي ~~فعله وصنعه وكسبه ووجه الى الرب من حيث انه خلقها وقضاها وقدرها فنرضى من ~~الوجه الذي يضاف به الى الله ولا نرضى من الوجه الذي يضاف به الى العبد اذ ~~كونها شرا وقبيحة ومحرمة وسببا للعذاب والذم ونحو ذلك انما هو من جهة كونها ~~مضافة الى العبد وهذا مقام فيه من كشف الحقائق والاسرار ما قد ذكرنا منه ما ~~ذكرنا في غير هذا الموضع ولا يحتمله هذا المكان فإن هذا متعلق بمسائل ~~الصفات والقدر وهو من اعظم مطالب الدين واشرف علوم الاولين والاخرين وادقها ~~على عقول اكثر العالمين # PageV02P126 # والمقصود هنا ان مشايخ الصوفية وغيرهم من العلماء قد بينوا أن من الرضا ~~ما يكون جائزا ومنه مالا يكون جائزا فضلا عن كونه مستحبا او من صفات ~~المقربين وان ابا القاسم ذكر في الرسالة ذلك ايضا # فإن قيل هذا الذي ذكرتموه امر بين واضح فمن اين غلط من قال الرضا ان لا ~~تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار وغلط من يستحسن مثل هذا الكلام كائنا ~~من كان # قيل غلطوا في ذلك لأنهم رأوا ان الراضي بأمر لا يطلب غير ذلك الامر ~~فالعبد اذا كان في حال من الاحوال فمن رضاه ان لا يطلب غير تلك الحال ثم ~~انهم رأوا ان اقصى المطالب الجنة واقصى المكاره النار فقالوا ms273 ينبغي ان لا ~~يطلب شيئا ولو انه الجنة ولا يكره شيئا ولو انه النار فهذا وجه غلطهم ودخل ~~الضلال عليهم من وجهين # احدهما ظنهم ان الرضا بكل ما يكون امر يحبه الله ويرضاه # PageV02P127 # وان هذا من اعظم طرق اولياء الله فجعلوا الرضا بكل حادث وكائن او بكل حال ~~يكون فيها العبد طريقا الى الله فضلوا ضلالا مبينا الطريق الى الله انما هي ~~ان ترضيه بأن تفعل ما يحبه ويرضاه لا ان ترضى بكل ما يحدث ويكون فإنه هو لم ~~يأمرك بذلك ولا رضيه لك ولا احبه بل هو سبحانه يكره ويسخط ويبغض على اعيان ~~او افعال موجودة لا يحصيها الا هو # وولاية الله موافقته بأن تحب ما يحب وتبغض ما يبغض وتكره ما يكره وتسخط ~~ما يسخط وتوالي من يوالي وتعادي من يعادي فإذا كنت تحب وترضى ما يسخطه ~~ويكرهه كنت عدوه ولا وليه وكان كل ذم نال من رضي ما اسخط الله قد نالك ~~فتدبر هذا فإنه تنبيه على اصل عظيم ضل فيه من طوائف النساك والصوفية ~~والعباد العامة من لا يحصيهم الا الله # PageV02P128 # الوجه الثاني انهم لم يفرقوا بين الدعاء الذي امروا به امر ايجاب وامر ~~استحباب وبين الدعاء الذي نهوا عنه او لم يؤمروا به ولم ينهوا عنه فإن دعاء ~~العبد لربه ومسألته اياه ثلاثة انواع # نوع امر به العبد اما امر ايجاب واما امر استحباب مثل قوله {اهدنا الصراط ~~المستقيم} سورة الفاتحة 6 ومثل دعائه في اخر الصلاة كالدعاء الذي كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يأمر به اصحابه فقال اذا قعد احدكم في التشهد فليستعذ ~~بالله من اربع من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح ~~الدجال فهذا دعاء امر به النبي # PageV02P129 # صلى الله عليه وسلم الصحابة ان يدعوا به في اخر صلاتهم وقد اتفقت الامة ~~على انه مشروع يحبه الله ورسوله ويرضاه وتنازعوا في وجوبه فأوجبه طاووس ~~وطائفة وهو قول في مذهب احمد والأكثرون قالوا هو مستحب # والادعيه التي كان النبي صلى ms274 الله عليه وسلم يدعو بها او يعلم اصحابه ان ~~يدعوا بها لا تخرج عن ان تكون واجبة او مستحبه وكل واحد من الواجب والمستحب ~~فالله يحبه ويرضاه ومن فعله رضي الله عنه وارضاه فهل يكون من الرضا ترك ما ~~يحبه ويرضاه # ونوع من الدعاء ينهى عنه كالاعتداء في الدعاء مثل ان يسأل الرجل ما لا ~~يصلح له مما هو من خصائص الانبياء وليس هو بنبي وربما هو من خصائص الرب ~~سبحانه وتعالى مثل ان يسأل لنفسه الوسيلة التي لا تصلح الا لعبد من عباده ~~او # PageV02P130 # يسأل الله ان يجعله افضل من اولياء الله حتى يكون افضل من ابي بكر وعمر ~~او يسأل الله ان يجعله بكل شيء عليم او على كل شيء قدير او يرفع عنه كل ~~حجاب يمنعه من مطالعة الغيوب وامثال ذلك او مثل من يدعوه ظانا انه محتاج ~~الى عباده وانهم يبلغون ضره ونفعه فيطلب منه ذلك الفعل ويذكر انه اذا لم ~~يفعله حصل له ضير من الخلق فهذا ونحوه جهل بالله واعتداء في الدعاء وان وقع ~~في نحو ذلك طائفة من الشيوخ # ومثل ان يقول اللهم اغفر لي ان شئت فيظن ان الله قد يفعل الشيء مختارا ~~وقد يعقله مكرها كالملوك فيقول اغفر لي ان شئت # وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال لا يقل # PageV02P131 # احدكم اللهم اغفر لي ان شئت اللهم ارحمني ان شئت ولكن ليعزم المسألة فإن ~~الله لا مكره له ومثل ان يقصد السجع في الدعاء ويتشهق ويتشدق وامثال ذلك # فهذه الادعية ونحوها منهى عنها ومن الدعاء ما هو مباح كطلب الفضول التي ~~لا معصية فيها # والمقصود ان الرضا الذي هو من طريق الله لا يتضمن ترك واجب ولا ترك مستحب ~~فالدعاء الذي هو واجب او مستحب لا يكون تركه من الرضا كما ان ترك سائر ~~الواجبات لا يكون من الرضا المشروع ولا فعل المحرمات من الرضا المشروع # PageV02P132 # فقد تبين غلط هؤلاء من جهة ظنهم ان الرضا مشروع بكل مقدور ms275 ومن جهة انهم ~~لم يميزوا بين الدعاء المشروع ايجابا او استحبابا والدعاء غير المشروع وقد ~~علم بالاضطرار من دين الاسلام ان طلب الجنة من الله والاستعاذة به من النار ~~هو من اعظم الادعية المشروعة لكل احد من المرسلين والنبيين وجميع الصديقين ~~والشهداء والصالحين وان ذلك لا يخرج عن كونه واجبا او مستحبا وطريق اولياء ~~الله التي يسلكونها لا تخرج عن فعل واجبات ومستحبات اذ ما سوى ذلك محرم او ~~مكروه او مباح لا منفعة فيه في الدين # ثم انه مما اوقع هؤلاء في هذا الغلط انهم وجدوا كثيرا من الناس لا يسألون ~~الله جلب المنافع ودفع المضار حتى طلب الجنة والاستعاذة من النار من جهة ~~كون ذلك عبادة وطاعة # PageV02P133 # وخيرا بل من جهة كون النفس تطلب ذلك فرأوا ان من الطريق ترك ما تختاره ~~النفس وتريده وان لا يكون لأحدهم ارادة اصلا بل يكون مطلوبه الجريان تحت ~~القد كائنا من كان وهذا هو الذي ادخل كثيرا منهم في الرهبانية والخروج عن ~~الشريعة حتى تركوا من الاكل والشرب واللباس والنكاح ما يحتاجون اليه وما لا ~~تتم مصلحة دينهم الا به فانهم رأوا العامة تعد هذه الامور عبادة بحكم الطبع ~~والهوى والعادة ومعلوم ان الافعال التي تقع على هذا الوجه لا تكون عبادة ~~ولا طاعة ولا قربة فرأى اولئك ان الطريق الى الله ترك هذه الامور لأنها من ~~الطبيعيات والعادات فلازموا من الجوع والسهر والخلوة والصمت وغير ذلك مما ~~فيه ترك الحظوظ واحتمال المشاق ما اوقعهم في ترك واجبات ومستحبات وفعل ~~مكروهات ومحرمات # PageV02P134 # وكلا الأمرين غير محمود ولا مأمور به ولا طريق الى الله طريق المفرطين ~~الذين فعلوا هذه الامور المحتاج اليها على غير وجه العبادة والقربة الى ~~الله وطريق المعتدين الذين تركوا هذه الافعال بل المشروع ان تفعل بنية ~~التقرب الى الله وان يشكر الله # قال تعالى {كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} سورة المؤمنون 51 وقال تعالى ~~{كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله} سورة البقرة 172 فأمر بالأكل ~~والشكر فمن ms276 أكل ولم يشكر كان مذموما ومن لم يأكل لم يشكر كان مذموما # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان الله ليرضى عن العبد ~~ان يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها # PageV02P135 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد انك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله ~~الا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة ترفعها الى في امرأتك # وفي الصحيح ايضا انه اذا انفق الرجل على اهله يحتسبها فهو له صدقه # فكذلك الادعية هب ان من الناس من يسأل الله جلب المنفعة له ودفع المضرة ~~عنه طبعا وعادة لا شرعا وعبادة فليس من المشروع لي ان ادع الدعاء مطلقا ~~لأجل تقصير هذا وتفريطه بل افعله انا شرعا وعبادة # PageV02P136 # ثم اعلم ان الذي يفعله شرعا وعبادة انما يسعى في مصلحة نفسه وطلب حظوظه ~~المحمودة فهو يطلب مصلحة دنياه واخرته بخلاف الذي يفعله طبعا فإنه انما ~~يطلب مصلحة دنياه فقط كما قال تعالى فمن الناس من يقول ربنا اتنا في الدنيا ~~وما له في الاخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا اتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الاخرة حسنة وقنا عذاب النار اولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب ~~سورة البقرة 200 202 وحينئذ فطالب الجنة والمستعيذ من النار انما يطلب حسنة ~~الاخرة فهو محمود # ومما يبين الامر في ذلك ان يرد قول هؤلاء بأن العبد لا يفعل مأمورا ولا ~~يترك محظورا فلا يصلي ولا يصوم ولا يتصدق ولا يحج ولا يجاهد ولا يفعل شيئا ~~من الخير فإن ذلك انما فائدته حصول الثواب ودفع العقاب فاذا كان هو لا يطلب ~~حصول الثواب الذي هو الجنة ولا دفع العقاب الذي هوالنار فلا يفعل مأمورا ~~ولا يترك محظورا ويقول انا راض بكل ما يفعله بي وان # PageV02P137 # كفرت وفسقت وعصيت بل يقول انا اكفر وافسق واعصي حتى يعاقبني وارضى بعقابه ~~فأنال درجة الرضا بقضائه وهذا قول من هو اجهل الخلق واحمقهم واضلهم واكفرهم # اما جهله وحمقه فلأن الرضا بذلك ممتنع متعذر ms277 ولأن ذلك مستلزم الجمع بين ~~النقيضين واما كفره فلأنه مستلزم لتعطيل دين الله الذي بعث به رسله وانزل ~~به كتبه ولا ريب ان ملاحظة القضاء والقدر اوقعت كثيرا من اهل الارادة من ~~المتصوفة في ان تركوا من المأمور وفعلوا من المحظور ما صاروا به إما ناقصين ~~محرومين وإما عاصين وإما فاسقين وإما كافرين وقد رأيت من ذلك الوانا {ومن ~~لم يجعل الله له نورا فما له من نور} سورة النور 40 # وهؤلاء والمعتزله ونحوهم من القدرية في طرفي نقيض # هؤلاء يلاحظون القدر ويعرضون عن الامر واولئك يلاحظون الامر ويعرضون عن ~~القدر والطائفتان تظن ان ملاحظة الامر # PageV02P138 # والقدر متعذر كما ان طائفة تجعل ذلك مخالفا للحكمة والعدل # وهذه الاصناف الثلاثة هي القدرية المجوسية والقدرية المشركية القدرية ~~الابليسية وقد بسطنا الكلام على هذه الفرق في غير هذا الموضع # واكثر ما يبتلى به السالكون اهل الاراداة والعامة في هذا الزمان هي ~~القدرية المشركية فيشهدون القدر ويعرضون عن الامر كما قال فيهم بعض العلماء ~~انت عند الطاعة قدرى وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به وانما ~~المشروع العكس وهوان يكون عند الطاعة يستعين الله عليها قبل الفعل ويشكره ~~عليها بعد الفعل ويجتهد ان لا يعصى فإذا اذنب وعصى بادر الى التوبة ~~والاستغفار # كما في الحديث سيد الاستغفار ان يقول العبد ابوء لك # PageV02P139 # بنعمتك علي وابوء بذنبي فاغفر لي وكما في الحديث الصحيح الالهي يا عبادي ~~انما هي اعمالكم احصيها لكم ثم اوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن ~~وجد غير ذلك لا يلومن الا نفسه # ومن هذا الباب دخل قوم من اهل الارادة في ترك الدعاء واخرون جعلوا التوكل ~~والمحبة ونحو ذلك من مقامات العامة وامثال هذه الاغاليط التي قد تكلمنا ~~عليها في غير هنا الموضع # PageV02P140 # وبينا الفرق بين الصواب والخطأ في ذلك ولهذا وامثاله يوجد في كلام ائمة ~~هؤلاء المشايخ الوصية باتباع العلم والشريعة كقول سهل بن عبد الله التستري ~~رحمه الله العمل بلا اقتداء عيش النفس والعمل بالاقتداء عذاب ms278 على النفس ~~وقال كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل وقال الجنيد بن محمد من لم ~~يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الشأن لأن علمنا هذا مقيد ~~بالكتاب والسنة وقال احمد بن ابي الحواري من عمل عملا بلا اتباع سنة رسول ~~صلى الله عليه وسلم فباطل عمله # PageV02P141 ### | فصل في السكر واسبابه وأحكامه # قد تكلمت فيما مضى من القواعد على معاني الفناء الموجود في كلام المشايخ ~~والصوفية وانه ثلاثة اقسام قسم كامل للسابقين وقسم ناقص لأصحاب اليمين وقسم ~~ثالث للظالمين الفاسقين والكافرين # فالأول الفناء عن عبادة ما سوى الله والاستعانة به بحيث لا يعبد الا الله ~~ولا يستعين الا بالله وهذا هو دين الاسلام # والثاني الفناء عن شهود ما سوى الله بحيث يغيب بمشهوده عن شهوده وهذا لمن ~~لم يقدر على الجمع بين شهود الحقائق وعبادة الخالق بل ما شهده عنده ومعبوده ~~واحد فمشهوده واحد وهذا يعتري كثيرا كالعيسوية من هذه الامة الذين لهم وصف ~~العبادة دون الشهادة فلهم قوة في العبادة والانابة والمحبة يجتذبهم # PageV02P142 # ذلك الى معبودهم ومقصودهم ومحبوبهم وليس لهم قوة مع ذاك على شهود سائر ما ~~يقوم به من الكائنات وما يستحقه من الاسماء والصفات فهؤلاء اذا لم يتركوا ~~واجبا لم يضرهم وان تركوا مستحبا مشتغلين عنه بما هو افضل منه لم ينقلوا عن ~~مقامهم وان اشتغلوا عما تركوه من المستحب بما ليس مثله فانتقالهم الى ذلك ~~الافضل افضل اذا امكن والا ففعل المقدور عليه من الصالحات خير من الاهتمام ~~بما يعجز عنه ويصد عن غيره وان تركوا واجبا او فعلوا محرما مع امكان العلم ~~والقدرة فهم مؤاخذون على ذلك وان كان مع سقوط التمييز لسبب يعذرون به مثل ~~زوال عقل بسبب غير محظور او سكر بسبب غير محظور او عجز لا تفريط فيه فلا ذم ~~عليهم وان كان مع التكليف فسبب الذم قائم ثم لهم حكم الله فيهم كما لسائر ~~المؤمنين من كون الذنب صغيرا او كبيرا مقرونا بحسنات ماحية او غير ms279 ذلك من ~~احكام السيئات مالم يخرجوا الى القسم الثالث وهو فناء الكافرين وهو جعل ~~وجود الاشياء هو عين وجود الحق او جود نفسه عين وجوده كما بيناه من مذاهب ~~اهل الحلول والاتحاد في غير هذا الموضع فان هذا كفر وصاحبه كافر بعد قيام ~~الحجة عليه وان كان جاهلا او متأولا لم تقم عليه الحجة # PageV02P143 # كالذي قال اذا انا مت فاحرقوني ثم ذروني في اليم فهذا امره الى الله ~~تعالى # كما قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون} سورة النساء 43 فجعل الغاية التي يزول بها حكم السكر ان ~~يعلم ما يقول فمتى كان لا يعلم ما يقول فهو في السكر واذا علم ما يقول خرج ~~عن حكمه فهذا اصل يجب اعتماده وهذا هو حد السكران عند جمهور العلماء # قال احمد بن حنبل بما نقله عن سعيد بن جبير انه قال اذا لم يعلم بثيابه ~~من ثياب غيره ولا نعله من نعال غيره فجعل ذلك عدم التمييز بين ثوبه وثوب ~~غيره ويروي عن الشافعي انه قال اذا اختلط كلامه المنظوم وافشى سره المكتوم # فالسكر يجمع معنيين وجود لذة وعدم تمييز والذي يقصد السكر قد يقصد احدهما ~~وقد يقصد كلاهما وهو اثم فإن النفس لها اهواء وشهوات تلتذ بنيلها وادراكها ~~والعقل والعلم بما في تلك الافعال من المضرة في الدنيا والاخرة يمنعها عن ~~ذلك فإذا زال العقل الحافظ انبسطت النفس في اهوائها # PageV02P144 # وحرم الله السكر لسببين ذكرهما الله في كتابه بقوله {إنما يريد الشيطان ~~أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة} سورة المائدة 91 فأخبر انه يوجب المفسدة الفاشية من النفس بعدم ~~العقل ويمنع المصلحة التي لا تتم الا بالعقل التي خلق لها العبد وهي ذكر ~~الله والصلاة # وقد يكون سبب السكر من الألم كما يكون من اللذة كما قال تعالى {وترى ~~الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} سورة الحج 2 فأخبر انهم ~~يرون ms280 سكارى وما هم بسكارى # فإذا عرف ذلك فسبب السكر ما يوجب اللذة ويمنع العلم فمنه السكر بالأطعمه ~~والاشربة المسكرة فإن طاعمها يحصل له بذلك لذة وسرور وهو الحامل لأكثر ~~الناس على شربها ويغيب عقله فتغيب عنه الهموم والاحزان تلك الساعة # ومن الناس من يقصد المنفعة للبدن ولكن يحصل له من المضرة بالأفعال ~~والأقوال التي تتولد عن السكر ويمنع عن المنفعة من ذكر الله والصلاة ~~وغيرهما ما هو اعظم اثما من منفعتها فإن اللذة # PageV02P145 # الحاصلة بذكر الله والصلاة باقية دافعة للهموم والاحزان ليس دفعه اياه ~~وقت الصلاة فقط كما قال تعالى {واستعينوا بالصبر والصلاة} سورة البقرة 45 ~~وقال {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} سورة العنكبوت 45 ففي هذه اللذة ~~والمنفعة العظيمة الشريفة الدافعة للمضار ما يغني عن تلك القاصرة المانعة ~~مما هو اكمل منها والجالبة لمضرة تربي عليها وهذا السكر جسماني # ومن السكر ما يكون بحب الصور اما النساء واما الصبيان فإنه اذا استحكم ~~الحب وحصل للمحب اتصال فقد يسكر كما قال بعضهم ... سكران سكر هوى وسكر ~~مدامة ... فمتى إفاقة من به سكران ... # ووقت الجماع ينقص تمييز اكثر الناس ايضا وهو مبدأ سكر # ومن السكر ايضا ما يكون بحب الرياسة والمال او شفاء الغيظ فإنه اذا قوى ~~ذلك اوجب سكرا وانما كانت هذه الاشياء قد توجب سكرا لأن السكر شبيه ما يوجب ~~اللذة القاهرة التي تغمر العقل # PageV02P146 # وسبب اللذة ادراك المحبوب فإذا كانت المحبة قوية وادراك المحب قويا ~~والعقل والتمييز ضعيفا كان ذلك سببا للسكر لكن ضعف العقل تارة يكون من ضعف ~~نفس الانسان المحب وتارة يكون من قوة السبب الوارد ولهذا يحصل من السكر ~~للمبتدئين في ادراك الرياسة والمال والعشق والخمر ما لا يحصل لمن اعتاد ذلك ~~وتمكن فيه ### | فصل ومن أقوى الأسباب المقتضية للسكر سماع الأصوات المريبة من وجهين من # جهة انها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر معها العقل ومن جهة أنها تحرك ~~النفس إلى نحو محبوبها كائنا ما كان فتحصل بتلك الحركة والشوق والطلب مع ما ms281 ~~قد تخيل المحبوب وتصوره لذات عظيمة تقهر العقل أيضا فتجتمع لذة الألحان ~~والاشجان ولهذا يقرن سماع الألحان بالشرب كثيرا إما شراب الأجسام وإما شراب ~~النفوس وإما شراب الأرواح وهو ما يقترن بالصوت من الأقوال التي فيها ذكر ~~الحب والمحبوب وأحوالهما فإن سماع الأقوال شراب وغذاء وقوت للقلوب فيجتمع # PageV02P147 # سماع الحروف الطيبة والاصوات الطيبة فإن ذلك اقوى مما اذا انفرد احدهما ~~مثل سماع كلام يطيب للمستمع بلا اصوات ملحنة مثل من يناجي بحديث لحنه او ~~يجهر به جهرا قريبا ومثل سماع اصوات طيبة لا حروف فيها كأصوات الطيور ~~الطيبة واصوات الآلات المصنوعة من العيدان والاوتار والشبابة والصوت الذي ~~يلحنه الآدمي بلا حروف ونحو ذلك فأما اذا اجتمع هذا وهذا فهو اقوى ويؤثر في ~~النفوس تأثيرا عظيما كتأثير الخمر او اشد ### | فصل اذا تبين هذا فاعلم ان اللذة والسرور امر مطلوب بل هو مقصود # كل حي وكونه امرا مطلوبا ومقصودا امر ضروري من وجود الحي وهو في المقاصد ~~والغايات بمنزلة الحس والعلوم البديهية في المبادئ والمقدمات # فإن الانسان بل وكل حي له علم واحساس وله عمل وارادة فعلمه لا يجوز ان ~~يكون كله نظريا استدلاليا يقف على الدليل بل لا بد له من علم بديهي اولى ~~لأنه لو وقف كل علم # PageV02P148 # على علم اخر لزم الدور او التسلسل فإنه اذا توقف العلم الثاني على علم ~~اول فالأول ان توقف على ذلك الثاني بحيث لا يكون الا بعده لزم الدور وان ~~توقف على شيء قبل ذلك الاول لزم التسلسل فلا بد من علم اول يحصل ابتداء بلا ~~علم قبله ولا دليل ولا حجة ولا مقدمة # وذلك علم بده النفس وابتدئ فيها وهو اول فيسمى بديهيا واوليا وهو من نوع ~~ما تضطر النفس اليه فيسمى ضروريا فإن النفس تضطر الى العلم تارة والى العمل ~~اخرى # وذلك العمل الاختيار الارادي له مراد فذلك المراد اما ان يراد لنفسه او ~~لشيء اخر ولا يجوز ان يكون كل مراد لغيره لانه ان كان الذي قبله دائما لزم ms282 ~~الدور وان كان الذي بعده دائما لزم التسلسل فلا بد من مراد مطلوب محبوب ~~لنفسه فإذا حصل المحبوب المطلوب المراد فاقتران اللذة والنعمة والفرح ~~والسرور به على مقدار قوة محبته وارادته وقوته في نفسه امر ذوقي وجودي ~~ضروري ولهذا غلب على كلام العباد الصوفية اهل الارادة والعمل اسم الذوق ~~والسرور والنعمة # فالشهوة والارادة والمحبة والطلب ونحو ذلك من الاسماء # PageV02P149 # المتقاربة اذا تعقبها الذوق والوجد والادراك والوصول والنيل والاصابة ~~ونحو ذلك من الاسماء المتقاربة تعقب ذلك النعمة والسرور واللذة والطيب ونحو ~~ذلك من الاسماء المتقاربة # فان جنس اللذة يتعقب ادراك الملائم المطلوب ليس هومدرك الملائم المطلوب ~~كما يعتقده بعض اهل الفلسفة والكلام وكما غلب على اهل التصوف والعبادة ذكر ~~ذلك وغلب على كلام العلماء المتكلمين اهل النظر والبحث والكلام اهل البديهة ~~والنظر والضرورة والدليل والاستدلال # وكل واحد من هذين الامرين تحته اجناس واصناف بعضها حق وبعضها باطل فلهذا ~~وجب اعتبار ذلك جميعه بالكتاب والسنة فخير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى ~~محمد # ولهذا كان ائمة الهدى ممن يتكلم في العلم والكلام او في العمل والهدى ~~والتصوف يوصون باتباع الكتاب والسنة وينهون عما خرج عن ذلك كما امرهم الله ~~والرسول وكلامهم في ذلك كثير منتشر مثل قول سهل بن عبد الله التستري كل وجد ~~لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل # PageV02P150 ### | فصل واذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها فهي انما تذم اذا اعقبت الما اعظم # منها او منعت لذة خيرا منها وتحمد اذا اعانت على اللذة المستقرة وهو نعيم ~~الاخرة التي هي دائمة عظيمة كقوله تعالى وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوا ~~منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع اجر المحسنين ولأجر الاخرة ~~خير للذين امنوا وكانوا يتقون سورة يوسف 56 57 # وقال تعالى بل تؤثرون الحياة الدنيا والاخرة خير وابقى سورة الاعلى 16 17 ~~وقال تعالى عن السحرة الذين امنوا {فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة ~~الدنيا} الى قوله {والله خير وأبقى} سورة طه 72 73 # والله سبحانه ms283 انما خلق الخلق لدار القرار وهي الجنة والنار فأما الدار ~~الدنيا فمنقطعة ولذاتها لا تصفوا ولا تدوم ابدا بخلاف الاخرة فإن لذاتها ~~ونعيمها صاف من الكدر دائم غير منقطع ليس فيها حزن ولا نصب ولا لغوب واهل ~~الجنة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا يمتخطون بل فيها ما تشتهي ~~الانفس وتلذ الاعين # PageV02P151 # وهم فيها خالدون فشهوة النفوس ولذة العيون هو النعيم الخالص والخلود هو ~~الدوام والبقاء {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون} سورة السجدة 17 فإن الله اعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا ~~اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعهم عليه # وهذا المعنى هو الذي قاله العبد الصالح حيث قال يا قوم اتبعوني اهدكم ~~سبيل الرشاد ياقوم انما هذه الحياة الدنيا متاع وان الاخرة هي دار القرار ~~سورة غافر 38 39 فأخبر ان الدنيا متاع نتمتع بها الى غيرها وان الاخرة هي ~~المستقر # واذا عر ف ان لذات الدنيا ونعيمها انما هي متاع ووسيلة الى لذات الاخرة ~~وكذلك خلقت فكل لذة اعانت على لذات الاخرة فهو مما امر الله به ورسوله ~~ويثاب على تحصيل اللذة بما يئوب اليه منها من لذات الآخرة التي اعانت هذه ~~عليها ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله من اكله وشربه ولباسه ~~ونكاحه وشفاء غيظه بقهر عدوه في الجهاد في سبيل الله ولذة علمه وايمانه ~~وعبادته وغير ذلك ولذات جسده ونفسه وروحه من اللذات الحسية والوهمية ~~والعقلية # PageV02P152 # وكل لذة اعقبت الما في الدار الاخرة او منعت لذة الاخرة فهي محرمة مثل ~~لذات الكفار والفساق بعلوهم في الارض وفسادهم مثل اللذة التي تحصل بالكفر ~~والنفاق كلذة الذين اتخذوا من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله ولذة ~~عقائدهم الفاسدة وعباداتهم المحرمة ولذة غلبهم للمؤمنين الصالحين وقتل ~~النفوس بغير حقها والزنا والسرقة وشرب الخمر ولهذا اخبر الله ان لذاتهم ~~املاء ليزدادوا اثما وانها مكر واستدراج مثل اكل الطعام الطيب الذي فيها سم ms284 ~~وهذا المعنى قد قررته ايضا في قاعدة السكر # واما اللذة التي لا تعقب لذة في دار القرار ولا الما ولا تمنع لذة دار ~~القرار فهذه لذة باطلة اذ لا منفعة فيها ولا مضرة وزمانها يسير ليس لتمتع ~~النفس بها قدر وهي لا بد ان تشغل عما هو خير منها في الاخرة وان لم تشغل عن ~~اصل اللذة في الاخرة # وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله كل لهو يلهو به الرجل ~~فهو باطل الا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فانهن من الحق رواه ~~مسلم وكقوله لعمر لما دخل عليه وعنده جواري يضربن بالدف فأسكتهن لدخوله ~~وقال ان هذا # PageV02P153 # رجل لا يحب الباطل فإن هذا اللهو فيه لذة ولولا ذلك لما طلبته النفوس # ولكن ما اعان على اللذة المقصودة من الجهاد والنكاح فهو حق واما ما لم ~~يعن على ذلك فهو باطل لا فائدة فيه ولكن اذا لم يكن فيه مضرة راجحة لم يحرم ~~ولم ينه عنه ولكن قد يكون فعله مكروها لأنه يصد عن اللذة المطلوبة اذ لو ~~اشتغل اللاهي حين لهوه بما ينفعه ويطلب له اللذة المقصودة لكان خيرا له ~~والنفوس الضعيفة كنفوس الصبيان والنساء قد لا تشتغل اذا تركته بما هو خير ~~منها لها بل قد تشتغل بما هو شر منه او بما يكون التقرب الى الله بتركه ~~فيكون تمكينها من ذلك من باب الاحسان اليها والصدقة عليها كإطعامها ~~واسقائها فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ان بعض انواع اللهو من الحق ~~وكان الجواري الصغيرات يضربن بالدف عنده وكان صلى الله عليه وسلم يمكنهن من ~~عمل هذا الباطل بحضرته احسانا اليهن # PageV02P154 # ورحمة بهن وكان هذا الامر في حقه من الحق المستحب المأمور به وان كان هو ~~في حقهن من الباطل الذي لا يؤمر احد سواهن به كما كان اعطاؤه المؤلفة ~~قلوبهم مأمورا به في حقه وجوبا أو استجابا وإن لم مأمور به لأحد كما كان ~~مزاحه مع من يمزح معه من الاعراب والنساء ms285 والصبيان تطييبا لقلوبهم وتفريحا ~~لهم مستحبا في حقه يثاب عليه وان لم يكن اولئك مأمورين بالمزح معه ولا ~~منهيين عن ذلك # فالنبي صلى الله عليه وسلم يبذل للنفوس من الاموال والمنافع ما يتألقها ~~به على الحق المأمور ويكون المبذول مما يلتذ فيه الاخذ ويحبه لان ذلك وسيلة ~~الى غيره ولا يفعل صلى الله عليه وسلم ذلك مع من لا يحتاج الى ذلك ~~كالمهاجرين والانصار بل بذل لهم انواعا اخر من الاحسان والمنافع في دينهم ~~ودنياهم # وعمر رضي الله عنه لا يحب هذا الباطل ولا يحب سماعه # PageV02P155 # وليس هو مأمورا اذ ذاك من التأليف بما امر به النبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى تصبر نفسه على سماعه فكان اعراض عمر عن الباطل كمالا في حقه وحال النبي ~~صلى الله عليه وسلم اكمل # ومحبة النفوس للباطل نقص لكن ليس كل الخلق مأمورين بالكمال ولا يمكن ذلك ~~فيهم فإذا فعلوا ما به يدخلون الجنة لم يحرم عليهم ما لا يمنعهم من دخولها # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال كمل من الرجال ~~كثير ولم يكمل من النساء الا اربعة # PageV02P156 # هذا مع العلم بأن الجنة يدخلها كثير من النساء والرجال اكثر من الذين ~~كملوا من الطائفتين ### | فصل فإذا تبين ان السكر مؤلف من امرين وجودي وهو اللذة وعدمي وهو عدم # العقل والتمييز وقد تقدم الكلام على اللذة وان جنسها لا يذم إلا لمعارض ~~راجح من فوات منفعة او دخول مضرة وتحمد اذا كانت مقصودة او معينة على ~~المقصود # واما الوصف الاخر وهو عدم العقل والتمييز فهذا لا يحمد بحال من جهة نفسه ~~فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله مدح وحمد لعدم العقل والتمييز والعلم # بل قد مدح الله العلم والعقل والفقه ونحو ذلك في غير موضع وذم عدم ذلك في ~~مواضع # PageV02P157 # مثل قوله تعالى {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} سور الزمر 9 # وقال {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} سورة فاطر 22 # وقال تعالى ما كانوا ms286 يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون اولئك الذين خسروا ~~انفسهم وضل عنهم ما كانو يفترون الى قوله {مثل الفريقين كالأعمى والأصم ~~والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون} سورة هود 24 # وقال {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ~~ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~أولئك هم الغافلون} سورة الاعراف 179 # وقال {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا} سورة الفرقان 44 # وقال {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} سورة آل عمران ~~18 # وقال لتعلموا ان الله على كل شيء قدير وان الله قد احاط بكل شئ علما سورة ~~الطلاق 12 # وقال {فاعلم أنه لا إله إلا الله} سورة محمد 19 # وقال {وقل رب زدني علما} سورة طه 114 # PageV02P158 # وقال {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} سورة المائدة 98 # وقال {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} سورة محمد 24 # وقال او لم ينظروا في ملكوت السموات والارض وما خلق الله من شيء سورة ~~الاعراف 185 وقال {فاعتبروا يا أولي الأبصار} سورة الحشر 2 # وهذا كثير في القرآن يأمر ويمدح التفكر والتدبر والتذكر والنظر والاعتبار ~~والفقه والعلم والعقل والسمع والبصر والنطق ونحو ذلك من انواع العلم ~~واسبابه وكماله ويذم اضداد ذلك ### | فصل فإذا تبين أن جنس عدم العقل والفقه لا يحمد بحال في الشرع بل # يحمد العلم والعقل ويؤمر به أمر إيجاب أو أمر استجاب ولكن من العلم مالا ~~يؤمر به الشخص نوعا أو عينا إما لأنه لا منفعة فيه له لأنه يمنعه عما ينفعه ~~وقد ينهى عنه إذا كان # PageV02P159 # فيه مضرة له وذلك ان من العلم مالا يحمله عقل الانسان فيضره كما قال علي ~~بن ابي طالب رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون اتحبون ~~ان يكذب الله ورسوله وقال عبد الله بن مسعود ما من رجل يحدث ms287 قوما بحديث لا ~~تبلغه عقولهم الا كان فتنة لبعضهم # ومن الكلام ما يسمى علما وهو جهل مثل كثير من علوم الفلاسفة واهل الكلام ~~والاحاديث الموضوعة والتقليد الفاسد واحكام النجوم ولهذا روى ان من العلم ~~جهلا ومن القول عيا ومن البيان سحرا # ومن العلم ما يضر بعض النفوس لاستعانتها به على اغراضها الفاسدة فيكون ~~بمنزلة السلاح للمحارب والمال للفاجر ومنه ما لامنفعة فيه لعموم الخلق مثل ~~معرفة دقائق الفلك وثوابته وتوابعه # PageV02P160 # وحركة كل كوكب فإنه بمنزله حركات التغير عندنا ومنه ما يصد عما يحتاج ~~اليه فإن الانسان محتاج الى بعض العلوم والى اعمال واجبة فاذا اشتغل بما لا ~~يحتاج اليه عما يحتاج اليه كان مذموما # فبمثل هذه الوجوه يذم العلم بكونه ليس علما في الحقيقة وان سماه اصحابه ~~وغيرهم علما وهذا كثير حدا او يكون الانسان يعجز عن حمله او يدعوه ويعينه ~~على ما يضره او يمنعه عما ينفعه # وقد يكون في حق الانسان لا محمودا ولا مذموما هذا كله في جنس العلم # وكذلك القوة التي بها يعلم الانسان ويعقل وتسمى عقلا فهذه لا يحمد عدمها ~~ايضا الا اذا كان بوجودها يحصل ضرر فان من الناس من لو جن لكان خيرا له ~~فإنه يرتفع عنه التكليف وبالعقل يقع في الكفر والفسوق والعصيان # فإن العقل قد يراد به القوة الغريزية في الانسان التي بها يعقل وقد يراد ~~به نفس ان يعقل ويعى ويعلم # فالأول قول الامام احمد وغيره من السلف العقل غريزة والحكمة فطنة # PageV02P161 # والثاني قول طوائف من اصحابنا وغيرهم العقل ضرب من العلوم الضرورية # وكلاهما صحيح فإن العقل في القلب مثل البصر في العين يراد به الادراك ~~تارة ويراد به القوة التي جعلها الله في العين يحصل بها الادراك فإن كل ~~واحد من علم العبد واداركه ومن علمه وحركته حول ولكل منهما قوة ولا حول ولا ~~قوة الا بالله # ولهذا تجد المشايخ الاصحاء من الصوفية يوصون بالعلم ويأمرون باتباعه كما ~~تجد الاصحاء من اهل العلم يوصون بالعمل ويأمرون به لما يخاف ms288 في كل طريقة من ~~ترك ما يجب من الاخرى ### | فصل فهكذا زوال العقل بالسكر هو من نوع زواله بالإغماء والجنون ونحو # ذلك فهذا لا يؤمر به المؤمنون بحال ولا يحمد # PageV02P162 # منهم وان حصل لهم مع ذلك ذوق ايماني ووجد عرفاني مما هو محمود ومأمور به ~~فذاك هوالمحمود لا عدم العقل والتمييز # ولهذا لم يكن في الصحابة من حاله السكر لا عند سماع القرآن ولا عند غيره ~~ولا تكلم الاولون بالسكر وانما تكلم به طائفة من متأخري الصوفية صار يحصل ~~لهم نوع سكر بما في قلوبهم من الذوق والوجد مع سقوط التمييز والعقل ويفرقون ~~بين الصحو والسكر # والسكر لهؤلاء هو من جنس الاغماء والغشي الحاصل عند السماع الذي حدث في ~~بعض التابعين من البصريين وغيرهم فإن لسكر والاغماء والغشي كلها زوال العقل ~~والتمييز لكن تفترق اسبابها واذواقها فقد يكون احد الذوقين والوجدين عن ~~محبة ولذة وقد يكون عن خشية والم وقد يكون عن عجز عن الاداراك لفرط العظمة ~~التي تجلت للإنسان كما وقع لموسى عليه السلام # فهذه الامور يجب ان يعرف انها ليست كمالا مطلقا كالفناء لكن يحمد ما فيها ~~من الامور المحمودة الايمانية من ذوق او وجد # PageV02P163 # ايماني مشروع او محبة ايمانية اوخشية ايمانية ولا يحمد منها ما زاد على ~~المستحب وما شغل عن ما هو احب منه # ويذم منها ما تضمن ترك واجب من علم او عمل اوفعل محرم لكن اذا كان ~~المذموم بغير تفريط من العبد ولا عن عدوان منه لم يذم منه # وكما ذكرت مثل ذلك في قاعة المولهين وعقلاء المجانين والمغلوبين في ~~احوالهم ومن يسلم اليه حاله ومن لا يسلم اليه حاله فإن السكر نوع من الغلبة ~~ويذم من لم يحصل له من هذه الاحوال ما يجب حصوله كما ينقص من عدم منها ما ~~يستحب حصوله فهكذا يجب التفصيل في هذه الاحوال والله اعلم ### | فصل فقد تبين ان احد وصفي السكر منفعة في الاصل والوصف الاخر اثم كما # قال تعالى عن الخمر {قل فيهما إثم كبير ms289 ومنافع للناس وإثمهما أكبر من ~~نفعهما} سورة البقرة 219 وقد يقترن باللذة ما يمنع ان تكون مصلحة اذا ~~استعين بها على اثم وعدوان كما يستعان بالاكل والشرب على الكفر والفسوق ~~والعصيان وقد يقترن # PageV02P164 # بعدم العقل ما يمنع ان يكون مفسدة اذا استعين به على ترك الاثم والعدوان # فالاصل حمد علم القلب وذوقه ولذته ما لم يشتمل على مفسدة راجحة بل وذوق ~~الجسم ولذته مع علم القلب وعقله لأن هذه كلها خيرات فإن العلم خير وذوق ~~القلب خير واللذة به خير لكن قد يعارضها ما يجعلها شرا # واذا لم يجتمع التمييز واللذة بل اما صحو بلا لذة او لذة بلا صحو فقد ~~يترجح هذا تارة وهذا تارة فأما المؤمنون فالصحو خير لهم فإن السكر يصدهم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة ويوقع بينهم العداوة والبغضاء وكذلك العقل خير لهم ~~لأنه يزيدهم ايمانا # واما الكفار فزوال عقل الكافر خير له وللمسلمين اما له فلأنه لا يصده عن ~~ذكر الله وعن الصلاة بل يصده عن الكفر والفسق واما للمسلمين فلأن السكر ~~يوقع بينهم العداوة والبغضاء فيكون ذلك خيرا للمؤمنين وليس هذا اباحة للخمر ~~والسكر ولكنه دفع لشر الشرين بأدناهما # ولهذا كنت امر اصحابنا ان لا يمنعوا الخمر عن اعداء # PageV02P165 # المسلمين من التتار والكرج ونحوهم واقول اذا شربوا لم يصدهم ذلك عن ذكر ~~الله وعن الصلاة بل عن الكفر والفساد في الارض ثم انه يوقع بينهم العداوة ~~والبغضاء وذلك مصلحة للمسلمين فصحوهم شر من سكرهم فلا خير في اعانتهم على ~~الصحو بل قد يستحب او يجب دفع شر هؤلاء بما يمكن من سكر وغيره # فهذا في حق الكفار ومن الفساق الظلمة من اذا صحا كان في صحوه من ترك ~~الواجبات واعطاء الناس حقوقهم ومن فعل المحرمات والاعتداء في النفوس ~~والاموال ما هو اعظم من سكره فإنه اذا كان يترك ذكر الله والصلاة في حال ~~سكره ويفعل ما ذكرته في حال صحوه وإذا كان في حال صحوه يفعل حروبا وفتنا لم ~~يكن في شربه ما هو ms290 اكثر من ذلك ثم اذا كان في سكره يمتنع عن ظلم الخلق في ~~النفوس والاموال والحريم ويمسح ببذل اموال تؤخذ على وجه فيه نوع من التحريم ~~ينتفع بها الناس كان ذلك اقل عذابا ممن يصحو فيعتدى على الناس في النفوس ~~والاموال والحريم ويمنع الناس الحقوق التي يجب اداؤها # PageV02P166 # فالحاصل انه تجب الموازنة بين الحسنات والسيئات التي تجتمع في هذا الباب ~~وامثاله وجودا وعدما كما قررت مثل ذلك في قاعدة تعارض السيئات والحسنات فان ~~السكر والصحو قد يكونان من هذا الباب وهكذا الكسر والصحو في الأذواق ~~الايمانية والمواجيد العرفانية # فمن السالكين من اذا حصل له سكر حصل له فيه منفعة وايمان وان كان فيه من ~~النقص وعدم التمييز مما يحتاج معه الى العقل ما فيه فيكون خيرا من صحو ليس ~~فيه الا الغفلة عن ذكر الله وقسوة القلوب والكفر والفسوق والخيلاء ونحو ذلك ~~من ترك الحسنات وفعل السيئات # واما الصحو المشتمل على العلم والايمان وتذوق صاحبه طعم الايمان ووجد ~~حلاوته فهو خير من السكر بلا شك فعليك بالموازنة في هذه الاحوال والاعمال ~~الباطنة والظاهرة حتى يظهر لك التماثل والتفاضل وتناسب احوال اهل الاحوال ~~الباطنة لذوي الاعمال الظاهرة لا يسما في هذه الازمان المتأخرة التي غلب ~~فيها خلط الاعمال الصالحة بالسيئة في جميع الاصناف لنرجح عند الازدحام ~~والتمانع خير الخيرين وندفع عند الاجتماع شر الشرين # PageV02P167 # ونقدم عند التلازم تلازم الحسنات والسيئات ما ترجح منها فإن غالب رؤوس ~~المتأخرين وغالب الامة من الملوك والامراء والمتكلمين والعلماء والعباد ~~واهل الاموال يقع غالبا فيهم ذلك # واما الماشون على طريقة الخلفاء الراشدين فليسوا اكثر الأمة ولكن على ~~هؤلاء الماشين على طريقة الخلفاء ان يعاملوا الناس بما امر الله به ورسوله ~~من العدل بينهم واعطاء كل ذي حق حقه واقامة الحدود بحسب الامكان اذ الواجب ~~هو الامر بالمعروف وفعله والنهي عن المنكر وتركه بحسب الامكان فإذا عجز ~~اتباع الخلفاء الراشدين عن ذلك قدموا خير الخيرين حصولا وشر الشرين دفعا ~~والحمد لله رب العالمين ### | فصل قال الله تعالى ms291 لما اهبط آدم ومن معه الى الارض # قلنا اهبطا منها جميعا فأما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ~~ولا فيها يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب النار هم فيه ~~خالدون سورة البقرة 38 39 # وقال تعالى فاما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن ~~اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة اعمى قال رب لم حشرتني ~~اعمى وقد كنت # PageV02P168 # بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا فسيتها وكذلك اليوم تنسى سورة طه 123 126 # وقال قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين قال ~~فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا ~~يواري سؤاتكم وريشسا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من ايات الله لعلهم يذكرون ~~يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوءاتهما انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم انا جعلنا ~~الشياطين اولياء للذين لا يؤمنون سورة الاعراف 24 27 # فأخبر سبحانه بنعمته على بني آدم بما انزله من اللباس الذي يواري سواءتهم ~~ومن الريش وانزاله له كما قال وانزلنا الحديد سورة الحديد 25 {وأنزل لكم من ~~الأنعام} سورة الزمر 6 # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما انزل الله داء الا ~~انزل له شفاء # PageV02P169 # واخبر سبحانه ان لباس التقوى خير من هذا اللباس كما قال لما امرهم بالزاد ~~فقال {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} سورة البقرة 197 فهما لباسان وزادان # ثم قال يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة ينزع ~~عنهما لباسهما ليريهما من سوءاتهما سورة الاعراف 27 فنهى بنى آدم أن ~~يفتتنوا بفتنة الشيطان كما فتن أبويهما وذلك بمعصية الله وطاعة الشيطان في ~~خلاف أمر الله ونهيه وأنه لما نزع عن الأبوين لبأسهم فكذلك قد ينزع عن ~~الذرية لباس التقوى ولباس البدن ليريها سوءاتهما # قال تعالى أنه يراكم هو وقبيلة من حيث لا يرونهم ms292 إنا جعلنا الشيطان ~~أولياء للذين لا يؤمنون سورة الأعراف 27 فأخبر # PageV02P170 # ان الشياطين اولياء للذين لا يؤمنون بهدى الله الذي بعث به رسله # كما قال ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وانهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم مهتدون حتى اذا جاءنا قال يا ليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين سورة الزخرف 36 38 # وكذلك قال الشيطان فبعزتك لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين سورة ~~ص 82 83 قال هذا صراط على مستقيم ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك ~~من الغاوين سورة الحجر 41 42 وقال انه ليس له سلطان على الذين امنوا على ~~ربهم يتوكلون انما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون سورة ~~النحل 99 100 # وقال {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم ~~لمشركون} سورة الانعام 121 # ثم اخبر عن اولياء الشيطان الذين لا يؤمنون فقال {وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون ~~على الله ما لا تعلمون} سورة # PageV02P171 # الاعراف 28 فقولهم والله امرنا بها يقتضي انهم متدينون بها يرونها عبادة ~~وطاعة كما كان مشركو العرب يطوفون بالبيت عراة ويقولون لا نطوف في الثياب ~~التي عصينا الله فيها إلا الحمس قريش وحلفاؤها فكانوا يطوفون في ثيابهم ~~وكان غيرهم قد يطوف في ثياب احمسى ان حصل له ذلك والا طاف عريانا حتى كانت ~~المرأة تطوف عريانة وربما سترت فرجها بيدها وتقول ... اليوم يبدو بعضه او ~~كله ... وما بدا منه فلا احله ... # وكان من طاف في ثيابه من الحمس القاها فسميت لقى وحرمت عليه # وكانوا ايضا في الاحرام لا يأكلون من الدهن الذي في الانعام ولهذا لما ~~فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة وغزا تبوك # PageV02P172 # انزل الله براءة وامره الله بالبراءة الى اهل العهد المطلق من الشرك ~~وبسيرهم في الارض اربعة اشهر # وقال {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} سورة ~~التوبة 5 فبعث النبي صلى ms293 الله عليه وسلم ابا بكر الصديق اميرا على الحاج ~~وامره ان ينادي ان لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف عريان فكانوا يصرخون بها ~~من الموسم كما ثبت ذلك في الصحيح وغيره في حديث ابي هريرة وغيره وهو من ~~المتواتر واردفه النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن ابي طالب ان لا ينبذ ~~للمعاهدين عهودهم لأن عادتهم كانت ان لا يقبلوا بنبذ العهد وحله الا من ~~الكبير او بعض اهل بيته فأخرهم النبي صلى الله عليه وسلم اذ ذاك على عادتهم ~~ليقبلوا ذلك وكان ابو بكر هو الامام الذي يقيم للناس مناسكهم ويصلي بهم ~~ويحكم فيهم وعلى معه ليبلغ رسالة البراءة الى اهل العهود # PageV02P173 # فكان اولياء الشيطان اذا فعلوا هذه الفاحشة وهي ابداء السوءات في الطواف ~~يحتجون بشيئين يقولون {وجدنا عليها آباءنا} وهذا هو الرجوع الى العادة ~~والاتباع والتقليد للأسلاف ويقولون {والله أمرنا بها} وهذا قول بغير علم # PageV02P174 # ولهذا قال تعالى قل ان الله لا يأمر بالفحشاء سورة الاعراف 28 فان ~~الفحشاء قبيحة منكرة تنكرها القلوب بفطرتها والله لا يأمر بمنكر وهذا يقتضي ~~ان الافعال القبيحة السيئة تكون على صفات تمنع معها ان الله يأمر بها وفي ~~هذا نزاع معروف بين الناس بيناه في غير هذا الموضع # ثم قال {أتقولون على الله ما لا تعلمون} سورة الاعراف 28 أي اتقولون انه ~~امر بهذا وانتم لا تعلمون انه امر به اذ ليس معكم الا عادة ابائكم ودينكم ~~وانتم لا تعلمون ان الله انزل بهذا سلطانا # فهذه الاية يدخل فيها كل من تعبد بفاحشة وامر منكر وان احتج بالعادة التي ~~لسلفه او زعم ان الله يأمر بذلك او لما يذكره من الاسباب كقول مشركي العرب ~~هذه الثياب عصينا الله فيها فلا نطوف له فيها يريدون وقت العبادة ان ~~يجتنبوا ثياب المعصية # وكذلك تقسيمهم الناس الى قسمين حمس وغير حمس # PageV02P175 # واباحتهم للحمس ما يحرم على غيرهم من الطواف في الثياب ومن الطعام وعدم ~~دخول البيوت المنقوبة في الاحرام من ابوابها واسقاطهم عن الحمس ms294 الافاضة من ~~عرفة بالافاضة من مزدلفة # فمن هذا الباب ما يدعي قوم من اشراف بني هاشم ومن يزعمون انهم منهم ~~لموافقتهم لهم على رأي كالتشيع وغيره انهم مختصون به في العبادات ~~والمحظورات فهذا نظير ما كانت الحمس تدعيه # PageV02P176 # ومن هذا الباب ما يفعله قوم من المتزهدة من كشف سوءاتهم في سماعاتهم ~~وحماماتهم او غير ذلك ويقولون هذا طريقنا وهذا في طريقنا فهذا مثل قولهم ~~{وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} # وابلغ من ذلك تعبد طوائف من المتزهدة والمتعبدة بمعاشرة الاحداث المردان ~~والنساء الاجانب والنظر اليهم والخلوة بهم والمحبة والهوى فيهم وبما قد ~~يكون وقد لا يكون وراء ذلك من الفاحشة الكبرى # وهذا ابتدأه المشركون من الصابئة وغير الصابئة الذين هم اولياء الشياطين ~~الذين هم مشركون كما ذكر ابن سينا في إشاراته وزعم انه مما يعين على السلوك ~~والتأله العشق العفيف واستماع الاصوات الملحنة كما ذكر ايضا الشرك بعبادة ~~الصور ويذكر هو وطائفته عبادة الكواكب # وهذا في النصارى ايضا منه جانب قوي وهم ايضا قد ابتدعوا شركا لم ينزل ~~الله به سلطانا كما قال تعالى اتخذوا احبارهم # PageV02P177 # {ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا ~~إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} سورة التوبة 31 # ولهذا كثر هذا في طوائف الزهاد والعباد من هذه الامة من المبتدعة ~~الخارجين عن الشريعة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم من هذا الوجه وان ~~كانوا من وجه اخر داخلين فيها # فهذا شأن الطرائق المبتدعة كلها يجتمع فيها الحق والباطل ومن المعلوم ان ~~هذا الذي يفعلونه من الفواحش الظاهرة او الباطنة # وقد قال تعالى قال انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم ~~والبغي بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون سورة الاعراف 33 # وقال تعالى {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} سورة الانعام 120 # وقد قال في الصحيحين عن ابن عباس ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ms295 ~~انه قال العينان تزنيان وزناهما النظر الاذنان تزنيان وزناهما السمع ~~واللسان يزني وزناه النطق والقلب يتمنى ذلك ويشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه # PageV02P178 # فما كان من السمع والبصر واللسان في هذا الباب فهومن زناه والزنا من ~~الفواحش والله لا يأمر بالفحشاء فالله تعالى لا يأمر ان يعبده ويتقرب اليه ~~بالعشرة للمردان الصباح والنظر اليهم والاصغاء الى كلامهم ونحو ذلك اتقولون ~~على الله مالا تعلمون سورة الاعراف 28 # بل قد حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وان اتي هذه الفواحش معتقدا ~~تحريمها فهو من المسلمين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~ابي ذر من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وان زنا وان سرق # فإن المسلم الذي يأتي بفاحشة اما ان يتوب الى الله ويستغفره فيدخل في ~~قوله والذين اذا فعلوا فاحشة او ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~ومن يغفر الذنوب الا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون اولئك جزاؤهم ~~مغفرة من # PageV02P179 # {ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين} سورة ~~ال عمران 135 136 وقال تعالى {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله ~~يجد الله غفورا رحيما} سورة النساء 110 # وقال تعالى {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات} سورة هود 114 # وفي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ان رجلا اصاب من ~~امرأة قبله فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل عليه ~~{وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} الاية ~~سورة هود 114 قال الرجل الى هذه الاية قال لمن عمل بها من امتي # وقد قال تعالى {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم ~~يغفرون} سورة الشورى 37 # PageV02P180 # وقال {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع ~~المغفرة} سورة نجم 32 قال ابن عباس ما رأيت شيئا اشبه باللمم مما قال ابو ~~هريرة عن النبي صلى ms296 الله عليه وسلم ان العينين تزنيان وزناهما النظر وذكر ~~الحديث # والمسلم اذا اتى الفاحشة لا يكفر وان كان كمال الايمان الواجب قد زال عنه ~~كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين ~~يشربها # PageV02P181 # وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس اليه فيها ابصارهم وهو مؤمن # فأصل الايمان معه وهو قد يعود الى المعصية ولكنه يكون مؤمنا اذا فارق ~~الدنيا كما في الصحيح عن عمر ان رجلا كان يدعي حمارا وكان يشرب الخمر وكان ~~كلما اتي به الى النبي صلى الله عليه وسلم امر بجلده فقال رجل لعنه الله ما ~~اكثر ما يؤتى به الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله فشهد له بأنه يحب الله ورسوله ونهى عن ~~لعنته كما تقدم في الحديث الاخر الصحيح وان زنا وان سرق # وذلك ان معه اصل الاعتقاد ان الله حرم ذلك ومعه خشيه عقاب الله ورجاء ~~رحمة الله وايمانه بأن الله يغفر الذنب ويأخذ به فيغفر الله له به # كما في الصحيح عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P182 # وقال اذنب عبد ذنبا فقال أي رب اني اذنبت ذنبا فاغفر لي فقال ربه علم ~~عبدي ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم اذنب ذنبا اخر فقال ~~أي رب اذنبت ذنبا فاغفره لي فقال ربه علم عبدى أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ ~~به قد غفرت لعبدى ثم أذنب ذنبا آخر فقال أي رب قد اذنبت ذنبا فاغفره لي ~~فقال علم عبدي ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء # وكذلك في الصحاح من غير وجه حديث الذي لم يعمل خيرا قط وقال لأهله اذا ~~انا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في يوم ريح الحديث فقال الله له ms297 ما ~~حملك على ما فعلت قال خشيتك يا رب فغفر الله له بتلك الخشية # وكذلك من افضل اعمال المؤمن التوبة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للغامريه التي اقرت بالزنا حتى رجمها لقد # PageV02P183 # تابت توبة لو تابها مكس لغفر له وهل وجدت توبة افضل من ان جادت بنفسها ~~لله # وحديث صلاة التوبة محفوظ في السنن عن علي عن ابي بكر الصديق عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم انه قال ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويحسن الوضوء ثم يصلي ~~ركعتين ويستغفر الله الا غفر له وقرأ هذه الاية والذين اذا فعلوا فاحشة او ~~ظلموا انفسهم ذكروا الله سورة آل عمران 135 # وهذا باب واسع فان الذنوب التي يبتلى بها العباد يسقط عنهم # PageV02P184 # عذابها اما بتوبة تجب ما قبلها واما باستغفار واما بحسنات يذهبن السيئات ~~واما بدعاء المسلمين وشفاعتهم او بما يفعلونه له من البر واما بشفاعة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وغيره فيه يوم القيامة واما ان يكفر الله خطاياه بما ~~يصيبه من المصائب فقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ان ما يصيب المسلم ~~من اذى شوكة فما فوقها الا حط الله بها خطاياه كما تحط الشجرة اليابسة ~~ورقها # واصناف الحسنات التي تكفر بها السيئات كثيرة اكثر من السيئات من انواع ~~البر جميعها كما جاء ذلك في الاحاديث النبوية المطابقة لكتاب الله تعالى # واهل السنة والجماعة متفقون على انه لا يكفر المسلم بمجرد # PageV02P185 # الذنب كما يقوله الخوارج ولا انه يخرج من الايمان بالكلية كما يقوله ~~المعتزلة لكن ينقص الايمان ويمنع كماله الواجب وان كانت المرجئة تزعم ان ~~الايمان لا ينقص ايضا فمذهب اهل السنة المتبعون للسلف الصالح ان الايمان ~~يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية # فأما استحلال ما حرم الله ورسوله من الفواحش وغيرها فهو كفر وبمثله اهلك ~~الله قوم لوط الذين استحلوا الفاحشة وفعلوها معلنين بها مستحلين لها قال ~~تعالى فلما جاء امرنا جعلنا عاليها سافلها وامطرنا عليها حجارة من سجيل ~~منضود مسومة عند ربك وما هي من ms298 الظالمين ببعيد سوة هود 82 83 # وقد روى عن قتادة من الظالمين من هذه الامة وقد روى انه يكون فيها خسف ~~وقذف ومسخ # PageV02P186 # وقد شرع الله سبحانه في شريعة اهل التوراة وشريعة اهل القرآن رجم الزاني ~~المحصن بالحجارة كما رجم الله اهل الفاحشة واما اهل الفاحشة واللوطية ~~فيرجمان سواء كانا بكرين او ثيبين عند جمهور العلماء كما رجم الله قوم لوط ~~وليس في الذنوب ما يعاقب اهله بالرجم الا اهل هذه الفاحشة # وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم غير واحد رجم اليهوديين ورجم ما عز بن ~~مالك ورجم الغامدية ورجم اخر وكذلك رجم خلفاؤه الراشدون ايضا # وكذلك ما يعاقب الله به اهل ذلك كما روى البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما ~~به وهو داخل في الصحيح الذي شرطه عن عبد الرحمن بن غنم الاشعري انه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليكونن من امتي اقوام يستحلون الحر والحرير ~~والخمر والمعازف ولينزلن اقوام الى جنب علم يروح عليها بسارحة لهم يأتيهم ~~لحاجتهم فيقولون ارجع الينا غدا فيبيتهم الله # PageV02P187 # ويضع العلم ويمسخ اخرين قردة وخنازير الى يوم القيامة # فالعقوبة بما عوقبت به الامم المتقدمة من قذف ومسخ وخسف انما يكون لمن ~~شاركهم فاستحل ما حرمه الله ورسوله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليكونن من امتي اقوام يستحلون ثم قد يستحل بعضهم بعض انواع الخمر بتأويل ~~كما استحل ذلك اهل الكوفة كما روى في الحديث ليكونن من امتي اقوام يستحلون ~~الخمر يسمونها باسم غير اسمها # PageV02P188 # فالاستحلال الذي يكون من موارد الاجتهاد وقد أخطأ المستحل في تأويله مع ~~ايمانه وحسناته هو مما غفره الله لهذه الامة من الخطأ في قوله ربنا لا ~~تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا سورة البقرة 286 كما استحل بعضهم بعض انواع ~~الربا واستحل بعضهم نوعا من الفاحشة وهو اتيان النساء في حشوشهن واستحل ~~بعضهم بعض انواع الخمر واستحل بعضهم استماع المعازف واستحل بعضهم من دماء ~~بعض بالتأويل ما استحل # فهذه المواضع التي تقع من اهل الايمان والصلاح ms299 تكون سيئات مكفرة او ~~مغفورة او خطأ مغفورا ومع هذا فيجب بيان ما دل عليه الكتاب والسنة من الهدي ~~ودين الحق والامر بذلك والنهي عن خلافة بحسب الامكان # ثم هذه الامور التي كانت من اولئك تكثر وتتغلظ في قوم اخرين بعدهم حتى ~~تنتهي بهم الى استحلال محارم الله والخروج عن دين الله واذا تغلظت هذه ~~الامور عاقب الله اصحابها بما يشاء # PageV02P189 # وقد كان بعض الصحابة ظن ان الخمر حرمت على العامة دون الذين امنوا وعملوا ~~الصالحات فشربها متأولا فأحضره عمر واتفق هو وائمة الصحابة كعلي وغيره على ~~انهم ان اصروا على استحلالها كفروا وان اقروا بالتحريم جلدوا فأقروا ~~بالتحريم ثم حصل لذلك نوع من اليأس والقنوط لما فعل فكتب اليه عمر حم تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب سورة ~~غافر 1 3 واظنه قال ما ادري أي ذنبيك اعظم اسحلالك الرجس ام يأسك من رحمة ~~الله # وهذا من علم امير المؤمنين وعدله فإن الفقيه كل الفقيه لا يؤيس الناس من ~~رحمة الله ولا يجرئهم على معاصي الله واستحلال المحرمات كفر واليأس من رحمة ~~الله كفر # ولهذا كان دين الله بين الحرورية والمرجئة فالمسلم يذنب ويتوب كما ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه يا عبادي انكم تخطئون ~~بالليل والنهار وانا اغفر الذنوب فاستفغروني اغفر لكم # PageV02P190 # وفي صحيح مسلم عنه ايضا من حديث ابي هريرة قال والذي نفسي بيده لو لم ~~تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ونحوه في ~~الصحيح من رواية ابي ايوب # وقال لعائشة لما قيل فيها الإفك يا عائشة ان كنت الممت بذنب فاستغفري ~~الله وتوبى اليه فإن العبد اذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه وان كنت ~~برئية فسيبرئك الله # PageV02P191 # وفي الصحيح عن جندب ان النبي صلى الله عليه وسلم حدث ان رجلا قال لا يغفر ~~الله لفلان وان الله قال من الذي يتألى على اني لا أغفر لفلان فإني ms300 قد غفرت ~~لفلان واحبطت عملك # وقال الترمذي وابن ماجة عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ~~ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون # وقال ان العبد اذا اذنب نكتت في قلبه نكته سوداء فإن تاب ونزع واستغفر ~~صقل قلبه وان زاد فيها حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي قال الله تعالى فيه ~~كلا بل ران على # PageV02P192 # قلوبهم ما كانوا يكسبون سورة المطففين 14 وفي صحيح مسلم عن ابي موسى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ~~ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها وهذا الباب ~~واسع # والله تعالى يقبل توبة العبد من جميع الذنوب الشرك فما دونه كما قال ~~تعالى يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم الاية سورة الزمر 53 # وقال ان الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا الاية سورة البروج ~~10 # وقال تعالى فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ~~سورة التوبة 11 # PageV02P193 # وقال تعالى لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة وما من اله الا اله ~~واحد وان لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم افلا ~~يتوبون الى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم سورة المائدة 73 74 # وقال قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف سورة الانفال 38 # فمن تاب من هذه الاعتقادات الفاسدة وهو استحلال شيء من المحرمات او ~~التدين بشيء منها قبل الله توبته واما من استحل ذلك او تدين به وان لم ~~يفعله فالذي يفعل ذلك وهو معتقد للتحريم خير منه فإن هذا مؤمن مذنب واما ~~الاستحلال لها والتدين بها فهو كفر # فأما اهل الاباحة الذين لا يحرمون شيئا من الفواحش وغيرها فهؤلاء كفار من ~~اعظم الناس كفرا # وكذلك استحلال التلو مثل من يظن ان قوله او ما ملكت ايمانكم سورة النساء ~~3 يتناول الذكران او يظن قوله ولعبد مؤمن خير من مشرك سورة البقرة 221 هو ~~في الموطوء لا ms301 # PageV02P194 # في الزوج او يظن ان ذلك يباح في السفر او بعد اربعين يوما او نحو ذلك ~~فهذا يكفر بإجماع المسلمين # ومثل هؤلاء قد يعاقبهم الله بما عاقب به قوم لوط وقد يحشر معهم لأن دينه ~~دينهم بخلاف المقر بتحريم ذلك فإنه مسلم # واما التدين بذلك فهو اعظم من استحلاله وهؤلاء المتدينون ما يكادون ~~يتدينون بنفس فعل الفاحشة الكبرى ولكن بمقدماتها من النظر والتلذذ به ~~والمباشرة والعشق للنسوان الاجانب والصبيان ويزعمون ان ذلك يصفي نفوسهم ~~وارواحهم ويرقيهم الى الدرجات العالية وفيهم من يزعم انه يخاطب من تلك ~~الصورة وتتنزل عليه اسرار ومعارف وفيهم من يترقى لغير ذلك فيقول انه يتجلى ~~له فيها الحقائق وربما زعم ان الله يحل فيها سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا وقد يسجدون لها # ومن هؤلاء من يزعم ان دحية الكلبي كان امردا وان جبريل كان يأتي النبي ~~صلى الله عليه وسلم في صورة امرد ويقول له ما احب ان تأتيني الا في صورة ~~امرد # وفيهم من يتأول قوله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في # PageV02P195 # أحسن صورة وفي صورة كذا وكذا ويجعل الأمرد ربه # وهؤلاء الحلولية والاتحادية منهم من يخصه بالصور الجميلة ويقول مظاهر ~~الجمال ومنهم من يقول بالاتحاد المطلق والحلول المطلق لكن هو يتخذ لنفسه من ~~المظاهر ما يحبه # PageV02P196 # فهو كما الله تعالى أرايت من أتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا سورة ~~الفرقان 43 وقال أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على ~~سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون سورة ~~الجاثية 23 # وهؤلاء يجعل أحدهم معبود من جنس موطوئة وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليها اباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاءأتقولون على الله ~~مالا تعلمون سورة الأعراف قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن # PageV02P197 # تقولوا على الله ما لا تعلمون سورة الاعراف 33 # وكثير ms302 من هؤلاء انما ينكر بكلامه اباحة ذلك التعبد به ولكن حاله حال من ~~يتعبد به حتى انهم يتواصون فيما بينهم بأن المريد السالك ينبغي ان يتخذ ~~لنفسه صورة يجتمع عليها ثم يترقى منها الى الله او انه يشاهد فيها الله ### | فصل في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر # الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي انزل الله به # PageV02P198 # كتبه وارسل به رسله وهو من الدين فان رسالة الله اما اخبار واما انشاء # فالاخبار عن نفسه عز وجل وعن خلقه مثل التوحيد والقصص الذي يندرج فيه ~~الوعد والوعيد والانشاء الامر والنهي والاباحة # وهذا كما ذكر في الحديث ان قل هو الله احد سورة الاخلاص تعدل ثلث القرآن ~~لتضمنها الثلث الذي هو التوحيد لأن القرآن توحيد وامر وقصص # وقوله سبحانه في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالمعروف وينهاهم ~~عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث سورة الاعراف 157 هو لبيان ~~كمال رسالته فإنه صلى الله عليه وسلم هو الذي امر الله على # PageV02P199 # لسانه بكل معروف ونهى عن كل منكر واحل كل طيب وحرم كل خبيث # ولهذا روى عنه صلى الله عليه وسلم انه قال انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق ~~وقال في الحديث المتفق عليه أنما مثلى ومثل الانبياء كمثل رجل بنى دارا ~~فأتمها وأكملها الا موضع لبنة فكان الناس يطيفون بها ويعجبون من حسنها ~~ويقولون # PageV02P200 # لولا موضع اللبنة فأنا تلك اللبنة فبه أكمل الله الدين المتضمن للأمر بكل ~~معروف والنهي عن كل منكر واحلال كل طيب وتحريم كل خبيث # واما من كان قبله من الرسل فقد كان يحرم على اممهم بعض الطيبات كما قال ~~الله تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم سورة النساء ~~160 وربما لم يحرم عليهم جميع الخبائث كما قال تعالى كل الطعام كان حلا ~~لبني اسرائيل الا ما حرم اسرائيل على نفسه من قبل ان تنزل التوراة سورة آل ~~عمران 93 # وتحريم الخبائث يندرج في معنى النهي عن المنكر كما ان احلال الطيبات ms303 ~~يندرج في معنى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن تحريم الطيبات هو مما ~~نهى الله عنه وكذلك # PageV02P201 # الأمر بجميع المعروف والنهي عن كل منكر مما لم يتم الا للرسول الذي تمم ~~الله به مكارم الاخلاق المندرجة في المعرفة # وقد قال الله تعالى اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الاسلام دينا سورة المائدة فقد اكمل الله لنا الدين واتم علينا النعمة ورضي ~~لنا الاسلام دينا # وكذلك وصف الله الامة بما وصف به نبيها حيث قال كنتم خير امة اخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله سورة آل عمران 110 وقال ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~سور التوبة 71 # ولهذا قال ابو هريرة رضي الله عنه كنتم خير الناس # PageV02P202 # للناس تأتون بهم في الاقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة فبين الله سبحانه ~~ان هذه الامة خير الامم للناس فهم انفعهم لهم وأعظمهم أحسانا إليهم لأنهم ~~كملوا أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر من جهة الصفة والقدر حيث امروا ~~بكل معروف ونهوا عن كل منكر لكل احد واقاموا ذلك بالجهاد في سبيل الله ~~بأنفسهم واموالهم وهذا كمال النفع للخلق # وسائر الامم لم يأمروا كل احد بكل معروف ولا نهوا كل احد عن كل منكر ولا ~~جاهدوا على ذلك بل منهم من لم يجاهدوا والذين جاهدوا كبنى اسرائيل فغاية ~~جهادهم كان لدفع عدوهم من ارضهم كما يقاتل الصائل الظالم لا لدعوة ~~المجاهدين الى الهدى والخير ولا لأمرهم بالمعروف # PageV02P203 # ونهيهم عن المنكر كما قال موسى لقومه ياقوم ادخلوا الارض المقدسة التي ~~كتب الله لكم ولا ترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى ان ~~فيها قوما جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا ~~داخلون الى قوله فاذهب انت وربك فقاتلا انا ها هنا قاعدون سورة المائدة ~~2421 # وكما قال تعالى الم تر الى الملا من بني اسرائيل من بعد موسى اذ قالوا ~~لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال ms304 هل عسيتم ان كتب عليكم ~~القتال الا تقاتلوا قالوا وما لنا الا نقاتل في سبيل الله وقد اخرجنا من ~~ديارنا وابنائنا سورة البقرة 246 فعللوا القتال بأنهم اخرجوا من ديارهم ~~وابنائهم ومع هذا كانوا ناكلين عما امروا به من ذلك ولهذا لم تحل الغنائم ~~لهم ولم يكونوا يطؤون بملك اليمين # PageV02P204 # ومعلوم ان اعظم الامم المؤمنين قبلنا هم بنو اسرائيل كما جاء في الحديث ~~المتفق على صحته في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال خرج علينا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال عرضت على البارحة الانبياء بأممهم فجعل يمر ~~النبي ومعه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه احد ~~ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق وفي رواية فإذا الطريق ممتلئة بالرجال فرجوت ان ~~يكون امتي فقلت هذه امتي فقيل هذا موسى في بني اسرئيل ولكن انظر هكذا وهكذا # PageV02P205 # فرأيت سوادا كثيرا قد سد الافق فقيل هؤلاء امتك ومع هؤلاء سبعون الفا ~~يدخلون الجنة بغير حساب فتفرق الناس ولم يتبين لهم فتذاكر اصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا اما نحن فولدنا في الشرك ولكنا امنا بالله ورسوله ~~ولكن هؤلاء أبناؤنا فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال هم الذين لا يكتوون ~~ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال امنهم ~~انا يا رسول الله قال نعم فقام اخر فقال امنهم انا فقال سبقك بها عكاشة # ولهذا كان اجماع هذه الامة حجة لأن الله قد اخبر انهم # PageV02P206 # يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر فلو اتفقوا على اباحة محرم او اسقاط ~~واجب او تحريم حلال او اخبار عن الله او خلقه بباطل لكانوا متصفين بالامر ~~بمنكر والنهي عن معروف والامر بالمنكر والنهي عن المعروف ليس من الكلم ~~الطيب والعمل الصالح بل الاية تقتضي ان ما لم تأمر به الأمة فليس من ~~المعروف وما لم تنه عنه فليس من المنكر واذا كانت امرة بكل معروف ناهية عن ~~كل منكر فكيف يجوز ان تأمر كلها بمنكر ms305 او تنهي كلها عن معروف # والله سبحانه وتعالى كما اخبر بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فقد ~~اوجب ذلك على الكفاية منها بقوله ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون سورة آل عمران 104 # واذا اخبر بوقوع الامر بالمعروف والنهي عن المنكرمنها # PageV02P207 # لم يكن من شرط ذلك ان يصل امر لامر ونهى الناهي منها الى كل مكلف في ~~العالم اذ ليس هذا من شرط تبليغ الرسالة فكيف يشترط فيما هو من توابعها بل ~~الشرط ان يتمكن المكلفون من وصول ذلك اليهم ثم اذا فرطوا فلم يسعوا في ~~وصوله اليهم مع قيام فاعله بما يجب عليه كان التفريط منهم لا منه # وكذلك وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على كل احد بعينه بل ~~هو على الكفاية كما دل عليه القرآن ولما كان الجهاد من تمام ذلك كان الجهاد ~~ايضا كذلك فإذا لم يقم به من يقوم بواجبه اثم كل قادر بحسب قدرته اذ هو ~~واجب على كل انسان بحسب قدرته # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم ~~يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان # PageV02P208 # واذ كان كذلك فمعلوم ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واتمامه بالجهاد ~~هو من اعظم المعروف الذي امرنا به ومن النهي عن المنكر اقامة الحدود على من ~~خرج من شريعة الله ويجب على اولى الامر وهم علماء كل طائفة وامراؤها ~~ومشايخها ان يقوموا على عامتهم ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر ~~فيأمرونهم بما امر الله به ورسوله مثل شرائع الاسلام وهي الصلوات الخمس في ~~مواقيتها وكذلك الصدقات المشروعة والصوم المشروع وحج البيت الحرام ومثل ~~الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والايمان بالقدر خيره ~~وشره ومثل الاحسان وهو ان تبعد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فانه يراك # ومثل ما امر الله به ورسوله من الامور الباطنة والظاهرة ومثل اخلاص الدين ~~لله والتوكل على الله وان يكون الله ms306 ورسوله احب اليه مما سواهما والرجاء ~~لرحمة الله والخشية من عذابه والصبر لحكم الله والتسليم لأمر الله # ومثل صدق الحديث والوفاء بالعهود واداء الامانات الى اهلها وبر الوالدين ~~وصلة الارحام والتعاون على البر والتقوى والاحسان الى الجار واليتيم ~~والمسكين وابن السبيل والصاحب والزوجة # PageV02P209 # والمملوك والعدل في المقال والفعال ثم الندب الى مكارم الاخلاق مثل ان ~~تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعفو عن ظلمك # ومن الامر بالمعروف كذلك الامر بالائتلاف والاجتماع والنهي عن الاختلاف ~~والفرقة وغير ذلك # واما المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله فأعظمه الشرك بالله وهو ان يدعو مع ~~الله الها اخر كالشمس والقمر والكواكب او كملك من الملائكة او نبي من ~~الانبياء او رجل من الصالحين او احد من الجن او تماثيل هؤلاء او قبورهم او ~~غير ذلك مما يدعى من دون الله تعالى او يستغاث به او يسجد له فكل هذا ~~واشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله # ومن المنكر كل ما حرمه الله كقتل النفس بغير الحق واكل اموال الناس ~~بالباطل بالغصب او بالربا او الميسر والبيوع والمعاملات التي نهى عنها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكذلك قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وتطفيف المكيال ~~والميزان والاثم والبغي وكذلك العبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك # والرفق سبييل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر # PageV02P210 # ولهذا قيل ليكن امرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر # واذا كان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من اعظم الواجبات او المستحبات ~~فالواجبات والمستحبات لا بد ان تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة اذ ~~بهذا بعثت الرسل وانزلت الكتب والله لا يحب الفساد بل كل ما امر الله به ~~فهو صلاح وقد اثنى الله على الصلاح والمصلحين والذين امنوا وعملوا الصالحات ~~وذم الفساد والمفسدين في غير موضع فحيث كانت مفسدة الامر والنهي اعظم من ~~مصلحته لم يكن مما امر الله به وان كان قد ترك واجب وفعل محرم إذ لمؤمن ~~عليه ان يتقى ms307 الله في عباد الله وليس عليه هداهم وهذا من معنى قوله تعالى ~~يا # PageV02P211 # ايها الذين امنوا عليكم انفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم سورة المائدة ~~105 # والاهتداء انما يتم بأداء الواجب فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضال ~~وذلك يكون تارة بالقلب وتارة باللسان وتارة باليد # فأما القلب فيجب بكل حال اذا لا ضرر في فعله ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ادنى او اضعف الايمان وقال ليس وراء ~~ذلك من الايمان حبه خردل وقيل لأبن مسعود رضي الله عنه من ميت الاحياء فقال ~~الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا وهذا هو # PageV02P212 # المفتون الموصوف بأن قلبه كالكوز مجخيا في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله ~~عنه في الصحيحين تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير الحديث وهنا يغلط فريقان ~~من الناس # فريق يترك ما يجب من الامر والنهي تأويلا لهذه الاية كما قال ابو بكر ~~الصديق رضي الله عنه في خطبته ايها الناس انكم تقرأون هذه الاية عليكم ~~انفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم سورة المائدة 105 وانكم تضعونها في غير ~~موضعها واني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ان الناس اذا رأوا المنكر ~~فلم يغيروه او شك ان يعمهم الله بعقاب منه # PageV02P213 # والفريق الثاني من يريد ان يأمر وينهي اما بلسانه واما بيده مطلقا من غير ~~فقه ولا حكم ولا صبر ولا نظر في ما يصلح من ذلك وما لا يصلح وما يقدر عليه ~~وما لا يقدر كما في حديث ابي ثعلبه الخشني سألت عنها اي الاية رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال بل ائتمروا بالعروف وتناهوا عن المنكر حتى اذا ~~رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودينا مؤثرة واعجاب كل ذي رأى برأيه ورأيت امرأ ~~لا يدان لك به فعليك بنفسك ودع عنك امر العوام فإن من ورائك ايام الصبر ~~الصبر فيهن مثل ms308 قبض على الجمر للعامل فيهن كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله ~~فيأتي بالأمر والنهي معتقدا انه مطيع في # PageV02P214 # ذلك لله ورسوله وهو معتد في حدوده كما نصب كثير من اهل البدع والاهواء ~~نفسه للأمر والنهي كالخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم من غلط فيما اتاه من ~~الامر والنهي والجهاد وغير ذلك فكان فساده اعظم من صلاحه # ولهذا امر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الائمة ونهى عن ~~قتالهم ما اقاموا الصلاة وقال ادوا اليهم حقوقهم وسلوا الله حقوقكم وقد ~~بسطنا القول في ذلك في غير هذا الموضع # ولهذا كان من اصول اهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الائمة ~~وترك القتال في الفتنة واما اهل الاهواء # PageV02P215 # كالمعتزلة فيرون القتال للأئمة من اصول دينهم # ويجعل المعتزلة اصول دينهم خمسة التوحيد الذي هو سلب الصفات والعدل الذي ~~هو التكذيب بالقدر والمنزلة بين المنزلتين وانفاذ الوعيد والامر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر الذي فيه قتال الائمة وقد تكلمت على قتال الائمة في ~~غيرهذا الموضع # وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما اذا تعارضت المصالح والمفاسد ~~والحسنات والسيئات او تزاحمت فانه يجب ترجيح الراجح منها فيما اذا ازدحمت ~~المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد فإن الأمر والنهى وإن كان ~~متضمنا لتحصل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من ~~المصالح او يحصل من المفاسد اكثر لم يكن مأمورا به بل يكون محرما اذا كانت ~~مفسدته اكثر من مصلحته # PageV02P216 # لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الانسان ~~على اتباع النصوص لم يعدل عنها ولا اجتهد رأيه لمعرفة الاشباه والنظائر وقل ~~ان تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الاحكام # وعلى هذا اذا كان الشخص اوالطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون ~~بينهما بل اما ان يفعلوهما جميعا او يتركوهما جميعا لم يجز ان يؤمروا ~~بمعروف ولا ان ينهوا عن منكر بل ينظر فإن كان المعروف اكثر امر به وان ~~استلزم ما هو دونه من المنكر ولم ينه عن ms309 منكر يستلزم تفويت معروف اعظم منه ~~بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وزوال فعل الحسنات # وان كان المنكر اغلب نهي عنه وان استلزم فوات ما هو # PageV02P217 # دونه من المعروف ويكون الامر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه ~~امرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله # وان تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما فتارة ~~يصلح الامر وتارة يصلح النهي وتارة لا يصلح لا امر ولا نهي حيث كان المنكر ~~والمعروف متلازمين وذلك في الامور المعينة الواقعة # واما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا وينهى عن المنكر مطلقا وفي ~~الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها ويحمد ~~محمودها ويذم مذمومها بحيث لا يتضمن الامر بمعروف فوات معروف اكبر منه او ~~حصول منكر فوقه ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو انكر منه او فوات ~~معروف ارجح منه # PageV02P218 # واذا اشتبه الأمر استثبت المؤمن حتى يتبين له الحق فلا يقدم على الطاعة ~~الا بعلم ونية واذا تركها كان عاصيا فترك الامر الواجب معصية وفعل ما نهى ~~عنه من الامر معصية وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة الا بالله # ومن هذا الباب اقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن ابي وامثاله ~~من ائمة النفاق والفجور لما لهم من الاعوان فإزالة منكره بنوع من عقابه ~~مستلزمة ازاله معروف اكبر من ذلك بغضب قومه وحميتهم وبنفور الناس اذا سمعوا ~~ان محمدا يقتل اصحابه # ولهذا لما خطب الناس في قصة الإفك بما خاطبهم به # PageV02P219 # واعتذر منه وقال له سعد بن معاذ قوله الذي احسن فيه حمى له سعد بن عبادة ~~مع حسن ايمانه وصدقه وتعصب لكل منهم قبيله حتى كادت تكون فتنة # واصل هذا ان تكون محبة الانسان للمعروف وبغضه للمنكر وارادته لهذا ~~وكراهته لهذا موافقا لحب الله وبغضه وارادته وكراهته الشرعيتين وان يكون ~~فعله للمحبوب ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته فإن الله لا يكلف ms310 نفسا الا ~~وسعها وقد قال فاتقوا الله ما استطعتم سورة التغابن 16 # PageV02P220 # فأما حب القلب وبغضه وارادته وكراهته فينبغي ان تكون كاملة جازمة لا يوجب ~~نقص ذلك الا نقص الايمان واما فعل البدن فهو بحسب قدرته ومتى كانت ارادة ~~القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب ~~الفاعل الكامل كما قد بيناه في غير هذا الموضع # فإن من الناس من يكون حبه وبغضه وارادته وكراهته بحسب محبته نفسه وبغضها ~~لا بحسب محبة الله ورسوله وبغض الله ورسوله وهذا من نوع الهوى فإن اتبعه ~~الانسان فقد اتبع هواه ومن اضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله سورة القصص ~~50 فإن اصل الهوى هو محبة النفس ويتبع ذلك بغضها والهوى نفسه وهو الحب ~~والبغض الذي في النفس لا # PageV02P221 # يلام العبد عليه فإن ذلك لا يملكه وانما يلام على اتباعه # كما قال تعالى يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ~~ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله سورة ص 26 # وقال تعالى {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} سورة القصص 50 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية ~~والقصد في الفقر والغنى وكلمة الحق في الغضب والرضا وثلاث مهلكات شح مطاع ~~وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه # والحب والبغض يتبعه ذوق عند وجود المحبوب والمبغض # PageV02P222 # ووجد وارادة وغير ذلك فمن اتبع ذلك بغير امر الله ورسوله فهو ممن اتبع ~~هواه بغير هدى من الله بل قد يتمادى به الامر الى ان يتخذ الهه هواه # واتباع الاهواء في الديانات اعظم من اتباع الاهواء في الشهوات فإن الاول ~~حال الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين كما قال تعالى {فإن لم يستجيبوا ~~لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين} سورة القصص 50 # وقال تعالى ضرب لكم مثلا من انفسكم هل لكم مما ملكت ايمانكم الاية الى ms311 ~~قوله {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم} سورة الروم 28 29 # وقال تعالى وقد فضل لكم ما حرم عليكم الا ما # PageV02P223 # {اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم} سورة الانعام 119 ~~الاية # وقال تعالى {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} سورة المائدة 77 # وقال تعالى {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ~~ولي ولا نصير} سورة البقرة 120 وقال تعالى في الاية الاخرى {ولئن اتبعت ~~أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} سورة البقرة 145 ~~وقال {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} سورة المائدة 49 # ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من المنسوبين الى العلماء ~~والعباد يجعل من اهل الاهواء كما كان # PageV02P224 # السلف يسمونهم اهل الاهواء وذلك ان كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه ~~والعلم بالدين لا يكون الا بهدي الله الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم # ولهذا قال الله تعالى في موضع {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم} سورة ~~الانعام 119 # وقال في موضع اخر {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} سورة القصص ~~50 # فالواجب على العبد ان ينظر في نفس حبه وبغضه ومقدار حبه وبغضه هل هو ~~موافق لأمر الله ورسوله وهو هدى الله الذي انزله على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بحيث يكون مأمورا بذلك الحب والبغض لا يكون متقدما فيه بين يدي الله ~~ورسوله فإنه قد قال تعالى {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} سورة الحجرات 1 # PageV02P225 # ومن احب او ابغض قبل ان يأمره الله ورسوله ففيه نوع من التقدم بين يدي ~~الله ورسوله # ومجرد الحب والبغض هو هوى لكن المحرم منه اتباع حبه وبغضه بغير هدى من ~~الله ولهذا ms312 قال الله لنبيه داود {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن ~~الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد} سورة ص 21 فأخبر ان من اتبع هواه ~~اضله ذلك عن سبيل الله وهو هداه الذي بعث به رسوله وهو السبيل اليه # وتحقيق ذلك ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من اوجب الاعمال ~~وافضلها واحسنها وقد قال تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} سورة الملك 2 وهو ~~كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله خلصه واصوبه فإن العمل اذا كان خالصا ولم ~~يكن # PageV02P226 # صوابا لم يقبل واذا كان صواباه ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا ~~صوابا والخالص ان يكون لله والصواب ان يكون على السنة # فالعمل الصالح لا بد ان يراد به وجه الله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل ~~من العمل الا ما اريد به وجهه وحده # كما في الحديث الصحيح عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول ~~الله تعالى انا اغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا اشرك فيه غيري فأنا منه ~~برئ وهو كله للذي اشرك # وهذا هو التوحيد الذي هو اصل الاسلام وهو دين الله الذي بعث به جميع رسله ~~وله خلق الخلق وهو حقه على عباده ان # PageV02P227 # يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ولا بد مع ذلك ان يكون العمل صالحا وهو ما امر ~~الله به ورسوله وهو الطاعة فكل طاعة عمل صالح وكل عمل صالح طاعة وهو العمل ~~المشروع المسنون اذ المشروع المسنون هو المأمور به امر ايجاب او استحباب ~~وهو العمل الصالح وهو الحسن وهو البر وهو الخير وضده المعصية والعمل الفاسد ~~والسيئة والفجور والشر والظلم والبغي # ولما كان العمل لا بد فيه من شيئين النية والحركة كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم اصدق الاسماء حارث وهمام فكل احد حارث وهمام له عمل ونية # PageV02P228 # لكن النية المحمودة التي يتقبلها الله ويثيب عليها هي ان يراد الله وحده ~~بذلك العمل والعمل المحمود هو الصالح وهو المأمور به # ولهذا ms313 كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه اللهم اجعل عملى كله ~~صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا # واذا كان هذا حد كل عمل صالح فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب ان ~~يكون كذلك هذا في حق الامر الناهي بنفسه ولا يكون عمله صالحا ان لم يكن ~~بعلم وفقه كما قال عمر بن عبد العزيز من عبد الله بغير علم كان ما # PageV02P229 # يفسد اكثر مما يصلح وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه العلم امام ~~العمل والعمل تابعه # وهذا ظاهر فإن القصد والعمل ان لم يكن بعلم كان جهلا وضلالا واتباعا ~~للهوى كما تقدم وهذا هو الفرق بين اهل الجاهلية واهل الاسلام فلا بد من ~~العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما ولا بد من العلم بحال المأمور وحال ~~المنهي ومن الصلاح ان يأتي بالامر والنهي على الصراط المستقيم وهو اقرب ~~الطرق الى حصول المقصود # ولا بد في ذلك من الرفق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما كان الرفق ~~في شيء الا زانه ولا كان العنف في شيء الا شانه وقال صلى الله عليه وسلم ان ~~الله رفيق يحب الرفق # PageV02P230 # في الامر كله وقال ان الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على ~~العنف # ولا بد ايضا ان يكون حليما صبورا على الاذى فلا بد ان يحصل له اذى فإن لم ~~يحلم ويصبر كان ما يفسد اكثر مما يصلح # كما قال لقمان لابنه {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ~~إن ذلك من عزم الأمور} سورة لقمان 17 # ولهذا امر الله الرسل وهم ائمة الامر بالمعروف والنهي عن # PageV02P231 # المنكر بالصبر كقوله لخاتم الرسل عليه السلام بل ذلك مقرون بتبليغ ~~الرسالة فإنه اول ما ارسل انزلت عليه سورة {يا أيها المدثر} بعد ان انزلت ~~عليه سورة اقرأ التي به نبئ فقال الله تعالى يا ايها المدثر قم فأنذر وربك ~~فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر سورة ms314 المدثر 1 ~~7 فافتتح آيات الارسال الى الخلق بالامر بالانذار وختمها بالامر بالصبر ~~ونفس الانذار امر بالمعروف ونهي عن المنكر فعلم انه يجب بعد ذلك الصبر # وقال تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} سورة الطور 48 وقال تعالى ~~{واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا} سورة المزمل 10 وقال {فاصبر كما ~~صبر أولوا العزم من الرسل} سورة الاحقاف 35 وقال فاصبر لحكم # PageV02P232 # {ربك ولا تكن كصاحب الحوت} سورة القلم 48 وقال {واصبر وما صبرك إلا ~~بالله} سورة النحل 127 وقال واصبر فإن الله لا يضيع اخر المحسنين سورة هود ~~115 # فلا بد من هذه الثلاثة العلم والرفق والصبر العلم قبل الأمر والنهي ~~والرفق معه والصبر بعده وان كان كل من الثلاثة لا بد ان يكون مستصحبا في ~~هذه الاحوال # وهذا كما جاء في الاثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا ذكره القاضي ابو يعلى ~~في المعتمد لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر الا من كان فقيها فيما يأمر ~~به فقيها فما ينهي عنه رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه حليما فيما ~~يأمر به حليما فيما ينهى عنه # وليعلم ان اشتراط هذه الخصال في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ~~يوجب صعوبته على كثير من النفوس فيظن انه بذلك يسقط عنه فيدعه وذلك قد يضره ~~اكثر مما يضره الامر بدون هذه الخصال او اقل فإن ترك الامر الواجب معصية ~~وفعل ما نهى عنه في الامر معصية فالمنتقل من معصية الى # PageV02P233 # معصية اكبر منها كالمستجير من الرمضاء بالنار والمنتقل من معصية الى ~~معصية كالمتنقل من دين باطل الى دين باطل قد يكون الثاني شرا من الاول وقد ~~يكون دونه وقد يكونان سواء فهكذا تجد المقصر في الامر والنهي والمعتدي فيه ~~قد يكون ذنب هذا اعظم وقد يكون ذنب ذاك اعظم وقد يكونان سواء # ومن المعلوم بما ارانا الله من اياته في الافاق وفي انفسنا وبما شهد به ~~في كتابه ان المعاصي سبب المصائب فسيئات المصائب والجزاء هي من سيئات ~~الاعمال وان ms315 الطاعة سبب النعمة فإحسان العبد العمل سبب لاحسان الله # قال تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} سورة ~~الشورى 30 وقال تعالى {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك} سورة النساء 79 وقال تعالى {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ~~إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم} # PageV02P234 # سورة آل عمران 155 وقال تعالى {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ~~قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} سورة آل عمران 165 وقال {أو يوبقهن بما ~~كسبوا ويعف عن كثير} سورة الشورى 34 وقال {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~فإن الإنسان كفور} سورة الشورى 48 وقال تعالى {وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} سورة الانفال 33 # وقد اخبر الله سبحانه بما عاقب به اهل السيئات من الامم كقوم نوح وعاد ~~وثمود وقوم لوط واصحاب مدين وقوم فرعون في الدنيا واخبر بما سيعاقبهم به في ~~الاخرة # ولهذا قال مؤمن آل فرعون يا قوم اني اخاف عليكم مثل يوم الاحزاب مثل دأب ~~قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم اني ~~اخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل ~~الله فما له من هاد سورة غافر 30 33 # PageV02P235 # وقال تعالى {كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر} سورة القلم 33 # وقال {سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم} سورة التوبة 101 وقال ~~{ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} سورة السجدة ~~21 وقال {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} سورة الدخان 10 الى قوله {يوم ~~نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} سورة الدخان 16 # ولهذا يذكر الله في عامة سور الانذار ما عاقب به اهل السيئات في الدنيا ~~وما اعده لهم في الاخرة وقد يذكر في السورة وعد الاخرة فقط اذ عذاب الاخرة ~~اعظم وثوابها اعظم وهي دار القرار وانما ms316 يذكر ما يذكره من الثواب والعقاب ~~في الدنيا تبعا # كقوله في قصة يوسف {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب ~~برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر} # PageV02P236 # {المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} سورة يوسف 56 57 # وقال {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة} سورة آل عمران 148 # وقال والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبؤئنهم في الدنيا حسنة ~~ولأجرة الاخرة اكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون سورة ~~النحل 41 42 وقال عن ابراهيم عليه الصلاة والسلام {وآتيناه أجره في الدنيا ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين} سورة العنكبوت 27 # واما ذكره لعقوبة الدنيا والاخرة ففي مثل والنازعات غرقا والناشطات نشطا ~~سورة النازعات 201 ثم قال يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة سورة النازعات ~~فذكر القيامه مطلقا # ثم قال هل اتاك حديث موسى اذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى اذهب الى فرعون ~~انه طغى سورة النازعات 15 # PageV02P237 ### | 17 - # الى قوله {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} سورة النازعات 26 # ثم ذكر المبدأ او المعاد مفصلا فقال {أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها} ~~الى قوله {فإذا جاءت الطامة الكبرى} سورة النازعات 34 الى قوله تعالى فأما ~~من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى سورة النازعات 37 41 الى آخر السورة # وكذلك في المزمل ذكر قوله وذرنى والمكذبين اولى النعمة ومهلهم قليلا ان ~~لدينا انكالا وجحيما سورة المزمل 11 12 الى قوله {فأخذناه أخذا وبيلا} سورة ~~المزمل 16 # وكذلك في سورة الحاقة ذكر قصص الامم كثمود وعاد وفرعون ثم قال تعالى ~~{فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} # PageV00P000 # {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} سورة الحاقة 13 14 الى تمام ما ~~ذكره من امر الجنة والنار # وكذلك في سورة ن والقلم ذكر قصة اهل البستان الذين منعوا حق اموالهم وما ~~عاقبهم به ثم قال {كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو ms317 كانوا يعلمون} سورة ~~القلم 33 # وكذلك في سورة التغابن قال ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال ~~امرهم ولهم عذاب اليم ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا ابشر ~~يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد سورة التغابن 5 6 ثم ~~قال {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} سورة التغابن 7 ~~وكذلك في سورة ق ذكر حال المخالفين للرسل وذكر الوعد والوعيد في الاخرة # وكذلك في سورة القمر ذكر هذا وهذا وكذلك في ال حم مثل حم غافر والسجدة ~~والزخرف والدخان غير ذلك الى # PageV02P239 # غير ذلك مما لا يحصى فإن التوحيد والوعد والوعيد من اول ما انزل # كما في صحيح البخاري عن يوسف بن ماهك قال اني عند عائشة ام المؤمنين رضي ~~الله عنها اذا جاءها عراقي فقال أي الكفن خير قالت ويحك وما يضرك قال يا ام ~~المؤمنين اريني مصحفك قالت لم قال لعلي أؤلف القرآن عليه فإنه يقرأ غير ~~مؤلف قالت وما يضرك ايه قرأت قبل انما نزل اول ما نزل منه سورة من المفصل ~~فيها ذكر الجنة والنار حتى اذا ثاب الناس الى الاسلام نزل الحلال والحرام ~~ولو نزل اول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر ابدا ولو نزل لا ~~تزنوا لقالوا لا ندع الزنا ابدا لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم ~~واني لجارية العب {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى} # PageV02P240 # {وأمر} سورة القمر 46 وما نزلت سورة البقرة والنساء الا وانا عنده قال ~~فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور # واذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يندب الرجل أو ~~الطائفة ويسكت أخرون عن الامر والنهي فيكون ذلك من ذنوبهم وينكر عليهم ~~اخرون انكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم فيحصل التفرق والاختلاف والشر ~~وهذا من اعظم الفتن والشرور قديما وحديثا اذ الانسان ظلوم جهول والظلم ~~والجهل انواع فيكون ظلم الاول وجهله من نوع وظلم كل من الثاني والثالث ~~وجهلهما من نوع اخر ms318 واخر # ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك ورأى ان ما وقع بين امراء الأمة ~~وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها ومن تبعهم من العامة من الفتن ~~هذا اصلها # PageV02P241 # يدخل في ذلك اسباب الضلال والغي التي هي الاهواء الدينية والشهوانية وهي ~~البدع في الدين والفجور في الدنيا # وذلك ان اسباب الضلال والغي التي هي البدع في الدين والفجور في الدنيا ~~مشتركة تعم بني آدم لما فيهم من الظلم والجهل فبذنب بعض الناس يظلم نفسه ~~وغيره بفعل الزنا او التلوط او غيره او بشرب خمر او ظلم في المال بجناية او ~~سرقة او غصب ونحو ذلك # ومعلوم ان هذه المعاصي وان كانت مستقبحة مذمومة في العقل والدين فهي ~~مشتهاة في الطباع ايضا ومن شأن النفوس انها لا تحب اختصاص غيرها بشيء ~~وزيادته عليها لكن تريد # PageV02P242 # ان يحصل لها ما حصل له وهذا هو الغبطة التي هي ادنى نوعي الحسد فهي تريد ~~الاستعلاء على الغير والاستئثار دونه او تحسده وتتمنى زوال النعمة عنه وان ~~لم يحصل ففيها من إرادة العلو والفساد والاستكبار والحسد ما مقتضاه انها ~~تختص عن غيرها بالشهوات فكيف اذا رأت الغير قد استأثر عليها بذلك واختص بها ~~دونها # فالمعتدل منهم في ذلك الذي يحب الاشتراك والتساوي واما الاخر فظلوم حسود ~~وهذان يقعان في الامور المباحة والامور المحرمة لحق الله فما كان جنسه ~~مباحا من اكل وشرب ونكاح ولباس وركوب واموال اذا وقع فيها الاختصاص حصل ~~بسببه الظلم والبخل والحسد واصلها الشح # كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال إياكم والشح فان الشح ~~اهلك من كان قبلكم امرهم بالبخل فبخلوا وامرهم بالظلم فظلموا وامرهم ~~بالقطيعة فقطعوا # PageV02P243 # ولهذا قال الله تعالى في وصف الانصار والذين تبوأوا الدار والايمان من ~~قبلهم أي من قبل المهاجرين {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} سورة ~~الحشر 9 أي لا يجدون الحسد مما اوتي اخوانهم من المهاجرين {ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} سورة الحشر 9 # ثم قال ms319 {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} سورة التغابن 16 # ورؤى عبد الرحمن بن عوف يطوف بالبيت ويقول رب قنى شح نفسي رب قني شح نفسي ~~رب قنى شح نفسي فقيل له في ذلك فقال اذا وقيت شح نفسي فقد وقيت البخل ~~والظلم والقطيعة او كما قال # فهذا الشح الذي هو شدة حرص النفس يوجب البخل بمنع # PageV02P244 # ما هو عليه والظلم بأخذ مال الغير ويوجب قطيعة الرحم ويوجب الحسد وهو ~~كراهة ما اختص به الغير وتمنى زواله والحسد فيه بخل وظلم فانه بخل بما ~~اعطيه عن غيره وظلمه بطلب زوال ذلك عنه # فإذا كان هذا في جنس الشهوات المباحة فكيف بالمحرمة كالزنا وشرب الخمر ~~ونحو ذلك واذا وقع فيها اختصاص فإنه يصير فيها نوعان # أحدهما احدهما بغضها لما في ذلك من الاختصاص والظلم كما يقع في الامور ~~المباحة الجنس # أحدهما والثاني بغضها لما في ذلك من حق الله ولهذا كانت الذنوب ثلاثة ~~أقسام # احدها ما فيه ظلم للناس كالظلم بأخذ الأموال ومنع # PageV02P245 # الحقوق والحسد ونحو ذلك # والثاني ما فيه ظلم للنفس فقط كشرب الخمر والزنا اذا لم يتعد ضررهما # والثالث ما يجتمع فيه الأمران مثل ان يأخذ المتولى أموال الناس يزنى بها ~~ويشرب بها الخمر ومثل ان يزني بمن يرفعه على الناس بذلك السبب ويضرهم كما ~~يقع ممن يحب بعض النساء والصبيان # وقد قال الله تعالى قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم ~~والبغي بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على ~~الله مالا تعلمون سورة الاعراف 33 # وامور الناس انما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد # PageV02P246 # يكون فيه الاشتراك في بعض انواع الإثم اكثر مما تستقيم مع الظلم في ~~الحقوق وان لم يشترك في اثم # ولهذا قيل ان الله يقيم الدولة العادلة وان كانت كافرة ولا يقيم الظالمة ~~وان كانت مسلمة ويقال الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم ~~والاسلام # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ms320 ليس ذنب اسرع عقوبة من البغي وقطيعة ~~الرحم فالباغي يصرع في الدنيا وان كان مغفورا له مرحوما في الاخرة # وذلك ان العدل نظام كل شيء فإذا اقيم امر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن ~~لصاحبها في الأخرة من خلاق # PageV02P247 # ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وان كان لصاحبها من الايمان ما يجزي به في ~~الاخرة فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه الحسد له والتعدي عليه ~~في حقه وفيها داعي الظلم لنفسها بتناول الشهوات القبيحة كالزنا وأكل ~~الخبائث فهي قد تظلم من لا يظلمها وتؤثر هذه الشهوات وان لم يفعلها غيرها ~~فإذا رأت نظراءها قد ظلموا او تناولوا هذه الشهوات صار داعي هذه الشهوات او ~~الظلم فيها اعظم بكثير وقد تصبر ويهيج ذلك لها من بغض ذلك الغير وحسده وطلب ~~عقابه وزوال الخير عنه ما لم يكن فيها قبل ذلك ولها حجة عند نفسها من جهة ~~العقل والدين بكون ذلك الغير قد ظلم نفسه والمسلمين وان امره بالمعروف ~~ونهيه عن المنكر واجب والجهاد على ذلك من الدين # PageV02P248 # والناس هنا ثلاثة اقسام قوم لا يقومون إلا في اهواء نفوسهم فلا يرضون الا ~~بما يعطونه ولا يغضبون الا لما يحرمونه فإذا اعطى احدهم ما يشتهيه من ~~الشهوات الحلال او الحرام زال غضبه وحصل رضاه وصار الأمر الذي كان عنده ~~منكرا ينهى عنه ويعاقب عليه ويذم صاحبه ويغضب عليه مرضيا عنه وصار فاعلا له ~~وشريكا فيه ومعاونا عليه ومعاديا لمن ينهى عنه وينكر عليه # وهذا غالب في بني آدم يرى الانسان ويسمع من ذلك ما لا يحصيه الا الله ~~وسببه ان الانسان ظلوم جهول فلذلك لا يعدل بل ربما كان ظالما في الحالين ~~يرى قوما ينكرون على المتولى ظلمه لرعيته واعتداءه عليهم فيرضى اولئك # PageV02P249 # المنكرين ببعض الشيء من منصب او مال فينقلبون اعوانا له واحسن احوالهم ان ~~يسكنوا عن الانكار عليه # وكذلك تراهم ينكرون على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي حتى يدخلوا ~~احدهم معهم في ذلك او يرضوه ببعض ذلك فتراه حينئذ ms321 قد صار عونا لهم # وهؤلاء قد يعودون بإنكارهم الى اقبح من الحال التي كانوا عليها وقد ~~يعودون الى ما هو دون ذلك او نظيره # وقوم يقومون قومه ديانة صحيحة يكونون في ذلك مخلصين لله مصلحين فيما ~~عملوه ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما اوذوا فهؤلاء هم الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وهم من خير امة اخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ويؤمنون بالله # PageV02P250 # وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا وهم غالب المؤمنين فمن فيه دين وله شهوة تجتمع ~~في قلوبهم ارادة الطاعة وارادة المعصية وربما غلب هذا تارة وهذا تارة # وهذه القسمة الثلاثية كما قيل الانفس ثلاث امارة ومطمئنة ولوامة فالأولون ~~هم اهل الانفس الامارة التي تأمرهم بالسوء والأوسطون هم اهل النفوس ~~المطمئنة التي قيل فيها يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية ~~فادخلي في عبادي وادخلي جنتي سورة الفجر 27 30 # والاخرون هم اهل النفوس اللوامة التي تفعل الذنب ثم تلوم عليه وتتلوم ~~تارة كذا وتارة كذا او تخلط عملا صالحا وأخر سيئا وهؤلاء يرجى ان يتوب ~~عليهم اذا اعترفوا بذنوبهم كما # PageV02P251 # قال الله تعالى {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى ~~الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم} سورة التوبة 102 # ولهذا لما كان الناس في زمن ابي بكر وعمر اللذين امر المسلمون بالاقتداء ~~بهما كما قال صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي ابي بكر وعمر اقرب ~~عهدا بالرسالة وأعظم ايمانا وصلاحا وأئمتهم اقوم بالواجب واثبت في ~~الطمأنينة لم تقع فتنة اذ كانوا في حكم القسم الوسط # ولما كان في اخر خلافة عثمان في خلافة على رضي الله # PageV02P252 # عنهما كثر القسم الثالث فصار فيهم شهوة وشبهة مع الايمان والدين وصار ذلك ~~في بعض الولاة وبعض الرعايا ثم كثر ذلك بعد فنشأت الفتنة التي سببها ما ~~تقدم من عدم تمحيص التقوى والطاعة في الطرفين واختلاطما بنوع من الهوى ~~والعصبية في الطكرفين وكل منهما متأول أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ~~وان معه ms322 الحق والعدل ومع هذا التأويل نوع من الهوى ففيه نوع من الظن وما ~~تهوى الانفس وان كانت احدى الطائفتين اولى بالحق من الاخرى فلهذا يجب على ~~المؤمن ان يستعين بالله ويتوكل عليه في ان يقيم قلبه ولا يزيغه ويثبته على ~~الهدى والتقوى ولا يتبع الهوى # كما قال تعالى {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت ~~بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم} # PageV02P253 # {الله ربنا وربكم} سورة الشورى 15 وهذا ايضا حال الامة فيما تفرقت فيه ~~واختلفت في المقالات والعبادات # وهذه الامور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين فإنهم يحتاجون الى شيئين ~~الى دفع الفتنة التي ابتلى بها نظراؤهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم مع ~~قيام المقتضى لها فإن معهم نفوسا وشياطين كما مع غيرهم # فمع وجود ذلك من نظرائهم يقوى المقتضى عندهم كما هو الواقع فيقوى الداعي ~~الذي في نفس الانسان وشيطانه ودواعي الخير كذلك وما يحصل من الداعي بفعل ~~الغير والنظير # فكم من الناس لم يرد خيرا ولا شرا حتى رأى غيره # PageV02P254 # لا سيما ان كان نظيره يفعله ففعله فإن الناس كأسراب القطا مجبولون على ~~تشبه بعضهم ببعض # ولهذا كان المبتدئ بالخير وبالشر له مثل من تبعه من الاجر والوزر كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها الى ~~يوم القيامة من غير ان ينقص من اجورهم شيئا ومن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر ~~من عمل بها الى يوم القيامة من غير ان ينقص من اوزارهم شيئا وذلك لاشتراكهم ~~في الحقيقة وان حكم الشيء حكم نظيره وشبيه الشيء منجذب اليه # فإذا كان هذان داعيين قويين فكيف اذا انضم اليهما داعيان اخران # PageV02P255 # وذلك ان كثيرا من اهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه ويبغضون من ~~لا يوافقهم وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم ~~ومعاداتهم لمخالفيهم وكذلك في امور الدنيا والشهوات كثيرا ما يختار اهلها ~~ويؤثرون من يشاركهم في امورهم وشهواتهم ms323 اما للمعاونة على ذلك كما في ~~المتغلبين من اهل الرياسات وقطاع الطريق ونحو ذلك واما لتلذذهم بالموافقة ~~كما في المجتمعين على شرب الخمر مثلا فإنهم يحبون ان يشرب كل من حضر عندهم ~~واما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير اما حسدا له على ذلك وما لئلا يعلو ~~عليهم بذلك ويحمد دونهم وإما لئلا يكون له عليهم حجة وإما لخوفهم من ~~معاقبته لهم بنفسه او بمن يرفع ذلك اليهم ولئلا # PageV02P256 # يكونوا تحت منته وحظره ونحو ذلك من الاسباب # قال الله تعالى {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ~~حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} سورة البقرة 109 وقال تعالى ~~في المنافقين {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} سورة النساء 89 وقال ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه ودت الزانية لو زنى النساء كلهن # والمشاركة قد يختارونها في نفس الفجور كالاشتراك في شرب الخمر والكذب ~~والاعتقاد الفاسد وقد يختارونها في النوع الثاني كالزاني الذي يود ان غيره ~~يزني او السارق الذي يود ان غيره يسرق لكن في غير العين التي زنى بها او ~~سرقها # وأما الداعي الثاني فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم # PageV02P257 # عليه من المنكر فإن شاركهم والا عادوه وآذوه على وجه قد ينتهي الى حد ~~الاكراه او لا ينتهي الى حد الاكراه # ثم ان هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم او يأمرونه ~~بذلك ويستعينون به على ما يريدونه متى شاركهم وعاونهم واطاعهم انتقصوه ~~واستخفوا به وجعلوا ذلك حجة عليه في امور اخرى وان لم يشاركهم عادوه وآذوه ~~وهذه حال غالب الظالمين القادرين # وهذا الموجود في المنكر موجود نظيره في المعروف وابلغ منه كما قال الله ~~تعالى {والذين آمنوا أشد حبا لله} سورة البقرة 165 فإن داعي الخير اقوى فإن ~~الانسان فيه داع يدعوه الى الايمان والعلم الصدق والعدل واداء الامانة فاذا ~~وجد من يعمل مثل ذلك صار له داع اخر لا سيما اذا كان نظيره لا سيما مع ~~المنافسة وهذا ms324 محمود حسن فإن وجد من يحب موافقته على ذلك ومشاركته له من ~~المؤمنين والصالحين ومن يبغضه اذا لم يفعل # PageV02P258 # ذلك صار له داع ثالث فإذا امروه بذلك ووالوه على ذلك وعادوه وعاقبوه على ~~تركه صار له داع رابع # ولهذا يؤمر المؤمنون ان يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات كما يقابل ~~الطبيب المرض بضده فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفسه وذلك بشيئين بفعل الحسنات ~~وبترك السيئات وهذه اربعة انواع # ويؤمر ايضا بإصلاح غيره بهذه الانواع الاربعة بحسب قدرته وامكانه قال ~~تعالى والعصر ان الانسان لفي خسر الا الذين امنوا وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر سورة العصر 1 3 # وروى عن الشافعي رضي الله عنه انه قال لو فكر الناس كلهم في سورة العصر ~~لكفتهم وهو كما قال # PageV02P259 # فإن الله تعالى اخبر فيها ان جميع الناس خاسرون الا من كان في نفسه مؤمنا ~~صالحا ومع غيره موصيا بالحق موصيا بالصبر # واذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سببا لعلو الدرجة وعظيم الاجر ~~كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم اي الناس اشد بلاء قال الانبياء ثم ~~الصالحون ثم الامثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه ~~صلابة زيد في بلائه وان كان في دينه رقة خفف عنه وما يزال البلاء بالمؤمن ~~حتى يمشي على وجه الارض وليس عليه خطيئة وحينئذ فيحتاج من الصبر الى ما لا ~~يحتاج اليه غيره وذلك هو سبب # PageV02P260 # الامامة في الدين كما قال تعالى {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} سورة السجدة 24 # فلا بد من الصبر على فعل الحسن المأمور وترك السيء المحظور ويدخل في ذلك ~~الصبر على الاذى وعلى ما يقال والصبر على ما يصيبه من المكاره والصبر عن ~~البطر عند النعم وغير ذلك من انواع الصبر # ولا يمكن العبد ان يصبر ان لم يكن له ما يطمئن له ويتنعم به ويغتذى به ~~وهو اليقين # كما في الحديث الذي رواه ابو بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله ms325 ~~عليه وسلم انه قال يا ايها الناس سلوا الله اليقين والعافية فانه لم يعط ~~احد بعد اليقين خيرا من العافية فسلوهما الله # PageV02P261 # وكذلك اذا امر غيره بحسن او احب موافقته له على ذلك او نهى غيره عن شيء ~~فيحتاج ان يحسن الى ذلك الغير إحسانا يحصل به مقصود من حصول المحبوب ~~واندفاع المكروه فإن النفوس لا تصبر على المر الا بنوع من الحلو لا يمكن ~~غير ذلك # ولهذا امر الله تعالى بتأليف القلوب حتى جعل للمؤلفة قلوبهم نصيبا في ~~الصدقات وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض ~~عن الجاهلين} سورة الاعراف 199 وقال تعالى {وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة} سورة البلد 17 فلا بد ان يصبر وان يرحم وهذا هو الشجاعة والكرم # ولهذا يقرن الله تعالى بين الصلاة والزكاة تارة وهي # PageV02P262 # الاحسان الى الخلق وبينها وبين الصبر تارة # ولا بد من الثلاثة الصلاة والزكاة والصبر لا تقوم مصلحة المؤمنين الا ~~بذلك في صلاح نفوسهم واصلاح غيرهم لا سيما كلما قويت الفتنة والمحنة فإن ~~الحاجة الى ذلك تكون اشد فالحاجة الى السماحة والصبر عامة لجميع بنى آدم لا ~~تقوم مصلحة دينهم ولا ديناهم الا بهما # ولهذا فإن جميعهم يتمادحون بالشجاعة والكرم حتى ان ذلك عامة ما يمدح به ~~الشعراء ممدوحيهم فس شعرهم وكذلك يتذامون بالبخل والجبن # والقضايا التي يتفق عليها عقلاء بني آدم لا تكون الا حقا كاتفاقهم على ~~مدح الصدق والعدل وذم الكذب والظلم # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الاعراب # PageV02P263 # حتى اضطروه الى سمرة فتعلقت بردائه فالتفت اليهم وقال والذي نفسي بيده لو ~~ان عندي عدد هذه العضاة نعما لقسمته عليكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ~~ولا كذوبا # ولكن يتنوع ذلك بتنوع المقاصد والصفات فإنما الاعمال بالنيات وانما لكل ~~امرئ من نوى ولهذا جاء الكتاب والسنة بذم البخل والجبن ومدح الشجاعة ~~والسماحة في سبيل الله دون ما ليس في سبيله # فقال النبي صلى الله عليه وسلم شر ما في المرء شح ms326 هالع # PageV02P264 # وجبن خالع وقال النبي صلى الله عليه وسلم من سيدكم يا بني سلمة فقالوا ~~الجد بن قيس على انا نزنه بالبخل فقال وأي داء أدوى من البخل وفي رواية ان ~~السيد لا يكون بخيلا بل سيدكم الابيض الجعد بشر بن البراء بن معرور # وكذلك في الصحيح قول جابر بن عبد الله لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما ~~اما ان تعطيني واما ان تبخل عني فقال تقول واما ان تبخل عني واي داء ادوى ~~من البخل فجعل البخل من اعظم الامراض # PageV02P265 # وفي صحيح مسلم عن سلمان بن ربيعة قال قال عمر رضي الله عنه قسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم قسما فقلت يا رسول الله والله لغير هؤلاء احق به منهم فقال ~~انهم خيروني بين ان يسألوني بالفحش وبين ان يبخلوني ولست بباخل يقول انهم ~~يسألوني مسألة لا تصلح فإن اعطيتهم والا قالوا هو بخيل فقد خيروني بين ~~امرين مكروهين لا يتركوني من احدهما المسألة الفاحشة والتبخيل والتبخيل اشد ~~فأدفع الاشد بإعطائهم # والبخل جنس تحته انواع كبائر وغير كبائر قال الله تعالى {ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا ~~به يوم القيامة} سورة آل عمران 180 # PageV02P266 # وقال {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} سورة النساء ~~36 الى قوله ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل سورة النساء 36 37 # وقال تعالى وما منعهم ان تقبل منهم نفقاتم الا انهم كفروا بالله وبرسوله ~~ولا يأتون الصلاة الا وهم كسالى ولا ينفقون الا وهم كارهون سورة التوبة 54 # وقال فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم الى يوم يلقونه سورة التوبة 76 77 # وقال {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} سورة محمد 38 # وقال فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون ~~الماعون سورة الماعون 407 # وقال والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ms327 في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~اليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهروهم الاية ~~سورة التوبة # PageV02P267 ### | 34 - 35 # وكثير من الاي في القرآن من الامر بالايتاء والاعطاء وذم من ترك ذلك كله ~~ذم للبخل # وكذلك ذمه للجبن كثير في مثل قوله {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا ~~لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} ~~سورة الانفال 16 # وقوله عن المنافقين ويحلفون بالله انهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم ~~يفرقون لو يجدون ملجأ او مغارات او مدخلا لولوا اليه وهم يجمحون سورة ~~التوبة 56 57 # وقوله {فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ~~ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت} سورة محمد 20 # وقوله ألم تر الى الذين قيل لهم كفوا ايديكم واقيموا الصلاة وأتوا الزكاة ~~فلما كتب عليهم القتال اذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أواشد خشية ~~وقالوا ربنا لم كتبت # PageV00P000 # {علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير ~~لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} سورة النساء 77 # وما في القرآن من الحض على الجهاد والترغيب فيه وذم الناكلين عنه ~~والتاركين له كله ذم للجبن # ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم الا بالشجاعة والكرم بين ~~الله سبحانه انه من تولى عنه بترك الجهاد بنفسه ابدل الله به من يقوم بذلك ~~ومن تولى عنه بإنفاق ماله ابدل الله به من يقوم بذلك فقال يا ايها الذين ~~امنوا مالكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم الى الارض ارضيتم ~~بالحياة الدنيا من الاخرة فما متاع الحياة الدنيا في الاخرة الا قليل الا ~~تنفروا يعذبكم عذابا اليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل ~~شيء قدير سورة التوبة 38 39 # وقال تعالى {ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في} # PageV02P269 # {سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم ~~الفقراء وإن ms328 تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} سورة محمد 38 # وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل الله السابقين فقال {لا يستوي منكم من ~~أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ~~وكلا وعد الله الحسنى} سورة الحديد 10 # وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله ومدحه في غير آية من كتابه وذلك ~~هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه وطاعة رسوله وملاك الشجاعة الصبر الذي ~~يتضمن قوة القلب وثباته ولهذا قال تعالى {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله والله مع الصابرين} سورة البقرة 249 # وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا} # PageV02P270 # واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا ~~فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين سورة الانفال 45 46 # والشجاعة ليست هي قوة البدن فقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب وانما ~~هي قوة القلب وثباته فأن القتال مداره على قوة البدن وصنعته للقتال وعلى ~~قوة القلب وخبرته به والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة دون التهور الذي لا ~~يفكر صاحبه ولا يميز بين المحمود والمذموم ولهذا كان القوي الشديد هو الذي ~~يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح فأما المغلوب حين ~~غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد # وقد تقدم ان جماع ذلك هو الصبر فإنه لا بد منه والصبر صبران صبر عند ~~الغضب وصبر عند المصيبة كما قال الحسن رحمه # PageV02P271 # الله ما تجرع عبد جرعة اعظم من جرعة حلم عند الغضب وجرعة صبر عند المصيبة # وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم وهذا هوالشجاع الشديد الذي يصبر ~~على المؤلم والمؤلم ان كان مما يمكن دفعه اثار الغضب وان كان مما لا يمكن ~~دفعه اثار الحزن ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار ~~القدرة ويصفر عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز # ولهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن ms329 ~~عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ما تعدون ~~الرقوب فيكم قالوا الرقوب الذي لا يولد له قال ليس ذاك بالرقوب ولكن الرقوب ~~الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا ثم قال ماتعدون الصرعة فيكم قلنا الذي لا ~~يصرعه الرجال فقال ليس # PageV02P272 # بذلك ولكن الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب فذكر ما يتضمن الصبر عند ~~المصيبة والصبر عند الغضب # قال الله تعالى في المصيبة {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا ~~إنا لله وإنا إليه راجعون} الاية سورة البقرة 155 156 # وقال تعالى في الغضب {وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم} سورة فصلت 35 # وهذا الجمع بين صبر المصيبة وصبر الغضب نظير الجمع بين صبر المصيبة وصبر ~~النعمة كما في قوله تعالى ولئن اذقنا # PageV02P273 # الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه انه ليؤوس كفور ولئن اذقناه نعماء بعد ~~ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني انه لفرح فخور الا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير سورة هود 9 11 # وقال لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم سورة الحديد 23 # وبهذا وصف كعب بن زهير من وصفه من الصحابة المهاجرين حيث قال ... ليسوا ~~مفاريح ان نالت رماحهم ... كثرا وليسوا مجازيعا اذا نيلوا ... وكذلك قال ~~حسان بن ثابت في صفة الانصار ... لا فخر ان هم اصابوا من عدوهم ... وان ~~اصيبوا فلا خور ولا هلع ... # PageV02P274 # وقال بعض العرب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم يغلب فلا يبطر ويغلب فلا ~~يضجر # ولما كان الشيطان يدعوالناس عند هذين النوعين الى تعدي الحدود بقلوبهم ~~واصواتهم وايديهم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لما قيل له لما ~~رأى ابراهيم في النزع أتبكي او لم تنه عن البكاء فقال انما نهيت عن صوتين ~~احمقين فاجرين صوت عند نعمة لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة لطم ~~خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية فجمع بين الصوتين # وأما نهيه عن ms330 ذلك في المصائب فمثل قوله صلى الله عليه وسلم ليس منا من ~~لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى # PageV02P275 # الجاهلية وقال انا برئ من الحالقة والصالقة والشاقة وقال ما كان من العين ~~والقلب فمن الله وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان وقال ان الله لا ~~يؤاخذ على دمع العين # PageV02P276 # ولا حزن القلب ولكن يعذب بهذا او يرحم واشار الى لسانه وقال من ينح عليه ~~فانه يعذب بما نيح عليه واشترط على النساء في البيعة الا ينحن وقال ان ~~النائحة اذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم # PageV02P277 # القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران # وقال في الغلبة والمصائب والفرح ان الله كتب الاحسان على كل شيء فإذا ~~قتلتم فأحسنوا القتلة واذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد احدكم شفرته وليرح ~~ذبيحته # وقال ان اعف الناس قتلة اهل الايمان # PageV02P278 # وقال لا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا الى غير ذلك مما امر به في ~~الجهاد من العدل وترك العدوان اتباعا لقوله تعالى {ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} سورة المائدة 8 ولقوله تعالى ~~{وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين} سورة البقرة 190 # ونهى عن لباس الحرير وتختم الذهب والشرب في آنية الذهب والفضة واطالة ~~الثياب الى غير ذلك من انواع السرف والخيلاء في النعم وذم الذين يستحلون ~~الخمر والحرير والمعازف # PageV02P279 # وجعل فيهم الخسف والمسخ # وقد قال الله تعالى {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} سورة النساء 36 ~~وقال عن قارون {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} سورة القصص ~~76 # وهذه الامور الثلاثة مع الصبر عن الاعتداء في الشهوة هي جوامع هذا الباب ~~وذلك ان الانسان بين ما يحبه ويشتهيه وبين ما يبغضه ويكرهه فهو يطلب الاول ~~بمحبته وشهوته ويدفع الثاني ببغضه ونفرته واذا حصل الاول او اندفع الثاني ~~اوجب له فرحا وسرورا وان حصل الثاني او اندفع الاول حصل له حزن فهو محتاج ~~عند ms331 المحبة والشهوة ان يصبر عن عدوانهما وعند الغضب والنفرة ان يصبر على ~~عدوانهما وعند الفرح ان يصبر عن عدوانه وعند المصيبة ان يصبر عن الجزع منها # فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصوتين الاحمقين الفاجرين الصوت الذي ~~يوجب الاعتداء في الفرح حتى يصير الانسان فرحا # PageV02P280 # فخورا والصوت الذي يوجب الجزع عند الحزن حتى يصير الانسان هلوعا جزوعا ~~واما الصوت الذي يثير الغضب لله كالأصوات التي تقال في الجهاد من الاشعار ~~المنشدة فتلك لم تكن بآلات وكذلك اصوات الشهرة في الفرح فرخص منها فيما ~~وردت به السنة من الضرب بالدف في الاعراس والافراح للنساء والصبيان # وعامة الاشعار التي تنشد بالاصوات لتحريك النفوس هي من هذه الاقسام ~~الاربعة اشعار المحبة وهي النسيب واشعار الغضب والحمية وهي الحماسة والهجاء ~~واشعار المصائب كالمراثي واشعار النعم والفرح وهي المدائح # والشعراء جرت عادتهم ان يمشوا مع الطبع كما قال الله تعالى ألم تر انهم ~~في كل واد يهيمون وانهم يقولون مالا يفعلون سورة الشعراء 225 226 ولهذا ~~اخبر انهم يتبعهم الغاوون والغاوي هو الذي يتبع هواه بغير علم وهذا هو # PageV02P281 # الغي وهو خلاف الرشد كما ان الضال هو الذي لا يعلم مصلحته وهو خلاف ~~المهتدي # قال الله سبحانه وتعالى والنجم اذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى سورة النجم ~~1 2 ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين من بعدي # فلهذا تجدهم يمدحون جنس الشجاعة وجنس السماحة اذ كان عدم هذين مذموما على ~~الاطلاق واما وجودهما ففيه تحصيل مقاصد النفوس على الاطلاق لكن العاقبة في ~~ذلك # PageV02P282 # للمتقين واما غير المتقين فلهم عاجلة لا عاقبة والعاقبة وان كانت في ~~الاخرة فتكون في الدنيا ايضا # كما قال تعالى لما ذكر قصة نوح ونجاته بالسفينة {قيل يا نوح اهبط بسلام ~~منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} ~~قال {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك} الى قوله {فاصبر إن العاقبة للمتقين} ~~سورة هود 48 49 # وقال {فمن ms332 اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله ~~واعلموا أن الله مع المتقين} سورة البقرة 194 # والفرقان ان يحمد من ذلك ما حمده الله ورسوله فإن الله تعالى هو الذى ~~حمده زين وذمه شين دون غيره من الشعراء والخطباء وغيرهم # ولهذا لما قال القائل من بني تميم للنبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P283 # ان حمدي زين وذمي شين قال له ذاك الله # والله سبحانه حمد الشجاعة السماحة في سبيله كما في الصحيح عن ابي موسى ~~الاشعري رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ~~ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ~~فهو في سبيل الله # وقال قال سبحانه {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} سورة ~~الانفال 39 وذلك ان هذا هو المقصود الذي خلق الله الخلق له كما قال تعالى ~~{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} سورة الذاريات 56 فكل ما كان لأجل ~~الغاية # PageV02P284 # التي خلق له الخلق كان محمودا عند الله وهوالذي يبقى لصاحبه وينفعه الله ~~به وهذه الاعمال هي الباقيات الصالحات ولهذا كان الناس اربعة اصناف # من يعمل لله بشجاعة وبسماحة فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للجنة # ومن يعمل لغير الله بشجاعة ومن وسماحة فهذا ينتفع بذلك في الدنيا وليس له ~~في الاخرة من خلاق # ومن يعمل لله لكن بلا شجاعة ولا سماحة فهذا فيه من النفاق ونقص الايمان ~~بقدر ذلك # ومن لا يعمل لله ولا فيه شجاعة ولا سماحة فهذا ليس له دنيا ولا آخرة # فهذه الاخلاق والأفعال يحتاج اليها المؤمن عموما وخصوصا في أوقات المحن ~~والفتن الشديدة فإنهم يحتاجون الى # PageV02P285 # صلاح نفوسهم ودفع الذنوب عن نفوسهم عند المقتضى للفتنة عندهم ويحتاجون ~~ايضا الى امر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم # وكل من هذين الامرين فيه من الصعوبة ما فيه وان كان يسيرا على من يسره ~~الله عليه # وهذا لأن الله امر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح وامرهم بدعوة الناس ~~وجهادهم على الايمان والعمل ms333 الصالح # كما قال الله تعالى ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز الذين ان ~~مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الامور سورة الحج 40 41 # وكما قال {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد} سورة غافر 51 # وكما قال {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} سورة المجادلة 21 # وكما قال {وإن جندنا لهم الغالبون} سورة الصافات # PageV02P286 ### | 173 - # وقال {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} سورة ~~المائدة 56 # ولما كان في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من ~~الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة صار في الناس من يتعلل لترك ما ~~وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة # كما قال تعالى عن المنافقين {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في ~~الفتنة سقطوا} سورة التوبة 49 الاية وقد ذكروا في التفسير انها نزلت في ~~الجد بن قيس لما امره النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز لغزو الروم وأظن أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له هل لك في نساء بني الاصفر فقال يا ~~رسول الله اني رجل لا اصبر على النساء واني اخاف الفتنة # PageV02P287 # بنساء بني الاصفر فائذن لي ولا تفتني وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة ~~الرضوان تحت الشجرة واستتر بجمل احمر وجاء فيه الحديث ان كلهم مغفور له الا ~~صاحب الجمل الاحمر فأنزل الله تعالى فيه {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ~~ألا في الفتنة سقطوا} سورة التوبة 49 يقول انه طلب القعود ليسلم من فتنة ~~النساء فلا يفتتن بهن فيحتاج الى الاحتراز من المحظور ومجاهدة نفسه عنه ~~فيتعذب بذلك او يواقعه فيأثم فإن من رأى الصور الجميلة وأحبها فإن لم يتمكن ~~منها اما لتحريم الشارع وأما للعجز عنها تعذب قلبه وان # PageV02P288 # قدر عليها وفعل المحظور هلك وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه ~~بلاء ms334 # فهذا وجه قوله {ولا تفتني} قال الله تعالى {ألا في الفتنة سقطوا} سورة ~~التوبة 49 يقول ان نفس اعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف ايمانه ~~ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد فتنة عظيمة قد سقط فيها فكيف يطلب التخلص ~~من فتنة صغير لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد اصابته # والله تعالى يقول وقاتلوهم حتى لت تكون فتنة ويكون الدين كله لله سورة ~~الانفال 39 فمن ترك القتال الذي امر الله به لئلا تكون فتنة فهو في الفتنة ~~ساقط بما وقع فيه من ريب # PageV02P289 # قلبه ومرض فؤاده وتركه ما امر الله به من الجهاد فتدبر هذا فان هذا مقام ~~خطر # والناس فيه على قسمين قسم يأمرون وينهون ويقاتلون طلبا لإزالة الفتنة ~~زعموا ويكون فعلهم ذلك اعظم فتنة كالمقتتلين في الفتن الواقعة بين الامة ~~مثل الخوارج # وأقوام ينكلون عن الامر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله وتكون ~~كلمة الله هي العليا لئلا يفتنوا وهم قد سقطوا في الفتنة # وهذه الفتنة المذكورة في سورة براءة دخل فيها الافتتان بالصور الجميلة ~~فإنها سبب نزول الآية وهذه حال كثير من المتدينة يتركون ما يجب عليهم من ~~امر ونهي وجهاد يكون به الدين لله وتكون به كلمة الله هي العليا لئلا ~~يفتنوا بجنس الشهوات # PageV02P290 # وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي اعظم مما زعموا انهم فروا منه وانما ~~الواجبة عليهم القيام بالواجب من الامر والنهي وترك المحظور والاستعانة ~~بالله على الامرين ولو فرض ان فعل الواجب وترك المحظور وهما متلازمان وانما ~~تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم الا على فعلهما جميعا او تكرهما جميعا ~~مثل كثير ممن يجب الرياسة او المال او شهوات الغي فانه اذا فعل ما وجب عليه ~~من امر ونهي وجهاد وامارة ونحو ذلك فلا بد ان يفعل معها شيئا من المحظورات ~~فالواجب عليه ان ينظر أغلب الامرين فإن كان المأمور اعظم اجرا من ترك ذلك ~~المحظور لم يترك ذلك لما يخاف ان يقترن به ما هو دونه ms335 في المفسدة وان كان ~~ترك المحظور اعظم اجرا لم يفوت ذلك برجاء ثواب فعل واجب يكون دون ذلك فذلك ~~يكون بما يجتمع له من الامرين من الحسنات والسيئات فهذا هذا وتفصيل ذلك ~~يطول # PageV02P291 # وكل بشر على وجه الارض فلا بد له من امر ونهي ولا بد ان يأمر وينهى حتى ~~لو انه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها اما بمعروف واما بمنكر كما قال الله ~~تعالى {إن النفس لأمارة بالسوء} سورة يوسف 53 # فإن الأمر هو طلب الفعل وارادته والنهي طلب الترك وارادته ولا بد لكل حى ~~من ارادة وطلب في نفسه يقتضى بهما فعل نفسه ويقتضى بهما فعل غيره اذا امكن ~~ذلك فإن الانسان حي يتحرك بإرادته # وبنو آدم لا يعيشون الا باجتماع بعضهم مع بعض واذا اجتمع اثنان فصاعدا ~~فلا بد ان يكون بينهما ائتمار بأمر وتناه عن امر ولهذا كان اقل الجماعة في ~~الصلاة اثنين كما قيل الاثنان فما فوقهما جماعة لكن لما كان ذلك اشتراكا في ~~مجرد الصلاة حصل باثنين احدهما امام والاخر مأموم كما قال النبي صلى الله ~~عليه # PageV02P292 # وسلم لمالك ابن الحويرث وصاحبه رضي الله عنهما اذا حضرت الصلاة فأذنا ~~وأقيما وليؤمكما أكبركما وكانا متقاربين في القراءة # وأما في الامور العادية ففي السنن انه صلى الله عليه وسلم قال لا يحل ~~لثلاثة يكونون في سفر إلا أمروا عليهم احدهم # PageV02P293 # واذا كان الامر والنهي من لوازم وجود بني آدم فمن لم يأمر بالمعروف الذي ~~امر الله به ورسوله وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله ويؤمر ~~بالمعروف الذي امر الله به ورسوله وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله ~~وإلا فلا بد من ان يأمر وينهى ويؤمر وينهى اما بما يضاد ذلك واما بما يشترك ~~فيه الحق الذي انزله الله بالباطل الذي لم ينزله الله واذا اتخذ ذلك دينا ~~كان دينا مبتدعا ضالا باطلا # وهذا كما ان كل بشر فإنه حي متحرك بإرادته همام حارث فمن لم تكن نيته ~~صالحة وعمله عملا صالحا لوجه ms336 الله والا كان عملا فاسدا او لغير وجه الله ~~وهو الباطل كما قال تعالى {إن سعيكم لشتى} سورة الليل # PageV02P294 # وهذه الاعمال كلها باطلة من جنس أعمال الكفار {الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله أضل أعمالهم} سورة محمد 1 # وقال تعالى والذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا ~~جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحسباب سورة ~~النور 39 وقال {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} سورة ~~الفرقان 23 # وقد امر الله تعالى في كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة اولي الأمر من ~~المؤمنين كما قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} سورة النساء 59 # وأولوا الامر اصحاب الامر وذووه وهم الذين يأمرون الناس وينهونهم وذلك ~~يشترك فيه اهل اليد والقدرة واهل العلم والكلام فلهذا كان اولو الامر صنفين ~~العلماء والامراء فاذا صلحوا صلح الناس واذا فسدوا فسد الناس # PageV02P295 # كما قال ابو بكر الصديق رضي الله عنه للأحمسية لما سألته ما بقاؤنا على ~~هذا الامر الصالح قال ما استقامت لكم ائمتكم # ويدخل فيهم الملوك والمشايخ واهل الديوان وكل من كان متبوعا فإنه من اولى ~~الامر وعلى كل واحد من هؤلاء ان يأمر بما امر الله به وينهى عن ما نهى الله ~~عنه وعلى كل واحد ممن عليه طاعته ان يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية ~~الله # كما قال ابو بكر الصديق رضي الله عنه حين تولى امر المسلمين وخطبهم فقال ~~في خطبته ايها الناس القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق والضعيف فيكم ~~القوي عندي حتى آخذ له الحق اطيعوني ما اطعت الله ورسوله # PageV02P296 # فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم ### | فصل واذا كانت جميع الحسنات لا بد فيها من شيئين ان يراد بها # وجه الله وان تكون موافقة للشريعة فهذا في الاقوال والافعال في ms337 الكلم ~~الطيب والعمل الصالح في الامور العلمية والامور العملية العبادية # ولهذا ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان اول ثلاثة تسجر بهم ~~جهنم رجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن وأقرأه ليقول الناس هو عالم وقارئ ~~ورجل قاتل وجاهد ليقول الناس هو شجاع وجرئ ورجل تصدق # PageV02P297 # واعطى ليقول الناس هو جواد وسخي فإن هؤلاء الثلاثة الذين يريدون الرياء ~~والسمعة هم بإزاء الثلاثة الذين بعد النبيين من الصديقين والشهداء ~~والصالحين فإن من تعلم العلم الذي بعث الله به رسله وعلمه لوجه الله كان ~~صديقا ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وقتل كان شهيدا ومن تصدق يبتغي ~~بذلك وجه الله كان صالحا # ولهذا يسأل المفرط في ماله الرجعة وقت الموت كما قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما من اعطي مالا فلم يحج منه ولم يزك سأل الرجعة وقت الموت وقرأ قوله ~~تعالى وانفقوا # PageV02P298 # {من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل ~~قريب فأصدق وأكن من الصالحين} سورة المنافقون 10 # ففي هذه الامور العلمية الكلامية يحتاج المخبر بها ان يكون ما يخبر به عن ~~الله واليوم الاخر وما كان وما يكون حقا وصوابا وما يأمر به وما ينهي عنه ~~كما جاءت به الرسل عن الله فهذا هو الصواب الموافق للسنة والشريعة المتبع ~~لكتاب الله وسنة رسوله كما ان العبادات التي يتعبد العباد بها اذا كانت مما ~~شرعة الله وامر الله به ورسوله كانت حقا صوابا موافقا لما بعث الله به رسله ~~وما لم يكن كذلك من القسمين كان من الباطل والبدع المضلة والجهل وان كان ~~يسميه من يسميه علوما ومعقولات وعبادات ومجاهدات واذواقا ومقامات # PageV02P299 # ويحتاج ايضا ان يؤمر بذلك لأمر الله به وينهى عنه لنهي الله عنه ويخبر ~~بما اخبر الله به لأنه حق وايمان وهدى كما أخبرت به الرسول كما تحتاج ~~العبادة إلى أن يقصد بها وجه الله فاذا قيل ذلك لاتباع الهوى والحمية او ~~لإظهار العلم والفضيلة او لطلب السمعة والرياء ms338 كان بمنزلة المقاتل شجاعة ~~وحمية ورياء # ومن هنا يتبين لك ما وقع فيه كثير من اهل العلم والمقال واهل العبادة ~~والحال واهل الحرب والقتال من لبس الحق بالباطل في كثير من الاصول فكثيرا ~~ما يقول هؤلاء من الاقوال ما هو خلاف الكتاب والسنة او ما يتضمن خلاف السنة ~~ووفاقها وكثيرا ما يتعبد هؤلاء بعبادات لم يأمر الله بها بل # PageV02P300 # قد نهى عنها او ما يتضمن مشروعا ومحظورا وكثيرا ما يقاتل هؤلاء قتالا ~~مخالفا للقتال المأمور به او متضمنا لمأمور به ومحظور # ثم كل من الاقسام الثلاثة المأمور به والمحظور والمشتمل على الامرين قد ~~يكون لصاحبه نية حسنة وقد يكون متبعا لهواه وقد يجتمع له وهذا وهذا # فهذه تسعة اقسام في هذه الامور في الاموال المنفقة عليها من الاموال ~~السلطانية الفئ وغيره والاموال الموقوفة والاموال الموصى بها والاموال ~~المنذورة وانواع العطايا والصدقات والصلات # وهذا كله من لبس الحق بالباطل وخلط عمل صالح واخر شيء والسيء من ذلك قد ~~يكون صاحبه مخطئا او ناسيا مغفورا له كالمجتهد المخطىء الذي له اجر وخطؤه ~~مغفور له وقد # PageV02P301 # يكون صغيرا مكفرا باجتناب الكبائر وقد يكون مغفورا بتوبة او بحسنات تمحو ~~السيئات او مكفرا بمصائب الدنيا ونحو ذلك الا ان دين الله الذي انزل به ~~كتبه وبعث به رسله ما تقدم من ارادة الله وحده بالعمل الصالح # وهذا هو الاسلام العام الذي لا يقبل الله من احد غيره قال تعالى {ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} سورة آل ~~عمران 85 # وقال تعالى شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة واولو العلم قائما ~~بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم ان الدين عند الله الاسلام سورة آل ~~عمران 18 19 # والاسلام يجمع معنيين احدهما الاستسلام والانقياد فلا يكون متكبرا ~~والثاني الاخلاص من قوله تعالى {ورجلا سلما لرجل} سورة الزمر 29 فلا يكون ~~مشتركا وهو ان يسلم # PageV02P302 # العبد لله رب العالمين كما قال تعالى ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا ms339 من سفه ~~نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وانه في الاخرة لمن الصالحين اذ قال له ربه ~~اسلم قال اسلمت لرب العالمين ووصى بها ابراهيم بنيه ويعقوب يا بني ان الله ~~اصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وانتم مسلمون سورة البقر 130 132 # وقال تعالى قل انني هداني ربي الى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وانا اول المسلمين سورة الانعام 161 163 # والاسلام يستعمل لازما معدي بحرف اللام مثل ما ذكر في هذه الايات ومثل ~~قوله تعالى {قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} سورة ~~النمل 44 # ومثل قوله تعالى {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ~~ثم لا تنصرون} سورة الزمر 54 # PageV02P303 # ومثل قوله أفغير دين الله يبغون وله اسلم من في السموات والارض طوعا ~~وكرها واليه يرجعون سورة آل عمران 83 # ومثل قوله قل اندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على اعقابنا ~~بعد اذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الارض حيران له اصحاب يدعونه ~~الى الهدي ائتنا قل ان هدى الله هو الهدي وامرنا لنسلم لرب العالمين وان ~~اقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي اليه تحشرون سورة الانعام 71 72 # ويستعمل متعديا مقرونا بالإحسان كقوله تعالى وقالوا لن يدخل الجنة الا من ~~كان هودا او نصارى تلك امانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين بلى من ~~اسلم وجهه لله وهو محسن فله اجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون سورة ~~البقرة 111 112 # وقوله تعالى {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} # PageV02P304 # سورة النساء 125 فقد انكر الله ان يكون دين احسن من هذا الدين هو اسلام ~~الوجه لله مع الاحسان واخبر انه كل {من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره ~~عند ربه ولا خوف عليهم ms340 ولا هم يحزنون} سورة البقرة 112 اثبت هذه الكلمة ~~الجامعة والقضية العامة ردا لما زعمه من زعمه انه لا يدخل الجنة الامتهود ~~او متنصر # وهذان الوصفان وهما اسلام الوجه لله والاحسان هما الاصلان المتقدمان وهما ~~كون القول والعمل خالصا لله صوابا موافقا للسنة والشريعة وذلك ان إسلام ~~الوجه لله هو يتضمن اخلاص القصد والنية لله كما قال بعضهم ... استغفر الله ~~ذنبا لست محصيه ... رب العباد اليه الوجه والعلم ... # PageV02P305 # وقد استعمل هنا اربعة الفاظ اسلام الوجه واقامة الوجه كقوله تعالى ~~{وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} سورة الاعراف 29 وقوله تعالى {فأقم وجهك ~~للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها} سورة الروم 30 وتوجيه الوجه ~~كقول الخليل وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما انا من المشركين ~~سورة الانعام 79 # وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح في صلاته ~~وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما انا من المشركين سورة الانعام ~~79 # وكان يقول اذا اوى الى فراشه اللهم اسلمت نفسي اليك ووجهت وجهي اليك رواه ~~البراء بن عازب في الصحيح ايضا # PageV02P306 # فالوجه يتناول المتوجه بكسر الجيم والمتوجه بفتح الجيم اليه ويتناول ~~التوجه نفسه كما يقال أي وجه تريد أي أي جهة وناحية تقصد وذلك انهما ~~متلازمان فحيث توجه الانسان توجه وجهه ووجهه مستلزم لتوجهه وهذا في باطنه ~~وظاهره جميعا فهي اربعة امور والباطن هو الاصل والظاهر هو الكمال والشعار ~~فاذا توجه قلبه الى شيء تبعه وجهه الظاهر فإذا كان العبد قصده ومراده ~~وتوجهه الى الله فهذا صلاح ارادته وقصده فإذا كان مع ذلك محسنا فقد اجتمع ~~له # PageV02P307 # ان يكون عمله صالحا وان يكون لله تعالى # كما قال تعالى {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا} الكهف 110 # وهو قول عمر رضي الله عنه اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ~~ولا تجعل لأحد فيه شيئا # والعمل الصالح هو الاحسان وهو فعل الحسنات وهو ما امر الله به ms341 والذي امر ~~الله به هو الذي شرعه الله وهو الموافق لكتاب الله وسنة رسوله فقد اخبر ~~الله تعالى انه من اخلص قصده لله وكان محسنا في عمله فإنه مستحق للثواب ~~سالم من العقاب # ولهذا كان ائمة السلف رحمهم الله يجمعون هذين الاصلين كقول الفضيل بن ~~عياض في قوله تعالى {ليبلوكم} # PageV02P308 # {أيكم أحسن عملا} سورة الملك 2 قال اخلصه واصوبه فقيل له يا ابا على ما ~~اخلصه واصوبه فقال ان العمل اذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقل واذا كان ~~خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص ان يكون لله ~~والصواب ان يكون على السنة # وقد روى ابن شاهين واللالكائي عن سعيد بن جبير قال لا يقبل قول الا بعمل ~~ولا يقبل قول وعمل الا بنية ولا يقبل قول وعمل ونية الا بموافقة السنة ~~ورويا عن الحسن البصري مثله ولفظ ما روى عن الحسن لا يصلح مكان لا يقبل # ووهذا فيه رد على الذين يجعلون مجرد القول كافيا فأخبر أنه لا بد من قول ~~وعمل المرجئة اذا الايمان قول وعمل لا بد من هذين كما قد بسطناه في غير هذا ~~الموضع وبينا ان مجرد # PageV02P309 # تصديق القلب ونطق اللسان مع البغض لله وشرائعه والاستكبار على الله ~~وشرائعة لايكون ايمانا باتفاق المؤمنين حتى يقترن بالتصديق عمل صالح # واصل العمل عمل القلب وهو الحب والتعظيم المنافي للبغض والاستكبار ثم ~~قالوا لا يقل قول وعمل الا بنية وهذا ظاهر فإن القول والعمل اذا لم يكن ~~خالصا لله لم يقبله الله تعالى ثم قالوا لا يقبل قول وعمل ونية الا بموافقة ~~السنة وهي الشريعة وهي ما امر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن القول ~~والعمل والنية الذي لا يكون مسنونا مشروعا قد امر الله به يكون بدعة وكل ~~بدعة ضلالة ليس مما يحبه الله فلا يقبله الله ولا يصلح مثل اعمال المشركين ~~واهل الكتاب # ولفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي # PageV02P310 # الاعتقادات وان كان كثير ممن ms342 صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات ~~وهذا كقول ابن مسعود وابي بن كعب وابي الدرداء رضى الله عنهم اقتصاد في سنة ~~خير من اجتهاد في بدعة وامثال ذلك ### | فصل في الإكراه وما يتعلق به # ان الله سبحانه أمرنا بالمعروف وهو طاعته وطاعة رسوله وهو الصلاح ~~والحسنات والخير والبر ونهى عن المنكر وهو معصيته ومعصية رسوله وهو الفساد ~~والسيئات والشر والفجور وقيد الايجاب بالاستطاعة والوسع واباح مما حرم ما ~~يضطر المرء اليه غير باغ ولا عاد # PageV02P311 # فقال تعالى {اتقوا الله حق تقاته} سورة آل عمران 102 وقال {فاتقوا الله ~~ما استطعتم} سورة التغابن 16 # وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ذروني ما تركتكم ~~فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على انبيائهم فإذا نهيتكم ~~عن شيء فاجتنبوه واذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فأوجب مما امر به ~~ما يستطاع وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث اخر انكم لن ~~تحصوا او تستطيعوا كل ما امرتم به ولكن # وقال ان هذا الدين يسر ولن يشاد الدين احد الا غلبه فسددوا وقاربوا ~~واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا # PageV02P312 # وقال تعالى في صفة هذا النبي {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم} سورة الاعراف 157 # وهذا العام المجمل فصله فقال لما اوجب الصيام {ومن كان مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} سورة البقرة 185 # وقال لما ذكر التيمم {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~وليتم نعمته عليكم} سورة المائدة 6 # PageV02P313 # وقال {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج} سورة الحج 78 # وقال لما اوجب الجهاد {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا ~~يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} سورة التوبة 91 # وقال {لا ms343 يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} سورة النساء 95 # وقال في الهجرة {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الى قوله الا ~~المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ~~فأولئك عسى الله ان يعفوا عنهم وكان الله عفوا غفورا سورة النساء 98 99 # وقال تعالى في الانفاق يسألونك ماذا ينفقون قل العفو سورة البقرة 219 # وقال في العموم {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا} الاية سورة البقرة 286 # PageV02P314 # وثبت في الصحيح ان الله تعالى قال قد فعلت وان النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يقرأ بحرف منها الا اعطيه # وقال {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا ~~يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا} سورة الطلاق 7 # وقال {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها} سورة ~~الاعراف 42 # وقال {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} سورة ~~الانعام 152 # وقال وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث اذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا اتينا حكما وعلما سورة الانبياء 78 79 # وقال {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن} # PageV02P315 # {تقصروا من الصلاة} سورة النساء 101 # وقال في القرآن {فاقرؤوا ما تيسر منه} سورة المزمل 20 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال انزل القرآن على سبعة ~~احرف فأقرأوا ما تيسر منه # وقال في المحرمات {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم} سورة النحل 115 ~~وفي الاية الاخرى قل لا اجد فيما اوحى الى محرما على طاعم يطعمه الاان يكون ~~ميتة او دما مسفوحا او لحم خنزير فإنه رجس او فسقا اهل لغير الله به فمن ms344 ~~اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور # PageV02P316 # {رحيم} سورة الانعام 145 وهاتان في السورتين المكيتين الانعام والنحل # وقال في السورتين المدينيتن {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا} الى قوله {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله ~~غفور رحيم} سورة البقرة 172 173 # وفي الاية الاخرى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير ~~الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع الا ما ~~ذكيتم وما ذبح على النصب وان تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين ~~كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الاسلام دين فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله ~~غفور رحيم سورة المائدة 3 # فهذا في تحريم المطاعم قد رفع الاثم عمن اضطر غير باغ ولا عاد والباغي ~~والعادي قد قيل انهما صفة للشخص مطلقا فالباغي كالباغي على امام المسلمين ~~واهل العدل منهم # كما قال تعالى {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا} # PageV02P317 # التي تبغي حتى تفئ الى امر الله سورة الحجرات 9 # والعادي كالصائل قاطع الطريق الذي يريد النفس او المال وقيل انهما صفة ~~لغير المضطر فالباغي الذي يبغى المحرم مع قدرته على الحلال والعادي الذي ~~يتجاوز قدر الحاجة # كما قال فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم سورة المائدة 3 # وقال في المناكح ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات فمما ~~ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات سورة النساء 25 الى قوله {يريد الله ~~ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم} سورة ~~النساء 26 {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} النساء 28 # وقال ايضا في محظورات العبادات كالإحرام {ولا تحلقوا} # PageV02P318 # رءوسكم حتى يبلغ الهدى مجله فمن كان منكم مريضا او به اذى من رأسه ففديه ~~من صيام او صدقة او نسك فاذا امنتم فمن تمتع بالغمرة الى الحج فما استيسر ~~من الهدى سورة البقرة 196 ثم قال ms345 {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ~~فمن كان منكم مريضا} الاية سورة البقرة 196 # وفي الصلاة الخوف قال {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم ~~معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى} ~~الاية سورة النساء 102 # وقال في محظور الكلام بالكفر {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم ~~عذاب عظيم} سورة النحل 156 # وقال {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك ~~فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} سورة آل عمران 28 # وقال في محظور الفعال ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان اردن تحصنا ~~لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد اكراههن غفور رحيم ~~سورة النور 33 # فأباح سبحانه عند الاكراه ان ينطق الرجل بالكفر بلسانه اذا # PageV02P319 # كان قلبه مطمئنا بالإيمان بخلاف من شرح بالكفر صدرا وأباح للمؤمنين ان ~~يتقوا من الكافرين تقاة مع نهيه لهم عن موالاتهم وعن ابن عباس ان التقية ~~باللسان # ولهذا لم يكن عندنا نزاع في ان الاقوال لا يثبت حكمها في حق المكره بغير ~~حق فلا يصح كفر المكره بغير حق ولا ايمان المكره بغير حق كالذمي الموفى ~~بذمته كما قال تعالى فيه {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} سورة ~~البقرة 256 # بخلاف المكره بحق كالمقاتلين من اهل الحرب حتى يسلموا ان كان قتالهم الى ~~الاسلام او اعطاء الجزية ان كان القتال على احدهما كما قال تعالى {فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} الى قوله {فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} سورة التوبة 5 # وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا ~~اله الا الله وان محمدا رسول الله فاذا قالوها # PageV02P320 # عصموا منى دماءهم واموالهم الا بحقها وحسابهم على الله ولهذا لم صح بيع ~~المكره بغير حق وشراؤه وسائر ms346 عقوده المالية ولا نكاحه وطلاقه وسائر عقوده ~~البضعية ولا يمينه ونذره وسائر العقود التي اكره عليها بغير حق بخلاف ما ~~اكره عليه بحق كالدين اذا وجب عليه بيع ماله لوفاء دينه # وكما في الصحيح عن ابي هريرة قال بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~اذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انطلقوا الى يهود فخرجنا ~~معه حتى جئنا بيت المدارس فقام النبي صلى الله عليه وسلم فناداهم فقال يا ~~معشر يهود اسلموا يسلموا قالوا قد بلغت يا ابا القاسم فقال ذلك اريد ثم قال ~~الثانية فقالوا قد بلغت يا ابا القاسم ثم قال الثالثة فقال اعلموا انما ~~الارض لله ورسوله واني اريد ان اجليكم من هذه الارض فمن وجد منكم بماله ~~شيئا فليبعه والا فاعلموا ان الارض لله ورسوله # PageV02P321 # وكالمبايع للنبي صلى الله عليه وسلم ما امره الله ان يبايع عليه وعلى هذا ~~يخرج المكره على البيعة للأمير اذا كان مكرها هل هو مكره بحق او بغير حق ~~وهل هو مبايع على ما امره الله ان يبايع عليه او على غير ذلك وقد يتأول بعض ~~اهل الاهواء هذه الآيات على غير تأويلها كتأويل الرافضة انهم هم المؤمنون ~~وان سواهم كافرون فقد يستعملون معهم التقية ولهم في ذلك من الباطل ما ليس ~~هذا موضعه # PageV02P322 # واما الاكراه على الافعال المحرمة فهل يباح بالاكراه على قولين هما ~~روايتان عن احمد احداهما لا تباح الافعال المحرمة كأكل الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وشرب الخمر بالإكراه بخلاف الاقوال كما قال ابن عباس انما التقية ~~باللسان ولأن الافعال يثبت حكمها بدون القصد حتى من المجنون وغيره بخلاف ~~الاقوال فإنه يعتبر فيها المقصد # والثانية وهي اشهر انها تباح بالإكراه كما تباح المحرمات بالأضطرار فإن ~~المكره قد يخاف من القتل اعظم مما يخاف المضطر غير باغ ولا عاد ولأن المضطر ~~يتناوله الاضرار لفظا او معنى فإنه مضطر غير باغ ولا عاد # وقد دل على ذلك قوله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان اردن ms347 تحصنا ~~لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد اكرههن غفور رحيم ~~سورة الانور 33 # وهذا في الافعال المحرمة لحق الله فيها فأما قتل المعصوم فلا يباح ~~بالاكراه بلا نزاع لانه ليس له ان يحيى نفسه بموت ذلك المعصوم وليس ذلك ~~بأولى من العكس بل طلبه احياء نفسه # PageV02P323 # بالاعتداء على غيره ظلم محض واذا كان المضطر الى إطعام نفسه ليس لغيره ان ~~يأخذه منه عند الاضطرار فليس لأحد ان يقتل غيره ليحيى هو نفسه بل هذا ظلم ~~وعدوان وهو موجب للقود على المكره والمكره في مذهب احمد والمشهور من مذهب ~~الشافعي لاشتراكهما في الفعل هذا بالمباشرة المحرمة وهذا بالتسبب المفضى ~~الى الفعل غالبا وقيل انما يجب على المكره الظالم لأن المكره قد صار كالآلة ~~وهذا قول ابي حنيفة وقيل بالعكس وهو قول زيد وهو قول ردئ فإنه لحظ ظاهر ~~المباشرة او السبب وهذا في المكره الذي يفعل بإرادة اكراه عليها # ولهذا صح ان يقال في هذا المكره هو مريد مختار وصح ان يقال ليس بمختار ~~فان المختار من له اختيار وارادة وهذا المكره ارادته واختياره الذي هو فيه ~~ان لا يفعل ذلك الفعل الذي اكره عليه ولكن لما الجئ بما يوقع به من العذاب ~~الى احداث اختيار اخر وارادة اخرى يفعل بها ما اكره عليه صح اثبات الاختيار ~~والارادة له باعتبار ما احدثه الاكراه فيه وصح نفي ذلك باعتبار انه من # PageV02P324 # نفسه ليس له اختيار ولا ارادة بل ارادته واختياره في نفي ذلك الفعل # وحقيقة الأمر ان له ارادتين الارادة الاصلية ان لا يفعل هذا بل هو كاره ~~له مبغض له نافر عنه ولا طريق له الى ذلك الا فعل ما اكره عليه فصارت فيه ~~ارادة ثانية تخالف الاولى لهذا السبب فهذا المكره وان كان عاقلا انما يفعل ~~بغير ارادته واختياره الاصلي فهو يفعل بإرادة اخرى واختيار اخر ويفعل ايضا ~~بقدرته ولهذا صح ان يرد على فعله الامر والنهى والاباحة فيقال يباح له ~~التكلم ويحرم عليه قتل المعصوم ms348 واما ان اكره الرجل على الزنا فإذا قال بعض ~~الفقهاء انه لا يكون مكرها اذ انه فاعل بقدرة واختيار لم يصح ذلك وكذلك ~~الجائع الفقير الذي سرق ليأكل لا اثم عليه وقد اضطر الى تلك الارادة ~~والاختيار لمخمصته فالضرر الذي لحقه ألجأه الى هذه الارادة والفعل # فأما المفعول به الفعل الذي هو محل غيره وآلة له مثل المرأة أو # PageV02P325 # الصبي الذي يشد ويربط ويفجر به ومثل الذي يوجر الخمر ويلذ بها من غير قصد ~~اصلا ولا فعل اصلا كما يلذ النائم الذي لا شعور له وكما يحقن المريض النائم ~~الذي لم يشعر بالحقنة فهذا لا فعل له اصلا بل هو محل لفعل غيره وآله له ~~واذا لم يكن منه فعل لم يقل انه فعل محرما ولا غير محرم بل غيره فعل فيه او ~~به محرما فالإثم حينئذ على ذلك الفاعل لكن ان صدر منه نوع تمكين بأن لا ~~يستفرغ وسعه في الامتناع او نوع ارادة بأن لا تكون ارادته جازمة في ~~الامتناع فذلك فيه نوع فعل # والارادة الجازمة هي التي يقترن بها القدرة فالمكره على شيء انما يمتنع ~~بمقدار ما يقدر عليه من الامتناع عما يفعل به فمتى كانت ارادة الانسان ~~جازمة في الامتناع فلا بد ان يفعل مقدوره ومتى فعل مقدوره كان بمنزلة ~~الممتنع الكامل الامتناع الذي لم يفعل به شيء فإن الارادة الجازمة المقترن ~~بها كمال القدرة يجري صاحبها مجرى الفاعل التام في الثواب والعقاب # PageV02P326 # فالمستكره على الزنا به من امرأة او صبي يكون استكراهه اما بالكراهة حتى ~~لا يريد التمكين وهو القاسم الاول واما بأن يفعل به مع كمال امتناعه وهو ~~كمال ارادته في الامتناع بحيث يفعل مقدوره في الامتناع ولو لم يمتنع حتى ~~فعل به كان مطاوعا وكان زانيا وان لم يطلب ذلك لان الله اوجب عليه كمال ~~النفور عن ذلك والغيرة منه والبغض له بحيث يقرن بذلك كمال الامتناع فإذا لم ~~يوجد منه هذا النفور وهذا الامتناع كان مطاوعا فان دفع الصائل على الحرمة ~~واجب ms349 بلا نزاع # واما دفع الصائل على النفس الذي يريد قتل المعصوم بغير حق اذا لم يكن ~~القتال في فتنة فهل يجب دفعه فيه قولان هما روايتان عن احمد ان الممكن ليس ~~بفاعل بل ولو اراد مريد قتله وجب عليه ذلك كما يجب عليه الاكل من الميتة ~~عند المخمصة فكما يحرم عليه قتل نفسه يجب عليه فعل ما لا تبقى النفس الا به ~~من طعام وشراب ودفع ضرر بلباس ونحو ذلك فإذا امكنه الهرب ونحوه وجب عليه ~~ذلك # واما اذا كان دفع الصائل عن نفسه يحتاج الى قتال الصائل فهنا فيه محذور ~~اخر وان كان جائزا وهو قتل الاخر فلهذا خرج الخلاف في وجوب دفعه عن نفسه # PageV02P327 # وأصل هذا أن الذى لم يرد الفعل المحرم به عليه ان يبغضه بغضا تاما يقترن ~~به فعل المقدور من الدفع فإذا لم يوجد ذلك فهو تارك لما وجب عليه من البغض ~~والدفع وهل يكون مريدا له فالمزني به من غير فعل ولا إرادة ولا كمال بغض ~~ودفع هل يقال إنه مريد زان وهل يقال] عن المقتول من غير فعل منه ولا إرادة ~~ولا كمال بغض ودفع [إنه مريد لقتل نفسه قاتل] أو [يقال بل ليس بمبغض ولا ~~ممتنع وهل انتفاء البغض والامتناع مستلزم للإرادة والفعل # وسبب الاشتباه ان الانسان قد يخلو عن ارادة الشيء وكراهته وحبه وبغضه كما ~~يخلو عن التصديق بالشيء والتكذيب له فكم من امور يحبها من وجه ويبغضها من ~~وجه # فالأقسام اربعة اما مراد واما مكروه واما مراد مكروه واما غير مراد ولا ~~مكروه ولكن اذا كان المقتضى لإرادة المقدور قائما فإنما يوجب وجود ارادته ~~وفعله الا لمانع وكذلك اذ كان المقتضى لبغض فعل المحرم به والامتناع من ذلك ~~قائما # PageV02P328 # فإذا لم يوجد البغض والامتناع فلا بد من معارض مانع وذلك هو المقتضى ~~للإرادة والتمكين فالإنسان قد لا يريد الشيء ولا يكرهه لعدم سبب الارادة ~~والكراهة فأما مع وجود المقتضى فلا بد من وجود مقتضاه الا لمانع فلهذا من ~~لم يبغض ms350 ولم يمتنع عن فعل المحرم به مع قدرته على الامتناع فأنه يكون مريدا ~~فاعلا ولهذا يقال انه مطاوع وان كان قد يجتمع في قلبه البغض لذلك والارادة ~~باعتبارين كما يجتمع في قلب المكره على الشيء ارادة فعل المكره عليه وكراهة ~~ذلك باعتبارين # فمن أوجر طعاما محرما يقدر على الامتناع منه فلم يفعل او فعل به فاحشة ~~يقدر على الامتناع منها فلم يفعل كانت معصيته بترك ما وجب عليه من الكراهة ~~والامتناع وبفعل ما نهى من الارادة والمطاوعة ولا يكون غير مريد ولا فاعل ~~الا اذا كان كارها تام الكراهة وذلك يوجب فعل المقدور عليه من الامتناع # فأما اذا كان كارها كراهة قاصرة فإن الارادة تصحب مثل هذه الكراهة وفي ~~مثل هذا يصحبها الفعل لا محالة لأن المقتضى لكمال الكراهة قائم وهو ما في ~~ذلك من الحرمة والعقوبة فإذا لم تحصل هذه الكراهة فإما لضعف المقتضى وهو ~~العلم في ذلك من الحرمة والعقوبة واما لوجود المانع وهو نوع من الارادة # PageV02P329 # عارض للبغض او سببه اما وجود لذة من الفعل واما رغبة في عوض واما رهبة ~~اوجبت ارادة المكره وحينئذ فيكون بمنزلة الفاعل لرغبة او رهبة لا يكون ~~بمنزلة عديم الفعل # ولهذا مضت الشريعة بأن المطاوعة زانية وكذلك المفعول به من الذكران كما ~~قال تعالى {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان ~~أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} سورة النور 3 # ولو ادعي مدع ان المفعول به اذا لم يوجد منه ارادة ولا حركة في الفعل لم ~~يكن فاعلا لم يقبل ذلك بل يقال لولا وجود ارادة توجب البغض المقتضى ~~للامتناع لم يكن فاعلا # وقد ذكر الفقهاء الملموس هل تنتقض طهارته كاللامس على قولين هما روايتان ~~عن احمد وكذلك الموطوءة في رمضان هل # PageV02P330 # تجب عليها كفارة اخرى على هذا يظهر الفرق في الاحكام بين الممكن من فعل ~~الفاحشة به والممكن من قبل نفسه # وفي الجملة فإن فعل الفاحشة حرام لا يباح بحال ولا يباح بما يقال انه ms351 ~~ضرورة بخلاف تمكين الانسان من قبل نفسه فإن جنس هذا يباح بل كما فعل عمار ~~والاول حال أكابر الصحابة # وقد اخرجا في الصحيحين عن خباب بن الارت قال شكونا الى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو متوسط بردة له في ظل الكعبة فقلنا يا رسول الا تستنصر ~~لنا الا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الارض فيجعل ~~فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما ~~دون عظمه من لحم وعصب فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الامر حتى ~~يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخاف الا الله والذئب على غنمه ولكنكم ~~قوم تعجلون # PageV02P331 # ومعلوم ان هذا انما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في معرض الثناء على ~~اولئك لصبرهم وثباتهم وليكون ذلك عزة للمؤمنين من هذه الامة # وقد دل على ذلك ايضا ما ذكره الله في قصة اصحاب الاخدود حيث قال {إن ~~الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} سورة البروج 10 الاية # وقد روى مسلم في صحيحه عن صهيب قصتهم مبسوطة فيها ان الراهب صبر حتى قتل ~~وان الغلام امر بقتل نفسه لما علم ان ذلك سبب لايمان الناس إذا رأوا تلك ~~الآية وأن الناس لما آمنو فتنهم الكفار حتى يرجعوا عن دينهم فلم يرجعوا حتى ~~ان المرأة التي ارادت ان ترجع انطق الله صبيها وقال اصبري يا اماه فإنك على ~~الحق # PageV02P332 # وقال الله تعالى {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ~~ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} الاية سورة ~~البقرة 217 # وقال تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا او لتعودن في ملتنا قال اولو كنا كارهين قد افترينا ~~على الله كذبا ان عدنا في ملتكم بعد اذ نجانا الله منها وما يكون لنا ان ~~نعود فيها الا ان يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ~~ربنا ms352 افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين سورة الاعراف 88 89 # وقال تعالى {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن ~~خاف مقامي وخاف وعيد} سورة ابراهيم 13 14 # وقال {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب} سورة غافر 5 # وقال {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض} # PageV02P333 # {لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} سورة الاعراف 128 # وقال {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ~~ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين} سورة الانعام 34 # وقال {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ~~ويمكر الله والله خير الماكرين} سورة آل عمران 54 # وقال {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله ألا إن نصر الله قريب} سورة البقرة 214 # وهكذا اخبار هذه الأمة من السلف والخلف كالممتحنين من السابقين الاولين ~~والتابعين لهم بإحسان مثل الذين انزل الله فيهم القرآن حيث قال {وما لكم لا ~~تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ~~ربنا} # PageV02P334 # {أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من ~~لدنك نصيرا} سورة النساء 75 # وفي الهجرة قال الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون ~~حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله ان يعفو عنهم سورة النساء 99 # وفي الصحيحين عن ابي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في ~~صلاته اللهم انج عياش بن ابي ربيعة وسلمه بن هشام اللهم انج الوليد بن ~~الوليد اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها ~~عليهم سنين كسني يوسف # وفي الصحيح ايضا في حديث الحديبية ms353 قصة ابي جندل بن سهيل بن عمرو لما جاء ~~يوسف في قيوده ورده النبي صلى الله عليه وسلم اليهم وقصة ابي بصير وغيرهما ~~من المستضعفين # PageV02P335 # وكذلك في الصحيح عن سعيد بن زيد انه قال لقد رأيتني وان عمر موثقي على ~~الاسلام ولو انقض احد مما عملتم بعثمان كان محقوقا ان ينقض # فهؤلاء كلهم اختاروا القيد والحبس على النطق بكلمة الكفر وقد اوذى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وابو بكر وعمر وغيرهما بأنواع من الاذى بالضرب وغيره ~~وصبروا على ذلك ولم ينطق احد منهم بكلمة كفر بل قد سعوا في قتل النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأنواع مما قدروا عليه من السعي وهو صابر لأمر الله كما ~~امره الله تعالى # PageV02P336 # وان كان النبي صلى الله عليه وسلم قد اخبر في اثناء الامر بان الله يعصمه ~~من الناس فلم يكن قد اخبر اولا بانه يعصم من انواع الاذى # واما السابقون فلم يخبروا بذلك وكذلك خبيب بن عدي الذي صلبه المشركون حين ~~اخرجوه من الحرم ولم يتكلم بكلمة الكفر وقصته في الصحيح لكن قد يقال ان هذا ~~لم يكن قصدهم منه ان يعود الى دينهم فإنه كان من الانصار وكانوا يقتلونه ~~بمن قتل منهم يوم بدر بخلاف اقاربهم وحلفائهم ومواليهم فإنهم كانوا يحبونهم ~~ويكرمونهم ولم يكونوا يريدون منهم الا الكفر بعد الايمان # وقد ذم الله في كتابه من يرتد ويفتتن ولو اكره وهذا هو الذي ذمه الله ~~بقوله {ولكن من شرح بالكفر صدرا} سورة النحل 106 وكذلك يذم من يترك الواجب ~~الظاهر ويفعل المحرم الظاهر عندما يصيبه من الاذى والفتن كما قال {ولا ~~يزالون يقاتلونكم} سور البقرة 217 الاية كما تقدم # PageV02P337 # وقال تعالى {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن ~~أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} ~~سورة الحج 11 # وقال آلم احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا ~~الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ms354 الكاذبين الاية الى قوله ~~{ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في ~~صدور العالمين} سورة العنكبوت 1 10 # وقال ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم الآية ~~سورة البقرة 214 # وقال {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين} سورة آل عمران 142 # وقال لما ذكر الردة التي استثنى منها المكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن ~~من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا ~~الحياة الدنيا على الاخرة وان الله لا يهدي القوم الكافرين سورة النحل 106 # PageV02P338 # ثم قال {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم} سورة النحل 110 نزلت في الذين فتنهم المشركون حتى ~~اصابوهم ثم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا وصبروا فأخبر الله انه غفر لهم ورحمهم ~~فعلم ان تلك الفتنة كانت من ذنوبهم وذلك اما لعدم الاكراه التام المبيح ~~للنطق بكلمة الكفر واما لعدم الطمأنينة بالإيمان فلا يستحق صاحبه الوعيد # وعلى من اكره على الخروج في العساكر الظالمة مثل ان يكره المستضعفون من ~~المؤمنين على الخروج مع الكافرين لقتال المؤمنين كما اخرج المشركون عام بدر ~~معهم طائفة من المستضعفين فهؤلاء اذا امكنهم ترك الخروج بالهجرة او بغيرها ~~والا فهم مفتونون وفيهم نزل قوله تعالى ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي ~~انفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا الم تكن ارض ~~الله واسعة فتهاجروا فيها سورة النساء # PageV02P339 ### | 97 - # لأنهم فعلوا المحرم مع القدرة على تركه # وقد روى البخاري في صحيحه عن ابي الاسود قال قطع على اهل المدينة بعث ~~فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة فأخبرته فنهاني اشد النهي ثم قال اخبرني ابن عباس ~~ان اناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms355 فيأتى السهم فيرمي به فيصيب احدهم فيقتله او يضربه ~~فيقتله فأنزل الله {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} سورة النساء 97 # واما اذا كانوا غير قادرين على الترك بحيث لو لم يخرجوا لقتلهم المشركون ~~ونحو ذلك فهؤلاء غير مأثومين في الاخرة لما روى ان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال يغزو هذا البيت جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الارض اذ خسف ~~بهم فقالت ام # PageV02P340 # سلمة ففيهم المكره يا رسول الله قال يحشرون على نياتهم # وفي الصحيح عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ستكون فتنة القاعد ~~فيها خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه فمن وجد ملجأ او معاذا فليعذ به ~~وفي رواية فإذا وقعت فمن كان له ابل فليلحق بإبله ومن كان له غنم فليلحق ~~بغنمه ومن كانت له ارض فليلحق بأرضه فقال رجل يا رسول الله أرأيت ان اكرهت ~~حتى ينطلق بي الى احد الصفين يضربني رجل بسيفه ويجئ سهم فيقتلني قال يبوء ~~بإثمه وإثمك ويكون من اصحاب النار # PageV02P341 # فقد امر صلى الله عليه وسلم بالهجرة الى حيث لا يقاتل وبإفساد السلاح ~~الذي يقاتل به في الفتنة واخبر ان المكره لا اثم عليه ولما كان القتال في ~~الفتنة كان قاتله قاتلا له بغير حق فباء بإثمه واثم صاحبه # واما المكره الذي يقاتل طائفة بحق كالذي يكون في صف الكفار والمرتدين ~~والمارقين من الاسلام فلا اثم على من قتله بل هو مثاب على الجهاد وان افضى ~~الى قتله # PageV02P342 # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس اما ظاهرك فكان علينا واما ~~سريرتك فإلى الله # وقد اخرجا في الصحيحين عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا ~~انزل الله بقوم عذابا اصاب العذاب من كان فيهم ثم يبعثون على نياتهم فهذا ~~ايضا دليل على ان المكره على تكثير سواد المقاتلين بغير حق وان اصابة عذاب ~~الدنيا فإنه يحشر في الاخرة على نياته # فهذا كله يدل على انه ليس كل مكره على فعل محرم ms356 يأثم به كأشهر الروايتين ~~وهو الذي عليه جمهور العلماء # ومن ذلك مقام المسلمين بين المشركين مستضعفين وقد دل القرآن على هذا وعلى ~~هذا # ومنه استئسار المسلم اذا اكرهه الكافر وقال ان لم تستأسر والا قتلتك فإن ~~دخوله في اسره محرم لولا الاكراه وقد فعل ذلك خبيب بن عدي وغيره وهم في ذلك ~~كالمستضعفين # PageV02P343 # وقد دل على ذلك نص القرآن بقوله تعالى {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن ~~أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن ~~غفور رحيم} سورة النور 33 فإذا كان هذا في الاكراه على البغاء فالاكراه على ~~شرب الخمر واكل الميتة دون ذلك فان الزنا من اكبر الكبائر بعد القتل كما دل ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك عندما سئل أي الذنب اعظم قال ان تجعل لله ~~ندا الحديث الى قوله ثم أي قال ان تزاني بحليلة جارك ثم قرأ {والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون} سروة الفرقان 68 # ومعلوم ان المكرهات من الاماء على البغاء كما كان ابن ابي وامثاله يكرهون ~~اماءهم على الاكتساب بالبغاء ليس هوان يفعل بها بلا فعل منها بل هو ان تكره ~~حتى تقصد ذلك وتفعله ولهذا سماه بغاء وذلك القسم ليس فيه بغاء ولهذا قال ~~{لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} سورة النور 33 وذلك انما يحصل في العادة لمن # PageV02P344 # تفعل لا بمن تربط حتى يفعل بها ولان ذلك هو العادة المعروفة التي تزل ~~القرآن عليها فهذه الاية في فعل الفاحشة وتلك الاية في الدخول تحت حكم ~~الكفار وكلاهما من الافعال # وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر قال كان عبد الله بن ابي ين سلول يقول ~~لجارية له اذهبي فابغينا شيئا قال فأنزل الله تعالى {ولا تكرهوا فتياتكم ~~على البغاء} الاية سورة النور 33 # وفي رواية ان جارية لعبد الله بن ابي يقال لها مسيكة واخرى يقال لها ~~اميمة كان يريدهما على الزنا فشكيا ذلك الى ms357 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله هذه الاية # وقد ذكر البخاري ما رواه الليث عن نافع ان صفية بنت ابي عبيد اخبرته ان ~~عبدا من رقيق الامارة وقع على وليدة من الخمس فاستكرهها حتى اقتضها فجلده ~~عمر الحد ونفاه # PageV02P345 # ولم يجلد الوليدة من اجل انه استكرهها وقال الزهري في الامة البكر ~~يفترعها الحر يقيم ذلك الحكم من الامة العذراء بقدر ثمنها ويجلد وليس في ~~الامة الثيب في قضاء الائمة غرم ولكن عليه الحد # وهذه مسألة المستكرهة على الزنا والامة المطاوعة والكلام في المهر ليس ~~هذا موضعه # وذكر ما في الصحيحين عن ابي هريرة قال قال رسول الله # PageV02P346 # صلى الله عليه وسلم هاجر ابراهيم بسارة دخل بها قرية فيها ملك من الملوك ~~او جبار من الجبابرة فأرسل اليه ان ارسل الى بها فأرسل بها فقام اليها ~~فقامت تتوضا وتصلي فقالت اللهم ان كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي الكافر ~~فغط حتى ركض برجله # ومن المعلوم ان الذين كانوا يكرهون الاماء لم يكن بوعيد القتل بل بالضرب ~~ونحوه فإذا اكرهت المرأة او الصبي على الفجور به بمثل ذلك {فإن الله من بعد ~~إكراههن غفور رحيم} سورة النور 33 ولهذا قيل في المطلقة ثلاثا اذا كتم ~~الزوج طلاقها ولم يكن # PageV02P347 # لها حجة انها تقيم عنده لأنها مكرهة على ذلك ولا يحل لها قتله # والمستكرهة على الزنا في وجوب المهر فلها ان تأخذ ما اعطاه من مهرها ومن ~~لم يوجب لها المهر فهل لها ان تأخذ ذلك اذا اعطته طوعا ام يكون من مهر ~~البغي وانما الاجود اذا لم يحل ذلك ان يأخذ ما يعطيه الفاجر ويصرفه في ~~مصالح المسلمين او يتركه او فأما اذا اخذ العوض لأجل المستقبل فهذا مطاوعة ~~اللهم الا اذا كان الاكراه مستمرا والمكره مستمر الكراهة لما يفعل به لا ~~يحمله الا مجرد الاكراه وهذا يدخل فيه من يقهر من المماليك واليتامى وغيرهم ~~على الفاحشة به # ومن اسره العدو من المسلمات فزنوا بهن فإن منهم من يكون ms358 كارها لذلك تام ~~الكراهة لا يفعل ذلك الا مكرها فهذا لا يستحق العقوبة ومنهم من تجتمع فيه ~~الرهبة والرغبة فيخاف في الامتناع من العذاب ويعطى على المطاوعة العوض # آخر الجزء الثاني والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلامه # ثم تكمل في النصف من شهر صفر سنة سبعة وعشر وسبعمائة PageV02P348 ms359